شرح فی ظلال نهج البلاغة محاولة لفهم جدید المجلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

فى ظِلالِ نَهجُ البَلاغَة

مُحاوَلَة لِفَهمٍ جدید

شَرح

العَلّامه الشّیخ محمّد جواد مغنية

الجزء الثاني

وَثّقَ أُصوله وحَقَّقه وعَلّق عليه

موسسه دارالکتاب الاسلامی

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحیم

جميع حقوق الطبع مسجله و محفوظه للناشر

الكتاب .... فى ظلال نهج البلاغة (ج2)

المؤلف ....العلامه محمد جواد مغنية (رحمة اللّه )

الناشر....دار الكتاب الاسلامي

الطبعه .... الاولى 1425هـ . ق / 2005 م

المطبعه ....مطبعة ستار

عدد النسخ ....(2000) نسخه

الترقيم الدولي للمجموعة 6 - 100 - 465 - 964

ISBN: 964 - 465 - 100 - 6

الترقيم الدولي (ج) (2) 2 - 102 - 465 - 964

ISBN: 964 - 465 - 102 - 2

فَهْرس الموضوعات

الْخُطْبَةُ - 56 -...15

كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ.. فِقْرَة 1 - 2: ....15

الْخُطْبَةُ - 57-...21

سُبُّوا وَلا تَتَبَرَّءُوا :...21

الْخُطْبَةُ - 58 -...27

أَ بَعْدَ الْإِيمَان وَالجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ؟ ...27

الْخُطْبَةُ - 59 - ...37

حَوْلَ الْخَوَارِج :...37

الْخُطْبَةُ - 60 و 61 ...39

طلب البَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ:...39

الْخُطْبَةُ - 62 -...45

الأجَلُ حَارِسٌ:...45

الْخُطْبَةُ - 63 -...49

الدُّنْيَا فِتْنَةٌ: ...49

الْخُطْبَةُ - 64 - ...53

الآجال، والأَعْمَال... فِقْرَة 1 - 2: ...53

عُمر الإِنْسَان حُجَّةٌ عَلَيْهِ. فِقْرَة 3 - 4: ...56

الْخُطْبَةُ - 65 -...59

الكمال المطلق... فِقْرَة 1 - 2 :...59

الْخُطْبَةُ - 66 -...67

عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ: ...67

الْخُطْبَةُ - 67 -...71

بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ: ...71

الْخُطْبَةُ - 68-...75

مِصْرٍ ومُحَمَّد بْنِ أَبِي بَكْرٍ: ...75

الْخُطْبَةُ - 69 -...79

أفسد نَفْسِي بِصَلاحَكُمْ :...79

الْخُطْبَةُ - 70 -...85

شكوى الإمام لِلنَّبي: ....85

الْخُطْبَةُ - 71 -...87

الْخُطْبَةُ - 72 -...91

أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآله ... فِقْرَة 1 - 2: ...91

الْخُطْبَةُ - 73 -...101

مروان بن الحكم: ...101

الْخُطْبَةُ - 74 - ...107

أُسْالِم مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ:...107

لِلمِنْبَرِ - عَليّ وَأَعْضاء السُّورَى ...108

الْخُطْبَةُ - 75 -...111

أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ: ...111

الْخُطْبَةُ - 76 -...115

كَابَرَ هَوَاهُ، وَكَذَّبَ مُنَاهُ: ...115

الْخُطْبَةُ - 77 و 78 - ...117

أللهُمَّ اغْفِرْ: ...117

الْخُطْبَةُ - 79 -...121

الْمُنَجِّمُ كَاذِبٌ :...121

الْخُطْبَةُ - 80 -...127

نَوَاقِصُ الْعُقُول: ...127

لِلمِنْبَرِ - عَلِيٌّ وَالْمَرْأَة: ...127

الْخُطْبَةُ - 81 -...131

الْتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمِحَارِمِ: ...131

الْخُطْبَةُ - 82 -...133

الدُّنْيَا: ...123

الْخُطْبَةُ - 83 -...137

أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ، وَمُحَاسَبُونَ... فِقْرَة 1 - 2: ...137

ضَنك الْمَضْجَع، وَوَحْشَةِ المَرْجِعِ فِقْرَة 3 - 5:...142

وَجِلَ فَعَمِلَ ... فِقْرَة 6 - 8 :...147

القُلُوبُ قَاسِيَةٌ لأهِيَةٌ ...فِقْرَ 9-13:...153

هَل أَعْضَاء الإِنْسَانِ تَعْقِلُ؟ ...157

المجاز عَلَى الصِّرَاطِ ... فِقْرَة 14 - 16: ...162

لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ السِّرَاط : ...164

حَوْلَ الإِنْسَان... فِقْرَة 17 - 19 :...168

لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ الذَّاكرةُ والنُّطقُ والبَصَرُ: ...171

هَلْ مِنْ مَنَاصٍ فِقْرَة 20 - 21: ...176

الْخُطْبَةُ - 84 -...181

وَ شَرُّ الْقَوْلِ الكَذِبُ: ...181

الْخُطْبَةُ - 85 -...189

دَرَجَاتٌ مُتفاضلات: ...189

الْخُطْبَةُ - 86 -...195

لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثًا... فِقْرَة 1 - 2: ...195

الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ... فِقْرَة 3 - 4: ...202

الْخُطْبَةُ - 87 -...209

نَظَرَ فَأَبْصَرَ... فِقْرَة 1 - 2: ...209

يَصِفُ الحَقُّ وَيَعْمَلُ به.. فِقْرَة 3 - 6: ...212

كُلِّ مُجْتَهِد مُصِيبٍ: ...214

لا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْي... فِقْرَة 7 - 9 :...221

القیاس:...225

الْخُطْبَةُ - 88-...229

وَمَا وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ الْخُطْبَةُ - 89 -....235

الرَّسُول الأَعْظَم... فِقْرَة1 : ...235

أنَا مُسْمِعُكُمْ فِقْرَة 2: ...237

الْخُطْبَةُ -90-...241

إِلَهُ الْخَلْقِ، وَرَازِقُهُ... فِقْرَة 1: ...241

مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ... فِقْرَة 2: ...245

الْخُطْبَةُ - 91 -...249

حَوْلَ صِفَاتِه تَعَالَى... فِقْرَة 1 - 4: ...249

مَنْ هُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ؟ ...254

هُوَ الْقَادِرُ فِقْرَة 5-8 :...255

قَدَّرَ مَا خَلَقَ فِقْرَة 9 - 12: ...260

خَلائِق مَعْصُومُون فِقْرَة 13 - 16: ...269

حَلاوَة الْمَعْرِفَة... فِقْرَة 17 - 20: ...276

الْأَرْض... فِقْرَة 21 - 23: ...282

عِلْمِ الطَّبِيعَة كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ:...286

السَّحَابُ تُحْيِي الْمَوَات...فِقْرَة 24 - 25: ...289

حَوْلَ آدَمَ... فِقْرَة 26 - 28: ...293

لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ الإِسْلام والْعَمَل: ...295

الْأَرْضِ، والإِنْسَان: ... 297

حَوْلَ عِلمَه تَعَالَى... فِقْرَة 29 - 31 :...300

كُلْفَةٌ، لا كلفة، ولا مَلالَةٌ ... فِقْرَة 32 - 33: ...303

الْخُطْبَةُ - 92 -...307

التمِسُوا غَيْرِي: ...307

الْخُطْبَةُ - 93 - ...315

أَسْأَلُونِي.... فِقْرَة 1 - 2: ...315

فِتْنَةٌ بَنِي أُمَيَّةَ فِقْرَة 3 - 4: ...329

الْخُطْبَةُ - 94 -...335

قَامُوا بِدِينِ اللهِ... فِقْرَة 1 - 2: ...335

الْخُطْبَة - 95 -...345

حَوْلَ بِعْثَةُ النَّبِيِّ 9: ...345

الْخُطْبَةُ - 96 -...347

أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً :...347

الْخُطْبَةُ -97-...355

الْتُخَاذِل عَنْ الْحَقِّ، وَالإِسْرَاعِ إِلَى الْبَاطِلِ.. فِقْرَة 1 - 3: ...355

يَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ... فِقْرَة 4 - 6:...363

الْخُطْبَةُ - 98 -...369

بَنُو أُمَيَّةَ: ...369

الْخُطْبَةُ - 99 -...373

كُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ فِقْرَة 1 - 3: ...373

الْخُطْبَةُ -100-...379

رَايَةُ الْحَقِّ فِقْرَة 1 - 2: ...379

الْخُطْبَةُ - 101 - ...387

كلهُ عَنِ النَّبِي .. فِقْرَة 1 - 2: ...387

الْخُطْبَةُ -102 - ...393

نِقَاشِ الْحِسَابِ، وَ جَزَاءِ الْأَعْمَالِ: ...393

لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ رَايَة الْبَغْي: ...396

الْخُطْبَةُ-103-...399

كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ... فِقْرَة 1 - 3 :...399

قِيمَةُ الْعِلْم: ...402

الْخُطْبَةُ - 104 -...407

لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ: ...407

الْخُطْبَةُ - 105 -...411

لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ... فِقْرَة 1 - 2: ...411

وَظِيفَةُ الْإِمَام.. فِقْرَة 3 - 4: ...416

الْخُطْبَةُ - 106 - ...421

الإسلام .. فِقْرَة 1-2: ...421

شريعة الإسلام :...422

وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ فِقْرَة 3...426

مُحَمَّدُ، وَعَلِيٌّ: ...427

لا يَغْضَبُونَ الله... فِقْرَة 4 - 5: ...429

الْخُطْبَةُ - 107 -...433

يَوْمٌ مِن أَيَّامٍ صِفِّين: ...433

الْخُطْبَةُ - 108 -...437

أشباح بلا أَرْوَاحفِقْرَة 1 - 3 :...437

لِلمِنْبَرِ - أَينَ مَنْ يَخْلقَ مِنْ لَا شَيء؟ ...439

وَغَارَ الصِّدْقُ، وَفَاضَ الْكَذِبُ... فِقْرَة 4 - 6: ...444

الْخُطْبَةُ - 109 - ...451

عَظَمَة الله تَعَالَى.. فِقْرَة 1 - 2: ...451

سُبْحَانَكَ خَالِقاً، وَ مَعْبُودا!.. فِقْرَة 3 - 5: ...455

لا إِقَالَةَ، وَ لا رَجْعَةً... فِقْرَة 6 - 8 :...460

مِن أَوْصَاف الْقِيَامَة... فِقْرَة 9 - 11: ...463

لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ الْقِيَامَة : ...465

لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ أَهْل المَعْصِيَة: ...468

اللهُ الْمُؤلّف، وعَليّ المخْرِج:...473

الْخُطْبَةُ - 110 -...475

فَرَائِضُ الْإِسْلام... فِقْرَة1 :... 475

ذكر الله، والْقُرْآن فِقْرَة 2:... 481

الْخُطْبَةُ - 111 - ...485

غَرَّارَةُ ضَرَّارَةٌ فِقْرَة 1 - 3 :...485

بِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا... فِقْرَة 4 - 6 :...491

الْخُطْبَةُ - 112 -...497

حَقِيقَة الْمَوْت: ...497

الْخُطْبَةُ - 113 -...501

العُمُرُ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ... فِقْرَة1 : ...501

أَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ... فِقْرَة 2 - 3: ...503

الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَة ...505

الْخُطْبَةُ - 114 - ...511

إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغَيْبِ... فِقْرَة 1 - 3: ...511

كُمْ مِنْ مَزِيدٍ خَاسِرٍ... فِقْرَة 4 - 5: ...518

لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ الدِّين، والْحَيَاة: ...521

الْخُطْبَةُ - 115 -...527

أَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ... فِقْرَة 1 - 2: ...527

إلى اللهِ المَفْزَع: ...528

أنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ... فِقْرَة 3: ...530

صَلاة الاِسْتَسْقَاء: ...532

صَلاة الْأَعْرَابِي: ...534

الْخُطْبَةُ - 116 -...535

نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ: ...535

الْخُطْبَةُ - 117 - ...541

ابذلوا مَالَ الله عَلَى عِبَادِهِ: ...541

مُعْظَمِ النُّعْمَاءِ وَبَعْضِ الْعُلَمَاء: ...541

الْخُطْبَةُ - 118 -...543

أَنْتُمُ الْأَنْصَار :...543

الْخُطْبَةُ - 119 - ...545

أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ؟.. فِقْرَة 1 - 2: ...545

الْخُطْبَةُ - 120 -...553

شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةُ: ...553

الْخُطْبَةُ - 121 -...557

هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ... فِقْرَة 1: ...667

أقْبَلُوا النَّصِيحَةَ.. فِقْرَة 2 - 3 :...560

فَهْرَس الْمُوضُوعات ...5

الخطبه -56-

كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ.. فِقْرَة 1 - 2:

وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، نَقْتُلُ آبَاءَنَا ، وَأَبْنَاءَنَا ، وَإِخْوَانَنَا ، وَ أَعْمَامَنَا : مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلا إِيمَاناً ، وَتَسْلِيماً ، وَ مُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ ، وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الأَلَمِ وَ جِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا ، وَالْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا : أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا ، وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ ، حَتَّى أَسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ، وَ مُتَبَيِّناً أَوْطَانَهُ . وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّين عَمُودُ ، وَ لا أَخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ. وَأَيْمُ اللهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً ، وَ لَتُتْبِعَنْهَا نَدَماً !

اللُّغَة:

اللَّقَم - بِتَشديد اللّام ، وَفَتح القَاف - الطَّرِيقِ الْوَاضِح . ومَضَضِ الأَلَم : حرقَته ، يَتَصَاوَلانِ : يَحمل كلّ عَلَى صَاحبه . ويَتَخَالَسَانِ : يَنتهبان أي كلّ مِنْهُما يُريد أن

يَنتَهب نَفس الآخر. والكَبْتُ : الإذلال . وجِرَانَ البَعِير : مَنحرَه ، أو مُقَدَّم عُنقه . وَتَبَوَّاْ الأَوْطَانَ: سَكَنها .

الْإِعْرَاب :

إيماناً تَميِيز ، ومِنَّا مُتَعَلِّق بمَحْذُوف حالاً مِن الرَّجُل ، ومِنْ عَدُوِّنَا حَال مِن الآخر ، وجملة يَتَصَاوَلَان خَبَر كَانَ، وَأَيُّهُما يَسْقِی مُبْتَدَاً ، وخَبرَ ، ومُلْقِياً حال ، وجِرَانَهُ مَفْعُول لـ«الملقياً»، وجملة نَأْتِي خَبَر كُنَّا ، ومَا قَامَ جواب لَوْ، وَايْمُ اللّهِ مُبْتَدَاً . والخبر مَحْذُوف وجُوباً أي قسمى وَدَمَاً تمييز، ومِثْله نَدَماً .

الْمَعْنى:

(وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، نَقْتُلُ آبَاءَنَا ، وَأَبْنَاءَنَا ، وَإِخْوَانَنَا ، وَأَعْمَامَنَا ) . إنّ في الإِنْسَان العديد من الْقِوَى ، والْغَرَائِز ، ومِن أهمهَا غَرِيزة الغَضب ، والثَّورة ... وتوجد في الصَّغِير ، والكَبِير ، وفي العالم، والجاهل ، بل وفِي الحَيَوَان . وتَختَلِف ثَورَة الإنسان بحسب دوافعها، وأهدافها ، فَقَد يَكُون قوياً ، أو ضَعِيفاً ، وَقَد لا يظهر لهُ أي أَثر خَوْفاً مِن تَحذُور أَشَد وأخطَر ... وأيضاً قَد يَكُون الدَّافِع خاصاً كمَن يثور ، وَيَعْضَب لرَغيفه، أو عِرضه ، وقد يَكُون عَامَاً كالثَّورَة ضِدّ سُلطة مُستَبِدة ، أو نظام جائر ، أو دين أو مبدأ بَاطِل ، وقد دَلت التَّجارِب أنّ الثّورة من أجل الصّالح العام يَسْتَحِيل أنْ تَأتي بخير إِذَا كَانَتْ مُشتتة ، مُفتنة ، أو كَانَ قَائدها جاهلاً، أمَّا إِذَا كَانَ خَائناً ؛ فَإِنَّهَا تَأتي بعكس الهَدف.

وقد أستطاع رَسُول الله أنْ يَتجه برُوح الثّورَةِ فِي كُلِّ فَرد من أَصْحَابِهِ ، وأتباعه

نحو هَدف وَاحد ، وهو تَغيير المُجتَمع من جذُوره، وأسَاسه في عَقِيدَته، وعَادَاته ، استطاع هَذَا بعد أن أقنع أصْحَابه بالحجّة الظَّاهِرة ، والدَّلِيل القاطع أنّه يتَكَلَّم بلِسان اللّه لا بلِسَانه ، وَبوَحى من السَّماء لا من الأَرْض، (وَمَن يَشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )(1)... وَلا عُذر له بحال عند اللّه ، وَلا عِند الْمُسْلِمِين ، إذ لا إجتهاد في مورد النّص ، وَلاَ فِي تَفْسِيره مَا دَام المفسر الأصيل مَوجُوداً .

وَهَذَا هو الفرق بَيْنَ الرَّسُول ، والْإِمَام عِند مَن لا يُؤْمِن بِعصمته ... وبِهَذَا نَجد التَّفْسِير الصّحِيح للفرق بَيْنَ مَن قَاتل مع الرَّسُول ، ومن قاتل مع الإِمَام ... فلقد كَانَ أمر الرَّسُول بقتل الآباء ، وَالأَبْنَاء، وَالإخوة ، وَالأَعْمَام على الشرك أمراً من الله ، ومَن خَالفه فقد مَرق من الدين في عَقِيدَة المُسْلِمِين ، ولَيْسَ الأَمْر كَذَلِكَ بالنِّسْبَة إِلَى الْإِمَام عند كثيرين، بل ثار عَلَيْهِ ، وحاربه النَّاكِتُون ، والْقَاسِطُون، والْمَارِقُون مُتذرعين بالإسلام واسم الإسلام .

(مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً ، وَتَسْلِيماً ) . ذَلِكَ إِشَارَةِ إِلَى قَتل الْآبَاءِ ، وَالْأَبْنَاء ، بأمر الرَّسُول الأعظم(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، والمعنى أنّهم كَانُوا يُباشرون هَذَا الْقَتْل، وهم على يقين من دينهم، وراحة من ضَمِيرهم (وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَم) . أي على طريق الحَقِّ الْوَاضِح دُونَ أَنْ تَعترضهم أية شُبهة (وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأُلَمِ). ومِثْله قَوْل النَّبِيِّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) حِينَ مَات وَلده إِبْرَاهِيم: «تَدمعُ الْعَيْن ، وَيَحزِنُ الْقَلْب فَلا نقول ما يُسخط الرّب ؛ ولَوْلاً أَنَّهُ قول صادق ، ووعد جامع ، وسَبِيل نأتيه ، وأنّ آخرنا سيُتبعُ أوّلنا ؛ لوجدنا


1) الْأَنفَالِ : 13.

عَلَيْكَ أشدّ من وجدّنا بك ، وإِنَّا عَلَيْكَ يا إِبْرَاهِيم لَمحزُونُونَ »(1). (وَ جِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُو ) . أي عَدُوّ الله ، والحَقّ دُونَ وهن ، وتعليل، وبعدم الصبر على قتل الآباء ، وَالأَبْنَاء.

(وَ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا ، وَالآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَان تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْن يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا : أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا ، وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا ) . هَذَا تَصوير لطبيعة الحزب، وإنَّها تَنتهب رُوح أحد المُتقاتلَين ، أو روحيها معاً ، وإنَّ الْغَلَبَة لم تكن للمُسلم أبَداً ، ودائماً ، بل قَد ، وَقَد (فَلَمَّا رَأَى اللّه صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ ) . إِنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ يَجري المُسببات على أسبابها ، ويربط النتائج بمقدماتها ، فمن صدق مِنْهُ العَزم ، وعمل جاهداً مُخلصاً في عمله بلغ الغاية بتوفيق الله ، وعنايته : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءاتْاهُمْ تَقْوَاهُمْ )(2)وَمَن رَاءى ، وتكاسل فماله الخسران، والخُذلان: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ) (3).

(حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ ، وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ ) . بالصِّدْقِ ، والإخلاص وبالتَّضحية والفداء تَوطدت أَركان الإسلام وانتَشر في شَرق الأرض


1) أنظر ، صحيح البخاري : 2 / 84 و 85 ، كنز العمال : ح 40479 ، السنن الكبرى للبيهقي : 69/4 ، الذكرى: 70 ، دَعَانِم الإسلام : 224/1 ، بدائع الصنائع : 310/1، المغني: 411/2 ، المحلى : 146/5، مسند أحمد: 194/3 ، صحیح مُسلم : 76/7 ، سنن ابن ماجه ،507/1 ، سنن أبي داود: 64/2، مسند أبي يعلى: 43/6 ، الصنّف : 267/3 ، الإحكام الإمام يحين الهادي : 150. الكافي: 262/3 ، ذَخَائِرِ الْعُقْى:224/1.

2) محمد : 17

3) البقرة : 10 .

وغَرْبِهَا ، وأظهره الله على الدين كله ، لا بالكلام ، والمزايدات ، والتظاهر بالشعائر ، والعبادات (وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ ) من التَّكاسل، والتَّخاذل ، (مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودُ ، وَلا أَخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ ) . أَبَداً ... لَنْ تَقوم للدين قائمة ، وَلَا لِلْحَقِّ وَالْعَدْل إلا بجهاد البَاطِل ، والضَّلال، وتقويض أركانه من الأساس، وَلا يَكُون هَذَا إِلَّا بأجتماع الكَلِمَة ، ولَنْ تَجْتَمِع الكَلِمَة إلّا بوحدة الْقِيَادَة ، وصلاحها ... سُئل الإمام الصادق(علیه السلام) : تَكُون الأَرْضِ لَيْسَ فيها إِمَام ؟ قَالَ : لا ، قلت : يَكُون إِمَامان ؟ - أي في وقت واحد - قَالَ : لا ، إلا وأحدَهُما صَامت» (1). وَقَالَ عَارف كبير مُعلقاً على هَذَا الجَوَاب : لو تعددت الرؤساء لأدى ذَلِكَ إِلَى مُخاصمات يختل مَعَهَا النّظام:( لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) (2)(وَأَيْمُ الله لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً ، وَلَتُتبِعَنْهَا نَدَماً !) . إِنّ هَذَا التَّفْرِيط ، والتَّقْصِير سوف ينتهي بكم إِلَى الأسف ، والنّدم حيث تُنتهك مِنْكُم الحرمات ، وتُستباح مِنْكُم الدِّمَاء والأعراض ... وقد حدث كلّ ما أُخبر بهِ الْإِمَام (علیه السلام).


1) أنظر ، الكافي 1 : 187 ، بَاب الأَرْض لا تخلو من حجّة، إختيار مَعْرِفَة الرَّجَال : 253، ط مشهد الْإِرْشَاد للشيخ المفيد : 318، ط 3 الأعلمي - بيروت - الأصول من الكافي 1: 320 .

2) الْأَنْبِيَاء : 22 .

الحکمة-57-

سُبُّوا وَلا تَتَبَرَّءُوا :

أَمَّا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُوم، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ ، يَأْكُلُ ما يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لا يَجِدُ ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ أَلَا وَ إِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي ، وَ الْبَرَاءَةِ مِنِّي . فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي ، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةً ، وَلَكُمْ نَجَاةٌ ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنِّي ، فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَ سَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ ، وَ الْهِجْرَةِ .

اللُّغَة:

ظَهَرَ لهُ : تَبَيَّنَ لهُ، وَظَهَرَ عَلَيْهِ : غَلَبَهُ ، وَتَفَوقَ عَلَيْهِ ، قَالَ تَعَالَى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ امَنُوا عَلَى عَدُوّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ(1). والرَّحْبُ : الْوَاسِع . والبُلْعُوم: مجرى الطّعام في الحلق والبطن مُذكر ، وبَطْنُ مُنْدَحِق : نَاتي ، وبَارز مِثْل مُنْدَلِق .)


1) الصف : 14 .

### الْمَعْنى:(أَمَّا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْمُلْعُومِ ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ ، يَأْكُلُ ما يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لا يَجِدُ. قَالَ بَعْض الشَّارِحِين : أختلفوا في الذي عناه الإِمَام (علیه السلام) بِهَذَا الْوَصْف : مَن هو ؟ فَمَن قَائِل : هو مُعَاوِيَة . وَقَالَ آخر : هُو زياد ابن أبيه . وَقَالَ ثالث : هو المغيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ . ورابع : أنه الحَجاج . والظَّاهِرِ أَنَّهُ مُعَاوِيَة بِدَلِيل قَول الإِمَام : «سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي ، وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي » . ولَيْسَ من شك أنّ مُعَاوِيَة هو الَّذِي سَنَّ هَذِهِ السُّنَّة السَّيِّئَة ... هَذَا، إلى أنّ الرواة قَالُوا : كَانَ بَطْن مُعَاوِيَة كَبِيراً ، وأنّه كَانَ يَأْكُل كَثِيراً ، وَإِذَا قَعد وضع بَطْنَه عَلى فَخذه ، وفي شرح أبن أبي الحَدِيد : «تَظاهَرت الأَخْبَار أنّ رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )دعا عَلَى مُعَاوِيَة، وَقَالَ: «أَللَّهُمَّ لا تشبع بَطْنَه »(1).)(فَاقْتُلُوهُ قَالَ الذهبي - وهُو مِن أَهْل السُّنَّة ، والمُتَعَصِّبِين -: «قَالَ رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ): «إِذَا رَأَيْتُم مُعَاوِيَة عَلَى مِنْبَرِي فَأَقْتلوه »(2). والمراد بمنبره هنا الْخِلافَة . وَقَالَ الْحَاكِم: إِنّ رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )قَالَ: «مَن سبّ عَلِيَّا فقد سَبْني ، ومَن)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 55/4 و : 355/1 طَبْعَة مِصْر العبر : 28/3 ، البداية والنهاية : 317/11. تذكرة الحفاظ : 69/22 ، سير أعلام النبلاء : 129/14، تهذيب الكمال: 338/1، تهذيب التهذيب : شرح مئة كلمة للبحراني : 238، مسند الطَّيَّالسي: 240/1 ح 2746 و 2688 ، صحيح مسلم : ح 2604 .

2) أنظر ، ميزان الاعتدال : 7/2 و 129 ، طبعة مضر سَنة 1325 ه- ، 129 ، طبعة مصر سنة 1325 هـ، وابن حجر في تهذيب التهذيب : 110/5 ، و : 324/7 ، و : 74/8 ، طبعة حيدر آباد سنة 1325 ه-. وفي لفظ ابن عُبينَة «فأرحموه». وكنوز الحقائق ،9 طبعة استانبول سنة 1285 هـ، وأبن سعد في الطَّبَقَات : 136/4 ق 1 . (مِنْهُ قدّس سرّه ) . ،

سَبّني فقد سَبّ الله ، ومَن سَبّ الله أكّبهُ الله عَلى وجههِ فِي الْنَّار »(1، ولَيْسَ من شَكٍّ أن مَن سَبّ رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يجب قتله ، وأن مُعَاوِيَة قَد سبّ عَلِيَّاً ، وجَعل سَبّه سُنة يشيب عَلَيْهَا الصَّغِير ، ويَهْرَم الْكَبِير على حد تعبير مُعَاوِيَة نَفْسه ، ومَعْنَى هَذَا أَنْ مُعَاوِيَة سنَّ سبَّ الرَّسُول بالذَّات .)(فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ . لأنّه قد أشتَرى دِينَكُم بِأَمْوَالِهِ . قَالَ لَه حُسين : «أنّ أشرف أَهْل الْعِرَاقِ كَانُوا يَتصلون بمُعَاوِيَة فِي أَيَّامٍ عَلي، يتلقون ماله ، ويُمهدون له أمره »(2).)(أَلَا وَ إِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي ، وَ الْبَرَاءَةِ مِنِّي . الظَّاهِرِ مِن هَذَا الكَلَامِ أَنَّ التَّقِيَة تَجوز فِي السَّب ، وَلاَ تَجوز في الْبَرَاءَة من الإِمَام لأنه ولد على الْفِطْرَة أي على دِين الله الَّذِي أنزَله على رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، والْبَرَاءَة مِنْهُ تَسْتَدعِي الْبَرَاءَة من هَذَا الدِّين القويم . وَقَد بالغ الرَّسُول وأَهْل بَيْتِهِ(علیهم السلام)في النهي عن البَرَاءَة من الإسلام، وأن مَن تَبرأ مِنْهُ)


1) انظر ، مُسْتَدرَك الصَّحِيحِين: 121/1 ، طَبْعَة حيدر آباد سنة 1324ه- . (مِنْهُ قدّس سرّه) . كفاية الطالب : 82 و 83 ، كشف الْيَقِين : 232 ، فرائد السمطين : 1 / 302 و 303 ح 241 لكن فيه مروج الذهب: 2 / 435 ، بحار الأنوار: 311/39 ، الغدير للأميني : 2 / 219 ، الصَّوَاعِقِ الحُرِئَة : 74 طَبْعَة الميمنية و : 121 المَحَمَّدية بتفاوت ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 66 ، المناقب للخوارزمي : 137 ح 154 .الْحَاكِم في المُسْتَدرَك : 121/1 ، مُسْنَد أحمد بن حنبل : 323/6. خَصَائِص النسائي : 24 ، كنر الْعُمَّال : 401/6 . ومشكاة المصابيح : 565 و 1722/3 6092 طَبْعَة أخرى، وتأريخ الخلفاء : 67. والرّياض النضرة : 166/2 بألفاظ متقاربة ، نور الأَبْصَار : 99 فَضَائِلِ الْخَمْسَة من الصحاح الستة : 223/2 ، أمالي الشيخ الصدوق : 60 و 52 و 53 المجلس الحادي عشر ح 2 ، الفَضائل لأحمد : 594/2 الزوائد : 9 / 130، مُنتَخَب كنز العمال بهامش مُسند أحمد: 30/5 ينابيع المودة : 4 / 152، و : 2 / 102 و 274 و 277 طبعة أسوة. الجامع الصغير : 608/2 ح 8736. مَوَدَّة القربي : 15 .

2) أنظر ، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبنوه للدكتور طه حسين : 181 . طَبْعَة سَنَة 1964م.

بأية صورَة لَم يَعد إِلَيْهِ بحال ... هَذَا فِي الْبَرَاءَة من الإِسْلام.أمَّا الْبَرَاءَة من الإمام أمير المُؤْمِنِين(علیه السلام فإنّ فيها روايات مُتعارضة : بَعْضَهَا فِي الجواز ، وبَعْضها الآخر في المنع ، وَإِذَا عَرضناها على كتاب الله ، وَرَجحنا الموافق مِنْهَا دُونَ المخالف كما في كثير من الأخبار - تعين ترجيح الرِّوَايَات الآذنة ، وطرح - الرِّوَايَات المانعة لقَوْله تَعَالَى: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )(1). وهَذِه الآية ظاهرة في أن مَن كَفر بلسانه مُكرهاً دُونَ قَلْبَه فَهُوَ مَعذُور ... وَقَالَ الشيخ الأَنْصَارِي : «أنّ بَعْض الأخْبَار فيها دلالة على تَرجیح أخبار الْبَرَاءَة. ثُم قَالَ : ويُمكن أنْ يَكُون المراد من الأَخْبَار فيها دَلالة على ترجيح أخبار الْبَرَاءَة . ثُم قَالَ : ويُمكن أنْ يَكُون المراد من الأَخْبَارِ النّاهِية - الْبَرَاءَة حَقِيقَة أي قلباً ، وَلِسَاناً ظاهراً وباطناً بحيث يرتد المبتديء عَن التَّشيع ، والوِلايَة إِلَى الْكُفْر ، والنّصب »(2).)ونَحْنُ مَع القَائِلِين بجواز النُّطق بالْبَرَاءَة، والتُّظاهر بها على شريطة الْخَوْف على النفس ، وأطمئنان القلب بالإيمان، ودليلنا أوَّلاً: عموم أدِلَّة نفي الضّرر . ثانياً : قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنٌّ بِالْإِيمَانِ (3. ثَالِثَاً : أَنّ هَلاك الموالي المُخلص وانقطاعه عَن مُناصرة الولاية ، والمُوالين فِيهِ ضَرر كبير ، وأَكْثَر بكثير من كَلِمَة لا تَضر ، ولا تمس عظمة الإِمَام(علیه السلام) مِن قَرِيب ، أو بَعِيد .)


1) النَّحْلِ : 106 .

2) أنظر ، رِسَالَة التَّقية للشيخ الأنصاري المطبوعة في آخر كتاب «المكاسب»: 320. (مِنْه قدّس سرّه ).

3) النحل : 106 .

وَتَسْأَل : لو أَصر الموالي على عدم الْبَرَاءَة ، وقُتل ، فهل يَكُون آثماً ؟ .### الجواب:كلّا، فقَد أَصر حِجر بن عَدِيّ، وميثَم التّمار ، واسْتُشْهِدَا، وهُما مِن صَفوة الصَّفوة ، وعَلَيْهِ يَكُون المُوالي معذوراً في الحَالين ، ولا يلزم بأَحدَهُما . وقد سُئل الإمام الباقر(علیه السلام عَن رَجُلين من الْكُوفَة أخذا ، وأُمرا بالْبَرَاءَة من أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين (علیه السلام)وإلّا قُتلا ، فبرأ أحدَهُما فسلم وأبى الآخر فقتل ؟ فَقَالَ الإِمَام(علیه السلام) : «أمّا الَّذي بَرأ فَرَجل فَقِيهِ فِي دِينه أي أخذ بقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) . وأمَّا الَّذِي لَم يَبرأ فَقد تعجل إلى الجنَّة»(1).)أمّا سبق الإِمَام إِلَى الهِجْرَة فإنّ النَّبِي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هاجر من مَكَّة مراراً يَطوف أحيَاء الْعَرَب دَاعِياً إِلَى الله ، وعليُّ معهُ دُونَ غَيْره في هجرته إِلَى بَنِي عَامر ، وكَانَ مَعَه فِي هجرته إلَى الطَّائف ... هَذَا، إِلَى مَبيته في الفراش فدَاءً للرَّسول ، وَتَنفيذه لوَصِيته (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) بتَأدية الأمَانَات إِلَى أهلها نيابة عن النَّبِيِّ - هِجرة وزِيَادَة ، وَمَنقبة تَفَرد بهَا وَحدَه.)


1) أنظر ، الكافي : 221/2 ح 21 ، التَّقية للشيخ الأنصاري : 39 ، وسائل الشّيعة : 226/16 ح 6 .

## الحکمة-58-### أَ بَعْدَ الْإِيمَان وَالجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ؟أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ ، وَ لا بَقِيَ مِنْكُمْ آثِرٌ . أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّهِ ، وَ جِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ (قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ )(1)! فَأُوبُوا شَرَّمَ آبٍ ، وَ ارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ . أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاًّ شَامِلاً ، وَسَيْفاً قَاطِعاً ، وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً .)### اللُّغَة:الحَاصِبُ : ريح شَدِيدة تحمل حَصى صَغيرة. والآبر : مَن يُصلح النّخل أوبُو أنقلبوا. وَأَثَرَةً - بفتح الثّاء ، والرَّاء الْإِسْتِبْدَاد .### الْمَعْنى:قَالَ الْخَوَارِج لِلْإِمَامِ (علیه السلام : إما أن تَشهد على نَفْسِكَ بالكُفر ، وتَتُوب ، وإمّا)


1) الأَنْعَام : 56.

قاتلنَاك (1)، فَقَالَ :( أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللهِ ، وَ جِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، أَشْهَدُ عَلَى اللهِ له نَفْسِي بِالْكُفْرِ). قَالَ ابن جَرِيرٍ الطَّبَرِيّ : «كَانَ أَوَّل ذَكَرٍ آمن برَسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )وصلّى معه ، وَصَدقه بِمَا جَاءه من عند الله علي بن أبي طالب ، وهُو يَوْمَئِذٍ ابن عَشر سنين ، وكَانَ مِمَّا أَنعم الله به على عليّ بن أبي طالب أنّه كَانَ فِي حِجر رَسُول الله قبل الإسلام»(2)

قَالَ ابْن حجر العسقلاني في الإِصَابَة : 501/2 : ولد علي قبل البعثة بعشر سنين، فربّي في حجر النبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولم يفارقه، وشهد معه من المشاهد إلا غَزْوة تبوك. وَقَالَ أبن أبي الحَدِيد في شرح النهج. :13 / 198 : والْقَرَابَة الْقَرِيبَة بَينه ، وبَيْنَ رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )دونَ غَيْره من الأعمام كونه رباه في حجره، ثم حامى عنه، ونصره عند أظهار الدَّعْوَة دُونَ غَيْره من بني هاشم، ثم ما كَانَ بَيْنَهما من المصاهرة التي أفضت إلى النسل الأطهر دُونَ غَيْره من الأصهار. وروى الطَّبَرِيّ في تأريخه: 57/2 : أنْ قُرَيْشَاً أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيالٍ كَثِير ، فَقَالَ رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) للعباس - وكَانَ من أيسر بَني هاشم -:)يا عبّاس: إن أخاك أبا طالب كَثِير العيال ، وقد ترى ما أَصَابَ النّاس من هذه الأزمة...ونقل العلامة المجلسي(رحمة الله ما روي عن أبي رافع من ثلاثة طرق أن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) حِينَ تزوّج خَدِيجَة قَالَ لعمه أبي طالب : إني أحبّ أن تدفع إلى بَعْض ولدك، يُعينني على أمري، ويكفيني، وأشكر لك بلاءك : عِنْدِي ، فَقَالَ أبو طالب خذ أيهم شنتَ، فأخذ عَلِيّاً(علیه السلام) ، فمن أستق عروقه من منبع النُّبُوَّة ، ورضعت شجرته نَدْي الرِّسَالَة، وتهدّلت أغصانه عن نبعة الإمامة، ونشأ في دار الوحي وربي في بَيْت التَّنزيل، ولم يفارق النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) في حال حياته إلى حال وفاته لا يقاس بسائر الناس. (البحار : 295/38) .)وهو(علیه السلامالقَائِلِ فِي خُطْبَة القاصعة : (وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ ، وَالْمُنْزِلَةِ الخصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ، وَأَنا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُني في فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُتِمُّني عَرْفَهُ، وَكَانَ يَعْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذَّبَةٌ فِي قَوْلٍ ، وَلا خَطْلَةٌ فِي فِعْلٍ، وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِياً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَ مُحَاسِنَ أَخْلاقِ العَالَم لَيْلَهُ ، وَنَهَارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَنَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَافِهِ عَلَا، وَيَأْمُرُنِي بِالْإِقْبَدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلا يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتُ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ. (أنظر الخُطْبَة رقم 234 من شرح النهج للسيد علي نقي فيض الإسلام: 802، والخطبة : 192 من خطب الشَّرِيفَ الرَّضِي ) . وَقَالَ العلّامة الكراجكي : وكان (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يلي أكثر تربيته (علیه السلام)ويراعيه في نومه ويقظته، ويحمله على صدره، وكتفه ، ويحبوه بألطافه، وتحفه، ويَقُول هَذَا ، أخي، وسيقي، وناصري، ووصتي كنز الفوائد: 225/1 ).

.)

1) أنظر، شرح النهج للعلامة الخوئي : 126/4 ، تذكرة الخواص: 95 . ولكن ذكر صاحب النَّهْج لابن أبي الحديد تحقيق مُحمَّد أبو الفضل : 233/2 و 238 و 240 أن أصل هَذَا الكلام قالته الحُرُورِيَّة لِلْإِمَامِ على ولَيْسَ لابن عبّاس يلفظ : يَا عَلى قَد كنا زللنا وأخطأنا حِينَ رَضِينا بالحكمين، وقد بان لنا أنا زللنا وأخطأنا فرجعنا إلى الله تَعَالَى وتبنا، فأرجع أنتَ يا علي كما رجعنا وتُب إلى الله كما تُبنا وإلا برَئنا مينك ... (وأنظر ، ينابيع المودة : 2/ 20 - 21 ، وَقْعَة صِفِّين : 517 ، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 168/1 ، الكَامِل لابن الأثير : 404/2 ) .

2) أنظر ، تأريخه : 75/2 طَبْعَة القاهرة سنة 1357 هـ. (مِنْهُ قدّس سرّه ) .أنظر ، الكامل في التاريخ لابْن الأَثير : 58/2 ، شرح النهج لابن أبي الحديد: 198/13. يَنَابِيع المودة : 302، كشف الغمة : 104/1 كنز الفوائد للكراجكي : 255 وأنظر مُسْتَدرَك الصَّحِيحِين : 576/3

وَقَالَ السّيوطى عند تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَاً إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا(1): أخرج الطبراني، والحَاكِم، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في سننه : أن أبن عباس قَالَ الخوارج : ماذا تنقمون مِن عليّ وهو أَوَّل مَن آمن برسول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ؟ فرجع مِنْهُم عشرون ألفاً ، وَبَقي أَرْبَعَة آلاف»(2).


1) النِّسَاء: 135.

2) أنظر ، تَفْسِير الدر المنثور طَبْعَة مِصْر سنة 1314 هـ (مِنْهُ قدّس سرّه) . المعجم الكبير: 257/10 مُسْتَدرك الحكاكم : 166/2، حلية الأَوْلِيَاء : 320/1. سُنن البَيْهَقِ الْكَبْرَى: 180/8 تاريخ الطَّبَرِي: 52/4 وما بعدها، الكَامِل لابن الأثير : 334/3 خَصَائِص أمير المؤمنين للنسائي: 150 -152ح185 ، دلائل النُّبُوَّة : 147/4 ، المناقب للخوارزمي : 192 ا ح 231 ، الكَامِل في التاريخ : 204/2 ، شر النهج لابن أبي الحديد : 232/2 ، و : 258/10 ، تأريخ دمشق : 463/42 ، الْأَحَادِيث المختارة : 224/2 و: 415/10، مجمع الزوائد : 236/6 و 241 ، مُسند أحمد: 86/1 ، مُسند أبي يعلى : 369/1، فتح الباري: 296/1 ، عون المعبود: 81/13، سُبل السلام : 260/3 ، طبقات ابن سعد : 32/3

وقُلنا في كتاب «فَلْسَفَة التَّوْحِيد والْوِلَايَة»: قَالَ مُحَمَّد حُسِين هيكل : «دَعا محمَّد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) أبن عمه عَلِيَّاً إِلَى عِبَادَة الله وحده لا شريك له ، وإِلَى دِينه الَّذي بعث بهِ نبيه ... فأستمهل على أبن عمه مُحَمَّداً حَتَّى يُشاور أباه ، ثُم قَضى ليله مُضطرباً حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ أعلَن لرسول الله ، وخَدِيجَة أنه يتبع دين مُحَمَّد مِن غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى رَأي طالب ، وَقَالَ عَلَيَّ : لقد خَلقني الله من غَيْر أَنْ يُشاور أبا طالب، فما حاجتي أنا إلَى مُشاورته لأعبد الله ؟» وبعد أن نطق هيكل بِهَذِهِ الْحَقِيقَة أَخذه عرق مِن تربيته وَقَالَ: «وَكَذَلِكَ كَانَ عليّ أَوَّل صَبِي أَسلم» (1)

ولكن لا أدري ماذا يقُول هيكل لو قرأ هذه الكتب، والأحاديث النَّبَوِيَّة الشَّرِيفَة الواردة عن كلا الفريقين تبين أنه أوّل من أسلم وآمن برسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )من الذكور بعد خديجة ؟ فقد روي الحديث في الكَامِل لابن عدي : 11829/5 ط بيروت في حديث طويل عن علي بن أبي رافع قال: أتيت أبا ذرّ أودعه . فَقَالَ : إنه ستكون فتنة، ولا أراكم إلا إنكم ستدركونها ، عَلَيْكُمْ بالشيخ علي بن أبي طالب (علیه السلام) فإنِّي سمعت رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )يَقُول : أَنْتَ أوّلُ من آمن بي ... ورواه العلّامة النقيب أبو جَعْفَر الإسكافي البغدادي في رِسَالَة النقض على العُمانية : 290 دار الكتب مصر .

ورواه أيضاً الجويني في فرائد السمطين : 39/1 عن أبي سخيلة قَالَ : قَالَ : رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )على أول من آمن بي. ورواه أيضاً الهيتمي فِي تَجمَع الزوائد : 105/9 عن أبي ذرّ وسلمان قالا : أخذ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) بيد علي فَقَالَ : إِنْ هَذَا أَوَّل من آمن بي ، وَقَالَ الهيتمي: رواه الطبراني والبزار .

ورواه أبن أبي الحديد في الشرح : 228/13 وأبْن حَجَر العسقلاني في لسان الميزان : 383/3 عن عبدالله بن عباس. ورواه أيضاً الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد الحنفي الموصلي الشهير بحسنويه في درّ بحرالمناقب : 99 مخطوط عن أبي ذرّ وسَلمان، والمقداد في حَدِيث طويل قَالُوا : إننا سمعنا من رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يَقُول : إنّ عَلِيَّاً مع الحق والحق معه ... فإِنه أَوَّل من آمن بي .

ورواه أيضاً الترمذي وأبو حَنِيفَة ، والْحَاكِم في المستدرك على الصَّحِيحِين : 136/3 والبيهقي. ، والطَّبَرِيّ في تأريخه : 420/3، وأبْن هشام وأبن الأثير، وأبْن كَثِير ، وأبن عبدالبر، وأبْن حَجَر العسقلاني في صواعقه : 72 والخطيب، وأبن سعد، وأبو نعيم، والزَّمَخْشَري، والسيوطي، والمناوي عن عدة كبيرة من الأصحاب . بل قال ابن حَجَر المكي : نقل بَعْضهم الاجتماع عَلَيْهِ. (أنظر الإِمَامَة في أهم الكتب الكلامية وعَقِيدَة الشيعة الإِمَامِيَّة للسيد علي الحسيني الميلاني : 269 منشورات الشَّرِيف الرَّضِي الطبعة الأولى (قم). ورواه أحمد بن حنبل في مُسْنَده : 373 ط الحجر ، و : 1 / 84ط الحلبي.

وفي كشف الْيَقِين في فَضَائِل أمير المؤمنين(علیه السلام) لابن المطهر الحلّي : 24 تحقيق حسين الدرگاهي قال(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : إنّ علي بن أبي طالب أوّل النّاس إيماناً. ومن كتاب المناقب لأبي المؤيد الخوارزمي : 17 عن سَلْمَان قَالَ : سمعت النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) يَقُول :... أولهم إسلاماً [إيماناً ] وهو علي بن أبي طالب. وفي كتاب مُسْنَد أحمد: 1/ 330 عن عَمْرُو بن ميمون قَالَ : إنّي لجالس إلى أبن عباس إذ أتاه تسعة رهط - إلى أن قَالَ الله - : وكَانَ أَوَّل من أسلم من الناس بعد خَدِيجَة. وفي كتاب المناقب لابن شهر آشوب: 9,4/2 قَالَ أستفاضت الرواية أنّ أوّل من أسلم علي ثم خَديجة. لكن يستفاد من بَعْض الرِّوَايَاتِ أَنْ أَوَّل من أسلمت هي خَدِيجَة ثم أسلم على كما ورد في أنساب الصَّحَابَة عن الطَّبَرِي وغَيْره، ويمكن حمل كَلام ابن شهر آشوب أنّ أَوَّل من أسلم من الرجال عليه وأَوَّل من أسلم من النِّسَاء خَدِيجَة رضي الله عَنْهَا.

و روی شهاب الدين ابن حجر العسقلاني في الإصابة بسنده عن ليلى الغفارية قالت: كنت أغزو مع النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فأداوي الجرحى وأقوم على المرضى، فلما خرج علي (علیه السلام) إلى الْبَصْرَةِ خرجت معه . فَلَمَّا رَأَيْت عَائِشَةَ أتيتها فقلت لها: هل سمعت من رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فضيلة في علي ؟ قالت : نعم، دخل عليه على رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وهو معي وعَلَيْهِ جرد قطيفة - إلى أن قال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : - فإِنَّه أول الناس إسلاماً . (وأنظر تاريخ الطَّبَرِي: 55/2) . وذكر الجويني في فرائد السمطين : 140/1 ح 103 عن أبي ذر ، وسَلْمان قالا : أخذ النَّبِي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )بيد علي(علیه السلام) فَقَالَ : إِنَّ هَذَا أَوَّل من آمن بي ... وفي تفسير ابن الحجام لقَوْله تَعَالَى: وَمَن يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأَوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم النِّسَاء : 69 في حَدِيث طويل قال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : إِنَّ الله قد أنزل بيان ما سألت فجعلك رفيقي، فإنك أول من أسلم. (أنظر كشف الغمة : 116/1).)وروى أبو زرعة دِمَشْقَ ، وأبو إِسْحَاقَ النّعلبي قالا : قَالَ أبو بَكْر : يا أسفي على ساعة تقدّمني فيها علي بن أبي طالب فلو سبقته لكان لي سابقة الإسلام وعن عُمر بن الخطاب أيضاً قَالَ: قَالَ رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يا علي أَنْتَ أَوَّل المُسْلِمِين إسلاماً ، وأَنْتَ أَوَّل المُؤْمِنِين إِيمَاناً. وذكر حَدِيث عُمَرَ أَبْن عساكر في تاريخ دمشق ترجمة الإمام علي : 401/331/1. وفي الينابيع للقندوزي : 60 عن أبن عباس قَالَ : أَوَّل من أسلم من النّاس بعد خَديجة علي بن أبي طالب. وفي الاستيعاب لابن عبدالبر المالكي يهامش الإصابة : 29/3 عن سُلْمَان قَالَ : أوّلها إسلاماً علي بن أبي طالب.)وفي تاريخ الطَّبَرِيّ : 57/55/2 عن ابن إِسْحَاقَ مِثْله، عن زيد بن أرقم قَالَ : أَوَّل من أسلّم مع رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم علي بن أبي طالب (علیه السلام). وفي تأريخ دمشق : 61/32/1 عن عُروة بن الزبير مثله، و: 68/36/1 عن قتادة عن الحسن البصري وغيره مِثْله عن الحسن البصري وغيره مثله ، و : 104/65/1 عن أبي مالك بن الحويرث مثله أيضاً، و: 129/80/1 عن عَمْرُو بن عبد الله بن يعلي بن مرة التَّقَنِي مِثله أيضاً، وفي الكامل لابن الأثير : 58/2 مِثْله أيضاً .)

وأنظر الكافي : 454/1 ، وأمالي الشيخ الصدوق : مجلس 5/37 ، وتذكرة الخواص: 103 ، وتأريخ الطَّبَرِيّ : 57/2 و 58، والمناقب لابن شهر آشوب : 11/2 ، ورسالة الإسكافِي لِلْحَاكِم النيسابوري : 22 ، ومروج الذهب للمسعودي : 437/2، والإرشاد للشيخ المفيد : 9 ب 1 فصل 1 ، العقد الفريد للعلامة الأندلسي المالكي : 3 في قصَّة أحتجاج المأمون على الفقهاء وهي مناظرة لطيفة في فضل عليه وبأنه أوّل من آمن بالله، وأنظرها في الإحقاق: 184/3 وما بعدها .

وفي شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 257/3 قالَ(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لفَاطِمَة (علیها السلام): زوجتك أقدم الأمة إسلاماً . وأخرج الخطيب في المتفق، والسيوطي في جمع الجوامع : 398/6 قَالَ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) لفَاطِمَة(علیها السلام) : زوجتك خير : أُمّتى أعلمهم علماً، وأفضلهم حلماً ، وأولهم سلماً .)وروى الخطيب في تاريخه : 233/4 عن علي(علیه السلام أنه قال : أنا أول من أسلم مع النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) . وروى أبن مزاحم في كتاب صفين : 100 و 133 أنه(علیه السلام) الكتب إلى مُعَاوِيَة وَقَالَ : كنَّا أَهْل الْبَيْت أَوَّل من آمن به. وصدق بما جاء به، وذكر أبن أبي الحديد : 101/2 خُطْبَة الإمام الحسن (علیه السلام) في مجلس مُعَاوِيَة قَالَ فيها : : وأنشدكم الله هل تعلمون أنّه أول الناس إيماناً ؟ وأنك - يا مُعَاوِيَة - وأباك من المؤلّفة قلوبهم. وأنظر رِسَالَة الإِسكافي، والحافظ الكنجي في الكفاية : 48 الغَدير : 276/2 ، صحيح الترمذي: 2 / 301 ، النّساني في خصائصه : 2 ، ابن سعد في طبقاته : 12/3 القسم 1 ، أسد الغابة : 017/4 كنز العمال : 400/6 مُسْنَد :أحمد : 368/4 و 371، تأريخ ابن جرير الطَّبَرِيّ : 57/2 عن مُحَمَّد بن المنكدر ، وربيعة بن أبي عبد الرحمان ، وأبي حازم المدني. وأنظر أيضاً المُسْتَدرَك في الصَّحِيحِين : 465/3 عن ابن عباس ، و : 136/3 عن سَلْمَان ، والخطيب في تأريخه: 2/ 18 ، والاستيعاب لابن عبد البر : 457/2 عن عَمْرُو مَوْلَىٰ عفرة ، و : 456 عن سلمان. وأبي ذرّ ،والمقداد، وجابر وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم ، وعن أبي رافع : 458 عن قتاده عن المسند، وذكره المناوي في كنوز الدقائق، مُسند أحمد بن حنبل : 26/5 عن معقل بن يسار . وراجع كنز العمال : 153/6 ، و : 392/6 و 395 عن عُمَرَ، يَجْمَع الزوائد : 101/9، و : 102 و 114 و 220، عن بريدة وعن مالك بن الحويرث ، مُسند الإمام أبي حَنِيفَة : 247 عن حبة ، والبغدادي في تأريخه : 4 / 233 ، الإصابة : 4 / 118 القسم 1 عن جابر ، 183/8 القسم 1 عن ليلى الغفارية. أسد الغابة : 17/4 عن الحارث ، و 250/5 ، الرياض النضرة : 182/2 عن أنس، الاستيعاب : 458/2 ، حلية الأولياء : 294/4.)وأنظر كَذَلِكَ في الدر المنثور للسيوطي في ذيل تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَجًا ثَلَثَةُ الْوَاقِعَة : 7 ، فيض القدير : 135/4 ، الصَّوَاعِق المحرقة : 72 ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 58 ، الرّياض النضرة : 158/2 ، التعلي في قصصه : 238 و 257 و 258 ، السيوطي في الدر المنثور في ذيل الآية (وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَبَالْقَرْيَة) یس: 13 ، تاریخ بغداد: 155/14 عن جابر، تهذيب التهذيب : 236/7، نور الأبصار للشبلنجي: 69.)أمّاحديث «أَوَّل من آمن بالنبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم » ، فانظر تاريخ الطبري لابن جرير : 75/2 عن إِسْحَاقَ أَوَّل: ذکر آمن برسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )وصلى معه وصدّقه بما جاء من وصدقه بما جاء من عند الله علي بن أبي طالب، السيوطي في الدر المنثور في ذيل تَفْسِير : فَابْعَثُراً حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا النِّسَاء: 35 وساق الحديث. الزوائد : 239/6، والسيوطي أيضاً في الدر المنثور في تَفْسِير سُورَة التَّوْبَة في ذيل أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ التَّوْبَة : 19. وأنظر أيضاً سُنن البيهق: 206/6 عن الحَسَن وغَيْره يَجْمَع الزوائد: 102/9 نقلاً عن الطبراني. خصائص النسائي : 3 عن عَمْرُو بن عباد بن عبد الله ، أسد الغابة : 19/4 عن أبي إِسْحَاقَ، الاستيعاب:759/2 في ترجمة ليلى الغفارية الرّياض النضرة : 157/2 عن أبي ذرّ ، و : 157/2 عن معاذة العدوية.)كنز العمال: 405/6، ميزان الاعتدال للذهبي: 417/1 ، الرياض النضرة : 198/2 عن معاذ بن جبل.وراجع حلية الأولياء لأبي نعيم : 66/1 ، الإصابة : 167/7 القسم 1 عن أبي ليلى الغفاري، فيض القدير : 358/4 عن أبي ذر ، وسلمان مطولاً. كنز العمال : 156/6 نقلاً عن الطبراني، و : 393/6 عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن عبد الله بن عباس قَالَ : سمعت عُمَرَ بن الخطاب يَقُول : كفّوا عن ذكر عليّ ، ذَخَائِرِ الْعُقْى: 58 و 83 بَاب فَضَائِل على 7 ، مَوَدَّة القربى : 22 ، كنز العمّال:32991/6/16وكَذَلِكَ أنظر الفِرْدَوْس للديلمي : 93/41/1 ، شرح نهج البلاغة : 173/9 و 174 الخُطْبَة 154 : و 300 ، المناقب للخوارزمي : 15/52 و 23/57 و 27/58 ، الفضائل الأحمد: 997/589/2 و 998 ، المُسْتَدرَك : 465/3 ، المناقب لابن المغازلي: 22/16 ، فرائد السمطين: 1/ 139 - 102/140 و 103، الإصابة لابْن حَجَر 171/4 و 402 ترجمة 974 و 994.

.

1) أنظر، حَيَاة مُحَمَّد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )مُحَمَّد حسين هيكل : 140 طَبْعَة سَنَة 1965م. (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

إِنَّ عَلِيَّاً سبق أبا بكر إلى الإسلام بأتفاق الكلّ ، وسبقه أبو بَكْر إلى الخِلافة، فَقَالَ مَن آمن بالله ، ورَسُوله : كَيْفَ تَقَدَّم أبو بَكْر على أَوَّل القَوْم إسلاماً ، وأقدمهم بالله إيماناً ، والله يَقُول : وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ أُولَبِكَ الْمُقَرَّبُونَ (1). وحار في الجواب مَن تَنكَر للحَقِّ ، وأهله، وأخيراً أسعفته القريحة ، فَلفٌ ، ودَار ، وتلاعب بالألفاظ وَقَالَ : أَوَّل مَن أسلم مِن النِّسَاء خَدِيجَة، ومن الصبيان علي، ومن الرِّجَال أبو بَكْر .)(فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ ، وَ اَرْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ . أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاً شَامِلاً ، وَسَيْفاً قَاطِعاً ، وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً . قَالَ أبن أبي الحَدِيد : وهذه الخطبة لهم - للخوارج ، وَهَذَا الدُّعَاء عَلَيْهِمْ ، وَهَذَا الإِخبار عن مُسْتَقْبَل)


1) الواقعة: 10 - 11 .

حالهم ، قد وقع ذَلِكَ ، فإِنَّ الله تَعَالَى سَلط على الخَوَارِج بَعد ذلِكَ الذُّل الشامل والسَّيْف القاطع ، والأثرة من السُّلْطَان ، وما زالت حالهم تضمحل ، حتى أفناهم الله تَعَالَى ، وأفنى جمهورهم ، ولقد كَانَ لهم من سَيْف المهلب بن أبي صفرة ، وبنيه الحتف القاضي، والموت الزَّؤام . وتَكَلَّمنا عن سياسة الإِمَام مَع الخَوَارِج (1.)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 132/4 ، وشرح الخطبة 40 فِقْرَة : موقف الإمام(علیه السلام) من الخَوَارِجَ مِنْهُ (قدّس سرّه) .

## الحکمة-59-### حَوْلَ الْخَوَارِج:مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ ، وَاللهِ لا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ ، وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ .### الْمَعْنى:الضَّمِير في مصارعهم يعود إلَى الخَوَارِج ، والمُراد بالنُّطْفَة النّهر . وجاء في كتاب عليّ وبَنُوه لطه حسين ولكن الأَنْباء تصل إِلَيْهِ بأنهم - الخَوَارِج - قد نَشروا الفَسَاد في الأَرْض، فَقَتَلُوا عبد الله بن خَبَّاب بن الأرت . وخَبَّاب من خيار الصَّحَابَة . وَقَتَلُوا نُسوة كُنَّ مَع عبد الله ، وجَعَلُوا يَستعرضون الناس ، ويُذيعون الذُّعر . فأرسل إِلَيْهِمْ عليّ رجلاً من أَصْحَابِهِ يسألهم عن هَذَا الفَسَاد ... وَقَتل النفس التي حرم الله بغير الحق . فلم يكد الرَّسُول يَدنو مِنْهُم حَتَّى قَتلوه . وجاء الخَبَرَ عَلِيَّاً ... وسمع لهم عليّ. فَسَار بِهِمْ إِلَى النَّهْرَوَان . حَتَّى إِذَا صَارِ بِإِزَاء الْخَوَارِجِ جعل يطلب قتلة عبد الله بن خَبَّاب ، ومن كَانَ معه ، وقَتَلَة رَسُوله إِلَيْهِمْ ، فَلا يُظفر

منهم إلا بجواب واحد هو : « كُلنا هَؤُلاء القَتَلَة» (1.)وجاء في «مروج الذّهب» : «إنّ الْإِمَام(علیه السلام وَقَف بنَفْسِهِ على الخَوَارِج ، وَقَالَ لَهُمْ: أرجعوا ، وتُوبوا ، فأبوا ورموا أَصْحَابِه. فقيل له : قد رَمونا ، قَالَ : كفوا . فكروا القَوْل عَلَيْهِ ثَلاثاً، وهو يأمرهم بالكف حَتَّى أتي برجل (من أَصْحَابِهِ) قَتِيل مُتشحط بدمه ، فَقَالَ : الله أكبر ، الآن حلَّ قتالهم أحملوا على الْقَوْمِ ) (2)(وَ الله لا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ ، وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ). قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «ما نَجا مِنْهُم - الخوارج - إلا تسعة ، تفرقوا في البلاد، وما قتل من أَصْحَاب أَمِير المُؤْمِنِين إلا ثمانية » (3).)وكلّ ما أُخبر به الإمام(علیه السلام من الْغَيْبِ فَهُوَ عَن رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )عَن جِبْرِيلَ عن الله ، وَإِلَىٰ هَذَا أَشارَ الْإِمَامِ بِقَوْله : «لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ ، وَإِنّما هُوَ تَعَلَّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ. عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : فَعَلَّمَنِيهِ ».(4))


1) أنظر ، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبَنُوه : 104، طَبْعَة سَنَة 1964م.

2) انظر ، مروج الذهب للمسعودي: 405/2 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 271/2

3) أنظر ، شرح نهج البلاغة مُحَمَّد عَبْدَه : 107/1 ، وقد تقدم إستخراج ذلِكَ مفصلاً .

4) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (128).

## الحکمة-60و61-### طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ:كَلّا وَ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلّابِينَلا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي ، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقِّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ .### اللُّغَة:الأصلاب : جمع صُلب - بضم الصَّاد - وهو عَظم في الظهر ذو فقار. والمراد بقَرَارَاتِ النِّسَاء أَرحامهن . ونَجمَ : طَلَعَ والْمُرَاد بالقَرْن هنا الرئيس .الْإِعْرَاب :كَلّا حرف ردع ، وزَجر ، وكلّ أسم مَوْضُوع لإستغرَاق ما بعده ، وكَمَنْ طَلَبَ .

الكاف بِمَعْنَى مِثل خَبَر لَيْسَ .### الْمَعْنى:قَالَ قَائِلَ لِلْإِمَامِ(علیه السلام بعد وَقْعَة النَّهْرَوَان : هَلَكَ الخَوَارِج بأجمعهم يا أَمِير الْمُؤْمِنِين ، فَقَالَ له :( كَلّا وَ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلابِ الرِّجَالِ ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ) . أي أنّ مَذْهَب الخَوَارِج سوف يجد أتباعاً ، وأنصاراً، وأنّ النِّسَاء سوف يلدن الكَثِير من أمتَالهم يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرَّمية (1)- على حدّ تعبير الحَدِيث الشَّرِيف - ومَع هَذَا يصومون ، ويُصلّون ، ويقرأون الْقُرْآن، ولكن لا تتجاوز كلماته تراقيهم (2)( كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ) . لا يخرج مِنْهُم ثَائر إلّا قتل ، أو)


1) أنظر ، كنز العمال: 208/11، وسبق وإن أشرنا إلَيْهِ مفصلاً .

2) أنظر ، صَحِيح البخاري : باب استتابة المرتدين وكتاب الأنبياء علامات النُّبُوَّةَ فِي الإِسْلام - وبَاب من رايا بقراءة القرآن أو تأكل به - وباب قتال الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عَلَيْهِمْ ، وصَحِيح مُسلم : 393/11 ، البحار كشف الغمة : 264/1 ، وصَحِيح مُسْلِم أيضاً كتاب الزَّكَاة : 741/2 بَاب 47 وفيه يقرأون الْقُرْآن لا يتجاوز تراقيهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لأن أدركتهم لاقتلنهم قتل عاد وفي : 394 و 396 من نفس الْمَصْدَر جاء فيه : لئن أدركتهم لا قتلنهم قتل نمود ومثله في 742 ، وفي كنز العمّال : 308/11 مِثْله . وفي صحيح مسلم : 746/2 باب 48 ، وكنز العمال: 204/11 و 206 : إنهم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام ، يَقُولُون من خير قَوْل البرية يقرأون القُرْآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فأقتلوهم. فإنّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يَوْم الْقِيَامَة. وجاء في صَحِيح مُسلم : 398/18 ، و : 2 / 750 ، وكنز العمال: 205/11 و 207 : إن بعدي من أمتي ... قَوْم : 2/ يقرأون القرآن لا يتجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودُونَ فِيهِ، هم شر الخلق والخليقة. وجاء في الكنز أيضاً : 305/11 و 306، ومُسند أحمد: 433/5 مِثْله بإضافة فَإِذَا لقيتموهم فأقتلوهم - كررها (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم )ثلاث مرات -

هُزم (حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلّابِينَ. أي يَنتهي الْأَمْرِ بِهِمْ إِلَى اللّصوصية وقطع الطُّرقات .)(لا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي ، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ . من اللذين لا يُفسدون في الأَرْض ، إلّا وَجَبَ حُكم الله فِيهِمْ ، وهو قَوْله تَعَالَى: (إِنَّمَا جَزَؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )(1).)(فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ لوجه الحق لا لغَايَة شخصية (فَأَخْطَأَهُ) لشُبهة عرضَت لهُ ، وتمكنت مِن عَقْله (كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ) وأقدم عَلَيْهِ مَع عِلمه بأنه بَاطِل ، فإن المشتبه يُدراً عَنْه الحد لقول الرَّسُول الأَعْظَم(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : « الحدود تُدرأ بالشُّبُهَات » (2).)أمّا هَذَا الَّذي طلب الْبَاطِل عامداً (فَأَدْرَكَهُ ودافع عَنْه بالسَّيْف ، وجيش الجيوش لمحاربة الحَقِّ ، وَأهله ، وأبتدع في الدِّين، وكذب على سيّد المرسلين ... أمّا هَذَا فلا عُذر له كما فعل مُعَاوِيَة ، أنّه لم يكتف بإراقة الدماء، ومُحاربة إمام الحق ، والعَدْل حَتَّى سَنَّ سَبَّه على المنابر ، فقد نقل ابن أبي الحديد عن الواقدي : أنّ مُعَاوِيَة خَطب فِي أَهْل الشّام فَقَالَ : أَنَّ رَسُول الله قَالَ لي : إنَّك ستلي الخلافة من بعدي ، فأختر الأَرْض المقدسة ، فإنّ فيها الأبدال ، وقد أخترتكم ، فالعنوا أبا تُراب .)


1) المائدة : 33.

2) أنظر المبسُوط للسَّرِخَسي : 98/7 . الإنتصار : 261 ، الخلاف للطوسي : 146/2. من لا يحضره الْفَقِيه : 74/4 ، سنن ابن ماجه: 850/2 السنن الكبرى : 360/7, كنز العمال: 305/5 تجمع الزوائد: 295/10 ، فتح الباري : 262/12 ، شرح الزَّرْقَانِي : 236/4

فَلَعنوه (1)... وأيضاً أغرى مُعَاوِيَة سَمُرَة بن جُنْدَب بأربعمئة ألف درهم (2)، وروى مفترباً أنّ هذه الآية نزلت في على بن أبي طالب : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي)


1) انظر ، مغازي الواقدي: 361 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الْحَدِيد : 72/4، (مِنْهُ قدّس سرّه ). وأنظر على سبيل المثال بداية تأسيس مُعَاوِيَة لَسَبّ الإِمَام(علیه السلام) في كنز العمال : 403/139/5 و 404 و 410 و 411 و 432 و 487 الطبعة الثَّانِيَة، أَنْسَابِ الأَشْرَاف للبلاذري : 106/2 ح 43 ، وص 92 ح 8 و 15 - 18 ط آخر ، خصائص النسائي 48 و 76 - 85ط الحيدرية ، و 106 ح 45 - 48 و 61 ط بيروت. وذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 63 و 64 و 69 و 87، مقتل الحسين للخوارزمي : 48/1 و 149 ، المعجم الصَّغير للطبراني : 22/2 و 54 ، الاستيعاب بهامش الأصَابَة : 34/3 و 35 ، تجمع الزوائد : 109/9 - 111 و 119 ، إسعاف الرّاغبين بهامش نور الأَبْصَار : 148 و 149 ط السعيدية و 134 و 136 ط العُمانية ، نظم درر السمطين : 95 و 107 ، صحيح الترمذي : 301/5 ح 3808 صححه وصححه أيضاً وح 3814 حسنه ط دار الفكر ، أسد الغابة : 2725/4 ، و : 8/2 ط آخر الإصابة لابن . :حَجَر 509/2 و 507 . كفاية الطالب : 84 - 86ط الحيدرية و 28 و 70 ط الغري و 281 - 285 : و 287 ط الحيدرية ، و 148 - 153 ط الغري، المناقب للخوارزمي : 19 و 24 و 59 و 60 و 74 و 76 و 83 و 84 و 86 و 130 و 214، الرياض النضرة : 214/2 - 216 و 247 و 248 الطبعة الثانية ، جامع الأصول لابن الأثير : 468/9 و 469 . يَنابيع المودة : 35 و 44 و 49 و 50 و 51 و 55 - 57 و 63 و 80 و 86 و 88 و 114 و 129 و 130 و 176 و 183 و 185 و 204 و 220 و 234 و 254 و 408 و 496 ط اسلامبول حلية الأولياء : 7 / 194 - 197 ، الاستيعاب بهامش الإصابة : 34/2 و 35، تأريخ ، : - الطَّبَرِي: 104/3، المناقب لابن المغازلي : 34 - 52 ط طهران ، و 27 ح 40 - 303 الطبعة الأولى طهران.

2) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 789/1ط الحَدِيثه ببيروت قَالَ: وقد روي أنّ مُعَاوِيَة بذل السمرة بن جندب مئة ألف درهم حَتَّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُك ) وأنّ الآية الثَّانِيَة هي في أبن مُلْجَم وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاث مئة ألف فلم يقبل ، فبذل أربعمئة ألف فقبل وروى ذَلِكَ .فلاحظ بعض مخازي سمرة في الشرح المختار المذكور : 792، فَإِذَا كَانَتْ المقارنة من هَذَا البَاب فلا عتب .

الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (1). وأنّ الآية الثَّانِيَة هِي فِي ابن مُلْجم وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ )(2).)قَالَ طه حُسين: «لو ردت إِلَى المُسْلِمِين أُمورهم ، وطلب إِلَيْهِمْ أَنْ يَختاروا إِمَاماً لما أختاروا مُعَاوِيَة بحال من الأحوال ، لأنهم بلوا سياسته ، وحبروا عماله ، فرأوا أن أُمورهم تصير إلى شر عظيم ... فهم يحكمون بالخوف لا بالرضى، ويساسون بالرغب ، والرهب، لا بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُساس به المُسْلِمُون من كتاب الله ، وسُنّة نَبِيِّه ، وأَمْوَالهم الْعَامَّة ليست لهم بل إلى ملكهم ، وولاتهم يتصرفون فيها ما يشتهون ، لا على ما يقتضيه الحق ، والْعَدْل ، والمعرُوف ... ودماؤهم ليست حراماً على الملكِ وعُمَّاله ، وإنّما يستحل مِنْهَا المُلْكِ ، والعُمَّال ما حرم الله ... لا إقامة لحدود الدين، ولكن تثبيتاً لسلطان المُلك »(3.)


1) الْبَقَرَة : 204 - 205 .

2) الْبَقَرَة : 207

3) أنظر ، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبنوه للدكتور ، طه حسين: 131 و 132، (مِنه قدّس سرّه ).

## الخطبة-62-### الْأَجَلُ حَارِسٌ:وَ إِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ جُنَّةً حَصِينَةً، فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي ، وَأَسْلَمَتْنِي ، فَحِينَئِذٍ لا يَطِيشُ السَّهْمُ ، وَلا يَبْرَأُ الكلم.### اللُّغَة:الجُنَّة - بضم الجيم - الوقاية . ويَطِيشُ السَّهْمُ : يُخطىء هَدفه . والْكَلْمُ - بفتح الكاف وسكون اللام - الجرح.### الْإِعْرَاب:عَلَيَّ مُتعلّق بمحذوف خَبَراً مُقدماً لإنَّ ، وَجُنَّةً أسمها ، ومِنَ اللهِ مُتَعَلِّق بمحذوف حالاً من جنَّة ، وَحِينَئِذٍ مُتَعَلِّق بـ « لا يَطِيشُ».### الْمَعْنى:قيل لِلْإِمَام(علیه السلام : نخشى عَلَيْكَ من الإغتيال ، فأجاب بِهَذِهِ الكَلِمَة ، ولَيْسَ من)

شك أنّ الكل إلى المَوت، ولكن هَذَا تمتد به الحياة مئة عام، أو تزيد ، وذَاكَ يوماً ، أو بَعْض يَوْم فما هو السر ؟ هل هو قُوَّة ، أو ضَعْف في الجسم، أو هو حظ ، أو قَضَاء وقدر ؟ . وهناك فَلسفَات ، أو تفلسفات كثيرة، ولكن لا تركن النّفس إِلَيْهَا ، لأنّ الْعَقْل ، والحِسٌ يُشهدان أن صاحب الجسم السقيم قد تمتد به الحَيَاة أكثر من السّليم ، وأنّ إِنْسَانَاً قد يموت بضربة ، ولا يموت آخر بعشر أمثالها ... ولَيْسَ لنا في مثل هذه الحال إلا اللجوء إلى خالق ،الموت ، والحياة ، وهو يَقُول جلّ من قَائِل :(فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(1).)وفِي مَعْنَى هَذِه الآيَة قَوْلَ الْإِمَام : (وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللهِ جُنَّةً حَصِينَةً . وقَوْله : «كَفَی بِالأَجَلِ حَارِساً ! »(2). ولكن الله سُبْحَانَهُ ما بيّن سبب الأجل، والناس يسندونه إِلَى ما يرون من قتل ، أو مرض ، أو ترد، أو غرق ، أو تَقَدَّم في السن، وإذا لم يروا شَيْئاً قالُوا من الله مباشرة إنْ كَانُوا مؤمنين ، ولَيْسَ للعلم الحَدِيث قَوْل قاطع في الموت والَّذي لا شك فِيهِ أنْ تَقَدَّم الطب قلل كثيراً من عدد الوفيات ، كما أنّ الْفَقْر ، وسُوء التغدية يزيد منْهَا ، وأخيراً أكتشف الأطباء أن تلوث الهواء من تفجير القنابل الذَّرِّيَّة، ومن مداخن المصانع ، وما إِلَيْهَا يُسبب للناس الموت ، والإختناق.)كلّ ذَلِكَ تشمله آية : ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ بلا ريب ، ولَكِنَّهُ من صنع الإِنْسَان كما شاهدنا ، فأين الحارس ؟.)### الجَوَاب:إنّ وجود الحارس يمنع من وجود السبب الموجب للموت ، ووصُوله إلى الحَي


1) الْأَعْرَافِ : 34

2) أنظر نهج البلاغة : 73/4، الحكمة (306).

ولا يمنع من تأثيره بعد وُجُودِهِ ، كَيْفَ ووجود المُسبب حتم ، وَطَبيعي عِند وجود سَببه التَّامِ ، فَإِذَا تَخلى الحارس عن التي جاء السّبب، وأثَرَ أَثره، ومَن مَات بالْقَتْل، أو الجوع، أو المرض، أو التَّلوث إنّما مات بعد أن تركه الحارس ، وَتَخلى عَنْه ، وفي الآية : (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (1)، للحارس بأنْ يَذْهَبُ . وَيَنصرف : ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (2).)


1) آلِ عِمْرَانَ : 145 .

2) الإسراء : 85

## الخطبة-63-### الدُّنْيَا فِتْنَةٌ:أَلا إِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا فِيهَا ، وَلَا يُنْجَيْ بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا : ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةٌ ، فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ ، وَ مُوسِبُوا عَلَيْهِ ، وَ مَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ ، وَأَقَامُوا فِيهِ ، فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظُّلِّ ، بَيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً حَتَّى قَلَصَ ، وَ زَائِداً حَتَّى نَقَصَ .### اللُّغة:السَّابع : المُمتد . وَنِعْمَة سَابِغة أي وَاسِعة ، وقَلَصَ الظَّلِّ ، أو الفيء : انقبض، وقَلَصَ الغَدِير : ذَهب ماؤه .### الْإِعْرَاب :فِتْنَة مَفْعُول مُطلق لابْتُلِي لأَنَّهَا بِمَعْنَى الإِبْتلاء ، أو مَفْعُول لأجله أي ابْتُلِيَ من أجل الإختبار ، وبَيْنَ ظرف بِمَعْنَى وَسَط، فإنْ أَصْفَتَهَا إِلَى الزَّمَانِ فَهِيَ ظَرِف زَمَان

مِثل جَاءني بَيْنَ الطَّلوعين، والمكان فَهِيَ ظرف مكان مث-ل جلس-ت بَيْنَ زَيد ، وعَمْرُو ، ويجوز تكرارها بَيْنَ زَيد ، وبَيْنَ عَمْرُو ، ويجب مَع الضَّمِيرِ بَيْنِي َوبَيْنَكَ ، وإِنْ قُلت : «بَيْنَ بَينَ» فَهِيَ مُركب مَزجي مبني الجزءين على الْفَتْحِ، وَالأصل بَيْن وبَيْنَ مِثل خمسة عشر أصلها خمسة وعشر، ولما حذفت الواو جاء التركيب ، وقد تُشبع الفتحة على آخرها فتصير ألفاً مِثل بَيْنا أو تُزاد «ما» مِثل بَيْنا ، وقيل : الأَلف و «ما» عُوض عَن مَحْذُوف.### الْمَعْنى:(أَلا إِنَّ الدُنْيَا دَارُ لا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا فِيهَا . قدمنا مَرَّات أنّ بَيْنَ الدُّنْيَا ، والآخِرَة ترابطاً ، وتشابكاً ، فما من نعيم ، أو جحيم في الآخِرَة إِلَّا وهو جزاء على عمل من أعمال الدُّنْيَا ، أَللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا تَابٍ ، وَعَمل صَالِحاً من قِبل أنْ يَأْتِي يَوْم لا تُكليف فِيهِ ولاً فداء ، ومَعْنَى هَذَا أنَّ أَسْبَاب العذاب في الآخِرَة ، وأَسْبَاب النَّجاة فيها كلّها قد تجمعت في الدُّنْيَا ، ولا شيء مِنْهَا فِي الْآخِرَة على الإطلاق حيث لا تكليف ، ولا عمل ، أَبَداً لا شيء إلا الحساب ، والجزاء ، وإذَنْ فأنا ، وأنتَ ، وكلَّ إِنْسَان لا نجاة له غداً إلا إذا أبتعد ، وَسَلِمَ ، وهو فِي هَذِه الدُّنْيَا ، من المظالم ، والمآثم.)(وَ لا يُنْجَيْ بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا وَحْدَها بحيث لا يرى الإِنْسَان فيها إِلَّا نَفْسِه، وأَوْلاَده ، وإلا همومه، ومشاكله ، وهو بِذَلِكَ في شغلِ شَاغل عن العالم كله (آبْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً ) . والْفِتْنَة هى الْأَمْوَال، والأولاد، والجاه ، وما إِلَى ذَاكَ من مَتَاع هَذِه الحَيَاة ، وبالْفِتْنَة يتميز الطَّيِّب من الخبيث، وتظهر الأفعال التي بها يستحق الإِنْسَانِ الثَّوَاب ، والعقاب .)

(فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا . ينظر فِيهِ : فإِنْ كَانَ لسّد الْحَاجَة الّتي تَسْتَدعِيها الْحَيَاةِ فَهُوَ للّه ، ولِلإِنْسَان ما فِي ذَلِكَ رَيب ، وإنْ كَانَ للتضاهر ، والتَّباهي ، وللإستعلاء. والطَّغيان (أُخْرِجُوا مِنْهُ ) أي مِمَّا جَمعوا ، وأدخرُوا حَيْث يتركونه بالمَوْتِ الظَّاهِرِ القاهر (وَ مُوسِبُوا عَلَيْهِ ) . وبعد الحِساب حريق ، وعذَاب (وَ مَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا ) . أي تَزودوا بالصَّالحات من الْعَاجِلَة إِلَى الْآجِلَةِ ، ومن الفانية إلَى الْبَاقِيَة (قَدِمُوا عَلَيْهِ ، وَأَقَامُوا فِيهِ ) أنجازاً لوعده تَعَالَى ، وقَوْله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَنٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )(1).)(فَإِنَّهَا - أي الدُّنْيَا - عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظَّلِّ سريعة الزوال (بَيْنَا تَرَاهُ سَايِغاً ) مُمتداً ( حَتَّى قَلَصَ ( أنقَبض وَ زَائِداً حَتَّىٰ نَقَصَ ) عطف تَفْسِير ، وبَيَان .)والخلاصة : أنّ الدُّنْيَا فِي نَظر الإسلام، والإمام دار ابتلاء ، وَفِتنة لأَنَّهَا دَار التّكليف والْعَمَل ، واللهو، والحيل ، والطَّيِّب اللْعَاقِل يَتصرف عن مفاتنها ، ومفاسدها إلى الصالحات حيث تنتهي به إِلَى النَّعِيم الخالص، والرّاحة المطلقة : (ومَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)أَبَداً لا وسيلة إلى الحياة الطيبة للذكور، والإناث إِلَّا الْعَمَل الصّالح . ومن البداهة أنّ الْعَمَل الصالح لا يَكُون ، ولَنْ يَكُون مع الدكتاتورية، والضغط على الحُرِّيَّة، وَلاً مع طغيان الرأسمالية، وشركاتها الاحتكارية)


1) التَّوْبَة : 72

2) النَّحْلِ : 97

## الخطبة-64-### الآجال، والأَعْمَال... فِقْرَة 1 - 2:فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ، وَأَبْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ ، وَتَرَحَلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ ، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ ، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَأَنْتَبَهُوا ، وَ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا.فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقكُمْ عَبَاً ، وَ لَمْ يَتْرُككُمْ سُدىً ، وَ مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ ، وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ ، أَوِ النَّارِ إِلا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ . وَ إِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ الْمُدَّةِ ، وَ إِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ اللَّيْلُ ، وَ النَّهَارُ ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ ، وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالْقَوْزِ، أَوِ الشَّقْوَةِ لَمُسْتَحِقُّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ . .### اللُّغَة :بَادِرُوا آجَالَكُمْ : أجعلوها تُسرع بالأعمال. و ابْتَاعُوا :اشْتَرُوا . وجُدَّ بِكُمْ: أُسْرُعَ بِكُمْ وَيَحْدُوهُ : يَسْوُقهُ . وحَرِيُّ، وَجَديرٌ، وَخَلِيقٌ ، وَأَوْلى بمعنى واحد .

والْعُدَّةِ - بكسر الْعَيْن - الجماعة ، وبضمِّها الإستعداد .### الْإِعْرَاب :عِبَادَ اللهِ أي يا عِبَادَ اللهِ ، والمَصْدَر من أَنَّ الدُّنْيَا سَاد مَسد مَفْعُولي عَلِمُوا ، وعَبَثاً مَصْدَر في موضع الحال أي عابثاً ، ومِثْله سُدىً أي مُهملين ، وَبَيْنَ أَحَدِكُمْ خَبَر مقدم ، والمَوْتُ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر ، والْمَصْدَر من أَنْ يَنْزِلَ بِهِ بدل اشتمال من الموت لأن المعنى نزول الموت فَيَكُون مثل : أعجبني زيد توبه ، والأصل أعجبني ثوب زيد، واللَّيْلُ ، وَالنَّهَارُ بدل مُفصل من مُجمل ، والمبدل مِنْهُ الجَدِيدَان .### الْمَعْنى:(و بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ . لا تدعوا أَعْمَارَكُمْ تَذهب سُدىً ، وفِي غَيْر الأَعْمَالَ الصَّالحات (وَ ابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ ) اشتروا النَّعِيم الدائم باللذيذ الزائل (وَ تَرَخَلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ) أَنْتُمْ تُساقُونَ فِي سَفَرٍ لَا رَجْعَة بَعده ، وَلَا بُد للمُسافر من الزاد (وَ اسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ) . لَيْسَ الموت بعيداً عَنْكُمْ .. إنّه مُخيم على رؤوسكم يُنذر ، ويُحذر ، فَلِمَاذَا تَتَشاغلون عَنْه ، ولا تعدون له عُدته (وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا ) . صاح بكم الموت للرَّجل ، فأستيقظوا من سُباتكم وَ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ ) . أي وكُونوا من الذين علموا أنّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَار سَعَادَة ، وإقامة ، بل دار فناء وبلاء (فَاسْتَبْدَلُوا ) . أي كونوا من الّذين اسْتَبْدَلُوا الثمين بالرّخيص ، والباقى بالفاني أي أَشْتَرُوا ذَاكَ بِهَذَا .)(فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقكُمْ عَبَثاً . وفِيهِ إيماء إِلَى أنّ الدُّنْيَا لو كَانَتْ هِي الْغَايَة)

من خلق الإِنْسَان لكان خَلقه عَبثاً لا مَعْنَى له ، لأنّ وُجُودِه أمَداً قَصِيراً فِي هَذَا الحياة لا يستدعي كلّ ما أودع الله فيه من أسرار ، وطاقات ، وإِذَنْ فلا بد أنْ يَكُون القصد من خلق الإِنْسَان، ووُجُودِهِ في الدُّنْيَا أَنْ يُهيىء نَفْسه الحياة أسمى ، وأبقَ ، ومن أَقْوَالَ الْإِمَام(علیه السلام : «الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا ، وَلَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا » (1)(وَ لَمْ يَتْرُككُمْ سُدىً) ، بلا تكليف ، ونذير ، وبشير (وَ مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ ، وَبَيْنَ الْجَنَّةِ ، أَوِ النَّارِ الا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ ( لا مَحَالَةَ مَهما طال عمره ، وبَلغ نصيبه من الصحة ، والجاه ، والثّراء ، ولَيْسَ بعد الموت إلا الحساب والجزاء بالنَّعِيم على عمل الخير ، أو الجحيم على فعل الشر.)(وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ ، وَ تَهْدِمُهَا السَّاعَةُ ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ الْمُدَّةِ . الْمُرَادِ بالْغَايَة هُنا الْعُمُر ، وبالسَّاعَةُ الموت، لأنَّ السَّاعَة من أَسْمَاء الْقِيَامَة ، ومن مات فقد قامت قيامته (2)، والمغنى أنّ عُمر الإِنْسَان أشبه بالحِلْم ، والخيال ينقص ، ويقصر مع التّواني، واللحظات، وما فات مِنْهُ لا تُرجى رجعته ، ثم يزول بالمرة ، وَيُهدم من الأساس بالموت ، وَإِذَا كَانَ الْعُمُر على هَذِه الحال فَهُوَ قصير الأمد مهما طال ، والْعَاقِل يُبادر الفُرْصَة قبل فواتها (وَ إِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ : اللَّيْلُ ، وَ النَّهَارُ ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ ) . المراد بالغَائب هُنا الموت، وبالأَوْبَةِ مُجرد الإِقْدَام الإقبال ولَيْسَ المراد بها الرُّجُوع الذي سبقه الحضور، كي يُقَال : أن الموت لم يَكُنْ حاضِراً مِن قَبل كِي يُؤوب، ويرجع ، ومَها يَكُنْ فإنّ المَعْنَى : أنّ الموت غائب عن الحي،)


1) أنظر نهج البلاغة : 106/4، الحكمة (463).

2) أنظر ، كنز الْعُمَّال : 548/15 ح42123 و 42748 ، كشف الخفاء: 166/1 .500. بحار الأنوار 7/08، حاشية السندي على النسائي : 226/8 .

ولَكِنَّهُ قَادم عَلَيْهِ بسُرْعَة اللَّيْلُ ، وَ النَّهَارُ اللذين لا يقفان لحظة فما دُونها، ومن أَقْوَال الإِمَام : «فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ ، مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ ، وَأَسْرَعَ الأَيَّام فِي الشَّهْرِ ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ ، وَأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ»(1.)(وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالْفَوْزِ، أَوِ الشِّقوَةِ لَمُسْتَحِقُ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ . المُرَاد بالقادم هنا الموت ، وبِالْقَوْزِ النَّعِيم، وبالشَّقْوَةِ الجَحِيم، وبالعُدَّةِ الإستعداد بالخيرات، والأَعْمال الصَّالحات ، والمَعْنَى أن الموت قادم لا تَحَالَةَ ، وبِسُرْعَة ، وَلا شيء بعده إلَّا الهناء ، أو الشّقاء، فأعدوا له عُدته منذ الآن لا يُمهلكم - إذَا جَاء - لحظة ، وَلاَ يَدَعْكُمْ تَنطقُون بحرف ، أو تَتَنفسُون بنفس .)عُمر الإِنْسَان حُجَّة عَلَيْهِ ... فِقْرَة 3 - 4:فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا، مِنَ الدُّنْيَا ، مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً. فَاتَّقَى عَبْدُ رَبَّهُ، نَصَحَ نَفْسَهُ، وَ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ ، وَ غَلَبَ شَهْوَتَهُ ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ ، وَأَمَلَهُ خَادِعُ لَهُ ، وَ الشَّيْطَانُ مُوَكَّلْ بِهِ ، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا ، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا.إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا . فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً ، وَ أَنْ تُؤدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشَّقْوَةِ ! نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لا تُبْطِرُهُ نِعْمَةُ ، وَلا تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ ، وَلَا تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ ، وَلا كَابَةٌ.


1) أنظر نهج البلاغة : الخطبة (188)

### اللغة:يُمَنَّيه : يعده وعداً كاذباً بتحقق أمنيته لِيُسَوِّفَهَا: لِيُؤخرهَا . وتُبْطِرُهُ: تُطغيه فيتجاوز الحد.### الإعْرَاب:أَغْفَلَ مَا يَكُونُ حَال من الضَّمِيرِ فِي «عَلَيْهِ» ، وَفَيَا لَهَا «يَا» حرف نداء ، والمنادى محذوف، واللام للتعجب ، وحَسْرَةً تمييز، وَهِي بَيَان ، وتَفْسِير للهاء في «لَهَا» مِثل : يا لَكَ من عالم ، فالخطاب هنا للعالم ، والمُصْدر من أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ بدل اشتمال من ذِي غَفْلَةٍ ، ويجوز أنْ يَكُون مَنْصُوباً بنزع الخافض ، والْمَصْدَر من أَنْ يَجْعَلَنَا مَفْعُول نَسْأَلُ الله ، والغَايَة فَاعِل تُقَصِّرُ .### الْمَعْنى:(فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا، مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً . صُونوا أَنْفُسِكُمْ من عذَابِ الْآخِرَة بتقوى الله فِي الدُّنْيَا ، وتَقَدَّم بالحرف مع الشرح فِي الخُطْبَة 29 (فَاتَّقَى عَبْدُ رَبَّهُ ، نَصَحَ نَفْسَهُ ، وَ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ، وَ غَلَبَ شَهْوَتَهُ ) . بعد أنْ أَمر بالتزود إِلَى المعاد فسرَّ الرّاد بالتَّقْوَى، وفسر التَّقْوَى بلجم النفس عن الشَّهَوَات ، والنّصح لها بالمحاسبة ، والمراقبة ، والتَّوْبَة قبل الموت (فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ ). ضَمِيرِ أَجَلَهُ يعود إلى العبد ، والمَعْنَى أنّ العبد إِذَا كَانَ لا يدري متى وأين يَمُوت فَجَدِير بِهِ أَنْ يَكُون دائم الإستعداد للموت ، ومُلاقاته (وَ أَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ) الأَمَل مَع الجدّ والإجتهاد عقل، ودين، ومع الإهمال ، والكسل سَفه ، وَتَسويف.)

(وَ الشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ ، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا ، وَ يُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا . كلّ شيء يُزين القبح لِلْإِنْسَان ، ويُغريه به فَهُوَ شَيْطَانٍ إِنْسَانَا كَانَ، أم مالاً ، أم وسوسة (إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا ) . بينا هو يتمادى في المَعْصِيَة ، والآثام، ويؤخر التَّوْبَة آناً فاناً ، وَإِذَا بالمنيَّة تَغتاله بَغْتَة ، وتَختطفه من حَيْثُ لا يَشعر .)(فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً ، وَ أَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشَّقْوَةِ ! . يَتحسر الإمام(علیه السلام) ، ويَأسف لكلّ غافل ، وذَاهل أَنْ يَكُون عُمره الَّذي مَنَّ الله بِهِ عَلَيْهِ، ليغتنم الْفُرْصَة، ويستبق الخَيْرَات ... يتوجع الإِمَام لِهَذَا الْمُسْكِين : كَيْفَ ضَيع الفُرْصَة، وحوّل النّعْمَة إلى نقمة ، وحُجّة عَلَيْهِ .... إن حال هَذَا المُهمل المسوّف تماماً كحال من ملك ثروة كُبرى فَبددها ، وأتلفها فيما يَضُرّه، ويذله ، وهَوى فِي النَّهَايَة إِلَى الحَضِيض (نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ ) . فَتَدفع به إِلَى الغُرُور ، وتميل به عن الحدود (وَلَا تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ ، وَلا تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ ، وَلا كَابَةُ ) . فإنّ النِّعْمَة تستأدي شكر المنعم ، وطَاعته ، لا تجاهله، ومَعْصِيَته)

## الخطبة-65-### الكَمَال المُطلق... فِقْرَة 1 - 2:الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ تَسْبِقُ لَهُ حَالٌ حَالاً ، فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً ، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً ، كُلُّ مُسَمَّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ ، وَكُلُّ عَزِيزٍ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ ، وَكُلُّ قَوِي غَيْرَهُ ضَعِيفٌ، وَكُلُّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُولٌ ، وَكُلُّ عَالِمٍ غَيْرَهُ مُتَعَلِّمْ، وَكُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَ يَعْجَزُ، وَكُلُّ سَمِيعِ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الْأَصْوَاتِ، وَيُصِمُّهُ كَبِيرُهَا ، وَ يَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعْدَ مِنْهَا ، وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِي الْأَلْوَانِ، وَ لَطِيفِ الْأَجْسَامِ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ بَاطِنٌ، وَكُلُّ بَاطِنِ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ (1، لَمْ يَخْلُقُ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانِ ، وَلا تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبٍ زَمَانٍ ، وَلا اسْتِعَانَةٍ عَلَى يَدٍ مُثَاوِرٍ ، وَ لا شَرِيكٍ مُكَاثِرِ ، وَلا ضِةٍ مُنَافِرٍ ، وَ لَكِنْ خَلائِقُ مَرْبُوبُونَ ، وَ عِبَادُ دَاخِرُونَ ، لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ : هُوَ كَائِنٌ ، وَ لَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ : هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ . لَمْ يَؤُدُهُ خَلْقُ مَا أَبْتَدَأَ ، وَلا تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ ، وَلَا وَقَفَ بِهِ عَجْرٌ عَمَّا خَلَقَ ، وَلَا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وَ قَدَّرَ ، بَلْ قَضَاءٌ مُنْقَنُ ، وَ عِلْمٌ مُحْكَمْ، وَ أَمْرٌ مُبْرَم الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَم، الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ (2).)

### اللُّغَة:المراد هنا بلطِيفِ الْأَصْوَاتِ مَا لا يَسْمَع ، وَبِلَطِيفِ الْأَجْسَامِ ما لا يُرى . والنِدّ: النظير. والمتاوِر : المحارب. والمكاثر : من يُفاخر بالكثرَة والمُنَافِرِ : يُفاخر غَيْره ويَقُول : أَنَا أَعَزُّ مِنكَ نَفَرًا. ودَآخِرُونَ : صَاغِرُونَ. قَالَ تَعَالَى: (خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (1). وَلَمْ يَنْأَ : لَمْ يَبعد . ولَمْ يَؤُدُهُ : لَمْ يُنقله ، وَيُجهده. وذَرَأَ : خَلق. وَوَلَجَتْ : دَخَلَتْ .)### الْإِعْرَاب:وَكُلُّ عَزِيزِ غَيْرَهُ يَجُوز رفع «غَيْر» صِفة لكُل، وَيَجُوز جَرّها صفة لعَزِيز، وَنَصبها على الإستثناء، لِأَنَّهَا في مثل هذه الحال تُعرب إعْرَابِ المُسْتَثنى . وخَلَائِقُ خَبَر مُبْتَدَا مَحْذُوف أي هم خَلائِقُ ، فَيُقَال قُرىء بالرفع على الأصل في الفعل المضارع، وبالنَّصب على أضمار «أنّ» بعد فاء السببية مع تَقَدَّم النّي ، وَقَضَاء خَبَر لمبتدأ مَحْذُوف أي ذَلِكَ قَضَاء ، والمأمول أي هو المأمول ، وهو المرهوب.### الْمَعْنى:(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالُ حَالاً . تَقَدَّم الكلام عن صِفَاته تَعَالَى فِي شرح . الخطْبَة الأُولَى، ومن أجل هَذَا نوجز هنا بقدر الإمكان ... إن الله سُبْحَانَهُ لَيْسَ من جنس المعاني العقلية المجردة كَالشَّرَف ، والْكَرَامَة ، لأن هَذه لا تستقل بذاتها في)


1) الْنَّحْلِ : 48 .

الْوُجُود ، وَلا هو ، تَعَالَى ذكره، من جنس الماديات لأنّها تنفعل بالغير، وَتَفتقر إلى زمانٍ، ومكانٍ ... إنّه جلّ وعزَّ قُوَّة عالمة مُريدة ، وقادرة ، وضرووية الوُجُود ذاتاً ، وأصالة ، ومن أجل هَذَا هِي هِي لا تَبْدِيل ، وَلَا تَعدِيل.(لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالَ حَالاً. لأن السبق يستدعي الحدوث ، والله قديم ذاتاً ، وصِفَات (فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً ) . الله أَوَّل بِمَعْنَى أَنه كَانَ ولم يَكُنْ معه شيء ، وأنّه المبدأ لوجود كلّ شيء ، وهو لَيْسَ بأوّل على مَعْنَى أَن لوجُوده ابتداء، وإلا يَكُون حادثاً . والله آخر بمعنى أنه يَبْقَ بعد فناء كلّ شيء ، وإِلَيْهِ يَنتهي كلّ ء شيء ، وهو لَيْسَ آخر على مَعْنَى أن لوجوده نهَايَة، كَيْفَ والغرض أنّه ضروري الْوُجُود ؟ . وإِذَنْ يصح لنا أن نقول : هو سُبْحَانَهُ الْأَوَّل والآخر الآن، ومن قبل ، ومن بعد .)(وَ يَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً . بل هو ظَاهر وباطن في آن واحد، هو ظاهر بآياته الدالة على وُجُودِه ، وعَظَمَته، وهو باطن لأن العُقُول تقصر عن إدْرَاكِ كُنهه ، وحقيقته ، وأيضاً لأنه يعلم ما خفى ، وَبَطن (كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ) . لأنّ الْوَحْدَة لغير الله ضَعْف ، وقلة ، أما هو سُبْحَانَهُ فقد توحد، وتفرد بالقُدْرَة. والْعِزَّة ، والْبَقَاء (وَكُلُّ عَزِيزِ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ ) . لأنّ عزته تَعَالَى ذَاتية ، والْعِزَّةِ فِي غَيْره مُستمدة مِنْهُ ، ويُسلبه إياها متى شاء، ومن هنا شاع، وذاع : مَن أعتز بغير الله ذلّ(1).)(وَكُلُّ قَوِي غَيْرَهُ ضَعِيفٌ . لنفس السّبب السّابق أي أَنْ قُوَّتِه تَعَالَى ذاتية ، وقُوَّة)


1) أنظر . . شرح نهج البلاغة لابن أبي الْحَدِيد : 195/7، غرر الحكم: 8217، عُيون الحكم والمواعظ : 444 ، كشف الخفاء للعجلوني : 263/2 ، في بَعْضهَا: «مَن أَعْتَرَ بِغَيرِ عِز الله ذَلّ».

غَيْره مستمدة مِنْهُ ، وأيضاً شاع، وذاع : لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلي العَظِيم (وَكُلُّ مَالِكِ غَيْرَهُ مَمْلُوكُ . للّه ، هو وحده يُؤْتِي الْمُلْكَ مَن يَشَآءُ، وَيَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ .)ومن أَقْوَال الْإِمَام : « وَلَا نَملِك إِلّا مَا مَلّكَنَا »(1(وَكُلُّ عَالِمِ غَيْرَهُ مُتَعَلِّم ) . لأن علمه تَعَالَى عين ذاته ( وَكُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَ يَعْجَرُ ) . أما هو فلا يعجزه شيء ، قاهر غَيْر مقهور ( وَكُلُّ سَمِيعِ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الْأَصْوَاتِ ، وَيُصِمُّهُ كَبِيرُهَا ، وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعْدَ مِنْهَا ) . الأُذُن تضعف عن سمع الهَمْسَات، والوشوشات ، وتُصم من عالي الأصوات ، وَلا يصل إلَيْهَا البعيد عَنْهَا ، أما هو سُبْحَانَهُ فلا يَسْمَع بجارحة وأداة ، بل يعلم كلّ شيء مباشرة ، وبلا واسطة حَتَّى وسوسات الصدر ، وخفقات القلب .)(وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِي الْأَلْوَانِ ، وَ لَطِيفِ الْأَجْسَامِ. أستطاع الإِنْسَان أن يخترع آلة ، أسماها المجهر ، وقد أتاحت لهُ أَنْ يَرَى أَجْسَاماً أدق أُلُوف الأضعاف مما تستطيع الْعَيْن الجَرَدة أنْ ترَاه ، ومَع ذَلِكَ هُناكَ أَجْسَام لا تُرى بالمجهر - كما نظن - لأنّ أَصْحَاب المجهر ، قَالُوا : إن أصغر كُتلة من المادة الحيّة تتألف من ألوف الملايين من الذَّرَّات، ومَعْنَى هَذَا أنه لو أنفصلت هذه الذَّرَّات ، وتفرقت لعجز المجهر عن رؤية الذَّرَّة الوَاحِدَة ... وعلى أية حال فإن القصد أن نعلم بأنّ الله وسع كل شيء عِلماً، أمّا نحن فما أُوتينا من العلم إلّا قليلاً.)(وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ غَيْرَ بَاطِنٌ . هَذِهِ الجُمْلَة جاءت فِي بَعْض النسخ بلفظ «غَيْرَ باطن »كما رسمناها هُنا ، وفِي بَعْضها بدون كَلِمَة «غَيْرَ » أي هكذا «وَكُلُّ ظَاهِرِ غَيْرَهُ باطن» والصّحيح الجملة الأولى - كما تُرجح - والمَعْنَى أَنّ كُلِّ كائن غَيْره تَعَالَى يُمكن)


1) أنظر نهج البلاغة : 95/4، الحكمة (404).

أن ندرك ذاته ، ونتصورها بوجه من الوجوه سواء أكان جسماً ، كالحجر. والشّجر ، أم غَيْر جسم كالعقل ، والعِلْم ، أما الجسم فنتصور ذاته، أو جهة منها - بالْحِس ، والعيان ، وغَير الجسم نتصور ذاته ، أو جهة مِنْهَا - بآثاره ، وأعماله ، لأَنَّهَا انعكاس عن ذاته ، تحكيها ، وتعبر عَنْهَا ، أو عن نوعها بنحو من الأنحاء، فالكتاب - مثلاً - يحكي عن مبلغ علم المؤلف، ونوعه لأنّ بَيْنَ الْكِتَابة ، والكاتب تشابكاً، وترابطاً ، بل قيل : أن أسلوب الإنسان هو الإنسان بالذات، وكَذَلِكَ البنّاء. والباني وأمثاله ... ولا يصدق هَذَا بوجه في حقه تَعَالَى ، لأنّ خلقه ، وآثاره ليست أنعكاساً عن ذاته ، وَلاً عن مبلغ علمه، وقدرته بوجه من الوجوه ، حيث لا شبه هنا بَيْنَ الأثر ، والمؤثر مهما عظم الأثر ... إنّه فيض ، ورشحة محدودة من مطلق لا حد له ... وللتقريب لا للتشبيه نشير إلى أن خلقه تعالى، وآثاره كعرق جسم الإِنْسَان ، فكما أنّ الْعَرَق لا يُعبر عن حقيقة الإِنْسَان كَذَلِكَ خلقُ الكَوْن بِمَا فِيهِ بالنِّسْبَة إلى خالقه بكَلِمَة «كُنْ» ... مع العِلْم بأن آثاره سُبْحَانَهُ تنطق بعلمه، وقدرته ، وحكمته ، وأرادته ... وعَلَيْهِ يصح القَوْل : أنّ كلّ ظاهر من الْكَائِنَات فَهُوَ غَيْر باطن ذاتاً ، وأصالةً أي العقل يمكن أن يتصور ذاته ولو إجمالاً ، أما تصور ذات الواجب فمستحيل تفصيلاً، وإجمالاً .(وَكُلُّ بَاطِنٍ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي وُجُودِه كظهور الله سُبْحَانَهُ، وَالْعَقْل - مثلاً - موجود، وباطن ، والله سُبْحَانَهُ ،موجود ، وباطن، والعقل يُعرف بآثاره ، والله تَعَالَى ذكره يُعرف بخلقه ، وآثاره، ولكن وجود العقل غَيْر ظاهر، وواضح كظهوره ووضوح وُجُودِه سُبْحَانَهُ، لأن آثار العقل تظهر في بعض الأشياء، أما العلي)

الأعلى، «فَفِي كلّ شيء له آية على أنّه واحد »(1. (لَمْ يَخْلُق مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ . لأنّ سلطانه تَعَالَى شَدِيد ، وقوي بالذات والخلق ، والتَّشدِيد أَثر من آثار السُّلْطَان، ولَيْسَ السُّلْطَان من آثار التَّشدِيد كما هو الشأن بالنِّسْبَة إِلَى غَيْره (وَلا تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ) . لأن ذات الواجب يَسْتَحِيل في حقّها التّغيير والتّعديل، وإذَنْ فمن أي شيء تَخَاف ؟ . بل لا أمان لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَع الخَوْف من الله أصل الأَمَان ، والسَّلام.)(وَلا اسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدٍّ مُثاوِرٍ ، وَ لا شَرِيكٍ مُكَاثِرٍ ، وَلا ضِدٍّ مُنَافِرٍ . وَلا لأية مصلحة تعود عَلَيْهِ ، لأنّه تَعَالَى في غنىً عن كلّ شيء ، وإِلَيْهِ يَفْتَقِر كلّ شيء... إنّ كلّ ما فِي الْوُجُود يسير على خطة مرسومة ، وإلَى غَايَة مُعينة ، لأنّ هَذَا النّظام المتناسق الحكم ، وهَذِهِ القَوَانِين الثابتة التي تحكم كلّ شيء من أكبر إلى أصغر جزء، وتربط كلّ الموجُودَات برابط دَقِيقَ ، وَمَتِين - هَذِهِ القَوَانِين ، وَهَذَا النظام يَسْتَحِيل أن يحدث من غَير قصد، ولا بد لكلّ قصد أن يهدف إِلَى غَايَة تعود إلى من يَحتاج إِلَيْهَا ، ويَنْتَفع بها والله غني عن العالمين.)(وَلَكِنْ خَلائِقُ مَرْبُوبُونَ ، وَ عِبَادٌ دَاخِرُونَ . العالم كلّه فِي قَبْضَتِه تَعَالَى خاضع لأمره، ومسبح بحمده (لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ : هُوَ كَائِنُ ) . الحلول وجود شيء)


1) هَذَا الْبَيْت من الشعر تارة يُنسب إلى الإمام علي(علیه السلام) ، وتارة إلى معز الدين، وتارة ثالة إلى غير هما . أنظر ، المجازات النَّبَوِيَّة : 221 دلائل الإِمَامَة : 8 شرح مئة كَلِمَة للبحراني : 173 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 412/6 ، تفسير القرطبي : 313/4 ، تفسير ابن كَثِير: 62/1 ، تأريخ دمشق: 453/13 ، تفسير التعالي : 149/2، مفردات غَرِيب :الْقُرْآن 268)وفي كل شيء له آية *** على أنه واحد

في شيء ، وَهَذَا مُستحيل في حقّه تَعَالَى، لأنّه فوق الزّمان ، والمكان ، وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد : مُراد الإمام بالحلول أنه تَعَالَى لم يناً عن الأَشْيَاء نأيّاً مكانياً(1... ولَيْسَ هَذَا ببعيد ، بل يدل عَلَيْهِ قَوْل الإِمَام بلا فاصل: (وَ لَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيْقَالَ : هُوَ مِنْهَا بَائِنُ ) . وعلى أية حال فإنّ الغرض الأول والأخير هو أن نؤمن، ونوقن بأن الله معنا في السّر ، والعَلانِيَة : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللهُ بمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (2).)(لَمْ يَؤُدهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ ، وَلا تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ ، وَلا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ . أنشأ وحكم، وقدر ، ودبر ، وأمات، وأحيا ، لا قسراً ، وقهراً ، وَلاَ لغَايَة تعود عَلَيْهِ ،وبلا تعب، وكلل ، لأنه : إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (3)(وَلا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وَ قَدَّرَ ) من أين تعرض الشُّبُهَات لمن هو عالم بالذات ؟ أن الإلتباس يَأْتى من الأقيسة، ومُقدماتها ، والأدلّة ، وكلماتها ، وهو سُبْحَانَهُ الْمُصْدَر الأَوَّل لكَ دَلِيل ، وحجّة (بَلْ قَضَاءٌ مُتقَنٌ) لا خلل فِيهِ (وَ عِلْمٌ مُحْكَمْ ) لا شك يعتريه (وَ أَمْرٌ مُبْرَمٌ ) لا ناقض له (الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ ) لأنّ رَحْمَتِه وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ لأَنّ بَأْسُهُ قد يَأْتِي بَغْتَةً ، وَبَيَاناً. قَالَ الْإِمَام : «وَ لا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ ، وَلا تُوهِهُهُ - أي تُذْهِلُهُ - رَحْمَةٌ عَنْ عِقَاب »(4). فما الرحمنة وَعَضَبَه ، وَلا لشيء من صفاته حدّ، وَشَرط ... وَهَذَا هو شَأن الكمال المطلق .)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 164/5 .

2) الحديد : 4.

3) آلِ عِمْرَانَ : 47 .

4) أنظر نهج البلاغة : الخطبة (195).

## الخطبة-66-### عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ:مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِين : اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ ، وَتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ ، وَعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِدِ ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ. وَ أَكْمِلُوا اللَّامَةَ ، وَ قَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلّهَا . وَ الْحَظُوا الْخَزْرَ ، وَ أَطْعُنُوا الشَّزْرَ ، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا، وَصِلُوا السُّيُوفَ بِالْخُطَا ، وَ أَعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللهِ ، وَمَعَ ابْنِ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ . فَعَاوِدُوا الْكَرَّ ، وَ اسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرّ ، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الْأَعْقَابِ ، وَ نَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ ، وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً ، وَ أَمْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً ، وَ عَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ ، وَالرِّوَاقِ الْمُطَنَّبِ ، فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنْ فِي كِسْرِهِ ، وَقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً ، وَأَخَرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً . فَصَمْداً صَمْداً ! حَتَّى يَنْجَلِي لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ: (وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللهُ مَعَكُمْ وَ لَن يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ (1))


1) مُحَمَّد : 35

### اللُّغَة:اسْتَشْعِرُوا اتخذوها شِعاراً بكسر الشين، والشعار : العلامة في الحرب، واللباس على شعر الجسد بلا فاصل . والمراد بالخشية هُنا الْخَوْف مِنْهُ تَعَالَى . وَتَجَلْبَبُوا : البسوا الجلباب، وهو القميص ، والسَّكِينَةَ: الطُّمانِينَة َوالنَّوَاجِذِ: أقصى الأضرارس أي آخرها ، وفي بعض القواميس أَنَّهَا أَرْبَعَة ، وَتَنبت بعد الحلم (1. وأنهام : جمع هَامَة، وَهِي رَأس كلّ شيء، وتُطلق على الجنّة . واللأُمَةَ : الدرع ، وتُطلق على آلات الحزب. وَقَلْقِلُوا : حَرّكوا ، وَالْحَقُوا الخَزْرَ : أي بغضب. وَاَطْعُنُوا الشَّزْرَ : أي لا في مكان واحد، بل هنا وهناك . وَنَافِحُوا : كَافحوا. والظُّبَا : جمع ظبة ، وَهِي حدّ السَّيْف . وَأَسْتَحْى ، أو أَسْتَحْيَا مِنهُ : خَجل منهُ والْفَرّ : الفرار. وسُجُحاً سهلاً. والمراد بالرِّوَاقِ خيمة مُعَاوِيَة . والمُطَنَّب : المشدود بالطنب : وثَبَجَهُ : وَسَطه . والكسر : جانب الْبَيْت . والنُّكُوص : الرُّجُوع . وَلَن يَتِرَكُمْ : لَنْ يُنقصكم .)### الْإِعْرَابِ:مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ أي يا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِين ، والخَزْرَ صفة لمفعول مُطلق تخذُوف أي اللحظ الخَزْرَ ، ومِثْله الشَّزْرَ ، ونَفْساً تمييز ، وصَمْداً نُصب على المَصْدَريَة أي اصمدوا صَمْداً ، وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ الواو للحال


1) أنظر، لسان الْعَرَب : 513/3 . الفائق في غريب الحديث : 303/3.

### الْمَعْنى:(اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ . أجعلوا الخوف من الله شعاراً لَكُمْ ، لأنّ هَذَا الخَوْف أساس الأتقان، والإخلاص في العمل، والدليل على ذلك أنك لو أسندت عملاً خاصاً لمن لا يخاف الله ، ثم أسندت هَذَا الْعَمَل بالذات لمن يخاف مِنْهُ تَعَالَى لوجدت الفرق بَيْنَهما كبيراً ، وبعيداً (وَتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ ) تحلوا بالوقار، وهدوء الأعصاب، وَلا تَهتموا بالقيل والقال، والدعايات الكاذبة (وَ عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِدِ ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ ) . إِذَا عضَ الإِنْسَان على أضراسه تصلبت أعصابه ، وصارت أشد ، وأقوى على تحمّل الطَّعْن والضَّرْب (وَأَكْمِلُوا اللَّامَةَ ) أي الدرع ، وآلات الحَرْب (وَ قَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلّهَا) حركوها (قَبْلَ سَلِّهَا ) كيلا تستعصي عن الخروج (وَ الْحَظُوا الْخَزْرَ ، وَأَطْعُنُوا الشَّزْرَ ) . انظروا عند الحزب بغضب ، ونوعوا الضَّرْبات (وَ نَافِحُوا بِالظُّبا ) أضربوا أَعْدَاءكم بالسُّيُوف) (وَصِلُّوا او السُّيُوفَ بِالْخُطَا ) إِذَا قَصُرَت السُّيوف عن الوصول إلى الأعداء فصلوها بخطاكم أي تقدموا نَحوَهم وَلاتهابوهم.)وكَانَتْ هَذه التنبيهات ضرورية آنذاك حيث كَانَتْ الحزب بالطَّعْنِ ، والضَّرْب تماماً كالملاكمة ، والمصارعة ، أمّا اليَوْم فالقُوَّة للعلم، وأدواته لا للجسم، وعضلاته.(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللهِ ، وَ مَعَ أَبْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) . أَنْتُمْ على حقّ فِي هَذِهِ الحزب تماماً كما لو كُنتم مَع رَسُول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)، والله سُبْحَانَهُ يَشملكُم بعونه ، وعنايته إِذَا أخلصتم التوكل عَلَيْهِ (فَعَاوِدُوا الْكَرَّ ) . كرروا هَجماتكم على الْعَدُوِّ (وَ اسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرّ ) . لأنّ الشّجاع لا ينهزم ولا يستسلم، ويصبر على الشَّدَائِد (فَإِنَّهُ عَارٌ فِي)

الْأَعْقَابِ . أي أنّ النّاس يعيّرون الأَبْنَاء بفرار الآباء (وَ نَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ ) بالإضافة إلى عذاب الحريق بعد الموت ، وقد أجمع الْفُقَهَاء على أن الفرار من الزحف من أكبر الكبائر بخَاصَّة إِذَا كَانَ بأمر المعْصُوم ، وقيادته (وَ طِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً ) أبذلوا أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيل الله عن طيب نفسٍ (وَ امْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مشياً سُجُحاً ) أي سهلاً، والمغنى أقبلوا على المؤت راغبين لا كارهين (وَ عَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ ) . وهو عسكر مُعَاوِيَة (وَالرِّوَاقِ الْمُطَنَّبِ ) أي خيمة مُعَاوِيَة التي شدت بالأطناب (فَاضْرِبُوا تَبَجَهُ ) أي وسطهُ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ) وهو مُعَاوِيَة (كَامِنُ فِي كِسْرِهِ ) أي فِي جانبه .)(وَ قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْيَةِ يَداً، وَأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً ، أَي أَنَّ مُعَاوِيَة إِنْ رَأَى فِي جيش الإمام ضعفاً ، وجبناً ، وَتَب، وأقدم ، وإنْ رَأَى فِيهِ شجاعةً ، وجَلَداً نَكص ، وأنهزم (فَصَمْداً صَمْداً !) أثبتوا ، وأصبروا (حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ ) . أي أَنْتُمْ تُحاربون من أجل فكرة تؤمنون بها ، وتقدمون التضحيات من أجلها ، فأصبروا، وأستمروا في الجهاد حَتَّى تنحقق هذه الفكرة ، وتبرز إلَى الْوُجُود وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللهُ مَعَكُمْ ) (1). إن صبرتم في الجهاد ، ورفضتم الاستسلام، ولم تخدعكم الحيل والأكاذيب( وَ لَن يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ) . لا ينقصكم الله شَيْئَاً من الجَزَاء ، والتَّوَاب .


1) سُورَةٌ مُحَمَّد : 35

الخطبة-67-

بَيْنَ الْمُهَاجِرِين، والأَنْصَار

فَهَلا احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)، وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ ؟

قَالُوا : وَ مَا فِي هَذَا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ .

فَقَال( علیه السلام) :

لَوْ كَانَ الْإِمَامَة فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ .

ثُمَّ قَالَ(علیه السلام):

فَمَا ذَا قَالَتْ قُرَيْشُ ؟ قَالُوا : احْتَجَتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُولِ(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، فَقَالَ (علیه السلام):

احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ .

قبل أن تبرد جُثّة النَّبِيِّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)اختلف رؤوس الْمُهَاجِرِين ، والْأَنْصَار على الحكم، والسُّلْطَان من بعده، ثُمَّ قَالَ الْأَنْصَار للمُهاجرين: منّا أمير ، ومِنْكُم

أمير(1)... وكَانَ الْإِمَام أمير المؤمنين (علیه السلام)، وبعض أهله ، وصحبه إلى جوار النبيّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) يبكونه ويعدون العدة لدفنه ، وحين أبلغ الإمام بخبر السَّقِيفَة ، وبقول الأَنْصَار : منَا أَمِير ومِنْكُم أَمِير ، قَالَ(علیه السلام) : (فَهَلا احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)،وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِينِهِمْ ؟ ) .

قَالُوا: وَ مَا فِي هَذَا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ(علیه السلام) : (لَوْ كَانَ الْإِمَامَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُن الْوَصِيَّةُ بِهِمْ ) بل إِلَيْهِمْ ، لأنّ الْإِمَامِ يُوصى إِلَيْهِ بالغير، ولا يوصى به إلى الغير . ثم قَالَ الْإِمَام(علیه السلام) : (فَمَا ذَا قَالَتْ قُرَيْش ؟ قَالُوا : اَحْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)) .

قَالَ (علیه السلام): (احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ ) . وَهِي أَهْل البَيْت(علیهم السلام)، وفي معناه قَوْل الْعَبَّاس لأبي بَكْر : «أمّا قولك : نَحْنُ شَجَرَة رَّسول (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فإنّكم جيرانها ، وَنَحنُ أَغْصَانُها »(2).

وتجدر الإِشَارَة إِلَى أنْ مُراد الْإِمَام(علیه السلام) من قَوْله هَذَا مُجرد الرّد على قُرَيْش وإبطال قَوْهم بأنهم أَوْلَى بالنَّبي لقربهم مِنْهُ نسباً ، وعشيرةً .. ومن أَقْوَال الإمام:«وَاعْجباه ! أَتَكُون الخلافة بالصَّحَابَة ، والقَرَابَةِ ؟(3)

خصائص الائمة للشريف الرَّضِي : 111. وروي له شعر فِي هَذَا الْمَعْنَى:

فَإِنْ كُنْتَ بِالسُّورَى مَلَكَتْ أُمُورَهُمْ *** فَكَيْفَ بِهَذَا وَالْمُشِيرُونَ غُيَّب ؟

وَإِنْ كُنْتَ بِالقُرْبَى حِجَجْتَ خَصِيمَهُمْ*** فَغَيرُكَ أولَى بِالنَّي وأقْرَبٌ

... إن وَلِي مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)مَنْ أَطَاعَ

1) أنظر صَحِيح البخاري: 120/4 . كتاب الحدود باب رجم الحُبلى من الزنا ، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى: 0263/2 . كنز العمال : 56/4 و 60 ، العقد الفريد : 61/3، تأريخ الطبري: 201/2 و 256 حوادث سنة 11ه-، ابن الأثير : 125/2 ، تاريخ الخُلَفَاء لِابْن قُتَيْبَة : 05/1 125/2

2) أنظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 5/6 ، والموفقيات للزبير بن بكار : 8/2

3) أنظر ، نهج البلاغة : 43/4 المحكمة (190)، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي: 416/18 رقم (185). شرح النهج للبحراني : 341/5 شرح النهج للخوئي : 262/21 ، شرح النهج للفيض : 1163 رقم (181).

الله وَإنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ . وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّد مَنْ عَصَى اللَّهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ »(1).

ومن تَتَبَّع المناقشات الّتي دارت في السَّقِيفَة حَوْلَ الخلافة يرى أنّه لا مَصْدَر للإختلاف بَيْنَ الْمُهَاجِرِين ، والأَنْصَارِ إِلَّا المَصْلَحَةِ الشَّخْصِيَّة ، وإلّا الدُّنْيَا وزهرتهان فالمُهَاجِر كَانَ يحتج ، ويزهو بقرابة النبيّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، والأَنْصَارِي كَانَ يحتج ، ويزهو بأنّه آوى النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ... أمّا مصلحة الإسلام ، والمُسْلِمِين فما أشار إلَيْهَا واحد من الجانبين ... ومن أجل هَذَا عارض خلافة الخلفاء الذين لا يَسْتَطِيعُون العيش بحُرِّيَّة ، وكرامة إلا في ظل العدل والمساواة، والْقُرْآن الْكَرِيم يطلق على هَؤُلاء كَلِمَة الْمُسْتَضْعَفِين ، وقد أمر بقتال الأقوياء الطغاة من أجل تحريرهم من الظلم والْبَغْي كما في الآية: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَان(2). وكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَضْعَفُون من الرواد الأوائل للإسلام، ومن أقوى ، وأَصلب ،جنوده، وتَحمَلُوا فِي سَبِيله الكَثِير من العذاب ، والتَّنكيل ، كعمار ، وسَلْمان ، وأبي ذر ، وغيرهم من العبيد ، والمُسْتَضْعَفِين، وتُطلق الْيَوْم كَلِمَة اليسار على من يمثل آمالهم ، ويطالب بالمُسَاوَاة بَيْنَهُمْ ، وبَيْنَ الْأَقْوِيَاء .)وَقَالَ الأستاذ أحمد عبّاس صالح: «إنّ اليمين كلّه قد رحبّ بخلافة أبي بكر ... وترحيب اليمين بِهَذِهِ الْخِلافَة ، والإسراع بتأييدها لَيْسَ له إلّا معنىً واحد ، وهو أنّ


1) أنظر . نهج البلاغة : 21/4 الحكمة (96).

2) النِّسَاء : 75.

غالبية المُسْلِمِين كَانُوا مَع الإتجاه اليساري الذي يُمثله علي بن أبي طالب وأَصْحَابِه . أعني أنّ جماهير المُسْلِمِين العريضة كَانَتْ مَع هَذَا الإتجاه ، لأنَّ النَّبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم نَفْسه كَانَ زعيمه، وواضع مبادئه الأساسية، وأي أتجاه مُضاد كَانَ سيقابل بالْعُنْف ، وكَانَ سيقضى عَلَيْهِ في المهد ، ولذلك جاءت خلافة أبي بكر فرصة ليستجمع اليمين فيها قواه، ويرتب أمْرَه للوثوب على الحكم بعد أن قضى النَّبِيِّ الَّذي لم يجرؤ أحد في حياته أن ينحرف بالدَّعْوَة إِلَى اتجاه غَيْر أتجاهها . هَذَا وَافق اليمين على الْبَيْعَة لأبي بَكْر ، بل رحبّ بها ، وعمل على نجاحها . بينها عارضها اليسار ، وعلى رأسه عليّ بن أبي طالب ، معارضة صريحة»(1).)وَقَالَ الأستاذ أحمد صالح: «إنّ بَعْض المُسْلِمِين الكبار الذين كَانَتْ أوضاعهم الإجتماعية قبل الإسلام، وبعده، أوضاعاً ممتازة من حيث الثروة ، والمكانة - لم يَسْتَطِيعُوا التّخلص تماماً من تأثير أوضاعهم عَلَيْهِمْ ... فكان هواهم مَع أحْزَاب اليمين ، وكَانَ الْمِين يَستغل شهرتهم أحسن استغلال في شدهم إلَيْهِ ، وضمهم إلى صفوفه»(2)


1) أنظر ، مجلة «الكاتب المضربة عدد كانون الثاني سنة 1965م. (مِنْهُ قدّس سرّه)

2) مجلة «الكاتب» المصرية عدد آذار سنة 1965م. (مِنْهُ قدّس سرّه) .

## الخطبة-68-### مِصْر ومُحَمَّد بْنِ أَبِي بَكْرٍ:وَ قَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةً مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ ، وَ لَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَّا خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ ، وَ لا أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ ، بِلا ذَمٍ لِمُحَمَّد بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً ، وَ كَانَ لِي رَبِيباً.### اللُّغة:الْعَرْصَةَ - بفتح العين ، وسكون الراء - ساحة الدار ، أو كل بقعة لَيْسَ فيها بناء ، والمراد بها هنا ساحة الحزب. وَلا أَنْهَزَهُمُ : وَلا أَمْكَنَهُمْ الرَّبِيب : ابن زَوْجَة الرّجل من غَيْره .الْإِعْرَاب :إِيَّاهَا مَفْعُول ثانٍ لوَلَّيْتُهُ ، وبِلا ذَمٍ مُتَعَلَّق بمحْذُوف أي أَقول هَذَا بِلا ذَمّ.

### الْمَعْنى:(وَ قَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةً مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ الملقب بالمرقَالَ (1)، لأنَّه كَانَ يَرقل في الحَرْب أي يُسرع فيها ، وكَانَ صاحب راية الإمام في صفين، ومن أفاضل أَصْحَابِه ، واسْتُشْهِدَ فِي نفس الْيَوْم الَّذِي اسْتُشْهِدَ فِيهِ عَمَّار بن ياسر ، وَقَالَ الْإِمَام هَذَا حِينَ بلغه مقتل مُحَمَّد بن أبي بَكْر (وَ لَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَّا خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ وفرَّ كما فرَّ أبن أبي بكر ، ولصبر صبر الأحرار، وقاتل قتال الأبطال.)(بِلا ذَمٍّ لِمُحَمَّد بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً ، وَكَانَ لِي رَبِيباً . أُمَّ مُحَمَّد بن أبي بَكْر هِي أَسْمَاء بنت عُميس، كَانَتْ تحت جَعْفَر بن أبي طالب أخي الإمام، وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له هناك عبد الله بن جَعْفَر ، ولما قتل عَنْهَا في مؤتة تزوجها أبو بكر ، وولدت له مُحَمَّداً (2)، ولما مَات عَنْهَا تزوّجها الإِمَام ، فكان


1) وهو القَائِل، كما جاء في الاشتقاق : 153/1 ، الإصابة : 593/3.)أَعْور يَبْغِي أَهله محلاً ***قد عالج الحَيَاةِ حَتَّى مَلايُشْلُّهُم بِالسَّهري شَلاً *** ولا بدَّ أنْ يَغُلَّ أو يُفَلا

2) مُحَمَّد بن أبي بكر، وأمه أسماء بنت عميس المختعمية تزوجها أبو بكر بعد استشهاد جَعْفَر بن أبي طالب فولدت له مُحمَّداً في حجّة الوداع بطريق مَكَة . ثمّ نشأ في حَجَر علي بعد أبيه ، وشهد معه حزب الجمل وكَانَ على الرّجالة، وشهد معه صِفين صِفِّين، ثم وَلاهُ مِصْر فدخلها في 15 شهر رمضان (37 هـ). فجهز مُعَاوِيَة جيشاً بقيادة عَمْرُو بن العاص لفتح مصر فتغلب عَمْرُو عَلَيْهِ سَنَة (38هـ) وقتله مُعَاوِيَة بن خُدَيْج صبراً، ثم أدخلوا جسده في بَطْن حمار ميت وأحرقوه وعندما بلغ ذَلِكَ عَائِشَةَ بكت بكاءُ شَدِيداً . وهي التي خاطبت أم حبيبة أخت مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ عندما عملت الأخيرة شوت كبشاً، وبعثت به إِلى عَائِشَةَ تشفّياً بقتل مُحَمَّد بطلب دم عُثمان ، فقالت عَائِشَةَ : قاتل الله أبنة العاهرة ، والله لا أكلت شواءً أَبَداً ، ثمّ ضعت عياله إِلَيْهَا ، ورعت حقه، ولم تنسه مدى الحياة، وهو القائل لها بعد أن أنتهت معركة المجمل، وأدخل رأسه إِلَيْهَا ، قالت : مَن أنتَ ويلك ؟ قَالَ : أبغض أهلك إِلَيْكَ ، قالت : أبن المختعمية ؟ قَالَ : نعم ، قالت : الحَمْدُ لله الذي عافاك ...)أنظر ، تذكرة خواص الأُمَّة : 114 ط النجف . التمهيد والبيان: 209 الأغاني : 9/21 ، الإشتقاق 371 ، الطَّبَرِي، وأبن الأثير ، وابن كثير في ذكر حوادث سنة (36ها، الإصابة حرف الميم : 3 ق 451/2 ، الاسْتِيعاب : 328/3 ، الفتوح لابن أَعْتَمْ: 472/1، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 55/1 وما بعدها. تَهذيب الكمال : 541/24 رقم 5097 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 190/3.

ربيبه ، وخريجه ، رضع الشتيع مُنذ الصبا ، وكَانَ الْإِمَام يَقُول : «مُحَمَّد أبني من صُلب أبي بكر » (1.)وَقَالَ المسعودي : «وجه مُعَاوِيَة عَمْرُو بن العاص فِي أَرْبَعَة آلاف إِلَى مِصْر، وأقتتل مَع مُحَمَّد بن أبي بَكْر ، وكَانَ عامل علي عَلَيْهَا ، فأنهزم مُحَمَّد لإسلام أَصْحَابه إياه، وتركهم له، وأختفى في دار بمصر، فأحاط أبن العاص، وجيشه بالدار ، فخرج مُحَمَّد إِلَيْهِمْ ، وقاتلهم حَتَّى قُتل ، فجعلوه في جلد حِمار ، وأضرموه بالْنَّار ، وقيل : أنهم فَعَلُوا ذَلِكَ وبه شيء من الحياة ، وبلغ مُعَاوِيَة قتل مُحَمَّد ، فأظهر الفرح ، والسُّرُور » (2، وَقَالَ الْإِمَام (علیه السلام): «جزعنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدر سرورهم»(3).)


1) أنظر . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 264/1 ، شرح النهج مُحَمَّد عَبْدَه :

2) أنظر ، مروج الذهب حوادث سَنَة 38.ه-. (مِنْهُ قدّس سرّه ).

3) أنظر ، مروج الذهب للمسعودي : 39/2 تاریخ ابن كَثِير: 314/7، تاريخ الطَّبَرِي : 58/6 - 61 . الكَامِل في التاريخ لابن الأثير : 154/3 ، النجوم الزاهرة : 110/1، تذكرة خواص الأمة : 114 ط النجف ، التمهيد والبيان: 209 ، الأغاني : 9/21 ، الإشتقاق: 371، الطَّبَرِيِّ، وأبن الأثير ، وأبن كَثِير في ذكر حوادث سنة (36هـ) ، الإصابة حرف الميم : 3 ق 451/2. الاِسْتِيعاب : 328/3، الفتوح لابن أَعْتَمْ: 472/1 ، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 55/1 وما بعدها، تهذيب الكمال : 541/24 رقم 5097. شرح النهج لابن أبي الحديد : 190/3.

## الخطبة-69-### أفسد نَفْسِي بِصَلاحَكُمْ:كَمْ اُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ ، وَ الذِّيَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبِ تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ ، وَ انْجَحَرَ أَنْجِحَارَ الضَّيَّةِ فِي جُحْرِهَا ، وَ الضَّبع فِي وِجَارِهَا . الذُّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ وَ مَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ إِنَّكُمْ - وَاللَّهِ - لَكَثِيرُ فِي الْبَاحَاتِ ، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ ، وَ إِنِّي لَعَالِمُ بِمَا يُصْلِحُكُمْ ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ، وَلَكِنِّي لا أَرَى إِصْلاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي ، أَضْرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ لا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ ، وَلا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ !### اللُّغَة:الْبِكَارُ : جمع بِكر، ضَرب من الإِبل. والْعَمِدَةُ - بكسر الميم - الناقة مكسورة السنام ، وظاهره سليم، وحيت : خِيطَتْ وتَهَتَكَتْ : تَخَرَّقَتْ أَطَلَّ: أشرف. المنسر : القطعة من الجيش . وَأَنجَحَرَ : دَخَل الجُحْر ، وهو كلّ مكان تحتفره الهوام.

والسّباع لأنفسها . والضَّبَّة : أُنثى الضَّبّ ، وذنَبَه كَثير العُقد ، وتقول الْعَرَب : أَعقُّ من ضَبِّ، وأجبن من ضَبِّ ، وأخدع من ضَبِّ. وَالصَّبع : ضَرب من السباع معروف وَالوِجَارِ : الجُحر . والأفوق من السّهام ما كسر فَوقه. والنَّاصِل : العاري من النَّصل أي حديدة السهم والباحات الساحات. وأَوَدَكُمْ : أَعْواجِكُمْ. وأَضْرَعَ خُدُودَكُمْ : أَذَل وجُوهَكُمْ وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ. حَط من حظُوظَكُمْ .### الْإِعْرَاب :قَالَ النُّحاة : تُستعمل «كَمْ» في معنيين : الْأَوَّل فِي كَثِير ، وتسمى خَبَرِية ، الثَانِي في أي عدد ، وتسمى أستفهاميّة ، وتمييز الأُولَى مَخفوض ، وتَمييز الثَّانِيَة مَنْصُوب . هذا ما قاله النُّحاة ، والذي نفهمه من «كَمْ» فِي قَوْلِ الْإِمَام : « كَمْ أُدَارِيكُمْ إِلَىٰ متى أَدَارِيكُمْ ، وعَلَيْهِ تَكُون مَنْصُوبة بنزع الخافض ، وَ «كَمَا» الكاف بِمَعْنَى مثل صفة لمَفْعُول مطلق مَحْذُوف «مَا مَصْدَرِيَة . وكُلَّمَا حِيصَتْ كُلَّ مَنْصُوبة على الظُّرفِيّة لأنّ الْمَعْنَى كُلّ وقت حِيصَتْ ، أو حِيَاصَة ، وناصبها تَهَتَكَتْ . قال ابن هشام فيالْمُغْنِي : «قَالُوا : كُلَّمَا مَنْصُوبة على الظرفية باتفاق ، وناصبها الفِعْل الَّذي هو جواب في المعنى» (1)### الْمَعْنى:تثاقل أصْحَاب الإمام(علیه السلام عن الْقِتَال ، وأنصرفوا عنه بعد حزب الجَمَل)


1) أنظر ، مُغني اللبيب : 201/1، (مِنْهُ قدّس سرّه ) ، الإتقان في علوم القرآن: 261/2 ، البحر المحيط : 90/1.

وصِفِّين ، والنَّهْرَوَان ، وأَصْبَحُوا لا يُبالون بأوامر الإمام، وتوبيخه ، ومواعظه ، ومِنْهَا قَوْله : (كَمْ أَدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ، وَالنّيَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبِ تَهَنَّكَتْ مِنْ آخَرَ . أَنْتُمْ فِي حَالَ شَاذَّةً غَيْر طبيعية ، وقد أضطرني شُذوذكم هَذَا أَنْ أسُوسكم بالرّفْق ، والملاينة تماماً كما يُدَارَى البَعِير المريض. والتّوب البالي إِذَا خِيطَ مِنْهُ جانب أنفتق جانب.)(كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ على نَفْسِه جبناً ، وخَوراً (وَ أَنْجَحَرَ ) أي تخبأ ، وأَختى (أَنْجِحَارَ الضَّيَّةِ) وَهِي أُنثى الضَّمِّ (فِي جُحْرِهَا ) أي حفرتها (وَ الضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا ) أي بَيْتِها ، أو كهفها (الذُّلِيلُ وَاللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ !) لأنكم لا تُفيدونه بشيء (وَ مَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ ) أي بغير سهم ، أو بسهم مُحطم ، وقد تَقَدَّم إِنَّكُمْ - وَاللَّهِ - لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ ، حَيْث لا حَرْب وَلاً جهاد قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ ) حَيْث الحَرْب . والجهاد (1).)(وَ إِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ، وَلَكِنِّي لَا أَرَى إِصْلاحَكُمْ، بِإِفْسَادِ نَفْسِي . أَبَداً لا شيء عند علي إلا الدِّين، فَهُوَ ،آخرته ودنياه، ونَفْسه، وهواء ، ومن أجل هذا ساس به أَصْحَابِه ، وما حاول ، أو فَكَّر قط أن يستميل أحداً بمال ومنصب، أو بالتضليل، والتغرير ، والخداع، ومن أجل هَذَا تَفَلَّتَ أَصْحَابِه ، أو أَكْثَرهم من يده ، وهو يعلم علم اليقين أنه لو أستجاب إِلَى أَهْوَائِهِم كما يفعل مُعَاوِيَة لكانوا أطوع إِلَيْهِ من بنانه ، ولَكِنَّهُ - كما قَالَ - أَتَأْمُرُونى أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ)


1) أنظر ، مع الشرح الخطبة : (30)، (مِنْهُ قدّس سرّه) .

بِالْجَوْرِ ؟(1، وَلا يصلح دنياه بإفساد دينه . قَالَ طَه حَسِين : «كَانَ مُعَاوِيَة يشتري ضمائر كَثِير من أَهْل البَصْرَة ، والْكُوفَة ليفسدهم على عليّ ، ثم ظل على ذلك بعد أن استقام له الأمر ، وجعل يتألف النّاسَ حَوْلَ عرشه بمال المُسْلِمِين لا يرى بِذَلِكَ بأساً ، ولا يرى فيه جناحاً ، ومضى الخُلَفَاء من بَنِي أَمَيَّة على سُنته »(2).)ثم قَالَ طَه حَسِين : وكَانَ على كَثِيراً ما يَقُول لأَهْل الْكُوفَة : «وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، لا أُقْسِد نَفْسِي بِصَلاحَكُمْ ، وصدق عُمر بن الخطَّابِ حِينَ قَالَ : لو ولوها - يُريد الخلافة - أبن أبي طالب لحملهم على الجادة ، وقد همّ علي أن يحمل المُسْلِمِين على الجادة ، ولكن المُسْلِمِين أبوا عَلَيْهِ ... ومن أجل ذَلِكَ قَالَ كَثِير من المتأخرين: «أنّه لم يَكُنْ مُحسناً للسياسة ، وما أشك في أنه كَانَ يُحسن وَالسَّيَّاسَة كلّ الإِحْسَان ، وكَانَ جديراً لو أصطنعها أن يجمع إِلَيْهِ النَّاسِ ، ولَكِنَّهُ آثر الدين على الدُّنْيَا ... وأبى أن يصلح الناس، ويفسد نفسه ... وفارق الدُّنْيا راضياً مرضياً لم يحتمل خَطِيئَة ، ولم يقترف إثماً» (3.)وَقَالَ عبد الْكَرِيم الخطيب المصري: «كَانَ المالِ فِي يَد عليَّ حَرْباً عَلَيْهِ يُكثر من أَعْدَائه ، ويُفسد عَلَيْهِ أَصْحَابِه ، وأنصاره بينا تجد المال في يد مُعَاوِيَة جيشاً عاملاً يبسط له على النّاس سُلطاناً قائماً على الرغبة ، والأمل »(4.)(أَضْرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ . دُعاء عَلَيْهِمْ بالمذلة ، والهوان (وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ !) . دُعاء)


1) أنظر . خطب النهج : 6/2 ، من كلام له رقم (126).

2) أنظر . مرآة الإسلام للدكتور طه حسين : 270 . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

3) أنظر ، مرأة الإسلام للدكتور طه حسين : 274 . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

4) أنظر في كتاب «علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة ، وخاتم الخلافة»: 445 .

بالخيبة ، وسُوء الحظ (لا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ . أي يَعْمَلُونَ بالْبَاطِل دُونَ الْحَقِّ ، ومِثْله قَوْل (علیه السلام): ولا في البلاد شيء أنكر من المَعْرُوف ، وَلا أعرف من المُنكَر (وَ لا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ ) . ومن أجل هَذَا كَانُوا هدفاً للغُزاة، والطَّامعين، وعاشوا أذلاء خَاشِين.)

## الخطبة-70-### شَكْوَى الإِمَام لِلنَّبيّ:مَلَكَتْنِي عَيْنِي وَ أَنَا جَالِسٌ ، فَسَنَحَ لِي رَسُولُ الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا ذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْأَوَدِ ، وَ اللَّدَهِ ؟ فَقَالَ : «أَدْعُ عَلَيْهِمْ» فَقُلْتُ : أَبْدَلَنِي اللهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنِّي .)### اللُّغَة:مَلَكَتْنِي عَيْنِي : غَلَبَنِي النُّوم . السَّانَح هو الَّذِي يَأْتِي من جانب المِين ، والبَارَح من جانب اليسار ، والنَّاطَح الَّذي يستقبلك ، والقعيد الذي يستدبرك، والمراد هنا بـ (سَنَحَ لِي أنَّه رَأَى في المنام رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) . والأَودِ : الإعوجاج . اللَّدَدِ : الخصام .)### الإعْرَاب:وَ أَنا جَالِسٌ الواو للحال ، ومَاذَا مُبْتَدَا ، وخَبَر ، أو كَلِمَة وَاحِدَة مُبْتَدَا ، وجُمْلَة لَقِيتُ خَبَر .

### الْمَعْنى: يَقُول الْإِمَام : أَنه رَأَى رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في منامه ، فشكا إِلَيْهِ مَا لاقَاه من أُمّته (1)، وكَانَ ذَلِكَ فِي آخر اللَّيْلَة التي قُتل فِي صَبِيحتها ، فأَمَرَهُ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أَنْ يَدعو عَلَيْهِمْ، فسأل الله سُبْحَانَهُ أنْ يُبدله بالخبيث طيباً ، ويُبدلهم بالطَّيِّب خبيثاً ، فأستجاب له سُبْحَانَهُ ، ونقله إلى جواره، وسلط عَلَيْهِمْ مُعَاوِيَة يَسُومهم خَسفاً ، ويَسُوقهم عُنفاً ، وَلاَ يُعطيهم إلّا السَّيْف ، وتَقَدَّم مِثْله (2)


1) رُوي ذَلِكَ بطرق عديدة، فمثلاً عن عمار الدهني عن أبي صالح الحنفي قَالَ : سمعت عَلِيَّاً(علیه السلام) لا يَقُول : رَأَيْت النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في منامي، فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ ما لقيت من أُمِّتِهِ من الأَود ، واللَّدَدِ - العوج والخصومة الشديدة - وبكيتُ، فَقَالَ : لاتبك يا على والتفتْ. فالتفتُ فَإِذا رجلان مُصَقَدان، وإذا جلاميد تُرْضَح بها رُؤُوسهما . أنظر ، النَّهَايَة : 244/4 ، الإرشاد: 15/1 ، المناقب للخوارزمي : 378 و 402 ، مناقب ابن شهر آشوب : 311/3 : كشف الغمة : 433/1 ط الحَدِيثَة قريب من هذا اللفظ ، وتذكرة الخواص: 100، إعلام الورئ: 155 ، بحار الأنوار : 225/42، شرح النهج لابن أبي الحديد : 1/ 128 ، شرح النهج للفيض : 156 خُطْبَة 96 تاريخ دمشق ترجمة الإمام علي: 295/3 ، الاستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة : ، 61/3 . في شرح النهج للفيض : 156 خُطْبَة 69 ، وتأريخ دمشق : 295/3 والاستيعاب : 61/3 ورد بلفظ : «أَدْعُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ : أَبْدَلَنِي اللهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنّي.

2) أنظر الخُطْبَة : (27). (مِنْهُ قدّس سرّه) .

## الخطبة-71-### اشارة أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ ، وَمَاتَ قَيِّمُهَا ، وَ طَالَ تَأَيُّمُهَا ، وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا أَمَا وَاللهِ مَا أَتَيْتُكُمُ اخْتِيَاراً ، وَلَكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً . وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : عَلِيٌّ يَكْذِبُ ، قَاتَلَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى ! فَعَلَىٰ مَنْ أَكْذِبُ ؟ أَعَلَى اللهِ ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ ! أَمْ عَلَىٰ نَبِيِّهِ ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ كَلا وَ اللَّهِ ، لَكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا ، وَ لَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا . وَيْلُ أُمِّهِ كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ ! لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ . ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ و بَعْدَ حِينِ ) (1)

### اللُّغَة :أَمْلَصَتْ الْمَرأَة : أَلقَت حَمَمْلَهَا مَيْتًاً . والقَيِّمُ على الأَمر : مُتوليه ، وقيم المَرْأَة زوجها . والأتم: غير المتزوج رجلاً كَانَ أم إمَرْأَة بكراً كَانَتْ أَم تيباً. والمراد بالهجة هنا الكلام الَّذي تضيق عن إدْرَاكه العُقُول الضَّعيفة .


1) سُورَةُ ص: 88

### الْإِعْرَاب:أَمَّا للتّفصيل ، والتّوكيد ، وبَعْدُ تَأتي ظرف زمان مِثل أَتيت بَعْد الظهر ، وظرف مكان مثل أتيت بيروت بعد صيدا ، وإذا قطعت بَعْدُ عن الإضافة جاز نصبها ، وضمها ، وَهِي هُنا مَبنية على الضم ، والأصل أمّا بَعْدَ الحَمْدُ، واخْتِيَاراً مَصْدَر فِي مقام الحال أي ما أتيتكم مُختاراً ، ومِثْله سَوْقاً أي مسوْقاً ، وَمُضْطَراً ، وكَلا حرف ردع، وزجر ، والوَيْلُ كَلِمَة دُعاء بالشّر ، وتُستعمل للتعجب ، وأستعظام الأمر وَإِذَا أُضيفت إِلَى الأُم كَانَ الدُّعَاء عَلَيْهَا بِأنْ تُصاب فِي أَوْلادها ، وَهِي مَع الإفراد يجوز رفعها بِالابْتِدَاء ، مثل ويلٌ لزيد ، ونصبها على أضمار الفِعْل ، ومع الإضافة يجب نصبها لأَنها لو رفعت لم يَكُنْها خَبَر ، وفِي النّدبة يُقال : وَيلاه ، والهاء للسكت ، وكَيْلاً مَنْصُوب على المَصْدَريَة أي أَكِيل لَكُمْ كَيْلاً.### الْمَعْنى:اشتد الْقِتَال في صفّين، ولما بدت علامات النّصر في جبهة الإمام (علیه السلام، وظهر الوهن في جبهة مُعَاوِيَة رفع هَذَا المَصَاحِف حيلة، وخداعاً ، ودبَّ الخلاف ، والإضطراب في أَصْحَاب الإمام ، ولم يَكُن من المستطاع جمعهم على كَلِمَة سواء، وتمَّ المُعَاوِيَة ما أراد ، فأمتلأت نفس الإمام حَسرة ، وَقَالَ من جُملة ما قَالَ : (أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ ، وَمَاتَ قَيْمُهَا ، وَطَالَ تَأَيُّمُهَا ، وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا ) . يُشبه الإِمَامِ أَصْحَابِهِ الذين كفّوا عن قتال مُعَاوِيَة فِي صِفِّين بعد أنْ أمكنهم الله منه ، يُشبههم بالمَرْأَةِ التي حملت جنينها إِلَى الشّهر التّاسع ، ثُمّ أسقطته مَيْتاً بصدمة، ونحوها ، ثُمّ فقدت زوجها ، فعاشت بلا)

زوج يكفلها ، ولا ولد يسعدها حَتَّى إِذَا هَلكت لم يرثها ذو نسب ، أو سببٍ قَرِيب كالابن والزوج، بل الأَرْحَام الأباعد كأبناء العمومة ، والخؤولة.(أَمَا وَ اللهِ مَا أَتَيْتُكُمُ اخْتِيَاراً ، وَ لَكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً . بقِ الإِمَام فِي المَدِينَة أَربعة أشهر بعد البيعة له بالخلافة ، ثم خرج مِنْهَا لحَرْب أَهْل الجَمَل ، وأضطر إلى الْبَقَاءِ فِي الْعِرَاق لمقابلة أَهْل الشام في صِفِّين .. وإذَنْ لم يَكُنْ الإِمام مالكاً إِرَادَة الْبَقَاء فِي الْمَدِينَة ، وَلاَ إِرَادَة الذهاب إِلَى الْعِرَاقِ، بل كَانَ يتحرك بدافع من الظُّرُوف ، والْقَضَاء على الْفِتَن ، والضَّلال.)(وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : عَلِيٌّ يَكْذِبُ، قَاتَلَكُمُ اللهُ تَعَالَى : فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ ؟ أ عَلَى اللهِ ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ ! أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ ! . قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : « كَثِيراً ما كَانَ الْإِمَام يُخبر أَصْحَابِهِ بِمَا لا يَعْرِفُون ، ويعلمهم ما لم يكونوا يَعْلَمُون ، فيَقُول الْمُنَافِقُون من أَصْحَابه : إنّه يكذب كما كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُون مثل ذَلِكَ للنبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)- يُشير الشيخ مُحَمَّد عَبْدَهُ إِلَىٰ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَنجِرُ كَذّابٌ )(1)فرد الإِمَام عَلَيْهِمْ بِقَوْله : أَنه أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ ! وَأَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ ! فكَيْفَ يجتريء على الْكَذِب على الله ، أو على رَسُوله مع قُوَّة إيمانه ، وكمال يَقينه »(2).)(لكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا ، وَ لَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا أَنْتُمْ لا تَعْقِلُون ما أقول لأنكم لستم من أَهل العُقُول ، والقُلُوب التي أُضيئت بنور الله (وَيْلُ أُمِّهِ ) أي أم الَّذي قَالَ : عليٌّ يكذب (كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءً ) . أَنَّ الْإِمَام يكيل العِلْمِ بلا)


1) سورة ص 4 .

2) أنظر ، شرح النهج : 119/1.

حساب لمن يعقل عَنْه ، ويقدره ، ولكن أين هو ؟ ومِثْله : «هَا ، إِنَّ هَا هُنَا لَعِلْماً جمّاً »(1)( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ و بَعْدَ حِينِ )(2). أي سَيَعْرِفُون عظمة الإمام بعد أن يبتلوا بغيره .

وَقَالَ عبد الْكَرِيم الخطيب: «لم نجد أحداً كَانَ له من طول الصّحبة مع النَّبِيِّ، ومن مخالطته ما كَانَ لعليٍّ، فلقد صحب عليُّ النَّبِيِّ صحبة متصلة أكثر من ثلاثين عَامَاً، وتِلْكَ مُدَّة لم يظفر بها أحد من المُسْلِمِين جَمِيعَاً، فَإِذَا اجتمع إلى طول الصحبة قرابة قريبة ، وإلف متصل، ومخالطة في حلو الحياة، ومرها ، ثُمّ صادف ذلِكَ كلّه أُذناً واعية ، وقلباً ذاكراً ، وثقلاً حافظاً كَانَ ما نُسب إلى عليٍّ من علمٍ ، وحكمةٍ ، ونفاذ بصيرة، وشفافية روح - قليلاً إلى ما يرجى مِنْهُ ، ويؤمل فِيهِ» (3.)وَقَالَ الأستاذ الخطيب: «كَانَ عليّ بطل الإِسْلام دُونَ منازع ، لا يَعْرِف المُسْلِمُون سَيْفاً كسَيْف على في إطاحته لرُؤوس أمة الكفر ، وطواغيت الضَّلال من سادة قريش ، وقادتها ، وكَانَ علي فقيه الإسلام وعالم الإسلام، وَحَكِيم الإسلام غَيْر مَدفوع عن هَذَا ، أو منازع فِيهِ »(4.)


1) أنظر ، نهج البلاغة : 36/4 ، الحكمة (147) .

2) سُورَةُ ص: 88

3) أنظر في كتاب «علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة ، وخاتم الخلافة»: 85.

4) أنظر كتابه «علي بن أبي طالب»: 87.

## الخطبة-72-### أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآله... فِقْرَة 1 - 2:أَللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ ، وَدَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ ، وَ جَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا : شَقِيّهَا ، وَسَعِيدِهَا .اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ ، وَنَوَامِي بَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّد عَبْدِكَ ، وَرَسُولِكَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ ، وَ الْفَاتِحَ لِمَا انْغَلَقَ ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ ، وَالدَّافِعِ جَيْشَاتِ الْأَبَاطِيلِ ، وَ الدَّامِعْ صَوْلاتِ الْأَصَالِيلِ ، كَمَا حُمِّلَ فَأَضْطَلَعَ ، قَائِماً بِأَمْرِكَ ، مُسْتَوْفِراً فِي مَرْضَاتِكَ ، غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدم ، وَ لا وَادٍ فِي عَزْمِ ، وَاعِياً لِوَحْيِكَ ، حَافِظاً لِعَهْدِكَ ، مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ ، حَتَّى أَوْرَىٰ قَبَسَ الْقَابِسِ ، وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ ، وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْصَاتِ الْفِتَنِ ، وَ الْآثَامِ ، وَأَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الْأَعْلامِ ، وَنَيِّرَاتِ الْأَحْكامِ ، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ، وَ خَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ ، وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ، وَ بَعِيتُكَ بِالْحَقِّ ، وَ رَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ .أَللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ ، وَ اجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ . أَللَّهُمَّ وَ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ ، وَ أَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ، وَأَجْزِهِ مِن

ابْتِعاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ ، مَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ ، ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ ، وَخُطْبَةٍ فَصْلٍ.أَللَّهُمَّ أَجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ ، وَ قَرَارِ النِّعْمَةِ ، وَ مُنَى الشَّهَوَاتِ ، وَأَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ ، وَرَخَاءِ الدَّعَةِ ، وَ مُنْتَهَى الطُّمَانِينَةِ ، وَ تُحَفِ الْكَرَامَةِ .### اللُّغَة:دَاحِيَ : باسط . والمَدْحُوَّاتِ الأَرْضُون، والأَرْض كُرة ، ولكن فيها قطعاً مبسوطة . والمَسْمُوكَاتِ السَّماوَات وَجَابِلَ : خَالِقَ والشَّرَائِفَ : جَمع شَريفَة . وَنَوَامِيَ البَرَكَات : زيادتها، أو زوائدها وجاشت القدر: غلت ، والبحر : هاج. والعين : فاضت ، والنّفس : اضطربت . وجَيْسَاتِ الأَباطيل : أرتفاعها وأضْطَلَعَ بالأمْرِ : نهض به وقوى عَلَيْهِ . ومُسْتَوْفِراً: مُسرعاً ، ونَكِل : نَكص، وجبن . وقدم بضم القاف ، والدال - من مضى قدماً أي سار ، ولم يعرج . وأَوْرَى الزَّند : أَخرج ناره والْقَبس : شُعلة من الْنَّار . والْقَابِسِ : طالب النَّار . والْخَابِطِ : السَّائر على غَيْر هدى . وأَفْسَحْ لَهُ : وَسْعَ لَهُ . وفِي ظِلكَ : في برّك ، وإحسانك . وابْتِعَاتِكَ : بعثك له رسولاً إِلَى الخلق . وبَرْدِ الْعَيْشِ : لا شيء يكدر صفوه . وَمُنَى الشَّهَوَاتِ : ما تتمناه ، و تشتهيه.### الْإِعْرَاب:دَاحِيّ أي يا دَاحِي ، وشَقِيها ، وَسَعِيدِهَا بدل من الْفِطْرَة ، وعَبْدِكَ بدل من مُحَمَّد ، والخَاتِم صفة للرَسُولِ ، وكَما حُملَ الكاف هُنا مَعْنَى لأم التعليل ، وَمَا

مَصْدَرِيَة، قَالَ ابن هشام في المغنى (1: أثبت ذَلِكَ قَوْم ، وهو ظاهر فِي قَوْله تَعَالَى: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِينَ) (2)أي لهدايته إِيَّاكُمْ ، ، وجَيْشَاتِ مَفْعُول للدَّافِعِ ، وصَوْلاتِ مَفْعُول للدَّامِعِ ، وَقَائِماً حال ، ومِثْله مُسْتَوْفِراً ، وغَيْرَ نَاكِلٍ ، ووَاعِياً ، وحَافِظاً ، ومَاضِياً ، ومَفْسَحاً صفة الموصوف مَخذُوف أي وسع له مكاناً متسعاً ، ومُضَاعَفَاتِ مَفْعُول ثانٍ لأَجْزِهِ، ومَقْبُولَ الشَّهَادَةِ مَفْعُول ثانٍ لأَجْزِهِ ، ومَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ عطف على مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ بحذف الواو ، وذَا مَنْطِقٍ حَال .)### الْمَعْنى:دعا الإِمَام(علیه السلام فِي هَذِه الخطبة أن يرفع الله سُبْحَانَهُ من شأن مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلم) عنده مع علمه بأن لرسول الله عند الله مَا لا يَحْلُم بِهِ مَلَكَ مُقَرِّبٌ ، وَلاَ نَبِي مُرْسَلٍ ، وإذن فلا مَعْنَى هَذَا الدُّعَاءِ إِلَّا الْعِبَادَة ، والتَّقرب إلى الله بتعظيم حبيبه ، وتقديسه .)(أَللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ . باسط الأَرَضِينَ يجعلها للخلق فراشاً ، ومعاشاً (و دَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ ) أي السَّماوَات ، والْمُرَاد بِدَعْمَها إمْسَاكها بقانون الجاذبية (و جَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا : شَقِيَّهَا ، وَسَعِيدِهَا ) . والمراد بالفِطْرَة استعداد الإِنْسَان لأنْ يَكُون خيراً ، أو شريراً ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاها فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاها)(3)أى هداها النجدين : طريق الخير ، وطريق الشر، وترك الخيار)


1) أنظر ، مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري: 176/1.

2) الْبَقَرَة : 198.

3) الشَّمْس : 7 - 8

لصاحبها حرصاً على حريته ، وإنسانيته ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ :( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاها (1)وهو السعيد الذي آثر الخير على الشَّر ، وحلال الله على حرامه : (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّهَا )(2)وهو الشق الذي أثر الشَّر على الخير ، والحرام على الحلال.)(أجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ ، وَ نَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّد عَبْدِكَ ، وَ رَسُولِكَ . مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلم) عبد الله ، ورَسُوله : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَةٌ وَحِدٌ فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) (3). أجل، أنّ مُحَمَّداً بشر ، ما فِي ذَلِكَ ریب ، ولَكِنَّهُ مُعْجِزَة السَّماء ، والعظيم من أقتدى بسيرته ، ومِنْهَا أَنه كَانَ يَكْرَه الْفَقْر ، وَيُحَارِبه ، ومَع هَذَا كَانَ يمر الشهر والشهران، ولا يوقد ناراً، ويعيش على الأسودين : التمر، والماء(4)، ومات (صلّی اللّه علیه وآله وسلم)و درعه مرهونة عند يهودي (5)، وطلب من يهودي آخر أن يبيعه الطعام بالدين فرفض ، وَقَالَ : ما مُحَمَّد زرع ، وَلا ضُرع فمن أين يسد ديونه ؟ (6)، وما ملك ثوبَينَ معاً ، ولا نعلين في حياته كلها ، وكان ينام ليلاً على حصير أثرت في جنبه ، ويبسطها نهاراً فيجلس عَلَيْهَا (7)، هَذَا وثروة الجزيرة)


1) الشمس : 9 .

2) الشَّمْس: 10 .

3) فُصِّلَتْ : 6 .

4) أنظر منتهى المطلب : 624/2، البداية والنهاية : 58/6، تهذيب الأَحْكَام 198/4 ، كنز العمال: 268/9 ، وَسَائِل الشّيعة : 105/7 ، مُسند أحمد: 199/1 ، صفوة الصفوة : 199/1

5) أنظر المبسُوط للطُّوسى: 1972 ، المبسُوط للشَّرخَسي: 64/21، تذكرة الْفُقَهَاء : 11/2، تلخيص الحبير: 2/10، المُهَذَب : 43/2، السنن الكبرى : 36/6، شرح الأزهار : 395/3 .

6) أنظر تاريخ بغداد: 374/3 - 1504، تجمع الزوائد : 164/4، ميزان الإِعْتِدَال : 257/1 .

7) أنظر ، مَكَارِم الأخلاق للطبرسي : 38 إحياء علوم الدين للغزالي : 376/2 .

العَرَبيَّة كلّها طوع ارادته ، وغرضه من حياة التقشف هَذه أنْ يُفَهم الأجيال أنّ الحَاكِم لا يجوز له أن يجمع بَيْنَ السلطة ، والثّروة ، بَيْنَ الحكم ، والتّرف «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَيْمَةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلا يَتَبَيَّعَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ »(1. كما قَالَ الْإِمَام(علیه السلام) أي لا يهيج به ألم الْفَقْر فيهلكه .)(الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ . ختم الله النُّبُوَّة بنُبُوَّة مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلم) ، وبرسالته ، وشريعته ، رِسَالَة السَّمَاءِ إِلَى أَهْل الأَرْض، والسّر شمول الرِّسَالَة الْمُحَمَّدية لشَقَّى نواحي الْحَيَاةِ ، فلقد أوضحت بجلاء أسس العقيدة ، والْعِبَادَة ، وعلاقة الإِنْسَانِ بِرَبِّه ، وبغيرة من الناس في جميع المعاملات، والصلات. ومن مظاهر شمولها أَنَّهَا جعلت العمل الصالح في الدُّنْيَا وسيلة السَّعَادَة فِي الآخِرَة ، وأعتبرت تلك مطية هَذِه ، بالإضافة إلى أنّ رسالة مُحَمَّد(صلّی اللّه علیه وآله وسلم) أَوَّل رِسَالَة رُفعت من شأن الإِنْسَان ذكراً ، وأُنثى وَوَضَعَت الأساس الحقيقي للمساوات بَيْنَ النَّاس، ولم تجعل لأحد فضلاً على أحد إلا بما يقتضيه الحق ، والواجب ، فلَيْسَ رعاية الفُقَرَاء فضلاً من الأَغْنِيَاء عَلَيْهِمْ ، بل حقاً من حُقُوقهم واجب الأداء ، ولَيْسَ إنصاف الضَّعِيف ، أو المَظْلُوم فضلاً من الأقوياء أو أولى الأمر، بل حقاً يجب أن يؤدى . وتكلمنا مطولاً بعنوان: «لماذا خُتمت النبوة بمُحَمَّد(صلّی اللّه علیه وآله وسلم)»(2).)(وَ الْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ . كَانَتْ الْعُقُول قبل مُحَمَّد(صلّی اللّه علیه وآله وسلم)مُغلقة بالجهل ، والقُلُوب بالضلال. فأفتتحها مُحَمَّد بنور العِلم، وأهْدَايَة وَالْمُعْلِن الْحَقَّ بِالْحَقِّ ) . أظهر الحق)


1) أنظر نهج البلاغة : من كَلام له(علیه السلام) بالْبَصْرَةِ، وقد دخل على الْعَلاء بن زياد الحارثي، وهو من أصحابه يعوده، فَلَمَّا رَأَى سعة داره تحت رقم (209).

2) أنظر ، التَّفْسِير الكاشف : المجلد السادس عند تفسير الآية 40 من سُورَة الْأَحْزَابِ .

بالأدلة ، والبينات التي لا يُنكرها إلا الطُّغاة المعاندون للْحَقِّ، والصّالح العام، وقد ابتلي بهِمْ رَسُول الله(صلّی اللّه علیه وآله وسلم ، ولكن حزبهم له كَانَ من أقوى الأدلة، وأوضحها على صدقه ، وعَظَمَته (وَ الدَّافِعِ جَيْشَاتِ الْأَبَاطِيلِ ، وَالدَّامِغِ صَوْلاتِ الْأَصَالِيلِ ) . كَانَتْ حياة البشر قبل الإسلام في ضلال، وفساد ، فبعث الله مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلم) بالهُدَى ، ودين الحق ، ودخل النّاس في دين الله أفواجاً بعد أن لاقى صاحب الدَّعْوَة في سبيلها ما لاقى من العنت ، والأَذَى.)(كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ . حمل مُحَمَّد(صلّی اللّه علیه وآله وسلم) رِسَالَة الْحَقِّ إِلَى الخلق، وبلغها على أكمل وجه بأمانة ، وإخلاص (قَائِماً بِأَمْرِكَ ) على تقلهِ ، وشِدَّتِهِ ... وأي تكليف أشد ، وأثقل من التكليف بإخراج النّاس من الظلمات إلى النُّورِ ، والْقَضَاء على عقائدهم الفاسدة ، وتقاليدهم الموروثة ، وحمل البشرية كلّها على مَكَارِمِ الْأَخْلاقِ ؟ ومَن الَّذِي يَسْتَطِيع أن يغير من أخلاق زوجته وولده ؟ لكن مُحَمَّداً (صلّی اللّه علیه وآله وسلم)تغلب على جميع ، هَذِه الصعاب بشخصيته العظيمة ، وصبره على الشَّدَائِد، قَالَ برناردشو: «لوكَانَ مُحَمَّد في القرن الْعِشْرِين لقضى على ما فِيهِ مِن ضَلالٍ ، وفساد »(1)(مُسْتَوْفِراً فِي مَرْضَاتِكَ ) أي مُسرعاً فِي طَاعَة الله ، ومن أَقْوَاله حِينَ رماه أَهْل الطَّائف بالحجارة مخاطباً ربّه لَكَ العتبى حَتَّى تَرضى ... إنْ لم يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عليَّ فلا أُبالي».(2))(غَيْرَ نَاكِلِ عَنْ قُدم . لا يتأخر ، ويجبن عما يُرضي الله، ويحرص كلّ الحِرْص على طاعته مهما تكن النتائج ( وَ لا وَاهٍ فِي عَزْمٍ ) . قوي في توكله على الله ، وفي عزمه على أداء رسالته ، وفي صبره على الشَّدَائِد في سَبِيل ذَلِكَ (وَاعِياً لِوَحْيِكَ ، حَافِظاً)


1) أنظر . جريدة الجمهورية المصرية عدد 14 مايو «أيار» سَنَة 1970م. (مِنْهُ قدّس سرّه) .

2) أنظر ، تَفْسِير القرطبي : 211/16 ، تفسير ابن كثير : 176/4 ، البداية والنهاية : 166/3 .

لِعَهْدِكَ ، مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ . ولو لم يَكُنْ وَاعِياً للوحى ، وحَافِظاً للعَهْدِ ،ومُنفذاً للأمر لم يَكُنْ أهلاً للنُّبُوَّة ، والرِّسَالَة (حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ ) . أعلن الحق ، وأوضحه ، ومهد السَّبِيل إِلَيْهِ لكلّ طالب ، وراغب ، ومأثرُك عُذراً لمعتذر (وَ أَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ ) . أنار سَبِيل السّلامة لمن ضَلَّ عَنْه (وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ ، وَ الْآثَامِ ) . أهتدى به من كَانَ يَخبِط حائراً فِي ظُلمة الجَهَالَةِ ، والضَّلالة (وَ أَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الْأَعْلامِ ) . نصب العلامات التي ترشد التائهين إلى نهج السَّبِيل (وَنَيِّرَاتِ الْأَحْكَامِ). وبين مصادر الأَحْكامِ الشَّرْعِيَّة (فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ) . ائتمنته على وحيك ، فأدى الأَمَانَة إلى عبادك مُخلصاً لك ، وهُمْ (وَ خَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ ) . هناك علم كشفه الله لجميع خلقه، وعلم آختص به وحده ، وعلم أختص به صفوة الصفوة، وَهَذَا هو المراد بالعلم المخزون (وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ). اشارة إِلَى قَوْله تَعَالَى: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (1). (وَ بَعِيتُكَ ) بِالْحَقِّ ، وَ رَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ). أي مبعوثك بالهدى ودين الحَقِّ إِلَى خَلْقِك، وعبادك .)(أَللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ ، وَ أَجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ . أرفعه إِلَى أعلى الدرجات، وضاعف له من الأجر ما لا يناله أحد سواه (أَللَّهُمَّ وَ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ) . ما تركت شَرِيعَة مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلم)ناحية من نواحي الحياة إلّا وسُنت لها القواعد الكفيلة ببيان نظامها السّليم ، وحكمها القويم ، وفِي ذَلِكَ يَقُول :صاحبها : «إنّما مَثلي ومثل الأَنْبِيَاء قبلي كمثل رجل أبتنى بنياناً فأحسنه ، وأكمله إلّا موضع)


1) النساء:41

لَبنَة من زاوية من زواياه ، فجعل الناس يطيفون به ، ويعجبون مِنْهُ، ويَقُولُون : هلّا وضعت هذه اللُّبنة ، فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النَّبِيِّين»(1. والْإِمَام(علیه السلام) يسأل الله سُبْحَانَهُ أن تسود هَذِه الشَّرِيعَة على جميع الشرائع .)(وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ . ولَيْسَ من شك أن الله أكرم مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلم)، وأتم نوره بانتشار الإسلام في شرق الأَرْض ، وغَرْبِهَا ، ولكن الإمام يطلب المزيد (وَأَجْزِهِ مِن أبْتِعَاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ ، مَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ ) . أجعل جزاءه على قيامه مُجاهداً، مُخلصاً بواجب البعثة ، والرِّسَالَة - الشَّهَادَةِ المَقْبُولة ، والمقالة المرضية عِنْدَكَ ، وأيضاً لَيْسَ من شك أنّ النَّبِيِّ مَقْبُول الشهادة ، ومَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ عند الله ، ولكن هَذَا من باب الذكر ، والتسبيح ، والتَّحميد : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) (2)، وكَذَلِكَ ذكر الرَّسُول الأَعْظَم (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)(ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ ، وَخُطْبَةٍ فَضلٍ ) . أي أنّ النَّبِيِّ مَقْبُول الشَّهادَة ، ومَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ ؛ لأنّ قَوْله الْعَدْل ، وحُكمه الفصل .)(أَللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي جنّات النَّعِيم ، وأشار الْإِمَام(علیه السلام) إِلَى طرف من نعيم هذه الجنان بقَوْله : (فِي بَرْدِ الْعَيْشِ ) الَّذي لا ينغصه شيء (وَ قَرَارِ النِّعْمَةِ ) التي لا تزول ، ولا تحول (وَ مُنَى الشَّهَوَاتِ) ما تشتهي الأنفُس ، وتلذ الأغين (وَأَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ ) من الحور ، والقصور، والأعناب ، والأكواب (وَ رَخَاءِ الدَّعَةِ ، وَ مُنْتَهَى الطُّمَانِينَةِ ، وَ تُحَفِ الْكَرَامَةِ ) . الرّخَاءِ سِعَة العيش ، والدُّعَة سكون النّفس ،)


1) أنظر ، صَحِيح البخاري: 163/4، مُسْنَد :أحمد : 256/2 و 312 ، صحيح مسلم : 64/7، فتح الباري: 407/6 . السنن الكبرى: 346/6 ، نظم درر السمطين : 53 ، مُسْنَد الشاميين : 266/4، سبل الهدى والرّشاد: 302/10 ، مع إختلاف يسير في مُسْنَد أحمد ..

2) الْعَنكَبُوتِ : 45 .

والتُّحفة الهدية يُكرم بها الإِنْسَان والرَّسُول الأَعْظَم يتمتع بِهَذِه ، وبغيرها من النِّعَم التي لا يبلغها الإِحْصَاء، والإمام يسأل الله أن يجعله غداً في جوار الرَّسُول ليكون له من هَذِه النّعَم نصيب ، وَهِي خير ما أعده الله للمطيعين .

## الخطبة-73-### مَرْوَان بن الحكم:أ وَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَان ؟ لا حَاجَةً لِي فِي يَبْعَتِهِ إِنَّهَا كَفُّ يَهُودِيَّةٌ ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبَتِهِ . أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةٌ كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ ، وَهُوَ أَبُو الْأَكْبُشِ الْأَرْبَعَةِ ، وَ سَتَلْقَى الأُمَّةُ مِنْهُ وَ مِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ !### اللُّغَة:يَهُودِيَّةٌ : غَادِرَة والسُّبة : الإست. بفتح السين ، واللَّعقَة : اللَّحْسَة ، وكَبش القوم: رئيسهم يَوْماً أَحْمَرَ : شَدِيداً .### الإعراب:عُثمان ممنوع من الصرف للعلمية ، وزِيَادَة الألف، والنّون ، وأَنْفَهُ مَفْعُول لَعْقَة. وأَحْمَرَ غَيْرُ مَضرُوف للوصف، ووزن الفعل .### الْمَعْنى:كَانَ الحكم بن أبي العاص يتجسس على رَسُول الله(صلّی اللّه علیه وآله وسلم ، ويحكيه في مشيه وحركاته ، فلعنه ، ونفاه إلى الطائف، ولم يزل بها حَتَّى تَوَلَّى عُمَّان فردّه إِلَى المَدِينَه)

لأنّه أخو أبيه(1، وَقَالَ عبد الكريم : «وأبو مَرْوَان هو الحكم بن أبي العاص لعين رَسُول الله ، وطريده ، وقد أستأثر مَرْوَان عند عُمَّان بثلاثة : فكان صاحب سره ، والموجه لسياسته ، والمُشير عَلَيْهِ في كلِّ أموره»(2). وَقَالَ الخَطِيب في مكان آخر کل من الكِتاب : «وكَانَ النَّبِيِّ قد أهدر دم الحكم ، وَقَالَ لا يُساكنني وولده، فغربهم جَمِيعاً إِلَى الطَّائف . ولما توفي النَّبِيِّ كَلَم عُمَّان أبا بَكْر في عمّه الحَكَم فَقَالَ : ما كنت لاوي طريد رَسُول الله ، وكَذَلِكَ كَانَ موقف عُمَرَ ، فَلَمَّا ولي عُمَّان الخِلافَة أَدْخَلَهم المدينة ، وأتخذ مَرْوَان كاتباً» (3).)وَقَالَ الشَّرِيف الرَّضِي فِي النَّهْج : «قَالُوا : أخذ مَرْوَان بن الحَكَم أسيراً يَوْم الجَمَل ، فأستشفع الحَسَن ، والحُسَين(علیهماالسلام إلى أمير المؤمِنِين(علیه السلام) فكلماء فيه، فخلى سبيله(4)، فقالا له : يبايعك يا أمير المؤمنين . فَقَالَ : (أَوَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَان ) ونَكث بيعتي ، وتطوع مُحاربتي مَع عَائِشَةَ ، والزُّبَيْرِ ، وطَلْحَة الأحَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ ! إِنَّهَا كَفِّ يَهُودِيَّةٌ ) . لا تترك الْغَدْر ، حال ، ويومى، هَذَا الْوَصْف إِلَى أَنَّ اليهود كَانُوا يُعْرِفُون بالْغَدْر مُنذ القديم ، وأنّهم يمثلون دور الغادر الفاجر في كل مسرح ، ومطرح الَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبّيه ) . قَالَ الشيخ مُحَمَّد عبدة : «السَّبت الإست ، وكنى به عن الْغَدْر الخفي لتحقير الغادر» (5).)(أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ . يُخبر الإِمَام (علیه السلام) بأنّ مَرْوَان سوف يحكم)


1) تقدم إستخراج ذَلِكَ .

2) أنظر في كتاب «علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة، وخاتم الخلافة» : 152 .

3) أنظر في كتاب« علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة ، وخاتم الخلافة» : 420 .

4) تَقَدَّم إستخراج ذَلِكَ .

5) أنظر . شرح النهج : 124/1 .

النّاس مُدَّة من الزمن ، وعبّر عَنْهَا بِلَحْسَة الْكَلْبِ أَنْفَهُ لقصرها ، وكَانَتْ تسعة أشهر ، وقيل : أَرْبَعَة أشهر وعشراً (وَ هُوَ أَبُو الْأَكْبُشِ الْأَرْبَعَةِ ) . إِشَارَةِ إِلَى أحفاد مَرْوَان ، وأَوْلاَد عبد الملك الذين حكموا ، وهم عبدالملك، وسليمان، ويزيد . وهشام (1)، وأجاز أبن أبي الحَدِيد أنْ يَكُون المراد بالأَرْبَعَةِ أَوْلاد مَرْوَان للصُّلب لا أحفاده أي عبدالملك الَّذي تَوَلَّى الخلافة ، وبشر الَّذِي تَوَلَّى الْعِرَاقِ، وعبدالعزيز الَّذِي تَوَلَّى مِصْر ، ومُحَمَّد صاحب الجزيرة (2).

(وَ سَتَلْقَى الْأُمَّةُ مِنْهُ وَ مِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ ! . ولاقى الإِسْلام، والمُسْلِمُون من الأموية أَيَّامَاً حَمْرَاء ، وسَوْدَاء ، وكتب التَّاريخ مُتْخَمة بمثَالب الأمويين ، وَوَضع فيها كُتب خاصَّة . ومن أَقْوَالَ الْإِمَام (علیه السلام): «وَلَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِي أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا ، وَفُجَّارُهَا ، فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللهِ دُوَلاً ، وَعِبَادَهُ خَوَلاً ، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً ، وَالْفَاسِقِينَ حِزْبَاً»(3).)ويصدق هَذَا الْوَصْف على الخلفاء الأمويين إلّا واحداً ، قَالَ الْعَقّاد : «لمّا أَصْبَحت الدَّوْلَة الإِسْلامية أموية ما طَمع في خيراتها ، وَلَا وُلاتِهَا إِلَّا مَن كَانَ من أُمَيَّة وحزبها ، فَرْوان بن الحكم وزير عُثمان الأكبر يغدق العَطَاء على الأَقْرباء. ويحبس الأموال عن سائر النّاس» (4. وعُمَّان هو الذي جعل للتَّائِرِين عَلَيْهِ سَبِيلاً،)


1) أنظر، ترجمة هَؤُلاء في طبقات ابن سعد : 223/5، المحبر : 377، المعارف: 355 المعرفة والتاريخ : 563/1 ، تأريخ اليعقوبي : 14/3، مروج الذهب: 292/3 میزان الاعتدال : 664/2 ، البداية والنهاية : 260/8 ، سير أعلام النبلاء : 247/4 ، تهذيب التهذيب : 253/2

2) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 53/2 و 55 ، و : 148/6 طبعة أخرى، شرح النهج مُحَمَّد عَبْدَه : 124/1. طبقات ابن سعد: 30/5 طبقة ليدن، تذكرة الخواص: 45 أنساب الأشراف: 126/5 الإِسْنِيعَاب 118

3) أنظر ، نهج البلاغة : من كتاب له(علیه السلام) إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما وَلَاهُ إمارتها رقم « 62».

4) أنظر ، كتابه «أبو الشُّهَدَاء»: 154 .

ومزق قتله وحدَة الْمُسْلِمِين ، وفَرق كلمتهم إلَى يَوْمِ الدِّين ، أمّا مُعَاوِيَة فكَان يَقُول : «أَلا وإن الله جُنُوداً مِن العَسل » (1، ويعني العسل الَّذِي كَانَ يدس فِيهِ السِّم ، وَقَتل بهِ الْإِمَامِ الْحَسَن ريحانة رَسُول الله (2)، والأَشْتَر النَّخَعِيّ (3)، وعبد الرحمان بن)


1) أنظر ، مروج الذهب : 139/2 ط بيروت، المغتالين من الأشراف: 39، وتأريخ اليعقوبي: 139/2 ط بيروت، شرح النهج لابن أبي الحديد : 29/2 ، والطَّبَرِيّ في تاريخه حوادث سَنَة (38 - 39 ها، تهذيب الكمال: 126/2 رقم 5731 ، التاريخ الْكَبِير للبخاري : 311/7 ، وتأريخ ع الصغير : 87/1، النّقات لابن حيان : 2/ 298 ، سير أعلام النبلاء : 35/4 ، تأريخ مدينة دمشق : 376/56 و 391، الأنساب: 476/5، البخار: 591/3 ح 374 ، الإختصاص للشيخ المفيد ،81 نظرات في الكتب الخالدة لحامد حفني: 161 . شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبو رية : 179، ولكن بعض المصادر نسبت القَوْل إِلى عَمْرُو بن العاص .

2) أنظر المقاتل : 43 ، وأَنْسَابِ الأَشراف: 404/1، وأبن أبي الحديد في شرح النهج : 11/4 و 17 ، أبن ، كثير : 41/8، تأريخ الخلفاء : 138 ، الإصابة ترجمة الحَسَن، ابن قتيبة : 150 ، الصَّوَاعِقِ : 81، المسعودي في مروج الذهب بهامش الكامل : 0353/2 55/6 ، وتهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر: 226/4 ، وأسماء المغتالين من الأشراف: 44 وتأريخ اليعقوبي : 225/2 ، وأبن الأثير : 197/2، وابن شحنة ، بهامش أبن الأثير : 132/11، تأريخ الدول الإسلامية : 53/1 ، تذكرة الخواص : 62 ، تأريخ أبي الفداء : 194/1، الاِسْتِيعَاب : 389/1 ، تأريخ الخلفاء للسيوطى: 74 ، مُسْتَدرَك الْحَاكِم : 176/3 ، الإِرْشَاد للشيخ المفيد: 15/2، الْبِحَار : 157/44 و 26/149 و 18 ، المناقب لابن شهر آشوب: 191/3 كشفه الغمة : 584/1 ، روضة الواعظين : 200 ، الإِحْتِجَاج للطبرسي: 11/2 ، الكافي : 462/1 - ح3 .

3) الأَشْتَر هو مالك بن الحارث النَّخَعِي . أدرك الرَّسُول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)وكَانَ رئيس قَوْمه ، شترت عينه في اليرموك)فلقب بالأشتَر ، وله مواقف شهيرة في الجعَل ، وصِفِّين مع علي (علیه السلاموفي سنة (38) ه-) وَلَاهُ على مصر، فأمر مُعَاوِيَة دهقاناً وكَانَ بالعريش - مدينة من أَوَّل أعمال مضر من ناحية الشام - أن يدسّ له السم ، فَلَمَّا نزل الأَشْتَر العريش سمه الدهقان في عسل ، فَقَالَ مُعَاوِيَة : الله جنود من العسل»، أنظر، مروج الذهب : 2/ 139 ط بيروت المغتالين من الأشراف: 39 ، وتأريخ اليعقوبي: 2/ 139 ط بيروت ومعجم البلدان : لغة بعلبك، شرح النهج لابن أبي الحديد ،29/2 ، والطَّبَرِي في تاريخه : حوادث سنة (38 - 39 ه-). تهذيب الكَمَال : 126/27 رقم 5731 ، معجم رجال الحديث : 161/14 رقم 9796.

خالد (1. وقتل ولده يزيدُ الإمام الحسين (2، وضرب الْكَعْبَة بالمنجنيق (3)، وأباح المدينة(4)، وحاصر عبد الملك مكَّة ، وهدم الكعبة ، وأطلق يد الحجاج في دماء المُسْلِمِين (5)، وبعبد الملك أقتدى أولاده وأحفاده ، وزادوا عَلَيْهِ أَضْعَافاً مضاعفة .)


1) هو عبد الرحمان بن خالد بن الوليد المَخرُومِي، وَكَانَ يُمن أدرك النبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)وهو من فرسان قريش وشجعاتهم وكان له فضل وهدى وكرم ، إلا أنه كان منحرفاً عن علي(علیه السلام) . وذكر أن أخاه المهاجر كَانَ مَع عليّ بصِفّين . وذكر أن عبد الرحمان ،مرض، فأمر مُعَاوِيَة طبيباً عنده يهودياً أنْ يَأْتِه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فأنخرق بَطْنَه فمات. وأمر مُعَاوِبَة أبن آثال النصراني أن يحتال في قتله، ضمن له أن يضع عَنْه خراجه ما عاش وأن يوليه خراج ،حمص ، فوقى مُعَاوِيَة بما ضمن له .)أمّا المهاجر بن خالد بن الوليد فدخل دمشق مستخفياً هو وغلام له فرصد ذَلِكَ اليهودي، فخرج ليلاً من عند مُعَاوِيَة ، ومعه قَوْم هربوا عَنْه ، فقتله المهاجر. وكان أبن آث-ال خبيراً بالأدوية المفردة ،والمركبة ، وقواها ، ومِنْهَا سموم قواتل . وكَانَ مُعَاوِيَة يقرّبه لذلك كَثِيراً. أنظر الاستيعاب : 396/2 تحت رقم 1697 أسد الغابة : 289/3 ، تأريخ الطَّبَرِي: 128/6، وأبن الأثير: 195/3 ، المغتالين من الأَشْرَاف : 47 ، أبن كَثِير في البداية والنهاية : 31/8 ، الأغاني : 13/14 ، مختصر أبن شحنة في هامش ابن الأثير : 12 / 133 ، عُيُون الأنباء في طبقات الأطباء : 171 ط بيروت.

2) تَقَدَّم إستخراج ذلك ، وقد شرحنا ذَلِكَ مفصلاً في تحقيقنا لكتاب الفصول المهمة في مَعْرِفَة الأَثَمة لابن الصباغ الماكي: 131/2 وما بعدها

3) أنظر ، مروج الذهب : 79/3

4) أنظر ، تأريخ الخلفاء : 209 .

5) أنظر ، الإمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 2/ 32، مروج 322 الذهب للمسعودي : 175/3 ، العقد الفريد : 214/3 . ويَقُول صاحب مروج الذهب، وصاحب العقد الفريد في أقوال الناس في الحجاج : (أحصي من قتلهم الحجاج سواء صَبراً من قتل في حُرُوبِه فكانوا (120) ألفاً ، وكَانَ في حَبسه (50) ألف رجلاً . و (30) ألف إمرأة ستة عشر منهن عاريات، وكان يُطعم المساجين كما يَقُول أبن الجوزي في تأريخه المخبز ممزوجاً بالرماد وجاء في العقد الفريد أيضاً على لِسَان عُمر بن العزيز: (لو جاء النّاسِ يَوْم الْقِيَامَة بفساتهم، وجئنا بالحجاج لزدنا عَلَيْهِمْ).

## الخطبة-74-### أُسْالِمِ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ:لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي ، وَ وَاللهِ لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ ، وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةً ، الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ ، وَزِبْرِجِهِ .### اللُّغَة:الزُّخْرُفِ - بضم الراء ، وَالزِّبْرِج - بكسرها ، وكسر الرّاء كَانا في الأصل للذَّهب، ثمّ أُطلقا على كلّ كَاذِب مُموّه ظاهره الرَّحمة ، وبَاطنه العَذَابِ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوجِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(1)أي الأباطيل المُموّهة.)### الْإِعْرَابِ:مَا سَلِمَتْ «مَا» مَصْدَرِيَة ظرفية أي مُدَّة سلامة الأُمور ، وخَاصَّة مَصْدَر في


1) الأَنْعَام : 112 .

موضع الحال أي مُختصاً بي، والتماساً مَفْعُول من أجله لأُسْلِمَنَّ .### لِلمِنْبَرِ - عَليّ وَأَعْضاء الشُّورَى :قَالَ الشَّرِيف الرَّضِي ، وأبن أبي الحَدِيد لَمّا عَزموا على بَيْعَة عُثمان قَالَ لهُمْ الْإِمَام (علیه السلام: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي ... وضَمِيرِ بِهَا يَعود إِلَى الْبَيْعَة ، أو إِلَى الْخِلافَة بقرينة المقام ، وكَلام الإمام هُنا واضح ، وَلا شيء فيه من الغموض، فالخلافة في مفهومه أداة لتحقيق الْعَدْل ، وتصحيح الخطأ ، فَإِذَا تحققت هَذِه الْغَايَة هان عَلَيْهِ الضغوط، والأساليب الملتوية التي مارسوها لإقصائه عن الْخِلافَة مَع عِلمه ، وَبِيَقِينه بأنه أولى بها ، وأحق من غَيْره . وتَقَدَّم قَوْله : «لَوْلاً حُضُورُ الْحَاضِرِ ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ، وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلا يُقَارُوا عَلَى كِطَّةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبِ مَظْلُومٍ ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَىٰ غَارِبِهَا ، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوْهَا ، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزِ »(1).)وَإِذَا عطفنا قَوْله هَذَا فِي الشَّقشِقِيَّة على قَوْله هنا : (لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ . وجمعناهما في كلام واحد ... إذا فعلنا ذَلِكَ يَكُون المَعْنَى أَنَّ الْإِمَام (علیه السلام)إنّما يسكت ، وَلا يُعلن الحرب في حالين :)الأُولَى : أنْ يَتحقق الْعَدْل بأيّة وَسِيلة من الوَسَائِل.الثَّانِيَة : أنْ لا يَحصل الجور ، ولكن الإمام لا يجد من يناصره، ويُؤازره على إقامة الحق ، وإزهاق الْبَاطِل . وعلى هذا فإنّ سكوت الإِمَام عمّن سبقه إِلَى الحكم


1) أنظر، خُطْبَة الشَّقْشِقِيَّة.

لا يكشف عن إيمانه بأنّ حُكم السابق لم يَكُنْ جَائِراً، بل قد يكون السبب المباشر للسكوت هو العَجْز، وعدم التكافؤ بَيْنَ قُوَّة الْإِمَام، وقُوَّة الحَاكِمِين .ومن المفيد أن نذكر بهذه المناسبة ما قاله أحمد عباس صالح : «عيّن عُمَرَ أَعْضَاء مجلس الشورى ليختاروا أحدهم لِلْخِلافَة ، وهم : عبد الرحمان بن عوف ، وهو من أَغْنَى الْأَغْنِيَاء ، وعُمَّان أحد أقطاب بَنى أُمَيَّة ، وسعد بن أبي وَقَاص من أَغْنِيَاء قُرَيْش ، ثم الزُّبَيْر من أثرى أثرياء قُرَيْش ، ثُمَّ طَلْحَة من سُراة قُرَيْش، وأخيراً عليّ ابن أبي طالب ، وكلّهم ما عدا عَلِيَّاً في كفّة من حيث هواهم السياسي، وعلي وحده في كفّة ... وإن وضعهم الطبق، ومصالحهم تجعل لهم مفهوماً خاصاً للعدل الإجتماعي يختلف مع ما يدعو إِلَيْهِ على»(1أي أنّهم جميعاً من طبقة الأغْنِيَاء ، وعلى من الْفُقَرَاء، ومع الْفُقَرَاء.)ومن أَقْوَاله : «اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ الأفَقِيراً يُكَابَدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً ، أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفَراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً»(2وَقَالَ (علیه السلام): «فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غني»(3).)ثم قَالَ الأستاذ أحمد عباس صالح: «ولاً يستبعد أنْ يَكُون تشكيل تجلس الشُّورَى بصورته هذه ثمَّ عن قصد ، وتبصر من عُمَرَ كيلا تعلو كَلِمَة اليسار في


1) أنظر . مجلة ( الكاتب المضرية» عدد شباط 1965م. (منه قدّس سرّه ) .

2) أنظر ، نهج البلاغة : الخطبة (129)

3) أنظر نهج البلاغة : 78/4 الحكمة (328) .

أجهزة الحكم »(1. يُريد باليسار أَصْحَاب رُؤُوس المال ، ثُمَّ قَالَ: «من المتصور أنْ يطمح الزُّبَيْر ، أو سعد في الخلافة، ولكن هَذَا الطموح يَصبح غَرِيباً في وجود عليّ الَّذِي كَانَ حِزْب كبير من المُسْلِمِين يَعْتَقِدُون أنّه كَانَ أولى بِالْخِلافَةِ من أبي بَكْر ، ثم أولى بها من عُمَرَ ، ولَيْسَ هُناك شك في أن كلاً من أَعْضَاء المجلس كَانَ يَعْتَقِد أنه أقل جدارة بالمنصب من علي. ولكن منطق الحوادث، ومركز عليّ في الإسلام وميل غالبية المُسْلِمِين إِلَيْهِ كُلَّ هَذَا قد يجعلهم يترددُونَ كَثِيراً ، أو قليلاً فِي التَّفكير في منافسة علي بن أبي طالب في قيادة المسلمين ... على أن الذي حدث غَيْر ذَلِكَ. فقد بدا الجميع يُريدون ترشيح أنفسهم ، ومُنافسة عليّ» (2).)يستدل شيعة عليّ بالنّص كِتَابَاً، وسُنَّةً على أنّه أولى بِالْخِلافَةِ من غَيْره (3، أَمّا الْعُلَماء في هَذَا العصر فإنَّهم لا يُؤْمِنُون إلا بالمنهج العلمي على حد تعبيرهم ، وبه لا بالنّص يُثبتون ما يجب الإيمان به على إِنْسَان، ويريدون بالمنهج العلمي أن ينظر الباحث إِلَى طَبِيعَة الأَشْيَاء التي تبدو للعيان ، ثُمّ يشرحها ، ويُحللها ليكششف ما وَرَاءها من حقائق ، وأسرار ، وبعد أن درسوا على هَذَا الأَسَاس طَبِيعَة الصّراع على خلافة النَّبِيِّ (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، أنتهوا إِلَى أَنَّ عَلِيَّاً أحق بها من غَيْره ، وأولى.)


1) أنظر مجلة «الكاتب المضرية» عدد شباط 1965م. (مِنْهُ قدّس سرّه)

2) أنظر . مجلة ( الكاتب المصرية» عدد شباط 1965م. (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

3) أنظر . كتابنا الْبَيْعَة ، رولاية العهد ، والشُّورى، وآثارها في تنصيب الخليفة دراسة علمية تحليلية لرد الشبهات.

## الخطبة-75-### أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ:أَوَلَمْ يَنْهَ بَنِي أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفِي ؟ أَوَ مَا وَزَعَ الْجُهَالَ سَابِقَتِي عَنْ تُهَمَتِي! وَلَمَا وَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِي. أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ ، وَخَصِيمُ النَّاكِثِينَ الْمُرْتَابِينَ ، وَعَلَى كِتَابِ اللهِ تُعْرَضُ الْأَمْثَالُ ، وَبِمَا فِي الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ !### اللُّغة:قَرْفِي: اتُهَامِي. وَزَعَ : رَدَعَ وحَجِيجُ المَارِقِينَ خَصِيمهم فأَخْصَهم ، وأَفْحَمهم . والْمَارِقِينَ : الخارجون من الدِّين . والمرتابونَ: المشككون . والمراد بالأَمْثَالُ هُنا مُتَشَابِهَات الأَعْمال.### الإِعْرَاب:الهَمَزَة في «أَ وَ لَمْ» للإستفهام مع الإنكار ، ومِثْلها في «أَوْمَاً». واللام في «وَلما وَعَظَهُمُ» للتَّوكيد ، و «ما» أسم مَوْصُول مُبْتَدَا، أبلغ خَبَرَ .

### الْمَعْنى:اتَّهم بَنُو أُمَيَّة الإمام(علیه السلام بدم عُثمان، فرد عَلَيْهِمْ بِقَوْله : (أَوَلَمْ يَنْهَ بَنِي أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفِي ) ؟ من أين جاء أنها مي بدم عُثمان ؟ وما هو مَصْدَره ؟ فهل من شيء في سيرتي يوجب الشك في، والريب؟ وهل تجهل أُمَيَّة سِيرتي ، وحقيقتي ؟ إِنَّهَا تعلم حق العِلْم بأنّ الّذين يحملون قميص عُمَّان ، ويُطالبون بدمه هم الذين أباحوه، وأراقوه ، وتعلم أُمَيَّة أنّي بريء من تهمتها ، ولكن أرادت أنْ تُعلن ما في نفسها من حقدٍ عليَّ ، وشنآن فلم تجد مبرراً ، فأبتدعت، وافترت.)(أَوَ مَا وَزَعَ الْجُهَالَ سَابِقَتِي عَنْ تُهَمَتِي ! . إنّ حَيَاة الإمام كلّها ،فَضَائِل، ومكرمات، وصدق ، وأمانة تماماً كحَياة الرَّسُول الأعظم(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ومن قبل أتهمت قُرَيْش النَّبِيِّ بالسحر ، والْكَذِب فأجابهم : قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَنكُم بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، وكَذَلِكَ أتهمت أُمَيَّة لإمام(علیه السلام) فأجاب : أَوَ مَا وَزَعَ الجَهالَ سَابِقَتِي ؟.)(وَلَمَا وَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَبْلَغْ مِنْ لِسَانِي . نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عن ظن السوء ، والْغِيْبَة فلم ينتفعوا ببيانه ، وَيَتَّعِظُوا بمواعظه ، فهل يقبلون نُصحَتَّي ، وينتفعون ببياني ؟ (أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ ، وَ خَصِيمُ النَّاكِثِينَ الْمُرْتَابِينَ ) . أُقارع بالحجة الدامغة من مَرَقَ من الدين فآخذهُ مغلوباً ، وأخاصم بالبرهان القاطع من تشكك في دين الله فلا أدع له عذراً (وَ عَلَى كِتَابِ اللهِ تُعْرَضُ الْأَمْثَالُ ) . فَهُوَ وحده الميزان ، والمقياس ، فما أعترف به كَانَ حقاً ، وصِدقاً ، وما أنكره كَانَ كَذباً ، وضلالاً، وعلى مَعَ الْقُرْآن قَوْلاً وعملاً ، والْقُرْآن مَع عليّ نَصَّاً ، ورُوحَاً .)(وَ بِمَا فِي الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ ! . ومِثْله الحَدِيث المشهور: «إنّما الأَعْمَال)

بالنّيات، وإنّما لكلّ ما نوى ... من كَانَتْ هجرته إلى الله ورَسُوله فهجرته إلى الله ورَسُوله ، ومن كَانَتْ هجرته إلَى دُنيا يُصيبها ، أو إمرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إِلَيْهِ» (1.)


1) أنظر ، مسند الحميدي: 16/1 ح 28، مُسْنَد الطَّيَّالي 28 مُسْنَد الطَّيَّاليبي: 1/ 27، المعجم الأوسط : 17/ح 40.16/1 مُسْنَد أبي داود : 262/2 ح 2201 ، سنن البَيْهَقِ الْكُبْرَى : 41/1 ح 181، صحيح ابن حبان : 113/2 ح388 تُحفة الطالب : 370/1 . وفي بعض المصادر بلفظ «يتزوجها».

## الخطبة-76-### كَابَرَ هَوَاهُ، وَكَذَّبَ مُنَاهُ:رَحِمَ اللهُ امْرَأَ سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى ، وَ دُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا ، وَأَخَذَ بِحُجْرَةِ هَادٍ فَنَجَا رَاقَبَ رَبَّهُ ، وَخَافَ ذَنْبَهُ ، قَدَّمَ خَالِصاً ، وَ عَمِلَ صَالِحاً، أكْتَسَبَ مَذْخُوراً، وَ اجْتَتَبَ مَحْذُوراً ، وَ رَمَى غَرَضاً ، وَ أَحْرَزَ عِوَضاً . كَابَرَ هَوَاهُ، وَكَذَّبَ مُنَاهُ . جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ ، وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ . رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْفَرَّاءَ ، وَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ . أَغْتَنَمَ الْمَهَلَ ، وَبَادَرَ الْأَجَلَ ، وَتَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ .### اللُّغة:الحجز - بفتح الحاء - المنع ، والحجزة - بضمها - معقد الإزار ، وموضع التَّكَةُ والمراد بها هنا الإعتصام ، قال : أخذ بحجزته إِذا أعتصم به، والتجأ إِلَيْهِ ومَذْخُوراً من ذَخَرَ الشّيء ، وخَبْأَهُ لوقت الحاجة . ومَحْذُوراً من الحذر ، والتَّحرز . وَغَرَضاً : هَدَفاً . وكَابَرَ هَوَاهُ : غَالَبَهُ، وَعَانَدهُ. والغَرَّاءَ : البَيْضَاء . والمَحَجَّةَ : الجَادّة، أو معظمها . والمَهَلَ - بفتح الميم ، والهاء - التَّؤَدَةُ، والرّفْق ، والمراد به هُنا الْفُرْصَة.

### الْمَعْنى:(رَحِمَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى ، وَ دُعِيَ إِلَىٰ رَشَادٍ فَدَنَا . قَالَ عَزَّ مَن قَائِل :(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئكَ هُمْ : أُولُوا الْأَلْبَابِ ) (1). (وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا ) ، أَعْتَصَمَ من هَداه إِلَى الْحَقِّ ، واسْتَنْصَحَهُ ، وَعَمِلَ بقَوْله (رَاقَبَ رَبَّهُ) بِطَاعَتِهِ لَهُ (وَ خَافَ ذَنْبَهُ ) أي خَافَ مِن الله فما أَذنب ، وإن حدث مِنْهُ ما يؤاخذ عَلَيْهِ أَسرع إلَى التَّوْبَة (قَدَّمَ) أَمامه ، وقَبل وَفاته عملاً (خَالِصاً ) لوجه الله (وَ عَمِلَ صَالِحاً ) عطف بَيَان ، وتَفْسِير (اكْتَسَبَ) مَذْخُوراً ) أي عمل ليوم تذخر له الذَّخَائِر (وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً ) . أبتعد عن الْمحَرَّمات (وَ رَمَى غَرَضاً ، وَ أَحْرَزَ عِوَضاً ) . سلك سبيل الهُدَى ، وفاز بمرضاة الله و ثوابه كَابَرَ هَوَاهُ غَالبهُ، وقَعَهُ من نَفْسِه (وَكَذَّبَ مُنَاهُ ) . لا يغتر بالأَمَانِي،والأحلام ، وَلا يركن إلى النفس الأمارة بالسُّوء.)( جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ . يَصبر على طَاعَة الله رغبةً فِي النَّجاة من غضبه ، وعذابه (وَ التَّقْوَىٰ عُدَّةَ وَفَاتِهِ ) . يَتَزود بتقوى الله ليوم الله (رَكِبَ الطَّرِيقَةُ الْغَرَّاءَ ، وَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ ). سَلَكَ سَبِيل الهُدَى ، وتَجنّب طريق الرَّدَى (اغْتَنَمَ الْمَهَلَ ) أي الْفُرْصَة قبل الفوَات (وَ بَادَرَ الْأَجَلَ ) قبل حضُوره (وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ) الصَّالح )ولم يُقصّر .)


1) الزمر : 18

## الخطبة-77و78-### أَللَّهُمَّ أَغْفِرْ:إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُونَنِي تُرَاثَ مُحَمَّد( صلّى اللّه عليه وآله وسلم تَفْرِيقاً ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لَأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللَّخَامِ الْوِذَامَ التَّرِبَةَ !)أَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ ، أَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي ، وَ لَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِي. أَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَانِي ، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي . أَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ ، وَ سَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ ، وَ شَهَوَاتِ الْجَنَانِ ، وَهَفَوَاتِ اللِّسَانِ .### اللُّغَة:يُفَوِّقُونَنِي : يُعْطُونَنِي القَليل، الْوِذَامَ : جَمع وَذَمَة، وَهِي المعنى، والكرش . مَا وَأَيْتُ : مَا وَعَدْت َوالرَّمَزَاتِ : الإِشَارَات وَسَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ لغوها . والحَسَنَانِ : الْقَلْب . وَهَفَوَاتِ اللّسَانِ: زَلاته.

### الْإِعْرَابِ:الْوِذَامَ مَفْعُول لنَفْضَ، والتَّربَةَ بدل اشتمال من الْوِذَام ، والأصل نَفْضَ التّرِبَة عن الْوِذَام.### الْمَعْنى:كَانَ عُثمان يَغدق مال الله على أهله، وحزبه بالقناطير المقنطرة، فيبذرونه على القصور، والرياش والجواري، والقيان ، ويرسل عُمان الوشل من هذا المال إلى الإمام (علیه السلام فَقَالَ : (إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُونَنِي تُرَاتَ مُحَمَّد( صلّى اللّه عليه وآله وسلم) تَفْوِيقاً) . أي أن هذه الأَمْوَال التي ينعم بها بَنُو أُمَيَّة، ويجعلونها دولة بَيْنَهُمْ هِي الفِ الَّذِي أَنعم الله به على المسلمين ببركة مُحَمَّد ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، ورسالته ، وللْإِمَامِ مِنْهَا مَا لِلْمُسْلِمِينَ ، ولكن عُمان كان يمنعه حقه إلا القليل (وَاللهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لَأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللحام الوِذَامَ الشَّرِبَةَ !) . يُقسم الْإِمَام(علیه السلام) لَئِنْ تَوَلَّى الخلافة ليردن الأَمْوَالَ الَّتي اغتصبها الأُمُويُون إِلَى بَيْت المال ، وَلا يُبقي شَيْئًا مِنْهَا تَمَاماً كما ينقض القصاب التّراب عن الكرش إِذَا أَصَابَه ، وَقَالَ الْإِمَام بعد أنْ تَوَلَّى الْخِلافَة : « وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ - أي المال - قَدْ تُزُوجَ النِّسَاءُ ، وَ مُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ ، لَرَدَدْتُهُ »(1).)وكأنّ الإمام(علیه السلام أحس بأنّ فِي كَلَامه هَذَا شائبة من الغَضَب لنَفْسِه مَع العلم بأنّه من أجل الظلم والجور على الدِّين، وحُرماته فَقَالَ : (أَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا أَنْتَ أَعْلَمُ به مِنّي ) . يتهم نَفْسه عملاً بقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (2).)


1) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَة : (15). وقد تقدم شرحها .

2) النجم: 32

(أَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي ، وَ لَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِي . قد أعد نفسي وأعاهدها على القيام بأمر الله ، ثم أخلف فإن حدث شيء من هَذَا فأمنن أَللَّهُمَّ على بعفوك ، وصفحك عن هَذَا الخُلف( أَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَانِي ، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي ) . كلّ النّاس إلا من عصم رَبُّكَ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (أَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ ) . الإيماء ، والْإِشَارَةِ إِلَى عيوب النّاس ، ومساوئهم (وَ سَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ ) أي ما ينطق به اللّسَانِ مِمَّا لا يُرضي الرَّحْمَانِ (وَ شَهَوَاتِ الْجَنَانِ ) أي ما يُميل القَلْبِ إِلَيْهِ مِن مَتَاعِ الحَيَاةِ ، وزِينَتَهَا (وَهَفَوَاتِ النِّسَانِ ) عطف تفْسِير على سَقَطَاتِ الأَلفاظ.)

## الخطبة-79-### المُنَجِّمُ كَاذِبٌ:أَ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ ؟ وَ تُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرّ ؟ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ ، وَ اسْتَغْنَى عَنِ الاِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ ، وَ دَفْعِ الْمَكْرُوهِ، وَ تَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ ، لِأَنَّكَ - بِزَعْمِكَ - أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ ، وَ أَمِنَ الضُّرَّ !أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ ، إِلّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍ ، أَوْ بَحْرٍ ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ ، وَالْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ ، وَ الْكَاهِنُ كَالسَّاحِرٍ ، وَ السَّاحِرُ كَالْكَافِرِ ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ .### اللغة:حاقَ بِهِ : أَحاط بِهِ. يُولِيَكَ الحَمْدَ : يمطرك الحَمْدُ، أو يُقلدك الحَمْدُ، أو يجعلك جديراً به ، كلّ هَذِه من مَعَانِي الْوِلَايَة . والْكَهَانَةِ : الحكم على الشّيء بالْغَيْب.

### الْإِعْرَاب :الَّتِي مَنْ سَارَ صفة للسَّاعة ، والمَصْدَر من أَنْ يُولِيَكَ مَفْعُول تَبْتَغِي ، ودُونَ مُتَعَلِّق بمحذوف حالاً من كاف يُوليك ، وإِيَّاكُمْ من بَاب التَّحذير ، وهو مَفْعُول لفعل تخذُوف وجُوباً ، لأن لفظ «إِيَّاكُمْ» قَائم مقامه ، والتَّقدير جنبوا أَنْفُسِكُمْ تعلم النجوم.### الْمَعْنى:حِينَ عَزم الإمام(علیه السلام على السير إلى تأديب الخَوَارِجِ ، قَالَ له بَعْض أَصْحَابِهِ (1): إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك طريق علم النجوم ، فَقَالَ له الإِمَام : (أ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ ؟)


1) القائل هو مسافر بن عفيف أَزْدِي كما ذكره ابن الأثير في الكامل : 3 / 343، شرح النهج لابن أبي الحديد: 2/ 269 تحقيق مُحمَّد أبو الفضل، ونقل عن أبن ديزيل قَالَ: عزم علي(علیه السلام) على الخروج من 269/2 الْكُوفَة إِلى الحَرُورِيَّة، وكَانَ فِي أَصْحَابه منجم فَقَالَ له: يا أمير المؤْمِنِين، لا تسير في هذه الساعة، وسر على ثلاث ساعات مضين من النَّهار، فإنّك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصحابك أذى، وضُرُّ شَدِيد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ،ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبْتَ فَقَالَ له على(علیه السلام)أتدري ما في بَطْن فَرسي هَذه أذكر هو أم أنثى ؟ قَالَ : إن حسبتُ عَلِمْت ، فَقَالَ علي(علیه السلام) : مَنْ صدقك بِهَذَا)ما فقد كذب بالْقُرْآن قَالَ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ وعِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَام ... لُقْمَانَ : 34. وأنظر ، تأريخ الطَّبَرِي: 4 / 61 ولكنَّه لم يذكر أسم المنجم ، وأنظر ، مروج الذهب: 2 / 415. فخالفه ، علي 7 وسار في غير الساعة التي أمره المنجم بالمسير فيها . أنظر تاريخ الطَّبَرِيّ : 61/4 ولَكِنَّهُ أضاف : ثم :قَالَ: لوسرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يَعْلَمُون : سار في الساعة التي أمَرَه بها المنجم فظفر . وأنظر شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 270/2 تحقيق مُحَمَّد أبو الفضل، والكَامِل لابن الأثير : 341/3، ومروج الذهب : 415/2 .

وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرّ؟ . الإِسْلامِ إِيمان بالله، وبالعلم، والْعَمَل لحياة أفضل، وبالْقِيَّم التي لا ينكر شَيْئاً مِنْها عاقل على وجه الأَرْض من حيث هي قيم ، ومثل عُليا ، ومن البداهة - وهذه هي حقيقة الإِسْلام - أن يرفض الكهانة ، ولا يقبلها بحال ، كَيْفَ والإسلام يدعو إلى تحرير الإنسان من الأغلال، والعقل من الأَوْهَام، ويأمر بأتباع العقل، والعلم ولو أقر الإسلام الكهانة ، والخرافة لم يَكُنْ له تأريخ ، ولا حضارة ، وَلا أتباع يُعدون بمئات الملايين في شرق الأَرْضِ ، وغَرْبِهَا .)(فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ . لأنه يز ربط الأحداث بأسبابها ، والنتائج بمقدماتها طبيعية كَانَتْ أَم إجتماعية ، وقد صرح الْقُرْآنِ بِهَذَا فِي العَدِيد من الْآيَاتِ، مِنْهَا : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ, تَقْدِيرًا )(1). (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدْرِ )(2). فهذا المبدأ إلهي كوني لا يقبل التبديل ، والتعديل : (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (3).ومَعْنَى هَذَا أنّ كلّ شيء يَأْتِي وفقاً لقَوَانِين مُطردة ومعناه أيضاً أنّ الْقُرْآن يقر مبدأ التّطور . وَقَالَ الْإِمَام الصادق(علیه السلام) : «أبى الله إِلا أَنْ يجري الأمور على أسبابها »(4).)وحثَّ الإِسْلام على طلب العِلْمِ بِهَذِهِ الْأَسْبَاب ولو في الصّين(5، وأمر بالرُّجُوع)


1) الْفُرْقَانِ : 2 .

2) الْقَمَر : 49 .

3) الأَحْزَابِ : 62 .

4) أنظر ، شرح أصول الكافي : 2014 ح 2 ، مُسْتَدرَك سفينة البحار : 424/4.

5) بناءً على الحديث المروي عنه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): «أطلبوا العلم ولو بالصين». كما جاء في كنز العمال: 138/10 ح28697 . شرح أصول الكافي : 157/1، فيض القدير : 168/1 111 و 1111 ، وَسَائِل الشّيعة : 1، 27/37، الجامع الصغير للسيوطي : 44/1. البحر الرائق : 21/4 .

إلى العلماء فيما يعود إلى اختصاصهم ... ومن جملة ما قرأت : إنّ سائلاً قَالَ لبعض الشيوخ : هل في الْقُرْآن آية تُشير إلى عدد الْأَرْغِفَة التي تخبز من كيس الطين ؟ فَقَالَ له الشيخ : نعم . وأتصل تلفونياً بمدير المخابز ، وسَأَله عن ذَلِكَ فَأَعْطَاهِ ، فَقَالَ السائل : ولكن هَذَا لَيْسَ من القُرْآن، ورد الشيخ : ألم تقرأ : ﴿فَسْئلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(1)، وقد فعلت .)(وَ اسْتَغْنَى عَنِ الاِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ الَّذِي رَبط الأحداث بأسبابها الطبيعية ، وجعل من الْعَمَل ، والجهاد ، والعزم ، والتوكل عَلَيْهِ تَعَالَى سبباً ضرورياً (فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ ، وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ) . قَالَ سُبْحَانَهُ : (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (2)لا على أَقْوَال المنجمين .)(وَ تَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ ، لِأَنَّكَ - بِزَعْمِكَ - أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النّفْعَ ، وَ أَمِنَ الضُّرَّ ! . أي أنّك تُحب أنْ تُحمد من دُونَ اللَّهِ بِمَا لَا أَثر لَكَ فِيهِ إِلَّا الْكَذِب ، والرِّيَاء (أَيُّهَا النَّاسُ ، إِيَّاكُمْ وَ تَعَلَّمَ النُّجُومِ ، إلا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍ ، أَوْ بَحْرٍ ) . كلّ ما ينفع الناس بجهة من الجهات فَهُوَ علم، وعقل ، ودين، وسياسة حقة سواء أطلقنا عَلَيْهِ كَلِمَة فلك ، أم جَبر ، وهَندسة ، أم ميكانيك ، أم «لونا ، وأبوللو» وبعلم الكواكب تعرف الجهات، ويَهْتَدِي إِلى مسالك)


1) النَّحْل : 43 .

2) آلِ عِمْرَانَ: 159 .

البراري ، والبحار ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (1).وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآیاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (2). وَإِذَا كَانَ الغرض من هذه الآيات بيان الشواهد على الْقُدْرَة الإلهية فَإِنَّها تتضمن أيضاً الحث على طلب العلم بالنّجوم ؛ لأنّ الإِنْسَان كلما ازداد عِلماً بخلق الله أزداد إيماناً ، وتسليماً بِهِ ، وبعظَمَته .)(فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ . الهاء في «إِنَّهَا» تعود إلى حركات النّجوم ، وآثارها التي يخبر بها المنجم رجماً بالغَيْب ، وَهَذَا الرّجم ، والزعم هو الكَهَانَة بالذات (و الْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ ) في أباطيله ، وأكاذيبه لأنّ علم الْغَيْبِ الله وحده (وَ الْكَاهِنُ كَالسَّاحِرٍ ) في شعوذته ، وشيطنته (وَ السَّاحِرُ كَالْكَافِرِ) ، جاء في كتاب الوسائل للحر العاملي إنّ الإمام الصادق(علیه السلام) روى عن جده(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : « مَن مَشَىٰ إِلَى سَاحِرٍ ، أو كَاهِنٍ ، أو كذاب يُصدّقه فما يَقُول ، فَقَد كَفر بِمَا أَنزَل الله مِن كتاب (3). وفي رواية ثانِيَة : «ساحر المُسْلِمِين يُقتل ، وَسَاحر الكُفَّار لا يُقتل »(4)(وَ الْكَافِرُ فِى النَّارِ ) سَوَاء أَكفر نظرياً ، وَعَملياً ، أم عَملياً فقط . قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه: «كَلام أمير المؤْمِنِين حجّة حاسمة لخيالات المعتقدين بالرمل، والجفر، والتنجيم ، وما شاكلها ، ودَليل واضح على عدم صحتها، ومُنافاتها للأصول الشَّرْعِيَّة ، والْعَقْلية»(5)(سِيرُوا عَلَى اسْمِ)


1) النَّحْل: 16 .

2) الأَنْعَام : 97

3) أنظر ، وَسَائِل الشّيعة : 150/17 ح 3، مستطرفات السرائر : 83

4) أنظر ، الوَسَائِل : 106/12 2 ، و : 575/18 ج 1 ، الكافي: 260/7 ح 1. من لا يحضره الفقيه: 371/3 ح 1752 ، الشهد ، التهذيب : 147/10 - 583 ، مسالك الأفهام : 454/14. 1752

5) أنظر ، شرح النهج : 129/1 .

اللَّهِ إِلَى حَرْبِ الْخَوَارِجِ ، وَلَا تعبأوا بأَقْوَال المنجمين . وكَانَتْ الغَلَبَة لِلإِمَامِ ، وأَصْحَابِهِ الَّذين ساروا للحَرْب فِي نَفس الساعة الَّتِي نَهَى عَنْهَا المُنجم.)

## الخطبة-80-### نَوَاقِصُ الْعُقُول:مَعَاشِرَ النَّاسِ ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظ ، نَوَاقِصُ الْعُقُول: فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاةِ ، وَ الصِّيَامِ فِي أَيَّامٍ حَيْضِهِنَّ ، وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةً امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ ، وَأَمَّا نُقْصَانُ حُطُوظِهِنَّ فَمَوَارِيتُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ. فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ ، وَلا تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لَا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ .### لِلمِنْبَرِ - عَلِيُّ وَالْمَرْأَة:تَكلَّم الباحثون كثيراً عن المرأة ، ومواهبها ، وخصائصها ، وعن حُقوقها، وواجباتها ، وتكلموا عن المرأة في الإسلام ، أو فِي الْقُرْآن، وعن المرأة الشرقية، والغربية، وعن دور المرأة، وتأثيرها في حياة العباقرة، والمجانين أيضاً ... وط-ال حولها الجدال ، والنقاش ، وسيبْقَ قائماً إلى آخر يَوْم ، وإنْ دَلَّ هَذا على شيء فإنَّه يدلُّ على أن المرأة هي ذلِكَ الإِنْسَان، أو اللُّغز المجهول.

وأيضاً تَكَلَّموا عن عَليَّ ، والمَرْأَةَ ، وَقَالَ قَائِل : إِنَّ الْإِمَام نَظر إِلَى الْمَرْأَة من خلال رأيه بعَائِشَةَ صاحبة الجَمَل ، حيث عارضت حكمه ، وخِلافَته ، وألبّت عَلَيْهِ الجموع، وجيشت الجيوش ، ولَوْلاً موقفها هذا لم ينظر إِلَى الْمَرْأَةَ هَذِه النظرة التي تحط من شأنها ، وقدرها .وأجبنا عن هَذَا بخمسة أجوبة ، وَهِي(1:)1 - أنّ موقف عَائِشَةَ من الإِمَام(علیه السلام لَيْسَ بأعظم من موقف طَلْحَة ، والزُّبَير اللذين بايعا ثُم نكنا ، وحرضا عَائِشَةَ على الخروج، وَلا بأعظم من موقف مُعَاوِيَة ، وأبن العاص ، وَلاً بأعظم من موقف الخوارج ... ولو صح نَفْسِير رأي الإِمَام فِي المَرْأَةِ بِكَرَاهِية عَائِشَةَ لوجب أنْ يَكُون رأيه في الرّجل تماماً كرأيه في المَرْأَةِ، لأنّ طَلْحَة ، والزُّبَيْرِ ، ومُعَاوِيَة ، وأبن العاص، ومن لَفَّ لَنَّهُم فَعَلُوا ما فعلت عَائِشَةَ ، وزيَادَة.)2 - جرت العادة أنْ يَكْرَه الإِنْسَان، ويحقد على الْقَوِيّ دُونَ الضَّعِيف، وعلى الغالب دُونَ المغلوب ، وعَائِشَةَ كَانَتْ أَسيرة بَيْنَ يدي الإِمَام حَتَّى قالت آسفه نادمة : «لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ أُخْلَق» (2.)3 - هل بلغ الذهول بعلي - وهو باب مدينة العِلْم (3- أن يحكم على النِّسَاء ، كلّ النِّسَاء ، من خلال إمَرْأَة وَاحِدَة تُلقب بصاحبةِ الجَمَل ، ويقيس النَّوْع على الْفَرْد ؟ . إنّ هَذَا منطق أَهْل الجَهْل ، والغباء لا منطق الْمَعْصُومين ، والْعُلَماء .)


1) أنظر كتابه «علي والفَلْسَفَة» (مِنْهُ قدّس سرّه )

2) أنظر ، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 192/8 تحت رقم (3/26) ، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 74/8

3) بناءً على الحديث المروى عنه الله : «أنا مدينة العِلْم، وعلي بابها » . وقد تقدم إستخراجه .

4 - متى كَانَ لعليَّ الَّذي يَدُور الْحَقِّ معه كَيْفَها دَار (1- شهوات، وميُول حَتَّى يستمد منها آراءه، وينطق بوحيها ؟. أحين أكرم عَائِشَةَ ، وأطلقها من الأسر ، أو حِينَ تَمكن من رقبة أبن العاص، وبُسْر ابن أرطاة فعفا عَنْهُما ، أو حِينَ سقى الماء لمُعَاوِيَة بعد أن منعه مِنْهُ ؟ .)5-قَالُوا : أنّ النَّبِي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّمكَانَ يُحِبّ عَائِشَةَ ... وعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون رأيه في المرأة حسناً يُخالف رأي الإِمَام مَع أن النبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)بالذات وصفها بنفس الْوَصْف الَّذي نعتها به الإمام ، بل أنّ الإمام نقله بالحرف الواحد عن النَّبِيِّ ، مانصّه بالحرف الواحد :)«خَرَجَ رَسُولُ اللهِ فِي أَضْحَى ، أو فِطْرِ إِلَى المُصَلَّى ، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاء : تَصَدَّقنَ فَإِنِّي اُريتُكُنَّ أَكْثرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقُلْنَ وَبِمَ يا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : تُكْثِرْنَ اللَّعْن ، وَتَكْفُرْنَ العَشْيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلِ، وَدِينِ لِلبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إحْدَاكُنَّ قُلْنَ لَهُ: وَمَا نُقْصَانُ دِينَنَا ، وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَة مِثْلَ نِصفِ شَهَادَةُ الرَّجُلِ ؟ قُلْنَ : بَلَى ، قَالَ : فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا . أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ ، وَلَمْ تَصُمْ ؟ قُلْنَ : بَلَى ، قَالَ : فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينَهَا» (2.)


1) بناءً على الحديث المروي عنه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): «علي مع الحق، وألحق مع علي». وقد تَقَدَّم.

2) أنظر ، صَحِيح البخاري : 145/1 299 ، باب 6 ترك الحائض الصوم، طبعة دار الفكر - بيروت-بأشراف مُحَمَّد بَنِيس، (مِنْهُ قدس سره) . و : 116/1 ح 298 و : 531/2 ج 1393 طبعة أخرى ، وفتح الباري: 406/1، تُحْفَة الطَّالب : 360/1، مُسْتَدرَك الوَسَائِل : 256/14 . بحار الأنوار : 306/101 ، إرواء الغليل محمد ناصر الألباني : 204/1. صَحِيح مُسلم : 86/1 79 سُبل الهدى والرشاد : 320/8. تغيير القرطبي : 83/3 ، تفسير أبن كَثِير : 336/1، صَحِيح ابن حبان : 115/8 ح 3323 و : 54/13 ح 115/8 5744 ، صَحِيح ابن خُزَيْة : 101/2 ح 1000 ، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين: 645/4 8783، المسند المستخرج عَلى صَحِيح الإمام مُسْلِم : 158/1 ح 239 موارد الظمآن : 209/1 ح 818 و 1294 ، سنن ، التّرمِذي : 10/5 ح ،2613 ، تجمع الزوائد : 118/3 ، سُن البَيْهَقِ الْكُبْرَى : 308/1 ح 1370 و 7900 و 20316 و 20327، سنن أبي داود: 219/4 - 4679، سُنن ابن ماجه : 1326/2 - 4003، شرح ح معاني الآثار : 24/2 ، مُعتصر المختصر : 21/1، مسند أحمد : 66/2 - 5343 ، مُسند الحارث : 392/1 297 ، التخويف من النار : 194/1، شعب الإيمان: 62/1 و 5168 ، الإيمان لابن منده: 678/2 ح 670 و 671 و 673 و 676 و 677 ، السُّنة لابن عاصم : 463/2 - 955 و 956 ، الفردوس بمأثور الخطاب : 92/4 6285 و 8220، التمهيد لابن عبدالبر : 325/3، نصب الراية : 89/4، المحلى لابن حزم 39/1

هُنَّ ناقصات عقل ودين عند النَّبيِّ الَّذي قيل : أَنه كَانَ يُحِبّ عَائِشَةَ ، وأخذ عَنْه قَوْله هَذا بالحرف ربيبه ، وتلميذه الذي قيل : أنه كان يبغض عَائِشَةَ ، فَإِذَا كَانَ قَوْل النَّبِيِّ فِي المَرْأَةِ بوحي من الله فيجب أنْ يَكُون قَوْلَ الْإِمَامِ كَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَوْل الإمام بوحي من بغضه لعَائِشَةَ فيجب أن يَكُون قَوْل النَّبِيِّ كَذَلِكَ ... والفرق تناقض ظاهر .وَقَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «خلق الله النِّسَاء ، وحملهن على ثقل الولادة، وتربية الأطفال إِلَى سِن مُعينة لا تكاد ينتهي حَتَّى تستعد لحمل، وولادة ، وهكذا فلا يكدن يفرغن من الولادة، والتربية ... فكأنهن قد خصصن لتدبير أمر المنزل وملازمته، وهو دائرة محدودة يقوم عليهن فيها أزواجهن ، فخلق هَنَّ من الْعُقُول بقدر ما يحتجن إِلَيْهِ فِي هَذَا، وجاء الشرع الشَّرِيف مُطابقاً للفِطْرَة ، فكنَّ فِي أحكامه غَيْر لاحقات للرجال، لا فِي الْعِبَادَةِ ، وَلاً الشهادة ، وَلا الميراث » (1)


1) أنظر ، شرح النهج : 129/1.

## الخطبة-81-### التَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ:أَيُّهَا النَّاسُ ، الزَّهَادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ ، وَ الشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ ، وَ التَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ، فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ، وَلا تَنْسَوْا عِنْدَ النَّعَمِ شُكْرَكُمْ، فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَج مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ ، وَكُتُبِ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ .### اللُّغَة:تَوَرَّعَ عِنْدَ الْحَارِمِ : تَخَرَّجَ مِنْهَا وَأَبْتَعَدَ عَنْهَا . وَعَرَّبَ : بَعُدَ .### الْمَعْنى:لا يَكُون الزُّهد إلّا في المقدور ، ولو بالجد، والطَّلب، أما الزُّهْد في غير المقدور فَهُوَ تَمامَاً كَزُّهد التّعلب في العِنب الَّذي قَصُرَت يَده عنه. وقد حدد الإِمَامِ الزُّهْد بثلاثة أوصاف : الأَوَّل : ( قِصَرُ الْأَمَلِ وهو أنْ يَحسب الإِنسان لنزول الموت بِهِ فِي أية لحظة تماماً)

كالمحتضر ، ويستعد له بالعَمَل الصَّالح.الثاني : (وَ الشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ بالطَّاعَة ، وبالفعل ، لا بالقَوْل ، وأوضح مظاهر الجحود، وكفران النّعم أنْ يتسعين بها الإِنْسَان على مَعْصِيَة المنعم .)الثالث : (وَ التَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ . يكف عن الحَرَّمات ، ويقف عند الشُّبُهَات. ومن أَقْوَال الإِمَام : «لاَ وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهة ، وَلاَ زُهْدَ كَالزُّهدِ فِي الحرام»(1).)(فَإِنْ عَزّبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلَا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ وَلَا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ . ذَلِكَ أشارة إِلَى الْعَمَل بِالأوصاف الثلاثة مجتمعة ، والمَعْنَى إِذا لم تعملوا بالثلاثة فعَلَيْكُمْ أن تعملوا بالوَصْفين الأخيرين، ولا يجوز تركهما بحال ، وهما الكفّ عن ف الحَرَّمات ، وشُكر النعم، أمّا طول الأمَل فَإِذا لم يؤد إلى فعل الحَرَام فَلَيْسَ بحرام لأنه أشبه بحديث النفس الذي لا مؤاخذة عَلَيْهِ ، ومن أجل هَذَا رخص به الإمام .)(فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْكُمْ أي لَم يَدَعْ لَكُمْ عُذراً تعللون به ، ذلك بأنه تعاهدكم (بِحُجَج مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ ) من منطق الحس ، والْعَقْل ( وَكُتُبِ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ ) . إنّ ما أنزله سُبْحَانَهُ في كتابه من آيات محكمات هي عذر واضح له ، جَلَّت حِكمته ، فيما ينزله بالعاصي من العقوبات.)والخلاصة : أنّ الله تَعَالَى منح الإِنْسَانِ الْعَقْل ، والْقُدْرَة ، والإِرَادَة ، وأوضح له نهج السَّبِيل ، ولم يَدَعْ له من عُذر إنْ تَنَكَّبَ عَنْه ، وهذه بمجموعها حجة كاملة الله على من سولت له نفسه أنْ يتعدى حدوده ، وأَحْكامه.


1) أنظر نهج البلاغة : 27/4 ، المحكمة (113).

## الخطبة-82-### الدُّنْيَا:مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءُ ، وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ فِي حَلالِهَا حِسَابٌ ، وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ . مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ ، وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ ، وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ ، وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ ، وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتُهُ.### اللُّغة:سَاعَاهَا : غَالبهَا ، يُقَال سَاعَاني فُلآن فسعيته أي غَلَبَتُه في المشي ، ومن سلك شَيْئَاً من مَتَاعِ الدُّنْيا بالجد يظن أنه غلبها ، ولَكِنَّهُ هِي الغالبة على كُلِّ حَالَ كما يتضح من الشرح . وَاتَتْهُ : طَاوَعتْهُ، والفرق بَيْنَ أَبْصَرَ بِهَا وأَبْصَرَ إِلَيْهَا كالفرق بَيْنَ مَنْ أَبْصَرَ الأَشْيَاء بسبب ضوء الشَّمْس ، وبَيْنَ مَنْ نَظَرَ إِلَى الشَّمْس بالذات فأَعشت بصره.### الْإِعْرَاب:مَا أَصِفُ «مَا» أستفهام مُبْتَدَاً ، وجُمْلَة أَصِفُ خَبَر ، والباء في «بها» للسببية ،

وأَبْصَرَ إِلَيْهَا أي نَظَرَ إِلَيْهَا كما يُقَال دَخَلْتُ إِلَى الْبَيْت أَي وَلَجْتُ إِلَى الْبَيْت على حد تمثيل أبن أبي الْحَدِيد(1.)### الْمَعْنى:(مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ . تَعَبْ ، وآلام منذ اللحظة الأولى التي يُؤلد فيها الإِنْسَان حَتَّى النَّفْس الأخير (وَ آخِرُهَا فَنَاءُ !) مَوْت لا يرده جاه ، وَلا مَال ، وَلاَ كفر ، وَلا إيمان ، وَبِهِ تُختم دُنيا الأحياء (وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ ) . يُسأل المرء غَداً عَن الخلال، والحرام، أما السُّؤال عن المال الخلال فعلى أي شيء أنفقه ، وأَتلفه ، أما المال الحرام فيُسأل من أين ؟ وإلى أين ؟ وفي الحديث : «يُسأل العبد غداً عن عُمره فيما أفناه، وعن جسده فيا أبلاه، وعن مالهِ بما أكْتَسَبَهُ، وفيا أنفقه ؟ » (2)، وفي


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 240/6 .

2) أنظر ، المَبْسُوط للشَّرخَسي: 286/30 ، حاشية رد المحتار: 51/1 ، تجمع الزوائد : 346/9 . 1 / 346 ط القدسي بالقاهرة، بشارة المُصْطَفَ : 252 ، تَفْسِير نور الثَّقَلَيْن: 402/4 ، الخوارزمي في المناقب : 59/7 و 45 ط تبريز . وأخرجه الترمذي : 36/4 - 2532 كتاب صفة الْقِيَامَة عن بريدة الأسلمي وفي كنز العمال: 6 / 218 ح 38982 ، و : 103/7، و : 14 / 379 ، المناقب لابن المغازلي : ، 119 ح 157 ، جواهر العقدين: 246/2 ، أنظر التعليق في العمدة لابن البطريق : 219 و 283 و 284 21 على هذا الحديث لأنّ تكملة الحديث : وعن حبّنا أَهْل الْبَيْت فَقَالَ له عُمَرَ بن الخَطَّابِ : فما آية حبّكم من بعدكم ؟ فوضع يده على رأس علي، وهو جالس جنبه فَقَالَ: آيته حُبّ هَذَا من بعدي. كما جاء في معالم العِتْرَة النَّبَوِيَّة : 53 ورق (م) ، وكَذَلِكَ المصادر السابقة ، واللاحقة .)وأنظر تعليق العلامة البياضي في السِّرَاط المستقيم : 51/2 الْبِحَار : 310/39 دلائل الصدق 2 / 12 و 13 و 155 و 156، السيوطي في إحياء الميّت هامش الإتحاف 115 ط الحلبي فرائدالسمطين : 301/2 ، مقتل الإمام الحسين للخوارزمي: 43 ط الغري عن أبي برزة، المناقب المرتضوية للكشفي : 99 ط : 99 ط بمبي ، أَرْجَح المطالب : 524 ط لاهور ، كفاية الطالب : 183 ، الذهبي في ميزانه : 209/1 ط القاهرة ، لِسَان الميزان: 159/4 ، رشفة الصادي لإبن شهاب الدين: 45 ، الشرف المؤبد : 178 ط الحلبي وأولاده و : 74ط مضر، التعلي في تفسيره: 4/2 ط الحيدرية.

الْقُرْآن الْكَرِيم : (ثُمَّ لَتُسْئلُنَّ يَوْمَذٍ عَنِ النَّعِيمِ (1). وَقَالَ أَبو ذَرٌ : «إنّ صاحب الدّرهم يَوْم الْقِيَامَة أَخف حساباً من صاحب الدرهمين».(2))(وَمَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ . أي مَن حَازِ شَيْئَاً من المال أغتر بِهِ وطغى ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى)(3). وَقَالَ الْإِمَام : «إنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ ، وَفُتِنَ ، وإن أفتقرَ قَنِطَ ، وَوَهَنَ»(4)، (وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ ) . وإِذَنْ فَالدُّنْيَا شَرَ عَلَى الْفَقِير ، والْغَنِيّ إلا من آمن، وأتق، وتزود مِنْهَا لآخرته ، وأتخذها وسيلة إِلَى الظفر برضوان الله . وخَير الوَسَائِل هَذِهِ الْغَايَة خِدْمَة النّاس، ونصح النّاسِ، قَالَ بَعْض الْعَارفِين : لو قيل لي : خُذ بيد خير أهل المَسْجِدِ - أي الْمُصَلِّين الْعَابِدِين - لقلت : دلوني على أنصحهم لا متهم »(5).)(وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ . أي من غَالبها قَد يَملك شَيْئَاً مِنْهَا ، ولكن تفوته أشياء ، وأشياء كَثِيرَة . قَالَ الشيخ مُحَمَّد عبدة مُعلقاً على هَذِهِ الجُمْلَة : «كلّما نال الإِنْسَان من الدُّنْيَا شَيْئاً فُتحت له أبواب الأمل فيها ، فلا يقضي مطلوباً واحداً حَتَّى يهتف بِهِ)


1) التكاثر : 8.

2) أنظر ، تذكرة المَوْضُوعَات للفتني : 8

3) الْعَلَقِ : 6-7

4) أنظر ، نهج البلاغة : 39/4، المحكمة (150).

5) القائل هو بَكْر بن عبد الله المزني . أنظر ، حلية الأولياء : 224/2 ، سير أعلام النبلاء : 535/4

ألف مطلوب»(1. وَهَذَا ما أراده الإمام بقَوْله : «مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ : طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنْيَا »(2). (وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ ) . أي من لا يجعل الدُّنْيَا كل همه ، وأهتمامه ، ويقنع بسد الْحَاجَة - فإنَّه يحصل على ما يُريد لا مَحَالَةَ ، قيل لزاهد : «أَمَا تَخَاف الفاقة ؟ قَالَ : بلى . وَإِذَا أَصَابَتِنِي حملت المسحاة، وعملت مع الفِعْلَة ، وعشت كما يَعِيشُون».)(وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ . أي من تدبر الدُّنْيَا فِي ضوء ما فيها من عيوب، ومَسَاوِيءِ تدبر ، وأعتبر ، وكرر الإِمَام هَذَا المَعْنَى بأساليب شَتَّى مِنْهَا : «إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا ، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا .. فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ : وَحَدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ذَكَرَتُهُمُ الدُّنْيَا فَتَذَكَّرُوا ، وَحَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا ، وَوَعَظَتُهُمْ فَاتَّعَظُوا»(3). وَقَالَ أيضاً : نَعَتْ هِيَ لَكَ عَنْ نَفْسِهَا ، وَتَكَشَفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا : فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلابُ عَاوِيَةٌ ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ ، يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَىٰ بَعْضٍ ، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا ، وَيَفْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا » (4)(وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ ) . أي مَن رَكَن ، إِلَيْهَا ، وأنصرف إلى ملذاتها صرفته عما فيها من حَسَنَات ، واستباق خيرات .)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 131/1

2) أنظر .نهج البلاغة : 105/4 ، المحكمة (57)

3) أنظر نهج البلاغة : 32/4 ، الحكمة (131).

4) أنظر نهج البلاغة : مِن وَصِيةٍ له (علیه السلام) لابْنِهِ الْحَسَن (علیه السلام)، كتبها إِلَيْهِ بحاضرين عند انصرافه مِن صِفِّين رقم الكتاب (31).

## الخطبة-83-### أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ، وَمُحَاسَبُونَ... فِقْرَة 1 - 2:الْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَلَا بِحَوْلِهِ ، وَ دَنَا بِطَوْلِهِ ، مَائِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وَفَضْلٍ ، وَ كَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَةٍ وَأَزْلٍ . أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ ، وَسَوَابِعْ نِعَمِهِ ، وَ أُومِنُ بِهِ أَوَّلاً بَادِياً ، وَ أَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً ، وَ أَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً ، وَ أَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ ، وَ إِنْهَاءِ عُذْرِهِ ، وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ ) .)أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ضَرَبَ الْأَمْثَالَ ، وَوَقَّتَ لَكُمُ الآجَالَ ، وَ أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ ، وَأَرْفَعَ لَكُمُ الْمَعَاشَ ، وَأَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءَ ، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ ، وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِعِ ، وَ الرِّفَدِ الرَّوَافِعِ ، وَ أَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِ ، فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً ، وَوَطَّفَ لَكُمْ مُدَداً ، فِي قَرَارٍ خِبْرَةٍ ، وَدَارِ عِبْرَةٍ ، أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا . وَمُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا .### اللُّغة :بِحَوْلِهِ : بِقُدْرَتِه على كلّ شيء ، ومَعْنَى لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ - لا حركة وَلاَ قُوَّة

إلّا بمشيئة الله . وبِطَوْلِهِ : بِعَطَائِهِ ، والمراد بالأَزْلِ هُنا الضّيق، والمشَّقَّة . وَسَوَابعَ النِّعْمَة كواملها ، ونغمة سابغة أي نامة كاملة . والإنهاء : الإِبلاغ ، تقول : أَنهيت إِلَيْهِ أي أبلغته ، ونهينه أي زجرته ، والرِّيَاضَ : اللباس. وَأَرْفَعَ : أَوْسَعَ ، وَالرِّفَدِ . العَطِيَّة وَوَظَفَ : قَدر . وفي قَرَارٍ في دار وخبرة : أبتلاء ، وأختبار ، وَعِبْرَةٍ: أعتبار واتعاظ .### الْإعْرَاب:أَوَّلاً حال ، ومِثْله ما بعده من المَنْصُوبات ، والآجَالَ الرِّيَاشَ وَالمَعَاشَ مفعولات به، والإِحْصَاءَ مَفْعُول مُطلق، مثل قعدتُ جُلوساً ، لأنّ الإحاطة تَسْتَدعِي الإِحْصَاءَ، وعَدَداً مَفْعُول مُطلق لأخصاكم ، وقيل : تمييز محول عن مَفْعُول ، والأصل أحصى عَدَدَكم ، مثل (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونَا (1)أي عُيُون الْأَرْضَ.)### الْمَعْنى:(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَلَا بِحَوْلِهِ . أرتفع بقدرته على كلّ شيء (وَ دَنَا بِطَوْلِهِ ) . قَرُبَ من خلقه بعطائه ، وإحسانه ، وفي معناه قَوْله(علیه السلام) : «قَرُبَ فَنَأَى ، وَعَلا فَدَنَا ، وَظَهَرَ فَبَطَنَ )(2). أي دنا من الخلق بعلمه بهم، وتدبيره هُمْ، وَعَلا عَنْهُمْ بِحَقِيقَته ، وصفاته ، وظهر للعقول بآثاره، وخفي عنها بذاته (مَائِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ ، وَفَضْلٍ ) يُعطي)


1) القمر : 12 .

2) أنظر ، نهج البلاغة : الخطبة (195).

الخيرات، ويكشف الكربات ، قَالَ عزّ من قَائِل : (ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1).)أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ ، وَ سَوَابِعْ نِعَمِهِ . كنِعْمَة الْوُجُود ، والْقُدْرَة ، والإدراك ، والدِّين ، والإيمان، وقَبُول التَّوْبَة ، والغفران ... إلى ما لا يبلغه الإخصاء، وهناك نعم خفية لا يتنبه إلَيْهَا إلا القليل ، ومِنْهَا أنه تعالى جعل نَفْسه كالمفترض من الباذل في سبيله ، وَهَذَا كالقارض مع أنّ الكلّ مِنْهُ ، وَإِلَيْهِ .)(وَ أُومِنْ بِهِ أَوَّلاً بَادِياً . أَوَّلاً حال من الضَّمِيرِ فِي «بِهِ» العائد إِلَيْهِ تَعَالَى، وَالْمَعْنَى أصدق بالله الأَوَّل بلا أَوَّل كَانَ قبله ، والظَّاهِر للناظرين بعجائب خلقه ، وتدبيره (وَأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً ) . أطلب مِنْهُ تَعَالَى الهداية ، وهو الهادي ، والمجيب ، والرَّحيم ، والقريب (وَ أَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً). أستعين بالله وحده القاهر فوق عِبَادِه على كلّ ما أهمني ، وبخاصة على طاعته، ورعاية حُقُوقة (وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً ) . أفوض أمري إلى الله ، فَهُوَ يُغنيني عن جميع خلقه ، ويكشف عني شر كلّ ذي شرّ .)( وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً -صلّی الله علیه وآله وسلّم - عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ ) وهو القيام بواجب الرِّسَالَة (وَ إِنْهَاءِ عُذْرِهِ ) بإبلاغ الحجج ، والبينات إِلَى عِبَادِه وَ تَقْدِيمِ نُذْرِهِ ) بتهديد من عاند بعذاب الحريق . ( أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ضَرَبَ الْأَمْثَالَ ) . أي الآيات التي ذكرها في كتابه دليلاً على وجوب الإيمان به، وبالْيَوْم الآخر ، وبكتبه ، ورسله، وهذه الآيات)


1) فاطر: 2.

على أَنْوَاع :مِنْهَا : ما يصدق عَلَيْهِ المنهج الطبيعي كقَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ, يُؤْمِنُونَ(1))ومِنْهَا : ما يدخل في المنهج العَقْلِي : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرْدَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ (2).)ومِنْهَا : من بَاب المنهج الروحى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(3))(وَ وَقَّتَ عين (لَكُمُ الآجَالَ ) . إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)(4). (وَ أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ ) اللباس (وَ أَرْفَغَ لَكُمُ الْمَعَاشَ ) أوسع بَاب الرِّزْق ، وسبله ، وكل سبب من الأَسْبَاب الطبيعية ينتهي إِلَيْهِ تَعَالَى، لأنه المبدأ الأَوَّل لكلّ موجود (وَأَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءَ ) . والإِحَاطَة أعم من الإخصاء لأنها تشمل الموجود والمعدوم، وَلا يَكُون الإخصاء إلا في الموجود: (لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَتها وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )(5). (وَ أَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ ) . إِنْ خَيراً فخير ، وإِنْ شرّاً فشرّ.)


1) الأَعْرَافِ: 185 .

2) سبا: 46

3) آلِ عِمْرَانَ: 169

4) الأَعْرَافِ : 34.

5) الْكَهْفِ : 49 .

(وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ . والإيثار عطاؤك ما أَنْتَ مُحتاج إِلَيْهِ ، وَهَذَا لا يجوز في حقه تَعَالَى ، لأنه غنى عن العالمين، وعَلَيْهِ يَكُون المَعْنَى أنّ الله سُبْحَانَهُ خَصكم بالنّعَم التّامة الكَامِلة : ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَبٍ مُّنِيرٍ )(1). والظَّاهِرة تُسدرك بالحِس ، والْبَاطِنَة بالوحي ، والعَقْل (وَ الرِّفَدِ الرَّوَافِعِ ) . أي وَخَصكم أيضاً بالعطايَا الْوَاسِعَة : (كُلاً نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)(2)أي ممنوعاً . وهَؤُلاء ، وهَؤُلاء إِشَارَة إِلَى أَصْحَاب الجنَّة، وأَصْحَاب النَّارِ ، فعطاؤه يعم الجميع فِي الدُّنْيَا دُونَ أستثناء.)(وَ أَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغ . وذكرنا سُبْحَانَهُ مَرَّات ، ومَرَّات في كتابه ، وعلى لِسَان أَنْبِيَائه، ولم يدع عذراً لنا بجهل ، أو غفلة (فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً ) توكيد :لقَوْله : أَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءَ» (وَ وَظَفَ لَكُمْ مُدَداً) توكيد لقَوْله : «وَوَقَتَ لَكُمُ الآجال»، والحكمة من هَذَا التَّوكيد ، والتكرار أن يمهد بِهِ لقَوْله : (فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ ) . أي في دار الدُّنْيا التي يُبتلى فيها الإنسان، ويُختبر بالنعم ، والنقم : ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (3). ومن البداهة أنه لَوْلاً وجود الدَّعْوَة، والتكليف لكان الإختبار ، والإبتلاء لغواً ، وعبثاً (وَ دَارِ عِبْرَةٍ ) . أي أعتبار بِمَا يحدث فيها من مصائب ، ومتاعب ، وهَذِهِ الْعِبْرَة ، وتِلْكَ الخبرة ضرب من إقامة الحجة على من عاند ، وخالف (أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا ) للتمييز بين المخلص ، والخائن)


1) لقمان: 20.

2) الإسراء : 20.

3) الأَعْرَافِ : 168 .

والمتواضع ، والمُتَكَبِّر (وَمُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا بِمَا مَعَكُمْ من عقل ، وقدرة ، وإِرَادَة ، وبِما جاءكم من رسولٍ، وكتاب .)### ضَنْكِ الْمَضْجَعِ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ ... فِقْرَة 3 - 5 :فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا ، رَدِغٌ مَشْرَعُهَا ، يُونِقُ مَنْظَرُهَا ، وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا غُرُورٌ عَائِلٌ ، وَضَوْءٌ آفِلُ ، وَظِلُّ زَائِلٌ ، وَسِنَادٌ مَائِلٌ ، حَتَّىٰ إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا ، وَ أَطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا ، قَمَصَتْ بِأرْجُلِهَا ، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا ، وَأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا ، وَأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ ، قَائِدَةٌ لَهُ إِلَى صَنْكِ الْمَضْجَعِ ، وَ وَحْشَةِ الْمَرْجِعِ ، وَمُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ ، وَ ثَوَابِ الْعَمَلِ . وَكَذَلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ ، لا تُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً ، وَلَا يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً ، يَحْتَذُونَ مِثَالاً ، وَيَمْضُونَ أَرْسَالاً ، إلَى غَايَة الاِنْتِهَاءِ ، وَصَيُّور الْفَنَاءِ . حَتَّىٰ إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ ، وَ تَقَضَتِ الدُّهُورُ ، وَأَزِفَ النُّشُورُ ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ ، وَ أَوْ كَارِ الطُّيُورِ ، وَ أَوْجِرَةِ السِّبَاع ، وَمَطَارِح الْمَهَالِكِ ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ مُهْطِعِينَ إِلَىٰ مَعَادِهِ ، رَعِيلاً صُمُوتاً ، قِيَاماً صُفُوفاً ، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، وَيُسْمِعُهُم الدَّاعِي ، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاِسْتِكَانَةِ ، وَضَرَعُ الاِسْتِسْلَام وَ الذَّلَّةِ . قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ ، وَ أَنْقَطَعَ الْأَمَلُ ، وَهَوَتِ الْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً ، وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً ، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ ، وَعَظُمَ الشَّفَقُ، وَ أَرْعِدَتِ الْأَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ ، وَ مُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ ، وَ نَكَالِ الْعِقَابِ ، وَ نَوَالِ الثَّوَابِ .### اللُّغة:رَنِقَّ الماء : كَدُرَ والمَشْرَبُ : مُورد الشُّرب، وردغٌ مَشْرَعُهَا : كَثير الطِّين. والوحل. ويُونقُ : يُعجِبُ ، وَيُوبِقُ : يُهْلِكُ . وأهل الْقَمَر : غَاب . وَسِنَادٌ - بكسر

السِّين - مَا يُسْتَنَد إِلَيْهِ . وَنَافِرُهَا : أَي مَن كَانَ نَافِراً عَنْهَا . ونَاكِرُهَا : أي مَن كَانَ مُنْكِراً لها . وقَمَصَ الْفَرَس : رَفَع يديه معاً وطرحهما، وعجن برجليه . وَقَنَصَتْ : اصطادت. وَأَقْصَدَتْ : أَصَابَتْ القصد . وَأَعْلَقَت : رَبطَتْ . وأَوْهَاقَ : جَمع وَهقَ الحبل. لا تُقلِعُ : لا تُكف. والاخْتِرَام : الاسْتئِصال ، يُقَال : تَخَرَمت المُنيَّة القَوْم أي أسْتأصلتهم. وأجْتَرَم . ارْتَكَب الجرائم ، واجْتَرَح : اكتسب . ويَحْتَذُونَ : يَقْتَدُون . وَصَبُّورٍ : مَصْير. وتَصَرَّمَتِ : أَنْقَضت . وَأَزِفَ : قَرُبَ . ومُهْطِعِينَ: مُسْرِعِينَ. والرَّعِيل : القطعة المتقدمة من الخيل، أو الرّجال، أو الطّير، أو غير ذلِكَ. واللَّبُوسُ : ما يُلبس . والاِسْتِكَانَةِ : الخضوع . والكَاظِمَةُ : الكاتمة . والهَيْمَة : الصَّوْت الخَفْ . وزَيْرَةِ الدَّاعِى : زَجْرَه ، وانْتَهَارَه، وَالمُقايَضَةِ : المُعَاوَضَة ، والمُبَادَلة .### الْإِعْرَاب:الدُّنْيَا اسم إنَّ ، ومَشْرَبُهَا مُبْتَدَا مُؤَخَّر ، ورَنِقٌ خَبَر مُقَدَّم ، والجُمْلَة خَبَر إِنَّ، ومَشْرَعُهَا مُبْتَدَاً مُؤَخَّر ، ورَدِغ خَبَر مُقَدَّم ، وغُرُورٌ خَبَر مُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي هِى غُرُورٌ ، وحَائِلٌ صفة غُرُورٌ، وَفَائِدَةً حَال من المنيَّة ، واخْتِرَاماً مَنْصُوب بنزع الخافض أي من اخْتِرَام ، ومِثْله أجْتِرَاماً ، وَمِثَالاً حَال أي مُشابهين ، أو مَفْعُول مُطلق لأنّ الاحْتِذَاء يتضمن مَعْنَى المُماثلة، والمشابهة ، ومِثْله أَرْسَالاً ، وسِرَاعاً مَصْدَر في موضع الحال من مَفْعُول أَخْرَجَهُمْ أي مُسْرِعِينَ ، ومِثْله ما بعده من المَنْصُوبات، وعَلَيْهِمْ خَبَر مُقَدَّم للَبُوسُ .### الْمَعْنى:(فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا . أي مَشُوب بالكَدِرِ ، وفِي خُطْبَة ثَانِيَة : «وَيَشْرَبُونَ)

الرَّنْقَ » (1أي الْكَدِر (رَدِغٌ مَشْرَعُهَا ) . الرَّدِعْ كَثير الوحل ، والْمُرَاد بِهِ هُنا مصائب الدُّنْيَا ، ونكباتها ، والمشرع مُورد الشرب، والقصد مِنهُ فِي هَذَا المكان المورد الذي يطلب فِيهِ الإِنْسَان شَيْئاً من أشياء الدُّنْيَا ، وزينتها ، والمَعْنَى أَنّ الدُّنْيَا حُفت بالمكاره، والمخاوف (يُونِقُ مَنْظَرُهَا ، وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا ) . ظاهرها الرَّحمة، وباطنها العذاب (غُرُورُ حَائِلٌ ( تخدع ضعاف الْعُقُول حَتَّى إِذَا رَكنوا إِلَيْهَا تَحولت عَنْهُمْ ، وغدرت بهم (وَضَوْهُ أَفِلُ كَالبرق مَا إِنْ يلمع حَتَّى يختفي (وَظِلُّ زَائِلُ ) . كلّ نَعيم فِي الدُّنْيَا إِلَى أنتهاء ، وكلّ حَتى فيها إِلَى فَناء (وَسِنَادُ مَائِلٌ ) . من أعتمد عَلَيْهِ سقط ، وهوى.)(حَتَّىٰ إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا أي ركن إِلَيْهَا بعد أنْ نَفَرٍ مِنْهَا وَ أَطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا ) . عطف تفْسِير لأن المعنى أَنسَ بها بعد أن تنكرها (قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا ) . جواب إِذا ، والمَعْنَى بعد أنْ اطْمَأَنَ إلَى الدُّنْيَا غَدرت به تماماً كالذي علا ظهر الدَّابة ، ولَكِنَّهُ أمتنعت عن السير، ورفعت يديها في الهواء، وطرحتهما تفعل ذَلِكَ مَرَّات ، وأَطْلَقَ الْإِمَام (علیه السلام) هنا الأرْجُل على الأَيْدِي تنزيلاً لها بِمَنْزِلَةِ الأرْجُل لأنّ الدَّابة تمشي على أربع ، فأشبهت الْأَيْدِي الأَرْجُل من هَذه الناحية (وَقَنَصَتْ بِأحْبُلِهَا ) . أَصْطَادَت بحبالها (وَأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا) . . أي أَصَابَت بها المقتل (وَ أَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّة )ربطت بعُنقه حبل المشقة (قَائِدَةٌ لَهُ إِلَى ضَنْكِ الْمَضْجَع ) أي ضيق اللحد (وَ وَحْشَةِ الْمَرْجِعِ ) وهو المعاد لِلْحِسَابِ ، والجزاء (وَ مُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ ، وَ ثَوَابِ الْعَمَلِ ) . غَداً يُشاهد الإنسان مكانه في الجنَّة ، أو النَّار قبل أن يدخلها .)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ .(182)

وَالخُلاصة : مَا مِن شيء فِي الدُّنْيَا يسرك إلّا وألصق به شيء يسؤوك.(وَ كَذَلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ . هَذِه هي الحال تجري، وتطرد على الآباء والْأَبْنَاء (لا تُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً ) . لا تُكلف عن إهلاك النّاس، واستئصالهم ولأ يَرْعَوِي الْبَائُونَ اجْتِرَاماً ) . إنّ الخلف رَأَى، أو سمع ما حلَّ بالسلف ، ولَكِنَّهُ لم يتعبر ، ويتعظ ، بل أرتكب الجرائم تماماً كما ارتكبوا ( يَحْتَذُونَ مِثَالاً ) . يفعل الأواخر كما يفعل الأوائل (وَ يَمْضُونَ أَرْسَالاً). يسيرون على رُسلهم في طريق السابقين إِلَى غَايَةِ الاِنْتِهَاءِ ، وَصَيُّورِ الْفَنَاءِ ) . أي بلغوا الْغَايَة من أرتكاب المعاصي ، وأستمروا عَلَيْهَا حَتَّى هلكوا .)(حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ أي أنقطعت الأَعْمَال فِي هَذِهِ الحَيَاة، وأنسد بَاب ( التَّوْبَة حَيْث جاءت السّاعة بعلاماتها ، ودلالاتها (وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ ) . أنتهى عُمر الدُّنْيَا ، وجاء أجلها المقدر عند الله تَعَالَى (وَ أَزِفَ النُّشُورُ) قَرُب البعث وإعادة الأموات إلى الحَيَاةِ أَخْرَجَهُمْ - الله - مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ ) وجمع كلّ ذَرَّة من الأجساد البالية ، وإن استحالت إلى تُراب، أو حيوان، أو نبات (وَ أَوْ كَارِ الطُّيُورِ ، وَأَوْجِرَةِ السِّبَاعِ ) . الأَوْكَار وَالأَوْجار كناية عن بطون الطُّيُورِ ، والحيوانات المفترسة، والمعنى أنّ الله سُبْحَانَهُ يُعيد جسم الإِنْسَانِ إِلَى مَا كَانَ حَتَّى ولو كان قد أكله الطّير ، أو الحَيَوَان ، أما شُبهة الأكل، والمأكول التي أطال الكلام حولها أَهْل المعقول - فقد أجاب سُبْحَانَهُ عَنْهَا بِقَوْله : ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ)(1).)وتعرضنا لهذه الشبهة ، وملخص هذه الشُّبهة: «إِذَا أَكل الكَافِر مؤمناً ،


1) الشورَىٰ: 29

واستحال إلى لَحمَه ودمه فإن أدخل الله الْكَافِرِ النَّار بالنَّظرِ إِلَى كُفره تَعذب الْمُؤْمِن ، وإِنْ أَدْخَلَه الجَنَّةِ بالنَّظَرِ إِلَى إِيمان المُؤْمِن تَنعم الْكَافِرِ»(1. وأطلعت على جوبة هَذِه الشُّبْهَة في كتاب «الأسفار» للمُلا صدرا ، وغَيْره من كُتب الفَلْسَفَة والكلام، وما أقتنعت بشيء إلا بقدرة الله على كلّ شيء ومن أجوبتهم : إنّ في كلّ إِنْسَان أجزاء أصيلة لا تتغير ، ولا تتبدل آكلة كَانَتْ أم مأكولة ، وأخرى دخيلة تتطور، وتزول، والمعاد الأجزاء الأصيلة لا الدخيلة ... وَهَذَا الجَوَاب، أو التّفلسف يُعبر عن ذات صاحبه ، ولَيْسَ بفَلْسَفَة تعكس الواقع (2).)(وَ مَطَارِح الْمَهَالِكِ كالغرق في البحار ، أو الإحراق بالنَّار ، أو القتل في ميدان القتال ، أو مكان الإغتيال ، ونحو ذَلِكَ (سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ ) يَستجيبُون لدَّعْوَة الله (مُهْطِعِينَ ) مُسْرِعِين ( إِلَى مَعَادِهِ ) ، وهو الْيَوْم الذي أشار إلَيْهِ سُبْحَانَهُ بقَوْله : (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )(3). (رَعِيلاً صُمُوتاً) جماعات صامتين (قِيَاماً صُفُوفاً ) قائمين صافين ( يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ) أي أنه تَعَالَى يحيط بِهِمْ عِلْماً : يَوْمَبِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ)(4)أي يعلم أعمالهم ، وسرائرهم في الدُّنْيَا ، ومواقفهم فِي الآخِرَة.)(وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي . كلّ واحد يَسْمَع صيحة البعث لِلْحِسَابِ ، والجَزَاء،)


1) أنظر ، كتابه «التَّفْسِير الكاشف» ما جاء في الآية (4) من سُورة ق وفي كتابه «فَلْسَفَة التَّوْحِيد والْوِلَايَة» (مِنْهُ قدّس سرّه)

2) أنظر ، شرح أصول الكافي : 119/2 و 538/12 ، بحار الأنوار: 95/108 ، تفسير الميزان : 185/5 .

3) الشعراء : 88 - 89

4) الحاقة : 18.

ويُسرع إِلَى الله أَهْل السَّماء ، والأَرْض (عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاِسْتِكَانَةِ ، وَضَرَعُ الاِسْتِسْلاَمِ وَ الذُّلَّةِ . يأتون إلى الله أذلاء خاضعين خاشعين لا حَوْلَ لهُمْ، وَلا طول إلا الاستسلام لعزة الواحد القهار (قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ ، وَ أَنْقَطَعَ الْأَمَلُ) ، حَيْث لا عمل آنذاك ، وَلاً خيار ، وأستغفار ، ولا صلات، وعلاقات ... أَبَداً لا شيء إلّا السؤال . والأهوال ، والنَّدم على ما مضى، وفات ، وأشقى النَّاس من كان قد قصّر ، وسَوّف .)(وَ هَوَتِ الْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً. أي أنّ الْقُلُوبِ يَوْم الْقِيَامَة تَكُون هواء ، وخواء قد أذهب الرّعب كلّ ما فيها من شعور ، وإدراك، وأمل، ورجاء بالنَّجاة ، والسَّلامة ومَع هَذَا لا يَسْتَطِيع الإِنْسَان قَوْلاً ، وَلاَ عملاً إلا تجرعَ الْغَيْظ ، وكتمه (وَ خَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً ) أي سكنت ، وذلت متخافتة : (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا )(1). ( وَ أَلْجَمَ الْعَرَقُ ) لأنّه بلغ الأفواه (وَ عَظُمَ الشَّفَقُ ) أي الْخَوْف (وَ أُرْعِدَتِ الْأَسْمَاعُ ) أَصَابَتها الرَّعْدة خَوْفاً من الله تَعَالَى ، وأيضاً الزَبْرَةِ الدَّاعِي ( أي صيحته (إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ ) . الحِسَابِ الكَامِل ، والْقَضَاء الْعَادِل (وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ ) أي المبادلة بالمثل، إن خيراً فخير ، وإِنْ شرّاً فشرٌ (وَ نَكَالِ الْعِقَابِ ) لمن عصى وَ (نَوَالِ الثَّوَابِ ) لمن أطاع.)### وَجلَ فَعَمِلَ .. فِقْرَة 6 - 8 :عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقتِدَاراً ، وَ مَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً ، وَ مَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً، وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً ، وَمَبْعُوثُونَ أفراداً ، وَ مَدِينُونَ جَزَاءُ ، وَمُمَيَّزُونَ


1) طه : 108

حِسَاباً . قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ الْمَخْرَجِ ، وَ هُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَجِ ، وَعُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ ، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرَّيَبِ ، وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِيَادِ ، وَ رَوِيَّةِ الارْتِيَادِ ، وَأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ ، فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ . فَيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً ، وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً ، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً ، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً ، وَ آرَاءٌ عَازِمَةً ، وَ أَلْبَاباً حَازِمَةٌ فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ ، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ ، وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ ، وَحُذْرَ فَحَذِرَ ، وَزُجِرَ فَازْدَجَرَ ، وَ أَجَابَ فَأَنَابَ ، وَرَاجَعَ فَتَابَ ، وَ اقْتَدَىٰ فَأَحْتَذَى ، وَأُرِيَ فَرَأَى ، فَأَسْرَعَ طَالِباً، وَ نَجَا هَارِباً ، فَأَفَادَ ذَخِيرَةً ، وَ أَطَابَ سَرِيرَةً ، وَ عَمَّرَ مَعَاداً ، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً ، لِيَوْمٍ رَحِيلِهِ ، وَ وَجْهِ سَبِيلِهِ ، وَ حَالٍ حَاجَتِهِ ، وَ مَوْطِن فَاقَتِهِ ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارٍ مُقَامِهِ . فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ ، وَ أَحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ ، وَ أَسْتَحِقُوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُزِ لِصِدْقٍ مِيعَادِهِ ، وَ الْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ ) .)### اللُّغَة:مَرْبُوبُونَ : مَمْلُكُونَ. اقتِسَاراً : قَسْرَاً ، وَقَهْراً . والاِحْتِضَار: حضُور المؤت والأجداث : القُبُور . والرُّفات : الحُطَام. والأَخْرَج: طريق الخلاص والمنهج الطَّرِيقِ الْوَاضِح . والمُهَلِ الإمْهَال ، والمُسْتَعْتِبِ : طَالب العتبى أي الرّضا، وعَلَيْهِ فمعنى المُسْتَعْتِب المُسْتَرْضِي . وسُدَفُ - بضم السين - جمع سَدْفَة بفتحها ، وَهِ-ي الظُّلمة . والرِّبَبِ - بفتح الياء - جمع ريبة أي الشك ، والتُّهمة . والمضمار : المكان ، أو الزَّمان الَّذِي تُضَمّر فِيهِ الخَيْل . وَالرَّوِيَّةِ : إِعْمَال الْفِكْر . والاِرْتَياد : طَلب ما يُراد. وَالمُضْطَرَب : مكان، أو زمان الحركة ، وَاقْتَرَفَ : اكْتَسَبَ. وَعُبِّر أي أراه الواعظ ،

أو أَسْمَعه العبر . وَاسْتَظْهَرَ على فُلان : غَلَبَه ، وَاسْتَظْهَرَ الْقُرْآن : حفظه ، وَاسْتَظْهَرَ الزَّاد : أعده . والمراد بالكنه هنا الْغَايَة . والمعاد: من الأعادة ، والمراد بِهِ هُنا الآخِرَة، والميعاد من الوعد.### الإعراب:عِبَادٌ أي أَنْتُمْ عِبَادٌ وتَخلُوقُونَ صفة ، وقيل : اقْتِدَاراً واقْتِسَاراً مَنْصُوبان على التَّمييز ، والصحيح أنّهما : مَفْعُول مُطلق مبينان للنوع، مثل سِرتُ حَسناً ، أي أَنْتُمْ مَخْلُوقُونَ بقدرة الله لا صدفة ، وتملُوكون قسراً لا اختياراً ، وقيل : إنّ َاحْتِضَاراً حال ، وَهَذَا جائز أي مَقْبُوضُونَ مُحْتَضرين ، ويجوز أيضاً أنْ يَكُون مفعولاً مُطلقاً ، لأن القبض يتضمن مَعْنَى الاِحْتِضَار أي حضور المَوْت وأَجْدَاثاً مَفْعُول فِيهِ أي فِي الأجداث ، ورُفَاتاً مَنْصُوب بـ «كَائِنُونَ» أي يصيرون رُفَاتاً ، وأَفْرَاداً حَال ، وجَزَاءً مَفْعُول مُطلق لأنّ «مَدِينُونَ بِمَعْنَى مُجَازين ، وَقَالَ بَعْض الشارحين : إن حِسَاباً مَفْعُول مُطلق ، ورد عَلَيْهِ شارح آخر بقَوْله : «بل هو مَنْصُوب بنزع الخافض والصّحيح أنّه مَفْعُول من أجله ، أي أَنْتُمْ مُمَيَّزُونَ عَداً من أَجل الحِسَابِ وأَصل وَعُمْرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ عُمِّرُوا مُدَّةِ مثل مُدَّةِ إِمْهَال المُسْتَعْتِبِ ، ثُمَّ حذف المضاف إلَيْهِ ، وأقيم المضاف ،مقامه ، وأنتصب أنتصابه، فيا لها «يا» حرف نداء ، والمنادى تخذُوف أي يا قَوْم، واللام في «لها» للتعجب ، وأَمْثَالاً تمييز مبين لضمير «لَهَا »وَصَائِبَةً صفة ، وطَالِباً حال ، ومِثْله هَارِباً ، وجِهَةً ظرف مُتَعَلِّق بمحذوف حالاً من (واو أتَّقُوا أي متوجهين إلى الجهة، أو الناحية التي خُلقْتُم لها ، وبِالتَّنَجُز مُتَعَلِّق باسْتَحِقُّوا.)

### الْمَعْنى:(عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً ، وَ مَرْبُوبُونَ - أي مملوكون - اقْتِسَاراً . الكَوْن بِمَا فِيهِ فيض من قُدرته تَعَالَى، وفي ملكه، وسُلطانه فَسْراً ، وقَهْراً عن المملوك ، لأن من ملك الإختيار لا يكون رقاً مُستعبداً (وَ مَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً ) إِنَّ الله سُبْحَانَهُ يقبض كلّ حَى بحضور المؤت (وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً) ويَا لَهَا من حُفرة موحشة (وَكَائِنُونَ رُفَاتاً ) تُراباً ، وعظاماً (وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً )، بلا مالٍ ، وَلاَ ناصرٍ : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرْدَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَلنَكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَوا لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) (1). (وَ مَدِينُونَ جَزَاءً ) حسب ما كنتم تعملون، وفى خُطْبَة ثَانِيَة : «وَكَما تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ ، وَمَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً » (2)(وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً يُميّز الله الْعِبَادِ يَوْم الْقِيَامَة بَعْضُهُم عن بَعْض من أجل الحِسَاب كلاً على حدة ، أو أن الخبيث يتميز عن الطَّيِّب بعد الحِسَاب .)(قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ الْمَخْرَج. الله عادل ، ورحيم ، ومن عدله أن لا يُعذب أحداً حَتَّى يُقيم الحجّة عَلَيْهِ بِالْبَيَان مِنْهُ تَعَالَى، والعصيان من العبد ، ومن رحمته ، جلت حكمته ، أنْ يُمهل العاصي في دار الدُّنْيَا، ويفتح له بَاب التَّوْبَة من الذنب، والخلاص من العذاب، فإن تاب وأناب غفر له ، وإنْ أصر وأستمر في التَّقْصِيرِ والإهمال أستحق العقاب بإرادته ، وسوء أختياره (وَ هُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَج ) . أرشد سُبْحَانَهُ عِبَادِهِ إِلَى الطَّرِيق الواضح للخلاص ، والنَّجاة بما منحهم من إدراك ،)


1) الأَنْعَام : 94

2) أنظر ، نهج البلاغة : الخطبة (153).

وقُدرةٍ، وإِرَادَةٍ ، وبما أرسل من رُسل ، وأنزل من كُتب .(وَ عُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ . بعد أن هداهم سُبْحَانَهُ ، وأقدرهم أَعْطَاهُم من الْعُمُر ما لا عُذرهُمْ معه إن قصروا ، وأهملوا ، لقد أمهلهم أمداً يتسع للتوبة ، وطلب الْمَغْفِرَة تَمَاماً كما يجد أحدهم الوقت الكافي لطلب الرّضا مِمَّنْ يبتغي مَرْضَاتِه، والقرب مِنْهُ (وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيَبِ ) عطف تَفْسِير على قَوْله : (وَهُدُوا سَبِيلَ المنهج ) لأنّ أهدَايَة إِلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِح ، والكشف عن ظلمة الشك، والجهل بمعنى واحد ( وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِيَادِ ) وَهِي الخَيْل ، والمَعْنَى أَنه تَعَالَى أفسح المجال فِي الدُّنْيَا لعِبَادِه - كما يُفسح المضمار للخيل - كي يستبقوا الخيرات قبل المئات (وَ رَوِيَّةِ الاِرْتِيَادِ ) . وأيضاً أفسح لهم المجال كي يفكروا، ويتدبروا فيما ينبغي أن يطلب، ويُراد، وهو الخلاص من العقاب والعذاب (و أنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ ، فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ ، وَ مُضْطَرَبِ الْمَهَلِ ) . قَالَ الشَّيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ أي الَّذي أخذه بيده مصباحاً ليرتاد على ضوئه شَيْئاً غاب عنه، ومثل هَذَا يتأنى في حركته خَوْف أنْ يطفأ مصباحه ، وخشية أن يفوته في بَعْض خطواته ما يفتش عَلَيْهِ لو أسرع، فلذا ضرب المثل بِهِ. والمُضْطَرَب مُدَّة الاِضْطَرَاب أي الحركة في الْعَمَل»(1))(فَيَا لَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً ، وَ مَوَاعِظَ شَافِيَةً ، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً ، وَ أَسْمَاعاً وَاعِيَةٌ ، وَ آرَاءٌ عَازِمَةً يَقُول الْإِمَام(علیه السلام) : بَثَثتُ لَكُمُ مِنَ الْمَوَاعِظَ ما لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً طَيِّبَةً لآتَتْ أُكُلَهَا الطَّيِّب في كُلّ حِين، ومن البداهة أنّ البذر الصالح لا يجدي)


1) أنظر ، شرح النهج : 137/1.

شَيْئاً إِذَا زرع في أرض خبيثة : ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (1). وَقَالَ الْإِمَام فِي خُطْبَةٍ ثانية : «إِنِّي قَدْ بَثَثتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الأَنْبِيَاء بِهَا أُمَهُمْ ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا » (2).)(فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ - الْمَوْعِظَة - فَخَشَعَ للّه وحده ، أمَّا مَن يَخْشَع ، ويخضع لعبدٍ مِثْله فَهُوَ ذَلِيل ، وَحَقير ، ومُجرم آثم (وَ أَقْتَرَفَ فَأَعْتَرَفَ ) أكتسب إثماً ،فندم، وتاب (وَوَجِلَ فَعَمِلَ )لأنّ من خاف من شيء ظهر خَوْفه في عمله (وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ ) عطف تَفْسِير على وَجلَ فَعَمِلَ (وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ ) أى فهم الحق، والدِّين على وجهه ، وأحسن فِي الْعَمَلِ بِهِ (وَ عُبَرَ فَاعْتَبَرَ ، وَحُذْرَ فَحَذِرَ ، وَزُجِرَ فَأَزْدَجَرَ ، وَأَجَابَ فَأَنَابَ ، وَرَاجَعَ فَتَابَ ، وَ اقْتَدَىٰ فَاحْتَذَى ، وَ أرِيَ فَرَأَى ) . هَذِه الجُمَل السَّبع ترجع كلّها إلى معنى واحد ، وهو وعظ فأتعظ ، وكما يَكُون الوعظ بآية ، أو رواية ، أو حكمة يكون أيضاً بالتَّجَارِب ، بل هي أنفع ، وأبلغ ، ومن لا ينتفع بها فَهُوَ مُجرم أصيل ، أو قاصر عليل .)(فَأَسْرَعَ طَالِباً ، وَ نَجَا هَارِباً . هَرِبَ مِن الْحَرَّمات ، وسارع إلى الواجبات ، فَنَجَا وَسَلِم (فَأَفَادَ ذَخِيرَةً ) ليوم تُبلى فِيهِ السَّرَائِرِ ، وتَذْخَرِ فِيهِ الذَّخَائِرِ (وَأَطَابَ سَرِيرَةً ) مُحسن النِّيَّة، وسَلَامَة القَصْدِ وَ عَمَّرَ مَعَاداً ، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً ، لِيَوْمٍ رَحِيلِهِ ، وَ وَجْهِ سَبِيلِهِ ، وَ حَالٍ حَاجَتِهِ ، وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارٍ مُقَامِهِ ) . أي تزود بالْعَمَل الصالح ليوم الفزع الأَكْبَر ، فَهُوَ وَجه السَّبِيل ، وإِلَيْهِ الرّحيل ، والإقامة فِيهِ دائمة ، وَلاَ)


1) الأَعْرَافِ : 58

2) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَة (182).

يسد فاقته إلّا زاد التَّقْوَىٰ (فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ جَهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ . خلق الله الْعِبَادِ الحياة أفضل ، وَلا تَكُون وَلَنْ تَكُون هَذِهِ الحَيَاة إلّا مَن جَاهد ، وأخلص .)(وَ أحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ . أحترزوا من مَعْصِيَّة الله ، وأبتعدوا عَنْهَا ، وأطيعوه في أمره ونهيه حَتَّى تبلغوا الْغَاية من طاعته ... وقد حذر سُبْحَانَهُ العُصاة، وهددهم بعذابه حَيْث قَالَ: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ )(1). وَقَالَ : ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (2). وتَقَدَّم مِثْله (3). (وَ أَسْتَحِقُوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَنَجُّزِ لِصِدْقِ مِيعَادِهِ ، وَ الْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ ) . يَسْتحق الْعِبَاد من خالقهم حُسن الثَّوَاب شريطة أن يصدقوه في وعده فعلاً ، وقَوْلاً ، وقد أشار إلَى هَذَا الْوَعْد بقوله : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ )(4)أمّا من كذب ، وتَوَلَّى فقد توعده بقَوْله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ )(5).)### الْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ لأهيَةٌ .. فِقْرَة 9-13:جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِي مَا عَنَاهَا ، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُو عَنْ عَشَاهَا ، وَأَشْلَاء جَامِعَةً


1) الْبَقَرَة : 40.

2) النِّسَاء : 14 .

3) أنظر . الْخُطْبَةُ : (23) فِفْرَة (2) ، (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

4) المائدة : 9.

5) التَّوْبَة : 68

لأَعْضَائِهَا ، مُلائِمَةً لِأَحْنَائِهَا، فِي تَرْكِيبٍ صُوَرِهَا ، وَ مُدَدِ عُمُرِهَا ، بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاتِهَا ، وَ قُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا ، فِي مُجَلِّلاتِ نِعَمِهِ ، وَ مُوجِبَاتِ مِنَنهِ ، وَ حَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ . وَقَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلَائِهِمْ ، وَ مُسْتَفْسَح خَنَاقِهِمْ أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الآمَالِ ، وَشَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الْآجَالِ. لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلامَةِ الْأَبْدَانِ ، وَ لَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنفِ الْأَوَانِ فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ الأَحَوَانِيَ الْهَرَمِ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ - الصحة إلا نَوَازِلَ السَّقَمِ؟ وَ أَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ، وَأُزُوفِ الاِنْتِقَالِ ، وَعَلَزِ الْقَلَقِ ، وَ أَلم الْمَضَضِ ، وَ غُصَصِ الْجَرَضِ ، وَ تَلَفَّتِ الاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ ، وَالْأَقْرِبَاءِ ، وَ الْأَعِزَّةِ ، وَالْقُرَنَاءِ فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ ، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً ، وَ فِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً ، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ، وَ أَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَ مَعَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ ، وَصَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَتِهَا ، وَ الْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا ، وَالْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا ، مُوقِنَةً بِغَيْبٍ أَنْبَائِهَا ، لأ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهَا ، وَ لا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَبِّي زَلَلِهَا ! أَ وَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَ الآبَاءَ ، وَإِخْوَانَهُمْ، وَالْأَفْرِبَاءَ ؟ تَحْتَذُونَ أَمْتِلَتَهُمْ، وَ تَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ ، وَتَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ ؟ ! فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظْهَا ، لأهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا ، سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا كَأَنَّ الْمَعْنَى سِوَاهَا ، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا .### اللُّغَة :جَلا المرآة صَقلها ، وَجَلا عن الأمر أوضحه، وأزال عنه الشك ، والرّيب، وعن

الْبَلَدِ فارقه ، وَهَذَا الْمَعْنَى هو المراد من قَوْله : لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا أي عَن عَمَاهَا . والأَشلاء : جَمع السلو - بكسر السين - وهو العُضو ، والمُرَاد بِهِ هُنا الجسد. والأَحْنَاءِ : جمع حَنْو - بكسر الحاء - وهو كلّ ما أعوج من البدن ، وقيل : يجوز فتح الحاء . والأرْفَاقِ : جمع الرّفْق أي اللطف اللين ، ولكن المراد بها هنا الأعضاء التي يستعان بها على قضاء الحاجة . والزَّائِدَة : الهادية ، لأنَّ الرَّائد يهدي أهله إلى طريق السَّلامة. ومُجَلّلاتِ : من جَلَّل الشّيء أي عَمّ، ويُقَال : جَللَّ المَطَرَ الأَرْضِ إِذَا عَمّها وطبقها والخلاقِ النَّصيب ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . والْخَنَّاقِ : ما يَخنق بِهِ من حبله ، ونَحوَه . وأَرْهَقَتُهُمُ : أَعْجَلَتُهُمُ . وَشَذَّبَهُمْ: فَرَّقَهُمْ ، وأَنفِ - بضم الألف والنّون - أُوّل ، والبَضَاضَةِ : الرّقة ، والنّعومة ، والمراد بها هنا القُوَّة، والنَّشاط. والحَوَانِيَ : جَمع الحَنْو - بفتح الحاء وسكون النون - ضد الاِسْتِقَامَة . والغَضَارَةِ طيب العيش وسعته . آونَةً : أزمنة ، والمفرد أوان مثل أَزمنة، وزمان. والزِّيَالِ الفراق . وَالأُزُوفِ : القُرب . وَعَلَزِ : أضطرب، أو هلع ، أو أرتعد . وجَرَض بَرِيقة : أبتلعه على همٍّ . وهَتَكَتِ : قَطَعَت . والهَوَامُّ : كلّ ذي سم قاتل كالحيات، وما إليها . وَالحَدَثَانُ : التَّوائب. والمعالم : الآثار التي يُستدل بها . وشَحِبَةً : هَازلة هالكة ونَخِرَةٌ بَالية ، والأَعْبَاءِ : الأثْقَال . القِدَّة - بتشديد الدَّال - الطَّريقة .)الإعراب:وَأَشلاءً عطف على «أَسْماعاً» وجَامِعَةً صفة لها، ومُلائِمَةٌ حَالَ من الأَعْضَاءِ ، وفِي

مُجَلّلاتِ مُتَعَلّق بمحذوف حالاً من الخِطَاب فِي «لَكُمْ» أي كائنين فِي مُجَلّلاتِ نِعَمِهِ ، ورَهِيناً حَال من ضَمِير غُودِرَ ، ومِثْله وَحِيداً ، فَالْقُلُوبُ مُبْتَدَأ ، وقَاسِيَةٌ ولاهِيَةٌ وسَالِكَةٌ أَخْبَار لَهُ.الْمَعْنى:أَشار الْإِمَام(علیه السلام هنا إِلَى طَرف من نعم الله على عِبَادِهِ الّتي لا يبلغها الإِحْصَاء، ومِنْهَا (جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِى مَا عَنَاهَا ، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُو عَنْ عَشَاهَا ) . أي مِمَّا عَمى عنهُ غَيْر أُولى الأبْصَار ... ومن البداهة أن السَّمْعَ ، والبَصَر طريقان للعلم ، والفَهم ، وقد عبر بهما سُبْحَانَهُ عن علمه حَيْثُ قَالَ : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(1)أي العالم بكلِّ شيء ، كما وصف عظمت كلمته ، الجاهليين ، والمُعَانِدِين بالصُّمّ، الْبُكُم الْعُمْى . وقدم الإمام السَّمْع على الْبَصَر في الذكر تبعاً لِلْقُرْآن الْكَرِيم حَيْث ذكر السَّمْع أوّلاً في العديد من الآيات ، مِنْهَا آية السَّمِيع العليم ، ومِنْهَا : (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَرَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(2).)وقرأتُ نقلاً عن عُلَماء التشريح : أن جهاز السَّمع أرهف، وأدق من جهار الْبَصَرِ ، فَهُوَ يُدرك المجردات كالموسيق، وتداخل النغمات، وأن الولد قد يَتوُهُ عن عين أُمه في الحزام ، وَلاَ يَنوُهُ عن سَمعها ... وكلنا يعلم أنّ علم التشريح لم يصل يصل عند نزول الْقُرْآن إِلَى ما وصل إِلَيْهِ الْيَوْم ، ومَع ذَلِكَ يذكر الْقُرْآن السَّمْع مُقدماً على الْبَصَرِ فِي أكثر من سبعة عشر موضعاً ... فمن أين جاء مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّمبِهَذَا العِلم إن لم)


1) الشُّورَى: 11 .

2) النّحْل: 78

يَكُن من عند الله ؟ وبِهَذِه المناسبة نشير إلى أن الغالب أن يذهب السَّمْع ويضعف عند الكبر قبل ذهاب الْبَصَر ، أو ضعفه .### هَل أَعْضَاءِ الإِنْسَانِ تَعْقِلُ؟(وَ أَشلاءً جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا ، مُلائِمَةً لِأَحْنَائِهَا ، فِي تَرْكِيبٍ صُوَرِهَا ، وَ مُدَدِ عُمُرِهَا ، بِأَبْدَانِ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا ، وَ قُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا ، فِي مُجَلِّلاتِ نِعَمِهِ ، وَ مُوجِبَاتِ مِنَنهِ ، وَ حَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ مُلاَئِمةً لِأَحْنَائِهَا أَي أَنّ إِنْحِنَاء كلّ عُضو يُناسب وظيفته ، وقَائِةٍ بِأَرْفَاتِهَا : بِأَعْمَالِهَا ، وَوَطَائِفَهَا ، وَرَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا : تُهدي إِلَى طَرِيق الرِّزْق ، وفِي مُجَلّلاتِ نِعَمِهِ : أَنْتُمْ غَارقون في نِعم الله ، وَحَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ : مَنحكم الله العَافِيَة الّتي تَحجز ، وتدفع عَنْكُمْ الكَثِير من المتاعِب ، والآلام ، والمعنى الجامع لذلك كلّه أنّه من عظيم نعم الله على الإِنْسَان، وعجيب حكمته أن يتكون جسمه من أَعْضَاء تقوم بأعمالها ، ووظائفها بيسر وسهولة بحيث لو كَانَ العُضو على غير الكَيْفِيَّة الّتي هو عَلَيْهَا ، أو في غَيْر المكان الذي هو فيه - لتعذر الانتفاع به على الوجه المطلوب.)وأغرب ما قرأت في هَذَا البَاب أنّ مُتخصصاً يعلم وظائف الأعضاء ، أسمه الدكتور «أليكسيس كاربل» ، قَالَ في كتابه الإِنْسَان ذَلِكَ المجهول»: إِنْ كُلَّ عُضو من جسم الإِنْسَان هو بالذات يعقل ، ويدرك ما يُطلب مِنْهُ فِي الحَاضِر ، والمُسْتَقْبَل ، ويعمل في ضوء مَعْرِفَته هَذه لصالح الجسم ، ويُدرك الجسم كل ما هو قَرِيب ، وبعيد ،

وكلّ ما هو آني، ومقبل فيما يختص به ، ويعود عَلَيْهِ بِالنَّفْع (1.)ونَحْنُ لا نشك في أن الأعضاء لا تُدرك شَيْئاً ... ولكن كلّ نظام متناسق ومستمر لا يمكن أن يحدث إلا عن قصد حكيم، وكلّ قصد لا بد أن يهدف إلى غاية ، ويسمى هذا عند الفلاسفة «بقانون الغَائِية». ومن البداهة أنّ الأعْضَاء وسيلة لا غَايَة . وإذَنْ فالعالم القاصد الحكيم هو الذي خلق الأعْضَاء ، وسواها ، جَعَلَهَا وَسَائِل إلى مصلحة الإِنْسَان ، وأغراضه .(وَ قَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ. لحَيَاة الإِنْسَان أجل يسدد الحِسَاب عند حلوله ، ولكن متى ، وأين يحل ، ويجب ؟ ذَلِكَ فِي عِلم الله وحده : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أن تَمُوتُ إِلَّا بِإِذْنِ الله كتبًا مُّؤَجلاً)(2)(وَ خَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ) جَعَل سُبْحَانَهُ لَكُم مِنْ آثَارِ الأَوَّلِين تبصرةً ، ومُزْدَجِراً عن مَعْصِيَتِه إِنْ كُنتم تَعْقِلُون، ثم أشار الإِمَام إِلَى بَعْضٍ تِلْكَ الآثار بِقَوْله : (مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاقِهِمْ ، وَمُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ ) . مُسْتَمْتَع بفتح النَّاء اسم مَفْعُول ، ومِثْله مُسْتَفْسَح ، والمَعْنَى أَن الله قد أفسح للماضين، وأمد في حياتهم، ولم يأخذ الموت بِخْنَاقِهِم حَتَّى استوفوا نصيبهم من متع الحياة ، وزينتها .)(أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الْآمَالِ ، وَشَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الْآجَالِ . لم يكتفوا بِمَا قَالُوا من متع الحياة ، بل كَانَتْ هُمْ آمال طوال عراض، ولكن الموت بدّد شملهم، وأعجلهم قبل أن يبلغوا ما كَانُوا يطمحون إلَيْهِ ، ولم يبقَ مِنْهُم إلا الآثار لتكون عبرة لمن أعتبر (لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلامَةِ الْأَبْدَانِ). أي لم يستعدوا ، ويتزودوا في دار الدُّنْيَا)


1) أنظر ، كتاب كَيْفَ يحيا الإنسان للفيلسوف الصيني «لين يوتانج » : 61 طَبْعَة سَنَة 1967م.

2) آلِ عِمْرَانَ: 145 .

-وهم في تمام الصّحة ، وكمال العافية - ليوم الآخِرَةِ (وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنْفِ الْأَوَانِ فِي أَوَّل زمانهم حيث كَانَ فِي مقدورهم أن يعملوا لأنفسهم ما يجدونه ذُخراً عند الله .)(فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلا حَوَانِيَ الْهَرَمِ ؟ . لا شيء بعد الشَّبَاب إِلَّا المشيب ، وَلا شيء مع المشيب إلّا الهزال، والأدواء ، والآلام ، والاِنْحِنَاء وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ الأنَوَازِلَ السَّقَمِ ؟) . قد يُفاجئك المرض، وأنتَ آنس ما تَكُون في صحتك ، ويُداهمك الحزن والفزع ، وأنتَ في ساعة الأمن ، والسُّرُور (وَ أَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ ؟ . كلّ مُدَّة فِي الدُّنْيَا إِلَى إنتهاء ، وكلّ حَي إِلَى فَناء (مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ ) الفراق (وَأزُوفِ الاِنْتِقَالِ ) عطف تَفْسِير عن قُرْبِ الزِّيَالِ (وَ عَلَزِ الْقَلَقِ ) . أي أنّ الْقَلَقَ يجعله يرتعد ، ويضطرب ، ويُقَال : بات فُلان عَلَزاً أي قَلِقاً مُضْطَرباً اق وَ .)(أَلَمِ الْمَضَضِ . وهو ما يحسه الإِنْسَان من الحزن عند المصيبة (وَ غُصَصٍ الْجَرَضِ ) . يبتلع ريقه على هَمٍّ ، وغَمٍّ (وَ تَلَفّتِ الاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ ، وَالْأَفْرِبَاء وَ الْأَعِزَّةِ ، وَالْقُرَنَاءِ ) . إذا جاءت سكرة الموت بالحق نظر المحتضر إلى الأهل. والأصحاب كأنه يطلب مِنْهُم النَّجدة ، ولكن «متطلباً في الماء جذوة نار»(1). ومن خُطْبَة تَانِيَة : «فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ ، وَلاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ ، يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ ، وَلَا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِمْ » (2(فَهَلْ)


1) أقتباساً من قَوْل الشاعر علي التهامي في مرئية له في أبنه، كما جاء في تاريخ دمشق: 223/43، سير أعلام النبلاء : 382/17 ، وفيات الأعيان : 379/2، البداية والنهاية : 25/12 . : ،)طبعت على كَذِرٍ وأنْتَ تُريدها *** صَفْواً مِنْ الأقْذَاءِ والأكْدَارِوَمُكَلف الأَيَّام ضدّ طباعها *** مُتَطَلب في الماءِ جَذْرَة نَارٍ

2) انظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ .(109) .

دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ ، أَوْ نَفَعَتِ النّوَاحِبُ . أي الباكون ... كلاً، لا يدفع ، ولا ينفع إلّا الْعَمَل الصَّالح.)(وَ قَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً ، وَ فِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً حبيساً في لحده إِلَى يَوْم يُبعثون (قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ) . أَكَلَت الاحَشْرْت لَحْمه ، وأمتصت دَمه حَتَّى صار عظاماً ، وحطاماً وَ أَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ ) . النَّوَاهِكُ النَّوَائِب ، والجدة ضد البلى أي صيرته النَّوَائِب رئاً بالياً بعد أنْ كَانَ نامياً قوياً (وَ عَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ ، وَ مَحَا َالْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ ) . درست الرّياح والأمطار، ومرور الزمان قبره، ودياره، وأسمه ، وأخباره، ولم يبق من شيء يدل عَلَيْهِ، ويومى، إِلَيْهِ من قريب أو بعيد وَ صَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا . كَانَ الجسم ممتلئاً ناعماً ، فأَصْبَحَ هزيلاً واهياً (وَ الْعِظَامُ نَخِرَةً) أي بالية (بَعْدَ قُوَّتِهَا ) أيام حياته وشبابه . (وَ الْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَّةٌ بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا ) . الإِنْسَان روح، وبدن، والبدن بعد الموت للعفونات، والحشرات ، أما الرُّوح فلهول الحِسَاب عن الأعمال ، وما حملت من الأثقال (مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا ) . جمع نبأ ، وهو الخَبَر ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَكشف للروح غداً عن جزاء ما عملت من خير أو شر :( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ : أَمَدًا بَعِيدًا )(1). (لا تُسْتَزادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهَا ) . أي لا تكلف الأَرْوَاحَ فِي الْآخِرَةِ بأن تزيد من صالح الأَعْمال حيث لا شيء هناك إلَّا الْحِسَاب ، والجزاء (وَ لا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّي زَلَلِهَا ) . لا تُتاح)


1) آلِ عِمْرَانَ: 30.

لها الْفُرْصَة لكى تتوب عن سَيِّئَاتِها ، وتطلب الإقالة مِنْهَا .(أَ وَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالْآبَاءَ ، وَإِخْوَانَهُمْ ، وَالْأَقْرِبَاءَ ؟ . كلَّ إِنْسَان هو أبن ، أو أبن وأب ، وأخ ، وقريب لغيره ، وما من أحدٍ إلا وفقد أباه ، أو أبْنِه ، أو واحداً من أقاربه ، وقد رآه في سكرات الموت وهو يجود بنَفْسِهِ ، و محمولاً في جنازته ، وموسداً في الحده ، وأيضاً بكاه، وعُزي بِهِ ، وإذَنْ كَيْفَ لا يعتبر ، ويتعظ بِمَا رَأَى وسمع ؟ (تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ ، وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ ، وَتَطَنُّونَ جَادَّتَهُمْ ؟ !) . أعتبروا ، وأتَّعِظُوا بمن كَانَ قَبْلكم ، فإنّكم سالكون مسلكهم، ومنتهون إلى مصيرهم لا محالة.)(فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظَّهَا . يُقَال : أَرْضِ قَاسِيَّة أي لا تنبت وَلا تنتج شَيْئاً، والمراد هنا أنّ قلوبهم لا نصيب لها من حُسن التَّوَاب ؛ لِأَنَّهَا ما أنتجت شَيْئَاً يعود عَلَيْهَا ، أو على غَيْرها بالخير الأهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا ، سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا !) . أي غافلة ذاهلة عن مصلحتها ، وعما يُراد بها ، وسكلت طريقاً تُؤَدِّي بها إلى الهاوية ( كَأَنَّ الْمَعْنَى سِوَاهَا ) من خطاب الْإِرْشَاد ، والهِدَايَة (وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا ) فقط ، أما الآخِرَة فَهِيَ نَسْيًا مَّنسِيًّا . ومن أَقْوَالَ الْإِمَام(علیه السلام) : «وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَزَادَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الْآخِرَةِ ، وَزَادَ فِي الدُّنْيَا فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابح ، وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ »(1).)وبعد ، فإن من يمعن النظر في أقوال الإمام(علیه السلام ، وهو يصف الإِنْسَانِ فِي دُنْيَاه، وفي قبره ، ثُمَّ في موقفه لِلْحِسَابِ - لا بد أن يتساءل : لماذا كلّ ذلِكَ ؟ وهل المُرَاد)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الْخُطْبَة (114).

مُجرد التخويف من المَعْصِيَة ، والتّرغيب فِي الطَّاعَة ؟ .ولَيْسَ من شك أنّ كلام الإمام ،شرح وتفسير الظاهر الْقُرْآن الْكَرِيم ، وما زاد عَلَيْهِ شَيْئَاً، والْعَمَل بالظَّاهِر هو الأصل ، ولا يجوز العدول عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيل يصرف الكلام عن ظاهره ، وَلاَ دَلِيل من النقل ، ولا من العقل ، وعَلَيْهِ فحساب القبر حق .### المجاز عَلَى الصِّرَاطِ ... فِقْرَة 14-16:وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ، وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ ، وَأَهَاوِيلِ زَلَلِهِ ، وَتَارَاتِ أَهْوَالِهِ ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبِّ شَغَلَ التَّفَكُرُ قَلْبَهُ ، وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ، وَ أَسْهَرَ التّهَجُدُ غِرَارَ نَوْمِهِ ، وَ أَظْمَأُ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ ، وَ ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ ، وَ أَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ ، وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لِأَمَانِهِ ، وَ تَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ ، وَ سَلَكَ أَقْصَدَ الْمَسَالِكِ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ ، وَ لَمْ تَفْتِلُهُ فَاتِلاتُ الْغُرُورِ ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ ، ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى ، وَ رَاحَةِ النُّعْمَى، فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ ، وَ آمَنِ يَوْمِهِ ، وَ قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً ، وَ قَدَّمَ زَادَ الْآجِلَةِ سَعِيداً ، وَ بَادَرَ مِنْ وَجَلٍ، وَأَكْمَشَ فِي مَهَلٍ ، وَ رَغِبَ فِي طَلَبِ ، وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ ، وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ ، وَ نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ . فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً ، وَ نَوَالاً ، وَكَفَى بِالنَّارِ عِقاباً ، وَ وَبَالاً ! وَكَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً ، وَ نَصِيراً ! وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً ، وَخَصِيماً !أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ ، وَ احْتَجَّ بِمَا نَهَجَ ، وَحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً ، وَ نَفَتَ فِي الْآذَانِ نَجِياً ، فَأَضَلَّ ، وَأَرْدَى، وَوَعَدَ فَمَنَّى ، وَزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ، وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ، حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ، واسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ ، أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ ، وَاسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ ، وَحَذَرَ مَا أَمَّنَ .

### اللّغَة:مَزَالِقٍ : جمع مَزْلِق ، وهو المكان الذي لا يثبت عَلَيْهِ قدم ، والدَّحْضِ: الزَّلِق والبطلان ، قَالَ تَعَالَى: (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (1)أي باطلة . وَالثَّارَاتِ : جَمع تَارَة وَهِي المرّة، والدفعة ، والْفُرْصَة، والحين ، والتَّهَجُدُ سَهر اللَّيْل للعِبَادَةِ والغِرَارَ القَلِيل وَأَنْصَبَ : أَتعَبَ .)وهَوَاجِرَ : جَمع هَاجِرَة، وَهِي نصف النهار في القيظ . وَظَلَفَ : كَفَّ . وَأَوْجَفَ : أَسْرَع . وتنكَّبَ : مَال . والمخالج : الطُّرق المتشعبة المتفرعة عن الطَّرِيق الأصيل. وَأَقْصَدَ الْمَسَالِكِ : أَقْوَمها . وَلَمْ تَفْتِلْهُ : لَمْ تَرْده . والنُّعْمَى : سِعَة العَيش . وَالْعَاجِلَة : الدُّنْيَا وَالْآجِلَةِ : الآخِرَةِ ، وَأَكْمَشَ : مضى ، وأَسرع فِي مَهَلٍ : فِي مَهَلَة الحَيَاة، وَفُرصتها . وَذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ: هَرَب مِمَّا يَجب أهْرُوب مِنْهُ بِمَا نَهْجِ بِما وَضح وتَبيَّنَ وقَرِينَتَهُ : النَّفس التابعة لهُ ، قَالَ تَعَالَى: وَنُقَبِضْ لَهُ شَيْطَنَا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (2).)### الْإِعْرَابِ:خَبَر أَنَّ مَجَازَكُمْ مَحْذُوف تقديره كائن لا تَحَالَةَ . وظَافِراً حال من ضَمِير «عَلَيْهِ »، وبِفَرْحَةِ مُتَعَلِّق بـ«ظَافِراً»، وفِي أَنْعَم مُتَعَلِّق برَاحَةِ ، وقُدماً - بضم القاف، والدال - قائم مقام الحال أي متقدماً لا يلوي على شيء ، وبالجنَّةِ الباء زَائِدَة، والجَنَّة فَاعِل كَفَى ، وتَوَاباً تمييز ، ومِثْله كَفَى بِالنَّارِ عِقاباً، ومُنْتَقِاً حال ، ومِثْله


1) الشّورَىٰ : 16 .

2) الزّخْرُفِ : 36 .

حَجِيجاً ، وَخَفِيّاً ، وَخَصِياً ، ونَجِياً.### لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ السِّرَاط :(وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ . قَالَ جَمَاعَة كُثر : إِن السِّرَاط شيء يُرى ، ويُحس ، وهو فوق جَهَنَّم، أوّله في الموقف، وآخره عند أبواب الجَنَّة ، أدق من الشعرة، وأحدٌ من السَّيْف، وأشد حَرَّاً من نار جَهَنَّمَ ، والله سُبْحَانَهُ يأمر عِبَادِه جَمِيعاً أَنْ يمروا عَلَيْهِ ، فمن ساء عمله يهوي في النَّار قبل أنْ يتم الخطوة الأُولَى، ومن أحسن عملاً، ولم يكتسب إثماً مَرَّ عَلَيْهِ كالبرق الخاطف ، وأما الذين أعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً ، وَأَخَرَ سَيِّئَا(1)- فيجتازونه على حسب أَعْمَاهُم فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ، وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجليهِ، وَمِنْهُم كَرَاكب فَرَس(2).)ولَيْسَ في كتاب الله أية إِشَارَة إِلَى هَذَا السِّرَاط الدقيق الخطير ، والآيات التي ذكرت كَلِمَة السُرَاط تدل بصراحة على أن المراد بالسِّرَاط طريق الحق ، وأهدَايَة . ومن أجل هذا أضطر الشَّيخ الصَّدوق، وغيره من القَائِلِين بالسِّرَاط الحسّي - أن يستدلوا بقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (3). وَلَم يتضح لديَّ وَجه الدَّلالة في هذه الآية على السِّرَاط ، وَلا العلاقة بينه وبين الورود)


1) اقتياساً من الآية الكريمة (102) من سُورَة التَّوْبَة : (وَ ءاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَاخَرَ سَيّئًا عَسَى اللَّه أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

2) اقتباساً من الآية الكريمة (45) من سُورَة النُّورِ : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ، وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

3) مريم: 71

والأصل عدم التأويل، وأبعد من هذا الإستدلال ، وأَغرب استدلال ابن عربي في الفتوحات المكيّة بقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (1).)وغَيْر بعيد أنْ يَكُون المراد بالسِّرَاط هنا فِي قَوْلِ الْإِمَامِ (علیه السلامنقاش الْحِسَابِ الَّذِي يُرهق، ويُهلك المجرمين، والمترفين، ووطأة المحيساب تشبه وطأة الحريق إلى حدٍّ بعيد.)وَقَالَ زَاهد لصاحبة : أتحب أنّك شجرة ، وتنجو من الحِسَاب ؟ قَالَ صاحبه : لا . قَالَ :الزاهد : أما أنا فأود أنّي شجرة تأكلني الراحلة ، ثم تقذفني بعراً ، وَلا أُكابد الحِسَابِ يَوْم الْقِيَامَة، أنّي أخاف الدَّاهية الكُبْرَى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَنوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَها وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (2). وعَلى أيّة حال فإنّ عَلى المُؤْمِن أنْ يَعْتَقِد بالحِسَاب ، والجَزَاء الْعَادِل، أمّا التَّفاصيل والكيفيات فغير مَسْئُول عَنْهَا .)(فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُرُ قَلْبَهُ . أعمل فكره في كلّ آيَة، وعِظة ، فَتَدَبَّرها ، وأتعظ بها ... فكر ذو اللُّب طويلاً لكي يعلم عَلى هُدى ، وبَصِيرة (وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ ). خَاف فأطال في مرضاة الله أجتهاده، وأتعب نَفْسه ، وَبَدَنَه ليأمن من غَضَبه تَعَالَى ، وعَذَابَه (وَ أَسْهَرَ التَّهَجُدُ غِرَارَ نَوْمِهِ ) . سَهر طَوِيلاً يتعبد، ويتضرع، وأفضل أنواع الْعِبَادَة بلا استثناء العمل لمنفعة النّاس، والصالح العام (وَأَظْمَأُ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ ) . الْمُؤْمِن الأصيل يَظْمَأ ، ويَنشوق إلى ما أعد الله)


1) الْفَجْرِ : 14

2) الْكَهْفِ : 49.

لهُ مِن حُسن الثَّوَاب ، تماماً كالظَّمْآن فِي شِدَّة الحَرّيَتشوق إِلَى الْمَاء ، ومَا طَمِع الْمُؤْمِن المخلص بثوابه تَعَالَى، وحُسن جزائه إلا لثقته بالله، ووعده، وبدافع من هَذِه الثَّقَة أتعب نفسه، وبدنه في سَبيل مَرْضَاتِه تَعَالَى ، ولَوْلاها ما عمل ، وَلاً رجا .(وَ ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ . زهد في الدُّنْيَا فأستهان بها ، والجم نفسه عما يغضب خالقه، وقادها إلَى مَرْضَاتِه (وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لِأمَانِهِ ) . عمل في دنياه لآخرته ليكون في سلام ، وأمان من آلامها ، وسهامها (وَ تَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ ) . عدل عما يبعده عن السَّبِيل الْوَاضِحَ إِلَى الله تَعَالَى (وَلَمْ تَفْتِلْهُ ) أي تَرده ، وتَصده (فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ ) . وَهِي التي تُغري بالرذيلة ، وتصد عن الفضيلة (وَ لَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُور ) . لأنه لا يَقُول ، ولا يفعل حَتَّى يَكُون على بَيِّنَة من ربِّه .)(ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى ، وَ رَاحَةِ النُّعْمَى . المراد بالْبُشْرَى مَا أشارت إلَيْهِ الآيَة من سُورَة الْبَقَرَة : (وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) (1). أمّا الفَرْحَة فعند دخول هذه الجنَّة (فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ ، وَ آمَن يَوْمِهِ ) . كناية عن مُتعة الرُّوح ، وَرَاحة البدن ، وبهما غنى عن الحَرَام ، ولذته (وَقَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً ، وَ قَدَّمَ زَادَ الْآجِلَةِ سَعِيداً) . خرج من الدُّنْيَا طَاهراً نقياً ، وورد الآخِرَة راضياً مرضياً بما قدم لها من صالح الأَعْمَال ، ومحامد الأفعال (وَ بَادَرَ مِنْ وَجَلٍ ) . أسرع إلى مرضاة الله خَوْفاً من غضبه (وَ أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ ) . أنتهز الْفُرْصَة أيَّام حياته ، وعمل للجنة عملها ، قَالَ الإِمَام(علیه السلام) : «فَاعْلَمُوا وَالأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالأَبْدَانُ صَحِيحَةُ ، وَالأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحُ ، وَالْجَالُ عَرِيضُ قَبْلَ)


1) البقرة : 25

إِرْهَاقِ الْفَوْتِ ، وَحُلُولِ الْمَوْتِ ، فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ ، وَلَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ »(1.)(وَ رَغِبَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ (وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ ) أي أبتعد عمّا يجب الابْتِعَادِ عَنْه خَوْفاً من الله (وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ). عَمل فِي دُنياه لآخرته (وَنَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ ) مضى في سَبِيل الخير لا يلوي على شيء (فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً ، وَنَوَالاً ، وَكَفَى بِالنَّارِ عِقاباً ، وَ وَبَالاً !) . لأنّ كُلَّ نَعِيمٍ دُونَ الجَنَّةِ فَهُوَ مَحْفُورٌ ، وَكُلُّ بَلاءِ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ»(2). كما قَالَ الْإِمَام وَكَفَى بِاللهِ مُنْتَقِماً ) من أَهْل الشَّرِّ ، والْفَسَاد (وَ نَصِيراً !) لأهل الخير ، والصّلاح ( وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً ، وَخَصِيماً ) . الْقُرْآن برهان قاطع، وحجة دامغة لمن حاج بِهِ ، وخاصم .)(أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ فِي كتابه المنزل ، وبِلِسَان نَبِيَّه المرسل (وَ أَحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ ) أي بِمَا بَيّن ، وأوضح من طرق الخَيْر ، والهِدَايَة (وَحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً ) كالوسوسة ، قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) (3). (وَ نَفَثَ فِي الْآذَانِ نَجِياً ) . يُلقي في أُذنه بِمَا يَريه أَنه خَير له ، وصالح ، قَالَ عزَّ مَن قَائِل : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)(4). (فَأَضَلَّ ) بأباطيله من يستمع إلَيْهِ ، ويثق به (و أَرْدَىٰ ) أي أهلكه (وَ وَعَدَ فَمَنَّى ) . غَرَّه بِالْأَمَانِي الكَاذِبَة (وَ زَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ ) بالتَّمويه ، التّدليس.)


1) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (196).

2) أنظر ، نهج البلاغة : الحكمة (387) .

3) النَّاس : 5 .

4) الْأَنْعَام : 112

(وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِم. أي قرّب البعيد ، وبعد القريب ، وأغرى بكبائر الذنوب والاستخفاف بها (حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ، وَ اسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ ) . المراد بالقَرِينَة والرَّهِينَة هنا النفس التي أغراها ، وأصطادها ، ويُقَال : أستغلق الرّهن إذا جَزَ الرَّاهن عن فكّه عند حلول الأجل، والمغنى أنّ النّفس بعد إغوائها يصعب تحريرها من الضَّلال، والغواية حيث تصبح رقاً ، وملكاً للغاوي، وتضليله (أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ ، وَ أَسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ ، وَحَذَرَ مَا أَمَّنَ). أصله عن سَبِيل النّجاة ، وأغراه بطريق الهلاك وسلوكه ، ولما سلكه ، وهَلَك، خَذله ، وَعَدْله تَمامَاً كالشَّيْطَان : (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ) (1).)### حَوْلَ الإِنْسَان... فِقْرَة 17 - 19أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ ، وَ شُغُفِ الْأَسْتَارِ ، نُطْفَةً دِهَاقاً ، وَ عَلَقَةً مِحَاقاً ، وَجَنِيناً ، وَرَاضِعاً ، وَ وَلِيداً ، وَيَافِعاً ، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً ، وَلِسَاناً لأفِظاً ، وَ بَصَراً لأحِظاً ، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً ، وَ يُقَصِّرَ مُزْدَجِراً ، حَتَّى إِذَا قَامَ أَعْتِدَالُهُ ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً ، وَ خَبَطَ سَادِراً، مَا تِحاً فِي غَرْبٍ هَوَاهُ ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ ، وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ ، ثُمَّ لَا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً ، وَلا يَخْشَعُ تَقِيَّةٌ ، فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً ، وَ عَاشَ فِي هَفْرَتِهِ يَسِيراً ، لَمْ يُفِدْ عِوَضاً ، وَ لَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً . دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّة فِي غُيَّرِ حِمَاحِهِ ، وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ ، فَظَلَّ سَادِراً، وَبَاتَ سَاهِراً ، فِي غَمَرَاتِ


1) الحشر: 16

الآلامِ ، وَ طَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ ، وَ الْأَسْقَامِ ، بَيْنَ أَخٍ شَقِيقٍ، وَ وَالِدٍ شَفِيقٍ ، وَدَاعِيَةٍ بِالْوَيْلِ جَزَعاً ، وَلادِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً ، وَ الْمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِنَّةٍ ، وَغَمْرَةٍ كَارِثَةٍ ، وَأَنَّةٍ مُوجِعَةٍ ، وَ جَذْبَةٍ مُكْرِيَةٍ ، وَ سَوْقَةٍ مُنْعِيَةٍ ، ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً ، وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً ، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَعْوَادِ رَجِيعَ وَصَبٍ ، وَنِضْوَ سَقَمٍ، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ. وَحَشَدَةُ الْإِخْوَانِ ، إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ ، وَ مُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ ، وَ مُفْرَهِ وَحْشَتِهِ ، حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ ، وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ ، أَقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤالِ ، وَعَثْرَةِ الاِمْتِحَانِ ، وَ أَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُولُ الْحَمِيمِ ، وَ تَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ، وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ ، وَسَوْرَاتُ الزَّفِيرِ ، لا فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ ، وَلا دَعَةٌ مُزِيحَةٌ ، وَلَا قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ ، وَلا مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ ، وَلا سِنَةٌ مُسَلِّيَةٌ ، بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ ، وَعَذَابِ السَّاعَاتِ إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ !### اللُّغة:شُغُف : - بضم الشّين ، والغين - جمع شغاف ، وهو غِلاف القَلب، وقيل: سويداؤه، ومهما يَكُن فإنّ المراد بالشُّغاف هنا المشيمة، ودِهَق الكأس دِهَاقاً: ملأه ، أو أفرغه بِشِدَّة من الأضداد ، ونُطْفَةً دِهَاقاً : صَبها بقُوَّة ، أو هِي مُمثلثة من جَراثيم الحَيَاة . وَعَلَقَةً مِحَاقاً : ناقصة ، أو مُحيت عَنْهَا الأشكال ، والصُّور. ويَفَع الغُلام فَهُوَ يَافع : نَاهز البلوغ ، وقيل : رَاهَقَ الْعِشْرِين . والمراد بمثاله هنا قامته . وباسْتَوَائها ، وبلوغها الحد من النمو. وسَادِراً : مُتحيراً ، والماتح : نازع الدلو من البئر . والغَرْبِ : الدّلو . وَالبَدَوَاتِ : ما يبدو للمرء من خواطر . وغبر - بضم الغين

وَتَشدِيد الباء - جمع غَابر أي باق: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (1)أي من الباقين . السَّنَنِ - بفتح السّين ، والنون - الطّريقة . ومُبْلِساً : يَائساً، أو سَاكِناً. وسَلِساً : سَهلاً. والرَّجِيعَ : مَا رَجِعَ بِهِ من سفر إِلَى آخر ، والوَصْيب : التَّعَب . والنضو - بكسر النون - المهزول . وَالسَّوْرَاتُ : جمع سُورَة، وَهِي الشِّدَّة . والنَّاجِزَة : الحاضرة.)الإعراب:أم هنا للإستفهام بقصد التفريع لأنَّها تأتي بمعنى همزة الاستفهام ، وقيل : مُنقطعة بِمَعْنَى مَعْنَى بَل ، ونُطْفَةٌ حَال مِن هَاء أَنْشَأَهُ، ومثلها ما بعدها ، وسَعْياً مَفْعُول مُطلق ! «كَادِحاً» مثل قمت وقُوفاً ، ورَزِيَّةٌ مَفْعُول بِه وتَقِيَّةً مَفْعُول مُطلق مبين للنوع أي خشوع التَّقْوَى ، وقيل : مَفْعُول لأجله ، ويَسيراً صفة لَحْذُوف أي زمناً يَسِيراً، وعِوضاً مَفْعُول بِهِ ، ومِثْله مُفْتَرَضاً ، وجَزَعاً مَفْعُول لأجله ، والعامل فِيهِ دَاعِيَةٍ، ومِثْله قَلِقاً ، والعامل لأدِمَةٍ .### الْمَعْنى:(أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ ، وَ شُغْفِ الْأَسْتَارِ ، نُطْفَةٌ دِهَاقاً ، وَ عَلَقَةً محاقاً ، وَ جَنِيناً ، وَ رَاضِعاً ، وَ وَلِيداً ، وَ يَافِعاً. خُلقَ الإِنْسَانِ مِن نُطْفَة ، الأَرْضِ أصلها ، والأرحام مقرها ، قَالَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ)


1) الأَعْرَافِ : 83

خَلْقٍ فِي ظُلُمَت ثَلث ذلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ لا إله إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (1). وَهِي ظُلمة البطن، والرّحم ، والمشيمة ، وكلّ وَاحِدَة من هَذِهِ الثَّلاث في داخل الأخرى ، والنُّطْفَة في قلبها ، ثُمَّ ترتقي النُّطْفَة إِلَى عَلَقَة ، ومِنْهَا إِلَى جَنين ، فَإِذَا ولد فَهُوَ وَلِيد ، وما دَام يَرضع فَرَضِيع ، فَإِذَا فُطم فَفَظِيم ، فَإِذَا مشى فَدَارِجٍ ، فَإِذَا سَقطتْ أَسنانه فَمَتَّغُور ، فَإِذَا نَبتت من جديد فَتَغَر ، فَإِذَا بَلعْ عَشْراً فَمُتَرَعْرِع ، فَإِذَا كَاد يُبلغ الحُلْم فَمُرَاهِق ، فَإِذَا أحتلم فشاب إِلَى الْأَرْبَعِين ، فَإِذَا تَجاوزها فكَهْل إِلَى السِّتِّين، وبعدها يَكُون شَيخاً (2).)### لِلمِنْبَر - حَوْلَ الذَّاكرةُ والنُّطْقُ والبَصَرُ:(ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِسَاناً لأفِظاً ، وَ بَصَراً لاحظاً . فِي الإِنْسَان أَسرار ، وروائع ، بها تفوّق على كثير من المخلوقات ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تفضيلاً) (3). وقد أشار الإمام(علیه السلام) إلى ثلاث من صفات الإنسان الذاكرة. : والنُّطْقِ ، والبَصَرَ ، وفيما يلى التفصيل :)### الذَّاكِرَة :لَيْسَ المُهم أنْ نَعرف : هل الذَّاكرة مِن صِفَات العقل، أو القلب ؟ وإنما المهم أن


1) الزُّمَر : 6

2) أكتبُ هَذِهِ الْكَلِمَات، وأنا عَلَى عُتْبَة السَّبعين . (مِنْهُ قدّس سرّه) .

3) الإسراء : 70 .

نُشير إلى فوائدها ومنافعها، وهى إحدى الوَسَائِل التي تهتدي بها في حياتنا الْعَمَلِيَة - مثلاً - نَحْنُ تُجرب هَذَا الشَّيء مَرَّة وَاحِدَة فنجده نافعاً ، وتُجرب غيره - أيضاً مَرَّة وَاحِدَة - فنجده ضاراً ، ثُمّ تظهر آثار هَذِهِ التَّجْرِبَة في سلوكنا ، ونشاطنا ما دمنا أحياء دُونَ أنْ نُعيد التَّجْرِبَة ثَانِيَة ، والْفَضْل في ذَلِكَ للذاكرة ، وأيضاً نحفظ قواعد العلوم أيَّام الدّراسة، فنفرع عَنْهَا ، ونقيس عَلَيْهَا دُونَ أنْ نعود إلى قراءتها مَرَّة ثَانِيَة . والْفَضْل للذاكرة، وبكَلِمَة لَوْلا الذاكرة ما كانَتْ العلوم، والحضارة ، وَلاً استقامت الحياة .وهذا أحد الفروق بَيْنَ الإِنْسَان ، والحَيَوَان الَّذي لا يملك النصور لشيء من الماضي ، وَلا المُسْتَقْبَل .وقرأت نقلاً عن كتاب ذكاء القردة لـ«كوهلر» : «إِنَّ القِرْد إِذَا رَأَى مُوزة مُعلقة . ورَأَى عصاً في آن واحد، فإنَّه لا يلبث حَتَّى يَسْتَعِين بالعَصا من أجل الوصول إِلَى الموزة ، أمَّا إِذَا رَأَى العصا فقط ، ثُمَّ رَأى الموزة فإِنَّه لا يفكر في العصا حِينَ يرى الموزة، لأنه لا يملك الذاكرة، والتأمل، ومن أجل هَذَا لم يَكُنْ له تأريخ وتراث مع أنه أَرْقَىٰ أَنْوَاعِ الْحَيَوَان ذَكَاءً واحَتيالاً»### الكلمة:أمّا النُّطْقِ ، أو الكَلِمَة فَهِيَ من أعظم ما في الإِنْسَان من روعةٍ ، وإبداع ... فبها يُعبر عن الله ، والكائنات، وبها يبتديء الوحى، والتنزيل ، وفيها تنعكس أفعال الإنسان، ومشاعره ، ومقاصده ، وعَلَيْها ترتكز العلوم والآداب والفنون . قَالَ عالم قديم: «كلّ ما يتناوله العِلْم يُعبر عَنْه بالكَلِمَة، وَلا شيء إلا والعِلْم يتناوله » .

وتقول النّظرية الحَدِيثة : «إنّ اللّغة ليست لمجرد التعبير عن أفكار تكونت، بل هي جزء لا يتجزأ من عملية التفكير ، وتكوينه». ونقل الدكتور زكي نجيب محمود : «إنّ تكوين الأفكار وثيق الصلة بتكوين الكلمات» (1، وإنّ «كوندياك» قَالَ: «إنّ عملية الفكر نفسها مستحيلة بغير اللغة ، ورموزها». ومَعْنَى هَذَا إِنَّ الإِنْسَان هو الكَلِمَة لأَنَّهَا جزء من تفكيره الذي به قوامه، وكيانه، ولا شيء أدل على هذه الحَقِيقَة من أنّ كلّ ما فعلته الإِنْسَانية ، أو فكرت فِيهِ قد ذهب مَعَ الْأَيَّامِ إِلَّا ما حُفر فوق الصخور، أو سُطر في صفحات الكتب ... وكلّ ميّت إلى النسيان، والإهمال إِلَّا مَن تَرَكَ كَلِمَة تُنير الْعَقْل، وتحرك الضَّمِير، وتهدي إلى حَيَاة أَحسن .)### البَصَرُ :ونِعْمَة الْبَصَر تماماً كنعْمَة البَصِيرة، لأن الإنسان بعقله، وحواسه، ولولاها لكان أشبه بالجماد لا يُميز بين الظلمة ، والنُّور ... والحديث عن فائدة البَصَر نافلة وفضول تماماً كالحَدِيث عن فائدة الماء ، والضّياء، وأشار الْإِمَام إِلَى الْغَايَة من الْبَصَر ، والبَصِيرة بقَوْله : (لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً أي أنّ الله سُبْحَانَهُ منح الإِنْسَان نِعْمَة الْبَصَر ، والبصيرة لينتفع بتجاربه الحسيَّة، ويَهْتَدِي بِها إِلَى مَعْرِفَة الخطأ، والصواب ، والصّار ، والنّافع ، فيفعل هَذَا، ويبتعد عن ذَاكَ ، وَهَذَا البعد عن الخطأ، والصّار هو المراد من قَوْله : (وَ يُقَصِّرَ مُزْدَجِراً ))(حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ. أي انتظمت، وتناسبت أعضاؤه ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ)


1) انظر كتاب تجديد الفكر الغربي دي تراسي»، (مِنْهُ قدّس سرّه)

خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (1). (وَ اسْتَوَى مِثَالُهُ ) . بَلغت قامته من النّمو الْغَايَة والنّهَايَة (نَفَرَ مُسْتَكْبِراً على آيات الله ، وأحكامه ، وصدق عَلَيْهِ قَوْله عَزَّ من قَائِل :(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَتِرٍ جَبَّارٍ )(2). (وَ خَبَطَ سَادِراً ) . كناية عن جهله ، وقصور عقله ، كما وصفه الإمام في مقام آخر : «خَبَّاطُ جَهَالاتٍ ، عَاشِ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ ، لَمْ يَعَضُّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ »(3)(مَائِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ ) . أي مندفعاً وَرَاء أَهْوَائِهِ ، لا يردعه عَنْهَا دِينِ، وَلَا عقلٍ (كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ ، وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ ) يَجد ، ويَكدح في ليله ونهاره للحصول على الأرباح ، و تكديس الثروات ، ولو على حساب الضُّعفاء، والمعذبَيْنَ.)(ثُمَّ لَا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً لا يُفكر في المصير ، وسُوءِ الْعَاقِبَة (وَ لَا يَخْشَعُ تَقِيَّةً ) لا يَخْشَع قَلْبَه مَوْعِظَةٌ ، وَلَا يتقي الله في شيء (فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً ، وَ عَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يسيراً ) . عاش في الدُّنْيَا أَيَّامَاً قصاراً أمضاها في اللهو والملذات مُغتراً بها ، مُطمئناً إلَيْهَا حَتَّى أختطفه الموت ، وهو على أسوأ حال (دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ ، وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ ) . رَأَى دَلائِل الموت بَغْتَه، وهو غارق في شهواته وأفراحه (فَظَلَّ سَادِراً ) أي حائراً . لا يدري ماذا يصنع ؟ وكَيْفَ يتلافى ما فرط ، وقصر ؟ .)(وَ بَاتَ سَاهِراً ، فِي غَمَرَاتِ الآلامِ ، وَ طَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ ، وَالْأَسْقَامِ ، بَيْنَ أَخ شَقِيقٍ، وَ وَالِدٍ شَفِيقٍ، وَدَاعِيَةٍ بِالْوَيْلِ جَزَعاً ، وَلادِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً ، وَ الْمَرْءُ فِي


1) التين: 4.

2) غافر : 35 .

3) تَقَدَّم إستخراجه في الخُطْبَة : (17).

سَكْرَةٍ مُلْهِثَةٍ ، وَ غَمْرَةٍ كَارِثَةٍ ، وَ أَنَّةٍ مُوجِعَةٍ ، وَ جَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ ، وَسَوْفَةٍ مُتَّعِبَةٍ . يصف الْإِمَام(علیه السلام) بِهَذِهِ الْكَلِمَات المرء ، وهو على فراش الموت حَيْث تتراكم عَلَيْهِ الأسقام والأوجاع ، والخوف ، والأحزان ، واللّهثات والأنات ، والْيَأْس ، والمرارة ... إلى بُكاءٍ، وعويل ، وَلَدم، وتحيب من الأهل والأصحاب الذين لايملكون له نفعاً ، وَلاَ ضُراً ... والغريب أنهم يتوجعون له ، ويتفجعون ، ومَع هَذَا لا يعتبرون ، ويتعظون ! .)(ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً ساكتاً (وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً ) لا يدافع ، وَلَا يمانع (ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَعْوَادِ رَجِيعَ وَصَبٍ ، وَنِضْوَ سَقَمِ ) أي وضع في النّعش بعد أنْ لاقى الكَثِير الكثير من التَّعَب ، والمرض ( تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ). والحَفَدَة هُنا جمع حَافِد ، ويُطلق على الخادم ، والنَّاصر ، والتّابع ، والمعنى أن الذين يحملون الجَنَازَة هم أعوان أَوْلاَد الميّت (وَ حَشَدَةُ الْإِخْوَانِ) الذين تجمعوا من هنا وهناك للتشيع (إِلَى دَارٍ غُرْبَتِهِ ، وَ مُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ ، وَ مُفْرَدِ وَحْشَتِهِ) ، أَسلموه إلى لحده وحيداً فَرِيداً ، وَغَرِيباً تُرِيباً.)( حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيَّعُ ، وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ ، أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيَّاً لِبَهْتَةِ السُّؤال . وَعَثْرَةِ الاِمْتِحَانِ . بعد أنْ يُوضع في قبره ، ويُهال عَلَيْهِ التّراب تنقطع بَينَه وبَيْنَ أَهْلِ الدُّنْيَاكل علاقة ، ويعود من شيع الجنازة إلى شأنه، ويهدأ من تفجع ، وتوجع ، وينسى مع الأَيَّام، أما حساب الميت في قبره فقد ثبت بالنقل المتواتر من طريق الشيعة ، والسُّنَّة ، وأنكره بَعْض عُلَماء الكلام، ومما استدل به المثبتون قَوْله تَعَالَى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ)

الْعَذَابِ (1). فالمعطوف عَلَيْهِ العرض على النَّار صباحاً، ومساءً، والمعطوف قيام الْقِيَامَة ، وأَحدَهُما غَير الآخر ، والمفروض أنه لا عرض في الحياة الدُّنْيَا فتعين أنْ يَكُون فِي الْبَرْزَخ أي بعد الموت ، وقبل البعث (2).)(وَ أَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُولُ الْحَمِيمِ، وَتَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ، وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ ، وَ سَوْرَاتُ الزَّفِيرِ . والسُّورَة الشِّدَّة ، والزَّفير صَوْت النَّار ، والمَعْنَى أَنّ ما قاساه المرء من الدُّنْيَا من النكبات، وفي قبره من الأهوال - لَيْسَ بشيء إذا قيس بعذاب الحريق يَوْم الْقِيَامَة ، الحريق بنارٍ أشتد لهبها ، وهدد وزمجر (لا فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ ) بل عذاب دائم متواصل (وَ لا دَعَةٌ مُزِيحَةُ ) ، أي تُنحي العذاب عَنْه ، أو تنحيه عن العذاب (وَلَا قُوَّةً حَاجِزَةٌ ) بَينَه ، وبَيْنَ الْنَّار، وهذه الجمل الثلاث بمعنى واحد ، أو متقاربة المَعْنَى.)(وَلا مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ( لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوْتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا )(3). (وَ لا سِنَةٌ مُسَلَّيَةٌ ) . والسِّنَة - بكسر السين - أوَّل النَّوْم ، أو النُّعاس الذي يسبقه ، والمراد بها هنا الموت (بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ ، وَعَذَابِ السَّاعَاتِ !) . كلّ نوبة من نوبات العذاب، ولحظة من لحظاته هي مؤت، أو أَشد (إِنَّا بِاللَّهِ ) وبالولاء للنبي ، وآله ( عَائِذُونَ ) من عذاب الجبار ، وغضبه .)### هَلْ مِنْ مَنَاصِ؟ فِقْرَة 20 - 21:عِبَادَ اللهِ ، أَيْنَ الَّذِينَ عُمَرُوا فَنَعِمُوا، وَعُلِّمُوا فَفَهَمُوا، وَأَنفِرُوا فَلَهَوْا، وَسُلِّمُوا


1) غافر: 46

2) أنظر ، شرح التجريد للعلامة الحلي. (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

3) فَاطِي : 36 .

فَنَسُوا أُمْهِلُوا طَوِيلاً ، وَ مُنِحُوا جَمِيلاً، وَحُذْرُوا أَلِيماً ، وَوُعِدُوا جَسِيماً ! أَحْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرّطَةَ ، وَالْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ .أُولِي الأَبْصَارِ ، وَالْأَسْمَاعِ ، وَ الْعَافِيَةِ ، وَ الْمَتَاعِ ، هَلْ مِنْ مَنَاصٍ، أَوْ خَلَاصٍ، أَوْ مَعَادٍ ، أَوْ مَلاذ ، أَوْ فِرَارٍ ، أَوْ مَحَارٍ ! أَمْ لا ؟( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (1)أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ ! أَمْ ! بِمَا ذَا تَغْتَرُونَ وَإِنَّمَا حَضُّ أَحَدِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، ذَاتِ الطُّوْلِ ، وَ الْعَرْضِ ، قِيدُ قَدِّهِ ، مُتَعَفِّراً عَلَى خَدِّهِ ! ألآنَ عِبَادَ اللهِ ، وَ الْخِنَاقُ مُهمَلٌ ، وَ الرُّوحُ مُرْسَلٌ ، فِي فَيْنَة الْإِرْشَادِ ، وَ رَاحَةِ الْأَجْسَادِ ، وَ بَاحَةِ الاِحْتِشَادِ ، وَ مَهْلِ الْبَقِيَّةِ ، وَ أُنفِ الْمَشِيَّةِ ، وَإِنْظَارِ التَّوْبَةِ ، وَ أَنْفِسَاحِ الْحَوْيَةِ ، قَبْلَ الضَّنْكِ ، وَ الْمَضِيقِ ، وَالرَّوْعِ ، وَ الزُّهُوقِ ، وَ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظِرِ ، وَإِخْدَةِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ)### اللّغة:الْوَرِّطَةَ : التّهلكة ، والمُوَرِّطَة - بتشديد الراء - المهلكة . والمحار : المرجع . وتُؤْفَكُونَ تُصْرَفُونَ ، أو تَنْقَلبُون . والقَدِّ : مُقدار القامة . ومُتَعَفِّراً على خَدِّهِ : واضعاً خَدِّه على التّراب . والفَيْنَة : السَّاعة ، والحين . والبَاحَةِ : السَّاحَة وَأَنفِ - بضم الألف ، والنون - الأَوَّل ، أو المستأنف . والضَّنْكِ : الضّيق . وَالرَّوْعِ : الخَوْف . والزُّهُوقِ : الإِضمحلال.### الإعراب:طويلاً صفة لمحذوف أي أمداً طويلاً، وجَمِيلاً أي منحوا منحاً جميلاً، وجَسِيماً


1) الأَنْعَام : 95 .

أى وُعِدُوا وَعداً جسيماً . أُولِي الْأَبْصَارِ أي يا أُولِي الْأَبْصَارِ ، ومِنْ مَنَاصٍ مِنْ» زَائِدَة ، ومَنَاصِ مُبْتَدَاً ، والخَبَرَ مَحْذُوف أي هل لَكُم مَنَاص ، وأنّى مَفْعُول مُطلق أي أيَّ إفكِ تُؤْفَكُونَ ، وذَاتِ صفة للأَرْضِ ، وقِيدُ خَبَر لحظ ، ومُتَعَفِّراً حَال من الضَّمِير المجرور بإضافة قدِّهِ ، والآنَ مُتَعَلِّق بمَحْذُوف أي أعْمَلُوا الآنَ ، وفِي فَيْنَةِ مُتَعَلِّق مُرْسَل ، وقَبْلَ مُتَعَلِّق بانْفِسَاحٍ.الْمَعْنى:(عِبَادَ اللهِ ، أَيْنَ الَّذِينَ عُمَرُوا فَنَعِمُوا ؟ . هَذَا تَذكير بحال الماضين الذين عاشوا طَوْيلاً ، وتَقَلبوا في الملذات كَثِيراً وَ عُلِّمُوا فَفَهِمُوا ) . أرشد و إِلَى الطَّرِيق القويم، فرأوه، وعرفوه ، ولَكِنَّهُمْ (لَهَوْا) عَنْه بالدُّنْيَا ، وزينتها (وَسُلِّمُوا ) أي عاشوا أمداً غير قصير في سَلامَة الْأَبْدَان ، والأرزاق ولَكِنَّهُمْ (نَسُوا ) الطَّرِيق القويم الذي كَانُوا قد أرشدوا إِلَيْهِ ، فعرفوه ، وفهموه (وَ أمْهِلُوا طَوِيلاً ) كي يَعملوا (وَ مُنِحُوا جَمِيلاً) كي يشكروا (وَ خُذْرُوا أَلِيماً ، أي من عذاب أليم كي يتقوا (وَ وُعِدُوا جَسِيماً) على صالح الْأَعْمَال كِي يرغبوا (وَاحْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ ) أي المهلكة)(وَ الْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ أي التي تُؤَدِّي بِكُم إِلَى عذاب الله ، وسخطه .)أولِي الْأَبْصَارِ ، وَالْأَسْمَاعِ ، وَ الْعَافِيَةِ ، وَ الْمَتَاعِ ، هَلْ مِنْ مَنَاصٍ، أَوْ خَلَاصٍ، أَوْ مَعَادٍ ، أَوْ مَلَاذٍ ، أَوْ فِرَارٍ ، أَوْ مَحَارٍ ! أَمْ لا ؟ (وفَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (1)أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ ! أَمْ بِمَا ذَا تَغْتَرُّونَ ؟) . خاطب الإِمَام بِهَذَا المُترفين الطَّغاة ، وَقَالَ لَهُمْ: إِلى متى التمادي فِي)


1) الأنعام: 95 .

الْعُدْوَان، والعصيان ؟ أَمَّا لَكُم من الله ، أو الضمير رادع ، وزاجرٍ ؟ وبأي شيء تَغْتَرُّونَ ؟ وعلى أي شيء تَعْتَمدُّون ؟ أعلى مال تتركونه لوَارِث ، والحَوَادِث ، أو على صحة ، وجاء إلى زوال ، أَمْ مَعَكُمْ أَمان من الله ، وعذابه ، أَمْ تَسْتَطيعون الفرار مِمَّا خُبىء لَكُم ؟ لَكُمْ الويل مِمَّا تَفْعَلُون ، وتكتسبون .(وَ إِنَّمَا حَظٍّ أَحَدِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، ذَاتِ الطُّولِ ، وَ الْعَرْضِ ، قِيدُ قَدِّهِ ، مُتَعَفِّراً عَلَى خَدِّهِ ! . كلَّ إِنْسَان صَعْلُوكاً كَانَ أَم ملكاً يُسيطر على الأرض بطولها ، وعرضها - لا بُد أنْ ينتهى إلى لحد طوله خمسة أشبار، أو ستة في عرض شيرين ونصف ، أو ثلاثة ... قدراً بقدر .. مفترشاً التراب، وملتحفاً الصخور، والأحجار ... إذن فَعَلام الغُرُور ، والْكِبْرِيَاء ما دام هَذَا هو المصير ، والْعَاقِبَة ؟ . وَقَالَ واعظ لمن يعظه : «أحمل القبر دوماً معك ، ولا أقول : أحمل تُربته ، بل أحمل فكرته ومن حمل فكرة أي شيء ظهر أثرها في عمله .)(الآنَ عِبَادَ اللهِ ، وَ الْخِنَاقُ مُهْمَلٌ أي مُطلق لَم يشدّ به شيء (وَ الرُّوحُ مُرْسَلٌ ، فِي فَيْنَةِ الْإِرْشَادِ ) . الرُّوحُ ما كَانَ بِه الحَيَاة بذكر ، ويُؤنث ، والمَعْنَى أن أرواحكم متروكة لم تُقبض في زمن التكليف ، والعَمَل وَ رَاحَةِ الأجْسَادِ ) أي وقت قُوَّتِها ، وقدرتها على الْعَمَل وَ بَاحَةِ الاِحْتِشَادِ ) أى تَسْتَطيعون أنْ تَجْتَمِعُوا ، وتعملوا يداً وَاحِدَة على ما فيه خير الجميع (وَ مَهَلِ الْبَقِيَّة ) . لقد بقي لَكُم مِن العُمُر ما يُمكنكم معه أن تتوبوا إلى الله عما كَانَ، وتتلاقوا ما فاتكم من الإهمال ، والتَّقْصِير (وَأَنفِ الْمَشِيَّة ) . لو كَانَ لَكم عزم صادق على الطَّاعَة لا بتدأتم من الآن بما أفترض الله عَلَيْكُمْ (وَإِنْظَارِ التَّوْبَةِ ) . في الوقت مُتسع للتَّوْبَة إِنْ بادرتم الآن (وَ انْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ ) أي الحاجة، والمعنى أنكم قادرون على عمل ما تحتاجون إِلَيْهِ فِي آخر تكم .)

(قَبْلَ الضَّنْكِ، وَ الْمَضِيقِ ، وَ الرَّوْعِ ، وَ الزُّهُوقِ . اغتنموا الفُرْصَة، فإنكم ضيوف مؤقتون فِي هَذِهِ الأَرْضِ ، فَإِذَا جاء وقت الرحيل، والفزع، والإضمحلال ضَاق عَلَيْكُمْ المخرج ، ولم تملكوا من الأمْر شَيْئاً (وَ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظِرِ بِالْفَتْح اسم مَفْعُول - وَإِخْدَةِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ ) وهو المؤت. وإنما وصفه الإمام بالمنتظر والْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ لأنه آت لا مَحَالَةَ ، وغَالِبٌ قَاهِرٌ فِي شَتّى الأحول ، وَقَالَ عَنْهُ فِي خُطْبَة ثَانِيَة : «زَائِرٌ غَيْرُ تَحْبُوبِ ، وَقِرْنُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ ، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَظْلُوبٍ»(1).)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الخطبة (230) .

## الخطبة-84-### وَ شَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ:عَجَباً لِابْنِ النَّابِغَةِ : يَزْعُمُ لِأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِي دُعَابَةً ، وَأَنِّي امْرُو تِلْعَابَةٌ :اُعَافِسُ ، وَ اُمَارِسُ ! لَقَدْ قَالَ بَاطِلاً ، وَ نَطَقَ آئِماً ، أَمَا وَ شَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ - إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ ، وَيَقْطَعُ الْإِلَّ ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ ، وَ آمِرٍ هُوَ ! مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سُبْتَهُ . أَمَا وَ اللَّهِ إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ ، وَإِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الْآخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَة حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ أُتِيَّةً ، وَ يَرْضَحَ لَهُ عَلَىٰ تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً .### اللُّغة:الدُّعَابَة : المزاح. والنُّلْعَابَة : مُبالغة في اللعب ، والإِل: الرَّحِم. وأَعَافِسُ : الاعب ، يقال : عَافسَ أهله أي لاعبها ، وعالجها ، ومِثْله وَأُمَارِسُ ، وَيُلْحِفُ : يُلح،

قَالَ تَعَالَى:( لَا يَسْئلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا (1). السُّبَّئَة - بضم السّين ، وتشديد الباء - السَّوءة . وأَتِيَّةً - بتشديد الياء - العَطِيَّة . ومِثْلها الرَّضِيحة مع كون الْعَطَاء قَليلاً .)### الإعراب:عَجَباً نصب على المَصْدَريَة أى أتعجب ، والمَصْدَر من أَنَّ وما بعدها سَاد مسد مَفْعُولي « يَزْعُمُ» وبَاطِلاً صفة لمفْعُول مُطلق مَحْذُوف أي قَالَ قَوْلاً بَاطِلاً ، وآثِماً حَال ، وأَيُّ خَبَر مُقَدَّم ، و «هُوَ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر أَي فَهُوَ أَي زَاجِرٍ ، وقيل أَنَّ «أَيُّ» هُنا حال ، وَلَمْ يَنضح لديّ وَجهُ الحَاليَّة### الْمَعْنى:(عَجَباً لِابْنِ النَّابِغَةِ ! . وَهِي أُمْ عَمْرُو بن العاص ، قَالَ مِيْثَم البحراني : «سُمِّيت أُم عَمْرُو النَّابِغَة لشهرتها بِالْفُجُورِ ، وتظاهرها به»(2)، وجاء في شرح أبن الْحَدِيد «أنّ النَّابِغَةَ أُمّ عَمْرُو بن العاص وقع عَلَيْهَا أبو لهب ، وأُمَيَّة بن خلف ، وهشام بن المغِيرَة ، وأبو سُفْيَانَ بن حرب ، والعاص ، وقعوا عَلَيْهَا جَمِيعاً فِي طُهر واحد، فولدت عمراً ، فأدعاه كُلّهم ، ولكن أُمه أختارت العاص لأنه كَانَ يُنفق عَلَيْهَا كَثِيراً ، وكَانَ عَمْرُو أشبه بأبي سُفْيَانَ ، وفِي ذَلِكَ ، يَقُول أبو سُفْيَانَ بن الحرث بن عبد المطلب في عَمْرُو بن العاص (3):)


1) الْبَقَرَة : 273

2) أنظر ، شرح منة كليعَة : 162 ، وشرح النهج لشارح الكلمات : 209

3) أنظر، شرح النهج : 283/6 ، الاستيعاب : 434، الغارات: 514/2 ، ربيع الأبرار للزمخشري : 548/3 . ونسب صاحب النَّهْج الأبيات الشعرية إلى حَسَّان بن ثابت حَيْث عَيْرَ عَمْرُو بن العاص، مكافئاً لهُ عن هجاء رَسُول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)

أَبوك أبو سُفْيَانَ لا شَكٍّ قَدْ بَدَتْ*** لَنَا فِيكَ مِنهُ بيِّنَات الشَّمائل( يَزْعُمُ لِأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِي دُعَابَةٌ ، وَ أَنِّي أَمْرُو تِلْعَابَةٌ : اُعَانِسُ ، وَاُمَارِسُ ! . أي الأعب، وأداعب ... فكر أبن العاص طويلاً ليجد مأخذاً واحداً على الإمام(علیه السلام) تُصدقه النّاس فِيهِ ، ولما عَجِز ويئس أفترى ، وَقَالَ : إِنَّ عَلِيَّاً لا يصلح لِلْخِلافَة ، لأنّه مزاح هزال ... والله يعلم ، والصَّالِحُونَ مِن عِبَادِه أَنّه (لْقَدْ قَالَ بَاطِلاً ، وَنَطَقَ آئِماً . أَمَا - وَ شَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ ) في الجد والهزل باتفاق أَهْل الأَرْض منذ وجدوا على ظهرها، ولكن ابن النَّابِغَة يتخطى الْقِيَّم (إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ ) بلا خجل من النّاس، وَوَجل من الله (وَ يَعِدُ فَيُخْلِفُ ) كما هو دأب الكذوب ، والْمُنَافِق ( وَيُسْأَلُ ) بالبناء للمجهول (فَيَبْخَلُ ) . « الْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي الْعُيُوبِ ، وَهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ » (1)قَالَ الْإِمَامِ(علیه السلام).)(وَ يَسْأَلُ بالبناء للمعلوم ( فَيُلْحِفُ ) أي يلح في السؤال ، ويطلب من غَيْره بإلحاح ما ضنت به نفسه.. وهنا مكان الغرابة (وَ يَخُونُ الْعَهْدَ). والخيانة من علامات الْغَدْر ، والنِّفَاق (وَيَقْطَعُ الْإِلَّ ) . ولَيْسَ قطع الرَّحِمُ بغريب على من يغدر ، ويفجر (فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ ، وَ آمِرٍ هُوَ ! مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا ) . إنّه يُحَارِب ... ولكن بالكلام، وفي مَوْطِن الأمن ، والأَمَانِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ) . أي استعرت نار الحزب، واشتبكت السُّيوف، والأسنة (كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سُبَّتَهُ ) . يُشير الإِمَام بِهَذَا إِلَى ما حدث لهُ مَع عَمْرُو بن العاص لما حمَلَ عَليهِ فِي)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الحكمة (378).

صفّين ، وكشف عَمْرُو عن سوءته لينجو بحشاشته، فأَعْطَاه الإمام(علیه السلام ظهره. وصار عَمْرُو مثلاً لمن يدفع المكروه عن نَفْسِه بالذُّلِّ ، والْعَار ، وفِي ذَلِكَ يَقُول الشاعر (1).


1) ووردت هذه القِصَّة بألفاظ مُختلفة، وفي مصادر تأريخيه مُتعدّدة ولكن كلّها تُؤدِّي نفس المعنى، فقد ذكرها أبن مزاحم في وَقْعَة صِفِّين : 406 و 408 و 423 و 424 و 432 ، والإمامة والسياسة لابن قتيبة : 127/1 ، كشف التقين: 157 - 158 ، طبقات ابن سعد : 188/7 ، أسد الغابة : 420/4، الكَامِل في التاريخ : 2322، شرح النهج لابن أبي الحديد : 20/1 ، و : 53/8 . ونقل لنا نصر بن مزاحم في وَقْعَة صِفِّين المحاورة، والأشعار والفرار، وكشف العورة من قبل عَمْرُو بن العاص ، قَالَ : وحمل أَهْل العِراق وتلقاهم أهل الشام فأجتلدوا، وحمل عَمْرُو بن العاص معلماً وهو يَقُول :)شدّوا على شكتي لا تنكشف*** بعد طليح، والزبير فأتلفيَومُ همدان ويوم للصدف *** وفي تميم نخوة لا تنحرفأضربها بالسَّيْف حَتَّى تنصرف ***إذا مشيتُ مِشْيَةَ العَوْدِ الصّلفوَمِثْلها لحمير أو تنحرف ***والربعيُّون لهم يَوْمٍ عَصِفْفاعترضه علي(علیه السلام لا يَقُول :)قد علمت ذات القرون الميل ***والخضر والأنامل الطّفولإنِّي بنصل السَّيْف خنْشليلُ ***أحمن وأرمى أَوَّل الرعيلثمّ طعنه فصرعه وأتَّقاءُ عَمْرُو بِرجُلِهِ، فَبدت ،عورتهُ ، فصرف على وجهه عَنْه ، وارتُتْ فَقَالَ القَوْم : أفلت الرّجلُ يا أمير المُؤْمِنِين قَالَ: وهل تدرون من هو ؟ قَالُوا: لا ، قَالَ : فَإِنَّه عَمْرُو بن العاص تَلَقَّاني بعورته فَصرفْتُ وَجْهِي عَنْه .ورجع عَمْرُو إِلى مُعَاوِيَة فَقَالَ له: ما صنعت يا عَمْرُو ؟ قَالَ : لقيني علي فَصَر عني . قَالَ : أحمد الله وعَورَتك، أما والله أن لو عرفته ما أقحمتَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ مُعَاوِيَة فِي ذَلِكَ شعراً :ألا لله من هفوات عَمْرُو *** یعاتبني على تركي برازيفَقَد لاقى أبا حَسَنٍ عَلِيَّاً ***فاب الوائلي مآب خازيفلو لم يُبْدِ عورته للأقى به ليئاً يذلّل كل نازيفغضب عَمْرُو ، وَقَالَ: ما أشدّ تَغيِيطك عَلِيَّاً في أمري هَذَا ؟ هل هو إلا رجل لقيه ابنُ عمه قصرعه. أفتَرَى السّماءَ قاطرة لذلك دَماً ؟ قَالَ : ولَكِنه معقبة لك خِزْياً .ثم قَالَ فِي : 432 : إنّ مُعَاوِيَة أظهر لعَمْرُو شماته، وجعل يقرعه ، ويوبخه ... وإنك لجبان فغضب عَمْرُو ثمّ قَالَ : والله لو كَانَ عَلِيَّاً ما تحمتُ عَلَيْهِ يا مُعَاوِيَة، فهلا برزت إلى على إِذْ دعاك إن كُنت شجاعاً كما تزعم ، وَقَالَ عَمْرُو فِي ذَلِكَ شِعراً :فهل لك في أبي حسن علي ***لعل الله يُمكن من قَفَاكادعاك إلى النزال فلم تُجِبْهُ ***ولو نازلتَهُ تَربَتْ يَدَاكَاوأنظر المحاورة ، والشعر في صفحة أخرى من الكتاب وَهِي : 472 - 473. وَقَالَ جورج جرداق في كتابه الإمام علي(علیه السلام صوت العدالة الإنسانية : 82/1: وقد أَصْبَحَ ذو الفقار فوق هامته، ولو قضى علىّ(علیه السلام) على عَمْرُو آنذاك لكان قضى على المكر والدهاء وجيش مُعَاوِيَة. وأنظر شَرح النهج لابن أبي الحديد: 330/3 ، وكشف اليقين لابن المطهر الحلي: 157 - 108 وابن أَعْتَمْ في الفتوح: 44/2 وما بعدها .)فَقَالَ مُعَاوِيَة العَمْرُو بن العاص : عزمت عَلَيْكَ إلا ما خرجت لمبارزة هَذَا الفارس، فخرج إِلَيْهِ عَمْرُو وهو لا يَعْرِف أنه على ، فَلَمَّا رآه على غرفه فَاطَّرَد بَيْنَ يديه ليبعده عن أَصْحَابِهِ ، فتبعه عَمْرُو هو يَقُول :يا قادة الْكُوفَة يا أَهْل الفِتَن *** أضربكم ولا أرى أبا الحسنفكر عَلَيْهِ علىيا قادة الْكُوفَة يا أَهْل الفِتَن وهو يَقُول :أبو الحُسَيْن فأعلمن والحَسَن *** قد جاك يقتاد العنان والرّسنفعرفه عَمْرُو فولّى عَنْه ركضاً وهو يَقُول : مكره أخاك لا بطل، فلحقه عليّ (علیه السلامفطعنه طعنة جاءت في فضول درعه فألقته إلى الأرض فظنّ أنّ عَلِيَّاً قاتله فرفع رجليه فبدت سوأته، فصرف علي عنه وجهه راجعاً إلى عسكره وهو يَقُول : عورة المُؤْمِن حمى، فقام عَمْرُو فركب فرسه وأقبل على مُعَاوِيَة فجعل مُعَاوِيَة يضحك مِنْهُ ، فَقَالَ عَمْرُو: ممّ تضحك ؟ والله لو تكن أنت وبدا له من صفحتك ما بداله من صفحتي لصرت كَذَلِكَ وما أقالك ، فَقَالَ له مُعَاوِيَة : لو كنت أعلم أنّك ما تحمل مزاحاً ما مازحتك. فَقَالَ عَمْرُو : وما أحملني للمزاح ولكني رأيت أن لقي رجل رجلاً قصد أحدَهُما على الآخر أنفطر السماء دماً ، فَقَالَ مُعَاوِيَة : ولَكِنَّهُ سوأة تعقب فضيحة الأبد، أما والله لو عرفته ما قدمت عَلَيْهِ . وإلى ذَلِكَ أشار أبو فراس)بقوله:وَلا خَيْر فِي دَفعَ الرَّدَى بدلة كما ردّها يوماً بسوأته عَمْرُوفضاح رجل من أَهل الكوفة، ويلكم يا أهل الشام أما تستحون من كشف الإستاء، وأنشد يقوله :ألا كل يوم فارس بعد فارس له عورة وسط العجاجة باديةيكفّ حيّاً لها على سنانه ویضحك منها في الخلاء مُعَاوِیَةبدت أمس من عمرُو فقنّع راسهوعورة، بشر مثلها حذو حاذيةفقولا لعَمْرُو وابْن أَرْطَاة أبصرا *** سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيةولا تحمدا إلا الحياء وخصاكما ***هما كانتنا والله للنفس واقيةفلَوْلاهما لم تنجوا من سكانه ***وتلك بما فيها عن العود كافيه ناهيةمتى تلقيا الخيل المشيحة صُبحة ***وفيها على فاتركا المخيل ناحيةوردت هذه الأبيات في الإستيعاب : 64 - 67 لَكِنَّهُ نسبها إلى الحارث بن النضر التهمي، ووَقْعَة صفين: 462 ونسبها إلى النضر بن الحارث، وفيه: أفي كلِّ يَوْم فارس تندبونه ... وفي شرح النهج لابن أبي الحديد : 301/2، وكذلك مناقب الخوارزمى: 241: قَالَ الْأَشْتَر :أكل يوم رجل شيخ شاغره *** وعورة وسط العجاجة ظَاهرهتبرزُها طعنه كف واتره ***عَمْرُو وبُسْرٌ مُنِيا بالفاقرهالفتوح لابن أَعْتُمْ: 104/2 و 105، ووقعة صفين : 462 وفيها ، رميا بالفاقرة، وأنظر القِصَّة أيضاً في كشف تيفيين: 158 والمصادر السابقة في ترجمة بشر بن أَرْطَاة.

وَلَا خَيْر فِي دَفع الْأَذَى بمذلة*** كما ردّها يَوماً بسوأته عَمْرُو(أَمَا وَ اللَّهِ إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ . وَلا نعرف أحداً على الإطلاق وصف الموت ، وغمراته، وسكراته ، وأنزله حق منزلته كالإمام(علیه السلام) ، والشاهد هي في النهج، وغَيْر النهج، وما أنتقلتُ من مَوْضُوعَ إِلَى مَوْضُوعَ فِي خُطب الْإِمَام(علیه السلام) ، أيّاً كان نوعه - إلا ورَأَيْت معه بطريق ، أو بآخر التحذير من زينة الحياة، وأوزارها ، ومَعْصية الله ، وآثارها ... ويصح لقائل أنْ يَقُول : إن هذا التَّحذير هو القدر الجامع، والقاسم المشترك بين خُطبه كلّها ، أو جُلّها ... لقد نظر)

الْإِمَام إِلَى الدُّنْيَا من خلال المؤت، وبه قاس بهجتها ، وزينتها، ومن أجل ذلِكَ خاطبها ، بقَوْله : «فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ ، وَخَطَرَكِ يَسِيرٌ ، وَأَمَلُكِ حَقِيرُ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَطُولِ الطَّرِيقِ وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَ عَظِيمٍ الْمَوْرِدِ»(1. وأيضاً من أجل ذلك طلقها ثلاثاً لا رجعة فيها (2)، وكلنا يعلم أن أقوال الإِمَام عَين أفكاره ، وإن أفكاره عين أفعاله، وإن شخصيته واحدة لا تعدد فيها، ولا أنفصام لها .)(وَ إِنَّهُ - أي أبن العاص - لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الْآخِرَةِ . ومن يبحث عن السبب المباشر لعداوة من عادى الإمام ، وحاربه لا يجد إلا سبباً واحداً، وهو أن الْإِمَام لا يعمل ، ويَسْتَحِيل عَلَيْهِ أنْ يعمل إلا لربّه ، وآخرته ، وإِنْ أَعْدَاءه يَعْمَلُون للدُّنْيا ، وزينتها كأبن العاص الذى سيطرت الأهْوَاء على دينه، وعَقْله ، وقَلْبَه ، والدَّلِيل (إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَة حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً ، وَيَرْضَحَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً). والمراد بالأتِيَّة ، والرَّضِيحة هنا ولاية مضر ، والقِصَّة معروفة ، وأشهر من أنْ تُذكر ، ومَع هَذَا أشرنا إِلَيْهَا فيما سبق ... ولَيْسَ بغريب أن يسوى الحِسَاب بَيْنَ مُعَاوِيَة ، وأبن العاص على حساب الإسلام، ودماء المُسْلِمِين ما دام كلّ منهما يحرص على دنياه ، ولا يترك مِنْهَا شَيْئَاً لآخرته .)


1) أنظر نهج البلاغة: الحكمة (77).

2) يقصد قَوْله(علیه السلام) كما جاء في المحكمة (77) من نهج البلاغة. «يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكَ عَنِّي أَبِي تَعَرَّضَتِ ، أَمْ ! إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ ، لا خانَ حِيتُكِ ، هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي لاَ حَاجَةً لِي فِيكِ قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً لا رَجْعَةً فِيهَا ».

## الخطبة-85-### دَرَجَاتٌ مُتفَاضِلات:وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ : الْأَوَّلُ لا شَيْءَ قَبْلَهُ ، وَالْآخِرُ لا غَايَةَ لَهُ ، لَا تَقَعُ الْأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ ، وَلا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّة ، وَلا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ ، وَ التَّبْعِيضُ ، وَلا تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ ، وَالْقُلُوبُ .فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللهِ بِالْعِبَرِ التَّوَافِعِ ، وَ أَعْتَبِرُوا بِالآيِ السَّوَاطِعِ ، وَأَزْدَجِرُوا بِالنُّذْرِ الْبَوَالِغ ، وَأنْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ ، وَالْمَوَاعِظِ ، فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ ، وَأَنْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلائِقُ الْأمْنِيَّةِ ، وَ دَهِمَتْكُمْ مُفْطِعَاتُ الأُمُورِ، وَالسَّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ، فَـ( كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِيدٌ (1): سَائِقٌ يَسُوتُهَا إِلَىٰ مَحْشَرِهَا ، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا .)دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ ، وَ مَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ ، لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا ، وَلا يَطْعَنُ مُقِيمُهَا ، وَلا يَهْرَمُ خَالِدُهَا ، وَلا يَبْأَسُ سَاكِنُهَا .


1) سُورَةُ ق: 21

### اللُّغَة:الآي : جمع آية. والسَّوَاطِعِ : جمع السَّاطِع ، وهو الظَّاهِرِ الْوَاضِح. والْبَوَالِعِ : جَمع البالغة ، ومعنى الحجة ، أو المَوْعِظَة البالغة أنها بلغت الْغَايَة من الوضوح ، والكشف عن الْعَوَاقِب ، والآثار. وعَلائِقُ : مِن تعلق به. والمُفطِعَاتُ : الشَّدَائِد . وَالسَّيَاقَةُ : مِن سَاق يَسوق . لا يَطْعَنُ : لا يَرْحَلُ لَا يَبْأَسُ : لا يَحتاج .### الْإِعْرَاب :أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله « أَنْ» مخففة ، وأسمها ضَمِيرِ الشّأن أي أنه ، وجملة لا بعدها خَبَر ، والأَوَّلُ بدل من الله ، أو خَبَر لَمُبْتَدَاً مَحْذُوف أى هو الأوَّل ، وكَأَنْ تُخففة، وأسمها تخذُوف مثل «أن» و «سَائِقٌ» الثاني بدل من «سَائِقٌ» الْأَوَّل ، وَشَاهِدٌ بدل من شَهِيدٌ ودَرَجَاتٌ مُبْتَدَاً ، ومُتَفَاضِلات صفة ، والمخبر مَحْذُوف أي لأهل الجنة .### الْمَعْنى:(وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وإلّا فسدت الأرض والسَّماء كما قَالَ سُبْحَانَهُ : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا عَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (1). وتَقَدَّم الكلام عَن ذَلِكَ. وأيضاً لو كان لربك شريك لأنك رُسله كما قَالَ الْإِمَامِ الْأَوَّلُ لا شَيْءَ قَبْلَهُ ، وَالآخِرُ لا غَايَةَ لَهُ ) . أي هو سُبْحَانَهُ أَوّل بلا أبتداء ، وآخر بلا أنتهاء، أبدي سرمدي، ولو سبقه العدم، أو أنتهى إليه لكان حادثاً ، وَلا بُد لوجود


1) الأنبياء: 22

الحادث من سبب ، فإنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا السبب ذاتياً - كما هو الفرض - أحتاج إلى غَيْره ، وإذَنْ فلا مَفَرّ من الإنتهاء إلى سبب الأَسْبَاب ، ومثله قولك : لا تصح النظرية إلا مع البرهان على صحتها : وَلا بُد أنْ يَكُون هَذَا البُرهان صحيحاً بالذات، أو ينتهي إِلَى بُرهان كَذَلِكَ ، وإلا غرقنا في بحر الجهل ، والظُّلمات .

(لا تَقَعُ الْأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ ) . مهما سَمت الْعُقُول فَلا تبلغ كُنْه عَظَمَته تَعَالَى ، وإنّما تُدرك مِنْهَا بمقدار ما يدل عَلَيْهَا ،خلقه ، وآثارها ، وَلَيْسَ من شَكٍ أنّ في الفَاعِل ، والخَالِقِ صِفَات لا تظهر ، وَلا يُمكن أن تظهر في الفعل ، والمخلوق ، ومن هنا قيل : الْعِلَّة أكمل من المعلول ، وتَقَدَّم الكلام عن ذَلِكَ مِراراً (وَ لا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ ) . لَيْسَ الله سُبْحَانَهُ ،هيئة، وصورة كى تعتقد وتحكم بوجودها العُقُول وإلا كَانَ شبيهاً بخلقه ، فتَعَالَى الله الذي لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ . وعن الإمام الصادق(علیه السلام) : لا تتكلموا في ذات الله ... وإِيَّاكُمْ والتَّفكير في ذلِكَ . ولكن أنظروا إلى عظيم خلقه (1). (وَلا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ ، وَ التَّبْغِيضُ ) . لأنَّ التَّجْزِئَة من خواص الأَجْسَامِ، والله لَيْسَ بجسم، وإلا أفتقر إلى مكان ... وأيضاً التَّجْزِئَة تَسْتَدعِي التركيب والمركب يَفْتَفِر إِلَى أَجْزَائه ... هَذَا، إِلَى أَنّ التَّجْزِئَة كَثْرَة ، والله واحد (وَ لا تُحِيطُ بِه الأَبْصَارُ ، وَالْقُلُوبُ ) . عطف تَفْسِير على: «لا تَقَعُ الأَوْهَامُ.... وَلا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ ... (فَأَتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ التَّرَافِعِ ، وَ اعْتَبِرُوا بِالَّذِي السَّوَاطِعِ ، وَ أَزْدَجِرُوا بِالنُّذْرِ الْبَوَالِغِ ) . والموت أظهر الآيات ، والعِبَر ، والنذر حيث يتساوى فيه الملوك ،


1) أنظر الكافي : 92/1 ح 1 ، وشرح أصول الكافي : 147/3، وسائل الشيعة: 196/16، صدر الحديث.

والصَّعاليك، ولو تساوى النّاس في كلّ شيء كما تساووا في الموت لأحبّ بَعْضهم بعضاً حَتَّى ولو قَالَ لَهُمُ الوعاظ : تباغضوا ، وتحاسدوا ، ولا أعرف أحداً - إلا من عصم ربِّك - عمل بِهَذِهِ الْوَصِيَّة : «فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَأَكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا » (1)وفي ظني أنّ المراد بِهَذِهِ الْوَصِيَّة الحث ، والتأكيد على الإغاثة ، والعون (وَ أَنْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ ، وَ الْمَوَاعِظِ) : مثل (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)(2)(وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ) (3)... فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرٍ الله(4)، وما أشبه .)(فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّة . أتاكم الموت بَغْتَهُ (وَانْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلائِقُ الاُمنيّة). إذَا جَاء الموت ذهبت الأُمنيات ، وانْقَطَعَتْ العلاقات (وَ دَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ ) أي شدائدها كسكرة الموت ، وحسرة ،الفوت ، وهَذه أشد عُنفاً ، وأَصعب وطأ (وَ السَّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) أي دَهِمَتْكُمْ المُنيَّة لتسوقكم إِلَى القبر، ثم إلى الحَشْرِ والنَّشر ف (كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِيدٌ )(5)وهو أمر الله (يَسُوقُهَا إِلَىٰ مَحْشَرِهَا لِلْحِسَابِ، وَالْجَزَاء وَ شَاهِدٌ) من الأَنْبِيَاء ، أو الْعُلَماء، أو من عقل الإِنْسَان ، وأعضائه (يَشْهَدُ بِعَمَلِهَا ) مِنْ خَيرٍ ، أو شَرٍ .)(دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاتٌ ، وَ مَنَازِلُ مُتَقَاوِتَاتُ الإِنْسَان غداً إِلَى نَعيم ، أو جحيم


1) أنظر ، نهج البلاغة : الكتاب رقم (31).

2) المائدة : 2 .

3) القصص : 77 .

4) الحجرات: 9 .

5) سُورَةُ ق: 21

حسبما يعمل ، ويقدم ، وفي الجحيم مراتب على حسب سَيِّئَات المُجْرِمِين ، وفِي الجَنَّة أيضاً مراتب على حسب حَسَنَاتِ الْمُؤْمِنِين ، وكَلاَمِ الْإِمَامِ هُنا يُشير إلى مراتب أهْل الجَنَّة الّتي (لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا كما قَالَ سُبْحَانَهُ :( أُكلُهَا دَآيمٌ) (1). (وَ لا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا ، وَ لا يَهْرَمُ خَالِدُهَا ، وَلا يَبْأَسُ سَاكِنُهَا ) . لَيْسَ فِي الجَنَّةَ هُمُوم ، وآلام، وشَيْخُوخة ، وأَسْقَام ، وَلا بُغض ، وَحَسَد ، وَلا مَوْت وفراق .... أَبَداً لا شيء إلّا الخلود، والنَّعِيم .)


1) الرعد : 35.

## الخطبة-86-### لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً... فِقْرَة 1 - 2:قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ ، وَ خَبَرَ الضَّمَائِرَ ، لَهُ الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ، وَ الْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَالْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ . فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَهَلِهِ ، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ ، وَ فِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغْلِهِ ، وَ فِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِعَظَمِهِ ، وَلْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ ، وَقَدَمِهِ ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ طَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ . فَالله اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ ، فِيمَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ ، وَاسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقكُمْ عَبَناً ، وَ لَمْ يَتْرُككُمْ سُدىً ، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ ، وَلا عَمَيَّ ، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ ، وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ ، وَكَتَبَ أَجَالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ (الْكِتَبَ تِبْيَنَاً لِكُلِّ شَيْءٍ (1)، وَ عَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً ، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَ لَكُمْ - فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ - دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ ، وَ أَنْهَى إِلَيْكُمْ - عَلَى لِسَانِهِ - مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَ مَكَارِهَهُ ، وَنَوَاهِيَهُ ، وَ أَوَامِرَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ ، وَاتَّخَذَ)


1) النَّحْلِ : 89

عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ ، وَ قَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ .### اللُّغَة:الإزهاق : الإِعْجَال ، والكظم: القَم ، أو تخرج النَّفْس . وسَمَّى : بَيَّن . وَأَنْهَى : ومَحابَّهُ : مَا يُحِبّ. وَمَكَارِهَهُ : مَا يَكْرَه .### الإعراب:لَهُ خَبَر مُقَدَّم ، والْإِحَاطَةُ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر ، فَلْيَعْمَلِ اللام لِلْأَمْرِ ، وتَجزم فعلاً واحداً، ومثلها اللأم في ليُمَهِّد. فَاللهَ اللهَ نصب بفعلٍ محذوف أي فَاتَّقُوا الله، أو أحْذَرُوا عَذَاب الله ، وتِبْيَاناً حال من الكِتاب .### الْمَعْنى:(قَدْ عَلِمَ - الله - السَّرَائِرَ ، وَ خَبَرَ الضَّمَائِرَ ، لَهُ الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ كُليّاً كَانَ ، أو جزئياً ، صغيراً ، أو كبيراً ... وعلمه تعالى بالشيء عند حدوثه هو بالذات علمه به قبل حدوثه ... هذا ما يجب علينا الإيمان به، والدَّلِيل عَلَيْهِ كتاب الله ، أما أَقْوَال الفلاسفة، وأدلتهم في مسألة العلم بالكليات دُونَ الجزئيات، أو العلم بهما معاً فَهُوَ تكثير كَلام لا يَهْتَدِي به أحدٌ في حياته الْعَمَلِيَّة، ولا يحل مشكلة من مشكلاته (وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَالْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ) . والفرق بَيْنَ الْقُوَّةُ ، والغَلَبَةُ أن القُوَّة هي مَصْدَر الخلق ، والإيجاد، أما الْغَلَبة فهي السيطرة على الشيء بعد وُجُودِه .)(فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَهَلِهِ ، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ ، وَ فِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ

شُغْلِهِ ، وَ فِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَمِهِ ، وَلْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ ، وَقَدَمِهِ ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ . تَقَدَّم هَذَا الْمَعْنَى(1). ويَتلخص بأنّ العِلْم بِما هُو لَيْسَ بشيء، وإنّ الإيمان وحده غَير كافٍ ، والمهم الْعَمَل عن بصيرة ، وما دام الإنسان على وجه الأَرْض يمكنه أن يعمل ، فَإِذَا مَات أنقطع عمله من الدُّنْيَا ، فالْعَاقِل إذَنْ - من بادر الأَجَل ، وتزود من الْعَمَل فَالله الله أَيُّهَا النَّاسُ فِيمَا أَسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ ، وَ أَسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ ) . الضَّمِيرِ مِنْ حُقُوقِهِ يعود إِلَى الْكِتَابِ ، والمَعْنَى اتَّقُوا الله في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الَّذي أئتمنكم عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ ، وأسْتَوْدَعَكُمْ إياه لتقدروه حق قدره عاملين بأحكامه ، وتَعَالَى مه ، ومثله قَوْله تَعَالَى : (بمَا اسْتُحْفِظُوا من كتب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) (2)أى أنّ الذين يَعْمَلُون بكتاب الله مُخلصين قد شهدوا بالفعل ، لا بالقَوْل فقط أنه حق ، وصدق .)(فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقكُمْ عَبَثاً ، وَ لَمْ يَتْرُككُمْ سُدىً . لقد دَلنَا الْعَقْل الألكتروني ، والهبوط على القمر أن في الإنسان مواهب ، وطاقات لو أستغلها جميعاً إلى أقصى حدودها - إنْ كَانَ لها حدود - لم يبق فوقه شيء إلا خالق كلّ شيء ... و من الأحاديث القدسية : عبدي أطعني تَكُنْ مَثْلِي، تَقُولُ للشَّيء كُنْ فَيَكُونُ » (3). وأخشى أنْ يَقُول قَائِل : إِنَّ مَعْنَى هَذَا الحديث يا عبدي أعمل في استغلال مواهبك ، وما منحتك من طاقات تكُن مَثْلي تحقق كلّ ما تبغي ، وتُريد ..)


1) انظر ، الخُطْبَة : (77) و 78 و 84) . ( مِنْهُ قدّس سرّه ) .

2) الْمَائِدَةِ: 44

3) أنظر ، مستند الشيعة للمحقق النّراقي : 6/1 الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم 39/1 ، أبو طالب حامي ، الرَّسُول لنجم الدين العسكري: 185، الإمام علي لأحمد الرحماني: 362 .

قلت : «إِنَّ هَذَا الْوَصْف يَكُون للمطيع في الجنَّة التي فيها مَا تَشْتَيِي الْأَنفُسُ ، وَتَلَدُّ الْأَعْيُنُ ، لا فِي الدُّنْيَا . ومهما يَكُنْ فهل بعد هذه المواهب ، والطاقات التى أودعها سُبْحَانَهُ فِي الإِنْسَان - يصح فيه القَوْل : أنه خُلق ، ووجد سُدىً ، وعبثاً ؟ كلا، وألف و کلا»(1.)(وَ لَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ ، وَلا عَميَّ بل أرسل إلينا رُسلاً مبشرين، ومُنْذِرين وأنزل الْكِتَاب تبياناً لكلّ شيء، وفي أصول الكافي قال الإمام الصادق(علیه السلام) : «ما من شيء إلا وفيه كتاب ، وسُنَّة » (2)، وَقَالَ أبوه(علیه السلام) : «إذا حدثتكم بشيء فأسألوني عن كتاب الله ، ثُم قَالَ : إِنَّ رَسُول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)نهى عن القيل والقال ، وفساد المال، وكَثْرَة السؤال . فقيل له : أين هَذَا من كتاب الله ؟ قَالَ : إن الله عزّ وجلَّ يَقُول : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ)(3)هذا نهى عن القيل والقال - وَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَلَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيمًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا )(4)، وَهَذَا نهى عَن فساد المال - وَقَالَ : لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزِّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(5)(5) - وَهَذَا نَهي عن كَثْرَة السؤال (6).)


1) أنظر ، كتابه «التَّفْسِير الكاشف » . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

2) أنظر الكافي : 59/1 ح 4.

3) النِّسَاء : 114.

4) النِّسَاء: 5

5) المائدة : 101 .

6) أنظر ، الكافي: 269/1 و 300/5، تهذيب الأحكام : 231/7 ، وَسَائِل الشّيعة : 83/19 ح 2 ، الإحتجاج للطبرسي : 55/2 ، شرح أصول الكافي : 281/2

(وَ عَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً ، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَ لَكُمْ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ ... إلخ .... عاش رَسُول الله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم ثلاثاً وستين سنة (1)، مات أبوه قبل أنْ يُؤلد (2)، فكفله جدّه عبد المطلب ثماني سنين (3)ثُمَّ كَفَله عَمّه أبو طالب (4)، وتزوج بخديجة (5)، وهو أبن)


1) أنظر ، مُسْتَد أحمد: 397/1 ، التنبيه والأشراف للمسعودي : 323 تأويل مختلف الحديث لابن قُتَيْبَة : 169 ، شرح أصول الكافي : 131/12

2) عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كِنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ابن نِزار . البداية والنهاية لابن كثير : 25/22 ، تأريخ الطبري: 272/2 ، الروض الأنف للسهيلي: 8/1، السيرة لابن هشام : 151/1. : 255/22 تاريخ اليعقوبي : 6/2.

3) أنظر ، أعلام الورى للطبرسي . (مِنْهُ قدّس سرّه) .)وأنظر ، حاشية البجيرمي: 249/2 ، السيرة النبوية لابن هشام : 169/1، تحقيق: مصطف الشفاء وإِبْرَاهِيم الإبياري، وعبد الحفيظ شلبي، مسالك الحنفا : 63 ، دلائل النبوة للبيهقي: 188/1، ونقل في بعض كتب المسعودي أنّ عبد المطلب مات مُسلماً، لما رأى من الدلائل على نُبُوَّة مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم، وعلم أنه لا يبعث إلا على التَّوْحِيدِ ، ومن أطلع على كتب السير والتواريخ، لم يبق عنده شكٍّ في إيمانه، وأنه لما رجعت اليَمَن إِلى سَيْف أبن ذي يزن ، وراح إلى تهنئته مع كبراء قريش، فأكرمهم ، وأَعْطَاهُم الجوائز ، وأعطى عبد المطلب بقدر ما أعطى الجميع ، وبشره بالنبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وَقَالَ له : فلْيَكُنْ عِندَكَ مصوناً حَتَّى يَأْتي الله بِأَمْرِه ويأذن ، يا عبد المطلب، إنّي وجدت في الكتاب المكنون، والعِلْم المخزون الذي أخترناه لأنفسنا خيراً عظياً. وخطراً جسياً، شرف الحياة فضلة الوفاة للناس عامة ولَكُمْ خَاصَّة ، ياعبد المطلب، هذه صفة المولود. وقد ولد أسمه مُحَمَّد، وأحمد مديح الساقين، أكحل العين أبيض، كأن وجهه فلقة قمر من بين كتفيه شامة. والله باعثه جهاراً، وجاعل له أنصاراً يعزّ بهم أَوْلِيَاءه، ويذل بهِمْ أَعْدَاءه، ويضرب بهم عن عرض ويستفتح بهم كرامة الأرض، يعبد الرحمان، ويدحر الشَّيْطَان ويخمد النيران، ويكسر الأصنام يأمر بالْمَعْرُوف، ويفعله، وينهى عن المنكر، ويبطله ، قوله فصل ، وحكمه عدل . فخر عبد المطلب ساجداً، فَقَالَ له الملك: ياعبد المطلب ثلج صدرك، وعلى كعبك، وقدرك ، هل أحسست من ذَلِكَ ؟ قَالَ : نعم ، أصلح الله الملك كَانَ لي أبن أسمه عبد الله ، وكنت به معجباً ، وعَلَيْهِ رفيقاً فزوجته كريمة من كرائم ،قومي يُقَال لها آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فأصبت به وَهِي مشتملة على حمل، فولدته غلاماً أسمه محمد مات أبوه، وكفلته أنا بين كتفيه شامة ، وفِيهِ كلَّ ما ذكر مدیح الساقين، مات العلامات، فَقالَ له الملك : والبَيْت ذي الحجب إنك ياعبد المطلب جدّه غَيْر كذب، فأحتفظ بابنك من اليهود، فإنَّهم أعداؤه، وإن الله لم يجعل لهم عَلَيْهِ سبيلاً، وأطو هذا الخبر عمن معك ، فإنّي لست أنق إنْ أخَبَرَتهم بأنْ يَكُون لك عَلَيْهِمْ الرئاسة دونهم، فيتغولون لك الغوائل، وينصبون لك الحبائل ، وهم فاعلون، وأبناؤهم ولو أنّ الموت مصاحبي قبل مبعثه لسلمت إليه برجلي، وخيلي وتصير يثرب دار ملكي بحيث أكون جار ؛ لأنها دار، وأكون صاحبه، ووزيره، ونصيره ، وظهيره على من عاداه، فإني أرى في الكتاب الناطق ، والعِلْم السابق، أن مدينته يثرب بها استحكام أمره، وأهلها أهل نصرة. ولَوْلاً أَخذَر عَلَيْهِ الآفات ووافيات العاهات، لأوطأت أعناق العرب ذكره، وأظهرتُ أمْرَه. وأعلنتُ مع حداثة سنه ذكره، أصراف ذَلِكَ إِلَيْك من غير نظير لمن معك ، وَإِذَا كَانَ رأس الحول فأتني بخبره ، وأعرض ما يَكُون من أمره فمات رحمه الله قبل الحول، فكان عبد المطلب يَقُول : لا يغبطني رجل يعطيها الملك ، فإنّ ذَلِكَ إلى فناء، ولكن ليغبطني فيما يَبْقَى فِي الْعُقْبَى شرفه ، وذكره ، فيَقُولون وما ذلِكَ يا شيبة الحمدُ ؟ فيَقُول لتعلمن نبأه بعد حين. أنظر المنحة الشمسية في فَضَائِل خير البرية مخطوط» ورق 17 ب، فمن أطلع على ذَلِكَ علم عِلْماً يقينياً بأن عبد المطلب كَانَ على الإيمان بلا شك .

4) أنظر ، تفسير ابن كَثِير: 524/4 ، صفوة الصفوة : 65/1 ، إعلام الورى : 52/1 ، شرح الْأَخْبَارِ : 221/3 ، كشف الغمة : 19/1 ، الطَّبَقَات الْكُبْرَى : 0119/1 الطَّبَقات الكبرى: 119/1 ، مروج الذهب : 14/3 تأريخ اليعقوبي : 13/3 ، دلائل النُّبُوَّة للإصبهاني: 359/1 دلائل النُّبُوَّة للبيهقي : 188/1 ، تُحْفَة الأَحْوَدُي : 66/10.

5) أول أزواجه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) : خَديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي، تزوجها(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قبل الوحي وعمره حينئذ خمس وعشرون سنة ، وقيل : إحدى وعشرون سنة . وكَانَ عُمُرهَا حينئذٍ أَرْبَعِين سنة، وأقامت معه أربعاً وعشرين سنة ، ولم ينكح عَلَيْهَا إمَرْأَةٌ حَتَّى ماتت . وأمها : فَاطِمَة بنت زَائِدَة بن الأصم ، من بَنِي عامر بن لؤي.)وكَانَتْ خَديجة رضى الله عَنْهَا أوسط نِسَاءَ قُرَيْش نسباً، وأعظمهن شرفاً، توفيت بعد أبي طالب (رضی اللّه عنهبثلاثة أَيَّام، وسمّى رَسُول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)ذلك العام بعام الحزن . (أنظر ، جوامع السيرة : 31 ، أسد الغابة : 78/7، المعارف لابن قتيبة : 132 تحقيق ثروة عكاشة طبعة قُم ، السِّيرَة النَّبَوِيَّة لابن هشام: 189/1)

خَمس وعشرِين سَنَة(1، وبُعث ، وله من الْعُمُر (40) سَنَة (2)، ولما تُوفى أبو طالب كَانَ عُمر النَّبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ستاً وأَرْبَعِين سَنَة وبضعة أشهر (3)، فكان زمن بعثته (23) سَنَة ،)


1) أنظر ، السِّيرَة النَّبَوِيَّة لابن هشام : 187/1

2) أنظر ، مُسْتَد :أحمد : 240/3 - 13543 ، مُسْنَد أبي يعلى : 319/6 ح 3643 ، فتح الباري : 164/7 ح 3638، تُحْفَة الأَحْوَذي: 67/10 ، التمهيد لابن عبد البر : 13/3، شرح النووي على صَحِيح 99/15مسلم ، حلية الأولياء : 262/3 ، صفوة الصفوة : 152/1 ، تأريخ الطَّبَرِيّ : 526/1 ، معجم الشيوخ 81/1

3) أنظر تأريخ الطبري: 229/2 تاريخ ابن عساكر: 284/1 ، مُسْتَدرَك الحاكم : 622/2، تاريخ ابن كثير: 122/3 ، الصفوة لابن الجوزي: 21/1 ، الفائق للزمخشري: 0213/2 الجوزي: 21/11 ، الفائق للزمخشري: 213/2 . تأريخ الخميس : 0253/1 فتح الباري : 153/7 شرح شواهد المغني : 136 ، أسنى المطالب : 11، طلبة الطالب : 54/4 ، مَع زِيَادَة قَوْله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): ((ياعم ! ما أسرع ما وجدت فقدك ......)وهو القَائِل حينما واجه محنتين بل مصيبتين، الواحدة تلو الأخرى وهما مَوْت «خَدِيجَة ، وعمّه أ طالب» في سَنَة وَاحِدَة ، بل قيل الفاصل الزمني بَيْنَ مَوْت هَذَا، وهذه عدة أيَّام، وهو العام الذي سُمي بعام الحزن بعد خروج بني هاشم، والمطلب من الشعب بثمانية وعشرين يوماً ولذا قال صاحب الهمزية ، كما جاء في السِّيرَة الحَلَبِية : 346/1.وقضى عمّه أبو طالب والدّ ***هرفيه السّرّاء والضّراءثم ماتت خَدِيجَة ذَلِكَ العا *** م ونالت من أحمد المناءوقيل : كَانَتْ وفاة خَدِيجَة قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة ، وقيل : بعده بثلاثة أَيَّامٍ، فَقَالَ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي ، وهواني عَلى النّاس... اللهم يا أرحم الراحمين! أنتَ رب الْمُسْتَضْعَفِين، وأنتَ ربي ! إلى من تكلني ... ؟ إلى بعيد يتجهمني ... ؟ أو عدو ملكته أمري ...؟ إن لم يكن بك على غضب ، فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي ... إنّي أعوذ بنور وجهك ، الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عَلَيْهِ أمر الدُّنْيا والآخِرَة ، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك ... لك العتبى حَتَّى ترضى ... لا حَوْلَ وَلا قُوَّة ، إلا بك ...». ولذا قال له جبريل : «أخرج مِنْهَا - أي مكة - فقد مات ناصرك».

نَزلَ فِيهِ الْقُرْآنِ الْكَرِيم(1، وتمت السُّنَّة النَّبَوِيَّة ، وفِيها أَحْكَام كَثِيرَة لَم يَنص عَلَيْهَا القُرْآن صراحة ، ولَكِنَّهُ جُزء متمم له بنص الآية : (وَمَا اتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(2). وعَلَيْهِ يَكُون كلّ من الكتاب ، والسُّنَّة جزءاً متمماً للآخر، وحجة قائمة على العباد ، وما لأحد معهما من عذر ، وفي أصول الكافي عن الإمام الصادق (علیه السلام)، في تَفْسِير الآيَة : (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (3)- أنه قَالَ : بينها ما تأتي ، وما تترك(4)... وَقَالَ أيضاً : «لا يُعذب الله الْعِبَادِ حَتَّى يُعَرّفَهُم مَا يَرضيه، وما يسخطه ... إن الله أحتج على الْعِبَاد بِمَا آتاهم وعَرَفَهُمْ»(5).)### الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ... فِقْرَة 3 - 4:فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ ، وَأَصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ ، وَ التَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ ، وَلا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظُّلَمَةِ ، وَلا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الْإِدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ . عِبَادَ الله ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ ، وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ ، وَ


1) أنظر ، أسد الغابة : 42/2 تَهذيب الكمال: 173/7 ، مناقب آل أبي طالب : 152/1 ، السنن الكبرى للنسائي : 6/5 ، تفسير نور الثقلين : 624/5 - 52 ، بالإضافة إلى المصادر السابقة .

2) الحشر : 7 .

3) الشَّمْس : 8

4) أنظر الكافي : 163/12 3 الإعتقادات للشيخ المفيد : 36، المحاسن للبرقي : 276/1.

5) أنظر ، توحيد الشيخ الصدوق : 411. الكافي: 163 ح 05 المحاسن للبرقي : 277 .

الْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ ، وَ الْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ ، «وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ »(1، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ ، وَ غُرُورِهِ . وَاعْلَمُوا أَنَّ (يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ )(2)، وَ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ، وَ مَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ . جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلإِيمَانِ . الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ ، وَكَرَامَةٍ ، وَالْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ . وَ مَهَانَةٍ وَلا تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ (كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ) (3).)(وَلا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ . فَأَكْذِبُوا الأَمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورٌ ، وَ صَاحِبُهُ مَغْرُورٌ (4).)### اللُّغَة:الإِدْهَانُ : النِّفَاق بإظهار الطَّاعَة، وإخفاء المُعْصِيَّة والمَنْسَاة: ما يَدعو إلَى


1) أنظر ، أمالي الشيخ الصدوق : 292 ، المُصَنَّف للصنعاني : 116/11 ، المعجم الأوسط: 31/8، المعجم الكبير : 17/12 ، المبسُوط للسرخسي : 242/11 تكملة حاشية رد المحتار: 24/1 ، الكافي: 74/8، 175/3 الخصال : 621 ، شرح مئة كلمة للبحراني : 172

2) أنظر ، نيل الأوطار: 35/8 ، عيون الحكم والمواعظ : 552 ، تحف العقول: 151، سنن ابن ماجه: 3991، تُحْفَة الأَحْوَذي: 114/5، المعجم الصغير : 45/2 ، المعجم الأوسط : 145/7 . كنز ح العمال : 48/3 - 7479 تهذيب الكمال : 929/22 ، عيون الحكم والمواعظ : 552 ، بحار الأنوار: 291/77 ح 2.

3) أنظر ، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 159/2 2812، مُسْنَد أبي يعلى: 330/6 - 3656، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 330/5 ح 26594 ، سنن ابن ماجه: 1408/2 ح اح 4210، سنن أبي داود : 276/4 ح 4903 ، مصباح الزجاجة : 238/4 ، تفسير القُرطبي : 251/5

4) أنظر ، سُنن الترمذي : 664/4 2510، مسند الطيالسي : 27/1 193 193. الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب:220/2ح3071 مُسْنَد أبي يعلى: 32/2 ح 669 مُسند أحمد : 164/1، موطأ مالك : 904/2ح 1608 ، سنن البَيْهَيِّ الْكَبْرَى : 232/10، تجمع الزوائد: 30/8.

النِّسْيَان . والشَّفَا : طَرف كلّ شيء ، والمُرَاد بِه هُنا القُرب. والحَالِقَةُ : المَاحِيَّة .### الْإِعْرَاب:لَها يعود الضَّمِيرِ عَلى بَقِيَّةَ الأَيَّامِ ، واللأم بمعنى «فِي» مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ (1)أي فِي يَوْم الْقِيَامَة . فإنما الحَالِقَةُ الضَّمِير في «إنَّها» يعود على البَغْضَاء ، وتَدل عَلَيْهَا كَلِمَة «تَباغَضُوا».)### الْمَعْنى:(فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ. تَدَارِكوا بالتَّوْبَة فيا بقي لَكُم من الْعُمُر - ما أَسْلَفتُم من المعاصي والآثام (وَأَصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ ) على طَاعَة الله ، وجاهدوها فيما بقي من أَيَّامِكُمْ فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ ، وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ ) . إنّ أَيَّامِكُمْ الْبَاقِيَة قلَيْلَة بالنِّسْبَة إلى الماضية، وقد قتلتم هذه باللهو، والْغَفْلَهُ عمّا تَنتَفعُون عما تنتقصون به، فأجعلوا عملكم فيما بَقِ كَفَّارة عما مضى (ولا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ) أي تُطْلِقُوا لَهَا العنان وَرَاءِ الشَّهَوَات (فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظُّلَمَةِ ) وتقودكم إلى الهلكة، وهي المصير الحتم لكلِّ من أهمل وتجاهل (وَ لا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الْإِدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ) . المُدَاهَنَة ، والرِّيَاء بِمَعْنَى واحد ، وَهِي تُحرمة بذاتها، وأيضاً تقود إلى العديد من المعاصي ، فإن أدت إليها أشتد التَّحْرِيم ، وتضاعف .)


1) الأنبياء : 47

( عِبَادَ اللهِ ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ ، وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ ، وَالْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ ، وَ الْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ ، «وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ» ، وَ الشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ ، وَغُرُورِهِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ( يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكُ . لِلْإِنْسَان ميول، ورغبات فردية ، كميله إلى المأكل والمشرب، والجنس والراحة ، والصّحة وما إلَيْهَا من لذة، ومتعة ، ولا شيء من ذَلِكَ مُحرم في دين الله ، والنقيض هو الصحيح على شرط الله ، ورَسُوله ، وفي حدود الكِتاب ، والسُّنَّة ، وإنما التبذير ، والإسراف ، والتَّضاهي ، والتَّباهِي ، وإشباع الشَّهَوَات على حساب الآخرين ، قَالَ سُبْحَانَهُ : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ي وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ )(1). وإضافة الزِّينَة إِلَيْهِ تَعَالَى تُومىء إلى شرطه ، وحدوده كما أشرنا .)وما دام الأمر على هَذَا فمن أقتنع بالحلال من رزق الله ، وزينته فقد أخلص لربّه ، ونصح لنفسه، وأراحها ، واستراح من غضب الله ، وعذابه ، وعاش سعيداً كَرِيماً في دنياه ، وآخرته ، ومن أندفع وراء شهواته ، وتجاوز حدود الله ، وشريعته - فقد هَلَك ، وأهلك ، وعاش في الجهل ، والغُرُور في دنياه، والشّقاء، والبلاء في آخرته وَ اَعْلَمُوا أَنَّ (يَسِيرَ الرَّيَاءِ شِرْك . المرائى يُضمر شَرّاً ، ويُظهر خيراً، والمراد بالشّرك هنا العَمَل لغير الله ، وَقَالَ الإمام الصادق(علیه السلام) : «كل رياء شرك ... إنّه من عمل للناس كَانَ ثوابه على النّاس، ومن عمل الله كَانَ ثوابه على الله» (2). هَذَا ، إلى أن المرائي لن تطول به الحال حتى يفتضح ، ويتكشف على)


1) الأَعْرَافِ : 32.

2) أنظر ، كتاب الزُّهْد الحسين بن سعيد الأهوازي: 177/65 ، الكافي: 293/2 الكافي: 293/2 - 3 بتقديم وتأخير ، فقه الرّضا: 387 ، وَسَائِل الشّيعة : 70/1 ح 4 ، علل الشرائع : 560 - 4. الحَاسِن : 122/9 .

حقيقته ... ومن علاماته - كما فِي بَعْض الرِّوَايَات - ينشط إِذا كَانَ النّاس عنده، ويكسل إِذَا كَانَ وحده ، ويُحب أنْ يُحمد في جميع أموره»(1.)(وَ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ، وَ مَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ . للعَدُوّى قُوَّة . وسيطرة على ضعاف النفوس، وتنفذ إليها من عدة مسالك ، منها المعشر ، والكتب، الصُّحف، والاستماع إلى الإذاعات والجلوس إلى التلفزيون، وكلما زادت وَسَائِل النشر تجاوبت ، وتداخلت العزائم والشاهد أخبار الجرائد عن الجرائم. ا تُجْرِمِين ، وَقَالَ الرَّسُول الأَعْظَم (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): «الْمَرْءُ عَلَى دِين خليله ، فلينظر أحدكم من يخلل » (2)، وفِي الْأَمْثَال : «قُلْ لِي مَن تُعاشر أَقُلْ لكَ مَن أَنْتَ»(3).)(جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبُ لِلْإِيمَانِ . أي لا يسلم للمرء دين ، وَلَا إِيمان إلا إذا ابتعد عن الْكَذِب، ومن أقوال الإمام: «لا يجد عبد طعم الإيمان حَتَّى يترك الْكَذِب جده ، وهزله »(4)، وقلت : «إنّ الكاذب يعامل في الدُّنْيَا مُعَامَلَة المُسْلِم إِذا نَطق الشَّهادتين ، ويُعامل فِي الْآخِرَةِ مُعَامَلَة الْكَافِرِ ، لَقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولئكَ هُمُ الْكَذِبُونَ ) (5). وقَوْل الرَّسُول)


1) أنظر الكافي : 295/2 ح 8. تحف الْعُقُول : 10 ، مَكَارِم الأخلاق : 438 ، منية المريد: 319، قرب الاسناد: 68 ، وسائل الشّيعة : 54/1 ح 1، السرائر لابن إدريس : 68 ، من لا يحضره الفقيه : 361/4 .

2) أنظر. المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 188/4 نيين : 12 / 18 ح 7319 سُنن الترمذي: 589/4 ح 2378 ، مُسْتَد :أحمد 303/2 ح 8015، سنن أبي داود : 259/4 - 4833 ، مُسْنَد الطَّيَّالسِي : 335/1 ح 2573 ، الفِرْدَوس بمأثور الخطاب : 218/4 ح 6660 .

3) أنظر، المُصَنَّف لابن أبي شيبة الكوفي : 121/6 ح 36 .

4) أنظر الكافي : 340/2 - 11، تحف الْعُقُول : 216، بحار الأنوار : 249/72 - 14، وسائل الشّيعة : 5778 ، تجمع الفائدة : 361/12 .

5) النَّحْلِ : 105 ، وأنظر ، التّفْسِير الكاشف : 554/4 . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «المؤمن لا يكذب »(1)، وصرف الكلام عن ظاهره خلاف الأصل.)(الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ ، وَكَرَامَةٍ أي أنّ الصَّادِق المخلص في قصده، وسلوكه قريب من الله ، وجنته ، ومَرْضَاتِه ، وفي عقيدتي أنّه المثل الأعلى لِلإِنْسَانِية (وَالْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ ، وَ مَهَانَةٍ ) . أي مُشرف على الهلاك، والهوان (و لا تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ) لأنّه يقود إِلَى الافتراء ، والْبَغْى ، والفرق بَيْنَ الحَسُود ، والمعجب بنَفْسِهِ أنَّ الحَسُود ساخط على الله ، والنّاس ،أجميعن، والمعجب يرى نفسه فوق النّاس أجمعين ... وعلى أية حال فمن ابتلي بالحَسَد فليُمسك لِسَانِه عن الْبَاطِل ، فإنّ الحَسَد مِن حَيْث هو لَيْسَ بمحرم ، والحَرَّم مِنْهُ ما كَانَ وسيلة إلى الحَرَام كَالْغِيْبَة ، والْكَذِب ، والميمة ، ولذا قَالَ الرَّسُول الأَعْظَم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): «وَإِذَا حَسَدَت فلا تبغ »(2)، ولم يقل : لا تحسد ، حَتَّى ولو نهى عن الحَسَد فإنْ مُراده النهي عن أثره، لأنّ التكليف بتركه من حيث هو تكليف بما لا يُطاق.)(وَ لا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا - أي البغضاء - الْحَالِقَةُ للدِّين تَمامَاً كما تُحلق المُوسَى الشعر، والمعنى أفشوا السَّلام بَيْنَكُمْ ، وتَعَاوَنُوا على ما فِيهِ خَيركم قَالَ سُبْحَانَهُ :)(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ


1) أنظر ، تكملة حاشية ردّ المحتار لابن عابدين (علاء الدين): 607/2 ، نور البراهين للسيد عبد الله الجزائري: 548/1

2) أنظر ، تفسير القرطبي : 332/16، تأويل مختلف الحديث : 107/1. فتح الباري: 213/10، التمهيد لابن عبدالبر : 125/6 شرح الزَّرْقَانِي : 328/4 تُحْفَة الأَحْوَذي : 55/6 ، سُبل السَّلام لإبن حجر: 182/4

مُّبِينٌ(1). (وَ اعْلَمُوا أَنَّ الأَمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ . فَأَكْذِبُوا الأَمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورُ ، وَصَاحِبُهُ مَغْرُورُ) الْأَمَل من حَيْث هو لا يُذم ، وَلاَ يُمدح، بل يُنظر إِلَى نتائجه ، وآثاره ، ويحكم عَلَيْهِ بحسبها ، فالأمل في الحياة، وطولها مع التَّقْوَى، وعمل الخير ممدوح ، وهو مَع الشَّرَه ، والحِرْص على الأَمْوَالِ كَغَايَة مَذْمُوم ؛ لأنّه يُعمى العقل عن الصواب، ويبعث في النفوس الغُرُور ، ويُصرفها عن التفكير في مصيرها ، قَالَ سُبْحَانَهُ فِي ذَم اليهود: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ )(2).)


1) الْبَقَرَة : 208

2) الْبَقَرَة : 96 .

## الخطبة-87-### نَظَرَ فَأَبْصَرَ... فِقْرَة 1 - 2:عِبَادَ اللهِ ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ ، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ ، وَ أَعَدَّ الْقِرَىٰ لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ ، وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ ، نَظَرَ فَأَبْصَرَ ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ ، وَارْتَوَىٰ مِنْ عَذْبِ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ ، فَشَرِبَ نَهَلاً ، وَ سَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً . قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ ، وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُوم ، إلا هَماً وَاحِداً أَنْفَرَدَ بِهِ ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَ مُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحٍ أَبْوَابِ الْهُدَى ، وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى . قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ ، وَ سَلَكَ سَبِيلَهُ ، وَ عَرَفَ مَنَارَهُ، وَقَطَّعَ غِمَارَهُ ، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا ، وَمِنَ الْجِبَالِ بِأَمْتَنِهَا.### اللُّغة:اسْتَشْعَرَ الحُزْنَ : حَزَنَ . وَتَجَلْبَبَ الخَوْفَ : خَافَ . وزَهَرَ : صَفَا ، وأَضَاءَ . والْقِرَى بكسر القاف - ما يُهيأ للأضياف . والنَّهَل : أَوَّل الشرب، والمراد هنا أنّه شَرَب ما

فيه الكفاية . والجدد - بفتح الجيم - الأرض الصلبة المستوية والغمار : جمع الغَمْر، وهو الماء الكثير . والْعُرْوَة : مَا يُؤخذ باليد كالحلقة .### الْإِعْرَابِ:عَبْداً أسم إِنَّ مُؤَخَّر ، وجُمْلَة أَعَانَهُ صِفة ، ومِنْ أَحَبٌ خَبَر مُقَدَّم ، ونَهَلاً مَفْعُول مطلق مبين للنوع ، ومِنَ الْعُرَى «مِنَ» بيانية ، والمجرور مُتَعَلِّق بِأَوْثَقِهَا.### الْمَعْنى:(إِنَّ مِنْ أَحَبٌ عِبَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ . المراد بالنفس هُنا الأهْوَاء والشَّهَوَات المفيدة المهلكة، والمعنى أن الإنسان القريب من الله سُبْحَانَهُ هو الَّذِي يتغلب على نَفْسِه الأمارة حين يقع الصدام، والصراع بَيْنَهَا ، وبَيْنَ إيمانه ، ومعتقده ولَيْسَ هَذَا من الديانة المتزمتة ، بل من العَمَل يوحي الضمير المبدئي الخلقي (فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ) أى يشعر من نَفْسِه بالتَّقْصِير في جنب الله ، فيحزن، ويتألم (وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ ) . تورع عن محارم الله خَوْفاً منهُ ، والْمُرَاد هنا بالخَوْف ما ثبت ودام، أما الحال التي تأتي، وتزول فما هي في شيء من الخوف الذي خالط النَّفْس ،ونبع من القلب، ومن دعاء الإمام زين الْعَابِدِين(علیه السلام) «اللَّهُمَّ .. أَسْأَلُكَ خَوْفَ الْعَابِدِينَ لَكَ ، وَعِبَادَةَ الْخَاشِعِينَ لَكَ »(1).)(فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ . أهتدى بنور العِلْمِ والإِيمَان إِلَى نَهْجِ السَّبِيل)


1) أنظر . الدُّعاء الرابع والخمسون، دُعَاؤُهُ في استكشاف الهموم : 661 بتحقيقنا .

(وَأَعَدَّ الْقِرَىٰ لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ أي أَعَدَّ الْعَمَل الصَّالح للموت ، والقبر كَما يُعد الزَّاد للأضياف (فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ ، وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ ) . المراد بالْبَعِيدَ هُنا المؤت. وهو قريب في واقعه ولَكِنَّهُ بَعِيد عن عُقول المستهزئين ، وأفكارهم ، وبِهَذَا الاِعْتِبَار وصفه الإِمَام بالبَعِد ، والْمُرَاد بِالشَّدِيد الصَّبر على ما أوجب الله ، وعمّا حَرم (نَظَرَ) إلى باطن الأمور (فَأَبْصَرَ) الوَاقِع (وَ ذَكَرَ ) الله (فَاسْتَكْتَرَ) مِن الْعَمَل فِي رِضاه .)(وَ ارْتَوَىٰ مِنْ عَذَبٍ فُرَاتٍ أي من دين الله ، وشريعته (سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ فَشَرِبَ نَهَلاً) هَذَا ، بعد أن أخلص النِّيَّة ، وصدق مِنْهُ العَزم ، وجَدَ فِي الْعَمَل وَ سَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً ) أي طريق العلم ، والعَمَل ، لا طريق النفاق ، والشعارات الزَّائفة (قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ) التي تقف حاجزاً بينه وبَيْنَ الشُّعُور بالمَسْئُولية عن أعماله وتصرفاته وَ تَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ كَحُب الجَاء ، والمال، والاهتمام بالقيل ، والقال (الّا هَمّاً وَاحِداً أَنْفَرَدَ بِهِ ) . وهو أنْ يَلق راضياً مرضياً ، أما في الدُّنْيا فليكن ما كَانَ، تماماً كما قَالَ سيّد الكَوْنِين : «إنْ لم يَكُنْ بك غَضَب على فلا أبالي»(1).)(فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَىعن نهج الهِدَايَة (وَ مُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَىٰ ) فِي الْفَسَاد ، والضَّلال (وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى ) لعلمه بِهَذِه الأبواب ، والسَّبِيل إِلَيْهَا (وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى ) حَيْث ابتعد عَنْهَا رَحْمة بنَفْسِهِ (قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ، وَ سَلَكَ سَبِيلَهُ ، وَ عَرَفَ مَنَارَهُ ، وَ قَطَعَ غِمَارَهُ ، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا ، وَ مِنَ الْجِبَالِ بأمْتَنِهَا ) . هذه الجمل بكاملها معطوفة للبيان ، والتَّفْسِير على قَوْله : «فَخَرَجَ مِنْ بِكَامِلَهَا صِفَةِ الْعَمَى، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الهَوَى» وتتلخص بمجموعها في كلمتين ، وجُملة)


1) أنظر ، تَفْسِير القُرطبي : 211/16 ، تفسير ابن كثير : 176/4 ، البداية والنهاية : 166/3 .

وَاحِدَة ، وَهِي عِلم، فعمل .### يَصِفُ الْحَقَّ، وَيَعْمَلُ بِهِ. فِقْرَة 3 - 6:فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ اللهِ - سُبْحَانَهُ - فِي أَرْفَع الأُمُورِ ، مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ ، وَ تَصْبِيرِ كُلِّ فَرْعِ إِلَى أَصْلِهِ . مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ ، كَشَافُ عَشَوَاتٍ ، مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ ، دَفَّاعُ مُعْضِلاَتٍ ، دَلِيلُ فَلَوَاتٍ ، يَقُولُ فَيُفْهِمْ ، وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ . قَدْ أَخْلَصَ اللَّهِ فَأَسْتَخْلَصَهُ ، فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ ، وَ أَوْتَادِ أَرْضِهِ ، قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُّ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ ، يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ ، لَاَ يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةٌ إِلَّا أَتَهَا ، وَلَا مَظِنَّةً إِلَّا قَصَدَهَا ، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ ، فَهُوَ قَائِدُهُ، وَإِمَامُهُ ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ تَقَلُهُ ، وَ يَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ .وَ آخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ ، فَأَقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُبَّالٍ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضَلالٍ ، وَ نَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلٍ غُرُورٍ ، وَ قَوْلِ زُورٍ ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَىٰ آرَائِهِ ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ ، يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ ، يَقُولُ : أَقِفٌ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ ، وَ فِيهَا وَقَعَ ، وَيَقُولُ : أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ ، وَبَيْنَهَا أَضْطَجَعَ . فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ ، وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ ، لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ . وَ ذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ !(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (1)؟ (فَأَنَّى تُؤفَكُونَ ) (2)، وَالأَعْلامُ قَائِمَةٌ ، وَالآيَاتُ وَاضِحَةُ ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ ؟ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ !)


1) التكوير: 26 .

2) الأنعام: 95

وَ هُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ ، وَ أَعْلامُ الدِّينِ ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ ، فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الهيمِ الْعِطَاشِ .### اللُّغة:عَشَوَاتٍ : جمع عشوة - بالحركات الثلاث ، وَهِي سُوء الْبَصَر . والمُعُضلات: جمع مُعْضِلَة، وهي المشكلة التي يصعب حلها . وفَلْوَاتٍ : صَحْرَاوَات يَتِيه فيها من يُريد الخروج مِنْهَا . وأَمَّهَا : قَصَدَهَا . وَمَظَنَّة الشَّيء : مَوْضِعه الَّذِي يَظنّ وُجُودِهِ فِيهِ وثَقَلُ الْكِتَابِ : أَحْكَامه ، وتَعالميه . وتُؤْفَكُونَ: تُصْرَفُون . وتَعْمَهُونَ : تَجْهَلُون، وقيل : الْعَمَى فِي الْبَصَر ، والْعَمَه في البصيرة ، والأَزِمَّةُ : جمع زِمام أي ما يُشد بِهِ . وأهيم - بكسر الهاء - الإِبل.### الْإِعْرَاب:مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ ، وما بعدها إخبار عن مُبْتَدَاً مَحْذُوف أي هو ...إلخ ، وأسم لَيسَ ضمير مستتر و «بة» ، فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ «أَيْنَ» محلها النصب بنزع الخافض أي إلى أَيْنَ، وَأَنّى تُؤْفَكُونَ «أَنّى بِمَعْنَى أَيْنَ، وَعَلَيْهِ يَكُون إعرابها مثل أَيْنَ تَذْهَبُونَ، وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ كَيْفَ» محلها النصب على الحال أي على حَالَ تَعْمَهُونَ ، ويجوز أَنْ تكون مفعولاً مُطلقاً على مَعْنَى أَي عَمَه تَعْمَهُونَ .### الْمَعْنى:(فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ . ضَمِير «هُوَ» يعود إلى العبد الذي)

أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَاسْتَشْعَرَ الحَزْنَ ... إلى آخر الأوصاف التي نعته بها الإمام والمعنى أن هَذَا العبد الصالح هو عالم بحق، لأنه في علمه، وعمله على بينة واضحة من ربِّه تماما كوضح النَّهَارِ (قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ - سُبْحَانَهُ - فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ أي أنه بعد أنْ دَرَس ، وسَهر الليالي في طلب العِلْم ، وأتقنه خير أتقان ، بعد هَذَا تَعرض لأَرْفَعِ الْأُمُورِ ، وَهِي الفتوى ، والْقَضَاء بَيْنَ النَّاس، وما يُرشدهم إلَى الحَقِّ، وسبيله، وَإِذَا حَرم سُبْحَانَهُ على الجَاهِل هَذَا المنصب الخطير فقد أَوَجَبَ على العالم أن يبث علمه ، ولا يمنعه عن الناس، قَالَ الْإِمَام : «مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا »(1).)### كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب :(مِنْ إِصْدَارٍ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ . أي يُجيب بِالْحَقِّ عن كل سؤال يسأل عَنْه وَ تَصْبِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ . هَذَا أوضح ، وأوجز تَعريف للمُجْتَهِد ، فَهُوَ الَّذِي يُحيط بمدارك الشَّرِيعَة ، ويتمكن مِنْهَا حَتَّى إِذَا عرضت له حادثة من الْحَوَادِث أستخرج حكمها - هو المراد بالفرع - من مداركه ، وأُصوله ، وَهِي أَرْبَعَة :)1 - الْعَقْل، وهو المدرك الأوَّل ، والأساس، فبمنطقه ، ومنطق الحس يثبت وجود الله سُبْحَانَهُ ، وبحكمه تؤوّل آيات القُرْآن التي لا تنفق بظاهرها مع بديهة العقل، وأيضاً بالعقل ، والمُعْجِزَة تثبت نُبُوَّة الأَنْبِيَاء ، ولَوْلاه لإنهار الدين من أساسه، وأيضاً بالعقل تثبت الأحكام القائمة على رعاية مصالح الناس، والتيسير


1) أنظر نهج البلاغة : المحكمة (478)

عَلَيْهِمْ ، والْعَدْلِ بَيْنَهُمْ ، لأنّ هذه من شُؤون الْعَقْل، وأحكامه ، وقد جرت عادة الْفُقَهَاء أنْ يقدموا الْقُرْآن في الذكر على العقل حِينَ يُشيرُون إِلَى أَدِلَّة الشّرع تعظيماً لكلام الله الذي خلق العقل والشرع، وإلا فَهُوَ أسبق من الْقُرْآن من حَيْث الدَّلالة على صدقه ، وإعْجَازه.2 - القُرْآن الكريم ، كَلام الله سُبْحَانَهُ بالحرف بلا زِيَادَة ، أو نقصان، وقد ضَم أصول الدين بِكَامِلَهَا حَتَّى وِلايَة الرَّسُول ، وأَهْل بَيْتِه (علیهم السلامكما تَقَدَّم (1). أما الفروع ، والاحكام فقد نصّ عَلَيْها بالتفصيل، أو الإجمال الإمام علي(علیه السلام) كما أوضحنا(2).)3 - ما ثبت بالتواتر ، أو بخبر الثقة من قَوْل النَّبِيِّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم، وَفَعَله ، وتقريره ، وهَذِه الطَّرق الثلاث تُسمى بالسُّنَّة النَّبَوِيَّة مُنفَرده ، ومجتمعة ، وَهِي بحكم القُرْآن حجّةً و دليلاً ، لقَوْله : ﴿وَمَا ءاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ)(3).)4 - إجماع الْفُقَهَا، ولنا فيه نظر .... إلَّا إِذَا كَانَ المجمَع عَلَيْهِ من ضرورة الدِّين، أو المَذْهَب ، ومن البداهة أنّ الضّرورة لا تحتاج إلى دليل ، بل تَكُون هِي دليلاً على غَيْره .واختلف الْفُقَهَاء : هل الْوَاقِعَة التي لم نعثر على النّص على حكمها المعين ، ونطلبه الأصول، والقواعد العامة ، هل للّه سُبْحَانَهُ في هَذِهِ الْوَاقِعَة بالذات حكم معين قد يصيبه ظَن المجتهد ، وقد يخطئه ، أو أنّ هَذِهِ الْوَاقِعَة لا حكم فيها للّه من الأَسَاس ،


1) انظر ، الآية 55 من الْمَائِدَةِ، والآية 33 من الأَحْزَابِ وتَقَدَّمَت إِلَيْهما الْإِشَارَة،( مِنْهُ قدّس سرّه ).

2) أنظر الخطبة (84) فقرة 1. (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

3) الحشر : 7.

وإنّما حكمه تَعَالَى يتبع ظَن المجتهد ، وعَلَيْهِ يَكُون هَذَا الظَّن مُصيباً فِي شَتّى الحالات، إذا المفروض أن الواقعة صحيفة بيضاء ، وحكم الله فيها هو حكم المجتهد ، وظنه ؟ .ذهب الشّيعة إِلَى الأَوَّل أي أن الله حُكماً مُعيناً في كلّ واقعة ، سواء أثبت النّص يثبت ، وبِهَذَا قَالَ الشّافعي . وذهب مالك ، وأبو حَنِيفَة إِلَى الثَّانِي، وإنّ كلّ مُجْتَهِد مُصيب فِي الظُّنيات(1.)وفي رأينا أنّ كلّ مُجْتَهِد مُصيب للحكم الإلهي المعين في الواقع، أو للحكم المقرر الَّذي أوجبه سُبْحَانَهُ في حق المجتهد عندما يُخطىء الحكم المعين ، فالطبيب - مثلاً - قد يُخطى، في تشخيص حالة من الحالات، والمهندس قد يُخطىء في عملية من الْعَمَلِيَّات، والكيماوي قد يُخطىء في تَجْرِبَة من التَّجَارِب ، ومَع هَذَا الخَطَأ هنا وهناك فإنّ كلّ واحد من هَؤُلاء ، وغَيْرهم من الْعُلَماء يُلزمه حتماً الْعَمَل برأية ، ويلزمنا نَحْنُ أَنْ نأخذ بقَوْله إنْ كَانَ قد أجتهد ، وأفرغ الوسع ، لأنّ الرّفض، وهذه هي الحال، معناه رفض العلم من الأساس أيّاً كَانَ نَوْعَه .والخلاصة : أن المجتهد فقيهاً كَانَ ، أَم طبيباً ، أم مُهندساً ، أم عالماً بالطَّبِيعَة - لا يقرر أحكامه على سبيل الواقع، بل على ما أدى إِلَيْهِ ،بحثه، واجتهاده ، ومَع هَذَا فإنّ عَلَيْهِ أنْ يترتب آثار الواقع ، وإلّا أنسد باب العِلْمِ بَشَتّى أَنْوَاعه ... ولا تفوتنا الإِشَارَة - بِهَذِه المناسبة - إلى أن العالم يتهم فهمه ، وأفكاره، وأنه كلما ازداد علماً ازداد توقعاً للخطأ، وقبولاً للنقد، وعلى قدر ما يكون العلم ، أو الجهل - على الأصح - يَكُون الاِصْرَار على الرّأي ، والتَّهرب من النَّقد.


1) أنظر ، كتاب اللمع لأبي إسحق الشيرازي: 71 طَبْعَة 1939 م . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

(مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ ، كَشَافُ عَشَوَاتٍ ، مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ ، دَفَاعُ مُعْضِلاَتٍ ، دَلِيلُ فَلَوَاتٍ . أي هو علم على الحَقِّ ، ومنار في الشرع ( يَقُولُ فَيُفْهِمْ ) أي لا يَقُول بِلِسَانِه مَا لَيْسَ فِي قَلبه ، ولا يلوك لفظاً غَير واضح ، ومحدد المعنى فِي الأَنْهَام كما يفعل عباقرة الكلام (وَيَسْكُتُ) عما يُحسن السكوت عنه (فَيَسْلَمُ) من الأخطاء، والآثام ، وفِي أَقْوَال أَهل البيت (علیهم السلام)«حقّ الله عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَقُولوا مَا يَعْلَمُونَ. ويقفوا عندما لا يَعْلَمُون »(1)... وَإِذَا سئل العالم عن شيء، وهو لا يعلمه ، أنْ يَقُول : الله أعلم ، ولَيْسَ لغير العالم أنْ يَقُول ذَلِكَ ، بل يَقُول : لا أدري وقد يَكُون السّر فِي ذَلِكَ أنْ كَلِمَة لا أعلم تُشعر بأن قائلها على شيء من العِلْمِ دُونَ كَلِمَة لا أدرى . والله العالم. (قَدْ أَخْلَصَ اللهِ فَاسْتَخْلَصَهُ ) في قصده وقَوْله وَفَعَله (فَاسْتَخْلَصَهُ) أي قَرَبه ، وكَرَمه (فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ، وَ أَوْتَادٍ أَرْضِهِ ) أي من حفظة الدِّين، وخُلفاء الله في الأَرْض ، وخَلِيفَة الله في أَرْضِه هو الذي يخضع فكراً وسلوكاً لأحكامه تَعَالَى ،وتَعَالَى مه التى أمرت بعمارة الأرض، وإصلاحها لخير ،الْعِبَاد، وصلاحهم (قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُّ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ ، يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ ، لاَ يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلا أُمَّهَا ، وَ لَا مَظِنَّةً إِلَّا قَصَدَهَا ، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ ، فَهُوَ قَائِدُهُ، وَإِمَامُهُ ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ تَقَلُهُ ، وَ يَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ) . يُرِيدُ الْإِمَام (علیه السلام) أَنَّ الْمُؤْمِن الصادق هو الذي يَعِيش دينه ، وإيمانه ، ويُعبر عن عقيدته بالعَمَل المجسد المحسوس ، وَلا ينفصم عن نفسه ، وإيمانه بحال، ولا يقيس أي عمل من أعماله ، أو)


1) أنظر ، الكافي : 42/3 7 و 12 ، وَسائل الشيعة: 12/18 ح 10، أمالي الصدوق : 506، توحيد الصدوق: 459 ، مُنية المريد للشهيد الثاني : 215 .

قَوْل من أَقْوَاله بغير الْقُرْآن فَهُوَ وحده قَائِدُهُ ، والآخذ بزِمَامِهِ .وبعد أن ذكر الإمام(علیه السلام المؤمِن العالم ، وحدده بما ذكر من الأوصاف ، أشار إلى الْجَاهِلِ الْمُنَافِق بقَوْله : (وَ آخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ ، فَأَقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضَلالٍ ، وَ نَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ ، وَ قَوْلِ زُورٍ ) . العالم العامل قُوَّة ، ودعامة للدين ، والحَقِّ ، أَمَّا الْجَاهِلِ الْمُنَافِقِ فَهُوَ حَرْب على الدين ، والإنسانية بأكاذيبه، وأحتيَّاله ، وغُرُورِهِ، وضَلاله ، وفِي بَعْض الْأَحَادِيثِ : إن من أتسم بسمة أهل العِلْم ، والدِّين، ولَيْسَ مِنْهُم فَهُوَ من قطاع الطَّرِيق ، وأشد على الإسلام من جيش يزيد بن مُعَاوِيَة(1)(قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ ) لا على ما أراد الله من كلامه . وَقَالَ السَّيّد رشيد رضا : إنّ الكرخي - وهو من أئمة الأحناف في الفِقْه - قَالَ بأن الأصل هو قول أبي حَنِيفَة ، فإِنْ وافقته نصوص الكتاب ، والسُّنَّة فذاك ، وإلا وَجَبَ تأويل نصوص القُرْآن والسُّنَّة على قَوْل أبي حَنِيفَة »(2). ومَعْنَى هَذَا في واقعه أنّ الله ، والرَّسُول تبع لأبي حنيفة ... وَتَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ عُلُوًّا كَبِيراً .)(وَ عَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ أي يُقيس الحَقِّ بمنافعه ، لا بمقاييسه المقررة (يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ ، كأَنْ يَقُول لَهُمْ: إِلَى يَوْم الله يُهَوِّنُ الله .. إنّ الله غفور رحيم .. قَالَ الْإِمَام (علیه السلام) : «الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ » (3)(يَقُولُ : أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ ، وَفِيهَا وَقَعَ ) . الشُّبُهَاتِ منطقة «حَرَام» بَيْنَ)


1) أنظر الإحتجاج : 264/22 ، قريب مِنْهُ التَّفْسِير المنسوب للإمام العسكري : 301.

2) أنظر . تفسير المنار: الآية 166 من سُورَة الْبَقَرَة . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

3) أنظر نهج البلاغة : 20/4 المحكمة (90) عيون الحكم والمواعظ : 55 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : . 243/18. سُبل الهدى والرشاد : 299/11، ينابيع المودة : 2/ 416.

الحلال البيّن ، والحَرَام البين، وفيها يلتبس الحلال بالحرام، ومن الورع أنْ يتجنبها الْمُسْلِم كيلا تجره إلى مواقعة الحَرَام. وفي الحديث: «حلال بيّن ، وحرام بيّن ، وشُبهات بَيْنَ ذلك ، فمن ترك الشُّبُهَات نجا من المُحَرَّمات ، ومن أخذ بالشُّبُهَاتِ وَقَع فِي الْحَرَّمات ، وهَلكَ مِن حَيْث لا يعلم »(1.)وَيَقُولُ: (أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ ، وَ بَيْنَهَا أَضْطَجَعَ . البِدْعَة أحداث فِي الدِّين إيجاباً، أو سلباً ، أي نفى الثابت، أو إثبات المنف، وَهَذَا الجَاهِل المُنافِق يدعى تجنب البدع والشُّبُهَات ، وهو غَارق فيها إِلَى أُذنيه (فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ ) . الطَّبيعة البشرية وَاحِدَة في كلّ فرد ، والتَّفاوت بَيْنَ الأفراد إنما هو نتيجة عوامل خارجة عن طبيعته ، وَهِي كَثِيرَة :)مِنْهَا : التّربية والوراثة ، والجو الَّذي يَعِيش فيه، والغذاء يتغذى بِهِ ، واللباس الذي يلبسه ، والكلام الذي يَسْمَعه ، أو يُقرأه ، والشيء الذي يراه، ويُشاهده ... إِلَى غَيْر ذَلِكَ . وإِذَنْ لِلْإِنْسَان طَبِيعَة ذاتية أوّلية يشاركه فيها جميع الأفراد ، وتقبل كلّ ما يمر بها من الهيئات والصفات تماماً كالريح آخذة مما تمر بها : نَتناً من النَّتن ، أو طيّباً من الطَّيِّب» وله - أي لِلإِنْسَان - طَبِيعَة ثَانِيَة مُكتسبة ، وبها - يُقاس لا بطبيعته الأُولَى ... فإن نشأ وأعتاد على الْكَذِب ، والخِدَاعِ فَهُوَ شَيْطَانٍ فِي صورة إنسان، وإنْ نشأ جاهلاً شَرهاً فَهُوَ في واقعه حيوان، وفي ظاهره إنسان ... وَقَالَ المُلا صدرا في الأسفار : «إذا تمكنت الصِّفَات المُختلِفَة منهُ خَرجت النّفوس من الْقُوَّة إِلَى الفِعْل - أي من طبيعة اللاخَير واللاشَر - وتتصور بصورة ملك، أو


1) أنظر ، الكافي: 68/1 ح 10 ، صحيح مُسْلِم : 267/4 ، تحرير الأحكام : 181/2 ، مُسْتَد أحمد : 267/4 ، الوَسَائِل : 114/12 ح 9 فتح الباري : 249/4 ، السُّمَن الكبرى : 334/5 .

شَيْطَان ، أو بهيمة ، أو سبع» (1)(لا يَعْرِفُ بابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ لأنه حيوان (وَ ذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ ) . هو ميت بطبيعته من حيث الإنسانية ، وهو حي بطبيعته من حيث البهيمية (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) (2)؟ (فَأَنَّى تُؤفَكُونَ ) (3)، وَ الْأَعْلَامُ قَائِمَةٌ ، وَالآيَاتُ وَاضِحَةٌ ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ ، فَأَيْنَ يُتاهُ بِكُمْ ! أتديرُونَ مُنصر فِين عن دَعْوَة أَهْدَىٰ والحق تائهين في ظلمات الضلال ، والهلاك، وطريق النَّجاة بمرأى مِنْكُم واضحاً كَالشَّمْسِ ؟ ثُمَّ بَين هَذَا الطَّرِيق بِقَوْلِهِ :)(وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ ؟ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ ! وهو عدل الْقُرْآن والوسيلة إِلَى الجنان بشهادة جدهم في حَدِيث الثَّقَلَيْن(4)(وَ هُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ ) . يَقُودُونَ إِلَيْهِ من والاهم، وأستر شد بهديهم (وَ أَعْلامُ الدِّينِ ) ، لأنهم خَزنة عِلمه ، وحَفَظة عَهْدِه ، (وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ ) بشهادة القُرْآن الذي طهرهم من الرجس بشتى أنواعه (فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ ) . لتعظيم القرآن، وأحترامه منازل ، ومراتب :)مِنْهَا : أنْ نحفظ آياته .ومِنْهَا : أَنْ تُجيد تلاوته، أو نَفهم مُراده، وخير المراتب كلّها أنْ نَعرف أَحْكامه ونعمل بها ، وأيضاً لتعظيم أهل البيت الذين هُم تَرْجُمَانِ الْقُرْآن منازل


1) أنظر المحكمة المتعالية (الأسفار) لصدر الدين مُحمَّد بن إبراهيم الشيرازي المعروف ب- (مُلا صدرا)، أو صدر المتألهين : 223/4

2) التكوير : 26

3) الأنعام: 95

4) تَقدَّم إستخراجه

مِنْهَا : أَنْ نُصلي عَلَيْهِمْ أينما ذُكروا .ومِنْهَا : أنْ نزور عتباتهم المقدسة، وأن نفرح لفرحهم، وتحزن لحزنهم، وخير المنازل أطلاقاً أن نعرف تَعَالَى ،مهم ، ونلتزمها قَوْلاً ، وعملاً .(وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ . قَالَ الشَّيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «هلموا إِلَى بحار علومهم - أَهْل الْبَيْت - مُسْرِعِين كما تُسرع إِلَيْهِمُ الْإِبِلِ العطاشى إِلَى الْمَاء»(1). فهم المورد العذب ، والشاهد حياتهم ، وسيرتهم بصرف النظر عمّا نزل فيهم من الآيات، وجاء من الرِّوَايَات، فلقد جاهدوا في سبيل الإسلام ، والمُسْلِمِين ، ولأقوا فِي هَذِه السَّبِيل مَا لاقوه من التقتيل ، والأسر ، والسبي ، والتَّشريد ، والتنكيل .)### لا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ... فِقْرَة 7 - 9 :أيُّهَا النَّاسُ ، خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : «إِنَّهُ يَمُوْتَ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ ، وَ يَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِبَالٍ فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ ، وَ أَعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ - وَ هُوَ أنا - أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالتَّقَلِ - الْأَكْبَرِ ! وَ أَتْرُكْ فِيكُمُ النَّقَلَ الْأَصْغَرَ قَدْ رَكَرْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ ، وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ، وَ الْحَرَامِ، وَ الْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَفَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي ، وَ فِعْلِي ، وَ أَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِي ، فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ ، وَلَا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَر.)حَتَّىٰ يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا ، وَ تُورِدُهُمْ


1) أنظر ، شرح النهج : 154/1

صَفْوَهَا ، وَلا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا ، وَلاَ سَيْفُهَا ، وَكَذَبَ الظَّانُ لِذَلِكَ . بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً !### اللغة :فَرَشْتُكُمُ : بَسَطت لَكُم . وتَغَلْغَلَ فِي الشّيء : دَخَل فِيهِ، وتَغَلْغَلَ ، وغَلْغَلَ: أَسْرَع ومَعْقُولَةٌ عَلَيْهِمْ: مُسخّرة ،هُمْ ، من العِقال . والمَجةُ : القَليل من الشّراب نَذوقه ثُم تقذفه. البُرْهَة : مُدَّة غَيْر قصيرة من الزَّمن . ويَتَطَعَمُونَهَا : يَتَذَوقُونَها .### الْإِعْرَاب:ألهَاء في خُذُوهَا يعود إلى الحَقِيقَة، وَهِي : «إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ ميّتٍ ... إلخ»، ومِنْ لَذِيذ مُتَعَلِّق بِمَجَّة ، أو بمَحْذُوف صفة لها ، وجُمْلَةٌ حَال من هاء يَلْفِظُونَهَا .### الْمَعْنى:(خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم: (إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ ) . قيل: أشار الإِمَام (علیه السلام)بِهَذَا إِلَى الآية الكريمة : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )(1). وقيل : المراد أن أهل البيت أحياء بحياة ،آثارهم، وتَديُّن الملايين ،بمبادئهم ، وتعاليمهم ، وكلّ من الْقَوْلِين صَحِيح فِي نَفْسِه،)


1) آلِ عِمْرَانَ: 169.

وغير بعيد عن السَّانِي أَرجح - فيما يُظَنّ - بقرينة السّياق .(وَ يَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِبَالٍ .)قَالَ جَمَاعَة : أنّ أبدان الأوْلِيَاء لا تُبلى أبداً، بل هي فِي جُوف الأَرْضِ غضةً طريةً كما كَانَتْ على وجهها . وَقَالَ آخرون : تُرفع بأعيانها إلى ملكوت السماء . وذهب فريق ثالث : إلى أن أرواحهم تنتقل إلى أبدان مثالية . ورابع : إلَى أَنَّهَا كأبدان غَيْرهم من غَيْر فرق . ونَحْنُ لا نرى أية جدوى وَرَاء هَذَا النزاع حيث لا نهتدي به في حياتنا الْعَمَلِيَّة إِلَى شيء ، ولَسْنَا بِمَسْئُولين عن ذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة ، وكلّ ما يجب علينا أعتقاده أن أَوْلِيَاء الله : ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (1).)(فَلا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ . أَجمع القُدامى على أن الماء بسيط ، وأثبت العلم أنه مُركب ، وأنكروا على «جاليلو» أن الأَرْض تَدور حَوْلَ الشَّمْس ، ولَيْسَ الشَّمْسِ هِي التي تدور حول الأَرْض، ويحلف الألوف في عصرنا أنّ الإِنْسَان ما صَعد وَلَنْ يَصعد على الْقَمَر ... إِلَى ما لا يبلغه الإِحْصَاء من الأمثلة ... وَإِذَا كَانَتْ هَذِه هى الحال في الحسوسات فكَيْفَ بغيرها من المعقولات والمغيبات ؟ .)(وَ اعْذِرُوا مَنْ لاَ حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ - وَ هُوَ أنا -. يجب عقلاً، وشرعاً ، وغرفاً على الجَاهِل أنْ يُقلد العالم فيا يعود إلى اختصاصه، كالأَعْمَى يُقلد البَصِير في مَعْرِفَة الطَّرِيق ، والمريض يقلد الطبيب في تشخيص الداء، ومعرفة الدواء...)


1) الْبَقَرَة : 62 .

والْإِمَام(علیه السلام بَاب مدينة العِلم، والقُرْآن الناطق يَدُور معه كَيْفَما دَار ، وأيضاً يجب على العالم أن يُعلم الجاهل، ويُبشر ، وينذر ، وقام الإمام بهذا الواجب، وأداه بإخلاص، وعلى أكمل وجه . والذي وصل إلى الأجيال من حكمه ، وخُطبه، ورسائله في هَذَا الباب هو أقل بكثير بما ضاع، ولم يُحفظ ، وإذن فلا عُذر لأصحابه، وَلاَ حُجّة هُمْ عَلَيْهِ ، وَلاَ على غَيْره إن خالفوا ، وأهملوا، بل الحجة عَلَيْهِمْ الله ، وله ، ثم أكد الإِمَام هَذه الحجّة بقَوْله ، وخطابه : (أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالتَّقَلِ لأكْبَر ! وَ أتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ) . ويشبه هَذَا الْقَوْل الآية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ منكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ايَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ) (1).)والْمُرَاد بِالتثّقَلِ - بفتح القاء - الْأَكْبَرِ الْقُرْآن الْكَرِيم ، والأَصْغَرَ أَهْل البَيْت، ويطلق الثَّقَل فِي اللُّغة على كلّ نَفيس، وعلّق الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه على قَوْل الإِمَام (علیه السلام بما نصه : «فِي الحَدِيث عن النَّبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أنّه قَالَ : تَرَكْتُ فِيكُمُ الثّقلين : كتاب الله ، وَعِتْرَتي ، وأَمِيرِ الْمُؤْمِنِين قَد عَمِل بِالنَّقَلِ الْأَكْبَرِ ، وهو الْقُرْآن ، وتُرُكْ الثَّقَل الْأَصْغَرَ ، وهُو وَلدَاه»(2)أي الحَسَن ، والحُسَيْن (علیهما السلام).)ومن قرأ سيرة الإمام يجد أنّه قد حَوْلَ آيات الْقُرْآن من كلمات تُحفظ ، أو تُكتب إلى واقع يُحس، ويُلمس في شخص الإمام، وصفاته، وفي كلّ خُطوة خطاها في سلوكه ، وحياته ، ولو أنّ الله خلق الْقُرْآن على صورة رجل لكان هَذَا الرّجل عليّ أبن أبي طالب، وفيما سبق من شرح الخطب تكلمنا عن الإمام ، وحَدِيث الثقلين .(قَدْ رَكَزتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ ، وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلالِ ، وَالْحَرَامِ ، وَ


1) الزُّمَر: 71

2) أنظر ، شرح النهج : 154/1 .

ألبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي ، وَ فَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي ، وَ فِعْلِي . يُشير بِهَذَا إلى أنه ما ترك شَيْئَاً تتم به الحجة عَلَيْهِمْ من بَيَان الْأَحْكام ، ووَسَائِل الإقناع إلا وذكره بصراحة ، ووضوح في أَقْوَاله حيث حذر ، وأنذر ، وفي أفعاله حيث ساوى، وعدل (وَ أَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِي ) . وفي طليعتها الصَّبر عَلَيْهِمْ بِلا حِقدٍ ، وضغينة ، وَلاَ خَتل ، ومواربة ، ولا هدف إلّا الله ، والصَّالح العام.)### القياسالقياس(1:)(فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لاَ يُدْرِكُ فَعْرَهُ الْبَصَرُ ، وَلَا تَتَغَلغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ . مَا لأحد بالغاً ما بلغ من العِلْم أَنْ يَنسب شَيْئًا إِلَى دِين الله إلَّا بدليلِ مِنْهُ تَعَالَى ، وفَهم منه ، ومن تصور ، وتخيل حكماً من الأحكام بوحي من ذاته ، ونسبه إِلى الدِّينِ فَهُوَ من الذين أفتروا على الله الْكَذِب، ومِنْهُم أهْل الْعَمَل بالقياس الذين يثبتون لما لا نصِّ عَلَيْهِ من الشارع حكم المنصوص عَلَيْهِ توهماً من أنفسهم أنّ الْعِلَّة الموجبة لحكم المنصوص عَلَيْهِ هِى بالذات عِلَّة الحكم المسكوت عنه مع أعترافهم صراحة بأنّ الشارع لم يشر إلَى عِلَّة المنصوص عَلَيْهِ من قريب أو بعيدٍ ، ومَعْنَى هَذَا أَنهم بنسبون إلى الشارع نصاً لا علم له به ... ومن هنا أطلقوا على القياس كَلِمَة النّص غَيْر المباشر ، وقَالُوا أيضاً : يَأْتِي القياس في المرتبة الرابعة بعد الْكِتَاب ، والسُّنَّة)


1) يجب الإلتفات إلى أنّ مصادر التشريع عند الإِمَامِيَّة هي: كتاب الله ، والسُّنَّة النبوية الشريفة بما فيها قول الإِمَامِ الْمَعْصُوم، والإجماع، والْعَقْل ) . أنظر ، الدراسات المتعلقه بالقياس كأصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر : 164/22 ، أصول الفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم : 301 المبحث الخامس ، المحصول للرازي: 28....إلخ.

والإجماع (1، أي هو مقدم على الاستصحاب ، والْبَرَاءَة ، وغيرهما من الأُصُولالعملية تماماً كالقُرْآن ، والسُّنَّة(2). وَلا أَدري كَيْفَ ألحقوا المسكوت عنه بالمنطوق به والمظنون بالمعلوم، والله سُبْحَانَهُ يَقُول : وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (3)وتكلمنا عن القياس بنحو من التفصيل(4).)(حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ . قَالَ أبن أبي الحَدِيد : «هَذِهِ الخطبة طويلة ، وقد حذف الرَّضِي رحمه الله تَعَالَى مِنْهَا كَثِيراً » (5). وبِهَذَا نجد تَفْسِير عدم الربط ، والمناسبة بَيْنَ الْإِشَارَة وإلى الأمويين، وما تَقَدَّمها من الكلام، والمَعْنَى أنّ الدُّنْيَا سوف تُقبل على بَنِي أُمَيَّة بزخرفها ، وبهجتها حَتَّى يُخيل إِلَى كَثِير من النّاس أَنَّهَا وقف عَلَيْهِمْ (تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا ، وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا). أي تغدق عَلَيْهِمْ المال ، والسُّلْطَان ، والرخاء، والأعوان (وَ لا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا ، وَلاَ)


1) إنّ حجية الاجتماع منحصرة عند الشيعة الإمَامِيَّة بِمَا إِذَا كَانَ مشتملاً على قَوْل المَعْصُوم، أو رأيه ، أو رضاه قطعاً، ويقسم إجماع الفقهاء إلى قسمين: إتفاقهم في المسائل التفريعية التي يكون للنظر، والاجتهاد فيها دخل في إثباتها .)وبعبارة أخرى مالا يكون دليلها منحصراً في السمع، ويمثل هذا الإتفاق لا يكشف عن قول الإِمَام (علیه السلام. وثانياً : أن طريقها منحصراً في السمع كمسألة العول مثلاً بشرط أن يتصل إلى زمن المعصوم(علیه السلام) .. أنظر تقريرات في أصول الفقه للسيد البروجردي: 285، الهداية للشيخ الصدوق : 22، رسائل المرتضى: 11/1، غنية النزوع لابن زهرة : 28 وراجع الأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم. المبحث الثالث: 253 .

2) أنظر كتاب الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد للشيخ الزرقا، مادة 10 و 531 .

3) النجم: 28

4) أنظر كتابنا من هنا وهناك»، وعند تفسير الآية 59 من سُورَة النِّسَاء في الكاشف (مِنْهُ قدّس سرّه) .

5) أنظر . شرح النهج : 382/6 .

سَيْفُهَا . أي وأيضاً سوف يظن الان أن جَوْر الأمويين، وخوضهم في دماء المُسْلِمِين يَدوم إِلَى الْيَوْمِ الأخير .)(وَكَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ ، لأنّ العباسيين ، وجلادهم أبا مُسْلِم يَسلبون الملكِ مِنْهُم . ويسومونهم سوء العذاب (بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذ الْعَيْشِ) ينعمون بها قليلاً، ثمّ تتكشف الأُمور عن أوخم الْعَوَاقِب ، وأسوئها ( يَتَطَعَمُونَهَا بُرْهَةً) أَي يَتَذَوقُونَها أمداً قد يطول بَعْض الوقت (ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً) وَاحِدَة ، ولَنْ تعود إِلَيْهِمْ أَبَداً... وَهَذَا من الإخبار بالمغيبات، يرويها الإمام(علیه السلام) عن النَّبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) عن جبريل عن الله ، كما قَالَ: «وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ، عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)فَعَلَّمَنِيهِ»(1).)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (128).

## الخطبة-88-### وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ:أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَمْهِيلٍ ، وَرَخَاءٍ ، وَ لَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ ، وَ بَلَاءِ ، وَ فِي دُونِ مَا أَسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ ، وَ مَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرُ ! وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ ، وَلَا كُلُّ ذِي سَمْعِ بِسَمِيعٍ ، وَلَا كُلُّ نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ . فَيَا عَجَباً ! وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَا هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا ! لا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِي ، وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلٍ وَصِقٍ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ ، وَلَا يَعِفُونَ عَنْ عَيْبٍ ، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ ، وَ يَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ . الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا ، وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا ، مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضلاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَ تَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِي مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فيما يَرَى بِعُرى ثِقَاتٍ ، وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ .### اللُّغَة:لَمْ يَقْصِمْ : لَمْ يَهْلِكَ ، والقَصِم في الأصل الكسر . والأزل - بسكون الزاء - الشّدَّة .

والعتب - بفتح التاء لا بسكونها - الشدَّة أيضاً. لا يَقْتَصُونَ : لَا يَتْبَعُون ، والمَفْزَعُ : الملجةُ.### الإعراب:بِتَشدِيد الطاء - ظرف زمان لاستغراق ما مضى ، وَيَا عَجَباً ؛ مَنْصُوب على المَصْدَر ، والمنادى مَحْذُوف أي يا قَوْم ، أو يا نفس أَعْجَبُ عَجَباً ! ويجوز أَنْ يَكُون«عَجَباً» مُنادى، والتنوين عوض عن المضاف أي أحضر يا عجبي ، وَ مَا لِيَ مُبْتَدَاً وخَبر ، أي ما شَأنّي ؟ .### الْمَعْنى:(فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَمْهِيلٍ ، وَرَخَاءٍ . وجَبَّارِ و الدَّهْرِ هُم الذين يمارسون المعارك ضد الإنسانية ، ويدبرون المؤمرات ، والإنقلابات ضد الحريَّة، وتدفع الشعوب ما يشتهون حَتَّى النّهَايَة ، ولَكِنَّهُ يَمْهِلهُم إِلَى حِين ، ثُم يأخذهم من حيث لا يشعرون ، وقد شاهدنا ما حَلَّ بهتلر الَّذِي كَانَ يتحدث عن استعمار الكرة الأرضية ، ولا يرضى بديلاً عن شرقها ، وغَرْبهَا ، وأمثاله كَثِيرُون سابقاً ، ولاحقاً ، ولا تقل أطماع وراثه، وخلفائه عن أهدافه ، وأطماعه ... والمصير واحد بعون الله وحوله ، وبنضال من يخلقون التاريخ والحضارات (وَ لَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ ، وَ بَلَاءِ ) . أي أنّ الأمم المسْتَضْعَفَة لا تتحرر من الجبابرة الطغاة، وتحصل على أهدافها إلا بعد التضحيات ، والصبر على البلاء ،والشَّدَائِد من أجل ما تُريد ... والشاهد الآن على ذلك الشعب الفييتنامي في الهند الصينية ،)

والأنعولي في أفريقيا.(وَ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَثْبٍ ، وَ مَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرُ . أَنْتُمُ الآن فِي شِدَّة، وأيضاً قاسيتم الكثير من قبل ، فلماذا لا تعتبرون ، ولا تتعظون ؟ أليس)الجدير بكم أن تعتبروا بأقل مما أدبر عَنْكُمْ ، وأقبل عَلَيْكُمْ ؟ . وكأن الإمام يعنينا - نَحْنُ الْعَرَب ، والمُسْلِمِين - بِهَذَا الخِطَاب ... قاسينا من تركيا ، وفرنسا، وأنكلترا - ما فيه الكفاية، ونقاسى الآن من أمريكا، والصهيونية ما لا مزيد عَلَيْهِ .وبرغم التَّجَارِب كلّها ، وما فيها من قسوة نصبر على الهوان ، وَلاَ تُحرك ساكناً (وَمَا كُلُّ ذِي قَلْبِ بِلَبِيبٍ لأن صاحب القَلب السليم لا يرضى بالراحة مع الهوان . وَلا بالعبودية مع الأمان، ويُضحي بنَفْسِهِ حرصاً على حقه ، وكرامته (وَ لا كُلُّ ذِي سَمْعِ بِسَمِيعِ ) لما يهديه ، ويرشده إلى الخير ، والصلاح (وَلاَكُلُّ نَاظِرِ بِبَصِيرٍ ) يَرى ما يَضُرّه ، وينفعه ، فيفعل هَذَا ، ويجتنب عن ذَاكَ .)(فَيَا عَجَباً ! وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَا هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا ! لا يَقْتَضُونَ أَثَرَ نَبِي ، وَلَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيَّ . لِمَاذَا هَذِه الفرق، والتَّفرقة في اُمّة وَاحِدَة ؟ وما هو السّبب التناقضها ، وتنافرها ؟ وهل ما استندت إلَيْهِ كلَّ کل فرقة حق وصواب ؟ . كلاً فإن الحق لا يتجزأ ، وَلا ينقسم إلى سلب، وأيجاب ... وهو يقاس بقول النبي ، وَفَعَله ، وتقريره ، فَلِمَاذَا لا يأخذ المُسْلِمُون جميعاً بِهَذَا القِياس كما فعل الأولياء والأنقياء ؟ . وتجدر الإشارة إلى أنّ الإمام أعرف النّاس بالأَسْبَاب المباشرة لتعدد الفرق، وإِنَّهَا ترجع إِلَى الْإِخْتِلاف في اثبات النّص عن المعْصُوم ، أو إلى فهمه ، أو إلَى الجَهْل والتَّعَصُّب ، أو حُبّ الرياسة ، والشَّهْوَة ... إلى غير ذلِكَ ، أن الإمام يَعْرِف هَذَا، وأيضاً يَعْرِف أن)

الإِنْسَان لا يعجز عن مواجهة هذه الأَسْبَاب لو عزم ، وصدقت منه النِّيَّة ، وعلى هَذَا الأَسَاس قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا (1). وَقَالَ : أنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ)(2).)(وَلا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبِ أي بالوحي ، وقيل : كلّ ما لا يدرك بالحواس الخمس فَهُوَ من عالم الْغَيْب (وَلا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ ) كالبغضاء ، وشتات الكَلِمَة ، ويَعِفُّونَ بِتَشدِيد الفاء : من العفة ، والْعَفَافِ (يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ ) وَهِي «المنطقة الْحَرَام» بَيْنَ الحرام البين ، والحلال البيّن ، وتَكَلَّمنا عن الشُّبهة (3). (وَ يَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ ) التي تُلقِ ِبهِمْ فِي التَّهلكة (الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا ، وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا ) . فهم وحدهم على حق ، وكلّ من خالف، ويخالف فَهُوَ على بَاطِل ، وضلال.)(مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلاَتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَ تَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ فَهِيَ عندهم مَصْدَر الْحَقِّ ، والقيم (كَأَنَّ كُلَّ امْرِي مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ ) . يضع عَقْله ورأيه فوق علم الله ، وحكمته ، وصدق الله العظيم : (أَرَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ) (4). (قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرِيَّ ثِقَاتٍ ، وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ ) . ضَمِيرِ مِنْهَا يعود إلى نَفْسِه ، والمَعْنَى يعتمد على أهْوَائِه في تشريع الأحكام، وتقدير مصالحها،)


1) آل عمرن : 103

2) الشُّورَى : 13 .

3) أنظر الخطبة : 85.

4) الْفُرْقَانِ : 43 .

ومَع ذَلِكَ يرى أنّه قد أستمسك بالْعُرْوَة الْوُثْقَى ، وأخذ بالنّص الواضح القطعي متناً ، وسنداً .وهذه المزايا ، والعُيُوب تنطبق على الكثير من أهل العمائم في عصرنا ... جهل ، وغرور ... بعضه فوق بعض ، تستره عِمة بَيْضَاء ، أو سَوْدَاء حَتَّى التبس على الْعِمَامَة التمييز بَيْنَ الأصيل ، والدخيل ... فَإِلى الله المشتكى .

## الخطبة-89-### الرَّسُول الأَعْظَم... فِقْرَة1 :أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ ، وَأَعْتِزَامِ مِنَ الْفِتَنِ ، وَأَنْتِشَارِ مِنَ الْأُمُورِ ، وَ تَلَقِّ مِنَ الْحُرُوبِ ، وَ الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينٍ أَصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا ، وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا ، وَ أَغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا ، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى ، وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى ، فَهِيَ مُتَجَهَّمَةٌ لِأَهْلِهَا ، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا . ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ ، وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُفَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ ، وَاذْكُرُوا ، تِيكَ الَّتِي آبَاؤُكُمْ ، وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ ، وَ عَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ.### اللُّغة:الهَجْعَة : الثَّوْمَة الخفيفة ليلاً . واعْتِرَام الْفِتَنِ غلبتها ، وَتَلفّ : مثل نَار تلظى : تلتهب . وَالأغْوِرَار : الذهاب . ودَرَسَتْ : آنطمست . والرَّدَى ، السقوط ، والهَلاك. والشعار : التّوب يُلبس على البدن ، والدِّثار : فوق الشّعار والدائر: الهالك

### الإعراب:جُمْلَة قَدْ دَرَسَتْ حَال من الدُّنْيَا ، وتِيكَ إِشَارَة للمؤنث بِمَعْنَى تِلْكَ ، والتي عطف بَيَان ، وآبَاؤُكُمْ مُبْتَدَاً ، ومُرْتَهَنُونَ خَبَر ، والجُمْلَة صلة الموصول ، وهو «التي».### الْمَعْنى:(أَرْسَلَهُ . أَرْسَل الله سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم).(عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) بينه ، وبَيْنَ من بعث قبله (وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَم ) أي غَفْلَتهم، وأعراضهم عن الله ، وأَحْكامه (وَاعْتِرَامِ مِنَ الْفِتَنِ ) بتغلب الخير على الشَّر ، والصلاح على الفَسَاد (وَانْتِشَارٍ مِنَ الأُمُورِ ) وشتاتها بسبب الفوضى والتحرر من القيود الإنسانية، والاجتماعية (و تَلَظَّ مِنَ الْحُرُوبِ) التي أنهكت العباد ، ودمرت البلاد (وَ الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ) . لا عامل فيها بخير، ولا هادي إِلَى رشد (ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ ) بظهور المغترين بها، وكثرتهم (عَلَى حِين أصْفِرَارِ مِنْ وَرَقِهَا ) . آذنت الدُّنْيَا ، أو المغرور بها - بالرحيل تماماً كأوراق الشجر حِينَ تذبل ، وتصفر (وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا ، وَاغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا ) . لا أمل، وخير من شجرة أصفر ورقها ، وغَار ماؤهَا .)(قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى حَيْث لا مُنقذ من الجهل ، والتضليل ، وَلاَ مُرشد إِلَى نهج السَّبِيل ( وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى ) بظهور المفسدين، والمضللين (فَهِيَ مُتَجَهَّمَةٌ لِأَهْلِهَا ، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ) تستقبلهم بما يكرهون، ويمقتون حَتَّى ولو أغدقت عَلَيْهِمْ المال، والجاه ، إِنَّهَا تُعطي بيد، وتطعن بأخرى ، قَالَ الْإِمَام : «وَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ ، وَاحْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى )(1))


1) أنظر . نهج البلاغة : الخُطْبَةُ .(111)

(ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ الْفَسَاد ، والضَّلال (وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ ) لأنه يؤول إلى الحيفَةِ كما يؤول الإِنْسَانِ إِلَى التُراب (وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ). الْفَقِير يخاف الأقوياء ، والْأَغْنِيَاء. والْغَنِيّ يخاف زوال النِّعْمَة ، وثَورَة الْفُقَرَاء (وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ ) أي الصراع، والتناحر على السُّلْطَان ، والحُطَام (فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللهِ ، وَ اذْكُرُوا ، تِيكَ) إِشَارَةِ إِلَى السَّيِّئَات (الَّتِي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ ، وَ عَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ ) حَتَّى الهفوة الصَّغِيرة يُسأل المزء عَنْهَا ، ويُعاقب عَلَيْهَا ، وفي الآثار: «إِيَّاكُمْ ومُحقرات الذنوب. فَإِنَّهَا تَجْتَمِع عَلى العبد ، وهو يَسْتَهين بشأنها حَتَّى تَهلكه»(1).)وقدمنا أكثر من مرّة أنّ الدُّنْيَا المذمومة هى دنيا الْبَغْى، والإستغلال ، والفَسَاد الضّلال، أمّا دُنيا الخير ، والعِلْم النَّافع ، والعَمَل الصَّالح فَهِيَ دُنيا الله ، وسَبِيل رِضْوَانه ، وجنانه ، ولا شيء أدل على ذلِكَ من أَنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَبط خَير الْآخِرَةِ بخير الدُّنْيَا ، وشرّها بشرها ، قَالَ عزّ من قَائِل : ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (2). وَقَالَ : وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى الأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)(3).

أَنَا مُسْمِعُكُمْ فِقْرَة 2 :

وَ لَعَمْرِي مَا تَفَادَمَتْ بِكُمْ، وَلا بِهِمُ الْعُهُودُ، وَلا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم


1) أنظر ، مُسْنَد أحمد: 402/1 و 331/5، شرح الأزهار : 551/3 ، كتاب الزهد لابن أبي عاصم : 15/1

2) الزَّلْزَلَة : 7 - 8

3) الإسراء : 72

الْأَحْقَابُ ، وَ الْقُرُونُ ، وَ مَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنتُمْ فِي أَصْلَابِهِمْ بِبَعِيدٍ ، وَاللهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً إِلا وَهَا أَنَا ذَا مُسْمِعُكُمُوهُ، وَ مَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالأَمْسِ ، وَلَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ ، وَلَا جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ، إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ . وَ وَاللَّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ، وَلَا أُصْفِيتُمْ بِهِ ، وَحُرِمُوهُ ، وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا ، رِخْواً بِطَانُهَا ، فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ ، فَإِنَّمَا هُوَ ظِلُّ مَمْدُودُ ، إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ).

اللغة:

الأحقاب : جمع حِقَبٌ ، وهو ثَمانُون سَنَّة ، وقيل : أَكْثَرَ وَالْقُرُونُ : جمع قَرْن ، وهو الْأَحْقَابُ مئة سنة ، وقيل : أَقل ، والجيل أهل الزمان الواحد، وَلاَ أُصْفِيتُمْ وَلاَ خُصصتُم. والخِطَامُ : مَا يُجعل في أنفُ البَعِير ليُقاد بِهِ . وبِطَانُهَا : حِزَامُها .

الإعراب:

يبَعِيد البَاء زَائِدَة وبَعِيدٍ خَبَر «أَنْتُمْ» أو خَبَر «مَا» عَلَى تقدير أَنَّهَا عاملة عمل لَيْسَ ، وكلّ من الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ مُتَعَلِّق بِبَعِيدٍ ، هَا أَنَا «هَا» للتنبيه ، وجَائِلاً حال من الْبَلِيَّةُ ، وخِطَامُهَا فَاعِل «جَائِلاً» ومِثْله رِخْواً بِطَانُهَا ، وإِلَى أَجَلٍ مُتَعَلِّق بمَمْدُودٍ.

الْمَعْني :

(وَ لَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ ، وَلا بِهِمُ الْعُهُودُ ، وَلَا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الْأَحْقَابُ ، وَ الْقُرُونُ ، وَ مَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنتُمْ فِي أَصْلَابِهِمْ بِبَعِيدٍ ) . يَتعجب

الْإِمَام(علیه السلام) كَيْفَ أنّ الخلف لم يتعظ بِمَا آلَ إِلَيْهِ السَّلف مَع أن العهد بَيْنَها لَيْسَ بِيَعِيدٍ ، بل أنّ الكَثِير مِمَّنْ تأخر قد شاهد، ورَأَى مَا حلَّ بمن تَقَدَّم !... ومِثْله: وَيَنقَوْم لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيَ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيد (1). (وَاللهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً إِلا وَهَا أَنَا ذَا مُسْمِعُكُمُوهُ) . جمع الله سُبْحَانَهُ مُحَمَّد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)علم النَّبِيِّين، وجمع مُحَمَّد ذَلِكَ كلّه لأمير المُؤْمِنِين فبث على كلّ ذي سمع ما بلغه الرَّسُول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)للناس ، ولم يكتم الإمام مِنْهُ شيئاً .)(وَ مَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالأُمْسِ ، وَلَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ ، وَلاَ جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ . إنّ الشّيء الذي سمعتموه مني هو بالذات ما سَمْعَه الصَّحَابَة من الرَّسُول ، وإنّ الهُدَى الَّذى رَأيتموه منى قَوْلاً ، وعملاً هو نفس ألهْدَى الَّذي رآه الصَّحَابَة من رَسُول الله ، ومدارككم تماماً كمداركهم ، وإذَنْ فلا عذر لَكُمْ بِجهل ، لأنّي قد بلغت كما بلغ الرَّسُول ، وأيضاً لا عُذر لَكُمْ بعجز لأنكم مثل الصَّحَابَة عقلاً، وسمعاً ، وبصراً (وَ وَاللهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ، وَلاَ اُصْفِيتُمْ بِهِ ، وَحُرِمُوهُ ) أي أنكم لا تختصون بشيء من دونهم، بل أنّ حالَكُمْ كحالهم من حيث التبليغ ، وتيسير السَّبِيل للعلم بدين الله ، وأَحْكامه ، كما أنْ حَالي كحَالَ الرَّسُول الأَعْظَم(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)في قطع المُعْذِرَة ، وقيام الحجّة .)(وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا ، رِخْواً بِطَانُهَا . هَذَا انذار بأنّهم سيلاقون من بعد الإمام بلاء يكونون معه كراكب البعير الذي أُقلت من أنفه)


1) هُودٍ :89

الخِطَام، واسترخى من تحت بطنه الحزام ، وأوشك راكبه على السقوط (فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ كالجَاء ، والمال (فَإِنَّمَا هُوَ ظِلُّ مَمْدُودٌ ، إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ ) يذهب ، ويَبْقَى وزره ، وتبعته . ومن أَقْوَاله : «شَتّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ : عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ، وَتَبْقَ تَبِعَتُهُ، وَعَمَلِ تَذْهَبُ مَئُونَتُهُ، وَيَبْقَ أَجْرُهُ» (1))


1) أنظر . نهج البلاغة : الحكمة (121).

## الخطبة-90-### إِلَهُ الْخَلْقِ، وَرَازِقُهُ.. فَقْرَة 1:الْحَمْدُ للّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤيَةٍ، وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً ، إِذْ لَا سَمَاءُ ذَاتُ أَبْرَاجِ ، وَلَا حُجُبُ ذَاتُ إِرْتَاجِ ، وَلاَ لَيْل دَاجٍ ، وَلاَ بَحْرُ سَاجِ ، وَ لَا جَبَلْ ذُو فِجَاجٍ ، وَلَا فَجٌ ذُو أَعْرِ جَاجٍ ، وَلَا أَرْضُ ذَاتُ مِهَادٍ ، وَلَا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ : ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ ، وَوَارِتُهُ ، وَ إِلَهُ الْخَلْقِ ، وَرَازِقُهُ ، وَالشَّمْسُ ، وَالْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ : يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ ، وَ يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ .قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَحْصَى آثَارَهُمْ ، وَأَعْمَالَهُمْ ، وَعَدَدَ أَنْفُسِهِمْ، وَخَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ ، وَ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ ، وَ مُسْتَقَرَّهُمْ ، وَ مُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الْأَرْحَامِ ، وَ الظُّهُورِ إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ.### اللُّغة:الرَّوِيَّة بالفكر ، والرُّؤْيَةٍ بِالْبَصَر . ورتج ، وارْتَجَ البَاب : أغلقه ، والرَّتاج : الباب العظيم. وَدَجَا اللَّيْل : أَظلم ، ولَيْل دَاج : مُظلم . وَسَجَا البحر : إِذَا سَكن ، قَالَ

سُبْحَانَهُ : (وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى (1): أي سَكن أهله . وفِجَاج : جمع فَجّ، وهو الطَّرِيق الْوَاسِع بَيْنَ جَبلين . والمهاد : الفراش . ودَائِبَان : جَادَان ، ومُستمران ، وَإِذَا أُطلقت كَلِمَة «الدَّائِبَان» بلا قرينة أنصرفت إِلَى اللَّيْل ، والنهار .)### الْإِعْرَاب :سَماءُ مُبْتَدَا، أو أسم «لا» بناءاً على أنها عاملة عمل لَيْسَ ، والخَبَر تَحْذُوف أي موجودة ، وذات صفة لسماء . وجُمْلَة يُبْلِيَانِ حَال من الشَّمْس وَالْقَمَر المَصْدر من أَنْ تَتَنَاهَى مُتَعَلِّق بِمُسْتَقَرٌّ ، وَمُسْتَوْدَعٍ .### الْمَعْنى:(الْحَمْدُ للّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ، وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ . نَحْنُ نعرف الله سُبْحَانَهُ بالتفكر ، والتدبر في خلقه، وآثاره ، لا بالرُّؤيَة ، والمشاهدة، وأيضاً نَحْنُ نعمل ، وتُدبر أمورنا بواسطة الشُّعُور والتَّعليم ، والجوارح، والآلات، أما هو جلت كلمته ، فإنَّه يَقُول للشيء : كُن فَيَكُون أي يُريد فيوجد المُرَاد ، لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ طَبيعي، أو غَير طبيعي، إنّه يؤثر ، ولا يتأثر (الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً ) بذاته غَنِياً عن غَيْره ، وَلاَ غنى لغيره عنه ( دَائِماً) بلا ابتداء ، ولا أنتهاء كما هو شأن الواجب أي الموجود بذاته لا بسبب خارج عَنْهَا .)إِذْ لَا سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجِ ، وَ لَا حُجُبُ ذَاتُ إِرْتَاجِ ، وَلَا لَيْلٌ دَاجٍ ، وَلَا بَحْرُ سَاجٍ ، وَ


1) الضحى :2.

لا جَبَلْ ذُو فِجَاجٍ ، وَلَا فَجٌ ذُو أَعْوِجَاجِ ، وَلَا أَرْضُ ذَاتُ مِهَادٍ ، وَلَا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ أي ذُوقُوَّة ، ويَتلخص المَعْنَى بأنه تَعَالَى كَانَ ولم يَكُن معه شيء، لأنه المبدأ الأَوَّل لكلّ شيء ، وَلاً بداية له إلا كَانَ حادثاً ... وتَكَلَّم بَعْض الشارحين، وأطال عن الْمُرَاد بالحُجُبِ فِي قَوْله : «وَ لَا حُجُبُ ذَاتُ إِرْتَاجِ » . وَقَالَ فيما قَالَ: «أَنَّ اللَّهَ سَبعين ألف حجاب من نورٍ ، وظلمة » (1)مستنداً إلى رواية نقلها صاحب البِحَار عن الدر المنثور .. لا تركن النّفس إِلَيْهَا متناً ، وَلا سَنداً . وَقَالَ آخر : المراد بالحُجب ظلمات النَّفس ، وشَهَوَاتِهَا ... وفي رأينا أنّ نفي الحُجب هُنا عَنْه سُبْحَانَهُ مِن بَاب السلب بأنتفاء الموضوع تماماً كقولنا : لَيْسَ الله ولد ، لأنّ مَعْنَى الحِجَاب نسبي يَحْتَاج إِلَى اثْنَيْن : مُحتَجِب - بكسر الجيم - ومُحتَجَب - بفتحها - فَإِذَا انتفى هَذَا _ كما هو الفرض - أنتفی ذاك حتماً ، وذاتاً .)(ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ ، وَ وَارِثُهُ . ذَلِكَ إِشَارَة إِلَيْهِ تَعَالَى حَيْتَ كَانَ، وَلا كانن مَحجُوب وغَير محجوب ، والبديع هو الذي لا شبيه له، ولا نظير ، ومبتدع الشّيء موجده من لا شيء، وعلى غَير مثال سابق ... ورُبَّمَا قَالَ قَائِل : كَيْفَ وصف سُبْحَانَهُ نَفْسه بالوارث، وهو المالك الأول ، والأصيل لكلّ شيء، وما من أحدٍ يملك إلّا ما ملكه، وفي الآية : (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (2). والجواب واضح ، وهو أن المراد بالوارث هنا الحي الباقي بلا نهاية لبقائه.)


1) أنظر ، شرح أصول الكافي : 205/3 ، بحار الأنوار: 45/55 ، المعجم الكبير : 148/6 ، كنز العمّال ، 10 / 369 - 29846 ، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 104/4 ح 4610.

2) الأَعْرَافِ : 128 .

(وَ إِلَهُ الْخَلْقِ ، وَرَازِقُهُ عن طريق الكدح ، والعَمَل : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ ) (1). وَ الشَّمْسُ ، وَ الْقَمَرُ دَائِبَانِ مَرْضَاتِهِ ) أي مُستمران في تحقيق الفائدة منها ، وثابتان على قَوَانِين، وخَصَائِص لا تتغير ، ولَوْلاً هَذَا الإطراد والاستمرار في جميع الْكَائِنَات ما ثبت شيء في ميدان العلم ، وبكَلِمَة أصح ما كان للعلم عينٌ، وَلا أثر ... ونسأل : من أين جاءت هَذِه القَوَانِين ، والخصائص ، من الطَّبيعة العمياء ، أو من الصدفة ؟ وَإِذَا كنّا نَحْنُ لا نفسر بالصدفة أفعالنا فكَيْفَ نفسر بها عظمة الكون ، ونظامه ؟ وإذَنْ فلا محيص عن الإِيمَانِ بالْقُوَّة العليمة الحكيمة.)(يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ ، وَ يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ بمرور الأَيَّام والسّنين كما قَالَ الْإِمَام فِي وصيته لولده الإِمَامِ الحَسَن : «مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ؛ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً »(2).)(قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ على أساس ما بينه في كتابه : ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(3)... أَبَداً لا صَدَاقَة لله مع النّاس كي يُجابي ، ويُعطي جُزافاً ، وأعتباطاً، وإنما يتعامل معهم على وفق ما حدد ، وشرع، وهو لا يُحدد ، ويُشرع شَيْئَاً مُنافياً لمقتضى نواميس الطَّبيعة ، كَيْفَ وواضع الشَّرِيعَة هو خالق الطّبيعة ؟ ومن أجل هَذَا ربط سُبْحَانَهُ صلاح النّاس، ونجاحهم بإخضاع سلوكهم ، وأعمالهم)


1) الملك : 16

2) أنظر ، خُطب نهج البلاغة : 50/3، جزء من وصية (علیه السلام)، للإمام الحسن والحسين(علیهما السلام)، تحت رقم (31)

3) الملك : 16.

لنواميس كونية ، وأشباب طبيعية ، فمن أهمل ، وعطّل هَذِهِ الْأَسْبَاب ، فآثر البطالة على الْعَمَل ، والخرافة على العلم كان مسؤولاً عن تقصيره، وإهماله أمام الله ، والناس.(وَ أَحْصَىٰ آثَارَهُمْ ، وَأَعْمَالَهُمْ ، وَعَدَدَ أَنْفُسِهِمْ ، وَخَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ ، وَ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ ، وَ مُسْتَقَرَّهُمْ، وَمُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الْأَرْحَامِ ، وَ الظُّهُورِ إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ . والمُرَاد بِهَذِه الغايات مصير الإِنْسَان من سَعَادَةٍ ، أو شقاء في الْيَوْم الآخر ، وفِي بَعْض خُطب النهج : «فَالجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ » (1). ويَتلَخَص بأن الله على كلّ شيء شهيد ، وحَفِيظ ، ووكيل ، وأنّه أعلم بالشّيء من نَفْسِه ، لأنّه خالق كلّ شيء ومالكه .)### مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ.. فِقْرَة 2:هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ ، وَاتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ ، قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ، وَ مُدَمِّرُ مَنْ شَاقَهُ ، وَ مُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ، وَغَالِبُ مَنْ عَادَاهُ. مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَ مَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَ مَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ، وَمَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ.عِبَادَ اللهِ ، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا، وَ حَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَ تَنَقَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ ، وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السَّيَاقِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ، وَ زَاجِرُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لاَ زَاجِرٌ ، وَلاَ وَاعِظُ.


1) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَة (157).

### اللُّغة:عَازّهُ : رَام أَنْ يغلبه في العزّ . وشَاقَهُ : خَالِفهُ. وَنَاوَاهُ : عَادَاه .### الْإِعرَاب :قَاهِرُ يجوز أَنْ يَكُون خَبَراً ثَانِيَاً لضمير « هو » المنطوق ، وخَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أي هو قَاهِرُ .### الْمَعْنى:(هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ ، وَاتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ . ونَلتمس تَفْسِير هذه الرَّحمة ، والنُّقْمَة مِنْهُ تَعَالَى، نلتمسه بهذا المثال : من البداهة أنّ الشَّمْس وَضِيَاءها رَحْمة من الله سُبْحَانَهُ، وكَذَلِكَ أهْوَاء، والغيث، والخصب لما فيه من الفوائد والمنافع التي تشمل ، وتعم البَرَّ ، والفاجر، والْمُؤْمِن ، والْكَافِر ، ومَعْنَى هَذَا أن الله ، جلت حكمته، يرحم في الدُّنْيَا أَعْدَاءه، وهو كاره لهُمْ ، وناقم عَلَيْهِمْ ، وأيضاً يرسل سُبْحَانَهُ الطَّوفان، والعواصف ، والزَّلازِل، وَهِي غضب مِنْهُ ، ونقمة لما فيها من شرور ، ومضار تعم كلّ من يصادفها صَالِحاً كَانَ أَم طَالِحاً ، وتجتاح كلّ ما يعترض طريقها ، سواء أكان قصراً لجبارٍ ، أم كوخاً لأيتام ، ومَعْنَى هَذَا أَنْ يَقمَته في الدُّنْيَا قَد تَنزل بالأَوْلِيَاء ، والأنقياء ، وهو مُحبّ لهُمْ ورَاضٍ عَنْهُمْ ... وإلَى هَذَا تُومى، الآية : ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ)

خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (1).)ومن طريف ما قرأت في هَذَا البَاب قَوْل لفيلسوف مُعاصر : أن المُؤمِن يَشكر الله على نِعْمَة أنعَمها عَلَيْهِ مَع أنّ هَذَا الشُّكْر وقاحة ، وأنانية ، إذ يعني بِهَذَا الشُّكْر أن الله لا يحبّ المَحرُومِين من هَذِه النِّعْمَة . ونَحْنُ مَع هَذَا الفَيْلَفُوسِ إِنْ كَانَ الدَّافع للْمُؤْمِن هو اختصاصه بالنِّعْمَة، وحرمان الآخرين مِنْهَا ... وسمع رَسُول الله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم رَجُلاً يَقُول: «أللَّهُمَّ ارْحَمني وارْحَم مُحَمَّداً ، ولا ترحم مَعنَا أَحداً. فَقَالَ رَسُول اللّه(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): لقد حَجَرت واسعاً )(2).)(قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ الله العِزَّة ،وحدَه ، وَلا شيء مِنْهَا لمخلوق إلا بدين الله ، وطاعته. ومن انتحلها فَهُوَ من الأخسرين تماماً كما خَسر فِرْعَوْن من قبل، وهتلر من بعد ( وَمُدَمِّرُ مَنْ شَاقَهُ) خَالفه (وَ مُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ) عاداه (وَ غَالِبُ مَنْ عَادَاهُ) عَطف تَفْسِير (مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ ، وَ مَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ) . والتّوكل أنْ تَعمل مُعتقداً أن وَرَاءكَ قُوَّة خَفِية تراك، وتسمع نجواك، وتُقدر ، وتُدير كلّ ما يقع في الكَوْنِ من دقيق الحوادث ، وجَليلها ، أما سؤاله سُبْحَانَهُ فمِفْتَاحه العمل وإلا ذهب السؤال. والدُّعَاء مَع الرّيح ، فبالْعَمَل يُقاس النَّوال ، وإجابة السؤال مِنْهُ ، عَظمت كَلمَته ، لا بالدعوات ، والشعارات ... والشاهد المحسوس تأخر الشرقيين مع حرصهم على الشعارات دُونَ العَمَل ، وتَقَدَّم الغربيين بسبب مصانعهم، وحساباتهم، ومعادلاتهم)


1) الأنفال : 25.

2) أنظر ، صَحِيح ابن حبان : 267/3، حاشية رد المحتار : 553/1) المنهل العذب : 255/3، مسند أحمد: 380. سُنن الترمذي : 257/1 - 147 و 148 ، سنن أبن 239/2 و 503، سنن أبي داود : 103/1 ح ماجه: 176/1 ح 529 و 530 ، الخلاف للشيخ الطوسي: 494/1.

العلمية الدّقيقة .(وَمَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ . يُشير بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: (إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ )(1). وخير تَفْسِير لهذه الآية قَوْل الإِمَام : اسْتَقْرَضَكُمْ ، وَ لَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ ، وَ الْأَرْضِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيدُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (2)(وَ مَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ) لَيْسَ المُراد بالشكر ترداد الكلمات ، بل الطَّاعَة ، والعَمَل النافع وفاء لفضله تَعَالَى: (زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا، وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ ، وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاق ) الجمل عطف على «زنُوا» وهى للبيان، والتَّفْسِير ، والمَعْنَى أنظروا إلَى أَنْفُسِكُمْ: هل أدت الواجبات ، وتركت المُحَرَّمات ، أو أُهملت وقَصَّرْت فإنْ تَكُن الأُولَى فَهِيَ المطلوب ، وإنْ تَكُنْ الثَّانِيَة فاستدركوا بالتَّوْبَة، وَطَلب المَغْفِرَة قبل اللْحِسَاب والجزاء.)(وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ ، وَ زَاجِرٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لاَ زَاجِرٌ ، وَ لا وَاعِظُ المراد بالنفس هنا الأمارة ، وبالاعانة عَلَيْهَا أَنْ يغلبها هو على الحَقِّ ، وَلاَ تُغلبه هِى على الْبَاطِل ، وأنْ لا يُعطيها فَضَائِل لَيست فيها ، أمّا الوَاعِظ الزَّاجِر من داخل النفس فالمراد به العَقْل السّليم ، أو الضَّمِير الحتي، أو الوجدان اليقظ ... مهما شئت فعبّر ، والعقل السليم هو الذي يُدرك النتائج ، والْعَوَاقِب على حقيقتها ، ويَعْرِف الْحَوَادِث قبل وقُعِها مُستنداً فِي ذَلِكَ إِلَى ما شاهد، ورَأَى.)


1) التَّغَابُنِ : 17

2) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَة (183)

## الخطبة-91-### حَوْلَ صِفَاتِه تَعَالَى... فِقْرَة 1 - 4:الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ ، وَ الْجُمُودُ، وَلَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ، وَالْجُودُ إِذْكُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصُ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَانِعِ مَذْمُومٌ مَا خَلَاَهُ ، وَهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ ، وَعَوَائِدِ الْمَزِيدِ ، وَ الْقِسَمِ. عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ ، وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ . وَنَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ ، وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ ، وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلُ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ ، وَالآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ. وَالرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ ، أَوْ تُدْرِكَهُ . مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ ، وَلاَ كَانَ فِي مَكَانِ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الاِنْتِقَالُ ، وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَقَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِإِنَّ اللَّجَيْنِ ، وَ الْعِقْيَانِ ، وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ ، وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ ، مَا أَثَرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ ، وَلا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ ، وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ لأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لا يَغِيضُهُ سُؤال السَّائِلِينَ ، وَلَا يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ.فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَانْتَمَّ بِهِ ، وَ اسْتَضِى بِنُورِ

هِدَايَتِهِ ، وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَلَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم، وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْكَ ). وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ ، فَمَدَحَ اللهُ تَعَالَى أَعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً . وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفُهُمُ الْبَحْتَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً . فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرٍ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ .)### اللُّغة:لا يَفِرُهُ : لا يُزِيده . والمراد بِالجُمُودُ هُنا شِدّة البُخْلُ . وَلا يُكْدِيهِ : لا يُنقصه بدليل قوله بلا فاصل: «إِذْكُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ». وأَناسِيَّ الْأَبْصَارِ : جمع إِنْسَانِ الْبَصَر ، وهو في وسط حَدَقَةُ الْعَيْن . والفِلِز : الجوهر النّفيس : اللُّجَيْنِ : الفِضَّة الخالصة . والْعِقْيَانِ : الذَّهب الخالص .### الْإِعْرَاب:مَا خَلَاَ «ما» هُنا زَائِدَةَ لأَنَّ مَعْنَى «مَا خَلَاَهُ» غَيْره . أي كُلُّ مَانِعِ مَذْمُومٌ غَيْرُ الله ، وقيل : هي مَصْدَرِيَّة ، اسم لَيْسَ ضمير مستتر، والباء في بِأَجْوَدَ زَائِدَة ، وَأَجْوَد خَبَر لَيْسَ ، والمجرورات كلّها مُتَعَلِّقه بِأَجْوَدَ ، والتَّقدير هو أَجْوَدَ مِنهُ إلخ ، والأَوَّلُ خبر لمبتدأ مَحْذُوف أي هو الأَوَّلُ ، وأَناسِي مَفْعُول الرَّادِعُ ، والْمَصْدَر من أَنْ تَنَالَهُ مُتَعَلِّق بالرادع ومَا أَثّرَ ذَلِكَ جواب «لَوْ» وَمَا كَلَّفَ «ما» اسم مَوْصُول مُبْتَدَا،

وجُمْلَة فَكِلْ عِلْمَهُ خَبَر ، والْإِقْرَارُ فَاعِل أَغْنَاهُمْ ، وعِلْماً تمييز محوّل عن فَاعِل والأصل لم يحط به علمهم ، ورُسُوخاً مَفْعُول ثانٍ لسَمَّى .### الْمَعْنى:روي أنّ سائلاً سأل الإمام أنْ يصف له الله كأنه يراه ، فصعد المنبر ، وألقى هذه الخُطْبَةُ الّتي تسمى بِخُطْبَة الأشباح أي الأشخاص، لأن فيها ذكر الأشخاص والملائكة ، وقد أفتتحها بقَوْله : (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لاَ يَفِرُهُ الْمَنْعُ ، وَالْجُمُودُ ، وَلا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ ، وَالْجُودُ . وفي بَعْض حكمه : «وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَهُ ، وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ »(1). ويصدق هَذَا في حق من يعجز عن شيء، ويقدر على شيء بأسبابه ، ومقدماته ، أما موجود الأَشْيَاء من لا شيء فَهُوَ هو ، أَمسك، أو أنفق (إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصُ سِوَاهُ ) لأن سواه يُنفق يما هو موجود بالفِعْل ، والذي جمعه شَيْئَاً فشَيْئَاً، أما الواحد الأحد فإنَّه يَقُولُ للشَّيء كُن فَيَكُونُ (وَكُلُّ مَانِعِ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ) لأن الله سُبْحَانَهُ لا يمنع خَوْفاً من الْفَقْر ، ولا يدخر لوقت الحاجة كما هو الشأن في غَيْره .)(وَهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ . كَثِير الأَنْعَام ، والإفضال على من سأله ، ومن لَم یسأله (وَعَوَائِدِ الْمَزِيدِ ، وَ الْقِسَمِ ) . والعَوَائِد هنا من العود ، قَالَ الإمام مخاطباً ربه : فإن عدتُ فعد عليّ بالمَغْفِرَة، وَالْقِسَمِ من قسم الْأَرْزَاقِ ، والمعنى أَنه تَعَالَى يُعطي. ويُعيد الْعَطَاء ، ويُقدر الأرزاق، ويقسمها بَيْنَ الْعِبَاد (عِمَالُهُ الْخَلائِقُ ، ضَمِنَ)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الحكمة (147)

أَرْزَاقَهُمْ ، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِيِينَ إِلَيْهِ ، وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ ، وَلَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ . النَّاسِ عِیال الله لأنّه هو الذي أوجدهم، وأبو العيال يُطعم ، ويكسو .. الخ ... ولَكِنَّهُ يوجه كلّ واحد من أفراد العائلة إلى وظيفته، وعمله، ومن أهمل ، وتكاسل كَانَ مسؤولاً عن نَفْسِه ، والله سُبْحَانَهُ أمر بالْعَمَل ، وبين الطّرِيق الْوَاضِح إِلَيْهِ في العَدِيد من آيات كتابه، وعلى لِسَان رَسُله ومن ذَلِكَ قَوْله : فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ)(1)... وعن الإمام الصادق(علیه السلام) : أرأيت لو أن رجلاً دخل بيته ، وأغلق عَلَيْهِ بابه أَكَانَ يسقط عَلَيْهِ شيء من الْسَّماَء ؟ (الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ فَيَكُونَ شَيْءٍ قَبْلَهُ ، وَالآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ ) . أي هو أَوَّلَ بلا أبتداء ، وآخر بلا أنتهاء، وإِلَيْهِ تَنْتَهِي جَمِيعِ الْأَسْبَابِ الممكنة ، والْغَايَاتُ الجزئية ، وإلا يقي كلّ شيء في طي القدم (وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ ، أَوْ تُدْرِكَهُ ) . وَالرَّادِعُ هُنا كناية عن الذات القُدسية لا تُدرك بحال . وأنّ العُقُول تعلم بوجوده عن طريق الخلق ، والآثار (مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرُ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ ) . حَيْث لا قِبلَ لهُ، وَلاَ بعد، ويؤثر ، وَلاَ يتأثر ، فمن أين يَأْتِه الْأَوْضَاع ، والأَحْوَال.

(وَ لا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الاِنْتِقَالُ )، حَيْث كَانَ قبل الزَّمَان ، والمكان ، وتستوي لديه جميع الأمكنة، فكيف يوصف بالانتقال ن مكان إلى مَكَان (وَلو وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِنِّ اللَّجَيْنِ ،


1) الجمعَةِ : 10.

وَ الْعِقْيَانِ ، وَنُثَارَةِ الدُّرُ ، وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ ، مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ ، وَلَا أَنْفَدَ سَعَةً مَا عِنْدَهُ ، وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ ) . المَعَادِنُ فِي الجِبَالَ . وبَطن الْأَرْضِ ، وعلى سطحها ، وفي البحار وأعماقها ، والمعنى أنه تَعَالَى لو وَهَبَ كلّ ،غال ، وثمين كَانَ ، ويَكُون في البر والبحر لبقيت خزائنه على ما هي لا ينقصها شيء : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (1). (لأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لاَ يَغِيضُهُ سُوالُ السَّائِلِينَ ، وَلاَ يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ) . نَحْنُ نغضب ، ونضجر عند السُّؤال ، والطَّلب ، وَإِذَا أَلحَ السَّائِل خَرجنا عن الحد، لأن لنا مَعِدَة، ونعمل لنستجيب إلى مطالبها ، لا لنطعم الآخرين ، أما هو سُبْحَانَهُ فإِنَّه الواحد الْغَنِيِّ عن كلّ ما سواه، والرازق كلّ ما عداه .

(فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائتَمَّ بِهِ ، وَ اسْتَضِى بِنُورِ هِدَايَتِهِ ) . وَلا فرق بَيْنَ أَسمائه تَعَالَى ، وَصِفَاته لأَنَّهَا عين ذاته ، وبخاصة أن الاسم مأخوذ من السمة، وهي العلامة، وظاهر كلام الإمام أنّ أَسْمَاء الله ، وَصِفاته وقف على ما جاء في الْقُرْآن الْكَرِيم. وفي رأينا أنّ كلّ كَلِمَة تُليق بجلاله تَعَالَى ، وعَظَمَته يصح إطلاقها عَلَيْهِ ، وإنْ لم يرد النَّص عَلَيْهَا . ومُراد الإمام من قَوْله : «فَما دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ » هو النَّهى عن وصفه ، جَلَّت عَظَمَته ، بما لا يُليق بتنزيهه ، ومكانته .

(وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ ، وَلَا فِي سُنَّةِ النَّبِي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)، وَ أَيْمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْكَ ) . الْمُرَاد بالشَّيْطَان كلِّ مُظل كَائِناً مَن كَان ، ومَا كَان ، والمعنى: على المُؤْمِن أنْ


1) النَّحْلِ : 96.

يعتقد أنّ الله سُبْحَانَهُ يتصف بكل ما جاء في كتاب الله ، وسُنّة نَبِيِّه ، وما عدا ذلِكَ فمن الشَّيْطَان، أو لا يُكلف به الإِنْسَان وَلا يُسأل عنه ، ومن أشتبه عَلَيْهِ شيء من أمر الصَّفَات القُدسية فعليه أنْ يَسكت عمّا سَكَت الله عَنْه ، ورَسُوله ، ويدع ذَلِكَ إِلى الله ، كما قَالَ الرَّسُول الأَعْظَم: دَع مَا يُرِيبكَ إِلى مَا لا يُريبك )(1)، والذي لا ريب فيه هو الوقوف على النَّص ، والذي فِيهِ الرَّيب التَّجاوزُ عَنْه إِلى قَوْل الفلاسفة ، والمتفلسفة بلا مَصْدَر من آيةٍ مُنَزَّلَة ، أو رواية متواترة.

مَنْ هُمْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ؟

(وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ) . كَثُرَ الكَلَام حَوْلَ الْمَرَاد من الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ . فَقَالَ قَوْم : هُم الأَيَّةُ المَعْصُومُون . وَقَالَ الصُّوفية : هم الذين أحاطوا عِلْماً بتَفْسِيرالرموز والإشارات .. وكلام الإمام (علیه السلام) هنا يدل بصراحة على أنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُم الذين يَعْرِفُون، ويُيّرُون بَيْنَ ما يُمكن من العِلْم به ، وبَيْنَ ما لا يُمكن، ويقفون عند هَذَا الْغَيْبِ الخَجُوبِ ، ويَعْتَرِفُون بجهلهم به ، ولا يتكلفون مَعْرِفَتِه ، ويتعسفون، وفي الوقت نفسه يحاولون جهدهم أن يعرفوا ما أنزل الله على نَبِدٌ ومن أَقْوَال الإِمَام(علیه السلام) : «وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ ، وَلَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً فَلا تَتَكَلَّفُوهَا ». ولَيْسَ من شَكٍّ أنه لو كَانَ فِي عِلم المحجوب أدنى منفعة للناس ما حجبه الله عَنْهُمْ ، ومن تكلف ، وتعسف لإدراك هَذَا الخَجُوب - تذهب محاولته لغواً ، وعبثاً .


1) أنظر صحيح البخاري : 724/2 ح 1946 ، صحيح ابن حبان : 498/3 ، 722، صَحِيح ابن خُزَيْه :59/4 ح 2348 مورد الظمآن 1371 ح 512 ، المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 116/1 ح 166 ، سُنن الترمذي : 668/4 ح 2518 ، سنن الدارمي : 319/2 ح 2531.

هُوَ الْقَادِرُ ... فِقْرَة 5 - 8:

هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ ، وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ ، وَتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ ، لِتَجْرِي فِي كَيْفِيَّة صِفَاتِهِ ، وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمٍ ذَاتِهِ ، رَدَعَهَا وَهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ ، مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الاِعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ ، وَلَاَ تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِهِ . الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ أَمْتَثَلَهُ ، وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ ، وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ ، وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ ، وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ ، مَا دَلَّنَا بِأَضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَىٰ مَعْرِفَتِهِ ، فَظَهَرَتِ الْبَدَائِعُ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ ، وَ أَعْلامُ حِكْمَتِهِ ، فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ ، وَ دَلِيلاً عَلَيْهِ ، وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً ، فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ . فَاشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أعْضَاءِ خَلْقِكَ ، وَ تَلاَحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ المحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ ، وَلَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لا نِدَّ لَكَ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّوَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتَّبُو عِينَ إِذْ يَقُولُونَ :(تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينِ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (1)كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ ، وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ ، وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِنَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ ، وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَىٰ ، بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ.


1) الشُّعَرَاء : 97 - 98 .

وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ ، وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرُ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ ، وَ نَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ ، وَ إِنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ ، فَتَكُونَ فِي مَهَبٌ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً ، وَلَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً .

اللُّغَة :

ارْتمى : مُطاوع رَمَى، يُقَال : رَماه فَارْتمى ، والمراد بارْتَمَت هُنا أَسْرَعت . ومُنْقَطَعَ الشيء مُنْتَهَاه . والْفِكْرُ المُبَرَّةُ : الخَالِص من الشوائب . ومَلَكُوت الله : سلطته وسلطانه . وَالوَلَه : الجزع، وذهاب العقل من الوَجد . وَغَمَضَتْ : خَفيّت، والمَدَاخِلُ : جَمع مَدخل : وهو طريق الدخول. وتَجُوبُ : تَقْطَعُ والمَهَاوِي : المُهَالِك . وسُدَفِ - بضم السّين ، وفتح الدّال - جمع سُدْفَة وَهِي الظُّلمة. ومُتَخَلّصَةً : أي هذبها التّمحيص، والتَّخليص . وجُبِهتْ : حُسِبَتْ ، والاِعْتِسَافِ : الاِنْحِرَاف . والرَّوِيَّاتِ : جمع الرَّوِيَّة ، وَهِي التَّأني ، وإعمال الْفِكْر . واحْتَدَىٰ عَلَيْهِ : سَار عَلَى طَريقه ، والمَسَاكِ : ما يُمسك الشيء . والحقاقِ - بكسر الحاء - جمع حق - بضم الحاء أي رأس العظم عند المفصل . والمراد بغَيب الضَّمِيرِ الْعِلْم واليقين . وَنَحَلُوكَ : أعطوك. والمراد بالحليّة هنا .الصَّفَة. وكلّ مَحْدُود يُسمّى مُصَرَّفاً حَيْث تَتَصَرَّف به الْعُقُول حسبما ترى .

الإعراب:

الْمَصْدَر مِنْ أَنْ يَقَعَ مَفْعُول حَاوَلَ ، ورَدَعَهَا جواب إِذَا أَرْتَمتِ ، وَهِيَ تَجُوبُ الواو

للحال ، ومُتَخَلّصَةً حال ثَانِيَة مِن الْعُقُول، ومُعْتَرِفَةً حَال من الضَّمِير المستتر في جُبِهَتْ ، والَّذِي أبْتَدَعَ صفةٌ لجَلالِ عِزَّتِه ، لأن المراد بالجَلاَلِ هُنا الخَالِقِ عَزّ وَجَلّ. ويجوز أنْ يَكُون الَّذِي خَبَراً لمُبْتَدَأَ مَحْذُوف، أي هو الَّذِي ابْتَدَعَ ، وفي أَرَانَا فَاعِل مستتر يعود إِلَيْهِ تَعَالَى، وَ«نَا» مَفْعُول أَوَّل ، ومَا دَلَّنَا معفول ثانِ ، والْمَصْدَر مِن يُقِيمَهَا مُتَعَلّق بالحَاجَةِ ، ولَمْ يَعْقِدْ خَبَر أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ .

الْمَعْنى:

ذكر الإِمَام أَربع جُمل لفعل الشرط مُترادفة المعنى، ومختلفة المبنى، وَهِي :

1-(هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا اَرْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ ) أي أسرعت لِتُدْرِكَ إِلى أي مدى تبلغ قُدْرَة الله سُبْحَانَهُ.

2-(وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ ). تَطَلَع أسمى الْعُقُول ، وأبعدها عن الشَّوائب لتعرف الْغَيْبِ الْعَمِيق من سُلطان الله ، وسُلطته .

3 - (وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ ، لِتَجْرِي فِى كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ ) أي أنّ القُلُوبِ الْمُؤْمِنة ، إذا تحرقت شَوْقاً لمعرفة صِفاته التي هِي عَينُ ذاته .

4 - (وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمٍ ذَاتِهِ ) . خَفِي على الْعُقُول كلّ طريق يؤدي إلى الْعِلْم بذاته تَعَالَى.

(رَدَعَهَا وَهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ ، مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ - سُبْحَانَهُ-) ما رَدَعَهَا جواب إذا وما بعدها من الجمل الأربع التي جاءت أفعالاً للشرط ، والمعنى أن ذاته تَعَالَى يَسْتَحِيل رؤيتها بالعين ، لأن كلاً من العقل، واليس يُدرك المتناهي

والمحدود، والله متعال عن الحصر ، والحدّ (فَرَجَعَتْ) الْعُقُول بَعد المحاولة (إِذْ جُبِهَتْ) خُسِبَتْ (مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الاِعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ ) . الْمُرَاد بِالجَوْرِ هُنا العدول عن الطَّرِيق السَّليم وبالاِعْتِسَافِ سلوك الطَّرِيق الشَّائِكَة التي لا تُؤَدِّي إلى خيرٍ . والمعنى أنّ الْعُقُول بعد أن حاولت مَعْرفَة الذات القدسية، وعَجَزْت عن ذلِكَ أعْتَرفت مُذعِنة بأَنَّهَا كَانَتْ تُحاول الحال ، وتَسْلك طريقاً لا تَنْتَهِي بها إلى شيء (وَلاَ تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلاَلِ عِزَّتِهِ ) . كلّ مَا تَتَصوره الْعُقُول من مَعَانِي الجَلال ، والعظمة فَهُوَ دُونَ عِزَّة الله ، ومكانته .

(الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالِ أَمْتَثَلَهُ ) . أَوجد سُبْحَانَهُ الخَلائِقِ على غَيْرِ مِثَالٍ سَابق ، ومن لا شيء، وبلا هندسة ، وتصميم ، بل بكَلِمَة «كُن» وكفى .

(وَ لا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ ) . مَا كَانَ اللهُ مُقلداً لأحدٍ فِي شَيْء مِن خَلقه ، كَيْفَ وَلَا خَالق إلا هو ؟ (وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ ، وَعَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ ، وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ ، مَا دَلَّنَا بِأَضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ ) . الْمُرَاد بِمَلَكُوتِ القُدْرَة ما أوجده سُبْحَانَهُ بِقُدْرَتِهِ ، وبِآثَارِ الصَّنْعَة ، والحِكْمَة الكَوْن وَمَا فِيهِ مِن بَديع الصنع ، ودقته ، وضَمِير يُقِيمَهَا يعود إلى الخَلْق لأنّه بِمَعْنَى المَخْلُوقَات ، والمعنى إِنَّ هَذِهِ الْكَائِنَات بنظامها ، وسيرها إلى غَايَة مَقْصُودة هي حجّة واضحة لله على من أَنكر ، وعاند . (فَظَهَرَتِ الْبَدَائِعُ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ ، وَ أَعْلَامُ حِكْمَتِهِ ، فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ ، وَ دَلِيلاً عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً ، فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ ) . كلّ نظام مُتناسق ، ومُستمر لا يمكن أن يحدث من غَيْر قصد ، وَإِذَا استحال القصد على الأَسْبَاب الطبيعية القريبة هَذَا النظام فإِنَّه لا بُدَّ لتَفْسِيره من

إثبات قاصد في عالم الْغَيْب، يحمل في ذاته سبب وُجُودِه ، وبقائه ، ويَكُون هو السبب الأَوَّل لسلسلة الأسباب، وإذا لم يُعلن النظام، وأسبابه عن وجود الْقَاصِد المدبر - بلسان المقال، فقد أعلن ذلِكَ ِبلِسَان الحال ، وإِلى هَذَا أشار الإِمَام بقَوْله «وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً » . (فَاشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ ، وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ ، وَلَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ ) . الْمُرَاد بِتَبَايُنِ الْأَعْضَاءِ ، وَتَلَاحُمِ رُؤُوس المفاصل أَعْضَاء الإِنْسَان والحيوان المتباينة، والمتلاحمة ، وقد سترها سُبْحَانَهُ باللحم، وأحياها بالدّم ، وربطها بالعروق لكي تُؤَدِّي وظائفها بيسر وسهوله ، ويحفظها الفَسَاد ، والجفاف ، والمعنى أن مَن شَبّه الله بشيء من خلقه فَهُوَ جَاهل ، لأنّه تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .

(وَكَأَنَّهُ) - أي الَّذِي شَبَّه الله - لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّوَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتَّبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ: (تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِيكُم بِرَبِّ الْعَلَمِينَ )) . المراد بالتَّابِعِينَ المشركون ، وبالمتبوعِينَ الأصنام ... وفي يَوْم الْحِسَابِ ، والجَزَاء يتبرأ أُولَئِكَ هؤلاء ، ويَقُولُونَ كُنا في بحر من الجهالة ، والضلالة إذ عبدنا الأصنام لِيُقَرِّبُونَا من اللهِ زُلْفَ (كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ ) إِلَى غَيْرُكَ (إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ ) التي لا تضر ، وَلَا تَنْفَع وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ . شَبّهوا الله سُبْحَانَهُ بخلقه، وما عناه من شُبهة ، وَلا قصده من أَشار إلَيْهِ، وتوهمه (وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِنَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ ، وَ وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِح عُقُولِهِمْ) للجسم أَعْضَاء ، وأَجْزَاء ، وفيه عناصر ،متعددة ومتناهية ، والله سُبْحَانَهُ مُنَزَّه عن ذَلِكَ.

(وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ ، وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا

تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ ، وَ نَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيْنَاتِكَ ) . مَن نِّسَبٍ إِلى الله شَيْئاً من صفات المخلوق ، أو نَسَبَ إلى المخلوق شَيْئاً من صِفَات الخَالِقِ فَهُوَ كَافر إجماعاً ، وكِتاباً ، وسُنّة : إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفَرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا (1). (وَ إِنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ ، فَتَكُونَ فِي مَهَبٌ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً ، وَلَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً ).... مُكَيَّفاً أي على وضع خاص ، ومُصَرَّفاً أي تتصوره الْعُقُول حَسما تَرى ، والمعنى يَسْتَحِيل على الْعُقُول مَعرفة ذات الله وَكُنْهِهِ حيث لا أوضاع له ، وأحوال ، وَلاً بداية ونهاية، وَلاَ زَمان ومكان، وإذَنْ بأي شيء تحده ؟ ومن أية جهة تتصوره ؟... أبداً لا سبيل إلا الخلق، والآثار الناطقة بمجرد وجود القادر العليم الحكيم .)### قَدَّرَ مَا خَلَقَ فِقْرَة :9 - 12:قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ ، وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ ، وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ ، وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ الاِنْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ ، وَ لَمْ يَسْتَضْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيّ عَلَىٰ إِرَادَتِهِ ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ ؟ الْمُنْشِيُّ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلا رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا ، وَلَا قَرِيحَةٍ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا ، وَلَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورٍ ، وَلَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ ، وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ ، وَ أَجَابَ إِلَىٰ دَعْوَتِهِ ، لَمْ يَعْتَرِضُ دُونَهُ رَيْتُ الْمُبْطِيُّ ، وَلَا أَناةُ الْمُتَلَكِّي ، فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا ، وَنَهَجَ حُدُودَهَا ، وَلَاءَ مَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا ، وَ


1) سُورَةُ سبا: 33

وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائنِهَا ، وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ ، وَالْأَقْدَارِ ، وَ الْغَرَائِزِ ، وَ الْهَيْئَاتِ ، بَدَا يَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا ، وَفَطَرَهَا عَلَىٰ مَا أَرَادَ ، وَ ابْتَدَعَهَا !وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا ، وَ لَاحَمَ صُدُوعَ أَنْفِرَاجِهَا ، وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا، وَذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ ، وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ ، حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا ، وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ ، فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا ، وَ فَتَقَ بَعْدَ الاِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا ، وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ التَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا ، وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ . وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ ، وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا ، وَقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةٌ مِنْ لَيْلِهَا ، وَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا ، وَقَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا ، لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا ، وَلِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا ، ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوْهَا فَلَكَهَا ، وَنَاطَ بِهَا زِينَتَهَا ، مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيُّهَا ، وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا ، وَرَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا ، وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَزْلاَلِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا ، وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا ، وَهُبُوطِهَا ، وَصُعُودِهَا ، وَ نُحُوسِهَا ، وَسُعُودِهَا .### اللُّغَة :لوجْهَتِه - بكسر الواو - لجهَتِهِ ، وغَايَتِهِ ، وَلَمْ يَسْتَصْعِبُ : إنقاد بسهولة والغَرِيزة : الطَّبيعة ، وقَرِيحتها قدرتها على الفهم . والرَّيْتُ : المهل. والْأَناةُ : التَّوْدة مع الرَّوِيَّة . والتَّباطؤ : التَّأخير . والأود : الإعوجاج . ونَهَجَ : عين ، ورَسَم . وبَدَايَا : جمع بديء أي مَصْنُوع ، أو جَمع بَدِيئة أي النَّشأة وأوّل الحَال . وَفَطَرَهَا : خَلَقَها ورَهْوَاتِ : جَمع رَهْوَة للمكان المُرْتَفع وللمُنخفض أيضاً، من الأضداد . والفُرَج -

بضم الفاء وفتح الرّاء - جمع فُرْجَة ، وَهِي المكان الخالي . وَوَشَّجَ - بِتَشدِيد الشّين - شَبك . والْأَزْوَاج : الأَمْثال . والحُرُونَةَ : الصُّعُوبَة والأَشْرَاج : جمع الشَّرَج، وهو المقبض والْعُرْوَة . والاِرْتِنَاقِ : الاِلْتِصَاقِ. قَالَ سُبْحَانَهُ : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ . وصَوَامِتَ : مُغْلَقَة . والرَّصَد والراصد : المراقب . والثَّاقِب : المضيء. والنقاب : جمع نَقَبْ، وهو الطريق في الجبل . وتُمور : تَضْطَرب . وبِأَيْدِهِ - بسكون الياء - بِقُدْرَتِه. والجو الْهَوَاءِ. والْقَضَاء : بَيْنَ الْأَرْضِ ، والسَّماء . والفلك : مدار الكَوْكَب.)### الْإِعْرَاب :فَاعِل يَسْتَصعِبْ ضَمِير مُستتر يعود إلى مَا خَلَقَ، فَكَيْفَ محلها النصب على الحال، والعامل بها مَحْذُوف، وهو من بَاب حَذف الثاني لِدَلَالَة الأَوَّل عَلَيْهِ أي على أية حالٍ يَسْتَصْعِبْ، والمُنْشِئُ خَبَر المبدأ مَحْذُوف أي هو المُنْشِئ ، وأَجْنَاساً نُصب ينزع الخافض ، وقيل : حَال ، وبَدَايَا صفة لأجناس ، أو خَبَر لمبتدأ محذوف أي هي بَدَايَا ، وحُزُونَةً مَفْعُول ذَلَّلَ ، ومحل إذ الجر بإضافة بَعْدَ، وَآيَةً مَفْعُول ثانٍ ومَمْحُوَّةً صفة لآيَةً.### الْمَعْنى:(قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ . أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُوجد الخَلَائِقِ عَلَى وَضْعٍ مُعيَّن ،)

فوُجدت كما أَراد، وعلى أحسن وجه ، وأَكْمَله : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(1). وفي رواية: «إنّ سائلاً قَالَ لِلْإِمَام الرضا(علیه السلام) : ما مَعْنَى قَدَرَ ؟ قَالَ : تَقْدِير الشيء من طوله وعرضه . قَالَ السَّائل : ما مَعْنَى قضى ؟ قَالَ الْإِمَام : إِذا قضى أمضاه ، فذلك الذي لا مَرد له »(2).)(وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ . التَّدْبِيرِ حُسن التَّصَرف ، وَلُطْفَه أَعلى مراتب الْحَسَن ، والمعنى ما من شيء في الكون من صغير، أو كبيرٍ إلا وتشمله عِنَاية الله ، وَلُطْفَه فِي التَّدْبِيرِ ، والسَّير على قانون ثابت ، وحكيم إلى غَايَة مُعينة ، ومَعْنَى هَذَا أَنَّ كُلَّ كَائن جزئياً كَانَ أم كُلياً فَهُوَ مُفتقر إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ تَمَاماً كَما هو مُفتقر إِلَيْهِ فِي أَصل وُجُودِه.)(وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ ، وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ الاِنْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ ، وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيَّ عَلَى إِرَادَتِهِ ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ . كلّ شيء خاضع لمشيئة الله ، وإِرَادَتِهِ ، وَهِي تسير به على نظام ، وإلى غَايَة ، ويَتَجْلى بنظام الكَوَاكِب في بُعد بَعْضها عن بَعْض بنسب مُعيّنة ، وفي مقادِير ضوئها، وحرارتها ، وضغطها .. والكَائِنَات الحية تنتقل من طور إلى طور حسب خطة مرسومة ، وأخيراً إلى المَوْتِ... أما الْغَايَة من ذَلِكَ فَهِيَ فِي الفَلْسَفَة الهندية إبراز عظمة الله في قالب حتى من صور الخليقة ، وَقَالَ جَمَاعَة من عُلَماء الكلام: «إن حَيّ الْمُصْلَحَة تَعود إلى الأَخْلُوقَات بالذات ».(3))


1) الْمُؤْمِنُون : 14 .

2) أنظر ، الكافي : 150/1 ح 1، شرح أصول الكافي : 264/4 ح 1. تفسير نور الثقلين : 3/4 - 9. بحار الأَنْوَار : 122/5 - 68

3) أنظر ، دائرة معارف القرن العشرين : 161/2 ، موسوعة الأديان في العالم، الديانات القديمة: 92 نشر دار کرییس انترناشيونال ترجمة، وأشراف الدكتور جمال بن مذكور.

(الْمُنْشِيُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلاَ رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا ، وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا ، وَلَا تَجْرِبَةِ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ ، وَلا شَرِيكَ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبٍ الْأُمُورِ ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ ، وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ ، لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْتُ الْمُبْطِنِ ، وَلَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّي . كما أنّ ذاته تَعَالَى بِما هي - سبب كافٍ لوجودها فَهِيَ أيضاً سبب تام للفيض ، والإيجاد ، يُريد سُبْحَانَهُ فيوجد المُرَاد بلا توسط شيء على الإطلاق ، سواء أَكَانَ الشَّيء من نَوْع الْفِكْر ، والقَرِيحَة أَم من نَوْعِ التَّجْرِبَة ، والصنع ، أم غَيْر ذَلِكَ ... كَيْفَ ؟ وهل يَسْتَعِين بشيء من يخلق الأَشْيَاء من لا شيء ؟ . (فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا ، وَ نَهَجَ حُدُودَهَا ) . أَنشأَ سُبْحَانَهُ الموجُودَات كاملة ، وعلى مقتضى الحكمة من جلب المُنافِع للخلق ، ودفع المفاسد عَنْهُمْ .)(وَلاءَ مَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا كالتلاؤم بَيْنَ النّفس، والبدن ، وتأثير كلّ منهما في الآخر على ما بينهما من التَّباعد ، والتَّفاوت طبيعةً ، وآثاراً ، بل لاءَمَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الحب ، والبغض ، والرَّأفة، والقسوة ، والحزن، والفرح بالنظر إلى أنها صفات لموصوف واحد (وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا ) . القَرَائِن جَمع قَرِين، ويُطلق على النفس، والعشير ، والمقارن ، وَقَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه ، وغَيْرِه: «إِنَّ الْمُرَاد بِالقَرَائِن هنا النّفوس ، وَهِي من عالم النُّور ، وقد وصل سُبْحَانَهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَبْدَانِ الَّتِي هِي من عالم الظلمة »(1)... والَّذي نَراه أن المراد بها الأشباه والنظائر ، والمعنى أنّه ، جَنَّت قُدْرَنِهِ ، هو الَّذي أوجد المقارنة ، والمشابهة بَيْنَ الْأَشْيَاء ، كما أوجد الملاءمة بَيْنَ الأضداد في جهةٍ من الجهات.)


1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 166/1 .

(وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ ، وَ الْأَقْدَارِ ، وَالْغَرَائِزِ، وَالْهَيْتَاتِ . لا عَد ، ولا حصر للكَائِنَات ما انقرض مِنْهَا ، وما بقي، وَهِي على أَجناس ، وأَنْوَاع وكلّ جنس يختلف عن غَيْره شكلاً ، وَطَبيعةً ، وعُمراً ، وحَيَاةً ، وحركةً ، وسكوناً ، ونوراً ، وظلاماً (بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا ) . أنّه تَعَالَى يَخلق النَّواة ، والْبَيْضَة ، والتَّطفة ، ومن النُّطفة يوجد الحَيَوَان ، ومن البَيْضَة يوجد الطير ، ومن النواة يوجد الشَّجَرَة ، توجد هذه ، وغَيْرها على أكمل وجه ، وأَبدع ما يَنْبَغِي أَنْ تَكُون، ثم يدها سُبْحَانَهُ بِعَونه حَتَّى تُؤَدِّي الْغَايَةِ المطلوبة (وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ ، وَابْتَدَعَهَا ) . أَراد وجودها فوجدت كما قدر ، وأَراد ، وعلى غَيْرِ مِثَالٍ سَابق .)وبعد أن ذكر الإِمَام(علیه السلام خَلق الكائنات على سبيل العُموم ، والإجمال أَشار إلى خَلق السَّمَاوَات بقَوْله : (وَ نَظَمَ بِلا تَعْلِيقِ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا ) . الكَوَاكِب قَائِمة في الجَوِّ بلا دَعَائِم وتعليق ، وهى منظمة تنظيماً محكماً ، وكلّ واحد منها عبد لوظيفته ومسخر المهمة خاصة ، وما من شك أن السبب المباشر لِذلِك هو قَوَانِين الطَّبيعة ، ولكن من أوجد هذه القوانين وأناط بها سَير الكَوَاكِب ، واستمرارها في تأدية الوظيفة ؟ وَلاَ مَناص أبَداً من الْقَوْل : إنّ سلسلة الأَسْبَاب مَهما تعددت حلقاتها فإِنَّهَا تَنتهي لا تخالَةَ إلى المبدأ الأَوَّل الذي لا سبب له وإلا بقي كل شيء في طي العدم . (وَلاَحَمَ صُدُوعَ أَنْفِرَاجِهَا ، أَي أَلصق أجزاء الجرم الواحد بَعْضهَا بِبَعْض .)(وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا . أي جعل بَيْنَ الكَوَاكِب المتشابه تجاذباً ، وتماسكاً على بَيْنَهَا من البعد (وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ ، وَالصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ ، حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا ) . قَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه : «الْمُرَاد بِالهَابِطِينَ والصَّاعِدِينَ لأَرْوَاحٍ)

العلوية ، والسُّفلية »(1، وَقَالَ غَيْره : «الْمُرَاد بِهِمْ الْمَلَائِكَة »(2). ومهما يَكُن فإنّ الرِّوَايَات عن أَهْلَ البَيْت (علیهم السلام)تقول : «إنّ الكَوَاكِب السماوية مأهولة بالسُّكان حتى الشمس ، وسنشير إلى بَعْضهَا ، وَإِذَا تَعذر علينا نَحْنُ الآدميين أنْ نحيا هناك فَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أن الحياة - بشَى أَنْوَاعها - مُستحيلة على الكَوَاكِب ، فإن الأجسام والأَرْوَاح تَتَكَيف بحسب الظروف، والبيئات، كالسّمك يحيا في الماء ، والبَطّ فِيهِ و في البر، وبغض الكائنات الحية في الفضاء، وأُخرى في آبار النفط، ومن الحيوانات، والحشرات ، والطَّيور ما يعيش في منطقة من الْأَرْضِ دُونَ أُخرى »(3).( نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانُ ، فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا ) . ويشير بِهَذَا إِلَى مَادَّة الكَوَاكِب ، وأَنَّهَا كَانَتْ في البدء أشبه بالدخان ، أو البخار ، وفي الآية : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين)(4). ويقرب من هَذَا قَوْل بَعْض عُلَماء الطَّبِيعَة : إِن أَصل الكَوْن مَادَّة لطيفة كَانَتْ فِي الْقَضَاء ، وأسموها بالأَثير تارة ، وبالشديم أُخرى أي الضباب الرقيق(5). وسبق الكلام عن ذَلِكَ في شرح الخُطْبَة الأُولَى . وقَوْله : «فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا » ، معناه أن أجزاء الكوكب التصق بَعْضَهَا بِبَعْض ، وتماسك تماماً كما تمسك عُرْوَة الإبريق بيدك .)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 166/1 .

2) أنظر ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 420/6.

3) أنظر ، تفسير الميزان : 349/10 ، بحار الأنوار : 117/58.

4) فُصِّلَتْ : 11.

5) أنظر ، الْقُرْآن وإعجازه العلمي مُحمد إِسْمَاعِيلَ إِبْرَاهِيم : 59 - 61.

(و فتق بَعْدَ الاِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا . يُشير إلى الآية: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا )(1). فَتَقَ سُبْحَانَهُ السَّمَاء بِالْمَطَرِ ، والْأَرْضِ بالنَّبَات ، وينابيع الماء والنفط (وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ التَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا ) . قَالَ الشَّيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «كون الرَّصَد من الشُّهُبِ في أصل تكوين الخلقة كما قَالَ الْإِمَام - دَلِيل على ما أثبته العِلْم من أنّ الشُّهب مُغذيات لبعض أجرام الكَوَاكِب بِمَا نَظمه لها من التَّفَاتق ، فما نَقَبَ ، وخَرَق من جُرم عوض بالشهاب، وذلِكَ أمر آخر غير ما جاء في الْكِتَاب العزيز» (2).)(وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ أي بِقُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ خَلَقَ فِي الكَوَاكِب خَصَائِص ثابتة، وبواسطتها يَدُور الكوكب في فلكه ، ولا يتجاوز الحد المقرر له ، ولَوْلاً ذَلِكَ لاضْطَرَب، وأنْهَارَ . وفي الآيَةِ أَطلق سُبْحَانَهُ كَلِمَة أَيْدِينَا عَلَى الْأَسْبَاب الكَوْنِية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَمَا فَهُمْ لَهَا ملِكُونَ )(3). (وَ أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةٌ لِأمْرِهِ ) . كناية عن كَمال قُدْرَتِهِ ، ووقوع . مُراده (وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا ) . إِشَارَة إِلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْتَهُ تَفْصِيلاً) (4)أي نَيْرة تكشف كلّ شيء للأبصار (وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا ) يُمحى ضوء الْقَمَر في الطرف)


1) الأنبياء: 30 .

2) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 197/1.

3) سُورَةُ يَس: 71

4) الإسراء : 12 .

الأَوَّل والأخير من ليالي الشهر .(وَ أَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا ، وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا . ضَمير التثنية يعود إلى الشمس، والْقَمَرِ ، وهو أقرب الأَجْرَامِ السّماوية إلى الْأَرْضِ.)وتقطع الشمس فلكها أي مدارها في سَنَة ، والْقَمَر في شهر كانا كَذَلِكَ منذُ مَلايين السِّنين ، ويَبقيان عَلَيْهِ إِلى مَا شَاء الله ، وإِنْ دَل هَذَا الضّبط على شيء فإنما يدل على القصد والتّصميم اليُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِهِمَا ، وَلِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَالْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا . الشَّمس تعرّفنا بالْيَوْم ، والْقَمَر بالشهر ، ومتى عرفنا السَّنة ، وتَكَلَّمنا عن ذَلِكَ بنحو من التفصيل (1).)(ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا . الْمُرَاد بالتَّعليق هُنا جَذب الكَوَاكِب بَعْضها البعض، وبالجوّ الْهَوَاء، والْفَضَاء ما بَيْنَ الْأَرْضِ ، والسَّماء ، وبالفلك المدار ، والمَعْنى أنّ الله سُبْحَانَهُ وضع كلّ كوكب في مكانه اللائق به ، وبحركاته ليؤدي الغرض المسخر له (وَ نَاطَبِهَا زِينَتَهَا ، مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيهَا ، وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا ) . الْمُرَاد بِخَفِيَّاتِ الدَّرَارِي النُّجُومُ الصّغار ، وبالكَوَاكِب الكَبيرة المضيئة. ومن هَذِه ، وتِلْكَ يَكون النُّور ، والجمال (وَرَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا ) . لعلّه كِنايةٌ أن سكان الْأَرْضِ لا يَعْرِفُون شَيْئَاً عن سكان الكَوَاكِب الأخرى، كما أَنْ هَؤُلاء لا يَعْرِفُون شَيْئَاً عن سكان الأَرْضِ ، فقد نقل عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قَالَ: «مِن وَرَاءِ لأنّه تمسكم هَذِهِ أَرْبَعُون شمساً ، ما بَيْنَ شمس إلى شمس أَرْبَعُون عاماً فيها خلق كَثِير ، ومن وَرَاءِ قركم هَذَا أَرْبَعُون قرأ ما بَيْنَ الْقَمَرِ إِلَى الْقَمَرَ أَرْبَعُون عاماً فيها خلق)


1) أنظر . «التَّفْسِير الكاشف»: 39/4 عند تفسير الآية (36) من سُورَة التَّوْبَة .

كثير لا يدرون أن الله خلق آدَمَ أم لم يخلقه »(1، بل فِي الْقُرْآنِ مَا يُومىء إلى ذَلِكَ.)قَالَ سُبْحَانَهُ: «وَمِنْ ءايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ(2)أي في السَّماَوَات ، والْأَرْضِ .)(وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَاَلِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا ، وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا . المراد بالإذلالِ الطَّرِيق ، وبالسَائِرِ مَا يَدُور حول كَوكَب آخر . والمعنى أَنّ الكَوَاكِب - بشَتَّى أَنْوَاعها - تسير على هدى من الله حيث ربطها سُبْحَانَهُ برابط وثيق من سُنن الكَوْن ، ونظامه (وَ هُبُوطِهَا ، وَصُعُودِهَا) في رؤية العَيْن لا في الواقع كقولنا : أَشرقت الشَّمس ، وَنَزلتْ فى البحر (وَ نُحُوسِهَا) حَيْث يسقط مِنْهَا بَعْض النيازك أحياناً على الْأَرْضِ ، وَتَحدث بَعْض الأضرَار (وَ سُعُودِهَا) بِمَا لَهَا من الفوائد كالضوء ، ونَحْوَه ، وقد تَقَدَّم «أنّ الْإِمَام(علیه السلام) نَهى عن التنبؤ بالنّحوس ، والسعود عن طريق النُّجُومُ» (3).)### خَلائِق مَعْصُومُون فِقْرَة 13 - 16:ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ ، وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ ، خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلائِكَتِهِ ، وَ مَلأ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا ، وَحَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا ، وَبَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ ، وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ ،


1) أنظر ، بصائر الدرجات: 513 ح 9 مختصر بصائر الدرجات : 12. بحار الأنوار : 45/27 - 6 . مُسْتَدرك سفينة البحار : 49/6 ، تفسير البرهان : 221/2

2) الشورَى : 29

3) أنظر ، شرح الخُطْبَةُ .(79)

وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ ، وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيعِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبْحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا ، فَتَقِفُ خَاسِئةً عَلَى حُدُودِهَا . وَأَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ ، وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ ، (أُولِي أَجْنِحَةٍ (1)تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ ، لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ ، وَلَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا أَنْفَرَدَ بِهِ ، (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (2)جَعَلَهُمُ اللهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الأمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ ، وَحَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ ، وَ نَهْيِهِ ، وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ ، فَمَا مِنْهُمْ زَائِعٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ ، وَأَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ ، وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ ، وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إِلَى تَمَاجِيدِهِ ، وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَام تَوْحِيدِهِ . لَمْ تُنْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الآثَامِ ، وَلَمْ تَرْتَحِلُهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي ، وَ الْأَيَّامِ ، وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُولُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ ، وَلَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُّونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ ، وَلَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، وَلَا سَلَبَتْهُم الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ ، وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ ، وَهَيْبَةِ جَلَالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ، وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ . وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ ، وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ ، وَ فِي قَتْرَةِ الظُّلامِ الْأَيْهَمِ ، وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى ، فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضِ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ ، وَتَحْتَهَا رِيحٌ هَفَافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ اَنْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ ، قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ ، وَ وَصَلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ ، وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ ، وَقَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ .)


1) فاطر: 1.

2) الأنبياء: 26 - 27

### اللُّغة:العِمَارَةِ : الأهلة بالسّكان، من عمر المنزل بأهله والصَّفيح : السَّماء. والملكُوتِ: السُّطان . والْفُرُوجِ : جمع فُرُج، وهو الفُراغ بَيْنَ شيئين . والفِجَاجِ : فَجَ الطَّرِي- الواسع الْوَاضِحَ بَيْنَ جَبَلِين . والزَّجَلُ : رَفع الصَّوْت . وحَظَائِرِ الْقُدُسِ : أَمكنة الطُّهر من الرّجس، وحَظِيرَة الْقُدُسِ الجَنَّة. وسُتُرَاتِ مِنْ السِّتر . السُّرَادِقَاتِ: جَمع تُمد فوق صحن الدار . والرَّجِيج : الاِضْطِرَاب . وتَسْتَكْ تصم. والمراد بسُبْحَاتُ النُّور هُنا طَبَقَاته. والإِخْبَاتِ : الخشوع ، والتّواضع. والسَّكينة : الوقار، والطُّمَأْنِينَة ، وذللاً: سهلة هيئة وتَمَاجِيدِ : جَمع تَمجِيدِ. والمُؤصِرَاتُ : المُثقلات . وَلَمْ تَرْتَحِلُهُمْ: لَمْ يُشد عَلَيْهِمْ الرَّحل للركوب كما يُشد على البَعِير . وعُقَبُ : من تَعاقب اللَّيْل ، والنَّهار . ومَعَاقِدِ اليَقِينِ : إبرامه ، وأَحْكامه ضد الحل. والإِحَنِ الصَّغائن ، والأحقاد والمراد بِما مَا لاق ما نَبَت وَتَقْتَرعَ : مِن القرعة . والرَيْن: الدَّنس . والدُّلَّح : جمع دَالّح أي التقيل بالماء من السَّحَاب . والشُّمَّخ : جمع الشَّامخ . والْمُرَاد بالقَتْرَةِ هُنا الخفاء . والأَيْهم: الأسود، أو الأعجم. وتُخُومَ الْأَرْضِ حدودها. وكَرَايَاتٍ : الكاف للتّشبيه ، ورَايَات جَمع رَايَة . وهَفَّافَةٌ : طَيِّبَة سَاكنة . والْوَلَهِ : شِدة الحُزْن والوَجد .### الإعراب:وَبَيْنَ فَجَوَاتِ خَبَر مُقَدَّم، وَزَجل مُبْتَدَا مُؤَخَّر ، وَرَاءَ ذَلِكَ خَبَر مُقَدَّم، وسُبُحاتُ مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، وفي تقف ضمير يعود إلى الْأَبْصَارِ ، وحاسنة حال مِنْهُ . وأُولِي أَجْنِحَةٍ حَال من مَفْعُول أَنْشَأَهُمْ ، و «فِيَما» خَبَرَ مُقَدَّم ، وهُنَالِكَ مُبْتَدَا مُؤَخَّر،

وتَوَاضَعَ مَفْعُول تَانِ لأَشْعَرَ ، ومَنَاراً أي علامة ، أو أدِلَّة، ومن أجل هذا وصفها بواضحة ، وما لاق «مَا» اسم مَوْصُول مَفْعُول سَلَبَتْهُم ، فَتَفْتَرعَ منصوب بأن مضمرة بعد الفاء .### الْغَيْب:تَكَلَّمَ الْإِمَام (علیه السلامهنا ، وفي المقطع الآتي عن الملاَئِكَة . وَلا شك أنّ الحَدِيث عَنْهُمْ وعن الجنِّ حَدِيث عن الغيب، وأيضاً لا شك أن الإيمان بالْغَيْب ينبع من الْقَلْب ، ولا يمكن إقامة الدَّلِيل عَلَيْهِ من الحِس سَلباً ، وَلَا إِيجَابًا، أما الْعَقْل فإِنَّه لا يأبى الْغَيْب ما دام مُمكناً في ذاته ، وإن أمتنع عرفاً ، وعادةً (وَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)(1)وَلَا يَضُرّ الحَقِّ شَيْئاً ... ونَحْنُ مَع كتاب الله الَّذي أعتبر الإيمان بالْغَيْب شرطاً أساسياً في الدِّين، وقُوَّة في الْيَقِين ، والثّقة بالله تتحكم في عواطف الإنسان، ومشاعره. وفي كثير من أَقْوَاله وأفعاله . ومن البديهة أنّ الإِمَام خاطب بكلامه هَذَا الذين يُؤْمِنُون بالْغَيْب ، أمّا مَنْ كَفَرَ ، وَجَحَد فقد خاطبه بمنطق الْحِسٌ ، والْعَقْل في الكَثِير من خُطْبِهِ ، ومواقفه .)### الْمَعْنى:(ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ ، وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ ، خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ . يُدل ظاهر هَذَا الكلام أنّ فى السَّمَاء مَلَائِكَة تسكن فِي بَعْض)


1) الروم : 44 .

الكَوَاكِب ، وَهَذَا هو مَذْهَب أَهْل البَيْت (علیهم السلامفقد روى عَنْهُمْ الشَّهـ کتاب (الهيئة والإِسْلام): «إنّ اللّه سُبْحَانَهُ خَلقِ أَلف ألف عالم ، وأَلف وإن سكان هَذِهِ الْأَرْضِ هو آخر الآدميين»(1). وفي روايةٍ ثَانِيَة : «إنّ أُ مَا عَصوا الله طَرفة عين قطّ ، وَلاَ عَرفوا آدَمَ ، وولد آدَمَ» (2). وفي ثالثة أَكْثَر من عدد الحِينُ ، والإِنْسِ .)(وَ مَلأبِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا ، وَحَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا . هَذَا كناية عن الْمَلَائِكَةِ وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ) يُرفعون بالتّسبيح ، والتَّحميد (فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ ) وَهِي أَماكن ما عصي الله للجَنَّةَ : حَظِيرَة الْقُدُسِ وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ ( بَيْنَ الْمَلَائِكَة ، وغيرهم من سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ ) حَيْث لا كُفْر ، وَلاَ مَعْصِيَة، وَلاَ ظُلم ، وهوان ، وَلاَ فَق ولا مرض ، وفَساد (وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيج الَّذِي تَسْتَكُ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبُ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا ، فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا ) . أي دُونَ ألما يخطف الأبصار ، وهو كناية أن الآدميين لا يرون الملائكة، ومن أدء أحدَهم فَهُوَ من الكَاذِبَيْنَ إلا من أرتضى سُبْحَانَهُ من رَسُول .)(وَ أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ سواداً ، وبياضاً ، ونُسوراً ، وآساد)


1) أنظر ، علم الهيئة والإسلام : 154 ( مِنْهُ قدّس سرّه) ، وقَرِيب مِنْهُ في الخصال للشيخ الصدوق 2 الصدوق : 277، بحار الأنوار: 375/8 ح 3 ، تفسير البرهان : 289/3

2) أنظر، المصادر السابقة والكافي : 231/8 ح 300، شرح أصول الكافي : 311/12 315/54 ح 21

هُو أعلم (وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ حجماً ، وَوَزناً (أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ ). إِشَارَة إِلى قَوْله تَعَالَى: (جَاعِلِ الْمَلَائكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(1). . ونسبة التَّسبيح إلى الأجْنِحَة من بَاب : ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (2). (لا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِى الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ ، وَلاَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ ، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِ يَعْمَلُونَ ) . أبداً لا رياء، وَلا افتراء الْكَذِب بأنهم الخَالِقُون الرازقون كما يُنسب إِلَيْهِمْ الجَاهِل ، والمُشرك .. أنّهم خلائق مربوبون، ولأمرِ الله مُمتثلون . (جَعَلَهُمُ اللهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ ، وَحَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ، وَنَهْيِه ) . أختار سُبْحَانَهُ مِنْهُم رُسلاً إلى أَنْبِيَائه كَمَا قَالَ : (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ بَصِيرٌ ) (3). (وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبٍ الشُّبُهَاتِ ) لا يشكون في شيء مما أمر الله به ، ونهى عَنْهُ (فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ ) دائبُون على طَاعَةِ الله (وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ ) وَهِي العِلْم ، والقُدْرَة على الْعَمَل بِما يُرضِيهِ (وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ ) . مهد لهم سَبيل الخضوع له ، والثَّقَة بِه (وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إِلَى تَمَاجِيدِهِ ) . أيضاً فَتَح هم أَبْوَاب تعظيمه ، والثَّناء عَلَيْهِ (وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ ) . أَقام لهم الأدلة الواضحة على وحدانيته ، وعَظَمَته .


1) فاطر: 1.

2) الإسراء : 44 .

3) الحج : 75

(لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الآثَامِ ) . لا سبيل إلى الآثام، والإِجْرَامِ في عَالم المَلائِكَة حيث لا مال ، وسُلطان، ولا أهواء، وشهوات ... لا شيء إلا المناجاة، والصلوات (وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي ، وَ الْأَيَّامِ ) . لا هَرم ، وَلاَ سُقم مهما تعاقبت الدهور ، وكَرت العصور، حيث لا طعام ، وَلا شراب ، وَلاَ جِنس فمن أين تأتي الآلام والْأَسْقَام ؟ وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُولُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ ، (وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُّونُ عَلَىٰ مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ). نوازع الشُّكُوكُ دوافعها ، وعَزِيمَة الْإِيمَانِ الثَّبَات عَلَيْهِ مهما تكن النتائج ، ومَعَاقِدِ الْيَقِين إبرامه ، وإحكامه ، والمغنى أَنَّ إِيمَانِهِمْ بِالله قوي ومتين لا يهزّه ظَنُّ ، وَلاَ رَيبُ (وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ) . لا عداء ، وبغضاء ، بل إخْوَان صِدق ، ومَحَبَّة ، وعلى أي شيء يتباغضُون ؟ على ربح ، أو ميراث ؟ .

(وَ لاَ سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاَقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ ، وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ ، وَ هَيْبَةِ جَلَالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ ، وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ) . هَذَا عَطف تَفْسِير على ما قبله، لأن معناه أنهم ليسوا في حَيْرَة من وجود الله ، وعَظمَته ، ومِن أين تأتي الخَيْرَة ؟ وقُلُوبَهُمْ أصفى من الصفاء، وعُقُولِهِمْ نور وبهاءً وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلْحِ) ، أي أن بَعْض المَلائِكَة في خلقته ك السَّحَاب التقيل بالماء (وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ السُّمَّخِ ، مثل الجبال الشامخة (وَ فِي قَتْرَةِ الظَّلامِ الْأَيْهَم ) أي كاللَّيْل في سَواده .

(وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى ، فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ ، وَتَحْتَهَا رِيحُ هَفَافَةُ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ أَنْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ ) . أي هناك صنف من الملائِكَة مفرط في الطُّوْل، وهُم أَقدام بيض- كالأعلام يمدونها من العُلو ، فتهبط لا يصدها شيء حَتَّى إِذَا بَلغت حدود الْأَرْضِ

التي لا أرض تحتها وقفت الأقدام، ومنعتها من الهبوط ريح ساكنة ... هذا ما دل عَلَيْهِ ظَاهر الكلام ، وقيل : المراد بالأقدام هنا عِلم المَلائِكَة بأقطار الأَرْضِ ونهايتها !... ولا داعي هذا التأويل، وغيره ما دَام العقل لا يرفض الظَّاهِر .

(قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ ) . تَفرغوا للْعِبَادَةِ حَيْث لا زراعة، وَلَا صِناعة ، ولا تجارة ... أبَداً لا شيء إلا الذكر ، فَهُوَ وَحده شغلهم الشاغل (وَ وَصَلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ ، وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ ) . وبِهَذِهِ المَعْرِفَة بالله ، والصلة بَيْنَهُمْ ، وبينه سُبْحَانَهُ - سعادتهم ، سُرُورُهُمْ، وَ نَعِيمُهُمْ (وَقَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلِهِ إِلَيْهِ ) . أنّ إِيمَانِهِمْ بالله ، وإخلاصهم له صرفهم عن كلّ شيء إلا عن التوجه إلى الله لا إله إلا هو.

حَلَاوَة الْمَعْرِفَة... فِقْرَة 17 - 20:

وَلَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ . قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ ، وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ ، وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ ، فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ ، وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَة إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ، وَ لا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ ، وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَلا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلاَلِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ . وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولٍ دُءُوبِهِمْ ، وَ لَمْ تَغِضُ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ ، وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلاَتُ الْسِنَتِهِمْ ، وَلَا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُوَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ، وَ لَمْ تَخْتَلِف فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ ، وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ . وَلَا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلادَةُ الْغَفَلَاتِ ، وَ لَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ . قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمٍ

فَاقَتِهِمْ ، وَيَمَّمُوهُ عِنْدَ أَنْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ ، لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَة عِبَادَتِهِ ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِمُ الاِسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ ، إِلا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ ، وَ مَخَافَتِهِ ، لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ ، فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ ، وَلَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى أَجْتِهَادِهِمْ. لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَىٰ مِنْ أَعْمَالِهِمْ . وَلَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ ، وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ . وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطعِ ، وَلا تَوَلاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ ، وَلَا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيبِ ، وَ لَا أَقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ ، فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْعُ ، وَلَا عُدُولٌ ، وَلَا وَنيَّ ، وَلاَ فُتُورٌ ، وَلَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابِ إِلا وَعَلَيْهِ مَلَكُ سَاجِدٌ ، أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ ، يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً ، وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً .

اللُّغَة:

الْكَأْس الرَّويَّة : المُشْبَعَة . وسُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ : حَبَّتُه . والوَشِيجَةُ : عرق الشَّجَرَة ، وَأصلها . والزُّلْفَةِ : الْقُرْبَة والمَنْزِلَة . والرِبَقَ - بكسر الراء ، وفتح الباء - جمع ربقة ، وَهِي الحلقة من الحبل . والاِسْتِكَانَةُ : الخُشُوع. والدُّءُوب : المداومة والاستمرار . والأَسَلاَتُ : الأطراف. والجُوَارِ : رفع الصَّوْت . والمَناكِبُ : جمع مَنْكِب ، وهو مجتمع رأس الكتف، والعضد . ويَنُوا فَتَروا . وتَشَعَبَهُمْ : فَرَقَتهم . والرِّيبِ : الخَوْف والشك ، وقلق النّفس . وأَخْيَافُ : جمع خَيف - بفتح الخاء - الهبوط والإهاب الجلد والحافِد : السريع

الإعراب:

ذَخِيرَةً مَفْعُول ثانٍ لاتَّخَذُوا ، ولِيَوْمٍ مُتَعَلِّق بِذَخِيرَة، وَبِرَغْبَتِهِمْ مُتَعَلِّقَ بَيَمَّمُوهُ، ويَنُوا منصوب بأن مضمرة بعد الفاء ، ومِثْله فَيُؤْثِرُوا ، وعِلْماً تمييز ، ومِثْله عِظَماً.

الْمَعْنى:

(وَلَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ ) . ضَمِيرِ رَغَبَاتُهُمْ يعود إلى المَلائِكَة ، لأنّ الحديث ما زَالَ عَنْهُمْ ، وضَمِيرِ عِنْدَهُ يَعود إلى تَعَالَى، وَالْمَعْنى أن رَغْبَة المَلائِكَة في ثواب الله أغنتهم عن الرّغبة في ثَوَاب سِوَاهِ (قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ ، وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ ، وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ ، فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ ) . أنّ للعلم، أي علم ، مذاقاً فريداً في طعمه، وحلاوته بخاصَّة العِلْم باللّه، والفهم عَنْه ، وذاق المَلائِكَة طعم هَذَا الْعِلْم، وَحَلاوته، وتمكن في نفوسهم حَتَّى أَصْبَحَ جُزءاً من كيانهم ولا شك أنّ العِلم بِهِ تعالى يبعث على حبه ، والخوف مِنْهُ في آن واحد بالنظر إلى جلاله وأقتداره، وقد جَسّد المَلائِكَة الحُبّ الله ، والخَوْف مِنْهُ بالذكر، والطَّاعَة . (وَلَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ) . أحبوا الله ، وخافوا من أليم عَذَابَه ، ورجوا نعيم ثوابه ، فعبدوه ، وتضر عواله ، وطال أمد تَضَرُّعِهِمْ ، وعِبَادَتهم، ومع هَذَا استمروا على هَذَا الحُبّ ، والخَوْف ، والرَّجَاء ، والتضرع بلا كلل ، وملل (وَلاَ أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الرُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ ) . الْمَلائِكَةِ أَقْرَبِ الخَلَائِقِ إِلَى اللَّهُ تَعَالَى وأشدهم خَوْفاً مِنْهُ، وأكثرهم تضرعاً له، مع أن القُرب يَسْتَدعي رفع الحِجَاب، والتكليف .. وَهَذَا قَد يصح في الخَلائِقِ بَعْضُهُم مَع بَعْض ، أمّا القُرب مِنْهُ عزَّ وجلَّ

فيوجب الرَّهْبَة، والتَّحفظ لجلال هيبته ، وعظيم سطوته (وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ ) . المعجب بعمله يستكثره ، وَلَا يَتزَيد مِنْهُ حَيْث يُرَى فِيهِ و الكفاية ، وزِيَادَة ، والملائِكَة مُنَزَّهُون عن هَذَا النَّقص ، قَالَ الْإِمَام(علیه السلام) : «وَأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ »(1)... سَيِّئَةٌ تَسُوءُكَ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ ) (2).

(وَلا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلاَلِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ ) أي أنّ خضوعهم وتعظيمهم الله ما ترك سبيلاً لتعظيم سواه ، ويَتلخص هذا المعنى بقول الإِمَام في وصف المُتَّقِينَ: عَظُمَ الْخَالِقِ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ »(3)(وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ ) . استمروا على طَاعَة الله وعبادته ، بلا فُتُور وكَسَل (وَ لَمْ تَغِضْ) أَي تَنقص (رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ) . أي فيعدلوا توابه إلى الْيَأْس وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلاتُ أَلْسِنَتِهِمْ) أي أَطْرَافُهَا ، وَهِي لا تَجِفٌ من طول الذكر ، وَلا تَكُف عَنْه (وَ لا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُوارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ ) . لا شغل لهم إلَّا الْعِبَادَة ، ورفع الأصوات بالذكر .

(وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ ) . المقاوِمِ الصّفوف، والمعنى أنهم يقفون للْعِبَادَة وَقْفة رجل واحد ، ويصطفون بمهارة فائقة لا يعلو ، أو ينحرف مَنْكَبٍ مَنْكِبِ عن (وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ) . أمتدت أَعْنَاقُهُمْ فِي طَاعَة الله ، وأمتثال أوامره ، وما أمالوها تقصيراً، أو طلباً للراحة (وَ لَا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلادَةُ الْغَفَلاَتِ ) . لا سُلطان للنسيان ، والذّهول على جدِّهِمْ في الطَّاعَة


1) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (38).

2) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (46).

3) أنظر ، نهج البلاغة : الخطبة (193).

وعِبَادَتهم ، ولا يشكون في عدد الركعات، ولا يسهون عن قول أو فعل (وَلاَ تَنْتَضِلُ ) أي لا تَرمي ( فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ) . لا أثر للأهواء ، والشَّهوات في نشاطهم، وعلو هِمَمِهِمْ .

(قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ) . أدخروا النَّجاتهم يَوْم الْمَعَاد الإخلاص الله ، والْعَمَل عِرْضَاتِه (وَ يَمَّمُوهُ) أي قصدوه عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ ) . توكلوا على الله سُبْحَانَهُ في رَغْبَاتِهِم، أما غيرهم من الخلُوقِينَ فيتوكل بَعْضُهُم على بَعْض (لا يَقْطَعُونَ َأمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ ) . الْمُرَاد بِالْغَايَة هنا النّهَايَة ، والمعنى أنّ الملائِكَة قطعوا شوطاً طويلاً في عِبَادَة الله ، ومَع هَذَا ما بلغوا الْغَايَة من الْعِبَادَةِ، لأنَّ التَّعبد له بما هو أهله لَيْسَ له من حدود تماماً كذاته، وعَظَمته .

(وَلَا يَرْجِعُ بِهِمُ الاِسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ ، إِلا إِلَىٰ مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ ، وَ مَخَافَيْهِ ) . تُطلق كَلِمَة الاِسْتِهْتَارُ على أتباع الهوى ، وعدم المبالاة ، وعلى الولع بالشّيء، وَهَذَا المعنى هو المراد هنا، أي أنّ الخوف ، والرَّجَاء التَّابعين من القلب هما السبب المباشر لعِبَادَة الْمَلائِكَة ، واستمرارهم في طَاعَة الله (لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ ، فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ) . الْمُرَاد بالشَّفَقَةِ هُنا الْخَوْف ، ويَنُوا يفتروا، ويكسلوا، والمعنى أنّ جِدِّهِمْ في طلب مَرْضَاتِه تابع لخوفهم مِنْهُ تَعَالَى، وَهَذَا الخَوْف دائم لا ينقطع فكَذَلِكَ الحِدٌ (وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ ) . اجْتِهَادِهِمْ الْعَمَل الهَين ، والاجتهاد الْعَمَل الصَّعب، والمعنى لا طمع ِللْمَلائِكَة إلا في ثواب الله ، ومَرْضَاتِه ، ومن أجل هَذَا آثروا أَصعب الأَعْمَال

على هينها ، قَالَ الْإِمَام : «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ » (1). أي أَشقها ، وأَحمزها.

(لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ). بل رأوها لا شيء في حق الله (وَ لَوِ أَسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ). يجب أن يَكُون الخَوْف مساوياً للرّجاء ، والتّفاؤل للتشاؤم كي يستمر المكلف في الْعَمَل ، فإِنْ تَغلب أَحدَهُما على الآخر كَانَتْ النتيجة الأهمال، والكسل ، واستكثار الأعمال نتيجة طبيعية لتغلب الرَّجَاء على الخَوْف ، ومن أجل هَذَا تجنبه المَلائِكَة (وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ باسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ) . كما أختلف أَهْلَ الْأرْضِ في الله ، ووحدانيته ، وَصِفاته (وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطعِ ) . قلبهم واحد ، وغَايَتهم وَاحِدَة ( وَلَا تَوَلاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ ). وعلى أي شيء يتحاسدون ؟ . وَلاَ مَعِدَة لهم وَلاَ غَرائز جنسية، وَلاَ عمارات، وسيارات ، وبنوك ، وعقارات وخدم ، وحَشم .

(وَ لا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيبِ ) . ما فرّقتهم الشكوك، وسوء الفن بِبَعْضهم البعض (وَ لَا أَقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَم) . إنّ هِمَهم وأهتمامهم واحد ، وهو الجد في طَاعة الله ، وقد بلغوا مِنْهَا أسمى المراتب (فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ ، وَلاَ عُدُولٌ ، وَلاَ وَنيَّ ، وَلاَ فُتُورٌ ) . أنهم على سبيل الله الْوَاضِح لا ينحرفون عَنْه بحال (وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابِ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكَ سَاجِدٌ ، أَوْ سَاعِ حَافِدٌ ) هذا كناية عن كَثْرَة عَدَدهم (يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً ) . كُلما ازدادوا طَاعَةٌ الله ، ازدادوا عِلْمَاً بعَظمَتِه ... أشبه بمن يُمارس مهنة خاصة ، يَزْدَاد بها خبرة


1) انظر ، نهج البلاغة : الحكمة (249).

على طول الزَّمن (وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً ) . من أزداد عِلْماً بالله زاد تعظيماً له ، ما في ذَلِكَ ريب، لأن التَّعظيم يَأْتِي على مقدار الْعِلْم وقَدِيماً قيل «النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهَلُوا »(1).

الْأَرْض... فِقْرَة 21 - 23:

كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجِ مُسْتَفْحِلَةٍ ، وَلُجَحِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ ، تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا ، وَتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا ، وَ تَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا ، فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاَطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا ، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا ، وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً ، إِذْ تَمَعَكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا ، فَأَصْبَحَ بَعْدَ أَصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ ، سَاجِياً مَقْهُوراً ، وَ فِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً . وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ، وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةٍ بَاوِهِ، وَ أَعْتِلائِهِ ، وَشُمُوخِ أَنْفِهِ ، وَ سُمُو غُلَوَائِهِ ، وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ ، فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ ، وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ ، وَثَبَاتِهِ ، فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا ، وَ حَمْلِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ الشُّمَّحَ الْبُذْحَ عَلَى أَكْتَافِهَا ، فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أَنُوفِهَا ، وَفَرَّقَهَا فِي سُهُوبٍ بِيدِهَا ، وَ أَخَادِيدِهَا، وَعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا ، وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمَّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا ، فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيْدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا ، وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا ، وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ ، وَ جَرَاثِيمِهَا ، وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ ، وَ بَيْنَهَا ، وَأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَام مَرَافِقِهَا .


1) هذه المحكمة لِلإِمَام علي ، كما جاء في نهج البلاغة: المحكمة (172).

اللُّغَة:

المراد بكَبَسَ الْأَرْضَ هُنا غَمْسَها بالماء بدَليل السياق ، والمَوْرِ : الاضطراب . ومُسْتَفْحِلَةٍ : هَائِجة . وَاللُّجَجِ : جمع الج - بضم اللام - معظم الماء . وزَاخِرَةٍ : مُمتلئة . وأَوَاذِيُّ : جمع آذي، وهو أعلى الموج ، أو الموج العالي. وَتَصْطَفِقُ : تَهْتَز . والأَنْبَاجِ : جَمع تَبَيَّ ، والْمُرَاد بِه هُنا مُلاقاة الْأَرْضِ للماء. ومُسْتَخْذِياً : مُنْقَاداً وَمَعَكَ الشّيء: دَلَكهُ ، وتَعَكَتْ الدّابة تَمَرَّغت في التُراب . والكَاهِل : أعلى الظُّهْر . والصَّخَب : ارتفاع الصَّوْت . وَسَاجِياً : سَاكِناً . والحكمة - بفتح الحاء ، والكاف ، والميم - ما أحاط بحنكى الفرس من اللجام . والدَّحُو : كالبَيْضَة . والتَّيَّار : الموج الهائج . والتَّخْوَة : الحماسة ، والمروءة ، والفخر . والتأو : الزّهو ، والفخر والشُّمُوخ العُلو. والغُلَوَاءِ - بضم الغين - الغلو ، وتجاوز الحد(1)

وجاء في التّنزيل في موضعين : يَأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) النِّسَاء: 171 ، المائدة: 77 .فالآية تنهى عن تجاوز الحد في المسيح، وتحذر من الخروج عن القصد في الْقَوْل، وجعلت ما أدعته النّصارى فيه غلواً لتعدية الحد. أنظر ، تفسير الكشاف للزمخشري : 584/1 ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر ( 1972م) . وَقَالَ تَعَالَى : (قُلْ يَأْهْلَ الْكِتَبِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ )، الْمَائِدَةِ : 77

وَقَالَ الحرث بن خالد المخرُومِي :

خصانة قلق موشحها *** رود الشباب علا بها عظم

وفي التَّهذيب : قَالَ بَعْضهم : غلوت في الأمر غلواً، وغلانيةً، وغلانيا إذا جاوزت فيه الحد. وأفرطت فِيهِ ، قَالَ الْأَعْشَى : أنشده ابن بري :

أو زد عَلَيْهِ الغلانيا

وفي التّهذيب أيضاً : زادوا فيه النون ، وَقَالَ ذو الرمة :

وذُو الشّن، فاشنأه ، وذُو الود فاجزه *** على وده ، وأزدد عَلَيْهِ الغلانيا

وفي الحَدِيث: «إيَّاكُمْ والغلو في الدين». أنظر ، سُنن النسائي - المناسك : 217 ، المجموع في شرح المهذب للنووي: 171/8، منتهى المطلب للعلامة الحلي: 729/2.

قال ابن منظور: «أيّ : التَّشدّد فِيهِ، ومُجاوزة الحد كالحديث الآخر : إنّ هَذَا الدِّين متين ، فأوغل فِيهِ برفق». أنظر ، المعجم المفهرس لألفاظ الحديث : 558/4 ، لِسَان الْعَرَب مَادَّة غلق. ومُسْنَد أحمد: 1/ 215 ، النسائي في السنن: 24 كتاب الحج : 218 ، باب التقزاط الحصى ، صحيح مُسْلِم : 47 . كتاب العِلْم ح7 «هَلَكَ المتنطعون قالها ثلاثاً».

وقيل : معناه : الْبَحْث عن بواطن الأَشْيَاء، والكشف عن عِللها ، وغوامض متعبّداتها :قَالَ: َومِنْهُ الحديث : «وحامل الْقُرْآن غَيْر الغالي فِيهِ ، ولا الجاني عَنْه» إنّما قَالَ ذَلِكَ ؛ لأنّ من ،آدابه وأخلاقه التى أمر بها : القصد في الأُمور ، وخَير الأُمور أوساطها . وَقَالَ الشاعر:

وأوف ولا تتوف حقك كلّه *** وصافح فلم يستوف قط كريم

ولا تَغلُ في شَيء من الأمور وأقتصد ***كلا طرفي قصد الأُمور ذَمِيمُ

وَقَالَ آخر :

لك بأوساط الأمور فإِنَّها ***نجاة ولا تركب ذلولاً ولا صعبا

فالغلق : هو الارتفاع، والتّجاوز للحدّ، وهو في كلّ شيء بحسبه، إن أستعمل في الأنمان، والأسعار كَانَ بِمَعْنَى زِيَادَة عن حدّها المتعارف ، قَالَ الشاعر :

نغالي اللحم للأضياف نيئاً *** ونُرْخِصُهُ إِذَا نضج القديرُ

ويقال غاليت صداق المرأة أي أغليته . أنظر ، المغني : 391/7، سُنن الدارمي : 141/2 ، سُنن ابن ماجه: 607/1، سنن أبي داود : 467/1 ، وفي رواية صَدُقاتهن أيّ، لا تبالغوا في كثرة الصداق ،سنن أبن 2 ماجه: 2 / باب 63 ح 3029 ، حاشية السندي على النسائي: ح 3340 .

وَأَصل الغَلاء الإرتفاع ، ومُجاوزة القدر في كلّ شيء. راجع التحفة السنية للفيض الكاساني: 3، بلغة الْفَقِيه للسّيد محمد آل بحر العلوم : 208/4.

فإن استعمل في الماء يَكُون مَعْنَى الغلو تجاوزه عن حده قبل الغليان حَتَّى أرتفع، وطمى. وفيه وجه آخر : الغلوّ هو الشّيء الممتنع عادةً وعقلاً، كما قَالَ الشاعر:

وأخفتَ أَهْلَ الشِّرْكِ حَتَّى أَنَّهَا ***لتخافك النطق التي لم تخلق

فهذا الْقَوْل من الشاعر مبالغة وغلوّ ؛ لأنه جعل النطف التي تتكون منها الأجنة في الأصلاب والْأَرْحَامِ تَخَاف سطوة الممدوح، ومثله قول القائل : زيد من الناس يطير في الجو، ويعود إلى الأَرْضِ بدون واسطة ترفعه ، أو تضعه وهو صحيح الجسم.

والغلو ممقوت لا تَخَالَةَ أينما كَانَ، وحيثما كانَ في أي أمرٍ كَانَ ، ولا سيما في الدين، والإفراط والتفريط كلّه سَيِّئَة ، والحَسَنَة بين السيئتين - كما قال مطرف أبن عبد الله - سَيِّئَة . وكما قَالَ الرَّسُول (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم): «لا تغالوا في النِّسَاء فإنما هنّ سقيا الله». أنظر ، الْبَيَان والتَّبيين : 21/2 الإعتقادات : 97 . بحار الأنوار: 344/25

. وَكَعَمَتُهُ : مَنَعَتُه . والكِفَّة : الإمتلاء

1) الغلوّ هو : مُجاوزة الحد، كما في مُختار الصحاح للرازي «مَادَّة غلوّ» الجوهري، الفيومي الراغب .. قَالَ في اللَّسَان : وفي التَّهذيب : قَالَ بَعْضهم : غلوت في الأمر غلواً، وغلانيةٌ إِذا جاوزت فيه الحد، وأفرطت فِيهِ» ، ثم قَالَ أبن منظور : وغلا في الدين، والأمر يغلو غُلوّاً: جاوز حده». أنظر ، لِسَان العرب : 3290. مادة «غلا».

والتُّخْمَة . والنَّزَق : الطَّيش . وَلَبَدَ بالمكان : أَقام فيه . والزَّيَفَانِ : التَّبَخْتر . والأَكْنَافِ : النَّواحي، والأجناب ، والعَرَانِينِ : أَعلى الأَنْف عند ملتقى الحاجبين. والسّهوب : الفلوات الواسعة . والبيد : أَيضاً الفلوات والأخُدُود : الشَّق فِي الْأَرْضِ. والجَلامِيدِ : الصُّخور . والشَّنَاخِيبِ : رُؤُوس الجِبَالِ ، والصَّيَاخِيدِ : الصُّخُور الصُّلبة. وأدِيمهَا : سَطْحها . والخياشيم : منافذ الأنوف إِلَى الرَّأْس . وجَرَاثِيمِهَا : مَا أجتمع مِنْهَا . والمَرَافِق : جَمع مَرفق - بفتح الميم - وهو ما ينتفع به ، ومِنْهُ مَرافق الدَّار.

الإعراب:

زَبَداً مَفْعُول مُطلق لتَرْغُو مِثل قمتُ وقُوفاً ، لأن المراد بالزَّبَد هُنا ما يعلو الماء من

الرّغوة، والخبث ، بدليل قَوْله بلا فاصل: «كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا » ومُسْتَخْزِياً حال من الضَّمِير المستتر في ذل ، وسَاجِياً خَبَر أَصْبَحَ لِأَنَّهَا من أخوات كان ، وَفِي حكَمَةِ الذُّلّ مُنْقَاداً، أي وأَصْبَحَ مُنْقَاداً فِي حَكَمَةِ الذُّل ، ومَدْحُوَّةً حَال من الْأَرْضِ، وفَجَّرَ جَواب «لا» ، ومُتَسَرَّبَةً حَال من ضَمِيرِ تَغَلْغُلِهَا ، ومُتَنَسَّماً حال من الهَوَاءِ .

عِلْم الطَّبِيعَة كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ:

قَالَ عُلَماء الطَّبِيعَة : أنفصلت الأَرْض عن الشَّمس ، ثم انفصل الْقَمَر عَن الْأَرْضِ ، وبعد أنْ صَعَدَ الإِنْسَان إلى الْقَمَرِ ، ودرس العُلَماء تُربته ، وما تحتوي عَلَيْهِ من العناصر قَالُوا : «إنّ الدّراسة الدقيقة ترفض كلّ النَّظريات الشائعة عن الْقَمَرِ . ومِنْهَا انفصاله عن الأَرْضِ ، وَلا تَقبل إلَّا تَفْسِيراً واحداً ، وهو أنّ الْقَمَرَ كَائن مستقل، ومصنوع صنعاً دقيقاً ومحكماً ، وإنّ الذي صنعه قُوَّة خارقة الْعَادَة، ومُذهلة تملك من الطاقات ما لا يملكه أي كائن من الْكَائِنَات»(1). وأيضاً يصدق هَذَا على الْأَرْضِ وإِنَّهَا كائن مُستقل لم ينفصل عن الشمس ... وعلى أية حال فإنّ عُلَماء الطبيعة لم يتفقوا على نظرية وَاحِدَة في أصل الكَوْن، وَلاً في نشوء الشَّمس والْقَمَر ، والْأَرْضِ ، ومن هنا قَالَ اينشتاين: «إنّ العالم الخارجي لا يمكن مَعْرِفَتِه بطرق مباشرة ، وَلا بُدّ من توسط شيء آخر».

وبالتالي فقد أتفق الجميع على أن نتائج البحوث كلّها نسبية، ويمكن أن تتغير مع الزمن ، والتقدم ، لأن منهجها يقوم على مُشاهدة الحواس التي لا يعنيها إلا


1) أنظر التّفْسِير الكاشف : 6 تفسير الآية (27) من سُورَة فُصِّلَتْ (مِنْهُ قدّس سرّه)

الظواهر، وَهِي وَحْدَها مَوْضُوع العلوم الطبيعية، وأعتماداً عَلَيْهَا يُقرر العُلَماء النّتائج التي تبدو لهم ومتابعة الدراسة ، وتطور أجهزتها تظهر لهم نتائج خرى لي النقيض من الأُولَى ، ومَعْنَى هَذَا أنَّ ما يقوله عُلَماء الطَّبِيعَة الآن ، ويسمونه عِلْماً - قد يصبح جَهلاً ، وخَرافة بعد أمد قصير، أو طويل .

ومهما يكن فإنّ الْإِمَام لم يتعرض في هَذِه الخُطْبَةُ لأصل الْأَرْضِ ، وتكوينها ، وإنّما أَشار إلى بَعْض حالاتها بعد خلقها ، ووجودها ، وفِیما يَلي الْبَيَان:

الْمَعْنى:

(كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجِ مُسْتَفْحِلَةٍ ، وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ ) . إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بعد أنْ خَلقِ الْأَرْضِ غَمسها في بحار هائجة مائجة ، وَقَالَ بَعْض الشَّارحِين : المراد بكَبَسَ الأَرْضِ خَلقها ، وتكوينها (1)، وَهَذَا التَّفْسِير خِلاف الظَّاهِرِ ، قَالَ الشيخ مُحَمّد عَبْدَه : «كَانَ حَق التعبير كَبَسَ بها الموج، ولكن الإمام أقام الآلة مقام المَفْعُول »(2). ومُراده بالآلة الأَرْضِ ، وبالمفعول الموج أي أنّ الْأَرْض كَانَتْ موجودة قبل الكبس (تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا ، وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَتْبَاجِهَا ، وَ تَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا) .... تَقَدَّم في فِقْرَة (اللُّغَة ) مَعْنَى الأَوَاذِيُّ، والأَنْبَاجِ ، وَلا شَيء وَرَاءَ معناهما اللُّغوي يَحتاج إلى شرحٍ ، وتَفْسِير .

(فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاَطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا ، وَسَكَنَ هَيْجُ أَرْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا ، وَذَلَّ مُسْتَخْزِياً ، إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا ، فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ


1) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 438/6

2) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 173/1

أَمْوَاجِهِ ، سَاجِياً مَقْهُوراً ، وَ فِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً ... أي إنّ غَمس الْأَرْضِ فِي الْبِحَار ثُمَّ بيسُرٍ ، وسهولة، وأنّ ثَورَة الْبِحَار هدأت ، وهَمدت بعد هَذَا الغَمس . وعبر الإمام عن سكون البحار، وهدوئها بالذل ، والخضوع، والأسر ، والانقياد لأمره تَعَالَى: (وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً) كالبَيْضَة، وفي كُتب اللغة: «مَدْحَى النَّعام : موضع بيضها »(1). ويَقُول أحدث الآراء : «إنْ الْأَرْضَ لَيْست كرة تماماً ، بل هي بيضوية الشكل »(2). ومُراد الإمام أنّ الأرْضَ سَكَنَتْ فِي مُجَةِ الْبِحَار مؤقتاً لا دائماً بدليل قَوْله في خُطبة ثَانِيَة من خُطب النهج : « وَأَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالِ، وَأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ فَوَائِمَ ، وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ »(3). ومن خُطْبَةٍ رواها الشيخ هادي كاشف الغطاء في (المُسْتَدرَك) : «ورَفَعَ السَّماء بِغَيْرِ عَمَدٍ ، وبَسَطَ الْأَرْض على الهْوَاء بِغَيْرِ أَرْكَان»(4).

(وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ يَأْرِهِ ، وَ اعْتِلائِهِ ، وَشُمُوحَ أَنْفِهِ ، وَ سُمُو غُلَوَائِهِ ، وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِفَّةِ جَرْيَتِهِ ، فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ ، وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ ، وَثَبَاتِهِ ، فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا ، وَ حَمْلِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ السُّمَّحَ الْمُذْ عَلَى أَكْتَافِهَا عَاد الإِمَام إِلَى حديث البحر، وإن ثورته هدأت وأستقرت بعملية الكَبْس (فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا ) . أي أخرج سُبْحَانَهُ المَاء يَنَابِيع مِن أَعالِي الْجِبَالِ (وَفَرَّقَهَا فِي سُهُوبٍ بِيدِهَا ، وَأَخَادِيدِهَا ) . بعد أنْ تَفَجَرت الينابيع اتخذ الماء سَبِيله في السهول،


1) أنظر ، لِسَان الْعَرَب : 251/14، مختار الصحاح : 84/1.

2) انظر التبيان للشيخ الطوسي: 102/10، قَريب من هَذَا.

3) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَة (186).

4) أنظر ، الدروع الواقية للسيد ابن طاووس : 92 و 183 ، بخار الْأَنْوَار : 192/97 ، المستدرك: 110/1 .

والسّواقي، والأودية (وَعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلامِيدِهَا ، وَذَوَاتِ لشَّنَاخِيبِ الثُّمَّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا ، فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا ، وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا ، وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُول الْأَرَضِينَ ، وَجَرَاثِيمِهَا ) . تدور الْأَرْض بسُرْعَة مُحددة، وفى أتجاه معين، وعلى نظام ثابت من يوم تكونت إلى ما شاء الله ، وللجبال الراسيات أثرها في هَذَا النظام ، ولَوْلاها لمادت الأرض بأهلها كما قَالَ سُبْحَانَهُ : (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِي أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ (1).

(وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ ، وَبَيْنَهَا ) . يطلق الجو على ما بَيْنَ السَّماء ، والْأَرْضِ ، وعلى ما اتسع بَيْنَ اثْنَيْن ، وَهَذَا هو المراد هنا، والمعنى أنّ الله سُبْحَانَهُ جَعَل الطَّرِيق بَينَ الجِبَالِ فسيحاً واسعاً ، وبدل ظاهر الكلام على أن السعة بَيْنَ الجَو، والجِبَالِ ، وَلاَ يصح هَذَا إلا على سَبِيل المجاز (وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنها ) . والتَّنَسَّم التَّنفس. ومن البداهة أنّه لَوْلاَ الْهَوَاء مَا كَانَ على ظهرها حي من الأحياء ، إِنْسَاناً كَانَ أم نَباتاً ، أم حيواناً (وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَام مَرَافِقِهَا ) . أي أنه سُبْحَانَهُ أَوجد في الْأَرْضِ كُلّ مَا يَحتاج إِلَيْهِ أهلها على كثرتهم ، وتنوعهم ، ولكن مع العرق ، وبَدل المَجهود.

السَّحَابُ تُحْيِي الْمَوَات فِقْرَة 24 - 25:

ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَايِيهَا ، وَلَا تَجِدُ جَدَاوِلُ


1) النَّحْلِ : 15 .

الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا ، حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا ، وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا . أَلْفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ ، وَ تَبَايُنِ فَزَعِهِ ، حَتَّى إِذَا تَمَخَضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ ، وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ ، وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرٍ رَبَابِهِ ، وَ مُتَرَاكِمٍ سَحَابِهِ ، أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً ، قَدْ أَسَفَ هَيْدَبُهُ ، تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ ، وَدُفَعَ شَابِيبِهِ . فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا ، وَ بَعاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا ، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ ، وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ ، فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا ، وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا ، وَحِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا ، وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِأُنَامِ، وَرِزْقاً لِلأَنْعَامِ، وَخَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا ، وَأَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادٌ طُرُقِهَا.

اللُّغَة:

أَرْضِ جُرُزَ : لا تتبت لعدم الماء. والرَّابية : مَا أَرْتَفع من الْأَرْضِ . ولُمع - بضم اللام وفتح الميم - جمع لمعه - بسكون الميم - القطعة من النَّبَات مالت للييس. والقزع : قطع من صغار السَّحَاب . وتَخَضَتْ : تَحَركَت وتهيأت . والجَةٌ : مُعظم الماء . والمُزْنِ : السَّحَاب . والكُفَفِ - بضم الكاف - طرف الشّيء ، وَجَانبه . والوَمِيضُ : اللمعان ، وكَنَهْوَرٍ - على وزن سَفَرْجَل - العظيم من الشحَاب . والرَّبَابِ : السَّحاب الأبيض. وسحاً : صبا . ومُتَدَارِكاً : مُتَلاحِقاً . وأَسَفَّ السَّحَاب ، أو الطَّائر : دَنَا من الْأَرْضِ. والهَيْدَبُ من الرِّجال : العَيُّ ، أو كَثِير الشَّعر . ومن السَّحَاب : المُتدلي . والجَنوب - بفتح الجيم - الرّيح التي تهب من الجهة المقابلة للشمال. وتَمرِيهِ : من أَمرت النّاقَة إِذَا دَرَّ لَبَنُها . ودِرَرَ - بكسر الدال - من دَرَّ اللَّين .

والأَهَاضِيبِ : ما ارتفع من الأَرْض والشَّابِيبِ : ما نزل من المُطَرِ بشدة . والبَرْكَ - بفتح الباء ، وسكون الراء - الصَّدر . والبواني : مَا يَلي الصدر من الأَضلاع . وَبَعَاعَ - يفتح الياء - ثقل السَّحَاب بالماء والأَرْض الهَامِدَة : لا نبات فيها . وزُعُرِ - بضم الزاي - جمع أَزْعَرُ. وَهو مِن الْأَرْضِ مَا لا ينبت ، أو قليل النبات . ورَيْطِ : جمع ريطة ، وهي الملاءة ، أو الثوب . وسُمِطَتْ : من السمط - بكسر السين - الخيط ما دام الخرز منتظماً فِيهِ ، والأَنْوَار : جمع نور - بفتح النّون - الزّهر . والْفِجَاجَ : جَمع فَجّ الطَّرِيق الواسع الْوَاضِح بَيْنَ جَبَلِين. والجَوَادٌ : جَمع جَادّة .

الْإِعْرَابِ:

الَّتِي تَقْصُرُ صِفَة ِللْأَرْضِ ، وأَرْسَلَهُ جَوابِ إِذَا تَمَخَضَتْ ، وسَحاً مَفْعُول مُطلق مبين للنَّوْعِ أَي أَرْسَالاً سَحاً ، وَدَرَّ مَفْعُول تَقْرِيهِ ، وأَخْرَجَ بِهِ جواب فَلَمَّا أَلقت.

الْمَاء:

الحياة باقية ما بقي الماء ، وتذهب بذهابه ، ما في ذَلِكَ رَيْب ، بل هو مَصْدَر الكَوْن و عنصره الوحيد على قَوْل، أو من عناصره، ومقوماته على قول آخر .. ويغطى الماء أَكْثَر من ثلاثة أرباع سطح الأَرْضِ ، ويوجد أيضاً في جوفها ، وفي الجو على هيئة سحاب ، وضباب، وعلى رؤوس الجبال طوال أيَّام السنة ثلجاً ، وجليداً. وأيضاً يتبخر الماء من النبات ، والأشجار. ومن هنا تكثر الأمطار في الأَرْضِ ذات الغابات الكثيفة ، والأشجار الضَّخمة .

الْمَعْنى:

وأشار الْإِمَام بِقَوْله : (ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ

رَوَابِيهَا ، وَلا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا ، حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا ، وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا ) . أَشار إلى أنّ مِيَاهِ الْعُيُونِ، وَالْأَنْهَار لا تصل إلى الأَرْضِ المرتفعة إلا بالمضخات ، ونحوها ، ويتعذر ذلِكَ على أَكْثَر الناس، وبخاصة في العصور الأُولَى، فأنزل سُبْحَانَهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وأخرجت النَّبَات ، والمرات (ألَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ ، وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ ) . جَمع الغَمَام المرتفع فوق الْأَرْضِ بعد أنْ كَانَتْ أجزاؤه شَتّى هُنا وهناك ، ولَوْلاَ هَذَا الجمع ، والتَّأليف ما تمخض الغَمَام عن قطرة ماء .

(حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ ، وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ) حَتَّى تَحرك الماء فِي الغمام ، وأحتك بعضه ببعض، وأضاء البرق في جوانبه (وَلَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ ) أي لَم ينقطع لمعان البرق ( فِي كَنَهْوَرٍ رَبَابِهِ ) في قطع السَّحَاب البيض المتراكمة (أَرْسَلَهُ سَحْاً مُتَدَارِكاً) جواب إِذَا أي بعد أن تراكمت قطع السَّحَاب ، ولمع البَرْق نَزَل المطر علَى الْأَرْضِ (قَدْ أَسَفَ هَيْدَبُهُ) قرب الغَمَام من الْأَرْضِ (تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ ) . تُنزل ريح الجنوب المطر من العام الذي ارتفع فوق الأرض كالأهاضيب أي كالتلال ، والجِبَالِ ، ويُقَال : هَضبت السَّماء أي مطرت .

(وَ دُفَعَ شَابِيبِهِ ) . دفع بضم الدّال جمع دُفْعَة أي دُفقَة من المُطَرِ ، والسُّؤْبُوبُ ما ينزل من المُطَرِ بشدة ، والمعنى أنّ ريح الجنوب تنزل الماء دُفْعَات بِدُفْق ، وقُوَّة (فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا ) أي لما رَمت قطع السَّحَاب بصدرها على الأرض ، ويَرْكَت كالناقة (وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا ) . وألقت قطع وَ السَّحَاب كلّ ما فيها من الماء الذي كَانَتْ تَنوء بثقله ، وحمله (أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ ، وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ ) . لما نَزَل المطر أخرجت الأرض

النَّبَات ، وكَانَتْ من قبل جامِدَةٌ، هَامِدَةً ، وكَذَلِكَ الأَعْشَابِ نَبَنت في الجِبَالِ ولم تكُن من قبل تُنبت إلا القليل.

(فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا ، وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا ، وَحِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا ) . تَنشأ الْأَرْضِ ، وتحيا بالمطر من جديد ، فتتنفس بِالرَّبِيع ، وتُبتَسم بالورود، تصفق بالأوراق ، والأغصان ، وتَتَزين بالأَلْوَانِ والأزاهير ، وَلاً شيء يعكس هذا المعنى كهذه الصورة القُرْآنية : وَتَرَى الْأَرْضَ هَا مِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (1). (وَجَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِلأنام ) أي ما يبلغون به حاجاتهم ، ويشبعون رَغْبَاتِهِم. (وَرِزْقاً لِلأَنْعَامِ) التي هي رزق للأنام : (وَذَلَّلْتَها لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ )(2). (وَخَرَقَ الْفِجَاحَ فِي آفَاقِهَا ) . أي أوجد سُبْحَانَهُ الطُّرق الواسعة الوَاضِحَة بَيْنَ الجِبَالِ (وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادٌ طُرُقِهَا ) . المراد بالمنار هنا العَلاَمَاتُ كالجبال ، والنُّجوم ، ونَحوَها مِمَّا يُهْتَدى به إلى السَّبِيل ، والمعنى أنّه تَعَالَى مَهد السُّبُل للسير، وأقام العلامَاتُ الْوَاضِحَة على هَذِهِ السُّبُل .)### حَوْلَ آدَمَ .. فِقْرَة 26 - 28:فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ (علیه السلام، خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ ، وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ ، وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ ، وَالْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ ، فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ - مُوَافَاةً)


1) الحج:5

2) سورة يس : 72.

لِسَابِقِ عِلْمِهِ - فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَة لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ ، وَلِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ ، مِمَّا يُؤكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ ، وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ ، بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ، وَمُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ ، قَرْنا فَقَرْناً ، حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلّی الله علیه وآله وسلّم - حُجَّتُهُ ، وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ ، وَ نُذُرُه . وَقَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا ، وَ قَلَّلَهَا ، وَقَسَّمَهَا عَلَى الضّيقِ ، وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا ، وَ مَعْسُورِهَا ، وَلِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ ، وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيهَا ، وَ فَقِيرِهَا . ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا ، وَبِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا ، وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا ، وَخَلَقَ الأَجَالَ فَأَطَالَهَا ، وَقَصَّرَهَا ، وَقَدَّمَهَا ، وَأَخَّرَهَا ، وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا ، وَجَعَلَهُ خَالِجاً لأَشْطَانِهَا ، وَقَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا .)### اللغة:جِبِلَّتِهِ : خِلْقَتِهِ . وَرَغَدَ العَيْش : طَابَ وأتسع . والْقَرْنُ : مئة سَنَة، وزمن أُمّة وَاحِدَة، وأمدُ من الزَّمن، والمقطَّعَ : الخَاتِمَة ، ومَقْطَعَ الكَلام موضع الوقوف ، ومَقْطَعَ الْحَقِّ ، ما يقطع به الْبَاطِل . والعَقَابِيلَ : الشَّدَائِد . والفَاقَة : الْفَقْر . والفُرَج : الخلاص من الشِّدَّة. والأَشْطَانِ الحِبال . والمَرَائِر : الحِبال الطويلة المفتولة .### الْإِعْرَاب:خِيرَةً حَال مِن آدَمَ أي خيراً ، أو خيراً وطَيّباً ، ومُوَافَاةً صِفة لَمَفْعُول مُطلق مَحْذُوف أي أَقْدَم على المَعْصِيَة إقداماً مُطابقاً لسابق عِلم الله بأنّ هَذَا الإِقْدَام سيكون من آدم ، وقيل : مُوَافَاةٌ نُصب على المَصْدَريَة ، وقَرْنا نُصب على الظرفية .

والمقطَعَ مَفْعُول بَلَغَ أَي بَلَغَ العُذر المقطع أي النّهَايَة### لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ الإِسْلام، والْعَمَل :(فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَأَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ ، خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ ، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ ، وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ ، وَ أَوْ عَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ ، وَالْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ . بعد أن أشار الإمام (علیه السلام)إلى صفة الملائِكَة ، والأرْض أَشار إلى قِصَّة آدَمَ أبي البشر . وإِنَّهُ الإِنْسَانِ الْأَوَّل من نوعه، وفي حقيقته، أو في عَهْدِه وزَمَانه كما يُومى، قول الْإِمَام : «وَجَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ » . والله سُبْحَانَهُ خَلق آدَمَ من تُراب هذه الأرْضِ أُمّ الدّواهِي ، والمصائب، والموت، والفناء.. ومَع هَذَا أَسكنه في جنّة لا ينقطع نَعِيمُهَا ، وَلا يَطعن مُقيمها.. وتشعر الآية : (وَقَالَ - أي الشَّيْطَان لآدم وحواء - ما نَهَنكُمَا رَبَّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ )(1). تُشعر هذه الآية أن آدم وحواء قد طاب لهما المقام في جنة الخلد ، والنَّعِيم ، وأنهما خافا بوسوسة الشَّيْطَان أن لا يطول مقامهما في الجنَّة، وأن يُطردا ، وأنه لا وسيلة للخُلود، والبقاء إلا أن يأكلا من الشَّجَرَة المحرمة ... مع أن النقيض هو الصحيح ، وأنّ الأكل منها هو سبب الطّرد ، والنَّني ، ولَكِنَّهُما أستجابا لِلشَّيْطَانِ ، وكَانَ مِنْهُمَا مَا كَانَ.)وَقَالَ ماجن ، أو حكيم : أنّ آدَمَ كَانَ يَعلم حق الْعِلْم بأنه لا يُطرد من الجنَّةَ إِلى الأرْضِ إلا إذا أكل من الشَّجَرَة، ومع هَذَا أَقدم ، وأكل عن عمدٍ ، ويقصد أن يُطرد ،


1) الأَعْرَافِ : 20.

ويُنفى إلى الأرض، لأنه مَلَّ حَيَاة الكسل والبطالة مع النَّعِيم ، والخلود ، وآثر عَلَيْهَا ، حَيَاة الجد، والْعَمَل مع الآلام ، والمتاعِب ، لأنّ مُتعة العَمَل ، والإنتاج تفوق كل مُتعة حَتَّى مُتعة الخلود في النَّعِيمِ ، وكفى بالعَمَل مُتعة ، وعظمة إِنَّ الإِنْسَان لا يصل إلى الكمال، ويَسْتَحِيل أن يصل إِلَيْهِ إِلَّا بِالْعَمَل ، وَإِذَا أردنا أنْ تُحدد الإِسْلام بكَلِمَة وَاحِدَة فلا نجد كَلِمَة أجمع ، وأمنع من كَلِمَة «الْعَمَل الصَّالح» ومن أجل هَذَاكررها سُبْحَانَهُ في كتابه العزيز عشرات المرات، وأناط بِهَذَا الْعَمَل سَعَادَة الدُّنْيَا، والآخِرَةِ (1، وبكَلِمَة ثَانِيَة أنّ لِلإسْلام مخطط للعمل الذي خلق الإنسان من أجله. ولا شك في أنّ الإِنْسَان خُلق للخير ، لا للشر ، وللصلاح لا للفساد.)(فَأَقْدَمَ عَلَىٰ مَا نَهَاهُ عَنْهُ - مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ -ما تَعَالَى بِأنْ آدَمَ سَيَأْكُل من الشَّجَرَة برغم النّهى ، والتَّحْذير .)وتَسْأَل : إن علمه تَعَالَى لا يتخلف عن المعلوم تماماً كإرادته التي لا تتخلف عن الْمُرَاد ، وَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ يُعلم مقدماً بأنّ الإِنْسَان سيعصي ، ويخالف الأمر والنهي فمعنى هَذَا أَنْ إِرَادَة الإِنْسَان مغلوبة لعلم الله ، وبالتالي يَكُون الإِنْسَان مسيراً لا مخيراً، وإذَنْ لِماذا الحساب، والعقاب ؟.


1) أنظر ، على سبيل المثال الآية الكريمة: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ ى مُتَشْابِها وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُّطَهَّرَةً وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الْبَقَرَة : 25). والآية: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الْبَقَرَة : 62 و 83 و 277 ، وآل عِمْرَانَ : 57، والنِّسَاء : 57 و 122 و 173 ، والمنائِدَةِ : 9، و 69 و 93 ، الأَعْرَافِ : 42 و 4 و 9 ، هُودٍ : 11 و 22 ، الرَّعْد : 29 ، إِبْرَاهِيم : 23 . الإسراء: 9 ، الْكَهْفِ : : 2 و 30.

### الجَوَاب:فرق كبير بَيْنَ سابق علمه تعالى بسوء اختيار العبد لفعل الشَّر ، وبين سابق عِلمه سُبْحَانَهُ بفعل الشَّرِّ من حيث هو ، وبصرف النظر عن إرَادَةٍ فاعلة، وأختياره له ، فإن العِلْم الأَوَّل مُجرد كشف عن وجود المعلوم في الحال ، أو الإستقبال تماماً كعِلم الأُستاذ بأنّ هذا التلميذ النجيب النشيط مستقبلاً زاهراً، وكعلمك بأن فلاناً الَّذي تعرفه جيداً سيرفض لا تَحَالةَ لوناً معيناً من الطعام متى قدم له. وأما العِلْم الثاني فلَيْسَ كشفاً عن وجود الفِعْل ، بل عِلَّة لوجوده ... وبكلام آخر فرقٌ بَيْنَ قولك : علمت بأنّ زيداً سيسافر غداً ، وبَيْنَ قولك : لما عِلمت بأنّه يُسافر سافر ... وعِلمه تَعَالَى بصدور الفعل من العبد هو من النَّوْعِ الأَوَّل .### الْأَرْض، والإِنْسَان :(فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسلِهِ . الأَرْضِ ذَرَة صَغيرة ، أُلقي بها في خضم الكَوْن ، أما نسبة الإِنْسَان إلى الأرْض فَهِيَ تماماً كنسبتها إِلى الكَوْن العجيب ، ومع هَذَا فإنّ الإِنْسَان عند نَفْسِه هو النّهَايَة ، والغَايَة التي وجد الكَوْنِ من أجلها ... وبعد أن تقدم الإِنْسَان بعقله، وعلمه شعر بضآلته ، بل شعر بأنه أَكْثَر وحشية من الوحوش الكاسرة ... وعلى أية حال فنحن من الأرْض ولدنا ، وإِلَيْهَا نعود ، ومِنْهَا أقواتنا وحياتنا ، وفيها علومنا وحضارتنا ... ويحتم هَذا أن نتعاون جميعاً على عمارتها ، وإحيائها ، ونتقاسم خيراتها بالعدل على أن يسدد كلّ واحد حسابه بما يبذله من جهدٍ ، وعمل في هَذَا السَّبِيل .)(وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ . ضَمير بِه يَعود إلى)

آدَمَ ، وقَوْله حجّة قَاطِعَة على مَن سَمْعَه مُباشرة كأَوْلاَده الأقربَيْنَ ، أو روايةً كالأولاد الأبعدين تماماً كغيره من الأَنْبِيَاء وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ ، مِمَّا يُؤكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ ، وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ ، بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى الْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ، وَمُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ ، قَوْناً فَقَوْناً ، حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حُجَّتُهُ ، وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ، وَ نُذُرُهُ ) . أرسل سُبْحَانَهُ بعد آدَمَ كَثِيراً من الأَنْبِيَاء مُبشرين الخلائق، ومُنْذِرين ليكونوا على صلة دائمة بالله، وشريعته ، وَلاَ فرق بَيْنَ مُتقدم، ومتأخر من حَيْث الدَّعْوَة إِلى الله سُبْحَانَهُ ، بل لا فرق بَيْنَ العلماء الأنقياء، وبَيْنَ الْأَوْلِيَاء من هَذه الجهة ، وإنما الفرق بَيْنَ أُولي العزم وغَيْرهم من الأنبياء.)وجاء في كَثِير من التفاسير أنْ أُولي العزم خمسة : نُوحٍ وَإِبْرَاهِيم ، ومُوسَى، وعِيسَى ، ومُحَمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم (1)، وقد كَانَ لكلّ واحد منهم شَرِيعَة خَاصَّة أوجب الله الْعَمَل بها على جميع خلقه إلى عهد الذي يليه من الخَمْسَة ، فتنسخ اللاحقةُ الشَّرِيعَةَ السابقة ... إلى شَرِيعَة مُحَمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) سيّد المرسلين، وخاتم النَّبِيِّين ، فإِنَّهَا ناسخة غَيْر منسوخة إِلى يَوْم الْقِيَامَة ، أمّا الأَنْبِيَاء الآخرون - غَيْر أولي العزم - فقد كَانَ كلّ واحد مِنْهُم يعمل بشَرِيعَة من سبقه من أولي العزم. وذكرنا السبب الموجب لختم النُّبُوَّة بمُحَمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، والشّرائع بشريعته(2).)(وَقَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا ، وَ قَلَّلَهَا ، وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضّيقِ ، وَ السَّعَةِ . هَذَا مَع أَمْرِه بالعمل وبذل المجهود : ﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا)


1) أنظر ، شرح أصول الكافي : 375/7 ، مناقب آل أبي طالب : 260/1 ، تفسير الميزان: 221/18

2) انظر الخُطْبَةُ : 72.

اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(1)وَلاَ بُدّ للأَرْضِ من العرق ، والحرث ، أما تقديره تَعَالَى فبني على المُصْلَحَة، والميكنة ، وأشار الإمام إلى هَذِهِ الْحِكْمَةَ بِقَوْله : (فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِي مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا ، وَ مَعْسُورِهَا ، وَلِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ، وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيّهَا ، وَفَقِيرِهَا ، ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا ، وَبِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا ، وَبِفُرَج أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا ). وَسع سُبْحَانَهُ فِي الرِّزْق على هَذَا، وضَيّق على ذَلِكَ، وهو في قسمته هذه عادل، وحكيم ، ووجه العدل أنه تَعَالَى قَرن بالغَنِيِّ، والسّعة الكَثِير من الشَّدَائِد كالأَسْقَام ، والمتاعِب ، فقد تمرّ بالغَنِيّ لحظات يَكُون فيها مُستعداً لكي ينفق جميع ما يملك للخلاص بما هو فيه ... هَذَا، إلى نقاش الحساب على ما جمع ، وأنفق ، «إنّ صاحب الدّرهم يوم الْقِيَامَة أَخف حِساباً من صاحب الدرهمين » (2). كما قَالَ (أبو ذَرّ) ، ومن لا يملك شَيْئَاً أَخف مِمَّنْ يَملك ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ : كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَىٰ)(3)أَمَا وَجهُ الحِكْمة ،فإنَّه ، جَلَّت كلمته ، " : «يختبرُهُمْ الْعِبَاد - بِالأَمْوَالِ ، وَالْأَوْلاَدِ ، لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ ، وَالرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ ، وَ إِنْ كَانَ - سُبْحَانَهُ - أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ، وَالْعِقَابُ لإنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذَّكُورَ ، وَيَكْرَهُ الإناث، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِير الْمَالِ ، وَيَكْرَهُ انْثلاَمَ الْحَالِ »(4)على حد ما قَالَ الْإِمَام (علیه السلام).)(وَ خَلَقَ الأجَالَ فَأَطَالَهَا ، وَقَصَّرَهَا ، وَ قَدَّمَهَا ، وَأَخَّرَهَا . . أي قَدَّم حَيَاة بعض


1) الجمعة : 10.

2) أنظر ، تذكرة المَوْضُوعات للفتني : 178 .

3) الْعَلَقِ : 6- 7

4) أنظر ، نهج البلاغة : الحكمة (93) .

وأَخّرَ حَيَاة آخر ، كما قَدَّمَ حَيَاة مُوسَى ، وعِيسَى عَلى حَيَاة مُحَمّد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . (وَوَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا ) أي أَسْبَاب قصر الآجال، ونهايتها ، كالمرض، والقتل ونَحوَهما (وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لأَشْطَانِهَا ) . الهاء في جَعَلَهُ للمَوْت ، وفي الإِشْطَان للآجال ، ومَعْنَى الأَشْطَانِ الحِبال ، والخالج الجاذب ، والمعنى أن الموت يجذب الآجال إِلَيْهِ ، ويقربها مِنْهُ (وَقَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا) أي كما أن الموت يجذب إِلَيْهِ حِبَالَ الآجَال فَهُوَ أَيضاً يقطع هذه الحبال التي كَانَ يظنُّ أَنَّهَا قوية متينة كما يحدث لبعض الشباب المعافى.)### حَوْلَ عِلِمَه تَعَالَى فِقْرَة 29 - 31 :عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ ، وَنَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ ، وَخَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ ، وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ ، وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ ، وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ . وَغَيَابَاتُ الْغُيُوبِ ، وَ مَا أَصْغَتْ لِاِسْتِرَاقِهِ مَصَائِحُ الْأَسْمَاعِ ، وَ مَصَايِفُ الذَّرِّ . وَمَشَاتِي الْهَوَامُ، وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ ، وَهَمْسِ الْأَقْدَامِ، وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ ، وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ ، وَأَوْدِيَتِهَا ، وَ مُخْتَبَا الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ ، وَ الْحِيَتِهَا . وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ ، وَمَحَطّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ ، وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ ، وَ مُتَلاحِمِهَا ، وَ دُرُورٍ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا ، وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا ، وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا .وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ ، وَ مُسْتَقَرٌّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ ، وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ ، وَمَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ ، وَحَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ ، وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ ، وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ ، وَ سُبُحَاتُ النُّورِ ، وَأَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ ، وَحِسِّ كُلّ

حَرَكَةٍ ، وَ رَجْع كُلِّ كَلِمَةٍ ، وَتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ ، وَ مُسْتَقَرّ كُلِّ نَسَمَةٍ ، وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ ، وَهَمَاهِم كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ ، وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ ، أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ ، أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ ، أَوْ نُقاعَةِ دَمٍ ، وَ مُضْغَةٍ ، أَوْ نَاشِتَةِ خَلْقٍ، وَسُلَالَةٍ .### الْإِعْرَابِ:عَالِمُ السِّرِّ خَبر لمبتدأ مَحْذُوف، أي هو عَالِمُ السِّرِّ ، ومَا بَعْدَهُ إِلى آخر المقطع عَطف عَلَيْهِ .### الْمَعْنى:هَذَا القسم، أو المقطع بكامله يتلخص في أنّ الله سُبْحَانَهُ بكلّ شيء عَلِيم سواء أَكَانَ جزئياً ، أم كُلياً ، محسوساً أم غير محسوس ، وما ذكره من الضمائر ، والخواطر، والدر ، والبعوض ... إلى نقاعة الدّم ، وناشئة الخَلْق - كلّ ذلِكَ مُجرد أمثلة ، وَلاَ شيء وَرَاءَها إِلَّا الْبَيَان، والإيضاح أنّ الله يعلم ما في السَّماوات والأرْض، ومن أجل هذا نقتصر على تفسير المفردات المُشْكِلَة كعادتنا فى فِقْرَة(اللُّغَة .)( عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ . كلّ سرّ عنده تَعَالَى عَلانِيَة (وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ ) تخافت بكلامه خَفضه ، وأخفاه (وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُّونِ ) أي ما لا واقع له مِنْهَا ، وَلاَ دَلِيل (وَ عُقْدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ ) ما عَقَدَتْ عَلَيْهِ ضَمِيرك من غَيْر تردد (وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ ) نظرات تسترقها الْعُيُون فِي السِّرِّ ، والخَفَاء ، قَالَ سُبْحَانَهُ : (يَعْلَمُ خَائنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (1). (وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ)


1) غافر: 19.

الْقُلُوبِ ما سترته ، وأخفته (وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ ) أي أعماقها ، وجذورها .)(وَ مَا أَصْغَتْ لاِسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ أي مخارق الأَسْماع ، وَهِي الآذان (وَ مَصَايِفُ الذَّرِّ ) محل أصطياف صغار النمل (وَمَشَاتِي الْهَوَام) أي الاحَشْرِت، ومشَاتِيها تحلها في الشّتاء (وَرَجْعِ الْحَنِين مِنَ الْمُولَهَاتِ .) . ويعلم سُبْحَانَهُ مَا تَرَدَده كلّ حَزينة من قول، وحسرةٍ ، وأنين (وَ هَمْسِ الْأقْدَامِ) ما خفي من صَوْتِهَا حِين تمشي على الْأَرْضِ (وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَاَئِحِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ) ، يَعلم بالمَرَة وَهِي فِي غلافها ، وقيل أن تظهر للعيان (وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ ، وَأَوْدِيَتِهَا ) . وَالمُنْقَمَع: موضع الأختفاء ، والغِيرَان : جمع غَار ، وهو الْكَهْفِ.)(وَ مُخْتَبَا الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ ، وَأَلْحِيَتِهَا . وسُوق : جمع سَاق ، واَلحِيَة : جمع لِحَاءِ أَي القِشْرُ (وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ) ، أَي الأَغْصَان ، وَمَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ محلها الذي نبتت، وبقيت فيه إلى حين سقوطها (وَمَحَطّ الأَمْشَاجِ ) النُّطْف (مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ ) وَهِي ما يتسرب المني فيها عِند نزوله (وَ نَاشِئةِ الْغُيُوم ، وَمُتَلاَحِيهَا ) ويعلم من أين تنشأ الغيوم ؟ وكَيْفَ تُجْتَمِع ، وتلتمّ؟ (وَ دُرُورٍ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا ) حَتَّى قطرات المطر يعلمها على كثرها، وسرعتها، وتراكمها .)(وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا وهو يعلم كلّ ما تذروه الرياح وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا ، تَأْتي عَلَيْهِ ، وتمحوه (وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ ) أي حركة الاحَشُرْت (فِي كُفْبَانِ الرِّمَالِ ) تلاها (وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ ) والطُّيُور (بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ ) أَعالي رُؤُوسها (وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ ) أي ظُلماتها ، وَغَرَد الطائر رفع صَوْته بالغناء (وَ مَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ ) أى جَمعته ، والأَصْدَاف:)

صدف - بفتح الصّاد والدّال - وَهِي غلاف اللُّؤلؤ ، ونَحوَه (وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ كالعنبر ، ونَحوَه مما يتولد في البحار.)(وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أي غَطته ظُلمة اللَّيْل (أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ ) أي طَلع عَلَيْهِ النَّهَارِ (وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ ) . اعْتَقَبَتْ : تَعَاقَبتْ ، والأَطْبَاقُ : الأغطية ، الدَّيَاجِيرِ : الظُّلمات (وَ سُبْحَاتُ النُّورِ ) موجات الضوء (وَأَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ ) ما رَسَم من المشي على الأرْضِ (وَحِسٌ كُلِّ حَرَكَةٍ ) صَوْتهَا (وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ ) الرَّجيع من الكلام المردود إلى صاحبه (وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ ) وزنها (وَهَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ ) ترديد الصَّوْت في المَصْدَر من أهم.)(وَ مَا عَلَيْهَا - أي عَلَى الْأَرْضِ - مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ ، أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ كَما قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ(1). (أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ ) فِي الْأَرْحَامِ (أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ ) ما تستقر به قطرات الدّم (وَ مُضْغَةٍ ) الشيء ، الشيء يُضع ، أو ما يشبهه (أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلالَةٍ ) ناشئة الخلق ابتداؤه ، أو صُورته ، والسّلالة النَّسل ، أو الأصل .)### لاَ كُلْفَةٌ، ولا مَلالَةٌ ... فِقْرَة 32 - 33:لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ ، وَ لَا أَعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا أَبْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ ، وَلَا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ ، وَ تَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلالَةٌ ، وَلا فَتْرَةٌ، بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ. وَأَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ، وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ ، وَغَمَرَهُمْ فَضْلُهُ ، مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ .


1) الأَنْعام : 59

أَللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ ، وَ التَّعْدَادِ الْكَثِيرِ ، إِنْ تُؤمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ ، وَإِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُةٍ . أَللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ ، وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ ، وَلَا أُوَجُهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ ، وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ ، وَعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ ، وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ . أَللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَتُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ ، أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ ، وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرٍ الرَّحْمَةِ ، وَكُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ . أَللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ ، وَلَمْ يَرَ مُسْتَحِقَّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ ، وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ ، وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلا فَضْلُكَ ، وَ لَا يَنْعَشُ مِنْ خَلَتِهَا إِلَّا مَنكَ ، وَجُودُكَ ، فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ ، وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدَّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1!)### اللُّغَة :الكُلْفَةُ : المَشقَّةُ. والعَارِضَةُ : ما يمنع عن العَمَل ، والفَتْرَةُ : الضَّعْفُ والخَلَّةُ - بفتح الخاء وتشديد اللام مع الفتح - الْفَقْر . والمَنّ : الْإِحْسَان ، يُقَال : مَنْ إِلَيْهِ أَي أَحسَن .### الْإِعْرَاب:خَيْرُ خَبَر لمبتداً مَحْذُوف أي فأَنْتَ خَيْرُ مَأْمُولٍ، وخَيْرٌ مَرْجُةٍ ، ومَتُوبَةٌ مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، وَلِكُلِّ مُثْنٍ خَبَر مُقَدَّم ، ومِنْ جَزَاءٍ مُتَعَلِّق بمثوبة ، ودَليلاً حَال من كاف رَجَوْتُكَ.


1) آل عِمْرَانَ : 26 .

### الْمَعْنى:(لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ ، وَلا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ ، وَلَا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ ، وَ تَدَابِيرِ المَخْلُوقِينَ مَلالَةٌ ، وَلا فَتْرَةٌ . إنّ التَّعَبَ والمشقَّة ، والضَّعْف ، والمكل، كلّ ذَلِكَ ، وما إِلَيْهِ حوادث تعرض للأجسام، والله سُبْحَانَهُ لَيْسَ بحِسْم وَلا محلاً للحوادث... إنّه يُؤثر ، وَلاَ يَتأثر ، ويُغير ، وَلاَ يَتغَير أمّا العَارِضَةُ ، وَهِي التي تمنع من الْعَمَل فحال فِي حقه تَعَالَى، لأنه على كلّ شيء قدير ، وكماله ذاتي من كلّ وَجه (بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ) تَعَالَى أَي أَحاطَ بِهِمْ عِلْماً بلا كُلْفَةٌ ، ومَشَقَّهُ (وَ أَحْصَاهُمْ عَدُّهُ) سُبْحَانَهُ بلا عَارِضَةٌ تقف في سَبِيل هَذَا الإِحْصَاء.)(وَوَسِعَهُمْ عَدْلُهُ عزّ وجلّ تشريعاً وتكويناً حَيْث جَعَل كُلّ شَيء فِي مَوْضِعه ، ورتبه في مرتبته ، ودبره فأحكم تدبيره (وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ) فأَفَاض عَلَيْهِمْ الْوُجُود بعد العدم، وأمدهم بالرحمة والعناية (مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلَهُ) . مَها أجتهد المخلُوق في طَاعَة الخَالِقِ ، وبالغ في شُكره فإِنَّه لا يؤدي بَعْض ما له من حق ، وما لخالقه ورازقه عَلَيْهِ من فَضل .)(أَللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ الَّذي تعجز عن إدراكه عقول الواصفين (وَالتَّعْدَادِ الْكَثِيرِ ) أي أن كمالاته تَعَالَى ، وكلماته لا حساب لعددها ، وَلاَ أنقطاع لأمدها : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحْرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ )(1). (إِنْ تُؤمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ ، وَإِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُو ) . بل لا أمل ، وَلا رَجاء إلا بالله وحده، فمنه يبتديء كل شيء ، وإِلَيْهِ ينتهي .)


1) لقمان: 27

(أَللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ ، وَلَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ ، وَلَا أَوَجهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْيَةِ ، وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ ، وَعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ ، وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ . قلتُ فيك اللَّهُمَّ من الثّناء ، والمديح ما لم أقله في غَيرك : وتوجهت بهِ إِلَيْك وحدك دُونَ المَخْلُوقِينَ، لأَنهم يُحرمون، ويخيبون ، وما نَطقت بكَلِمَة خَالِصَة لوجهك إلا بفضلك ، وهدايتك.( أَللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ ، أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ ) . والفرق بَيْنَ الجَزَاء ، والعَارِفَة أنّ الجزاء ثواب على عَمل ، والعَارِفَة مَعروف وإحْسَان (وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ ، وَكُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ ) . المراد بالدَّلِيل هنا السبب الموصل إلى المطلوب. والمعنى أنّي التجأت إلَيْك، وتوكلت عَلَيْكَ ثقة بكرمك ، ورَغْبَة في عفوك، ورحمتك .)(أَللَّهُمَّ وَهَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ ، وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ ، وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ ، وَبِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا الأُفَضْلُكَ ، وَلا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَثْكَ ، وَجُودُكَ ، فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ ، وَأَغْنِنَا عَنْ مَدٌ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَقُول الْإِمَام لخالقه تَعَالَى : قُلْتُ في موقفي هَذَا بَيْنَ يَدَيْكَ مَقاماً مَحْمُوداً عِنْدَكَ تُحبّه ، وتَرضاه ، وإنك لتعلم حاجتي إلى عطائك ، وسَخائك ، والسَّخاء على قدر الحاجة ، فأمنُن عليَّ بِمَا يَد فَقْرِي، وفاقتي ، وأغنني بفضلك عمّن سواك . إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .)

## الخطبة-92-### الْتَمِسُوا غَيْرِي:دَعُونِي وَ الْتَمِسُوا غَيْرِي ، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهُ ، وَ أَلْوَانٌ ، لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ ، وَلا تَنْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ . وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ ، وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ . وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ، وَ لَمْ أُصْغِ إِلَىٰ قَوْلِ الْقَائِلِ ، وَ عَتْبِ الْعَاتِبِ ، وَ إِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ، وَ لَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ، وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنّي أَمِيراً .### اللغة:الآفاق : جمع أُفُق ، وهو النَّاحِيَة ، والخَطَّ : الَّذي ينتهي عنده إمتداد الْبَصَر . وأَغَامَتْ : غُطيت بِالغَيْمِ. وَالْحَجَّةَ : الطَّرِيقِ الْوَاضِح المُسْتَقِيم .### الإعراب:أَمْراً مَفْعُول، «مُسْتَقْبِلُونَ». وأَنَا مُبْتَدَأَ ، وخَيْرُ خَبَر ، وَلَكُمْ مُتَعَلِّق بِه ، ووَزِيراً

حال، ومثله أَمِيراً.### الْمَعْنى:(دَعُونِي وَ الْتَمِسُوا غَيْرِي ، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ ، وَأَلْوَانٌ ، لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ ، وَلا تَنْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ . وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ ، وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ . نطق الإِمَام(علیه السلام) بِهَذَا حِينَ أَرَادَهُ النَّاس على البَيْعَة بعد مقتل عُمانَ ، وتَقَدَّم في شرح خُطْبَة الشَّقشِقِيَّة (1)حِكاية هَذِهِ الْبَيْعَة مُفصلاً ، ونعطف عَلَيْها ما قاله كاتب مِصْري معروف ، وهو الأستاذ عبد الكريم الخطيب ، له العديد من المؤلفات الإسلامية ، وما قاله حَوْلَ بَيْعَة الْإِمَام خَير تَفْسِير لهذه الخطبة، ونقتطف مِنْهُ ما يلي: قَالَ : قَالَ البلاذري: «جاء النّاس كلّهم يهرعون إلى عَلي، أصْحَاب النَّبِيِّ وغيرهم، وهم يقولون : إنّ أمير المُؤْمِنِينَ عَلى(2)... وَقَالَ الطَّبَرِي: «أَتَاهُ أَصْحَاب رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وقَالُوا له : قد قتل هَذَا الرَّجُل ، وَلا بُدّ للنَّاسِ من إمام ، وَلاَ تَجدُ الْيَوْم أحق بِهَذَا الأَمر مِنكَ ، وَلا أَقدم سابقة ، وَلا أَقْرَب مِن رَسُول الله ، فَقَالَ لهم : لا تَفْعَلُوا، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَمِيراً... وفي رواية أُخرى يَقُول الطبري : اجتمع الأَنْصَار والْمُهَاجِرُون، وفِيهِمْ طَلْحَة والزُّبَيْرِ ، وقَالُوا: يا أبا الحَسَن هلم نُبايعك . فَقَالَ : لا حَاجَةً لِي فِي إِمْرَتِكُمْ . فَقَالُوا : والله ما تختار غَيْرك ... »(3).


1) أنظر في ظِلالِ نَهْج البلاغة : 1/ 132 ، الخُطْبَةُ (3).

2) أنظر ، أَنْسَاب الأشراف: 18/5

3) رويت بَيْعَة الْإِمَام علي (علیه السلام) بطرق متعدّدة ولكن نختصر المقام على الطبري، والبلاذري للإختصار ثم نشير إلى المصادر التي تذكر الْبَيْعَة . قَالَ الطبري : 152/5 - 153 ، و : 3066/1 ط أوروبا ما نصه : فأتاه أَصْحَابِ رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فقَالُوا : إنّ هَذَا الرَّجُل قد قتل ولابد للنَّاس من إمام وَلَا تَجِد الْيَوْم أحق بِهَذَا الأمر منك ، لا أقدم سابقة ، وَلا أَقْرَب من رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، فَقَالَ : لا تَفْعَلُوا فإني أكون وزيراً خير من أن أكون أمِيراً فقَالُوا : لا والله ما نَحْنُ بفاعلين حَتَّى تُبايعك . قَالَ ففي المَسْجِدِ فإنّ بيعتي لا تَكُون خفيّاً وَلَا تَكُون إلا عن رضا المُسْلِمِينَ ...)وروى بسندٍ آخر وَقَالَ : أجتمع المُهَاجِرُون والأنصار فِيهِمْ طَلْحَة ، والزُّبَيْرِ فأتوا عَلِيَّاً فَقَالُوا: يا أبا الحَسَن، هلم نبايعك، فَقَالَ : لا حاجة لي في أمركم أنا مَعَكُمْ فمن أخترتم فقد رضيت به فاختاروا والله فقَالُوا : والله ما نختار غَيْرك ، قَالَ : فأختلفوا إِلَيْهِ بعد ما قتل عُثمانَ ( رض مراراً ثم أتوه في آخر ذلِكَ. فقَالُوا له : إنه لا يصلح النَّاس إلا بإمرة وقد طال الأمر ، فَقَالَ لهم : إنكم قد أختلفتم إليَّ وأتيتم، وإني قائل لَكُمْ قَوْلاً إن قبلتموه قبلت أمركم وإلا فلا حَاجَة لي فيه ...)وروى البلاذري في أَنْسَابِ الأَشراف: 70/5 : وخرج علي فأتى منزله، وجاء النَّاس كلهم يهرعون إلى عليّ ، أَصْحَاب النَّبِيِّ ،وغيرهم، وهم يقولون : إنّ أمير المُؤْمِنِينَ عليّ، حَتَّى دخلوا داره فقَالُوا له : نبايعك ، فمد يدك فإنَّه لابد من أمير ، فَقَالَ علي : ليس ذَلِكَ إِلَيْكُمْ إِما ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ بَدْر فمن رضي به أَهْل يَدْر فَهُوَ خَلِيفَة ، فلم يبق أحد من أَهْلِ بَدر إلا أتى عَلِيَّاً له فقَالُوا: ما نرى أحداً أحق بهذا الأمر منك ... ومِثْله جاء في الأَخْبَار الطوال : 140 ، والعقد الفريد : 93/2

وَقَالَ ابن قُتَيْبَة : «أَكْثَر الناس على طَلْحَة ، والزُّبَيْرِ ، وأتهموهما بقتل عُمَّانَ، وقَالُوا هُما : أيّها الرَّجُلان قد وقعتها في أمر عُثَانَ ، فخَليا عن أنفسكما ... فقام الزُّبَيْرِ، وحمد الله وأثنى عَلَيْهِ ، وَقَالَ فيا قَالَ : قد تشاورنا ورضينا عَلِيَّاً فبايعوه »(1.)ثم قَالَ الأستاذ الخطيب: «قد تردد عَلى أَوَّل الأمر ، وحق له ذلك ، فإنّ الأمر خطير ، والعبء فادح ، وثقيل ... ولكن أمر المُسْلِمِين في معرض الضَّياع والتَّلف ، وإِذَنْ فَهِيَ المخاطرة في لِقَاء هَذَا الموقف، وتحمل تبعاته ... إِنَّهَا مَعركة تُقرر


1) ينسب هَذَا الْقَوْل إِلى خُزيمة بن ثابت الأنصاري - ذو الشهادتين - كما جاء في كتاب المعيار والموازنة لأبي جَعْفَر الإِسكافي : 51 . وأنظر ، علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة، وخاتم الخلافة للأستاذ عبد الكريم الخطيب : 264 وما بعدها طَبْعَة سَنّة 1967م.

مصير الإسلام ... ولا يقوم بهذا الأمر إلا أولو العزم ... ولم يكن لعليّ أنْ يتلبث أو يحجم عن خوض المَعْرَكَة غَيْر ناظر إلى ما يُكابده من يحن ، وما يُصيبه من ضُر حَتَّى ولو ذَهَب ذَلِكَ بنَفْسِه، وقضى على حياته، وما عَمِل الإِمَام حِساباً لوجوده مع وجود الإسلام ، وَلاَ لحياته مَع حَيَاةِ الإِسْلام»(1.)قَبِلَ الإِمَام(علیه السلام البَيْعَة ، وما أستقر بعدها لحظة وَاحِدَة ، ثم خُتمت حياته بالشَّهادَة ، ولَكِنَّهُ أَنْقَذَ من الإِسْلام ما يُمكن إنقاذه... ومَن يُدرِي : هل يَبْقَ لِلإِسلام من باقية لو أصر الإمام على رفض الْبَيْعَة ؟... صَحِيح أنّ الحُرُوب فِي عَهْدِه قامت، ولم تقعد، ولكن كان من نتائجها أنْ عُرف النَّاكِتُون، وتميز الْمَارِقُون عن غيرهم، وأفتضحت الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ بقتل عَمَّار بن ياسر ... وصدق الله العظيم : (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ - أي الذين يتظاهرون بالْإِيمان - عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِينَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ، مَن يَشَآءُ فَتَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَ إِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(2).)وَقَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه في تعليقه : « أنّ الأطماع كَانَتْ قد تنبهت في كَثِير من النَّاس على عهد عُثمانَ بِما نالوا من تفضيلهم بالعَطَاء ، فلا يسهل عَلَيْهِمْ فِيها بَعد أنْ يكونوا في مُساواة مع غيرهم، فلو تناولهم العَدْل أنفلتوا مِنْهُ ، وطلبوا طائشة الْفِتْنَة طمعاً في نَيل رَغْبَاتِهِم ، وأُولَئِكَ هُم أغلب الرُّؤساء فِي الْقَوْمِ ، فَإِنْ أَقرهم الْإِمَام على ما كَانُوا عَلَيْهِ من الإمتياز فقد أتى ظُلماً ، وخَالف شرعاً، والناقون على عُثمانَ


1) أنظر ، علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة، وخاتم الخلافة للأستاذ عبد الكريم الخطيب : 264 وما بعدها طَبْعَة سنة 1967م.

2) آلِ عِمْرَانَ .179

قائمون على المطالبة بالنصفة، إن لم ينالوها تحرشوا لِلْفِتْنَةِ ، فأين الحَجَّة للوصول إلى الْحَقِّ على أمن الْفِتَن ؟ وقد كَانَ بعد بيعته ما تفرس فِيهِ قبلها »(1.)(وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ من كتاب الله ، وسنّة نَبِيِّهِ، وَكَانَ الإِمَام مشهوراً بِهَذِهِ الْقُوَّة، والصلابة في حق الله ، وتواتر عن عُمَرَ أنّه قَالَ يَوْم الشُّورَى: «لو وليها عليُّ لحملكم على الجَادَّةِ » (2)(وَ لَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ ، وَ عَتْبِ الْعَاتِبِ ) . أَبَداً لا يصغي على إلا لدينه، وهو غني بِه عما سواه ، أمّا دُنْياه فَهِيَ آخرته ، ولا يرتجى غَيْرها، ولأجلها قبل الْبَيْعَة ، كما قَالَ: «لَوْ لاَ حُضُورُ الحَاضِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ، وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلّْايْقَارُوا عَلَىٰ كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلَا سَغَبٍ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا ، وَلَسَفَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا »(3).)(وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ . لأَنهم إِذَا تَرَكُوه يَكُون بلا ناصر ، ومُعين ، وعَلَيْهِ يتحتم السُّكُوت (وَ لَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ ، وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ ) . ما شَك الإمام لحظة في أن الخلافة حق لهُ دُونَ غَيْره ، ولَكِنَّهُ لا يُحَارِب من أجلها إلا إذا ضاعت حقوق المُسْلِمِين، ووجد الناصر، والمعين على حفظها ، وأقامتها (4)) .)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 182/1.

2) أنظر ، أَنْسَابِ الأَشْرَاف: 16/5 ، الطَّبَقات الكبرى : 3 / 1 : 247، منتخب الكنز : 429/4 .

3) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (3).

4) لقد كَانَ الإِمَام علي (علیه السلام)يتصرف تصرف الحجّة فَهُوَ الَّذي لم يرفع سَيْفاً بعد وفاة الرَّسُوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)على الرغم من معرفته بأغتصاب حقه، لكن قتال هؤلاء وعد وعهدٌ عَهْدِهِ إِلَيْهِ رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كما قال الخوارزمي في مناقبه : 125 و 221 : أخبرني سيّد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي فيما كت إليَّ من هَمَذان ، أخبرني الشيخ العالم محيي السُّنّة أبو الفتوح عبدوس بن عبدالله بن عبدوس الهمذاني كتابه أخبرني أبو الحسين أحمد بن محمد بن تميم الحنظلي بقنطرة بردان .... حدثني جدي سعد بن عبادة عن علي(علیه السلام) :قَالَ : أمرت بقتال ثلاثة : النَّاكِثِينَ ، والْقَاسِطِينَ ، والمَارِقِينَ، أما الْقَاسِطُون فأَهْل الشام ، وأمّا النَّاكِتُون فأهْل الْجَمَل ، وأما المارِقُون فأهل النهروان .)وَقَالَ ابن عساكر في : 200/3 ط بيروت من ترجمة الإمام علي(علیه السلام مثله عن زيد بن علي... عن عليّ قَالَ: أمرني رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)بقتال النَّاكِثِينَ، والمارِقِينَ ، والْقَاسِطِينَ ، ومثله عن علي بن ربيعه قال سمعت عَلِيّاً يَقُول : عهد إلى رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أن أقاتل النَّاكِثِينَ ، والْقَاسِطِينَ ، والمارقين. ومثله عن أنس بن عَمْرُو ... عن عليّ قَالَ : أمرت بقتال ثلاثة : الْمَارِقِينَ ، والْقَاسِطِينَ ، والنَّاكِثِينَ. وَمِثْله عن إِبْرَاهِيم عن علقمة ومثله أيضاً عن خليد القصري قال: سمعت أمير الْمُؤْمِنِينَ على يَقُول يَوْمِ النَّهْرَوَان : أمرني رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)يقتال النَّاكِثِينَ، وَالْمَارِقِينَ، وَالْقَاسِطِينَ .)وأنظر مُسْتَدرَكَ الصَّحِيحِين: 139/3 تأريخ بغداد: 340/8. و : 186/13 ، كنز العمال : 72/6 و 82 و 88 و 155 و 319 و 393 ، و : 215/8 ، أسد الغابة : 4 / 32 و 33 ، السيوطي في الدر المنثور 215/8 تَفْسِير سُورَة الزُّخْرُفِ آية : 41 فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ، تجمع الزوائد : 338/7، و: 235/9، فراند السمطين : 1/ 281 و 283، أرجح المطالب : 602، الرياض النضرة : 240/2.)وأنظر قَوْله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم العمار : تقتلك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ في : صَحِيح البُخَارِيّ: 122/1 ، صحیح مُسلم : 2235/4 ، صحيح الترمذي: 669/5 ، مُسند أحمد: 161/2 و 164، و : 4 / 197 ، و : 289/6 ، مُسْنَد أبي داود الطَّيَّالي: 10/3، حلية الأولياء : 112/4، تاریخ بغداد: 13 / 186 : : 186/13، و : 315/5، اد و : 414/7 ، طبقات ابن سعد : 177/3 ، الطرائف لابن طاووس : 103/1 .

ومن أَقْوَاله : «وَوَاللَّهِ لَاُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ المُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةً، اَلْتَمَاساً لأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ ، وَزِبرِجِهِ»(1. وبِهَذَا نَجد تَفْسِير قَوْله : «وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ، وَأَطْوَعُكُمْ» أي بشرط أنْ تسلم أمور المُسْلِمِين (2). وَقَالَ ابن مِيثَم البحراني: «أشار الْإِمَام قَوْله : «لَعَلِّي» إلى)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (74) .

2) أنظر ، شرح الخُطْبَةُ : (73).

أنّهم إِذا ولّوا أحداً يُخالف أمر الله تعالى فلا يَكُون الإمام أطوعهم بل أعصاهم»(1.)(وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً . وذَلِكَ أَنَّ الْإِمَام يحملهم على الحق وهو صعب مُستصعب ، وَقَالَ بعد أن ولي الخلافة : «وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ ، وَلَكِنِّي لا أَرَى إِصْلاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي، أَضْرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ لا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ ، وَلا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ »(2). وَقَالَ مُعَاوِيَة : لَوْلاً عَلِمَ عَقِيلُ بأنّي خير من أخيه ما تركه . فَقَالَ عَقِيل: أَخي خَيرٌ لي في ديني ، وأَنظر لنَفْسِه منكَ ، وأَنْتَ خَيْرٌ لِي فِي دُنياي ، وأَنظر لي من نَفْسَكَ ، وقد آثرتُ دُنياى ، وأسأل الله الْعَفُو »(3))


1) أنظر ، شرح نهج الْبَلاغَة لابن ميثم البحراني: الخُطْبَةُ (92).

2) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَةُ .(69).

3) لم يُحقق في سَند هَذَا الْقَوْل ، وإلا من خلال التتبَّع التاريخي، لم نعثر على نصّ يؤكد ذهاب عقيل إلى مُعَاوِيَة قبل استشهاد الإمام علي(علیه السلام) . أنظر ، سُبل الهدى والرشاد : 115/11 ، الغارات : 552/1 ، جواهر المطاب في مناقب الإمام علي لابْن دِمَشْقِ : 229/2 ، العقد الفريد : 90/4 طَبْعَة بيروت. و : 114. طَبْعَة أخرى.

## الخطبة-93-### أَسْأَلُونِي... فِقْرَة 1-2:أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللهِ ، وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، فَإِنِّي فَقَاتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ ، وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِى عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا ، وَ أَشْتَدَّ كَلَبُهَا . فَسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ ، وَلَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةٌ ، وَتُضِلُّ مِائَةٌ ، إلا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا ، وَقَائِدِهَا ، وَسَائِقِهَا ، وَمُنَاخ رِكَابِهَا ، وَ مَحَطَّرِحَالِهَا ، وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً ، وَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً . وَلَوْ قَدْ فَقَدْ تُمُونِي ، وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ ، وَ حَوَازِبُ الْخُطُوبِ ، لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ ، وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ ، وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَصَتْ حَرْبُكُمْ ، وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ ، وَضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً ، تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلاءِ عَلَيْكُمْ ، حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ لِبَقِيَّة الأَبْرَارِ مِنْكُمْ .إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ ، يُنْكَرْنَ مُقْبِلاتٍ ، وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ ، يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ ، يُصِبْنَ بَلَداً ، وَ يُخْطِئنَ بَلَداً .

### اللُّغَة:فَقَأَ الْعَيْن : قَلْعَها ، ومَاجَ : أَضْطَرَب ، والمُرَاد بِهِ هُنا عَمَّ، وشمل . والغَيْهَبُ : الظَّلام . والكلب : دَاء يُصِيب الكلاب ، ومن عضّه كَلْبٌ مُصاب بِهِ جُنِّ ، وماتَ إِلَّا مع الإسْعَاف، والتطبيب، والمراد بالنَّاعِقِ هُنا الدَّاعِي . وَكَرَائِهُ : جَمع كَرِيمَة، وحَوَازِبُ : جَمع حَازِب، وهو الأمر الشَّدِيد . وقَلَّصَ - بتشديد اللام - أسرع وأستمر ، وبتخفيفها وَتَبَ وشَبَّهَتْ - بتشديد الباء - أي جعلت الفِتْنَة شَبِيبَة بالحق ونَبَّهت : أي إلى الحق.### الْإِعْرَابِ:لِيَجْتَرِئَ منصوب بأن مضمرة بعد اللام والمصدر المنسبك مجرور باللام ويَتعلق بمَحْذُوف خَيراً «لتَكُن» واحد أسمها ، وغَيْرى صفة له ، وجُمْلَة تَسْتَطِيلُونَ حال من ضَمِيرِ الخِطَاب في «عَلَيْكُمْ» وضَمِيرِ مَعهُ يعود إلى الضّيقِ .### الْمَعْنى:(فَإِنِّي فَقَاتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ ، وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِى عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا . استيقظت الفِتَن بَيْنَ الْمُسْلِمِين بعد رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) . وَكَانَ لِلْإِمَامِ أحسن الأثر في إخمادها ، أو إخماد أكْثَرها ، من ذَلِكَ :)1 - تنافس الْمُهَاجِرُون ، والْأَنْصَار على خِلافَة النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قبل أن يُجرد من ثيابه ، ويبرد جسده الشَّرِيف، وتجاهلوا شُؤون تجهيز النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وإنزاله إلى قبره إلا الإمام فقد أختص دونهم بهذه الفضيلة ، وَقَالَ له عمه الْعَبَّاس : أمدد يدك أبايعك)

يُقَال : عَمُّ رَسُول الله بَايَعَ أبن عمَّ رَسُول الله . فأبى . وَقَالَ له أبو سُفْيَانَ : أَبايعك ، وأملأها عَلَيْهِمْ خَيلاً ورِجَلاً ، فانْتَهَرَه الإمام ، وَقَالَ له : ما زلت تُكيد لِلْإِسْلام وَأَهْله (1.ولو قبل الإِمَامِ البَيْعَة لبايعه آل هاشم ، وكَثِير من المُهَاجِرِين ، والأَنْصَارِ ، ولَكِنَّهُ آثر مصلحة الإسلام، ووحدة المسلمين، وأكتفى بالإحتجاج، والإنكار على أبي بَكْر وَقَالَ له كما جاء في الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة لابن قُتَيْبَة - : أنا عبد الله وأخو رَسُول الله ، وأحقِّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُم، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي .. نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْت أَوْلَى بِالنَّبِيِّ


1) أبو سُفْيَانَ هو الْعَدُوّ الأَوَّل لرسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، والعدو اللدود لعلي بن أبي طالب(علیه السلام) وللإسلام منذ بدء الدَّعْوَة الإِسْلاميَّة حَتَّى غُلِبَ على أمره في فتح مَكَّة، وتوفي في صدر خِلافَة عُثمانَ ، ولم يدخل الإيمان في قلبه ، ولا في قلب أولاده، وعندما توفي رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ووَكَانَ غائباً عن المدينة، رجع فلقٍ رَجُلاً فِي بَعْض طريقه مقبلاً من المدينة ، فَقَالَ له : مات مُحمّد ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فمن قام مقامه ؟ قَالَ : أبو بَكْر . قَالَ أبو سُفْيَانَ : فماذا فعل المستضعفان علي ، والْعَبَّاس ؟ قَالَ : جَالسين . قَالَ : أما والله لئن بقيت لهما لأرفعن من أعقابهما، ثمّ قَالَ : إني أرى غُبرة لا يطفيها إلا دم، ثم لما وصل المدينة جعل يطوف في أزقتها ، ويَقُول :)بني هاشم لا تطمعُوا النَّاس فيكم *** ولا سيما تيم بن مُرَّة أو عَدِيّفا الأمر إلا فيكم وإِلَيْكُمْ *** وليس لها إلا أبو حسن عليأنظر ، العقد الفريد : 062/3 السَّقِيفَة برواية شرح النهج لابن أبي الحديد : 120/3.وفي رواية : زاد اليعقوبي :حسن فاشدد بها كف حازم *** فإنك بالأمر الذي يُرتجى مليأنظر تاريخ اليعقوبي: 150/2 ، شرح النهج : 7/6 .وزاد الطبري في تأريخه : .... أين المستضعفان أين الأذلان علي، والْعَبَّاس ؟ وَقَالَ: أَبا حَسن أبسط يدك حَتَّى أبايعك فأبي علي(علیه السلام وجعل يتمثل بشعر المتلمس :)إِنَّ الهوان حِمار الأَهْل يَعْرِفه *** والجر ينكره والرسلة الأجدأنظر ، تأريخ الطبري: 449/3 ، والسَّقِيفَة لأبي بكر الجوهري.

ما دام فينا الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رَسُوله ، المضطلع بأمر الرَّعِيَّة ، الدافع عَنْهَا، القاسم بَيْنَهُمْ بالسَّوية ، فَلاَ تَتَّبعوا الهَوَى فَتَضلوا عن سَبيل الله (1.)


1) هكذا ورد كلامه (علیه السلام) في نهج البلاغة : الخطبة .(217) . أَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ مَنْ أَعَانَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَأَكْفَتُوا إِنَائِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقَّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي ، وَقَالُوا: أَلَا إِنَّ في الحَقِّ أَنْ تَأخُذَهُ، وَفي الحَقِّ أَنْ تُنعَهُ، فَاصْبِرْ مَعْمُوماً ، أَوْ مُتْ مُتَأَسفاً. فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدُ، وَ لَا ذَابٌ ، وَ لا مُسَاعِدُ ، إِلا أَهْلَ بَيْتِي، فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّة فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَدَى، وَجَرِعْتُ رِيقِ عَلَى الشَّجَا، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَ مِنَ الْعَلَقَمِ، وَالَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ الشِّفَارِ».)وللتأريخ نذكر قَوْل عُمَرَ لأبي بَكْر : ألا ترسل إلى هَذَا الرَّجُل المتخلف فيجي، فيبايع ؟ قَالَ أبو بكر : يا قنفذ ! إذهب إلى عليّ وقل له : يَقُول لكَ خَلِيفَة رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تَعَالَ بايع ! فرفع علي(علیه السلام) صَوْته وَقَالَ : سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، قَالَ : فرجع فأخَبَرَه ، ثم قَالَ عُمَرَ : أَلا تبعث إلى هَذَا الرَّجُل ...؟ فَقَالَ لقنفذ : إذهب إلى علي فقل له : يَقُول لك أمير المُؤْمِنِينَ : تعال بَايَعَ ! فذهب قنفذ ، فَقَالَ: ماجاء بك ؟ قَالَ : يَقُول لك أمير الْمُؤْمِنِينَ : تعال فبايع فرفع علي(علیه السلام) ، صَوْته وَقَالَ: سُبحان الله ! لقد أدعى ما ليس له فجاء فأخبره، فقام عُمَرَ : فَقَالَ : انطلقوا إلى هَذَا الرَّجُل حَتَّى نجي، إِلَيْهِ ، فضى إِلَيْهِ جماعة، فضربوا الباب فَلَمَّا سمع علي (علیه السلام)، أصواتهم لم يتكلم ... فقالت فَاطِمَة(علیها السلام) : «يا رَسُول الله ما لقينا ن أَبي بَكْر، وعُمَرَ بعدك» ؟ فَلَمَّا سمعوا صَوْتها، بكى كَثِير مِمَّنْ كَانَ معه، ثم أنصرفوا، ووثبت عُمَرَ في ناس معه، فأخرجوه وانطلقوا به إلى أبي بكر ... فَقَالَ :أبو بكر بايع، قَالَ : فَإِنْ لم أفعل ؟ قَالَ : إِذَنْ والله الَّذي لا إله إلا هو تُضرب عنقك ! قَالَ على ال : فأنا عبد الله ، وأخو رَسُوله ، قَالَ أبوبكر : بايع ، قَالَ : فَإِنْ لم أفعل، قَالَ: إِذَنْ والله الذي لا إله إلا هو تضرب عنقك، فألتفت علي إلى القبر وَقَالَ: قَالَ ابْنَ ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).)الأَعْرَافِ : 150 الإمامَة وَالسَّيَّاسَة : 30/1 - 31، منشورات الشَّرِيف الرَّضِي . .فَقَالَ عُمر بن الخطاب : أمّا عبد الله فنعم، وأما أخو رَسُول الله فلا ! وأبو بكر ساكت، فَقَالَ له عُمَرَ : ألا تأمر فيه بأمرك ؟ أنظر ، شرح النهج : 56/2 و 60 و 6 : 11 ، الفتوح لابن أَعْتَمْ: 13/1، تأريخ اليعقوبي: 126/2، أعلام النِّسَاء : 114/4 ، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 30/1 ، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 30/1.... فرجع يَوْمَئِذٍ ولم يبايع.وأنظر ، المغازي للواقدي: 880/3 تاريخ بغداد : 387/6 ، تأريخ ابن عساكر: 133/1، المسترشد في الإِمَامَة للطبري الإمامي: 380 تحقيق أحمد المحمودي.وعن أبن عباس : إنّ الْأَوَّل - أبوبكر - أمر خالد بن الوليد فَقَالَ : إِذا انصرفت من صَلاة الْقَبْرِ فأضرب عنق عليّ، فصلى ثم ندم، فجلس في صلاته حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم قَالَ في صلاته : يا خالد لا تفعل ما أمرتك به ثلاثاً، فألتفت علي فَإِذَا خَالد مشتمل على السَّيْف في جانبه فَقَالَ : يا خالد أكنت به فاعلاً ؟ فَقَالَ : أي والله لَوْلاً أنه نهاني ! فَقَالَ له علي : كذبت لا أُمَّم لك، أنتَ أضيق حلقة أست من ذَلِكَ . ثمَّ قَالَ: «فَوَ الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ ، وَ بَرَأَ النَّسْمَةَ ، مَا أَسْلَمُوا، وَلَكِنِ اسْتَسْلَمُوا، وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ ، فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ».أنظر ، نهج البلاغة : رِسَالَة رقم (16 ، والأنساب : 95/3 وأنظر ، بحار الأنوار: 12/8، المسترشد في إِمَامَة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ : 452. تحقيق أحمد المحمودي، رجال الكشي : 695/2، معجم رجال الحديث للسيد الخوئي: 153/8، بهجة الأمال للعلياري: 380/4. تفسير القمي : 158/2، ورد الكلام بِهَذَا اللفظ . « أمَا الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ ، لَوْلَا ما سبق به الْقَضَاء لعلمت أي الفريقين شر مكاناً وأضعف جنداً».)ومن روائع حكمه هنا كما جاء في الحكمة (166 : «لا يُعَابُ المَرْءُ بِتَأْخِيرٍ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ». أنظر ، شرح النهج لإبن أبي الحديد : 324/4 و: 168/18 .

وهَذِه أوَّل عَيْنَ لِلْفِتْنَةِ فَقَأها الإِمَام بعد رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.)2 - اغتصبوا فَدَكَاً من بضعة رَسُول الله ، وحاولوا أن يحرقوا البَيْت عَلَيْهَا. وعلى بعلها ، وأَوْلاَدها ، فَصَبر الإمام حرصاً على وحدة الكَلِمَة (1.


1) أنظر ، الحوار الذي دار بينها وبَيْنَ الخَلِيفَة الأَوَّل، والذي ورد عن عَائِشَة قالت: سمعت أبي يَقُول : قَالَ رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): «إِنَّا مَعَاشِير الأَنْبِيَاء لا نورث ما تركناه فَهُوَ صدقة !)وقد علق الإمام يحيى بن الحسين أبن القاسم في كتابه تنبِيتُ الإمامة مانصه : ولو سألنا جميع من نقل من أَصْحَاب محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : هل روى أحدٌ مِنْكُم عن أحدٍ من أَصْحَاب محمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنه سمع من رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مثل ما قال أبو بكر ؟؟ لقَالُوا اللَّهُمَّ لا.)ثم جاءت - من بعد ذَلِكَ - أسانيدُ كَثِيرة قد جمعها الجهال لحبّ التَّكَثُر بِمَا لا ينفع : عن عَائِشَة، وعن إبن عُمَرَ، فنظرنا عند ذلك إلى أصل هذه الأحَادِيث التي أسندوها إلى عَائِشَة عَن النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فَإِذَا عَائِشَة تقول : سمعت أبا بَكْر ، وابن عُمَرَ يَقُول : سمعت أبا بَكْر يَقُول : سمعت رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : إِنَّا مَعَاشِرِ الأَنْبِيَاء لا نورث ما تركناه فَهُوَ صدقة .)وَإِذَا هَذِه الأسانيد المختلفة ترجع إلى أصل واحدٍ ، ولم يوجد أحد من أَصْحَاب محمد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يشهد بمثل شهادة أبي بكر في الميراث !)فدفع أبو بكر ، فَاطِمَة عن ميراتها بهذا الخبر الَّذِي أسند إِلَى رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .)وَهَذَا الخَبَر ينقصُ كتاب الله ، وحكمه في عِبَادِه !فويل لمن يُهِمُ أنّ رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّمينقض ما جاء به محكماً عن الله عزّ وجلّ.)وقد كَانَ في كَلام فَاطِمَة ، لأبي بكر بيان لمن خاف الله سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرتَ أبي ، لقد جئتَ شَيْئَاً فرياً !!؟؟ثم انصرفت عنه .ومن أعجب العجائب : أنّ جميع هذه الأُمَّة أجمعت أن من أدعى لنَفْسِه أو دعوى له فيها حق أنه «خصم» شهادته لا تُقبل حَتَّى يشهد له على ذلك شاهدان عدلان لا دعوى لهما في ما شهدا فيه . وأجمعوا أيضاً : أن الإمام لا يحكمُ لنَفْسِه بحقه دُونَ أنْ يشهد له به غيره . ثم الناس على ذَلِكَ إِلى يومنا هَذَا ، لا تُقبل شهادة الرّجل لنَفْسِه وَلا يُحكم لأحدٍ على أحدٍ في دعوى يدعيها عَلَيْهِ إلَّا بشاهدين عدلين : غَيْرِ فَاطِمَة الله فإنَّه حُكم عَلَيْها بخلاف ما حكم به على جميع الخلق، وأنتزع من يدها ما كَانَتْ تملكه وتحوزه - من ميراث أبيها الله ومالها من فَدَك المعروف بها ولها بلا - شهود إلا ما أدعى أبو بكر لنَفْسِه ، ولِلمُسْلِمِين من الصَّدَقَة عَلَيْهِمْ بِأَمْوَال رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم. فكان أبو بكر المدعي لنَفْسِه ولأصحابه أَمْوَالَ رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .)فيا للعجب من قبضه ما ليس بيده ولا شهود له، وَلاَ بَيْنَة ؟وطلبه الشهود والبَيِّنَةِ من فَاطِمَة(علیها السلام على ما هو بيدها ولها !)وقد أجمعت الأمة على أن مَنْ كَانَ في يده شيءٌ فَهُوَ أحق به حَتَّى يُستحقَّ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَة، فقلب أبوبَكْر الحجّة عَلَيْهَا في ما كَانَ في يدها ! وإنما تجبُ عَلَيْهِ هو وعلى أَصْحَابه في ما أدعاء له ولهم.فحكم على فَاطِمَة(علیها السلام بما لم يُحكم به على أحدٍ من المُسْلِمِينَ وطلب مِنْهَا الْبَيِّنَة على ما في يدها ،ومُنِعَتْ ميراث أبيها .)وشهد على رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه لم يورثها ! والله تَعَالى قد وَرَّنَ الولد من والده ؛ نبيّاً كَانَ أو غيره.)راجع کتاب تثبيت الإِمَامَة لِلْإِمَام يحيى أبن الحسين الهادي نشره العلامة السَّيّد محمّد رضا الحسيني الخلالي : 29 ، وراجع صَحِيح البخاري : 7/12، صحيح مُسْلِم كتاب الجهاد رقم 51 و 53 و 54 و 56 . وأنظر الحوار الذي دار بَيْنَهَا (علیهاالسلام، وبَيْنَ أبي بكر، وعُمَرَ ، حيث قالت لهما: «أرأيتكما إن حدثتكما حَدِيثاً عن رَسُول الله تعرفانه و تفعلان به ؟ قالا : نعم، فقالت نشد تكما الله ألم تسمعا رَسُول الله يَقُول : رضا فَاطِمَة من رضاي وسخط فَاطِمَة من سخطي ... فَقَالَ أبوبكر : أنا عائذ بالله من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم أنتحب أبو بكر يبكي حَتَّى كادت نفسه أن تزهق ... وقالت: يا أبا بكر ، ما أسرع ما أغرتم على أَهْلِ بَيْت رَسُول الله ، والله لا أكلم عُمَرَ حَتَّى ألق الله».)شرح النهج : 134/1 و : 134/2 .وَقَالَ اليعقوبي . فقالت : والله لتخرجن أو لأكشفن شعري ولأعجن إلى الله .....تأريخ اليعقوبي : 126/2.وروى الطبري : «فهجرته - أبا بكر - فَاطِمَة، ولما توفيت دفنها زوجها، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى علیها...».تاريخ الطبري: 448/2 ، البخاري : 38/3، صحیح مُسلم : 72/1 و : 153/5 ، ابن کثیر : 285/5 ، ابن عبد ربه : 64/3 ، ابن الأثير : 126/2 ، كفاية الطالب: 225 ، المسعودى: 414/2 ، التَّنبيه والأَشْرَاف : 250 ، الصَّوَاعِقِ الحرقة : 12/1، الإمامة وَالسَّيَاسَة : 14/1، والسنن الكبرى : 300/6. كل هذه المصادر تتحدث بأنه - أبوبكر .. لم يصلِّ عَلَيْهَا ، بل دفنت سراً .وللتاريخ أيضاً قَالَ عُمَرَ بن الخطاب: «.. وأنه كَانَ من خَبَرنا حين توفى الله نَبِيَّهِ أَنَّ عَلِيَّاً، والزبير. ومن معهما تخلفوا عنّا في بَيْت فَاطِمَة».أنظر ، مُسْنَد :أحمد: 55/1 ، الطبري : 446/2 . أبن الأثير : 124/2 ، ابن كثير : 246/5 ، صفوة الصفوة : 97 ، شرح النهج : 123/1، تاريخ السيوطي : 45 ، السيرة لابن هشام : 338/4، تيسير الوصول : 41/2وقد تواترت الأخبار بذلك، فقد روى البلاذري «بعث أبو بكر ، عُمَرَ بن الخَطَّابِ إِلى علي بن أبي طالب حين قعد عن بيعته وقال : ائتني به بأعنف العنف. فَلَمَّا أناه جرى بَيْنَها كَلام، فَقَالَ علي:أحلب حلباً لك شطره...». وفي رواية ابن قتيبة في الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : «إنّ عُمَرَ بن الخطّاب جاء فناداهم وهم في دار علي أبن أبي طالب، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وَقَالَ: والذي نفس عُمَرَ بيده لتخرجُنَّ أو لأحرقتها على من فيها فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فَاطِمَة، فَقَالَ: «إنْ» أنظر ، لإمامة وَالسَّيَّاسَة : 12/1. أَنْسَاب الأشراف: 586/1 ، الرّياض النضرة : 167/1 ، السَّقِيفَة للجوهري برواية شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 132/2 . تاريخ الخميس: 178/1.

3 - عهد أبو بكر بِالْخِلافَةِ من بَعْدَه إِلى عُمَرَ ، فَسكت الإِمَام خَوْفاً من إيقاظ الفتنة .4 - صرفها عنهُ عُمَرَ إِلَى عُمَّانَ تَحت ستار الشُورَى ، فتحمل للغاية نفسها5 - نكث طَلْحَة ، والزُّبَيْرِ ، وأَخرجا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مِن خِدرها ، يَعْرِسُون بذُور الْفِتْنَة ، فقضى عَلَيْها الإمام ، وعلى الفارس، والحارث.6 - مَرَقَ الْخَوَارِج من الدِّين ، وَقَطَعُوا طَرِيق المُسْلِمِينَ ، يَقْتُلُون ، ويُخربون، ذبحوا الرّجال ومِنْهُم عبد الله بن خَبَّاب (1، وبَقَروا بطن أمْرَأَته ، وَقَتَلُوا النِّسَاء،)


1) عبدالله بن خَبَّابِ : هو الذي قتله الخوارج فسال ،دمه كأنه شرال نعل ما آمد قَر - أي سال دمه في النهر ولم يتفرّق في الماء ولا أختلط -.)وذكر الطبري في تاريخه : 60/4، أن الخوارج دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خَبَّاب صاحب رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذعراً يجر رداءه فقَالُوا: لم ترعَ ؟ فَقَالَ : والله لقد ذعر تموني ، قَالُوا: أَأَنْتَ عبدالله بن خَبَّابِ صاحب رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ؟ قَالَ : نعم ، قَالُوا : فهل سمعت من أبيك حَدِيثاً يحدث به عن رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي ؟ قَالَ : فإن أدركتم ذَلِكَ فكن يا عبد الله المقتول .... قَالَ فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كانه شراك نعل ويقروا بطن أُمّ ولده عما في بطنها.)ولكن الطبري في نفس الصَّفحة ينقل عن حميد بن هلال أنه - عبد الله - قَالَ: عندما سألوه :قَالَ: حدثني أبي عن رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّمأن فتنة تَكُون تموت فيها قلب الرَّجُل كما يموت فيها بدنه يميسي فيها مؤمناً. ويصبح كافراً، ويصبح فيها كافراً، ويمسي فيها مؤمناً ، فقَالُوا: لِهَذَا الحَدِيث سألناك فما تقول في أبي بكر وعُمَرَ ؟ فأتَى عَلَيْهِمَا خيراً ... فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبأمرأته وهي حُبَلَىٰ متمُّ حَتَّى نزلوا تحت نخل مواقر فسقطت مِنْهُ رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه فقال أحدهم: بغير حلّها، وبغير ثمن، فلفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه فمر به خِنزِير لأهْل الذَّمَّة فضربه بِسَيْفه ، فقَالُوا : هَذَا فساد في الْأَرْضِ ، فأتي صاحب الخنزير فأرضاه من خِنزيرهِ ، فَلَمَّا رأى ذَلِكَ مِنْهُم أبن خَبَّاب قَالَ : لئن كنتم صَادِقِينَ فيا أرى فما عليَّ مِنْكُم بأس إنّي لمسلم ما أحدثت في الإسلام حدثاً ولقد أمنتموني قلتم : لا روع عَلَيْكَ فجاؤوا به فأضجعوه فذبحوه وسال دمه في الماء وأنظر حياة عبد الله بن خَبَّاب في المعارف لابْن قُتَيْبَة : 317 ، وأنظر قِصَّة قتله الله في أسد الغابة : 150/3 ، والأصَابَة : 2 / 294 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 269/2 و 381 و 382 تحقيق محمد أبوالْفَضْل نقلاً ابن ديزيل (إِبْرَاهِيم بن الحُسَيْن بن علي بن مهران بن ديزيل الكمائي الهمذاني) أحد كبار الحفاظ ومتكلميهم ، ذكره ابن حَجَر في لسان الميزان : 1 / 49 وَقَالَ : مات سنة (281 هـ)، الكامل في التاريخ : 212/3 ، والْفُتُوح لابن أَعْثَمْ : 2 / 198 و 253 و 260، الطبري: 46/6 ط أخرى، الطَّبَقَات الْكُبْرَى لابن سعد : 5 / 182 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 2 / 282 ، الكَامِل للمبرد : 560 . الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 1 / 167 ، شرح النهج للعلّامة الخوئي : 4 / 128 ، الكَامِل لابن الأثير : 341/3 .

ومِنْهُم أُمّ سنان، وقد صحبت رسول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّمفَقَاتَلَهُم الإمام، وما سلم منهم إلّا القليل.)إلى غَيْر ذَلِكَ من الْفِتَن التي قطع الإِمَام عَلَيْهَا الطَّرِيق قبل أن تنمو، وتثمر ، ومِنْهَا الشبهات التي كَانَتْ تُثار حَوْلَ الإِسْلام، وتكاد تُضلل بَعْض العُقُول، .والأفكار .. وَهَذَا وما إِلَيْهِ دعا الإمام إلى أنْ يَقُول: «أَسْأَلُونِي». أمّا قَوْله : (وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِيٌّ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا ، وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا . فمعناه أَنه هو وحده الكفؤ لِلْقَضَاء على الْفِتَن ودفع الشبهات، ويومى، إِلى ذَلِكَ قَوْله : (وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئولِينَ ) . وذهب أبن أبي الحَدِيد مَذْهَباً آخر في تَفْسِير «لِيَجْتَرِى»)

وَتَبعه من جَاءَ بَعْدَه من الشَّارِحِين (1!.. ولعَل تَفْسِيرنا أَقْرَب وأَرْجَح .


1) أنظر ، شرح نهج الْبَلاغَة : 47/7.)ولتسأل أبن أبي الحَدِيد هل هؤلاء لا يحل للإمام علي(علیه السلام قتالهم، وقد نقل أبن حجر العسقلاني عن علي بن ربيعة : سمعت عَلِيَّاً يَقُول على منبركم هَذَا : «عهد إليَّ النَّبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أَنْ أَقاتل النَّاكِئِينَ، وَالْقَاسِطِينَ، والمارقين».)أنظر ، المطالب العالية : 297/4وَقَالَ أَيضاً عن عمار ابن ياسر : «أُمِرتُ بقتال النَّاكِئِينَ ، والْقَاسِطِينَ ، والْمَارِقِينَ». أنظر، المصدر السابق : 297/4 ح 4463 .وَقَالَ الخوارزمي في المناقب عن أبي سعيد التميمي عن علي قَالَ: « عهد إليَّ رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أَنْ أقاتل النَّاكِثِينَ، والْقَاسِطِينَ ، والْمَارِقِينَ»، فقيل له: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ مَنْ النَّاكِتُون ؟ قَالَ «النَّاكِتُون : أَهْل الجَمَل ، المارِقُون الخَوَارِج الْقَاسِطُون أهل الشّام».)أنظر ، مناقب الخوارزمي : 110، ط النجف الأشرف.وعن أبي أيوب الأَنْصَارِيّ في خلافة عُمَرَ بن الخطاب قَالَ: «أمر رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم علي بن أبي طالب يقتال النَّاكِثِينَ،وَالْقَاسِطِينَ، وَالْمَارِقِينَ»)أنظر ، الْحَاكِم في المُسْتَدرَك : 139/3 تأريخ ابن عساكر ترجمة الإمام علي: 168/3 ، ح1205المناقِب للخوارزمي : 125 میزان الاعتدال: 127/1 ، كنز العمال : 82/6 ، الروض الأزهر : 389 ط حیدر آباد، شرح المقاصد : 217/2 ، تاريخ بغداد : 340/8، أرجح المطالب : 602، فرائد السمطين : 150/1 ، كفاية الطالب : 169 ، وينابيع المودة : 128 ، شرح النهج : 245/3، ط مصر تحقيق محمد أبو الْفَضْل.وغَيْر ذَلِكَ كَثِير من الرِّوَايَات التي تؤكد أنه (علیه السلام يُقاتل هَؤُلاء ولذا أمتنع في بداية الأمر من أنْ يُلبي طلب هؤلاء الذين أرادوا أنْ يُبايعوه ؛ لأنه يعلم بأن خلافته ستمر بأيَّام صعبة، وفتن مُظلمة ، ويعلم أنّ ضهم سينقض الْبَيْغة، ويقاتله حسداً، ويُغضاً ، وكَرْهَاً له، كما في نفس السَّيّدة عَائِشَة وغَيْرِها ، وبَعْضُهُم لا يعرف مكانته(علیه السلام) من رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فكَيْفَ يعمل مع هَؤُلاء ؟ ورغم كل ذلِكَ بين لهم الطَّرِيق الشائك ، وأنه أجابهم لما يريدون هم في الْبَيْعَة لا مَا يُرِيدُه ،هو ، وفي هَذَا الحال من مثله لن يتراجع عما عُهد إِلَيْهِ من النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) . ولم يلتفت إلى قَوْل القَائِل مِنْهُم، ثم يخبرهم إما أن يقبلوه بِهَذَا الواقع أو أن يتركوه ويبحثوا عن غَيْره . كما فعلوا في السابق، ولذا قال لهم: «دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهُ. وَأَلْوَانٌ .. وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً».)أنظر ، تأريخ الطبري : 156/5 ، شرح النهج لابْن أبي الْحَدِيد : 597/2وقد قَالَ فيه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: «إن الأُمَّة ستغدر بك بعدي».)أنظر ، كنز العمال : 157/6 ، الحاكم في المستدرك: 147/3 ، أبن حجر في الْأَرْبَعِينَ حَدِيثاً : 74 ح 20 و 1 3 باب ،9 مُنْتَخَب الكنز بهامش مُسند أحمد : 435/5 فَضَائِل الخَمْسَة : 52/3، ط بیروت، شرح ، : 54/6 ، ط مِصْر تحقيق مُحمّد أبو الفضل، تاريخ بغداد : 216/11 ، البداية والنهاية : 218/9وَقَالَ فِيهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : «إنّ فيكم من يُقاتل على التَّأويل كما قاتلت على التَّنزيل» قَالُوا : يارَسُول الله من هو ؟ قَالَ : « خاصف النعل ...».)أنظر ، المصنّف لابن أبي شيبة : 64/12 ح 12131، أسد الغابة : 602/3 ح 6111، دلائل النبوة للبيهقي : 435/6 ، مش- : 435/6 ، مسند أحمد: 82/3

(فَسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ ، وَلا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً ، وَتُضِلُّ مِائَةً ، إلا أَنْبَاتُكُمْ بِنَاعِقِهَا ، وَ قَائِدِهَا ، وَسَائِقِهَا ، وَمُنَاخِ رِكَابِهَا ، وَ مَحَطَّرِ حَالِهَا ، وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً ، وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً . قد توجد قرائن معقولة ، وأَسْبَاب طَبيعية تُشير إلى حوادث مُقبلة، فيصدق التَّنبؤ بها مِمَّنْ أطلع على تِلْكَ القرائن ، والأَسْبَاب ، كالتنبؤ بأحوال الجو، وتقلباته ، وبالخشوف ، والكشوف ، والفيضان ، وبالحَرْب بَيْنَ دولتين قويتين تتنافسان على مصادر الثّروة، وأحتكار الأسواق .. وكلّ تخطيط محكم فإنَّه يشير إلى ما يترتب عَلَيْهِ من نتائج عند تنفيذه، وتطبيقه ، وإذا لم يكن هناك من قرائن ملموسة تشير إلى المستقبل من قريب أو بعيد - يَكُون التَّنبؤ وهماً ، وخيالاً إلا إذا أعتمد على الوحى من علام الغيوب.)ونصّ القُرْآن الكريم على أنّ الإيمان بالوحي أصل أصيل للإيمان بالله ورسوله :

(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بما أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأَوْلَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1). وأوحى سُبْحَانَهُ إِلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ الكَثِير من أنباء الْغَيْب : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوجِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) (2). عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِى رَصَدًا) (3)وكذا النَّبيِّ لا يُظهر على هَذَا الْغَيْب أحداً إلا من أَرْتَضَى الله ، ورَسُوله من ولي، وكَانَ رَسُول الله يُظهر عَلِيَّاً على ما أظهره الله عَلَيْهِ مِن غَيْب .)و من أقوال الإِمَام(علیه السلام : «وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ . وَالْمَنْزِلَةِ الخَصِيصَةِ ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ ، وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَعْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذَّبَهُ فِي قَوْلٍ ، وَلَا خَطْلَةٌ فِي فِعْلٍ ، وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)تَلَهُ مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِي أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ ، وَنَهَارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاقِهِ عِلْماً، وَيَأْمُرُنِي بِالْإِفْتِدَاءِ بِهِ ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي ، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، وَ خَدِيجَةَ ، وَأَنَا ثالِثهما أَرَى نُورَ الْوَحْيِ، وَالرِّسَالَةِ ، وَأَتُم رِيحَ النُّبُوَّةِ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ)


1) البقرة : 3 - 5.

2) آلِ عِمْرَانَ : 44 .

3) الجن: 26 - 27 .

الْوَحْيُ عَلَيْهِ(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ ! فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ ، وَتَرَىٰ مَا أَرَى إِلا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِي ، وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ » (1).)وَقَالَ الأستاذ عبد الكريم الخطيب الأديب المصري في كتاب : «إذا ذهبت تَسْتَعرض جَمِيعِ الَّذِين كَانُوا في كنف رَسُول الله من زوّج ، وولد لَم تَجد أحداً مِنْهُم قَد كَانَ له من طول الصُّحبة ، والمخالطة ما كَانَ لِعَليّ، فلقد صَحِبٌ رَسُول الله صُحبة مُتصلة أكثر من ثلاثين عاماً ، وتِلْكَ مُدَّة لم يظفر بها أحد من المُسْلِمِين جَمِيعاً ، فَإِذَا اجتمع إلى طول الصُّحبة الْقَرَابَة الْقَرِيبَة ، والألفة المتصلة ، والمخالطة في حلو الحياة ومرّها مَع أذن واعية ، وقلب ذاكر ، وعقل حافظ كَانَ كلّ ما نُسب إلى عليَّ من عِلم قليلاً بالنِّسْبَة إلى ما يُرجى مِنْهُ ، ويؤمل فِيهِ ، وإن أستكثره المُستكثرون ، وشكّ فِيهِ الشاكون» (2.)فكلّ غَيْبٍ أخبر به الإِمَامِ فَهُوَ عن رَسُول الله عن جِبْرِيلَ عن الله ، كما قَالَ: ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فَعَلَّمَنِيهِ ، وَ دَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي ، وَتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جوانحي )(3).)(وَ لَوْ قَدْ فَقَدْ تُمُونِي ، وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ ، وَحَوَازِبُ الْخُطُوبِ ، لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ ، وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ . إِذَا خَلي مكاني مِن بَيْنَكُمْ ، ثم)


1) أنظر الخُطْبَة رقم (234) من شرح النهج للسيد علي نقي فيض الإسلام: 802، والخُطبة : (192) من خُطب الشَّرِيفِ الرَّضِي .

2) أنظر ، علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة، وخاتم الخلافة للأستاذ عبد الكريم الخطيب : 268 وما بعدها طبعة سنة 1967م.

3) أنظر ، نهج البلاغة : الخطبة (128) .

نَزَلَتْ بِكُمْ نَازِلَة ، أو حدثت مُشْكِلَة فلا تجدون من يردها ، أو يُجيب سائلاً عن حكمها (وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَصَتْ حَرْبُكُمْ . أي تمادت الحَرْب بَيْنَكُمْ ، وبَيْنَ أَعدائكم ( وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ ( كناية عن شِدّة الحَرْب وَ ضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً ، وَ تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلاءِ عَلَيْكُمْ ) . سوف يعضكم بعدي الْبَلاء ، ويشتد حَتَّى تروا الْيَوْم الواحد أَبَداً لا نهاية له ، وذَلِكَ أنّ المعافى يُقيس الزَّمَان بِمَا قَرره عُلَماء الفلك ، أما المبتلى فتمد الثانية في إحساسيسه ، وشعوره أَيَّامَاً ، كما قَالَ المُتَنَبِّي : «وَليل العاشقين طويل»(1).(حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُمْ . أي أنه تَعَالَى لا يرفع الضّيق ، والشِّدَّة عَنْكُمْ إلّا إذا وجد مِنْكُم أحرار يُجاهدون البَغْى وأهله ، ويصبرون على الشَّدَائِد في سَبيل الْحَقِّ ، وَيَسْتَشْهِدُون من أجلِ الْحُرِّيَّة ، والكَرَامَةِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)(2). (إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ ) أي يَلتبس أمرها على البسطاء حين تفاجئهم ، ويظنونها خَيراً (وَ إِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ ) لا تنكشف حالها حَتَّى تخمد. ويظهر ضررها ، وخطرها للعيان (يُنْكَرْنَ مُقبلاتٍ ، وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ ) . هَذَا بيان. وتَفْسِير لما قبله ، وقد مثل له أبن أبي الحَدِيد بفتنة الجَمَل ، والخَوَارِج (3). حَيْث كَانَ كَثِير من النَّاس متوقفين في بداية الأمر، ولما وضعت الحرب أوزارها استبان لهم)


1) هَذَا عَجز من بَيْت للمتنبي في قصيدته التي يمدح بها سَيْف الدَّوْلَة، والتي مطلعها :)ليالي بعد الطاعنين شكول *** طوَال، وَلِيلُ العاشقين طويلأنظر ، ديوان المتنبي بشرح عبد الرحمان البرقوقي : 195/4، مطبعة الإسْتِقَامَة، مضر، 1357ه-، شرح شافية أبن الحاجب شرح رضي الدين الاسترابادي : 80/4.

2) الرّعد: 11

3) أنظر ، شرح النهج : 53/7 .

صاحب الهداية وصاحب الضَّلالة . (يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ ، يُصِبْنَ بَلَداً ، وَيُخْطِتْنَ بَلَداً . إنّ الفِتَن تماماً كالرّياح تعصف في مكان وتهدأ في آخر .)### فِتْنَةٌ بَنِي أُمَيَّةَ ... فِقْرَة 3 - 4:أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءٌ مُظْلِمَةٌ : عَمَّتْ خُطَّتُهَا ، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا ، وَ أَصَابَ الْبَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا ، وَ أَخْطَأَ الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا ، وَ اَيْمُ اللهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي ، كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْدِمُ بِفِيهَا ، وَ تَخْبِطُ بِيَدِهَا ، وَتَزْيِنُ بِرِجْلِهَا ، وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا ، لا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ الأُنَافِعَا لَهُمْ ، أَوْ غَيْرَ ضَائِرِ بِهِمْ وَلَا يَزَالُ بَلاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ الأكانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ ، وَ الصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ ، تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةٌ ، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةٌ ، لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدى ، وَلا عَلَمْ يُرَى .نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ ، وَ لَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ ، ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيج الأديم : بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً ، وَ يَسُوقُهُمْ عُنْفاً ، وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لا يُعْطِيهِمْ إلا السَّيْفَ ، وَلا يُخْلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْنَ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْش - بالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا - لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً ، وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرٍ جَزُورٍ ، لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلا يُعْطُونيه !اللُّغة:الخطّة -بضم الخاء - الأمر ، يُقَال : تِلْكَ خُطَّة لَيْسَت ببالي أي ذاك أمر والضَّرُوسِ من التَّوق : ما نَعَضَ حَالبها ، ويُقَال: ضَرَسَه الدَّهْر أي اشتد عَلَيْهِ .

وتَعْذِمُ : تَعَضَ ، وَتَزْبِنُ : تَضْرِبُ والدَرَّ : اللَّبَن . والشَّوْهَاءَ: الْقَبِيحَة . والمَخْشِيَّة : المخوفة. والأديم : الجلد. والخسف : الذُّل . وبِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ : مَلُوءَة من مَلأ الكأس إلى أَصْبَارِها أَي إِلَى رَأْسِها . وجَزْرِ النَّاقَة : نَحْرِها ، والشَّاءَ ذَبْجَهَا ، والنَّحْلَة صَرَمَهَا وكَلِمَة الجُزُور تُطلق على الناقة ، والشَّاة .### الْإعْرَاب:اَلا لافتتاح الكلام، وَايْمُ اللهِ مُبْتَدَاً، والخَبَر مَحْذُوف وجُوباً أي قسمي و «بِكُمْ» مُتَعَلِّق بمَحْذُوف خَبَراً «يَزَالُونَ» أي لا يَزَالُونَ قائمين بِكُمْ، وَشَوْهَاءَ حَال من فِتْنَتُهُمْ ، ونَحْنُ مُبْتَدَاً ، وعِنْجَاةٍ خَبَر ، ومِنْهَا مُتعلّق به ، وأَهْلَ الْبَيْت نُصب على الاختصاص أي أخص أَهْلَ البَيْت وخَسْفاً مَفْعُول مُطلق ، ومِثْله عُنْفاً ، لَوْ يَرَوْنَنِي «لَوْ» مَصْدَرِيَة بِمَعْنَى «أنْ» ولكن بلا نَصب ، وَلَوْ قَدْرَ «لَوْ» هَذِه للتقليل كما قيل وقَدْرَ نُصب على الظُّرفية لأن معناه الوقت اللازم لذَبْحِ جَزُورٍ.### الْمَعْنى:بعد أن أشار الإمام إلى الفِتْنَة ، وإنّه أخمدها ، وإِنَّهَا تختفي مُقبلة، وتظهر مُدبرة - أَشار إلى الْفِتْنَةِ الأُموية بقَوْله : (أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةٌ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ : عَمَّتْ خُطَّتُهَا ، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا . المراد بعموم خُطَّتها أنّ رئاسة الأمويين كَانَتْ ، عامة تشمل الجميع ، واختصَّتْ بَلِيَّتُهَا بِالأحرار والمُسْتَضْعَفِين حَيْث كَانَ الْأُمُويُون يَسْتعبدون، ويَسْتعْلُون هؤلاء، ويُنكلُون بأُولَئِكَ قتلاً، وتشريداً ، وأسراً، وتصفيداً (وَ أَصَابَ الْبَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا ) اشتد)

الْبَلاء في هَذِه الدَّوْلَة الطَّاغية - على أَهْل الْعِلْم ، والإخلاص ، يُصيبهم من عُدوانها السهم الأوفر لصدقهم، ومعارضتهم ، ويُشاهدون المنكر هنا وهناك، ولا يملكون من أَمْرِه وأمرهم شَيْئَاً .(وَ أَخْطَأَ الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا . أي عن الْفِتَنِ ، والْمَعْنى أَنَّ مَا مِن أَحدٍ يَسلم مِن جوْر الأُمويين إلا مَن يُبارك أباطيلهم عن جهل، وعمى ، أو عن قصد ، وطمع (أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي ، كَالنَّابِ الضَّرُوسِ ) أي النَّاقَة الشَّمُوس (تَعْذِمُ بِفِيهَا ) تَعَضٌ وَ تَخْبِطُ بِيَدِهَا ، خَبطَاً شَديداً (وَتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا) ، تَضْرِب بها من يَقرب مِنْهَا وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا خَيرها وَلَبنها (لا يَزَالُونَ بِكُمْ) يَهْلَكُون الحرث ، والنَّسل (لأ يَتْرُكُوا الأنَافِعاً لَهُمْ ) لا يَسلم من شرهم إلا مَن كَان عميلاً من عُملائهم (أَوْ غَيْرَ ضَائِرِ بِهِمْ ) . يقف على الحياد لا يُساوم، وَلاَ يُقاوم .)(حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ الأكانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ ، وَ الصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ مِنْ رَبِّهِ أي من سَيِّده ، وَالصَّاحِبِ التّابع ، والمُسْتَصْحِبِ المتبوع، والمعنى أنّهم يتلونون مع الأمويين كالخدم العبيد ، يطيعون في الظَّاهِر ، ويتميزون من الغَيْظ في الْبَاطِن ، وَقَالَ الْإِمَام : «وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيّدِهِ ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ ، وَإِذَا غَابَ أَغْتَابَهُ » (1)(تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً ، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةٌ ، لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدىً ، وَلا عَلَمْ يُرَى ) أي أنّ دولة أُمَيَّة شَرٌ كُلّها ، عدلها بعيد ، وجَوْرَها عَتيد.)قَالَ طه حسين : جعل مُعَاوِيَة الخِلافَة مُلكاً ، وأورثها ابْنِهِ من بَعْدَه ، واستباح


1) انظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (98).

أشياء حَرمها الْقُرْآن ... ثم تتابع الخروج على الكِتاب ، والسُّنَّة ، لأنّ الإِثْم يَدعو الإِثْم ، ولأنّ حُبّ الدُّنْيَا لا يقنع صاحبه ، فالله قد حَرّم مَكَّةَ فِي الْقُرْآن ، وحَرَمِ النَّبِيِّ المدينة ، وقد أستباح بَنُو أُمَيَّة المَدِينَة ومَكَّة جَمِيعاً ، بدأ يَزِيد بن مُعَاوِيَة فَأَستباح المدينة ، وأنهبها ثلاثاً ، وثنى عبد الملك بن مَرْوَان فأذن للحجاج في أنْ يستبيح مَكَّة ... كلّ ذَلِكَ لتخضع البلاد المقدسة لبني سُفْيَانَ ، ومَرْوَان ، وأستباح أبن زياد عن أمر يزيد قتل الحسين ، وأبنائه ، وإخوته ، وسبي بنات النَّبِيِّ ... وأَصْبَحَ مال المسلمين ملكاً للخلفاء، ينفقونه كما يُحبّون لا كما يُحِبّ الله »(1.وَقَالَ طه حسين : «ولستُ في حَاجَة إلى أنْ أذكر زياداً ، ذاكَ الَّذي أعلن في خطبته المشهورة أنه سيأخذ البريء بالمسيء ، والصَّحيح في دينه بالسّقيم ، وَلاَ أذكر الحجاج الذي أسرف في القَتْلِ بغير الحَقِّ ، فقد كَانَ ،زياد ، والحَجاج طاغيتين


1) أنظر ، مرأة الإسلام 268 طَبْعَة 1959م. (مِنْهُ قدّس سرّه) . والإصابة لابْن حَجَر : 64/1 . فهل تقبل هذه المدرسة - مدرسة الخلافة - أنْ يَكُون خليفتها بزيد بن مُعَاوِيَة الَّذي قتل سبط رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وريحانته في كربلاء ، وأباح المدينة ثلاثة أيام، ورمى الكعبة بالمنجنيق ، و... و...؟ وكتب مُعَاوِيَة العهد إلى ابنه يزيد وجعل له الخلافة من بعده وَقَالَ: «... إنّي من أجلك آثرت الدُّنْيَا على الآخِرَةِ، ودَفَعت حق علي بن أبي طالب، وحملت الوزر على ظهري وإنّي لخَائِف أن لا تقبل وصيتي. فتقتل خيار قومك، ثم تعدوّ على حرمة ربّك فتقتلهم بغير الْحَقِّ ، ثم يأتيك الْيَوْم بَغْتَه، فلا دُنيا تُصيب وَلا آخرة تُحبّ يابني إنّي جعلت هذا مطمعاً لك . ولولدك من بعدك ... وكُن حازماً صارماً ... فإنّي كفيتك الجد. والتر حال .... ولقد وطأت لك يا بني البلاد، وذللت لك رقاب الْعَرَب الصعاب ... ومهدت لكَ الملك من بعدي تمهيداً ....».)أنظر ، نص الكلام في الفتوح : : 353/3 و 354 و 355 و 356 و 357، تأريخ الطبري : 179/6 و 180 باختلاف بسيط، الإصابة : 169/4 ، تهذيب التهذيب : 174/6، المقتل للخوارزمي: 17/1 ، البيان والتبيين : 107/2، الكامل لابن الأثير : 4/4 ، مع إختلاف في بَعْض الْأَلْفَاظ .

أَطلق خُلَفَاء بَنِي أُمَيَّة أيديهما ، وأَيْدِي غَيْرهما من ولاة الْعِرَاقِ في دِماء النَّاسِ وأَمْوَاهُم فَأَفْسَدُوا، وَأَمْعَنُوا فِي الْفَسَاد »(1.)(نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ أي من أوزار الدَّوْلَة الأموية، وآثمها ، لا من ظلمها وعُدْوَانها ، لأنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ ، وشِيعَتهُم كَانَ هُم من الجَوْر الأموي الحظ الأَكْبَرَ والنَّصيب الأوفر (وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ ) للأشرار ، وأَهْل الفَسَاد ، والضَّلال (ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيحِ الأديم ) . قيل : إن الإمام أشار إلى أنقراض دولة مُويين ، وقيام دولة العباسيين ، وقيل : إِشَارَة إِلى صَاحِب الأَمْرِ (يَسُومُهُمْ خَسْفاً ، وَ يَسُوقُهُمْ عُنْفاً ، وَيَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لا يُعْطِيهِمْ إِلا السَّيْفَ ، وَلا يُحْلِسُهُمْ إِلا الْخَوْفَ ) . وينطبق هَذَا تَمَاماً على ما فعله العبّاسِيُّون ببني أُمَيَّة من الْقَتْلِ والتَّسْرِيد وهو قَرينة ظاهرة على ترجيح الْقَوْل الأَوَّل .)(فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشُ - بِالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً ، وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ الْمُرَاد بِقُرَيْش هنا بَنُو أُمَيَّة ، وبالخصوص مروان بن محمد آخر ملوكهم ، والمراد بالمقام الواحد الزَّاب، وهو نهر بالموصل . ومُلخص هَذِه الحكاية التي أشار الإِمَام إِلَيْهَا قَبل وقوعها بأكثر من تسعين عاماً: «أَنّ مَرْوَان بن مُحمّد المذكور سار بجيوشه لملاقاة جيوش العباسيين حَتَّى نزل على الزَّاب (2)، ولما رأى رايَة أَعْدَائه بقيادة عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن الْعَبَّاس - قَالَ : وددت أن)


1) أنظر ، مرأة الإسلام 293 طَبْعَة 1959م. (مِنْهُ قدّس سرّه) . وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 0514/16 تأريخ مدينة دمشق: 179/19 ، الكَامِل للمبرد : 268/1 ، عيون الأخبار : 9/1، البيان والتبيين: 62/2، العقد الفريد : 6/5، الأمالي للقالي : 185/3 .

2) يُراد به الزاب الأعلى، وهو ما بَيْنَ الموصل وإربل كما جاء في معجم البلدان .

علىّ أبن أبي طالب تحت هَذِهِ الرَّاية بدلاً من هَذَا الفَتى العبّاسي »(1.)قَالَ أبن أبي الحَدِيد في شرح هذه الخُطْبَةُ : والقِصَّة مشهورة نقلها أَهْل السير كُلهم ... وَهَذَا الكلام من الإِمَام إخبار عن ظهور المسودة - أي بَني العَبَّاس - و انقراض مُلك بَني أُمَيَّة ، وقد وقع الأمر بموجب إِخباره صلوات الله عَلَيْهِ ، وصدق في قَوْله : «تَوَدُّ قُرَيْس - بِالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي .. إلخ » .. وَلَا تَفْسِير لِهَذَا الصِّدْق إلّا بالوحى من الله ورسوله ، ومنه إلى الإمام .(لأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلا يُعْطُونِيه . رضي الإمام من الأمويين بالسكوت ، لا له ، وَلا عَلَيْهِ ، فأبوا ، وحاربوه بكل سلاح ولما أنتقل إلى ربّه ودوا لو حكمهم دُونَ غَيْره ، لأنه صاحب دين ، لا طَالب دُنيا بأعتراف الأُمويين أَنفسهم.)


1) القصَّة طويله ومشهورة ، أنظر ، الكامل لابن الأثير : 327/4 - 334 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 57/7 ، القارات : 12/1

## الخطبة-94-### قَامُوا بدين الله... فِقْرَة 1 - 2فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ ، وَلا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ ، الأَوَّلُ الَّذِي لا غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ ، وَ لَا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِيَ ، فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ ، وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍ ، تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الْأَصْلَابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ ، كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللهِ خَلَفٌ. حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً ، وَ أَعَزُّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً ، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَ انْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ ، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ ، وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ ، نَبَتَتْ فِي حَرَمِ ، وَ بَسَقَتْ فِي كَرَمِ ، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ ، وَ ثَمَرُ لا يُنَالُ ، فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى ، وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى ، سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ ، وَ شِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ، وَ زَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ ، سِيرَتُهُ الْقَصْدُ ، وَ سُنتُهُ الرُّشْدُ ، وَكَلامُهُ الْفَضْلُ ، وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ ، أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ ، وَغَبَاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ. أَعْمَلُوا ، رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى أَعْلَامٍ بَيِّنَةٍ ، فَالطَّرِيقُ نَهْجُ يَدْعُوا إِلى دَارِ السَّلاَمِ ، وَأَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ ، وَ فَرَاغِ ، وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ ، وَالْأَقْلَامُ جَارِيَةً،)

وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ ، وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ ، وَ التَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ ، وَ الْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ .### اللُّغة:تَبَارَكَ : تَقَدَسَ ، وتَنَا سَخَتُهُمْ : تَنَاقَلَتُهُمْ . وأَفْضَتْ : بَلَغَتْ. والمَنْبَت : موضع النبات. والمَغْرَس : موضع الغَرْس . والأَرُومَاتِ : الْأُصُول . وصَدَعَ بالشَّيء : قَام به ، ومَضَىٰ فِيهِ ، وصَدَعَ إِلَيْهِ : مَال إِلَيْهِ ، وعَنْهُ : كَفَّ ، ومِنْهُ شَقَ ، وأخرج . و انْتَجَبَ : اصْطَفى وأختار . وَالزَّنْدٌ: يُقتدح به النَّار . والْقَصْدُ : الاِسْتِقَامَة . والفَتْرَة : الهدْنَة . والهَفْوَة : الزَّلَة . واسْتَعْتَب : اسْتَرْضَاه، وما بَعد المَوْتِ مُسْتَعْتَب أي اسْتَرضَاء.### الْإِعْرَاب:الَّذِي لا يَبْلُغُهُ أسم الموصول صفة الله ، أو بدل ، والأَوَّل بَدل ، أو خَبَر لمبتدأ فذُوف أي هو الأَوَّل ، وكُلَّمَا «مَا » مَصْدَرِيَة ظرفية ، ونصبت كلَّ لِأَنَّهَا مُضافة إلى الظرف ، ومَنْبِتاً تمييز مَغْرِساً ، والّتي صَدَعَ صِفة للشَّجَرَةِ .### الْمَعْنى:(فَتَبَارَكَ اللهُ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَم، وَلا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ ، الأَوَّلُ الَّذِي لا غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ ، وَلا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي . تَقَدَّم أكثر من مرة أن الذات القُدسية أَجل من أنْ تُدرك بالعُقُول ، والأوهام ، وكَيْفَ يُحيط المحدود بمن لا بداية له ، ولا نهاية ! وهل تَكُون الذَّرَّة الصَّغيرة وعاء للكون بكواكبه ، وعجائبه ، وكلّ ما يَسْتَطِيعَه)

الْعَقْل بالنِّسْبَة إِلَيْهِ تَعَالَى هو إدْرَاكَ وُجُودِه ، وإِنه لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ ، لأَنه خَالق كلّ شيء ، والخَالِقِ غَيْرِ الْخُلُوقِ فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَع ، وَأَقَرَّهُمْ فِي مُسْتَقَرٍ ، تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الْأَصْلَابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ ، كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ ، قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللهِ خَلَفٌ . يُشير الإِمَام بِهَذَا إِلى الأَنْبِيَاء ، وإِنه تَعَالَى نَقلهم من الأصلاب الطَّاهرة إلى الأَرْحَامِ المطهرة عن الزنا ، والفُحش ، وَيَرَى الْإِمَامِيَّة أنّ كلّ نَبِي يَجب أن يكون مُنزهاً عن دناءة الآباء ، وعِهر الأُمهات لأنّ ذَلِكَ مُنفّر منه .. وَهَذَا مجرد أسْتِحْسَان لا يُلزم به الْعَقْل، فإنْ ثَبت النقل القطعي متناً ، وسَنداً عِند الباحث وَجَبَ عَلَيْهِ الاعتقاد بذلك ، وإلا فلا وجوب وَلا استحباب أيضاً إنْ صَحٌ التّعبير . وقَوْل الإِمَام : « كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ ، قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّهِ خَلَفٌ » إِشَارَة إِلَى ما جاء في الآية : (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) (1). أي مُتواترين متتابعين .)(حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَثْبِتاً ، وَ أَعَزِّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً ، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ ، انْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ) . قَالَ الرَّسول الأَعْظَم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : « والله مَا أُحبّ أنْ تَرْفَعُوني فَوق منزلتى» (2). والسبب الموجب هذَا النّهى أنه لا شيء فوق مُحَمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إِلَّا الله ، ومَنْزَلَة .)


1) الْمُؤْمِنُون: 44.

2) أنظر ، تَفْسِير أبن كَثِير: 591/1 السُّنن الْكُبْرَى : 6/ 70 ح 10077 و 10078، مسند أحمد: 153/3 ، 12573 و 13621، مُسند عبد بن حمید : 397/1 ح 1337 ، عمل الْيَوْم واللَّيْلَة : 249/1 - 248 و 249 ، المدخل إلى السنن : 332/1 - 536

خاتَم النَّبِيِّين من النَّسب أنّه يتصل بإِسْمَاعِيلَ أبن خليل الله إِبْرَاهِيم ، وإِلى هَذَا أَشار الْإِمَام بقَوْله : «أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً ، وَ أَعَزِّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً»، ويجوز أَنْ يَكُون المراد بالمنبت مكة محل ولادة النَّبِيِّ ، وبالمغرس جده إِسْمَاعِيلَ ، ومنزلته من مَكَارِمِ الأخلاق أنّه متمم لها ، ومنزلته من النُّبُوَّة أنّه سيّد المُرْسَلِين ، وخاتم النَّبِيِّين. ومنزلته من الجهاد أنّه مُنقذ الإنسانية على حَدِّ ما وَصَفه برنارد شو(1.)(عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ ، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ ، وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ، وَبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ ، وَ ثَمَرٌ لا يُنَالُ . سَبقَ الحَدِيث عن العِتْرَةِ الطَّاهرة ، وفضلها(2)، وللتبرك تذكر ما جاء في صَحِيح مُسْلِم : قالت عَائِشَةَ: خرج النَّبيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)وعَلَيْهِ مرط مرحل - أي بُرد عَلَيْهِ تصاوير - فجاء الحَسَن بن عليّ فأَدْخَلَه ، ثُمَّ جَاء الحُسَين فدخل معه، ثم جاءت فَاطِمَة فَأَدْخَلَها ، ثم جاء على فَأَدْخَلَه ، ثُم قَالَ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (3)

هذا الحديث روي بطرق عديدة في كتب التاريخ والتَّفْسِير، وأهل السير، والحديث عن أم سلمة. فتارةً يروى بأنّ النّبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخذ ثوباً فجلله على عليّ، وفَاطِمَة، والحسن والحسين وهو معهم، ، ثم قرأ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قالت : فجئت أدخل معهم فقال(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في مكانك إنكِ على خير. (ذَخَائِرِ الْعُقْى: 21 فَضَائِل أَهْل الْبَيْت (علیهم السلام)).)وتارةً أُخرى يروى عَنْهَا رضي الله عنها أيضاً قالت : إن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال الفَاطِمَة : انتيني بزوجك وأبنيك ، فجاءت بهم فألق عَلَيْهِمْ كساءً فَدَكِياً، ثم وضع يده عَلَيْهِمْ وَقَالَ : أَللَّهُمَّ إِنْ هَؤُلاء آل محمد . فأجعل صلواتك وبركاتك على محمد وآل مُحمّد إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة: رفعت الكِسَاء لأدخل معهم فجذبه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وَقَالَ : ففي مكانك إنك على خير. (المصدر السابق). وتارةً ثالثة يروى عَنْهَا أيضاً أَنَّهَا قالت : بينا النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)في بيتي يوماً إذ قالت الخادمة : إنّ عَلِيَّاً. وفاطِمَة بالسدّة قالت: فأخبرت النّبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فقال لي : قومي وأفتحي الباب، ففتحته فدخل علي، وفَاطِمَة، ومعهما الحسن والحسين وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره وقتلها، وأعتنق عَلِيَّاً بإحدى يديه، وأعتنق فَاطِمَة باليد الأخرى، وقبل عَلِيَّاً وقبل فَاطِمَة، وأعدف - أغدق - عَلَيْهِمْ خميصةً سَوْدَاء، ثمّ قَالَ : أَللَّهُمَّ أنا وهَؤُلَا، أَهْل بيتي ، إِلَيْكَ لا إلى النار . قالت : قلت : وأنا يا رَسُول الله ؟)قَالَ: وأنتِ على خير. (ذَخَائِرِ الْعُقْنى: 21 فضل أهل البيت (علیهم السلام .)والظَّاهِر أنّ هَذَا الفِعْل تَكَرَّر مِنْهُ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما قلنا آنفاً .)وتارةً رابعة روي عَنْهَا أيضاً أنها قالت: جاءت فاطمة أباها (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بغدادية ببرمة، وقد صنعت له فيها عصيدة تحملها في طبق لها ووضعتها بين يديه لعل الله فَقَالَ لها : أين أبن عمك ؟ قالت : هو في الْبَيْت قَالَ: إذهبي فأدعيه وانتيني بأبنيك، فجاءت تقود أبنيها كل واحد منهما بيد وعلي يمشي في إثرهما حَتَّى دخلوا على رَسُول الله فأجلسهما في حِجرِه ، وجلس عليّ على يمينه ، وفَاطِمَة على يساره. قالت أُم سلمة : واجتذب من تحتي كساءً خيبرياً فلقهم رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)جميعاً، وأخذ بطرفَي الْكِسَاء . وأَوْمَاً بيده اليمنى إلى ربِّه وَقَالَ : أَللَّهُمَّ هَؤُلاء أَهْل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً - قالها ثلاث مَرَّات .. قلت : يا رَسُول الله ألست مِنْهُم ؟ قَالَ :لي: أدخلي في الكساء، فدخلت في الكساء بعد ما قضى دعاءه لابن عمه وأبنته وأبنيه . الْمَصْدَر (السابق).)وتارةً خامسة عن أُم سلمة أيضاً قالت : كَانَ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عندنا منكساً رأسه فعملت له فَاطِمة حريرة. فجاءت ومعها حسن وحسين ، فقال لها : انتيني زوجك ، إذهبي وأدعيه ، فجاءت به فأكلوها فأخذ(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كساءً فأداره عَلَيْهِمْ وأمسك طرفه بيده اليسرى، ثم رفع يده اليمنى إلى السَّمَاءِ وَقَالَ : أَللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْل بيتي وحامتي وخاصتي اللَّهُمَّ أذهب عَنْهُمْ الرجس وطهرهم تطهيراً. ثم قَالَ : أنا حَرْبٌ لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم ، وعَدُوّ لمن عاداهم (المصدر السابق). وتارةً سادسة عن أم سلمة قالت : في بيتي نزلت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) فأرسل النبي لا اله إلى عليّ وفَاطِمَة والحسن والحسين، فجاؤوه، فألق عَلَيْهِمْ كساءُ، فَقَالَ : أَللَّهُمَّ هَؤُلَاء أهل بيتي ، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فقلت: يا رَسُول الله أما أنا من أَهْل الْبَيْت ؟ قَالَ : بلى إن شاء الله . (أنظر المصدر السابق).)وروي الحديث أيضاً عن ابن عَمْرُو بن شعيب عن أبيه عن جده وعن وائلة بن الأسقع أيضاً.وروي الحَدِيث عن عَائِشَة وعن عُمَرَ بن أبي سلمة ربيب رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . (أنظر المصدر السابق ، وكَذَلِكَ الترمذي : 3875/328/5 قد سبق أن أشرنا إِلَيْهِ، وكَذَلِكَ روى الترمذي عن أنس وأبي الحمراء في نفس الباب . وروى هَذَا الحَدِيث أيضاً الحَاكِم الحسكاني في شواهد التنزيل: 649/30/2 عن الحسن بن علي، المناقب لابن المغازلي: 346/302 وح 432 ، تأريخ دمشق لابن عساكر: 304/1)ورواه أيضاً سعد بن أبي وقاص الزهري كما ذكره المحاكم في كتابه معرفه الصَّحَابَة من المُسْتَدرَك : 147/3، سنن البيهقي : 63/7 ، تفسير الطبري : 22/ 8 ح 15 . ورواه الحافظ الكنجي مُسْنَداً في كفاية 15 الطالب : 144 . ورواه الحاكم وحكم بصحته على شرط الشيخين وأقره الذهبي في المستدرك : 159/3. والحديث رواه مُحمّد بن مُحمّد بن زيد العلوي في المجلس 13 من كتاب عيون الأخبار الورق: 41 ، ورواه صاحب تجمع الزوائد : 169/9 . ورواه الطبراني ح 134 تحت رقم 2662 من المعجم الكبير : 1 / الورق 125.

.

1) أنظر ، شرح الخُطْبَة رقم ( 1 و 72 و 88) . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

2) أنظر، شرح الخُطْبَةُ: رقم 2 و 84 وغيرهما . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

3) الْأَحْزَابِ : 33 .)أنظر صحيح مُسْلِم : 2/ ق 1162 بَاب فَضَائِل أَهْل البَيْت طَبْعَة سَنَة 1349 هـ . (مِنْهُ قدّس سرّه .)وأنظر، أعتراف أُمّ الْمُؤْمِنِينَ ، وأم سلمة زوج النبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّمبأن أهل البيت، هُم عليّ، وفَاطِمَة،والحسن والحسين (علیهم السلام)، وهي خارجة عنهُمْ. شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي : 2/ 39 ح 659 و 706 و 707 - 710 10 7 و 713 و 714 و 717 و 720 و 722 و 724 و 725 و 726 و 729 و 731 و 737 و 738 و 740 و 747 و 748 و 752 و 755 و 757 - 761 و 764 و 765 و 768 ، الرياض النضرة لمحب الدين الطبري الشافعي: 248/2 الطبعة الثانية ، مطالب السؤول لابْن طَلْحَة الشافعي: 19/1 ط النجف ، سنن التّرمذي : 327/5 ح 3205، صحيح الترمذي : 31/5 ح 3258 و 328 ح 3875 و 361 ح 3963.)وأنظر فتح الْبَيَان لصديق حسن خان : 364/7، فتح القدير للشوكاني : 279/4 ، مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي : 303 ح 347 و 349 تَفْسِير ابْن كَثِير : 484/3 ، الدر المنثور للسيوطي : 1982 ، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي : 238 ، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى للطبري الشافعي: 21 كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي : 372ط الحيدرية ، وينابيع المودة للحافظ القندوزي الحنفي : 107 و 228 و 230 و 294 ط اسلامبول، أسد الغابة لابن الأثير : 12/2، و: 413/3، و : 29/4، السيرة النَّبَوِيَّة بهامش السيرة الحلبية : 330/3 ط البهية بيضر، تفسير الطبري : 7/22، إسعاف الراغبين بهامش نور الأَبْصَار : 97ط العُمانية ، بحار الأنوار: 226/35 : أَسْبَاب النزول للواحدي بسنده عن أحمد : 267 الطبعة الأولى و 239 . وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 184/14 الصَّوَاعِقِ الخَرِقَة لابْن حَجَر : 141 و 143 ، تَفْسِير القرآن العظيم لابن كَثِير : ، 485/3 و 486 . النسائي في الخصائص: 9 ينابيع المودة : 54/1 الكشاف للزمخشري : 193/1، مُسْنَد أحمد بن حنبل : 259/3 ط 1983 ، أنساب الأشراف للبلاذري : 104، الاعتقاد مَذْهَب السلف للبيهقي : 186 ، المناقب لابن المغازلي : 189 ، ذَخَائِرِ الْعُقبى للمحب الطبري: 21 ، صحیح مُسلم: 120/7 و 121.

(فَهُوَ أي النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)(إِمَامُ مَنِ اتَّقَى ، وَ بَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى ، سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ، وَشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ ، وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ ). وَهَذَا ما نطقت به الآية : (يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ ، وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) (1). (سِيرَتُهُ الْقَصْدُ ، وَ سُنَّتُهُ الرَّشْدُ الْإِعْتِدَال في كلّ شيء ، والكمال البشري في كلّ وَصف، والإخلاص في الْقَوْل ، والْعَمَل وَكَلَامُهُ الْفَضْلُ ، وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ ) . لا مُحاباة ، وَلاَ شهوات . وَتَسْأَل : أشتهر عن النَّبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنّه قَالَ : «أنّكم تَخْتَصِمُونَ إِليَّ، وإنّما أنا بشر ، ولعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُون أَلحن - أي أَبَيْنَ - بحُجَّتِه من بَعْض فأحسب أنه صادق فأقضي له ، فإنّي أَقضى بَيْنَكُمْ على نحو ما أَسْمَع ، فمن قَضَيت له من حقٌّ أَخيه شَيْئَاً


1) الأَحْزَابِ : 45 - 46

فلا يأخذه ، إنما أقتطع له قِطْعَة من النَّار يُطوق بها من سَبْع أَرَضِينَ»(1). ومَعْنَى هَذَا أنه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) قد يقضي بغير الواقع ، فكَيْفَ يَكُون حكمه الْعَدْل ؟ .

والجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤال : موجود في قَوْل النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): وهو : «إنما أنا بشر ... أقضي على نحو ما أَسْمع ... فأحسبه صَادِقَاً». أي أنْ النَّبِيِّ حين يقضي بَيْنَ اثنين لا ينزل عَلَيْهِ وحى من السَّماء بأنّ هذا هو الحق ، وذَاكَ بَاطِل ، وإنما يعتمد في الحكم، والفصل بَيْنَ النَّاس على ما قرره سُبْحَانَهُ لكلّ قاض من الأصول كالبينات ، والأيمان، وغيرهما مِمَّا يُوجب الْعِلْم ، والوثوق ، كما قَالَ: «فأحسبه صَادِقَاً». ومَعْنَى هَذَا أَنَّ الْعَدْل في الحُكْم يرتبط بالأصول المقررة، وأنّ العالم الْعَادِل من عرفها والتزم بها ، وإن مَن تَاه عَنْهَا فَهُوَ جَائِرٍ ، أو جاهل .

(أَرْسَلَهُ) الضَّمِير محمد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) (عَلَى حِين فَتْرَةٍ) بَينه ، وبَيْنَ مَن سَبقه (مِنَ الرُّسُلِ ) . وتَقَدَّم مِثْله بالنّص الحَرفي(2)(وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ ) أي إنحراف النَّاس عن دِين الله وشريعته (وَ غَبَاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ ) . جَهل ، وعَماء (أعْمَلُوا ، رَحِمَكُمُ اللهُ، عَلَى أَعْلامِ بَيِّنَةٍ ) . الْمُرَاد بالأعلام البَيِّنَة هُنا أَئمة الهُدَى ، أو أَحْكَام الله سُبْحَانَهُ الظَّاهِرة فِي كتابه وسُنّة نَبِيَّه ، والمعنى واحد ، وهو وجوب المبادرة إلى العَمَل بعد أن قامت الحجة ، وأنقطعت المَعْذِرَة.

(فَالطَّرِيقُ ) إِلى مَرْضَاتِه تَعَالَى (نَهْجُ ) واضح (يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ) والأَمَان من المخاوف ، والمهالك ، وطُوبى لمن سلكه ، والويل لمن تاه عنهُ، وَقَالَ بَعْض


1) أنظر ، تَفْسِير القُرطبي : 120/4 ، تفسير ابن كَثِير : 551/1، صحیح مُسلم : 1337/3 صحيح البخاري : 867/2 ح 2326 ، صَحِيح ابن حبان : 460/11 ح 5071، المستدرك على الصَّحِيحِين : 447/4 ح 8229 موارد الظمآن : 2901 - 1197 سنن الترمذي : 624/3 -ح 339

2) أنظر، أوّل الخُطْبَةُ : (91) .

المُتصَوفة : «الطَّرِيقُ لله ، لا إِلَيْهِ »(1). وَلعَله أراد أنّ العِلْم بالله يكون بالأتصال المباشر لا بالواسطة، وهذا الأتصال لا يكون إلا لمن فتح الله عَلَيْهِ (وَأَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ ، وَفَرَاغ ) . تَستطيعُون في دُنْيَاكُم هَذِهِ أَنْ تَطلبوا الرّضا مِنْهُ تَعَالَى بطاعته ، والْعَمَل بأمره ونهيه ، وهو سُبْحَانَهُ يَستجيب ، ويُثِيب ، إنَّه رَحيمُ كَرِيمٌ (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(2).

(وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ) ومُهَيّأة للكتابة ، وفيها تُكتب كلّ كَبيرة وصغيرة (وَ الْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ ) في محاسن أعمالكُم ، ومَسَاوِيهَا : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أحصاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(3).)(وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ فأستعمَلُوها بالصَّالحات قبل أن تُبلى بالسُّقم ، وتُغنى بالْمَوْت (وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ ) فلا تُحركوها إلَّا بِخَير ، وفِي الحَدِيث : «لاَ يَسْتَقِيمُ إِيَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ»(4).)(وَ التَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ لأَنه تَعَالَى قَد أَمر بها ، وفَتح بَابها فكَيْفَ يُغلقه دُونَ التَّائِبِين (وَ الْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ ) وإنْ قَلّت ما دامت خَالِصَة لوجهه الْكَرِيم ، ومن حكم الإِمَام : «لاَ يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى، وَكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ » (5)؟)


1) أنظر ، كراس هَذِهِ هِي الصوفية : 78.

2) الحج : 78

3) الْكَهْفِ : 49 .

4) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَة (176) ، كتاب الصَّمت و آداب اللسان، لابن أبي الدُّنْيَا : 48، تجمع الزوائد: 53/1 ، مُسْنَد :أحمد: 198/3 ، الترغيب والترهيب : 528/3، كشف الخفاء : 508/2 ح 3144 ، شرح سنن ابن ماجه : 286/1 ح 3972 شرح النهج مُحَمّد عَبْدَه : 94/2.

5) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (95).

## الخطبة-95-### حَوْلَ بِعْثَةُ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم:)بَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلّالٌ فِي حَيْرَةٍ ، وَ حَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ ، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاءُ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلَاءُ فِي حَيْرَةٍ ، حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ ، وَ بَلاءِ مِنَ الْجَهْلِ ، فَبَالَغَ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فِي النَّصِيحَةِ ، وَ مَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ ، وَ دَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ .)### اللُّغَة:حاطِبُونَ : ضَارِبُون : والمراد هنا البِدْعَة. واسْتَهْوَتهُمُ : زَيَّنت لهم. واسْتَزَلَّتُهُمُ : قادتهم إلى الزَّلل أي الذُّنوب، والآثام. واسْتَخَفَّتْهُمُ : أَبْعَدتُهُم عن الحق والصواب.### الإعراب:في حَيْرَةٍ مُتعلّق بضُلال، والجَهْلاءُ صِفَة مُؤكدة للجَاهِلِيَّةُ ، مثل لَيل أَليل . وحَيَارَى حَالَ مِن ضَمِيرِ اسْتَخَفَتْهُمُ ، وفِي زَلْزَالٍ مُتَعَلِّق بِحَيَارَى .

### الْمَعْنى:تَقَدَّم مثل هَذَا أَكْثَر مِن مَرَّة ، وخلاصته أنّ الله أَرسل مُحَمَّداً(صلّى اللّه عليه وآله وسلّمفي زَمَانٍ جَحَد الكثير من أَهْله بالخالق من الأساس، وأشرك آخرون بعبادة الأصنام، أو بما أبتدعوا من تحريف الكتب السماوية ، والكلّ جَحدوا بالْقِيَّم، وبالحلال والحرام فجاء مُحَمد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) وهو أُميّ لا يَعْرِف القراءة ، والكتابة ، وَقَالَ للعالم كله آنذاك : أَنْتُمْ على ضَلالٍ ، وفَشادٍ ، ورسالتي هي وَحْدَها الهُدَى ، والصَّلاح ، ودَلِيلُهَا الْعُقُول السليمة ، والضَّمائر الحية ، فأرجعوا إليها إن أردتم الخَيْرُ لأنفسكم... وبِهَذِه الرِّسَالَة بنى مُحَمّد أُمّةً ، وأسس حضارات لا حضارة وَاحِدَة.)وَلا زالت رِسَالَته قائمة بعقيدتها ، وشريعتها ، وستبقى ما بَقي على ظهرها أبن آدَمَ . لقد ذهبت مُعجزات الأَنْبِيَاء بذهابهم ، فأين هِي عَصى مُوسَى، وطبّ عِيسَى، وناقة صالح، وطُوفان نُوحٍ ، ونَارِ إِبْرَاهِيم ؟... إِنَّهَا أَضاءت ، ثُمَّ هَدت وكذا غَيرها من المعجزات كلّها حوادث مؤقتة ، أما مُعْجِزَة مُحمّد فخالدة، لأن إعْجَازها في رِسَالَته بالذات، في عقيدتها ، وشريعتها ، وجميع تعاليمها ، ومن أجل هذا تفردت بالدّوام دُونَ سَائر المعجزات.

## الخطبة-96-### أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً :الْحَمْدُ للّهِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ ، وَ الْآخِرِ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ، وَ الظَّاهِرِ فَلَا شَيْءَ فَوْقَهُ وَ الْبَاطِنِ فَلا شَيْءَ دُونَهُ مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍ ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ ، فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ ، وَمَمَاهِدِ السَّلامَةِ ، قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ ، وَ تُنيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّهُ الْأَبْصَارِ ، دَفَنَ اللهُ بِهِ الصَّغَائِنَ ، وَأَطْفَاً بِهِ الثّوَائِرَ ، أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً ، وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً ، أَعَزَّ بِهِ الذُّلَّةَ ، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ ، كَلَامُهُ بَيَانُ ، وَ صَمْتُهُ لِسَانُ .### اللُّغَة:قَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه : مَمَاهِدِ : جمع مَمهد - بفتح الميم الأُولَى وسكون الثَّانِيَة - أي مَا يَبسط فيه للفراش (1. وأَزِمَّةٌ : جمع زِمَام أي مَا يُقاد بِه . وثُنيت إِلَيْهِ : أَتجهت إِلَيْهِ . والصَّغَائِنَ : الأحقاد . والتَّوَائِرَ : جمع ثَائِرَة أي العَدَاوة . والأَقْرَان : مِن قَرَن الشّيء بالشّيء أي جَمع بَيْنَها .)


1) أنظر ، شرح النهج : 187/1 .

### الْمَعْنى:(الْحَمْدُ للهِ الْأَوَّلِ فَلا شَيْءٍ قَبْلَهُ أي لا ابتداء لهُ (وَ الْآخرِ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ ) لا أنتهاء له، وتَقَدَّم ذَلِكَ مَرَّات (وَ الظَّاهِرِ فَلا شَيْءَ فَوْقَهُ) الغَالب بقدرته كلّ شيء. ( وَلَا غَالب لهُ وَ الْبَاطِنِ فَلا شَيْءَ دُونَهُ ) العَالم بالضَّمائر ، والبَواطن ، ولا شيء يحول دُونَ عِلمه بها ، أو الظَّاهِر بآثاره فلا شيء أظهر من وُجُودِه تَعَالَى الْبَاطِن بحقيقته ، وَلا شيء أَخفى مِنْهَا .)(مُسْتَقَرُّهُ خَيْرٌ مُسْتَقَرٍ . الضَّمِير يعود إلى رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، والمُرَاد بِمُسْتَقَره بلده مَكَّةَ الْمُكَرَّمَة (وَ مَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِةٍ ) . يجوز أن يكون المراد بالمنبت هُنا مَكَّة لأَنَّهَا محل ولادته ، ويجوز أَنْ يَكُون المراد نَسبه الشَّرِيف (وَ مَمَاهِدِ السَّلامَةِ ) وَهِي المدينة المنورة حيث عاش فيها بِسْلام ، وأمان من أذى المشركين ، وشرّهم، وأقام فيها دولة الإسلام، وأظهره سُبْحَانَهُ على الدِّين كلّه .)(قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ . عاش النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في مجتمع تسوده الفوضى والفَسَاد ، والضَّلال ، والانحلال ، ومَع ذَلِكَ كَانَ - مُنذ صباه - محبوباً بشمائله عند الكلّ ، وثقة عند الجميع حَتَّى أسموه الصَّادق الأمين ، ولما بُعث ، وأعلن الحرب على الشرك، والفَسَاد تنكر له الطغاة الأَشْرَارِ ، وتألبوا عَلَيْهِ ، وأزدَادَ الطَّيِّبُون الأبرار لهُ حُبّاً ، وإخلاصاً من يومه إلى يومنا هذا ، وإلى آخر يَوْم ، وَفِيهِمْ قَادة الفكر في أُوروبا ، وأمريكا(1).)(وَ ثُنيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ ، دَفَنَ اللهُ بِهِ الضَّغَائِنَ . اتجهت الأنظار إلى سيرته)


1) أنظر ، ما نقلناه عَنْهُمْ في كتابه : فَلْسَفَة التَّوْحِيد والولاية، فصل محمد والْقُرْآن . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

ورِسَالَته في كلّ عصر ومِصر ، لأنّها تشع بالهُدَى ، والنُّور (دَفَنَ اللهُ بِهِ الضَّغَائِنَ ، وَأَطْفَاً بِهِ الثَّوَائِرَ . ما اجتمعت للعرب كَلِمَة في يَوْم من الأيام إلا على عهد مُحَمد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وبفضل الله ، وَفَضله ، ولما هاجر إلى المَدِينَة كَانَ بَيْنَ قَبيلتي الأوس، والخزرج حَرْب دامية ، ومُتصلة ، فألغى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مَا كَانَ بَيْنَها من حَرْبِ وخُصومة ، وكفّ أَيْدِي بَعْضهم عن بَعْض ، وإلى هَذَا أَشارت الآيَة :( إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ، إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ايَاتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(1).)(وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً . فَرَّقَ الإِسْلَام بَيْنَ الأب الكَافِرِ الضَّال ، والابْنِ الَّذِي أَسلم و آمن بحمد (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)... فقد كَانَ عُتْبَة بن رَبيعَة أَوَّل من بارز المُسْلِمِين ، وحَاربهم يَوْم بَدْر (2). وكَانَ أَبْنِه حُذَيْفَة يُحَارِب مَع رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) (3)، وكَانَ عبد الرحمان أبن أبي)


1) آل عِمْرَانَ: 103.

2) لمّا أَصْبَحَ النّاس يَوْم بَدر أصطفّت قُرَيْش أمامها عُتْبَة بن ربيعة، وأخاه شيبة، وأبنه الوليد، فنادى عُتْبَة رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فَقَالَ : يا مُحَمَّد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قُرَبْش ، فبَدْر إِلَيْهِ ثلاثة من شبّان الأنصار - هم: عوف، ومسعود أبنا عفراء، وعبد الله بن رواحة ... فَقَالَ لهم عُتْبَة : من أَنْتُمْ ؟ فانتسبوا له، فَقَالَ لهم : لا حَاجَة لنا إلى مبارزتكم إنما طلبنا بني عمنا ، فَقَالَ رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الأنصار : أرجعوا إلى مواقفكم ثم قَالَ: قم يا علي، ثم يا حمزة ، قم يا عُبَيْدَة ، قاتلوا على حقكم الذي بُعث به نَبِيِّكُمْ، إذ جاؤوا بباطلهم ليطفنوا نور الله ، فقاموا فصفّوا للقوم في وجوههم وكَانَ على رؤوسهم البيض ، فلم يعرفوهم .)أنظر ، الأَحْكَام السُّلْطَانِية لأبي يعلى مُحمّد بن الحسين الحنبلي الفراء : 420/1، والأحكام السُّلْطَانِية للماوردي: 38/2/ تحقيق الدكتور مُحمّد حامد الطبعة الثانية منشورات مكتب الإعلام المركزي / قُم. المغازي للواقدي: 148/1 تحقيق الدكتور مارسدن جونس / نشر دانش إسلامي.فَقَالَ لهم عُتْبَة : يا هَؤُلَاء تَكَلَّموا ، فإن كنتم أكفاءنا قاتلناكم ، فَقَالَ حَمزة : أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رَسُوله ، فَقَالَ عُتْبَة : كفو كريم. وقال علي: أنا علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب وَقَالَ عُبَيْدَة : أنا عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب ، فَقَالَ عُشبة لإبنه الوليد قم يا وليد أبرز لعلي فبرز إِلَيْهِ وكانا إذ ذا أصغر الجماعة سِنّاً ، فأختلفا بضريتين، أخطأت ضربة الوليد، ووقعت ضربة على على اليد اليسرى من الوليد فأبانتها، ثم ثنى عَلَيْهِ بأخرى فجدله صريعاً .وروي عن علي(علیه السلام أنه كَانَ إِذَا ذكر بَدْراً وقتله الوليد قَالَ في حديثه : كأني أنظر إلى وميض خاتمه في شماله ، عندما أبينت يده مِنْهُ، وبها أثر من خَلوق فعلمت أنه قريب عهدٍ بعرس.روى الحَدِيث الشيخ المفيد في الْإِرْشَاد: 66 فصل 30 باب 20 بِهَذَا اللفظ : كأني أنظر إلى وميض خاتمه في شماله ، ثم ضربته ضربة أخرى فصرعته وسلبته، فرأيت به ردعاً من خلوق، فعلمت أنه قريب عهد بعرس. وروى الحسين بن حميد قال بإسناده إلى جابر عن أبي جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام): لقد تعجبت يَوْم بَذر من جرأة الْقَوْم ، وقد قتلت الوليد بن عُتْبَة وقتل حمزة عُتْبَة وشركته في قتل شيبة، إذ أقبل إليَّ حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَانَ، فَلَما دنا متى ضربته ضربة بالسَّيْف فسالت عيناه قلزم الأَرْض قتيلاً.)أنظر صحيح مُسلم : 3033/245/8، وابن ماجه أيضاً في صحيحه في أبواب الجهاد، والحاكم في المُسْتَدرَك علَى الصَّحِيحِين : ج 3 في تَفْسِير سُورَة الحَجِّ، والبيهقي في سننه : 276/3 ، ونور الأبصار للشبلنجي : 78 في ذكر قصة مبارزة على يَوْم بَدْر ، والسيوطى في الدر المنثور، وحلية الأَوْلِيَاء: 145/9 روى بسنده عن مُحمّد بن إدريس الشافعى قَالَ:دخل رجل من بني كنانة على معاوية بن أبي سُفْيَانَ فَقَالَ له : هل شهدت بَدْراً ؟ قَالَ : نعم ، قَالَ : مثل من كنت ؟ قَالَ : غلام قمدود مثل عطباء الجلمود ، قال : فحدثني ما رَأَيْت وحضرت قَالَ: ما كنا شهوداً إلا كأغياب ، وما رأينا ظفراً كَانَ أوشك مِنْهُ ، قَالَ : نصف لي ما رَأَيْت ؟ قَالَ : رَأَيْت في سرعان الناس علي بن أبي طالب غلاماً شاباً ليناً عبقرياً يفري الفرى لا يلبث له أحد إلا قتله، ولا يضرب شَيْئاً إلا هنكه ، لم أر من النّاس أحداً قط أنفق يحمل حملة ، ويَلْتَفِت التفاتة ... وكَانَ له عَينان في قفاه، وكَانَ وتُوبه وتُوب وحش... وروى مبارزة على(علیه السلام يَوْم بَدر كلّ من صاحب الرّياض النضرة : 225/2، والطبري في تأريخه : 197/2 و 269 ، وكنز العال : 273/5 شواهد التنزيل : 503/1 و 532 - 545 ، الطَّبَقات الْكُبْرَى لابن سعد : 17/3 ط بيروت، وفى أمالي المحاملي: 24/2 ، أَسْبَاب النزول للواحدي : 231 ، المعجم الكبير للطبراني : 144/1 ، المناقب لابن المغازلي : 264 ح 311 .

3) هو والد محمد بن أبي حُذَيْفَة ، ومَوْلَى سالم الذي يُقَال له مَوْلَى أبي حُذَيْفَة .أنظر ، كتاب الأم للشافعي : 29/5 ، المجموع: 186/16، موطأ مالك : 605/2 6 المغني. 372/7، السنن الْكُبْرَى : 263/6، المعجم الكبير : 58/7 ، فتح الباري : 79/7 ، نيل الأوطار : 261/6 .

بكر مع المُشْرِكِين(1، وأبوه مَع رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) . وفي ذَلِكَ يَقُولُ الْإِمَام (علیه السلام): «وَ لَقَدْكُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) نَقْتُلُ آبَاءَنَا ، وَأَبْنَاءَنَا ، وَإِخْوَانَنَا ، وَ أَعْمَامَنَا : مَايَزِيدُنَا ذَلِكَ إلا إيماناً ، وَ تَسْلِياً»(2). (أَعَزَّ بِهِ الذُّلَّةَ ) أي أنّ المُسْتَضْعَفِين أَيَّامِ الشِّرك صاروا أقوياء أعزاء بالإسلام، كعمار بن ياسر (3)، وسلمان (4)، وبلال(5)، وغيرهم كَثِير)


1) عبد الرحمان بن أبي بَكْر : شهد يَوْم بَدْر مَع المُشْرِكِين، ثُمَّ أسلم ومات سنة ثلاث وخمسين بجبل بقرب مكة ، فأدخلته عائشة بنت أبي بكر الحرم ودفنته، وأعتقت عنه ، وكَانَ شَهد الجَمَل مَع عَائِشَة ، ويُكنى : أبا عبد الله . وأنظر ، المعارف لابن قتيبة : 174 ، الاستيعاب : 393/2 ، أسد الغابة : 306/3 ، الإصابة : 2/ 400 ، شذرات الذهب حوادث سنة 35 ه-، المستدرك : 476/3 وهو القَائِل مُعَاوِيَة أهرقلية ؟ إذا مات کسری كَانَ كسرى مكانه . هَذَا لما أراد مُعَاوِيَة الْبَيْعَة ليزيد.

2) أنظر ، نهج البلاغة : الخطبة (56) .

3) هو أبو اليقضان عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين وكان هو ووالداه من السابقين إلى الإسلام، وهو سابع سبعة أجهروا بإسلامهم، وكَانَ مع علي (علیه السلام) فِي صِفِّين، اسْتُشْهِدَ سَنَة ( 37 هـ) وله من الْعُمْرِ سَنَة . راجع مروج الذهب : 21/2 و 22 ، وتاريخ الطَّبَرِي : حوادث سنة (36 هـ)، وأنساب الأشراف: 48/5 .

4) أبو عبدالله ، إصبهاني أو رامهرمزي، والَّذي كَانَ مُعَمّراً صَحِب بَعْض أوصياء عِيسَى بن مَرْيَمَ وأسترق . وبيع بالمَدِينَة من إمرأة من اليهود فكاتبها، وأعتق نفسه ، شهد الخندق وما بعدها وولي المدائن لعمر ومات في أخريات خلافته أو في أوائل خلافة عُثمانَ . أنظر ، الاستيعاب : 53/2 - 59 ، الْإِصَابَة : 60/2. تاريخ الطبري : 44/22 ، سيرة ابن هشام : 335/4، مُشنَد :أحمد : 55/1 . الرّياض النضرة : 167/1 ، تأريخ الخميس: 188/1، الكَامِل لابن الأثير : 126/2. تاريخ ابن كَثِير : 245/5 ، تاريخ اليعقوبي: 103/2 أسد الغابة : 222/3

5) هو بلال بن رباح، وأُمّه : حمامة ، وكَانَ من مولَّدي «مكة» لرجل من بَنِي جُمح فأشتره «أبو بَكْر» بخمس أواق وأعتقه، وكان يُعذب في الله ، وشهد بَدْراً والمشاهد كلها. وهو أَوَّل من أذن لرسول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - فما قبض رَسُول الله(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) - أتى أبا بكر» فأستأذنه إلى الشّام، فأذن له فلم يزل مُقيماً بها، ولم يؤذن بعد النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، أنظر ، ترجمته في المعارف لابن قتيبة : 176 .

(وَأَذَلُّ بِهِ الْعِزَّةَ من المُشْرِكِين الطُّغاة.)### السُّكُوت:(كَلامُهُ بَيَانُ للحَقِّ ، والْعَدْل : ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (1). (وَصَمْتُهُ لِسَانُ ) وبَيَان بأنّ هَذَا المَقام يَجب فِيهِ الصَّمْت ، لأنّه لا يتصل بالحياة من قريب أو بعيد، والإِنْسَان غَيْر مُكلف بمَعْرِفَتِه ، أو لأن الكلام عنة سابق لأوانه ، ومَا إِلَى ذَلِكَ من البواعث ، والأَسْبَاب .)ولَيْسَ من شك أن الكلام يُعبر عما في الضَّمِير ، ولكن الشكوت في بَعْض الأحيان يكون أبلغ وأبين من الكلام، المهم أنْ يَعْرِف الإِنْسَان متى يَجبُّ الكَلام ومتى يَجبُ السُّكوت ، ومن ميز بَيْنَ المقامين ، والتزم بما يقتضيه كلَّ مِنْهُمَا نَجح في دنياه، وسلم في آخرته ... والإِنْسَان حُرِّيَّة التَّعبير عن رأيه ، ولكن لَيْسَ له حُرِّيَّة الصَّمْت أَبَداً، ودائماً ، وفي كلّ مقام، فعليه أن يرد التَّحية بمثلها ، أو بأحسن مِنْهَا (2، وأنْ يقرأ في صلاته ، وعِبادته ، ويُنكر المنكر بيده إنْ أستطاع ، وإلا فبلِسَانِه ، وفي الحَدِيث: «الساكت عن الْحَقِّ شَيْطَان أخرس » (3). «أفضل الجهاد كَلِمَة عدلٍ عند إمام جائر»(4). أما قَوْل من قَالَ : إِنْ كَانَ الكَلام من فِضَّةٍ)


1) النجم : 3 - 4 .

2) أقتباساً من الآية (86) من سُورَة النِّسَاء : (وَإِذَا حَیّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) .

3) أنظر ، فِقْه السُّنَّة للشيخ سيد سابق : 611 .

4) أنظر ، سُنن الترمذي : 318/3 ح2265 ، المصنف لعبد الرزاق : 347/11 ح 20720 ، المعجم الكَبِير : 49/17 ، كنز العمال: 64/3 : 64/3 ح 5512 ، فيض القدير : 40/2 - 1246 .

فالسُّكُوت من ذهب » (1، أما هَذَا الْقَوْل فإن المراد به الشكوت حيث لا يجوز الكلام ، قَالَ الْإِمَام (علیه السلام): « فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةٌ » (2).)وَتَسْأَل : أَلا يتنافى قَوْل الْإِمَام : «وَصَمْتُهُ لِسَانُ » مَع القاعدة المَعْرُوفَة بَيْنَ الْفُقَهَاء: «لا يُنسب إلى ساكت قَوْل» (3إِلَّا مَع القرينة الدالة على الرّضا تقوم مقام اللّفظ ؟ .)### الجَوَاب:إنَّ كَلاَمِ الْفُقَهَاء يَختص بالتعاقد كالزَّواج ، والبيع ، والشّراء ، وإنّ السُّكوت من حيث هو لا يدل في التعامل على الرّضا، ومع القرينة الدالة عَلَيْهِ تَكُون هِي العُمدة والدَّلِيل ، لا السُّكوت.. والإمام (علیه السلام يتَكلَّم عن عظمة النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)في كلامه . وسكُوتِهِ ، فأين هَذَا من ذَاكَ ؟ .)


1) انظر . البداية والنهاية لابْن كَثِير : 152/2 ، الكافي : 114/2 ح 6 . كتاب الصمت وآداب النِّسَان لابن أبي الدنيا : 66، فيض القدير : 317/4 ح 5158 ، كشف الخفاء : 260/1 ح 800

2) أنظر ، نهج الْبَلاغَة : الْحِكْمَة (381).

3) تنسب هذه القاعدة إلى الإِمَام الشافعي ، كما جاء في كتاب الأم: 178/1 ، المحصول للرازي : 156/4. المجموع 365/12 حاشية رد المحتار: 68/3، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد: 162/1. المستصفى للغزالي : 151.

## الخطبة-97-### التَّخَاذِل عَنْ الْحَقِّ، وَالإِسْرَاعِ إِلَى الْبَاطِلِ.. فِقْرَة 1 - 3:وَ لَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ، وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ ، وَبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ . أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلاَءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ ، لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ ، وَلَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ ، وَإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي . وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ الأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا ، وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي . اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا ، وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا وَدَعَوْتُكُمْ ، سِرّاً ، وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا ، وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا ، أَشُهُودٌ كَغُيَّابٍ ، وَ عَبِيدُ كَأَرْبَابٍ ! أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا ، وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا ، وَأَحُتُكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا . تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ، وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ، أَقَوَّمُكُمْ عُدْوَةً، وَ تَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ ، عَجَزَ الْمُقَوِّمُ ، وَأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ .أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أهْوَاؤُهُمْ الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ . صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهَ ، وَأَنتُمْ تَعْصُونَهُ ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي الله ،

وَهُمْ يُطِيعُونَهُ . لَوَدِدْتُ وَ اللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَم ، فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ ، وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ !يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاتٍ ، وَ اثْنَتَيْنِ : صُمُّ ذَوُو أَسْمَاعٍ ، وَبُكْمْ ذَوُو كَلامِ ، وَ عُمْيٌ ذَوُو أَنْصَارٍ ، لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللقَاءِ ، وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلاءِ ! تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ !### اللُّغَة:الراصد : الرَّقيب ، والمُرْصَاد : الطَّريق التي فيها تَرقُب ، وتَرصُّدٌ . والمَجَاز : المَسْلَك . والشَّجَا : ما يعترض في الخلق . وسَاغ الطَّعَام ، أو الشَّرَاب : سَهْل مَدخله في الحلق ، ومُسَاغَه قمره ، ومَكانه . واسْتَنْفَرْتُكُمْ : طَلبتُ مِنْكُم أَنْ تَنْفِرُوا لِلْجِهَادِ قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ (1)ومَوْعِظَة بَالِغَةِ : أي بَلَغَتْ النّهَايَة مِن العِظَة ، ويَنْبَغِى أن تُؤثر تأثيراً شديداً . والمُرَاد بتَتَخَادَعُونَ هُنا تَغِيبون وَلاَ تَتَعِظُون. والحَسَنِيَّةِ : القَوْس . وأَعْضَلَ أَشْكَلَ ، أو اسْتَصعَب . ومُنِيتُ : ابْتُلِيتُ . وتَرِبَتْ أَفْتَقَرت .)### الْإِعْرَاب :والَّذِي الواو للقسم، والَّذِي مَجرور به . لَيَظْهَرَنَّ اللام في جواب القسم ، وَيَظْهَرَنَّ مُضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد ، ومِثْله : تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ


1) التَّوْبَة : 39

أَصْنَامَكُم(1)، وسِرّاً مَفْعُول مُطلق مُبيِّن لِلنَّوع مثل فَعَدْتُ القُرْ فُصَاء ، وَرَجَعْتُ القَهْقَرَى ، ويجوز أنْ يَكُون مَصْدَراً في موضع الحال أي مُسِرّاً ، ومُجَاهِراً ، وأَيَادِيَ سَبًا أصله تَفَرّق أَيَادِيَ سَبَاً ، ثم حذف المضاف وأُقيم المضاف إِلَيْهِ مَقامه ، وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد : أَيَّادِي سَبَاً إسمان جعلا أسماً واحداً مثل مَعْدِي كَرِب (2)، وعَشِيَّةٌ نُصب على الظُّرفِيّة، والمقومُ الأَوَّل اسم فاعل والمقَوَّمُ الثاني اسم مَفْعُول ، وأَبْدَاتُهُمْ فَاعِل الشَّاهِدَةُ ، وعُقُوهُمْ فَاعِل الغَائية ، وصُمَّ خَبَر لمبتدأ مَحْذُوف أي أَنتُمْ صُمٌّ.)### الْمَعْنى:( وَ لَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ ، وَبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاعَ رِيقِهِ . إِنَّ الله سُبْحَانَهُ يَعلم من خَلقه ما يَفْعَلُونَ مِن خير أو شرٍ ، وما يسرون ، ويُعلنون، وهو لا محالة ينتقم ممَّنْ ظَلم ، وأجرم ، وَلاَ يعجزه شيء في السَّمَاوَات، والأرْضِ (أَمَا وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ ، لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ ، وَإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقّى ) . البَدْرَة الصَّالِحَة لا تصير شجرة باسقة إلا إذا غُرست في أَرْضِ طَيِّبَة ، وتعهدها الفارس بأسباب الحياة والنمو ، وكذا الحَقِّ لا يدفع ضُرّاً . وَلا يَجلبُ نَفعاً ، إنه نظرية ، وكفى إلا إذا وجد أنصاراً يَسْتَجِيبُون لدعوته ، ويُكَافِحُون من أجله ، والإمام(علیه السلام) على حق ، ولكن أَصْحَابِهِ يَسْمَعُون منهُ ، وَلاَ يُطْيِعُون ، ومُعَاوِيَة على باطل، ولكن أَصْحَابِهِ يَد وَاحِدَة في طَاعته، وإذَنْ فلا)


1) الأَنْبِيَاء : 57 .

2) أنظر ، شرح النهج : 75/7

عَجَب إِذَا انتصر هَؤُلَاءِ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقّكُمْ ، وتَقَدَّم مثله(1.)(وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا ، وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي . كَانَتْ وَالسَّيَّاسَة التّقليدية للحكام على وجه العمُوم - أنْ يَسْتَغِلوا ، ويَضْطَهِدوا المحكومين . وَلاَ جَزاء لمن يرفع صَوْته إلّا السَّيْف ، ومن هنا كَانَتْ الرَّعِيَّة تعيش في خَوْفٍ دَائم من جَوْر الْحَاكِم، والقائد ، ولكن حال الرَّعِيَّة مَعَ الْإِمَام على النقيض من ذَلِكَ فقد كَانَ هو الخائف من تَفَرّقِهم ، وتَخَاذهم ، لا لشيء إلا لأنه يحكم بالعدل ويجهد نَفْسَه ليحقق لهم الخير ، والنَّصر على أعدائهم .)ولمناسبة الإِشَارَة إِلى خَوْف الرَّعِيَّة من ظُلم الرَّاعِيَ نَذكر هَذِهِ الحِكْمَة البَالِغَة، قيل : إِن كُونفوشيوس مرَّ في مكان قفرٍ ، وبعيد ، فرأى إمرأة تبكي بحرارة إلى جانب قبرٍ ، ولما سألها قالت : قتل النمر والد زوجي ، ثم قتل زوجي ، ثم قتل ولدي . فَقَالَ : ولِمَاذَا سَكنتم هنا ؟ فقالت : لأنه لَيْسَ هُنا حكومة ظالمة. فالتفت كُونفوشيوس إلى أَصْحَابِهِ، وَقَالَ : تَذكروا أنّ الحُكُومَة الظَّالمة أشد فظاعة من الوَحش المفترس.(اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا ، وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا ، وَدَعَوْتُكُمْ سِرّاً ، وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا ، وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا . تَقَدَّمَ هَذَا التَّوبيخ بأساليب شَتَّى . وَهَذَا الأسلوب قَريب الشَّبه بشكوى نُوح إلى خالقه حَيْتُ : قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِى إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ)


1) انظر الخطبة : 25 .

أَصَابِعَهُمْ فِى ءاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًاثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إنّى أَعْلَمْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَ اللهُ أَنبتَكُم مِّنْ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ، وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (1))(أ شُهُودُ كَفَيَّابٍ ، وَ عَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ ! أي شُهُود بالأبْدَان ، وغُيَّاب بالعُقُول، وَعَبِيدُ في الخِسَة ، والدَّنَاءة ، وأَرْبَابٍ في التّيه ، والكِبْرِيَاء (أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا ، وَأعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا ) . نَفَروا ، وتَفَرّقوا ولم يَتَّعظُوا ، لأنهم صمموا منذ البداية أنْ لا يَسْتَمعوا إلا إلى أهوائهم، فَهِيَ وَحْدَهاعندهم المنطق والعقل ، والدِّين ، والضَّمِير ، وما عداها جهلٌ ، وضَلال .)(وَأَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ وهم مُعَاوِيَة ومن حارب معهُ الَّذِينَ أَسْماهم لنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)بِالْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ (فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا ) . قَالَ الطبري وصاحب تجمع الْبَيَان عند تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور )(2): إنّ سائلاً سأل رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عن سبأ ؟ فَقَالَ : كَانَ رَجُلاً من الْعَرَب ، له عشرة أَوْلاَد : فتيمن مِنْهُم ستة ، وتشاءم من)


1) نوحٍ : 5 - 22 .

2) سُورَةُ سَباً : 19.

أَرْبَعَة ، فأما الَّذِين تيامنوا فكندة ، وحمير ، والأزد ، والأَشْعَرِيون ، ومذحج ، وأنمار الذين مِنْهُم خَتْعَم، ويُجَيْلة، وأما الذين تشاء موا فعاملة، وجذام، ولخم، وغسان (1.)(تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ ، وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ . كَانُوا يَسْتَمِعُون إِلى نُصح الإمام، ومواعظه، فَإِذَا فَارقوه تجاهلوا كلّ شيء ، وعَبّر الإِمَام(علیه السلام) عن هَذَا بالتَّخادع ، وهو الإدبار بعد الإقبال ، قال ابن أبي الحَدِيد : يَقُول الْعَرَبِ : كَانَ فُلان يُعطى ثُم خدع أي أمسك ، وأقلع عن العطاء . وَقَالَ ابن الجوزي في صيد الخاطر : إنّ الإِنْسَان عِند سماع المَوْعِظَة يتخلى عن أَسْبَاب الدُّنْيَا ، وينصت بحضُور قلبه ، فَإِذَا عاد إلى شواغل الدُّنْيَا جذبته إلَيْهَا » (2).)(أُقوِّمُكُمْ عُدْوَةً بالوعظ ، والْإِرْشَاد (وَ تَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ ) .)أى مُعْوَجِّيْن كَظهر القَوْس (عَجَزَ الْمُقَومُ الَّذي يُريد تقومكم على الحق (وَأَعْضَلَ ) اسْتَصعَب (الْمُقَوَّمُ) الَّذِي يُراد منه القيام على الحَقِّ ، وبكَلِمَة نَفَر المَريض مِن الدَّواء ، فَعجز مُمرضه .)(الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ. قَالَ الأستاذ عبد الكَرِيمِ الْخَطِيب : «كَانَ جَيش علي مع غلبته على جيش مُعَاوِيَة - في معرض العواصف العاتية من الخلاف ، والتّفرقة يتحركون لأقل بَادِرة ، ويثورون لأدنى مناسبة ، كلّ رَأس يُريد أنْ يَعلو على سائر الرُّؤوس، وكلّ زَعِيم يعمل على أن يكون صاحب الرّأي ، والكَلِمَة ، وقد عرفنا أنّ)


1) أنظر تجمَع الْبَيَان : 604/8 طَبْعَة بيروت، جامع البيان لابن جرير الطبري: 94/22، سُبل الهُدَى والرشاد : 334/9 ، السِّيرَة النَّبَوِيَّة لابْن كَثِير : 9/1 ، تاریخ ابن خلدون : 33/2

2) أنظر ، صيد الخاطر: 147/1 و 216 ، طَبْعَة دار الْفِكْر دِمَشْقِ.

الَّذِين انْحَازوا إلى الإمام، وقاتلوا معه لم يكن يملكهم إلا بوازع الدِّين ، والضَّمِير وهِذَا فهم جميعاً مُطلقون من يده لا يملك من أمرهم شَيْئَاً إذكَانَ أَمرهم إلى أَنفسهم. وما يدينون به الله» (1.)(الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ. في شرح أبن أبي الحَدِيد : «إنّ المُتَكَلَّمِين من المُعْتَزِلَة :قَالُوا ما بلغ أحد من حُسن سياستة ، وصحة تدبيره مبلغ الإِمَام بدليل أنه قد مُني بهذه الرَّعِيَّة المُختلِفَة الأَهْوَاء هَذَا والجيش العاصي له المتمرد، ومع ذلِكَ قَتل التَّاكِثِينَ ، والمارقين، وتغلب على كثير من المصاعب » (2)(صَاحِبُكُمْ - أي الإمام - يُطِيعُ اللهَ ، وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ) . لأنه استغنى بالله عَنْهُمْ ، وعن كلّ شيء، ولو أنه عصى الله أستجاب لأهوائهم لما فاته شيء من طاعتهم ، بل كَانُوا أَطوع إِلَيْهِ مِن بَنانَه .)(وَ صَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ - أي مُعَاوِيَة - يَعْصِي اللَّهَ ، وَهُمْ يُطِيعُونَهُ لأنه عصى الله ، وأستجاب لأهوائهم ، ولو عصى أَهْوَاءهم لكانوا معه كأَهْل العِرَاق مع الإمام الوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَم). ولو فعل هذا مُعَاوِيَة لكان الْعِرَاقِيون في الطَّاعَة لهُ ما مَا كَأَهْل الشّام، أو أطوع ، وكَانَ الشَّاميون مَع الإِمَام كأَهْل الْعِرَاق ، أو أكثر تمرداً ، وعِناداً ، والسّر أن سياسة مُعَاوِيَة كَانَتْ تقوم على الرّشوة ، وشراء الذمم، وسياسة عليّ قامت على الحَقِّ ، والْعَدْل ، وَلاَ شكّ أنّ المال مُقلب القُلُوب ، لا يملك الإنْتِهَازيون معه إلّا السَّمع ، والطَّاعَة لمن يَغدق عَلَيْهِمْ بغير حساب، قَالَ الأستاذ الخطيب: «كَانَ المال في بدء الدَّعْوَة سبيلاً)


1) أنظر . علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة، وخاتم الخلافة للأستاذ عبد الكريم الخطيب: 482 ، وما بعدها طَبْعَة سنة 1967م.

2) أنظر ، شرح النهج : 73/7 .

لتأليف القُلُوب التي تُزعزع إيمانها ، ثم ها هو ذا قد أَصْبَحَ المال سَبيلاً لإنتزاع الإيمان من القُلُوب ، فالمال على يد عليّ يُفسد عَلَيْهِ أَصْحَابِهِ ، وأَنْصَارِه ، والمال على يد مُعَاوِيَة يُؤلّف له أَعْدَاءه، ويبسط له على النّاس سُلطاناً قائماً على الرَّغْبَة والأَمَل»(1.)ونقل الخطيب عن الطَّبَرِي : «إن الحُتَات بن يَزِيد الْمجَاشِعيّ (2وفَد علَى مُعَاوِيَة في جَمَاعَة من الرؤساء، فأعطى كل واحد منهم مئة ألف، وأعطى الحنات سبعين ، فَلَمَّا رجعوا ، وكَانُوا في بَعْض الطَّرِيق أخَبَر بَعْضهم بعضاً بالجائزة، فرجع الحتات إلى مُعَاوِيَة يُعاتبه ، فَقَالَ له مُعَاوِيَة : أشتريت من الْقَوْم دينهم ، فَقَالَ الحُتَات: وأنا أبيعك دِيني ، فَأمر له بتمام جَائِزته »(3).)(يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ، وَ اثْنَتَيْنِ . أما الثلاث فأُوْلاها (صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعِ) . والثَّانِيَة (وَبُكْمْ ذَوُوكَلام ) . والثالثة (وَ عُمْيٌ ذَوُو أَنْصَارٍ ) . كلّ شيء لا يؤدي إِلَى الْغَايَة التي من أجلها وجد فَهُوَ كالعدم من هَذِه الحيثية ، ومن أهم غايات النِّسَان أَنْ يَنطق بالحق ، والعين أن ترى دلائله ، والأُذن أنْ تَسْمعَه ، وتنتفع)


1) أنظر ، علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة ، وخَاتَم الخلافة للأستاذ عبد الكريم الخطيب: 445 ، وما بعدها طَبْعَة سَنة 1967م.

2) هُو لقب لبشر أبن زيد بن علقمة بن حوى بن سُفْيَانَ بن مُجَاشِع بن دارم التميمي الدارمي الْجَاشِعي، كما جاء في الأَصَابَة : 311/1.

3) أنظر ، عَليّ بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة ، وخَاتَم الخلافة للأستاذ عبد الكريم الخطيب : 444. وما بعدها طَبْعَة ة، سَنَة 1967م ، وتأريخ الطبري : 135/6 ، الغارات : 393/2، الإستيعاب : 396/1 الترجمة (607) ، أسد الغابة : 379/1 جمهرة أنساب العرب : 219 ، ابن الأثير : 201/3، تأريخ دمشق : 271/10 و 277 و 279

بسماعه ، فَإذا لم تنتفع العين بما رأت ، والأذن بما سمعت كانا كالعدم، وكذا اللَّسَان إذا خَرِسَ عَن الْحَقِّ .أما الإثنان فأُوْلاهما (لاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللَّقَاءِ . والثَّانِيَة (وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلاءِ ) لَسْتُم بشيء إِذَا جَد الجد لا في الحَرْب ، وَلاً في غَيْرها من الملمات ، والوَيل لمن أسْتَنجد بِكُم تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ ) أي لا رَأَيْتُمْ خَيْراً . قَالَ أبن أبي الحَدِيد : «إنّما قَالَ بِثَلاَتٍ ، وَ اثْنَتَيْنِ ، ولم يقل بخَمْس ، لأنّ الثّلاث إيجابية، والاثْنَتَيْن سَلبية ، فأحَبّ أن يفرق بَيْنَ الإثبات ، والنّفي »(1).)### يَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ... فِقْرَة 4 - 6:يَا أَشْبَاءَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا ! كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ ، وَاللهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ : أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى ، وَحَمِيَ الضَّرَابُ ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أبِي طَالِبٍ أَنْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا . وَإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَمِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي ، وَ إِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الْقُطْهُ لَقْطاً)اُنْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيَّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ ، وَ اتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ، فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدى ، وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدى ، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وَإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا وَلَا رَديَّ تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا ، وَلاَ تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا .لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ ! لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً ، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً ، وَقِيَاماً ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ ، وَخُدُودِهِمْ، وَيَقِفُونَ)


1) أنظر ، شرح النهج : 76/7 .

عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَىٰ مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ ! إِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبلَّ جُيُوبَهُمْ ، وَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ ، وَ رَجَاءَ لِلتثّوَابِ !### اللُّغَة :إخَالُ : أَظُنّ والحَمِسَ : الإشتداد. والْوَغَى : الحَرْب . والقُبُل - بضم القاف - ضَد الدُّبر . والمنهاج ، والمنهج : الطَّريق الواضح والسَّمْتَ : الطَّرِيق . وشُعْتَاً غُبراً : مُغْبَرِي الرُّؤوس ، والمُرَاد مُتقشِفُون . وَمَادُوا : أَضْطَرَبوا .### الْإِعْرَابِ:أَشْيَاءَ الإِبل مُنادى مضاف ، ولذا وَجَبَ النّصب ، وبِكُمْ خَبَر كَأَنى ، وأَنْ لَوْ «أنْ» مخففة ، وأسمها يَحْذُوف أي أَنه ، والمَصْدَر المنسبك مَفْعُول ثانٍ لإِخَالُكُمْ لأَنّ «خَالُ» من أخوات ظَنَّ ، وشُعْتَاً غُبْراً خَبَرَ يُصْبِحُونَ لأنّ «أَصْبَحَ» من أخوات كَانَ ، وسُجَّداً حَال من فَاعِل بَاتُوا ، ورُكَبَ الْمِعْزَى اسم كَأَنَّ ، وبَيْنَ خَبَرها مُقدماً على ، الاسم ، وخَوْفَاً مَفْعُول من أَجله لمادُوا .### الْمَعْنى:(يَا أَشْيَاءَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ للرَّاعي وظيفةٌ ، وَهِي أَنْ يَجمع الإِبِلِ ، وغَيْرها من الأَنْعَام في مرعى واحد بحيث تَكُون بِكَامِلَهَا مِنْهُ برأى ، فَإِذَا شَتْ واحد مِنْهَا عن القطيع أرجعه إِلَيْهِ ... فَإِنْ غَاب)

الرَّاعِيَ تفرق القطيع أيَادِي سَبَأ ، وصار نَهباً لكلّ طامع ، وجائع ... وهذه هي بالذات حَالَ أصْحَاب الْإِمَام(علیه السلام لأن تمردهم على أمْرِه جَعلهم كالإِبِلِ بلا راع والرَّعِيَّة بلا أمير، يطمع فيهم القريب والبعيد ، والقَوِيّ ، والضَّعِيف ، وتَقَدِّم مِثْله(1). (وَ اللهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ : أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى ، وَ حَمِيَ الصِّرَابُ ، قَدِ أَنْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبْلِهَا ) . لم يَكُن الْإِمَام واثقاً بالكثير مِن أَصْحَابِهِ بالنظر لسيرتهم معه ... حَتَّى كَانَ يظُنّ ، أو يُعتقد يتركونه وحيداً في الميدان إِذَا تَجددت الحرب بينه ، وبَيْنَ مُعَاوِيَة ، أو يُسلمونه إِلى عَدُوّه ، وتَقَدَّم الكلام عن ذلِكَ (2). (وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي ) أَعتمد على كتاب الله وسنّة نَبِيَّه فيها ،أقول، وأفعل ، وتَقَدَّم مع الشرح في : «مَا شَكَكْتُ فِي الحَقِّ مُدْ أُرِيتُهُ » (3)(وَ إِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ اَلْقُطُهُ لَقْطاً) . أي أنّ الْإِمَام يَسْتَخرج الهُدَى من بَيْنَ الأضاليل ، ويُميّز الحق عن الأباطيل .)(أنْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ لأنهم مُطَهَرُون من الرّجس بنص الآية : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )(4). وهم عِدل الْقُرْآن كما نطق ، وصرح حَدِيث الثقلين (5). (فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدى ، وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدى) . كَيْفَ وهم هداة الخَلْقَ إِلى الحَقِّ ، وخَزَنَة)


1) أنظر الخُطْبَةُ : (33).

2) انظر ، الخُطْبَةُ : (33).

3) أنظر الخُطْبَةُ : (4).

4) الأحزاب : 33 .

5) تَقَدَّم أستخراجه.

الْعِلْم ، وحَفَظَة الدِّينِ فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وَإِنْ نَهَضُوا فَانهَضُوا فَإِنَّهُم أَعلم مِنْكُم بمواقع الصبر ، والنُّهوض (وَلَا تَسْبِقُوهُمْ ) إلى بيان اللْحَقِّ ، والشَّرِيعَة (فَتَضِلُّوا ) على نهج السَّبِيل (وَ لَا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ ) أي عن متابعتهم (فَتَهْلِكُوا ) وأَنْتُمْ ظَالمون . وتَقَدَّم الكلام عن ذَلِكَ مَرَّات (1).)(لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً ، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً ، وَ قِيَاماً ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ ، وَ خُدُودِهِمْ ، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَىٰ مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ أَعْيُتُهُمْ حَتَّى تَبُلَ جُيُوبَهُمْ ، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ ، وَ رَجَاءَ لِلثَّوَابِ )من البداهة أن الجيل اللاحق أمتداد للجيل السابق في كثِير من العادات ، وأَسْبَاب الحَيَاة ومن هَذِه الأَسْبَاب ، والعادات ما يصلح لزمانٍ دُونَ زَمَان ، ومِنْهَا ما يصلح ، وينفع في كلّ زَمَان ، ومكان من غَيْر أستثناء، وعلى العاقل أن يُميّز بَيْنَ هَذِه ، وتِلْكَ ، ويختار الأصلح ، فلا يلتحم مع الماضى بكلّ ما فِيهِ ، وَلا ينفصم عَنْه بالمرة، ويغلق دونه جميع النوافذ .)وقد كَانَ لكثير من الصَّحَابَة فَضَائِل إنسانية مُطلقة كالصِّدْق ، والإخلاص، والزُّهد فى الحَرَام ، والتَّعبد الله ، والْخَوْف مِنْهُ ، والتّوكل عَلَيْهِ وحده ، والثبات في الجهاد، والتّضحية بالنَّفس فى مرضاة الله ، ونُصره الحق .. وعلى الخلف أن يتحلى بهذه الخلال الفضلى، فإِنَّهَا الْمَصْدَر ، والأساس الحُرِّيَّة الإِنْسَان، وكرامته. ومن


1) أنظر ، آخرها في الخُطْبَةُ : (93) . (مِنْهُ قدّس سرّه).

أجل هَذَا حَتَّ الْإِمَام أَصْحَابِهِ عَلَيْهَا ، ووجههم إِلَيْهَا بِما ذكر وعُدِّد للصحابة من مناقب ، وفي هذا المعنى أو قَرِيب مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)

## الخطبة-98-### بَنُو أُمَيَّةَ:وَ اللَّهِ لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا اللَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ، وَلَا عَقْداً إِلَّا حَلَّوهُ، وَ حَتَّىٰ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ ، وَ لَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ، وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ، وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ : بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ ، وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ ، وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةً أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ ، وَإِذَا غَابَ أَغْتَابَهُ ، وَحَتَّىٰ يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللهِ ظَنّاً ، فَإِنْ أَتَاكُمُ اللهُ بِعَافِيَةٍ فَأَقْبَلُوا ، وَإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا ، (فَإِنَّ الْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (1).)### اللُّغة:المراد بالعقد هنا المبادىء الإِنْسَانِيّة التي تنتظم الحياة بها ، وتَستقيم بأتفاق


1) القصص : 83 ، وطه : 132، والأَعْرَافِ : 128.

الجميع . وبُيُوتُ المَدَر : مَا كَان مِنْهَا بالطُّوبُ(1، أو الحَجَرَ. وبُيُوتُ الوَبَر : الخيام. وَتَبَا بِهِ المكان : لَم يجد فِيهِ قراراً يوافقه . والْمُرَاد ِبرَعْيِهِمْ - بسكون الْعَيْن - سياستهم . والعناء : التَّعَبُ .)### الْإِعْرَاب:لا يَزَالُونَ من أخوات كان والواو أسمها ، وخَبرها تخذُوف أي ظالمين ، ولا يَدَعُوا منصوب بأن مضمرة بعد حَتَّى وَنَبا فعل ماض ، وبَاكٍ بدل مفصل من مُجمل ، والمبدل مِنْهُ الْبَاكِيَانِ ، والأصل بَاكِي فَحُذفت الياء للتخفيف ، وأَعْظَمَكُمْ خَبَرَ مُقَدَّم ليَكُونَ ، وأَحْسَنُكُمْ أسمها ، وضَمِير فِيهَا يَعود إلى الْفِتْنَةِ الأُموية المفهومة من سياق الكلام ، وَعَنَاءً تمييز ، ومِثْله ظَنّاً .### الْمَعْنى:تقَدَّم الكلام عن جَوْرِ الْأُمُويِين مَرَّات ، وأَعاده الإِمَامِ هُنا بِمَا يَتلخص أنهم يملكون الحَرْثَ ، وَالنَّسْلَ ، ويُحِلُّوا ما حرم الله ، ويُحَرِّمُون ما حَلل ، وَلَا يَحفظون الدّمم ، أو يَعْتَرِفُون بالْقِيَّم ، وَلا يَسلم من شَرِّهِم حَضْرِيّ، أو بَدَوِيّ ، وفي دولتهم يرحل من يرحل عن الأوطان فِراراً من جَوْرَهم (2.)ويَبْكِي المقيم لِذهاب دِينِهِ ، ودُنْيَاهُ ، وأَكْثَرَ النَّاسِ تَعباً ، وبَلاء أَقواهم إيماناً.


1) هو الآجُرُّ الَّذي يبنى به وهو فارسي معرب ، وأَصْبَحَ لُغة أهل مضر، كما جاء في لسان العرب : 562/1 ، مختار الصحاح : 3/1 .

2) أنظر الحكاية التي نقلناها عن كُونفوشيوس في شرح الخطْبَة : 97( مِنْهُ قدّس سرّه ) .

ويقيناً بالله كما يَقُول الحديث : «أشد الناس بلاء الأَنْبِيَاء ، ثُمَّ الَّذِين يلونهم الأمثل فالأمثل»(1، أمّا قَوْل الْإِمَام : (وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيّدِهِ ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ ، وَإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ ) ، فقد تَقَدَّم شَرحها (2).)


1) أنظر ، فيض القدير : 359/2 ، فتح الباري: 111/10 ح 5323 ، البَيَان والتعريف: 99/1 ، المُعْجَم الكبير : 244/24 ح 626 ، مُسند أحمد: 369/6 - 27124 ، مُسند البزار: 349/3 ح 1150. مُسْنَد القاشي : 130/1 - 67 ، السنن الكبرى : 352/4 - 7482. سُنن الدار 7482، سنن الدارمي : 412/2 ح 2783

2) انظر ، شرح نهج البلاغة : المخطْبَةُ (93)، (مِنْهُ قدّس سرّه) .

## الخطبة-99-### كُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَا ... فِقْرَة 1 - 3 :نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ ، وَ نَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ ، وَ نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَدْيَانِ ، كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَبْدَانِ .عِبَادَ اللهِ ، أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ وَإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا ، وَالْمُبْلِيَةِ لأَجْسَامِكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا ، فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمِثْلَهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ ، وَ أَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ . وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا ، وَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لَا يَعْدُوهُ ، وَ طَالِبٌ حَثِيتُ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ، وَمُزْعِجُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغماً فَلاَ تَنَافَسُوا فِي عِزّ الدُّنْيَا، وَفَخْرِهَا ، وَلَا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا ، وَنَعِيمِهَا ، وَلَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا ، وَبُؤْسِهَا ، فَإِنَّ عِزَّهَا ، وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعِ ، وَإِنَّ زِينَتَهَا ، وَ نَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ ، وَضَرَّاءَهَا ، وَبُوْسَهَا إِلَى نَفَادٍ ، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَىٰ أَنْتِهَاءٍ ، وَكُلٌّ حَيَّ فِيهَا إِلَىٰ فَنَاءٍ . أَوَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ ، وَ فِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ ، وَ مُعْتَبَرُ ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ! أَوَ لَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لا يَبْقَوْنَ ! أَوَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُصْبِحُونَ ، وَيُمْسُونَ عَلَى أَحوَالٍ شَتَّى :

فَمَيِّتٌ يُبْكَى ، وَ آخَرُ يُعَزّى ، وَصَرِيعٌ مُبْتَلَى ، وَعَائِدٌ يَعُودُ ، وَ آخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ ، وَ طَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ ، وَغَافِلٌ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ، وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي !أَلا فَاذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ ، وَ مُنَفِّصَ الشَّهَوَاتِ ، وَقَاطِعَ الأُمْنِيَاتِ ، عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ ، وَاسْتَعِينُوا اللهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ ، وَ مَا لاَ يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ ، وَ إِحْسَانِهِ .### اللُّغَة:السَّفر - بفتح السِّين وسكون الفاء - جمع سَافِر أي مُسافر ، كصَحْب جمع صَاحِب، وأموا : قَصَدُوا الخري: من أخرى أي جعله يَجْري . والحَيثُ : السريع . يُقَال : ولّى حَثِيثاً أي مُسْرِعاً . والصَّرِيع : الطَّرِيح ، يُقَال : صَرَعَهُ أَي طَرَحَه على الْأَرْضِ . وهَاذِمَ : قَاطِع . وَمُنَغْصَ : مُكَدِّر . والمُسَاوَرَةِ : المُوَاثَبَة .### الإعراب:كما للإستفهام مُبْتَدَأ ، وما بعدها خَبَر ، وعَسَى من أَفعال المقَارَبَة ، والمُجْرِي آسمها ، والمَصْدَر من أَنْ يَجْرِيَ مجرور بمن حُذفت توسعاً عند سيبويه ، والمجرور مُتَعَلّق بمَحْذُوف خَبَراً لِعَسَى أي مُدركاً من الجريان إِلَيْهَا (1. ومَا عَسَى «مَا » للإستفهام، ويَكُون تامة ، والمَصْدَر المنسبك مِنْهَا سَاد مسد الاسم ، والخَبَر لِعَسَى عند أبن مالك ، ولهُ خَبَر مُقَدَّم ، ويَوْم مُبْتَدَاً مُؤَخَّر ، والجُمْلَة صِلة المَوْصُول ، ورَغْماً)


1) أنظر الكلام عن عسى في مغني ابن هشام.

قائم مقام الحال أي فارقها ،مُرغَمَاً ، ولَكُمْ خَبَر لَيْسَ مُقَدَّم ، ومُزْدَجَرٌ أسمها مُؤَخَّر ، وشَتَّى صِفة لأَحْوَال.### الْمَعْنى:(نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ وحدث تحبوباً أم مُكروهاً ، والحَمْدُ على المكروه معناه الرّضا بالقضاء ، والصَّبر ، أو التّصبر على البلاء (وَ نَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ) . أيضاً محبوباً أم مُكروهاً ، والاستعانة بالله على المحبوب معناها طلب العون على الصّبر .)(وَ نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَدْيَانِ . والْمُرَاد بِهَذِهِ السَّلامة في الْعَقِيدَة ، والصِّدْق في الأقوال ، وَالْأَفعال ، والإخلاص في المقاصد، والأهداف (كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَبْدَانِ) وَهِي نِعْمَة لا تُقدر إلا عند فقدها. وتجدر الإِشَارَة إلى أنه لا تحيص عن البلوى في دار الْبَلاء، والفناء، ومن جملة ما وصفها الإِمَام : «لَمْ يَكُن امْرُوٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةٌ ، وَلَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِهَا بَطْناً إِلا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً » (1)ومَعْنَى هَذَا أنه لا مُنجاة من الآلام بحال ... أجل ، إنّ بَعْض الشّرِّ أَهْوَن من بعض. وَهَذَا هو مُراد الإمام(علیه السلام) من دعائه.)(عِبَادَ اللهِ ، أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا أي لحرامها ، وآثامها ، قَالَ سُبْحَانَهُ : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَينَ ) (2). وَقَالَ سُبْحَانَهُ : يَسْئلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)(3). وَقَالَ الْإِمَام لِمَن لَبَسَ العَبَاءة وتخلى عن الدُّنيَا :)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الخطبة .(111)

2) الْأَعْرَافِ : 157 .

3) المائدة : 4.

«يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيتُ ، أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ ، وَوَلَدَكَ أَتَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا ، أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ »(1. (التَّارِكَةِ لَكُمْ وَ إِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا ) وإنْ أوردتكُم المهالك ، ومِن حِكَمَ الْإِمَام : «النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا ، وَلا يُلامُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّه »(2).)(وَالْمُبْلِيَةِ لِأَجْسَامِكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا أي تُحبون البقاء في الحياة الدُّنْيا بحيث إِذَا أَبْلَى الله مِنْكُم أَجْسَاماً بدلَكُمْ أَجْسَاماً غَيْرها ... وَهَذَا بَعيد المنال في هذه الدار ، وهو واقع حتماً في الْيَوْم الآخر ، وفي جَهَنَّمَ بالذات (فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَ مِثْلَهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ ، وَأَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ) . كلّ ما يقع حتماً في المُسْتَقْبَل القريب، أو البعيد فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الوَاقِع ، والموجود بالفِعْل ، ونَحْنُ الأحياء لم نقطع المسافة إلى الموت ، ولم نَصل بَعدُ إِلَى هَذِهِ الْغَايَة ، ولكنّا بِحُكم من قطع ، وبلغ ، لأنا إلى الموت لا مَحَالَةَ، لذا شبهنا الْإِمَامِ(علیه السلام) بمن أنتهى من سَفره ووصل إلى غايته، ونهايته.)(وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا . كُلْنَا يَسير إِلَى لِحدَه ، أمّا أمد هَذَا السَّير فَهُوَ الْعُمُر كله ... وما أقصر عُمر الإِنْسَان ، وإنْ عاش مئة عَام (وَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمُ لاَ يَعْدُوهُ) . أَنْتَ ،باقٍ ومُعمّر إِلى أَجَلٍ معدود ، وإِذَنْ فما قِيمَة هَذَا الْعُمُرُ ما دَام إلى زوالٍ ، وفناء ؟ أَللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا أَخذت فِيهِ من مَمرَك إِلى مَقَرّك وَ طَالِبٌ حَثِيثٌ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ ) ويُسرع بهِ إِلى الحِسَاب ،)


1) أنظر ، نهج الْبَلاغة : مِن كَلام له(علیه السلام) لها في الْبَصْرَةِ وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه، تحت رقم (209) .

2) أنظر ، نهج البلاغة : الحِكْمَةُ (303).

والجزاء (وَ مُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً . الحَيَاةِ الدُّنْيَا أَمدُها قَصير ، ومع ذلِكَ نتركها على كُره، وقبل أن نبلغ مِنْهَا مَا نَشتهي ، ونُريد.)(فَلاَ تَنَافَسُوا فِي عِزّ الدُّنْيَا، وَفَخْرِهَا ، وَلَا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا ، وَ نَعِيمِهَا . لا تتكالبوا، وتتناحر وا على المال والجاه ، وَلا تَباهَوْا، وَتَضَاهَوْا فِي شيء من حُطام الدُّنْيَا ، فالكلّ إلى زوال .)(وَلاَ تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا ، وَبُؤْسِهَا ، فَإِنَّ عِزَّهَا ، وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاع ، وَإِنَّ زِينَتَهَا ، وَ نَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ ، وَضَرَّاءَهَا ، وَبُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ ، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ ، وَكُلُّ حَيْ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ . لِمَاذَا يَكْرَه بعضنا بعضاً من أجل الحُطام، وتذهب أنفسنا حَسَرَات إذا فاتنا شيء مِنْهُ ، وقد أدركنا ، وأيقنا تماماً إنّه ظِلٍّ ، وخَيَالٌ ؟)إنّ من يُؤْمِن بالله حقاً ، ويثق بغدلِه ، وجَزائه ، لا يَفْرَحُ ، أو يَحْزَن ، وَلاَ يُحِبّ ، أو يَكْرَه إلا لله ، و في الله ... إنّه يعمل ، ويبذل غاية الجهدكِي يَنجح في مُسْعَاه ، ولَكِنَّهُ لا يتعدى حدود الله بحال ، لا يُنازع الناجحين ، أو يَشْمَت بالفَاشلين (أ وَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ ، وَ فِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ ، وَمُعْتَبَرُ ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ! أَوَ لَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ، وَ إِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لَا يَبْقَوْنَ . الْعَاقِلِ يَتَّعظُ بغيره، وكلّ الدُّنْيا بما فيها عِظات ، فالسَّلف جمع ، وكنز ، ثُم ذهب إلى غَيْر رجعة ، والخلف يمضى على أثره، وإذَنْ فَعَلام الغُرُورُ ؟ وبمن نغتر ؟ أيمن صار تُراباً يُداس بالأَقْدَام ، أو بمن يُدَس غداً ، أو بَعد غد في التّراب ؟)(أ وَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُصْبِحُونَ، وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى ؟ . لِلْإِنْسَانِ ميول كثيرة ومتنوعة ، وللحياة الدُّنْيا جهات لا يُحصيها العد، وكلّ واحد ينظر إلى الدُّنْيَا من زَوايَتِه ، وعَقِيدَته ، ورأي الْإِمَام في الدُّنْيَا إِنَّهَا مَمَرُّ لَا مَقَرٌّ ، وإِنَّ الْإِنْسَان)

فيها ضَيف إلى أَجلٍ، ثُم إلى دار الخلود ، وإذن فلا بدعِ إِذَا قَاسَهَا الْإِمَامِ بِما فيها من الآلام، والمتاعِب ، أما سُرُورُها ، ونَعِيمُهَا فَلَيْسَ بشيء ما دام إلى زوال، ومعه الكثير من النَّكَباتِ ، والمُفاجآت.ومن هنا يسوغ لقَائِل أنْ يَقُول : إنّ آراء الإمام في الدُّنْيَا كلّها ثورية ، ويعتمد في ذَلِكَ على أَقْوَاله ، ومِنْهَا (فَمَيِّتٌ يُبْكَى وهو لا يُسعد باكياً ، وَلاَ يُجيب داعياً (وَ آخَرُ يُعَزَّى ) يفقد قَريب ، أو حبيب (وَصَرِيعُ مُبْتَلى ) بالأَسْقَام ، والآلام (وَعَائِدٌ يَعُودُ ) ويرى المشهد الحزين الأليم (وَ آخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ ) وَلا شيء أعزّ مِنْهَا عَلَيْهِ ، ولو كَانَ له ملء الأرْض ذهباً لا فتدى به وَ طَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ) وَلاَ مَهرب مِنْهُ (وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ ) ونعوذ بالله أنْ يُقضى علينا ، ونَحْنُ في غَفلة معرضون .)(وَ عَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي . يتصل ما مضى من آلام الدُّنْيا بحاضره وحاضره مُسْتَقْبَله ، وعلى الآلام يَدُور فلك الدُّنْيَا مِن يَوْمَها الْأَوَّل إلى يَوْمِها الأخير، وما بَعْدَه أَدهى ، وأَمرٌ ... أَللَّهُمَّ فَضْلك ، وإحْسَانك .)(أَلا فَاذْكُرُوا هَاذِمَ اللَّذَّاتِ ، وَ مُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ ، وَ قَاطِعَ الْأُمْنِيَاتِ ، عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ ، وَ اسْتَعِينُوا اللَّهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبٍ حَقِّهِ ، وَ مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ ، وَإِحْسَانِهِ . أذكروا الموت الَّذي لا يُبقي ، ولا يذر ، أذكروه حين تنزع أنفسكم، وتُحاول الوثبة إلى الرذائل، والقبائح ، واستعينوا بالله على كبحها ، وأسألوه الهِدَايَة ، والزموا طاعته قَوْلاً ، وعملاً، وأشكروه على نِعَمِهِ التي لا تُحصى ، فَهُوَ وحده الَّذِي يُهْدِي ، ويُعْطِي ، ويُنْجِي.)

## الخطبة-100-### رَايَةُ الْحَقِّ .. فِقْرَة 1 - 3 :الْحَمْدُ للّهِ النَّاشِرِ فِى الْخَلْقِ فَضْلَهُ ، وَ الْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ . نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ ، وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَىٰ رِعَايَةِ حُقُوقِهِ ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً ، وَبِذِكْرِهِ نَاطِقاً، فَأَدَّى أَمِيناً، وَ مَضَىٰ رَشِيداً ، وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ ، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ ، وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ ، وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ ، دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلَامِ ، بَطِيءُ الْقِيَامِ ، سَرِيعُ إِذَا قَامَ . فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ ، وَأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ، جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ ، فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللهُ حَتَّى يُطْلِعَ اللهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ ، وَيَضُمُّ نَشْرَكُمْ، فَلَا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ ، وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ ، فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلُّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ ، وَ تَثْبُتَ الْأُخْرَى ، فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً .أَلا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم، كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ : إِذَا خَوَىٰ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ ، وَأَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ.)### اللُّغَة:صَدَعَ بالأَمر : مَضَى فِيهِ ، وبِالْحَقِّ : جَهَر بِهِ. ومَرَقَ : خَرَجَ من الدِّين. وزَهَقَ :

هَلَكَ . ومَكِيثُ : بَطِيء . وإحْدَى قَائِتَيْهِ : إِحْدَى رِجْلَيه وخَوَىٰ : غَابَ ، ضد طَلَعَ . والصَّنَائِعُ : النِّعم.### الإعراب:فَضْلُهُ مَفْعُول للنَّاشِرِ ، ويَدَهُ مَفْعُول للبَاسِطِ ، وأَنْ لا إِلَهَ ... إلخ «أَنْ» مخففة . واسمها ضَمِير الشّأن مَحْذُوف أي أنه ، والمَصْدَر المُنسبك مجرور بالباء المحذوفة ، ولا نافية للجنس، والخَبَرَ مَحْذُوف، وغَيْرُهُ صِفة أي لا إِلَهَ موجود غَيْرُهُ، وصَادِعاً حال ، ومثله نَاطِقاً، أميناً، رَشِيداً، فَتَرْجِعَا منصوب بأنْ مُضمرة بعد الفاء.### الْمَعْنى:(نَحْمَدُهُ فِي جَمِيع أُمُورِهِ . نَطْيعَه تَعَالَى شَاكرين ، وتَنْقَادَ إِلَيْهِ فِي كلّ شيء بلا اعتراض ، لا نطلب التعليلات والمبررات لثقتنا ، ويقيننا بأنه حكيم لا يعبث، ورحيم بعِبَادِه لا يُريد لهم إلا الخير ، والصَّلاح (وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ ) أي على جهاد النَّفس، ومرض القلب الذي يصد عن طَاعَة الله ، والعَمَل بأَمْرِه ... إلخ . أَرسل سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) فبلغ الرِّسَالَة على وجهها ، وحرص على بلوغ الغَايَة مِنْهَا ، وتَحمل الكثير من أَجلها وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ ) . وَهِي كتاب الله ، وعِتْرَة نبیِّه، روى مُسْلِم : أَنّ رَسُول الله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قَالَ: «وإنّي تارك فيكم نَقَلَيْنِ ، أوّهُما كتاب اللهِ فِيهِ الهُدَى ، والنُّورُ ، فخُذُوا بكتاب الله ، واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب الله ، ورغب فِيهِ ثُمَّ قَالَ : وأهل بيتي أُذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي)

أُذكّركم الله في أَهْل بيتي )(1).

(مَنْ تَقَدَّمَهَا أي رَايَة الْحَقِّ (مَرَقَ) خَرَجَ من الدِّينِ (وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ ) أي هَلَك (وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ ) برسول الله ، وكَانَ معه في جَنَّة النَّعِيمِ (دَلِيلُهَا ) أي دَلِيل زاية الحق ، ومُراد الإمام بِهِ نَفسه بالذات، لأن الحَقِّ معه يَدُور كَيْفَا دَار بشهادة الرَّسُول الأَعْظَم (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) التي رواها كَثِيرُون مِنْهُم الترمذي في صحيحه ، بَاب فَضَائِل الإِمَام علي (2)، وَقَالَ ابن الجوزي: «لا يَختلف العُلَماء فِي ذَلِكَ »(3).)


1) أنظر ، صَحِيح مُسْلِم : 2/ 109 طَبْعَة 1348ه-. (مِنْهُ قدّس سرّه ) . وصحيح مسلم : 1873/4 ح 2408 ، و : 4/ فَضَائِل عليّ ح 36 و 37 ، سُنن الدارمي: 2/ 890 ح 3198 ، فرائد السمطين : 2/ 234، /4/الدر المنثور: 249/7 السُّنن الْكُبْرَى : 194/10 ح 20335، مسند أحمد بن حنبل : 17/3 و 181/5 ، و 371 و 7 / 75 ح 19285، تهذيب تأريخ دمشق 439/5، وسُنن الترمذي : 5 / باب 32 2 وخصائص النسائي : 50، وذَخَائِرِ الْعُقبى للمحبّ الطَّبَرِيّ : 16 ، وتذكرة الخواص: الباب 12، وأسد الغابة : 12/2، و تأريخ اليعقوبي : 102/2، والمُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 3 / 109 ، الصَّوَاعِقِ المُخْرِفَة 25 المطبعة الميمنية بمصر، وص: 41 المطبعة الحَمَّدِية بمصر، وتجمع الزوائد: 164/9 ، وتاريخ دِمَشْقَ لابن عساكر : 45/2 - 545 ، وكنز العمال: 168/1 ح 959 الطبعة الأولى، ويَنَايِيعِ المَوَدَّة : 37 طبع 1 إسلامبول ... إلخ ) .

2) هكذا روي الحديث الحَدِيث: «الحَقِّ مَع عليّ، وعلي مع الحق لن يفترقا حَتَّى يردا على الحوض». أنظر ، صَحِيح الترمذي : 297/5 - 3798 3798 و 126/12 ، وجامع الترمذي: 213/2 ، التَّفْسِير الكبير للفخر الرازي : 205/1 ، فيض القدير : 356/6 تجمع الزوائد : 235/7 و 134/9 ، تاریخ بغداد : 321/14 ، الْإِمَامَة : 134/9 السَّيَّاسَة : 78/1، شرح الأَخْبَار للقاد الأَخْبَار للقاضي النعمان المغربي : 60/2 ، ربيع الأبرار للزمخشري: 828/1 فرائد السمطين: 1/ 177 ح 138 ، المناقب لابن المغازلي : 117 و 244 ، والمستدرك: 19/3 و 124، العقد الفريد : 108/30 الطبعة الثالثة، تأريخ ابن عساكر ترجمة الإمام علي : 119/3 ح 1162 و : 449/42 ، كنز الْعُمَّال: 603/11 ح 32912، أَنساب الأشراف: 281/2 الطبعة الأولى، فضل آل البيت للمقريزي : 60 ، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي لابن دِمَشْقَ : 343/1. الملل والنحل : 103/1.

3) أنظر ، صيد الخاطر : 385. (مِنْه قدّس سرّه )

(مَكِيثُ الْكَلَامِ ، بَطِيءُ الْقِيَامِ ، سَرِيعُ إِذَا قَامَ . بَعْضَ النَّاسِ يُسرع إِلى الكَلام لا لشيء إلا لأنه يجد فِيهِ لذة ، وحَلاوَة ، وإِنْ كَانَ لغواً ، وعبثاً ، وبَعْضُهُم يُبادر إلى الفعل بطيش ، وحماقة ، أو بدافع الهوى، والغرض، أما الإمام فإِنَّه لا يُفيض بقولٍ، أو فعل إلا عن تدبر العقل، ورَويّته ، وعن الدين، وشريعته ، فى أمر الدين، والْعَقْل أقدم وأسرع وإلّا أحجم ، وأمتنع ، وَهَذَا هو شأن الأمة الهداة الَّذِين أختارهم سُبْحَانَهُ لأمره ، وحُججاً على عِبَادِه .)(فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ ، وَأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ . ضَمِيرِ لَهُ وَإِلَيْهِ يَعود إِلَى الإمام، وقد أخَبَرَ في قَوْله هَذَا أنّ أَصْحَابِهِ الَّذِين يُخالفون الآن أَمْرَه سوف يسلسون له القياد، ويستمعُون إِلَيْهِ ، ويَعْرِفُون مكانته ، وعَظَمَته - طبعاً ما عدا الأَشْعَت بن قَيْس - ولكن متى بلغوا من الرُّشد هَذا المبلغ (جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ )أي قَبض الله سُبْحَانَهُ الْإِمَامِ إِلَيْهِ ، وتَرَك أَصْحَابِهِ حَيارى لا يَتهدُون إِلى قصد ، وأتفق الرواة على أن الإمام كَانَ لديه قبيل وفاته جيش من أَرْبَعِين ألفاً (1)يُطالبون


1) كتب الإمام (علیه السلام) إلى عبد الله بن عباس :)أما بعد، فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنُّخَيْلَة ، وقد أجتمعنا على المسير إلى عدوّنا من أهل المغرب فأشخص بالنّاس من أَهْل الْبَصْرَة. فقرأه ابن عباس على النّاس وندبهم على المسير مع الأحنف بن قيس فشخصوا إلى علي(علیه السلام في ثلاثة آلاف ومنتين.)أنظر، تأريخ الطبري: 58/4 الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 165/1 ، الأخبار الطوال: 208 ومروج الذهب: 449/2وكتب علي (علیه السلام إلى رئيس كلّ قَبِيلة من القبائل يستنفره بما في عشيرته من المقاتلة ، وأبنائهم الذين أدركوا وعبدانهم، ومواليهم.)وجاء، سعد بن قيس الهمذاني وَقَالَ: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ سمعاً وطاعة أنا أَوَّل الناس إجابة.أنظر ، تأريخ الطبري : 58/4 - 59 مَع زِيَادَة في الألفاظ، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 165/1 .وجاءه معقل بن قيس، وعدي بن حاتم وزياد بن خصفة، وحجر بن عدي، وأشراف الناس.والقبائل في أَرْبَعِين ألفاً من المقاتلة الرجالة، وستة عشر أزلفاً من أبناء الموالي والعبيد.أنظر ، تأريخ الطبري: 59/4 لكن بإضافة : وسبعة عشر ألفاً من الأبناء مِمَّنْ أدرك وثمانية آلاف من مواليهم ، وعبيدهم ... وأنظر ، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة أيضاً : 166/1وكتب إلى سعد بن مسعود التَّقي بالمدائن يأمره بإرسال من معه من المقاتلة أنظر، تأريخ الطبري: 59/4 ، وان نظر فرق الشيعة للنوبختي : 24 ، والصحيح هو سعيد بن مسعود التّقَنِيّ من أصحاب أمير الْمُؤْمِنِينَ(علیه السلام.)وبلغ عَليَّاً (علیه السلام أن الناس يقولون : لو سار بنا إلى قتال هَؤُلاء الْحَرُورِيَّة فبدأنا بِهِمْ فَإِذَا فَرعْنا وجهنا إلى قتال المحلّين.)أنظر، تأريخ الطبري: 59/4 ، الكَامِل لابن الأثير : 343/3 . وفي فَقَالَ لهم علي(علیه السلام : بلغني أنكم قلتم كيت وكيت وأنّ غَيْر هَؤُلاء الخارجين أهم إلينا فدعوا ذكرهم وسيروا بنا إِلَى مُعَاوِيَةَ ، وأَهْل الشّام أن لا يكونوا جبارين في الأَرْضِ وَلاَ يَتَّخِذُوا عباد الله خولاً. فتنادى النّاس :)، يا أَمِير المُؤْمِنِينَ، نَحْنُ حزبك، وأنصارك، وأتباعك نعادي من عاداك ، ونوالي من والاك ، ونتابع من أناب إلى طاعتك، مَن كَانُوا ؟ وأين كَانُوا ؟ سر بنا حَيْث شئت.ذكر الطبري في تأريخه : 59/4 أنّ القائل هو صيفي بن فسيل الشيباني بإضافة : ونشايع من أناب إلى طاعتك فسر بنا إلى عَدُوّك من كَانُوا وأيها كَانُوا فَإِنَّك إن شاء الله لن تؤتي من قلّة عدد، ولا ضعف نية أتباع ... ولصيفي هَذَا قِصَّة طريفة - تدلّ على قوة إيمانه وحبّه للوِلاية - مع زياد أبن أبيه ذكرها الطبري في تأريخه : 149/6 ، وأبن الأثير : 204/3 ، والأغاني : 7/16، وابن عساكر : 459/6 وفيها بتصرف. أمر زياد فجيء به - يعني صيفي - إِلَيْهِ فَقَالَ له : يا عدو الله ، ما تقول في أبي تُراب ؟ قَالَ : ما أعرف أبا تراب ، فَقَالَ : ما أعرفك به ، قَالَ : ما أعرفه ، قَالَ : أما تعرف علي بن أبي طالب ؟ قَالَ : بلى ، قَالَ : فذاك . وبعد محاورة بينهما قَالَ: عليَّ بالعصا، فَقَالَ : ما قولك في علي ؟ قَالَ : أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيد الله أقوله في أمير المُؤْمِنِينَ ، قَالَ : أضربوا عاتقه بالعصا حَتَّى يلصق بالأَرْض، فضرب حَتَّى الصق بالأَرْض، ثم قَالَ : أقلعوا عنه، فتركوه، فقال له : إيه ! ما قولك في عليّ؟ قَالَ : والله لو شرطتني بالمواسي. والمدي ما قلت إلا ما سمعت مني ، قَالَ : لتلعننه، أو لأضربن عنقك ، قَالَ : إذا والله تضربها قبل ذَلِكَ ، فأسعد وتَشقَ ، قَالَ : أدفعوا في رقبته ثم قَالَ: أو قروه حَديداً ، وأطرحوه في السِّجن، ثم قتل مَع حِجر رحمهما الله تعالى.وذكر الطبري أيضاً في: 59/4 مايلي : وقام إِلَيْهِ محرز بن شهاب التميمي من بني سعد فَقَالَ : يا أمير الْمُؤْمِنِينَ شيعتك كقلب رجل واحد في الاجماع على نصرتك والجد في جهاد عدوك فأبشر بالنصر وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت ، فإنّا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب . ونخاف في خذلانك، والتخلّف منك شدة الوبال .

بصِفِّين ثَانِيَة ، وإنّه فى أُخريات أيَّامه كانَ يُرتقب الموت في لهفة ، ويَقُول مُردداً : أنّ رَسُول الله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم عهد إليَّ أنْ لا أموت حَتَّى أؤمر ، وتخضب هَذِهِ مِن دَم هَذَا - وأشار إلى لحيته ، ورَأْسه - قضاءً ،مقضياً ، وعَهداً معهوداً منه إلىَّ(1)


1) هَذَا الْحَدِيث ورد بألفاظ متعدّدة، وبطرق أيضاً متعدّدة عن أبي ،فضاله، وغَيْره كما جاء في البداية والنهاية : 218/6 ، و : 358/7، ورواه الطبراني، وَقَالَ الهيتمي : إسناده حسن كما جاء في تجمع الزوائد : 137/9 ، والحاكم في المُسْتَدرَك وصحيحه : 113/3 و 143 ، ورواه الفتح الرباني : 23 / 193 ، وكنز العمال : 297/11 ، وذَخَائِرِ الْعُقْبَى: 115 ، والصَّوَاعِقِ الُحُرِقَة : 121 ب 9 فصل 2. وفي المناقب لابن شهر آشوب : 111/3 الرواية عن عمار أيضاً بلفظ : أتعلم من أشق النّاس ؟ أشق الناس أثنان : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، وأشقاها الذي يخضب هَذه وَوَضع يده على لحيته . والمناقب لابن المغازلي : 8 ح 5 . ينابيع المودة : 396/2 ط أسوة ، تأريخ دمشق : 278/3 1364 و 1365 لتجدن نفس الحديث مع يسير في اللفظ ، وكَذَلِكَ في فرائد السمطين: 327/390/1، المناقب للخوارزمي: 380 ح 40 مُسْنَد :أحمد: 263/4 ابن كَثِير في تاريخه : 247/3 ، الطبري في تأريخه: 261/2 ، السِّيرَة لابن ، :هشام : 236/3 ، عمدة القاري للعيني: 630/7 ، طبقات ابن سعد : 509 عيون الأثر لابن سيد اختلاف النّاس : 226/1 ، الإمتاع للمقريزي : 55 السيرة الحلبية : 142/2 ، تاريخ الخميس: 364/2 . وَقَالَ الهيتمي: رواه أحمد والبزار ، ورجاله ثقات أنه (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قال لعلي: ألا أحدثك بأشقى الناس رجلين : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا على على هذه (يعنى رَأْسه حَتَّى تبتل منه هَذِه (يعني لحيته) وَقَالَ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) له : إن الأمة ستغدر بك بعدي ... وإن هذه ستخضب من هَذَا (يعني لحيته من رأسه). وعن أبي سنان أنه عاد عَلِيّاً في شكوى أشتكاها فَقَالَ لعلي: لقد تخوّفنا عَلَيْكَ فِي شَكْوَاكَ هَذِهِ . :فَقَالَ : ما تخوفت على نفسي، عهد إلى أن لا أموت حَتَّى تخضب هَذِه من هذه. رواه الطبراني، وَقَالَ الهيتمي : إسناده حسن : 137/9 ، والحاكم صححه : 113/3 ، وفرائد السمطين : 387/1 ح 320.)وروي أنّ رجلاً من الخَوَارِج يُقَال له الجعد بن بعجة قال لعلي : أتق الله يا علي فَإِنَّكَ مَيِّتِ، فَقَالَ : بل مقتول ضربة على هَذَا تخضّب هذه، عهد معهود، وقضاء مقضي وقد خاب من أفترى.وعن علي مرفوعاً : يا علي أتدري من أشقى الأولين ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قَالَ : عاقر الناقة ، قَالَ : أتدري من أشق الآخرين ؟ قلت: الله ورسوله أعلم ، قَالَ : الَّذي يضربك على هَذه - وأشار إلى رأسه - فتبتل مِنْهَا هَذِه - وأخذ بلحيته .. أخرجه أحمد في المناقب، وأبن الضَّحَّاك كما جاء في ذَخَائِرِ الْعُقْبَى: 115 ، ويُنابيع المودة : 199/2 ط أسوة . وجاء في الصَّوَاعِقِ : قَالَ أبو الأسود: فما رَأَيْت كاليوم قط مُحارباً يخبر بذا عن نَفْسِه .وفي الينابيع : فما رَأَيْت أحداً قط يخبر عن قتل نفسه غَيْر على أنظر ، تأريخ دمشق : 273/3 ح 1354 .

(فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ - أَي بَعْدَ الْإِمَام مَا شَاءَ اللهُ حَتَّى يُطْلِعَ اللهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ ، وَيَضُمُّ نَشْرَكُمْ . قيل : هَذِهِ إِشَارَة إلى دولة بَنِي الْعَبَّاس . وقيل : إِلى المَهْدِيّ المُنْتَظِرْ ... ولَيْسَ من الضّرورة أنْ يَكُون المراد بجمع الشمل هنا الجمع سِيَاسِياً ، أو عسكرياً حَتَّى نضطر إلى التَّفْسِير بالمَهْدِيّ المنتظَرْ ، أو بدولة العباسيين ... فمن الجائز أنْ يَكُون المراد الجمع على الحَقِّ ، والوِلايَة ، وقد حدث ذَلِكَ بالفِعْل في عهد الصَّادِقَين : الإِمَام مُحَمّد الباقر ، وولده الإِمَام جَعْفَر الصادق (علیهاالسلام) . ويرجع هَذَا قَوْل الإِمَام فِي هَذِهِ الْخُطْبَةُ : (إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ ) . وقَوْله : (وَ أَرَاكُمْ مَا كُنتُمْ تَأْمُلُونَ ) أي من العودة إلى آلِ بَيْت الأَطهَار، والأرتواء من فيضهم ، وعلومهم .)(فَلا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ . لا تَطْمَعُوا أَنْ يحكمكم بعدي من هو مثلي ، فإنّ هَذَا)

بعيد المنال (وَ لَا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ لا تَيْأَسُوا من هدايتنا نَحْنُ أَهْل الْبَيْت ... فَإِذَا لَم تجدوا بعدي من آل الرَّسُول من يملك الحكم ، والأمر سِيَاسِياً فإنّكم واحدون مِنْهُم أغة يَهدون بِالْحَقِّ ، وبه يعدلون ، فألزموهم ، وانقادوا لأمرهم (فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ ، وَ تَثْبُتَ الْأُخْرَى ، فَتَرْجِعَا) أَشار بالقَانِتَيْنِ إِلَى السُّلطة الدينية ، والسُّلطة الزَّمنيّة ، وإنّه إِذا ذهبت هَذِه بوفاة الْإِمَامِ اللهِ ، تَبقَى تِلْكَ ببقاء أَبنائه ، وعلى طول الأمد تعود السُّلطة السياسية أيضاً ، وتنضم إلى السلطة الدينية (حَتَّى تَثبُتَا جَمِيعاً ) . وقد حثّ الإمام على متابعة أهل البيت في هذه الخطبة وغيرها مما سبق، ويَأْتِي.)

## الخطبة-101-### كُلَّهُ عَنِ النَّبِي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم فِقْرَة 1 - 2:)الْحَمْدُ للهِ الْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلِ ، وَالآخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرِ ، وَ بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ أَوَّلَ لَهُ ، وَ بِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لَا آخِرَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةٌ يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلَانَ ، وَ الْقَلْبُ النِّسَانَ .أَيُّهَا النَّاسُ ، لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي ، وَ لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي ، وَلَا تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الْأُمِّي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم ، مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ ، وَلاَ جَهِلَ السَّامِعُ . لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلِ قَدْ نَعَقَ بِالشّام، وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ . فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَ اشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ، وَ ثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطَأَتُهُ عَضَتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَا بِهَا ، وَ مَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا ، وَبَدَا مِنَ الْأَيَّامِ كُلُوحُهَا ، وَمِنَ اللَّبَالِي كُدُوحُهَا ، فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ ، وَقَامَ عَلَىٰ يَنْعِهِ ، وَ هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ ، وَ بَرَقَتْ بَوَارِقُهُ ، عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ ، وَأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَالْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ. هَذَا ، وَكَمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ ، وَيَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ ! وَ عَنْ قَلِيلٍ تَلْتَقُ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ ، وَيُحْصَدُ الْقَائِمُ ، وَيُحْطَمُ الْمَحْصُودُ !)

### اللُّغَة:لا يَجْرِمَنَّكُمْ : لا يَحْمِلَنَّكُمْ أو لا يَبْعَثَنَّكُمْ . وشِقاقِي : مُخَالَفَتِي . وَقَالَ الشَّيخ مُحمّد عَبْدَه : أي لا تُشاقُونِي فَيَكْسبكُمُ الشَّقاق خُسراناً (1، وهو جَيد . لاَ تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ : لا ينظر بَعْضُكُمْ إلى بعض ، وضِلِّيلٍ مُبالغة في الضَّلال، والإضلال.)وكُوفَانَ : الْكُوفَة . وفَغَرَ فَاه : فَتحَهُ . والْمُرَاد بِفَاغِرَتُهُ فَمه ، أو فَتْنَته . والمراد بالشَّكِيمَة هنا البأس. والكُلُوحُ : العُبُوسُ والكُدُوحُ : الخُدُوسُ وأَيْنَعَ : نَضَحَ ويَنْعِهِ : نَضْحِهِ . وشَقْشَق الْجَمَل : هَدَرَ ، والطَّيْرِ : صَوَّتَ .### الْإِعْرَاب:الأَوَّل صفة الله ، وأَنْ لا «أَنْ» مخففة وأسمها مَحْذُوف أي أنه، وعَنِ النَّبِيِّ مُتَعَلِّق بَحْذُوف خَبَراً لمُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي هو نَبا عَن النَّبيِّ ، وَكَمْ خَبَرية، ومحلّها الرَّفع بِالابْتِدَاء ، وجُمْلَة يَخْرِقُ خَبَر ، ومِنْ قَاصِفٍ تَميِيرُ لَكُم أَي كَمْ مِنْ قَاصِفٍ يَخْرِقُ .### الْمَعْنى:(الْحَمْدُ للّهِ الْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ أي بِلا بِدَاية (وَالآخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ ) أي بِلا نهاية ، وتَقَدَّم هَذَا مَرَّات، وهو في خُطب الإمام أشبه بالبَسْمَلة في سور القُرْآن (وَ بِأَوَّلِيَّتِهِ ) أي بوجُودِه الذاتي يُفيض الكلّ مِنْهُ ، وينبع (وَجَبَ) أَنْ يَكُون الأَوَّل بلا أَوَّلٍ كَانَ قبله بِآخِرِيَّتِهِ ) أي بدوَامِه ، وأبدِيَته (وَجَبَ) أَنْ يَكُونَ الآخِرِ بلا آخِرٍ يَكُون بَعْدَه ،)


1) أنظر ، شرح النهج : 194/1.

والكلّ إِلَيْهِ يعود ... وبكَلِمَة هو القديم أزلاً، والدائم أَبَداً. (وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ موجود بحقٍ، وفي غنى عن غَيْره في وُجُودِه ، وبقائه (إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةٌ يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلانَ ، وَ الْقَلْبُ اللَّسَانَ ) أي نوحده توحيداً خَالِصَاً من كلِّ شَائبة . وَقَالَ موحد معاصر: «لو أصْبَحت كَلِمَة التَّوْحِيدِ دستور الحياة لكَانَتْ كفيلة بتغيير هَذِه الحياة إلى نَهْج أَشرف وأجمل وأصدق» أي لو عمل النّاس بمقْتَضيَات هَذِهِ الكَلِمَة وتوجيهاتها لسّيطر بَيْنَهُمُ الْعَدْل ، وعاشوا في سَلامِ، وهناء . وفي الحَدِيث : «خَير ما جِئتُ بِه أنا ، والنَّبِيُّونَ من قَبلي كَلِمَة لا إله إلا الله »(1).)(أيُّهَا النَّاسُ ، لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي ، وَلَا يَسْتَهْوِ يَنَّكُمْ عِصْيَانِي ، وَلَا تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي . كَانَ فِي صَحابة النَّبِيِّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)جَمَاعَة مَردوا على النفاق ، وكَانَ على رأسهم عبد الله بن أبي، وأيضاً كَانَ فِي أَصْحَابِ الإِمَام(علیه السلام) مُنافقون ، ورأسهم الأَشْعَت بن قَيْس ، يُثير الفِتْنَة كُلّما سَنحَت الفُرْصَة ، وَقَالَ أَربَاب السَّير ، والتَّارِيخ : كَانَ الأَشْعَت لِعلي كما كَانَ أبن أبي للنّبي ، وكَانَ الإِمَام إِذا أخبر بشيء من المغيبات تغامز المُنَافِقُون، وتبادلوا الهَمْسات ، والهمهمات فَصرخ الإِمَام فِيهِمْ يوبخهم ، ويَقُول : لا تَحْملَنَّكُم عَدَاوَتِي على التَّكذِيب فيما أُخبر»(2). (فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ، مَا كَذَبَ)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة للمعتزلي : 190/6 ، البحر الرائق: 592/2 ، كتاب الموطاً: 215/1 إعانة الطالبين: 19/1، فتح العزيز لعبد الكريم الرافعي : 359/7 المجموع: 94/8 .

2) قال ابن أبي الحَدِيد في شرح نهج البلاغة : 96/7 - 100 في الكلام تَحْذُوف، وتقديره لا يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي على أن تكذبوني ، والمفعول فضله، وحذفه كَثير، وَهَذَا مأخوذ من الآية الكريمة: (وَيقَوْم لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنكُم بِبَعِيدٍ هُودٍ 98 وأنظر ، شرح النهج لمحمد عَبْدَه : 194/1، وشرح النهج للبحراني : 9/3

الْمُبَلِّغُ ، وَلاَ جَهِلَ السَّامِعُ . إنّ كلّ ما أُخبرت به هو وحي من الله إِلى نَبِيَّهِ الْكَرِيمِ. والنَّبِيِّ قد خَصني بعلمه ، ولَوْلاه ما علمت مِنْهُ شَيْئَاً ، فهل كذَّب النَّبِيِّ على ربِّه ، وقد وصفه بقَوْله : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (1)، أو أنّي جهلت ما سمعت من النَّبِيِّ، وأخطأت فيما نقلت عنه ؟ قاتلكم الله أَنَّى تُؤْفَكُونَ.)(لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ يَعم ، ويشمل هَذَا الْوَصْف كُلِّ مَن (نَعَقَ بِالشَّامِ، وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ - أي نصبها - فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ ) كمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ، وعبدالملك بن مَرْوَان حَيْث سيطر كلّ مِنْهُما على الْعِرَاق ، وأستبد بأَهْل الْكُوفَة ، وفعل بشيعة الإمام الأفاعيل ، وفصلنا ذلك في كتابنا (2))(فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ . فَتح فَاه يبرق ، ويرعد، ويُهدد ، ويُزمجر (وَاشْتَدّتْ شَكِيمَتُهُ ) قوي على البطش، والإفتراس (وَ ثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطاتُهُ) أي ضَجت من عُنفه ، وجبروته ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَضَتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَا بِهَا ، وطحنتهم طَحن الرّحا (وَ مَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا ) فأغرقت البلاد بالدِّمَاء لا ترحم كبيراً ، أو صغيراً.)(وَ بَدَا مِنَ الْأَيَّامِ كُلُوحُهَا ، وَ مِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا . كناية عمّا يُصيب النّاس من المظالم، والأهوال ، وما يحل بالبلاد من الخراب والدمار (فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ، وَقَامَ عَلَى يَنْعِهِ ، وَ هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ ، وَ بَرَقَتْ بَوَارِقُهُ ، عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ ، وَ أَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، وَالْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ ، هَذَا ، وَكَمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ ) أي أنّ)


1) النجم : 3 - 5 .

2) انظر كتابه الشيعة والحَاكِمُونَ». (مِنْهُ قدّس سرّه).

الحاكم الجائر متى استتب له النفوذ والسُّلْطَان أَطلق العنان لأهوائه، وتمادى فى الْبَغْيِ ، والضَّلال، وحوّل جميع طاقاته إلى الفتك ، والبطش (وَ عَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ ينشب الْقِتَال الرهيب بَيْنَ الفُرسان بِالْأَيْدِي، والسلاح الأبيض تماماً كما تتناطح الأكباش بالقُرُون (وَ يُحْصَدُ الْقَائِمُ ، وَيُحْطَمُ الْمَحْصُودُ ) . تُدمر الْفِتْنَة البناء القائم، وتجعله أثراً بعد عين، وتمحو آثار الأَوَّلِين من الوُجُود ، وإنْ شئت فعبر : لا ترحم شَيخاً ، وَلا شَاباً ، وَلَا تَدع رَطْباً، وَلا يَابِساً .)

## الخطبة-102-### نِقَاشِ الْحِسَابِ، وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ:وَ ذَلِكَ يَوْمُ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ ، وَالآخِرِينَ لِنقَاشِ الْحِسَابِ ، وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ خُضُوعاً ، قِيَاماً قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ ، وَ رَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ، فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً ، وَ لِنَفْسِهِ مُتَسَعاً .فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم، لا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ ، وَلَا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ ، تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةٌ : يَحْفِرُهَا قَائِدُهَا ، وَيَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا ، أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ ، يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ ، فِي الْأَرْضِ مَجْهُولُونَ ، وَ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ . فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةٌ عِنْدَ ذَلِكِ ، مِنْ جَيْشِ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ ! لَا رَهَجَ لَهُ ، وَ لاَ حَسَّ ، وَ سَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الْأَحْمَرِ ، وَالْجُوعِ الْأَغْبَرِ !### اللُّغَة:نَاقَشَه الْحِسَابِ : اسْتَقصى فِي حِسَابه . وقَائِمَةُ السَّيْف : مِقْبِضَه ، والدَّابَة : رِجْلَهَا ، أو يَدِها ، والمراد بها هنا أنه لا أحد يثبت لِتِلْكَ الْفِتَن . ومَرْمُومَةٌ : مَعَهَا زِمَامُها .

ومَرْحُولَةٌ : عَلَيْهَا رَحْلهَا ، وهو ما يجعل على ظهر البعير. ويَحْفِرُهَا : يَحثُهَا . وَيَسُوقُهَا . وَيَجْهَدُهَا : يَحمل عَلَيْهَا فَوق ما تطيق . والكلب: الشّر .والسَّلَبُ : ما يأخذ القاتل من سلاح المُقْتُول ، وثِيَابه . والرَّهَجَ : الغُبار . والحِسّ بكسر الحاء - الصَّوْت الخفى ، وبفتحها : الحِيلَة .### الإعراب:ذَلِكَ إِشَارَة إِلى يَوْم الْقِيَامَة مُبْتَدَأ ، ويَوْمُ خَبَر ، وخُضُوعاً ، وقِيَاماً مَصْدَران في موضع الحَال أي خَاضِعِين قائمين ، وحَالاً تمييز ، ومُتَسَعاً مَفْعُول لفعل مَحْذُوف أى ووجد لنَفْسِه مُتَسَعَاً ، وفِتَنٌ خَبَر لَمُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي تِلْكَ فِتَنُ ، ومَزْمُومَةً مَرْحُولَةٌ حال من الضَّمِير المستتر في تَأْتِيكُمْ ، وأَهْلُهَا قَوْمُ مُبْتَدَاً وخَبَر ، وشَدِيدٌ صِفة لِقَوْمٍ ، وكَلَهُمْ فَاعِل شَدِيدٌ ، ومِثْله قَلِيلٌ سَلَمُهُمْ .### الْمَعْنى:(وَ ذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ، وَالآخِرِينَ لِنِقَاشِ الْحِسَابِ ، وَ جَزَاءِ الْأَعْمَالِ لكلّ فرد أو فِئَة فَلْسَفَة خَاصَّة تَركن إلَيْهَا ، ويعتمد الجاحدون بالبعث على أنَّ الإِنْسَان بعد الموت يصير تُرباً ، ويَسْتَحِيل أَنْ يَعود هَذَا التُّرَابِ إِلَىٰ مَا كَانَ : وَقَالُواْ أَعِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَتًا أَعِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ) (1)، ومن هُنا جَاء الرَّد عَلَيْهِمْ بأنّ جمع الشيء بعد تفرق أجزائه أَهْوَن من إيجاده من لا شيء . وقيل : إنّ)


1) الإسراء : 49 .

إعرابياً (1جاء إلى النَّبيّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، ومعه عَظم ،بالٍ فَركه بَيْنَ يَدي الرَّسُول حَتَّى صَار رميماً ، ثم التفت إِلَيْهِ ، وَقَالَ : أيبعث رَبُّكَ هَذَا الرَّحِيمِ ؟ فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )(2)وَقَالَ الْإِمَام : «عَجِبْتُ لَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الأُخْرَى وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى» (3). وَقَالَ أَفْلاطون : «لو لم تكن لِلْإِنْسَان حَيَاةِ ثَانِيَة لكَ-ان القِرْد أشرف مِنْهُ » (4). وَقَالَ الفَيْلَفُوس الألماني «كنت»: «لما كَانَتْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لا تُحقق الجزاء فلا بُدّ في طَبِيعَة الحال من حَيَاة أُخرى»(5).)(خُضُوعاً ، قِيَاماً قَدْ الْجَمَهُمُ الْعَرَقُ ، وَ رَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ ، فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً ، وَ لِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً . يحشر سُبْحَانَهُ الخَلَائِقِ يَوْم الْقِيَامَة لِلْحِسَابِ والجزاء، ويُساقون دفعة وَاحِدَة كالأُسارى حفاة عُراة خاضعين خَائِفِين ، فَإِذَا بَلغوا الموقف قاموا على الأَقْدَام حيث لا مَقاعد ، وَلَا وسائد «قَدْ)


1) اختلف في هَذَا الإعرابي ، فقيل : هو أبي بن خلف ، كما عن قتادة ، ومجاهد ، وهو المروي عن الإمام الصادق (علیه السلام)، وقيل : هو العاص بن وائل الشهمي . كما عن سعيد بن جبير ، وقيل : هو أُمية أبن خلف عن الحسن ، وقيل : هو أبو جهل بن هشام ، وقيل : هو عبد الله بن سلول أنظر ، أمالي الشيخ المفيد : 247 ، أمالي الشيخ الطوسي : 19 تجمع البيان : 291/8 ، تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني : ، 2145/3 ، جامع البيان لابن جرير الطبري : 37/23 ، معاني الْقُرْآن للنحاس : 2519/5, أسباب : النزول للواحدي : 246 ، زاد المسير لابن الجوزي : 283/6 ، تفسير القرطبي : 68/10 ، تاريخ دمشق لابن عساكر : 381/4 ، البداية والنهاية : 112/3.

2) سُورَةُ يس: 79-78

3) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (126).

4) أنظر ، البدء والتاريخ : 76/2 ، كتاب الإستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى: 40/2.

5) أنظر المعجم القانوني لحارث سليمان الفاروقي : 207/1 و : 447/2 .

اَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ » من الْخَوْف ، والحَرِّ ، أمّا قَوْل الإِمَام «فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً » فَهُوَ كناية عن كثرَة الخَلائِق ، وضخامة عددهم. ومن البداهة أنّ العذاب غَداً بشَتَّى أَنْوَاعه خاص بمن ،ظلم ، وأجرم، فأما من أحسن وأتقى فله جزاء الحسنى . قَالَ الرَّسُول الأعظم (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم : «إنّ الله يُعاملكم بِمَا عَاملتم بهِ عِبَادِه ... إنّ أَهْل المَعْرُوف في الدُّنْيَا هم أَهْل الْمَعْرُوف في الآخِرَةِ »(1).)(فتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، لَا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ، وَلاَ تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ ... إلخ أَشار الْإِمَام إِلَى الْفِتَن في الخُطْبَةُ الّتي قبل هَذه بلا فاصل رقم 101. وأيضاً أَشار إلَيْهَا في كَثِير من الخطب ، ولذا نقتصر في الشرح على ما لا بُدّ مِنْهُ ، وماكرر الإمام ، وأكد إلا للحث على جهاد أعداء الله ، والإنسانية سَداً لباب الضَّلال ، قَالَ تَعَالَى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإن انتَهُوا فَلَا عُدُونَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) (2). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (3).)### لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ رَايَة الْبَغْيِ:( يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِرِينَ، فِي الْأَرْضِ مَجْهُولُونَ ، وَفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ. ضمير يُجَاهِدُهُمْ يَعود إلى أهل الراية الْبَاغِيَةُ ، وهُم ، وأمثالهم)


1) أنظر ، المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 213/1 - 429 ، تجمع الزوائد : 115/3، سُنن البَيْهَقِ الْكُبْرَى : 109/10، الْصَنَّف لابن أبي شيبة : 221/5 ح 25428 ، المعجم الكبير : 264/6 - 6112، المعجم ع الصغير : 133/12 ح 199 ، المعجم الأوسط : 56/1 ح 156 ، الأدب المفرد : 86/1 ح 220، الفِرْدَوْس 133/1 بمأثور الخطاب: 409/1 ح 1653 .

2) الْبَقَرَة : 193.

3) الْأَنفَالِ : 73 .

من المُتّخَمِين مَعْنِيُّون بالمتكبرين، والإمام يُشير بقَوْله هَذَا إِلى أَنّ رَايَة الْبَغْيِ والفَسَاد لا تمر ، وتعيش في هَذِهِ الأرْض تُفسد على البشرية حياتها، وتعبث بكرامتها ، بل يتصدى لها دفاعاً عن الحقِّ ، والحُرِّيَّة، ويثور عَلَيْهَا - أعزّة شُرفاء عند الله ، وأوْلِيَائه ، وإِنْ أَزْدَرتهم أعين الأَشْرَارِ ، وأَهْل الضَّلال. وقد كرر الإِمَام هَذا المعنى وأكده في العديد من أَقْوَالِهِ ، من ذَلِكَ قَوْله : «وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْى قُتِلَ بِهِ »(1، أي أنّ الظَّالِم من حيث لا يُريد يَغرس في نفس المَظْلُوم بَدْرَة الثَّورة عَلَيْهِ ، ويحثه على الإستماتة دُونَ حقه . وقد أوجب الإمام جهاد الظُّلم وأَهْله ، وحثّ عَلَيْهِ بشَتّى الأساليب ، من ذلِكَ قَوْله : «فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالْحَيَاة فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ » (2). وَقَالَ: «إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ » (3)، أي من أجل الدفاع عن الحَقِّ . ويجب هَذَا الجهاد فى الدرجة الأُولَى على الْعُلَماءِ ، لأنّ فقره وسغبه ، كما جاء في الخُطْبَةُ السِّقشِقِيَّة، وكَيْفَ يقر الدين ، ويسكت عُلَماء الدِّين حقاً عن الَّذِين يَخْتَلِسُون أقوات الكادحين، ويُخرمُونهم من ثَمرات كَدحِهم ، وعرقهم ؟)ولاحظت ، وأنا أتتَبَّع أقوال العلماء القُدامى أنّ ما من عالم كبير ، أو صغير أشار إلى حقوق المُسْتَضْعَفِين، ومصالحهم ، ولا إلى ظلم الحاكمين ، وجَوْرَهم ... بل رَأَيْت بَعْض كبّار الْعُلَماء يُمسجد سلطان زَمَانه ، ويدعو له بالْعُمُر المديد ، وتوطيد لحكم والنفوذ على المساكين ، والمُعَذِّبِين ، وَإِذَا أَلف كِتَابًا أفتتحه بحمد الله الَّذِي أَنعم


1) انظر ، نهج البلاغة : الحِكْمَة (349).

2) تَقَدَّم شُرح هذه الخُطْبَة في الجزء الأَوَّل من هَذَا الْكِتَاب: تحت رقم (51).

3) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَة (123)

على عِبَادِه بشاهنشاه، وملك المُلوك ... هذا وهو يُفتي في نفس الكِتَاب بقطع يَد الشارق ، وجهاد الظالم ، والخائن ، ويشترط في الوِلَايَة الإِخْلاص ، والأَمَانَة .. وكأنّ اللُّصوصية، والخيانة لا تعنى أستغلال الملايين ، وسرقة جهود الكادحين ، وإنَّها تختص بسرقة المحفظة من الجيب، والمتاع من البَيْت ... وإنْ دَل هَذا على شيء فإِنَّه يَدلُّ على الإعتقاد بأنّ الْفَقْر ، أو الإستغلال هو من السَّماء لا من الأرض، أو على أنَّ هَذَا العالم، وأمثاله كَانُوا يَعِيشُون في أبراج من العاج، وأنّ التّخمة، والدَّعة أبتعدت بهم عن المشاركة الوجدانية ، والإحساس بآلام المحرومين .(فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكِ ، مِنْ جَيْشِ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ ! لاَ رَهَجَ لَهُ ، وَلَا حَسَّ، وَ سَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الْأَحْمَرِ ، وَ الْجُوعِ الْأَغْبَرِ !... قَالَ أبن أبي الحَدِيد : كنَّى الْإِمَام بالجيش عن جدبٍ ، وطَاعون يُصيب أهْل الْبَصْرَة حَتَّى يَبِيدُهُم ، وكنَّى بالموت الأحمر عن الوباء، وبالجُوعِ الأَغْبَر عن الجذبِ ، والمحل ، والجائع يرى الآفاق كأنّ عَلَيْهَا غَيْرَة ، وظلامَاً » (1).)


1) أنظر ، شرح نهج الْبَلاغة : 104/7.

## الخطبة-103-### كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ... فِقْرَة 1-3 :أَيُّهَا النَّاسُ ، اُنْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا ، الصَّادِفِينَ عَنْهَا ، فَإِنَّهَا وَاللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ التَّاوِي السَّاكِنَ ، وَ تَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الأمِنَ ، لَا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ ، وَ لَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ، وَ جَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ ، وَ الْوَهْنِ ، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ كَثَرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّة مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا .رَحِمَ اللهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَأَعْتَبَرَ ، وَ اعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيل لَمْ يَكُنْ ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ ، وَكُلُّ مُتَوَفَّعِ آتٍ ، وَكُلٌّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ.الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ ، وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ ، جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ ، وَ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الْآخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطْ عَنْهُ !

وَ ذَلِكَ زَمَانٌ لَا يَنْجُو فِيهِ إِلأَكُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ ، ﴿ إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ ، وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى ، وَ أَعْلامُ السُّرَى ، لَيْسُوا بِالْمَسَایِيحِ ، وَلَا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ ، أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ .)أَيُّهَا النَّاسُ ، سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الْإِسْلاَمُ كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ بِمَا فِيهِ .أيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ ، وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ ، وَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَةٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (1))### اللُّغَة:الصَّادِف : المُعْرِضِ. والثّاوِيَ : المُقِيم . والمُتَرَفَ : المنعم يفعل ما يَشتَهي . وَالجَلَدُ : الْقُوَّة . وجَائِراً : مَائِلاً . وَلَى ، فَتَرَ ، وَضَعَف . ونُوَمَةٍ - بضم النُّون ، وفَتح الواو - كَثِير النَّوْم . والسُّرَى : السَّير في اللَّيْل . ومَسَایيحِ : جَمع مَسْيَّاحٍ أَي يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِالْفَسَاد . ومَذَايِيع : جمع مِذيَاع أي يُذيع الفَاحِشَة . ويُدر - بضم الباء ، والدال - جمع يُذُور ، وبَذِير ، النَّمام. وكفَأَ الإناء : قَلَبَه .### الْإِعْرَاب :بِالْمَرْءِ الباء زَائِدَة ، والمزء فَاعِل كَفَى ، وجَهْلاً تمييز ، والمَصْدَر مِن أنْ يَعْرِفَ بَدل اشتمال من المَرْءِ ، ولَعَبْداً اللام للإبتداء ، وفائدتها التوكيد ، وعَبْدَاً اسم إنّ ، ومِنْ أبْغَضِ خَبَرها ، وجَائِراً صِفة لـ «لَعَبْداً» ومِثْله سَائِراً.


1) الْمُؤْمِنُون: .30

### الْمَعْنى:(أنْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا ، الصَّادِفِينَ عَنْهَا . أي الزُّهْد في حَرَامها ، والإِعْرَاض عَنْه ، قَالَ الْإِمَام : «وَلاَ زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الحَرَامِ»(1). وفي الحَدِيث : «لأنْ تَدع وَرَثَتكَ أَغْنِيَاء خَير لك من أنْ تَدَعْهم عَالة يَتَكَفَّفُون النَّاسِ »(2). أي يَمُدُّون أكُفَّهم إلى النّاسِ فَإِنَّهَا وَ اللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ التَّاوِي السَّاكِنَ) . أي المُقِيمِ المُطْمَئِن. وتَوسده في قبره (وَ تَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الأمِنَ )، حَيْتَ نَسْلبه ما كَان يَعتزّ بِهِ ، ويَتَبَاهى من جَاهٍ، أو مالٍ، أو صحةٍ ، وكَم للدُّنْيَا مِن فَجَائِع ، وخَدَائِع (لَا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّىٰ مِنْهَا فَأَدْبَرَ ) كالشَّباب ، والجمال (وَلاَ يُدْرَى مَا هُوَ آتِ مِنْهَا ) من الآفات، والمفاجآت ( فَيُنْتَظَرَ ) مع التَّحفظ ، والوقاية منه .)(سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ . ومن طَلِب العافية بلا أبتلاء فقد طلب المحال ، لأنّ التمام في كلّ شي ما كَانَ ، ولَن يَكون إِلَّا مِن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (وَ جَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ ، وَ الْوَهْن ) . ما من قوي على ظهرها إلا ونُقَضت الأَيَّام قواه ، وأَوهت السُّنُون عَزيمته ، ونشاطه (فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا ) من مصارف ومصانع ، وزِينَةٍ ، وجمالٍ لِقِلَّة مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا ، وهو الكَفْن ، على أَن الإِنْسَان لو صَحِب معهُ إِلَى لِحَدِه الغالي ، والثمين كما فعل الفراعنة - ما دفع عَنْه ضُرّاً ، وَلاَ جلب له نَفْعاً (رَحِمَ اللهُاَمْرَأَ تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ ، وَ اعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ ) العُواقب ، وأَخَذ الحذر)


1) انظر . نهج البلاغة : الحِكْمَة (113).

2) أنظر ، تَفْسِير أبن كَثِير : 213/1 ، صحیح مُسلم : 1251/3 ، صحيح البخاري : 435/1 صحيح ابن حبّان: 61/10 ، سُنن الترمذي : 430/4 - 2116، سنن الدارمي : 499/2 ح 3196. مَجْمَعِ الزَّوائد : 213/4. تفسير القرطبي : 261/2.

لنَفْسِه ، فَسلم من المهالك .(فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنُ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلِ لَمْ يَزَلْ . أنتَ في الدُّنْيا تلهو، وتلعب ، ولكن لَسْتَ مِنْهَا في شيء ما دمت مفارقها إلى دار الخلود ، ولو كَانَتْ الدُّنْيَا دَاراً للبقاء لَكَانَتْ هِي الْجَنَّةِ الوَحِيدَة التي وصفها سُبْحَانَهُ بقَوْله : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظمَؤُا فِيهَا وَلَا تَصْحَى )(1). فقليل من حمَاسَتِك للقانية ، وأبذل غَايَة جُهدك لِلبَاقِيَة (وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضِ ) . تُعد الحياة بالتّواني ، والسَّاعَات، ومن هنا جَاء النَّقص في الأَعْمَال ، قال الامام : «لا يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ » (2)(وَكُلُّ مُتَوَقَّع آتٍ ) بِخَاصَّة الموت (وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ ، حَتَّى كَأَنه يَلتصق بِكَ كَظِلّك ، وخَيّالك .)### قِيمَةُ الْعِلْم:(الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ. وَلَا يَعرِف قَدْرَهُ إِلَّا من صَانَ العِلْم عن خِدْمَة الأغنياء، والوجهاء طَمعاً في مالهم، وجاههم، ومضى بهِ في سَدّ حاجات النَّاس أو هَدي مَن ضَل عن قصد السَّبِيل ، ولم يَتَّخِذ منه أداة للخداع، واللصوصية، وَلاَ اختراع به أسلحة القتل والتدمير ... وقد فعل الْعِلْم في عصرنا المعجزات ، وعلّم الإنسان ما لم يكن ليحلم به ، ولَكِنَّهُ أَفسد أَكْثَر مِمَّا أَصلح، وخلق المشاكل، والأزمات للمُسْتَضْعَفِين ، ومئات الملايين ، وأَصْبَحَ أَلد أَعْدَاء الْأَدْيَانِ ، والإِنْسَانية)


1) سُورَةُ طه : 118 - 119 .

2) أنظر ، نهج البلاغة: الحكمة .(191).

بعد أن اتجهت به قوى الشَّر إلى الأسلحة الجهنميّة ، وروعت به البشرية كلّها ، وعانت مِنْهَا ، ومِنْهُ الكوارث، والويلات ... فلم يمض وقت طويل على فاجعة هيروشيما و ناكازاكي(1حَتَّى تَفجرت القنابل الحَدِيثة ، وتفجر مَعَهَا كلّ شيء من إنْسَانٍ ، وجمادٍ ، وزرع، وضرع في كوريا ، ثم في فيتنام ، ثُمّ في أفريقيا ، ثم في فلسطين ... إلى ما لا نهاية .)وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ أي يجهل ما له ، ومَا عَلَيْهِ من حُقُوقٍ، وواجباتٍ ، أو يعرفها ، ولَكِنَّهُ يُهمل ، ويُقصر (وَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ أي من حفظ جانب المخلوق ، وضيع جانب الخالق - يتخلى الله عَنْه ، ويَدعه ، وشأنه، وقد يُسلط عَلَيْهِ من حَرص على مَرْضَاتِهِ مِن دُونَ الله ، فينتقم مِنْهُ . قَالَ بَعْض الملوك لأصحابه : «لا تعص الله بطاعتي فيسلطني عَلَيْكَ » (2)(جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ) ماثلاً عن طريق الحَقِّ يَقُوده الهَوَى إلى كل شوء (سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلِ) أَعْمَى لا يَهْتَدِي إِلَى خَير .)(إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الْآخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَكَأَنَّ مَا وَنَىٰ فِيهِ سَاقِطْ عَنْهُ . الْعَمَل للدُّنْيَا واجب تَا مَا كَالْعَمَل من أجل الآخِرَةِ. فقد كَانَ الْأَنْبِيَاء يعملون ، والصَّحَابَة يَنجرُون ، والْإِمَامِ يُنْكِر على من يعمل للدُّنْيَا مُنصرفاً عن غَيْرها ، ويُثير الحُرُوب من أجلها ، ويُقسم النَّاس)


1) انظر ، جريدة الأهرام ،عدد، 1972/3/31م، أنه بتأريخ 1945/7/6م: «ألفت أميركا قنبلتها الذرية على هيروشيما اليابانية فأذابت ربع مليون في لحظات ، مع أنّ اليابان عرضت الاستسلام على أميركا قبل هذه القنبلة، ولكن أميركا أرادت تخويف روسيا بِهَذَا السَّلاح». بل تخويف العالم كله . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

2) أنظر كتاب الإستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى : 254/3

على أساسها . ويتجاهل الإِنْسَانية، وقيمها ، أمّا مَن يَعمل لدُّنْيَاه ، ويُراعى خلال الله ، وحرامه فَهُوَ من المجاهدين.(وَ ذَلِكَ زَمَانٌ لَا يَنْجُو فِيهِ إِلأَكُلُّ مُؤْمِن نُوَمَةٍ ، إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ ، وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ . يدل سياق الكلام على أنّ المُرَاد بالزَّمَانِ المُشارِ إِلَيْهِ الزَّمَانِ الَّذي يَعرض الناس فِيهِ عن الدين، ويكتفون مِنْهُ بإظهار الشعائر كما يدل قَوْلَ الْإِمَام : يكفاً فِيهِ الإِسْلام - وتتحرك فِيهِ الرَّغبات، وتنطلق الميول ، والأَهْوَاء، ويكثر فِيهِ التَّنافس والتَّباهى بأسباب الدُّنْيَا ، وزِينَتَها كالسيارات ، والعمارات، والأثاث، والرياش كالعصر الذي نعيش فيه . ولَيْسَ من شك أن أحسن الناس عَاقِبَة حينذاك هو الرجل المجهول، فَهُوَ لا يُنافس أحداً ، ولا أحد يُنافسه ، ويحسده على شيء من الحطام ... أنه يعمل من أجل قُوَّتِه بهدوء، ويطيع ربِّه بلا جَعْجَعة ، ويشغله الخَوْف مِنْهُ عن النّاس، وما يعبثون . وَهَذَا هو الرَّجُلِ الْمُرَاد ( النَّوَمَة ) .)( أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى ، وَ أَعْلَامُ السُّرَى . لأَنهم يَعْمَلُونَ بِعَلمهم، ويخلصون لدينهم ، ولأنّ سيرتهم، وأعمالهم تترك أطيب الأثر في النفوس ، ورُبَّما أهتدى بِهِمْ الكثير من التائهين ، والمُنحَرفِين (لَيْسُوا بِالْمَسَایيحِ ) لا يَسِيحُونَ ، ويَمْشُونَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْفَسَادِ وَ لَا الْمَذَابِيعِ الْبُذُرِ ) لا يَذِيعُونَ الفَاحِشَة، ويَبذِرُون النميمة والوِشَايَة أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ ، ويَسْكنهم فَسِيحٍ جَنَّتِه .)(أَيُّهَا النَّاسُ ، سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الْإِسْلَامُ كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ بِمَا فِيهِ . قَالَ ابن أبي الحديد : «يُريد أَنه سَيَأْتِي على النّاس زَمَانِ تَنْقَلَب فِيهِ الْأُمُورِ الدِّينية إلى أضدادها ، ونقائضها ، وقد شهدنا ذَلِكَ عياناً »(1). قَالَ ابن أبي الْحَدِيد هَذَا حَيْث)


1) أنظر ، شرح النهج : 113/7.

لا أستعمار في عَهْدِهِ ، وَلاَ صَهيونية ، ولا شركات نفط ، وأَسلحة جَهَنَّمية ، وَلاَ عَمائم تقبض من جهاز المخابرات ، وَلاً حكام يعملون لأصحاب الإحتكارات (1( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ ) . إِنَّ الله سُبْحَانَهُ لا يظلم أحداً ، ولَكِنَّهُ يَبتَلي بالسَّرَّاء ، والضَّرَّاء ليتميّز الخبيث من الطَّيِّب، والمغريات، والمزعجات هي الَمَحَك ، والوَسِيلَة لإظهار كل على حقيقته، وتبرير مُحاسبتة ، وجزَائه بما يستحق من ثَوابِ ، أو عِقابِ.)


1) ملاحظة: توفي أبن أبي الحَدِيد سَنَة 655 هـ. (مِنْهُ قدّس سرّه) .

## الخطبة-104-### لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ:أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم ، وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً ، وَلَا يَدَّعِي نُبُوَّةَ ، وَ لَا وَحْياً ، فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ ، وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ ، يَحْسِرُ الْحَسِيرُ ، وَ يَقِفُ الْكَسِيرُ ، فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ، إِلَّا هَالِكاً لا خَيْرَ فِيهِ ، حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، وَبَوَّاهُمْ مَحَلَّتَهُمْ ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ ، وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَأَيْمُ اللهِ ، لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَا فِيرِهَا ، وَاسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا ، مَا ضَعُفْتُ ، وَلاَ جَبتُ ، وَلاَ خُنْتُ ، وَلَا وَهَنْتُ ، وَ أَيْمُ اللهِ ، لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ !)### اللُّغَة:يَحْسِرُ : يَسُوق . والحَسِيرُ : الضَّعِيف . والكَسِيرُ : والمَكْسُور . وَبَوَّأُ : هَيَّاً ، ودَبَّر . وساقتها : جمع سَائِق بِعَذَا فِيرِهَا: بِأَسِرهَا ، وَجَوَانِها كلها ، واسْتَوْسَقَتْ : اجْتَمَعَت .

### الْإِعْرَابِ:المَصْدَر من أَنْ تَنْزِلَ مَفْعُول من أَجله ليُبَادِر أي مَخافة النُّزُول . وَأيْمُ مُبْتَدَأَ ، والخَبَرَ مَحْذُوف وجُوبَاً أَي قَسمى . لَأَبْقُرَنَّ اللام في جواب القَسَم .### الْمَعْنى:(أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم ، وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً ، وَ لَا يَدَّعِي نُبُوَّةٌ ، وَلَا وَحْياً ) . كلّ من بحث، وَدَرَس العصر الجاهلي أكد أن البيئة العربية كَانَتْ بيئة أُمَيَّة ، وكتاب الله صريح في ذَلِكَ : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ )(1). والْقُرْآن الكريم وثيقة تأريخية ، وحُجّة قَاطِعَة لا تقبل الجدل، وبالخصوص فيما يتصل بالْعَرَب ، وتَقَدَّم مِثْله (2).)(فَقَاتَلَ بمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ . دَعَى الرَّسول الأعظم(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) إلى الحَقِّ، فعارض وعاند عُتاة الشّرك ، والضَّلال، لا للشك ، والإرتياب في دَعْوَة الرَّسُول ، بل حِرصَاً على المصالح والمكاسب ، فجَادَهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ولما أصروا على حريه استعان على جهادهم بالله ، وبِالْمُؤْمِنِينَ : لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(3). فأسلم من أسلم طَائعاً ، وأسْتَسْلَم من أسْتَسْلم مُرغَماً (يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ . يَسِير)


1) الجُمُعَة : 2 .

2) أنظر الخُطْبَةُ : (33). مع الشرح (مِنْهُ قدّس سرّه ).

3) التوبة : 88

النّبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّمبمن أسلم ، أو أسْتَسْلم على طريق الهُدَى ، والنَّجاة (وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ) يَمضِي النَّبي في تربيتهم ، وتنزيههم من الشرك ، والجهالة قبل أن يوافيهم الأَجل ، ويَمُوتُوا على الْكُفْر ، والضَّلال.)(يَحْسِرُ الْحَسِيرُ . يَدفع بالضَّعِيف إلى الأمام (وَيَقِفُ الْكَسِيرُ ) . يَصلح المَكْسُور ( فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ ) . هَذَا تَفْسِير ، وبَيَان لقَوْله : «وَيَقِفُ الْكَسِيرُ» وتوضيحه أنّ النَّبِيِّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) كَانَ يُداري، ويُعالج ضعيف الإيمان بالرّفْق ، والتَّلطف تارةً، وبالتأديب باللمحة ، والنظرة أخرى، وبكلّ ما تَسْتَدعيه حال المتشكك ، والمرتاب حَتَّى يَزول ما في قلبه ، ويَصِير من المُؤْمِنِينَ الخلص (إِلَّا هَالِكاً ) يُعاند الحَقِّ ، ويصرُّ على الْبَاطِل (لا خَيْرَ فِيهِ ) وَلا أَمل في هدايته ، وكَانَ النَّبِيِّ يَحرص على إيمان هَذَا النّوْع ، فَقَالَ له العليم الحكيم : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (1)أي أَكْثَرَ النَّاس من الذين تحرص على أن يُؤمنوا بالله ، ونبوتك . حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ ، وَبَوَأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ . ضَمير «هُمْ» يَعُود إلى الذين أسْتَمعوا للنَّبى(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وأقتنعوا برِسَالَتِه ، والمغنى أنّ النَّبِيِّ أوضح لهم طريق النَّجاة، والسلامة ، ويسر عَلَيْهِمْ سلوكه ، فمضوا عَلَيْهِ بصِدقٍ ، وإخلاص (فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ) أَقبل عَلَيْهِمْ الْرِّزْقِ ، وعاشوا في سِعَةٍ مِنْهُ ، لأنّ الرّحا تدور على ما تطحن (وَ اسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ) قَويَت شَوْكَتِهِمْ ، وأمتد سلطانهم في أقطار الأرض بفضل مُحمّد ، والإسلام . قَالَ المُسْتَشرق الألماني «فلهوزن»: «إنّ الإِسْلام وضع الدُّنْيَا تَحت أقدام الْعَرَب ، ولَوْلاَه ما كَانُوا ليصلوا إلى المكانة التي وصلوا إِلَيْهَا» (2).)


1) يُوسُفَ : 103 .

2) أنظر ، تأريخ الدَّوْلَة العَرَبِيَّة : 160 طبعة 1958م. (مِنْهُ قدّس سرّه) .

(وَ ايْمُ اللهِ ، لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا . كَانَ لِلْإِمَام الحظّ الأوفر بعد رسول الله(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)في حقَّقَهُ الْعَرَب من التقدم في شَتَّى الميادين حَيْث كَانَ في طليعة المجاهدين يُكافح الجَاهِلِيَّة حَتَّى ذهبت بما فيها ، وجاء نصر الله ، والْفَتْح (و اسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا ) أي لما ولّت دَعْوَة الْجَاهِلِيَّة تجمعت دَعْوَة الْإِسْلَام تَحت رَايَة كَلِمَة التَّوْحِيد ، والشَّهادة برسالة مُحمّد ، وانتشرت في الشرق والغرب . وعلى هَذَا فالهاء في حَذَافِيرِهَا تَعود إلى الْجَاهِلِيَّة، وفي قِيَادِهَا إِلى دَعْوَة الْإِسْلام بدليل السياق حَيْث لا يَستَقِيم له معنى إِلَّا بِهَذَا التَّفْسِير - كما ترى .)(مَا ضَعُفْتُ، وَلا جَبْنْتُ ، وَلاَ خُنْتُ ، وَلَا وَهَنْتُ . قضَى الْإِمَام حَياته كلها في جهاد متصل من أجل الإِسْلام ، وتَحمَّل في هَذِهِ السَّبِيل ما يفوق التّصور ، ومَع هَذَا صَبرَ وتَابَرَ ، وما زَاده الْبَلاء إلا نَباتاً، وإخلاصاً (وَايْمُ اللهِ ، لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ ) جَاهد الإِمَام من أجل الحق في عهد الرَّسُول ، والخُلَفَاء الثلاثة ، وهو الآن كما كَانَ من قَبل ، يشق بطن المُبْطِلين، ويُخرج الحَقِّ من خَاصِرتهم، ويرده إلى أَهْلِهِ ، قَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه: «التمثيل في غَايَة من الطف»(1). وتَقَدَّم هَذَا المعنى ، وهو قَوْل الإِمَام : «الدَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّىٰ آخَذَ الحَقِّ لَهُ ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ ، حَتَّى آخَذَ الحَقَّ مِنْهُ » (2).)


1) أنظر، نهج البلاغة : 200/1.

2) أنظر، الخُطْبَةُ : (37)، (مِنْهُ قدّس سرّه) .

## الخطبة-105-### لا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ ... فِقْرَة 1 - 2 :حَتَّى بَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم ، شَهِيداً ، وَ بَشِيراً ، وَ نَذِيراً ، خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً ، وَأَنْجَبَهَا كَهْلاً ، وَأَظْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةٌ ، وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً .)فَمَا أَحْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا ، وَلَا تَمَكَّنتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلَافِهَا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا ، قَلِقاً ، وَضِينُهَا ، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أقْوَامٍ بِمَنْزِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ ، وَحَلَالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ ، وَ صَادَفَتُمُوهَا ، وَاللهِ ظِلاً مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ. فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاعِرَةٌ ، وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ ، وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ ، وَ سُيُونُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ ، وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ . ألاَ وَإِنَّ لِكُلِّ دَمِ ثَائِراً ، وَ لِكُلِّ حَقٍ طَالِباً . وَ إِنَّ الثّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقٌّ نَفْسِهِ ، وَ هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ ، وَلَا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ . فَأُقْسِمُ بِاللهِ ، يَا بَنِي أُمَيَّةَ ، عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ ، وَ فِي دَارِ عَدُوِّكُمْ أَلَّا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ : أَلا إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ ، وَ قَبِلَهُ !

### اللُّغَة:الشَّيمَة : الخُلُق . والمُسْتَمْطَرِينَ : جمع مُسْتِمْطَر - بفتح الطّاء - والمراد بهِ هُنا مَن يُطلب مِنْهُ العون . والدِّيمة - بكسر الدال - المطر الدائم بِلا بَرق ورعد . وأَخْلاف جمع خلف - بكسر الخاء - حلمة : ضَرْع الناقة. والخِطَام : ما يُوضع في أَنْف البَعِير لِيُقَادَ بِه . وَالوَضِين : ما يُشد به الرّحل على البعير . والْخَضُود فِي شَجر السِّدْرِ : لا شَوْكَ لهُ . وشَغِرَت الْأرْض : لَم يَبقَ فِيهَا مَن يَحميها .### الإعراب:شهيداً حال من مُحَمَّد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم ، وخَيْرَ الْبَرِيَّةِ صِفَة له، ويجوز أن يكون حالاً ، وطِفلاً تمييز . ومِثْله شِيمَةً ودِيمَةً ، وخِطَامُهَا فَاعِل جَائِلاً ، ووَضِينُهَا فَاعِل قَلِقاً ، وبِمَنْزِلَة السِّدْرِ خَبَر صَارَ ، وَحَلَالُها بَعِيداً عَطف على صَارَ حَرَامُهَا ، وَلِكُلِّ حَق طَالِباً عَطف على إِنَّ لِكُلِّ دَمِ ثَائِراً. وعَمَّا «ما» زَائِدَة، وقَلِيلٍ مجروز بِعَن .)### الْمَعْنى:(حَتَّى بَعَثَ الله مُحَمَّداً (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم، شَهِيداً ، وَ بَشِيراً ) . يجمع سُبْحَانَهُ الخَلائِقِ غَداً ، ويَشْهَد على كلّ أُمة رسولها بأنه قد بلغهم رسالات رَبِّه ، وإنّه بشّر ، وأَنْذَر مُباشرة ، أو بواسطة العُلَماء ، والْفُقَهَاء من الصَّحَابَة ، والتّابعين ، وغيرهم (خَيْرٌ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً) فِي هَديهِ ، وسلوكهِ (وَ أَنْجَبَهَا كَهْلاً ) فِي طِيب سَرِيرَته ، وحُسن سِيرَته (وَأَظْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً) فِي جَمِيعِ خِصاله (وَ أَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً) فِي كَرَمِهِ ، وعطائهِ ، كَانَ يعطى ، ويشعر أنه أَخذ أَكْثَر مِمَّا أَعطى ، قَالَ أَبو ذَرٌ :)

«خرجت مَرَّة مَع رَسُول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم، نحو جبل أحد ، فَقَالَ لي : أُتبصر أحداً ؟ قلت : نعم ، يارَسُول الله . قَالَ: «مَا أُحب أنْ يَكُون لِي مِثْل أُحد ذَهَبَاً أَنْفقه فِي سَبِيل الله ، أَموْت وأَتْرُك مِنْهُ قِيراطين» (1). وهُنا يكمن السِّرَ في تُورَة أبي ذرّ على الَّذِين قَالَ فِيهِمْ البَاري عزّ وجلّ : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(2).)وكمال النبيّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم في سائر خصاله ، وعناصر شخصيته تماماً مثل كَماله في عطَائِه وكَرَمِه ، ومن هنا أستحق هذه الشهادة العظمى منهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )(3).)(فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا ، وَلَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلَافِهَا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا ، قَلِقاً ، وَضِينُهَا . الخِطَاب لِلمُسْلِمِين ، والمَعْنى أنّ مُحَمد لله ، برسالته الكاملة ، وخلاله المثلى، وجهاده المتواصل هو الَّذِي أَخضع لَكُمُ الدُّنْيَا ، وجَعَلَهَا تحت أَقْدَامكم ، ولَكِنَّهُ أَصْبَحَت بَعْدَه قَلقَة حَائِرة تنتظر القائد الْقَوِيّ الحَكِيم ليأخذ بزمامها ، ويسير بها في طريقها القويم ، ولا تجده ... فكان شأنكم مَع هَذِه الدُّنْيَا التي تركها النَّبِيِّ لَكُم تَمَاماً كَرَاكِب النَّاقة التي لا يملك زمامها ، ولا يثبت رحلها من تحتِه .)


1) حَقّاً مَا تَرك دِينَاراً، ولا درهماً، ولا عبداً، ولا وليدةٌ ، بل تَرَك دِرعَه مَرهُونَةٌ عِند يَهُودِي عَلَى ثَلاثِين صَاعَاً مِن شَعِير . أنظر ، تجمع الزوائد : 120/3 كنز العمال: 356/6 - 16038 ، مُسْنَد أحمد : 300/1، السُّنن الْكَبْرَى : 7/4 ، تَرَكَة النَّبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) الحماد بن زيد البغدادي : 76 ، البداية والنهاية : 305/5.

2) التَّوْبَة : 34 .

3) الْقَلَمِ : 4 .

(قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخضُودِ. هَذَا بَيان ، وتَفْسِير الضياعهم ، وأنّهم تماماً كالإِبِلِ غاب رَاعِيها ... لأنّ الحرام بعد النَّبِيِّ أَصْبَحَ سَهل المنال ، لا رادع عنهُ ، وَلا زَاجر كالسِّدْرِ بلا شوك وَ حَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ). حَرَامُهَا سَهل يسير ، وحَلاهَا صَعب عَسير ، والنَّتِيجة الحتمية أنْ يَتنعم في الدُّنْيَا الأَشْرَارِ ، ويُشق الأخيار، وفي الحديث: «الدُّنْيا سجن المؤمِن ، وجَنَّة الْكَافِرِ» (1)وَهَذَا هو الواقع المحسُوس في دولة الجَوْر ، والأوضاع الفَاسِدة حَيْتَ يَسعد فيها كلّ خائن ، وعَمِيل ، ويَشقى فيها كل، ونبيل ... وغَيْر بَعيد أنْ يَكون هَذَا هو المراد من الحَدِيث المذكور.)(وَصَادَفْتُمُوهَا ، وَاللَّهِ ظِلَّا مَمْدُوداً إِلَى أَجْلِ مَعْدُودٍ . أنْ دُنْيَاكُم حُلْوَة بِزُخْرُفِهَا ونَعِيمُهَا ، ولَكِنَّهُ لَحظات، ومن بعدها آلام، وأحزان، فأحذَرُوا الغَفْلَة من العواقب، وبَادِرُوا بالصَّالِحَات ، والْفُرْصَة سانحة ، والحال هادئة (فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ) خَالِية من الحَاكِمِ الَّذي يَردَعكم عن الحَرَامِ ... يشير بِهَذِه إلى ما يحدث بَعْدَه (وَ أَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ ) في التصرف كما تشاءون (وَ أَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ ( لعجزهم عن تَأدِيبكُم وَ سُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ ) أي لا تَهَابُون القَادَة وتَتَمردُونَ عَلَيْهِمْ (وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ ) . هَذَا عَطف تَفْسِير، وبيان على «وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ » (وَلِكُلِّ حَقٍ طَالِباً . وَإِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقٌّ نَفْسِهِ ، وَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا)


1) انظر ، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 129/7 ح 34722 34722 ، تَفْسِير القُرطي : 88/16، صحيح مُسْلِم : 2272/4 - 2956 ، سن ابن ماجه: 1378/1 ح 413 . سنن الترمذي : 562/4 ح 2324، موارد :الظمآن: 116/11 ح 2488 3488. المستدرك على الصَّحِيحِين : 699/3 ح6545.

يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ ، وَلاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ . قَالَ ابن أبي الحَدِيد: «وكأنه يرمز - الْإِمَام بِهَذا - إلى ما سيقع من قتل الحُسَيْن وأَهْله ، وكأنه يُشاهد ذَلِكَ عَيانَاً »(1). وعلى هَذَا يَكون المعنى أنّ ما من دَم يُسفك لأَهْل الْبَيْت الأطهار إلا والله سُبْحَانَهُ هو الطالب بهِ القاضي، والخصم ، لأنهم لا يقدمون ، ويَحجَمُون إِلَّا بِأَمْرِهِ تَعَالَى وسَيَنْتَقِم مِن أعْدَائِهم : وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) (2). (فَأُقْسِمُ بِاللهِ ، يَا بَنِي أُمَيَّةَ ، عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ ، وَ فِي دَارِ عَدُوِّكُمْ ) . حَسِبَ الأُمُويُون أَن الدَّار قَد اطْمَأَنَّتْ بِهِمْ بَعد قتل الإِمَام ، وإِنَّ الْأَرْضِ قَد أَسْتَقَرَت تَحتَ أقْدَامِهم بعد استشهاد الحُسَين، ولكن سرعان ما تبين لهم، ولغيرهم أنّ سُلطان الججَوْر لا يَدُوم ، وإنّ دَعْوَة الْحَقِّ لا تموت ... فَتَوالت الثورات على دولة الأمويين ، واستمرت الحروب ضدهم حَتَّىٰ ذَهَبُوا إِلَىٰ غَيْرِ رَجْعَةٌ ، فَقد النَّهبت القُلُوب ، وغَلت أحقادها عَلَيْهِمْ ، وطاردهم العَبّاسِيُون وغَيْرِ العَبّاسِيين، وقتلوهم أحياء ، وحرقوا عِظَامهم أمواتاً (3).


1) أنظر ، شرح النهج : 120/7.

2) فَاطِرِ : 44 .

3) يُشير إلى واقعة عبد الله بن علي الْوَالِي العباسي ، الَّذي نَبش قبر مُعَاوِيَة فلم يجد فيهِ إِلَّا خَيطاً أَسْوَدا، ونبش قبر عبد الملك فوجد جُمجمة ... وأخرج جُنَّة هشام ، وضربها بالسوط ، وهو ميّت، وصلبه أَيَّاماً ، ثم أحرقه ، ودَق زمادَه ، ثُمَّ ذَرّه في الريح. .... وحَتَّى النِّسَاء لَم تَنجُ من بطشهم..... وقتل في يَوم واحد اتنين وسبعين ألفاً عند نهرٍ بالرّمله ، وبسط عَلَيْهِمْ الأَنْطَاع ، ومَد عَلَيْهِمْ سماطاً فأكل ، وهم يختلجون عنه... حَتَّى إِذَا مَا فرغ من طعامه قَالَ : مَا أَكلتُ أَكلَةً أطيب من هذه الأكلة ! تم حفر بئراً، وألقاهم فِيهِ . أنظر ، التَّاريخ العباسي والفاطمي للدكتور أحمد مختار العبادي : 43 ، دار النهضة الغربية بيروت، تأريخ الخلفاء : 259 ، مروج الذهب : 271/3

(ألا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ) . ضَمِيرِ طَرْفَهُ يَعود إلى الْبَصَر النَّافِذ ، والْمُرَاد بِالطَرْف هنا - بسكون الراء - العقل ، لأنّ الْبَصَر يَرى ، والعَقْل يَحكُم، وألمعنى أن المبصر حقاً هو الَّذي يُميّز بَيْنَ الحَقِّ ، والْبَاطِل ، والخير والشر، فيجتنب هَذَا، ويفعل ذَاكَ (أَلاَ إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاع مَا وَعَى التَّذْكِيرَ ، وَ قَبِلَهُ ) أي إِنَّ السَّميع حقاً هو الَّذي يَعمل بكلّ خَيْرٍ يَسمعه ، وفي معناه قَوْله تَعَالَى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئكَ الَّذِينَ هَدَتهُمُ اللهُ وَأُولَئك هم أولوا الْأَلْبَابِ (1).)### وَظِيفَةُ الْإِمَام.. في 3 - 4:أيُّهَا النَّاسُ ، اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةٍ مِصْبَاحِ وَاعِطٍ مُتَّعِدٍ ، وَ أَمْتَاحُوا مِنْ صَفْو عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ عِبَادَ اللهِ ، لَا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ ، وَلَا تَنْقَادُوا لِأَهْوَائِكُمْ ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نَازِلُ بِشَفَا جُرْفٍ هَارٍ ، يَنْقُلُ الرَّدَىٰ عَلَىٰ ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَىٰ مَوْضِع ، لِرَأَي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأي ، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ ، وَيُقَرِّبَ مَا لَا يَتَقَارَبُ ! فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تَشَكَوْا إِلَىٰ مَنْ لَا يُشْكِي شَجْوَكُمْ ، وَلا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ . إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ : الْإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ ، وَالْإِجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ ، وَ الْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا ، وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا . فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحٍ نَبَتِهِ ، وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ


1) الزمر : 18 .

مُسْتَثارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ ، وَ أَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي !### اللُّغَة:اسْتَصْبِحُوا اسْتَضْيئوا أو أقْدُوا المِصْبَاح . امْتَاحُوا: اسْتَقُوا. شَفَا الشَّيء: طَرْفَه. والجُرُف : ما تَجرُفه السيول . وهَارٍ : مُتصدع مُشرف على السقوط ، أو سَقَط بالفِعْل. والرَّدَى : الهَلاك . والشَّجو : الحُزن ، والحَاجَة . والسُّهمان - بضم السُّين - النَّصيب . وتَصَوّحَ النَّبْتُ : تَجْفَّفَ .### الْإِعْرَاب:الله نُصب على التَّحذير أي أحْذَروا الله ، أو أتَّقُوا الله ، والمَصْدَر مِن أَنْ تَشَكَوْا مجرور بمِن مَحْذُوفَة ، والْإِبْلَاغُ ، ومَا عُطف عَلَيْهِ بَدل مُفصل من مُجمل ، والمبدل منه ما حُمِّلَ .### الْمَعْنى:(أيُّهَا النَّاسُ ، اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِطٍ مُتَّعِظٍ ، وَ امْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ يعني الإِمَام نَفْسه من المصباح الوَاعِظ المُتعِظ ، والْعَيْن الصَّافِية من الْكَدَر ، وهو بهذا يَحثُ أَصْحَابه على أَنْ يَنْتَفَعُوا بِعِلمه، ويُصْلِحوا أنفسهم بوعظِهِ ، وإرشاده، فإنَّه يَسير بهم في طريق الحق ، والنَّجاة . عِبَادَ اللهِ ، لَا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ ، وَ لا تَنْقَادُوا لِأَهْوَائِكُمْ ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا)

الْمَنْزِلِ نَازِلُ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ . أَحْذَرُوا الرّكُون إِلى الجهل، والانقياد إلى الأَهْوَاء وإلا كان مصيركم الهلاك ، والدَّمار ( يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ ، لِرَأْيِ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيِ ، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ، وَيُقَرَّبَ مَا لَا يَتَقَارَبُ ) . يُحوّل الجَهْل، والهَوَى دُونَ فهم الحقِيقَة ، ومَعْرِفَة الصُّواب ، وَلا يتركَانَ عَقلاً ، وسَمعَاً وبَصَراً ، يُدير صاحبهما بصره، وبصيرته في كلّ شيء ، ولَكِنَّهُ لا يرى إلا ذاته وهَواه ، وَإِذَا عَدل عن رأي لآخر كَانَ الثاني أسوأ، وأكثر ضرراً . أنّه يرى القريب بعيداً ، والبعيد قريباً ، ويُحاول أن يجمع بَيْنَ الشّيء وضده، ويفرق بينه وبين لوازمه ، وآثاره ، وهو يُحسن صُنعاً ، ويُبالغ في الإحتراز من الأخطاء الأهْوَاء.)قَالَ بَعْض عُلَماء الاجتماع : أثبتت الملاحظة أنْ الْجَاهِل يخلع على الْأَشْيَاء صِفَات متناقضة ، ويعتقد أنّ الشيء يَكُون واحداً ، وكَثِيراً في آن واحد وأنّ الأحلام واقع مادي ... وأستنتج بعض الْعُلَماء من هَذَا أنَّ بَعْض المبادىء التي يراها كَثِيرون من البديهات هي أبعد من أنْ تَكُون فطرية تلقائية في عقل الإنسان، وطبيعته.(فاللَّهُ اللَّهَ أَنْ تَشَكَوْا إِلَى مَنْ لَا يُشْكِي شَجْوَكُمْ، وَلَا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ . من الجهل أنْ يَشكو المرء إلى من لا يواسيه ، ولا يملك له نَفْعاً ، وَلاً ضراً (وَلاَ يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ). وأيضاً من الجهل أنْ يشكو الإِنْسَانَ إِلى مَن لا عِلم له في الدين ، وَلا تجرية له في الحياة ، لأنه لا يُبطل عَقِيدَة فَاسدة ، وَلَا فِكرة خاطئة تمكنت من نفس صاحبها (إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) أي لا يُسأل الرَّاعِيَ أَمَام الله عن رعيته إِلَّا في خمسٍ، وَهِي : الْمُنْكَر.)1-(الْإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ أي عدم التَّقْصِير في الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، والنَّهى عن)

2 - (وَالإِجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ وَهِي المُسَاوَاة بَيْنَ أَفراد الرَّعِيَّة ، وحماية مصالحهم المادية ، والأدبية ، والسَّير بالجميع إلى حياة أفضل.)3 - (وَ الْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ أي الحُكْم بالمبادىء ، والقَوَانِين المقررة كِتَابَاً وسُنَّة ، لا بالهوى ، والغرض.)4 - (وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِفِّيهَا لا يُدان أي شخص إلا بعد أن تثبت إدانته ، فَإِذَا ثبتت أُخذ بها وحده دُونَ غَيْره من صحبه ، وأسرته.)5 - (وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا في القَديم كَانَ بَيْت المال يُقسم على الجَيْش والرَّعِيَّة ، ومَع الزَّمن أصْبَحت الدَّوْلَة تنفقه على المصالح العَامَّة كالزراعة، والتَّطبيب ، والتَّعليم ، وما إِلَيْهِ من المصالح التي أنشئت لها وزارات مُعينة، وفي عهد الْإِمَام كَانَ بَيْت المال يُقسم على الرَّعِيَّةَ ، ومَعْنَى قَوْله : وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا تقسيم الأَمْوَال على مُسْتَحِفِّيهَا . وعن الطَّبَرِي لما اجتمع النَّاس لمبايعة الإِمَام قَالَ هم : « كُنتُ كَارِها لإِمْرَتِكُمْ فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أَكُون عَلَيْكُمْ ، أَلا وإِنه لَيْسَ لِي أَمر دُونَكُمْ إلا أنّ مَفَاتِيحِ مَالِكُمْ مَعِي ، وإِنه لَيْسَ لِي أَنْ أَخُذَ مِنْهُ دَرَّهَا دُونَكُمْ ... أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَم . قَالَ : أَللَّهُمَّ اشْهَد عَلَيْهِمْ»(1). وأُشير على الإِمَام أَنْ يُعطي للمُشاكسين والمعاكسين لَيْسَتَقِيمُوا له . فَقَالَ: «أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ ، وَاللهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ ، وَ مَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْاً لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ ، فَكَيْفَ ، وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ »(2)؟)


1) أنظر ، تأريخ الطبري : 153/5 الأنساب للبلاذري ،70/5 أكمالي الطوسي : 728، مُسْتَدرك الْحَاكِم: 14/3

2) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَة (126).

(فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحٍ نَبْتِهِ . خُذُوا مِني العِلْم قَبل أنْ أُفارقكم ، ومِثْله ما جاء في بَعْض الخطب : «أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي»(1)(وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ) أي بالمشاحنات والخلافات (عَنْ مُسْتَثارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ ) أي عن مشُوَرَة أَهْل الْعِلْم والمعنى اغْتَنمُوا فُرصة وجُودِي بَيْنَكُمْ قَبل أنْ تَفُوتكم بمُوتي، أو بما يحدث بَيْنَكُمْ مِن شِقَاقَ ، ونزاع (وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَتَنَاهَوْا عَنْهُ) وَلاَ تَقُولوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي ) . لقد أَمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ تَعمَلُوا بِعَلَمِكُمْ قَبل أَنْ تَدْيِعُوه على النَّاس، فإن كَلامِ العَالِمِ العَامِل فِي تأثيره كالمُطَرِ يُحيي الأرض بعد موتها ، وإنْ قَلّ عِلمه ، أما كلام من لا يعمل فإِنَّه أَشْبَه بالسُّرَاب وإِنْ كَثُر عِلمه .)


1) أنظر نهج البلاغة من كتاب له (علیه السلام)رقم (189).

## الخطبة-106-### الإِسْلام .. فِقْرَة 1 - 2:الْحَمْدُ للهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلَامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ ، وَ أَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ ، فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ ، وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ ، وَ بُرْهَانَا لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ ، وَ نُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ ، وَ فَهْماً لِمَنْ عَقَلَ ، وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَشَمَ ، وَ تَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ ، وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ ، وَ نَجَاةَ لِمَنْ صَدَّقَ ، وَ ثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ ، وَ رَاحَةٌ لِمَنْ فَوَّضَ ، وَ جُنَّةٌ لِمَنْ صَبَرَ . فَهُوَ أبْلَجُ الْمَنَاهِج ، وَأَوْضَعُ الْوَلاَئِج، مُشْرَفُ الْمَنَارِ ، مُشْرِقُ الْجَوَادٌ ، مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ ، كَرِيمُ الْمِضْمَارِ ، رَفِيعُ الْغَايَة، جَامِعُ الْحَلْيَةِ ، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ ، شَرِيفُ الْفُرْسَانِ ، التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ ، وَ الصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ ، وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ ، وَ الدُّنْيَا مِضْمَارُهُ ، وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالْجَنَّةُ سبقته .### اللُّغَة:عَلِقَهُ - بكسر اللام - تعلَّق به . والجنَّة - بضم الجيم - الوِقَايَة . أَبْلَجُ الصُّبح :

أشرق ، وأضاء المناهج : جمع مَنْهج أي الطَّرِيقِ الْوَاضِح . والْوَلَانْجِ : جمع الوَلِيجَة ، وَهِي دَخيلة الإِنْسَان ، أو خاصته، وبطانته. والجَوَادِّ - بِتَشدِيد الدال - جمع جَادّة أي الطريق. والمضمار : محل تضمير الخيل للسباق ، أو السباق نَفْسَه . والحَلْبَةِ : خَيل تجمع للسباق ، أو للتَّصرَة والسُّبْقَةِ - بتشديد السِّين ، وضمها - جزاء السابقين.### الْإِعْرَاب:أَبْلَجُ ، ومُشْرَفُ ، وما بَعْدَه من الأَوصاف كلّها أَخبار لـ«فَهُو».### شَرِيعَة الإِسْلام:(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلَامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ، وَ أَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ . المراد بالأركَانَ هُنا أصول الْعَقِيدَة وَهِي الإِيمان بالله ، وبكلّ ما يُليق من كمال ، وجَلال ، وَهَذَا الإيمان يضع النّاس كلهم على مستوى واحد في الحقوق، والواجبات ، ولا يمنح لأحد حقاً يُسيطر به ، ويستَعلي على غَيْره . والإيمان بمحمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وسنته ، ومَعْنَى هَذَا الإيمان في واقعه الإلتزام بالقِيَّم الإِنْسَانية ،)والعلاقات الاجتماعية على أساس العدل والمساواة. والأصل الثالث، والإيمان بالْيَوْم الآخر ، والحساب والجزاء ، ولَيْسَ من شك أن الإيمان بِهَذَا الْيَوْم يَعود بالخير الكثير على صاحبه، ومُجتمعه ، لأن من ينكره يستغرق - غالباً - فى الْفَرْدِيَة وأنتهاب الملذات ، ويرى الحَيَاةِ الدُّنْيَا هِى الْفُرْصَة الوَحِيدَة للإنتفاع ، والاستمتاع ، وإن احترام الْقِيَّم ، والقَوَانِين الرادعة شخف ، وحماقة .والمراد بالشَّرائع في كَلَام الْإِمَامِ الأُسس والمباديء الْعَامَّة للتشريع ، مثل لا

ضَرَر ، وَلا حَرَج ، والضَّرَر الأشد يُزال بالضَّرَر الأخف، وكلّ إنْسَان بَري حَتَّى تثبت إدانته ، ورعاية المُصْلَحَة في تصرف الأَوْلِيَاء ، والأَوْصِيَاء ، والعُقُود تَتَبَّع القصود، وَلا يَحل مال أمريء إلا بسبب مشروع، ولا عبرة بالظَّنِّ ، والْقِصَاص إنما هو بالمثل، والاجتهاد لا يُنقض بمثله ... إلى غَيْر ذَلِكَ من المباديء التي لا يُنكرها عاقل ، فكلّ إِنْسَان يُحب بطبعه جلب المُنَافِع ، ودَرء المضار، ويبغض ما هو بخلاف ذلِكَ ، قَالَ المستشرق الإنجليزي «جَب» : «إنّ الإِسْلَامَ لَيْسَ دِيناً بالمعنى المجرد الَّذي نَفهمه الْيَوْم من هذه الكَلِمَة، بل هو مُجتمع بلغ تمام الكمال ، ويشمل كل مظاهر الحياة الإنسانية»(1. وَقَالَ المُستشرق الألماني «برج»: «إنّ فَلْسَفَة الإِسْلام تقوم دائماً على وضع المَصْلَحَة الْعَامَّة فوق المَصْلَحَة الفَرْدية، وإن مبدأ الإخاء الإِنْسَاني هو أساس فَلْسَفَة الأخلاق الإجتماعية في الإسلام»(2). وفي الْحَدِيث الشَّرِيف: «أتيتكُم بالشَّرِيعَة السَّهلة السمحة »(3).)(فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ أي تعلق به ، ومِمَّا وصف بهِ الْإِمَامِ الْكِتَاب العزيز قَوْله : «وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ ، وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ»(4). فمن التزم بتعاليم الإسلام قَوْلاً ، وعملاً - أمن العواقب في دُنْيَاه، وآخرته (وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ ) أي لو عَمِل بِهِ النَّاسِ لسلموا من عَذاب الله في الآخِرَةِ ، وعَاشوا في الدُّنْيَا بأمن وسلام، لا حَرْب على الثورات، ولأ صراع على الإحتكارات (وَ بُرْهَانَا لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ ) لأَنّه حَقٌّ ،)


1) أنظر الْقُرْآن، والفَلْسَفَة مُحَمّد يُوسُفَ مُوسَى : 14 طَبْعَة 1957م.

2) أنظر ، الْقُرْآن ، والفَلْسَفَة مُحمّد يُوسُفَ مُوسَى : 15 طَبْعَة 1957م. (مِنْهُ قدّس سرّه) .

3) أنظر ، تُحْفَة الأَحْوَذي : 153/5 ، الكافي للشيخ الكليني : 494/5 .

4) أنظر ، نهج البلاغة : من كلام له(علیه السلام) مخاطب بهِ أَهْل الْبَصْرَة رقم (156) .

وصدقٌ ، ومَن صَارع الحَقِّ صَرعه ، ولو بالحجة ، والدَّليل .(وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ أَيضاً لأَنه حَقٌّ ، وصِدقُ ، وبأي منطق يرد على الإِسْلام عداؤه، وخُصومة ؟ . أبمنطق العقل ، والنَّبِيِّ يَقُول : أَصلُ دِينِي الْعَقْل، والْقُرْآن يَقُول : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَاب عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) (1). أو يَردُونَ عَلَيْهِ بمنطق الْعِلْم ؟ وما حَثّ دِينٍ من الأَدْيَان على طلب الْعِلْمِ كَمَا حَتْ ، فقد أعتبره فريضة، ورفع أهله درجات، فهل يرفع الْعَدُوِّ من شأنْ عَدُوِّهِ ؟ فَعظَمة الْإِسْلام بمبادئه ، وتَعاليمه هي التي تَذب عَنْه ، ولَوْلاهَا ما استطاع مُحَمد(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)أَنْ يتغلب على الجهاهلية، وعتوها .)(وَ نُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ لأنه يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ ) .)المراد بالفَهم هنا العِلْم ... وَهَذَا هو التاريخ يشهد ، وينطق بالمقام الخالد المحمود لأَهْل الْعِلْم بحَلالِ الإِسْلام ، وحرَامِهِ (وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ . إِنَّ الْإِسْلَامِ يُنير الْعَقْل بأَضْوَاءِ الْعِلْم ، شريطة أنْ يَفهَمه فَهُم دِرايَة ، ورعَايَة ، لا فَهُم حِفظ ، ورواية (وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ) مَن أدرك الإِسْلام على حقيقتةِ أَرشده إلى طريق الصواب ، والأَمَان (وَ تَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ ) مَن نَشَد الهِدَايَة حقاً فعند الإِسْلَام ضَالته ، وأمنيته (وَعِبْرَةً لِمَنِ أتَّعَظَ ) بِمَا في كتاب الله من أخبار الأمم الماضية ، والقُرون الخالية ، وشُؤون الْأَرْضِ والسَّاَء ، وأحوال الدُّنْيَا، والآخِرَةِ ، قَالَ تَعَالَى:( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (2).)(وَ نَجَاةَ لِمَنْ صَدَّقَ أي مَنْ آمن بالإِسْلَام عَن صِدقٍ ، وإِخْلَاص (وَ ثِقَةً لِمَنْ)


1) الأَنفَالِ : 22 .

2) الحَشْر: 21

تَوَكَّلَ لأنّ الله سُبْحَانَهُ ، وَعَد الْمُتَّقِين ، والْمُتَوَكَّلِين عَلَيْهِ بالحُسنى : ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللهَ بَالغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (1)، (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكَّلِينَ) (2). (وَ رَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ مَن سَلَّم أُموره الله أمتلاً ) قَلبَه أَمْناً ، وسَكِينَة (وَ جُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ ) أي وقَايَة من الآفات لمن ثبت على الحَقِّ ، ولَم تأخذه فِيهِ لَومَةَ لائِم (فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ ) إِنَّ طريق الإِسْلَام إِلى الحَقِّ أَوضح الطُّرق ، وأَسلمها عَاقِبَة (وَأَوْضَحُ الْوَلَائِج ) . في الإِسْلام كُنوز ، وفوائد ، وكلها جلية واضحة (مُشْرَفُ الْمَنَارِ ) لا باطنية في أصول الإِسْلاَم وَلاَ في فروعه ، فهَذه مدارسه، ومعاهده تُرحب بكل طالب ، وراغب ، وهَذَا كتاب الله ، وسُنَّة نَبِيِّه يقرأهما من شَاء ، وأراد .)(مُشْرِقُ الْجَوَادٌ هَذَا تَفْسِير ، وبَيان لأَبْلَج المناهج ( كَرِيمُ الْمِضْمَارِ ) أي سَبق الْأَدْيَان بشريعته ، وتعاليمه ، أو من عمل بهِ كَان من أهل السبق إلى الحَسَنَات والمكرمات (رَفِيعُ الْغَايَةِ ) لأن تَعَالِمه تهدف إلى هِدَايَة البَشر ، وإسْعَادهم، والمُسَاوَاة بَيْنَ أَفرادهم (جَامِعُ الْحَلْبَةِ ) يجمع الأخيار ، والمجاهدين من أجل الحق تحت رايته ( مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ ) يتنافس المهتدون بهِ إِلى الخَيْرَات ، لا إلى الثروات ، والإحتكارات (شَرِيفُ الْفُرْسَانِ ) كالأمة ، والعُلَماء الأبرار (التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ ) طريقه الإيمان الخالص من كل شائبة (وَ الصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ) لا عَلامَة عَلَى إِسْلَام مَن ادعاه إلَّا الأَعْمَالَ الصَّالِحَة، فبالإيمان يُسْتَدل على الصالحات ، وبالصَّالِحَاتِ يُسْتَدل على الإيمان كما قال الإمام (علیه السلام).)


1) الطَّلاق : 3 .

2) آلِ عِمْرَانَ: 159

(وَ الْمَوْتُ غَايَتُهُ أي لاإسلام ، ولا تكليف بعد الموت ، فِيهِ يَنقطع كُلّ شَيء، فبَادِرُوا الْعَمَل ما دمتم في هذه الدَّار ، ويدل على إرَادَة هَذَا المعنى قَوْله بلا :فَاصل :(وَ الدُّنْيَا مِضْمَارُهُ ) أي تحل العمل بالإسلام، ومبادئه الدُّنْيَا لا الآخِرَةِ، ومن أَقْوَال الإِمَام : «الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ ، وَغَداً حِسَابُ وَلاَ عَمَلَ »(1)(وَ الْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ ) الْيَوْم الآخر هو المكان الَّذِي تَجْتَمِع فِيهِ الخَلائِقِ لِلْحِسَاب والجزاء ، قَالَ تَعَالَى : (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا ) (2). (وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ ، إِنَّهَا جَزاء السابقين إلى دين الله ، والْعَمَل بأَحْكامه .)### وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ... فِقْرَة 3:حَتَّى أَوْرَىٰ قَبْساً لِقَابِسٍ ، وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ ، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ، وَ شَهِيدُكَ ، يَوْمَ الدِّينِ ، وَ بَعِيثُكَ نِعْمَةً ، وَ رَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً . أَللَّهُمَّ أَقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ ، وَأَجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ . أَللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزِّلَهُ ، وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ ، وَ آتِهِ الْوَسِيلَةَ ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ ، وَالْفَضِيلَةَ ، وَ اَحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا ، وَلاَ نَادِمِينَ ، وَلاَ نَاكِبِينَ ، وَلَا نَاكِثِينَ ، وَلَا ضَالِّينَ ، وَ لا مُضِلِّينَ ، وَلا مَفْتُونِينَ .### اللُّغة:أَوْرَىٰ : أَوْقَد. والْقَبَس : الشُّعلة من النَّارِ. والقابس : آخذ النّار من النّار .


1) أنظر ، نهج البلاغة : من كتاب له (علیه السلام)رقم (42).

2) النِّسَاء: 87

والحابس : من أحجم عن الشير لجهله بالطَّريق . والشَّهيد : الشَّاهِد . والبعيث : المبعُوث . والمقْسَم : النَّصِيب . والنُّزُل - بضم النون ، والزاء - ما هيىء للصيف. والْوَسِيلَةَ : ما تُوجِب القُرب . والسَّنَاءَ الرّفعة . وخَزَايَا: جَمع خَزْيَان من الخِزْيِ . والنَّاكِبِ : من عَدل عن الطَّرِيق ، والنَّاكِث: من نقض العهد والمفتون : كالمجنون شِدّة ولهه ، ولهفته .### الْإِعْرَاب:المأمُونُ صِفَة مؤكدة لأَمِينُكَ ، ونِعْمَةً مَفْعُول من أَجله لبَعِيتُكَ ، ومِثْلَهَا رَحْمَةً ، وغَيْرَ خَزَايَا حَال من مَفْعُول احْشُرْنَا .### مُحَمّدٌ، وَعَلِيٌّ:تَقَدَّم نظير هَذَا الْوَصْف (1، وحين يَتَكَلَّم الإمام عن الرَّسُول فَإِنَّه يَقُول عن حسّ ، وعَيان ، فلقد خالطه ، ولازمه حوالى ثلاثين عاماً في جله ، وترحاله، وسلمه ، وحَرَّبه ... هَذَا ، إلى قُوَّة دينه وإيمانه ، ورسوخ تصديقه ، ويقينه بالله ورَسُوله .... نشأ عَليّ في بَيْت مُحَمّد، والذي كان يسهر على تهذيبه، وتربيته بروحه، وشمائله ، وكَانَ الْإِمَام يَسْمَع له ، ويُطيع ، ويحبّه أَكْثر من أُمِّه ، وأبيه ، وكَانَ يُحدث الغُلمان في سنه عن فضل الرسول الأعظم (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) قبل أن يُنزل عَلَيْهِ الوحى كما جاء في كتاب «مُحَمّد رَسُول الحَريَّة» لعبد الرحمان الشرقاوي ، ومَعْنَى هَذَا أنّ عَلِيَّاً)


1) انظر نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (72). (مِنْهُ قدّس سرّه) .

مُنذ طفولته كَانَ مُولعاً برسول الله، وداعية له قبل أن يُبعث رحمة للعالمين ، وإِذَنْ فلا بُدع إِذَا عَدّد الإِمَام ، وكرر خلال سيّد الكَوْنِين ، ومناقبه ، وبالخصوص بعد أنْ غير وجه الأرض، وظهرت رِسَالَته على الدِّين كله ... على أن النَّبِي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم فضل الهِدَايَة على كلِّ من اهتدى ، ويَهْتَدِي بنوره ، وَلَا يُتم دِينِ الْمُسْلِمِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي جَمِيع أَقْوَاله ، وأفعاله مَع نَبِيَّه ، وقُدّسه في كلّ حِين .)### الْمَعْنى:(حَتَّىٰ أَوْرَى قَبْساً لِقَابِسٍ ، أَعطى مُحَمد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم الهداية لكلّ من ينشدها تماماً كالقُرْآنِ الْكَرِيمِ الَّذِي وصفه سُبْحَانَهُ بأنه : (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ )(1)أي لمن أراد أَنْ يَتي الله حقاً وصدقاً ، أما المكابر المعاند فلا ينتفع بواعظ ، وواعظة (وَ أَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ ، دَلَّ النَّائِهِ الحَائر إلى نهج السَّبِيلِ فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ) على وَحيَّك (وَ شَهِيدُكَ ، يَوْمَ الدِّينِ ) على خَلْقِكَ (وَ بَعِيثُكَ نِعْمَةً ) كُبرى يجب شُكرها على عِبادك (وَ رَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً) للعالمين يحرص على خَير الجميع ، وسَعَادَتهُم مِن غَيْر فَرق بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ ، وأَعْدَائِه .)( أَللَّهُمَّ أَقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَذَلِكَ . وعَدْل الله كَائن لا تحاله . ولكن غرض الْإِمَام من هَذَا الدُّعَاء مُجرد التَّعظيم لرسول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) مَعَ الْإِيمَاء إِلى أَنه عَظيم عند بموجب عدله سُبْحَانَهُ الَّذي أَشار إِلَيْهِ بقَوْله ، جَلَّ من قَائِل : ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ) (2). فكَيْفَ عن أَخرج النَّاس من الظُّلمات إِلَى النُّورِ ؟ (وَأَجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ)


1) الْبَقَرَة : 2 .

2) الزَّلْزَلَةِ : 7.

الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ ضاعف أَللَّهُمَّ الأجر لنَّبيِّكَ الْكَرِيمِ أَضْعَافاً مُضَاعَفَة ، حَتَّى لا يُدانِيه فِي ذَلِكَ أحد من أَهْل السَّاوَات ، والأرْض (أَللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ ) أرفع شأنه فوق كلّ شأن دُنْياً ، وآخرة (وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ) مِن الْكَرَامَةِ الَّتِي أعددتها للصَّفوة النَّازلين فى رحابك (وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ ) فَقد تحمل الكَثِير فِي سبيل إعلاء كلمتك (وَ آتِهِ الْوَسِيلَةَ ) التي يبلغ بها الدَّرَجَاتِ العُلى (وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ وَالْفَضِيلَةَ ) أي الدَّرجة الرّفيعة في كلّ فضلٍ ، وخَيرٍ .)(وَ احْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ . وكلّ مُسْلِم يَحشره الله فِي زُمْرَة نَبِيِّهِ إِذَا عَاشَ مَعه فِي أهدافه وأَقْوَاله ، وأفعاله، أما من يُعلن أسمه على المنابر ، والمآذن ، ويُقيم في مولده الحفلات ، ثُمَّ يَبتعد ، وينقطع عن سُننه ، وشريعته - فإنّ الله سُبْحَانَهُ يبَعْدَه في الآخِرَةِ عن نَبِيِّه كما أبتعد عنهُ في الدُّنْيَا، ونكث عَهْدِه ، ونكب عن طريقه ، وأفتَتَن بالأباطيل ، والأضاليل.)### لا يَغْضَبُونَ الله... فِقْرَة 4 - 5:وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللهِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ، وَتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ، وَيُعَلِّمُكُمْ مَنْ لا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ ، وَلا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، وَ يَهَابُكُمْ مَنْ لا يَخَافُ لَكُمْ سَطوَةً ، وَلَا لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ. وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلَا تَغْضَبُونَ ! وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمَ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ وَكَانَتْ أُمُورُ اللهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ ، وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ ، وَ إِلَيْكُمْ تَرْجِعُ ، فَمَكَّنْتُمُ الظُّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللهِ فِي أَيْدِيهِمْ ، يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ ، وَأَيْمُ اللَّهِ ، لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ ، لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ !

### الْمَعْنى:قَالَ أبن أبي الحَدِيد: «وَبَخَّ الْإِمَام(علیه السلام بهذا الخِطَاب أَصْحَابه الذين أسلمو مُدنهم، ونواحيهم لجيوش مُعَاوِيَة كالأنبار، وغيرها»(1). إنّ الله سُبْحَانَهُ أَعزَّ الْعَرَب بمحمّد ،والإسلام، وأعزّه بهم ، فنشر وا لواءه في أقطار الأرْض شَرقاً ، وغرباً ، واستقامت لهم الْحَيَاة صافية نقيّة ، والإمام (علیه السلام) يُذكرهم بهذه النِّعْمَة بِقَوْله : (وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ) ، وَكُنتُم من قَبل أشبه بالإماء ، والعبيد لضعفكُم، وهوائكُم على النَّاس كما أشارت الآية : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَئاوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(2).)(وَ تُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ. في كُتب اللغة : إِنّ كَلِمَة الجَار تُطلق على المجاور، وعلى الجير، والمستجير . والمراد بالجيران هناكلّ مَن يَمت إلى أَهْل الإِسْلام بصلة (3). (وَيُعَلِّمُكُمْ مَنْ لا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ ، وَ لَا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، وَ يَهَابُكُمْ مَنْ لاَ يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً ، وَلَا لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ ) أي أنّ الإِسْلَام جَلب لَكُم نَصراً مُؤزراً ، وأضْفَى عَلَيْكُمْ هَيْبَةً ، وجَلالاً ، وفرض احترامكم على الجميع حَتَّى الْقَوِيِّ كَان يَعِظُمكُم لا مِن رَهْبَةٍ ، أو رَغْبَةٍ ، بل لأنه يَرَاكُم أهلاً للتَّعظيم ، والتكريم ، قَالَ أبن أبي الحَدِيد : إن مُلوك الهند ، والصّين، وأمثالهم ها بوا دولة الإسلام ، وإِنْ لَم يَخافوا سطوة سَيْفَهم ،)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 176/7.

2) الأَنفَالِ : 26 .

3) أنظر مُختار الصحاح : 49/1 ، لسان العرب : 154/4 .

لأنّه شاع، وذاع أَنّهم قَومٌ صَالحون »(1.)(وَ قَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةٌ فَلَا تَغْضَبُونَ ! وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَم آبَائِكُمْ تَأْنُفُونَ . كَانَتْ الْحَرْب بَيْنَ عَلِيّ، ومُعَاوِيَة حَرْباً بَيْنَ الْحَقِّ ، والْبَاطِلِ ، بَيْنَ الدِّينِ الخَالِص الله ، وبَيْنَ دُنْيَا الضَّلال ، والفَسَاد ، ومَع هَذَا كَانَ أَصْحَاب الإمام يتناقلون عن نصرته ، فَقَالَ لهم مُؤذِّباً ، ومُقْرعاً : تَغضبون للآباء ، وتَتَعصَّبُون لما أَبرموا من عهود ومواثيق ، ولا تغضبون لعهد الله ، وميثاقه إذَا نُقض ، وأُهمل (وَكَانَتْ أُمُورُ اللهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ ) بكسر الراء ، والمراد بأموره تَعَالَى هُنا شريعته ، وحلاله ، وحرامه ، وأنهم كَانُوا يأخذونها من النَّبِيِّ، ثُمّ من الإِمَام (وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ ) أي وأَنْتُمْ بِدَوركم تُعلّمونها للنَّاسِ (وَ إِلَيْكُمْ تَرْجِعُ ) وكان النَّاسِ يُراجعوكم في مَعْرِفَتِها ، ودفع الشبهات عَنْهَا ، أو كَانَ النَّاسِ يُرْجِعُونها إِلَيْكُمْ بالنَّظر إلى أنهم يُعلمونها أبناءكم وأحفادكم على حَدٌ تَفْسِير أبن أبي الْحَدِيد (2).)(فَمَكَّنْتُمُ الظُّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ ، وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللهِ فِي أَيْدِيهِمْ انتقل الحُكْم مِنْكُم إِلى أَعْدَاء الله ، وأعدائكم ، وأَنتُمْ السَّبب حَيْث عزفتم ، وعفتم عن قتالهم وجهادهم ... لقد جاهد المسْلِمُون من قبل، وهم على يَقين من إحْدَى الحُسْنَيَيْنِ : أما الإنتصار على الأعداء مع الأجر العظيم دُنْياً ، وآخرة : وأمّا الفَوْز بنِعْمَة الشَّهادة ، والحياة عِند الله ، فَكَانَتْ لَهم الْعِزَّة ، والكَرَامَة بِهَذِهِ الرُّوح الصَّادقة المجاهدة، أما أَنْتُمْ فَحرصتم على الحياة، وجبنتم عن الجهاد، وأسْتَسْلَمتُم للأعداء ، فكان نصيبكم الذُّل والهوان .)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 177/7.

2) انظر: شرح نهج البلاغة : 178/7

(يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ إِنَّ الَّذِينَ أَسْلَمتُم لهم أُمور الله سُبْحَانَهُ يَرتَكبُونَ الْحَرَام مُجرد أحتمال الحلال، ويُحرفون ، ويُزيفون (وَ يَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ ) لا يردعهم عَنْهَا دِين، وَلَا ضَمير (وَ أَيْمُ اللَّهِ ، لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبِ ، لَجَمَعَكُمُ اللهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ ) يُومىء بهذا إلى ثَورَة أَهْل الْعِرَاقِ ، وغَيْرهم على الدَّوْلَة الأموية ، وإن كلمتهُم ستَجْتَمِع على حَرَّبها ، وإن الأمويين سيبذلون غَايَة الجهد لتفتيتهم ، وتشَتِّيتهم هنا وهناك تماماً كنجوم السَّماء ، كلّ نَجم في فلكه ، ولكن شَاء الله سُبْحَانَهُ أَنْ تَدور الأَيَّام على أَهْل الشَّام ، والأُمويين في عهد مَرْوَان بن مُحَمّد ، وأَنْ يَنتقم مِنْهُم أَهْل الْعِرَاقِ وغيرهم كما دارت على أَهْل الْعِرَاق، ونكلَّ بِهِمْ الشَّاميون في عهد مُعَاوِيَة .)وَهَذَا من إخبار الإمام(علیه السلام عن المغيبات عن النَّبِيِّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) عن الله ، عَظُمت كلمته .)

## الخطبة-107-### يَوْمٌ مِن أَيَّامٍ صِفِّين:وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ ، وَ انْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ ، تَحُوزُكُمُ الجُفَاةُ الطَّعَامُ ، وَ أَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ ، وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ ، وَ يَآفِيخُ الشَّرَفِ ، وَالْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ، وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ . وَ لَقَدْ شَفَىٰ وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ، وَتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ ، حَسَاً بِالنِّصَالِ ، وَ شَجْراً بِالرِّمَاحِ ، تَرْكَبُ أَوْلَاهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالْإِبِلِ الْهِيمِ الْمَطَرُودَةِ ، تُرْمَىٰ عَنْ حِيَاضِهَا ، وَ تُدَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا !### اللُّغة:الجفَاةُ : الغِلّاظٌ . والطَّغامُ : الأوْغَاد. ولَهَامِيمُ : جمع لهميم - بكسر اللام - ولهمّون : جمع لَهُم أَيضاً بكسر اللام، وهو السَّابق من الخيل، أو النَّاس. وَيَافِيحُ : جمع يَافُوخ ، وهو أعلى الدماغ. وَالسَّنَامُ : حَدبة في ظهر البعير ، ورَجُل سَنِيم : عَالِي الْقَدَر . والوَحَاوِح : جمع الوَحْوَحَة وَهِي صَوْت فِيهِ بُحة، وخشُونَة . وحَسّاً :

قَتّالاً قَالَ تَعَالَى: (إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (1)أَي تَسْتَأصلُونَهُم بالقتل . والمراد بالنِّضَال هُنا الضَّرب بالسُّيوف ، والرَّمي بالنِّبَال . وَشَجْراً : طَعَنَاً . وأهيم للعَطْشَى.)### الإعْرَاب:الْمَصْدَر من أَنْ رَأَيْتُكُمْ فَاعِل شَفَ ، حَسّاً نَصب على المَصْدَر أَي تَحْسُونَهُم حَسّاً ، ومِثْله شَجْرَاً ، ويجوز أن يكونا في موضع الحال أي مُسْتَأصلِين ، وطَاعِنِين.### الْمَعْنى:قَالَ الرُّواة : أَنهزمت مَيْمَنَة أَهْلَ الْعِرَاقِ فِي يَوْمٍ مِن أَيَّامٍ صِفِّين ، ثُمَّ كَرت بعد الفِرار ، فَقَالَ الْإِمَام : (وَ قَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ أي العودة بعد الهزيمة ، وفي قواميس اللُّغة : جَال الْقَوْم جولة أى انكشفُوا ثُمَّ كَروا وَ انْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ ) فِرَاركُم مِن مَيدان الْقِتَال ، وأفتى الْفُقَهَاء بأنّ الفِرار من الزَّحف جَرِيمَة كُبرى إِلَّا إِذَا تَرك الجاهد مكانه إلى مكان أصلح، أو أنحاز إلى تجدة فِئَة حَاصرها الْعَدُوّ ، وبِهَذَا نطقت الآيَة :( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ)


1) آلِ عِمْرَانَ: 152.

وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(1).)(تَحُوزُكُمْ تعدل بكُم عن مواضعكُم (الْجُفَاةُ الطَّغامُ، وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ ، وَ أنتمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ ، وَ يَآفِيخُ الشَّرَفِ ، وَالْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ ، وَالسَّنَامُ الْأعْظَمُ ) ماذا جرى لكم ؟ أتفرون أمام المتطوعين المرتزقة ، وأَنْتُمْ أَهْل الشَّجَاعَة، والبطولة ، والنَّجدة والحمية ؟ ( وَ لَقَدْ شَفَىٰ وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ، وَتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ). ولكن أَثلج صَدْرِي رجوعكُم تَشئُون الغارات على الأعْدَاء بصبرٍ ، وثباتٍ ، وتَتَأرُون لأنفُسكُم وتَنالون منهم ما نالوه مِنْكُم (حَسّاً بِالنِّصَالِ ، وَ شَجْرَاً بِالرِّمَاحِ) ، تَسْتَأصلونهم بضرب السُّيُوف ، وطعن الرماح ( تَرْكَبُ أَوْلَاهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالْإِبِلِ الْهِيمِ الْمَطَرُودَةِ ، تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا ، وَ تُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا ) سَيطر الرُّعب عَلى الأَعْدَاء ، فأدْبَرُوا مُسرعين لا يُلوون عَلَى شيء تماماً كالإِبِلِ العُطاش يقع بَعْضها على بعض حين تُذاد عن الماء.)


1) الْأَنفَالِ : 15 - 16

## الخطبة-108-### أَشْبَاحُ بِلا أَرْوَاح ... فِقْرَة 1 - 3 :الْحَمْدُ للّهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ ، وَ الظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ . خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّة ، إِذْكَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلَّا بِذَوِي الضَّمَائِرِ ، وَ لَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ . خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ ، وَ أَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ أَخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَمِشْكَاةِ الضَّيَاءِ ، وَذُوّايَة الْعَلْيَاءِ ، وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ ، وَ مَصَابِيح الظُّلْمَةِ ، وَ يَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ. طَبِيبُ دَوَّارٌ بِطِيِّهِ ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ ، وَأَحْمَىَ مَوَاسِمَهُ ، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ ، مِنْ قُلُوبِ عُمْيِ ، وَ آذَانٍ صُةٍ ، وَ أَلْسِنَةٍ بُكْمٍ. مُتَتَبَّعْ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ ، وَ مَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ ، وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ ، وَالصُّحُورِ الْقَاسِيَةِ . قَدِ أَنْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ ، وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا ، وَأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا ، وَ ظَهَرَتِ الْعَلَامَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا . مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَزْوَاحٍ ، وَ أزْوَاحاً بِلَا أَشْبَاحٍ ، وَ نُسَّاكاً بِلَا صَلَاحٍ ، وَ تُجَّاراً بِلا أَرْبَاحٍ ، وَأَيْقَاطاً نُوْماً ، وَ شُهُوداً غُيَّباً ، وَ نَاظِرَةٌ عَمْيَاءَ ، وَ سَامِعَةً صَمَّاءَ ، وَنَاطِقَةٌ بَكْمَاءَ.

### اللُّغَة:السُّتُرَاتِ : جَمع سترة من سَتَرَ الشَّيء ، وغطاه . وَالمِشْكَاةِ : الكُوّة غَيْرِ النَّافذة يُوضع فيها المِصْبَاحُ ، وقيل : كلّ ما يُوضع فِيهِ ، أو عَلَيْهِ المِصْبَاحٍ فَهُوَ مِشْكَاة . والدوَّابَة : النَّاصِية ، وَهِي شعر في مُقدَم الرَّأْس . وَالْبَطْحَاءِ : الأَرْض المنبسطة ، والمراد هنا وادي مَكَّة ، وَسُرَّتها : وَسطَها ، وفي شرح أبن أبي الحَدِيد : إنّ أَهْل البطحاء كانوا يفخرُون على أَهْل الجِبَالِ (1. ومَوَاسِم : جمع مِيسَم وهو المكواة. والسَّائِمَةِ : الرَّاعِيَة . وانْجَابَت : أَنْكَشَفَت . والمَحَجَّة : وسط الطَّرِيق . وتَوَسّم : تَفَرَّس ، وَالمُتَوَسم : المُتَفَرِّس . وقُطب الْقَوْمِ الَّذِي يَدُور عَلَيْهِ أَمرهم .)### الْإِعْرَابِ:بِذَوِي البَاء زَائِدَة ، وذِي خَبَر لَيْسَ ، وأسمها مُستتر أي وَلَيْسَ هو ذَا ضَمِيرٍ، وطَبِيبٌ خَبَر لمبتدأ مَحْذُوف أي هو طَبِيبٌ ، أو طَبِيبٌ مُبْتَدَأَ لأنه نكرة موصوفة ، وحَيْثُ هُنا ظَرف مكان ، ومحلها النَّصب بيضع ، والحَاجَة فَاعِل لفعل مَحْذُوف أي حَيْثُ تَدعو الحاجة ، أو مُبْتَدَاً ، والخَبَرَ مَحْذُوف أى حَيْثُ الْحَاجَة مُوجبة ، ومُتَتبع خَبَر ثانٍ أو خَبَر لمبتدأ مَحْذُوف، وَمَا لِي مُبْتَدَاً ، وخَبَر .### الْمَعْنى:(الْحَمْدُ للهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ . لقد كشف سُبْحَانَهُ عَن وجُوده بالتناسق)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 182/7 .

العجيب بَيْنَ قَوَانِين الطَّبِيعَة ووحدتها ، التي تسود كلّ كَبير ، وصغير من الكون : (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (1). (وَ الظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ ) . إِنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ فِي قَلب كلّ إِنْسَان ، ولكن رُبَّمَا شَغله عَن خَالقه التَّقليد ، أو شبهة من الشبهات ، أو شَأن من شُؤون الحَيَاة ، فيتناسى رَبِّه ، أو يُنْكِره حَتَّى إِذَا نَزلت بِهِ نَازلة هَرعَ إِلَيْهِ يَسأله العُون والنَّجاة ، ومن أجل هَذَا يُؤكد العارفون بأن ضمير المجرم يؤنبه ، ويُنْكِر عَلَيْهِ جُرأته ومَعْصِيَته ، ويراه خارجاً على الحَقِّ ، والْعَدْل سواء أَشعر بَهَذا أَم لَم يُشعر ، ومِثْله عقل الْكَافِر الجاحد ، أنه يراه مُخالفاً ، ومُعانداً للشواهد ، والدَّلائل على وجود الله ، وإنّه قَد عَمِيَ عَنْهَا لِغفلة عن الْعَقْل، وحُكمه ، ومَعْنَى آخر لا فرق بَيْنَ مَن كَفْرَ ، وأَجْرَم ، فكلّ مِنْهُمَا نَاكب عن الطَّرِيق لظُّلماتٍ ، وشُبهات .)### لِلمِنْبَرِ - أَينَ مَنْ يَخْلقَ مِنْ لاَ شَيء؟(خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةِ ، إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِذَوِي الضَّمَائِرِ ، وَلَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ المراد بالرَّوِيَّة إعمال الفكر ، واستخراج المجهول من المعلوم، والله سُبْحَانَهُ -بموجب كماله من كل وجه - عالم بالذات بلا واسطة ، وأَداة ، ولا يخفى عَلَيْهِ مِن شيء في الأرْض وَلَا فِي السَّماء .)وأُشير بهذا المناسبة إلى أنّ الْعُلَماء حاولوا أنْ يكتشفوا سِر الحياة ، ليتسنى لهم أنْ يُخلقوا ما يشاؤون ! وفي وقت من الأَوْقَاتِ أرادت جريدة النهار البيروتية أن


1) النمل: 88

تَملأ صفحات الملحق الذي تُصدره في كلّ يَوْم من أَيَّام الآحاد ، فرغبت إلى جماعة - أنا مِنْهُم - أنْ يُجيبوا عن هَذَا السُّؤال : «إذا توصل الْعِلْم يوماً إلى خَلَقَ خَلية فماذا يَكُون مصير «الله». ولعل واضع السُّؤال يُريد مصير الإِيمان بالله . وقد تطوع للإجابة كَثِيرُون ، مِنْهُم المتعلم الأصيل، ومنهم المتطفل الدخيل ... وما وجدتُ من نفسي آنذاك أية رغبة في المشاركة، وأحسست الآن بالميل إلى الكلام حول هذا المَوْضُوع، وأنا أَشرح قَوْلِ الْإِمَام : «مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ». وأُوجز ما أُريد بيانه فيا يلي :لقد تَقَدَّم العِلْم خُطوات تدعونا إلى الإيمان بهِ إِيمَاناً نَعجز عن وصفه ، وتحديده ... لأنّ ما من أحدٍ في وسعه - بالغاً ما بلغ من العِلْم - أن يضع مُعادلات يتنبأ بسببها عن كلّ ما يصل إِلَيْهِ الْعِلْم من مُكتشفاتٍ ، ومُخترعات ، كَيْفَ ؟ . وكلّما بلغ العِلْم أَفقاً بَدت آفاق لا حَدَّ لها ، وَلا نهاية ... إنّه يرى المجهول على الدَّوامِ مِن خِلال مَا يَخترع ، ويكتشف ... وإذن فمن الجائز أن يكتشف العُلَمَاء سِر الحياة ، بل من الجائز أنْ يَخترعوا في يَوْمٍ من الأيَّامِ إِنْسَانَا فِي أَحسن تقويم، ولكنْ هَذَا لَا يُقدم وَلا يُؤخر في الله حَتَّى ولو كَانَ الإِنْسَان المخترع - بفتح الرَّاء كأرسطو في فَلسفاته وأينشتاين في نظرياته، وشكسبير في شعره، ومسرحياته ... ذَلِكَ لأنّ الْعُلَماء لا يَخترعون شَيْئَاً ولو كَانَ تافهاً إِلّا بمعونة الْأَسْبَاب التَّالية :1 - أَنْ يَكُون لهم عُقول يُخططون بها ، ويجهدونها في التَّفكير ، والرَّوِيَّة ، لأنّ الْعَقْل أَصل والعِلْمِ ،فَرع، وتمرةٌ من ثَمراته.2 - أنْ تتهيأ للعُلَماء المادَّة التي يُحولونها إلى إِنْسَان ، سواء أَكَانَت نَباتاً ، أم جماداً ، أم نُطفة حيوان، إذ يَسْتَحِيل على العِلم أنْ يُوجد شَيْئَاً مِن لا شيء ، ولَيْسَ من شك أن المادة التي يُكيفها العُلَماء ، ويحولونها إلى شيء آخر - ليست من صنعهم .

3 - أن تتوافر لديهم المختبرات، والأدوات الفنية ، لأنّها الوسيلة لإيجاد أي شَيء فضلاً عن إيجاد إنْسَان بعقله، وطاقاته.هَذِه الأَسْبَاب ، أو الشروط الثلاثة لا بُدّ مِنْهَا لكل من حاول ، أو يُحاول غزو الطبيعة ، وتسخيرها لحاجة من حاجاته ، أو غَايَة من غَاياته ، والله الَّذِي نُؤمن بهِ ونَعبدهُ غَني عن كلِّ شيء ، وكامل من كلِّ جهة، ولو أحتاج إلى شيء لا يُمكن أن ينتقل بإحداث شيء ، بل لا بُدَّ أنْ يَسْتَعِين بغيره ، ومَعْنَى هَذَا أنه ناقص، ومحدود، ومفتقر إلى شيء خارج عن ذاته يتم به، ويكمل ، ومن البداهة أنّ الْفَقِير ، والناقص ، والمحدود يَسْتَحِيل أن يكون إلهاً .. إن ذات الإله الحق الذي نُؤمن به - تمنح الْوُجُود لغيرها بطبيعتها ، وبما هي بلا واسطة شيء على الإطلاق ... أَنَّهَا تُريد فيوجد المراد بالفعل ، كما شاءت ، وأرادت .إنّ الإله الَّذي نُؤمن بهِ يَقُول للشّيء : كُنْ فَيَكُون بلا جولة فكرٍ ، وَلاَ هَندسة، وتخطيط ، وعِلاج آلات، وأذرع ، وحركات، وإذَنْ فإيمان العارفين بالله لا يُزعزعه شيء إلا إذا أستطاع عُلَماء الطَّبِيعَة أنْ يُوجدوا شَيْئَاً من لا شيء، وبمجرد أنْ يُريدوا إيجاده بلا روية ، وتفكير ، وأدواتٍ، ومُختبرات ، وأذرع ، وأعين ، ومتى تم لهم ذلِكَ : «فأنا أَوّل العابدين».وبكلام آخر : يجب قبل كل شيء أن ننظر إلى نفس الإله الَّذِي آمن بهِ مَن آمن ، تنظر إلى حقيقته ، وهويته ، فإنْ كان من جنس الطَّبيعة المادية المنفعلة التي لا تستقل بإحداث شيء، أو كَانَ عِبارة عن فكرة مُجردة، ونظرية ذهنية كَالشَّرَف، والكَرَامَة - مثلاً - إنْ كَانَ من هَذَا النَّوْع ، أو ذاك يكون مصير الإِيمَان بِهِ إِلَى فِناء،

وزوال لا محالة سواء أكتشف عُلَماء الطَّبِيعَة سِرِّ الْحَيَاة ، أَم عَجزوا عن اكتشافه أمَّا إِذَا كَانَ الإله المعبود هو قُوَّة فعالة لها جميع صفات الكمال من كلّ الجهات تؤثر ولا تتأثر ، وإِلَيْهَا يَفْتَقِر كلّ شيء، وَلا تفتقر إلى شَيء ، ولَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ، وَهِي المبدأ الأوّل للخَلقِ ، أما الإيمان بِهَذَا الإله فَهُوَ أَرسخ من الراسيات حَتَّى ولو أكتشف العِلم سر الحياة، وأخترع ألف إِنْسَانٍ ، وإِنْسَانٍ : ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ، وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ (1).)(اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَ مِشْكَاةِ الضّيَاءِ ، وَذُوَّابَةِ الْعَلْيَاءِ ، وَسُرَةِ الْبَطْحَاءِ ، وَ مَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ ، وَيَتَابِيعِ الْحِكْمَةِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيم خَلِيلَ الرَّحْمَانَ (علیه السلام، وَمِشْكَاةِ الضّياءِ النَّفس الزَّكية، وَالدُّوابَةِ الطَّيِّبُون مِن قُرَيْشٍ، وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ أَشرف الأمكنة من مَكَّةَ الْمُكَرَّمَة ، والمَصَابِيح وَيَنَابِيع الْأَنْبِيَاء من ولدِ إِبْرَاهِيم، ومن لَيْسَ بجد للنَّبيّ مِنْهُم فَهُوَ عَمّ لأجداده ، وتَقَدَّم الثناء على النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مَرَّات (2).)(طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِيِّهِ . الطَّبِيب الدَّوَّار هُو القدير الذي يعرض العلاج على المرضى، وأراد الإمام بالطبيب نَفسَه ، وإنّه يُداوِي الَّذِينَ زَاغت قُلُوبَهُمْ عَن الحَقِّ ، والصَّواب (قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ) وَهِى حكمه ، ومواعظه الحَسَنَة (وَ أَحْمَىٰ مَوَاسِمَهُ) وَهِي تقريعه، وتهديده بغضب الله ، وعذابه (يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ ) يُرشد من ضَلَّ عَن الحَقِّ ، فيُظهره جلياً لمن عَمي عنه ، ويَسْمَع صَوْته للأصم ، ويَحمل الأبكم على النُّطق به ، وَهَذَا كلّه كِناية عن عِلم الإمام ، ونُصحه ، وحُسن موعظته)


1) الحج : 73

2) أنظر ، آخرها الخطبة : 106. (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

(مُتَتَبَّعُ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ يُنبه الغافلين ، ويُهدي التائهين الَّذِينَ (لَمْ يَسْتَضِينُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ )، وَهِي العِلْم بِالْحَقِّ ، والْعَمَل به، وبكَلِمَة ثانِيَة وضع الشَّي فِي مَوْضِعه (وَ لَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ ) لا شَيء عندهم من الْعِلْم تَمَاماً كالحيوانات، والجماد . والإمام (علیه السلام) يهتم بإرشادهم، ويحرص على هدايتهم ، ويتلطف مع الَّذِين يتوسم بِهِمُ الخَيْر ، ويشتد على من كابر ، وعاند (قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ ، وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا ) . ظهر اللْحَقِّ جلياً ، وتميز عن الْبَاطِل ، وَلاَ عُذر لعالم ،مُكابر ، وَلاً لجاهل مقصر ، وَ أَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا ، وَ ظَهَرَتِ الْعَلامَةُ لِمُتَوَسمِهَا ) . قيل : المراد بالسَّاعَةُ هُنا وعلامتها ظهور الدَّوْلَة الأموية التي أهلكت الحرث والنسل... ويجوز أنْ يُراد بها المؤت، لأنّ السَّاعَة تُطلق على الْقِيَامَة ، « فإنّ من مات فقد قامت قيامته ».)(مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلاَ أَزْوَاحٍ ، تماماً كالجهاد (وَ أَزْوَاحاً بِلا أَشْبَاحٍ ) أي بلا أَجْسَام ، ومن البداهة أنّ الرُّوح بلا جسم تعجز عن الحركة ، والْعَمَل ، وهل من عمل بلا أذرع ؟ . قال أحد الفلاسفة : هل تتطلع الرُّوح إلى الماء البارد العَذب دُونَ أنْ تَكُون في جسم له قَدمَان يَغرقان فِيهِ ؟ (وَ نُسّاكاً بِلا صَلَاحٍ ) لأنهم لا يُمارسون من الدين إلَّا الشَّعائر ، والمظاهر، أمّا الجهاد ، والعَمَل لوجه الله ، والحق فهم بمعزل عَنْه (وَ تُجَّاراً بِلا أَرْبَاحٍ ) لأنهم لا يعملون الله ، بل للشمعة ، والرياء (وَأَيْقَاظاً نُؤْماً) لأنّهم في غفلة عما يُراد مِنْهُم ، وبِهِمْ (وَ شُهُوداً غُيَّباً ) يَسْمَعُون المَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَلاَ)

يتعظون ، ويرون العِبْرَة ، ولا يعتبرون، ويقولون ولا يفعلون.### وَغَارَ الصِّدْقُ، وَفَاضَ الْكَذِبُ... فِقْرَة 4 - 6:رَايَةُ ضَلَالٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا ، وَ تَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا ، تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا ، وَ الأخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا . قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ ، قَائِمٌ عَلَى الظُّلَّةِ ، فَلا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ أَثْقَالَةٌ كَتُفَالَةِ الْقِدْرِ ، أَوْ نُفَاضَةٌ كَنْفَاضَةِ الْعِكْمِ ، تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الأديمِ ، وَ تَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِيدِ ، وَ تَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتِخْلاَصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ .أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ ، وَ تَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ ، وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ ، وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ، وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ، وَ لِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ ، فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ ، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ ، وَ اسْتَيْقِطُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ، وَ لْيَصْدُقُ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيَجْمَعْ شَمْلَهُ ، وَلْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ ، فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الْأمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ، وَ قَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَة . فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ، وَ رَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ، وَ عَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ ، وَقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ ، وَصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُعِ الْعَقُورِ ، وَهَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ ، وَ تَوَاخَىٰ النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ ، وَ تَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ ، وَ تَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ ، وَتَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً ، وَ الْمَطَرُ قَيْظاً ، وَ تَفِيضُ اللّنَامُ فَيْضاً ، وَ تَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً ، وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِتَاباً ، وَسَلاَطِينُهُ سباعاً ، وَأَوْسَاطُهُ أَكَالاً ، وَ فُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً ، وَغَارَ الصِّدْقُ ، وَفَاضَ الْكَذِبُ، وَاسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةَ بِاللِّسَانِ ، وَ تَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ ، وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً، وَالْعَفَافُ عَجَباً ، وَ لبِسَ الْإِسْلاَمُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً .

### اللُّغة:قُطْبُ الْقَوْم: سَيّدهم الَّذِي يَدُور عَلَيْهِ أَمرهم. والشُّعِب : الفروع . وتُفَالَةُ الْقَدْرِ : ما يَبْقَى فِي قَعره . والنُّفَاضَةٌ : ما يسقط بالنَّفض . والعِكْمِ - بكسر العين - وعاء كالسُّفط تضع المرأة في ما تدخره، وتحتفظ به. والعَرْكَ : الدَّلك . والأديم : الجلد والحَبَّةَ الْبَطِينَةَ : السَّمِينَة ضَد الهزيلة . والْغَيَاهِبُ : الظُّلَمَات. والرَّبَّانِيِّ : العارف بالله . والرَّائِدُ : رَسول القَوْم لينظر لهم المكان اللائق، ثُمَّ أُطلق على القائد . وَقَرَفَهُ : قَشَرَهُ، وكَشَطَهُ . والصَّمْغَةِ : القَرْحَة ، وأيضاً الصَّمْع ، والصَّمْغَة شيء يسيل من الشجرة ويَجْمَد عَلَيْهَا . والفَنِيقُ : الفَحْل . والقَيْظ : شِدَّة الحَرِّ .### الْإِعْرَابِ:رَايَةُ خَبَر مُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي هِى رَايَة ، وقَائِمُ خَبَر تَانِ لقَائِدُهَا ، والحَبَّةَ مَفْعُول لاِسْتِخْلاَصَ ، وأَيْنَ نُصب على الطَّرفِيّة بتَذْهَبُ ، وَأَنَّى مَفْعُول مُطلق أي أيّ إِفْكٍ تُؤْفَكُونَ ؟ ومَقْلُوباً حَال مِن الْفَرْوِ .### الْمَعْنى:(رَايَةُ ضَلَالٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا أي يَسود الضَّلال ، ويَسْتَفْحِل أَمْرَه (وَ تَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا) ، تَنْتَشر رَايَة الضَّلال، والْفَساد، وتمتد هنا ، وهناك ، وتُسيطر على الزَّمَان وأهله ، وهَذَا إِخْبَار من الإِمَام عما سيكون من بَعْدَه، قَالَ أبن أبي الحَدِيد : هَذَا الكلام منقطع عمّا قَبْله ، لأنَّ الشَّرِيف الرَّضِي كَانَ يَقتطف من كلام الإمام مُراعياً الأفصح ، ويجمع بَيْنَ المقتطفات، وقد ذكر الإِمَام هنا ما يحدث في آخر)

الزَّمَان مِن الْفِتَن .(تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا ، وَتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا . الكَيل ، والخبط كِناية عن وَطأة الفِتْنَة وشِدَّتها (قَائِدُهَا خَارِجُ مِنَ الْمِلَّةِ ) الإِسْلامية ، وإِنْ صلَّى ، وصَام ، وحَجّ إِلَى بَيْت الله الحرام، لأنّ الإِسْلاَم حَرْبٌ على الضَّلال والفَسَاد ، والرَّاضي بهِ شَريك لفاعِله ، ، والساكت عنهُ شَيْطَان أخرس ، فَكَيْفَ بمن فعلهُ ، وقادهُ، ونَشرهُ ؟ (قَائِمٌ عَلَى الظُّلَّةِ ) . ثابت على الضَّلال ، لا يعبأ بتهديد الله ، ووعيده ، ومَع هَذَا يَنْتحل الإِسْلام كذباً ، وَزُوراً ، ويدعي أنه حاميه ، وراعيه ، وهُو ألد أعدَائِه .)(فَلَا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ أَثْقَالَةٌ كَثْفَالَةِ الْقِدْرِ ، أَوْ نُفَاضَةٌ كَنْفَاضَةِ الْعِكْمِ، تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الْأَدِيمِ ، وَ تَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِيدِ أي المخصُود ، والمعنى إنّ ضَالاً مُضلاً سيقودكم من بعدي ، يَسومكُم سُوء العذاب ، ويجعل مِنْكُم قَوماً أَذلة ، لا هَيْبَة لكُم وَلاَ شأن بَيْنَ الأُمم ، يطمع فيكُم القريب والبعيد ... و من البداهة أنّ هَذِه نهاية كلّ قَوْم يَقودهُم غَيْر الأكفاء، كما هو شأنُ العَرَب ، والمُسْلِمِين فِي هَذَا العَصر (وَ تَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتِخْلاَصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ ) أي أنّ أشد الناس بلاء في تِلْكَ الْفِتْنَة هو المُؤْمِن المخلص ، لأنّ للحَقِّ تَمنَه ، وهو الآلام، والمتاعِب ، بخاصة فى دولة الجَوْر ، والضَّلال.)(أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ ، وَ تَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ ، وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ ، وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ ، وَأَنَّى تُؤفَكُونَ ؟ . مَا لَكُم تَضربون في النِّيه ، وتَخدعون بالأباطيل وتأمنون العواقب ، وَلا تُفكرون فيها يُراد بكُم ؟ . (فَلِكُلٍّ أَجَلٍ كِتَابٌ ، وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ يَابٌ ، أي أنّ ما أخبرتكُم من وقوع الْفِتَن واقعٌ فِي أَجلهِ ، وحينه لا مَحَالَةَ ، وبهذا التَّفْسِير يَكُون الكَلام مُرتبطاً بما قبله ، وَلا وَجه لظن ابن أبي الحَدِيد، ومن تبعه)

إنّه مُنقطع ، وغَير مُرتبط (1(فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ) الَّذي فَهم عن الله ، وعمِل بِمَا فهم ، وبلغكُم إيَّاه بصدقٍ، وإخلاص، وقد عنى الْإِمَامِ بهَذا الرَّبَّانِي نَفْسَه بالذات. (وَ أَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ، وَاسْتَيْقِطُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ) . الهَاءِ فِي أَحْضِرُوهُ ، والضَّمِير المستتر في هَتَفَ يَعود إلى كَلامِ الرَّبَّانِيِّ المُستفاد من قَوْله : «فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ » . وقيل : يَعود إلى الموت، وعلى أية حال فالمعنى أتَّعِظُوا بالعبر، وأنتفعوا بالنذر (وَ ليَصْدُقُ رَائِدٌ أَهْلَهُ) . وَلاَ يَتهاون بأمانتهم (وَلْيَجْمَعْ شَمْلَهُ) بِالْعَمَل على وحدة الكَلِمَة ، والتَّعاون على الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّة وَلْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ ) أي أَنْ يُفكر في مصالح مَن بقُودهم.)(فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الْأمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ ، وَ قَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَةِ . الضَّمِيرِ فِي فَلَقَ يَعود إلى الإِمَام(علیه السلام) ، والمعنى أنه كشف لهم عن كلِّ شيء يَحتاجُون إِلَيْهِ ، ويَعود عَلَيْهِمْ بالخير والصلاح ، ومَا تُرك لهم من عُذرٍ يتعللون بهِ (فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ، وَرَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ ، وَ عَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ ، وَقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ ، وَصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُعِ الْعَقُورِ ، وَ هَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ ) . يَدل سياق الكلام على أنّ كَلِمَة «ذلِكَ» إِشَارَة إلى تثاقل أَصْحَاب الْإِمَام (علیه السلام) عن أَمْرِه ، ونصائحه ، والمعنى ما دمتم على الحال التي أَنْتُمْ عَلَيْهَا فسيئب عَلَيْكُمْ العُدْوَان من وكره بعد أنْ كَفَ عَنْكُمْ وسكن.)(وَ تَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ . «الْمُؤْمِن أَخو الْمُؤْمِن أحبّ ذَلِكَ أَم كَره »(2).)


1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 190/7.

2) أنظر ، المسند المستخرج على صَحِيح مُسلم : 81/4 ) ،3295 مُسند الشهاب: 106/1 ح 125 جامع العلوم والحكم: 34/1 ، الإيمان لابن منده : 458/1 ح ،324 ، فتح الباري : 200/9 ، عون المعبود: 67/6، فيض القدير : 256/6 ، تلخيص الحبير : 15/3 ح1166.

وكَذَلِكَ الْكَافِر ، والفاجر ، وقَدِيماً قيل : «شبيه الشَّيء مُنجذب إِلَيْهِ »(1، «إِنَّ الطُّيُور على أشكالها تقع » (2، وقيل أيضاً : «قُل لي من تعاشر أقول لك : مَن أنتَ »(3)، وروي أن أستاذاً خَرج بتلاميذه إلى الماء ، والخَضْرَاء، ولما تَحلقوا حوله شَرح هَذَا الْحَدِيث: «الْأَرْوَاح جنود مجندة ما تعارف مِنْهَا إئتلف ، وما تناكر مِنْهَا اختلف»(4).فألتفت أحد تلاميذه فرأى حمامة في صُحبة غُراب ، فَقَالَ للأستاذ : أنظر : مِن أين إئتلف هَذَان ؟ وقبل أنْ يَغرق الأستاذ في التفكير من أجل الجَوَاب مشى الْغُرَاب ، والحمامة ، وإذا بها ،أعرجان، فأبتسم الأستاذ ، وَقَالَ لتلاميذه: مِن هَهُنا أتفقا . (و تَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ ) أي من لا دين لهُ يَكْرَه أَهْل الدِّين تماماً ككراهية الخائن للمخلص ، والعاهرة الفاجرة للحرّة الطَّاهرة. (وَ تَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ ) كما تَعَاوَنُوا على الإِثْمِ، وَالْعُدْوَانِ وَتَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ ( كما أختلفوا على فعل الخير)


1) أنظر. كشف الخفاء للعجلوني : 22 / 4 - 1531 ، فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي : 492/4 ح 5668 و 345/6 ح 9190 ، وفي تاج العروس: 217/6، روى بعض المولدين:)رأيتُ النخل يطرح كل فحفٍ ***وذاك الليف مُلتف عَلَيْهِفقلتُ : تَعجبوا مِن صُنع رَبِّي *** شَبِيه الشيء مُنجذبٌ إِلَيْهِوالقحف : لقب أبي عبدالله الحسين بن عُمَرَ القاص الشاعر المصري، وأبو مُحَمَّد الحسن بن علي أبن عُمَرُ القحف .

2) أنظر ، السَّيْف الصَّقيل ردّ ابن زنجفيل للسبكي : 93 .

3) أنظر ، المُصَنَّف مُحمّد بن أبي شيبة الكوفي : 121/6 ح 4/36 .

4) أنظر ،صحیح مُسلم : 2031/4 ح 2638 ، صَحِيح البُخَاري : 1213/3 ح 3158، صحيح ابن حبان : 42/14 ح 6168 ، المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 4 / 466 - 8296، سنن أبي داود : 16/3 ح 2525 المعجم الأوسط : 161/2 1577 تجمع الزوائد: 314/2

والصَّالح العام.(فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً لوالده الكادح من أجله ، والناصح له بصدقٍ وحنان ... ولَيْسَ من شك أن الجيل اللاحق يرى الأُمور بغير الْعَيْن التي ينظر بها الجيل الشابق . ومن البداهة أنّ الإِخْتِلاف في الرُّؤية لا يستدعى بطبعه الغَيْظ والعقوق، ولكن إذا فسدت الأَوْضاع، وعمّت الْفِتَن ضاعت المقاييس ، وتمرد عَلَيْها من لا يرى في الوُجُود إلّا نَفْسه (وَ الْمَطَرُ قَيْظاً ) . المطر ينزل من السَّماء في أوانه ، والفصول الأَرْبَعَة لا تتغير، فلا الشّتاء يصير صيفاً ، وَلَا الصَّيف شتاءً ، جَار الْحَاكِم أَمْ عدل ، فسدت الأوضاع أم صلحت ، وعَلَيْهِ فَالْمُرَاد بِالْمَطَرِ هُنا وفي بَعْض الرِّوَايَات - الخَيْر ، والخصب، وبالقيظ المحل ، والجَدْب ، والمعنى أن قوى الشَّرِّ إذا حکمت، وسيطرت تحتكر خَيرات الأرض، وتمنعها عن أَهْلها ، فَيَكُون الخصب والخَيْر شَرّاً عَلَيْهِمْ ، وخَيراً على الطغاة الغاصبين (وَ تَفِيضُ النَّامُ فَيْضاً ، وَ تَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً) إِذَا كَانَتْ الثَّروة في قبضة الْأَشْرَارِ أَغْرُوا بِها لِنَّامِ النَّاسِ ، وقويت بِهِمْ دَولة الضَّلال ، وضَعُفت شوكة الكِرام الطّيّبين .)(وَ كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئاباً . ذَلِكَ الزَّمَانِ إِشَارَة إِلى كُلِّ زَمَان تَسود فيهِ الأنظمة الجائرة، ويَتَوَلَّى مَركز الْقِيَادَة فِيهِ غَيْر الأكفاء، والمراد بالأهل هنا الذين يَنتَفعُون بتِلْكَ الأَوْضاع، وهؤلاء القادة غيرُ الأكفاء، والَّذِين يَشتغلون الأنظمة الفاسدة لمصالحهم .. وإلا فأي ذنب للمُضطَهَدِين، والمحرُومِين (سَلاطِينُهُ سِبَاعاً ) مفترسة يحكمون النَّاس بشَرِيعَة الغَاب ، وعقل هتلر ، والحَجاج (وَ أَوْسَاطُهُ أَكَالاً ) . قِيل : الْمُرَاد بالأُكَّال الطعام، وبالأوْساط الطَّبَقة الوسطى ، وإِنَّها مأكولة للطَّبقة الحَاكِمَة العُليا !.. ويجوز أنْ يَكُون المراد بالأوساط هُنا أَعوان الظَّلمة ، وحَوَاشِى)

السَّلاطين ، لأنّ الإمام ذكر الطَّرفَين في سياق واحد، وبلا فاصل ... هَذَا ، إلى أنّ كَلِمَة الأوساط تُطلق على أَربَاب المَناصِب .(وَ فُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً حيث لا حول لهم وَلاَ قُوَّة إلّا الشقاء، والإدلاء بأصواتهم أَيَّام الإنتخابات للصوص ، والسَّفاحين (وَ غَارَ الصِّدْقُ ، وَفَاضَ الْكَذِبُ ) أي ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ، وَالْبَحْرِ ، وَلاَ رَادِع ، ومُنْكِر ، وإِنما خَصَ الْكَذِب بالذكر لأنّه من أُمهات الرذائل ، وأَكْثَرها خطراً ، وضَرَراً (وَاسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِالنِّسَانِ ، وَ تَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ ) . وَلَا يَنمو هَذَا النِّفَاق ، وينتشر إلا تحت رَايَة الظُّلم ، وكَبْت الحريَّة ، ومن الَّذي يَدفع ثمن الصراحة من نفسه، وماله ، وأَهْله ؟ (وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً) قَريباً يَجمع بَيْنَ المُنحرفين ، ومِثْله : «وَتَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ». (وَالْعَفَافُ عَجَباً ) لِقلة أهله ، ومِثْله وَتَغِيضُ الْكِرَامُ ».( وَ لبِسَ الْإِسْلَامُ لُبْسَ الْفَرْمِ مَقْلُوباً ) حَيْث تُزيف، وتُحرّف أَحْكامه وتَعَالَمه ، وَلَا يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الاسم ، والشعائر والمظاهر ، كما هي حال المُسْلِمِين في عصرنا .. وَقَالَ أَديب :معروف: «لا سَبب لتخلف المُسْلِمِين إِلَّا التَّفْسِير المُختلف لِلإِسْلام».)وبعد ، فإنّ كلام الإمام(علیه السلام في هذه الخُطْبَةُ يدل بصراحةٍ، ووضوح أنّ الْفَقْر والشقاء، وأنتشار الجريمة ، والرَّذيلة في أي مُجتمع إنما هو نتيجة حتمية لفساد الْأَوْضَاع، وجَوْر الحكام، وسيطرة الخونة ، وغَيْر الأكفاء على مركز القِيَادَة ، ومناصب الدَّوْلَة .)

## الخطبة-109-### عَظَمَة الله تَعَالَى فِقْرَة 1 - 2:كُلُّ شَيْءٍ خَاشِع لَهُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ ، غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ ، وَعِذْكُلِّ ذَلِيلٍ ، وَقُوَّةٌ كُلّ ضَعِيفٍ ، وَ مَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ . مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ وَ مَنْ نُطقَهُ، وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ سرّه،وَ مَن عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ ، وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ . لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ . لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةِ ، وَلَا أَسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ ، وَلَا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ ، وَ لَا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ ، وَلَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ ، وَ لَا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ ، وَ لَا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّىٰ عَنْ أَمْرِكَ . كُلُّ سِرٌ عِنْدَكَ عَلَانِيَةٌ ، وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةُ. أَنْتَ الْأَبَدُ فَلا أَمَدَ لَكَ ، وَأَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلَا مَحِيصَ عَنْكَ ، وَ أَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلَا مَنْجَي مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَايَّةٍ ، وَ إِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ ، سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأنَكَ ! سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ وَ مَا أَصْغَرَ كُلَّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ ! وَ مَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ ! وَ مَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ ! وَ مَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا ، وَمَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الآخِرَةِ !

### اللُّغَة:مَفْزَعُ : مَلجَأَ ، ومَلاذ . وَلَا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ : لا مَنَاص لهُ ، ولا خلاص. وَالأبَدُ : الدَّائِم . وَمَا أَهْوَلَ : مَا أَعْظَم ، وضِدَه مَا أَحْقَرَ . وَمَا أَسْبَغَ مَا أَوْسَعَ ، وَمَا أَتمَّ.### الْإِعْرَابِ:غِنَى خَبَر مُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي هو غِنَى كُلّ فَقِير ، ولَمْ تَرَكَ أَصلها تَرَاك ، وحُذف الألف من الفعل المضارع لمكان الجزم ، وأَصل يُفْلِتُكَ يُفْلِت مِنكَ ، ولما حُذفت «من» تخفيفاً أتصلت الكاف بالفِعْل ، وسُبْحَانَكَ نُصب على المَصْدَر أَي أُسْبِحَك سُبْحَاناً ، ومَا أَعْظَمَ «مَا » أسم نكرة بِمَعْنَى شيء ، ومحلها الرَّفع بِالاِبْتِدَاء ، وأَعْظَمَ فعل مَاضٍ فِيهِ مَعْنَى التَّعجب ، والفاعل ضمير مستتر ، والجُمْلَة خَبَر «ما» وما بعد أَعْظَمَ مَفْعُول ، ومِثْله مَا أَصْغَرَ ، وَمَا أَهْوَلَ ، وَمَا أَسْبَغَ .### الْمَعْنى:(كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ أي فِي قَبْضَته تَعَالَى ، ومُفتقر إِلَيْهِ وجُوداً، وبقاء، أفتقار الممكن للواجب، والخلوق للخَالِقِ وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ ( أي أنّه تَعَالَى هُو العِلَّة وإِذَنْ فَلا بُدّ له في وُجُودِه من سبب خارج عن ذاته ، وهَذَا السَّبب الخارجي إنْ لَم مَوْجُوداً بنفسه أحتاج إلى سبب، وهكذا إلى ما لا نهاية ( غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ ). كلّ مَن أحتاج إلى شَيء فَهُوَ فَقِير حَتَّى ولو كَان هَذَا الشَّيء شَربَة ماءٍ ، أو نَسمَةَ هواءٍ ، ومَعْنَى ذَلِكَ أنّ كلّ كائن - مَا عَدا الله - فَهُوَ فَقِير لا غنى لهُ عَن خَلقِ الله ونِعَمِهِ ، وإِنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِكَامِلها ، ولذا قَالَ الْإِمَام : «إِنَّا لَا نملِكُ مَعَ اللهِ شَيْئاً ، وَلاَ نملِك إِلَّا مَا)

مَلّکنا»(1.)(وَ عِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ ، وَقُوَّةٌ كُلِّ ضَعِيفٍ أي أنّ الذُّليل يَصير عَزِيزاً ، والضَّعِيف قَوِياً ذَا اسْتقام على طريق الهُدَى (وَ مَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ ) . إلى أين يذهب المُضْطَرَّ إِذَا يَئس من الأرْض ، وأَهْلها ؟ ... أَبَداً لا سبيل لهُ - مُؤمِنَاً كَان أَم جَاحِداً - إلا واحد من أثْنَيْن : الإنتحار، أو اللجوء إلى السماء ، إلى الله تَعَالَى الذي يمنح الْقُوَّة ، والخلاص من الشَّدَائِد، والآفات ... ومن هنا رأينا الجَاحِدِينِ بِأَلْسِنَتِهِمْ يَفْزَعُونَ إلى الله وحده عند ا لنوائب، والنوازل : ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ) (2)أي تَرْفَعُون إِلى الله أَصْوَاتُكُمْ بالدُّعَاء.)(مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ ، وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ، وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ ، وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ إِنَّه تَعَالَى يَعلم السِّرِّ ، وأَخْفَ ، ويَقْبِضُ، وَيَبْسُطُ عَمَن يَشَاء وَيَبْسُطُ ، وإِلَيْهِ المَصِير (لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ ) . الخِطَاب الله سُبْحَانَهُ، وَإِذَا أمتنع بذَاتِه عن العُيُون تؤمن بهِ الْعُقُول ، وثَبت وجوده بالخَلْقِ ، والآثار (3). (بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ ) . كَان الله ، ولَم يَكُن معه شيء ، وإِذَنْ فَمَن الَّذِي يُخبر عن وُجُودِه ؟ وإلى مَن ؟ . وفي الحديث القدسي: «فخلقت الخلق لكى أُعرف »(4). (لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ )كَيْفَ يَحتاج إلى الأنيس، والجلَيْسَ ، وهو غني بذاته عَن)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الحكمة (402).

2) النَّحْلِ : 53 .

3) تَقَدَّم مِثْله مَع الشَّرح في الخُطْبَةِ : (49) وغيرها . (مِنْهُ قدّس سرّه).

4) أنظر ، رسائل المحقق الكركي : 162/3 ، أبجد العلوم: 159/2 تأريخ ابن خلدون: 4711. بحار الأنوار : 272/4 ، عوالي اللئالي : 55/1 ، شرح أصول الكافي: 22/1.

كلّ شيء ، وكامل من كل وجه ؟ (وَ لَا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ . خَلَقَ سُبْحَانَهُ مَا خَلق ومن خلق ، لا ليدفع بهِ ضُرّاً، أو ليجلب نفعاً ، كَيْفَ ، وهو سُبْحَانَهُ مصدّر الْمُنَافِع كلها، وما من مخلوق يَسْتَطِيعِ الْوُجُود لحظةٌ وَاحِدَة إلا بفضله ، وعنايته ، ومن يعمل عملاً لوجهه تَعَالَى يَدخره عند الله ليوم فقره ، وفاقته (وَ لاَ يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ ) أين المفر ، والإله الطَّالب ! . (وَ لَا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ ) . وَتَسْأَل : كلّ شيء في قَبْضَته تَعَالَى، وآخذ بناصيته ، وإِذَنْ فَمَا مَعنى «مَنْ أَخَذْتَ»؟ وهَل فَاته شيء ثُمَّ أَخذه ؟ .)الجَوَاب:المراد من «وَلا يُفْلِتُكَ لا يَفُوتَك مَن حاول الهرب منك ، وتَقَدَّم: «لاَ يُعْجِرُهُ مَنْ طَلَبَ ، وَلاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ »(1. وَلَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ ( لأنَّ اللَّهُ غَني عن كلّ شيء ، وما لشيء غِنَى عَنْه ، ولو قهر سُبْحَانَهُ الخَلائِقِ على عِبادته مَا عَصَاه تخلوق ، ولكن شاءت حكمته أن يكون الإنسان حُرّاً فيا يفعل ، ويترك حرصاً عَلَى إِنْسَانيته (وَلَا يَزِيدُ فِى مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ ) لأنّ مُلكه تَعَالَى يُفيض من ذاته ، لا مِن طَاعَة النَّاس له، وتطبيلهم، وتزميرهم ... (وَلَا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ ) وإِذَنْ فالتسليم لأمره تَعَالَى، والصبر عَلَيْهِ أَوْلَى، وأفضل (وَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى أمْرِكَ) حَتَّى مَن عصَاكَ مُفتقر إلى مَعُونتك ، وعِنَايتك .)(كُلُّ سِرٍ عِنْدَكَ عَلَانِيَةٌ ، وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ لأنَّ نِسْبَةِ الْبَاطِن إِلَى عَلَمِهِ)


1) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَة (105). (مِنْهُ قدّس سرّه) .

تَعَالَى تَمَامَاً كُنْسبَة الظَّاهِر ، كما أنّ خَلق الكون بالقياس إلى قدرته كخَلقِ الذَّرَّة أَنْتَ الأَبَدُ أي الدَّائِم (فَلَا أَمَدَ لَكَ )، حَتَّى تَنْتَهِي بإنتهائه ، لأن الموجود بالذات يَسْتَحِيل في حقه الفناء ، والزَّوال (فَلا مَحِيصَ عَنْكَ ، وَ أَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلَا مَنْجَي مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ) أي عن المصير إِلَيْكَ وَ أَنْتَ الْمَوْعِدُ (فَلاَ مَنْجَي مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ) . لا مهرب من عذَاب الله إلا بطاعته ، أو برحمته ومغفرته ، وَلا شكّ أنّه تَعَالَى أَهْلِ السَّخاء ، والْعَطَاء من غَيْر عِوض لكماله من كلّ وجه .)(بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ مَالك كلّ شيء (وَ إِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ ) . عَطف تَفْسِير على أَنتَ الْمَوْعِدُ ، وَأَنتَ المنتهى ، وتُطلق النَّسمة على كلّ ذي رُوح .)(سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ ! سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ ! وَ مَا أَصْغَرَ كُلَّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ وَ مَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ ! وَ مَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ ، وَ مَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا ، وَ مَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الْآخِرَةِ هَذَا تسبيح ، وتمجيد لكماله تَعَالَى ، وعَظَمَته عَلى قدر الفهم مع الإعتراف بأنّ ما ظهر للعيون ، والْعُقُول من قدرته تَعَالَى لَيْسَ بشيء بالقياس إلى مَا غَابَ عَنْهَا ، وأَيضاً نعم الدُّنْيَا بِكَامِلَهَا لَيْسَت بشيء إذا قيست بأضغر صغيرة من الجنَّة.)### سُبْحَانَكَ خَالِقاً، وَ مَعْبُودا!.. فِقْرَة 3 - 5:مِنْ مَلائِكَةِ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ ، وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ ، هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ، وَأَخْوَفُهُمْ لَكَ ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ ، لَمْ يَسْكُنُوا الْأَصْلابَ ، وَلَمْ يُضَمَّنُوا الْأَرْحَامَ ، وَلَمْ

يُخْلَقُوا (مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (1)، وَ لَمْ يَتَشَعَبْهُمْ (رَيْبَ الْمَنُونِ) (2)، وَ إِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ، وَ لَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ رَيْبَ الْمَنُونِ مِنْكَ ، وَمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ ، وَ اسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ ، وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ ، وَقِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ ، لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ ، وَلَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَلَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ، وَ لَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ . سُبْحَانَكَ خَالِقاً ، وَ مَعْبُوداً ! بِحُسْنِ بَلَائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً ، وَ جَعَلْتَ فِيهَا مَادُبَةً : مَشْرَباً ، وَمَطْعَماً ، وَأَزْوَاجاً ، وَخَدَماً ، وَقُصُوراً ، وَأَنْهَاراً ، وَزُرُوعاً ، وَثِمَاراً ، ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا ، فَلَا الدَّاعِيَ أَجَابُوا ، وَلَا فِيمَا رَغَبْتَ رَغِبُوا ، وَلَا إِلَىٰ مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ أَشْتَاقُوا . أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا ، وَأَصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا ، وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ، وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ . فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ غَيْرِ صَحِيحَةٍ ، وَ يَسْمَعُ بِأَذُنِ غَيْرِ سَمِيعَةٍ ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ ، وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ ، وَ وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا ، وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا ، حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا ، وَ حَيْتُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا ، لَا يَنْزَجِرُ مِنَ الله بِزَاجِرٍ ، وَلَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظُ .)### اللغة:المهين : الحقير . لمْ يَتَشَعَّبهُمْ : لَمْ يُفرقهم . والمراد بالرَّيب هُنا صَروف الدَّهر ، وبِالْمَنُونِ الدَّهْرِ. وَزَرَوْا عَابُوا . وأَعْشَى بَصَرَهُ : أَعْمَاه . وَوَلِهَتْ : تَحيَّرَت من شِدّة الوجد.


1) السَّجْدَةِ:8

2) الطُّورِ : 30

### الْإِعْرَابِ:جُمْلَة لَوْ عَايَنُوا خَبَر إِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ ، وحَقَّ مَفْعُول مُطلق لأنّه مُضاف إلى مَصْدَر الفِعل مثل أكرمته أحسن الإكرام ، وخَالِفاً، وَمَعْبُوداً تمييز عَلَى مَعْنَى مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ، أو حال ، وبِحُسْنِ بَلائِكَ مُتَعَلِّق بِسُبْحَانَكَ ، ومَشْرَباً، وما بَعْدَه بَدل مُفصل من مُجمل، والمبدل منهُ مَأَدبَةً، وفِيهَا رَغَبْتَ مُتَعَلِّق بِرَغِبُوا ، وحَيْثًا ظَرف فِيهِ مَعْنَى الشَّرط ، ويحتاج إلى فعل الشَّرط ، وجوابه ، ومحله النَّصب بفعل الشرط .### الْمَعْنى:(مِنْ مَلائِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ ، وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ ، هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ وَأَخْوَفُهُمْ لَكَ ، وَ أَقْرَبُهُمْ مِنْكَ . الحَدِيث عَن المَلائِكَةِ حَدِيث عن الْغَيْبِ ، ولذا تجمد على ظاهر كَلَام الْإِمَام عَنْهُمْ ، ويتلخص بأنّ الْمَلائِكَة ، أو أَكْثَرهم ، أو الكَثِير مِنْهُم يُقيمون في السَّماء لا في الأرْض، وهو أعلم خَلق الله باللهِ ، وأَشدّهم خَوْفاً منه ، لأنّ الخوف من الله يُقاس بالعِلْم به، والفهم عَنْه ، ولمكانتهم الشامية مِن العِلْم بهِ ، والخَوْف منهُ ، والطَّاعَة لهُ كَانوا أَقْرَب إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِن سَائِرِ الخَلَائِقِ .)(لَمْ يَسْكُنُوا الْأَصْلاَبَ ، وَ لَمْ يُضَمَّنُوا الْأَرْحَامَ ، وَ لَمْ يُخْلَقُوا «مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ» لَم يتنا كحوا ، ويَتْنَا سَلُوا (وَ لَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ «رَيْبَ الْمَنُونِ» ) لاَ عِلل ، وَلاَ أَسْقَام : وَلاَ أَحْزَاب بَيْنَهُمْ ، وخِصَام ، وهل يمرض مَن لا يَأْكُل ، وَلَا يَشرب ؟ وعلى أي شيء يَتخاصمون ما داموا لا يملكون ، وَلا يَحكمون ؟ (وَإِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ ، وَلَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ رَيْبَ الْمَنُونِ مِنْكَ ، وَ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ ، وَ اسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ ، وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ ، وَقِلَّة غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ ، لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوا)

أَعْمَالَهُمْ، وَلَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ، وَلَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ الْمَلَائِكَة كما أشرنا أعلم الخلايق بالله ، ومَع هَذَا لا يعرفُون من كماله وجلاله إلا الأقل من القليل ، ولو تسنى لهم أن يعرفوا مِن عَظَمَته أَكْثَر مِمَّا عرفوا - ما أقاموا لِعِبَادَتهم وزناً ، واعتباراً .(سُبْحَانَكَ خَالِقاً ، وَ مَعْبُوداً ! بِحُسْنِ بَلَائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ . أَنعَم سُبْحَانَهُ عَلى خَلقه بالإيجاد، ثم زادهم مِن نِعَمِهِ مَا لا يبلغه الإحصاء ، فوَجَبَ لهُ الشُّكْر عَلَيْهِمْ بِالطَّاعَة والْعِبَادَة الله وحده، ومن أدى هَذَا الشُّكر على وجهه زاده أَضْعَافاً مُضاعفة ، قَالَ الْإِمَام : من أعطي الشكر لم يُحرم الزِّيَادَة. (خَلَقْتَ دَاراً ، وَ جَعَلْتَ فِيهَا مَادُبَةً : مَشْرَباً ، وَ مَطْعَماً ، وَ أَزْوَاجاً ، وَ خَدَماً ، وَ قُصُوراً ، وَأَنْهَاراً ، وَزُرُوعاً ، وَثِماراً ) . المراد بهذه الدار الجنَّة ، لأنّ الصِّفَات المذكورة هي من صفاتها، بالإضافة إلى قَوْله : أَرْسَلْتَ إِلَيْهَا دَاعِياً والْمُرَاد بالزَّرع مَا يَعُم الشَّجرِ، وَالْمَعْنى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلق الْجَنَّةِ بِما فيها لمن عمل ها عملها : (وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (1).)(ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا . ضمير إِلَيْهَا يَعود إلى الجَنَّة ، والدَّاعي هو مُحَمد (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) الذي دَعَا النَّاس بالتي هي أحسن إلى ما بَيَّنَه سُبْحَانَهُ بِقَوْله : (يَأْمُرُهُم الَّذِي بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ )(2). (فَلاَ الدَّاعِيَ أَجَابُوا ، وَلَا فِيمَا رَغَبْتَ . رَغِبُوا ، وَلاَ إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ أَشْتَاقُوا ) ويَا لَيتهُم وقفوا عِند الإِعِرَاض ، وعَدم)


1) الأَعْرَافِ : 43 .

2) الْأَعْرَافِ : 157 .

الإجابة ، ولم يُعلنوا الحَرْب عَلَى مَن وضَع عَنْهُمُ الأَغْلال، وحَطّم قيود الذُّل ، والتَّخلف !(أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا ، وَأَصْطَلَعُوا عَلَى حُبِّهَا . الجيفة جُنَّة الميّت المُنْتِنَة ، والمراد بها هنا كل ما حرم الله سُبْحَانَهُ ،مَالاً كَانَ ، أم جَاهاً ، أم جنساً ، أم غَيْر ذَلِكَ من الملذات ... وجُثَّة الميت تَنْهتُها الكِلاب فكَذَلِكَ الْحَرَام لا يُقبل عَلَيْهِ إِلَّا أَشباه الكِلاب في الخسة ، والوَضَاعة ، ومن أَقْوَال الْإِمَام : «الدُّنْيَا جِيفَة ، فَمن أرادَها فليصبر على مُخالطة الكِلاب » (1). وَقَالَ لولده الإمام الحَسَن : وَ تَكَشَفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاوِيَةٌ ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ ، يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا ، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا » (2). وعَلَيْهِ فَالدُّنْيَا المذمومة هى دُنْيَا المتخمين من أكل الحرام ، والمُنْغَمَسِين فِي الرَّذَائِل ، والآثام.)(وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ، وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ . فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ غَيْرِ صَحِيحَةٍ ، وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ ، وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ ، وَ وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ . لا منهج للمُحب العاشق ، وَلاَ قِيَم ، وَلاَ عَواقِب في تصوره ، وتفكيره إلا المعشوق ، فَهُوَ وحده عقله، وسمعه وبصره. ومن روائع شوقي (3)قَوْله في ،)


1) أنظر ، كنز العمال : 719/3 ح 8564 ، كشف الخفاء : 409/1 ح 313 ، الدر المنثور : 301/3، أسد الغَابَة : 23/4 ، سُبل الهدى والرشاد : 301/11

2) أنظر نهج البلاغة : من كتاب له لها لابْنِهِ الْحَسَن(علیه السلام) رقم (31) .

3) هو أحمد بن علي بن أحمد شوقي (1285هـ-1351 هـ) أشهر شعراء العصر الأخير، يلقب بأمير الشُّعَرَاء، مولده ووفاته بالقاهرة تعلم في بعض المدارس الحكومية، وقضى سنتين في قسم الترجمة بمدرسة الحقوق، وأرسله الخديوي توفيق سَنَة 1887م إلى فرنسه ، فتابع دراسة الحقوق في مونبليه وأطلع على الأدب الفرنسي، وعاد سنة 1891م، فعين رئيساً للقسم الأفرنجي في ديوان الخديوي عباس حلمي، وندب سَنة 1896م لتمثيل الحكومة المصريه في مؤتمر المستشرقين بجنيف، ثم سافر إلى اسبانيه سنة 1915م وعاد بعد الحرب العالمية إلى مصر فجعل أحد أعضاء مجلس الشيوخ ، أنظر ، ترجمة حياته في الشوقيات الجزء الأول.

سِكّير :فكل شيء رآه ظَنّهُ قَدحاً *** وكلّ شيء رآه خَاله السَّاقِي(فَهُوَ عَبْدُ لَهَا ، وَ لِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا ... إلخ وإذَنْ فالْعِبَادَة للمال لا لصاحبه وخُلقه، وعلمه . ومن أَقْوَال الإمام: «الْمَالُ مَادَّةُ الشَّهَوَاتِ » (1)... «أنا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ »(2). وَهَذَا هو الفارق بَيْنَ سِياسَة الإِمَام التى قامت على الحَقِّ ، والدِّين ، وبَيْنَ سِياسَة خصومه التى عاشت على الأَمْوَال ، والرغبات ... وكَانَ الَّذِي كَان.)### لا إِقَالَةَ، وَ لا رَجْعَةَ... فِقْرَة 6 - 8 :وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْفِرَّةِ ، حَيْثُ لا إقَالَةَ ، وَلَا رَجْعَةً ، كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ ، وَ جَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ ، وَقَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ . فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ : أَجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ، وَ حَسْرَةُ الْقَوْتِ ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ، ثُمَّ اَزْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً ، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ ، وَ بَيْنَ مَنْطِقِهِ ، وَ إِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ ، عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ ، وَ بَقَاءٍ مِنْ لُيّهِ ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمُرَهُ ، وَفِيمَ أَذْهَبَ


1) أنظر ، نهج البلاغة : الحكمة (58).

2) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (316) .

دَهْرَهُ ! وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاَ جَمَعَهَا ، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبهَا ، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا ، وَ مُشْتَبِهَاتِهَا ، قَدْ لَزِمَتُهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا ، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا ، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا ، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا ، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا ، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ ، وَ يَرْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ ، وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا ، وَ يَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ ! فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ ، وَ لَا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ : يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ ، وَلَا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلَامِهِمْ ، ثُمَّ أَزْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بهِ ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ ، وَ خَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ ، فَصَارَ جِيفَةٌ بَيْنَ أَهْلِهِ ، قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ ، وَ تَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ . لَا يُسْعِدُ بَاكِياً ، وَلاَ يُجِيبُ دَاعِياً. ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطّ فِي الْأَرْضِ فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ ، وَ أَنْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ.### اللُّغَة:الْغِرَّةِ - بكسر الغين - البَغْتَة ، وأَغْمَضَ : تَشاهَل، وتجاهل . والمُصَرَّحَات: الوَاضِحَات ضِدّ المُشْتَابِهَات . والتَّبِعَات : المسئوليات . والمهنا: اللَّذِيذ بِلا تَنْغيص. قَالَ تَعَالَى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (1). وغَلَقَ الرَّهنُ في يد المرتين : صار مُلكه بعد أنْ عَجز الرَّاهن عن أفتكاك المرهون . وأَصْحَرَ : ظهر وانكشف . وخَالَطَ : شَارَك . ورَجْعَ الكَلامِ : تَردِيدَه. والتباطاً: التّصاقاً ، ولا)


1) الحاقة : 24

يُسْعِدُ : لا يُعِين .### الْإِعْرَاب:حَيْثُ لَا إِقَالَةَ «حَيْثُ» هُنا ظرف زَمَان في محل نصب بمأخُوذِين ، وخَبَر لَا إِقَالَةَ مَحْذُوف أي كائن هُم ، وكَيْفَ مَفْعُول مُطلق على مَعْنَى أَي نُزُولٍ نَزَلَ بِهِمْ ، وقيل : حال، أي على أي حال نَزَل ، وَغَيْرُ مَوْصُوفٍ خَبَر مُقَدَّم ، وَمَا نَزَلَ مُبْتَدَأ مُؤَخَّر . وُلُوجاً تمييز محول عن فَاعِل ، والأصل أزداد وُلُوج الموت ، ومِثْله التّيَاطاً.### الْمَعْنى:(وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ . ضَمير هُو يَعُود إِلى مَن عَبد الدُّنْيَا ، والمعنى إنْ هَذَا العبد شاهد الموت يختطف النَّاس على حين غفلة من هنا وهناك ، وَلاَ يعودُونَ ثَانِيَة إلى هَذِهِ الْحَيَاة ، ومع ذلِكَ لا يتعبر ، وَلاَ يَنزَجر كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ ( من دَلائِل المَوْت وعَلَامَاته وَ جَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ). أسرع إِلَيْهِمْ الموت، وهُم في أمانٍ منه ، وإنّه لا يُباغتهم في هَذَا الأوان اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ، أَوجَاع ، وأَحْزَان (وَ حَسْرَةُ الْفَوْتِ ) عَلَى التَّقْصِيرِ ، والإهمال .)(فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ تَرَاخَت اليَدَان ، والرّجلان ، وضعف الجسم عن الحركة (فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ ، وَ بَيْنَ مَنْطِقِهِ ) . يَدل هَذَا وَمَا بَعْدَه أَن النُّطق يُقبض قبل الشمع . والسَّمع قبل الْبَصَر - في الغالب - لا دَائِماً ، وعلى فراش الموت كما يدل سِياق الكلام (وَ بَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ ) عَطف تَفْسِير على عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ (فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَ)

الْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ . الأَبْنَاء يَأكلون ، والآباء يُحاسبون ، ويُعاقبون، ومن أَقْوَال : الْإِمَام(علیه السلام) : «وَمَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ ، وَتَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ ، وَ حِسَابُهُ». (1)(وَ يَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ ) . يَزْهَد عَجزاً ، لا تَعْفُفاً (قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ ) وكانوا من قبل يَسْتَوحشُون من بعد . ويَأْنْسُون بقُربِه (ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطّ فِي الْأَرْضِ فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ ، وَ انْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ) هَذَا مَصِيرُنا جَمِيعاً ... مَوْتُ ، وقَبر، ونسيان ،وإهمال ، كأَنْ لَم يَكُن أبناء، وإخْوَان ، وحُبّ وحنان ... والويل كلّ الوَيل لَن تَجرأ على الله ، وأَهله ، وعِیاله .)### مِن أَوْصَاف الْقِيَامَة... فِقْرَة 9 - 11:حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، وَالْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ، وَأُلْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ ، وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ ، أَمَادَ السَّمَاءَ وَ فَطَرَهَا ، وَأَرَجَ الْأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا ، وَقَلَعَ جِبَالَهَا وَ نَسَفَهَا ، وَ دَكَ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْيَة جَلَالَتِهِ ، وَ مَخُوفِ سَطْوَتِهِ ، وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا ، فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلَاقِهِمْ ، وَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ، ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الْأَعْمَالِ ، وَ خَبَايَا الْأَفْعَالِ ، وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ : أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلاَءِ ، وَ أَنْتَقَمَ مِنْ هَؤُلاَءِ . فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجَوَارِهِ ، وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ . حَيْثُ لا يَطْعَنُ النُّزَّالُ ، وَلَا تَتَغَيَّرُ بِهِمُ الْحَالُ ، وَلاَ تَنُوبُهُمُ الأَفْراعُ، وَلا تَنَالُهُم الْأَسْقَامُ، وَلاَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَخْطَارُ ، وَلا تُشْخِصُهُمُ الأَسْفَارُ . وَأَمَّا أهْلُ المَعْصِيَة فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ وَ غَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ ، وَ قَرَنَ النَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ ، وَأَلْبَسَهُمْ


1) أنظر ، نهج الْبَلاغة : الخُطْبَة (157).

سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ ، وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ ، فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ ، وَبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ ، فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ ، وَ لَجَبٌ ، وَ لَهَبْ سَاطِعْ ، وَ قَصِيفٌ هَائِلٌ ، لَا يَطْعَنُ مُقِيمُهَا ، وَ لا يُفَادَى أَسِيرُهَا ، وَلَا تُفْصَمُ كُبُولُهَا . لَا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى ، وَ لَا أُجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى .قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَغَرَهَا ، وَ أَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَنَهَا ، وَ عَلِمَ أَنَّ اللهَ زَوَاهَا عَنْهُ أَخْتِيَاراً ، وَبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِفَاراً ، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ ، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً ، أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً . بَلَغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً، وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً، وَ دَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً ، وَخَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّراً .نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ ، وَ مَحَطُّ الرَّسَالَةِ ، وَ مُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ ، وَ مَعَادِنُ الْعِلْمِ ، وَ يَنَابِيعُ الْحُكْمِ ، نَاصِرُنَا ، وَمُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ ، وَعَدُونَا ، وَمُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَة .### اللُّغَة:المراد بالكتاب هنا الشيء المقدر ، والمكتوب . وأَمَادَ : حَرَّكَ ، وَفَطَرَ : صَدَعَ . وَأَرَجٌ وَأَرْجَفَ بِمَعْنَى وَاحد . ونَسَفَهَا : قَلَعَها مِن الجُذُور . وإِخْلاقِهِمْ - بكسر الهمزة - بلائهم ، ورثائتهم. لا تُشْخِصُهُمُ : لا تُزْعِجهُم ، وَالمُقَطَّعَاتِ - بضم الميم - النياب القصار . وَهِي اسم واقع على الجنس ، لا يجوز أن يُفرد له . والكلب - بفتح اللام - الهيجان وَالجَب : الصَّوْت . وَقَصِيفٌ : أَسْتَدَ صَوْته . والكُبُولُ : الأَغْلال . وفُصَمُها : كَسْرُها . والرِّيَاش : الفاخر من اللباس ، والأثاث .

### الْإِعْرَابِ:أَمَادَ جَواب إِذَا ، وجُمْلَة أَنْعَمَ ، وَانْتَقَمَ بَدل مُفصل من مُجمل، والمبدل منه جُمْلَة جَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ ، أو «فَرِيقَيْنِ» بالذات لأنّ الجُمْلَة قَد تُبدل من المفرد - أي غَيْر الجُمْلَة - على حد تعبير النُّحاة ، وحَيْتُ ظرف مكان ، وتحلها الجر لأنّها بدل من دَارِهِ، وفَاعِل حَقَّرَ ضمير مستتر يعود إلى النّبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم ، وَأَهْوَنَ بِها أَي أَسْتهان بها ، واخْتِيَاراً مَصْدَر في موضع الحال أي زَوَاهَا مُختاراً ، واحْتِقَاراً مَفْعُول لأجله أي لحقارتها، ومُعْذِراً حَال ، ومِثْله ما بَعْدَه .)### لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ الْقِيَامَة :بعد أن صور الإمام(علیه السلام صورة واضحة كاملة لحال المحتضر في أوجاعه ، وآلامه وهواجسه، ونظراته ، ونطقه ، وسَمْعَه ، ولحال أهله ، وأحبائه في حِرقَتهم ، وبُكائِهم على الحبيب العزيز ، ثُمَّ جَمَلَهُم لَهُ إلى مقرهِ ، وَوَضْعه في لحده ، بعد هَذَا أشار إلى قِيَام السَّاعة بِخِرَاب الكَوْن . وَقَالَ : (حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، وَالْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ، وَأُلْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ ، وَ جَاءَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ ، أَمَادَ السَّمَاءَ وَ فَطَرَهَا ، وَأَرَجَ الْأَرْضَ وَ أَرْجَفَهَا ، وَقَلَعَ جِبَالَهَا وَ نَسَفَهَا ، وَدَكَ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلالَتِهِ ، وَ مَخُوفِ سَطْوَتِهِ) . مَا مِن شَىءٍ فِي هَذَا الْوُجُود يَسير عَلَى نِظام موحد ومُستقر إلا ومن وَرَائِه قصد ، وكلّ قصد يهدف إلى غايَة، ومتى تحققت الْغَايَة مِن وجود الشَّيء تنتهي مهمته ، ويذهب هو بذهابها ، وإِذَا أدى هَذَا الكَوْنِ الْغَايَةِ الَّتي أرادَها الله منهُ ذَهب بهِ ، وأتى بالْيَوْمِ الآخر ، ومَعْنَى هَذَا أَنَّ النَّشأة الأُخرى تبتدىء حيثُ تَنْتَهِي النَّشأة الأولى، ونهاية هذه تماماً كنهاية العِمَارَة ، والبِنَايَةِ ، فَيَنْقَلب أعلى)

الكَوْن على أسفله، ويرتفع أسفله إلى أعلاه، وتتطاير الجِبَالِ فِي الْفَضَاء ، وتهوى كَواكِب السَّمَاء نَحو الأرْض ، ويصطدم بَعْضها ببعض، فتصير يباباً ، وهباءً ، وتندلع البحار ، والأَنْهَار شرقاً ، وغَرباً، وهنا، وهناك حَيْتُ لا مُمسك لشّيء ، وَلاَ جاذب.وتَسْأَل : إنّ الجذب في المادة طبيعي، وحتمي ، وإِذَنْ كَيْفَ يَختل التّوازن ، ويَخْرَب الكون مع وجود الْقُوَّة الجاذبة ؟ .### الجَوَاب:إنّ جَاذبية المَادَّة حَقٌّ لا ريب فيه ، ولكن التَّوازن بَيْنَ الأجْسَام لا يعتمد على مُجرد الجاذبية ، بل عَلَيْهَا ، وعلى وضع كلّ جسم مُقابل في المكان المقرر له ، فإذا حاد عَنْه انْفَرط العِقد ، وزَال النظام : ولو كَانَتْ الجاذبية بمفردها كَافِية وافية لكنّا فِي غنى عن البناء ، والهندسة ، وكثير من العلوم والفنون، وَقَالَ أَهْل الاختصاص : لو انْحَرف أي كوكب عن مداره ، أو سَار أَكْثَر مِن سُرعته لاخْتَل التّوازن ، وتناثرت الكَوَاكِب في كلِّ مكان .(وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا ، فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلَاقِهِمْ. بعد عملية تدمير الكون يُحيي سُبْحَانَهُ أَهْل الْقُبُور من الْأَوَّلِينَ، وَالْأَخَرِينَ (وَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ) . فَرَّقَ الْمَوْت فيا بَيْنَهُمْ ، وأيضاً فَرَّق أجزاء كلّ واحد منهم : ورُبَّما كَانَ بَيْنَ الجُزء ، والجزء مسافات، أو تُحول إلى تُراب، والتُّراب إلى نبات، وقد يَأْكُل الحَيَوَان إِنْسَانَاً، ويصير جزءاً من جسمه، ولحمه ، ودَمهِ ... ومَع هَذَا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَىٰ إعادته لقدير ، وتُعرف هذه الشبهة بشبهة الآكل، والمأكول ، وأَجاب عَنْهَا مَن أَجاب بأنّ)

الجسم هو الذَّرَّات الأصلية التي تكوّن الجسم مِنْهَا في بدايته ، وَهِي لا تتغير ، وَلاَ تتحول ، وأَشرنا إلى هَذِه الشُّبهة في كِتاب «التَّفْسِير الكاشف»، وكِتاب «فَلْسَفَة التَّوْحِيدِ»، وفيها تَقَدَّم من هَذَا الشَّرح - كما أُرجح-(1.)(ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الْأَعْمَالِ ، وَخَبَايَا الْأَفعَالِ جهُم سُبْحَانَهُ مِن قبورهم دُفعَةً وَاحِدَة ، وَلا يخفى عَلَيْهِ واحد مِنْهُم على كثرتهم ، ويعلم كُلاً بأسمه ، وشخصه ، وما فعل ، وتركَ ، وأَسرَّ ، وأعلن حَتَّى نَظرة الطَّرف ، وخَفَقَة الْقَلْب... إنه بها خَبير عليم ، وعلى أساس هَذَا العِلْم يَكُون الحِسَاب ، والسُّؤال (وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ : أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلاَءِ ، وَأَنْتَقَمَ مِنْ هَؤُلاَءِ ( كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ )(2).)(فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ . بعد الْحَشْرِ ، والنَّشر ، ونقاش الحِسَاب - يأتِي الجَزَاء بِالنَّعِيمِ لمن أَطَاع ، والجَحِيمِ لَن عَصَى، وأشار الإِمَام إِلى شَيْء مِن جَزَاء الحسنِين بِقَوْله : (فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ ) وجَارَ اللهِ آمِنٌ من كلّ مكْرُوه (وَ خَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ ) أي الجَنَّة ( حَيْثُ لا يَطْعَنُ النُّزَّالُ) ، خَالِدُونَ فِي النَّعِيمِ إِلى مَا لأَنهَايَة (وَلَا تَتَغَيَّرُ بِهِمُ الْحَالُ ) . كلّ الأَيَّام هُم ، ولَيْسَ يَوْمٍ هُم ، ويَوْم عَلَيْهِمْ (وَلَا تَنُوبُهُمُ الْأَفْزَاعُ ) لا يَشْكُون مِن شَيء، وَلاَ يَرهبون أحداً ، أو يُخافون العواقب (وَلَا تَنَالُهُمُ الْأَسْقَامُ ). ومن أين تأتي الأَسْقَام ؟ والغَذَاء طاهر مُطهر، والجو صفاء ، ونقاء (وَلَا تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَخْطَارُ ))


1) أنظر ، كتابه «التَّفْسِير الكاشف ما جاء في الآية (4) من سُورَة ق ، وفي كتابه «فَلْسَفَة التَّوْحِيد والْوِلَايَة» » ( منه قدّس سرّه ) . والخُطْبَةُ (83)، الجزء الأول، فِقْرَة : «ضَنُكِ الْمُضْجَعِ، وَوَحْشَةِ المرجع». وشرح أصول الكافي : مِنْهُ 119/2 و: 538/12 . بحار الأنوار: 95/108 ، تفسير الميزان: 185/5 .

2) الْشُّورى :7

عَطف تَفْسِير عَلى وَلَا تَنُوبُهُمُ الْأَفْزَاعُ (وَ لَا تُشْخِصُهُمُ الْأَسْفَارُ ولماذا السفر وأَتعابه ؟ وهُم فيا تَشْتَهي الأَنْفُس ، وتَلذُ الْأَعْيُن .)### لِلمِنْبَر - حَوْلَ أَهْل المَعْصِيَة :بعد أنْ أَشَارَ الْإِمَامِ إِلَى نَعِيمِ المُطِيعِينَ أَشار إلى جَحِيمِ العَاصِينَ بقَوْله : (وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ جَهَنَّمَ ، وَبِئْسَ الْقَرَار (وَ غَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ ، وَ قَرَنَ النَّوَاصِي بِالْأَقْدَامِ ، وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ ، وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ ، فِي عَذَابٍ قَدِ أَشْتَدَّ حَرُّهُ ، وَ بَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ ... ) الأَغْلال في الْأَيْدِي ، والأَرْجُل، والأَعْنَاقِ مَع مَقامع من حديد، وَظِلٌ مِّن يَحْمُومِ واللِّبَاسِ، مِّن نَارٍ ، وَقَطِرَانٍ، والطَّعَام مِّن زَقُومٍ ، وسَمُوم ،والشِّرَابُ مِنْ حَمِيمٍ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ، والعَسْلُ بِمَاءٍ يَشْوِي الْوُجُوهَ، والجُلُود ، ولماذا كل هذا ؟ فأين الرَّأْفَة ، والرَّحْمة ، والجود والْإِحْسَان ؟ ومَا كَانَ الله لينهى عن القسوة ، ثم يفعلها .)### الجَوَاب :إنْ هَذِه الشِّدَّة ، والقَسْوَة فِي العَذَاب هى للدِّين يُعاملون عِبَادَة وعِيَاله بكل قَسْوَة وَشِدَة ، وَلا يأخذهم حَقَّ ، وَلَا عَدل: (وَجَزَزُ ا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلَهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (1). (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (2). وبأي شيء يُعامل سُبْحَانَهُ مَن يَسوق الأبرياء ، والمجاهدين ، يسوقهم)


1) الشورى: 40 .

2) الزَّلْزَلَةِ : 8

مكبلين بالأغلال إلى المشانق ، لا لشيء إلا لأنّهم يُريدُون صِيانة الحُرِّيَّة، وضمان الحقوق الّتي فَرضها الله لكلِّ النَّاس بلا تمييز بين اللون ، والجنس ، والسَّلالة، والْعَقِيدَة ؟ وهَل مِن عَدل الله ورحمته أنْ يَقُول : أَحْسَنت ، وسَلمت يداك لمن أَلق ألوف الأطنان من المتفجرات على المدن ، والقُرى ، وقَتَل وشَرَّد الملايين ، وأَهْلَك بأسلحته الكيماوية ، وغيرها الحَرْتَ ، والنَّسْل ، وأَفنى بضَربَة وَاحِدَة مَدِينَة كُبرى بمن فيها ، وما فيها ؟وقرأتُ فيها قرأت نَوْعاً من العَذَابِ يَفُوق التّصور : يَصب الجاني على المجني عَلَيْهِ الزفت ، والقار . ويَغرس به ريش الدجاج. ويُربط حبلاً في عُنقه يجره في الشوارع، ثُمَّ يُعلقه على المشنقة ... فأينَ مِن هَذَا شَرِيعَة الغَاب ؟ ولو كَان مِن وَرَاءِ جَهنَّم عَذاب أقسى ، وأَشد لكان قليلاً بِحَق هَؤُلاء الطغاة القُسَاة.(قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَفَرَهَا ، وَأَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَّنَهَا ، وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً، وَبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ أَحْتِقَاراً ، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ ، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً ، أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً . في حَقَرَ ضمير مستتر يعود إلى النبي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ... أنّ الدُّنْيَا التي يبكي لها الباكون ، ويتنافس عَلَى حَرامها المتنافسون هِى أحقر عِند الله من جَنَاحَ بَعُوضَة ، ولدًا زَوَاهَا سُبْحَانَهُ عَن نَبِيَّه الْكَرِيمِ، وأعرض النّبِيِّ عَنْهَا إِلَّا ما سَدَّ خِلة مُحتاج ، وأغَاتَ لهفة ملهوف ، أو كَانَ وسيلة لصالح عام ، وفي خُطْبَةٍ ثَانِيَة وصَف الإِمَام رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بقَوْله : «وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِي الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا : إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ ، وَ زُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمٍ زُلْفَتِهِ . فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ : أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ فَإِنْ قَالَ : أَهَانَهُ ، فَقَدْ كَذَبَ - وَاللَّهِ الْعَظِيمِ - بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ، وَإِنْ قَالَ:)

أَكْرَمَهُ ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ ، وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ منه »(1.)وفِي كُتب السِّيرَة النَّبَوِيَّة : كَان رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في طعامه لا يَرد موجوداً، وَلاَ يتكلف مَفْقُوداً ، وإذا لم يجد الطَّعامِ صَبَرَ ، وكان يَمرُّ عَلَيْهِ الشَّهر لا يجد مَا يَخبزهُ، ويَمرُّ عليه شهران لا يُوقد فِي بَيْتِه نَاراً - أي لا يَطبخ - ومَع هَذَا كَان يستعيذ بالله من الْفَقْر ، وفي قَبْضَته ثروة الجزيرة العَرَبِيَّة ، ولَكِنَّهُ يَنفق عَلَى الْعْتَاجِين كُلَّ مَا يَصل إِلَى يده إيماناً منه بأنّ على الْحَاكِم أنْ لا يشبع ، وفي رعيته جائع واحد»(2).)بهذه المناسبة أَشير إلى أنّ سِيرَة المَعْصُومِين ، وأَقْوَالهم تدل بصراحة، ووضوح أنّ على القائد العام دِينِياً كَانَ أَم زَمنِياً تماماً أنْ يَعِيش أفقر النَّاس في مُجتمعه، وفي ذَلِكَ يَقُول الإمام أمير المؤمِنِينَ(علیه السلام : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَيْمَةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلاً يَتَبَيَّعَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ »(3). وكَلِمَة «فَرَضَ» نَصّ في الوجوب والْإِلزام ، لا تقبل التَّأويل، والاجتهاد إطلاقاً ... وبخاصة فِي هَذَا السياق، ولكن الفُقَهَاء مِن السُّنَّة والشيعة - إلا القليل - تجاهلوا هَذَا الفَرض حرصاً على الحياة الدُّنْيَا ... أمّا مظهر الإمام الحسَن(علیه السلام) فَهُوَ قَضِيَّة في واقعة ، لَهَا)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَة (160 ) .

2) أنظر المَبسُوط للطُّوسِي : 196/2، المبسُوط للسرخسي: 64/21. تذكرة الْفُقَهَاء: 11/2، تلخيص الحبير: 2/10 ، المُهَذَب : 43/2، السنن الكبرى : 36/6 ، شرح الأَزْهَار : 395/3 مُنْتَهى المطلب : 624/2 ، البداية والنهاية : 58/6 ، تهذيب الأحكام 198/4 ، كنز العمال: 268/9، وسائل الشيعة : 105/7 ، مُسند أحمد: 199/1 ، صفوة الصفوة : 199/1 ، تاريخ بغداد : 374/3 - 1504، مجمع الزوائد : ح مُجْمَعِ 164/4 ، ميزان الإِعْتِدَال : 257/1 .

3) أنظر ، نَهْجِ الْبَلاغَةُ : مِن كَلَامِ لَه(علیه السلام) بِالْبَصْرَةِ تَحتَ رَقم (209) .

أَسْبَابها الخاصة(1... على أنه كان في واقع حياته أَزهد النَّاسِ فِي الدُّنْيَا ، وَزِينَتَهَا ، وأَسْخَاهم بذلاً، وعطاءً (2).) (بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً ) . أَقَامَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) الحُجّة لله على خَلَقَه بِما بَلَّغ ، وأَرْشَد ، ومَا ترك عُذراً لمقصرٍ ، ومُهمل (وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً ) من خَالِف بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (وَ دَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً) بِها مِن سَمع ، وأَطاع وَ خَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّراً ، بقَوْله : «وأهلُ بيتي أُذكركم الله في أهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي ، أُذكركم الله في أهل بيتي »(3).

(نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ ودَليلنا سَمت الهُدَى ، ولِبَاس التَّقْوَىٰ وَ مَحَطّ الرَّسَالَةِ ) بسيد الْمُرْسَلِين ، وخاتم النَّبِيِّين ( وَ مُخْتَلَفُ الْمَلاَئِكَةِ ) محل نزولهم بِالوَحي (وَ مَعَادِنُ)


1) أنظر ، كشف الغمة : 558/1 ، ذَخَائِر العُقى: 137 ، الحَاسِن للبيهق : 56 ، تأريخ بغداد : 34/6 ، الصَّوَاعِقِ الْمُخْرِقَة : 83 ، المناقب لابن شهر آشوب: 182/3 ، البحار 15/341/43 و 20/347. يَنابيع المودة : 211/2 ط أسوة .

2) أنظر ذَخَائِرِ الْعُقْى : 137 ، المستدرك : 169/3 ، تهذيب التهذيب : 298/2 تاريخ الخلفاء : 73، سنن البيهق : 331/4، حلية الأَوْلِيَاء : 37/2 قرب الإسناد : 79، علل الشرائع : 6/447، البحار : 3/3/3، نور الْأَبْصَار : 240 ، أَنْسَابِ الأَشْرَاف : 9/3

3) أنظر ، صَحِيح مُسلم : 2/ 109 طَبْعَة 1348ه- . (مِنْهُ قدّس سرّه) . وصَحِيح مُسلم : 1873/4 ح 2408 ، و : /4 فَضَائِل علي ح 36 و 37 ، سُنن الدارمي : 890/2 ح 3198، فرائد السمطين: 234/2، الدر :المنثور: 249/7 السُّنن الْكَبْرَى: 194/10 ح 20335 ، مُسند أحمد بن حنبل : 17/3 و 181/5 ، و 371 و 7 / 75 ح 19285، تهذيب تأريخ دمشق : 439/5 ، وسُنن الترمذي : 5 / باب 32 وخَصَائِص النساني : 50. وذَخَائِرِ الْعُقْبَى للمحبّ الطَّبَرِيّ : 16، وتذكرة الخواص: الباب 12، وأسد الغابة : 12/2 ، وتاريخ اليعقوبي : 102/2 . والمُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 109/30، الصَّوَاعِقِ المُشرقة : 25 المطبعة الميمنية بمضر، وص: 41 المطبعة المُحَمَّدية بمضر ، وتجمع الزوائد : 164/9 ، وتاريخ دمشق لابن عساكر: 45/22 - 545، وكنز العمال : 1/ 168 959 الطبعة الأُولَى، وينابيع المودة : 37 طبع إسلامبول .. إلخ).

الْعِلْمِ عَن النَّبِيِّ عن جِبْرِيلَ عن الله (وَ يَنَابِيعُ الْحُكْمِ وَهَذَا نَهْجِ الْبَلاغَة قطرة مِن تِلْكَ الصَّنَابِيع ( نَاصِرُنَا ، وَمُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ ) من الله بِشَهَادَةِ الرَّسُول الأَعْظَم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : يَا عَلِيُّ، لَا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ » (1)فكَيْفَ إِذَا أَحبَّك ، وناصرك ؟ (ق عَدُونَا ، وَ مُبْغِضُنَا يَنتَظِرُ السَّطْوَةَ) من الله ... أَيضاً بشهادة النَّبِي(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ » (2)فَكَيْفَ إِذَا عَادَاك، وأبغضَك . وَقَالَ الْإِمَام : «لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هَذَا عَلَىٰ أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي ؛ وَلَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا عَلَى الْمُنَافِقِ عَلَى أَنَّ يُحبَّنِي مَا أَحَبَّنِي. وَذَلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَأَنْقَضَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): أَنَّهُ قَالَ: «يَا عَلِيُّ ، لَا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ »(3). والسِّر أنّ عَداوة الْبَاطِل للحَقِّ ذاتية ، وما بالذات لا يتغير إذا كان التَّغير ذاتاً للشَّيء وطَبيعةٌ ، وَلا يَنطبق عَلى هَذَا ما لَيْسَ بمادة ، وطبيعة)


1) تَقَدَّم استخراج ذَلِكَ .

2) أنظر كنز العمال: 598/11 ج 32878 و 33028 و : 178/13 178/13 - 3629 ، الصَّوا 3629 ، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 122. كفاية الطالب : 68. شرح الأخبار: 152/1 ،89 سنن ابن مساجه : 42/1 - 114 . أسد الغابة : ح 602/3 طَبْعَة بيروت المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 57/12 ، سُنن التّرمذي : 306/5 ح 3819 ، تجمع الزوائد : 1339 ، فتح الباري : 60/12 ، تُحْفَة الأَحْوَذي: 164/10 ، السُّنَنِ الْكُبْرَى : 137/5 137/5 و : 534/6 ح 11749 ، الرِّياض النضرة : 0214/2 خَصَائِص النسائي : 105، مسند أبي يعلى: 1 / 215 ، المعجم الأوسط : 337/2 و 87/5 ، مُشنَد :أحمد : 292/6 ح 26550 ، سنن النسائي: ، : ،116/8 تاريخ دمشق : 190/2، الغارات : 520/2 ، مُسْنَد الحميدي: 31/1 58 طبعة المدينة المنورة، مناقب أمير المُؤْمِنِينَ للكوفي : 469/2 963، كشف كشف الخفاء: 382/2 382/2 ح 3181، شواهد التنزيل : 477/1 - 509 ، الفردوس بمأثور الخطاب : 319/5 ح 8313 ، سير أعلام النبلاء : 437/12، تهذيب الكمال : 232/15 تاریخ بغداد : 29/2 ، تهذيب الأسماء : 88/1، فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ لأَحمد بن 215/1 حنبل : 619/22 ح 1059 و 1169 .

3) أنظر ، نهج البلاغة : الحكمة (45) .

### اللهُ الْمُؤلّف، وعَليَّ المُخْرِج:والخلاصة : إِنَّ هَذِهِ الخُطْبَةُ أَشبه بِمَسْرَحِية ترسم حَيَاةِ الإِنْسَان ، ومَا يُلاقِيهِ فِي دُنْيَاء مِن حَيْرَة ، ومَتاعِب ، ويحل به، وبأَهْله عِند حِضُور ،المَوْت وبَعْدَه ، تَرسم هَذِه الخطْبَةُ الإِنْسَان ، وتصوره في جميع مراحله رسماً رائعاً من كلِّ وَجه حَتَّى كأنّ الإمام هُو ذَلِكَ الإِنْسَان الذي ذاق سَكرَات الموت ، وحمل على الأَعْوَاد ، وتَوسَد في القبر ، وخرج منهُ لِلْحِسَابِ ، ورأى من الجَنَّة ، والنَّار ما رأى ، ثُم عاد إلى الدُّنْيَا ليُخبر أَهْلها بما حدث معه بالذات ... شعرتُ بهذا، وأنا أشرح كلمات الخُطْبَةُ، وتصورتها مَسْرَحِية تغزو المجهول، وتُجسده للعيان في حقائقه ، ووقَائِعه ، وقلتُ فِي نفسي : لا عجب فالمؤلّف خَالق الإِنْسَان ، والمخرج أكمل أفراده بعد سيّد الكونين . كَتبتُ هَذِه الكَلِمَات في ربيع سَنَة (1972م ، وأنا على حافة جدول في بلدة «شتورا» وفِي غَابة من الحور يُحيط بي نَبات الرَّبيع من كل جانب ، منه الطويل ، ومنه القَصِير والمتوسط، ولبعضه أزاهير تجذب إلَيْهَا النَّحْل ، والفَرَاشات والعصافير تضرب بأَجْنِحَتِهَا من شجرة إلى شجرة، ومن غُصنٍ إِلى غُصن ، وَهِي تُغني أُغنية الربيع وبهجته ، فأَنْسَانِي هَذَا الجو السَّاحر ما قاسيت، وأُقاسِيه من العواصف ، والقواصف، وأنصرفتُ بكياني كله إلى كلمات الإمام أُفكر في معناها ، وأُطيل التفكير ... وقد تمثل أمام عيني المؤت، والقبر ، والحَشْرِ ، والحِسَاب والجزاء ، وبلا شُعور رَأيتني أصرخ ، وأبكي، وألوم نفسي على التَّقْصِير ، وأُصب عَلَيْهَا غَيظي، وغضبي... فرحماك أللَّهُمَّ ، وعفوك عمن يشتغل عنك بغيرك .)

## الخطبة-110-### فَرَائِضُ الْإِسْلَام... فِقْرَة :إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْإِيمَانُ بِهِ ، وَ بِرَسُولِهِ ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الْإِسْلَامِ ، وَكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ، وَ إِقَامُ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ ، وَ حَجُّ الْبَيْتِ ، وَ اعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ ، وَ يَرْحَضَانِ الذَّنْبَ ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَتْرَاةٌ فِي الْمَالِ ، وَ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ ، وَ صَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ .### اللُّغة :الذُّرْوَةُ - بكسر الذال - العلو . والمِلَّة - بكسر الميم - الطَّريقة ، والشَّرِيعَة ، والدّين، وبفتحها الجمر، وبضمها خياطة الثّوب والجنَّة - بضم الجيم - الوقَايَة .وَيَرْحَضَانِ : يَغْسِلَان. والمَثْرَاة وَالمَنْسَأَة : التَّأخير . والمراد بالصَّنَائِع هُنا الأَعْمال.

### الإعراب:الإِيمَانُ خَبَر إِنَّ ، ومَا بَعْدَه عَطف عَلَيْهِ بالواو ، والجمل المقرونة بالفاء معترضة، والقصد التعليل.### الْمَعْنى:(إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ كُلِّ مَا تَتَقَرب بِهِ إِلَى الغَير يُسمى توسلاً، ووسيلةً ، وأَشار الإِمَام فِي هَذِهِ الْخُطْبَةُ إِلى أَفضل الوَسَائِل لمرضاة الله ، وثوابه ، وَهِي :)1 - (الْإِيمَانُ بِهِ وهو أَصل الأصول كلّها ، والإِيمَانُ النَّظري مُجرد إعتقاد، أمّا الإِيمَانُ الواقعِي فَهُوَ الإعتقاد مع الْعَمَل ، وإِلّا يَكُون الْإِيمَانُ شَجرة بلا ثمرة ، قَالَ الإمام: «فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ، وَ بِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ ، وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ ، وَبِالْمَوْتِ تُختم الدُّنْيَا ، وَبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الآخِرَةُ ، وَبِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الجَنَّةُ ، وَتُبَرَّزُ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ، وَإِنَّ الْخَلْقَ لَا مَقْصَرَ هُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى )(1)، وفي الحَدِيث: «الإيمان (2)إِقْرَارُ بِالنِّسَانِ ، وعَقْدٌ فِي الْقَلْبِ ، وعَمِلٌ فِي الْأَرْكَانِ ».)2 - (وَ بِرَسُولِهِ ، والإِيمان محمد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) إيمان بالإِنْسَانِية ، وقيمها ، قَالَ تَعَالَى : بِمُحَمّد)


1) أنظر ، نَهْجِ الْبَلاغَةُ : من كلام له (علیه السلام) لأهْل الْبَصْرَة رقم (156).

2) أنظر ، أمالي الصدوق : 340 ، كنز العمال : 274/1 - 1362 ، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 240/3 ح 3095 ، الكافي: 45/2 ح 1 ، الخصال: 179، صحيح ابن حبان : 442/1.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (1). وَقَالَ فِي تحديد رِسَالَة مُحَمّد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : ﴿ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ وَ أُولَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (2). وَقَالَ الرَّسُول الأَعْظَم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «إنّما بُعَثْتُ لاُتمم مَكَارِم الأخلاق »(3).)3 - (وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الْإِسْلام وكَلِمَة الذَّرْوَة تُشير إلى أنه لَوْلاً الجهاد ما أرتفع لِلإِسْلَام رَايَة، وَلا كَان له عين، وأثر ، بل الإِسْلام في جوهره جِهَاد من أجل الحريَّة، وثورة على الفوارق والعبودية ، وعلى الاستغلال ، والمراياة ... قضى رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)في مَكَّة يدعو إلى سبيل الله بالحكمة ، والمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ثَلاث عشرَة سَنَة ، فتألبت عَلَيْهِ قوى السَّلب والنهب ، فقضى عَلَيْها بالمؤاخاة ، والجهاد، ولما تَفرَق الْمُسْلِمُون أَيْدِي سَبَأ ، وتركوا الجهاد عادت قوى السلب تسرح ، وتمرح ، وضَعُف الإسْلام تبعاً لتخاذل أهله ، وأَتْبَاعه ، ولَم يبق منه إلا الاسم، وشعارات تُرفع من المآذن، والمنابر ، ومُؤتمرات تُعقد هُنا وهُناك تُسطر الكلام ، وتنشره في الصحف، ثم يلفظ مع القمامة . ومن أَقْوَال الإِمَام : «فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ ، وَسَمِلَهُ الْبَلاءُ ، وَدُيثَ بِالصَّغَارِ ، وَالْقَمَاءَةِ ، وَضُرِبَ)


1) الأَنْبِيَاء : 107 .

2) الْأَعْرَافِ : 157 .

3) أنظر ، بداية المجتهد : 321/2 ، السنن الكبرى: 192/10 ، تُحْفَة الأَحْوَذي : 470/5، نظم درر السمطين : 43 ، كنز العمال: 420/11 ح 31969 ، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 209/5، كشف الخفاء: 211/1 - 638 ، مَكَارِم الأخلاق للطبرسي : 08 مَكَارِم الأخلاق لابن أبي الدُّنْيَا : 6. مُسند الشهاب : 192/12 ج 1164 ، تكملة حاشية رد المحتار: 234/1

عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الحِهَادِ، وَسِيمَ الخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَف »(1.)4-(وَكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةٌ . وهَذِه الكَلِمَة هِي دَعْوَة الأَنْبِيَاء جَمِيعاً مِن غَيْر أستثناء : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (2). ولَيْسَ الْمُرَاد بِكَلِمَة الإخلاص النُّطق بلا إله إلا الله ، وإنما المراد ما تمليه من التَّعبد له ، والتّوكل عَلَيْهِ ،وحده ، لا على المال، والجاه ، وَلاَ على الأحساب والأنساب ، أو الفهم ، والعِلْم ، فإنّ هَذه ، وغَيْرها لَيْسَت بآلهة تُعبد، وَلا بشَيء يُذكر.)أمَّا كَلِمَة الْفِطْرَةُ فَهِيَ إِشَارَة إلى أنّ الإِنْسَان بفطرته ، وطبيعته يستجيب لعَقِيدَة التَّوْحِيد ، وَلَا يرفضها ، بل يستجيب لكل مبدأ من مبادىء الإِسْلام، وكلٌّ قيمة من قيمه ، وأي عاقل يرفض العِلْم ، ومنافعه ، والسلم ، وفوائده ، ويُرحب بالإستغلال، والجبروت، والتفرقة بَيْنَ النَّاس ؟ وتَقَدَّم الكلام عن الفِطْرَةِ مفصلاً (3.)(وَ إِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ لأنّ عَقِيدَة الإِسْلَام تَقوم عَلى الشَّهادَةَ الله بالوحدانية ، ومُحَمّدٍ بِالرِّسَالَة ، والصَّلاة مَظهر للشَّهَادَتِين مَعاً : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)(4)... وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الخُطْبَة (27).

2) الأنبياء : 25 .

3) أنظر ، شرح الْخُطْبَةُ : رَقم «1» . (مِنْهُ قدّس سرّه) .

4) الْفَاتِحَةِ : 5 .

وَرَسُولُهُ » . وكلام أهل البيت(علیهم السلام يُومىء إلى أنّ مِن ثَمرات الصَّلاةَ ، وَحِكمتها أنْ لاَ ينقطع المُسْلِمِ عَن نَبِيَّهِ فِي صَباحٍ ، وَمَسَاء .)6 - (وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ . مَا دَام في المجتمع غني ، وفَقِير فَالزَّكَاة ضَرِيبَة يفرضها التَّعاون ، والضَّمان الاجتماعِي ، ولكن البعض تحذلق ، وَقَالَ : إنّ فَرِيضَة الزَّكَاة مَعناها الاعتراف بالفَقْر ، وإنه حتم لا بُدّ مِنْهُ ، وكان الأجدر بالإِسْلام أن يقتلعه من الجذور، ويُوجد مُجتمعاً لا فقر فيه على الإطلاق. ونجيب أَولاً : بأن تغيير الأوضاع وتحو الْفَقْر من الأساس لا يكون بجرة قلم. ودُونَ أنْ يَمر بالعديد من المراحل ، وإِذَنْ فَلا بُدّ أنْ تخضع للواقع ، وتُداوي الحَاضِر بالْحَاضِر حَتَّى تسمح الظروف، وماذا نصنع بالمرضى ، والجائعين في مجتمع يسوده فسَاد الأَوْضَاع ؟ هل تنتظر حَتَّى تصلح الأمور، أو نَشرع قانوناً يَضمن الحَيَاةِ إِلى أنْ تَتبدل الأحول بالجد والاجتهاد ؟)ثَانِيَاً : أَنّ مَصرف الزَّكَاة لا ينحصر بِالْفُقَرَاء ، بل يتعداهم إلى مشروعات الخير ، ومَا فِيهِ ِللنَّاس صَلاح كما هو المفهوم من كَلِمَة سَبِيلِ اللَّهِ » في آيَة الزَّكَاة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(1).)7 - (وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ . قد يرى البعض أن الصّوم لَيْسَ إلَّا عَملاً سلبياً !... أجل ، ولكن في هَذَا السَّلب حكمة، وإيجاب، وهو انتصار الإنسان على نَفْسِه، وتمرينه على كبح الشهوات ، والأَهْوَاء، ولو أطلق)


1) التَّوْبَة : 60. (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

الإِنْسَان العِنان لأهوائه لكَانَتْ الحياة نَاراً ، وجَحِيماً .(وَ حَجُّ الْبَيْتِ ، وَ أَعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ ، وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ ، تَكَلَّم كَثِيرون عن منافع الحج، وحكمته، ووضع البعض فيها رِسَالَة خَاصَّة ، وأَكثر ما قِيل كَلام مكرور ، ومُعاد لفظاً ، ومحتوى ، وعلى أية حال نعطف على أَقوالِهِم هَذَا الخاطر الذي لاحَ لنا الآن : إن للحج فوائد مِنْهَا أَنّه يَقُول لأعْدَاء الْإِسْلاَم لا تَحسبوا أن شمسه قَد غَربت ، وأضواء، قَد خَبت ، فها هُم المُسْلِمُون يُعلنون عن وجود الإِسْلاَم بالهرولة في المسعى، وتبديل الملابس بالأكفان ، أو ما يشبهها ، وبالطَّواف بالأَقْدَام ، والتّجاذب حول الحجر الأسود ، والنَّشيد ، والهتاف بالأفواه «لَبَّيْكَ أَللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ » (1).)ولكن هل تُغيظ الْعَدُوِّ بِهَذِه المظاهرة، وهو يحتل من أرضنا ما أَحبٌ ، وأَراد ، ويُشعل النيران في المَسْجِدِ الأقصى، ويُحرّف كتاب الله عن معناه ، وعَلى هَواه ، ويقتل الفلسطينين بيد الرَّجعية ، والخيانة ، ويذلّ كلّ عَربي، ومُسْلِمٍ في شرق الأرض ، وغَرْبِهَا ؟. وأيضاً هل نُغيظ العدو بالمؤتمرات «الإسلامية ، والأَدَبِيَّة والشِّعْرِيَة وبالإجتماعات الْكُبْرَى على مستوى الملوك ، والرُّؤساء ، أو وزراء الخارجيّة ، وبالخطب، والقصائد ؟ ... حجوا أيها المُسْلِمُون، وصلوا وصوموا فإنّ الله لا يتقبل مِنْكُم ، ولنْ يَتقبل مَا دُمتم أذلاء صَاغِرِين أَمامٍ عَدُوّه ، وعَدُوّكم.9- (وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثرَاةٌ فِي الْمَالِ ، وَ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ . قَد يَكُون مُراد)


1) أنظر ، على سبيل المثال : التَّذكرة : 249/7 ، الخلاف : 293/2، کتاب الأُمّ: 155/2، ترتيب مُسْنَد الشافعي : 304/1 ، المغني: 238/3 ، المبسُوط للسرخسي : 25/4 ، صَحِيح مُسْلِم : 915/2، معالم السنن للخطابي : 301/2

الإِمَام (علیه السلام الزِّيَادَة في المال، والعُمُر من حيث الكم أي إنّ صِلَة الرَّحِم تُزيد فِي أَيَّام الْعُمُر ، وعدّ النّقود حَقِيقَةٌ ، وواقعاً ، ولَيْسَ هَذَا بمستَحِيل فِي حُكم العَقْل ، وقد تَكُون الزِّيَادَة من حيث الكيف أي إنّ صِلَة الرَّحِم تجعل الدرهم الواحد أَكْثَر نَفعاً وبركةً من مئة درهم ، والْيَوْمِ الوَاحد من الْعُمُر - يعمل فِيهِ الْمَرْءِ عَملاً صالحاً - خَيراً من أَلف يَوْمٍ يَذهب سُدى.)10 - (وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ لأَنَّ حَسَنَاتِها تَتغلب على سَيِّئَاتِ العديد من الخطايا والذنوب (وَصَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ ) كَمَن يَنهار عَلَيْهِ نَفْق فيموت خَنقاً ، أو تلتهب فِيهِ النيران فيهلك حرقاً ، أو يَغرق فتأكلهُ الأَسْماك ، ونحو ذَلِكَ ... وَلا يَصحَ التَّأويل هنا ، والاجتهاد لأنّ اللفظ لا يحمل إلا معناه.)11-(وَ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ . وهَذَا مثل صَدَقَهُ الْعَلانِيَةِ تَدفع مِينَة السُّوء ، ولَكِنَّهُ من باب عَطف العام على الخاص ؛ لأنَّ المَعْرُوف أَعم مِن صَدَقَةُ الْعَلَانِيَة ، ونَظِيرَه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَانُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )(1))### ذِكْرُ الله وألْقُرْآن.... فقْرَة 2 :أفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ ، وَ أَرْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ. وَ أَقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ ، وَأَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا


1) آلِ عِمْرَانَ: 84 .

أَهْدَى السُّنَنِ .وَ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ ، وَ تَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ ، وَأَحْسِنُوا تِلَاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ . وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ ، بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ ، وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ ، وَهُوَ عِنْدَ اللهِ الْوَم .### اللُّغة :أفِيضُوا أَكْثِرُوا . وَاسْتَنُّوا : أعْمَلُوا.### الإِعْرَاب:كَالْجَاهِلِ خَبَر إِنَّ ، والْحُجَّةُ أَعْظَمُ مُبْتَدَأَ ، وخَبَر . وعَلَيْهِ مُتَعَلِّق بِأَعْظَم ، ومِثْله مَا بعده .### الْمَعْنى:(أفيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ تَوَسَّلُوا إِلَيْهِ تَعَالَى بِالإِقبال عَلَيْهِ ، والتَّضَرُع لهُ ، وَلاَ وَزن للذكر إلَّا إذا تُرجم عن القلب وما فيه من يَقين وإخلاص، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ، وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئكَ هُوَ يَبُورُ) (1). قَالَ تَعَالَى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ)


1) فاطر: 10 .

إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . (وَ ارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ ) . كلّ من آمن بالله فَهُوَ مُؤمِن أَيضاً بأنّ وعدَه تَعَالَى حَقٌّ ، وصِدقُ ، وإلا كان من الجاحدين، وغَرضِ الإِمَام(علیه السلام) أَنْ يَكُون المُؤْمِن أعمق إحساساً ، وَأَكْثَرُ عَملاً (وَ اقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ . وَ اسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ ) إِنَّ سِيرَة النَّبِيِّ وهَديه حُجّة الله على خَلقه، أمّا كُتب الأخلاق ، والقَوَانِين ، وأسفار العلوم ، والفَلْسَفَة ، وإجماع العُلَماء ، وسِيرَة العُقلاء فما هي بشَيء إلا ما وافق مِنْهَا كتاب الله ، وسُنَّة نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ، وهَذَا مُراد الإمام من قَوْله أَفْضَلُ الهَدْيِ» أي خُذوا بما قَالَ النَّبِيِّ ، وفَعَل ، لا بِمَا قَالَ النَّاسِ ، وَفَعَلُوا .)(وَ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ ، وَ تَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ ، وَ اسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ ، وَأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ . «تَعَلَّمُوا، وَتَفَقَّهُوا ، وَاسْتَشْفُوا وَأَحْسِنُوا» كَلمات تصر، وتُؤكد على العِلْم والْعَمَل بالْقُرْآن ، وعَلَى الْمَعَانِي لا عَلى الأَلفاظ ، وعَلى التَّدْبِيرِ لا عَلَى التَّعْنِي ، وعَلَى فَهم الحَلال ، والحَرَام، وتمييز الْحَقِّ من الباطل ، والخوف من تهديد الله ، ووعيده ... إنّ اللّه سُبْحَانَهُ مَا أَنزل الْقُرْآن لنكون أوعية له، أو لنطبعه ، وتُجلده ، بَل لنُصغى إلى دعوته ، ونَسير على نهجه.)(وَ إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لاَ يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ ، بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ ، وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ ، وَهُوَ عِنْدَ اللهِ أَلْوَمُ إِنَّ مَسْئُولية الْعَالِمَ غَيْر مَسْئُولية الجَاهِل ، لأنّ الْعَالِمَ إِذَا فَعل يفعل عن قصد ، وعمدٍ ، أَمَا الْجَاهِل فاسمه يَدل)

عَلَيْهِ ، بَل إنّ وزر الجَاهِل على العالم إذا أهمل إرشاده، أو أرشده إلى غير الحق... لأن مَسْئُولية القَائِد أعظم من مَسْئُولية المقود ، ولأنّ القائد مُخيّر ، والمقود أشبه بالمُسيّر.وفي الحَدِيث الشَّرِيف: «أنّ أَهْل النَّار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه »(1.)وَقَالَ الْإِمَام الباقر(علیه السلام في تَفْسِير قَوْله تَعَالَى:( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ)(2). قَالَ : «هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ، ثم خالفوه إلى غَيْره»(3)، وَقَالَ الْإِمَام . الصَّادق(علیه السلام) : «مَن عَرَفَ دَلتهُ الْمَعْرِفَة على الْعَمَل ، ومَن لَم يَعمَل فلاَ مَعْرفة له ، ألا إنّ الْإِيمَان بَعضَه مِن بَعْض »(4).)


1) انظر ، إرشاد الأَذْهَان للعلامة الحلي: 15/1، الكافي : 44/1 ح 1، عدة الداعي لابن فهد عوالي التالي : 76/4 ح ،62 مُنية المريد : 146، المعالم لابن الشهيد : 18 .

2) الشُّعَرَاء : 94 .

3) انظر ح : ، الْحَاسِن للبرقي: 121/1 ، الكافي: 47/1 4 ، وسائل الشّيعة : 296/15 4 ، كتاب الزُّهْد لحسين بن سعيد الأهوازي الكوفي: 68 ح 181 .

4) أنظر الكافي : 44/1 - 2 . أمالي الصدوق : 508 ، الحَاسِن : 198 ح 25 ، تُحف الْعُقُول : 294 .

## الخطبة-111-### غَرَّارَةٌ صَرَّارَةٌ فِقْرَة 1 - 3:أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا ، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ ، حُفّتْ بِالشَّهَوَاتِ ، وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ ، وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ ، وَ تَحَلَّتْ بِالْآمَالِ ، وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ لَا تَدُومُ حَبْرَتُهَا ، وَلاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا . غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ ، نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ ، أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ . لَا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّة أَهْلِ الرَّغْبَة فِيهَا ، وَ الرّضَاءِ بِهَا - أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ : وَ أَضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ به ی نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا (1لَمْ يَكُن أَمْرُو مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلَّا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً ، وَلَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِهَا بَطْناً ، إِلَّا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً ، وَ لَمْ تَطْلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ ، إِلَّا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةٌ بَلاء ! وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنتَصِرَةٌ أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكَّرَةٌ ، وَإِنْ جَانِبُ مِنْهَا أَعْدَوْذَبَ، وَاَحْلَوْلَى ، أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى ! لَا يَنَالُ امْرُؤْ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً ، إِلَّا أَرْهَقَتْهُ مِنْ)


1) أَلْكَهْفِ : 45 .

نَوَائِبِهَا تَعَباً ! وَلَا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحٍ أَمْنٍ ، إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمٍ خَوْفٍ غَرَّارَةٌ ، غُرُورُ مَا فِيهَا ، فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا ، لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى .مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا أسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ ، وَزَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ كَمْ مِنْ وَايْقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ، وَ ذِي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ، وَ ذِي أَبْهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً ، وَذِي نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ دَلِيلاً ! سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ ، وَ عَيْشُهَا رَنِقٌ ، وَ عَذْبُهَا أُجَاجٌ ، وَحُلُوهَا صَبِرٌ ، وَغِذَاؤُهَا سِمَامٌ ، وَ أَسْبَابُهَا رِمَامٌ ! حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتِ ، وَصَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ ، وَ عَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ ، وَ مَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ ، وَ جَارُهَا مَحْرُوبٌ !### اللغة:حَبرتُها : سرورها. حَائِلَةٌ: مُتغيرة مِن حَالٍ إِلى حَال . نَافِدَةٌ : مَن نَفذ الشَّيء إذا أنتهى . وغَوَّالَةٌ : مُهلكَة . والهشيم، والمهشُوم : نبت يابس مُتكسر . والعبرة - بفتح العين - الدمعة ، والحزن ، وسالت عَبْرَته : دَمعت عينه - وبضم العين : العِظَة . وتَطْلَّهُ : من الطَّل ، مَطرُ خَفيف . ودِيمةً : مَطرَّ يَدوم بِلا رعد وبرق . وهَتَنَتْ : أنْصَبت. ومُزْنَةٌ : سُحَابة . وأَعْذَوْذَبَ : صَار عَذْباً . وأَوْلَى : صَار وبيئاً . والغَضَارَة : النَّعْمَة . ورَغَباً : مَرْغُوباً فِيهِ . وأَرْهَقَتْهُ : أَغْشَتْهُ، وَغْطَتْهُ. والقَوَادِمِ : رِيش فِي مُقَدَّم جناح الطَّائر . وأَزْوَاد : جمع زاد . ويُوبِقُهُ : يُهْلِكُهُ. وَفَجَعَتْهُ : أَفْقَدَته عَزِيزاً . والأبهة : العَظَمَة . ودُوَّلٌ : مَرّة لهذا ، وأخرى لذاك . والرَّنقُ : الْكَدَر . وأَجَاج : مَالح ، أو مِلْح . وصَبرٌ : مُرٌ . وسمام : جمع سُمّ. ورِمَام : جمع رِمَّة ، وَهِي قِطعة حبل بَالِيَّة . والمنكوب : المُصَاب . والمَحرُوب : مَسْلُوب المال .

### الْإِعْرَاب :غَرَّارَةٌ، وما بعدها أخبار المُبْتَدَاً مَحْذُوف أي هِي غَرَّارَةٌ ... إلخ . والمَصْدَر مِن أَنْ تكُونَ مجرور بِعَن مَحْذُوفَةٌ مُتَعَلَّقاً بتَعْدُو ، وَحَرِيٌّ خَبَر مُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي شأنها حَرِيٌّ ، والمَصْدَر مِن أنْ تُفْسِيَ مُجرور بالباء المَحْذُوفَة مُتَعَلِّقاً بِحَرِي، وتَعَباً منصوب ينزع الخافض أي غَطَتْه ، وغمرتهُ بالتَّعب ، أو مَفْعُول ثانٍ لاَرْهَقَتْ مَعْنَى كَلفته تَعَباً كثيراً ، وفَانٍ خَبَر مُقَدَّم ، ومَنْ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر ، وكُمْ خَبَرية وإِذَا جُر تمييزها من ومحلها الرفع بالابْتِدَاء ، وقَدْ فَجَعَتُهُ خَبَر .الْمَعْنى:( فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا ، أَي مِن حَرَامِها ، ولَنْ تَضُرِك أَبَداً دُنْيا أَخذتها بكد اليمين وعرق الجبين ، وأَدَّيْت شكرها كما أمرك الله سُبْحَانَهُ ، وَكَيْفَ تَسْتَطيع العيش فيها إلا بما يُصلحك مِنْهَا ؟ أَللَّهُمَّ إلا أن تمد يد الذل ، والسُّؤال (فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ) تَستهوي ضعاف الْعُقُول بِزُخْرُفِهَا ، وزِينَتُهَا (حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ ) ومِن نَظر إِلى الأَشْيَاء بعين الهَوَى والشَّهْوَة عُمى عن الحَقِيقَة (وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ ) كَلذَة الجنس ، والطَّعام، والشَّراب ، وَلا شك أنّ الْحَرَام - وإنْ طَاب - ضَرّه أَكْثَرَ من نَفعَه ، وعقابه أَكْثَر من لذته (وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ ) تحلو لأبْنَائِها بالزَّهِيد ، وبالمزيف تماماً كالطفل يلهو بالدمية الملونة ، ويزهو بالثّوب الجديد .)(وَ تَحَلَّتْ بِالْآمَالِ . الْعَاقِل لا يغتر بالظواهر ، وَلا يَركن إلى أمل ... ويحتاط للعواقب ، ويعد العدة للطواريء ، والمفاجآت (وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ ) كالحَرَام من الجنس ونَحوَه ، يَذهب طَعمه ، ويَبْقَی إِثمه (لا تَدُومُ حَبْرَتُهَا ، وَلاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا ))

سرورها قليل ، وحُزنها كثير ، وكَم فاجأت بالرّزَايَا ، والنَّوائِب (غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ ، نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ ، أَكَالَةٌ غَوَّالَةٌ ، لَا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرُّغْيَةِ فِيهَا ، وَ الرّضَاءِ بِهَا - أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ : ﴿وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا . كلّ هَذِه الأوصاف يَجمعها قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةً وَتَفَاخُرُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ, ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ )(1).)وَقَالَ مَن لا يُؤْمِن بِالْيَوْمِ الآخر : إِذَا كَانَتْ الدُّنْيَا فَانِيَة بَائِدة فعلى الإِنْسَان أَنْ يَغْتَتم الْفُرْصَة ، ويبذل قصارى الجهد للتمتع بها إلى أقصى حد ، لأَنَّهَا الجَنَّة الوحيدة.وَقَالَ الْإِمَام(علیه السلام لهذا الجاحد فيَما قَالَ : «إنْ يَكن الأمر كما تقول ، وليس كما تقول نجونا ، ونجوت ، وإنْ يَكن الأمر كما نَقُول ، وهو كما نَقُول نَجونا ، وهَلَكْتَ»(2). وَنَظم الشاعر هَذَا الْمَعْنى بقَوْله (3):)قَالَ المُنجم وَالطَّبيب كلاهما *** لا تُحشر الأجْسَامِ قُلت إِلَيْكُماإن صح قولكُما فَلَستُ بخاسرٍ *** أو صَح قولي فالخسار عَليْكُما


1) الحديد : 20.

2) أنظر ، الكافي: 2.78/1 الطرائف لابن إدريس : 479 ، توحيد الصدوق : 298 ، الاحتجاج : 75/2 ، والسائل هو عبد الكريم أبن أبي العوجاء.

3) يُنسب هذا الشعر إلى أبي العلاء المعري ، كما جاء في اللزوميات أو لزوم ما لا يلزم: 206 ، إحياء علوم الدين للغزالي: 52/4 .

وعُلَماء أُصول الفقه يُسمون هذا المنهج بدوران الْأَمْرِ بَيْنَ الإلزام بشَيء مُعين ، أو التّخيير بينه ، وبَيْنَ غَيْره ، ودفعاً للضّرر المحتمل يتعين الأَوَّل ، ومِثَال ذَلِكَ أنْ يَقُول لكَ الطَّبِيب : أشرب العصير ، ثم تشك : هَل أَراد عَصير البرتقال فقط ، أو خيرك بينه ، وبَيْنَ عصير الجزر ... ولَيْسَ من شك أنّ الْعَقل يُحتم عَلَيْكَ فِي مِثل هَذِهِ الحَال أنْ تَختار عَصير البرتقال وحده ، لأنّه المتيقن ، ومأمون الضَّرر على كلِّ حَال ، أمّا غَيْره فمشكُوك ، وأحتمال الضَّرر فِيهِ قَائم ، فَيجب تركه .(لَمْ يَكُنِ امْرُو مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلَّا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً، وَ لَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِهَا بَطْناً ، إِلَّا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً ، وَ لَمْ تَطْلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءِ ، إِلَّا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةٌ بَلاء ! وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً ، وَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا أَعْدَوْذَبَ ، وَأَحْلَوْلَى ، أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى لَا يَنَالُ اَمْرُةٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً ، إِلَّا أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً ! وَلَا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحٍ أَمْنٍ ، إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمٍ خَوْفٍ . هَذِهِ الجمل السَّبع تَتفق في المحتوى ، وتختلف في المبنى ... فَالحَبْرَة ، والغَضَارَة ، والرَّغَبَة ، والسَّرَّاء ، والرَّخاء ، والعذوبة ، والأمن ، والهناء كلّها من باب واحد ، وكَذَلِكَ التَّنكر والعبرة ، والضَّرَّاء ، والتَّعَبُ والبَلاء ، وكلّ نِعْمَة فيها مقرونة بضرب من الكَدَر ، وتَقَدَّم هَذَا المعنى أَكْثَر مِن مَرَّة.)(غَرَّارَةٌ، غُرُورٌ مَا فِيهَا إِلَّا إِذَا كَان وسيلة لحياة أفضل ، كمشاريع الخير والْعَمَل النَّافع ، أمَا الْعِلْم الذي يجعل مصير العالم في أكف العفاريت والأبالِسَة فَهُوَ إثْمٌ ، وشَرُّ (فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا ، وإِذَنْ فَعَلام الصّرَاع ، والتناحر عَلَى الْحُطَامِ الأَخَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى ) عن الْحَرَامِ فَإِنَّهَا نِعمَّ الزَّاد (مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ ) أي من أقتنع من دُنْيَاه بقدر حاجته فقد أمن العواقب دُنْياً ، وآخرة .)

ومن حِكْم الإِمَام : «وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ ، وَتَبَوَّاً خَفْضَ الدَّعَةِ »(1أي عاش في غنى عن النَّاس، وأسْترَاح ، وأراح .)(وَ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا أَسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ أي يُهلكه ، وفِيه إيماء إلى أن تَراكُم الثَّروات لا يَكُون إلا من حرام ، لأنّ الله سُبْحَانَهُ لا يُعاقب على الطَّيِّبَات من الرِّزْق بعد أن أباحها ، وأنكر على من حرمها (وَ زَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ لَا بُدَّ أَنْ يُفارق المال صاحبه ولو بالموت (كَمْ مِنْ وَائِقِ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ ) . كَمَن يَركن إِلَى عَافِيتِهِ فَيصِيبه دَاء لا دَواء له ، أو إلى ماله فتذهب به النكبات، أو إلى عَزيز فتختطفه المَنِيَّة وَ ذِي طُمَانِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ مِن حَيْثُ لا يَشعر ، وَلاً رزيةٍ، أو وجع للقلب من مُفارقة مَا كَان يطمئن إِلَيْهِ ، ويَعتز به .)(وَ ذِي أُبّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً هَوت بهِ إِلى الحَضِيض ، وهو في القمة من العِزّ (ق ذِي نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً) . أَنْهَار ، واسْتَسلم صاغراً بعد بَرقه، ورعده ، وهَذَا وَمَا قبله عطف تَفْسِير على كَمْ مِنْ وَايْقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ ، والغَرض من التكرار هو التأكيد عَلَى أَنْ يُحذر الإِنْسَان من كلِّ شَيء ، وَلا يَغتر بما يرى من الظواهر ، وَلَا يَثق بأي سَببِ إِلَّا إِذَا أَخذ بِهِ فِي سَبيل الحَقِّ ، وَالْعَدْل (سُلْطَانُهَا دُوَّلُ ) يَنتَقَلَ مِن يَدٍ إِلَىٰ يَدِ ، مَا حَسِب لهَا حَاسِب (وَعَيْشُهَا رَنِقٌ ) لا يخلو من الْكَدَر .)(وَ عَذِّبُهَا أُجَاجٌ يَجمع بَيْنَ الْأَمْراضِ ، والأَحْزَان في كثير من الأَحْيَانِ (وَ حُلوُهَا صَبِرٌ ) مُرّ الْعَاقِبَة (وَ غِذَاؤُهَا سِمَامٌ ) إِذَا كَان مِن نَوْعِ الْحَرَام (وَ أَسْبَابُهَا رِمَامٌ ) بَالِيَّة من تَمسكَ بِها هَوى (حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ) ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو)


1) أنظر ، نهج البلاغة : الحكمة (371).

الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَبِأَيِّ آلَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (1)(وَ صَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ) وإِنْ أحتاط، وتحفّظ من الأمراض بالحمية ، وأقتصد في مأكله، ومشربه، وأبتعد عن أَسْبَاب الهموم والأحزان.)(مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ ولو بالموت ، والمراد بالملكِ هنا مُطلق الحيازة لأي شَيء (وَ عَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ ) ولو لزوجته أو ولده (وَ مَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ ) بِمال أو جَاه ، أو عَزيز (وَ جَارُهَا مَحْرُوبُ ) أي من التجأ إلى الدُّنْيَا ، واسْتَجَار بها سَلبَت أَمْوَاله ، ولو الموت .)### بِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا... فِقْرَة 4 - 6:أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً ، وَأَبْقَىٰ آثَاراً ، وَ أَبْعَدَ آمَالاً ، وَ أَعَدَّ عَدِيداً ، وَأَكْثَفَ جُنُوداً ! تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَي تَعَبدِ ، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيْتَارٍ ، ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّعٍ ، وَلَا ظَهْرٍ قَاطِعٍ ، فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَادِحِ ، وَأَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ ، وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ ، وَ عَفَرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ ، وَوَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ، وَ أَعَانَتْ عَلَيْهِمْ (رَيْبَ الْمَنُونِ (2). فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكَّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا ، وَآثَرَهَا ، وَ أَخْلَدَ إِلَيْهَا ، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ . وَ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلا السَّغَبَ ، أو أحَلَّتْهُمْ إلَّا الضَّنْكَ ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلْمَةَ ، أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ : أَفَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ ، أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ ، أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ ؟ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى)


1) الرَّحْمَان: 26 - 28 .

2) الطُّورِ : 30.

وَجَلٍ مِنْهَا فَأَعْلَمُوا - وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا ، وَظَاعِنُونَ عَنْهَا ، وَأتَّعِظُوا ! فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً (1): حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلاَ يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً، وَأُنْزِلُوا الأَجْدَاثَ ، فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً ، وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانُ ، وَمِنَ التُّرَابِ أَكْفَانُ ، وَمِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ ، فَهُمْ جِيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِياً ، وَلَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً ، وَلاَ يُبَالُونَ مَنْدَبَةً . إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا ، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا جَمِيعُ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ . مُتَدَانُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ، وَ قَريبُونَ لا يَتَقَارَبُونَ . حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ، وَجُهَلاَءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ، وَلا يُرْجَى دَفْعُهُمْ ، اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً ، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً ، وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً ، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً ، فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا ، حُفَاةٌ عُرَاةٌ ، قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ ، وَ الدَّارِ الْبَاقِيَةِ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ و وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ )(2).)### اللُّغة:أكثَفَ : أَكْثَر . وظهرٍ فَاطِعِ : مَا تَرَكْبه لقطعِ الطَّرِيق . وأَرْهَقَتْهُمْ : غَطَتُهُم . وضَعْضَعَتْهُمْ : أَضْعَفَتُهُم . والْمُنَاسِمِ : أَخْفَاف كَالْإِبِلِ ، وَنَحْوَها . ورَيْبَ الْمَنُونِ : طَوَارق الدَّهْر . وَأَخْلَدَ : رَكَنَ والسَّغَبَ : الجُوع ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ إِطْعَامُ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (3). والصَّنْكَ - بسكون النون - الضيق . والصفيح : الحِجَارَة ، والأَجْنَان :)


1) فُصِّلَتْ : 15 .

2) الأنبياء: 104 .

3) البلد : 14 .

الْقُبُورِ ، والواحد مِنْهَا جَنَن - فتح الجيم. والرُّفَاتِ : الْعِظَامِ البَالِيَّة . وإِنْ جِيدُوا : إِنْ جَادَت السَّمَاء عَلَيْهِمْ بِالْمُطَرِ .### الإِعْرَاب :أَعْماراً، وما بَعْدَه تمييز ، ورُكْبَاناً مَفْعُول ثانٍ ليُدْعَوْنَ ، ويَنوب عن المَفْعُول الْأَوَّل الواو في يُدْعَوْن ، ومُتَدَانُونَ خَبَر لَمُبْتَدَاً مَحْذُوف أي هُم مُتَدَانُونَ ، ومِثْله مَا بَعْدَه ، وحُفَاةً عُرَاةً حَال.### الْمَعْنى:(أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً ، وَأَبْقَى آثَاراً ، وَ أَبْعَدَ آمَالاً ، وَ أَعَدَّ عَدِيداً، وَأكْتَفَ جُنُوداً . الدُّنْيَا بِما فيها عِظَات، وعِبر ، والْعَاقِل مَن نَظر إِلى أحداثها بعين اليقظة ، وأنْعَظ بالأَوَّلِين الذين هم أقوى مِنْهُ عِدَة ، وعدداً ، وأَطول أَعْماراً، وآجَالاً تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبْدٍ ، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيْتَارٍ ، كُلَّ إِنْسَانٍ يُميل إِلَى الدُّنْيَا ، وزينتها ، ولكن عَلَيْهِ أَنْ يَتورع عن حَرامِها ، وينظر إلى العواقب ، ويُقارن بَيْنَ لذة العاجلة ، وآلام الْآجِلَةِ (ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغ ، وَلا ظَهْرِ قَاطِعِ ) سافروا ، ولكن بلا زاد ، ورَاحِلة .)(فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً أي أنّ الحُطام الَّذي نَالوه من الدُّنْيَا مَا فَدْاهُم من الموت ، وَلاَ أَعْانَهُم سكراته ، ولا أحسن صحبتهم حيث تركهم إلى غَيْرُ رَجْعَة (بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَادِحِ . وَ أَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ ، وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ ، وَعَفَرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ ، وَ وَطِئَتْهُمْ)

بِالْمَنَاسِمِ ، وَ أَعَانَتْ عَلَيْهِمْ (رَيْبَ الْمَنُونِ ) بل كَانَتْ الدُّنْيَا سَبباً لأحْزانهم والأمِهِم (فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكَّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا ، وَ آثَرَهَا ، وَأَخْلَدَ إِلَيْهَا ، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ ) أَلا تَعظُون من ركن إلى الدُّنْيَا ، وجَعَلَهَا مِثْله الأعلى كَيْفَ فَارقها إلى غَيْر رَجْعَة ؟ . (وَ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلا السَّغَبَ ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ، أوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلْمَةَ ، أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ )، فَارقوا نَعيم الدُّنْيا إلى الجوع ، والضّيق ، والظَّلام والحَسْرَة ، والكآبة.)(أَفَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ أَتَختَارُون الدُّنْيَا المرهقة ، وتتركُون جَنَّة النَّعِيمِ ؟ (فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا ) بِالْغَدْر ، ويحذر من عواقبها (وَ أتَّعِطُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ؟ يُشير إلى الآية الكريمة : ﴿فَأَمَّا عَادُ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِايَتِنَا يَجْحَدُونَ )(1). (حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلَا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً ) . الميّت يُحمل عَلَى الأعْوَاد إلى قبره ولكن لا يُقَال له راكب، لأنه كالصَّخرَة الصَّاء (وَ أُنزِلُوا الْأَجْدَاثَ ، فَلا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً ) . والواقع أنهم في القصور ضِيفَان، أما في الْقُبُورِ فإلى يَوْم يُبعثون.)(وَ جُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ ، وَ مِنَ التُّرَابِ أَكْفَانُ يَسْكُنُون الأَحْجَار، ويلبسون التراب، لا يُغيرون ، وَلا يُبدلون ، وهُما أَي الأَحْجَار ، والتُراب تابتان حَتَّى يُبدل الأرْض غَيْر الْأرْضِ ، والسَّمَاء غَيْرِ السَّماء (وَ مِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ عِظَام بَالِيَّة تُجاورٍ مِثْلَهَا فَهُمْ جِيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِياً ، وَلاَ يَمْنَعُونَ ضَيْماً ، وَ لا يُبَالُونَ)


1) فُصِّلَتْ .15

مَنْدَبَةً . إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا ، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا . المَوْتَى جَمَادٍ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ لا يُشعرون بشيء مِمَّا يحدث على ظهرها من خصبٍ ، أو جَدْبٍ ، وسلمٍ ، أَو حَرْبٍ، وَلا بِمَن يَكتب عن حَسَنَاتِهم ، أو سَيِّئَاتِهم ، وَلاَ بِمَن يَبكيهم ، أو يلعنهم .)(جَمِيعُ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادُ مُتَدَانُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ ، وَ قَرِيبُونَ لاَ يَتَقَارَبُونَ . قبورهم متلاصقة ، ولكن لا أحد يشعر بوجود الآخر (حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ) تَنَاحَرُوا عَلَى الدُّنْيَا حِين كانوا من أَهْلِها، ولا اَرْتَحلوا عَنْهَا انقطعت أَسْبَاب الشَّحناء، والبغضاء (وَجُهَلاَهُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ ، وَلاَ يُرْجَى دَفْعُهُمْ ، أَسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً ، وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً ، وَ بِالنُّورِ ظُلْمَةٌ). أي لَيْسَ من شأنهم أنْ يَحقدوا على أحدٍ ، أو يخاف مِنْهُم أحد بعد أنْ أَصْبَحوا تُراباً ، وعِظاماً .)(فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا ، حُفَاةً عُرَاةً . أختلف الشارحون في مَعْنَى هَذِه الجُمْلَة مَع أَنَّ الْإِمَام(علیه السلام) فَسرها بقوله بلا فاصل: (قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ ، وَ الدَّارِ الْبَاقِيَةِ ) أي دخلوا الْقُبُور ، وهُم لا يملكُون شَيْئًا إِلَّا أَعْمَالهم كما أنهم عِند الموت فارقوا جميع ما يملكون ، أما الاستشهاد بالآيَة الْكَرِيمَة فالمراد به أنّ المعاد حق ، لأنّ الَّذي قدر على إنشاء الأُولَى قادر أيضاً على إنْشَاء الأُخرى : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكِيمُ)(1).)


1) الرُّوم: 27

## الخطبة-112-### حَقِيقَة الْمَوْت:هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً ؟ أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّىٰ أَحَداً ؟ بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا ، أَمْ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا ؟ أَمْ هُوَ سَاكِنْ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا ؟ كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْله !### اللُّغَة:الجنينَ : المَسْتُور مِن كُلِّ شَيء كالمُقْبُور ، والوَلد مَا دَامٍ فِي رَحِمٍ أُمّه . والجَوَارِحِ : جمع الجَارِحَة ، وتُطلق على السَّكين، والطير الكاسر كالباز ، وعَلى العُضو مِن الإِنْسَان ، وبخاصّة اليد .### الإعراب:دَخَلَ مَنْزِلاً أَصله دَخَلَ إلى مَنْزلٍ ، فحذف الجار تخفيفاً فَأَنْتَصب مَنْزِل انتصاب المفعول ، وكَيْفَ يَتَوَفَّى كَيْفَ حَال أي عَلَى أيّة حَالٍ يَتَوَفَّى ، أو مَفْعُول مُطلق أي

أيّة وفَاةٍ يَتَوَفَّى.### الْمَعْنى:لا يَعْرِف حَقِيقَة الموت إلا من عرف سرّ الحياة ، لأنّه عَدمها . وَقَالَ الماديون : إنّ المادَّة هي الموجود الوحيد ، والْفِكْر ، أو الحَيَاة تبع لها ، وعَرْض، فَإِذَا انْحَلت المادة وفَسدت زالت الحياة تبعاً ، وقَهراً . وَقَالَ المثاليون: بل الموجود هو الفكر ، وإن الأَشْيَاء التي تَظنِّ أَنَّهَا مَادية هي في الواقع كائنات لا وجود لها إلا في أَفكارنا وتصورنا ، وعلى هَذَا تَكُون الحَيَاة ، أو الوُجُود على الأصح في منطقهم هو : الْفِكْر ، والشَّيء الذي لا فكر لهُ لَيْسَ لوجوده عَينٌ، وَلا أَثَر . ويَقُول الدِّين : إنّ كلاً من المادة، والرُّوح أصل ، ولَيْسَ أَحدَهُما فَرعاً عن الآخر، وهُما معاً من صنعه تَعَالَى.وكما أتفق المتدينون على أنّ الرُّوح ، والمادة مِن أَمر الله ، وصُنعه أتفقوا أيضاً على أنّ حَيَاة المادَّة تَكُون بالإتصال بَيْنَ الرُّوح ، والجسم، وإِنه تَعَالَى يأمر تِلْكَ بالدخول في هَذَا كما جاء في قَوْله تَعَالَى: ﴿يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَدِي وَادْخُلِي جَنَّتِي (1)أي في أَجْسَامِهم ، وأيضاً أنْفَقُوا إنّ الله ملكاً ينتزع الأرواح من الأجسام، واختلفوا : كَيْفَ ؟ وبأية وسيلة يَسْتَطِيع مَلك الموت أنْ يَقبض في وقت واحد العديد من الأَرواح من شرق الْأَرْضِ ، وغَرْبِهَا ؟ وَقَالَ قَائِل : يَدعوها إِلَيْهِ ، فتأتيه مُسْرِعَة بِإِذْنِ اللهِ ، وهو في)


1) الْفَجْرِ : 27 - 30 .

مَكانه . وَقَالَ آخر : بل تَكُون الأرْض بَيْنَ يَديه كالمَائِدَة يَتَناول مِنْهَا مَا يَشاء. وَقَالَ ثَالث : إنّ له جُنُوداً من المَلائِكَة تُعاونه ... وَهَذَا الكلام، وأمثاله جَهل، وهراء ، وَلا سِرٌ إِلَّا قَوْله تَعَالَى : كُن فَيَكُونُ . وفيا يلي الْبَيَان :)لقد تساءل الإمام (علیه السلام في كلامه هَذَا مَن الَّذي أحس حركة لملك الموت ، أو رأى له شَبحاً ؟ ثُمَّ كَيْفَ يَقبض روح الجنين ، وهو فِي رَحِمٍ أُمه ؟ أَيدخل من أُذُنِها . أم مِن فَها ، أم يدعو رُوحه إِلَيْهِ فَتَسْتَجِيب بِإِذْنِ اللهِ : أَم ماذا ؟ وغَرضِ الإِمَام من هَذَا التّساؤل أنْ يُعلن للنَّاس أنّ حقيقة الموت ، والحَيَاة في عِلم الله وَحدَه ، وأنْ يُمسك المتُفَلسِفُون عن تمزيق الكلام في ذَلِكَ، وَيُكلوا الْأَمْرِ إِلَيْهِ تَعَالَى ... وإلى هَذَا أَشار الإِمَام بِقَوْله : كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَرُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْله ) أي ذاته ، وأَسرَار خَلقه للمُوتِ ، والحَيَاة .)وسُئل النَّبي(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم عن الرُّوح ، فلم يدر بما يُجيب ، والتَّجَأَ إِلى خَالِقَه لِيُنْ عَلَيْهِ بالجواب ، فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْئلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً )(1). هَذَا هو الجَوَاب الْأَوَّل ، والأخير عَن حَقِيقَة الرُّوح، وكَيْفَ أتصلت بالبدن ، أو أنفصلت عَنْه ، وَلاَ جواب سواه عند رسول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)، وإِذَنْ فكل التفلسفات حول هَذَا المَوْضُوع أَساطِير ، وأباطيل (2).)


1) الإسراء : 85.

2) أنظر ، الرَّسَالَةِ الرُّوحية محمد كاظم الهزار جريبي الاستر أبادي من تلاميذ الوحيد البهبهاني : 01225/2 الرّسَالَة الرُّوحية للأستاذ البشر المير غياث الدين منصور بن المير صدر الدين الدشتكي الشيرازي المتوفى (948هـ) ، بحار الأنوار : 43/58 ح 19 ، الدر المنثور : 329/5، فتح الباري لابن حجر: 54/2، التخويف من النَّار لابن رجب الحنبلي : 46 ، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 307/2.

## الخطبة-113-### العُمُرُ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ... فِقْرَة 1:وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ ، وَلَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ ، قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا ، وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا . دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا ، فَخَلَطَ حَلالَهَا بِحَرَامِهَا ، وَخَيْرَهَا بِشَرِّهَا ، وَ حَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا ، وَحُلْوهَا بِمُرِّهَا . لَمْ يُصْفِهَا اللهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ ، وَلَمْ يَضِنُّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ . خَيْرُهَا زَهِيدٌ، وَشَرُّهَا عَتِيدٌ. وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ ، وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ ، وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ . فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ ، وَعُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ ، وَ مُدَّةٍ تَنْقَطِعُ أنْقِطَاعَ السَّيْرِ ! أجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ، وَ أَسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مَا سألُكُمْ.### اللُّغَة :القُلْعَة - بضم القاف - الرُّحْلَة ، يُقَال : فُلاَن عَلَى قُلْعَةٍ أي عَلَى رُحْلَة ، وهَذَا تجلس قُلْعَة سَاكِنه غَداً ، أو بعد غدٍ النُّجْعَة : طلب الكلأ ، والنَّاجع طالبه .

### الْإِعْرَابِ:الدُّنْيَا مَنصوبة بنزع الخافض أي من الدُّنْيَا ، وبِدَارِ البَاء زَائِدَة ، ودَارِ خَبَر لَيْسَتْ . ومِنْ طَلَبِكُمْ مُتَعَلِّق بأجْعَلُوا ، ومِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مُتَعَلِّق بِسَأَلَكُمْ .### الْمَعْنى:(وَ أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ . إِيَّاكُمْ وحَرَامها ، فأَنْتُمْ عَنْهَا مُقلعُون ، ورَاحِلُون (وَ لَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ ) أي لا تطلبوا الدُّنْيَا مُجرد الأكل ، والشُّرب ، تماماً كما يُطلب الكلاً لِلأَنْعَام ، وأعْمَلُوا لهَا ، وليوم تُذخر له الذَّخَائِرِ (قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا ، وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا ) . حاكت شباك الصيد ، وأَصْطَادَت كَثِيرِين (دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا ، فَخَلَطَ حَلالَهَا بِحَرَامِهَا ، وَخَيْرَهَا بِشَرِّهَا ، وَ حَيَاتَها بِمَوْتِهَا ، وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا ). هَانَتْ الدُّنْيَا عَلَى الله سُبْحَانَهُ حَتَّى أَصْبَحَت هَذِهِ الكَلِمَة : « مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ » (1)مَثلاً يَدُور على كلِّ لِسَان ، ثم أشار الإِمَام إِلى بَعْض الأمثلة لهَوَان الدُّنْيَا عَلَيْهِ تَعَالَى . مِنْهَا : أنه لم يجعل كلّ مَا تَشتهيه الأَنْفُس في الدُّنْيَا حَلالاً ، وحُلواً ، وخَيراً ، وكلّ حى فيها لا يذوق الموت كما هو الشأن في جَنَّة الخلد ، بل قَرنَ الْحَيَاة بالموت ، واللذة بالألم ، والخير بالشّر ... وبكَلِمَة : مَا مِن شَيء فيها يُسرّ إلا وألصق بهِ ما يَسُوء على النقيض من الجَنَّة التي وصفها سُبْحَانَهُ بقَوْله : (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (2).)(لَمْ يُصْفِهَا اللهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ بل هُم أشد النَّاس مِحنَةٌ ، وبَلاءً (وَ لَمْ يَضِنَّ بِهَا)


1) أنظر نهج الْبَلاغَةُ : الحِكْمَة (385)

2) هذه جزء من آية، وردت في مواضع كثيرة منها على سبيل المثال ، الْبَقَرَة : 62 .

عَلَى أَعْدَائِهِ بل صَبهَا صَباً على كثير منهُم ، وَقَالَ : (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ)(1). ( خَيْرُهَا زَهِيدٌ، وَشَرُّهَا عَتِيدٌ. وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ ، وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ ، وَ عَامِرُهَا يَخْرَبُ ، فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ ، وَ عُمُرِ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ ، وَ مُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ ) . ضَرُها أَكثر من نفعها ، مالها إلى نفاد ، وعُمرانها إِلى خَراب، والْعُمُر فيها إِلى فَناء ، وسُلطانُها يَنتقل من يَدٍ إِلى يَد ، وأمدُها يَنتهي بكر اللّيالي، والأَيَّام. (اجْعَلُوا مَا أَفْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ ) . الْحَيَاة حقوق وواجبات ، والْحَقِّ مَا كَانَ لَكَ ، والواجب مَا يُلزمك آدَاوُه ... وعَلَيْكَ أنْ تهتم بأداء مَا عَلَيْكَ الله ، وللنَّاس تماماً كما تهتم بطلب ما هو لَكَ وَ أَسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مَا سَأَلَكُمْ) . أطلبوا من الله التوفيق ، والعون على القيام بما عَلَيْكُمْ من واجبات كما سَأَلَكُمْ هو أنْ تَقُوموا بِحَقِّه وحَق عِبَادِه... والتَّوفيق مأخوذ من الموافقة ، وَهِي هنا موافقة عمل العبد لمرضاة سيّده .

أَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ... فِقْرَة 2 - 3:

وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا ، وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا ، وَيَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِن أغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا . قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الْآمَالِ ،


1) الزُّخْرُفِ : 33

فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَهْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآخِرَةِ ، وَالْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الْآجِلَةِ ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانُ عَلَى دِينِ اللهِ ، مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْتُ السَّرَائِرِ ، وَسُوءُ الضَّمَائِرِ ، فَلاَ تَوَازَرُونَ ، وَلَا تَنَاصَحُونَ ، وَلَا تَبَاذَلُونَ ، وَلَا تَوَادُّونَ . مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ ، وَلا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ وَيُقْلِقُكُمُ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ، وَقِلَّة صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ ! كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ ، وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ ، وَ مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ ، إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ . قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الْآجِلِ ، وَحُبِّ الْعَاجِلِ ، وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ ، صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ ، وَأَخْرَزَ رضَى سَيِّدِهِ .

اللُّغة:

فَلَا تَوَازَرُونَ: لَا تَتَعَاوَنُونَ . لَا تَبَاذَلُونَ : لا يُعطِي بَعْضَكُمْ بَعضاً . وَزُوِيَ : تُحيّ . ولُعْقَةً - بضم اللام - ما تأخذه اللعقة .

الْإِعْرَاب:

مَا بَالُكُمْ مُبْتَدَأَ ، وخَبَرَ ، والمَصْدَر من أَنْ يَسْتَقْبِلَ مَجرور بمن مَحْذُوفَة ، ومَخَافَةُ فَاعِل يَمنع ، وصَنِيعَ نُصب على المَصْدَريَة أي صنعتم صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ .. أو صَنِيعَاً مثل صَنِيع .

الْمَعْنى:

(وَ أَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ ) . اسْتَجِيبُوا لِدَاعِي الْمَوْت

قَبل نزوله بكُم ، وأعْمَلوا له كأنّكم الآن تَرُون شَخصه ، وتَسْمَعُون صَوْته وإلا أَخْذكُم من حيث لا تُشْعِرُون، وقبل أن تُعدوا لهُ عِدتَه إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا ، وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا ، وَيَكْتُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِن أغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا ) . الكآبة سمة الخيرين ، وقَلَما تُفارقهم وإِنْ أَقبلت الدُّنْيَا عَلَيْهِمْ ، ذَلِكَ إنهم يَرجُون من الله الرَّحْمَة، ما في ذَلِكَ رَيب ، ولَكِنَّهُمْ يُخافُون ذنوبهم ، ويتهمون أنفسهم بأَنَّهَا لا تُبدي نَشاطاً في طَاعَةِ اللَّه كَمَا يَجب (قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ ، وَ حَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الْآمَالِ ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الْآخِرَةِ ، وَ الْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الْآجِلَةِ ) . عَبَدتُم الدُّنْيَا ، واستولت على قلوبكم ، وعقولكم بآمالها الكاذبة ، وزينتها الباطلة ، وقطعت كلّ عِلاقَة بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الآخِرَةِ .

الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَة :

(وَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانُ عَلَى دِينِ اللهِ ، مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْتُ السَّرَائِرِ ، وَسُوء الضّمَائِرِ ) . أَلتُم على دين الإسلام ؟ وهو واحد لا اختلاف فيه ، لأنّ مَصْدَره الوحي الَّذِي يَنطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)(1). وإذن فلا سَبب للخصام ، والصّراع إلّا الأَهْوَاء ، والأَغْرَاض.

وتَسْأَل : إنَّ أَكْثَرَ الإِخْتِلافات ، أو الكَثِير مِنْهَا بَيْنَ عُلَمَاء الْمُسْلِمِين فِي الْأُمُور الدينيَّة - يَرجع إلى النظر ، والاجتهاد ، فكَيْفَ حصر الإمام اللا الإِخْتِلاف بِجُبْتُ


1) اَلنِّسَاء : 82

السَّرَائِرِ ، وَ سُوءُ الضَّمائِرِ ؟.

الجَوَاب :

إنّ قول الإِمَام : «مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ» مَعناه ما جَعَلَكُم فُرْقَاً وشِيَعَاً مُتنَاحِرَة إِلَّا خُبث السَّرَائِر ، لأنّ الإِخْتِلاف فى النَّظر ، ولمجرد الاجتهاد - لا يُوجب التفرقة، والعداء... والذي يُؤيد إرَادَة الإِمَام هذا المعنى قَوْله بِلا فَاصل: (فَلَا تَوَازَرُونَ ، وَ لاَ تَنَاصَحُونَ ، وَلَا تَبَاذْلُونَ ، وَلَا تَوَادُّونَ ) .

وبهذه المناسبة نُشير إلى أنّ جريدة «الجمهورية» المصرية (1)، نشرت لأحد القراء هذا السؤال: «هل يجب على المسلم أن يتقيد في أعماله بواحد من المذاهب الأربعة : المالكي، والحنفي، والشافعي ، والحنبلي ؟ ومنذ سنوات سُئل المرحوم الشَّيخ محمود شلتوت هَذَا السّؤال ، وكان آنذاك شيحاً للأزهر ، فأجاب بأن التقيد بخصوص هَذِه المذاهب دُونَ غَيْرها - ما أنزل الله به من سُلطان ، وإن للمسلم أن أَنْ يختار العمل بالمذاهب الجعفري . وانتشرت فتواه هَذِه في جميع البَلاد الإِسْلاميَّة .

وبعد أن انتقل شلتوت إلى ربِّه قَالَ شَيخ أَزْهَري ، أسمهُ الشَّيخ صالح شرف «عَلَى الْمُسْلِم أنْ يُقلد مَذْهَباً من هَذِه المذاهب الأرْبَعَة». ونُشر قَوْله هَذَا فِي العدد الَّذي أشرنا إِلَيْهِ من جريدة «الجمهورية». ورَدّ عَلَيْهِ الشَّيخ مُحَمّد صالح سعدان ، وَقَالَ: «إنّ الشيخ صالح شرف قد أوجب بفتواه ما لم يوجبه الله ، ورَسُوله ، ولم يرد به كتاب، وَلاَ سُنَّة ، والله يَقُول : أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُا شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن


1) أنظر العدد 31 - 4 - 1972م. (منه قدّس سرّه) .

بهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (1)ورسولنا الْكَرِيمِ يَقُول: «مَن أحدث في ديننا هَذَا ما لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدّ »(2). وقد كَانَ الْأَوْلَى بالشيخ في فتواه أنْ يُرشد السائل إلى أنه لا يجب التقيد بمذهب من المذاهب الأربعة »(3).

وفي «الجمهورية» نشر السَّيِّد مُحَمّد أَحمد كشك - من مضر - كَلِمَة أَيد فيها الشَّيخ سَعدان ، وَقَالَ فيما قَالَ: «إنّ الذين يُوجبون الالتزام بالمُذَاهِبِ الأرْبَعَة يُحرمون حَقِّ النّظر ، والْبَحْث في كتاب الله ، وسُنَّة رَسُوله ، والعَمَل بثمرتهما ، ويترتب على ذلِكَ فتور الهمم ، وتوقف الفِقْه»(4).

وتدل هَذِه المَعْرَكَة أن عهد التقليد الأَعْمَى قَد وَلى أو كاد ، وإن رَايَة الحَقِّ لا بد أنْ تَعلو ، ولو بعد حين ... لقد أتفق المُسْلِمُون قَوْلاً واحداً ، وقَدِيماً ، وحَدِيثَاً على أنّ الجَاهِل عَلَيْهِ أنْ يقلد العالم المخلص في الأمور الدينيَّة ، والزَّمنية كالطب، والهندسة وإلّا أنسد عَلَيْهِ بَاب الْعَمَل ، ولَيْسَ هَذَا من التَّقليد الْأَعْمَى فِي شَيء ، لأنّ التَّقليد الْبَاطِل هو أنْ يُقلد الجَاهِل جاهلاً، والعالم عالماً ، أما تقليد الجَاهِل للعالم فَعلى الأصول.


1) الشُّورى: 21

2) أنظر ، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 579/3 5812، تهذيب الكمال : 465/18، صحيح البخاري : ح 1959/2 - 2550 ، سنن أبي داود : 4/ 200 ح ،4606 ، مُسْنَد أبي يعلى : 70/8ح 4594. المنتق لابن 70/8 الجارُود : 251/1 ح 1002 ، مُسند أبي عوانة : 171/4 6408 ، الإعتقاد : 229/1، تعليق التعليق : 396/3 - 2697 ، إعتقاد أهل السُّنَّة : 119/1 ح 191 .

3) أنظر ، جريدة الجمهورية المصرية : عدد 7 - 4 . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

4) أنظر ، جريدة الجمهورية المصرية : عدد 14 - 4 . (مِنْهُ قدّس سرّه ) .

وأختلف الشیعة ، والسُّنَّة في فتح باب الإجتهاد للأكفاء من غَيْرِ الْأَئمّةَ الْأَرْبَعَة .. فَقَالَ الشّيعة : إنّ بَاب الاجتهاد مفتوح لكلّ كَفؤ ، وطَرِيقه مسلوك لكلِّ من تأهل بمؤهلاته من الأَوَّلين ، والآخرين . وَقَالَ السُّنَّة - على وجه العموم : كلاً ، إِن بَاب الاجتهاد موصود، وطريقه مسدود بعد الأربعة ... و من جملة ما رَدّ به الشيعة على السُّنَّة أنه على قولهم هَذَا يجب أنْ ينحصر أَهْل الذكر بالأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَة فِي قَوْله تَعَالَى :

(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَسْلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )(1)وَلا قَائِل بذلك حَتَّى من أهل السُّنَّة ... وبعد حين من الدَّهْر قَالَ كَثِير من عُلَماء السُّنَّة بمقالة الشيعة ، وعمّا قَريب تجتمع كلمتهم على فَتح بَاب الإجتهاد ، وعَلى طُول الزَّمن يَحِقَّ الحَقِّ ، وَلا يَبْقَى للإختلاف عين ، ولا أثر ، إنْ شَاء الله ... وما ذلِكَ عَلَيْهِ بعزيز(2).

(مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ ، وَلَا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الْآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ ) . أتكثرُون الفرح والسُّرُور بالتّافه الفَاني تنالونه من دُنْيَاكُم، وَلاَ تأسفون على الدائم الغالي بفوتكُم من آخر تكُم ؟ ( وَ يُفْلِقُكُمُ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ ، وَ قِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ، وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ ) لماذا تذهب نفوسكم أَسَى عَلَى مَا فَات من الحُطَام. وفتتغير ألوانكُم ، وتفقدون الصَّبر من أَجله، فهل الحُزن يُرجع ما قَد


1) الأنبياء: 7 .

2) أنظر ، ما كتبناه في مجلة التقريب بَيْنَ المذاهب الإسْلامِيَّة، والتي تصدر عن الجمع العالمي للتقريب في الجمهورية الإسْلامِيَّة في إيران تحت عنوان الإجتهاد وآثره في الشريعة الإسلامية ، والاجتهاد بَينَ الانفتاح والانغلاق : العدد 1 - 3 - 1414ه-.

فات ؟ قيل لبُزُر جمهر: «ما رأيناك تأسف على مافات ، وَلا تَفرح بما هو آت . قَالَ : لأنّ الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يُستدام بالخبرة ... إنّي لا أقول لشَيء لم يكن ليته كان ، وَلاً لشَيء كَان ليته لم يكُن (1).

وَ مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ ، إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْله ) . أجل ، والله هذا هو دأبنا ... لا تُجابه أحداً بعيوبه مخافة أنْ يُجابهنا بالمثل، لأنّ فينا ما فِيهِ ، وزِيَادَة ، ولو وقف الأمر عند هَذَا لَهَان بَعْض الشَّيء ، بل تُثني عَلَيْهِ في وجهه ، ونُشجعه على أسوائه ، ثم تنهشه في غيبته (قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الآجِلِ ، وَ حُبِّ الْعَاجِلِ ) . هَذَا وما قبله ،شرح ، وبَيَان للعديد من آيات القرآن الْكَرِيمِ ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً (2)وَقَالَ : وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لمَّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمَّاً) (3). وقُلنا مَرَّات : لا بأس بحب المال كِتَابَاً، وسُنّة إِذَا جُمع من حلَّ ، وأنفق في حِلٌّ، والمذموم منه ما يطغى على الدِّين، والضَّمِيرِ ، وإِلَيْهِ يُومى، قَوْل الإِمَام(علیه السلام) : (وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ ) أي أَصْبَحَ الدِّينِ عِنْدَكُم مُجرد شِعارات تماماً كما هُو فِي زَمَاننا ... إنّه أذان في المآذن ، وتلاوة الْقُرْآن في الإذاعة، وإقامة الحفلات للثرثرة، وعرض المقدرة على الكلام، وَقَالَ سَيّد الشُّهداء الإمام الحسين : «إنّ النّاس عبيد الدُّنْيَا . والدِّين لَعِقِّ على ألسنتهم يُحوطونه ما درت معايشهم ، فَإِذَا مُحصوا بالبَلاء قَل)


1) أنظر، تَفْسِير القُرطبي : 258/17

2) الإنسان: 27 .

3) الْفَجْرِ : 19-20

الدَّيانُون»(1. أما قَوْل الْإِمَام(علیه السلام) : (صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ ، وَأَحْرَزَ رِضَى سَيِّدِهِ ) فمعناه ما لكُم لا تُفكرون في آخر تكُم حَتَّى كَأَنَّكُم غَيْرُ مَسْئُولين عَن شَيء، وَلا تُحاسبون على شيء، لأنّكم أَدَّيْتُم إلى الله جَميع حُقُوقه ، ومَا بَق لهُ عَلَيْكُمْ حجة ، وَلا سُلطان .)


1) أنظر ، تُحف العُقُول : 245. مقتل الإمام الحُسَيْن للخوارزمي: 237/1 ، كشف الغمة : 241/2، بحار الأَنْوَار : 383/44 و 117/78.

## الخطبة-114-### إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغَيْب...فِقْرَة 1 - 3الْحَمْدُ للهِ الْوَاصِلِ، الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ ، وَ النَّعَمَ بِالشُّكْرِ ، نَحْمَدُهُ عَلَى الايْهِ ، كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلَدَيْهِ . وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ ، السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ. وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ ، وَأَحْصَاهُ كِتَابُهُ : عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ ، وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ ، وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ، وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ ، إِيمَاناً نَفَى إِخْلَاصُهُ الشِّرْكَ ، وَيَقِينُهُ الشَّكَ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ ، وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ ، لَا يَخِفُّ مِيزَانُ تُوضَعَانِ فِيهِ ، وَلَا يَنْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ عَنْهُ .أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ ، بِتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا الْمَعَاذُ : زَادُ مُبْلِعُ ، وَمَعَاذُ منْجِحٌ . دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ ، وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ ، فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا ، وَفَازَ وَاعِيهَا.عِبَادَ اللهِ ، إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ ، وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَشْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ ، وَأَطْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ ، فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ ، وَالرِّيَّ بِالظَّمَ ، وَأَسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ ، وَكَذَّبُوا الْأمَلَ فَلاحَظُوا الْأَجَلَ» . ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا

دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ ، وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ ، فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ ، لَا تُخْطِئُ سِهَامُهُ، وَلاَ تُؤْسَى جِرَاحُهُ . يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ ، وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ . آكِلٌ لا يَشْبَعُ ، وَشَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ . وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ ، وَيَبْنِي مَا لا يَسْكُنُ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا مَالاً حَمَلَ ، وَلَا بِنَاءً نَقَلَ ! وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَىٰ الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً ، وَالْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً ، لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلَّ ، وَبُؤساً نَزَلَ ، وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ ، فَلَا أَمَلٌ يُدْرَكُ ، وَلَا مُؤمَّلٌ يُتْرَكُ ، فَسُبْحَانَ اللهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا وَأَظْمَا رِيَّهَا ! وَأَضْحَى فَيْنَهَا الاَجَاءٍ يُرَدُّ، وَلَا مَاضٍ يَرْتَدُّ فَسُبْحَانَ اللهِ ، مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْميت لِلحَاقِهِ بِهِ ، وَأبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لِانْقِطَاعِهِ عَنْهُ !### اللُّغَة :بِطَاء : جَمع بَطِيئَة . والسِّرَاع : جمع سَرِيعَة . وغَيْرُ مُغَادِرٍ : غَيْرُ تَارِك . والزَّاد المُبلِغ : الكَافِي بِلا زِيَادَة وَوَعَاهَا : فَهَمهَا . وهَوَاجِرَ : جَمع هَاجِرَة، وَهِي نِصف النَّهار في القَيْظ ، والنَّصَب : التَّعَبُ . وَغِير الدَّهْر : أحداثه ، وَعِبَره : عَظَاتِه . وأَوْتُر القَوْس : جَعل لهَا وَتَرَاً. وتُؤْسَى : تُداوى . وَلَا يَنْفَعُ عَطْشَه : لا يَسْكُنُ. وَالْمَرْحُومَ : مِن تَرْق لَهُ. وَالْمَغْبُوطَ : مَن تُود أنْ يكون حالك كحاله . زَلَّ : سَقط ، أو مَرَّ مُسْرِعاً .### الْإِعْرَاب:الْحَمْدُ الأُولَى مُبْتَدَأَ ، واللهِ خَبَر ، والحَمْدَ الثَّانِيَة مَفْعُول للوَاصِل ، وعِلْمٌ بَدل عن عِلْمُه ، وكِتابُ بدل من كِتَابُه ، وإيماناً بدل من إيمان ، وَيَقِينُهُ عَطف على إِخْلاصُهُ،

ومَحَارِمَهُ مَفْعُول ثانٍ لِحَمَتْ ، أو منصوب بنزع الخافض ، لأنّ «حَمَتْ» مِعْنَى مُنْعَتْ ، ولكَ أنْ تقول : مَنعني حقي ، وعن حَقِّ ، ومَخَافَتَهُ مَفْعُول ثانٍ لأَلْزَمَتْ، وقَوْسَهُ مَفْعُول مُوتِرٌ ، وآكِلٌ خَبَر لَمُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي هُو ، وَمِنَ الْعَنَاءِ خَبَر مُقَدَّم ، والْمَصْدَر من أَنَّ المَرْءَ .. إلخ ، مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر أي كون المرء ، ومِثْله مِنْ غِيْرِهَا ، وَمَالاً مَفْعُول حَمَلَ ، وَلا بِنَاءً مَفْعُول نَقَلَ ، والجُمْلَة حَال من الضَّمِير المستتر في يَخْرُجُ ، وَمَا أَعَزَّ «مَا مُبْتَدَاْ بِمَعْنَى شيء، وأعَزَّ فعل ماضٍ، والفاعل مُستتر ، والجُمْلَة خَبَر وسُرُورَهَا مَفْعُول ، ومَعْنَى الكلام التَّعجب .)الْمَعْنى:(الْحَمْدُ للهِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ . جَعل سُبْحَانَهُ الْحَمْدُ ، والشكر سبباً لِنعَمِهِ عَلَى الشَّاكْرِين: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدُ)(1). (وَ النّعَمَ بِالشُّكْرِ ) وأيضاً جَعَلَ النِّعَمِ سَبَباً لوجوب الشُّكْر : (فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(2). وإِذَنْ فالشكر يُؤثر ، ويتأثر : يُؤثر الشكر وَ بالنِّعْمَة لأنّه من أَسْبَاب وجودها ، وتُؤثر النِّعْمَة بِهِ لأَنَّهَا سَبب لوجوبه .. وللشُّكْرِ مظاهر ، مِنْهَا : أن نرى النِّعْمَة من الله ، لا من سواه. ومِنْهَا : أَنْ نَعبده بالصُّومِ، والصَّلاة ، وأهمها أنْ نُشرك فيها عيال الله ، وَلَا نُعصيه في شَيء.)(نَحْمَدُهُ عَلَى الاَيْهِ ، كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلائِهِ . ومَعْنَى حَمد المؤمِن عِند البلاء أن يصبر ولا يتذمر ، ويعمل للخلاص ما أستطاع ، ولَا يَيَأْسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ ، وإِنْ طَال)


1) إبراهيم: 7 .

2) الْعَنكَبُوتِ : 17 .

الْبَلاء، ومن البديهي أن من عرف عظمة الله ، ووثق بحكمته يرضى بقضائه أشْتَدت وطأته وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ ( النَّفْس تَتثاقل إلا عن ملذاتها ، وهو تَعَالَى أَملك بها مِنا ، وعلينا أنْ نَسْتَعِين به ليكُفَّ عنّا فجورها، وشِقَاها (وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ ، وَ أَحْصَاهُ كِتَابُهُ من السَّيِّئَات ، والهفوات (عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ ) ( لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ)(1)(وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ ) (صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَنَهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)(2).)(وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ ، وَ وَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ ، إِيمَاناً نَفَى إِخْلَاصُهُ الشِّرْكَ ، وَ يَقِينُهُ الشَّكَ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ نُؤمن بالله ، والْيَوْم الآخر ، وبحسابه وجزَائِهِ إِيمَان مَن رَأى بالْعَيْن ، ولمس باليد، ولا يبلغ من الْعِلْم بالله هذا المدى إلّا من أدرك آياتِه في خَلقِهِ ، وعرف خَصَائِص الكَوْن في نظامه ، وقَوَانِينه (شَهَادَتَيْنِ ) : الْأُولَى الله بالوحدانية ، والثَّانِيَة مُحَمّد بالرِّسَالَة تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ ، وَ تَرْفَعَانِ الْعَمَلَ ) . يُشير إِلى قَوْله تَعَالَى:)(إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (3). ولَيْسَ من شك أن الشَّهَادَتَيْن أَطيب الكلام ، وأن العمل بدون كَلِمَةَ الْإِخْلَاص ناقص أيّاً كَانَ نَوْعه (لَا يَخِفُّ مِيزَانُ تُوضَعَانِ فِيهِ ، وَلاَ يَنْقُلُ مِيزَانُ تُرْفَعَانِ عَنْهُ) إِنْ كَلِمَة الْإِخْلَاص تنقل الميزان ، ولكن بشرطها ، وهو الْعَمَل ، والدَّلِيل قَوْله تَعَالَى : كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ)


1) سَبا : 3.

2) الْكَهْفِ : 49 .

3) فاطر: 10 .

أن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (1). وبكَلِمَة : إن كلاً من الْعَمَل النَّافع ، والشَّهَادَتَيْن جُزء متمم للآخر . (أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللهِ ، بِتَقْوَى اللهِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَ بِهَا الْمَعَاذُ مَعْنَى التَّقْوى فِي جوهرها الكَفَّ عن محارم الله ، وبخاصة عن أذى مَن كَفَّ عن النَّاسِ أَذَاه ، وثَمرة هَذِه التَّقْوَى النَّجاة والسَّلامة دنياً ، وآخرة، وقد دعا إِلَيْهَا الأَنْبِيَاء، والأئمة والأطهار، وأسمعُوها للأجيال ، والسَّعيد من أشتمع ، وأَطَاع (إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ ، وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مخافَتَه) . مَن كانَ فِيقَلْبِه شَيء من تَقْوَى الله يَكُفّ عن محارمه لا تَحَالَةَ لأَنَّ هَذَا هو مَعْنَى التَّقْوَى بِالذَّاتِ كَمَا أَشْرِنا (حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ ، وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ) . لا يُفارقهم الخَوْف من الله في ليلٍ ، وَلاَ نهارٍ . وقيل : هذا كتابه عن صلاتهم ليلاً، وصومهم نهاراً ، والمعنى الأَوَّل أكمل . وأعَم (فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ ) تعبوا قليلاً، وأستراحوا طويلاً (وَ الرِّيَّ بِالظَّمَا ) . حاولت نفوسهم أن ترد الْحَرَام ، فكفُوها عَنْه ، فكان لها عند الله ما تشتهى ، وتُريد .)(و اسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ «فَبَادَرُوا الْعَمَلَ ، وَكَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلاَحَظُوا الْأَجَلَ » . كُلنا يعلم أن الموت حتم لا مَفَرَّ مِنْهُ، ولكن لا تدري نَفس متى وأين تموت ؟ فمن أَطال الْأَمَل سوّف، وأسَاء ، ومن خَافَ بَغْتَه الأَجَل أعد لهُ عِدته تماماً كمن يرى الأفعى تدب إِلَيْهِ ، والنَّار تقترب من دَارِهِ ، وثيابه (ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ ، وَ غِيَرٍ وَ عِبَرٍ ، فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرُ قَوْسَهُ ، لَا تُخْطِيُّ سِهَامُهُ ، وَلَا تُؤْسَى جِرَاحُهُ . يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ ، وَ الصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ ، وَ النَّاجِيَ بِالْعَطَبِ . آكِلٌ لا يَشْبَعُ ، وَ شَارِبٌ لا يَنْقَعُ ) .)


1) الصف : 3.

للدَّهر سهام، وسهامه عَلى أَنْوَاع ، فمن الكدّ والتَّعَبُ إِلى الهموم والأَحْزَان ، ومن المرض وَالْفَقْر إلى فقد قَريب، أو حبيب، إلى ما لا نهاية ، تماماً كمن يَأْكُل، وَلاَ يشبع ، ويشرب ، ولا يروى ... وما أخطأ للدُّنيا سَهم ، وَلا لجرحه التئام ، أما سَهم الموت فلا مهرب مِنْهُ .(وَ مِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ ، وَ يَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُ . وتَسْأَل : وأي بَأس في هَذَا ؟ إِنّ كلّ النَّاس على ذَلِكَ قَدِيماً ، وحَدِيثَاً . وهل تقوم الحياة إلا بهِ ؟؟ «زَرَعُوا فَأكلنا ، وتزرع فيأكلُون» ... ثم هَل يَجب على الإِنْسَان أَنْ يَعِيش لنَفْسِه فقط ؟ .)### الجَوَاب:إنّ الإمام(علیه السلام يُنكر على مَن جَمع ، وبنى للوارِث فقط ، وما أهتم بآخرته ، وصالح المجتمع ، ولذَا قَالَ : (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَا مَالاً حَمَلَ ، وَلَا بِنَاءً نَقَلَ ) أي ذَهب إلى رَبِّه أَعزل، لأنه لم يجعل الله نَصيباً في عمله ، ولو أنه جعل ، وفعل لأخذ عمله معه إلى قبره ، ونَشَره ، وكَانَ له عند الله حسن الثَّوَاب . وقد أشتهر عن الإمام قَوْله : «أعمل لدُنْيَاكَ كَانك تعيش أَبَداً - أي مَع الأجيال إلى يَوْم يُبعثون - وأعمل لآخرتك كأنك تموت غداً» أي أتق الله في عملك لدُنْيَاكَ (1).)(وَ مِنْ غِيَرِهَا - أي أحداث الدُّنْيَا - أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً . قد يَتَمَنَّى الْمَرْء)


1) أنظر ، تحرير الأحكام للعلامة الحيلي : 0249/2 تفسير القرطبي : 35/4 ، مَن لا يحضره الْفَقِيه : 94/3 ح 356 . معاني الأَخْبَار للنّحاس : 305/6 ، وَسَائِل الشّيعة : 76/17 ج 2، فيض القدير شرح الجامع : الصغير : 16/22 كَنز العمّال: 581/5 ، تنبيه الخواطر : 234/2 .

مَنْزِلَة غَيْره في مَالِهِ ، وجَاههِ ، ولو أطلع على شَيء من عاقبته، ومصيره لتألم من أجله ، وَقَالَ : الحَمْدُ لله الذي عافانا من هَذَا وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيُكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ (1)وَ الْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً ) قَد تَرى مَسْكِيناً فترق له، وله عند الله المقام المحمود (لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلَّ ، وَبُؤساً نَزَلَ ) . ذَلِك إِشَارَة إِلى البُؤس، والنَّعِيم، والمعنى أنّ البؤس يحدث كمحَك لجواهر الرّجال وصمودهم عند الشَّدَائِد ، والنَّعِيم ينتقل من يد إلى يَدٍ .)(وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ . كلّ إِنْسَان يَحلم ويرغب في الخروج من واقعه إلى الأفضل ، فالْفَقِير يحلم بالْغِنَى ، والْغَنِيّ بالزِّيَادَة ، وقد يبذل المرء أقصى الجهد لنيل المرغوب حَتَّى إِذَا أوشك عَلَيْهِ ، وأطمأن إِلَيْهِ أغتالته المنيَّة ، أو غيرها من النوائب، وقَدِيماً قيل : إِذَا تَمَّ شَيء بَدأ نقصه (فَلا أَمَلُ يُدْرَكُ ) دَائماً ، وفي كلّ حِين، بل تحول دونه الحواجز فِي أَكْثَرَ الأَحْيَانِ وَ لَا مُؤمَّلٌ يُتْرَلُ ) وَلا يَجوز أنْ يُتْرَك ، كَيْفَ ؟ وإلا بطل الْعَمَل ، والمهم أن لا يُرضي المزء نَفْسه بعلمه، ويُسخط الله ، والحَقِّ .)(مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا أي أنّ سُرُور الدُّنْيَا نَادر جداً... وعلى ندرته مشوب بالكَدَر (وَأَظْمَأُ رِيَّهَا) الْمُرَاد بَري الدُّنْيَا حُطامها ، وزينتها ، والمعنى إِنَّ إِقبال الدُّنْيَا قَد يَكون شراً على الإِنْسَان، ووبالاً ، قَالَ تَعَالَى: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ) (2). (وَ أَضْحَى


1) الْقَصَصِ : 82.

2) التَّوْبَة : 55 .

فَيْئَهَا) لا يَأْتِي نَعِيمُهَا حَتَّى يَزول تماماً كف الظُّل حِين تَرْتَفَع الشَّمس (لاَ جَاء يُرَدُّ ) كالموت (وَلَا مَاضٍ يَرْتَدُّ ( كالشاب (مَا أُقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمِيْتَ لِلحَاقِهِ بِهِ ) ، وإِذَنْ فالحى بحكم الميّت لعلاقة الأَوَّل ، والصَّيرورة (وَ أبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لِانْقِطَاعِه عَنْهُ وإنْ دَنت الدار ، وقَرُب الجوار.

كَمْ مِنْ مَزِيدٍ خَاسِرِ... فِقْرَة 4-5:

إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٌ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا عِقَابُهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ . فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ ، وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ . وَاَعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا، وَزَادَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرُ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الْآخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا : فَكُمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رابحٍ ، وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ ! إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ. وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَتُرَ ، وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ " . قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ ، وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ ، فَلَا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ ، مَعَ أَنَّهُ وَاللهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُ ، وَدَخِلَ الْيَقِينُ ، حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَكَأَنَّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ . فَبَادِرُوا الْعَمَلَ ، وَخَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ ، فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ. مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ ، وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي، وَالْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي . فاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ى وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)(1)


1) آلِ عِمْرَانَ : 102.

اللُّغة:

اعْتَرَضَ الشَّكُ : صَارَ الشَّك عَارِضاً ، ومَانِعاً ، وَدَخِلَ - بكسر الخاء - دَاخَلَهُ الْوَهْم.

الْإِعْرَاب :

الضَّمِير في إِنَّهُ الشَّأن وكلّ شَيء مُبْتَدَأ أَوَّل ، وعِيَانِهِ مُبْتَدَأ ثانٍ، َوأَعْظَمُ خَبَر الثَّانِي ، والجُمْلَة خَبَرَ الْأَوَّل ، فَكَمْ خَبَرية ، ومحلها الرَّفع بِالابْتِدَاء ، ورابح خَبَر مُبْتَدَأ محذوب أي هو رابح ، والجُمْلَة خَبَر كَمْ» ومِثْله خَاسِرٍ ، وجَاء رَابِحٍ، وخَاسِرٍ في المتن تجرُورِين خطأ ، واشتباهاً ، وطَلَبُهُ مُبْتَدَأ وأَوْلَى خَبَر ، والجُمْلة خَبَر يَكُون ، ولا يجوز أنْ يَكون طَلَبُهُ نَائب فَاعِل لمضمون لأنّ المَضمُون نَفس الرِّزْق لا طَلَبُهُ ، وعَمَلُهُ نائب فَاعِل المفروض لأنّ الفرض واقع على الْعَمَل .

الْمَعْنى:

(إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرِ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا عِقَابُهُ ، وَ لَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ ) . كلّ ما دَلت التَّجْرِبَة عَلى أنه يُعود عَلى الحَيَاة بالتَّخلف ، والضَّرر فَهُوَ شَرٌ ، وكلّ ما دَلت التَّجْرِبَة على أنه يعود بالخير ، والنَّفْع فَهُوَ خَير ، وقد يكون الشيء الواحد ضَرراً في حال دُونَ حَالَ ، فَيَكُون شَرّاً في الْأَوَّل دُونَ الثَّانِيَة ، ولذا نقول : هَذَا واجب لأنه نافع ، وذَاكَ حَرَام .

وكلام الإمام يُومى إلى أنّ الشَّرِّ على نَوْعَين ، مِنْهُ دنيوي ، ومِنْهُ أُخروي، وكَذَلِكَ الخير ، وإن أقل القليل من شَرِّ الْآخِرَةِ أَعظم بكثير من شرور الدُّنْيَا

مُجتمعة ، وإن أقلَّ خَيرٍ في الآخِرَةِ أعظم من خَيرات الدُّنْيَا بِكَامِلهَا ، ومن حكم الإمام : «مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ ، وَمَا شَرٌ بِشَرٌ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ ، وَكُلَّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ فَهُوَ مَحْقُورٌ ، وَكُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ »(1). ثُمّ أوضح الإِمَام هَذَا الْمَغْنى، وأكده بقَوْله : ( وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ ) لأنّ الْقَوْل قَد يَعْش، ويخدع دُونَ العيان، ولذا قيل : أقرأ ، تفرح، جرب ، تَحزن ( وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ ) . كلَّ مَا فِي الْآخِرَةِ مِن نَعِيمٍ، وَجَحِيمٍ يفرق النَّصور، وتضيق عَنْه الكلمات للتفاوت الهائل بَيْنَ أَشياء الدُّنْيَا ، وأشياء الآخِرَةِ هَناء كَانَتْ أم شقاء ، ولذا وَرَد فِي وَصف الجنَّة : «مَا لَا عَينُ رَأْتِ، وَلَا أُذن سمعت ، وَلا خطر على قلبٍ بشر»(2).

(فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ ، وَ مِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ ) . عَيان الآخِرَةِ مُمتنع الآن ، وهي أعظم من سماعها بكثير، ومَعْنَى هَذَا أن سماعها حق وصدق، بل ودُونَ ،الحقيقة وهو كافٍ وافٍ في التَّحْذِّير ، والتَّبشر ، وإقامة الحجة الله على النَّاس، وما دَامِ الْأَمْر كَذَلِكَ فعلينا أن نستجيب إلى هَذَا السَّماع ، ونَتِي عَذابَ جَهَنَّمَ ، ونَعمل للجنة عملها .

(وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَ زَادَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الْآخِرَةِ وَ زَادَ فِي الدُّنْيَا) إِذَا كَانَ للفعل جهتان : جهة نفع ، وجهة ضرر فالعبرة دائماً بالأكثر ،


1) أنظر ، نهج البلاغة : الحكمة (387) .

2) أنظر ، صَحِيح البُخَاري: 86/4 ، صَحِيح مُسْلِم : 121/1، مُسند أحمد: 370/2، سنن ابن ماجه: 1447/2، سنن الدارمي : 332/2 ، الغارات : 855/2. وَسَائِل الشّيعة : 478/10 ح 10 / 478 ح 10، ته- الأحكام: 22/6 ، ثواب الأعمال : 56 ، نيل الأوطار: 155/2 ، المحلى : 12/1.

فمَا كَانَ نَفعه أكبر من ضَرره فَهُوَ مَرغوب فِيهِ ، ومَا كَان ضَرره أكبر مِن نَفعه فهو مرغوب عَنْه ، ومن البديهة أنّ منافع الدُّنْيَا بِكَامِلَهَا لا تُعادل أدنى ضَرر فِي الْآخِرَةِ . ومَعْنَى هَذَا أنّ أي عمل يجر شَيْئَاً من ضَرر الدُّنْيَا يَجب تركه ، والإِعْرَاض عَنْه (فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ ) في الدُّنْيَا هو (رَابِحُ) فِي الْآخِرَةِ (وَ مَزِيدٌ ) في الدُّنْيَا هو (خَاسِرُ) فِي الآخِرَةِ.

لِلمِنْبَر - حَوْلَّ الدِّين، والْحَيَاة

(إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ . وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ ، وَ مَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ ) . إِنَّ الشَّرِيعَة بِطَبِيعَتها - إلهية كَانَتْ ، أَم وضعية - لا بُدَّ أنْ تُجاري الحياة، وتُلي الحاجات ، لأنّ هَذَا هو القصد ، والهدف الأَوَّل مِنْهَا ، وإلّا أنتى عَنْهَا هَذَا الْوَصْف ... أَللَّهُمَّ إلّا أنْ نُضيفها إلى الفوضى ، وحياة الغاب. ولكي تُحقق الشَّرِيعَة الإِسْلاميَّة هَذِهِ الْغَايَة بالذات على أتمها شرعت أَحْكامها على أُسس حياتية إنسانية ، وأخضعت لها جميع النصوص، ومن هذه الأُسس التكليف بالمقدور : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِى وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ )(1). والتّيسير على الناس: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ


1) الْبَقَرَة : 286 .

فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(1). وهدايتهم ، ورعاية مصالحهم : إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾(2). وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(3): (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلَهَا ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(4): (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(5). إِلى غَيْر ذَلِكَ من الآيَاتِ التي أعتمد عَلَيْهَا الْفُقَهَاءِ حِين أجمعُوا قَوْلاً واحداً على أنه حيث تَكُون المَصْلَحَة يَكون شَرع الله .

هَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلَّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب )(6). ومن الأسس الهامة لشريعة الإِسْلاَم أنّ الضَّرورات تبيح المحظورات ، حَتَّى التلفظ بالْكُفْرِ شَريطة أنْ يَكُون الْقَلْب مُطمئناً بالإِيمَانِ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ


1) الْبَقَرَة: 185

2) الإسراء : 9 .

3) آلِ عِمْرَانَ: 104 .

4) الْبَقَرَة : 106 .

5) الْبَقَرَة : 220

6) الْمَائِدَةِ: 4.

رحِيمٌ﴾(1)... وَمَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنُ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(2).)وبهذا يَتَبَيَّن مَعْنَى أن في خلال الله غنى عن حرامه ، لأن الحلال أوسع ، وأَكْثر من الحرام ، وإن الله تَعَالَى ما حرم شَيْئاً على الإِنْسَان إلا وعوضه خَيْراً مِنْهُ.(قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ ، وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ . أمرنا بالْعَمَل لأنّ الأجر عَلى قَدْرِ الَمشَّقَّة (3)، ولأنّ ما من شيء يوجد إلا بعرق يُصب ، ومجهود يُبذل ، فالأرض لا تُعطي إلا بعد الحرث ، والبذر ، والرّي، والمصنع لا يُوجد ، وَلاَ يَدُور تِلقَائِياً ، أمّا الذين لا يعملون ، ويَعِيشُون على حِسَاب الغَير فأُولَئِكَ هُم المعتدون على سُنن الله وشريعته (فَلا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ ) عَلَيْكُمْ الْعَمَل ، وعَلَيْهِ سُبْحَانَهُ الرِّزْقِ ، ومن الجهل ، والحماقة أنْ يُطالب المرء بما هو له، وَلاَ يُؤدي ما عَلَيْهِ ... وهنا يكمن السِّر في ذلّ الْعَرَب، وهوانهم ... يُطالبون إسْرَائِيلَ بالانسحاب من أرضهم، ثم يُغفلون ما عَلَيْهِمْ من واجب الجهاد ! (مَعَ أَنَّهُ وَ اللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُ، وَ دَخِلَ الْيَقِينُ ) . أقسم الإمام(علیه السلام) أنّ حال أَصْحَابِه ، أو الكَثِير مِنْهُم تَماماً كحال من لا يثق باللهِ ، وَلا يُؤْمِن بعدله ، وإِنه تَعَالَى مَع مَن صَدق وجاهد، ولم يستسلم للهوان ، والمذلة .)(حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ أي بَلغ مِنْكُم الشَّك ، وعدم النقة)


1) الْبَقَرَة : 173 .

2) النَّحْلِ : 106 .

3) أنظر ، حاشية رد المحتار 525/2 ، عيون الحكم والمواعظ : 218 بلفظ (ثَوَابِ الْعَمَل عَلى قَدْرِ المَشَّقَّة فيه) ، غُرر الحكم : ( 4690) .

بالله حَداً ، أَصْبَحتُم معهُ تَعتقدون بأنّ الرِّزْقِ في يَد غَيْره من أَربَاب الجَاه، والسُّلْطَان ، لا في يده تَعَالَى، وأمْرَه وَكَأَنَّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ وهو الْعَمَل مَع التوكل على الله والثقة به، والإيمان بأن مقاليد الأُمور كلّها بيده (قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ) وَلاَ رَيب في أنّ الشَّك ، وعدم النّقَة قَرين الشرك ، والإلحاد... وَقَالَ البعض في شَرح هَذَا الكلام: «إنّ الجد في طلب الرِّزْقِ يَستند إلى ضعف التوكل على الله». وهو أشتباه لأنّ التوكل مِفْتَاح الْعَمَل ، وبذل الجهد إلى أقصاه مَعَ التَّفويض إلى مشيئة الله ، وقد تواتر عن الرَّسُول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله وسلّم) : « أَعْقِلْ تَوَكَّلَ »(1). وَقَالَ الْإِمَام : «الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلا وَتَرٍ»(2).)وَقَالَ: (فَبَادِرُوا الْعَمَلَ ، وَخَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ . ولم يقل : بَادِرُوا إِلى الإِنْكَال فإِنَّه كافٍ ، ومغن عن الكد والجد، وصدق الله العظيم : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (3): ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )(4)(فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ. مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ ، وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي، وَ الْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي ) إِذَا فَات الرِّزْقِ يُمكن تعويضه بالجد ، والْعَمَل ، أمّا)


1) أنظر ، تأويل مختلف الحديث : 332/1، فيض القدير : 88/6 8532 العهود المحمدية للشعراني: ح 296 ، عوالي اللتالي : 751 ح ،149 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 201/1.

2) أنظر ، نهج البلاغة : الحِكْمَة (337) .

3) الملك : 16 .

4) الجمعة : 10.

الْأَعْمَارِ فَهِيَ مُقدّرة ، والْمَاضِي مِنْهَا مَينُوس منهُ . وهَذَا يُؤيد ما قلناه في تَفْسِير مَا تَقَدَّم وَلا داعي للتأويل كما فعل بَعْض الشَّارحِين (أتَّقُوا اللَّهَ فِي جَميع أَعْمَالَكُمْ. وأطلبوا منه وحدهُ النَّجاح والتوفيق ، ولا تغتروا بذكَائِكُم ، ومقدرتكُم فإنّكم ، ومَا تَفْعَلُون في يد الله ، وقَبْضَته.)

## الخطبة-115-### أَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ... فِقْرَة 1 - 2:أَللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا ، وَأَغْبَرَتْ أَرْضُنَا ، وَهَامَتْ دَوَابُّنَا ، وَتَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا ، وَعَجَّتْ عَجِيجَ التَّكَالَى عَلَى أَوْلَادِهَا ، وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا ، وَالْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا أَللَّهُمَّ فَأَرْحَمْ أَنِينَ الآنَّةِ ، وَحَنِينَ الْحَانَّة ؛ أَللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا ، وَأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا أَللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ أَعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنا مَخَايِلُ الْجُودِ ، فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَسِ ، وَالْبَلاغَ لِلْمُلْتَمِسِ . نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الْأَنَامُ، وَمُنِعَ الْغَمَامُ ، وَهَلَكَ السَّوَامُ ، أَلَّا تُؤَاخِذْنَا بِأَعْمَالِنَا ، وَلَا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا ، وَانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ ، وَالرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ ، وَالنَّبَاتِ الْمُونِقِ ، سَحّاً وَابِلًا تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ ، وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ . أَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً ، تَامَّةً عَامَّةً ، طَيِّبَةً مُبَارَكَةً ، هَنِيئَةٌ مَرِيعَةً ، زَاكِياً نَبْتُهَا ، قَامِراً فَرْعُهَا ، نَاضِراً وَرَقُهَا، تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ ، وَتُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلَادِكَ !

### اللُّغة :انْصَاحَتْ : تَشَقَقت ، أو جفت . وَأَغْبَرَتْ السَّماء: أشتد وَقعها ، وَأَغْبَرَّتْ الْأرْضِ لَم تُنبت . وَهَامَتْ : عَطشت ، أو لا تدري أين تتوجه . وَرَبضَت الدَّابَة : بركت والمَرْبَض : موضع الرَّبْضِ. وَرتَع فُلآن : تَنعّم ، وَرَنعَت المَاشِيَة : أَكلت ما شاءت ، ومَرَاتِعِهَا : موضع رَتِعِها . والدِّهَاب : المضي ، والمرور ، والمذهَب : موضع الذَّهَاب . ومَوَالجِهَا : مَدَاخِلهَا . وَاعْتَكَرَتْ : تَكثَرَت وحَدَابِيرُ : جمع حَدبَار أي النَّاقة الهزيلة ، كنّى بها عن القحط، والجذب . والمَحَايِلُ : السَّحَاب . والمُبْتَئِسِ : الحزين ، ومِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (1)أي لا تَحزَن . والملتمس : الطَّالب. والسَّوَامُ : جمع سَائِمَة، وَهِي الرَّاعية من الأَنْعَام . والسَّحَاب المنبعِقِ : المتدفق . والرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ : الخصب. والوَابِل : المَطَرَ الشَّدِيد. والرَّيع : النمو، والخصب ، ومَرِيعَةً : مُخصبة . وثَامِراً : مُثمِراً . ونَاضِراً : جَمِيلاً .)### الإِعْرَاب :المصدر من أنْ لا تُؤَاخِذْنَا مَفْعُول ثانٍ لنَدْعُوكَ أي نَسألُكَ عَدم عِقابنا ، وسَحّاً نُصب على المَصْدَر أي تسح السَّحَاب سَحاً ، ومِثْله سُقْيَاً ، ومُحْيِيَةً حَال من السَّحَاب ، ومِثْله ما بَعْدَه ، ونَبْتُهَا فَاعِل زَاكياً ، وفَرْعُهَا فَاعِل ثَامِراً ، ومِثْله ما بَعْدَه .### إِلى اللهِ المَفْزَع:هَذِه الخُطْبَةُ ، أو المناجاة قد أبتهل بها الإمام إلى اللهِ فِي ذَاتَ سَنَة مُنعت فيها


1) هود: 36

السَّمَاء بَركَاتها عن الأرض ، وأَهْلها ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ بِمَا رَحُبَتْ ... وإذا اشْتَد الفَزَع فإلى الله المفزع، وأفضل أَنْوَاعِ الدُّعَاء تَرك الذُّنُوب ، أو التَّوْبَة مِنْهَا إِلَيْهِ تَعَالَى، والْإِمَام هو الثاني من الَّذِين عَناهم سُبْحَانَهُ بقَوْله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (1)، والأَوَّل النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وإِذَنْ فقد أستجاب الله دعاء الْإِمَامِ ، وَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا .)وذكرنا في فِقْرَة اللُّغَة مَعَانِي المفردات ، وَلاَ شَيء وَرَاءَها إلّا النَّيَّة الخَالِصَة، والصَّدر النَّي ، وَلا جدوى في شرحها إلا التكرار بأسلُوبِ تَانٍ، أمّا صَلاة الاِسْتِسْقَاء فسنُشير إِلَيْهَا فِي نِهَايَة الْخُطْبَةُ .بَقي شَيء ، وهو أنّ الدُّعَاء لا يرد البَلاء ، وَلاَ يُغيّر من سُنن الطَّبيعة ، فينزل المطر من السماء ، ويجعل الريح تهب جنُوباً ، وَهِي فِي اتجاه الشمال ... هَذَا ، إلى أن النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّمكَان يتداوى ، ويحثّ على التداوي ، ويَقُول : مَا أنزل الله الدَّاءِ إِلَّا وأَنْزَل معهُ الدَّواء ... وَلا جواب لدينا عن ذَلِكَ إلَّا أنّ المعجزة ، وخوارق العادات ثابتة بنص القُرْآن الْكَرِيمِ ، كطُوفان نوح ، وإحياء الموتى على يد بَعْضَ الْمُرْسَلِينَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، إِنَّه تَعَالَى مُسبب الأَسْبَاب ، وهو يقلبها كما أراد. ولا عجب إذا استجاب السَّيِّد لعبده في بَعْض ما يُريد إذا استَجَاب لَهُ عَبْدَه فِي كُلّ مَا أَراد .)وتقول : أجل ، إنّ الله على كلّ شيء قدير ، ولَكِنَّهُ لا يُعامل النَّاسِ في الدُّنْيَا عَلَى أساس الحَبَّة ، والتَّقْوَى ، بل وفقاً لنواميس كونية ثابتة تربط المسببات بأسبابها، والنتائج بمقدمَاتِها ، أما الْعَقِيدَة ، والتَّقْوَى فلها أبلغ الأثر ، ولكن فِي الآخِرَةِ لا في الدُّنْيَا ؟


1) الْأَحْزَابِ : 33.

### الجَوَاب:أجل ، ولكنّ الأَسْبَاب على نَوْعَينِ مِنْهَا أَسْبَاب كَونية لا تُفرق بَيْنَ الصَّالح والطَّالح ، وبها يتعامل سُبْحَانَهُ مَع أَكْثَر عِبَادِه ، بل مَعَ كُلَّ عِبَادِهِ حَتَّى الْأَنْبِيَاء إِلَّا في بعض الحالات، ومِنْهَا أَسْبَاب أَمرِية، وهي أن يوجد الشّيء بأمرٍ مِنْهُ تَعَالَى حِين يَقُول له كُن فَيَكُون وَلا تَفْسِير للمُعْجِزَة، وخوارق العادات عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاء إِلَّا بهذا الأمر، وهذه الإرادة المباشرة منهُ تَعَالَى، أما الإستجابة لدعاء الأَوْلِيَاء ، والمتقين فتَكُون بِالعناية ، والتَّوفيق لتهيئة الأَسْبَاب الْمَعْرُوفَة التي تدفع البلاء ، وتجلب الشراء ، وقد أشتهر على الألسنَة إذا أراد الله أَمْرَأَ هَيَا أَسْبَابه .وبهذه المناسبة نُشير إلى ما جاء في كتاب «أُصول» «الكَافِي» عن الإمام الصادق(علیه السلام : أنه قَالَ: «أَرْبَعَةٌ لا تُستجاب لهُم دَعْوَة : الْأَوَّل مَن جلس فِي بَيْتِه ، وَقَالَ : أَللَّهُمَّ ارْزُقنِي. يُقَال له : ألم أمرك بالطَّلب ؟ . والثاني كَانَتْ له إمرأة فدعا عَلَيْهَا ، يُقَال له ألم أجْعَلْ أمرها إِلَيْك ؟ . الثَّالث كان له مال فأفسده ، فيَقُول : أَللَّهُمَّ أرزقني، يُقال له ، ألم أمرك بالإقتصاد، ألم أمرك بالإِصْلاح ؟ . والرَّابع كان له مال فأدانه بغير بَيِّنَة ، يُقَال له : ألم أمرك بالشهادة ؟ »(1).)### أَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ... فِقْرَة 3:أَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بهَا نِجَادُنَا ، وَ تَجْرِي بهَا وَهَادُنَا وَ يُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا ،


1) أنظر الكافي : 511/2 ح 2 و : 16/4 و : 298/5 ح 1 و 2 ، وقريب مِنْهُ في السرائر : 556/3 ، الخصال للشيخ الصدوق: 160 ، شرح أصول الكافي : 304/10 ح 2 ، وَسَائِل الشّيعة : 125/7 و : 338/18 ح 1 ، مُستطرقات السرائر : 556. بحار الأنوار: 354/90 .

وَتُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا ، وَ تَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا ، وَ تَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا، وَ تَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا ، مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ ، وَعَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ ، عَلَى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ ، وَ وَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ ، وَ أُنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضِلَةً ، مِدْرَاراً هَاطِلَةً، يُدَافِعُ الْوَدْقُ ، مِنْهَا الْوَدْقَ ، وَ يَحْفِرُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ ، غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا ، وَلَا جَهَامٍ عَارِضُهَا ، وَلَا قَزَعٍ رَبَابُهَا ، وَ لَا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا ، حَتَّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ ، وَ يَحْيَا بِبَرَكَتِهَا الْمُسْنِتُونَ ، فَإِنَّكَ (وَ هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَ يَنشُرُ رَحْمَتَهُ و وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (1).)### اللُّغَة:نِجَادُ: جَمع نَجد، وهو ما أرتفع من الأَرْضِ . ووِهَادُ جَمع وَهدَة وَهِي مَا أنخفض من الأرْض والجنّابُ: النَّاحية . والأقاصي : جمع القَاصِي أي البَعِيد. وضَوَاحِي البلد : نواحِيها ، وغَيْرَ بَعِيد أنْ يَكُون المراد بالصَّوَاحِي هذنا البرك والأحواض بقرينة تَسْتَعِينُ . والْمُرْمِلَةِ : الْفَقِيرَة. ومُخْضِلَةٌ : مُخْصِبَة . والْوَدْقُ : المَطَر . وأَوْدقَت السَّمَاء : أَمْطَرَت . وَيَحْفِرُ : يَدْفَع . وبَرَقٌ خُلّب: لا مَطر معه. وجَهَامِ سحاب لا ماء فيه . والعَارِضُ : ما يُعرض في الأفق من السَّحَابِ وَقَزَع : أَبطَأ تفرق . ورَبَابُهَا : سَحَابُها . والشَّفان : الريح الباردة والذَّهَاب: الأمطار اللَّينَة .وأَمْرَعَ : أَخْصَب . والْمُسْنِتُونَ: الَّذِينَ أَصَابتهُم السَّنَةِ أَي الجَائِعُون .


1) الشُورَىٰ .28

### الإِعْرَاب :سُقْيًا نُصب على المَصْدَر ، ومِنْ بَرَكَاتِكَ أي أسْقِنا مِنْ بَرَكَاتِكَ ، ومُخْضِلَةٌ صِفَة سَماء ، ومِدْرَاراً حَال مِنْهَا ، ومِثْلَهَا هَاطِلَةٌ ، وَ «غَيْرَ»كَذَلِكَ ، وجُمْلَة أَنتَ الْوَلِيُّ حَال مِن الضَّمِيرِ فِي تَنْشُرُ .### صَلاة الاسْتَسْقَاء:ذكرنا عند القِسم الأَوَّل من الخُطْبَةُ أَنه لا شَيء وَرَاءَ مَعَانِي مُفرداتها يحتاج إلى الشَّرح ، وأشرنا إلى قول من قَالَ : الدُّعاء لا يُغير الأَسْبَاب الكَوْنِية مع جوابه ، وقُلنا : سَنذكر عند نهاية الْخُطْبَةُ صَلاة الاِسْتَسْقَاء»، وفيما يلى الْبَيَان :ثبت تشريع هَذِه الصَّلاة كِتَاباً ، وسُنّة ، وإجماعاً ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب بَعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ (1)... فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ و كَانَ غَفَّارًا ) (2)... يُرْسِلِ ﴿ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا )(3). وثبت أنّ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) صَلَّى بِأَصْحَابِهِ هَذِهِ الصَّلَاةِ . وسببها الجذب ، وقلة الأمطار، وأتفقت المذاهِب الإِسْلاميَّة على أنّه إِذَا تَأخر السَّقي بعد الصَّلاة يُستحب تكرارها ، وأن يُصام لها ثلاثة أَيَّام، وأنْ يخرج النَّاس مشاة خاشعين، ومعهم النِّسَاء والأطفال، والشيوخ ، والدَّوَاب ، فإنّ ذلِكَ أدعى)


1) الْبَقَرَة : 60 .

2) نُوحٍ: 10

3) نوح: 11.

لوحمة الله (1.)وتُصح جَمَاعَة ، وفرادى بالإتفاق(2، وَلاَ أَذان لهَا ، وَلَا إقَامة عند جميع المذاهب ، ويُستحب لِلإِمَام أنْ يَخْطُب بعد الصَّلاة (3)، أمّا كَيفيتها فقد أتفق الْفُقَهَاء (4) جَمِيعاً على أَنَّهَا رُكعتان كصَلاة العيد حَسما هِي عند كلّ مَذْهَب ما عدا المالكية(4)والحَنَفِيَّة (5)فإِنَّهُم قَالُوا: هي كصَلاة العيد إلا أنّه يُكبّر فيها التكبيرات الزائدة .)وَقَالَ الإِمَامِيَّة(6: يُستحب أنْ يَقنت بعد كلّ تَكْبِيرَة بدعاءٍ يَتضمن الاستعطاف ، وسُؤال الرَّحمة بإنزال الغَيث .)وَقَالَ الأَئمّةَ الأرْبَعَة : إن مثل هَذَا الدُّعَاء يقوله الخطيب بعد الصَّلاة، في الخُطْبَةُ، في أثناء الصَّلاة (7.


1) أنظر الأم : 248/1 ، المجموع : 65/5، الخلاف : 686/1 ، التهذيب : 148/3 ، الذكرى : 250/4 .

2) انظر الفِقْه على المذاهب الأَرْبَعَة : 361/1 المَبسُوط للسَّرخَسي: 134/1 ، المعتبر : 224، تذكرة ، الفقهاء : 212/4

3) أنظر ، المجموع: 83/18 ، حلية الْعُلَماء : 274/2 ، اللباب: 121/1 ، تذكرة الْفُقَهَاء: 213/4 ، التهذيب : 150/3

4) أنظر ، المدونة الْكُبْرَى: 166/1 . بداية المجتهد : 215/1، المجموع: 103/5.

5) أنظر ، صَحِيح البُخَارِيّ : 34/2 ، بدائع الصنائع: 282/1 ، المَبْسُوط للسَّرخسي : 76/2 ، النّتف : 105/1

6) أنظر، تذكرة الفقهاء : 206/4 ، التهذيب : 148/3 ، الذكرى : 254/4 ، الكافي : 462/3 .

7) صَلاة الاِسْتَسْقَاء : ثابتة بنص الكتاب والسُّنَّة، وقيام الإجماع ، كما ذكر الشارح . وجاء في الحديث أنّ أَهْل المَدِينَة أَصَابَهُمْ قحط ، فبينا رَسُول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) يخطب ، إذ قام إِلَيْهِ رَجُل ، فَقَالَ: هلك الكراع ، والشّاء، فأدعُ الله أن يُسقينا ، فقد رَسُول الله الله يديه ودعا، قال أنس ، والسَّماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح ، ثم أنشأت سحاباً ، ثم اجتمع ، ثُم أرسلت السَّماءِ عَزَالِيهَا .)أنظر ، العَزَالي: جمع العزلاء ، وهو فَمُ المزادة الأشفّل ، فشبه اتساع المطر وأندفاقه بالذي يخرج من فم المَزادة . النّهَايَة لابن الأثير : 231/3 .فخرجنا نخوض الماء ، حَتَّى أتينا قبل منازلنا ، فلم تزل قطر إلى الْجُمُعَةِ الْأُخرى، فَقَامَ إِلَيْهِ الرّجل. أو غَيْره فَقَالَ : يا رَسُول الله تهدمت البيوت، وأحتبس الركبان، فادع الله أنْ يحبسه ، فتبسم رَسُول الله ثُمَّ قَالَ : أَللَّهُمَّ حوالينا ولا علينا. فنَظَرْت إِلى السَّماء تتصدع حَوْلَ المَدِينَة كأنه إكليل .أنظر ، سُنن أبي داود : 304/1 ، سنن البيهق: 356/3 ، منتهى المطلب للجلي : 331/1 و 354، كتاب :الأم: 246/1 ، المغني: 283/20، الميزان للشعراني: 20/1 ، التذكرة: 203/4، الخلاف: 685/1، :المجموع: 65/5 ، التهذيب : 148/3 ، الذكرى : 250/4 .

### صَلاة الْأَعْرَابِي:كَانَ لأعْرَابِي غُنيمات، يرعاهن بنَفْسِه ، وفي سنة من السنين حبست السَّماء خَيرها عن الأرْض، فأجدبت وشحٌ رِزقها حَتَّى ضَاقَ الْأَعْرَابِي بغنمه ، فخَاطب رَبِّه بهذه الصَّلاة :رَبِّ العباد مالنا ومالكا *** قَد كُنتَ تَسقينا فَمَا بَدالكَاأَنزل علينا الغيث لا أبا لكاوكَلِمَة لا أبا لكَ يَسْتَعملها الْعَرَب عِند المُسَألة ، والطَّلب (1)


1) أنظر ، الكامل لابن الأثير : 145/7 بشرح المرصفي، بحار الأنوار : 559/30 ، النِّهَايَة في غريب الحديث لابْن الأَثير : 23/1 ، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 183/1 و : 134/6 ، الشفا بتعريف حُقُوق الْمُصْطَفَ للقاضي عياض: 201/2. وعندما سمع سلمان بن عبد الملك هَذَا الأَعْرَابِي يُخاطب رَبِّه بِهَذَا الشعر، قَالَ: (أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد له، فأخرجه أحسن مخرج).

## الخطبة-116-### نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ:أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ ، وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ ، فَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ ، وَلَا مُقَصِّرٍ ، وَ جَاهَدَ فِي اللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ ، وَ لَا مُعَذِّرٍ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى ، وَ بَصَرُ مَنِ اهْتَدَى .مِنْهَا : وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ ، إِذا لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ ، وَتَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا وَ لَا خَالِفَ عَلَيْهَا ، وَ لَهَمَّتْ كُلَّ أَمْرِي مِنْكُمْ نَفْسُهُ ، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا ، وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ ، وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأَيُّكُمْ ، وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ . وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَالْحَقِّنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ قَوْم وَاللهِ مَيَامِينُ الرَّأْيِ ، مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ ، مَقاوِيلُ بِالْحَقِّ ، مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ ، مَضَوْا قُدماً عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَ أَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ ، فَظَفَرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ ، وَالْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ. أَمَا وَاللهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفِ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ ، يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ . وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ، إيه أَبَا وَذَحَةَ !

### اللُّغَة:غَيْرَ وَانٍ : غَيْرَ مُتَثاقِل وَلَا مُعَذِّرٍ : لا يَتعذر بالأباطيل . والصُّعُدَاتِ : جمع صعيد. وهو وجه الأرض، والقبر ، والطَّريق ، وكلّ ما أَرْتَفع من الأرض.وَتَلْتَدِمُونَ : تَلطمُون . والخَالِفَ : خَلِيفَتُك من بَعدِك . وهَمَّتْ : شَغَلَت . ومَيَامِينُ : مُباركين . ومَرَاجِيحُ : رَاجِحِين على المبالغة . ومَقَاوِيلُ : قَائِلِين . مَتَارِيكُ : تَارِكِين . وقُدماً : سابقين ، والْبَارِدَةِ : الهَنيَة . والدَّيَّالُ : الطَّويل الذيل أي من جَر ذَيّل توبه على الأرْض . والميَّالُ : الظَّالِم . والوَذَحَةَ : الخُنْفُسَاء .### الإعراب:دَاعِياً حال ، وغَيْرَ مِثْله ، وإمَام خَبَر لمبتدأ تخذُوف أي هو إمام، وحَارِسَ أسم «لا» و «ها» خَبَر ، والجُمْلَة حَال ، والمَصْدَر من أَنَّ اللهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ... إلخ مَفْعُول وَلَوَدِدْتُ ، ومَيَامِينُ ، وما بَعْدَه أخبار قَوْمُ، وقُدماً حال من الواو في مَضَوْا، وإيه أسم فعل بمعنى الاستزادة ، وأَبَا مُنادى أي يَا أَبَا وَذَحَةً .### الْمَعْنى:أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ ، وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ ، فَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ ، وَلَا مُقَصِّرٍ ، وَ جَاهَدَ فِي اللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ ، وَ لَا مُعَذِّرٍ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى ، وَ بَصَرُ مَن أَهْتَدَى الضَّمِير في أَرْسَلَهُ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وتَقَدَّم هَذَا الثَّناء مَرَّات وآخرها (1). وعلى)


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (109)، (مِنْهُ قدّس سرّه).

الإِجْمَال فإنّ جوانب العَظمَة فِي رِسَالَة مُحمّد(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وشخصيته ، وسِيرَته كَانَتْ ، ومَا تزال، وستظل تهدي كلّ جيلٍ إِلى الطَّرِيق الأقوَم ، والحياة الأفضل، أمّا انحطاط المُسْلِمِين فلا سَبب له إلا انحرافهم يميناً ، أو يساراً عن الخط الَّذِي رَسَمَه هُم رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم).)(وَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ . طُوِي عَنْهُم مَا خَبأه الدَّهْرِ هُم مِن التنكيل ، والهَوَان عَلى أَيْدِي الْأُمُوبِين ، وَجَلاَوزَتهم ، ومَا يُلاقونه غَداً من غَضَبٍ الله وهَوْل الحِسَاب ، والجزاء الخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ ، وَ تَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا وَ لَا خَالِفَ عَلَيْهَا ، وَ لَهَمَّتْ كُلَّ أَمْرِي مِنْكُمْ نَفْسُهُ ، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا . لَو كُشف الغطاء للمُجرِمِين عن مصيرهم لضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْض بما رَحُبَتْ ، وخرجوا عن أَهْلِهم ، وأَمْوَاهِم ، بل بِمَارَ.)وعن أنفسهم لو أستطاعوا ، وأنقطعوا إلى رَبِّهِم مُنيبين مُستجيرين، ولكن شاءت حِكْمَته تَعَالَى أَنْ يَحجب عِلم ذَلِكَ عن عِبَادِهِ كِى يَستحقوا الثَّوَاب اختياراً لا أستكراهاً . (وَ لَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ ، وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذَرْتُمْ ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأَيْكُمْ ، وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ أي أنّ الأهْوَاء ، والأَغْرَاض تغلبَت عَلَى عَقُولَكُمْ ، وأعْمَتكُم عن الحَقِّ الَّذي بيته لكُم ، وعن سُوء الْعَاقِبَةِ التي حَذَرَكُم مِنْهَا، فأندفعتُم وَرَاءَ ما تشتهون لا تلوون على شيء، وأي وزن لمن يكون رقاً لشهواته ، ومنهوماً عملذاته ؟ (وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَالْحَقِّنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ ) . الطَّيِّب يَود صُحبَة الطَّيِّبين ، والخبيث صُحبَة الخَبِيثِين ... وقد عاشر الإِمَام رَسول الله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)حوالي ثلاثين عاماً، ثُمَّ عَاشر من بَعْدَه أَهْلَ الْكُوفَة ، وابتلي بالنَّاكِثِينَ، وَالْمَارِقِينَ.)

والْقَاسِطِينَ ، فَیحق لهُ - وهذه هي الحال - أنْ يتلهف عَلى المَاضِي ، ويتبرم من الْحَاضِر ، ويَقُول - حِين اسْتُشْهِدَ بِسَيْف الْغَدْر - مسروراً من أعماق قلبه : «فُرْتُ ورب الكعبة»(1ولو عاشر بعد الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)قَوماً من أَهْلِ الله ، وطَاعته لَهَاَن عَلَيْهِ الخَطبُ ، وكان بِهِمْ سَعِيداً ، وهُم بِهِ أَوْلَى ، وأسعد.)وكأن سائلاً يَقُول : ومَن هُم أَحقِّ بِكَ يا أمير المُؤْمِنِينَ. فأجاب: (قَوْمُ وَاللهِ مَيَامِينُ الرَّأْيِ ، مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ ، مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ ، مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ . مَضَوْا قُدماً عَلَى الطَّرِيقَةِ ، وَأَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ ، فَظَفَرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ ، وَالْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ هُم صدق فِي الرَّأي، ومضاء في العَزيمة، وصبر في الحَرْب ، لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ... ولكن أين هم الآن ؟ . لقد كَانوا فِي القَديم ، ثُمّ مضوا إلى الله ، وكرامته (أَمَا وَ اللهِ ، لَيْسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ ) يُشير إلى ظُلم)


1) ذكرت قصَّة ضرب أبن مُلجَم مقطعة في بعض الكتب التاريخية ، وأهل السير. ولكن نَحْنُ بصدد تحقيق هَذَا الْكِتَاب ولَسْنَا بصدد بيان وجمع المقاطع على الرّغم من أنّ بَعْض الكتب قد نقلتها تفصيلاً مع إختلاف يسير في الألفاظ ، وكَذَلِكَ من التقديم ، والتَّأخير.)أنظر ، تأريخ الطَّبَرِيّ : 143/5، مقاتل الطالبيين : 29 و 47 ، طبقات ابن سعد : 35/3، أَنساب الأَشْرَاف : 489/2 و 499 و 524 ، مروج الذهب : 411/2 ، الإمامة والسَّيَّاسَة : 159/1 ، الكَامِل في التاريخ : 389/3 ، مناقب الخوارزمي: 380 - 410 ، مناقب ابن شهر آشوب : 311/3، تاریخ ابن عساكر : 3/ 367 ح 1424 وأضاف قول الإمام علي(علیه السلام عند ما ضربه أبن مُلجَم «فزت وربّ الْكَعْبَة»، وذكر ذلك البلاذري في الأنساب : 488/1 و 490 ، 49 تاريخ دمشق : 97/38 ، و : 303/3 ح 1402 وما بعدها كنز العمال: 697/13 ، الْفَتْح الرباني : 163/23 ، والْحَاكِم في المُسْتَدرَك : 144/3 ذَخَائِرِ الْعُقْبَى: 110 فَضَائِل علي (علیه السلام)، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 133 باب 9 فصل 5 مع تقديم وتأخير بما يناسب السياق، ويحفظ أسترسال المغنى واللفظ الفتوح لابن أَعْلَمْ: 276/2 ، الاِسْتِيعاب : 59/3 بإضافة «... لا يفوتنكم الكلب»، أسد الغابة : 38/4 ، ينابيع المودة : 164، أَرْجَح المطالب: 651.

الحجَّاج، وتنكيله بأهْل الْعِرَاق ، وأَصل الذَّيَّال من ذال فُلان إِذَا تَبختر ، وجَرَّ ذيل توبه على الأرض ، والميَّالُ الجَائِرِ الظَّالِم(1.)( يَأْكُلُ - الحَجَّاج - خَضِرَتَكُمْ أي ينهب ثروتكم، ومُقدّراتكُم (وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ) كِناية عن إذْلالهم، والْقَضَاء عَلى قُوَّتِهم ، وهيبتهم إيه أَبَا وَذَحَةً !) . قِيل في تَفْسِيره حِكَايَة ، وأَقْوَال ، نقلها أبن أبي الحَدِيد ، وأَرْجَحها أَنْ هَذَا كِنايَة عَن حقارَة الحَجَّاج(2). (رُوحَاً وَجِسماً حَيثُ قِيل في وصفه : إِنه كَانَ قَصِيراً ، دَمِيماً ، نَحيفاً ، أَخفش الْعَيْنِين ، مُعوّج السَّاقِين، قصير السَّاعدِين، تجدور الوجه ، أصلع الرَّأْس ، حَتَّى كَأَنه وَذَحَةً أَي خُنْفُسَاء)(3).)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 278/7) ، (مِنْهُ قدّس سرّه).

2) أنظر ، شرح نهج البلاغة : 278/7، شرح نهج الْبَلاغَةِ مُحَمَّد عَبْدَه : 230/1، شرح منة كلمة لابن ميثم : 241 ، بحار الأنوار: 332/41 ، تجمع البحرين: 485/4 ، تاج العروس: 246/2 .

3) أنظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 281/7، شرح منة كَلِمَة لابْن مِيْثَم البحراني : 243. بالإضافة إلى الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 322 مروج الذهب للمسعودي : 175/3 ، العقد الفريد : 214/3. ، ويَقُول صاحب مروج الذهب، وصاحب العقد الفريد في أَقْوَال النّاس في الحَجَّاج: (أحصي من قتلهم الحجاج صَبراً سواء من قتل في حُرُوبِه فكانوا (120) ألفاً ، وكَانَ في خيسه (50) ألف رَجُلاً ، و (30) ألف إمرأة ستة عشر منهن عاريات، وكان يُطعم المساجين كما يَقُول أبن الجوزي في تأريخه الخبز ممزوجاً بالرَّماد). وجاء في العقد الفريد أيضاً على لِسَان عُمَرَ بن العزيز : (لوجَاء النَّاسِ يَوْم الْقِيَامَة بِفُساقِهم. وجئنا بالحَجَّاج لزدنا عَلَيْهِمْ ).

## الخطبة-117-### ابذلوا مَالَ الله عَلَى عِبَادِهِ:فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا ، وَ لَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا ، تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَ لَا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ فَأَعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَأَنْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ !### اللُّغة:أَمْوَالَ مَفْعُول مَحْذُوف يُفسره الفِعْل الموجود أي فَلا بَذَلْتُم أَمْوَالاً ، ومِثْله أَنفُسَ ، والأصل وَلَا خَاطَرْتُمْ بأَنْفُسَ ، ثُمّ حُذف حرف الجر ، وانتصبت أَنْفُسَ ، وتَكْرُمُونَ بالله - بفتح التاء - مِن كَرُم فُلان أي صار كَريماً ، وشَرِيفاً عِند النَّاس ، وتُكْرِمُون الله بالضم - من أَكْرَم .### مُعْظَم النُّعْمَاء وَبَعْض الْعُلَمَاء:(فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا ، وَ لَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا . كَيْفَ)

تَبْخَلُونَ بمال الله عَلى عِياله ، وأَنْتُمْ عَلَيْها وكلاء ، وأُمناء ، كما نطقت الآية : (وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (1). وأيضاً تحجمون عن الجهاد في سبيل الله ، وهو سُبْحَانَهُ خَالقها ، ومودعها في أبدانكُم.)(تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَ لَا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ . وأَعجب مِن ذَا وذَاكَ أنّ فِئَة من خَلق الله يلبسون ثوب الْعِلْم ، والدِّين ، ويَطْلُبُون من النَّاس التكريم ، والتعظيم بأسم الدين ، وما حققوا هدفاً حسناً ، وَلاً تركوا أَثراً طيباً ، بل البعض مِنْهُم عَدُوّ مُبين، وأشد ضرراً مِمَّنْ أشرك والحد .. إنه يُحرف تعاليم الإسلام. ويُتاجر به ، ويدعم البدع والخرافات، ويعمل على زِيَادَة الهوة بَيْنَ الْمُسْلِمِين . ويُناصر الغُزاة من أَعْدَائه ، ثُمَّ يَقُول للنَّاس : قبلوا يدي، وأجلسوني في صدر المجالس ، والمحافل ، وأدفعوا إلى أَمْوَالَكُم باسم الدِّينِ ، وَالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.)وأعطف على هَذَا الضَّال المضل مُعْظَم الرُّعْمَاء الزَّمنِيين، يُنَادِي أحدهُم بِمَا يُرِيدُه النَّاس، ويقسم أنه يُضحي بكلّ عَزيزِ من أجلهِم حَتَّىٰ إِذَا أَدلوا إِلَيْهِ بأصوَاتِهم، وصار قَوِياً بِهَا - وقف مع أعدائهم يُفسد عَلَيْهِمْ حَياتِهم ، وينهب تَرَواتِهم .. ومِن استمد قُوَّتِه من الدِّين ، وَلاَ يُضحي في سَبِيله فَهُوَ مُنافق دجال ، ومن يقوى بالنَّاس، وثقتهم ، ولا يهتم بمصالحهم فَهُوَ لَّصُّ، وخائن ... ولكن يَسْتَحِيل عَلَيْهِ أنْ يستمر في هَذِهِ الطَّرِيق حَتَّى النَّهَايَة ، فسرعان ما تتضح الرُّؤيَةِ ، ويَفتضح المبطلون، وتذهب الشُّعارات مع الرّيح.


1) الحديد: 7 .

## الخطبة-118-### أَنْتُمُ الْأَنْصَارِ:أَنْتُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ ، وَ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ ، وَ الْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ ، وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ، بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ ، وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ ، فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِضٌ ، سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ !### اللُّغَة:الجُنَنُ - بضم الجيم - جمع جُنَّة ، وهي الوقاية . والْبَأْسِ : الشَّجَاعَة ، والقُوَّة، والشِّدَّة ، وَهِى الْمُرَاد هنا. وَبِطَانَةُ الرَّجُل : خاصته ، وموضع سِرّه .### الْمَعْنى:خاطب الإِمَام أَصْحَابِهِ بهَذا بَعد فراغه من حَرْب الجَمَل ، كَما نُقل عن المدائني، والواقدي، وهذه الحزب هي الأولى من حُرُوب الإمام في خلافته ، وأبدى أَصْحَابه فيها شجاعةٌ ، وثَباتاً حَتَّى أنتهت في وقعَة وَاحِدَة، ويَوْم واحد ، وكَانَ

النَّصر فيها لِلْإِمَامِ عَلَى أَعْدَائِهِ ، وإِذَنْ فَلا بَدع إِذَا أَتَنى عَلَيْهِمْ ، وشجعهم في بضع كلمات ليسْتَمرُوا في الجهاد ، والثَّبات ، ويُرهب بِهِمْ مَن أَعرض ، ونأى ، ويُقوّي إيمان مَن أَيقنَ ، وأتق.(فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ بصرف النظر عن نصوص الْكِتَاب ، والسُّنَّة .. فإنّ سِيرَة الإِمَام وَحْدَها تفرض طَاعته ، وَولايته على النَّاس وكفى دَليلاً عَلى ذَلِكَ أنّه لو واجه موقفاً كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَختار بَيْنَ التّضحية بنَفْسِه في سَبيل الحَقِّ والدِّين، أو التمسك بكرسى الحكم - لفضل الأُولَى على الثانية عن رِضاً ، وطيب نَفس .. إنّه لا يعمل أَبَداً إلا للهِ ، وَلاَ يَهاب أحداً غَيْرِ الله ، أمّا المَوْتِ فَهُوَ : «آنسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ »(1)، وأما الْفَقْر فالدُّنْيَا بَكَامِلهَا أَهْوَن عَلَيْهِ : « مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا »(2)... وهل من نَصٍ أقوى ، وأوضح وَرَاءَ هَذَا الحِسٌ ، والْعَيَّان ؟ . إِنَّ النَّص فَرغ ، وتبع ، والأصل هو السِّيرَة ، والْعَمَل .)وبعد فبهذه البَدِيهَة ، وهَذَا الحِس يَنْبَغِي أَنْ تُخاطب شباب الجيل الَّذِين يجادلون في المعقول، ويُشككون في المنقول.


1) أنظر ، نهج الْبَلاغَةُ : الخُطْبَةُ (5).

2) أنظر نهج الْبَلاغَةُ الخُطبَةُ (224).

## الخطبة-119-### أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ؟.. فِقْرَة 1 - 2 :مَا بَالُكُمْ أَمُخْرَسُونَ أَنْتُمْ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ .فَقَالَ (علیه السلام :)مَا بَالُكُمْ لَا سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَلَا هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ ! أَفِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ ؟ وَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ، وَذَوِي بَأْسِكُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ ، وَ الْمِصْرَ ، وَ بَيْتَ الْمَالِ ، وَجِبَايَةَ الْأَرْضِ ، وَالْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَ النَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى ، أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِي الْجَفِيرِ الْفَارِعِ ، وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَا ، تَدُورُ عَلَيَّ ، وَ أَنَا بِمَكَانِي، فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا ، وَأَضْطَرَبَ ثِقَالُهَا . هَذَا لَعَمْرُ اللهِ الرَّأيُّ السُّوءُ، وَالله لَوْ لَا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَانِي الْعَدُوَّ ، وَ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلَا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ ، وَ شَمَالُ ، طَعَانِينَ عَيَّابِينَ ، حَيَّادِينَ ، رَوَّاغِينَ إِنَّهُ لَا غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ . لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى

الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتِي لَا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلَّا هَالِكُ ، مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ ، وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ .### اللُّغة:لَا سُدَّدْتُمْ لِرُشْدٍ : لَا وُفْقتُم لِخَيرٍ ، وَالْمِصْرَ : الْبَلَد العظيم ، والمِصْرَان : الْكُوفَة، والْبَصْرَة، والجمع الأمْصَار . والكَتِيبَة : القطعة من الجيش . وأَتَقَلْقَلُ : أَتحرك في أَضْطِرَاب . والْقِدْح - بكسر القاف - السَّهم . والجقِيرِ : الكِنَانَة ، وَهِي التي يُوضع فيها السِّهام وأسْتَحَارَ أَضْطَرَبَ ، ولم يستقم . والتُفَالُ : جلد يُبسط تحت الرَّحَا . وحمَّ : قُدر . وقَرَّبْتُ رِكَابِي : أَحْضَرْتُ رَاحلتي للرّكُوب . وشَخَصْتُ عَنْكُمْ : ذَهَبتُ عَنْكُمْ إِلى غَيْرُكُم . وحَيَّادِينَ : مُنْحَرفِين . ورَوَّاغِينَ : مُتَقَلبِين بَيْنَ ذَا وذَاكَ . ولا فَنَاءَ: لا جَدوى.### الْإِعْرَابِ:مَا بَالُكُمْ مُبْتَدَاً ، وخَبَر ، والمَصْدَر من أَنْ أَخْرُجَ فَاعِل يَنْبَغِي ، ولَعَمْرُ اللهِ مُبْتَدَأَ ، والخَبَر مَحْذُوف أي قَسَمي ، والرَّأْيُ عَطف بيان مِن هَذَا، طَعَانِينَ حَالَ من مَفْعُول أَطْلُبُكُمْ ، ومِثْله ما بَعْدَه ، وَقَالَ الطَّرِيقِ الْوَاضِح «الَّتِي»، ولم يقل الَّذِي لأنّ الطَّرِيق تُذكر ، وتُؤنث ، فالْوَاضِح بالاعتبار الأَوَّل ، والَّتِي بِالاعْتِبار الثاني .### الْمَعْنى:حثَّ الْإِمَام(علیه السلام أَصْحَابِهِ عَلَى الجِهَادِ فِي بَعْض المواقف ، فَلَم يَجِيبُوه بشَيء ، كأن)

فِي أَذَانِهِمْ وَقْراً ، فَقال : (أمُخْرَسُونَ أَنتُمْ ؟ فأجابه واحد مِنْهُم بِقَوْله : (إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ . فقَال الْإِمَام : (لَا سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَلَا هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ ) والرُّشْد الهِدَايَة والاِسْتِقَامَة ، والقصد الإِعْتِدَال ، ولَيْسَ هَذَا دُعاء كما توهم البعض، بل بياناً لواقع الحال في صيغة الدُّعَاء، والقصد منه اللوم ، والتَّوبِيخ (أُ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ ؟ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ، وَذَوِي بَأْسِكُمْ، وَ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ ، وَ الْمِصْرَ ، وَ بَيْتَ الْمَالِ ، وَ جِبَايَةَ الْأَرْضِ ، وَ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَ النَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى ، أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْح فِي الْجَفِيرِ الْفَارِغ ) . للقَائِد التَّدْبِير ، والتوجيه إلى الطَّرِيق القويم لتحقيق الهدف المطلوب ، فَيُجهز السَّرايا ، ويُرسل الدوريات ، ويَبْقَ هو في القاعدة يُخطط للهجوم، أو الدفاع، أو المناورة ، والدَّعَايَة حسبما يقتضيه واقع الحال ... وأيضاً يُدبر الأُمور الداخلية ، ويُشرف عَلَيْهَا ، كَجِباية المال ، وإِنْفَاقه ، وسَير الْقَضَاء الفتيا إلى غَيْر ذَلِكَ ، ولو ترك النَّاس، وأنتقل من بلد إلى بلد لمطاردة العُصاة ، أو حزب المعتدين لانفرط العِقْد ، وعمت الفوضى ، وطَمع بالمُسْلِمِين. ومقدراتهم الغُزاة مِن الخارج ، والطَّغَاة مِن الداخل. (وَ إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَا ، تَدُورُ عَلَيَّ ، وَ أَنَا بِمَكَانِي ، فَإِذَا فَارَقْتُهُ أَسْتَحَارَ مَدَارُهَا ، وَ أَضْطَرَبَ ثِفَالُهَا . هَذَا لَعَمْرُ اللهِ الرَّأْيُّ السُّوءُ ) . الإِمَام قُطْبُ الرَّحَا فِي مَعرفَة الإِسلام ،وحقائقه ، وعلومه تدل عَلَيْهِ ، بالإضافة إلى حَدِيث: «أَنَا مَدِينة العِلْم. وعَليُّ بَابها » (1)، وحَدِيث : «عَليُّ مَعَ الْحَقِّ ، ومَعَ الْقُرْآن »(2، وحَدِيث التَّقلين (3)،)


1) لقد وصل إلينا حَدِيث «أنا مدينة العِلْم وعلي بابها متواتراً عن طريق أهل الشيعة ، والسُّنّة كما صرح بِذَلِكَ أَكْثَرَ الْفُقَهَاء، والْعُلَماء، وأَصْحَاب الْحَدِيث، والسُّنن مع وجود بعض الْإِخْتِلاف في اللفظ ، كما ذكرنا سابقاً أنظر . تأريخ دمشق / ترجمة الإمام علي : 467/3 ، والمناقب لابن المغازلي: 81 وصحيح الترمذي : 2/ 299 ح 3807، سنن الترمذي: 5 / باب 301/87، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير : 108/3، و : 11061/55/11 عن ابن عباس، الحاكم في المناقب: 226 ، مُسْتَدرَك الصَّحِيحِين : 126/3 و 127 و 129 ، أسنى المطالب للجزري: 70 و 71 . تاريخ بغداد: 204/11 و 48 و 49 و : 377/2 و : 248/4، و : 172/7 ، لسان الميزان لابن حَجَر : 197/1 تحت رقم 620، الصَّوَاعِقِ المُخرِقَة : 73 و 120 و 9/132 ط المحمدية أورد الحَدِيثِين «أنا مدينة العلم...» و «أنا دار الحكمة..».)وأنظر تَهْذِيب التّهذيب : 320/6 ، و : 427/7 . تذكرة الحفاظ : 28/4 ط حیدرآباد نزل الأبرار: 320/6 73، كتاب الفِرْدَوْس لأبي شجاع الديلمي : 76/1 / 109 ، مَوَدَّة القربى : 24 ، مصابيح السنة للبغوي : 2/ 275، الجامع الصغير للسيوطي : 374/1 - 2705 و 2704 ط مصطف مُحَمَّد ، مُنتخب كنز العمال بهامش مُننَد :أحمد : 30/5 ، وكنز العمال: 152/6 و 156 ، و 32979/614/11. و 600 / 32889 ، و : 13 / 36462/147 و 36463 ، و : 15 / 129 / 378 الطبعة الثَّانِيَة، الفتح 1378/129 الكبير للنبهاني: 1/ 272 و 276 ، البداية والنهاية لابْن كَثِير : 358/7 ، كنوز الحقائق للمناوي : 43 و 46 ط بولاق و 37 ط أخرى تجمع الزوائد للهيثمي : 114/9 ، تلخيص الشافي: 21/3 ، دلائل الصدق للشيخ المظفر : 332/2 و 439 و 441 و 520. السَّرَاط المُسْتَقِيم للعلامة البياضي: 19/2 ، حلية الأَوْلِيَاء : 64/1 و 63 ، عبقات الأنوار: ج 5 و 10 خاص بحديث مدينة العلم ط الهند، ف-ران-د السمطين: 98/1 ، شواهد التنزيل للحافظ الحسكاني : 459/334/1 و 118/81 و 119/82 و 120 و 121 ط أخرى، الرياض النضرة : 193/2 و 255 الطبعة الثانية ، أسمى المناقب: 76 ، أمالي الشيخ الصدوق : المجلس السادس والخمسون 8 والمجلس الحادي والستون ح 1 ، البحار : 40 / 200 و 201 ، المناقب لابن شهر آشوب : 36/2 الغدير : 61/6 - 85، و : 198/7 و 199. وراجع فَضَائِلِ الْخَمْسَة : 248/2 و 250، جامع الأصول : 6489/473/9، شرح النهج لابن : أبي الحديد : 236/2 ط بيروت و 219/7 ط مضر بتحقيق مُحَمَّد أبو الفضل، اللآلي المصنوعة : 171/1 ، تأريخ جرجان : 24 ، إحقاق الحق: 470/5 و 483 ، ميزان الاعتدال للذهبي : 415/1 و 436 تحت رقم 429 ، و : 215/2، و : 182/3 ، و : 99/4، أسد الغابة : 22/4 ، تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي / ترجمة الإمام علي (علیه السلام : 983/459/2 و 464 و 476 حَدِيث 984 و 186 و 997 .)نظم درر السمطين للزرندي الحنفي : 113 المناقب لابن المغازلي: 80 و 212 حَدِيث 120 - 126 و 126/158 ط آخر و 128/86 «أنا مدينة العِلْم وعلي بابها الاستيعاب بهامش الإصابة : 38/3 ، فيض القدير للشوكاني: 46/3 ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي: 220 ط الحيدرية و 99 ط الغري /58.وراجع أيضاً فتح الملك العلي بصحة حَدِيث بَاب مدينة العِلْم عليّ لأحمد بن مُحَمَّد الصِّدِّيق المغربي طبع سنة 1304 ه- بالمطبعة الإسلامية بمصر 3 - 5 و 14 - 16 ، و 22 - 24 و 28 و 29 و 40 - 44 و 54 و 55 ط الحيدرية ينابيع المودة للحافظ القندوزي : 65 و 71 و 72 و 81 و 179 و 183 و 220 و 221 و 234 و 254 و 282 و 400 و 407 ط اسلامبول و 211 و 217 و 278 و 303 و 338 ط الحيدرية ، و : 3/ 122 و 198 و 204 ، و : 2 / 292 ، و : 1/ 137 و 218 و 220 و 222 تحقيق السيّد علي جمال أشرف الحُسَيْنِي، مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي : 43/1 ، تذكرة الخواص لسبط أبن الجوزي : 47 و 48 إسعاف الراغبين للصبّان بهامش نور الأبصار للشبلنجي: 140 و 174 ، تأريخ الخلفاء للسيوطي: 170 و 107 ط آخر

2) أنظر ، تَجْمَع الزوائد : 235/7 تاريخ بغداد : 320/14 ح 7642 ، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 78/1، فرائد ، السمطين: 1771 ، المناقب لابن المغازلي : 117 و 244 ، والمستدرك: 19/3 و 124 ، التَّفْسِير الْكَبِير للرازي: 205/1 ، شرح الأخبار للمغربي: 525/2 ، سُنن الترمذي : باب مناقب علي، ح 3714، جامع الترمذي : 213/22، کنز العمال : 157/6 . الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 124 ، ينابيع المودة: 90، المطالب العالية : ، 66/4 ، المحصول للرازي : 134/6 ، وفي بعض المصادر يلفظ : «رحم الله عَلِيّاً أدر الحق معه حيث دار». أنظر أيضاً، المعجم الأوسط : 95/6 5906 ، تُحفة الأحوذي: 149/10، فيض القدير : 19/4 ، تهذيب الكمال : 402/10 - 2256 ، الرياض النضرة : 243/1 ح 87

3) تقدم أستخراجه.

وغَيْر ذَلِكَ من الْأَحَادِيث التي رواها السُّنَّة في كُتبهم ، وقد جمعها عُلَماء الشيعة في العديد من الكُتب آخرها فيما أعلم كتاب : فَضَائِلِ الْخَمْسَة من الصحاح الستة ، للفيروز آبادي ، وقد أشار إلى رقم الصَّفحة، وتأريخ طبع الْكِتَاب في آخر الجزء الثالث... وأيضاً الإمام قطب الرَّحَا في إدارة المملكة الإسلامية ، تدبيرها

بالحكمة ، ومَصلحة الإِسْلاَم ، والمُسْلِمِين.وآخر ما قرأتُ عن الإِمَام مقالات مُتسلسلة في جريدة «الأَخْبَار المصرية»(1ومن جملة ما قَالَ: «كَانَتْ لعلي عوارف على الإِسْلَام وَكَانَ الإِسْلامِ عَلَيْهِ فَضل التَّكوين مُنذ بداية الوعي ، فخالطت تعاليم الإسلام منهُ الرُّوح ، والدَّم ، والأعصاب. ولهذا رفض عَليّ أنْ تتحول حكومة الإسلام إلى تملكة ، وكَانَ يَقُول دَاعْاً : أَنَّهَا الْإِمَامَة لَا الملك».)(وَ اللَّهِ لَوْ لَا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَانِي الْعَدُوَّ ، وَ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلَا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ ، وَ شَمَالُ ، طَعَانِينَ عَيَّابِينَ ، حَيَّادِينَ ، رَوَّاغِينَ كَان الْإِمَام يَتَمَنَّى الشَّهادة في سبيل الله ، وينتظرها بفارغ الصَّبر ، ولَو عَلِم أنه يُقتل بيد عَدُوّ من أَعْدَاء الله لترك الْخِلافَة ، وطار إِلَيْهِ ، وجَاهد حَتَّى يَسْتَشهِد فِي طَاعَة الله ، ومَرْضَاتِه ، ومن أَقْوَاله : «إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ ! - دِفَاعاً عَن الْحَقِّ وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ ، لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ ! »(2).)(إِنَّهُ لَا غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ وأية جدوى في كَثْرَة العَدد إِذَا تَنافرت الْقُلُوب : (بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ) (3). نَزلت هذه الآية في اليهود (4)، وهى تصدق الآن على المُسْلِمِين


1) أنظر ، العدد : 6051 و 6052 و 6053 بقلم عبد الرَّحمن الشَّرقاوي مُدير مجلة روز اليوسف». (منه قدّس سرّه) .

2) أنظر نهج الْبَلاغَةُ : الخُطْبَةُ (123) .

3) الحشر : 14 .

4) أنظر ، تفسير القرطبي : 240/6 و : 36/18 ، تفسير الطبري : 47/28 ، تفسير ابن كثير : 341/4، تَفسِير الجلالين: 732/1 ح 14. المحلى لابن حزم الظَّاهِري: 216/1

وهَذَا سِرّ تخلفهم، وهوانهم (لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ ... أَرشَدهُم الإمام إلى طريق الأمن ، فَمَن سَلكه حَتَّى النّهَايَة نَجا ، ومَن تَخلف عَنْه هَوى ، وأَهْلَك نَفْسَه بنفسه ، وغَيْر بَعيد أنْ يكون المراد بِهَالِك فِي قَوْله : (لَا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلَّا هَالِكُ الْمُرَاد بِهِ الدَّعي الَّذي يَزعم الصَّلاح، ويتظاهر بهِ كَذبَاً ، وأفتراءً .

الخطبة-120-

شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةً:

تَاللهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالَاتِ ، وَ إِتمَامَ الْعِدَاتِ ، وَ تَمَامَ الْكَلِمَاتِ . وَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ الْأَمْرِ ، أَلَا وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ ، وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ ، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَغَيْمَ ، وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ ، وَنَدِمَ. أَعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ ، وَ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ . وَ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ ليْهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ، وَ غَائِبُهُ أَعْوَرُ . وَاتَّقُوا نَاراً حَرُهَا شَدِيدٌ ، وَ قَعْرُهَا بَعِيدٌ ، وَ حِلْيَتُهَا حَدِيدٌ ، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ . أَلَا وَإِنَّ اللَّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ.

اللغة:

الْمُرَاد بالرّسَالَاتِ شَرَائِع الأَنْبِيَاء ، أو شَرِيعَة الْإِسْلَام فَقط ، والجمع بالنظر إلى كَثرَة مبادئها وتعاليمها ، والْمُرَاد بِالْعِدَاتِ النّصوص عَلَى مَا وَعَدَ اللَّهِ بِهِ الْمُتَّقِينَ ، وهَدَد به الجرمين ، والمُرَاد بِالْكَلِمَاتِ آي الذكر الحكيم. وقَاصِدَةٌ : مُسْتَقِيمَة . وعَازِبُهُ:

غَائِبُهُ ، وأَعْجَرُ : من الْعَجْزِ . وأَعْوَرُ : مِن العَوْزِ بِمَعْنَى الْفَقْر وعدم الوُجُود ، يُقَال: فُلان مُعوز أي فَقِير مُعدم . والصَّدِيدُ : القيح ، والدَّم .

الْإِعْرَاب :

أَبْوَابُ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر ، وَعِنْدَنَا خَبَر مُقَدَّم ، وأَهْلَ نُصب على الاختصاص أي أَخصُّ أَهْلَ الْبَيْت ، وجُملة يجعله حال من اللَّسَان ، وخَير خَبَر إِنَّ ، وَمَنْ لَا يَحْمَدُهُ «مَنْ» فَاعِل يُورِتَهُ .

الْمَعْنى:

(لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرَّسَالَاتِ ، وَإِثْمَامَ الْعِدَاتِ ، وَ تَمَامَ الْكَلِمَاتِ ) . عُلِّمْتُ - بالبناء للمجهول ، ومُعلم الإِمَام وأستاذه رَسُول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) ، وكَلِمَة إِثْمَامٍ تُشير إلى أنّ بيان الْوَعْد الْوَعِيد هو إتمام لبيان الْعَقِيدَة ، والحَلال ، والحَرَام ، والمعنى أَنّ رَسُول الله (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)عَلَّم أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(علیه السلام) كلَّ مَا جَاء فِي كِتاب الله ، وسُنَّةَ نَبِيِّه من أُصول الدِّين وفروعه ، وما يترتب على طَاعتها من الثَّوَاب ، ومَعصِيّتها من العقاب، وأيضاًعلمه أُسلوب الإِرْشَاد ، والتَّبليغ إلى النَّاسِ .

(وَ عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ الْأَمْرِ ) . إِنْ كَانَتْ الحَاء في«الحکم» بالضم فالمراد به سياسة الْعِباد ، وإدارة البلاد، وإنْ كَانَتْ بِالكَسر فالمراد النَّصائح والمَوَاعِظ ، أمّا ضِيَاء الأمر فهو عِلم الْكِتَاب ، والسُّنَّة ، وأَهْل الْبَيْت أَعرف النَّاس بدين الله ، وأشدهم حرصاً عَلَيْهِ، وعملاً به، ومن أجل هَذَا جَعلهم النَّبِيِّ (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) عِدل القُرْآن في حَدِيث الثقلين، وأمر أُمنه بالتمسك بِهِمْ تَمَاماً كَمَا يَتمسكُون بِكتاب الله .

وتَقَدَّمَت الإِشَارَة إِلى هَذَا الحَدِيث ، ومَصْدَره أكثر من مرّة .

(أَلَا وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ ، وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ) أَبَداً لا سَبب إلّا الجَهْل، والأَهْوَاء للإختلافات الدِّينِيَّة الّتي تُؤَدِّي إلى الشقاق ، والبغضاء ، ومنذ القَدِيمِ حَتَّى الآن تلعب وَالسَّيَّاسَة دورها في هَذَا الشَّقاق ، وزيَادَة الهوة بَيْنَ أَهْل الْأَدْيَان، والْمُذَاهِب ، وتَكَلَّمنا عن اختلاف المُسْلِمِين في شرح الخُطْبَةُ 113 فِقْرَة الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَة » ( مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَغَيْمَ ، وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ ، وَنَدِمَ أَعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرِ ، وَ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ ) . الْمُؤْمِن الصَّادق هو الَّذِي يَعْرِف الْحَقِّ ، ويَرتاح إِلَيْهِ ، ويَحرص عَلَيْهِ ، ويُعبر عنه بأفعاله قبل أَفْوَاله ، ومن فَاز بهذه الفضيلة فهو الرَّابح النَّاجِح دُنْياً ، وآخرة وإلا كان من الخاسرين ، وإنْ مَلك الجاه، وألمال.

(وَ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُيّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَرُ ، وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ الإِنْسَانِ بِعَقْله ، مَا فِي ذَلِكَ رَيب ، ويظهر من كلام الإمام أنّ العقل يحضر ، ويُغيب ، ولَكِنَّهُ مَا أَشار إِلَى شَيء يَدلنا : متى يحضر ، ومتى يُغيب ، ولذا أختلف الشَّارِحُون في ذَلِكَ على أَرْبَعَة أَقْوَال ، وكلّها بعيد عن الواقع ، والذي عرفناه بالتَّجْرِبَة ، والملاحظة أن الإِنْسَان مُنفَرداً غَيْره مَع الجماعة ... إنه يُفكر ، ويُبصر بعقله، وهو مُنفرد ، أما مع الجماعة فيتأثر بها، بل يصبح جزءاً مِنْهَا ، ويغيب عَقْله عنهُ من حيث لا يُشعر ، وعلى هَذَا يكون مُراد الإمام أن مَن لا ينفع بعقله، وهُو مُنفَرد ، وبعيد عن التَّأثر بالتقليد وآراء الغَير فبالأَوْلَى أنْ لا يَنْتَفع به إذَا قَلّد ، وتأثر بالآخرين.

(وَ اتَّقُوا نَاراً حَرُهَا شَدِيدٌ ، وَ قَعْرُهَا بَعِيدٌ ، وَ حِلْيَتُهَا حَدِيدٌ ، وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ ) البعث ، الحَشْرِ حَق ، والجنَّةِ والنَّار عدل، وللإيمان بهما آثار نافعة دنياً ، وآخرة ،

و من آثاره أنّ من يُنْكِر البعث ، والجزاء يندفع وَرَاءَ أهوائه بلا حدود حَيْث يرى أنّ

الْحَيَاة هِي فُرْصَته الوحيدة للانتفاع ، والاستمتاع ، أما من يُؤْمِن بالبعث، والجزاء فيحجم ، ويتورع خَوْفاً من العقاب ، والعذاب، ففي الإِحْجَامِ عَن مَحارم الله مَصلحة الْفَرْد والجماعة ، والمُتَّقُون في الدُّنْيَا هُم الفَائزُونَ فِي الْآخِرَةِ .

(أَلَا وَإِنَّ النِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ) الْمُرَاد بالنِّسَانِ الصَّالح الذكر الجميل ، والمعنى خَير للمرء أنْ يترك الثَّناء الطَّيِّب عليه بعد مَوْته مِن أنْ يَترك الثراء لورّائه . وفي شرح ابن أبي الحديد أنّ مُخبراً جاء لِلْإِمَامِ(علیه السلام) يُبشره بأنّ عَيناً خَرارَة قد أَنْفَجَرَت فِي أَرْضِ كَانَتْ آنذاك في حيازة الإمام ، فقال للمُخبر : بَشِّر الوارث ، بَشِّر الوارث يُكررها مِرَاراً، ثُم وقف الأرْض ، والْعَيْن عَلَى الْفُقراء ، وكتب بِذَلك كِتَابَاً في تِلْكَ السَّاعة (1)


1) أنظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 2907 ، وتهذيب الأحكام : 148/9ح609.

الخطبة-121-

هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ.. فِقْرَة 1:

وَقَدْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : نَهَيْتَنَا عَنِ الْحُكُومَةِ ، ثُمَّ أَمَرْتَنَا بِهَا فَمَا نَدْرِي أَيَّ الْأَمْرِيْنِ أَرْشَدُ ؟ فَصَفَّقَ(علیه السلام) إِحْدَىٰ يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَىٰ ، ثُمَّ قَالَ:

هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ !

أَمَا وَاللهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْراً . فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ ، وَ إِنِ أَعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى ، وَ لَكِنْ بِمَنْ وَ إِلَى مَنْ ؟ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ ، وَأَنْتُمْ دَائِي، كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا !

اللُّغة:

المراد بِالْعُقْدَةَ هُنا الإِصْرَار عَلَى حَرْب مُعَاوِيَة ، والخَوَارِج معاً ، ويَأْتِي التفصيل . وَنَقَشَ الشَّوْكَة : أَخرجها من العضو الذي دخلت فيه . والصلع : الميل ، وفي

الأَمْثَالَ : لا تنقش الشَّوْكَة بالشَّوْكَة فإنّ ضَلعَهَا مَعَهَا (1)، أى أَنَّهَا تَدخل العُضو. وتَنضم إلى الأُولَى.

الإِعْرَاب :

أَمَّا لاستفتاح الكلام، وجُمْلَة حَمَلْتُكُمْ خَبَر أَنِّي ، وَحِينَ مُتَعَلِّق بأمَرْتُكُمْ ، والمَصْدَر من أَنِّي فَاعِل لفعل مَحْذُوف أي لو ثبت حَمَلِي لَكُم عَلَى الْمَكْرُوهِ ، ولَكَانَتِ الْوُثْقَ جَواب القسم ، وبِمَنْ وَإِلَى مَنْ ؟ مُتَعَلَّقَان مَحْذُوف أي مِنْ أَستَعِين ، وإِلَى مَنْ أَرْجَع.

الْمَعْنى:

دارت الحزب في صِفِّين ، ولما ظهر الوهن في جبهة مُعَاوِيَة قَالَ لهُ أبن العاص : أرفع المصاحف، فإنْ قَبل علي أختلف أَصْحَابه ، وإن أمتنع كفّروه وَفَعلها مُعَاوِيَة ، ودَبّ الخلاف في جيش الإمام ، وَقَالَ قوم مِنْهُم : الرّأي القَبُول . فقال لهم الْإِمَام : لا تُصدقوا .. إِنَّهَا حِيلَةٌ ، وَغِيلَةٌ ، وَمَكْراً ، وَخَدِيعَةً. فأصروا ، وهددوه

بالقتل.. فأستجاب ،مُكرها ، وأشرنا إلى ذَلِكَ في شرح الخُطْبَةُ 35 ، وغَيْرها . ولما ظهرت آثار التَّحْكِيم والحَكَمين ألقى الْخَوَارِج المَسْئُولية على الإِمَام ، وَقَالَ له آثم مِنْهُم : نَهَيْتَنَا عَنِ الْحُكُومَةِ ، ثُمَّ أَمَرْتَنَا بِهَا فَمَا نَدْرِي أَيُّ الْأَمْرِيْنِ أَرْشَدُ ؟ فَقَالَ الإِمَام(علیه السلام): (هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ). وكَلِمَة هَذَا تُشير هنا - بقرينة السياق - إلى


1) أنظر النّهاية في غريب الحديث : 96/2 ، الفائق في غريب الْحَدِيث : 289/2 ، ترتيب إصلاح المنطق لابن السكيت الأهوازي : 235 ، الصحاح : 1251/3 ، لِسَانِ الْعَرَب : 227/8 251/3

قَوْل الإِثْم المتجرىء : نَهَيْتَنَا عَنِ الْحُكُومَةِ ، ثُمَّ أَمَرْتَنَا بِهَا .. أمّا العُقْدَة فَقد بَيْنَهَا الْإِمَام ِبقَوْله : (أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْراً ، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ ، وَ إِنِ أَعْوَجَجْتُمْ قَدَّمْتُكُمْ ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَ كُتُكُمْ ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى ) . قَالَ النَّبي (صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)لعليّ : تُحارب بعدي النَّاكِثِينَ، وَالْقَاسِطِينَ ، والْمَارِقِينَ ، وهُم الَّذِين أصروا عَلَى وَقْف الْقِتَالَ في صِفِّين التَّحْكِيم ، ثُمَّ كَفَرُوا الإِمَام لإنّه أستجاب هُم ، وكَانَتْ الْعُقْدَةَ - أي الرَّأي المصيب - أنْ يُقَاتل هَؤُلَاءِ الْمَارِقِينَ قبلَ أنْ يَسْمَع مِنْهُم مَا سَمع، وقبل أن يخرجوا بالسَّيْف ، ويقطعوا طريق المُسْلِمِين ، ويَسعوا فِي الْأَرْضِ فَسَاداً.

(وَ لَكِنْ بِمَنْ وَ إِلَى مَنْ ؟) أي أنّ الْإِمَام (علیه السلام) لو قاتل الخوارج حين رفض التَّحْكِيم وأصروا عَلَيْهِ - بمن يَسْتَعِين على قتالهم ؟ وإلى مَن يَستند في ذلك ؟ هل يَسْتَعِين بأَصْحَابه ، وهُم في شقاقي ونفاق ؟ وإذَنْ يَكُون تماماً (كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ ) وكالمُستَجِير مِن الرَّمضَاء بِالنَّارِ . .. إن السبب الأول لكلّ ما حدث لِلإِمَامِ هُو عِناد أَصْحَابِهِ، وَمُخالفتهم عن أَمْرِه ... كَانَ مُعَاوِيَة في أطوع جُند ، وكَان الإِمَام فِي أَخبث جُند ، كما قَالَ مُعَاوِيَة نَفْسَه ... وكان الإمام يكرر ، ويُردد : «لا رَأْيَ مَنْ لا يُطَاعُ»(1). قَالَ الْعَقاد : «أما الَّذِين لأموا عَلِيَّاً لقَبُول التَّحْكِيم فَيُخَيل إلينا مَن عجلتهم إلى اللوم أنهم أَوَّل مَن يَلُومَه لو أنه رفض التَّحْكِيم ... ولَكِنَّهُ قَبله بَعد إحجام جنُوده عن الحزب ... وبعد أنْ تَو عدوه بالْقَتْلِ كَمَا فَعَلُوا بِعُثمانَ »(2).

وبِهَذَا يَتَبَيَّن معنا أنَّ الْإِمَام رَفض أَوَّلاً التَّحْكِيمِ لِعِلمه بأنه خَدِيعَة ، ثم قبله


1) أنظر ، نهج البلاغة : الْخُطْبَةُ .(27).

2) أنظر ، عبقرية الإِمَام : 215 (مِنْهُ قدّس سرّه) .

مُضطراً ، لأَنْ أَصْحَابِهِ أَحْجَمُوا عن حزب مُعَاوِيَة ، وحَرْبِ الْخَوَارِحِ الَّذِين أصروا عَلى قَبُول التّحْكِيم آنذاك، وما أقدم على حربهم إلا بعد أن شهروا السلاح، وقطعوا السَّابِلة ، وَقَتَلُوا الرّجال ، وبقروا بطون الحبالى ، ومَلأوا الدُّنْيَا فَساداً ، وطُغياناً . وعَلَيْهِ ، فَقُول الْإِمَام : هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ مَعناهُ لو أنّ الإمام قاتل الخَوَارِج في صِفِّين لما سمع الَّذِي سَمْعَه من ذاك المتجرى .... ولكن ماذا يصنع ؟ وبمن يُقاتلهم ؟ وإلى مَن يَرجع فِي حَرْبهم ؟ إِلى أَصْحَابِه ، وهُم الدَّاء ، وأَصل البَلاء .

أقْبَلُوا النَّصِيحَةَ .. فِقْرَة 2 - 3:

أَللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ ، وَكَلَّتِ النَّزْعَةُ بِأَشْطَانِ الرَّكِيّ : أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَبِلُوهُ، وَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَ هِيجُوا إِلَى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا ، وَلَة اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلادِهَا ، وَ سَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا ، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ زَحْفَاً زَحْفاً ، وَصَفَا صَفاً . بَعْضُ هَلَكَ ، وَ بَعْضُ نَجَا . لا يُبَشِّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ ، وَ لا يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى ، مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ، ذُبُل الشَّفَاءِ مِنَ الدُّعَاءِ ، صُفْرُ الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ . عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ . أُولَئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ . فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْماً إِلَيْهِمْ ، وَ نَعَضَّ الْأَيْدِي عَلَى فِرَاقِهِمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً ، وَيُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ ، وَ بِالْفُرْقَةِ الْفِتْنَةَ . فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ ، وَنَفَتَاتِهِ ، وَأَقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْهُمْ ، وَأَعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ .

اللُّغَة :

مَلَّتْ : مِن المكل. والدَّوِيِّ الصَّوْت ، والْمُرَاد بِهِ هُنا الدَّاء الشَّدِيد . ونَزَع الشَّي

من مكانه : قَلَعَه ، ونَزَع الدَّلو جَذَبَهَا ، ونَزْعَة ؛ جَمع نَازع والأَشْطَانِ : الحِبال . والرَّكِيّ : الآبار. وَولهاً : جنُواً . واللقاح النوق التي تُحلب. ومُزه - بضم الميم ، وسكون الراء - جمع أُمَرَه أَي فِي عَينه بياض ، ونَحوَه وخُصُ الْبُطُونِ بطونهم ضَامرة. ويُسَنِّي : يُسهل . والمراد بنزعات الشَّيْطَان ، ونفثاته ، وسَوَسَته ، وتزيينه .

وَأَعْقِلُوهَا : أَحْبِسُوهَا .

الْإِعْرَاب :

زَحْفاً نُصب على المَصْدَر أى يَرْحَفُون زَحْفاً ، وَمِثْله صَفاً ، والتكرار للتأكيد ، ويجوز النَّصب عَلَى الحَال أي زاحفين وصَافِّين ، ومُرْهُ خَبَر مُبْتَدَاً مَحْذُوف أي هُم مُرْهُ والْمَصْدَر من أنْ نَظمَأُ فَاعِل حَقَّ ، وعُقْدَةٌ نَائب عن المفعول المطلق أى حَلّ عُقْدَةٌ بَعد عُقْدَة.

الْمَعْنى:

(أَللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ ، وَكَلَّتِ النَّزْعَةُ بِأَشْطَانِ الرَّكِيّ ) . لكُلّ دَاء دَواء إلّا العَمى ، والْهَوَى، ولذلِك مَل الرَّاشِدُون ، والنَّاصحون وكلوا من نَصح من أعمى الجهل عُقُوهُمْ ، وأمرضت الشَّهوات قُلُوبُهُمْ (أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الإِسْلامِ فَقَبِلُوهُ ، وَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَ هِيجُوا إِلَى الْجِهَادِ فَوَلِها ... إلخ)... يَأسف الْإِمَام ويتحسر عَلَى أَيَّامه بَيْنَ الصَّفوة من إِخْوَانِهِ الَّذِينَ مَضوا إِلَى رَبِّهم، وبَقِي بَيْنَ قَوم يتنافسون على العاجلة ، وينسون الْآجِلَةِ على عَكس إِخْوَانِهِ المَاضِين الَّذِينَ لَا يُبَشِّرُونَ بِالأَحْيَاءِ ، وَلَا يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى ) أَي لا يَفرَحُونَ إِذَا لَم يَسْتَشهِد واحد مِنْهُمْ، وَلا يَحزنون إِذا يحزنون إذا أسهم ، لأن الشهادة عِندهم هي الفَوْز الأَعْظَم

أما قَوْل الْإِمَام(علیه السلام) : (مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ، ذُبُلُ الشّفَاءِ مِنَ الدُّعَاءِ ، صُفْرُ الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ. عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ ) فَقد نظم في أبيات من قصيدة لقُطب من عُلَماء البحرين يَرني سَيّد الشُّهداء(علیه السلام) . قَالَ قدّس سرّه:

خُمص البُطُون طوى ذبل ظمئ *** عُمسُ الْعُيُون بُكاً ما غَبّها الكحل

يُقَال مَرضى ومَا بِالْقَوْم من مَرضٍ*** أو خُولطُوا خبلاً حَاشَاهُم الخَبل

إنْ يَنطِقُوا ذَكَرُوا أو يَسكتُوا فَكرُوا *** أو يَعْضِبُوا غَفَرُوا أو يُقطعُوا وصلوا

أو يُظلمُوا صَفحُوا أو يُوزنُوا رَجحُوا *** أو يُسألوا سَمحوا أو يحكموا عدلوا

وَلاَ يَلمُّ بهِم مَن بِهِمْ مِن ذَنْبِهِم لَمَمُ *** ولا يَميلُ بِهِمْ عَن وِردهِم مَيَلُ

(إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً ، وَيُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ ، وَ بِالْفُرْقَةِ الْفِتْنَةَ ) . حَذَر سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ مِن الشَّيْطَانِ . وَقَالَ : إِنّه يُفسد ، ويُضل ، ويَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَالْمُنكَرِ ، ويُنسي ذكر الله ، ويُوقع العداوة، والبغضاء بَيْنَ النَّاس، ويُزين أعمال السُّوء، ويَصدُّ عن سَبِيل الحَقِّ والخير، ويُحرّف الدين عن مواضعه ، وإِنه عَدُوّ مُبِين الله ، ولِلْإِنْسَان ، وبعد هَذَا النَّعت ومَا إِلَيْهِ لعنه الله وأخْزَاه ، ومَعْنَى هَذَا أنّ كلّ مَن كَان فيهِ شَيء من هَذِهِ الصِّفَات فهو عَدُوّ الله ، والإِنْسَانية ، وشَيْطَان لَعِين (فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ ، وَ نَفَتَاتِهِ ، وَأَقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْهُمْ ، وَ أَعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) أبتعدوا عن المفسدين الغُواة، وأعْمَلُوا بنصائح المتَّقين الهُداة ، وانتفعوا بها ، وَلاَ تَعرضُوا عَنْهَا :(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وَأُوْلَئكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئكَ هُمْ أُولُوا الألباب )(1)


1) الزُّمَر : 18