شرح فی ظلال نهج البلاغة محاولة لفهم جدید المجلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

في ظلال

نهج البلاغة

محاولة لفهم جديد

شرح

العلّامة الشّيخ محمد جواد مغنية

الجزءُ الأَوَّلُ

وثق أصولة وحقّقه وعلّق عليه

سالمي الغرري

مؤسّسة

دائر الكتاب الاسلامي

اشارة

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

جميع حقوق الطبع مسجله و محفوظه للناشر

الكتاب :فى ظلال نهج البلاغة (ج 1)

المؤلف: ... العلامه محمد جواد مغنية (رَحمهُ اللّه)

الناشر : ... دار الكتاب الاسلامي

الطبعه : ...الاولى 1425هـ. ق / 2005م

المطبعه:... مطبعة ستار

عدد النسخ:... (2000) نسخه

الترقيم الدولي للمجموعة: 6 – 100 – 465 - 964

ISBN: 964 - 465 - 100 - 6

الترقيم الدولي (ج 1) 4 - 101 - 465 - 964

ISBN: 964 - 465 - 101 - 4

فَهْرَسَ الْمُوضوعات

مُقَدَّمَة النَّاشِر : ...15

مُقَدَّمَة عَبْدَه حَسَن الزَّيَاتِ ...17

الأغراض الْإِجْتِمَاعِيهُ فِي نَهْجِ الْبَلاغة ...17

تَمْهِيدٌ ...17

أقسام الْبَحْث: ...17

عِلاقَة الْفَرْد بِرَبِّهِ : ...19

عِلاقَة الْإِنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ: ...21

عِلاقَة الْمَرْءِ مَع غَيْره ...24

سيَاسَة الدولة: ...36

خِتَامٌ ...48

مُقَدَّمَةُ السَّيِّد الشريف الرَّضِيَ ...49

مُقدَّمَةُ الشارح ...55

التأليف ...55

هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ...56

الدِّين، والْحَيَاة... 58

نهج البلاغة: ...59

مَوَاضِع النَّهْج: ... 61

العلم والعمل: ... 63

التَّرْتِيب: ...66

خُطَّة الشَّرح: ...67

الْخُطْبَةُ - 1 -:...71

الْحَمْدُ اللّه... فِقْرَة 1 - 3: ...71

أَوَّلُ الدِّينِ... فِقْرَة 4 - 6: ...77

نفى الصفات: ...78

أَنْشَأَ الْخَلْقِ... فِقْرَة 7 - 8 : ...88

خَلْقِ السَّماوَات... فِقْرَة 9 - 13: ...91

حول الكون: ...93

الْمَلائِكَة فِقْرَة 14 - 16: ...104

مُشْكِل وَشَائِك: ...104

خَلق آدَمَ فِقْرَة 17 - 19: ...106

حَوْلَ آدَمَ : ...107

الرُّوح : ...114

حول الإنسان : ...115

آدَمَ إِبْلِيسَ فِقْرَة 20 - 21 : ...118

الْعِبَر فِي قِصَّة آدَمَ، إِبْلِيسَ: ...122

الإِنْسَانِ، وَالْخَطِيئَة: ...125

الْأَنْبِيَاء فِقْرَة 22 - 25: ...128

ماهي الفِطْرَة؟. ...132

مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقْرَة 25 - 27 : ...137

الْقُرْآن الكريم فِقْرَة :28 - 29 : ...141

الْحَجِّ فِقْرَة 30 - 31 : ...148

سِرٌ الْحَجِّ: ...149

الْخُطْبَةُ - 2 -:...153

بَعْدَ أَنْصِرَافَه مِن صِفِّين ...153

لا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ... فقره 1 - 3: ...153

كَلِمَة التَّوْحِيد: ...156

النَّاسُ فِي فِتَنِ... فِقْرَة 4 - 5: ...158

أَهْل الْبَيْت... فِقْرَة 6: ...160

عِلْمُ الْمَعْصُوم (عَلَيهِم السَّلَامُ): ...162

زَرَعُوا الْفُجُورَ... فِقْرَة 7 - 8 : ...184

الْخُطْبَةُ – 3 -:...191

يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ (وَتُعْرَفُ بالشَّقِشِقِيَّة)... فِقْرَة 1...191

الصَّبْرَ أَحْجَى... فِقْرَة 2 - 3 : ...196

أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ!.. فِقْرَة 4: ...221

عَفْطَةُ عَنْز... فِقْرَة 5 - 6: ...236

الْغَايَة تُبرر الواسِطة : ...246

الْخُطْبَةُ - 4 - ...251

بنَا أَهْتَدَيْتُمْ فِقْرَة : ...251

مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ... فِقْرَة 2: ...254

الْخُطْبَةُ - 5 -...259

عَلِيٌّ وَالْمَوْتِ فِقْرَة 1 - 2: ...259

الْخُطْبَةُ - 6 -...265

أَضْرِبُ الْعَاصِي بِالْمُطِيع: ...265

الْخُطْبَةُ – 7 - ...269

اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ: ...269

الْخُطْبَةُ - 8 -...271

بَايَعَ بِيَدِهِ: ...271

الْخُطْبَةُ - 9 - ...273

أَرْعَدُوا وَأَبْرَقُوا : ...273

الْخُطْبَةُ – 10 -... 275

الشَّيْطَانُ جَمَعَ حِزْبَهُ: ...275

الْخُطْبَةُ - 11 - ...279

أَعِرِ اللّه جُمْجُمَتَكَ: ...279

الْخُطْبَةُ - 12 - ...283

أَهْوَى أَخِيكَ مَعَنَا: ...283

الْخُطْبَةُ - 13 - ...285

أَتْبَاعُ الْبَهِيمَة: ...285

الْخُطْبَةُ - 14 - ...289

خَفَّتْ عُقُولُكُمْ: ...289

الْخُطْبَةُ - 15 - ...291

مِنْ أَينَّ لَكَ هَذَا؟ ...291

الْخُطْبَةُ - 16 - ...297

حَجَزَتْهُ التَّقْوَى فِقْرَة 1 - 2: ...297

خَابَ مَنِ افْتَرى... فِقْرَة 3 - 5: ...303

الْخُطْبَةُ – 17 - ...311

ضَالٌ مُضِلُّ فِقْرَة 1 - 2: ...311

يَعِيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوْتُونَ ضُلالاً... فِقْرَة 3 – 5: ...318

الْخُطْبَةُ - 18 - ...323

الْخُطْبَةُ - 19 - ...327

عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّه، وَلَعْنَةُ النَّاعِنِينَ: ...327

الأَشْعَث بن قَيْس: ...328

الْخُطْبَةُ - 20 - ...335

قريبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ: ...335

لِلمِنْبَرِ - الدُّنْيَا جَنَازَة: ...336

الْخُطْبَةُ - 21 - ...339

تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا: ...339

الْخُطْبَةُ - 22 - ...341

وَإِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّه... فِقْرَة 1 - 3: ...341

الْخُطْبَةُ - 23 - ...349

أَعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءٍ، وَلا سُمْعَةٍ فِقْرَة 1 - 2: ...349

للمنبر - فِي الرِّزْق: ...351

الْقَرَابَة... فِقْرَة 3 - 4: ...355

الْخُطْبَةُ – 24- ... 359

فِرُّوا إِلَى اللّهِ: ...359

الْخُطْبَةُ - 24 - ...361

مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّونِي... فِقْرَة 1 - 2 : ...361

لِلمِنْبَرِ - عَليَّ وَالْخِلافَة: ...362

الْخُطْبَةُ - 26 - ...371

فَلا ظَفِرَتْ يَدُ الْبَائِعِ فِقْرَة 1 - 3: ...371

لِلمِنْبَر - حَوْلَ الدِّين: ...372

الْخُطْبَةُ - 27 - ...379

الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّة... فِقْرَة 1 - 3 : ...379

يَا أَشْبَاءَ الرِّجَال... فِقْرَة 4 - 6: ...386

الْخُطْبَةُ - 28 - ...393

مَنْ لا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ... فِقْرَة 1 - 2: ...393

لِلمِنْبَرِ - بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَة: ...398

الْخُطْبَةُ - 29 - ...401

لا يُدْرَكُ الْحَقُّ إلا بالجد فقرة 1-2: ...401

الْخُطْبَةُ - 30 - ...405

اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ: ...405

الْخُطْبَةُ - 31 -... 409

طَلْحَة والزُّبَيْر : ...409

الْخُطْبَةُ – 32 - ...417

النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَة أَصْنَاف... فقْرَة 1 - 4: ...417

لِلمِنْبَرِ - المُرَائِي وَالمُومِس: ...421

بَقِيَ رِجَالٌ... فِقْرَة 4 - 5: ...423

الْخُطْبَةُ - 33 - ...427

مَا عَجَزْتُ، وَلا جَبُنْتُ فِقْرَة 1 - 2: ...427

الْخُطْبَةُ - 34 - ...425

غُلِبَ واللّه الْمُتَخَاذِلُونَ... 1 - 2: ...435

فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ فِقْرَة 3 - 4: ...439

الْخُطْبَةُ - 35 - ...443

لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرُ! ...443

الْخُطْبَةُ – 36 - ...449

أَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ : ...449

الْخُطْبَةُ - 37 - ...457

الْقُوَّة للْحَقِّ فِقْرَة 1 - 2: ...457

لِلمِنْبَرِ - شَرِيعَة اللّه، وَشَرِيعَة الغَاب ... 462

الْخُطْبَةُ - 38 - ... 467

الشُّبْهَةُ: ... 467

الْخُطْبَةُ - 39 - ...471

لا دِينُ وَلا حَمِيَّة: ...471

الْخُطْبَةُ - 40 - ...477

كَلِمَةُ حَقَّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ: ...477

مَوْقِف الْإِمَامِ مِن الْخَوَارِجِ: ...478

الفَوُضويّة، وَالسُّلطة: ...485

الْخُطْبَة - 41 - ...489

الْوَفَاء: ...489

لِلْمِنْبَرِ - عَلَيَّ وَالسَّيَّاسَة : ...491

الْخُطْبَةُ - 42 - ...495

الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَل: ...495

الْخُطْبَةُ – 43 - ...499

وَأَوْجَدَ النَّاسَ فَقَالُوا: ...499

الْخُطْبَةُ - 44 - ...503

قَبَّحَ اللّه مَصْقَلَةٌ: ...503

الْخُطْبَةُ - 45 - ...507

الدُّنْيَا حَلْوَةٌ خَضْرَاءُ: ...507

للمنبر - الدُّنْيَا، والكفاف: ...509

الْخُطْبَةُ - 46 - ...511

أَللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ: ...511

الْخُطْبَةُ – 47 - ... 515

الْكُوفَةُ: ...515

لْخُطْبَةُ - 48 - ...517

بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي: ...517

الْخُطْبَةُ - 49 - ...521

تَشْهَدُ اللّه أَعْلامُ الْوُجُود: ...521

لِلمِنْبَرِ - فِي عَظَمَتِهِ تَعَالَى: ...522

الْخُطْبَةُ – 50 - ... 527

الْحَقِّ، والْبَاطِل : ...527

الْخُطْبَةُ - 51 - ...535

الْحَيَاة مع الذُّلِّ مَوْت: ...535

الْخُطْبَةُ - 52 - ...539

أَزْمِعُوا الرَّحِيلَ... فِقْرَة 1 - 3 : ...539

لِلمِنْبَرِ - فِي البَذْلِ، والشُّعُور بالمُطلق: ...542

الْخُطْبَةُ – 53 - ...545

الأضحية: ...545

الْخُطْبَةُ - 54 - ...549

لا يسعني الا قِتَالُهُمْ: ...549

للمنبر - حول البيعة للإمام: ...550

الْخُطْبَةُ - 55 - ...555

دَخَلَ إلَى الْمَوْتِ أو خَرَجَ إِلَيْهِ: ...555

فَهْرَس الْمُوضُوعَات ...5

مقدمة الناشر:

بِاسْمِكَ أَللَّهُمَّ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى خَاتِمِ أَنْبِيَائِكَ، وَسَيِّدِ أَحَبَّائِكَ وَأَصْفِيَائِكَ، مُحَمَّدٍ وَآلِهِ عِتْرَةِ الهُدَى، وَالتَّقَی الْمُتَوَاصِينَ بِالْحَقِّ، بَلْ هُمْ أَلْحَقِّ، لا يَحِيدُونَ عَنْ نَهْجِهِ اللَّحْبِ، أَنْ تَجْعَلَ عَقِيدَتِي خَالِصَةٌ لَكَ وَمِنْ أَجْلِكَ.

وَبَعْدُ، فَنَهج البلاغة مِمَّا لا يكاد يختلف فِيهِ أثنان، أَو يَحْتَاج في إثباته إلى بُرهان، مِمَّا لهُ مِن جَلال الشَّأن وَعُلو القَدَر مَا يَدعُو إِلى العِنَايَة الكَامِلَة بهِ، وَالبَحث وَالتَّدقيق عَنْهُ، وَهُو كَالشَّمس الطَّالِعَة فِي رَابِعَة النَّهار، في الظهور وعُلو الشَّأن وَالقَدَر، وَارْتفاع المحل، فَيَقبُح مِن العَاقِل البَصِير سُؤال ما هى الشَّمس الطَّالِعَة، وَهِي مِمَّا يُقتبس من أشراق نُورها كَافَة الكَائِنَات في البر والبحر، كَذَلِكَ نهج الْبَلاغة قد طُبْقَت مَعرُوفِيَته الشرق والغرب، وَنَشر خبره في أسماع الخَافِقِينَ، فَهُو أخ الْقُرْآنِ الكَرِيمِ فِي التَّبْلِيغِ، وَالتَّعلِيمِ، وَفِيهِ دَوَاءِ كُلَّ عَلِيلٍ وَسَقِيمٍ، غَير أَنَّ الْقُرْآنِ أَنْزَله حامل الوحي الإلهي عَلى قَلب النَّبِيِّ الأَمِين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَالدَّاعِي إِلَىٰ أَقوَم طَرِيق. وَالنَّهج أَنْشَأه بَاب مَدِينَة عِلْم النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَحَامِل وَصيته، وسيِّد الموحدين، وَإِمَام المتقين عَلى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ). وَقَد قيل فِي النَّهج مَا قِيل:

نهج البلاغة نهج العلم والعَمَل*** فَأَسْلِكُهُ يَا صَاحٍ تَبْلُغَ غَايَة الأَمَل

وَقِيل فِيهِ أيضاً :

كَلَامُ عَلِيٌّ كَلَام عَلِيٌّ ***وَمَا قَالَه المُرْتَضى مُرْتَضى

إذن كَمَا قَالُوا فِي كلام عَلَيّ: «هُو دُون كَلَامِ الخَالِقِ وَفَوقَ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ».

لذَا تَشْكُر دَار الكِتَاب الْإِسْلامي الأستاذ سامي الغُريري (الغرَّاوي) عَلَى مَا بَذَلَهُ مِن جهدٍ فِي تَوْثِيقٌ، وَتَحْقِيقَ، وَتَعْلِّيقَ عَلى كتاب «فِي ظِلالِ نهج البلاغة، شرح العلامة الشيخ مُحَمَّد جَوَاد مُغْنِيّة»، لِكَي يُقَدِّمهُ بِحُلَّتِهِ القَشِيبَة لِلقَرَاء.

المقدمة بِقَلَم عَبْدَه حَسَن الزَّيَات

الأغراض الاجتماعية فِي نَهْجِ الْبَلاغَة

تَمْهِيدٌ

إِنَّ شَخصية الإِمَام عَلَيَّ مِنْ أَقوى الشخصيات التي عَرفَها التاريخ، وَلَستُ بِسَبِيل أَنْ أَفصل مَا فِيْهَا مِن نُبلٍ، وقُوَّةٍ، وخصَائِصِ تَستَهوِي الْأَفْئِدَةَ، وَإِما سَبِيلي أنْ أَبْحَتْ جَانِباً مِن جوانب هَذِهِ الشَّخْصِيَة الرَّائِعَة المُسْتَفِيضَة. هُو جَانب النَّظَرَة الإجتماعية فِيهَا، تِلكَ النَّظْرَة الَّتِي أَوْدَعهَا نَهْجِ الْبَلاغة، وَالَّتي بلغت من العُمق، وَالْبَيَان دَرجَة أَغرى سُمُوهَا بَعْض أشياع الأُمويين، وَفَرِيقاً مِن الباحثين، إلى نفيها عَنْهُ، وَالذَّهَاب إلى أَنَّهَا هَدِية الخلود، صاغها للجد حَفِيدَه الشَّرِيف الرَّضِيّ، الشاعر الموهوب.

أَقْسَامِ الْبَحْث:

غَيْر أنَّ هَذِه الآراء كَثِيرَة مَا يَتَكَرَّر الرّأي الواحد أَكْثَر مِن مَرَّة، وَلَيْسَ «نهج

الْبَلاغَة» بِمِقْسَم تَفْسِيمها يَفْصل كُلّ مَجمُوعة مُتشابهة من الآراء عما عداها، وَهَذَا هُو مَوْطِن الصُّعُوبَة، وَلَكِنَّهُ أَيضاً مُهمة الباحث، وَعَلَى هَذَا فَسَنُقَسم الآراء إلى:

1 - عِلاقة الإنْسَان بِرَبِّه.

2 - عِلاقة الإِنْسَان بَنَفْسِهِ.

3 - عِلاقة الإِنْسَان بِغَيرة.

4 - ثُمَّ سِيَاسَة الدَّوْلَة وَهُو بَاب مُتشعب كما سَنَرَى.

وَقَد يَعْتَرض مُعتَرض بأنَّ القِسمِين الأوَّلِين الباحثين فِي عِلاقة الإِنْسَان بِرَبِّه وعَلاقته بنَفْسِهِ يَجب أنْ يُستبعدا مِن بَحِثٍ مَقْصُور عَلَى الْأَغْرَاضِ الإجتماعية أي عَلَى مَا يَقَوْم بَيْنَ النَّاسِ مِن مُعَامَلات لَيْسَ مِنْهَا، مُعاملات الْفَرْد لِلخَالِقِ، وَلاَ لِنَفْسِه الَّتى بَيْنَ جَنْبَيْهِ، وَلَكنَّ هَذَا الإعتراض غير وجيه، إلا بالنسبة للآراء الميتافيزيقية البَحْتَة، وَالَّتِي بَحث فِيهَا الإِمَام بَحثَاً مُطولاً عَن مَنْشَأ الكَوْن، وَعِلاقة الأَجْرَام بَعْضَهَا بِبَعْض، وكَيْفِيَّة خَلق المَلائِكَة، وَالبَشَر، تلك الآراء الَّتي وَجَدْنَاها خَارِجة عَن مَوْضُوعنا فَاسْتَبْعَدْنَاهَا. أَمَّا عِلاقَة الإِنْسَان بِرَبِّهِ، فَالمقصود بِهَا هُنا، الوَصايا التي وجهها الْإِمَام إِلى مُجتمعهِ لِيَعمل بها فيما يختص بِالخَالِقِ الجَلِيل، وَبِذَلِكَ تَكُون أَعْمَالاً بشرية، إنْ لَمْ تَكُن إجتماعية بالمعنى العِلمي الحَرفِي فَهِيَ اجتماعية لأَنَّهَا مطلوب القِيَام بهَا مِن الجَمَاعَة وَلِأَنَّهَا مَظهَر اجتماعِي، وَمُؤثِر قَوّي في السلوك الإجتماعي البحث أي في سلوك الأفراد أَزَاء بَعْضهم بَعْضاً. أَمَّا فِيما يختص بعلاقة الإِنْسَان مَع نَفْسه فَالمَسأَلة أَوْضَح، لأنَّا بِتَدريب أَنفُسَنَا عَلَى مَنْهَج خاص نَخَلقها خَلقَاً جَدِيداً، وَهَذَا الخلق مؤثر أَبْعَد التَّأثِير فِي نَوْع تَعَاملنا مع الآخرين، وَلأنَّ العدوى مَوجُودة فِي الخَيْر، وَفِي الشَّرِّ، فَكُوننا عَلَى هَذِه الحال، أو تِلكَ إغْرَاء لِمَن

هُم دُونَنا، وَلِمَن هُم بِعَرَض التّأثر بمثالنا عَلَى أنْ يَحْتَدُوا ذَلِكَ المَثَالَ، وَلأَنَنا نَحْنُ مُكونُو المجتمع، وَكَمَا نَكُون يَكُون.

هَذَا إِلَى أَنَّ هَذِين القسمين شَيء قَلِيل بِالنِّسبة للقسمين الآخرين.

علاقة الْفَرْد بِرَبِّهِ

• 1 -

ضَمَّ نهج البلاغة بَيْنَ دَفَّتِيه صَفْحَات نَادِرة فِي تَمجِيد اللّه، وَتَحليل صفاته، وَكَثر فِيهِ النَّصح بِالقَاء النفس إلى اللّه كما جَاء فِي وَصِيَّةِ الْإِمَام لِابْنِهِ، وَبُشُكره عَلَى نَعْمَائِهِ وعدم الإغترار بما يُوفق إِلَيْهِ مِن النّجَاح «... وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ» (1). وَأوصى أبن أَبي بَكْرِ بِقَوْله : «... وَلَا تُسْخِطِ اللّه بِرِضًا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّ فِي اللّه خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ مِنَ اللّه خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ...» (2). وَمِثل هَذَا كَانَ يفتتح خطاباته إلى وُلاتِه، وقُضَاتِه ولَنَسْتَمع إِلَى قَوْله حِين بَعث بَعْض عمّالِه عَلَى الصَّدَقَة : «أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّه فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ، وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ، حَيْثُ لا شَهِيدَ غَيْرُهُ، وَلا وَكِيلَ دُونَهُ، وَأَمَرَهُ أَلا يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللّه فِيمَا ظَهَرَ، فَيُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا أَسَرَّ» (3)، وَلَيس غَرِيباً أنْ يُوصي بما أوصى بِهِ الْقُرْآن مِن الرُّجُوعَ إِلَيْهِ وإلى الحَدِيث عِند التباس الأُمور فَيَقول : «وَأَرْدُدْ إِلَى اللّه، وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ


1) أنظر، نهج الْبَلاغَة : مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (31).

2) أَنظر، نَهْجِ الْبَلاغَة : مِن كتاب اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (27).

3) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغة : مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (26).

الخُطُوبِ، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُور» (1). وَلَيس غَريبَاً أَيضاً أَنْ يَعْتَبر الشكوى مِن نوَائِب الزَّمَان شكوى من اللّه فَيَقول : «... وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ» (2).

وَقَد ظَهرَت عَقِيدته الرّاسِخة في اللّه، وَدَعْوَته إلى نُصرة دينه فِي قَوْله : «لاَ تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغْلِكَ بِأَهْلِكَ، وَوَلَدِكَ، فَإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ، وَوَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اللّه، فَإِنَّ اللّه لاَ يُضِيعُ أَوْلِيَاءَهُ، وَإِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللّه، فَمَا هَمكَ، وَشُغُلُكَ بِأَعْدَاءِ اللّه» (3).

عَلَى أَنَّ نَغْمته الزاهدة لا تفتأ تَتَكَرَّر فَهُو يقول لنا هنا : «وَمَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللّه لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ» (4). وَيَقول لنَا هُنَاكَ : «أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ» (5)، وَهَذَا قَول حكيم لأنَّه لا يدعو إلى الكسل، وَأنتظار الرِّزْق مِن اللّه، بَل يقول : إنَّ السَّعي يُزِيد الرِّزْقِ وَلَكن يجب عَلَى المَرْء أَلا يَشْغَل بِجَمِيعِ جَوَارِحه بِالسَّعي وَرَاء الدُّنْيَا فَيَغفل عَن الْعَمَل الصَّالح.

سَبَقَ إِبْرَادِ قَوْله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «... وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو ربه»(6).

وَالآن نَضُم إلى ذَلِكَ قَوْله : «وَلَا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَلُمْ لَائم إِلَّا نَفْسَهُ» (7).


1) انظر نهج الْبَلاغَةُ : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (53).

2) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (228).

3) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (352).

4) أنظر، نهج البلاغة المحكمة (349).

5) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (31)، والحكمة (379).

6) أنظر، نهج البلاغة : المحكمة (228).

7) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغَةِ مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (16).

إِنَّ النَّص الأَوَّل يَدعُونا إِلى عَدَم شكوى الزَّمَان، لأنَّ الزَّمَان يَجْرِي كَمَا قَضى اللّه، وَقدَّر فَثُورتنا عَلَيْهِ لَيْسَت إِلا ثَورَة عَلَى قَضاء اللّه وقدره، أمَّا النَّص الثَّانِي فَإِنَّه يَدعونا إلى أنْ نَعْتقد أنَّ الخير من اللّه، وَأنَّ الشَّرَ مِن أَنفُسِنَا أَي أَنَّ اللّه أَعْطَانا عقلاً نميز به بَيْنَ الطَّرِيقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (1)فَإِنْ سَلكنا طَرِيقِ الشَّرَ فَلا نَكُم إِلا أَنفُسَنَا. وَإِنْ سَلَكنا طريق الخير فَلا تحمد إلا اللّه، لأنَّه هو الَّذي أَرْشَدنا.)#### عِلاقَة الْإِنْسَانِ مَعَ نَفْسِه- 2 -آ - قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ إلى أبن أبي بَكْر : «.... فَأَنْتَ مَحْقُوقُ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ، وَأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ» (2. أي أنْ تُخَالِف هَواك، وَتُحَكِم عَقْلك. ثُمَّ قَالَ فِي مَوضع آخر: «مَن كَان لَهُ مِن نَفْسِهِ وَاعِظٌ، كَان عَلَيْهِ مِنَ اللّه حَافِظٌ» (3)، وَأَوضَحَ ذَلِكَ بموضع ثَالِث بِقَوْله : «مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ، وَزَاجِرٌ لَمْ يَكُن لَّهُ مِنْ غَيْرِهَا لاَ زَاجِرٌ، وَلاَ وَاعِظُ (4).)لَقَد عَرف الْإِمَام عَليّ أنَّ بِالنَّفس شَرٌ، وَنوازع خَير فَدَعَا إِلَى التَّشْدِيد عَلَيْهَا حين تأمر بالسُّوء، وأستعان عَلَيْهَا باللّه في قَوْله : «واللّه الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي،


1) الْبَلَدِ : 10.

2) أنظر، نهج البلاغة مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (27).

3) أنظر، عُيُون الحكم والمواعظ : الحكمة (433)، بخار الأنوار : 454/75.

4) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغة : مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (90).

وَأَنْفُسِكُمْ» (1. ثم أعْتَمد عَلَى الضَّمِير اليقظ، وَأَهاب بِنا أَنْ نُقوِّيه فإِنَّه عاصمنا، ومِنْهُ المُزْدَجِر. وَقَد زَاد مِن عنايته بالتدريب النَّفسي أنَّه أَعْتَقَد أَنَّ الطَّبَاع كَسبِية فقال : «إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِياً فَتَحَلَّمْ، فَإِنَّهُ قَلُّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ» (2)، وَأَنَّه أعتقد أنَّ الإِنْسَانِ مَفْطُور عَلَى الخَيْرِ، وَأَنَّ الْخَيْرِ فِي دَعوَتِهِ لِفِطْرَتِهِ فقَالَ: «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ» (3)فَهمَة الْأَنْبِيَاء عِندَه أَعادتنا إلى الْفِطْرَة التي فَطَرنا اللّه عَلَيْهَا.)ب - وَنُلاحظ أنَّه أَكْثَر مِن النَّهى عَنْ «الأمل» لا الأمل الَّذِي نَعرِفه، وَالَّذي حَثّ اللّه عَلَيْهِ، بَل أَوْجَبه في ذكر أَقْوَاله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَا يَأْيْئسُ مِن رَّوْحِ اللّه إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (4)، وإنما الأَمَل بِمَعْنَى الاِعْتماد عَلَى طُول الأجل، وارتكاب المحَرَّمَات وَإِرجاء الْفَرَائِض أعتماداً عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا رَأي نشارِكه كُلْنَا فِيهِ فَإِنْ كُلَّ مَا بِالعَالَم يَمر فِي سُرْعَةٍ وَثَّابة، وَما أَنْصَف، وَلا أَصْحَاب مَن يُبذِّرِ فِي صِحتِهِ، أَو مَاله اعتماداً عَلَى وَفرَة صَحْته، أو ماله، وَلاَ مَن يُؤجل الْعَمَل انتظاراً للغد. فَإِنَّ الغَد يمرّ، وَنَمرّ مَعْه، وَإِذَنْ مَا أَحرَانَا أَنْ نَعْمَل بِنَصيحة الإمام القَائِلة : «وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ»(5). وَأَنْ تَندَبِر قَوْله : «وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : أَتِّبَاعُ الهَوَى، وَطُولُ الأَمَلِ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ أَنْفُسَكُمْ بِهِ غَداً» (6).)


1) أنظر، نهج الْبَلاغة : الخُطْبَة.(133).

2) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (207).

3) أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (1).

4) يُوسُفَ : 87.

5) أنظر. نهج البلاغة : الخُطْبَة (64).

6) أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (28).

ج - لَمْ أُكد أبداً الكتابة فِي عِلاقَة الْإِنْسَانِ بِرَبِّهِ حَتَّىٰ شَعرتُ بِنحُولَة الفَاصِل بَيْنَ هذا القسم والقسمين الأخيرين، وَهَا أَنْذَا الآنْ أَشعر بهذه النّحولة أيضاً: فَهَا هِي حِكَم وَوَصَايا تدخل في سلوك المرء مَع نَفْسه، وَتَدخُل فِي سلوكه مَع غَيْره كَقَوْله : «قُرِنَتِ الهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ، وَالْحَيَاء بِالْحِرْمَانِ، وَالْفُرْصَةُ تَمرّ مَرَّ السَّحَابِ، فَأَنْتَهِرُوا فَرَصَ الْخَيْرِ» (1. وَمِثل قَوْله : «أَمْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ» (2)وَقَوْله : «الصَّبْرُ : صَبْرَانِ : صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ» (3)وَقَوْله البليغ : «أَفْضَلُ الزُّهْدِ. إِخْفَاءُ الزُّهْدِ»(4). ونَهيه : «وَإِيَّاكَ، وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثَّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الإِطْرَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ، لَيمحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمحسِنِينَ» (5)، فإِنَّ دَعوته إِلى الشَّجَاعَة، وَالجُرأة وانتهاز فرص الخير وتحمل الدَّاء، وعدم الإستنامة إِلَيْهِ، وَالصَبر بِنوعِيهِ، وَإِحْفَاء الزُّهْد أَي الزُّهْدِ فِي سَبِيل التّظاهر، وَالزُّهْدِ بِالْقَلْب مَع مواصلة الْعَمَل، والجهاد، ونهيه عَنِ الإِعْجَاب بالنَّفس، وَحُبّ الثّناء، كُلّ هَذِه العهود يتناولها المرء بَيْنَه، وبَيْنَ نَفْسه، وبَيْنَ غَيْره. أَمَّا أَمْره : «وَلَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلا بِشَرْطٍ وَثِيقٍ» (6)، أي لا تُعرض نَفْسَكَ لِلهَلاكَ إِلا أَنْ تَقضي غَايَة سَامِية، وضرورة لأزمة، فإِنَّه أَدْخل في نطاق المُعَامَلَة النَّفْسية.)


1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (21).

2) أنظر، نهج البلاغة : الحِكْمَة (27).

3) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (55).

4) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (28).

5) أنظر، نهج البلاغة : مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (50).

6) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغَة : مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (69).

#### عِلاقَة الْمَرْءِ مَع غَيْره- 3 -آ - إِذَا كَان عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ، قد وضع لنَا هَذِه القَاعِدة النَّبِيلَة فِي قِيَاس الفَضِيلة، وَالخَيْر لا نَعْمَل فِى السِّرِّ مَا نَخْجَل مِن عَمله في العَلَن حَيْث قَالَ : «وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَل يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ» (1)، فإِنَّه قَد حَبَانا أيضاً بمقياس نَبِيل لأعمالنا تجاه الآخرين في قَوْله الخالد: «يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانَا فِيمَا بَيْنَكَ، وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَ أَكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ» (2)، وَلَو أتبع البشر هَاتِين النَّصيحتين لإمْتَنَعِ الظُّلم، وَالشَّرِّ جَمِيعاً، غَيْر أَنَّه يُمكن أنْ نُلاحظ مُلاحظة متواضعة عَلَى النَّصِيحة الأُولَى : تِلكَ أَنَّ نَظرَة المُجتمع قَد تَتَغِيرِ نَحو بَعْض الفَضَائِلِ، أَو الرَّذَائِل، فإِذا كَان مَا يَسْتَحِي مِن عَمِله يُعمل عَلَى، رُؤُوس الأشهاد فهل الفَضَائِل خَالِدة، أم هِي يَجْرِي عَلَيْهَا نَامُوسِ التَّطور، وَهَل يَطِيع نَصِيحَة الإِمَام أم لا يُطِيعهَا رَجُل يَحْتَسِي الْخَمْرَ عَلَىٰ قَارِعَةَ الطَّرِيقِ غَيْرُ خَجِلٍ لكثرة مَن يَحْتَسُونَها ؟ أما أنا فأَمِيل إِلى القَوْل بِأَنَّ الفَضَائِلِ خَالِدَةَ، وَأَنَّ الْكَذِبِ لَنْ يَكُون فَضيلة لأنَّ النَّاسِ يَكْذِبُونَ، بَل الفَضيلة فَضيلة، وَالرَّذيلة رذيلة، وَلَنْ يَزَال رَاكبهَا يَشعر فِي نَفْسِهِ بِالتَّضاؤل، وَبِنَوع مِن الحَياءِ، لاَ حِين يُلقَی أَمثاله وَلَكنْ حِين يَلقَی الْأَخْيَارِ.)وَمَا لِي أَذْهَب بَعِيداً ؟ إِنَّ الْإِمَامِ يُفسر لنَا ذَلِكَ فِي موضع آخر حَيْث يقول فِي بَيَانٍ شَافٍ : «أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ، وَيُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً


1) أنظر نهج الْبَلاغَة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (69).

2) أنظر نهج الْبَلاغَة : مِن وَصِيَّة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (31).

أَوَّلَ، وَأَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لاَ يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ الحَلالَ مَا أَحَلَّ اللّه، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللّه» (1.)ب - وَإِذا ذكرنا تطور الفَضَائِل، وَخُلودهَا فَلنستعرض رأي الإِمَامِ القَائِل :«وَاقْدَمُوا عَلَى اللّه مَظْلُومِينَ، وَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ» (2. إِنَّ مِن النَّاسِ مَن لَا يُرِيد أَنْ يُسَلَّم بِأنَّ الإِنْظلام فَضِيلة.)وَمَن لَم يَذْد عَن حَوضِهِ بِسَلاحِهِ*** يَهْدِم وَمَن لا يظلم النَّاسِ يُظْلَم (3)وَرُبَّما مَالَ أيضاً إلى أنْ يَقول مَع هِيجل : «إنْ ظفر شعب هو البُرهَان الْقَوِيّ عَلَى حقوقه» (4غَيْر أَنَّ عِبَارَة الإِمَام إِنما يُراد بِهَا مُبالغة في التَّنْفِير مِن الظَّلم.)ج - وَلَقَد دَعَا الْإِمَامِ إِلى التَّعَاون دَعْوَة صَرِيحَة فِي عِبارَةٍ نَبِيلَة حَيْث قَالَ يُودع جنوداً ذاهبين للقتال : «وَأَيُّ أَمْرِي مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأشٍ عِنْدَ اللّقَاءِ، وَرَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً فَلْيَذُبْ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فَضْلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُبُ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ شَاءَ اللّه لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ» (5. وَمَا أوصى بهِ الْإِمَام جنُود جَيْشَه يَصح أنْ يَسْتَوصي به جنُود الْحَيَاة. إِنَّ الْغَنِيِّ لَو ذَبَّ عَن الْفَقِير بِفَضل مَاله الّذي فُضل بهِ عَليهِ، وَالعَالِمِ لَو ذَبَّ عَن الْجَاهِل بِفَضل عِلمه، وَالحَكيم لو أَرشد السَّفِيه بِفَضل حِكْمَته، لَو كَان هَذَا سَبِيلِ النَّاسِ فِي الْحَيَاة، لإنتصر جَيْشَهُم)


1) أنظر، نهج البلاغة : الْخُطْبَة (176).

2) أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (151).

3) يُنْسَب هَذَا الْبَيْت إلى الشاعر المَعْرُوف وصاحب المعلقة زهير بن أبي سلمى، كما جاء في ديوانه : 30، وَشَرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 158/20، الغريب للخطابي : 147/2.

4) أنظر، موسوعة الفَلْسَفَة لعبد الرَّحْمَان بَدَوِيّ : 174/2.

5) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (123).

عَلَى آلأم الحياة القابلة للإنهزام. إِنَّ الإمام لا يزال يلح فِي دَعوته إلى التَّعَاون، وَإِنَّهُ ليسوقها هنا في منطقٍ وَاضح، وَحُجّة لاَزمَة : «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ. وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عِتْرَتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَلْسِنَتِهِمْ» (1، «أَلَا لَا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ الْقَرَابَةِ يَرَى بِهَا الْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لَا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلَا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ، وَ مَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَ تُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ» (2). إِنَّ الْإِنْسَان مَدنِي بِالطَّبع، أَو هُو كما وَصَفه فيلسوف اليونان «حيوان إجتماعي» (3)، وَهِذَا دَعَا الْإِمَامِ دَعوَته.)د - وَقَد تَكَرَّرت دَعْوَة الْإِمَام هَذِه في صورة أُخرى فِي حَيْه عَلَى الصَّدَقَة بِقَوْله البليغ : «وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُوَافِيكَ بِهِ غداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَأَغْتَنِمْهُ، وَحَمَلَهُ إِيَّاهُ» (4. وَبوصيّته : «أَلاَ وَإِنَّ اللَّسَانَ الصَّالِحَ - أي الذِّكْرَى الطَّيِّبَة - يَجْعَلُهُ اللّه تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لا يَحْمَدُهُ» (5). وفي تذكيره بِفَرِيضة الزَّكَاة فِي قَوْله : «إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرُ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ، واللّه تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ» (6). وَقَد بَلغ من تقريره لِلتَّعاون، ولأثر الزَّكَاة وَالإِحْسَان في إسعاد أفراد المجتمع جميعاً أنَّه أَسْتَنَّ تَشرِيعا طَرِيفاً بِقَوْله : «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدِّيْنُ)


1) أنظر، تنهج البلاغة : الخُطْبَة (23).

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (23).

3) أنظر، تاريخ ابن خلدون : 41/1، المثل السَّاتر : 181/2.

4) أنظر، نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (31).

5) انظر، نَهْجِ الْبَلاغَة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (120).

6) أنظر، نهج البلاغة : الحِكْمَة (328).

الظُّنُّونُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ لِمَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ» (1أَي أَنَّ مَن كَان لَهُ دَين، وَلَم يَكُن وَاثِقاً أَنَّ مَدِينه سيرده إِلَيْهِ سَالماً، ثُمَّ رَده إِلَيْهِ عَامِين مَثلاً، وَجَب عَلَيْهِ أَنَّ عَلَى صاحب المال الدَّائِن أَنْ يَدفَع لِلْفُقَرَاءِ زَكَاة هَذَا المَال لِلسَّنتين الماضيتين. وَلَستُ أَعرف حكم الشريعة الإسلامية في هَذَا. ولكنّي أُلاحظ أَنَّ رَأَي الْإِمَامِ وَجِيهِ إِذَا أعْتبرنا أنَّ المال صار بالنسبة للدائن مَفْقُوداً بوجوده عند مَن لا يثق به. فإذا عاد إِلَيْهِ فَكَأَنَا عَثر عَلَى كَنز غَيْرُ مُنْتَظر. وَإِذَنْ فَليس كَثِيراً أَنْ يَدفع مِنْهُ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ إِنْ لَم يَكُن زَكَاة عَنْه فَشُكراً لله عَلَيْهِ. «مَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللّه عَلَيْهِ كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَمَنْ قَامَ ِللهِ فِيهَا بِمَا يَجِبُ فِيْهَا عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ، وَالْبَقَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَقُمْ فِيْهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلزَّوَالِ، وَالْفَنَاءِ» (2)، كما قَالَ الْإِمَام، وكما قَالَ شكسبير : «إِنَّ التَّشَارِيف العَظِيمَة أحمال عظيمة» (3))هـ - لقد زهد الإِمَام بِهذه الدُّنْيَا، وَأهَاب بِهَا أنْ تَغْر غَيْره. بَل لَقَد زَمْجَر مِنْهَا فِي صَرْخَته : «واللّه لَوْ كُنْتِ شَخصاً مَرْئَيّاً، وَقَالِباً حِسّيّاً، لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللّه فِي عِبَادٍ غَرَرتِهِمْ بِالْأَمَانِيِّ، وَأُمَمِ الْقَيْتِهِمْ فِي الْمُهَاوِي» (4، هَكَذَا كَانَتْ نَظرَته الصَّادِقَة إِلَى الْحَيَاةِ فَلا عَجِبَ أنْ يمتليء قَلْبه بالعطف عَلَى النَّاسِ، وَأَنْ يَدعُو إلى إنقاذ الضُّعفاء، وَعَدم خَزن الْمَالِ بِكَلِمَتِهِ الرَّهِيبة : «يَا ابْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ)


1) أنظر نهج البلاغة : الحِكْمَة (6).

2) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (372).

3) أنظر، هياكل شكسبير لتوفيق بن فضل اللّه ضعُون : 215.

4) أنظر، نهج الْبَلاغَة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (45).

فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ» (1.)إنَّ الشعور السَّائِد عَلَى نَهْجِ الْبَلاغَة كُلّه هُو شعُور التَّنْدِيد بالتهالك عَلَى الدُّنْيَا، «وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ... فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ وَأَجْمِلْ فِي المُكتَسَبِ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبِ قَدْ جَرَّ إِلَىٰ حَرْبٍ. وَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَلاَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ» (2. هَذِهِ وصَايَاء، وَلَكِنَّهُ لَا يَدعُو إِلَى الزُّهْد الَّذي يُنافِي الدين، وَالْحَيَاة. فَهُو يَعْمل، وَيُحَارِب. وَلَكنْ عَلَىٰ أَرْضِ الشَّرِف، وَلَغَايَةِ نَبِيلَة.)و - إِنَّ مَا مَرَّ بَنَا مِن دَعوَته إِلى التَّعاون، وَالْإِحْسَان، ووفاء الزَّكَاة ليس إلا بَعْض دَعوته إلى «الحُبّ العام» فإِنَّ قَلْبه النَّبِيل قَد غَمر بهذه العاطفة الشَّرِيفَه، وثبتها إيمانه القوي المنقطع النظير، وليس غريباً مِمَّنْ صَادق النَّبيِّ - وَالأصدقاء قَلِيل - وَشَاطره آلامه، وَجِهَادَه، فَشعر بِحَلاوة الصَّدَاقَة. وَمَن عَانَى مِن الحَسَد، والحقد اللَّذِين دفعًا مُعَاوِيَة، وَغَيْره لِمَناوأته. وَمَن خَبَر تأثير التَّخاذل، وَالتَّباغُض حين خرج الخَوَارِجِ، وَتَخَاذل قَوْمه، لَيْس غَرِيباً عَلَى مَن هَذَا شأنه أنْ يُهيب بنا «وَلَا تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الإِيمَانَ (كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْخَطَبَ (3).)


1) أنظر، نهج البلاغة : الحِكْمَة (192).

2) أنظر، نهج الْبَلاغَة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (31).

3) أنظر، شرح نهج البلاغة : الخُطْبَة (86)، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 159/2 ح 2812، مُسند أبي يعلى: 6 / 330 ح 3656، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 330/5 ح 26594، سُنن ابن ماجه: 1408/2 ح 4210.سُنن أبي داود : 276/4 ح 4903، مصباح الزجاجة : 238/4 تَفْسِير القُرطبي : 251/5.

«وَلا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ» (1. وَأنْ يَقول «صِحَّةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ» (2). ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي تُؤيده مُلاحظتنا إصفرار الوجه، ونحو له فِيمَن عُرفُوا بِالحِقد. وَأَنْ يقسم لنَا : «فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلا وَخَلَقَ اللّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ لُطْفاً، فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إِلَيْهَا كَالْمَاءِ فِي انْحِدَارِهِ حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ، كَمَا تُطْرَدُ غَرِيبَةُ الْإِبِلِ» (3)، وَأنْ يُوصِينَا خَيْراً بِجِيرَتنا قَائِلاً: «واللّه اللّه فِي جِيرَانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُم!ْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ» (4).)ز - قُلتُ إِنَّه قَد عَرف الصَّدَاقَة فِي نَفْسه، وَخَبرَها فَلْنَستَمع إلى وَصَايَاه بصددها : لقد بالغ فِي طَلب الحِرْصِ عَلَى الصَّدِيقِ الوَفِي حَتَّى قَالَ : «وَلاَ تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ، وَلا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَى الإِسَاءَةِ أَقْوَىٰ مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ... وأَوْصَى بِالْبَحْث عَن : سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ...» (5. وَحَمد الَّذِينَ «يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَة، وَيَتَلاقَوْنَ بالمحبة» (6). وَدَعَا إِلى عَدَمِ الكُلْفَة بَيْنَ الْأَصْدقاء بِقَوْله : «شَرُّ الْإِخْوَانِ مَنْ تُكَلِّفَ لَهُ» (7)، وَلَكِنَّهُ نَصَح أيضاً بعدم الإندفاع في حُبّ الصَّدِيق، أو بُغض العَدُوّ)


1) أنظر. شرح نهج البلاغة : الخطبة (86)، سنن الترمذي : 664/4 2510، مُسْنَد الطَّيَّالي: 27/1 ح 193، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 220/2 ح 3071 مُسند أبي يعلى: 32/2 ح 669، مسند أحمد :، 164/1، موطأ مالك : 904/2 ح 1608، سُنن البَيْهَقِ الْكَبْرَى : 232/10، مجمع الزوائد : 30/8.

2) أنظر، شرح نهج البلاغة : الحكمة (256).

3) أنظر، شرح نهج البلاغة : الحكمة (257).

4) أنظر، نهج البلاغة : من وَصِيَّة له اللّه إلى أبيه الإمام الحسن، والإمام الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) رقم (47).

5) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغَة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (31).

6) أنظر. شرح نهج البلاغة : الخطبة (214).

7) أنظر، شرح نهج البلاغة : الحكمة (479).

بِقَوْله : «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا، وَأَبْغِضُ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا» (1. وَلَقَد نَتَسَاءَلَ كَيْفَ يَشكَ الْإِنْسَانِ فِي صَدِيق، وَفِي خَيرِه فَيَحتَاط فِي صَدَاقته ؟ وَكَيْفَ تَستَقِيم صَدَاقَة مَع تَحوط. وَلكنّا لا يصعب علينا أنْ نُعرف ما حمل الإِمَام عَلَى قَول ذَلِكَ فَقَد عَانَى مِن تَقَلُّب لأَصْحَاب، وانشقاق الإخْوَان مَا عَانَى وَلعَل هَذَا العَنَاء هُو مَا دَفعَه - وَلنقُل ذَلِكَ وَنَحْنُ بِمَعرض آرائه فِي الصَّدَاقَة - إِلَى أَنْ يَقول : «الْوَفَاء لِأَهْلِ الْغَدْرِ غَدْرُ عِنْدَ اللّه، وَالْغَدْرُ بِأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اللّه» (2)إِنَّ هَذِهِ الكَلِمَة الْقَوِيَّة مَا كَانَتْ لِتَصدر من ذَلِكَ الْقَلْبِ الوَادع المُسالِم لَوْلَا أَنْ أَصَابَتِهِ شَطَايَا الْغَدْرِ فَثَارِ.)ح - دَعَا الْإِمَام إِلى القصد فِي الحُبِّ، والبغض، وَهَذِه الدَّعْوَة تُذكرنا بِدَعوَاتٍ لهُ أُخَر تَحثَ كُلَّها عَلَى الْإِعْتِدَال، وعدم الاندفاع، وَلَيس أَبلَغ مِن قَوْله في الحدّة إِنَّهَا «الحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمْ» (3. وَقَوْله الَّذي يُذكرنا بنظرية الأوساط، وبالمثل الفرنسى:)[Les deux extremes se touch ent] وهو : «اليمينُ، وَالشُّمالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ» (4، وَقَد أَنْذَر بِأَنَّهُ سَيَهْلَكَ فِيهِ صِنْفَان : «وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ مُحِبُّ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ» (5)، وَهَذِهِ الْكَلِمَات هي، بِجانب دعوتها إلى القصد، دَعْوَة إِلَى)


1) أنظر، نهج البلاغة : المحكمة (268).

2) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (259).

3) أنظر. نهج البلاغة : الحكمة (255).

4) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (16).

5) أنظر، نهج البلاغة : مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُبين فِيهِ أَحْكَام الدِّينِ، رَقم (127).

الْخُصُومَة الشَّرِيفة، وَتَزعَ الهَوَى الشَّخصي عِند مُناقشة أَعمَال الْحُكّام، وَالسّواس.ط - مَا كَان نهج الْبَلاغَةِ وَقَد ضَمَّ بَيْنَ دَفَّتَيهِ هَذِهِ الْآرَاء الاجتماعية الكَثِيرَة لِيغْفَل «المرأة» وَسُأَنْها فِي الْمُجتمع. وَلَقَد عَبرَّ الْإِمَام عَن رَأيهِ فِيْهَا بوضُوحٍ، فَإِذَا بِهِ رَأي قَاسٍ لا يقل قَسوَّةً، وَعُنفَا عَن رَأي «شُوبنهور» فِيْهَا(1، وَذَلِكَ الرّأي يَتلخص في چقَوْله : «الْمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا، وَشَرُّ مَا فِيْهَا أَنَّهُ لاَبُدَّ مِنْهَا» (2)، وَهَكَذَا ذَهَب فِي مَوْضُوع آخر إلى أنْ قَالَ: «خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاء شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ»(3)، وَهَذَا القَوْل قَد يُحمل عَلَى أَنّ مَا يُسْتَحَبٌ في النِّسَاء لا يُسْتَحَب في الرّجال، ولكنَّ هَذَا الإحتمال لا يُؤثر في الموضوع فرأي الإِمَام في المرأة واضح، وَقَد نَعْتَها فِي مَوضع ثالث بِأَنَّهَا «الْمَرْأَةُ عَقْرَبٌ حُلْوَةُ النَّسْبَةِ» (4). ثُمَّ دَعَا النَّاسِ إِلى أَنْ يَحذَرُوا مِنْهُنَّ : «فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ، وَلَا تُطِيعُوهُنَّ فِي المَعْرُوفِ حَتَّى لا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنكَرِ» (5)، ومثل هَذَا نَهَى فِي موضع آخر عن التمكين لهُنَّ، وَالسَّماح لهُنَّ بِالتّشفع وَالرَّجَاء في أمور الناس. وَالَّذي نُلاحظه أنَّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَد سَلَّم بِأَن بَيْنَ النِّسَاء خياراً بِدَليل قَوْله : «وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ» فَهويَتهُم الطَّبِيعَة النسوية عَلَى)


1) أنظر، كَلِمَة عَن النِّسَاء تأليف شُوبنهور مُعرب، نَشرهَا حَسن أفندي رياض، مطبعة الترقي : 3، سنة 1319 هـ. وأنظر، مُلقَی السَّبِيل، وهي رسالة فلسفية نشرتها مجلة المقتبس بدِمَشْقَ شَنَه 1912م. وَقَد علق عَلَيْهَا حَسن حسني عبدالوهاب التونسي، قابل فِيهَا بَيْنَ آرَاء المعري، وَآرَاء شُوبنهور الفَيْلَفُوس الألماني مِن حَيْث الحياة، ومصيرها، وقد طبعت ضمن رسائل البلغَاء.

2) أنظر، نهج البلاغة : الحكْمَة (238).

3) أنظر، نهج البلاغة : الحِكْمَة (234).

4) أنظر، نهج الْبَلاغة : الحكمة (61).

5) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (80).

العمُوم وَيَخْشَى أنْ تتغلب عَلَى خَيار النِّسَاء فَيُصِبحَنَّ شِريرات.ي - لَمْ يَكُن رَأي الإِمَام فِي النِّسَاء صَادِراً عَن تَعَصُّب جِنْسِي، فإِنَّ المَعرَكة لَم تَكُن نَشَبت بعد بَيْنَ النِّسَاءِ، وَالرِّجَالِ، وَمَا كَان عَلي لِيَتَعَصَّبِ وَهُوَ الَّذي ذَمّ العَصَبِيَّة فِي الْخُطْبَةِ «القَاصِعَة»، وَرَدَّ أَصلها إِلى تَعَصَّب إِبْلِيسَ لِلنَّارِ ضِدّ الطِّين : (أَمَّا إبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ صْلِهِ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ فَقَالَ: «أَنَا نَارِيُّ، وَأَنتَ طيني»، وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الْأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لَآثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ، فَقَالُوا : «نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً، وَأَولاداً، وَمَا نَحْنُ بمُعَذِّبِينَ»، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ، فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الْأَفْعَالِ (1). وَلَيْسَت الدَّعْوَة ضِدّ العَصَبِيَّة دَعْوَة هَيئَة فَالعَصَبِيَّة سَبب لِمصَائِب كَثِيرة كان مِنْهَا ُحرُوب كَثِيرَة أثارها التَعَصُّب للجنس، أَو الدِّين، أو اللون، أو المذهب، أو الوَطن. وَلَعَل مِمَّا يُبِين كَرَاهته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لِلتَّعَصُّب، وَهُو حَقِيق أَنْ يَكْرَه التَّعَصُّب ما ذاق مِن تَعَصَّب أَهْل الشَّام لِمُعَاوِيَة، قَوْله : «لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ، خَيْرُ الْبِلادِ مَا حَمَلَكَ» (2).)ك - وَقَد نَهَى (عَلَيهِ السَّلَامُ عَن الغُش في المكاييل، وعن إحتكار التِّجَارَة، وَقُبح الْغِيْبَة بِتَحليل بَدِيعِ قَائِلاً: «وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ، وَ المَصْنُوع إِلَيْهِمْ فِي السَّلاَمَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ، وَالْحَاجِزَ لهُمْ عَنْهُمْ، فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ، وَعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ، أَمَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللّه عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ، وَكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللّه فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ،)


1) أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (192).

2) أنظر نهج البلاغة : الحِكْمَة (442).

وَايْمُ اللّه، لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ، وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ يَا عَبْدَ اللّه لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبٍ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ، فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ، فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ، لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبٍ نَفْسِهِ، وَلْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ» (1.)وكَذَلِكَ دَعا إلى الإتحاد قائلاً: «وَ إِيَّاكُمْ، وَالْفَرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ كَما أَنَّ الشَّاذَ مِنَ الْغَنَمِ لِلذُّنْبِ» (2، وَنَهَى عَنِ البِدْعَةِ فِي قَوْله : «وَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ، الأَتُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ، فَاتَّقُوا البِدَعَ، وَالْزَمُوا المَهَيَعَ، إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدِثَاتِها شِرَارُهَا» (3). وحَذَر مِن تَعَلَّمُ النُّجُوم: «إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ، إلا ما يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍ، أَوْ بَحْرٍ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ، وَالْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ، وَ السَّاحِرُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى أَسْمِ اللّه» (4).)ل - إِنَّ مِن تَحصِيل الحاصل أنْ نَقول إنَّ الْإِمَام دَعَا إلى أتباع الحَقِّ، وَإِنما الَّذِي نريد هُو أَنْ نَرَى فَهُمَه لِلحَقِّ كَيْفَ كَان، وَأنْ نَرَى نِسْبَة هَذَا الفَهم إلى نظريات أخرى في الحق.يَقول «أَهرَنج»، وَغَيْره مِن مُتشَرعي الألمان الَّذِينَ تَأثرُوا بِمبدَأَ فَنَاءِ الْفَرَّد في الدَّوْلَة أنَّ الحَق هُو مَا جَعَلته الدَّوْلَة حقاً، ويقول الواقعيون أنّ الحَقِّ لَيْس إلا مَن وَضعُ الْإِنْسَان وَلَم يَخرج تكييفه عن إرادته، وَهَوَاه. وَيَقول «أَهْرَنج» أيضاً : «إِنَّ


1) أنظر، نهج الْبَلاغَة : من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (140).

2) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغة : مِن كَلامِ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (127).

3) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَة (145).

4) أنظر، نهج الْبَلاغة : الخُطْبَة (79).

أسَاس الحَقِّ لَيْس فكرَة مَنطقية، وَإِنّما هُو القُوَّة» وَيَقول هيجل : «إنْ ظَفْر شَعب هو البرهان القوي عَلَى حقوقه» (1.)هَذَا هُو رَأي فَرِيق مِن الْعُلَمَاء فِي الحَقِّ، وَمَقْيَاسَه، وَهُو رَأي خَطر، وَقَد اتهمه الفرنسيون بأنَّه سَبب الحرب العالمية، واتهموا الألمان لأنَّهم أنصاره، وَمُرُوجُوه. وَهُو رَأي يُعارِضه فَرِيق كَبِير مِن الْعُلَماء، وَالنَّاسِ، وَقَد كَان «قوبية» لِسَان هَذِهِ المعارضة فِي قَوْله : «اَلْحَقِّ فِكرة تتوجه نحو المُسْتَقْبَل، وَأسَاسها الضَّمِيرِ الْإِنْسَانِي وَالشّعُور بالمُسَاوَاة، وَالحُرِّيَّةِ لِلجَمِيعِ، وَرَأي «بَاسْكَال» أَنَّ القُوَّة يَجب أَلَّا تُستَعمل إلا لخدمة الحق: «عَلينا أنْ نحمل العدالة، وَالقُوَّة مَعاً وإنما لا نقصد الأ ما كان حقاً. وَلا نَستَعمل القُوَّة إلا لتوطيد الحق».هَذَان هُما الرَّأْيَانِ المُتعَارِضَان فَإلى أيهما يَنتَمي رَأي الْإِمَام علي ؟ لَسْنَا مُحْتَاجِين. إلى أقل تفكير للقول أنّ رَأيه هُو الثَّانِي. قَالَ الْإِمَام عَليّ: «حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِكُلّ أَهْلُ، فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ، وَلَئِنْ قَلَّ الحَقُّ فَلَرْبّمَا وَلَعَلَّ، وَلَقَلَّما أَدْبَرَ شَيْءٍ فَأَقْبَلَ» (2، وَهَذَا النَّص واضح صَرِيح فِي أَنَّ الْإِمَام لَا يَرَى كَثرَة الْبَاطِل تَجْعَله حَقَّاً، بَل يَنتظر أنْ تَزول دولته، قَائِلاً : إِنَّ الشَّيء قَد يُدْبِر فيُقْبِل، أي أنّه مُؤْمِن بِخلود الحَقِّ وَهُو القَائِل فِي غَيْر نهج الْبَلاغة. «دَوْلَة الظَّلْم سَاعَة، ودَوْلَة الْعَدْل إِلى قِيَام السَّاعَة» (3)، وَقَد تُروى «دَوْلَة الْبَاطِل دَوْلَة الْحَقِّ» لأنَّهم لَم يُفرقوا كَثِيراً بَيْنَ الْعَدْل وَالْحَقِّ.)


1) أنظر، الموسوعة الفَلْسَفَة لعبد الرَّحْمَان بَدَويّ : 174/2.

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (16).

3) أنظر، الإمام جعفر الصادق للمُسْتَشَار عبد الحليم الجندي: 60.

أَمَّا نَظرِيَّة الحَقِّ وَالدَّوْلَة فَهِيَ مُنافِية لِرَأي الإِمَام بِالطَّبع مَا دَام يَعْتبر الحق خَالِداً، وَهُو لا يَفتأ يَنهَى الْوُلَاة عَن ظُلِم الرَّعِيَّة، وَيَدعو إلى المُسَاوَاة، والسُّورَى، والتمسك بكتاب اللّه، وَسُنَّة رَسُوله. أي أنَّه لا يرى لِلْحَاكِم حق اختراع الحقوق وَلاَ يَرَى الحَقِّ كَمَا رَآه الواقعِيُون مِن وَضع الإِنْسَانِ. وَلَا يَرَى انتصار شعب بُرهَاناً عَلَى حقوقه بَل يَقُول : «فَإِنَّ اللّه لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَهِيلٍ، وَرَخَاءٍ، وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ إِلا بَعْدَ أَزْلٍ، وَبَلاء» (1.)وَإِذَا كَان أتفق مع القَائِلِين بأنّ الحَقِّ أَزْلِي، وَبِأَنه تُرَاعَى فِيهِ مَصلحة الْفَرْد، وَمَصْلَحة الجَمَاعَة. فإِنَّه أنفقَ مَع رَأي باسكال القَائِل باستعمال القُوَّة لتوطيد الحق فَالْإِمَام يَقول : «وَإِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّه عَلَيْهِمْ، وَعِلْمِهِ فِيهِمْ. فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ، وَنَاصِراً للْحَقِّ» (2. وَخَاطبه قَوْمٍ فِي عِقاب قاتِلي عُثمَان. فَقَالَ: «فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ، وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وَتُؤْخَذَ الحقُوقُ مُسْمَحَةً، فَأَهْدَءُوا عَنِّي، وَأَنْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي، وَ لَا تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً وَتُسْقِطْ مُنَّةً، وَتُورِثُ وَهْنا وَذِلَّهُ. وَسَأُمْسِكُ الأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ. وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُداً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ» (3)، أَي الْقَتْلِ، وَالحَرْب يَسْتَعملها حِينَ تَفْشَل وَسَائِل السلم، وَحِين يرفض خصومه الإحتكام إلى اللّه، وَهَذَا دُستُور هيئة الأُمَم حِيَال الدُّول الَّتى تَأبى التَّحْكِيم.)يقول فَرِيق مِن النَّاسِ إِنَّ الحَقِّ قَد يتعدد، فَأَنَا أَظنَّ الْأَمْرِ، وَأَنْتَ تَظنِّ نَقِيضه،


1) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَة (88).

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (22).

3) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (168).

وَلَكنى مُحق، وَأنْتَ مِثلى مُحق، وَيَقول آخرُون إِنَّ الحَقِّ وَاحد لا يتعدد، وَقَد أَخذ الإِمَام بِهَذا الرَّأي الأخير فقَالَ: «مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلالَةٌ» (1.)#### سِيَاسَة الدَّوْلَة_ 4 _إِنَّ لِلْإِمَام آرَاء قَيمَة مُحْكَمَة فِي طَبِيعَة الحكم، وَسِياسَته، وَمُهمَة الْحَاكِم، وكَيْفِيَّة أنْتقاء الْقُضاة، وتَقْسِيم الْعَمَل، وَمُهمَة الْعُلَماء إلى غَيْر ذَلِكَ، وَقَد جمعت رِسَالَته إلى الأَشْتَرِ النَّخَعِى كَثِيراً مِن هَذِهِ الْأُمُور، وَلَكِنَّها لِيْسَ الْوِعَاء الوَحِيد الَّذِي نُنشد فيهِ تلك الحكم فَنَقْصُر بحثنا عَلَيْهَا.1 - قَالَ: «لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللّه فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلصَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيُّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ» (2. وَهَذَا كَما نَرَى رأي يُعاكسه الفوضويون اليَوْم، وَقَد عَاكسه المخوَارِج بالأمس وَلَكنْ مَا كَان لعليٍّ الحكيم الذي أعتنق دين النظام صَبِياً أنْ يَدعو بِدَعوتهم لقد عرف أنَّ النظام هُو كَفِيلَ النَّجَاحِ، وَتَألم، وشكا قومه لأن: «الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا، وَالْمُنكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا، مَفْزَعُهُمْ فِي المُغضِلاَتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي المُهَمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ أَمْرِي مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَىٰ بِعُرِيَّ)


1) أنظر، نهج البلاغة : الحِكْمَة (183).

2) أنظر نهج البلاغة : الْخُطْبَة (40).

ثِقَاتٍ، وَأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ» (1.)ب - وَإِذَا كَان قَد مَقَت الخَوَارِجِ عَمّا يُمكن أنْ نُسمِيه «الشَّرْعِيَّة» فإِنَّه كَذَلِكَ قَد مَقَت أيضاً الإخْتِلاف بَيْنَ الْفُقَهَاء، والمفسرين في الفتِيا قَائِلاً: «تَردُّ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ فِي حُكْم مِنَ الْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ، ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلافِ قَوْلِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الإِمَامِ الَّذِي أسْتَقْضَاهُمْ، فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ - جَمِيعاً - وَإِلههُمْ وَاحِدٌ، وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ! أَفَأَمَرَهُمُ اللّه - سُبْحَانَهُ - بِالْإِخْتِلافِ فَأَطَاعُوهُ أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ»(2.)وَلَيس يُصعب علينا أنْ نُلمح أنَّ الَّذي أستَفزَّه إِلى هَذَا الانتقاد هُو رَغْبَته في النظام وفي توحيد القضاء.ج - وَإِذَا كَانَ قَد دَعَا إِلَى «الشَّرْعِيَّةِ» وَعَدم تشعب الآراء، وأستقلال كلُّ برَأيه، فلَيسَ مَعنى هَذَا أنَّه دَعَا إِلَى الْإِسْتِبْدَاد، والحكم المطلق، بَل عَلَى العَكس لا نَزَالَ نَسمَعَه يَلحَ بِالدَّعْوَة إِلَى النُّورَىٰ فَيَقُولُ لَنَا : «مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا» (3، وَيُكرر ذلك في أماكن أُخرى، وبألفاظ، كَثيرة.)وَقَالَ فِي كِتَاب لأحدٍ وُلاتِه : «وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ هُمْ بِعُذْرِكَ، وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ، وَرِفْقاً


1) أنظر نهج البلاغة : الخطبة (88).

2) أنظر نهج الْبَلاغة : الخُطْبَة (18).

3) انظر نهج البلاغة : الحِكْمَة (161).

بِرَعِيَّتِكَ، وَإِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيهِمْ عَلَى الْحَقِّ» (1. وَهَذِهِ كَلِمَات كَبِيرة حَكِيمَة، فِيهَا نَوْع مِن المَسْئُولية الوزارية كما نعرفها، وَنُسميها، وفِيْها أَيضاً بَيَان لحكمتها فَهِيَ تُزيل شكوك الرَّعِيَّة، ثُمَّ هِي رِيَاضَة لِلنَّفْسِ عَلَى تَقبُلُ النَّقد، وَعَدم الْأَزْورار مِنهُ، وَعَلَى التَّدقيق فى الأعْمَال عِلماً بأن هناك مَن سَيُحَاسب عَنْهَا.)إِنَّ النَّزَعَة الدِّيمقراطية فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةُ أَبْيَنَ مِن أَنْ تَحتَاجِ إِلَى بَيَانِ :فَهَا هُو يَأمر الْوَالِي بِأنْ يَجلس لِذَوِي الْحَاجَاتِ دُونَ جُند، أَو حَرَس لكِيلاً يتعتعُوا في توضيح مسائلهم.بَل قَد فَضَل الْعَامَّة عَلَى الْخَاصَّة وَإِنْ سَخط الْخَاصَّة فَقَالَ: «فَإِنَّ سُخَطَ الْعَامَّةِ يجحِفُ بِرِضَى الخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخَطَ الخَاصَّةِ، يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةٌ لَهُ فِي البَلاءِ، وَأَكْرَة لأَنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكراً عِنْدَ الإِعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ المَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الخَاصَّةِ. وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ المُسْلِمِينَ. وَالْعُدَّةُ لِلأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الأُمَّةِ : فَلْيَكُنْ صِغَوُكَ لهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ» (2. وَهَذَا كَلام صَرِيح فِي تَفْضِيلهم، وَالْاِعْتماد عَلَيْهِمْ وَأنا شخصياً أميل إلى الظَّنِّ بِأَنّ هَذَا الكلام كَانَ لَهُ تَأثِير في سلوك بَعْض زُعمائنَا الَّذِينَ عُرفوا بِمِيلهم إِلَى الْإِمَام عَليّ، والتشبه بكلامه في أكثر من موضع. وَلَنْ أُطِيل فِي تَفصيل هذه الديمقراطية، وَلَنُرَدد في سُرُور قول الإمام الجامع : «وَإِنَّ أَعْظَمَ الخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ،)


1) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مَالِك الأَشْتَر رقم (53).

2) أنظر نهج البلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مَالِك الأَشْتَر رقم (53).

وَأَفْضَعَ الْغِشّ غِشُ الْأَئِمَّةِ» (1. وَقَوْله الَّذي يُذكرنا بِالقَوْل السَّائِرِ : صَوْت الشَّعب مِن صَوْت اللّه «وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللّه لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ» (2).)هـ - وَإِذَا كَانَ الْإِمَامِ قَد أَخذ بِالدِّيمقراطية كما وضح فَمِن الطَّبيعي أنْ نَرَاهِ نَصِير الحُرِّيَّة يُهيب بأَبْنِهِ «وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ، وَقَدْ جَعَلَكَ اللّه حُرّاً» (3. وَأَنْ نَرَاه رافع لِوَاء المُسَاوَاة لا يَزال يذكرها، وَيُوصي بها، وَيَقول لِمَن يُوليه : «وَآسِ - وَسَاوِ - بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ، وَالنُّطْرَةِ حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاء فِي حَيْفِكَ لهُمْ، وَلَا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ» (4). وَيَقول في موضع آخر : «لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِما المالُ مَالُ اللّه» (5).)و - وَلَكنْ لِلجمهور سَيِّئَاته كما أَنَّ لَهُ حَسَنَاته فَلْنَسمع كَلِمَة الْإِمَام فِي الْغَوْغَاء. قَالَ: «النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيُّ، وَمُتَعَلَّمْ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ» (6. وَوَصف الْغَوْغَاء في موضع آخر: «هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا. وَقِيلَ : بَلْ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا، فَقِيلَ: قَدْ عَرَفْنَا مَضَرَّةَ أَجْتَاعِهِمْ، فَمَا مَنْفَعَةُ افْتِرَاقِهِمْ ؟ فَقَالَ : يَرْجِعُ أَصْحَابُ المِهَنِ إِلَى مهنَتِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ، كَرْجُوعِ البَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ، وَالنَّشَاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ، وَالْخَبَّاز)


1) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغَة : مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم (26).

2) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مالك الأشتر رقم (53).

3) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ابْنِهِ الحَسَن رقم (31).

4) أنظر نهج البلاغة : مِن عَهد لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلى مُحَمَّد بن أَبِي بَكْر رَقم (27).

5) أنظر. نهج البلاغة : الخطبة (126).

6) أنظر، نهج البلاغة : من كلام لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَى كُمَيْل بن زِيَادِ رَقم (147).

إِلَى مَخَبَرِهِ» (1. لأَنَّ كُلّ صَانع يَنْصَرِف إِلى عَمْله فيحصل النفع، وَقَد وَضَع الإِمَام أَصْبِعَه عَلَى آفَةٍ، وَطَبِيعَةٍ مِن آفَاتِ، وَطَبَائِعِ الجماهير هِي سُرْعَة التَّقَلُّب، تِلكَ الخاصة الجماهيرية التى وضحها شكسبير أبلغ إيضاح في «يُوليوس قيصر» (2). وَكَذَلِكَ أَصَابَ فِي أَنَّ اجتماعها غَلَبَة، وَتَفرقها ضَيَاع، وَفِي أن أجتماعها قَد يَكُون فِي بَعْض الأحايين مَجْلَبة لِلضَّرر، كما أنَّ تَفرقها تَجْلَبَة لِلنَّفع لانصرَاف كُلِّ عَامِل إِلى عمله، وَهَذِه النظرة إلى الجماهير قد تبدو مُتعَارِضة بعض التعارض مع ما سبق مِن رأيه فِيهِمْ، وَلكن بيان نَقص الْغَوْغَاء لَا يَسْتَلزم استبعاد رَأيهم.)ز - عَرَض (عَلَيهِ السَّلَامُ الصَّفحات الواجب توفرها فِي الإِمَام فَقَالَ: «مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأُ بِتَعْلِيم نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ : وَمُعَلَّمَ نَفْسِهِ، وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ، وَمُؤَدِّبِهِمْ» (3).)ورذّمَ الْعُلَماء الَّذِين لا يَعْمَلُونَ بِعِلمهم في أكثر من موضع. وَحَدد العُلاقة بَيْنَ الرَّاعِيَ وَالرَّعِيَّة فَقَالَ :«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَى حَقٌّ : فَأَمَّا حَقُكُمْ عَلَى فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلاَ تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَما تَعْلَمُوا، وَأَمَّا حَقِّ عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاء بِالْبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ، وَالمُغِيبِ، وَالإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ» (4. وَلنلاحظ هنا أنَّه يَجْعَل مِن حقه عَلَى الشَّعب)


1) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (199).

2) أنظر، Magestaths gulex_1

3) أنظر. نهج البلاغة : الحكمة (73).

4) أنظر، نهج البلاغة الخطبة (34).

أنْ يَنْصَحه الشَّعب، وَهَذَا مُبالغة في السَّعى وَرَاء الكمال. وَكَم هُو نَبِيل قَوْله لِقَومه رَداً عَلَى مَن أَثْنَى عَلَيْهِ : «فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلَا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَقِّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ، وَلَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٍ قِيلَ لِي، وَلَا الْتمَاسَ إِعْظَامِ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الحَقِّ أَنْ يُقَالَ لَهُ، أَوِ الْعَدْلَ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلَا تَكَفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئ» (1.)وَذَمّ خِلَّة الْغَدْر فَقَالَ: «واللّه مَا مُعَاوِيَة بِأَدْهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ، وَيَفْجُرُ، وَلَوْلا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فَجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كَفَرَةٌ، وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، واللّه مَا أُسْتَغْفَلُ بِالمَكِيدَةٍ، وَلا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ» (2. فأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَنْ عَلَى خِلَاف مَع «أَمِير» مِكَيافِلي.)وَأَدْلى عَلَي بآرَاء قَيمَة فيما يجب في الولاة فَقَال : أَنَّهم مُلزمُون بِأَنْ يَعِيشُوا عِيشَة جمهور الشَّعب : «إِنَّ اللّه تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئمّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلا يَتَبَيَّعَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ» (3. أي لكيْلاً يَسخط الْفَقِير لِفَقْره، وَلِيَتعزَى بِحَال أميره: «أَأَقْتَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُويَةِ العَيْشِ !» (4).)


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (217).

2) انظر، نهج الْبَلاغة : الخُطْبَةُ (200).

3) أنظر نهج البلاغة : مِن كَلام لهُ بالْبَصْرَةِ، وَقَد دَخل عَلَى الْعَلَاء بن زياد الحارتي، وَهُو مِن أَصْحَابه يعوده، فَلَمَّا رَأى سعة داره، قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) هَذَا الكلام. رقم (209).

4) أنظر، نهج الْبَلاغة : مِن كِتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلى عُثمان بن حُنَيْف الأَنْصَارِي، رَقم (45).

وَنصَحَ على الولاة بقَوْله مؤكداً لأحدهم: «أَمَّا بَعْدُ، فَلَا تُطَوَّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ» (1. وتِلكَ نَصيحة حق فإنّ كَثرَة ظهور الْحَاكِم بَيْنَ الرَّعِيَّة استئلاف لِقُلُوبها، وَإِشْعَار لهَا بِأنَّ الحَاكِم مُهتم بمصالحها، ثُمَّ هُو مُنير لِلْحَاكِم سَبِيل حُكْمه ومُعطيه الصُّورة الواضحة لخال شَعْبَه فَيَعمَل عَلَى نورها.)وَقَالَ : «وَأَعْلَمْ، أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَىٰ إِلَىٰ حُسْنٍ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ» (2. أي أنَّ الرَّاعِي حِين يُحْسِن لرعيته يَطْمَئِن قَلْبه، وَيَأمن خِيانَتهم.)وأمر بأحترام التَّقاليد الشَّعبية فكان حَكِيماً بَعِيد النَّظر «وَلَا تَنْقُض سُنَّةً صَالِحِةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بهَا الْأُلْفَة، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ» (3.)وَوَجَه عليَّ نَصِيحة غَالِية كُلّ الغُلوّ صَادِقة كُلّ الصِّدْقِ فِي قَوْله : «إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَ مَنْ شَرِكَهُمْ فِي الْآثَامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةٌ، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأَثمَةِ، وَإِخْوَانُ الظُّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُم خَيْرَ الخَلَفِ مِمَّنْ للَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ، وَنَفَادِهِمْ، وَ لَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَأَوْزَارِهِمْ، وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِمَاً عَلَى إِثْمِهِ : أُولَئِكَ أَخَفٌ عَلَيْكَ مَئُونَةٌ، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفَاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ الْفاً، فَأَتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ. وَحَفَلَاتِكَ، ثُمَّ ليَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلهُمْ بِمرٍّ الحَقِّ لَكَ، وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةٌ فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللّه لِأَوْلِيَائِهِ، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ. وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَع، وَالصِّدْقِ ؛ ثُمَّ رُضهُمْ عَلَى أَلَّا يُطْرُوكَ، وَلَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلِ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثرَةَ


1) أنظر، نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلى مَالِكَ الْأَشْتَر، رقم (53).

2) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مالك الأَشْتَر، رقم (53).

3) أنظر نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مالك الأشتر، رقم (53).

الإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ، وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ» (1. وَنَظرِية عَلَيَّ صَحِيحَة تَمَاماً فَإِنَّ مَن أَثِم فِيمَا مَضَى لَا يُؤْمِن إِثمه فيما حضر، وَمَن أتصل بالظَّلَمَة بِالأمس لا يُؤْمِن اتصاله بِهِمْ اليَوْم وَإِعَانتهم عَلَى كَيدهم بِمَاله مِن سُلطة الوزارة. وَكَان حكماً فِي قَوْله : «فَالْبَسْ هُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ، وَالرَّأْفَة» (2)وَأَمر الْوَالِي أَنْ لا يَرْغَبَ عَن رَعِيتَه «تَفَضَّلَا بِالْإِمَارَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمُ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحَقُوقِ. ثم قَالَ : وَإِنَّا مُوَفُوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حقوقَهُمْ، وَإِلَّا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبُؤْسَى لِمَنْ خَصْمُهُ - عِنْدَ اللّه - الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ» (3). وَدَعَاهُ إِلَى أنْ يُساوِي نَفْسه بِهِمْ فِيهَا النَّاسِ فِيهِ سوَاء، وَهَذَا القيد يظهر بعد نظرهِ، وَفَهمه لحقِيقَة المساواة الممكنة.)وَدَعا إلى تشجيع المحسِن، وَعِقاب المُسِي، قَائِلاً: «وَلَا يَكُونَنَّ الخَسِنُ، وَالْمَسِي عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ» (4وَلَقَت نَظر جُبَاة الضَّرائب إِلى الرِّفْق بِالْأَهلِين، وَعَدم بَيع شَيء ضَرُوري - وَهَذَا مَا فَعلته القَوَانِينَ الْحَدِيثَة إِذْ مَنعَت الحَجز عَلَى الملابس وَمُرتبات الموظفين - وَبَالغ في الرِّفْق الحَكِيم فَقَالَ: «فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً، أَوْ عِلَّةً، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ، أَوْ بَالَّةٍ، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضِ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَش، خَفَّقْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ ؛ وَلَا يَثْقَلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمُئُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلَايَتِكَ، مَعَ)


1) أنظر نهج البلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مالك الأَشْتَر، رقم (53).

2) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بَعْض عماله، رقم (19).

3) أنظر، نهج البلاغة : مِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بَعْض عُمال الصَّدَقَة، رَقم (26).

4) أنظر، نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مَالِك الأَشْتَر، رقم (53).

اسْتِجْلَابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ» (1. وَهَذَا بُعد نَظر حكيم، وَسِيَاسَة مَالِيةٌ مُحْكَمة تُزِيد وضُوحاً في قَوْله : «وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الخراج، لأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ؛ وَمَنْ طَلَبَ الحَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ» (2)، وَإِذَا تذكره مَا جَرِّ التَّعسف فِي جَيِّ الضَّرَائِب فِي فَرنسا وَولايات تُركيا، وغَيْرِها عَرَفنَا قِيمَة هَذِه النَّصِيحة التى يُؤيدها المنطق، ويسندها التَّارِيخ.)ح - وَقَد أدى بعد نظر الْإِمَام بِهِ إِلى أَنْ يَدعُو إلى تقسيم الْعَمَل، ذَلِكَ المَبدأ الَّذي لم تعرفه إِلا حَدِيثاً فَقَد قَالَ نَاصِحاً: «وَاجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلًا تَأْخُذُهُ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلَّا يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ» (3، وَقَالَ مِن رِسَالَة إِلَى الْأَشْتَرَ النَّخَعِيِّ أيضاً : «وَأَعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتُ لَا يَصْلُحُ بَعْضهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَلَا غِنَى بِبَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ : فَمِنْهَا جُنُودُ اللّه، وَمِنْهَا كُتَابُ الْعَامَّةِ، وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الإِنْصَافِ، وَالرّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ، وَالخراج مِنْ أَهْلِ الذُّمَّةِ، وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التَّجارُ، وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الحَاجَةِ، وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلُّ قَدْ سَمَّى اللّه لَهُ سَهْمَهُ، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ، أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً» (4). ثُمّ فَصَّل بَعَد ذَلِكَ وَظيفة كُلّ فِرقَة.)وَتَمْشِياً مع قاعدته في تقسيم الْعَمَل، واختصاص كلِّ بِمَا يُحْسنه رَدَّ عَلَى مَن قَالَ


1) أنظر نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مالك الأَشْتَر. رقم (53).

2) أنظر نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مالك الْأَشْتَر، رقم (53).

3) أنظر، نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الإِمَامِ الْحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، رقم (31).

4) أنظر، نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مالك الأَشْتَر، رقم (53).

له : إنّك تأمرنا بالسَّير إلى القِتال فلمَ لا تسير معنا؟ أنه لا يجوز أنْ يَترك مُهماته من قضاءٍ، وَإِدَارِةٍ، جباية ضَرائب، وَكَذَلِكَ نَصَح عُمَرَ بِأَلَّا يَخرج لِلقَاء الفُرس بِنَفْسِهِ : «وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ، يَجْمَعُهُ، وَيَضُمُّهُ : فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ، وَذَهَب (1»، ولأنه إِنْ خَرج أنْقَضَت عَلَيْهِ الْعَرَبِ مِن أَطْرَافِهَا.)ط - إِنَّ هَذَا الإِمَامِ الحَرب مَا كَان لِيَغفل الدَّعْوَة إِلى الاِنْعَاظَ بِالتَّجَارِب فِي الحُكم فَهَا هُو ذَا يَقول: «إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا اشْتَبَهَتْ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا» (2، وَيَقُول فِي مَكَان آخر: «أَسْتَدِلَ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ مَا قَدْ كَانَ» (3)، ثم يقول أيضاً: «العَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ» (4).)وَلَستُ أَحمل هَذَا القَوْل الأَخِير أَكْثَر مِمَّا يَحتمل إِذَا قُلتُ: إِنَّه هُو الرّأي الفَلْسَفِي المعارض لِلرّأي القَائِل : بِأنّ الْعَقْلَ يَتفاوت عِند الأَشخاص بِطَبِيعَته. وَالذَّاهب عَلَى العكس إلى أنَّ الْعَقْلَ لَيْس إِلا عَمَل التَّجَارِب وَالتَّهْذِيب. وَالدَّافع مُحجَّةَ الرَّأي الأَوَّل القَائِلة بأنا لو ربينًا أَشخاصاً ذَوِي أَعْمَار وَاحِدَة تربية وَاحِدَةٍ فِي بِيئة وَاحِدَة لنَشأوا رغم ذَلِكَ مُختلفى الْعَقْلِيات، بِأَنَّهُم إِنما يَختلفُون لِسَبب تأثرهُم بِمزَاج وراثي مُختلف.ي - وَتَكَلَّم الإِمَام فِي رِسَالَتِه إِلى الأَشْتَر عَن الْقَضَاة كلاماً قَالَ عَنْه الأستاذ


1) أنظر، نهج الْبَلاغة من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أستشاره عُمر بن الخطاب في الشَّخُوص لقتال الفرس بِنَفْسه. رقم (146).

2) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (76).

3) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، رقم (31).

4) أنظر نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الإِمَامِ الحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، رقم (31).

العَشْاوي أُستاذ القانون الدستوري بِكُلية حقوق القاهرة إِنَّ كَلَاماً غَيْره في أي دستور مِن دَساتير العالم لم يُفَصِّل مُهمَة الْقُضَاة، وَطُرق اختيارهم مثل ما فعل. قَالَ الإِمَام : «ثُمَّ أَخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الأُمُورُ، وَلَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ، وَلَا يَتَمادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْء إِلَى الحَقِّ إِذا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَي فَهُم دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحَجَجِ، وَأَقَلُّهُمْ تَبَرُّماً بِمرَاجَعَةِ الخصم، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشَّفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتّضَاحِ الحُكْمِ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ. ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وَأَفْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ. وَأَعْطِهِ مِنَ الْمُنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اعْتِبَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ» (1.)وَفِي غَيْر هَذِهِ الرَّسَالَة ذَمّ مَن يتصدى للحكم، وليس أهلاً لهُ قَائِلاً: «جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى المُبْهَماتِ هَيَّأَهَا حَشوا رَثّاً مِنْ رَأْيِهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبوتِ : لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ، وَإِنَّ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ. جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالَاتٍ، عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ، لَمْ يَعَضُّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِع. يَذْرُو الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ لَا مَلِيٌّ - واللّه - بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَلَا أَهْلُ لِمَا قُرِّظَ بِهِ، لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ، وَلَا يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرُ أكْتَتَمَ بِهِ مَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ


1) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلى مَالك الأَشْتَر، رقم (53).

نَفْسِهِ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعَجُّ مِنْهُ الْموَارِيثُ إِلَى اللّه» (1، وَفِي مَوضع آخر يقول : «لَوْلا حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللّه عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلا يُقَارُّوا عَلَىٰ كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا» (2). وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ عَلَى الخواص مُهمةُ هِي عَدَمَ الصَّبر عَلَى الظَّلم، بَل مُجاهدته، وَلَو لَم يَقع عَلَيْهِمْ.)ك - وَتَكلَّم في سياسة الجند، وأَمر جَيْشَه ألَّا يَتَتَبَّع عند الفوز فَارّاً، وَلا يُهين إمَرْأَة وَإِنْ سَبّته فإنّ النِّسَاء ضَعِيفات. وَهَذَا دَلِيل الخُصُومَة الشَّرِيفة، وَنُبل الخلق.وَقَالَ فِي عَهْدِه إلى الأَشْتَرَ «وَلْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ، بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ، حَتَّى يَكُونَ هَمَّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ، وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ. وإِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلامَةِ صُدُورِهِمْ، وَلا تَصِحُ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وَلَاةِ الْأُمُورِ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ، فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهْزُّ الشُّجَاعَ، وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ، إِنْ شَاءَ اللّه.ثُمَّ أَعْرِفْ لِكُلِّ أَمْرِي مِنْهُمْ مَا أَبْلَى، وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ أَمْرِي إِلَى غَيْرِهِ، وَ لَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةٍ بَلَائِهِ، وَلَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ أَمْرِي إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ


1) أنظر، نهج الْبَلاغة : الْخُطْبَة (17).

2) أنظر نهج البلاغة : الْخُطْبَةُ (3)، وَتُعْرَفُ بالشقشقية لقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدها : تِلْكَ شِفْشِقَةٌ هَدَرَتْ، ثُمَّ قُرَّتْ.

صَغِيراً، وَلَا ضَعَهُ أَمْرِي إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً» (1.)#### خِتَامٌوَالآنْ قَد سِرْنا فِي نَهجِ الْبَلاغَة شوطاً يُغرِينا بِالاِسْتِزَادَة فَلْتَقف، وَإِذَا كَانَ الْإِمَام عَلَى قَد نَهى قَومَه عَن أنْ يَمدحوه فَلا يُخَافِنَّ اليَوْم أَغْترَاراً وَهُو بَعِيد عَن حَيَاة الغُرُور، إنْ نَحْنُ انْحَنِينَا أَمَام عَبقريته. لَقَد حَبَانا نَهْجِ الْبَلاغَةِ فَأَحسَن مَا حَبَانا، فَلَنُطَبق عَلَيْهِ قَوْله : «قِيمَةُ كُلِّ أَمْرِي مَا يُحْسِنُهُ» (2.)


1) أنظر نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مالك الأَشْتَر، رقم (53).

2) أنظر نهج البلاغة : المحكمة (81).

## مَقَدَّمَةُ السَّيِّد الشريف الرضيأَمَّا بَعدَ حَمدِ اللّه الَّذِي جَعَلَ الحَمْدَ ثمناً لنعمائه، وَمَعَاذَا مِنْ بَلائِهِ، وَسَبِيلاً إِلَى جِنانِهِ، وَسَبَباً لِزِيَادَة إِحْسانِه، والصَّلاة عَلَى رَسُولِه نَبيِّ الرَّحمة، وإمام الأئمة. وَسِراج الأُمّة المُنتخَب مِنْ طِينَةِ الكَرَم، وَسُلالة المجدِ الأَقْدَم، وَمَغرِسِ الفخار مالعَرقّ، وَفَرِع الْعَلَاءِ المُثمِرِ المُورِق، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ مَصَابِيح الظُّلَمِ، وَعِصَمِ الأُمم، وَمَنار الدين الواضحة، ومَثَاقِيل الفَضْل الرَّاجِحَة صلى اللّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ صَلاَةً تَكُونُ إزاءٌ لِفَضلِهم، وَمُكافأةٌ لَعَمَلِهُم، وَكَفَاءً لِطِيب فَرعِهم، وأصلهم ما أنارَ فَجرٌ ساطع، وخوى نجمٌ طَالِعُ، فَإِنِّي كُنتُ فِي عُنفُوانِ شَبابِي، وَغَضَاضَةُ الغُصنِ أَبْتَداتُ بتأليف كتابٍ فِي خَصَائِصِ الأئَمةَ (عَلَيهِم السَّلَامُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَحَاسِنِ أَخْبَارهم، وَجَواهر كَلامهم حَدَانِي عَلَيْهِ عَرَضَ ذَكرتَهُ فِي صَدرِ الْكِتَاب، وَجَعَلْتَهُ أمام الكلام، وَفَرَعْتُ من الخصائص الَّتي تَخصَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين عَلِيَّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَعَاقَت عَن إِتْمَامِ بَقِيَّة الْكِتَابِ تاجَزاتُ الأَيَّام، ومماطلات الزمان.)وَكُنتُ قَدْ بَوَّبْتُ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ أَبْوَاباً، وَفصَّلتَهُ فُصُولاً فَجاءَ فِي آخرها فَصل يَنضمنُ مَحاسِنُ مَا نُقِلَ عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ من الكلام القصير في المواعظ، والحكم والأمثال. والآداب دون الخطب الطويلة، والكتب المبسُوطة فاستَحْسَنَ جَماعَةُ مِن)

الأصدقاء مَا اشتملَ عَلَيْهِ الفَصل المُقَدَّم ذكرهُ مُعجَبّين بِبَدَائِعه، وَمُتَعجبينَ مِن نواصعه، وسَألوني عِندَ ذَلِكَ أنْ أبتَدئ بتأليف كتاب يَحتَوى عَلَى مُختَارٍ كَلام أَمِير الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ فِي جَمِيع فنُونه، ومُتشعبات غُصُونِهِ مِنْ خُطبٍ، وَكُتُبٍ، ومواعظٍ، وأدب علماً أن ذَلِكَ يَتَضمن مِنْ عَجَائِبِ الْبَلاغة، وَغَرائب الفَصاحةِ، وَجَواهر العَرَبِيَّة، وَثواقب الكَلِم الدينية، والدنيوية ما لا يُوجد مُجتمعاً فِي كَلامٍ، وَلاَ مَجمُوع الأطراف في كتاب إِذَا كَان أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَشرع الفَصاحَةِ وَمُوردهَا، وَمَنشأ الْبَلاغَة ومولدهَا، وَمِنهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظهر مكْنُونها، وَعَنهُ أخذتُ قوانينها، وَعَلَى أمثلته حذا كلّ قَائِل خَطِيب، وَبِكَلامِهِ أستعَانَ كلّ واعظ بليغ، وَمَع ذَلِكَ فَقْد سَبَقَ وقَصِّروا، وَتَقَدَّم وتَأخَرُوا ؛ لأنّ كَلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكلام الَّذِي عَلَيه مَسْحَةٌ مِن العِلم لإلهي، وَفِيهِ عَبقَةٌ مِن الكلام النَّبويّ فأجبتهم إلى الاِبْتِدَاء بِذلِكَ عَالِماً بِمَا فِيهِ مِنْ عظيم النَّفْع، ومَنْشُور الذكرِ، ومَذْخُور الأجرِ، وَأَعْتَمَدْتُ بِهِ أنْ أُبيِّنَ عَنْ عَظِيمٍ قَدْرِ أمير الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي هَذهِ الفَضِيلة مُضافَةً إِلى المَحَاسِن الدَّاثْرَةِ، وَالفَصَاحَةِ الجَمَّةِ، وأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنْفَردَ ببلوغ غَايتها عَنْ جَميعِ السَّلَفِ الأَوَّلِينَ الَّذِينَ إِنما يُؤثر عَنْهُم مِنْهَا القَلِيلُ النَّادِرُ، وَالشّاذُ الشَّارِدُ فأَما كَلامُه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَهُو البَحْرُ الَّذي لا يُسَاجَلُ، والجَمُّ الذي لا يُحَافَلُ.)وَأَرَدْتُ أنْ يُسُوعَ لِيَ التّمثيلُ فِي الإِفْتخار بِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ بِقُول الْفَرَزْدَق (1):)أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمثلهم*** إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْجَامِعُوَرَأَيْتُ كَلامُه (عَلَيهِ السَّلَامُ يَدُورُ عَلَى أَقْطَابٍ ثَلَاثَةٍ :)


1) أنظر، مُختصر المعاني لِسَعد الدين التفتازاني: 53، حقائق التأويل : 321، العلل لأحمد: 20/1، الإصابة : 46/1 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 46/1.

أَوْهَا : الخُطَبُ، وَالأوَامِرُ.وَثَانِيهَا : الكُتُبُ، وَالرَّسائل.وَثَالِثَهَا : الْحِكَمُ، وَالموَاعِظُ.فَأَجْمَعْتُ بتوفيق اللّه جَلَّ جَلالَهُ عَلَى الابْتِدَاء بِأخْتِيارِ محاسِنِ الخَطَبِ، ثم محاسن الكتب، ثُمَّ محاسن الحكم، والأدب مُفْرِداً لِكُلّ صنفٍ مِنْ ذَلِكَ بَابَاً، وَمُفصلاً فِيهِ أوْرَاقاً لتكُونَ مُقدَّمة لإسْتِدركِ مَا عَسا أنْ يَشِذُّ عَنِّي عَاجِلاً، وَيَقعُ إِليَّ آجلاً، وَإِذَا جَاءَ شَيْءٌ مِنْ كَلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ الخارج فِي أَثْنَاءِ حِوَارٍ، أَو جَوابِ سؤالٍ، أو غَرض آخر مِنْ الْأَغْرَاضِ فِي غَيْرِ الْأَنْحَاءِ الَّتي ذكرتها، وقَرّرْتُ القَاعِدةَ عَلَيْهَا نَسَبْتُه إِلَى الْيَقِ الأبْوابِ بِهِ، وَأَشَدِّهَا مَلاحَةً لِغَرضِهِ، وَرُبَّمَا جَاءَ فِيمَا أَخْتَارَهُ ذَلِكَ فَصُولٌ غَيْرُ مُتَّسِقَةٍ، وَمَحَاسِنُ كَلِمٍ غَيْرُ مُنْتَظِمَةٍ ؛ لأنّي أُورِدُ النُّكَتَ، وَاللُّمَعَ، وَلا أَقْصِدُ التَّتالي. وَالنَّسقَ، وَمَنْ عجائبهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الَّتي أَنْفَردَ بِها، وَأمِنَ المُشارَكةَ فِيهَا أَنْ كَلامَه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوارد فِي الزُّهْد، والمواعظ، وَالتَّذْكِيرِ، وَالزَّوَاجِر إِذا تأمَّلَهُ المتأمِّلُ، وَفَكَّرَ فِيهِ المُتَفَكّر. وَخلَع مِنْ قَلْبِه أَنّه كَلامُ مِثْلِهِ مِمَّنْ عَظُم قَدْرهُ، وَنَفَذَ أَمْرهُ، وأحَاطَ بالرِّقَابِ مُلْكَهُ لَم يَعْتَرِضَهُ الشَّكُّ فِي أنّهُ مِنْ كَلام مَنْ لاحَظّ لَهُ فِي غَيْرُ الزَّهادَةِ، وَلاَ شُغلَ لَهُ بِغَيْرُ الْعِبَادَةَ قَدْ فَبَعَ فِي كَسرِ بَيْتٍ، أو أنْقَطَعَ فِي سَفْح جَبَلٍ لَا يَسْمَعُ إِلاّ حِسَّهُ، وَلَا يَرَى إِلا نَفْسَهُ، وَلا يَكَادُ يُوقِنُ بأنهُ كَلامُ مَنْ يَتْغَمِسُ فِي الحَرْب مُصْلتاً سَيْفَهُ فَيَقُط الرّقاب، ويُجَدِّلُ الأَبْطَالَ، وَيَعودُ بِهِ يُنْطُفُ دَماً، وَيَقطرُ مُهجَاً، وَهُو مَعَ تَلكَ الحَالِ زاهد الزُّهادِ، وبَدل الأبْدالِ، وهَذِهِ مِنْ فَضَائِلِهِ العَجيبة، وخصائصه اللطيفة التى جمع بها بَيْنَ الأضدادِ، وَأَلْفَ بَيْنَ الأَشْتَاتِ، فَكَثِيراً ما أذاكِرُ الْإِخْوانَ بها، وأستَخْرِجُ عُجُهُمْ مِنْهَا، وَهِي مَوضِعُ لِلعِبْرَةِ بها، والفِكْرَة فِيْهَا، ورُبَّمَا جَاءَ فِي أَثْنَاءِ هَذا)

الإِخْتِيارِ اللّفظ المُردَّدُ، والمَعْنَى المكرَّرُ، والعُذْرُ فِي ذلِكَ أَنَّ رِوايَاتِ كَلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ تَخْتَلَفُ اخْتِلافاً شديداً فَرُبَّمَا اتْفَقَ الكَلامُ المُختَارُ فِي رِوَايَةٍ فَنُفِلَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي روايةٍ أَخْرى مَوْضُوعاً غَيْرَ وَضْعِهِ الْأَوَّل. إما بزيَادَةٍ مُخْتَارةٍ، أو لَفْظِ أَحْسَنَ عِبَارةً فَتَقْتَضِي الحَالُ أنْ يُعادَ اسْتِظْهارا للإخْتِيَارِ، وَغَيْرَةً عَلَى عَقَائِل الكَلامِ، ورُبَّمَا بَعْدَ العَهْدُ أيضا ما اخْتِيرَ أوّلاً فَأُعيدَ بَعْضُهُ سَهْواً، أو نسياناً لا قَصْداً، وأعْتماداً، وَمَا أَدْعِي مَعَ ذَلِكَ أنّي أُحِيطُ بِأَقْطَارِ جَميع كَلامِهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) حَتَّى لا يَشَذَّ عَنِّي مِنْهُ شَاذٌ، وَلَا يَنْدُّ نَادٌ، بَلْ لا أَبْعِدُ أَنْ يَكونَ القَاصِرُ عَلَى فَوْقَ الوَاقِع إليَّ، والحَاصِلُ فِي رَبْقَتي دُونَ الخارج مِنْ يَدَيَّ، ومَا عَلَيَّ إِلا بَذْلُ الجُهْدِ، وَبَلاغُ الوَسْع، وَعَلَى اللّه سُبْحَانَهُ نَهج السَّبِيل، ورَشَادُ الدَّلِيلِ، إِنْ شَاءَ اللّه تَعَالَى.)وَرَأَيْتُ مِنْ بَعْدُ تَسْمِيَةُ هَذَا الْكِتَابِ بِنَهْجِ الْبَلاغَةِ إِذْكَانَ يَفْتَحُ لِلنَّاظِرِ فِيهِ أبوابها، ويُقَرِّبُ عَليهِ طِلابَهَا فِيهِ حَاجَةُ العَالَمِ، والمتعلم، وَبَغْيَةُ البليغ، والزَّاهِد، ويمضى في أثْنَائِهِ مِنْ عَجيب الكلام في التَّوْحِيد، والعَدْلِ، وَتَنْزِيهِ اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ شَبَهِ الخَلْقِ مَا هُو بِلالُ كُلِّ غُلّةٍ، وشِفَاءُ كُلِّ عِلَّةٍ، وَجِلاَءٌ كُلِّ شُبهةٍ، وَمِنَ اللّه تَعَالَى أَسْتَمِدُّ التَّوْفِيقَ، وَالعِصْمَةَ، وأتَنجَزُ التَّسْدِيدَ، وَالمَعُونَةَ، واسْتَعِيذُهُ مِنْ خَطَإٍ الجِنَانِ قَبْلَ خَطَإِ اللَّسَانِ، وَمِنْ زَلّة الكَلِم قَبْلَ زَلَّةِ القَدَمِ، وَهُوَ حَسْبِي، وَنِعْمَ الوَكْيل.

53jpg^الصَّفْحَة الأُولَى مِن النُّسْخَةِ الخَطِيَّة

54jpg^الصَّفْحَة الأخِيرَة مِن النُّسْخَة الخطِيَّة

## مقدمة الشارح### إشارة:بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِوَأَحمدَه، وَأَسْتَغفِره، وَأُصلي عَلَى نَبِيَّهِ الكَرِيم وَآله الأطهاروبعد :فَهَذا هو المجلد الأَوَّل من شرح نهج البلاغة، ورُبَّنَا بَلغ أَلفِي صَفْحَة فِي أَرْبَعَة مُجَلَّدَات... هَذَا، إِنْ كَانَ فِي الْأَجَل فُسْحَة، وَسَمَحت الظُّرُوف، وَصَدق التقدِير، فَقَد علمتني الأَيَّام، وأحداثها أنَّ وَرَاء كُلّ ظاهر بَاطِناً، وَقَبل كُلّ شَيء قَضَاءً. وَتَدْبِيرَاً.### التَّأْلِيف:وَالتَّأليف - بِالنِّسبة إليَّ عَادَةَ، وَمُثَابَرة.. وَنِظام... فما غَيرت فِي صَيفٍ، أو شِتَاءٍ، وَلَنْ أُغَير موعد أَكْلِي، وَنَوْمِي، وَشُرْبِي الشَّاي، وَقِرَاءَتي، وَكتَابَتي، وَخُرُوجي مِن المَنْزِلَ إِلا لِضَرُورة قَاهِرة. وَكُنْتُ قَد عَزمتُ عَلَى ترك التأليف، أو تَصوّرتُ ذَلِكَ بَعد أنتهائي من «التَّفْسِير الكاشف»، وَلكن نَفْسى عاكست.

وتغليت. وَنَفْس الإِنْسَان أشد المخلوقات وأكثرها مُعاكسة، وَمُشَاكسة، وأقواها عَلَى عَقْله وَأَفكاره... وَكَان من ثمار هذه المعاكسة - حَتَّى الآن - كتابًا : فَلْسَفَة التَّوْحِيدِ، وَالْوِلَايَةَ، وَهَذَا الجلد مِن الشَّرِحِ.وَمَا أَبْعَد نَصوري تَرَكَ التَّأْلِيف - عَن أُمْنِيَتِي فِي ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ يَنْعَمَ اللّه عَلَيَّ، وَأَنَا في القبر، بمكتبةٍ، وَدَوَاة، وقُرطَاس... اقرأ، وأفكر، وأسجل، وإنْ دَل هَذَا التناقض عَلَى شَيء فإنما يَدلُ عَلَى أَنَّ تصورات الإِنْسَان، وأفكاره تَخْضَعَ لِلظّروف الَّتي تُحِيطُ بِهِ، وَالدُّنْيَا التي يعيشها، وَلَيْسَ مِن شَكٍّ أني حين تمنيت مكتبة القبر كُنتُ سَعِيداً فيما كتبتُ، أَو قرأتُ، وَكَان الباب مغلقاً عليَّ، لا أَحسٌ بِشيءٍ مِن حَولي.### هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي:وأيضاً كُنتُ مِن قَبل إِذَا أَنجزت مُؤلَّفاً، قُلتُ فِي نَفْسي : «هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي»... وَصَادف فِي ذَات يَوْم أَنْ مَرَرت بِبناية شَاهِقة بَاسِقة - في شارع مِن شوارع بيروت - وَفُوق مدخلها صَخرَة مِن رُخَام، كُتبَ عَلَيْهَا بِخَطٍ كَبِيرٍ، وَعَمِيق : «هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي»... فَقُلت - أيضاً - فِي نَفْسي : وَمَا يُدرِيكَ أَنْ يَكُون هَذَا مِن إِمْهَالَه تَعَالَى وَنِقْمَته، لاَ مِن فَضْلِهِ، وَرَحمته ؟. أمَا هَدد سُبْحَانَهُ، وَتَوعَد بَعْض أَربَاب الْأَمْوَال، والْأَوْلاد بقَوْله : ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ (1). وَقَوْله : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثمَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (2)؟.)


1) الْمُؤْمِنُونَ: 54 – 56.

2) آلِ عِمْرَانَ : 178.

وَمِن هُنا أنطلق بي التفكير فيا كتبتُ، وأذعتُ، وَتَساءَلَتُ : وَأَنَا أَيضَاً مَا يُدَرِّبَنِي أنَّ مُؤلفاتي، وَمَا تَدرهُ عَلَيَّ مِن حَقٍّ التَّأْنيف - قَد بَعَثت فِي نَفْسِي الزّهُو، وَالْغُرُورِ مِن حيث لا أَحسٌ وَأُرِيد ؟ وَأَي فَرق بَيْنَ حَانُوت، أَو عِقَارِ، وَبَيْنَ كِتَابٍ، أَو مَقَال يُدر كلَّ عَلَى صَاحِبه الفُلُوس، والنقود ؟ ثم هَل غَيّرت كُتبي - وَهِي بِالعشرات - شَيْئَاً مِن الأوضاع الفَاسِدة، أو أهتدى بها أحد فِي شَأْنٍ مِن شُؤون الحياة، ونقلته مِن حَالٍ إِلى حَالَ، أَو أَوجدت آلة تَدُور عَجْلَتها لإنتاج مأكل، أو مَلْبس، أو أي شَيءٍ لِلخير الإِنْسَان، أَو أَنَّهَا حَركت وجدان الجماهير، وَدَفَعَت بِهِمْ إِلَى الثَّورة ضِدّ الظَّلم، وَالطَّغاة ؟. وَأيّة جدوى من المؤلفات، والخطب، والمقالات إذا لم يهتد بها النَّاسِ فِي أَزْمَاتهم، وَقَضَاء حَاجَاتِهم ؟.كُلّ هَذه التساؤلات، أو التصورات جاءت من وحى الآية، و صخرة البناية... وَعِندها وَدَدتُ لو كُنتُ شَهيداً، أَو طَرِيداً، أو سَجِيناً، أَو جَرِيحاً وَلو بِنُقطَة دَمَ فِي سَبِيل اللّه بَدل الْأَرْبَعِين كتاباً بِمَا فِيهَا مَوسوعة (فقه الإِمَام و (التَّفْسِير الكاشف) و (شرح النهج)، أنْ قُدّر له التمام. أما حديث: «يُوزن غَداً مِدَادِ الْعُلَماء مَع دِمَاء الشُّهَدَاء، فَيرجح مِدَادِ الْعُلَمَاء عَلَى دِمَاء الشُّهَدَاء» (1). أمَا هَذَا المَدَاد فَالْمُرَاد بِه مَا يَهْدي لِلَّي هِى أقوم، وَيَحل وَلو مُشْكِلَة وَاحِدَة مِن مُشكلات الحياة، والدليل مُقارنته بِدمَاءِ الشُّهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سَبِيلِ الْعَدْل، وَالْحُرِّيَّة، وَفِي جِهَاد)


1) أنظر، كشف الخفاء : 262/2 ح 2276 وح،3281، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 486/5 ح 488. لسان الميزان : 225/5 ح 794. العِلل المتناهية : 80/1 ح 84 و 85، فيض القدير : 362/6، آداب الإملاء ح والاستملاء لعبد الكريم بن مُحَمَّد بن منصور، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: ماكس فايسقايلر: 162/1 تاريخ جُرجَان : 91/1 ح 52.

الْبَغْى وَالْفَسَاد.### الدين، والحَيَاةوَعَلَى أَيَّة حَالَ فَإِنِّي أعتقد جازماً بِأنّ الهدف مِن الدِّينِ بِعَقِيدته، وَشَرِيعته هُو إصلاح الحياة، وتنظيمها، والسِّير بها إلى الأفضل، وَالأَكْمَل، وَإِنّه حَيْث تُوجد الْمَصْلحَة فَثَّم شَرع اللّه، سَوَاء أَكَانَتْ المُصْلحَة عَامَّة، أَو خَاصَّة في حدود مَا أَحَل اللّه. وَمِن أَجل هَذَا تَبنيتُ فِي جَميع مَا كَتبتُ قضايا الشعوب، وَمَطالب النَّاسِ، كُلّ النَّاسِ، وَلاقيت مِن أَثر ذلِكَ مَا لاقيت مِن العُملاء، وَالْأَدعِياء... وَهَذَا عَزَائي وَسَلوَاي... وَالْحَمْدُ لله.وَبِهذه المناسبة أُشير إلى أنَّ الْجَوَامِع، والكنائس لو تبنت بصدقٍ، وَإخلاص مطالب الْعِبَاد، وآمالهم لأقبلوا عَلَيْهَا إِقبالهم عَلَى مَصالحهم، وَمَنَافعهم. وَمِن البداهة أنَّ دِين اللّه يقر، وَيُبارك كُلّ مَا فِيهِ خَير الإِنْسَانِ بِجَهَة مِن الجهات، بل حَثّ دِين اللّه، وأمر بالجهاد، وَإعْلان الثَّورة عَلَى الطَّغَاة، وَالمُسْتَغلين من أجل الْمُسْتَضْعَفِين، وَالمُعَذبين.قَالَ عَزَّ مَن قَائِل : ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللّه وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ (1). وَبَخَّ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الآيَة مَن لا يَثُور، وَيُقَاتِل لخلاص المظلومين، وأعتبر الثورة من أجلهم تماماً كَالْقِتَالَ فِي سَبِيله، بل هي هو. وَقَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَ مَا أَخَذَ اللّه عَلَى الْعُلَمَاءِ الْأَيْقَارُوا عَلَىٰ كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلَا سَغَبِ


1) النِّسَاء : 75.

مَظْلُوم، لأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا» (1). وَالمُقَارَّة الموافقةً، وَالكِظَّة التَّخْمَة، وَالسَّغَبِ شِدَّة الجوع. وَمُجمَل مَا أَرَاده الإِمَام أَنَّه : لَوْلاَ عَهد اللّه، وَمِيثَاقه عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ لاَ يَسكتُوا عَن التَّفَاوت الفَاحِشِ بَيْنَ النَّاسِ فِي لُقْمَة العَيش بِحيث يُتْخَم البعض، ويموت البعض الآخر جُوعاً - لما جَاهَدَ فِي الإِبقاء عَلَى حقه الثابت في المخالفة... وفي خُطْبَة ثَانِيَة : «أَضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ الأُفَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللّه كُفْراً، أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللّه وَفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً» (2).

وَإِذَا كَانَ اللّه سُبْحَانَهُ قَد أَخذ العهد والميثاق عَلَى رِجَال الدِّينِ، وَالعِلم بِه أَنْ يُجَاهِدُوا الخلاص المظلومين، وَيُعلنُّوا الثَّورة عَلَى مَن طَغَى، وَبَغَى - فَلِمَاذَا يَسكتُون وَلا يَثُورُون ؟. وَهَل سَكنُوا جَهلاً بدين اللّه، وكِتابه، أو جبناً، أو إقْرَاراً للظالم عَلَى كِظَّنَةِ، وبطنتِه، أو أنَّ البعض مِنْهُمْ قبض، ونقض، أو خَوْفاً أَنْ تُلصق بهم قوى الشَّر، الإفتراء، وَالتُّهم ؟... ثُمّ مَاذَا ؟ فَلقد شَنَّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حَرْباً شَعوَاء عَلَى المتنكْبِين عَن الطَّرِيقِ، فَحَارِبُوه بالدعايات، والإفتراءات، وَقَالُوا : إنَّه مَجْنُونٌ، وَكَاهِنَّ، وَكَذَّابٌ، وَطَالب مُلك.

نَهْجِ الْبَلاغَة:

وَزَعم زَاعِم أَنْ نَهْجِ الْبَلاغَةِ لِلشَّرِيفَ الرَّضِي لَا لِلْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَأَبطَل أَهْل التنقيب، والتّدقيق هَذَا الزّعم بأدِلَّة، مِنْهَا أنَّ خُطب النَّهْج، أو أَكْثَرها مُدونة في


1) أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (3).

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (129).

كتب الشيعة وَالسُّنَّة من قبل أنْ يُؤلّد الشَّرِيفَ الرَّضِيِّ بِسنوات (1). وَتَكَلَّمتُ عَن ذَلِكَ فِي كتاب : فَضَائِلِ الْإِمَام عَلَى، وَكتَاب : عَلَى وَالفَلْسَفَة. وَالقَوْل الفَصل فِي نِسْبَة النهج إِلى الإِمَام هُو أَنْ نَنظُر، وَتُحاكم مَا جَاء فِيهِ عَلَى أَساس كتاب اللّه، فمَا وَافق مِنْهُ الكتاب فَهُو مِن قَول الإِمَام، لأنَّه مَع الْقُرْآن وَالْقُرْآن مَعهُ، وَمَا خَالَفَه فلا علاقة له بالإمام مِن قَرِيبٍ، أَو بَعِيدٍ. وَقَد تواتر عَن أَهْل الْبَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قَوْهُم : «لاَ تَقْبَلُوا عَلينَا خِلاف الْقُرْآن، فَإِنَّا إِنْ تَحدثنَا بِموَافَقَة الْقُرْآن، وَالسُّنَّة، إِنَّا عَن اللّه وَعَن رَسُوله تُحدث، وَلا نَقُول : قَالَ فُلان، وَفُلان، فَإِذا أَتَاكُم مَن يُحدِثكم بِخلاف ذَلِكَ فَردُوه، إِنَّ لِكَلامنا حَقِيقَة، وَإِنَّ عَلَيْهِ لنُوراً، فما لاَ حَقِيقَة لَهُ، وَلاَ نُور عَلَيْهِ فَذَاكَ قَول الشَّيْطَان» (2).

وَمَا مِن كَلِمَة فِي نَهْجِ الْبَلاغَةِ إِلا وَدَل عَلَيْهَا الْقُرْآن بالتفصيل، أو الإجمال مع العِلم بِأَنَّ كَلام اللّه قد تفرد بخصَائِص كَثِيرَة لا يُشاركه فِيْهَا كَلام البشر أيّاً كَان قَائِله، وَهَذِه الحقيقة يُدركها كُلِّ مَن قَرأ قَوْله تَعَالَى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ, قَلْبٌ أَوْ ألقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ» (3.)وأَعْتَرف بأني أدركتُ هَذِهِ الحَقِيقَة بَعد أنْ فَسرت الْقُرْآنِ الْكَرِيم وَبَاشرتُ بِشَرح نهج البلاغة، وَكُنتُ مِن قَبل أشبه بالمقلد... بَل كَان قَد عَرضت لي شُبهة فِيهَا شَائِبة مِن الغلو... ثُمّ زَالت إِلى غَيْر رَجْعَة بِحَمد اللّه، وَبِفَضل النهج، وَشَرحه،


1) أَثْبَت هَذِه الحَقِيقَة بالأرقام. ومنطق الحسّ الأخ العلامة الشيخ عبد اللّه نِعْمَه في كتاب: مصادر نهج الْبَلاغة، وَقَد طُبع، ووزع عَلَى المكاتب. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

2) أنظر. بحار الأنوار : 250/2 ح 62. الحدائق الناضرة : 10/1، رجال الكشي : 489/2 ح 401.

3) سُورَةُ قَ : 37.

فَلَقد لمستُ، وأيقنتُ، وَأنا أشرح النهج، أن الفرق بَيْنَ كتاب اللّه، ونهج البلاغة تَمَاماً كَالفَرق بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَالرَّب وَالمَربُوب. وَمرَّة ثَانِيَة الْحَمْدُ لله.### مَوَاضِع النَّهْج:ومواضيع النَّهج متنوعة تماماً كموَاضِع الْقُرْآن. فَقَد تَكَلَّم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ عَن اللّه وَصِفَاته، وَعَن النُّبُوَّة وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْهَجه في إثبات وجود اللّه تَعَالَى عَين منهج الْقُرْآن، وَهُو الاعتماد عَلَى مَنطق الحس، وَالْعَقْل، وَأعْنِي بِمنطق الحِسٌ مُشاهَدة الكَوْن المادي، وَمَا فِيهِ مِن صَنعةٍ، وَقَصدٍ، وَحِكْمَةٍ، وَتَدبِيرٍ يَشمل، وَيَعم جميع الْكَائِنَات مِن الدَّرَّة إِلى أَعْظَم المجَّرَات، وَمَا هُم مِن أوضاع مُحْكَمة، وأبعاد مُحددة تُؤَدِّي إِلى غَايَات مَعْقُولة. أمَّا مَنطق العقل فأعني به التفكير الهَادِي السّليم، والتساؤل عَن السّبب الموجب لهذا النظام، والتدبير : هَل وُجب بِلا سَبب ؟ كَيْفَ ؟ وَهُو لا يحمل في ذاته الْعِلَّة الكَافِية لوجوده... هَذَا، إلى أن الطَّبِيعَة عَمْيَاء صَماء فكَيْفَ تُنظم، وَتُنقن ؟ وإِذَنْ فَلا مَحيص من الانتهاء إلى قَاصِدٍ حَكِيمٍ، وَقَادِر عَلِيم يمنح الْوُجُود، وَهُو قائم بذاته لا يستمد من غَيْره، وإلا غرق العالم، والعَقْل مَعهُ فِي تَجْرِبَة اللاشيء... وَقَد أشار سُبْحَانَهُ إِلى هَذَا المنهج بِقَوْله : (وَسَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْأَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)(1)، وَالْمُرَاد بِالحَقِّ هُنا وجُود اللّه سُبْحَانَهُ.)وَهَذَا هُو منهج الإمام بالذات، وَهُو المنهج السَّوي، وَبِهِ أَخذ التجريبيون.


1) فُصِّلَتْ : 53.

وَعُلَماء الطَّبِيعَة حَيْث يُشاهدون ظواهرها، ثُمّ يتفرغ واحد، أو نَفر مِنْهُمْ لِلبحث في ظَاهِرة مِن الظواهر، وَيتَتَبَّع خصائصها، وآثارها، وَيَمضي فِي دَرسها، وَتَحليلها حَتَّى إِذَا أَنتَهى أنتقل من المشاهدة، والإدراك المباشر إلى الإستنتاج، والحكم العام عَلَى أفراد تِلكَ الظَّاهِرة جَمِيعاً مَا شَاهِدِ مِنْهَا، وَمَا غَابَ عَنْه.وَبِهَذا يَتَبَيَّن مَعنا أنّ مَنْهج التجريبين في إثبات مَا يُثبتُون لِلطَّبيعة مِن قَوَانِين عَامَّة، وَيُرسلونه عَلَيْهَا مِن أَحْكَام تشمل كلّ فرد من أفراد تلك الظاهرة مَا كَان مِنْهَا، وَمَا يَكُون، يَتَبَيَّن أن منهج التجريبين هَذَا هُو مَنْهَجِ الْقُرْآن فِي إثبات وجود اللّه تَعَالَى، وَمُنْهَجِ الْعُلَماء باللّه، وبدِينه.. وإذَنْ فَلِمَاذَا الإِنْكَار وَالاِستَنْكَار، وَتَسمية الإيمان باللّه إِيمَانَا بِالْغَيْبِ دُونَ الْأَحْكَامِ الْعَامَّة عَلَى الطَّبِيعَة ؟. أليس كُلّ مِنْهُما يَبتَني عَلَى الحِسٌ، وَالْعَقْل ؟ وَنُقل عن (ماكس بورن أَنّ عَقِيدة (إينشتاين) الدِّينية تقوم عَلَى إيمانه بقدرة الْعَقْل عَلَى تَحْمِينَ القَوَانِينَ الَّتِي بَى اللّه العَالم بموجبها.)وبقصد التوضيح أضربُ هَذَا المثل : يقرأ الملجد كتاباً فَيُعجبه، وَيُؤْمِن بوجود المؤلف، وَأنّه مِن أهْل الفَهم، وَالعِلم، وَمَعْنَى هَذَا أنه أنتقل مِن عَالم الشَّهَادَة إلى عالم الْغَيْب. وَمِثله تماماً مِن شاهد الكَوْن العجيب، وآمَن بوجود المكُّون حَيْث انتقل كلٌّ مِنْهُمَا مِن الشَّهادة إلى الْغَيْب. وإِذَنْ كَيْفَ جَاز للمُلحد أنْ يُنكر عَلَى الْمُؤْمِن مَا أَثبته هُو لنَفْسِه، وَأنْ يَنْقُض مَا أَبرَم، أو يُبرِم مَا نَقض ! فإِنْ جَازِ لِلعَقل أَنْ يَنْتَقَلَ مِمَّا شَاهِدِ إِلَى مَا غَابَ فِي الطَّبِيعيات - جاز ذَلِكَ أيضاً فِي غَيْرها، وإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الوقوف عند المشاهدة فكَذَلِكَ فِي كُلّ شَيء، وَالفَرق خَطأ، وَتَضليل.وأيضاً تَكَلَّم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ عن الخلق، وَالطَّبِيعَة بأرضها، وَسَمائِها، وَعَن الْإِنْسَان، وَالشَّرِيعَة، والْقُرْآن، وَالسُّنَّة، وَالْفُقَرَاء، وَالْأَغْنِيَاء، وَعَن الجهاد، والأخلاق،)

وَالْعَقْل، وَالنَّفس، وَالعِلم، وَعَن الدُّنْيَا وَزِينَتهَا، والموت وسكراته.... إلى مَا لاَ يُحصى كَثرَة. وَمَن أَستَقرَأ، وتَتَبَّع نهج الْبَلاغَة يحس أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مِن كَلِمَاتِهِ تَنطَلِق بهِ مِن حيث لا يشعر إلى الإيمان باللّه، والالتزام بدينه، وشريعته، أَمَّا حَدِيث الإِمَام عَن الْمَوْت وَسَكراته، وَالقَبْرِ وَوَحشته، وَعَن الحَشر وَالنَّشر، ثم الوقوف لِلْحِسَابِ، وَعَن الجَنَّة، ونَعِيمُهَا، وَالنَّارِ وَجَحِيمها، أَمَّا حَدِيثه عَن ذَلِكَ كلّه فَيصح فِيهِ القَوْل : أنَّ اللّه هو المؤلف، وَالإِمَام هو المخرج.### العِلم، وَالْعَمَل:يَرَى الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّ الْمَصْدَر الأَوَّل لكلّ العلوم والمعارف حَتَّى الوَحي هُو الْعَقْل وَحدَه، أَو مُنْضمَاً إلى آخر كالحواس، فإِنَّهَا تُدرِك الأَشْيَاء المادية، ولَكِنَّهُ قد تخدع الرّائي، والقَوْل الفصل في خَطئها، وَصوَابها للعقل. فالْعَيْن - مثلاً - تَرَى الشَّمْس صغيرة، وَيَقُول : هي أكبر بِكَثِير مِمَّا رَأت، والحق معه، وإلى هَذَا أَشار الإمام بقَوْله : «لَيْسَتِ الرَّوِيَّةُ كَالْمُعَايَنَةِ مَعَ الإِبْصَارِ، فَقَدْ تَكْذِبُ الْعُيُونُ أَهْلَهَا، وَلَا يَغُشُّ الْعَقْلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ» (1). وَكَثِيراً مَا تَكون الْعَيْن بمعونة الْعَقْل مَصدَراً لمعرفة الحق فَقَد سُئل الإِمَام عَن الفَرق بَيْنَ الحَقِّ، والْبَاطِل ؟ فَقَالَ: «الْبَاطِل أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ» (2)، وَأيضاً يرسل الْعُلَمَاء أَحْكامَاً مُطلقة عَلَى أَفرَاد النَّوْعِ مَا وقع مِنْهَا في خبرتهم الحسيَّة، وَمَا لَم يقع قياساً لهذا عَلَى ذَلِكَ، وَلا مُبرر لذلِكَ إِلا الْعَقْل، وبكَلِمَة : «إنَّ معارف الإِنْسَان، وسلوكه، وَأَقْوَاله، وَأَفعاله، وأَحْكَامه)


1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (281).

2) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (141).

بِكَاملها - ترتبط بالعقل بشكل أو بآخر، ولو أسقطناه عَن الاعْتِبَار لاَ نَسد بَاب المَعْرِفَة، وَالحُكم عَلَى الأَشْيَاء بِشَتى أنواعها».والْعَقْل عِند الإمام فطرِي، وَكَسبي، والأَوَّل مَا يُدرك بِهِ الإِنْسَانَ بِمَا هُوَ إِنْسَان إدراكاً مباشراً، وَبِلا مُقدمات، وانتقال من معلُوم إلى مجهول، كإدارَكَ النَّاسِ كلّ النَّاس - العالم مِنْهُمْ، والجَاهِل - إِنَّ الشّيء الواحد لا يَكُون مَوجُوداً، وَمَعدُوماً في واحد، وَمِن جهة وَاحِدَة، أو يُوجد في العديد من الأماكن في آن واحد. أَمَّا الكسبي فهو عبارة عن حركة الانتقال من معلومٍ إِلَى مَجهولٍ، مِن مُشاهَد مَحسُوس إلى غَائِب لازم لهُ، وَلاَ يُنفك عَنْه، كالإنتقال مِن رُؤية الهرم إلى معرفة الفراعنة وَتَارِيخهم، وَمِن رؤية النظام الثابت في الكَوْن إِلى مَعْرِفة المكوّن، وَالمُنظَّم. والْعَقْل الكسبي يثبت الحقائق التجريبية، وإليه أشار الإِمَام بقَوْله: «وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ» (1، وَقَالَ: «أَعْلَمُ النَّاسِ مَن جَمَع عِلم النَّاسِ إِلى عِلْمِهِ» (2). «العِلم أَكْثَر مِن أنْ يُحصى، فَخذُوا مِن كُلّ شَيْء أَحْسَنه» (3). وفِي هذا رَدّ صَرِيح عَلَى مَن قَالَ: «يجب عَلَى المُسْلِمِين أَنْ يَكْتَفُوا بِمَا عِندهُم مِن علمٍ، وَتُراثَ قَدِيم، وَلاَ يَجوز أنْ)


1) أنظر نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (31).

2) لم أقف عَلَى هَذَا الْحَدِيث في نهج الْبَلاغة، وَلاً في الكتب المتوفرة لديَّ، لكن روى ذَلِكَ البرقي فِي المَحَاسِن : 230/1 ح 173، من لا يحضره لا يحضره الْفَقِيه : 395/4، الخصال : 5/ ح 13، أمالي الصدوق : 73ح 4، معاني الأَخْبَار : 195 ح 1. روضة الواعظين : 6، الأربعون حديثاً للشهيد الأول : 55 ح 24، سنن الدَّارُمِي: 87/1، ولكن نسبه إلى الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

3) لم أَقف عَلَى هَذَا الحَدِيث في نهج البلاغة، ولا في الكتب المتوفرة لديَّ، لكن روى ذَلِكَ صَاحب كنز الفوائد : 31/2، وبحار الأنوار : 219/1 ح 50، تأريخ دمشق : 381، ولكنْ نَسَبه إِلى الشَّعبي، وكَذَلِكَ فِي تَهذيب الكمال : 38/14، البداية والنهاية : 258/9.

يَستُوردوا أي عِلم مِن الخارج».وَالعِلم عِند الْإِمَام وَسِيلة إلى الْعَمَل، حَتَّى العِلم باللّه فإنّ القصد مِنْهُ الْعَمَل بأَمْرِه وَنَهيه، وعَلَيْهِ يَرتكز الثَّوَاب وَالعِقَاب، وبه يُستدل عَلَى الإِيمَان. بَل العِلم عِند الْإِمَام بِلا عَمل خيال زَائِف، وَمِن أَقْوَاله : «الْعِلْمُ مَقْرُونَ بِالْعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ، وَ إِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ» (1. وَنَقَل الدّكتور زكي نَجِيب حمود عَن فَرِيق مِن الفَلاسفة المعاصرين : «إِنَّ العِلْمِ والعَمَل مَوْصُول أحدهما بالآخر» (2). فَإِذَا وَجَدت عِلماً مزعوماً لا يجيء بمثابة الخطة المؤدية إلى الْعَمَل فَقُل : إنّه لَيْسَ مِن العِلم فِي شَيء». وفِي الْمَعْنَى روايات كَثِيرَة عَن أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيهِم السَّلَامُ) ذكر طَرفاً مِنْهَا الشيخ الكليني في أصول الكَافِي.)وَقُول الْإِمَام فِي العِلم يَلْتَقِي - مِن وَجه - مَعَ الفَلْسَفَة البراجماتية الأمريكية الَّتِي تقول : «إِنَّ الْفِكْرة أيّاً كَان نَوْعِها إنما تُقاس ينفعها، فَالْفِكْرة حقٌّ وَصَوَاب إِذَا نَفْعَت، وَهِي بَاطِل وَخَطاً إِذا لم تَنْفَع، فَلا دين، وَلا عِلم، ولا تربية، وأدب، وَلا فَن وفَلْسَفَة، وَلا أيَّة قيم إلا مَا يُعد الْفَرْد، ويُعينه عَلَى كَسب المال مِن أي مَصْدَر كَان، ولو عَلَى حساب الملايين.وَمِن هُنا أفْتَرقت الفَلْسَفَة الأمريكية عن قول الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ فَإِنَّ الْمُرَاد بِالْعَمَل عِند الإِمَامِ الْعَمَل النافع الذي لا ضرر معه، وَلا ضِرَار : الْعَمَل فِي حدود ما أحل اللّه، وَمَا حَرَّم، وَلا يُطاع اللّه مِن حيث يُعصى، أمَّا البراجماتية الأمريكية فإِنَّهَا تَقول كُلّ الوَسَائِل صحيحة، وَخَيرة ما دامت تُؤَدِّي إلى الهدف المطلوب. وبكَلِمَة : إِنَّ)


1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (366).

2) أنظر، حَيَاة جابر بن حيان التوحيدي : 268.

المَنْفَعَة عِند البراجماتيين هي الإنتهازية بصرف النظر عن المباديء، والْقِيَّم، وَعِند الإِمَام هِي سَد الحاجة في حدود القيم والمباديء.### التَّرْتِيب:وَتَرْتِيبي فِي هَذَا الشرح كَتَرتيب (التَّفْسِير الكاشف أبْتَدىء بفِقْرَة ة (اللُّغَة) وَثَانِيَة (للإعراب) ثُمَّ شَرح المعنى، وتَفْسِيره جملة فَجُملة، عَلَى طريقة القُدامى فِي تَفْسِير الْقُرْآن الكريم، واقفاً عِند ظاهر الكلام بلا أستطراد، وَحَشو، وقفزات... لأنّ هَذَا هُو الأَسَاسِ لِكُلِّ شَرح، وتَفْسِير، ولأنَّ القارىء يتطلع قبل كُلّ شَيء إلى المعنى المراد.)وَقَد تنبهت، وأنا أشرح بعض الخطب، أنّ الَّذِينَ حَبسُوا أَنفسهم عَلَى المنابر يتطلعون كَثِيراً إلى نهج البلاغة وخُطَبَة، لما فيها من ثمراتٍ، وَسحرٍ، وَنُكهةٍ، فَحاولت أنْ أمدهم ولو باليَسِير، عَسَى أَنْ تَنمُو به خُطيهم، وتُثمر... وَمِن أَجل ذلِكَ إِذا أَوحت لي كَلِمَة، أو جُملة من أَقْوَال الإِمَام بِمَعْنَى يترك أثراً فِي نَفْس السامع - حَسَب تَقدِيري - عنونته بِكَلِمَة (لِلمِنْبَرِ فِي يَهْتَدِي إِلَيْهِ بسهولة من يهمه الأمر إذا راجع الفهرست، أو قَلب الصفحات... وَإِذَا اسْتَقَل (المنْبَري) ما ذكرت لهذه الْغَايَة فإنّ الكَلِمَة الحَيّة تنتقل بالمفكر الموهوب إلى العَدِيد مِن الأجوَاء... عَلَى أنّي - كما أشرت - لَستُ بِصدد وضع الخطب، ونقشها. وَقَد أَتْرُك كَلِمَة المنبر مُكتفياً بما يُشِير إلى الموضوع.)وَقَسَّمت الخُطْبَة الطويلة، وَمَا بَيْنَهَا، وبَيْنَ القَصِيرة، قسمتها إلى فِقْرَات ووضعت لكلِّ مِنْهُما أَرقاماً (1 - 2 إلخ... يقصد تسهيل الرُّجوع إلى ألفاظ)مُقَدَّمَةُ الشَّارِح

الخطبة، وَكَلماتها عن طريق الفهرست، أَمَّا الخُطْبَة القَصِيرة فَسبيل الرُّجُوعِ إِلَيْهَا سَهل، وَلا تَحتاج إلى أَرْقَام وَمَا راعيت في التقسيم السجع، والتناسب بين أجراس الْكَلِمَمات، كما هو الشأن في تقسيم سُور الْقُرْآن إِلَى آيَات، وَلا الإِنْتَقَال مِن مَعْنَى إِلى غَيْره، لأنّ غرضي - كما أشرت - مُجرد الكشف، والتيسير.وأطلقت كَلِمَة الْخُطْبَة عَلَى كَثِير مِن أقْوَال الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ - التي لا تُعد مِن نَوْع الخطب عِند النَّاس - لأَنَّهَا مُدرجة في بابها، عَلَى أنه وَرد عَن أَهْلَ الْبَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ) «أَنْ من قَالَ : الحَمْدُ اللّه فَقَد خَطب» (1).)### خُطة الشرح:الفرق بَيْنَ كتاب، وآخر فى عِلم مِن العُلُوم هو الفرق بَيْنَ مُؤلف، وآخر، لأن أسلوب الإِنْسَان هُو شخصية الإِنْسَانَ، فَإِذَا كَتب أَإِثْنَانِ فِي مَوْضُوع واحد، أو شَرحا مَتْنَاً واحداً - تَناوله كُلّ مِنْهُمَا مِن رُؤية شخصيتةٌ، وَنَظُر إِلَيْهِ مِن زَاوِيَة مِيُوله وَرَغبته. وَمِن هُنا تغلب التاريخ، والأدب عَلَى شَرح ابن أَبِي الْحَدِيدِ لِنَهْجِ الْبَلاغَة وَصَرح هُو بِذَلِكَ حَيْث قَالَ فِي شَرح الخُطْبَة : «أنَّ كتابنا هذا كتاب أدب، لاكتاب نَظَر» (2وَتَغلب عِلم الكلام في شَى مِن الذوق الصوفي عَلَى شَرح مِيْثَم البحراني وَأَعَاد السَّيِّد الخوئي مَا قَاله البحراني، وَكَرره مَع بَعْض الإضافات من الآثار والروايات.)


1) أنظر الكافي : 368/5،2، جامع المقاصد : 15/12، التهذيب : 408/7 ح 1630 الوسائل : 66/14 ح 41، المهذب البارع : 174/3، التذكرة : 571/2، الجامع للشرائع : 452.

2) أنظر، شرح نهج البلاغة : 198/7.

وَقَد أَحسَن كلِّ فِي نَاحِيته، وأعطى مِنْهَا مَا يُشكر عَلَيْهِ، وَسَدٌ فِرَاغاً فِي بَابِهِ كِي يَنْبَغِي أَنْ يُسد... هَذَا، وَمن الَّذِي فِي طَاقته أنْ يَستوعب كلّ الجهات، أو يفطن إلى كلّ الجهات فِي المَوْضُوع الواحد ؟ بل مَن الَّذي يُصِيب في كلّ ما يَقول، وَيَكتُب بلا سقطات - وإنْ أقتصر عَلَى نَاحية وَاحِدَة مِن مَوْضُوع وَاحد ؟ أَلَسْنَا بشراً غَيْر مَعْصُومِين نُمارس هَذِهِ الْحَيَاة بأدوائها، وأوبَائِها ! حَتَّى الَّذِي أصطفاه اللّه لنَفْسِه مِن بَيْنَ خَلقه كَان يَشكو إِلَيْهِ وَيَقول: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ، أشكُو ضَعفِي، وقِلَة حِيلتي» (1. وَقَد أَدَبِه سُبْحَانَهُ فِيها أَدَبِه بِهَذا الأَمر : (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (2).)وَلأنّي أَدِين، وأعتقد بأنّ الإِسْلام ما شرع إِلا لِخَير الإِنْسَانِ، وَسَعادته، وإنّه من أجله يعتبر العلم النافع فَضِيلة، وفريضة، والعَمَل لحياة أفضل عِبَادَةً، وجهاداً فقد فرض عليّ هَذَا الاعتقاد نَفْسِه في شرح النهج، وَدَعانِي أنْ أُفسر كلّ كَلِمَة، أو جملة مِنْهُ مِن خِلال هَذِه الرّؤية إنْ تحمّلها ظاهر الكلام، وَأَشَارِ إِلَيْهَا.وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أنّي لَم أَستق شَيْئَاً مِن القَدِيم، وأنّي رفضت التراث، وَتَجاوزته بِمَا فِيهِ، كَيْفَ وَلو فعلت هَذا لكان كتابي شرحاً لِغَير النهج، أو لَيْسَ بِشَرح عَلَى الإطلاق، وَكَانَتْ وِجْهَتِي إِلَى غَيْرُ مَا قصدت ؟ ثُمَّ هَل أفسر الْكَلِمَات، والمفردات بِغَير مَا يَتبادر مِنْهَا إِلَى الْأَفْهَام، وَبِغَير مَا جَاء في قواميس اللغة، أو أُبدل وَقَائِع التَّاريخ، أو أتجاهل السّياق الَّذِي يَشتَرك الجميع فِي فَهمهِ ؟أجل، رفضت مِن القَديم مَا يَجب رفضه في هَذَا العصر، وَلا يَنقُص مِن الدِّين


1) أنظر، تفسير القرطبي : 211/16، تفسير ابن كثير : 164/4، الأحاديث المختارة : 181/9 التدوين في أخبار قزوين: 82/2 السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 268/2، تأريخ الطَّبَرِي : 554/1.

2) سورة طه : 114.

شَيْئَاً، وَقَبلتُ مِنْهُ مَا يُتفق مع كلّ عَصر، وأوضحته، وَأحْكَمته، ومِنْهُ تطلعت وانطلقت إلى مَا تَقبله كلّ النفوس، وَتُقره كلّ الْعُقُول فِي هَذَا العصر، وكلّ عَصر. ونصوص الإِسْلام - مَا عَدا الْعَقِيدَة، والْعِبَادَة - بحاجة إلى هَذِهِ الرُّؤية المعاصرة، وتليق نَامَاً عِبَادىء الشَّرِيعَة السّهلة السمحة، وَبِها نَجذب الشباب الذين زَاغوا عَن عَقيدة اللآباء والأجداد.واللّه وَلِي التّوفيق، وَالصَّلاة عَلَى مُحَمَّدٍ وَآله الأطهار.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ## الخطبة - 1 -### الْحَمْدُ لله.. فِقْرَة 1 - 3:(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلا يُؤدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ (1، الَّذِي لا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطْنِ، الَّذِى لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌ مَحْدُودٌ، وَلا نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ (2). فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَ نَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَ وَتَّدَ بِالصُّحُورِ مَيَدَانَ أرْضِه (3)).)اللُّغَة:الحَمْدُ : ثَنَاء وَتَعظِيم. مِدْحَتَهُ مَدحاً : أَحْسَنت الثناء عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِن صِفَات ذَاتِية كَالذَّكاء، والشَّجَاعَة، أو مُستفادة كَالعِلم، وَحِفظ التَّجْرِبَة، ومِدحة - بكسر الميم - للهيئة، والكَيْفِيَّة، ومَعْنَى الجملة بمجموعها إِنَّ الثناء عَلَيْهِ تَعَالَى كَمَا يُليق بحقه

متعذر. والنعماء - بالفتح - قيل : هي جمع نِعْمَة كَنِعم، وَأَنعُم، وقيل : اسم مَصْدَر، وكَلِمَة نِعْمَة جاءت في الْقُرْآن الكريم بفتح النون للمرَّة : ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيْهَا فَكِهِينَ (1). وَجَاءَتْ فِيهِ بالكسر للصنيعة، والمنة : (وإن تَعْدُّوا نِعْمَةَ اللّه لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللّه لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (2). وأجتهد بالأمر : جَدَّ فِيهِ، وَبَذل الوسع. وأدرك الشّيء : ناله وَوَصل إِلَيْهِ الهِمَمِ : جمع هِمَّة، وهي العزم القَوِيّ، يُقَال : هو بعيد الهمة، وَذُو هِمَّة عاليه. والْفِطَن جمع فِطْنة، وهى الحدس المصيب، وغَوْصها : إبعادها، واستغراقها لنيل المطلوب. وحد الشّيء : مُنْتَهاه، والحاجز بَيْنَه وبَيْنَ غَيْره. فَطَرَ الْخَلائِقَ : أبتدعها عَلَى غَيْر مِثال سَبق. وَوَتَّدَ، وَأوتد الوتد : ثَبْتَه. وَيُشير الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) (3). والمَيَدَانَ - بِفَتح الياء - مِن مادَ يَمِيدُ مَيداً. وَميَدَاناً : الحركة بتمايل، يُقَال : تَمَايد إِذَا تَمَايَل مُهتَراً.)الْإِعْرَاب :الحَمْدُ للهِ : مُبْتَدَاً، وَخَبْر. وَالجُملة إِنْشَاء في صيغة الإِخْبَار. والَّذِي فِي محل جر صِفَة اللّه، وَمِثله المَوْصُول الثاني، وَالثَّالث. ومَحْدُودٌ : صِفَة للحدّ، وَهُو مِن بَاب وَصَف التّيء بنَفْسِهِ لِلمُبالغة، مِثل ليلٌ أَليَل، وَشِعرٌ شَاعر.الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ. حمد اللّه سُبْحَانَهُ مِن أفضل العِبَادَات، وَلِهَذَا افتتحت بهِ الصَّلاة،)


1) الدخان: 27.

2) النَّحْلِ : 16.

3) النبأ : 7.

وَفَاتِحَة الْكِتَاب، وَالخطابات، وفي خُطْبَة ثَانِيَة : «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مفتاحاً لِذِكْرِهِ وَسَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ وَدَلِيلاً عَلَى آلَأيْهِ وَعَظَمَتِهِ (1»، وفِي ثَالِثَة : (وَلا يَحْمَدْ حَامِدٌ إلا رَبَّهُ) (2)الْحَمْدُ للهِ وَحدَه عَلَى تُوفيقه، وَعِظيم إحسانه. (الَّذِي لا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ). يُتَنِي الخَلُوقِ عَلَى خَالقه جُهد مَا يَسْتَطِيعِ، وَعَلَىٰ قَدر مَا يعلم.. وَمَها سَمت الْعُقُول فَلا تَسْتَطِيع، وَيَسْتَحِيل أنْ تَسْتَطِيع الإحاطة بمقام العَظَمة، وَالجَلال، بل لا تُحيط بِخَلق اللّه، وآثاره، وَمَن الَّذِي خَرقَ بِعِلمِهِ بَاطن الأَرْض، وَأسرارها، وأبراج السَّماء، وأخبارها، وَمَا تُخفِي الْقُلُوب، والصدور ؟. وَإِذا عجزت الْعُقُول عَن إدراك الخلُوقِ فَكَيف تُدرك الخَالِقِ ؟. وَمَع هَذَا الْعَمَى، والْعَجْزِ كَيْفَ تُؤَدِّي واجب المديح، والثناء ؟. قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الهَيْئَةِ وَالأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ) (3).)(وَ لا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ. هَذَا تَذْكِيرِ لِعِبَاد اللّه بأنعمه التي لا تُعد، وَلاَ تُحصى. وَلَكن الإِنْسَانِ الظُّلوم بَدَّل نِعْمَة اللّه كُفراً.. أنعم سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ الْعَقْل، فأخترع به أسلحة الهلاك، وَالدّمار، وأجهزة التجسس، والتضليل، والخداع. وأَعْطَاه المال، فأتخذ مِنْهُ أداة لِلفَساد، وَالطَّغيان، وَمَنحه الصّحة في الجسم، فأبلاها بالمعاصي والحَرَّمَات.. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ الأفَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللّه كُفْراً، أَوْ بَخِيلاً أَتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللّه)


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة «157».

2) انظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة «16».

3) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة «163».

وَفْراً، أَوْ مُتَمَرْداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْرأ» (1.)وَمَا ظنك بأمير الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ أَنْ يَقُول لَو كَان في هَذَا العَصر، ورَأَى مَا يَهتز لهُ العرش في شرق الأَرْض، وغَرْبِهَا مِن دَم يُسفك، وَحُرمات تُهتك، وَمَسَاكِن تُهدم، وأطفال، ونِسَآءَ تُشرَّد. لا لشيء إلا لأن الجَبَابِرَة الْأَقْوِيَاء يُرِيدُونَ مِن عِباد اللّه أَنْ يَسجدُوا هُمْ، وَيَركعُوا مِن دُونَ اللّه، وأنْ يَتصرفُوا بِهِمْ، وَبأقواتهم كما يَشاءُون، ويهوون ؟.)بأي قَولٍ، وَخِطاب يصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ هذه الفجَائِع التي ترتكبها الدُّول الإستعمارية مع كلّ شعب يُرِيد العُمران في أرضه بحُرِّيَّة، وَأَمَان، وَالعَيش في بَيْتِه بِدْعَة وَأطمئنان ؟ وبأي قَولٍ، وَخِطاب يصف عَلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا فَعل الصهاينة بالأمس. وَيَفعلُونه الْيَوْم، وَبَعد الْيَوْم فِي فِلسطين مِن الْقَتْلِ، وَالبَطش، وَالتّجويع، وَالتّشريد، وَمِن الحرق، والهدم، والسجن، والتعذيب ؟. كلّ هَذَا، وأَكْثَر مِن هَذَا حَدَث فِي فِلسطين بالأسلحة الأمريكية الحَدِيثة، وبأيدِي الصّهيونية خليفة الإستعمار، وعَدُوّة الأحرار.)فَرحمَاكَ أَللَّهُمَّ رَحمَاك... إن كُنت تُؤاخذنا بما أخطأنا فأرسل علينا مِثل صَاعِقَة عاد وثمود، أَو مِثل طوفان نوح... وَلا تُسلط علينا الصهيونية، والأسلحة الأمريكية.. رَحْمَاك يا أرحم الرّاحمين... يَا مَن خَلق الرَّحْمَة لِلمُذنبِين... وَكَنبها عَلَى نَفْسِه، وأكدهَا بقَوْله : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللّه إِنَّ اللّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (2).


1) أنظر، نهج البلاغة : الْخُطْبَة «129».

2) الزمر : 53.

(وَلا يُؤدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ). إِنَّ حَق اللّه سُبْحَانَهُ يُقاس بِعَظَمَتِهِ، وَجُهد الإِنْسَان يُقاس بطاقته، وَالفَرق بَيْنَ هَذِهِ الطَّاقَة، وَتِلك العظمة تماماً كَالفَرق بَيْنَ الخالق والمخلوق... وَهُنا يكمن سرّ الْعَجز عن أداء حقه تَعَالَى.. أجل، مَن أدرك هَذَا السّر، وأنقاد اللّه فِي جَميع مَا يَقُول، وَيَفعل فقد وَفّىٰ بِعَهْدِ اللّه الَّذِي أَمَرَ بِهِ فِي قَوْله : (وَأَوْفُوا بِعَهْدِيَ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّيَ فَارْهَبُونِ) (1).

(الَّذِي لا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَ لا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ). نَحْنُ ذَرَّةٍ مِن هَذِهِ الأَرْضِ، وَهِي ذَرَّة من الكون، وهُو ذَرَّة مِن فِيض اللّه تَعَالَى، فَكَيْفَ نُدركه، وهذه هي الحال ؟. وفي خطَابِ آخر : «لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا وَ بِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا وَ إِلَيْهَا حَاكَمَهَا» (2)تَجلى سُبْحَانَهُ لِلعقول بخلقه، وآثاره، والعُقُول مِن جملة الخلق والآثار، وأمتنع مِن الْعُقُول بذاته، لأن المخلوق أعجز مِن أنْ يَدرك الخَالِقِ، وَحَاكم الْعُقُول إِلَى نَفْسها، فَحَكمت هِى بذاتها أَنَّهَا عَاجزة عن إدراك الذات القُدسِية.

(الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌ مَحْدُودٌ) حَتَّى إِذَا بَلغت هَذا أنتهت، وأنقطعت.. كلاً، لأَنَّهَا أَزْلية، أبدِية (وَ لا نَعْتُ مَوْجُودٌ). ومَعْنَى النّعت، والوَصْف واحد بحسب المتبادر إلى الأَذْهَان، وَلا وَجه لِلتَّفرقة بينهما كما في بعض الشروح، والتعليقات فِرَاراً مِن عَطف التَّفْسِير مع العلم بأنه لا أثر هنا لهذا العطف، وذلك أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أنْ نَى عَن اللّه سُبْحَانَهُ الْوَصْف المحدود بغَايَة، ونهاية - نفى عَنْه أيضاً الوَصْف الَّذي يُعبر عَنْه تعبيراً كافياً، وَافِياً، وَجَامِعاً، مانعاً، نفى عَنْه هَذَا الْوَصْف، أو هَذَا النعت لأنه لا طريق أَبَداً إِلَى مَعْرِفَته تَعَالَى إلا بآثاره. وَمِن البداهة بمكان أن الآثار


1) الْبَقَرَة : 40.

2) أنظر، نهج الْبَلاغة : الخُطْبَة «185».

لاَ تُعبر عَن كُنه المؤثر، وَحَقِيقَته، وَلا تَعكس كلّ مَا فِيهِ مِن صِفَات. بِالْإِضَافَة إِلَى أنّ قدرة اللّه تَعَالَى لا تُقاس بما صَدر عَنْهَا مِن خَلْقٍ، وآثار، وما يصدر إلى الأبد.. لأَنَّهَا هِي هِي، لا تنضب، ولا تنقص، ولا تضعف مهما تكاثرت الآثار، وتراكمت.

(وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ). الوقت يتعدد، وينقسم، يُقَال : الأمس، والْيَوْم، وَغَداً، والأَجَل يَنْتَهي، وينقطع، وواجب الوُجُود أزلِي أَبدِي لا تُعد الأَوْقَات لوجوده، وَلا تُضرب الآجال لبقائه.. هَذَا، إِلَى أَنَّ الزَّمَان مِن لوازم الحركة، وهى مِن لوازم الجسم، والواجب مُنَزَّه عن الجسمية، قال الإمام (عَلَيهِم السَّلَامُ): ـهُوَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَزَل، وَ الْبَاقِي بِلا أَجَلٍ» (1).

(فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ). أي خَلَقَها عَلَى غَيْرِ مِثال بكَلِمَة «كُنْ» لا بآلة، وأداة. قَالَ الْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) «الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلا رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا، وَلَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا، وَلَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ» (2). (وَ نَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَ وَتَدَ بِالصُّحُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ) قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «يَسْتَعمل الْعَرَب كَلِمَة الرّيح لِلعذَاب، وَالرّياح لِلرَّحمة، والميدان : الحَركَة بِتَمايُل، والْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُشير إلى أن الأَرْضِ كَانَتْ مَائِدة مُضطربة قبل جمودها، وَهَذَا نَظم جيد للكلام، إِذْ نَشر الرّياح، وَإِرساء الأَرْض لأزم الحياة الخَلائِقِ» (3).


1) أنظر، نهج البلاغة : الْخُطْبَة «163».

2) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَة «91».

3) هَذَا الكَلام مأخوذ من قول أبن عَبَّاس حَيْت قَالَ: الرّياح للرَّحْمة. والريح للعذاب. وروى أنّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، كَانَ إِذا هبت ريح قَالَ: «اللَّهُمَّ أجعلها رياحاً، ولا تجعها ريحاً». أنظر، تَفْسِير مَجْمَعَ الْبَيَان : 453/1، أَحكام الْقُرْآن : 100/1 تجمع الزوائد : 135/10، مُسْنَد الشافعي: 81/1، المُعْجَمِ الْكَبِير : 213/11 ح 11533.

أَوَّلُ الدِّين... فِقْرَة 4 - 6:

(أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الْإِخْلاصِ لَهُ نَفْيُّ الصِّفَاتِ أَوَّلُ الدِّينِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصَّفَةِ (1): فَمَنْ وَصَفَ اللّه سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَ مَنْ قَالَ «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَ مَنْ قَالَ «عَلامَ ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ كَائِنُ لا عَنْ. حَدَثٍ مَوْجُودٌ لا عَنْ عَدَمٍ. مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ، وَ غَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالْآلَةِ، بَصِيرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحّدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ، وَلا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ).

اللُّغَة:

قَرَنَهُ مِن المقارنة، أي جعل مَعْه شَيْئًا آخر، وَالْمُرَاد هنا أنّ من جَعَل مَع اللّه صفات غير ذاته وزَائِدَة عَلَيْهَا فَقَد جَعَل غَيْره مَعَه وجَزَّأَهُ : جَعَله مُركباً من أجزاء. وَحَدَّهُ : جَعَل له حداً يقف عنده، ولا يتعداه إِلَى غَيْره. وعَدَّهُ : أحصاه وَأحَاطَ ِبهِ. والمُزَايَلَةٍ : المفارقة، يُقَال : زَايل فُلان فُلاناً أي فارقه وفِي الْقُرْآن وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (1)أى فَرقنا بَيْنَهُمْ وَتُطلق الآلة عَلَى.)


1) يُونُسَ: 28 .

الجارحة كاليد، والْعَيْن والسكن : الأَنيس، وَتُطلق عَلَى الأَهْل.الإغراب:لِكَلِمَة أَوَّلُ مَعْنِيَان : أَحدهما أنْ يُرَاد بِها مُجرد العدد مِثل أَوَّل، نان، فتكون مَصرُوفة، ثَانِيها أَنْ يُرَاد بها الْوَصْف أي أَسْبَق، فتكُون مِن أفعال التفضيل، وَتَمنع من الصرف للصفة، ووزن الفِعْل. وَالْمُصْدَر مِن «أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ... إلخ» مَجرُور بعلى مَحْذُوفة، وَيَتعلق بشهادة لأَنَّهَا بِمَعْنَى شَهِد، وكَذَلِكَ «أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ... إلخ». و«فيم» في حرف جر و «ما» أستفهام، وَحُذفت الألف للفرق بَيْنَها وبَيْنَ «ما» المَوْصُولة، وَمِثلها «عَلَامَ». وَكَائِنَّ خَبَر لَمُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي هُو كَائِنٌ، وَمَا بَعده صفة لهُ، وَمِثله مَوْجُودٌ، ومَعَ كُلِّ شَيْءٍ، وفَاعِل، وبَصِيرٌ، ومُتَوَحّدٌ.### نَفْيُّ الصِّفَات:قبل أنْ نُفسر الجمل فِي هَذَا المقطع عُهد بكَلِمَة سَرِيعة عَن صِفاته تَعَالَى كَمُقَدِّمة للتفهم، والتدبر.لا يَختلف إِإِثْنَانِ مِن المُسْلِمِين فِي أَنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يُوصف بكلّ ما وصف به نَفْسِه في كتابه العزيز، وأن عظمته فى الكَمَال، وَالجَلال كما هي لا يحدها وصف، وَلاَ يُدركها عقل، وأَنَّهَا أَزْلِيَة أَبْدِيَة تماماً كذاته القُدسِية... وإنما الكلام، والخلاف في أنّ الصِّفَات العُليا بأي معنى تُنسب إِلَيْهِ تَعَالَى، وَتُطلق عَلَيْهِ : هَل تُنسب إِلَيْهِ، جلت عَظمَته عَلَى أَنَّهَا شَيء غَيْر الذات، وزَائِدَة عَلَى كُنهها، وحَقِيقَتهَا تَمَاماً كَمَا هِي الحال في وصف الإِنْسَان بِالعِلم، فإنّ حقيقة الإِنْسَان حيوان ناطق، وحَقِيقَة العِلم

الكشف عن الواقع، فإذا وصفنا الإِنْسَان بِالعِلم فقد وصفناه بما هُو زَائد، وَخَارج عَن ذاته، وطبيعته، وإلا كان الإِنْسَان بما هُو عالماً مِن غَيْر كَسب، واستفادة وبحث وَدَرس، وَهَذَا خِلاف الحس والوجدان - هل وصف اللّه بالعِلم، وغيره كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذِه الحال، أو أن اللّه يوصف بالعِلم، والْقُدْرَةِ بِمُقتَضى ذاته، وحقيقته، لاَ بِشَيء زَائِد عَنْهَا تماماً كوصف الإنسان بالإِنْسَانِية، والشجر بِالشَّجرية - مثلاً -.قَالَ الْأَشَاعِرَة : كُلّ صفاته تَعَالَى غَيْر ذَاته، وَزَائِدَة عَلَيْهَا، ومَعْنَى هَذَا أنّ ذاته بِمَا هي لا تقتضي العِلم، والْقُدْرَة، وَنَحوهما من الكمال تماماً، كما أنّ ذات الإنسان لا تَقْنَضِي العِلم. وَقَد تَخطُوا بِذَلِكَ حدود التَّوْحِيد حَيْث يلزمهم القَوْل بتعدد القديم كما تخطوا حدود الْعَدْلِ فِي قَوْهم بالجبر.. وَمَا لنَا ولَهُمْ ؟ فَلندعهم وشأنهم.وَذَهَب أَهْل الْعَدْل، والتَّوْحِيد إِلَى أنه لا صِفَات لذَات اللّه تَزِيد عَلَى ذَاته، وإِنَّ وصفه بِالعِلم، والْقُدْرَة تماماً كوصف الإِنْسَان بالإِنْسَانِية، والشجر بالشَّجرِية، لأنّ ذاته تَعَالَى بِمَا هِى، وبطبعها، وحقيقتها تَقْتضى العلم، والْقُدْرَة، بل هي عين العلم، والْقُدْرَة كما أنّ الإِنْسَانِية عين الإنسان، لأن كماله تَعَالَى ذَاتي لأكسبي، وَمُطلق غَيْر مُقيد بِشَيء دُونَ شَيء، وَجهة دُونَ جهة، وأنه بموجب هَذَا الكَمال الذاتى المطلق غَني عَن كُلّ شَيء مَا يَزِيد عَلَى ذاته وَكُنهه... ولماذا الزِّيَادَة ؟ وما هو الدَّاعِي إِلَيْهَا ما دامت الذَّات القُدسِية كَامِلة بنفسها من كلّ الجهات ؟ وَهَل نَحتاج إِلَى الزَّائِد لنكمل بهِ الكَامِل، وتتمم التّام ؟.وَعَلَى هَذَا إِذَا أُطلقت صِفَات الكَمَال عَلَيْهِ تَعَالَى كَالعالم، والقادر - فيجب أنْ يُراد بِهَا نَفْس الذات القُدسِية التي تَقْتَضِي الْقُدْرَة، وَالعِلم، بل هي عين العلم،

والْقُدْرَة، تَمَاماً كما يُراد مِن كَلِمَة «اللّه». وَكُلّ وَصف جَاء فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيم، وَعَلَى أَلسنة الراسخين فِي العِلم فإنَّ الْمُرَاد هَذَا المَعْنَى بِالخصوص.. أَمَّا الصَّفَاتِ المَنْفِّية عَن ذاته تَعَالَى فِي كلام الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ فَهِيَ الأَحْوَال الخارجة عَنِ الذَّات، والزَّائِدَة عَلَيْهَا، وتعرضُ لهَا بِسَبب مِن الأَسْبَاب، تُنفى هَذِهِ عَنْه لأَنَّهَا مِن صِفَات المخلُوقِينَ دُونَ الْخَالِقِ.)وَتَسْأَلُ : كَيْفَ تَتصور وحدة الذات مع تعدد الصفات ؟ وهل هَذَا إِلَّا كقول من قَالَ الأَب، وَالاِبنُ، وَرُوح القدس، إله واحد.وأجاب البعض بأنّ الصِّفَات بالنسبة إلَيْهِ تَعَالَى مُتعددة مفهوماً، مُتحدة مصداقاً. وَهَذَا الجواب - كما نَرى - لا يحل الإشكال، لأنّ صدق المفاهيم العديدة عَلَى شَيء وَاحد، يَسْتَدعى أنْ تَكُون بِهِ حِيثِيَّات عديدة، فَيُقَال : هُو عالم لصدق مفهوم العِلم عَلَيْهِ، وَقَادر لصدق مفهوم الْقُدْرَة.. واللّه واحد من كل وجه لا حِيثِيَّات لهُ، وَجهات.. أجل، يُقَال : هو علم لأن العلم ذاتى له، وهُو عَالم لأنه يعلم كلّ شَيء، وَلكنَّ الجهة هنا وَاحِدَة، وَهِي العِلم. والأَوْلَى فِي الجَوَاب : أنّه لا مصاديق، ولا مفاهيم، ولا حيثيات وجهات.. لا شيء عَلَى الإطلاق إلا واجب الوُجُود الكامِل المطلق من كل وجه، وإِنَّ التعدد إنما هو في أنواع الكمال، وأَقْسَامه، لا في ذات الكَامِل المطلق الذي هو المبدأ الأَوَّل لكلّ كمال.. وَبتَعبِير ثَانِ كما أن تعدد المخلوقات لا يتنافى مع وحدة الْخَالِقِ، كَذَلِكَ تعدد الكمالات لا يتنافى مع وحدة مبدئها، ومَصْدَرها (1.)


1) أنظر، البحوث الكلامية في كُتب عِلم الكلام والعقائد كالملل والنحل للشَّهرستاني: 58/1، المقالات للأشعري : 216 و 485 البحوث في التأريخ العباسي لفاروق عُمَرَ : 73 شرح نهج البلاغة لابن أبي الْحَدِيد الْمُعْتَزِلي: 59/1 التاريخ الكبير : 366/1، الجرح والتعديل: 181/2.

الْمَعْنَى:(أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ. لكَلِمَة الدِّين مَعَانٍ، والمراد بها هنا الطَّاعَة، وَالْإِنقياد لله تَعَالَى فِي أَمْرِه وَنَهيه. وَمِن البداهة أن الإنقياد يتوقف عَلَى مَعْرِفة القَائِد، والطَّاعَة عَلَى مَعْرِفة مَن يُطاع، وَمِن أجل هَذَا كَان العلم باللّه أشرف العلوم، لعظمة «المَعْلُوم» من جهة، ولأنّ العِلم بوجوده تَعَالَى، وبأَمْرِه، وَنَهيه هُو فِي جُوهره عِلم بمبدأ الإنسان وَمَصِيره، وبماله، وعَلَيْهِ، وأوضحنا ذَلِكَ فِي كتاب «فَلْسَفَة التَّوْحِيد. والْوِلايَة». قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رَحِم اللّه امرءاً أعد لنَفْسِه، وَاستَعد لِرَمسهِ، وَعَرف مِن أين ؟ وفي أين ؟ وإلى أين ؟» (1).)(وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ. وَالَّذِي نَفْهَمه من التصديق هنا هو الإقرار باللّه عن إيمان، وإيقان لا يشوبه شك، وَوَسوسة بحيث لو أنكشف الغطاء لصاحبه ما ازداد يقيناً. أَمَّا مَن أقرَّ باللّه، وَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، ثُمَّ يَنقدح الشَّكَ فِي قَلْبَه لأَوَّل عَارض مِن مُصَاب يَلمُ بِهِ، أو وَهمْ زَائف، أَمَّا هَذَا فَهُوَ نَاقص الْإِيمَان، وإِنْ قام اللَّيْل، وَصَام النَّهَار. قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَقَد سَمِعَ رَجُلاً مِن الخَوَارِج يتهجد، وَيَقرأ : «نَومٌ عَلَى يَقِين خَيْرٌ مِن صَلاة في شك» (2). وفي معناه الحَدِيث المَعْرُوف :)


1) الرمس مَصْدَر عَلَى وَزن الفلس وهُو بمعنى تُراب القبر مُستوياً لا يعلو عَن وَجهِ الْأَرْضِ. أنظر، مُختار الصحاح : 10/21، لسان العرب : 101/6.

2) أنظر، نهج البلاغة شرح الأستاذ مُحمَّد عَبْدَه مُفتي الديار المصرية : 22/4، الْخُطْبَة رقم (97)، وأوردها أبن ميثم البحراني في شرحه : 289/5.

«تومُ العَالِم أَفْضَل مِن عِبَادَة الْجَاهِل» (1.)(وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ قَسّم الشّارِحُون، أو أَكْثَرهم التصديق باللّه إِلَى ناقص، وَكَامل، وعرّفوا الناقص بأنّه التصديق باللّه مع وجود السّرِيك، أو إمكان وُجُودِه، ثُمَّ قَالُوا : وَهَذَا يَسْتَلزم التركيب في الذات، والمركب مُمكن الْوُجُود، لا واجب الْوُجُود!... والحق أن الشرك لا يمت إلى التصديق، والْإِيمَان بِسَبب، بَل هُو أسوأ وَأَقْبَح من الإلحاد، لأن الإلحاد نَفِي لِلتَّوحِيد وَكَفَی، أَمَّا الشّرك فَهُوَ نَفي للتوحيد، وإثبات للشرك، والتعدد.)وَمَها يَكُنْ فإنّ قصد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أنّ التصديق الحق لا يَكُون ولَن يَكُون إِلَّا مَع تَنزِيه الخَالِقِ عَن كلّ ما فِيهِ شَائِبة الشّرك، والزِّيَادَة عَن ذَات اللّه، وأن من جعل مع اللّه شَيْئًا آخر فما هو من المصدقين عَلَى الإطلاق، لا أَنه مُصدق تَصدِيقاً غَيْرُ كَامل.)(وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلاصُ لَهُ. قَالَ بَعْض الشارحين : المراد بالإخلاص هنا الزُّهْد الحَقِيقِة، وَقَالَ آخر : الإخلاص مِنْهُ نَاقص، ومِنْهُ تَام!... ولا ندري كَيْفَ يَكُون الإخلاص نَاقِصاً، ومعناه الخُلُوص مِن كلّ شَائِبة ؟. والَّذي نَفهمه أنّ الإخلاص المقصود في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الإيمان، والتصديق بأنّ اللّه سُبْحَانَهُ مُتفَرد بالكَمَال المطلق، ومُنَزَّه عَن المَادَّة، ولوازمها، وعَن الجَوْر، وغَيْره من القبائح، وَغَني عَن كُلّ شَيء، وإِلَيْهِ يَفْتَقِر كُلّ شَيْء، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.)(وَ كَمَالُ الْإِخْلاَصُ لَهُ نَفْيُّ الصِّفَاتِ عَنْه. أي نَفِي الصِّفَات الخارجة عن الذّات وطبيعتها، لا نفى الصِّفَات التى هى عين الذات، وحقيقتها، وإلا فإنّ «كَلام)


1) أنظر، السَّرَائِر لإبن إدريس : 620/3 مَن لا يحضره الفقيه للشَّيخ الصدوق : 367/4. مَكَارِمِ الْأَخْلاق للطبرسي: 441.

الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ مليء بصفات التي هِي فِي هَذَا الكلام يَصفه أكمل الْوَصْف» كما قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه. وبيّنا ذَلِكَ فِي صَدر هَذَا الكلام بعنوان «نفِي الصِّفَات».)(لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ. وكَلِمَة الصَّفَة تَدل بنَفْسِه عَلَى نَفْسها، وإِنَّهَا مِن المَعَانِي المُضافة إلى الموصوف، والتابعة له وجُوداً وعدماً.)ومِن البداهة أنّ التابع غَيْر المتبوع، والمضاف غَيْرُ المُضاف إِلَيْهِ (وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. لأنه فِي غِنى عَنْهَا، وَهِي فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَإِذَنْ يَسْتَحِيل نِسبَة الصِّفَة إِلَيْهِ تَعَالَى بِمَعَنَاها الْحَقِيقِ وإلا لزم تعدد القَدِيم، وَتَركيب الذات القديسة الواجبة الوُجُود.. وهذه هي الصَّفَة التي يجب نَفِيهَا عَنْهُ كُلَّ شَائِبة، أمَّا إِذَا أُريد مِن الصَّفَة مُجَرد الإِشَارَة إِلَى تَفرده تَعَالَى فِي الجَلال، والكمال فجَائِز قطعاً، وَرَاجح عقلاً، وشرعاً، وإلا فبأي شيء نَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَنَتْني عَلَيْهِ ؟)(فَمَنْ وَصَفَ اللّه سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ. أي من وصف اللّه بالعِلم، والقادر، ونحوهما، وَأراد الصِّفَة التي هِي غَيْر الموصوف فَقَد جَعَل لَهُ قَرِيناً، ومَعْنَى القَرِين الصاحب، وَلَيْسَ اللّه صاحب، وَلَا صَاحِبة قَالَ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «َوبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ وَعِقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ» (1).)(وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ. أى جعله أثنين، وواجب الوجود واحد (وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ). يُقال : جزاه تجزئة إِذَا قَسَّمه... والأَزْلِي الْأَبْدِي لَا يَنْقَسم... بالإضافة إِلَى أنّ القسمة تتنافى مع الكَمَال المطلق.)(وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ. لأنه قَالَ عَلَى اللّه بِغَير عِلم، وَلاَ هُدى : ولا كتاب مُنير)


1) انظر نهج البلاغة : الخُطْبَة (186).

(وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ. الْمُرَاد بالإِشَارَة هنا التشخيص، وَهَذَا مِن بَاب التعبير باللازم وإرَادَة مَا لا يَنْفَك عَنْه هَذَا اللازم، لأنّ كلِّ مَا يُمكن تشخيصه بحدوده، وَقِيُوده يُمكن الإِشَارَةِ إِلَيْهِ حِسّياً كان أَم عَقلِياً. تَقُول : هَذَا فُلان، وَتَقُول : هَذِهِ نَظرِية صَحِيحة، أو باطلة، والمُرَاد بِالحَدٌ مُنْتَهى الشيء وأَطْرَافَه، ولَيْسَ الْمُرَاد به التحديد بإصطلاح أهل المنطق.)والمَعْنَى أنّ الْجَاهِل يشخص اللّه في ذهنه حسبما يَتوهم، وَيَتصور، ولازم هَذَا أنّ للّه حدوداً وَقُيوداً ينتهى عِندها، ولا يتجاوزها، ولذا قَالَ الْإِمَام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فما وَقَع وَهْمك عَلَيْهِ مِن شَيء فهو خلافه» (1). ذَلِكَ أنّ اللّه تَعَالَى لَيْسَ مِن شَأنه أنْ يُشخصه عقل، وَيُدركه وهم، وَقَد تَكَرَّر هَذَا الْمَعْنَى فِي كَلمات آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من ذَلِكَ : «لاَ صُورة لهُ فِي الْأَذْهَان : وَلاَ شَبِيه لهُ فِي الْأَعْيَان... تَفكرُوا فِي الخَلق» (2).)(وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ. أى أحصاه وأحاط به... والعَقْل بما فيه مِن قُوَّة، وَطَاقة لا يَكشف لِلْإِنْسَان عَن نَفْسِه، وحَقِيقَته، وَلا يُدرك كلّ مَا فِي النَّمَلَةَ، وَالبَعُوضَة مِن خصَائِص، وَغَرَائِز بإعتراف الْعُلَمَاء فَضلاً عن المجرات، وغيرها من الْكَائِنَات وإِذَنْ كَيْفَ يُحيط الْعَقْل بمن لا بداية لهُ، وَلا نهاية : (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَلودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (3). وَأَقْصَى مَا تَتصوره الْعُقُول عَن ذاته تَعَالَى أَنَّهَا فوق التصور.)


1) أنظر، الكافي: 2/1 ج 1، شرح أصول الكافي : 60/3، توحيد الشيخ الصدوق : 106 ح 6.

2) قَرِيب مِن هَذَا المَعْنَى في كتاب الهداية للشيخ الصدوق : 6، الجامع الصغير : 514/1 ح 3346. كنز العمال : 106/3 ح 5706، تفسير التعالي : 5706، تفسير التعالي : 149/2، تفسير الدر المنثور : 110/2 : و : 130/6.

3) الْبَقَرَة : 255.

وَمَن أَدْرَك هَذِه الحَقِيقَة، ثُمّ مرَّ بخياله صورة اللّه تَعَالَى من الصور - أيقن بِفَسادها، وأسرع إِلَى نَفْيها، واستعاذه باللّه مِن الشَّيْطَان الرَّجِيم.وَمن جَهل هَذِه الحَقِيقَة ثُمَّ رَسَم الشَّيْطَان في عقله صورة اللّه سُبْحَانَهُ - آمن بها وأيقن... وبهذا يكمن السر في قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ : «وَمَنْ جَهِلَهُ... إلخ».)(وَ مَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ. «فِي» ظرف تُسْتَعمل في الزمان والمكان، تقول كَان هَذَا فِي وَقت كَذا، أو مكان كذا، أي فِيهِ وَحده لا فِي غَيْره، وضَمَّنَهُ : حَصره في مكان مُعين، أو زَمَان مُعين، واللّه سُبْحَانَهُ لا يخلو مِنْهُ زَمان، ولا مَكان، ونسبته إِلَى كلّ شئ وَاحِدَة بِلا آلة، أو حركة. قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ وَلا.. تَرْفِدُهُ الأَدَوَاتُ... وَ لا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالحَركة... لا يَحُولُ، وَلا يَزُولُ» (1).)هَذَا إِلَى أَنَّ الموجود في شيء مُفْتَقر إِلَيْهِ لا مَحَالَةَ، واللّه غَنِي عَن العالمين.(وَ مَنْ قَالَ عَلامَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ، مَن قَالَ : أنّ اللّه جَالس عَلَى الكُرسي، أو العَرش فَمعنى قَوْله هَذَا أنّ سائر الأمكنة خَالِية مِنْهُ تَعَالَى، وَمِن قُدرته، وَلِذا وَجَبَ تأويل الكُرسى، والعرش في بعض الآيات بالسيطرة، والإستيلاء. وَقَالَ قائل للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَلَى أي شيء كان أعتماد اللّه ؟ فأجاب بأن أعتماده على قدرته، أي لا أعتماد لهُ عَلَى شَيء إطلاقاً حَيْث لا يعتمد عَلَى سَوَاهِ إِلَّا الضَّعِيف القاصر» (2).)(كَائِنُ لا عَنْ حَدَثٍ. تقول : حَدث هَذَا، أي لَم يَكُنْ موجُوداً فوجد. وَلَا بُدَّ)


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (186».

2) أنظر، الكافي: 2،88/1، ولكن ينسبه إلى أبي الحسن الرضا، عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 107/2 ح 6، توحيد الشيخ الصدوق : 125 ح 3، مُسْنَد الإمام الرضا: 30/1.

لكلِّ مِن سَبب في حدوثه بَعد أنْ كَان مَسبوقاً بالعدم، وفي بقائه واستمراره أيضاً، لأنّ طَبِيعَة الممكن بما هي لا تَقْتَضي حدوثاً، وَلاَ بَقاءً إِلَّا بِسَبب خَارج عَنْهَا. واللّه سُبْحَانَهُ أَزْلي لا أَوَّل له، وهُو سُبْحَانَهُ مُسبب الأَسْبَاب وَلاَ سَبب له لإستحالة التسلسل في العِلل، وضرورة الإنتهاء إِلَى عِلَّةٍ أُولَى (مَوْجُودٌ لا عَنْ عَدَم. لأنّ أَزْله سبق العدم، ومِنْهُ يَبْتَدِي كُلّ شيء، وإِلَيْهِ تَنْتَهِي جميع الأَشْيَاء.. إنه يبدأ الخلق ثُمَّ يُعيده.. (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (1).)(مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ، وَ غَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ. المَزايَلَة : المفارقة، والْمُمَعْنَى أنّه تَعَالَى مَع كلّ شيء يعلمه، وَقُدرته، وَبَعِيد عَن كُلّ شَيْء بِكُنهه، وحَقِيقَته... فَلا اتحاد، وَلاَ أنْفصال، ولكنْ صِلة بَيْنَ الْخَالِقِ، والمَخْلُوق، وبَيْنَ الْعِلَّة، والمعلول. وَجَاء في أصول الكافِي عَن الْإِمَام أمير المؤمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنه قَالَ فِي تَمجِيد اللّه سُبْحَانَهُ : «قَرِيب في بعده، بَعِيد فِي قُربه، فوق كل شَيء، وَلا يُقَال : شَيء فوقه، أمام كلّ شيء، وَلا يُقَال لهُ : أَمَام، داخل فِي الأَشْيَاء، لأكَشيء داخل فِي شَيء، وخَارج عَن الأَشْيَاء، لا كشيء خارج مِن شَيء، سُبْحان مَن هُو هَكَذَا، وَلَا هَكَذَا غَيْره» (2).)وَقَالَ المُلا صدرا في شرح هَذَا الكلام - ما تلخيصه، وتوضيحه : هُو قَرِيبٍ مِن الأَشْيَاء، لأنه خالقها، وبه حدوثها، وبقاؤها، وَهُو بَعِيد عَن الأَشْيَاء، لأنّ الخَالِقِ أعظم من المخلوق، والعِلَّة أكمل من المعلول ؛ لإسْتغنَائِها عَنْه، وافتقاره إلَيْهَا، واللّه فوق كلّ شيء، لإحاطته بالأَشياء، وَلا يُقَال : فوقه شَيء، لأنه غَيْرُ مُتَنَاهِي


1) مریم: 37.

2) أنظر، فيض القدير : 235/6 ح 8860 الكافي: 86/1 ح 2 الهداية للشيخ الصدوق: 15، المحاسن للبرقي : 1 / 239 ح 217، توحيد الشيخ الصدوق : 285 ح 2.

الوُجُود، وهُو أمام كلّ شيء، لأنه أزلي لا أَوَّل له، وهو داخل فِي الأَشْيَاء، لأنّ وجُودها مُستَمد مِن وُجُودِه تَمَاماً كما يُستمد الكلّ وُجُودِهِ مِن وجود أجزائه، وهُو خارج عَن الأَشْيَاء، لأنه مُستقل عَنْهَا مِن كل وجه، وهي رشحة من رشحات وُجُودِه (1.. وَبِهذا تجد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (2)وقَوْله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) (3). وقَوْله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءُ) (4). (فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ، وَ الْآلَةِ). وَخَير تَفْسِير لهذه الجملة قول الإمام نَفْسِه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَاعِلٌ لا بِاضْطِرَابِ آلَةٍ مُقَدِّرٌ لا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ غَنِيٌّ لا بِاسْتِفَادَةٍ لا تَصْحَبُهُ الأَوْقَاتُ وَلا تَزْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ» (5). وَأَبْلَعْ مِن هَذَا وأَجْمَع قَوْله تَعَالَى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (6).)(بَصِيرٌ إِذْ لا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ. والمنظور إِلَيْهِ مَا يَقع عَلَيْهِ النظر.)والمَعْنَى أنّ اللّه عالم بِخَلقه قبل أن يخلقهم، وَمِثله قول الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ: «عَالِمٌ إِذْ لا مَعْلُومٌ وَرَبِّ إِذْ لا مَرْبُوبٌ وَ قَادِرٌ إِذْ لا مَقْدُورٌ» (7). أي أن واجب الْوُجُود عالم قادر بمحض وُجُودِه، لأن قدرته، وَعِلمه، وذاته شيء واحد، ولما أراد سُبْحَانَهُ أَنْ يَخلق الأَشْيَاء وَقَع العِلم عَلَى المَعلُوم السابق في عِلمه، ووَقَعت الْقُدْرَة عَلَى المَقدُور)


1) أنظر، الأسفار : 369/6.

2) سُورَةُ ق: 16.

3) الحديد : 4.

4) الشورى: 11.

5) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَة «186».

6) سُورَةُ يس: 82 .

7) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة «152».

السابق فِي قُدرتِهِ.(مُتَوَحّدٌ إِذْ لا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ، وَ لا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ. قَد يَدخل الواحد في عِداد الاثنين والثلاثة... إلخ، وأيضاً يُطلق عَلَى الضَّعِيف الذي لا ناصر له، ولا مُعين، وَعَلَى المتوحد المستوحش لفقد الجليس، والأنيس، واللّه مُنَزَّه عَن القِلة، والضَّعْف، وَعَن الوَحشة، والإستيناس. والمراد بوحدته تَعَالَى تَفرده بالسُّلْطَان والكمال. قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً كُلُّ مُسَمّى بِالْوَحْدَةٍ غَيْرَهُ قَلِيلٌ»(1).)### أنْشَأَ الْخَلْقِ... فِقْرَة 7 - 80 :(أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءَ، وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاء، بِلا رَوِيَّة أَجَالَهَا، وَلَا تَجْرِبَةٍ أَسْتَفَادَهَا، وَلا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا، وَلا هَمَامَةِ نَفْسٍ أَضْطَرَبَ فِيهَا. أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لِأَوْقَاتِهَا، وَلَامَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا، وَغَرَّزَ غَرَائِزَهَا، وَأَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحِيطاً بِحُدُودِهَا، وَ انْتِهَائِهَا، عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا، وَأَحْنَائِهَا.)اللغة:الرَّوِيَّة : النظر، والتَّفكير. وأَجَالَهَا ؛ أدارها ورَدَدها. قمامة : من الإهتمام. أَضْطَرَبَ : تَحرَك. أَحَالَ : مِن التحويل مِن حَالٍ إِلَى حَالَ لَأَمَ : وَافَقَ. غَرَائِزَ : جَمَع غَرِيزَة، وَ غَرَّزَهَا جَعَلها غرَائِز أَشْبَاح : أشخاص، قَرَائِنِهَا : ما يَقْتَرن، وَيَصدر


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (65).

عَنْهَا. أَحْنَائِهَا : جوانبها.الإِعْرَاب :عالِماً حَال مِن الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِي أَلْزَمَهَا، وَمِثله مُحيطاً وعَارِفاً، أَمَّا الضَّمِير البَارِزِ فِي أَلْزَمَهَا، وهُو الهَاء فَيعُود إِلَى الغَرَائِزِ.الْمَعْنَى:(أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءَ، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً.. المراد بالخلق هنا الكَوْن، وأَنْشَأَه، وَابْتَدَأَهُ مَعْنَى أَوْجَدَه عَلَى غَيْرِ مِثال سابق، وأثبَت عُلَماء الطَّبِيعَة بِالتَّجْرِبَة أن العالم حادث، ويَأْتِي الْبَيَان عِند المناسبة... واللّه أوْجَد الكَوْن أَوَّل مَا أَو جَدَه مِن لا شيء، وإلّا فأي فَرق بَيْنَه، وبَيْنَ من يَصنع شَيْئاً مِن أشياء، وأَشيَاء مِن شَيء، وَإِذَا لَم يَكُنْ للعالم مِن قَبل عَين، وَلا أثر فمن أين يَأْتِي المَبيل، وَالنَّظِير ؟)(بلأ رَوِيَّة أَجَالَهَا، وَلا تَجْرِيَةٍ اسْتَفَادَهَا، وَلا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا، وَلا هَمَامَةِ نَفْسِ اضْطَرَبَ فِيْهَا. هَذِه الأوصاف الأَرْبَعَة كلّها لِلمَحْلُوق... ولذَا نَفَاهَا الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَن الكَمَال الذاتى المُطلق... فالرُّويَّة عَملية تفكير، وَتَأمل لإستخراج تجهول من مَعلُوم، وَمِثلها التَّجْرِبَة بإضافة الرّوْيَّة إِلَى الرَّويَّة، وبِكَلِمَة أَوْضَح : الرَّويَّة عَقل، وَالتَّجْرِبَة حِس، وكلّ مِنْهُما طَرِيق، ووسيلة إلى المَعْرِفَة، والحركة من لوازم الجسم، وَلاً دافع عَلَى الإهتمام بالشَّيء إلا الحِرْص عَلَى المَنْفَعَة، والخَوْف مِن فَقدها وزَوالها... واللّه،قادر، وعالم، وَغَني بالذات، لا بالأوصاف وبِما هُو لا بالوَسَائِل يُحيط بكلّ شَيء، غني عَن كُلِّ شَيء، وله المثل الأعلَى، لَكَماله الذاتي المطلق مِن كلّ)

وجه.(أَحَالَ الْأَشْيَاءَ لِأَوْقَاتِهَا. إِذَا اختار اللّه أَمراً فَإِنّما يَختاره لحكمة بالغة، وَلِمَصلحة تَعُود عَلَى الخلق، لا عَلَيْهِ جَلَّت عَظمَته، فإذا اقتضت المَصْلَحَة وجُود شَيء في وَقتٍ مُعَيَّن أو جده سُبْحَانَهُ فِيهِ لا يَتَقَدَّم عَلَيْهِ، ولا يتأخر عَنْه... ولا مانع في حكم العقل أن تتعلق الإِرَادَة الْأَزْلِية بإيجاد الحَوَادِتْ فِي أوقاتها الْخَاصَّة، مَا دَامَت عَلَى مَا هِي قبل الحادث، وبعده.. وتجدر الإشارة إلى أن قول الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لأَوْقَاتِهَا» يُومىء إلى أن العالم لم يُخلق دُفعَة وَاحِدَة بل عَلَى التدريج، أو التَّطور، وأنّ كُلّ شَيء يَسْتَند فِي وُجُودِه، واستمراره إلى إرادته تَعَالَى مُباشرة، أو بواسطة مَا خَلَقَ وَسَبِّب من الأَسْبَاب، وأنْ الطَّبيعة، أو البيئة هي عامل يُكيف الشّيء الموجُود، وَلا يَخلقه، ويُوجده.. وبهذا شهدت تجارب عُلَماء الطَّبِيعَة (1).)(وَ لَأمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا، وَغَرَّزَ غَرَائِزَهَا، وَأَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا. فِي الكَوْن عوالم وعناصر مُتعددة، وَمُختلفة في جوهرها، ووظائفها، فَالرُّوح - مثلاً - غَيْر البدن حقيقة، وأثراً، ولكن كُلاً مِنْهُما لا يقوم بوظيفته إلَّا إِذَا أَقترن بالآخر، وَهَذَا يَنطَبق عَلَى كُلّ عَملية عُضوية في الجسم ذِي الأَعْضَاء، فمَا مِن عُضْو واحد مِنْهَا يُؤدي وظيفته إلّا باقترانه مَع غَيْره، وَهَكذا سَائِرِ الْكَائِنَات، أو الكَثِير مِنْهَا يُرتبط بَعْضهَا مَع بَعْض بِنَحو أو بآخر، وبهذا الترابط الطّبيعي يَسِير الكائن في طريقه المرسوم لهُ وَيُحقق الْغَايَة التى مِن أجلها وجد.)وَيَعني هَذَا التلاؤم، والتَّرابط أنّه لا شيء وجد صدفةً، أو عبثاً... وأين مكان


1) أنظر، ما ذكره أحمد أمين العراقي أَقْوَاهم في كتابه «التكامل في الإسلام»: 103/2، طبعة 3.

الصدفة، والعبث ؟. هَل هُو فِي هَذَا النظام الحكم الدَّقِيقِ الَّذِي يَخضَع لَهُ الكَوْن وَلا يتعداه بحال ؟ أو هو في التقدير الكمي، والكيفي، والزَّمني لكلّ كائن ؟ أو هو في التَّعَاون بَيْنَ الْكَائِنَات عَلَى البِنَاء والتعمير ؟. أَبَداً لا تَفْسِير لذلِكَ إلَّا الوُجُود القَدِير الحكيم، وأنه المَصْدَر الأَوَّل لكلّ شيء إيجاداً، وإمداداً، ولَوْلاًه لا شيء عَلَى الإطلاق.(عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا مُحِيطاً بِحُدُودِهَا، وَ انْتِهَائِهَا. عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا، وَ أَحْنَائِهَا. نَحنُ نَعرف شَيْئَاً، وتغيب عنا أشياء، وأيضاً لا نعرف هَذَا الشيء إلا بعد وُجُودِه، أو عِند وجود أسبابه، وَعَلامَاته، وَمَع هَذَا نَعرف مِنْهُ الوجه الظَّاهِر، كلّه أن معرفتنا القلَيْلَة الناقصة لا تحصل إلا بالجد والإكتساب. واللّه سُبْحَانَهُ يَعلم كلّ شَيْء عَلَى حَقِيقَته، وَمِن جميع جهاته : متى يُوجد ؟ وأين ؟ وكَيْفَ ؟ وما يحدث له ؟ وفي أي أمد ينتهي ؟ لأنه هُوَ الَّذي أَبدَعه، وَقَدره تَقدِيراً. وعِلمه بِذَلِكَ هُو هُو قَبل الخلق، وبعده لا تحويل، وَلا تَغيير، والسبب الأول، والأخير هو كماله المطلق بلا قيود وحدود، وَلاً بداية ونهاية، وإلا كَان مَعلُولاً لا عِلَّة، ومخلوقاً لا خَالِقاً. تَعَالَى اللّه عمَّا يَصفُون.)### خَلْق السَّماوَات... فِقْرَة :9-13 :(ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ، وَشَقَّ الْأَرْجَاءِ، وَ سَكَائِكَ الْهَوَاءِ، فَأَجْرَىٰ فِيْهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ، مُتَرَاكِماً زَخَارُهُ. حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ، فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ، وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ، وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ. الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِيقٌ، وَالْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ (10). ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً أَعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا،)

92وَأَعْصَفَ مَجْرَاهَا، وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا، فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ الْمَاءِ الزَّخَارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجٍ الْبِحَارِ (11، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السَّقَاءِ، وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ. تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ، وَ سَاجِيَهُ إِلَى مَاثِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ، وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ، فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقِ، وَجَةٍ مُنْفَهِقٍ (12)، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، جَعَلَ سُفْلاهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً، وَ عُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَ سَمْكاً مَرْفُوعاً، بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُهَا، وَلا دِسَارٍ يَنْظِمُهَا. ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، وَ ضِيَاءِ التَّوَاقِبِ، وَ أَجْرَى فِيْهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً، وَقَمَراً مُنِيراً. فِي فَلَكٍ دَائِرٍ، وَ سَقْفٍ سَائِرٍ، وَ رَقِيمِ مَائِرٍ (13)).)اللُّغَة:الفَتْق بِفَتح الفاء : الشَّقَ، وَهُو ضِدّ الرَّتقَ. والأجوَاء : جَمع جَوْ وَالأَرْجَاء الجوانب، والأطراف. والمراد بالسَّكَائِكَ هُنا طبقات الجو والهواء : الجَوْ. والتَيَّارُ : مَوْجِ الْبِحَر. والزَّخَارِ : الممتلىء. والْعَاصِفَةِ : الرِّيحِ الشَّدِيدة. وزّعْزَعَة الشَّيء : تحركه. وَعَلَى شَدِّهِ أي جذبه، وإِمْسَاكه. وإِلَى حَدِّهِ : جَعل أمتداد الرِّيحِ عَلَى قَدر امتداد الماء. والفتيق : الخالي الذي لا شيء فيه. والدَّفِيق : مِن الدِّفق، وهو الصبّ. وأَعْتَقَم : جَعَل الريح عَقِيمة لا تُلقح شَيْئَاً. وَهَبت الريح : ثارت، وهاجت. ومَهَبَّها موضع هبوبها. والمُرَبِّ : محل الإقامة. وأَعْصَفَ : جَعَله شَدِيداً : والمَنْشَأ موضع النّشأة، يُقال : مولدي ومنشأي في كذا، أي موضع وِلادتي، وَنَشأتي وَتَخَضَتْهُ: حركته تحريكاً شَدِيداً. والسَّاجِي السَّاكِن. والمَائِر : المتحرك. وعَبَّ: ارتفع. وَالزَّبَدِ : يَعلو الماء. والرُكَامُ : المتراكم بَعْضه فوق بَعْض، ومُنْفَتِقٍ : مُنْشَقَ، وَمفتوح. ومُنْفَهِق : وَاسِع. والموج المكفوف الجامد. والدِّسَار : مسمار ونحوه. والثّوَاقِب :

النجوم المنيرة المشرقة. والسِّراج المُسْتَطير : المُنتشر الضّياء، وسائر : مُتَحرك. والرَّقِيم : اللوح، والْمُرَاد هنا : الرَّقِيم. ومَائِر : مُتحرك.الْإِعْرَاب :(ثُمَّ أَنْشَأ لِلشَّارِحِين أَقْوَال طويلة في «ثُمَّ» هَذِهِ، وَأَظْهِرِهَا أَنَّهَا عَطف عَلَى مَعْنَى الكَلاَمِ المُتقدِّم عَن قدرة اللّه سُبْحَانَهُ، وأنّه يخلق بلا حركة، ولا همامة نَفْس.... إلخ، ومُتَلاطِماً صِفَة لِلمَاء، وتَيَّارُهُ فَاعِل لمتلاطم، وَمِثله مُتَرَاكِيماً زَخَّارُهُ. وفِي فَلَكٍ مُتَعَلَّق بِمَحْذُوف صِفَة ثَانِيَة لِلسِّرَاج، والْقَمَر.)### حَوْلَ الكَوْن:تَكَلَّم النَّاس كَثِيراً عَن طَبِيعَة الكَوْن، وَأصلِهِ، وَعَن هَيئتِهِ، وَشكلِهِ فِي أَوَّل وُجُودِه وَتَكوِينه : هل وجد مِن التَّرَاب، والماء، والنَّار، وأهْوَاء، أو من النَّار وحدها، أو من الماء فقط، أو من أشيَاء كَثِيرَة ؟ وَهَل كَان وُجُودِه دُفْعَة، أو بالتدريج، إِلى غَيْر ذَلِكَ... وَقَالَ النَّاس عَن الكَوْن مَا شَاء لَهُمْ الوَهم، والخيال... وَهَذَا مَا دَعَا الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ - كما نظن - أَنْ يُشِيرٍ فِي خُطْبَتِه هَذِهِ إِلَى أَصل الكَوْن، وَقَد يَكُون الغَرض أنْ تَعرف الأجيال القادِمة أنّ الْغَيْبِ الَّذِي نَطق بهِ على عَن النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَن اللّه سُبْحَانَهُ هُو حَقٌّ، وَصِدق.)وَمَهمَا يَكُنْ فَقَبل أنْ نُفْسر المُرَاد مِن قَوْله (عَلَيهِ السَّلَامُ تمهد بِمَا يَلي.)لا بقصد التّسهيل، والتيسير عَلَى فَهم ما قصد، وأراد (عَلَيهِ السَّلَامُ بل غرضنا الأَوَّل أَنْ يَتَثبت الساكون، ولا يَتْسَر عُوا إِلَى الحُكْم بأن قول الإمام لا يتفق مع رأي عُلَماء)

الطَّبيعة الجدد، ولا يعتمد عَلَى شَيء، وأن يعلم الجميع أن مَن قَالَ هَذَا فقَوْله هو الجدير بهذا الْوَصْف...وَالدَّلِيل:1 - أنّ عُلَماء الطَّبِيعَة لَم يَتوصلوا إلى الإتفاق عَلَى تَفْسِيرِ عِلمي مبدأ الكَوْن، ولا كَيْفَ وِجد ؟ وَكَم مَضى لهُ مِن الْعُمُر.. فمِنْهُمْ مَن قَالَ : بَدَأَ الكَوْن بإنفجار مِن كُتلة المادة البدائية، ولَكِنَّهُ لَم يُبين نَوْع هَذِه الكتلة البدائية، وَقَالَ آخر : بَدأ الكَوْن مِن السَّدِيم، أى الضُّباب الرَّقِيق. وَقَالَ ثَالِث : بَدَأْ مِن غَاز الهيدروجين... ولكن مِن أَينَ جَاء هَذَا الغَاز، أو تلك المادة البدائية، أو ذاكَ السَّدِيم ؟ هَل وجد صدفة، أو وجد لنَفْسِه بنَفْسِهِ، أو هُو مِن قُوَّة عُليا..؟أَبَداً، لا جواب، أو جوَاب بِلا دَلِيل. وفوق ذلِكَ أنّ الكلام في بدء الكَوْن حَيْت لاَ شَيء إلّا العدم، لا فِي وجُود شَيء تُحاول مَعْرِفَته وَالعِلم بِهِ. وَإِذَنْ فَتَنبؤ هَؤُلَاء، أَو تَخَرصُّهم بَعِيد عَن مَوْضُوع الكلام، وَالسّؤال كل البعد، وَكَان عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْحَثوا أوْلاً وَقَبل كلّ شَيء : هَل العَالَم حَدِيث، أو قَدِيم ؟... وقد أثبت كَثِير مِن الْعُلَماء الجدد أنَّه حادث، وتُذكر أقوالهم عند المناسبة.وَقَالَ رَابع مِن عُلَماء الطَّبِيعَة : «كُلّ ما لدينا مِن مَعلُومات لا تُصَحح نَظرية وَاحِدَة عَن الكَوْن». وَهَذَا العالم هو الدكتور (ماري الأستاذ في جامعة سيدني، وَيَهتم اهتماماً بالغاً بالكَوْن وَأَصله (1).)


1) أنظر : مُجَلة عالم الْفِكْر الكويتية : (5/1 عدد 3). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

وأيضاً أختَلَفُوا فِي الكَوْن : هَل وجد بِخطوطه الكُبْرَى عَلَى الحَال الَّتي هُو عَلَيْهَا الآن، أو تَغَير عَمَّا كَان عَلَيْهِ ؟. واخْتَلَفُوا أيضاً في عُمْرِ الكَوْن، فَمَن قَائِل : هُو سِتُون ألف مليون سَنَة، وَقَائِل : بَل عَشرة آلاف مليُون، وَقَالَ ثَالِث : لا دَلِيل عَلَى الْعُمُر إطلاقاً. وَقَالَ الدكتور فؤاد مَعرُوف نَائِب رئيس الجامعة الأمريكية فِي بَيرُوت : «والنقاش العِلمي - أي فِي أَصل الكَوْن وَعُمره - قَائِم عَلَىٰ قَدَم وَسَاق» (1.)وَبَعد هَذَا، هَل يَسوغ لقَائِل أَنْ يَقول : أنْ كَلَام الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ عَن خَلَقَ الكَوْن - لا يَتفق مَع رَأي عُلَماء الطَّبِيعَة ؟.. أجل، لهُ أنْ يَسأل، وَيَقُول : وَلَكِنْ مَا هُوَ الدَّلِيل عَلَى أن الماء أصل الكَوْن كما جاء في خطاب الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟.)وَنَحنُ أيضاً نَسأل بِدُورنا : هَل مِن دَلِيل قاطع مِن الحِيسَ، أو الْعَقْل عَلَى خِلاف مَا قَاله الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ؟ وَهَل مِن المُسْتَحِيل أنْ يَتَقَدَّم العِلم، وَيَكشف بعد أجيال وَقرُون أن ما قاله عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي خَلق الكَوْن هُو الحَقِّ الذي لا ريب فيه، تماماً كما اكتشف أن النقطة الوَاحِدَة مِن الماء الذي نشربه فيها عجائب وغرائب من المخلوقات، والْكَائِنَات الحَيَّة التي أشار إلَيْهَا الْإِمَام بقَوْله - قَبل ألف عام، أو أَكْثَرَ -: «لا تبُل في الماء فإن للماء أَهْلاً» (2). وَمِثله قول استاذه الصادق الأمين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «أن أهْوَاء فِيهِ خَلَقَ كَثِير» (3).)وَقَبل الميلاد بخمسة قرُون قَالَ الفَيْلَفُوس اليوناني «أنْكَسَاجُورَاس» : أَنْ الْقَمَر مُجَرد جسم يَشبَه الأَرْضِ.


1) انظر، تجَلة عالم الْفِكْر : (17/2 عدد 2). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

2) أنظر، المعتبر : 137/1، التهذيب : 34/1 ح 90 الْإِسْتِبْصَار : 13/1 ح 25 مُنْتَهى المطلب : 40/1.

3) أنظر، الخصال: 613، وسائل الشّيعة : 240/1 ح،3، تُحف الْعُقُول : 102.

وفي القرن الثَّالِث قبل الميلاد أيضاً قَالَ «أرستراكوس» اليوناني : أَنّ الأَرْضِ تَدور حول محورها، وحَوْلَ الشَّمْس.وفي القرن الأَوَّل الميلادي قَالَ «بلوتارك»: فِي الْقَمَر أودية، وَتِلال.. وَسَخر النَّاسِ آنذاك في هذه الأقوال، وعدوها سُخفاً، وهرَاء... وبعد ألفی سَنَة صَعد الإِنْسَانِ إِلَى الْقَمَرَ، ووطأه بِقَدمِيه، ورَآهُ تَمَاماً كالأَرْض.. هَذَا، وأنكساجوراس، وغَيْره مِن الذين صدقوا في نبؤاتهم - لم يأخَذُوا العِلم مِن خَالق الأَرْضِ، والسَّماء، كالأَنْبِيَاء، وَتَلاميذهم الأَوْلِيَاء.. وما يُدربنا أنّ الْأَيَّام سوف تُثبت قول الإمام في تفْسِير الكَوْن، كما أثبتت أنّ الْقَمَر مثل الأَرْضِ ؟. وَمَا أَكْثَرَ الشّواهد فِي هَذَا الباب.2 - هِل مِن دَلِيل قاطع عَلَى أَنْ هَذَا الكَوْن الَّذي نَعِيش فِيهِ الآن هو بالذات الكَوْن الأَوَّل بجميع خُطوطه، وتفاصيله ؟. أن كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ واضحٌ وصريح في مبدأ الكَوْن الأَوَّل الَّذى سَبق الأكوان كلّها، وَمَا سَبقه إلّا العدم، والخواء، وقد مَضى إِلَى الأَوَّل غَيْر رَجْعَة وَجَاء بَعده أكوان، وأكوان... هكذا نَطَقت الرّوَايَات عَن أَهْل البَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ). مِنْهَا عَنْ الإِمَام الباقر حفيد الإِمَام أَمِير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «واللّه لَقَد خَلق اللّه أَلف عالم، وألف أَدَمَ قَبل هَذَا العالم، وَمَا فِيهِ مِن الآدميين» (1).. وَقَالَ أيضاً : «سَيُفنى هَذَا العَالَم، وَيَخلق اللّه عالماً آخر يَعِيش فِيهِ عوالم آخرُونَ» (2).)وَعَلَى هَذَا الْيَقِين عِنْدَنَا، والإحتمال - عَلَى الأقل عِند غَيْرنا - لو أتفَقَ أَهْل الأَرْضِ جَمِيعاً عَلَى أَنْ تَفْسِير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ لخلق الكَوْن لَا يَنطَبَقَ عَلَى هَذَا الَّذِي نَعِيش)


1) أنظر، الخصال: 652، توحيد الصدوق: 277 ح 2، تفسير البرهان : 219/4.

2) أنظر، المصادر السابقة.

فِيهِ، لو وجد هَذَا الإتفاق يَبْقَ قول الإِمَام عَلَى حصانته، وَقَدَاسته، لأَنه عَن العالم الْأَوَّل، وَلَيْسَ عَن عَالمنا هَذَا اللاحق بِمَا فَات، وَالسَّابق لما هو آت.وَتَسْأَل : أن قول الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ صَرِيح في العالم، مَا فِي ذَلِكَ رَيب، وَلَكنْ مِن أَي-ن أَخَذ العِلم بِهِ، وَقَد ذَهَب هَذَا العالم بِمَا فِيهِ، وَجَاء بَعده عوالم، وعوالم.. وهل هَذَا إِلَّا قَول الْغَيْب ؟)وَقَد أَجَابِ الْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ عَن ذَلِكَ بِقَوْله : «لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمُ مِنْ ذِي عِلْم»(1). يُرِيد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَن مَصْدَر عِلمه هُو رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَن جِبْرِيلَ عَن اللّه سُبْحَانَهُ الَّذِي لاَ خَالق إلا هو.. وَمِن أَجل هَذَا تَكَلَّمَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِثقَةٍ، وَيَقِين، لا بِحَدِس وَتَخْمِين.. كَيْفَ ؟ وهو القَائِل : «لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم، فإنّ اللّه فَرض عَلَى جوَارِحك كلّها فرَائِض يَحتجّ بها عَلَيْكَ يَوْمِ الْقِيَامَة» (2). وكلّ النَّاسِ يَعلَمُون أَنّ عَلِيَّاً تَنْسَجم أَقْوَاله مع أفعاله، وَأَفعاله مَع دِينه، وَضَمِيره.)سُؤال ثَانٍ : أَنَّ هَذَا الجَوَابِ لَا يَسْتَمِع إِلَيْهِ إِلَّا مَن آمَن بِالْغَيْبِ، وَبَصُورة أَخَص بنُبُوَّة مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أَمَّا مَن حَجد، وأعرَض فإِنَّه يَهْزَأ، وَيَسخَر.)الجواب:نَحنُ نُؤْمِن بِالْغَيْبِ، وَبِعِصمَة الأَنْبِيَاء، والأئمة الأطهار، نُؤْمِن بِذَلِكَ للدلالة القَاطِعة، بَل والضَّرُورة الواضحة، وقد أعلنَّا هَذِه الأدِلَّة عَلَى المَلأ فِيمَا سَبق مِن


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (128).

2) أنظر، نهج البلاغة، خطب الإمام علي : 91/4، الحكمة (382)، عيون الحكم والمواعظ : 526. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي : 323/19.

الأجيال، وفي هذا الجيل لِيَطلع عَلَيْهَا مَن أحبّ.. ولَيْسَ مِن شَرط الْعَمَل بالدليل أنْ يَثبت عِند كلّ النَّاس، وإلا ما أختلف أثْنَان، بَل يَكفي لصحة الْعَمَل بِهِ أَنْ يَثبت عِند مَن يَركن إِلَيْهِ. وَمِن أَجل هَذَا لا نفرض نَحنُ أدلتنا عَلَى جَاحَدٍ، أَو مُشككٍ، وَكلَّ مَا نَطلب مِن هَذَا وذَاكَ أنْ يُعاملنا بالمثل، ولا يفرض علينا رَأيه، وأَنْ يُرَاجع التفكير قبل الجزم، وَيَتروى قبل الحُكْم بأنّ هذه النظرية، أو تلك - مثلاً - هِي ضِدّ الحق، والواقع مع العلم بأنها قيد الْبَحْث، وَالدَّرس عِند الْعُلَماء، وأَنهم فِي حَيرَة مِن أمرها.. وَهَذَا هُو شأنهم في الكثير من النظريات، والأفكار، ومِنْهَا نَظرية الخلق. بَل، أنّ صَاحب أعظم عَقلِية عِلمية في هَذَا العصر، وهُو (إينشتاين قَالَ: «أنّ العقل البشري مهما بلغ من العظمة فهو عاجز عن الإحَاطَةِ بالكَوْن» (1). وَنَحنُ نُؤمن بهذا، وبأنه لا أحد يُحيط بالكون، وأصله إلا خالق الكون، أو من أرتضى مِن عِبَادِهِ : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) (2). وَإِذَا كَان (إِينشتاين) نَفْسه عَاجِزاً عَن مَعْرِفة الكَوْن الَّذِي عَاشَ فِيهِ باعترافه، فكَيْفَ يَسوع الحُكْم عَلَى قُول الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي الكَوْن الْأَوَّل بأنّه يُصادم الواقع، ويُخالف العِلم الحَدِيث ؟.. هَذَا هُو غَرضنا الأَوَّل، والأخير مِن هَذِهِ الفِقْرَة، أو مِن هَذَا التمهيد.. والسَّلام عَلَى مَن قَالَ : فَرُبَّ مَلُوم لا ذَنْبَ لَهُ» (3).)وَبَعد أنْ تَبِينَ هَذَا مَعْنَى نُفَسر كَلِمات الإِمَام بِدَالِيلها الحَرفِية، وَمَعانِيها الحقيقية حَيْتَ لا مبرر لِلتَّأْوِيل مِن حِسّ، أو عقل.


1) وأنظر. تأريخ ابن خلدون: 529/1.

2) الجين: 27.

3) أنظر نهج البلاغة : 24/3، الْكِتَاب (28).

الْمَعْنَى:(ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ، وَشَقَّ الْأَرْجَاءِ، وَ سَكَائِكَ الْهَوَاءِ. هَذِهِ الْكَلِمَات الثَّلاث كلّها تُشِير إِلَى شَيء وَاحد، وَهُوَ الْفَضَاء، أو الفراغ اللانهائي، وأيضاً تُشِير إِلَى أنْ هذَا الفراغ أبعاداً ثلاثة : عِلُواً، وإِلَيْهِ أَوْمَا الْإِمَام بالأَجْوَاءِ، وأَطْرَافاً، وَهِي مُرَاده مِن الْأَرْجَاءِ، وَطَبَقَات، وعَنْهَا عَبر الإمام بالسَكَائِكَ، وَجَمع الأَجْوَاءِ والْأَرْجَاءِ، وبالسَكَائِكَ، وَلَم يُعبر عنها بالإفراد - بِالنَّظر إِلَى تَعدد طَبَقَاتِ الْفَضَاء الكَوْنِي، وهَذِه الطَّبَقَات اكتُشفت بالحِسّ، والتَّجْرِبَة بَعد غزو الْفَضَاء، وَصعُود الإِنْسَانِ إِلَى الْقَمَر.)وَيَطلق عُلَماء الفلك عَلَى كُلِّ بَجَرَّة يَعرفُونها أي المجموعة النّجمية، يُطلقون عَلَيْهَا كَلِمَة سكة بإضافة كَلِمَة أُخرى تميزها عَن غَيْرها مِن الجَرَات، وأسم تجرتنا الَّتى نَرى بَعْض كواكبها سكة التَّبَانَة (1... وَمِمَّا قرأت أن عُلَماء الفلك أكتَشفُوا حَتَّى الآن مئة مليون مَجَرَّة من بلايين البلايين من الجرّات، وكلّ مَجَرَّة تَتألف من بلايين النّجوم، وفي تجرتنا وَحدَها - أي سكة التَّبَانَة - يُوجد أكثر من مئة مليار من النجوم، بَعْضهَا أكْبَر مِن الأرض بأكثر من ثلاثمئة ألف ضعف.)وَقَالَ المتخصصون بإثارة الخلافات الكلامية : أنّ الْفَضَاء مخلوق بدليل قول الإِمَام : «أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ... الخ». فَرد آخر مِنْهُمْ بأَنّ الفَضَاء عَدم محض، والعدم لا يتعلق به الخلق، والإِنْشَاء وَنَحنُ لا نرى أيَّة جَدوى عملية مِن


1) أي الجرَّة: وهي البياض المعترض في السَّماء والسواد من جانبها، قوامها نجوم كثيرة، لاتدرك بمجرد الْبَصَر، وإنما ينتشر ضوؤها فيرى كأَنَّه بُقعة بَيْضَاء، والْعَامَّة تُسمِّيها درب التَّبَانة. أنظر، تعريفها في لسان الْعَرَب : 556/4 و : 32/12، القرآن وإعجازه العلمي مُحَمَّد إِسْمَاعِيلَ إِبْرَاهِيم : 60.

هَذَا النّزاع، وَلاَ نَحنُ غَداً عَنْه بمَسْئُولين... والذي نَفْهَمه أَنّ اللّه سُبْحَانَهُ جَعل الْفَضاء حيزاً، ومقرّاً لِلكَائِن الْأَوَّل مِن خَلقه(فَأَجْرَى فِيْهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ : مُتَرَاكِماً زَخَارُهُ. ضَمِيرِ فِيْهَا يَعُود إِلَى الْأَجْوَاءِ، الْأَرْجَاءِ، والسَكَائِكَ، ومُتَلاطاً، ومُتَرَاكِما كناية عَن كَثرَة الماء وعَظَمَته، وامتداده و ارتفاعه، وَيَدل هَذَا عَلَى أنّ المخلُوقِ الْأَوَّل اللّه تَعَالَى هُو الماء، وأنه تَعَالَى أوْجَده في الجو محمولاً عَلَى ريح كَثيفة، وقوية للغاية، كما قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): (حَمَلَهُ عَلَى مَثْن الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ). الضَّمِيرِ فِي حَمَلَهُ يَعُود إِلَى الْمَاء، والْعَاصِفَةِ : الشديدة الهبوب، وَالزَّعْزَع : التحريك.)(فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ، وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ، وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ. الهَاءِ فِي أَمَرَهَا، وَسَلَّطَهَا وَ قَرَنَهَا لِلرِّيح، وفِي رَدِّهِ، وشَدِّهِ، وحَدِّهِ للماء.. وَقَرَنَها إِلَى حَدِّهِ أي أنّ اللّه سُبْحَانَهُ جعل الماء، وأهْوَاء مِن حَيْث المساحة قدراً بقدر طُولاً، وَعَرضاً، والمَعْنَى أنّ اللّه سُبْحَانَهُ بَعد أن خلق الماء فوق الريح، وَعَلَى قدرها أعطاها، جَلَّت حكمته، قُوَّة عظيمة، وَجَاذبية تَسْتَطِيع مَعَهَا أنْ تَشد الْمَاء إِلَيْهَا عَن ضخامته بحيث لا يَسقط مِنْهُ قَطرَة وَاحِدَة مِن أَطْرَافَه، وَلاَ مِن خِلاله.)(الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِيقٌ، وَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ. الهَوَاءُ الجو، والْفَضَاء، وفَتِيقٌ، أي خال لا شيء فِيهِ، ودَفِيقٌ أي دافق بِمَعْنَى مَدفُوق، والهَا، فِي تَحْتِهَا وفَوْقِهَا للريح، والمَعْنَى أنه كان آنذاك فوق الرّيح مَاء، وتَحْتِهَا فضاء.)(ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا، وَأَعْصَفَ مَجْرَاهَا، وَأَبْعَدَ مَنْشَأَهَا. فَأَمَرَهَا بِتَصْفِيقِ الْمَاءِ الزَّخَارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ الْبِحَارِ. هَذِهِ الرِّيحِ غَيْرُ الرِّيح الأُولَى الَّتى تَحمل الماء، والمَعْنَى أَنَّ اللّه سُبْحَانَهُ خَلق ريحاً ثَانِيَة فوق الماء، وهَذِهِ)

الرّيح عَقِيمة لا تُلقح شَيْئَاً، وَمُلازمة للماء، وقوية جداً، ومَوْضِعها بَعِيد المدى (فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ، وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ، تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ، وَ سَاجِيَهُ إِلَى مَائِرِهِ. حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ. أي أنه تَعَالَى سلّط هَذِه الرّيح الثَّانِيَة عَلَى الْمَاء فَحركته تَحرِيكاً قَوِياً حَتَّى أَرْتَفع، وَتَرَاكُم بَعضه فَوقَ بَعْضٍ.)(وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ، وَجَةٍ مُنْفَهِقٍ. رُكَامُهُ أي مُترَاكِمه، والهَاء فِي رَفَعَه للّه سُبْحَانَهُ، أو للماء، وَعَطف الجو المُنْفَهِق عَلَى أهْوَاء المُنْفَتِقِ مِن بَاب عَطف التَّفْسِير، والمراد أنه كان من نتيجة تحريك الرِّيح للماء بقُوَّةٍ، وشِدَّة أنْ تُبخر الماء، وصار بُخاراً كثيفاً، وَيُسمّى هَذَا البُخار الكثيف المتجمد زَبَداً، فَرفَعه اللّه تَعَالَى فِي الْفَضَاء.)(فَسَوَّى مِنْهُ - أي مِن الزَّبَدِ - سَبْعَ سَمَوَاتٍ (1):)إِنَّ ذكر الشبع لا يُقيد الحصر بها، وإنما خصها الوحي بِالذِّكر لأنّ الذين خُوطبوا بالْقُرْآن آنذاك كانوا يَسمعُون عَن الأفلاك السَّبعة، وكواكبها دُونَ غَيْرها.قَالَ المؤرخون : إِنَّ الكلدانيين اشتهروا بعلم الهيئة، وتوصلوا إِلَى مَعْرِفة الكَوَاكِب السَّبعة السيارة، وتوارثت الأمم هذه المَعْرِفَة عَن الكلدانيين جيلاً بعد جيل حَتَّى زَمن الْعَرَب الذين نزل الْقُرْآن بِلسانهم، فخاطبهم عَن السَّمَاء بِمَا أعتادُوا أنْ يُخاطبُوا بِهِ فِيها بَيْنَهُمْ.


1) أنظر ما قاله الشيخ (قدّس سِرُّه) في التَّفْسِير الكاشف: 358/7، وَهُو هُنا يُفسر الآية 12 مِن سُورة الطّلاق. (اللّه الَّذِي خَلْقَ سَبْعَ سَمَاوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِنْهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لتَعْلَمُوا أَنَّ اللّه عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللّه قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَامٍ).

وَتَسْأَل : كَيْفَ تَجمع بَيْنَ قَوْله تَعَالَى : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ (1). وبَيْنَ قُول الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه خَلق السَّماوَات مِن زَبَد الماء ؟)وأجَابُوا : بأنّ المراد بالدُّخان في الآية الكَرِيمَة البُخار المتصاعد مِن الْمَاء بِسَبب تَمَوجِه، وشِدَّة حركته، وَالزَّبَد عِبَارة عَن بُخار كَثِيف يَتصاعد عَلَى وَجهِ الْمَاء مِن حرارة الحركة، فَإِذَا غَلَبت عَلَيْهِ الكثافة بَقِي عَلَى وَجه الماء وإلّا أنفصَل عَنْه، وَإِذَا كَان الزَّبد بُخَاراً في حقيقته، وفي أضله، وأيضاً كان المراد بالدُّخَانِ فِي الآيَة البُخار - يَكُون المعنى واحداً، ولا أختلاف إلا في التعبير.. هَذَا، إِلَى أنه روى صاحب الْبِحَار عَن الْإِمَام عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ أَنّ سَائِلاً سَأَله: «مِمَّ خَلق اللّه السَّماوَاتِ ؟ فَقَاكَ مِنالبُخَار» (2)، وعَلَيْهِ يَكُون قَوْله هَذَا تَفْسِيراً، وَبَياناً لِلزَّبد.)(جَعَلَ سُفْلاهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً. مَا مِن جُرم في السَّماء إلا وهُو فِي حَركة دَائِة لا يقف لحظة واحدة، بَل يَدُور حَوْلَ نَفْسه، أو غَيْره، أو يَنْتَقل كلّ يَوْم، أو كلّ شهر، أو كلّ عام مِن مَوضع إِلَى مَوضع، وَلِذا شَبَّه الأَجْرَامِ السّماوِية بالموج الدَّائِم في حركتِهِ، وَخَصَّ بالذكر الجهة السُّفْلَى مَع أنّ الجُرم يَتحرك بكامله، لأنّ هَذِه الجهة يُمكن رُؤيَتها مِن الأَرْض، وَلَو بواسطة المراصد، والمراد بالمكفوف الجمود وعدم السيلان (وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً) من الخلل، ونحوه، وَيُطلق الشقف عَلَى جهة العُلو مِن كُلِّ شَيء. وَتَجدر الإِشَارَة إلى أن التعبير بأعَلَى، وَأَسفَل، وَفَوقَ، وَتَحت - إنما يُصح بالنسبة إلى ما يراه أهل الأرض بأعينهم، أمَّا الأجرام السماوية السابحة فِي الْقَضَاء فَلا أَرْضِ عِندها كي تُوصف بهذه الكَلِمَاتِ الإِضَافِية، بَل كُلّ شَيء)


1) فُصِّلَتْ : 11.

2) أنظر، بحار الأنوار : 88/05، عيون أخبار الرضا: 241/1، علل الشرائع : 280/2.

بالنسبة إِلَيْهَا فَضَاء، وعَلَيْهِ يَكُون وصف السَّماوَات بِالأَعَلَى، والأسْفَل تَجوزاً، لاَ حقيقة.(وَ سَمْكاً مَرْفُوعاً. قَالَ سُبْحَانَهُ : (رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاها) (1)، أَي رَفع أجرام الكَوَاكِب فوق رؤوسنا فَعَدّلها بوضع كلّ جُرم فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي بِهِ يَتماسك وَيَتجاذب مَع غَيْره مِن الْأَجْرَامِ (بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُهَا، وَلا دِسَارٍ يَنْظِمُهَا) الْأَجْرَام السّماوِية قَائِمَة فِي أَهْوَاء، لا ترتكز عَلَى شَيء، وَلاَ يَشد بَعْضهَا بِبَعْض مسمار، أو غَيْره سوى ما أودع اللّه فِيهَا مِن الجاذبية التي تحكم جميع الكَوَاكِب.)(ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ. قيل : أَنَّ الهَا، فِي زَيَّنَها تَعُود إِلَى السَّماء الدُّنْيَا، لأنّ اللّه قَالَ : (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِب) (2). والظَّاهِر أنّ الهاء فِي زَيَّنها ويدعمها، وَيُنظمها تعود إلَى شَيء واحد، وَهِي سَبْعَ سَمَوَاتٍ لِأَنَّهَا فِي سِيَاق واحد، والعطف بالواو يقتضي المشاركة، والمعنى أن اللّه سُبْحَانَهُ جَعَل السَّماوات زِينَةً، وَجَمَالاً بِمَا فِيهَا مِن الكَوَاكِب، ثُمَّ بيّن السَّبب الموجب لهذه الزِّينَة بقوله : (وَ ضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ، وَ أَجْرَى فِيْهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً، وَ قَمَراً مُنِيراً. فِي فَلَكٍ دَائِرٍ، وَ سَقْفٍ سَائِرٍ، وَ رَقِيمِ مَائِرٍ). الْمُرَاد مِن التَّوَاقِب هُنا النجوم، والكَوَاكِب ما عدا الشَّمْس. والْقَمَر حَيْث أفردَهُما الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالذكر. والسِّرَاج المُسْتَطِير الشَّمْس، وَفَلك الشيء مداره، والمعنى أن النجوم، والشَّمْس، والقمر كلّها تسبح في الفضاء الرَّحب، وأنّ ما يراه الإِنْسَان فَوقه في السَّمَاء كَان تَحته قبل ساعات، وما يراه في المَسَاء عَلَى يمينه كَان عَلَى يَساره في الصباح، وهذه الأجرام الفلكية المضيئة)


1) النَّازِعَاتِ : 27.

2) الصَّافَّاتِ : 6.

المتحركة هي زِينَة ِللنَّاظِرِين.. بالإضافة إلَى سَائِرِ المُنَافِع التي لا يبلغها الإحصاء.وَتَجدر الإِشَارَة إِلَى أَنَّ الأَرْضِ تَدور حَوْلَ الشَّمْس، والْقَمَر حَوْلَ الأَرْضِ، فَهُوَ تَابِع في دورانه لتابع، ومَا كَان كَذَلِكَ يُسمونه قَمرَاً لاَ كُوكَباً (1.)### الْمَلَائِكَة فِقْرَة 14 - 16:(ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلا، فَمَلَاهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلَائِكَتِهِ، مِنْهُمْ سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، وَ رُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُونَ لا يَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لا يَسْأَمُونَ، لا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلا سَهْرُ الْعُقُولِ، وَ لا فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ، وَ لا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ (14 وَ وَلا وَلا مِنْهُمْ أُمَنَاهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَ أَلْسِنَةُ إِلَى رُسُلِهِ، وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ، وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ، وَ السَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ (15). وَ مِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ، وَالْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ، وَ الْخَارِجَةُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ، وَ الْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ. نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ، مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ، وَ أَسْتَارُ الْقُدْرَةِ. لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ، وَ لا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ، وَلَا يَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاكِنِ، وَلا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ (16)).)### مُشْكِل وَشَائِك:نَحنُ نَجهَل تمام الْجَهْل حَقِيقَة الْمَلَائِكَة، وَصورَهم، وَحَياتهم، وأَحَاسِيسهم


1) أنظر، مع اللّه في السَّماء، لأحمد زكي. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

وحواسهم : أَهُم أَجْسَام، وَأَرْوَاحٍ، أو أَزْوَاحٍ مُجرّدة عَن الأَجْسَامِ ؟. وَهَل يَفرحون وَيَحْزِنُون ؟ اللّه أَعْلَم.وَلَو قُدر لي أن أكون ملكاً، أو أي مخلوق آخر لآثرت أن تكون لي غرائز الْأَطْفَالِ وَكَفَی.. وكلّ مَا يَتصوره الإِنْسَان عَن الجن، والملائِكَة فَهُوَ حَدس، وَتَخمِين لأنه غَيب، حيث لا مكان لهذا المَوْضُوع الشّائِكَ فِي الْعَقْل، ولا في الحس.. أجل، نَحْنُ كَمُؤمِنِين باللّه، وكتابه، وبالنَّبِيِّ، وَسُنَنه يجب علينا أَنْ نَعْتَقد بوجود الحِنِّ، والملاَئِكَة، أمَّا أين مكانهم ؟ وما هي حقيقتهم، وهيئتهم، وَمِهنتهم ؟ فلا يجب عَلَى المُسْلِم أنْ يَعْرِف، أو يَسأل عَن شَيء مِن ذَلِكَ، لأنه لا يمت إِلَى الحياة، وأُصول العقائد بِسَبب.وتَكَلَّم رِجَال مِن الشَّيعة، والسُّنَّة عَن عِصمَة المَلائِكَة بوجه العمُوم، وَسَردوا فِي ذَلِكَ العَدِيد مِن الصَّفحات، بَل تَكَلَّم بَعْضهم عَن حَقِيقَة المَلائِكَة، وشؤونهم وأَطوارهم، وَمَضوا فِيهِ مَع الخيال، ومَا بَينُوا المقصود من تحبهم، وَتَحقيقاتهم.. وَإِذَا تَكَلَّم المَعْصُوم عن الملائِكَة فإنَّما يتكلّم بقصد التقدِيس، والتعظيم لقدرة اللّه تَعَالَى عَن عِلمٍ، وَيَقِين بِالواقع، أَمَّا نَحْنُ فَكما أشرت - لا نعلم من أمرهم شَيْئًا، ولا نعرف أحداً تخصص بهذا الموضوع لطلابها.. وإذَنْ كَيْفَ تَخوض فِيهِ ؟. والْعَاقِل يَدع ما لا يَسْتَطِيع إلى ما يَسْتَطِيع، وقد تواتر عَن الرَّسُول وآله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «أنَّ حق اللّه عَلَى الْعِبَاد أنْ يَقُولوا مَا يَعْلَمُون، وَيَقفُوا عِندما لا يَعْلَمُون» (1).. «وأن الأمور ثلاثة: أَمرُ بَيْنَ رُشده فَيُتبع، وأمرٌ بَيْنَ غَيَّه فَيُجتنب، وَأمرٌ مُشكِل فَيُرد إلى اللّه)


1) أنظر، الكافي : 42/3 ح 7 و 12، أمالي الصدوق : 506، توحيد الصدوق : 459 ح 27. وَسَائِل الشيعه : 12/18 ح 10، شرح أصول الكافي : 203/2 ح 12.

وَرَسُوله» (1.)### خَلق آدَمَ فِقْرَة 17 - 19:(ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ، وَ سَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا، وَ سَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاطَهَا بِالْبَلَّة حَتَّى لَزَبَتْ (17، فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ، وَ وُصُولٍ، وَأَعْضَاءِ، وَفُصُولٍ، أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَ أَمَدٍ مَعْلُومٍ(18)، ثُمَّ نَفَخَ فِيْهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَ أَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، وَ مَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ، وَ الْبَاطِلِ، وَ الْأَذْوَاقِ، وَ الْمَشَامِّ، وَ الْأَلْوَانِ، وَالْأَجْنَاسِ، مَعْجُوناً بِطِينَةِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَ الْأَشْبَاءِ الْمُؤْتَلِفَةِ، وَالْأَصْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ، وَالْأَخْلاطِ الْمُتَبَابِنَةِ مِنَ الْحَرِّ، وَ الْبَرْدِ، وَالْبَلَّةِ، وَالْجُمُودِ (19)).)اللُّغة:الحزن - بفتح الحاء - مَا صَعب مِن الْأَرْضِ : ضِدّ السَّهَل وَالسَّبَحَ : مَا مَلح ضِدّ العَذب. وسَنَّ الْمَاء : صَبَّه. وحَتَّى خَلَصَتْ : صَارت طيئَة خَالِصة، وَلاطَهَا: عَجَنها. والبَلَّة : من البلل، ولَرَّبَ الطَّين : لزق وصلب. والمراد بالأحْنَاء الأضلاع، ونحوها. وبالوصول العصب، والعروق الَّتى تَشد الأَعْضَاء بَعْضهَا إلَى بَعْض. وبالفصول المفاصل. والصَّلَدَ : الصَّلب الأمْلَس. والصَلْصَال : الطين اليابس غير المطبوخ.


1) أنظر المهذب البارع : 8/2، الكافي: 68/10، الفقيه : 10/3، فيض القَدِير شَرْح الجامع الصغير : 3/ 133 - 2859، تَهذيب الأحكام : 302/6.

وأَذْهَان : جمع ذهن أي الفهم. وَفِكر - بكسر الفاء، وفتح الكاف - جَمع فكر - يسكون الكاف - وهو النظر في الشّيء. وَجَوَارِح : جَمع جَارِحة، وهو العُضْو الَّذِي يَسْتَعمله الإِنْسَان فِي شُؤونه. والأذواق : جَمع ذَوق، ويَكُون باللِّسَانِ، والفَرج، وَيُطلق أيضاً عَلَى الطَّبع. والمراد بالأَلْوَانِ الْأُولَى الْأَعْرَاضِ كَالسَّواد، وَالصَّفَار، وَبالثَّانِيَة الأَحْوَال كالحَرِّ، وَ الْبَرْدِ، والمَسَاءة، والمَسَرَّة. وَالأَخْلاط : الأصناف المختلطة.الإعراب:تُربَةٌ مَفْعُول جمع. وذات صُفَة لصُورة. وَقَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه تَبعاً لابن أبي الْحَدِيد (1: أنّ «الوَقْت» مُتَعَلَّقَ مَحْذُوف حَالاً مِن ضَمِيرِ التُّرْبَة، والتَّقْدِير : مَعِدَة لوقت مَعْدُود! وَالصَّحِيح أنّ الجرُور مُتَعَلِّق بصَلْصَلَتْ، والمَعْنَى أَنْ طِينَة آدَمَ بَقِيت جَامِدَة لا حراك فِيهَا إِلَى أَمد معلوم، وهو أَمَد النفخ. وذَا صِفة «إِنْسَاناً». وَفِكَر عَطف عَلَى الأَذْهَان، وَمِثلها جوارح، وهى ممنوعة من الصرف عَلَى وَزن مفَاعِل وَمَعْجُوناً صِفَة «إِنْسَاناً».)### حَوْلَ آدَم :افتتح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ خُطْبَته هذه بِحَمد اللّه، وَتَمجِيده، وَنَني صِفَات المصنوعين عَنْه، ثُمَّ أشار إلى مبدأ الخلق، وأصل الكون المسبوق بالعدم، ثُمَّ إِلَى خَلقَ الْمَلائِكَة..)


1) أنظر، شرح نهج البلاغة للأستاذ مُحَمَّد عَبْدَه : 20/1، خطب الإمام علي، وشَرح نهج البلاغة لابن أبي الْحَدِيد الْمُعْتَزِلي: 98/1.

وَهُو يُشير الآنْ إِلَى أَصل الإِنْسَانِ الأَوَّل، وَمِن أَي شَيء خُلق ؟ وكَيْفَ ثُمَّ خَلقه ؟ وكما تَكَلَّم النَّاس عَن الكَوْن، وحَقِيقَته، وأَصله، وَعُمره، وأطوَاره فَقد تَكَلَّموا أيضاً عَن أصل الإِنْسَان وَكُنهه، وتطوره، وكَم مَضى عَلَيْهِ مِن السِّنِين فِي هَذِهِ الأَرْضِ ؟. ووَضَعوا في ذَلِكَ الكُتب، والأَسفَار، ومَع هَذَا لَم يَعرفُوا عَنْهُ إِلَّا القَلِيل وَصَدق مَن قَالَ: «إِنَّ عِلمِ الإِنْسَان بنَفْسِهِ مَا يَزَال مَحْدُوداً، ورُبَّمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْرِف عَن غَيْرِه مِن الْكَائِنَات أَكْثَر مِمَّا يَعْرِفه عَن أسرَار نَفْسِه» (1.)وَلنفترض - وأن بعد الفرض - أنّ الإِنْسَان يَسْتَطِيعِ أَنْ يَعْرِف حَقِيقَتِه عَلَى أَنهَا جسماً، ورُوحاً فإِنَّه لا يَسْتَطِيع، ولَن يَسْتَطِيع أنْ يَعْرِف كَيْفَ تَمَّ خَلَقَ أَبِيهِ الْأَوَّل.. وإِنْ أدْعى ذَلِكَ مُدعى طَالبنَاه بالدَّلِيل، وَسَألناه : هَل دَلِيله التَّجْربَة ؟ وَبالبداهة أنّ لتَّجْرِبَة تَعْتَمد، وتَقُوم عَلَى المَجْهَر، والتحليل الكيماوي، وأين هو الإِنْسَان الأَوَّل حَتَّى يراه الباحثون عَلَى شَرِيحَة الجهَر، أو يُحللوا في مختبراتهم أَعْضَاءه، والعناصر الَّتي تَألَّفت مِنْهَا هَذِه الأَعْضَاء. أو أن المدعي يستدل بالْعَقْل... ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ مَعْرِفة الْعَقْل بأصل الإِنْسَان، وكَيْفَ تَمَّ خَلقه تماماً كمَعْرِفَته بأسم وَالدِي، وَحَسبه، وَنَسبه، وَبِقَامته طُولاً، وَعَرضاً.أو يَستند المدعي إلى الحفريات... وَقَد أَعلَن أَهْل الإِخْتصَاص أن أحدث الحفريات تقول : الإِنْسَان كَان موجُوداً عَلَى وَجه هَذِهِ الأَرْضِ مُنذ مليون سَنَة عَلَى التقريب... وبالبداهة أنّ هَذَا شَيء آخر... وحَتَّى الآنْ مَا تَجَراً أَحد عَلَى الزَّعم بأنه عثر عَلَى رُفَات آدَمَ أَبي البَشر، وَحُطامه... أو أنّ المدعى يَعتمد النقل


1) أنظر، تَفْسِير الميزان للسيد الطباطبائي : 312/12، قَرِيب مِن هَذَا الْمَعْنَى.

وَالرّواية... وَالشّرط الأوَّل في النقل أنْ يَروى مَا رَأت العين، وشاهدت، وأيّة عَين رأت خلق جدها، وأبيها، بل أيّة عَين رأت خلق نَفْسها بالذات ؟ : (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهدَتْهُمْ وَيُسْئَلُونَ (1). (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (2).)وإِذَنْ لاَ سَبِيل عَلَى الإطلاق إِلَى العِلم بأصل الإِنْسَانِ الْأَوَّل، وكَيْفَ خُلق إلا الوحي مِن خَالق الإِنْسَان وَعَلَى هَذَا الوَحي وَحدَه أَعْتَمد الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ عَن خَلق الإِنْسَان، وأَصله.)والإِنْسَان سلسلة متصلة الحلقات، تبتدىء بآدَمَ أَبي البَشر، ولا ندري بأي مَوْلُود تَنْتَهي... ولا يختلف مُؤْمِن، وجَاحِد عَلَى أَنَّ الإِنْسَانِ بِجَمِيع أفراده من كَان مِنْهُ وَمَن يَكُون، هُو مِن تُربة هَذِه الأَرْض، وَمَائها، وهوائها، وأنّه يَعِيش عَلَيْهَا كَضِيف مؤقت ثُمَّ يَعود إِلَيْهَا لا مَحَالَةَ... أَبَداً لا خلاف في شَيء مِن ذَلِكَ، وإنما الخلاف : هَل كَان لِلْإِنْسَان وجود سابق فِي عَالم آخر غَيْر هَذِهِ الأَرْضِ ؟ وكَيْفَ وجد عَلَيْهَا ؟ هَل وجد عَلَى صورته الحالية، أو عَلَى غَيْرها؟ ومتى بدأ ظهوره عَلَى الْأَرْضِ ؟ وما هي العناصر التي تَألَّف مِنْهَا ؟. ومَن الَّذِي أَوجَده ؟. ومَا هُو الهدف مِن وُجُودِه.؟ وهل لهُ رِسالة خَاصَّة في هذه الدُّنْيَا، أو أنه لا رسالة لهُ إِلَّا أَنْ يَصنع نَفْسه عَلَى إرادته، وَحُرِّيته وهواه كما يقول الوجوديون... وأيضاً هَل يَخرج مِن الأَرْضِ بَعد موته، ويعُود ثَانِيَة إِلَى غَيْرُ ذَلِكَ مِن المَوْضُوعَات، والخلافات.


1) الزخرف : 19.

2) الطُّورِ : 35.

مَا أَعْجَب الإِنْسَان !... أنه يبحث عَن نَفْسِه، ورُبَّما هُو الكَائِنِ الوحيد الذي أمتاز بهَذا الوَصْف.... وَمَع ذَلِكَ قَالَ بَعْض أفراد الإِنْسَان : أَبُوه قرداً فَتَطَور. وَتَرقى. وَقَالَ آخر : كلاً، أنّ أباه تولد من عفونة القَدَارَات تماماً كما تتولد الحشرات.... ولا أَدري هَل يَدلنا هَذَا القَوْل، وذَاكَ عَلَى أَن الإِنْسَان أنواع وأَقْسَام : مِنْهَا قرُود، ومِنْهَا حشرات في صورة الإِنْسَان... وأنه يبتعد عن كمال اللّه كل البعد كما تبتعد الملَة عَن حَقِيقَة الإِنْسَان، وكماله ؟.وَمَهمَا يَكُنْ فإنّ مَا قَاله الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ هُنا عَن أَصل الإِنْسَان هو شرح وتَفْسِير لما جَاء فِي الْقُرْآن الْكَرِيم.)الْمَعْنَى:خَلق اللّه سُبْحَانَهُ آدَمَ مِن جسمٍ، وَرُوح، ولكن بالتدريج لا دُفعَة وَاحِدَةً، كَمَثل الباني يبني حَجراً عَلَى حَجر - المثال للتقريب - فَخَلق أوَّلاً جسماً بِلا رُوح، وأيضاً خَلق هَذَا الجسم عَلَى أطوار كما يظهر مِن قَول الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ. وهَذِه الأطوَار أَرْبَعَة وهي :)1 - (ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ، وَ سَهْلِهَا، وَ عَذْبِهَا، وَ سَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ.)حاكت مُخيلة الإِنْسَان عَن خَلقه، ووُجُودِهِ أسَاطِير، وخُرَافات تماماً كما حاكتها حَوْلَ خَلق الكَوْن وَمَا فِيهِ، ورُبَّمَا أَكْثَر !... مِن ذَلِكَ أَن الإِنْسَان كَان موجوداً في عَالم غَيْر مَحسُوس قَبل وُجُودِه عَلَى هَذِهِ الأَرْض.... ولكنْ نصوص الْقُرْآن تَأبى ذلِكَ، وَتَقول : خَلق آدَمَ مِن تُربة أرضنا هذه، وأَنه تَعَالَى نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحه بَعد أَنْ

خلق چشمه، وَسوَّاه. سُئل الإِمَامِ الصَّادق عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرُوحُ مِنْهُ (1)فَقَال : «هِي رُوح اللّه مخلوقة خلقها اللّه فِي آدَمَ، وعِيسَى» (2). وَقُول الْإِمَام : «جَمَعَ سُبْحَانَهُ تُرْبَة» صَرِيح في أنّ آدَمَ لَم يَكُنْ لَهُ عَين، ولا أثر قَبل هَذِه الأَرْض، وَقَالَ تَعَالَى: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّه كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ» (3)أي لَم يَكُنْ فِي هَذِه الأَرْض فكان... فأبونا آدَمَ مِن تُرَاب، ونَحْنُ أيضاً في لَحَمنَا، وَدَمنا مِن تُرَاب، لأن ما تأكله من اللحوم، والحبوب، والفواكه، والخضار، والنَّبات، كلّ ذَلِكَ كَان في الأصل مَاءً، وتُرَاباً : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (4).)أَمَّا قَوْله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ، وَ سَهْلِهَا، وَ عَذْبِهَا، وَ سَبَخِهَا)، فهُو إِشَارَة إِلَى أنَّ الإِنْسَان كامه الأَرْض يَجمع في استعداده، وغرائزه بَيْنَ المُتناقضات، والمفارقات كالطَّيِّب، والخبيث، والأسود والأبيض، قَالَ الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «خَلق اللّه آدَمَ مِن قَبضة قبضها من جميع الأَرْضِ، فَجَاء بَنُو آدَمَ عَلَى مِثل الْأَرْضِ مِنْهُمْ الأسود والأبيض، والأَحمر، ومَا بَيْنَ ذَلِكَ» (5).)


1) النِّسَاء: 171.

2) أنظر، أصول الكافي (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)): 133/1 ح 2 شرح أصول الكافي 119/4. الإحتجاج للطبرسي : 56/2. بحار الأنوار : 12/4 ح 4.

3) آلِ عِمْرَانَ: 59.

4) غَافِرٍ : 67.

5) انظر صحيح ابن حبان : 29/14 ح 6160، مُسْنَد الروياني : 356/1 ح 547، موارد الظمآن 509/1 ح 2083، سُنن الترمذي : 204/5 ح 2955، سُنن أبي داود : 222/4 ح 4693، مُشنَد أحمد: 4 / 400 تهذيب الكمال : 603/23.

2 - (وسَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ. وَلاطَهَا بِالْبَلَّة حَتَّى لَزَبَتْ). يُشِيرٍ بِهَذا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقُ بَشَرًا مِّن طِينِ) (1). وقَوْله تَعَالَى : (وَمَن طِينٍ لَّازِبِ) (2). ولا نُطِيل في شرح الألفاظ، وَقَد ذكرنا مدَالِيلها في فِقْرَة اللُّغَة، والأجدر أنْ تُمعن النظر في مدى آخر، وَنُشِيرِ إِلَيْهِ بِالأُسلوب التالي :

وَتَسْأَل : لماذا لم يخلق اللّه آدَمَ بِكَلِمَة «كُنْ» ؟. ومَا هِي الْحِكْمَةَ لِخَلقَه مِن تُرَاب ؟ أَليس اللّه عَلَى كُلّ شَيْء بِقَدِير ؟.الجَوَاب:قَالَ البعض : أراد سُبْحَانَهُ أنْ يعلّم النَّاسِ الرَّويَة، والأناة، وَعَدَم الإستعجال في أُمورهم.. أَمَّا نَحْنُ فَنظَّن أنه تَعَالَى أَرَاد أنْ يعلم النَّاس أنهم في الخلق سواء، لا فضل الأبيض عَلَى أَسْوَد، كما قَالَ الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «كُلّكم مِن آدَمَ، وآدَمَ مِن تُرَاب» (3).. وأنْ يَعْتَبِرُوا بِقُدرة اللّه الَّتي خَلقت مِن المَادَّة الصَّماء إِنْسَاناً عَاقلاً يَفْعَل الْأَعَاجِيب، وَيُومى، إِلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ وَ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (4). وأيضاً أَنْ يَستدل الإِنْسَان)


1) سُورَةُ ص: 71.

2) الصَّافَّاتِ : 11.

3) أنظر، سُنن البيهقي : 118/9، سُبل الهدى والرشاد : 242/5، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 281/17، بحار الأنوار: 35/31.

4) الْكَهْفِ : 37.

عَلَى النّشأة الثَّانِيَة بالأُولَى كَمَا تُشير الآية : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ (1). وَقَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (عَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الأُخْرَى وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الأُولَى) (2).)وَعَلَى أيَّة حَال فإنّ الأرض هي البيئة الطَّبيعية لِلْإِنْسَانِ، وَمَصْدَر حَيَاته، وحضارته، وفِيْهَا يَتْعرف عَلَى خَالقه وَيَعْبدَه، ومِنْهَا يَثب إِلَى السَّماء، والكَوَاكِب وإِلَيْهَا يَعُود، ولا غنى لهُ عَنْهَا بِحَال حدوثاً، وَبَقاءٌ، وَهِي فِي غِنى عَنْهُ فِي كُلّ الأَحْوَال.3 - (فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةٌ ذَاتَ أَحْنَاءٍ، وَوُصُولٍ، وَأَعْضَاءٍ، وَفُصُولٍ. ضَمِيرِ مِنْهَا يَعُود إِلَى التّربة، والمراد بالصُّورة صُورة آدَمَ، قَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (3). وفي جسم الإنسَانَ أجزَاء كَالرَأْس، وَالبَدِين، والصدر، وَالرَّجلين وإِلَيْهَا أَوْمَأَ بِكَلِمَة أَعْضَاء، وفيه أضلاع، وإلَيْها أشار بالأحناء، وفِيه مفاصل، وَهِي مُلتقى الْعِظَام، ولولاها لعجز الإِنْسَان عَن الحركة، وَقَد عَبر الإِمَام عَنْهَا بِالفُصول، وفِيهِ عَصب يشد الْأَعْضَاء بَعْضهَا إِلَى بَعْضٍ، وَهِي المقصود مِن كَلِمَة وُصُول من الوُصُول.)


1) الحج: 5.

2) أنظر، نهج البلاغة الحكمة (126). ونهج الْبَلاغة مُحَمَّد عَبْدَه : 30/4. الحكمة (126)، شرح النهج لابن ميثم البحراني : 309/5، عيون الحكم والمواعظ : 330، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المُعْتَزِلي: 315/18.

3) غَافِرٍ : 64.

4 - (أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَأَمَدٍ - مَعْلُومٍ. بَعد أنْ صَار الماء، والتراب طيناً جمد، وتماسكت أجزاؤه، وأَصْبَحَ جسماً واحداً، يابساً، وَمَتِيناً، إذا هبت عَلَيْهِ الرّيح سُمع له صلصلة، وأُسند جمود الطين وَصَلصَلته إلى اللّه، لأنه هو الَّذي خَلق التُّرَاب، والماء، وَمَزجهما حَتَّى صَارا طِيناً.)وبهذه الأطوار الأَرْبَعَةَ ثُمَّ الجسم، وكَمُل، ومَع هَذَا أَبَقَاهِ سُبْحَانَهُ بِلا رُوحٍ إِلَى أَمدٍ مُعين، لأنّ حِكْمَته تَعَالَى قَضت أنْ يَكُون لِكلّ أجل كتاب.### الرُّوح:(ثُمَّ نَفَخَ فِيْهَا مِنْ رُوحِهِ. اخْتَلفوا فِي مَعْنَى الرُّوح مِن حَيْث هي، وبصرف النظر عَن الَّتي نَفْحْهَا سُبْحَانَهُ فِي آدَمَ، أَو مَرْيَمَ، فِينْهُمْ من قَالَ : أنّ اللّه سُبْحَانَهُ حَجَ عِلمها مِن الْعِبَادِ، فَلا يَنْبَغِى الْحَدِيث عَنْهَا بِحَالَ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (1)پ، وَقَالَ آخر : هِي عَلَى هيئة الإِنْسَان، لا رَأْس، وَيَدان، وبطن، ورجلان، ولَكِنَّهُ لَيست إِنْسَاناً !. وَقَالَ ثالث : هِي نُور لطيف، وهوَاء خَفِيف. ونُقل عَن فَلاسفة اليونان يُفرقُون بَيْنَ الْعَقْل والرُّوح، والنَّفس، فالْعَقْل أَرْفَع، وأشرف مِن الرُّوحِ، وَهِي أَشرَف مِن النَّفس.)وَلِلرُّوح فِي لُغة الْقُرْآن مَعَانٍ مِنْهَا الرَّحْمَة : ﴿وَلَا تَأَيْئسُوا مِن رَّوْحِ اللّه إِنَّهُ لَا يَأْيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللّه إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (2). ومِنْهَا جِبْرِيلَ : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ)


1) الإسراء : 85.

2) يُوسُفَ : 87.

الأمينُ (1). ومِنْهَا الْقُرْآن : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْتَهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (2). والقاسم المشترك مَعنى الرُّوح هو كلّ مَا يَحيا بِهِ الشَّي مَادِياً، ومعنوياً. أَمَّا الْمُرَاد بِالرُّوحِ الَّتي نَفَحها سُبْحَانَهُ فِي آدَمَ فَهِيَ الْحَيَاةِ... حَتَّى وَلَو كَان لِلرُّوح أَلف مَعْنَى وَمَعْنَى، ولأنَّ الحَدِيث فِي كَلَام الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَفِي قَوْله تَعَالَى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ له وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (3)مُسَاق عَن جَسد آدَمَ الَّذِي بَقِي جماداً بلا روح لوقت مَعْدُود، وأَمَد مَعْلُوم... وَمِثلَها تَمَامَا الرُّوحِ الَّتِي نَفَحْهَا سُبْحَانَهُ فِي مَرْيَمَ : (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيْهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءَايَةً لِلْعَالَمِينَ) (4)أي أَنه تَعَالَى خَلَقَ جَنِيناً فِي رَحم مَرْيَمَ بِلا تَلقِيح.

حَوْلَ الإِنْسَانِ:

(فَمَثْلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَ أَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، وَ مَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ، وَ الْبَاطِلِ، وَالْأَذْوَاقِ، وَالْمَشَام، وَ الْأَلْوَانِ، وَ الْأَجْنَاسِ). قيل : أَنَّ اللّه سُبْحَانَهُ خَلقَ الإِنْسَان كي تتجلى فِيهِ قُدرته وعَظمَته. ومَعْنَى هَذَا أَنه تَعَالَى أنْشَأ الإِنْسَان عَلَى أكمل وجه جسماً، وَرُوحاً


1) الشُّعَرَاء : 193.

2) الشورى: 52.

3) الحجر : 29.

4) الأَنْبِيَاء : 91.

بحيث لا شيء فوق كمال الإِنْسَان مِن هَذه الجهة إلا خالق الإِنْسَان وَكَفَى شَاهِداً عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَة عَظمَة مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سَيّد الكَوْنِين الَّذي قَالَ : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى أَنَّما إلاهكم إله واحد (1).)إِنَّ الإِنْسَان تماماً كالكَوْن فِي عَظَمَته، وأسراره، كلّما اكتُشف مِنْهُ سَرّ خَفِيتَ مِنْهُ أسرار.. ومن أجل هَذَا أَطلَق بَعْضهم عَلَى الكَوْن اسم الإِنْسَانِ الْكَبِيرِ، وَعَلَى أبن آدَمَ أسم الإِنْسَانِ الصَّغير، أو الكَوْن الصَّغِير.. ولهذه التسمية وَجهِ وَجِيهِ، فَحَتَّى الآنْ - وَعَلَى الرّغم مِن تَقَدَّمَ العُلُومِ الَّتي رفعت الإِنْسَانِ إِلَى الْقَمَرَ - لَم يَنجح الْعُلَمَاء في التعرف عَلَى حَقِيقَة الإِنْسَان، وكلّ ما فِيهِ مِن طَاقات، وأسرار.. وَإِذَا كَانَتْ حقيقة كُلّ شَيء هِي مَا يُحققه ذَلِكَ الشيء فقد حَقَّق الإِنْسَانِ أَعْجَب مِن العَجب، ومَا سَوف يُحَقِّقه في المستقبل القريب، أو البعيد يفوق التصور، ويَسْتَحِيل التنبؤ به. وبهذا تجد السّر لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (2)، وَتَدركُون أن هذا الإِنْسَان العَجِيب خالقاً أكمل، وأَعظم ؟.)قَالَ الفَيْلَفُوس الإنجليزي «جون لوك» (3: صَحِيح أنّ اللّه سُبْحَانَهُ لَم يَطبع حرُوفاً في عقولنا نقرأها عَن وُجُودِه، ولَكِنَّهُ أوْدَع فينا إحساساً، وإدراكاً لا تحتاج مَعه إِلَى بُرهان أوْضَح عَلَى وُجُودِهِ مَا دُمنا تحمل ذاتنا مَعنا، وإِذَنْ نَحْنُ لَا نَستَطِيع أنْ نَشكو مِن جَهلنا بِذَلِكَ، وَبالتالي فَلا نَحتاج لكي نعلم، ونُؤمن بوجود اللّه إِلَى شيء أَبعد مِن أَنفُسِنَا فَإِنَّهَا كَافِية، وَافِية للدَلَالَةَ عَلَىٰ وُجُودِهِ تَعَالَى.)


1) الْكَهْفِ : 110.

2) الذاريات : 21.

3) صاحب التيار الفلسفي الحسي الذي نشأ في الفَلْسَفَة الأوربية، وتوفي جون لوك (1704 م).

(مَعْجُوناً بِطِينَةِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَ الْأَشْبَاءِ الْمُؤْتَلِفَةِ، وَالْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ، وَ الْأَخْلاطِ الْمُتَبَابِنَةِ مِنَ الْحَرِّ، وَالْبَرْدِ، وَ الْبَلَّةِ، وَالْجُمُودِ. يُشِيرِ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِهَذَا إِلَى أنّ فِي طَبِيعَة الإِنْسَان، ومزاجه قوى عناصر، مِنْهَا مَا يَنسَجم بَعْضه مَع بَعْضٍ ك انسجام العِلم مَع الحِلْم، والصِّدْق مع الْوَفَاء، وكأنسجام الجُبْن مَع البخل، والْكَذِب مع الرِّيَاء... ومِنْهَا مَا يَختلف بَعْضها مع الآخر، كإختلاف الرّضِى والغَضَب، والضحك والبكاء، والحفظ والنِّسيَان، وغَير ذلك.. وكلّها لخير الإِنْسَان، وصالحه، وبقائه، واستمراره، ولو نَقصت مِنْهُ صِفَة وَاحِدَة لإخْتَل توازن الإِنْسَان، وَلَم يَنْتَفع بشيء... وَنَضرب لِذَلكَ مَثلاً واحداً :)لَوْلاَ النِّسيان لتراكمت الهمُوم عَلَى الإِنْسَان وَلَم يَسْتَمتع بشيء، ولإنتهت حياته في أمد قَصِير... ولولا الحفظ لإنسد باب العلم بشتى أنواعه، بَل وَلَم يهتد الإِنْسَانِ إِلَى أُمِّه، وأبيه، وصَاحِبته، وَبَنِيهِ، وَإِذَا خَرجَ مِن بَيْنِهِ أَستَحَال أَنْ يَعود إِلَيْهِ.وَهَكذا سَائِرِ الصِّفَات المُتبَاعِدَة مِنْهَا، والمُتقَارِبَة... وكلّها تَجري عَلَى نظام مُشترك، وَقَدر جامع، وإنْ دَل هَذَا عَلَى شَيء فإنما يدل على وحدة الخالق، والمدبر الَّذي لا إله إلَّا هُو : (وَقَدْ جَعَلَ اللّه لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (1). وَمِمَّا قرأت عَن الإِنْسَان مَا جَاء فِي الْكِتَاب «مصْبَاح الأنْس» (2).

إِنَّ فِي الإِنْسَان خاصٌيَّة المعادن، وَهِي الكَوْن، والفَسَاد. وخاصِّيَّة النَّبَات، وَهِي


1) الطَّلَاقِ : 3.

2) أنظر، مصباح الأنس بين المعقول والمشهود في شرح مفتاح غيب الجمع والوُجُود للمَوْلَى شمس الدين مُحَمَّد بن حمزة الفناري المتوفى سنة (834 هـ)، طبع سنة 1323هـ.

النمو، والغذاء. وخاصيّة الحَيَوَان وَهِي الحِسّ، والحركة، وخاصية الإنسان، وَهِي الْفِكْر، والإدراك. وَخاصَّيَة الْمَلائِكَة، وَهِي الطَّاعَة، والحياة.

فالإِنْسَان يَتَملق كَالكَلب، وَالهِر، ويحتال كالْعَنْكَبُوتِ، وَيَتسلح كَالقُنْفُذ، وَيَهرب كَالطّير، وَيَتحصن كالحَشْرْت، وَيَعدُو كالغزال، وَيَطأَ كَالدُّب، وَيَسُرق كالفأر، وَيَفْتخر كَالطَّاووس، ويَضُرٌ كَالعَقرب، وهُو شُجاع كالأسد، وَجَبان كَالأَرْنَب، وَأَنيس كالحمام، وَخَبِيتَ كَالتَّعلب، وَسَلِيم كَالحَمل، وأَبكَم كَالحوت وَشَوْوم كَالبُوم.

وَهَكذا، مَا مِن كَائن فِي الأَرْضِ، وَالسَّمَاء - مَا عَدا اللّه سُبْحَانَهُ - إِلَّا وَقَد أَخَذ الإِنْسَان شَيْئَاً مِنْهُ :

وَتَحْسَبُ أنك جرمٌ صَغِير*** وَفِيكَ أنْطوى العَالم الأَكْبَر (1)

آدَمَ، إِبْلِيسَ فِقْرَة 20 - 21:

(وَ اسْتَأْدَى اللّه سُبْحَانَهُ الْمَلائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَ عَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ، فِي الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَ الْخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ. فَقَالَ سُبْحَانَهُ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ (2)أَعْتَرَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقْوَةُ، وَتَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَأَسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللّه النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْمَاماً لِلْبَلِيَّة، وَإِنْجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ : قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (3)(20). ثُمَّ أَسْكَنَ)


1) يُنسب هَذَا الْبَيْتَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في الديوان المرتضوي : 145، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 466/5، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي: 636/2.

2) الْبَقَرَة : 34.

3) الحجر : 37 – 38.

سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيْهَا عَيْشَهُ، وَ آمَنَ فِيهَا مَحَلَّتْهُ، وَحَذَّرَهُ إِبْلِيسَ، وَعَدَاوَتَهُ، فَأَغْتَرَهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ، وَ مُرَافَقَةِ الْأَبْرَارِ، فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ، وَ الْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلًا، وَ بِالاِغْتِرَارِ نَدَماً. ثُمَّ بَسَطَ اللّه سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ، وَ لَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَوَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ، وَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِيَّةِ، وَ تَنَاسُلِ الذُّرِّيَّة (21).)اللُّغَة:اسْتَأْدَى وَدِيعَتَهُ : طَلَب مِنْهُم أَدههَا. والحَمِيَّة : الأَنْفَة. واعْتَرَتْهُ : أَصَابَتْهُ. والصَّلْصَال : الطِّين اليابس. والنَّظِرَة - بكسر الطّاء - التَّأخِير، والْإِمْهَال. والْعِدَةِ - بكسر العين - الوَعْد. واغْتَرَهُ : غَرَّر بهِ ونَفَاسَةً : حَسَداً. والمراد بالأَبْرَار هنا المَلائِكَة. والجَذَلِ: الفَرح. ودَارِ الْبَلِيَّةِ : الدُّنْيَا.الْإِعْرَاب :المَلائِكَةَ عَلَى النّصب بِنَزع الخافض أي طلب مِن الْمَلائِكَة. واسْتِحْقَافاً مَفْعُول لأجله. وإبْلِيسَ فَعُول ثانٍ لحَذَّرَ، أو مَنْصُوب بِنَزع الخافض. ونَفَاسَةٌ مَفْعُول مِن أجله.الْمَعْنَى:(وَ أَسْتَأْدَى اللّه سُبْحَانَهُ الْمَلائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ. قبل أنْ يَخلق اللّه آدَم قَالَ لِمَلائِكته : (إِنِّى خَالِقُ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن)

رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ، سَاجِدِينَ) (1)

ص: 71 – 72.

. فَسَمِع الْمَلَائِكَةِ الْوَصِيَّة وَحَفَظُوها، ولما تمَّ كلّ شيء خَلق آدَمَ طَلب سُبْحَانَهُ مِن مَلائِكَته أنْ يُؤدُوا الوَدِيعَة، والْوَصِيَّة الّتي عَهد بها إِلَيْهِمْ مِن قَبل، وَهِي السجود لآدم عِند تمام خَلقه، وإِلَى هَذَا أشار الإمام بقَوْله : (فِي الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَ الْخُنُوع لِتَكْرِمَتِهِ). فَقَالَ سُبْحَانَهُ : (أَسْجُدُوا لِأَدَمَ فَسَجَدُواْ

(2)له سجود التحية، لا سجود العِبَادَة، لأنَّها لا تجوز إلا لله وحده. وقد تكون الحكمة في إخبار الملائِكَة من قبل، أنْ لا يُفاجأوا بوجوب السجود لآدَم، فيشتد وقعه عَلَيْهِمْ... أو أنّه تَعَالَى أراد أن يُعلمنا كَيْفَ نَفعل إذا أردنَا أَنْ تُخبر، أو نطلب شَيْئاً مِن شَخص لَم يَكُنْ ذَلِكَ فِي حُسبانه، كما هُو شَأن المَلائِكَة آنذاك بالنسبة لآدم، والسجود له، ولذا : (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (3). وكأنهم يَقُولُون اللّه تَعَالَى: وَلِمَاذَا آدَمَ، وَنَسل آدَمَ البغاة العُصاة ؟. أجعلنَا نَحْنُ خُلَفَاء الأَرْض، وَسَتَرى عبادتنا، وطاعتنا لك... فَقَالَ هُم عزّ مَن قَائِل : (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (4). وَعِندَها خشعوا، و (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (5).

(فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ اعْتَرَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقْوَةُ). أَبَداً ما صدرت أيه


1) سُورَةُ

2) الْبَقَرَة : 34.

3) البقرة : 30.

4) الْبَقَرَة : 30.

5) الْبَقَرَة : 32.

بادرة مِن آدَمَ فِي حَقِّ إِبْلِيسَ... كَيْفَ وَقَد كَانَ آدَمَ فِي عَالم الْغَيْبِ حِينَ أَضْمَر لَهُ إبليس العداوة والبغضاء ؟. بيت لهُ السُّوء، لا لشيء إلا لأنه عَلِمٌ، وأَيْقَن بأنّ اللّه سَيُفَضله عَلَيْهِ، وَجَاءه هَذَا العِلم مِن قَوْله تَعَالَى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (1)

ص: 71 - 72.

.

(وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَة النَّارِ، وَ اسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ). يُشير إلى قول إِبْلِيسَ : (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ - أَي مِن آدَمَ - خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) (2). وَمُندَ القَدِيم أكتشف الإِنْسَان أن في النَّارِ أحياء تتكيف بِطَبعها مع الْنَّار. قَالَ الْمَجْلِسي: «قَالَ بعضهم : أنّ كُرة النَّارِ تَكُون مَملوءة مِن الرّوحَانِيات» (3)تَمَاماً كَقَطرة الماء، وَقَالَ الجُدد مِن أَهْل الإختصاص : أَن نَوْعاً مِن الأَحْيَاء يَعِيش فِي أَهْوَاء السّام، وآبار البترول.

(فَأَعْطَاهُ اللّه النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ). طلب إبْلِيسَ مِن اللّه أنْ يُمهله، ويَبْقه حَيّاً مَا دَام عَلَى وَجه الأَرْضِ إِنْسَان، ليَتَوَلَّى غواية البشر أبناء آدَمَ، وعَدُوّه الأَكْبَر، طَلب الإمداد لهُ، وهو يعلم أنّ ذلِكَ يَعود عَلَيْهِ بالشَّرِّ، والوَبَال، ومَع هَذَا أصر، وآثر أنْ يَتَحمل كُلّ شَيْء مِن أجل التنكيل بآدم وَذُرِيته، والإنتقام منه... فأختار اللّه تَعَالَى لإبليس ما أختار هو لنَفْسِه، وأستحق غَضب اللّه، وَعَذَابه بسُوء مَا اختار : مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيْهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (4). وَقَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَا ابتلي أحَدٌ مِثْلِ الإمْلاء)


1) سُورَةُ

2) الْأَعْرَافِ : 12.

3) أنظر، بحار الأنوار: 330/60. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

4) الإسراء : 18.

لهُ» (1.)(وَ اسْتِثْمَاماً لِلْبَلِيَّة. أي أنه تَعَالَى أَمهَل إِبْلِيسَ لِيَبتَلي بهِ عِبَادِهِ، وَتَظهر سرَائِرهُم بأفعالهم التي يَسْتَحقُون بها الثواب والعقاب (وَ إِنْجَازاً لِلْعِدَة). أي الْوَعْد، وأختلف الشارحُون فِي تَفْسِير هَذَا الْوَعْد، فَمَن قَائِل ؛ أنّه الْوَعْد بِالإِمْهَال. وَهَذَا اشتباه، لأنّ اللّه سُبْحَانَهُ مَا وَعده بشيء قَبل قَوْله : (قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ) (2). وَقَائِل آخر : أَنه جَزَاء، وَمُكافأة لإِبْلِيسَ عَلَى عِبَادته السابقة... وَهَذَا حَدس لا مُستَند... والَّذي نَفْهَمه مِن سِياق الكلام، وقَوْله : «اسْتِتماماً لِلْبَلِيَّةِ». أنّ الْمُرَاد بِالْوَعْد هُنا مَا سَبق فِي تَقدِيره تَعَالَى أَنْ يَبتلي الْعِبَاد بالْفِتْنَة، لتعلم أيّهم أَحْسَن عَمَلاً، والشَّيْطَان فِتْنَة مَا فِي ذَلِكَ رَيب، قَالَ تَعَالَى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَنُ فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ) (3).)### الْعِبَر فِي قِصَّة آدَمَ، إِبْلِيسَ :1 - إِنَّ كلَّ مَن حَقد عَلَى ذِي فَضل لِفَضله، أو صاحب مكانة لمكانته، أو عادى إِنْسَانَاً مُجَرد المزاحمة، أو المشاركة في الرياسة، والمهنة فهو عَلَى دِين إِبْلِيسَ وَمَبْدَئه، وَيُحشر يَوْم الْقِيَامَة فِي زُمرته.2 - إِنَّ الطَّرِيق لمعرفة الدين، والخلق الكريم واحد فقط، وَهُوَ الثَّبَات عَلَى الحَقِّ


1) أنظر. شَرْحٍ نَهْجِ الْبَلاغَةِ مُحَمَّد عَبْدَه : 27/4 الحكمة (116).

2) الأَعْرَافِ : 15.

3) الحج : 53.

عِند الإبتلاء، والتمسك به مهما تَكُن النّتائج، فَلَقد كَان إِبْلِيسَ مَضرب المثل في الخشوع، والْعِبَادَة، ثُمَّ انْتَهى أَمْرِه إِلَى مَا أَنْتَهَى حِينَ أَمْتَحنه اللّه، وأَمْرِه بِالسّجود لآدَم.... وَمَن يَعبد اللّه ويَخْشَع، لأنه يسمع كلمات المديح، والإِطْرَاء عَلَى خشوعه وتواضعه، فإذا مُحص بِالبَلاء أعرَض عَن الحَقِّ، وَكَفَرَ - فهو من جنود إبْلِيسَ وَأَتْبَاعه.3 - إِنَّ كَثِيراً مِن النَّاسِ يَصرون عَلَى الْبَاطِل لا لشيء إلّا عِنَاداً لِخَصمهم،وَنِكَاية بهِ، وَهُم يَعْلَمُون عِلم الْيَقِين أنّ هَذَا الْإِصْرَار يَعود عَلَيْهِمْ بِأسوَاْ الْعَوَاقِب وَأَوْحَمها، وَهَذَا هُو شَأن إِبْلِيسَ بالذات، أمَّر عَلَى مَعْصِيَةِ اللّه، وهُو يَسمع تَهْدِيده وَوَعِيده مُباشرة، وَبِلا واسطة : (لأَمْلَأَنْ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (1)وأَقدَم عَلَى عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَلَعنة اللّه، ولعنة اللأعنين، وهَانَ عَلَيْهِ كُلّ شيء إلا الخضُوع والسجود لآدم والتنازل عن كبرِيَّائه.)إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يُقبل التَّوْبَة مِن إِبْلِيسَ إِذَا تَاب، وأَخْلَص، وأيضاً إِبْلِيسَ عَلَى أتم الإستعداد لأنْ يَتُوب، ويخلص، ولكنْ بِشَرط أَنْ لا يَأْمْرِه اللّه ثَانِيَة بالسجود لآدم، أو لغيره - عَلَى الأَصَح - واللّه سُبْحَانَهُ لا يَقبل التَّوْبَة إِلَّا بِهَذَا الشّرط.وَمَن دُعي إِلَى خَير، وَقَالَ : أَسْتَجِيب لكلّ شيء إِلَّا هَذَا، لأنّ فِيهِ إعزازاً لزيد، أَو مَساً بِشَخصِيتي فهو عَلَى مَبداً إِبْلِيسَ وَمُقلد لهُ، أَراد ذَلِكَ أَم لَم يُرد.هَذِه بَعْض العِبر، والعِظات فِي قِصَّة إبْلِيسَ مَع آدَمَ وعَلينا أن نقرأها، وتُكرر قراءتها بِتَدبر، وإمعان، والْعَاقِل من أتغظ بِالغَير، وانتفع بالعبر.


1) سُورَةُ صَ: 85 .

(ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيْهَا عَيْشَهُ. وكُلّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ فَهُوَ محقُورٌ، (وَ حَذَّرَهُ إِبْلِيسَ، وَعَدَاوَتَهُ). (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) (1). (فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ). أي أنّ إِبْلِيسَ غَرَر بآدَم. وَقَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : انْتَهَز إِبْلِيسَ مِن آدَمَ غَرة فَأعْوَاه، وكلّ من التفسِيرِين صَحِيح. والغرة - بكسر الغين - الغَفْلَة (نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ). أي حَسداً لآدَم عَلَى الخلود في الجَنَّة (وَ مُرَافَقَةِ الْأَبْرَارِ). وَهُم المَلاَئِكَة.)(فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّه. أي نقض الْيَقِين بالشَّك، والمراد بالْيَقِين هنا عِلم آدَمَ بِالنَّهي عَن الشَّجَرَة. والْمُرَاد بِالشَّك أنّ آدَمَ بَعد أنْ كَان عَلَى يَقِين مِن أَنَّ النّهي حتم وإلزام - أحتمل أنّ هَذَا النّهى لِغَير الحتم، والإلزام، إِبْلِيسَ هُو الذي أوحى إِلَيْهِ بِهَذا الإحتمال... هَذَا مَا يدل عَلَيْهِ سِياق الكلام، وظاهره، أو مَا نَفهمه نَحْنُ (وَ الْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ). أي ضَعفه الَّذي أدى بهِ إِلَى نَقض الْيَقِين بِالشَّك، وهُو تَفْسِير لقَوْله تَعَالَى : (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ، عَزْمًا) (2). (وَ اسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ) (الفَرح (وَجَلًا) الْخَوْف (وَ بِالاِغْتِرَارِ نَدَماً). وهَكذا عَاقِبَة التَّفْرِيط (ثُمَّ بَسَطَ اللّه سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ). وَفَتح بَاب التَّوْبَة حَتم، وَسَده ظُلم ما دَامَ الإِنْسَان بِطَبعه غَيْر مَعْصُوم (وَ لَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَ وَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ). ولكن جعل الطَّرِيق إِلَيْهَا مَحفُوفاً بِالمكاره : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمٍ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (3).


1) فاطر: 6.

2) سُورَةُ طه : 115.

3) آل عِمْرَانَ : 142.

وَ أَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِيَّةِ، وَ تَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ). وَعَملية التناسل سهلة جداً، بَل وَلذِيذَة أيضاً، ولكنْ عَاقِبتها كارثة بخاصة في هذا العصر الذي نعيش فيه... وَنُشِير إلى هذه النكتة التي تخلط الجد بالهزل، قالها فيلسوف ظَرِيف : أَكلَّ آدَمَ مِن الشَّجَرَة عَن قصد، وعمدٍ، لأنه ملَّ حَيَاة الفراغ، والبطالة، وآثر المتاعب، والآلام مَع الجدّ والعَمَل عَلَى الدّعة، والرفاهية مع البطالة، والكسل... ولماذا العضلات والمقدرة عَلَى الْأَعْمَالِ ما دَامِ الإِنْسَان بلا عمل ؟. وَهَل هُو فِي حَاجَةٍ إِلَى أَكْثَر مِن مَعِدة تمتلىء، وَتَهضم، وَلِسَان يَهذر، وَيُثرثر.

الْإِنْسَانِ، وَالْخَطِيئَة :

تتفق الأديان السماوية عَلَى أنْ آدَمَ لَم يَستَمع اللّه في نهيه عن الأكل من الشَّجَرَة... وتولَد مِن فِكرهِ هَذِه اللْخَطِيئَة، أو هَذِه المُخالفة آرَاء مُختلفة عَن طَبيعَة الإِنْسَان، أو عَن الجنس البشري بالنظر إلى أنّ آدَمَ أبا البَشر هو الممثل لهذه الطَّبيعة، أو لهذا الجنس... فمن قائل : أنّ الإِنْسَان خير بطبعه. وقَائل : هُو شَرِير وذِئب... وَقَالَ الماركسيون : لا يتصف الإِنْسَانِ بِخَير، أو شرّ، لأنه صَنِيعة الطّبيعة، وخاضع لقانون التطور كَغَيره مِن الْكَائِنَات الحَيَّة، ولَيْسَ هُناك ما يمنع من أنْ يَتحول فِي المُسْتَقْبَل إِلَى شَيء آخر يبعد كل البعد عن مفهوم الإِنْسَان الحالي، وإِذَنْ، لَيْسَ ثَمة طَبِيعَة بَشرِية ثابتة فِي نَصفها بِخَير، أو شَرِّ (1).

ووقفت المسيحية في الجانب المقابل حيث اعتبرت الإِنْسَان مُذنباً، ومُخطئاً


1) أنظر، أضواء عَلَى السُّنّة الحَمَّدية للشيخ مُحمَّد أبو رية: 186 و 187، تفسير الميزان 135/1، جامع البیان : 323/15، تفسير القرطبي : 295/1.

بطبعه، وإنّه لا خلاص له من الذنب، والخَطِيئَة إلا بقُوَّة عُظمى خارجة عَن طَبِيعَته وإرادته، وتولد مِن هَذِه الْفِكْرة فِكْرَة الفِدَاء، أو القُربان، وإِنَّ اللّه قَد تَمثل فِي صُورة إِنْسَان، وأنه صُلب، وعُذّب ليخلّص البشر، ويُكفِّر عَنهم سَيِّئَاتِهم... ومِن أجل هَذَا يَطلق الْمَسِيحِيُون عَلَى السَّيِّد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَقَب «المخلّص» وَيَعتبرُون الخَطِيئَة والفداء مِن صَمِيمِ الدِّين، وَالْعَقِيدَة (1)... وقد وصف أحدَهم هَذَا الوضع بقَوْله : «لقد أَصْبَحَ الدِّين عِنْدَنَا - أي عِند المسحيين - مُجسداً فِي الخَطِيئَة». وَقَالَ آخر : أنّ الكنيسة اخترعت فكرَة الْخَطِيئَة، فكرة الخلاص مِنْهَا بِالْفِدَاء کي تَقْنَع مَن تَسعى إِلَى تَحويلهم عَن دينهم، تَقْنَعهم بأنّ الخلاص، والعِلاج موجود في جيبها... وهو اعتناق الْمَسِيحِية فقط لا غَيْر.

وَوَجد المستعمرون، والصهاينة الشفيع، والمبرر لطغيانهم، وعُدْوَانهم عَلَى الإِنسانية، وقيمها، وجدوا هَذَا الشَّفيع عند الكنيسة الَّتي تَقول : أَنّ الخَطِيئَة غَرِيزة في طيئَة الإِنْسَان، وَجِبلَّته... فإذا ما اعترض مُعترض عَلَى بَغيهم، وآثامهم قَالُوا : هَذَا مِن صنع اللّه، لا مِن صُنعنا... وكلّ مَن مَلك أستأثر، وَمَا كفَّ أَحد إلّا لِعِلَّة الْعَجْز، ومِن أجل هَذَا سَاندت قوى الشَّرِّ، والْعُدْوَان الكَنِيسَة بكلّ ما تملك، بَل وَسخّرت لهذه الْغَايَة بَعْض العمائم التى تقلبت في البلاد، وأكثرت فيها الفَسَاد. فمنذ عَهْدٍ قَرِيب خَطَب مُعَمم، ونشر في الصحف : أنّ الْأَنْبِيَاء كَغيرهم في الميول، وَالأهواء مُستنداً إلى ما ظهر في بعض الآيات، وما تنبه لأهدافه المأجورة إلا قليل. ورُوي - ولا أستبعد هذه الرواية - إنَّ إرساليات التبشير المسيحي أغرَت دَاراً


1) أنظر. تفسير الميزان : 319/3.

لِلنَّشر بإعادة طبع، ونشر كتاب تَنْزِيه الأَنْبِيَاء لِلشَّريف المرتضى، وأشتَرَت مِن صاحب الدار العديد من النسخ، ووزعتها بطريق، أو بآخر... والقصد أن يتنبه النَّاسِ لقَوْله تَعَالَى: (وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ, فَغَوَى) (1)، وقَوْله : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (2)وما إلى ذلك.. أَمَّا تَأْوِيل الشَّرِيف بخلاف الأولى، وبأن الأمر والنهي مِنْهُ تَعَالَى فِي هَذَا البَابِ هُما للإرشاد فقط، أَمَّا هَذَا التأويل وَنَحوه فَيَتعقله، وَيَقتنع بِهِ الخَاصَّة الْمُؤْمِنُونَ دُونَ الْعَامَّة الذين لا يَفْهُمُون مِن كَلِمَة الْمُعْصِيَة إِلَّا المَعْنَى الحَقِيقِ الأصيل (3).

والخلاصة أنّ الماركسية وقفت في أقصى اليسار حِينَ نَفت الطَّبِيعَة البشرية الثابتة من الأساس، ووقفت المسيحية في أقصى اليمين حِينَ أعتبرت الخَطِيئَة طبيعة وعقيدة، أَمَّا الْإِسْلامِ فَقَد وَقف مُوقِفاً وَسَطاً بَيْنَ الماركسية، والمسيحية : وَلَم يَربط الْعَقِيدَة بِهَذه المسألة مِن قَريب أو بعيد بل أشار إِلَى طَبِيعَة الْإِنْسَانِ مِن بَاب التعريف، وَالْإِرْشَاد إلى الواقع، وأنّ كلّ مَوْلُود يُوْلَد عَلَى الْفِطْرَة الصَّافِية (4). وَالتّربية هي التي تُكدره، وتُلوثه... أمَّا قَوْله تَعَالَى: إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومُ


1) سُورَةُ طَه : 121.

2) الْفَتْح : 2.

3) أنظر كتاب عصمة الأنبياء للسيد المرتضى، وعصمة الأنبياء للرازي، وبحثاً مفصلاً في كتاب حجية السُّنَّة للشيخ عبد الْغَنِيّ عبد الخالق بعنون (المقدّمة الثَّانِيَة) في عصمة الأنبياء: 85 – 239.

4) أقتباساً من الحديث المروي كلّ مَوْلُود يُؤلَد عَلَى الْفِطْرَة..... أنظر، صحیح مُسلم : 2047/4 ح 2657، صحيح ابن حبان : 336/7 ح 128، سنن الترمذي : 447/4 ح 2138، سنن أبي داود : 230/4 ح 4716، المُصَنَّف لعبد الرزاق: 533/3 ح 6611، المعجم الأوسط : 227/4 ح 4050.

كَفَّارٌ (1). ونحوه مِن الْآيَاتِ فَقد أجابُوا عَنْه بأنّ هَذَا الحُكْم عَلَى الإِنْسَان إما هُو بِالنَّظر إِلَى بَعْض أفراده، لا بِالنَّظر إِلَى طَبِيعَته، وَجِنْسه، وَقُلنا فِي «التَّفْسِير الكاشف» (2): «إِنَّ الْإِسْلَام يَنظر إِلَى الإِنْسَانَ مِن خِلال عَقِيدَته، وَسَلُوكه بِصَرف النظر عن طَبِيعَته، وَعَلَى هَذَا الأَسَاس وحده يحكم عَلَيْهِ بأنه صالح، أو طالح، طيب، أو خَبِيث».)وَتَسْأَل : إِذَا كَان إِبْلِيسَ قَد تَوَلَّى عَوَايَة آدَمَ، فَمَن الَّذِي تَوَلَّىٰ عَوَايَة إِبْلِيسَ ؟الْجَوَاب:الْحَسَد تَوَلَّى عَوَايَة إِبْلِيسَ، وإِلَى ذَلِكَ أشار الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُِ بِقَوْله : «نَفَاسَةً عَلَيْهِ». والحَسَد لا يَحْتَاج إلى من يتولاه... حَتَّى الأَطْفال يتحاسدُونَ، وَيَتغَايرُون... ومِن هُنا قَالَ الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «وَإِذَا حَسَدت فَلا تبغ» (3)نَهَى عَنِ آثَارِ الْحَسَد، وإِظْهَارها فِي قَولٍ، أو فِعلٍ، وَلَم يَنهِ عَن الحَسَد بِالذَّات، لأنه تكليف بِغَير المقدور.)### الْأَنْبِيَاء فِقْرَة 22 - 25:(وَ أَصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللّه إِلَيْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ


1) إبراهيم: 34.

2) أنظر، التّفسير الكاشف: 213/4.

3) أنظر، تَفْسِير القُرطبي : 332/16، فتح الباري: 213/10، 213/1، التمهيد لابن عبدالبر : 125/6، شَرْح الزرقاني : 328/4، تُحْفَة الأَحْوَذي: 55/6، سُبل السلام : 182/4.

مَعَهُ، وَاجْتَالَتُهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَ أَقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ (22، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَ يَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْليغ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ : مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ، وَ مَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَ أَحْدَاتٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ (23)، وَ لَمْ يُخْلِ اللّه سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيِّ مُرْسَلٍ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لأَزِمَةٍ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ : رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةٌ عَدَدِهِمْ وَ لا كَثرَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ: مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ : عَلَى ذَلِكَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ، وَ مَضَتِ الدُّهُورُ، وَ سَلَفَتِ الآبَاءُ، وَ خَلَفَتِ الابْنَاءُ (24).)اللُّغَة:الميثاق : العهد، والأَنْدَادَ : جمع ندٌّ، وهُو المثيل (1. والمراد بالاختلاء هنا الصرف. وَوَاثَر : تابع مع التراخي، والفصل بَيْنَ نَبِيٍّ، وَنَبيّ. لِيَسْتَأْدُوهُمْ : لِيَطلبوا مِنْهُم الأداء والوفاء. والسقف المَرْفُوع : السَّماء، والمهاد الموْضُوع : الأَرْض. والأَوْصَاب : المتاعب. وتُهْرِمُهُمْ : تَجعلهم هَرمين. والغَابِر : الباقي، ونَسَلَتِ : وَلَدت.)الْإِعْرَابِ: لما بدل «لا» هنا بمعنى حِينَ أو إذْ، لأَنَّهَا دَخَلْت عَلَى الماضي. لِيَسْتَأْدُوهُمْ:


1) أنظر، لِسَان العرب : 420/3.

مُضَارِع مَنْصُوب بأنْ مُضْمَرة، وَيُذَكِّرُوهُمْ وما بعده عطف عَلَى لِيَسْتَأْدُوهُمْ، وَ مَعَايِشَ مَمَنُوع مِن الصّرف. وَعَلَى ذَلِكَ مُتَعَلِّق بنسَلَت.الْمَعْنَى:(وَ أَصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ وَ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ. بعثة الأَنْبِيَاء فِي جُوهَرها وساطة بَيْنَ الخَالِقِ، والمخلُوقِ، وَهَدفها هداية الخلق إلى الحَقِّ، وَتَعاونهم عَلَى ما يكفل الأمن، وَالعِيش للجميع، وَهَذَا هُو أَمل الطَّيِّبِين الأحرار منذ وُجد الإِنْسَان عَلَى سَطح الأَرْض، ومِن هَذَا الأمل أنطلقت النظريات، ووضعت المؤلفات لتحققه، وبُلُوغه، ومِنْهَا جمهورية أَفَلاَطُون (1)، والمَدِينَة الفاضلة للفَارَابي (2).)وَلَكنَّ أَفَلاَطُون مزج الواقع بالخيال عملاً بنظريته في المثل، وَقَالَ «دِي بُور» في كتاب «تأريخ الفَلْسَفَة فِي الْإِسْلَام» (3: أنّ آرَاء الفَارَابِي فِي الْمَدِينَة الفَاضِلة تقترب في فسادها مِن فَلْسَفَة «نِيتشَه» القَائِمَة عَلَى بقاء الأقوَى... وَإِذَا كَانَتْ هَذِه هي فَلْسَفَة أَفْلاطون أستاذ المعلم الأَوَّل، وآراء الفَارَابِي (4)المعلم الثَّانِي فَمَا هِي حَال)


1) هو فيلسوف يُوناني يُعد من مشاهير فلاسفة العالم، ولد في أثينا من أسرة عريقة، كَانَتْ هُوايته في بدأ حياته بالرسم، ثم نظم الشعر، تتلمذ على يد سُقراط، والذي كَانَ له الدور الأكبر في نشأته الفلسفية. أنظر، ترجمة أفلاطون للسيدة نضلة الحكيم، والأستاذ محمد مظهر سعيد

2) أنظر، آراء أهل المدينة الفاضلة لأبي نصر الفارابي، طَبْعَة ليدن سنّة 1895م.

3) أنظر. الْكِتَاب المذكور أعلاه : 56.

4) الفارابي : (أبو نصر محمد) توني 950م، فيلسوف لامع. ولد في قاراب «تركستان» ودرس في بغداد، وحران، وأقام في حلب، في بلاط سَيْف الدَّوْلَة الهمذاني. وتوفّي في دمشق، لقب بالمعلم الثاني، ومن مؤلفاته : وَالسَّيَّاسَة المدنية، رِسَالَة فصوص الحكم، الموسيق الكبير.

غيرها من النظريات الهادفة إِلَى خَير الإِنْسَان ؟.. أنّ كلّ نَظرِية، أو نظام وضع لخير الإِنْسَان يَسْتَحِيل أنْ يتم، ويكمل من كل وجه إلَّا إِذَا قَامَ عَلَى أساس المبادىء الَّتي أقرها الوحي من اللّه سُبْحَانَهُ... ومِن هُنا كَثر النسخ، والتقليم. والتطعيم في الأنظمة الوضعية... وَإِذَا أتفق الْعُلَمَاء عَلَى كَثِير مِن النّظريات الطبيعية المحسوسة فإِنَّهُم حَتَّى الآنْ لَم يَنفَقُوا عَلَى نَظرِية سِيَاسِية، أو إجتماعية عَلَى الرّغم مِن مواصلة الدراسات وعقد المؤتمرات... أبداً لا أحد أعلم بِخَير الإِنْسَان وهدايته إلى سعادته الخالدة إلا خالق الإِنْسَان، أي عاقل يَشك في أن مخترع الآله هُو أعلم بها مِن غَيْره ؟(لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللّه إِلَيْهِمْ الْمُرَاد بِعَهد اللّه هنا ميثاق الْفِطْرَة الذي أشار إِلَيْهِ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): بقَوْله : «لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ». وَبَعد أسطر نتَكَلَّم عَن هَذَا الميثاق بفِقْرَة خَاصَّة، وقَوْله : «لَما بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ» يُومىء إلى أن البعض مِن عِباد اللّه ثبتوا عَلَى مِيثَاق الْفِطْرَة، وأستطاعوا بثباتهم هَذَا أَنْ يُعرفوا حَقَّ اللّه، وَيَعملوا بهِ، وَيُسمى هَؤُلاء بالحنفاء، وكان مِنْهُم قَبل بعثة رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أفراد وهُم وَرّقة أبن نُوفل، وعَبد اللّه بن جحش، وعُثمَان بن الحويرث، وزَيد بن نُوفل (1)... وَقَالَ بَعْض الفلاسفة : لَو كَانَتْ كلّ العُقُول مِن النَّوْعِ النَّبِيل لكَان جَميع النَّاس عقلانيين. لا يُخطئُون، ولا يتميز أحدَهم عَن الآخر في حُسن التصرف، أو سُوئه.)


1) أنظر، حَيَاة هَؤُلاء في التَّفْسِير الكاشف للشارح : 96/5. (منه). وتاريخ الطَّبَرِي : 42/5، الطبقات الْكُبْرَى لإبن سعد : 3 ق 258/1، فتوح البلدان للبلاذري : 460.

(فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَاتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ. الشرك باللّه، والإنصراف عَنْه نتيجة حتمية للجهل بحقه تَعَالَى والجَاهِل أُلعوبة الشَّيْطَان... وفي بعض الرَّوَايَات : أدنى العِلم باللّه الإقرار بأنه لا إله غَيْره، وإِنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ) (مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ للنَّاسِ عَلَى اللّه حُجَّةُ) (1)(وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ). أي جَعَل بَيْنَ نَبِيٍّ وَنَبِي فَتْرَة قَصِيرة، أو طويلة، يُقَال : واتَرَ ما عَلَيْهِ مِن الصَوْم أي أتى بالصَوْم وتراً، فصام يوماً، وأَفْطَرَ يَوْمَاً أو يَوْمِين.)### مَاهِي الفِطْرَة؟(لِيَسْتَأْدُوهُمْ. أي ليطلب الأَنْبِيَاء مِن النّاس الأداء، والْعَمَل بِمُوجب (مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ). وفي الآية : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (2).)وَتَسْأَل : ما هُو الْمُرَاد بالْفِطْرَة فِي هَذِه الآية الكريمة، وفِي قُول الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ ؟. هَل الْمُرَادِ الْعَقْلية البدائية مع العِلم بأنّ هذه العقلية تقبل التناقضات، والإيمان بالأساطير والخرافات - كما ثبت في عِلم الإجتماع - أم المُرَاد بالفِطْرَة أنّ هناك قوَّة عَامِضة تفرض الحَقِّ عَلَى قَلب الإِنْسَان، وشعوره... وَهَذَا خِلاف الحِسّ، والوجدان... وَلَو صَحَ ما أختلف فِي الحَقِّ أثنان... أو المراد بالْفِطْرَة الشُّعُور الذاتي الذي يحسه الإِنْسَان مِن نَفْسِهِ، وَلا يَعْرِف لَهُ مَصْدَراً، ولا تَفْسِيراً كالوَخز)


1) النِّسَاء: 165.

2) الروم : 30.

الَّذِي يَشعر بهِ حِينَ يَفعل، أو يُحاول أن يفعل قبيحاً مَع عِلمه، وَيَقِينه بأنّ مَا مِن أحد يطلع عَلَيْهِ، أَو يُمكن أن يطلع... ونَحْنُ نَعلم أن وخز الضَّمِيرِ يَكُون - في الغالب - إنعكاساً عَن تقاليد المجتمع، ومقاييسه، أو عن الإيمان باللّه وَاليَوْم الآخر... أو المقصود بالْفِطْرَة مُجرد استعداد الإنسان لأنْ يُقبل الخَيْرِ حِينَ يَعلم بأنه خير، ويرفض الشَّرِّ حِينَ يَعلم بأنه شرّ ؟.الْجَوَابكُلّ هَذِه المُعَانِي غَيْر مَقصُودة مِن الآية، ولا مِن قَول الْإِمَام، ولا مِن حَدِيث : «كُلّ مُولد يُوْلَد عَلَى الْفِطْرَة» ؟ (1.. وَكُنت قد اخترت المعنى الأخير للفِطْرَة أي الإستعداد، وقرّبته بنحو من الوضُوع، والتفصيل في (التَّفْسِير الكاشف) (2)... والآن، وأنا أشرح (النهج) عدتُ إِلَى دِرَاسة الموضوع مِن جَدِيد، أو أكثر بدليل أنّ أَهْل الشَّر، والضَّلالة أَكْثَر بِكَثِير مِن أَهْل الخَيْرِ، والهداية.)وَالَّذي أراه الآن، وفي هذه اللحظة بالذات أن المقصود بالفِطْرَة فِي هَذِه الآية الكريمة، وفي قول الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ وفي حديث (كُلّ مَوْلُود) هُو أَنَّ نَفس الإِنْسَانِ خُلقت صَحِيفة بَيْضَاء لا شَيء فِيْهَا، ولا توحى بشيء على الإطلاق، ولَكِنَّهُ تَقبل كلّ ما يكتب فِيْهَا، وَيَرسم سواء أكان وحياً مِن الرَّحْمَانِ، أَم كَان تَضليلاً مِن الشَّيْطَان... وبالدَاهة أن الوحى مِن خَالقِ الْفِطْرَة وهُو وَحدَه الذي يجب أنْ يَرسم فيها ما يرسم، وأنْ تُؤمن بهِ، وَتَعمل.)


1) تقدم إستخراجه.

2) أنظر، الجزء السادس : 141، مِن الكِتاب المذكور أعلاه.

وَيَدُلنا عَلَى صحة هَذَا التَّفْسِير أنّ الإِنْسَان يُؤلد، وَلا يُوْلَد، وَلا يُوْلَد مَعه شيء إلا حواسه الخمس، ومَعِدّة تطلب الطعام والشراب - كما هوت المشاهد - بالمحيس والوجدان، ثُم يَكتسب معارفه مِمَّا يُحيط بهِ شَيْئَاً فشَيْئَاً عَن طريق هَذِهِ الحَوَاس... وفي أَقْوَال أَهْل الْبَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ مَا يُعزز ذلِكَ، وَيدل عَلَيْهِ. قَالَ صَاحب جمَعَ الْبَيَان : روى أصحابنا عَن الْإِمَام الباقر، أَنه قَالَ: «إِنَّهُ كَانُوا قَبل نُوحٍ أُمّة وَاحِدَة عَلَى فِطْرَة اللّه، لاَ مُهتَدِين ولا صَالِين، فَبَعث اللّه النَّبِيِّين» (1).)وَسِياق الآيَة يَدل عَلَى صحة التَّفْسِير الَّذى أخترناه للفِطْرَة، بَل وَيفرضَه، لأن الآية الكريمة، وَرَدت بعد قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيت للعَالِمينَ وَمِنْ ءَايَتِهِ، مَنَامُكُم بِالَّيْل وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ ءَايَاتِهِ ى يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِى ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وَلَهُ مَن فِى السَّمَاوَتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ، قَانتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)... بعد هَذَا الْبَيَان الطّويل عَن إنشاء الخلق، وإعادته، وبعد ذكر الْفِطْرَة - قَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿ذَلِكَ الدِّينُ)


1) أنظر، تجمع البيان: 306/2 - 307، و : 65/2 طَبعة أخرى، التبيان للطوسي : 195/2.

2) الروم: 21 – 27.

الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (1)، أي أنّ الدِّين الحنيف القيّم الذي يجب أنْ تأخذ بهِ فِطْرَة الإِنْسَان هو الإيمان باللّه الذي يبدأ الخلق ثُم يُعِيده، لا الشرك، أو اليَهودية، أو النّصرانية، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِمَّا لا مَصْدَر لَهُ إِلَّا تَضليل الأبوين، وَفَساد المجتمع، ولكنْ أكْثَرَ النَّاسِ يَجْهَلُون الدين الحنيف، وَيُدِينُون بِغَير الحَقِّ، دِين ألآباء، وَالْأَجْدَاد.)وَهَذَا المَعْنَى هُو المراد أيضاً مِن حَدِيث (كُلّ ولود. وعَلَيْهِ يحمل قول الإمام. «لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ» أي أنّ الْأَنْبِيَاء طَلبوا مِن النَّاسِ أَنْ يُؤْمِنُوا، وَيَعملوا ما أوحاه سُبْحَانَهُ إِلَى الْفِطْرَة عَلَى لِسَان أَنْبِيَائه، ولَيْسَ مَعناه كَمَا يَظن - أنّ الْأَنْبِيَاء طَلبوا من النَّاس أنْ يُؤمنوا بما توجيه الْفِطْرَة نَفْسها... كلاً، لأَنها صحيفة بَيْضَاء لا توحي بشيء عَلَى الإطلاق.)(وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ وَيَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعِ. هَذَا تَحدِيد لمهمة الأَنْبِيَاء، ووظيفتهم، وهي التذكير بأنعم اللّه عَلَى عِبَادِه والْإِحْتِجَاج عَلَيْهِمْ بارِشَاده إِلَى أَنْ يُفكروا، وَيَتأملُوا فِي خَلق اللّه، وآثاره الدَّالَة عَلَى قُدرته، وَعَظَمَته (وَ مَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَ آجَالٍ تُفْنِيهِمْ، وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاتٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ). وأيضاً من وظيفة الأَنْبِيَاء أن يرشدُوا النَّاس إلى مذاهب الحَيَاة المَشرُوعة، وَيُحذَرُوهم مِن الحَرَام، لأنّ الدُّنْيَا - عَلَى آلامها وأحزانها - مَاضِية بهِمْ إِلَى الزوال.)


1) يُوسُفَ : 40.

وَبِهذا يَتَبَيَّنَ مَعْنَى، أن وظيفة الْأَنْبِيَاء هِى الإنذار، والتبشير، وأنهم لا يملكون لأحدٍ نَفعاً، ولاَ ضُرّاً، ومَا زَاد عَلَى ذَلِكَ مِن غرائب الأوصاف، وعَجائب الصور فَلَيْسَ مِن الدِّين فِي شَيء.(وَ لَمْ يُخْلِ اللّه سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيِّ مُرْسَلِ أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّةٍ لأزِمَةٍ أَوْ مَحَجَةٍ قَائِمَةٍ. لا تقوم الحُجّة لله عَلَى خَلقه إِلَّا بَعد البَيَان مِنْهُ تَعَالَى، والمَعْصِيَة مِن العبد، ولَيْسَ مِن الضّرورى أنْ يَكُون البَيَان مِن رَسُول اللّه مُشافهةٌ، وَوَجهاً لوجه، بل يَكُون أيضاً بكتاب اللّه كالْقُرْآن، وبالسُّنه الثابتة عَن رَسُول اللّه، وَهِي الْمُرَاد مِن الحَجَّة القَائِة، أَمَّا المقصود مِن قَوْله (عَلَيهِ السَّلَامُ): الحُجّة اللازمة فَهُوَ الْعَقْل، أو المَعْصُوم الَّذي أشار إِلَيْهِ فيما يَأْتِي مِن كَلامه : «لاَ تَخلُو الأَرْضِ مِن قَائِم بِحُجّة، إمّا ظَاهِرَاً مشهوراً، وإِمّا خَائِفاً مَغرُوراً» (1).)(رُسُلُ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ. أي أنّ عدد الرُّسل، وإِنْ كَان قَلِيلاً فإِنَّهُم قاموا بمهمة التبليغ عَلَى وَجْهها، والعِبْرَة بالكَيْفِيَّة، لا بالكمية. وهناك بَعْض الرِّوَايَات في عدد الأَنْبِيَاء، ولكن لا نعرف مكانها من الصحة، بل لا تهمنا مَعْرِفَتها مَا دَامَ الْقُرْآن أَهمل الإِشَارَة إِلَى العدد : ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ) (2). وَإِذَنْ فعَلامَ الفُضُول ؟ (وَ لا كَثرَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ). لاقى الأنبياء الكثير من المترفين الطغاة، وما أكثرهم في كُل عَصر !... ولكنَّ الأَنْبِيَاءِ صَبَرُوا صَبر الأحرار فِي سَبِيل)


1) أنظر، نهج البلاغة : 37/4، الْبَلاغَة : 37/4، خطب أمير المؤمنين الحكمة (147)، شرح نهج البلاغة لمُحَمَّد عَبْدَه : 186/3 شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد : 346/18، عيون الحكم والمواعظ : 541، شرح نهج الْبَلاغة لابْن ميثم البحراني : 321/5.

2) النِّسَاء : 164.

التبليغ، والقيام بواجبه، وَمِن أَقْوَال الْإِمَام : «لا يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةٌ، وَ لا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّى وَحْشَةٌ» (1.)(مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ. أي أنّ اللّه سُبْحَانَهُ أَخبَر، وسمّى لِلنَّبي السابق الَّذي ذَهَب بِذهَاب زمانه، سمّى لهُ النَّبِيِّ الَّذي يَأْتِي بَعده (أَوْ غَابِرٍ). الباقي الموجود بالفعل، قَالَ تَعَالَى : (فَأَنجَيْنَلهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) (2)أى من الذين بقوا فِي دِيارهم فَهلَكُوا (عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ). بشِّرَ السّابق بهِ، كَمَا بَشِّرَ عِيسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّه إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَمُبَشِّرَ بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ) (3).)(عَلَى ذَلِكَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ، وَ مَضَتِ الدُّهُورُ، وَ سَلَفَتِ الْآبَاءُ، وَخَلَفَتِ الْأَبْنَاءُ. ذَلِكَ إِشَارَة إِلَىٰ مَا تَقَدَّم مِن قَوْله : ((وَلَمْ يُخْلِ اللّه سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّةٍ لَازِمَةٍ أَوْ مَحَجَةٍ قَائِمَةٍ إلخ). وفِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : (سُنَّةً مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً) (4).)### مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فِقْرَة 25 - 27:)(إِلَى أَنْ بَعَثَ اللّه سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ الإِنْجَازِ عِدَتِهِ، وَ إِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ. مَأخُوذاً عَلَى النَّبيِّينَ مِيثَاتُهُ، مَشْهُورَةٌ سِمَاتُهُ، كَريماً ميلاده (25). وَأَهْلُ الْأَرْضِ)


1) انظر، خطب الإمام علي : 62/3 كتاب (36). مِن كتاب له إلى أخيه عَقِيل.

2) الأَعْرَافِ : 83.

3) الصف : 6.

4) الإشتراء : 77.

يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتَّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبّه للهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي أَسْمِهِ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ (26. ثُمَّ أَخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لِقَاءَهُ، وَ رَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ الْبَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّقَتِ الْأَنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا، إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً، بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَلا عَلَمٍ قائم (27)).)اللُّغة:عِدَتِهِ : وَعَده. مِيثَاقَهُ : عَهْدِهِ سِاَتُهُ : علاماته، وَصِفَاته. والملل : الأَدْيَان. وَ طَوَارقُ وَطَارقات : جمع طَارِقة، وتُطلق عَلَى العَشِيرة. ومُلْحِدٍ فِي أَسْمِهِ : حَادِ بهِ عَن مَعْنَاهُ الْحَقِيقِ. وَهَمَلاً : سُدىً.الْإِعْرَابِ:الْمُصْدَر مِن أَنْ بَعَثَ مُتَعَلِّق بِنَسَلَتِ أو بِمَضَت، ولإِنْجَازِ مُتَعَلِّق ببَعَثَ. ومَأْخُوذاً ومَشْهُورَةٌ، وكَرِيماً حَال مِن مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏. ومِيثَاقَهُ نَائب عَن الفاعل لـ «مَأْخُوذاً» ومِلَلٌ عَلَى حَذف المضاف إِلَيْهِ أي ذو مِلَل، وَمِثله أَهْوَاءٌ، وَطَرَائِقُ. وبَيْنَ ظَرف مُتَعَلّق بمُتَشَتتَةٌ. وكَريماً حَال مِن الهَاء في «قَبَضَه». وَهَمَلاً مَفْعُول مُطلق أي تركا هملا.)الْمَعْنَى:(إِلَى أَنْ بَعَثَ اللّه سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ، وَإِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ).)

الضَّمِيرِ فِي عِدَتِهِ، ونُبُوَّتِهِ يَعود إلَى اللّه سُبْحَانَهُ، والمَعْنَى إِنَّهُ تَعَالَى كَانَ قَد وَعد، وأَنبَاً - عَلَى لِسَان أَنْبِيَائه السابقين - أن يبعث مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، ووَقَد بَعَثه إنجازاً لوعده، وإتماماً لما أنتباً بهِ. قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «إِنَّ اللّه أَنْبَأَ مُحَمَّد، فَهَذَا الخَبَرَ الْغَيْبِي قَبل حصوله يُسمى نبوءة، ولما كَانَ اللّه هو المخبر أُضيفت النبوءة إِلَيْهِ» (1).)(مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ. ضَمِيرِ مِيثَاقَهُ يَعُود أيضاً إلى اللّه، لأنه هو الذي أخَذ العهد عَلَى أَنْبِيَائه أنْ يُؤمنوا بمُحَمَّد، وَيَأمرُوا النَّاسِ بِالتَّبْشِيرِ بهِ، وأتباعه عِند إدراكه، ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ ذكر مُحَمَّد كَانَ يَملأ جو الْأَنْبِيَاءِ السابقين كما يُومي، إِلَيْهِ قَوهم «أَقْرَرْنا» الذي جاء في الآية : (وَإِذْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لما ءاتيتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ إصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وأنا مَعَكُم مِّنَ الشاهدِينَ) (2). (مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ) وصِفَاتُهُ فِي الدُّنْيَا كلّها وإلى الأبد، لا في الكتب السماوية فقط كما قَالَ الشارحون (كَرِيماً مِيلادُهُ) لأَنه كَانَ خَيْراً عَلَى الإِنْسَانية جمعاء، وإيذاناً بتحولها الخطير من الظلمات إلى النُّورِ، وَلَيست الْكَرَامَة فِي نَسبه فَقط كما شرح الشارحون.

(وَ أَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةُ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتَّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّه للهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِهِ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ. فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَ أَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ). كَانَ النَّاسِ عُند بعثة مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلَى أديَان شَتَّى،


1) أنظر، شَرْحٍ نَهْج البلاغة للأستاذ محمَّد عَبْدَه : 24/1.

2) آلِ عِمْرَانَ : 81.

ومذاهب مُتعددة، وتقاليد مُختلفة، فجاءهم النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) برسالة إلهية إِنْسَانِية عَامَّة لا تَختص بأُمّة دُونَ أُمّة، ولا بِشَعب دُونَ شَعب... وَيُلمح المتأمل هَذَا الشّمول في جميع أعاليم الإسلام، ومبادئه. فَالْقُرْآن الْكَرِيم، والسُّنَّة النَّبَوِيَّة يَتضمنان من القواعد الكلية، والأحكام الجزئية ما يُرشد النّاس إلى جميع المصالح التي يجهلون. وَيَضع دَائِماً وفي كلّ وقت الحلول الأساسية لمشاكل الإِنْسَانِ، وضَرُورَاته : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانَاً لِكُلِّ شَيْءٍ (1). أي أنّ اللّه سُبْحَانَهُ أودَع فِي الْقُرْآن كلّ شيء يلاثم طَبعَتَه في إرشاد الخلق لمصالحهم الْفَرْدية، والإجتماعية.)وَقَرأت : قَالَ برناردشو الفَيْلَفُوس العالمى: «أن دين مُحَمَّد هُو الدين الوحيد الذي يلوح لي أنه حائز عَلَى أهلِية الهضم لأطوار الحَيَاة المختلفة بحيث يَسْتَطِيع أنْ يَكُون جاذباً لكلّ جيل... أنّ مُحَمَّداً يَجب أن يُدعى منقذ الإِنْسَانية، وأعتقد أنه لو تَوَلَّى رَجل مِثله زعامة العالم الحَدِيث لنجح في حل مشاكله بطريقة تجلب إِلَى العَالم السَّعَادَة، والسَّلاَم، أنّ مُحَمَّداً أكمَل البَشر من السابقين، والحاضرين، وَلا يَتصور وجود مثله في الآتين» (2.)(ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ لِقَاءَهُ، وَ رَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ). أَبَداً لا مهرب من المؤت لكبير، أو صغير، ولا لنبي، أو شقي، فَهُوَ الطَّالب الحَثِيث الذي لا يفوته المقيم، وَلا يُعجزه الهارب، والسعيد من شارع إلى الخيرات.)(وَ خَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَفَتِ الْأَنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا. بل خَلَّف مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما لم يخلفه الْأَنْبِيَاء مُجْتَمِعِين، وكَفَى شَاهِداً عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآن، وشريعته مُعْجِزَة المعاجز في التشريع، وَمِن أجل هَذَا كَانَتْ رِسَالة مُحَمَّد خاتمة الرِّسَالَات، والشرائع السماوية،)


1) النَّحْل : 89.

2) أنظر، جريدة الجمهورية المصرية عدد 14 مايو (أيار» سَنَة 1970م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

وكَان هو خاتم الرُّسل، والنَّبِيِّين، وأيضاً مِن أجل هَذَا أَتَنَىٰ عَلَيْهِ تَعَالَى بِمَا لَم يُثنِ عَلَى نَبِيٌّ سَوَاه (إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً. بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَلَا عَلَمٍ - بفتحِ الْعَيْن واللام - قَائِمِ قائم. لأنَّ النَّبِيِّ إِذَا أَهمل أُمَّته مِن بَعده يَكُون خَائناً لها، ونَاكُتَاً بِعَهد اللّه، وَمِيثاقه.)وَغرِيبة الغرائب أَنْ يَقول مُسْلِم عَن نَبِيَّه : أنّه مات بلا وَصِيَّة !.. ولماذا لم يوص مُحَمَّد ؟ ألأنّ الْوَصِيَّة مِن الْمُحَرَّمات، وهُو القَائِل : مَن مَات بلاَ وَصِيَّة مَات يَهودياً، أو نصرَانِياً (1، أو لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يهتم بأمور المُسْلِمِين، وهو القَائِل: «مَن أَصْبَحَ لا يهتم بأمور المُسْلِمِين فلَيْسَ مِنْهُم» (2)، وَقَالَ تَعَالَى فِي وَصف نَبِيِّه الْكَرِيم : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ) (3). فَهل ترك النّي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الْوَصِيَّة حرصاً عَلَى مصلحة المُسْلِمِين، أو عَلَى مرضاة اللّه ؟ (4).)### الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِقْرَة : 28 – 29:(كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ مُبَيِّناً حَلالَهُ، وَ حَرَامَهُ، وَفَرَائِضَهُ، وَفَضَائِلَهُ، وَ نَاسِخَهُ، وَ


1) أنظر، مُسْنَد أحمد : 96/4 و: 22/6 ح 1876، ط آخر، المعجم الكبير : 388/19 ح 910، مُسْنَد ح الطَّيَّالبي : 259، تفسير العياشي : 303/2 ح 119، الاختصاص : 268، سنن البيهقي : 156/8 و 270 ح 16612، صحیح مُسلم : 1478/3 ح 58. المعجم الكبير : 334/19 ح 769.

2) أنظر، شرح أصول الكافي : 29/9، وَسَائِل الشّيعة : 336/16، تاريخ دمشق : 207/21.

3) التَّوْبَة : 128.

4) لا أدري كَيْفَ يحق لأبي بكر أن يكتب وصيته وهو في حال سكرات الموت كما تدعون ويُؤْخَذ بها وَلاً يحق لنبي اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و رسول الإنسانية وصاحب التشريع أن يوصي ؟ فإن قلتم بأنه كان يخشى عَلَى أُمَّهَ ورَسُول مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن تبقى بدون راعٍ، فَكَيْفَ برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن لا يخشى عَلَى أُمِّنه وهو الذي وصف بالزحمة، والعطف كما قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ؟ الأَنْبِيَاء : 107، وهل أبو بكر أو السيدة عَائِشَةَ أو عُمَر بن الخطاب أكثر رحمة وَعَطفاً وَحَناناً عَلَى الْمُؤْمِنِين مِن رَسُول البَشرية محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - والعياذ باللّه مِن ذَلِكَ القَوْل ؟

مَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ، وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ، وَ عَامَّهُ، وَعِبَرَهُ، وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ، وَ مَحْدُودَهُ، وَ مُحْكَمَهُ، وَ مُتَشَابِهَهُ مُفَسّراً مُجْمَلَهُ، وَ مُبَيِّناً غَوَامِضَهُ (28، بَيْنَ مَأْخُوذ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَ مُوَسَّع عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وَ بَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الْكِتَابِ فَرْضُهُ، وَ مَعْلُومٍ فِي السُّنَّةِ نَسْخُهُ، وَ وَاجِبِ فِي السُّنَّةِ أَخُذُهُ، وَ مُرَخَصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ، وَ بَيْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ، وَ زَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ، وَ مُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ، مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَيْنَ مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ، مُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ (28)).)اللُّغَة:الفَرَائِضُ : جَمع فَرِيضَة، وَهِي ما يجب فعله، ولا يجوز تركه. والنَّسحُ : الإِزالة. وَالرُّحْصَةُ : اليُسر. والعزيمة هنا : الْفَرِيضة. والمُرْسَلُ : المُطلَقُ. والمحدود : المقيد. والمحكم : الواضح. والمُتَشَابَه : المشكل، والغامض. والسُّنَّة لغة : الطريقة، وَشَرعاً : قول الْمَعْصُوم، أو فعله، أو تقريره.الْإِعْرَاب :كِتَابَ مَفْعُول مَحْذُوف دَل عَلَيْهِ قَوْله : (وَ خَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَفَتِ الْأَنْبِيَاءُ، كأن سائلاً يَسْأَل : ماذا خلف رسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟.)الجواب:كِتَابَ رَبِّكُمْ. ومُبَيِّناً حَال مِن الكِتَابِ. وبَيْنَ ظرف مُتَعَلاقِ بِمَحْذُوف حَالاً مِن الْكِتَاب أي دَائِراً بَيْنَ كَذا وكذا. وَمُبَايَنٌ خَبَرَ المُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي هُو مُبَايَنٌ.

الْمَعْنَى:أحكام الشَّرِيعَة الإسلامية عَلَى نَوْعَين : أعتقادية، ومَوْضُوعَها القَلْب، وَعَملية، ومَوْضُوعَها فعل الإِنْسَان الصادر عنه بإرادته، واختياره، وهدفها - عَلَى الإجمال - إصلاح الفرد والمجتمع، ومَصْدَرها الوحي، والعقل... والْقُرْآن وحى مِن السَّماَء، وَمِثله سُنة الرَّسُول القَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا اتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ (1). وَقَد صَنَّف الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)الكَثِير مِمَّا جَاء في كتاب اللّه، ومِنْهَا الأحكام العلمية، وفيما يلى الْبَيَان :)1 - (مُبَيِّناً حَلالَهُ، وَ حَرَامَهُ. والْحَرَام كالظلم، والزنا، والحلال كالزِّينَة، والطَّيِّبات، وكلّ ما فِيهِ خَير، وصلاح فَهُوَ حَلال، وكلّ ما فيه شر وفساد فَهُوَ حرام.)2 - (وَفَرَائِضَهُ، وَفَضَائِلَهُ). الْفَرَائِضِ الوَاجِبَات كالصَوْم، والصَّلاة، والفَضَائِل المُسْتَحبَات كالبِرِّ، والإِحْسَان.)3 – (وَ نَاسِخَهُ، وَ مَنْسُوخَهُ. النسخ في الأحكام الشَّرْعِيَّة هُو عَن إنشاء الحكم بصيغة الدوام، والإستمرار، وبعد الْعَمَل بِهِ بَعْض الحين يصدر حكم آخر عَلَى عَكسه، والْأَوَّل يُسمى مَنْسُوخاً، والثَّانِي نَاسِخاً، وَهَذَا صُوري لا واقعى لأن الحُكْم الأَوَّل دَائم، ومُستمر في ظاهره، ومَحدُود بأمَد مُعِين في واقعه، ولكن الحكمة استدعت إظهاره بمظهر الدّوام، والإستمرار، تماماً كما لو رَأَى الطَّبيب أن من مصلحة المريض الإمتناع عن أكل اللحم أسبوعاً واحداً، وأيضاً رَأَى مِن)


1) الحشر: 7.

مصلحته أن لا يُعلمه بتحديد الوقت، فنهاه عن اللحم من غَيْر قَيد عَلَى هَذَا الأساس، وبعد مضي الأسبوع أذن له أنْ يَأْكُل اللحم... وعَلَيْهِ يَنحصر مَعْنَى النَّسخ فِي مَحو ما ظهر من إرادة الدّوام، لا محو الإرادة الواقعية الذي يستلزم البداء، والجَهْل.4 - (وَ رُخَصَهُ، وَعَزَائِمَهُ. الرُّحْصَة لغة اليُسر، والتخفيف، وشرعاً الإذن للمكلف بفعل ما كان ممنوعاً عَنْه، الإذن لهُ بِذَلِكَ لسبب موجب كالإذن للمُضطر بالأكل من الميتة : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (1). أَمَّا المباح في الأصل فلا يُسمى رُخصّة. والعزيمة لغة القصد المؤكد، وشرعاً الإِلزام بإيجَابٍ مِن اللّه سُبْحَانَهُ.)5 - (وَ خَاصَّهُ، وَ عَامَّهُ. العام يشمل أفراد المَوْضُوع بكاملها مثل : كُلُّ أَمْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (2). والخاص لا يشمل إلّا بَعْض الأفراد مِثل : وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ (3).)6 - (وَ عِبَرَهُ، وَ أَمْثَالَهُ. والْمُرَاد بِعِبَرَ الْقُرْآن الآيات التى أخْبَرَت عَمَّا أَصَابَ أَهْل الْفَسَاد، والضَّلال، وحذرت مِن بَأس اللّه، وعذابه. والأَمْثَال ما يُضرب لِلتَّقرِيب إِلَى الْأَذْهَان كقَوْله تَعَالَى: (مثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوَةٍ فِيْهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ) (4)أو للتّرغيب : (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه كَمَثَلِ حَبَّةٍ)


1) الْبَقَرَة : 173.

2) الطُّورِ : 21.

3) آلِ عِمْرَانَ : 50.

4) النُّورِ : 35.

أنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ (1). أو للعبرة والعظة : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّه كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ) (2). وغَيْر ذَلِكَ.)7 - (وَ مُرْسَلَهُ، وَ مَحْدُودَهُ. المرسل غَيْر القيد مثل : (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (3). والمحدود المقيد مثل : (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (4).)وتجدر الإشارة إلى أنّ الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق، والمقيد، والجمَل، والمبين، كلّ ذَلِكَ يَدخل في مباحث علم أصول الفِقْه، ومَا كَانَ هذا أبوابه، ومباحثه.8 - (وَ مُحْكَمَهُ، وَ مُتَشَابِهَهُ مُفَسّراً مُجْمَلَهُ، وَ مُبَيِّناً غَوَامِضَهُ. فِي الْقُرْآن آيَات واضحة الدَّلالَة مثل : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللّه) (5)وتُسمى مُحْكَمة، ومِنْهَا مَا يَحتاج إِلَى بَيَان مِن أَهْل العِلم مِثل : (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (6)وَيُسمى مُتشابِها، والنَّبِيِّ، وأَهْل بَيْتِه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هُم المَرْجِع في تَفْسِيره، وبَيَانه، وأَهْل الْبَيْت أَدْرَى بِالذّي فِيهِ.)9 - (بَيْنَ مَأْخُودٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَ مُوَسَّع عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ. أشرنا قَبل قَلِيل. إِلَى أَنْ أَحْكام الإِسْلام مِنْهَا أعتقادية، ومِنْهَا عِلمية، ولا عُذر لمن يجهل الأصول الأُولَى مِن الأَحْكام الإعقتقَادِية، وَلاَ يُؤْمِن بها كالإِيمان باللّه، وَرَسُوله، واليَوْم الآخر، ويعذر في أشياء أخر كالعلم بأن صفات اللّه عَينُ ذَاته، أو غَيْرها، وتَكَلَّمنا)


1) الْبَقَرَة : 261.

2) إِبْرَاهِيم : 28 - 29.

3) المَائِدَة : 89.

4) النِّسَاء : 92.

5) النُّورِ: 31.

6) الأَعْرَافِ : 54.

عَن ذَلِكَ مُفصلاً في كتاب «فَلْسَفَة التَّوْحِيد والولاية» بعنوان «مَا يَجب وَمَا لاَ يجب». أَمَّا الْأَحْكَامُ الْعَمَلية فيجب عَلَى المكلف أنْ يَعْرِف حكم كلّ فعل يُمارسه وَيَصدر عَنْهُ، عِبَادَةٌ كَان أو غَيْرُها حَتَّى المأكول، والمشروب.10 - (وَ بَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الْكِتَابِ فَرْضُهُ وَ مَعْلُومٍ فِي السُّنَّةِ نَسْخُهُ. أَنفَقُوا عَلَىٰ أَنَّ الْكِتَاب يُنسخ بالسُّنة المتواترة، واختلفُوا في نسخه بالخبر الواحد، فذهب الأكثر إِلَى عَدم الجواز، بل نُقل عَلَيْهِ الإجماع... وفي رأينا أنّ الْأَحْكَ-ام الثابتة بظاهر الْقُرْآن يَجوز نسخها بالخَبَر الواحد، لأنّ السُّنَّة بَيَان، وتَفسِير لكتاب اللّه، ولا فرق أَبَداً بَيْنَ الآيَة الْقُرْآنية، وبَيْنَ الْخَبر الواحد من الوجة العلمية، ووجوب التدين أيضاً فيما يعود إلى الأحكام الفرعية بخاصة إذا كان الدَّلِيل عَلَى حُجَّة الخبر الواحد السُّنَّة المتواترة (1).)11 - (وَاجِبِ فِي السُّنَّةِ أَخْذُهُ، وَ مُرَخَّصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ. كما يُنسخ الْكِتَاب بِالسُّنة كَذَلِكَ تُنسخ السُّنَّة بالْكِتَاب، والمراد بالسُّنة قول المَعْصُوم، أو فعله أو تقريره، وقد ثبت باليقين أن النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانَ يُصَلِّي أَوَّل الأمر لجهة المَسْجِدِ الأقصى، فحوّله القُرْآن إِلَى الْمَسْجِدِ الحَرام : (فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (2).)


1) انظر، عدة الأصول : 46/2 (فصل في ذكر نسخ القُرْآن بالسنة والسُّنَّة بالْقُرْآن) طَبْعَة بمبئي بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني: 7/1، أوائل المقالات للشيخ المفيد : 123، عون المعبود : 60/12، أحكام الْقُرْآن للجصاص : 70/1، نواسخ القُرْآن لابن الجوزي: 25 الْفُصُول في الأصول للجصاص : 241/2. الاحكام لابن حزم: 477/4.

2) الْبَقَرَة : 144.

12 - (وَ بَيْنَ وَاجِبْ بِوَقْتِهِ، وَ زَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ. يَنقَسم الواجب بالنظر إِلَى الوَقت إِلَى مُضيّق، ومُوسع، والمضيق هو الذي يَجب فِي وَقتٍ مُعين، ويَذْهَبُ بذهابه، وَلاَ يَجب قضاؤه إلا بدليل، كصَوم شهر رمضان... يجب في هَذَا الشهر دُونَ غَيْره، والموسع لا يختص بوقت كصلاة الآيات - ما عدا الكشوفين - حيث تجب المبادرة إِلَيْهَا عِند حدوثها، ومَن أخر يَأْتِي بِها آدَاءً مُدَّة حياته، وَقد يَكُون الواجب الواحد موسعاً من جهة ثَانِيَة، كصَلاة الظهر، فَإِنَّهَا مُوسعة بالنِّسبة إِلَى مجموع الوقت، ومُضيقة بالنسبة إلى آخره، ولم يُشر الإمام إلى الموسع (1).)13 - (وَ مُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ كَبِيرٍ أَوْ عَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغِيرِ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ. يُشِير إلى أن الذنوب مِنْهَا كبار، ومِنْهَا صِغار كما جَاءَ فِي الْكِتَابِ العَزِيز : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَيرَ الإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) (2). واللَّمَمَ الصَّغَائِر، ويُومىء قول الإمام إلى تحديد الذنب الكبير بأنه الذي توعدٌ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وهَدد أَصْحَابِهِ بالنَّار، وما عداه فصَغير، وقد أعد اللّه له الغُفران، وفى هَذَا الْمَعْنَى روايات عَن أَهْل الْبَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ)(3)وَقَالَ صَاحب الجواهر :.)(لا شك أن الصغائر لا ينفك مِنْهَا الإِنْسَان... وإنَّ فِعل الطاعات، واجتناب


1) أنظر تحث الواجب الموسع والمُضَّيق في الكتب الفقهية والأصولية، فعلى سبيل المثال الشرائِر : 273/1 جواهر الكلام : 335/17، الْمُسْتَصفَ لِلغَزَّالِي : 55 قَوَانِين الأصول : 118، المحصول للرازي: 116/1. منتهى المطلب : 49 و 107، الأحكام للآمدي : 108/1.

2) النجم : 32.

3) أنظر، مستند الشيعة : 122/18، المسالك للحلبي : 402/2 العدة للشيخ: 359/1 تغيير الميزان 329/4، منهاج الفقاهة : 10/2، مصباح الفقاهة : 320/1.

الكبائر تكفير لإرتكاب الصغائر (1)... وإذَنْ فَلا حَاجَة إِلَى التَّوْبَة مِنْهَا... نعم لا يَنْبَغِي ترك العَزم عَلَى الإِصْرَار، لحَدِيث: «لاَ صَغِيرَة مَع إصرَار وَلا كَبِيرة مع إسْتِغْفار» (2). وَهَذَا الخَبَر يُشعر بأنّه لا حَاجَة للصَّغيرة إِلَى الإِسْتِغْفار مَع عَدم الإضرار.)14 - (وَ بَيْنَ مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ مُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ. مِثل قَوْله تَعَالَى: (فَكَفَّرَتُهُ - إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (3). فأدنى أفراد هذه الكُفَّارة الإطعام، وأقصاها تَحرِير الرقبة، ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ فِي قَبُول الأدْنى توسعة عَلَى الْعِبَاد.)### الْحَجَ فِقْرَة 30 - 31:(وَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلْأَنَامِ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الْأَنْعَامِ، وَ يَأْلُهُونَ إِلَيْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ، وَ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلامَةً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ (30، وَ أَخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَ تَشَبَّهُوا بِمَلَائِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ. يُخْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، وَ يَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْإِسْلامِ عَلَماً، وَ لِلْعَائِذِينَ حَرَماً، فَرَضَ حَقَّهُ، وَ أَوْجَبَ حَجَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وَفَادَتَهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ)


1) أنظر، جواهر الكلام: 29/41.

2) أنظر، مسالك الأفهام : 168/14، الكافي : 288/22 ح 1، الوَسَائِل : 268/11 ح 3، الجامع الصَّغِير للسيوطي شرح المناوي : 365/2.

3) المائدة : 89.

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (31) (1).)اللُّغة :الحج لغة : القصد. وَشَرعاً : المناسك المَعْرُوفَة، وجَاء فِي أَقْرَب الموارد : (الحَجّ بالكسر لغة في الحَجِّ، وَقِيل بألْفَتْح الاسم، وبالكسر المَصْدَر (2). ووَصَف البَيْتَ بالْحَرَام حَيْث يجب تقديسه، وَيَحرُم هتكه، وَلِمن لاذّ بِهِ نَوْعِ مِن الحصانة. حَتَّى الطَّير يَحرُم صيده هناك عَلَى الحَلّ، والمحروم. وُرُودَ الْأَنْعَامِ أَي كَحَالَ الْأَنْعَامِ تَزَاحُما عِند ورود الماء. ويَأْهُونَ : مِن الوَله، وهُو لُغة : الحزن، والوجد، والمراد به هنا الحنين، والشوق (3)، وَيَتَبَادَرُونَ : يَتَسارعُون. وَالْعَائِذِينَ: جَمع عَائذ، وهُو المُسْتَجِير والملتجىء. والوِفادَة : الزيارة.)الْإِعْرَاب :الَّذِي جَعَلَهُ : صِفَة البَيْنِه، ومَنِ اسْتَطَاعَ (مَنِ بَدل بَعْض النَّاسِ وَمَن كَفَرَ (مَنْ) مُبْتَدَأ، والجملة مِن أن وأسمها، وخَبَرَها خَبَر.)### سرّ الْحَجَ:مَعْنَى كَلامِ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ وَاضح، وفِي غِنى عَن الشرح... أَجْل، أنّ فِي الحَجّ سراً)


1) آلِ عِمْرَانَ : 97.

2) أنظر، أقرب الموارد، مادَّة حجّ، لسان العرب : 227/2، مختار الصحاح : 52/1، تاج العروس: 2 / 17 شرح الشافية لإبن الحاجب : 217/4، تفسير الميزان : 355/3.

3) أنظر، لِسَان الْعَرَب : 562/13.

عَمِيق الدَّلالة، وهُو وحده يُفسر حَقِيقَته، ويكشف عَن كُنهه، وقد أشار الإمام إلى هَذَا السِّرِّ بِكَلِمَة عَابِرَة، وَهِي : (وَ يَأْلُهُونَ إِلَيْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ. وإِلَيْكَ ما أستوحينَاه مِن هَذِهِ الْإِشَارَة فِي الْبَيَانِ التَّالي :)تَكَلَّم المُسْلِمُون عَن الحَجّ وغَيْر الْمُسْلِمِين أيضاً، وأَطْنَبُوا، وكَررُوا فِيها كَررُوا : «أن الحج مؤتمر عالمي يعقده المُسْلِمُون عَلَى صَعِيدٍ واحد، وفِيهِ يَتعارفون ويَتَشاورون».ولا أدري ماذا أنتج هذا المؤتمر، وغَيْره من المؤتمرات التي تُعقد هنا، وهناك ؟.ثم أي مُسْلِم ذَهَب إِلَى مَكَّة المكرَّمَة، وهُو يَحمل في رأسه فكرة التّعارف، والتشاور ؟ وَإِذَا صَادف، وتعرف عَلَى وَاحد، أو أثْنَيْن فَلا شَيء وَرَاء هَذِه المَعْرِفَة إلَّا الرّؤية تماماً كما تلتق أنتَ، وإِنْسَان في السيارة، أو المطعم.أنّ السّرّ في الحج أبعد مِن هَذَا وأعمق، ويتضح مِن الجَوَاب عَلَى هَذَا التّساؤل : لماذا يَذْهَبُ المُسْلِم إِلَى الْحَجِّ بهَذا الوَلَه والحنين، ويدفع الْأَمْوَالَ الطَّائِلة، وَيَتحمل المشاق، والأخطار عَلَى الطَّرِيق، وفي منى، وعرفات، وفي المسعى، والطواف... وقبل سفره يحمل أوراقه، وينتقل بهَا مِن دَائرة إلى دائرة، ومِن مكتب إِلَى مَكتب ؟ وهل وضع مُحَمَّد لوناً من السحر في أحجار الْكَعْبَة لا تعرفه السحرة، وَوَضع في قبره نَوْعاً مِن الجَاذِبِية لم يهتد إِلَيْهِ نيوتن، وَلَا الْعُلَمَاء مِن بَعده ؟.الجَوَاب:أنّ في أحجار الْكَعْبَة، وفي قبر مُحَمَّد سِراً، وأي سِرّ، سِرَّاً هُو أعظم بكثير مِن السحر، والجاذبيه النيوتنية... إنه الحُبّ، حُبّ اللّه ورَسُوله الَّذِي لاَ سُلطان عَلَيْهِ

لإِنْسَان، ولا شَيْطَان... وإِلَى هَذَا الحُبّ أشار الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ وَقَوْله : (وَ يَأْلُهُونَ إِلَيْهِ وُلُوة الْحَمَام). والحمام - كما هُو مَعلُوم - رمز الحب، والسَّلام، وأشد الطُّيُور ولها وَحَنِيناً... وأيضاً هَذَا الحُبّ هُو الَّذي أراده إِبْرَاهِيم أَبُو الْأَنْبِيَاء (عَلَيهِم السَّلَامُ) يَوْمٍ وَقَفَ إِلَى جوار الكَعْبَة يَبْتَهل إلى اللّه، ويقول : (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ)(1). قَالَ : أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ، ولَم يقل : جَمَاعَة مِن النَّاس لأنّ الفُؤاد هُو سوِيدَاء الْقَلْب، وَقَالَ : تَهْوِى ولم يقل : تَأتي، لأنّ الْهَوَى أو الهوَى يَتضمن مَعْنَى الشوق، والوَجد، والحب المشتاق لا يُسأل عن الأسرار، ولا يهتم (بالتشاور، والتذاكر)... أَبَداً لا يَعْرِف إِلا السَّمْع، والطَّاعَة لمن عشق وأحب، وقَدِيماً قيل : إنَّ الحبّ لمن يُحبّ مطيع (2).إِنَّ الْمُسْلِم حقاً يحس، وهُو ذاهب إلى الحَجِّ، بأنّ دَعْوَة نزلَت عَلَيْهِ مِن السَّمَاء موقعة بأسم اللّه، ورَسُوله لكي يحضر الإحتفال بمكة في الوقت المعين، فَيُسرع رافعاً صَوْته : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لا شريك لك لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ، والنِّعْمَة لك. والملكِ لا شَرِيكَ لَكَ» (3... فإذا واجه الْكَعْبَة خَفَق قَلْبَه طَرباً، وتساقطت دموع)


1) إبراهيم : 37.

2) هَذَا هُو المصرع الثاني من البيت الشعري الذي تمثل به الإمام الصادق ، وقيل لعبد اللّه المبارك، وقيل : لغيرهما. أنظر، إرشاد الأَذْهَان : 19/1، أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب: 173، الرِّسالة السعدية 26، أمالي الصدوق : 578، مناقب آل أبي طالب : 395/3، فيض القَدِير شَرح الجامع الصغير : 36/2 ح 1241، كشف الخفاء : 203/2 ح 2284، تاريخ دمشق : 469/32. الشفا بتعريف حقوق المنطق : 10/2، فلاح السائل لابن طاووس : 158.)لَو كَان حبُّك صادقاً لأطعته ***إِنَّ الْحبَ لِلمُحبْ مُطبَعُ

3) أنظر، عَلَى سَبيل المثال : التذكرة : 249/7، الخلاف : 293/2، كتاب الأُمّ للشافعي : 155/2، ترتيب مُسْنَد الشافعي : 304/1 المغني: 238/3، المَبسُوط للسَّرْخَسِي : 25/4، صَحِيح مُسْلِم : 915/2، معالم السين للخطابي : 301/2.

الفرح مِن عَينِيهِ عَلَى مَا وُفق إِلَيْهِ مِن الإِستجابة لخالقه، والوقوف مواقف أَنْبِيَائه، والتّشبيه بمَلائِكَته المُصْطَفِين بِعَرشه كما قَالَ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ.)وَالأثر الأوّل الَّذي تتركه في النفس هذه الفرحة، والغبطة هو الشُّعُور بالمسئولية أمام اللّه سُبْحَانَهُ ربّ هَذَا الْبَيْت وَهَذَا الشُّعُور بالمَسْئُولية أمام قُوَّة قاهرة عَالِمة جديرة بالطَّاعَة، والْعِبَادَة هُو الحكمة من الحج، وتشريعه، والمبرر الوحيد لوصف الإنسان بالتدين، والإيمان عالِماً كَان أَم جَاهلاً.وَتَسْأَل : أنّ كَثِيراً مِن أَهْل الحَجيج لا يُشعرُون بِهذه المَسْئُولية عَلَى الإطلاق بدليل أنهم يعودُونَ مِن البَيْت الحَرَامِ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِن قَبل ؟.الجَوَاب:أنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ تَكَلَّم عَن الذين يَشعرُون، وَيَقصُدُون بَيْت اللّه الْحَرَام استجبابَة لدعوته، وتواضعاً لِعَظَمَتِهِ، وإذعاناً لِعِزَّتِهِ، وَمَن لا يشعر بشيء مِن ذَلِكَ فَلا يُعد مِن حجاج بيت اللّه الحَرَام، وإن قصده في كل عام.. وكَم مِن صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِن صيَامه إلا الجوع، والظماً، وكَم مِن قَائِم لَيْسَ لَهُ مِن قِيَامِهِ إِلَّا الشهر، والعناء، كما قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).)


1) أنظر، نهج الْبَلاغة لمُحَمَّد عَبْدَه : 35/4 الْحِكْمَة (145)، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد : 344/18، شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني : 320/5 عيون الحكم والوعظ : 380.

## الخطبة - 2 -### بَعْدَ أَنْصِرَافه مِن صِفّين#### لا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ... فقره 1 - 3:(أَحْمَدُهُ أَسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ، وَ اسْتِسْلَاماً لِعِزَّتِهِ، وَ أَسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَ أَسْتَعِينُهُ فَاقَةٌ إِلَى كِفَايَتِهِ، إِنَّهُ لا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلا يَبْلُ مَنْ عَادَاهُ، وَلا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ : فَإِنَّهُ أَرْجَعُ مَا وُزِنَ، وَأَفْضَلُ مَا خُزِنَ (1. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةٌ مُمْتَحَناً إِخْلاصُهَا، مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا، نَتَمَسَّلُ بِهَا أَبَداً مَا أَيْقَانًا، وَ تَدَّخِرُهَا لِأَهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا، فَإِنَّهَا عَزِيمَةُ الْإِيمَانِ، وَفَاتِحَةُ الْإِحْسَانِ، وَ مَرْضَاهُ الرَّحْمَنِ، وَ مَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ (2). وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالدِّين الْمَشْهُورِ، وَ الْعَلَمِ الْمَأْثُورِ، وَ الْكِتَابِ الْمَسْطُورِ، وَ النُّورِ السَّاطِعِ، وَ الضَّيَاءِ اللَّامِعِ، وَالأمْرِ الصَّادِعِ إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ، وَاحْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ، وَ تَحْذِيراً بِالْآيَاتِ، وَتَخْوِيفاً بِالْمَثْلَاتِ (3)).)

اللُّغَة:اسْتِمَّاماً : طَلباً للتّمام. وَاسْتِسْلَاماً : انْقِيَاداً. وَ اسْتِعْصَاماً : طَلباً لِلعِصْمَة.وَلا يَئِلُ : لا ينجو. ومُصَاصُهَا : خُلوصها مِن كُلِّ شَائِبة. وأَهَاوِيل : مخاوف وَالمَدْحَرَةُ : الطّرد والبعد والمراد بِالدِّينِ المَشْهُورِ الدِّين الظَّاهِر، وقيل : التّام الأَرْكَان. وَالْعَلَمِ بِفتح اللام ما يَهْتَدِي بِهِ. الْمُرَاد بِالْمَأْثُورِ : المُختار، وقيل : والمَنقُول عَنْه، وهُو بَعِيد عَن الفَهم. وَالأمْرِ الصَّادِعِ : الأمر الكاشف عَن الحَقِّ.والمثَّلَاتِ : الأفات، والنكبات.الْإِعْرَابِ:اسْتِتماماً وَمَا بَعدها مَفْعُول مِن أَجله. وأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه (أَنْ مُخففة، وأسمها مَحْذُوف أي أنه، وَجُملة ما بعدها خَبَر، و (لا) نافية للجنس، وإله أسمها، والخَبَر محذُوف ولفظ الجلالة بدل مِنْهُ أي موجود إلا اللّه. ومُمْتَحَنَا حَالَ، إِخْلاصه فَاعِل له، ومِثله (مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا). وأَبَداً يُؤكد بهِ الزَّمَان المقبل نَفيَاً، وإثباتاً، تقول : لا أفْعَل أَبَداً، وَقَط البنة لتأكيد الزمان الماضي. وإِزَاحَةً وما بعدها مَفْعُول لأجله.)الْمَعْنَى:(أَحْمَدُهُ أَسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ، وَ اسْتِسْلَاماً لِعِزَّتِهِ، وَ اسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ. يَحمد اللّه، ويَشكره لأُمور، مِنْهَا أَنْ يَتم عَلَيْهِ نِعْمته بالصَّبر، وغَيْرِه مِن النِّعَمِ بَعد أنْ عَلَيْهِ بِالهداية إلى الإيمان، ومِنْهَا أنَّ فِي الْحَمْدِ، والشُّكْر طَاعَة لله، ومُجَانَبَة لَمَعْصِيَته، ومَعْنَى الْعِزَّةُ : الْقُدْرَة، والغَلَبَةُ، عَبر الإِمَام بِها عَن الذَّاتِ القُدسِية للإِيمَاء إِلَى أَنْ)

القادر الغالب حقاً، وواقعاً هو اللّه وحده... ومِن أَقْوَاله : «مَا ظَفر مِن ظَفر الإِثْم به، والغالب بالشَّرِّ مَغْلُوب» (1، وكأَنَّه يُشير إِلَىٰ أَنْ مُعَاوِيَة مَا نَجَا مِن حَرْب صِفِّين إِلَّا بِالإِثْم، والمُعْصِيَة.)(أَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلَى كِفَايَتِهِ. إِذَا أَهْمَّكَ أَمر فَأَسْتَعَن عَلَيْهِ بالجدّ، والْعَمَل مَع التوكل عَلَى اللّه، لأنّ مقاليد الأُمور كلّها فِي يَده، وَلا جدوى من السعي إِذَا أَرَاد سُبْحَانَهُ أَنْ يَمنع عنك ما تُريد، كما أنه جَلَّت حكمته، لا يُعطيك إلا مع الجد، وَالسَّعى : ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (2).)(إِنَّهُ لا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ. وَلَكِنَّهُ، (لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (3). وإِنما يَهْدِي مَن أتبع رِضْوَانه، وَسَبِيله القَيُّوم (إنما) هنا للحصر. (وَلا يَئِلُ مَنْ عَادَاهُ). أي لا يَنجُو مِن عذَاب اللّه من عصاه : (وَيُنَجَى اللّه الَّذِينَ اتَّقَوْا) (4)، (وَلا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ) أي أَغْنَاه، ومُرَادِ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِالْفَقْر، والْغِنَى فِي الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا بِدَلِيل قَوْلِهِ فِي آخر النَّهْج: «الْغِنَى وَالْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللّه» (5). (فَإِنَّهُ أَرْجَعُ مَا وُزِنَ، وَأَفْضَلُ مَا حزن).)الضَّمِيرِ يَعُود إِلَى الْحَمْدِ، وقيل : يعود إلى اللّه مَع أنّ (مَا لِغَيرِ الْعَاقِل - فِي الغَالب، وَمَها يَكُنْ فإن الأمر سهل لأنّ الْحَمْدُ للّه.)


1) أنظر، شرح نهج البلاغة: 78/4 الحكمة (327) عيون الحكم والمواعظ : 481، غرر الحكم : 61/6. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 239/19، جواهر المطالب : 167/2.

2) الملك : 16.

3) الزُّمَر : 61.

4) غَافِرٍ : 28.

5) أنظر، تنهج البلاغة : الحكمة (452).

#### كَلِمَة التَّوْحِيد:(وَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. لا شيء أكمل، وأعظم مِن كَلِمَة الإخلاص، والتَّنْزِيه، والتَّوْحِيد، وهي أصل الأصول فِي عَقِيدة الإسلام، وَبِها يمتاز عَن جميع الأديان، ولا يكفي مُجرد التدين بهَا مِن غَيْر نُطق، بل عَلَى كُلّ مُسْلِم أنْ يُكررها فِي الْيَوْم، واللَّيْلَة مَرَّات، وهو واقف بين يدي اللّه للصلاة... هَذَا، إلى أنّ للإِيمان بالتَّوْحِيدِ صلته الوثيقة بالأخْلاقِ، والتّربية، وتأثيره في السّلوك والعادات، لأنّه إِيمَان بِالْحَقِّ، والْعَدْل، والمُسَاوَاة.)(شَهَادَةً مُمْتَحَنَا إِخْلَاصُهَا. مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا. أي أن كَلِمَة التَّوْحِيد خَرَجت مِن أعماق الإِمَام خالصة لله وحده إخلاصاً يتفق فِيهِ السِّر مع الإعلان، والْقَلْب مَع النِّسَانِ، ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ من نطق بكَلِمَة التَّوْحِيد، وهُو يَعتز بِغَير اللّه، وَيَستَعِين بِسوَاه فَهُوَ كَاذِب يُنَاقِض نَفْسه بنَفْسِهِ، وَمِن هُنا سُمِّيَت كَلِمَة التَّوْحِيد بكَلِمَة التَّقْوَى ؛ لأَنَّهَا مُوجب طَبْعَها، وَوَضعهَا تُورث التَّقْوَى.)وسُمِّيَت أيضاً بكَلِمَة النَّجاة ؛ لأنه لا نجاة مِن عذَاب اللّه إلا بها، وكَلِمَة النَّذير : لأَنَّهَا تُنذر بِفنَاء كلّ شيء إلا وجهه الكريم، وكَلِمَة، التوكل عَلَى اللّه ؛ لأَنَّهَا تَنْفِي الْقُوَّة عَمَّن سواه... وبالتّالي، فإنّ كَلِمَة التَّوْحِيد تنزيه للخالق عن الشّريك وَللمخلوق عَن العبودية لِغَير اللّه. وَصَدق مَن قَالَ : أَنْ كَلِمَة التَّوْحِيدِ لَيْسَت حرُوفاً، ولكنْ مَنْهَج حَيَاة، وشَرِيعَة قَلْب (1... ومِن هُنا قَالَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «خَير مَا جِئت بهِ أَنَا، والنَّبِيُّونَ مِن قَبلي كَلِمَة لا إله إلا اللّه» (2).)


1) أنظر. تُحْفَة الأَحْوَذي للمباركفوري: 107/9، قَرِيبٍ مِن هَذَا.

2) أنظر، شرح نهج البلاغة للمعتزلي : 190/6، البحر الرائق : 592/2، كتاب الموطأ : 215/1 ح 32 إعانة الطالبين : 19/12، فتح العزيز لعبد الكريم الرافعي : 359/7، الجموع : 94/8.

(فَإِنَّهَا عَزِيمَةُ الْإِيمَانِ. أي لا إيمان بدونها (وَفَاتِحَةُ الْإِحْسَانِ، وَمَرْضَاةُ الرَّحْمَنِ، وَ مَدْحَرَةُ الشَّيْطَان). إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يُجْزِي مَن أَحْسَن بِالحُسنى وزِيَادَة، ولكنْ عَلَى شَرط التَّوْحِيد، وَكَلِمته، فينها تبتدىء المكفأة، أَمَّا مَن جَحَد، أو أَشرَك، أو دَلَّس فأجرَه عَلَى الشَّيْطَانِ الَّذِي قَالَ لِلْإِنْسَانِ : (أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِىءُ مِنكَ إِنِّي أَخَافُ اللّه رَبِّ العَالَمينَ) (1).)(وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. لا غِنى بكَلِمَة التَّوْحِيد - عَلَى عَظمَتِها - إِلَّا مع الشهادة لمُحَمَّد بالرِّسَالَة، ولا غنى بهذه الشهادة إلّا مَع كَلِمَة التَّوْحِيد، وكلّ مِنْهُما جزء متمم للآخر والإِسْلام يقوم عَلَيْها، وَعَلَى الْإِيمان بالْيَوْمِ الآخر.)(أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ. الظَّاهِرِ عَلَى الدِّين كلّه وَلَو كَرِه المشركون (وَ الْعَلَم الْمَأْثُورِ) مِن الإِيثَار أي المختار (وَ الْكِتَابِ الْمَسْطُورِ) الْقُرْآنِ (وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَ الضّياءِ اللَّامِعِ) مِن صِفَات الْقُرْآن لأنه أخرج النَّاسِ مِن الظُّلمات إلى النُّورِ (وَ الأمْرِ الصَّادِع). الكاشف عَن الْحَقِّ.)(إِزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ، وَاحْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ، وَ تَحْذِيراً بِالْآيَاتِ، وَ تَخْوِيفاً بِالْمَثلَاتِ.)هذه هي وظيفة المبلغ الحَقِّ، يُريح الشُّبُهَات عن العُقُول، والقُلُوب بمنطق الحس، العقل، ويُحذر مِن غَضب اللّه، وعذابه، وَيُبَشر برضْوَانه، وثوابه.والمبلغُون في عصرنا - وَيَا للأسف - مِنْهُم المتبلد فهماً، وَفِكراً، ومِنْهُم كبَائِعات الْهَوَى، والذين يَسْتَمِع إِلَيْهِمْ أَقَل مِن القَلِيل.


1) الحشر : 16.

#### النَّاسُ فِي فِتَنِ... فِقْرَة 4 - 5:(وَ النَّاسُ فِي فِتَنِ أَنْجَذَمَ فِيْهَا حَبْلُ الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي الْيَقِينِ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ، وَتَشَتَّتَ الْأَمْرُ، وَضَاقَ الْمَخْرَجُ، وَ عَمِيَ الْمَصْدَرُ، فَالْهُدَى خَامِلٌ، وَالْعَمَى شَامِلٌ. عُصِيَ الرَّحْمَنُ، وَ نُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الْإِيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وَ تَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَ دَرَسَتْ سُبُلُهُ، وَ عَفَتْ شُرُكُهُ (4. أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُّوا مَنَاهِلَهُ بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بِأَطْلَافِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا، فَهُمْ فِيْهَا تَائِهُونَ، حَائِرُونَ، جَاهِلُونَ، مَفْتُونُونَ، فِي خَيْرِ دَارٍ، وَ شَرٌّ جِيرَانٍ، نَوْمُهُمْ شُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بِأَرْضِ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُهَا مُكْرَم (5)).)اللُّغَة:تُطلق الْفِتْنَة عَلَى الإِضْلال، ولذا يُقَال لِلشَّيْطَانِ : فَتّان، ومُفتّن، وعَلَيْهِ يَكُون الْمَعْنَى أَنّ النَّاسِ كَانُوا عِند بعثة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ في جَهَالاتٍ، وَضَلالات. وأَنْجَذَمَ : انْقَطع. والسَوَارِي : جمع سَارِية، العِماد. والمراد بالْيَقِين هنا الْحَقِّ. والنَّجْرُ : الأصل. وَضَاقَ المَخْرَجُ، أي مِمَّا هُم فِيهِ مِن الْفِتَن وَعَمِيَ الْمَصْدَرُ. أي جَهلُوا مَصْدر الفِتَن، وهو أَهوَاؤهم، وَشَهوَاتهم. والخامل من لا ذكر له، ولا أحد ينتبه إلَيْهِ، وتَنَكَّرَتْ : تَغَيرت. ومَعَالِمُهُ : عَلامَاته، وآثاره. وَدَرَسَتْ وَعَفَتْ : أَنطَمَسَتْ. والشُّرُك - بِضَم الشين، والرَّاء - الطَّرَائِقِ. والمَناهِل : جمع مَنْهل مُورد الشرب والأخْفَاف للإبل، والأظلاف للبقر، والمعز وَالْغَنَم. والقَدَم لِلْإِنْسَان. والسَّنابك : أَطراف الحافر. وَالسُّهُودٌ : الأرق.)

الْإِعْرَابِ:وَالنَّاسُ فِي فِتَنِ مُبْتَدَاً، وَخَبَر، والوَاو للحال. وَضَمِير (بِهِمْ يَعُود للَّذِينَ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ. وجَاهِلُونَ خَبَر ثَانٍ لـ(هُمْ) ومَفْتُونُونَ خَبَر ثَالِث. وفِي فِي خَيْرِ مُتَعَلق بـ (مَفْتُونُونَ) وبِأَرْضِ بَدل مِن خَيْرٍ دَارٍ، أو مُتَعَلَّقَ بِمَا تَعلق بهِ)الْمَعْنَى:المعنى واضح، والكلمات مُترادفة، أو متشابهة، وذكرنا ذَلِكَ فِي مَعْنَى المفردات، وبَعْض الجمل فِي فِقْرَة (اللُّغَة، ولا داعي للتكرار، ويُمكن إيجاز هَذا المقطع من الخطبة بأنّ اللّه سُبْحَانَهُ أَرسَل مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أشرف بقعة، وأفضلها، وأنّ أهلَها كانوا آنذاك شرّ أَهْل الأَرْضِ هِي مَكَّة المكرَّمَة... وإنّما أطنّب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه في مقام الخطابة، والإِشَارَة إِلَى أنّ الّذين حاربوه فِي صِفِّين لا يختلفون في أوصافهم عَن الّذين كانوا عند البعثة، وأيضاً أراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنْ يُبين آيات العظمة في شخصية رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) التي أتت بأطيب الثمار عَلَى رُغم الصعوبات، والعقبات... ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ شخصية مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من خوارق العادات، وإِنَّهَا لا تُقاس بالمألوف، والمعرُوف بِشهَادَة الْعُلَمَاء الْأَجَانب (1).)والغريب أنّه مَا مِن بَلد فِيهِ قَبر نَبِيٍّ، أو إمَام إِلَّا وأكثر سكانه من الأَشْرَارِ الفُجَار، لا يَعْرِفون من الدين إلا أسمه. ومَا الزائر الغريب عندهم إلا صيداً لفخوخهم وَشِباكهم، بل وأحل من الصيد، فهل السِّرِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يَمتَحن


1) أنظر شَرْح الخُطْبَة الأُولَى فِقْرَة (محمد) (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

قلوب الزائرين لأوليائه بِشيَاطِين الإِنْسِ ؟. وَصَدق الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ حَيْثُ يَقول: «إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ الأَعَبْدُ مُؤْمِنْ أَمْتَحَنَ اللّه قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ، وَلا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورُ أَمِينَةٌ، وَأَحْلَامٌ رَزِينَةٌ» (1).)#### أَهْل الْبَيْت... فِقْرَة 6:(هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَ لَجَأَ أَمْرِهِ، وَ عَيْبَةٌ عِلْمِهِ، وَ مَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَ جِبَالُ دِينِهِ، بِهِمْ أَقَامَ أَنْحِنَاءَ ظَهْرِهِ، وَ أَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ (6).)اللُّغَة:لَجَأُ أَسْم، وَمَعناه الملاذ، وَمِثله المؤثِلُ والكُهُوفُ. والعَيْبَةُ : الوِعاء.والفَرَائِص : جمع فَرِيصَة، وهي اللحمة الَّتي بَيْنَ الجنب، والكتف.الْإِعْرَابِ:لا يختلف اثنان من الشارحين في أنّ المُرَاد بِضَمِير (هُمْ أَهْلُ الْبَيْت (2)، وإنّما الخلاف في ضمائِر (سره، وَ أَمْرِه، وَ عِلْمِهِ، وَ حُكْمِهِ، وَكُتُبِهِ، وَدِينِهِ، وَظَهْرِهِ، وَ فَرَائِصِهِ) فَمَن قَائِل : أَنَّهَا اللّه مَا عَدا ضَمِير ظهره، وَفَرَائِصِهِ فَإِنْها لِرَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقَائِل : كلّها للدِّين وَقَالَ ثَالث : ترجع بكاملها لِرَسُول اللّه، والأَرْجَح أنّ الضّمائر)


1) أنظر، نهج البلاغة، مِن كَلام له : رقم (189).

2) أنظر كتاب فَلْسَفَة التَّوْحِيد والولاية، فصل من هم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)(مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). وسيأتي الحديث. مفصلاً بعد قليل.

تَعُود إِلَى رَسُول اللّه ما عدا ضَمِير ظَهْرِه، وَفَرَائِصِهِ فإنّهما يعودان إلى الدين لتقدم ذكره في قول الْإِمَام : (وَجِبَالُ دِينِهِ ولقُرب الضَّمِيرين مِنْهُ.)الْمَعْنَى:إنَّ المعيار لصحة ما جاء في نهج البلاغة، ونسبته إلَى الْإِمَام أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ هو الموافقة للواقع المحسوس، ولكتاب اللّه، وسُنَّة النَّي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأيّة خُطْبَة، أو كَلِمَة جاءت في النهج عَلَى وفق الجيش، والكتاب، والسُّنَّة فَهِيَ لِلْإِمَامِ، ومِن الإِمَامِ بلا ريب وإلا فَهُوَ مِنْهَا بَرَاء بَرَاءَةِ الصِّدْقِ مِن الْكَذِب... وكلّ ما وصف بهِ الْإِمَام أَهْل الْبَيْت يَشهد بهِ التَّارِيخ، والْقُرْآن، ومَن أنزل عَلَيْهِ.)(هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ. أي سِر مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما أشرنا فِي فِقْرَة الإِعْرَاب، والْمُرَاد بالسّر هنا العِلم، وفي كلمات الإِمَام، وخُطَبَة نبؤات تحققت كما أخبَر قَبل أَنْ تَقع بعشرات السنين، مِنْهَا حوادث الزّنج (1)، وما حدث للبَصْرَة، وأهلها من الموت، والجوع وهِي صُورة طبق الأصل عَن نبوءة الإِمَام، وكَانَتْ في القرن الهجري الثالث (2).. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ فَضَحِكَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَقَالَ لِلرَّجُلِ، وَكَانَ كَلْبِيّاً : (يَا أَخَاكَلْبِ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ، وَ)


1) يقصد الشيخ (قدّس سِرُّه)الخُطْبَة التي أشار إلَيْهَا الْإِمَام علي تحت رقم (128): (يَا أَخْنَفُ كَأَنِّى بِهِ وَ : وَقَدْ سَارٌ بِالْجَيْشِ الَّذِي لا يَكُونُ لَهُ غُبَارُ، ولا تجب، وَلا قَعْقَعَةُ لجم، وَلا حَمَةُ خَيْلٍ يُنيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ : كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ)، قَالَ الشَّرِيف يومئ بِذَلِكَ إِلى صاحب الزنج.

2) انظر، حوادث ثورة الزنج في كتاب العالم الإسلامي في العصر العباسي الثاني لأحمد إِبْرَاهِيم : 365، مروج الذهب للمسعودي: 208/4.

إنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَ مَا عَدَّدَهُ اللّه سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ : (إِنَّ اللّه عِندَهُ عِلْمٌ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسُ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللّه عَلِيمٌ خَبِيرُ (1)فَيَعْلَمُ اللّه سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ، أَوْ أنثَى، وَ قَبِيحٍ، أَوْ جَمِيلٍ، وَ سَخِيّ، أَوْ بَخِيلٍ، وَ شَقِيّ، أَوْ سَعِيدٍ، وَ مَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَبَاً، أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً. فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللّه، وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللّه نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَعَلَّمَنِيهِ، وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي، وَتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي) (2).)#### عِلْمُ الْمَعْصُوم (عَلَيهِم السَّلَامُ:)قَالَ اللّه لَنَبِيِّهِ الْكَرِيم عَن الْمُنَافِقِين: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (3). وَقَالَ النَّبيّ : (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (4). وَقَالَ الْإِمَامِ : (لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمْ مِنْ ذِي عِلْمٍ). وَقَالَ بَعْض النَّاس : كلاً، إِنَّ الْإِمَام يعلم الْغَيْب، وإنْ قَالَ اللّه، والرَّسُول، والْإِمَام : إنّه لا يعلم.. فإنا لله، وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون.)(وَ لَجَأَ أَمْرِهِ، وَ عَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَ مَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ. قَالَ الشيخ مُحَمَّد)


1) لُقْمَانَ: 34.

2) أنظر، نَهْج البلاغة : الخُطْبَةُ (128).

3) التوبة : 101.

4) الأَعْرَافِ : 188.

عَبْدَه : «إِنَّ حُكْيه، وشرعه - أي النَّبي - يرجع إلَيْهمْ، وهُم - أي أهل البيت - حفاظ كُتبه يَحوونها كما تحوي الكهوف والغيران ما فيها، والكتب الْقُرْآن، وَجَمعَه، لأنه فيها حوَاه كَجُملة ما تقدمه مِن الكُتب، ويَزِيد عَلَيْهَا مَا خَص اللّه به هَذِهِ الأُمّة - ثُمَّ قَالَ - وهَذِه صِفَات أَهْل الْبَيْت لإستعدادهم لأسرار اللّه، وحكمتة» (1.)وَقَالَ أبن أبي الحَدِيد الْمُرَاد بِكتبه يعني الْقُرْآن، والسُّنَّةَ عِندهم (عَلَيهِم السَّلَامُ (2).)(وَ جِبَالُ دِينِهِ. أي أنّ أهل البيت مثلهم بِالنِّسبة إلى الإسلام كَمَثل الجبال بالنسبة إِلَى الأَرض، فلَوْلاً الجبال لمادت الأرض بأهلها، ولَوْلاَ أَهْل الْبَيْت لَماد الإسلام، ولَم يَكُنْ له عَينٌ، وَلَا أَثَر (بِهِمْ أَقَامَ انْحِنَاءَ ظَهْرِهِ، وَ أَذْهَبَ أَرْتِعَادَ فَرَائِصِهِ).)قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «كنى بانحناء الظهْر عَن الضَّعْف في بدء الإسلام، وبإقامة الدِّين عَن الْقُوَّة، وبِهِمْ أَمِنْهُ مِن الخَوْف الَّذِي تَرتَعدِ مِنْهُ الفَرائص» (3.)فَكَلام الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه صَرِيح في أنّ الإِسْلَام نَما، وقوّي، وأمتد بأَهْل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ.)وَبَعد، فإنّ الأوصاف التي ذكرها الإمام لأهْل الْبَيْت تشهد بها آيَة الْمُبَاهَلَة :(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ(4)

وراجع أيضاً الرياض النضرة للطبري الشافعي : 248/2 الطبعة الثانية، الإتحاف في نسب : الأشراف للشبراوي الشافعي : 5، معالم التنزيل للبغوي بهامش تفسير الخازن: 302/1، مطالب السؤول لابن طَلْحَة الشافعي: 18/1 ط النجف، صَحِيح مُسْلِم : 360/2 بشرح النووي، و : 120/7 ط مُحمَّد علي صبيح، و : 1871/4 ط مضر تحقيق مُحَمَّد فؤاد. و : 176/15 ط مصر، خصائص الوحي المبين: 68 الفصل، صَحِيح الترمذي : 3085/293/4، و : 5 / 638 / 2724 و 3808/301 في باب فضائل 7 أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين، مُسند أحمد: 1/ 185 ط الميمنية، و : 1608/97/3 ط دار المعارف، تَفْسِير القُرطي 104/4، أَحْكَامِ الْقُرْآن لابن عربي : 275/1 الطبعة الثانية ط الحلبي و 175 ط السعادة، صحيح مُسْلِمٍ: باب فَضَائِل علي بن أبي طالب : 360/2 ط عِيسَى الحلبي، و : 61/1883/4، الأربعين المنتقاة باب،38 كفاية الطالب : 641 باب 32 و 8554 و 142 ط الحيدرية.ولاحظ أيضاً لباب النقول في أَسْبَاب النزول : 75 الطبعة الثانية، شواهد التنزيل: 120/1 و 129 ح 198 و 170 - 173 و 175، تفسير الفخر الرازي: 85/8 و 86ط البهية عصر. و : 699/2 ط دار الطباعة العامرة بمضر، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 12142/68/12، ذخائر العقى : 25، تذكرة الخواص للسبط أبن الجوزي الحنفي : 17 ط النجف، الدر المنثور للسيوطي : 2/ 38 و 39، تفسير البيضاوي : 22/2 ط بيروت، فرائد السمطين : 307/378/1، و : 22 / 23 / 365 و 250 / 484 - 486، الإرشاد : 152 فصل 48 باب 2.ومن خلال هذه المصادر الكثيرة وأتفاقها عَلَى أن آية المباهلة نزلت في وقد نصارى نجران ومع أن عباراتهم تختلف باختلاف أسلوب المفسّر ودلالته من خلال اللغة والحديث النبوي الشريف رأينا من الأفضل أن نختصر المقال لسرد القِصَّة كاملة من خلال هذه المصادر، فننقل ما ذكره ابن كثير الشافعي في تَفْسِير، قَالَ:ثمَّ قَالَ تَعَالَى أمراً رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أن يُباهل من عاند الحَقِّ في أمر عِيسَى بعد ظهور الْبَيَانِ : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ).... أي نحضرهم في حال المُبَاهَلَة (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي نلتعن (فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ) أي منا ومنكم.)وكَانَ سبب نزول هَذِه المُبَاهَلَة وما قبلها من أَوَّل السُّورَة إلى هنا في وفد نجران. إِنَّ النّصارى لما قدموا فجَعَلُوا يحاجون في عِيسَى ويزعمون فِيهِ ما يزعمون من النُّبُوَّة والإلهية، فأنزل اللّه صدر هذه الالسُّورَة ردّاً عَلَيْهِمْ.وقدم عَلَى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏وقد نَجْوَان ستون راكباً، فِيهِمْ أَرْبَعَة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول أمرهم إِلَيْهم، وهم: العاقب وأسمه عبد المسيح والسَّيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأويس بن الحارث وزيد، وقيس، ويزيد وأبناء، وخُوَيْلد، وعَمْرُو، وخالد، وعبدالله، ومحسن.)وأمر هَؤُلاء يؤول إلى ثلاثة مِنْهُم، وهم: العاقب. وكَانَ أَمِير الْقَوْم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم. والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسَّيّد وكَانَ عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة وكَانَ أسقفهم وصاحب مدارستهم، وكان رجلاً مِن الْعَرَب مِن بنى بكر بن وائل ولَكِنَّهُ تنصر، فعظَمته الرُّوم وملوكها وشرّفوه، وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم. وقد كَانَ يَعْرِف أمر سول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وصفته وشأنه مِمَّا علمه من الكتب المتقدّمة، ولكن حمله ذَلِكَ عَلَى الاستمرار فى النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها.)قال أبن إِسْحَاقَ : وحدثني مُحَمَّد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ قَالَ : قدموا عَلَى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ المدينة فدخلوا عَلَيْهِ مسجده حِينَ صلى العصر، عَلَيْهِمْ ثياب الخبرات جبب.وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب. قال : يقول من رأهم من أَصْحَاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): دعوهم. فصلّوا إلى المشرق. قَالَ : فكلّم رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مِنْهُم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والسَّيّد الأيهم، وهم من النصرانية عَلَى دين الْمُلْكِ مَع أختلاف أمرهم يَقُولُون هو اللّه، ويَقُولُون هو ولد اللّه، ويَقُولُون : هُو ثالث ثلاثة. تَعَالَى اللّه عَن قولهم علوّاً كبيراً.)وكذلك النصرانية، فهم يحتجون في قولهم هو اللّه. بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمة والأبرص والأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً. وذلك كله بأمر اللّه وليجعله آيةً للناس. ويحتجون في قولهم بأنه أبن اللّه، ويَقُولُون لم يكن له أب يعلم. وقد تَكَلَّم في المهد بشيءٍ لم يكن أحدٌ مِن بني آدَمَ قبله. ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة، بقول اللّه تَعَالَى : فعلنا وأمرنا. وخلقنا وقضينا، فيَقُولُون لو كان واحداً ما قَالَ إلا فعلت وأمرت، وخلقت وقضيت ولَكِنَّهُ هُو وعِيسَى ومَرْيَمَ. تَعَالَى اللّه وتقدس وتنزه عما يقول الظَّالِمُون والجاحدون علوّاً كبيراً، وفي كلّ ذَلِكَ مِن قولهم : قد نزل الْقُرْآن.فلمّا كَلمة الحبران قَالَ لهما رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : أسلمنا، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : قد أسلمنا، قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): إنكما لم تسلما فأسلمنا. قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): بلى قد أسلمنا قبلك، قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): كَذَبها، يمنعكما من الإِسْلام ادعاؤكما اللّه ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير. قالا : فمن أبوه يا مُحَمَّد ؟ فصمت رَسُول اللّه عنهما فلم يجبهما، فأنزل اللّه فِي ذَلِكَ مِن قولهم واختلاف أمرهم صدر سُورَة آلِ عِمْرَانَ إِلى بضع وثمانين آية مِنْهَا.)ثمّ تَكَلَّم أبن إِسْحَاقَ عَلَى تَفْسِيرها، إِلى أَنْ قَالَ:فلما أتى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ الخبر من اللّه والفصل من الْقَضَاء بينه وبَيْنَهُمْ وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ دَعَاهم إلى ذَلِكَ فَقَالُوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيها دعوتنا إِلَيْهِ، فانصرفوا عنه. ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقَالُوا : يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ فَقَالَ : واللّه يا مَعْشَرَ النّصارى، لقد عرفتم أنّ مُحَمَّداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل مِن خَبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لا عن قَوْم نبيّاً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أَتِيْتُمْ إلّا إلف دينكم والإقامة عَلى ما أَنتُمْ عَلَيْهِ مِن القَوْل في صاحبكم فوادعوا الرَّجُل ثم أنصرفوا إلى بلادكم، فأتوا النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالُوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن تتركك عَلَى دينك وترجع على دينا. ولكن أبعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء أختلفنا فيها من أموالنا فإنكم عِنْدَنَا رضاً.)قَالَ مُحَمَّد بن جعفر : فَقَالَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : انتوني العشية أبعث مَعَكُمْ الْقَوِيِّ الأمين. قَالَ : فكان عُمَرَ بن الخطَّاب يقول : ما أحببت الإمارة قط حتي إيَّاها يَوْمَئِذٍ رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجراً، فلما صلى بنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الظهر سلّم ثم نظر عَن يمينه، وعَن يساره، فجعلت أتطاول له يراني....)ثم ذكر أبن كثير ما رواه البخاري في هَذَا المَوْضُوع. وما رواه البيهقي في دلائل النبوة وَقَالَ: فإن فيه فوائد كثيرةً، وفيه غرابة، وفيه مناسبة هذا المقام، قَالَ البَيْهَقِي : أخبرنا أبو عبداللّه الحافظ، وأبو سعيد مُحَمَّد بن مُوسَى بن الْفَضْل قالا : حدثنا أبو الْعَبَّاس مُحمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يُونُسَ بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جده، قَالَ يُونُسَ - وكان نصرانياً فأسلم : إِنَّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ كتب إِلى أَهْل نَجْرَان قبل أنْ يَنْزِل عَلَيْهِ طس سليمان : باسم إله إِبْرَاهِيم وإِسْحَاقَ ويعقوب، مِن مُحَمَّد النَّبِيِّ رَسُول اللّه إلى أسقف نَجْرَان وأَهْل نَجْرَان إنْ أسلمتم فإنّي أحمد إِلَيْكُمُ اللّه إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ويعقوب أَمَّا بعد فإني أدعوكم إلى عبادة اللّه من عبادة الْعِبَاد. وأدعوكم إلى ولاية اللّه مِن وِلايَة الْعِبَاد. فإنْ أَبَيْتُمْ فالجزية، فإنْ أَبَيْتُمْ فقد آذنتكم بحربٍ، والسَّلام فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه فظع به وذعره ذعراً شديداً...)ثم ذكر ابن كثير أيضاً رواية أبن مردويه فَقَالَ : وَقَالَ أبو بكر بن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد. حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن مهران، حدثنا مُحَمَّد بن دينار عن داود أبن أبي هند عن الشعبي عن جابر قَالَ : قدم عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ العاقب والطَّيِّب فدعاهما إلى الملاعنة. فواعداه عَلَى أنْ يلاعناه الغداة. قَالَ : فغدا رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إلَيْها، فأيبا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، فَقَالَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : والذي بعثني بالحقِّ لو قالا : لا. لأمطر عَلَيْهِمْ الوادي ناراً. قَالَ جابر : وفِيهِمْ نزلت: (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم)، قَالَ :جابر: أَنفُسَنَا وَأَنْفُسِكُمْ: رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلي بن أبي طالب، وأبْنَاءَنَا : الحسن والحُسَيْن، ونِسَآءَنَا :فَاطِمَة.)وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عَن علي بن عِيسَى عَن أحمد بن مُحَمَّد الأزهري عَن علي بن حجر عَن علي بن مسهر عن داود بن أبي هند به بمعناه ثمّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شرط مُسْلِم، ولم يخرجاه، هكذا. (تَفْسِير ابن كثير : 376/1.)أما الزَّمَخْشَرِي فَقَالَ فِي تَفْسِيره : قَوْله تَعَالَى : (فَمَنْ حَاجَّكَ مِن النّصارى (فِيهِ) فِي عِيسَى (مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي من البيئات الموجبة للعلم (فَقُلْ تَعَالَوْا) هلموا، والمزاد المجيء بالرأي والعزم، كما نقول : تعال نفكر في هذه المسألة (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) أي يدع كلّ مني ومنكم أبناءه ونِسَاءَه ونَفْسه إِلى الْمُبَاهَلَة - إلى أنْ قَالَ : -)وروي أنّهم لما دَعَاهم إلى المُبَاهَلَة قَالُوا : حَتَّى نرجع وننظر، فلما تخالوا قَالُوا للعاقب وكَانَ ذا رأيهم : يا عبد المسيح ما ترى ؟ فَقَالَ : واللّه لقد عرفتم يا مَعْشَرَ النّصارى أنّ مُحَمَّداً نبي مرسل، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم واللّه ما بأهْل قَوْمُ نبيّاً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صَغِيرَهم، ولكن قد فعلتم لتهلكن، فإنْ أَبَيْتُمْ إلا إلف دينكم والإقامة عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فوادعوا الرَّجُل وأنصرفوا إلى بلادكم فأتى رَسُول اللّه وقد غدا محتضناً الحُسَيْن آخذاً بيد المحسن و فَاطِمَة تمشى خلفه وعلى خلفها، وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يقول : إذا أنا دعوت فأمنوا، فَقَالَ أسقف نَجْرَان : يا مَعْشَرَ النّصارى إني لأرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يزيل جبلاً مِن مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا وَلاَ يَبْقَى عَلَى وجه الأَرْض نصراني إلى يَوْم الْقِيَامَة. فَقَالُوا : يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك عَلَى دينك وتثبت عَلَى ديننا. قَالَ : فإذ أَبَيْتُمْ المُبَاهَلَة فأسلموا يَكُن لكم ما لِلْمُسْلِمِين وعَلَيْكُمْ ما عَلَيْهِمْ. فأبوا.)قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: فإني أنا جزكم، فقَالُوا: مالنا بحزب الْعَرَب طاقة. ولكن نصالحك عَلَى أنْ لا تغزونا ولا تخيفنا ولا ترددنا عَن ديننا عَلَى أنْ نؤدّي إلَيْكَ كلّ عام ألفي حلّة : ألفٌ في صفر وألفُ في رجب. وثلاثين درعاً عاديةً من حديد، فصالحهم عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): والذي نفسي بيده إنَّ الهلاك قد تدلّى عَلَى أَهْل نجران، ولو لا عنوا المسخوا قردةً وخنازير، ولاضطرم عَلَيْهِمُ الوادي ناراً. ولا ستأصل اللّه تَجْرَان وأهله حَتَّى الطَّير عَلَى رُؤوس الشجر، لما حال الحول عَلَى النّصارى حَتَّى يهلكوا. (الكشاف : 268/1 ط الْبَلاغة قم).)وأَمَّا الطَّبَرِي فَقَالَ فِي نَفْسِيره : عَن ابن عَبَّاس في قَوْله تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ آل عِمْرَانَ : 62: إِنَّ الَّذي قلنا في عِيسَى هُو الحق (وَمَا مِنْ إِلَه إِلَّا اللّه...) الآية. فلما فصل جلّ ثناؤه بَيْنَ نَبِيِّه مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَ بَيْنَ الوفد من نصارى نَجْران بالقضاء الفاصل والحكم الْعَادِل وأَمْرِه إِنْ هم تولوا عما دَعَاهُم إِلَيْهِ مِن الإِقْرَارِ بوحدانية اللّه وأنه لا ولد له ولا صاحبة وأنّ عِيسَى عَبْدَه ورسوله وأبوا إلا الجدل والخصومة، أن يدعوهم إلى الملاعنة، ففعل ذَلِكَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلما فعل ذلِكَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنخزلوا وأمتنعوا من الملاعنة. ودعوا إلى المصالحة كالذي حدثنا أبن حميد، قَالَ : حدثنا جرير عن مغيرة عن عامر قال: فأمر بملاعنتهم بقَوْله : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ)... الآية، فتواعدوا أن يلاعنوه، وواعدوه الغد. فانطلقوا إلى السيد والعاقب وكانا أعقلهم، فتابعاهم فانطلوا إلى رجل منهم عاقل. فذكروا له ما فارقوا عَلَيْهِ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالَ : ما صنعتم ؟ وندمهم وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ كَانَ نبياً ثم دَعَا عَلَيْكُمْ لا يغضبه اللّه فيكم أبداً. ولئن كَانَ ملكاً فظهر عَلَيْكُمْ لا يستبقيكم أبداً، قَالُوا : فكَيْفَ لنا وقد واعدنا ؟ فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا غدوتم إِلَيْهِ فعرض عَلَيْكُمْ الَّذي فارقنموه عَلَيْهِ فقولوا: نعوذ باللّه. فإن دَعَاكم أيضاً فقولوا له : نعوذ باللّه، ولعله أن يعفيكم من ذلك. فلما غدوا غدا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) محتضناً حسناً آخذاً بيد الحسين، وفاطمة تمشي خلفه، فدعاهم إلى الَّذي فارقوه عَلَيْهِ بالأمس، فقَالُوا: نعوذ باللّه، ثم دَعَاهم، فقَالُوا: نعوذ باللّه مراراً. قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): فَإِنْ أَبَيْتُمْ فأسلموا ولكم ما لِلْمُسْلِمِين وعَلَيْكُمْ ما المُسْلِمِين، كما قَالَ اللّه عزّوجلّ : فَإِنْ أَبَيْتُمْ فأعطوا الجُزْيَة عَن يدٍ وأَنْتُمْ صاغرون. مضمون آية 29 مِن سُورَة التَّوْبَة.)قَالَ : قَالُوا: ما لنا طاقةٌ بحزب الْعَرَب، ولكن نؤدي الْحِزْيَة، قَالَ : فجعل عَلَيْهِمْ في كلّ سنة ألفي حلة. لفاً في رجب وألفاً في صفر، فَقَالَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : قد أتاني البشير بهلكة أهل نَجْرَانِ، حَتَّى الطَّير عَلَى الشَّجر - أو العصافير عَلَى الشجر - لو تموا عَلَى الملاعنة.)وَقَالَ : حدثنا ابن حميد قَالَ : حدثنا عِيسَى بن فرقد عَن أبي الجَارُود عَن زيد بن عليّ في قَوْله تَعَالَى : (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ... الآية، قَالَ : كَانَ النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلي وفاطمة والحسن والحسين.)وَقَالَ: حدّثنا مُحَمَّد بن الحُسَيْن قَالَ: حدثنا أحمد بن المفضّل قَالَ: حدثنا أسباط عَن السّدّي : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ... الآية. فأخذ - يعني النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - بيد الحسن والحُسَيْن وفَاطِمَة. وَقَالَ لعلي اتبعنا. فخرج معهم، فلم يخرج يَوْمَئِذٍ النصارى، وقَالُوا : إنَّنا نخاف أنْ يَكُون هَذَا هُو النَّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ ولَيْسَ دَعْوَة النَّبِيِّ كغيرها، فتخلّفوا عَنْه يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : لو خرجوا لاحترقوا. فصالحوه عَلَى صلح. عَلَى أنّ له عَلَيْهِمْ ثمانين ألفاً. فما عجزت الدراهم ففي العروض الحلة بأَرْبَعِين. وَعَلَى أنّ له عَلَيْهِمْ ثلاثاً وثلاثين درعاً، وثلاثاً وثلاثين بعيراً، وأربعة وثلاثين فرساً غازية كل سنة. وأن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ضامن لها حَتَّى نؤديها إِلَيْهِمْ. (تَفْسِير الطَّبَرِيّ : 297/3 ط دار الكتب العلمية - بيروت).)أَمَّا الشوكاني : فقد قَالَ فِي تَفْسِيره : وأخرج الحاكم وصححه وأبن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال : قدم عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ العاقب والسَّيِّد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا : أسلمنا يا مُحَمَّد، فَقَالَ: «كَذَّبتما إن شئتها أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): فهات، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): حُبّ الصليب، وشرب الخَمْرُ، وأكل لحم الخنزير. قَالَ :جابر : فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه عَلَى الغد. فغدا رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأخذ بيد عليّ وفَاطِمَة والحسن والحسين، ثم أرسل إلَيْهما فأبيا أن يجيباه وأقرا له، فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): والذي بعثني بِالْحَقِّ لو فعلا لأمطر الوادي علايْهِم ناراً. قَالَ جابر، فنزلت (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا).... الآية. قَالَ :جابر : (أَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) : رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) و(أَبْنَاءَنَا) : الحَسَن والحُسَيْن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وَنِسَاءَنَا : فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ).)ورواه أيضاً الحَاكِم مِن وجه آخر عن جابر وصحّحه. وفيه أنهم قَالُوا للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : هل لك أن تلاعنك ؟ وأخرج مُسْلِم، والتّرمذي، وأبْن المنذر، والبَيْهَقِي عَن سعد بن أبي وقاص قَالَ: لما نزلت هذه الآية : (فَقُلْ تَعَالَوْا) دَعَا رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلِيّاً وفَاطِمَة وحسناً وحسيناً، فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): أَللَّهُمَّ هَؤُلاء أهلي. (فتح القدير : 347/2).)أَمَّا الْأَحَادِيث الواردة في تفسير الآية الكريمة فهي كثيرة ولا يمكن إحصاؤها، ولكن نذكر جزءً مِنْهَا عَلَى سَبيل المثال لا الحصر:ففي عيون الْأَخْبَار عَن الرَّيَّان بن الصَّلْت قَالَ: حضر الرضاء اللّه مجلس المأمون بمرو، وقد أجتمع في مجلسه مِن عُلَمَاء أَهْل الْعِرَاقِ وخراسان. فَقَالَ المأمون : أخبروني عَن مَعْنَى هَذِه الآية (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [ فَاطِرِ : 32] فقالت العلماء : أراد اللّه عزّ وجلَ بِذَلِكَ الأمة كلها. فَقَالَ المأمون : ما تقول يا أبا الْحَسَنِ ؟ فَقَالَ الرّضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أقول كما قَالُوا، ولكني أقول : الْمُرَاد بِذَلِكَ العِتْرَةِ الطَّاهرة. فَقَالَ المأمون: وكَيْفَ عنى العِتْرَة مِن دُونَ الأُمّة ؟)والحديث طويل جداً، ولكن نأخذ الشاهد مِنْهُ، حَيْث قَالَ المأمون وقَالَ الْإِمَامِ الرّضا (عَلَيهِ السَّلَامُ حَتَّى وصلا في حديثها إلى آية (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا).... وَقَالَ:)فأبرز النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ عَليَّاً، والحسن والحسين، وفَاطِمَة صلوات اللّه عَلَيْهِمْ وقرن أنفسهم بنَفْسِهِ. فهل تدرون ما مَعْنَى قَوْله : (وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) ؟ قالت الْعُلَماء : عنى به نَفْسه.)فَقالَ أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: لقد غلطتم إنما عنى بها علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبما يدل عَلَى ذَلِكَ قول النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حِينَ قَالَ: لتَنْتَهِين بَنُو وليعة أو لأبعثن إِلَيْهِمْ رجلاً كنفسي يعنى علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 232. وقد ذكر الحديث أيضاً في الفَضَائِل لأحمد: 966/571/2 و 11008/593 المناقب للخوارزمي: 153/136، المناقب لابن المغازلي : 428، وأنظر جواهر العقدين : 173/2، کنز العمال : 6133/405/62، نور الأبصار للشبلتجي : 227 وراجع أيضاً المصادر السابقة التي أشرنا إليها تحت عنوان : المباهلة).)وأخرج صاحب المناقب عن جعفر الصادق عن أبيه عن جده علي بن الحسين : أنّ الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ قال في خطبته : قَالَ اللّه تَعَالَى لجدي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين جحده كفرة أهل نجران و حاجوه : (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ...) فأخرج جدّي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) معه من الأنفس أبي ومن البنين أنا وأخي الحُسَيْن، ومِن النِّسَاء فَاطِمَة أُميّ، فنحن نحن أهله ولحمه ودمه ونفسه ونَحْنُ مِنْهُ وهُو منا أمالي الشيخ الطوسي : 177/2، وعنه غاية المرام: 304 باب 4 حديث 3).)وأخرج البغوي في تَفْسِيره : (أَبْنَاءَنَا أراد الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (وَنِسَآءَنَا) فَاطِمَة، (وَأَنفُسَنَا) عنى نَفْسه وعَلِيّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ). (معالم التنزيل : 480/1).)وَقَالَ الفخر الرازي في تَفْسِيره : فخرج رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وعَلَيْهِ مرط من شعر أشوَد وقد أحتضن الحسين وأخذ بيد الحَسَن وفَاطِمَة تمشي خلفه وعلي خلفها. (تفسير الرازي : 80/8، الميزان في تفسير الْقُرْآن : 222/3 - 244). ثم قَالَ الرّازي بعد ذلِكَ : وأعلم أنّ هذه الرواية كالمتفق عَلَى صحتها بَيْنَ أَهْل الحديث والتفسير.)وَقَالَ الشعبي عن جابرين عبد اللّه قَالَ : نزلت هذه الآية (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ... أَبْنَاءَنَا الْحَسَن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، و (وَنِسَاءَنَا) فَاطِمَة، (وأَنفُسَنَا) علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). (أنظر شواهد التنزيل لِلْحَاكِم :الحسكاني : 1 /158 / 170 - 175 و 176، أَسْبَاب النزول للواحدي : 75).)وَقَالَ الحبري في تَفْسِيره : نزلت هذه الآية في رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) [وهو ] نَفْسه، ونِسَاءَنَا ونِسَاءَكم فاطِمَة، وأَبْنَاءَنَا وأبناءكم حسن وحسين، والدعاء عَلَى الكاذبين العاقب والسيد وعبد المسيح وأصحابهم (تفسير الحبري: 9/50).)وَقَالَ الطَّبَرِي فِي تَفْسِيره بعد ما ذكر الآية : كَانَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وعلي، وفَاطِمَة، والحَسَن، والحسين - إلى أنْ قَالَ: - وأخذ بيد الحسن، والحُسَيْن، وفَاطِمَة، وَقَالَ لعلي : أتبعنا فخرج معهم فلم يخرج يَوْمَئِذٍ النصارى، وقَالُوا : إنا نخاف أنْ يَكُون هَذَا هُو النَّبِيِّ وَلَيْسَ دَعْوَة النَّبِيِّ كغيرها... «أَبْنَاءَنَا وأبناءكم»؟ قَالَ: حسن وحُسِين.... (تفسير الطَّبَرِيّ : 300/2، الفخر الرازي في تفسيره للآية نور الأبصار للشيلنجي، 100).)وعن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، قَالَ النَّبِيِّ لوفد ثقيف حِينَ جاؤوه: لتسلمن أو لأبعثنَّ عَلَيْكُمْ رجلاً منّي - أو قَالَ: مثل نفسى -. (ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 64، فَضَائِل عليّ ومَوَدَّة القربى : 12 بالإضافة إلى المصادر السابقة.

.)

1) أَنظر، نهج الْبَلاغة للأستاذ مُحَمَّد عَبْدَه : 30/1.

2) أنظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 138/1.

3) أنظر، نهج الْبَلاغة للأستاذ مُحَمَّد عَبْدَه : 30/1.

4) أتَفَقَ أَهْل التَّفْسِير عَلَى نزول هذه الآية في وقد نصارى نجران، وأتفقوا أيضاً عَلَى أن المعني به في لفظة «أَبْنَاءَنَا» هما الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وفي لفظة «نِسَاءَنا» فَاطِمة الزهراء وفي لفظة «أَنفُسَنَا» هو الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما صرح بِذَلِكَ أَهْل العِلْم، لأن الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أستعان بِهِمْ فِي الدُّعَاء إلى اللّه، والتأمين عَلَىٰ دُعائه لتحصل له الإِجَابَة فِيهِ. هَذَا مِن جهة، ومن جهة ثانِيَة أنّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مراراً وتكراراً فسّر هذه الآية بأنّ عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو نفسه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولَسْنَا بصدد ذكر الرِّوَايَات التي تفسر هَذَا الْمَعْنَى لكن الآيه نزلت في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهم : علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ومن شاء فليراجع المصادر التالية.)فتح القدير للشوكاني : 316/1 الطبعة الأولى و 347 الطبعة الثانية ط مُصطف الحلبي بمصر، تَفْسِير ابن كثير : 370/1 و 371 و 376، و : 52/2 ط بیروت. تَفْسِير الكشاف للزمخشري : 268/1 طقم و 370 ط بيروت، تَفْسِير الطَّبَرِي : 297/3 - 299 ط دار الكتب العلمية بيروت وص 192 و 330 و 301 ط الميمنية بمصر، و : 6/22، خُلَفَاء الرَّسُول للعلّامة البحراني: 107، غاية المرام : 304 باب 3/4، تاريخ ابن كثير : 53/5 و 54 ط السعادة سنة 1351، إمتاع الأسماع للمَقْرِيزِي : 502، لوامع الحقائق للميرزا أحمد الاشتياني : 31 و 32، تلخيص الشافي : 6/3، كشف المراد: 411، كشف الغُمَّة: /233/1، السَّرَاط المُسْتَقِيم : 1/ 210، حق الْيَقِين : 268/1، دلائل الصِّدْق : 2/ 386 و 125، حق 386/2 الْيَقِين للسيد شبر : 1/ 270. بحار الأنوار: 257/35 و 258 نقلاً عَن الفُصول للشيخ المفيد في إحتجاج الإمام الرضا لا عَلَى المأمون.كما ورد في تفسير الطبرسي : 266، كشف التقين في فَضَائِل أمير المؤمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ لابن المطهر الحلّي : 213 - 215 تحقيق حسين الدرگاهِي الطبعة الأولى إيران، أمالي الشيخ الطوسي : 177/2، عيون أخبار الرضا: 2/ 210 باب 1/23 عبقات الأَنْوَار : 252/1، تفسير فرات الكوفي : 45/14، مناقب الإمام، علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لإبن المغازلي : 263 ح 310 ط بيروت، الفَضَائِل لأحمد بن حنبل : باب فَضَائِل الحَسَن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ح 27 شرح النهج لابن أبي الحديد : 291/16 ط مضر. و : 4 / 108 ط مضر تحقيق مُحمَّد أبو الفضل، إحقاق الحق للتستري : 46/3 - 62، و: 70/9 و 91 الطبعة الأولى طهران، المناقب للخوارزمي: 60 و 97، فضائل الْخَمْسَة : 244/1، أسد الغابة لابن الأثير : 26/4، الْإِصَابَة لابن حجر العسقلاني: 72/2ط الميمنية بمضر، مرآة الجنان لليافعي: 109/1، أَسْبَاب النزول للواحدي : 59 و 74 الطبعة الأُولى.) وأنظر أيضاً دَلَائِل النُّبُوَّة لأبي 297/1، فرائد السمطين للحمويني : أوائل السمط الثاني ح 371، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي : 212/3 ط البهية بمصر، السِّيرَة النَّبَوِيَّة لزين دحلان بهامش السِّيرة الحلبية : 5/3، أحْكام الْقُرْآن للجصاص: 295/2 - 296 ط عبد الرحمان مُحَمَّد بيضر و 295 الطبعة الثَّانِيَة تحقيق الفتحاوي، التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي : 109/1، فتح الْبَيَان في مقاصد الْقُرْآن : 72/22، زاد المسير لابن الجوزي: 399/1، جامع الأصول لابن الأثير : 470/9 العمدة لابن، البطريق : 192 و 296، الخصائص : 97، تفسير الحبري : 50، المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم: 150/3، تاريخ دمشق لابن عساكر : 255/1 الطبعة الثَّانِيَة، تَفْسِير أبي السعود مطبوع بهامش تفسير الرازي : 143/2 ط الدار العامرة بمصر، تفسير الجلالين للسيوطي: 33/1 ط مضر و 77 ط دار الكتاب العربي بيروت.

وآيَة التَّطْهير : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرُّجنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللّه وَرَسُولَهُ وَ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (1)وحديث الثّقلين الّذي ساوی النَّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فيه بين)


1) الأَحْزَابِ : 33.)لا بد لنا من تَحدِيد مَعْنَى (الأهل لغتةً وأصطلاحاً - كما وردت في كتاب اللّه، وأحاديث رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقواميس اللغة العربيَّة، وذلك لقطع الطريق عَلَى المتلاعبين، وإلقاء الحجة عَلَى الآخرين، وليكن تحديدنا عَلَى نحو الإستعراض السريع.)فالأَهْل في اللُّغة : أَهْل الرَّجُل، عشيرته، وذوو قرباه، جمعه : أهلون، وأهلات، وأهْل يأهل ويأهل أهولاً وتأهل واتهل : أتخذ أهلاً.وأَهْل الْأَمْر : ولاته، وللبيت سكانه، وللمذهب من يدين به وللرجل زوجته كأهلته، وللنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أزواجه وبناته وصهره علي (رضیَ اللّهُ عنهُ) أو نساؤه، والرجال الذين هم آله، ولكل نبيٍّ أُمّته، ومكان.آهل له أهل ومأهول، فيه أهل... (أنظر القاموس المحيط للفيروزآبادي).)وذكر في المعجم الوسيط تعريفاً آخر للأهل الأهل : الأقارب، والعشيرة، والزَّوْجَة، وأَهل الشّيء: أَصْحَابِهِ، وأَهْل الدَّار ونحوها : سكانها.وذكر الرازي صاحب مختارات الصحاح مَعْنَى الأَهْل فَقَالَ: من الأهالة والأهالة لغة : الودك والمستأهل هو الذي يأخذ الأهالة، والودك بسم اللحم، والبيت عيال الرَّجُل... والأهل والأقارب. والعشيرة، والزَّوْجَة، وأَهْل الشّيء أَصْحَابِهِ، وأَهْل الدَّار سكّانها.إِذَنْ، كَلِمَة «أَهْل» عندما تطلق فَإِنَّها تحتمل عدة معان. فربَّما تعني : الزَّوْجَة فقط، أو الأولاد فقط، أو الزَّوْجَة والأولاد معاً، أو الأقارب والعشيرة، إلى غير ذلِكَ. ولذا نجد كل وَاحِدَة من هذه المعاني قد وردت في الْقُرْآنِ الْكَرِيم حَبْتَ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ‌ی ءانَسَ مِن جَابَبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُثُوا إِلَى انَسْتُ نَارًا لَّعَلَّى ءاتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ الْقَصَصِ : 29.)فأَهْل مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ في الآية الكريمة هي الزَّوْجَة التي خرج بها عائذاً من مدين إلى مصر، ولَيْسَ يصحبه أحد سواها، فلا تتصرف كَلِمَة «أَهْله» إلى معنى آخر. (أنظر تفسير السيّد عبدالله شير : 373 الطبعة الثالثة دار إحياء التراث).)وَقَالَ تَعَالَى : (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُوسُفَ : 25.)والأَهْل هنا أيضاً تعني الزَّوْجَةَ، وَهِي زَوْجَهُ عزيز مصر لا غَيْر.1وأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِن الْغَباِرِينَ الْعَنْكَبوتِ : 33، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا). طَه : 132. فكَلِمَة «الأهل» في الآيتين الشَّرِيغتين تعني الأُسرة رة المكونة من الزوجين، والأولاد، ومُتَعَلِّقِ الرِّجَال عَلَى الرّغم من استثناء زَوْجَة لوط (عَلَيهِ السَّلَامُ) فنالها العذاب.)وأَمَّا قَوْله تَعَالَى: (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ و فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ و لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ... هُودٍ : 45 و 46، فكَلِمَة «الأهل» هنا تعني أُسرة الرَّجُل السالكين لدربه والسائرين عَلَى خطه، ولذا خرج ابْنِهِ عَن الأسرة، ولذا لم يعد أحد أبنائه، لأنه خرج عن خط أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكَانَ نُوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحمل زوجه وأولاده وزوجات أولاده الاحظ تفسير الآية في كتب التَّفْسِير وخاصةً تفسير الجلالين).)أَمَّا قَوْله تَعَالَى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا النِّسَاء : 35. وقَوْله تَعَالَى: (وَشَهِدَ شَاهِدُ مَنْ أَهْلِهَا) يُوسُفَ : 26، فكَلِمَة «الأهل» في الآية الأولى تعني أقارب وعشيرة الزوجين. أَمَّا في الآية الثَّانِيَة فتعني أقارب وعشيرة إمرأة عزيز مصر. (لاحظ تفسير الآية في كتب التَّفْسِير وخَاصَةً تَفْسِير الجلالين، ولاحظ تفسير الميزان: 142/12).)وأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ‌ى مِن ضُرٍ وَءاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ و وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ الأَنْبِيَاء : 84، فكَلِمَة «أهْل» في الآية هنا تشير إلى أبناء النَّبِيِّ أيوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد كشف الضَّرْ عَنْهُ.)أَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّتِى إِلَّا بِأَهْلِهِ‌ي فَاطِرِ : 43. وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمانَتِ إِلَى أَهْلِهَا) النِّسَاء : 58، وقَوْله تَعَالَى: (قَالَ أَخْرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) الْكَهْفِ : 71، فكَلِمَة (أهْل) في هذه الآيات الشريفة تعني أَصْحَاب التّي، أو أَصْحَاب الْعَمَل.)والخلاصة : أنّ كَلِمَة «أُهْل» قد وردت في الْقُرْآنِ الْكَرِيم 54 مرّة (أنظر المعجم المفهرس لألفاظ الْقُرْآن الْكَرِيم مُحَمَّد فؤاد عبد الباقي.)أَمَّا كَلِمَة «بَيْت» التي وردت في مواطن عديدة من كتاب اللّه تعالى وسنة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أيضاً حملت عدة معانٍ مِنْهَا الْمَسْجِدِ الْحَرَام ومِنْهَا : البيت النسبي، ومِنْهَا : البيت المادّي المعد للسكن، وغَيْر ذَلِكَ، فقد وردت بمعنى الْمَسْجِدِ الْحَرَام 15 مرّة : (أنظر الْبَقَرَة : 125 و 127 و 151، الأَنفَالِ : 25، هُودٍ : 73، الحج 26 و 29 و 33، آلِ عِمْرَانَ : 96 و 97 الْمَائِدَةِ : 2 و 97، الأَحْزَابِ : 33 اَلطُّورِ : 4، إِبْرَاهِيم: 27) لأَنَّهَا من الألفاظ المشتركة.)أَمَّا إِذَا أضفنا كَلِمَة «أَلْبَيْت» إلى الأَهْل فقد وردت في الْقُرْآن الكريم مرتين كما في قَوْله تَعَالَى: (رَحْمَتُ اللّه وَبَرَكَاتُهُ و عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ هُودٍ : 73. وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) الْأَحْزَابِ : 33.)أَمَّا كَلِمَة «أَهْل الْبَيْت» في السنة المطهرة فكثيرة الورود ولا يمكن لنا أستعراضها. لاستلزام ذلك مراجعة قوله وفعله وتقريره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وَهَذَا مِمَّا لا يمكن حصره.)وبما أنّ المدلول الحقيقي هذا المصطلح الجليل قد تعرّض لحملة من التزوير، والتشويه، وهو مدار بحثنا فيقتضي التنويه عما ورد عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ عَلَى سَبِيل الإجمال لا التفصيل. فقد ورد عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن طريق أَهْل السِّنّة والشيعة ما يقارب الثمانين. روى مِنْهَا أَهْل السنة ما يقرب من أَربعين حديثاً. وروى أَهْل الشيعة أكثر من ثلاثين طريقاً (راجع تفسير الميزان : 329/16). وَعَلَى الرّغم من ذَلِكَ فقد تمخض عن إهمال القرينة قيام عدة آراء ومذاهب كلّ مِنْهَا تزعم سلامة الإتجاه والتَّفْسِير لهذا المصطلح.)فمنهم من يقول : إِنَّ أَهْل الْبَيْت الذين عنتهم آية التطهير هم بنو هاشم - أي بنو عبدالمطلب جميعاً -. ومِنْهُم من قَالَ : إنّهم مؤمنو بني هاشم وعبد المطلب دون سائر أبنائهما (روح المعاني للآلوسي : 14/24.)ومِنْهُم من يقول : إنّهم الْعَبَّاس بن عبد المطلب وأبناؤه (المصدر السابق.)ومنهم من يقول : هم الذين حرموا من الصَّدَقَة : آل علي وآل عقيل، وآل جعفرٍ، وآل الْعَبَّاس (أنظر تفسير الخازن : 259/5)ومنهم من يقول : هم نِسَاءَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وعلي، وفاطمة والحسن، والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (أنظر تفسير الخازن 259/5، تفسير الكشاف : 626/3، فتح القدير للشوكاني : 4/ 278 و 280).)ومنهم من يقول : هم نِسَاءَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ خَاصَّةً، حَتَّى أنّ عِكْرِمَة كَانَ يقول : من شاء باهلته بأنها نزلت بأزواج الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).)ولَسنَا بصدد مناقشة هذه الأقوال، ولكن تذكر القارئ الكريم بأنّ عِكْرِمَة بن عبد اللّه يرى رأي تجدة الحَرُورِيّ وهو من أشدّ الخَوَارِج بغضاً لعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ. ويرى أيضاً كفر جميع المُسْلِمِين من غير الْخَوَارِج. وهو القَائِل في موسم الحج : وددت أن بيدي حربةً فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً. وهُو القَائِل أيضاً عندما وقف على باب المَسْجِدِ الحرام ما فيه إلا كافر.)ومن مفاهيمه الإعتقادية: إنّما أنزل اللّه متشابه القُرْآن ليضل به. وقد أشتهر بكذبه ووضعه للحديث ابن عَبَّاس، وأبن مسعود، ولذا وصفه يحيى بن سعيد الأنصاري بأنه كذاب. (أنظر ترجمة عِكْرِمَة في ميزان الإعتدال للذهبي : والمعارف لابن قتيبة : 455 الطبعة الأولى قم منشورات الشَّرِيف الرَّضِي، طبقات ابن سعد. أفيصح بعد هَذَا أن نأخذ بحديثٍ يرويه ؟!)أَمَّا الرّاوي الثَّانِي بعد عِكْرِمَة فَهُوَ مقاتل بن سليمان البلخي الأَزْدِي الخراساني، كَانَ مفسّراً لِلْقُرْآن الْكَرِيم عَلى طريقته الخاصة، حَتَّى قَالَ فِيهِ ابن المبارك: ما أحسن تَفْسِيره لو كان ثقة. (أنظر ميزان الإعتدلال للذهبي : 173/4 الطبعة الأولى بيروت تهذيب الْعُمَّال في أسماء الرّجال للحافظ الخزرجي الْأَنْصَارِي. وكَانَ من غلاة المجسّمة يشبه الخَالِقِ بِالْمخلُوقِينَ، حَتَّى قَالَ أبو حنيفة : أفرط جهم في نفي التشبيه حَتَّى قَالَ : إِنه تَعَالَى لَيْسَ بشيء وأفرط مقاتل في الإثبات حَتَّى جعله مثل خلقه. (أنظر المصْدر السابق). وَقَالَ النِّسائي: والكذابون المعرُوفُون بوضع الحديث : أبن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان. (ميزان الإِعْتِدَال : 562/3 في ترجمة مُحَمَّد بن سعيد المصلوب). وكَانَ مقاتل عَلَى مَذْهَب المرجئة (الفصل لابن حزم 205/4)، ويأخذ عَن اليهود والنصارى ويغرّر بالمُسْلِمِين حَتَّى. قالَ فِيهِ الذهبي : كَانَ مقاتل دجّالاً جسوراً. (ميزان الإِعْتِدَال : 562/3).)عود عَلَى بدء : كَيْفَ يفسّر عِكْرِمَة أو مقاتل بأنّ الآية نزلت في نِسَاءَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ خَاصَّةً مَع أن المراد من الرجس هو مطلق الذنب ؟! وَهَذَا يلزم إذهاب الرّجس عنهنّ وبالتالي لا يصح أنْ يُقَال: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ...) الْأَحْزَابِ : 32 ولما صح قَوْله تَعَالَى: ﴿يا َنِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرًا) الْأَحْزَابِ : 30.)وكَيْفَ يفسران ايذاء من له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ مع إذهاب الرجس عنهن ؟ ! حيث ذكر البُخَارِيّ : إِنَّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هجر عَائِشَةَ، وحفصة شهراً كاملاً، وذلك بسبب إفشاء حفصة الحَدِيث الَّذي أسره لها إلى عَائِشَةَ، فقالت (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً. (صحيح البُخَاري : 34/3). وفي رواية أنس: قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : آليت منهن شهراً. (نفس المصدر السابق). وهاهو ابن عَبَّاس يقول : لم أزل حريصاً عَلَى أنْ أسأل عُمَرَين الخطَّابِ عَن المرأتين من أزواج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) اللتين قال اللّه تَعَالَى فِيهِمَا: (وَإِن تَتُوبَا إِلَى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) التَّحْرِيم: 4 حَتَّى حجّ وحججت معه... حَتَّى قَالَ ابن عَبَّاس: فقلت لِلْخَلِيفَة : من المرأتان ؟ فَقَالَ عُمر بن الخطاب : واعجباً لك يا ابن العباس ! هما عَائِشَةَ وحفصة. (المصدر السابق: 28/7 - 29، و : 133/3). وهاهي عَائِشَةَ وتعقبها للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد ما فقدته في ليالي نوبتها، وقَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لها : «مالك يا عَائِشَةَ ! أغرتِ ؟ فقالت : ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك ؟ ! فَقَالَ لها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أفأخذك شيطانكِ ؟ ! (مُسْنَد أحمد : 115/6، وأنظر تفسير الطَّبَرِيّ : 101/28، وطبقات ابن سعد : 135/8 ط أوربا، وصَحِيح البخاري : 137/3، و : 22/4، وصحيح مُسْلِم كتاب الطَّلَاقِ ح 31 - 34).)وكَيْفَ يفسّران قَوْله تَعَالَى : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّه وَرَسُولَهُ و لَعَنَهُمُ اللّه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينَا الْأَحْزَابِ : 57، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُول اللّه لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) التَّوْبَة : 061 وقَوْله تَعَالَى : (عَسَى رَبُّهُ وَ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ وَ أَزْوَجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانتَاتٍ تَائبات عَابِدَاتٍ..) التَّحْرِيم : 5، وقوله الا اللّه لأم سلمة عند ما سألته : يا رَسُول اللّه ألست من أَهْلَ الْبَيْتِ ؟ قَالَ : أنتِ إلى خير إنّك من أزواج النَّبِيِّ. وما قَالَ : إنك من أهل البيت ؟ ! (أنظر كتاب شواهد التنزيل لِلْحَاكِم لحسكاني : 124/2 تحقيق الشيخ المحمودي نقلاً عن كتاب معجم الشيوخ : 2 / الورق 7 من المصوّرة. تفْسِير الطَّبَرِي : 7/22).)أَمَّا المدلول الحَقِيقِي لأهل البيت بعد تخصيص هذا التعميم وتقييد الإطلاق في الآية الكريمة من خلال القرينة التي ترافق الاستعمال، وكَذَلِكَ من خلال الأحاديث النبوية المحدّدة للمراد من أهل البيت في آية التطهير وهي ما أجمعت عَلَيْهِ الأمة من خلال كتب الحديث المعتبرة أو كتب التَّفْسِير فَإِنَّه يظهر لنا أنَّ هَذِهِ الآية نزلت في خمسةٍ، وهم: مُحَمَّد، وعلي، وفَاطِمَة، والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ، ومصادر تلك الْأَحَادِيثِ غَيْر محصورة ولكن نشير إلى ماهو متداول ومنشور منها:)1 - روت أُمّ المُؤْمِنِين أُمّ سلمة بشأن نزول هذه الآية : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قالت : إِنَّهَا نزلت في بَيْتِي، وفي البيت سبعة : جبريل وميكال، وعلي، وفَاطِمَة، والحسن، والحسين رضي اللّه عنهم وأنا عَلَى باب البيت، قلت : يا رَسُول اللّه، ألست من أَهْل الْبَيْتَ ؟ قَالَ : إنك إلى خير، إنكِ إلى خير ! إنكِ من أزواج النبي. (أنظر الدر المنثور للسيوطي : 198/4، ومشكل الآثار : 233/1، ورواية أُخرى في سُنن الترمذي : 248/13، ومُسند أحمد: 306/6، أسد الغابة : 29/4. وتهذيب التهذيب : 297/2).)2 - وروى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب قَالَ: لما نظر رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ إلى الرَّحمة هابطة قَالَ : أدعوا لي، أدعوا لي، فقالت صفيه بنت حيي بن أخطب زوج رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : مَن يَا رَسُول اللّه ؟ قَالَ : أَهْلِ بَيْنِي عَلِيَّاً، وفَاطِمَة، والحَسَن، والحُسَيْن. (أنظر مُسْتَدرَك الصَّحِيحِين : 147/3، صحیح مُسلم: 154/5، مُسند أحمد: 9/1، سنن البيهق: 300/6). فجيء بهم، فألقی عَلَيْهِمْ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كساء. كساء ثم رفع يديه، ثم)قَالَ : أَللَّهُمَّ هَؤُلاء الي فصلَّ عَلَى مُحَمَّد وآل مُحَمَّد. فنزل قول اللّه عزّ وجلّ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ....)3 - وروت أُمّ الْمُؤْمِنِين عَائِشَةَ بشأن نزول هذه الآية قالت : خرج رَسُول اللّه غداةٌ وعَلَيْهِ مرط مرحل من شعر أَسْوَد، فجاء الحسن بن على فأَدْخَلَه، ثم جاء الحُسَيْن فدخل معه، ثم جاءت فَاطِمَة فَأَدْخَلَها، ثم جاء علي فأَدْخَلَه، (أنظر مُسْتَدرَك الصَّحِيحِين : 147/3 ط حیدر آباد، تفسير الطَّبَرِي: 5/22 ط بولاق، ثمّ قَالَ : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).)4 - وعن أنس بن مالك قَالَ : إِنَّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ كَانَ يمرّ بباب فَاطِمَة ستة أشهر كلما خرج إلى صَلاة الفجر يقول : الصَّلاة يا أَهْل الْبَيْت، إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت. (أنظر المصادر السابقة، وتفسير أبن كثير : 483/3، والدر المنثور، 199/5، ومُسْنَد الطَّيَّالسي 8 / 274).)فهَؤُلَاء أَهْل بَيْتَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ علي، وفَاطِمَة، والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) كما جاء في النقل المتواتر الذي لا يقبل اللبس، وكما هو معروف من أحوال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسيرته معهم.)ونظراً لكثرة المصادر التاريخية، والحديثية، والتَّفْسِيرية نكتفي بذكرها فقط دون تدوين الْوَاقِعَة.أولاً : بدءً بالسَّيِّدة عَائِشَةَ زَوْجَة النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وأعترافها بأنّ أهل البيت هم: علي، وفَاطِمَة، والحَسَن والحُسَيْن (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهي خارجة عنهم، أي لم تشملها الآية.)أنظر ذَخَائِرِ الْعُقْبَى للطبري الشافعي : 24، صَحِيح مُسْلِم باب فَضَائِل أَهْل الْبَيْت : 268/2 ط عِيسَى الحلبي بمصر، و : 194/15 ط مصر أيضاً بشرح النووي، فتح البيان لصديق حسن خان : 365/7، فتح القدير للشوكاني : 4 / 279، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي : 2/ 56 ح 676 - 684 تحقيق الشيخ المحمودي، المستدرك لِلْحَاكِم: 147/3، الدر المنثور للسيوطي : 198/5، إحقاق الحق للتستري: 9 / 10، كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي : 54 و 373 و 374 ط الحيدرية، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي : 133.وثانياً : أعتراف أُمّ المُؤْمِنِين أُم سلمة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بأن أهْل الْبَيْت هم: عليّ، وفَاطِمَة، والحَسَن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي خارجة عنهم.)الله أنظر شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي : 2/ 39 ح 659 و 206 و 707-710 و 713 و 714 و 717 و 720 و 722 و 724 و 725 و 726 و 729 و 731 و 737 و 738 و 740 و 747 و 748 و 752 و 755 و 757 - 761 و 764 و 765 و 768، الرياض النضرة لمحبّ الدين الطَّبَرِي الشافعي : 248/2 الطبعة الثانية، مطالب السؤول لابن طَلْحَة الشافعي : 19/1 ط النجف، سنن الترمذي : 327/5 ح 3205، صَحِيح الترمذي : 31/5 ح 3258 و 328 و 328 ح 3875 و 361 ح و 361 ح 3963.وأنظر فتح الْبَيَان لصديق حسن خان : 364/7. فتح القدير للشوكاني : 4/ 279، مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي : 303 ح 347 و 349، تفسير ابن كثير : 484/3، الدر المنثور ح للسيوطي : 5 / 198، نظم درر السمطين للزرندي الحسني : 238، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى للطبري الشافعي: 21. كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي : 372 ط الحيدرية، ينابيع المودة للحافظ القندوزي الحنفي : 107 و 228 و 230 و 294 ط اسلامبول، أسد الغابة لابن الأثير : 12/2، و : 413/3، و : 29/4، السيرة التَّبْوِيَّة بهامش السيرة الحلبية : 330/3 ط البهية بمصر. تَفْسِير الطَّبَرِي : 7/22، إسعاف الراغبين بهامش نور الأَبْصَار : 97 الْأَبْصَار : 97 ط العُثمَانِية، بحار الأنوار: 226/35.وَثَالِثاً : اختصاص أَهْل الْبَيْت بعلي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ من خلال قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): أَللَّهُمَّ هَؤُلاء أَهْل بَيْتِي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وقَرِيب مِنْهُ أَلفاظ أخرى كما ورد عن جابر بن عبد اللّه : أَن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دَعَا عَلِيَّاً، وأبنيه، وفَاطِمَة، فألبسهم من ثوبه، ثمّ قَالَ : أَللَّهُمَّ هَؤُلاء أَهْلي هؤلاء أهلي.)أنظر، شواهد التنزيل لِلْحَاكِم الحسكاني الحنفي: 28/2 تحقيق الشيخ المحمودي ح 647 - 649 و 654 و 659 و 670 و 672 و 673 و 675 و 682 و 684 و 686 و 689 و 691 - 693 و 718 - 722 و 724 و 726 و 731 و 732 و 734 و 737 - 741 و 743 و 754 و 758 - 761 و 765 و 768 فرائد التطمين: 18 / 316 ح 250 و 365 ح 296، و : 2 / 14 ح 360. الرّياض النضرة لمحب الدين الطَّبَرِي الشافعي: 248/2 الطبعة الثَّانِيَة السِّيرَة الحلبية للحلبي الشافعي: 212/3 ط البهية بمصر. صَحِيح الترمذي: 5 / 31 ح 3258 و 328 ح 3875 و 361 ح 3963، صحیح مُسلم باب فضائل علي بن أبي طالب : 176/15 ط مصر بشرح النووي.وأنظر أيضاً مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي : 302 ح 346 - 350، مطالب السؤول لابْن طَلْحَة الشافعي : 19/1 ط النجف، المناقب للخوارزمي الحنفي: 60. مقتل الخمسين للخوارزمي: 75/1، خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 4 و 16 ط القاهرة وص 46 بتحقيق الشيخ المحمودي، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين لِلْحَاكِم : 2 / 150 و 416. و : 108/3 و 146.وأنظر كَذَلِكَ نَفْسِير الطَّبَرِيّ : 6/22. السِّيرَة النَّبَوِيَّة لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية : 330/3 ط البهية بمصر، فتح البيان لصديق حسن خان : 364/7، فتح القدير للشوكاني : 4 / 279، الدر المنثور للسيوطي: 198/5، إحقاق الحق : 2/9 - 69. ذَخَائِرِ الْعُقْبَى لحبّ الدِّين الطَّبَرِي الشافعي : 23، تَفْسِير ابن كثير : 483/3. تجمع الزوائد : 91/7، تأريخ الخلفاء للسيوطي: 169، ينابيع المودة للحافظ القندوزي الحنفي: 107 و 108 و 194 و 228 - 230 و 244 و 281 و 294ط اسلامبول، مسند أحمد: 1 / 185، و: 3 / 259، و : 6/ 298 ط الميمنية بمصر، مشكاة المصابيح للعمري: 254/3 تاريخ ابن عساكر الشافعي: 1/ 21 ح 3 وص 184 و 249 و 271 - 273، تفسير الفخر الرازي: 700/2، أسد الغَابَة لابن الأثير : 12/2، و 413/31، و : 4 / 26، و : 5 / 66 و 174 و 521 و 589.وراجع مُنتخَب كنز العُمَّال بهَامِش مُسْنَد أحمد : 53/5 مصابيح السنة للبغوي الشافعي : 2/ 278 ط، مُحَمَّد علي صبيح، المعجم الصغير للطبراني : 65/1، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: 133 و 238 و 239، معالم التنزيل للبغوي الشافعي مطبوع بهامش تفسير الخازن: 213/5، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة لابن حجر: 119 و 141 - 143 و 227 ط المحمدية، تفسير الخازن: 213/5، مرآة الجنان لليافعي : 1/ 109، التَّاريخ الكبير للبخاري : 1 / 69/2 رقم 1719 و 2174 ط سنة 1382 هـ. أَسْبَاب النزول للواحدي : 203، الإتحاف للشبراوي الشافعي 5 الإشعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة : 37/3 ط السعادة، كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي : 54 و 142 و 144 و 242 ط الحيدرية.ورابعاً : اختصاص أهل البيت علي، وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ وذلك من خلال أقواله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عندما يخرج للصّلاة، ويمر بباب عليّ وفَاطِمَة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) كرواية أنس بن مالك قَالَ : إِنَّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانَ يمر بباب فَاطِمَة ستة أشهر، فَإِذَا خرج إلى صَلاة الْفَجْرِ يقول : الصَّلاة يا أَهْل الْبَيْت، إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت.)أنظر، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: 2 / 18 ح - 637 - 640 و 644 - 640 و 644 و 695 و 696 و 773 تحقيق الشيخ المحمودي. مطالب السؤول لابن طَلْحَة الشافعي: 19/1، صَحِيح الترمذي: 3/5 ح 3259 مُسند أحمد: 259/3 و 285 ط الميمنية بضر، مُنتخَب كنز العمال بهامش مُسْنَد أحمد : 96/5، الدر المنثور للسيوطي: 199/5، تفسير الطَّبَرِي : 6/22، تجمع الزوائد للهيثمي الشافعي: 168/9، تَفْسِير بن كثير : 483/3 و 484، المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم : 158/3، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 193 و 230 ط اسلامبول، فتح البيان لصديق حسن خان : 365/7ط القاهرة، أنساب الأشراف للبلاذري : 2 / 104 ح 38، أسد الغابة لابن الأثير : 521/5.وخامساً : اختصاص أهل البيت بعلي، وفَاطِمَة، والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ من خلال سبب النزول، وما قاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِيهِمْ كحديث أُمّ سلمة : إِنَّ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانَ في بَيْتِها، عَلَى منامة له، عَلَيْهِ كساء خيبري فجاءت فَاطِمَة ببرمة فيها خزيرة، فَقَالَ : أدعى زوجك وأبنيك، فدعتهم، فبيناهم يأكلون إذ نزلت عَلَى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). فأخذ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بفضلة الْكِسَاء فغسّاهم إيَّاها. ثمّ قَالَ: أَللَّهُمَّ هَؤُلَاء أَهْلِ بَيْتِي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثلاث مَرَّات. قالت أُمّ سلمة : فأدخلت رأسي في البيت، فقلت : وأَنا مَعَكُمْ يَا رَسُول اللّه ؟ قَالَ: إِنَّكِ إلى خير.)أنظر شواهد التنزيل لِلْحَاكِم الحسكاني : 2 / 13 - 637 - 641 و 644 و 648 - 653 و 656 - 661 و 663 - 668 و 671 - 673 و 675 و 678 و 680 و 681 و 686 و 689 و 690 و 691 و 694 و 707 و 710 و 713 و 714 و 717 و 718 و 729 و 740 و 751 و 754 - 762 و 764 و 765 و 767 و 769 و 770 و 774 ط وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، صحيح مُسْلِم فَضَائِل أَهْل الْبَيْت 368/2 ط عِيسَى الحلبي، صَحِيح الترمذي : 30/5 ح 3258 و 5 / 328 ح 3875 ط دار الفكر مُسْنَد أحمد : 330/1 ط الميمنية بمضر، فرائد السمطين للحمويني الشافعي: 316/1 ح 250، و : 9/2 ح 356 و 362 و 364، عبقات الأنوار: قسم حديث الثقلين : 285/1. إسعاف الراغبين للصبان بهامش نور الأَبْصَار : 104 و 105 و 106 ط السعيدية، فتح القدير للشوكاني : 279/4.و أنظر كَذَلِكَ نور الأَبْصَار للشبلنجي : 102 ط السعيدية، فتح البيان لصديق حسن خان : 363/7 - 365، الرياض النضرة لمحبّ الدين الطَّبَرِيّ الشافعي: 248/2 الطبعة الثَّانِيَة، إحقاق الحق للمتستري 502/2 - 547، فَضَائِلِ الْخَمْسَة : 224/1 - 243، يُنابيع المودة للقندوزي الحنفي : 107 و 108 و 228 - 230 و 244 و 260 و 294 ط اسلامبول. العقد الفريد لابن عبد ربه المالكي : 311/4 ط لجنة التأليف والنشر بمصر، الإِسْيعَاب لابن عبدالبر بهامش الإصابة : 37/3 ط السعادة، خصائص أمير المؤمنين للنسائي الشافعي : 72 تحقيق الشيخ المحمودي مُنتخَب كنز الْعُمَّال بهامش مُسند أحمد بن حنبل : 96/5 وأنظر أيضاً السِّيرَة النَّبَوِيَّة لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية : 329/3 و 330 ط البهية بمصر، كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي: 54 و 372 - 375 أسد الغابة في مَعْرِفَة الصَّحَابَة لابن الأثير، الشافعي : 2 / 12 - 20، و : 413/3، و : 5 / 521 و 589، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى للطبري الشافعي : 21 و 23،20 و 24، أَسْبَاب النزول للواحدي : 203 ط الحلبي بمصر، الصَّوَاعِقِ المُخرِقَة لابن عِصْر، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة لابن حجر الشّافعي: 85 و 137 ط الميمنية بمضر، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: 240/4 مطبعة المشهد الحسيني بمصر، التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي : 137/3، التَّفْسِير المنير لمعالم التنزيل للجاوي : 2 / 183. أَحْكَام الْقُرْآن 183/2 للجصاص : 230/5 ط عبد الرحمان مُحمَّد، منافب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي: 301 ح 345 و 348 - 351.وراجع مصابيح السنة للبغوي الشافعي : 2/ 278 ط مُحَمَّد علي صبيح ووردت في تفسير البرهان: 3/ 312 ح 12 و 314 ح 14 رواية عَن عَمْرُو بن يَزِيد عَن مكحول وفيها قَالَ جِبْرِيل: وأنا منكم يا مُحَمَّد.... مَجْمَعَ الْبَيَان: 7 - 8: 356 و 357 ط إحياء التراث العربي بيروت، تفسير الشوكاني : 280/4، خُلَفَاء الرَّسُول للعلامة البحراني : 178، المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم : 146/3 ط دار المعرِفَة بيروت، القَوْل الفصل للسيد علوي بن طاهر الحداد: 286/2 ط جاوا، تفسير جامع البيان: 296/1 دار المَعْرِفَة تَفْسِير النيسابوري : 10/22، تفسير الطَّبَرِي : 6/22 و 7 و 28 ط مضر، الدر المنثور للسيوطي: 198/5 و 199، مشكاة المصابيح للعمري : 254/3 الكشاف للزمخشري: 193/1 ط مصطفى مُحمَّد، تَفْسِير القُرطبي : 182/14 الطبعة الأولى بالقاهرة، تفسير ابن كثير : 483/3 - 485 و 491 الطبعة الثانية بمضر، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي الحنفي : 233، مطالب السؤول لابْن طَلْحَة الشافعي: 19/1 و 20 ط دار الكتب في النجف، أحكام الْقُرْآن لابن عربي : 166/2 ط مضر.

الْقُرْآن وأَهْل بَيْتِهِ، وَقَد جَمع أسانيد هَذَا الْحَدِيث المتواتر مِن طَرِيق السُّنَّة، جَمَعَهَا الشيخ قوّام الدِّين الوَشنُوي القُمّي فِي رِسَالَة خَاصَّة، أسماها (حَدِيث التَّقلين)، ونشرتها دار التقريب بَيْنَ المذاهب الإسلامية (1)

ولسنا بصدد بيان وتحث حديث الثقلين، بل نقول لِمَاذَا مَنع الألوف عن المسير؟ وأرجَاع مَن تَقَدَّم مِنْهُم وإلحاق من تأخر؟ ولم أنزلهم في العراء لا كلأ ولا ماء ؟ ولماذا قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : ليبلغ الشاهد مِنْهُم الغَائِب ؟ وَلِمَاذَا يَنعى نَفْسه هُمْ ؟ وَلِمَاذَا يَسألهُم عَن الشّهادتين ؟ وَلِمَاذَا يُحذرهم من النَّار، والموت، والسَّاعة، والبعث مَن فِي الْقُبُورِ ؟ وهل من المَعْقُول أنْ يَجْمَعهم عَلَى أمرٍ هُو من أوضح الواضحات بحكم الوجدان والعيان وهُو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) المنزه في أفعاله، وأقْوَاله بحكم الحكمة، والعقل، والْعِصْمَة ؟ هَذه أسئلة نطرحها عَلَى ابْن كَثِير ومَن سَار عَلَى نَهْجِهِ.)ثم إِنَّ لفظة «منى» في حديث المَنْزِلَة «أَنْتَ منى عِنْزِلَةِ هارون من مُوسَى إلا أنه لَيْسَ نَى بَعدي» كما ذكر ذلِكَ البُخَارِي فِي صَحِيحه : 200/2، وصَحِيح مُسلم: 120/7، والترمذي : 171/13، والطَّيَّالسِي : 5/2/11 و 209 و 213، وابن ماجه: ح 115، وأحمد في مسنده : 1/ 170 و 173 و 175 و 177 و 179 و 182 و 184 و 185 و 330، و : 32/3 و 338، و : 6 / 369 و 438، ومُسْتَدرَك الحاكم: 337/23، وطبقات ابن سعد: 1/3 و 14 و 15. وتجمع الزوائد : 109/9 وفي لفظ آخر لمسلم «إلا أنه لا نبي بعدي» فَلفظَة «مِني» توضح المراد من المعنى، وذَلِكَ أنّ هارون لما كَانَ شَرِيكاً لموسَى فِي النُّبُوَّة. ووزيره في التبليغ، وكَانَ عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ من خاتم الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَذَلِكَ بِاستثناء النُّبُوَّة، فَتَبقَ لِعَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوزارة في التبليغ، وكَذَلِكَ لأولاده : في حمل أعباء التبليغ إلى المكلّفين مباشرة، ولذا فهم : مِنْهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهُو مِنْهُم. يَشْتَركُون ون في التبليغ ويختلفون في أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يأخذ الأحكام التي يبلغها من اللّه عَن طريق الوحي، وهُم يَأخذونها عن طريق رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فهم مبلغون عَن رَسُول اللّه إلى الأمة. وقد أعدّهم اللّه ورسوله الحمل أعباء التبليغ، وذَلِكَ بِمَا عَصمهُم من الرجس وطهرهم تطهيراً كما ورد في الآية الكريمة.)ولهذا فإنّ الرَّسُول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ كَانَ مُدركاً أن قَوْمه حديثو عهد بالجَاهِلِيَّة، وأنهم طالما غارضوا أَحْكامه وقراراته عِدة مَرَّات كما حدث في صُلح الحديبية، وأحد، وحُنين، وأثناء مرضه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الكتاب والدواة، وسَرِيَّة أسامة، وصلاة الجمعة أثناء إقبال الغير المحملة بالبضاعة. ولذا تجد أنّ عملية التبليغ التي نقذها النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد جرت أمام عشرات الآلاف من المُسْلِمِين، وأنَّ أستثناء النُّبُوَّة جاء لئلا يتوهم متوهم أنّ اللّه تَعَالَى قَد جَعل لعَليّ الشركة في النُّبُوَّة. وإننا نعلم أنّ الإمامة موقوفة عَلَى تَنصِيص اللّه سُبْحَانَهُ وتَعَالَى كما أنّ النُّبُوَّة موقوفة عَلَى تَنصِيص الباري عزّ وجلّ.

، أَمَّا آيَة الْمُبَاهَلَة فَقَد دَلَت عَلَى أَنْ)

1) أنظر، حَدِيث الثَّقَلَيْن : (صَحِيح مُسلِم : 4 / فَضَائِل عَليّ ح 36 و 37، وسنن الترمذي: 5 / باب 32 وسُنن الدارمي : 2 / فَضَائِلِ الْقُرْآن، وخصائص النِّسَاني: 50، وذَخائر العقبى للمحبَّ الطَّبَرِي: 16، وتذكرة الخواص الباب 12 وأسد الغابة : 12/2، وتأريخ اليعقوبي : 102/2، والمُسْتَدرَك عَلَى، الصَّحِيحِين : 109/3، ومُسْنَد أحمد : 17/3 و 181/5 و 371، والصَّوَاعِق المحرقة : 25 المطبعة الميمنية بمصر، وص: 41 المطبعة المحمَّدية بمصر، وتجمع الزوائد: 164/9، وتأريخ دمشق لابن عساكر : 45/2، ح 545، وكنز العمال : 1 / 168 ح 959 الطبعة الأولى، وينابيع المَوَدَّة : 37 طبع إِسلامبول... الخ).

نَفْسٍ عَلَيَّ هِي نَفْس مُحَمَّد بالذَّات حَيْثُ قَالَ : (وَأَنفُسَنَا وأَراد نَفْسه، وَعَلِيَّا الَّذِي أخرجه معه. وَقَالَ : ﴿وَنِسَاءَنَا) وَلَمْ يَكُنْ مَعه عِند المباهلة واحدة من النِّسَاء إلا فَاطِمَة، أَمَّا أزواجه فَبقين فِي بُيُوتِهُنَّ وَقَالَ : (أَبْنَاءَنَا) ومَا كَان من الأَبْنَاء إلا الحَسَن، والحُسَيْن بإنفاق المفسرين.)أَغرَب ما قرأت في التناقضات أن بعض السُّنَّة يَقُولُون : أن آية التطهير نَزَلت في نِسَاءَ النَّبِيِّ، وفي الوقت نَفْسه يَقُولُون : أَنَّ الْمُرَاد مِن نِسَاءَنا في آية المباهلة فَاطِمَة لا أزواج النَّبِيِّ... فأينَ وَجه الجمع (1؟)### زَرَعُوا الْفُجُورَ فِقْرَة 7 - 80 :(زَرَعُوا الْفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الْغُرُورَ، وَحَصَدُوا النُّبُورَ (7، لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً : هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَ عِمَادُ الْيَقِينِ. إِلَيْهِمْ يَفِي الْغَالِي، وَ بِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي. وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقٌّ الْوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ، وَالْوِرَاثَةُ، الآنَ إِذْ رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَ نُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِه (8)!).)اللغة:الثَّبُورَ : الهَلاك. والْغَالِي مِن الغُلو، وهو الزِّيَادَة، وتَجاوز الحد والتّالي: المقصر ضِدّ الغَالِي المتطرف. وَنُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ بِفَتح القاف أي رَجع إِلَى الموضع الَّذي نُقل


1) تقدم مناقشة ذلك.

عَنْه أوّلاً.الإعراب:الْأُمَّةِ عَطف بَيَان مِن هَذِه. والآنَ ظَرف مُتَعَلِّق برَجَع. وإِذْ بِعَنى قَد وَقِيل : زَائِدَة.الْمَعْنَى:(زَرَعُوا الْفُجُورَ، وَ سَقَوْهُ الْغُرُورَ، وَ حَصَدُوا الثَّبُورَ. تَنطَبق هَذِه الأوصاف تماماً عَلَى الْفِئَةُ الَّتي حاربت الإِمَام فِي صِفِّين بقيادة مُعَاوِيَة بن أَبي سُفْيَانَ الَّذِي قَاد الحروب ضدّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بَدْرٍ، وأحد، والأَحْزَابِ. وهَذِهِ الْفِئَةُ هِي الْمُرَادة مِن قول الإمام، لأنّ هَذِهِ الْخُطْبَة كَانَتْ بَعد رجوعه مِن صِفِّين بلا فاصل، ولأن الإمام وَصَف مُعَاوِيَة بِالْغَدْرِ فِي مقام آخر، وَقَالَ: «واللّه مَا مُعَاوِيَة بِأَدْهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ، وَيَفْجُرُ، وَلَوْ لا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ، وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَ اللّه مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ، وَلَا أُسْتَغْمَرُ بِالشَّدِيدَةِ» (1).)(لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحَدٌ) لأنّ اللّه طهرهُم مِن الذنوب بنص آيَة التَّطْهِير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (2)ورَسُول اللّه سَاوِى فِي حَدِيث الثقلين بَيْنَهُمْ، وبَيْنَ الْقُرْآن الَّذي لا يُقاس بهِ شيء،)


1) أنظر، نَهْج البلاغة : الخُطْبَة (200).

2) الأحزاب : 33. وقد تقدم الحديث عن ذلك.

ولاَ يَأْتِهِ الْبَاطِل مِن بَيْنَ يَدِيه ولا مِن خَلفه (1.)(وَ لا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً : هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمَادُ الْيَقِينِ.)قَالَ ابن أبي الحَدِيد : «ولا ريب أنّ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وأهله الأدْنِين مِن بَني هَاشم، لا سِيمّا عَلِيَّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنعمُوا عَلَى الخلق كافة بنِعْمَة لا يُقدّرها قدرها، وهي الدُّعاء إلى الإسلام والهِدَايَة إِلَيْهِ... لقد جاهد عليَّ بِالسَّيْف أوّلاً، وثانياً، ونشر العلوم، وتَفْسِير الْقُرْآن، وإرشاد الْعَرَب إِلَى مَا لَم تكن فاهمة، ولا مُتصورة... لقد أنْعَم عَليّ حَتَّى عَلَى الذين تقدموا عَلَيْهِ... جاهد عَنْهم وهُم قاعدون، وأمدهم بعلومه الَّتى لَوْلاها لحكموا بِغَير الصواب (2)... وَقَد أعترف عُمَرَ بِذَلِكَ، والْخَبَر مَشهور : «لَوْلاَ عَليّ لهلك عُمَر» (3).


1) تَقَدَّم الحَدِيث عَن ذَلِكَ.

2) انظر. شَرْحٍ نَهْجِ الْبَلاغَة لابن أبي الْحَدِيد : 141/1.

3) أنظر فتح الباري في شرح البُخَاري: 343/13 و 105/17. تأويل مختلف الحديث : 162/1 فيض القدير : 357/4/4، تهذيب الكمال : 485/20، صفوة الصفوة : 314/1، الإِسْعَاب : 1103/3، الطَّبَقَات الْكُبْرَى : 339/2، الْإِصَابَة : 568/4، المدخل إلى السنن الكبرى: 130/1 ح 78.)وأخرج الحافظ الكنجي في الكفاية : 218 هذه القِصَّة عَن حُذَيْفَة بن اليمان أَنَّهُ لَقِي عُمَرَ بن الخطاب. فَقَالَ له عُمَرَ : كَيْفَ أَصْبَحت يابن اليمان ؟ فَقَالَ : كَيْفَ تريدني أَصْبَحَ ؟ أَصْبَحتُ واللّه أكره الحق، وأحبُّ الْفِتْنَة، وأشهد بما لم أره، وأحفظ غَير المخلوق، وأصلّي عَلَى غَيْر وضوء، ولي في الأَرْض ماليس اللّه في السَّماء. فغضب عُمَرَ لقَوْله، وأنصرف من فوره، وقد أعجله أمر، وعزم عَلَى أذى حُذَيْفَة لِقَوْله ذَلِكَ.فبينا هو في الطَّريق إذا مر بعلي بن أبي طالب فرأى الغضب في وجهه، فَقَالَ : ما أغضبك يا عُمَرَ ؟ فَقَالَ: لقيت حُذَيْفَة بن اليمان فسألته كَيْفَ أَصْبَحت ؟ فَقَالَ : أَصْبحت أكره الحق. فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ: صدق، يَكْرَه المَوْت وهُو حق، فَقَالَ : يقول : وأحبُّ الْفِتْنَةِ، قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): صدق، يحبّ المال والولد، وقد قَالَ اللّه تَعَالَى : (إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) فَقَالَ : يا علي يقول : وأشهد بما لم أره ؟ فَقَالَ : صدق، يشهد اللّه بالوحدانية)والموت، والبعث، والْقِيَامَة، والجنَّة، والنَّار، والسِّرَاط ولم يرذَلِكَ كلّه، فقال : يا علي، وقد قَالَ: إِنني أحفظ غَيْر اخْلُوق، قَالَ: صدق، ويحفظ كتاب اللّه تَعَالَى (الْقُرْآن وهُو غَيْر مخلوق، قَالَ : ويقول : أصلّي عَلَى غَيْر وضوء، فَقَالَ: صدق، يصلّي عَلَى ابن عمّي رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلَى غَيْر وضوء، والصَّلَاة عَلَيْهِ جائزة، فقال : يا أبا الحَسَن قد قَالَ أكبر مِن ذَلِكَ فَقَالَ: وما هو ؟ قَالَ : إِنَّ لِي فِي الْأَرْضِ مَا لَيْسَ للّه في السَّماء، قَالَ : صدق، له زَوْجَة، وولد، وتَعَالَى اللّه عَن الزَّوْجَة، والولد، فَقَالَ عُمَرَ : كاد يهلك أبن الخطاب لؤلاً علي بن أبي طالب.)وفي فرائد السمطين : 272/348/1 و 276/350 قَالَ عُمر بن الخطاب : أعوذ باللّه مِن معضلة لا على لها.وفي المناقب لابن شهر آشوب : 358/2 و 360 و 366 و 365، والبخار : 223/40 و 226 سأل رَسُول ملك الروم أبا بكر عَن رجل لا يرجو الجنَّة، ولا يخاف النَّار، ولا يخاف اللّه، ولا يركع، وَلاَ يسجد، ويَأْكُل الميتة والدم، ويشهد بما لا يرى. ويحبّ الْفِتْنَة، ويبغض الحق، فلم يجبه. فَقَالَ عُمَرَ: أزددت كفراً إلى كفرك. فأخبر بِذَلِكَ على (عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ : هَذَا رجل من أَوْلِيَاء اللّه لا يرجو الجنَّة ولا يخاف الْنَّار، ولكن يخاف اللّه، ولا يخاف اللّه من ظلمه وإنما يخاف من عدله ولا يركع ولا يسجد في صلاة الجنازة، ويَأكُل الجراد والسمك، ويأكل الكبد، ويحب المال والولد (إنَّما أمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) ويشهد بالجنّة والنار وهُو لم يرهما، ويكره الموت وهو حق... وساق الحديث.)وفي تهذيب التهذيب : 296/7 و 94/10 قَالَ عُمر بن الخَطَّاب في قِصَّة أخرى لَسْنَا بصددها : معضلة ولَيْسَ لها إلا أبو الحسن. وفي تاريخ دمشق لابن عساكر ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ : 93/3 و 1079/41 و 1070 بتحقيق الشيخ المحمودي قَالَ عُمَرَ بن الخَطَّابِ : أعوذ باللّه من معضلة ليس لها أبو حسن علي بن أبي طالب. وروى ابن عبد البر في الإِسْعَاب عن سعيد نحوه في هامش الإصابة: 39/3.)وجاء في الطرق الحكمية : 46: إِنَّ عُمر بن الخطاب سأل رجلاً : كَيْفَ أَنتَ ؟ فَقَالَ : ممن يحبّ الْفِتْنَة ويَكْرَه الحَقِّ، ويشهد على ما لم يره، فأمر به إلى السجن، فأمر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ. بردّه فَقَالَ: صدق، قَالَ عُمْرَ: كَيْفَ صدقته ؟ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): يحب المال والولد وقد قَالَ اللّه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةً)، وكره الموت وهو الحق، ويشهد أنّ مُحَمَّداً رَسُول اللّه ولم يره، فأمر عُمر باطلاقه. وَقَالَ: (اللّه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام: 124. وجاء في المناقب لابن شهر آشوب : 30/2 - 34 ط :ايران لَوْلاً علي هلك عُمْرَ.)وروى الحَاكِم في المُسْتَدرَك قريباً مِن هَذَا فِي : 457/1 بسنده عن أبي سعيد الخدري في حديث طويل قَالَ عُمَر بن الخطاب أعوذ باللّه أن أعيش في قَوْم لست فِيهِمْ يا أبا الحَسَن.وورد في الرياض النضرة : 195/2 و 196، و : 163/3 و 164 و 165 وذَخَائِرِ الْعُقْى : 79 - 82 قَالَ عُمر بن الخطاب في حديث طويل أيضاً : عجزت النِّسَاء أن تلدن مثل علي بن أبي طالب، لؤلاً علي لهلك عُمَرَ. وكَذَلِكَ ورد مثله في مطالب السؤول لابْن طَلْحَة الشّافعي : 13، والمناقب للخوارزمي الحنفي: 39 و 48 و 60 و 65 و 81، والفخر الرازي فِي الْأَرْبَعِين: 466. وروى أبن الجوزي في كتاب الأذكياء: 18 وفي كتابه أخبار الطراف : 19 في حديث طويل قَالَ فِيهِ عُمَر بن الخطاب : لا أبقاني اللّه بعد أبن أبي طالب. ومثله في تذكرة الخواص : لسبط ابن الجوزي: 87 و 148.وفي كنز العمال : 179/3، و : 241/5 و 451 وح 13584 قَالَ عُمَرَ مخاطباً الإمام عليّ : لا أبقاني اللّه لشدَّة لست لها، وَلاَ في بلد لست فيه، ومثله في مصباح الظلام : 56/2. وَقَالَ في المناقب للخوارزمي : 53 و 95/81 و 98/97 : أَللَّهُمَّ لا تبقني لمعضلة لَيْسَ لها عليّ حيّاً. وكشف الْيَقِين لابن المطهر الحلّي نقلاً عن المناقب للخوارزمي : 57.وبما يجدر ذكره أن عُثمَان بن عفان أيضاً قَالَ: لَوْلاً علي لهلك عُثمان. جاء ذلك في كتاب زين الفتى في شَرح سُورَة هل أتى للحافظ العاصمي نقلاً عَن الْغَدِير: 214/8 المسترشد في إِمَامَة أمير المُؤْمِنِين للحافظ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ الإمامي : 654 تحقيق أحمد المحمودي وفي كتاب أحمد بن حنبل - فَضَائِل الصَّحَابَة - عَن سعيد بن المسيب قَالَ في : 674/2 : كَانَ عُمَرَ يتعوّذ مِن معضلة ليس لها أبو حسن ومثله في الاسيعاب : 1102/3، صفة الصفوة : 121/1، كفاية الطالب : 95، أسد الغابة : 22/4.وأنظر أيضاً طَبقات ابن سعد : 2 / ق 102/2، تهذيب التهذيب : 1/ 337، الصَّوَاعِق المحرقة : 76 ينابيع المَوَدَّة : 221 نور الأبصار : 74 أرجح المطالب : 121 و 124، الإصابة : 4 ق 270/1، فيض، القدير : 357/4، فَضَائِل الخَمْسَة من الصحاح الستة : 290/2 و 309 علي إمام المُتَّقِين للشرقاوي : 1/ 100 و 101، أَنساب الأشراف للبلاذري، وابن بطة في الإبانة، والزَّمَخْشَرِي فِي الفائق، كلَّهم عَن أَبْن شهر آشوب والمفيد في الإرشاد 9، وابن البطريق في العمدة 4/2، والْمَعْرِفَة والتاريخ : 462/1، والبداية والنهاية لابن كثير : 201/6، ومُسْنَد زيد : 335 الطبعة الثانية دار الكتب الإسلامية طهران.»

إِلَيْهِمْ يَفِي الْغَالِي الَّذي أفرط، وتَجاوز الحد (وَ بِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي) الَّذِي فَرَّط وَقَصَّر عَن بلوغ الحق، وأهل الحق والعدل، وبِهِمْ يُقاس تقصير هَذَا، وتفريطه،)

وغلوّ ذَاكَ، وإفراطه. أنَّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قَالَ: «مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي كَسَفِينَةٍ نُوحٍ مَن ركبها نجا، ومَن تَخَلف عَنْهَا غَرق) (1).)(وَ لَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلايَةِ. بِمَعْنَى الرِّيَاسة، والسُّلطة، وقُلنا : «إِنَّ لِلكمال الْعَادِل وِلايَة عَلَى الناقص بحكم العقل والواقع، وأَهْل الْبَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أفضل وأكمل خلق اللّه بعد رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)» (2).)(وَ فِيهِمُ الْوَصِيَّةُ، وَ الْوِرَاثَةُ الْمُرَادِ وَصِيَّة النَّبِيِّ بِالخِلافَةِ، وهُم وحدهم لها وَارتُون. وتأتي الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي الخُطْبَة التَّالِية المَعْرُوفَة بالشَّقْشِقِيَّة (الآنَ إِذْ رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَ نُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ) وهُو الخلافة (وَنُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ) أي عادت الْخِلافَة إِلَى المَوْضُوع الَّذي نُقلت مِنْهُ ظُلماً، وعُدْوَاناً.)


1) أنظر، مُسْتَدرَك الصَّحِيحين: 343/2، طبعة حيدر آباد سنة 1324 هـ. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). وفي رواية : كمثل. وفي ورواية أخرى : عَن البزار عَن أبن عَبَّاس وعَن ابْنِ الزُّبَيْر. والْحَاكِم عَن أبي ذر مثلها.)وعَن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ : ومن تعلّق بها فاز، ومن تخلف عَنْهَا رَجّ فِي النَّار. (ذَخَايْر الْعُقْبى: 20)، وفي رواية عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): تخلف عَنْهَا أُولج - يعني دخل - مَوَدَّة القربى : 13, كنز الْعُمَّال : 12 / 100 / 34180، و : 153/16، و : 95/12 فضل أهل البيت ح 34151 وأنظر جمع الفوائد: مناقب أهل البيت وأصهاره : 236/2، تجمع الزوائد : 168/9، المعجم الكبير للطبراني : 3 / 2636/45، مُنتَخَب كنز العمال بهامش أحمد : 92/5 الفضائل لأحمد : 1402/785/2 الجامع الصغير : 8162/533/2، حلية. الأولياء لأبي نعيم : 306/4، تأريخ بغداد للخطيب : 19/12 تجمع الزوائد للهيثمي : 168/9، فرائد السمطين : 516/242/2، و : 247/2، جواهر العقدين : 2/ 190، المناقب لابن المغازلي : 132 / 173 - 177، كمال الدين وتمام النّعْمَة : 239 شواهد التنزيل : 1/ 361، الدر المنثور : 71/1، مناقب آل أبي طالب : 39/3.

2) أنظر، فَلْسَفَة التَّوْحِيد والولاية : 58 (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

## الخظبة - 3 -### إشارة:وَتُعْرَفُ بالشَّقشِقِيَّة لِقُول الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ بَعدَها : تِلْكَ شِقْشِقَةُ هَدَرَتْ، ثُمَّ قَرَّتْ.)### يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ... فِقْرَة 1:(أَمَا وَ اللّه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ، وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا. يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَ لا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا تَوْباً، وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيْهَا الْكَبِيرُ، وَيَشِيبُ فِيْهَا الصَّغِيرُ، وَ يَكْدَحُ فِيْهَا مُؤمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ (1!).)اللُّغَة:تَقَمَّصَهَا : لَبَسهَا كَالقَمِيص. وقُطب الشّيء : ملاكه، ومداره. وسَدَلَ الثّوب : أَرْخَاه، وبهِ يُكنى عن الإعراض. والكشح : ما بَيْنَ الخاصرة، والجنب. وَطَفِقْتُ :

شَرَعت. واليَد الجَذَّاءَ : المقطوعة. والطَّخْيَة : الظُّلمة.الْإِعْرَاب:«أما» لِلتَّنْبِيه. والوَاو لِلقَسم. والهاء فِي لِلْخِلافَة بدَلالة الحال.الْمَعْنَى:(أَمَا واللّه لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلاَنٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا. ما هَذَا ؟. هَل هُو حُرقة، وتلهف عَلَى الْخِلافَة، كما يتراءى للأَغْبِياء ؟ حَاشَا مَن قَالَ: «وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا مَا لِعَلِي وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى، وَلَذَّةٍ لا تَبْقَى نَعُوذُ باللّه مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ، وَقُبْح الزَّلَلِ، وَبِهِ نَسْتَعِينُ» (1)، وكُلنا يعلم أنّ عَلِيَّاً يَفعل مَا يَقول، ولا يقول ما لا يفعل، وإذَنْ فَمَا هُوَ السّر هذهِ الشكوى وَهَذَا التظلم ؟. السِّر واضح، لا إبهام فيه... أنّه نَفْس الشّيء الَّذِي أَشْعُر به أنا، وأَنْتَ، وكلّ إِنْسَان حِينَ يَنْتَهب تُوبه عَن بَدنه ناهب، أو غَاصب، نَقُول : هَذَا مَع الإيمان، والعِلم بأنّ عَلِيَّاً أحرص عَلَى مصالح النَّاسِ مِن النَّاس أنفسهم، وإنّه لا يرضى، ويغضب إلا اللّه وحده... هَذَا، إِلَى أَنَّهَا نَفْثَه مَصدُورٍ، هَدَرَتْ، ثُمَّ قَرَّتْ، كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ).)(يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَ لا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ. وكَفَى شَاهِداً قول الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «أنَا مَدِينَةُ العِلم، وعلى بابها» (2): (فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَ طَوَيْتُ


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطبة (224).

2) لقد وصل إلينا حَدِيث «أَنَا مَدِينة العِلْم وعلى بابها» متواتراً عَن طريق أَهْل الشيعة، والسُّنّة كما صرح بِذَلِكَ أَكْثَرَ الْفُقَهَاء. والْعُلَماء، وأَصْحَاب الحديث، والسُّنن مع وجود بعض الإِخْتِلاف في اللفظ. فتارةً يَأتي بإضافة «فمن أراد العِلْم فَليأت الباب» كما ذكر ذَلِكَ أبن عساكر في تأريخ دمشق / ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 3/467 والمناقب لابن المغازلى: 81 وغيرهما كثير الّذين نصوا عَلَى تصحيحه، وصحته متناً، وسنداً. وقد أوردنا هذين المُصْدَرين عَلَى سَبيل المثال لا الحصر.)وورد الحديث هَذا وغَيْره بمضمون واحد كحديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها، وَلا تُؤتى البيوت إلا من أبوابها» و «أنا مدينة الجنَّة وأنت بابها، يا علي كَذِب مَن زَعَم أنّه يدخلها مِن غَيْر بابها» و «يا علي أنا مدينة العِلْم، وأنتَ البَاب كَذَّب من زَعَم أنه يصل إلى المَدِينَة إِلَّا مِن البَاب» و «أنا مدينة الفقه، وعلى بابها، فمن أراد العِلم فليأت الباب» و «أنا دار الحكمة، وعلي بابها، فمن أراد المحكمة فليأتها» و «أنا دار ألْحِكْمَة، وعلي بابها» و «أنا دار الحكمة، وعلى مفتاحها» و «أنا خزانة العِلم، وعلي مِفْتَاحها» و «فَهُوَ - أي علي - باب مدينة علمي» و «أنا ميزان الحكمة وعلي لسانه» و «أنا ميزان العِلم، وعلي كفتاه».وكثير وكثير ولسْنَا بصدد إحصاء الأَحَادِيث التي قالها رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ حق أعلمية الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتي نص على صحتها وتصحيحها كما ذكرنا سابقاً أكثر الْفُقَهَاء كالطَّبَرِي فِي تَهذيب الآثار، والحاكم النيسابوري، والفيروزآبادي، والبغدادي، والسيوطي، والبُخَاري، والسمرقندي، والصنعاني، وابْن طَلْحَة الشافعي، والجزري، والسخاوي، والمتقي الهندي والبدخشى... إلخ.)أَمَّا مصادر الحَدِيث فَهِيَ : صَحِيح الترمذي: 299/2 ح 3807 «أنا دار الحكمة وعلي بابها». أمّا سُنن الترمذي : 5 / باب 301/87 ففيها «أنا مدينة العِلم وعلي بابها»، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير : 3/ 108، و : 11061/55/11 عن أبن عَبَّاس، الحَاكِم في المناقب: 226، مستدرك الصحيحين: 2/ 126 و 127 و 129.وذكر صدر الحديث فقط سَبِيل النَّجاة في تتمة المراجعات: رقم (558، أسنى المطالب للجزري: 70 و 71 تأريخ بغداد: 204/11 و 48 و 49 «أنا مدينة العلم وعلي بابها» و «أنا دار الحكمة وعلى بابها«، ومثله و : 2/2 و 172/72، لِسَان الميزان لابن حجر: 197/1 تحت رقم 620 الصواعق في : المحرقة : 73 و 120 و 9/122 ط المحمدية أورد الحَدِيثِين «أنا مدينة العِلْم...» و «أنا دار الحكمة...».)وأنظر تَهذيب التهذيب : 320/6، و : 427/7. تذكرة الحفاظ : 28/4 ط حیدرآباد نزل الأبرار: 73، كتاب الفِرْدَوْس لأبي شجاع الديلمي : 109/79/1، مَوَدَّة القربى : 24، مصابيح السنة للبغوي : 275/2 «أنا دار الحكمة...» الجامع الصغير للسيوطي: 374/1 الجَامِعِ الصَّغِير للسيوطي: 374/1 ح 2705 و 2704 ط مصطفى مُحَمَّد، مُنتخَب كنز العمال بهَامِش مُسْنَد أحمد : 30/5 «أنا دار الحكمة...» وكنز العمال : 152/6 و 156 : «علي باب علمي...» و 11 / 614 / 32979، و 600 / 32889، و : 36462/147/13 و 36463، و: 378/12/15 الطبعة الثانية، الْفَتْح الْكَبِير للنبهاني : 272/1 و 276. البداية والنهاية لابن كثير : 358/7، كنوز الحقائق للمناوي : 43 و 46 ط بولاق و 37 ط أخرى تجمع الزوائد للهيثمي : 114/9.ولاحظ تلخيص الشّافي : 21/3 دلائل الصدق للشيخ المظفر : 332/2 و 439 و 441 و 520، السَّرَاطِ الْمُسْتَقِيم للعلامة البياضي : 19/2، حلية الأولياء : 1 / 64 و 63، عبقات الأنوار: ج 5 و 10 خاص بحديث مدينة العِلم ط الهند، فرائد السمطين : 98/1، شواهد التنزيل للحافظ الحسكاني: 459/334/1 و 118/81 و 82 / 119 و 120 و 121 ط أخرى، الرّياض النضرة : 193/2 و 255 الطبعة الثانية، أسمى المناقب: 76، أمالي الشيخ الصدوق : المجلس السادس والخمسون ح 8، و، والمجلس الحادي والستون ح 11 الْبِحَار البحار : 40/. 200/40 و 201، المناقب لابن شهر آشوب : 36/2 الْغَدِير : 61/6 - 85 و 198/7 و 199.وراجع فَضَائِلِ الْخَمْسَة : 248/2 و 250، جامع الأصول : 6489/473/9، شرح النهج لابن أبي الحديد : 236/2 ط بيروت و 219/7 ط مصر بتحقيق مُحَمَّد أبو الفضل اللآلي المصنوعة : 171/1، تاریخ جرجان : 24 إحقاق الحق : 470/5 و 483، ميزان الاعتدال للذهبي: 1/ 415 و 436 تحت رقم 429، و : 215/2، و : 182/3، و : 99/4، أسد الغابة : 22/4، تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي / ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: 983/459/2 و 464 و 476 حديث 984 و 986 و 997.)نظم درر السمطين للزرندي الحنفى: 113 المناقب لابن المغازلي: 80 و 212 حدیث 120 - 126 و 126/158 ط آخر و 128/86 «أنا مدينة العِلْم وعلي بابها» الاستيعاب بهامش الإصابة : 38/3 فيض القدير للشوكاني : 46/3 كفاية الطالب للكنجي الشافعي : 220 ط الحيدرية و 99 ط الغري / 58.وراجع أيضاً فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العِلْم علي لأحمد بن مُحَمَّد الصِّدِّيق المغربي طبع سنة 1304 هـ بالمطبعة الإسلامية بحضر 3 - 5 و 14 - 16، و 22 - 24 و 28 و 29 و 40 - 44 و 54 - و 55 ط الحيدرية. ينابيع المودة للحافظ القندوزي: 65 و 71 و 72 و 81 و 179 و 183 و 220 و 221 و 234 و 254 حديث «أنا دار الحكمة....» و 282 و 400 و 407ط اسلامبول و 211 و 217 و 278 و 303 و 338 ط الحيدرية، و : 3/ 122 و 198 و 204، و : 2 / 222 و : 1 /137 و 218 و 220 و 222 تحقيق السَّيّد علي جمال أشرف الحسيني، مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي: 43/1، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 47 و 48، إسعاف الراغبين للصبّان بهامش نور الأبصار للشبلنجي: 140 و 174، تأريخ الخلفاء للسيوطي: 170 و 107 ط آخر.

عَنْهَا كَشْحاً. وَعَطف الجُملَة الثَّانِيَة عَلَى الأُولَى للتوضيح، والتَّفْسِير، والمَعْنَى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعرَض عَن الخلافة، وَلَم يلتفت إلَيْهَا، ثُمَّ بَيّن السبب الموجب لذلِك بقَوْله : (وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ).)بعد أن بويع أبو بَكْر بِالْخِلافَةِ فَكر الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ: ماذا يصنع ؟. وانتهى بهِ التفكير إلى أنه واقف بَيْنَ مَحذُورين : إمّا أنْ يَصر، وَيَنْهَض مُطَالِباً بحقهُ مِن غَيْر جَدوى إلا إراقة الدماء لعدم الناصر، وتفتيت وحدة الإسلام، والمُسْلِمِين، وإما أنْ يَسكُت وَيَصبر حرصاً عَلَى هَيْبَة الدِّين، وصالحه، فأختار الصبر كما يَأْتِي.)وَهَذَا الكلام واضح الدَّلالة في أنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ لَم يُعلن الحَرْبِ مِن أجل الخِلافَة، ولَكِنَّهُ لَم يَسكت عَن حَقَّة، بل أستمر فِي الدَّعْوَة إِلَى نَفْسِه هُو، وَمَن شَايَعه، كسَلمان، وأبي ذرّ، وعمار، والمقداد، بل واجه بِذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ فِي بَعْض مواقفه، وَقَالَ لهُ: «أَفْسَدَتْ عَلينا أمرنا، وَلَم تَسْتَشر، ترع لنا حقاً» (1). وَقَالَ فِي خُطْبَة يَأْتِي شرحها إن شاء اللّه : «قَالَ لِي قَائِل : «قَالَ قَائِلٌ: إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ فَقُلْتُ : بَلْ أَنْتُمْ واللّه لأَحْرَصُ وَأَبْعَدُ، وَأَنَا أَخَصُّ وَأَقْرَبُ، وَإِمَا طَلَبْتُ حقاً لِي وَأَنْتُمْ تَكُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ. فَلَمَّا فَرَّعْتُهُ)


1) أنظر، السَّقِيفَة للشيخ محمد رضا المظفر : 148 و 179 (منه (قدّس سِرُّه)). مروج الذهب : 414/1 و : 307/2 طَبْعَة أُخرى، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 1/ 12 - 14.

بِالحُجَّةِ فِي الْمَلَإِ الْحَاضِرِينَ هَبَّ كَأَنَّهُ بُهِتَ لَا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ !» (1وَمَعْنَى هَبَّ هُنا أَنْهَزَم.)وَهَذَا الكلام يدل بظاهره أنه كان مع أحد الخلفاء الذين تقدمُوا عَلَى الإِمَام، وأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ قد طالبة، وأحتج عَلَيْهِ فَهَزمه، وأَفْحَمه، فَهل بعد هَذَا، يُقَال : إِنَّ عَلِيًّا أَقَر بخلافه الخلفاء، وَرَضى بِمَا كَان فِيهِ ؟ أَجل، لا يَشك مُسْلِم أَنه قَد تَعاون معهم، ومع غَيْرهم عَلَى إقامة الْعَدْل، والصّالح العام... وقرأت في كتاب «الدُّرة النّجَفِية» شَرح نهج البلاغة لعبد الصمد التبريزي: «إِنَّ أَكْثَرَ الشيعة قَالُوا: إِنَّ عَلِيَّاً لَم يُبايع أصلاً. ومِنْهُم من قَالَ : بَايَعَ بَعد ستة أشهر، وَقَالَ السُّنَّةَ : بَايَعَ بَعد أنْ تَخَلَف فِي بَيْتِه، ودافع طَوِيلاً» (2)وَعَلَى أية حال فمن قرأ تأريخ أَهْل الْبَيْت مِن عَليٍّ، وفَاطِمَة إِلَى آخر إمام - يجد الشكوى، والتظلم مِن كُلِّ مَن تَسلط، وَحَكم فِي عَهْدِهم.)### الصَّبْرَ أَحْجَى... فِقْرَة 2 - 3 :(فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وَ فِي الْحَلْقِ شَعًا، أَرَى تُرَاثِي نَهْباً، حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فَلَانٍ بَعْدَهُ، ثُمَّ تَمَثَلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى (3:)


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (172).

2) أنظر، السَّقِيفَة للشيخ مُحَمَّد رضا المظفر : 157، مناقب آل أبي طالب : 237/1. أسد الغابة : 222/3، تاريخ بغداد: 115/10، سير أعلام النبلاء : 415/14. البداية والنهاية : 307/5، صَحِيح البُخَارِي مَع الْفَتْح : 564/7.

3) هُو مَيمُون بن قيس بن جندل بن ثعلبة الواثلي، ويُكنى أبا بصير، كما جاء في طبقات ابن سلام: 36. أنظر، ديوان الأَعْشَى قَيْسِ الْكَبِير : 96.

شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا*** وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرٍفَيَا عَجَباً ! ! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ - لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا (2! فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا، وَيَكْتُرُ الْعِثَارُ ! فِيْهَا، وَالاِعْتِذَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَدَّمَ، فَمُنِيَ النَّاسُ - لَعَمْرُ اللّه - بِخَبْطٍ، وَ شِمَاسٍ، وَ تَلَوُّنٍ، وَ أَعْتِرَاضٍ، فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمِحْنَة (3)).)اللُّغة:هَانَا : هَذِهِ. وأَحْجَى : أَجْدَر. والقَذى ما يقع فِي الْعَيْنِ مِن تِبْنَةَ، وَنحوها.وشَجاً: ما يقع في الحلق مِن عَظم، ونحوه. وَكُورِ النّاقَة : ما يُوضع عَلَى ظهرها للركوب. وتَشَطَّرًا: أخذ كل واحد شطراً. والحَوْزَة : الطَّبِيعَة، وكُلْمُها - بضم - الكاف : الأَرْض الغليظة. والْعِثَارُ - بكسر العين - : الزَّلَل. والصَّعْبَة : الناقة الشَّدِيدة التي يصعب قيادها. وأَشْنَقَ النّاقة : جذبها إِلَيْهِ بالزمام. وخَرَمَ أَنف النّافة : شَقَّه، وأَسْلَسَ للناقة : أَرْخَى لهَا الزَّمَام. وتَقَحَّمَ : هَلك. والخَبْط : السِّير بلا هدى والشماس : الإمتناع. والتَّلون : التبدل، والإِعْتِرَاض : السير بلا أستقامة.الْإِعْرَاب:شَتَانَ اسم فعل بمعنى بَعْد، تقول : شَتَّانَ زَيد، وبَكْر أي بعد ما بَيْنَها، و «ما» زَائِدَة ويَوْمِي الْأَوَّل فَاعِل، والثاني عطف عَلَيْهِ. فَيَا عَجَباً !! أي يَا عَجبي أَحْضَر. وبَيْنَ : تُستعمل لظرف المكان مثل جلست بَيْنَها، ولظرف الزمان مثل بَيْنَ

الطَّلوعِين، والأَلف فِي بَيْنَ عُوض عَن كَلِمَة أوقات المَحْذُوفَة، أي بَيْنَ أَوقَات الإستقالة مِنْهَا عَقَدَهَا لغَيره. لَشَدَّ مَا اللام زَائِدَة للتوكيد، وشَدَّ فِعل ماض، و«ما» مَصْدَرِيَة، والمَصْدَر المنسبك فَاعِل شَدّ - ولعمر اللّه - اللام زَائِدَة للتوكيد، وعُمَرَ مُبْتَدَأ، والخَبَرَ مَحْذُوف وجُوباً أي لَعَمْرُ اللّه قَسمي، والمعنى أقسم بدوام اللّه، وَإِذَا حذفت اللام تعين نَصب عُمَرَ عَلَى المَصْدَرِيَة.الْمَعْنَى:(فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذّى، وَ فِي الْحَلْقِ شَعًا. صَبر الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَى مَضض حَيْث لا ملجأ إلّا الصبر، ولَو لَم يَصبر لوقع ما هُو أشد، وآلَم.)وَتَسْأَل : هَل عَدَم الصَّبر يَكْشِف عَن عَدَمِ الْإِيمَان ؟الجواب:إِنَّ الصَّبر مِن شُؤون الْعَقْل لا مِن شُؤون الدين، لأنه نتيجة لعملية الموازنة بَيْنَ ضَررين لا مفر من أحدهما، يجريها الإِنْسَان بنَفْسِهِ... ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ الْعَاقِل يختار ما هُو أَخَف وطأة، وأقل ضَرَراً، وَالدِّين بدورة يقر العَقْل عَلَى حُكمه واخْتِياره، أَمَّا الأحاديث التي تقول : «لا إيمان بلا صبر» (1، فَمعنَاها في واقع الأمر أنه لا إيمان بلا عقل سليم يختار الأجْدَى، والأَصْلَح... وَمِن البدَاهَة أنّ اللّه سُبْحَانَهُ)


1) أنظر، كتاب التمحيص مُحمَّد بن همام الإسكافي: 64، مُسْتَدرَك الوَسَائِل : 424/2، عيون الحكم والمواعظ : 536. بحار الأنوار: 39/75، تحف العُقُول : 202، التلخيص : 64 ح 150.

يُجْزِي الْعِبَادِ بعقُولِهِمْ تَمَاماً كَمَا يُجْزِيهم بإيمانهم.(أَرَى تُرَاثِي نَهْباً. كَنَى عَن الْخِلافَة بالتّراث لأَنَّهَا حَقَّ لَهُ تَمَاماً كالميراث الَّذِي هُو حق خاص بالقريب دُونَ البَعِيد، ولَيْسَ الْمُرَاد أَنْ الْخِلافَة إِرْثَ كَالمَتَاع... كَيْفَ وهُو القَائِل : وَاعَجِبَاه.!. أتكُون الْخِلافَة بالصَّحَابَة والْقَرَابَة ؟ (1).وَتَسْأَل : وكَيْفَ تَكُون الْخِلَافَة حَقَّاً خَاصَّاً بِعَليّ ؟.الْجَوَاب:قَالَ الشّيعة : أنّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ نَصَّ عَلَى عَليَّ بِالخِلافَةِ، وَقَالَ السُّنَّة : بَل تركها شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِين.)وَسَأَلَهم الشّيعة : هَل نَصَّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ عَلَى أَنَّ الْخِلافَة شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِين ؟.)ثُمَّ قَالَ الشَّيعَة : وَإِذَا أَدْعى مُدع أن وجوب السُّورَى من الواضحات، ولا يَحتاج إِلَى نَضٌ، وَبَيَان... هَذَا، إِلَى أَنَّ اللّه سُبْحَانَهُ قَد نَصِّ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (2).)إِذَا أَدْعى هَذَا مُدع أَجْبَنَاء : لَو كَان واضحاً لما وَقَع الخلاف، ولَو كَان الْمُرَاد بِهَذِهِ الآية الخلافة لكان أبو بَكْر فِي نَصه عَلَى عُمَرَ مُخَالِفاً اللّه، وَرَسُوله، ولا قَائِل من


1) أنظر. نهج البلاغة : 43/4 الحكمة (190)، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي: 416/18 رقم (185). شرح النهج للبحراني : 341/5، شرح النهج للخوئي : 262/21، شرح النهج للفيض : 1163 رقم : (181)، خصائص الائمة للشريف الرضي : 111. وروي له شعر فِي هَذَا الْمَعْنَى :)فَإِنْ كُنْتَ بِالسُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ فَكَيْفَ بهذا والمشيرُون غُيَّب ؟وَإِنْ كُنتَ بِالقُرْبَى حِجَجْتْ خَصِيعَهُمْ فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَأَقْرَبُ

2) الشُّورَىٰ : 38.

السُّنَّة بذَلِكَ، وإذَنْ فَلا دَلالة في الآية عَلَى الخِلافَة (1.وَيَتلخص دليل الشّيعة عَلَى وجود النّص بأنّ اللّه سُبْحَانَهُ قَد أكمّل الدِّين لأُمّة مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ كما جاء في الآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (2)

وأنظر، كَذَلِكَ الخصائص العلوية لأبي الْفَتْح النّطنزي عَن أبي سعيد سعيد الخدري وجابر الأنصاري وعن الإمامين الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، الطَّبَرِي صاحب التَّفْسِير المشهور روى بإسناده عن زيد في كتابه الوِلَايَة. الحافظ أبو نعيم في كتابه ما نزل من الْقُرْآن في علي توضيح الدلائل عَلَى ترجيح الفَضَائِل كما ورد في الغدير : 235/1 مَجْمَعَ الْبَيَان : 200/2 طَبْعَة مؤسسة التأريخ العربي بيروت، المناقب لابن شهر آشوب: 23/3 طبعة دار الأضواء.)فَقَالَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : اللّه أكبر عَلَى إكمال الدين وإتمام النّعْمَة، ورضا الرّب برسالتي، والولاية لعلي، رواه الحاكم الحسكاني عن أبي سعيد الخدري : 157/1 و 211/158 و 212 وعن أبي هريرة :213/158، والبداية والنهاية لابن كثير: (214/5).)ولَسْنَا بصدد بَيَان حَقِيقَة حديث الْغَدِير ؛ لأنه من أوضح الواضحات ولكن تشير بشكل إجمالي كما أشرنا سابقاً إلى سنده وتواتره وصحته.فطرق حديث الغدير متعدّدة، فما رواه أحمد بن حنبل من 40 طريقاً، وأبْن جرير الطَّبَرِي من 72 طريقاً، والجزري من 80 طريقاً، وأبن عقدة من 105 طرق، وأبو سعيد السجستاني من 120 طريقاً. وأبو بكر الجعابي من 125 طريقاً، ومُحمَّد اليمني: 150 طريقاً، وأبو العلاء العطار الهمذاني من 250 طريقاً، , ومسعود السجستاني بروي الحديث بـ 1300 إسناد وَقَالَ عبد اللّه الشافعي في كتابه المناقب. إِنَّ هَذَا الخبر - حديث الْغَدِير - قد تجاوز حد التواتر فلا يوجد خَبَر قط نقل من طرق كَهَذه الطرق. (أنظر الْغَدِير : 14/1 و 158 وإحقاق الحق : 290/6، المراجعات تحقيق حسين الراضي : 319.)وأعترف بتواترة كلّ من جلال الدين السيوطي الشافعي في الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة وفي الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة، ونقل كلام السيوطي العلّامة المناوي في التيسير في شرح الجامع الصغير : 44/22، والعلامة العزيزي في شرح الجامع الصغير : 360/2. والملا علي القاري في المرقاة شرح المشكاة : 568/5، وجمال الدين الشيرازي في كتابه الأربعين، وصاحب عبقات الأنوار: 123/6. والمناوي في التيسير في شَرْح الجامع الصغير : 442/2، والميرزا مخدوم في النواقض على الروافض كما جاء في العبقات : 121/62، ومُحمَّد بن إِسْمَاعِيلَ اليماني في كتابه الروضة الندية كما جاء في إحقاق الحق 294/6، وخلاصة العبقات : 121/6 ومُحمَّد صدر عالم في كتاب معارج العلى في مناقب المرتضى كما 21/6 جاء فى عبقات الأنوار : 127/6.وقال بتواتره أيضاً عبدالله الشافعي في كتابه الأربعين، والشيخ ضياء الدين المقبلي في كتاب الأبحاث المسدّدة في الفنون المتعدّدة كما جاء في خلاصة عبقات الأنوار : 125/6، وأبن كثير في البداية والنهاية : 213/5، والمحافظ ابن الجزري في أسنى المطالب 48.ومن أراد المزيد فليراجع إحقاق الحق : 0423/2 وعبقات الأنوار لمير حامد حسين النيشابوري الهندي، مجلدات حديث الغدير والغَدِير للعلامة الأميني، والترمذي في صحيحة: 298/2 قَالَ: حديث حسن صحيح، والطحاوي في مشكل الآثار : 308/2 قَالَ: صَحِيح الاسناد ولا طعن لأحد في روانه. وأبن عبد البر في الأسيعَاب : 273/2، والحاكم النيسابوري في المستدرك عَلَى الصَّحيحين: 0109/3 وأبن حجر العسقلاني في فتح الباري: 61/7 وأبْن حجر المكي في الصَّوَاعِقِ : 25 قَالَ : إِنّه حديث صحيح لامرية فيه.أَمَّا رَوَاةِ الحَدِيث مِن الصَّحَابَةِ فَهُم كالتَّالِي حَسَب الحَرُوفِ الأَبْجَدِية :أبو هريرة الدوسي (ت 59/58/57هـ وهو ابن ثمان وسبعين عاماً، أبو ليلى الأَنْصَارِي يُقَال : إنّه قُتل بصِفِّين سَنَة (37هـ)، أبو زينب بن عوف الأَنْصَاري، أبو فضالة الأَنْصَاري من أَهْلِ بَدْر قُتل بصِفِّين مع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أبو قدَامَة الأنصاري أحد المستنشدين يوم الرحبة، أبو عمرة بن عمرو بن محصن الأَنْصَارِي، أبو الهيثم بن التيهان قُتل بصِفِّين سَنّة (37هـ)، أبو رافع القبطي مَوْلَى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أبو ذويب خُوَيْلد (أو) خالد بن خالد بن محرث الهزلي الشاعر الجاهلي الإسلامي المتوفى في خلافة عُثمان، أبو بَكْرين أبي قحافة التميمي المتوفى (13 هـ). أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي (ت 54 هـ) وهو أبن 75 عاماً، أبي بن كعب الأَنْصَارِي الخَزْرْجِي سيّد القرّاء المتوفى سنة (32/30هـ)، أسعد بن زرارة الأنصاري.)أسماء بنت عُميس المختعمية، أم سلمة زوج الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، أم هاني بنت أبي طالب، أبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي خادم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ت 93 هـ)، البراء بن عازب الأَنْصَارِي الأوسي نزيل الْكُوفَة (ت 72 هـ)، بريدة بن الحصيب أبو سهل الأسلمي (ت 63هـ)، أبو سعيد ثابت بن وديعة الأنصاري المدني، جابر بن سمرة بن جنادة أبو سليمان السوائي نزيل الْكُوفَة (ت بعد 70 وقيل 74 هـ)، جابر بن عبدالله الأَنْصَارِي (ت بالمدينة 78/74/73هـ) وهُو ابن 94 عاماً، جبلة بن عَمْرُو الْأَنْصَارِي، جبير بن مطعم بن عَدِيّ القُرَشِيّ النوفلي (ت 59/58/57هـ) جرير بن عبدالله بن جابر البجلي (ت 54/51هـ)، أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري (ت 31هـ)، أبو جنيدة جُندب بن عَمْرُو بن مازن الْأَنْصَارِي.)حبة بن جوين أبو قُدَامَة العربي البجلي (ت 79/76هــ، حبشي بن جنادة السلولي نزيل الْكُوفَة، حبيب بن بدیل بن ورقاء الخزاعي، حُذَيْفَة بن اسيد أبو سريحة الغفاري من أَصْحَاب الشَّجَرَة (ت 42/40هـ)، حُذَيْفَة بن اليمان اليماني (ت 36هـ)، حَسَّان بن ثابت أحد شعراء الْغَدِير، الإِمَامِ الْحَسَن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري أسْتُشْهِدَ غازياً الرُّومِ سَنَة (52/51/50 هـ)، أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيره المَخْزُومِيّ (ت 22/21 هـ)، خُزَيْمَة بن ثابت الأَنْصَارِي ذو الشهادتين المقتول بصفين مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) سَنة 37هـ. أبو شُرَيْحٍ خُوَيْلد بن عَمْرُو الخزاعي نزيل المدينة (ت 68 هـ)، رفاعة بن عبد المنذر الأنصاري زبير بن العوام القُرَشيّ الْمَقْتُول سَنَة (36 هـ)، زيد بن أرقم الأنصاري الخزرجي (ت 68/66 هـ).)سعد بنأبو سعيد زيد بن ثابت (ت 48/45 وقيل بعد 50هـ، وزيد (يَزِيد) بن شراحبيل الأنصاري، زيد بن عبدالله الأَنْصَاري، أبو إِسْحَاقَ سعد بن ابي وقاص (ت 58/56/55/54 هـ)، سعد بن جنادة العوفي والد عَطِيَّة العوفي، سعد بن عبادة الأَنْصَاري الخزرجي (ت 15/14 أحد النقباء الاثني عشر)، أبو سعيد سعد بن مالك الأنصاري الخدري (ت 74/75/63هـ)، سعيد بن زيد القرشي العدوي (ت 51/50 هـ)سعيد بن سعد بن عبادة الأَنْصَاري أبو عبد اللّه سَلْمَانِ الْفَارِشي (ت 37/26هـ).)أبو مُسلم سلمة بن عَمْرُو بن الأكوع الأسلمي (ت 74 هـ، أبو سليمان سمرة بن جندب الفزاري (ت بالْبَصْرَة 60/59/58هـ)، سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي (ت 38هـ)، أبو العباس سهل بن سعد الأَنْصَارِي الخَزْرَجِي الساعدي (ت 91هـ) عَن 100 سنة، أبو أُمَامَة الصدي بن عجلان الباهلي نزيل الشّام (ت 86هـ)، ضميرة الأسدي، طَلْحَة بن عُبَيْد اللّه التميمي المقتول يَوْم الْجُمَل سَنَة (36 هـ) وهُو أبْن 63 سنة، عامر بن عمير النمري، عامر بن ليلى بن حمزة، عامر بن ليلى الغفاري، أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي (ت 110/10/102/100هـ).)عَائِشَةَ بنت أبي بكر بن أبي قحافة زوج الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، عباس بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ت 32 هـ)، عبد الرحمان بن عبد ربّ الأَنْصَاري، أبو محمد عبد الرحمان بن عوف القُرشي الزهري (ت 32/31هـ)، عبد الرحمان بن يعمر الديلمي نزيل الكوفة، عبد اللّه بن أبي عبد الأسدي المَخْزُومِي، عبد اللّه بن بديل بن ورقاعة سيد خزاعة المقتول بصفين مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).)عبد اللّه بن بشر (بشر المازني، عبد اللّه بن ثابت الأنصاري، عبدالله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي (ت 80) عبداللّه بن حنطب القُرَشِيّ المَخْزُومِي. عبد اللّه بن ربيعة، عبداللّه بن عَبَّاس (ت 68 هـ)، عبد اللّه بن أبي أو فى علقمة الأسلمي (ت 87/86هـ)، أبو عبد الرحمان عبد اللّه بن عُمر بن الخطاب العدوي (ت 3/72هـ)، أبو عبد الرحمان عبد اللّه بن مسعود (ت 33/32هـ). عبد اللّه بن بأميل (يامين) عثمان بسن عثمَان (ت 35 هـ)، عُبَيْد بن عازب الأَنْصَاري أخو البراء بن عازب أبو طريف عدي بن حاتم (ت 68 هـ) وهو أبن 100 سَنَة، عَطِيَّة بن بُسْر المازني، عُقبة بن عامر الجهني ولي أمر مضر لمعاوية ثلاث سنين مات في قرب السنين.)أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أسْتُشْهِدَ سَنة (40هـ). أبو اليقظان عمار بن ياسر العنسي الشهيد بصفين (37هـ) عُمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزُومِي ربيب النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أُمه أم سلمة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ت 83هـ)، عُمر بن الخطاب المقتول سَنَة (23هـ) عمارة الخزرجي الْأَنْصَارِي الْمَقْتُول يَوْم اليمامة. أبو نجيد عِمْرَانَ بن حصين الخزاعي (ت 52هـ) بالْبَصْرَةِ عَمْرُو بن الحمق الخزاعي المسْتَشْهد (50 هـ) عَمْرُوبن شراحبيل، عَمْرُو بن العاص عَمْرُو بن مرة الجهني أبو طَلْحَة أو أبو مَرْيَمَ الصِّدِّيقة فَاطِمَة بنت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فَاطِمة بنت حمزة بن عبد المطلب، قيس بن ثابت شماس الأنصاري، قيس بن سعد بن عبادة الْأَنْصَارِي الخزرجي، أبو مُحَمَّد كعب بن عجزة الأنصاري المدني (ت 51هـ)، أبو سليمان مالك بن الحويرث اللّيثي (ت 74 هـ)، المقدام بن عَمْرُو الكندي الزهري (ت 33هـ) وهو أَبْن 70 سَنَة.)ناجية بن عَمْرُو الخزاعي. أبو برزة فضلة بن عُتْبَة الأسلمي (ت بخراسان سَنة 65 هـ، نعمان بن عجلان الأنصاري، هاشم المرقال بن عتبة بن أبي وقاص المدني المقتول بصِفِّين مع أمير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (37هـ)، أبو وسمة وحشي بن حَرْب الحبشي الحمصي، وهب بن حمزة، أبو جحيفة وهب بن عبداللّه السوائي، وهب الخير (ت 74 هـ)، أبو مرازم يعلى بن مرة بن وهب الثَّقَفِي. أنظر رواياتهم وحياتهم في كتاب الْغَدِير : 14/1 - 60 طبعة دار الكتب الإسلامية.)وذكر ابن طاووس في كتاب الطرائف عَن أبن عقدة في كتاب الوِلايَة زِيَادَة عَلَى ذَلِكَ عُثمان بن حُنَيْف الأَنْصَاري، رفاعة بن رافع الأنصاري أبو الحمراء خادم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، جندب بن سُفْيَانَ العَقْلِي البَجَلي. أُمَامَة بن زيد بن حارثة الكلبي، عبد الرحمان بن مدلج. وإذا أردت المزيد فانظر المناقب لابن شهر آشوب : 25/3 و 26 طَبْعَة قم)أَمَّا رواة حَدِيث الْغَدِير فَهُم :أبو راشد الحبراني الشامي، أبو سلمة عبد اللّه (إِسْمَاعِيلَ بن عبد الرحمان بن عوف الزهري المدني (ت 94 هـ)، أبو سليمان المؤذن، أبو صالح السمان ذكوان (ت 101هـ). أبو عنفوانه المازني، أبو عبد الرحيم الكندي، الأصبغ بن نباتة التميمي الكوفي، أبو ليلى الكندي أياس بن نذير، جميل بن عمارة، حارثة بن نصر، حبيب بن أبي ثابت الأسدي الكوفي، الحارث بن مالك، الحسين بن مالك الحويرث، الحكم بن عتيبة الكوفي الكندي (ت 114 - 115 هـ)، حميد بن عمارة الخَزْرَجِي الأَنْصَاري، حميد الطويل أبو عُبَيْدَة بن أبي 115 حميد البصري (ت 143هـ)، خيثمة بن عبد الرحمان الجعفى مات بعد سَنَة (80هـ). رَبيعَة الجرشي المقتول سنة (60 - 61 - 74هـ)، أبو المثنى رياح بن الحارث النَّخَعِي الكوفي. أبو عَمْرُو أذان الكندي البزاز، البزار (ت 82 هـ)، أبو مَرْيَمَ زرين بن حبيش الأسدي (ت 81 - 82 - 83 هـ). زياد بن أبي زياد. زيد بن يشيع الهمذاني الكوفي، سالم بن عبد اللّه بن عُمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني (ت 106هـ).)سعيد بن جبير الأسدي الكوفي قتل بَيْنَ يدي الحَجَّاج سَنَة (95هـ، سعيد بن أبي حدان ويُقَال ذي حدّان سعيد بن المسيب القُرشيّ المخزومي صهر أبي هريرة (ت 94 هـ)، سعيد بن وهب الهمذاني الكوفي (ت 76هـ)، أبو يحيى سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي (ت 131هـ) أبو صادق سليم بن قيس الهلالي (ت 90 هـ)، أبو مُحَمَّد سليمان بن مهران الأعمش (ت 147 - 148هـ)، سهم بن الحصين الأسدي، شهر بن حَوْشَب، الضَّحَّاك بن مزاحم الهلالي (ت 105هـ). طاووس بن كيسان اليماني الجندي (ت 106ه) طَلْحَة بن المنصرف الأَيَّامي (اليمامي) الكوفي (ت 112 هـ)، عامر بن سعد بن أبي وقاص المدني (ت 104هـ).)عَائِشَةَ بنت سعد بن أبي وَقَاص (ت 117 هـ، عبد الحميد بن المنذر بن الجارود العبدي، أبو عمارة عبد خير بن يزيد الهمذاني الكوفي، عبد الرحمان بن أبي ليلى (ت 82 - 83 - 86هـ)، عبد الرحمان سابط ويُقَال : أبن عبدالله بن سابط الجُمَحِيّ المكي (ت 118 هـ)، عبدالله بن أسعد بن زرارة، أبو مَرْيَمَ عبد اللّه بن زياد، الأسدي الكوفي، عبد اللّه بن شريك العامري الكوفي أبو مُحَمَّد عبد اللّه بن محمد بن عقيل الهاشمي المدني (ت 140 هـ)، عبد اللّه بن يعلى بن مرة، عَدِيّ بن ثابت الأنصاري الكوفي الخطمي (ت 116هـ)، أبو الحَسَن عَطِيَّة بن سعد بن جنادة العوفي الكوفي (ت 111هـ)، علي بن زيد بن جدعان البصري (ت 129 - 131 هـ)، ها 129 أبو هارون عَمَّار بن جوين العبدي (ت 134هـ)، عُمربن عبد العزيز الأموي (ت 101هـ)، عُمَربن عبد الغفار.)عُمَرَ بن عليّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ، عَمْرُو بن جَعْدَة بن هُبَيرَة، عَمْرُو بن مرة، أبو عبد اللّه الكوفي الهمداني (ت 116 هـ)، عَمْرُو بن عبد اللّه أبو إِسْحَاقَ السبيعي الهمذاني (ت 127هـ)، عمرو بن ميمون الأودي (ت 74 هـ)، عميرة بنت سعد بن مالك أخت سهل أم رفاعة بن مبشر عميرة بن سعد الهَمَذَاني، عيس بن طَلْحَة بن عُبَيْد اللّه التميمي أبو مُحمَّد المدني مات في خلافة عُمر بن عبد العزيز، أبو بكر قطر بن خَلِيفَة المَخرُومِيّ مَوْلاَهُم الحناط (ت 150 - 153 هـ)، قبيصة بن ذؤيب (ت 86هـ)، أبو مَرْيَمَ فَيْس الثّقَفى المدائني. مُحَمَّد بن عُمر بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ت 100 هـ)، أبو الضحى مُسلم بن صبيح الهمذاني الكوفي العطار، مُسْلِم الملائي، أبو زرارة مُصْعَب بن سعد بن أبي وَقَاص الزهري المدني (ت 103هـ).)مطلب بن عبدالله القُرَشيّ المخزومي المدني، مطر الوراق المَخْزُومِي المدني، مطر الورّاق، معروف بسن خربوذ، منصور بن ربعي مهاجر بن مسمار الزهري المدني مُوسَى بن أكتل بن عمير النميري أبو عبد اللّه ميمون البصري مَوْلى عبد الرَّحْمَانِ بن سَمُرَة، نذير الضّبي الكوفي، هاني بن هاني الهمذاني الكوفى، أبو بلج يحيى بن سليم الفزاري الواسطي، يحيى بن جَعْدَة بن هُبَيرَة الْمَخْزُومِي، يَزِيد بن أبي زياد الكوفي (ت 136 هـ وله 90 سَنَةَ، يَزِيد بن حيان التميمي الكوفي، أبو داود يزيد بن عبد الرحمان بن الأودي الكوفي، أبو نجيح يسار الثقفي (ت 109هـ). أنظر، حياتهم ورواياتهم في الغدير : 1/ 62 - 72 طَبْعَة بيروت.)أَمَّا أَهَم المُؤْلِفِينَ فِي حَدِيثِ الْغَدِير فَهُم :أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطَّبَرِيّ (ت 310هـ، أبو الْعَبَّاس أحمد بن مُحَمَّد بن سعيد الهمذاني المَعْرُوف بأين عقدة (ت 333هـ)، أبو بَكْر مُحَمَّد بن عُمَرَ بن مُحَمَّد بن سالم التميمي البغدادي المعروف بالجعابي (ت 355هـ) أبو طالب عُبيد اللّه بن أحمد بن زيد الأَنباري الواسطي (ت 356 هـ). أبو غالب أحمد بن محمد بن مُحَمَّد الزراري (ت 368 هـ). أبو الفضل مُحَمَّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب الشيباني (ت 372هـ)، الحافظ علي بن عُمَرَ الدار قطني البغدادي (ت 385هـ) الشيخ محسن بن الحسين بن أحمد النيسابوري الخزاعي، علي بن عبد الرحمان بن عيسى بن عُرْوَة الجَرَّاح القناتي (ت 413 هـ)، أبو عبد اللّه الحُسَيْن بن عُبَيْد اللّه بن إِبْرَاهِيم الغضائري (ت 411 هـ)، الحافظ أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجستاني (ت 477 هـ)، أبو الْفَتْح مُحمَّد بن علي بن عُثمان الكراجكي (ت 449 هـ). علي بن بلال بن مُعاوية بن أحمد المهلي الشيخ منصور اللائي الرازي الشيخ علي بن الحسن الطاطري الكوفي، أبو القاسم عبيد اللّه الحسكاني، شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت 748هـ)، شمس الدين مُحَمَّد بن مُحمَّد الجزري الدِّمَشْقِ المقري الشافعي (ت 833هـ)، المؤلى عبد اللّه بن شاه منصور القزويني الطوسي، السَّيِّد سبط الحَسَن الجايسي الهندي اللكهنوي، السَّيّد مير حامد حسين السَّيّد مُحَمَّد قلي الموسوي الهندي اللكهنوي (ت 1306هـ)، السَّيّد مهدي بن السيد علي الغريقي البحراني النجفي (ت 1343 هـ)، الشيخ عبَّاس بن محمد رضا القمي (ت 1359هـ) السَّيّد مرتضى حسين الخطيب الفتحبوري الهندي، الشيخ محمد رضا أبن الشيخ طاهر آل فرج اللّه النجفي، الحاج السيد مرتضى الخسروشاهي التبريزي. وأنظر، الغدير : 152/1.)أَمَّا المُناشدة والاحْتِجَاج بِحَدِيثِ الْغَدِير فَهِي كَالتَّالِي :مناشدة الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ يَوْم الشُّورَى سَنَة (23 هـ)، ومناشدته (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَيَّامٍ عُثمان بن عَفَّان ويَوْم الرّحبة سَنَة (35 هـ) في الْكُوفَة، ويَوْم الْجُمَل سَنَة (36هـ) عَلَى طَلْحَة، وحديث الركبان في الْكُوفَة سَنَة (36 - 37 هـ)، ويُوْم صِفِّين سَنّة (37 هـ) واحتجاج الصِّدِّيقة فَاطِمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) بنت رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، واحتجاج الإمام الحَسَن سَنَة (41 هـ)، ومناشدة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة (58 - 59 هـ)، إحتجاج عبد اللّه بن جعفر عَلَى مُعَاوِيَة بعد استشهاد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، احتجاج يرد عَلَى عَمْرُو بن العاص، احتجاج عَمْرُو بن العاص عَلَى مُعَاوِيَة، احتجاج عَمَّار بن ياسر يَوْمٍ صِفِّين عَلَى عَمْرُو بن العاص سَنَة (37 هـ). احتجاج الأصبغ بن نباتة عَلَى مُعَاوِيَة سَنَة (37هـ)، مناشدة شابّ أبا هريرة بمسجد الكوفة. مناشدة رجل زيد بن أرقم، مناشدة رجل عراقي جابر الأنصاري، احتجاج قَيْس بن سعد عَلَى مُعَاوِيَة سَنَة (50 - 56هـ)، واحتجاج دارمية الحجونية عَلَى مُعَاوِيَة (50 - 56 هـ)، احتجاج عَمْرُو الأودي عَلَى مناوني أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، احتجاج عُمر بن عبدالعزيز الخليفة الأموي، احتجاج المأمون عَلَى الْفُقَهَا. (أنظر. الغدير للأمينى : 15/12 - 212، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 35، المناقب للخوارزمي : 222 أسنى المطالب للجزري : 50 ينابيع المودة: 482 البداية والنهاية لابن كثير : 211/5، مُسْنَد :أحمد : 4 / 370، و : 12 / 118 و 961، و : 37/5، مجمع الزوائد : 105/9).)وَقْفَة وَتَأمل في الإيرادات الواهية مِن قِبل البَعْض عَلى الحَدِيث :لم نجد غَمزاً ولا وقيعةً في صحة وأسانيد ورواة حديث الغَدِير من قبل أهل السنة والشيعة ماعدا ما يُنقل عن ابن حزم الأندلسي، وأبن تيمية في منهاج السنة : 13/4 وأبن الأثير في النهاية : 227/5، وصاحب السِّيرَة الحَلَبِية : 275/3، وأبن خلدون، وأحمد أمين وغيرهم.ولَسْنَا بصدد بيان حَيَاة هَؤُلاء الرّجال بل نعطي نموذجاً واحداً من حَيَاة واحدٍ مِنْهُم وهُو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد اللّه بن الخضر نقي الدين أبو العباس ابن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي (661 - 728هـ فقد قال الشوكاني في البدر الطالع : 260/2: صرّح مُحمَّد البُخَارِي الحنفي بتبديعه - صاحب بدعة - ثم تكفيره ثم صار يصرّح في مجلسه: أن من أطلق القَوْل عَلَى أبن تيمية بأنه شيخ الإسلام فَهُوَ بِهَذَا الإطلاق كافر. وأنظر، هامش الغدير : 247/1، وأبن تيمية حياته عقائده موقفه من الشيعة وأَهْل البيت لصائب عبد الحميد، منشورات مركز الغدير للدراسات الإسلامية - قم، ولسان الميزان: 4 / 200، وتفسير الآلوسي : 76/21، ابن خلكان في تأريخه : 370/1 وغَير هذه المصادر لدراسة حياة هؤلاء الرّجَال هَذَا أوّلاً.)وَثَانِياً. لَسْنَا بصدد بيان كلّ ما أورده هَؤُلاء من التمحّلات والتخرّصات والأَوْهَام بل نذكر نموذجاً أو موذجين مِنْها وبشكل يسير جداً بل إشارة فقط وَعَلَى اللبيب مراجعة ذَلِكَ في مظان الْبَحْث. فقد قَالَ بَعْض هَؤُلَاءِ إِنَّ حادثة الغدير وقعت في المدينة وبالتالي أن الرواية وردت هكذا أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قَالَ: «مَن كنت مَوْلاَه فعليٌّ مَوْلاَه» أَمَّا الزَّيَادَة «اللَّهُمَّ وال من والاه وعاد من عاداه» لا ريب أنه كَذَب!)والجواب : أنّ الواقع يرفض ذَلِكَ بأدِلَّة كَثِيرَة ولكن تختصر الكلام كما ذكرنا سابقاً لأنّ القَائِل بِذَلِكَ هُو أبن تيمية. فقد روى البخاري في صحيحة : 181/1 و 175 ومُسلم في صحيحه : 382/1 عن عبد اللّه بن عُمَرَ : أَن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أتاخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلّى بها وأتى معرَّسة بذي الحليفة فقيل له : إنك ببطحاء مباركة، وكَانَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ينزل بذي الحليفة حين يعتمر. فيفهم من هَذَا أن حادثة الْغَدِير قد وقعت في غدير خُمّ المَعْرُوف. (فانظر مصابيح البغوي: 83/1، وفاء الوفا للسمهودي : 212/1، معجم البلدان : 2 / 213، لِسَان العرب : 236/3، تاج العروس للزبيدي: 124/2 في مَادَّة (بطح)، الْغَدِير للعلامة الأميني 247/1) هَذَا أوّلاً.)وثانياً : أنّ الزِّيَادَة الَّتِي أَنْكَرُوها هي موجودة في مسند أحمد : 119/1 بطريقين، و : 4 /281، 370، 372، سنن ابن ماجه : 43/1 ح 116، المستدرك : 109/3، خصائص النسائي: 21 - 27، البداية والنهاية : 183/5. وراجع المصادر السابقة التي ذكرناها في تخريج الحديث «اللَّهُمَّ وال من والاه وعاد من عاداه».وَقَالَ البعض الآخر : أنّ سُورَة المعارج مكية، ونزولها قبل واقعه الغدير بأكثر من عشر سنين.والجواب : صَحِيح أنّ الإجماع عقد عَلَى أن مجموع السُّورَة مكية ولكن هذا لا ينافي أنّ آية مِنْهَا أو آيتين قد نزلت في المدينة كما في كثير من السور من أمثال سُورَة الْعَنْكَبُوتِ فَإِنَّهَا مكية إلا العشر الأَوَّل مِنْهَا فهي مدنية كما ذكر ذَلِكَ الطَّبَرِي في تفسيره: 86/20 والقُرطبي في تفسيره: 323/13. (راجع الْغَدِير: 256/1. كما أنّ غَيْر أحد من السور المدنية فيها آيات مكية كما في سُورَة الْمجَادِلَة كَإِنَّهَا مَدَنِيَة إِلَّا العَشر الأول كماجاء في تفسير أبي السعود في هامش ج 8 من تفسير الرازي : 148، والسراج المنير : 4 / 210. (أنظر، الْغَدِير : 257/1).)وهناك وجوه واعتراضات أخرى ذكرها صاحب الغَدِير وأجاب عنها رحمه اللّه تَعَالَى بأن الآية نزلت يَوْم بَدر قبل يَوْم الْغَدِير بسنين : أو أَنَّهَا نزلت بسبب ما قاله المشركون بمكة ولم يَنْزِل عَلَيْهِمُ العذاب، أو كآية أَصْحَاب الفيل، أو أنّ الحارث كَانَ مسلماً، أو أنه غير معروف، أعرضنا عنها للاختصار، فراجع الغدير : 258/1 - 266 بالإضافة إلى أبن كثير في البداية والنهاية : 276/1 طبعة دار الإحياء بيروت. وتَفْسِير الثعلبي، وتذكرة الخواص : 30 طَبْعة طهران، وتَفْسِير أبي السعود العبادي: 29/9 طبعة دار الإحياء، وتفسير السراج المنير : 364/4، وتجمع البيان للطبرسي: 446/5، والمستدرك: 502/2، والقُرطبي في تَفْسِيره لسُورَةِ الْمَعَارِج، وتأريخ ابن خلكان : 60/4 رقم 354 طَبعة دار الثقافة بيروت. وتَفْسِير غريب الْقُرْآن للهروي.وَقَالَ البعض الآخر : أنّ أسامة بن زيد قَالَ لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ: لست مولاي إنما مولاي - أي معتقي - رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فَقَالَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : مَن كُنت مَوْلاه - أي معتقه - فعليٌّ مَوْلاَه - أي معتقه فالحَدِيث ورد في عتق أسامة بن زيد لا أنّ عَلِيَّاً مَوْلَى للمؤمنين، أورد هَذَا الاشكال ابن الأثير في النِّهَايَة : 227/5.)والجواب : يعرفه أدنى من درس العلوم الإسلامية وهُو إِذَا كَانَ أسامة قد أعتق من قبل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فلا معنى لعتقه مرة ثانِيَة من قبل الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ). وكَيْفَ يَكُون ذَلِكَ والإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) باعتراف الصَّحَابَة هو أقضاهم كما ذكرنا سابقاً المصادر التي أشارت إلى قول عُمر بن الخطاب (أقضانا علي) فراجع.)أمَّا صاحب السيرة الحلبية فقد أشكل في : 275/3 بإشكال واهٍ جداً ولم يورد دليلاً واحداً على نقض حديث الغدير بل اكتفی بنقل الحادثة التى وقعت لبريدة وغزوته مع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ لليمن وكَيْفَ لقي بريدة جفوة من الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشكاية بريدة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) واعتراف بريدة بأنه قَالَ: ذكرت عَلِيَّاً فتنقصته، فرأيت وجه رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فَقَالَ : يا بريدة، ألست أولى بالمؤْمِنِين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رَسُول اللّه، قَالَ : مَن كُنت مَوْلاه فعلى مَوْلاَه. وزعم صاحب السيرة أنّ الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَالَ ذَلِكَ لبريدة وحده عندما كَانَ فِي مَكَّة ثم بعد ذَلِكَ عَمّمه عَلَى الصَّحَابَة فقام خطيباً وبرأ ساحة الإِمَام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ذَلِكَ الكَلام الذي تُكلّمُوه ضده.)والجَوَاب : أنّ شكاية النَّاسِ وبريدة كَانَتْ بمكة أَيَّام الحج، والرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بين لهم أن الشكاية في غَيْر محلها لأنّ الَّذي أستخلفه الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على جنده بعد ما تعجل (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اليمَن فِي القدوم إِلَى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكة حَتَّى يلتحق به للحج، فعمد ذَلِكَ الرَّجُل وكسا كلّ واحد من جنده حلة من البرِّ الَّذِي كَانَ معه من أهل نجران، فعندما دنا جَيْشَه وخرج الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليلقاهم شاهد عَلَيْهِمْ الحلل فقال له : ويلك ما هَذَا ؟ قَالَ: كسوت الْقَوْم لتجملوا به.... فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ويلك أنزع قبل أن ينتهي به إِلى رَسُو اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فانتزع الحلل من النَّاس وردّها فى البز، فشكا النَّاس عَلِيّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولذا قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : لا تَشْكُوا عَلِيّاً، فواللّه إنه لأخشن في ذات اللّه من أن يُشكي.)وروى هذه القِصَّة البُخَاري في صحيحه : 297/2 باختلاف يسير في الألفاظ، وَقَالَ فِيْها رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: ما تريدون من علي ؟ ما تريدون من علي ؟ ما تريدون من علي؟ إِنَّ عَلِيَّاً منّي وأنا مِنْهُ. وهو ولي كلّ مُؤْمِن بعدي، ورواه أحمد في مُسْنَده : 4 / 437، 5 / 356، والطَّيَّالسي في مُسْنَده : 111/3 و: 11 / 360، حلية الأولياء : 294/6، الرياض النضرة : 171/2، 203، کنز العمال: 6 / 154/6 و 159 و 396 و 401، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 155 و 399، خصائص النسائي 24، مجمع الزوائد : 9 / 109 و 119 و 127 و 128، كنوز الحقايق : 186 تاريخ بغداد: 339/4، أسد الغابة : 94. فيض القدير في الشرح : 357.)ولو كان كما يدعيه أبن كثير لما جمع النَّاس في الْيَوْم الثامن عشر من ذي الحجة بعد انقضاء الحج ورجوعه إلى المَدِينَة وقام خطيباً عَلَى عموم الناس ومجرد التحامل لا التحامل لا يستدعي هَذَا الوقوف أيضاً، بل يستدعي بيان الفضل والردّ عَلَى التحاملين كما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : هَذَا ابن عمّي وصهري وأبو ولدي وسيد أهل بيتي فلا تؤذوني فيه. ولو كَانَ كما يدعيه ابن كثير فَلِمَاذَا نزلت (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) ولو سلمنا جدلاً فانّ الواقعة الأولى لا دخل لها فِي الْوَاقِعَة الثَّانِيَة وإنما جاء الخلط نتيجة التَّعَصُّبِ الأَعْمَى ونسيان كلامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه جاء بعد الأمر بالتمسك بالكتاب والعِتْرَة وبَيَان أنهما لم يفترقا حَتَّى يردا عَلَيْهِ الحوض.)ولَسْنَا بصدد بيان وبحث حديث الثَّقَلَيْن. بل نقول لِمَاذَا منع الألوف عن المسير ؟ وارجاع من تَقَدَّم مِنْهُم وإلحاق من تأخر ؟ ولم أنزلهم في العراء لا كلاً وَلا ماء ؟ وَلِمَاذَا قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : ليبلغ الشاهد مِنْهُم الغائب ؟ وَلِمَاذَا ينعى نَفْسه لهُمْ ؟ ولماذا يسألهم عن الشهادتين ؟ ولماذا يحذرهم من النَّار والمؤن والساعة والبعث من فى القُبُورِ ؟ وهل من المعقول أن يجمعهم عَلَى أمرٍ هُو من أوضح الواضحات بحكم الوجدان والعيان وهُو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) المُنَزَّه في أفعاله وأقْوَاله بحكم الحكمة والعقل والعِصْمَة ؟ هَذه أسئلة نطرحها عَلَى أَبْن كثير ومَن سار عَلَى نَهْجه.)إِنَّ لفظة «منّي فِي حَدِيثِ الْمَنْزِلَةَ «أَنْتَ مِنّي مَنْزِلَةِ هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَيْسَ نبي بَعدِي» كما ذكر ذَلِكَ البُخَاري في صحيحه : 200/2، وصَحِيح مسلم: 120/7، والترمذي : 171/13، والطَّيَّالسي : 205/28/1 و 209 و 213، وابن ماجه ح 115، وأحمد في مُشنَده: 170/1 و 173 و 175 و 177 و 179 و 182 و 184 و 185 و 330، و : 32/3 و 338، و : 369/6 و 438، مستدرك الحاكم: 337/2، وطبقات ابن سعد: 1/3 و 14 و 15، ومجمع الزوائد : 109/9 وفي لفظ آخر لمسلم «إلّا أنه لا نبي بَعدِي» فلفظة «مني» توضح المراد من الْمَعْنَى، وذَلِكَ أنّ هَارُون لما كَانَ شَريكاً لمُوسَى في النُّبُوَّة، ووزيره في التبليغ، وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ من خاتم الأَنْبِيَاء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَذَلِكَ بأَسْتثناء النُّبُوَّةِ، فَتَبقَی لِعَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوزارة في التبليغ، وكَذَلِكَ لأولاده : في حمل أعباء التبليغ إلى المكلفين مباشرة، ولذا فهم : مِنْهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو مِنْهُم يَشتَركُون في التبليغ ويختلفُون في أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يأخذ الأحكام التي يُبلّغها من اللّه عَن طَرِيق الوحي، وهُم يَأخذونَها عَن طَرِيقِ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) منهم مبلغون عَن رَسُول اللّه إلى الأمة، وقد أعدهم اللّه ورسوله الحمل أعباء التبليغ، وذَلِكَ بِمَا عَصمهم من الرجس وطهرهم تطهيراً كما ورد في الآية الكريمة.)ولهذا فإنّ الرَّسُول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ كان مُدركاً أنّ قَوْمه حديثو عهد بِالجَاهِلِيَّة، وأنهم طالما عارضوا أَحْكامه وقراراته عِدّة مَرَّات كما حدث في صُلح الحديبية وأحد وحنين وأثناء مَرْضَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِي الْكِتَابِ والدواة وسَرِيَّة أسامة وصلاة الجمعة أثناء إقبال البير المحملة بالبضاعة. ولذا نجد أن عملية التبليغ التي نفذها النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد جرت أمام عشرات الآلاف من المسلمين، وأن أستثناء النُّبُوَّة جاء لئلا يتوهم متوهم أنّ اللّه تَعَالَى قَد جعل لعلي الشركة في النُّبُوَّة. وإننا نعلم أن الإمامة موقوفة عَلَى تَنصِيصِ اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما أنّ النُّبُوَّة موقوفة عَلَى تَنصِيص الباري عزّ وجلّ.)كما أن الأمر بالتبليغ جاء فيهِ تَهدِيد (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وإعْلامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإعْلَامِ غَيْره مَا لهذا الحكم من الأهمية بحيث إذا لم يصل الحكم، وحاشا للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن لا يُبلغ مَا أَمْرَه اللّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. أَمَّا قَوْله تَعَالَى (واللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) لفظ النَّاس اعتباراً بسواد الأفراد الَّذِي فِيهِ الْمُؤْمِن والمُنَافِق والذي فِي قَلْبَه مَرض فالْعِصْمَة هنا بمعنى الحفظ والوقاية من شرِّ هَؤُلاء.)وبالتالي فالمعنى يَكُون : من كنتُ مُتقلّداً لأمره وقَائِماً بهِ فعلي متقلد أمره والقائم بهِ، وَهَذَا صَرِيح في زعامة الأمة وإمامتها وولايتها، وثبت لعلي ما ثبت لرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ من الوِلاية العامة والزعامة والتصدّي لشأن من شؤون الغَير، وَهِي في قبال العداوة وهي التجاوز والتعدّي عَلَى الغَير والتصرف في شؤون الغير مُطلقاً، ويَدلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) التَّوْبَة : 71، وقَوْله تَعَالَى (اللّه وَلِيُّ الَّذِينَ ءامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) الْبَقَرَة : 257.)وتبقى شنشنة أبن تيمية وأَصْحَابه بأنه دعاء، ودعاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ مُستجاب، وَهَذَا الدعاء لَيْسَ بِمُستجاب، فالنتيجة أنه لَيْسَ دُعاء من قبل النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).)والجواب أيضاً من أوضح الواضحات؛ لأن الأمة مُجمعة عَلَى أن أمير الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ بَعد قتل عُثمان لَم تحصل لهُ الْإِمَامَة بِنص من رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يتناول تلك الفترة الزمنية والاختصاص بها دُونَ ما تقدّمها من الزمن، بل إنَّ الْوِلَايَة كَانَتْ لهُ قبل ذَلِكَ، فولايته عامة كما كَانَتْ ولايَة النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَامَه ويَدلُّ عَلَى ذَلِكَ كَلمَة «من» الموصولة، ولذا نجد أبن خلدون يقفز ولم يُشر إِلَيْهَا عَلَى الرّغم من أنه ذكر كل ما حدث في حجة الوداع، ولكن قفزه هَذَا دَليل عَلَى نظريته حول الإمامة والتاريخ، فإذَا أُورَد الحَدِيث فَإِنْ ذَلِكَ يُناقض نظريته حول الإمامة التي يرى فيها أمراً دنيوياً يقوم عَلَى مصالح النَّاسِ وَلَا مَدخلية للنّصّ فِيْهَا. وأدعى بأنّ الحَدِيث لم ينقله البُخَارِيّ ومُسْلِم والواقدي ولكن أبن تيمية وأمثاله يعرفُونَ حَقَّ الْمَعْرِفَة أن عدم النقل لا يَدلّ عَلَى القَدح في الحديث.

ولا يكمل الدِّين مِن غَيْرُ النَّص عَلَى الْخِلافَة، لأَنَّهَا مِن أهم)

1) إِنَّ استدلالكم عَلَى السُّورى بالآيَاتِ الواردة في قَوْله تَعَالَى: (... وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ...) الشورى : 38.. وقَوْله تَعَالَى: (.. وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ...) آلِ عِمْرَانَ : 159.. وأنَّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانَ يستشير أَصْحَابه في الأمور المهمة والصعبة، كما استشارهم في غَزْوَة بَدْر، وأحد والخندق... إلخ.)وهنا نسألكم: أتدل الآية الأُولَى عَلَى الوجوب أم عَلَى الاستحباب ؟ فإن قلتم عَلَى الوجوب فهذا لم يقل به أحد، بل إنَّ الآية الواردة في سُورَة الأَحْزَابِ تكون معارضة لها: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّه وَرَسُولُهُ وَ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّه وَرَسُولَهُ و فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا الْأَحْزَابِ : 36.. أَمَّا إِذَا قلتم بالاستحباب فقد ثبت المطلوب وهو أن الآية واردة بخصوص التشاور الَّذِي لم يرد فيه أمر من اللّه ورسوله. وَهَذا بعيد عما ورد بشأن الإمامة بأنها من اللّه ورسوله، ومقطوع بها بالنص، وَلَا عِلاقَة هَا بِالْبَيْعَةِ حَتَّى تمارس الأُمة صلاحيتها عن طريق الشُّورَى، بل إِنَّ الشّورَىٰ هنا تحكم على النص، وتنقل حق الحكم من اللّه ورسوله إلى الأُمة، وَهَذَا خلاف الوجدان.)أنّ الشُّورَى الَّتي أوجدها عُمر بن الخطاب وخرج بها عن النص، والإختيار وحصرها في ستة، وذَمّ كلّ واحد منهم ثم أهله للخلافة، وبعدها جعل الأمر إلى أَرْبَعَة ثُم إلى واحد وصفه بالضَّعف، والقصور تارةً، وفِرْعَوْنَ هَذِه الأمة تارة ثانية، ويجعل خاتمه في أصبع امرأته تارة ثالثة و..و...والسؤال هُو لِماذا لم ينص عَلَى واحد بعينه ؟ ولماذا لا يترك الأمة هي التي تختار كما يدعي المدعي ؟ والأُمَّةِ حق الإختيار، والبَيْعَة ؟

2) المَائِدَة : 3.)الْغَدِير عَهْدُ إِلهيأجمع المؤرخون وأهل السير أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ خرج في السنة العاشرة من الهجرة للحج، ودَعَا الْمُسْلِمِين عموماً إلى ذَلِكَ فاستجاب لدعوته المُسْلِمُون، وقد اختلف في عددهم، فمنهم من قَالَ: (90) ألفاً، ومنهم من قَالَ : (114) ألفاً، ومِنْهُم من قَالَ: (120) ألفاً، ومِنْهُم من قَالَ : (124) ألفاً.)وقيل : أَكْثَر من ذَلِكَ. وَهِي الحجّة التي يطلق عَلَيْها حجة الوداع الحجّة التي يطلق عَلَيْها حجة الوداع لأنها الحجّة الوحيدة التي حجّها رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وكذلك تسمّى بحجة البلاغ نسبة إلى قَوْله تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) وتسمّى أيضاً بحجّة التمام والكمال طبقاً لقَوْله تَعَالَى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي).)خرج من المَدِينَة يَوْم السبت لخمس ليال أو ست بقين من ذي القعدة، وقد خرج معه نساؤه جميعاً في هوادج وسار معه أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ وأغلب المهاجرين والأنصار، بالإضافة إلى الَّذِين جاؤوا من اليَمَن مَع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبي مُوسَى الأَشْعَرِي، وأثناء خروجه من المدينة أصيب النَّاس بوباء الجدري أو الحصبة مِمَّا تسبب في منع في منع الكثير من الذهاب إلى الحج معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ورغم ذلك فقد حجّ معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) اللّه ذلك العدد المشار إليه سابقاً.)أَصْبَحَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يوم الأحد بيلملم، ثم راح فتعنى بشرف السيالة، وصلّى المغرب والعشاء، ثمّ صلّى الظُّهر بعرق الظَّبية، ثم نزل الرّوحاء، ثم سار فصلى العصر بالمنصرف، وصلّى المغرب والْعِشَاء بالمتعشى، وصلّى الصبح بالإثابة، وأَصْبَحَ يَوْم الثلاثاء بالعرج، واحتجم بلحى جمل - عقبة الجُحْفَة - ونزل السقياء يَوْم الأربعاء، وأَصْبَحَ بالأبواء وصلّى هناك. ثم راح ونزل يَوْم الْجُمُعَةِ بِالجُحْفَة، ومِنْهَا إِلَى قَدِيد وسبت فِيهِ. وكَانَ يَوْم الأحد بعسفان.)ثم سار فلما كان بالغميم اعترض المشاة فصفّوا صفوفاً فشَكَوْا إِلَيْهِ المشي، فقال : استعينوا بالنسلان - وهو المشي السريع دُونَ الْعَدُوّ - ففعلوا فوجدوا لذلك راحة، وكَانَ يَوْم الأثنين بمر الظهران فلم يبرح حَتَّى أمسى وغربت له الشَّمْس بسرف فلم يصل المغرب حَتَّى دخل مكة. ولما انتهى إلى الأثنين بات بينهما فدخل مكة نهار الثلاثاء.أنظر، المصادر التالية : تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 30 الشيرة الحلبية : 257/3، السيرة النَّبَوِيَّة لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية : 3/3 الغدير للعلامة الأميني: 9/1، الطَّبَقَاتِ الْكَبْرَى لابن سعد : 225/3، إمتاع المقريزي : 510 إرشاد الساري : 429/6، تاريخ الخلفاء لابن الجوزي: 018/4. دائرة المعارف لفريد وجدي : 542/3، مجمع الزوائد : 156/9، ثمار القُلُوب : 511، أَسْبَاب النزول للواحدي : 135 الدر المنثور : 298/2، فتح القدير 57/2، تفسير النيسابورى : 194/6.ولما صدر رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ من حجّة الوداع (أنظر، تجمع الزوائد : 105/9 و 163 - 165 وأنظر، أيضاً المصادر السابقة) نزلت عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الثّامن عشر من ذي الحجة (أنظر، الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل : 1/ 192 - 193) آية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) فنزل بغدير خم من الجحفة : (راجع مَجْمَع الزوائد : 163/9 - 165 البداية والنهاية لابن كثير : 209 - 213 وخم: وادٍ بَيْنَ مَكَّة والمدينة عند الجحفة). عنده خطب رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة (أنظر، ربيع الأبرار للزمخشري : 84/1 طَبْعَة بغداد). وقيل خمّ موضع تصبّ فيه عين. وقيل هو بئر من الميشب حفرها مرة بن كعب وهُو عَلَى بعد 3 أميال من الجحفة وقيل عَلَى بعد ميل، وهي التي عناها الشاعر :)وَقَالت بِالْغَدِير غَدِير خُم*** أَخَيَّ إِلَى مَتى هَذَا الرَّكُوب(أنظر، مراصد الإطلاع: 482/1، وسفينة البخار : (309/2 وكَانَ يتشعب مِنْها طريق المدينة، ومِصْر، والشّام (أنظر، معجم البلدان مَادَّة الجحفة) ووقف هناك حَتَّى لحقه من بعده وردّ من كَانَ تَقَدَّم (أنظر، البداية والنهاية لابن كثير : 213) ونهى أَصْحَابِهِ عَن سمرات متفرقات بالبطحاء أنْ ينزلوا تحتهن، ثم بعث إليهن فقم ما تحتهن من الشوك (مجمع الزوائد : 105/9 ومَعْنَى السمر : نوع من الشجر، وقُم - من باب مد أي كنسه ونظفه. وأنظر، المصادر السابقة، والبداية والنهاية لابن كثير : 209) ونادى الصَّلاة جامعة (أنظر، مُسند أحمد : 4 /281، سنن ابن ماجه باب فضائل علي، تاريخ ابن كثير : 209 و 210). وعمد إليهنّ (مجمع الزوائد : 163/9 و 165) وظلّل لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بثوب عَلَى شجرة سمرة من الشَّمْس (مُسْنَد أحمد : 4 /372، البداية والنهاية لابن كثير : 212/5). فصلّى الظهر بهجير (مُسْنَد أحمد: 281/4 وأنظر، المصادر التابقة).)ثم قام خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عَلَيْهِ، وذكر ووعظ وقال ما شاء اللّه أن يقول، ثم قَالَ : إِنِّي أوشك أن أدعى فأجيب، وإنِّي مَسْئُول وأَنْتُمْ مَسْئُولون، فماذا أَنْتُمْ قائلون ؟ قَالُوا : شهد أنك بلغت ونصحت فجزاك اللّه خيراً، قَالَ : أَلَيْسَ تشهدون أن لا إله إلا اللّه وأنّ مُحَمَّداً عبده ورسوله، وأن الجنَّة حق، وأن النار حق ؟ قَالُوا: بلى نشهد ذَلِكَ. قَالَ : أَللَّهُمَّ أشهد. ثم قَالَ : ألا تسمعون ؟ قَالُوا : نعم، قَالَ :يا أيها الناس إنّي فرط وأَنتُمْ واردُونَ على الحوض وإِن عرضه ما بَيْنَ بُصرىٰ إِلى صنعاء (كَانَتْ بصرى أسماً لقرية بالقرب من دمشق، وأُخرى بالقرب من بغداد فيه عدد النجوم قدحان من فضة، وإنّي سائلكم عن الثَّقَلَيْن، فانظروا كَيْف تخلفوني فيهما، فنادى مناد : وما الثَّقلان يا رَسُول اللّه ؟ قَالَ : كتاب اللّه. طرف بيد اللّه وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به، لا تضلوا ولا تبدلوا، وعِتْرَتِي أَهْل بَيْتِي وقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حَتَّى يردا على الحوض، سألت ذلِكَ لهما ربّي، فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا نعلموهما فهم أعلم منكم. (مجمع الزوائد : 162/9 و 163 و 165، الحاكم في المُسْتَدرك : 109/3، ابن كثير في البداية والنهاية : 209/5).)ثمّ قَالَ : ألستم تعلمون أنّى أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِين من أنفسهم ؟ قَالُوا : بلى يا رَسُول اللّه (مُسْتَد أحمد: 118/1 و 119، و : 4 / 281، سُنن ابن ماجه : 116/43/1 ابن كثير في البداية والنهاية : 209/5. قَالَ: «ألستم تعلمون - أو تشهدون - أني أولى بكلِّ مُؤْمِن من نَفْسِهِ ؟ قَالُوا : بلى يا رَسُول اللّه (راجع المصادر السابقة ومُسْنَد :أحمد : 281/4 و 368 و 370 و 372 البداية والنهاية لابن كثير : 212/5).)ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب بضبعيه، فرفعها، حَتَّى نظر الناس إلى بياض إبطيها (أنظر، الحاكم :الحسكاني: 1/ 190 وفيه: فرفع يديه حَتَّى يُرى بياض إبطيه، وفي 193 حَتَّى بان بياض إبطيهما. وجاء في لِسَان الْعَرَب مَادَّة «ضبع» بسكون الباء وسط العضد بلحمه. ثم قال : أيّها النَّاس اللّه مولاي وأنا مولاكم (تَقَدَّمَت تخريجاته وراجع الحاكم في شواهد التنزيل : 191/15 البداية والنهاية لابن كثير : 209/5 وورد فِيهَا «وأنا مَوْلَى كُلّ مُؤْمِن»، فَمَن كُنتُ مَوْلاً، فَهذا عَليَّ مَوْلاَه، أَللَّهُمَّ وال من والاه وعادٍ، من عاداه (تَقَدَّمَت تخريجاته) وأنصير من نصره وأخذل من خذله.)أنظر، المصادر التالية : تأريخ ابن عساكر : 2 / 508/13 و 513 - 516 و 523 و 544 و 562 و 569 الطبعة الأولى بيروت ينابيع المودة : 249 طبعة اسلامبول : 297 طبعة الحيدرية، كفاية الطالب : 63 طَبعة الحيدرية : 17 طَبْعَة الغري، المناقب للخوارزمي: 80 و 94 و 130، نظم درر السمطين : 112. كنز الْعُمَّال : 403/6 الطبعة الأولى، و : 332/115/15 و 402 الطبعة الثَّانِيَةِ، أَنْسَاب الأشراف للبلاذري: 12/2، شواهد التنزيل : 211/157/1 و 192 / 250.وأنظر أيضاً مجمع الزوائد : 105/9، مُنتخَب كنز الْعُمَّال بهَامِش مُسْند أحمد: 32/5، شرح النهج لابن أبي الحديد : 209/1 و 289 الطبعة الأولى بمصر، و : 289/2، و : 208/3 طَبعَة مِصر تحقيق مُحَمَّد أبو الفضل، إسعاف الراغبين المطبوع بهامش نور الأبصار : 151 طبعة السعيدية : 137 طبعة العثمانيه. خصائص أمير المؤمِنِين للنسائي : 96 طَبْعَة الحيدرية : 26 و 27 طبقة مصر، الملل والنحل للشهرستاني 1 / 163، بيروت وأحبّ من أحبه وأبغض من أبغضه (تَقَدَّمَت تخريجاته) وراجع أيضاً مُسْتَد أحمد: 118/1 و 119، و : 281/24 و 370 و 372 و 373، و : 347/5 و 370، مُسْتَدرك الحاكم : 109/3 سُنن ابن ماجه باب فَضَائِل على.)وراجع شواهد التنزيل : 1/ 190 و 191، البداية والنهاية لابن كثير : 209/5 و 210 و 213 وفيه قلت لزيد : هل سمعته من رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ؟ فقال : ما كَانَ في الدوحات أحد إلا رأه بعينه وسمعه بأذنه. ثم قَالَ قال ابن كثير : قَالَ شيخنا أبو عبد اللّه الذهبي : وَهَذَا حديث صَحِيح» ثم قَالَ : أَللَّهُمَّ اشهد (راجع المصادر السابقة). ثم لم يتفرّقا - رَسُول اللّه وعلي - حَتَّى نزلت هَذِه الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) : المَائِدَة : 3.)وأنظر، المصادر التالية التى تحدّد زمن نزول هذه الآية في 18 من ذي الحجة في مكان يُقَال له غدير خم: تاريخ دمشق لابن عساكر ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: 575/75/2 - 577 و 585 الطبعة الأولى بيروت، البداية والنهاية لابن كثير : 213/5، و : 349/7 طَبعة القاهرة، روح المعاني للآلوسي : 055/6 و : 2/ 249 طَبْعَة المنيرية، شواهد التنزيل: 211/157/1 - 215 و 250 الطبعة الأولى بيروت، مناقب الْإِمَام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن المغازلي : 24/19 الطبعة الأولى طهران. تاريخ اليعقوبي : 35/2، الغدير للعلامة الأميني : 1 / 230، تَفْسِير أبن كثير : 14/2 الطبعة الأولى بمصر، و : 281/3 طبعة بولاق.) وراجع أيضاً مقتل الحسين للخوارزمي: 47/1 طَبْعَة مطبعة الزهراء، تأريخ بغداد : 290/8 طَبْعَة السعادة بمصر، الدر المنثور : 259/2 الطبعة الأولى بمصر، الإنقان للسيوطي: 31/1، و: 52/1 طبعة المشهد الحُسَيْني بمصر، المناقب للخوارزمي: 80 طَبْعَة الحيدرية، تذكرة الخواص: 30 وص 18 طَبْعَة آخر، يَنَابِيع المودة : 115، و : 347/1، و : 365/3 طَبْعَة أسوة. تحقيق السَّيّد علي جمال أشرف فرائد السمطين : 1 / 72 و 74 و 315 الطبعة الأولى بيروت، كشف الْغُمَّة : 95، العمدة : 52.

الأُمُور، وعَلَيْها قوام الحياة، والدِّين بَيَّن حُكم العُصفُور المذبوح بِلا تَسمية لا يهمل عَلَيْهِ مدار الحياة بشيء جهاتها... هَذَا، بالإضافة إِلَى أَنَّهَا خِلافة عن اللّه وَرَسُوله ثُمَّ قَالَ الشَّيعة : إِنَّ النّص موجود وثابت بِالفِعْل فِي حَقٌّ عَليّ بن أبي طالب بالذات.وَقَد تَتَبَّع الشّيعة كُتب السُّنَّة، وآثارهم، وجمعُوا مفردات النّص بِالْخِلَافَةِ عَلَى الإمام، جمعوا من كُتب السُّنَّة في الحديث، والتاريخ، والتَّفْسِير، بل والأدب أيضاً، بَل تُخصص كَثِيرُون من عُلَماء الشّيعة فِي هَذَا المَوْضُوع بالذات، وألّفوا فِيهِ المجلدَات، مِنْهَا «الشّافِ»ي لِلمُرتضى، و «دَلائِل الصِّدْق» للعلامة، والمُظفر وآخرها - فيما أعْلَم - «فَضَائِلِ الْخَمْسَة مِن الصّحاح الستة». في ثلاثة مجلدات كبار للفيروز آبادي. وَيَمتاز هَذَا السِّفر عَن غَيْره بالحياد التّام، لأَنه مُجَرد عرض ونقل عَن كُتب السُّنَّة بِلا فَلسفات، وتعليقات، بل يدع المؤلف القارىء وشأنه،

يَسْتَخلص بعقله وَفَهمه ما شاء وأراد، ولا يُحاول إقناعه بشيء. ولكي يُبرهن المؤلف عَلَى تَثبته في النقل ذكر اسم الكتاب، والجزء، ورقم الصفحة، كما ذكر في آخر الجزء الثالث تأريخ الطبع، ومكانه، وأسم المطبعة، أو المكتبة الَّتي نَشرَته.(حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ. وهَذِهِ الْبَيْعَةِ حَملت فِي طياتها أسوأ الآثار، وَعَلَى المدى البَعِيد بِالنِّسبة إِلَى أَهْل الْبَيْت، وَشِيَعتهم.)وأي شيء كان أسوأ أثراً عَلَى آلِ الرَّسُول، وَمُحِبيهم مِن وِلايَة مُعَاوِيَة عَلَى الشَّامِ الَّتِي تَولَّد مِنْهَا خِلَافَة يَزِيد بن مُعَاوِيَة ؟ وهل كان للأُمويين من دولة في الإسلام لَوْلاً وِلايَة مُعَاوِيَة.(فَيَا عَجَباً ! ! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ. كَيْفَ عَقَدِ أبو بَكْر الْخِلافَة لِعُمر بعد وفاته. وكان مِن قَبل يظهر الزُّهْد فِيْهَا، وَيَقُول: «أقِيلُوني مِنْهَا أَقِيلُونِي» (1).


1) كَيْفَ تُفسرون وتُؤوّلون مقولة أبي بكر : «أَقِيلُوني فلست بخيركم وعلي فِيكُم...» ؟ أنظر، التجريد في إستقالة أبي بَكْر، وشرح التجريد للقوشجي، ذكر القَوْل بدون أنْ يُناقش فِيهِ.. وروي هَذَا القَوْل بألفاظ مختلفة، فقد أورده ابن قتيبة بلفظ : «إنَّ لي شيطاناً يَعْتَرِيني فإنْ اسْتَقمت فأعِينُوني، وإنْ زِغْت فَقَوْمُوني وإِنْ غَضِبت فَجنبُوني...». وفي الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 34/1. بلفظ : «هي لكُم رَد وَلا بَيْقَة لكُم عِنْدِي» كنز العمال: 132/3.. وفي لفظ آخر بالكنز عن الطبراني في الأوسط: «قد أفلتم رَأيكم أني لست بخيركم»، كنز العمال : 135/3.. وفي لفظ آخر في الكنز : «قد أقلت بيعتكُم». كنز العمال : 141/3.)وقريب من هَذَا اللّفظ في شرح النهج لابن أبي الحَدِيد وقد أخذه مِن خُطْبَة الشَّقْشِقِيَّة : «... فيا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ - لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا» شَرْح النهج لابن أبي الحديد : 56/1. وفي تاريخ الطَّبَرِي قَالَ: «وَليتُ عَلَيْكُمْ ولست بخيركم»، وفي لفظ : «أما واللّه ما أنا بخيركم» تأريخ الطَّبَرِيّ : 203/7، كنز العمال عَن الحَسَن المصدر السابق.. ومثل ذلك كثير كما في الكَامِل لابن الأثير، الكَامِل لابن الأثير : 160/2. وطبقات ابن سعد، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 183/3. ومَجْمَع الزوائد : 186/5 والسيرة لابن هشام: 311/4، والسيوطي في تاريخ الخلفاء : 66، وفي السيرة الحلبية : 359/3، وفي السِّيرَة النَّبَوِيَّة لابن كثير : 493/4. ورواه الزبير ابن بكار في الأَخْبَار الموفقيات : 579، والسَّيِّد المرتضى في الشّافي: 116/3. وفي الصَّوَاعِقِ أيضاً : الفصل الأَوَّل مِن البَاب الأَوَّل. وغيرهم كثير. ورغم كلّ هذه المصادر التي ذكرت القَوْل يأتي بعض من يدعي العِلْم والمَعْرِفَة ويشكك في صحة الرّواية ويقول بلفظ : «إن صح هَذَا فَهُوَ من باب التواضع».والجواب أنه - أبوبكر - لو كان معتقداً بإمارته لم يجز له طلب الإقالة، كما لا يجوز للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، أن يقبل نَفْسه من النُّبُوَّة ؛ لأنَّها تنصيب إلهي، فكَذَلِكَ الإِمَامَة هي تنصيب إلهي ؛ لأنَّها إمتداد للنُّبُوَّة. ولا يجوز له أيضاً الفسخ بناءً على الإختيار ؛ لأنّ الإختيار هو في أصل أنعقادها فإلحاق الحل به بما لا دليل عَلَيْهِ، بل هُو مخالف لقَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أنظر، دلائل الصِّدْق : 14/3، والآية في سورة المائده : 1. وأنه كان يعلم علم اليقين بأنّ الإمام عَلِيّاً أفضل مِنْهُ، ولذا نص عَلَيْهِ عند إستقالته.)هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى أراد أنْ يهيج الرأي العام عَلَيْهِ - عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين - ويحرض أعوانه عَلَيْهِ ليبلغ أحد الأثرين، إما أنفراد على (عَلَيهِ السَّلَامُ أو قتله، فيأمن بِذَلِكَ عَلَى مُسْتَقْبَله. المصدر السابق. (بتصرف). وكَيْفَ يصلح لِلْأُمَّةِ مَن كَانَ له شَيْطَان يعتريه وكَيْفَ يحافظ عَلَى الْأَحْكام والدّماء والْفُرُوج. وَعَلَى هَذَا يمكن أن تعلل حَرْب أبي بَكْر لِلْمُسْلِمِين بعد أن استقام له الأمر وأشراب النّفاق بالمدينة وارتداد العرب كما تقولون، وهم القائلون نصلّي ولا نؤدي الزَّكَاة... ولذا نرى عُمَرَ خلا به نهاره أجمع، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 35/1، صَحِيح مُسْلِم كتاب الإيمان باب 8: 51/1 سُنن ابن ماجه: 1295/2 باب سُنن البيهق: 8/ 190 و 196، صَحِيح البُخَاري : 6/9 باب 6، صَحِيح الترمذي : 49/4 ح 1444، مُسْنَد 196، أحمد: 61/1 - 70، كنز العمال: 148/15. لعله يرجع عن رأيه في قتالهم فلم يفلح.)إِذَنْ عَمَلَه هَذَا من الشَّيْطَانِ الَّذي أعتراه في تلك الساعة، ولذا نراه في حال عدم وجود الشَّيْطَان في رأسه يقول الحق في أثناء محاورته لعبد الرحمان بن عوف حين حضرته الوفاة، قال عبد الرحمان : «... خفّض عَلَيْكَ من هَذَا يرحمك اللّه، فإنّ هَذَا يهيضك عَلَى مابك... ولا أراك تأسى عَلَى شيء من الدُّنْيَا فاتك.قَالَ : أجل، واللّه ما أسي إلا عَلَى ثلاث فعلتهن : ليتني كنت تركتهن، وثلاث تركتهن ليتني فعلتهن : وثلاث ليتني سألت رَسُول اللّه عنهن، فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن : فليتتي تركت بَيْت علي وإن كَانَ أعلن عليَّ الحزب، وليتني يَوْم شَقِيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين... وليتني حين أتيت بذي الفجاءة السّلمي أسيراً... ولم أكن أحرقته تاريخ الطَّبَرِيّ : 429/3، ط مضر تحقيق محمد أبو الْفَضْل الكَامِل للمبرد أيضاً : 11/1، والعقد الفريد : 368/4، وإعجاز القرآن: 116، النَّار... الخ» أنظر، تأريخ الطَّبَرِي: 429/3، ط بضر تحقيق مُحَمَّد أبو الفضل الكامل للمبرد : 11/1، والعقد الفريد : 26، إعجاز الْقُرْآن : 116..أنظر، التجريد في إستقالة أبي بكر، وشرح التجريد للقوشجي. ذكر القَوْل بدون أن يناقش فِيهِ. الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 34/1 كنز العمال : 132/3 و 141، تاريخ الطَّبَرِي : 203/7.

أَمَّا يَيْت الشعر الَّذِي تَمثل بِهِ الْإِمَام فَهُو لأَعْشَى قَيْس، وأسمه ميمون بن جندل، وحيّان سيد بنى حَنِيفَة، وكان فِي جَاهٍ، ونِعْمَة، وكان الْأَعْشَى يُنَادمه، وَيَقضيان أَيَّامَاً في الشكر، واللّهو... ومَعْنَى الْبَيْت : فَرقٌ بَعِيد بَيْنَ يَوْمِ الشَّاعر، وهُو عَلَى الناقة تَسِير بهِ فِي الرمضاء، ويَوْمِه فِي الظِّل الوارف يطرب مع حيان، وغرض الإِمَام مِن إنشاد الْبَيْت بَيَان الفرق بَيْنَ خِلافته التي جرّت عَلَيْهِ المتاعب كيوم الشاعر عَلَى النّاقة، وبَيْنَ خِلافة غَيْره الَّتِي كَانَتْ كيَوم الشاعر مع حيان المترف.(لشَدَّ مَا تَشَطَّرًا ضَرْعَيْهَا. ضَمِيرِ التَّثنية في تَشَطَّرا، يعود لأَبي بَكْر، وعُمَرَ، وهَاء ضَرْعَيْهَا لِلْخِلافَة، وَشَبهها الإِمَام بالنّاقة يَقْتَسم منافعهَا الْأَوَّل، والثَّاني، لكل منهما ضَرْع يحتلبه، وَقَالَ المُؤرخين : كَان عُمَرَ أَوَّل من بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ، فَحَفظها لَهُ.)(فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلَّمُهَا، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا. يُشير إلى أخلاق عُمَرَ، فإِنَّه كَان مَعرُوفاً بالغِلّظة، قَالَ طَلْحَة لأَبِي بَكْر : «ما أَنْتَ قَائِل لرَبِّكَ غَداً،)

وَقَد وَليت عَلِينا فَظّاً غليظاً ؟» (1.)(وَيَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيْهَا، وَالاِعْتِذَارُ مِنْهَا. ضَمِيرِ مِنْهَا لطَبِيعَة عُمَرَ الَّتي عبر الإمام عَنْهَا بِالحوزة، وكَانَ عُمَرَ يَتَسرع في إصدار الأحكام باسم اللّه وشرعه حَتَّى إِذَا نُبِّه إلَى خَطَئه أعتذر، وَقَد أُحصي عَلَيْهِ الكَثِير مِن ذَلِكَ مَا هُو مَشْهُورٍ كَتَحدِيده لمهر الزَّوْجَة، وأعتراض إِمَرْأَة عَلَيْهِ بِآيَة : ﴿وَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (2). فَقَالَ : «كُلّ النَّاس أفقه من عُمَرَ حَتَّى رَبَّات الحِجَال» (3).)(فَصَاحِبُهَا - أي طَبِيعَة عُمَرَ - كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ. مَن كَانَتْ له طَبيعَة كَهَذِهِ كَانَ أشبه برَاكب النّاقة الشموس، إِنْ كَفَهَا بالزّمام خَرّم أنفها، وَشَقَّه، وإِنْ أرخى زمامها صارت حياته في كف عفريت.)(فَمُنِيَ النَّاسُ - لَعَمْرُ اللّه - بِخَبْطٍ، وَ شِمَاسٍ، وَ تَلَوُّنٍ، وَ أَعْتِرَاضٍ. يقصد أنّ النَّاس أبتلوا بطبيعة عُمَرَ، وَهِي خَلِيط مِن الإِضْطِرَاب، وعَنْه عَبّر الْإِمَامِ بالخبط)


1) أنظر، الرّياض النضرة : 181/1، كنز العمال: 324/6، شَرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 164/1 و : 343/6 و : 13/11، تاريخ الأمم والملوك : 210/3، المطبعة الحسينية بمصر، الإيضاح للفاضل بن شاپان الأَزْدِي : 190، التعجب لأبي الفتح الكراجكي : 20، الملل والنحل للشهرستاني : 31، المعيار والموازنة لأبي جعفر الإسكافي: 47.

2) النِّسَاء: 20.

3) أنظر، مَجْمَع الزوائد : 284/4، الكشاف للزمخشري: 491/1، فيض القدير : 8/2 ح 1187، کشف الحنفاء : 269/1 ح 844 الجموع للنووي : 327/16، المَبْسُوط للسَّرْخَسِي : 153/10، شَرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد: 182/1 و 171/17، المُصَنَّف لعبد الرزاق : 160/6، سنن البيهقي : 442/7 سُبل السلام : 149/3، الدر المنثور : 466/2، كنز العمال: 537/16 ح 45798، تفسير ابن كثير : 478/1، علل الدار قطني : 239/2، فتح القدير : 443/1.

وخَلِيط أيضاً مِن الصّرَامة، وإِلَيْهَا أشار بالشّماس، وَمِن التَّبدل مِن حَالٍ إِلَى حَال، وهو الْمُرَاد مِن التَّلَوُّن، أَمَّا الإعْتِرَاض فالقصد مِنْهُ عَدمِ الاِسْتِقَامَة عَلَى حَالَ.(فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَ شِدَّةِ الْمِحْنَةِ. أراد بالمدة عهد الذين سبقوه إلى الْخِلافَة.. وَلَيت شِعري مَتى صَفَت لكَ الأَيَّام يا أبا الْحَسَن حَتَّى خَصَصت بالذكر عَهد الخُلَفَاء ؟. هَل صَفَت الخلافة لكَ مَع أَهْل الْكُوفَة، أو الْبَصْرَة، أو في صفّين، أو يَوْمِ النَّهْرَوَان، أو يَوْم أستشهادك وأنت ساجد للّه في بَيْت اللّه.؟. ولا بدع فحياتك وحياة أبنائك، وأحفادك كلها آلام، ومحن.)### أُقْرَنُ إِلَىٰ هَذِهِ النَّظَائِرِ!.. فِقْرَة 4:(حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَيَا للَّهِ وَلِلشُّورَى ! مَتَى أَعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَىٰ هَذِهِ النَّظَائِرِ ! لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا، فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ، وَ مَالَ الآخَرُ لِصِهْرِه. مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ، إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ، بَيْنَ نَشِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ، وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللّه خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبيع، إِلَى أَنِ انْتَكثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ، وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ (4!).)اللُّغَة:أَسْفَ الطَّائِر : دَنَا مِن الأَرْضِ َولِضِغْنِهِ : لحقده. وَيُطلق الهَن عَلَى الشّيء، والْمُرَاد بهِ هُنا الهَوَى، والغَرض، ونَافِجاً : رَافِعاً. ونَثِيلِهِ : رَوثَه. والمُعْتَلَف : مِن العلف. ويَخضَمُونَ : يَأْكُلُون. وقتل الحبل : لواه. وبطنه - بكسر الباء - التخمة.

الْإِعْرَاب :النَّظَائِرِ عَطف بَيَان مِن هَذِهِ. ونَافِجاً حال مِن ثَالِثُ الْقَوْمِ.الْمَعْنَى:(حَتَّىٰ إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ - أَي عُمَرَ - جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ. لما طَعن أبو لؤلؤة عُمَرَ، وَعَلم أنّه ميت دَعا عَلِيَّاً، وعُثمان، وطَلْحَة، والزُّبَيْرِ، وَسَعدَاً، وعَبد الرَّحمان بن عُوف، وَقَالَ: «مَات رَسُول اللّه، وهُو رَاضٍ عَن هَؤُلاء، وَقَد رَأَيْت أَنْ أَجْعَلها شُورَى بَيْنَهُمْ، ثم قَالَ لَمَن يَعتمد عَلَيْهِ : إِنْ أَجْتَمَع عَليّ، وعُثمان فَالقَوْل ما قَالاَه، وإنْ صَاروا ثَلاثة وثلاثة فالقَوْل للَّذين فِيهِمْ عبد الرحمان بن عُوف لِعِلمه أنّ عَلِيَّاً، وَعُثمَانِ لا يَجْتَمِعَان، وإنَّ ابن عُوف لا يُعدل بِالْأَمْرِ عَن عُثمان لأن أبن عوف صهره، وزَوج أخته، ثُمَّ أمر عُمَرَ أنْ تُضرب أعناق الستة إن امْتَنعُوا عَن تَنْفِيذ أَمْرِه.)هذا إيجاز سريع لُجمل القِصَّة، لا لتفاصيلها المذكورة في شرح أبن أَبي الحَدِيد، وكُتب التاريخ، ولكَ إِنْسَان أَنْ يَتَساءل : كَيْفَ أمر عُمَر بقتل الستة كلّهم أو بعضهم بعد أن شهد بأنّ رسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ مات، وهُو راض عنهم؟ وما هو السبب الموجب لترجيح الثلاثة الذين فِيهِمْ ابن عُوف عَلَى الذين فِيهِمْ عَليّ؟ ولماذا لَم يَجعل الأمر بيد أبن عوف منذ البداية ؟ وما الَّذي دَعَاء إِلَى أنْ يجعل النُّورَىٰ إِلَى ستة لا إِلَى جميع المُسْلِمِين كما فعل رَسُول اللّه - عَلَى زَعْمه - أو يختار الأصْلَح الذي يعرفه ويعتمده كما فعل أبو بَكْر ؟. وبالتّالي إِذَا كَانَتْ الشُّورَىٰ مَبدأ إسلامياً إلهياً فقد أشير عَلَى عُمَرَ أنْ يَختار وَلَده عَبد اللّه، فلماذا خالف الشُّورَى وأَسْتَبد برأيه ؟ (فَيَا اللّه وَ)

لِلشُّورَى! (1).)


1) والشُّورَى كما مورست في التاريخ وأدت إلى تعيين عُثمان بن عفان، هي أيضاً مظهر من مظاهر العهد، وإن. كانت ظاهراً غير فردية ؛ لا كِنَّهُ فِي الْحَقِيقَة فردية صرفة ؛ لأَنها بيد عبد الرَّحْمَان بن عوف، وَهَذَا ما حدث فعلاً، ولذا جاء في العقد الفريد الحوار الذي دار بَيْنَ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ. والحصين بن مالك بن الخشخاش : «قَالَ : فأنا أخبرك أنه لم يشتت بَيْنَ الْمُسْلِمِين وَلا فرق أَهْوَاءهم إلا الشُّورَى الَّتي جعلها عُمر بن الخَطَّاب إلى ستة نفر...». العقد الفريد: 33/5.)ألا يظهر من هَذَا كلّه أنّ الرَّجُل - أي عُمَرَ بن الخطاب - قد جعل أمر الترشيح بيد رجل واحد وهو عبد الرَّحْمَان بن عوف، وعبد الرَّحْمَان هَذَا يَعْرِف بأنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ يرفض الإلتزام بسيرة الشيخين، ولذا أشترط الإلتزام حَتَّى يبعد عَنْهَا عَلِيَّاً وذَلِكَ لما بَيْنَهما من الإِخْتِلاف من حيثُ السِّيرَة حَتَّى فِي الإستخلاف ولما بَيْنَ سيرتهما، وبَيْنَ سيرة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، طلب عبد الرحمان في حقيقته تعجيزي لا يمكن أن يقبل به إلا اللعوب الذي لا يرعى عهداً، ولا يلتزم بتعهد، وذلِكَ مستحيل على مثل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لذا قبلها عُثمان، ولم يلتزم بها أبداً وهُو يعلم أنه لن يلتزم، وكَيْفَ يلتزم بثلاثة أنماط من السيرة متباينة مختلفة، وليس فيها جامع. وهو الذي رفض منذ الْيَوْم الْأَوَّل خلافة أبي بكر، وَقَالَ: «لقد تقمصها فُلان...» وهو يعلم بأمر الهجوم عَلَى بَيْتِه بأمر أبي بكر، وقائد الحملة الهجومية لإحراق البيت عَلَى فَاطِمَة الزهراء ومَن فِيهِ، ألا وهُو عُمَرُ بن الخطاب هو صاحب الكَلِمَة و«إنْ»، ويعلم بأن أبا بكر قد خالف في قتال من يسميهم بالمرتدين، وقد خالف في إحراق الفجاءة و... و.... وكذلك يعلم بجهل أبي بكر في كثير من الأمور من ميراث الجدة الَّذي رواه مالك أبن أنس، في الموطأ : 335/1 وأبو داود في السنن: 17/2، وأبن ماجه في السنن: 163/3. وأحمد بن حنبل في المسند: 224/4.... وأعتراف كبار العلماء في العقائد والكلام حَتَّى أنه أخذ بآراء الْفَاسِقِ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ... حَتَّى أنه لم يَعْرِف مَعنى الكلالة و...و...)أَمَّا مخالفات عُمَرَ فَهيَ كَثِيرَة وقد أشرنا إلى بعض مِنْهَا من إنكاره لموت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وتصرفه في بَيْت المال بغير حق و...و.. والإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم أن أبا بكر وعُمَرَ أختلفا في سيرة كلّ منهما : لأن أبا بكر نص على خلافة عُمَرَ، وعُمَرَ جعلها شُورَى، وأبو بَكْر رَأى أنْ يُقاتل الذين أمتنعوا عن دفع الزَّكَاة، وعُمَرَ له رأي غَيْر هَذَا... وكتب أبو بكر لنفر من المؤلفة قلوبهم بحقوقهم، وعُمر مزق كتابه... إلخ. فكيف يسير على هاتين السيرتين المخالفتين لكتاب اللّه وسنة رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو الذي كان يقف مع النّصوص. والظواهر، ولا يتعداها إلى الأقيسة، ويطبق أمور الدُّنْيَا عَلَى الدّين، ولذا قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبد الرحمان بن عوف:)ماهيأرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، بينما نرى عُثمَان قَالَ : أنا يا أبا مُحَمَّد أَبا يعك عَلَى ذَلِكَ كما جاء في فتح الباري: 198/13. فَإِذَا سار بسيرة أحدهما فقد خالف الأخرى فيكون قد نكث عَهْدِه، وإن سار بسيرة رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فقد خالف سيرة الشيخين وقد يَكُون قد نكث عَهْدِه. إنَّ الأمر مُعد أصلاً ليكون عُثمان هو الخليفة ولذا قال على لعمه الْعَبَّاس «واللّه مابي رغبة في السُّلْطَان وحبّ الدُّنْيا ولكن لإظهار العدل والقيام بالكتاب والسنة» أنظر، شرح النهج : 51/9 وَقَالَ على لعبد الرحمان عندما صفق عَلَى يد عُثمان : «واللّه ما فعلتها إلا لانك رجوت مِنْهُ ما رجا صاحبكما دق اللّه بَيْنَكُما عطر منشم». دلائل الصدق م3: 123. قيل : ففسد بعد ذلِكَ ما بَيْنَ عُثمَان وعبد الرحمان فلم يُكلم أحدهما صاحبه حَتَّى مات عبد الرَّحْمَان. ثم ما هي الميزة، والخصيصة، والمنقبة التى تميز بها عبد الرحمان بن عوف حَتَّى يُجعل هو الحكم بَيْنَ طر فِي الْإِخْتِلاف إِذا وقع حَتَّى وإنْ صفق بإحدى يديه عَلَى الأخرى كما ذكرنا سابقاً من المصادر التاريخية. الكَوْن عبد الرَّحْمَان بن عوف زوج أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي معيط، وأُمها أروى بنت كريز، وأروى أُمّ عُثمان فلذلك هو صهره كما يَقُولُون ؟ أنظر، أنساب الأشراف 5: 19 أم لكونه من أنصار وحِزْب أبي بَكْر في يَوْمَ السَّقِيفَة مَع عُمَرَ، وأبي عُبَيْدَة، والمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وسالم مَوْلَى حُذَيْفَة. ؟ الإِسْعَاب : 385/2. الإحسابة : 408/2، أسد الغابة : 313/3. أم لكونه قَالَ يَوْمِ السَّقِيفَة : «يا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِنَّكم وإِنْ كنتم عَلَى فضل فلَيْسَ فيكم مثل أبي بكر وعُمَرَ..» تأريخ اليعقوبي : 103/2. أم لكونه من الرِّجَال الذين دخلوا بَيْت فَاطِمَة بنت رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مع عُمَر بن الخطاب، وخالد، وثابت بن قيس، وزياد بن لبيد ومُحَمَّد بن مَسْلَمَة، وزيد بن ثابت وسلمة بن سالم وسلمة بن أسلم، وأسيد بن حضير ؟ تاريخ الطَّبَرِيّ : 443/3، شرح النهج لابن أبي الحديد : 130/2، الإِسْيعاب : 83/2، الإصابة : 61/2، هذه المصادر عَلَى سَبِيل المثال لا الحصر.)أم لكونه نصح عُمَرَ بأَنْ لا يقول مقولته في منى عندما قَالَ له : «يا أَمِير المُؤْمِنِين لا تفعل فإنَّ الموسم يجمع رُعَاعَ النَّاس، وغوغاءهم... فأمهل حَتَّى تقدم المدينة فَإِنَّهَا دار السُّنَّة فتخلص بأَهْل الفِقْه وأشراف النَّاس فتقول ماقلت بالمدينة متمكناً فيعي أهْل الفِقْه مقالتك ويضعوها عَلَى مواضعها... فقبل عُمَرَ مِنْهُ ذلك...» ؟ السيرة لابن هشام : 336/4. أم أنه أحق بالنظر لمصلحة الأمة من أَمِير المُؤْمِنِينَ الَّذِي فِيهِ قَالَ عزّ من قائل: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ و وَالَّذِينَ ءَامَنُوا... المائِدَة : 55. أم أنّ عُمَرَ علم بأنّ عبد الرَّحْمَان لا يختلف مع ختنه عُثمَان وابن عمّه سعد كما صرح به أمير المؤمنين علي وَقَالَ له : حبوته حبو دهر له: لَيْسَ هَذَا أَوَّل يَوْم تظاهرتم فِيهِ علينا فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون...؟ أم لكونه صاحب ثروة قدروها بألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومئة فرس كما ترك ذهباً قطع بالفؤوس حَتَّى مجلت أَيْدِي الرِّجَال مِنْهُ ؟ كما جاء فى الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 136/3.)ثُمَّ لِمَاذَا أدخل - جعل الحكم - عبد اللّه بن عُمَرَ أيضاً كما في بَعْض الأخبار وهو القَائِل كما روي في تاريخ الْمَدِينَة عَن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عُمَرَ بن الخطاب «يأمروني أن أبايع لرجل لم يُحسن أنْ يُطلق أمرأته» ؟ تاريخ المدينة : 923/3. وفي طبقات ابن سعد قَالَ عُمَرَ: «مَن أستخلف ؟ فقيل له : فأين أنتَ من عبد اللّه بن عُمَرَ ؟ فَقَالَ : قاتلك اللّه واللّه ما أردت اللّه بهذا، أستخلف رجلاً لَيْسَ يحسن أن يُطلق أمْرَأته» ؟ تأريخ الْمَدِينَة : 343/3. وفي تأريخ السيوطي: «أنّ رجلاً قَالَ لعمر : ألا تستخلف عبداللّه بن عُمَرَ ؟ فَقَالَ : قاتلك اللّه واللّه ما أردت اللّه بهذا أستخلف رجلاً لم يحسن أن يُطلق امرأته». تأريخ السيوطي : 135. أم لكون ! عُمَرَ يعلم بأن أبنه معلوم الإنحراف عن علي أن أبي طالب ولذا لم يُبايعه لما كَانَتْ الْبَيْعَة له بعد عُثمَانِ، وَبَايَعَ بعده مُعَاوِيَة ويَزِيد بن مُعَاوِيَة.... بل قيل إنّه أنتظر عَلَى باب الحجاج ثلاثة أيام ليبايعه، والحجاج مشغول عَنْهُ، حَتَّى دخل عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالث وهو يقول: مَنْ مات ولَيْسَ فِي عُنقه بَيْعَة مات ميتة جاهلية. وكَانَ الحَجاج منشغلاً بالأكل فهد رجله إِلَيْهِ وبايعه...إذَنْ عبد اللّه بن عُمَرَ يحمل نفس السبب الذي كَانَ يحمله عُمَرَ، تجاه على بن أبي طالب، وهُو السّر الَّذِي دَعَاهُ فِي آخر حياته أنْ يُبايع يزيد بن مُعَاوِيَة يَزِيد الخمور، والْفُجور، والكفر، والإلحاد مقابل مئة ألف درهم قدمها إِلَيْهِ مُعَاوِيَة أَيَّام حياته، وبعد قتل يَزِيد لقرة عين الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ والبتول فاطمة الزهراء وعلى أمير المؤمِنِين، والحُسَيْن هو سيد شباب أهل الجنَّة، فهل من المعقول أن يقف أبن عُمَرَ هَذَا الموقف ليدافع عن تزيد الْفَاسِقِ، حَبَّث روى البُخَارِي عَن نافع قَالَ : لما خلع أهْل الْمَدِينَةِ يَزِيد بن مُعَاوِيَة جمع أبن عُمَرَ حشمه ومواليه وفي رواية سليمان وولده، وَقَالَ : إني سمعت رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول : «ينصب لكل غادر لواء يَوْم الْقِيَامَة» وزاد الزهري: «وإنا قد بايعنا هذا الرَّجُل عَلَى بَيْغة اللّه ورسوله، وإنّي لا أعلم غدراً أعظم من أنْ تُبايع رجلاً عَلَى بَيْعَة اللّه ورسوله، ثم تنصب له القِتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلع ولا بايع في هَذَا الأمر إلا كَانَتْ الفيصل بيني وبينه». صحِيح البُخَاري: 166/1، سُنن البيهقي: 159/8، مُسْنَد أحمد: 96/2.)وَقَالَ فِي وَفْعة الحرة التي أباح فيها يزيد المدينة المنورة ثلاثة أيَّام، ثمَّ يَأْتي أَبْن عُمَرَ ويوجه جرائم يَزِيد حينما قال مخاطباً عبد اللّه بن مطيع : «سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يقول : من خلع يداً من طاعة لقي اللّه يَوْم الْقِيَامَة لا حجة له، ومَن مات ولَيْسَ في عنقه بَيْعة...» صحيح مُسلم : 22/6.)ثُمَّ ما هي الميزة التي ميزت أبا عُبَيْدَة بن الجراح - عامر بن عبد اللّه ؟الكَوْن - أبي عُبَيْدَة - من الذين كانوا في السَّقِيفَة فِي حِزْب أبي بَكْر وهُو القَائِل لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ: «يا أبا الحَسَن ! إنك حدث السّنّ وهَؤُلاء مشيخة قُرَيْش قومك لَيْسَ لك مثل تجربتهم ومَعْرِفَتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى عَلَى هَذَا الأمر منك وأشدَّ أحتمالاً له وأضطلاعاً به، فسلّم له هَذَا الأَمر وارض به فإنّك إن تعش ويَطلُ عمرك فأنتَ لِهَذَا الأمر لخليق وعَلَيْهِ حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك...» ؟ شرح النهج لابن أبي الحديد : 134/2 و 286/6.)أم لكونه من الذين أختمروا بالأزر، لا يمرون بأحد إلا ضبطوه... وقدموه. فمدوا يده فمسحوها عَلَى يد أبي بَكْر يبايعه شاء ذَلِكَ أم أبى» ؟ شرح النهج للمعتزلي: 219/1. ولهذا وغَيْره أَصْبَحَ عُمَرَ يردد هَذِهِ المقولة: «لو كان أبو عُبَيْدَة بن الجراح حيّاً لإستخلفته ولو كَانَ سالم مَوْلَى أبي حُذَيْفَة حيّاً لإستخلفته». وكأَنَّه رد الجميل الذي صدر مِنْهُما أَيَّام السَّقِيفَه وغَيّرها، وهو يعلم بأنها قد مانا فلا بأس بأن يبعد الشُّبهة، والإشكالية التي طرأت في أذهان الناس، وكأنّ الأمر حَقِيقَة هُو شُورَى وهو... وهو.... وقد تناسى كل الآيات، والأحَادِيث التي جاءت بحق الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ حَتَّى قَوْله : «بخ بخ لك يا ابن أبي طالب ! من مثلك يباهي اللّه به مَلَائِكَة سبع سماوات ؟» أو «أَصْبَحت مولاي ومَوْلَى كلّ مُؤْمِن ومؤمنة...» شرح النهج للمعتزلي: 219/1..)وَهَذَا الحرف «لو» للتمني وهو حرف إمتناع لوجود أيضاً فلو كان حقاً أبو عُبَيْدَة أو سالم من الأحياء لم يولّ عُمَرَ أحداً مِنْهُما وذَلِكَ ؛ لأنه أختراق لبنود السَّقِيفَة التي نصت عَلَى التتابع - أبو بَكْر، ثمّ عُمَرَ، ثمّ عُثمان - وإنما ذكرهما من باب أنّ الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قد آخى بَيْنَها في المؤاخاة الأُولَىٰ عندما كَانَ فِي مَكَّة، فقد آخي بَيْنَ أَصْحَابِهِ من قُرَيْش ومواليهم، فآخى بَيْنَ عمه حمزة ومَوْلاًه زيد بن حارثة، وبَيْنَ عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب، وبلال مَوْلَى أبي بكر، وبَيْنَ أبي عُبَيْدَة ابن الجراح، وسالم مَوْلَى أبي حُذَيْفَة. وهذه الموالاة هي التي حطمت الإعتبار والتمايز الطبق القبلي الاقتصادي الروض الأنف: 252/2. وكَانَ أبو عُبَيْدَة بن الجراح المَسْئُول المركزي عن المخصصات المالية.)ودليلنا عَلَى أنّ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ للفذلكة أنه قال أيضاً: «لو أدركت معاذ بن جبل لإستخلفته ووليته»، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 23/1 ومعاذ هَذَا لَيْسَ من طبقة البَدْريين، بل من الأَنْصَار الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 583/3. فَإِذَا كَانَتْ تَولِيَة الأَنْصَار جائزة فَلِمَاذَا لم تكن جائزة يَوْم السَّقِيفَة؟ علماً بأن سعداً طالب بالخلافة وهُو أحد النقباء لَيْلَة العقبة الذين إختارهم جبريل (عَلَيهِ السَّلَامُ، وسعد ليس كمعاذ ؛ لأنه سيد الخزرج بلا منازع. المصدر السابق، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 5/1 و 8 وأنظر إلى الفذلكة الأخرى التي قالها عُمَرَ: «لو أدركت خالد بن الوليد لوليته»، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 24/1 وخالد بن الوليد هَذَا من الطَّبَقَة العاشرة من طبقات الصَّحَابَة كما تدعون، وهُو الَّذي أنقض عَلَى الرّماة يَوْم أحد... وهو الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «اللَّهُمَّ إِنِّي أبرء إِلَيْكَ مِمَّا صنع لَيْك ممّا صنع خالد». السِّيرَة النَّبَوِيَّة لابن كثير : 592/3 تأريخ الإسلام للذهبي : 0568/3 الكامل في التاريخ لابن الأثير : 256/2. الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 148/2 تاريخ الطَّبَرِي : 67/3، السيرة لابن هشام: 73/4، المغازي للواقدي: 881/3.)ومن هَذَا وذَاكَ لا تندهش إِذَا رأينا مُعَاوِيَة الطليق أبن الطليق يعتلي سدة الخلافة، والحكم، والإمارة، وكَذَلِكَ مَرْوَان بن الحكم الَّذي كَانَ محظوراً عَلَيْهِ وَعَلَى أبيه أنْ يدخلا المدينة في زمن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وزمن أبي بكر وزمن عُمَرَ أيضاً إلى أن آلت الخلافة إلى عُثمَان فأَدْخَلَه معرزاً مكرماً، ثم طلب الخلافة وطالب فعلاً بالإمارة، ولكن عُثمان اتخذه وزيراً له حَتَّى قَالَ الْإِمَام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنا واللّه إذن لنكسرن رماحنا ولنقطعن سيوفنا وَلا يَكُون فِي هَذَا الأمر خير لمن بعدنا» الإمامة وَالسَّيَّاسَة لابن قُتَيْبَة : 29/1. العقد الفريد : 272/22، نقله مختصراً عَن أبن أبي شيبة عن طريق الأعمش..)ثُمَّ ألا تعتقدون بأن تَولِيَة عُثمَان لِلْخِلافَة كَانَ قد بُتّ فيها في حياة عُمَرَ بن الخطاب، وتعيين الستة في الشُّورَى كَانَ من أجل تمرير هَذَا الأمر بصورة مرضية لدى الجميع كما يتصورون، وذَلِكَ عندما أنبأ عُمَرَ سعيد بن العاص أنه سيلي بعده ذو رحم، ألا وهو عُثمان وطلب مِنْهُ أنْ يخبى الأمر عنده. شده. وَهَذَا ما كشف عَنْه عُثمَان نفسه عندما خطب في أَوَّل خُطْبَة له حَيْث قَالَ : أيها النَّاس إِنَّ أَوَّل مركب صعب، وإن بعد الْيَوْم أَيَّامَاً، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها فما كُنا خطباء... فأرتج عَلَيْهِ... فَقَالَ : إِنَّ أبا بكر وعُمَرَ كَانَ يعد ان لهذا المقام مقالاً وسيأتي اللّه به...». البداية والنهاية: 166/7، العقد الفريد: 410/2، البيان والتبيين : 250/2، تحقيق مُحمَّد هارون تأريخ الخلفاء تحت عنوان «أوليات عُثمان»، وأبن كثير: 214/7، الطَّبَقَات الْكَبْرَى في ترجمة عُثمَان : 62/3، أَنساب الأشراف: 24/5 و 25 وهو أَوَّل يَوْم عفا به أثناء خطبته عَن عُبَيْد اللّه بن عُمَرَ من جريمته لقتل الهَرْمُزَان وكَانَ من المُسْلِمِين، وَقَالَ: لا وارث له إلا المُسْلِمُون عامة وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون؟ قَالُوا: نعم، فَقَالَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: أَقد الْفَاسِقِ فَإِنَّه أتى عظيماً، قتل مسلماً بلا ذنب. وَقَالَ لعُبَيْد اللّه : «يا فاسق لأن ظفرت بك يوماً لأقتلنك بالهرمزان». المصادر السابقة. ولا ندري هل هذا رد الجميل من قبل عُثمان لأبيه ؟ أو لسبب أخر لا نعرفه ؟ وعُمَرَ هَذَا هُو الَّذِي حرض سعيد بن العاص عَلَى قتل الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندما قال له : «مالي أراك معرضاً كأنك ترى أني قتلت باك ؟ ما أنا قتلته ولَكِنَّهُ قتله على بن أبي طالب»، وكان قد قتله ببدر، فأراد بِذَلِكَ عُمَرَ إثارة الضغائن على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).)ويكشف لنا هذا التصور، بل التصديق بأنّ الخلافة قد بُت بها مسبقاً ما أستفاض من الرِّوَايَات من مناشده الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ لأصحاب الشورى وتعديده فَضَائِله وخصائصه التي بان بها مِنْهُم ومن غيرهم، فقد روى شرح النهج لابن أبي الحَدِيد قَالَ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إنَّ لنا حقاً إنْ نُعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعْجَاز الإبل، وإن طال السرى...». ثمّ قَالَ لَهُمْ: «أنشدكم اللّه، أفيكم أحد أخى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بينه وبَيْنَ نَفْسه حيث آخى بَيْنَ الْمُسْلِمِين وبَعْض غَيْرِي ؟» فَقَالُوا : لا... فَقَالَ... فقَالُوا... قَالَ : «فَأَيُّنَا أَقْرَب إلى رَسُول اللّه نسباً ؟» قَالُوا: أَنْتَ. فقطع عَلَيْهِ عبد الرحمان أن عوف كَلامه وَقَالَ : يا علي : قد أبي النَّاس إلا عَلَى عُثمان، فلا تجعلن عَلَى نَفْسِكَ سبيلاً. ثم قَالَ : يا أبا طَلْحَة ما الَّذي أمرك به عُمَرَ ؟ - وهنا بيت القصيد - قال : أن أقتل من شق عصا الجماعة. فَقَالَ عبد الرَّحْمَان لعلي بَايَعَ إِذَنْ... وإلا كنتَ مُتبعاً غَيْر سَبِيل الْمُؤْمِنِين وأنفذنا فيك ما أمرنا به. فَقَالَ: «لقد علمتم أني أحق بها من غَيْرِي، وواللّه لأسلمنَّ...». شرح النهج لابن أبي الحديد : 167/6. كَانَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم بأن الخلاقة زويت عنه، وإنما أشترك معهم في الشُّورَىٰ لا كي لا يقال: هو الذي زهد في الخلاقة ولم يطلبها، وَقَالَ عُمَرَ أكثر من مرة إن قريشاً أجمعت أن لا تولي أي هاشمي أبن الأثير : 24/3، وشرح النهج : 107/3 و 105 و 114، الإمامه وَالسَّيَّاسَة : 26/1، نظام الحكم للقاسمي: 222.

(مَتَى أَعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ !. عفوك، ورِضوانك يا مولاي ألست القَائِل : إِنَّ الحَقِّ ثَقِيل مَريء، وإِنَّ الْبَاطِل خَفِيف، وَبِيء ؟ (1). وإِذَنْ فَأي عَجب إِذَا قَرِنُوكَ إِلَى هَذِهِ النّظائر فما دونها ؟. ولَيْسَ مِن قصدي أنْ أبرر المقارنة كلاً، وألف كلاً.. وأي مبرر للمُقارنة، والموازنة بَيْنَ)


1) أنظر نهج البلاغة : 90/4 الحكمة (376)، أنساب الأشراف: 44/5، الفتوح لابن أَعْثَمْ: 189/2، شَرْح نَهْجِ الْبَلاغَة لابن أبي الحديد : 104/2 و : 313/19.

مخلوق، وبَيْنَ من قَالَ لهُ الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «أَنْتَ أَخِي وَولِي فِي الدُّنْيَا والآخرة» (1).. ولكنْ مِن قصدي، وإنْ قُصر البيان، أنْ أُشير إلى أن للحَقِّ ثَمنه الغالي مِن البلوى.)وَمِن أقوَالِكَ يَاسِيدي : «وَرُبَّ مُنْعَم عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجُ بِالنُّعْمَى، وَرُبَّ مُبْتَلَى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى! فَزِدْ أَيُّهَا الْمُسْتَنْفِعُ فِي شُكْرِكَ، وَقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَقِفْ عِنْدَ مُنْتَهى رِزْقِكَ» (2. وأي صُنع، ورصيد أجلّ، وأفضل من هَذَا الرصيد الذي أدخره اللّه لأخيك مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولَك ؟.. لقد أتفق المُسْلِمُون عَلَيْهِ، وعَلَيْكَ. واخْتَلَفُوا فِي الّذين قَرْنُوك، وأخرُوك، وَلاَ شَيء أدَل مِن هَذَا الإتفاق عليه أنك أخُو مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأنك مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِن مُوسَى حَقَّاً، وَصِدقاً، وإلا لإختلفوا فِيك تماماً كما أختلفوا في الذين قَرْنُوك، وأخرُوك (3).


1) أنظر، سُنن الترمذي: 20/5 ح 3804. مشكاة المصابيح : 1720/3 6084. صَحِيح البُخَارِي : 2/ 299، و : 3804/300/5 و 3720/636، جامع الترمذي: 213/2، مصابيح السنة للبغوي : 2 / 199 ومُسْتَدرَك الْحَاكِم: 14/3 والإِسْيعاب : 460/2، تيسير الوصول : 271/3، مشكاة المصابيح هامش المرقاة: 569/5 الطبعة الثانية، والرّياض النضرة : 2 / 167 و 212، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: 1/ 109 ح 149، الأسيعاب بهامش الإصابة : 35/3، مسند أحمد : 230/1.

2) أنظر، نهج البلاغة : الْحِكْمَة (273).

3) قَالَ الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «أَمَا تَرْضَى أنْ تكون منّي بِمَنْزِلَةِ هارون من مُوسَى إلا أنه لا نبي بعدي، إنه لا يَنْبَغِي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. أنظر، الصَّوَاعِق المحرقة لابن حجر : 29، صحيح البخاري : 200/2 و 324. وروی بسنده و 208/4. و : 245/14 / 3470. و : 4115/217/16 بشرح الكرماني. صحيح : مُسْلِم فِي فَضَائِل علي: 324، المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم النيسابوري : 109/3. مُسْتَد ابن ماجه : 28/1، مسند الإمام أحمد : 175/1 و 177 و 179 و 182 و 331 و 369، كنز العمال : 152/6 ح 2504، وتلخيص الحافظ الذهبي عَلَى المُسْتَدرك : 133/3، وخصائص النسائي : 17، والإصابة لابن حجر : 568/4 وينابيع المودة للقندوزي : 58/2.)حديث المَنْزِلَة :وحديث المُنْزِلَة من الأحاديث المتواترة، والمشهورة عند أهل الشّيعة، والسُّنّة، وأعترف بصحة سنده أكابر عُلَمَاء الْمُسْلِمِين، وثقات الرواة، ولَسْنَا بصدد بيان ما فيه من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة في كَيْفِيَّة إنزال الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ بمنزلة هارون من مُوسَى ولم يستثن من جميع المنازل إلّا بِمَنْزِلَةِ النُّبُوَّة. ولَسْنَا أيضاً بصدد الدفاع عن الحديث عند المشككين في أسانيده كالآمدي مثلاً، والكرماني، وأبن تيمية، والجاحظ وغيرهم وذَلِكَ لأنّ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيلَ أبو عبدالله البُخَارِيّ (194 - 256 هـ) هو الراوي له عَن سعد بن أبي وقاص ولَوْلاً ثبوته عنده لما رواه. وصرح الذهبي بصحته في تلخيص المُسْتَدرك، وذكره ابن حجر الهيتمي في صواعقه.)ومُعَاوِيَة نَفْسه الذي أسس سب ولعن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ على منابر المُسْلِمِين لم يجحد هَذَا الحَدِيث، وقصته مع سعد بنأبي وقاص أشهر من أن تذكر عندما قال لسعد ما منعك أن تسبّ أبا تراب ؟ فَقَالَ سعد: أما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلن أسبه لأن تكون لي وَاحِدَة مِنْهَا أحبّ إليَّ من حمر النَّعَم، سمعت رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول لعلى وقد خلفه في بَعْض غَزْوَاته : أمَا تَرْضَى أن تكون منّى بِمَنْزِلَةِ هارون من مُوسَى إلا أنه لا نُبوَّة بعدي. بل إنَّ مُعَاوِيَة نَفْسه حدّث بحديث المنزلة عندما سأله سائل عَن مسألةٍ ما فَقَالَ مُعَاوِيَة للسائل : سل عَنْهَا عَلِيَّاً فَهُوَ أعلم. قَالَ السّائل جوابك فيها أحبّ إليَّ من جواب عليّ، قَالَ معاوية : بئس ما قلت لقد كرهت رجلاً كَانَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يغرۀه بالعلم غرّاً، ولقد قال له : أَنْتَ منّي بِمنْزِلَةِ هارون من مُوسَى إلا أنه لا نبي بعدي. (أنظر الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 107 المقصد 5 باب 11).)وروى الحَدِيث بطرق عديدة وعَن جَمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: سعد بن أبي وقاص، والبراء بن عازب. وأبو هريرة، ومُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ، وزيد بن أرقم، وأُم سلمة، وأُم سليم بنت ملحان بن خالد الأَنْصَارية - أخت حرام بن ملحان - اسْتُشْهِدَ أبوها وأخوها بَيْنَ يدي رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وَهِي أم أنس خادم رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ورواه حبش بن جنادة، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، وعُمَر بن الخطاب، وعبد اللّه بن عُمَرَ، ومالك بن الحويرث والإمام علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبو أيوب الأنصاري، وعبد اللّه بن عباس، وزيد بن أبي أوفى ونبيط بن شريط، وفاطمة بنت حمزة، وأبو بردة، وجابر بن سمرة، وعبد اللّه مسعود بن وأسماء بنت عميس، وأبو سعيد الخدري، وأبن أبي ليلى، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم كثير.)وروي في أكثر من 105 كتاب أعظم محدّثي أهل السنّة كما قَالَ الأميني في مراجعاته : 139، وأعيان الشيعة : 371/1، وغاية المرام للمحدّث البحراني المقصد الأول ب 21. وطرق سعد كثيرة ذكرها أبن خثيمة، ففي الإِسْيعَاب بهامش الإصابة : 34/3 : أَنتَ منّي بِمَنْزِلَةِ هارون من مُوسَى. ورواه عَن سعد ابْنِهِ إِبْرَاهِيم وعَائِشَةَ بنت سعد ومصعب بن سعد وسعد بن المسيب، وأبو عبد اللّه بن سعد وعبدالله بن بديل كلّهم عن سعد. وروي في مناسابات عدّة كغَزْوة تبوك وهي العمدة وخيبر، وسد الأبواب والمؤاخاة الأولى. والثانية، والمعراج، والغَدِير، وتفسِير (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وأتكاء الرَّسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلَى علي، وزيارته لأم سليم وتسمينة للحسنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وروي بألفاظ مختلفة من التقديم والتأخير والزِّيَادَة والنقص حسب الْوَاقِعَة. فتارة «أنتَ مني بِمَنْزِلَةِ هارون من مُوسَى إلا أنه لا نبي بعدي كما في المناقب لابن المغازلي : 33 ح 50. وتارةً أُخرى «أَمَا تَرْضَى أَنْ تكون منّي بِمَنْزِلَةِ هارون من مُوسَى» كما في صَحِيح البخاري بشرح الكرماني: 3470/245/14. وتارةً ثالثة «أنتَ مني كهارون من مُوسَى» كما في تأريخ دمشق : 312/1 ح 374 وتارةً رابعة «إنّما عليّ منّي بِمَنْزِلَةِ هارون من مُوسَى إلا أنه لا نبي بعدي» كما في تاريخ دمشق : 330/1 ح 399. وتارة خامسة «هَذَا عليّ بن أبي طالب لحمه الحمي ودمه دمي وهو منّي بِمَنْزِلَةِ هارون من مُوسَى إلا أنه لا نبي بعدي» كما في فرائد السمطين: 149/1 ح 113، سُنن الترمذي: 598/5 ح 3730، ومن شاء فليراجع إلى المصادر التالية عَلَى سَبيل المثال لا الحصر:)صحيح البخاري : 245/14 / 3470، و : 4115/217/16 بشرح الكرماني و : 71/4 ط بمبي. و : 4 / 208 ط دار الفكر، و : 19/5 ط الأميرية، و : 5 / 37 و 24 ط بمبي و 3 / 54 ط الميمنية، و : 3/6. ط مُحمَّد علي صبيح، وكَذَلِكَ ط الفجالة، و 61 ط الشرقية، و 86 ط إحياء الكتب، و 3 ط مطابع الشعب، و 63 ط الخيرية، و 58 ط المعاهد، 139/5 ط دار الفكر. وراجع صحيح مُسلم : 360/2 ط عِيسَى الحلبي 323 و 324 باب الفضائل، و : 120/7 ط مُحَمَّد عليّ صبيح، و : 1870/4 ح 30 روي بسنده عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قَالَ : قَالَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ لعلي : أَنتَ مني بمنزلة هارون من مُوسَى إِلَّا أَنه لا نبي بعدي. قَالَ سعيد : فأحببت أن أشافه به سعداً فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني عامر فَقَالَ : أنا سمعته فقلت : أنتَ سمعته ؟ فوضع أصْبِعَيه عَلَى أذنيه فَقَالَ : نعم وإلا فأستكت)ورواه أيضاً في كتاب الفضائل بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عَن أبيه في قصته مع مُعَاوِيَة وطلب مُعَاوِيَة مِنْهُ - سعداً - أن يسبّ عَلِيَّاً، وراجع تأريخ دمشق لابن عساكر ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ : 312/1 رقم 374 بسنده عن الزهري عَن عامر بن سعد، و ص 206 ح 271 و 272، و 339 ح 410 و 411 الطبعة الأولى و 269 ح 410 و 411 الطبعة الثانية 410 و 411 الطبعة الثَّانِيَة بيروت. و : 1 ح 30 و 125 و 148 - 251 و 271 - 274 و 276 - 281 و 329 و 330 و 336 - 456 الطبعة الأولى بيروت، و 78 ح 125 و 406، و ص 338 - 409، وحديث 339 مروي عن طريق عُمر بن الخطاب عندما سمع رجلاً يشتم عَلِيّاً كَانَتْ بينه وبينه خصومه، فَقَالَ له عُمَرَ بن الخطاب: إنّك من المنافقين، لقد سمعت رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول : إنما عليّ منّي بِمَنْزِلَةِ هارون من مُوسَى إِلَّا أَنه لا نبي بعدي.)وروى الحَدِيث أحمد بن حنبل في مُسْنَده : 173/1 و 5 17 و 177 و 179 و 182 و 185 و 331 و 94 ح 1600 ط آخر، و 97 ح 1608، و : 5 / 25 ح 3062 ط دار المعارف بمضر، و : 369/6 و 438. و: 3 / 32. و 50 ح 1490، و 56 ح 1505، و 57 ح 1509، و 66 ح 1532، و 74 ح 1547، و 88 ح 1583 ط آخر، وروي في صحيح ابن ماجه : 28/1 و 42 ح 115 و 121 ط دار إحياء الكتب، تأريخ الخلفاء للسيوطي : 65 و 168 مُسْتَدرَك الْحَاكِم : 337/2، و : 109/3، الصَّوَاعِقِ المحرقة : 177 ط المحمدية و 107 المقصد الخامس ب 11، شواهد التنزيل : 150/1، و : 2 / 21 ح 204 و 205 تحقيق الشيخ المحمودي مرآة الجنان لليافعي: 1/ 109 ط بيروت، العقد الفريد: 311/4 و 5 / 100 ط لجنة التأليف بمضر، و : 279/2، و : 3 / 48 ط العثمانية.وأنظر كنز العمال : 403/139/5 و 404 و 410 و 411 و 432 و 487 الطبعة الثانية، أَنْسَاب الأشراف للبلاذري: 2/ 109 ح 43. و ص 92 ح 8 و 15 - 18 ط آخر، خصائص النسائي 48 و 76 - 85 ط الحيدرية، و 106 ح 45 - 48 و 61 ط بيروت، وذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 63 و 64 و 69 و 87، مقتل لحسين للخوارزمي : 48/1 و 149 : 48/1 و 149، المعجم الصغير للطبراني : 22/2 و 54، الإِسْيعَاب بهامش الإصابة : 34/3 و 35 مجمع الزوائد : 109/9 - 111 و 119. إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار : 148، و 149 ط السعيدية و 134 و 136 ط العثُمَانِيّة، نظم درر السمطين : 95 و 107.وراجع صَحِيح الترمذي : 301/5 ح 3808 صححه 3813 وصححه أيضاً وح 3814 حسنه وع ط دار الفكر، أسد الغابة : 2725/4، و : 8/2 ط آخر. الإصابة لابن حجر: 509/2 و 507، كفاية الطالب : 84 - 86ط الحيدرية و 28 و 70 ط الغري و 281 - 285 و 287 ط الحيدرية، و 148 - 153 ط الغري، المناقب للخوارزمي : 19 و 24 و 59 و 60 و 74 و 76 و 83 و 84 و 86 و 130 و 214. وأنظر أيضاً فرائد السمطين : 122/1 و 122 و 123 و 124 و 126 و 127 و 150 و 317 و 329، و 371 و 378 ط آخر الرّياض النضرة : 214/2 - 216 و 247 و 248 الطبعة الثَّانِيَة، جامع الأصول لابن الأثير : 468/9 و 469. يُنابيع المودة : 35 و 44 و 49 و 50 و 51 و 55 - 57 و 63 و 80 و 86 و 88 و 114 و 129 و 130 و 176 و 183 و 185 و 204 و 220 و 234 و 254 و 408 و 496 ط اسلامبول، حلية الأَوْلِيَاء : 194/7 - 197، الأسيعَاب بهامش الإصابة : 34/3 و 35، تاريخ الطَّبَرِي : 104/3، المناقب لابن المغازلي : 34 ح 52 ط طهران، و 27 ح 40 - 303 الطبعة الأولى طهران.وراجع كَذَلِكَ شَرْح النهج لابن أبي الحَدِيد : 495/2 و 575 و 30 / 255 ط مصر تحقيق أبو الفضل. و : 4/ 220 ط مصر، و : 302/9، و: 222/10، و 24/18، إرشاد الشيخ المفيد : 141 الفصل 43 من الباب،2 ميزان الإِعْتِدَال : 3/2، تفسير العياشي: 1/ 332 ح 153 طقم، مصابيح السنة للبغوي: 275/3 ط محمد علي صبيح إثبات الهداة للحر العاملي : 3 باب 10 ح 376 و 243 ط طهران وح 619 و 1 66 و 108 ط آخر، ألفتح الكبير للنبهاني: 277/1، و : 398/3.و راجع أيضاً أمالي الشيخ الطوسي : 49/1 و 85، مشكاة المصابيح : 244/3، الجامع الصغير للسيوطى : 56/2، مُنتخَب كنر الْعُمَّال بهامش مُسْنَد :أحمد : 31/5 و 53 و 55. إحقاق الحق : 133/5 الطبعة الأولى طهران، علل الشرايع للصدوق: 137 و 138، بحار الأنوار: 254/37 و 256 و 257 ط الجديد و 206 و 260، و : 38 / 334 ح 7 و 14 و 18 ط الجديد و 43 ح 18 ط الجديد.

(ولَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا. لأَنَّ المنافسة بَيْنَ الْقَوْمِ كَانَتْ عَلَى الألقاب، والمناصب والفرص غَيْر مُتكافئة، والظُّرُوف غَيْر مؤاتية لِلْإِمَامِ كِي يردع المخالفين عَن الْبَاطِل، ويرجعهم إلى الحَقِّ، فكان السُّكُوت لمصلحته، وصالح المُسْلِمِين... ولَكِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ رَقِيباً يُحاسبهم، ويُرشدهم للتي هي أَقوَم، والإنصاف أنّ أبا بَكْر، وعُمَرَ كَانَا يَسْمعَان مِنْهُ، ويرجعان إِلَيْهِ فِي الكَثِير مِن المهمات، أَمَّا عُثمَان فقد كَانَتْ لَهُ شَيَاطِين لا شَيْطَان وَاحد يقودهم مَرْوَان بن الحكم، الحَاكِم بأَمْرِه.)

(فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ. وهُو سَعد بن أبي وقاص، وكَانَتْ أُمه أُموية، والإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاتل الأمويين مَع رَسُول اللّه، وقتل صنَادِيدهم عَلَى الشّرك، ومُحاربة الرَّسُول، الحقد الَّذِي عِند سعد عَلَى الإِمَام جَاء مِن قِبل أخواله الذين قتلهم الإمام (وَ مَالَ الآخَرُ لِصِهْرِهِ). والآخر هُو عَبد الرَّحمان بن عوف، وكَانَ روّجاً لأُخت عُثمَان (مَعَ هَنِ وَ هَنِ) أي أعْرَاض أخرى لا يُريد الإمام ذكرها، ومِن حِكَمهِ : «لاً تقل ما لا تعلم، بَل لا تقل كلّ مَا تَعلم» (1).)(إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ - أي عُثمَان - نَافِجاً حِضْنَيْهِ، بَيْنَ نَشِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ، وَقَامَ مَعَهُ أبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللّه خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيع، إلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ، أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ !. وندع الكلام عَن عُثمَان للسُّنة أنفسهم، قَالَ أبن قُتَيْبَة، وأبو الفداء : إِنَّ عُثمان أقطَع فَدَكاً لمَرْوَان، وهِي صَدقة الرَّسُول الَّتي طلبتها فاطِمَة (2).... وكَانَ الحكم بن العاص عمّ عُثمَان، ومن أشد النَّاس عَدَاءٌ. وإيذاءً لِرَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وكَانَ قَد طرده، ونفاه، فَرَده عُثمان، وأَغدَق عَلَيْهِ الْأَمْوَال، ووَلَّاهُ، وأَعْطَاء فيما أَعْطَاء ثَلاثمئة ألف درهم مِن أَمْوَالَ الْمُسْلِمِين فِي عَطِيَّة وَاحِدَة كَمَا قَالَ البلاَذُرى (3).)


1) أنظر، نهج البلاغة : 91/4 الحكمة (382)، عيون الحكم والمواعظ : 526، شرح نهج البلاغة لابن أبي 91/4 الْحَدِيد : 323/19، دستور معالم الحكم لابن سلامة : 72.

2) أنظر، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 35/1، المعارف: 195، تأريخ أبي الفداء: 169/1، أَنْسَابِ الأَشراف : 25/5، العقد الفريد : 77/3، و : 283/4 طَبْعَة أُخرى، الفتوح لابْن أَعْلَم: 35/1، سُنن البَيْهَيِّ : 301/6، شرح نهج الْبَلاغَة لابْن أبي الْحَدِيد : 198/1، وفاء الْوَفَاء : 1000/3، سُنن أبي داود : 49/2، تاريخ اليعقوبي: 223/2.

3) أنظر، أنساب الأشراف للبلاذري : 5/ 25 - 29.

وأَعْطى مَرْوَان بن الحكم، وهُو زَوْج ابنته، خمسمئة ألف دينار فِي يَوْمٍ واحد وأعْطَى الحارث أخَا مَرْوَان وزوج أَبْنَة عُثمان، أَعْطَاء ثَلاثمئة ألف درهم، وإبل الصَّدَقَة وسُوق المدينة (1. وجاء في «العقد الفريد» إنه أعطى عبد اللّه بن خالد الأُموي أَرْبَعمئة ألف (2). وفي شرح بن أبي الْحَدِيدِ : أَعْطَى عُثمَان أبا سُفْيَانَ مِئتي ألف (3). وفي «أبن الأثير»: أعطى عبد اللّه بن أبي سَرح مئة ألف دينار (4).)وَقَالَ السَّيّد قطب : «والأَمثلة كَثِيرَة عَلَى توسعات عُثمَان فَقَد مَنح الزُّبَيْرِ سِتمئة ألف، وطَلْحَة مِئتي ألف، وَقَالَ لَهُ زَيد بن أرْقَم خَازن أَمْوَالِ الْمُسْلِمِين : أَظن أنك تأخذ هذا المال عوضاً عما كُنت تَنْفقه في عهد رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.. وكانتْ توسعات عُثمَان تَغدق عَلَى الْوُلاة مِن قرابته، فَقَد وَسَّع عَلَى مُعَاوِيَة فِي مُلكه، فَضَم إِلَيْهِ فِلسطين، وَحِمص. وآوى عَمّه الحكم بن العاص طريد رَسُول اللّه، وَجَعل ابْنِهِ مَرْوَان وزيره المتصرف. وكَانَ الصَّحَابَة يرون هذه التصرفات خَطِيرة الْعَوَاقِب فَيتدَا فَعُون إِلَى الْمَدِينَة لإنقاذ تقاليد الإِسْلام - إِلَى أَنْ قَالَ - ولا بُد لِمَن يَنظُر إِلَى الأمور بعين الإسلام، وَيَسْتَشعر الأمور برُوح الإسلام، أنْ يُقرر أن الثورة عَلَى)


1) انظر، الرّياض النضرة : 143/2، الأنساب للبلاذري: 27/5 مرآة الجنان لليافعي : 85/1، الصَّوَاعِقِ المحرقة : 68، السيرة الحلبية : 86/2، الطبقات الكبرى : 457/5 و 499. تاريخ مدينة دمشق : 321/34. تاريخ المدينة : 1091/3، تأريخ الطَّبَرِيّ : 382/3، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 54/3.

2) أنظر، العقد الفريد : 77/3، و : 283/4 طَبْعَة أُخرى.

3) أنظر، شرح نهج الْبَلاغَة لابن أبي الحديد : 67/1 و 269، شرح نهج الْبَلاغة مُحمَّد عَبْدَه: 46/1..

4) أنظر، الكَامِل في التاريخ : 249/2 - 251 و 114/3، البداية والنهاية : 250/7، الإشعاب : 0918/9 : الإصابة : 109/4، المعارف : 131 و 141، تأريخ اليعقوبي : 145/2 أنساب الأشراف: 49/5 – 51. تأريخ ابن كثير: 157/7، النّجوم الزاهرة : 94/1 - 97، أسد الغابة : 173/3.

عُثمَان كَانَتْ فِي عمومها مِن رُوح الإسلام» (1.)وَمَع هَذَا قَالُوا : كَانَ عُثمَان مِن الخُلَفَاء الراشدين، أَمَّا السِّر - فيما نظن - فَهِيَ خِلافة عَليَّ بَعد عُثمَان، لأنّ مَا مِن أحدٍ يَجرؤ عَلَى القَوْل : إِنَّ عَلِيَّاً لَم يَكُنْ رَاشداً فِي خِلافته، وَصَعب عَلَيْهِمْ أَنْ يُعدوا عَلِيَّاً مِن الرّاشِدِين دُونَ عُثمَان، فالحقُوه بِهِمْ عَلَى عِلاته.. ولو أن أحداً تَوَلَّى الْخِلافَة بَعد عُثمان غَيْر عَليّ لحصر الرشد بأبي بَكْر، وعُمَرَ فَقط.### عَفْطَةُ عَنْز... فِقْرَة 5-6:(فَمَا رَاعَنِي إِلا وَ النَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبْعِ إِلَيَّ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَ شُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبيضَةِ الْغَنَمِ. فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَطُ آخَرُونَ : كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللّه سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الْأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (2)بَلَى! وَ اللّه لَقَدْ سَمِعُوهَا، وَوَعَوْهَا، وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، ! وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا (5) ! أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلا حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَ مَا أَخَذَ اللّه عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبٍ مَظْلُومٍ، لأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا، وَلَألْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزِ (6) !).


1) انظر، العدالة الإجتماعية لسيد قطب : 210، طبعة 1964م. (مِنْهُ).

2) القصص : 83.

اللُّغَة:

عُرْف الضَّبع : مَا كَثر عَلَى عُنقها من الشعر، وهي حيوان مفترس. ويَنْثَالُون : يَتتَابِعُون مُزدَحمين. وَشُقَّ : جُرح، أو خدش. وعِطفاي : جانباي، ورَبضَة الدّابة : بركت. وَرَبيضَةِ الْغَنَمِ: القِطعة الرّابضَة مِن الْغَنَم. ونَكَثَتْ العَهد : نَقَضه ولَم يَفٌ بِهِ، والنَّاكِثُون : علَم عَلَى أَصْحَاب الْجَمَل، وهُم عَائِشَةَ، وطَلْحَة، والزُّبَيْرِ، وَمَرَق مِن الدِّين : خَرج مِنْهُ ببدعة فهو مارق، والْمَارِقُون: علَم عَلَى الخَوَارِج أَصْحَاب النَّهْرَوَان. وَقَسط الْوَالِي : جَار، أو عَدل، والْقَاسِطُونَ بِمَعْنَى الْفَاسِقِينَ عَلَم عَلَى أَصْحَاب صِفِّين الذين حَارِبُوا الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقيادة مُعَاوِيَة، وعَمْرُو بن العاص. وحَلِي الشّيء في عيني فُلان : أَعْجَبه. وَرَاقَ الشّرَاب : صَفَا. والزِّبْرِج - بكسر الزَّاء - الزِّينَة. وفَلَقَ الحَبَّة : شَقَّها، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ : خَلَقها. أَلا يُقَارُّوا : أنْ لا يقرُوا وَيَسكنُوا. والمراد بكظّةِ ظَالِمٍ أعتداؤه عَلَى حقوق النَّاسِ، وَلا سَغَبٍ مَظْلُوم هَضم حُقُوقِه. والغَارِب : العُنق أو أعَلَى الظَّهْرِ مِمَّا يَلي العُنق. وَيُرِيد بَعَفْطَةِ العَنْز المخاط الَّذِي تَنْثره في أنفها عِند العطاس.

الْإِعْرَابِ:

فَاعِل رَاعَنِي مَحْذُوف أي شيء، أو رابع والنَّاسُ الواو للحال، وإِليَّ مُتعلّق بمَحْذُوف حال مِن النَّاس أي مُتزاحمين إِلَيَّ، ومُجْتَمِعِينَ حَالَ ثَانِيَة. وبَلَى! حَرف جوَاب تَبطل النّفي، وَقَد أَبْطَلت «لم يسمِعُوا» و «أما» حرف أستفتاح.

الْمَعْنَى:

(فَمَا رَاعَنِي الأَ وَ النَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبْعِ إِلَيَّ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى لَقَدْ

وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ). غَضب المُسْلِمُون عَلَى عُثمَان، وأفعاله، ورغبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَصلح، ويعدل، وَلا يُحابي أحداً في حق اللّه، ولا يصغى لَمَرْوَان، وأمثاله من أربَاب الأَغْرَاض، والأهواء، ولكن قعد يهِ الضَّعف أمَام ذَويه، وأرحامه، فَعرض عَلَيْهِ كَثِيرُون أَنْ يَعتزل، ولما رفض ثاروا عَلَيْهِ، وَقَتلوه. وبطبيعة الحال تَألم لقتله قَوْم، وهم الذين كانوا يَسْتَغْلُونه، وَيَنْتَفَعُون مِنْهُ، ومِن خِلافته، وفَرح آخرون، وفي طليعتهم طَلْحَة، والرُّبَير... قَالَ المُؤرخون : «كَانَ طَلْحَة يُحرض الثّائرِين عَلَى عُثمَان طَامِعاً فِي وِلايَة الْأَمْرِ مِن بَعده، وأنّ الزُّبَيْرِ لَم يَكُنْ أقل طموحاً إِلَيْهَا مِن طَلْحَة، ومن أجل هَذَا كَانَ هوَاهُه مَع الثّائرِين، ولَكِنَّهُ لم يتظاهر» (1).

وَبَعد أنْ قُتل عُثمَان وَقُضي الأَمْر ذَهب الثّائِرُون إِلَى الْإِمَام ليُبَايِعُوهُ بِالْخِلافَةِ فَرَفض، ولما ألحوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: «دَعُونِي وَ الْتمَسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ، وَأَلْوَانٌ، لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ، وَ الْمحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ، وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ، وَلَعَلّى أَسْمَعُكُمْ، وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً» (2)!


1) أنظر الفتح الرباني: 112/23، العقد الفريد : 73/3، تأريخ الطَّبَرِيّ : 35/5 و 122، الأنساب للبلاذري : 135، صفوة الصفوة لابن الجوزي: 132/1، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي لابن الدمشق: 18/22، الرياض النضرة : 259/2، مروج الذهب : 11/2، العقد الفريد : 279/2، أسد الغابة : 61/3، دول الإسلام للذهبي: 18/1، الكامِل لابن الأثير : 104/3، شرح النهج لابن أبي الحديد : 404/2.

2) انظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (92).

قَالَ هَذَا لِيَدفعهم عَنْه، ولَو قَبلها مِنْهُم وحدهم لقَال النَّاسِ : «مَا بَايعه أحد من المُسْلِمِين إِلَّا قَتَلَة عُثمان، وإِنَّ بَيْعَة على كَانَتْ فَلتة نتيجة للظروف، والمفاجآت.. وأيضاً لو وليهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحملهم عَلَى الْحَقِّ الوَاضح، والمحَجَّةِ الْبَيْضَاء كَمَا قَالَ الخَلِيفَة الثَّانِي (1)، الحَقِّ مُرّ المذاق، وثَقِيل عَلَى أنفسهم، وبالتالي يَرون شِدَّة عَلي فِي الْحَقِّ، وقُوَّتِه فِي الْعَدْل شرّاً عَلَيْهِمْ لا خَيراً، وقول الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مُنزّل عَلَى رَأيهم هَذَا لا عَلَى الواقع، وإِذَنْ فَلا وَجه للتشكيك في نسبة هَذَا القَوْلُ إِلَى الْإِمَامِ كَمَا فَعَلَ بَعْضٍ الشارحين، فإنّ لكل مقال مقاماً، وقبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ خاتم النَّبِيِّين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لِلمُشركين : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2).)ثُمَّ جَاء الْمُهَاجِرُون، والأَنْصَارِ يَرجُون عَلِيَّاً ويَلحُون عَلَيْهِ أَنْ يَقبل الْخِلافَة لِيلم شَعث المُسْلِمِين، ولأنّه هو الرَّجُل الوَحِيد الَّذى كَانَ يُعبر عَن رَعْبَة النَّاسِ فِي الحياة الحُرَّة الْكَرِيمَة، فلم يربُداً مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ بُد، قَالَ الدكتور طه حسين : «وأدَار كلّ مِنْهُم الأَمر بَيْنَه وبَيْنَ نَفْسه، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَن أستطاع أنْ يَلقَی مِن أَصْحَابِه. فإذا هُم يَمِيلون إِلَى عَلَيَّ ويُؤْثَرُونه عَلَى صَاحِبِيه.وكَذَلِكَ أَقْبَلُوا - أي الْمُهَاجِرِين، والأَنْصَار - عَلَى عَلَيَّ يَعرِضُونَ عَلَيْهِ الْإِمَامَة. ويُلحون عَلَيْهِ فِي قَبُولها، وحاول علي أن يمتنع، فلم يجد إلى الإمتناع سَبيلاً، قَد وَقَد رفض على الخلافة حين قدمها إِلَيْهِ الثّائرُون، وهَؤُلاء المُهَاجِرُون، والأَنْصَار يعرضُونها عَلَيْهِ، ويُريدُون أنْ يُبَايِعُوه كما بايعُوا مِن قَبله وجلس للبَيْعَة عَلَى مِنْبر


1) أنظر، أنساب الأشراف: 18/5، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 259/12، الفتح المبين: 180/2، الاسيعاب : 1154/3، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 342/3.

2) سبا : 24.

النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏. كما جلس الخُلَفَاء مِن قَبله، وأقبل النّاس فبَايِعُوه، ولكنَّ نَفَراً أبَوْا أَنْ يُبايعوا، فَلم يُلحّ عَلَيْهِمْ، وَلَم يَأذن للثائرين في إكراههم عَلَيْهَا مِن هَؤُلاء النفر سَعدُ أبن أبي وقاص، وعبد اللّه بن عُمَرَ» (1).)(فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ. نَقلنا قبل لحظة عَن المؤرخين أنّ هوى طَلْحَة والزُّبَيْرِ كَانَ مَعَ الثّائرِين عَلَى عُثمَان طَمعاً بولاية الأمر من بعده، ولكن المهاجرين جرين والأَنْصَار أبوا إلَّا عَلِيَّاً، وتبعهم النَّاس، وتَزاحموا أو تَجَمعُوا عَلَى الإِمَام للبيعة كما وصفهم بقَوْله : «يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبِ» وتَأثر الزُّبَيْرِ وطَلْحَة بِهَذا الزّحام والتجمع، وبايعا مَع مَن بَايَعَ، ثُمّ نَدما وثارا مَع عَائِشَةَ، أو ثَارت عَائِشَةَ مَعَهُما، قَالَ طه حسين : «كَانَتْ عَائِشَةَ مِن أشِد نِسَاءَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِنْكَاراً عَلَى عُثمان، وكَانَتْ تَعترض عَلَى الكَثِير مِن أعماله حَتَّى ظَن كَثِيرٌ مِن النَّاسِ أَنَّهَا كَانَتْ مِن المحرضين عَلَى الثورة به.... وكَانَتْ تُنكر عَلَى علي فيما أعتقد أمرين آخرين : أحدهما لَم يَكُنْ لِعليّ فِيهِ خيرة، فَقَد تزوّج فَاطِمَة بنت رَسُول اللّه ورُزق مِنْهَا الحسن والحُسَيْن، فكان أبا الذُّرِّيَّةِ الْبَاقِيَة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)ا ولَم يُتحَ لَهَا هِي الولد مِن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).... أَمَّا الأمر الآخر فَهُوَ أنّ عَلِيًّا قَد تَزوج أسماء الخَثْعَميَّة بعد وفاة أبي بَكْر، وأسماءُ هِي أُمّ مُحَمَّد بن أَبي بَكْر الَّذِي نَشَأْ فِي حِجْرٍ عَلَيَّ، فَكَانَتْ عَائِشَةَ)


1) أنظر. الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - عليّ وبَنُوه للدكتور طه حسين 8 و 9، طَبْعَة سَنَة 1964م، والذين لم يبايعوا (سعد بن أبي وقاص، وعبد اللّه بن عُمَرَ، وصهيب، وزيد بن ثابت، ومُحَمَّد بن مَسْلَمَة، ومُسْلَمَة بن وقش، وأسامة بن زيد). كما نصَّ عَلَى ذَلِكَ ابن قُتَيْبَة في الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 66/1، مروج الذهب : 379/2، البداية والنهاية : 228/7، الْفُتُوح لابْن أَعْثمْ. 163 طَبْعَة قديمة، تأريخ الطَّبَرِيّ : 155/5.

تَجد عَلَىَ عَلَى هَذَا كُلّه» (1.)وكَانَ مِن قِصَّة مِن أَهْل الجَمَل ما هو معروف، وإِلَيْهم أشار الإمام بقوله : (نَكَثَتْ طَائِفَةٌ. وأخذ هَذَا الْوَصْف من أمر رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) له بقتال النَّاكِثِينَ، والْقَاسِطِينَ، والمارقينَ (2).)(وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَهِي الخَوَارِج، وفِي صَحِيح البُخَارِيّ : إِنَّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَالَ : «الخَوَارِج يَخرجُون عَلَى خَير فُرقة مِن النَّاس» (3).)(وَ قَسَطَ آخَرُونَ. وهُم الفِئَةُ الْبَاغِيَةُ بقيادة أبن العاص، ومُعَاوِيَة... وفي صَحِيح البُخَارِيّ عَن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أن عَمَّاراً «تَقْتُلُه الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (4)، وَمِثله في)


1) أنظر الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبنوه : 26، طَبْعَة سَنَة 1964م.

2) أنظر، مُسْتَدرَك الصَّحِيحِين : 139/3 طَبْعَة حيدر آباد سنة 1332 هـ، أسد الغابة : 303/4. المطبعة : الوهبية بمصر سنة 1285 هـ (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

3) أنظر، صَحِيح البخاري كتاب «بدء الخلق» و : 200/4 و 16/9 - 17، وصحيح مُسْلِم كتاب «الزَّكَاة باب التَّحْذِّير من الأغترار بزينة الدُّنْيَا» و : 112/3، فتح القدير للشوكاني : 64/5. ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 110. فتح الباري : 262/12، السنن الكبرى : 156/5 ح 8560 و 8561، خصائص أمير المؤمنين للنسائي 138 و 305، دَلائِل النُّبُوَّة للإصبهاني: 130/1، تفسير القرطبي : 318/16، مناقب الخوارزمي: 259 كنز الْعُمَّال: 307/11، شرح النهج للمعتزلي: 265/2.

4) هُو أبو اليقظان عَمَّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم من بني ثعلبة. وأمّه سُميَّة. وكَانَ حليفاً لبني مخزوم. وكَانَ هُو ووالده من السابقين إلى الإِسْلام وهو سابع سبعة بإسلامهم، وقد اسْتُشْهِدَ والداه أثر تعذيب قُرَيْش إيَّاهما عَلَى إسلامهما، وقد ورد عن الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أحاديث صحيحة في مدحه مِنْهَا قَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): إِنَّ عَماراً عَلَى إِيمَاناً إلى مُشاشِه. ومِنْهَا قَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ويحك يابن سُميَّة تقتلك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. أنظر، صَحِيح البُخَاري : كتاب الصَّلاة باب التعاون في بناء المساجد، و : 122/1. صحيح مُسْلِم : 2235/4، صحيح الترمذي : 669/5 مُسند أحمد : 161/2 و 164، و : 197/4، و : 289/6. مُسند أبي داود الطَّيَّالسي : 90/3، حلية الأَوْلِيَاء 4/ 112، تأريخ بغداد: 186/13، و : 315/5، و: 414/7، طبقات ابن سعد : 177/3، الطرائف لابن طاووس : 103/1، الطَّبَقَات لابن سعد: 359/3، أَنساب الأشراف : 170/1، الْإِسْيعاب : 157/1، مُسند أحمد: 214/5، تاريخ الطَّبَرِي: 316/3، الموضح للخطيب : 277/1. وأنظر أيضاً الرَّوَايَات التي خلقها الطَّبَرِي : 3095/1 - 3096. والخطيب في الموضح : 275/1، وابن عساكر بترجمة خُزَيْمَة بسنده عَن سَيْف من مخطوطات المكتبة الطَّاهِرِية بدمشق : 5 رقم 337 ورقة 302 و 303. وقارن أيضاً مع ما رواه اليعقوبي في تأريخه ومروج الذهب : 366/2، والْفُنُوح لابْن أَعْثَمْ: 289/2. وفي تأريخ الإسلام للذهبي: 2 / 171.)وهنالك أحاديث أخرى، وهو الذي نزلت فيه آية 106 مِن سُورَة الْنَّحْلِ (مَن كَفَرَ باللّه مِن بَعْدِ إِيمَانه‌يَ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ وَ مُطْمَئنّ بِالْإِيمَان أنظر، تفسير الآية في تَفْسِير الطَّبَرِي. والقُرطبي، وأبْن كثير، والسيوطي، وأنظر طبقات ابن سعد : 178/3، والمُسْتَدرَك : 178/3.)وأنظر ترجمة عَمَّار بن ياسر في مروج الذهب: 21/2 و 22. أَنْسَابِ الْأَشْرَاف: 48/5 - 88 و : 2 / 314 وما بعدها تحقيق المحمودي ط الأعلمي بيروت مُسْنَد أحمد: 99/1 و 123 و 125 و 130 و 137 و 404، و : 2 / 161 و 164 و 206، و : 5/3، و : 22 و 28 و 90، و : 4 / 76 و 89 و 90 و 197 و 198 و 319، و 214/5، و 306، و : 289/6، و 300، و و 311 و 315 و 450، وصَحِيح الْبُخَاري : الجهاد ب 17، سُنن ابن ماجه ب 11 مِن المقدّمة، وسُنن التّرمِذي : ب 33 من كتاب المناقب، ومُسْنَد الطَّيَّالسي : 117 و 603 و 643 و 649 و 1156 و 1598 و 2168 و 2202، والأسيعاب : 469/2 حرف العين، الإصابة : 5/2، خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 132 ط الحيدرية، حلية الأولياء : 172/4 و 361، و :197/7 و 198، ومجمع الزوائد : 240/7 و 242، و 244 و: 295/9، تأريخ الطَّبَرِي : 39/5 : و 41، و : 59/10.وأنظر ترجمته أيضاً في أسد الغابة : 114/2 و 143 و 217، و : 4 / 46، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة لابن قتيبة : 1/ 117. تأريخ اليعقوبي : 2 / 164 ط الغري، وَقْعَة صِفِّين : 341 و 343، العقد الفريد : 341/4 و 343، المناقب للخوارزمي: 57 و 123 و 124 و 159 و 160، الكَامِل في التاريخ : 310/3 و 311 الاسيعَاب بهامش الإصابة : 436/2 ط السعادة، فرائد السمطين: 114/1 و 120 و 287. 12 287، المعجم الصَّغير للطبراني : 187/1.وراجع أيضاً شَرْح النهج لابْن أبي الحديد : 10/8 و 17 و 19 و 24. و : 177/15 ط مصر تحقيق مُحَمَّد أبو الفضل، و : 2/ 274 الطبعة الأُولَى مِصْر، سيرة ابن هشام: 102/2، نور الأبصار : 17 و 89 ط السعيدية بمصر، كفاية الطالب : 172 - 175 ط الحيدرية، و 71 و 73 ط الغري، تذكرة الخواص : 93 و 94، يَنابيع المودة: 128 و 129 ط اسلامبول، و : 151 و 152 ط الحيدرية، و : 128/1 و 129 ط العرفان وأحْكَام الْقُرْآن لابن عربي : 1705/4 الطبعة الثانية تحقيق البجاوي. وَكَانَ عَمَّار مع علي في حَرْب الْجَمَل وصفين، وقتل بصفين مساء الخميس 9 صفر سنة (37 هـ وله مِن الْعُمُر 92 سَنَة.

صَحِيح مُسْلِم «كتَاب الْفِتَن بَاب : «لا تقوم الساعة حَتَّى يَمر الرَّجُل بِقَبر الرَّجل فَيَتمَنى أَنْ يَكُون مكانه» (1.)قَالَ طه حسين: «ومَا زَال قتله - عَمَّار بن ياسر - من الأحاديث المأثورة بَيْنَ المُسْلِمِين، فهو ابن أَوَّل شَهِيدين في الإسلام. فَتَن أبو جهل أباه يَاسراً، وأُمّه سُمِيَّة حَتَّى قَتَلَهُما كَما هُو مَعرُوف. وهُو الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : ويحك يا ابن سُميَّة، تَقْتُلك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ.... وكَانَ خُزَيْمَة بن ثابت الأَنْصَارِي يَتبع عَلِيَّا فِي صِفِّين ولَكِنَّهُ لا يُقاتل، وإنّما يتحرى أمر عَمَّار، فلما عرف أنه قتل، قَالَ : الآن استبانت الضّلالة. ثم قاتل حَتَّى قُتل. ووقع قَتْل عَمَّارٍ مِن مُعَاوِيَة، وأَصْحَابِهِ وَقعاً أليماً مُروّعاً، ولَم يَشكوا في أنّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَالَ لَهُ : تَقْتُلك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وإنما حاولوا أنْ يُخفوا علمهم بِهَذَا الْحَدِيث. فلما لم يجدوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً تَأولُوه. وَقَالَ مُعَاوِيَة : أَنَحْنُ قَتلناه ؟ إنما)


1) أنظر، صَحِيح مُسلم : 4 / 2231 ح 2907، صحيح البخاري: 2605/6 ح 6704، مُسْنَد أحمد: 2 / 236 ح 7226 و 10878، سنن أبي داود : 115/4 ح 4312، المصنف لعبد الرزاق : 74/9، عقد الدرر 64، السنن الواردة في الْفِتَن : 453/2 ح 175 و 177، فتح الباري: 88/13، صحيح ابن حبان : 15 100 ح 6707، سنن ابن ماجه: 1340/2 ح 4037، مُسْنَد الرَّبيع : 197/1 ح 489 موطأ مالك : 241/1 ح 572.

قَتَلَه الّذين جاءوا بهِ» (1.)فـ «طه حسين» يُدِّين مُعَاوِيَة بأنه ارتكب إثماً محاولته إخفاء الحَدِيث، ولما عَجز أوّله بالْبَاطِل عَن قصدٍ، وَعَمَدٍ، ثُمَّ قَالَ الدكتور طه : «وَلَم يَجيء أحد بعمار إِلَى صِفِّين، لَم يَسْتَكرهه عَلَيَّ عَلَى الْحَرْبِ، وَلاَ عَلَى الخروج معه، وإِنما كَانَ عَمَّارٍ شَيخاً قَدنِيف عَلَى التَّسعِين، شَاخ جسمه، ولكنّ قَلْبَه، وعقله، وبَصِير ته ظلّت بمأ من مِن الشيخوخة.... وهُو الَّذي سَلَّم عَلَى عَائِشَةَ بَعد وَقْعَة الجَمَل، وَقَالَ لها : كَيْفَ رَأَيْت ضِرَابنا يَا أَمَّه !(2قَالت : لَستُ لكَ بأمّ، وَلستَ لِي بأبن. قَالَ مُتضَاحكاً : بَل أنتِ أُمّي، وأنا أبنك، وإِنْ كَرهت. يُرِيد أَنَّ الْقُرْآن قَد نَزَّلَ بِأَنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ أُمهات الْمُؤْمِنِين، فَلَن تَسْتَطِيع عَائِشَةَ أَنْ تُغير ما نَزَلَ بِهِ الْقُرْآن. وَكَانَ عَمَّارٍ أَشَد أَصْحَاب عَليَّ تَحرِيضاً عَلَى الْحَرْبِ، وَكَانَ يُحَارِب يَوماً تجاه عَمْرُو بن العاص... وَيُشِير إِلَى راية عَسْكَر مُعَاوِيَة، ويقول : واللّه لقد قاتلت صاحب هَذِه الرّاية مَع رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثلاث مَرَّات - فِي بَدْر، وأُحد، والأَحْزَابِ - وهذه الرابعة، وما هي)


1) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبنوه : 76 - 77 (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، طَبعة سنة 1964م، والطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 253/3 و 259، عمدة القاري في شرح صحيح البُخَارِيّ : 192/24، مُسْنَد أحمد : 164/2 و 206، وفاء الوفا: 329/1، تأريخ الطَّبَرِي : 2/4 و 3 و 28 و 29، کنز العمال: 143/16، الكَامِل فِي التَّاريخ : 148/3 و 157 و 158، المرقاة في شرح المشكاة : 447/5 الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 126/1، تأريخ الخميس: 277/2، المستدرك عَلَى الصَّحِيحِين : 378/3، نسيم الرياض في شرح الشفا : 166/3، العقد الفريد: 203/2 - 204، خصائص النسائي : 133، الروض الأنف: 264/4 و 265، تأريخ مدينة دمشق: 425/43، تفسير ابن العربي : 519/2. تهذيب الكمال : 114/17.

2) أنظر، مروج الذهب : 362/2 تَفْسِير الطَّبَرِيّ : 538/3، الْفِتْنَة ووفعَة الجُمَل لسيف بن عُمَرَ الصّبي: 172، حلية الأولياء : 75/5 سُنن الترمذي : 36/2 مُسند أحمد: 376/1، تاریخ بغداد : 388/4، کنز. الْعَمّالَ : 188/7، يَنَابِيع المودة : 520، سُنن أبي داود: 207/2.

بأبرّهن (1). وكَانَ يَقول لأصحابه حِينَ رَأَى بَعْض انكشافهم: «واللّه لو ضَربونا حَتَّى يُبلغونا سَعَفات هَجَر لَعَلِمنا أنا عَلَى الحَقِّ، وأنهم عَلَى الْبَاطِل» (2).

(كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللّه سُبْحَانَهُ يَقُولُ : (تِلْكَ الدَّارُ الْأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (3)بَلَى ! وَ اللّه لَقَدْ سَمِعُوهَا، وَوَعَوْهَا. وَ لَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا). وَمِن أَقْوَاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبِ بِلَبِيبٍ وَلا كُلُّ ذِي سَمْعِ بِسَمِيعِ وَلا كُلُّ نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ» (4). وأي إِنْسَانَ لا يَنتَفع بالتَّجَارِب، ويُؤْمِن، وَيَعمل بِمَا يُوحي بهِ الْعَقْل، والبديهة، وَلاَ يَتعظ ويعتبر بما يسمع، ويرى فهو كمَن لا عقل له، ولا سمع، وَبَصر. قَالَ عزّ من قَائِل : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (5).)(لَوْ لاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ. قِيل، المُرَاد بِحُضُورُ الحَاضِرِ مَن حَضّر لبَيْعَة الْإِمَام بِالخِلافَةِ مِن المُهَاجِرِين، والأَنْصَار، وقيل : بَل المراد حلول الوقت الذي وقته)


1) أنظر، الطَّبَقات الكبرى : 258/3، مجمع الزوائد : 243/7، تاريخ الطبري: 28/4، مسند أحمد: 319/4.

2) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبنوه : 76 - 77، طبعة سنة 1964 م، حلية الأولياء : 142/1، صحيح ابن حبان : 555/15 ح 7080، المستدرك عَلَى الصَّحِيحِين : 433/3 ح 5651 وص: 442ح 5676 مجمع الزوائد : 243/7 و : 294/9، المصنف لابن أبي شيبة : 547/7 ح 37839 و 37866 و 37872 مُسْنَد الطَّیالسي: 89/1 ح 643، سير أعلام النبلاء : 408/1، تهذيب الكمال : 225/21، الإسيعاب :1139/23، الطبقات الكبرى : 257/3، تاريخ الطَّبَرِي : 98/3.

3) الْقَصَصِ : 83.

4) أنظر، نهج الْبَلاغة : الخُطْبَةُ (88).

5) الأعراف : 179.

رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ لقتال الإِمَام مِن بَعده، وقيل غَيْر ذَلِكَ.... وفي رأينا أنّ المُرَاد بحُضُورُ الْحَاضِرِ الوَضع الْحَاضِر، وهو الفَسَاد الَّذي كَانَ سائِداً، ومُنتشِراً آنذاك.)(وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ. أي لا حجة، وَلاَ عُذر عند اللّه لمن يَسكُت عَن الفَسَاد، والضَّلال إِذا وجد مَن يُناصره، ويُؤازره، والْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعد أَنْ رَأَى الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ، وبعد أنْ عُرضت عَلَيْهِ الخلافة - أَصْبَحَ مِن وَاجِبِه أَنْ يُقبل، وَيَنهض، وَيُردع المفسدين، وَيَرعى مصالح المُسْلِمِين.)(وَ مَا أَخَذَ اللّه عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبٍ مَظْلُومٍ. بَعد أنْ قَالَ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن إنكار المنكر حتم، وواجب بخاصة إذا وجد المنكر المناصر والمؤازر، بَعد هَذَا أشار إلَى الدَّلِيل القاطع عَلَى هَذَا الوجوب، واللزوم، وهو أنّ اللّه سُبْحَانَهُ قَد أخذ عَلَى الْعُلَماء عهداً أن يكونوا للمظلوم عوناً، وَعَلَى الظَّالِم حَرْباً... ومَعْنَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، تُخمَته وَبَشمه، وَكَنى بها الْإِمَام عَن تماديه في العتُو والطَّغيان، ومَعْنَى سَغَبٍ مَظْلُوم جُوعه، وبُؤسه. وفِي هَذَا الْمَعْنَى يَقول الشاعر : والمرء وهُو يُدَاوِي الْبَطْن مِن بَشم*** يسعى ليسلب طَاوِي الْبَطْن ما جمعا (1))### الْغَايَة تُبرر الواسطة :(لألْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا، وَلَألْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ. الهاء فِي حَبْلَهَا وغَارِبِهَا وَآخِرَهَا وَأَوَّلِهَا تَعود إِلَى الخلافة، ومَعْنَى هَذَا، وما قبله أنَّه لَوْلاً ما أوْجَبَ اللّه عَلَى الْإِمَام مِن إنكار المنكر)


1) البَشِم : التخمة من الطعام. من باب طرب، وبَشمَ مِن فُلان أي سئم مِنْهُ، والبَشَامُ شجر طيب يُتَّخَذ من القسي يستاك به. يقول : قرنت البَشَم بالتمام والتمام ضعيف فسقط فسقط البيض فأنكسر. أنظر، غريب الحَدِيث لابن قُتَيْبَة : 293/1، مختار الصحاح : 22/1.

بعدما أوكلوا إِلَيْهِ أمر الخِلافَة لكان موقفه مِنْهَا كَمَا كَانَ مِن قَبل، لأنّ الدُّنْيا بكاملها لا تعدل المخاط الَّذى تَنثره العَنْزِ مِن أَنْفَهَا عِند العطاس.وقد اشتهر عن المذهب الميكيافيللي أنه يقول : الْغَايَة تُبرر الواسطة، ومثله البرجماتية والإنتهازية... وأيضاً الإمام يقول، الْغَايَة تُبرر الوَاسِطة، ولكنَّ الكَلام أو الفرق فِي تَحدِيد الْغَايَة : مَا هِي ؟ هَل الْغَايَة يَنْبَغِي أَنْ تَكُون فَردِيَة ذَاتِيَة تَعود إِلَى هَذِه الحَيَاة ومتاعها، ومنافعها بصرف النظر عن الأخْلاقِ، والدِّين، والمبادىء والقَوَانِين - بحيث لا شَيء حلال أو حرام في ذاته، وَلاً بالقياس إلى مبدأ عام، أو قاعدة كُلية كما تقول الإنتهازية البرجماتية، أو الغاية شيء آخر أجل، وأرفع ؟قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ: إِنَّ الغَايَة الحقة التي وجد الإِنْسَان مِن أجلها، وعَلَيْهِ أنْ يُضحي بنَفْسِهِ، وجَاهه، وأهله، وماله في سَبِيلها - هي الآخِرَة، هى الجَنَّة وَحدَها. وَمَرضاة اللّه وحده، وبين هَذِهِ الْغَايَة فِي الكَثِير مِن أَقْوَاله، مِنْهَا : «أَلَا فَما يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ (1)... فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ (2)... فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقَ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ بَجَاراً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَىٰ دَارِ الْقَرَارِ فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَانٍ، وَ قَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَال (3)ِ... إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازِ وَالْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ فَخُذُوا و مِنْ مَمَرَّكُمْ لِلمقَرِّكُمْ (4)... إِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهى بَصَرِ الأَعْمى» (5)... إلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُو)


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (157).

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (157).

3) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (132).

4) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (203).

5) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (133).

مَعرُوف، وَمَشهور.هَذِه هي الْغَايَة عِند الإِمَام وَهِي السِّمة البارزة التي طبعت جميع حركاته وسكناته، وفي ضوئها يجب أنْ تُفسر أَقْوَاله، وأفعاله مُنذ يَوْمِهِ الْأَوَّل مَع رَسُول اللّه النَّفس الأخير من حياتة. وتپنختم الكلام في شرح هَذِهِ الْخُطْبَة، بِمَا جَاء فِي خُطبَة ثانِيَة :«... فَقُلْتُ : يَا رَسُولُ اللّه، أَ وَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ أَسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِين، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: «أبْشِرُ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ» ؟ فَقَالَ لِي: «إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَا» ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللّه، لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى، وَالشُّكْرِ» (1.)شَقِّ عَلَى الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ أَنْ لا يَأْسْتَشْهِد في سَبِيل اللّه، وعاتب النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلَى ذَلِكَ، ولما أيقن بالشَّهادة وأنَّهَا آتية لا مَحَالَةَ، أسْتَبشر، وشكر، وَعَدها الفوز الأَكْبَر، وَقَالَ حِينَ أتته بهجة البشرى وفَرحتها : «فُزت وربّ الْكَعْبَة» (2).. هَذَا هُو عَلى)


1) أنظر، نهج الْبَلاغة : الخُطْبَةُ (156).

2) ذكرت قِصَّة ضرب ابن مُلْجم مقطعة في بَعْض الكتب التاريخية، وأهل السير، ولكن نحن بصدد تحقيق هَذَا الْكِتاب، ولَسْنَا بصدد بيان وجمع المقاطع عَلَى الرّغم من أنّ بَعْض الكتب قد نقلتها تفصيلاً مع إختلاف يسير في الألفاظ، وكَذَلِكَ مِن التقديم والتأخير.)أنظر، تأريخ الطَّبَرِيّ : 143/5، مقاتل الطالبيين : 29 و 47، طبقات ابن سعد: 35/3 أَنْسَاب الأَشْرَاف : 489/2 و 499 و 524، مروج الذهب : 411/2، الإمامة والسَّيَّاسَة : 159/1، الكَامِل في التاريخ : 389/3، مناقب الخوارزمي: 380 - 410، مناقب ابن شهر آشوب : 311/3، تاریخ ابن عساکر : 3/ 367 - 1424 وأضاف قول الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ عند ما ضربه أبن مُلجَم «فُزْتُ وربّ الْكَعْبَة» وذكر ذَلِكَ البلاذري في الأنساب : 488/1 و 490، تأريخ دمشق: 97/38، و : 303/3 ح 1402 وما بعدها كنز العمال: 697/13، الفتح الرباني : 163/23، والحاكم في المُسْتَدرَك : 144/3، ذخائر الى: 110 فَضَائِل عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): الصَّوَاعِقِ المُخرِقَة : 133 باب 9 فصل 5 مع تقديم وتأخير بما يناسب السياق، ويحفظ أسترسال المعنى واللفظ الفتوح لابن أَعْثَمْ: 276/2، الأسيعاب : 59/3 بإضافة «لا يفوتنكم الكلب»، أسد الغابة : 38/4 ينابيع المودة : 164. أرجح المطالب : 656.

أبن أبي طالب، لا يفرح بالخِلافَةِ، والوِلايَة، وإِنْ أَنت مُنقَادة تجرر إِلَيْهِ أذيالها، ويفرح بالضَّربة المسمومة القَاتِلة لأن الجنَّة بعدها ووَرَاءها : «مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ، وَمَا شَرٌ بِشَرٌ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ، وكُلّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ فَهُوَ مَحْقُورٌ، وَكُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ» (1.)


1) أنظر، نهج البلاغة : الحِكْمَة (387).

## الخطبة - 4 -### بِنَا أَهْتَدَيْتُمْ فِقْرَة 1:بِنَا أَهْتَدَيْتُمْ فِي الظُّلْمَاءِ، وَ تَسَنَّمْتُمْ ذُرْوَةَ الْعَلْيَاءِ، وَبِنَا أَفْجَرْتُمْ (1عَنِ السِّرَارِ. وُقِرَ سَمْعُ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ، وَكَيْفَ يُرَاعِي النَّبأة مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ ؟ رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ. مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ، وَ أَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرِّينَ، حَتَّى سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ، وَ بَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّة(1)).)اللُّغَة:تَسَنَّم الشّيء : عَلاه مِن قَولهم تَسَلَّم أي رَكب سَنَّامها. والذُّرْوَةَ المَاء مِن الأَرْضِ أي خروجها مِنْهَا، ويجوز أَنْ يُرَاد دخلتم فِي الْفَجْرِ. والمُرَاد بِالسِّرَارِ هنا الظُّلام.والوُقِر : الصُّمم. وتُطلق الْوَاعِيَّةَ عَلَى الصُّراخ، يُقَال : أَرْتَفعت الوَاعِية أي الصُّراخ عَلَى الميّت والنَّبْأَةَ : الصَّوْت الخفي : والصَّيْحَةُ : الصَّوْت المرتفع.


1) في أَكْثَر النسخ «أَنْفَجَرتُم»، وما أثبتنَاه أَفْصَح.

والجنان : الْقَلْب. وَأَتَوَسَّمُ : أَتَفَرْسُ.الْإِعْرَابِ:سمع نائب عن الفاعل لِوُقِرٍ، وَكَيْفَ أستفهام فِيهِ مَعْنَى التَّعجب فِي مَحَل نَصب عَلَى الحال أي عَلَى أي حال يراعي. واليَاء فِي بَصَّرَنِيكُمْ مَفْعُول أَوَّل، وكَاف المخاطبين مَفْعُول ثَانٍ.الْمَعْنَى:(بِنَا أَهْتَدَيْتُمْ فِي الظُّلْمَاءِ. غَيْر المصلح يُعبر عَن نَفْسِه بما يجوز، ويملك.)وبالمظاهر، والمضاهاة، أو بالجرائم، والآثام... أما المصلح فَيُعبر عن هويته بما يَسدِيه لِلإِنْسَانِية مِن خَيرٍ، وصلاح، ومَا مِن أحدٍ، أو أَهْل بَيْت تركوا للعالم ما تركه مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، و سليْلَة مُحَمَّد وآل مُحمَّد مِن خَيرٍ، وهداية للعالم كلّه مِن أقصاه إلى أقصاه بشهادة الميس، والتاريخ، والبعيد قبل القريب، وَهَذَا الْقُرْآن، ونهج الْبَلاغَة، وكُتب الْحَدِيثِ، والشَّرِيعَة وغَيْرها في متناول كلّ يَد.)(وَ تَسَنَّمْتُمْ ذُرْوَةَ الْعَلْيَاءِ. كَانَ الْعَرَب قَبل الإِسْلام أُميين، ورُعاة إِبل، وشَاءٍ، وفِي مَوْطِن الْفَقْر، والجهل، والتأخر، والخمول، فأَصْبَحُوا بِنِعْمَة الإِسْلَام شَيْئَاً مذكوراً.)وَمُحَمَّد وآله هُم دَعَائِمِ الإِسْلام، وحماته، وبِهِمْ أكمل اللّه دِينه، وخَتم وحيّه (وَبِنَا أَفْجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ. أي خَرجتُم مِن ظُلمة الجهل، وخمول الذكر إِلَى نُور العِلم وعلو الشّأن، وأشار الْقُرْآن إِلَى ذَلِكَ بقَوْله : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ)

إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ - أي الذي أوحى إِلَيْكَ - لَذِكْرُ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئلُونَ (1).)وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ بَعد قَوْله : (فَاسْتَمْسِك بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) - يُشعر بأن المُسْلِمِين لا يَكُون لهم ذكر، وشَأن، ولنْ يَكُون أَبَداً إلا إذا تمسكوا بالوحى، وعملوا به، وحرصوا عَلَيْهِ، وإن أهملوا، وتقاعسُوا فَيُصبحوا أذُّل الأُمّم لا يَنْتَفعُون بكثرة، وَلا يَعْتَصِمُون مِن عَدُوّ، وإِنْ قَلّ، وَحَقر... وَقَد حَدَتْ ذَلِكَ بالفِعْل، والشاهد إِسْرَائِيلَ، وفِي ذَلِكَ يَقُول الْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَإِنَّ فِي سُلْطَانٍ اللّه عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ، فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ - أي غَيْر ملومين عَلَيْهَا بنقاقٍ، وَرِيَاء - وَلا مُسْتَكْرَه بِهَا. وَ اللّه لَتَفْعَلُنَّ، أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللّه عَنْكُمْ سُلْطَانَ الإِسْلام، ثُمَّ لا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ - أي يَرجع - الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ» (2).)(وُقِرَ سَمْعُ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ. هَذَا دُعَاء بِالصَّمم عَلَى مَن يَسمع المواعظ ولا يتعظ، وتهتف به الزواجر ولا يَزدَجر (وَكَيْفَ يُرَاعِي النَّبأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ ؟).)المراد بالنَّبأَةَ هُنا حكم الإمام، ومواعظه، وبالصَّيْحَةُ ما في كتاب اللّه، وسُنّة نَبِيِّه مِن تخويف، وَتَحذير، والمَعْنَى مَن لا ينتفع بنذر اللّه، والرَّسُول، ونِدَائمها لا ينتفع بِهَمْسَة مني، أو مِن غَيْرِي، وشَبّه الإمام عظنه بالنَّبأَةَ، وَهِي الصَّوْت الخفي، وعِظة اللّه والرَّسُول الصَّيْحَةُ - تَعْظِيماً لمقامها، وَعُلو شأنهما.(رُبطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ. فإذَا دُعاء بِالصَّبر، وصلابة الأعصاب لكلّ ذِي قلب يخفق باستمرار خَوْفاً، ورَهْبَةً مِن غَصب اللّه، وعذابه، ويُلقِي إِلَيْهِ بالطَّاعَة)


1) الزُّخْرُفِ : 43 - 44.

2) انظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (169).

رغبةً، وطَمعاً فِي مَرْضَاتِه، وثوابه.(مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ، وَأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرِّينَ، وَجَه الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هَذَا الخَطَاب ِللنَّاكثين، والْمَارِقِينَ الَّذين بَايِعُوهُ ثُمَّ غَدرُوا به، وكَانَ الْإِمَام يترقب الْغَدْر مِنْهُم، وَيَتَفرس فِيهِمْ الإغترار (حَتَّى سَتَرَنِي - أي كَفَني - عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ). يَقول لهم : أنا أعرف من أَنْتُمْ ؟ حَقاً، وواقعاً، ولكنْ لا سَبِيل لي عَلَيْكُمْ ما أظْهَرتم كَلِمَة الإسلام وشعائرة... وقَد كَانَ شَأنهم مع الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تماماً كشأن الْمُنَافِقِين مَعَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).)(وَ بَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّة. أي أنّ الَّذي عرَّف الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحقيقتهم هُو صِدقه في نيته، وصفَاؤه في دَخِيلته، وإخلاصه في إيمانه، قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «وصَاحب الْقَلب الطَّاهر تنفذ فراسته إلى سرائر النفوس فَتَسْتَخبرها» (1)بالإضافة إلى إخبار النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لِعَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّه يُقَاتل النَّاكِثِينَ، والْقَاسِطِينَ، والْمَارِقِينَ.)ويَأْتِي إِنْ شَاء اللّه إِنَّ الإِمَام مَرَّ بقتلى يَوْمِ النَّهْرَوَان فَقَالَ: «بُؤساً لَكُمْ، لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ، فَقِيل لهُ : مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِين ؟ فَقَالَ : الشَّيْطَانُ الْمُضِلُّ، والأَنْفُسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، غَرَّتْهُمْ بِالأَمَانِيُّ، وَفَسَحَتْ لَهُمْ بِالمَعَاصِي، وَوَعَدَتْهُمُ الإظْهَار فَأَقْتَحَمتْ بِهِمُ النَّارَ» (2.)### مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ... فِقْرَة 2:(أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ فِي جَوَادٌ الْمَضَلَّةِ، حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَلا دَلِيلَ، وَ


1) أنظر. شَرح نهج الْبَلاغَة : 39/1.

2) أنظر، نهج البلاغة : الحِكْمَة (323).

تَحْتَفِرُونَ وَلا تُمِيهُونَ.الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ عَزَبَ رَأَيُّ امْرِي تَخَلَّفَ عَنِّي ! مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ! لَمْ يُوجِسْ مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ، وَدُوَلِ الضَّلالِ الْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ، وَالْبَاطِلِ. مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَاْ (2)).)اللُّغَة:السنن: جمع سُنّة، وهى السيرة، والطريقة، والشَّرِيعَة.والجَوَادّ - بِتَشدِيد الدَّال - جَمع جَادّة، وَهِي وَسَط الطَّرِيق، والمَضِلَّة - بفتح الميم، وَكَسر الضاد، أو فتحها - هي الأَرْضِ الَّتي يَضل سَالكها. وأصل كَلِمَة مَاء مَوَةٌ بدليل الجمع مياه وأمواه، ولا تُميهُونَ : لا تجدون مياهاً. والمَرْأَة العَجْمَاءَ فِي لسانها لكنّة، وكَلِمَة عَجْمَاء : غَامِضة مُهمة. والمراد بالعَجْمَاء هُنا من لأنطق لها، وَعَزَبَ : غَاب. ولَمْ يُوجِسْ لَم يَحس. وأَشْفَقَ : خَاف. وتَوَاقَفْنَا : تَقَابَلَنَا.الإعراب:حَيْثُ ظَرف مبني عَلَى الضَّم، وتلزم الإِضافة إِلَى جُملة، وَقَد تَرد للزَّمَان بِمَعْنَى مَتى : وَإِذَا لَحقتها «مَا كَانَتْ بِمَعْنَى الشَّرط، وجزمت فعلين. وذَاتَ مُؤنث «ذُو» وَمُثناها «ذواتان» وَجَمَعَهَا «ذَوات». وخِيفَةً مَفْعُول به أي أحسّ الخَوْف ومَنْ مُبْتَدَاً، ولَمْ يَظْمَأُ خَبَر.

الْمَعْنَى:كَانَتْ ظُرُوف الْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ القَاسِيَة، ومُرهِقة تماماً كظرُوف النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِي أَوَّل البعثة.. أبتلي النَّبِيِّ بقَوْم يَعبدون الأصنام، ويأتون الفواحش، ولا هادي لهُمْ ودَلِيل، فحاربهم بالْقُرْآن، وحاربوه بالسَّيْف، والسّنَان، وأبتلي الإمام بقَوْم ظَاهرهم أهْدَى، وباطن أكثرهم الغَدْر، والضَّلال، وهم الذين خاطبهم بقَوْله :)(أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ فِي جَوَادٌ الْمَضَلَّةِ، حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَلا دَلِيلَ، وَ تَحْتَفِرُونَ وَلا تُمِيهُونَ كانُوا أفراداً، وَفِئات يَسيرون في اتجاهات مُتباينة لا يَجْمَعها إلّا الفَسَاد، والضلال، وكانُوا يَلتقون، وَيَتدارسون شُؤونَهم عَسى أنْ يَهْتَدُوا إِلَى رُشد، ولكنْ بغَير جدوى... تماماً كالذي يطلب الماء بالْبَحْث، والحفر ولا يَجد شَيْئاً... وقد يَكُون لَهُمْ بَعْض العُذر لو لم يقم فِيهِمْ رَجُل رَشِيد... أَمَّا وَقَد وقف الإِمَام منَاراً، وعلماً فَلا حجة، وَلا مَعذَرة.)قَالَ طه حسين : «كَانَ عَلَى يُقسم وقتَه بَيْنَ شُؤون الحَرْب وَالسَّيَّاسَة والدين... يُقيم للنَّاس صلاتهم، ويعظهم، وَيُفقههم في دينهم... وكَانَ يَعِظهم جالساً عَلَى المنبر، أو قائماً... ولم يَكُنْ يعظهم بما كَانَ يَقول لهُمْ، وإنّما كَانَ يَعظهم، وَيُعلمهم بسيرته فِيهِمْ، كَانَ لَهُمْ إمَاماً، وكَانَ لَهُمْ مُعلماً، وكَانَ هُمْ قُدْوَة وأُسوَة» (1.)(الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ !. الْمُرَاد بالْعَجْمَاءَ هنا العِظات، والعبر، وهي صامتة من حيث المقال، ناطقة بلسان الحال، والمعنى أنّ الإمام شرح وَبَيّن لهم أسرار العبر والعظات، وما تهدف إلَيْهِ مِن التَّحذير، والتخويف لَعَلَّهُمْ)


1) أنظر الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبَنُوه : 144، طَبْعَة سَنَة 1964م.

يَرشَدُونَ (عَزَبَ رَأْيُ امْرِي تَخَلَّفَ عَنِّي ! ؛ لأنه تخلف عَن إِمَامَ الهُدَى، وكَلِمَة التَّقْوَى، وَقَالَ فِي خطاب آخر: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتى وَعَظَ الأَنْبِيَاءُ بِهَا أَمَهُمْ، وَ أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدبَّتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا - أي تَجْتَمِعُوا - للهِ أَنْتُمْ ! أَتَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي بَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيل ؟» (1).)(مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ !. هَذَا بَيَان للسَّبب الموجب للزوم طاعته، ووجوب مُتابعته، وَعِلم الإِمَام بالحلال، والحَرَام يَسْتَحِيل أَنْ يَنطَرق إِلَيْهِ الشَّك لأنه صُورة طبق الأصل عما فِي عِلم اللّه تَعَالَى، وَمِن هَذَا قَالَ الْإِمَام : «لو كُشِفَ لِي الغِطَاء ما أزددتُ يَقِيناً» (2).)(لَمْ يُوجِسْ مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ، وَ دُوَل الضَّلالِ !). وكأنّ سَائِلاً يَسأل : كَيْفَ لا يَشك الإِمَام فِي الْحَقِّ إطلاقاً، وَمِن قَبله نَبِي اللّه مُوسَى خَاف من السحرة مع أنّ اللّه سُبْحَانَهُ قَالَ لهُ، ولأخِيهِ : (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (3)فهل الإِمَام أقوَى إِيمَانَاً، وأثبت جِناناً مِن الأَنْبِيَاء ؟.)فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنّ مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَم يخف عَلَى نَفْسِه، وإِنما خَافَ أَنْ يَلتَبس الْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، وَيَنخدعُوا بأباطيل السحرة، وأن يتغلب عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنَ، وأعوانه.)


1) أنظر، نهج البلاغة : الْخُطْبَة (182).

2) انظر، حاشية السندي: 96/8 ح 4987، حلية الأولياء : 203/10، المصنوع: 149/1 ح 254 ينابيع المَوَدَّة : 203/1، تذكرة الخواص : 17، عيون الحكم والمواعظ : 415، شرح منة كلمة للبحراني : 52. إرشاد القُلُوب للديلمي : 212/2، شرح أصول الكافي : 173/3، المناقب للخوارزمي : 375 ح 395.

3) سورة طه : 46.

قَالَ الشيخ مُحَمَّد عبدة: «وَهَذَا أَحْسَن تَفْسِير، وتبرئة لِنّبي اللّه مِن الشّك في أَمْرِه، كما أن البلاغة واضحة في ضَرب المثل لموسَى، لأنّ مُوسَى قُوبل بالسحر، وهُو أبطل الْبَاطِل، ومَا قُوبل به أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين يَشبَه السّحر» فِي بَاطِله.(الْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ، وَ الْبَاطِلِ. أي أنّ الإِمَام وَقَف موقف الحق ووقفواهُم مُوقف الْبَاطِل، وأتضح كلّ شيء.)(مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأُ. وفي معناه قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلّها» (1)، وقول الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مخاطباً رَبِّه : «إِنْ لَمْ يَكُنْ بكَ غَضَب عَليَّ فلا أُبَالي» (2). وكتب الإمام فيما كتب إِلَى مُعَاوِيَة : «وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكاً فِي دِينِهِ، وَلا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ» (3).)


1) أنظر، الكامل في التاريخ : 49/7، لسان الميزان : 146/6، الجامع الصغير : 181/1 ح 1200، تاريخ جرجان 392 ح 652، والمصادر كلها تنسبه إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

2) أنظر، تفسير القرطبي : 211/16، تفسير ابن كثير : 176/4، البداية والنهاية : 166/3.

3) من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مُعَاوِيَة. أنظر. نهج البلاغة رقم الْكِتَاب (28).

## الخطبة - 5 -### عَلِيُّ والْمَوْتِ... فِقْرَة 1 - 2:أَيُّهَا النَّاسُ، شُقُوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَ عَرْجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ، وَ ضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ. أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ. هَذَا مَاءُ آجِنٌ، وَ لُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا. وَ مُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا، كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ (1. فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا : حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإِنْ أَسْكَتْ يَقُولُوا : جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا، وَ الَّتِي ! وَ اللّه لابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لأَضْطَرَبْتُمْ أَضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَة (2) !).)اللُّغَة:عَرْجُوا : ميلوا. وأَفْلَحَ : فاز : وآجَنَّ الماء - بفتح الجيم - تغير لونه، وَطَعمه فصار كريه المذاق. وانْدَمَجتُ عَلَى كَذا : أنطويتُ عَلَيْهِ. والمَكْنُون: المستور. والأَرْشِيَة : جمع الرّشاء - بكسر الراء - الحبل. والطَّوِيِّ : البئر. والْبَعِيدَة : الْعَمِيقَة.

الإِعْرَاب:كَالزَّارِع خَبَرَ لمُجْتَني. وهَيْهَات أسم فعل بِمَعْنَى بَعُد. واللتَيَّا، وَالَّتِي جَر بالإضافة واللام مفتوحة في اللُّتيّا، ويُعبر بهاتين الكلمتين عن الأهوال كبارها. وصغَارها، وقيل : اللَّتَيَّا الهَوْل الصَّغِير، وَالَّتِي للهول الْكَبِير (1.)الْمَعْنَى:(أَيُّهَا النَّاسُ، شُقُوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ التَّجَاةِ، وَ عَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ، وَ ضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ. هَذِهِ الْخُطْبَة قالها الإِمَام بَعد أنْ حَدَث ما حدث من أمر السَّقِيفَة، وبَيْعَة أبي بكر، ومُحاولة أبي سُفْيَانَ إثارة الْفِتَن، والقلاقل، ويَأْتِي التفصيل. والمفاخرة، والمنافرة بمعنى واحد، أو متلازمان لأن المفاخرة النفرة والعداء. والْفِتَن كأمواج البحر تُؤَدِّي إِلَى الغَرق، والهلاك، وأيّة وسيلة يَكُون بها الخلاص مِن الْفِتَن، ومحارم اللّه سُبْحَانَهُ فَهِيَ سفينة النّجاة والسَّلام... هَذِهِ كَانَتْ نَصِيحة الإِمَام لِلْمُسْلِمِين حِينَ بُويع أبو بَكْر بِالْخِلافَةِ، وكلّ حَيَاة الإمام نُصح، وتضحية من أجل الإسلام. لقد كَانَ يَرى الخلافَة حقاً لهُ لا يجوز أَنْ تُصرف إِلَى غَيْره كَائِناً من كَانَ، وَكَانَ فِي الوقت نَفْسه يرى أن مصلحة الإِسْلَام أَهم، وفوق كلّ شَيء.)قَالَ الأديب الشهير طه حسين: «كَانَ عَلَى رَبِيب النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وصاحب السابقة فِي الإِسْلام، وصاحب البلاء الحَسَن الممتاز في المشاهد كلّها، وكَانَ النَّبِيِّ يَدعُوه)


1) آسمان من أسماء الداهية. أنظر، مختار الصحاح : 303، القاموس المحيط : 384/4، معجم البحرين : 4 / 107.

أخاه، حَتَّى قَالت لهُ أُمّ أَيمن ذات يَوْمٍ مُداعبة : تَدعُوه أخَاكَ وَتُزوجه أَبْنَتكَ! وَقَالَ لهُ النَّبِيِّ : أَنْتَ مِني بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِن مُوسَى (1، وَقَالَ لِلْمُسْلِمِين يَوماً آخر : مَن كُنت مَوْلاً، فَعليٌّ مَوْلاًه (2)... مِن أجل ذلِكَ كلّه أقبل الْعَبَّاس بَعد وفاة النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَقَالَ لهُ : مُدَّ يَدك أبايعك، ولكنَّ عَلِيَّاً أبى مَخافة الْفِتْنَة... وجَاءَه أبو سُفْيَانَ الَّذِى حارب النَّبِي، ولم يسلم إلا كارهاً لا طَائِعاً، وأعترف بأن لا إله إلا اللّه، ولكنْ حِينَ طَلب إِلَيْهِ أنْ يَشهد أنّ مُحَمَّداً رَسُول اللّه قَالَ : أَمَّا هَذِهِ فَإِنَّ فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْئَاً. ولَوْلاَ حثّ الْعَبَّاس له، وتخويفه القتل لما أعترف بِهَذِهِ الشّهادة التي كَانَ فِي نَفْسِه مِنْهَا شيء.... فهو إذَنْ أحد الطلقاء.... جاء أبو سُفْيَانَ إِلَى عَلَى وَقَالَ لَهُ : أَبْسِطُ يَدَّك أبايعك، ولكنَّ عَلِيَّاً أبى أنْ يَسْتَجِيب خَوْفاً مِن إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ» (3).


1) تَقَدَّم إستخراج ذلِكَ.

2) تَقَدَّم إستخراج ذَلِكَ.

3) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبنوه : 17، طَبْعَة سنة 1964 م، وموقف أبي سُفْيَانَ صخر بن حرب الأُموي: وهو الْعَدُوّ الأَوَّل لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، و العدو اللدود لعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وللإسلام منذ بدء الدَّعْوَة الإِسْلاميَّة حَتَّى غُلِبَ عَلَى أَمْرِه في فتح مكة، وتوفي في صدر خلافة عُثمان، ولم يدخل الإيمان في قَلْبَه. وَلاَ في قلب أولاده، وعندما توفي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكان غائباً عن المدينة. رجع فلق رجلاً في بعض طريقه مقبلاً مِن المدينة، فَقَالَ له : مات مُحَمَّد ؟ قَالَ : نعم. قَالَ : فمن قام مقامه ؟ قَالَ : أبو بكر. قَالَ أبو سُفْيَانَ : فماذا فعل المُسْتَضْعَفَان علي، والْعَبَّاس ؟ قَالَ: جالسين. قَالَ : أما واللّه لئن بقيت لهما لأرفعن من أعقابهما، ثم قَالَ : إني أرى غبرة لا يطفيها إلا دم، ثم لما وصل المدينة جعل يطوف في أزقتها ويقول:)بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ***ولا سيما تيم بن مرة أو عَدِيّفما الأمر إلا فيكم وإِلَيْكُم ***ولَيْسَ لها إلا أبو حسسن علىالعقد الفريد : 62/3 السَّقِيفَة برواية شرح النهج لابن أبي الحديد: 120/3.وفي رواية : زاد اليعقوبي :أبا حسن فاشدد بها كف حازم ***فإنك بالأمر الذي يرتجى مليتاريخ اليعقوبي: 150/2، شرح النهج : 7/6.وزاد الطَّبَرِيّ في تأريخه : «.... أين المُسْتَضْعَفَان أين الأذلان علي، والْعَبَّاس ؟ وَقَالَ : أبا حسن أبسط يدك حَتَّى أبايعك فأبى على (عَلَيهِ السَّلَامُ وجعل يتمثل بشعر المتلمس:)إِنَّ الهوان حمار الأهل يعرفه ***والجر ينكره والرسلة الأجد»تاريخ الطبري: 449/3. والشقيقة لأبي بكر الجوهري برواية شرح النهج لابن أبي الحديد : 130/2.

(أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ.. الْمُرَاد بِالجِنَاحَ هُنَا الْقُدْرَة، والمَعْنَى أن مَن يَملك الْقُدْرَة، ويستغلها في إحقاق الحق، وإزهاق الْبَاطِل فقد ربح، وفاز، أَمَّا العاجز فخَير له، وللنَّاس أَنْ يَصبر حَتَّى إِذَا مَرَّت الْفُرْصَة أنْتَهزها، وَمِن أَقْوَال الْإِمَام : «مِنَ الخُرْقِ المُعَاجَلَةُ قَبْلَ الإِمْكَانِ، والأناةُ بَعْدَ الفُرْصَةِ» (1)... لقد آذت قُرَيْشٍ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَقَالَ عَنْهُ عُتَاتها : شاعر، وسَاحر، وكَاهن، ويَجنُون، ووثبوا عَلَيْهِ يَوماً، فأخذ بعضهم بخناقه، وجذبه آخر بثوبه، ونتف ثالث من شعره.. وحرشوا عَلَيْهِ الصَّبيان فطَاردوه، ورموه بالحجارة حَتَّى أُصِيب فِي قَدميه، وسالت مِنْهَا الدِّمَاء... كلّ هَذَا وأَكْثَر مِن هَذَا حَدث لرَسُول الرَّحْمَة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دُونَ أَنْ يُحرك سَاكِناً طَاعَة اللّه فِي قَوْله : (وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (2)﴿وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّه وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (3). (هَذَا مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا. وَ مُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إيناعِهَا، كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ). هَذِه إشارة إِلَى طَلب الخِلافَة، والظُّرُوفِ غَيْر مَؤَاتِية، وإِنّه مِن الحُمْق، وسُوء التصرف أنْ يَطلبها، أو يتصدى لها مع المقاومة، وإعلان الحزب


1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (363).

2) لُقمان: 17.

3) يُونُسَ : 109.

من أجلها، لأنَّهَا كَانَتْ بالنسبة إِلَيْهِ بَعد وَفَاة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كالماء الذي لا يُسْتسَاغ شُربه، واللّقمة يَغص بها الآكل، والثمرة المقطوفة قبل النّضوج، وَمَن قَطف الثَّمَرَة قبل الأوان لا ينتفع بها كما أن مَن زَرع فِي غَيْرُ أرْضه لا ينتفع بما زَرع... ولَيْسَ مَعْنَى هَذَا أن العاجز لا يَنْبَغِى لَهُ أنْ يُطالب بحقه، كلاً، بل أن يُطالب، ويحتج، ولكنْ عَلَى قَدر طاقته... وأشرنا فيما سبق إلى احتجاج الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَى مَن سَبقه إِلَى الْخِلافَة.

وَقَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : يُشِير - الإِمَام بقَوْله هَذَا - إِلَى أَنّ ذَلِكَ لَم يَكُنْ الوَقت الَّذِي يَسوغ فِيهِ طَلب الأمر فلو نهض إِلَيْهِ كَانَ كَمُجتني الثَّمَرَة قَبل إيناعها وَنُضجها (1). وَقَالَ ابن أَبي الحَدِيد : يَجوز أنْ يُرِيد بَيْعَة السَّقِيفَة (2).

(فَإِنْ أَقُلْ - أي أطلب الخِلافَة - يَقُولُوا : حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا : جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ !). ثُمَّ مَاذا وإنْ قَالُوا ؟ أليس أَكْثَرَ النَّاس، أو الكَثِير مِنْهُم عَلَى ذَلِكَ مُنذ كانُوا ؟. وهل أتفقوا على تصرف واحد من الخَالِقِ، أو من المخلُوق ؟... وذُو الضَّمِير الحي، والدِّين المتين يصغي لوجدانه، وإيمانه، ويسخر مِن كُلّ قَول لا يُؤْمِن بِهِ، وإِنْ أَجمَع عَلَيْهِ أَهْلِ الدُّنْيَا... وأحمد اللّه عَلَى هَذِهِ النِّعْمَة، وهِي وَسِيلتي إِلَى رِضْوَانه، وَجِنانه.

(هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي.!). أبعد أنْ رَكب على الأهوال، والشَّدَائِد فِي بَدْر، وأحد، وخَيبر، والأَحْزَابِ، وغيرها، وبارز مرحباً، وأبن ود العامري، وبات عَلَى فراش النَّبِيِّ لَيْلَة الهِجْرَة، وبَرقت الأسنة، ولمعت السُّيُوف من حوله، ينتظر الموت بَيْنَ لحظة، ولحظة، أبعد هذا وأكثر مِن هَذَا يُقال : جَزِعَ عليَّ مِنَ الْمَوْتِ ! ؟


1) أنظر، شرح النهج : 40/1.

2) أنظر، شرح النهج : 314/1.

قَالَ فِيلسوف صيني : الإِنْسَان أَكْثَر مخلوق مُشاكس في العالم، وقَد خَلقه اللّه، وهُو يعلم أنه يخلق كائناً مُشاكِساً : (وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (1).

(وَ اللّه لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطَّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ). واللّه كلّ من يَعْرِف : من هو على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُقسم معَه هَذَا القسم، بَل كلّ من يثق، ويُؤْمِن بأن له بعد الموت ما لعَليَّ من النَّعِيمِ، والتعظيم عند اللّه كما وثق، وآمن عَلَيَّ بِذَلِكَ طَلب الْمَوْت وتَعشَقه، وأنس بهِ كما يَأْنس الطفل بِثَدي أُمه، أو أكثر... وإذَنْ فأين مكان العُجب في قول

عليّ هَذَا، أو فِي قَوْله : «فَواللّه مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ، أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ» (2).

(بَلِ أَنْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لأَضْطَرَبَّتُمْ أَضْطِرَابَ الأرْشِيَة فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ !). يُرِيد الإِمَام بِهَذَا العِلم أسرار النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الَّتي خَصّه بها، وأَئْتَمَنه عَلَيْهَا دُونَ غَيْره، وقَوْله : «لَوْ بُحْتُ بِهِ لأَضْطَرَبْتُمْ» يومى، إِلَى أَنّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَخْبَرَه عَن حَقِيقَة بَعْض الصَّحَابَة الذين يظن النَّاسِ بِهِمْ خَيْراً، وهُم عِند اللّه من شرار خَلقه... ومَن كَانَ يَظن بأهل الجباه السود، وفِيهِمْ مِن الصَّحَابَةِ، أَنْ يَمرقُوا مِن الدِّين، أو يَظن بعَائِشَةَ فراش النَّى أَنْ تَركب الجَمَل، وتُحرض الْمُسْلِمِين عَلَى أنْ يَذبَح بعضهم بعضاً، أو يظن بالزُّبَيْرِ، وهو حواري رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنْ يُحَارِب عَلِيَّاً ابن عَمَّته، وكَانَ أشد النَّاسِ حُبّاً له، وَمِن أجله شهر السَّيْفَ يَوْمِ السَّقِيفَة ؟.

ويُؤيد ما أخترناه مِن تَفْسِير العِلم مَا جَاء فِي النَّهْجِ بَاب الْمُخْتَارِ مِن رَسَائِله بعنوان «مِن دُعَاء له»، وهو قَوْله : «فَوَ الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَسْلَمُوا وَلَكِن أَسْتَسْلَمُوا، وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ» (3).


1) الْكَهْفِ : 54.

2) أنظر، نهج البلاغة : 104/1، رقم الْكِتَاب (55).

3) أنظر. نهج البلاغة : رسالة رقم (16).

الخطبة - 6 -

أَضْرِبُ الْعَاصِيَ بِالْمُطِيعِ:

(وَ اللّه لا أَكُونُ كَالضَّبُعِ : تَنَامُ عَلَى طُولِ اللَّدْم، حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا، وَيَخْتِلَهَا رَاصِدُهَا، وَ لَكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى الْجَقِّ الْمُدْبِرَ عَنْهُ، وَ بِالسَّامِعِ الْمُطِيعِ الْعَاصِيَ الْمُرِيبَ أَبَداً، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي. فَواللّه مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقّي، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ، مُنْذُ قَبَضَ اللّه نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏) حَتَّىٰ يَوْمِ النَّاسِ هَذَا).

اللغة:

الضَّبُع : مِن السَّباع مُؤنَثَة. واللَّدْمِ : تَحوُّ مِن الضَّرْب. والرَّاصِد : الرَّقِيب، والَّذِي يَقْعُد بِالمرصاد أي الطَّرِيق للحراسة، وَيَختلَها يَخدعها. والمريب : المشكك.

الْإِعْرَابِ:

يَصِلَ مُضارع مَنْصُوب بأنْ بَعد حَتَّى، وَيَخْتِلَهَا مَعْطُوف عَلَى يَصِلَ.

أَبَداً ظرف مَنْصُوب بأضْرِب. ومُسْتَأْثَراً حال مِن النّاءِ فِي «مَا زِلْتُ» أو خَبَر بَعد

خَبَر. وحَتَّى حَرف بِمَعْنَى إِلَى.

الْمَعْنَى:

تَقَدَّم فِي خُطْبَة الشَّقشِقِيَّة أنّ الكثرة الكَثِيرَة مِن المُسْلِمِين، وفي مُقدّمتهم الأَنْصَار، والمُهَاجِرُون - أرادوا الإِمَام لِلْخِلافَة لأنه الوحيد الَّذِي يَضمن لهُمْ الْعَدْل، والكَرَامَة، وَيُحقق الأمن والحُرِّيَّة، واستجاب ليُؤدي مَا أَخَذَ اللّه عَلَى الْعُلَماءِ «أَلا يُقَارُّوا عَلَى کِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبٍ مَظْلُوم»، لكن طَلْحَة، والزبير، ومُعَاوِيَة وغيرهم ساءهم أنْ يَكُون عَلي عُوناً للمظلوم، وخَصماً للظالم، فَجَّندوا له، وخرجوا عَلَيْهِ. وَلَيْسَ مِن الحِكْمَة فِي شَيء أَنْ يَبْقَی الْإِمَام فِي الْمَدِينَة لِيَغزُوها أَهْل الشام، وأَصْحَابِ الجَمَل، ومِن أجل هَذَا أستعد للخروج إِلَى الْعِرَاقِ.

ولما أُشير عَلَيْهِ بِالْبَقَاء فِي الْمَدِينَة قَالَ: (وَ اللّه لَا أَكُونُ كَالضَّبُعِ : تَنَامُ عَلَىٰ طُولِ اللَّدْمِ، حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا، وَيَخْتِلَهَا رَاصِدُهَا). كَيْفَ أصْبر، وأنتظر حَتَّى يَعْزُونِي الْعَدُوِّ فِي عِقر دَارِي ؟ أَتَرِيدُونَني أَنْ أَكُونُ كَالضَّبُعِ يَخدعها صَائِدها ؟ لا كَانَ ذَلِكَ أَبَداً (وَ لَكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرَ عَنْهُ، وَ بِالسَّامِعِ الْمُطِيعِ الْعَاصِيَ الْمُرِيبَ أَبَداً، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي). أَبَداً لا هوادة عند الإمام للطغاة، والمُجرِمِين ما وجد عَلَيْهِمْ أعواناً، وأنصاراً... لقد وجد المجرِمُون الأعوان للبَاطِل، فثاروا بِهِمْ عَلَى الحَقِّ، وحَارِبُوه، فَهَل يَسْتَسلم الإمام، وعِنده مَن يَسمع، وَيُطِيع ؟ وبماذا يعتذر إلى اللّه، والنَّاس ؟.

وَمِن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلى بَعْضٍ أَمَرَاء جَيْشَه : «وَإِنْ تَوَافَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ فَانْهَدْ مَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ، وَأَسْتَغْنِ بِمَنِ أَنْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ

تَقَاعَسَ عَنْكَ، فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ» (1).

(فَواللّه مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقّي، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ، مُنْذُ قَبَضَ اللّه نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا). إِنَّ حق الإِمَام فِي الْخِلافَة هُو حقوق الإِنْسَان بالذات، لأنه الحارس لها، والضامن، وَمِن أجل هَذَا وَحده حَارِبُوه، ودافعوه عَن الخِلافَة، ولما توافرت له أسبابها ثار عَلَيْهِ النَّاكِثُون، والْقَاسِطُون، والمارِقُون، وخلقوا المشاكل، والمصاعب لِلإِسلام، والمجتمع الإسلامي بكامله مِن التفرقة في الدِّين، وسَفك الدماء، وأنتهاك الحرمات فتظلّم الإِمَام، وتألم للْحَقِّ، والنَّاس جَميعاً (2)

وَقَالَ ابْن عساكر في : 200/3 ط بيروت من ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله عن زيد بن علي... عن علي قَالَ : أمرني رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقتال النَّاكِثِينَ، والمارقين، والْقَاسِطِينَ. ومثله عَن علي بن ربيعه قَالَ سمعت عَليَّاً يقول : عهد إليَّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن أقاتل النَّاكِثِينَ، والْقَاسِطِينَ، والْمَارِقِينَ. ومثله عَن أنس بن عَمْرُو... عَن عليّ قَالَ : أمرت بقتال ثلاثة المارقين، والْقَاسِطِينَ، والنَّاكِثِينَ. ومثله عَن إِبْرَاهِيم عن علقمة ومثله أيضاً عَن خليد القصري قال: سمعت قَالَ: سمعت أمير المؤمنين علي يقول يوم النَّهْرَوَان : أمرني رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقتال النَّاكِثِينَ، وَالْمَارِقِينَ، وَالْقَاسِطِينَ.

.

1) أنظر، نهج البلاغة : الْكِتَاب رقم (4).

2) لقد كَانَ الإِمَام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتصرف تصرف الحجّة فَهُوَ الَّذي لم يرفع سَيْفَاً بعد وفاة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلَى الرّغم مِن مَعْرِفَته بأغتصاب حقه، لكن قتال هؤلاء وعد وعهدُ عَهْدِهِ إِلَيْهِ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما قَالَ الخوارزمي في مناقبه : 125 و 221 : أخبرني سيّد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي فيما كتب إليَّ مِن هَمَذَان، أخبرني الشيخ العالم محيي السُّنّة أبو الفتوح عبدوس بن عبد اللّه بن عبدوس الهمذاني كتابه. أخبرني أبو الحسين أحمد بن مُحمَّد بن تميم الحنظلي بقنطرة بردان... حدثني جدي سعد بن عبادة عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ : أمرت بقتال ثلاثة : التَّاكِثِينَ، والْقَاسِطِينَ، والمارِقِينَ، أَمَّا الْقَاسِطُون فأهل الشام، وأمَّا النَّاكِثُون فأهْل الجَمَل، وأَمَّا الْمارِقُون فأَهْل النَّهْرَوان.

الخطبة - 7 -

اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ:

(اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لِأمْرِهِمْ مِلاكاً، وَ اتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ، وَفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ، وَ دَبَّ، وَ دَرَجَ فِي حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَ زَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ، وَ نَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ!)

اللُّغَة:

ملاك الأمر : قوامه الذي يملك بهِ، يُقَال : القَلْب ملاك الجسد أي لا وجود للجسد إلّا به. وأَشْرَاك: جمع حبائل الصيد والحُجُور : جمع حجر - بكسر الحاء - حضن الإِنْسَان. والزَّلَلَ: الزَّلق، ويُستعمل في أرتكاب الذُّنُوب. والخَطَل : الحُمْق.

الْإِعْرَاب:

فِعْلَ مَنْصُوب عَلَى المَصْدَرِيَة أي فعلوا فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي.. إلخ.

الْمَعْنَى:

(اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لِأمْرِهِمْ مِلاكاً، وَ اتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ.. إلخ). هَذَا الْوَصْف ينطبق عَلَى مَن أبغض عَلِيَّاً، ونصب له العداء... إذ لا مكان أرحب، وأوسع للأبالسة، والشّياطين مِن بُغض عَليّ، وسَبّه، وحَرَّبه... وأي شيء فِي عَليّ يَستُوجب السَّب، والعداء ؟ أفي زُهده بالدُّنْيَا التى لا تُعادل عِنده عَفْطَة عَنْز عَفْطَة عَنْز، أم في عدله الَّذي مَلأ قلوب البؤساء، والمُسْتَضْعَفِين فَرحاً، وطَمَانِينَةٌ، أم فِي عِلمه الَّذِي لَوْلاه لهلك الراشدون، وأهلكوا معهم المُسْلِمِين، أم في شجاعته التي هدمت صَرُوح الشّرك، وأَقَامَت دَعَائِمِ الدِّين، وأركَانَ الْإِسْلَام، أَم فِي حَسَبه، وَنَسبه في ماذا ؟.

وَقَد تَعرض شُبهة كَاذِبَة لإِنْسَان جاهل فيؤله عَلِيَّاً، وَيَقول بربوبيته.... أَمَّا مَن نَصب له العداء، وسَبّه عَلَى المنابر، وأمر النَّاس بسبّه، وعَلق المشانق لمن لا يُسب، ويلعن، أَمَّا هَذَا فلا شُبهة له، ولا معذرة (1)

أنظر شواهد التنزيل : 459/2، فرائد السمطين : 1 ب 31 - 155/117 ط بیروت، تاريخ دِمَشْقَ : 348/2 و 442 و 443 ح 851 الطبعة الثانية ح 959، لسان الميزان: 175/1، 959، لسان الميزان: 175/11، أَنْسَابِ الأَشْرَاف: 103/2 و 113، أحمد بن حنبل : ح 46/72 طقم كفاية الطالب : ب 244/62 و 346، كنوز الحقائق : 82 و 92 و 131، المناقب للخوارزمي : 62 و 187 فصل 17 ح 11 فصل 9 نور الأَبْصَار : 70 و 101. الصَّوَاعِق المحرقة : 96 و 161 ولكن رغم أنه يروي الحديث بلفظ «... قَالَ : ومَن عدوي ؟ قَالَ : من تبرأ منك ولعنك»، فقد سب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك من خلال حبّه - أبن حجر - المُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ الَّذي سبّ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولعنه في الأقطار الإسلامية وطلب التبري مِنْهُ وإنْ لم يَكُنْ ذَلِكَ فالضَّرْب، والشّتم والهتك، والقتل للمؤمنين، وَهَذَا مشهور ولا يحتاج إلى برهان ودليل وأنظر خصائص الوحي المبين : 131 فصل 21 الطّبعة الأولى، الدر المنثور : 79/6، و 319، و : 305/7، مجمع الزوائد : 131/9، و : 017/7 وبشارة المُصْطَفَ : 163، تَفْسِير الطَّبَرِيّ : 186/6، و : 657/12 ط أخرى، وذَخَائِرِ الْعُقْبى : 88 و 102. وروح المعاني : 207/30 ط مضر، وتأريخ بغداد: 421/7، الأغاني : 39/18 الطبعة الأولى بيروت. والمسترشد في إمامة أمير الْمُؤْمِنِين : 354. وينابيع المَوَدَّة : 62 و 74 و 270 ط اسلامبول و : 71 و 84 و 361 و 362 ط الحيدرية، و : 196/1 و 223 ط أسوة. و : 357/2 و 452 ط أسوة وتذكرة الخواص 18، وفتح القدير للشوكاني : 0477/5 إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار : 172، جواهر العقدين : 219/2، وفي الصَّوَاعِقِ الحَرِقة : 161 ب 11 فصل 1....

.

1) تَقدَّم إستخراج من أسس سبّ، ولعن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على منابر المسلمين.

الخطبة - 8 -

بَايَعَ بِيَدِهِ :

(يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ، وَ لَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ، وَ ادَّعَى الْوَلِيجَةَ. فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْرِ يُعْرَفُ، وَالأَ فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ).

اللُّغَة

الْوَلِيجَةُ : المُضْمَرة (1).


1) أي وَلِيجَة الرّجلُ بِطانته، ودخلاؤه، وخاصته. أنظر النّهاية في غريب الحديث : 223/5، لِسان العرب: 2 / 400.

الْإِعْرَاب :

فَلْيَأْتِ مَحْرُوم بِلام الطلب. وإلا كلمتان: إن السّرية، ولا النّافِية، وَفِعل الشرط محذوف أي وإنْ لَم يَأت فَلْيَدْخُلْ.

الْمَعْنَى:

بَايَعَ الزُّبَيْر عَلِيَّاً ثُمَّ نَكت، وتَآمر، ولما أحْتَج عَلَيْهِ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِالْبَيْعَةِ قَالَ: أظْهَرتها وما قصدتها... وإنْ دَلَت هَذِهِ الْمَعْذِرَة عَلَى شَيْءٍ فإنّما تَدل عَلَى جَهل الزبير بدين اللّه، وشَرِيعَة رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأن قَوْله : بايعت، إِقْرَار صريح بِالْبَيْعَةِ، وهل يَسْتَطِيع لها نفياً، وإنكاراً... والمزء مؤاخذ بإقراره، وبه تثبت المَسْئُولية عَلَيْهِ أمام القضاء في جميع الشرائع. أَمَّا قَوْله : ما قصدت، ولا أردت فَمردُود عَلَيْهِ إِلَّا مَع الدليل القاطع، لأنّ الإِرَادَة يُترجم عَنْهَا القَوْل، أو الفِعْل فهو الحجة لمن قَالَ، أو فِعل. وقد أظهر الزُّبَيْرِ الْبَيْعَة، وعَبر عَنْهَا بوضُوحٍ، وَصرَاحة، ثُمَّ أدعى خِلاف هَذَا الظَّاهِر فعليه أن يزثبت وإلا فليلتزم بما أظهر، وعبّر، أَمَّا الواقع بِمَا هُو فَلا أَثر لهُ أمام الْقَضَاء مَا دزام مستوراً، وَمَجهولاً.

الخطبة - 9 -

أَرْعَدُوا وَ أَبْرَقُوا:

(وَقَدْ أَرْعَدُوا، وَأَبْرَقُوا، وَمَعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْفَشَلُ، وَ لَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ. وَلا نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ).

اللُّغَة:

أَرْعَد، وَأَبْرَق : هَدَد، وتوعد، والْفَشَلُ : الجبن، والضَّعْف.

الْإِعْرَاب :

تَسْتَعمل «مَعَ» مُفردة غَيْرُ مُضَافة، فَتُنوّن وَتَكُون حَالاً نحو جئنا معاً أي جَمِيعاً، وَتَسْتَعمل مُضَافة لمكان الإجتماع فتكون ظرفاً مكانياً مِثل : اجْتَمَع مَعَكُمْ، ولظرف الزمان فَتَضمن مَعْنَاه نحو: جِئت مع العصر، وتكون بِمَعْنَى عِند كقول الإِمَام : وَمَعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ أي عِندهما، وَلا نُسِيلُ عَطف عَلَى وَلَسْنَا تُرْعِدُ.

الْمَعْنَى:

للضَّمِيرِ فِي أَرْعَدُوا، وَأَبْرَقُوا الأَصحاب الجمل كما في شرح ابن أَبي الحَدِيد وَقَالَ الشارحُون لهذا الكلام: «إِنَّ الضوضاء والحِلْبَة إمارة الجبن، والْعَجْز، وهو صِفَة أَصْحَاب الجمل الذين أرْعَدوا، وأبرَقُوا بِلا مطر، وإِنَّ الصّمت والسكوت إمارة الشَّجَاعَة، والبطولة، وهي من صفات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1). وقد دلتنا التَّجَارِب أن من سمات البطالة، والفراغ كثرة الثرثرة، والتفاهات، ومِن صِفَات الضَّعْف، والغُرُور - في الغالب - كثرة الأقوال الفارغة، والإدعاءات، أمَّا البطل المتواضع فيقول مَا يُفعل، وَلا يَقول ما لا يفعل، وَقَالَ عَارف حكيم : «خير المحاربَيْنَ مَن لا يُظهر غصبه الجامع»... والْإِمَام لا يقول شَيْئَاً حَتَّى يَفعله تماماً كالسِّيل لا يجري إلَّا بَعد نزول المطر.... ومِن أَقْوَاله : «إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ» (2)، وقرأت لأحدٍ فَلاسفة هَذَا العَصر كَلِمَة قَالَ فِيْهَا : فَرق واضح بَيْنَ الكَلام، والحديث، لأن القصد من الحَدِيث فِي الغالب مُجرد المتعة، بخاصة إذا كَانَ بَيْنَ صَدِيقِينَ، أَمَّا الكلام فالْغَايَة مِنْهُ الجد، والصدق، والْوَفَاء.


1) أنظر، شرح النهج : 238/1.

2) أنظر نهج البلاغة : الخطبة (41).

الخطبة - 10 -

الشَّيْطَانُ جَمَعَ حِزْبَهُ:

(أَلا وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ، وَ اسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ، وَ رَجِلَهُ، وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي : مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي، وَلا لُبْسَ عَلَيَّ. وَأَيْمُ اللّه لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَرْضاً أَنَا مَا تِحُهُ ! لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ، وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ).

اللُّغَة:

الْمُرَاد بِخَيْلَه رَاكِبوا الخَيْل وَبرَجِلَه المشاة وَلا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي : ما خَدعتها بالأماني، ولا خَدَعتني بالكوَاذب. وَلا لُبْسَ عَلَيَّ : لا خَدَعَني خَادع لأُفْرِطَنَّ : لأملأنَّ. ومَاتِحَه : مَالِئَه، أو نازح مائه من البئر. والصَّدرُ : ضِدّ الورود، ومصُدُرُ عَنْه رَجَع، وأَنْصَرف.

الْإِعْرَاب :

أَلا لافتتاح الكلام، أو التنبيه، وأيم مُبتدأ والخبر مَحْذُوف أي قسمي وجُملة

لا يَصْدُرُونَ صِفَة «حَوْضاً».

الْمَعْنَى:

(أَلا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ، وَ اسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ، وَ رَجِلَهُ). الشَّيْطَان مُضاف إِلَى مَحْذُوف أي قَرِين الشَّيْطَان، أو نَصِير الشَّيْطَان. وظَاهر الكلام يصدق عَلَى أَهْل صِفِّين، وأَصْحَاب الْجَمَل، لأن كلاً مِنْهُمَا جَمَعَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ، وَرَجِلَهُ لحرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). (وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي : مَا لَبَسْتُ عَلَى نَفْسِي، وَلا لُبِّسَ عَلَيَّ). لَيْسَ الْمُرَاد بالبَصَيرَة هُنا المعادلات العلمية، والأرقام الإحصائية، بل المراد بها فِطْرَة اللّه الَّتي نَشأت وترعرعت في أحضان الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والْإِمَامِ يُدرك الْأُمُور أَمُورٍ عَلَى حَقِيقَتهَا بِهَذِهِ الْفِطْرَة الإلهية المحمَّدية الَّتِي لا تَخدع صاحبها، وَتَصُونه من خداع الخادعِين.

قَالَ أبن أبي الحَدِيد : «مَا لَبَّسْتُ تَقسيم جيد لأنّ كلّ ضَال عَن ألهِدَايَة، فإِما أَنْ يَضل من تلقاء نَفْسه، وإما بإضلال غَيْره له» (1). وكلّ مِن هَذِين لا يصدق في حق الإِمَام، لأنَّ البَصِيرَة الَّتِي كَانَتْ معهُ فِي عَهد الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هي هي ما تغيرت ولا تبدلت.

(وَ أَيْمُ اللّه لأفُرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ ! لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ، وَ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ). أي أنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سَيلقّن حِزْب الشَّيْطَان دَرساً قاسياً لا يَنْسَاء أَبَداً... فمن ثبت مِن هَذَا الحزب للقتال فَنَصِيبه الموت لا مَحَالَةَ، ومَن فرَّ فَلنْ يَعود إلَى الْقِتَال


1) أنظر، شرح النهج : 239/1.

ثَانِيَة... وَهَذَا مَا حَدث بالضّبط لأصحاب الجَمَل، كما كَاد يُقتل مُعَاوِيَة، أو يَفرّ لَوْلاً المَصَاحِف، وبَيْت مِن الشّعر (1)

أَبتُ لي همتي وأبي بلائي*** وأَخْذِي الْحَمْدُ بالثمَنِ الرَّبيح

واجشامي عَلَى المَكْرُوه نفسي*** وضَرْبي هامة البطل المسيح

وقولي كلما جشات وجاشت ***مكانك تحمدي أو تستريحي

لأدفع عن مآثر صالحات ***وأحمى بَعْدُ عَن عِرْضِ صَحِيح

تاريخ الطَّبَرِيّ : 17/4، البداية والنهاية : 294/7 أنساب الأشراف للبلاذري : 306. وَقْعَة صِفِّين: 395، أمالي القالي : 258/1، لباب الآداب: 223، المناقب للخوارزمي : 244، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 225/2، لسان الميزان : 506/13، الكامل : 68/4، الوحشيات: 77، تاریخ دمشق : 426/6 الأختبارين: 159، عيون الأخبار: 126/1، العقد الفريد: 104/1.

:

وَقُولِي كُلّما جَشات، وَجَاشتْ ***مكَانَكُ تُحْمَدِي، أَو تَسْتَرِيحي


1) يُنسب هَذِهِ الْبَيْتَ إِلى عَمْرُو بن عامر بن زيد مناة الخزرجي, شاعر وفارس من فرسان الجَاهِلِيَّة والإطنابة أُمّه : بنت شهاب من بني القين، ومعنى الإطنابة : سير الحزام يكون عوناً لسير آخر إذا قلق : وسير يشد في وتر القوس العربيَّة. أنظر، معجم الشُّعَرَاء للمرزباني : 203 و 204. أنظر، الأبيات وقِصَّة عزم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ عَلَى الفرار، والهروب من المعركة، لؤلاً أن ذكر أبيات أبن الإطنابة بعد أن وضع رجله في ركاب الفرس :

الخطبة - 11 -

أَعِرِ اللّه جُمْجْمَتَكَ:

(تَزُولُ الْجِبَالُ وَ لا تَزُلْ! عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ. أَعِرِ اللّه جُمْجُمَتَكَ. يَدْ فِي الْأَرْضِ قَدَمَكَ، أَرْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ. وَ غُضَّ بَصَرَكَ، وَ أَعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللّه سُبْحَانَهُ).

اللُّغَة:

النَّاجِذ : واحد النواجذ، وهي أَقْصَى الأضراس الأَرْبَعَة. والجُمْجُمَة : عظم الرّأس المُشتَمَل عَلَى الدَّماغ، وتِدْ : ثبت قَدَمَك كالوتد.

الإِعْرَاب:

بِبَصَرِكَ البَاءِ زَائِدَة أي أرْمِ بِبَصَرِكَ. والمُصْدَر مِن أَنَّ النَّصْرَ... إلخ.... ساد مسد مَفْعُولي أَعْلَمْ.

الْمَعْنَى:

أعْطَى الْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرَّاية (1)

أَمَّا وَقْعَة الْجَمَل الأَكْبَر فَكَانَتْ في جمادى الثانية من نفس السنة أي سنة (36 هـ) بعد ستة أشهر من خلافة أمير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما ذكر صاحب أعيان الشيعة : 447/1، والكامل لابن الأثير : 205/3، وتأريخ أبْن أَعْثَمْ: 176، ولَسْنَا بصدد بيان ذَلِكَ، وَكَانَ اللواء بيد مُحَمَّد أبن الْحَنَفِيَّة. أنظر، تَارِيخ الطَّبَرِيّ : 465/3، و : 207/5 ط أخرى. وتأريخ الفتوح لابن أَعْثَمْ: 478/1 ومروج الذهب : 13/2.

يَوْم الْجَمَل لَوَلَده مُحَمَّد بن الحَنَفِيَّة (2)، وأوصاه بهذه الْوَصِيَّة، وكَانَ الْإِمَام يَقذف بهِ فِي مُهَالك الحَرْب ثقة بصبره، وَشَجاعته، ويكف عَنْهَا الحَسَن، والحُسَين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) لئلا ينقطع نسل رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). كما أشار إلى ذلِكَ فِي

1) كَانَتْ فتنة الجمل الأصغر في البَصْرَةِ لخمس بقين من ربيع الثاني سنة (36هـ) قبل وصول الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَيْهَا، وَكَانَ عاملها عُثمان بن حُنَيْف الأَنْصَارِي الذي أسره جيش أُمّ الْمُؤْمِنِين، وطَلْحَة، والزُّبَيْرِ، والذي قتل من فِي الْمَسْجِدِ (40) رجلاً من شيعة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقتل أيضاً (70) آخرين في مكان آخر. وكَانَ عُثمَان مِن الصَّحَابَة الأجلاء. وأرادوا قتله لَكِنَّهُمْ خافوا من أن يثأر له أخوه سهل، والأَنْصَار جَمِيعاً فعمدوا عَلَى نتف لحيته، وشاربيه، وحاجبيه، وشعر رأسه، وضربوه ضرباً مبرحاً، وطردوه مِن الْبَصْرَةِ. وقابلهم بعد ذلِكَ حكيم بن جبلة مع جَمَاعَة مِن بني من بنى عبد القَيْس، ومِن رَبِيعَة، ومن ربيعة فاقتتلوا معهم حَتَّى أَسْتَشْهِدُ مِنْهُم جَمَاعَة، ومنهم الأشرف بن حكيم، وأخوه الرعل، وفتحت الْبَصْرَة كما ذكر صاحب أسد الغابة : 38/2، وشَرح نهج البلاغة : 481/2 ط بيروت أنست، وأنساب الأشراف للبلاذري : 228/2 ومروج الذهب للمسعودي: 358/2، كتاب الجمل للشيخ المفيد ط الحيدرية، كتاب أحاديث عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِين للعلامة العسكري: 121/1 - 200 ط الحيدرية في طهران و 172 - 270 ط 5 مطبعة صدر نشر دار التَّوْحِيد، وتاريخ الطَّبَرِي : 178/5.

2) مُحَمَّد بن الحَنَفِيَّة : هُو مُحَمَّد بن علي بن أبي طالب أبن الْحَنَفِيَّة خولة بنت جعفر بن قيس بن مَسْلُمَة عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنفية من جذم بكر بن وائل سبيت ثم أخذها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واختلفوا في كَيْفِيَّة سبيها، روى أبن أبي الحَدِيد في شرح النهج : 81/1 مِن شرحه عَن أَنْسَاب البلاذري أنّ بني أسد أغارت عَلَىٰ بني حَنِيفَة فِي أَيَّامٍ أبي بَكْر فسبوها منهم، وقدموا بها المدينة فباعوها من علي، وبلغ قومها خَبَرها فأتوا عَليَّاً وأخبروه بموضعها منهم، فأعتقها، ومهرها وتزوجها فولدت مُحَمَّداً فكناه أبا القاسم. وقيل : إِنَّ خالداً قاتل أهلها في حزب الرّدة وسباها ودفعها أبو بكر إلى عليّ. (أنظر المعارف لابن قتيبة : 216).

بَعْض ما يَأْتِي مِن كلامه.... وكَانَ مُحَمَّد مُطِيعاً لأخويه الحَسَنِين مُقرّاً بإمامتهما، وما أدعى الإمامة بعدهما، وَلاَ دَعا أحداً لنَفْسِه، وكَانَ مِن رُؤُوس التابعين عِلماً، وَتُقیً ومكانةً.

الخطبة - 12 -

أَ هَوَىٰ أَخِيكَ مَعَنَا:

(فَقَالَ لَهُ : أَهَوَىٰ أَخِيكَ مَعَنَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ. قَالَ : فَقَدْ شَهِدَنَا، وَلَقَدْ شَهِدَنَا فِي عَسْكَرِنَا هَذَا أَقْوَامٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَ أَرْحَامِ النِّسَاءِ، سَيَرْعَفٌ بِهِمُ الزَّمَانُ، وَ يَقْوَى بِهِمُ الْإِيمَانُ).

الْمَعْنَى:

لَيْسَ هَذَا مِن الخُطْبَة في شيء، وَمَع ذَلِكَ أطلقنا عَلَيْهِ، وَعَلَىٰ بَعْضٍ ما تَقَدَّم آسم الخُطْبَة، ونُطلقه أيضاً عَلَى بَعْض ما يَأْتِي، أوّلاً لأنه مُدرج في باب الخطب. وثَانِياً للتيسير عَلَى مَن يَرجع إلى «الكاشف عَن ألفاظ النَّهْجِ» (1)لِيَهْتَدِي إِلَى مَا يَبْتَغِيهِ مِن كلمات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قَالَ الشَّرِيف الرَّضِي : ومِن كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أظفَره اللّه بأَصْحَاب الْجَمَل، وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : وَدِدْتُ أَنَّ أَخِي فُلاناً كَانَ شَاهِدَنَا لِيَرَى مَا نَصَرَكَ اللّه بِهِ عَلَى أَعْدَائِكَ. فأجابه الإمام بهذه الكلمة، ومعناها أنّ كلّ من كَانَ هوَاه مع الحق فقد


1) انظر، المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، طبعة دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان.

رأنا بقلبه، وعقله، وله أجر الأخيار، والأبرار حاضراً كَانَ فِي عَسكرنا هَذَا، أَم غَائِباً عَنْه... وَسَيجُود الزمان بأجيال مِن شِيعتنا يُقوِّي بهم اللْحَقِّ، وَيَعتز الدين يصدقهم، وإخلاصهم، وهم معنا، وفي هذا العسكر، وإن غابوا عَنْه بأبدانهم.

وَإِذَا كَانَ الغَرضِ مِن الْقِتَالَ مَع الإِمَام مرضاة اللّه، والجَنَّة فكلّ مَن مَات عَلَى ولايته فهُو مِن أَهْل الْجَنَّةَ لِحَدِيث: «يَا عَلي أَنْتَ وَشِيعَتك في الجنه» (1)

وأنظر إعلام الورى: 165، وبشارة المُصْطَفَی : 163، والإِرْشَاد : 41/1، وتَفْسِير الطَّبَرِي : 186/6، و: 657/12ط أخرى، وذَخَائِرِ الْعُقْبَى: 88 و 102، وروح المعاني : 207/30 ط مصر، وتاريخ بغداد : 421/7، وبحار الأنوار : 248/39، و : 458/22، الأغاني : 18 / 39 الطبعة الأولى بيروت. والإحقاق : 319/7، والمناقب المرتضوية: 116 و 115، والمسترشد في إمامة أمير المؤمنين: 354 وينابيع المَوَدَّة : 62 و 74 و 270 ط اسلامبول و : 71 و 84 و 361 و 362 ط الحيدرية. و : 196/1 و 223 ط أسوة، و : 357/2 و 452 ط أسوة، وتذكرة الخواص: 18، وفتح القدير للشوكاني : 477/5. والْغَدِير : 57/2، ومجمع الْبَيَان : 5 / 669ط مؤسسة التاريخ العربي بيروت، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار : 172، والمناقب لابن شهر آشوب : 67/3 ط دار الاضواء، جواهر العقدين: 299/2، وفي الصَّوَاعِقِ المحرقة : 161 ب 11 فصل 1 ورد بلفظ.... أنت وشيعتك خير البرية، تأتي يَوْم الْقِيَامَة...

.

1) أنظر، تاريخ الخطيب البغدادي : 12/ 289 6731، مطبعة السعادة بمصر سنة 1349 هـ، حلية الأَوْلِيَاء : 329/4 مطبعة السعادة بمصر سنة 1351 هـ. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، وأنظر تجمع الزوائد : 131/9، المعجم الكبير : 319/1 ح 948، شواهد التنزيل : 459/2 الطبعة الأولى تحقيق المحمودي 1125 - 1148 مع اختلاف في اللفظ، ولكن حديثنا ورد في الشواهد تحت رقم 1126 من أبن عباس بلفظ : قَالَ النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعلي: هو أنتَ وشيعتك - لكن بإضافة : تأتي أنتَ وشيعتك - يَوْم الْقِيَامَة راضين، ومرضيين، ويَأْتِي عَدُوّك غضاباً مقمحين. وأضاف : - قَالَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا رَسُول اللّه ومن عدوّي ؟ قَالَ : من تبرأ منك ولعنك، ثم قَالَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : من قَالَ : رحم اللّه عَليَّاً يرحمه اللّه. وفي بعض الأحَادِيت الأخرى السابقة بلفظ : هم وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض... وبلفظ : هم أنت وشيعتك يا علي ومسيعاد ما بيني وبَيْنَكُمْ الحوض... وفي البعض الآخر :..... رواة مروتين، ويرد عدوك عطاشاً متسحين... وأنظر، سعد السعود: 108 ب 2 الطبعة الأولى، تفسير فرات : 218 و 219 - 951، قرائد السمطين : 1 ب 31 ح 117 / 115 ط بيروت اللآلي المصنوعة : 170/1، تاريخ دمشق : 348/2 و 443 و 443 ح 851 الطبعة الثَّانِيَة ح 959، لِسان الميزان: 175/1، أنساب الأشراف: 103/2 و 113، أحمد بن حنبل : ح 46/72 ط قم قَالَ فِيهِ : علي خير البرية.... كفاية الطالب : ب 244/62 و 246، كنوز الحقائق : 82 و 92 و 131. أمالي الشيخ الطوسي : 257/9 ح 36، غاية المرام: 327 و 328 ح 10 ب 27 وب 28 ح 6، تفسير :البرهان : 491/4 الطبعة الأولى و 486 ط أخرى، المناقب للخوارزمي: 62 و 187 فصل 17 ح11 فصل 9، نور الأبصار : 70 و 101، الصَّوَاعِقِ الْحُرِقَة : 96 و 161 ولكن رغم أنه يروي الحَدِيث بلفظ «قَالَ : ومَن عدوي ؟ قَالَ: من تبرأ منك، ولعنك» فقد سبّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك من خلال حبه - أبن حجر - لمعاوية بن أبي سُفْيَانَ الَّذي سبّ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولعنه في الأقطار الإسلامية وطلب التبري مِنْهُ وإنْ لم يَكُن ذَلِكَ فالضَّرْب، والشتم والهتك، والقتل للمؤمنين، وَهَذَا مشهور ولا يحتاج إلى برهان ودليل بل يكفي للمصنف أن يسأل عن قتل حجر بن عَدِي (رضیَ اللّهُ عنهُ) وأَصْحَابه كمثال عَلَى ذَلِكَ. وأنظر الحديث في خصائص الوحي المبين : 131 فصل 21 الطبعة الأولى، كشف الغُمَّة : 316/1، الدر المنثور : 79/6، و 319، و : 305/7، مجمع الزوائد : 131/9 و 17/7 ولكن بإضافة.... ثم جمع يده إلى عنقه يريهم الإقماح، وأنظر بحار الأنوار : 31/68 و 64 و 65، مصباح الأنوار: 138 وفيه لفظ هم شيعتك، وأنت إمامهم.

الخطبة - 13 -

أَتْبَاعُ الْبَهِيمَة:

(كُنتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ ؛ وَ أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ، رَغَا فَأَجَبْتُمْ، وَغُفِرَ فَهَرَبْتُمْ. أَخْلاقُكُمْ دِقَاقُ،

وَعَهْدُكُمْ شِفَاقٌ، وَدِينُكُمْ نِفَاقٌ، وَ مَاؤُكُمْ زُعَاقٌ، وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنَّ بذَنْبِهِ، وَ الشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكَ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ. كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤجُؤ سَفِينَةٍ قَدْ بَعَثَ اللّه عَلَيْهَا الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا، وَ مِنْ تَحْتِهَا، وَغَرِقَ مَنْ فِي ضِمِنْهَا. وَفِي رِوَايَةٍ : وَ أَيْمُ اللّه لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُؤجُؤ سَفِينَةٍ، أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ.

وَ فِي رِوَايَةٍ : كَجُوجُوْ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ.

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : بِلادُكُمْ أَنْتَنُ بِلادِ اللّه تُرْبَةً : أَقْرَبُهَا مِنَ الْمَاءِ، وَ أَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَ بِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الشَّرِّ الْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ، وَالْخَارِجُ بِعَفْوِ اللّه، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَقَهَا الْمَاءُ، حَتَّى مَا يُرَى مِنْهَا الأُشُرَفُ الْمَسْجِدِ، كَأَنَّهُ جُوجُو طَيْرِ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ!).

اللُّغَة:

الْبَهِيمَة : كُلّ ما لا نُطق له، والمراد هُنا جَمل عَائِشَةَ، وَرَغَا الجَمَل : صَوّت. وَعُقِر: جُرح. ودِقَاقُ الشّيء : صَغِيرَه، حَقِيرَه، ودِقَاق الأخلاق دَنَاءتها. والشّقاق : الخلاف. والزّعَاق : المالح. وشخص فُلان مِن بَلْدٍ إِلَى بَلد : ذَهَب. وَتَدَارَكَ الْقَوْمِ : تَلاحقوا، وتَدَارَكه اللّه برحمته : لَحقه بها. وَالجُؤجُؤ : الصدر.

الْإِعْرَاب:

كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ البَا، زَائِدَةَ، وَمَسْجِدِكُمْ مَفْعُول لِفعل مَحْذُوف أي كَأَنِّي أَرى

مَسْجِدِكُمْ، كَجُؤجُؤ مُتَعَلَّقَ بمَحْذُوف حال مِن مَسْجِدِكُمْ، وَمِثله كَأَنِّي بك أي كَأَنِّي أراك.

الْمَعْنَى:

تجمّع أَهْل الْبَصْرَة لحرب الإِمَام مَع عَائِشَةَ، وَطَلْحَة، والزُّبَيْرِ، وَبَعد أنْ تغلب عَلَيْهِمْ، وَصفهم بضعف العقل، والدِّين، والأخلاق، فَهُم بِلا عقل ؛ لأنّهم أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ، وهُم بِلا دِين؛ لأنهم مُنَافِقُون، وهُم بلا أخلاق ؛ لأنهم نكثوا العهد.. ولَيْسَ هَذَا بغريب عَلَيْهِمْ فَالإِنْسَان ابن الأرض، مِنْهَا وُلد، وعَلَيْهَا يعيش وأرضهم نَتِنَةٌ عَفِنَةٌ، وَمَاؤُهُمْ مِلح أُجَاج.. ثُمَّ أشار الإمام إلى ما سوف يحدث لِلبَصْرَة من الغَرق. وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد : «غَرَقت الْبَصْرَة مَرتين : مَرَّة في أيَّام القادر باللّه، ومرَّة في أيَّام القائم بأمر اللّه، ولم يبق مِنْهَا إِلَّا الْمَسْجِدِ الجَامِع بارزاً بَعْضه كَجُوجُو الطَّيْر كما أخبر أمير المؤمِنِين. وأخبار هذِين الغَرقِين مَعْرُوفة عِند أَهْل الْبَصْرَة يَتناقلها خَلفهم عَن سَلفهم» (1).

تَجَمع أَهْل الْبَصْرَة الحَرْب الإِمَام، ولو أمكنتهم الفُرْصَة مِنْهُ لاخَتَطفُوه بأسلحتهم، وهو يعلم ذلِكَ عِلم اليقين... فماذا كَافاً الإِمَام أَهْل الْبَصْرَة عِندما ظَفَر بهم ؟. ونترك الجَوَاب عَن هَذَا السّؤال لطه حسين. قَالَ ما نَصَّه بالحرف الواحد:

«سار عَلي فِي أَهْلِ الْبَصْرَة سِيرة الرَّجُلِ الْكَرِيم الذي يقدِر فَيَعفو، وَيُملك فيسجح، وكَانَ يَقُول : سرت فِي أَهْل الْبَصْرَة سِيرةَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِي أَهْل مَكَّة.


1) أنظر. شَرح النهج : 253/1.

وبعد أن دخل الْبَصْرَة. عمد إلى بيت المال، فَقَسّم ما وجد فِيهِ عَلَى النَّاس.. قسم المال في الغالبِين والمغلوبِينَ جَمِيعاً... وَغَضِب مَن حَارب معه، وَقَالَ : لَم يُفرِّق بَيْنَ شيعته، وبَيْنَ عَدُوّه... وكَانَ مَع أَهْل الْجَمَل جَمَاعَة بَنِي أُمَيَّة، ولما تَغلب غَضَّ الطّرف عَنهم، وكَانَ يَعلم أنّ عَائِشَةَ ضَمت إِلَيْهَا كَثِيراً مِن الجرحى، فلم يتعرض هُمْ بِسُوء، وكَانَ يَعلم مكانهم» (1).

ولَيْسَ هَذَا بِكَثِير عَلَى أَهْل المباديء، والدين، والأَئِمة المعصومين. ومن أَقْوَاله : «إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ» (2).


1) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكَبْرَى - 2 - على وبَنُوه : 53 - 55، طَبْعَة سَنَة 1964 م.

2) أنظر، خطب نهج البلاغة : 4/4 الحكمة (11).

الخطبة - 14 -

خَفَّتْ عُقُولُكُمْ:

(أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاءِ، بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ، فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلٍ، وَأُكْلَةٌ لِآكِلٍ، وَفَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ).

اللُّغَة:

خَفْيف الرُّوح : لطيف، وخَفِيف الظهر : قليل العيال، وخفيف القلب : ذكي، وخَفِيفَ الْعَقْل : أحمق. وحُلُوم : جمع حِلم - بكسر الحاء - وهو الأناة، ومُرَاد الإمام أنهم يُخطئُون الواقع لطيشهم، وَسُرعتهم. والغَرَض : الهدف. والنَّابِل : من يرمي بالنَّبِل. والأكلة : المأكول. والمراد بالفريسة القتيل، أو السَّليب، والصَّائِل : الوَاثب.

الْإِعْرَابِ:

إِذَا قُلت : سَفه زيد - بكسر الفاء - فمعناه صَار زيد سَفِيها، وَإِذَا قُلت : سَفِه زَيد رأيه فرأيه مَفْعُول، والأصل سَفِه رَأى زيد، فلمَّا أُسند الفِعْل إِلَى زَيد تحول الفَاعِل

إِلَى مَفْعُول، وَلَم يَتَحول إلى التمييز، لأنّ التمييز لا يَكُون مَعْرِفَة هكذا قَالُوا.

الْمَعْنَى:

الخطَاب لأهْل الْبَصْرَة، وهُم أَوَّل من أعْلَن الحَرْب عَلَى الإِمَام بَعد بَيْعَته بِالْخِلافَةِ... وأرْضهم قريبة من الماء لأَنَّهَا عَلَى الشاطيء، وبَعِيدة مِن السَّماء أي من رحمة اللّه تَعَالَى، ونقل ابن أبي الحَدِيد عَن عُلَماء الهيئة أنهم - ما رأوا أنذاك - عَلَى ما أنّ أَبعد موضع في المَعْمُورة عَن دَائرة مُعدل النَّهَار هو الأبلة، والأُبلة هي قصبة لْبَصْرَة. ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا الموضع مِن خصائص أمير الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه أُخبر عَن أمرٍ لا تَعْرِفه الْعَرَب، ولا تَهْتَدِي إِلَيْهِ، وهُو مُختص بالمدقين من الحكماء. وَهَذَا مِن أسراره، وغرائبه البَدِيعة (1).


1) أنظر، شرح النهج : 268/1.

الخطبة - 15 -

مِنْ أَينَّ لَكَ هَذَا؟

(وَ اللّه لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَ مُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ، فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً. وَ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ !).

الْمَعْنَى:

(وَ اللّه لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَ مُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ). ضَمِيرِ الغَائِب فِي وَجَدْتُهُ وما بعده يعود إلى المال الذي وهبه بغير حساب، لا لشيء إلا لأنّه كَانَ لا يرى بأساً، وَلا جُناحاً في أنْ يَأخذ الضّرائب من المستهلكين، والكادحين وَيُعطيها للأَغْنِيَاء، والمُتْرَفِين، فلَيْسَ مِن الْعَدْل في نظره أنْ يُساوي بَيْنَ النَّاس، وأنْ لا يُؤثر قَرِيباً عَلَى بَعيد، وقوِياً عَلَى ضَعِيف، ولا مِن الحَقِّ فِي مَفهومه أنْ يحفظ عَلَى الْمُسْلِمِين حقوقهم، وأَمْوَالهم، ولا ينفقها إلا في مواضعها.

وكَانَ الْإِمَام أمير المؤْمِنِين عَلَى العَكس تماماً من عُثمَان، كَانَ يَرَى أَنَّ الثّروة يجب أن توزع عَلَى الجَمِيعِ بِالمُسَاوَاة : وَلا يجوز أَبَداً فِي عَقِيدته أنْ تَتركز فِي أَيْدِي القلة

كيلا يبغي، وَيَعلو بَعضَهُم عَلَى بَعْض، ومِن أَقْوَاله : «لَوْ كَانَ أَلْمالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللّه! أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْدِيرٌ، وَإِسْرَافٌ» (1).

وكَانَ لا يَأخذ لنَفْسِه من بَيْت المال إلا ما يُقيم الأود، وإِنْ أستطاع أنْ يَنقص عَن مقدار الحَاجَة، والضّرورة فعل، ومِن أَقْوَاله : «وَلا أَخَذْتُ مِنْهُ الأَكَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ وَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْ هَى وَأَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ»(2).. وَكَانَ أكرَه شَيء عَلَيْهِ الإِدْخار، وَيَقول فِي ذَلِكَ : «فَواللّه مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلا اَدَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمهَا وَفْراً، وَلا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً، وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبراً (3).

وَأجمع الرّوَاة، وأَهْل السِّير عَلَى أَنَّ عَلِيَّاً كَانَ يَدخل بَيْت المال، ويُقسم عَلَى النَّاس ما وجد فِيهِ حَتَّى الإبرة، والخيط، وكسرة الخبز، ثُمَّ يَأمر فَيَكنس، وَيَنضح الماء، ثُمَّ يُصلي فِيهِ رُكعتين، وَيَقول : هَكَذَا يَجب أنْ يَكُون بَيْت المال (4).

وإِذَنْ فَلا عُذر، وَلاَ مَندُوحة لِعَليٍّ، وقَد أَصْبَحَ خَلِيفَة الْمُسْلِمِين - أنْ يَسكُت وَيَتجاهل ما أنْتَهبه المستغلون من بيت المال، وأنْ لا يَأخذهم بمبدأ «مِنْ أَينَّ لكَ هَذَا» ؟ حَتَّى لَوْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ...،.

ومِن أجل هَذَا ثَار عَلَيْهِ النَّاهِبُون، والمغتصبون. قَالَ التَّارِيخ : أَن عَمْرُو بن


1) أنظر، خُطب نهج البلاغة : الْخُطْبَة.(126).

2) أنظر، نهج البلاغة : من كتاب له إِلى عُثمَان بن حُنَيْف. رقم الْكِتَاب (45).

3) أنظر، نهج الْبَلاغة : من كتاب له إلى عُثمان بن حُنَيْف، رقم الْكِتَاب (45).

4) أنظر. كنز العمال: 183/13 ح 6546، شرح نهج البلاغة للمعتزلي: 199/2، تأريخ مدينة دمشق 478/42، تاريخ الإسلام الخلفاء الراشدون : 643، الاسيعاب : 49/3، تأريخ الخلفاء للسيوطي: 213، سُبل الهدى والرشاد: 288/11، ينابيع المودة : 450/1 و : 411/2، الغارات: 46/1، حلية الأولياء : 81/1 .

العَاصِ كَتب إِلَى مُعَاوِيَة يَقول : «مَا كُنت صانعاً فأصنع، إِذْ قَشَّرَك أبن أبي طالب من كلّ ما تملك كما تُقشَّر عَن العَصَا لحاها» (1)أي قَشْرَها... وأيضاً قَالَ التَّاريخ أن الإِمَام أمر بأنْ تُجمع كلِّ الْأَمْوَالِ الَّتي أعطاها عُثمَان حِيثما كَانَتْ، وأَنْ تُؤخذ إبل الصَّدَقَة الَّتى كَانَتْ فِي دَارٍ عُثمَان حِينَ قُتل (2).

وَتَسْأَل : أَليست هذه قَسوَة من الْإِمَام يَأخذ إِبل الصَّدَقَة مِن دَار الخليفة، المقتول، وَيَحرم مِنْهَا أهله، وأَوْلاَده ؟

الجَوَاب:

إِنَّ الفَاسِي هُو الَّذي يَعتدِي عَلَى حقوق النَّاسِ، أَمَّا مَن أنتصر للْحَقِّ، ورده من الغاصب إلَى أرْبَابه فهو عادل، ورَحِيم، ما فِي ذَلِكَ رَيب.... هَذَا، إلى أن أبا بَكْر انْتَزع فَدَكاً من فَاطِمَة، وهِي بِضْعَة مِن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وكَانَتْ تَتصرف بفَدَكَ فِي حَيَاة أبيها وَعَلَى مُرأَى مِنْهُ، ومع هذا أخذ أبو بَكْر فَدَكاً، وَقَالَ : هِي لِلْمُسْلِمِين (3)

وقد علق الإمام يحيى بن الحسن الهادي في كتابه «تَثْبِيتُ الإِمَامَة»، تحقيق العلامة السيد محمد رضا الحسيني الجلالي في

ص: 29 مانصه: «ولو سألنا جميع من نقل من أَصْحَاب مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : هل روى أحدُ منكم عَن أحدٍ من أَصْحَاب مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه سمع من رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مثل ما قَالَ أَبو بَكْر ؟؟

لقَالُوا: اللهم لا.

ثُمَّ جاءت - ذَلِكَ من بعد ذلك - أسانيد كثيرة قد جمعها الجهال لحبّ التكثُر بِمَا لا ينفع : عَنْ عَائِشَةَ، وعَن أبن عُمَرَ، فنظرنا عند ذَلِكَ إلى أصل هذه الأَحَادِيث التي أسندوها إِلى عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فَإِذَا عَائِشَةَ تقول: سمعت أبا بكر، وابن عُمَرَ يقول : سمعت أبا بكر يقول : سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : إِنَّا مَعَاشِرِ الأَنْبِيَاء لا نورث ما تركناه فَهُوَ صدقة.

وَإِذَا هَذه الأسانيد المختلفة ترجع إلى أصل واحدٍ، ولم يوجد أحد من أَصْحَاب مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يشهد بمثل شهادة أبي بَكْر في الميراث !

فدفع أبو بكر فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ) عَن ميرانها بهذا الخبر الذى أسند إلى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وَهَذَا الخبر ينقصُ كتاب اللّه، وحكمه في عِبَادِه !

فويل لمن يُهِمُ أنّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ينقض ما جاء به محكماً عَن اللّه عزّ وجل.

وقد كَانَ فِي كَلَامِ فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ) لأبي بَكْر بيان لمن خاف اللّه سُبْحَانَهُ وتَعَالَى : أفي كتاب اللّه أَنْ تَرثَ أباك وَلا أرثَ أبي، لقد جئتَ شَيْئاً فرياً !!؟؟ ثم انصرفت عنه.

و من أعجب العجائب: أن جميع هذه الأمَّة أجمعت : أنّ من أدعى لنَفْسِه، أو دعوى له فيها حق أنه «خصم»، شهادته لا تُقبل، حَتَّى يشهد له عَلَى ذَلِكَ شاهدان عدلان لا دعوى لهما ما شهدا فيه.

وأجمعوا أيضاً : أنّ الإمام لا يحكمُ لنَفْسِه بحقه دُونَ أنْ يشهد له به غيره.

ثم النَّاس عَلَى ذَلِكَ إِلى يومنا هَذَا، لا تُقبل شهادة الرَّجُل لنَفْسِه، وَلا يُحكم لأحدٍ عَلَى أَحدٍ في دعوى يدعيها عَلَيْهِ إلا بشاهدين عدلين غير فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فإنه حكم عَلَيْها خلاف ما حكم به عَلَى جَميع الخلق، وأنتزع من يدها ما كَانَتْ تملكه، وتحوزه - من ميراث أبيها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ومالها من فَدَك المَعْرُوف بها، ولها بلا شهود إلا ما أدعى أبو بَكْر لنَفْسِه، وللمسلمين من الصَّدَقَة عَلَيْهِمْ بِأَمْوَالَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فكان أبو بكر المدعى لنفسه، ولأصحابه أَمْوَال رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فيا للعجب من قبضه ما لَيْسَ بيده ولا شهود له، وَلا بَيِّنَة ! ؟ وطلبه الشهود، والبَيِّنَة من فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ) عَلى ما هو بيدها، ولها !

وقد أجمعت الأُمَّة عَلَى أنّ مَنْ كَانَ في يده شيءٌ، فَهُوَ أحق به حَتَّى يُستحق بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلة، فقلب أبو بكرا الحجّة عَلَيْهَا في ما كَانَ في يدها! وإنما تجبُ عَلَيْهِ هُو ولى أَصْحَابه في ما أدْعاء له، ولهم، فحكم عَلَى فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بما لم يُحكم به عَلَى أَحدٍ من المُسْلِمِين، وطلب مِنْهَا البَيَّنَة عَلى ما في يدها، ومُنعت ميراث أبيها. وَشَهِدَ عَلَى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه لم يورّثها ! واللّه تَعَالَى قَد وَرَّثَ الوَلد من والده، نبياً كان أو غيره.

.. فَهَل أَوْلاد عُثمَان أفضل، وأعظم عند اللّه من فَاطِمَة التي كنّاها

1) أنظر، تأريخ المسعودي : 356/2، مروج الذهب : 443/1، شرح نهج البلاغة للمعتزلي: 270/1.

2) أنظر، دَعَائِمِ الإِسْلام : 396/1، إثبات الْوَصِيَّة: 120، مناقب آل أبي طالب : 377/1. شَرح الْأَخْبَار، 373/1، شرح نهج البلاغة للمعتزلي : 296/1.

3) أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 7/12، صَحِيح مُسلم كتاب الجهاد رقم «51 و 53 و 54 و 56»، مسند أحمد: 4/1 و 6، عَن عَائِشَةَ إشارة إلى المحاورة التي دارت بَيْنَ فَاطِمة الزهراء البتول (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وبَيْنَ أَبي بَكْر خَيْت قَالَ إني سمعتُ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: «إِنَّا مَعَاشِير الأنبياء لا نُورت ما تركناه فَهُوَ صدقةٌ» !!

المُسْلِمُون «بأُمَّ أَبِيها» لِأَنَّهَا أَشبَه النَّاسِ بِهِ سَمتاً، وخُلقاً، وهَديَاً، وَمَنطقاً (1).

(فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً). لأنّه يَضع الأمور في مواضعها، ويُعطي لكلّ ذِي حقٌّ حقّه، ولَيْسَ فِي دَولته ظَالم، وَلاَ مَظْلُوم (وَ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ!) بالبداهة، لأنّ من لا يُطيق العدل والإنصاف، وَيَنفر مِنْهُ كَيْفَ يُطِيق العسف، والجُوْر.


1) أنظر، المعجم الكبير : 397/22 ح 985، المقتني في سرد الكنى : 167/2 ح 6946، سير أعلام النبلاء : 119/2، طبقات المحدثين : 30/1 ح 172، الكاشف : 514/22 - 7049 تَهذيب الكمال : 35 / 347 ح 7899، التعديل والجرح: 1295/3 ح 1728، الإصابة : 83/8 ح 11583.

الخطبة - 16 -

حَجَزَتْهُ التَّقْوَى... فِقْرَة 1 - 2:

(ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ، وَأَنَا بِهِ زَعِيمُ إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمَثْلَاتِ، حَجَرَتْهُ التَّقْوَى عَنْ تَقَحُم الشُّبُهَاتِ (1). أَلَا وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْتَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللّه نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَكُنَّ بَلْبَلَةً، وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَ لَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ، وَأَعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَ لَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيْقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا. واللّه مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً، وَلا كَذَبْتُ كِذَّبَةً، وَ لَقَدْ نُبثْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ، وَهَذَا الْيَوْمِ (2)).

اللُّغة:

الذّمَّة : العهد، والأمان، ورَهِينَةٌ : مَأخُوذ بهِ، وزَعِيمُ كَفيل. وصَرَّحَتْ : كُشفت. والْعِبَرُ جَمع عِبرة - بكسر العين - العِظة يتعظ بها. والمثلات : العقوبات البَلْبَلَة : الإختلاط، والهيجان. وغَرْبَلَ الشَّيء : قطعه، أو ميّز الصالح من غير الصالح. وساط الشّيء : خَلَطه. وَالوَشْمَة : الكَلِمَة، والمرّة.

الْإِعْرَاب :

جُملة حَجَزَتْهُ خَبَر إِنَّ. وَيَعُود بِمَعْنَى بَصِير، وأَعْلاكُمْ مَفْعُول.

الْمَعْنَى:

(ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ، وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ). أي كُلّ ما أقوله، وأحدثكُم به أنا مَسْئُول عَنْه، ومَأخوذ بهِ، وَكَفيل بأنه واقع لا مَحَالَةَ، وهو :

1 - (إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمثلَاتِ، حَجَزَتْهُ التَّقْوَىٰ عَنْ تَقَحُمِ الشُّبُهَاتِ). مَن يَتعظ بِمَا رَأَى، وَسَمع عَن الدَّهْر، وضرباته، وَدُولاب الْحَوَادِث، ودوراته - يحجم، ويقف عند مظَّنة الخطيئَة، والعُقُوبَة فَضلاً عما هو صريح في المنع، والتَّحْرِيم، ومِن أَقْوَاله : «وَلاَ وَرَعَ كَالوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، وَلاَ زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الحَرَامِ» (1). وفي الحديث : «إنما الأمور ثلاثة : أمر بين رُشده فيُتبع، وأمر بَيْن غَيُّه فَيُجتَّنب، وأمرٌ مُشكل فَيُرَدٌ حُكمهُ إِلَى اللّه» (2)، وفِي حَدِيث ثَانٍ : «مَن تَركَ الشبهات نَجَا مِن المحَرَّمات، ومَن وَقَعَ فِي الْمحَرَّمات هَلَكَ مِن حيث لا يعلم» (3)، وفي ثَالِث : «الوقوف عِنْدَ الشُّبْهة خَيْرٌ من الإقتحام في الهلكة» (4).


1) أنظر، خطب نهج البلاغة : 27/4، الحكمة (113).

2) أنظر، الكافي : 68/6، كنز العمال : 855/15 ح 43403، الخصال: 153 ح 188 تاريخ 188 تاريخ دمشق: 181/20، تحف الْعُقُول : 210، المعجم الكبير: 318/10 ح 10775 مجمع الزوائد: 157/1، فيض القدير : 103/2، نصب الراية : 62/3 42، زوائد الهَيْثمي : 967/2 ح 1070.

3) أنظر الكافي : 1 / 68 ح 10، مُسند أحمد: 267/4، وسائل الشّيعة : 114/18 ح 9، حلية الأولياء : 126/10، تحرير الأحكام للحلي : 2/ 181، تذكرة الحفاظ : 884/3 : 852.

4) أنظر الكافي : 1 / 50 ح 9. تحف العُقُول : 214، الأحكام ليحيى الهادي: 222/2، کتاب الزهد الحسين بن سعيد الكوفي : 19 ح 41، عيون الحكم والمواعظ : 68، المحاسن: 215/1.

ونَحْنُ نَعرف أفراداً يُضفُون من تلقائِهم ثوب الشَّبْهة عَلَى الحَرَامِ الصّرِيح لِيُبرروا اقتحامهم، وجُرأتهم عَلَى الْحَرَام.

2 - (أَلا وَ إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللّه نَبِيَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)). يُرِيد أَن المُسْلِمِين آنذاك تماماً كما كانُوا فِي الجَاهِلِيَّة الجهلاء : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ) (1)عَلَىٰ ما فِيهِمْ مِن سَائر الْعُيُوب... وتَكَلَّم كَثِيرُون عَن السبب الموجب لتّأخُر المُسْلِمِين ووضع بعضهم المؤلفات فِي ذَلِكَ، وَفَسروه بالفُرْقَة، والشّتَات، والمخالفة عَن أَمر الإسلام، وَعَدم الإلتزام بأَحْكَامه، وتَعَالَى مه، وكَلَام الْإِمَام لا يُومىء إِلَى ذَلِكَ، لأنه ربط، وَلاَزَم بَيْنَ عَدم التَّقْوَى، وَالبَلِية، وآيَات الْقُرْآن أكدت هَذَا المَعْنَى مِنْهَا : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللّه قُلُوبَهُمْ واللّه لا يَهْدِى الْقَوْمَ الفَاسِقِينَ (2). (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَاتاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (3).)ونُوجز بَيَان التلازم، والترابط بأن المُسْلِم الحق هو الَّذي يُؤْمِن، ويَعْتَقِد أوّلاً: وقبل كلّ شَيء بأنّ وَرَاء هَذَا الكَوْن ذاتاً، وقُوَّة يجب أنْ يُقدسها، وَيُحبها، وأيضاً يُؤْمِن ويَعْتَقِد بأنّ تلك الذات والْقُوَّة هِي مَصْدَر الفِعْل، والتدبير فِي هَذَا الْوُجُود. وَمَصْدَر التحليل، والتَّحْرِيم، وإِنَّهَا تُهاب، وتُرجى، وتُثيب، وتُعاقب.ثَانِياً : أنْ يُترجم المُسْلِم الحق تَقدِيسه، وحُبِّه اللّه، وإيمانه تَعَالَى هُو وحده الخَالِقِ المدير، والحاكم المشرع، والمراقب المعاقب، وأنْ يُترجم ذلِكَ كُله بالأفعال لا بالأقوال فقط، لأن الحب، والإيمان يُقاسان بالآثار، والأَعْمال، أَمَّا مُجرد النظرية


1) الصف : 5.

2) الحشر : 14.

3) سُورَةُ مُحَمَّد : 7.

المنطقية، والخاطرة النّفيسة فيشبهان حَدِيث النفس، والخيال.هَذَا هُو المُسْلِم الْحَقِّ، والإسلام الصحيح.... وإذا نظرنا إلَى مُسلمى هَذَا العصر، وأردنا أنْ نُقيّم تدينهم عَلَى هَذَا الأَسَاس - وجدناهم يُترجمون نَقدِيس اللّه سُبْحَانَهُ بالمظاهر، والشعائر كالصَوْم، والصَّلاة، وبناء المساجد، والحُسَيْنِيّات، أَمَّا المجتمع الإِسْلامي عَلَى وَجه العموم، فالإسلام عنده نظرية منطقية تنحصر في الأَذْهَان، والإستدلال، وَعَصبية عاطفية لا تتجاوز النّفوس، والأقوال.إِنَّ الَّذين في مجتمعنا الْيَوْم مُجرد «أيتيكيت»... و «بروتوكول» تَمَاماً كَالتَّهنئة في الأفراح، والتّعزية في الأتراح، وَلاَ نَرى لهُ أثراً إلا في العبرات، وضَرب القَامَات وفي سِير الموكب، وإقامة الحفلات، وفي الأذان، والصلوات، وفِيما عَدا ذلِكَ لا أثر للدِّين إلّا عِند بَعْض الأفراد، وهُم أنْدَر من النادر... وهكذا كلّما كثرت المظاهر الدينية، وأرتفع طَنِينها ضعف تأثير الدِّين من الوجهة الْعَمَلية حَتَّى قَالَ قَائِل عَلَى صفحات الجرائد : «إِنَّ اللّه لا يُوجد بَيْنَ الْقَوْمِ الّذين يُؤْمِنُونَ بهِ» أَي إِنَّ الذين يكثرون من التظاهر بالإيمان هُم أبْعَد النَّاسِ عَنْه، تماما كالكسول البطال يُكثر من التّراثرات، والتفاهات... إِنَّ الإيمان الحق يظهر أثره في جميع أفعال المُؤْمِن، وحركاته، ووجوه نَشاطه، وأخلاقه، لا في مُجرد الشعائر، والمظاهر.(وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ، وَأَعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ. هَذِهِ الجُمَل تَوْئم من حَيْتَ الْمَعْنَى وتر مى إِلَى هَدف واحد، وهُو أضطراب حال المُسْلِمِين بَعد الإِمَام، واختلاط حابلهم بنابلهم، وتأخرهم عن الأمم... وقد مرّ عَلَى المُسْلِمِين أدوار مُتقلبة، ومتنوعة سوءاً، وضعفاً، وأسوأها عَلَى الإطلاق ما هم عَلَيْهِ الآن... أنهم أذل)

الأُمم، وأضْعَف الخلايق، والسِّر الأساسي - فيما نعتقد - هُو أنّ الحُكْم، ومركز الْقُوَّة، والْقِيَادَة فِي أَيدٍ أَثِيمة خائنة، وإلَى هَذا أشار الإِمَام بِقَوْله : «يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ، وَأَعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ»، وعَنْه تتفرع بقية المساوىء سيطرة الأعداء. والْأَجانب، وظهور الدَّجَالِين (1، والأَدْعِيَاء، والتَّفرقة، والشّتَات، وما إِلَيْهِ من التأخر، والإنحطاط. لقد كَانَ فيما مضى أُمّم قوية، ومُتحضرة، ثُمَّ مَزقهم التناحر، وأَفْسَدتهم الآفات، فأنمحوا مِن الوُجُود، وصاروا أثراً بعد عين، فهل يُحيق بنا ما حاق بهِمْ، أو يتداركنا اللّه برحمته ؟.)(وَ لَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا.)قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «وَلَقَد سَبقَ مُعَاوِيَة إِلَى مقام الْخِلافَة، وَقَد كَانَ فِي قصُوره عَنْه، بحيث لا يظن وصوله إلَيْهِ، وقصر آل بَيْت النُّبُوَّة عَن بلوغه، وقَد


1) انظر. عقد الدرر : 64، كنز العمال: 198/14 ح 38373، سُنن أبي داود : 121/4 ح 4252، وفيه : «ثلاثون دجالون كلّهم يزعم أنه رسُول الله» الْإِرْشَاد : 371/2، كتاب الْغَيْبَة للشيخ الطوسي : 434 ح 424. إعلام الورى : 426، البحار : 209/52 ح 46 مُسند أحمد : 429/2 ح 9543 وفيه «... وكذابون ثلاثون أو أكثر» وفي رواية: «... ثلاثون دجالاً كذاباً»، صَحِيح البخاري: 243/4، صحيح مسلم : 4 / 2239 ح 157، ابن عساكر، على ما في تاريخ دمشق : 445/3. المعجم الصغير ح للطبراني : 183/2 ح 993 و 1808، صححه وراجع أصوله عبد الرحمان، طبع المَدِينَة المُنوَّرة، صَحِيح أبن حبّان 110/15، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : 496/4، المسند المستخرج عَلَى صَحِيح الإمام مُسْلِم : 43/1 ح 20 و 71، مُسند أبي عوانة : 373/4 ح 6998، سُنن الترمذي: 4994 ح 2219 مجمع الزوائد : 332/7، عون المعبود : 218/11، السنن الواردة في الفِتَن : 861/4 ح 441 ح 444. تُخفّة الأخوي: 368/6 شرح النووي : 45/18، فتح الباري : 87/13، فيض القدير : 419/6. تذكرة الحفاظ : 703/22، سير أعلام النبلاء : 218/14، تاریخ بغداد : 33/3.

كانُوا أسبَق النَّاسِ إِلَيْهِ» (1، وَهَذَا صَحِيح فِي نَفْسِه، ولَكِنَّهُ بَعِيد عَن الكلام، فإن المتبادر من كَلِمَة السباق هنا السبق إِلَى الفَضَائِل، لا إلَى السُّلْطَان حَتَّى ولو كَانَ جَوْراً.)قَالَ سُبْحَانَهُ : «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (2. وَقَالَ الْإِمَام على (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَغَداً السباق. ويُقَال : لَيْسَت لَهُ سَابقة، أي مَنْقَبة، وَفَضِيلة، أَمَّا لفظ القاصر، والمقصر فَهُوَ أظهر في الدَّمِ مِن لفظ السابق في المدح. ومراد الإمام كما يُرجح في الظَّن - أنّ بَعْضَ الصَّحَابَة كَانَتْ هُمْ سَابِقة مَع رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ثُمَّ خَتمُوا حياتهم بأسوأ الأعمال كالزُّبَيْرُ الذي حبط عَمَلُه فِي الْبَصْرَةِ إلا أن يُقبل اللّه توبته (3)... وبعضهم لم تكن لهُمْ سابقة يُعرفُون بها ثُمَّ سَبقوا إِلَى الفَضَائِل، والخَيْرَات، وما أَكْثَرَ هَؤُلَاء فِي الْمُهَاجِرِين، والأَنْصَارِ، والتابعين لهم بإحسان.)(واللّه مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً، وَلا كَذَبْتُ كِذْبَةً، وَ لَقَدْ نُبِّئتُ بِهَذَا الْمَقَامِ، وَهَذَا الْيَوْمِ. إِنَّ الْقُرْآن الناطق الذي يدور الحَقِّ مَعَه كَيْفَما دَارِ يَسْتَحِيل فِي حَقَّهُ الْكَذِب، والخيانة... بل هو حجّة ودَلِيل عَلَى الْحَقِّ، والصِّدْقِ. وَقَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه فِي شرح هَذَا الكلام ببلاغة وإيجاز : «كَانَ رَضي اللّه عَنْه لا يكتم شَيْئاً يَحوك بنَفْسِهِ. كَانَ أَمَّاراً بالمَعْرُوف نهاءً عَن المُنْكَر، لا يُحابي، وَلاَ يُداري، وَلاَ يَكذب، وَلاَ يداجي. وَهَذَا القِسم تُوطئة لقَوْله : نُبُئتُ بِهَذَا الْمَقَامِ، أي أنه قد أخبر به من قبل)


1) أنظر، نهج البلاغة : 47/1.

2) الواقعة : 10 - 11.

3) أنظر، عوالي اللئالي : 240/2، بخار الأَنْوَار : 336/32.

عَلَى لِسَان النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بأنه سيقوم هذه المقام، ويَأْتِي عَلَيْهِ يَوْمٍ مِثل هَذَا الْيَوْم» (1).)وَقَالَ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : «يَا عَليّ ! سَتَلقَی بعدي جهداً. قَالَ عَلَيَّ : أَفِي سَلامَة مِن دِينِي يَا رَسُول اللّه ؟. قَالَ : في سلامة من دينك» (2). فالأهم عِند على أَنْ يَسلم لهُ دِينه قبل كلّ شَيء لا نَفْسه وأهله، أَمَّا حَدِيث تُقاتل النَّاكِثِينَ، وَالْقَاسِطِينَ، وَالْمَارِقِينَ فَقَد تجاوز حد التواتر (3).)### خَابَ مَن أَفْتَرى فِقْرَة 3 - 5:(أَلَا وَإِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا، فَتَقَجَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ. أَلَا وَ إِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُل، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأُعْطُوا أَزِمَّتَهَا. فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ. حَقٌّ وَ بَاطِلٌ، وَلِكُلّ أَهْلُ، فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ، وَ لَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ فَلَرُبَّمَا وَلَعَلَّ، وَلَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٍ فَأَقْبَلَ : شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ، وَالنَّارُ أَمَامَهُ سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا، وَطَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا وَمُقَصِّرُ فِي النَّارِ هَوَى الْيَمِينُ والشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَ الطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ، عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ، وَ آثَارُ النُّبُوَّةِ، وَ مِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ، وَإِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ (4. هَلَكَ مَن ادَّعَى، وَ خَابَ مَن أَفْتَرَى. مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ للْحَقِّ هَلَكَ. وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ. لَا يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَىٰ سِنْخُ)


1) أنظر، نهج الْبَلاغة : 48/1.

2) أنظر، مُسْتَدرَكَ الصَّحِيحين: 3/ 140، طَبْعَة مجلس دائرة المعارف يحيد آباد سنة 1324 هـ. (منه (قدّس سِرُّه)). و: 3 151 ح 4677، طَبْعَة أخرى : المُصَنَّف لابن أبي شيبة الكوفي : 372/6 ح 32117، نظم درر السمطين : 118، مُنْتَخَب كنز الْعُمَّال جَهَامِش مُسند أحمد: 34/5، فرائد السمطين : 387/12 ح 318 كنز العمال : 617/11 ح 22996، سُبل الهدى والرشاد: 150/10.

3) تقدّم إستخراجه.

أَصْلٍ، وَلَا يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ، فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَ التَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ، وَلا يَحْمَدْ حَامِدُ الأرَبَّهُ، وَلا يَلُمْ لأتم إلا نَفْسَهُ (5.)اللُّغَة:الخَطَايَا : جَمع خَطِيئَة، وهي الذنب. والشُّمِّسُ - بِضَم الشِّين، والميم - جمع شُمُوس، الفَرس الجموح يَأبى، ويمتنع أنْ يُمكن أحداً من ظهره، وإسراجه، وإلجامه، ومَطَايَا: جَمع مَطَّيَة، وَهِي الدّابة يَسْتَوِيَ فِيْهَا المذكر والمؤنث. وذلل جمع ذلول، وذل البعير : سهل ركوبه، وانقياده. وأَمِرَ - بكسر الميم - كثر. والمَضَلَّة بفتح الميم - ضِدّ الهُدَى. وصَفْحَتَه : وَجْهه، والمراد هنا مَن جَاهر بعداء الحَقِّ. وسِنْخُ الأَصْل : مَوْضِعه، وَمَنْبَته.الْإِعْرَابِ:شُموس صفة للخيل، وذلل صِفَة الخَطَايَا، وحَقٌّ خَبَر لَمُبْتَدَأَ مَحْذُوف، وَمِثله بَاطِلٌ أي التَّقْوَى حَقَّ، والخَطَايَا بَاطِل، وقَدِيماً مَنْصُوب بِنَزع الخافض، والأصل فَعَل فِي الزمن القَدِيم، ثُمَّ حُذف حرف الجر، والموصوف، وأقيمت الصفة مقامه. ورُبَّ ِللتَّقليل، وتُجر النكرة الموصوفة، وَمَجرُورها لا يتعلق بشيء، وَإِذَا لَحقتها «مَا» كَفتها عَن الْعَمَل، وَلَعَلَّ مِن أخوات أن تنصب الإسم، وترفع الخَبَر، وَإِذَا لحقتها «مَا» کفتها عَن الْعَمَل، ومِن أجل هَذَا كَفت هنا رُبَّ، وَلَعَلَّ، َومَعْنَى لَعَلَّ التوقع، والترجي. وَلَئِنْ اللام للقسم، وإن شرطية، وقَلَّ فعلها، وجوابها مَحْذُوف، والتقدِير فَلَرُبَّما يَعُود.

الْمَعْنَى:(أَلَا وَ إِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا، فَتَقَجَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ. أي أنّ الذُّنب كَالفَرس الجموح، والنَّفس كالرَّاكب، والدِّين كاللجام، وَمَن رَكِب فرساً جموحاً بلا لجام يردعها أوردته مناهل الهلكة، وهكذا فاعِل الخطايا، ومُرتكب الذنوب بلا رادع مِن دِين اللّه - مآله إِلَى النَّارِ لَا تَحَالةَ، ومن أَقْوَاله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا أَسْتَهَانُ بِهِ صَاحِبُهُ» (1).)(أَلَا وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُل، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأُعْطُوا أَزمَّتَهَا، فَأَوْرَدَتْهُم الْجَنَّةَ، أَمَّا مَن يَنقِ اللّه، وَيَسلس قيادة إِلَى أَحْكامه، وحلاله - فنهايته إِلَى الجَنَّة تماماً كرَاكب المطيّة الذُّلُول تسير طوع إرادته في طريق السداد، والأمان.)(حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِكُلّ أَهْل النَّاسِ مِنْهُم الحق، ومِنْهُم المُبطل، ما فِي ذَلِكَ رَيب، ولكن بأي شيء نميز بَيْنَها، وكلّ من الاثنين يدعي الحَقِّ، وَيَنْتحله ؟ وهل للْحَقِّ قياس ؟ والجَوَاب عِند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واضح، فكلّ من أطاع اللّه هُو مُحقِّ، والمُبطل من عصى اللّه : ومِن أَقْوَاله : «الحَلالَ مَا أَحَلَّ اللّه، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللّه» (2). وَقَد بَين سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَان نَبيه الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) محابَّة من الأعمال، ومكارهه، ونواهيه وأوامره، فألقی إلَيْكُم الْمَعْذِرَة، واتخذ عَلَيْكُمْ الحجة عَلَى الجميع، ولم يدع لأحدٍ من عُذرٍ يَتعلل به (3). ومَا رَسمه عُلَماء الأخلاق، وغيرهم من المفكرين للفَضِيلة


1) أنظر، خطب نهج البلاغة : 81/4، الحكمة (348).

2) أنظار. خطب نهج البلاغة : 94/2، جزء من خطبة له (176).

3) يقصد الحديث النبوي الوارد عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «إِنَّ الجنَّة حفت بالمكاره، وإِنَّ النَّار جفت بالشَّهَوَات».)أنظر، خطب نهج البلاغة : 1/ 150 و 90/2، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد : 350/6 و : 16/10، المعجم الكبير : 104/9 ح 8546، التمهيد لابن عبدالبر : 116/19، ينابيع المَوَدَّةَ : 436/3، صَحِيح ابن حبان : 406/16، صحيح الترمذي : 693/4 ح 2560، تجمع الزوائد: 235/10، السنن الكبرى: 121/3، المصنف لابن أبي شيبة : 103/7 ح 34527، مُسْنَد الروياني : 288/2 ح 1376.

الْعَمَلية، وأعتبرُوه طَرِيقاً سَلِيماً للمُعَامَلَة الإِنْسَانية - فإِنَّه يَلتقي مع دين اللّه، وَحَلاله وحرامه، وإِنْ نَظر كلَّ مِنْهُمَا إِلَى المَوْضُوعَ مِن زَاوِيتِهِ الخَاصَّة.(فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ. لا غرابة أبداً في أنْ يَقوى الْبَاطِل، ويَكثر في أعوانه، فهَذا هو شأنه، وشَأن النَّاس معه منذ القديم، لأنه خَفِيف عَلَى النّفس، وَعَلَىٰ وفاق مَع شَهَوَاتِهَا، وأَهْوَائِهَا (وَ لَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ فَلَرُبَّمَا وَلَعَلَّ). الحَقِّ قَلِيل الأعوان، وَقَد ينتصر حِيناً من الدَّهْر. وقول الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَلَعَلَّ» يَشبَه قَولنا : «أَللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلْتِكَ فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ تُعِزُّ بِها الإسلام، وَأَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بها النِّفَاقَ، وَأَهْلَهُ» (1).)(وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٍ فَأَقْبَلَ !. سياق الكلام يدل عَلَى أنّ الْمُرَاد بالشَّيء هُنا دَولة قَوْم من النَّاس، ولَيْسَ الْمُرَاد مِنْهُ الْحَقِّ كَمَا فِي شَرح مِيْثَم (2). وعَلَيْهِ يَكُون المَعْنَى نَادِراً ما تعود دَولة قَوْم بَعد زوالها، وَعَلَى هَذَا ابن أبي الحديد، والشّيخ مُحَمَّد عَبْدَه (3). ودولاب الحَوَادِث يُؤيد ذَلِكَ ويُعززه. ومِن أَقْوَال الإِمَام : «لِكُلِّ مُقْبِل)


1) أنظر الكافي : 324/3 ح 6 إقبال الأعمال : 127/1، تهذيب الأحكام للطوسي : 111/3، مصباح، المتهجد للطوسي : 581، كشف اللئام: 251/1.

2) أنظر، شَرْح نَهْجِ الْبَلاغة : 296/1.

3) أنظر، شَرح النَّهْج لابن أبي الحَدِيد : 272/1 شَرْحِ النَّهْج مُحَمَّد عَبْدَه : 42/1.

إِدْبَارٌ، وَمَا أَدْبَرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ» (1.)(شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ، وَ النَّارُ أَمَامَهُ !. مَن كَانَ مَصيرهُ إِلَى النَّعِيمِ، أو الجَحِيم، ولا ثالث فَعَليه أَنْ يَشغل نفسه بما يبتعد بهِ عَن هَذَا، ويُقربه مِن ذَاكَ. وقد اشتهر عَلَى أَلسِّنة النَّاسِ إِذَا وَاجه أحدهم أمرَاً خطيراً أنْ يَقول : المسألة مسألة مَصِير، وحَيَاة أو مَوْت.... وَيَعني هذا أنه سَيَبذل الوسع، والجهد، ويُضحي بكل عزيزكَي يَبتعد عَن الخطر الدَّاهم، وأي خطر أشد مِن النَّار، وعذابها ؟... ثُمَّ قسّم الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)النَّاسِ إِلَى أَقْسَام :)1 - (سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا. أَسْرَع إِلَى مَرضَاءَ اللّه، وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِالْأَعْمَالَ الصَّالحات، فَنَجَا مِن أَلِيم العذَاب، وشِدَّتِهِ.)2 - (وَ طَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا. يُحب الخير ويُطلبه، وَيَعمل له، ولكن ببطءٍ، وَكَسل، وقد تتدارك هَذَا رَحمهُ مِن رَبِّه.)3 – (وَ مُقَصِّرٌ فِي النَّارِ هَوَى. لا يُسرع، ولا يُبطى، بَل يُعرض، ويُقصر.)ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ عَاقِبَة التَّقْصِير الخسران، والنّدّامة. ومن أَقْوَاله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيُرَجِّي - أي يؤخر - التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ» (2).)(الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ. أي المتعادلة، الواضحة، والمتوسطة بَيْنَ الإسراف، والتَّفْصِير، ومَن أنحَرف عَنْهَا يَمنةً، أو يَسرةً فَقَد أنحرَف عَن أَهْدَى إِلَى الصّلال، وعَن النَّجاة إِلَى الهَلاكَ عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ، وَ)


1) أنظر، خطب نهج البلاغة : 40/4. الحكمة (152).

2) أنظر، خطب نهج البلاغة : 189/3 رقم (150) شرح النهج لابن ميثم البحراني : 328/5 رقم (137) شَرْح النهج لابْن أبي الحديد : 356/18 رقم (146).

آثَارُ النُّبُوَّةِ. الْمُرَاد بِبَاقي الْكِتَاب الْكِتَاب الباقي يبقَاء اللّه تَعَالَى، والمَعْنَى مَا مِن شيء جَاء فِي كِتَابِ اللّه، وسُنّة نَبِيِّه إلا وهو قائم عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ الْوُسْطَى، والجَادَّةُ المثلى (وَ مِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ). مِن هَذِه الطّريق يَبتدىء، وعَلَيْهَا يَسِير حلال مُحَمَّد وَحرَامه (وَ إِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ). لأنّ الْخَلَائِقِ يَوْم الْقِيَامَة يُحاسِبُونَ عَلَى أَسَاس السِّرَاط المُسْتَقِيم.)والخلاصة، أن المنهج السوي الذي يجب شرعاً، وَعَقلاً أَنْ يَسِير عَلَيْهِ الأفراد، الجَمَاعَة هُو القَائِم بَيْنَ الإِسراف، والتَّقْصِير، فكلّ مِن هَذِين شرُّ، وفَسَادٌ، ومَا بَيْنَها خَيرٌ، وصلاح... وقد رأينا النَّاس يُحبون الرَّجُل المعتدل في سلوكه، وأعماله، وَيَثقُون بهِ يُصفونه بأوصاف الكمال، والتقدير كالعَاقِل، والمتزن، بل وَيَستَشِيرُونه في المهمات من أمورهم، ولا وزن عندهم للمُقصر، أو المسرف، وإنْ كَانَ دَمَاعَه مخزناً للعلوم، والآراء، والأرقام.(هَلَكَ مَنِ ادَّعَى بلا حُجّة، ودَلِيل (وَ خَابَ مَنِ أَفْتَرى) بِلا رادع، وزَاجِرٍ (مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ للْحَقِّ هَلَكَ) وَمِثله قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ» (1)(وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ). لأنه يتجاوز الحدود بالإفتراءات. والأدعاءات الكاذبة، ومن أَقْوَاله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَفْعَل الجَاهِل بنَفْسِهِ مَا لاَ يَفْعَله الْعَاقِل بِعَدُوّه...» و تُطلق كَلِمَة الجَاهِل الأحمق على كلّ مَن يَضع الأُمُور فِي غَيْر مواضعها، حَتَّى ولو دَرس عشرات السنين، وحَفَظ مِئَات الكُتب... وأحمق النَّاسِ فِي عَصرنا سَائقُو السّيارات الَّذِينَ يُسرعُونَ فِي سَيرهم.)


1) انظر، نَهْج الْبَلاغة : 95/4، المحكمة (408).

(لا يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ. الْمُرَادِ بالسِّنْخ هنا التربة، وبالأصل الجذور، والمَعْنَى إِذا قامت الأَعْمَالَ عَلَى أَسَاسَ مِن التَّقْوَى كَانَ العَامِل فِي مَأمن مِن الهلاك تماماً كجذور الشَّجَرَة تَنْبُت في تُربة طَيِّبَة، تسلم من الآفات، والعَاهَات (وَلا يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ). هَذَا تَشبِيه ثَانٍ لِلتَّقْوَى، وإِنَّهَا كالماء والزرع يَنمو بهِ، وَيُثمر، فكَذَلِكَ الْأَعْمَالَ تعود عَلَى صاحبها بِالخَيْرَات مَع التَّقْوَىٰ، ومِن أَقْوَاله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لاَ يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى، وَكَيْفَ يَقِلْ مَا يُتَقَبَّلُ ؟»(1).)(فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ. هَذَا خَطَاب للغُوغاء، والسواد مِن النَّاس، وهو يأمرهم بالسُّكُوت، وعدم الخوض فيها لا يعلمون خَوْفاً مِن البَلْبَلَة، وإثارة الْفِتْنَة. ومِن أَقْوَاله في وصف الْغَوْغَاء : «هُمُ الّذين إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا... فَقِيل له : قد عرفنا مَضَرة اجتماعهم، فما مَنْفَعة أفتراقهم ؟ قَالَ : يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْمُهَنِ إِلَى مِهْنَتِهِمْ، فَيَنْتَفَعُ النَّاسُ هِمْ»(2).)(وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَهِى الحَال الَّتي يُجمعون عَلَيْهَا، والمراد بها هنا الإلفة. والمحَبَّة، وفِي الحَدِيث : «صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاة، وَالصِّيَامِ» (3)(وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ) الْمُرَاد بِوَرَائِكُمْ هُنا بَيْنَ أيدِيكُم قَالَ تَعَالَى : (من وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرُّعُهُ، وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابُ غَلِيظٌ) (4)أي بَيْنَ يَدِيه، لأن العذاب لأحق به،)


1) أنظر، خطب نهج البلاغة : 21/4، المحكمة (95).

2) أنظر، خطب نهج البلاغة : 46/4 الحكمة (199).

3) أنظر، نهج البلاغة : جزء من خُطْبَة (47) من وصية له، للإمام الحسن، والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

4) إِبْرَاهِيم : 16 - 17.

وكَذَلِكَ التَّوْبَة لاحقه بالعاصي بأعتبار أَنَّهَا بَيْنَ يَدِيه، ولا يمنعه عَنْهَا مَانِع (وَلَا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلا رَبَّهُ لأنه هو وحده يستحق الشكر، والحَمْدُ (وَلا يَلُمْ لائم الا نَفْسَهُ) لأنه أعرَض عَن دَعْوَة الحَقِّ، والْعَدْل، واستجاب للهوى، والجهل.)

## الخطبة - 17 -### صَالٌ مُضلّ.. فِقْرَة 1 - 2 :(إِنَّ أَبْغَضَ الْخَلَائِقِ إِلَى اللّه رَجُلانِ : رَجُلٌ وَكَلَهُ اللّه، إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْغُوفٌ بِكَلَام بِدْعَةٍ، وَ دُعَاءِ ضَلالَةٍ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَن أَفْتَتَنَ بِهِ، ضَالٌ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، مُضِلَّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، حَمَّالٌ خَطَايَا غيْرِهِ، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ(1.)وَ رَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً، مُوضِع فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ، عَادٍ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ، عَمِ بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ، بَكَّرَ فَأَسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ : مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّى إِذَا أَرْتَوَىٰ مِنْ مَاءٍ آجِنٍ، وَ أَكْتَثَرَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ، جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثّا مِنْ رَأيهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ (2.)اللُّغَة:قَصْدِ السَّبِيلِ : السِّرَاط الْمُسْتَقِيم. والجَائِرُ : المائِل عَن هَذَا السِّرَاط. والبِدْعَة

بكسر الباء - ما ابْتَدَع عَلَى غَيْرِ مِثال سابق لُغة، أَمَّا شَرعاً فَهِيَ الإِحداث فِي الدِّين بتقليمه، أو تطعيمه، وللْفِتْنَةِ معان والمراد بها هنا الضلال بدليل سياق الكلام. وقمش: جمع، وتُطلق على أكل. والموضع - بضم الميم، وَكَسر الصّاد - المُسرع والعادي أيضاً المسرع، أو الساعي. والأَغْبَاش - بفتح الهمزة - جمع غَبِش - بكسر البَاء - المظلم. عَم مِن الْعَمَى. وبَكَّرَ : بادر. واسْتَكْثَرَ الشَّيء : رَاء كَثِيراً، واسْتَكْثرَ من الشيء أكثر من فعله. والماء الآجن : الفاسد الذي تغير لونه، وَطَعمه. وللتخليص : لفصل لخصومات بِبَيَان الحَقِّ. والإلتباس : الإشتباه. والمتهمات : المشكلات. والحشو: الزَّائِد. والرَّثّ : البالي.الْإِعْرَاب :رَجُلان خَبَر إِنَّ، والرَّجُلُ الْأَوَّل بَدل مُفصل مِن مُجمل، والرَّجُلُ الثَّانِي عَطف عَلَى الْأَوَّل، المبدل مِنْهُ رَجُلان. ومن جمع بالتنوين، و«مَا مَوْصُولة مُبْتَدَاً، وخَيْرٌ خَبَر حَتَّى حرف ابتداء، وَلا عَمل لها هنا، وَإِذَا ظَرف مُتضمن مَعْنَى الشرط وجَلَسَ جوَاب الشّرط، وقَاضِياً حال، وضَامِناً صِفة له، ورَثّا صِفة «حَشْواً».الْمَعْنَى:(إِنَّ أَبْغَضَ الْخَلَائِقِ إِلَى اللّه رَجُلانِ. حُبّ اللّه تَعَالَى رَحمته، وثوابه، وَبُغضه : نِقْمَته، وعذابه. وأشد الناس مقتاً عِند اللّه، وأبعدهُم مِن رَحْمته (رَجُلُ وَكَلَهُ اللّه، إِلَى نَفْسِهِ). وهُو الَّذِي تَتَحكم فِيهِ نَفْسِه الأمارة بالسوء بِلا رادع وزاجرٍ.)كالتَّائِه المغرُور، والمسرف، المبذر، والبخيل الممسك، والحَسود الحقود، وممن

انتهك حرمات اللّه، والتابع لشرار الخلق، وكلّ مَن لا يَهْتَدِي إِلَى دَلِيل، قَالَ الْإِمَام زين الْعَابِدِين (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أَللَّهُمَّ إِنْ وَكَلْتَنِي إِلَى نَفْسِي عَجَزْتُ عَنْهَا» (1)، وفِي دُعَاء ثَانٍ: «وَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِي بِما تُعين بِهِ الصَّالِحِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ»، وفِي ثَالِثٍ : «أَللَّهُمَّ خُذْ لِنَفْسِكَ مِنْ نَفْسِي مَا يُخَلِّصُهَا، وَأَبْقَ لِنَفْسِي مِنْ نَفْسِي مَا يُصْلِحُهَا» (2)، وفِي رَابِعٍ : «سَيِّدِي إِنْ وَكَلْتَنِي إِلَى نَفْسِي عَجَزْتُ عَنْهَا، وَلَمْ أَقِمْ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهَا، وَإِنْ وَكَلْتَني إلَى خَلْقِكَ تَجَهَّمُونِي، وَإِنْ أَلْجَأْتَنِي إِلَى قَرَابَتِي حَرَمُونِي، وَإِنْ أَعْطَوْا أَعْطَوْا قَلِيْلاً نَكِداً، وَمَنُّوا عَلَيَّ طَوِيلاً، وَذَمُّوا كَثِيراً فَبِفَضْلِكَ أَللَّهُمَّ فَأَغْنِنِي، وَبِعَظَمَتِكَ. فَانْعَشنِي، وَبِسَعَتِكَ فَابْسُطْ يَدِي، وَبِمَا عِنْدَكَ فَاكْفِنِي» (3).)وكُلّ مَن عَرف نَفْسه، وحقيقته يشعر هَذَا الشُّعُور، ومِن هُنا قِيل : «مَن عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ»(4. ومَن فَقد هَذَا الشُّعُور فهو أجْهَل النَّاسِ بِنَفْسِهِ، وخالقه.)(فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ أي مَائل عَن صراط الحق والإِنْسَانية، وأي أمرى، يعمل لمنفعته الخاصة، ولا يهتم بمجيئه فَقد انحرف عَن السِّرَاطِ الْقَويم، أَمَّا إِذَا أَضَرَّ سُلُوكه بغَيره فهو وَحش كاسر، وحيوان مفترس... لأنّ الإِنْسَانِ بِمَا هُو إِنْسَان يَسْتَحِيل أنْ يَنْتَهَك حمى الإِنْسَانية، وَيَعتدي عَلَى أَخِيهِ الإِنْسَان.)(مَشْغُوفٌ بِكَلامِ بِدْعَةٍ، وَ دُعَاءِ ضَلَالَةٍ. الصَّلالَة ضِدّ الهِدَايَة، ومَن ضَلَّ فِي)


1) انظر الدُّعاء الثاني والعشرون من الصحيفة السجادية.

2) انظر، الدعاء العشرون من الصحيفة السجادية.

3) أنظر، الدُّعاء الثَّاني والعشرون من الصحيفة السجادية.

4) أنظر، عيون الحكم والمواعظ : 430، غرر الحكم الحكمة (7946)، شرح منة كلمة للبحراني : 57 (الكَلِمَة الثَّالثة)، حاشية الدسوقي: 9/1، فيض القدير : 291/1 ح 310.

سعيه خابت آماله، ومطالبه، والبدعة هي الْعَقِيدَة، أو الفتوى التي لا دليل عَلَيْهَا مِن الْكِتَاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع، أو العقل، وَهَذَا الْبَغِيض البَعِيد مِن رَحْمَة اللّه مولع بالشُّهرة، والإستطالة، ومن أجلها يُرائي، وَيُدلس، وَيَبتدع، وَيَختَلقَ فِي الدين وشَرِيعَة سيّد النَّبِيِّين، ويدعُو إِلَى الضَّلال، والْفَسَادَ (فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ المراد بالْفِتْنَة هُنا تضليل مَن صَدقه، وإفساد مَن وَثِق بهِ.)(ضَالُّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ. وهُم الَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ بِقَوْله : (أَوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّه فَبِهدَاهُمُ اقْتَدة قُل لا أَسْئلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى العَالَمينَ) (1)ومِن دُعاء لِلْإِمَام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اللَّهُمَّ أَلحقْنِي بِصَالح مَن مَضى، الهلال وأَجْعَلْنِي مِن صَالح مَن بَقِی، وَخُذْ بِي سَبِيلِ الصَّالِحِينَ»(2)(مُضِلُّ لِمَنِ أَقْتَدَىٰ بِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ). إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفقةً، وأَخيَبهم سَعْياً مَن ضَلَّ عَن سَبِيل الصَّالِحِينَ مِن قَبله، وكَانَ قُدْوَة للمُضلين مِن بَعدِهِ.)(حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ مِن الذين ترأس عَلَيْهِمْ، ونال الحظوة عِندهُم بِالتّدليس، والتظاهر بالعِلم، والتَّقْوَى. قَالَ عَزَّ مَن قَائِل : ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْئلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (3).... (رَهُنُ بِخَطِيئَتِهِ). ولا فُكَاك هَذا الرَّهن، ولا ثمن عَذَابِ الحَرِيقِ.)والخُلاصة، أنّ أشد الناس عذاباً اثنان : الأول أسلس القياد لشهواته وأَهْوَائِه، فقالت بهِ عَن السِّرَاط القويم، وعاش في دُنيا الفَسَاد، والضَّلال.


1) الأنعام: 90.

2) أنظر، مصباح المتهجد : 143 و 273 و 596، الكافي : 586/2، إقبال الأَعْمَال : 173/1.

3) الْعَنْكَبوتِ : 13.

والتدليس والنفاق، وانخدع بهِ مَن انخدع من الجهلة، وسواد النَّاس، فضل، وأضَلٌ، وتَحمل أثقاله، وأثقال من أغتر به... وَقَد يَملك أَهْل الضَّلال مِن دُنْيَاهم الماء، والمال، ولكن هذا الملك يعود عَلَيْهِمْ بالخسران، والوبال حيث يجعلهم عَبِيداً لأكثر من إله، ويُورثهم جبناً في الحق، وانغماساً في المراوغة، والْبَاطِل... أَمَّا الرَّجُل الثَّانِي فَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَام بِقَوْله :(وَ رَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً. ويلتقي مع الْأَوَّل في الفَسَاد، والضَّلال حَيْت أَسْلَس الْأَوَّل قياده لِلنَّفس الأمارة، والثَّانِي يَقُوده الْعَمَى، والجهل، والنتيجه وَاحِدَة، وَهِي الخذلان، والخسران (مُوضِعٌ) بضم الميم، وكَسر الضّاد، أي مُسرع (فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ). يَمضي بهم في التضليل، ويُزيدهم جهلاً عَلَى جَهل، وينطبق هَذَا الْوَصْف عَلَى أَكْثَر المعممين في عصرنا... تُجالس أحدهُما فَلا تَشُم مِنْهُ عَبِير الإيمان، والْيَقِين، ولا تَرى عَلَى حَدِيثه نُور العِلم، والذكاء، ولا تلمس مِنْهُ غَيْر السُّخف، والجهل، ومَع هَذَا يُحب الشهرة، ويحنُّ إِلَيْهَا، ويَشتريها بكل ثمن.)(عَادٍ مِن الْعَدُوّ السُّرْعَة (فِى أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ) أي ظُلمات الجهل، والأباطيل. يُسرع فيهاً تائهاً لا يدري أين المصير (عَمِ بِمَا فِي عَقْدِ الهُدْنَةِ). أختلف الشارحُون فِي تَفْسِير هَذِه الجملة عَلَى أَفْوَال لا تركن النفس إِلَى شيء مِنْهَا، والَّذِي نفهمه نَحْنُ : أَنَّ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاميَّة الإِنْسَانية تقوم عَلَى أُسس عديدة، أهمها، وأدقها رعاية المُصْلَحَة، ودفع المُفْسَدَة، لأن أحكام الإِسْلَام تَبْتَني بكلامها عَلَى هَذَا الأَسَاس، وقَد يَكُون في الحادثة، أو الفِعْل مصلحة من جهة، ومفسدة من جهة ثانِيَة، وَعِندها لا مَفَرّ مِن عملية الموازنة بَيْنَ رِعَايَة الْمُصْلَحَةِ، ودَفع الْمُفْسَدَة، وتقديم الأهم عَلَى المهم، فإنْ كَانَ دَرء الْمُفْسَدَة أوْجَبَ تجاهلنا المُصْلَحَة، وعقدنا)

الهدنة، والمصالحة مع المُفْسَدَة إِلَى أنْ تُحين الفُرْصَة، وتَسَنَح، والشّرط الْأَوَّل فِيمَن يجري عملية الموازنة أنْ يَكُون مِن الْعَارفين الحكماء.(قَدْ سَمَّاهُ أَشْيَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ. يَسْتَعمل الإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَلِمَة أَشباه النَّاسِ وأشباه الرِّجَال في الجهلاء الذين لا يُميّزُون بَيْنَ ما يَضُرّهم، ويَنْفَعهم، وفي الجبناء الذين يتهربون مِن الْحِهَاد، والكفاح من أجل حُرِّيتهم، وكرامتهم، ولَيْسَ فِي هَذَا إستعمال كناية، وتجوز، لأنَّ الرَّجُل مَأخوذ من الرّجُولة التي تُومىء إلى الشَّجَاعَة، والصبر عَلَى الشَّدَائِد، ومن أَقْوَال الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ همته»(1).)(بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ ؛ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ. كلّ مَا يُحرر الإِنْسَان من الجَهْل، والْخَوْف، والْفَقْر، وَيَتجه بهِ إِلَى حَيَاة أفضل فهو خير، وحَقَ وجَمِيل، وعَظيم، وكَثِير، وإنْ كَانَ قَلِيلاً بالقياس إلَى غَيْره. هَذَا هُو مَعْنَى الخَيْر عِند الإمام. ومن أقواله : «خَيْرُ الْبِلادِ مَا حَمَلَكَ (2)... فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ... لا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لا يَنْفَعُ» (3). وعَلَيْهِ فَلا فَرق أَبَداً بَيْنَ مَن أَقلَّ، أو اسْتَكْثَرَ مِن المعْلُومَات، وأكمل، فكَيْفَ مَن اسْتَكْثَرَ مِن الجهالات والأساطير التى تُعمى عَن الحَقِّ، وتُبعد عن الواقع ؟.)(حَتَّى إِذَا ارْتَوَىٰ مِنْ مَاءٍ آجِنِ. كَنَّى الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالماء العفن المتغير لوناً، والمستكره طَعماً، كَنَّى بِهِ عَن البدع، والجهالات، والأَسَاطِير، والخرافات (وَاكْتَثَرَ)


1) أنظر. خطب نَهْجِ الْبَلاغة : 13/4، الحكمة (47).

2) أنظر، خطب نهج الْبَلاغة : 103/4، الحكمة (442)، عيون الحكم والمواعظ : 240.

3) أنظر، خطب نهج البلاغة : 40/3 جزء من كتاب لِلْإِمَامِ الْحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تحت رقم (31).

مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ. أي أن هَذَا الغر الجَاهِل بعد أن جمع، وحفظ الكَثِير مِن صَفحات الكتب والمجلدات المضللة، والرِّوَايَات الكاذبة (جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً). ولا يجلس هذا المجلس إلا نَبيّ، أو وصي نَبيّ، أو شقي، وفي بَعْض التفاسير أن المراد بالأمَانَة القَضَاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (1). هَذِه صُورة طبق الأصل عَن بَعْض قضاه المحاكم الجعفرية بلبنان، إِلَى جانب الإشاعة عَن بعضهم بالرّشوة، والْفُجُور، وشُرب الخمور... ولَو جَرت عملية التكرير، والتطهير، وأخذ العدل مجراه لكَان أَكْثَرهم في السجن مع المجرمين (2).)(ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ. فهُو وحده بزَعمه العالم اللامع الذي يرى ما لا يرى العُلَماء، ويَعْرِف ما لا يعرفُون، ويحل المعضلات الَّتِي اسْتَعْصت عَلَى أَهْل الْفِكْر، والعِلم، أَمَّا كَيْفَ ؟ ومن أين نال، وتُوصل إِلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَة فِين ذَاتِهِ الَّتِي تَنْفَجر تحقيقاً، وتدقيقاً، لا من جده، وإجتهاده.)(فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثاً مِنْ رَأيهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ.)«إِنَّ للّه في كُلّ واقعة حمكاً» (3، والطَّرِيق إِلَى مَعْرِفَتِهِ الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَة : الْكِتَابِ، والسُّنّة، والإجماع، العقل، وَقَد تُقيد هذه الأصول العلم بحكم اللّه لجميع الناس)


1) الْأَحْزَابِ : 72.

2) نَحْنُ الآن في سَنَة 1971م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

3) هَذه الرواية متواترة بالمعنى كما أعترف به المحققون من الأصحاب في باب التَّخْطِئَة والتصويب. أنظر، فرائد الأصول: 114/1. القواعد الفقهية : 13/1.

كوجوب الصَّلاة، والصيام، وكثيراً ما يتعذر أستخراج الحُكْم مِنْهَا إِلَّا عَلَى أَهْل النظر، والإجتهاد بخاصَّة إِذَا كَانَ فِي الْوَاقِعَة جهة صلاح، وجهة فساد، وتصارعت الآراء في الموازنة بَيْنَها، والترجيح، والتقديم على أساس الشَّرِيعَة، ومبادئها، ولكنَّ الجسور المَغرُور الَّذي عناه الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ يُلفق مِن خَياله، وأوهامه (حَشْواً رَثًا) أي كلاماً فَارغاً (ثُمَّ قَطَعَ بِهِ). وَيَقُول : هَذَا هُو الحق الذي لا ريب فيه... وهكذا يعيش في دنيا الظلام، والأَوْهَام مِن يَتَّخِذ من ذاته مِقْيَاسَاً لكلّ شيء، وَيَجهل، أو يَتجاهل الْحَقِّ، والواقع.)### يَعِيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوْتُونَ ضُلالاً... فِقْرَة 3 - 5:(فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ : لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ، فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَاً، وَ إِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ (3. جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالَاتٍ، عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ، لَمْ يَعَضَّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِع يَذْرُو الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ لا مَلِيُّ - وَ اللّه بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَلا أَهْلٌ لِمَا قُرِّظَ يه، لا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ، وَلَا يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ، وَ إِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرُ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ(4). تَصْرُخُ مِنْ جَوْرٍ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعَجُّ مِنْهُ الْمَوَارِيثُ إِلَى اللّه أَشْكُو مِنْ مَعْشَرِ يَعِيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوتُونَ ضُلَّالاً، لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةُ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَلا سِلْعَةُ أَنْفَقُ بَيْعاً، وَلا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَ لَا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلَا أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَرِ (5)!))

اللُّغة:اللَّبْس - بفتح اللام - الإختلاط، وعدم الظهور، والوضوح والخَبْط : الضَّرْب : وَيُقَال، يَخبط خَبْطَ عشواء لِمَن يَتصرف فِي الْأُمُور عَلَى غَيْر بَصِيرة. والعَاشي والْأَعْشَى ضَعِيف الْبَصَر. وذرت الريح التُّرَاب : أطارته. وَالهشيم : النَّبت اليابس المتكسر. وكلّ مَا يَتجر بهِ يُسمّى سلعة.الْإِعْرَابِ:جَاهِلٌ خَبَر ثانٍ لَهُوَ، وخَبَّاطُ صِفة جَاهِل، ومثله وَلا مَلِيٌّ، وبِإصْدَارٍ مُتَعَلِّق بملي، ومَا بَلَغَ مَجرُور بالإضافة، ومَذْهَباً مَفْعُول يَرَى، وجُهَّالاً حال من واو يَعِيشُونَ، وضُلالاً حال من واو يَمُوتُونَ، وفِيهِمْ خَبَر مُقَدَّم لَيْسَ، وسِلْعَةٌ أسمها، وأَبْوَرُ صِفَة، لسِلْعَة، وبَيْعاً تمييز، ومثله ثَمَناً.الْمَعْنَى:(فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبوتِ. الرَّاسِخُونَ فِي عِلم الْكِتَاب، والسُّنة هُم المَرْجِع فِي دَفع الشُّبُهَاتِ عَن دين اللّه، وشريعته، وحل المشكلات حِينَ تلتبس الآراء، وتختلف الأهواء، لأنهم عَلَى يَقِين من مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، أَمَّا الْجَاهِل الذي يتسم بسمات أَهْل العِلم، ولَيْسَ مِنْهُم فهو عَارٌ، وَشَنَارُ عَلَى الدِّين، وأهله، لأنه في ضعفه عِلماً، وفهماً كنشج الْعَنْكَبوتِ، ومَا أَضْعَف مِن يتقي بهذا النسج مِن الْعَدّو، وضَربَاته.)(لأ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأ. جاهل لا يَعْرِف قدره، ولا يقف عنده، بل يقتحم)

الشُّبُهَات، ويَقُول بالظَّنة، وَيَحكم بالتُّهمة (فَإِنْ أَصَابَ صدفةً، ورِميةً من غَيْر رَامٍ (خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأ) لجهله بمدرَك الصواب، ومواقعه (وَ إِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ) لِعَمَاه عَن أَسْبَاب الخَطَاً، وموارده، ومن أَقْوَال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الثناء عَلَى الْمُؤْمِن : «يَقُولُ فَيُفْهِمْ، وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ» (1).)(جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالَاتٍ، عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ. وتُوميء صيغة المبالغة في خَبَّاط، وركاب إلى كثرة الأغلاط، والأخطاء (لَمْ يَعَضُّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعِ). أى لا يُعتمد في أَقْوَاله، وأَحْكامه عَلَى أصل ثابت، وقاعدة صَحِيحة (يَذْرُو الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ). والْمُرَاد بالرِّوَايَات هنا كلّ نَقل يُثبت قول المَعْصُوم أو فعله، أو تقريره، ويُدْري الرِّوَايَات كناية عَن جَلهه بدلالاتها، ووقائعها (لا مَلِيُّ - وَ اللّه - بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ)، فَارغ مِن العِلم، فإذا وردت عَلَيْهِ إحدى القضايا قَالَ فِيْها بالجهل، والغَبَاء، وحَكَم بالجور، والأهواء (وَ لا أَهْلٌ لِمَا قُرِّظَ بِهِ). وتَوَلَّى الْقَضَاء بِالشَّفَاعات، والرَّشَاوَات.)(لا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ. زين لهُ الجهل أنه أحاط بكل شيء عِلماً، وإِنْ مَا غَاب عَنْه فَلَيْسَ بعِلم... وَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (2)... (وَلا يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ). لَيْسَ لِلعُلماء - في زَعْمه - بحوث وتجارب، وَلاَ للأئمة آراء، ومذاهب، وَلا للعُلوم تَقَدَّم، وتطور... أَبَداً لا شيء إلا عقله، وفَهمه، وهو الحكيم الخبير... وهذه أبشع صورة للجاهل، وقد يُظن أنَّهَا ضَرب من المبالغة... كلاً.)


1) أنظر، خطب نهج الْبَلاغة : 152/1، الخُطْبَة (87).

2) الإسراء: 85.

هي عين الواقع، ومن تَتَبَّع، وتأمل رآها فِي أَكْثَر مِن وَاحد.(وَإِنْ أَظْلَمَ أي خَفِي (عَلَيْهِ أَمْرُ اكْتَتَمَ بِهِ) سَتر جَهله بالأَمْرِ الَّذِي خَفِي عَلَيْهِ (لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ) ومَع هَذَا يتظاهر بالعِلم، والمَعْرِفَة كيلا يُعد مع الجَاهِلِين (تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ). أي أنّ الدِّمَاء التي يحكم بها تنطق بلسان الحال أَنَّهَا أُريقت يقت ظُلماً، وعُدْوَاناً (وَ تَعَجُّ مِنْهُ الْمَوَارِيثُ) لِحُكمه فِيْهَا بغَير ما أَنزَّل اللّه سُبْحَانَهُ (إِلَى اللّه أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً، وَ يَمُوتُونَ ضُلالاً). والعيش في الْجَهْل مَع التظاهر بالعِلم مَوْت عَلَى الفَسَاد، والضَّلال، ولا شيء وَرَاء هَذَا العيش أو الموت إلّا الدَّاهية، والهَاوِية.)(لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةُ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِه. الْمُرَاد بِالتّلاوة هنا الفهم السّليم، والتَّفْسِير القويم لآيات اللّه، والمَعْنَى أَن هَؤُلَاء المَعَاشِرِ إِذَا فُسر الْقُرْآن بالْحَقِّ، وَبغَير مَا تَهوى أنفسهم أعرضُوا عَنْه، وعَائدُوه (وَ لا سِلْعَةٌ أَنْفَقْرِ بَيْعاً، وَلا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) وأول بما يشتهون... فالدين عندهم الْمُصْلَحَة وكَفَى (وَ لا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ) لأنّه يُخالف أَهْوَاءهم (وَلَا أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَرِ) لأنّه عَلَى وِفق مقاصدهم... قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «ومَا أَشبَه حَال هَذا المعشر بالمَعَاشِر مِن أَهْل هَذَا الزمان» (1).)


1) أنظر، خطب نهج البلاغة للأستاذ مُحَمَّد عَبْدَه : 55/1، رقم الْكِتَاب (18) من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذمّ أختلاف الْعُلَماء في الفتيا، وفيه يذَمّ أهل الرأي، ويكلّ أمر الحكم في أُمور الدين للقرآن.

## الخطبة - 18 -(تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ فِي حُكْمِ مِنَ الْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيْهَا بِرَأْيِهِ، ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيْهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ الَّذِي أَسْتَقْضَاهُمْ، فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ - جَمِيعاً - وَإِلَهُهُمْ وَاحِدٌ وَ نَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ ! وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ أَفَأَمَرَهُمُ اللّه - سُبْحَانَهُ - بِالْإِخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ (1* ! أَمْ أَنْزَلَ اللّه سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ : أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا، وَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى ؟ أَمْ أَنْزَلَ اللّه سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ عَنْ تَبْلِيغِهِ، وَأَدَائِهِ، وَ اللّه سُبْحَانَهُ يَقُولُ: «مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب من شَيْءٍ» (1)وَ قَالَ: «فِيهِ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ» (2)، وَ ذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَ أَنَّهُ لا اَخْتِلَافَ فِيهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا) (3). وَ إِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلا تَنْقَضِي)


1) اَلأَنْعَام: 38.

2) أقتباساً من الآية 89 من سُورَة الْنَّحْلِ : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ).

3) النِّسَاء: 82.

غَرَائِبُهُ، وَلا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلا بِهِ (2).)اللُّغة:اسْتَقْضَاهُمْ : طَلَبهم، أو أختارهم للقضاء. والتِّبْيَان: التَّوضِيح والأنيق :الْحَسَنِ الَّذِي يَسُرِّ النَّاظِرِين.الإِعْرَاب :الَّذِي أَسْتَقْضَاهُمْ صِفة لِلْإِمَامِ، وجَمِيعاً حَال من الضَّمِيرِ فِي آرَاءَهُمْ. ومن زَائِدَة، وشَيْءٍ مَفْعُول فَرَّطْنَا، والمَصْدَر مِن أَنَّ والْكِتَابَ... إلخ مَفْعُول ذَكَرَ. إِلى.الْمَعْنَى:هَذِه الخطبة واضحة فِي ذَمّ الجَهْل والعَمَل بالرَّأي، وتَلْتَقِ مَعَ الَّتي قبلها عَلَى صعيد واحد، ومن أجل هَذَا نَشرحها بإيجاز ما أَمْكن (تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ فِي حُكْمِ مِنَ الْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيْهَا بِرَأْيِهِ لا بالأصول المقررة للشريعة، وأَحْكامها. ومِن البداهة أنَّ أَحْكَام اللّه سُبْحَانَهُ لا تُصاب بالآراء، وَلا تُدرك أسرارها بالأفكار (ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمْ فِيْهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ). قَد يَنْبَعِ الْإِخْتِلاف بَيْنَ الْفُقَهَا مِن الإِخْتِلاف في فهم آية، أو صحة رواية، وَهَذَا جَائز، وَمَشروع، ما فِي ذَلِكَ رَيب، والمخطىء مَعذُور، بل ومَأْجُور مَع بَذل الجهد، وإفراغ الوسع في الْبَحْث والتنقيب، وقد ينبع الإِخْتِلاف من مُجرد الإِخْتِلاف في الرأي)

والاِسْتِحْسَان وَهَذَا مَحظور، وصاحبه آثم حَتَّى وَلَو أَصَابَ الواقع إِذَا أَدْعى الإجتهاد زُوراً، وبُهتاناً، وهو المقصود مِن كَلَام الْإِمَام.(ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ. الْمُرَاد بالإِمَام هُنا الخَلِيفَة الَّذي صَيَّرهم قُضَاة و «بِذَلِكَ» إشارة إلى الحكم الذي اختلفُوا فِيهِ (فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ - جَمِيعاً) مع العِلم بأنه «مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلَالَةً» (1). كما قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ).. (وَ إِلَهُهُمْ وَاحِدٌ وَ نَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ ! وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ !). وإذَنْ فلماذا الإِخْتِلاف ؟. ومَرَّة ثَانِيَة نُشير إلى أنّ مُراد الإمام الإِخْتِلاف الذي لا مصْدَر لَهُ إِلَّا الرّأي، والاِسْتِحْسَان المشوب بالجهل، والغرض.)(أَفَأَمَرَهُمُ اللّه - سُبْحَانَهُ - بِالْإِخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ ! بل أمرهم بالْوَحْدَةِ، ونهاهم عن الفُرْقَة. قَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿وَأَطِيعُوا اللّه وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوا إِنَّ اللّه مَعَ الصَّابِرِينَ) (2)... (أَمْ أَنْزَلَ اللّه سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ !... إلخ). أشار الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَى جَميع الفروض، الإحتمالات التي تبرر أعتمادهم عَلَى الرّأي، وأوردها في صُورة الإِستفهام مع النّفي، والإِنْكَار، والغرض إثبات النقيض، وتأكيده.)هَل عَجز اللّه عَن تَشرِيع أَحْكَامه، وخُفيت عَلَيْهِ أسرارها فاستعان بِهَيئة مِنْهُم تُخطط، وتُشرع ؟.هَل هُم شُركاؤه في خلقه، أو في دينه، أو أذن لهم ؟.هل قصر محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ في التبليغ فاتموه، وأَكمَلُوه ؟.)


1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (183).

2) الأنقالِ : 46.

وَإِذَا لَم يَكُنْ مِن ذَلِكَ شيء ثبت أنهم عَلَى الحَقِّ يَفتَرُون، وقد خاب من أفْتَرَى.. وَقَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : استدل أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ بِثلاث آيَات : بالْأُولَى عَلَى عَدم النقصان، وهى : ﴿ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (1). وبالثَّانِيَة عَلَى الوضوح مع التمام، وَهِي : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ) (2). وَبِالثَّالِثة عَلَى عدم الإِخْتِلاف، والتناقض، وَهِي : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)(3). فلا يكمل بالرَّأي دِينُ وصفَهُ كَذَلِكَ (4).)


1) الأنعام: 38.

2) النَّحْلِ : 89.

3) النِّسَاء: 82.

4) أنظر، شَرْح النَّهْج : الخُطْبَة (18)، طَبْعَة عَبْدَه.

## الخطبة - 19 -### إشارة:كَانَ الْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ يَخْطُب عَلَى منبر الْكُوفَة، فأعترضه الأَشْعَثَ مِن قَيْسٍ فِي بَعْضِ كَلامه، وَقَالَ: يَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين هَذَا عَلَيْكَ لا لَكَ، فَخَفض الإِمَام إِلَيْهِ بَصره، ثُمَّ قَالَ:)### عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّه، وَ لَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ:مَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي، عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللّه وَ لَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ ! حَائِلُ ابْنُ حَائِكٍ ! مُنَافِقُ ابْنُ كَافِرٍ، وَ اللّه لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةَ وَ الْإِسْلَامُ أُخْرَى ! فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَ لَا حَسَبُكَ! وَ إِنَّ امْرَأَ دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ، وَسَاقَ إِلَيْهِمُ الْحَتْفَ.! لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ الْأَقْرَبُ، وَلَا يَأْمَنَهُ الْأَبْعَدُ !الإعْرَاب:«مَا» الْأُولَى أستفهام فِيهِ مَعْنَى الإِنكار، ومَحَلها الرفع بالإبتداء، وجملة يُدْرِيكَ خَبَر، وَمِثلها «مَا» الثَّانِيَة، وَعَلَيَّ خَبَرها، ومضمون الجملة مَفْعُول يُدْرِيكَ، و «ما» مَوْصُول مجرور بمن، ويتعلق بما تعلقت به عَلَيَّ، ولي صلة، وحَائِكَ خَبَر لمبتدأ

مَحْذُوف أي أَنْتَ حَائِكَ، والمَصْدَر مِن أَنْ يَقْتَهُ مَنْصُوب بِنَزع الخافض.الأَشْعَث بن قَيْس:يُقَال : رَجُل أَشعث أي مُغبر الرأس متلبد الشعر (1، أو مُنتشره، تقول : لم اللّه شَعْثَكُم أي جمع أمركم، وأسم الأَشْعَث معدي كرب، وغَلَب عَلَيْهِ الأَشْعَتْ حَتَّى نُسي أسمه، لأنه كان أشعث الرّأس، وأسم أبيه قَيْس الأشج، لأنّه شُجّ فِي بَعْض الْحُرُوب (2)، ونقل أبن أبي الْحَدِيد عَن (تَأريخ الطَّبَرِيّ): «كَانَ الْمُسْلِمُون يَلعنون الأَشْعَث، ويَلْعَنه الْكَافِرُون أيضاً، وسَبَايَا قَوْمه، وسماه نِسَاءَ قَوْمه عُرف النَّارِ، وهو اسم للغادر عِندهم» (3). وعُرف النَّار تشبيهاً بعرف الديك.)وَقَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : أَسلم الأَشْعَث في زمن النَّبيِّ، وأَرْتَد بعد مَوْته، وكَانَ من أَصْحَاب عَلَى ثُمَّ خَرج عَلَيْهِ. وَقَالَ مُحَمَّد عَبْدَه، وَكَثِير من أهل السير،


1) انظر، الغريب لابن قتيبة : 47/2، النّهاية في غريب الحديث : 146/5.

2) الأشعث بن قيس الكندي: وفد مع قومه إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سنة عشر من الهجرة، وارتد بعد النَّبِيِّ فأسر وجيء به إلى المدينة فَقَالَ لأبي بكر : أستبقني لحزبك، وزوّجني أختك، ففعل. وشهد مع عليّ صِفِّين وألزم عليّاً بالتحكيم. مات بعد سنة أربعين بالْكُوفَة. (أنظر المعارف لابن قتيبة : 168، أسد الغابة : 98/1، الأَخْبَار الطوال : 156، الفتوح لابْن أَعْثم: 367/2، العقد الفريد : 330/4، وأنظر الشافي: 129/4 - 135 المطبوع و : 193 رقم 1282 المخطوط في مكتبة السَّيِّد المرعشي النجفي. وتلخيص الشافي للشيخ الطوسي: 162/3 - 167، شرح النهج لابن أبي الحديد : 30/2 - 33 ط القديمة، بحار الأنوار: 248/8 - 250، المسترشد في الإمامة لابْن رُسْتُمُ الطَّبَرِي : 353 تحقيق الشيخ المحمودي.

3) أنظر، تأريخ الطَّبَرِيّ : 275/3 و 548، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 296/1، خطب نهج الْبَلاغَة للأستاذ مُحَمَّد عَبْدَه : 57/1، الغارات : 495/2. تاريخ مدينة دمشق : 132/9. أَنْسَابِ الأَشراف للبلاذري،379، فتوح البلدان: 121/1.

والتَّارِيخ : «كَانَ الأَشْعَث فِي أَصْحَاب الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ كَعَبد اللّه بن أَبي سَلُول فِي أَصْحَاب النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كل منهما رأس النفاق (1)، واشترَك الأَشْعَث فِي دَمَ الْإِمَام أَمِير کل المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2)، وأبنه مُحَمَّد (3فِي دَم الإِمَام الحُسَين سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأبنته جَعْدَة


1) حقاً أنه تشبيه رائع ويظهر ذلك من خلال واقعة صلح الحُدَيْبِيَّة وقِصَّة التحكيم، وخلاصتها : إِنَّ الأشعث بن قيس جاء يَوْمِ التَّحْكِيم لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ : أم هَذَا الإسم، فَقَالَ علي : لا إله إلا اللّه واللّه أكبر سُنّة بسُنّة، أَمَّا واللّه لعلى يدي راد هَذَا الأَمْر يَوْم الحَدَيْبِيَّة حِينَ كتبت الْكِتَاب عَن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : هَذَا ما تصالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول اللّه وسهيل بن عَمْرُو. فَقَالَ سهيل : لا أجيبك إلى كتاب تُسمّي رَسُول اللّه، ولو أعلم أنك رَسُول اللّه لم أقاتلك، إني إذاً ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت اللّه، وأنتَ رَسُول اللّه، ولكن أكتب مُحمَّد بن عبد اللّه، أجيبك، فَقَالَ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : يا علي. إنّي لرسول اللّه، وإنّي مُحَمَّد بن عبد اللّه ولن يمحو عَن الرّسالة كتابي إِلَيْهِمْ من مُحَمَّد بن عبد اللّه، فأكتب مُحمَّد بن عبد اللّه، فراجعني المشركون في عهد إلى مدة، فالْيَوْم أكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى آبائهم سُنّة ومثلاً. أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد أيضاً: 196/1 و 2 / 232، تأريخ الطَّبَرِيّ : 37/4029/6 ط أخرى، الإمامَة وَالسَّيَّاسَة : 151/1، الكَامِل في التاريخ : 318/2، يَنابيع المَوَدَّة : 18/2.

2) أنظر، قِصَّة أستشهاد الإمام علي، ومشاركة الأشعث بن قَيْس في المؤامرة الْكُبْرَى.)فقد ذكر صاحب الإرشاد : 19/1 : وقد كانوا قبل ذلك ألقوا إلى الأَشْعَت بن قَيْس ما في نفوسهم من العزيمة على قتل أمير المؤمين (عَلَيهِ السَّلَامُ، وواطأهم عَلَيْهِ، وحضر الأشعت بن قيس في تلك اللَّيْلَة لمعونتهم عَلَى ما اجتمعوا عَلَيْهِ. وَكَانَ حُجر بن عَدِي (رَحمهُ اللّه) في تلك اللَّيْلَة باتتاً في المَسْجِدِ فَسَمِع الأشقت يقول لابن ملجم : النّجاء النّجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح، فأحس حُجرٌ بِما أراد الأَشعَت فَقَالَ له : قتلته يا أغور. وأضاف البلاذري في : 2 / 494. فلما قتل على قَالَ عفيف : هَذَا من عملك وكيدك يا أعور....)وَقَالَ أبو الفرج في مقاتل الطالبيين : 47: وللأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤْمِنِين أخبار يطول شرحها... ومثل ذَلِكَ في شرح النهج لابن أبي الحديد: 2/ 340. أمالي الشيخ الصدوق : 18/3،... كنز العمال : 170/15 وقَرِيب مِنْهُ في تاريخ دمشق : ح 1397، أبن أبي الدُّنْيَا في مقتل 497، أمِير الْمُؤْمِنِين : 532 مَجْمَع الزوائد: 141/9، والطَّبَرِيّ : 84/6ط أخرى، وشرح النَّهْج لابن أبي الْحَدِيد : 2/ 34، والشّيخ المفيد في الإِرْشَاد: 20/1.

3) بعث ابن زياد مع ابن الأَشْعَث ألف فارس وخمسمئة راجل إلى قتال مُسْلِم بن عَقِيل، فخرج إِلَيْهِمْ مسلم بسيفه عندما أقتحموا عَلَيْهِ الدَّار فشدّ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ من الدار، ثم أشرفوا عَلَيْهِ من فوق ظهر الْبَيْت وأَخَذُوا يرمونه بالحجارة، ويلهبون النار في أطناب القصب، فخرج عَلَيْهِمْ مصلناً سيفه في الشكة فقاتلهم، ولذا أقبل عَلَيْهِ مُحمَّد بن الأشعث وقال له : يافتى لك الأمان لا تقتل نَفْسَكَ، فأقبل يُقاتلهم وهُو يقول :)أقمت لا تقتل إلا حرًا ***وان رأيت الموت شيئاً تكرافكتب إِلَيْهِ : إِنَّ رجلاً واحداً يقتل منكم خلقاً كثيراً، فكيف لو أرسلناك إلى مَن هو أشدّ مِنْهُ قوَّةً وبأساً ؟ - يعني الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ - فكتب الجواب : إنما أرسلنني إلى سيف من أسياف آل محمد... إنما بعثتني إلى)أسد ضرغام، وسيف حساء، في كف بطل همام، من خير لأنام. فأمدّه بالعسكر الكثير. ثم حمل مُسْلِم عَلَيْهِمْ فقتل منهم خلقاً كثيراً وصار جلدة كالقنفذ من كثرة الشهاء. فَقَالَ ابْن الأَشْعَث : لك الأمان يا مسلم فَقَالَ : لا أمان لكم يا أعداء اللّه. وأَعْدَاء رسوله. أنتظر. المصادر التالية : تاريخ الطبري 6 / 207 و 5 / 347 أنساب الأشراف: 338/5، الأغاني : 162/17. الأخبار الطوال لابن دود الدينوري: 340، شرح مقامات الحريري للشريشي: 192/1. لمعارف لابن قتيبة: 353 لطبقات الحنفية. 1 / 33 لكامل لابن الأثير : 120/4، مقتل الحسين للخوارزمي: 208/1 فصل 10 وص: 214، تأريخ الخميس : 266/2، المحبر لابن حبيب : 481، مختصر تاريخ الدول لابن العبري: 116، تاريخ أبي الفداء: 190/1، البداية والنهاية لابن كثير: 157/8 تاريخ ابن عساكر: 332/4 ينابيع المودة : 56/3 - 57، الإمامَة وَالسَّيَّاسَة : 8/2 - 10 الفتوح لابن أَعْثَمْ: 57/3. مروج تذهب : 88/2، تهذيب التهذيب : 64/9.

ناولت الإِمَامِ الحَسَن الزَّكي السم الذي مات بِهِ بَعد أَنْ وَعدها مُعَاوِيَة بالزَّواج من وَلَده يَزِيد (1. وهَكَذا جمع الأَشْعَث اللُّوْم مِن أَطْرَافَه (2.)


1) انظر، مقاتل لأبي الفرج الإصبهاني : 43، وأَنساب الأشراف: 404/1، وابن أبي الحَدِيد فِي شَرْح النهج : 11/4 و 17.... ورد معاوية البيعة لإبنه يزيد. فلم يكن شيء أثقل عَلَيْهِ من أمر المحسن بن علي سعد بن أبي وقاص، قدسٌ إِلَيْهِما سما فماتا مِنْهُ.)وسبب ثقل أمر الحسَن وسعد عَلَيْهِ هُو: أن سعداً كان الباقي من الستَ أَهْلِ الشُّورَى الَّذِينَ رشّحهم عُمَرَ لخِلافَة من بعده، وأما الحسن فلما جاء في معاهدة الصلح بينها: أنْ يَكُون الأَمر للحسن من بعده، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد. أنظر ابن كثير : 49/8، تاريخ الخلفاء : 138، الإصابة ترجمة الحَسَن ابْن قُتَيْبَة : 150، أبْن أبي الحَدِيد : 13/4، الصَّوَاعِقِ : 81.أَمَّا إِنه كَيْفَ اغتالهما ؟ فلم نجد من يشرح كَيْفِيَّة أغتيال سعداً. أَمَّا الْحَسَن فقد روى المسعودي في مروج الذهب بهامش الكَامِل : 353/2، 55/6، والمقاتل أيضاً : 73، وتهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر: 226/4، وأسماء المغتالين من الأشراف: 44، وتأريخ اليعقوبي: 225/2، وأبن الأثير : /197/12، وأبن شحنة بهامش أبن الأثير : 132/11، وأبن كثير : 43/8، وابْن أبي الْحَدِيد في وشرح النهج : 4/4 و 17، وابن حجر في الصَّوَاعِقِ المحَرقَة : 136 ب 10 فصل 1 وغَيْرِهم قَالُوا: إِنَّ جَعْدَة بنت الأَشعث بن القيس الكندي سقته السم ؛ وقد كَانَ مُعَاوِيَة دسّ إِلَيْهَا : أنك إن أحتلت في قتل الحسن وجهت إِلَيْك بمئة ألف درهم وزوجتك يزيد، فكان ذلِكَ الَّذي بعثها عَلَى سمه. فلما مات وفي لها مُعَاوِيَة بالمال. وأرسل إِلَيْهَا: إِنَّا نحبّ حَيَاة يَزِيد، ولَوْلاً ذَلِكَ لوفينا لك بتزويجه. وأنظر أيضاً تأريخ الدول الإسلامية : 53/1، تذكرة الخواص : 62، تأريخ أبي الفداء : 194/1.حري بهذه الأثيمة أنْ تُجيب نداء أبن هند فهي من أسرة انتهازية لها تأريخها الأسود، فقد جبلت عَلَى الطَّمع وَعَلَى الإستجابه الجميع الدوافع المادية.

2) أنظر، خطب نهج البلاغة : 56/1. حقاً إنَّ الأشعث شرك في دم أمير المُؤْمِنِين، وأبنته جَعْدَة سَمت الحَسَن، وأبيه شرك في دم الحُسَيْن. وقريب من هذا وذاك في الأسيعاب : 389/1، تاريخ الخلفاء للسيوطى : 74، مُسْتَدرك الحاكم : 176/3، الإرشاد للشيخ المفيد : 15/3 البخار : 157/44 و 149 / 26 و 18، العدد القوية (مخطوط): 73، المناقب لابن شهر آشوب : 191/3، كشفه الغُمَّة: 584/1، روضة الواعظين : 200، الإِحْتِجَاج للطبرسي: 11/2، الكافي : 462/1 3. الخرائج والجرائح (مخطوط 125): ح 7.

وَقَالَ طه حسين : «وَلَست أذكر مِن هَؤُلَاء إلا الأَشْعَث مِن قَيْس الكِنْدِي، ذَلِكَ الَّذي أسلم أيَّام النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، ثم أرتد بعد وفاته، وَأَلَّب قَوْمه حَتَّى ورّطهم في الحَرْب، ثُمَّ أسلمهم - إِلَى الْقَتْلِ - وأسرع هُو إِلَى الْمَدِينَة تَائِباً» (1).)وَقَالَ الدكتور طه :«فما أستبعدُ أنْ يَكُون الأَشْعَث بن قَيْس، وهُو مَاكر أَهْل الْعِرَاقِ راق ودَاهِيتهم، قد أتصل بعَمْرُو بن العاص ماكر أهل الشام ودَاهِيتهم، ودَبَرُوا


1) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبَنُوه : 80 طَبْعَة سَنَة 1964م.

هَذَا الأَمْر بَيْنَهُمْ تَدبِيراً. ودَبَّرُوا أَنْ يَقتتل الْقَوْم - أي جَيشَ عَلَيَّ ومُعَاوِيَة - فإِنْ ظَهر أَهْل الشام فذاك، وإنْ خَافوا هَزيمة، أو أشرفُوا عَلَيْهَا رَفعُوا المَصَاحِف فأوقعُوا الفُرْقَة بَيْنَ أَصْحَاب عَلَى، وجَعَلُوا بأسَهم بَيْنَهُمْ شَدِيداً.وَقَد تَمَّ لَهُمْ ما دبّروا، إن كانوا قد دبّروا شَيْئاً، وأستكرَه الأَشْعَث، ومَن أطاعه عَلِيَّاً عَلَى كَفَّ الْقِتَال، فلم يرَبُداً مِن الإِذْعَان لِما أَرَادُوا.وأكْبَرَ الظَّن عِنْدِي كَذَلِكَ أنّ المؤامرة لَم تقف عِند هَذِه الحد، وإِنما تَجاوزته إِلَى مَا هُو أشد مِنْهُ خَطراً، وهُو إِخْتِيار الحَكَمين.... فقد كَانَ عَلَى إِذَنْ مُكْرَها عَلَى قَبُول التَّحْكِيم، ومُكْرَها عَلَى إختيار أحد الحكمين، ولم تأت الأمور مُصادفة، وإنّما جاءت عن ائتمار، وتدبير بَيْنَ طلاب الدُّنْيَا مِن أَصْحَاب عليّ، وأَصْحَاب مُعَاوِيَة جميعاً» (1.)أبن العاص يخلص المُعَاوِيَة - وبالأصح يخلص لنَفْسِه ؛ لأنّه شرِيك مُعَاوِيَة في الربح والغنيمة، والأشعث يتآمر، وبغدر بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، لأنّ دُنياه عِند مُعَاوِيَة، وَلاَ شيء عِند الْإِمَام إِلَّا الدين... وأية حَاجَة للأشْعَثَ، وأمثال الأَشْعَث بالدِّين إذا لم يَكُنْ وَسِيلة للدُّنيا، وحطامها ؟.)(مَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي. الأَشْعَت المرتد، والمنافق الوَعْد يُحدد، ويَعْرِف من قَالَ فِيهِ الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «عَليُّ مَعَ الْحَقِّ، والحَقِّ مَع عَلي»(2)يَعْرِفه بِمَا يَجب له)


1) أنظر الفتنة الكبرى - 2 - علي وبنوه : 81 - 82، طبعة سنة 1964م.

2) أنظر. مجمع الزوائد : 235/7 تاريخ بغداد: 320/14 ح 7642 الإمامَة وَالسَّيَّاسَة : 78/1، فرائد السمطين: 177/1. المناقب لابن المغازلي : 117 و 244، والمستدرك : 19/3 و 124، التَّفْسِير الكبير للرازي: 205/1، شرح الأخبار للمغربي : 525/2، سُنن الترمذي : باب مناقب على: ح 3714، جامع الترمذي : 213/2، کنز العمال : 157/6، الصَّوَاعِقِ الْعُرِفَة : 124 ينابيع المودة: 90، المطالب العالية : 66/4، المحصول للرازي : 134/6، وفي بعض المصادر بلفظ : «رحم اللّه عَليَّاً أدر الحق حيث دار» أنظر أيضاً، المعجم الأوسط : 95/6 ح 5906. تُحفة الأحوذي: 149/10، فيض القدير : 19/4، تهذيب الكمال : 402/10 ح 2256، الرياض النضرة : 243/1 - 87.

وعَلَيْهِ... وَلاَ جواب لهذا الوقح الخاسر إلا ما قَالَ سُبْحَانَهُ لإِبْلِيس : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّين (1).)(حَائِكَ ابْنُ حَائِكٍ. قَالَ أبن أبي الحديد، والشيخ محمَّد عَبْدَه، وغيرهما : إِنَّ «الحَائِكين أنقص النَّاس عَقلاً، وأَهْل اليَمَن يُعيرُون بالحياكة، والأَشْعَث يَمني من كندة، وَقَالَ عَارف بأَهْل اليمن (2): ما فِيهِمْ إلا حائك بُرد، أو دابغ جلد، أو سائس قرد، ملكتهم إمرأة، وأغرقتهم فَأرة، ودَل عَلَيْهِمْ هُدهد» (3).)(مُنَافِقُ ابْنُ كَافِرٍ. كَانَ أَبُو الأَشْعَث مِن المُشْرِكِين، أمَّا هُو فمن المُنَافِقِين. والمرتدين كما تَقَدَّم. (أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّة، وَ الْإِسْلامُ أُخْرَى !). قُتل قَيْس أبو الأَشْعَث فِي الجَاهِلِيَّة، فخرج طَالِباً بثأر أبيه من القاتل فأُسر، فالأب قَتِيل، والابْن أَسِير.. أَمَّا قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأَشْعَثْ : (فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ، وَلَا حَسَبُكَ !). فَمعناه مَا مَنعك من خزي الجبن، ومَنقَصته، وعار الأسر، وَمَذلته - مَالٌ، وَلا حَسَبٌ، وحَسبُ المرء عِند الْعَرَب هُو ما يدعِيه مِن مفاخر الآباء والأجداد.)


1) الحجر : 35.

2) يقصد بِذَلِكَ خالد بن صفوان التميمي.

3) أنظر، خطب نهج البلاغة للأستاذ مُحَمَّد عَبْدَه : 56/1، شرح النهج لابن أبي الحديد: 297/1. معجم البلدان للحموي : 37/5.

ويُشِير الإِمَام بأسر الإِسْلام إِلَى ارتداد الأَشْعَث، وخروجه مَع قَوْمه لقتال المُسْلِمِين، ولما أسروه أظهر التَّوْبَة، وأضْمَر الْكُفْرِ (وَ إِنَّ أَمْرَاً دَلُّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ، وَسَاقَ إِلَيْهِمُ الْحَتْفَ، لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ الْأَقْرَبُ، وَلا يَأْمَنَهُ الْأَبْعَدُ.)لما أرتد الأَشْعَث، وقَوْمه عَن الإِسْلام حاربهم المُسْلِمُون، وحاصرهم أَيَّامَاً، فطَلب الأَشْعَث الأمان لهُ، وَلِعَشرة من أهله، وإِخْوَانِهِ، وتَجَاهل غَيْرهم، ثُمّ فَتح الحصن واستسلم هو والعَشرة للأسر، وترك بَقِية قَوْمه للسَّيْف، والحتف، وهُم (800 فقتلوا بكاملهم(1)، ومن أجل هَذَا الْغَدْر أسماه النِّسَاء : عُرف النَّار (2)، وإِلَى هَذَا أشار الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَوْله : «وَإِنَّ أَمْرَأَ دَلٌ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ.. إلخ».)


1) أنظر، سير أعلام النبلاء : 39/2، فتوح البلدان: 123/1، تهذيب الكمال : 290/3، معجم البلدان: 271/2، خطب نهج البلاغة : 56/1. شَرح نهج الْبَلاغة للمعتزلي: 297/1، وفي بعض المصادر فأخذ الأمان لسبعين بدلاً من عشرة.

2) تَقَدَّم إستخراجه، ولكن أنظر، أنساب الأشراف: 379 تاريخ دمشق : 132/9، مناقب آل أبي طالب: 99/2. أمالي المفيد : 147، الغارات : 295/2، كتاب سليم بن قَيْس : 214.

## الخطبة - 20 -### قَرِيبُ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ :(فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ، وَوَهِلْتُمْ، وَ سَمِعْتُمْ، وَ أَطَعْتُمْ، وَلَكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ ! وَ لَقَدْ بصَرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وَ أَسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وَبِحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرُ. وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللّه بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إلا الْبَشَرُ.)اللُّغَة:الجزع، والفزع، والوَهلْ، والْخَوْف بِمَعْنَى واحد. والعِبر جمع عِبرة وهي المَوْعِظَة، والمراد بها هنا الاعْتِبَار، قَاله سُبْحَانَهُ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى (1)ومُزْدَجَرٌ - بفتح الدال - ما فِيهِ ردع، ومنع عن التقحم في المعاصي والآثام.)


1) النَّازِعَاتِ : 26.

الْإِعْرَابِ:مَحْجُوبٌ مُبْتَدَأ، ومَا قَدْ عَايَنُوا «مَا» أسم مَوْصُول نائب فَاعِل لَمحجُوب، وقد سَدَّ مَسد الخَبَرَ. مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ ! «ما» مَصْدَرِيَة، والمَصْدَر المنسبك مُبتدأ مُؤَخَّر، وقَرِيبٌ خَبَر مُقَدَّم أي وطرَحُ الحِجَابُ قَرِيبٌ. وفِيهِ خَبَر مُقَدَّم، ومُزْدَجَرٌ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، والجملة صلة المَوْصُول.### لِلمِنْبَرِ - الدُّنْيَا جَنَازَة:الدُّنْيَا جَنَازَة، وقبر، وتجلس فاتحة، وعزاء، وحفلة تأبين، ورثاء... ثُم يَنْتَهي كلّ شَيء... أَبَداً كأَنْ لَم يَكُنْ إلَّا مُرور عابر، أو هواجس خاطر... وإذن قد كَشفت الدُّنْيَا عَن عيوبها، ولم تخفِ مِنْهَا شَيْئاً، والبَصِير من أَبْصر، وتذكر.وللمؤت حشرجات، وسكرات، وللقبر وحشة، وظُلمات... ولو أيقن المرء بهذا وتنبه له كأنه أمام عينيه - لاتقى محارم اللّه، وعمل لآخرته كأَنَّه يَموت في ساعته... ولماذا لا يُوقن، ويعتبر، ويتذكر، ويزدجر، وقد حُذّر من الغفلة، وسُوء المصير، وأنذر بالحجج الْبَوَالِغَ عَلَى لِسَان الأَنْبِيَاء، والْأَوْصِيَاء، والعُلَماء، والمبلغين ؟.وَقَالَ قَائل من الفلاسفة : «التفكير فنّ لا عِلم». ويرجح في ظَننا أن التفكير فَنّ، وعِلم، ودين، وتطور، وتَقَدُّم إِذا كَانَ سَلِيماً، ووَسِيلة للإيمان، والنعيم... والفن، أو العلم داهية، وكارثة إِذَا كَانَ سَبِيلاً للبلاء، والشّقاء.هَذَا محصل ما يهدف إِلَيْهِ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ مِن كَلامه هنا، وشرحته بهذا الأسلوب لأني - حِينَ أنتهيت إِلَى هَذِهِ الْخُطْبَة - تنبهت إلى أن الوعاظ، والمبلغين يَتطلعُون إِلَى)

خُطب النهج، وشرحها، فحاولت التَّعاون معهم ولو باليسير كلّما دعت الحاجة، أو شعرت مِن نَفسى الميل، والرغبة إلى ذَلِكَ... وأن أذكر هَذَا البَسِير في موارده بعنوان مِن العناوين لِيَهْتَدِي إِلَيْهِ بسهولة مَن يَهمه الأمر إِذَا رَاجع الفهرست، وأنْ أستقل ما ذكرت تحت هَذَا العنوان «المكرور» فإنّ الكَلِمَة الحيّة تنتقل بالقاريء المفكر الموهوب إلى أجوَاء، وأجوَاء... عَلَى أن القَليل المَقْبُول خَير فِي الكَثِير المملول. ويُضاف إلَى هَذَا أنه لو جمع شتات هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أكتبها تحت العنوان المذكور لاستوعبت عشرات الصفحات.وَلاَ يَعني هَذَا أنّ ما يصلح مَادَّة للتَّبليغ، والإِرْشَادِ يَنحصر بِمَا قُلته بعنوان : «لِلمِنْبَرِ» كَيْفَ، وكلّ خُطب النهج هي حكم ومواعظ، والشرح تابع للأصل.؟.... ولكنَّ الَّذى عَنِيته هُو التركيز عَلَى قصد المَوْعِظَة، والخطابة مِمَّا ذكرته بهذا العنوان والإهتمام بهِ أَكْثَر مِن أي شيء آخر عَلَى أساس المعنى الذي أراده الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ. وقد أَتْرُك كَلِمَة «المنبر» مُكتَفِياً بِمَا يُشير إلى الموضوع.)

## الخطبة - 21 -### تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا:(فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ وَرَاءَ كُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ.)الْمَعْنَى:(فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ. الْمُرَاد بِالْغَايَة هُنا النِّهَايَة، ولَيْسَ مِن الشك أن الموت نهَايَة الإِنْسَان وَلا شيء بعده إلا الحِساب والجزاء الأوفى عَلَى قَدم... إنْ خَيراً فخَير، وإن شراً فَشَرَ (وَإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ). المراد بالسَّاعة هنا الْقِيَامَة. وتَحْدُوكُمْ أَي تَسُوقكم، وَقَالَ : وَرَاءَكُمُ. مَع أنّ الْقِيَامَة أمامنا تَنزِيلاً لها بِمَنْزِلَةِ السائق الَّذِي يَسُوقنا إِلَى مَا نَسير إِلَيْهِ لا تَحَالَةَ. ومِن أَقْوَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ : سَائِقُ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا، وَ شَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا» (1).)


1) انظر، خطب نهج البلاغة : 148/1، الخطبة (85).

وَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ؛ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ، وَ إِنْ كَانَ وَاقِفاً، وَيَقْطَعُ المَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً - أي سَاكِناً - وَأَعْلَمْ يَقِينَا أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ، وَأَجْمِلْ فِي المُكْتَسَب؛ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبِ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرْبٍ، وَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَلَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ» (1.)(تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا بِفَتح التاء، ومَن كَانَ خَفِيف الجسم، والحمل أسرع في خُطاه، وَلَحق بالذين سبقوه، ومراد الإمام أنّ من تحرر من الذنوب، والأوزار لحق بالسلف الصالح، وحُشر معهم، وفي زمرتهم (فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ).)يُمثل الإِنْسَان دوره فِي هَذِهِ الْحَيَاة، ثُمَّ يَمضي إِلَى حُفرته، ويمكث إِلَى يَوْم يُبعثون، ويَأْتي بعده الأولاد، والأحفاد ليمثلوا دورهم، ونهاية الكلّ وَاحِدَة، والسابق ينتظر اللاحق، وَلا يَسبقه إلى البعث، والحِسَاب. حَتَّى إِذَا جَاء أمر اللّه لما يُريده من تَجدِيد خَلقه بعث سُبْحَانَهُ الأَجْيَال كلّها دفعة واحدة، وحشرهم لِلْحِسَابِ، والجزاء بلا ترتيب، وتقديم، وتأخير... فالتقديم، والتأخير إنما هُو فِي الحياة، والموت لا في النشر، والحَشْرِ.


1) أنظر، خطب نهج البلاغة : 050/3 جزء من وصيتة (عَلَيهِ السَّلَامُ)، للإمام الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، تحت رقم (31).

## الخطبة - 22 -### وَإِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّه... فِقْرَة 1 - 3 :(أَلَا وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ حِزْبَهُ، وَ اسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ، لِيَعُودَ الْجَوْرُ إلَى أَوْطَانِهِ. وَيَرْجِعَ الْبَاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ. واللّه مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفا (1. وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقَّاهُمْ تَرَكُوهُ، وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ : فَلَئنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَ لَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي، فَمَا التَّبِعَةُ إِلا عِنْدَهُمْ، وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ، يَرْتَضِعُونَ أُماً قَدْ فَطَمَتْ، وَ يُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ، يَا خَيْبَةَ الدَّاعِي مَنْ دَعَا! وَ إِلامَ أُجِيبَ! وَإِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّه عَلَيْهِمْ، وَعِلْمِهِ فِيهِمْ. فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ، وَ نَاصِراً للْحَقِّ وَ مِنَ الْعَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطَّعَانِ! وَ أَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلَادِ ! هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ ! لَقَدْ كُنْتُ وَ مَا أَهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَ لَا أَرْهَبُ بِالضَّرْبِ ! وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينِ مِنْ رَبِّي، وَغَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دینی (2)).)اللُّغة:ذَمَّرَ : حَثَّ، وحضّ. الجلَبَ - بفتح اللام - مَصْدَر بمعنى المَفْعُول، وهو المجلوب

من بَلَدٍ إِلَى بَلَد. والمراد به هنا الجمع. والنصابِ : الأصل. والنصف : العَدل. والتَّبِعَة : ما يترتب عَلَى فِعل الشَّرِّ من المؤاخذة. وهَبِلَتْهُم : ثَكَلتهم.والهبول : النِّسَاء الثّاكلات.الْإِعْرَاب:أَلا للتنبيه، وجُملة هُمْ تَرَكُوه حال مِن وَاو يَطْلُبُون، ويجوز أن تكون صفة «حقاً» وخَيْبَة مُنادى أي أَيَّتُها الخيبة أخضَرِى فهَذا أوانك، ومَنْ دَعَا مُبْتَدَأ وخَبَر، وفِيهِ مَعْنَى التَّعجب، والباء في «بِهِ» زَائِدَة، والهاء في محل رفع عَلَى الفَاعِلية، وشَافِياً تمييز، وَمِنَ الْعَجَبِ خَبَر مُقَدَّم، وبَعْثُهُمْ مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، وإِلَى مُتعلّق بِهِ، والمصدر مِن أَنْ أَبْرُزَ مَفْعُول مَحْذُوف أي يَطْلُبُون البراز، وَمَا أَهَدَّدُ الوَاو زَائِدَة دَخَلْت عَلَى خَبَر كَانَ لمُجرد تزيين الكلام.الْمَعْنَى:(أَلا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ - أَي حَثَّ – حِزْبَهُ عَلَى مَعْصِيَة اللّه، والرَّسُول... إِنْ للّه سُبْحَانَهُ حِزْباً، ولِلشَّيْطَانِ أيضاً حِزْباً، وقد حدد اللّه في كتابه العزيز كُلاً من الحزبين تحديداً واضحاً لا لبس فِيهِ، قَالَ في تحديد حزبه تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللّه وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الغَالِبُونَ) (1). والمُرَاد بِالْوِلَايَة هُنا الطَّاعَة بقرينة الحال، وبالَّذِينَ ءَامَنُوا أَهْل الْعِصْمَة مِن آلِ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الَّذِينَ سَاوِى)


1) المائدة : 56.

النَّبِيِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرْآن، وأَمر بالتمسك به، وبِهِمْ فِي حَدِيثِ الثَّقَلَيْنِ الَّذِي رَوَاهُ عُلَماء السُّنَّة (1، وأيضاً قَالَ سُبْحَانَهُ عَن حِزْبه :(رَضِيَ اللّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللّه أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (2).)أَمَّا حِزْب الشَّيْطَان فقَد أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بقَوْله : (أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللّه أُولَئك حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ (3). فحزب الشَّيْطَان هُم الذين نَسوا ولآية اللّه، ورَسُوله، وأَهْل بَيْته.)(وَ أَسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ. بعد أنْ حَثَّ الشَّيْطَان أتباعه، وحزبه عَلَى مَعْصِيَّة اللّه جمعهم لحزب الحق، وأهله، والمراد بحزب الشَّيْطَان أَصْحَاب الجَمَل كما تدل الْكَلِمَات الآتية، وَقَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي خُطْبَة سَبق شَرحها : «أَلا وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ، وَ اسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ) (4).. (لِيَعُودَ الْجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ، وَ يَرْجِعَ الْبَاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ). أي أنّ الشَّيْطَان بَعد أن أنتقل النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِلَى الرّفِيقِ الأَعَلَى زَين لبعض الْمُسْلِمِين الإرتداد عَن الإِسْلام، والرُّجُوع إِلَى شِرك الْجَاهِلِيَّة (وَ اللّه مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً). الضَّمِيرِ فِي يَعود إلَى أَنْكَرُوا النَّاكِثِينَ، إِنَّ الَّذِينَ نَكَثُوا بَيْعَة الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحَارِبُوه ما وجدوا عَلَيْهِ أية حُجّة، أو عُذراً لَهُمْ يَتذرعُون بِهِ، بَل الحُجّة لهُ عَلَيْهِمْ (وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفاً). مَا دَعوه إلَى الْحَاكمة عِند عالم عادل يَنصف بَيْنَه وبَيْنَهُمْ، بل أعلنُوا عَلَيْهِ الحَرْب ابتداءً، وبلا سابقة.)


1) تَقدّم إستخراجه.

2) الْمجَادِلَة : 22.

3) الْمجَادِلَة : 19.

4) أنظر الخطبة رقم: 10.

(وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقَّاهُمْ تَرَكُوهُ، وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ. الْمُرَاد بالدَّم هِنا دَم عُثمَان، وبالحَقِّ الْقِصَاص مِن قاتليه، وأشرنا فيما سبق إلى أنّ هوى الزُّبَيْرِ كَانَ مَعَ الثَّائِرِين عَلَى عُثمَان، ولَكِنَّهُ لم يتظاهر، وأن طَلْحَة كَانَ يُحرض عَلَى قَتله، وَلاَ يُخفِي مِيله إِلَى الثّائرِين، أَمَّا عَائِشَةَ فَكَانَتْ مِن أشد الناس إنكاراً عَلَى عُثمَان حيث قِيل : أَنَّهَا لم تتحرج من الجهر بقولها : أقتلُوا نَعثلاً، قتل اللّه نَعثلاً أي عُثمَان (1)... قتلوا عُثمان ليصلوا إلى مكانه، ويحلوا تحله في الخلافة، ولما أنقطع أملهم طالبوا الأبرياء بدمه، وهنا محل الغرابة...)وأعجب من هَذَا التناقض أنْ يُؤْمِن مَن يُؤْمِن بأن عُثمان، وطَلْحَة، والزُّبَيْر هُم مِن العَشرة الذين بشرهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بالجَنَّة... ومَعْنَى هَذَا أنّ القاتل عَمداً، والْمَقْتُول ظُلماً - بزعمهم - عند اللّه سواء !... وهكذا يمجد الجهلة الأغبياء أبطال الخِدَاع والأدعياء من حيث لا يَشعرون !.)(فَلَئِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ - أي فِي دَم عُثمَان - فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ. من أشتَرك مَع غَيْرُه فِي جَرِيمَة مِن الجرائم فها بِمَنْزِلَةِ سَوَاء، حسَاباً، وعقاباً. ومن أَقْوَال الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ» (2). (وَ لَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي، فَمَا)


1) أنظر، تأريخ الفتوح لابن أَعْثَمْ: 225/2، النّهاية لابن الأثير : 80/5. شرح النهج للمعتزلي: 77/4، تاريخ الطَّبَرِيّ : 12/3، خطب نهج البلاغة لعَبْدَه : 3/3، تاج العروس: 141/8، لسان الْعَرَب : 193/14، الكَامِل في التاريخ : 206/3، تذكرة الخواص : 61، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 49/1، ولكن بلفظ (فجر)، السيرة الحلبية : 286/3، ترجمة الإمام الحسن لابن عساكر : 197 ح 325، المحصول للرازي : 343/4. شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبو رية: 170.

2) أنظر، خطب نهج البلاغة : 82/4، الحكمة (353)، عيون الحكم والمواعظ : 116، شَرْح نَهْجِ الْبَلاغة لابن أبي الحديد: 269/19.

التَّبِعَةُ إِلا عِنْدَهُمْ. إنْ لم يَكُنْ الْإِمَام شَرِيكاً مَع عَائِشَةَ، وطَلْحَة، والزُّبَيْرِ فِي دَم عُثمان فهم وحدهم المَسْئُولون عَنْه، والمؤاخذون عَلَيْهِ، وإِذَنْ بأي مبرر يطالبون بدمه ؟... سلام اللّه عَلَيْكَ يَا مَولاى... أنتَ تَنطق بلسان اللّه، والحَقِّ، وهم يتَكَلَّمُون بِلُغة السّاسة، وَالسَّيَّاسَة.)(وَ إِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ. لأنهم يزعمون أن عُثمان قتل مظلُوماً، وهُم القتلة، ومَعْنَى هَذَا أَنهم قَد حَكموا بِأَنْفُسِهِم عَلَى أَنفُسِهِم (يَرْتَضِعُونَ أُمَّا قَدْ فَطَمَتْ) وَجَفّ لَبنها، يُرِيد الإِمَام بِهَذَا المثال أنّ طَلْحَة، والزُّبَيْرِ يَطلبان الخلافة بعد أن أدبرت عنهما، ونفرت مِنْهُما، ولقلَّما أَدبَر شَيء فأقبل كما قَالَ الْإِمَام. (وَ يُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ). المراد بالبِدْعَة هنا سِيرة عُثمَان في توزيع الأَمْوَال، والمناصب، أَمَّا إحياء طَلْحَة، والزبير هذه البدعة فهو محاولتها أن يُعيدا هَذِهِ السِّيرَة إِلَى الحياة... وكَانَ طَلْحَة قد طَلب مِن الإِمَامِ الْوِلَايَة عَلَى الْبَصْرَةِ كَمَا طَلب الزُّبَير الوِلَايَة عَلَى الْكُوفَة، ومُراده بإمَامَة هَذه البدعة أنه قد أبطل هُو سِيرة عُثمان وَقَضَىٰ عَلَيْهَا.)(يَا خَيْبَةَ الدَّاعِي !. قَالَ أبن أبي الحَدِيد : «الدَّاعي هو أحد الثلاثة : الرَّجُلان والمرأة» (1)أي طَلْحَة، والزُّبَيْرِ، وعَائِشَةَ (مَنْ دَعَا !) !. هَذَا تَحقِير للداعى، وشَأنه والإستخفاف به، وبدعوته تماماً كما تقول لمن تَزدَرِيه : مَن أنتَ !.... (وَ إِلأمَ أُجِيبَ) ! إِلَى الْبَغْيِ، والجَوْر !. حاشا للّه، والْمَعْصُومِين مِن أَوْلِيَائه (وَ إِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّه عَلَيْهِمْ) وَهِى الْوَفَاء بالعهد. قَالَ تَعَالَى: (وَأَوْنُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ)


1) أنظر، شَرح النهج : 305/1.

مَسْئُولًا (1)وَقَالَ : (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (2)... (وَ عِلْمِهِ فيهم) بأنهم نكثوا العهد، ومَن نَكثهُ حَلت عقوبته. قَالَ تَعَالَى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ فِيهِمْ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّه يَدُ اللّه فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللّه فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (3)أي سَقطت حُرمته بعد أن انتهك حُرمة الْحَقِّ، والعَهد.)(فَإِنْ أَبَوْا عَن الْوَفَاء بِعَهد الْبَيْعَة، وأصرُوا عَلَى إيقاظ الْفِتْنَة، وإعلان الحرب (أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ) لِلْقَضَاء عَلَى الْفِتْنَة، والْفَسَاد (وَكَفَى بِهِ - أي السَّيْف - شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ، وَ نَاصِراً للْحَقِّ !). الْإِمَام يَسْتَعمل السَّيْف ليُحطم بهِ سَيْف الْبَغْيِ والضّلال. ومِن أَقْوَاله : «وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللّه هِيَ الْعُلْيَا، وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ هِيَ السُّفْلَى، فَذلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبيلَ الْهُدَى، وَقَامَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ» (4).)(وَ مِنَ الْعَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطَّعَانِ! وَ أَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلَادٍ !. وموضع العجب ! أنهم أعرف النَّاس بشجاعة الإِمَام، وثباته. (هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ !) دُعاء عَلَيْهِمْ بالثكل. (لَقَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلا أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ ! وَ إِنِّي لَعَلَىٰ يَقِينٍ مِنْ رَبِّي، وَ غَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي). قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «بيّن الْإِمَام فِي الجُمل)


1) الإسْرَاء : 34.

2) البقرة : 177.

3) الْفَتْح : 10.

4) أنظر. خطب نهج الْبَلاغة : 89/4، الحكمة (373).

الأخيرة أنّه خُلق للحَرْب، فَهُوَ لا يهابها من طبعه، ثُمَّ أَرْدَاد إقداماً عَلَيْهَا، لأنه عَلَى يَقِين من رَبِّه في حقه، وإنّه ما أعترته شُبهة قط في دينه، فكَيْفَ يُهدد، أو يُرْهَب مِن حَاله كَذَلِكَ» ؟(1.)


1) أنظر، شرح النهج : 90، مطبعة عَبْدَه، وشَرْح النهج : 306/2.

## الخطبة - 23 -### أَعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءِ، وَلَا سُمْعَةٍ فِقْرَة 1 - 2: 1(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ كَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ لِأَخِيهِ غَفِيرَةً فِي أَهْلٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ نَفْسٍ فَلَا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً، فَإِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَ يُغْرَي بِهَا لِئَامُ النَّاسِ، كَانَ كَالْفَالِجِ الْيَاسِرِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ الْمَغْرَمُ (1، وَكَذَلِكَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْبَرِيء مِنَ الْخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللّه إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ : إِمَّا دَاعِيَ اللّه فَمَا عِنْدَ اللّه خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللّه فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ، وَ مَالٍ، وَ مَعَهُ دِينُهُ، وَ حَسَبُهُ. وَإِنَّ الْمَالَ وَ الْبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، وَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الْآخِرَةِ، وَ قَدْ يَجْمَعُهُمَا اللّه تَعَالَى لِأَقْوَامٍ، فَاحْذَرُوا مِنَ اللّه مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَخْشَوْهُ خَشْيَةٌ لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ، وَأَعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءٍ، وَلا سُمْعَةٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللّه يَكِلْهُ اللّه لِمَنْ عَمِلَ لَهُ. نَسْأَلُ اللّه مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَ مُعَايَشَةَ السُّعَدَاءِ، وَ مُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ (2)).)

اللُّغَة:الغَفِيرَة : الزَّيَادَة. وغَشَا زَيدٌ بَكْراً : أَتَاهُ، وَيُغْرَي : يُحَرْض. والفَالِج : الرَّابح. وَالْيَاسِرِ : اللاعب بِالمَيْسِرِ أي القمار. والقداح : سِهام يُلعبُ بها بالقمار. والمَغْرَم: والمَغْنمَ: المَنْفَعَة. والمَغرم : المضرة. والحرث : ما يعود عَلَى الحارث بالنفع. والتغذير : العُذر الْكَاذِب. والسَّمْعَة : الشُّهرة، أو ما يقصد به الشُّهرة.الْإِعْرَاب :أَمَّا للتوكيد، وبَعْدُ ظرف مبني عَلَى الضّم في محل نصب مُتَعَلاقِ بِفعل مَحْذُوف أي نزُولاً مِثل نزُول قَطَرَات، وَمَا لَمْ يَغْشَ «مَا» مَصْدَرِيَة ظَرفِيّة، والمرء أسم أنّ، وكَانَ كَالْفَالجِ خَبَرها، وكَذَلِكَ الْمَرْءِ مُبْتَدَأَ، وخَبَرَ، فَإِذَا هُوَ «إِذَا» للمُفَاجَأَة.الْمَعْنَى:تَكَلَّمُ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ كَثِيراً عَن الْرِّزْقِ فِي خِطبهِ، ورَسَائله، وحِكَمه، ويَأْتِي الْبَيَان، وكلامه واضح وصريح في أنّ الرِّزْق مُقدَّر، ومقسوم، من ذَلِكَ قَوْله : (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ كَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانِ). قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه في تعليقه : «أنّ الْمَطَر مُقدر بالقِياسِ إِلَى الأماكن التي يَسقط فيها، وهُو مَصْدَر أَرْزَاق الخلائق» (1). وأقتبس الشيخ هَذَا المَعْنَى مِن أبن أبي الحَدِيد كما هُو شَأنه في أَكْثَر أَقْوَاله، وتعليقاته، وقد ينقل)


1) أنظر، خطب نهج البلاغة : 61/1.

العبارة بنصها الحرفي.### لِلمِنْبَرِ - فِي الرِّزْق:كتبت كَثِيراً عَن الْرِّزْقِ، وأسبابه فِي «التَّفْسِير الكاشف» (1.)والآن أعود إلى هَذَا المَوْضُوع للمرة السادسة، وبعد التأمل، والتفكير العميق، وتَتَبَّع الآيات، والرِّوَايَات، وبعد تجارب مَرَّات، ومَرَّات - انتهيت إِلَى الْإِيمان القاطع بأنّه لا يحدث شيء فِي الْوُجُود من جليل، أو حقير إلا واللّه فيه قضاء، وتدبير... وَهَذَا هُو الأصل الأَوَّل، والمبدأ الأساسي لعقيدتي في كل الميادين، وفَلسَفتى لكلّ بَحث أتَكَلَّم فِيهِ أَيَّا كَانَ نوعه، ومَوْضُوعَه.ولَيْسَ مَعْنَى هَذَا أنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يَتَوَلَّى ُكلّ صَغِيرة، وكَبِيرة بنَفْسِهِ مُباشرة، وبلا واسطة، بَل مَعناه أنّ كلّ شيء خاضع لسلطانه تَعَالَى، وإنّه لا شيء يحدث في الأَرْض، والسَّماء قسراً لإرادته، ولَكِنَّهُ، جَلَّت حكمته، شاء أنْ يُربط المسببات بأسبابها، والنتائج بمقدماتها، وهُو تَعَالَى الْقُوَّة المبدعة لكلِّ مُقدمة، وسَبب، ويعني هَذَا أنّ اللّه يُقسم الأرْزَاق، ولكنْ عَن طريق العمل، ويهب الأولاد بواسطة الزواج، ويمنح الشهرة، والجاه لأهْل العِلم، والموهبة، والخدمات الإنسانية.. وهكذا كلّ جهد يبذله الإِنْسَان يُمكن أنْ يُحقق النتائج المقصودة بمشيئة اللّه تَعَالَى


1) أنظر، فِقْرَة «الْرّزْق وفساد الأَوْضَاع» في تفسير الآية (66) من سورة المائدة، وفقرة «هل الرِّزْق صدفة، أو قدر» في تفسير الآية (100) من هذه السُّورَة وفِقْرَة «الإِنْسَان والرِّزْق» عند تفسير الآية (26) من سُورَة الرَّعْد، وفِقْرَة «الرِّزْقِ والثَّقَة بالمخلوق دُونَ الخَالِق» عند تفسير الآية (60) من سورة الْعَنْكَبُوتِ، وفِقْرَة «الرِّزْقِ الْعَمَل لا بالدعاء» عند تفسير الآية (27) من السُّورَى (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

لأنه هو الَّذى خَلق الكون بما فيه، ولو شاء الذهب به، وبما يحويه.وَتَسْأَل : أَليس مَعْنَى هَذَا أنَّ الإِنْسَان مُسيَّر، لا يُخيّر، وبالتالي أَنه غَيْر مَسْئُول أمام اللّه عَن سلوكه، وأفعاله ؟الجواب:إِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ مَنح الإِنْسَانِ الْعَقْل، والْقُدْرَة، والإِرَادَة، وبالعقل يُميّز، وبالْقُدْرَة يفعل، وبالإرادة يَسْتَطِيع أن يختار أحد النّجدين : طريق الخير، وطريق الشّر : ويسلك أيهما شَاء. عَلَى هَذَا يَكُون لِلإِنْسَان شيء من الحُرِّيَّة يستتبّع المَسْئُولية أمام اللّه... (1.)سُؤال ثَانٍ : هَل الرِّزْقِ الْحَرَام أيضاً مقسوم، ومُقدر مِن اللّه تَعَالَى ؟.الجَوَاب:يَسْتَحِيل في حقه سُبْحَانَهُ أَنْ يُحَرِّم عَلَى الإِنسان أخذ المال بلا مبرر، ثم يجعله رِزْقاً له، لأنّ ما حَرُم أخذه حَرُم عطاؤه... بالإضافة إلى أنّه تَشجِيع عَلَى الْحَرَام وَفِعله... ولكنْ إِذَا أختار الإِنْسَان رِزقه من الحَرَام يَتركه اللّه، وسُوء إختياره، وفي الوقت نَفْسه يحرمه مِن الرِّزْق الحلال الَّذِي كَانَ مُقدراً له، ثم يحق عَلَيْهِ القَوْل بنزول العذاب.وفي الآثار : أن السارق إِذَا سَرق حَبَسه اللّه من رِزقه، وكَانَ عَلَيْهِ إِثْمه، ولو صَبر


1) أنظر، ذَلِكَ مفصلاً في كتابنا : «فَلْسَفَة التَّوْحِيدِ وَالْوِلَايَة» بعنوان «فَلْسَفَة الإختيار»: 66. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

لنال ذلك من وجهه المشروع، وخير ما قرأت فِي بَاب الرِّزْق قول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إِنَّ اللّه أبى إلا أنْ يجهل أرزاق المُتَّقِينَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُون، وأَنْ لا يقبل لأوليائه شهادة في دولة الظَّالِمِينَ» (1)... وَهَذَا ثابت بأليس، والعيان. فالذي ينجر بالمحَرَّمات يَعْرِف دَخله سلفاً، وقبل الأوان، أَمَّا الْمُتَّقُون فَعَلَى بَابِكَ يَا كَرِيم.)(فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ لِأَخِيهِ غَفِيرَةً فِي أَهْلِ، أَوْ مَالٍ، أَوْ نَفْسٍ فَلَا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً. الغَفِيرَة الزِّيَادَة، وهى في الأهل كثرة الأولاد، والأعوان، وفي النفس العُمر الطويل، والجاه العريض، والصّحة الدائمة، والمراد بالْفِتْنَة هُنا ما يُفضي إِلَى الحَسَد، والغيرة، أو الطّمع، والتودد الكاذب لأهل الجاه، والمال يلتمس ما فِي أَيْدِيهم من حُطام، والمَعْنَى أَنْ الطَّيِّب الصالح يغض البصر عمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، ويترفع عن الْحَسَد، وغَيْرِه مِمَّا يُشين، ويُهين، وَلاَ يَتقرب إِلَى مَخلوق إلّا بِما يُرضي اللّه، والضَّمِير.)(فَإِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ - بفتح الياء وسكون الغين - دَنَاءَةً تَظْهَرُ. أي لم يجترح سَيِّئَة تَثبت عَلَيْهِ (فَيَخْشَعُ لَهَا) يَستَحي مِنْهَا (إِذَا ذُكِرَتْ) ويتوارى عن الْأَعْيُن خجلاً من سُوء ما يُذكر بهِ (وَ يُغْرَي بِهَا لِئَامُ النَّاسِ) يَحملهم عَلَى هَتك ستره، ونشره في الملأ، ويفتضح حيث الفَضيحة بِهِ أَوْلَى (كَانَ كَالْفَالِج) الرابح (الْيَاسِرِ) المقامر، من اللعب بِالمَيْسِرِ أي بالقمار (الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ - أي السّهام التي يلعب بها في القمار - تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ الْمَغْرَم). أي أن الذي يجترج السَّيِّئَات مثله كمثل المقامر الرابح ينتظر أَوَّل كَسب يجلب لهُ نَفْعاً،)


1) انظر الكافي : 571/2، أمالي الشيخ الطوسي: 300 ح 40. رسائل المرتضى : 57/17 ح1.

ويدفع عَنْه ضَرّاً... مع وجود الفارق بَيْنَ الاثْنَيْن، ولذا قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ: وَ (كَذَلِكَ) وشَبِيه بالرَّابح الَّذي جَلب له الربح المَنْفَعَة، ودفع عَنْه المضرة (الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ) لعَهد اللّه في حَلاله، وحرَامه (يَنْتَظِرُ مِنَ اللّه إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) وهُما حَسَنَات الدُّنْيَا، وحَسَنَات الآخِرَة، وأشار إلَى الثَّانِيَة بقَوْله : (إِمَّا دَاعِيَ اللّه فَمَا عِنْدَ اللّه خَيْرٌ لَهُ). لأنه تَعَالَى أَعَد للمُحسنِين مَّغْفِرَة وأجرَاً كَرِيماً، وأشار إلى الأُولَى بقَوْله : (وَ إِمَّا رِزْقَ اللّه فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلِ، وَ مَالٍ، وَ مَعَهُ دِينُهُ، وَ حَسَبُهُ). أي وإِنْ أَمَدَّ اللّه في حياته عاش سَعِيداً في دينه، وكرامة في عرضه، وقد يَفتح اللّه عَلَيْهِ باب الخيرات، والبركات، فيسعد أيضاً، ولو لحظات فِي نَفْسِه، وأهله وماله. وهناك لون آخر من السَّعَادَة أكثر متعة من الأَهْل، والمال، وهُو أنْ تَقرأ عَلَىَ أنفراد كتاباً، أو مقالاً يَجمع بَيْنَ الحَقِيقَة، والفن، بَيْنَ رقة العاطفة، وفائدة العلم، ولم يُشر إِلَيْهِ الإِمَام لأنّه للصفوة لا لجميع الْفِئات.)(وَ إِنَّ الْمَالَ وَ الْبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا يَتمتع الإِنْسَان بهما أَيَّامَاً، ثم لا شيء، تماماً كالتمتع برُؤية الكَوَاكِب، والحَدَائِق، والأشجار، والأَنَّهَار (وَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الْآخِرَةِ). وحصاده مُلك دائم، ونَعِيمِ قَائِم، وهُو حَرَامِ إِلَّا عَلَى من أطاع الرَّحْمَان وأتقى مدارج الشَّيْطَان (وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللّه تَعَالَى لِأَقْوَامٍ). ضَمِيرِ التَّثنية يعود لخير الدُّنْيَا، وخَير الآخرة، وَقَدْ : هنا للأقل من القليل، لأنّ البلاء موكل بالمؤمن، وذاق الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنْهُ الكَثِير الكثير، وَقَالَ سُبْحَانَهُ لنَبِيِّه، والَّذِينَ آمَنوا مَعَه : (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَنَّى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (1).)


1) آلِ عِمْرَانَ : 186.

(فَاحْذَرُوا مِنَ اللّه مَا حَذَرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ. حَيْث قَالَ عَزَّ مَن قَائِل : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (1).)(وَ أَخْشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ أي بذات عُذر عَلِيل، والمَعْنَى مَن خَاف اللّه حقاً، وصدقاً لم يعصه في شيء يعتذر معه بأعذار واهية كاذبة، ومَن عَصى اللّه وأعتذر مُدعِياً الخَوْف مِنْهُ فَهُوَ كَاذِب في دعواه، لأنّ الَّذِي يَخاف اللّه يَتَبَيَّنَ خَوْفه في عَمَله، وبِكَلِمَة : المُؤْمِن الحَقِّ لا يخشى إلا اللّه، وَلاَ يُطيع أحداً سواه.)(وَ أَعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءٍ، وَلا سُمْعَةٍ. وهل يَجْتَمِع الرِّيَاء، والإِيمان بأن اللّه وحدَه هو مالك الضُّر، والنفع ؟ أَمَّا الشُّهرة فَهِيَ مَعشوقة الأذلاء الذين يعتزون بغير اللّه (فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللّه يَكِلْهُ اللّه لِمَنْ عَمِلَ لَهُ). هَذَا هُو الحَقِّ، والعَدْل، لأنّ أُجرة الخادم عَلَى مَخدُومه، ومَن كَانَ له الغنم فَعَليه الغُرم(2)... بالإضافة إلى أن العَمَل لغَير اللّه شِرك في واقعه، وتعدٍ عَلَى حقه تَعَالَى، فإنّ العبد يفعل بقدرة من اللّه، فإِنْ تصرف بها في غَيْر طَاعته فقد خَانِ الأَمَانَة.)(نَسْأَلُ اللّه مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَ مُعَايَشَةَ السُّعَدَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ. ونَحْنُ أيضاً نَسْأَله تَعَالَى مُرافقة عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين سيّد الأَوْصِيَاء، وإمام الأنقياء.)### الْقَرَابَة... فِقْرَة 3 - 4:(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ - وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ - عَنْ عِتْرَتِهِ، وَ دِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَلْسِنَتِهِمْ، وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةً مِنْ وَرَائِهِ، وَأَلَمُهُمْ لِشَعَثِهِ، وَ


1) النُّورِ : 63.

2) هَذه قاعدة عقلانية، أنظر. القواعد الفقهية للبجنوردي : 308/6.

أَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ. وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللّه لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يَرِثُهُ غَيْرُهُ (3.)وَمِنْهَا : أَلا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ الْقَرَايَةِ يَرَى بِهَا الْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَ لَا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ، وَ مَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَ تُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ، وَ مَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةُ (4.)اللُّغَة:الحَيْطَة - بفتح الحاء - الرعاية، وبكسرها الصيانة : والمَعْنَيَان متقاربان. والشَعَث - بِفَتح الْعَيْن - التفرق. والنَّازِلَة : المصيبة. وَلِسَانُ الصِّدْقِ : حُسن الذِّكر بِالْحَقِّ. والخصَاصَة : الْفَقْر، والْحَاجَة. والحَاشِيَة هُنا : الجانب، والجناح، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (1).)الْإِعْرَابِ:حَيْطَةٌ تمييز، وإلا للتنبيه، والمَصْدَر من أَنْ يَسُدَّهَا بَدل أَسْتَمالَ مِن الْقَرَابَةِ، أَي لا يعدلن عَن سَدِ حَاجَةِ الْقَرَابَة مِثل أَعْجَبنِي زَيد ثَوبه، أَي أَعْجَبَنِي ثَوب زَيد.الْمَعْنَى:نَصِّ الإسلام كتاباً، وسُنَّة عَلَى أَن ِللْفُقَرَاءِ حقاً معلوماً فِي أَمْوَالِ الأَغْنِيَاء عَلَى


1) الإسراء: 24.

سَبِيل الشركة حَقِيقَة، أو حكماً من غَيْر فَرقَ بَيْنَ أَنْ يَكُون الفَقِير مِن أقارب الْغَنِيّ، أو بَعِيداً عَنْه رَحماً، ونَسباً... نعم القريب أَوْلَى استحباباً من البعيد، وفِي بَعْض الرَّوَايَات «لا صَدَقة وذُو رَحِم مُحتاج» (1... و ما جعل الإسلام للقريب الْفَقِير ولا غَيْرُ الإِسْلام - فيما نعلم - نَصِيباً فِي مَال قَرِيبه الْغَنِي مَا دَام حيَّاً، أَمَّا وجوب الإِنْفَاقِ عَلَى فِئَة خَاصَّة مِن الأقارب فَلا يَسْتَدعي أنْ تَكُون هَذِهِ الْفِئَةُ شَرِيكة لِلغَني فِي أَمْوَاله.)ومِن أجل هَذَا سَلك الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ سَبِيلاً غَيْر النّص كالاِسْتِحْسَان، وهو يحث الْأَغْنِيَاء أَنْ يُنفقوا عَلَى أقاربهم الْفُقَرَاء، كتَر غِيب الْغَنِيِّ البَاذل في الذكر الجميل الَّذي أشار إِلَيْهِ الْإِمَام ِبقَوْله : (وَلِسَانُ الصِّدْقِ) وقُوَّتِه بالعَشِيرة، والقَبِيلة (وَ دِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَلْسِنَتِهِمْ) وأن المال الذي فِي يَده (يَرِثُهُ غَيْرُهُ... لا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ، وَلا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ) وما إِلَى ذَلِكَ من أوجه الإِسْتِحْسَان... وَلاَ محذور من الإعتماد عَلَيْهِ، وَعَلَى القِياس أيضاً في الإستدراج إِلَى عَمل الخير.)ونكتفي بهذه الإِشَارَة، لأنّ كلمات الإمام واضحة فِي هَذَا البَاب لا تحتاج إلى الشرح، وهدفه أوضح، بالإضافة إلى أن صلة الرحم أشبه بالأمور الخاصة كعقوق الوالدين... ومِن أجل هَذَا لا نجد لها أثراً فِي القَوَانِينَ الحَدِيثة، وأَقْوَال المُشرعِين مَع أنهم تَكَلَّمُوا عَن حقوق المرأة، وأوضاع العاطلين عَن الْعَمَل، واللاجئين، والمتقاعدين.


1) أنظر، من لا يحضره الفقيه : 38/2 ح 166، الناصريات: 321، البحر الزخار : 380/4، الخلاف : 128/5 المعتبر : 2 / 616، المجمع : 335/15.

## الخطبة - 24 -### فِرُّوا إِلَى اللّه :(وَ لَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ، وَخَابَطَ الْغَيَّ، مِنْ إِدْهَانٍ وَلَا إِيهَانٍ. فَاتَّقُوا اللّه عِبَادَ اللّه، وَفِرُّوا إِلَى اللّه مِنَ اللّه، وَأمْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ، وَقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ، فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْحِكُمْ آجِلاً، إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً.)اللُّغَة:الإِدْهَانُ : نِفاق، وخُذان. والإِيمَانِ : ضَعف، وجُبن، ونَهَجَه : أَوْضَحه، وَبَيَّنه : وعَصَبَه : شدَّهُ، وربطه، والمراد هنا التكليف، والإلزام، والفَلْج : الفوز، والظفر.الإعْرَاب :لَعَمْرِي مُبْتَدَاً، وخَبَرَه مَحْذُوف وجُوباً أي قسمي، وَعَلَيَّ خَبَرَ مُقَدَّم، وإِدْهَان مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر و «مِنْ» زَائِدَة وعِبَادَ اللّه مُنادى عَلَى حَذف النداء، وآجلاً حَال من فَلْجِكُمْ، وعَاجِلاً حَالَ مِن ضَمِيره فِي تُمنحوه.

الْمَعْنَى:(وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقِّ، وَخَابَطَ الْغَيَّ، مِنْ إِدْهَانٍ وَلا إيهَانٍ.... أَبَداً لا شَيء عند علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا الحق، ورضى اللّه، فهو دينه، وديانه، ونَفْسه، وعَلقه، ولحمه، ودمه، وليَكُنْ بَعد هَذَا ما كَانَ من مَوْتٍ، أو حَيَاة، وهُو كَذَلِكَ يَسْتَحِيل في حقه أَنْ يُصانع، ويُداهن في أمرٍ من أُمور الإسلام، والمُسْلِمِين. أو يجين، ويُضعف أمام أَهْل الْبَغْى، وأَعْدَاء الحق. ومن أَقْوَاله : «مَا ضَعُفْتُ، وَلَا جبنتُ، وَلَا خُنْتُ، وَلَا وَهَنْتُ، وَأَيْمُ اللّه لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ - أي المبطلين - حَتَّى أُخْرِجَ الحَقِّ مِنْ خَاصِرَتِهِ» (1). وَقَالَ: «لاَ يُقِيمُ أَمْرَ اللّه إِلَّا مَنْ لا يُصَانِعُ، وَلا يُضَارِعُ، وَلا يَتَّبِعُ المَطَامِع» (2).)(فَاتَّقُوا اللّه عِبَادَ اللّه، وَفِرُّوا إِلَى اللّه مِنَ اللّه مِن غَضبهِ إِلَى رَحمتِهِ، ومِن المُعْصِيَة إِلَى التَّوْبَة، وما طرق بابه الْكَرِيم طَارق إلا وشمله بعفوه، ورَحْمَته (وَ أَمْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ) وأوضحه في كتابه وسُنَّة نَبِيِّه من حدود الحلال، والحَرَام (وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ). أدوا إلى اللّه طاعته، وأتقوه فِي أَمْرِه، ونَهيه (فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لفَلْحِكُمْ آجلاً، إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً). إِنَّ أَجر المُتَّقِينَ فِي الْآخِرَة مُؤكد، ومَضمُون، أَمَّا أَجرهم في الدُّنْيَا فَرُبَّمَا، وَلَعَل... ولَيْسَ فِي شَكٍّ أَنْ القَلِيل الدائم - وإنْ قَل - خير مِن الزائل - وإنْ كَثرَ، فكَيْفَ إِذا قلَّ هَذَا، وَكَثُرَ ذَاكَ !!)


1) أنظر، خطب النهج : الخطبة (104).

2) انظر. نهج البلاغة : الحِكْمَة (110).

## الخطبة - 25 -### مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّونِي... فِقْرَة 1 - 2:(مَا هِيَ إِلا الْكُوفَةُ، أَقْبِضُهَا، وَأَبْسُطُهَا، إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلا أَنْتِ، تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اللّه !لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي ***عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِيلأنبِئتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ، وَ إِنِّي واللّه لَأَظُنُّ أنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِأَجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ، وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ، وَ بِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ، وَ خِيَانَتِكُمْ، وَ بِصَلَاحِهِمْ فِي بِلادِهِمْ، وَ فَسَادِكُمْ. فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَىٰ قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاقَتِهِ (1. أَللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ، وَ مَلُونِي، وَ سَئمْتُهُمْ، وَسَئمُونِي، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَ أَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي، أَللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، أَما واللّه لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ (2)).)هنَالِكَ، لَوْ دَعَوْتَ، أَتَاكَ مِنْهُمْ ***فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الْحَمِيمِ (1)


1) ينسب هذا الشعر إلى أبي جندب الهذلي، وفي روايته : رجال مثل أرمية الحميم، كما جاء في اللسان: 14 / 337 : 54/19 تاج العروس: 157/10، وقيل للأخفش كما في غريب الحديث للحربي : 77.

اللُّغَة:أَقْبضُهَا، وَأَبْسُطُهَا : أَتصرف فِيهَا. والأَعَاصِيرُ : جمع إعصار، ريح ترتفع بالغُبار وتستدير كالعمُود. اطَّلَعَ : بَلَغَ. والقَعْب - بفتح القاف : القدح. والعِلاقَة - بِفَتح الْعَيْن - لما لا يحس من المعاني، وَبِكَسرها لما يحس، وَهِي ما يعلق من الشّيء. ومِثْ : أذب.الإعراب:هِيَ ضَمِيرِ القِصَّة مُبْتَدَأَ، والْكُوفَةُ خَبَر، وجُملة أَقْبِضُهَا خَبَر مُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي أنا أَقْبِضُهَا، والياء في تَكُوني للمُخَاطبة أسماً لكان، وأَنْتِ تأكيد للياء، وخَبَر كَانَ مَحْذُوف أي عِدة، وقُوَّة، أُنْبِئْتُ نَبأ يتضمن مَعْنَى العِلم، ولذا تعدى إِلَى مَفعُولين، نَاب عَن الأَوَّل تَاء الضَّمِيرِ، وبُسْراً مَفْعُول ثانٍ، والمَصْدَر مِن أَنَّ هَؤُلاء.. إلخ سَادٌ مَسد مَفْعُولي ظُنُّ، وخَبَرَاً مَفْعُول ثانٍ لأَبْدِلْنِي، أو صفة لمفْعُول مَحْذُوف أي قوماً خَيراً.### لِلمِنْبَرِ - عَلَيَّ وَالْخِلَافَة :بويع الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ بِالْخِلافَةِ فِي ذِي الحُجَّة سَنَة (35هـ)، واسْتُشْهِدَ في رمضان سَنَة (40 هـ)، فَكَانَتْ خِلافته حوالي (5 سنوات)، أبتدأها بعد (4 أشهر) بِحَرْب، أَصْحَاب الْجَمَل، فِي الْبَصْرَةِ، ثُمَّ حَرْب مُعَاوِيَة، وأهل الشّام فِي صِفِّين، ثُمَّ حَرْب الْخَوَارِج فِي النَّهْرَوَان... وهل صَفى الجو، واستقامت لهُ الْأُمُور، وأنتهى كلّ شيء بَعد هَذِه الحُرُوب ؟... كلاً لقد كَانَ ما بعدها أدهى، وأمرٌ : ثورات من الداخل)

يُعلنها فلُول الْخَوَارِج، وغَيْر هم مِن الناقمين عَلَى الْحَقِّ، والْعَدْلِ يعرّضون أمن الْعِبَادِ للخطر... وغَارات من الخارج يُصبها مُعَاوِيَة عَلَى البلاد، وتترك الدمار والدَّمَاء، والفَزع، والهلع... وجيش مُستثاقل مُتخاذل... وأَصْحَاب يَقُولُون (قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا(1)تَمَاماً كما قَالَ بَنُو إِسْرَائِيل اللّه، وكَلِيمه.)قَالَ طه حسين : «كَانَ عَلَيَّ لا يسد ثغرة إلَّا فُتحت له أخرى.... وأَصْحَابِهِ قَد أمْتَلئت خَوْفاً وذُلةً، وأنكسَاراً، فتخاذلوا، وتواكلوا، وقنعوا بالعَافِية في مِصْرهم، وفِها حولهم مِن هَذَا السواد القريب.... عَلَى ذَلِكَ مُمعنُون فِي الْعَجْز مُغرقُون فيها أحبُوا مِن العَافِية، قد فُل حدهم، وكُسرت شوكتهم، وطَمع فِيهِمُ الْعَدُوّ البَعِيد، وأُغري الْعَدُوّ المقيم بَيْنَ أظهرهم» (2.)هَذِه هِي خِلافة علي بأتعابها، وحرابها... وكان ختامها ضَربة بسَيْفٍ مَسمُوم أَصَابَه فِي جَبهته حَتَّى بَلغ الدّماغ، فلفظ النّفس الأخير، وهو يتلو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (3). وكَانَ هَذَا آخر كَلاَم نَطق به.... واقتسم ولداه : الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ميراث الوالد، فكان السّم مِن نَصِيب الْحَسَن، والسَّيْف من نَصِيب الحُسَيْن... والذنب ذنب «الحَقِّ»... أحبّه عَليّ وبَنُوه فكَان هَذَا جزاءهم مِن أعدائه. الْمَعْنَى:

(مَا هِيَ إِلا الْكُوفَةُ، أَقْبِضُهَا، وَأَبْسُطُهَا). أي أتصرف فِيْهَا. وَكَانَتْ الأقطار


1) البقرة : 93.

2) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكَبْرَى - 2 - على وينوه : 134 و : 164.

3) الزَّلْزَلَة :. 7 - 8.

الإسلامية كلها في تصرف الإمام، وسُلطانه ما عدا الشّام، ثُمَّ أنتزع الخصوم أكثر الأقطار، أو الكَثِير مِنْهَا، وبَقِي فِيما بَقِي الْكُوفَة، فحَقَّرها الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقَوْله : مَا هِيَ الأ الْكُوفَةُ.. إلى أي ليست بشيء إِذَا قِيست إِلَى غَيْرها... حَتَّى هَذِهِ الْكُوفَة عَاصمة الْإِمَام غَار عَلَيْهَا أبو مَرْيَمَ فِي جيش من الموالي المرتزقة ودنا مِنْهَا، فأرسل الإمام جنوداً لحربه فهزمهم... وعندها أضطر الإمام أنْ يَخرج إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَقَتله ومن مَعْه (1)(إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلا أَنْتِ، تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ). إنْ لم يَكُنْ لي من الجند، والأَنْصَار إلّا أهلك أُقاتل بِهِمْ الْبَاطِل، وأَهْله (فَقَبَّحْكِ اللّه !). أبعدك، وأبعد أَهْل الْعِرَاقِ، أَهْل الْغَدْر، والمكر، والغُرُور، والْفُجُور... وقد عرف الحجاج داءهم، ودواءهم، فكان هُمُ الطّبيب المداويا.

أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ. قَالُوا : أنْ مُعَاوِيَة، وأبن العاص، والمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ من دُهاة الْعَرَب... ومن البداهة أنّ الدّهاء يَحْتاج إِلَى عَقل : وَقَالَ أَهْل اللّه وأَوْلِيَاءه : العقل عقلان: رحماني يُعبد به اللّه، وَيُستغل في خدمة الإِنْسَان، وَصَالحه، وَشِيطاني يُتَّخَذ أداة للصُّوصِية، والتقتيل (2)، والتدمير كالعقل الذي أكتشف، أو صنع أخطر سلاح يُهدد مصير البشرية في القرن الْعِشْرِين... وَقَد أكتشف مُعَاوِيَة فِي عَهْدِه هَذَا النَّوْع من السلاح في أشخاص يَضمنون له التفوق عَلَى الْعِبَاد، والتحكم في مُقدرات البلاد تماماً كما هُو شَأن الذين يملكون في عصرنا أسلحة الخراب والدمار.


1) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبَنُوه : 140.

2) انظر، مطالب السؤول مُحَمَّد بن طَلْحَة الشافعي : 49.

ومِن هَؤُلاء الأشخاص الذين أكتشفهم مُعَاوِيَة بُسْر بن أَرْطَاة (1)

قَالُوا: فوهت عَلَيْها أُمّهما، وكَانَتْ لا تعقل، ولا تصغي إلا لمن يخبرها بقتلها، ولا تزال تنشدهما في الموسم :

هَا مَن أحس بابني اللذين هما ***كالدّرتين تَشَظَى عَنها الصدف

إلى آخر الأبيات. ولَسْنَا بصدد بيان حياة بُشر، والكتب التي ترجمته أو ذكرت نبذة من أموره الشنيعة كَثيرة، وقد ذكر أساميها في تعليقة 66 من كتاب الغارات، فراجع. نحن نحيل القارئ الكريم إلى المصادر الَّتِي تحت أَيْدِينَا فليلاحظها :

الْإِسْيعَاب : 64 - 67، وَقْعَة صِفِّين: 462 ط 2 سنة 1382 هـ و ط 2 تحقیق عبدالسلام هارون المؤسسة العَرَبِيَّة الحديثة، ومنشورات مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي قم لسنة 1404 هـ : 44 و 157 و 305 و 412 و 424 و 429 و 459 و 460 و 462 و 504 و 507، شرح النهج لابن أبي الحديد : 301/22، الأغاني : 45/15، تهذيب ابن عساکر : 3/ 220 تاريخ الطَّبَرِي : 6 / 80، و : 20/4 وما بعدها ط أخرى، كتاب الغارات برواية أبن أبي الحَدِيد في شرح النهج تحقيق مُحمَّد أبو الفضل : 3/2 - 14، تأريخ اليعقوبي : 141/2، تهذيب التهذيب : 436/1، تأريخ دمشق : 222/3، نهاية الْأَرَب للقلقشندي : 371 مروج الذهب بهامش أبْن الأَثير : 93/6، الجمهرة : 228 و 391، أسد الغابة : 30/340 و 10 / 180، ابن الأَثير : 153/3، كشف اليقين : 158، المعارف لابن قتيبة : 122، الفتوح لابن أعْثَمْ: 2/ 39 و 92، وما بعدها، الْإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 123/1 و 148 و 150.

، فلقَد كَانَ

1) هُو يُسْر بن أَرْطَاة ويُقَال : أبن أبي أَرْطَاة، وأسمه عمير بن عويمر بن عِمْرَانَ القُرَسَي العامري : كَانَ من شيعة مُعَاوِيَة، نزيل الشّام مات سنة (86هـ) وهو أحد فراعنة الشّام، وكَانَ مَعَ مُعَاوِيَة بصِفِّين. فأمَرَه أَنْ يلق عَلِيَّاً في الْقِتال. وَقَالَ له : سمعتك تتمنى لقاءه، فلو أظفرك اللّه به وصرعته حصلت عَلَى دنيا وآخرة ولم يزل يشجّعه ويُمنّيه حَتَّى رآه فقصده في الحزب فالتقيا فطعنه على فصرعه، فأنكشف له فكفّ عنه كما عرض له ذَلِكَ مَع عَمْرُو بن العاص. أختلفوا في أن بشراً أدرك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسمعه أم لا. وقَالُوا : إِنه لم يَكُنَّ له أستقامة بعد النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَكَانَ من أَهْل الرَّدَّة وقد دَعَا عَلَيْهِ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما بلغه أنه يقتل الصبيان من المُسْلِمِين فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللَّهُمَّ أسلب دينه، ولا تخرجه من الدُّنْيَا حَتَّى تُسْلِبهُ عَقله، فَأَصَابَه ذَلِكَ وفقد عقله، وكَانَ يهدي بالسَّيْف ويطلبه، فيؤتى بسَيْف من خشب، ويجعل بَيْنَ يديه زِقٌ منفوح، فلا يزال يضربه حَتَّى يَسأم، وتوفي في أَيَّام مُعَاوِيَة. وقَالُوا : دخل المدينة فخطب النَّاس، وشتمهم وتهددهم يَوْمَئِذٍ وتوعدهم وَقَالَ : شاهت الوجوه. ولما دخل اليمن ولقي ثقل عُبَيْد اللّه بن الْعَبَّاس، وفيه أبنان له صغيران، فذبحها بيده عدية كَانَتْ معه ثم أنكفاً راجعاً إلى مُعَاوِيَة. فقالت له إمرأة له : يا هَذَا قتلت الرّجال، فعلام تقتل هذين؟ واللّه ما كانوا يُقتلون في الجَاهِلِيَّة والإسلام، واللّه يا أبن أرطاة إِنَّ سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير. والشيخ الْكَبِير، ونزع الرَّحْمة، وعقوق الْأَرْحَام لسلطان سوء.

سفّاحاً مُفسداً فِي الأَرْضِ مُسرفاً في الحرق، والنهب، والْقَتْل، والذبح حَتَّى النِّسَاء والْأَطْفَال : فأختَاره مُعَاوِيَة، وجهزه بالسلاح، والرِّجَالَ، وَقَالَ له فِيها قَالَ : «أقسُ عَلَى أَهْل البَادِية من شيعة عَلَيَّ حَتَّى يَملأ قُلُوبهم ذعراً، وأنْ يَأْتِي الْمَدِينَة فَيُرهِب أَهْلِها حَتَّىٰ يَروا أنه الموت - لأنها أوت النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ونَاصِرته عَلَىٰ أَبِيهِ (مُعَاوِيَة) أبي سُفْيَانَ - ثُمَّ يَأْتِي مَكَّة فيرفق بأهلها، وَلا يُروعهم، ثُمَّ يَأْتِي اليَمَن فيخرج عَنْهَا عَامِل عَليّ، وينصر فِيْهَا شِيعة عُثمان» (1).

وَقَالَ طه حسين : «و مَضى بُشر، وأنفَذ أمر مُعَاوِيَة، وأضاف إِلَيْهِ من عِند نَفْسه قسوة، وغلظة، وإسرافاً في الإستخفاف في الدِّمَاء، والأَمْوَال، والحقوق، والحرمات. فكان كَثيرَ الفَتكَ فِي البَادِية. وجَاء المَدِينَة فروّع أهلها حَتَّى أراهم الكارثة رَأْيَ الْعَيْن. وأمرهم بِالْبَيْعَةِ لمُعَاوِيَة فَفَعلوا... ومضى إلى اليمن، ونشر فِيْهَا الروع بالإسراف فِي الْقَتْلِ، ثُمَّ أَخَذَ الْبَيْعَة لمُعَاوِيَة... حَتَّى ذَبح أبني عُبَيْد اللّه بن عَبَّاس، وكانا صَبيَّين» (2).

هذه هي كياسة مُعَاوِيَة الدَّاهية تجلت في سفك الدِّمَاء، ونهب الأَمْوَال، وذَبح الأطفال، في مبدأه «الميكيافيلي» الَّذي يُبرر أخَس الوَسَائِل لبلوغ الْغَايَة الدنيئة الأُموية.


1) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبَنُوه : 137.

2) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي :وبَنُوه : 137 – 138.

(وَ إِنِّي وَ اللّه لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ)، وهُم مُعَاوِيَة، وأَهْل الشّام (سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ). يَتَعْلَمُون عَلَيْكُمْ، ويَتَحكمون فِي أَمْوَالكم، ودِمَائكم... وصَدَقت نبوءة الْإِمَام، فقد تسلط من بَعده مُعَاوِيَة عَلَى الْعِرَاق، وأَذل أهله بالسَّيْف، وأَذَاقهم اللّه وبال أمرهُم ثُمَّ أَشَار الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَى الْأَسْبَاب الموجبة لذلك، وَهِي أَرْبَعَة :

1 – (بِأَجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ). تَعِيش الدول، وتُحقق أهدافها إذا توافر لديها رجال، وجنود منضبطون، وموحدون، وإِلَّا كَانَ مَصِيرها في كفّ الْقَدَر، وشاءت الظروف أن تكون دولة على فِي الْعِرَاق، ومِن أَهْل الشقاق، والنِّفَاق، ودولة مُعَاوِيَة فِي الشّام، ومِن أَهْل النظام، والوئام... فَلا بَدع أنْ تَنبت هَذِه، وتَتَزَلزَل تلك.

2 - (وَ بِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ، وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ). ونقل ابن أبي الحَدِيد عَن الجاحظ (1)

و «الْبَيَان والتبيين» و «البخلاء» و «المحاسن والأضداد» وغَيْر ذَلِكَ كما ذكر صاحب الأعلام الزركلي في ترجمته: 74/5.

: «الْعِلَّة في عصيان أهْل الْعِرَاقِ عَلَى الأمراء، وطَاعَة أَهْل الشّام : أنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَهْلِ نَظر، وذُوو فِطن ثاقبة، ومع الفِطنة، والنظر يَكُون التنقيب والْبَحْث، ومع التنقيب والبحث يَكُون الطَّعن، والقدح، والترجيح بَيْنَ الرِّجَال، والتمييز بَيْنَ الرُّؤوساء، وإظهار عيوب الأمراء، وأَهْل الشّام ذُوو بلادة، وتقليد، وجمود عَلَى رَأي واحد، لا يروون النّظر، ولا يسْأَلُون عَن مُغيّب

1) هُو عَمْرُو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي أبو عُثمان الجاحظ (163 هـ - 255 هـ)، كبير أئمة الأدب، ورئيس فرقة الجاحظية من المعتزلة، وصاحب التصانيف الكَثِيرة منها كتابه «الحَيَوَان» في أَرْبَعَة مجلدات

«الأحوال» (1).

وَهَذَا مُجرد وهم، وكلام، فأيّة عيوب أظهرَها أَهْل الْعِرَاقِ لحكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟. والصحيح ما قاله المؤرخون، وأهل السّير القدامى، والجدد، ومِنْهُم طه حسين: «مِن أنّ مُعَاوِيَة كَانَ يكيد، ويُمكر، ويُشتري مِن النَّاس دِينهم وضمائرهم، وأنّ عَلِيَّاً لَم يَكُنْ يَستبيح لنَفْسِه مَكراً، وَلا كَيداً، وَلاَ دَهاءً، بل كَانَ يُؤثر الدِّين الخالص عَلَى هَذا كله، وكَانَ يَحتمل الحَقِّ مهما تنقل مُؤونته، لا يُعطى فِي غَيْر مَوضع العَطَاء، وَلا يَشتري الطَّاعَة بالمال، وَلا يُحب أنْ يُقيم أمر الْمُسْلِمِين عَلَى الرّشوة، ولَو شَاء عَليّ لمكر، وكَاد، ولَكِنَّهُ آثر دِينه وأبى إلا أنْ يَمضي في طريقه إِلَى مُثله العُليا من الصراحة، والحق، والإخلاص، والنُّصح اللّه، ولِلْمُسْلِمِين عَن رِضى، واستقامة لا عَن كَيدٍ، والتواء» (2).

وآية ذَلِكَ قَوْله : أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَطْلَبَ النَّصْرَ بِالجَوْرِ ؟ (3).

3 - (وَ بِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ، وَ خِيَانَتِكُمْ). الْمُرَاد بِالأَمَانَة هُنا البَيْعَة وأنّ أَهْل الشام بايعوا مُعَاوِيَة ووفوا، وأنّ أَهْل الْعِرَاق، وغَيْرهم بايعُوا الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغَدَروا.

4 - (وَ بِصَلَاحِهِمْ فِي بِلادِهِمْ، وَ فَسَادِكُمْ). أَهْلِ الشَّامِ يُدافعون عَن بِلادهم ويُستَمِيتون في سَبيلها، أَمَّا أَهْل الْعِرَاق فقد آثروا الراحة، والدعة، وما دفعوا ضيماً، ولا جلبوا مَغْنماً (فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ


1) أنظر، شرح النهج : 343/1 البيان والتبيين : 137/2، تاريخ الطَّبَرِيّ : 212/7.

2) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبنوه : 162 و 163.

3) أنظر. خطب النهج : 6/2، من كلام له رقم (126).

بِعِلاقَتِهِ). نِفَاق، وَشِقاق، وفوق ذلِكَ كلّه الرّتع في الخيانة، وعَدمِ الْأَمَانَة حَتَّىٰ عَلَى أتْفَه الأَشْيَاء.

(اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ، وَ مَلُونِي، وَ سَئمْتُهُمْ، وَ سَئمُونِي). مَلَّهُم، وَسَئمهم لخيانتهم، وَنِفاقهم، وشقاقهم، ومَلّوه، وسَئموه لإخلاصه، وَعَدله، وصلابته في جنب اللّه (فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي). هُو خيرٌ بِلا شرّ، وهُم شر بلا خير، وَلا قاسم مشترك بزينه، وبَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ المعايشة ؟. ومن أجل هَذَا دَعا اللّه سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَله مع الذين عَلَى شاكلته، ويجعلهم مع مَن هُو عَلَى شاكلتهم.

(أَللَّهُمَّ مِتْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاتُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ). أي سلط عَلَيْهِمْ الهموم، والأحزان، ومِن أَقْوَاله : الهُمّ نِصْفُ الهرَم(1)(أَمَا واللّه لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ) بفتح الغين، وسكون النون، وهُم بَني تغلب مشهورُون بالشَّجَاعَة، ومِنْهُم رَبيعة بن مكدم حامي الظَّعِينة حَيّاً، وَمَيتَاً، وذَلِكَ أنّه كَانَ فِي بَعْض أسفاره، وَمَعه نِسوة يَحميهن وحده، فَعَرض لهُ جَمَاعَة مِن الفرسان ليَسبُوا الحَريم اللاتي معه، ورَمَاه أحدهم بسَهم أَصَابَ قَلْبَه، ولما أَيقَن بالموت نصب رمحه فِي الأَرْض واعْتَمَد عَلَيْهِ، وأشار إلى النُّسوة بالمسير، فَسُّرن حَتَّى بَلغن مأ مِنْهُم دُونَ أنْ يَتعرض أحد هن، لأنّ الفرسان ظَنوا أنّ رَبيعَة مَازَال حَيّاً (2).


1) أنظر، خطب النهج : 34/4 المحكمة (143).

2) هُو ربيعة بن مكتم بن حدثان بن جذيمة بن علقمة بن فراس الشجاع المشهور، أنظر. ترجمته وقصته في الغارات : 427/2، شرح النهج للمعتزلي : 342/1 الأعلام للزركلي : 17/22، الأنساب للسمعاني :355/4 تأريخ اليعقوبي: 61/2، معجم ما استعجم : 1120/4.

الخطبة - 26 -

فَلا ظُفِرَتْ يَدُ الْبَائِع. فِقْرَة 1 - 3 :

(إِنَّ اللّه بَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَ أَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرٌّ دِينِ، وَ فِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمّ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَ كُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ. الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ (1).

فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ، وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى، وَ شَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا، وَ صَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ، وَعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَم (2)

وَمِنْهَا : وَلَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً، فَلا ظَفِرَتْ يَدُ الْبَائِعِ، وَ خَزِيَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتَاعَ، فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أَهْبَتَهَا، وَأَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا، فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا، وَ عَلا سَنَاهَا، وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ، فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى النَّصْرِ (3)).

اللُّغَة:

مُنِيخُونَ: مُقِيمُون، وَحَيَّاتٍ صُمّ : لا تَنزَجر بالصوت والماء الْكَدِر: غَيْر

الصَّافِي. والطَّعام الجشِبَ : الغليظ. ومَعْصُوبَةٌ : مشدودة. والْقَذَى : مَا يَسقط في الْعَيْن. والشَّجَا: ما يعرض في الحلق، ولظَاهَا : نَارها وسَنَاهَا ضوؤها. وَاسْتَشْعِرُوا: من الشعار لا من الشُّعُور، وهو العلامة، وقيل المُراد به هنا ما يُلازم الجسد كالثِّياب، وَهَذَا المَغنّى بالمقام أليق.

الْإِعْرَابِ:

نَذِيراً حال، ومَعْشَرَ الْعَرَبِ مُنادى، ومُنِيخُونَ خَبَر أَنْتُمْ، وَعَلَى شَرٌ، وَفِي شَرٌ، وبَيْنَ حِجَارَةٍ كلّها مُتَعَلَّقَه بـ «مُنِيخُونَ». فَإِذَا لَيْسَ قيل «إِذَا» هنا ظرف. ولَكِنَّهُ للمفاجأة أَقْرَب، لِأَنَّهَا مِثل : خَرجتُ فَإِذَا زَيدٌ فِي البَاب أَمَّا قول النُّحاة : إِنَّ إِذَا الفُجَائِية تختص بالجملة الأسمية «لَيْسَ» هُنا بمَعْنَى «لأ»، وقيل : هي حرف لا فِعل وعَلَيْهِ يَكُون المَعْنَى فَنَظَرْتُ فَإِذَا لا مُعِينٌ لِي.

الْمَعْنَى:

(إِنَّ اللّه بَعَثَ مُحَمَّد اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ - إِلَى قَوْله - مَعْصُوبَةٌ). هَذَا الكَلام وَاضح في نصه، ومضمونه، وَلا يَحتاج إِلَى الشّرح، بالإضافة إلى أنّ مثله تَقَدَّم فِي الْخُطْبَة الأولى. ويتلخص المَعْنَى بأن الْعَرَب قبل البعثة كانوا في ذلة، وفاقة، وجهالة، وضَلالة، فأنقذهم اللّه سُبْحَانَهُ بمُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ورِسَالَته مِن هَذِه وتلك، وأَصْبَحُوا شَيْئَاً مذكوراً.

لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ الدِّين:

وَتَسْأَل : إِنَّ أَكثر الشعوب والأمم في شرق الأَرْضِ، وغَرْبِهَا كَانَتْ مُتخلفة في

شَتَّى الميادين، ثُمَّ تطورت، وتَقَدَّمَت مادياً ومعنوياً دُونَ أنْ يَأْتِيها نَي من الأنبياء، أو يَنْزِل عَلَيْهَا كتاب من السَّماء، وإذَنْ فَلَيْسَ من الضروري لكي يتَقَدَّم الإِنْسَان فِي هَذِه الحياة أنْ يَكُون مُلتزماً بدين ؟.

الجَوَاب :

1 - نَحْنُ لا ندعى أنّ التقدم في الصِّنَاعَة، والزراعة، وغَيْر هما من مظاهر الحضارة وقفٌ عَلَى المتدينين، ولا ننسب هذه الدعوى إِلَى إِنْسَان، والغَرضِ الأَوَّل هو الإِشَارَة إِلَى أَنْ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد أخرج النَّاسِ مِن الظُّلمات إِلَى النُّورِ، وتقدم بالحياة مئات السنين. وَلاَ يَختلف في ذَلِكَ اثنان بصرف النظر عن الدِّين... عَلَى أن التقدم في أي ميدان من ميادين العِلم، وغيره ما هُو بشيء إِذا لم يَكُنْ لصالح الإِنْسَان وأمِنْهُ، والْقَضَاء عَلَى ضعفه، وفقره، ولا نعرف عصراً من العصور تجرّد فِيهِ الْأَقْوِيَاء عَن إِنْسَانِيتهم، وأَصْبَحُوا أشد خطراً عَلَى البَشَرِية من الأفاعي، والوحوش كالعَصر الَّذي نعيش فِيهِ، والسبب الأَوَّل هو تقدم الآلة، وتطور الأسلحة، وتعاظمها في شأنها، وأثرها.

2 - إِنَّ الإِسلام يدعو إلى كلّ خَيرٍ، ويُباركه حَتَّى ولو كَانَ فَاعله من الملحدين، وينهى عَن كلّ شرّ، وَيَبرأ مِنْهُ، ومن صاحبه وإن آمن باللّه ورسله، وكتبه.

قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْعَبْدَ - الْمُؤْمِن - وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُحِبُّ الْعَمَلَ - الصّالح مِن الْكَافِر - وَيُبْغِضُ بَدَنَهُ» (1)أي كُفره،


1) انظر، خطب نهج الْبَلاغَة : 44/2، الخطبة (154).

وعَلَيْهِ فكلّ خُطوة يخطوها الإِنْسَانِ إِلَى حَيَاة أفضل فَهِيَ مِن الدِّين في الصميم مُسلماً كَانَ أم غَيْر مُسْلِم. ومن يقف ضِدّ العِلم النافع، أو أي عمل يصلح الحياة بجهة من الجهات فَهُوَ عَدو للّه، ودين اللّه، أراد ذَلِكَ أم لم يرد. كَيْفَ والإصلاح هو الْغَايَة الأُولَى مِن رِسَالةَ الرُّسل، والأَنْبِيَاء.

3 - كلّ النَّاسِ يُقدسُون الْمَعَانِي الإِنْسَانية النَّبِيلَة، ولكنَّ الفرق بَعِيد بَيْنَ أَنْ يَكُون هَذَا التّقديس دِيناً، وعَقيدة ينبع مِن الْعَقْل، والْقَلْب، ويَختلط باللحم، والدّم مع الشُّعُور بأنّ هَذِهِ الْمَعَانِي كما هِي نَبِيلة في ذاتها فإنّ الإِنْسَان مَسْئُول عَنْهَا أَمَام قُوَّة قادرة عادلة ترقب، وتُحاسب، وتُثيب، وتُعاقب، الفرق بعيد جداً بَيْنَ هَذَا وبَيْنَ أَنْ يَكُون تَقدِيس المعاني الإِنْسَانية مجرد أَنَّهَا نَبِيلة، وأن الإِنْسَان يَفعَلها لَحض أنّه طيب، ومُهذب، وحسن المُعَامَلَة، دُونَ أنْ يَكُون مَسؤولاً عَن تَركها، وإهمالها أمام قُوَّة تعلم الْغَيْب، وتُحاسب مَن أَهمَل، وتَجاهَل.. وأيّة جدوى من الخير في ذاته، ومِن الشَّرَ فِي ذَاتِهِ إِذَا لَم يُشعر الإِنْسَان أَنه مَسْئُول عَن كلّ ذَرَّة مِنْهُمَا أَمَام مَن لا يُغادر كَبِيرةً، وَلا صَغِيرة إلا أحصاها، وسَأل عَنْهَا، وَكَافاً مَن أحسَن بالحُسنى، ومَن أسَاء بِمَا يَستحق ؟ قَالَ أديب مُعاصر: «إِنَّ مَن قَالَ : لَسْنَا فِي حَاجَة إِلَى الْقُرْآن لنكُون عَلَى أخلاقِ هُو أشبه بالبَقَالِ الَّذي اكتشف أنّ حُسن المُعَامَلَة بضاعة رابحة في حد ذاتها، وإِنها تكسب لهُ قَلب الزبون، وَجِيبه».

(فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينُ إِلا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ). قَالَ ابن أبي الحَدِيد : «ما زال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول هَذَا القَوْل، ولَقَد قَاله عقب وفاة رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : لو وجدت أَرْبَعِين ذَوِي عَزم... ذكر ذَلِكَ نَصر بن مزاحم، وكَثِير من

أرباب السِّير» (1).

وَعَلَى أية حالٍ فَإِن قَوْله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ». وَاضح الدَّلالة عَلَى أنّه كَانَ يَرى أنّ الخِلافَة حَق لهُ دُونَ غَيْره، وأنّ قُرَيْشَاً أنْتَهَبُوا هَذَا الْحَقِّ، وأغتصبوه، وأنه لو دافع عَنْهِ بِالْقُوَّة لَقَابِلُوه بِقُوَّة أَشد، ومَا أبقوا عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى أهله، فَسَكت لا حرصاً عَلَى نَفْسِه - لأنه لا يُبالي بالموت - بَل عَلَى أهْله.. و تَكَلَّمنا عَن ذَلِكَ مُفصلاً (2)..

(وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى - إِلَى قَوْله - الْعَلْقَم). تَقَدَّم مِثله في الشقشِقِيَّة مَع الشّرح.

(وَ لَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً). الْبَائِع هُو عَمْرُو بن العاص، وَلَمْ والْمُشْتَرِي مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ، والثّمن مِصْر... وكان أبن العاص من أعدى أَعْدَاء الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) آذاه، وحاربه، وهجاه بِسَبعين بَيْتًاً، فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أَللَّهُمَّ العَنه بِكُلّ حرف أَلف لَعْنة» (3)، وحرّض عَلَى عُمَّمان، ثُمَّ طَالب بدمه.

وندع الكلام عنه للدكتور طه حسين، لا لأنّه أَديب شَهِير، أو مِن السُّنَّةَ، بَل لأنه يقول ما يَعْتَقِد، ويُسجل للتَّارِيخ. قَالَ: «وَكَانَ عَمْرُو بن العَاصِ قَد وَجدَ عَلَى عُثمَان حِينَ عَزله عَن مِصْر، فلمَّا ظهرت الْفِتْنَة كَانَ من المعارضين لعُثمَان... فكان يؤلب النَّاس، ويُحرّضهم ما وسعه ذَلِكَ سِرّاً.... وَقَالَ لهُ جَهَرَة فِي المَسْجِدِ : إِنّك قد


1) أنظر. شَرْح النهج : 20/2 تحقيق مُحمَّد أبو الفضل، وكتاب صفّين: 182، الإمامة والسياسة : 144/1، السَّقيقة مُحمَّد رضا المظفر: 180، الغارات : 308/1، المسترشد في الإمامة : 416.

2) انظر كتابنا «فَلْسَفَة التَّوْحِيد والوِلاية» فصل حَوْلَ التّسنن والتشيع. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

3) أنظر. شَرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 291/6، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن الدِّمَشقي : 224/2، كتاب سليم بن قيس : 278، الإيضاح لابن شاذان : 86.

رَكَبت بالنَّاس نَهابِير - أي المهالك - وركبناها معك فتُب إلى اللّه نَتب... وكَانَ عَمْرُو فِي فِلسطين حِينَ جَاء النَّبَا بِقَتل عثمان فَقَالَ : أنا أبو عبد اللّه ما حَكَكت فَرحَةً إلا أدميتها. يُريد أنه قد مهد للفِتْنَة، والثورة بعُثمان، فأحكم التمهيد، وأنتهى الأمر إِلَى غَايَة... وَلَحَق عَمْرُو بمُعَاوِيَة.... - وهُو - عَلَى ثِقَة مِنْهُ بأَنٌ مُعَاوِيَة لَيْسَ عَلَى الحَقِّ، وبأنّ خصمه هو صاحب الحق، وبأنّ الإنتصار لمعاوِيَة واللياذ بهِ إنما هو سَبيل الدُّنْيَا لاَ سَبيل الدِّين... وأستيقن مُعَاوِيَة أنّ عمراً إِنْ أنصرفَ عَنْهُ كَاد لهُ فأبلغ في الكيد... إِنَّ مُعَاوِيَة سَأل عمراً عمَّا يُرِيده ثَمَنَاً لإنضمامه إِلَيْهِ ؟ َفطَلب إِلَيْهِ عَمْرُو أَنْ يُطعمه مِصْر حياته، واستكثر مُعَاوِيَة هَذَا الثمن.... ثُمَّ أتفقا عَلَى ذَلِكَ، وكتب بهذا الإتفَاقِ بَيْنَ الرَّجُلِين عَهدٌ مؤكَّدُ» (1).

(فَلا ظَفِرَتْ يَدُ الْبَائِعِ). وهُو أبن العاص، وكَيْفَ تَظفر يدٌ ظَفِرَ الْإِثْمِ بصاحبها (وَخَزِيَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتَاعِ). وهُو مُعَاوِيَة، والمراد بالأَمَانَة هُنا حقوق المُسْلِمِين، وبالخزي الدُّلَّ، والهوان، وفِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّ مَا مِن أُمّة يقودها الخونة إِلَّا ضُربت عَلَيْهَا الذَّلَّة، والمَسْكَنة، واستهان بها القريب، والبَعِيد، والْقَوِيّ، والضَّعِيف وأَصْبَحت أكلة لكلّ آكل، وغرضاً لكلّ طامع كما هو شأنْ الْعَرَب الْيَوْم....

قهرهم اليهود عَلَى قلتهم، وصاروا أذَل الشعوب، والدُّول، والأُمم... وَلاَ سر إلا خيانة القائد، وفَسَاده.

وبعد، فإِنْ مَن تَتَبَّع، وقرأ سِيرة مُعَاوِيَة (2)

دخل أبو سُفْيَانَ فِي الإِسْلَام غَيْر أن المُسْلِمِين لم ينسوا مواقفه مِنْهُم فكانوا لا ينظرون إِلَيْهِ وَلاً يقاعدونه كما جاء في صَحِيح مُسْلِم : 171/7 وهُو القَائِل : يا بني أُمَيَّة تلقفوها تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سُفْيَانَ ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة... ذكر ذلك صاحب مروج الذهب بهامش أبن الأثير : 165/5 - 166. وأضاف صاحب كتاب الأغاني : 355/6 والأسيعاب : 690، والنّزاع والتخاصم للمَقْرِيزِي: 20 ط النجف، وغيرهم قَوْله : فواللّه ما من جنّةٍ ولا نارٍ. فصاح به عُثمَان: «قم عني، فعل اللّه بك وفعل».

ومُعَاوِيَة هَذَا أسلم بعد الْفَتْح وَقَالَ فِيهِ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)لا أشبع اللّه بطنه. كما ذكره صاحب أنساب الأشراف: 532/28، وصَحِيح مُسلم : 27/8، وشرح النَّهج لابن أبي الحديد: 365/1 ومُسْنَد الطَّيَّالسي : ح 2746، وابن كثير : 119/8، وَقَالَ فِيهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : في قِصَّة زواج المهاجرة التي أستشارت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عندما خطبها : أَمَّا مُعَاوِيَة فصعلوك. كما جاء في صَحِيح مُسْلِم : 195/4، مُسْنَد الطَّيَّالبي : 1645/228، وسنن ابن ماجه: ح 1869. وَقَالَ فِيهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عندما نظر إلى أبي سُفْيَانَ وهُو راكب، ومُعَاوِيَة وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق : أَللَّهُمَّ ألعن القائد والسائق والراكب. ذكر ذَلِكَ الطَّبَرِي في تاريخه: 11 / 357، وسبط بن الجوزي في التذكرة : 115، ووَقْعَة صِفِّين : 247، والزبير بن بكار في المفاخرات برواية أبن أبي الحَدِيد عَنْه فِي شَرْح النهج : 103/2.

ولَسْنَا بصدد بيان كلّ ما قاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيه وفي أسرته كالحكم بن أبي العاص، وعُقبة بن أبي مُعَبْط وغيرهما ونكتفي برواية الطَّبَرِيّ من حوادث سنة (51هـ) والكَامِل لابن الأثير : 202 - 209 209 وابْنَ :عساكر: 379/22 والشيخ محمود أبو ريه : 184 - 185 ما نقلوه عن الحسن البصري إنّه كَانَ يقول : أربع خصال كُنْ فِي مُعَاوِيَة ولو لم يَكُنْ فِيهِ منهنّ إِلَّا وَاحِدَة لكَانَتْ موبقة : انتزاؤه عَلَى هَذِهِ الأُمَّة بالسفهاء حَتَّى ابتزها أمرها بغير مشورة وفيهم بقايا وذوو الفضيلة، واستخلافه أبيه بعده سكيراً، خميراً، يلبس الحرير ويضرب الطنابير، وأدعياؤه زياداً وقد قَالَ رَسُول اللّه : الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقتله حجراً وأَصْحَابِه، ويلٌ له من حجر وأَصْحَابِه، ويل له من حجر وأَصْحَابه. ومن أراد المزيد فليراجع الطَّبَرِيّ: 202/1، والنبلاء : 1/ 237، ومُسْنَد أحمد: 421/4، ووَقْعَة صِفِّين لنصر بن مزاحم : 246، والمعجم الكبير للطبراني : 427/1، والعقد الفريد : 345/4، والطَّبَرِي : 357/11، والأسيعاب : 412. وأسد الغابة : 106/3، وتهذيب أبن عساكر: 206/7، والإصابة : 2 / 260، والطَّبَقَات الكبرى: 222/4، وصفوة الصفوة : 1/ 238، وسيرة ابن هشام : 179/4.

، وصاحبه أبن العاص (3)

راجع ترجمته في جمهرة أنساب الْعَرَب لابن حزم: 154، وطبقات ابن سعد: 7 ق 188/2، المعارف لابن قتيبة : 285، أسد الغابة : 420/4، الكَامِل في التاريخ : 232/2، البداية والنهاية : 275/4، شَرْح النهج لابن أبي الحَدِيد : 20/1 و 53/8، مقاتل الطالبيين : 44. الإرشاد : 18/1 - 22.

يَعجب كَيْفَ

1) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبَنُوه : 61 - 62.

2) مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ صخر بن حَزب بن أُمَيَّة بن عبد شمس، وأُمّه هند بنت عتبة بن ربيعة، تزوّجت هند أولاً الفاكه بن المغيرَةَ المخزُومِي فقتل عَنْهَا بالغميصاء - كما جاء في نسب قُرَيْش : 300 - موضع قرب مَكَّة، ثم تزوّجت حفص بن المغيرة فمات عَنْهَا، ثم تزوجت أبا سُفْيَانَ وكَانَتْ في زمن الفاكه متهمة بالزنا كما يذكر صاحب العقد الفريد : 86/6 - 87، والأغاني : 53/9، وكَانَتْ مِمَّنْ تُذكَّر فِي مَكَّة بفجورٍ، وعَهِرٍ كما ذكر أبن أبي الحَدِيد في شرح النهج : 236/1 تحقيق مُحَمَّد أبو الفضل.

3) أبو عبد اللّه أو أبو مُحَمَّد عَمْرُوبن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي وأمه النَّابِغَة بنت حرملة، سبيت من بني جيلان بن عتيك، وبيعت بعكاظ وأشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم انتقلت إلى عبد اللّه بن جدعان ومِنْهُ إلى العاص بن وائل، فولدت له عمراً. أرسلته قُرَيْش إلى النجاشي ليغير رأيه عَلَى جعفر بن أبي طالب، ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة، ويسترجعهم إلى مكة فردّه النجاشي أسلم سنة ثمان، وقبل الفتح بستة أشهر. وأفتتح مضر لعمر، ووليها إلى السنة الرابعة من خلافة عُثمان، فعزله عَنْهَا، فأخذ يؤلب عَلَيْهِ حَتَّى قُتل. ثم أشترك مع مُعَاوِيَة بصِفّين مطالباً بثأر عُثمان، وأشار برفع المصاحف للصلح فأنخدع جيش علي وقبلوا الصلح، وعيّنوا أبا مُوسَى من قبلهم، وعيّن مُعَاوِيَة عمراً فغدر بأبي مُوسَى وخلعا عليَّاً ونصب عَمْرُو مُعَاوِيَة وأخذ مضر طعمة من مُعَاوِيَة ووليها بعد قتل مُحَمَّد بن أبي بَكْر حَتَّى توفي سنة (43هـ) أو بعدها، ودفن هناك.

يصنع حبُّ الدُّنْيَا بِالإِنْسَان... ولَكِنَّهُ يذهل عَن نَفْسِه، وعن الكثير من معارفه الذين يتنافسون في الدُّنْيَا، ويتكالبون عَلَى حطامها، ويَبيعُون دِينهم لكلّ من يَدفع الثَّمن.... وهَؤُلاء موجودُونَ فِي كُلّ عَصر، وفي كلَّ فِئَة دُونَ أستثناء.

الخطبة - 27 -

الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة... فِقْرَة 1 - 3 :

(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللّه لِخَاصَّة أَوْلِيَائِهِ، وَ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللّه الْحَصِينَةُ، وَ جُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللّه ثَوْبَ الذُّلِّ، وَ شَمِلَهُ الْبَلاءُ، وَ دُيِّثَ بِالصَّغَارِ، وَ الْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ، وَ أدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَ مُنِعَ النَّصَفَ (1).

أَلَا وَ إِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً، وَ نَهَاراً، وَ سِراً، وَ إِعْلاناً، وَ قُلْتُ لَكُمُ : أَغْرُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْرُوكُمْ، فَواللّه مَا غَزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ، وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ (2). وَهَذَا أَخُو غَامِدٍ، وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ، وَ قَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا، وَلَقَدْ بَلَغَنِى أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا، وَقُلْبَهَا، وَقَلَائِدَهَا، وَرُعُثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلا بِالْإِسْتِرْجَاعِ، وَ الاِسْتِرْحَامِ. ثُمَّ أَنْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمُ، وَلا أُرِيق لَهُمْ دَمٌ).

اللُّغة :

الجنَّة - بِضَم الجيم - ما وفى، أو سَتر. وَدُيِّثَ - بتشديد الياء المكسورة - ذلل أي صار سهلاً، ذلولاً، ومِنْهُ قَوْله تَعَالَى: وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (1). والصَّغَار : الشَّيْم وَالْقَماءَة : الحقارة، والقَمَيء : الحقير. والإِسهَاب : العُمق ورُوي الأشداد جمع سد. والمراد بأدِيلَ هُنا القِصَاص. وسيم الخسفَ : أبتلي بالذُّل، وفِي كُتب اللُّغة : سامه خَسفاً أي أوْلاه ذلاً. وشُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ : صُبَّت عَلَيْكُمْ من كلّ جهة. وَالْأَنْبَار : بَلَد فِي الْعِرَاق. والمسالح : الحدود، والتّغور التى تُحصَّن من العَدُوّ بالسلاح. والْمُعَاهِدَة : الذِّمية. والحِجْل : الخلخال. وَالقُلب - بضم القاف - السّوَار. وَالرُعُثَ وَالرّعاث : جمع رُعْثَة : القُرط. والإِسْتِرْجَاعِ : قَول إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَالاِسْتِرْحَامِ : طلب الرَّحمة. والكلم - بفتح الكاف، وإسكان اللم الجرح.

الْإِعْرَاب:

رَغْبَةً مَفْعُول لأجله، وجُملة أَلْبَسَهُ خَبَر مَنْ تَرَكَه، وأَلا للتَّنبيه، وسِرّاً مَفْعُول مُطلق لدَعَوْتُكُمْ لأنّ الدَّعْوَة كَانَتْ بالقَوْل، والسِّرِّ مِن صِفاته، وقيل : هُو مَصْدَر فِي موضع الحال أي مُسراً، ومُعلناً، وقَطُّ ظرف زمان لاستغراق مَا مَضى والمَصْدَر مِن: أَنَّ الرَّجُلَ، مَفْعُول بَلَغَنِي، وَافِرِينَ حَالَ مِن فَاعِل أَنْصَرَفُوا.

الْمَعْنَى:

كُلّ كَلِمَة من كلمات الإمام هي جزء من ذاته، وطَبَعَتَه حَتَّىٰ كَأَنَّهَا قَد ولدت


1) الإِنْسَان : 14.

معه، أو ولد مِنْهَا، بخاصة ما قاله أيَّام خلافته، ومِخنَته بالْكُوفَة، وأَهْل الْكُوفَة الّذين خاطبهم بقَوْله : «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً» (1). وفِي خُطْبَة سابقة سأل اللّه سُبْحَانَهُ أَنْ: «فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدِهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي» (2)، وَقَالَ فِي هَذِهِ الخُطْبَة : «لَقَدْ مَلَأُتُمْ قَلْبِي قَيْحاً، وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهَمامِ أَنْفَاساً، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْبِي بِالْعِصْيَانِ، وَالْخِذْلانِ» (3)أي أنه تَجرع الهُم مَع كل نفس من أنفاسه... تَرى هَل من مزيد عَلَى هَذِه المحنة، والمأساة ؟... أَبَداً حَتَّى نفس واحد لا يصفو له من الْكَدِرِ.

(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللّه لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ). كَانَ الْحَاكِم قَبل الإِسْلام لا يخضع لشرع، وقَانُون، والكلّ خَاضِعُون لقَوْله، ورأيه، فهو وحده المشرّع، والقاضي، والمنفذ.... يُعلن الحَرْب عَلَى مَن شَاء مَتى شاء، ويُجند من أراد بلا رقيب، وحسيب... ولما جاء الإِسْلام أخضَعَ الحَاكِم والمحكوم لنّصوص القُرْآن، والسُّنَّة، قَالَ تَعَالَى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللّه فأولئك هُمُ الظَّالِمُونَ (4). وَقَد أمرت هذه النّصوص بالجهاد، والدفاع عن الحق، وأهله، ووعدت المجاهدين بالجنان، والحور الحسان، وتوعدت المتخلفين بِغَضَبٍ مِن اللّه وعذاب الحريق، ولَكِنَّهُ ما أشارت إلَى كَيْفِيَّة التجنيد، وَلَا إِلَى عُقُوبَة مِن تَخلف عَن الجهاد، وما حددت سن المجندين... إلى غير ذلِكَ مِمَّا جَاء فِي القَوَانِين الحَدِيثَة.)


1) أنظر، نهج الْبَلاغَة : جزء من خطبة له (125).

2) أنظر، الخُطبة السابقة (25).

3) أنظر نهج الْبَلاغة : الخُطْبَة (27).

4) المائدة : 45.

أَمَر الإِسْلاَم بالجهاد، وترك التنفيذ إلى دين المُسْلِم، وقناعته تماماً كالأمر الصَّلاة، والصَّدَقَة، والتَّعَاون عَلَى الْبِرِّ... وآية ذَلِكَ سِيرة الرَّسُول، والْإِمَام، وهَذِه الْخُطْبَة وأشباهها... يَأمر بالجهاد، ويَحتَ عَلَيْهِ، ويُرغب فِيهِ، ويُحذر من تركه، ومَا يَتبعه مِن سُوء الْعَاقِبَة... (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (1)ومن أَقْوَاله : «أَلَا وَإِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللّه فَلْيَخْرُجْ» (2). تماماً كالوعاظ، والمرشدين. وقد تُثير أقواله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحماسة في بَعْض النفوس فَتَتطوع للجهاد، ويؤمر الإِمَام عَلَيْها من يختار، وفي أكثر الأحيان كانوا يَسمعُون مِنْهُ، وينصرفُونَ عَنْه.)وَتَسْأَل : لقَد نَزَل فِي الْقُرْآن العَدِيد مِن الْآيَاتِ فِي الأسلحة، وصُورة الجهاد كقَوْله تَعَالَى: (إِنَّ اللّه يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مرْصُوصُ (3). وقَوْله مُخاطباً نَبِيَّه الْكَرِيم : (تُبَوَى الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) (4)وقَوْله : (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِی عَدُقَ اللّه وَعَدُوَّكُمْ) (5). وأيضاً أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمقاطعة بعض المتخلفين عَن غَزْوَة تَبُوك: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لا مَلْجَأَ مِنَ اللّه إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّه هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (6)؟.


1) الْكَهْفِ : 29.

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (182).

3) الصف : 4.

4) آلِ عِمْرَانَ: 121.

5) الأنفال : 60.

6) التَّوْبَة : 118.

الجَوَاب:

إِنَّ الْإِشَارَة، واللمحة الخاطفة كالأمر بتسوية الصفوف، وإعداد العدة شيء، ونظام التجنيد للحزب شيء آخر... أما السر في أن الإسلام يترك أمر الجهاد لقناعة المجاهد فهو أنّ من يُجبر عَلَى التجنيد لا يُحَارِب بإخلاص، وقد يَكِيد، وَيَبث الْفِتْنَة، والتفرقة بَيْنَ الصفوف، أو يتآمر مع العدو. وأَشَارِ سُبْحَانَهُ إِلَى ذَلِكَ فِيمَا قَاله عَن الْمُنافِقِين : (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّاخَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ واللّه عَلِيمُ بالظَّالِمِينَ) (1).

(وَ ضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ). فلا ينتفع به، تماما كالبئر البَعِيدة القعر لا يُدرك مَاؤها (وَ أدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ). أي من ضيع الجهاد، ورغب عَنْه أقتص الْحَقِّ مِنْهُ بالإذلال، ومَرض الْقَلْب (وَسِيمَ الْخَسْفَ) أبتلي بالمذلة، والنقيصة (وَمُنِعَ النَّصَفَ). فَإِذَا احتقره مُحتقر، واستهان به فلا أحد ينتصف لهُ مِنْهُ لأنه هو الَّذي أذل نَفْسه، واستهان بها.

(أَلا وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً، وَنَهَاراً، وَسِراً، وَإِعْلاناً). وما زادتهم دَعْوَة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا فراراً تماماً كقوم نُوحٍ حِينَ قَالَ لَهُمْ : ق(َالَ يَا قَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللّه وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) (2)(وَ قُلْتُ لَكُمُ : أَغْرُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ). أجمعوا أمركم، واستعدوا الحزب أَعْدَاء اللّه، وأعدائكم قبل أنْ يَشنوا عَلَيْكُمْ الغَارَات، وَيَسُو موكم من الذُّل، والخسف ما شاء وا

(فَواللّه مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا). وأية كرامة لدولة تعجز عن


1) التَّوْبَة : 47.

2) نُوحٍ: 2 - 3.

حماية نَفْسها، وأرضها، ورعاياها ؟ وهل تُسمى دولة بالمعنى الصّحِيح لهذه الكَلِمَة ؟ وهَل للمواطن فِيْهَا وزن، وكرامة عند نَفْسه، وعِند النَّاس ؟ وقَد لَق جنوب لبنان مِن الإِرْهَاب الصهيوني الأسود مِن أيَّامنا ما لا مثيل له، ومَع هَذَا يُقَال : إِنَّ للجنوب دولة لبنان، وإِنَّ لَهُ مِنْهُ نواباً، ووَزِيراً أيضاً، وتجلساً يُدعى تجلس الجنوب، وآخر يسمونه المجلس الملي الشيعي... فيا للذُّل، والخسف، والبلاء، والصَّغَار... ما بالهم لا يُحركون ساكناً، وَلا يُطلقون صيحة... حَتَّى وَلاَ يُغضبُون... بل يتجاهلون الْأَمْرِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ شيء.

(فَتَوَاكَلْتُمْ، وَتَخَاذَلْتُمْ) ولا تَطمعُون فِي شيء إلا أنْ تَأكلوا لتعيشوا. (حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ). ذكرنا طرفاً من هَذِه الغَارَات في كتاب («الشيعة والحَاكِمُون».. (وَهَذَا أَخُو غَامِدٍ، وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ... إلخ) هُو سُفْيَانَ بن عُوف مِن بَني عَامِد، وهم قَبِيلة فِي اليمن، دعاه مُعَاوِيَة وجهزه بجيش كثيف، وَقَالَ : أمضِ حَتَّى تَغير عَلَى الأَنْبَار والمَدَائِن، وأقتل من لَقِيت مِمَّنْ لَيْسَ عَلَى مِثل رَأيك، وأخرب كلّ ما تَمر بهِ مِن القُرى، وأنهب الأَمْوَال وهو أوجَع للقلب... وأمتَثلَ سُفْيَانَ، وقَتل، ونَهب، ودَمر، ومَلأ الْقُلُوب رُعباً... ولما عَادَ إِلَى مُعَاوِيَة قَالَ له : «كُنتَ عِند ظني بك» (1).

مُعَاوِيَة، خَالُ الْمُؤْمِنِينَ (2)

وَهَذَا اللقب خال المُؤْمِنِين لَيْسَ بصحيح، وذلِكَ لأنه لم يرد في سنة صحيحة، أو أثر. وإذا سلمنا فكَيْفَ لا يَكُون مُحَمَّد بن أبي بَكْر الَّذِي كَانَ أخاً لعَائِشَةَ، والَّتي هي عندهم أعظم زوجات النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، بل هي أفضل عندهم من أُم حبيبة بكثير، بل لا مقايسة بينهما، فلماذا لا يسمى بخال المُؤْمِنِين ؟ وكيف لم يسموا عبد اللّه بن عُمَرَ بخال المُؤْمِنِين، وقد كَانَ هُو أخاً لحفصة بنت عُمر بن الخطاب، ولم نسمع من سماه بخال المُؤْمِنِين ؟

وَعَلَى هَذَا يَكُون أيضاً حيي بن أخطب اليهودي جد المؤمنين لأنه والد السَّيِّدة صَفِيَّة - زوج رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - بنت حيي بن أخطب النضيري بن شعية بن ثعلبة بن عُبيد بن كعب بن الخَزْرَج بن أبي حبيب بن النضير بن النّحام بن ينحوم، من سبط هارون. وهي القائلة له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مرضه الذي توفي فِيهِ : إني واللّه يا نبي اللّه لوددت أن الذي بك بي ! فغمزن أزواجه ببصرهنّ، فَقَالَ : مَضمِضْنَ، فقلن: من أي شيءٍ ؟ فَقَالَ: من تغامز كن بها، واللّه إِنَّهَا لصادقة وتوفيت سنة ست وثلاثين (أسد الغابة : 169/7، المعارف : 138. 199/7 الطَّبقات : 86/8) وهُو لَيْسَ كَذَلِكَ ؟

، يأمر بالغارات عَلَيْهِمْ قَتلاً، وسَلباً، وتَحرِيباً

1) أنظر، الغارات : 25/1 و 349 و : 395/2، أمالي الشيخ المفيد : 146، شَرْح نَهْجِ الْبَلاغَة لابن أبي الحديد تحقيق محمد أبو الْفَضْل : 58/2 و 87.

2) لأنه أخو أم حبيبة زوجته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، التي هي إحدى أمهات المُؤْمِنِين وحَبِيبَة : هي رملة أو في رملة أو هند بنت سُفْيَانَ بن حَزب الأموية، وأُمّها : صَفِيَّة بنت أبي العاص بن أُمَيَّة، وكَانَتْ تحت عُبيداللّه بن جحش الأسدي، فتنصر وهلك بارض الحبشة، وهي الّتي شوت كبشاً، وبعثت به إِلى عَائِشَةَ تشفّياً بقتل مُحَمَّد بطلب دم عُثمَان، فقالت عَائِشَةَ قاتل اللّه أبنة العاهرة واللّه لا أكلت شواءً أبداً. أنظر، تذكرة خواص الأُمَّة : 114 طَبْعَة النجف، التمهيد والبيان : 209 الأغاني : 9/21، الإشتقاق : 371 تاريخ الطَّبَرِي : 50/4، والْإِصَابَة (قسم النِّسَاء)، الروض الأنف : 268/2، وَقْعَة صِفِّين : 541، شرح النهج لابن أبي الحديد : 252/2، الإصابة حرف الميم: 3 ق 451/2 طَبْعَة أخرى، الاسيعَاب : 328/3، الفتوح لابن أعثم: 472/1 وما بعدها الإمامة وَالسَّيَّاسَة لابن قُتَيْبَة : 55/1، وما بعدها، تهذيب الكمال : 541/24، رقم 5097، شرح النهج لابن أبي الحديد : 3/ 190، والإصابة : 298/1 طبعة أُخرى، المعارف : 136.

وترويعاً فيُسمع له، ويُطاع، وعَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر بالدفاع عن النفس، والردع عَن الفَسَاد، فيُعصى، وَلا يُسمع منه... ثُمَّ يَأْتِي مُتخصص بفَلْسَفَة الجريمة، وتبريرها، ويُقرر أنّ مُعَاوِيَة كَانَ عَالماً فأجتهد، وتَأول فَهُوَ مَعذُور، ومَأجُور أيضاً !... وهَكَذَا يُعاني الحَقِّ، ويتألم عَلَى أَيْدِي أَنصَارٍ الْبَاطِل مُنذ القديم إِلَى يَومنا هَذَا.

يَا أَشْبَاة الرِّجَال... فِقْرَة 4 - 6:

(فَلَوْ أَنَّ امْرَأَ مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً، فَيَا عَجَباً! عَجَباً - واللّه - يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَ يَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَ تَرَحاً، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى : يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلا تُغِيرُونَ، وَ تُغْزَوْنَ وَلا تَغْزُونَ، وَ يُعْصَى اللّه وَ تَرْضَوْنَ (4) ! فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ، قُلْتُمْ : هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ، أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشَّتَاءِ قُلْتُمْ : هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ، أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ، كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ، فَإِذَا كُنتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرْ تَفِرُّونَ، فَأَنْتُمْ واللّه مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ (5) !

يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ، وَ لا رِجَالَ حُلُومُ الْأَطْفَالِ، وَعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ، وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةٌ واللّه - جَرَّتْ نَدَماً، وَ أَعْقَبَتْ سَدَماً. قَاتَلَكُمُ اللّه ! لَقَدْ مَلَاتُمْ قَلْبِي قيْحاً، وَ شَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً، وَ جَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهمَام أَنْفَاساً، وَ أَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ، وَ الْخِذْلانِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشُ : إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعُ، وَلَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ.

للّه أَبُوهُمْ !وَ هَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً، وَ أَقْدَمُ فِيْهَا مَقَاماً مِنِّي ! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيْهَا، وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ! وَلَكِنْ لا رَأْيَ لِمَنْ لا يُطَاعُ (6) !).

اللُّغَة :

التَّرَح : ضِدّ الفَرَح. والغَرَض : الهدف الذي يُرمى إِلَيْهِ بِنَبل، أو نحوه. وَحَمَارَّةُ

الْقَيْظِ بِتَشدِيد الرّاء : شِدَّة الحَرّ. ويُسَبَّحْ بِتَشدِيد الباء مَعَ الْفَتْح : يُخفف. وصَبَارَّةُ الْقُرْ بِتَشدِيد الرّاء : شِدَّة الْبَرْدُ والقُرِّ بِضَم القاف : الْبَرْدُ. والسَّدَم : ألهم، والغَيْظ. والنَّغَب بِضَم النون جمع نُغْبَة : أي الجرعة. والتّهمام : ألهم كما في أبن أبي الحَدِيد (1). والمراس الممارسة. وذَرَّفْتُ : زِدْتُ.

الْإِعْرَابِ:

الْمُصْدَر من أَنَّ أَمْرَأَ فَاعِل لفعل مَحْذُوف أي لو ثبت كُون أَمْرَاً.. إلخ، وأَسَفاً صِفَة لمَفْعُول مُطلق مَحْذُوف أي موتاً أَسفَاً، أو هُو مَصْدَر فِي مَوضع الحَال أي مُتأسفاً. وعَجَباً الأَوَّل مُنادى أى أحضر أيّها العجب فهذا أوانك، ونصبه لأنه لا يقصد عَجَباً مُعَيناً، والعَجَب الثَّانِي مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَريَة، ومثله قُبْحاً وَتَرَحاً. وفِرَاراً مَفْعُول من أجله لفعل تحذُوف، أى كلّ هَذَا فَعْلتموه للفرار مِنَ الحرّ وَ الْقُر، ويجوز نَصبه عَلَى المَصْدَريَة، وَ لا رِجَالٌ «لا» نافية للجنس، ورجال أسمها، والمخبر مَحْذُوف أي في الواقع. وحُلُومُ الْأَطْفَالِ خَبَر لمبتدأ مَحْذُوف أي حُلُومكم، ومثله وَعُقُولُ رَبَّاتِ الحِجَالِ. والْمَصْدَر مِن أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ مَفْعُول وَدِدْتُ، وقَيْحاً تمييز، ومثله غَيْظاً، وأَنْفَاساً، ومِرَاساً، ومَقَاماً، وهَا أَنَا للتَّنبيه وأَنَا ذَا مُبْتَدَأ، وخَبَرَ.

الْمَعْنَى:

(فَلَوْ أَنَّ امْرَأَ مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً). أراد الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقَوْله


1) أنظر، شرح النهج : 80/2، تحقيق محمد أبو الفضل.

هَذَا أَنْ يَسْتَصرح ضمائرهم، ويُثير حميتهم عَسَى أَنْ يَنفروا الحزب الطغاة، والمعتدين، ولَكِنَّهُمْ سَمعوا، وأنصرفوا. (فَيَا عَجَباً عَجَباً - وَ اللّه - يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَ يَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلاَءِ الْقَوْم عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ !) (1).

(فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً) ولكلّ من لا تهزه نكبة المنكوبين، وألم البائسين. (فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ - إِلَى قَوْله - فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرّ). هَذَا مَظهر من مظاهر التناقض، واللامنطق، ولكنْ أي فَرقَ بَيْنَ هَؤُلَاء والذين وَبَخَهم الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِهَذَا التوبيخ، وبَيْنَ مَن يَعِيب أخاه، وَيَذمه بعمل قَد رَكَب مثله، أو يقول بحرارة : لو كُنت رئيساً مِثل زيد، أو غَنِياً مِثل بَكْر لصنعت، وفعلت... حَتَّى إِذا ما أَسْعَفته الظُّرُوف تنكر لنَفْسِه وأَنْفَصم عَنْهَا ؟ وإِذَنْ لَيْسَ لوَاحد منَّا أَنْ يَتعجب، ويَسْتَغرب هَذَا المَنطق المتناقض عِند أَهْل الْكُوفَة، وغَيْرهم إلَّا إِذَا أَنْسَجم مع نَفْسه، وعقيدته في جَميع أَقْوَاله، وأَفْعَاله.

وَإِذَا قَالَ قَائِل : لَيْسَ كلّ النَّاس عَلِيَّاً بن أبي طالب... قُلْنا : أَجل، ولكن الصِّدْق، والإنسجام مع النفس لا يَحتاج إِلَى عِصْمَة عليّ، وشَخْصِيته، بل إلى شيء مِن الإِيمان، والْيَقِين.

(يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ، وَلا رِجَالَ). وكلّ جَبَان مُخنث لا يثأر لكرامته، ويَنَام عَلَى الهوَان فَهُوَ رَجل مِن الشكل لا فِي الْقَلْب، والْعَقْل. ومن أَقْوَال الإِمَام : «يَنَامُ الرَّجُلُ عَلَى الثّكْلِ، وَلَا يَنَامُ عَلَى الْحَرَبِ - بِفَتح الراء» (2)أي يَصْبر عَلَى مَوْت ولده، وَلا يُصْبر عَلَى إهانته، وَمَس كرامته (حُلُومُ الأَطْفَالِ). أي هُم فِي عُقُوهِمْ


1) تَقَدَّم مثله في الخطبة 23. (مِنْهُ).

2) أنظر، خطب نهج البلاغة : 73/4، الحكمة (307).

كَالطِّفل الَّذي خُيّل إِلَيْهِ أنه شاب قد أحتلم، وأدرك البُلُوغ، أو أنهم مثل الطفل في أحلامه، وأمَانِيه الْكَاذِبة... عَلَى أنْ مِن أحلام الأطفال ما هُو مُمتع، ونَبِيل، وواقع أيضاً، وَلا شيء في أحلام من وصفه الإِمَام إِلَّا الْفَقْرِ، وَالفَاقة (وَ عُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ) في الحزب، والإستعداد لها.

(لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ، وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ، لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يبلغ بِهِمْ أَيَّة غَايَة لِلَّهِ فِيهَا رِضَى. وللنَّاسِ فِيهَا صَلاح (لَقَدْ مَلَاتُمْ قَلْبِي قَيْحاً، وَ شَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظًا، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً). هَل هَذِهِ شَكوى إِلَى اللّه، أَم نَفْثَهُ مَصدُورِ ؟ وَهَل هَذَا الْأَلم من مَثِيل ؟. أَبَداً... حَتَّى نَفس واحد لا يصفو مِن الْكَدِرِ... وَلاَ عَجب.. أَنَّهَا حَيَاة المخلصين مع الخونة، والصَّادِقِين مَع أَهْل الْغَدْر، والنِّفَاق. ومِن أَقْوَاله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنْ كَانَتْ الرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشْكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا، وإِنَّنِي الْيَوْمَ لأُشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي، كَأَنَّنِي المقودُ وَهُمُ الْقادَةُ، أو الموزُعُ وَهُمُ الْوَزَعَهُ»(1)!

وَالسّر أنّ الإِمَام يَتطلع إلى إحقاق الحَقِّ، فَهُوَ وَحده المثل الأعلى، والنَّاس تقودهم الرّغْبَة، والرَّهْبَة... ورُبَّمَا يُتساءل : هَل تصلح هَذِهِ وَالسَّيَّاسَة مَعَ النَّاسِ. أو أن صاحبها يَعِيش غَرِيباً أَينَّا كَانَ فِي شَرقِ الأَرْضِ، أو فِي غَرْبِهَا ؟ وَيُجِيب الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَن هَذَا التساؤل بقَوْله : «لا يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً، وَلا تَفَرُّقهمعَنِّي وَحْشَةً»(2)، وَسَنعُود إِلَى هَذَا المَوْضُوعَ إِنْ شَاء اللّه تَعَالَى.

(حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْضٌ : إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ). مُعَاوِيَة لهُ عِلم بالحَرْب بِزَعم قُرَيْش، ولماذا ؟ لأنه أعْطى مِصْر طعْمَة


1) أنظر. خطب نهج البلاغة : 62/4. الحكمة (261).

2) أنظر. خطب الإمام علي : 62/3، كتاب (36)، من كتاب له إلى أخيه عَقِيل.

لابن العاص، وألَّف جيشاً من المرتزقة يُحسنون النّهب والسلب والترهيب والترغيب، والحزب، والقتل، والغَدْر، والإغتيال، ويَتَعطشُون لدماء الشيوخ والنِّسَاء، والأَطْفَال، وبتعبير الْعَقَاد: «جَلادُونَ، وَكِلاب طرَاد) يَثبُون، وَيَهشُون... أَمَّا عَلَى فَلا عِلم له بالحزب كما يزعمون، لأَنه يَكرهها، وَلَا يَخُوضها إِلَّا دِفَاعاً عَن الْحَقِّ، والْعَدْل، وحرصاً عَلَى النظام، والأمن، وَلا يَجعلها وسيلة لتمجيده، وشهرته، ولا أداة لمنفعته، وسيطرته... وإذَنْ أين علمه بالحزب، وفَهمه ؟.

(لَقَدْ نَهَضْتُ فِيْهَا، وَ مَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ !). العِلم حفظ التَّجَارِب، والممارسة، وَعَلَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَارس الحزب، وخاضها مَرَّات مُنذ الصّغر حَتَّى الكبر، فَهُوَ أعلم النَّاس بها، وبمواقعها، ومتى يجب أنْ تُعلن ؟ وَعَلَى مَن ؟ (وَ لَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ). رفع مُعَاوِيَة الْمُصَاحِف، فَقَالَ الْإِمَام : لا تُصدقوا... أَنَّهَا مَكيدة... فأبوا عَن الْقِتَال، ثُمَّ أختاروا للتحكيم أبا مُوسَى الْأَشْعَرِي (1)، فَقَالَ الْإِمَام : لا، ولكن أبن عَبَّاس، فأبوا عَلَيْهِ إِلَّا الْأَشْعَرِي (2)

فَقَالَ لَهُمْ عليّ، (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد عصيتموني في أَوَّل الأمر، ولا تعصوني الآن لا أرى أن تولوا أبا مُوسَى الحكومة فإِنَّه يضعف عَن عَمْرُو، ومكايده، فَقَالَ الأشْعَث، وزيد بن حصين الطائي، ومسعر بن فَدَكي: لا نرضى إلا به فإنَّه قد حذرنا مما وقعنا فيه فلم نسمع منه.

أنظر، وَقعَة صِفِّين: 499، الإصابة لابن حجر رقم 2887 وقد سَبَقَتْ خُطْبَة له في وَقْعَة صِفِّين : 99، و 100، الْفُنُوح لابْن أَعْثَمْ: 193/2، وأَنْسَابِ الْعَرَب : 378، والطَّبَرِيّ : 28/6، و : 36/4 ط أُخرى.

فَقَالَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ أبا مُوسَى لا يكمل في هَذَا الأَمر، ولكن هَذَا أبن عَبَّاس دعوني نوليه فإِنَّه أدرى مِنْهُ بهذه الأمور.

أنظر، المصدر السابق ولكن بإضافة : قَالَ علي : فإِنَّه لَيْسَ لي برضاً، وقد فارقني وخَذَّل النَّاس عني ثم هرب حَتَّى أمنته بعد أشهر... وقريب من هَذَا فِي الْفتوح لابن أَعْثَمْ: 193/2، تأريخ الطَّبَرِي : 036/4 يَنَابِيع المودة : 2/ 16 وما بعدها.

فقَالُوا : واللّه لا نبالي أنتَ كنت أم أبن عَبَّاس لا نريد إلا رجلاً هو منك ومن مُعَاوِيَة سواء، فَقَالَ: فدعوني أجعل الأشتَر، قَالُوا : وهل سعر الأَرْضِ ناراً إلَّا الْأَشْتَر ؟!

المصدر السابق : 499 ولكن فِيهِ : قَالَ الأَشْعَث : وهل سَمّر الأَرْض علينا غَيْر الْأَشْتَر ؟ وهل نحنُ إِلا في حكم الأَشْتَر ؟ قَالَ له علي وما حكمه؟ قَالَ : حكمه أن يضرب بعضنا بعضاً بالسُّيُوفَ حَتَّى يكون ما أردتَ وما أراد... وقريب مِنْهُ في الفتوح لابن أَعْثمْ 194/2، والأخبار الطوال: 192، وتاريخ الطَّبَرِي 37/4. ينابيع المودة : 17/2.

فَقَالَ له الأَشْتَرَ : أَنتَ إِنما تقول هَذَا القَوْل لأنّ أمير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عزلك عَن الرئاسة ولم يرك أهلاً لها... فَقَالَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ويحكم، إِنَّ مُعَاوِيَة لم يَكُنْ ليختار لهذا الأمر أحداً هو أوثق برأيه ونظره إلا عَمْرُو بن العاص، وإنه لا يصلح للقرسي. مثله. وَهَذَا عبد اللّه بن عباس فارموه به، فإنّ عمراً لا يعقد عقده إلا حلّها، ولا يبرم أمراً إلا نقضه، ولا ينقض أمراً إلا أبرمه.... فَقَالَ الأَشْعَث ومن معه : لا واللّه لا يحكم فينا مضريان أَبَداً حَتَّى تقوم الساعة، ولكن يَكُون رجل من مضر، ورجل من اليمن، فَقَالَ على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إني أخاف أن يخدع يمانيكم، فإنّ عَمْرُو بن العاص لَيْسَ من اللّه في شيء. فَقَالَ الأَشْعَث : واللّه لأن يحكما بِبَعْض ما تكره وأحدهما من اليمن أحب إلينا من أنْ يَكُون ما نحب وهما مضريان، فَقَالَ على (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد أبيتم إلا أبا مُوسَى ؟ قَالُوا : نعم. قَالَ : فاصنعوا ما أردتم أللَّهُمَّ إنّي أبرأ إليك من صنيعهم. قال : وأنشأ خريم بن فاتك في ذلك شعراً...

أنظر الفتوح لابْن أَعْثَمْ: 194/2، الأخبار الطوال : 193، ومروج الذهب : 33/2، وَقْعَة صِفِّين : 271 و 503، سمط النجوم العوالي : 459/2، تهذيب أبن عساكر: 132/5، الطَّبَرِيّ: 25/6 0 :14 / 37 ط أُخرى، وَقعَة صِفِّين: 501 باختلاف يسير في اللفظ. وروى حديث الأحنف صاحب اللسان : 237/3 تأريخ الطَّبَرِيّ : 37/4،

،

1) هُو عبد اللّه بن قَيْس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن بكر بن عامر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر. قدم مكة، وحالف سعيد بن العاص بن أُمَيَّة ثم أسلم بمكة وَلَاهُ عُمَرَ الْبَصْرَة بعد أن عزل المُغِيرَة عَنْهَا، ثمّ وَلَاهُ عُثمان الْكُوفَة حَتَّى عزله علي بن أبي طالب، ثم عيّنه للتحكيم بطلب أَهْل الْعِرَاقِ، توفي سنة (42 أو 44 أو 50 أو 52 هـ) في مكة بعد أن غدر ومكر به أبن العاص. (أنظر الإسيعَاب : 172/4، الإصابة، والجمهرة لابن حزم: 397. أسمه سليم بن هصا (حصار). وقعَة صِفِّين : 499 بإضافة : فبعث علي قرّاء من أَهْل الْعِرَاق، وبعث مُعَاوِيَة قُرّاء من أَهْل الشّام، فاجتمعوا بَيْنَ الصفين ومعهم المصحف فنظروا فيه وتدارسوه.... فَقَالَ أَهْل الشام فإنّا قد رضينا وأخترنا عَمْرُو بن العاص. وَقَالَ الأَشْعَت والقرّاء الذين صاروا خوارج فيما بعد : فإنا قد رضينا وأخترنا أبا مُوسَى الْأَشْعَرِي... وقَرِيب من هَذَا فِي شَرح النَّهْج لابن أبي الحَدِيد : 228/2، وتأريخ الطَّبَرِي : 4،94/4 / 36 ط أخرى. والكامل في التاريخ : 1394/2.

2) أنظر المحاورة التي دارت بَيْنَ الْإِمَام عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَبَيْنَ أَهْل الْعِرَاقِ.

وغَارت خيل مُعَاوِيَة عَلَى الأطراف، فدعاهم الإِمَام إِلَى الذَّب عَن أنفسهم فلم يَسمعوا، ثُمّ توغلت خَيلَ الْعَدُو حَتَّى دَنت من العاصمة، فصاح بهمْ فَسمعُوا، وأنصرفُوا... وبعد أنْ دَارت عَلَيْهِمْ الدَّائِرة عُرفوا، وأعترفُوا بأنّهم لو أطاعوا الإِمَام لكان لهُمُ النّصر، والظفر، ولعَدُوّهم الهزيمة، والفشل... وإذَنْ أين ضعف الرّأي فِي عَليّ، والجَهْل بالحزب ؟.. ولكنْ أبَت قُرَيْش إلا أن تقول هكذا... وهو منطق كل حاقد، وحاسد مُنذ البداية وإلى الأبد... ومن أَقْوَاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخاطباً أَصْحَابِهِ : «أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ» (1).


1) أنظر. شَرح النهج : الخُطْبَة (121).

الخطبة - 28 -

مَنْ لا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ... فِقْرَة 1 - 2:

(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا أَدْبَرَتْ، وَ آذَنَتْ بِوَدَاعِ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَ أَشْرَفَتْ بِاطَّلَاعِ، أَلا وَ إِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ، وَ غَداً السِّبَاقَ، وَ السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ، وَ الْغَايَةُ النَّارُ، أَفَلا تَائِبُ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ! أَلا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمٍ يُؤْسِهِ (1)!؟ أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامٍ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورٍ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَ لَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ، وَ مَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورٍ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ. أَلَا فَأَعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ، أَلا وَ إِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلا وَ إِنَّهُ مَنْ لا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ، وَ مَنْ لا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى، يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالُ إِلَى الرَّدَى. أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُم بِالظَّعْن، وَدلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ، وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : اتَّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ أَنْفُسَكُمْ بِهِ غَداً (2)).

اللُّغَة:

آذَنَتْ : أَعْلَمت. والمضار : المكان، أو الزمان الَّذِي تَضمّر فِيهِ الخيل للمُسَابقة.

والضَّامِر قَلِيل اللحم. والسَّبقَة بِفَتح القاف : الْغَايَة المحبوبة، والمُرَاد بِالْغَايَة هي مَصِير العَاصِين. والظّعْن : السّير، والرَّحِيل. وتَحْرُزُونَ : تَحْفِظُونَ.

الْإِعْرَاب :

الْيَوْمَ أسم إِنَّ، والْمُضْاَر خَبَرها. ولَمْ أَرَ كَالجَنَّةَ، رَأَى هُنا قَلْبِية تنصب مَفْعُولين : الأَوَّل مَحْذُوف أي نِعْمَة، والثَّانِي جُملة نَامَ، والكاف بِمَعْنَى مِثل صفة للمَفْعُول الأَوَّل. واثْنَتَانِ أسم إِنَّ، وأَتِّبَاعُ الهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ بَدل مُفصل من مُجمل، وهو اثنتان.

الْمَعْنَى:

(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا أَدْبَرَتْ، وَ آذَنَتْ بِوَدَاع). لكل فرد من أفراد الإِنْسَان دُنيَاه الخاصة بهِ، وَهِي عُمره، ومُدَّة حياته، ومن هنا قيل : «مَن مَات فَقَد قَامَت قيامته» (1). وَهَذَا الْعُمُر، وإِنْ طَال فإلى فَنَاءِ، وزَوال، لأنّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ، وَالنَّهَارَ ؛ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ، وَ إِنْ كَانَ وَاقِفا (2)، كما قَالَ الْإِمَام (وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ) بحسابها، وجزَائها (وَأَشْرَقَتْ بِاطّلاع) ظهرت طلائها، أو أَشْرَفَتْ، وأطلَعَتْ عَلَى الأعمال، وأحصتها (أَلَا وَ إِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ) الْمُرَاد بِالْيَوْم هُنا دُنيا الإِنْسَان،


1) أنظر، شرح أصول الكافي : 204/4، حاشية السندي عَلَى النّسائي : 226/8، عوالي اللئالي : 0145/1 كنز العمال: 54/15 ح 42423 و 42748، بحار الأنوار: 7/58، فيض القدير : 4/5، كشف الخفاء: 1 / 166 ح 500 و: 2 / 279 ح 2618 تفسير القرطبي : 188/19.

2) أنظر، خطب نهج البلاغة : 50/3. جزء من وصيتة (عَلَيهِ السَّلَامُ)، للإمام الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، تحت رقم (31).

بالمضمار العَمَل، والمَعْنَى مُرادف لما قاله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي بَعْض كَلَامه : «وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلا عَمَلَ» (1)(وَ غَداً السِّبَاقَ) الَّذِي يَعْرِف فِيهِ الرّابح من الخاسر.

(وَ السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ) فَهِيَ وحدَها التي يجب التنافس عَلَيْهَا، والمُسَابَقَة إِلَيْهَا (و الْغَايَةُ النَّارُ) أي أَنَّهَا غَايَة العَاصِين، وقد استعمل الإِمَام كَلِمَة الْغَايَة فِي الْجَنَّةَ، وفي الْقِيَامَة كما أستعملها فِي الْنَّار، من ذَلِكَ قَوْله : «فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ» (2)وقَوْله : «فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ» (3).

(أَفَلا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ !). «التَّائِب مِن الذَّنب كَمَن لا ذنب له» (4)، بل. هُو مِن الحسنِين قَالَ تَعَالَى : ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَنعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (5).)وَقَالَ الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «مَن رَأَى أَنه مُسيء فَهُوَ مُحسن» (6). ومَن تَرك التَّوْبَة فقد أسَاء مَرّتين : مَرّة بفعل الذنب، وثَانِيَة بترك التَّوْبَة، وَهِي من أهم الواجبات تماماً كالصَوْم، والصَّلاة (أَلا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ !) ؟ فإنّ اللّه سُبْحَانَهُ لا يَضيع أجر من أحسن عملاً، بل يوفيه حقه، ويَزِيده مِن فَضله، قَالَ)


1) أنظر، خطب نهج الْبَلاغة 93/1 جزء من كلام له تحت رقم (42).

2) أنظر، خطب نهج البلاغة جزء من خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (190).

3) أنظر، نهج البلاغة : جزء من خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم (157).

4) أنظر، الكافي: 435/2 ح 10، مغني المحتاج : 372/3، وَسَائِل الشّيعة : 358/11 ح 8 و 14، الإقناع لمُوسَى الحجاوي : 185/2، إعانة الطالبين : 107/4، كشف القناع : 196/6.

5) هود: 3.

6) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد : 317/20، الحكمة (641). وقد نسبها إلى الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

سُبْحَانَهُ : (لِيَجْزِيَهُمُ اللّه أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ (1).)(أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامٍ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ. أَيَّام الأَمَل حَيَاةِ الإِنْسَان، والأَجل الموت، أَمَّا المأمول فثواب اللّه، وَلا طريق إِلَيْهِ إِلَّا الْعَمَل الصّالح (فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ) أَمَّا الْأَمْوَال، والأولاد، والْأَنْسَابِ فما هِى بشي عِند اللّه إلَّا إِذَا كَان لخير، والْعَمَل الصالح. وإذا أدت إلى الفَسَاد، والضلال فَهِيَ وبَال، ونيران. (وَ لَمْ يَضُرُرْهُ أَجَلُهُ) لأنه يقدم عَلَى خَالفه رَاضِياً بثواب اللّه مرضياً بأعماله الصالحات.)(وَ مَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ. لأنه أطال الأَمَل، وأسَاء الْعَمَل : ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ به‌ى وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (2)... (وَضَرَّهُ أَجَلُهُ) تَمامَا كَالمَدِين لِلغُرمَاء يزنتَهى أجل الدِّين، ولا شيء عِنده للسداد، والْوَفَاء. (أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْيَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْيَةِ). إِنَّ كَثِيراً من النَّاسِ يَذهلون عَن الْخَالِقِ، ويَتجاهلون فضله عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَذكرُونه إِلَّا سَاعة الشّدّة، والبَلاء، تماماً كالذي يمسه الضّر في البحر يُؤْمِن، ويخضع حَتَّى إِذَا بَلغَ الْبِرِّ أَعرَضَ، وَكَفَر... والمؤمِن الحق في الحالين سواء.... سامع طائع في الرّغبة، والرَّهْبَة أي عِند الشِّدَّة، والرخاء، لأنّ اللّه في إيمانه، وَيَقِينه يجب أنْ يُطاع عَلَى كُلّ حَال، ودُونَ قَيدٍ، أو شَرط، بل الخَوْف مِنْهُ تَعَالَى في السراء أَوْلَى، وأوْجَبَ، لأَنَّهَا رُبَّما تكون أمتحاناً،


1) النُّورِ : 38.

2) النِّسَاء : 123.

واستدراجاً : (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (1). (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ‌ى مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَتِ بل لا يَشْعُرُونَ) (2).

(ألا وَ إِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَ لا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا). يَأْوِي الْآمِن إِلَى اشه ويَنَام ملءَ عَينِيه هَاديء النّفس، مرتاح البال، لا يُؤرقه شيء كانه في عُزلة عن العالم كله، أَمَّا الخَائِف الهارب فلا يقر له قرار، ولا يجد الهدوء، والراحة. لأنه في شغل شاغل بما يُخيفه، وَيُهدده.... حَتَّى عَن الأكل، والنَّوْم، وكَذَلِكَ مِن يطلب العزيز الثمين، ويسعى إِلَيْهِ فإنَّه يُركز عَلَيْهِ هَمَّه، واهتمامه، وجميع حواسه، وأفكاره، وينصرف عن كلّ شيء عداه. ومن البداهة أنه لا نَعِيم أعزّ وأَغْلَى مِن نَعِيم الجنَّة، وَلا عذاب أقسى، وأخْزَى مِن عذاب جَهَنَّمَ. وإِذَنْ كَيْفَ يَزعم زَاعم أنه يخاف مِن نَارِ جَهَنَّمَ، ويهرب مِنْهَا، وأنه يرغب في الجَنَّة، ويَطلبها، ثُم يَغرق في سُبات عَمِيق ؟

(أَلا وَ إِنَّهُ مَنْ لا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ). قد يتحذلق البعض، ويقول: وأيه جدوى مِن الحَقِّ، وأتباعه؟ إنه لا يجلب في هذه الحياة نفعاً، وَلا يَدفع ضُرّاً... ويقول الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جوابه : إِذا لم يَنْتَفع بِالْحَقِّ - كَمَا زَعمت - فإنّ الْبَاطِل يَجره إِلَى الويلات، لا محالة.. وتجدر الإِشَارَة إِلَى أنْ هَذَا الجَوَاب مِن الْإِمَامِ إِنما هُو عَلَى سَبِيل المُماشاة مع الخصم، والتسليم جدلاً بدعواه... وإلا فإنّ الحَقِّ أحق أنْ يُتبع، والْبَاطِل يَجب أنْ يُترك عَلى كل حال، ومهما تكن النتائج، وفِي الحَدِيث الشَّرِيف عَن الْإِمَام عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَإِنَّ


1) القَلَمِ : 44.

2) الْمُؤْمِنُونَ : 55 – 56.

النَّارَ حُقَّتْ بِالشَّهَوَاتِ» (1). وَقَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْحَقَّ تَقِيلٌ مَرِيءٌ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِي»(2).

(وَ مَنْ لا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى، يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالُ إِلَى الرَّدَى). سَبِيلان فقط، ولا ثالث: سَبِيل الهُدَى، وسَبيل الضَّلال، ومَن سَلك الْأَوَّل فَقَد فَاز، ومَن أنحَرف عَنْه فَإِلى الهَاوِيةِ، قَالَ تَعَالَى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (3)...(أَلا وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ). كُلُّكُم أَيُّهَا النَّاسِ مَدعُوون إِلَى اللّه، والوقوف بين يديه لِلْحِسَابِ، والجزاء، والسؤال، والجَوَاب، وَلا مهرب إلا التلبية والإستجابة، فأعدوا لها ما دَلكم اللّه عَلَيْهِ، وأمركم بهِ مِن صَالح الأَعْمَالِ، وكريم الخصال (وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ). «فَأَمَّا اتِّباعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ» كما قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).)### للمنبر - بَيْنَ الدُّنْيَا َوالآخِرَة:(فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ أَنْفُسَكُمْ بِهِ غَداً يُشِير الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِهَذَا إِلَى العِلاقَة الْقَوِيَّة الوثيقة، والترابط المتين بَيْنَ السَّعَادَة فِي الْآخِرَة، والصّلاح)


1) أنظر، خطب نهج الْبَلاغة : 90/2، جزء من خُطْبَة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) (176).

2) أنظر، خطب نهج البلاغة : 90/4، الحكمة (376).

3) النِّسَاء : 115.

4) أنظر، خطب نهج البلاغة : الحكمة (42).

والإصلاح فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وبَيْنَ الشّقاء في الحَيَاةِ الثَّانِيَة، والْفَسَاد، والإِفْسَادِ فِي حياتنا هذه.... يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ: خُذوا من هذه الحياة قبل أنْ يُوَافِيكم الموت، وتَزودوا مِن خَيرها إِلَى الْآخِرَة قبل الرحيل، وكُم فِيهَا مِن خَيرات... فما مِن شَيء يسهل العيش عَلَى الإِنْسَان إِلَّا هُو خَير عِند اللّه، ومَا مِن عَمل يُحقق الأمن، والدعة للنَّاسِ جَمِيعاً إِلَّا هُو فَضِيلة في كتاب اللّه، ومَا مِن نَهضة تُحرر الإِنْسَانِ مِن الجَهْل، والعبودية، والإِستغلال إلا هِي حَقٌّ فِي عِلم اللّه... وكلّ ما يَسِير بالْحَيَاةِ إِلَى الأفضل في أيّة جهة تكون فَهُوَ دِين، وإيمان عند اللّه.)أرَأَيْت إِلَى هَذَا الترابط العُضوي بَيْنَ الدُّنْيَا، والآخِرَة، وَهَذَا التكامل بَيْنَ الشَّجَرَة، والثّمَرَة ؟. وإذَنْ أين مكان الريب فِي الْيَوْم الآخر ؟ وما هي عيوب الإِيمان بهِ، وبالوقوف بَيْنَ يَدي عادل قدِير لِنْقَاسُ الحِسَابِ عَلَى ما فعل الإِنْسَان، وترك ؟ أَبِالثَّوَاب، والنَّعِيمِ عَلَى مَا أَحسن، أم بالعقاب، والجَحِيمِ عَلَى مَا أَسَاء ؟... هَذِه هي الآخِرَة عِند الإِسْلام... لا تنفك، وَلا تنقصم عن عَمَلِ الدُّنْيَا بِحَالَ : ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ‌يَ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (1)... (أمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمَ اللّه الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (2)... أَبَداً لا نَظرية مُجردة، وَلا عَقيدة مُستقلة عَن الْعَمَل فِي الإِسْلام، كَيْفَ وهو القَائِل : ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ، سَوْفَ يُرَى) (3). ومِن هُنا كَانَ الإِسْلَام دِينِ الْعَمَل حقاً، ووَاقِعاً، الْعَمَل من أجل حَيَاة أفضل فِي شَتَّى الميادين.)


1) الإسراء : 72.

2) آلِ عِمْرَانَ : 142.

3) النجم : 39 - 40.

ومن هنا أيضاً يُبارك الإسلام المخصب، والرّخاء، ويُحرص عَلَى الأَمن والْعَدْل، ويستنكر الْفَقْر، والتخلف، ويلعن الإستعباد، والإستغلال، ويثور عَلَى الظلم، والعدوان... هَذَا هُو الإِسْلام واضح، وبسِيط، ومُقنع فِي جَميع تَعَالمه الَّتي تمثل الإحساس بمعاني الحياة، ومطالبها، ومَسْئُوليتها... وَلَا مَشاكل لِلْإِسْلام، وَلاَ فِيهِ إِلَّا مُشْكِلَة وَاحِدَة تسربت إِلَيْهِ مِن إساءة الفهم، والتَّفْسِير الخاطيء الجَائِر، من الذين يدّعونه، ويُمجدونه عَلَى أساس أنه عواطف، وتَجَاهِيل، وشعائر، وتقاليد وَكَفَى... ثُمَّ يُتهمون كلَّ مَن يَعرف الإِسْلَام عَلَى حقيقته، ويَرمُونه بِمَا شَاء هُمْ الجهل، والغرض، ولو أبتعد الأدعياء، أو أبعدوا عن الدِّين، ووظائفه لدخل الشباب في دين اللّه أفواجاً، ونبذوا التيارات الشائعة الذائعة فِي هَذَا العصر.

## الخطبة - 29 -### لا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلا بِالْجِدّ... فِقْرَة 1 - 2 :(أَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، كَلَامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصَّلابَ، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ! تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ، كَيْتَ، وَكَيْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ: حِيدِي حَيَادِ! مَا عَزَّتْ دَعْوَةٌ مَنْ دَعَاكُمْ، وَلا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ، أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ، وَسَأَلْتُمُونِي التَّطوِيلَ، دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ، لَا يَمْنَعُ الضَّيْمَ الذّلِيلُ! وَ لا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلا بِالْجِدٌ (1! أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ، وَ مَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ ؟ الْمَغْرُورُ واللّه مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ - واللّه - بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ، وَ مَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ. أَصْبَحْتُ وَ اللّه لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَلَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ، وَلا أُوعِدُ الْعَدُو بِكُمْ. مَا بَالُكُمْ ؟ مَا دَوَاؤُكُمْ ؟ مَا طِبُكُمْ ؟ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ أَقَوْلاً بِغَيْرِ عِلْمٍ! وَ غَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ ! وَ طَمَعاً فِي غَيْرِ حَقٍّ (2) ؟ !))اللُّغَة:أَهْوَاؤُهُمْ : آرائهم، وميولهم. والصُّمَّ : جَمع الأصم، وهو الأطرش، والمراد به هنا

الْحَجْر، والصَّلاب: جمع الصُّلب - بضم الصاد - أي الشَّدِيد كَيْتَ، وَكَيْتَ : كَذَا، وَكَذَا كناية عن الحديث، ولا تستعملان إلا مكررتين، ومثلهما ذَيْتَ، وَذَيْتُ (1. حِيدِي حَيَادِ : تَنحي عنا أَيتها الْحَرْب (2)قَاسَاكُمْ : أخذكم بالقسوة، والشّدّة. وأَعَالِيلُ : جَمع أَعلُولة، وتُشعر بكذب التعليل : وأَضَالِيلَ : جَمع أَضلولة والمطول :مُبالغة في المطل أي التسويف بوعد الْوَفَاء. والأَخْيَبِ : الخاسر. والأَفْوَقَ: السهم الَّذِى كُسر طَرفه. والنَاصِل ما لا نصل فِيهِ، والتَّصل : حديدة السَّهم، والرّمح، والسيف.)الْإِعْرَابِ:كَيْتَ وَكَيْتَ مَبْنِية لِأَنَّهَا حَالة محل الجملة، وَلاَ محَل لَهَا مِن الإِعْرَاب لشبهها بأسم الفِعْل، ومثلها حِيدِي حَيَادِ، وقيل : هي أسم فعل عَلَى سَبِيل الإحتمال. أَعَالِيلُ خَبَر لمبتدأ مَحْذُوف أي أقوالكم أَعَالِيلُ، وبِأَضَالِيلَ مُتَعَلِّق بأَعَالِيلُ. ودِفَاعَ مَنْصُوب ينزع الخافض أي كدفاع. وَمَا بَالُكُمْ ؟ مُبْتَدَاً، وخَبَر، ومثله ما بعده. أَ قَوْلاً نُصب عَلَى المَصْدَرِيَة، ومثله ما بعده.الْمَعْنَى:(كَلامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصَّلابَ، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ !... شجاعة. وبطولة في المظاهر، والأقوال، وضَعف، وخَوَر فِي الْقُلُوب، والأفعال. (تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ، كَيْتَ، وَكَيْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ : حِيدِي حَيَادِ !). هَذَا بَيَان، وتَفْسِير)


1) أنظر مختار الصحاح : 94/1. الفائق : 291/3.

2) عَلَى وزن : قَطَامِ كما في لِسَان الْعَرَب : 159/2، النهاية في غريب الحديث : 446/1.

لما قبله، وتُوكيد ما هُم عَلَيْهِ مِن مُخالفة القَوْل للفعل، وأَكْثَرَ النَّاسِ يَقُولُونَ مَا لا يَفعلُون إلَّا مَع الْخَوْف، والرَّهْبَة (مَا عَزَّتْ دَعْوَةٌ مَنْ دَعَاكُمْ. لأَنّكم لا تُجيبون داعياً، وَلاَ تُسعفُون شَاكِياً.)(وَلا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ. كأنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُجيب بِهَذَا سَائلاً يَقول : لِمَاذَا يترك الإمام أمر الجهاد، والحزب لهُمْ، ولقناعتهم، وَلا يُجندهم بالقهر، والْقُوَّة بَدل أنْ يَقف فِيهِمْ مُنْذِراً، ومُوبخاً مِن غَيْر جَدوى تماماً كوعَاظ المساجد ؟ أليست السّلطة في يده، والأَمْر لهُ وَحده ؟.)فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنه لو قسا عَلَيْهِمْ، وأخذهم بالشِّدَّة من أجل الجهاد لشقوا عصا الطَّاعَة، وكانوا عوناً للعَدُوّ عَلَيْهِ... وأشرنا في بَعْض ما سبق إلى أنّ طريقة الإِسْلام في الجهاد أنْ يَحث عَلَيْهِ، ويُبين منافعه، وحَسَنَاته، ثُمَّ يَترك الأمر لقناعة الإِنْسَان، لأنه لو أرْغَمه عَلَيْهِ لرُبَّما أضمر السُّوء، وسعى في الفِتْنَة، وتفريق الصفوف، وقد يُؤدي به إِلَى التَّآمر مع الْعَدُو.)(أَعَالِيلُ. يُبررُون قعُودهم عن الجهاد بعلل علَيْلَة واهية، كلّها نفاق، وتضليل (وَ سَأَلْتُمُونِي التَّطْوِيلَ، دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ). رَغَبوا إِلَى الْإِمَام فِي تأخِير الحزب والجهاد، ولا مبرر إلا التسويف والمماطلة تماماً كالمدين الواجد يُدافع غريمه، ويُماطله بلا عُذر... والعدو قد جاس خلال الدَّار، وأكثر من الْقَتْلِ، والدَّمار، والتأخير في حزبه يُمكنه من بلوغ أهدافه، وأَهْوَائِه.)(لا يَمْنَعُ الصَّيْمَ الذّلِيلُ ! بَعد أنْ هَانت عَلَيْهِ نَفْسه، وآثر الحياة مع الذُّلّ، والهوَان عَلَى الْمَوْت مع الْعِزَّة، والْكَرَامَة (وَ لا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلا بِالْجِدِّ)، تَمَاماً كالعِلم، هذا بالسَّهر، والمضي في الْبَحْث والتّنقيب، والدّرس، والسؤال مع الصبر عَلَى الْفَقْر، والفاقة، وذَاكَ بالدفاع باللِّسَانِ، والْقَلَم، وبالإضراب، والمظاهرة.)

وبالثّورة، والتضحية بالنفس، والمال، والأَهْل إِنْ أَقتَضت الحال.(أَيَّ دَارِ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ؟. أتاهُم الإِمَام عَن طريق إحساسهم، وشعُورهم لأنّ وَطن الإِنْسَان نَفْسه، وكرامته، ومَن استهان بوطنه فقد استهان بنَفْسِهِ، وكرامته، بل وبدينه، وعقيدته، لأنّ «حب الوطن من الإيمان» (1)(وَ مَعَ أَي إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ) ؟... أَبَداً، وَلا إمام، لأنهم لا يُريدون القتال من الأساس ويُؤثرون الرّاحة، والكسل عَلَى الْجِهَاد، والْعَمَل.)(الْمَغْرُورُ واللّه مَنْ غَرَرْتُمُوهُ لأنكم كالسراب تُقرّبون البَعِيد، وتُبعدون القريب، ومن هنا وصفهم الإِمَام فِي غَيْر مكان بالكَذِب، والنِّفَاقِ (وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ - وَ اللّه - بِالسَّهُم الأَخْيَبِ). لأنكم لا تُغنون غناء العُصفور (وَ مَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ) بسَهم لا يصل إلى المرمى، وَهَذَا الكلام عَطف تَفْسِير عَلَى ما قبله (أَصْبَحْتُ واللّه لا أَصَدِّقُ قَوْلَكُمْ) لأنكم كَاذِبُون (وَلا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ) لأنكم مُتخَاذِلُون (وَ لا أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ) لأنه لا يُرهبكم.)(أَ قَوْلاً بِغَيْرِ عِلْم !، أي بغير عمل لأنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى التلازم، والترابط بَيْنَ العلم، والعمل الصالح، فمن أَقْوَاله : «الْعِلْمُ مَقْرُونَ بِالْعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ : وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا أَرْتَحَلَ عَنْهُ» (2)(وَ غَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَعِ !). تغفلون عَن الواجبات، ولا تتورعون عَن المحَرَّمات (وَ طَمَعاً فِي غَيْرِ حَيّ). لا تُؤدُونَ حق اللّه، والنَّاس، ومَع هَذَا تَطمعُون فِي غَيْر حقكم... وسِيرة النَّاس، أو أَكْثَرهم عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قِيل : الإِنْسَان شرِير بطبعه. وَقَالَ آخر : بَل خَير بطبعه. وَقَالَ ثالث : إنّه يَتكيف تحسب ظروفه، إِنْ خَيراً فخَير، وإن شراً فشر. ولكلّ شُبهة، ومدرك.)


1) أنظر، كشف الخفاء للعجلوني : 345/1 ح 1102. أمل الأمل للحر العاملي: 11/1.

2) انظر، خطب نهج البلاغة : 85/4، الحكمة (366).

## الخطبة - 30 -### اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ:(لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَ مَنْ خَذَلَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي. وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ، اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ، وَجَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ، وَ للَّهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي الْمُسْتَأْثِرِ، وَالْجَازِعِ.)الْإِعْرَابِ:غَيْرَ مَعْنَى سوى، وتأتي بمعنى «لا» مثل فعلت هَذَا غَيْرَ مُكرَه، وَعِندئذٍ تُنصب عَلَى الحال أي فعلته لا مكرهاً، وأيضاً تأتي بمعنى «إِلَّا» الاستثنائية، ويَجري عَلَيْهَا مِن الإِعْرَاب مَا يَجري عَلَى الإسم الَّذي بَعدها إِذا وقع بعد أداة الإستثناء مثل جاء الْقَوْم غَيْرَ زَيد، فَتُنصب غَيْر لأنك تقول : جَاء الْقَوْم إلا زيداً، ومثله (غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ.. إلخ فِي كَلَام الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقَد نَصبت «غَيْرَ» لأنّ الْمَصْدَر المنسبك من أَنَّ وما بعدها لو وقع بعد إِلَّا لَكَان مَنْصُوباً عَلَى الإِستثناء.)

الْمَعْنَى:(لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً. الضَّمِيرِ فِي «بِهِ» يَعود إِلَى قَتل عُثمَان.. ومَا كَانَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) آمراً بِذَلِكَ، وَلاَ ذَاباً عَنْهُ بِسَيْفه، بل نَهى عَن قتله : ما فِي ذَلِكَ رَيب... لم يأمر لأنه لو أمر لكان من قاتليه، ولَيْسَ فِي قَتله أية مَصلحة لِلإِسْلام، والمُسْلِمِين، ولو ذَبَّ عَنْه بالسَّيْف لعمت الْفِتْنَة، وتكدست القتلى بالألوف، أو المئات، ومن أجل هَذَا، وذَاكَ وَقَف الإمام عند النّهى عن الْقَتْلِ، والتَّحْدِّير مِنْهُ ما استطاع، قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «أَمَّا نَهِيهِ عَن قَتله فَهُوَ ثابت، وقد أمر الْحَسَن، والحُسَيْن أَنْ يُذِبًا النَّاس عَنْه» (1).)(غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ. حِينَ قُتل عُثمان كَانَتْ الْمَدِينَة تَعج، وتَغص بالصَّحَابَة من الْمُهَاجِرِين، والْأَنْصَارِ، وفِيهِمْ الوجوه، وأَهْل السّابقة، وَالْمُكَّانَة، وقد خَذلوا عُثمان، وتجاهلوه عَن عَمدٍ، بَل كَانَ بَعْضهم يُحرض عَلَيْهِ سرّاً، أو علناً، ولو أنّ الصَّحَابَة نَاصِرُوه، ووقفوا معه لما أقدَم، وتَجرأ أحَد عَلَى قَتله.)أَمَّا الَّذين نَاصِرُوا عُثمَان فهم وزراؤه، وأعوانه الذين اغتصب لَهُمْ أَمْوَال الْمُسْلِمِين، كمَرْوَان، وأضرَابه. وَعَلَىَ هَذَا فَمَن نَصر عُثمَان لا يجرؤ عَلَى الأَدعَاء بأنه أفضل مِمَّنْ خَذله، بل العكس هو الصحيح. ونتيجة ذلِكَ أن مَن خَذل عُثمَان، وهو قادر عَلَى الذَّب عَنْهُ - غَيْر مَسْئُول أمام اللّه. قَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «يُرِيد الإِمَام أنّ الْقُلُوب مُتفقة عَلَى أَن نَاصِري - عُثمان - لم يكونوا فِي شَيْء مِن الخَيْرُ الَّذي


1) أنظر، خطب نهج الْبَلاغة للأستاذ مُحَمَّد عَبْدَه : 75/1.

يُفضَلُون بهِ عَلَى خَاذِلِيه» (1. وَقَالَ ابن أبي الْحَدِيد : «أَمَّا قَوْله غَيْر أَنَّ مَن نَصره فمعناه أَن خَاذليه كانوا خيراً من ناصريه، لأنّ الذين نَصروه كَانَ أَكْثَر هم فُساقاً كمَرْوَان أبن الحكم، وأضرابه، وخَذله الْمُهَاجِرُون، والأَنْصَار» (2).)(وَ مَنْ خَذَلَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي. بل العكس هو الصحيح لما بينا... وهل من أحدٍ يَجرؤ عَلَى الزّعم بأنٌ مَرْوَان خَيرٍ مِمَّنْ خَذل عُثَمان مِن المُهَاجِرِين، والأَنْصَار ؟.. ولو أن مُنصفاً تتبع سير عُثمان، وأحصَى عَلَيْهِ أعماله لوجد أنّها مُقدمات طبيعية لما حَدَث.)(وَ أَنَا جَامِعُ لَكُمْ أَمْرَهُ، اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ، وَ جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ. أي أنّ كلاً مِن القاتل والمقتول عَلَى خَطأ... لقد حكم عُثمَان فجار، وأسرف، وكَانَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتعدى حدود الكِتاب والسُّنَّة، وبادر الناقمون إلى تأديبه فتجاوزوا حد الْقِصَاص الَّذي شُرع حقناً للدماء، وفتحوا باب القتل والقِتال بَيْنَ الْمُسْلِمِين وكانوا سبباً لسفك ما سَفك مِن الدِّمَاء بِسَبب هَذِهِ الْفِتْنَة.)(وَ للَّهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي الْمُسْتَأْثِرِ، وَ الْجَازِعِ بَعد أَنْ حَكم الْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإِساءة عَلَى القَاتِل والمقتول قَالَ، هَذَا حُكمى، واللّه سُبْحَانَهُ في كلّ مِنْهُما حكم. وَهَذَا تَعلِيم، ، وتنبيه للجاهل أنْ يَحجم عن الحكم، وللعالم أن يتثبت قبل أن يحكم، وقد جرت سُنة الجتَهدِين مُنذ القديم أنْ يقُولوا : «واللّه أعْلَم» بَعد أنْ يَفتوا، أو يحكموا)


1) انظر، خطب نهج الْبَلاغة للأستاذ مُحَمَّد عَبْدَه : 76/1.

2) أنظر، شَرح النهج : 128/2.

## الخطبة - 31 -### طلحة والزُّبَيْر:(لا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ، يَرْكَبُ الصَّعْبَ، وَ يَقُولُ : هُوَ الذُّلُولُ. وَلَكِنِ الْقَ الزُّبَيْرَ، فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةً، فَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ : عَرَفْتَنِي بِالْحِجَازِ، وَأَنْكَرْتَنِي بِالْعِرَاقِ، فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا.)اللُّغة :الأَعْقَص مِن التّيوس : ما التَّوى قَرنَاه عَلَى أُذُنِيه مِن خَلفه (1، والمُرَاد هُنا بـ«عَاقِصاً قَرْنَهُ» الغُرُّرُ، والغَطْرَسَة. والعَرِيكَة : الخلق، والطَّبِيعَة.)الْإِعْرَابِ:عَاقِصاً مَفْعُول ثَانٍ لتَجِدْهُ، وَكَالثَّوْر الكاف بِمَعْنَى مِثل حَالَ مِن الهَاءِ فِي تَجِدْهُ أي


1) أنظر، لسان العرب : 55/7.

تَجِدْهُ عَاقِصاً قَرْنَهُ مُماثلاً للثَّوْر. وعَرِيكَةً تمييز.الْمَعْنَى:الزُّبَيْرِ قَرشي، وأبوه العوام بن خُوَيْلد أخو السَّيّدة خَدِيجَةَ الْكُبْرَى بِنتَ خُوَيْلد والزَّوْجَة الأُولَى ِلرَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وأُمّ الزُّبَيْرِ صَفِيَّة بنت عبد المطلب عمة النَّبِيِّ والْإِمَام، وتزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر، وأولدهَا عَبد اللّه، فالزُّبَيْر ابن عمّة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأبن أخ زوجته خَدِيجَة، وعديله، ومِن أجل هَذَا قَالَ له الإِمَام مِن جملة ما قَالَ: «مَا زَالَ الزُّبَيْرِ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ ابْنُهُ الْمَشْؤُومُ عبد اللّه» (1).)وكَانَ الزُّبَير يحث سراً عَلَى قَتل عثمان، وبعد قتله بَايَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ نَكَثَ بَيعته، وأعلن عَلَيْهِ الْحَرْب. وقبل أنْ يَشتبك الفريقان في وَقْعَة الجَمَل وقف الْإِمَام بَيْنَهما، ونادى الزُّبَيْرِ، وأنفَرد بهِ، وَقَالَ له : «ألم يقل لك رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، أَمَا إِنَّكَ ستقاتل عَلِيَّاً، وأنتَ لهُ ظالم! فانصرف الزُّبَيْرِ عَن الْقِتَال، وتبعه عَمْرُو ابن جَرمُوز فَقَتله في وادي السباع.... ذكر هَذَا جَمَاعَة مِن أهل التراجم، والتَّاريخ، مِنْهُم أبن عبدالبر في الإسعاب (2).)


1) أنظر، خطب نهج البلاغة : الحكمة (453)، تاريخ الطَّبَرِيّ : 519/3، الْإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 55/1، شَرْح : 519/3 نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 61/4، الإِسْعَاب : 0906/3 ترجمة عبدالله رقم (1535)، تأريخ دمشق : 66/18، أنساب الأشراف للبلاذري : 255.

2) وَرّدت أقوال كثيرة في قتل أبن جرموز الجاشعي للزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن كلاب القُرشيّ الأسدي، والذي أسلم بمكة وعمره 7 أو 12 سنوات. وكَانَ مِمَّنْ خَالف عُثمَان، ولما قتل إلى عثمان بادر إلى بَيْعَة علي ثم خرج إلى الْبَصْرَةِ مُطالباً بدم عُثمَان. ولما تقابل الجيشان طلبه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذكره بأَقْوَال رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مثل «استقاتل عَلِيَّاً وأنتَ ظالم له» وقد أشرنا إلَيْهَا قبلاً، وإلى المحاورة التي دارت بَيْنَها، ولَسْنَا بصدد بيان كل الأقوال بل نذكر بعضها من المصادر التي تحت أَيْدِينَا.)فمثلاً ذكر ابن أَعْثَمْ فِي الْفُتُوح : 475/1 قَالَ : ثم مضى الزبير، وتبعه خمسة من الفرسان فحمل عَلَيْهِمْ، وفرق جمعهم... ومضى حَتَّى صار إلى وادي السباع فنزل عَلَى قَوْم من بني تميم فقام إلَيْهِ - وقد ذكره الطَّبَرِي : 511/3 باسم : عمير بن جرموز، ولكن في : 521 جاء باسم: عَمْرُو بن جرموز المجاشِعي - فَقَالَ : أبا عبدالله كَيْف تركت النَّاس ؟ فَقَالَ الزُّبَيْر : تركتهم قد عزموا عَلَى الْقِتال، ولا شك قد التقوا، قَالَ: فسكت عَنْه عَمْرُو بن جرموز وأمر له بطعام وشيء من لبن فأكل الزبير، وشرب. ثم قام فصلى وأخذ مضجعه، فلما علم أبن جرموز أن الزبير قد نام وثب إِلَيْهِ وضربه بسيفه ضربة عَلَى أُمّ رَأسه فقتله، ثمّ أحتر رأسه، وأخذ سلاحه، وفرسه، وخاتمه، ثم جاء به بَيْنَ يدي علي بن أبي طالب، وأخبره بما صنع بالزبير.قَالَ : فأخذ علي (رضیَ اللّهُ عنهُ سَيْف الزُّبَيْرِ، وجعل يقبله وهو يقول : إنه لسيف طالما جلى الكروب عن وجه رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولكن الحين والْقَضَاء. ثم أقبل عَلَى عَمْرُو بن جرموز فَقَالَ ويحك لم قتلته ؟ فَقَالَ : قتلته واللّه وأنا أعلم أنّ ذلِكَ مِمَّا يرضيك، ولُوْلاً ذَلِكَ لما قدمت عَلَيْهِ، فَقَالَ على (رضیَ اللّهُ عنهُ) ويحك ! فإنّي سمعت رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول : بشر قاتل ابن صَفِيَّة النَّار. قَالَ: فوتب عَمْرُوبن جرموز من بين يدي علي (رضیَ اللّهُ عنهُ)وهو يقول : لا واللّه ما ندري أنقاتل مَعَكُمْ أم عَلَيْكُمْ. ثم أنصرف عَن عليّ وهو يقول أبياتاً مطلعها.)أتيتُ عَلِيّاً برأس الزُّبَيْر*** وقد كنتُ أرجو بهِ الزلفهوَبِبْس بشارة ذى التحفه ***فبشَّر بالنَّار قبل العيانوذكر ابن قُتَيْبَة فِي الْإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 93/1، أنّ ابن جرموز سأل الزُّبَيْرِ فَقَالَ : يا أبا عبد اللّه. أحييت حَرْباً ظالماً، أو مظلوماً ثم تنصرف ؟ أتائب أنتَ أم عاجز ؟ فسكت عنه، ثم عاود فَقَالَ له : يا أبا عبد اللّه، حدثني عَن خصال خمس أسألك عَنْهَا، فَقَالَ: هات، قَالَ : خذلك عُثمان. وبيعتك عَلِيَّاً، وإخراجك أُمّ الْمُؤْمِنِين، وصلاتك خلف أبنك، ورجوعك عَن الحَرْبِ، فَقَالَ الزُّبَيْر : نعم أخبرك، أَمَّا خذلى عُثمان فأمر قدر اللّه فِيهِ الْخَطِيئَة، وأخر التَّوْبَة، وأَمَّا عَائِشَةَ فأردنا أمر وأراد اللّه غَيْره، وأَمَّا صلاتي خلف أبنى فإنما قدّمته عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِين، ولم يَكُنْ لي دُونَ صاحبي أمر، وأَمَّا رجوعي عَن هَذِهِ الْحَرْب فظنّ بي ما شئت غير الحجين...وذكر ذلك أيضاً صاحب البداية والنهاية : 277/7 بإضافة : فاتبعه عَمْرُو بن جرموز، وفضالة بن حابس، ونفيع في طَائِفَة من غواة بني تميم. وذكر الطَّبَرِيّ في : 540/3 حوادث سنة 36 هـ مثل ذلك بإضافة : كَانَ معه - يعني الزُّبَيْر - غلام يُدعى عَطِيَّة - قال لابن جرموز : ما يهولك من رجل وحضرت الصَّلاة ؟ فَقَالَ ابْن جرموز الصَّلاة فَقَالَ الزُّبَيْرُ : الصَّلاة، فنزلا و استدبره ابن جرموز بن جرموز قطعنه من خلفه في جرباة درعه فقتله، وأخذ فرسه، وخاتمه، وسلاحه وخلّى عن الغلام فدفنه بوادي السباع...وذكر المسعودي في مروج الذهب : 362/2 وأبو مخنف كلاهما قالا : فجاء بسَيْفه إلى عليّ فَقَالَ : واللّه ما كَانَ ابن صَفِيَّة جباناً، ولا لئيماً، ولكن الحين ومصارع السُّوء، ثم أخذ سَيْفه، وهزّه وَقَالَ: سَيْف طالما... فَقَالَ ابْن :جرموز الجائزة يا أمير المؤمِنِين ! فَقَالَ : أَمَّا اني سمعت رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يقول : قاتل ابن صفيه في النَّار. فخرج ابن جرموز خانباً. وقال أبياتاً : أتيت عَلِيَّاً برأس الزُّبَيْر.... وفي آخرها.)لسيّان عِنْدِي قَتل الزُّبَيْر ***وضَرطة عنز بذى الجحفةوخرج ابن جرموز عَلَى عليّ مَع أَهْل النَّهْرَوَان فقتله معهم. وقيل هو قتل نفسه بعد ما سمع قول الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ من فم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). اعتمدنا في ذَلِكَ عَلى المصادر التالية : الاسيعاب : 203. تاريخ الطَّبَرِيّ : 19/5. و : 540/3ط أخرى، الأغاني : 126/16، أبو مخنف عَلَى رواية أبن أبي الحَدِيد في الشرح : 78/1، تأريخ أبْن أَعْثَمْ: 281/1 ط حیدرآباد، مروج الذهب : 362/2، تهذيب ابن عساكر: 364/5، أسد الغابة : 199/2، أبن الأثير في تأريخه : 94/3، العقد الفريد : 322/4، المستدرك : 366/3، كنز العمال : 82/6 ح 1283 و 1290 و 1318 - 1320، الذهبي في النبلاء : 38/1، تأريخ اليعقوبي: 2/ 158، الإصابة : 527/1 الترجمة 2789، مسند أحمد : 165.

وطَلْحَة قَرشي أيضاً، وأبوه عبد اللّه بن عُثمان (1، وكَانَ طَلْحَة مِن أشد الناس)


1) هو أبو مُحَمَّد طَلْحَة بن عبيد اللّه بن عثمان بن عَمْرُو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القُرَشِيّ التّيمي... وأمه صعبة بنت الحضرمي إمرأة من أهل اليمن، أخت العلاء أبن الحضرمي، شهد أحد فشلّت أطبعه بها وقد أخى النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بينه وبَيْنَ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ من أشدّ المؤلبين عَلَى عُثمان. فلما قتل عُثمان سبق إلى بَيْعَة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم خرج إلى الْبَصْرَةِ مطالباً بدم عُثمَان. ورآه مَرْوَان بن الحكم يَوْم الْجَمَل فَقَالَ: لا أطلب بشاري بعد الْيَوْم. فرماه بسهم قتل مِنْهُ في سنة 36هـ. (أنظر ترجمته في طبقات ابن طبقات ابن سعد : 3 قسم 156/1، الإصابة : 220/3، مروج الذهب : 11/22، تهذيب ابن عساكر: 84/7، تاریخ ابن كثير: 247/7، أنساب الأشراف: 44/5 - 90، الرّياض النضرة : 258/2، العقد الفريد : 92/3 – 109.

تحريضاً عَلَى ابن عَفَّان، ولما قتل بَايَعَ طَلْحَة عَليَّاً، ثُمَّ نَكث وأعلن الحرب، وعِندما أشتبك الفريقان فِي وَقْعَة «الجمَل» رَمَاهِ مَرْوَان بن الحكم يسهم فقتله، وَقَالَ : واللّه لا أُطالب بثأر عُثمان بعد الْيَوْم، والتَّفت إِلَى بَعْضٍ وِلد عُثمان وَقَالَ لَهُ : كفيتك ثأر أبيك من طَلْحَة، وكَانَ مَرْوَان، وطَلْحَة فِي أَصْحَابِ الْجَمَل. قَالَ أَبن عبد البر : «لا يختلف العلماء الثقات في أن مَرْوَان قَتل طَلْحَة يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ فِي حزبه» (1أي في الحزب الذي حارب الإِمَام... والْعِبْرَة فِي قِصَّة مَرْوَان، وطَلْحَة


1) المصادر التاريخية التي أشرنا إليها سابقاً بَعْضها تذكر أنّ السهم الَّذي أَصَابَ طَلْحَة لَيْسَ غريباً بل هو سهم مسموم رماه نحوه مروان بن الحكم كما جاء في الفتوح لابْن أَعْثُمْ : 484/1 قَالَ: وجعل طَلْحَة ينادي بأعَلَى صَوْته : عباد اللّه الصبر الصبر، إنَّ بعد الصبر النصر والأجر. قال : فنظر إِلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم فَقَالَ لغلام له : ويلك يا غلام، واللّه إنّي لأعلم أنه ما حرّض عَلَى قتل عُثمَان يَوْم الدار أحد كتحريض طَلْحَة، وَلاَ قتله سواه، ولكن أسترني فأنتَ حرّ، قَالَ : فستره الغلام ورمى مَرْوَان بسهم مسموم لطَلْحَة بن عبيد اللّه فأَصَابَه به، فسقط طَلْحَة لما به وقد عمى عَلَيْهِ، ثم أفاق فنظر إلى الدم يسيل مِنْهُ فَقَالَ : إنا لله وإنا إِلَيْهِ رَاجِعُون، أظنّ واللّه أننا عنينا بهذه الآية من كتاب اللّه عزّ وجلّ إذ يقول : (وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ) الْأَنفَالِ : 25.)وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 97/1 : إِنَّ عَلِيَّاً خرج إِلَيْهِمْ بعد سبعة أَيَّامٍ فهزمهم، فلما رَأَى طَلْحَة ذَلِكَ رفع يديه إلى السَّمَاء وَقَالَ: أَللَّهُمَّ إِنَّ كنّا قد داهنا في أمر عُثمَان وظلمناه فخذ له الْيَوْمِ مِنًا حَتَّى تَرْضَىٰ قَالَ: فما مضى كَلَامه حَتَّى ضربه مَرْوَان ضربة أتى مِنْهَا عَلَى نَفْسِه.ولا ندري بماذا نفسّر قول الطَّبَرِي في تأريخه : 519/3، فقد ذكر وجاء طَلْحَة : 519/3، فقد ذكر وجاء طَلْحَة سهم غرب يخل ركبته بصفحة الفرس فلما امتلأ مؤزجه دماً، ونقل قَالَ لغلامه : أردقني وأمسكني... وَقَالَ في 534 : قَالَ طَلْحَة يَوْمَئِذٍ : أَللَّهُمَّ أعط عُثمَان منّى حَتَّى يرضى فجاء سهم غرب وهو واقف فخل ركبته بالسرج وثبت حَتَّى أمتلأ مؤزجه دماً... ولكن نترك للقارئ الكريم هُو يفسر ذَلِكَ ونَحْنُ علينا نقل المصادر التي ذكرت أنه سهم مسموم أطلقه عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم. فهذا أبن عبد البر في الأسيعَاب : 207، واليعقوبي، وأبن عساكر، وأبن عبد ربّه، وأبن الأثير، وابن حجر في الإصابة : 2/ 222، يَقُولُونَ : فلما اشتبكت الحرب قَالَ مَرْوَان : لا أطلب بثاري بعد الْيَوْم ثم رمى طَلْحَة فأصَابَ ركبته فما رقي الدم حَتَّى مات. وَقَالَ: لا يختلف العلماء الثقات: في أنّ مَرْوَان قتل طَلْحَة يَوْمَئِذٍ وَكَانَ فِي حِزْبه.وفي طبقات ابن سعد : قَالَ طَلْحَة : واللّه ما يلفت إلينا سهامهم. وروى أيضاً : كَانَ مَرْوَان مَع طَلْحَة في الخيل فرأى فرجةً في درع طَلْحَة فقتله، وروى أيضاً : فلما رأى انكشاف النَّاس نظر إلى طَلْحَة واقفاً فَقَالَ : واللّه إنَّ دم عُثمَان عند هَذَا. وهُو كَانَ أشدّ النَّاس عَلَيْهِ وما أطلب أثراً بعد عين، ففوّق له سهماً فقتله.وفي المستدرك: 371/3، وأبن عساكر في تهذيبه : 84/7، وأسد الغابة : 60/3 : فالتفت إلى أبان بن عُثمان وهو معه، فقال : لقد كفينك أحد قتلة أبيك... وَقَالَ مَرْوَان لغلامه أريد أن أرميه وأريح المسلمين من شره، فلو تَقَدَّمت أمامي وحجبتني كي لا أرى فيُعْلَمُ أنّي رميته... فأخرج مَرْوَان سهماً مسموماً من کنانته فرماه فشك قدمه إلى ركابه... وروى المدائني ذَلِكَ وأضاف لما أدبر طَلْحَة وهُو جريح يرتاد مكاناً ينزله جعل يقول لمن يمر به من أَصْحَاب علي: أنا طَلْحَة من يجيرني – يكررها -.... وقَالُوا : ثم مات ودفنوه بالسبخة. وَقَالَ ابْن عبد ربه في العقد الفريد : 321/4، والذهبي في النبلاء : 82/1: إنّه أَوَّل قتيل. وأنظر 321/4، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 431/2.

أن كُلاً مِنْهُما أعلن الحرب مُطالباً بدَم عُثمَان، وحِينَ سَنحت الْقُرْصَة لَمَرْوَان غَدر بصَاحبه طَلْحَة، وأدرك بقتله التّأر مِنْهُ لعُثمَان.كَيْفَ أتفق طَلْحَة، ومَرْوَان معاً عَلَى المطالبة بدَم عُثمَان، وفِي نَفس الوقت يفتك أحدهما بصاحبه لا لشيء إلا لثَأَر مِنْهُ لعثُمَان.؟. وَلاَ عَجب فكلّ أعْدَاء عليّ مِن هَذَا الطراز، وَعَلَى هَذا المبدأ، يُطالبون بِالحَقِّ َويَتَّخِذُونه شِعاراً لهُمْ، ثُمَّ يُقيمون الدَّلِيل مِن أنفسهم وإيمانهم، وأَعْمَالهُم عَلَى أنهم هم الذين خنقوا الحَقِّ، وحملوا جنازته عَلَى رُؤُوسهم يَنشدون اللحن الجنائزي، ويَطْلُبُونَ الْقِصَاصِ مِن أَصْحَاب الْحَقِّ الَّذي أغتصبه، وخنقه المطالبون بدمه... وَهَذَا هُو منطق الإنتهازيين، وكلّ من يتاجر بالمبادىء، والدِّين، ويقول : أنا وحدي عَلَى الْحَقِّ الكَامِل ومَن خَالفني عَلَى الضّلال التّام.

والمَعْرُوف من سيرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه ما خاض حَرْباً، وَلَا شَهرٍ سَيْفاً عَلَى أَحدٍ إِلَّا بعد الْيَأْس من السّلم، والصلح، وكَانَ يَسلك إِلَيْهِ كلَّ سَبِيل، ومِن أَقْوَاله : «وَسَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُداً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ» (1)، أَي الْحَرْب. ومِن الشواهد عَلَى ذَلِكَ قَوْله لابْن عَبَّاس قبل أن تقع حَرْب الْجَمَل : دَعْ عَنْكَ طَلْحَة، وَلاَ تُكلّمهُ فِي شَأْنِ الحَرْب، أو السّلْمَ، فقد أَسْتَبْدَت بِهِ الغَطْرَسَة وأعماه الغُرُورِ حَتَّى أَصْبَحَ يَرَى الْبَعِيد قريباً، والصَّعْب سَهْلاً.(وَ لَكِنِ الْقَ الزُّبَيْرَ، فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةً أَرَق قلباً، وأَسهَل جَائِباً من طَلْحَة. قَالَ المؤرخون : كَانَ الزُّبَيْرِ فِي أشد الحَيرَة مُنذ وصل إِلَى الْبَصْرَةِ، وعَرف أنّ عَمَّار ابن ياسر قد أقبل فِي أَصْحَاب عَليّ: وَكَانَ الْمُسْلِمُون يَتسامعُون بقول النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعَمَّار : «وَيحَك يا ابن سُميَّة، تَقتُلك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (2). فلما عرف أن عَمَّاراً فِي جَيش عليّ أشفَق أنْ يَكُون مِن هَذِهِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ.)(فَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ : عَرَفْتَنِي بِالْحِجَازِ، وَأَنْكَرْتَنِي بِالْعِرَاقِ. كَانَ الزُّبَيْرِ مِن أشد النَّاس حماساً، وحُبّاً لِعَليٍّ فِي عَهد الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبعد وفاته، وَقَد شهر سَيْفه يَوْمِ السَّقِيفَة، وأبى إلَّا عَلِيَّاً لِلْخِلافَة، ووقف إلى جانبه فِي الشُّورَىٰ يَوْم جعلها عُمَرَ في ستة، ثُمَّ بَايَعَ الْإِمَام بَعد مقتل عُثمان، كلّ هَذَا كَانَ فِي الحجاز، وإِلَيْهِ أشار الإِمَام بقَوْله : «عَرَفْتَنِي بِالْحِجَازِ» ثُمَّ نَكث الْبَيْعَة، وخرج عَلَى الإِمَام في الْبَصْرَةِ، وإِلَى النّكث أشار الْإِمَام : «أَنْكَرْتَنِي بِالْعِرَاقِ».)


1) من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدما يونيع له بالخلافة، وقد قَالَ له قَوْم من الصَّحَابَة لو عاقبت قوماً مِمَّنْ أجلب عَلَى عُثمَان، أنظر، نهج البلاغة الخطبة (168).)

2) تقدم إستخراج ذَلِكَ.

(فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا. عَدَا فُلان طُوره تَجاوزه، وَتَعدّاه، وبَدَا ظهر وَتَبين، والمَعْنَى كُنتَ مِن قَبل - يَا زُبير - لي، ومَعي حَتَّى بَايَعتني بالخلافَةِ، ثُمَّ ثرت علي وأَنْكَرْتَنِي... لِمَاذَا ؟ وأي شَيء ظهر لكَ مِني بَعد الْبَيْعَة حَتَّى تَغِيرت، وتَجاوزت ما كُنت عَلَيْهِ مِن قَبل ؟ وَعَلَى هَذَا تَكُون «مِن» فِي قَوْله «مما» لبيان الجنس كما قَالَ مِيْثم في شرحه (1)، وليست بِمَعْنَى «عَن» كما قَالَ ابن أبي الحديد (2)، ومَن تابعه كَالشيخ مُحَمَّد عَبْدَه (3)، والشيء الَّذِي بَيَّنَته «من» هو : مَا بَدَا مِن أفعال الإِمَام للزبير بعد الْبَيْعَة، إِنْ كَانَ هُناكَ مِن شيء.)وَتَسْأَل : هَل بَلَّغ ابن عَبَّاس رِسَالَة الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى الزُّبَيْرِ ؟ وبماذا أجَاب عَنْهَا ؟.)قال ابن عباس : أتيتُ الزُّبَيْرِ، وقلت لهُ ما قَالَ الإِمَام. فأجاب بأنّه يُريد ما تريد، ولم يزدني عَلَى ذَلِكَ : وفهمت من جوابه أنه يُرِيد الملك، فرجعت إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ فأخبرته (4).)


1) أنظر، شرح النهج : 157/2.

2) أنظر، شرح النهج : 164/2.

3) أنظر، شرح النهج : 76/1.

4) أنظر، شَرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 165/2. بحار الأنوار : 76/32.

## الخظبة - 32 -### النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ فِقْرَة 1 - 4:(أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ، وَ زَمَنِ كَنُودٍ، يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئاً، وَ يَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُواً، لا تَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَلا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَلا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحْلَّ بِنَا (1.)وَ النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ : مِنْهُمْ مَنْ لا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِلا مَهَانَةُ نَفْسِهِ، وَكَلاَلَةُ حَدِّهِ، وَ نَضِيضُ وَفْرِهِ، وَ مِنْهُمْ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ، وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ، وَ الْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ، وَ رَجِلِهِ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ، وَ أَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ، أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ، أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ، وَ لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللّه عِوَضاً (2 !. وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَلا يَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا، قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ، وَقَارَبَ مِنْ خَطْرِهِ، وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ، وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللّه ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ. وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئولَةٌ نَفْسِهِ، وَ انْقِطَاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ، وَ تَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ، وَ لَا مَغْدِيَّ (3)).)

اللُّغَة:العنود : الجائر عَن الطَّرِيق، والمفهوم مِنْهُ عُرفاً المخالف المشاكس. والكَنُود : الْكَافِرِ بالنّعْمَة. والعُتُوّ : القَسوَة. والقَارِعَة : الدَّاهِية، والخطيب. وَالكَلاَلَةُ : الإِعْيَاء. وكلّ السَّيْف : لم يقطع. وَالنَضِيضُ : القِلة. وَالوَفْرِ - بِفَتح الواو : الْغِنَى. والْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ : مَن سَله مِن عِمده. وَالمُعْلِنُ : المُظْهِرِ وَالْخَلِبُ : مَن جَلب وجمع مِن هنا وهناك. - وَرَجِلِهِ بفتح الرَّاء - جمع رَاجِل وَأَوْبَقَ : أَهْلَك. والحُطَامِ : مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. ويَنْتَهِنُ : يَسْتَلِب ويَخْتَلِس. والمقْنَب - بكسر الميم، وفتح النّون نوع من الخيل. ويَفْرَعُهُ: يَعْلُوه، وطَامَنَ : خَفَضَ، والضُولَةُ : الضَّعْف، والحقارة. والمراح : مكان الماشية باللَّيْل، وقيل : لها ولغيرها. والمعدى : مكانها بالنَّهار.الْإِعْرَابِ:عُتُوّاً تَمييز يُحول عَن فَاعِل لأنَّ المَعْنَى يزداد عُتُوّ الظَّالِم، والمَتِّجَرُ فَاعِل بِئْسَ، والْمَصْدَر من أَنْ تَرَى الدُّنْيَا هُو المخصوص بالذَّم، ومحله الرفع الابْتِدَاء، وجملة بِئْسَ المتجر خَبَر مُقَدَّم، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللّه عِوَضاً معطوف عَلَى ما قبله أي وأَنْ تَرَى مِمَّا لك... الخ.الْمَعْنَى:(قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ، وَ زَمَنِ كَنُودٍ. المراد بالزَّمان أهله، وإلا فإنّ الزمن مِن حَيْث هُو لا يُمدح، وَلاَ يُذَمّ (يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئاً). لو سَئَلْتَ عَن الفَرقَ بَيْنَ المحسِنُ والمسيء لأجبت بأن المحْسِنُ من لا يرى نَفْسه مُحْسِناً، وفِي الوَقت نَفْسه يرى)

أنّ في إمكانه، ومقدوره أن يردعها عَن المحَرَّمات، والإِساءة إِلَى النَّاسِ... وإِلَى هَذَا يُومي، كَلَام الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ، وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ» (1)عَلَى عَكس المُسِيء الذي يرى نَفْسه مُحْسِناً، وغيره المسيء، ونَفْسه مِنْهُ فِي رَاحِةٍ، والنَّاس مِنْهُ ومِن شَرّه فِي شُغلِ شَاغل.)(وَيَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُواً. للظلم والعُتُو أَسْبَاب، وَأَهمها أنْ يتَوَلَّى المجرمون مَركز الْقِيَادَة، ويَحتكرُوا المال والسلاح، وسائر مظاهر الْقُوَّة، كوَسَائِل النّشر، والدعاية ومَا إِلَيْهَا (لا تَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا). نَحْنُ نَعرف المجْرِمِين بأسمائهم، وأشخاصهم ومَع هَذَا نُمهد لهُمْ سَبِيل الجريمة، والفَسَاد، فنختارهم للرئاسة، والْقِيَادَة، وللتمثيل، والنيابة، وتُطبل لهم، ونُزمر، ولا فرق بَيْنَ الظَّالِم، ومَن أَمدَه بِسَبب.)(وَ لا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا. لا نتوقع حدوث المخاطر الَّتي تُهدد حياتنا وحَيَاة أبنائنا في المستقبل القريب، أو البعيد، أو نتوقعها، ولكنْ نَستهين بها، وَلاَ نُبذل أي جهد لدفعها، والتحرز مِنْهَا... أجل، إذا وقعت تصايحنا، وأستغثنا، ولكن لا جواب إلّا النّدم، والحَسَرَات.)والْيَوْم يُعاني العالم وبخاصة الشعوب المتخلفة أخطر مُشْكِلَة، وهي النمو العددي للسكان مع العِلْم بأنّ هَذه تملك الكَثِير من الطاقات والموارد فوق الأرض، وتحتها، ولكنْ هَذِه تُهمل، وتتجاهل، ويستغلها الأعداء، والأباعد، وتَعِيش هي في أسوأ حال. تتسول، وتَستَجدي مِمَّنْ يَنْتهبها، ويستلبها.... أَمَّا الأجيال الآتية من أبناء هذه الشعوب فقد تنبأ بَعْض البحاثين بِأَنَّ الْحَاجَة سَتدفع بِهِمْ إِلَى أَنْ يَأْكُل


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (176).

بعضهم بعضاً، ثم إلى مهاوي الفناء جُوعاً. ولَيْسَ هَذَا بِبَعيد، فقد حدث، وتَكَرَّر في التَّارِيخ الَّذي قَالَ : حدثت مجاعة فِي الْبَصْرَةِ، فحفر النَّاسِ الْقُبُورِ، وأَكلوا ما فِيْهَا مِن بقايا الموتى.(وَ النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ. وهُم فِي الحَقِيقَة صِنفان : أَهْل الدُّنْيَا، وأَهْل الآخِرَة. وأَهْلِ الدُّنْيَا أَرْبَعَة أصناف :)1 - (مِنْهُمْ مَنْ لا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِلا مَهَانَةُ نَفْسِهِ، وَكَلاَلَةُ حَدِّهِ، وَ نَضِيضُ وَفْرِهِ. إنّه لا يسعى للرئاسة، وَلا يُفسد في الأَرْض، ولكن لا زُهداً في الدُّنْيَا، وَلاَ تُورعاً عَن محارم اللّه، بل للضَّعف، والْعَجْز مالاً، وسلاحاً، وأشار الإِمَام إِلَى الْعَجز المالي بنَضِيضُ الوَفْرِةِ، وإِلَى الْعَجْز فِي السّلاح بكَلالَةُ الحَدِّ... وَعَلَى أية حال فإن اللّه سُبْحَانَهُ لا يُعاقب عَلَى مُجرد النّية، فذاك الرَّجُل لو كَانَ قَادراً لملأ الدُّنْيَا فساداً، وإنما يُحاسب، ويُعاقب عَلَى الْعَمَل الَّذي يُحس، ويلمس : (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (1)لا مَن يُنوي الشَّرَ. قَالَ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مِنَ الْعِصْمَةِ تَعَذّرُ الْمَعَاصِي» (2).)2 - (وَ مِنْهُمْ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ، وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ، وَ الْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ، وَرَجِلِهِ. هَذَا الصِّنف مِن النَّاس قَوي بسلاحه، وأعوانه، وقُوَّتِه هِى الَّتى دَفَعْتَ بِهِ إِلَى الْفَسَادِ والإِفْسَاد (قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ) جَعلها وَقفاً عَلَى الشَّرَ (وَ أَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِرُهُ). أهلَك دِينه، و دينه، وضَمِيره مِن أجل الدُّنْيَا، وحطامها... وَهَذَا الكَلام واضح وصريح في أنّ الإِمتياز فِي الْقُوَّة بشَتَّى مظاهرها يُغري صاحبه بالإمعان فِي الفَسَاد في)


1) الزَّلْزَلَةِ: 8.

2) أنظر، خطب النَّهج : 81/4، الحكمة (345).

الأَرْضِ، وإِنَّ المُجتمع إِذَا تَساوى أفراده في القدرات، والإمكانات يخلو من الدوافع عَلَى أقتراف الجرائم... أَللَّهُمَّ إِلَّا مِن قِبل أَهْل الدَّاءِ العُضال.(أَوْ مِقْنَبِ يَقُودُهُ. يَتَكبر، ويستعلي عَلَى الْعِبَاد بخيله، وصهيلها (أَوْ مِنَبَرٍ يَفْرَعُهُ). يَعلوه، ويُلقي عَلَى النَّاس المجاهيل، والأضَالِيل (وَلَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً). نَفس الإِنْسَان أحبّ الأَشْيَاء إِلَيْهِ، وَأَعزَهَا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يبيعها بثمن بخس ؟. ومِن أَقْوَاله(عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ وَإِنَّ أَغَشُّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ وَالْمَغْبُونَ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ» (1).)### لِلمِنْبَرِ - المُرَائِي وَالمُومِس:3 - (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَلا يَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا. يُشير الإِمَام بِهَذَا إِلَى المُرائِين الذين يحتلبون الدُّنْيَا بالدين !... وَلَست أشك في أنّ المُومِس الَّتي تبيع جسدها، وتعيش عَلَى فَرجها أشرف من المرائي الذي يُتاجر بالدِّين، وأَقْرَب مِنْهُ إِلَى اللّه... إِنَّهَا تاجرت بمخرج البول، وتاجر هو بالوَحي وقُدس الأقداس الذي به عظمة الرُّسل والأنبياء، ومن أجله يَستَمِيتُون، وفي سَبِيله يَسْتَشهدون... وأيضاً هي لا تغش، ولا تكذب في مهنتها، وتجارتها. وتظهر للنَّاس عارية، ولا تطلب الإحترام من أحدٍ، بَل تشعر بضعتها، واحتقار النَّاس لها، وقد يَكُون فِي هَذَا شَيء لَهَا مِن الشّفاعة عِند اللّه.)أَمَّا المرائي الذي يُتاجر بالدِّين فإنَّه يغش، ويخدع في وظيفته، ويكذب، ويُنافق


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (86).

في مظهره، والسّتر عَلَى عَيُوبه، ومَع هَذَا يَتوقع مِن النَّاس التّقدِير، والإحترام. فأيهما عند اللّه، والضَّمِيرِ الإِنْسَاني أفضل، أو أرذل : هو، أو هي ؟ التضليل المُمَوَّهُ، أو الخطيئة المكشوفة ؟.(قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ. أظهر التَّواضع الْكَاذِب الدَّالِ عَلَى جُبْنّهِ، وخِسَتِهِ، وضَعفه، وضِعَتِهِ (وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ) مَشى بهدوء ليُعدّ مِن الصَّالِحِينَ (وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ). يُظهر الإحتاط من النّجاسة، والْعَمَل بِآيَة : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (1). (وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ). أحاطها بهالة كَاذِبَة مِن النزاهة، والأَمَانَة فِي يُخفي ما فيها من الدناءة، والخيانة (وَ اتَّخَذَ سِتْرَ اللّه ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ). قَالَ الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالْإِحْسَانِ إليه، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيه ! وَمَا أَبْتَلَى اللّه أَحَداً مِثْلِ الإمْلاَءِ لَهُ» (2). «الْحَذَرَ الْحَذَرَ! فَواللّه لَقَدْ سَتَرَ، كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ» (3).

4 - (وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةٌ نَفْسِهِ). يَلتقِی هَذَا الرَّابِع مَعَ الْأَوَّل فِي الضَّعْف، والْعَجْز فِي قِلة المال، وعدم الأعوان، ويفترق عَنْهُ فِي أَنّ الْأَوَّل صَرف النظر عن الرئاسة، والسُّمعة، والشهرة بعد أنْ أيقن بالْعَجْز، أَمَّا هَذَا الرَّابع فلم يصرف النظر عن السُّمعة، والشُّهرة، واستعاض عن المال، والأعوان بإظهار الزُّهْد فِي الدُّنْيَا رُوراً، ونفاقاً، لأَنَّهَا هِى التي زهدت فِيهِ، أَمَّا هُو فأحرص النَّاسِ


1) المدّثر : 4.

2) أنظر، خطب نهج البلاغة : 27/4، الحكمة (116).

3) أنظر، خطب نهج البلاغة : 7/4، المحكمة (30).

عَلَيْهَا... وَقَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَفْضَلُ الْزُّهْدِ إِخْفَاءُ الزُّهْدِ» (1)... «وَلاَ زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ» (2)... ولَيْسَ مِن شَكٍ أَنَّ الرِّيَاء مِن أكبر الكبائر.

(وَ أَنْقِطَاعُ سَبَبِهِ). أي لا يملك شَيْئَاً مِن أَسْبَاب الرَّئاسة، والشمعة، والشُّهرة (فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ). أَرْغَمه الْعَجْز أنْ يقتصر عَلَى الحَال التى هُو عَلَيْهَا من حَيْث قِلة المال، وعدم الأَنْصَار، وسَلك طريق الرّجل، والإِحْتِيال (وَ تَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ، وَ لا مَغْديَّ). الرَّواحِ الذّهاب فِي العَشي، والمراح اسم مكان الرواح، والغدو الذِّهاب في الصباح، والمغدى آسم مكان الغَدو، ويُقَال : «مَا تَرك فُلان مِن أبِيه مَرَاحاً وَلاَ مَغْديَّ) إِذَا أَشبهه في كلّ شيء وقَصْد الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظاهر، وهُو أنّ هَذَا المُرائِي لَيْسَ مِن الزُّهْد وأهله في شيء، وإنما هو دَجال، ومُحتالٌ.

بَقِيَ رِجَالٌ... فِقْرَة 4 - 5 :

(وَ بَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍ، وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ، وَ سَاكِتٍ مَكْعُومٍ، وَدَاعٍ مُخْلِصِ، وَ ثَكَلانَ مُوجَعٍ، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ، وَ شَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةٌ، فَهُمْ فِي بَحْرٍ أَجَاجٍ، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِرَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُوا، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا(4). فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ، وَقُرَاضَةِ الْجَلَم، وَاتَّعِطُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَ أَرْفُضُوهَا ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ (5)).


1) انظر، خطب نهج البلاغة : 7/4، الحكمة (28).

2) انظر، خطب نهج البلاغه : 27/4، الحكمة (113).

اللُّغَة:

النَّادِّ - بِتَشدِيد الدَّال - من نَدّ إِذَا نَفر، وذهب عَلَى وَجهه شارداً. والمَقْمُوع: المقهور. والمَكْعُوم : الملجوم. وَثَكَلانَ : الحَزين لفقدان الأحبة والتَّقِيَّةُ : إخفاء الحَال خَوْف الضّرر. والأُجَاج : الملح. والصَّامِرَةُ : السَّاكتة. والحثالة : الرَّدِيء من كلّ شيء ويُرمى بِهِ مَع القمامة. والْقَرَظِ - بفتح الرّاء - وَرَق السَّلَم يُدبغ بهِ. وَقُرَاضَة : ما يَسقط عند القَرْض. والجَلَمِ : المقراض.

الْمَعْنَى:

بعد أن ذكر الإمام أَهْلِ الدُّنْيَا، وأصنافهم الأَرْبَعَة أَشَارَ إِلَى أَهْل اللّه، والْآخِرَة. وذكر طَرفاً من صفاتهم، مِن ذَلِكَ (غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِع، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ). يُرِيد بِالْمَرْجِعِ القَبر، وبالحشَرِ البَعث مِنْهُ. قَالَ سُبْحَانَهُ: وَمِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيْهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (1)... خلقنا من الأرض، وإِلَيْهَا نَعود، ثُمَّ نَخرج مِنْهَا إِلَى الْحِسَاب، والجَزَاء، وإِذَنْ نَحْنُ ضيوف مُؤقتُون عَلَيْهَا، ثُمَّ نَنَام طوِيلاً في بَطْنها، وبعد السُّبات الْعَمِيق نَنتبه لنَعُود إِلَى اللّه سُبْحَانَهُ، والحساب، والجزاء عَن آداب تلك الضيافة، وواجباتها. وقد سمح اللّه أنْ تتمتع في خيرات الدُّنْيَا جُهد طاقتنا عَلَى أنْ نَتزود مِنْهَا ليوم لا زَاد فِيهِ، وَلاَ عَمل، فَقَالَ: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (2).)(فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍ. فَرَّ بدينه عَن السّاسة، وَالسَّيَّاسَة، والفَسَاد، وأهله،)


1) طه: 55.

2) الْأَنفَالِ : 69.

ليقطع الطَّرِيق عَلَى نَفْسِه، فلا تنزل منازل الفاسدين، وتَندَنس بأقذارهم (وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ. خَائِف من ذَنْبِه، وعذاب ربِّه، ومقهور صَبور عَلَى المكاره التي حُفَّت بالجنة (وَ سَاكِتٍ مَكْعُومٍ). مَلْجُومٍ عَن الْبَاطِل، والْكَذِب، والْعَيْبَة، والنميمة (وَدَاعٍ مُخْلِصٍ). يَدعو إِلَى اللّه، والحَقِّ بدافع مِن دِينه، وضَمِيرِه (وَ ثَكْلانَ مُوجَعٍ)، حَزِين لما يرى من الفَسَاد، والضَّلال (قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ). طاردهم الطَّغاة، فتواروا عنهم حَتَّى خفيت مكانتهم عَلَى أَكْثَرَ النَّاس.)(وَ شَمِلَتْهُمُ الذُّلَّةُ. وكلّ عزِيزِ عِند اللّه ذَلِيلَ عِند أَعدَاتُهُ (فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ) فِي مُحيط فَاسد، وَبِيئة ضالة (أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ). ساكتة عَن الْحَرَام (وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ) خَوْفاً مِن اللّه، ومِن أنتشار الفَسَاد في الأَرْضِ (قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا) حَيْث لا أُذن تسمع، وَلا قَلب يَخْشَع (وَ قُهِرُوا حَتَّىٰ ذَلُّوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُوا). نكلّ الطغاة بِهِمْ سجناً، وقتلاً، وتشريداً، وتعذيباً حَتَّى أذلُوهم، وكادوا يَستَأصلُون شَأفتهم.)(فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ. الدُّنْيَا وَسِيلَة إِلَى غَيْرِها، وَلَيست غَايَة فِي نَفسها، وكل عمل يعمله الإِنْسَان في دنياه يُقاس بنتائجه إِنْ خَيراً فخَير، وإنْ شرّاً فَشر. وقد مَدح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدُّنْيَا فِي بَعْض أَقْوَاله، ومُرَاده دنيا الأبرار الذين لا يُؤثرونها عَلَى آخرتهم، ويَقُولُونَ: (رَبَّنَا ابْنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْأَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (1). وأَكْثَرَ الْإِمَام مِن ذَمّ الدُّنْيَا عَلَى قَدر المتكالبين عَلَيْهَا، ومُرَاده دُنيا الْأَشْرَارِ الّذين آثروا الْعَاجِلَة عَلَى الْآجِلَة، وهُم المعنيون بقَوْله تَعَالَى: وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَتِنَا غَافِلُونَ (2).)


1) الْبَقَرَة : 201.

2) يونس : 7.

وَقَالَ : (فَأَمَّا مَن طَغَى وَعَاثَرَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (1).)(أَتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَأَرْفُضُوهَا ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ. والشيء المحير أن الإنسان يرى كلّ يَوْم العديد من الصور، والحَوَادِث التي توحي بالاتعاظ، والاعْتِبَار، ومَع هَذَا لا يزدجر من اللّه بزاجر، وَلا يَتعظ مِنْهُ بوَاعظ، فا هو السر يا تُرى ؟)ولَيْسَ بِبَعِيد أنْ يَكُون السّر هو المجتمع المعقد الفاسد الَّذِي يَضم أناساً يأكلون، وَلا يَكدحون تماماً ككلاب السَّيِّدات، والآنسات «الارستقراطيات» وأناساً يَعْمَلُون لَيلَ نَهارٍ، وَلا يَعتَرُون عَلَى الغذاء إلا بقسوة مع الصبر على المخاطر... وكلّ النَّاس قَرأوا، أو سمعوا عَن الآلاف الذين ماتوا خنقاً تحت الرّدم، وهم يحفرون في المناجم لتكديس الثّروَات في مصارف المتسابقين إلَيْهَا... هذا هو السّر، أو السّبب الأهم، وإِلَيْهِ يُومىء الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ بقَوْله فِي خُطْبَة يَأْتِي شرحها : «أَضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ الأفَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللّه كفراً ؟» (2).)


1) النَّازِعَاتِ : 38.

2) انظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (129).

## الخطبة - 33 -### 1- مَا عَجَزْتُ، وَلا جَبُنْتُ فِقْرَة 1 - 2 :(إِنَّ اللّه بَعَثَ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأْ كِتَاباً، وَلا يَدَّعِي نُبُوَّةً، فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، وَبَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ، وَأَطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ أَمَا واللّه إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا : مَا عَجَزْتُ، وَلَا جَبُنْتُ، وَإِنَّ مَسِيرِي هَذَا لِمِثْلِهَا فَلَأَنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ (1).)مَا لِي وَلِقُرَيْشٍ! وَ اللّه لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ، وَلِأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ، وَإِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ، كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ! واللّه مَا تَنْقِمُ مِنَّا قُرَيْشُ إِلا أَنَّ اللّه اخْتَارَنَا عَلَيْهِمْ، فَأَدْخَلْنَاهُمْ فِى حَيَّزِنَا، فَكَانُوا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ :أَدَمْتَ لَعَمْرِي شُرْبَكَ الْمَحْضَ صَابِحاً ***وَأَكْلَكَ بِالزُّيْدِ الْمُقَشَرَة البُجْراوَنَحْنُ وَهَبْنَاكَ الْعَلَاءَ وَلَمْ تَكُنْ ***عَلِيّاً وَحُطْنَا حَوْلَكَ الْجُرْدَ وَالسُّمْرَااللُّغَة:بَوَّأَ : هَيَّاً، أَو أَشكن. وصَفَاتُهُمْ - بفتح الصَّاد - جَمع صفاة، وَهِي الصَّخرَة

الصَّلبَة، والسَاقَة يكونون في مُؤَخَّر الجَيْش يَسوقُونه إِلَى الأمام. وبِحَذَافِيرِهَا : بأسرها وكاملها. ومَفْتُونِينَ : مُنْحَرفِين عَن الْحَقِّ.الْإِعْرَاب :إِنْ كُنْتُ «إنْ» مخففة من الثقيلة، وأسمها ضمير الشأن مَحْذُوف أى أنّه كُنت. ولأنْقُبَنَّ الواو للقسم، وحَتَّى يَخْرُجَ الفِعْل مَنْصُوب بأنْ مُضمرة بعد حَتَّى. مَا لي مُبْتَدَاً و خَبَر. وكَافِرِينَ حَال، ومثله مَفْتُونِينَ. والْمَصْدَر من أَنَّ اللّه اخْتَارَنَا.. إلخ مَفْعُول من أجله لتَنْقِم.الْمَعْنَى:قَالَ الشَّرِيفَ الرَّضِي نَقلاً عَن أبن عَبَّاس: «دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ بِذِي قَارٍ - بَلد قُرب الْبَصْرَة - وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ - أي يَخرزْهَا فَقَالَ لِي مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ ؟ فَقُلْتُ : لَا قِيمَةَ لَهَا. فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَ اللّه لهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ، إِلا أَنْ أُقِيمَ حقاً، أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً، ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ:)(إِنَّ اللّه بَعَثَ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَلَا يَدَّعِي نُبُوَّةً). المراد بالكتاب هنا الكِتاب السّماوي من غَيْر تَحريف، وتَزييف، والمَعْنَى أَنَّ الْعَرَب قبل البعثة كانُوا فِي جَهالَةٍ مُهلكة، وضَلالةٍ مُظلمة، وَلا يَهتدون بكتاب إلهي، ولا بسُّنَّة نبوية... وإِلَى هَذَا تُومى، الآية : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ايَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتاَب وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ)

مبين (1).)والْقُرْآن الْكَرِيم أصدق مرجع عَن أحوال الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ويَأْتِي من بعده نهج البلاغة حَيْث لَم يَكُنْ للقوم كتاب سماوي، وَلاَ أَرْضي. ونَزل الْكِتَاب نجوماً أي آناً بَعد أن حسب الوقائع والمصالح، ثُمَّ جُمع في مُجلد واحد، وكَانَ الإِمام يَخْطُب، أو يَكتُب الرّسائل لعُمَّالِه، أو يُرسل الحكمة، والمَوْعِظَة حسب المقامات، والمناسبات يَوْمَ لا تأليف، ولا تصنيف عِند الْعَرَب، ولا شَيء إِلَّا كتاب اللّه، وَسُنّة نَبِيَّه، وفي أواخر القرن الرابع الهجري جمع الشَّرِيف الرَّضِي من آثَارِ الْإِمَامِ ما فِي نهج الْبَلاغَة.(فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأْهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، وَ بَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ، وَأَطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ. دفع الرَّسُولِ الْأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بِالنَّاسِ إِلَى الْإِمَامِ، وأَنْقَذهم مِن الهلكة إلى سبيل النَّجاة، فاستقامت أمورهم، وسَكنُوا فِي دِيارهم آمنين، وكانوا يَخَافُون مِن قَبل أن يتخطفهم النَّاس، وبكلام أوضح : حوّل الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَوْمِه مِن الشرك إِلَى التَّوْحِيدِ، ومِن الضَّلال إلى أهدَى، ومِن الذُّلّ إِلَى الْفَتْحِ المُبِين، فكان مبعثه إيذاناً بالتحول الخطير في حَيَاة الْعَرَب، بل فِي حَيَاة العالم كله بشهادة التَّارِيخ، وكلّ باحث قدِيم، وجديد في الشرق، وفي الغرب.)(أَمَا وَ اللّه إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَا فِيرِهَا : مَا عَجَزْتُ، وَلَا جَبُنْتُ. الضَّمِيرِ فِي سَاقَتِهَا، وتَوَلَّتْ بِعَذَا فِيرِهَا يَعود إِلَى النَّاسِ الذين سَاقهم النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حَتَّى بَلغ بهِمْ منازل الْعِزَّة، والْكَرَامَة، ويُرِيد الإمام أنه قد ساهم في ذَلِكَ، ويجوز أَنْ)


1) الجمعة: 2.

يعود الضَّمِيرِ إِلَى الجَاهِلِيَّة المفهومة من الكلام أي أنّ الْإِمَام ساهم في جهاد الجَاهِلِيَّة والقَضَاء عَلَيْهَا.وَلا يَختلف أثْنَان فِي أَنّ عَلِيَّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ سَاهم بنصيب فعّال مَعَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِي جَمِيع مواقفه، وكَانَ له شأن كبير في الجهاد من أجل الإسلام... فقد بَات عَلَى فِرَاش النَّبِيِّ لَيْلَة الهِجْرَة، وَكَانَ بِذَلِكَ أَوَّل فدائي في الإسلام، وقتل ابن وَد، فأنهزم الْأَحْزَابِ، وأردَى مَرحَباً فأنتصر الإسلام، وأهله، أما بقية المشاهد كبدر، واحد.... فقد كَانَ له مِنْهَا الحظ الأَكْبَر، والأوفر. فبسَيْف علي، وساعده، وشَجَاعته، وتَبَاته قام الإِسْلام، ورَست دَعَائِمه، وإذن فلا عجب أنْ يَقول : «إِنْ كُنتُ لَفِي سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا».)شيء آخر ساهم فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ لا يقل نفعاً، وشَأناً عَن جِهَاده بالسَّيْف، وهو أثره البالغ في الشَّرِيعَة، والتَّفْسِير، واللغة، والفَلْسَفَة، والأخلاق، ونظر. يته فى المال، والإِقْتِصَاد، والرَّعِيَّة، والرَّاعِي... إِلَى غَيْر ذَلِكَ من العلوم، ومن هنا كَانَتْ منزلته عِند الرَّسُول الأَعْظَم فوق الجميع بلا استثناء. قَالَ التَّرْمِذِي فِي صَحِيحه : «سُئلت عَائِشَةَ أَي النَّاسِ كَانَ أحبّ إِلَى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ قالت : فَاطِمَة. فقيل لها : مِن الرِّجَال ؟ قَالت : عَليّ» (1). وفي خصائص النسائي : «قَالت عَائِشَةَ : ما أَعْلَم)


1) أنظر، صَحِيح الترمذي: 319/2 طبعة بولاق سنة 1292 هـ (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). الجامع الصحيح للترمذي :، 3867 و 3874، وذَخَائِرِ الْعُقبى : 35، جامع الأصول : 125/9، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : 4744. الْمُعْجَمِ الْكَبِير : 403/22 ح 1008، سير أعلام النبلاء : 125/2، تهذيب الكَمَال : 512/4 ح 698/5.

أحداً كَانَ أحبّ إِلَى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ مِن عَلَى، وَلاَ مِن أمْرَأَته فَاطِمَة» (1). وفي مُسْنَد الإمام أحمد : «أن أبا بَكْر دَخل عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَسمع صَوْت عَائِشَةَ عَالِياً، وَهِي تَقول لرَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : واللّه لقد عرفت أنّ عَلِيَّاً أَحبٌ إِلَيْكَ مِن أَبِي، وَمِني» (2)قَالَلتها مرتين أو ثلاثاً (3).)(وَ إِنَّ مَسِيرِي هَذَا لِمِثْلِهَا. يُشير إلى أنّ حَرْبه لأصحَاب الْجَمَل تَمَامَا كَحَرْبه مَع رَسُول اللّه في جهاد الشرك، وأهله... روى الإمام أحمد في مُسْنَده أنّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قَالَ: «إِنَّ مِنْكُم من يُقاتل عَلَى تأويله - أي الْقُرْآن - كَمَا قَاتل عَلَى تَنْزِيله، فَقَالَ أبو بَكْر : أنا يارَسُول اللّه ! قَالَ : لا، قَالَ عُمَرَ : أنا يا رَسُول اللّه ! قَالَ : لا، ولكن خَاصف النّعل، قَالَ : وكَانَ أَعْطَى عَلِيَّاً يَخصف نعله» (4).)


1) أنظر، خصائص النسائي : 29 طبعة مصر 1312 هـ (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، بالإضافة إلى المصادر السابقة.

2) أنظر، مُسْنَد الإمام أحمد بن حنبل : 275/4 طَبْعَة مصر 1313 هـ (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، ومجمَع الزوائد : 201/9، سنن أبي داود : 300/4 ح 4999 السنن الكبرى : 139/5 ح 8495 و 9155، فتح الباري : 27/7 ح 3462، فيض القدير : 168/1، فَضَائِلِ الصَّحَابَة للإمام أحمد : 75/1 ح 39.

3) أنظر، فَضَائِل الخَمْسَة من الصحاح الستة. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). بالإضافة إلى المصادر السابقة.

4) أنظر، مُسْنَد الإمام أحمد: 33/3 طَبْعَة سَنَة 1313 هـ (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، و : 31/3 ح 11279 و 11307 و 11790 و : 424/4 مُسْنَد أبي يعلى: 341/2 ح 1086، الفِتَن لابن حماد: 371/1 ح 1092.، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 4671 ح 115، تهذيب الكَمَال : 158/9 المال 158/9، الإصابة : 37/1 59 العِلل سخ المتناهية : 242/1 ح 386، فَضَائِل الصَّحَابَة لأحمد بن حنبل : 627/2 ح 1071، تجمع الزوائد : 5 / 186، خصائص النسائي : 40 و 166. ولذا قَالَ الإِمَام الشافعي : أخذ المُسْلِمُون السيرة في قتال المشركين من رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وأَخَذُوا السِّيرَة في قتال البغاة من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما جاء في شرح النهج لابن أبي الْحَدِيد : 9 / 231 نقلاً عن كتاب الأمّ للشافعي : 4/ 233 باب الخلاف في قتال أهل الْبَغْيِ، صَحِيح ابن حبان : 15 / 385 ح 6937، المُسْتَدرَك عَلَى 6937، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : 132/3 ح 4641، السنن الكبرى: 154/5 ح 8541، معتصر المختصر : 221/1.

(فَلأَنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ. أَبَداً لا رائد لعلي إلَّا الْحَقِّ... ويَسْتَحِيل أنْ يَخدع نَفْسه بتجاهله، أو يدع لأحد سَبِيلاً أَنْ يَخدعه فِيهِ، وهُو يَسلك كل طريق لنُصرته، وإذا أسدَل الْبَاطِل وأهله سِتاراً عَلَى الْحَقِّ لِيَجبُوا الْبَصَر والبصيرة عَن رُؤيته هَتك الإِمَام هَذَا السِّتار، وكشف عَن الْحَقِّ، وأعلنه للنَّاس صَافِياً جَلِياً كوضُوح النَّهَارِ.)(مَا لِي وَلِقُرَيْش. أقام النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمكة (12) عاماً بعد البعثة، ولاقى خلالها من قُرَيْش كلّ عَنْت، فمن مُحاصرته في الشعب، وقطع المؤونة عَنْهُ سَنتِين إِلَى نَعته بالْكَذِب، والسّحر، والجنون، ومَن قَذفه بالحجارة إِلَى وَضع الأشواك في طريقه، والقامة عَلَى جَسده.... ولما هاجر إلَى المَدِينَة جَمعُوا الجيوش، والأَحْزَابِ لحَربه، وقَد شاركه الإمام في كلّ ما قَاسَاه من قُرَيْش، وزاد عَلَيْهِ ما أَصَابَهِ مِنْهُم مِن بَعده، اغتصبوا الخِلافَة مِنْهُ، وفَدَكاً من زوجته، وأقتحموا عَلَيْهَا دَارها، ثم قَرنوا الإِمَام في شُورَى عُمَرَ مَع خَمسة لا يجمعهم معه شبه، وَلاً جامع... «فَيَا اللّه وَلِلشُّورَى ! مَتى أَعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّطَائِرِ» ؟ (1).)ولما بَايَعَه الْمُهَاجِرُون، والأَنْصَارِ «نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَطَ آخَرُونَ» (2، والنَّاكِتُون، والْقَاسِطُون مِن قُرَيْش (وَ اللّه لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ وَلأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ) ضَالِين عَن الْحَقِّ (وَ إِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ) فِي أُحد، والْأَحْزَابِ (كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ). وَقَد يُقَال : إِنَّ هَذَا يَصح فِي حَقٌّ مُعَاوِيَةٌ، وأَبن العاص حَيْث حاربا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وحاربهما علي دفاعاً عَن الإِسْلاَم، ونَبيِّ الإِسْلام)


1) تَقَدَّم إستخراج ذَلِكَ فِي الخُطْبَة الثالثة من خُطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والَّتي تُعْرَفُ بالشَّقشِقِيَّة.

2) تَقَدَّم إستخراج ذَلِكَ في الخُطْبَة الثالثة من خُطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتي تُعْرَفُ بالشِّقشِقِيَّة.

ولا يصح في حق طَلْحَة، والزُّبَيْرِ حَيْث كَانَا مَعَ النَّبِيِّ لا عَلَيْهِ.وَنُجيب : أنّ مُراد الإمام أنه هو هو الآن، وفي عهد الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يُناصر الْحَقِّ، وأهله، ويُحارب الْبَاطِل، وأتباعه، سواء أكانوا مُشركين، أَمْ مارقين، أَمْ قاسطين، أَمْ نَاكِثِين.)(وَ اللّه مَا تَنْقِمُ مِنَّا قُرَيْشُ إِلا أَنَّ اللّه أَخْتَارَنَا عَلَيْهِمْ. وذَلِكَ بأنّه سُبْحَانَهُ جَعل النُّبُوَّة فِي بَني عَبد المطلب، وهُو جَلَّت حِكمته : (أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (1). (فَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي حَيِّزِنَا). أي وصلنا رحمهم، ولكن قطعوا رحمنا.)وفى خُطْبَة ثَانِيَة : «أَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ! فَإِنَّهُمْ فَطَعُوا رحمي، وَصَغَرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَلِي. ثُمَّ قَالُوا: أَلا إِنَّ فِي الحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ» (2. والسِّرِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ بقَوْله : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءاتَاهُمُ اللّه مِن فَضْلِهِ‌ى) (3).


1) الْأَنْعَامِ : 124.

2) انظر، خطب نهج البلاغة : الخطبة (172).

3) النِّسَاء : 54.

الخطبة - 34 -

غُلِبَ واللّه الْمُتَخَاذِلُونَ... 1 - 2 :

(أُفٍّ لَكُمْ ! ! لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ ! أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ عِوَضاً ؟ وَ بِالذُّلِّ مِنَ الْعِزَّ خَلَفَاً ؟ إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُتُكُمْ، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ، وَ مِنَ الذُّهُولِ فِي سَكْرَةٍ. يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ، وَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَالُوسَةً، فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ (1). مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اللَّيَالِي، وَ مَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يُمَالُ بِكُمْ، وَلا زَوَافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ. مَا أَنتُمْ الأَكَابِل ضَلَّ رُعَاتُهَا، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ أَنْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ لَبِئْسَ - لَعَمْرُ اللّه - سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! تُكَادُونَ وَلا تَكِيدُونَ، وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلَا تَمْتَعِضُونَ، لا يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ، غُلِبَ واللّه الْمُتَخَاذِلُونَ (2) !).

اللُّغَة:

أُفٍّ: للتَّضَجُر، والسَّام : الملل. وغَمْرَه الماء : عَلاه، وغَطَّاه، وغَمْرَة المَوْتِ : سكره تغمر العقل. والذُّهُولِ : النسيان. ورتج البَاب : أغلقه، وأُرتجَ عَلَى المُتَكَلِّم :

أستغلق عَلَيْهِ الكَلام. والحَوَار : مُراجعة الكلام. وَتَعْمَهُون : تَتَخَيرُون. والمالُوس : جنون، والقُلوب المالُوسَة هى التى مَسها الجنون. والسجيس : الأبد، يُقَال : لا آتيك سَجِيسَ اللَّيَالِي، أي أَبَداً، ومَدى اللَّيَالِي. والزَوَافِرُ : جَمع زَافِرة، وَهِي من البنّاء رُكنه، ومن الرَّجُل عَشِيرته، وسُعْرُ - بضم السين، وسكُون العَيْن - جمع ساعر، مِثل كُظم جمع كاظم، والشاعر : موقد النَّارِ. وتَمْتَعِضُونَ : تَغْضِبُونَ.

الْإِعْرَابِ:

أفّ لا محل لها من الإعْرَاب، وعِوَضاً تمييز، ومِثله خَلَفاً، وَحَوَارِي فَاعِل يُرْتَجُ وبِثِقَة البَاء زَائِدَة وثِقَةٍ خَبَر أَنْتُمْ، ولي مُتَعَلّق بِثِقَةٍ، وسَجِيسَ ظرف زمان، وَلا زَوَافِرُ بِالرَّفع عَلَى تقدِير وَلَا أَنْتُمْ زَوَافِر، وبالجر عَطفاً عَلَى رُكْن، واللام فِي لَبِئْسَ للقسم، وسُعْرُ فَاعِل بِئْسَ، وَأَنْتُمْ المَخصوص بالذَّمِ، وخَبَرَه جُملة بِئْسَ وفاعلها، وأنتم فِي غَفْلَةٍ الواو للحال، وفِي غَفْلَةٍ مُتَعَلِّق بـ «سَاهُونَ».

الْمَعْنَى:

(أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئمْتُ عِتَابَكُمْ) ! ورُبِّ قائل : إِذَا سَئم عِتَابَهُم، وَلاَ يَطمع في نَصرهم، كما جاء في خُطْبَة سابقة، فَلِمَاذَا تكرار العِتاب، والحَتْ عَلَى الحِهَاد ؟ وهل الأمر بالْمَعْرُوفِ غَايَة لا وسيلة ؟ ثم ألا يحدث هَذَا التقريع المتواصل رد فعل في النفوس فَتَنفر، وتشمئز، ولا تزداد إلّا عِناداً، ونفُوراً، أو تعتاد عَلَى ما تسمع تماماً كما أعتدنا طَقْطَقة الساعة ؟

الجواب:

كَانَ الْعَدُوّ يَغزو الدَّوْلَة بأستمرار، يَسْلب، ويَنْهب، ويَقْتل، وَيُدمر، ويقطع مِنْهَا الأطراف، وأَصْحَاب الْإِمَام يَتثَاقلُون، وَلاَ يُحركُون سَاكِناً، فَإِذَا سَكَت هُو أيضاً وتجاهل فلا تَفْسِير لسكُوته في هَذَا المقام إلّا الرّضا، لأنّ السُّكوت في معرض الْحَاجَة إِلَى الْبَيَان يُشعر بالرضا... وأيضاً كَانَ الْإِمَام يَخْطُب، ويُقرع حِينَ يَأْتِه الخبر بغَزْوَة، أو تدبير من العدو، وما أكثر ما غزا الْعَدُوّ الأطراف، ودَبر المكائد... وأيضاً شكا الأَنْبِيَاء أقوامهم مَرَّات، ومَرَّات، ودَعوا عَلَيْهِمْ بالهلاك، وبلغ الأَمْر بـ «يُونُسَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)» أنْ تَرَك قَوْمه مغاضباً، وأَنْ ضَرب فِي الأَرْضِ لا يُدري إِلَى أَين (1)... عَلَى أنّ الرّؤساء فِي النِّهَايَة ثابُوا إِلَى رُشدهم، ونَدموا عَلَى تفريطهم بخاصة بعد أن صمم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَى المضي إلى الجهاد وحده، أو مع قلة مِن أهله، ومَن تَبعه مِن المُؤْمِنِين، فيُقاتل حَتَّى يَلقی ربِّه، فأستخزى الرؤساء أنفسهم. وحرض كلّ رئيس قومَه حَتَّى اجتمع لِلْإِمَام جيش يُمكن الرّكون إِلَيْهِ. وقَبل أَنْ يَسِير الإِمَام إِلَى حَرْب عَدُوّ اللّه، وعَدُوه نَزل الْقَضَاء بضَربةٍ مِن سَيْف أبن مُلْجم، عَلَيْهِ لعَائِن اللّه، وبها أختتم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلاءه، وأعباءه.)(أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ عِوَضاً ؟ وَ بِالذُّلِّ مِنَ الْعِزّ خَلَفاً ؟ الجهاد لنُصرة الحَقِّ، ولو بكَلِمَة خالصة لوجهه تَعَالَى هُو الْعِزَّة، والْكَرَامَة دنياً، وآخرة، ومَن رَغب عَن الْجِهَاد، وتَخَوْف مِنْهُ فَقَد رَضي بالهوان، وتَخَوْف مِن الحَقِّ، والصدق، والْعَدْل (إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ)


1) يقصد قَوْله تَعَالَى في الآية 87 من سُورَة الأَنْبِيَاء : وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.

فِي غَمْرَةٍ. أَبَداً لا فرق عِندهم بَيْنَ دَعوتهم إلى الجهاد، ونزول المَوْتِ بِهِمْ، وَلَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ هذه الظاهرة أسبابها، ومِنْهَا كراهية الحزب، وحبّ الأمن، وفراغ البال، ولكن هل للأمن والسلم من وزن إذا كَانَ مَعَه رِقٌ، وأستذلال، وأغتصاب، واستغلال ؟ إِنَّ هَذَا سلم الظُّلم لا سلم العَدْل، وأَمن اللصوص لا أمن الشُّرفاء (وَ مِنَ الذُّهُولِ فِي سَكْرَةٍ). بَيَان، وتَفْسِير للمعطوف عَلَيْهِ.)(يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ. لِمَاذَا تُفحَمون، وتَتَحِيرُون إِذَا خَاطبتكم بكَلِمَة الجهاد ؟. (وَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَالُوسَةٌ) أَصَابَ عقولكم مَس الجنون (فَأَنْتُمْ لا تَعْقِلُونَ) مضَاركم، ومنافعكم، وَلا تُميزون بَيْنَ ما يُصلحكم، وما يُفسدكم (مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اللَّيَالِي). أَبَداً لا أثق بكُم... وأي عاقل يثق بسراب ! ! (وَ مَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يُمَالُ بِكُمْ) عَلَى الْعَدُوِّ، فَتكسرُون شوكته، وتَردعُونه عَن عُدْوَانِهِ (وَلَا زَوَافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ). لَستُم أنصاراً للْحَقِّ لِيَعتز بكُم، ويَحتاج إِلَيْكُم المحقون.)(مَا أَنْتُمْ الأَكَابِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ أَنْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ كَنَايَة عَن أختلاف كلمتهم، وشتات أمرهم (لبِئْسَ - لَعَمْرُ اللّه - سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ !). لَستُم مِن أبناء الحزب، وَلاً بأكفائها (تُكَادُونَ وَلا تَكِيدُونَ). يُدبر الْعَدُوّ لكُم الحيل، والمكائد، ويُضرب منكم كل بنّان، وَلا تَمنعُونه بجيلة، أو وسيلة، أو تدفعُونه بعزم وشجاعة (وَ تُنتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلا تَمْتَعِضُونَ). يحتل الْعَدُوّ أرْضكُم وَلا تَغْضبُون... أبدأ كما قَالَ الشاعر:)من يَهُنْ يَسْهَل عَلَيْهِ الهَوَان ***مَا لجُرحٍ بِمَيتٍ إيلام(لا يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ. غَفْلَتهم عَن عَدُوٍّ ظَالِمٍ غَشوم، وهو لا يَغفل عنكُم (غُلِبَ واللّه الْمُتَخَاذِلُونَ). مَن تخاذل عَن الْإِنْتصَار لحقه، والدفاع عَنْه)

طَمع فِيهِ الضَّعِيف البطل، وقوي عَلَيْهِ، وأذله، وأصدقُ شَاهِد عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَة حال اليهود عَلَى قَتلهم مع الْعَرَب عَلَى كَثرتهم... وعِلَّة العِلَل عِند الْعَرَب سكوتهم عن سادتهم.### فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ... فِقْرَة 3 - 4:(وَ أَيْمُ اللّه إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى، وَ أَسْتَحَرَّ الْمَوْتُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنْفِرَاجَ الرَّأْسِ. وَ اللّه إِنَّ أَمْرَأَ يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ. وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَيَفْرِي جِلْدَهُ، لَعَظِيمُ عَجْزُهُ، ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ. أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَواللّه دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ، وَ تَطِيعُ السَّوَاعِدُ، وَالْأَقْدَامُ، وَ يَفْعَلُ اللّه بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَا (3.)أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَ لَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ : فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلاَ تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا، وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ، وَ النَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ، وَالْمَغِيبِ، وَالْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ(4).)اللُّغَة:خميس : أشتد. الْوَغَى الحزب. وانْفَرَجتُم : انْكَشفتُم، وَذَهَبْتُم. وانْفِرَاجَ الرَّأْس : أي عَن البَدن بحيث لا التئام بعده معه. ويَعْرُقُ لَحْمَهُ : يَأكله. وَيَهشِمُ عَظْمَهُ: يَكسره. وَيَفْرِي جِلْدَهُ : يَقْطَعه، أو يُمزقه. وجَوَانِحُ : جمع جَانِحَة. وَهِي الطِّلع. والمُشْرَفِيَّة : السُّيوف. وفَرَاشُ الهَامِ - بفتح الفاء - الْعِظَامِ الرَّقِيقَة وَتَطِيحُ : تَسقُط.

والْفَيء : هنا يقصد بَيْت مَال الْمُسْلِمِين.الْإِعْرَابِ:ايم مُبْتَدَاً، وخَبَرَه مَحْذُوف وجُوباً، أي قسمى. أَنْ لَوْ «أَنْ» مخففة من الثّقِيلة، وأسمها ضَمِير الشّأن مَحْذُوف أي أَنه. ولَعَظِيمٌ خَبَر إِنَّ أَمْرَأً، وعَجْرُهُ فَاعِل عَظِيمٌ. وضَعِيفٌ خَبَر ثَانٍ، وَمَا أسم مَوْصُول فَاعِل ضَعِيفٌ، وجَوَانِحُ نَائِب فَاعِل لضُمَّتْ. وأَنَا مُبْتَدَأ، وخَبرَه ضَرْبٌ أَي ضَارْب.الْمَعْنَى:(وَ اَيْمُ اللّه إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى، وَ اسْتَحَرَّ الْمَوْتُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبِ أَنْفِرَاجَ الرَّأْسِ، عَن البدن... يُقسم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ تثاقلهم، وتكاسلهم عن الجهاد قد بلغ حداً أوحى إلَيْهِ بأنهم لو كانوا معه في قلب المعركة يُقَاتل بِهِمْ الْعَدُوّ لتَركوه وحده، وخذلوه في ساعة العُسرة... وفَعلوها مِن قَبل فِي صِفِّين، فلقد كفوا عَن الْقِتَالَ بَعد أن وقفوا عَلَى أعتاب النّصر، واستجابوا لدَعْوَة عَدُوّهم مُعَاوِيَة الخادعة الكاذبة، والإمام يُناديهم : لا تُصدقوا... حِيلَةً، وَغِيلَةً، وَمَكْراً، وَخَدِيعَةً... إنه يرفع الْقُرْآن كَاذِباً، وَلا تَائِباً، وخادعاً لا راجعاً إلى اللّه.. فأبوا... وأنْذَره بَعْضهم بمفارقته، وهدده آخرون بتسليمه إِلَى مُعَاوِيَة... لقد فعلوها مِن قَبل فِي صِفِّين، ومِن بَعد مَع ولده الإمام الحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ). وإذَنْ فلا بدع إِذا لم يَركن إِلَيْهِمْ الْإِمَامِ، وإِنْ يَظن بهِمُ الظَّنون، وإنْ يَعزبوا عَنْهُ، ويهربوا عِند الشَّدَائِد.)(وَ اللّه إِنَّ أَمْرَأَ يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ.. إلخ. سمعنا كَثِيراً عَن أفراد)

ينتحرون، وَيَحرقُون أنفسهم أحياء مُخيرين، لا مُسيرين احتجاجاً عَلَى الطَّغاة والظَّالِمِينَ، ولَم نَسمع قط أن أحداً أسلم نَفْسه لعَدُوّه، وعَدُوّ الإِنْسَانِية كِي يَنكل بهِ، ويَشفي مِنْهُ الغَليل... وَلاَ فَرقَ بَيْنَ هَذَا ومن سكت عَن عَدُوّه الطَّاغية يَفعل به ما يَشاء دُونَ أَنْ يُدافع، ويُحرك ساكناً... بل هو أسوأ حالاً مِمَّنْ يَنْتَحر محتجاً عَلَى أَعْدَاء اللّه، والإِنْسَانية... إنه تماماً كمَن يَأْكُل لحمه بأسنانه، ويكسر عظمه بيده، ويُمزق جلده بمدينه... ولا شيء وَرَاء هَذَا الجبن، والخور حَتَّى الجنون.وَلاَ صُورة أزوع، وأصدق للجبن من هذه الصورة... إنه يفصم الجَبَان عَن نَفْسِه، ويُلقي بهِ مَكتُوفاً بَيْنَ يَدي جزار الإنسانية، وعَدُوّها اللدود، ليفعل به ما يَفعل الوحش الكاسر بفريسته من فَري الجلد، وأكل اللحم، وهَشم العظم.(أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ. الخَطَاب : بـ«أَنْتَ» مطلق شخص يُضعف عَن عَدُوّه، ويستسلم له، والمعنى أَنْتَ وما تختار لنَفْسِكَ أَيُّهَا الجَبَان مِن الإذلال، وأَهْوَان (فَأَمَّا أَنَا فَواللّه دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ، وَ تَطِيحُ السَّوَاعِدُ، وَ الْأَقْدَامُ، وَيَفْعَلُ اللّه بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ) أي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُدافع، ويُجاهد بسَيْفه، وَلا يُبالي دخل إلى الموت، أو خَرج المَوْتَ إِلَيْهِ.)(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَ لَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ. الحقوق مُتبادلة بَيْنَ الرَّاعِيَ والرَّعِيَّة، وَهَذَا التبادل طبيعي يُرتبط بشخصية الاثنين تماماً كما أنه شرعي، لأن واضع الشَّرِيعَة هُو خَالق الطَّبِيعَة. وأشار الإِمَام إِلَى حق الرَّعِيَّة بقَوْله : (فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ). الإخلاص، والصدق في القَوْل، والعَمَل، والعَدْل. والإِنْصَاف فِي الحُكْم، والتوزيع (وَ تَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ). الْحِرْصِ عَلَى بَيْت المال، وتنميته، وسَدّ حَاجَة ذَوِي الحَاجَاتِ (وَ تَعْلِيمُكُمْ كَيْلاً تَجْهَلُوا)، وإرْشَادكم)

السَّبِيل الَّتي أَرْشد إِلَيْهَا كتاب اللّه، وسُنّة نبيه، لأنّ جهلكم بدين الحَقِّ يَبْتَعد بكم عَن مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وحَسَنَاتها، ويُغريكم بأقدارها، وسَيِّئَاتِها (وَ تَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا. الْمَرَاد بالتّأديب هنا العُقُوبَة بإقامة حدود اللّه سُبْحَانَهُ، والمُرَاد بِالْعَمَل الاِسْتِقَامَة حَيْث قَالَ فِي بَعْض ما يَأْتِي مِن خُطبه، «وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا»(1).)ثُمَّ أَشَارَ إِلَى حق الرَّاعِيَ عَلَى الرَّعِيَّة بِقَوْله : (وَ أَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ. وهي عقد توثيق بَيْنَ الْحَاكِم والمحكوم عَلَى أَنْ يُدبر الْحَاكِم أُمور الحكوم عَلَى أساس المُصْلَحَة، ويحفظ الأمن، والنظام، ويُقيم الحدود، وينفذ الأَحْكَام... وَعَلَى كلٌّ مِن الطّرفِين أنْ يَفِى بِهَذَا العقد، وَلا يجوز فَسخه بحال.)(وَ النَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ، وَ الْمَغِيبِ. الْمُرَاد بالنَّصِيحَةُ هنا الإخلاص لِلْحَاكِم، والصِّدْق فِي القَوْل، والْعَمَل أمامه، وفي غيابه، لا كما يفعل أرباب الطمع، والتصنع. إِنْ حَضر وا عِنده فمَلَائِكَة، وإِنْ غَابوا عَنْه فَشَيَاطِين (وَ الْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ) إِلَى الْعَمَل من أجل حَيَاة أفضل (وَ الطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ). الظَّاهِرِ إِنَّ عَطف الطَّاعَة عَلَى إجَابَة الدَّعْوَة مِن بَاب عَطف التَّفْسِير، وقد يُفرق بَيْنَهما في أن المراد بالطَّاعَة الإستمرار فيها، والثّبات عَلَيْهَا... وَعَلَى أية حال سَنعُود مَعَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَى هَذَا المَوْضُوعَ إِنْ شَاء اللّه تَعَالَى)


1) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَة (182).

## الخطبة - 35 -### لَوْ كَانَ يُطَاعْ لِقَصِيرٍ أَمْر!(الْحَمْدُ للّهِ وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِح، وَ الْحَدَثِ الْجَلِيلِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللّه لا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلَهُ غَيْرُهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.)أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وَ تُعْقِبُ النَّدَامَةَ. وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي، وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي، لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرِ أَمْرٌ ! فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ، وَالْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ، حَتَّى أَرْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ، وَ ضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ، فَكُنْتُ أَنَا وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ (1:)


1) يقصد بهِ دُرِيد ابن الصَّمة، وكان شيخاً كَبِيراً، وكان له رأي في الحرب، فإنَّه أَشَار على هوازن يوم حنين ألا يخرجُوا مَعهم بالذَّرَاري، فخَالفه مالك بن عُوف فَخَرجَ بِهِمْ فَهُزموا، فقال دُرِيد هَذا الشعر. أنظر، المجمُوع: 295/19، المَبسُوط للسرخسى: 29/10، مناقب آل أبي طالب : 370/2، المعيار والموازنة: 96، ديوان الحماسة بشرح المرزوقي : 814/2، ديوان الحماسة بشرح التبريزي: 304/2، الْفُصُول في الأصول للجصاص : 81/2، المحصول للرازي: 32/2.

أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللّوَى ***فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلا ضُحَى الْغَدِاللُّغَة:الخطب : الأمر، والشأن، وقد يَكُون يَسِيراً، أو فَادِحاً، والْفَادِحِ : التَّقِيل. وَالْحَدَثِ : الحادث المُنْكَر غَيْر الْمَعْرُوف. ونَخَل الشَّيء : صَفاه، والمُرَاد هُنا أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أبدَى لَهُمُ الرّأي الخالص النَّاصِح. وَضَنَّ : بَخَلَّ والزَّنْدُ : عُود يُقدح بهِ النَّارِ.)الْإِعْرَاب :مَعَهُ خَبَر مُقَدَّم لـ(لَيْسَ وإِلَهُ أسمها، وغَيْرُهُ صِفَة له، والحُكُومَة عَطف بَيَان من هَذِهِ، وكَمَا قَالَ خَبَر كُنْتُ.)الْمَعْنَى:(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ. يُشير إلى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد جَرَّب الأمور، وعرفها، وأنه يبذل النصح لكلّ مَخلُوق، ويرى ذَلِكَ حَقَّاً لازماً عَلَيْهِ، وأنّ مَعْصِيَة مَن عصاه لا تضر إِلَّا العَاصِي فِي دينه، ودنياه، والواقع الَّذي يَعِيش فِيهِ، فَيندَم، وتذهب نَفْسه حَسَرَات مِن غَيْر جدوى... وقد مهد الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الإِشَارَة ليَقول :)(وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي، وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي. يُرِيد)

بِهَذِهِ الحُكُومَةِ تَحكيم أبن العاص، والأشْعَرِي بَعد رفع المَصَاحِف، وكَانَ رَأيه المضئ فِي الْقِتَالَ حَتَّى النهاية، وعدم الإرستجابة لخديعة مُعَاوِيَة، ونفاقه... ولو أخذ أَصْحَاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ برأيه لاهتدوا نهج الخير، والصواب، وتجنبوا تلك الْفِتَن، ومعضلاتها.)(لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرِ أَمْرٌ. هَذَا مَثل يُضرب لمن يُخالف الرّأي الحكيم، وأصله أنّ أحد ملوك الْعَرَب، وهُو جُذيمة الأَبْرَش كَانَ له مَوْلَى، أسمه قَصِير مَشهور بالذّكاء وصواب الرّأي، وكَانَ جُذيمة قد قتل أبا الزّباء ملكة الجزيرة... وبعد أَمدٍ دعت الزّباء جُدِيمة إلى الزواج بها فَصدق، وأجاب الدُّعْوَة، فحذرَه قَصِير من ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَم يَسمع مِنْهُ، فَغَدرت بهِ، وَقَتلته، وعِندئذٍ قَالَ قَصِير كَلِمَته : «لاَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ». فَذَهب مثلا (1).(فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ، وَ الْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ. قَد يُخالفك عالم في)


1) أنظر، هَذِهِ القِصَّة في الأَخْبَار الطوال للدينوري 55، والأعلام للزركلي : 199/5، بحار الأنوار: 322/3، تأريخ الطَّبَرِيّ : 445/1، الصحاح للجوهري : 794/2، وتاج العروس: 113/4، ولسان الْعَرَب، وقاموس المحيط. وقصير هو ابن سعد بن عَمْرُو اللخمي، والزباء هي نائلة، وقيل : میسون بنت عَمْرُو بن الظّرب بن حَسَّان ملك الجزيرة، وقصير هَذَا هُو الَّذي أحنال ليثأر الجذيمة، فجدع أنفه، وأذنه، وضرب به المثل «ما جدع قصير أنفه»، وقد ذهب إلى الزباء يشكو عَمْرُو بن عَدِي - ابن أُخت جذيمة. الَّذي أَصْبَحَ ملكاً عَلَى الْعِرَاقِ بعد خاله - أنه فعل به ذلِكَ، فصدقته، وأعطته مالاً للتجارة فذهب بها إلى الْعِرَاق، وأخذ من عَمْرُو بن عَدِيّ أموالاً وعاد إلَيْهَا زاعماً أن تجارته قد ربحت، ولم يزل يغدو في تجارتها ويروح إلى أن شعر بأطمئنانها إِلَيْهِ، فجاء بألف بعير عَلَيْها ألف رجل في الجواليق، يتقدمهم عَمْرُو بن عَدِيّ، وأنيخت الإِبل أمام قصرها، وبرز الرّجال فتكوا بمن حولهم، وأمتصت الزباء خاتماً لها مسموماً، وأجهز عَلَيْهَا عَمْرُو، وَقَالَ المتلمس :)وفي طلب الْأَوْتَارِ مَا حزّ أَنْفه ***قصير ورام الموت بالسَّيْف بيهس

رَأيك الخاص لشُبْهة عرضت له فَتَتبادلان الحوار والنقاش حولها عَلَى المقاييس، وَقَد يَقنعك، أو تقنعه، أو يَبْقَی كُلّ عَلَى رَأيه بلا غِلظة، وجفاء.. ويُحدث هَذَا كَثِيراً بَيْنَ أَهْل العِلْم، أَمَّا أَنْ يَتَعَصَّب جاهل لرأيه، ويفرضه عَلَيْكَ فَرضاً، وإِنْ بيت ثار وشتم، وهدد، وأنتقم، وكلما ازدادت حُجتك صِدقاً، ووضوحاً اَزدَاد شراسةً، و عناداً... أَمَّا هَذَا فَوحش كاسر، وَلا شيء فِيهِ مِن الإِنْسَان، وصِفَات الإِنْسَان.ويصدق هَذَا الْوَصْف تمام الصِّدْقِ عَلَى خصوم الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ رَفضوا رَأيه فِي حَرْب صِفِّين، وأصروا عَلَى وَقف الْقِتَالِ ضِدّ مُعَاوِيَة، وَعَلَى أَبي مُوسَىٰ لِيسوي الخلاف... قَالَ هُمْ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا تُصدقوا مُعَاوِيَة فِي رَفع الْمَصَاحِف، فعاندوا.. وأنْتَدب ابن عباس للتحكيم فَعصوا... عرض عَلَيْهِمُ الْأَشْتَر فَنَفروا.. وَقَالَ لَهُمْ: هَذَا الأحنف بن قيس فأعرضُوا... إلَّا الْأشْعَرِي المخدوع. وكَانَ ما كَانَ... وإِذَنْ مِن حَق الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و حق التاريخ أنْ يُصفهم بالجُفَاةِ، وَالْمُنَابِذِينَ الْعُصاةِ... وقد حكم عَلَيْهِمْ بأَكْثر من ذَلِكَ.)ولطَه حسين رَأي في هذا التمرد، والجفاء، وَهَذَا الرّأي يُلقِي الضّوء عَلَى السبب المباشر لإصرارهم عَلَى الْأَشْعَرِيِّ، ونَقطف من أَقْوَاله ما يلي :«أكْبَرَ الظَّن أن بَعْض الرؤساء من أَصْحَاب عَلي لَم يكونوا يُخلصون له فُوسهم... لأنهم كانوا أَصْحَاب دُنيا لا أَصْحَاب دين، وكانُوا يَندمُون فِي دخَائِل أَنفسهم عَلَى تِلك الأيَّام الهيئة اللينة التي قضوها أَيَّامٍ عُثمان يزنْعمُون بالصلات، والجوائز، والإقطاع... وأيضاً كانَ فِي جَيش علي بصِفِّين كَثِير من أَهْل الْبَصْرَة الذين حاربُوه يَوْم الْجَمَل، وأنهزموا بعد مقتل طَلْحَة، والزُّبَيْرُ. وإذَنْ كَانَ فِي

أَصْحَاب عَليّ المخلص، والمدخول.. وَمَا أستبعد أنْ يَكُون الأَشْعَثُ بن قَيْس... قد تآمر مع أبن العاص عَلَى إيقاع الفُرْقَة بَيْنَ أَصْحَاب عليّ، وقَد تَم ما أراد الاِثْنَان.. واستكره الأَشْعَثُ ومَن طَاوعه - عَلِيَّاً عَلَى كَفِّ الْقِتَال، فلم يرَ بُداً مِن الإِذعان.. ولَم تأت الأمور مُصادفة، وإنما جاءت عَن ائتمار، وتَدبِيرِ بَيْنَ طُلاب الدُّنْيَا مِن أَصْحَاب عَلَى، وأَصْحَاب مُعَاوِيَة جَمِيعاً» (1.)ومَنطق الْحَوَادِتْ يُؤيد رأي الدكتور طه حسين، فإنّ النَّاس مَع الدُّنْيَا وخُضرتها، وَهِي عند مُعَاوِيَة، وَلا شيء عِند الإِمَامِ إِلَّا الدِّين، قالوا عَنْهُ إِلَى مُعَاوِيَة، وأحتلبوا دنياه بدينهم، وأطاعوا الخُلُوقِ فِي مَعْصِيَة الْخَالِقِ.


1) نظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبَنُوه : 80 - 82، طَبْعَة سَنّة 1964م.

## الخطبة - 36 -### أَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ:(فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا النَّهَرِ، وَبِأَعْضَامِ هَذَا الْغَائِطِ، عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَ لا سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ : قَدْ طَوَّحَتْ بِكُمُ الدَّارُ، وَاحْتَبَلَكُمُ الْمِقْدَارُ، وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُنَابِذِينَ، حَتَّى صَرَفْتُ رَأبِي إِلَى هَوَاكُمْ وَأَنتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ أَلْهَامِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلامِ، وَلَمْ آتِ - لا أَبَا لَكُمْ - يُجْراً، وَلا أَرَدْتُ لَكُمْ ضُرّاً.)اللُّغة :صَرْعَى : جمع صَرِيع، وهُو المطروح عَلَى الْأَرْضِ وَأَثْنَاءِ الشَّيء : أَوْسَاطَه وخلاله، وأَهْضَام : جمع هَضم، وهو السهل المنخفض. والغَائِطِ : ما سفل من الأَرْضِ. وطَوَّحَتْ بِكُمُ الدَّارُ : تاهت بِكُمْ هُنا وهناك. وَاحْتَبَلَكُمُ : أَوْقَعَكُم فِي الحبالة، يقال : أحتبل الصيد أي وقع في الحبالة. والْمُرَاد بِالْمِقْدَار هُنا ظروفهم الخاصة. والمنابذ : المفارق. وأَخِفَّاء : جمع خَفيف ضدّ الثَّقيل والهام : جمع الهامة،

وَهِي رَأس كل شيء، وتُطلق على الجثّة. والمراد بالأَحْلامِ هُنا العُقُول مِثل قَوْله تَعَالَى: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَمُهُم بِهَذَا (1). والبحر - بضم الباء - الشّر.)الْإِعْرَاب :المَصْدَر من أَنْ تُصْبِحُوا مَنْصُوب بنزع الخافض. وَأَنْتُمُ الواو للحال. سُفَهَاءُ الأَحْلامِ خَبَر ثانٍ لـ«أَنْتُمْ». وَلاَ أَبْ لَكُمْ لا نَافِية للجنس، وأب أسمها، وَلَكُمْ خبرها، وتُقال هَذِه الكَلِمَة للمدح، وتأتي للدم. وَبُجْراً مَفْعُول لَمْ آتِ.الْمَعْنَى:(فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ. الخطاب للخوارج حِينَ عَزموا عَلَى الخروج، وشق العصا وَقَد أوضح هُمُ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنهم مُخطَئُون في رأيهم، وعملهم، وحذرهم من سوء الْعَاقِبَة بِقَوْله : (أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا النَّهَرِ). وكَانَ هَذَا النّهر آنذاك قريباً مِن الْكُوفَة فِي طَرف صحراء النَّهْرَوَان، وسُمِّيت الْوَاقِعَة بأسمه، ولُقب نَفْس هَؤُلَاء الخَوَارِج بالحَرُورِيَّة ؛ لأنهم خَرجوا فِي أَطْرَاف صحراء حروراء (2)

وسموا أيضاً بالخَوَارِج، والحكمة، والسبب الذي سموا خوارج هو خروجهم عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ، والسبب الذي سموا محكمة هو إنكارهم الحكمين : وقولهم لا حكم إلا اللّه... وأنظر أيضاً فرق الشيعة للنوبختي : 6 دار الأضواء ط 2.)وقيل : هم الغُلاة في إثبات الوعيد، والخَوْف عَلَى المُؤْمِنِين، والتخليد في النَّارِ مَع وجود الإِيمان، وهم قوْم من النواصب الخوارج، ومن مفرداتهم أنّ من أرتكب كبيرة فَهُوَ مشرك، ومَذْهَب عامة الخوارج أنه كافر، ولَيْسَ بمشرك، فَقَالَ بعضهم : هو منافق في الدرك الأسفل من النار. وقيل لَهُمُ الحَرُورِيَّة لأنهم خرجوا إلى حروراء لقتال علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ و حروراء: قرية بظاهر الْكُوفَة، نزل بها الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكَانَ بها أول تحكيمهم وأجتماعهم حِينَ خالفوا عَلَيْهِ.)أنظر المعارف لابن قتيبة : 274 الخطط للمقريزي : 2/ 350، معجم الفرق الإسلامية لشريف الأمين: 94 مقالات الإسلاميين للأشعري: 127 - 128، معجم البلدان : 256/3.

(وَ بِأَهْضَامِ هَذَا

1) الطُّورِ : 32.

2) الحَرُورِيَّة : جَمَاعَة من الخوارج، والنواصب، والنّسبة لبلد قُرب الْكُوفَة عَلَى ميلين مِنْهَا تُسمى حروراء، نزل بها هَؤُلَاء بعد خروجهم عَلَى أمير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينا قبل بالتَّحْكِيم بينه، وبَيْنَ مُعَاوِيَة، قيل لهُمْ حينذاك : أَنْتُمْ الحَرُورِيَّة لإجتماعكم بحروراء وَقَالَ : شاعرهم :)إذَا الحَرُورِيَّة الحرى ركبوا ***لا يَسْتَطِيع لهم أمثالك الطلبا وقَالُوا يَوْمِها : لا حكم إلا اللّه، فَقَالَ على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلمة حق أريد بها باطل... أنظر تذكرة الخواص: 95، ومروج الذهب : 404/2، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 307/2 تحقيق مُحَمَّد أبو الفضل دار إحياء التراث العربي، وَقْعَة صِفين : 517.

الْغَائِطِ. تَشخيص، وتَعيين للمكان الذي قُتلوا فِيهِ.)(عَلَيْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَ لا سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ. أَبَداً لا حجة معهم، وَلاَ معذرة لهُمْ فِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ، وَإِذَا كَانَ التَّحْكِيم خَطأَ فَاحشاً فَإِنَّ النّتائج المترتبة عَلَى خرُوجهم أخْطَر، وأفْحَش... وأيضاً قَالَ هُمُ الْإِمَام مِن جُملة ما :قَالَ «أَنَا ما گرهت الحزب، وإِنما أَنتُمْ كَرهتموها، وجزعتم مِنْهَا... إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْي مَلَئكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقَّ، وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَضَيَا عَلَيْهِ» (1). وَقَالَ عَدد من المؤرخين : إِنَّ قَول الإمام أثر، وأجدى : فَتَسلل كَثِير مِن الخَوَارِج، وعادوا إِلَى الْكُوفَة، ومِنْهُم مَن)


1) أنظر، نهج البلاغة من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم (127)، البداية والنهاية : 339/9، الاحتجاج : 58/2 الْإِرْشَاد : 165/2، أَنْسَاب الأشراف: 357/2 الأخبار الطوال: 209، تاریخ ابن خلدون: ق 2/ ج 177/2.

عاد إِلَى جَيش الْإِمَام، وآخرون أعتزلوا الحزب، ولم يبق مع عبد اللّه بن وهب الراسبي رئيس الخوارج إلا ثلاثة آلاف، أو أقل، وكانوا إثني عشر ألفاً عَلَى قَول، وستة آلاف عَلَى قَولٍ آخر (1.)


1) أعْطى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي أيوب الأنصاري راية أمَان فَنَادَاهُم أبو أيوب (رضیَ اللّهُ عنهُ) : من جَاء إِلى هَذِه الرّايَة فَهُوَ آمن يمنْ لم يَكُنْ قتل، ولا تعرض لأحد من المسلمين بسوء، ومن أنصرف منكم إلى الْكُوفَة فَهُوَ آمن، ومن أنصرف إلى المَدَائِن فَهُوَ آمن لا حَاجَة لنا بعد أن نصيب قَتَلَة إخواننا في سفك دمائكم.)أنظر، تأريخ الطَّبَرِيّ : 64/4، و : 49/6 والإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 169/1، وجاء فيه : من جاء منكم إلى هذه الراية فَهُوَ آمن، ومن دخل المضر فَهُوَ آمن، ومن أنصرف إلى الْعِرَاق وخرج من هَذِهِ الجَمَاعَة فَهُوَ أمن فإِنَّه لا حَاجَة لنا في سفك دمائكم، وبعد النداء أنصرفت طَائِفَة مِنْهُم إلى الدكسرة، وطَائِفَة إلى الْكُوفَة، وجَمَاعَة إلى علي، وكانوا أَرْبَعَة آلاف وبقى مع عبد اللّه بن وهب مِنْهُم ألفان وثمانمئة رجل كما جاء في تاريخ الطَّبَرِيّ : 5 : 86/5، وأبن الأثير : 406/2، والفتوح لابْن أَعْثَمْ: 4 / 125. أسد الغابة : 1 / 385 وما بعدها، و : 351/2 و 371 و 375، و : 150/3 و 354، و : 4 / 100 و 315، و : 122/5 و 143 و 274.فانصرف عُرْوَة بن نوفل الأشجعي في خمسمنة فارس، وخرج طَائِفَة أخرى مُنْصَرِفِين إلى الْكُوفَة وطَائِفَة أُخرى إلى المدائن، وتفرّق أكثرهم بعد أن كانوا إني عشر ألفاً، فلم يبق مِنْهُم غَيْر أَرْبَعَة آلاف فزحفوا إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ وأَصْحَابه، فَقَالَ علي لأصحابه : كفّوا عنهم حَتَّى يبدأوكم.)أنظر. المصادر السابقة، والإمامة وَالسَّيَّاسَة : 169/1، وشَرح النهج للعلامة الخوئي: 0122/4 : وشَرَّح النَّهْج لابن أبي الحديد : 272/2، ومروج الذهب: 416/2. ومُسْتَدرك الوَسَائِل : 2 / 254، والطَّبَرِيّ : 49/6. فتنادوا الرواح الرواح إلى الجنَّة. فحملوا عَلَى النَّاس فأنفرّقت خيل علي عنهم فُرقَتِين حَتَّى سَاروا في وسطهم عطفوا عَلَيْهِمْ من المَيْمَنَة، والمَيْسَرَة، واستقبلت الرُّمَاة وجُوهَهُم بِالنَّبل. وَعَطَفت عَلَيْهِمْ الرّجالة بالسُّيُوف والرماح فما كان بأسرع من أنْ قَتَلُوهم عن آخرهم وكانوا أَرْبَعَة آلاف، ولم يفلت مِنْهُم إلا تسعة.أنظر، الفتوح لابْن أَعْثمْ 275/2، كشف اليقين : 166 وهَامِش رقم 5 في الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 169/1. أنفس لا غَيْر رجلان هربا إلى خراسان، وبها نسلهما إلى الآن، ورجلان صارا إلى بلاد عمان، وبها نسلها إلى الآن، ورجلان إلى بلاد اليمن وبها نسلهما وهم الذين يُقَال لَهُمُ الأباضية - أَصْحَاب عبد اللّه بن أباض من بني مُرّة بن عُبَيْد من بني تميم رهط الأحنف بن قيس كما جاء في المعارف : 632. وَقَالَ : هم فرقه من الْخَوَارِجِ. وهم يسكنون الآن في عمان سلطنة صغيره واقعة في الجنوب الشرقي من بلاد العرب تمتدّ عَلَى ساحل بحر الْعَرَب، والخليج الإسلامي، مرّ بهم أبن بطوطة الرحالة المعْرُوف في سياحته الَّتِي كَانَتْ فِي القرن الثامن للهجرة وَقَالَ ابن قتيبة في الإمامة والسَّيَّاسَة : 172/1 وما بعدها هم أباضية المَذْهَب ويصلّون الجُمُعَةِ ظهراً أربعاً، فَإِذا فرغوا قرأ الإمام آيات من القرآن، ونثر كلاماً شبه الخُطْبَة يرضى فيه عَن أَبي بَكْر، وعُمَرَ، ويسكت عَن عُثمان، وعليّ، وَإِذَا أرادوا ذكر علي كنوا عنه بالرجل، ويرضون عن الشقي اللعين أبن ملجم ويَقُولُون فيه العبد الصالح مع الفتنة... راجع ينابيع المودة: 252. إحقاق الحق التستري : 222/7، المناقب المرتضوية : 203 الغدير للأميني: 322/4 ورجلان صارا إلى الجزيرة، ورجل صار إلى تل موذن. وَهِي مدينة عَلَى دِجْلَة فوق تكريت وفي : 297/2 «البوازيج» بلد قرب تكريت عَلَى فم الزاب الأسفل حيث يصب في دجلة. وغنم أصْحَاب على (عَلَيهِ السَّلَامُ مِنْهُم غنائم كَثِيرَة، وقُتل من شيعة على رجلان كشف الْيَقِين: 166، الفتوح : 275/2 والمصادر السابقة. وقتل من أَصْحَاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تسعة، عدد من سلم من الخوارج، قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): تقتلهم وَلاَ يُقتل منا عشرة، ولا يسلم منهم عشرة. كما جاء في شَرْح النهج للمعتزلي: 206/2 وما بعدها، وتذكرة الخواص : 95، وتاريخ البري : 62/4.)أَمَّا فِي الْفُتُوح لابْن أَعْثَمْ: 275/22 فقد ذكرهم بالتسلسل الْقِتَالي : رويه بن وبر البَجَليَ الَّذِي دفع إِلَيْهِ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ اللواء، وأمره بالتقدّم فتقدّم وأرتجز شعراً، وحمل حَتَّى اسْتُشْهِدَ، وتقدّم من بعده عبد اللّه بن حماد الحميري حَتَّى اسْتُشْهِدَ، ثم رفاعة بن وائل الأرحبي حَتَّى اسْتُشْهِدَ، ثم كيسوم بن سلمة الجهني حَتَّى قتل. ثم عبد بن عُبيد الخولاني حَتَّى قتل، ثم قَالَ : وأقبل التاسع وأسمه حبيب بن عاصم الأَزْدِي. فَقَالَ : يا أمير الْمُؤْمِنِينَ، هَؤُلاء الذين نقاتلهم أكفار هم ؟ فَقَالَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الكفر هربوا. وفيه وقعوا، قَالَ : أفمنافقون ؟ فَقَالَ علي : إِنَّ الْمُنافِقِين لا يذكرون اللّه إلا قليلاً، قَالَ : فماهم يا أمير الْمُؤْمِنِين حَتَّى أَقاتلهم على بصيرة ويقين ؟ فَقَالَ : علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هم قوم مرقوا من دين الإسلام كما مرق السهم من الرمية يقرأون القرآن فلا يتجاوز تراقيهم، فطوبى لمن قتلهم أو قتلوه. قَالَ : فعندها تقدّم حبيب نحو الشّراة وهو التاسع من أَصْحَاب على فقاتل وقُتل.)وفي المناقب لابن شهر آشوب ذكر ثمانية ولكن باختلاف في بعض الأسماء. وراجع النّص والاجتهاد للعلامة شرف الدين الموسوي تحقيق أبي مجتبى : 106 هَامِش رقم 4 وكَيْفِيَّة ظهور الحق جُندب بن زهير الأَزْدِي الغامدي بعد أن أطلع من الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى حَقِيقَة الْخَوَارِج، وأنظر كنز الْعُمَّال : 71/6 ح 1179، و : 11 / 289 و 302، /289/11 و 202، ومجمع الزوائد : 242/6.)ولم يسلم من الخَوَارِج - المارِقِينَ - المقتولين غَيْر هَذه التسعة المذكورين خذهم اللّه. وهذه كرامة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ فإِنه قَالَ قبل ذَلِكَ : نقتلهم ولا يقتل منا عشرة ولا يسلم مِنْهُم عشرة.

وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد : «قد تظافرت الأَخْبَار عَن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ حَتَّى بَلغت حد التواتر بما وعد اللّه تَعَالَى قَاتلي الخَوَارِج من الثَّوَاب» (1). بل تظافرت الأَخْبَار عَن النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِي أنْ عَلَى كُلِّ مُسْلِم أَنْ يُقَاتل مَع عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلّ مَن قاتله أيّاً كَانَ، ويَكُون... من ذَلِكَ قَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «سَيَكُون بَعدي فِتْنَةٌ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَالْزَمُوا عَلَيَّ بن أبي طالب، فإِنَّه أَوَّل مَن يراني، وأَوَّل مَن يُصَافْحَنِي يَوْم الْقِيَامَةِ، وهُو الصِّدِّيق الأَكْبَر، وهُو فَاروق هذه الأُمَّة، يفرق بَيْنَ الحَقِّ، والْبَاطِل، وهُو يَعْسُوب الْمُؤْمِنين» (2).)ولا يختلف اثنان في قول الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : «يَا عَلِيُّ، لَا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ» (3). فكَيْفَ بمن جيش الجيوش لحربه وقتاله ؟.. وَعَلَى أية حال فإنّ


1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 265/2.

2) أنظر، أسد الغابة : 287/5 طَبْعَة مِصْر سَنة 1285 هـ. وأيضاً رواء المتقي الهندي في كنز العمال : 7 / 305 طَبْعة حيدر آباد سنة،1312هـ، ورواه آخرون. كما في كتاب فَضَائِل الخمسة من الصحاح الستة.. (منه (قدّس سِرُّه)).

3) أنظر، سُنن التّرمِذي : 601/5. ح 3819، و : 116/8 كتاب الإيمان باب المناقب ح3736 بإختلاف يسير في اللفظ، خصائص النسائي : 83 ح 95 و 96، وفرائد السمطين: 133/1 ح 95. تاريخ دمشق لابن عساكر : 190/2 ح 674 و 192 ح 679 و 202 ح 693 و 203 ح 694، صحيح مُسلم : 86/1 ح 131 كنز الفوائد : 83/2 و 84، بشارة المُصطَفَی : 64 و 76 و 148، كفاية الطالب : 68 و 20 ط الغري، فتح الباري : 57/7، البحار : 255/39 ح 28 - 30، مسند أبي يعلى الموصلي : 347/1، مُسْنَد أحمد: 95/1، و : 292/6، سنن ابن ماجه: 42/1 ح،114، سنن النسائي : 117/8. تاريخ بغداد: 255/2. و : 426/14 الإِسْعَاب : 37/2، مناقب ابن شهر آشوب : 206/3.)إرشاد المفيد : 37 الفصل 3 من الباب 2 رقم 1، شرح النهج للفيض : 1099 الحكمة 42، وفي صبحي الصالح : 477 من الحكمة 45 قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: يا علي لا يبغضك مُؤْمِن وَلا يحبّك منافق، وفي شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 173/18، و : 4 / 82، وكشف الغُمَّة : 526/1، المناقب لابن المغازلي: 90 ح 225 و 232، المناقب لأحمد بن حنبل : 2/ 536 ح 948، الصَّوَاعِقِ الْمُحرِقَة : 122 و 73 ط الميمنية و : 120 ط المحمدية ذَخَائِرِ الْعُقْبى: 91، الفَضَائِل لأحمد: 619/2 ح 1059، حلية الأَوْلِيَاء : 185/4، مشكاة المصابيح : 3/ 1722 ح 6091، ينابيع المودة : 149/1 وما بعدها، 392/2 و 180 ط أسوة و : 47 و 48 و 213 و 282 ط اسلامبول و 52 و 53 و 252 و 327 ط الحيدرية نور الأبصار : 72 ط العُثمانِيَة، و : 71 ط السعيدية. تذكرة الخواص : 28 مطالب السؤول: 48/1، نظم درر السمطين : 102، تاريخ الخلفاء: 170.)إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار : 154 ط السعيدية و : 140 ط العُثمانِيَة، أَنْسَابِ الأَشْرَاف: 2 / 97 ح 20، مصابيح السنة : 275/2، الرّياض النضرة : 284/2، كنوز الحقائق : 192 ط بولاق و : 203 ط أُخرى، جامع الأصول لابن الأثير : 473/9 ح 6488، مشكاة المصابيح : 242/3، كنز 300 الطبعة الثَّانِيَة، الْغَدِير : 182/3، إحقاق الحق : 7/ 190، الشذرات الذهبية العمال : 105/15 ح لابن طولون : 56، أسنى المطالب للجزري: 54، نزل الأبرار : 55، مسند الحميري: 31 ح 58 ط المدينة المنورة، المصنف لابن أبي شيبة : 57/2، أسد الغابة : 602/3 ط بيروت، معجم الشيوخ : 237 رواه محمد بن أحمد بن جميع الصيداوي.

الذين أعتذروا عَن عَائِشَةَ، ومُعَاوِيَة، وطَلْحَة، والزُّبَيْر - لم يَعتذرُوا عَن الْخَوَارِج، وأجمعوا عَلَى مُرُوقهم من الدِّين.(قَدْ طَوَّحَتْ بِكُمُ الدَّارُ. أي تُهتُم عَن الحق، وهو أمامكم ظاهر للعيان (وَأَحْتَبَلَكُمُ الْمِقْدَارُ). أي أن أوضاعكم، وتفكيركم المخاطيء، أوقعكم في الحبالة وَهِي شبكة الصيد (وَ قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُكُومَةِ) وَهِي قَبُول التَّحْكِيم،)

وتَقَدَّم في بالنّص الحرفِي (حَتَّى صَرَفْتُ رَأيِي إِلَى هَوَاكُمْ. ولو أصَّر الإِمَام عَلَى رَأيه لوقع فِي مَحذُور أشد، لأنهم سفهاء، وأجلاف، وأشرنا فيما تَقَدَّم أنّ بعضهم هَدد بِتَسليم الإِمَام إِلَى مُعَاوِيَة إِذَا لَم يوَافق عَلَى التَّحْكِيم... ومن البداهة أنّ الْعَاقِل يختار أهون الشّرِين، ويدفع الأشد بالأخف، وقَوْله : (وَأَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ الْهَامِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلامِ، وَ لَمْ آتِ - لا أَبَا لَكُمْ - بُجْراً، وَ لا أَرَدْتُ لَكُمْ ضُرّاً). يُومي، إِلَى ذلك.)

## الخطبة - 37-### الْقُوَّة للْحَقِّ فِقْرَة 1 - 2:(فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا، وَ نَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا، وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللّه حِينَ وَقَفُوا. وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وَأَعْلاهُمْ فَوْتاً، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا، وَ اسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا. كَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ، وَلا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ. لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَزٌ، وَ لَا لِقَائِلٍ فِي مَغْمَزُ(1. الدَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ رَضِينَا عَنِ اللّه قَضَاءَهُ، وَ سَلَّمْنَا للَّهِ أَمْرَهُ. أَتَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ وَ اللّه لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ، فَلا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ. فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي، فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي (2)).)اللُّغة:تَطَلَّعْتُ أَي تَعقبْتُ كَلام الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وأفعاله، وما فَاتَني شيء مِن ذَلِكَ، ومثله تماماً قَوْله فِي بَعْض خُطبه : «وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتَّبَاعَ الفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، زَفَعُ لِي فِي كُلِّ)

يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً» (1. وتَقَبَّحُوا أَي لَم يَتَعَقَّبُوا الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما فعلت. والتَعْتَعُة فِي الكلام الحصر، والعي. والفوت : السبق. والرهان : الجَعل الَّذِي يَسْتَحقه السابق. والْقَوَاصِفُ : الشَّدَائِد التي تقصف الظهور، والأَعْمَار. والْعَوَاصِفُ : الأرياح السّدِيدة. والهُمَز والغمَزُ : الطَّعْن.)الإعْرَاب :صَوْتاً تمييز، ومثله فَوْتاً، كَالجَبَلِ خَبَر المبتدأ مَحْذُوف أي أنَا كَالجَبَلِ، فَإِذَا طَاعَتِي «إِذَا» للمُفَاجأة، وَإِذَا الثَّانِيَة عَطف عَلَيْهَا.الْمَعْنَى:(فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا. يُشير إلى فضله، ومنزلته، وَلا بُدَّ مِن سَبب أَوَجَبَ هَذِه الإِشَارَة، وقَد يَكُون السبب كَلِمَة مِن مُبغض منافق، أو إفهام المخالفين، والمنابذِينَ لِلإِمَامِ أنهم يُخالفون الحق والعدل، أو غَيْر ذَلِكَ مِن الأَسْبَاب. واستكشف أبن أبي الحَدِيد مِن قَوْله : «أَتَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟». استكشف أنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَفَرَّس أن البعض يتهمه فيها يُخبر بهِ عَن النَّبِيِّ مِن الملاحم، والمغيبات، فنفى الْإِمَام عَنْه هَذِهِ التُّهمة بِمَا بَيَّنَه مِن فَضله... إلخ. ولَيْسَ هَذَا بِبعيد. ثُمَّ ذكر أبن أبي الحَدِيد الكَثِير مِن المغيبات التي أخَبَر عَنْهَا الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكلّها عظيم، وعلم محجوب عَن الْعِبَادِ إلا بوحي من اللّه إِلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيم، ومِنْهُ إِلَى)


1) أنظر نهج البلاغة : المخطْبَة (192).

خليفته الحق.والأَمْرِ فِي قَوْله «فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ» عام يشمل كل فَضِيلة، ومَنْقَبَة لِلإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ سواء أنْفَرد بها كالسبق إِلَى الإِسلام، والمبيت عَلَى فراش النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَيْلَة الهِجْرَة، ومُؤاخاة الرَّسُول له، والكَثِير مِن مواقفه في النصح والإخلاص لِلإِسْلام، والمُسْلِمِين أَيَّام الخُلَفَاء المتقدمين الذين كانُوا يَفزَعُون إِلَيْهِ فِي كلّ ما يعرض لهُمْ مِن مشكلات الحكم، أَم كَانَ الْإِمَام فِيهَا مِن السابقين كجهاده فِي بَدْرٍ، وأحد، والْأَحْزَابِ حَيْث كَانَ مُعَاوِيَة، وأبن العاص مع المُشْرِكِين.)(وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا. أي أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخَذ عَن النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) علومه، وأخلاقه. لا وهَذِه المنقبة تخص الإِمَام وَحدَه دُونَ المُسْلِمِين، وَهِي نتيجة حتمية لحياته، وبيئته، وظروفه، فلقد كفله النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) صَغِيراً، وقام عَلَى تَنْشئته، وتربيته، ولازمه بعد الوحي مُلازمة الظل، وكَانَ أحبَّ الخلق إِلَى النَّبِيِّ، ويُؤثره عَلَى جَميعِ النَّاسِ دُونَ أستثناء كما قالت عَائِشَةَ حِينَ سُئلت عن أحبّ النَّاسِ إِلَى النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)... (1)وكَانَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يُفضي إلَيْهِ بكل ما عنده من علوم، وأسرار. قَالَ الإِمَام فِي بَعْض خُطبه : «وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، وَاصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ مَا أَنْطِقُ الأَصَادِقاً، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ، وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَمَالِ هَذَا الْأَمْرِ، وَ مَا أَبْقَىٰ شَيْئَاً یمرّ عَلَى رَأْسِي، إِلا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ، وَ أَفْضَىٰ بِهِ إِلَيَّ» (2). وجَاء فِي الصَّوَاعِقِ : «مَا مِن آية فِي الْقُرْآن إلا وعلي أميرها، وشريفها» (3)، ولقد عاتب اللّه أَصْحَاب مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏))


1) أنظر، شرح الخطبة : (33). (منه (قدّس سِرُّه)).

2) انظر : نهج البلاغة : الخُطْبَة (175).

3) أنظر، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 125 طَبْعَة 1375 هـ. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). كفاية الطالب: 140، مُسْنَد زيد بن علي: 459، مناقب آل أبي طالب : 252/2، كنز العمال: 108/13 1 ح 36353، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين الهَيْثَمي : 112/9، تفسير العياشي : 352/2، نظم درر السمطين : 89، وفيه عن أبي برزه الأسلمي. مع إختلاف يسير، كشف الغطاء : 9، تفسير فرات الكوفي : 50، بخار الْأَنْوَار : 352/31.

غَيْر مكان، وما ذكر عَلِيَّا إِلَّا بِخَير، وأن ابن عساكر قَالَ: «مَا أَنزَل اللّه في أحدٍ ما أنزل فِي عَليّ، ولقد بلغت الآيات فِيهِ ثَلاثمئة آية» (1.)(وَ نَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا. أي أنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَين أَحْكَام المُعْضلات، والمُشْكِلات حِينَ سَكت غَيْره جَهلاً، وعَجزاً، وبَيَان ذَلِكَ أنّه قد حَدَتْ بَعد النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقائع لا نصّ عَلَى أَحْكامها بالخصوص فِي الْكِتَاب، والسُّنَّة، وَهَذَا شيء طبيعي لأنّ النّصوص محدودة، ومتناهية، أَمَّا الْحَوَادِث المتوقعه فلا نهاية لها، ولكن في مقدور العالم بأسرار هذين الأصلين، وبعلل الشَّرِيعَة الإِسْلاميَّة، وأَحْكَامها أَنْ يَستخرج تلك الأحكام من المبادىء الْعَامَّة التي ترتكز عَلَيْهَا نصوص الْكِتَاب، والسُّنَّة، ويرتكز عَلَيْهَا الإسلام أصولاً، وفروعاً... وكَانَ الخُلَفَاء، وغَير الخلفاء من الصَّحَابَة يَفزِعُون إِلَى الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلّ ما يعرض لَهُمْ مِن هَذه المُعْضلات، وَلاَ يَجدُون لها حلاً، وجوَاباً إِلَّا عِنده، وكَانَ عُمَرَ بن الخطاب يَعْرِف ذَلِكَ لِلْإِمَامِ، ويَقُول: «أَللَّهُمَّ لا تُبْقني مُعْضِلَةٍ لَيْسَ هَا عَليّ» (2). ويقول: «أَللَّهُمَّ لا تُنزلن بي)


1) أنظر، تأريخ ابن عساكر : 364/42، شواهد التنزيل : 55/1 ح 56، يَنابيع المَوَدَّة : 176/2، تأريخ بغداد 222/7.

2) أنظر، فرائد السمطين : 272/348/1، و 276/250، المناقب لابن شهر آشوب : 358/2 و 360 و 361 و 365، والبحار : 223/40 و 226، التهذيب : 94/10، تأريخ دمشق لابن عساكر ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 93/3 و 41 / 1071 و 1070 بتحقيق الشّيخ المحمودي الإِسْيعَاب عَن سعيد نحوه في هَامِش الإصابة : 39/3، الطرق الحكمية : 46، الرياض النضرة : 195/2 و 196، و : 163/3 و 164 و 165 وذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 79 - 82، مطالب السؤول لابن طَلْحَة الشافعي: 13، والمناقب للخوارزمي الحنفي : 39 و 48 و 60 و 65 و 81، والفخر الرازي في الأَرْبَعِين : 466. وروى أبن الجوزي في كتاب الأذكياء : 18 وفي كتابه أخبار الطراف 19، تذكرة الخواص : لسبط ابن الجوزي : 87 و 148، کنز العمال: 179/3، و : 241/5 و 451 وح 13584، مصباح الظلام: 56/2، الأسيعاب : 1102/3، صفوة الصفوة: 1 / 121 كفاية الطالب: 95، أسد الغابة : 22/4، طبقات ابن سعد : 22 102/22، تهذيب التهذيب : 337/1، الصَّوَاعِقِ الْمحَرِقَة : 76، يُنابيع المودة : 221 نور الأبصار : 74، أرجح المطالب : 121 و 124، الإِصَابَة : 4 ق 270/1، فيض القدير : 357/4، فَضَائِلِ الْخَمْسَة من الصحاح الستة : 290/2 و 309 عليّ إمام المتقين للشَّرقاوي: 1/ 100 و 101، أَنساب الأشراف للبلاذري، والبداية والنهاية لابن كثير : 201/6، ومُسْنَد زيد : 335 الطبعة الثَّانِيَة دار الكتب الإسلامية طهران.

شِدَّة إلا وأبو الحَسَن قريب مني، فأنّي أرجُو الرّخاء بقربهِ» (1... وكَفَ بحدِيث «أنا مَدِينة العِلْم وعَليُّ، بَابها» (2)شَاهِداً، ودَلِيلاً.)(وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللّه حِينَ وَقَفُوا الْمُرَاد بنُور اللّه هنا الوحي، وبالمضي علم الإمام بِهِ، كما هُو في واقعه، وعند اللّه سُبْحَانَهُ (وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً) فِي مَجلس النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تأدباً بقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللّه أُوْلئِكَ الَّذِينَ أَمْتَحَنَ اللّه قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) (3). وَقَالَ الشارحون لنهج الْبَلاغة : «هَذَا كناية عن ثبات الجأش» (4)(وَ أَعْلاهُمْ فَوْتاً). أي أسْبَقهم إِلَى الفَضَائِل، والمكرمات، ومِن)


1) نقل هَذَا صاحب كتاب الإِسْلَام عَلَى ضوء التشيع عَن أبن كثير في تأريخه : 359/7، وعَن الخوارزمي في مناقبه : 48 (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). أنظر، كنز العُمَّال : 257/5 ح 12805. تاريخ مدينة دمشق : 35/53، مقام الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 27، بالإضافة إلى المصادر السابقة.

2) تَقَدَّم إستخراج ذَلِكَ.

3) الحجرات : 3.

4) أنظر، شَرْح نَهْجِ الْبَلاغَة مُحَمَّد عَبْدَه : 88/1، الخُطْبَة (37).

أَقْوَاله : «فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ، وَالهِجْرَةِ» (1.)(فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا. لما سبق إِلَى الْخَيْرَات كَانَ كالطَّائرِ إِلَيْهَا (وَ اسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا). أي أنّه أختص عند اللّه بأجر السابقين (كَالْجَبَلِ لا تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ، وَلا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ). تراكمت الخطوب عَلَى الإِمَام بعد رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وبخاصَّة أَيَّام خلافته، فثبت لها ثبوت الراسيات، وما زادته إلا إيماناً باللّه، وإخلاصاً له، وثقة بِهِ، ومِن أَقْوَاله : «فَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَشِدَّةٍ إِلا إِيمَانَا، وَمُضِيّاً عَلَى الحَقِّ، وَتَسْلِيماً لِلأَمْرِ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الجِرَاح» (2).)(لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَزٌ، وَلَا لِقَائِلٍ فِيَّ مَغْمَزٌ. أَبَداً حَتَّىٰ أَعْدَاء الْإِمَامِ شَاهِدُوا فَضَائِله، وشهدوا بها. قَالَ طه حسين «لِعَلِيٌّ فَضَائِل كَثِيرَة يَعرفها لَهُ أَصْحَاب النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلَى اختلافهم - أي حَتَّى المناوئين له، والحاسدين - ويعرفها له خيار المُسْلِمِين من التابعين، ويُؤْمِن لَهُ بها أَهْل السُّنَّة كما يُؤْمِن له بها الشيعة.)وسنرى حِينَ نمضي في سيرته، وحِينَ نُبِين مواقفه مِن المُشكِلاَت الكَثِيرَة التي عرضت له أنه كَانَ أهلاً لكلّ هَذِه الفَضَائِل، ولأكثر مِنْهَا» (3.)### لِلمِنْبَرِ - شَرِيعَة اللّه، وَشَرِيعَة الغَاب:الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَ الْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ. للّه، والإِنْسَانِية شَرِيعَة، وللغَاب أيضاً شَرِيعَة تَقوم عَلَى الْقُوَّة وحدَها، فلا)


1) انظر، نَهْجِ الْبَلاغة : من كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تحت رقم (57).

2) انظر نهج الْبَلاغَة : من كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (122).

3) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - على وبَنُوه : 16، طَبْعَة سَنَة 1964م.

محاكمة، وقَوَانِين، وَلا أُصول، واجتهادات، ولا نقاش، وبينات... أَبَداً لا شيء إلا استسلام الضَّعِيف للقوّي يحكم عَلَيْهِ بِمَا يُرِيد، ويفعل ما يشاء... وبكَلِمَة : الحق للقُوَّة، وصاحب العضلات، والضَّعِيف مُبطل، ومُفتر عَلَى كُلِّ حَال... أَمَّا شريعة اللّه، والإِنْسَانية فلها أُصول، وقَوَانِين عَلَى أَسَاسِ الحَقِّ، وَالْعَدْلِ، وللمتهم حَقِّ الإعتراض، والدفاع عن النفس، والحوار والنقاش، والإدلاء بكل ما لديه مِن حُججٌ، ومَا عِنده من قرائن.هَذَا مُلخص الفرق بَيْنَ شَرِيعَة اللّه، وشَرِيعَة الغَاب، والأُولَى لعالم الإِنْسَان، والثانية لعالم الحيوان، ولكنْ فِي عَالم التشريع، ومِن الوجهة النظرية فقط. أَمَّا مِن حَيْث الْعَمَل، والتطبيق فلا فرق بَيْنَها فأَكْثَرَ النَّاس مُنذ كانُوا، ومِن هَابِيل، وقَابِيل حَتَّى يَومنا هَذَا يَعْمَلُون بشَرِيعَة الغَاب، وَيُنفذونها بإخلاص مع فارق واحد، وهو أنّ للضَّعِيف تمام الحق في أنْ يَتَكَلَّم، ويعترض، ويحتج، ويُناقش، ويُدلي بحجج الأَرْضِ، والسَّماء، بل له أنْ يسب ويشتم في البرلمان، وهيئة الأمم، ومجلس الأمن، وفِي الصُّحف، والإذاعات.... في كل مكان.... ولكنْ فِي النّهَايَة لا بُدَّ أنْ تُنفذ في حقه شَرِيعَة الغَاب، ويقع فريسة بَيْنَ أَنيَاب الْقَوِي عَلَى كل حال.هَذَا هُو مَنطق النَّاس، وعَلَيْهِ عَملهم منذ القديم، أَمَّا مَنطق على (عَلَيهِ السَّلَامُ فَهُوَ الحَق، والْعَدْل، وشريعته هي شَرِيعَة اللّه، والإنسانية، فالقُوَّة عنده للحَقِّ وحده، وصاحبه هو العزيز الغالب، وإنْ كَانَ ضَعِيفاً مُعدماً، والمبطل هو الحقير الأذل، وإنْ كَانَ قوِياً مُنعماً... ولا ريب أنّ هَذَا الطراز من الحكم لا تتحمله النَّاس، بل يراه الكَثِيرُون قسوة، وفظاعة، وأي «سَيّد» يُرضى أَنْ يَكُون هو، والعَبد سوَاء أَمَّام الحق ؟ وفي روضة الكافي: «أنّ الإِمَام قَسَّم الْعَطَاء فِي ذَات يَوْمٍ، فَأَعطى رجلاً مِن)

الْأَنْصَارِ ثَلاثة دنانير، وجاء بعده غُلام أَسْوَد، فأَعْطَاء ثَلاثة دنَانِير، فَقَالَ الْأَنْصَارِي : يا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين هَذَا غُلام أَعْتَقته بِالأَمْسِ، تَجْعلني وإِيَّاه سَوَاء ؟ فَقَالَ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إنّي نَظَرْت في كتاب اللّه فَلَم أجد فضلاً لولد إِسْمَاعِيلَ عَلَى وِلد إِسْحَق - مُلاحظة الإِمَام مِن ولد إِسْمَاعِيلَ - ثُمَّ قَالَ الْإِمَام : إِنَّ آدَمَ لَم يلد عَبْداً، وَلا أَمة، إِنَّ النَّاس كُلَّهم أحرَار» (1).)هَذَا هُو الإِسْلام في واقعه، وجُوهره : «النَّاس كُلّهم أحرار، كُلّهم سواء تماماً كأسنَان المشط» (2، كما قَالَ سيّد الكَوْنِين مُحَمَّد بن عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)... و ما خلق الأسود حِينَ خَلقه ليكُون رِقاً لأخيه الأبيض، حاشا وجَلّ، ولكنَّ النَّاس قد تبانوا فيما بَيْنَهُمْ عَلَى وجود الرّق في مرحلة من مراحل التَّارِيخ حَيْث لا آلة، وَلا حيوان يفي بالْعَمَل المطلوب للإنتاج، ولا غنى للحياة بوجه إلا بالرّق، ومن أجل هَذا أقره جميع الأنبياء قبل مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وما أنكره فيلسوف، وَلا مُصلح، ولما جاء الإسلام لم يجد الوسيلة لإلغائه فقيده بقيود لصالحه، وفتح أبواباً لعتقه ذكرت في كتب الفقه والحَدِيث، ولما تَقَدَّمَت العلوم، ووُجدت الآلة، واستقامت الحياة بدون الرّق، فَالْغَاه الإنسان من الأساس؛ فإنَّ الإِسْلام يقر هَذَا الإلغاء، ويُباركه، ما فِي ذَلِكَ رَيب (3).)


1) أنظر، روضة الكافي للشيخ الكليني : 134/1، المطبعة الإسلامية بطهران، سنة 1382 هـ (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، و 69/8 ح 26 شَرْح أصول الكافي : 424/11، وَسَائِل الشّيعة : 82/11.

2) أنظر، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب: 298/2، طبعة بيروت، و : 300/4 ح 6882 و 6883، ميزان الإِعْتِدَال في نقد الرِّجَال : 307/3، لِسَان الميزان : 42/22 ح 153 و 98/30، صفوة الصفوة : 204/1. علل أبن أبي حاتم: 111/2 ح 1829، كشف الخفاء : 4333/2 ح 2847، سبل السلام: 128/3.

3) أنظر، تذكرة الْفُقَهَاء : 255/5، المجمُوع في شرح المهذب: 200/6، أَحكام الْقُرْآن لابن عربي : 967/2، حلية العلماء : 158/3، والفِقْه عَلَى المذاهب الخمسة لمغنية، بتحقيقنا.

(رَضِينَا عَنِ اللّه قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَا للَّهِ أَمْرَهُ. وكلّ مَن أخلص للّه موحداً، وأَذْعَن له قولاً، وعَمَلاً يَبْقَی عَلَى ثقته به فِي الضّراء كما هو في السراء، وَلا يَظن باللّه ظن السُّوء، وإنْ أصيب بنَفْسِهِ، وولده، وماله، وتَكَلَّمنا عَن الْقَضَاءِ والْقَدَر (1). (أَتَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، واللّه لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ). وَسَبب الْكَذِب فِي الغَالب يَكُون وَاحداً مِن أثْنَيْن : الخَوْف، أو الطمع، والإمام لا يخشى إلا اللّه، ولا يطمع إلا في مرضاة اللّه فكَيْفَ يَتقرب إِلَيْهِ بِالْكَذِب عَلَى رَسُول الّله؟ وهُو أَوَّل الْقَوْم به إيماناً، وأكثرهم له تسليماً، وإذْعَاناً. وقد روى هُو عَن النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِي خُطْبَته الآتية : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (2). وَقَالَ فِي الخُطْبَة نَفْسها : «وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللّه عَنِ الْمُنَافِقِين بِمَا أَخْبَرَكَ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئمَّةِ الضَّلالَةِ، وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالنُّورِ، وَالْبُهْتَانِ...»(3)و من أَقْوَاله : «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وأَلا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ، وَأَنْ تَتَّقِي اللّه فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ» (4). ومَن يتقِ اللّه في أحَادِيثِ النَّاس العاديين كَيْفَ يَعصِيه فِي حَدِيثِ الرَّسُول الأكمَل الَّذِي هُو وحي مُنزَل.)(فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي. يُرِيد بِبَيعتي مُبايعته الخُلَفَاء مِن قبله، وبطاعتي طَاعته للنَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حَيْت)


1) انظر كتابه (قدّس سِرُّه) «فَلْسَفَة التَّوْحِيد والوِلاية».

2) انظر، نَهْجِ الْبَلاغَة : من كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (210).

3) أنظر، المصدر السابق.

4) أنظر، خطب نهج الْبَلاغة : 105/4، الحكمة (458).

أوصاه بالصَّبر، وعدم المقاومة، والمَعْنَى أنّه ما أعْلَن الحَرْب عَلَى من اغتصب حقّه في الخلافة ؛ لأنّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أوصاه بالصبر عَلَى دائه، وَلَيْسَ فِي وِسعه إِلَّا أَنْ يَسمع، ويُطِيع ؛ لأنّ طَاعَة الرَّسُول أمانة فِي عُنقه.)

## الخطبة - 38 -### الشُّبْهَةُ:(وَ إِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ : فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللّه فَضِيَاؤُهُمْ فِيْهَا الْيَقِينُ، وَ دَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى، وَ أَمَّا أَعْدَاءُ اللّه فَدُعَاؤُهُمْ فِيْهَا الضَّلالُ، وَ دَلِيلُهُم الْعَمَى، فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ.)اللغة:الْيَقِينُ : العِلم السَّليم، والسَّمْتُ : الطَّرِيق.الْإِعْرَاب :أَوْلِيَاءُ مُبْتَدَأَ أَوَّل، وَضِيَاءُ مُبْتَدَأَ ثَانٍ، والْيَقِينُ خَبَره، والجُملة خَبَر الأول، وَمِثله أَعْدَاءُ اللّه.. إلخ. والْبَقَاءُ بالرَّفع نائب فَاعِل، وبالنَّصب مَفْعُول لِيُعْطَى، ونَائب الفَاعِل مَنْ أَحَبَّهُ.

الْمَعْنَى:(وَ إِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةٌ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ. قَد يَكُون البَاطِل واضحاً لا لُبس فِيهِ مِثل القَوْل : الفُوضى خَير مِن النّظام، والْفَقْر نِعْمَة وسَعَادَة... وَقَد يَلتَبس الْبَاطِل بِالْحَقِّ الشَّبه بَيْنَهما في جهة من الجهات مِثل قول من قَالَ : الإِنْسَان مُسيّر لا مُخيّر، لأنّ اللّه يعلم منذ البداية بسلوكه، وجميع تصرفاته، ويَسْتَحِيل أن يتخلف عِلمه تَعَالَى عَن المعلوم، وعَلَيْهِ يَكُون الإِنْسَانِ مُسيّراً لا يُخيراً.)فالقَوْل بأنّ الإِنْسَان مُسيّر في أفعاله قول باطل، وإلّا فكَيْفَ يُحاسَب عَلَى شيء لا بُدَّ مِن وُجُودِه، والقَوْل : أنّ اللّه بكلّ شيء عَلِيم هُو حَقٌّ، وأنّ عِلمه لا يتخلف عن المعلوم أيضاً حق.. ووجه التشابك، والترابط بَيْنَ فِعل الإِنْسَان، وعِلم اللّه واضح (1ومن هنا تسربت الشبهة... وفي قول الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهة... إلخ، دَلالَة عَلَى أَنْ كَلِمَة الشُّبهة لا تُطلق إِلَّا عَلَى الْبَاطِل.)(فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللّه فَضِيَاؤُهُمْ فِيْهَا الْيَقِينُ. ضَمِير «فيها» للشبهة، والمراد باليقين هنا العِلم السَّليم، وكَثِيراً ما يستعمل الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَلِمَة الْيَقِينُ فِي العِلم، من ذَلِكَ قَوْله فِي وَصف المُتَّقِين: «وَإِيمَانَا فِي يَقِينِ» (2)أي فِي عِلم، والمَعْنَى أَن الذين يَسْتَضيئون بنُور العِلم حقاً - في أمن وأمان من لبس الشُّبُهَات، والأباطيل، وَهُم المَرْجِع في)


1) أجبنا عَن هَذِه الشُّبهة في كتاب فَلْسَفَة التَّوْحِيد والوِلاية بما يتلخص أن علمه تعالى بفعل العبد كاشف عَن وجود الفِعْل الصادر بإرادة العبد نَفْسه، ولَيْسَ عِلَّة لوجود الفِعْل بما هُو، وبصرف النظر عن اختيار العبد له والفرق بينهما واضح تماماً كالفرق بين قولك : علمت بأنّ زيداً سيسافر غداً، وقولك : لما علمت الآن بأنه سيسافر سافر.

2) أنظر نهج الْبَلاغة: جزء من الخطبة (193).

إزاحتها، وإبطالها، ثم أشار إلَى مَصْدَر عِلمهم بقَوْله : (وَ دَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى. والمراد بالسَّمْت الطريق، والهُدَى الوَحِي، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (1)أي أن الدَّلِيل الَّذي يَعتمدونه لمعرفة الحق، وإزاحة الشبهات هو كتاب اللّه، وسُنّة نَبِيِّه.)(وَ أَمَّا أَعْدَاءُ اللّه فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلَالُ. لا شيء عِند الأدعياء في إيمانهم بالشُّبُهَاتِ ِإلّا الجَهَالَةِ، والضَّلالة (وَ دَلِيلُهُمُ الْعَمَى) أي التقليد، والرأي الخاطىء، والقياس الْبَاطِل، والاِسْتِحْسَانِ بالأَوْهَام.)(فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ. قَالَ الشَّارحُون (2): هَذَا مَقطع عما قَبْله، وقد أخذ من كلام آخر، وحُشر هنا بلا مُناسبة!... وقد تكون المناسبة تخويف الأعداء الأدعياء، وإنذارهم بالحساب، والعقاب بعد الموت، وَعَلَى أَيَّة حَال فإنّ المَعْنَى وَاضح، وشرحه تكثير كلام، وإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَنُشِيرٍ إِلَى أنّ أَوْلِيَاء اللّه يُرهبون الموت الَّذي لا بُد مِنْهُ، ويَحتاطون لأنفسهم من عواقبه، أَمَّا أَعْدَاء اللّه فإِنَّهُم يُحبون الْبَقَاء، ويَغفلون عما لَيْسَ يَغفل عنهم.)


1) البقرة : 2.

2) أنظر، شَرح النهج لابن أبي الحديد : 298/2.

## الخطبة - 39 -### لا دِينٌ وَلا حَمِيَّةَ:(مُنِيتُ بِمَنْ لا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ، وَلا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، لَا أَبَا لَكُمْ ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ ؟ أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ، وَ لَا حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ ! أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً، وَأُنَادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً، فَلَا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلاً، وَلا تُطِيعُونَ لِي أَمْراً، حَتَّى تَكَشَفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَسَاءَةِ، فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَلا يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ، دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَسَرِّ، وَ تَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ النّضْوِ الْأَدْبَرِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبُ ضَعِيفٌ : (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ(1).)اللُّغةمنيتُ : بُليتُ. والحَمِيَّة من الحماية : الأَنْفَة، والنَّحْوَة، والمروءة. وتُحمِشُكُمْ تهيجكُمْ، أَو تُغْضِبُكُمْ. أو تُجيعُكُمْ عَلَى كَلِمَة وَاحِدَة. ومُسْتَصْرِخاً : طَالِباً العون :


1) الأَنفَالِ : 6.

ومُتَغَوِّثاً : طَالِباً الْغَوث. تَكَشَّفَ : تَنْجَلي، وجَرْجَرَ البَعِير : رَدَدَ صَوْته ضَجراً. والجَمَلِ الأَسَرِّ : فِيهِ نَوع من المرض. والنّضو : البعير المهزول. الأَدْبَرِ : في ظهره جُرح، وقُرح. ومُتَذَائِبُ : مُضطَرِب، ويُقَال : تَذَاءَبَت الرّيح أي جاءت مرّة كَذَا، ومَرَّة كَذَا.الْإِعْرَابِ:مَا تَنتَظِرُونَ «مَا» للإستفهام الإِنْكَاري، ومحلها الرفع الابْتِدَاء، وأَمَّا أداة عرض، وتحضيض، وقيل : هي كلمتان: الهمزة للإستفهام و «ما» للنَّفي وَمُسْتَصْرِخاً حال، ومثله مُتَغَوِّثاً، وتَكَشَفَ مضارع، وَالأصل تَتَكَشَف.الْمَعْنَى:كَانَ الصَّحَابَةِ مِن الْمُهَاجِرِين، والْأَنْصَارِ مَعَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ ضِدَّ مُعَاوِيَة، وأَصْحَاب الجَمَل، والنَّهْرَوَان إلّا شُذَاداً، مِنْهُم النّعمان بن بَشِير الْأَنْصَارِي (1)، وكَانَ انْتَهَازِياً مُرتزقاً، يبيع دينه، وضَمِيره لأي شَيْطَان يَدفع الثمن، وكَانَ مِن المتقربين عِند)


1) فالنعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي ولد قبل وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بثماني سنين وسبعة أشهر، وقيل: بست سنين، وكَانَ هواه مَع عُثمَان، ثُمَّ مَع مُعَاوِيَة، ثم مَع يَزِيد في أَيَّامٍ الْفِتَن خلافاً لقومه، وهو الذي حمل قميص عُثمان، وأصابع نائلة من المدينة إلى الشّام، فرفعهما مُعَاوِيَة عَلَى منبر المدينة يهيج به أَهل الشّام، ووَلَاهُ مُعَاوِيَة الْكُونَهُ، ثُمّ حمص. وفي زمن مُعَاوِيَة بن يَزِيد دَعَا إِلَى بَيْعَة عبد اللّه بن الزُّبَيْرِ فقتله شيعة بني أُمَيَّة بمرج راهط في ذي الحجة سنة (64 هـ كما جاء ذلك في ترجمته في أسد الغابة : 22/5، والإصابة : 529/3 تحت رقم 8730، والطَّبَرِيّ في تأريخه : 77/6، وأبن الأثير : 150/3، وشَرح النهج لابن أبي الحَدِيد: 212/1، وابن كثير في تأريخه : 319/7.

عُثمان، ولما قتل عثمان أخذ النعمان قبيصه، وأصابع زوجته نائلة، وباعهما إِلَى مُعَاوِيَة، فَعلّق مُعَاوِيَة القَمِيص، وعَلَيْهِ الأصابع ليستَثِير أهل الشّام، وقَد عَمل النّعمان أَمِيراً عَلَى الْكُوفَة لمُعَاوِيَة، ومن بعده ليزيد... وفي ذات يَوْمٍ جَهزه مُعَاوِيَة بالسلاح، والرّجال، وأمَرَه بالغَارة عَلَى عَين التمر في الْعِرَاقِ، ولما ورد الخَبَر بِذَلِكَ إِلَى الْإِمَام اَسْتَنهض النَّاسِ فَتَثاقلوا، وتَجَاهلوا، فَقَالَ :(مُنِيتُ بِمَنْ لا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ، وَ لا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ. تُفِيضُ هَذِهِ الْكَلِمَات بالأسى، والألم، ومثلها كَثِير فِي كَلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وما ذَاكَ إلا لأنّه كَانَ يَهتم برَعِيته وبالإِنسان أينا كَانَ أَكْثَر مِن أهتمامه بنَفْسِهِ، وأهله، ولكنْ مَا يَصنع ؟ وكُلّ ما لاقاه الإمام، وقاساه من جنده، وأَصْحَابِه - تجمعه، وَتَحكيه كَلِمَة وَاحِدَة وَهِي قَوْله : «أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ» (1). لا شَيء أشد قسوة مِن دَاءٍ دَو أوهُ دَاءٌ.)(مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ ؟. أي ينصر دين اللّه، وشريعته، ومَن نَكص عَن نُصرة الحق فقَد نَصر الْبَاطِل، أراد ذَلِكَ أم لم يرد (أَمَا دِينُ يَجْمَعُكُمْ، وَ لا حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ). الدين، والحَمِيَّة كَلام فارغ في منطق النَّاس، أو أَكْثَرهم من يَوْم قَابِيل وهَابِيل، والجَامِع الْأَوَّل، والأخير المَصْلَحَة، والمَنْفَعَة الشَّخْصِيَّة، ولا يَغضب اللّه إِلَّا الذين يَرجُونه، وَلا يَرجُون سواه. وقَلِيل مَا هُم... (أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً، وَ أَنَا دِيكُمْ مُتَغَوّثاً فَلَا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلاً، وَلا تُطِيعُونَ لِي أَمْراً). لأن أمرَك هو أمر اللّه والحق، ولو كَانَ أمر الشَّيْطَان لسمعوا، وأطاعوا، ومِن قَبل قَالَ تَعَالَى النَبِيّه)


1) أنظر، شرح النهج : الخطبة (121).

الْكَرِيم : (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (1).)(حَتَّى تَكَشَفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَسَاءَةِ. لا تَعرفُون نصحي إلا بعد فوات الأوان، وَعِندئذ تعضون يد الندامة، والكآبة عَلَى ما كَانَ من عِنَادكم، وتقصيركم (فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَلا يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامُ). لإنّك - يامولاي... لا تقتص، وتَثأر إلا من الْبَاطِل، وأهله، ولا تروم إلا الحق، وإعلاء كلمته، ولَو كُنت من أهل الدُّنْيَا لكانُوا أطوع إِلَيْكَ من بنَانك (دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ) الَّذِينَ غَزَاهِم مُعَاوِيَة بِشَيَاطِينه (فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَسَرُّ، وَ تَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ النِّضْوِ الْأَدْبَرِ). إِذَا كَلَّ البَعِير، وتَعب رَدد صَوْته فِي حُنْجَرته، بخَاصَّة إِذَا كَانَ هَزِيلاً، وفي ظهره عُقر، ومن فَوقه حِمل ثَقِيل، وكَانَ الْإِمَامِ إِذَا دَعَى أَصْحَابِهِ إِلَى الْحِهَاد شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَتَضَجر وا تماماً كما يفعل الْجَمَل الهزيل الَّذِي أَعْتَقر ظَهره، وَثَقُل حِمله.)(ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ : (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (2). هَذَا كلّ ما ترتب عَلَى الوَعظ، والتحريض، بل والإستصراخ والإستغاثة : نَفر قليل ضَعِيف مضطرب، لا يُسمن، وَلا يُغني من جوع. وذكر طه حسين السبب المباشر لذلِك بقَوْله : «كَانَ عَلَيَّ لا يَسْتَكره أحداً عَلَى الحَرْب... ولو شَاء لجند النَّاس تَجنيداً... ولَو شَاء لإستمالهم بالمال، ولَكِنَّهُ لم يَفعل... وأراد أنْ يَنصُرُوه عَن بَصِيرة، وإيمان» (3). يُريد البصيرة، والإِيمَان بِالْحَقِّ مِمَّنْ لا يُقاد إلا يُجيبه، ومعدته التى لا حد لها، وَلا قَعر... قَالَ فيلسوف مُعاصر ما معناه :


1) الرُّوم: 52.

2) الأَنفَالِ : 6.

3) أنظر الْفِتْنَةِ الْكَبْرَى - 2 - علي وبنوه للدكتور طه حسين : 153 طَبعَة سَنَة 1964م.

«لِلْإِنْسَان مَعِدَة، وللقرد مَعِدَة أيضاً، وأنا لا أعرف قرُوداً تأكل فروداً، ولكني أعرف بشراً يَأكلون البشر عَلَى الصعيد الْفَرْدي، والإجتماعي، والدولي... والفرق بَيْنَ الإِنْسَان المتوحش، والإِنْسَان المتحضر : أَنَّ الْأَوَّل يقتل أخاه الإِنْسَان، ويأكله، والثَّاني يقتله، ويُكفنه، ويُصلي عَلَيْهِ، ويُدفنه، ويُؤبنه، ثُمَّ يَأْكُل ما كَانَ قد أعدَه لقُوتِه، وحياته».

الخطبة - 40 -

كَلِمَةُ حَقَّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ:

(قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): كَلِمَةُ حَقِّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ - نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ الا للهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لا إمْرَةَ إلا لله، وَ إِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللّه فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتِلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَ يُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرُّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ).

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَّا سَمِعَ تَحْكِيمَهُمْ قَالَ :

(حُكْمَ اللّه أَنْتَظِرُ فِيكُمْ).

وَ قَالَ : (أَمَّا الْإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيْهَا التَّقِيُّ، وَأَمَّا الْإِمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيْهَا الشَّقِيُّ، إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ، وَ تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ).

الإِعْرَاب :

كَلِمَةُ حَيٌّ خَبَرَ لَمُبْتَدَأَ محذُوف أي هِي كَلِمَةُ حَقّ، والضَّمِيرِ فِي إِنَّهُ للشَّأن، وَأَمَّا

للتَّفصيل، والمَصْدَر من أَنْ تَنْقَطِعَ مَجَرُور بـ «إِلَى» وَيَتعلق بيَتَمَتَّع.

مَوْقِف الْإِمَامِ مِنَ الْخَوَارِجِ:

أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الخُطْبَة إِلَى الخَوَارِج، ولذا تُمهد لهَا بِكَلِمَة مُوجزة عن مَوقِفه وسِيَّاسته معهم : لقد تَكَلَّم الشَّارحُون عَن حَرْب الخَوَارِج، ومروقهم، وأطال المؤرخون الحَدِيث عَن أحوالهم، ووضع فيهم العديد من المؤلفات، ومن أحبٌ مَعْرِفَة التفاصيل فليرجع إِلَيْهَا، وإِلَى أقْوَال شارحي النهج... وغرضنا الآن أنْ نُشير إلى موقف أمير الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنْهُم، ويتلخص بأنه حاول جهد المستطاع أن لا يُهيجهم في شيء. ومن جملة ما قَالَ لَهُمْ: «أَلَمْ أَقُل عِند رفع الْمَصَاحِفَ : إِنَّ مُعَاوِيَة ورهطه ليسوا بأَصْحَاب دين، ولا قُرآن، وإنما هُم يَكِيدُون، ويَخدعون، ويَتَّقُون حَرِّ السَّيْف.؟. فَأَبَيْتُمْ إلَّا إيقاف الْقِتَال، والكف عَنْه، وإلّا التَّحْكِيم، وإلا الْأَشْعَرِيّ.. فَرضِيت مُكرهاً خَوْف الْفِتْنَة، ورضوخاً لأهْوَن..الشَّرِين.. وأيضاً قلت لكُم بَعد التحكيم : أَخَذْنَا عَلَيْها أَلا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَضَيَا عَلَيْهِ» (1)؟.

فقَالُوا لِلْإِمَام : لقد أخْطَأنا، وكَفرنَا، فأشهد أنْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِالْكُفْرِ، وتُبْ إِلَى اللّه كما تُبنا، ونَحْنُ معك، وإلا فَبَيْنَنا وبَيْنَكَ السَّيْف (2).


1) أنظر، نهج البلاغة من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم (127)، البداية والنهاية : 339/9، الإحتجاج : 58/2، الإرشاد: 165/2 أَنساب الأشراف: 357/2، الأخبار الطوال : 209، تاریخ ابن خلدون: ق 2 / ج 177/2.

2) أنظر، شرح النهج للعلامة الخوئي : 126/4، تذكرة الخواص: 95 ولكن ذكر صاحب النهج لابن أبي الحديد تحقيق مُحَمَّد أبو الفضل : 233/2 و 238 و 240 أنّ أصل هَذَا الكَلام قالته الحَرُورِيَّة لِلْإِمَام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولَيْسَ لابْن عَبَّاس بلفظ : يا علي قد كنا زللنا وأخطأنا حين رضينا بالحكمين، وقد بان لنا أنا زللنا وأخطأنا فرجعنا إلى اللّه تَعَالَى وتبنا، فأرجع أنتَ يا علي كما رجعنا وتُب إلى اللّه كما تبنا وإلا برئنا منك... أو أنظر، (وأنظر، ينابيع المَوَدَّة : 2/ 20 - 21، وَقْعَة صِفِّين : 517، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 168/1، الكَامِل : 20/2 لابْن الأَثير : 404/2).

فَقَالَ لهُم الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): أبعد إيماني باللّه، وجِهَادِي مَعَ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَشهد عَلَى نَفسي بالكُفْر ؟. لقد ضللت إذَنْ، وما أنا من المهتدين... ويرجح في الظَّن أن الإمام لو أستجاب لهُمْ قَالُوا : نَحْنُ لا نُريد إمَاماً يَكفر، ويَتُوب، أو قَالُوا : لقد أضْمَرت غَيْر ما أظهرت، وإنّك عَلَى ما أَنْتَ (1).

حَكَم الْخَوَارِج بكفر الإمام، وأستباحوا دمه، وقَالُوا له بصراحة : «لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَكَ إِلّا السَّيْف» (2).. ومن هنا أسماهم الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالمارِقِينَ من الدِّين.. ومَع هَذَا كلّه لَم يَغضب الإِمَام، ولم يبدأهم بالقتال، بل نَهى عَن قتالهم، وَقَالَ: «لا تُقَاتِلُوا الخَوَارِج بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الحَقِّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِل


1) أنظر، تأريخ الطَّبَرِيّ : 57/4 مع اختلاف بسيط في اللفظ، الفتوح : 261/2 الهامش رقم 1، والذي أخذ هَذَا الْكِتَاب من الترجمة الْفَارِشِيَّة : 320، والأخبار الطوال : 206. أما في متن الفتوح فأنظر المناظرة بَيْنَ عبداللّه بن أبي عقب والخوارج كعبد اللّه بن وهب وحرقوص وهي مناظرة جدير بكل مُؤْمِن وَمُسْلِم أن يتأمل فيها من : 261 إلى 267، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 164/1، والأخبار الطوال : 208، والكَامِل لابن الأَثير : 401/2، والْفُتُوح لابْن أَعْثم أيضاً : 106/4 باختلاف في الألفاظ وزِيَادَة ونُقْصَانِ، شَرْح أصول الكافي : 284/6، الغارات : 313/1، وَقْعَة صِفِّين : 489، المعيار والموازنة : 162، البداية والنهاية : 303/7 تاریخ ابن خلدون : ق 2 / ج 2/ 174، ينابيع المَوَدَّة : 13/2، شرح النهج الحديدي : 216/2.

2) أنظر، تاريخ الطَّبَرِيّ : 57/4. الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 1 / 164 مع اختلاف يسير فى اللفظ بالإضافة «واللّه يهدي كيد الخائنين» بدل «إِنَّ اللّه لا يحب الخائنين» والأخبار الطوال 208.

فَأَدْرَكَهُ» (1)... يَشهد الإمام لعَدُوّه الذي كَفَّره، وأباح دَمه، وأَعْلَن حَرْبه، وَقَالَ له : لا شَيء لكَ عِنْدِي إِلّا السَّيْف يُشهد عَليّ لعَدُوه هَذَا اللدود أنه طالب حق !... وَلاَ أدْري : هَل عرف التَّارِيخ إِنْسَانَا أَنْصَف عَدُوّه من نَفْسِه، وصَبر عَلَيْهِ كعَلي بن أبي طالب ؟. وهنا يكمن السر في حُبّ الْقُلُوب له، وتعلقها به، حَتَّى الْقُلُوب القَاسِيَة والجاحدة... وَقَالَ الْإِمَام أيضاً : «لا نمنعِ الْخَوَارِجِ الْفَيء: ولا نهيجهم ولا نَبْغِيهم شراً... إن سكتوا تركناهم، وإِنْ تَكَلَّمُوا حاججنَاهم، وإنْ أَفْسَدُوا فِي الأَرْضِ قاتلناهم»(2).

نَبذُوه، وكَفَّروه، وأباحوا دَمه ومَع هَذَا يُحسن إِلَيْهِمْ الْعَطَاء، وبالإعتراف أنّهم طُلاب حَقٌّ، وَلا يَبْغِيهم شراً، بَل ولا يفرض عَلَيْهِمْ سُلطاناً... وَإِذَا أفْسَدوا واعْتَدوا عَلَى حقوق النَّاس تسقط حُرمتهم، وتكون الحُرمة، والسّلطة عَلَيْهِمْ للْحَقِّ لا لعلى بن أبي طالب.

هَذِه هِي سِيَاسته مع الذين كَفّروه، وحَارِبُوه، ومَع مُعَاوِيَة الَّذي مَنْعه الماء، وأبى الْإِمَام أَنْ يَمنَعه بَعد أنْ تَمكن مِنْهُ، ومع أبن العاص الَّذِي دَافِع عَن حشاشته بسوءته، ومع صاحبة الجمل حيث عزّرها، وأكرمها... بل هَذِه سياسته مَع كلّ النَّاسِ لا فَرق بَيْنَ قريب، وبَعِيد، وعدو، وصديق... ومن هنا قَالَ المُتنافسون عَلَى المناصب : أنّ عَلِيَّاً لا يَعْرِف السَّيَّاسَة... أجل، أنه لا يَعْرِف سِيَّاسة الْبَغْي. والنّفاق، أو يعرفها ولا يعمل بها، ولَكِنَّهُ يَعْرف سِياسَة الْعَدْل، والحَقِّ، والرّحمة، ويُدِين بها ويعمل، وَلا يُجيد عَنْهَا، وإِنْ كَانَ الثمن النفس، والأَهْل فَضلاً عَن المُلْكِ،


1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (61).

2) أنظر أنساب الأشراف: 389/1.

والجاه.

الْمَعْنَى:

(كَلِمَةُ حَقَّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ) الْمُرَاد بِكَلِمَة الْحَقِّ قَول الْخَوَارِج : «لا حُكْمَ إِلا اللَّهِ». وَلا يَختلف اثنان من المُسْلِمِين في أن تشريع الأَحْكَام، وجعل الحَلال والحرام هو للخالق وحده لقَوْله تَعَالَى: (إن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) (1). وقَوْله : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أَنزَلَ اللّه فَأُوْلَئكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (2). ولكنَّ الكَلام فِي الْبَاطِل الَّذِي أَرَاده الخَوَارِج وهَدفوا إِلَيْهِ مِن هَذَا الكَلِمَة، أي شَيء هو ؟.

وقد بين الخَوَارِج أنفسهم الشيء الذي أَرَادُوه من قَوْهم: «لا حُكْمَ إلا للّه» وهو قبول الإِمَام فِكْرَة التَّحْكِيم، فقَد سَألهم أبن عَبَّاس : ماذَا يَنْقَمُون من أَمِير الْمُؤْمِنِين ؟ فقَالُوا : تَحكيمه الحَكَمين. وعَلَيْهِ يَكُون البَاطِل هو قَبُول فِكْرَة التَّحْكِيم مِن حيث هي، بصرف النظر عن شخصية المحكمين (3)

وأنظر قريب من هَذَا خُطْبَة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) معهم في الإرشاد للشيخ المفيد : 63، مجمع البيان: 5 / 119، المُصَنَّف لعبد الرزاق: 157/10 – 160 18678، جامع بيان العِلْم وفضله لابن عبد البر : 103/2، الْحَاكِم في المستدرك : 2/ 150، مناقب أبن المغازلي : 406 ح 460، البداية والنهاية : 7 / 287، الأغاني : 9/2، كتاب السُّنَّة : 599/2.

وأنظر. ترجمة الصَّحَابَة الذين شهدوا النَّهْرَوَان مَع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أسد الغابة : 385/1، و : 351/2 و 371 و 375 و : 150/3 و 354، و : 4 / 100 و 215، و : 122/5 و 143 و 274، أَنْسَاب الأَشْرَاف: 362/2 و 368 و 371 و 375.

وراجع تأريخ اليعقوبي : 2 / 167 ط الغري، تلبيس إبليس لابن الجوزي: 91 مع أختلاف في اللفظ وذكره اليافعي في مرآة الجنان : 114/1، المعرفة والتاريخ لأبي يُوسُفَ البسوي : 522/1، البدء والتأريخ للمقدسي : 223/5.

وهنا تذكر ما جاء به الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه : 1 / 157 ح 18678 : عَن عِكْرِمَة بن عَبَّار قَالَ: حدّثنا أبو زميل الحنفي قَالَ : حدثنا عبد اللّه بن عَبَّاس (رضیَ اللّهُ عنهُ) قَالَ : لما إعتزلت الحروراء فكانوا في دارٍ عَلَى حدتهم، فقلت لعلي : يا أمير المؤمنين أبرد عَن الصَّلاة لعلّي آتي هَؤُلَاءِ الْقَوْم فأكلّمهم، قَالَ : إنّي أتخوّفهم عَلَيْكَ، قلت : كلا إن شاء اللّه تَعَالَى، قَالَ : فلبست أحسن ما أقدر عَلَيْهِ من هَذِه اليمانية. قَالَ : ثم دَخَلْت عَلَيْهِم وهم قَايُون في نحر الظهيرة.

قَالَ : فَدَخَلَت عَلَى قَوْم لم أر قوماً قط أشدّ أجتهاداً منهم أَيْدِهم كأنّها ثفن الإبل و ووجوههم معلمة من آثار السجود قَالَ : فَدَخَلْت، فقَالُوا : مرحباً بك يا ابن عبّاس ما جاء بك ؟ قلت : جئت أحدثكم عن أَصْحَاب رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَلَيْهِمْ نزل الوحي، وهم أعلم بتأويله، فَقَالَ بعضهم لا تحدّثوه وَقَالَ بعضهم :واللّه لنحدّثنه. قَالَ : قلت : أخبروني ما تنقمون عَلَى أبن عمّ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وختنه، وأَول من آمن به، وأَصْحَاب رَسُول اللّه معه ؟ قَالُوا : ننقم عَلَيْهِ ثلاثاً، قَالَ : قلت : وما هن ؟ قَالُوا : أوهن أنه حكم الرِّجَال في دين اللّه، وقد قَالَ اللّه : (إِن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه)ِ. قَالَ : قلت : وماذا ؟ قَالُوا : وقاتل ولم يَسْبٍ ولم يغنم، لئن كانوا كفَّاراً لقد حلّت له أموالهم ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عَلَيْهِ دماؤهم. قَالَ : قلت : وماذا ؟ قَالُوا محا نفسه من أمير الْمُؤْمِنِين، فإن لم يكن أمير المُؤْمِنِين فَهُوَ أَمِيرِ الْكَافِرِين.

قلت : أرأيتم إن قرأت عَلَيْكُمْ من كتاب اللّه الحكم وحدثتكم من سنة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما لا تنكرون أترجعون ؟ قَالُوا: نعم. قَالَ : قلت : أما قولكم حكم الرِّجَال في دين اللّه، فإنّ اللّه تَعَالَى يقول (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ - إلى قَوْله : - يَحْكُمُ بِهِى ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ). وَقَالَ فِي المَرْأَة وزوجها : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)، أنشدكم اللّه أحكم الرّجال في حقن دمائهم، وأنفسهم، وإصلاح ذات بَيْنَهُمْ أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم ؟ قَالُوا: أَللَّهُمَّ بل في حقن دمائهم وإصلاح ذات بَيْنَهُمْ، قَالَ : أخرجتُ من هَذِهِ ؟ قَالُوا: أَللَّهُمَّ قَالَ : أخرجتُ من هَذِهِ ؟ قَالُوا: أَللَّهُمَّ نعم، قال : وأَما قولكم إنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم أتسبون أمكم عَائِشَةَ ؟ أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها ؟ فقد كفرتم، وإن زعمتم أنّها ليست أمّ المؤْمِنِين فقد كفرتم وخرجتم من الإِسْلَام إِنَّ اللّه يقول : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فأنتم متردّدُونَ بَيْنَ ضلالتين، فأختاروا أيتها شئتم، أخرجتُ من هَذه؟ قَالُوا: أَللَّهُمَّ نعم. قَالَ : وأَمَّا قولكم: مما نَفسه من أمير المُؤْمِنِين، فإن رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دَعَا قُرَيْشَاً يَوْمِ الْحُدَيْبِيَّة عَلَىٰ أَنْ يكتب بينه وبينهم كتاباً فَقَالَ : أكتب هذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول اللّه، فقَالُوا : واللّه لو كنا نعلم أنك رَسُول اللّه ما صددناك عَن الْبَيْت وَلا قاتلناك ولكن أكتب مُحَمَّد بن عبد اللّه، فَقَالَ : واللّه إنّى لرسول اللّه حقاً وإن كذبتموني، أكتب يَا عَلى مُحَمَّد بن عبد اللّه. فرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانَ أفضل من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أخرجتُ من هذه ؟ قَالُوا : أَللَّهُمَّ نعم. فرجع مِنْهُم عشرون ألفاً وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا. (وأنظر المحاورة أيضاً في الفتوح لابْن أَعْثَمْ: 249/2 لتجد فيها الإختلاف في اللفظ واضح جداً).

.

1) يُوسُفَ : 40.

2) المائدة : 45.

3) وَرَدت مُناظرة ابن عَبَّاس (رضیَ اللّهُ عنهُ)مع الحُرُورِيَّة بألفاظ مُختلفة وفي مصادر مُتعدّدة، ولكن لكثرة المصادر وأختلاف الألفاظ التي تُؤَدِّي نَفس المعنى فتحن تذكر المصادر أوّلاً بشكل إجمالي أنظر، تذكرة الخواص لابن الجوزي الحنفي : 95، مروج الذهب : 404/2، شرح النهج للعلامة الخوئي: 4 / 126، تأريخ الطَّبَرِي : 52/4 وما بعدها، الكَامِل لابن الأثير : 334/3. خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 150 - 12 ح 185 دلائل النُّبُوَّة: 147/4، المناقب للخوارزمي : 192 ح 231، الكَامِل في التاريخ : 204/2، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 232/2، و : 258/10.

ولكنَّ الظَّاهِرِ مِن قَول الْإِمَام : (هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لَا إِمْرَةَ الا للهِ، وَإِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ). الظَّاهِرِ مِن هَذَا أنَّ الْبَاطِل الَّذي أراده الخَوَارِج هُو نَفي الإمرَة عَلَى النَّاسِ مِن رَأس، وأنه لا حَاجَة بِهِمْ عَلَى الإطلاق إِلَى أَمِير ما دَام الحكم لله.

وَتَسْأَل : كَيْفَ نَسب الإِمَام إِلَى الخَوَارِجِ القَوْل بِنَفي الإمرة مع أنهم لم يُصرحوا بِذَلِكَ، والذي صرحوا به هُو نَفِي التَّحْكِيم لا الإِمْرَة ؟.

الجَوَاب:

إِنَّ نَفِي الْخَوَارِج للتحكيم فِي قَضِيَّة مُعينة لا نصّ عَلَيْهَا بالخصوص كالتَّحْكِيم الذي حصل، إِنَّ هَذَا النّفي بذاته دليل واضح عَلَى أَنهم يفهمون، ويُفسرون «لأ

حُكْمَ الا اللّه» بأنه لا حكم كلّي، وَلاَ جُزئي لمجتهد، أو أَمِير، أو أي إِنْسَانِ كَائِناً مَن كَانَ إِلَّا فِي الْأَشْيَاء المنصوص عَلَيْهَا كتاباً، أو سُنَّة، أَمَّا غَيْرُ المنصوص عَلَيْهَا فَيترك أمرها إلى اللّه، والبَدِيهة تقضى ببطلان ذلِكَ، لأنّ النّصوص محدودة، ومُتناهية، والحَوَادِث الجزئية المتوقعة لا حد لها، ولا نهاية، وإذا لم يُتَح لها حاكم يحكم بها فمن يُعطيها منازلها، وأَحْكامها، ويفصل بَيْنَ النَّاس في خصوماتهم، ويُؤدب المعتدي، ويردعه مع العِلْم بأنّ اللّه سُبْحَانَهُ لا يَتدخل فِي شُؤون النَّاس، ويتصل بهم مُباشرة، وبلا واسطة ؟. وإذَنْ لا بُدَّ من سُلطة عادلة، أو جَائِرة تُقدر الحُكْم الجزئي، وتُنفذه بالْقُوَّة، وإلَّا عَمَّت الفوضى، وما قام للنَّاس سُوق، وَلاَ أنْتظم لهُمْ أمر، ومن أقوال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ، يَجْمَعُهُ، وَيَضُمُّهُ، فَإِنِ أنْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ، وَذَهَبَ ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِعَذَا فِيرِهِ أَبَداً» (1).

(يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ) الضَّمِيرِ فِي إِمْرَتِهِ ِللفَاجر، وَقَالَ بَعْض الشَّارحِين : «يُرِيد الإمام أنّ وِلايَة الفاجر لا تمنع المُؤْمِن مِن عَمله لأحراز دينه ودنياه» (2)، ولكنَّ الْمُرَاد أعَم يشمل جميع الواجبات، وفي طليعتها الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوف والنهي عن المنكر. فقد جاء في الحديث الشريف، وفي نهج البلاغة أيضاً : «وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ : لَخَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ اللّه سُبْحَانَهُ، وَإِنَّهُمَا لَا يُقَرِّبَانِ مِنْ


1) أنظر، نهج البلاغة من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد أستشاره عُمر بن الخطاب في الشخوص لقنال الفرس بنَفْسِهِ : الخطبة (146).

2) أنظر، شَرح خطب نَهْجِ الْبَلاغَة مُحَمَّد عَبْدَه : 91/1 وقد أورد الشيخ (قدّس سِرُّه)هَذَا القَوْل بلفظ : «إِنَّ إمرة الفاجر لا تمتع المُؤْمِن من إقامة الصَّلاة، وإيتاء الزَّكَاة».

أجَل وَلا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ» (1)، وأفضل مِن ذَلِكَ كلّه : «كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٌ جَائِرٌ» (2)(وَ يَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ) بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، ولكنْ إِلَى حِين، ثُمَّ يَشتد ويطول مَقْتَهُ لنَفْسِهِ بِمَا رُزق من الحَرَام (وَ يُبَلِّغُ اللّه فِيهَا الْأَجَلَ). كلّ مُدَّة فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ إِلَى أنتهاء، وكلَّ نِعْمَة إِلَى زَوال عاجلاً أم آجلاً.

(وَ يُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَ يُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيّ). يُرِيد الإِمَام أَنْ هَذِه المنافع هِي مِن آثار النظام، والتنظيم أياً كَانَ مَصْدَره. وَلا يُرِيد تَبرِير السُّلطة المنظمة عَلَى كُلّ حَالَ حَتَّى وَلَو كَانَتْ طَاغِية بَاغِية. وبِكَلِمَة أنّ الْإِمَام يُفضل النظام عَلَى الفُوضى في شَتَّى أحواله (حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرُّ) بِمَوْت الفاجر، أو عزله، أو تغيير الأوضاع من الأساس (وَ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ)، عَطف تَفْسِير عَلَى ما قبله لأنّ الَّذي يَستريح من الفاجر هُوَ الْبِرِّ التَّقِي، أَمَّا الخَائِنِ الشَّقي فَتَذْهَب دولته بذهاب الْحَاكِم الفاجر الَّذي كَانَ يُسانده، ويحمي مصالحه.

الفَوَّضَويّة، وَالسُّلطة:

وبِهَذِه المناسبة نُشِير إِلَى المَذْهَبِ الفَوضَوِي الَّذِي ظهر في القرن السابع عشر الميلادِي بزعامة المفكر الإنجليزي، «وَنستانلي» ويرمي هَذَا المَذْهَب إِلَى إِلغَاء الدَّوْلَة والسُّلطة بشَتّى أنواعها، ومظاهرها، وإيجاد مُجتمع خَالٍ من وَسَائِل القَهر. والإِرْغام، وحُجّة المُؤْمِنِين بِهِ أنّ وجود السلطة ضرر محض، أو ضرّها أَكْثَر من


1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (156) كنز العمال : 192/16 ح 44216، وَسَائِل الشّيعة : 134/16 ح 9.

2) أنظر، مُسند أحمد : 256/5، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : 626/3، المعجم الكبير. المُعْجَم الكبير : 49/17، ونهج الْبَلاغة : 89/4 طَبْعَة بيروت.

نفعها، وتتلخص المضار الَّتي ذكرُوها بِمَا يَلي :

1 - أن الدَّوْلَة مهما كَانَتْ صُورتها فَإِنَّهَا تَخلق بطَبعَتها الإمتيازات لَلْفِئَةُ الْحَاكِمة، وتُعطى أفرادها الأقلية سُلطة، وسِيَادة عَلَى غَيْرهم مِن أبناء الشعب.

2 - تُغدق الدَّوْلَة الإِمتيازات عَلَى موظفيها، وأقاربها، وأَصْحَابها، وتوطد مكانتهم في المجتمع، بل وتفرض طاعتهم عَلَى النَّاس بطريق، أو بآخر، فَيتَعالُون، ويَتَكبِرُون، وَقَد يُهددُونَ، وَيَتوعدُون مَن لا يُسجد لهُمْ، ويُركع... وَهَذَا ثابت وواضح كوضُوح النَّهَارِ.

3 - تَقْتَطع الدَّوْلَة جُزءاً مِن أنتاج النَّاس، ودخلهم بأسم الضّرائب لِيَتنعم بها الموظفون، والمحاسيب، فيبنون بها العمارات، ويدخرُونَ الْأَمْوَالِ فِي المصارف عَلَى حساب الشعب.

4 - تُجند الدَّوْلَة المواطنين لحمايتها، وضَرب الأحرار، وقَد تُزج البلاد فِي حَرْب يُقدرها الحكّام أنفسهم وفقاً لمصالحهم الخاصة، ولا شيء للبلاد مِنْهَا إِلَّا الخراب. والدمار.

5 - تمنع الدَّوْلَة الأفراد من الإلتجاء إلَى الْقُوَّة لتسوية ما بَيْنَهُمْ من الخلافات، وفِي الوَقت نَفْسه لا تتورع هى عَن استعمال الْعُنْف، والْعُدْوَان المكشوف ضدّ من يعترض عَلَى شَيء من تصرفاتها.

وَقَد كَانَ هَذَا المَذْهَب فَلاسفة، وأنصار، وفِيهِ العديد من المؤلفات، والمقالات، وآخر فَلاسفة الفَوُضّيين، ومفكريهم، «جوهان موست» الألماني. ثم ضعف مَذْهَب الفَوُضِية مُنذ سَنَة (1920 م)، ولم يظهر له دُعاة، وأتباع حَتَّى الْيَوْم حَسبما

قَرَأت (1).

وَعَلَى أية حال فإنّ هَذَا المَذْهَب طَرِيف، وحُلم رائع، ومُمتع، بل ونَبِيل أيضاً، فإنّ أسمى مطالب الإِنْسَان، وأحبّها إِلَيْهِ أنْ يَتحرر من القيود، والأغلال، فيعيش كَرِيماً لا يَضُرٌ، وَلاَ يُضار... وَلَا يَتَعَالَى عَلَيْهِ قِزم، أو يضطر للوقوف عَلَى بَاب مَسخ، أو بَيْنَ يديه لا لشيء إلا «لمرسوم» يحمله مِن خَائن، أو لمنصب يَشغله من غَيْر كفاءة... ولكنْ هَل تَستقيم الْحَيَاة، وتنتظم الأمور بلا وَالٍ، ورَاع ؟ ولَيْسَ من شك إذا استقامت، وانتظمت بدونه فوجُوده عبء، وضَرر... وإلا فلا بُدّ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ بُد.

وتجدر الإِشَارَة إِلَى أَنَّ مَذْهَبِ الفَوُضُية - وَهَذَا الْوَصْف لجرد القَوْل يَرفض السُّلطة - يُعزز مَذْهَب الإِمَامِيَّة مِن أنّ الْعِصْمَة شَرط فِي الْحَاكِم إِنْ أمكن وجُود المَعْصُوم وإلا فالعدالة حتم، وضرورة، وَقَد أجمع فقَاؤهم عَلَى أَنْ صَاحِب الحَقِّ يَحرم عَلَيْهِ أَنْ يَنقَاضى عِند الجَائِر للحصول عَلَى حقه إلا عند الضرورة، وتعذر وجُود الْحَاكِم الْعَادِل، وتشدد كثِير مِنْهُم حَيْث قَالُوا: لا ينفذ حكم الجائر ولو حكم بالحَقِّ، ولَيْسَ لصاحب الحَقِّ أنْ يَأخذ الشيء المحكوم بِهِ فِي بَعْض الصور، والحالات مع العِلْم بأنه له، والغرض مِن ذَلِكَ التركيز على الإهتمام في أختيار الحاكم الصالح.


1) أنظر، المعجم القانوني لحارث سليمان الفاروقي : 207/1 و : 447/2.

الخطبة - 41 -

الْوَفَاء:

(أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ، وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ. وَ لَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً، وَ نَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ. مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللّه ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ، وَدُونَهَا مَانِعُ مِنْ أَمْرِ اللّه وَ نَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِرُ فُرْصَتَهَا مَنْ لا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ).

اللُّغَة

الجنَّة بِضَم الجيم : الوقاية، وبفتحها الحديقة، وبكسرها طَائِفَة مِن الحِنٌ، والكيس : الْعَقْل. والحُوَّلُ : البَصِير بتحويل الأمور. والْقُلَّبُ : الخَبِير بِتَقَلبها. وَيَنْتَهِزُ : يُبادر. والحَرِيجَةُ : التَّحرز.

الإِعْرَاب:

كَيْفَ خَبَر مُقَدَّم، والمَرْجِعُ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، وعَلِمَ عَلَّقَه عَن الْعَمَل لمكان

الإستفهام، والْقَدْرَ مَفْعُول لاتّخَذَ وكَيْساً مَفْعُول ثانٍ، ومَا لَهُمْ مُبْتَدَأ، وخَبَر، وَدُونَهَا خَبَر مُقَدَّم ومَانِعُ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، ورَأْيَ عَيْنٍ فِي مَكَان الحال مِن هَاء يَدَعُهَا أَي مَرئيّة بالْعَيْن، أو مِن الفَاعِل المُسْتَتِرِ أي رَائِياً لها بالْعَيْن.

الْمَعْنَى:

(إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ). لا يَختص الْوَفَاء وَالصِّدْق بأَهْل الإيمان، والأديان. أنهما فرعان عَن دَوحة الخلق الْكَرِيم، فقَد يُؤْمِن الإِنْسَان باللّه، والْيَوْمِ الآخر، وَلاَ يَتورّع عَن الْكَذِب، والخيانة، وقد يَجْحد باللّه، وحسابه، ويُنزه نَفْسه عَن الْغَدْر، وقول الزور... والْوَفَاء وصف عام يَكُون لِلعَقِيدَة، والوطن كما يَكُون للجار، والصَّدِيق، ويَكُون فِي المُعَامَلَة مَع الخَالِقِ، والصِّدْقِ دَلِيلِ الثَّقَة بِالنَّفس، وكَذَلِكَ الْوَفَاء... وبكَلِمَة : لا يُفترق الصِّدْقِ عَن الْوَفَاء، وَلا الْوَفَاء عَن الصدق وجُوداً، وبِمَنْزِلَةِ، أنّها فِي ذَلِكَ تَمامَاً كأخوين فِي رَحم واحد في آنٍ وَاحد.

(وَ لا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ). لأن مَن لا وَفَاء لهُ لا دين له، ومَن لا دِينَ لهُ لا يَقْيه شَيء مِن غَضب اللّه، وعَذَابِه (وَ مَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ) إِلى العرض بَيْنَ يدي اللّه، والحِسَاب عَلَى ما قدم، وأخَر (وَ لَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانِ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْغَدْرَ كَيْساً، وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ). الْمُرَاد بأهْل الجَهْل هناكلّ من كفر، ويكفر بالْقِيَّم، والصالح العام، وَلا يُدين إلا منفعته الشَّخْصِيَّة، ويسلك إِلَيْهَا كُلّ سَبِيل، وَيُبرر من أجلها كلّ وسيلة، وإذَنْ فلا يَدع أنْ يرى هَذَا الطراز من النَّاسِ الْغَدْر عَقلاً، وفضيلة إِذَا جَعله حاكماً، مثل «تشان كاي شَك»، أو ثَرِياً کالمستر «فورد».

لِلمِنْبَرِ - عَليُّ وَالسِّيَّاسَة :

(قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ، وَدُونَهَا مَائِعٌ مِنْ أَمْرِ اللّه وَ نَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِرُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ). يُجِيب بِهَذَا عَن قول من قَالَ : إِنَّ عَلِيَّاً لا يَعْرِف السَّيَّاسَةِ، وَيَتلخص جوابه : بأنه يَعْرِف الفرص، والوَسَائِل إلى بلوغ الملكِ، والسُّلْطَان، ولَكِنَّهُ لا يَنْتَهزُها عَلَى حِسَابٍ دينه، وضميره، وَقَالَ فِي مكان آخر من النهج : «واللّه مَا مُعَاوِيَة بِأَدْهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ، وَيَفْجُرُ، وَلَوْلا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ، لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ» (1)، وَقَالَ أيضاً : «أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلَبَ النَّصْرَ بِالجَوْرِ فِيمَنْ وَلَّيتُ عَلَيْهِ» (2). إِنَّ عَلِيَّاً لا يفهم من كَلِمَة النّصر، والنّجاح إلا مرضاة اللّه، والْعَمَل بِالْحَقِّ، والْعَدْل، وهُو مُستعد لأنْ يُضحى بالنَّفس، والملكِ، وبكل عزيز لتبلغ هذه الْغَايَةِ، أَمَّا أَلاعيب مُعَاوِيَة فَهِيَ شرّ ووبال.

وَقَالَ جورج جرداق : «إنَّ الذين قَالُوا : عَليّ لا يَعْرِف السَّيَّاسَة يُرِيدون مِن عليّ أنْ يَكُون مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ، ويَأبى عَلَيَّ إِلَّا أَنْ يَكُون أبن أبي طالب» (3).

وَقَالَ طه حسين : «حارب أبو سُفْيَانَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأظهَر فِي حَرْبه قوّةً، وَقَسوةً، وكَيداً، ومَكراً، ودَهاء.. ثم أسلَم حِينَ لَم يرَ مِن الإِسْلام بُدّاً... وورث مُعَاوِيَة عَن أبيه قُوَّتِه، وقسوته، ومكره، وكيده، ودهاءه، ولم تكن أُمّ مُعَاوِيَة بأقل من أبيه تنكراً لِلإِسلام، وأسلمت كارهة كما أسلم زوجها كَارِها... وكَانَ


1) انظر نَهْجِ الْبَلاغَة : من كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (200).

2) أنظر نهج الْبَلاغَة من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت رقم (126).

3) أنظر، عليّ صَوْت العدالة الإنسانية : 775/4.

الطَّامعُون يجدون عند مُعَاوِيَة ما يُرِيدُون، فضم إِلَيْهِ كلَّ من كَانَ له أَرب فِي الدُّنْيَا... وكَانَ عَلَى لا يُدهِن في الدين، ويبغض المكر، والكيد، كَانَ يَرى الحقّ فَيمضي إِلَيْهِ مُصمماً، ويرى الْبَاطِل فيعرض عَنْه عَازماً... وما رأيك في رجل جَاءه أخوه عَقِيل مُستر فِداً فلم يجد عِنده ما يُريد... وما رَأيك فِي رَجُل آخر - أي مُعَاوِيَة يَأْتِه عَقِيل هَذَا نَفْسه، فَيُعطيه من بيت المال مئة ألف» (1). وهذه الحادثة وحدها كافية وافية لتَفْسِير الفرق بَيْنَ سِياسة الرَّحْمَان، وسِيَاسة الشَّيْطَان.

وأخيراً قرأت للأستاذ الكبير أحمد عباس صالح كَلِمَةٌ فِيْهَا : «قَادِ مُعَاوِيَةٌ جَيشَ الشّام، وهو الرَّجُل الَّذي يُمثل النقيض من عليّ تماماً، هُو شخصيه فريدة جُمعت فِيهِ كل خصائص الرَّجُل الذي لا تُشل حركته أية قيمة من الْقِيَّم الدِّينية، والإِنْسَانية، أنه أبن أبي سُفْيَانَ الشهير، وأبن تلك المرأة التي مَضعَت كَبد حَمْزَة عَمَ النَّبِيِّ حِينَ سَقط قَتِيلاً... إِنَّ فِي نَفس مُعَاوِيَة إِرَادَة الإِنتصار الشخصي، والغَلب... إِنَّ فِيهِ قسوة الأعصار، وعبقرية القدر الغاشم... إنّه قُطب السّلب المطلق الَّذي يَصطرع في قلب الإِنْسَان كما يصطرع في قَلب الكَوْن، والسلب فِي الكَوْن يَتجه إِلَى الشّرّ، والإِيجَاب يَتجه إلَى الخَيْر، وقد تصادم القُطبان : - عَليُّ، ومُعَاوِيَة - الموجب. والسالب بقدر ما تُتيح الإنسانية أن تكون سلباً مُطلقاً، أو إيجاباً مُطلقاً» (2)ثُمَّ قَالَ، الأستاذ صالح : «ولو لم يسر علي سيرته المثالية أكَانَتْ تَبقَی تِلك الجذوة - أي جذوة الحَقِّ - مُشتعلة كامنة في النفوس ؟ وكأن دور علي الوحيد أنْ يَكُون مِثالاً فِي التَّارِيخ


1) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - عليّ وبَنُوه للدكتور، طه حسين : 56 - 60. طَبْعَة سَنّة 1964 م.

2) أنظر، نشر هَذَا المَوْضُوع بمجلة الكاتب المصرية عدد نيسان سنة 1965م.

كأَنَّه عَلامة من علامات الطَّريق» (1).

وهَذِه الكَلِمَة القَصِيرة الكَبِيرة لا تُصور سِيَاسَة عَليّ فَحَسب، وإنّما تَرسم شخصيته في واقعها، إِنَّهَا تَجمع خَير الكون بأسره كما تجمع شخصية مُعَاوِيَة شر الكَوْن بكامله، إِنَّهَا الدَّلِيل، والعلامة عَلَى الحَقِّ، ولَوْلاها لم يَكُنْ له «جذوة مُشتعلة كامنة في النفوس»، ولإنْطَمس الحق وأثره في عهد علي، وبالتالي من بعده في كلّ عَهد - حَيْث يحتج الكَبِير، والصَّغير لأحتياله عَلَى الحَقِّ بِعَمل علي بن أبي طالب - ولكنَّ عَلِيَّا كَانَ وَسَيَبْقَی إِلَى آخر يَوْم حُجّةً دَامَغَةً عَلَى مَن يُحِيد عَن الْحَقِّ، أو يحتال عَلَيْهِ، وما ترك لأحدٍ عَلَى الإطلاق معذرة، وَلاَ وَسِيلة.


1) أنظر، المَصْدَر السابق.

الخطبة - 42 -

الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَل:

(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَثْنَانِ : أَتْبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ، أَلا وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَاءَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ أَصْطَبَهَا صَابُهَا. أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَ لأ عَمَل).

اللُّغة:

حَذَاءَ - بتشديد الدال - سَرِيعة. وصُبَابَةٌ - بضم الصاد - البقية من الماء، أو اللبن في الْإِنَاءِ، وبفتح الصّاد - الشوق. وَأَصْطَبّهَا : سَكَبها. وصَابُّهَا : سَاكِبها. وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد : أَصْطَبَهَا صَابها مثل أبقاها مُبقِيها، أو تركها تاركها، ونقل عبارته

بالحرف الواحد الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه بلا تَفْسِير كعادته في أَكْثَر التعليقات (1).

الْإِعْرَابِ:

أَخْوَفَ أفْعَل تَفضِيل اسم إِنَّ، و «مَا مَوْصُول مجرُور بالإضافة، وأثْنَانِ خَبَر إنَّ، واتِّبَاعُ الهَوَى وطُولُ الْأَمَلِ بَدل مفصل مِن مُجمل، والمبدل مِنْهُ أثْنَانِ، ويجوز أنْ يَكُون اتِّبَاعُ الهَوَى وما بعده خَبَر لَمُبْتَدَأَ مَحْذُوف أي هُما. وأَمَّا الأُولَى والثَّانِيَة للتَّفصِيل، وَأَلا للتنبيه. وحِسَابَ اسم «لا» والخَبَرَ مَحْذُوف أي فِيهِ، ومثله وَلا عَمَلَ.

الْمَعْنَى:

(إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَثْنَانِ : أَتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ، فَأَمَّا أَتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ). تَقَدَّم مِثله (2)(أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَتْ حَذَّاءَ) أي مُسْرِعَة، والْمُرَاد بالدُّنْيَا هُنا حَيَاةِ الْفَرْد، وَعُمره الخاص به، وهو قَصِير في ذاته مهما طال، لأنه كما قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصْ لا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةٌ الأَبِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ» (3)، وَقَالَ أيضاً : «مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ، وَالنَّهَارَ ؛ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ


1) أنظر. شَرْح نَهْجِ الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 318/2 خطب نهج البلاغة مُحَمَّد عَبْدَه : 93/1.

2) انظر الخطْبَةُ : (28).

3) أنظر نهج البلاغة : الخطبة (145)، عيون الحكم والمواعظ : 146، تنبيه الخواطر : 218/2، علماً بأنّ الشيخ أوردها هكذا: «لا يَسْتَقْبِلَ الإِنْسَان يوماً من عُمره إلا بفراق آخر من أجله».

وَاقِفا» (1). (فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبَابَةٌ كَصْبَابَةِ الْإِنَاءِ أَصْطَبَهَا صَابُهَا). وَيَصدُق هَذَا حَتَّى عَلَى من يُخلق فِي سَاعته، وَعَلَى من يعيش مئة عام، لأن القرُون لحظات في حساب الشّروق، والغُرُوب. وهَذِه الحقيقة يُدركها ويُؤْمِن بها المتدين، والزاهد، والطامع.

(وَ لِكُلِّ مِنْهُمَا - أي الدُّنْيَا والآخِرَة - بَنُونَ). وأبناء الدُّنْيَا هُم الذين لا يرون نَفعاً، أو ضرّاً، وَلاَ خَيْراً، أو شرّاً إلا في هَذِهِ الْحَيَاة، وإِنَّ كلَّ الوَسَائِل صَحِيحةٌ، وخَيرةٌ ما أدَّت إلى شيء من منافعها، ولذائذها، أَمَّا أبناء الآخِرَة فهم الذين يُؤْمِنُون بعالم الْغَيْب، والشهادة، بالآخِرَة الْبَاقِيَة، والدُّنْيا الفانية، وَلاَ يَبيعون تِلك بهذه، ويَعْمَلُون هما معاً، ويَقُولُون : رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةٌ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (2)(فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ). أي حَسوا بوجودها وأحسَبوا : حسابها، وأخروا شَيْئاً لها، وأعتبروا أنكم فيها منذ الآن (وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا). أي عَلَى أَنَّهَا الأُولَى، والأخيرة، وَلا شيء غَيْرها وبعدها، بل عَلَى أَنَّهَا مَمَرٌ إِلَى حَيَاة أجْدَى، وأَبْقَی.)(فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وقد أنْعَب بَعْض الشارحين نفسه وأطال فِي بَيَان وَجه الشَّبه بَيْنَ حَالَ الإِنْسَان يَوْم الْقِيَامَة، وبَيْنَ إلحاقة بأُمه، ثُمَّ أنتهى إلى ما يتلخص بأن أبناء الدُّنْيَا يَوْمِ الآخِرَة كالأيتام بلا أب، أمَّا أبناء الآخِرَة فهُم في حضانة أبيهم... وَهَذَا المَعْنَى بَعِيد عَن دَلالة اللفظ والفهم، والذي تبادر)


1) أنظر، خطب نهج البلاغة : 050/3 جزء من وصيتة (عَلَيهِ السَّلَامُ)، للإمام الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، تحت رقم (31).

2) الْبَقَرَة : 201.

إِلَى فَهمنا أنّ يَوْم الْقِيَامَة هُو يَوْم الْحَقِّ، والواقع، والحكم، والفَصل بعِلم اللّه تَعَالَى الَّذي لا تحفى عَلَيْهِ خَافِية، ويَجزي الإِنْسَانِ بِمَا أَرَاده وهَدف إِلَيْهِ من عَمله، لا بمَا أعْلَنه وأظْهَره فى الحَيَاةِ الدُّنْيَا... كلاً. فإنّ النَّاس في هذه الحياة يأخذون بالمظاهر، وَقَد يَنسبون الولد لغير أبيه، والعِلْم لغَير ذَوِية، والصّلاح لغَير أَهْله... وَلاَ شَيء في الآخِرَة إِلَّا الحَقِّ، والحَقِيقَة : (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللّه قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (1).)(وَ إِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ أي عمل عَلَى حَذف المضاف إِلَيْهِ (وَ لَا حِسَابَ).)والْعَاقِل من حاسب نفسه قبل أنْ تُحاسب، ووَزَنها قَبل أن تُوزن، ومِن أَقْوَاله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبُ غَيْرُكَ» (2) (وَ غَداً حِسَابٌ) عَرض، ونقاش، وسُؤال وجواب، ومُحاكمة بلا محاماة، وَلاَ شَفِيع، ونَصِيرٍ : (يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (3). (وَ لا عَمَلَ)، لأنه ذهب بذهَاب وَقْته)


1) غَافِر: 78.

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (222).

3) النَّحْلِ : 111.

## الخطبة - 43 -### وَأَوْجَدَ النَّاسَ فَقَالُوا:(إِنَّ اسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ، وَ جَرِيرٌ عِنْدَهُمْ، إِغْلَاقٌ لِلشَّامِ، وَصَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ وَلَكِنْ قَدْ وَفَّتُ لِجَرِيرٍ وَقْتاً لا يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلا مَخْدُوعاً، أَوْ عَاصِياً. وَ الرَّأْيُ عِنْدِي مَعَ الْأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا، وَلا أَكْرَهُ لَكُمُ الْإِعْدَادَ.وَ لَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الْأَمْرِ، وَعَيْنَهُ، وَ قَلَّبْتُ ظَهْرَهُ، وَبَطْنَهُ، فَلَمْ أَرَ لِي فِيهِ الأ الْقِتَالَ، أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الأُمَّةِ وَال أَحْدَثَ أَحْدَائاً، وَأَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالاً، فَقَالُوا، ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا).)اللُّغَة:الإغلاق: مِن أغلق الباب ضد فتحه. والأناة: التأْني وأَرْودُوا أَرْفَقُوا. وأَحْدَثَ أَحْدَاثاً : ابْتَدع مُنْكَرَات غَيْرُ مَعرُوفة فِي السُّنَّة.الْإِعْرَاب:إِغْلَاقٌ خَبَر إِنَّ، ووقتاً مَفْعُول مُطلق لوقت أي عَيّنت أو ضَربت، ومَخْدُوعاً

حال، والأَمْر عَطف بَيَان مِنْ هَذَا، والضَّمِيرِ فِي إِنَّهُ للشأن.الْمَعْنَى:(إِنَّ أَسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ، وَ جَرِيرٌ عِنْدَهُمْ إِغْلَاقٌ لِلشَّامِ، وَصَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ. قَالَ المؤرخون : إِنَّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَرْسَلَ رُسلاً إِلَى مُعَاوِيَة الوَاحد تلو الآخر يُحذره من الشّقاق، والْفِتْنَة. ومِنْهُم جرير بن عبد اللّه البَجَلي (1)من أَصْحَاب رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). فَقَد أَرْسَله الإمام ليعظ مُعَاوِيَة، ويُحذره الْعَوَاقِب. ويَطلب مِنْهُ أنْ يَدخل فيما دخل فِيهِ الْمُسْلِمُون، ومِنْهُم الأَنْصَارِ، والمُهَاجِرُون، ولكن مُعَاوِيَة أسرف، وماطل في جواب جرير، ولفّ ودار... ولما استبطأ الإمام جريراً أشارُوا عَلَيْهِ فِي النّهوض لحرب أَهْل الشّام، فَقَالَ: «فَواللّه مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلا وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِي بِي، وَتَعْشُوَ إِلَى ضَوْنِي، وَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى صَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا» (2).)(وَ لَكِنْ قَدْ وَقَتُ لِجَرِيرٍ وَقْتاً لا يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلا مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً. كَانَ الْإِمَام قَد ضَرب وقتاً لرجوع جرير وعودته بحيث لا يتأخر عَنْه إلا لطارىء كخداع)


1) جرير بن عبدالله بن جابر، يُكنى أبا عَمْرُو من قبيلة «يُجَيْلَة» قَدِم إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سَنَة عشر في رمضان. النَّبِيِّ وبايعه، وأسلم، وكان عُمر بن الخطاب يقول : جَرِيرٍ يُوسُفَ هَذِهِ الْأُمَّة الحُسنه، وأشترك في الفتوح زمن عُمَرَ، توفّي بالشّراة بِقِرْقِيسِيَا سَنة إحدى وخمسين، أو أربع وخمسين في ولاية الضَّحَّاك بن قَيْس عَلَى الْكُوفَة. (أنظر الإصابة : 233/1، أسد الغابة : 279/1 - 280، المعارف لابن قتيبة : 292).

2) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغة : من كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد استبطأ أَصْحَابه إذنه لهم في القِتال بصفّين يتحت رقم (55). بينما الشيخ (قدّس سِرُّه) أورده بهذا الشكل : «لا أبادر الحرب إلا بعد إلقاء الحجّة وقطع الْمَعْذِرَة، ولو سقت الجيوش إِلَى أهل الشام ورسولي عندهم لم تقم الحجة عَلَيْهِمْ، ثم ما يُدرينا ؟ فلعلهم يؤثرون السلم والعافية».

مُعَاوِيَة، وتسويفه، أو عصيان جرير، ومخالفته، وحَتَّى الساعة ما تبين شَيء من ذَلِكَ، وإِذَنْ (وَ الرَّأْيُ عِنْدِي مَعَ الْأَنَاةِ والصبر (فَأَرْوِدُوا). تَرفقُوا، وتَمهلُوا (وَ لا أَكْرَهُ لَكُمُ الْإِعْدَادَ). لا بأس أنْ تَتهيأ وا للحزب، وتعدوا لها العُدَّة حَتَّى إِذَا دَعت الحَاجَة كُنتم عَلَى استعداد... وَهَذَا هُو التدبير الحكيم : ترك المبادرة إِلَى الشّر مع الوقاية مِنْهُ، والتّحصن بالقُوَّة لردعه، ومنعه.)(وَ لَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الْأَمْرِ وَ عَيْنَهُ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ، وَبَطْنَهُ تأملت ملياً في موقف مُعَاوِيَة، ووضعه، ودرسته بدقة، وأمعان مِن شَتَّى جهاته (فَلَمْ أَرَ لِي فِيهِ إِلا الْقِتَالَ، أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)). أَبَداً لنْ يَحِيد مُعَاوِيَة عَن الْبَاطِل، ويَستجِيب لدَّعْوَة الحَقِّ إِلَّا الْقُوَّة، وإذَنْ فماذا يصنع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ هل يتجاهل، ويسكت عن مُعَاوِيَة يحدث البدع، ويتلون في الدِّين، ويَتَّخِذه أداة لدُّنياه ؟ روبّما أمكن هَذَا لَو لَم يَكُنْ الْإِمَام خَلِيفَة الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا سكوته عَن مُعَاوِيَة، وهُو خَلِيفَة فَعْصِيَة اللّه، وجحود بِمَا نَزِل عَلَى رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وإذا فَلا دَواء إلّا الكَى... ومن أَقْوَاله : «وَسَأُمْسِكُ الأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدَا فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ» (1). أي الحرب.)(إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الْأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً، وَ أَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالاً. الْمُرَاد بِهَذَا الْوَالِي عُثمان، وقَد تصرف فِي أَمْوَالَ الْمُسْلِمِين كما يهوى أَعْدَاء اللّه والإِسْلَام، ودوّن عُلَماء السُّنَّة في كتبهم الكَثِير مِن أحداثه، ونقلنا عنهم طَرفاً مِنْهَا فِي شَرح الخُطْبَة الشقشِقِيَّة... والَّذي نُرجحه - بعد الإستقراء، والتَتَبُّع - إِنَّ الَّذِينَ أولُوا، وأعتذروا)


1) من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدما بويع له بالخلافة، وقد قَالَ له قَوْم من الصَّحَابَة لو عاقبت قوماً مِمَّنْ أجلب عَلَى عُثمَان أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (168).

عَن عُثمَان يُؤْمِنُون بَيْنَهُمْ وبَيْنَ أنفسهم بأن عُثمَان قد أحدث أحداثاً، وإِنَّ الدَّافع الأوّل لهُمْ عَلَى بَعضهم هُو مُجرد التَّعَصُّب ضِدّ الذين يُخطئون عُثمان، ونفس الشيء ية قال في الإعتذار عَن مُعَاوِيَة، وأبن العاص، وأَصْحَاب الْجَمَل وَلاَ تَستبعد أيُّها القارىء فإنْ التَّعَصُّب يفعل الأعاجيب.(فَقَالُوا، ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا. واو الجماعة في الأفعال الثلاثة يعود إِلَى النَّاسِ فَتح لهُمْ عُثمَان بَاب القَوْل فِيهِ، والمَعْنَى أنّ قلوب النَّاسِ نَفرت من أحداث عُثمَان، فنَطَقت ألْسِنَتِهِمْ بنقده، والإعتراض عَلَيْهِ، ولما أستمرت الأحداث ثارُوا عَلَيْهِ، وَفَعلوا بهِ الأفاعيل... فأستيقظت الْفِتْنَة بَيْنَ الْمُسْلِمِين، ولَم تَنم.)

## الخطبة - 44 -### قَبَّحَ اللّه مَصْقَلَة:(قَبَّحَ اللّه مَصْقَلَةَ ! فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ، وَ فَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ ! فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، وَلا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ، وَ لَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ، وَ انْتَظَرْنَا بِمَالِهِ، وُفُورَهُ.)اللُّغة:بَكَتَهُ : قَرْعَهُ، وَعَنَّفَهُ، ووُفُورَ المال أو أي شيء : يَسَره، وَكَثرته.الْمَعْنَى:(قَبَّحَ اللّه مَصْقَلَةَ بن هُبَيْرَة الشَّيبَاني (1)، وكَانَ عَامِلاً لِلْإِمَامِ عَلَى أَرْدشِير (فَعَلَ)


1) أنظر، القِصَّة في تأريخ الطَّبَرِيّ : 97/4، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد: 128/3، الأغاني: 139/44 طبعة السَّاسِي، تاريخ دمشق : 172/19 و : 269/58، جمهرة أنساب العرب : 321، الانساب : 45/1، الأعلام : 249/7، تاريخ المسعودي : 419/4، وقعَة صِفِّين : 555، فتوح البلدان : 342، النَّاج :404/7، المرزباني : 475، أَنْسَابِ الْأَشْرَاف : 160.

فِعْلَ السَّادَةِ وذلِكَ أَن جَمَاعَة مِن النّصارى كانوا قد أسلموا، ولما سمعوا بخارجي خرج عَلَى أَمِير المُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ارتدوا عن الإسلام، وأنضموا إلى هَذَا الخارجي وهو الحُرَيْثُ من بَني نَاجِية، فوجه الإِمَام إِلَيْهِ مَعقل بن قَيْس في ألفي فارس فَقَتله، وأَسْر مَن كَانَ مَعَه مِن المُرتدين من الرِّجَال، والنِّسَاء، وحملهم إلَى أَمِير المُؤْمِنِين، فصادف مروره بمصْقَلَة بن هبيرة، فأستغاث به الأسرى، فأبتاعهم من معقل بخمسمئة ألف درهم، وأعتقهم، وَقَالَ لمعقل : أنا أحمل المال إِلَى أَمِير المُؤْمِنِين.)ولما عاد مَعقِل إِلَى الْإِمَام أخبره بالقِصَّة : فشكره، وأثنى عَلَى عَمله، ولكنَّ مَصْقَلَة أبطأ ولَم يَفِ بوعده (1، فكتب إِلَيْهِ الْإِمَام يُطالبه بالمال، ومَا أَنْ قَرأ الْكِتَاب حَتَّى فَرَّ، ولحق بمُعَاوِيَة، وإِلَى هَذَا يُشِير الإمام بقوله : (وَفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ)... وهكذا كُلّ لص، وخائن، وكُلّ منافق، ومُداهن يهرب مِن عَدل الإِمَام، وإيمانه إِلَى أطماع مُعَاوِيَة، وأحلامه، قَالَ طه حسين: «فكان الطَّامعُون يَجدُون عِنده - مُعَاوِيَة - ما يُريدُون، وكَانَ الزَّاهدون يجدون عِند عليّ ما يُحبون» (2). ولكن أين النّسبة العددية بَيْنَ الفِئتين ؟ ثم أين هم الزاهدون في المال، والثَرَاءِ ؟ إِنَّ الْإِنْسَان شَرِه إِلَى المال بالطبع، ولَيْسَ اجتماعِياً بالطَّبع كَمَا يُقَال.)


1) أنظر، تأريخ مدينة دمشق: 821/55، بحار الأنوار : 416/33 شَرح الأَخْبَار : 96/2، تأريخ الطَّبَرِي: 73/6. الغارات : 329/1 شرح نهج الْبَلاغة مُحَمَّد عَبْدَه : 94/1.

2) انظر الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - علي وبَنُوه للدكتور طه حسين : 59. طَبْعَة سَنَة 1964م.

(فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ ما قَالَ القَائِل : أَحسن مَصْقَلَة فِي عِتق الأسرى حَتَّى أرتفع صَوْت يَقول : قبحه اللّه من لُصٍّ مُحتال... ما كَانَ أَعْنَاه عَن الحالين (وَلاً صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ، وَ لَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ، وَ انْتَظَرْنَا بِمَالِهِ، وُفُورَهُ). لو ثبت وبقي عَلَى مَا كَانَ لأخذنا مِنْهُ ما تَيَسَّر، وصبرنا فيما تعسر حَتَّى يَسْتَطِيعِ الْوَفَاء.)

## الخطبة - 45 -### الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضْرَاءُ:(الْحَمْدُ للّهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلَا مَخْلُو مِنْ نِعْمَتِهِ، وَلا مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ، وَلا مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ، الَّذِي لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ، وَلَا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ.وَ الدُّنْيَا دَارٌ مُنِي لَهَا الْفَنَاءُ، وَ لِأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاءُ، وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضْرَاءُ، وَقَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ، وَ الْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ، فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، وَلا تَسْأَلُوا فِيْهَا فَوْقَ الْكَفَافِ، وَلا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاغِ.)اللُّغَة :يجوز مَأْيُوسٍ مِن أَيس، وأيضاً يجوز ميؤوس مِن يَئس، والمعنى واحد، وهو القنوط ونكف : أنف، وأمتنع، وأستنكف : استكبر. ومُني لذا بالبناء عَلَى المجهول : وُفق له أو قدر، والثَّاني هو المقصود هنا والتَبَسَتْ أمتزجت واختلطت. والْكَفَافِ - فتح الكاف - ماكف عَن النَّاسِ، وأَغْنَى، والبَلاغ، والبلغة والتبلغ : الكفاية.

الْإِعْرَاب :غَيْرَ حَال، وَالدُّنْيَا مُبْتَدَأَ أَوَّل، وَالدَّارِ مُبْتَدَأ ثانٍ، وَمَا بَعده خَبَر له، والجملة مِنْهُ ومِن خَبَره خبر المبتدأ الأَوَّل. وَلِأَهْلِهَا خَبَر مُقَدَّم، والجَلاءُ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، وخَضْرَاءُ خَبَر ثَانٍ لـ «هي».الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ. لأنه سُبْحَانَهُ هُو القَائِل : ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رُّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُون) (1). وَقَالَ نَبِي الرَّحْمَة : «ليغفَرن اللّه يَوْم الْقِيَامَة مَغْفِرَة ما خَطرت قَط عَلَى قَلب أحد، حَتَّى إِبْلِيسَ يتطاول إِلَيْهَا» (2). وَقَالَ إمَام أَهْدَى الْفَقِيهُ: «كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللّه» (3)(وَ لا مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ). لأنّهقَالَ، وقَوْله الحق ووعده الصِّدْقِ : «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللّه إِنَّ اللّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (4)والرَّحْمَة أَعم من الْمَغْفِرَة لِأَنَّهَا تكون بالتوفيق، والعناية بمن لا ذنب له، وبالستر عَلَى المُذنب (وَلا مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ). لأنَّه أَهْل للْعِبَادَة : ﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ)


1) الحجر : 56.

2) أنظر، تفسير ابن كثير : 252/2، مجمع الزوائد : 216/10، المعجم الأوسط : 250/5 ح 5227، المُعْجَم الكبير : 168/3 ح 3022، الزهد لابن المبارك : 480/1 ح 1364.

3) أنظر، نهج البلاغة : 20/4 الحكمة (90)، عيون الحكم والمواعظ : 55، شَرْحِ النَّهْج لابن أبي الحَدِيد : 243/18، سبل الهدى والرشاد : 299/11، يَنَابِيعِ الْمَوَدَّة : 416/2.

4) الزُّمَر : 53.

عِبَادَتِهِى وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (1).)### لِلمِنْبَر - الدُّنْيَا، والْكَفَاف:تَكَلَّمَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ عَن الدُّنْيَا، فما أبقى لهَا مِن حَال... فَهِيَ غَرَّارَةٌ، ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ، زَائِلَةٌ، نَافِدَةٌ، بَائِدَةٌ، أَكَّالَةٌ، غَوَّالَةٌ (2)، وحَيَّةٌ، دَنِيَّةٌ، وَدَاهِيَّةٌ، بَغيَّةٌ... عَيْتُهَا قَصِير، وخَطَرُها يَسِير، وأمَلها حَقير... إلى آخر السَّيِّئَات، واللعنات... ومن أجل هَذَا أَلْقَی حَبْلَهَا عَلَى غَارِبهَا، وطَلقها ثَلاثاً لا رجعة فيها أَبَداً... ولو أرادها لأقبلت عَلَيْهِ إقبال العاشق الولهان، وكَانَتْ أطوع إِلَيْهِ من البنان.)ومَع هَذَا أَنْصَفَهَا الْإِمَام فيما لها من حَسَنَاتِ حَيْتَ قَالَ : إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ مِنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارٌ غِنى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا (3... وإذَنْ فَهِيَ لا تتجرم، وتبغي عَلَى أحدٍ، ومَن كَانَ صَادقاً مُخلصاً أتعظ بويلاتها، وأستفاد من خيراتها في يَوْمِه هَذَا، وفِي يَوْمِ الفَرْعِ الْأَكْبَرَ. أَمَّا الَّذين أعَمَى الْهَوَى، وَالجَهْل عُقُولهُمْ، وقُلُوبهم فإنَّهُم لا يعقلُون عن اللّه فَكَيْفَ يَنْتَفعُون بمواعظ الدُّنْيَا، وعَنْهَا يَفْقَهُون ؟.)(وَ قَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ. إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يؤثرون المَنْفَعَة العَاجِلَة، وإِنْ كَانَتْ زهيدة فَانِية عَلَى الْآجِلَةِ، وإِنْ كَانَتْ عَظِيمَة بَاقِية، ومن أجل هَذَا تُحبيت الدُّنْيَا إِلَيْهِمْ بِالْعَاجِلَة (وَ الْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ). أمتزج حُبّ الدُّنْيَا بِقَلب من ركنَ إِلَيْهَا)


1) النِّسَاء: 172.

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (111).

3) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغة : 32/4 الحكمة (131).

حَتَّى أَعمَته عَن رُشده، ومصلحته (فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ. إِنَّ فِي الدُّنيا خَيْراً، وشراً، وهُما بَيْنَ أيديكم، فاستبقوا الخيرات تربحوا من اللّه الرحمة والرضوان.)(وَ لا تَسْأَلُوا فِيْهَا فَوْقَ الْكَفَافِ، وَلَا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاغِ. لِيَكتف كلّ إِنْسَان بِسد الحاجة فقط من المأكل والمشرب، والملبس، والمسكن... وسد الحَاجَة وسط بَيْنَ التّرف، والضّرورة، ولو عمل النَّاس بوصية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعاشُوا جَمِيعَاً فِي سَعَادَةٍ، وهناء، لا حَرْب، وفقر، وَلا عبودية، واستغلال، ولا حرص، وأحتكار، ولا مَن يَحزنُون.. ولا أعتداء، وجريمة أيضاً إلَّا مِمَّنْ شَذَّ.. ولكلّ قاعدة شواذ لا يُعتنى بها، وَلاَ يُقاس عَلَيْهَا، وبالتالي تتحقق الحُرِّيَّة، والعدالة، والمُسَاوَاة بالمَعْنَى العِلمي الدَّقِيقِ لِهَذِهِ الْكَلِمَات.)

## الخطبة - 46 -أَللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ:(أَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ. وَ الْمَالِ، وَ الْوَلَدِ. أَللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَ أَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، وَلا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ، لأنَّ المُسْتَخْلَفَ لا يَكُونُ مُسْتَصْحَباً، وَ الْمُسْتَصْحَبُ لا يَكُونُ مُسْتَخْلَفَاً.)اللغة:أَعُوذُ باللّه : أعتصم به. وَعْثَاءِ السَّفَرِ : مَشَقته، وصعوبة طريقه. والكآبة : الْحزْن. والْمُنْقَلَبِ : الرُّجُوع، (وَإِنَّا إِلَىٰ رَبَّنَا لَمُنقَلِبُونَ (1) أَي رَاجِعُونَ.)الإعْرَاب: أَللَّهُمَّ أي يا اللّه، وضَمِير التنية في - يَجْمَعُهُما - يعود إلى الإسْتصْحَاب المفهوم من


1) الزُّخْرُفِ : 14.

كَلِمَة الصَّاحِبُ، والإِسْتَخْلاف المفهوم من كَلِمَة الخَلِيفَة، والمَصْدَر من لأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ... إلخ. مَجرور باللام، ومُتَعَلِّق بيَجْمَعُهُما.الْمَعْنَى:(أللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ. قَالَ الشَّرِيف الرَّضِي : دَعَا الْإِمَام بِهَذَا، وهو يضع رِجله في الركاب (1). ولَيْسَ من شكٍّ أنّ الدُّعاء حَسَن، وَمَحبوب في ذاته لأنّه ضَرب من الْعِبَادَةِ، والتوكل عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَيجوز أَنْ يَكُون له أثر في خوَارق العادات، وما أُوتِينا من العِلم إِلّا قَلِيلاً (وَكَابَةِ الْمُنْقَلَبِ) يدعو اللّه سُبْحَانَهُ أَنْ يَعود إِلَى أَهْلِه مِن سَفره مسرُوراً (وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأهْلِ، وَ الْمَالِ، وَالْوَلَدِ). أَنْ لا يريه اللّه ما يَكْرَه فِي نَفْسِه، وولده، وماله، وأحبائه.)أللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَ أَنْتَ الْخَلِيفَة فِي الْأَهْلِ. لَيْسَ اللّه زَمان، ومكان، فَهُوَ مَع المُسافر تماماً كما هُو مَع المقيم عَلَى السَّواء : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) (2). (وَلا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ) بحيث يَكُون مُصاحباً للمُسافر، وخَلِيفَة عَلَى المقيم في آن واحد... هَذَا مُحال بالنسبة لغيره تَعَالَى (لأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ) الباقي مع المقيم (لأ يَكُونُ مُسْتَصْحَباً) أي مُصاحباً للمُسافر (وَ الْمُسْتَصْحَبُ) مَع المُسافر (لأ يَكُونُ مُسْتَخْلَفاً) وحاضراً مع المقيم، كَيْفَ ؟ وهل تجتمع الأضداد. والخلاصة : أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التجأ إلى خالقه، وأعتصم به من مشقة السفر، والحزن عند مآبه مِنْهُ، ومن رؤية ما يَكْرَه فِي مَن يُحب، ثُمَّ سَأَلَه تَعَالَى مُتضرعاً أَنْ


1) أنظر، قول الشريف الرضي في أوّل هذه الخطبة من نهج البلاغة.

2) الحديد : 4.

يمد إِلَيْهِ يَد العون فِي سَفره، ويحفظه في أهله الذين تركهم بلا كفيل إلّا هُو جلّ وعزّ،

إِنه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلا يُغَيرُهُ زَمَانٌ، وَلا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلا يَصِفُهُ لِسَانٌ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ، وَلا نُجُومِ السَّماءِ» (1). كما قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) أنظر نهج البلاغة : الخطبة (178).

الخطبة - 47 -

الْكُوفَةُ:

(كَأَنِّي بِكِ يَاكُوفَةٌ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيّ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ، وَ تُرْكَبِينَ بِالزَّلازِلِ، وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إلا أَبْتَلاهُ اللّه بِشَاغِلٍ، وَ رَمَاهُ بِقاتِل !).

اللُّغَة:

الأديم : الجلد المدبوغ. والْعُكَاظِيّ : نسبة إلى سوق عُكاظ. والعُرَك : الدَّلك، قَالَ: عَرك الجلد أي دلكه. والمُرَاد بِالنَّوَازِلِ وَالزَّلازِلِ هُنا الخطوب، والكوارث.

الإعْرَاب:

بِكِ، الأصلُ كَأنّي أبْصرك، ولما حُذف الفِعْل جيء بالبَاء، وجُملة تُمدِّينَ حَالَ مِن الكوفة، والعُكَاظِيُّ صِفة الأديم، والمَصْدَر مِن أَنَّهُ وما بعدها سَاد مسد مَفْعُولي أَعْلَمُ.

الْمَعْنَى:

(كَأَنِّي بِكِ يَاكُوفَةٌ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيّ). وهو الجلد المنسُوب إِلَى سُوق عُكاظ، وكَانَ الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَجْتَمَعُون فِيْهَا عشرين يوماً من كلّ عام يَبْتَاعون، ويُتاجرُون، وكانوا يعرضون الجلود في هَذِه السّوق بكثرة : لوفرَة الْإِبِلِ، والْغَنم عِند الْعَرَب آنذاك (1).

وَقَد تنبأ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للكوفة بأن الطغاة سوف يتسلطون عَلَيْها من بعده، ويَسُومون أهلها سُوء العذاب، وعبّر الإِمَام عَن ذَلِكَ بمد الجلد، وعَركه حِينَ الدَّبغ، وأكَده بقَوْله : (تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ، وَ تُرْكَبِينَ بِالزَّلازِلِ). وَقَد تَحققت نبوءة الْإِمَام عَلَى أَيْدِي الْأُمُويِين، وشَيَاطِينهم. وَقَالَ فِي خُطْبَة ثَانِيَة : «وَايْمُ اللّه لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّة - يا أَهْلَ الْكُوفَة - لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ» (2)، وَقَالَ فِي ثَالِثة : «تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الأَديمِ، وَتَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِيدِ» (3). (وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً، إِلا أَبْتَلاهُ اللّه بِشَاغِلِ، وَ رَمَاهُ بِقَاتِلِ). ويرجح في الظَّن أنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَا أراد التخصيص بالْكُوفَة، دُونَ غَيْرها، وقد أجمع الْعُلَمَاء عَلَى أنّ اللقب لا مفهوم له، فكلّ ظالم يلقى جزاء عمله لا مَحَالَةَ سواء أوقع ظُلمه عَلَى الكوفة أم عَلَى فِلسطين، وفيتنام.... والأخبار المنقولة عَن أَهْل البَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في أَهْل الْكُوفَة تَحتاج إِلَى تَمحيص : وكلّ خَبَر جَاء في فضل بلد من البلاد هُو محل نظر، وَلاَ نَسْتَثني إلّا العتبات المقدسة لأن المكان بالمكين، وكَانَ أَكْثَر الرواة، أو الكَثِير مِنْهُم يَضعون الْأَخْبَار في فَضل أوطانهم، ودِيارهم


1) أنظر، شَرح نهج الْبَلاغَة لمُحَمَّد عَبْدَه : 97/1، شرح نهج الْبَلاغَة لابن أبي الحَدِيد : 197/3، تاريخ اليعقوبي: 227/1، الجموع لمحبي الدِّين النووي : 76/7.

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (93).

3) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (108).

الخطبة - 48 -

بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي:

(الْحَمْدُ للّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ، وَغَسَقَ، وَالْحَمْدُ للّهِ كُلَّمَا لَاحَ نَجْمٌ، وَخَفَقَ، وَالْحَمْدُ للَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الْإِنْعَامِ، وَلا مُكَافَ الْإِفْضَالِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي، وَ أَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا الْمِلْطَاطِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي. وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ إِلَى شِرْدِمَةٍ مِنْكُمْ، مُوَطِّنِينَ أَكْنَافَ دِجْلَةَ، فَأَنْهضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ، وَأَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّة لَكُمْ).

اللُّغَة:

وَقَبَ : دَخَلَ، أو جَاءَ، وَغَسَقَت الْعَيْنِ : دَمَعَت، وَغَسَقَ اللَّيْل : اشتدت ظُلمته. وخَفَقَ اللَّيْلِ : ذَهَب أَكْثَره، وخَفَقَ النّجم : غاب. وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد الْملْطَاطِ : حافة الوادي، وشَفيره - أي أعلاه - وساحل البحر. والمراد بالنُّطْفَة هنا النَّهر. والشرذمة : النَّفَر القَلِيل. ومُوَطِّنِينَ : مُسْتَوطنين. وأَكْنَافَ : جَمع كَنَف، وهُو الظل، والجانب، والنّاحِية.

الْإِعْرَاب:

غَيْرَ مَفْقُود حال، ومُوَطِّنينَ صِفَة شِرْدِمَة، وأَكْنَافَ مَفْعُول مُوَطِّنين، ورِجْلَةَ ممنوعة من الصرف للعلمية، والتأنيث.

الْمَعْنَى:

(الْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ، وَغَسَقَ، وَالْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا لَاحَ نَجْمٌ، وَخَفَقَ، وَالْحَمْدُ للَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الْإِنْعَامِ، وَ لَا مُكَانَ الْإِفْضَالِ). قَالَ بَعْض الشارحين : إِنَّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذَكَر اللَّيْل هنا مِن أجل التنبيه إلى تعاقب اللَّيْل، والنَّهَار، وذكر النَّجم كي يُنْبه الْعُقُول إِلَى فَائدة الكَوَاكِب، أَمَّا قصده من ذكر الْإِنْعَامِ، الْإِفْضَالِ فَهُوَ عَلَى دَعوىٰ الشارح - التَّنبيه إِلَى ُوجُوب شُكر المنعم... ولَيْسَ من شَكٍّ أنّ شُكر المنعم واجب، وإِنَّ تفكّر ساعة فِي خَلق اللّه، وآثاره أفضل مِن عِبَادَةِ سِنِين (1)، ولكنَّ الإِمَام - كما يظهر - لا يُرِيد بالْحَمْدِ هُنا وهناك إلا تمجيد اللّه، وتعظيمه، وإلّا التَّبرك بأفتتاح الكلام باسمه تَعَالَى، وشُكره تماماً مِثل سُبْحَانَ اللّه، الحَمْدُ للهِ، وَلَا إله إلا اللّه، واللّه أكبر. ومِن أَقْوَاله : «الحَمْدُ للّهِ الَّذِي جَعَلَ الحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ» (2). وَقَالَ: «اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ» (3). ولكنَّ كَثِيراً مِن الشّارحِين، والمفسرِين إِذَا


1) أنظر الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 70/2 ح 2397 نحوه، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 190/7 ح 35223، تَفْسِير القُرطبي : 413/4، الكافي : 54/2 2، تفسير ابن كثير : 447/1.

2) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (157).

3) أنظر، نهج الْبَلاغة : من وَصِيَّة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) للحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتبها إِلَيْهِ بحاضرين - أسم بلدة من نواحي صفين - عند أنصرافه من صفّين رقم (31).

مرَّ بِهِمْ كَلاَم وَاضح يُفسر، ويشرح نَفْسه بنَفْسِهِ أوجدُوا مِن عِندِيَاتهم مَوْضُوعَاً للكلام، والشرح والتفسير لا لشيء إلا لأنهم شَارِحُون، ومُفسرون.

(أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي، وَ أَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا الْمِلْطَاطِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي، وَقَدْ). قِيل أنه تَكَلَّم بِهَذَا عِند خروجه مِن الْكُوفَة إِلَى صِفِّين، ومحصله أنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَانَ قد أَرْسَل مُقَدِّمَة من جَيْشَه، وَأَمَرهُمْ أنْ يعسكر وا عَلى شاطىء الفرات وَيَبقوا مُلا زمين لهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيهم إشعار مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَب قَاطِعاً النهر إِلَى المَدَائِن يَسْتَنهض أهلها ؛ لِيَنضمُوا إِلَى جَيْشَه، ويكونوا عوناً له، ومَدَداً. فقَوْله : (رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ). أي هَذَا النّهر. وقَوْله : (إِلَى شِرْذِمَةٍ مِنْكُمْ، مُوَطِّنِينَ أَكْنَافَ دِجْلَةَ). أي إِلَى أَهْل المَدَائِن، وقَوْله : (فَأَنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ). أي أسْتَنْهَضهم كي يُقَاتِلُوا مَعَكُمْ.

الخطبة - 49 -

تَشْهَدُ للّه أَعْلَامُ الْوُجُودِ:

(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ، وَ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ، وَأَمْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ، فَلا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ، وَلا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ: سَبَقَ فِي الْعُلُو فَلا شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ، وَ قَرُبَ فِي الدُّنُو فَلا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ، فَلَا اسْتِعْلَاؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ. لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، وَ لَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلَامُ الْوُجُودِ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ، تَعَالَى اللّه عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ، وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبيراً !).

اللُّغَة:

بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ : عَلِم أسرارها، يُقَال : فلان بَاطِنَ فُلاناً أَي سَارّه. وأَعْلامُ الظَّهُورِ : الأدِلّة الظَّاهِرة بنفسها المظهرة لغَيرها.

الْإِعْرَابِ:

الَّذِي بَطَنَ، صِفَة اللّه. يُطلع منن أطلع بسكُون الطَّاء لا بتشديدها، وَلاً من طَالع، وهَذَا تَعدى الفِعْل إِلَى المَفْعُول، وهو الْعُقُول.

لِلمِنْبَرِ - فِي عَظَمَتِهِ تَعَالَى :

من أراد أنْ يَعْرف عظمة اللّه وجلاله، وعلوه، وكماله فليقرأ كلمات أَهْل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأحاديثهم في هَذَا المَوْضُوع، فَهُم الأبواب، والخزنة لعلم الْكِتَاب والسُّنَّة، فلا إغلاق في تعبيرهم، وَلا إفراط في تفكيرهم... أَبَداً لا شيء فِي أَقْوَالهم إلا ما يحسه القلب، ويَسْتَسيغه العقل بمجرد سماعه، أو قراءته حَتَّى كَأَنَّهَا تُترَجم عَن إحساس الإِنْسَان، ومداركه... والمقطع الذي نَحْنُ بِصدده هُو فِي تَنزِيه الباري، وتمجيده، ويتضمن الحقائق التالية :

1 - (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ). فَهُوَ سُبْحَانَهُ يعلم الْأَشْيَاء من باطنها، وأعماقها، ومن جميع جهاتها تماماً كما هي في واقعها، وحَقِيقَتهَا مُنذ وجدت، وفي شَتَّى شُؤونَها، وأطوارها... وعلمه، جلّ ذكره. بالأشياء بعد وجودها هو بالذات علمه قبل أن تُوجد، لا تبديل فِيهِ، وَلا تَعديل.

2 - (وَ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلامُ الظُّهُورِ) أي آثارَه سُبْحَانَهُ فِي أقطار الأَرْض، والسَّماوَات... ووجه الدَّلالة فِيهَا أَنَّهَا تَخضع في طباعها لنظام لا تعدوه، وقَانُون لا تَتجاوزه. فالشَّمْس - مثلاً - تَبعُد عَن الأَرْض بنسبة مُعينة، وكَذَلِكَ الكَوَاكِب بَعْضهَا عَن بَعْض، ومثلها الضّوء، والحرارة، والضّغط، والجاذبية... لكلّ مِنْهَا ومِن غَيْرها مقدار مُعين، وَصَدق اللّه، جلّت حكمته: وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ

بِمِقْدَارِ (1).)وَقَالَ بَعْض عُلَماء الطَّبِيعَة : إِنَّ هَذَا النظام المبثوث في كلّ شيء يَسْتَحِيل أنْ يَكُون مِن عَمل الطَّبِيعَة العَمْيَاء، وآثارها، أو من الصدفة، أو أنّ النظام نَفْسه قد أستقل بإيجاد نَفْسه، وإِذَنْ لا بُد لوجوده من سَبب غَير طبيعي، وأيضاً لا بد أن يَكُون هَذَا السبب حَكِيماً عَلِيماً، وقادراً كي يَسْتَطِيع أنْ يُوجد الكَوْن بِحكمته، ونظامه.3 - (وَ أَمْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ. ولو رأته لكان جسماً، والجسم يَفْتَقِرِ إِلَى حَير بحكم العَيَان، واللّه في غِنى عَن كلّ شيء، وإِلَيْهِ يَفْتَقِر كلّ شيء (فَلا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ). لأَنَّهَا قَد رَأت خَلقه، وآثاره، فآمنت به تماماً كما تُؤمن بوجود الرسام إذا رَأت رسمه، وبوجود البَاني إِذَا رَأت بناءه، وسُئل الإِمَامِ الرّضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَن رُؤية اللّه بالْبَصَرِ ؟ فَقَالَ ما يتلخص بأنّ الرّؤية لَو كَانَتْ مُمكنة لانحصر طريق الإيمان باللّه بالرُّؤية الْبَصَرية، والمفروض أن مَا مِن أحدٍ قَد رآه سُبْحَانَهُ، فَلا يَكُون فِي الدُّنْيَا مُؤْمِن عَلَى الْإِطلاق (2)... هَذَا إِلَى أن الإيمان الَّذي يَستند إِلَى الْعَيْن يَموت بموتها، أَمَّا الإِيمان الذي يستند إلى العقل والقلب فإنَّه باقي ببقاء الْعَقْل، وخالد بخلود الرُّوح (وَلا قَلْبُ مَنْ أَنْبَتَهُ يُبْصِرُهُ) بالذات، ويُدركه بالكنه، والحَقِيقَة، وإنّما يَعرفه سُبْحَانَهُ بخلقه، وآثاره.)4 – (سَبَقَ فِي الْعُلُو فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ. والسّر هذا العلو هو الكمال المطلق من جميع الجهات، فَهُوَ أزْلي كَانَ، ولم يَكُنْ مَعه شيء، وأبدي يَبْقَی ويَغنى كلّ شيء.)


1) الوعد : 8.

2) انظر، الكافي: 95/1 شرح أصول الكافي : 182/3، المجازات النَّبَوِيَّة : 49.

وقادر لا يعجزه شيء : وعالم يُحيط بكلّ شيء، وَغَني عَن كلّ شيء (وَ قَرُبَ فِي الدُّنْوَ فَلَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ. وأي شَيْء أَقْرَب مِن الْخَالِقِ إِلَى المخلُوق، ومِن العِلْمِ إِلَى المعلوم، العالم بخفيات الأمور وما تنطوى عَلَيْهِ الصّدور ؟)(فَلأُ اسْتِعْلاؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ. بل دُنوه سُبْحَانَهُ من خَلقه، وكُونهم في قدرته، وقبضته، وفي عِلمه، وعنايته هو الذي أبعده عنهم في ذاته، وصِفاته (وَلا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ». هُو سُبْحَانَهُ قريب من عِبَادِه لأنّه يراهم ويسمعهم : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (1). وهُو تَعَالَى بَعيد عنهم لأنهم لا يرونه، وَلاَ يَسمعُونه : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (2)، ومن أَقْوَال الإِمَام : «قَرُبَ فَنَأَى، وَعَلا فَدَنَا» (3).)(لَمْ يُطلع الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ. لأنّ صِفته لا حد لها، ولا بداية ونهاية وهَل للمُطلق من حدود وقيود ؟ سمع الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) رَجُلاً يَقول : «الله أكبر. فَقَالَ له : أكبر من أي شيء ؟ قَالَ الرَّجُل : من كُلِّ شيء. فَقَالَ الْإِمَام : كَانَ اللّه ولَم يَكُنْ مَعه شيء. قَالَ الرَّجُل : فَمَاذَا أَقُول ؟ قَالَ الإِمَام : قُل، اللّه أكبر من أن يُوصف» (4).)


1) الْبَقَرَة : 186.

2) الشورى : 12.

3) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (195).

4) أنظر، توحيد الصدوق : 67 ح 20، شرح أصول الكافي: 123/3 و : 18/4، الْفُصُول المهمة في أصول الأئمة : 154/12 ح 28، ونحوه في صحيح البخاري: 73/4 و 175/8، السنن الْكُبْرَى: 3/9. فتح الباري : 206/6.

(وَلَمْ يَحْجُبُهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ. حَيْث أوجد سُبْحَانَهُ الْآيَات والبينات عَلَى وُجُودِه، وعَظَمَته، وَهِي (فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلَامُ الْوُجُودِ عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ). والمراد بأعلام الْوُجُود ما أشار إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْله : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللّه السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) (1)، أي إلّا لحكمة وغاية، لا هوا، وَلاَ عَبثاً، أَمَّا قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ» فإِنَّه يُومىء إلى أنّ الدَّلِيلِ الَّذِي يَحتج بهِ سُبْحَانَهُ عَلَى الجاحدين بوجوده، ووجوب الْإِيمَان بِهِ هُو نَفس الدَّلِيل الَّذي يَستدلون به عَلَى وجُود الْأَشْيَاء، والتصديق بها في حياتهم اليومية، وأعني الجاحدين - أنهم إذا رأوا بأعينهم كتاباً، مَثلاً، تجزم، وتَحكم عُقُولِهِمْ بوجود المؤلف، فيُؤْمِنُون، ويُصَدِّقُونَ، وَإِذَا سَمعوا بآذانهم كلاماً من وَرَاء حجاب آمنوا بوجود المتكلم ؟. واللّه سُبْحَانَهُ يَقول للجاحدين : لقد رأيتم بأعينكُم الكَوْن، وما فِيهِ من نظام، وأَحْكَام، كما رأيتم الْكِتَاب وسمعتم المُتكلّم وعقولكم في واقعها، وطبعتها تحكم بوجود المكوّن بَعد أنْ رَأتِ الْعُيُونِ الكَوْن، بل الدَّلِيل هُنا أوْضَح، وأقوى. وإذَنْ ما هو المسوغ للجحود، والإِنْكَار ؟ وكَيْفَ أعتمدتم عَلَى مَنطق الحس والعقل في إثبات ما أثبتُموه، ولَم تَعتمدُوا عَلَى هَذَا المنطق نَفْسه في إثبات الخالق، والتصديق به ؟ وما هو المبرر لهذا التناقض، وفصل الشّيء عَن نَفْسِه ؟ فإنْ كَانَ مَنطق الحس والعقل حُجّة في إثبات الشّيء، والتصديق به فَهُوَ حُجّة في كلِّ مَورد حَتَّى فِي دَلالة الكون على المكوّن، بل هو هنا أدَّل، وأقوى. وإنْ لم يَكُنْ هَذَا المَنطق حجّة في إثباته تَعَالَى عَلَى الرّغم من رُؤية)


1) الروم : 8.

الكون، ونظامه - فلا يَكُون حُجّة أيضاً في أي شيء مِن الأَشْيَاء، والقَوْل بالفَصل، والتَّجْزِئَة جَهالة، وَضَلالة... وَهَذَا الرّد والإلزام يُقر به قلب الجاحد، ويطمئن إِلَيْهِ، وإِنْ أَنْكَره بلسانه. تَعَالَى اللّه عَمَّا يَقُولُهُ الْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كبيراً.

## الخطبة - 50 -### الْحَقِّ، والْبَاطِل :(إِنَّمَا بَدْهُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَ أَحْكَامُ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيْهَا كِتَابُ اللّه. وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللّه. فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ، أَنْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِعْثٌ، وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌُ، فَيُمْزَجَانِ ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَ يَنْجُو (الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ (1).)اللُّغة:الْفِتَن : جمع فِتْنَة بكسر الفاء، ولها العديد مِن المَعَانِي مِنْهَا الإِبتلاء، والضَّلال والجنون، والفَضيحة، والمرض، والمال، والأولاد، والْقِتَال بالسلاح، والإِخْتِلاف في الآراء، وَهَذَا هُو المقصود هنا بدليل قَوْله (عَلَيهِ السَّلَامُ: «وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيْهَا)


1) الْأَنْبِيَاء :. 101.

كِتَابُ اللّهِ». والمُرْتَادونَ الطَّالبُون. والضَّغْثُ : القبضة مِن الحَشِيش يختلط فيها الرَّطْب، واليابس.الْإِعْرَابِ:عَلَى غَيْرِ دِينِ مُتعل بمَحْذُوف صِفَة لرِجَال، والمَصْدَر مِن أَنَّ الحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ.. إلخ. فَاعِل لفعل مَحْذُوف، أي : لو ثبت خلُوص الحق. وهنالك إشارة إلى المكان البعيد، وأستَعِيرت هنا للإشارة إِلَى الحَال المستفاد من قَوْله : يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا، وَمِنْ هَذَا.الْمَعْنَى:(إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاء تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامُ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيْهَا كِتَابُ اللّه. قَدمنا فِي فِقْرَة «اللُّغَة» أنّ الْمُرَاد بِالْفِتَنِ هنا اختلاف الآراء بقرينة السّياق... وكَلِمَة بَدْءُ بَعد «إنما» أداة الحصر، تدل عَلَى أَنّ مَوْضُوع كَلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يختص بأوّل اختلاف بعد رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقَع بَيْنَ الصَّحَابَة فِي الشُّؤون الدينية، والمسائل الشَّرْعِيَّة، وإنّه لا سَبب هَذَا الإِخْتِلاف إلا الأهواء، والأَغْرَاض، لأن كتاب اللّه ينطق بالحَقِّ، وقد كَانَ وَمَا زَالَ بَيْنَ أَيْدِي الْمُسْلِمِين، وإِنَّ أَهْلَ بَيْتِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كَانُوا آنذاك بَيْنَ أَظهر الصَّحَابَة، وقد أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالتمسك بهم، والرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ فِي المُعْضلات، وسَاوى بَيْنَهُمْ، وبَيْنَ الْقُرْآن في حديث الثَّقَلَيْنِ الَّذي رواه مُسْلِم، وغَيْره (1)، ولكنَّ الأهواء)


1) أنظر، صَحِيح مُسْلِم : 4 / فَضَائِل عليّ ح 36 و 37، وسُنن الترمذي : 5 / باب 32 وسنن الدارمي : 2 / فَضَائِلِ الْقُرْآن وخصائص النسائي : 50، وقد تقدم إستخراجه.

وحدَها هِي التي صرفت أهلهَا عَن طَاعَة النَّبِيِّ فِي أَهله.وقد كَانَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ هو المصدر الأول لمعرفة الحق، فَلا رَأي وَلَا إِجتهاد فِي عَهْدِهِ، وَلَا فرق، وَلاَ مذاهب، ثم اختلف الصَّحَابَة مِن بَعده في العديد من المسائل، لو جمعت لأستوعب عشرات الصفحات، وكَانَ اختلافهم هَذَا سَبباً لما بحثه السُّنَّة فى كُتب صول الفقه من أن قول الصَّحَابِي هَل هُو حجّة تماماً ككتاب اللّه، وسُنّة نَبِيِّه ؟. وَإِذَا أختلف الصَّحَابَة فبأي الأقوال يجب الْعَمَل ؟ قَالَ الغزالي : «ذَهَب قَوْمِ إِلَى أَنّ قَول أَبي بَكْر، وعُمَرَ مُقدِّم، وحُجّة لأزمة، وَقَالَ آخرون : بل قول الخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَة» (1). ثُمَّ ردّ الغزالي عَلَيْهِمْ بأنَّ الصَّحَابَة قَد أتفقُوا عَلَى مُخالفة الصَّحَابَة، وصرحوا بجواز الإجتهاد، وَقَالَ: «لقد أختلف أبو بَكْر، وعُمَرَ فِي التّسوية فِي الْعَطَاء فأيهما نتبع ؟» (2).)وَهَذَا الإِخْتِلاف لا أثر له عند الإِمَامِيَّة، لأنهم فِي غِنى عَنْهُ بِحَدِيث التَّقَلَيْنِ الَّذِي جعل أَهْل الْبَيْت عِدلاً لِلْقُرْآن.ومِن المسائل التي أختلف فيها الصَّحَابَة مسألة المتعة (3، ونقل الغزالي: «أن أبا


1) أنظر، الْمُسْتَصفى لِلغَزالي : 168 (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، والأصول العامة للفقه المقارن للسيد مُحَمَّد تقي الحكيم: 139.

2) أنظر، الْمُسْتَصفَی لِلغَزَّالي : 169، الفصول في الأصول للجصاص : 309/30 و : 54/4، المحصول للرازي : 131/6، روضة الناظر : 148، إرشاد الفحول : 203.

3) قَالَ الشيخ. في كتابه الفِقْه عَلَى المُذَاهِب الخمْسَة، والذي حققناه، وَطَبَعَته مؤسسة دار الكِتاب الإسلامي : 110/22 ما خلاصته : (هُنا حَقِيقة يجهلها الكَثِيرُون، وإنّي أشكر من سألني الكِتابة في هَذَا الموضوع، حَيْث أتاح لي الْفُرْصَة لبَيَان هَذِه الحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة، والتاريخية، وسأتوخى الاختصار ما أستطعت، عَلَى أنْ أكون رَاوِياً، وناقلاً، لا مُقرطاً، ولا ناقداً، بل أدعُ الحكم للقارئ وحده، ولا أقطع عَلَيْهِ الطَّرِيق بالتَّخْطِئَة، أو التصويب.)قَالَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أن نكاح المتعة كَانَ حَلالاً بحكم الرَّسُول، وأن المُسْلِمِين تمتعوا فِي عَهْدِه، ولَكِنَّهُمْ أختلفوا في ثبوت النسخ، فَقَالَ السُّنَّة : إِنَّ المتعة نُسخت، وحرمت بعد أن كَانَتْ حَلالاً. كما جاء في المغني: 644/6، الطبعة الثالثة، صحيح مُسْلِم : 1027/2، كتاب الأم : 79/5، أحكام الْقُرْآن للجصاص : 150/2، السنن الْكُبْرَى : 201/7، الجموع : 429/16، المَبسُوط للسَّرْخَسِي : 152/5. وأنظر، من يحضره الفقيه : 297/3، الكافي : 465/5، الوَسَائِل : 442/14، الإِسْتِبْصَار : 150/3، التذكرة : 646/2.قَالَ الشّيعة : لم يثبت النسخ، كَانَتْ حَلالاً، ولم تزل كَذَلِكَ إِلى يَوْم الْقِيَامَة. ومما استدل به الشيعة الآية : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ كِتَابَ اللّه عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِى مِنْهُنَّ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَراضَيْتُم بِهِ‌ی مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا النِّسَاء : 24.)و ما رواه مسلم في صحيحه «أستمتع الأصحاب في عهد رَسُول اللّه، وأبي بَكْر، وعُمَرَ». أنظر، صَحِيح مُسلم : 1023/2، الإصابة : 63/2، الموطأ : 542/2، سُنن النسائي : 67/6. كنز العمال : 520/16.وزواج المتعة زواج إلى أجل معين، وهو عند الشيعة كالزواج الدائم لا يتم إلا بعقد صحيح دال عَلَى قصد الزواج صراحة، وكلّ مقاربة تحصل بين رجل وإمرأة من دُونَ عقد، فلا تكون مُتعة حَتَّى مَع التراضي، والرغبة، ومتى ثُمَّ العقد كَانَ لازماً يجب الوفاء به.وَلاً بد في عقد المتعة من ذكر المهر، وهو كمهر الزَّوْجَة الدائمة، لا يتقدر بقلة، أو كثرة، ويسقط نصفه بهبة الأجل، أو أنقضائه قبل الدخول، كما يسقط نصف مهر الزَّوْجَة الدائمة بالطَّلَاقِ قبل الدّخول.وَعَلَى المتمتع بها أن تعتد بعد انقضاء الأجل كالمطلقة، سوى أن المطلقة تعتد بثلاثة أشهر، أو ثلاث حيضات وهي تعتد بحيضتين أو خمسة وأربعين يوماً، أما عدة الوفاة فأربعة أشهر، وعشرة أَيَّام كالزَّوْجَة الدائمة سواء حصل الدّخول، أو لم يحصل.ووَلَد المتعة ولد شرعي له جميع ما للأولاد الشرعيين من غَير أستثناء لحقِّ من الحقوق الشَّرْعِيَّة. والأخلاقية.ولا بد في المتعة من أجل معين، يذكر في متن العقد، ولا ترث الزَّوْجَة المتمتع بها من تركة الزوج، وَلاَ تجب لها النفقة عَلَى الزوج والزَّوْجَة الدائمة ها الميراث والنفقة ولكن للمتمتَّع بها أن تشترط عَلَى الزوج ضمن العقد النفقة، والميراث، وإذا تم هَذَا الشرط كَانَتْ الزَّوْجَة من المتعة كالزَّوْجَة الدائمة. أنظر، صَحِيح مُسْلِم : 1023/22، الإصابة : 63/2، الموطأ : 542/2، سنن النسائي : 67/6، كنز العمال: 520/16.هَذَا، ولكن شيعة لبنان وسوريا والعراق، لا يستعملون المتعة، عَلَى الرّغم من إيمانهم بجوازها وإباحتها، وهذه المحاكم الشَّرْعِيَّة الجعفرية في لبنان لم تجر، ولم تأذن بزواج المتعة منذ إنشائها إلى الْيَوْم.

مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ كَانَ يَقول : النَّوْمِ لاَ يَنْقُض الوضوء !» (1وكَانَ هَذَا الْأَشْعَرِي مِن أَصْحَابِ رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وبالمناسبة أشير إلى شيخاً أَفغَانِياً سَألني فِي بَلدة قُم عَن قَوْله تَعَالَى : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ امَنتُم باللّه وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) (2). وَقَالَ الشيخ : إِنَّ ظَاهر الآية يدل عَلَى وجُوب الخمس فِي كُلّ غَنِيمَة أيّاً كَانَ سَببها، ولكنْ مَا نُقل ناقل أنّ الخُلَفَاء بَعد رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَخَذُوا بعمُوم هَذَا الظَّاهِرِ، وشموله لجميع الغنائم، والمكاسب سواء أكان سببها الحَرْب، أم الْعَمَل، والتِّجَارَة كما يقول الإِمَامِيَّة ؟.)قُلْتُ لَهُ : آنذاك : الْعِبْرَة بقُوَّة الدَّلِيل حَتَّى يَثبت العكس، وَلاَ شَيء فِي الْكِتَاب والسُّنَّة يُعارض ظاهر الآية، أو يُخصصه، وإذَنْ يَجب الأخذ به، والإعتماد عَلَيْهِ، وإِنْ أعْرَض عَنْه من أعْرَض... وبعد أشهر من جوَابي هَذَا قَرأت أن أمير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ لجماعة من أَهْل بَيْتِه، وخَاصَّة شيعته : «إِنَّ الْوُلَاة السابقين قد عملوا أعمالاً خالفوا فِيهَا رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ثم ذكر الإِمَام مِن هَذِهِ الْأَعْمَال تَقسيم الْعَطَاء، وبالتفاضل والتفاوت، ومُتعة الحج، والنِّسَاء والمَسح عَلَى الخفين،)


1) أنظر، المُسْتَصقَ : 147 (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، الأحكام للآمدي : 236/1.

2) الأنفال : 41.

والطَّلَاقِ عَلَى غَيْرُ السُّنَّة وبلا شُرُوط، وصَلاة النوافل جَمَاعَة فِي بَعْض الحالات الممنوعة، ثُمَّ قَالَ الْإِمَام : «نَحْنُ واللّه ذُو القُربى الَّذِين عناهُم اللّه في الآية، لقد قَرننا سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ وبِرَسُوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فَقَالَ : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (1)رَحمَة مِنْهُ لنا، وغِنىً أَعْنَانا اللّه بهِ، ووَصى به نَبِيَّه، ولم يجعل لنا في سَهم الصَّدَقَة نَصِيباً، أكْرَم اللّه رَسُوله، وأكرمنا أَهْل البَيْت أَنْ يَطعمنا من أوساخ النَّاس فكذبُوا اللّه ورسوله» (2).)قرأت هَذَا فأدركت أن الدافع الأَوَّل عَلَى تجاهل آية الْأَنفَالِ، والإعراض عَنْهَا هو أن هذه الآية كَرمت وفضلت أَهْل الْبَيْت عَلَى الصَّحَابَة، وغَيْرُ الصَّحَابَة... وأدرَك حَسَدة الفضيلة، وأهلها أنهم لو عملوا بهذه الآية لعمل المُسْلِمُون بِها جَميعاً إِلَى آخر يَوْم، ومَعْنَى هَذَا أَنْ تَطغى عظمة أهل البيت، ومكانتهم عَلَى شَخصية الخُلَفَاءِ، وغَيْر الخلفاء، فأهملوها ليُهملها النَّاس من بعدهم، ويَبْقیَ هُمْ شيء من الذكر، والإحدوثة.وأَتَمنى لو تُتاح الْفُرْصَة لي، أو لأي كاتب من ذَوِي الكفاءة أَنْ يَبحث، ويُنقب في آثار أَهْل البَيْت وأَقْوَالهم عَن الأَسْبَاب المباشرة لإهمال ما أُهمل من نصوص الكِتاب، والسُّنَّة، ثُمَّ يَجْمَعها في كتاب مُستقل، وكُنت قد كتبت فِي بَعْض ما أَلفت أنّ أَهْل البَيْت في علومهم تماماً كالكَوْن في كنوزه، وأسراره كلّما اكتشف الْعُلَمَاء مِنْهَا


1) الأَنفَالِ : 41.

2) أنظر، روضة الكافي للشيخ الكليني : 63/8 ح 21 (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)) و : 538/1 ح 1، وكتاب سليم ابن قيس: 723 ح 18، التهذيب : 126/4 ح 3، بحار الأنوار: 175/34 ح 978 و : 203/96 ح 21، المعتبر للحلي : 630/2، شرح أصول الكافي : 394/11، الوَسَائِل : 512/9 ح 7.

سراً طويت عَنْهُم أسرار، وأسرار.(وَ يَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ اللّه. ضَمِيرِ عَلَيْهَا يَعود إِلَى الْأَحْكَام المبتدعة، والمَعْنَى أنّ أهل الأهوَاء يَستَعِينُون برجَال عَلَى شاكلتهم لترويج ما يَبْتَدعون في دين الإسلام، ويُخالفون من الأَحْكَام (فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، وَ لَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ). قد يَكُون الحَقِّ وَاضحاً من جميع جهاته كقُولنا : النَّاس سَوَاسِية أمام القانون، ولكلّ فَرد الْحَقِّ فِي صِيانة حُرِّيته، وكرامته من غَيْر تَمييز... وقد يَكُون الْبَاطِل كَذَلِكَ مِثل : لكلّ قوّي أنْ يَسْتَعَلي عَلَى الضَّعِيف، ويُسخره فيما مِن يشاء مصالحه بلا سؤالٍ، وخرج، وقد يَكُون فِي الحَقِّ جهة سلبية تُقربه فِي الظَّاهِر مِن الْبَاطِل، فَيلتبس عَلَى كَثِير مِن الجَهْلة كالذِينَ أَنْكَرُوا الْمَعَاد، وقَالُوا : ﴿أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمًا أَعِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (1). وقَد يَكُون فِي الْبَاطِل جهة إيجابية - ظاهراً - تغر الناظرين كأعمال السحر والشعوذة التى عملها سَحرة فِرْعَوْنَ : (فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (2).)وفِي مِثل هَذِه الحال التي يلتبس بها الْبَاطِل بالْحَقِّ يَغْتَنمَ الْفُرْصَة الَّذِينَ فِي قَلبهم مَرض، فيبثون الدعايات الكاذبة للباطل عَلَى أنّه الحق الذي لا ريب فِيهِ... وَقَد ينخدع بها الأبرياء السُّذج فَيتبعون البَاطِل من غَير قصد. والعالم يتثبت، وَلاَ يُسرع إلى الأخذ بالظواهر إلا مع الفحص والتدقيق، والنظر إِلَى الْبَاطِن قَالَ الْإِمَام : «إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللّه هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى


1) الواقعة : 47.

2) الْأَعْرَافِ : 116.

ظَاهِرها» (1.)والخلاصة : لو أتضح الْبَاطِل من كل وجه لما انخدع به إِنْسَان، وأيضاً لو أتضح الحَقِّ كَذَلِكَ لأحْجم المبطلون عَن الألأعِيب، والأكاذيب خَجلاً، أو وَجِلاً (وَلَكِنْ يُؤخَذُ مِنْ هَذَا ضِعْثٌ، وَ مِنْ هَذَا ضِعْثٌ فَيُمْزَجَانِ. أي أنّ الَّذي طلب اللْحَقِّ فأخطأه نَظر إِلَيْهِ من جهة وَاحِدَة وَهِي التي التَّبس بها مع الْبَاطِل ظَاهراً، ولَو نَظر إِلَى الْحَقِّ مِن شَتّى جهاته، وتثبت، وحقق لأدركه. أَمَّا مَن طَلب الْبَاطِل فأدركه فإنَّه يَتستر بالجهة الَّتي التَّبس بها مع الْحَقِّ، ولَوْلاَها لأفْتَضح، ولعن بكلّ لِسَان وما وَجد مَن يَعتذر عَنْه بأنّه إجتهد فأخطأ (فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِى الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ). وهُم المدلسون الذين سحروا أعين النَّاس بالتمويه، والتضليل (وَ يَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللّه الْحُسْنى). وهُم الَّذِين عرفوا الحَقِّ، وصراطه القويم، وَلا يَخدعهم عَنْه مُنافق، ومُضَلل.)


1) أنظر، نهج البلاغة : 101/4، الْحِكْمَة (432).

## الخطبة - 51-### الْحَيَاة مع الذُّلِّ مَوْت:(قَدِ أَسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُوا عَلَى مَذَلَّةٍ، وَ تَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ، أَوْ رَدُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَشْهُورِينَ، وَالْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ. أَلَا وَإِنَّ مُعَاوِيَة قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ، وَ عَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّة.)اللغة:أَسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ : طَلَبُوه مِنْكُم. وُلمَةً - بضم اللام، وفتح الميم مع التخفيف -جماعة قلَيْلَةٍ، وَعَمَّسَ : أخْفَی، وتجاهل ولأَغْرَاض : الأهداف.الإعراب:أسْتَطْعَمُوكُمْ أي أسْتَطعمُوا مِنْكم، والْقِتَالَ مَفْعُول، وتَرْوَوْا مَجزوم جواباً لـ (قِرُّوا، والْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مُبْتَدَأَ، وخَبَرَ، ومَقْهُورِينَ حَال من ضَمِير المخاطبين،)

ومثله وَالحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ وأَلا أداة تنبيهالْمَعْنَى:سار مُعَاوِيَة بجيْشَه حَتَّى انْتَهى إِلَى صِفِّين، فعَسكر عَلَى شَرِيعَة الفُرات، وأقبل جيش الإمام، ونَزَل بإزَاء أَهْل الشَّام، فَمَنعُوهم من الماء، وأرسل الإمام سفراءه إِلَى مُعَاوِيَة يَطْلُبُون إِلَيْهِ أَنْ يُخلي الماء حِرِّاً للجميع، فأصر عَلَى الإِمتناع، وَقَالَ لهُ أبن العاص : إِنَّ عَلِيَّاً لنْ يَظمأ، وأَنْتَ رَيَّان، فأعرض، ونَأى، وبعد الْيَأْس قَالَ الْإِمَام لأصحابه : (قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ أي أنّ مُعَاوِيَة، وجَيْشَه يَطْلُبُونَكم للقتال، فتهيأ وا لهُ إلَّا (فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ، وَ تَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ). إذا لم تُجَاهدوا بأرواحكم فَقَد تنازلتُم عَن كرامتكُم، وأعترفتُم بالذُّلِّ عَلَى أَنْفُسِكُمْ.)(أَوْ رَوّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ، تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ. لَقَد أَبي عَدُوِّكُم إِلَّا أَنْ يُميتكم عَطشاً، أو تأخذ السُّيوف من دَمه مأخذها، وإذَنْ هُو الذي أباح لكُم دَمه (فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَ الْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ). فَرق بَعِيد بَيْنَ أَنْ تَعِيش مَع وَحش كاسر لا يرضيه إلا أرغامك، وإذلالك، وبَيْنَ أنْ تَموت قاهراً لهذا الوحش في سَبِيل كرامتك... إِنَّ مؤتك هَذَا هُو الْحَيَاة، وحياتك تِلك هي الموت بالذات... ولا أعرف صُورة لكرامة الإنسَان أَكْثَر إشراقاً من هذه الصورة: «المَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ» قهر المذلة، والرّق، والْغَلَبَة (وَ الْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ) لأعدى أعدائكم، وأَعْدَاء اللّه، والإِنْسَانية... أَبَداً لا فرج، وَلا كرامة إلا بالإسماتة لردع الطغاة العُتَاة.)(أَلا وَ إِنَّ مُعَاوِيَة قَادَ لُمَةٌ مِنَ الْغُوَاةِ، وَ عَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ. كَانَ يَنشر قيص)

عُثمان، ويتظلم للْحَقِّ، والعَدْلِ كَذِباً، ونفاقاً، وصدقه أهل الشام (حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّة وقتلوا أنفسهم لأجل مُعَاوِيَة، وبدعه، ومُفترياته.)وبعد هذه الخُطْبَة، أو هَذَا التّحريض مال جيش الإِمَام عَلَى أعدائهم، وأضطرُ وهم إلَى تَرك الشَّرِيعَة، فَسِيطر عَلَيْهَا الْإِمَامِ، وَأَلَحَ عَلَيْهِ جَمَاعَة مِن أَصْحَابِهِ أنْ يَمنع مُعَاوِيَة من الماء كما منعه، فأبى، وَقَالَ: «لا أفْعَل ما فعله الجَاهِلُون !! سنعرض عَلَيْهِمْ كتاب اللّه، ونَدعُوهم إلى الهُدَى، فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ»(1.)


1) أنظر، مِنْهَاج الْبَراعَة : 310/4، شرح المختار : 46، وَقْعَة صِفِّين : 539، الْفُصُول المهمة لابن الصباغ بتحقيقنا : 447/1 و 497. ولكن الشيخ (قدّس سِرُّه)أورد ذَلِكَ بلفظ : «إنَّ اللّه سُبْحَانَهُ أجرى هَذَا الْمَاء المالكي، ليشرب مِنْهُ الجميع، لا ليستأثر بهِ فَرِيق دُونَ فَرِيق».

## الخطبة - 52 -### أَزْمِعُوا الرَّحِيلَ... فِقْرَة 1 - 3 :(أَلا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ نَصَرَّمَتْ، وَ آذَنَتْ بِانْقِضَاءِ، وَ تَنكَّرَ مَعْرُوفُهَا، وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ، فَهِيَ تَحْفِرُ بِالْفَنَاءِ سُكَانَهَا، وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا، وَقَدْ أَمَرَّ فِيْهَا مَا كَانَ حُلُوا، وَ كَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الْإِدَاوَةِ، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ، لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللّه الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ، وَلا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الْأَمَلُ، وَلا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيْهَاالْأَمَدُ (1.)فَواللّه لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلِهِ الْعِجَالِ، وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ، وَجَأَرْتُمْ جُوَّارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ، وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اللّه مِنَ الْأَمْوَالِ، وَ الْأَوْلَادِ الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي أَرْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ (2.)وَ تَاللَّهِ لَوِ أَنْمَانَتْ قُلُوبُكُمْ أَنْمِيَاثَاً، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ، أَوْ رَهْيَةٍ مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةُ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ عَنْكُمْ - وَ لَوْ لَمْ تُبْقُوا

540شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ - أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ، وَ هُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلْإِيمَانِ (3).)اللُّغَة:تَصَرَّمَتْ : انْقَطعَت، أو فنيت. وَآذَنَتْ : أَعْلَمت. وَتَنَكَّرَ : تَغَيَّر. وحَذَّاءَ :مُسْرِعَة. وَتَحْدُو : تسوق، والسَّمَلَةٌ : بَقيَّة الماء. والْإِدَاوَة : إِناء الماء. والمُقْلة : حَصَاة تُوضع في الإِناء لقسمة الماء بالسوية بَيْنَ الأفراد إذا قلَّ، فَيَصُب الماء حَتَّى يَغْمرها، فيتناول كلّ فَرد مقدار ما غَمَر الحَصاة. وتَمزَّزَهَا : رَشفها رَشفَاً خَفِيفاً. الصَّدْيَانُ : العطشان. ولَمْ يَنْقَعْ : لم يسكن عطشه، أو لَمْ يَرو. وأَزْمِعُوا : عَزَمُوا. والوله : جَمع وَالّه، وَوَلّهَان أي حَزِين. والْعِجَالِ - بكسر العين - جمع العجول، والوَالّه، والعَجُول من الأبل النّاقة التى فقدت ولدها. وهديل الحمامة : نَوْحَها. والجُؤارَ : رَفع الصَّوْت. والمُتبتِّلِ : الَّذي أَنْقطع للْعِبَادَةِ. وأنماثَتْ : ذَابَتْ.الْإِعْرَاب :حَذَّاءَ حَال مِن ضَمِيرِ الدُّنْيَا فِي أَدْبَرَتْ، وكَسَمَلَةِ الكَافِ بِمَعْنَى مِثل صِفَة لسَمَلَة، ومِثلها الكاف فِي «كَجُرْعَة»، والتماس مَفْعُول مِن أجله لخَرَجْتُمْ، واللام فِي لَكَانَ قَلِيلاً وَاقِعة في جوَاب لَوْ حَنَنْتُمْ ورَهْبَة مَفْعُول لأجله، ودَماً تَمييز ومَا الدُّنْيَا «مَا» مَصْدَرِيَة ظَرفية أي مُدَّة بقاء الدُّنْيَا، ومَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ جواب لو أنمَاثَتْ، وأَنْعُمَهُ مَفْعُول ِبهِ لجَزَتْ، والْعِظَامَ صِفَة للأنْعُمْ، وَهُدَاهُ عَطف عَلَى أَنْعُمَه، والضَّمِيرِ لَهُ جَلّ ذكره.

الْمَعْنَى:(أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَ آذَنَتْ بِانْقِضَاءِ، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا، وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ، فَهِيَ تَحْفِرُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا، وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا. تَكَرَّر هَذَا المَعْنَى مَرَّات، ويتلخص بقَوْله تَعَالَى: (مَتاعُ الدُّنْيَا قَلِيلُ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) (1). وقَوْله : (أَنَّمَا الحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ) (2). (وَقَدْ أَمَرَ فِيْهَا مَا كَانَ حُلُوا، وَكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً). والمُرَاد بالحلو الَّذي صار مُرّاً، والصَّفو الَّذي صَار كَدِراً - أَيَّام الطفولة، والشَّبَاب، ولحظات النَّشوة، والفَرح، وفي المنام كليْلَة عُرس، أو ساعة أنس مع صديق قديم، أو مُحدث لَبْق حَوْلَ الموقدة فِي لَيْلَة عَاصِفة، أو نظرة إلى أنعكاس الأضواء عَلَى الْمَاء، أو إِلَى صُورة ناطقة، أو جنّة ضَاحِكة، أو مُتعة بقراءة كتاب يُحدثك عن الأخطاء في تفكيرك أنتَ لا في تفكير أفلاطون، وأَرسطو (3)... إلَى كَثِير من هذه الطَّيِّبَات العابرَات... ولَكِنَّهُ لا تُوقظ إحساسنا بلذة الحَيَاةِ حَتَّى يَصطدم بألف ألمٍ، وَأَلم. (فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الْإِدَاوَةِ، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ). وَمِثله : «فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبَابَةٌ كَصْبَابَةِ الْإِنَاءِ» (4)(لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ). لو أَرتَشف الظمآن البقية من الماء لو يرتو، وكَذَلِكَ عُمر الإِنْسَان وإِنْ طَال، وانْتَهَب فِيهِ جَمِيع


1) النِّسَاء : 77.

2) الحديد : 20.

3) هو فيلسوف يوناني، ومربي الإسكندر ومؤسس فَلْسَفَة المشائين، أثر في الفكر العربي بعد أن تُرجمة كُتبه كالمقولات، والمجدل، والخطابة، وَالسَّيَّاسَة إلى اللُّغة اللغة العربية.

4) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ 42.

الملذات فما هُو بشيء إلّا إِذَا كَانَ وَسِيلة للنَّجاة : (لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (1)، وَتَكشف فِيهِ الأسرار (فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللّه الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ). أي أعزمُوا مِن الآن عَلَى السفر إِلَى الْآخِرَة بزَادٍ كَافٍ، وَافٍ (وَلا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيْهَا الْأَمَلُ). فَإِنَّه يُسْيِي الْعَقْل، ويُنْسِي الْآخِرَة (وَ لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيْهَا الْأَمَدُ). لأنّ كُلُّ آتٍ قَرِيبُ... و من حِكَم الإِمَام : «نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنقَضِ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ» (2). وهَذِه الحكم، وأمثالها ذَائِعة شَائِعة، ولَكِنَّهُ لا تُحرك النَّفس إِلَى شيء - في الغالب - سوى خَلجَة، أو صورة تمرّ بالقَلْب، أو الْفِكْر، ثُم يَنْتَهي كلّ شيء... أجل، هِي حُجّة ظاهرة، لا تدع لمقصرٍ من عُذر.

لِلمِنْبَرِ - فِي البَذْلِ، والشُّعُور بالمُطلَق :

(فَواللّه لَوْ حَنَتْتُمْ حَنِينَ الْوُلِهِ الْعِجَالِ، وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ، وَجَأَرْتُمْ جُوَّارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ، وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اللّه مِنَ الْأَمْوَالِ، وَ الْأَوْلادِ، أَلْتِمَاسَ الْقُرْيَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ، وَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ). لو أنّ رَجُلاً يَملك آفَاق الْأَرْض، والسَّماء، وَأَصَابَه أَلم لا يصبر عَلَيْهِ يُلازمه فِي لَيلِهِ، ونَهاره، ولم يجد لتسكينه، أو تخفيفه حيلة، لو حدث هذا السَّخت نفسه بكلّ ما يملك من أجل شفائه، وخلاصه حَتَّى ولو كَانَ أَشَّح خَلق اللّه، وعاش فَقِيراً مُعدماً عَن طيب قلب... وإنْ أنْسَدت السبل في وجهه أنتحر، واستراح بالموت من ألمه، كما حدث لكثيرين، وإِذَنْ فا


1) إِبْرَاهِيم: 42.

2) أنظر، نهج البلاغة : 16/4 الحكمة (74 و 75).

بال من يُؤْمِن بِلقَاء ربّه، وَعِقابه لا يفتدي نَفْسه بكل عزيز، وينقي هَول جَهَنَّم وعذابها، وأدنى شَيْء مِنْهُ أشدُّ، وأقسى من آلام الدُّنْيَا مُجتمعة ؟ إِنَّ أَنْعُم الحَيَاة الفَانِية لا تُقاس باليَسِير اليَسِير مِن ثواب اللّه، وَلا آلامها تُقاس بالقَليل الخفيف من عذَابه ؟. ما بال هَذَا الْمُؤْمِن يَحرص عَلَى دُنْيَاه مَع عِلمه، وَيَقِينه بأنّه يترك ما جمع للوارث، والحوادث ؟.

هَذَا، إِلَى أَنَّ اللّه سُبْحَانَهُ كَلَّفَ يَسِيراً، وأعْطَى عَلَى القَلِيل كَثِيراً، وما أمرَ أنْ يخرج الإِنْسَان مِن جَميع ما مَلك، وجمع : ثُمَّ يَتَكَفف النَّاسَ، وَيَصِير عَالة عَلَيْهِمْ، كلاً بل أمَرَه بِالْعَمَل الدُّنْيَاه، وآخرته، وأنْ لا يبغي فِي الْأَرْض فساداً، فَلا يَغدر، ولا يمكر، ولا يظلم، وَلا يَحتال، وأنْ يتعاون مع أي إِنْسَان يَحتاج إِلَى عَونه، وخَير عِند اللّه سُبْحَانَهُ مِن بَذل الملايين أنْ نُهيء للمُحتاجين أعمالاً تُناسب كفاءاتهم حَتَّى يَشعرُ وا بِقِيمَتهم، وَلا يَحسوا بأنهم عَالة عَلَى أَحدٍ.

وَقَد تنازل أفراد عَن جَميع ما يَملكُون فِي سَبِيل اللّه فَنهَاهُم النَّبِيِّ، وزَجَرهُم... جَاء إِلَيْهِ رَجُل مثل البيضة من ذهب، وَقَالَ له : «يا رَسُول اللّه ! خُذها صدقة، فواللّه لا أملك غيرها، فأعرض النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِن بَيْنَ يَدِيهِ أَعاد القَوْل، فَقَالَ لَهُ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : هاتها مُغضباً، فأخذها مِنْهُ، ثُم حذفه بها، وَقَالَ يَأْتِيني أحدكم بماله، ولا يملك غَيْره، ويجلس يتكفف النَّاس، إنما الصَّدَقَة عَن غِنى، خُذها لا حَاجَة لنا فيها» (1).

(وَ تَاللَّهِ لَوِ أَنْمَاثَتْ قُلُوبُكُمْ أَنْمِيَاناً، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ، أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ


1) أنظر، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين: 544/1، سُنن أبي داود : 389/1، سُنن الدارمي: 391/1، مُسند أبي يعلى : 65/4 ح 2084، صحيح ابن خزيمة : 98/4، تاريخ دِمَشْقِ : 5/33.

دَماً، ثُمَّ عُمَّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةُ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ عَنْكُمْ، وَ لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ، وَ هُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلْإِيمَانِ) أي لو أَنْ إِنْسَانَاً عَاشُ فِي عُمَرَ الدُّنْيَا مِن بدايتها إلى نهايتها، وأنقطع إِلَى اللّه وحده، وعَبْدَه حَتَّى ذَاب قَلْبَه ذوبان الملح في الماء، وسالت عيناه دِماءً لا دموعاً، وما أبقی لديه من جهد رغبة في ثواب اللّه، ورَهْبَة من عقابه، لو وُجد هَذَا العَابد ما كَانَتْ عِبادته بكَمّها، وكيفها تعدل شَيْئَاً مِن نِعم اللّه، وهدايته للإيمان.

ونَتَسَاءل : مِن أي نَوْع هَذَا الإحساس بعظمة الخالق، وأفضاله ؟ وبأي شيء يحد ؟ وما هو أصْله، ومَصْدَره ؟ أَمَّا أنا فالَّذي أتصوره إِنَّ إحساس علي بعظمة اللّه لا حد له، والسّر واضح - فيما أعتقد - وهو أنه إحساس طبق الأصل عَن الكَمال المُطلق، وَإِذا لم يَكُنْ للأصل حد فصورته كَذَلِكَ... إنْ كَانَ للمُطلق صُورة ولو في عالم الشُّعُور، والتصور... أَمَّا مَصْدَره فما هُو مِن نَوع التفكير، لأنّ التّفكير، والتأمل مِن شُؤون الْعَقْل، والعقل لا يُدرك المطلق لأنّ الْعَقْل مَحْدُود، وإنما هو - أي إحساس عليّ بعظمة اللّه - منحة خَاصَّة من خالق الْعَقْل لا مِن غَيْره : ذَلِكَ فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللّه وَاسِعٌ عَلِيمٌ (1).)


1) الْمَائِدَةِ: 54.

## الخطبة - 53 -### الأُضْحِيَّة:(وَ مِنْ تَمَامِ الأُضْحِيَّة اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا، وَسَلَامَةُ عَيْنِهَا، فَإِذَا سَلِمَتِ الْأُذُنُ، وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الأُضْحِيَّةُ، وَ تَمَّتْ، وَلَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى الْمَنْسَكِ.)اللُّغَة:الأُضْحِيَّة : شَاة ونحوها من الأَنْعَام يُضحى بها. والشّاة العضباء : مكسورة الْقَرْن، والْمُرَاد بِالْمَنْسَكِ هُنا المذبح.الْمَعْنَى:الأُضْحِيَّة واجبة، ومُسْتَحبة، ويشترط في الواجبة أَنْ تَكُون تَامة الخلقة، فقد روى الإِمَام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ عن جده رَسُول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنه قَالَ: «لا تُضَحي بالعرجاء، ولا)

بالعجفاء، وَلاً بالخرقاء، وَلاً بالجداء، وَلاً بالعضباء»(1. والمراد بالعَجفاء الهزيلة وبالخرقاء التي لا أُذن لها، أو مخرُوقة الأذن، وبالجذَّاء مقطوعتها، وبالعضباء مكسورَة القَرْن.)### وأَسْبَاب الوجوب أَرْبَعَة :1 - حَج التمتع قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (2). 2 - إِذَا حَلق الْمحَرِّم رَأْسَه لضرورة فَعَليهِ كُفَّارة مُخيراً بَيْنَ صِيام ثلاثة أَيَّام، أو إطعام ستة مَساكِين، أو التّضحية، قَالَ تَعَالَى : (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ‌ى أَنَّى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (3)والمراد بالنسك هنا الأُضْحِيَّة.

3 - إذا أصطاد الْمحَرَّم فَعليه مِثل ما قتل مِن النِّعَمِ، قَالَ تَعَالَى: وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ(4).)4 - هدي الحصر قَالَ سُبْحَانَهُ : (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (5).والمراد بالإحصار هنا الحبس أي إذا أحرمتم للحج، أو العُمرَة، ثُم مَنْعَكم مانع من إكمال الْعِبَادَة عَلَى وَجهها الشرعي مِن مَرض، أو عَدُوّ، وما إِلَيْهِ فَعَلَيْكُمْ أنْ تَذبَحُوا ما تيسر.)


1) أنظر، منتهى المطلب : 740/2، الحدائق الناضرة : 92/17، سُنن الترمذي: 85/4 ح 1497، تُحفة الْأَحْوَذي : 67/5، علل التّرمِذي للقاضي : 264/1 ح 446.

2) الْبَقَرَة : 196.

3) البَقَرَة : 196.

4) المَائِدَةِ : 95.

5) الْبَقَرَة : 196.

ولا يُشترط في الأَضْحِيَّة المُستحبة ما يُشترط في الواجبة، وأَيَّام الأُضْحِيَّة المستحبة أَرْبَعَة لَمَن كَانَ فِي مِنى يَوْمِ العِيد، والأَيَّام الثلاثة الَّتي تَلِيه، وتُسمى بأَيَّام التَّشرِيق، ولَمَن كَانَ فِي غَيْر مِنى يَوْمِ العِيد، والحادي عشر، والثَّانِي عَشر، وأفضَل سَاعَات الأَضْحِيَّة من يَوْمِ الأَضْحَى بَعد طُلُوعِ الشَّمْسِوتمام الكلام عَن الأُضْحِيَّة فِي كُتب الفِقْه، والظَّاهِرِ أَنْ كَلاَمِ الْإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ هُنا يَخْتَص بالأُضْحِيَّة المُسْتَحَبة (1).


1) قَالَ الْمَالِكية، والحَنَفِيَّة : إِنَّ الأُضْحِيَّة واجبة عَلَى كُلّ أَهْل بَيْت في كلّ عام كما هي الحال بالقياس إلى زكاة الفطر.)وَقَالَ الْإِمَامِيَّة، والشافعية : إِنَّ أَيَّامِ الأُضْحِيَّة المستحبة في منى أَرْبَعَة : يَوْم العيد، والثلاثة التي تليه، وَهِي أَيَّام التشريق، أَمَّا فِي غَيْر منى فأيَّام الأُضْحِيَّة ثلاثة فقط : يَوْم العيد، والحادي عشر، والثاني عشر.وَقَالَ المالكية، والحنابلة، والحَنَفِيَّة : إِنَّ أَيَّامها ثلاثة فِي مِنى، وغَيْر مِنى.ومهما يكن، فإنّ أفضل أوقاتها يَوْم الأضحى بعد طلوع الشَّمْس، ومضي ما يتسع الصلاة العيد والخطبتين، أنظر، بداية المجتهد : 429/1، الأستذكار : 15 و 155، حلية العُلَماء : 369/3، المَبْسُوط للسَّرْخَسِي : 8/12، 3 / 369، المغني : 95/11، التذكرة : 305/8 : 95/11، التذكرة : 305/8، من لا يحضره الفقيه : 191/2، جامع المقاصد : 253/3، المجموع : 390/8، فتح العزيز : 89/8، مختصر المزني : 73، الوجيز: 132/1.والدِّمَاء الواجبة بنص الْقُرْآنِ الْكَرِيم أَرْبَعَة :(1 دمَ التمتع. قَالَ تَعَالَى: (فَمَن تَمَتَّعْ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي). الْبَقَرَة : 196.)(2 دم الحلق، وهو مخير، قَالَ عزّ من قائل: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ‌ى أذى مِن رَّأْسِهِى فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَام أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). الْبَقَرَة : 196.)(3 هدي الجزاء، قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمَن قَتَلَهُ ومِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءً مِثْلُ مَا قَتَلُ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ‌ى ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيَا بَالِغَ الْكَعْبَةِ). المَائِدَةِ : 95.)(4 وهدي الحصار، قَالَ عزَّ شأنه : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي). الْبَقَرَة : 196.)ويضاف إلى هَذِه الأَرْبَعَة ما وَجَبَ بالعهد، أو النذر أو اليمين أنظر، التذكرة : 285/8. بدائع الصنائع : 62/5 و: 372/7، المغني : 3: 580، الشرح الكبير : 568/3.

## الخطبة - 54 -### لا يَسَعُنِي إِلا قِتَالُهُمْ:(فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَدَاكَ الْإِبِلِ الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا، وَقَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ. وَقَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي التَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إِلا قِتَالُهُمْ، أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَةِ).)اللُّغَة:تَدَاكُوا : تَزَاحَممُوا. والإِبِلِ الهيم : العُطاش. ومَثَانِي : جَمع مَثنَاةَ، وَهِي ما يُعقل بِهِ البعير.الْإِعْرَاب:يَوْمَ وِرْدِهَا مُتعلّق بمحذوف حالاً مِن الإِبل، ويجوز أَنْ يَتعلق بتَدَاكَّ عَلَى مَعْنَى

متَداكَة، أو بعضهم بالنَّصب عطفاً عَلَى اسم إنَّ، وبَطْنَهُ وَظَهْرَهُ بَدل أشمال من الْأَمْرِ، والنَّوْمَ مَنْصُوب بنزع الخافض أي مِن النَّوْم، واليَاء فِي وَجَدْتُنِي مَفْعُول أَوَّل، وجُملة يَسَعُنِي مَفْعُول ثانٍ.### لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ الْبَيعة لِلْإِمَامِ:كَانَ عُلَمَاء الْمُسْلِمِين، ومَا زَالوا يُقِيسُون جواز الْعَمَل بالحَدِيث، أو عدم جوازه بشهادة المطلعِين عَلَى أحوال الرّاوي في عصره، فإنْ شَهدوا بصدقه، وتثبته في النّقل أَخَذُوا بهِ، واعتمدوا عَلَيْهِ، وإلّا أهملوه سوَاء أكَانَ الرّاوي مجهولاً، أم معروفاً بالكَذِب... ثم ظهرت نظرية جديدة - عِند غَيْرِنا نَحْنُ الشَّرِقِين - تَقول : إِنَّ صحة النقل لا تُقاس بما قيل في حق الرّاوي فقط، بل لا بد أيضاً أن ندرس ونَعرف ميوله، وأهدافه : هل كَانَ من قصده أنْ يُبين للنَّاس مكانته عند من ينقل عَنْه، وقُربه مِنْهُ، وإِنه كَانَ يَخصه بالحَدِيث أَكْثَر مِن غَيْره ؟ وهل كَانَ يَهدف من النّقل تأييد جهة خاصة، وسِياسة مُعينة ؟. وبكَلِمَة : هل كَانَ بِنَقله يَجر النَّارِ إِلَى قُرى صه ؟. فإنْ كَانَ شيء مِن هَذَا فَنَقله لَيْسَ بِحُجّة، وإنْ شَهد بحقه العشرات، ومثله قول الْفُقَهَاءِ فِي بَاب الشهادات : لا تُقبل شهادة من تجلب له نَفعاً، أو تدفع عَنْه ضُرّاً.وأيضاً كَانَ عُلَمَاء الْمُسْلِمِين، ومَا زَالوا يَسْتَدلون في كُتب الفَضَائِل، والمناقب عَلَى عَظَمة من يُعظَمُون، ويُقدسُون، يَستَدلون بما نزل فيه من الْآيَاتِ، وجاء من الرِّوَايَات، ثُمَّ ظهرت نَظرِية جَدِيدة تقول : إِنَّ الْعَظِيم هو الَّذي يَعِيش للنَّاس لا لنَفْسِه، ويهتم بمطالبهم، ويُمثل أمانيهم، ويُعمل من أجلهم، لا مَا قِيل عَنْه، ويُقَال

... أجل، إِنَّ فِي الْآيَاتِ إنعكاساً لأعمال العظيم، وجِهَاده، ولكنْ لا بُدَّ قَبل كلّ شَيء من بيان السبب الأَوَّل، والمباشر لعظمة العظيم، وإنَّه أَمل الملايين، وإنّه من أجل هَذَا نَزل فِيهِ مَا نَزَل، وجَاء مَا جَاء.وكَانَ الملايين في عهد الإِمَامِ الَّذِين لا حَيَاة لَهُمْ، وَلا كرامة إِلَّا فِي ظل الإِخاء، والعدالة، كانوا يرون أنه لا هُو الَّذي يُحقق هُمْ هَذِهِ الْأُمْنِيَّة، ويُساوي بَيْنَهُمْ، وبَيْنَ المترفين، والطَّامحين، قَالَ الأستاذ أحمد عباس صالح : «كَانَ عَلي فِي نَظر غَالبية الْمُسْلِمِينَ الرَّجُل الوحيد الأقرب إلَى رُوح الإسلام، وأصوله الصّحِيحة» (1. وإذَنْ فَلا بَدع إِذَا أَسرَ ُعوا إِلَيْهِ، وتسابقوا إِلَى بَيْعَتِه حِينَ سَنَحت لهُمُ الْفُرْصَة، وقَد وَصَف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أندفاعهم، وتسابقهم بقَوْله :)(فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا. وَلِمَاذَا أسرع أعْلَبِية المُسْلِمِينَ إِلَى الْإِمَام، وتراحموا عَلَيْهِ تَزَاحَمَ الْإِبِلِ العُطاش عَلَى الْمَاء لِيبَايِعُوهُ بِالْخِلَافَةِ حَتَّى ظَنَّ أنهم قاتليه، أو بعضهم قاتل بَعْض ؟ أَلأنه عالم تَقي، وشُجاع قوي، أو لأنه أبن عَمّ الرَّسُول، وزوّج البتول ؟ كلاً، لا هَذَا، وَلاَ ذَاكَ، بل لأنه لهُمْ، ولدينهم ودنياهم، وإِنَّ الدَّلِيل عِنده عزيز حَتَّى يَأخذ الحَقِّ له، والْقَوِيّ عِنده ضَعِيف حَتَّى يَأخُذ الحَقِّ مِنْهُ، وإِنَّ النَّاس في إيمانه وعقيدته كلّهم عيال اللّه، وإِنَّ المال مال اللّه يوزع بالسوية بَيْنَ عياله. وأشرنَا فِيما تَقَدَّمَ إِلَى قَوْله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ آدَمَ لَمْ يَلد عَبْداً، وَلَا أَمة، إِنَّ النَّاسِ كُلّهم أحرار» (2). وفي ذات يَوْم جَاءته أمرَأتَان تَشْكوَان فَقَرهُما، فأعطَاهُما، ولكنْ)


1) أنظر، مجلة «الكاتب» المصرية عدد آذار 1965م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).

2) أنظر، روضة الكافي للشيخ الكليني: 124/1، المطبعة الإسلامية بطهران، سنة 1382 هـ (منه (قدّس سِرُّه)). و : 69/8 ح 26 شَرْح أصول الكافي : 424/11، وَسَائِل الشّيعة : 82/11.

إحداهما سألته أن يزيدها، ويُفضلها عَلَى صاحبتها، لأَنَّهَا هِي عَربية، وصاحبتها من الموالي، فأخَذ قَبْضَة من تُرَاب، ونَظر فِيهِ وَقَالَ: «إِنِّي نَظَرْتُ فِي كتاب اللّه فلم أجد فضلاً لوِلد إِسْمَاعِيلَ عَلَى ولد إِسْحَق وَلَا أَعْلَم أَنَّ اللّه فَضل أحداً من النَّاس عَلَى أحدٍ إِلَّا بِالطَّاعَة، والتَّقْوَى»(1.)وَقَد يَنْخَدع النَّاسِ مِن غَيْر وَعي بمداح لا سابقة، وَلَا مَنْقبة لهُ عَلَى الإطلاق سوى أنه يتَكَلَّم بإصلاح المجتمع، ويَتَستر وَرَاء هَذَا الشعار، أَمَّا إِيمان الملايين بمن سَبَقَتْ لهُ الحُسنى فِي جَمِيع مواقفه مُنذ يَوْمِهِ الْأَوَّل وإلى آخر يَوْم، وآثر حَيَاة البَسَاطة مَع ضَعَفَة النَّاس، ورفض كلّ أمتياز عَنْهم كالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ. أما إيمان الملايين هَذَا فيَسْتَحِيل أنْ يَكُون وَهمَّاً، وجَهلاً... إنه إيمان الوعي، والعِلْم بِالْحَقِّ، وأهله.)(وَ قَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ، وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي الأ قِتَالُهُمْ، أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تَقَدَّم مِثله «فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ» (2). يُريد أنه لو ترك قتال النَّاكِثِينَ، والْمَارِقِينَ، والْقَاسِطِينَ لكَان مَسؤولاً أمام اللّه، ومُعاقباً بعذابه عَلَى التّرك، ولَيْسَ من شَكٍّ أنّ الْقِتَال شرّ، ولكنَّ المَسْئُول هُو مَن أثار الشَّر، وفتح بابه. ومَاذَا يَصنع الإِمَام، وغَيْر الْإِمَام إِذا لم يَجد وسيلة لِلْقَضَاء عَلَى الْعُنْف إلَّا الْعُنْف ؟. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) (3). وَقَالَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا


1) تَقَدَّم إستخراجه. بالإضافة إلى كتاب الإمام جعفر بن مُحَمَّد الصادق للجندي : 313.

2) أنظر، الخُطْبَة 43. وقد تقدم شرحها.

3) الْبَقَرَة : 191.

فَإِنَّ اللّه بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(1). وفي آية ثَانِيَة مِن هَذِه السُّورَة : ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادُ كَبِيرُ) (2). وَقَالَ : (وَالْفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتل) (3). (وَ مَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَةِ). أي أن آلام الدُّنْيَا مَها قَسَت فَهِيَ أَيْسَر بِكَثِير مِن آلام جَهَنَّم، وعذابها. ومن البداهة أنّ الضّرر الأشد يُدفع بالضَّرر الأخف.


1) الْأَنفَالِ : 39.

2) الأنفال: 73.

3) الْبَقَرَة : 191.

الخطبة - 55 -

دَخَلَ إِلَى الْمَوْتِ أَو خَرَجَ إِلَيْهِ:

(أَمَّا قَوْلُكُمْ : أَكُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ ؟ فَوَ لِلَّهِ مَا أَبَالِي دَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ، أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ شَكَا فِي أَهْلِ الشَّامِ ! فَواللّه مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلا وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِي بِي، وَ تَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي، وَ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا).

اللُّغَة:

المراد بتَعْشُو هنا تقصد، لأن مَن رَأَى ضوءاً، ولو بنظر ضَعِيف فرُبَّما قصده مُهتَدياً بهِ، وتَبُوءُ : تَرْجَع.

الإِعْرَاب :

أَكُلَّ ذَلِكَ «كُلَّ» يَجُوز نَصبها بفعل تخذُوف أي أَتَفعل كُلّ ذَلِكَ، ويجوز رَفعها الاِبْتِدَاء، والخَبَرَ مَحْذُوف أى كائن منك، وكَرَاهِيَةً مَفْعُول مِن أجله للفعل، أو

للخبر المحذوف، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ فَبْتَدَأَ، والخَبَر مَحْذُوف أي أَتَأخَر عَن الْقِتَال. والْمَصْدَر مِن أَنْ تَلْحَقَ مَنْصُوب بِنَزع الخافض المَحْذُوف.

الْمَعْنَى:

كَانَ مِن دَأب الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنْ لا يَتعجل الحَرْب حَتَّى ولو التَّقَی الجَمْعَان... وقد كَانَ خُصومه يَنْضَحُون جَيْشَه بالنَّبل، فيحتمل، ويَصْبر، ويَأمر أَصْحَابِهِ بالصبر، قَالَ أبن أبي الحَدِيد وغيره من الشَّارحِين : إِنَّ أَمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدما ملك الماء عَلَى أَصْحَاب مُعَاوِيَة فِي صِفِّين، وسقاهم منهُ مَكث أَيَّامَاً لا يَأمر بالحزب، ولما سَيْم أَصْحَاب الْإِمَام الإنتظار، والمطاولة قَالَ لهُ البعض : يَقُولُون: إنك تكره الحرب كراهية الموت، أو إنّك في شَكٍّ مِن قتال أهل الشّام (1)، فَقَالَ :

(أَمَّا قَوْلُكُمْ أَكُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ ؟ فَوَ لِلَّهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ، أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ). عَليَّ يَكْرَه الموت ؟ وهَل فِي سِيرته مَا يُشعر بِذَلِكَ ؟ ألا تدل أفعاله قَبل أَقْوَالَه أَنه أَنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطَّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ ؟(2)وَهَل لَعَلِيٌّ مِن أُمْنِيَّة فِي حياته غَيْرُ الإِستشهاد في سبيل اللّه، والحَقِّ ؟ ومِن أَقْوَاله : «إِنَّ المَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثُ لا يَفُوتُهُ المُقِيمُ، وَلا يُعْجِرُهُ الْهَارِبُ إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أبي طَالِبٍ بِيَدِهِ، لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللّه» (3): والكُلّ يَعْلَمُون إِنَّ كَلام الإمام هُو نَفْسه بالذات حَتَّى كأَنَّه خُلقَ مِنْهُ


1) أنظر، شَرح النهج الحَدِيدي: 13/4، شَرح النهج للبحراني : 144/2.

2) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغة : جزء من الخُطْبَة (5).

3) أنظر، نَهْجِ الْبَلاغة : من كَلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاله لأصحابه في ساحة الحزب بصفين رقم (123).

أو خُلقَا مَعاً.

(وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ شَكَا فِي أَهْلِ الشَّامِ !). إِنَّ الْإِمَامِ عَلَى يَقِين من ضِلال أَهْلَ الشَّام، ولكن هذا لا يَدْعُوه إلى النَّاسِ مِنْهُم، فكَم مِن فَرج جَاءَ بَعد الضيق ؟ وضَالٍ عَرف مواقع خطأه، وفَاسد آبَ إِلَى رُشده (فَواللّه مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً - أي أَخرتها وسوفتهَا الأَ وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَ تَعْشُوَ إِلَىٰ ضَوْئِي). إِنَّ الحَرْب وَسِيلة لدفع الشَّر، وليست غاية في نفسها، وإِذَنْ فَعلى المحارب أنْ لا يُبادر إِلَيْهَا إِلَّا بَعد اليأس، والإمام لا يُؤخر الحزب لحظة إِلَّا مَع الأَمَل فِي أَنْ يَهْتَدِي البَعض بَنُورِهِ، وضِيَائه، وهَل الرّوية، والتثبت في الدِّمَاء خَطأ، وجَرِيمَة ؟. ومن أَقْوَاله : «وَلا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ ؛ فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلُّ بِهِ إِحْدَى قَائمِتَيْهِ - أي رجليه - وَتَثْبُتَ الأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثبُتَا جَمِيعاً» (1).

(وَ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا). ذَلِكَ إشارة إلى تأخير الحَرْب مَع الأمل بهداية مَن يَهْتَدِي، والمَعْنَى إِنَّ هَذَا التَّأخِير أحَبّ إِلَى قَلْبَه مِن الإسراع إلى قتل الضَّال عَلَى ضَلاله، وإِنْ كَانَ إِنه عَلَى نَفْسِه لا عَلَى غَيْره... وَهَذَا أَشبَه بقول مَن يَقول : لَيْن أُحْسِن الظن بالمسيء أحَبّ إليَّ من أنْ أُسرع إلى سوء الظَّن به مَع عِلمى بأنَّ : (مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) (2)سَوَاء أَظُنُّ بِهِ خَيْراً أَم شَرّاً.


1) انظر، نهج البلاغة : الْخُطْبَةُ (100).

2) فصلت : 46.