ghaemiyeh.com
الطبعة المحققة الأولى
1423هـ 2002م
حقوق الطبع محفوظة
من مراكز التوزيع :
سوريا - دمشق - السيدة زينب(عليها السلام) - مكتبة الرسول الأعظم(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
هاتف : 6471116 مقسم 109.
إيران - قم المقدسة - مؤسسة برهيزكار للطباعة والنشر
شارع صفائية - فرع ممتاز - تلفكس 7746182 - 251 - 0098
التحقيق والطباعة
والنشر والتوزيع
دارالعلوم
تَوضِيْحُ نَهجُ البَلَاغَةِ
الطبعة المحققة الأولى
1423هـ 2002م
حقوق الطبع محفوظة
من مراكز التوزيع :
سوريا - دمشق - السيدة زينب(عليها السلام) - مكتبة الرسول الأعظم(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
هاتف : 6471116 مقسم 109.
إيران - قم المقدسة - مؤسسة برهيزكار للطباعة والنشر
شارع صفائية - فرع ممتاز - تلفكس 7746182 - 251 - 0098
التحقيق والطباعة
والنشر والتوزيع
دارالعلوم
المكتبة : حارة حريك - بئر العبد - شارع السيد عباس الموسوي . الهاتف : 21/545183 - 003/473919 ص . ب : 13/9080
المستودع : حارة حريك - بئر العبد - مقابل البنك اللبناني الفرنسي - تلفاكس : 01/541650
البريد الإلكتروني : daraloloum@hotmail.com
تَوضِيْحُ نَهجُ البَلَاغَةِ
آیَةُ اللهِ العُظمَی
الإِمَام السَّیّد مُحَمَّد الحُسَیْنی الشِّیرَازِی
(قدس سره الشریف)
مكتبة الروضة الحيدرية
الرقم :4492
التااریخ: 2005/1/29
قد
الجُزءُ الثَّالِثُ
دارُالعُلوم: للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ (3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمّد وآله أجمعين، واللعن على أعدائهم إلى يوم الدين
ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانِ وَمَوَاتِ، وَسَاكِنِ وَذِي حَرَكَاتٍ ؛ فأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ، مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةٌ بِهِ، وَمُسَلَّمَةٌ لَهُ ، وَنَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ،
......................................
التوضيح :
يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس، ودقائق خلقة الطيور، ويصف الجنة .
(ابتدعهم) أي المخلوقات، والاتيان بضمير العاقل، تغليباً للعقلاء على غيرهم (خلقاً عجيباً) يثير تعجب الإنسان (من حيوان وموات) الشيء الذي لا روح فيه (وساكن) كالجبال وما أشبه (وذي حركات) حيواناً كان أو إنساناً أو غيرهما كالشمسِ والقمر والرياح وما أشبه .
(فأقام) سبحانه(من شواهد البيّنات) أي الأدلة الشاهدة (على لطيف صنعته) أي دقيقها ( وعظيم قدرته) فإنَّ الأشياء الدقيقة تحتاج إلى قدرة فائقة (ما انقادت له العقول معترفة به) أي خضعت العقول معترفة بالله سبحانه ومسلمة له) بأن للكون إلها عالماً قادراً لطيفاً .
(ونعقت) أي صاحت (في أسماعنا دلائله على وحدانيته) كناية عن وضوح الأدلة الدالة على الوحدانية، إذ لو كان فيها آلهة إلّا الله لفسدتا.
وَمَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الأَطْيَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الأَرْضِ ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا وَرَوَاسِيَ أَعْلَامِهَا، مِنْ ذَواتِ أَجْنِحَةِ مُخْتَلِفَةٍ، وَهَيْئَاتِ مُتَبَايِنَةٍ ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ وَمُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوْ الْمُنْفَسِح، وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ .
كَوْنَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةِ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِل
..................................
(وما ذرأ) عطف على الضمير المجرور في (دلائله) أي نعقت دلائل ما ذرأ ، أي ما خلق(من مختلف صور الأطيار) جمع طير(التي أسكنها أخاديد الأرض) جمع أخدود، وهو الشق الكائن في الأرض، فإن كثيراً من الطّيور يسكن في شقوق الأرض كالعصافير وما أشبه (وخروق) جمع حرق، وهو الشّق (فجاجها) الفج: الطريق، وجمعه فجاج (ورواس أعلامها) جمع راسية، بمعنى: الشامخة والمرتفعة، والأعلام جمع علم، بمعنى الجبل .
(من ذوات أجنحة) جمع جناح (مختلفة) في الشكل والكيفيّة (وهيئات متباينة) غير متشابهة(مصرَّفة) أي يصرفها الله سبحانه(في زمام التّسخير) والاستخدام، فإنَّها لا تعمل إلّا كما قدّر الله سبحانه، وهيأ لها من الأسباب والأجهزة. (ومرفرفة) أي باسطة جناحها (بأجنحتها في مخارق الجوّ) جمع مخرق، وهو الواسع من المكان، والجو: الفضاء.
( المنفسح ) أي الواسع (والفضاء المنفرج) أي ذو الفرجة، وهي مقابلة للمنسد.
(كوَّنها ) أي كوَّن الله الطّيور (بعد أن لم تكن) أي أوجدها من العدم (في عجائب صور ظاهرة) للأبصار (وركّبها في حقاق مفاصل) حقائق جمع [حق]
مُحْتَجِبَةٍ ، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي السَّمَاءَ خُفُوفاً، وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً. وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي الأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ، وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ، فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ في قَالَب لَوْنِ لاَ يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ؛ وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْن صِبْغٍ قَدْ طُوْقَ بِخِلَافِ مَا صُبغَ بِهِ .
......................................
وهو مجتمع المفصلين، ومفاصل جمع مفصل، وهو محل اتصال عظمين (محتجبة) أي مخفية عن الأنظار فإنّ الإنسان لا يرى داخل بدن الطّير، الّذي هو محلّ المفاصل والعظام .
( ومنع) سبحانه (بعضها ) أي بعض أنواع الطّيور (بعبالة) هي الضّخامة وامتلاء الجسد (خلقه) أي بسبب عظم بدنه (أن يسمو في السّماء) أي يرتفع
(خفوفاً) أي سرعة وخفّة .
(وجعله يدف دفيفاً) بأن يحرّك جناحيه حتّى يتمكن من الطّيران، والدّفيف مقابل الصفيف، وهو بسط الجناحين في حال الطّيران .
(ونسقها) أي رتّبها (على اختلافها في الأصابيغ) جمع أصباغ، وهو جمع صبغ بمعنى اللّون (بلطيف قدرته ودقيق صنعته) فلكل طائر لون أو ألوان متعدّدة، مما تجذب الأنظار، وتلفت الأبصار .
(فمنها ) أي من الطّيور (مغموس) قد غمس وأدخل (في قالب لون) واحد، كأنّ اللّون كان قالباً للطائر بلا زيادة ونقصان، ولذا كان له لون واحد فقط.
(لا يشوبه غير لون ما غمس فيه) وذلك كالغراب الأسود وما أشبه .
(ومنها مغموس في لون صبغ) أي ما يصبغ به (قد طوّق) ذلك الطائر (بخلاف) لون (ما صبغ به) سائر جسده كالحمام المطوق، حيث إنّ حول عنقه لون غير لون سائر جسمه.
وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُوسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَم تَعْدِيلِ، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدِ ، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ، وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ . إِذَا دَرَجَ إِلَى الأُنثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ، وَسَمَا بِهِ مُطِلاَّ عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيِّ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ. يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ، وَيَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ، يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ،
.............................................
(ومن أعجبها خلقاً الطّاووس الّذي أقامه في أحكم تعديل) أي عدالة الجسم واللّون فلا اعوجاج في جسمه، ولا بشاعة في لونه، وإنما وضع كل شيء موضعه (ونضَّد) أي رتب (ألوانه في أحسن تنضيد) أي في أجمل ترتيب خلقه سبحانه (بجناح أشرج قصبه) أي داخل بين آحاد أعمدة الجناح، فقد شبه(عليه السلام) أعمدة الجناح بالقصب، والإشراج جعل بعض الأجزاء داخلاً في بعض بشكل منظّم (و) بـ(ذنب أطال مسحبه) أي طول الذّنب حتّى أنّه يسحب على الأرض، فإنَّ للطّاووس ذنباً طويلاً ينشره أحياناً، ويطويه أحياناً (إذا درج) أي تحرك الذكر من الطّاووس (إلى الأنثى نشره) أي نشر ذنبه (من طيه) أي من حالة جمعه (وسما به) أي ارتفع بذنبه، بمعنى رفعه .
(مطلاً) أي مشرفاً (على رأسه) كأنه يظلّله، فصار بذلك جميلاً وفي وضع جذاب .
(كأنه) أي كأن جناحه (قلع ) هو شراع السفينة (داريَّ) منسوب إلى (دارين) وهو بلد يصنع فيه الشراع (عنجه) أي جذبه فرفعه (نُوتِيُّهُ) أي رُبان السفينة .
(يختال) أي يتكبر الطاووس (بألوانه) أي ألوان ذنبه (ويميس بزيفانه) أي يتبختر بحركات ذنبه يميناً وشمالاً، فإنَّ الزيفان: الحركة بتكبر(يفضي) الطّاووس إلى أُنثاه ، أي يقترب منها لقضاء حاجته (كإفضاء الدّيكة) جمع ديك
وَيَؤُرُّ بِمُلاقَحَةِ أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ فِي الضِّرَابِ. أُحِيلُكَ مِنْ ذلِكَ عَلَى مُعَايَنَةِ، لَا كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ . وَلَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ، فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَيْ جَفُونِهِ، وَأَنْ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذلِكَ، ثُمَّ تَبِيضُ لاَ مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ، لَمَا كَانَ ذلِكَ بأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ !
...............................
(ويؤرُّ) أي يأتي أُنثاه (بملاقحةٍ) أي إفراز مادة منوية فيها (أرّ الفحول) أي مثل ملاقحة الفحل لأنثاه (المغتلمة) من اغتلم إذا غلبت شهوته، وهذا لبيان شدة شبقه بأنثاه (في الضراب) هو بمعنى لقاح الفحل لأنثاه .
(أحيلك) أيها السامع (من ذلك) الذي ذكرت في أمر الطاووس (على معاينة) بأن تذهب وتعاين حاله بعينيك ( لا كمن يحيل على ضعيف إسناده) مما لا دليل له، إسناد ضعيف، بل له أمر خارجي واضح يتمكن كل أحد أن يراه بأم عينيه . وإنما أكد الإمام(عليه السلام) في أمر تلقيح الطاووس، لأن بعض الناس كانوا يزعمون أن الذكر تدمع عينيه فتقف الدمعة بين أجفانه فتأتي الأنثى فتطعمها فتلقح من تلك الدمعة .
(ولو كان) تلقيحه (كزعم من يزعم أنه يلقح بدمعة تسفحها) أي تصبها (مدامعه) أي عيونه، جمع مدمع، وهو محل الدمع (فتقف) الدمعة (في ضفّتي) أي جانبي (جفونه) جمع جفن، وهو غلاف العين (وأن أنثاه تطعم ذلك) أي تشربه (ثمّ تبيض) الأنثى بيضة تكون منشأ الفرخ (لا من لقاح فحل) وسفاده (سوى الدّمع المنبجس) أي المنفجر من عينيه .
(لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب) أي لو صح ذلك الزعم في
تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ، وَمَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبٍ دَارَاتِهِ وَشُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ ، وَفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ. فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ قُلْتَ : جَنِيُّ جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعِ .
.............................................
الطاووس لكان له مثال، حيث زعم جمع آخر، أن الغراب أيضاً لا سفاد له، وإنما تشرب الأنثى من ماء اجتمع في قانصة الذكر، [ومطاعمة]، بمعنى الشرب، فإنَّ هذه المادة تستعمل في الشرب كما تستعمل في الأكل، قال سبحانه: وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّي(1).
ثم رجع الإمام(عليه السلام) إلى ذكر بقايا عجائب الطاووس بقوله : (تخال) أي تظن أيها الناظر (قصبه) جمع قصبة، وهي عمود الريش (مداري) جمع [مدرى] وهو ما يصنع من حديد أو خشب على شكل المشط (من فضّة) وذلك لبريق القصب وبياضه وانتظامه (و) تخال (ما أُنبت) من الريش (عليها) أي على القصب .
(من عجيب داراته وشموسه) أي استدارته العجيبة المماثلة لاستدارة الشمس .
(خالص العقيان) هو الذهب الخالص(وفلذ)جمع فلذة بمعنى القطعة (الزبرجد) الأخضر، والتشبيه بهما لأن ريشه أحمر وأخضر في لوني الذهب الخالص والزبرجد الأخضر .
(فإن شبهته) أي ريش الطاووس (لما أنبتت الأرض) أي بالأعشاب (قلت جنیُّ) أي مجتنى (جَني) أي اقتطف (من زهرة كل ربيع) أي من كل زهرة
1) سورة البقرة : 249.
وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ ، أَوْ مونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ، وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصِ ذَاتِ أَلْوَانٍ، قَدْ نُطْقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ.
يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ اَلْمُخْتَالِ، وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَيْهِ، فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ، وَأَصَابِيغِ وِشَاحِهِ؛ فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلاً
........................................
تنبت في الربيع، لأن الريش في لون الأزهار المختلفة (وإن ضاهيته) أي شبهته (بالملابس) جمع ملبس بمعنى اللباس (فهو ) أي الريش (كموشيِّ الحلل) بصيغة اسم الفاعل، أي المنقوش من الحلة، وهي البزة أي الثوب (أو مونق) أي جميل (عصب اليمن) وهو ضرب من البرود المنقوشة التي تصنع في اليمن .
(وإن شاكلته) أي شبهت الريش (بالحلي) وهي الحلية التي تلبسها المرأة للزينة ( فهو ) أي الريش (كفصوص) جمع فص ، وهو ما يركّب في الخاتم من زبرجد وألماس ودرّ وما أشبه (ذات ألوان) لكل فص لون (قد نُطِّقت) أي شدت (باللّجين) أي الفضة (المكلل) أي المزين بالجواهر، فإنَّ القصب يشد بعض تلك الفصوص ببعض، والقصب شبيه بالفضة في بياضها، فالقصب مكلل بالفصوص، والفصوص شدت بالقصب ( يمشي) الطاووس (مشي المرح) أي المعجب بنفسه (المختال) أي المتكبر في مشيته (ويتصفْح) أي يتفقد وينظر بالرقة (ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكاً) تشبيه لصوته بالقهقهة (لجمال سرباله) أي لباسه ( وأصابيع) أي ألوان (وشاحه) حزام يجعل فيه اللؤلؤ ونحوه فتلبسه المرأة من عاتقها إلى كشحها .
والطاووس بهذا الحسن له رجلان قبيحتان، ولذا إذا نظر إليهما حزن واغتم، بما يظهر ذلك لمن نظر إليه (فإذا رمى) الطاووس (ببصره إلى قوائمه) جمع قائمة، بمعنى الرجل (زقا) أي صاح في دهشة (معولاً) الإعوال: رفع
بِصَوْتِ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ، وَيَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ، لأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ كَقَوَائِم الدِّيَكَةِ الخِلَاسِيَّةِ . وَقَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ، وَلَهُ فِي مَوْضِعَ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مَوَشَّاةٌ. وَمَخْرَجٌ عُنُقِهِ كَالإِبْرِيقِ ، وَمَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيّةِ ، أَوْ كَحَرِيرَةِ مُلْبَسَةٍ مِرآةٌ ذَاتَ صِقَالٍ، وَكَأَنَّهُ مُتَلَفْعٌ
..........................................
الصوت بالبكاء (بصوت يكاد يبين) أي يظهر ( عن استغاثته) أي طلبه أن يغاث من قبح رجله ( ويشهد) ذلك الصوت (بصادق توجعه) أي تألّمه الصادق لما في رجله من قبح (لأنّ قوائمه حمش) جمع أحمش أي دقيق (كقوائم الدّيكة) جمع ديك (الخلاسية) المنسوبة إلى خلاس، وهي المتولدة بين هندية وفارسية، فإنّها أقبح رجلاً من الدِّيكة العادية .
(وقد نجمت) أي ظهرت وخرجت (من ظنبوب) هو عظم حرف الساق (ساقه) أي ساق الطاووس (صِيصِيَّة) هي الإصبع الطالعة في رجل الديك ونحوه مما لا تلامس الأرض (خفية) ليست بالطويلة (وله) أي للطاووس (في موضع العرف) ريش الرقبة، وعرف الفرس شعر أطراف عنقه (قنزعة) هي الخصلة من الشعر ونحوه (خضراء) اللون (مُوشَّاة) أي منقوشة ملونة (ومخرج عنقه كالإبريق) في الهيئة والشكل (ومغرزها) أي الموضع الذي غرز فيه العنق كأنه شيء دخل في جسم الطاووس، وهو المحل بين العنق والبطن، ولذا قال : (إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية) في اللون وهو نبات النيل الذي منه صبغ النيلج، واليمانية من أفخر أقسامها .
(أو) أن ذلك المحل من العنق، في لونه وصفائه (كحريرة) سوداء (ملبسة مرآة ذات صقال ) أي ذات جلاء، فكما يبرق مثل ذلك الحرير، كذلك يبرق هذا الموضع من عنق الطاووس (وكأنه متلفّع) من تلفع وهو أن يدير الإنسان
بِمِعجَزٍ أَسْحَمَ ، إِلَّا أَنَّه يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ ، وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ ، أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ. وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطْ كَمُسْتَدَقْ القَلَمِ فِي لَوْنِ الأَقْحُوَانِ . أَبْيَضُ يَقَقٌ، فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ . وَقَلَّ صِبْغٌ إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بقِسْطِ، وَعَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَبَرِيقِهِ، وَبَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ،
............................
شيئاً فوق رأسه ورقبته (بمعجر) ما تديره المرأة حول رأسها ورقبتها (أسحم) أي أسود (إلا أنّه يخيَّلُ لكثرة مائه) أي ماء ذلك اللون الأسود، والمراد بريقه الشبيه ببريق الماء، ولذا فسره(عليه السلام) بقوله : (وشدَّة بريقه) أي لمعانه (أنّ الخضرة النّاضرة) أي الزاهية (ممتزجة به) أي بذلك السواد، فليس السواد قاتماً وإنما ناضراً ظريفاً، ثم أخذ الإمام(عليه السلام) في وصف الخط الأبيض عند محل سمع الطّاووس (ومع فتق) أي شق (سمعه) أي أذنه (خط) أبيض (كمستدق القلم) أي القلم الدقيق الذي يخط خطاً دقيقاً (في لون الأقحوان) هو البابونج، أبيض يُشبّه به الثغر لبياضه .
(أبيض يقق) أي شديد البياض (فهو ) أي ذلك الخط (بـ) سبب (بياضه في سواد ما هنالك) أي: مع السواد حول رقبة الطاووس (يأتلق) أي يلمع (وقل صبغ) أي لون (إلّا وقد أخذ منه) أي من الطاووس (بقسط) أي بنصيب وهذا كناية عن اشتمال لون الطاووس على معظم الأشكال المتعارفة الأولوية لا كلها، كما هو واضح، فقد أحصوا أن الألوان تنوف على ثلاثمائة ألف لون .
(وعلاه) أي ارتفع لون الطاووس على تلك الأصباغ في الكيفية، فلونه أزهى من الألوان الموجودة في غيره وذلك (بكثرة صقاله) أي جلاء ألوانه ( وبريقه) أي لمعانه ( وبصيص ديباجه) أي ضياء ريشه فقد استعير البصيص - وهو أول النور الذي يبتدىء ضئيلاً - البريقه، واستعير الديباج - وهو الحرير - لريشه (ورونقه) أي رونق لون الطّاووس.
فَهُوَ كَالأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ، لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبيعٍ، وَلاَ شُمُوسُ قَيْظٍ . وَقَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ، ويَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ ، فَيَسْقُطُ تَتْرَى، وَيَنْبُتُ تِبَاعاً ، فَيَنْحَتْ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الأَغْصَانِ، ثُمَّ يَتَلاحَقُ نَامِياَ حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ، لاَ يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ، وَلاَ يَقَعُ
...............................................
(فهو) أي لون ريشه (كالأزاهير) جمع أزهار، وأزهار جمع زهرة (المبثوثة) أي المنتشرة في الصحراء فلكل زهر لون وكيفية، وهكذا لكل جزء من أجزاء الطّاووس لون وكيفية (لم تربها) أي ما ربّت تلك الألوان الموجودة في الطّاووس (أمطار ربيع) بخلاف الأزهار فإنَّها تربية أمطار الربيع (ولا شموس قيظ) أي الحرّ، والإتيان بشموس - جمع شمس - باعتبار أن لكل يوم شمساً ، أو المراد بها إشراقات الشمس، فإنَّ الأزهار تنظر وتزدهر بسبب الحر المصقل لألوانها .
( وقد ينحسر) الطاووس (من ريشه) أي ينكشف بسقوط جميع ریشه (ويعرى من لباسه) الجميل (فيسقط) الريش من بدن الطّاووس (تترى) أي تباعاً، حيث يسقط بعض الريش عقب بعض .
(وينبت) الريش بعد سقوطه (تباعاً) أي متتاليا، بل يفصل زمان طويل (فينحت) أي يسقط الريش ( من قصبه ) هي الأعمدة الريشية التي تربط الريش بجسم الطاووس (انحتات) أي مثل سقوط (أوراق الأغصان) حيث يبقى الغصن ويسقط الورق (ثم يتلاحق نامياً) ينمو الريش في المكان الذي سقط بتلاحق وتوالي (حتى يعود كهيئته قبل سقوطه) بلا زيادة أو نقصان أو تخالف في الألوان .
(لا يخالف) اللون الجديد (سالف ألوانه) أي ألوانه السالفة (ولا يقع
لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ! وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً ، وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةَ ، وَأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً، فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذا عَمَائِقُ الْفِطَنِ ، أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ العُقُولِ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ !
وَأَقَلُّ أجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ، وَالأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ! فَسُبْحَانَ الَّذي بَهَرَ العُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقِ
........................................
لون) من الألوان الجديدة (في غير مكانه) السابق.
(وإذا تصفحت) أي نظرت بدقة (شعرةً من شعراتِ قصبه) أي النابتة على قصب جسمه (أرتك) تلك الشعرة (حمرةٌ ورديّةً) أي كالورد (وتارةً) أي مرة أخرى تريك (خضرةٌ زبر جديّة) أي كالزبرجد في الصفاء.
( وأحياناً) أي في بعض الأحيان (صفرةً عسجديّة) أي ذهبية (فكيف تصل إلى صفة هذا) الطائر الجميل (عمائق الفطن) جمع عميقة، وفطن جمع فطنة، بمعنى الإدراك الحاد (أو تبلغه قرائح العقول) جمع قريحة بمعنى العقل المقترح الذي ينبع منه الفكر (أو تستنظم وصفه) أي تتمكن من نظم وصفه (أقوال الواصفين) فإنَّ الإمام(عليه السلام) لم يصف منه إلّا شيئاً قليلاً كما لا يخفى .
(وأقل أجزائه) أي أجزاء هذا الطائر (قد أعجز الأوهام أن تدركه) إدراكاً عميقاً ( والألسنة أن تصفه) أي أعجز الألسنة، فمم خلقت الشعرة؟ وكيف جاء اللون؟ وما هو اللون؟ إلى ألف سؤال وسؤال .
(فسبحان الذي بهر العقول) أي قهرها فردّها عن المعرفة والإدراك (عن وصف خلق) أي أن تتمكن من أن تصف مخلوقاً - هو الطّاووس -
جَلَّاهُ لِلْعُيُونِ، فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً ، وَمُؤَلَّفاً مُلَوَّناً ؛ وَأَعْجَزَ الأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ، وَقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ !
وَسُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ وَالْهَمَجَةِ إِلى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَالفِيَلَةِ! وَوَأى عَلى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَضْطَرِبَ شَبَحٌ
.................................
(جلّاه للعيون) أي كشفه لها، فالإنسان مع إداركه لهذا الحيوان لا يتمكن أن يصفه حق وصفه.
(فأدركته) أي أدركت العقول هذا المخلوق (محدوداً) بحدود الكيف والكم (مكوّناً) مخلوقاً (ومؤلّفاً) من أجزاء (ملوّناً) بألوان مختلفة (وأعجز الألسن عن تلخيص صفته) أي تلخص وصفه في العبارة، ولعل ذكر [التلخيص ] لأن الوصف إيجاز للوجود الخارجي (وقعد بها) أي بالألسن (عن تأدية) أي أداء، وذكر (نعته) أي وصف هذا المخلوق، فإذا كان الإنسان لا يدرك حقيقة حيوان، ولا يتمكن أن يصف ما يشاهده حق الوصف؟ كيف يطمع أن يدرك الخالق، أو أن يتمكن من وصفه حق وصفه .
ثم أخذ الإمام في وصف ما هو أصغر من الطاووس (وسبحان من أدمج قوائم الذّرَّة) القوائم: الأرجل، والإدماج: جعلها في جسدها، والذرة: النمل (و) أدمج قوائم (الهمجة) جمع همج: وهو ذباب صغير، ومنه [همج رعاع أتباع كل ناعق] (إلى ما فوقها) أي : خذ هذين الحيوانين الصغيرين ثم تدرج إلى الأكبر ثم الأكبر من الحيوانات، ففي الكل آيات ودلالات وأعاجيب (من خلق الحيتان) جمع حوت (والفيلة) جمع فيل، وهما حيوانان كبيران أحدهما برّي والآخر بحري ( ووأى) أي الزم سبحانه (على نفسه) بأن قدّر تعالى (أن لا يضطرب) أي يتحرك (شبح ) أي جسم من الأجسام الحية
مِمَا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ، إِلَّا وَجَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ، وَالْفَنَاءَ غَايَتَهُ .
فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيْبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ
..............................................
(مما أولج فيه الروح) أي أدخل فيه الروح (إلَّا وجعل الحمام) أي الموت (موعده والفناء) بتفرق الأجزاء (غايته) أي آخر أمره.
ثم أخذ الإمام(عليه السلام) في وصف الجنّة بقوله : (فلو رميت ببصر قلبك) بأن فكرت وأمعنت (نحو) أي إلى طرف (ما يوصف لك منها) أي من الجنة (لعزفت) أي كرهت وأعرضت (نفسك عن بدائع ما أخرج إلى الدنيا من شهواتها ولذّاتها) فإنَّ الإنسان إذا رأى الشيء الأحسن كره الشيء الحسن وأعرض عنه طلباً لذلك الأحسن، وهذا هو نسبة لذّات الدنيا إلى لذّات الآخرة (وزخارف مناظرها) جمع زخرف بمعنى الزينة (ولذهلت) أي اندهشت (بالفكر في اصطفاق أشجار) أي تضارب أوراقها بسبب النسيم، فإنَّ الإنسان إذا تصور ذلك النسيم الذي يهب في الجنة فيصفق الأشجار، لذهل وتحير من شدة اشتياق النفس إلى التملي من ذلك النعيم الجميل .
(غيبت عروقها) أي عروق تلك الأشجار (في كثبان المسك)جمع کثیب وهو التل، فإنَّ طين الجنة، هو المسك (على سواحل أنهارها) أي أنهار الجنة (و) لذهلت بالفكر (في تعليق كبائس) جمع كباسة (اللؤلؤ) أي الخصل
الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا ، وَطُلُوع تِلكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا، تُحْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا، وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالأَعْسَالِ المُصَفَّقَةِ، وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ . قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ
.....................................
المكبوسة من اللؤلؤ (الرطب ) وهو أجود أنواع اللؤلؤ : وسمي رطباً لبقايا الماء فيه، الموجبة للنظارة والبهجة (في عساليجها) جمع عسلوج، بمعنى الغصن (وأفنانها) جمع فنن وهو الغصن أيضاً، أو نوع آخر منه (وطلوع تلك الثمار ) أي ظهور اللؤلؤ كالثمرة (مختلفة) كبراً وصغراً، أو المراد بتلك الثمار، الثمار المعهودة، أي الفواكه المختلفة (في غلف)جمع غلاف (أكمامها) جمع كم، وهو وعاء الطلح والنَّوْر، مما يستر الثمر به، حفظاً له .
(تحنى) أي تعطف وتنحني تلك الأغصان - لمن أراد تناول تلك الثمار- (من غير تكلف) وصعوبة، فقد ورد أن الإنسان إذا اشتهى شيئاً من الثمار انحنت الأغصان نحوه ليقطفها (فتأتي) تلك الأغصان، أو الثمار (على منية مجتنيها) أي من يريد اقتطافها وأخذها ( ويطاف) مبني للمجهول ونائب الفاعل له قوله(عليه السلام) الآتي [قوم] وفاعله الله سبحانه الذي يأمرهم بالطواف على المؤمنين (على نزّالها) أي نزال الجنة الذين جاءوا إليها ونزلوا فيها (في أفنية قصورها) جمع (فناء) بمعنى الساحة الواسعة أمام القصر، أو داخله (بالأعسال) جمع عسل (المصفقة) أي المصفات(والخمور المروّقة) أي المجعولة في [الراووق] وهو إناء خاص يزيد الخمر صفاء واجتذاباً لشاربها .
(قوم لم تزل الكرامة تتمادى بهم) [قوم] نائب فاعل لقوله: [يطاف] والمراد بهم الولدان المخلدون .
حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ، وَأَمِنُوا نُقْلَةَ الأَسْفَارِ. فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ المُونِقَةِ، لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا، وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ القُبُورِ اسْتِعْجَالاً بِهَا. جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ سعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ .
............................
(حتّى حلوا دار القرار) أي الجنّة الّتي يستقّر فيها الإنسان، وتمادي الكرامة ، كناية عن أهليتهم لكونهم [ولداناً] هناك، فإنَّ الله أكرمهم بجعلهم هناك ( وأمنوا) أولئك القَوْم (نقلة الأسفار) أي الانتقال من محل إلى محل فإنَّهم لم ينتقلوا من الأرض إلى البشرية، ومن هذه الحياة إلى البرزح، ومن هناك إلى المحشر، ومن هناك إلى الجنّة - كما ينتقل الإنسان - (فلو شغلت قلبك أيها المستمع بالوصول إلى ما يهجم عليك) أي يأتي نحوك، والتعبير بالهجوم، لأنه شبيه به، فإذا بالإنسان يرى جيشاً كثيفاً من النعم المختلفة ، والسعادات المتنوعة التي لا زوال لها ولا اضمحلال.
(من تلك المناظر ) جمع منظر (المونقة) المعجبة (لزهقت نفسك) أي طارت وخرجت من البدن (شوقاً إليها) أي إلى تلك المناظر (ولتحملت) أي حملت نفسك (من مجلسي هذا) وأنت تسمع إلى هذه الأوصاف وتفكر فيها (إلى مجاورة أهل القبور) وهذا كناية عن الموت (استعجالاً بها) أي طلباً لسرعة الوصول إلى تلك النعم العجيبة، فإنَّ شدة الشوق توجب موت الإنسان .
(جعلنا الله وإياكم ممّن سعى بعلبه) فإنَّ القلب إذا أدرك سعى، وبسعيه تسعى الجوارح (إلى منازل الأبرار، برحمته) متعلق بـ[جعلنا] .
[تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب]
قال السيد الشريف رضي الله عنه : قوله(عليه السلام)[ويؤر بملاقحة] الأر: كناية عن النكاح، يقال أرَّ الرجل المرأة يؤرها، أي نكحها، وقوله : [كأنه قلع داری عنجه نوتيه] القلع: شراع السفينة، وداري، منسوب إلى [دارين]، وهي بلدة على البحر، يجلب منها الطيب، وعنجه أي عطفه ، يقال: عنجت الناقة ،كنصرت، أعنجها عنجاً، إذا عطفتها، والنوتي: الملّاح ، وقوله : [ضفتي جفونه] أراد جانبي جفونه، والضفتان: الجانبان، وقوله: [وفلذ الزبرجد] الفلذ : جمع فلذة، وهي القطعة، وقوله : [ كبائس اللؤلؤ الرطب] الكباسة: العذق، و[العساليج]: الغصون، واحدها عسلوج.
لِيَتَأَسَ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ ، وَلْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ؛ وَلَا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّة : لَا في الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ، وَلَا عَنِ اللهِ يَعْقِلُونَ؛ كَقَيْضِ بَيْضِ فِي أَدَاحٍ
.................................
التوضيح:
في الحث على التآلف، ثم في زوال ملك بني أمية، وإرشاد الناس للتمسك بالحق .
(ليتأس) أي ليقتدي (صغيركم بكبيركم) فإنَّ الكبار أكثر حكمة ودراية وتجربة، فإذا تأسى بهم الصغار، كان أسهل وأيسر في مرافق الحياة، وآمن من الخطر (وليرأف كبيركم بصغيركم) ليأخذ بيده حتى يرد مورد الرجال، ويستغني عن المعاون والمرشد (ولا تكونوا كجفاة الجاهلية) جمع جاف، من جفا يجفو، وهو الغليظ الظالم، فإنَّ النفوس إذا لم ترفق بالدين والفضيلة جفت و غلظت (لا في الدين يتفقهون)حتى يعلموا الأحكام(ولا عن الله يعقلون) أي يأخذون الشريعة والمنهج ، إنهم كقيض بيض القيض هي : القشرة العليا اليابسة على البيضة (في أداح) جمع أُدْحِيَّ - كلُجّيّ - وهو مبيض النعام في الرمل، تدحوه برجلها لتبيض فيه، فإنَّ الإنسان المحرم إذا مر في الأداحى فرأى فيها بيضاً احتمل أمرين :
الأول : أن تكون تلك البيوض للقطا فلا يجوز كسرها للمحرم، وإذا
يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً، وَيُخْرِجُ حَضَانُهَا شَرّاً .
منها : افْتَرَقُوا بَعْدَ أَلْفَتِهِمْ، وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ . فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ. عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أمَيَّةَ :
....................................
أبقى عليها يحتمل أن تكون للثعابين فيخرج منها الثعبان الذي يلدغه (يكون کسرها وزراً) وإثماً ، أو المراد كسر بيض القطا مطلقاً وزر، وإن لم يك الإنسان محرماً لأنه أذىّ للحيوان وهو مكروه في الشريعة .
( ويخرج حضانها) حضن البيض وإبقاؤه (شرّاً) وهذا مثال للإنسان الذي له صورة إنسانية، وباطن مليء بالشرور، فإنَّ في كل من إبقائه وإهلاكه احتمال الخطأ فإذا أهلكه الوالي احتمل الإثم، بسبب عدم كونه ذا شر - وإن أبقاه احتمل أن تخرج منه شرور وآثام توجب إفساد الناس وإهلاكهم . (منها): في أحوال بني أمية (افترقوا) أي المسلمون (بعد أُلفتهم) في ظاهر الإسلام (وتشتتوا عن أصلهم) أي القاعدة الأولية في الإسلام، من الائتلاف، حيث قال سبحانه: وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ(1)وقال : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ(2)(فمنهم ) أي بعض المسلمين (آخذ بغصن) من أغصان الإيمان، والمراد به الموالي لهم (أينما مال) ذلك الغصن(مال معه) وهم شيعة الإمام التابعون له، حيث سار ساروا، وفي الكلام تقدير: أي ومنهم من ليس كذلك، لكنه اكتفى عن ذكره بقرينة السابق (على) أن هذا التفرق لا يبقى إلى الأبد بل (أنَّ الله تعالى سيجمعهم) أي المسلمين ( لشر يوم لبني أمية) قيل ذلك إشارة إلى اجتماع المسلمين لمحاربة بني أمية،
كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ! يُؤَلِّفُ اللهُ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَجْعَلَهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ؛ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ، حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ ،
...............................
في زمن [ مروان الحمار ] حيث نزعوا الملك عنهم ثم استبد به بنو العباس (كما تجتمع قزع الخريف) هي القطع المتفرقة من السحاب، واحدتها قزعة بالتحريك، وتخصيص الأمر بالخريف، لأن التراكم في سحاب الخريف أكثر ( يؤلّف الله بينهم ) أي بين المسلمين، ولا يخفى أن الإسناد إليه سبحانه لا يدلّ على حسن العمل، فقد قال سبحانه في أحوال [ بخت نصر] الكافر، وجنوده: بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ(1)ويحتمل أن يكون للعمل وجهان، الخير في انقضاضهم على بني أمية، والشر في كونهم بدون إمام معصوم .
( ثم يجعلهم كاما) هو المتراكم بعضه على بعض (كركام السحاب) الذي يجتمع بعضه على بعض ( ثم يفتح لهم) أي للمسلمين (أبوابا ) أي يهيّئ لهم وسائل الانقضاض على دولة بني أمية (يسيلون من مستثارهم) أي موضع انبعاثهم ثائرين، ولعل المراد بذلك الموضع [خراسان] حيث ثارت الثائرة من هناك بقيادة أبي مسلم الخراساني(كسيل الجنّتين) وهو سيل العرم، المذكور في القرآن الحكيم، بقوله : جَنَّتَانِ عَن يَمِينِ وَشِمَالِ (2)ثم قال : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهمْ سَيْلَ الْعَرِم(3)وقد كان سيلا شديدا لم يبق لهم شيئاً إلّا القليل القليل.
(حيث لم تسلم عليه) أي على السيل، والإتيان بـ[على] للإشارة إلى أنه لا يقف أمام السيل، بأن يكون صامداً ضرراً على السيل (قارة) أي المستقر
وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ، وَلَمْ يَرُدَّ سَنَتَهُ رَصُّ طَوْدِ، وَلاَ حِدَابُ أَرْضِ. يُزَعْزِعُهُمُ اللهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ، ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَتَابِيعَ فِي الأَرْضِ ، يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ، وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ. وَأَيْمُ اللهِ، لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ
......................................
من الأرض المنبسطة، أو المراد عين قارة، ذات قرار، فإنَّ السيل يكتسح كل شيء أمامه .
(ولم تثبت عليه) أي على السيل (أكمة) هي المرتفع من الأرض (ولم يرد سننه) أي جري السيل (رص طود) الطود : الجبل، والرص تلاصق بعض الأطواد ببعض (ولا حداب أرض) جمع حدب بالتحريك، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع، فإذا جاء سيل الثائرين لإكتساح بني أمية (يزعزعهم الله) أي يقلعهم ويفرقهم - وضمير المفعول لبني أميه - (في بطون أوديته) أي مسالك الإختفاء في الأرض، فكل واحد منهم يفر إلى مجهلة من الأرض (ثم يسلكهم ينابيع في الأرض) يتسربون في باطن الأرض اختفاءٌ من سلطات بني العباس، كما يختفي الماء ويتسرب في باطن الأرض، ويحتمل أن يكون الضمير في [ يزعزعهم] و[ يسلكهم] إلى مناوئ آل أمية، أي أنهم يختفون في أول أمرهم، ويجرون من هنا وهناك باختفاء كالينابيع، حتى يظهروا ويثوروا ضد الأمويين.
(يأخذ بهم) أي بسبب هؤلاء الثائرين (من قوم) وهم بنو أمية (حقوق قوم) وهم الهاشميون فقد أكثروا في آل أمية من القتل وإراقة الدماء في قضايا معروفة .
(ويمكن لقوم) وهم بنو العباس (في ديار قوم) وهم آل أمية (وأيم الله)حلف به سبحانه (ليذوبن) أي يضمحلن، كما يذوب الجليد (ما في أيديهم)
بَعْدَ الْعُلُو وَالتَّمْكِين، كَمَا تَذُوبُ الأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ .
أَيُّهَا النَّاسُ ، لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ، لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِل ، لَمْ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ، وَلَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ ، لكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَلَعَمْرِي، لَيُضَعْفَنَّ لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً بمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَقَطَعْتُمُ الأَدْنى،
......................................
أي أيدي الأمويين من الملك والسلطة (بعد العلّو) له (والتمكين) على السلطة (كما تذوب الألية) هي الشحمة التي في ذيل الغنم ( على النّار) حتى لا يبقى منها شيء يذكر - وقد كان كما أخبر الإمام علي(عليه السلام) -.
(أيها الناس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحقّ) التخاذل، هو أن يتحرك بعضهم بعضاً، فلا يجتمعون لنصرة الحق (ولم تهنوا) من الوهن بمعنى الضعف (عن توهين الباطل) أي تضعيفه وتحطيمه (لم يطمع فيكم من ليس مثلكم) في الدين والإيمان، أي الكفّار والمنافقين (ولم يقوَ مَن قوي) الآن (عليكم) أي لم يتمكن من أن ينشر قوته عليكم (لكنكم تهتم) أي تحيرتم في الأمر لا تسيرون في الطريق الصحيح (متاه بنى اسرائيل) أي مثل تيه بني اسرئيل الذين ضلوا في الصحراء، فبقوا أربعين سنة في التيه، لأنهم خالفوا أمر الله سبحانه في دخول الأرض المقدسة، وإخراج الكفار منها . (ولعمري) قسم بنفسه الشريفة (ليضعفن لكم التيه من بعدي) أي يضاعف الحيرة في الأمر، وعدم معرفة الطريق المنجح .
(أضعافا) أي أضعاف تيهكم في زماني .
وذلك (بـ) سبب (ما خلفتم الحق وراء ظهوركم) أي لم تعتنوا به (وقطعتم الأدنى) إلى الله والرسول والأحكام - وهو الإمام(عليه السلام) - حيث
وَوَصَلْتُمُ الأَبْعَدَ . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ ، سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ، وَكُفِيتُمْ مَؤُونَةَ الإِعْتِسَافِ، وَنَبَذَتُمُ الثّقْلَ الفَادِحَ عَنِ الأَعْنَاقِ .
.............................
خالفوه (ووصلتم الأبعد) وهو الشيطان أو قرناء السوء .
(واعلموا أنّكم إن اتّبعتم الداعي لكم) يعنى : نفسه الكريمة، حيث كان يدعوهم إلى الرشاد (سلك بكم منهاج الرسول )(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وكفيتم مؤونة الاعتساف) الشدة والصعوبة، في الأمور الدنيوية والأخروية، أي لا تلحقكم ما تلحقكم الآن من المصاعب والمتاعب (ونبذتم)أي طرحتم (الثقل الفادح)أي الثقيل(عن الأعناق) المراد به، المشاكل التي تنتابهم، فإنَّ المنهاج الإسلامي كفيل بحل جميع مشاكل الإنسان.
إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيْنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ ؛ فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْر تَهْتَدُوا، وَاصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا. الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ ! أَدُّوهَا إِلَى اللهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى الجَنَّةِ . إِنَّ اللهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ، وَأَحَلَّ حَلاَلاً غَيْرَ مَدْخُولٍ،
.............................
التوضيح:
في أوائل خلافته، وفيها النصح والإرشاد، والتحذير من الموت بلا عدة (إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا) يهدي الناس إلى سبل الحق والسعادة، والمراد به القرآن الحكيم (بَيْنَ فيه الخير والشر فخذوا نهج الخير) أي طريقه (تهتدوا) أي تصلوا إلى المطلوب، فإنَّ الهداية قد تأتي بهذا المعنى، كما تأتي بمعنى إرائة الطريق (واصدفوا) أي اعرضوا (عن سمت الشر) أي جهته (تقصدوا) أي تستقيموا ، أذوا (الفرائض الفرائض) التكرار للتأكيد وللتركيز في الذهن (أدّوها إلى الله) كأن العمل بها أداء إليه سبحانه تشبيهاً بالمحسوسات (تؤدّكم إلى الجنة) أي توصلكم إليها (إن الله حرم حراماً) المراد به الجنس (غير مجهول) إذ قد بين في الكتاب والسنة (وأحل حلالا) أي جنس المحللات.
(غير مدخول) أي ليس بمعيب، بخلاف المحرمات التي هي عيوب
وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا، وَشَدَّ بِالإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا ، (فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) إِلَّا
بِالْحَقِّ، وَلاَ يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلَّا بِمَا يَجِبُ .
بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَهُوَ الْمَوْتُ،
........................................
ونقائص (وفضّل حرمة المسلم) أي احترامه (على الحرم كلّها) فلا حرمة أعظم من حرمة المسلم .
(وشدّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين) أي جعل حقوق المسلمين مرتبطة بإخلاصهم لله وتوحيدهم له، لله وتوحيدهم له، حتى أن منهم من إذا كان لم يخلص أو لم يوحد - فرضا - لم يكن له حقوق (في معاقدها) أي مواضعها من الذمم فذمة الناس رهينة بحق مسلم أخلص لله وحده (فالمسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه) فلا يسب ولا يغتاب ولا يفتري وهكذا ( ويده) فلا يبسطها إلى أحدٍ بسوء(إلّا بالحق) كلعن مَنْ يستحق اللعن، وقتل من يستحق القتل، وهكذا.
(ولا يحلّ أذى المسلم إلّا بما يجب) في الشريعة، كإجراء الحدود عليه، فإنّه وإن كان موجبا لأذاه ، إلّا أنّه غير محظور لأن إجراء الحدود واجب، وإذا جمعت هذه الجمل كانت هكذا [المسلم المخلص الموحد محترم، لا يجوز تناوله بيد أو لسان، إلّا بالحق]، وهذا من مصاديق الحرام غير المدخول، فكأنه مثال له .
(بادروا) أي أسرعوا في (أمر العامّة) أي عامة ذوات الأرواح، والمراد بالمبادرة لذلك الأمر الاستعداد نه (وخاصّة أحدكم)أي أن ذلك الأمر العام يخص كل واحد منكم .
(وهو الموت) فإنَّه عام لكل ذي روح، وخاص لكل إنسان، فاعملوا له-
فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ ، وَإِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ. اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِم. أَطِيعُوا الله وَلا تَعْصُوهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ .
.............................
وهو معنى المبادرة - (فإن النّاس) الذين ذهبوا إلى الآخرة (أمامكم) ساروا في هذا المسير ( وإن السّاعة تحدوكم من خلفكم) أي تزجركم للإسراع نحوها، والمراد بالساعة يوم القيامة ، وتحدوكم، كناية عن سرعة فناء الدنيا.
(تخفّفوا) عن الآثام، ولا تثقلوا كواهلكم بالمعاصي (تلحقوا) بالرجال الصالحين الذين سبقوا إلى الجنّات كما أن المسافر إذا تخفف لحق بالقافلة ،ووصل إلى المنزل .
(فإنّما ينتظر بأولكم) الذي مات (آخركم) الذي لم يمت بعد، يعني أن النّاس إنّما ينتقلون إلى المحشر إذا مات الكل، فمنع من تقدم عن الحضور في المحشر إنّما هو لأجل أن يلحق بهم الباقون، فيحشر جميعهم في وقت واحد (اتقوا الله) أي خافوه (في عباده) فلا تفعلوا بهم شرّا ممّا نهى الله عنه (وبلاده) فلا تفسدوا فيها (فإنكم مسؤولون حتّى عن البقاع) جمع بقعة، كيف كنتم بها هل عمرتموها أم خربتموها ؟ ( والبهائم)، هل قمتم بواجبهم النفقة والسكن وكفّ الأذى عنهم، أم بالعكس من ذلك؟ (أطيعوا الله ولا تعصوه) فإنَّ في الإطاعة السّعادة وفي العصيان الشّقاوة (وإذا رأيتم الخير فخذوا به) أي اعملوه.
(وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه) أي اتركوه، والمراد بالرؤية العلم.
وقد قال له قوم من الصحابة: لو عاقبت قوماً ممن أجلب على عثمان؟ فقال(عليه السلام):
يَا إِخْوَنَاهُ! إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَلكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةِ وَالْقَوْمُ المُجْلَبُونَ عَلَى حَدْ شَوْكَتِهِم، يَمْلِكُونَنَا وَلاَ نَمْلِكُهُمْ! وهَا هُمْ هَؤُلاَءِ
...............................................
التوضيح :
(يا إخوته إنّي لست أجهل ما تعلمون) بمن أجلب، وماذا يستحقون، وقد كان الإمام(عليه السلام) يعلم عدم استحقاقهم للقتل، إذ كان هذا الجزاء الطبيعي لبدع عثمان، التي ملأت الآفاق، كما أن هذا الطلب كان سخيفاً، إذ لو أراد الإمام قتل مائة ألف ثائر وتأديبهم وفيهم عائشة وطلحة والزبير ومَن إليهم، لم يكن له من يعينه في هذا الأمر، وانحلت عرى الإسلام، لكنّ الإمام اكتفى في جوابهم، بالأمر الثاني دون الأول، لأنه لم يرد أن يزيد الفتنة وقوداً، بتقرير أنه كان أيضاً يرى انحراف عثمان وبدعه (ولكن كيف لي بقوّة) التأديب للثائرين؟
(والقوم المجلبون) الذين أجلبوا على عثمان (على حدّ شوكتهم) أي قوّتهم السّابقة .
( يملكوننا ولا نملكهم) فإنّ أزمّة الأمور بأيديهم، وهم مرموقون عند المسلمين مما لا يمكن التّعرض لهم بأذى (وها هم هؤلاء) طلحة والزبير
قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبدَانُكُمْ، وَالْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ، وَهُمْ خِلالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاؤُوا ؛ وَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةِ عَلَى شَيْءٍ تُرِيدُونَهُ! إِنَّ هذَا الأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةِ ، وَإِنَّ لِهؤُلاَءِ الْقَوْمِ مَادَّةَ. إِنَّ النَّاسَ مِنْ هذا الأَمْرِ - إِذَا حُرِّكَ - عَلَى أُمُورِ : فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةً لَا تَرَى هَذَا وَلاَ ذَاكَ ، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ ، وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا ،
........................................
وعائشة وعبد الله ومحمّد(قد ثارت معهم) ضدي(عبدانكم)جمع عبد، فإنَّ كثيراً من عبيد المسلمين أخذوا ينصرون الجمل تخلصاً من مواليهم (والتفت إليهم أعرابكم) أهل البوادي طمعاً في الغزو والغنيمة (وهم خلالكم) أي في ثناياكم وما بينكم (يسومونكم ما شاؤوا) من العذاب، من سامه خسفاً إذا أذلة وأذاه (وهل ترون موضعاً لقدرة) منّي (على شيء تريدونه) ؟ وهو معاقبة المجلبين على عثمان، والاستفهام للإنكار.
( إن هذا الأمر) أي تحرك الثائرين ضدّي (أمر جاهلية)فكما أنّ الجهل والطّمع كانا يقودان النّاس في زمن الجاهلية إلى الحركة والغزو، كذلك حرکا هؤلاء العصاة ضدي، مما لا أقدر معه من التأديب - لو كان اللازم التأديب فرضا.
(وإنّ لهؤلاء القوم) العصاة (مادّة) أي عوناً ومددا من طلّاب الرّياسة كمعاوية ومن إليه (إنّ النّاس من هذا الأمر) أي أمر المعاقبة لقتلة عثمان .
(إذا حرّك) بأن أردنا الشّروع فيه( على أمور ) أي اقسام (فرقة ترى ما ترون) من لزوم معاقبة قتلة عثمان (وفرقة ترى مالا ترون)وهم الثّائرون ومن اليهم ممّن كان يرى عثمان واجب القتل لبدعه وضلالاته (وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك) وإنّما هو حياد في الأمر، لا يخصه أمر الفتنة إطلاقاً (فاصبروا حتى يهدأ النّاس) أي يسكنوا من فورتهم (وتقع القلوب مواقعها) الصحيحة بأن
وَتُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةَ ، فَاهْدَقُوا عَنِّي ، وَانْظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي، وَلاَ تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً، وَتُسْقِط مُنْةَ، وَتُورِثُ وَهْنا وَذِلَّةٌ
وَسَأَمْسِكُ الأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ. وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدَا فَآخِرُ الدَّواءِ الْكَيْ
........................................
تأخذ التروي والتدبر، لا العواطف الجائشة والميول الوقتية التي ترافق الثورات دائماً .
( وتؤخذ الحقوق مسمحة) فكأن الحقوق جادت بنفسها عليهم فأخذوها، من أسمح إذا جاد (فاهدؤوا عنّي) ولاتكلفوني ما ليس لي، ولا ظرف يقتضيه (وانظروا ماذا يأتيكم به أمري) أي بماذا يأتي إليكم من أوامري.
(ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة) أي تحركها وتضعفها، بانشقاق جديد واختلاف بين النّاس (وتسقط منّة) المنة بمعنى القدرة (وتورث وهنا) أي ضعفا (وذلّة) لكم، لأنّ الضعيف لا بد وأن يذل (وسأمسك الأمر) أي اخذه على علامة (ما استمسك) بنفسه، أي لا أشتت المسلمين، ما داموا متماسكون، لا فرقة بينهم .
(وإذا لم أجد بُدّا) أي علاجاً، للطامعين كطلحة والزبير (فآخر الدّواء الكي) أي أقاتلهم إن بقوا يفسدون ويحرضون ويفرقون. وهذا مثال يضرب للمريض الذي لايبرأ ، فإنّ آخر العلاج الكي بالنّار - ممّا هو معروف -.
إِنَّ الله بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابِ نَاطِقِ وَأَمْرِ قَائم ، لاَ يَهْلِكُ عَنْهُ إِلَّا هَالِكٌ . وَإِنَّ المُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِكَاتُ، إِلَّا مَا حَفِظَ اللهُ مِنْهَا . وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ الله عِصْمَةً لأَمْرِكُمْ ،
.........................................
التوضيح :
(إنَّ الله بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق) أي مع كتاب ينطق بما هو الحق (وأمر قائم) أي منهاج لجوانب الحياة قائم في الناس، للإصلاح، وكونه قائماً، أما بالمجاز المشارفي، وأما المراد قائم في زمان تكلمه(عليه السلام) وإلّا فالمنهاج لم يكن قائماً حين البعث (لا يهلك عنه) أي بعد الرسول والكتاب (إلا هالك) أي من في طبعه اعوجاج وتسميته هالكاً مجاز بالمشارفة، نحو من قتل قتيلا (وإن المبتدعات) أي الأشياء الجديدة التي نهى عنها الإسلام ثم عمل بها النّاس .
(المشبهات) بالدين وليست منه (هنّ المهلكات) أي الموجبات للهلكة (إلا ما حفظ الله منها) استثناء منقطع، إلّا ما حفظ الله الإنسان منها، فلا تكون سبباً لهلاك الإنسان المحفوظ (وإنّ في سلطان الله) أي في منهاجه، أو فی السلطة التي جعلها للأئمة ونوابهم (عصمة لأمركم) فإنَّها تحفظكم من
الزّلة والانحراف .
فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَلا مُسْتَكْرَه بِهَا . وَاللهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الإسلام، ثُمَّ لاَ يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبداً حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ.
إنَّ هؤُلاَءِ قَدْ تَمَالَؤُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتي ، وَسَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ : فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هذا الرَّأْي انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ ،
......................................
(فأعطوه) أي الله سبحانه (طاعتكم ) أي أطيعوه (غير ملومة) أي طاعة لا تلام، بسبب كونها مشوبة بالنفاق وما أشبه (ولا مستكره بها) بأن تكون الطاعة عن خوف ورجاء، لا عن كره وإجبار من النّاس وملاحظة لهم (والله لتفعلنّ) الذي قلت من الطاعة الخالصة النابعة من الإيمان (أو لينقلنّ الله عنكم سلطان الإسلام) إلى الأجانب، كما نرى الآن أن لا سلطة للمسلمين وإنّما السّلطة للكفّار (ثم لا ينقله) أي السلطان - وهو جائز الأمرين في التذكير والتأنيث - (إليكم أبدا) فلا ترجع السلطة إليكم (حتى يأرز الأمر) أي يرجع الأمر (إلى غيركم) [حتى] غايةً لقوله: [لينقلن] و[ثم] تأكيد لذلك، ولذا جيئ مقدماً على [حتى] ولا يخفى أن المراد عدم الرجوع ما داموا تاركين للإسلام .
(إن هؤلاء) يريد(عليه السلام) : أصحاب الجمل (قد تمالؤوا) أي اتّفقوا وتعاونوا .
(على سخطة إمارتي) أي كراهتها وعدم الرضا بها (وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم) أي جماعة المسلمين أن تتفرق بسبب فسادهم وإفسادهم . (فإنّهم إن تمّموا على فيالة هذا الرّأي) أي على ضعفه، والمراد بهذا الرأي، رأيهم حول الإمام(عليه السلام)(وانقطع نظام المسلمين) مما يوجب التّفرقة ، وهي منهية، بالإضافة إلى أن ذلك دفع لحق ذي الحق، الذي هو الخلافة
وَإِنَّمَا طَلَبُوا هذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللهُ عَلَيْهِ، فَأَرَادُوا رَدَّ الأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا . وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسَلَّمْ - وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ، وَالنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ .
.......................................
الإلهية المقررة للإمام(عليه السلام) . (وإنما طلبوا) هؤلاء طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم( هذه الدنيا حسداً لمن أفاءها الله) أي أرجعها الله (عليه) وهو الإمام(عليه السلام) ، فإنّ الدنيا كانت له - حسب الخلافة الشرعية- وسلبها عنه الثلاثة، ثم رجعت إليه (فأرادوا ردّ الأمور على أدبارها) أي إرجاع أمر الإسلام جاهلية تتحكم فيه الكبرياء والحسد وطمع السلطة مما كانت قبل الإسلام، ونهى عنها القرآن والدين .
(ولكم ) أيها المسلمون (علينا ) يقصد(عليه السلام) الخليفة (العمل بكتاب الله تعالى وسيرة رسول الله ) أي سنته التي هي فعله وقوله وتقريره ( والقيام بحقّه) أي حقّ الرسول وهو الجد لترويج الإسلام، وتركيز دعائمه (والنّعش) أي الرفع، من نعشه إذا رفعه (لسنته) أي سنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، وقد فعل الإمام كما قال، فإنَّه في زمن الرسول كان السبب الثاني لرفع راية الإسلام بجهاده وفتوحاته، التي لولاها لم يكن من الإسلام أثر وفي زمن الخلفاء كان الرقيب الناظر على تحريفاتهم، ولما انتهى الأمر إليه حارب المنحرفين داخل الإسلام وأوضح منهاج الإسلام حتّى إنّه لو لم يكن، لكان للإسلام اليوم وجه غير وجهه الواقعي الذي أراده الله والرسول(صلى الله عليه وآله وسلّم).
كلّم به بعض العرب - وهو كليب الجرمي - وقد أرسله قوم من أهل البصرة لما قرب (عليه السلام)منها ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم، فبين له(عليه السلام) من أمره معهم ما علم به أنه على الحق، ثم قال له: بايع، فقال: إني رسول قوم، ولا أحدِث حدثاً حتى أرجع إليهم . فقال (عليه السلام):
أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ ، فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ عِنِ الْكَلإِ وَالْمَاءِ ، فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ وَالْمَجَادِبِ،
......................................
التوضيح:
(أرأيت) أي أخبرني (لو أن الذين وراءك بعثوك رائداً) الرائد هو الذي يتقدم القافلة ليرتاد لهم المكان ذا العشب والماء والقابل للسكنى (تبتغي لهم مساقط الغيث) جمع مسقط، أي محل سقوط الأمطار وهو كناية عن المحل الموجود فيه الماء (فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلإ) أي العشب (والماء) وأنها في المكان الكذائي (فخالفوا) أولئك القوم معك ولم يذهبوا إلى المحل الذي رأيت بل ذهبوا (إلى المعاطش) المحلات الخالية عن الماء الموجبة للعطش، جمع معطش، وهو محل العطش (والمجادب) جمع مجدب وهو
ان علينا نضمة
مَا كُنْتَ صَانِعاً؟ قَالَ : كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَمُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلإِ وَالْمَاءِ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلام : فَامْدُدْ إِذا يَدَكَ. فَقَالَ الرجُلُ : فَوَاللهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ، فَبَايَعْتُهُ عَلَيْهِ السَّلام .
..........................................
محل الجدب، مقابل الخصب الذي لا كلأ فيه (ما كنت صانعا) ؟ هل توافقهم حتى تهلك أو تتركهم؟ .
(قال) كليب (كنت تاركهم ومخالفهم) فأذهب (إلى الكلا والماء) فإنَّ الإنسان العاقل يطلب حياة نفسه، ويخالف من يطلب الهلاك (فقال(عليه السلام): فامدد إذاً يدك) لتبايعني لأنك عرفت أن الحق معي، وحال قومك لا يخلوا أما من قبول أمري فنعم الوفاق، وإما من رفضي، فأنت قلت إنّما تتبع موضع الماء لا موضع الهلاك، وفي مخالفتي هلكة، بعد ما تبين الحق لك .
(فقال الرجل فوالله ما استطعت أن أمتنع) عن بيعته(عليه السلام) (عند قيام الحجّة عليّ) بأنه على الحق، وأعداءَهُ على الباطل (فبايعته(عليه السلام)).
وهو دعاء ودعوة لأصحابه على القتال:
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوع، وَالْجَوّ الْمَكْفُوفِ، الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمَجْرىّ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَمُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ؛ وَجَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلائِكَتِكَ ، لَا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ ؛
...........................................
التوضيح :
(اللّهمّ ربّ السّقف المرفوع) المراد به السّماء (والجوّ المكفوف) الّذي كفّ عن الأرض فلا يسقط عليها، والمراد عدم سقوط أجرام الجو (الّذي جعلته مغيضا للّيل والنهار) والجو منبع الضياء والظلام، والمغيض مشتق من غاض الماء إذا ذهب في الأرض واختفى، فكأن النّور والظلمة يتسربان في الجو في كل ليل ونهار (و مجرى للشّمس والقمر) فإنّ الفضاء محل لجريان الشّمس والقمر وسيرهما ( ومختلفا) أي محل اختلاف، والاختلاف بمعنى التردد ذهابا وإيابا (للنّجوم السّيارة) التي تسير في الفلك، كزحل والمشتري وعطارد.
(وجعلت سكّانه) أي سكّان الجو (سبطا) أي جماعة، فإنَّ السّبط بمعنى الأمة (من ملائكتك لا يسأمون من عبادتك) سأم بمعنى مل، فإنَّ الملائكة لا تمل من العبادة .
وَرَبَّ هذهِ الأَرْضِ الَّتي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلأَنامِ، وَمَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَالأَنْعَامِ، وَمَا لاَ يُحْصَى مِمَّا يُرَى وممَّا لَا يرى؛ وَرَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتي جَعَلْتَهَا لِلأَرْضِ أَوْتَاداً، وَلِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً ، إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ ؛ وَإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ، وَاعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ .
..........................................
(وَرَبِّ هذه الأرض التي جعلتها قراراً للأنام) أي مقرّاً لهم، فإنَّه لولا الجاذبية لم تستقر الأشياء على الأرض (ومدرجا) أي محل درج وحركة (للهوامّ) جمع هامة وهي الحيوانات الصّغيرة كالفارة والحيّة وما أشبه (والأنعام) جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم (و) لـ( ما لا يحصى) أي لا يتمكن الإنسان من إحصائه (ممّا يرى وممّا لا يرى) من الأشياء الموجودة في الأرض، أو هو عطف على [هذه] أي [رَبِّ ما لا يحصى].
(وَرَبِّ الجبال الرّواسي) جمع راسية، وهي الثابتة على الأرض (الّتي جعلتها للأرض أوتاداً) أي كالوتد الذي يحفظ الألواح بعضها ببعض، فإنّ الجبال تحفظ الأرض عن الاضطراب والتفكك (وللخلق اعتماداً) فإنَّ الإنسان يعتمد بالجبل لدى الخوف من العدو أو السيل أو ما أشبه (إن أظهرتنا على عدوّنا) أي جعلت النّصر لنا (فجنّبنا البغي)أي الظلم، فإنَّ العسكر الظافر غالباً يظلم المغلوبين (وسدّدنا للحقّ) أي لأن نعمل به (وإن أظهرتهم علينا) بأن غُلِبْنا وكان النّصر لهم (فارزقنا الشّهادة) أي الموت في سبيلك(واعصمنا) أي احفظنا (من الفتنة) بمعنى الانحراف عن سنن الإسلام، فإنّ الأمة المغلوبة غالباً تتّبع الأمة الغالبة في آدابها وملوكها، بل ودينها.
ثمّ توجّه الإمام(عليه السلام) إلى أصحابه يحرضهم على القتال بقوله :
أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذِّمَارِ ، وَالْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ ! الْعَارُ وَرَاءَكُمْ وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ !
.....................................
(أين المانع للذّمار) الذمار : ما يلزم على الإنسان حفظه من أهل وعشيرة وما أشبه، وهذا استفهام بمعنى التحريض، فإنَّهم إن انهزموا صارت عشيرتهم وأهلهم مطمعاً للأعداء (والغائر) من غار على زوجته أو أهله أن يمسهم أحد بسوء (عند نزول الحقائق) أي النوازل الثابتة، فإنَّها حقيقة لا مجاز، وتطلق على الحرب كما قال علي الأكبر(عليه السلام): الحرب قد بانت لها حقائق .
(من أهل الحفاظ) بيان للمانع والغائر، أي الذين لهم حفظ لأهلهم وكرامتهم (العار ورائكم) إن تقاعستم حتى هزمتم، فإنَّ عار الهزيمة يبقى على الإنسان إلى الأبد (والجنّة أمامكم) فإنَّ قتلتم كان مصيركم الجنّة ، فلا تشتروا العار، ولا تبيعوا الجنة بالضعف والانهزام .
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لاَ تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً ، وَلاَ أَرْضٌ أَرْضاً .
منها : وَقَالَ قَائِلٌ: إِنَّكَ عَلَى هذَا الأَمْرِ يَا بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ ؛ فَقُلْتُ : بَلْ أنتم وَاللهِ لأَحْرَصُ وَأَبْعَدُ، وَأَنَا أَخَصُّ وَأَقْرَبُ، وَإِنَّمَا طَلَبتُ حَقّاً لي .
.......................................
التوضيح :
(الحمد لله الذي لا تواري عنه سماءٌ سماءً) أي لا تسبب الأجرام السماوية عدم مشاهدته سبحانه لأجرام أُخر، فإنَّه لا يحجب حاجب شيئا، كما يحجب عندنا (ولا أرضٌ أرضاً) فالأرض الوسط لا تحجب الأرض البعيدة، فإنَّ رؤيته سبحانه عامة لكل شئ.
(منها): في قَصة الشّورى (وقال قائل : إنك على هذا الأمر يابن أبي طالب الحريص) أي أمر الخلافة، وقد كان القائل سعد بن أبي وقاص، و لقد كان هذا الكلام منه لرغبته عنه(عليه السلام) ، وإلَّا فعثمان كان أكثر حرصا إذ قبل الشّرط، والإمام لم يقبل الشّرط (فقلت بل أنتم والله لأحرص) منّي (وأبعد) عن هذا الأمر (وأنا أخصّ) بهذا الأمر لأنه لي بنص الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
(وأقرب) الى الرسول منكم ، أو أقرب إلى هذا الأمر (وإنّما طلبت حقّا لي )
وَأَنْتُم تَحُولُونَ بيني وَبَيْنَهُ ، وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ ، فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلا الْحَاضِرِينَ هَبَّ لاَ يَدْرِي مَا يُجِيبُني بِهِ!
اللَّهُمَ إِنِّي أَسْتَعِينُكَ عَلى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ! فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَصَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي.
ثُمَّ قَالُوا : ألَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ،
.........................................
فإنّ الخلافة كانت حقّ الإمام بنصّ الله والرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)( وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه) كناية عن منعهم له(عليه السلام) من الوصول إلى حقّه بالألاعيب التي لعبوها عند الشورى، كما هو مشهور في التواريخ .
ما
(فلمّا قرعته) أي قرعت القائل، وأصل القرع الضرب بالعصى للتأديب (بالحجّة في الملإ) أي الجماعة (الحاضرين هبّ) أي انتبه أو بهت (لايدري يجيبني به) لأنه أُفحم.
ثم توجه الإمام إلى الله سبحانه شاكيا له حاله، وهضم هؤلاء له حسداً وبغياً، فقال: (اللهمّ إنّي أستعينك) أي أطلب عونك ونصرتك (على قريش ومن أعانهم) في غصب حقّي (فإنّهم قطعوا رحمي) فإنّ من مصاديق قطع الرّحم الحيلولة بين الإنسان وبين حقّه الشّرعي (وصغّروا عظيم منزلتي) فإنَّ منزلة الخلافة الموهوبة للإمام من الله لم يأبهوا بها، بل جعلوا الإمام كأحدهم (وأجمعوا على منازعتي أمرا) أي المنازعة معي في أمر (هولي) والمراد بذلك الأمر الخلافة .
(ثم قالوا : ألا إن في الحق أن تأخذه) أي هذا الأمرُ فإنَّهم كانوا معترفين
وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ .
منها في ذكر أصحاب الجمل :
فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللهِ -(صلّی الله علیه وآله وسلّم)- كَمَا تُجَرُّ الأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إلى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِما ، وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللهِ -(صلّی الله علیه وآله وسلّم)-
...................................
بفضل الإمام(وفي الحق أن تتركه) قالوا هذا بعد أن اتفقوا على عثمان، وقالوا ذلك قبل الاتفاق على عثمان، فقد أرادوا بيعة الإمام بشرط أن يقبل العمل بسيرة الشيخين، لكن الإمام لمّا أبى ردوه على عثمان، وقالوا مقالتهم الثانية، وفي بعض النسخ [نأخذه] بالنون، فالجملتان في مفاد واحد، أي أن الحق أخذنا للخلافة وتركك لها، وعلى أيّ حال فكلامهم أعم من عملهم إجراما .
( منها في ذكر أصحاب الجمل) طلحة والزبير وابناهما محمد وعبد الله. (فخرجوا) من المدينة (يجّرون حرمة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) أي عائشة (كما تجرّ الأمة عند شرائها) فإنَّ الأمة تجر بلا احترام، وهكذا فعلوا بعائشة (متوجهين بها إلى البصرة) وقد أرادوا بذلك قطع سلطة الإمام من العراق فإذا انضم إلى ذلك قطع سلطته من الشام سهل أمره، وتمكن العاصيان من الوثوب على الحكم، وتنحية الإمام إلى جانب الإنزواء (فحبسا ) أي طلحة والزبير (نساء هما في بيوتهما) احتراماً منهما لنسائهما، (وأبرزا) أي أظهرا في الملأ (حبيس رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)) أي عائشة التي كانت محبوسة، لايجوز لأحد أن يقربها احتراماً للرّسول، كما قال سبحانه :
لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا، فِي جَيْشِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلّا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ، طَائِعاً غَيْرَ مُكْره ، فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلي بِهَا وَ خزّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا ، فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً، وَطَائِفَةٌ غَدْراً .
فَوَاللهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ، بِلاَ جُرْمِ جَرَّهُ ، لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ ، إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا ،
.......................................
وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً(1)وهذا التعبير للدلالة على كثرة احترامها قبل الحركة، ومع ذلك إنهما لم يحترما الرسول في أمرها . (لهما ولغيرهما) متعلق بأبرزا .
(في جيش ما منهم رجل إلّا وقد أعطاني الطاعة) فهم قد خانوا البيعة (وسمح لي بالبيعة) السماح هو الإعطاء عن نية صادقة (طائعاً غير مكره) فلم يكن إكراهاً، حتى يعتذروا بأن البيعة لم تكن شرعية (فقدموا) أي الجيش (على عاملي بها) أي بالبصرة وهو عثمان بن حنيف (وخزان بيت مال المسلمين) أي الحفظة لبيت المال، فإنّ بيت المال كان في محل وكان في حواله حفظة يحفظونه عن السراق ومن إليهم (وغيرهم من أهلها) أي أهل البصرة (فقتلوا طائفة) منهم (صبراً) هو القتل في غير ميدان القتال، بأن يحبس الشخص ثم يجرح في دفعات حتى يقتل، وقد يطلق على مطلق من يجرح دفعات لأنه ليس قتلا دفعيا (وطائفة غدراً) بأن أعطوهم الأمان ثم قتلوهم .
(فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلّا رجلاً واحداً معتمدين لقتله) أي قاصدين قتله، بأن لم يكن خطأَ أو شبه خطأ (بلا جرم جرّه) ممّا يستحقّ به القتل (لحل لي قتل ذلك الجيش كلّه إذ حضروه فلم ينكروا) فإنَّهم داخلون
1) سورة الأحزاب : 53
وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانِ وَلاَ يدٍ. دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ!
...................................
في عموم قوله: إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَلُوا (1)وقد قال الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) للإمام(عليه السلام) : [حربك حربي] في حديث مشهور عند الفريقين .
ومن المعلوم أن الراضي بفعل أحد شريك له، فالجيش بقتلهم واحداً في مقابل الإمام(عليه السلام)كانوا محاربين للإمام .
(ولم يدفعوا عنه بلسان ولا يد) مما يخرجهم عن المحاربين للإمام، فإنَّ المدافع ليس محارباً (دع ما أنهم) [ما] زائدة لتزيين الكلام (قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها) أي بتلك العدة (عليهم) أي أن قتلهم مسلماً واحداً يبيح لي قتل جميعهم، فكيف إذا قتلوا كثيراً بقدر الجيش الذي جاؤا لقتلهم؟ فإنَّ ذلك مما يجعل قتل جميعهم أهون في نظر الشريعة .
1) سورة المائدة : 33
وبيان هوان الدنيا
أَمِينُ وَحْيِهِ، وَخَاتَمُ رُسُلِهِ، وَبَشِيرُ رَحْمَتِهِ، وَنَذِيرُ نِقْمَتِهِ .
أَيُّهَا النَّاسِ ، إنَّ أحقَّ النَّاسِ بِهذَا الأَمْرِ أقواهم عَلَيْهِ ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ فيه . فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتَعْتِبَ، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ.
...................................
التوضيح:
إبتدأ(عليه السلام) بذكر الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بقوله : (أَمينُ وحيه) فلا يزيد ولا ينقص مما يوحى إليه (وخاتم رسله) فلا رسول بعده (وبشير رحمته) أي أنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يبشر برحمة الله لمن آمن وأطاع (ونذير نقمته) أي أنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ينذر بالنقمة والعذاب لمن كفر أو عصى .
(أيها الناس إن أحق النّاس بهذا الأمر) أي الخلافةِ (أقواهم عليه)أي أقوى الناس في إدارة الشؤون الإسلامية (وأعلمهم بأمر الله) أي أن يكون أعلم الناس بأوامر الله ونواهيه في باب هذا الأمر الذي هو إدارة شؤون المسلمين (فإن شغب شاغب) بعد ذلك، بأن كان الوالي متصفاً بما يلزم فيه، ثم يهيج الفساد أحد.
(استعتب) أي طلب منه الرضا بالحق (فإن أبى) من الرضوخ والخضوع (قوتل) حتى يفىء إلى أمر الله سبحانه، ثم بين الإمام(عليه السلام) خطأ ما كان معاوية
وَلَعَمْرِي، لَئِنْ كَانَتِ الإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ، فَمَا إِلَى ذلِكَ سَبِيلٌ ، وَلكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ ، وَلَا لِلغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ . أَلاَ وَإِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْن : رَجُلاً ادْعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ .
أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ،
..................................
يعتذر به من أن الإمام(عليه السلام) لم ينصبه جميع المسلمين وإنما نصبه أهل المدينة ومن إليهم فقط، فليست خلافته بالإجماع، بقوله :
(ولعمري) أي أقسم بنفسي (لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة النّاس) أي جميع المسلمين (فما إلى ذلك سبيل ) إذ كيف يمكن حضور عامة المسلمين، والإدلاء برأيهم (ولكن) على مبنى كون الإمامة بالإجماع - على فرض التسليم، لا بالنص، كما هو الواقع - (أهلها) أي أهل الإمامة، وهم الذين بيدهم الحلّ والعقد، من المسلمين المحتفّين بالخليفة (يحكمون على من غاب عنها) بمعنى أنهم إذا حكموا ثبت حكمهم على الغائبين ( ثم) بعد الحكم (ليس للشاهد) الحاضر (أن يرجع ) عما اختاره (ولا للغائب أن يختار) غير ما اختارته أهل الحل والعقد.
(ألا) فلينتبه السامع (وأني أقاتل رجلين) أي أحد طائفتين (رجلا ادعى ما ليس له) كمعاوية الذي يدعي الخلافة (وآخر منع الذي عليه) كطلحة والزبير الذين منعا الطاعة التي هي عليهما بعد مبايعتهما للإمام .
(أوصيكم بتقوى الله) أي الخوف منه في جميع الأمور (فإنها خير ما تواصى العباد به) أي أوصى بعضهم بعضاً، إذ هو سبب سعادة الدنيا والآخرة
وَخَيْرُ عَوَاقِبِ الأُمُورِ عِنْدَ اللهِ، وَقَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَهْل الْقِبْلَةِ، وَلاَ يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ وَالْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقِّ ، فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ، وَقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ؛ وَلاَ تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا، فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً .
.....................................
(وخير عواقب الأمور عند الله) أي أن أواخر الأمور خيرها التقوى، لكن ذلك عند الله سبحانه، إذ خير أواخر الأمور عند الناس المنصب الرفيع والمال الكثير وما أشبه .
(وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة) أي المسلمين الذين يُصلون إلى القبلة، وهم أصحاب الجمل وصفين والنهروان (ولا يحمل هذا العلم) أي علم الحرب مع هؤلاء المنحرفين(إلّا أهل البصر) بالدين حتى لا يغره كونهم أهل قبلة في ترك قتالهم(والصّبر) بأن يصبر - بالإضافة على الصبر على الحراب - على كلام الناس ولومهم .
( والعلم بمواضع الحقّ) حتى يعلم أنه يجب جهاد المخالف للحق، وإن كان في الظاهر لابساً ثوب الحق (فامضوا لما تؤمرون به) من جهاد هؤلاء (وقفوا عند ما تنهون عنه) من الكف عن الحرب وما أشبه، حينما تقتضي المصلحة ذلك وينهاكم الإمام ( ولا تعجلوا في أمر) من الإقدام أو الإحجام (حتى تتبينوا) أي تحصلوا العلم بصواب ذلك الأمر (فإنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه) وترون لزوم حربه (غيرا) أي تغيرا، فلربما اقتضت المصلحة عدم قتاله أو عدم قتله، كما لم يقتل الإمام مروان ومن إليه ممن أثاروا الفتن واستحقوا القتل لمصالح كان هو(عليه السلام) أعلم بها ، وقوله : [فإن] لبيان علة لزوم اطاعتهم للإمام في كل صغير أو كبير.
هوان الدنيا:
أَلاَ وَإِنَّ هذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَتَرْغَبُونَ فِيهَا ، وَأَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَتُرْضِيكُمْ، لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَلاَ مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَلاَ الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ. أَلَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةِ لَكُمْ وَلَا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا ؛ وَهِيَ وَإِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذْرَتْكُمْ شَرَّهَا . فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا، وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا ؛ وَسَابِقُوا فِيهَا
....................................
ثم عطف الإمام سوق الكلام، لبيان حقارة الدنيا، ولزوم الزهد فيها(إلا وأنّ هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها) بأن تبقون وتتمتعون بزخارفها ولذائذها ( وأصبحت تغضبكم) مرة لعدم حصول حاجاتكم ورغباتكم (وترضيكم) مرة بإعطائكم ما تحتاجون (ليست بداركم) التي تبقون فيها (ولا منزلكم الذي خلقتم له ولا الذي دعيتم إليه) دعوة بقاء وإقامة (ألا وإنّها ليست بباقية لكم) إلى البد (ولا تبقون عليها(فإنَّ كلا الطرفين يفترق عن الآخر، وكأنّه لوحظ سير كل واحد في اتجاه معاكس لاتجاه الآخر كالسائرين الذين يأخذ أحدهما اليمين والآخر الشّمال، لا مثل الّذي يسير عن داره بالطريق الذي يخص السير به دون الدار ، وذلك لأن الإنسان يفنى والدّنيا تفنى، وقد أخذ الشّاعر هذا المعنى من الإمام(عليه السلام) بقوله :
فلا الدّنيا بباقية لحيِّ ***ولا حيِّ على الدّنيا بباق
(وهي) أي الدنيا ( وإن غرّتكم منها) أي من نفسها، بإظهارها الزّينة وتحبيبها نفسها إليكم (فقد حذرتكم شرّها) باراءتكم مصارع الناس ومختلف صنوف البلاء فيها (فدعوا غرورها لتحذيرها) أي لا تغترروا بزخارفها، لما تشاهدون من أهوالها ومصائبها (و) دعوا (أطماعها) أي الاطماع فيها (لتخويفها) أي تخويف الدنيا لكم عن البلايا (وسابقوا فيها) بالأعمال الصّالحة
إلَى الدَّارِ الَّتي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا ، وَانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا ؛ وَلَا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الأَمَةِ عَلى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا ، وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ . أَلاَ وَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةً دِينِكُمْ. ألاَ وَإِنَّهُ لا يَنْفَعُكُمٍ بَعْدَ تَضْيِيعُ دِينِكُمْ شَيْءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ .
...................................
(إلى الدّار الّتي دعيتم إليها) وهي الآخرة (وانصرفوا بقلوبكم عنها) أي أخرجوا قلوبكم عن الدّنيا، حتّى لا تحبّوها ولا تتعلّقوا بها (ولا يخنَّنَّ) الخنين ضرب من البكاء يردد به الصّوت في الأنف (أحدكم) لفقد الدّنيا (خنين الأمة) ذكر الأمة لأنّ خنينها أكثر وأشدّ توجعاً، حيث اجتمعت فيها أنواع المذلة (على مازوى) أي بُعد (عنه) الضمير عائد إلى [أحدكم] (منها) أي من الدّنيا .
(واستتموا نعمة الله عليكم) أي اطلبوا تمام النعم، بأن يتفضّل سبحانه بأنعم زائدة (بالصبر على طاعة الله) فإنّ من صبر أعطاه سبحانه كلّ خير ووفقه لكلّ سعادة (والمحافظة على ما استحفظكم) أي طلب منكم حفظه (من كتابه) فإنّه أمر بحفظ أحكام الكتاب وإقامة حدوده .
(ألا وأنّه لا يضرّكم تضييع شيء من دنياكم) بأن لم تبالوا بما ضاع منها من مال أو جاه أو ما أشبه (بعد حفظكم قائمة دينكم) أي الأحكام القائمة الّتي يجب العمل بها، فإنّ الضّرر البالغ هو ضرر الآخرة، لا ضرر الدّنيا، إذ أنها إلى نفاد، فمهما كان الإنسان واجداً فيها، يأتي يوم ينفك عن ما يوجد لديه .
( ألا وإنه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شيء حافظتم عليهِ من أمر دنياكم) فما فائدة ما يزول؟
أَخَذَ اللهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ!
..................................
(أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق) دعاء في صورة خبر، أي اللّهمّ وجّه قلوبنا جميعاً إلى الحق، لكي نطبق أعمالنا عليه (وألهمنا وإياكم الصّبر) بأن يقوي فينا عزيمة الصبر لكي نصبر على ترك الدنيا، وعلى صعوبة العمل للآخرة لنكون من الفائزين .
وقد قاله حين بلغه خروج طلحة والزبير إلى البصرة لقتاله:
قَدْ كُنتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلاَ أُرَهَّبُ بالضَّرْب؛ وَأَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ . والله مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدِمٍ عُثْمَانَ
.....................................
التوضيح :
( في شأن طلحة بن عبيد الله) أي مقصده من إثارة حرب الجمل، وقد قاله(عليه السلام)حين بلغه أنّ طلحة والزبير خرجا إلى البصرة، وهددا الإمام بالقتال .
(قد كنت وما أهدّد بالحرب) لما يعلمه النّاس من شجاعتي وقوتي (ولا أرهب بالضرب) إذ علم النّاس عدم خوفي من الضّرب (وأنا على ما قد وعدني ربّي من النّصر) فكما وعدني سابقاً، كذلك وعدني حالاً، يعني أنّ الشجاعة الجسمية والنفسية، والنصرة المعنويّة كلتاهما معي، ومثلي لا يخاف من القتال حتّى يهدّد به .
(والله ما استعجل) طلحة (متجرّدا للطّلب بدم عثمان) كأنه سيف تجرد عن غمده، وذلك لأنه أظهر ما في قلبه ، كما يظهر الغمد ما في جوفه من
السّيف .
إلَّا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ، لأَنَّهُ مَظنَّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْبِسَ الأَمْرُ وَيَقَعَ الشَّكُ، وَوَاللهِ مَا صَنَعَ فِي أمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدةً مِنْ ثَلاَثِ :
......................................
(إلا خوفا من أن يطالب بدمه) أي يطلبه النّاس بدم عثمان، وإنّه لم قتله ؟ (لأنّه) أي طلحة (مظنته) أي محل ظن بأن يطالب (ولم يكن في القوم) الذين قتلوا عثمان (أحرص عليه) أي على دم عثمان وإراقته (منه) أي من طلحة فإنَّه جمع الناس في داره يحرضهم على قتل عثمان، ثم لما قتل منع من دفنه ثلاثة أيام، ثم أمر برمي الحاملين لجنازته بالحجارة، حتّى هموا بطرح الجنازة، فراراً من إصابتهم بالحجارة، وجادل في دفنه بمقابر المسلمين، بل كان يقول أنه يلزم أن يدفن بمقابر اليهود، وأخيراً دفن بحش كوكب، وكان محلاً للقاذورات ومحلاً للتّخلّى، وبعد ذلك كلّه لما رأى عدم إصابته بغيته من الخلافة والإمارة جاء يطالب الإمام بدعم عثمان، وأخيراً خسر دنياه، وله في الآخرة عذاب النّار .
(فأراد أن يغالط) أي يوقع الناس في الغلط، حتّى يظنّوا أنه بريء من دم عثمان .
(بما أجلب فيه) أي بسبب جلبه للجيوش والعساكر المحاربة الإمام (فيه) أي في الأمر (ليلبس الأمر) على النّاس، فيشكّوا في أنه من القتلة (ويقع الشّك) في جرمه.
( ووالله ما صنع) طلحة (في أمر عثمان واحدة من ثلاث) كان من اللازم أن يصنع واحدة منها، أي لم يصنع أحد الأشياء الثلاثة، وذلك لأنه إما كان عالماً بأن عثمان ظالم، وإما كان عالماً بأن عثمان مظلوم، وإما كان شاكاً في أمر عثمان، فإنَّ كان الأول، كان اللازم أن يحاربه، وإن كان الثاني كان اللازم أن
لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً - كَمَا كَانَ يَزْعُمُ - لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَازِرَ قَاتِلِيهِ، أَو يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ . وَلَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ، وَالْمُعَذِّرِينَ فِيهِ. وَلَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ ، لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَيَرْكُدَ جَانِباً ، وَيَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ ، فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلَاثِ ، وَجَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ، وَلَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ .
.....................................
ينصره، وإن كان الثالث كان اللازم أن يتجنب المعركة الدّائرة بين عثمان وبين الثّوار، ولكنّه لم يفعل أي واحد من الثلاثة، مما يدل على أنه كان كاذباً في أقواله مراوغاً لا يبتغي من وراء حركاته إلّا الرئاسة وطلب الجاه.
(لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم -) إبان الثورة (لقد كان ينبغي له أن يوازر) أي يساعد (قاتليه) أي الثوار (أو ينابذ ناصريه) أي يعادي ويعارض من ينصر عثمان .
(ولئن كان مظلوماً) كما يدعي الآن ويطالب بدم عثمان (لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين) أي الناهين ( عنه) يقال نهنه عن الأمر أي زجر ومنع (والمعذرين فيه) أي الذين يعذرون عثمان ويبررون للعالم ليخمدوا الثورة عليه .
(ولئن كان في شك من الخصلتين) فلا علم أظالم هو أو مظلوم؟ (لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانباً) أي يسكن في جانب، لا له ولا عليه، ( ويدع الناس معه) لا أن يحرضهم عليه (فما فعل) طلحة، أي لم يفعل (واحدة من) الخصال (الثلاث) بل حرض على قتله ولم يشارك، ثم جاء يطلب بدمه (وجاء بأمر لم يعرف بابه) وهو التحريض، والاجتناب عن المداخلة مباشرة، أو المراد نكثه للبيعة (ولم تسلم معاذيره) أي كانت أعذاره واهية غير سالمة عن الخطل والخلل.
أَيُّهَا الْغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ . مَا لي أَرَاكُمْ عَنِ الله ذَاهِبِينَ، وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ! كَأَنَّكُمْ نَعَمْ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعى وَبِيٍّ، وَمَشْرَبٍ دَوِيٌّ ، إِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى
.......................................
التوضيح :
(أيّها الغافلون غير المغفول عنهم) فإنَّ الله سبحانه يعلم جميع حركات الإنسان وسكناته، (والتاركون) الذي يجب عليهم (المأخوذ منهم) الدنيا وما فيها، فلا يبقى لهم - بعد الأخذ - مجال للعمل وتدارك ما فات (ما لي أراكم عن الله ذاهبين) أي مخالفين لأوامره ( وإلى غيره راغبين) فإنَّ رغبة الناس إلى الدنيا وملذاتها (كأنكم نعم) هي الإبل والبقر والغنم، والجمع [أنعام] (أراح بها) أي ذهب بها (سائم) أي راع (إلى مرعىّ) أي محل الرعي الذي نبت فيه العشب(وبى) الرّديء الّذي يجلب الوباء والمرض(ومشرب) أي محل شرب الماء (دوي) أي وبيل مفسد للصحة، ووجه الشبه أن الشيطان سبب اقتراف الناس للآثام مما يجلب الأخطار والعقاب (إنّما هي) أي تلك النعم (كالمعلوفة) أي البهيمة التي تأكل العلف (للمُدَى) جمع مدية، وهي : السكين، أي أن مصيركم إلى الموت كما أن مصير الحيوان
لاَ تَعْرِفُ مَاذَا يُرَادُ بِهَا! إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا، وَشِبَعُهَا أَمْرَهَا . وَاللهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ وَجَمِيع شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ، ولكِنْ أَخافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِي بِرَسُولِ اللهِ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
أَلاَ وَإِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذلِكَ مِنْهُ . وَالَّذِي بَعَثَهُ
......................................
إلى الذّبح (لا تعرف) تلك البهيمة (ماذا يراد بها) أي الذبح، وكذلك أنتم لا تعرفون مصيركم وعاقبة أمركم .
(إذا أحسن إليها) بتهيئة العلف والماء ووسائل راحتها (تحسب يومها دهرها) بلا تفكر في العواقب، فإنَّها متى شبعت ظنت أن لا شيء بعد ذلك، وكذلك الناس الغافلون يهمهم أمر يومهم، أما المستقبل فلا يفكروا فيه (و) تحسب (شبعها أمرها) أي أنّ الأمر المهم فقط هو أن تشبع .
( والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه) أي من أين يخرج، وفي أيّ مكان يدخل (وجميع شأنه) في أموره (الفعلت) فإنَّكم كتلك البهائم، وهذا الكلام منه(عليه السلام)لبيان أنه إنما يشبههم بالأنعام بعد عرفانه حقائقهم، لا أنه رمى للقول على عواهنه (ولكن أخاف) أن لو أخبرتكم بالمغيبات (أن تكفروا فيَّ برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فتجعلوني أفضل منه، كما كفر النّصارى، في عيسى، بالله سبحانه، حيث جعلوه إلها، لما أخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.
(ألا وإني مُفضيه) أي موصل الأخبار المغيبة (إلى الخاصة) وهم خاصة الرجل الذين لهم من العلم والمعرفة قدر كاف (ممن يؤمن ذلك) الإنحراف (منه) فلا يفضل الإمام على الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) و إذا سمع منه أخباراً مغيبة (والذي بعثه) أي
بالْحَقِّ، واصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلقِ، مَا أَنْطِقُ الَّا صَادِقاً، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذلِكَ كُلِّهِ، وَبِمَهْلِكَ مَنْ يَهْلِكُ، وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَمَالِ هَذَا الأَمْرِ، وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ وَأَفْضَى بِهِ إِلَيَّ .
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي وَاللهِ ، مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةِ إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَلاَ أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ إِلَّا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا .
............................
الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) (بالحقّ واصطفاه على الخلق) بإن فضله عليهم (ما أنطق إلّا صادقا) في كل ما أخبر من الأمور المستقبلة (وقد عهد) الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) (إليّ بذلك) الذي أخيركم (كلّه) فالفضل في ذلك للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا يظن ظان أني أفضل منه (وبمهلك من يهلك) في الفتن والاضطرابات والمراد إما الهلاك بمعنى الموت أو بمعنى الضلال (ومنجى من ينجو) [ منجى] مصدر ميمي أي نجاته (ومآل هذا الأمر) أي إلى من يكون أمر الخلافة .
(وما أبقى) الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ( شيئاً يمر على رأسي ) أي يجول في خاطري من الأسئلة والمجهولات (إلا أفرغه في أذنيّ) أي قال جوابه وحلّه لي (وأفضى به) أي بذلك الشيء، والإفضاء : الإيصال (إليّ ) أما على نحو الكلية أو على نحو الجزئية .
(أيها النّاس إنّي والله ما أحثكم على طاعة إلّا وأسبقكم إليها) لا كسائر الزعماء الذين يقولون ما لا يفعلون ويأمرون بما يخالفونه في خاصة أنفسهم (ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها) أي عن تلك المعصية، وبيان هذا المطلب مما يزيد الناس تقرباً إلى الخير، وابتعاداً عن الشر، إذ النّاس على دين ملوكهم، وعادة أمرائهم وليس الكلام تبجحاً بل إرشادا.
انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللهِ، وَاتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللهِ، وَاقْبَلُوا نَصِيحَةَ الله، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الأَعْمَالِ، وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا، لِتَتَّبِعُوا هذِهِ، وَتَجْتَنِبُوا هذِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم) كَانَ يَقُولُ : [إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ]
....................................
التوضيح :
(انتفعوا ببيان الله) الذي بينه في القرآن الحكيم (واتّعظوا بمواعظ الله) في الإتيان بالأوامر والإنتهاء عن النواهي (واقبلوا نصيحة الله) في ترك الدّنيا، والإقبال على الآخرة.
(فإنّ الله قد أعذر إليكم بـ) الأعذار (الجلية) الواضحة (واتخذ عليكم الحجّة) بما بيّن لكم على لسان أنبيائه، حتى أن من خالف لا عذر له (وبين لكم محابّه) أي ما يحبه (من الأعمال) الصالحة (ومكارهه منها) أي من الأعمال (لتتبعوا هذه) أي المحاب (وتجتنبوا هذه) أي المكاره (فإنّ رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم))كان يقول : (إن الجنة حقت بالمكاره) فإنَّ الطاعة ثقيلة على النفس، ومكروهة لديها، وهي طريق الجنة فكأن الجنّة محفوفة بها (وإن النار حفت بالشّهوات) فإنَّ ترك الإنسان للواجب مشتهى للنفس كما أن فعله
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي كُرْهِ، وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي شَهْوَةِ. فَرَحِمَ اللهُ رَجُلاً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ، وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ ، فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً، وَإِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوىً.
وَاعْلَمُوا - عِبَادَ اللهِ - أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَنَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ ،
................................
للمحرمات كذلك، وهي سبيل النار، فكأنها حقّت وأحيطت بالشهوات .
(واعلموا أنّه ما من طاعة الله شيء إلّا يأتي في كره) لأنها مخالفة لهوى النفس، مثلاً الإنسان يريد عدم القيام للصلاة، وعدم الإمساك للصيام، وعدم تجشم الأتعاب للحج، وهكذا.
(وما من معصية الله شيء إلّا يأتي في شهوة) فالخمر والقمار والزنا وما أشبه تشتهيها النفس البهيمية الأمارة بالسوء، ولا يخفى أن الحصر إضافي لا حقيقي، وإلا فالجماع بالليلة طاعة تؤتى بشهوة، وأكل القاذورات معصية يؤتى بإكراه.
(فرحم الله رجلاً نزع عن شهوته) أي انتهى وأقلع (وقمع هوى نفسه) أي قلع هواها واشتهاءها للمحرمات (فإن هذه النفس أبعد شيء منزعا) أي انتزاعاً من المحرمات والمعاصي، إذ النفس ميّالة إلى الشّهوات دائماً فنزعها عنها في كمال الصعوبة (وإنها لا تزال تنزع) أي تميل (إلى معصية في هوى) النفس وميولها، و (في) متعلق بـ(تزال) .
(واعلموا ) يا (عباد الله أن المؤمن) الكامل (لا يصبح ولا يمسي إلّا ونفسه ظنون) أي ضعيف قليل الحيلة (عنده) لا تتمكن نفسه من السيطرة عليه
فَلا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَمُسْتَزيداً لَهَا . فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ ، والْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ . قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْويضَ الرَّاحِل ، وَطَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازِل .
وَاعْلَمُوا أَنَّ هذا القُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذي لاَ يَغُشُّ، وَالْهَادِي الَّذِي لاَ يُضِلُّ، وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ .
...........................
بسوقه نحو الشهوات، بل هو يسيطر على نفسه ليسوقها نحو الخيرات (فلا يزال) المؤمن (زاريا ) أي عائباً (عليها) أي على نفسه، ينظر إليها بنظر الإزدراء والإهانة( ومستزيداً لها) أي طالباً منها أن تزيد في الطاعة، لأن المؤمن يرى عمله قليلا مهما كان كثيراً (فكونوا) أنتم (كالسّابقين قبلكم) من أصحاب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الذين كانوا يعملون ليل نهار في طاعة الله سبحانه .
(والماضين أمامكم) ممن باعوا لله سبحانه دنياهم ليحرزوا آخرتهم(قوّضوا) أي أولئك السابقون، والتقويض نزع أعمدة الخيمة وأطنابها للرحيل، والمراد منه هنا ارتحالهم عن الدنيا (من الدنيا تقويض الرّاحل) فلا يهتموا بالدنيا ولم يتخذوها مسكناً، كما لا يتخذ المسافر البيداء والمنازل في الوسط محلا ومسكنا (وطووها طيّ المنازل) كما يطوي الراحل المنازل في الطريق ليصل إلى مقصده .
ثم شرع(عليه السلام) في بيان فضل القرآن بقوله : (واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش) فإذا قال: لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ (1)مثلاً : لم يكن ذلك غشاً منه، بل كان في الاتخاذ ضرراً أرشد إليه، وهكذا سائر أحكامه وإرشاداته ( والهادي) إلى سبيل الخير (الذي لا يضلّ) من اهتدى به (والمحدّث الذي لا يكذب) فإذا أخبر عن الأمم السابقة لم يكن كلامه كذباً
1) سورة المائدة : 51
وَمَا جَالَسَ هذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةِ أَوْ نُقْصَانِ : زِيَادَةٍ فِي هُدىً، أَوْ نُقْصَانٍ من عَمَىً. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَلاَ لأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنىً؛ فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأوائِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ : وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقِ، وَالْغَيُّ وَالضَّلاَلُ، فَاسْأَلُوا الله بِهِ.
...................................
(وما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام لا قام عنه بزيادة أو نقصان) المراد بمجالسة القرآن تذكره وفهمه (زيادة في هدى) إن قرأ ما يدل على الإتيان بالأعمال الصالحة (أو نقصان من عمى) إن قرأ ما يدل على الترك للأعمال القبيحة، و [أو] على سبيل منع الخلو .
( واعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة) أي فقر وحاجةَ إلى هادٍ غيره فإنَّه يرشد إلى الأصول والفروع، والأحكام والأخلاق، والمراد بيان الخطوط العريضة لتلك الأمور (ولا لأحد قبل القرآن) أي قبل تعلمه (من غنى) فإنّ الأديان السابقة التي حرفت العقول، لا تبين الأمور المذكورة بما يسبب سعادة الإنسان كاملة غير منقوصة (فاستشفوه) أي اطلبوا من القرآن الشفاء (من أدوائكم) أي أمراضكم الاجتماعية والفردية، الأخلاقية والعاطفية وما إليها، فإنَّ انحرافات الفرد أو المجتمع ، أمراض، كما أن الأسقام أمراض .
(واستعينوا به) أي بالقرآن (على لاوائكم) أي شدائدكم (فإن فيه) أي في القرآن .
(شفاءٌ من أكبر الدّاء) أي أكبر أقسام أمراض النفس(وهو الكفر والنفاق والغيّ) وهو الإنحراف في العقيدة وإن لم يصل إلى رتبة الكفر والنفاق(والضلال) وهو يشمل ما لا يشمله الغي، كالضّلال في الأحكام، أو تأكيد.
(فاسألوا الله به) حوائجكم أي بسبب القرآن بأن يجعل وسيلة لإنجاح
وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ ، إِنَّهُ مَا تَوَجَهَ الْعِبَادُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ القُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : [أَلاَ إِنَّ كُلَّ حَارِثِ مُبْتَلَىّ فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ ، غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ].
....................................
مطالبكم لديه سبحانه (وتوجّهوا إليه) تعالى (بحبّه) أي بحبكم للقرآن فإنَّ الإنسان إذا أحب القرآن أقبل الله عليه بلطفه وعطفه (ولا تسألوا به) أي بالقرآن (خلقه) كالذين يجعلون القرآن وسيلة للكسب والمعيشة (إنّه ما توجّه العباد إلى الله تعالى بمثله) أي بمثل القرآن، هذا علة لقوله : [فاسئلوا] لا لقوله : [ولا تسئلوا].
(واعلموا أنّه) أي القرآن (شافع) للإنسان (مشفع) يقبل الله شفاعته (وقائل) يحكي الأخبار، ويبين الأحكام (مصدّق) يصدقه الناس في قوله، لأنه لا يحكى إلّا الصدق والحق .
(وإنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه) فقد ورد في الأحاديث [أن القرآن يأتى يوم القيامة في صورة جميلة فيشفع للعاملين به].
(ومن محل به القرآن يوم القيامة) يقال محل زيد بفلان إذا كاده بنقل سيّئاته عند السلطان(صدق عليه) ومن المعلوم أن ذلك موجب للعقاب والنكال .
(فإنّه ينادي مناد يوم القيامة : ألّا إن كلَّ حارث) أي عامل عملا، تشبيها بالحارث الذي يحرث الزرع ويأخذ الثمر (مبتلى في حرثه وعاقبة عمله) والمراد حرثه أمور الدنيا والسيئات كما لا يخفى. (غير حرثة القرآن) جمع
فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ .
الْعَمَلَ الْعَمَلَ ، ثُمَّ النَّهَايَةَ النَّهَايَةَ ، وَالاسْتِقَامَةُ الاسْتِقَامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ !
................................
حارث، والمراد بهم العالمون به، فإنَّهم رابحون غير مبتلين .
(فكونوا) أيها الناس (من حرثته وأتباعه) باتباع أوامره والإنتهاء عن نواهيه (واستدلوه على ربّكم) أي اطلبوا منه أن يدلكم على الله، والمراد التدبر والإمعان في آياته حتى يكون كاشفاً عن صفاته سبحانه، وتستفيدوا منه المعارف (واستنصحوه) أي اطلبوا نصحه وإرشاده (على أنفسكم) لترشدوا به (واتّهموا عليه آراءكم) فإذا خالفت آراؤكم مع القرآن فاتهموا آراءكم بأنها خطاً، وأن الصحيح هو القرآن (واستغشوا فيه أهواءكم) أي قولوا أن في أهوائنا المخالفة للقرآن غش وخداع، فاتركوها وخذوا بالقرآن.
ثم أخذ الإمام في حثّ الناس على العمل بقوله : اعملوا (العمل العمل) أدء بوا عليه ليلاً ونهاراً (ثم) لاحظوا (النّهاية النّهاية) فربّ عامل لا يصل إلى النهاية الحسنة، لأنه يترك العمل في منتصف الطريق (و) راقبوا (الاستقامة الاستقامة) في الأعمال، فإنَّ الأعمال المنحرفة لا تنفع ولا تعطي الثمن الحسن ( ثم) واظبوا (الصّبر الصّبر ) فإنّ العمل المستمر المستقيم يحتاج إلى أكبر قدر من الصبر .
(و) لازموا - في أعمالكم - (الورع الورع) بأن اجتنبوا المحرمات، فإنَّ العمل المستمر المستقيم ،لا ينفع إذا لم يتورع الإنسان عن المحرمات، قال
إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةَ فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ ، وَإِنَّ لِلإِسْلامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ . وَاخْرُجُوا إِلَى اللهِ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ، وَبَيْنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ . أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ، وَحَجِيجٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ .
أَلاَ وَإِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ ، وَالْقَضَاءَ الْمَاضِي قَدْ تَوَرَّدَ ؛
..................................
سبحانه: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(1).
(إنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم) أي انتهوا نهايةً حسنةً، وإلا فكل أحد ينتهي إلى نهايته، (وإنّ لكم علما) يدلكم على طريق الحق وهو الرسول، أو الإمام، أو القرآن أو المجموع. (فاهتدوا بعلمكم) لئلا تضلّوا فتشقوا .
(وإنّ للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته) غاية الإسلام إيصال العاملين به إلى خير الدنيا، وسعادة الآخرة، والمراد من الانتهاء إلى غايته العمل المؤدي إلى تلك الغاية (واخرجوا إلى الله بما افترض عليكم من حقّه) يقال خرج إلى فلان من حقه! بمعنى أداه، وحق الله هو الواجبات والمحرمات بأن يعمل الإنسان حسب أحكامه (وبين لكم من وظائفه) الوظيفة : الخصلة التي أمر الإنسان بها أو نهي عنها (أنا شاهد لكم) بما عملتم ( وحجيج يوم القيامة عنكم) أي أقوم بالحجة عن قبلكم إذا أحسنتم في الدنيا، كالمحامي الذي يدافع عن موكّله.
(ألا وإن القدر السابق قد وقع) أي الذي قدره الله سبحانه من انتهاء الخلافة إليّ (والقضاء الماضي) في علم الله سبحانه (قد تورّد) أي ورد شيئاً فشيئاً، والقدر بمعنى التقدير للأشياء، كالمهندس الذي يقدر ويخطط للبناء
1) سورة المائدة : 27
وَإِنِّي مُتَكَلِّمْ بِعِدَةِ اللهِ وَحُجَّتِهِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا،....................................والقضاء، بمعنى الحكم على إجراء شيء، كالحاكم الذي يقضي في الأمور، و کالمهندس إذا حكم بلزوم البناء على كيفية تقديره وتخطيطه، والله سبحانه قدّر العالم، وحكم بجري الأمور على طبق ذلك التقدير، لكنه أراد أن يكون ذلك، بإرادة الناس - فيما للإرادة فيه مدخل - فالمعنى من القدر والقضاء، علمه سبحانه بما يكون وتهيئة الأسباب فقط، أما التنفيذ فإنَّه يقع بإرداة الناس، كما أنك لو علمت أن زيداً ينفق وهيأت له المال للإنفاق، فإنَّ إنفاقه بقدرك وقضائك ولكن الإنفاق صدر منه ، لا منك .(وإنّي متكلّم بعدة الله أي بما وعده (وحجته) أي بما احتج، والمعنى: أنه لما وقع أمر الخلافة بيدي - بقضائه وقدره - فإني أبين مواعيد الله سبحانه، وأبين حججه تعالى في الأمور الأصولية والفرعية، ثم بين الإمام (عليه السلام) وعداً من وعوده سبحانه في القرآن الحكيم، وهو أن المستقيم له الجنة (قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) في أعمالهم، بأن عملوا بمقتضى العبودية، ومتطلبات الربوبية (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) أي يستمر نزول الملائكة عليهم، أما في الدنيا، وإنهم يرونهم - كالزهاد والأخيار - أو لا يرونهم، وإنما يثبتونهم بإلقاء الثبات في قلوبهم كما قال سبحانه: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) (1)وهذا شيء حسي فإنَّ ضمير الإنسان المتدين يلقى إليه بالثبات والاستقامة، فمن أين هذا الإلقاء؟ إنه من الملائكة، كما ورد في الأحاديث . وأما أن ذلك عند الموت، وحين مشاهدة الآخرة. وتقول الملائكة لهم (ألّاتخافوا) من الأهوال، فإنَّ الله
1) سورة الأنفال : 12
وَلَا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (1)، وَقَدْ قُلْتُمْ : [رَبُّنَا الله]، فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ، ثُمَّ لاَ تَمْرُقُوا مِنْهَا، وَلاَ تَبْتَدِعُوا فِيهَا، وَلاَ تُخَالِفُوا عَنْهَا . فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعْ بِهِمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الأَخْلاقِ وَتَصْرِيفَهَا ،
..............................
معكم (ولا تحزنوا) على الشدائد، فإنَّها توجب ارتفاع درجتكم (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) بها، ولا يخفى أن لفظة [كنتم] تؤيد الاحتمال الثاني وهو أن نزول الملائكة حالة الموت (وقد قلتم) أيها الناس (ربّنا الله) بما آمنتم بالله والرسول (فاستقيموا على كتابه) ولا تخالفوا القرآن (وعلى منهاج أمره) الذي جاء به القرآن والرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(وعلى الطّريقة الصّالحة من عبادته) سبحانه .
(ثم لا تمرقوا) أي لا تخرجوا (منها) أي من الاستقامة، أو من العبادة (ولا تبتدعوا فيها) بالزيادة والنقصان (ولا تخالفوا عنها) بالإنحراف إلى صوب آخر، وجادة أخرى.
(فإن أهل المروق) أي الذين خرجوا عن الدين - بالأعمال السيئة - بعد ورودهم فيه (منقطع بهم عند الله يوم القيامة) أي أنهم لا حجة لهم فينقطع عذرهم، ولا يتمكنون أن يأتوا بما يسبب خلاصهم ونجاتهم كالذي ينقطع به الطريق، فلا ينجو بالوصول إلى محل الأمن والسلامة .
(ثم إيّاكم وتهزيع الأخلاق) تهزيع الشيء تكسيره (وتصريفها) أي
1) سورة فصلت: 30
وَاجْعَلُوا اللّسَانَ وَاحِداً ، وَلْيَخْرُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ، فَإِنَّ هَذَا اللَّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ. واللهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْتَزِنَ لسَانَهُ. وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ : لأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ،
.................................
تقليبها، كأن تكسروا الصدق، بأن تقولوا الكذب، أو تكسروا الشجاعة ، بالاتصاف بالجبن، أو تصرفوا وجه العدل بارتكاب الظلم، وهكذا (واجعلوا اللسان واحداً) فلا يكن أحدكم ذا لسانين يطري أخاه شاهداً ويغتابه غائباً.
(وليخزن الرّجل لسانه) أي يحفظه (فإن هذا اللسان جموح بصاحبه) يقال فرس جموح، إذا كان لا يهدأ في السير، بل يضطرب، حتى يخشى على راكبه من التردي والسقوط، وهكذا اللسان، فإنَّ الإنسان إذا أطلقه، خشي من تردي صاحبه في مهالك الدنيا والآخرة، فإنَّه يأتي من اللسان، الظلم، والكذب، والسب، والاستهزاء، والنميمة والغش، والتهمة، والغيبة، ومدح من لا يستحق المدح، وذم من لا يستحق الذم، والأمر اللغو، إلى غيرها من آفات اللسان .
(والله ما أرى عبداً يتّقي تقوى تنفعه) تلك التقوى (حتّى يختزن لسانه )أي يحفظه من الموبقات والآثام (وإنّ لسان المؤمن من وراء قلبه) فإنَّ قلبه يفكر، ثمّ يتكلم (وإنّ قلب المنافق من وراء لسانه) يتكلم بكلام اعتباطاً، ثم يفكر فيما قال هل هو صحيح أم لا ؟ إذ المنافق لا يحجزه الورع عن إرسال الكلام كيفما كان.
ثم بيّن الإمام(عليه السلام) ذلك بقوله : (لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه) حتى لا يكون كلامه محرماً يوجب عقابه، أو هدراً ينقص
فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ ، وإِنْ كانَ شَرّاً وَارَاهُ. وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لاَ يَدْرِي مَاذَا لَهُ ، وَمَاذَا عَلَيْهِ . وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -(صلّی الله علیه وآله وسلّم)- : [لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ]. فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ ، سَلِيمُ اللَّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ، فَلْيَفْعَلْ .
...............................
ثوابه (فإن كان خيراً أبداه) وأظهره، بأن تكلم به (وإن كان شرّاً واراه) أي أخفاه بمعنى أنه لا يظهره (وإنّ المنافق يتكلّم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له) أي يوجب خيره (وماذا عليه) أي يوجب سوق شر إليه، لأنه لا يؤمن بالله، حتى يعتقد بأن لكلامه ثوباً أو عقاباً .
(وقد قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) في باب لزوم حفظ اللسان (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه)إذ منبع الإيمان القلب، والأعضاء إنما هي أدلة عليه غالباً، فإذا كان الإنسان منحرف القلب لم ينفعه التحفظ الظاهري لجوارحه وأعضائه .
(ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) أما المراد أن استقامة اللسان دليل استقامة القلب، لأنه ما نوى أحد شيئاً إلّا ظهر في فلتات لسانه، وأما المراد أن يحفظ اللسان يستقيم القلب، إذ اللسان إن كف عن الكذب والغيبة والنميمة والسب وما أشبه، تولد في الإنسان ملكة حسنة توجب استقامة قلبه- كما هو محسوس لمن تدير-.
(فمن استطاع منكم أن يلقى الله تعالى وهو نقي الرّاحة) لقاء الله كناية عن الموت، ونقاء الراحة كناية عن عدم التلوث، والراحة بمعنى الكف (من دماء المسلمين) بعدم إراقتها ( وأموالهم) بعدم النيل منها (سليم اللّسان من أعراضهم) بأن لم ينلهم بلسان سوء (فليفعل) والشرط للتأكيد في الأمر،
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ، وَيُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوْلَ؛ وَأَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لاَ يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ الْحَلالَ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ . فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الأُمُورَ وَضَرَّسْتُمُوها،
.....................................
والالماع إلى صعوبة ذلك، مما يحتاج إلى عزم قوي، وإرادة أكيدة.
ثم عطف الإمام نحو لزوم اتقاء البدع، حيث قد خطب الإمام بهذه الخطبة في أوال خلافته، وقد اعتاد الناس بدع عثمان، والمتقدمين عليه، الذين زادوا فى الدين ونَقَّصوا حسب شهواتهم.
(واعلموا عباد الله أن المؤمن يستحل العام) أي في هذا العام (ما استحلّ عاما أوّل) أي في السنة السابقة ( ويحرّم العام ما حرّم عاماً أوّل) فلا يبدع، بل ما أحله وحرمه، بمقتضى إيمانه وإرشاد الدين له، في السابق يبقى عليه إلى الآخر، فإذا أحل المتعة حسب ما أرشده الدين يبقى على حليته إلى الآخر، وإذا حرم صلاة النافلة في جماعة حسب أمر الإسلام يبقى على تحريمه إلى الآخر، لا أن يحرم المتعة بعد حليتها، ويحل صلاة التراويح بعد تحريمها (وأن ما أحدث الناس) من الأمور المخالفة للشرع، (لايحل لكم شيئاً مما حرم عليكم) في الشريعة لأن البِدع لا تغير أحكام الله تعالى .
( ولكنّ الحلال ما أحل الله) سبحانه (والحرام ما حرّم الله) تعالى سواء بقوا الناس على ذلك أم انحرفوا .
(فقد جرّبتم الأمور) فرأيتم الحق من الباطل(وضرّستموها) أصل ذلك أن يعض الإنسان على الشيء ليعلم أنه قوي أو ركيك، وهذا كناية عن التجربة، وقد ألمح الإمام(عليه السلام) بذلك إلى صنائع الخلفاء ضد الإسلام
وَوُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَضُرِبَتِ الأَمْثَالُ لَكُمْ، وَدُعِيتُمْ إِلَى الأَمْرِ الْواضِحِ؛ فَلَا يَصَمُ عَنْ ذلِكَ إِلَّا أَصَمُ، وَلَا يَعْمَى عَنْ ذلِكَ إِلَّا أَعْمَى.
وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللهُ بِالْبَلَاءِ وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ، وَأَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ، حَتَّى يَعْرفَ مَا أَنْكَرَ ، وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ .
..............................
ودساتير الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والقرآن، فلا ينساقوا إلى حيث الهلكة باتباع البدع وترك السنن (ووعظتم بمن كان قبلكم) من الذين أهلكوا حيث خالفوا أوامر الله (وضربت الأمثال لكم) المثل : هو الشيء المؤثر في النفس، الذي يتخذ منهاجاً، ليحتذى على مثاله (ودعيتم إلى الأمر الواضح)، وهو الكتاب والسنة، فإنَّهما لا لبس فيهما ولا غموض.
(فلا يصمّ عن ذلك إلّا أصمّ) فإنَّ الصوت لا نقص فيه، فإذا لم يسمعه أحد - وذلك كناية عن عدم العمل - فإنَّه أصم فيه النقص (ولا يعمى عن ذلك إلّا أعمى) فإنَّ الشيء ظاهر يراه كل أحد، فإذا لم يره أحد كان لكونه أعمى لا يبصرالحق (ومن لم ينفعه الله بالبلاء) أي الابتلاء بمعنى الاختبار (والتّجارب) التي تمر به، فيرى نتائج الأعمال للسابقين، من عمل منهم حسناً، ومن عمل منهم سيئاً (لم ينتفع بشيء من العظة) مصدر وعظ، نحو عدة مصدر [ وعد] إذ الوعظ كلام، والتجارب أمور خارجة، وتلك أقوى من الكلام في الالفات والإرشاد (وأتاه التّقصير من أمامه) كأن التقصير عدو مجاهر، يأتي من أمام الإنسان لمحاربته، وذلك بخلاف الإنسان غير المجرب فإنَّه إذا أتاه التقصير، فكأنه أتاه العدو على حين غفلة وغرة، إذ لم يعرف الأمور ولم ير التجارب، حتى يكون مقصراً إذا وقع في الهلكة .
(حتّى يعرف ما أنكر ) أي جعله في السابق منكراً (وينكر ما عرف) أي ما كان جعله في السابق معروفاً، أو المراد أنه لا ينتفع بالوعظ حتى يعرف ما
وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ : مُتَّبِعٌ شِرْعَةً، وَمُبْتَدِعْ بِدْعَةً، لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنّةٍ، وَلا ضِياءُ حُجّةٍ .
وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هذا الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَسَبَبُهُ الأَمِينُ ، وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ، وَيَتَابِيعُ الْعِلْمِ، وَمَا لِلْقَلْبِ جِلَاءُ غَيْرُهُ،
......................................
أنكره، بأن يتبين لديه اشتباهه، وأن ما ظنه منكراً ، يعرفه معروفاً وبالعكس (وإنّما النّاس رجلان) أحدهما (متّبع شرعة) أي شرعية الحق (و) الثاني (مبتدع بدعة) على خلاف الشرع (ليس معه) أي مع المبتدع (من الله سبحانه برهان سنّة) أي دليل على أن ما يعمله سنة سنها الله سبحانه (ولا ضياء حجة) فإنَّ للحجّة ضياءً يوجب كشف الحقيقة، وتميزها عن الأباطيل والأوهام .
( وإن الله سبحانه لم يعظ أحداً بمثل هذا القرآن) إذ جمع فيه سبحانه جميع أنواع المواعظ (فإنه حبل الله المتين)أي المحكم فكما أن الحبل المحكم إذا شدّ به الإنسان الذي يراد جره إلى فوق لا يخشى عليه من السقوط بانقطاع الحبل، كذلك الإنسان المريد للرقي إذا تمسك بالقرآن، لا يخاف السقوط والخسران .
(وسببه الأمين) فكما أن السبب للشيء إذا كان أميناً، لا يخشى من عدم الوصول إلى المسبّب كذلك من تمسك بالقرآن لا يخشى عدم الوصول إلى مطلبه الذي هو خير الدنيا والآخرة (وفيه ربيع القلب) فكما أن الربيع سبب لخروج الأزهار، كذلك القرآن يسبب ازدهار القلب وتحليه بأنواع الفضيلة والكمال.
( وينابيع العلم) جمع ينبوع ، فإنَّ علم الأصول والفروع، والعبر والأحكام وما أشبه ينبع من القرآن (وما للقلب جلاء غيره) فإنَّ الجلاء
مع أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكَّرُونَ، وَبَقِيَ النَّاسُونَ وَالْمُتَنَاسُونَ . فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - (صلّی الله علیه وآله وسلّم)- كَانَ يَقُولُ : [يَابْنَ آدَمَ ، إِعْمَلِ الْخَيْرَ وَدَعِ الشَّرَّ ، فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ] .
.....................................
الحقيقي الذي لا تكدره الآلام إنما هو في القرآن إذ يهدأ قلب الإنسان ويطمئن حتى أنه إذا نزلت به أعظم الكوارث، كان واثقاً من رحمة الله وحسن جزائه (مع أنه قد ذهب المتذكرون) الذين كانوا يتذكرون بسبب القرآن، أي أقول هذا الكلام وأنا متأسف من ذهابهم، فإنَّ [مع] يفيد ذلك، والمراد بالمتذكرين أصحاب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)الأخيار، كأبي ذر وسلمان وإضرابهما .
( وبقي النّاسون والمتناسون) المتناسي هو الذي لم ينس، لكنه يظهر نفسه كأنه ناس( فإذا رأيتم خيراً فأعينوا عليه) كما قال سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى البَرِّ وَالتَّقْوَى(1)(وإذا رأيتم شرّا فاذهبوا عنه) ولا تعينوه حتى بالاجتماع حوله، كما قال سبحانه: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (2)(فإنّ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)كان يقول : يابن آدم اعمل الخير ودع الشرّ فإذا) فعلت ذلك فـ(أنت جواد قاصد) الجواد: هو الفرس، والقاصد هو الذي يتوسط في الجادة فلا يأخذ يميناً وشمالاً، وهذا تشبيه للإنسان بالفرس الذي لا ينحرف، فإنَّه يصل إلى مقصده بدون عطب وتعطيل، وكذلك الإنسان العامل بالخير، التارك للشر، وليس في التشبيه بالفرس حزازة، فإنَّه لشرافته، كان مورداً للتشبيه كثيرا:
أنواع الظلم :
أَلاَ وَإِنَّ الظُّلْمَ ثَلاثَةٌ : فَظُلْمٌ لا يُغْفَرُ ، وَظُلْمٌ لَا يُتْرَكُ، وَظُلْمٌ مَغْفُورٌ لاَ يُطْلَبُ .
فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لاَ يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (1)، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظْلَمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ،
........................................
ثم أخذ الإمام(عليه السلام) في بيان أنواع الظلم، والتنفير منه، بقوله : (ألا وإنّ الظلم ثلاثة) أقسام (فظلم لا يغفر) أي من طبيعته أن لا يغفره الله سبحانه (وظلم لا يترك) في الدنيا بل يرى الظالم جزاء ظلمه قبل الآخرة (وظلم مغفور لا يطلب) يعني أنه هو الغالب في الغفران، لا أنه مغفور البتة، وإلا نافی كونه ظلماً كما لا يخفى، والحاصل أن الظلم قد يكون له تبعة أخروية، وقد يكون له تبعة دنيوية، وقد يكون الغالب فيه عدم التبعتين .
(فأما الظّلم الّذي لا يغفر فالشّرك بالله) كما قال لقمان :
إن الشّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ (2)(قال الله تعالى : إنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) والمراد بالشرك هنا أعم من الكفر. (وأما الظّلم الذي يغفر) وهو ثالث الأقسام (فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات) جمع هنة، وهي: المعاصي التي ترجع ضررها إلى الإنسان نفسه، ممّا لا ترجع إلى إنكار أصول الدّين، وإلى ظلم النّاس.
وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً . الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِالْمُدَى وَلاَ ضَرْباً بِالسَّيَاطِ، وَلَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذلِكَ مَعَهُ . فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللهِ، فَإِنَّ جَمَاعَةَ فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ، خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ. وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى، وَلَا مِمَّنْ بَقِيَ .
...................................
(وأمّا الظلم الذي لا يترك) بل يرى الإنسان تبعته في الدنيا (فظلم العباد بعضهم بعضاً) كقتل الإنسان أو سرقة ماله أو هتك عرضه أو ما أشبه ذلك . (القصاص هناك شديد) أي في الآخرة، وهذا تحذير لأن يعمل الإنسان عملاً يوجب القصاص في الآخرة، وهو بيان أن ظلم العباد كما لا يترك في الدّنيا، لا يترك في الآخرة أيضاً (ليس هو ) أي القصاص الأخروي (جرحاً بالمدى) جمع مدية، وهي السكين (ولا ضرباً بالسياط) جمع سوط، أي ليس ألمه كآلام السكين والسياط، حتى يستسهله الإنسان (ولكنه ما ) أي القصاص عذاب شديد (يستصغر ذلك) الجرح والألم الدّنيوي، بالسكين والسوط (معه) أي مع القياس بذلك القصاص، أي بالنسبة إليه.
(فإياكم والتلون في دين الله) بأن تأخذوا كل يوم لوناً، وذلك بمعنى الابتداع( فإنّ جماعة فيما تكرهون من الحقّ) أي تكونون جماعة مجتمعين في الحق، وإن كرهتم ذلك الحق .
(خير من فرقة فيما تحبون من الباطل) بأن يتبع كل واحد ما يحبّه، فيفترق عن إخوانه، والحق حيث إنه واحد يجمع الناس أما الباطل حيث أنه متعدد فإنَّه يفرقهم دائماً ، وهذا هو شأن البدعة (وإنّ الله سبحانه لم يعط أحداً بفرقة خيراً) إذ السعادة والقوة في الاجتماع لا في التفرق(ممّن مضى ولا ممّن بقي) بيان
يَا أَيُّهَا النَّاسُ، طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، وَطُوبي لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ، وأَكَلَ قُوتَهُ، وَاشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، وَبِكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ، فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلِ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحِةٍ!
...................................
[أحد] أي من الأمم الماضية، والأمم الباقية .
(يا أيها الناس طوبى لمن شغله عيبه عن) الاشتغال بـ (عيوب النّاس) ومعنى ذلك أن يشتغل بالعلم ليرفع عيبه الذي هو الجهل، وبالعمل ليرفع عيبه الذي هو البطالة، وهكذا، لا أن يشتغل بذكر معائب الناس (وطوبى لمن لزم بيته) لا يدخل في الفتن بلا هدىً وحجّة (وأكل قوته) لا يطمع في أموال النّاس (واشتغل بطاعة ربّه) فلا يصرف وقته في البطالة، فكيف بما إذا اشتغل بالمعاصي ؟ (وبكى على خطيئته) الّتي صدرت منه ليغفرها الله سبحانه له (فكان من نفسه) أي من ناحية نفسه التي تأمره بالعمل (في شغل) لإصلاح دينه ودنياه (والنّاس منه في راحة) لأنه لا يثير الفتن، ولا يتعرض للناس بسوء.
فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ، فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ الْقُرْآنِ، وَلا يُجَاوِزَاهُ، وَتَكُونَ الْسِنَتُهُما مَعَهُ وَقُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ ، فَتَاهَا عَنْهُ،
..........................................
التوضيح :
في معنى الحكمين
أي في الأمر المرتبط بهما ، وقد تكلّم(عليه السلام) بهذا الكلام، بعد ما بلغه أمر الحكمين.
(فاجمع رأى ملئكم) أي وجوهكم وأشرافكم ، فإنَّ الملأ هم الأشراف، لأنهم يملأون الصدر هيبة، والعين جلالاً (على أن اختاروا رجلين) عمرو بن العاص وأبا موسى (فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن) من جعجع البعير إذا برك، والمراد أن لا يتعديا حكم القرآن (ولا يجاوزاه) بأن يحكما بالأهواء (وتكون ألسنتهما معه) أي مع القرآن (وقلوبهما تبعه) بأن يكون اعتقادهما كما قال القرآن لا أن يوجّها القرآن حسب آرائهما (فتاها) أي ضلاً (عنه) أي عن القرآن إذ القرآن يقول وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ(1)وعلي(عليه السلام) السابق
1) سورة التوبة : 100 .
وَتَرَكَا الْحَقِّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا ، وَالاعْوِجَاجُ دَابَهُما . وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، والْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأيهِمَا وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا، وَالثَّقَةُ فِي أَيْدِينَا لأَنفُسِنَا ،
........................................
ومعاوية لم يكن سابقاً، ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(1)وعليّ كان صادقاً دون معاوية، وهكذا سائر الآيات النازلة بشأن علي(عليه السلام) أو المنطبقة عليه(عليه السلام)، دون معاوية .
(وتركا الحق وهما يبصرانه) لعرفانهما أخلاق علي(عليه السلام)ومعاوية . وإن الأول متعين للخلافة (وكان الجور) والعدول عن الحق (هواهما) فإنَّ هوى ابن العاص كان مع معاوية حيث وعده ملك مصر، وكان هوى أبي موسى مخالفاً لعليّ(عليه السلام) حيث كان عليّ عزله عن الإمارة في الكوفة ونصب غيره مکانه .
(والاعوجاج دأبهما) أي عادتهما .
(وقد سبق) عند تخويلهما الحكم (استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل والعمل بالحق سوء رأيهما) أي كان المقرّر أن يحكما بالعدل لا أن يسيئا الرأي فيحكما حسب شهواتهما وأهوائهما (وجور حكمهما) عطف على سوء رأيهما، وعلى هذا فحكمهما باطل إذ لم نحكمهما مطلقاً وبلا شرط .
(و) عليه فـ(الثقة في أيدينا لأنفسنا) أي الحجة في أيدينا لنحكم أناساً آخرين، ولم نعط الثقة لهما مطلقاً حتّى يقال : إنكم أعطيتم ثقتكم بأيديهما فلا ثقة لكم بعده حتّى تعطياها لشخص آخر، والعبارة كالاستعارة للتمكن،
1) سورة التوبة : 119
حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ، وَأَتَيَا بِمَا لاَ يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْمِ .
......................
فكأنه إذا أعطى الاختيار مطلقاً، فحكم الطرف ماض بخلاف ما إذا شرط (حين خالفا سبيل الحقّ) في كيفية التحكيم (وأتي بما لا يعرف من معكوس الحكم) أي الحكم المعكوس من عزل أحدهما عليّا(عليه السلام) ، ونصب أحدهما معاوية .
لاَ يَشْغَلُهُ شَأنٌ، وَلا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يَصِفُهُ لِسَانٌ، وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلَا نُجُومِ السَّمَاءِ ، وَلاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا، وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ
..................................
التوضيح:
(لا يشغله شأن) فإنَّه سبحانه ليس كالبشر، إذا توجه لأمر ذهل عن الأمور الآخر، بل هو يتوجه نحو كل الأمور بلا أن يشغله أحدها عن الباقي (ولا يغيره زمان) بأن ينقص من عمره، كما في الإنسان، أو يبليه، كما في العمارة والثياب وما أشبه .
(ولا يحويه) أن يشتمل عليه (مكان) كما يشتمل المكان على الإنسان وسائر الأجسام (ولا يصفه لسان) حق وصفه لأن الإنسان لا يدرك كنهه سبحانه حتى يتمكن من وصفه حق الوصف (ولا يعزب عنه) أو يغيب عنه بمعنى يجهل(عدد قطر الماء) الموجود في الكون أو المراد قطر المطر (ولا) عدد (نجوم السَّماء) فإنَّه يعلم عددها التي لا تحصى (ولا سوافي الرّيح في الهواء) جمع سافية، وهي التي تهب، فإنَّه يعلم أعدادها وكيفيّاتها (ولا دبيب النّمل على الصّفا)جمع صفاة وهي الصّخرة الملساء ودبيبها: حركتها (ولا مقيل الذُّر) الذر : النمل، ومقيلها محل استراحتها ونومها .
فِي اللَّيْلَةِ الظُّلُمَاءِ، يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الأَوْرَاقِ، وَخَفِيَّ طَرْفِ الأَحْدَاقِ . وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ غَيْرَ مَعْدُولِ بِهِ ، وَلاَ مَشْكُوكِ فِيهِ، وَلاَ مَكْفُورٍ دِينُهُ، وَلَا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ ، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ وَخَلَصَ يَقِينُهُ ، وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُجْتَبى مِنْ خَلائِقِه ،
...................................
( في اللّيلة الظّلماء) التي لا يرى فيها الأشياء فكيف بالصغيرة؟ .
(يعلم) سبحانه (مساقط الأوراق)جمع مسقط ، بمعنى السقوط، أو محل السقوط، والمراد أوراق الأشجار، كما قال سبحانه: وَمَا تَسْقُط مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا(1)(وخفي طرف الأحداق) جمع حدقة، وهي العين، وطرفها: تحريك جفنها، وخفي التحريك هو الذي يخفيه الإنسان عن الحاضر، لئلا يعلم أين نظر، كالذين يسرقون النظرة .
(وأشهد أن لا إله إلَّا الله غير معدول به) أي لا أجعل لله سبحانه عدلاً و شريكاً (ولا مشكوك فيه) أي لا أشك في وجوده (ولا مكفور دينه) أي لا أنكر دينه، حتى أكون أنا منكراً لدينه، ودينه مكفوراً (ولا مجحود تكوينه) أي لا أجحد خلقه للخلق (شهادة من صدقت نيّته) أي شهد بصدق نية، لا كالمنافقين الذين يشهدون لساناً وينكرون جناناً (وصفت دخلته) أي باطنه ولم يلوث بالنفاق (وخلص) عن شوائب الشك (يقينه) فله يقين كامل ( وثقلت موازينه) كناية عن قوة اليقين.
(وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله المجتبى) أي المختار (من خلائقه) فهو
1) سورة الأنعام: 59
وَالْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ، وَالْمُخْتَصُّ بِعَقَائِل كَرَامَاتِهِ، وَالْمُصْطَفَى لِكرَائِمِ رِسَالَاتِهِ، وَالْمُوَضَّحَةُ بِه أَشْرَاطُ الْهُدَى، وَالْمَجْلُؤُ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى .
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَالْمُخْلِدَ إِلَيْهَا ، وَلَا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا ، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا .
................................
أفضل من جميعهم(والمعتام) أي المختار، من العتمية بمعنى المختار من المال(لشرح حقائقه) أي حقائق دين الله من الأصول والفروع(والمختص بعقائل) أي الكرائم (كراماته ) أي أفضل كرامات الله تعالى .
(والمصطفى) أي المختار(لكرائم رسالاته) أي الرسالة التي هي أكرم الرسالات، وهي نهاية الأحكام والأخلاق وما أشبه، مما أتى بها الرّسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) دون سائر الأنبياء (والموضحة به) أي بسبب الرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(أشراط الهدى) أي علاماته ودلائله (والمجلو به) أي المنكشف بسبب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)( غربيب العمى) أي أشد أنواع العمى ضلالة، فإنَّ غربيب، بمعنى السواد القائم، فإنَّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يزيل أشد أنواع الضلالة، ويهدي النّاس إلى الحق وإلى صراط مستقيم .
(أيها النّاس إنّ الدّنيا تغر المؤمّل لها) أي تخدعه باراءتها له أنها توصله إلى آماله (والمخلد إليها) من أخلد بمعنى ركن ومال (ولا تنفس) الدنيا، أي لا تبخل (بمن نافس فيها) أي بمن يباهي غيره بأن له الدنيا فأنت تعظم الدنيا وتباهي بها، والدنيا لا تهتم بشأنك ولا تبخل بك، بل تسلمك للآفات بدون مبالاة (وتغلب) الدّنيا (من غلب عليها) فإنّ الإنسان يظنّ أنّه غلب على الدّنيا حيث حصّل بعض جاهها أو مالها، لكنه ظن مكذوب بل الدنيا غلبت على هذا الشخص، حيث خدعته وبعدته عن دار كرامة الله سبحانه .
وأيمُ اللهِ، ما كان قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبِ اجْتَرَحُوهَا ، لأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ ، وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَوَلَهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدِ، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلِّ فَاسِدٍ. وَإِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ .
..................................
(وأيم الله) قسم بالله سبحانه (ما كان قوم قط في غضّ نعمة) أي حسن نعمة، فإنّ الغض: الجديد الناضر.
(من عيش) هنيء (فزال عنهم إلّا بذنوب اجترحوها) أي عملوا بها واقترفوها فإنّ الذنوب سبب زوال النّعمة.
قال الشاعر :
إذا كنت في نعمة فارعها*** فإنَّ المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بشكر الإله*** فإنَّ الإله شديد النقم
(لأنّ الله ليس بظلّام للعبيد) يزيل نعمتهم اعتباطاً بدون ذنب منهم، و [ظلّام] صيغة نسبة، أي بذي ظلم (ولو أنّ الناس حين تنزل بهم النّقم) جمع نقمة، مقابل نعمة (وتزول عنهم النّعم) جمع نعمة (فزعوا) أي التجأوا (إلى ربِّهم بصدق من نياتهم) بأن يكونوا مستجيرين حقيقة، عازمين على طاعته، نادمين عما سلف منهم من الذنوب(ووله) أي تحير(من قلوبهم) بأن كانت قلوبهم والهة في حبّ الله وطاعته (لردّ عليهم كلّ شارد) أي كل ما شرد منهم من النعم (وأصلح لهم كل فاسد) من أمورهم .
(وأني لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة) أي في فترة من المهلة الإلهية. التي يمهل بها كل مجرم ليستكمل إجرامه، ثم يؤخذ على حين غفلة بما تمت
وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً، كُنتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ، وَمَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ : عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ !
......................................
عليه الحجة، واشتدت عليه العقوبة، كما قال سبحانه: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إثْمًا(1).
(وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة) عن جادة الهدى، ولعل المراد بذلك ميلهم إلى وقف القتال في صفين، وانخداعهم بمكر معاوية، واختيارهم أبا موسى الاشعري، وما أشبه ذلك .
(كنتم فيها عندي غير محمودين) حيث خالفتم الأوامر، وبذلك انشقت صفوف المسلمين، وتجرأ الأعداء (ولئن ردّ عليكم أمركم) كما كان في زمن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حيث الوحدة والإيمان والإطاعة (إنكم لسعداء) لأنه موجب لخير الدنيا والآخرة (وما علىّ إلّا الجهد) بأن أتعب وأجتهد للإرشاد والهداية (ولو أشاء أن أقول لقلت : عفا الله عما سلف) أي سامحتكم لما سلف من أعمالكم فلا تعودوا لمثلها .
1) سورة آل عمران: 178
وقد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟
فقال(عليه السلام) : أفأعبد ما لا أرى؟ فقال : وكيف تراه؟ فقال :
لَا تَرَاهُ العُيونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ . قَرِيبٌ مِنَ الأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلامِسٍ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنِ،
.......................................
التوضيح:
)لا تراه) سبحانه (العيون بمشاهدة العيان) كما ترى العين سائر الأشياء، لأنّ الله سبحانه مستحيل عليه الرؤية (ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان) أي بسبب احتواء القلب على حقيقة الإيمان بالله سبحانه، فإنَّ الإيمان الحقيقي يوجب المعرفة الكاملة لله تعالى، إذ كل مصنوع يدل على الصانع وهو سبحانه .
(قريب من الأشياء) بإحاطة علمه وقدرته عليها (غير ملامس) أي ليس قربه مثل قرب الأجسام بعضها ببعض مما يوجب الملامسة، واللمس لدى الالتصاق (بعيد منها) أي من الأشياء بعداً بمعنى عدم المجانسة والمشاهدة ، لا البعد الزماني والمكاني (غير مباين) أي ليس المبعد من قبيل بعد النار عن
مُتَكَلِّمٌ لاَ بِرَوِيَّةٍ مُرِيدٌ لَا بِهِمَّةٍ، صَانِعٌ لَا بجَارِحَةٍ، لَطِيفٌ لاَ يُوصَفُ بالْخَفَاءِ، كَبِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالجَفَاءِ، بَصِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ، رَحِيمٌ لاَ يُوصَفُ بالرِّقَّةِ . تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ ، وَتَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ .
...............................
الماء، أو ما أشبه، مما يباين أحدهما الآخر .
( متكلم لا برويّة) أي أن تكلمه لا يصدر عن فكر، وإنما يخلق الكلام بدون فكر (مريد لا بهمّة) فإنّه لا يهتم نفساً ثم يريد، إذ لا نفس له سبحانه .
(صانع) للأشياء (لا) بجارحة) أي بيد ورجل ونحوهما، وإنما يأمر بـ[كن] فيكون ما أراد (لطيف) بمعنى نفوذ قدرته وعلمه في كل شيء (لا يوصف بالخفاء) والرقة، بخلاف اللطيف من الأشياء كما يقال الهواء لطيف، إذ لم تَره .
(كبير ) أي عظيم (لا يوصف بالجفاء) أي الخشونة وعدم المبالاة، كالبشر الذين إذا علت منزلتهم جفوا الناس ولم يهتموا بهم (بصير) لا يرى الأشياء (لا يوصف بالحاسّة) أي بالعين، فإنَّه سبحانه لا عين من لحم ودم له.
(رحيم لا يوصف بالرّقة) أي رقّة القلب، إذ لا قلب له سبحانه، ولا تبدل في حالاته (تعنو) أي تذل وتخضع (الوجوه لعظمته) فكل شريف خاضع له ( وتجب) أي تضطرب، من وجب بمعنى خفق واضطرب (القلوب من مخافته) أي خوفاً منه سبحانه، بأن كانت قصرت في الأعمال، فتبتلي
بالعقاب.
أَحْمَدُ اللهِ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرِ ، وَقَدَّرَ مِنْ فِعْلِ، وَعَلَى ابْتِلائِي بِكُمْ أَيُّهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ ، وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ. إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ .
........................................
التوضيح:
(أحمد الله على ما قضى من أمر) كما قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ(1)(وقدر من (فعل) كما قال سبحانه: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا (2)فإنّ القضاء والقدر يستعملان بمعان والظاهر إرادة ما ذكرنا في هذا الكلام بقرينة [أمر] و [فعل].
(و) أحمد الله (على ابتلائي بكم أيّها الفرقة) أي الجماعة (التي إذا أمرت لم تطع) والمراد جميع أوامره(عليه السلام) ، لا مطلقاً كما لا يخفى .
(وإذا دعوت)إلى الجهاد وما أشبه (لم تجب) جبناً أو تكاسلا (إن أمهلتم) فلم أطلبكم للجهاد والعمل (خضتم) في الباطل، دون أن تعملوا لسعادتكم (وإن حوربتم) أي حضرتم ميادين الحرب (خرتم) أي صحتم من
وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ، وَإِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ . لَا أَبَا لِغَيْرِكُمْ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَالْجِهَادِ عَلَى حَقَّكُمْ؟ الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ؟ فَوَاللهِ لَئِنْ جَاءَ يَوْمِي - وَلَيَأْتِيَنِّي - لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالِ ، وَبِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ . للَّهِ أَنْتُمْ!
....................................
خار بمعنى صاح، فإنَّ المحارب يجب أن يلزم الصمت والسكينة لا الصياح والعجيج، فإنّ ذلك مما يوهن الإنسان.
(وإن اجتمع الناس على إمام) يريد نفسه الكريمة (طعنتم) في ذلك الإمام، بأن تنحتوا له معائب ومنقصات (وإن أجئتم إلى مشاقة) المراد بها الحرب ( نكصتم) أي رجعتم القهقرى وفررتم عن الحرب (لا أبا لغيركم) [لا أبالك] جملة تستعمل للذم بمعنى فقدت الأب حتى تكون من دون والي، وتستعمل للدعاء بمعنى تملك أمرك، وقد تلطف الإمام بتوجيه الجملة للغير، إما احتراماً لهم إن أريد بها الذم، أو إهانة لهم إن أريد بها الدّعاء .
(ما تنتظرون بنصركم والجهاد على حقكم) ؟ استفهام إنكاري، أي هل بعد هذا موقع للانتظار، إن حقكم قد غصب، والنصر قد فاتكم باستيلاء معاوية على بعض بلادكم، فما وجه الانتظار بعد ذلك؟ أتريدون في انتظاركم (الموت أو الذلّ لكم) فإنَّكم إن بقيتم بلا محاربة اما متّم أو سيطر معاوية حتى تذلوا .
(فوالله لئن جاء يومي) أي وقت موتي ( وليأتيني) إخبار بأنه سيأتي يومي (ليفرقن بيني وبينكم) بالموت (وأنا لصحبتكم) أي مصاحبتكم (قال) أي کاره، من [قلی]، بمعنى كره وغضب يعني أفرح بموتي وتخلّصي من اصطحابكم ( وبكم غير كثير ) فإنَّ الكثرة إنما تراد للمنفعة، فإذا انتفت كان وجودها كعدمها، يعني لست كثيراً بسببكم لعدم نفعكم.
( لله أنتم) هذه جملة تستعمل في الذم، بمعنى أن الله يقدر أن يعالجهم
أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ! وَلَا حَمِيَّةً تَشْحَذُكُمْ أَوَلَيْسَ عَجَباً أَنْ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَلَا عَطَاءِ ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ - وَأَنْتُمْ تَرِيكَةُ الإسلام ، وَبَقِيَّةُ النَّاسِ - إِلَى الْمَعُونَةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ، فَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ؟ إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي
...................................
وينتقم منهم، وتستعمل في المدح، أي إنهم لله سبحانه مخلصين له في أعمالهم وأقوالهم (أما دين يجمعكم) ؟ ففيم هذا التفرق في آرائكم واهوائكم (ولا حميّة) أي أنفة وكبر في نفوسكم عن تسلّط الأعداء عليكم (تشحذكم)أي تغيظكم لتقوموا بالجهاد من شحذ السكين، بمعنى حدّها، والإنسان إذا شحذ صار كالسكين يقطع وينفذ .
(أوليس عجبا أنّ معاوية يدعو الجفاة) جمع جافي وهو الغليظ الخشن في أعماله ونواياه (الطّغام) بمعنى اراذل الناس (فيتّبعونه على غير معونة) أي إعانة منه لهم (ولاعطاء) لهم ، والسبب أن معاوية كان يألف الرؤساء بالمال رشوة، جوراً وظلماً، والأراذل تبع لكبرائهم، والإمام كان يقسم بالسوية فالكبراء كانوا غير راضين عنه، ولذا لا يحركون أتباعهم لنصرة الإمام(عليه السلام)( وأنا أدعوكم وأنتم تريكة الإسلام) أي البقية الباقية من المسلمين الذين يعتز بهم الإسلام (وبقيّة الناس) الصالحين، خلف عن سلف صالح (إلى المعونة) متعلق بـ[أدعوكم] (و) إلى (طائفة من العطاء) أي أعين جماعة، وأعطي جماعة، والإعانة : الإعطاء تبرعا، بخلاف العطاء فإنَّه العطاء من بيت المال حسب الاستحقاق .
(فتفرقون عني) بأن يستجيب بعض للجهاد ولا يستجيب بعض (وتختلفون علّي) هذا يريد، وذاك يردّ (إنه لا يخرج إليكم من أمري) أي من
رِضَىً فَتَرْضَوْنَهُ، وَلاَ سُخَطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاَقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ ! قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتابَ، وَفَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ وَعَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ، وَسَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ، لَوْ كَانَ الأَعْمَى يَلْحَظُ، أَو النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ ! وَأَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللهِ قَائِدُهُمْ مُعاوِيَةُ! وَمُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَةِ !
..........................................
أو امري التي آمركم بها (رضى) للجميع (فترضونه) كلكم (ولا سخط فتجتمعون عليه) بأن تسخطون جميعا، وهذا بيان إنهم لا يجتمعون لا على رضى ولا على سخط، بل متفرقون دائما يرضى بعضهم، ويسخط بعض، كيفما أمر الإمام(عليه السلام).
(وإنّ أحبّ ما أنا لاق) أي أحب شيء ألقاه (إليَّ الموت) بأن أموت فأستريح منكم ، ثم بين(عليه السلام) أنه اهتم بكل إرشاد ونصيحة، لكنهم بقوا على ضلالهم وجهالتهم (قد دارستكم الكتاب) أي قرأت عليكم القرآن تدريسا وتعليما (وفاتحتكم الحجاج ) أي عرفتكم وجوه الاحتجاج، بعد أن لم تكونوا تعرفونها، فهي مفاتحة مني (وعرّفتكم ما أنكرتم) أي ما جهلتم (وسوّغتكم)أي جعلت سائغا هنيئا عندكم (ما مججتم) أي ما كنتم تمجّونه وتطرحونه، وكأنّ المراد الأخلاق الفاضلة (لو كان الأعمى يلحظ) أي يبصر، و[لو] لبيان أحوالهم ، وأنهم كالأعمى لا يبصرون شيئا وإن بُصّروا (أو النائم يستيقظ) أي يتنبه ويقوم من النوم (وأقرب بقوم من الجهل ) صيغة تعجب أي ما أقرب قوم إلى الجهل (بالله) سبحانه وبأحكامه (قائدهم معاوية! ومؤدبهم ابن النّابغة) أي عمرو بن العاص، والمراد بهم أصحاب الشّام، وهذه الجملة لبيان الفرق بين أهل العراق وبين أهل الشام، وللتأفف من عدم إطاعة هؤلاء مع أن قائدهم مثل الإمام العالم الورع، وإطاعة أولئك مع أن قائدهم مثل معاوية ومرشدهم مثل ابن العاص.
وقد أرسل رجلاً من أصحابه، يعلم له أحوال قوم من جند الكوفة، قد هموا باللحاق بالخوارج، وكانوا على خوف منه(عليه السلام) ، فلما عاد إليه الرجل قال له :
أأمِنُوا فَقَطَنُوا، أم جبُنوا فَظَعَنُوا؟
فقال الرجل : بل ظَعَنُوا يا أمير المؤمنين . فقال(عليه السلام) :
(بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) ! أما لَوْ أُشْرِعَتِ الأَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ ، وَصُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ ،
.....................................
التوضيح:
(أأمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا؟) أي هل آمنوا جانبي فبقوا، أم خافوا نکالي فسافروا وذهبوا إلى الخوارج؟ - (فقال الرجل : بل ظعنوا ياأمير المؤمنين، فقال (عليه السلام)):
(بعداً لهم كما بعدت ثمود) دعاء عليهم بأن يبعده الله عن رحمته ، كما أبعد الله قوم صالح النبي - وهم قبيلة ثمود - عن رحمته، حيث أنزل عليهم العذاب، لما خالفوا أمر الله وعقروا الناقة، و[بعداً] منصوب بفعل مقدّر، أي اللهم أبعدهم بعداً (أما لو أشرعت الأسنّة) جمع سنان، وهو الرمح (إليهم )
عند المحاربة مع الخوارج، وأشرعت بمعنى صوبت نحوهم (وصبّت السيوف على هاماتهم) أي رؤوسهم، وهذا كناية عن تكاثر الضرب بالسيوف عليهم .
لَقَدْ نَدِمُوا عَلى مَا كَانَ مِنْهُمْ. إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ استفلَّهُمْ ، وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ، وَمُتَخَلَّ عَنْهُمْ . فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الهُدَى، وَارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلَالِ وَالْعَمَى، وَصَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ ، وَجِمَاحِهِمْ فِي التيه
.................................
( لقد ندموا على ما كان منهم) من الظعن والالتحاق بالخوارج، لأنهم لايتمكنون من المقاومة (إنّ الشيطان اليوم قد استفلّهم) أي دعاهم للتفلل، وهو الانهزام عن الجماعة (وهو غدا متبرئٌ منهم) والمراد أما في يوم يوم القيامة إذ يتبرأ الشيطان من أتباعه، قال سبحانه: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا (1)أو المراد عند الحرب، وتبرؤه كناية عن عدم نصرته لهم: كما صار حرب الكفّار مع الرّسول، قال سبحانه: فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ(2).
(ومتخلّ عنهم) التّخلي عن فلان بمعنى الابتعاد عنه لابتعاد عنه وعدم نصرته (فحسبهم) ضلالا وجهالة (بخروجهم من الهدى) الباء زائدة، إذ الأصل فيه [هم يكتفون بذلك ] .
(وارتكاسهم ) أي انقلابهم، واصل الارتكاس: أن يقع الإنسان من رأسه في وحل أو ما أشبه (في الضلال والعمى) أي عدم تبصّر السّبيل، كالأعمى الذي لا يبصر الطريق (وصدّهم عن الحقّ) أي منعهم للناس عن اتباع الإمام (وجماحهم) أي عصيانهم (في التيه) أي في الضّلال، فإنَّ التائه يلزم أن يطيع من يرشده، لا أن يعصي حتى يهلك في المهالك .
روي عن نوف البكالي قال : خطبنا هذه الخطبة أمير المؤمنين عليّ(علیه السلام)بالكوفة وهو قائم على حجارة، نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مِدْرَعَةٌ من صُوف وحمائلُ سيفه لِيفٌ، وفي رجليه نعلان من لِيفٍ، وكأنّ جبينه ثَعْنَةُ بعير. فقال(علیه السلام):
................................................
التوضيح:
وفيها حمد الله، وبيان صفاته، والإرشاد والنّصح، (روي عن نوف البكالي) منسوب إلى (بكال) قبيلة من قبائل العرب (قال خطبنا هذه الخطبة أمير المؤمنين(علیه السلام) بالكوفة وهو قائم على حجارة، نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي) وهو ابن أخت الإمام(علیه السلام) ، وأمه أم هاني أخت الإمام بنت أبي طالب، وكأنه وضع تلك الحجارة كمصعد يصعدُ عليها الإمام ليرتفع على الناس عند الخطبة، شبه المنبر (وعليه مدرعة ) أي قميص ضيق الأكمام (من صوف) وهذا أقرب إلى الزهد لخشونة الصوف، بخلاف القطن ونحوه (وحمائل سيفه) وهو الخيط الذي يشد به السيف ليحمل فيتوشح به من (ليف) النخل (وفي رجليه نعلان من ليف) الظاهر كون كل النعل من ليف لا أن شراكها منه (وكأن جبينه) من كثرة السجود (ثفنة بعير) وهو المحل الذي يمس الأرض، عند بروك الإبل، فإنَّه يغلظ ويخشن من مباشرة الأرض والدلوك بها (فقال الله ) :
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي إِلَیهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ، وَعَوَاقِبُ الأَمْرِ. نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمٍ إِحْسَانِهِ، وَنيّرِ بُرْهَانِهِ، وَنَوَامِي فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً ، وَلِشُكْرِهِ أَدَاءً، وَإِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً ، وَلَحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً . وَنَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ، مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ، وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ، مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ . وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً.
...................................
(الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق) جمع مصير، بمعنى الصيرورة، أي أن الخلق ينتهون إلى ثوابه وعقابه، ودار كرامته ومحل سخطه (وعواقب الأمر) فإنَّ عاقبة أمر كل إنسان إليه سبحانه .
(نحمده على عظيم إحسانه) أي إحسانه العظيم إلينا بالخلق والرزق وغيرهما (ونيّر برهانه) أي دليله الواضح الذي نصبه دليلاً على وجوده وسائر صفاته (ونوامي فضله وامتنانه) نوامي جمع نام، بمعنى: الزائد، أي فضله الزائد على قدر الاستحقاق، أو فضله الذي ينمو ويزيد (حمداً يكون لحقّه) سبحانه (قضاء) أي أداءاً لبعض ما يستحق (ولشكره أداءً) أي يكون مؤدّياً لشكره الواجب على النّاس (وإلى ثوابه مقرّبا) فإنّ الحمد يقرب الإنسان إلى ثواب الله تعالى (ولحسن مزیده موجبا) أي موجبا لمزيد نعمه، وإضافة حسن إليه، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف .
(ونستعين به استعانة راج لفضله) لا استعانة آيس، فإنَّ الإنسان قد يطلب العون من أحد وهو آيس أحد وهو آيس من إجابته، وقد يستعين وهو راج للإجابة (مؤمل لنفعه) سبحانه، بأن ينفعنا (واثق بدفعه) المكاره عنّا (معترف له) تعالى (بالطّول) أي الإنعام والفضل (مذعن له) أي خاضع لله سبحانه (بالعمل والقول) نحمده لسانا، ونعمل له بجوارحنا وأعضائنا (ونؤمن به) سبحانه (إيمان من رجاه موقنا) فإنَّ يقين الإنسان في رجائه، دليل على قوّة إيمانه .
وَأَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً، وَخَنَعَ لَهُ مُذْعِناً، وَأَخْلَصَ لهُ مُوَحداً، وَعَظَّمَهُ مُمَجِّداً ، وَلاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً .
لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزَّ مُشَارَكاً، وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً ، وَلَمْ يَتَقَدَّمُهُ وَقْتٌ وَلاَ زَمَانٌ، وَلَمْ يَتَعَاَوَرْهُ زِيَادَةٌ وَلاَ نُقْصَانٌ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ، وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ .
.....................................
(وأناب إليه) أي رجع إليه تعالى بالتّوبة (مؤمنا) بوجوده وسائر صفاته (وخنع) أي خضع (له مذعنا) فضله لا مثل ذل الإنسان للجبابرة، فإنَّه يخضع لهم كارهاً (وأخلص له) أي جعل أعماله وعقيدته له سبحانه بلا مشاركة أحد معه (موحداً)في مقابل الاشراك (وعظّمه ممجّدا) أي اعترف بعظمته في التمجيد والثناء عليه (ولاذ به) أي إلتجأ إليه عن الأهوال والنوائب (راغبا) فضله ( مجتهدا) يقال اجتهد إذا أتعب نفسه .
(لم يولد سبحانه) بأن يكون له أب أو أم (فيكون في العز مشاركا) لأنّ الأبوين شريكان مع الولد في العز، بل أعز لأنهما علة وجوده (ولم يلد) سبحانه ولداً (فيكون موروثا) لأن الولد يرث أبويه (هالكا) إذ كل شيء يلد يكون ممكناً وكل ممكن هالك، فإنَّه كما له تغير بالولادة، كذلك له تغير بالحياة والموت .
(ولم يتقدّمه وقت ولا زمان) بأن يكون الزمان ولا يكون الله سبحانه - كما هو شان الممكنات (ولم يتعاوره) أي يتداوله ويتبادل عليه (زيادة ولا نقصان) بأن يزيد مرة وينقص أخرى (بل ظهر) سبحانه (للعقول بما أرانا من علامات التدبير) أي من الأدلة الموجودة في المخلوقات الدالة على التدبير (المتقن) إذ وضع كل شيء موضعه، كالبناء الفخم الذي يدل على مهارة بانيه (والقضاء المبرم)أي المحكم، فإنّ حكمه سبحانه بالخلق والرزق والحياة
فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ، قَائِمَاتٍ بِلاَ سَنَدٍ. دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ، غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَلَا مُبْطِئَاتٍ ؛ وَلَوْلاَ إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ، وَلَا مَسْكَنَا لِمَلائِكَتِهِ، وَلَا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيْبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ .
...................................
والموت وغيرها مبرم لا ينقض .
(فمن شواهد خلقه) على وجوده تعالى وسائر صفاته (خلق السماوات) أي الأجرام ومجاريها (موطّدات) أي مثبتات في مداراتها على ثقلها (بلا عمد)جمع عماد، فإنَّها لا عمد لها، كما للبناء المرتفع من عمد تحفظه من السقوط(قائمات) في محالها (بلا سند) يستند ويتكيء عليها (دعاهنّ) سبحانه، وذلك كناية عن جعل نظام لهن (فاجبن) دعوته تعالى (طائعات مذعنات) كما قال سبحانه :
فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(1)(غير متلكّئات) التلكؤ التوقف في الأمر (ولا مبطئات) من أبطأ بمعنى: عدم الاستعجال في الأمر ، نعم أنها أطاعت فورا. ( ولولا إقرارهنّ له) تعالى (بالرّبوبيّة) أو أنه الههنّ (وإذعانُهُنّ بالطّواعية) أي الإطاعة بالرغبة (لما جعلهنّ موضعاً لعرشه) العرش : محل تشريف له في السماء، كما أن الكعبة موضع تشريف له سبحانه في الأرض (ولا مسكنا لملائكته) المقربين، الذين هم اطهار، فيلزم أن يكون محلهم طاهراً (ولا مصعدا) أي محلّ الصعود (للكلم الطيب والعمل الصّالح من خلقه) فإنَّ
1) سورة فصلت : 11
جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَامَا يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الأَقْطَارِ. لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهمَامُ سُجُفِ اللَّيلِ الْمُظْلِمِ، وَلَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلالُو نُورِ الْقَمَر. فَسُبْحَانَ مَنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ ،
........................................
الأعمال الصالحة، والكلمات الطّيّبة، من العباد، تصعد نحو السماء، وذلك ليس لأنها مكان الله سبحانه، فإنَّه لا مكان له، وإنما لأجل أنه تعالى جعل السّماء محلا شريفاً، ومأوى للأشياء الحسنة، وهذا إشارة إلى قوله سبحانه : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ(1)من خلقه أي الكلم والعمل، الصادر من الخلق .
(جعل) سبحانه (نجومها) أي كواكب السّماوات (أعلاما ) أي أدلّة ( يستدلّ بها الحيران) أي الشخص المتحيّر (في مختلف فجاج) جمع فج بمعنى الطريق (الأقطار) جمع قطر، بمعنى القطعة من الأرض، أي مختلف الصحارى .
(لم يمنع ضوء نورها) أي نور الكواكب (ادلهمام سجف اللّيل المظلم) الادلهمام: شدّة الظلمة، وسجف : الستر(ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس) جلابيب جمع جلباب، وهو ثوب واسع يلبس فوق الملابس، والمراد هنا ظلمة اللّيل الشاملة لكل شيء، وحنادس جمع حندس، بمعنى الليل المظلم (أن تردّ) حتى لا يصل إلى الأرض (ما شاع) وانتشر(في السّماوات من تلألؤ نور القمر) بل نور القمر، كنور النّجوم، يصلان إلى الأرض في ظلمة الليل، فيهدي بهما الناس في الصّحارى والقفار .
(فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج) الغسق الظلمة، وداج
1) سورة فاطر: 10
وَلَا لَيْلِ سَاجٍ، فِي بِقَاعِ الأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ، وَلَا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ، وَمَا يَتَجَلَجَلُ بِهِ الرَّعدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ ، وَمَا تَلاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الأَنْوَاءِ وَانْهِطَالُ السَّمَاءِ! وَيَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ
.......................................
بمعنى المظلم (ولا) سواد (ليل ساج) الساجي بمعنى الساكن، ووصف الليل به، لأنه يسكن فيه كل ذي روح، فهو وصف باعتبار ما فيه، من باب علاقة الحال والمحل (في بقاع الأرضين المتطأطئات) أي المنخفضات، فإنّه سبحانه يرى كل ما في منخفضات الأرض، ولو تحت الليل المظلم (ولا في يفاع) بمعنى التل والمكان المرتفع (السفع) جمع سفعاء، وهو السواد يضرب إلى الحمرة، والمراد بها الجبال، فإنَّ الجبال هكذا تظهر من بعد.
(المتجاورات) أي المجاورة بعضها لبعض .
(و) سبحان من لا يخفى عليه (ما يتجلجل به الرعد) الجلجلة : صوت الرعد ( في أفق السّماء) أي أطرافها (وما تلاشت عنه بروق الغمام) فإنَّ البرق يتلاشى ويضمحل ، والظاهر أن المراد مصدر البرق، الذي يظهر منه البرق ، ثم يتلاشى من القوّة الكهربائية الموجودة في السحاب (وما تسقط من ورقة تزيلها) أي تزيل تلك الورقة (عن مسقطها) أي محل سقوطها، وهو محل اتصال الورقة بالشجرة ( عواصف الأنواء) جمع نوء، وهو أحد منازل القمر إذا كان القمر فيه أو نحو ذلك تهب الرياح، ولذا أضيفت إليه، بمناسبة أن الإضافة يكفى فيها أدنى مناسبة (وانهطال السماء) أي إمطار السماء بالمطر، والمعنى لا يخفى عليه انهطال السماء.
(ويعلم) سبحانه (مسقط القطرة) أي محل سقوط كل قطرة من أقطار
وَمَقَرَّهَا، وَمَسْحَبَ الذّرَّةِ وَمَجَرَّهَا، وَمَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا، وَمَا تَحْمِلُ الأُنثَى فِي بَطْنِهَا .
الْحَمْدُ للهِ الْكَائِن قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيِّ أَوْ عَرْشُ، أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ، أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ، لاَ يُدْرَكُ بِوَهُمٍ، وَلاَ يُقَدَّرُ بِفَهمٍ، وَلاَ يَشْغَلُهُ سَائِلٌ، وَلاَ يَنْقُصُهُ نَائِلٌ، وَلَا يُبْصِرُ بِعَيْنٍ،
.....................................
المطر ( ومقرّها) أي محل استقرار القطرة، إذ يمكن أن يكون المسقط غير المقرّ ( ومسحب الذّرة) أي المحل الذي تمشي فيه النملة (ومجرّها) أي المحل الذي تجر نفسها إليه (و ما يكفي البعوضة) البق (من قوتها) ورزقها (و) يعلم تعالى (ما تحمل الأنثى في بطنها) من ذكر أو أنثى .
(الحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش) إذ لا يحتاج سبحانه إلى شيء منهما، وهذا من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، فإنَّ الملك يجلس على الكرسي في عرشه، وقد خلق سبحانه محلاً يسمى العرش لتوجّه الملائكة إليه، كما يتوجّه البشر إلى الكعبة في الأرض.
(أو سماء أو أرض أو جان أو أنس) والجن قسم من المخلوقات مخفي عن الأبصار (لا يدرك) سبحانه (بوهم) أي بفكر وتعقل إذ كنهه مستحيل الإدراك (ولا يقدّر) أي لا يعرف حدوده (بفهم) الإنسان .
(ولا يشغله سائل) بأن يغفل عن سائر الأشياء، كما هو شأن البشر (ولا ينقصه نائل) أي العطاء، فإنَّه سبحانه يعطي ولا ينقص ما عنده، إذ لا يفوته شيء، وإنما كل شيء في ملكه، أعطى أم لم يعط (ولا يبصر) أما على المجهول أو على المعلوم (بعين) فعلى الأول معناه أنه سبحانه لا يُرى، وعلى
وَلا يُحَدُّ بِأَيْنٍ ، وَلا يُوصَفُ بِالأَزْوَاجِ، وَلاَ يُخْلَقُ بِعِلَاجٍ، وَلا يُدْركُ بِالْحَوَاسِّ، وَلا يُقَاسُ بِالنَّاسِ، الَّذي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً ، وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً ؛ بِلَا جَوَارحَ وَلَا أَدَوَاتٍ، ولَا نُطْقٍ وَلا لَهَوَاتٍ . بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ ، فَصِفْ جِبرِائيلَ وَمِيكَائِيلَ وَجُنودَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ،
...........................
الثاني معناه أنه تعالى لا عين له - كعين الإنسان - وإنّما يبصر الأشياء بذاته (ولا يحد بأين) أي بالمكان، فإنَّه لا مكان له، حتى يكون مشمولا لذلك المكان (ولايوصف بالأزواج)أي بالأمثال، لأنه لا مثل له، فلا شريك له(ولا يخلق) الأشياء (بعلاج) بأن يمتنع عليه الشيء فينفذ أمره بالعلاج (ولا يدرك بالحواسّ) الخمس، فلا يبصر، ولا يشم، ولا يذاق، ولا يلمس، ولا يسمع حس منه، لاستحالة كل ذلك في حقّه.
(ولا يقاس بالنّاس) كما يقاس النّاس بعضهم ببعض (الذي كلّم موسى)(عليه السلام)(تكليما) وكلامه إنما هو يخلق الصوت الذي يسمعه الطرف المقابل(وأراه من آياته) أي أدلته(عظيما) كالعصا واليد البيضاء، والضفادع، والقمل والدم ،وغيرها، كلّم (بلا جوارح) أي بغير أعضاء للتكلم (ولا أدوات) كالفم والأسنان واللسان (ولا نطق) كنطق الإنسان (ولا لهوات)جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم (بل إن كنت صادقا أيّها المتكلف لوصف ربّك) أي إن كنت صادقاً أنك تتمكن أن تصفه سبحانه حق وصفه، ومعنى المتكلف الذي يوقع نفسه في الكلفة والمشقّة .
(فصف جبرائيل وميكائيل) الذين هما مخلوقان لله سبحانه، فإذا لم تتمكن من وصفهما فعدم إمكانك لوصفه سبحانه أظهر (وجنود الملائكة المقربين) إليه سبحانه، قرب شرف وطاعة، لا قرب مكان - إذ لا مكان له
فِي حُجُرَاتِ القُدُسِ مُرْجَحِنِّين، مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ. فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَالأَدَوَاتِ، وَمَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ . فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَامٍ، وَأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلُّ نُورٍ.
أُوصِيكُمْ عِبَادَ الله بِتَقْوَى الله الَّذِي الْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ ؛ ولَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً،
......................
تعالى - (في حجرات القدس) أي النزاهة والطهارة، والمراد بالحجرات أماكنهم (مرجحنّين) أي مقشعرّين، خوفاً ووجلاً منه تعالى، من أرجحن، بمعنى مال يمينا وشمالا(متولّهة) أي متحيّرة (عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين) فإنّ عقولهم تتحيّر في وصفه سبحانه، ولا تجد لذلك سبيلا.
(فإنّما يدرك) كنه الشيء (بالصّفات ذوو الهيئات) أي الأشكال (والأدوات) أي الآلات (ومن ينقضي) أي يهلك (إذا بلغ أمد حدّه بالفناء) أي إذا وصل إلى منتهى العمر المقدّر له، وبالفناء متعلق بـ[ ينقضي] (فلا إله الّا هو أضاء بنوره كلّ ظلام) من ظلمات العدم بأن أوجد المعدومات وظلمات الجهل، وظلمات الليل وما أشبه (وأظلم بظلمته) أي بالنسبة إلى نوره (كلّ نور) فإنَّ كل نور في قبال نوره مظلم.
(أوصيكم) يا (عباد الله بتقوى الله) أي الخوف منه، والعمل بما أمر (الذي ألبسكم الرياش) أي اللباس الفاخر الإنساني أو الأعم من ذلك ومن سائر الألبسة الحسنة، والظواهر الجميلة (وأسبغ ) أي أكثر (عليكم المعاش) بما هيّأ لكم ما تعيشون فيه.
(ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سلّما) شبّه البقاء بشيء رفيع، لا يتناوله
أو إلَى دفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً ، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُودَ عليه السلام، الَّذِي سُخِّرَ لَهَ مُلْكُ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْقَةِ. فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، مَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً !
..........................
أحد، حتى إذا نصب السلم - وهو المعراج -(أو إلى دفع الموت سبيلا) أي وسيلة يتمكن بها من دفع الموت (لكان ذلك) العارف بطريق البقاء الأبدي (سليمان بن داوود(عليه السلام) الذي سخّر له ملك الجنّ والإنس) فكان الجن يطيعه كالإنس (مع النبوة) فقد كان(عليه السلام) نبيّا لله سبحانه (وعظيم الزّلفة) أي القرب من الله سبحانه، لأن النبوة مقام عظيم، وبكلمة جامعة، قد جمعت له السعادتان الدينية والدنيوية .
(فلما استوفى طعمته) أي مأكلَهُ المقدر له ، إذ الله سبحانه قدر لكل إنسان قدراً خاصاً من الرزق (واستكمل مدّته) بأن أكمل مدة بقائه في الدنيا المقدّرة له .
(رمته قسيُّ الفناء) جمع قوس (بنبال الموت) جمع نبل، وهو السهم، قسيّ الفناء المقدرات التي تفني الإنسان، ونبال الموت أسبابه، من هموم ومرض، وما أشبه .
(وأصبحت الدّيار منه خالية) إذ انتقل إلى قبره (والمساكن معطّلة) إذ لم يسكن بعد في مسكن (وورثها) أي تلك الديار والمساكن (قوم آخرون) من ورثته والمتولين للسلطة بعده.
(وإن لكم في القرون السّالفة) جمع قرن، وهو مائة سنة، أو مدة عمر جيل من البشر، يقال لها قرن لاقتران أعمار بعضهم مع بعضف والسالفة بمعنى السابقة (لعبرة) تكفي لأن تعتبروا بفناء الدّنيا، وعدم بقاء سلطتها
أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ! أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ !
أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ ، وأَطْفَاوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ! وَأيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ،
.......................................
وزينتها (أين العمالقة) جمع عملاق، وهو: الرجل القوي الكثير العمل، وقد كانوا ملوكاً يملكون اليمن والحجاز، وقد عاثوا في الأرض فسادا حتّى أن الملك منهم أمر بأن العروس ليلة عرسها لا تذهب إلى زوجها، إلّا وقد زارها الملك واقتضها ثم تذهب إلى زوجها، ثم هجم الناس عليه وقتلوه وأراحوا الناس من شره في قصة طويلة مذكورة في التاريخ (وأبناء العمالقة)؟ استفهام على نحو التنبيه، بمعنى أن دولتهم قد أبيدت وملكهم قد ذهب، وهم قد ماتوا فلا أثر لهم.
(أين الفراعنة) جمع فرعون( وأبناء الفراعنة ) ؟ وهم ملوك مصر، منهم فرعون موسى الذين كان يدعي الربوبية ويقتل الناس ويبقر بطون الحبالى .
(أين أصحاب مدائن الرَّسُ) كانوا يعبدون الشجر، فأتاهم نبي ينهاهم عن ذلك لكنهم عتوا وقتلوا النبي أشنع قتله، فأهلكهم الله سبحانه بعذاب شنيع (الذين قتلوا النبيين وأطفأوا سنن المرسلين) فإنَّ سنن المرسلين مصابيح تنير دروب الحياة، ليرى الإنسان المنهاج المسعدله في دنياه وآخرته، وإطفائها إخمادها، وترك العمل حتى تنسي، كما في زماننا الذي أطفأ الكفّار والمنافقون - بواسطة عملائهم - منهاج القرآن، وأتوا مكانه بمناهج اليهود والنّصارى (وأحيوا سنن الجبّارين) الذين مسلكهم جبر الناس على الباطل ، وظلم العباد بأنواع الظلم .
(وأين الذين ساروا) إلى أعدائهم (بالجيوش ) الكثيرة معتزين بها
وَهَزَمُوا الألُوفَ ، وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ ، وَمَدَّنُوا الْمَدَائِنَ!
منها : قَد لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا، وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا، مِنَ الإِقْبَالِ عَلَيْهَا ، وَالْمَعْرِفَةِ بِهَا ، وَالتَّفَرُّغِ لَهَا ؛ وَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا، وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا . فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الإسلام،
..................................
(وهزموا الألوف) من جيش الأعداء ، لقوتهم وشدّة بطشهم .
(وعسكروا العساكر) أي جمعوها لحفظهم وحفظ رعاياهم (ومدّنوا المدائن) أي صنعوها وبنوها؟ فقد مات كلهم وفنوا، وبعد ذلك ينبغي للعاقل أن لا يغتر بالدنيا، ولا يعمل فيا ما يوجب عقابه ونكاله الأبدي .
(منها): في ذكر المتّقين وأصحاب العقل(قد لبس للحكمة) هي وضع الأشياء مواضعها (جنّتها) وهي ما يحفظ الإنسان من الهذر واللغو والعصيان، كما تحفظ الجنّة صاحبها من الضرب والطعن(وأخذها) أي الحكمة(بجميع أدبها) أي كل آدابها، فلم يترك من الحكمة في الأكل واللبس والتكلم والتعلم وما أشبه، شيئاً .
(من الإقبال عليها) أي على الحكمة (والمعرفة بها) فإنَّه يعرف الحكمة وأنها ما هي (والتفرغ لها) لا يشغل نفسه بضدها.
(وهي)أي الحكمة ( عند نفسه ضالّته التي يطلبها) تشبيه لبيان شدّة طلبه لها، كما يطلب الإنسان بكل جد ماضل من أثاثه ونقوده (وحاجته الّتي يسأل عنها ليجدها ويعرفها كما يسأل الإنسان عن حوائجه المادية (فهو) مع الإسلام يدور ومنه لا ينفك (مغترب) أي يذهب إلى الغربة (إذا اغترب الإسلام) بأن تركه أهله، فكأنه سافر عنهم، فإنّه أيضاً يترك الناس ويكون مع
وَضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ، وَأَلْصَقَ الأَرْضَ بِجِرانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ .
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الأَنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَحَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا .
.....................................
الإسلام غريباً عندهم (وضرب) الإسلام (بعسيب ذنبه) أي أصل ذنبه (والصق) الإسلام (الأرض) أي بالأرض (بجرانه) مقدم عنق البعير، وهذان كنايتان عن ضعف الإسلام، فإنَّ البعير إذا ضعف نام وألصق عنقه، وآخر ذنبه على الأرض، لا يقدر على القيام، فمثل هذا الشخص، وقيل المراد به الإمام الحجة المهدي(عليه السلام).
(بقية من بقايا حجته) أي حجج الله على الناس (خليفة من خلائف)جمع خليفة (أنبيائه) فهو يمثل الأنبياء في التزامهم بالدين .
ثم قال(عليه السلام) : (أيها الناس إني قد بثثت) أي نشرت وأظهرت (لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها) أي بتلك المواعظ (أممهم) من الأمر بالتقوى، والزهد في الدنيا، والخوف من النار، والشوق إلى الجنة .
( وأديت إليكم) أي أوصلت إليكم (ما أدت الأوصاء) للأنبياء (إلى مَنْ بعدهم) من الناس، الذين لم يدركوا الأنبياء.
(وأذبتكم بسوطي فلم تستقيموا) بأن تتركوا كافة المعاصي، وتنتهجوا نهج الإسلام سويا (وحدوتكم) أي سقتكم، والحداء: رفع الصوت للإبل لتسير سيراً مطمئنا (بالزّواجر) جمع زاجرة، وهي النصيحة التي تزجر الإنسان عن المعصية (فلم تستوسقوا) يقال استوسقت الإبل، بمعنی اجتمعت،
للَّهِ أَنْتُمْ! أَتَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ ، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ؟
أَلاَ إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقبلاً ، وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً ، وَأَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللهِ الأَخْيَارُ ، وَبَاعُوا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى، بِكَثِيرِ مِنَ الآخِرَةِ لَا يَفْنَى .
.................................
والمراد أنهم بقوا متفرقين لا تجتمع آراؤهم على الحق.
(لله أنتم) كلمة تقال للذم وللمدح، بمعنى أن الله يقدر على تقويمكم ،أو أن أمركم لله سبحانه لا لغيره - كما تقدم-.
(أتتوقعون إماما غيري يطأ بكم الطريق) أي يسير بكم في الطريق السوي (ویر شدكم السبيل) الراشد؟ ثم أخذ في نصحهم، وبيان ضجره من الدنيا بعد أن ذهب أصحابه إلى الآخرة .
(ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا) فإنَّ الإنسان في حالة طفولته يكون عمره مقبلا ، إذا يأتي نموه، فإذا شاخ كان عمره مدبراً، وهكذا (وأقبل منها) أي من الدنيا (ما كان مدبرا) من الشرور والآثام التي أدبرت بمقدم الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ولعل إدبار المقبل - أيضاً - يراد به الخير، الذي أقبل بمقدم الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (وأزمع) أي أظهر عزما .
(الترحال) أي الرحيل إلى الآخرة (عباد الله الأخيار ) فإنَّهم حيث علموا فناء الدنيا يقصدون المسير منها، وقصدهم كناية عن تهيئة زاد الآخرة.
(وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى) فإنَّ الإنسان إذا صرف عمره وماله في الخير، كان بائعاً لهما بالجنة التي لا تفنى، قال سبحانه: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم
مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ - وَهُمْ بِصِفِّينَ - أَنْ لَا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءَ؟ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ! قَدْ - واللهِ - لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أَجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ .أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟....................................بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ(1)ثم بين(عليه السلام) إن الذين استشهدوا في سبيل الله لم يتضرروا بشيء، بل العكس ربحوا الخلاص من الدنيا الكدرة . ما ضرّ إخواننا) [ما] استفهامية (الذين سفكت دماؤهم - وهم بصفّين -) موقع الحرب مع معاوية (أن لايكونوا اليوم أحياء) ؟ أي أيّ شيء ضرهم في عدم حياتهم (يسيغون الغصص) أساغه بمعنى بلعه، والغصص جمع غصة ، وهي ما يؤخذ في الحلق فلا ينزل إلى الجوف (ويشربون الرّنق) أي الماء الكدر كناية عن المتاعب والآلام التي كان الإمام يواجهها من جراء المنافقين.
(قد - والله - لقوا الله) كناية عن موتهم (فوفّاهم أجورهم) أي أعطاهم أجورهم كاملة (وأحلّهم) أي أسكنهم (دار الأمن) أي الجنة (بعد خوفهم) في الدنيا من الأعداء.
(أين إخواني الذين ركبوا الطريق) أي استقاموا فيه، لم ينحرفوا إلى هنا وهناك .
(ومضوا على الحق) ؟ لا يبتغون عنه بدّلاً (أين عمّار) بن ياسر، من أصحاب الرّسول(عليهم السلام) الأولين، وقد قال فيه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مُليء إيماناً من قرنه إلى قدمه (وأين ابن التيهان) ؟ هو أبو الهيثم مالك من أكابر الصحابة
1) سورة التوبة : 111 .
وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ !
قال : ثم ضرب بيده الشريفة على لحيته الكريمة، فأطال البكاء، ثم قال (عليه السلام):
أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَاَمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا ،
....................................
(وأين ذو الشهادتين) ؟ خزيمة بن ثابت الأنصاري، الذي جعل الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) شهادته منفردةً قائمة مقام شهادة رجلين، (وأين نظراؤهم) أي أمثال هؤلاء الذين قتلوا بصفّين (من إخوانهم الّذين تعاقدوا على المنيّة) أي على الموت، فإنَّ بعضهم عاهد الآخر، على أن يقتلوا في سبيل الله (وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة) أي قطعت رؤسهم وأرسلت بواسطة البريد إلى أصحاب الفجور، وهم معاوية وحاشيته. فقد قطع أصحاب معاوية بصفين رؤوس جماعة من أصحاب الإمام عند الحرب، وأرسلوا بها إلى معاوية .
(قال: ثم ضرب) الإمام(عليه السلام)( بيده الشريفة على لحيته الكريمة فأطال البكاء، ثم قال(عليه السلام) : (أوه ) كلمة توجّع (على إخواني الّذين تلوا القرآن فأحكموه) قراءَةٌ وعلماً وعملاً (وتدبّروا الفرض) بأن فكروا فيما هو مفروض عليهم من أحكام الله سبحانه (فأقاموه) بأن واظبوا عليه أداءً، وأمراً للناس بإتيانه (أحیَوُا السنة) الواردة عن الرسول.
(وأماتوا البدعة) التي جاء بها الخلفاء، كصلاة التراويح، وإسقاط (حيّ على خير العمل) من الأذان، وما أشبه ذلك (دعوا للجهاد فأجابوا) بأن
وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ .
ثم نادى بأعلى صوته :
الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللهِ! أَلاَ وَإِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَوْمِي هَذَا؛ فَمَنْ أَرَادَ الرّواحَ إِلَى اللهِ فَلْيَخْرُجُ !
.......................................
جاهدوا في سبيل الله (ووثقوا بالقائد) يعني نفسه الشريفة (فاتبعوه) فيما يأمر وينهي.
(ثم نادى) الإمام(عليه السلام) (بأعلى صوته) الزموا (الجهاد الجهاد) يا (عباد الله، ألا وأنّي معسكر في يومي هذا) لفتح الشام، وخلاص المسلمين من معاوية وزمرته الطاغية (فمن أراد الرّواح إلى الله) أي إلى الآخرة، دار ثواب الله سبحانه (فليخرج) معي.
قال نوف البكالي راوي الخطبة [وعقد للحسين(عليه السلام) في عشرة آلاف] بأن جعل له جيشاً مكوّناً من عشرة آلاف شخص، والإمام الحسين قائده[ولقيس بن سعد رحمه الله في عشرة آلاف، ولأبي أيّوب الأنصاري] الذي نزل عليه الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين قدم المدينة [ في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد آخر وهو ] (عليه السلام)[ يريد الرجعة إلى صفّين] أي قتال معاوية [فما دارت الجمعة ] أي ما مضى أسبوع [حتّى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله، فتراجعت العساكر فكنّا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان] .
الْحَمْدُ للهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْر رُؤْيَةِ، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ ، خَلَقَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَاسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وَسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ؛ وَهُوَ الَّذِي أسْكنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَالإِنْسِ رُسُلَهُ ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا ،
.........................................
التوضيح:
(الحمد لله المعروف من غير رؤية) أي لا يراه أحد، ومع ذلك يعرفونه بآثاره وصنائعه (والخالق من غير منصبة) أي تعب ونصب .
(خلق الخلائق بقدرته) لا بآلة، أو مشارك أو ما أشبه (واستعبد الأرباب) أي جعل أرباب العبيد، عبيداً له (بعزّته)لأنه أعز من الجميع(وساد العظماء بجوده) فإنَّه من جاد ساد، ولا يخفى أن المثل تعليل ثانوي، للإشارة إلى هذا الوصف، وإلا فالاستبعاد والسيادة، بخلقه سبحانه لهم - أولا وبالذات - كما لا يخفى.
(وهو الذي أسكن الدّنيا خلقه، وبعث إلى الجنّ والإنس رسله) والبعثة إلى الجن أما بأن يعملوا كما يعمل الإنس أو بتكاليف أخر، وإن كان ظاهر الآيات أنهم مكلفون بمثل ما كلف به الإنس (ليكشفوا لهم عن غطائها) أي
وَلِيُحَذْرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا ، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا ، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحُهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلَالِهَا وَحَرَامِهَا، وَمَا أَعَدَّ اللهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالعُصَاةِ مِنْ جَنَّةِ وَنَارٍ ، وَكَرَامَةٍ وَهَوَانِ . أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ، جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً، وَلِكُلِ قَدْرٍ أَجلاً،
......................................
غطاء الدنيا، فإنَّ الدنيا دار آلام وأتعاب ، لكنها مغطّاة بغطاء مبهرج مرج يوجب الخدعة والغرور، فإذا كشف للإنسان عن غطاء الدنيا لم يغترر بها . (وليحذّروهم من ضرائها) أي ضر الدنيا الموجب للشقاء دنيا وآخرة (وليضربوا لهم أمثالها) أي الأمثال المرتبطة بالدنيا مما توجب عبرة وزيادة بصيرة (وليبصروهم عيوبها) ككونها موجبة للغرور ومفوتة للآخرة لمن ركن إليها (وليهجموا عليهم) الهجوم: الدخول غفلة، كأن الناس كانوا غافلين، فإذا بهم يرون الأنبياء يقولون لهم ما يوجب اعتبارهم (بمعتبر) مصدر ميمي بمعنى الإعتبار والاتّعاظ (من تصرف مصاحّها) جمع مصحة بمعنى الصحة والعافية (وأسقامها) أي ليقولوا لهم ما يوجب اعتبار الناس من أن الدنيا دار تتغير وتتبدل فيها الصحة والسقم، فاللازم أن لا يغتر الإنسان بالصحة، ولا ييأس عند السّقم .
(و) من (حلالها وحرامها و ) من (ما أعد الله للمطيعين منهم والعصاة من جنّة ونار) بيان [ما] (وكرامة وهوان) أي ذلّة (أحمده إلى نفسه) أي حمدا ينتهي إلى ساحة قدسه سبحانه : (كما استحمد إلى خلقه) أي طلب من خلقه أن يحمدوه، فالطلب كان منه إليهم، والحمد منّي إليه (جعل) سبحانه (لكلّ شيء قدراً) فليس شيء اعتباطا عنده بلا تقدير، مثلا جعل للإنسان عمرا محدوداً (ولكل قدر أجلا) ينتهي ذلك القدر بإتيان ذلك الوقت والفرق بين
وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً .
منها في فضل القرآن : فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ ، وَصَامِتٌ ناطِقُ . حُجَّةُ الله عَلَى خَلْقِهِ. أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُ، وَارْتَهَنَ عَلَيْهِ أنفسهم. أَتَمَّ نُورَهُ، وَأَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ ،
.....................................
القدر والأجل أن الأول باعتبار تمام المدة، والثاني باعتبار آخرها .
(ولكل أجل كتابا) إذ كتب سبحانه في اللّوح المحفوظ الآجال .
(فالقرآن آمر زاجر) آمر بالواجبات، زاجر، أي ناهي عن المحرمات (وصامت) لا يتكلّم بلفظ (ناطق) ببيان الأحكام (حجّة الله على خلقه) فإنَّ الله يحتجّ على الخلق بالقرآن يقول لهم، هلا عملتم بعد ما بيّنت لكم في القرآن.
(أخذ عليهم ميثاقه) أي العهد الأكيد بالإيمان والعمل الصّالح، وذلك بواسطة الأنبياء.
(وارتهن عليه أنفسهم) أي على القرآن، ومعنى الجملة أنه سبحانه جعل نفوسهم رهناً في مقابل العمل بالقرآن، فمن عمل فك رهنه ، وأخلص نفسه، ومن لم يعمل أخذ نفسه، وألقي في جهنّم ، كما قال سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(1).
(أتمّ نوره) أي نور القرآن فيكفي لإضاءة الطريق، بدون أن يبقى بعض الطريق مظلما.
(وأكمل به) أي بالقرآن (دينه) فإنَّ دين الله الذي كان بين الناس كُمّل
1) سورة المدثر : 38
وَقَبَضَ نَبِيَّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وَقَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَام الْهُدَى بِهِ . فَعَظَّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ لَم يُخْفِ عَنْكُم شَيْئاً مِنْ دِينِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكُ شَيْئًا رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلَّا وَجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً ، وَآيَةً مُحْكَمَةً ، تَزْجُرُ عَنْهُ ، أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ ، فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ، وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ،
.................................
بالقرآن (وقبض نبّيه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) بأن أماته (وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به) أي بسبب القرآن أي فرغ من بيان أحكام الهدى وكان ذلك منتهياً إلى الخلق ، بمعنى أن فائدته انتهت إلى الناس (فعظّموا) أيها النّاس .
(منه سبحانه ما عظّم من نفسه) أي ليكن تعظيمكم لِما من طرفه سبحانه، كما أنه عظّم لما كان من طرفه، والمراد به القرآن .
(فإنه) تعالى (لم يخف عنكم شيئاً من دينه) بل بُيْنَ كلّهُ في الكتاب والسنة .
(ولم يترك شيئاً رضيه) ممّا فيه مصلحة (أو كرهه) ممّا فيه مفسدة (إلا وجعل له علماً بادياً) أي علامة ظاهرة (وآية محكمة) غير متشابهة(تزجر عنه) أي تنهى عن ذلك الشيء، كالخمر (أو تدعو إليه) كالصلاة .
(فرضاه) سبحانه (فيما بقي واحد) إذ لا يقبل الرضا، فيوماً يرضى بالصلاة، ويوماً لا يرضى (وسخطه فيما بقي واحد) كما كان فيما مضى، وهذا مضمون الحديث : [حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمّد حرام إلى يوم القيامة ] .
وقد فسر الجملتين بقوله(عليه السلام) : ( واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشيء سخطه على من كان قبلكم) فإنَّه لن يرضى بالشرك - مثلا - الذي سخطه على
وَلَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنِ، وتَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ، قَدْ كَفَاكُمْ مَؤُونَةَ دُنْيَاكُمْ ، وحَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ ، واقْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ .
وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى وَجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ ،
.................................
الأمم السابقة (ولن يسخطك عليكم بشيء رضيه ممن كان قبلكم)فلن يغضب بسبب الصلاة، مِمَّا رضيه من الأمم السابقة، ولا يخفى أن المراد أصول الدين وجوهر الشريعة، أما مثل صوم الوصال، وما أشبه فلا مانع من الاختلاف حوله في الأديان (وإنما تسيرون في أثرٍ بيّن) أي واضح، لايخشى عليكم منه الضلال والأثر موضع الأقدام في التراب، وكنى به هنا عن الأحكام الباقية من الأنبياء والمرسلين .
(وتتكلّمون برجع قول) هو ما يرجع من الصوت إذا اصطدم بجبل ونحوه (قد قاله الرّجال من قبلكم) والمراد بالرجال الأنبياء والصلحاء، أي أن كلامكم حول الأصول والفروع هو استفادة من من كلام الأنبياء والأوصياء .
(قد كفاكم) سبحانه (مؤونة دنياكم) فإنّ الشّيء الأكبر من الدنيا مكفي، وإنّما يكسب الإنسان لتحصيل ذلك المودوع في الأرض من زرع وضرع ومعدن وبناء، وما أشبه(وحثّكم على الشّكر) على نعمائه(وافترض من ألسنتكم الذّكر) أي أراد من ألسنتكم إرادة مفترضة واجبة أن تذكروه تعالى.
( وأوصاكم بالتّقوى) بأن تخافوه فلا تخالفوه (وجعلها منتهى رضاه) فإنَّ منتهى رضاه سبحانه أن يتقيه الإنسان فلا يعصيه (و) منتهى (حاجته من حاجته) من خلقه وهذا كناية عن طلبه لا أنه تعالى محتاج إلى شيء من خلقه .
فَاتَّقُوا الله الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ، ونَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ، وتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ، إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ ، وإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ، قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً ، لاَ يُسْقِطُونَ حَقَّاً، وَلا يُثْبِتُونَ بَاطِلاً. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ ، وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ، وَيُخَلِّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فِي دَارِ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ؛
....................................
(فاتقوا الله الّذي أنتم بعينه) أي بحيث لا تخفون عليه، فهو يراكم (ونواصيكم) جمع ناصية، وهي مقدم الرأس طرف الجبهة (بيده) كناية عن تسلّطه سبحانه عليهم (وتقلّبكم في قبضته) أي أن حركاتكم كلها تحت قدرته، لا يتمكن أحد من الإفلات عنه (إن أسررتم) أي أتيتم بشيء سرا (علمه) تعالى (وإن أعلنتم كتبه) وأثبته .
(قد وكّل بذلك) أي بأن يكتب عنكم كل شيء (حفظة) جمع حافظ (كراما) جمع كريم، وهم الملائكة، وكونهم كراماً لأنهم (لايسقطون حقّا) ثبت عليكم (ولا يثبتون باطلا) ليس من أعمالكم، بل يكتبون الأعمال بقدر ما عملتم .
(واعلموا أنّه من يتّق الله يجعل له مخرجاً من الفتن) فإنّ الإنسان كثيراً ما يعصي الله سبحانه بظن أن ذلك منح له، والحال أن المتقي يخرج من الفتنة سليما، والعاصي إن خرج فلا يخرج الا ملوّثا (ونورا من الظّلم) فإنّه يبصر موضع الظلمة من المناهج الموجبة للضلال والشقاء فيتجنبها (ويخلّده) في الآخرة (فيما اشتهت نفسه) من أنواع الملذّات (وينزله منزل الكرامة عنده) فيكون محترما مكرما لديه سبحانه .
(في دار اصطنعها لنفسه) والمراد بها الجنّة، ومعنى لنفسه أنها خاصة بأوليائه .
ظِلُّهَا عَرْشُهُ ، وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ، وَزُوّارُهَا مَلائِكَتُهُ، وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ؛ فَبَادِرُوا الْمَعَادَ ، وَسَابِقُوا الآجَالَ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الأَمَلُ، وَيَرْهَقَهُمُ الأَجَلُ ، وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ. فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ،
......................................
(ظلّها عرشه) أي أنهم هناك تحت سلطان الله فقط، لا تحكمهم سلطات بشرية كما في الدّنيا (ونورها بهجته) فإنَّ الفرح الذي يغمر النّاس هناك يوجب انبساطهم، كما يوجب النور في الدنيا انبساط الذين يعيشون فيه (وزوّارها ملائكته) فإنَّهم يزورون الناس هناك، كما قال سبحانه : وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ *سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (1)
(ورفقاؤها رسله) فإنَّ هناك مرافقة الرسل وصحبتهم (فبادروا المعاد) أي العمل للقيامة .
(وسابقوا الآجال) كأن الأجل يريد اختطاف الإنسان، والإنسان يريد أن يعمل قبل أن يختطفه الأجل فهما يتسابقان .
(فإن النّاس يوشك) أي يقرب (أن ينقطع بهم الأمل) بأن يموتوا فلا يبقى لهم أملهم الذي كانوا يأملونه في المستقبل (ويرهقهم الأجل) أي يغشاهم ويتبعهم (ويسد عنهم باب التوبة) فإنَّ الإنسان إذا مات لم تقبل توبته .
( فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرّجعة من كان قبلكم) أي أنكم في حالة يمكنكم فيها العمل لآخرتكم، مما سأل الأموات الرجوع إلى مثل
1) سورة الرعد : 23 و 24 .
وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ، عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارِ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالارْتِحَالِ، وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيا.
أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَشْرَةِ تُدْمِيهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ ،
............................
حالتكم، بقولهم : رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ (1).
(وأنتم بنو سبيل) أي أناس في الطريق لا في المنزل، فإنَّ الدنيا طريق وليس بمنزل.
(على سفر من دار) هي الدنيا (ليست بداركم) التي تبقون فيها، وإنما الآخرة دار الإنسان (وقد أوذنتم منها بالارتحال) أي أعلمكم الله سبحانه أنّكم سوف ترتحلون عنها ( وأمرتم فيها بالزاد) أي بأخذ الزاد، وهو الأعمال الصالحة .
(واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق) والمراد: الأبدان البشرية (صبر على النّار) في جهنّم (فارحموا نفوسكم) ولا تعملوا بالمعاصي حتى تستحقّوا بها النّار في الآخرة (فإنكم قد جربتموها) أي نفوسكم (في مصائب الدنيا) وآلامها، وعرفتم مقدار تحملّها .
( أفرأيتم جزع أحدكم من الشّوكة تصيبه ) مع صغرها وقلة وخزها (والعثرة) أي الوقعة على الأرض (تدميه) أي توجب خروج الدم من جسمه (والرَّمضاء) الأرض الحارة (تحرقه) ؟ وهذه استفهامات للتقرير والإلفات ( فكيف) حالكم (إذا كان) الجلد الرقيق (بين طابقين من نار) طابق فوقه وطابق تحته .
1) سورة المؤمنون: 99 و 100
ضَجِيعَ حَجَرٍ ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ! أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زجْرَتِهِ !
أَيُّهَا الْيَفَنُ الكَبِيرُ ، الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الأَعْنَاقِ، وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ .
...................................
(ضجيع حجر) يكون منه ليزيد في إحراقه، كما قال سبحانه: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ(1)(وقرين شيطان) يؤذيه ؟ (أعلمتم أن مالكاً إذا غضب على النار) مالك، هو الخازن للنار ، ومعنى غضبه على النار إرادته شدتها (حطم بعضها بعضاً لغضبه) بمعنى حطم الحطب، أو هو كناية عن الزفير والصياح المتداخل بعضه في بعض ( وإذا زجرها) وصاح عليها (توثبت) النار أي تحركت أمواج من النار تحركاً عنيفاً كالمتوثب( بين أبوابها) أي أبواب النّار، وذكر الأبواب لأنها منتهى محل التوثب (جزعاً من زجرته) أي خوفاً منها، وهذا كناية عن تلك الحركة المشابهة لحركة الجزع .
(أيها اليفن) أي الشيخ (الكبير) المسنّ (الذي قد لهزه) أي خالطه (القتير) أي الشيب، كأنه صار جزءاً منه (كيف أنت إذا التحمت أطواق النّار بعظام الأعناق ! ) فصار الطوق الناري ملتحماً في اتصاله بعظم العنق حيث قد شويت اللحوم من تحته.
( ونشبت) أي علت (الجوامع) جمع جامعة وهي الغل يجمع اليدين إلى العنق (حتى أكلت لحوم السواعد )؟جمع ساعد وهي اليد.
1) سورة البقرة: 24 .
فَالله اللهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ! وأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السَّقْمِ، وَفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضَّيقِ. فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قِبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِتُهَا . أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ، وَأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ، وَاسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ ، وَأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ، وَخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ وَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا، فَقَدْ قَالَ الله سُبْحَانَهُ: إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (1).
(فـ) اتقوا (الله الله) یا (معشر العباد) المعشر بمعنى الجماعة (وأنتم سالمون في الصّحة قبل السقم) فإنَّ السقيم لا يتمكن من العمل، أو المراد السقم في الآخرة (وفي الفسحة قبل الضيق) فإنّ الإنسان في الدنيا في سعة يتمكن من العمل، أما في الآخرة فلا يتمكن من العمل الصالح كأنّه في ضيق .
(فاسعوا في فكاك رقابكم) بأن تعملوا صالحاً حتى تنجوا من أسر العذاب (من قبل أن تغلق رهائنها) غلق الرهن إذا استحق صاحب الحق ولم يفك حتى ينجى ماله (أسهروا عيونكم) أي أقلوا النوم بالليل للعبادة (وأضمروا بطونكم) بطول الجوع (واستعملوا أقدامكم) بالوقوف عليها في الطاعة والصلاة (وأنفقوا أموالكم) في سبيل الله (وخذوا من أجسادكم) بإتعابها في ترك الملذات والقيام بالفضائل (وجودوا بها على أنفسكم) فإنَّ الإنسان إذا أتعب جسمه في العمل الصالح كملت نفسه وترقت وارتفعت (ولا تبخلوا بها) أي بالأجساد ( عنها ) أي عن النفوس (فقد قال الله سبحانه : (إن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) فإذا نصر الإنسان دين الله سبحانه بجسمه، نصره سبحانه برفع مقامه في الدّنيا والآخرة .
1) سورة محمد 7.
وَقَالَ تَعَالَى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (1)فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلِّ ، وَلَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلْ ؛ اسْتَنْصَرَكُمْ وَلَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]. وَاسْتَقْرَضَكُمْ [وَلَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً]. فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللَّهِ فِي دَارِهِ .
................................
(وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) بقصد الإخلاص (فيضاعفه له) فيرده عليه مضاعفاً (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) مع إكرام واحترام.
(فلم يستنصركم) الله، أي يطلب نصركم (من ذلّ) له تعالى (ولم يستقرضكم من قل) أي من جهة قلة في ماله سبحانه (استنصركم وله جنود السماوات والأرض) كل شيء في السماوات والأرض مسخر بأمره تعالى يفعل ما يأمر (وهو العزيز الحكيم) الذي يقدر على كل شيء بعزته وقدرته، ويفعل كل شيء حسب الصلاح بحكمته .
(واستقرضكم وله خزائن السماوات والأرض) الخزينة محل الثروة، والثروة إنما تتولد من الشمس والبحر، والأرض، والفضاء، فكلها خزائن الله سبحانه (وهو الغني) عن كل أحد (الحميد) المحمود في غناه، لا كالأغنياء البخلاء أو المسرفين منهم .
(أراد) سبحانه بالاستنصار والاستقراض (أن يبلوكم) أي يختبركم (أيّكم أحسن عملا) ليجازي كل حسب عمله.
(فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران الله في داره) والمراد بجيران الله أهل كرامته الذين هم تحت لطفه، كما أن الجار تحت لطف الجار - تشبيها
1) سورة الحديد: 11
رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ، وَأَزَارَهُمْ مَلَائِكَتَهُ ، وَأَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً، وَصَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَنَصَبَاً : َذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(1). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيلُ !
.....................................
للمعقول بالمحسوس.
(رافق بهم رسله) أي جعل الله سبحانه هؤلاء الجيران مرافقين لرسله (وأزارهم ملائكته) أي أمر الملائكة بزيارتهم إكراماً لهم (وأكرم اسماعهم أن تسمع حسيس) أي الصوت الخفي (نار أبداً) كما قال سبحانهلَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (2)(وصان) أي حفظ (أجسادهم أن تلقى لغوبا ونصبا) اللغوب: الإعياء الشديد، والنصب: التعب كما قال سبحانه عن أهل الجنة : لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ(3)وقال تعالى وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (4)(ذلك) الذي قسم الله سبحانه لعباده الأخيار (فضل الله يؤتيه من يشاء) ممن أمن وعمل صالحاً (والله ذو الفضل العظيم) على عباده (أقول ما تسمعون) هذا كلام يقوله الإنسان عندما يريد إلفات السامع ، إلى أنه قد أتم الحجة، وبقى على السامع أن يعمل أو لا يعمل (والله المستعان على نفسي وأنفسكم) بأن يعيننا حتى نتمكن من كبح جماح أنفسنا (وهو حسبنا) أي كافيّ (ونعم الوكيل) فإنّ الإنسان إذا وكل الله سبحانه في أمره كفاه أحسن كفاية ، بفضله ولطفه .
وقد قال له بحيث يسمعه:
[الا حكم إلّا لله]، وكان من الخوارج
أُسْكُتْ قَبَحَكَ اللهُ يَا أَثْرَمُ، فَوَاللهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلاً شَخْصُكَ، خَفِيّاً صَوْتُكَ ؛ حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ .
.......................................
التوضيح :
(قاله للبرج بن مسهر الطائي وقد قال) برج (له) أي للإمام (بحيث : يسمعه لا حكم إلّا لله وكان) برج (من الخوارج) وهم يريدون بهذه الجملة أنه لا حاجة إلى الدولة والرئيس، وإنما كل إنسان يعمل بنفسه فيما فهم أنه حكم الله .
(اسكت قبحك الله) أي جعلك قبيحاً في الدنيا والآخرة (يا أثرم) وهو من سقطت ثنايا أسنانه، فصار مشوهاً عند التكلم والضحك (فوالله لقد ظهر الحقّ فكنت فيه ضئيلا شخصك، خفيّا صوتك) كناية على أنه لم يكن يعمل لإعلاء الحق، بل كان في معزل عن الحق، يوم اعتلى وارتفع في زمن الرسول، أو زمن الإمام حين حارب الجمل ومعاوية (حتى إذا نعر الباطل) أي صاح، حين خروج الخوارج (نجمت) أي ظهرت (نجوم قرن الماعز) أي مثل ظهور قرن الماعز، فإنَّه يظهر ناتيا في محل معتدل لا يلائمه، وهذا التشبيه لتحقيره .
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ ، وَلاتَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلاتَرَاهُ النَّواظِرُ ، وَلا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، الدَّالُ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلقِهِ عَلَى وُجُودِهِ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَشَبَهَ لَهَ . الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ،
.........................................
التوضيح:
في حمد الله، وذكر الرّسول، والالفات إلى خلق الحيوان (الحمد لله الذي لا تدركه الشّواهد) جمع شاهدة، أي لا تدرك الأدلّة كنهه تعالى (ولا تحويه) أي لا تشتمل عليه (المشاهد) جمع مشهد بمعنى : المحضر، فإنَّه سبحانه لا يحويه مكان، إذ ليس بجسم، (ولا تراه النّواظر) جمع ناظرة ، بمعنى : العين (ولا تحجبه السّواتر) فإنّ الأستار لا تمنع الله سبحانه عن النّظر إلى خلقه (الدّال على قدمه) أي كونه قديما لا حدوث له (بحدوث خلقه) فإنَّ الحادث - كما نشاهد في الخلق - ما له أول، والله ليس له أول، إذ لو كان له حدوث لكان محتاجا، فلم يكن إلهاً (وبحدوث خلقه على وجوده) إذ لو لم يكن له وجود لم يكن خلق حادث فإنَّ الأثر يدلّ على المؤثّر .
(وباشتباههم على أن لا شبه له) فإنَّ الأشباه في الحكم سواء، وإذ كانت الأشباه مخلوقات لدلّت على أنّ الخالق ليس له شبيه (الذي صدق في ميعاده) فوعده صادق لا خلف فيه .
وَارْتَفَعَ عَنْ ظُلم عِبَادِهِ ، وَقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ، وَعَدلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ . مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الأَشْيَاءِ عَلَى أَزلِيَّتِهِ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ . وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ ، وَدَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ، وَقَائِمُ لاَ بِعَمَدٍ . تَتَلَقَّاهُ الأَذْهَانُ لا بِمُشَاعَرَةِ، وَتَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِي لاَ بِمُنَاضَرَةِ . لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ، بَلْ تَجَلَّى
....................................
(وارتفع عن ظلم عباده) أي تنزه وتعالى فلا يظلم أحدا .
( وقام بالقسط) أي العدل (في خلقه) والقيام كناية عن استمراره سبحانه لذلك (وعدل عليهم في حكمه) فحكمه عدل لا جور فيه .
(مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته) يعني أنّه تعالى استشهد - تكوينا - وذلك لأنّ الحادث يدلّ على أن باريه قديم، والّا لاحتاج إلى آخر (وبما وسمها) أي جعل على الأشياء علامة (به) يعود إلى [ما] (من العجز) بيان [ما] (على قدرته) أي أن عجز الأشياء دالٌّ على قدرته تعالى، إذ لو كان عاجزاً كان كأحدها فلم يقدر على الخلق (وبما اضطرها إليه من الفناء) أي استشهد سبحانه يفناء الأشياء الّتي اضطرها إليه (على دوامه) إذ لو كان فانياً كأحد الأشياء فلم يكن إلهاً (واحد لا بعدد) أي ليست الوحدة العددية - التي بعدها الإثنان والثلاثة وهكذا - شاملة له تعالى(ودائم لا بأمد) أي لا غاية وأمد له (وقائم لا بعمد) أي ليس له عماد، كما للإنسان القائم عماد من عظامه ورجليه وما أشبه (تتلقاه الأذهان) أي تعرفه سبحانه (لا بمشاعرة) أي بتأثّر المشاعر منه، كما تتأثّر الحواس من المحسوسات - إذ سبحانه ليس محسوساً -.
(وتشهد له المرائي) جمع مرأى، بمعنى المنظر (لا بمناضرة) أي بكونه سبحانه منظوراً فيها، بل أن خلقها دال على وجود خالق له .
(لم تُحط به الأوهام) بأن تعرف الأذهان حقيقته تعالى (بل تجلّى)
لَهَا بِهَا، وَبِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا حَاكَمَهَا . لَيْسَ بِذِي كِبَرِ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً ، وَلاَ بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً ؛ بَلْ كَبُرَ شَأْنَا، وَعَظُمَ سُلْطَاناً .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّفِيُّ، وَ أَمِينُهُ الرَّضِيُّ ، صلى الله عليه وآله وسلّم. أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ،
.....................
سبحانه (لها ) أي للأوهام (بها) أي بسبب الأوهام فإنّ الذهن لما عرف أنه مخلوق عرف أنّ له خالقاً، إذ كل أثر يدلّ على المؤثر( وبها) أي بدلالة الأوهام على أنّه سبحانه لا يمكن درك كنهه (امتنع منها) أي امتنع تعالى من أن تناله الأوهام .
والحاصل: أن امتناع إدراك كنهه يدل عليه الذهن (وإليها) أي إلى الأوهام (حاكمها ) أي حاكم الله الأوهام، بأن قال للأذهان تفكري هل يمكن إدراك كنه الله؟ فتفكرت في الأدلة، وأجابت بالنفي، لأنّ المحدود لا يمكن أن يشمل على غير المحدود (ليس) الله سبحانه (بذي كبر) جسمى (امتدّت به النّهايات) أي الطول والعرض والعمق (فكبّرته تجسيماً) أي جعلته النهايات جسماً كبيراً (ولا بذي عظم تناهت به الغايات) أي انتهت إلى غاية في أطرافه، كما ينتهي كل جسم إلى غاية في جوانبه الست (فعظّمته) الغايات (تجسيداً) له بأن صار سبحانه جسداً (بل كبر) أي إذا قيل [كبر] كان المراد (شأناً) فهو معنوي لا مادّي (وعظم سلطاناً) لا عظمة جسمية .
(واشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله الصّفي) أي الذي اصطفاه واختاره ( وأمينه الرّضي) أي المرضي عنده تعالى(صلّی الله علیه وآله وسلّم) جملة خبرية في معنى الدّعاء، أي اللّهم صلّ عليه، والصلاة من الله إنزال الرحمة .
(أرسله) تعالى (بوجوب الحجج) أي الأدلة الواجبة الثابتة
وَظُهُورِ الْفَلَج ، وَإِيضَاحِ الْمَنْهَج؛ فَبَلْغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا، وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالاًّ عَلَيْهَا ، وَأَقَامَ أَعْلَامَ الاهْتِدَاءِ وَمَنَارَ الضِّيَاءِ، وَجَعَلَ أَمْرَاسَ الإسلام مَتِينَةً ، وَعُرَى الإِيمَانِ وَثِيقَةً .
منها في صفة خلق أصناف من الحيوان:
وَلَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَجَسِيمِ النِّعْمَةِ،
..................................
( وظهور الفلج) أي الظفر على الأعداء (وإيضاح المنهج) أي الطريق، والمراد هنا الطريق إلى رضوان الله تعالى (فبلَّغ الرسالة صادعا بها) أي معلناً لها (وحمل) النّاس (على المحجّة) أي الطّريق السّوي (دالاً عليها) وذلك ببيان الأحكام الموجبة لنجاة العامل بها ( وأقام أعلام الاهتداء) جمع علم وهو ما ينصب في الطّريق لهداية السّائر إلى الطريق (ومنار الضِّياء) المنار: المحل المرتفع الذي يوضع عليه النور لهداية السائر ليلاً على الطريق .
(وجعل أمراس الإسلام) جمع مرس، وهو جمع مرسة، بمعنى الحبل (متينة) أي قويّة، والمراد بأمراس الإسلام، أحكامه وأصوله وأخلاقه وكونها متينة، بمعنى كونها مطابقة للواقع موجبة للسعادة، فمن تمسّك بها رفعته إلى الجنّة والسّعادة (و) حبل (عرى الإيمان) جمع عروة، وهي: ما يلزم من الأبريق والكوز وما أشبه (وثيقة) أي قوية لا تنفصم، كما قال سبحانه: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى(1)وهذان من باب تشبيه المعقول بالمحسوس.
( ولو فكّروا) أي النّاس (في عظيم القدرة) أي قدرة الله سبحانه العظيمة (وجسيم النّعمة) أي النّعمة الكبيرة الّتي أنعم سبحانه بها على النّاس
1) سورة البقرة : 256
لَرَجَعُوا إِلى الطَّريقِ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وَلَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ! أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ ، وَأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ ، وَفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ، وَسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ! انْظُرُوا إلى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا ، لا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَر، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا ،
..............................
(لرجعوا إلى الطّريق) أي طريقه سبحانه في الإيمان والطاعة (وخافوا عذاب الحريق) أضيف [عذاب] إلى [الحريق] لأنّ المراد به جهنّم (ولكن القلوب عليلة) لم تمتلىء بالإيمان حتى تعمل بمقتضاه (والبصائر) جمع بصيرة (مدخولة) ليست على صفائها حتى ترى الحق، بل دخلتها وساوس الشياطين، وهوى النّفس الأمارة .
(ألا تنظرون إلى صغير ما خلق) سبحانه (كيف أحكم خلقه) ؟ فلا اهمل فيه بعض النواحي الصغيرة كما هو عادة الإنسان لا يهتم بالأمور الصغيرة وإنما يصب اهتمامه على الأمور الكبيرة (وأتقن تركيبه) في جعل الأدوات والأجهزة له (وفلق) أي خلق (له السمع والبصر) شق في رأسه موضعها . (وسوّى له العظم) أي جعله سويا صحيحا ( والبشر) جمع بشرة والمراد بها مقابل العظم (انظروا إلى النّملة في صغر جثّتها ) أي جسمها (ولطافة هيئتها) فإنَّها في شكل لطيف دقيق (لا تكاد تنال بلحظ البصر) أي برؤية العين، لصغرها .
( ولا بمستدرك الفكر ) أي بالفكر الّذي استدرك ونبّه الإنسان إليه بعد الغفلة (كيف دبّت) وتحركت النملة (على أرضها) أي الأرض المعدة لها (وصبت على رزقها) فإنّ النّمل يجتمع على الأرزاق المقدرة لها، في شبه
تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِها ، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا . تَجْمَعُ فِي حَرْهَا لِبَرْدِهَا ، وَفِي وِرُودِهَا لِصَدَرِهَا ؛ مَكْفُولَةٌ بِرِزْقِهَا ، مَرْزُوقَةً بِوِفْقِهَا ؛ لاَ يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ ، وَلاَ يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، وَلَوْ فِي الصَّفَا الْیَابِسِ ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ ! وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا، فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا ، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً،
........................................
الانصباب (تنقل الحبّة إلى جحرها) أَيَّة حبة كانت، والجحر: المنزل (وتعدها) أي تجعلها مستعدة للبقاء والأكل (في مستقرها) أي محل استقرارها.
(تجمع في حرّها) أي الصيف وما أشبه (لبردها) أي الشتاء، حيث لا تتمكن من الخروج للمطر والثلج (وفي ورودها لصدرها) أي تجمع في حال رجوعها إلى الخارج، لحالها إذا رجعت إلى جحرها، فإنَّ الصدر - محركا - الرجوع بعد الورود( مكفولة برزقها) فإنَّ الله سبحانه كفل لها رزقها (مرزوقة وفقها) أي أنها رزقت رزقاً موافقاً لها (لا يغفلها المنّان) أي لا يجعلها الله سبحانه غافلة حتى لا تكد لرزقها (ولا يحرمها الدّيان) سبحانه، بأن يمنعها من الرزق فقد أعطاها الفطنة لجمع الرزق، والمنّان : كثير المن والعطاء، والديان: كثير الحكم على الخلائق (ولو في الصّفا) هي الصّخرة الصلبة الملساء (اليابس) أي لا يحرمها، ولو كانت على مثل هذه الصّخرة التي لا تنبت العشب (والحجر الجامس) أي الجامد .
(ولو فكرت في مجاري أكلها) أي أكل النّملة، والمراد بالمجاري الأمعاء ( في علوها وسفلها) إذ الغذاء يصعد وينزل في الأمعاء الملتوية (وما في الجوف من شراسيف) وهي: أطراف البطن الداخلية التي تشرف على البطن . (بطنها وما في الرأس من عينها وأذنها) بكل نظام ودقّة (القضيت من خلقها عجبا) أي
وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً ! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ ، وَلَمْ يُعِنْهُ في خَلْقِهَا قَادِرٌ. وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وَغَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيِّ. وَمَا الْجَلِيلُ وَ اللَّطِيفُ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فی خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ .
..............................
تعجبت تعجِبا كاملا (ولقيت من وصفها تعبا) فإنّ الإنسان إذا أراد وصفها وصفاً دقيقاً تعب ونصب، وقد كتب علماء الحيوان في العصر الحديث كتباً متعددة حول النمل (فتعالى) الله (الذي أقامها على قوائمها)جمع قائمة ، وهي الأيدي والأرجل (وبناها) أي بنى جسمها (على دعائمها) جمع دعامة أي الأعضاء والآلات (لم يشركه) سبحانه (في فطرتها ) أي خلقتها (فاطر ) شريك غيره (ولم يعنه في خلقها قادر) فإنَّه سبحانه لا يستعين بشيء في خلقه للأشياء .
(ولو ضربت في مذاهب فكرك) أي صرفت الفكر هنا وهناك، تشبيها بالضرب في الأرض ( لتبلغ غاياته) أي غاية الفكر (ما دلتك الدّلالة) أي الأدلة والبراهين (إلّا على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النخلة) فهو سبحانه الخالق للكبير، كما أنه خالق للصغير (لدقيق تفصيل كلّ شيء) أي أن الدقة في كل شيء يدل على أن الخالق واحد، من غير فرق بين أن يكون ذلك الشيء صغيراً، أو كان كبيراً (وغامض اختلاف كلّ حيّ) أي أن كل حيّ مع اختلافه مع سائر الأحياء، غامض في التركيب والأجهزة(وما الجليل) أي العظيم (و اللّطيف) أي الدّقيق (والثّقيل والخفيف والقويّ والضّعيف في خلقه) سبحانه (إلّا سواء) من جهة الدقة والإتقان.
وَكَذلِكَ السَّمَاءُ وَالْهَوَاءُ، وَالرِّيَاحُ وَالْمَاءُ . فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ، وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَاخْتِلافِ هذَا اللَّيْل وَالنَّهَارِ ، وَتَفَجُّرِ هذِهِ الْبِحَارِ، وَكَثْرَةِ هذِهِ الْجِبَالِ، وَطُولِ هذِهِ الْقِلاَلِ وَتَفَرُّقِ هذِهِ اللُّغَاتِ، وَالأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ. فَالْوَيْلُ لِمَنْ جَحَدَ المُقَدْرَ ، وَأَنْكَرَ الْمُدَبِّرَ !
.....................................
ثم صرف مساق الكلام إلى خلق السماء والكون بقوله : (وكذلك) تدل على إله قدير حكيم (السّماء والهواء والرّياح) أي الهواء الذي يهب، والهواء الذي لا يهب (والماء) كلها في غاية الدقة والإتقان، مما تدل على حكيم عليم .
(فانظر إلى الشمس والقمر والنّبات والشجر والماء والحجر) أمثلة لمختلف أصناف المخلوقات - العلوية والسفلية، النامية وغير النامية، والسائلة والجامدة - من أجل الالفات إلى مختلف أصناف الأشكال والحقائق في الخلق .
(و اختلاف هذا الليل والنهار) كون كل واحد منهما خلف للآخر، وآتياً مكانه ( وتفجّر هذه البحار) فإنّ الأمواج والتيارات توجب ظهور التفجّر في البحار (وكثرة هذه الجبال) في كل مكان من أماكن الأرض (وطول هذه القلال) جمع قلة، وهي رأس الجبل (وتفرّق هذه اللّغات) فلكل قوم لغة خاصة، كالعربية والفارسية والتركية (والألسن المختلفات) فلكل إنسان لهجة خاصة ونبرة مخصوصة به تمیز صوته عن أصوات أشباهه .
(فالويل لمن جحد المقدّر) أي الله سبحانه الذي قدر هذه الأشياء وخلقها (وأنكر المدبر) الذي دبّر، وكان الفرق بينهما، أن التقدير التخطيط،
زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ، وَلاَ لاِخْتِلافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ ؛ وَلَمْ يَلْجأُوا إلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا، وَلاَ تَحْقِيقِ لَمَا أَوْعَوْا، وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ، أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ !
وَإنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي الْجَرَادَةِ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ، وَأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ ،
.............................
والتدبير جعل طريق الوصول إلى النتيجة .
(زعموا أنهم كالنّبات) الذي يخرج في البرية بلا زارع إنساني(ما لهم زارع) خلقهم وكونهم (ولا لاختلاف صورهم صانع)أي صانع جعلهم مختلفين في الصورة، وهؤلاء هم الطّبيعيّون، وكلامهم هراء وسخف، إذ احتياج المعلول إلى العلة ضروري لا يخفى على ذي عقل (ولم يلجأوا) أي لم يستندوا (إلى حجّة) وبرهان (فيما ادّعوا) من أنه لا صانع للكون (ولا تحقيق لما أوعوا) بمعنى [وعوا] أي بما حفظوا وجعلوا صدورهم خزانة له، فإنَّ الجهال يعوون بلا تدبّر وأدلّة، بخلاف العلماء الّذين لا يحفظون إلّا ما قامت عليه البراهين (وهل يكون بناء من غير بان) ؟ يبنيه (أو جناية من غير جان) ؟ استفهام إنكاري، أي لا يكون ذلك ، فإذا لم يكن بناء صغير بدون بناء، أو أثر صغير لجناية بدون فاعل فكيف يمكن بناء الكون الكبير وهذه الآثار العظيمة بلا خالق ؟ .
(وإن شئت قلت في الجرادة) أي تكلمت حول خلق الجرادة، مما يدل على أنه لا بد لها من صانع مع صغرها، فكيف بالكون الكبير الذي تكون الجرادة جزءاً ضئيلاً من أجزائه ؟ (إذ خلق) الله سبحانه (لها عينين حمراوين) فإنّ عينها حمراء (وأسرج لها) الإسراج : إضائة السراج، أي المصباح (حدقتين) الحدقة: محل الرؤية في العين، و (قمراوين) أي مضيئتين، كأن
وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيِّ، وَجَعَلَ لَهَا الحِسَّ الْقَوِيَّ، وَنَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ، وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ . يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا ، وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ، حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا وَتَقَضِي مِنْهُ شَهَوَاتِهَا . وَخَلْقُهَا كُلُّهُ لاَ يُكَوْنُ إصْبَعاً مُسْتَدِقَةً .
فَتَبَارَكَ اللهُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...................................كلا منهما ليلة قمراء أضاءها القمر (وجعل لها السّمع الخفيّ غير الظاهر في جسمها (وفتح لها الفم السّوي) أي المستوى الذي لا انحراف فيه (وجعل لها الحسّ القوي) فإنّها تحس بالأشياء، ولذا تفرُّ طائرةٌ إذا علمت بالخطر (و) جعل لها ( نابين) هي السن (بهما تقرض) الأشياء كالمقراض (ومنجلين) المنجل : آلةٌ مقوسةٌ من حديد يُحصدُ بها الزرع (بهما تقبض) والظاهر أن المراد بهما يداها فإنَّهما خشنتان عوجاوتان كالمنجل.)(يرهبها أي يخاف من الجرادة (الزّراع) جمع زارع (في زرعهم) لأنها تأكل الزرع (ولا يستطيعون ذبّها) أي دفعها (ولو اجلبوا يجمعهم) أي تهيئوا جميعاً (حتّى ترد) الجرادة (الحرث) أي الزرع (في نزواتها) يقال نزا عليه إذا وثب أي في وثباتها (وتقضي منه في شهواتها) أي شهوتها الأكل حتى تشبع.)(وخلقها كلّه لا يُكوِّن إصبعا أي بمقدار إصبع (مستدقّة) أي دقيقة صغيرة .)( فتبارك بمعنى الثبات والبقاء، أصله من برك الإبل، إذا نامت على الأرض، ومنه البركة، بمعنى: الزيادة، لأنها توجب دوام النعمة، إذ النعمة القليلة تفنى بسرعة .)(الله الَّذي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ سجوداً تكوينيا، بمعنى الخضوع، أو أن لكل شيء سجود واقعي، فإنَّ من المحتمل تزود كل)
طَوْعاً وَكَرْهاً (1) ، وَيَعْنُو لَهُ خَدّاً وَوَجْهَاً، وَيُلْقِي إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ سِلْماً وَضَعْفاً، وَيُعْطِي لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَخَوْفًا! فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لَأَمْرِهِ؛ أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَالنَّفَسِ ، وأرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَالْيَبَسِ؛ وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهَا ، وَأَحْصَى أَجْنَاسَهَا، فَهذَا غُرَابٌ وَهذَا عُقَابٌ . وَهَذَا حَمَامٌ وَهذَا نَعَامٌ. دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ ، ..................................
شيء بنوع من المعرفة والإدراك، وإن كنّا لا ندرك كيفيّة ذلك .
(طَوْعاً وَكَرْهاً﴾(1)هذا كناية عن قطعية السجود، لا لبيان أن بعض الأشياء تسجد کرها ( ويعنو) أي يخضع (له) تعالى (خدّا ووجها) أي اتجاها، فإنَّ الوجه سمي بذلك لاتجاهه نحو المطلوب، واتجاه الأشياء إليه فيما إذا أريد التوجه نحوه (ويلقي إليه) تعالى (بالطاعة سلما وضعفا) فكل شيء سلم لله سبحانه، وضعيف في قبال قدرته عزّ اسمه (ويعطي له القياد) حتى يقوده تعالى كيف شاء (رهبة وخوفا) منه تعالى .
(فالطّير) والمراد بها : الجنس، ولذا جيء لها بوصف مؤنث (مسخّرة لأمره) تعالى، لا تتمكن أن تزول عن الخطة التي جعلها لها (أحصى) تعالى ( عدد الرّيش منها والنّفس) أي عدد أنفاسها التي تتنفّس بها (وأرسى قوائمها) أي جعل أرجلها (على الندى) أي الماء (واليبس) أي الأرض، فمن الطير ما يسكن الماء، ومنه ما يسكن في الأرض (وقدّر أقواتها) فلكلّ واحد من أقسام الطير قوت خاص قدّر له ( وأحصى) أي حسب (أجناسها) بمعنى أنه علم عدد أجناس الطيور، كالبلبل، والحمام، والدراج، وما أشبه (فهذا غراب، وهذا عقاب، وهذا حمام، وهذا نعام) أي نعامة (دعا كل طائر باسمه) أي سمى كل
1) سورة الرعد : 15
وَكَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ. وَأَنْشَأَ السَّحَابَ الثَّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا، وَعدَّدَ قِسَمَهَا . فَبَلَّ الأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا ، وَأَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا .
..................................
طائر باسمه الّذي هو علامة خاصة له، وليس المراد اللّفظ، بل المراد جعل الحقيقة لكل طائر (وكفل له برزقه) فكلّ طير يأكل رزق الله المقدّر له .
(وأنشأ) أي خلق (السّحاب الثّقال) أي الثَّقيلة بالماء (فأهطل ديمها) أي مطرها فإنَّ ديم- على وزن همم - جمع ديمة، وهو مطر يدوم في سكون وإهطال، جعلها بحيث تتتابع بالمطر (وعدّد قسمها) بمعنى أحصى ما قدر من تلك الأمطار لكل بقعة من بقاع الأرض (قبلّ الأرض) أي جعلها مرطوبة بماء المطر (بعد جفوفها) أي يبسها (وأخرج نبتها بعد جدوبها) أي أن أجدبت - ضد أخصبت - لانقطاع المطر عنها .
مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَلاَ حَقِيقَتَه أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، وَلَا إيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّههُ، وَلاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ. كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ
...............................
التوضيح :
(ما وحده من كيفيّة) أي لم يجعل الله سبحانه واحداً من جعل له كيفا، أي حالة ، إذ الحالة غير الذّات، فيوجب ذلك الاثنينية مثلا [زيد] شيء، و
[ المرض] شيء، وكذلك [العلم] و [القوة] و[الكرم] وغيرها، وإنّما الله سبحانه صفاته عين ذاته (ولا حقيقته ذاته أصاب من مثله) أي جعل له سبحانه مثالا ، إذ المثال لما كان ممكنا لزم أن يكون الممثّل أيضا ممكنا، ومن وصفه سبحانه بصفات الممكنات لم يصب حقيقة الله تعالى - الّتي هي واجب وجوده - غير مماثل للممكنات .
(ولا إيَّاه عَنى) أي قصد (من شبّهه) أي جعل له شبيها - لما تقدم في دليل نفي المثال - ( ولا صمده) أي قصده (من أشار إليه) لأن الإشارة تستلزم الجسمية والجهة، والله ليس بجسم ولا له جهة (وتوهّمه) أي تصوّره فإنَّ كنهه سبحانه مخفي، فمن تصوّر كنهه فإنَّما المتصور غير الله سبحانه .
(كل معروفٍ بنفسه) أي كل ما كان ذاته معروفة، ونفسه واضحة لدى
مَصْنُوعٌ، وَكُلُّ قَائِمٍ في سِوَاهُ مَعْلُولٌ . فَاعِلٌ لابِاضْطِرَابٍ آلَةٍ، مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِكْرَةٍ، غَنِيَّ لاَ بِاسْتِفَادَةٍ. لا تَصْحَبُهُ الأَوْقَاتُ ، وَلاَ تَرْفِدُهُ الأَدَوَاتُ ؛ سَبَقَ الأَوْقَاتَ كَوْنُهُ، وَالعَدَمَ وَجُودُهُ، وَالابْتِدَاءَ أَزَلُهُ. بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ
...............................
الإنسان (مصنوع) أي مخلوق، إذ ذات الخالق لا تعرف : فإنّها غير محدودة، والذهن المحدود لا يمكن أن يحتوي على ما ليس بمحدود.
(وكلّ قائم في سواه) أي ما كان قيامه ووجوده بسبب غير نفسه (معلول) أي له علة، بخلاف ما كان قيامه بذاته - وهو الله سبحانه - فإنَّه علّة وليس بمعلول لشيء .
(فاعل لا باضطراب آلة) أي لم يضطرب سبحانه في خلق الأشياء، كما تتحرك وتضطرب آلات الإنسان - أي جوارحه - لدى إرادته أن يعمل عملاً ما (مقدّر ) للأشياء ( لا بجول فكرة) فإنّ الإنسان إذا أراد أن يقدر شيئاً ويخطّطه لابد وأن يحرّك فكره أولاً، وليس كذلك الله سبحانه ، إذ لا فكر له وإنما علم وإرادة .
( غني لا باستفادة) الثروة والقدرة من غيره، وإنما هو سبحانه غني بذاته .
( لا تصحبه الأوقات) فإنّ الوقت حادث، والقديم يستحيل عليه مقارنة الحادثات (ولا ترفده) أي تعينه (الأدوات) أي الآلات كما تعين الإنسان في حوائجه (سبق الأوقات كونه) أي وجوده سبحانه إذ الوقت حادث وهو قديم .
(و) سبق (العدم وجوده) وليس كالممكنات التي يسبق على وجودها العدم إذ أنها معدومة ثم توجد (و) سبق (الابتداء أزله) فهو أول ولا ابتداء له (بتشعيره المشاعر ) جمع مشعر، بمعنى آلة الشعور والإدراك، كالعين ،
عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ. ضَادُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَالْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ، وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ .مُؤَلِّفُ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا ، مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا ،
...................................
والأذن، أي بجعله سبحانه لهذه المشاعر (عرف أن لا مشعر له) أي لا حاسة له ، إذ هو سبحانه لا يشابه خلقه، فإذا جعل شيئاً في الخلق دلّ ذلك على نفيه عن وجوده سبحانه (وبمضادّته بين الأمور) أي جعل بعضها ضدّ بعض، كالحرارة ضد البرودة، والسواد ضد البياض (عرف أن لا ضدّ له) إذ الضّدّان أمران وجوديان يخلف أحدهما الآخر، والله سبحانه لا يخلف مكانه شيء، كما أنه لا يخلف شيئاً .
(وبمقارنته بين الأشياء) بأن جعل بعضها قرين بعض، كجعل اللحم قرين الدم في جسم الإنسان (عرف أن لا قرين له) فإنّ الاقتران حدوث حالة للشيء بعد عدمها، والله سبحانه لا تتبدّل عليه الأحوال، وإلا لزم أن يكون ممكنا، ومن المحتمل أن يراد من [المقارنة] المماثلة، والمعنى أنه لا مثل له تعالى - وإن كان الظاهر هو المعنى الأول -.
(ضاد النّور بالظّلمة) أي جعل بينهما تضادّا (و الوضوح بالبهمة) فإنَّ الظهور ضد الخفاء - في كل شيء - والبهمة بمعنى الخفاء من الإبهام (والجمود بالبلل) فإنَّ البلة سيالة، والجمود ثابت، كالماء والحجر (والحرور) شدة الحر ( بالصّرد) أي شدة البرد.
(مؤلّف بين متعادياتها) فإنَّه سبحانه جمع في جسم الإنسان بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، كما ثبت في الطب (مقارن بين متبايناتها)
مُقَرْب بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا، مُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا . لَا يُشْمَلُ بِحَدٍّ، وَلَا يُحْسَبُ بعَدٍّ، وَإِنَّمَا تَحُدُّ الأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا ، وَتُشِيرُ الآلَةِ إِلَى نَظَائِرِهَا. مَنَعَتْهَا (مُنْذُ) الْقِدَمِيَّةَ ، وَحَمَتْهَا (قَدُ) الأَزَلِيَّةَ ،
.......................................
والمباين يراد به المضاد (مقرّب بين متباعداتها) مما يبعد بعضها عن بعض في الطبيعة، كالماء والنار (مفرّق بين متدانياتها) أي ما كان دانياً لآخر، كجزئين من عنصر واحد في جسمين مختلفي المزاج مثلا السكر الأبيض والشير خشت مختلفان من حيث الحرارة والبرودة و كلاهما أبيض، ففرق سبحانه بین البياضين المتدانيين بجعل كل في شيء يخالف الآخر ويباينه (لا يشمل) سبحانه (بحد) بأن يمكن تحديده، إذ هو تعالى غير محدود، فإنَّ الحد زمان أو مكان أو كيف أو ما أشبه، وكلها من لوازم الإمكان.
( ولا يحسبِ بعدٍ) أي أنه واحد، لكن ليس بالعدد الذي هو من جنس الثاني والثالث، مما يطرأ على الممكنات المعدودة (وإنّما تحدّ الأدوات أنفسها) أي الأدوات التي تحدد الأشياء، كالزمان والمكان إنما تحدد ما من قبيلها في الإمكان، ولا يمكن أن تحد [الله] سبحانه الذي ليس من قبيل هذه الأشياء (وتشير الآلة إلى نظائرها) إذ الإشارة من صفات الجسم، مشيرا، ومشاراً إليه .
(منعتها (منذ) القدميّة) أي كونه سبحانه قديما، مانع من إطلاق [منذ] عليه، إذ [منذ] دالة على الزمان، والقدم قبل الزمان، والضمير في[منعتها] راجع إلى ذاته سبحانه و [القدمية ] فاعل [منعتها] والمفعول له [منذ] (وحمتها) أي منعت عن ذاته سبحانه (قد) أي من إطلاق لفظة [قد] عليه (الأزليّة) أي كونه أزلياً، وهذا فاعل [حمتها] فإنَّ كونه تعالى أزلياً، يمنع من أن يقال بالنسبة إليه [ قد يكون] و[ قد لا يكون].
وَجَنَّبَتْهَا (لَوْلاَ) التَّكْمِلَةَ! بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ، لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالْحَرَكَةُ، وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هوَ أَجْرَاهُ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَيَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ ! إذا
.................................
(وجنّبتها ( لولا ) التّكملة) فإنَّ المخلوق يقال فيه [لولا فاعله ما وجد] تكملة للماهية والله سبحانه حيث لا علّة له يمتنع في حقه [لولا] ولا يخفى أن في هذه الجمل الثلاث يحتمل احتمالات أخر أيضاً (بها) أي بتلك الصفات التي ذكرت له سبحانه (تجلى صانعها) أي صانع الأشياء (للعقول) أو المراد به [منذ] و [ قد] و[لولا] تجلى صانع هذه الثلاثة، والمعنى أنه حيث نرى أن الأشياء لها [زمان] و[عدم] و[وجود] و[علة ]تعرف أن الخالق ليس له شيء منها، فضمير [بها] و[صانعها ] يرجع إلى [قد] و[ منذ] و[لولا] - وهذا أظهر - .
(وبها امتنع عن نظر العيون) أي بسبب احتفاء هذه الأشياء [قد] و[ منذ] و[لولا] بالممكنات، أمتنع تعالى عن الرؤية، فإنَّ العين تحتف بها هذه الثلاثة، وما يكون كذلك لا يشاهد ما هو منزّه عن هذه الثلاثة، إذ الرؤية تحتاج إلى المجانسة ولا مجانسة الله بین وبين العين .
(لا يجري عليه) سبحانه (السّكون والحركة) إذ هما من أوصاف الجسم، وليس سبحانه جسما .
(وكيف يجري عليه ما هو) سبحانه (أجراه) فإنَّهما مخلوقان له، وكيف يصدق المخلوق على خالقه؟ (و) كيف (يعود فيه) أي يكون عود هذين في الله تعالى - بأن يصدق عليه - (ما هو أبداه) أي الشيء الذي الله تعالى أبداه وأظهره؟ (و) كيف (يحدث فيه) تعالى (ما هو أحدثه) فإنَّ الله أحدث وأوجد الحركة والسكون، فلا يحدثان فيه (إذاً) أي إذا كان تعالى محل للحركة
لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ ، وَلَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ، وَلاَمْتَنَعَ مِنَ الأَزَلِ مَعْنَاهُ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ ، وَ لالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ. وَإِذاً لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ، وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الاِمْتِنَاعَ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُوْثِّرُ في غَيْرِهِ، الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ،
..............................
والسكون (لتفاوتت ذاته) أي لاختلفت باختلاف الأعراض عليه (ولتجزأ كنهه) أي صارت صفته ذو أجزاء، إذ الحركة والسكون من خواص الجسم، والجسم مجزّأ منقسم (ولامتنع من الأزل معناه) لأن الذي تطرأ عليه الأحوال ليس إلّا ممكنا، والممكن حادث لا أزل .
(ولكان له وراء) وخلف (إذ وجد له أمام) فإنَّ الحركة والسكون من أثار الجسم، والحركة لا بد فيها أن يكون المتحرك بها ذا خلف معرض عنه ، وأمام مقبل إليه، وإلا لم تتحقق مفهوم الحركة (ولالتمس التّمام إذ لزمه النقصان) إذ الحركة لا تكون إلّا لدرك الناقص، فيلزم أن يكون سبحانه ناقصاً يلتمس أن يتم نفسه بالحركة (وإذا) أي إذا كانت هذه صفاته (لقامت آية المصنوع فيه) أي علامة كونه مصنوعاً ومخلوقاً (ولتحوّل دليلا) على إله آخر (بعد أن كان مدلولا عليه) بالآثار، فإنَّ الإله يستدل عليه بآثاره .
(وخرج) عطف على قوله: لا يجري عليه السكون، أي أنه سبحانه خرج (بـ) سبب (سلطان الامتناع) أي كونه ممتنعاً عليه صفات المخلوقين (من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره) فالأشياء التي تؤثر بالمخلوقات لاتؤثر فيه سبحانه، مثلا النار والانجماد يؤثران في الأشياء بالحرارة والبروده، ولا يؤثران فيه تعالى، وهكذا.
هو الله سبحانه (الذي لا يحول) من حال إلى حال (ولا يزول) بالفناء
وَلاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الأُفُولُ . لَمْ يَلِدْ فِيَكُونَ مَوْلُوداً، وَلَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً. جَلَّ عَن اتِّخَاذِ الأَبْنَاءِ ، وَطَهُرَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ، لاَ تَنَالُهُ الأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، وَلاَ تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتَحِسَّهُ، وَلاَ تَلْمِسُهُ الأَيْدِي فَتَمَسَّهُ . لَا يَتَغَيَّرُ بحَالٍ، وَلاَ يَتَبَدَّلُ بالأَحْوَالِ . وَلَا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامُ ،
...................................
كما تزول سائر الأشياء (ولا يجوز عليه الأفول) أي الغياب، فإنَّه حاضر عند كل شيء، وفي كل زمان ومكان لا غيبة له (ولم يلد فيكون مولودا) إذ تتلازم المولودية والولادة، فكل شيء يلد لا بد وأن يكون هو مولودا (ولم يولد) أي لم يلد الله شيء (فيصير محدودا)لأنه يكون له بدء ويكون مشمولاً لغيره وكلاهما حد(جلّ) أي ارتفع(عن اتخاذ الأبناء) فليس المسيح وعزير والملائكة(عليه السلام)أبناء له، كما زعم النصارى واليهود والمشركون (وطهر) أي تنزّه (عن ملامسة النّساء) بأن تكون له زوجة، كما زعم الكفار . قال سبحانه : وجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا(1).
(لا تناله الأوهام) أي لا تصل إلى كنه معرفته العقول (فتقدّره) بأن تجعل له تقديرا ( ولا تتوهمه الفطن) جمع فطنة، بمعنى الإدراك (فتصوره) بأن تجعل له صورة (ولا تدركه الحواس) الخمسة الباصرة، والذائقة، والشامة والسامعة واللامسة (فتحسّه) أي يكون سبحانه محسوسا لها .
(ولا تلمسه الأيدي فتمسّه) والمسّ غير الحس، إذ يمكن المسّ بلا حس كما في الاشل (لا يتغير) سبحانه ( بحال) بأن ينتقل من حال إلى حال (ولا يتبدّل) ذاته (بالأحوال) كأن يكون شابا وهوما وما أشبه (ولاتبليه اللّيالي والأيام) كما تبلى
1) سورة الصافات: 158
وَلا يُغَيْرُهُ الضَّيَاء وَالظَّلامُ ، وَلا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ، وَلَا بِالْجَوَارِحِ وَالأَعْضَاءِ، وَلَا بِعَرَضٍ مِنَ الأَعْرَاضِ، وَلَا بِالْغَيْرِيَّةِ وَالأَبْعَاضِ. وَلاَ يُقَالُ : لَهُ حَدٌّ وَلا نِهَايَةٌ ، وَلَا انْقِطَاعٌ وَلاَ غَايَةٌ ؛ وَلَا أَنَّ الأَشْيَاءَ تَحْوِيهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْويَهُ، أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ .
.....................................
سائر المخلوقات كالثوب، والجلد، وما أشبه (ولا يغيّره الضّياء والظّلام) كأن يقع عليه النور، عند شروق الشمس، ويحويه الظلام إذا جاء الليل .
(ولا يوصف بشيء من الأجزاء) فلا يقال أن له جزءاً مادياً كاللحم والدم أو جزءاً عقليا، كالجنس والفعل (ولا) يوصف (بالجوارح والأعضاء)كأن يقال له يد أو رجل أو عين أو ما أشبه .
(ولا) يوصف (بعرض من الأعراض) كالأحمر، والأبيض، و الطّويل، والقصير (ولا بالغيرية) كان يقال أنه تعالى [ غير الشيء الفلاني]كما يوصف الممكن بذلك، فيقال زيد غير عمرو، فإنَّ الغير يطلق على الأشياء المتشابهة، ولا شبه له تعالى ( والأبعاض) فلا يقال أن بعضه سبحانه كذا وبعضه كذا. كما يقال بعض الإنسان يد وبعضه دم، وبعضه روح.
(ولا يقال له حدّ) أي مقدار محدود (ولا نهاية) أي آخر، فهو غير محدود الصفات وباق إلى الأبد (ولا انقطاع ولا غاية) فلا تنقطع ذاته أو صفاته، ولا أمد لوجوده سبحانه (ولا أنّ الأشياء تحويه) فليس محويا للسماء أو الأرض أو ما أشبه .
(فتقلّه) أي ترفعه، كالأرض التي تقل الإنسان (أو تهويه) أي تخفضه، كالسماء التي تظل الإنسان (أو أَنَّ شيئاً يحمله) كأن يكون فوق العرش (فيميله) إلى جانب من الجوانب، كما يميل الحامل حمله (أو يُعَدِّلَهُ) بأن
لَيْسَ فِي الأَشْيَاءِ بِوَالِجِ، وَلَا عَنْهَا بِخَارِجٍ. يُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَلَهَوَاتٍ، وَيَسْمَعُ لاَ بِخُرُوقٍ وَأَدَوَاتٍ . يَقُولُ وَلاَ يَلْفِظُ، وَيَحْفَظُ وَلاَ يَتَحَفَّظُ، وَيُرِيدُ وَلاَ يُضْمِرُ، يُحِبُّ وَيَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ، وَيُبْغِضُ وَيَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ .
...................................
يكون مستويا عليه لا ميل له إلى جانب (ليس) سبحانه (في الأشياء بوالج) أي داخل، كدخول الماء في الإناء (ولا عنها بخارج) بأن يكون غير مسلط عليها بالعلم والقدرة .
(يخبر ) سبحانه (لا بلسان والهوات) جمع لهات، وهي: اللحمة المتدلية في أقصى الفم، إذ ليس سبحانه جسما (ويسمع لا بخروق) جمع خرق، كخرق أذن الإنسان (وأدوات) أي أدوات الاستماع، كما في الإنسان من الطبلة الأذنية، والعظم وما أشبه ( يقول) الكلام بخلق الصوت (ولا يلفظ) بلسان ( ويحفظ) الأشياء عن الفساد والزوال - حسب ما قدر لها - (ولا يتحفظ) أي لا يكلف نفسه الحفظ، كما يتكلف الإنسان حفظ الأشياء، قال سبحانه: وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا(1).
(ويريد) سبحانه الأشياء (ولا يضمر) كما يضمر الإنسان، لأنه تعالى ليس ضمير وباطن - كما للإنسان -.
(يحب) الأشياء ( ويرضى) بالأعمال الصالحة (من غير رقة) قلبية، كما في الإنسان، فإنَّ حب الإنسان ورضاه، يلازم رقة في قلبه، وذلك لأنه تعالى لا قلب له، ولا تطرأ عليه الأحوال ( ويبغض ) الأشياء الفاسدة (ويغضب) على من يخالف أوامره (من غير مشقَّةٍ) وعناء، كما تعرض المشقة النفسية للإنسان
1) سورة البقرة : 255 .
يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: كُنْ فَيَكُونُ ، لاَ بِصَوْتٍ يَقْرَعُ ، وَلَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ ؛ وَإِنَّمَا كَلامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِنَا ، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهَا ثَانِياً ، لاَ يُقَالُ : كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ، وَلاَ يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَصْلٌ،
.........................................
حينما يبغض ويغضب، إذ أنه تعالى لا نفس له (يقول لمن أراد كونه) أي إيجاده (كن فـ) بمجرد صدور هذا الأمر (يكون) ذلك الشخص (لا بصوت يقرع) الأسماع ويصطك بها (ولا بنداء يسمع) كما يسمع نداء الإنسان (وإنّما کلامه سبحانه فعل منه) فإرادة وفعل بلا تكلم بلفظة [كن] وإنّما هذا إشارة إلى الفعل الصّادر منه تعالى (أنشأهُ) أي أبدع وأوجد ذلك الفعل المراد .
(ومَثْلَهُ) أي مثل هذا الإنشاء لم يكن (من قبل ذلك كائنا) إذ الإيجاد أمر حادث (ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانيا) إذ القديم الذي لا أول له [إله] لعدم الخالق له، حتى يكون مخلوقا فالقول بقديم الكلام يستلزم القول بتعدد الآلهة، ثم لا يخفى أن كون كلامه تعالى فعله، لا يستلزم أن لا يكون له كلام بمعنى إيجاد الأصوات في الهواء ونحوه، كما قال سبحانه: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (1)(لا يقال) لله سبحانه (كان) بمعنى وجد (بعد أن لم يكن) له وجود- كما يقال ذلك بالنسبة إلى المخلوقات - (فتجري عليه الصَّفات المحدثات) إذ الوجود بعد العدم من صفات الحادث، لا من صفات القديم تعالى .
(ولا يكون بينها) أي بين الصّفات ( وبينه) تعالى (فصل) بأن تكون الصفة شيئاً والموصوف شيئاً آخر - كما يكون في الإنسان كذلك - إذ لو كان كذلك لزم الاثنينية، وتعدد الآلهة، بل صفاته سبحانه عين ذاته.
1) سورة النساء : 164 .
وَلَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ، فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ، وَيَتَكَافَأَ اَلمُبْتَدِعُ وَالْبَدِيعُ . خَلَقَ الْخَلاَئِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالِ خَلاَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ. وَأَنْشَأَ الأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ، وَأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ ، وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ،
.......................................
( ولا له) أي لله تعالى (عليها) أي على الصفات (فضل)وزيادة، بأن تكون ذاته قديما، والصفات حادثة - إذ للقديم فضل على الحادث - لأن ذلك يستلزم كونه سبحانه محلا للحوادث، ومعرضا للتغير والتبدل (فيستوى الصانع والمصنوع) إذ المصنوع صفاته غير ذاته، ولذاته فضل التقدم على صفاته (ويتكافأ المبتدع) أي يتماثل الله الذي كان بدأ الأشياء وقبلها ( والبديع) أي المصنوع الذي خلق وابتدع .
(خلق) سبحانه (الخلائق على غير مثال خلا) أي بقى ذلك المثال (من غيره) تعالى بأن يكون خلقه للخلق بتعلّم من إله سابق كما يتعلم التلميذ من أستاذه (ولم يستعن على خلقها) أي خلق الخلائق (بأحدٍ من خلقهِ) بأن يتخذه معيناً وظهيراً (وأنشأ الأرض فأمسكها) من الانفراط عن فلكها (من غير اشتغال) فإنَّ إنشاءه سبحانه بالإرادة لا بالشغل والعمل - كما في أحدنا حيث نشتغل بما نريد إيجاده -.
(وأرساها) أي جعلها راسية لا تضطرب ولا تتزلزل (على غير قرار) إذ لا موضع وضعت فيه الأرض، وإنما هي كرة معلقة في الفراغ (وأقامها) أي جعلها قائمة غير زائلة (بغير قوائم) جمع قائمة، بمعنى العمود،
(ورفعها) في الفضاء، ليس تحتها مقر ومحل ( بغير دعائم) جمع دعامة، بمعنى العمود.
وَحَصَّنَهَا مِنَ الأَوْدِ وَالاعْوِجَاجِ ، وَمَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَالانْفِرَاجِ. أَرْسَى أَوْتَادَهَا ، وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا، وَاسْتَفَاضَ عُيُونَهَا، وَخَدَّ أَوْدِيَتَهَا ؛ فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَلاَ ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ، هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلالِهِ وَعِزَّتِهِ. لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ ،
.............................
(وحصنها) أي حفظها (من الأود) أي الانحراف (والاعوجاج) أي الزيع والميل إلى جانب ...
(ومنعها من التهافت) أي التساقط قطعة قطعة (والانفراج) أي الانشقاق بأن تنشق فتكون بين أبعاضها فواصل من الفضاء، كأنها أجسام متعددة (أرسى)أي أثبت وأحكم (أوتادها)جمع وتد، والمراد بها الجبال التي هي كالمسامير الثابتة في اللوح (وضرب أسدادها) أي جعل الفواصل الجبلية هی بين قطعات الأرض، فإنَّ الجبال كالسدود بين طرفيها (واستفاض عيونها) أي جعل العيون تفيض بالماء، فإنَّ الماء الفائر يعلو أطراف العين (وخدّ) أي شق (أوديتها) جمع وادي، بمعنى : النّهر (فلم يهن) أي لم يضعف (ما بناه) تعالى بمعنى أنه خلق كل شيء من خلقه ببناء محكم مستحكم (ولا ضعف ما قوّاه) أي ما جعله قويا .
(هو) تعالى (الظاهر عليها) أي المسلط على المخلوقات (بسلطانه وعظمته) فإنَّ سلطته تعالى مستولية على كل شيء (وهو الباطن لها) أي العالم ببواطن الأشياء (بعلمه ومعرفته) من البواطن والمخفيات (والعالي على كلّ شيء منها) أي أنه أعلى من كل شيء من المخلوقات (بجلاله وعزته) أي لأنه جليل وعزيز .
(لا يعجزه شيء منها طلبه) فمطلوبه لا يتمكن من الامتناع منه
وَلاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، وَلاَ يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ . حَضَعَتِ الأَشْيَاءُ لَهُ، وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ ، لَا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَضَرِّهِ، وَلاَ كُفْءَ لَهُ فَيكَافِئَهُ ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ. هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا ، حَتَّى بَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا .
وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بعد ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا .
...................................
( ولا يمتنع) ذلك المطلوب له سبحانه ،(عليه)تعالى (فيغلبه) إذ لو تمكن من الامتناع عنه سبحانه، لكان غالبا عليه (ولا يفوته السّريع) السير (منها ) أي من الأشياء (فيسبقه) كما قد يفوت السائر سريعا عمن يطلبه ويريد أخذه (ولا يحتاج) تعالى (إلى ذي مال فيرزقه) تعالى .
( خضعت الأشياء له) فكل شيء طوع إرادته (وذلّت مستكينة) أي متضرعة (لعظمته) تعالى(لا تستطيع) الأشياء(الهرب) أي الفرار (من سلطانه)تعالى (إلى غيره) كما قد يهرب الإنسان من سلطان إلى سلطان (فتمتنع) تلك الأشياء بسبب هي بها منه (من نفعه وضرّه) بأن لا تكون مشمولة لنفع أنه لها، ولا لضده عليها (ولا كفء له) أي لا مثل له تعالى (فيكافئه) أي يماثله (ولا نظير له فيساويه) في الذات والصفات (هو المفني لها) أي للأشياء (بعد وجودها) فإنَّه تعالى يعدم الموجودات (حتى يصير موجودها كمفقودها) عدماً بعد أن كان .
(وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها) أي خلقها وإيجادها (بأعجب من إنشائها واختراعها) فإنَّ كلا منهما، لغير القادر محال وللقادر ممكن، فمن قال كيف لا تكون بعد أن كانت؟ يقال له : كيف كانت بعد أن لم تكن؟ .
وَكَيْفَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا، وَمَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَسَائِمِهَا، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا، وَمُتَبَلِّدَة أُمَمِهَا وَأَكْیَاسِهَا، عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا ،
.........................
(وكيف) يتمكن أحد من إنكار وجود الصّانع، والحال أنه لا يتمكن المخلوق بأجمعه من خلق بقة واحدة؟ فإذا لم يكن صانع فمن الخالق لهذه الكثرة المدهشة من الخلق؟ فـ( لو اجتمع جميع حيوانها) أي أقسام حيوانات الدنيا( من طيرها وبهائمها) جمع بهيمة، هي الحيوانات، سميت بها لأنها لا تقدر على النطق، من بهم بمعنى اختفى (وما كان من مراحها وسائمها) أي ما كان من الحيوان في ماواه وما كان في مرعاه، فإنَّ السائم الحيوان حال الرعى، من سام إذا رعى، والمراح اسم مفعول من أراح الإبل إذا ردّه إلى مكانه (وأصناف أسناخها) أي أصولها، فإنَّ السنخ بمعنى: الأصل، والمراد الأجناس العالية، كالطير، والوحش، والسّمك(وأجناسها) أي الأنواع كالحمامة، والبلبل، والدراج - في الطير - والأسد، والنمر، والثعلب - في الوحوش، وهكذا.
(ومتبلدة أممها) جمع أمة، بمعنى: الطائفة، فإنَّ كل حيوان أمة قال سبحانه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ(1)والمراد بالمتبلدة : الغبية من الحيوانات (وأكياسها) جمع كيس، بمعنى: الفطن الحاذق (على إحداث) أي إيجاد (بعوضة) أي بقة و[على] متعلق بقوله: [ لو اجتمع] (ما قدرت على إحداثها ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها) فإنَّ الشخص قد يعرف الطريق، لكنه لا يتمكن من المسير، ولا قد
1) سورة الأنعام: 38
وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْم ذلِكَ وَتَاهَتْ، وَعَجِزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةَ، عَارِفَةٌ بأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ، مُقِرَّةَ بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا، مُذْعِنَةَ بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا !
وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لاَ شَيْءَ مَعَهُ . كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، كذلكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا، بِلا وَقتِ وَلاَ مَكَانِ، وَلاَ حِينٍ وَلَا زَمَانِ .
................................
يتمكن من المسير ولا يعرف الطريق.
( ولتحيّرت عقولها في علم ذلك) الطريق إلى إيجادها (وتاهت) أي ضلت (وعجزت عن إيجادها (قُواها) جمع قوة (وتناهت) أي وصلت إلى النهاية بدون أن تقدر على الإيجاد .
( ورجعت) قواها (خاسئة) أي ذليلة (حسيرة) أي كليلة (عارفة بأنّها مقهورة) قد قهرت وردّت (مقرّة بالعجز عن إنشائها) أي إيجادها (مذعنة بالضعف عن إفنائها) أي لا تقدر على إفنائها، وإنما تقدر على إزهاق روحها وسحقها، أما الإفناء فهو خاص بالله سبحانه.
(وإن الله سبحانه يعود) تعبير مجازي (بعد فناء الدنيا وحدة لا شيء معه، كما كان قبل ابتدائها) أي إيجاد الدنيا (كذلك يكون) الله (بعد فنائها) وإعدامها .
(بلا وقت ولا مكان) أي يفني حتى الوقت والمكان (ولا حين ولا زمان) ولا يخفى أن هذا الكلام صريح في انعدام الكون، لا في تفرق أجزائه، كما هو المسلك الآخر في المسألة، وأما شبهة لزوم ذلك وإعادة المعدوم عند الحشر فهي مدخولة .
عُدِمَتْ عِنْدَ ذلِكَ الأَجَالُ وَالأَوْقَاتُ، وَزَالَتِ السِّنُونَ وَالسَّاعَاتُ. فَلَا شَيْءَ إِلَّا الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ . بِلَا قُدْرَةِ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وَبِغَيْرِ امْتِنَاعِ مِنْهَا كَانَ فناؤُها، وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا . لَمْ يَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، وَلَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَبَرَأَهُ، وَلَمْ يُكَوِّنُهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا خَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ،
............................
(عدمت عند ذلك) أي عند فناء الدنيا (الآجال) جمع أجل، أي مدة الأشياء (والأوقات) أي الأزمنة.
(وزالت السنون والساعات) فلا سنة، ولا ساعة، كما لا مكان ولا يكن.
(فلا شيء إلّا الواحد القهّار) الذي يقهر كل شيء حسب إرادته (الّذي إليه مصير جميع الأمور) فإنَّ كل الأشياء ترجع إلى قدرته سبحانه .
(بلا قدرة منها) أي من الأمور (كان ابتداء خلقها) فإنَّها لم تكن قادرة عند خلقها ( وبغير امتناع منها كان فناؤها) فإنَّ الله إذا أراد فناء الأشياء لم تقدر الأشياء من الامتناع، فلا قدرة لها عند الإيجاد، ولا امتناع لها عند الإعدام .
(ولو قدرت على الامتناع) بأن تمتنع عن إعدام الله لها (لدام بقاؤها) إلى الأبد (لم يتكاءده) تعالى، أي لم يشق عليه (صنع شيء منها إذ صنعه) وأوجده، لا مثل الإنسان الذي يثقل عليه صنع شيء .
( ولم يؤده) أي لم يثقله (منها ) أي من الكائنات (خلق ما خلقه وبرأه) أي أو جده (ولم يكوّنها لتشديد سلطان) أي لتقوية سلطانه وملكه (ولا خوف من زوال ونقصان) فأراد بذلك أن يصنع ما يعينه حتى لا يزول، أو لا ينقص
وَلاَ لِلاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدِّ مُكَاثِرِ، وَلا لِلاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدِّ مُثَاوِرٍ ، وَلاَ لِلازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، وَلا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ، وَلاَ لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا .
ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا ، لاَ لِسَامٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِها، ولَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةِ إِلَيْهِ ، وَلَا لِثِقَل شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ .
.................................
عديده، كما يكوّن السلطان الجيش، حتى لا يزول ملكه، ولا ينقص عديده في مقابل خصمه (ولا للاستعانة بها) أي بالأشياء المخلوقة (على ندِّ) أي مثل للإله ( مكاثرٍ) يباهي بكثرته - إذ لا مثل له سبحانه - (ولا للإحتراز) والتجنب (بها) أي بسبب الأشياء المخلوقة (من ضد مثاور ) يريد الثورة والهجوم على الله سبحانه - فإنَّه لا إله إلا هو سبحانه -.
(ولا للازدياد بها) أي بتلك المخلوقات (في ملكه) تعالى (ولا لمكاثرة شريك) في شركه بأن يريد أن يبين لشريكه ، أنا أكثر منك خلقا - إذ لا شريك له تعالى - .
(ولا لوحشة كانت منه) تعالى، عند وحدته قبل خلق الخلق، والوحشة حالة رعب تلزم النفس عند الوحدة، وإن لم يخف من شيء (فأراد أن يستأنس إليها) أي إلى المخلوقات .
(ثم هو) سبحانه (يفنيها بعد تكوينها) وإيجادها (لا لسأم) وملل (دخل عليه) سبحانه (في تصريفها وتدبيرها) كما يسأم الإنسان إذا طال عنده تصريف ما تحت يده فلا فائدة كانت منه إليه ( ولا ) لأجل (راحة واصلة إليه) تعالى، كما قد يريد الإنسان الراحة من عمله المتعب فيترك عمله (ولا لثقل شيء منها عليه) سبحانه إذ لا تثقله الأشياء .
لاَ يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعِةِ إِفْنَائِهَا ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إلَيْهَا، وَلا اسْتِعَانَةِ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا ، وَلا لانْصِرَافِ مِنْ حَالِ وَحْشَةِ إِلَى حَالِ اسْتِثْنَاسٍ، ولَا مِنْ حَالِ جَهْلِ وَعَمَىً إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَالْتِمَاسٍ ، وَلَا مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ إِلَى غِنىً وَكَثْرَةٍ، وَلاَ مِنْ ذُلِّ وَضَعَةٍ إِلَى عِزٍّ وَقَدْرَةٍ .
.................................
(لم يملّه طول بقائها فيدعوه) الملل (إلى سرعة إفنائها) وإنما الإفناء لما جعل لكل شيء من أمد حسب حكمته البالغة - إلّا الجنة والنار، فلا أمد لهما، ولا انتهاء للنعيم والعذاب فيهما-.
(ولكنه سبحانه دبّرها بلطفه) وفضله على الخلق (وأمسكها) أي حفظها (بأمره) لتلك الأشياء بأن تبقى (وأتقنها بقدرته ) فكل شيء منها في غاية الإتقان والدقة في الصنع والخلق (ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه) تعالى (إليها) فإنَّ الإعادة للحشر ليست من جهة الحاجة، بل من باب الصلاح والحكمة، كما أن الابتداء كان كذلك (ولا استعانة بشيء منها عليها) أي أن إعادة الكل بلا حاجة، لا أن إعادة البعض للاستعانة به على إيجاد البعض الآخر، كما يستعين الإنسان بالمنشار لقطع الخشب .
(ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استيناس) بأن يكون عدم الأشياء موجباً لوحشته تعالى، ولذا يعيدها، حتى ليستأنس بها (ولا من حال جهل وعمى) أي ضلالة (إلى حال علم والتماس) بأن يكون عدمها سببا لجهله ولضلالته سبحانه، فيلتمس بالإعادة رجوع العلم والهداية إليه، كالإنسان إذا فقد كتابه جهل وعمى (ولا من فقر وحاجة) يعتريه تعالى عند الفناء (إلى غنىً وكثرةٍ) يتطلّبهما بالإعادة والإيجاد (ولا من ذلٍّ وضعةٍ) من - وضع يضع ، على وزن : عدة - (إلى عِزٍّ وقدرِة) بأن يكون قادراً عزيزاً لدى الإعادة .
أَلَا بِأَبِي وَأُمِّي هَمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَفِي الْأَرْضِ مَجْهُولةٌ. أَلَا فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ، وَانْقِطَاعِ وُصْلِكُمْ ، وَاسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ. ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِن أَهْوَنَ
........................................
التوضيح:
(ألا بأبي وأمّي) الباء للتفدية، أي أفديهم بالأب والأم، ولا يخفى أن تفدية المفضول للفاضل جائز عقلاً وشرعاً عند دوران الأمر بينهما، هذا بالإضافة إلى أن الجملة للكفاية من مقام المذكورين في نفس المفدّى، وإن كان أصلها للتفدية (هم) إشارة إلى الأئمة(عليهم السلام) من ولده (من عدّةٍ) أي جماعة و[ من] لبيان (أسماؤهم في السّماء معروفة) حيث تعرفهم الملائكة (وفي الأرض مجهولة) عند معظم الناس (ألا فتوقّعوا) أيها الناس المؤمنون (ما يكون) بعدي (من إدبار أموركم) فإنَّ الأمور تدبر عند حكم الظلمة (وانقطاع وصلكم) أي صلة بعضكم ببعض ، إذ الظلمة يوجبون تفرق الكلمة (واستعمال صغاركم) فإنَّ كبار النفوس العقلاء لايعملون مع الظلمة المنحرفين، ولذا تستعمل الظلمة - دائماً - الصغار والأراذل (ذاك) الذي من إدبار الأمور وأخواته (حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون) أي أقل تعباً
مِنَ الدَّرْهَم مِنْ حِلِّهِ. ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي .
ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَالنّعِيمِ، وَتَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ ، وَتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ . ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا يَعضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ، مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ، وَأَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ!
أَيُّهَا النَّاسُ، أَلْقُوا هذِهِ الأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الأَثْقَالَ
...........................
(من الدّرهم من حلّه )فإنَّ الظلمة يفسدون المكاسب ويخلطون الحلال بالحرام، مما يوجب تعسر تحصيل الرزق الحلال .
( ذاك حيث يكون المعطى) أي آخذ العطاء، وهو الفقير (أعظم أجراً من المعطي) الذي هو الغني، إذ الأغنياء يتلوثون بالمحرمات، حيث إن أموالهم لا تحصل إلّا من الحرام، فيكون لهم في الإعطاء أجر الظاهر فقط (ذاك حيث تسكرون من غير شراب) سكر الغنى، فإنَّ الشراب كما يغطي على عقل الإنسان كذلك الغنى يغطي على عقل الإنسان(بل من النّعمة والنّعيم) وكأن الفرق بينهما أنّ النّعمة الذات، والنعيم الوصف (وتحلفون من غير اضطرار) أي بدون حاجة إلى الحلف (وتكذبون من غير إحراج) أي بدون تضييق، فإنَّ الدين إذا زال عن القلب لا يهتم الإنسان بهذه الأمور (ذاك إذا عضّكم البلاء كما يعض القتب) هو الاكاف الذي يوضع على الإبل (غارب البعير) ما بين عنقه وسنامه، فإنَّ في دولة الظلمة تكون كلّ هذه الأمور. (ما أطول هذا العناء) الذي يلاقيه الناس في دول الظّلمة (وأبعد هذا الرجاء) الذي يرجو كل واحد أن يصل إليه، من الخلاص منهم - وقيل : أن هذا الكلام منقطع عما قبله، كما هو عادة الشريف في اختياره جملا من كل خطبة-.
(أيّها النّاس ألقوا هذه الأزمّة) جمع زمام، كأئمة جمع إمام (الّتي تحمل ظهورها) أي ظهور الدواب ذوات الزمام (الأثقال ) أي الأحمال، جمع ثقل
مِنْ أَيْدِيكُمْ، وَلا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ . وَلَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ ، وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا، وَخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا : فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ . إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاج فِي الظُّلْمَةِ ، يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا.
............................
(من أيديكم) والمراد ترك البدع والخطايا، فكأن الإنسان العاصي يقود دواباً محمولة من الأثقال، مما يوجب قودها بالزمام تعباً على القائد، وإلقاء الأزمة كناية عن ترك الآثام حتى لا يكون ثقلها على الإنسان (ولا تصدّعوا) أي لا تفرقوا (على سلطانكم) والمراد به نفسه الكريمة، أي لا تختلفوا عليّ (فتذمُّوا) أنفسكم (غِبَّ) أي بعد (فعالكم) فإنَّ الإنسان إنما يعرف قبح عمله بعد أن ركبه، فيذم نفسه : لم فعلت كذا؟.
(ولا تقتحموا) أي لا تدخلوا (ما استقبلتم) أي الذي تستقبلونه (من فور) أي ارتفاع (نار الفتنة) ولهبها أي لا تدخلوا في الفتن (وأميطوا) أي تنحّوا (عن سننها)أي طرق الفتنة (وخلُّوا قصد السَّبيل) أي وسط الطريق (لها) أي للفتنة، فكأنّ الفتنة سائر ذو شر، يسير في وسط الطريق فإذا لم يتنكب الإنسان عن وسط الطريق شمله وضره، ولذا من الأفضل أن يتجنب الإنسان وسط الطريق لئلا يصطدم بالفتنة .
(فقد لعمري يهلك في لهبها ) أي اشتعال الفتنة (المؤمن) بأن يلقي نفسه فيها بظن حسن فينحرف عن الطريق، وذلك يوجب هلاكه في الدنيا والآخرة ( ويسلم فيها غير المسلم) لأنه لم يصطدم بها، فيبقي على حياته - على الأقل -.
(إنّما مثلي بينكم كمثل السّراج في الظّلمة) أي المصباح في اللّيلة الظلماء (يستضيء به مَنْ ولجها) أي ولج الظلمة، بمعنى دخل فيها، فالمسلمون في
فَاسَمَعُوا أَيْهَا النَّاسُ وَعُوا، وَأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا .
............................
عصر الإمام(عليه السلام) الداخلون في ليل الفتنة التي قامت ما بعد الرسالة إذ اتبعوا الإمام كانوا في نور، لا ينحرفون عن الطريق، ولا ينجرفون مع التيارات الباطلة.
(فاسمعوا) كلامي (أيّها النّاس وعوا) أي أدركوا معناه وحقيقته (وأحضروا آذان قلوبكم) استعارة لطيفة، فإنَّ الإنسان كما يسمع الكلام بأذن الرأس، يفهم مغزى الكلام بأذن القلب - إذ أراد القلب التفهم والإدراك - (تفهموا) حقيقة ما ذكرت لكم وذلك ما يوجب نجاتكم .
وذكر الموت، والاستعداد له :
أُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللهِ وَكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلَآئِهِ إِلَيْكُمْ ، وَنَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ، وَبَلَائِهِ لَدَيْكُمْ . فَكُمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ ، وَتَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَةٍ ! أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ، وَتَعَرَّضْتُمْ لأَخْذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ !
وَأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَإِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ .
....................................
التوضيح:
(أوصيكم أيها الناس بتقوى الله) أي الخوف منه سبحانه، بعمل الصالحات، وترك السيئات (وكثرة حمده) سبحانه (على آلائه) جمع [أُلى] بمعنى النعمة (إليكم) أي النعم التي ساقها إليكم (ونعمائه عليكم) بأن أنعم عليكم بها ( وبلائه) أي إحسانه (لديكم) فإنَّ البلاء يستعمل للخير والشر، أو المراد المصائب، فإنَّ المصائب المساقة من جانبه سبحانه تستحق الحمد، لأنها ترفع الدرجات وتحط السيئات( فكم خصكم) سبحانه (بنعمة) لم يعطيها لغيركم (وتدارككم برحمة) أي أرسل الرحمة في عقبكم (أعورتم له) أي أظهرتم له تعالى عوراتكم وعيوبكم - بالمعاصي - (فستركم) ولم يفضحكم (وتعرضتم لأخذه)أي بطشه وعذابه، والتعرض لذلك بالمعاصي، فإنَّ العاصي في معرض نكال الله تعالى (فأمهلكم ) ولم يعاجلكم بالعقوبة.
(وأوصيكم بذكر الموت) بأن تذكرون دائماً (وإقلال الغفلة عنه) أي أقلوا
وَكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وَطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ! فَكَفَى وَاعِظَاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ، وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، وَكَأَنَّ الآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً. أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِئُونَ، وَأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ، وَاشْتَغَلُوا بمَا فَارَقُوا ، وَأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا .
.................................
من الغفلة، بأن يكون أكثر أوقاتكم مصروفاً في ذكره (وكيف غفلتكم عمّا) أي عن الموت الّذي (ليس يغفلكم) ؟ يقال أغفله إذا سها عنه، أي لا يسهو الموت عنكم، بل يأتيكم وإن كنتم عنه غافلين (و) كيف (طمعكم فيمن ليس يمهلكم) فإنَّ الإنسان يطمع في ابتعاد الموت عنه، والحال أن الموت إذا جاءَهُ لا يمهله ولو للحظة واحدة .
(فكفى واعظاً) لكم (بموتى) جمع ميت (عاينتموهم) أي رأيتموهم (حملوا إلى قبورهم غير راكبين) أي لم يركبوا أكتاف الناس باختيارهم، وإنما قهراً عليهم ودون إرادتهم (وأنزلوا فيها) أي في القبور (غير نازلين) باختيارهم، بل جبراً وكرها.
(فكأنّهم لم يكونوا للدّنيا عمّاراً) جمع عامر ، فقد انقطع أثرهم (وكأنّ الآخرة لم تزل لهم داراً) أي كأنّهم من القديم في الآخرة، إذ قد محيت آثارهم عن الدنيا (أو حشوا ما كانوا يوطنون) أي الأمكنة التي اتخذوها أوطاناً لهم في حياتهم، أو حشوها : أي جعلوها موحشة، فهم لا أنس لهم بها، ولا أنس لها بهم، إذ تركوها وهجروها ( وأوطنوا ما كانوا يوحشون) أي القبور التي كانت موحشة منهم لا تألفهم ولا يألفونها ، صارت أوطانهم - من أوحشه إذا هجره -.
( واشتغلوا بما فارقوا) أي بحساب الدنيا التي فارقوها (وأضاعوا ما إليه انتقلوا) أي إلى الآخرة، ومعنى الإضاعة عدم إمكان عملهم لها بعد الموت،
لا عَنْ قَبِيحِ يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالاً، وَلَا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً . أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ، وَوَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ فَسَابِقُوا - رَحِمَكُمُ الله - إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا ، وَالَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا ، وَدُعِيتُمْ إِلَيْهَا . وَاسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ ، فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ .
....................................
كالذي يضيع شيئاً فلا يعمل له، أو المراد حكاية حالهم في الدنيا: أي اشتغلوا في الدنيا بما فارقوها الآن، وهكذا الجملة الثانية .
(لا عن قبيح يستطيعون انتقالا) إذ لا توبة بعد الموت (ولا في حسن يستطيعون ازديادا) إذ الآخرة دار حساب لا دار عمل (أنسوا بالدنيا) حين كانوا فيها (فغرّتهم) وخدعتهم (ووثقوا بها) أي بالدنيا، ظانين أنها تنفعهم (فصرعتهم) أي أهلكتهم، خلاف ثقتهم بها (فسابقوا - رحمكم الله - إلى منازلكم) في الآخرة، والمسابقة بالتكثير من العمل الصالح، فمن كان أكثر عملاً كان أسبق لاحتلال الآخرة وحيازتها (التي أمرتم أن تعمروها) فإنَّ الإنسان أمر بالعمل الصالح ليعمر منزله في الآخرة (والتي رغبتم فيها) أي رغبكم الله سبحانه وشوقكم إلى تلك المنازل(ودعيتم إليها) فإنَّه سبحانه دعا النّاس وطلبهم إلى تلك المنازل .
(واستتموا نعم الله عليكم) أي اطلبوا تمام النعمة (بالصبر على طاعته) فإنَّ من أطاع وصبر على مشاق الطاعة زادت نعمته (والمجانبة لمعصيته) قال الشاعر :
إذا كنت في نعمة فارعها*** فإنَّ المعاصي تزيل النعم
(فإنّ غداً من اليوم قريب) المراد بالغد الآخرة، وباليوم الدنيا
مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ ، وَأَسْرَعَ الأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ ، وَأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ !
.................................
(ما أسرع الساعات في) إفناء (اليوم) وإبادته (وأسرع الأيام في) إبادة (الشهر وأسرع الشهور في) إفناء (السنة) وإعدامها (وأسرع السّنين في) إفناء(العمر) فالساعات التي ندرك سرعتها وانقضائها، إنما هي وحدات العمر، فإذا أسرعت الوحدات في الفناء والانقضاء، أسرع المؤلّف منها فی ذلك - هذا تعليل لقوله : [فإن غداً من اليوم قريب] .
في الإيمان، ومعنى الهجرة، وتحمل أمر الإمامة، وبيان علمه(عليه السلام)
فَمِنَ الإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَ بَيْنَ القُلُوبِ وَالْصُّدُورِ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوم . فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقَفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ، فَعِنْدَ ذلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ .
.................................
التوضيح :
(فمن الإيمان ما يكون ثابتاً) لا يزول (مستقرّاً في القلوب) بحيث لا يتزحزح منها (ومنه ما يكون عواري) جمع عارية (بين القلوب والصّدور) تارة يخرج من القلب ويأتي إلى الصدر ليخرج من الفم فيكفي الشخص، وتارة إلى القلب، كما قال سبحانه: كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا(1)(إلى أجل معلوم) أي وقت معلوم قدّر لخروج الإيمان من الإنسان، لأنه لم يأخذه أخذاً قويا، ولم يقوّه بالأعمال الصالحة (فإذا كانت لكم براءة من أحد) أي أردتم أن تتبرأوا من شخص، لما ترون من سوء أعماله (فقفوه) أي التبري (حتّى يحضره الموت) أي يموت (فعند ذلك) الموت (يقع حدّ البراءة) فإنَّ بقي على إيمانه ولم يظهر منه انحراف وزيغ فلا تتبرأوا منه وإن ظهر منه الكفر والزيغ فتبرأوا من
1) سورة البقرة : 20
وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةً عَلَى حَدِّهَا الْأَوَّلِ. مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الإِمَّةِ وَمُعْلِنِهَا . لَا يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحِدٍ بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الأَرْضِ. فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ. وَلَا يَقَعُ اسْمُ الاسْتِضْعَافِ
.....................................
(والهجرة قائمة على حدّها الأول) أي لم يزل أن حكمها الوجوب، فقد كان في أول الإسلام - حين هاجر الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من مكة إلى المدينة - تجب هجرة سائر المسلمين من مكّة، وذلك قبل فتح مكة، والسبب أنهم لم يتمنكوا من إقامة شعائر الإسلام وهم في مكة، ولذا وجبت الهجرة (ما كان لله في أهل الأرض حاجة) [ما] نافية، أي ليست الهجرة لأجل حاجة الله إلى أهل الأرض وإنما هي لمصلحتهم (من مستسرّ الأمة ومعلنها) أي من يضمر إسلامه، من الأمة في بلاد الكفر، ومن يعلن إسلامه في بلاد الإيمان، و[ من] لبيان[أهل الأرض] وإنما تجب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لمن لا يتمكن من معرفة الأصول والفروع إلّا بالهجرة .
(لا يقع اسم الهجرة على أحد بمعرفة الحُجّة في الأرض) يعني أنه إذا كان مسلم في بلاد الكفّار وعرف الحجة، أي الأصول والفروع، فلا تجب عليه الهجرة إلى بلاد الإسلام، وقد قيَّد جمع من العلماء، بإمكانه إقامة شعائر دينه هناك وإلا لزم أن يهاجر (فمن عرفها) أي الحجة(وأقرَّ بها) بأن أسلم واعتقد بما جاء به الإسلام (فهو مهاجر ) هذا تنزيل لتحقق الغاية من الهجرة عند ذلك، وهي العرفان ( ولا يقع اسم الاستضعاف) أي لا يقال [مستضعف] وقد أعفى المستضعفون من وجوب الهجرة ، كما قال سبحانه: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (1)وسمي مستضعفاً، لعد الكفّار له ضعيفا، ولأنه غير قادر على الهجرة فإن اسم المستضعف لا يقع
1) سورة النساء : 98
عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ، وَوَعَاهَا قَلْبُهُ. إِنَّ أَمْرَنا صَعَبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لاَ يَحْمِلُهُ إِلّا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ، وَلا يَعِي حَدِيثَنَا إِلَّا صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَأَحْلاَمٌ رَزِينَةٌ .
أَيُّهَا النَّاسُ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنّیي بِطرُقِ الأَرْضِ،
.............................
(على من بلغته الحجّة) على الإسلام (فسمعتها أُذنُهُ ووعاها قلبه) بمعنى أنه قبل الحجة، وأقبل على الإسلام بكله أذنا وقلبا، ثم بين(عليه السلام) إن أمر الرسالة والإمامة صعب، فإنَّ ملازمة الإنسان للدساتير الواردة عن طريق الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . والأئمة(عليهم السلام)من أصعب الأمور، بقوله : (إن أمرنا صعب مستصعب) أي أنه صعب بذاته، ويستصعبه النّاس، في قبال الصّعب الّذي لا يستصعبه الإنسان، لما یری له من النتائج ، فإنّ النّفس مجبولة على استسهال ما يرى الإنسان نتائجه الرابحة، وإن كان صعباً بذاته (لا يحمله) أي ذلك الأمر (إلّا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان) بمعنى أنّ الإيمان بالغ من قلبه مركّز فيه، فإنّ الإيمان إذا صار ملكة للإنسان سهلت الصعاب في سبيله (ولا يعي حديثنا) أى لا يشتمل عليه اشتمال وعي ودراية للتعلم والعمل (إلّا صدور أمينة) فيها أمانة الحفظ، لما لها من ملكات الإيمان مقابل الصدور الخائنة التي تمجّها ولا تقبلها ( وأحلام) أي عقول (رزينة) وقرة ناضجة عارفة .
(أيّها النّاس سلوني) أي اسألوني (قبل أن تفقدوني) بأن أموت وأنتقل من بين ظهرانيكم (فلأنا بطرق السّماء أعلم منّي بطرق الأرض) [اللام] للتأكيد والمراد بطرق السماء، التي تنزل منها الملائكة، وتصعد فيها أعمال العباد، ويمكن للإنسان أن يصعد منها إلى السّماء، أو يسير فيها من مكان إلى مكان
قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا، وَتَذْهَبُ بِأَحْلامٍ قَوْمِهَا .
...........................
كما اكتشف أخيراً، أن هناك في السماء تيارات هوائية وفراغات ممتدة، إذا سارت الطائرة في بعضها أصابها عطب وبالعكس إذا سارت في بعضها الآخر وهكذا، وقوله(عليه السلام) : [أعلم] من باب التأكيد، لا الأعلمية الحقيقية والمراد أنه مع بعد السماء، وعدم علم الناس بطرقها يعلمها جيداً، فكيف الأرض، وهذه الجملة كالتعليل، كقوله : [سلوني] فإنَّ العالم بطرق السماء لابد وأن يعلم كل شيء (قبل أن تشعر برجلها فتنة) يقال شغر برجله إذا رفعها، كأنّ الفتنة إذا كانت ساكنة كانت شبيهة بالإبل الواقفة، بخلاف ما إذا تحركت، فإنَّها كالإبل المتحركة التي ترفع رجلها للمشي (تطأ في خطامها) الخطام الحبل الذي يجعل في أنف البعير كالزمام، ووطي الناقة في خطامها كناية عن تخطيها إذ ذلك لا يكون إلّا إذا استقلت في الحركة بدون قيادة وصاحب (وتذهب) تلك الفتنة (بأحلام قومها) أي عقول القوم الداخلين في تلك الفتنة، والمراد أنه إذا قامت الفتنة، لا يبقى مجال لسؤالهم عن الإمام(عليه السلام)وجوابه لهم ، إذ الفتن توجب تشتت الأفكار، فالمقصود السؤال قبل أن يفقدوا الإمام وقبل أن يقعوا في فتن تذهلهم عن مثل تلك الأسئلة .
فيها حمد الله، والثّناء على نبيّه، والوصيّة بالتَّقوى
أَحْمَدُهُ شُكراً لإِنْعَامِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ، عَزِيزَ الْجُنْدِ ، عَظِيمَ الْمَجْدِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَنْ دِينِهِ ؛ لاَ يَثْنِيهِ عَنْ ذلِكَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَكْذِيبِهِ ، وَالْتِمَاسٌ
...............................
التوضيح:
(أحمده )تعالى (شكراً لإنعامه) أي أن الحمد لأجل شكره سبحانه على ما أنعم علينا (وأستعينه) سبحانه ( على) أداء (وظائف حقوقه) أي أتمكن من القيام بأداء حقّه تعالى من الطاعة والعبادة، فإنَّه لولا إعانته سبحانه لا يتمكن الإنسان من الطاعة، هو سبحانه (عزيز الجند) لا يغلبون، وإنما يغلب كل من حاربهم (عظيم المجد) أي الرفعة، فإنَّ عظمته سبحانه ورفعته أعظم من كل شیء(وأشهد أن محمّداً عبده) ليس بإله أو ولد للإله، كما ادعى اليهود والنصارى بالنّسبة إلى أنبيائهم (ورسوله) الذي أرسله رحمة للعالمين، (دعا)(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(إلى طاعته) أي طاعة الله تعالى (وقاهر) أي غالب وحارب (أعداءه جهاداً على دينه) أي لأجل المجاهدة لإعلاء كلمة الإسلام (لا يثنيه) أي لا يسبب انسحاب الرسول عن ميدان الدعوة ( عن ذلك) أي الدعوة (اجتماع) من الكفّار ( على تكذيبه )(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(و التماس) أي طلب من الكفار .
لإطفاء نُورِه، فاعتصِمُوا بتقوى اللهِ فإنّ لها حَبْلاً وثيِقاً عُرْوَتُهُ وَمَعْقِلًا مَتيعاً ذِروَتُهُ ، وبادرُوا المَوتَ في غَمَراتِهِ ، وامْهدوا له قَبلَ حُلُولِهِ ، وأعِدّوا لَهُ قَبلَ نُزُولِهِ ، فإنَّ الغايَةَ القِيامَةُ ، وكفى بذلِكَ واعِظاً لِمَنْ عَقَلَ ، ومُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ
.......................................
(لإطفاء نوره) فقد كان(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ثابتا لا يحركه شيء ولا يزيله عن دعوته تجمّع القوى ضده .
ثم شرع(عليه السلام) في الوصية بالتقوى: (فاعتصموا) أي تمسكوا أيها الناس (بتقوى الله فإنّ لها) أي للتقوى (حبلا وثيقا) أي محكماً (عروته) هي المحل الذي يتمسك به الإنسان، كعروة الإبريق ( ومعقلا) أي ملجاً وملاذاً (منيعاً ذروته) أي أعلاه، يعني أن الإنسان إذا اتقى كان كالذي هو فوق جبل، لا يتمكن أن يصل الأعداء إليه.
(وبادروا الموت) بالأعمال الصالحة، كأنّ الموت يريد اختطاف الإنسان قبل أن يعمل، والإنسان يريد أن يعمل قبل أن يموت، فهما يتبادران (في غمراته) أي قبل أن يلقيكم في أهواله، جمع غمرة، وهي المحل المخوف من الماء الّذي يوجب الغرق (وامهدوا له)أي هيئوا مكانكم للموت (قبل حلوله) بالأعمال الصالحة (وأعدّوا له) أي خذوا استعدادكم لمواجهة الموت (قبل نزوله) بكم (فإنَّ الغاية) التي يصل الإنسان إليها في سيره (القيامة) حيث العرض على الله سبحانه (وكفى بذلك) أي بالموت، أو بالشيء الذي يستقبل الإنسان - وهو القيامة - (واعظاً) فإنّ الإنسان إذا علم بالموت والقيامة لا بد وأن يهيّئ لهما بالأعمال الصالحة وترك الأعمال القبيحة (لمن عقل) وعلم.
(ومعتبراً) أي يعتبر الإنسان بالموت (لمن جهل) الأمر بذاته، فإذا رأى الموت، أدرك أنه صائر إليه، فلا بد أن يتهيأ له.
وَقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الأَرْمَاسِ ، وَشِدَّةِ الإِبْلاَسِ، وَهَوْلِ الْمُطَّلَع، وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ ، وَاخْتِلافِ الأَضْلاعِ، وَاسْتِكَاكِ الأَسْمَاعِ، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وَخِيفَةِ الْوَعْدِ، وَغَمِّ الصَّرِيحِ ، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ .
..............................
(وقبل بلوغ الغاية) أي قبل أن تبلغوا القيامة (ما تعلمون) أي يكون الشيء الذي تعلمونه (من ضيق الأرماس) أي القبور، جمع رمس، بمعنى القبر (وشدّة الإبلاس) حزن في خذلان ويأس، كما قال سبحانه: يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ(1).
(وهول المُطَّلَعِ) المُطَّلَع هو المنزل الذي يَطَّلع الإنسان منه على أمور الآخرة، والمراد البرزخ، أو المراد الموت وهوله لأنه عالم آخر لم يألفه الإنسان، فلا يدري ماذا يصنع به (وروعات الفزع) أي نوبات الخوف التي تأخذ الإنسان عند انتقاله من هذا العالم إلى العالم الآخر .
(واختلاف الأضلاع)جمع ضلع ، أي دخول بعضها في بعض من شدة الضغط في القبر (واستكاك الأسماع) أي صمم الآذان من الأصوات الهائلة التي تسمعها عند الموت، أو من التراب .
(وظلمة اللّحدِ) وهو الشق الذي يعمل في القبر في جانبه الأمامي لمن توجه إلى القبلة، لوضع الميت فيه (وخيفة الوعد) الذي وعد الإنسان به من المحاكمة على أعماله السابقة (وغمّ الضَّريح) أي الحزن الذي يأخذ الميت عند وضعه في ضريحه، والمراد به اللحد(وردم الصفيح)هو الحجر العريض، وردمه سد القبر به، إذ يوضع في ظهر الميت - إذا وضع في اللحد- صفائح من اللبن .
1) سورة الروم : 12 .
فالله اللهَ عِبَادَ اللهِ! فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنِ، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَنٍ . وَكَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا ، وَكَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا ، وَأَنَاخَتْ بِكَلاكِلِهَا ،
........................................
(فـ) اذكروا (الله الله) يا (عباد الله) في أنفسكم، لا تعملوا ما يوجب العقاب والعذاب (فإنّ الدّنيا ماضية بكم على سنن) أي تمضي بكم في طريق من كان قبلكم من إماتتهم وإهلاكهم .
(وأنتم والساعة) أي الموت، أو يوم القيامة وهو الأظهر (في قرن) هو الحبل الذي يقرن به بعیران، والمراد اقتران الإنسان بالقيامة، لا ينفك أحدهما عن الآخر، وذلك كناية عن وصول الإنسان إليه قطعا (وكأنّها) أي الساعة (قد جاءت بأشراطها) أي مع علائمها (وأزفت) أي قربت (بافراطها) جمع فرط ، وهو العلم الذي يقام على الطريق دالا عليه، والمراد بدلائلها الدالة على القيامة (ووقفت) الساعة (بكم على صراطها) أي صرتم إلى الصراط الذي هو جسر بين المحشر وبين الجنة ممدوداً على جهنّم فمن عبره بسلام دخل الجنّة، وإلّا وقع في النّار .
(وكأَنَّها) أي الساعة (قد أشرفت بزلازلها) إذ قبل القيامة تكون زلازل، كما قال سبحانه: إن زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1). (وأناخت) أي الساعة، والأصل في الإناخة نوم البعير (بكلاكلها) جمع كلكل، بمعنى الصدر، وهي كناية عن الأثقال التي ترد على الإنسان في يوم القيامة، كما يلقي البعير بثقله على الأرض إذا أناخ ونام .
1) سورة الحج : 1
وَانْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا ، وَأَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا، فَكَانَتْ كَيَوْمِ مَضَى، أَوْ شَهْرٍ انْقَضَى، وَصَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً، وَسَمِينُهَا غَثّاً. فِي مَوْقِفِ ضَنْكِ الْمَقَامِ، وَأُمُورِ مُشتَبِهَةِ عِظَامٍ، وَنَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا، عَالٍ لَجَبُهَا، سَاطِعٍ لَهَبُهَا، مُتَغَيِّظِ زَفِيرُهَا، مُتَأَجِّجٍ سَعِيرُهَا، بَعِيدٍ خُمُودُهَا، ذَاكِ وُقُودُهَا ،
.................................
(وانصرمت) أي انقضت وذهبت (الدنيا بأهلها) أي مع أهلها. إذ تتم الدنيا إذا جاء المحشر، وينتقل أهلها إلى دار الآخرة (وأخرجتهم) أي أخرجت الدنيا الناس.
(من حضنها) كما تخرج المرأة الولد من حضنها (فكانت) الدنيا - إذا فكر فيها المفكر - (كيوم مضى) إذ لا أثر له (أو شهرٍ انقضى) إذ تم وانصرم، فيقول الإنسان في الآخرة مضت الدنيا وتمت .
(وصار جديدها) أي ما كان جديداً فيها ( رَثّاً) أي باليا قديما (وسمينها) أي ما عد ثمينا نافعا في الدنيا (غثّاً) أي مهزولاً تافهاً .
حيث يصل الإنسان (في موقف ضنك المقام) أي ضيّق محلّه، ضيقاً حسياً، أو ضيّقا معنويا لما ينال الإنسان من الضيق بسبب المخاوف والأهوال (وأمور مشتبهة) لا يعرف الإنسان أيها تصل إليه (عظام) جمع عظيم (ونارٍ شديدٍ كَلَبُها) الكَلب: أكل بغير شبع، كأنّ النار تأكل بلا شبع كلما يلقى فيها (عال لجَبُها) أي صياحها واضطرابها (ساطع لهَبُها) أي شعلتها (متغيظ زفيرها) التغيظ: الهيجان، والزفير : صوت رفد النّار (متأجّج) أي مشتعل (سعيرها) أي لهبها (بعيد خمودها) كنىّ بذلك عن عدم خمودها، إذ هي دائمة أبدية (ذاكٍ) من ذكت النار إذا اشتد لهبها (وقودها) أي ما يوقد به النار، فإنَّه ملتهب
مَخِيفٍ وَعِيدُهَا ، غَمّی قَرَارُهَا، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا ، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا ، فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا . وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا(1). قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ ؛ وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ ، وَرَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ، الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً،
......................................
مشتعل (مخيفٍ وعِيدها) أي يخيف الإنسان الوعيد بالنار .
(غمٍّ) صفة من غمّه إذا غطّاه (قَرارُها) أي محل الاستقرار فيها أي مستو، أو مغطى آخر النار الذي يسكن فيه المجرمون (مُظْلِمَةٍ أَقطَارُها) أي أطرافها، فلا يرى الإنسان فيها شيئاً (حَاميةٍ قُدُورُها) المنصوبةٍ لأجل إرواء الظمآن من أهل النار بماء تقطع منه أحشاؤهم، والحامية بمعنى الحارة. (فظيعة) أي مهولة (أُمُورُها ) كلا من الأمور المرتبطة بالنار، هذا لمن كفر وعصى (وسيق الذين اتّقو ربَّهمُ) بالإيمان والأعمال الصالحة (إلى الجَنَّةِ زُمَراً)جمع زمرة، بمعنى جماعات جماعات وذلك الفيء لأن الإنسان يتهناً بالإجماع أكثر من الانفراد (قد أُمِنَ)الذي يساق إلى الجنة (العذاب وانقطع) عنه (العتابُ) فلا يقال له : لم فعلت كذا ؟
(وزحزحوا) أي بُعَّدُوا (عن النار) كما قال سبحانه: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز(2)( واطمأنّت بهم الدّار) أي صارت مقرّاً لهم بكل فَاز) اطمئنان واستقرار، وذلك حيث لا منغص فيها (ورضوا المثوَى) أي محل الإقامة (و القرار) أي المحل الذي استقروا (الذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكيةٌ) أي نامية مباركة توجب الثمرة الطيبة ( وأعينهم باكيةٌ) من خوف الله .
وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً ، تَخَشُّعاً وَاسْتِغْفَاراً ؛ وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً، تَوَحّشاً وَانْقِطَاعاً. فَجَعَلَ اللهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآباً ، وَالْجَزَاءَ ثَوَاباً، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا (1)فِي مُلْكٍ دَائِمٍ، وَنَعِيمٍ قَائِمٍ .
فَارْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ، وَبِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ .
.................................
(وكانَ ليلهم في دنياهم) أي حين كانوا في الدنيا (نهاراً) أي كالنهار في كونهم يقظين، لا نائمين (تخشّعاً واستغفاراً) فقد كانوا في حال خشوع واستغفار خوفاً من الله سبحانه .
(وكانَ نهارهم ليلا) أي كالليل (توحّشاً) من النّاس (وانقطاعاً) عن ملذّات الدنيا، فكما يتوحّش الإنسان باللّيل وينقطع عن مباهج الحياة، كان أولئك هكذا في النّهار خوفاً من أن يصيبهم الإثم.
( فجعل اللهُ لهمُ الجنّةَ مآباً) أي من آب، بمعنى رجع، أي مرجعا لهم وإنما سمي بالمرجع، لأن [آدم](عليه السلام) جاء إلى الدنيا من الجنة (والجَزَاءَ ثَوَاباً) أي الخير الواصل إليهم مع الإكرام - وهذا هو معنى الثواب - (وكَانُوا) هؤلاء (أحَقَّ بها) أي بالجنّة من سائر النّاس (و) كانوا (أَهْلَهَا) أي أهل الجنّة فإنّ الجنّة بنيت لهم (في مُلكِ دائمٍ) لا زوال له (ونعيمٍ قائمٍ) أي ثابت مستقر .
(فارعَوا ) يا (عِبادَ اللهِ ما) أي الشيء الذي (برعايَتهِ يفوزُ فَائِزُكم )من الإيمان والعمل الصّالح، فإنّ الإنسان بهما ينال الدّرجات الرّفيعة .
(وَبِإِضَاعَتِهِ يَحخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ) فإنَّ العامل بالباطل إنّما يخسر لعدم رعايته الإيمان والعمل الصّالح .
1) أشارة إلى الآية 26 في سورة الفتح .
وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ. وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ، فَلا رَجْعَةٌ تَنَالُونَ، وَلَا عَثْرَةٌ تُقَالُونَ. اسْتَعْمَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَعَفَا عَنَّا وَعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ .
الْزَمُوا الأَرْضَ ، وَاصْبِرُوا عَلَى الْبَلاءِ. وَلَا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَسُيُوفِكُمْ في هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَلَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ الله لَكُمْ .
.................................
(وَبَادِرُوا ) أي سابقوا (أجَالَكُم) جمع أجل ، وهو الموت (بأعمالكم) بأن تعملوا قبل أن يخطفكم الموت (فإنكم مرتهنون بما أسلفتم) أي عملتم في الدنيا (ومدينون بما قدتم) أي مأخوذون بأعمالكم التي قدمتموها إلى الآخرة قبل أن تموتوا .
(وكأنْ قد نزل بكم المخوف) أي الموت (فلا رجعةً) إلى الدنيا (تنالونَ) فإنَّ الإنسان يريد الرجعة إلى الدنيا، لكن لا يستجاب طلبه .
( ولا عَثرةٌ تقالون) أي لا تقال عثرتكم، بمعنى لا يغفر ذنبكم - والمراد ما ليس قابلا للمغفرة - (استعملنا الله وإياكم بطاعته) بمعنى أن يوفّقنا حتّى نطيع (وطاعة رسوله)(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (وعفا عنّا وعنكم بفضل رحمته ...) فإنَّ العفو ليس بالاستحقاق وإنما بالفضل .
(الزموا الأرض) أي كونوا ساكنين غير محاربين فيها إذا لم تتوفر فيكم شروط المحاربة مع أهل الباطل (واصبروا على البلاء) الذي ينزل بكم، فإنَّ الصبر مفتاح الفرج (ولا تحرِّكوا بأيديكم) ضربا (وسيوفكم) قتلا وجرحا (في هوى ألسنتكم) فإنَّ الإنسان قد يهوى أن أن يتكلم كلاماً، ومن كلامه تتحرك الفتنة وتقع المحاربة (ولا تستعجلوا بما لم يُعجِّله الله لكم) من ملك السلطة
فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، مَاتَ شَهِيداً، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ، وَاسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى منْ صَالِحٍ عَمَلِهِ، وَقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ لِسَيْفِهِ؛ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَأَجَلاً.
.....................................
والسيادة الشرعية .
(فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْرفَةِ حَقِّ رَبِّهِ) بالإيمان (وحقِّ رسولهِ) بالإطاعة (و) حق (أهلِ بيته) بالولاية (مات شهيداً ووقع أجرُهُ على الله) في صبره وعدم قيامه بالحرب في غير أوانها (واستوجب ثواب ما نوى) أي قصد (من صالح عمله) بأنه إن كان الأمر جامعا للشرائط قام بالجهاد .
( وقامت النِّيَّة مقامَ إِصلاته لسيفه) أصلت سيفه إذا جرده للحرب (فإنَّ لكلّ شيءٍ مدّةً وأجلا) فلسيادة أهل الحق وقت خاص، لا تكون إلّا إذا جاء وقتها كما أن لسيادة أهل الباطل مدة، لا تنقضي إلّا بانتهاء تلك المدة .
في حمد الله، والثّناء على نبيّه، والوصيّة بالتّقوى
الْحَمْدُ للهِ الْفَاشِي حَمْدُهُ ، وَالْغَالِبِ جُنْدُهُ، وَالْمُتَعَالي جَدُّهُ. أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التَّؤَامِ، وَآلَآئِهِ الْعِظَامِ . الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا، وَعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى، وَعَلِمَ مَا يَمْضِي
........................................
التوضيح:
(الحمد لله الفاشي) أي الشائع بين الناس (حَمدُهُ) فإنَّ المؤمنين به تعالى يحمدونه في كل مكان، وإن كفر به أقوام منحرفون (والغالِبِ جُندُه) كما قال سبحانه: وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ(1)فإذا أراد الله شيئاً كان، وليس لأية قوة أن تقف أمام إرادته سبحانه (والمتعالي) أي العالي (جَدّهُ) أي عظمته، كما قال سبحانه: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا(2).
(أحمدُهُ على نِعمِهِ التؤام) أي المتواصل، كالمولودين من بطن واحد، حين يأتي أحدهما يعقب الآخر - وأصله على وزن جعفر، ثم خفف- (وآلائِهِ) جمع أُلى، بمعنى : النعمة (العظام) جمع عظيم (الذي عَظمَ حِلمُهُ فَعَفَا) عن المجرمين .
(وعدل في كلِّ ما قَضى) أي حكم (وعلم ما يمضي) أي ما يأتي في
وَمَا مَضَى ، مُبْتَدِعِ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِهِ، وَمُنْشِئِهِمْ بِحُكْمِهِ ، بِلاَ اقْتِدَاءِ وَلَا تَعْلِيمٍ، ولَا احْتِذَاءِ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَكِيمٍ، وَلاَ إِصَابَةِ خَطَأٍ، وَلاَ حضرةِ مَلأٍ .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ابْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ في غَمْرَةِ ، وَيَمُوجُونَ فِي حَيْرَةِ. قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْن،
..................................
المستقبل (وما مضى) في السّابق .
( مُبتِدعِ الخَلائِقِ بعلمه) إذ الجاهل لا يتمكن من الابتداء (ومنشئهم بحكمه) جمع حكمته، وهي بمعنى : وضع الأشياء مواضعها (بلا اقتداء ولا
تعليم) من أحد، بل هو المنشي المبدع ( ولا احتذاءٍ) أي اقتداء (لمثال صانع حکیم) قبله بأن كان هناك صانع، فصنع الإله مثله (ولا إصابة خطأٍ) فإنَّه سبحانه لم يخطأ في عمله ولو خطاً واحداً (ولا حضرة ملأٍ) أي لم يحتج إلى أن يحضر جماعة حتى يتمكن من إنجاز الأمر - بعكس عادة السلاطين ومن إليهم حيث إذا أرادوا أمراً مهماً، أحضروا أولي الرأي والحكمة-.
(وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله) أي العبد الحقيقي، وقُدِّم لأنه أعظم مرتبة من الرسالة، أو في مقابل زعم النصارى واليهود، أن أبناءَهَم شركاء لله في الألوهية، وأبناء له تعالى.
(ابتعثه) أي بعثه (والنّاس يضربون في غمرة) أي في الجهالة التي كانت تغمرهم إلى رؤوسهم كما يغمر الماء الغريق.
(ويموجون) أي يضطربون (في حيرة) من أمرهم، لا يعرفون كيف يسعدون (قد قادتهم أزمَّة الحَينِ ) - بالفتح - بمعنى: الهلاك، فإنَّ الأهواء والشهوات التي تقود الإنسان تورث هلاكه في الدنيا والآخرة، والأزمَّة : جمع زمام.
وَاسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ .
أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَالْمُوجِبَةُ عَلَى الله حَقَّكُمْ ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ : فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْم الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ ، وَفِي غَدِ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ .
............................
( واستغلقت) أي أغلقت (على أفئدتهم ) أي قلوبهم - عن معرفة الحق - (أقفالُ الرّينِ) أي الطبع، فإنَّها طبعت عليها بالضلال والجهل، فلا يتمكنون من إزالته، كما لا يتمكن الإنسان من فتح الباب المغلق بالقفل .
(أوصيكم عباد الله بتقوى الله) الخوف منه (فإنّها) أي التّقوى (حقّ الله عليكم) أرادها منكم في مقابل خلقه لكم ، ورزقه إياكم (والموجبة على الله حقكم) أي أنكم بالتقوى تصيرون ذوي حقوق على الله سبحانه - وهو حق جعله على نفسه، لا الحق الحقيقي كما لا يخفى - قال تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ(1).
(وأن تستعينوا عليها) أي على التّقوى (بالله) فإنَّ الله عون للمتّقي (وتستعينوا بها) أي بالتّقوى (على الله) أي في النجاة من عذابه، فإنَّ هناك مخوفين: الأول : الخوف من الناس، والثاني : الخوف من الله، والتقوى توجب حفظ الإنسان من وصول أي المكروهين إليه (فإنّ التقوى) فائدتها (في اليوم )ونحن في الدنيا (الحرز) أي حفظ الإنسان (والجُنَّةُ) الواقية عن المكاره ( وفي غدٍ) في الآخرة (الطريق إلى الجَنَّةِ) والنجاة - من النار وهذا على ترتيب اللف والنشر المرتب -.
1) سورة الروم : 47 .
مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَسَالِكُهَا رَابِحٌ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ . لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الأُمَمِ الْمَاضِينَ وَالْغَابِرِينَ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً، إِذَا أَعَادَ اللهُ مَا أَبْدَى، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى. فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا، وَحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا! أُولئِكَ الأَقَلُّونَ عَدَداً، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ إذْ يَقُولُ :
..............................
(مسلَكُها) أي طريق التقوى (واضح) لا خفاء فيه (وسالكها) أي الذي يمشي في طريق التّقوى.
(رابحٌ) قد ربح سعادة الدنيا والآخرة .
(ومستودَعُها حافظ) أي الذي تكون التقوى وديعة عنده - وهو الله سبحانه - حافظ لا يخون، بل يعطي جزاءها للإنسان (لم تبرح) أي لم تزل التقوى (عارضةٌ نفسها على الأمم الماضين) وذلك ببيان أنبيائهم لهم كيفية التقوى (و الغابرين) أي الباقين - فإنَّ غابر يستعمل بمعنى : الماضي والباقي- وإنما كانت التقوى عارضة نفسها على الكل (لحاجتهم إليها غدا) أي في الآخرة (إذا أعادَ الله ما أبدى) أي أعاد الله الناس الذين خلقهم أولاً في دار الدنيا (وأَخذ ما أَعطى) كأنَّ خلق البشر في الدنيا إعطاء ، ثم إعادتهم للحساب أخذ (وسأل عَمَّا أسدى) أي ما أعطاه من النعم، فإنَّه يسأل عن نعمه كيف صرفوها العباد ، وهل أدوا حق الله سبحانه فيها؟
(فما أقلَّ من قبلها وحملها) صيغة تعجب، لقلة من قبل التقوى وعمل بها (حَقَّ حملها) وذلك بالمواظبة الكاملة عليها (أولئك الأقلَّون عددا )من الذين لم يقبلوها أو قبلوها، لكنهم لم يعملوا بها حق العمل (وهم أهلُ صفةِ الله) أي مصداق لوصفه (سبحانه إذ يقول) في القرآن
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (1). فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وَكُظُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً. أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، وَاقْطَعُوا بِهَا يُوْمَكُمْ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَارْحَضُوا ....................................
الحكيم: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) أي الشاكرون حق الشكر، قلباً ولساناً وعملاً.
(فأهطِعُوا) الإهطاع: الإسراع (بأسماعكم إليها) بأن تعجلوا في الاستماع إلى موازين التقوى وكيفيتها (وكظّوا) الكظاظ - لكتاب - الممارسة وطول الملازمة.
(بجدِّكُم ) أي باجتهادكم (عليها ) أي على التقوى فإنَّ ملازمة التقوى في جميع الأمور تحتاج إلى جدِّ واجتهاد.
(واعتاضوها من كلّ سلفٍ خلفاً) أي اجعلوا التقوى عوض كل شيء فانٍ منكم سابقا، فإنَّ من عنده التقوى لم يفته شيء.
( ومن كلّ مخالفٍ موافقاً) فإنَّ الذي يوافق التقوى لا يهتم بمن خالفه، لأنه يوفق أعظم الأشياء وأربحها.
(أيقظوا بها) أي بالتقوى (نومَكُم) فإنَّ من يريد التقوى لابد وأن يستيقظ وقت المنام لأداء الصلاة والعبادة (واقطعوا بها يومكم) أي سيروا من أول النهار إلى الليل مصاحبين التقوى .
( وأشعروها قلوبكم) حتى يكون قلبكم متقيا، لا أن تعمل جوارحكم التّقوى، بدون أن يكون ذلك نابعاً من القلب (وار حضوا) أي اغسلوا
1) سورة سبأ : 13
بِهَا ذُنُوبَكُمْ ، وَدَاوُوا بِهَا الأَسْقَامَ ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلَا يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا . أَلَا فَصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا ، وَكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً ، وَإِلَى الآخِرَةِ وَلأَهَا . وَلا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، وَلَا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا، وَلا تَشِيمُوا بَارقَهَا، وَلاَ تَستَمِعُوا نَاطِقَهَا،
..............................
(بها) أي بالتقوى (ذنوبكم) فإنَّ الحسنات يذهبن السّيِّئات (وداوُوا بها الأسقام) الأمراض النفسية، فإنّ المتقي لا يبخل ولا يجبن ولا ينافق وما أشبه من أمراض القلب، والأمراض البدنية، فإنّ النّفس المعلقة بالله سبحانه تؤثر في البدن، فتشفيه من أمراضه - كما ثبت في علم النفس -.
(وبادروا بها الحِمَامَ )أي الموت، أي اتقوا قبل أن يأخذكم الموت (واعتبروا بمن أضاعها) انظروا إلى من ضيع التقوى لتروا كيف شقى، فيكون ذلك عبرة لكم حتى تلازموا التقوى .
(ولا يَعْتَبِرنَّ بكم من أطاعها) أي لا تكونوا ممن ضيّع التقوى حتى تكونوا عبرة للمطيعين، فإنَّ الشقي عبرة للسعيد، والعاصي عبرة للمطيع (ألا فصونوها) أي احفظوا التقوى، بمعنى اعملوا بها (وتصوَّنُوا بها) أي تحفظوا على أنفسكم من الشقاء بسبب التّقوى (وكونوا عن الدّنيا نُزِّاها) جمع نازه، وهو العفيف (وإلى الآخرة ولَّاها) جمع واله، وهو المشتاق .
(ولا تَضَعُوا من رفَعتْهُ التقوى) أي لا تفعلوا فعلا يوجب خفة المتقي وإسقاطه عن الرفعة والسمو (ولا ترفعوا من رفعته الدّنيا) أي لا تفعلوا فعلا يوجب رفعة غير المتقي من أهل الدّنيا ( ولا تَشِيمُوا )أي لا تنظروا (بارقها) أي سحاب الدنيا، والمعنى لا تنظروا لما يغركم من مطامع الدنيا، من شام البرق، إذا نظر إليه أين يمطر (ولا تستمعوا ناطقها) أي من ينطق نطق الدنيا،
وَلَا تُجِيبُوا نَاعِقَهَا، وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَلَا تُفتَنُوا بِأَعْلاقِهَا، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ، وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ، وَأَعْلاقَهَا مَسْلُوبَةٌ. أَلاَ وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ، وَالْجَامِحَةُ الْحَرُونَ، وَالْمَائِنَةُ الْخَؤُونُ، وَالْجَحُودُ الْكَنُودُ، وَالْعَنُودُ الصَّدُودُ،
......................................
فإنَّ اللازم أن يستمع الإنسان إلى من ينطق حول الآخرة (ولا تجيبوا ناعقها) أي من يتكلم ويصيح لأجل الدنيا، وإنما اللازم أن يجيب الإنسان داعي من يدعو إلى الآخرة (ولا تستضيئوا بإشراقها)أي لا تذهبوا حيث تضيء الدنيا. كناية عن موقع ملذاتها وشهواتها (ولا تفتنوا بأعلاقها) جمع علق بالكسر بمعنى: النفيس، أي لا تخدعوا بنفائس الدّنيا .
(فإنّ برقها خالب) الخالب من السحاب مالا مطر فيه، أي المكان الذي ترى الدنيا نفسها منه خدعة وغرور ، لا يعطى للإنسان ما يأمل (ونطقها) أي كلامها حول نفسها.
(کاذب) لا أصل له ( وأموالها محروبة) أي منهوبة فإنَّها لا تعطي للإنسان مالا، إلَّا وتنهبه منه ( وأعلاقها ) أي نفائسها (مسلوبة) تسلبها من الإنسان بعد إعطائها.
(ألاَ وهي) أي الدنيا (المتصدّية) هي المرأة التي تري نفسها للرجال تميلهم إلى نفسها (العنون) مبالغة، من [عنّ] إذا ظهر، فإنَّها ترى كل يوم لرجل، ولا تفي لأي شخص منهم ( والجامحة الحرون) من جمحت الدابةُ إذا صَعُب ركوبها، والحَرون التي إذا طلب منها السير وقفت (والمائِنَةُ) أي الكاذبة (الخؤون) أي كثيرة الخيانة، فإنَّها لا تفي لأحد .
(والجحود) التي تجحد خدمات الإنسان لها (الكنود) من كند، بمعنى كفر النّعمة، فإنَّ الإنسان مهما خدم الدنيا وجدّ في عمرانها، فإنَّها لا بد وأن تصرع الإنسان وتهلكه (والعنود) كثير العناد والمخالفة (الصّدود) كثيرة الصد
وَالْحَيُودُ الْمَيُودُ، حَالُهَا انْتِقَالٌ، وَوَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ، وَعِزَّهَا ذُلُّ، وَجِدُّهَا هَزْلٌ، وَعُلُوُّهَا سُفَلٌ، دَارُ حَرَبٍ وَسَلبٍ، وَنَهْبٍ وَعَطَبٍ. أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَسِيَاقٍ، وَلَحَاقِ وَفِرَاقٍ . قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا ، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا ، وَخَابَتْ مَطَالِبُهَا ؛
...............................
والهجران (والحيود) مبالغة في الحيد بمعنى الميل، أي كثيرة الميل والانحراف عن الإنسان(الميود) من ماد بمعنى اضطرب أي تضطرب بالإنسان من رفعة إلى ضعة ومن ضعة إلى رفعة وهكذا.
(حالها انتقال) من حال إلى حال فمن الفقر إلى الغنى، وبالعكس ومن الصحة إلى المرض وبالعكس، وهكذا ( ووطأتها زلزال) فإنَّها لا تستقر بأحد فمن وطأها وأراد الاستقرار فيها زلزلت به وحركته من حال إلى حال (وعِزّها ذُلّ) أي ينتهي إلى الذلة، أو أنه ذلة واقعية، إذ العزة الواقعية لأهل الآخرة.
(وجدّها هزل) إذ هو في النتيجة كالهزل، لا حقيقة باقية له (وعلوُّها سفل) فإنَّ الدنيا سافلة، حتى إذا كان الإنسان في أعالي مراتبها (دار حرب) الحرب سلب كل مال الإنسان (وسلب) هو أعم من الحرب ( ونهب) للأموال( وعطب) أي هلاك للإنسان، لأن الدنيا تهلك مال الإنسان وبدنه.
(أهلُها على ساقٍ) أي قائمون على ساق استعدادا لما يأتي من آجالهم (وسياق) أي يساقون إلى الآخرة (ولحاق) فيلتحق الباقي بالماضي إذا مات (وفراق) لمن يموت عن أهله وأصدقائه (قد تحيرت مذاهبها) أي تحير الناس في طرقهم، لا يدرون كيف يعملون لينالوا السعادة، ونسبة التحيّر إلى المذاهب بعلاقة الحال والمحل (وأعجزت مهاربها ) أي عجز النّاس عن الهرب من الأتعاب التي تصل إليهم (وخابت) أي خسرت (مطالبها) أي طلب
فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ، وَلَفَظَتْهُمُ الْمَنَازِلُ، وَأَعْيَتْهُمُ الْمَحَاوِلُ : فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ ، وَلَحْمٍ مَجْزُورٍ ، وَشِلْوٍ مَذْبُوحٍ ، وَدَمٍ مَسْفُوحٍ، وَعَاضِّ عَلَى يَدَيْهِ، وَصَافِقٍ بِكَفِّيْهِ، وَمُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ، وَزَارِ عَلَى رَأْيِهِ، وَرَاجِعِ عَنْ عَزْمِهِ؛
....................................
الإنسان فيها يبوء بالخيبة والفشل.
(فأسلمتهم المعاقل) جمع معقل، بمعنى الملجأ كناية عن عدم وجود ملجأ أمين في الدنيا يقي الإنسان شر المهالك والنوازل(ولفظتهم) أي طرحتهم بشدة، كما يطرح الفم النواة (المنازل) بأن أخرجتهم إلى القبور (وأعيتهم ) أي أعجزتهم (المحاول) جمع محال - بفتح الميم - بمعنى الحذق وجودة النظر أي أن فكرهم وفطنتهم لم يفدهم في الخلاص، ودرك السعادة.
(فمن ناجٍ) من الموت، لم يمت بعد (معقور) أي مجروح، من عقره بمعنى جرحه .
( ولحم مجزور) أي مسلوخ أخذ عنه جلده ، كناية عن شدة بلائه حتى لم يبق منه إلَّا اللحم بلا جلد (وشلوٍ مذبوحٍ) الشلو : البدن، أي هو كالمذبوح في كثرة البلايا عليه .
(ودم مسفوحٍ) قد أريق، بأن قتل الإنسان فأريق دمه (وعاضٍّ على يديه) ندما، فإنّ الإنسان إذا ندم على ما فات عض على إصبعه في اليدين، إذا كان الندم شديداً (وصافق بِكفَّيه) فإنَّ المتحسّر يصفق كفّا على كف (ومرتفق بخدَّيهِ) أي وضع طرفي وجهه على مرفقيه، كما يفعل المتحير، يرفع ساقيه، ويضع يديه عليهما، ثم يضع وجهه على يديه (وزارٍ) من زرى، بمعنى : قبّح (على رَأيِهِ) أي يقبّح رأيه السابق حينما يرى ما جرّ عليه من الندم (وراجع عن عزمه) فيما إذا عزم شيئاً ، ثم تبين له أنه باطل.
وَقَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ، وَأَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ، وَلاتَ حِينَ مَنَاصِ، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ، وَذَهَبَ مَا ذَهَبَ ، وَمَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (1)
.....................................
(وقد أدبرت الحيلة) أي طريق العلاج، فلا يتمكن من علاج ما فات من منافعه (وأقبلت الغيلة) أي الشر الذي أضمرته الدنيا له خفية وغيلة .
(ولات حين مناص) [لات] أصلها[لا] النافية، زيدت عليها [التاء] لتأنيث الكلمة، و[المناص] بمعنى الخلاص، واسم [لات] محذوف، أي ليس الوقت وقت الخلاص من المشكلة التي وقع الإنسان فيها .
(وهيهات هيهات) إشارة إلى تبعيد الأمر في الخلاص من الشقاء الذي هيَّأهُ الإنسان لنفسه (قد فات ما فات) أي مضى فلا يمكن تداركه (وذهب ما ذهب) فلا يمكن الإبقاء عليه (ومضت الدُّنيا لحال بالها) أي للحالة التي تريد هي لا التي يريدها النّاس، فإنَّ البال بمعنى الخاطر.
(فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرينَ) أي لم يأسف لموتهم شيء لا سماء ولا أرض، ولا أمهلهم الله سبحانه حتى يتداركوا الأمر.
1) سورة الدخان: 29
وهي تتضمن ذم إبليس على استكباره وتركه السجود لآدم(عليه السلام) ، وأنه أول من أظهر العصبية، وتبع الحميَّة، وتحذير الناس من سلوك طريقته .
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ والكِبْرِيَاءَ ، وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمَا حِمَىً وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ ،
...................................
التوضيح :
وَمِنْ خُطْبَة له(عليه السلام)(تسمَّى القاصعة)قصعه بمعنى حقّره لأنه(عليه السلام)حقّر فيها حالة المتكبرين (وهي تتضمن ذمّ إبليس على استكباره وتركه السّجود لآدممن وأنه أوّل من أظهر العصبية وتبعَ الحميّة وتحذير الناس من سلوك طريقته) العصبية : الاعتزاز بالعصبة وهي قوم الرجل، في حق أو باطلّ والحمية: حفظ الحمى حقّا كان أم باطلا، وكلاهما باطل .
(الحمد لله الذي لبس العزّ والكبرياء) أي أنهما كاللباس له سبحانه، ملاصقان به (واختارهما لنفسه دون خلقه) فلم يرد لهما التكبر والاعتزاز، بخلاف بعض صفاته الأُخرى، حيث اختارها لخلقه أيضاً، كالعلم والحلم وما أشبه (وجعلهما حِمىّ) هو ما حميته عن وصول الغير إليه والتصرف فيه (وحرما) المحل المحترم الذي لا يدخله إلّا من شاء من خلقه (على غيره) فلا
وَاصْطَفَاهُمَا لِجَلالِهِ، وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ، ثُمَّ اخْتَبَرَ بذلِكَ مَلائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لِيَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ، وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ : إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ *فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ *فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ(1)
ص: 71 - 74 .
............................
يجوز لأحد أن يتكبر (واصطفاهما) أي اختارهما (لجلاله) أي لذاته الجليلة (وجعل اللّعنة) اللعن الطرد عن الخير (على من نازعه فيهما من عباده) أي أراد أن يأخذ بهما، كأنّه منازع لله سبحانه، حيث يريد سلب ما يخصه تعالى .
(ثم اختبر) أي امتحن (بذلك)الاختصاص (ملائكته المقرّبين) في درجات الطاعة والعبادة ( ليميز المتواضعين منهم) الذين لا يغترون ولايتكبرون (من المستكبرين) الذين يلصقون الكبرياء بأنفسهم .
( فقال سبحانه: وهو العالم بمضمرات القلوب) أي ما تضمره وتخفيه قلوب النّاس ( ومحجوبات الغيوب) أي ما هو مستور في الغيب، مما هو غائب عن الحواس ،وبيان هذه الجملة لدفع توهم أنه سبحانه إنّما يمتحن حتّى يعلم المخفيات، إذ الله تعالى يعلم كل شيء وإنما يمتحن ليظهر ما خفي، لا ليعلم ما اختفى - وذلك إتماما للحجّة على العباد- (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً منْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ )أي صنعته وأكملته (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) بأن أعطيته الرّوح المضافة إلىّ تشريفا، كما يضاف البيت الحرام إليه سبحانه، فيقال : بيت الله ، تشريفا (فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) أمر من [ وقع يقع ] والمخاطب الملائكة (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ) الشَّيطان، وسمي إبليساً، لأنه
1) سورة
اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَتَعَصْبَ عَلَيْهِ لأَصْلِهِ. فَعَدُوُّ الله إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ ، وَنَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ ، وَادْرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّز، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ .
أَلاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَرَهُ اللهُ بِتَكَبُرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الآخِرَةِ سَعِيراً؟!
.................................
أُبلس من رحمة الله .
(اعترضته الحميّة) أي عرضت له الكبرياء (فافتخر على آدم بخلقه) إذ خلق الشّيطان من جنس النّار، وخلق آدم من جنس الطّين، فزعم الشّيطان أنّ النّار أفضل من الطّين، ولذا لا ينبغي لمثله أن يسجد لمثل آدم (وتعصّب عليه) أي على آدم (لأصله) المخلوق منه، وقد كان القياس باطلا، إذ لا دليل على أشرفيّة النّار، وعلى تقدير أن تكون أشرف فالإطاعة تشريف للآمر لا للمأمور به (فعدوّ الله) إبليس (إمام المتعصّبين) أي مقتداهم، والسّالك لهذا الطّريق قبلهم (وسلف المستكبرين) أي السّابق عليهم .
(الّذي وضع أساس العصبيَّة) حيث أظهرها (ونازع الله رداء الجبريّة) أي في جبروته وكبريائه، فإنَّه كالرداء له سبحانه خاص به (وادّرع) أي لبس الدّرع ، وهو قسم من الثّياب (لباس التَّعزّز ) بذاته، بأن يعد نفسه عزيزاً (وخلع قناع التَّذلُّل) أمام الله سبحانه، كأنّ الذّلّة قناع في وجه الإنسان يمنعه عن ادعاء ما ليس له .
(أَلَا ترون كيف صغّرَهُ الله بتكبّره) فطرده من الجنّة وجعله لعينا (ووضعه بترفُّعه) أي بسبب أن عَدَّ نفسه رفيعا (فجعله في الدّنيا مدحوراً) أي مطرودا يلعنه كلّ أحد (وأعدَّ له في الآخرة سعيراً) أي نار ملتهبة .
وَلَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الأَبْصَارِ ضِيَاؤُهُ ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهَ الأَعْنَاقُ خَاضِعَةً ، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلائِكَةِ ، وَلكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ، تَمْيِيزاً بِالاخْتِبَارِ لَهُمْ ، وَنَفْياً لِلاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلاَءِ مِنْهُم .
فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطويل،
...........................
( ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤُهُ) خطف البصر كناية عن عدم تمكنه من الرؤية، كأنّها مخطوفة في عدم انتفاع صاحبها بها ( ويبهر ) أي يورث تعجّب (العقول) وحيرتها (رُوَاؤُه) أي حسن منظره (و) من (طِيبٍ يأخُذُ الأنفاس عَرفُهُ) أي رائحته، إذا كانت شديدة الطّيب أخذت بالنفس، فلا يتمكن الإنسان الشام لها أن يتنفّس بسهولة، لأنّ الهواء النّقي النّافع للرئة يخلطه العطر الذي لا تهضمه الرّئة (الفعل) جواب [لو] .
(ولو فعل) سبحانه ذلك (لظلّت له الأعناق خاضعة) أي خاضعة لدم طبيعة لا حسب أمره سبحانه، وبذلك لم يكن امتحان في خضوعهم لآدم (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ( ولخفّت البلوى) أي الابتلاء (فيه) أي في آدم(عليه السلام)(على الملائكة) فلم يكونوا يترفعون عن السجدة لآدم (و لكنّ الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله) حتى يتبيّن المطيع منهم من العاصي.
( تمييزاً) أي لأجل التمييز بينهم (بالاختبار لهم) أي بالامتحان لهم (ونفياً للاستكبار عنهم) فإنّ الإنسان إذا اعتاد إطاعة الأوامر، ذابت في نفسه ملكة التكبّر (وإبعاداً للخيلاء) هو الكبر والاختيال (منهم) أي من الخلق .
( فاعتبروا) أيّها النّاس (بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل)
وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ الأَفِ سَنَةٍ، لَا يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ سِنِي الآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةِ وَاحِدَةٍ. فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَةِ؟ كَلاَّ، مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً . إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الأَرْضِ لَوَاحِدٌ . وَمَا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمَى حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ .
.....................
ومعنى الإحباط محو الحسنات، لما فعل من السّيّئة (وجهده الجهيد) توصيف للجهد بياناً لكثرته، مثل ليلة ليلاء (وكان) إبليس (قد عَبَدَ الله ستَّةَ آلاف سنة) قبل أمره بالسّجود لآدم(عليه السلام)( لا يدرى) في العرف (أمِنْ سِنِي الدُّنيا) كانت تلك السّنوات السّتة آلاف (أم سِنِي الآخِرةِ) إنما أحبط عمله (عن) جهة (كِبرِ ساعةٍ واحدةٍ) إذ تكبّر في لحظة فلم يسجد لآدم .
(فمن ذا بعد إبليس) بتلك العبادة الطّويلة (يسلم على الله)من عقابه والإتيان بـ[على] لأنه يشبه الضرر في أن الله يريد شيئاً، ويريد العاصي شيئاً آخر خلاف إرادته سبحانه (بمثل معصية) أي في حال كونه آتيا بمثل معصية الشّيطان، وهو الكبر (كلّا) ليس كما زعم المتكبّر ، أنّه يتكبّر ثمّ يدخل الجنّة (ما كان الله سبحانه ليدخل الجنّة بشراً) إذا كان عاملا (بأمر) هو الكبر (أخرج به) أي بسببه (منها ) أي من الجنّة (مَلَكاً) وهو بليس، وسمي مَلَكاً للتغليب، وإلّا فهو من الجنّ كما نصّ القرآن الحكيم، والمَلَكُ من نور والجنّ من نار(إِنَّ حُكمَهُ) سبحانه(في أهل السّماء) من الملائكة (وأهل الأرض)من البشر (لواحد) فالكبر مذموم عنده في الطّائفتين (وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة) أي لين ورخصة (في إباحة حمىً حَرّمَهُ على العالمين) فالمعاصي حمي الله سبحانه، حرّمها على العالمين أجمعين، لا يقتحمها أحد إلّا عاقبه ونکّل به .
فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ، وَأَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ . فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ، وَأَغْرَقَ لَكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ، وَقَالَ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (1)، قَذْنَا بِغَيْبٍ بَعِيدٍ،
.............................
(فاحذوروا) يا (عباد الله أن يعديكم) أي يصيبكم الشيطان (بدائِهِ) وهو الكبر والعصيان (وأن يستفزّكم) أي يحرككم لإطاعة أوامره (بندائه) أي دعوته لكم إلى المحرمات (وأن يُجلب عليكم) أي يغلب عليكم(بخيله) أي ركبانه (وَرجلِه) أي مشاته، كما يجلب قائد الجيش على العدو بالركبان والراجلين من أصحابه، والمراد بهم هنا النّاس الأشرار، فقويهم كالراكب وضعيفهم كالراجل .
(فلعمري) قسم بنفسه الكريمة(لقد فوَّق لكم) أي هيَّأ لكم (سهم الوعيد) فإنّ الشيطان يوسوس إلى الإنسان أنه لو لم يفعل المحرم الفلاني يقع في محذور كذا، مثلا لو لم يسرق افتقر، ولو لم يقتل ذهبت هيبته وهكذا.
(وأغرق لكم بالنزع الشّديد) الرامي إذا أراد أن يرمي بكلّ قوّة نزع وتر القوس بكلّ شدّة، ويسمى ى ذلك بالإغراق في النزع (ورماكم من مكان قريب) لأن موضع الشيطان في نفس الإنسان، ولذا يوسوس إليه من أقرب الأماكن إلى الإنسان.
(وقال) الشيطان لله سبحانه ، حين طرده عن الجنّة : يا (رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي) أي من أجل إغوائك لي - بأن أمرتني بالسجود لآدم الذي صار سبباً لضلالي - (لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ) أي للبشر (فِي الأرْضِ) والمراد تزيين المحرّمات في أعينهم.
(وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أي أضلّنهم (قذفاً بغيبٍ بعيدٍ) أي كان الشيطان في
1) سورة الحجر: 39
وَرَجْماً بِظَنْ مُصِيبٍ، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ، وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ. حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ ، فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِيَّ إِلَى الأَمْرِ الْجَلِيِّ،
.....................................
كلامه هذا، يقول رميا بالغيب إذ من أين علم أنه يتمكن من إضلال النّاس (ورجماً بظَنِّ مُصيب﴾ الرجم: رمي الحجر، أي أنه كان يرمي ظنّه إلى الإنسان وقد أصاب ظنه، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(1)(صدّقه به ) أي بظنّه (أبناء الحمية) الّذين لهم عصبيّة الجاهليّة، كما قال سبحانه: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ (2).
(وإخوان العصبيّة) أي الّذين لهم عصبيّة وكبر (وفرسان الكِبرِ والجاهِليَّةِ) كأنّهم في شدّتهم وقوّتهم في التّكبر، كالفرسان، أي راكبو الأفراس في الحرب لا كالمشاة.
(حتّى إذا انقادت له الجامحة منكم) أي النّفوس الّتي تمّت، فإنّ الجموح عق الفرس وعدم انقيادها للرّكوب (واستحكمت الطَّمَاعِيَّةُ منه) أي الطمع من الشيطان (فيكم) ولا يخفى أنّ قوله: [حتّى] للغاية، أي أنّهم صدقوه حتى أذا وصل الأمر إلى الانقياد والاستحكام ويأتي جواب قوله [إذا] (فنجمت) أي ظهرت (الحال) أي حال العصيان (من السّر الخفيّ) الذي كان وسوسة في الصّدِور، وميلاً في القلوب (إلى الأمر الجليّ) بأن جاهروا بالعصيان وإطاعة الشّيطان .
اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَدَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلّ، وَأَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ ، وَأَوْطَأُوكُمْ إِثْخَانَ الْجَرَاحَةِ، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ، وَحَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ ، وَدَقّاً لِمَنَاخِرِكُمْ، وَقَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ ، وَسَوْقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ .
..........................................
(استفحل سلطانه عليكم) استفحل الأمر إذا اشتدّ، أي قوّيت سلطة الشيطان على النّاس .
(و دلف) أي اقترب (بجنوده نحوكم) أي مع جنوده من الشّياطين وأتباعه من أفراد الإنسان (فأقحموكم) أي أدخلوكم (ولجات الذلّ)جمع وليجة، وهي المحل الذي يدخل فيه الإنسان، فإنّ الأُمور الّتي يأمر بها الشّيطان، توجب الذّلّة في الدنيا والآخرة (وأحلّوكم ورطات القتل) جمع ورطة، وهي الشّدّة التي يتورط فيها الإنسان، أي أدخلوكم - الشيطان وجنوده - في موجبات قتل بعضكم بعضاً، من الشّقاق والتّشنّت وما أشبه (وأوطأوكم إثخان الجراحة) يقال أثخنه الجرح ، إذا أضعفه، أي أن الشيطان وجنده أوطأوكم وطاً مثل وطء ضعف الجراحة، فقد أجرحوا النّاس بجراحات المعاصي والآثام حتى ضعف (طعنا في عيونكم) فلا تبصر الحق، كالذي طعن في عينه (وحزّا في حلوقكم) حتى لا تذوق مذاق الإيمان، كالذي حزَّ - أي قطع حلقه-.
(ودقّاً لمناخركم) جمع منخر، بمعنى: الأنف، فقد أرغم الشيطان الإنسان وأذله، كما يدق أنف الذليل (وقصداً لمقاتلكم) جمع مقتل، بمعنى موضع القتل- وهي الحنجرة - أي قصد الشيطان إهلاككم، كما يقصد القاتل حنجرة القتيل(وسوقاً) أي يسوقكم سوقاً (بخزائِم القهرِ) جمع خزامة، وهي حلقة تدخل في أنف البعير ليشدّ بها الحبل الّذي يجر به، وإضافتها إلى
إِلَى النَّارِ المُعَدَّةِ، فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ جَرْحاً، وَأَوْرَى فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً، مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ، وَعَلَيْهِمْ مُتَأَلبِينَ . فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ، وَلَهُ جَدَّكُمْ، فَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَوَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ، وَدَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَصَدَ بِرَجِلِهِ
.......................................
القهر ، لأن الشيطان يقهر الإنسان ويجبره سوقاً (إلى النَّارِ المُعَدَّةِ) للعاصين.
(فأصبح) الشيطان (أعظمَ في دينكم جرحا) كأن الدِّين - عند المتديِّن - جسد صحيح، فإذا عصى جرح في دينه بمقدار تلك المعصية (وأورى في دنياكم قدحاً) أي أشد قدحا - وإخراجاً - للنّار المحرقة لدنياكم (من الَّذين أصبحتم لهم مناصبين) أي أنّ الشيطان أشد عداوة لكم من سائر أعدائكم الذين تناصبونهم - أي تحاوبونهم - ( وعليهم مُتَألِّبين) التألب: التجمع لأجل المحاربة .
( فاجعلوا) أيّها الناس (عليه) أي على الشّيطان (حدّكُم ) أي غضبكم وحِدَّتَكُم (وله)أي للشيطان (جَدّكُم) واجتهادكم، أو قطعكم، فإنَّ [جدَّ] بالفتح، بمعنى : القطع (فلعمر الله) قسم بالله سبحانه(لقد فخر على أصلكم) أي افتخر الشيطان على أصلكم الذي هو آدم(عليه السلام) حيث قال : أنا خير منه (ووقع في حسبكم) أي في شرفكم، إذا ذهب شرفكم بإيجابه المعاصي عليكم، فإنَّ شرف الإنسان في الطاعة (وَدَفعَ في نسبِكُم) فإنَّ انتساب الإنسان بالأنبياء يوجب رفعته فإذا أطاع الشيطان ابتعد عن نسبه الرفيع وصار وضيعاً بسبب العصيان، وهذا دفع لشرافة النسب (وأجلَبَ بخيله عليكم) أي أحضر لكم أتباعه الأقوياء - كأنهم راكبو الخيل - لإضلالكم وإغوائكم.
( وقصد بِرَجلِهِ) أي أعوانه الضعفاء، الذين هم كالجند الراجلين، لا خيل
سَبِيلَكُمْ ، يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَيَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلِّ بَنَانٍ. لَا تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ، وَلَا تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ، فِي حَوْمَةِ ذُلِّ ، وَحَلْقِةِ ضِيقٍ وَعَرْصَةِ مَوْتٍ، وَجَوْلَةِ بَلاءٍ. فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ وَأَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ
.....................................
لهم (سبيلكم) ليحرّفكم عن الطريق (يقتنصونكم) الاقتناص : أخذ الصياد للصيد دفعة (بكلّ مكان) لإضلالكم (ويضربون منكم كُلَّ بنان) أي الأصابع، فإنَّه أذا ضربت أصابع الإنسان لم يقدر على أخذ السّيف والمجاهدة، وهذا كناية عن تضعيف الشيطان لقوى الإنسان الإيمانية (لا تمتنعون) عنه (بحِيلَةٍ) تخلصكم من يده .
(ولا تدفعون) الشيطان عن أنفسكم (بعزيمة) أي بإرادة قوية، فأنتم (في حومة ذُلٍّ) أي محل ذلّة، إذ المعصية توجب الذلة (وحلقة ضيقٍ) فإنَّ اتباع الشيطان يوجب ضيق الدنيا وضيق الآخرة، قال سبحانه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا(1)
(وعرصة موت) العرصة: الساحة، أي أنتم في ساحة الموت، وهي و الدنيا (وجولةٍ بلاءٍ) يجول عليكم البلاء، أي كيف تتبعونه وأنتم هكذا لا تدرون مصيركم؟ .
(فأطفئُوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبيّة) فإنّ الصّفات الرذيلة ملكات في قلب الإنسان، إذا فكر الإنسان في رذالتها وعالجها أُطفِئَتْ وخمدت (وأحقاد الجاهلية) فإنّ أهل الجاهليّة كان يحقد بعضهم على بعض بمناسبات الانتساب إلى القبائل المختلفة (فإنما تلك) الأحقاد و (الحميّة) التي
1) سورة طه : 124 .
تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَوَاتِهِ، وَنَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ، وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُؤُوسِكُمْ ، وَإِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ ، وَخَلْعَ التَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ؛ وَاتَّخِذُوا التَّوَاضَعَ مَسْلَحَةٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ؛ فَإِنَّ لِهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَأَعْوَاناً، وَرَجِلاً وَفُرْسَاناً ، وَلاَ تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ
.............................
يتّبعها في حق وباطل من غير مراعاة موازين الحق (تكون في المسلم من خطرات الشيطان) أي ما يوجب الشيطان أن يخطر بذهن المسلم (ونخواته) جمع نخوة، بمعنى التكبر والتعاظم (ونزغاته) جمع نزغة، بمعنى الإفساد (ونفثاته) جمع نفئة، بمعنى النفخة ، كأَنَّه ينفخ في الإنسان بوساوسه، وتلك النفخة توجب تلك العصبيّات .
(واعتمدوا) أي اطلبوا (وضع التذلُّلِ على رؤوسكم) بأن تكونوا متواضعين (وإلقاء التَّعزّز تحت أقدامِكم) بأن لا تظهروا العزّة والعصبيّة (وخَلْعَ التَّكبُّرِ من أَعناقِكُم) فإنَّ التكبر يظهر في العنق كأنه طوق فيه .
(واتخذوا التَّواضع مَسلَحةَ) الثغر ، أو محل السلاح الذي يؤخذ منه السلاح لمحاربة العدو (بينكم وبين عدوّكم إبليس وجنوده) كأنه الحدّ الفاصل بين بلاد الإيمان وبلاد الشيطان، فإنَّ تواضع الإنسان لم يتمكن إبليس من السيطرة عليه، أما إذا تكبر كان الشيطان مسيطراً عليه (فإنّ له) أي للشيطان (من كلِّ أُمةٍ جنوداً وأعواناً) يتخذهم لمحاربة المؤمنين ( ورجلاً وفُرسانا) أي جنودا راجلين، وجنودا راكبين.
(ولا تكونوا كالمتكبِّر على ابنِ أُمِّهِ) أي أخيه، والمراد به قابيل الّذي حسد أخاه هابيل(عليه السلام)( مِنْ غيرِ ما فَضلٍ جَعَلَهُ اللهُ فيهِ) أي بدون أن يكون له فضل عليه، و[ما] زائدة.
سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ، وَقَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ، وَنَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحَ الْكِبْرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ اللهُ بِهِ النَّدَامَةَ ، وَأَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَائِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
أَلاَ وَقَدْ أَمْعَنْتُمْ فِي الْبَغْيِ، وَأَفْسَدْتُمْ فِي الأَرْضِ ، مُضارحَةً لله بِالْمُنَاصَبَةِ، وَمُبَارَزَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالمُحَارَبَةِ .
.................................
(سوى ما أَلحَقِّتِ العَظمَةُ بِنَفْسِهِ مِن عَداوَةِ الحَسَدِ)أي لافضل له سوی الحسد الذي يوجب إلحاق العظمة بنفس هذا الإنسان المتكبر، فإنَّ الإنسان إذا حسد أخاه، زعم أن نفسه عظيمة (و) سوى ما (قدحت الحميَّةُ في قلبه من نارِ الغَضَبِ) فإنّ الحمية الجاهلية تورث اشتغال نار الغضب في قلب الإنسان على أخيه (ونفخَ الشيطانُ في أنفهِ مِن رِيحِ الكِبَر ) حتى تكَبر وتعاظم (الّذي أَعقبهُ الله به النَّدامَةَ) فإنّ الله سبحانه يعقب المتكبر الندامة (وألزمَهُ آثامَ القاتلينَ) أي خطاياهم (إلى يوم القيامة) فإنَّ قابيل شريك في قتل كل مقتول بغير حق، لأنه أول من علم الناس القتل حسداً وبغياً، والإنسان المتكبر يكون حاله حال قابيل حيث حسد أخاه بلا سبب ولا مبرر .
(ألا وقد أَمْعنتُمْ) أيها الناس (في البغي) أي الظلم فقد كان عُمَر وضع أُسس الحمية العربية، حيث قال : [ إن قريش تأبى ذلك] و [إنّ العرب لا ترضى بذلك] وأشباه هذا، وامتدت هذه الحمية - بعد أن زادت في زمن عثمان - إلى أيام الإمام، ولذا عنّفهم(عليه السلام)بهذا الخطاب.
(وأفسدتم في الأرض مصارحةً لله بالمناصبةِ) أي صارحتم وأظهرتم المحاربة لله سبحانه حيث أنه سبحانه جعل الميزان التقوى وأنتم جعلتم الميزان العصبيات ( ومبارزة للمُؤمِنينَ بالمحَارَبَةِ) فقد كان العرب في زمن
فَالله الله في كِبْرِ الْحَمِيَّةِ وَفَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ! فَإِنَّهُ مَلاقِعُ الشَّنَآنِ، وَمَنَافِخُ الشَّيْطَانِ، الَّتِي خَدَعَ بِهَا الأُمَمَ الْمَاضِيَةَ ، وَالْقُرُونَ الْخَالِيَةَ . حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسٍ جَهَالَتِهِ، وَمَهَاوِي ضَلالَتِهِ، ذُلُلاً على سِيَاقِهِ ، سُلُساً فِي قِيَادِهِ .
.................................
الإمام وما قبله لا يهتمّون بالمسلمين الذي ليسوا من هذا العنصر، ويقولون لهم - الموالي - لا يزوجونهم ولا يرون أنهم في الكفاءة، أما حين جاءت نوبة دولة معاوية وبني أمية، فقد اشتد الأمر اشتدادا هائلا كما هو مذكور في التاريخ (فـ) اذكروا (الله الله في كِبرِ الحميَّةِ) أي التكبر الناشيء من الحمية (وفخر الجاهلية) الذين كانوا يفخرون بأنسابهم لا بأحسابهم (فإنَّهُ) أي كبر الحمية وفخر الجاهلية (ملاقِحُ الشَّنآن) جمع ملقح ، أي لقاح البغض، بمعنى الذي يولده بين الناس (ومنافِخُ الشيطانِ) جمع منفخ، بمعنى: النفخ، أي أنه من نفخ الشيطان في قلوب الناس (التي خدع) الشيطان (بها) أي بتلك المنافخ (الأُمم الماضِيةَ) فكان يوسوس إليهم أنهم خير من الأمم الأخرى، حتى يوجب بينهم شقاقا واختلافا ( والقرون الخالية) أي الماضية :
(حتى أعنَقُوا) أولئك الأمم، والاعناق: الاختفاء (في حنادس) جمع حندس، بمعنى: الظلام الشديد (جهالته ) أي انهم اختفوا في ظلمات الجهالة التي هَيأها لهم الشيطان حيث زعموا أنهم أفضل من جيرانهم - بسبب الدم - كما زعم اليهود أنهم شعب الله المختار (ومهاوي) جمع مهوى بمعنى محل الهوي والتردّي (ضلالته) فقد أضلهم الشيطان بهذه الوسوسة وأهلكهم.
ذُلُلاً على سِياقِهِ) جمع ذلول، من الذل ضد الصعوبة، والسياق السوق، أي أن الأُمَم كانوا سلسي القياد للشيطان يسوقهم كيف يشاء (سُلُساً) جمع سلس، بمعنى السهل (في قيادِهِ) أي في الانقياد لقيادة الشيطان، وهي التسيير
أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِيهِ، وَتَتَابَعَتِ الْقُرُونُ عَلَيْهِ، وَكِبْراً تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ . أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمُ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوْا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا الله مَا صَنَعَ بِهِمْ، مَكَابَرَةٌ لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةً لآلائِهِ . فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ
...................................
بالدابة من أمامها، والسوق: التسيير بها من خلفها (أمراً تشابهت القلوب فيه) أي أطاعوا أمر الشيطان، الذي تشابهت قلوب الناس في إطاعته (وتتابعت) أي توالت (القرون) جمع قرن، وهي القطعة من الزمان الممتدة بامتداد عمر جيل من الناس (عليه) فكلهم يسلكون سبيل الشيطان ( وكِبراً) أي يَتَّبعون تكبراً ونخوة (تضايقت الصُّدُور به) فإنَّ الكبر يوجب ضيق صدر الإنسان، بخلاف التواضع، فإنَّ القلب - الذي في الصدر - يتسع لكل شيء بسببه .
(ألا فالحذر الحذر) منصوب بفعل مقدر، أي احذروا الحذر (من طاعة ساداتكم وكبرائكم الّذين تكبَّروا عن حسبهم) فإنَّ حسبهم - أي مؤهلاتهم وفضائلهم كانت قليلة، وأظهروا للناس أنها أكبر من الواقع (وترفَّعُوا فوق نَسبهِمْ) بأن تكبروا وأظهروا أنفسهم كبراء أكثر من كبرهم الواقعي الذي كان مقتضى نسبهم (وألقوُا الهجِينَةَ) أي الصفة القبيحة (على ربِّهم) فإنَّهم باحتقارهم الناس إنما احتقروا خلق الله سبحانه (وجاحدوا الله ما صنع بهم) يعني جحدوا وأنكروا ما فعل الله بهم من ضعة النسب وقلة الفضيلة، فبمقتضى كبرهم تمنوا أن لو كان لهم فوق مقامهم نسباً وحسباً .
(مكابرة لقضائِهِ) أي تكبروا على قضاء الله وحكمه فيهم (ومغالبة لآلائه) جمع [أُلى] بمعنى النعمة، أي أرادوا أن يغلبوا النعم، بأن يكون لهم فوق ما قدر الله لهم (فإنهم ) أي أولئك السادات الذين كان أمرهم كما تقدم (قواعِدُ أَساسِ
الْعَصَبِيَّةِ ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. فَاتَّقُوا الله وَلاَ تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً ، وَلَا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً . وَلاَ تُطِيعُوا الأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَفْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أَساسُ الْفُسُوقِ، وَأَحْلاَسُ الْعُقُوقِ. اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلالٍ،
......................................
العصبِيَّةِ) فإنَّ العصبيَّة انتشرت إلى الناس منهم ودعائِمَ أركانِ الفِتنةِ) فإنَّ الفتنة بين النّاس والاضطراب إنما تنشأ منهم، لأنهم يوجدون التفرقة، والتمايز حسدا وكبراً (وسيوف اعتزاء الجاهليَّة) الاعتزاء : التفاخر بالنسب ، فإنَّ الجاهلية إنما تشهر السيوف بعد التفاخر الذي ينجر إلى المحاربة (فاتَّقُوا الله) خافوا عقابه، فلا تفخروا بمثل هذه المفاخرات، ولا تعتزوا بمثل هذه الجهالات والعصبيات (ولا تكونوا لنعمهِ عليكم أضداداً) بأن يضاد بعضكم بعضاً، لأنّ الله أنعم على ذلك دون هذا .
( ولا لفضله عندكم حُسَّاداً) بأن يحسد بعضكم بعضا، لأنه سبحانه تفضل على هذا دون هذا ( ولا تُطيعوا الأَدعياء) جمع دَعِي وهو الذي يدعي الدين ويلصق نفسه به (الذين شربتم بصفوكم كَدَرَهُمْ) فإنَّ الإنسان في نفسه سالم وإنما يتخذ العصيان والانحراف من غيره فشبه(عليه السلام) الإطاعة بالصفو والعصيان بالكدر (وخلطتم بصحّتكم) عن الرذائل (مرضهم) وتلوثهم بالآثام (وأدخلتم في حقّكم باطلهم) بأن أخذتم منهم بعض الأباطيل فاختلط بما تعملون من الحق (وهم أَساسُ الفُسوق) أي الخروج عن طاعته سبحانه، فإنّ أصحاب العصبية هم أول من يظهر منهم الفسق (وأَحلاسُ العُقُوقِ) جمع حلس - بالكسر - وهو وهو غطاء رقيق على ظهر البعير ملازم له فقيل لكل ملازم لشيء هو حلسه، والعقوق: العصيان، أي الملازمون له (اتخذهم إبليس مطايا ضلال)
وَجُنْداً بهمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَتراجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ وَدُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَنَفْثَاً فِي أَسْمَاعِكُمْ فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ ،وَمَوْطِيَ قَدَمِهِ ، وَ مَأْخَذَ يَدِهِ.
فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الأُمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَصَوْلاتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلاتِهِ ،
..................................
فإِنَّ ضلاله يحمل عليهم ثم يتعدى إلى سائر الناس .
(وجنداً بهم يصُولُ) الشيطان (على النّاس) أي يحارب المتدينين بسببهم لأنهم أصحاب المنكر وأعداء المعروف.
( وتراجِمةٌ) يترجمون كلام الشيطان ويبينونه (ينطق على ألسنتهم) بإيحاء ما يشاء إلى قلوبهم (استراقاً) أي سرقة من الشيطان (لعقولكم) لأنه لو كان للإنسان عقل ثابت غير مسروق لم يبع آخرته بالإضلال والضلال (ودخولاً في عيونكم) للحيلولة بينها وبين رؤية الحق (ونفثاً) أي نفخا (في أسماعكم) إذ لو كان السمع صحيحا لم يستمع الإنسان إلى كلامٍ باطل .
( فجعلكم) الشيطان (مَرْمَى نَبلهِ) النبل : السهم، والمرمى محل الرمي (وموطِئَ قدمه) كأنّه يطؤهم تحت أقدامه، وهذا كناية عن سيطرته واستذلاله لهم (ومأخذ يده) يأخذهم بأيديه ليتصرف بهم كيف شاء .
( فاعتبروا ) أيها الناس (بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم) حيث استكبروا عن قبول الحق (من بأس الله) أي عذابه سبحانه (وصولاته) الصولة : الهجوم بقصد الإضرار ( ووقائعه) جمع واقعة، والمراد بها عذابه سبحانه إياهم (ومثُلاتِهِ) أي عقوباته التي توجب أن يضرب بها المثل
وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ، وَمَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِح الْكِبْرِ ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ. فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الْكِبْرِ لأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ ؛ وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهُ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ ، فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفْرُوا فِي التُرابِ وُجُوهَهُمْ ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ،
...............................
(واتعظوا بمثاوي خدودِهِم) جمع مثوى، بمعنى المنزل، ومثوى الخد الموضع الذي يوضع فيه في القبر، والمراد الاعتبار بمصارع أولئك القوم كيف أهلكوا لما خالفوا الأنبياء وتكبروا (ومصارع جنوبهم) جمع مصرع، وهو محل صرع الجنب على التراب (واستعيذوا بالله من لواقح الكبر) جمع لاقحة، وهي التي تلقح في النفس، كما يلقح الذكر الأنثى، واللاقح هنا إبليس .
(كما تستعيذونه) أي تطلبون منه سبحانه (من طوارق الدهر) جمع طارقة، وهي المصيبة التي تطرق الإنسان وتأتيه فجأةً.
(فلو رخصَّ الله في الكبر لأحدٍ من عباده) بأن أباح لأحد أن يتكبر(لرخَّصَ فيهِ) أي في الكِبرِ (لخاصَّةِ أنبيائهِ وأوليائِهِ) أي الأنبياء والأولياء المخصوصون بفضله وكرمه سبحانه (ولكنه سبحانه كرَّهَ إليهم التكابر) أي جعله مكروها لديهم، والتكابر هو أن يتكبر بعضهم على بعض (ورضيّ لهم التّواضع) بعدم إظهار الأنانية .
(فألصقوا) أي الأنبياء والأولياء( بالأرض خدودهم) في حال السجود له سبحانه، تواضعاً (وعفّروا في التراب وجوههم)والتعفير: هو التقليب على التراب (وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين) كما يخفض الفرخ جناحه لأمه وأبيه
وَكَانُوا أَقواماً مُسْتَضْعَفِينَ . وَقَدِ اخْتَبَرَهُمُ الله بِالْمَخْمَصَةِ، وَابْتَلاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ، وَمَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ. فَلاَ تَعْتَبِرُوا الرّضَا وَالسُّخْطَ بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالاِخْتِبَارِ فِي مَواضِع الْغِنَى وَالاِقْتِدَارِ ،
................................
تذللا وتواضعا قال سبحانه: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(1).
(وكانوا أقواماً مستضعفين) يستضعفهم الناس يعدونهم ضعفاء مع أنهم كان في أيديهم قوى الكون - بأذنه سبحانه -(وقد اختبرهم الله بالمخمصة) أي امتحنهم بالجوع (وابتلاهم بالمجهدةِ) أي المشقة الموجبة للجهد.
( وامتحنهم بالمخاوف) أي الأمور المخوفة، بأن كانوا في خوف من الأعداء ( ومخضهم ) يقال مخض اللبن إذا حركه ليخرج زبده (بالمكاره) أي بالأمور المكروهة لدى الإنسان، فإنَّ المكاره تظهر قوة إيمان الإنسان ومزاياه العقلية وفضائله النفسية (فلا تعتبروا الرّضا) أي رضاه سبحانه (والسَّخط) أي غضبه .
(بالمال والولد) فإذا رأيتم أنه تعالى أعطى لشخص مالا وولدا كثيرا تستدلّون بذلك على أنّه سبحانه رضي من المعطى، وسخط على من لم يعطه .
(جهلا) منكم - إذا اعتبرتم ذلك -(بمواقع الفتنة) أي الامتحان (والاختبار) بأن تجهلوا كيف امتحانه سبحانه (في مواضع الغنى والاقتدار) فتظنون أن الغني المقتدر مرضي له تعالى، وعكسه مسخوط عليه من قبله
1) سورة الشعراء : 215
وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ *نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (1)فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ .
وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - عَلَى فِرْعَوْنَ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ، وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ، فَشَرَطَا لَهُ
...................................
سبحانه (وقد قال سبحانه وتعالى :) في نفي ذلك (أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ) أي أتظنون أنّ أموالهم وأولادهم، التي منحناها لهم إنما ذلك لأجل انّا (نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ) ؟ أي نسرع لإعطاء هذا الخير لهم هناگف وهناك عندهم أفضل، كما قال أحدهم فيما حكى القرآن عنه : وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا(2)والاستفهام في الآية للإنكار، ولذا قال سبحانه: (بل لايشعرون)ان الأمر ليس كذلك، بل إنما ذلك لإزهاق أنفسهم .
(فإنّ الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم) انصراف متعلق بالمستكبرين (بأوليائه المستضعفين في أعينهم) فإنّ الأولياء أقوياء بنظر الواقع، وإنما ضعفاء بنظر المستكبرين، والله يمتحن أولئك بهؤلاء فإنَّ أكرموهم واتخذوا بأقوالهم نجوا وإلا هلكوا .
( ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون -(عليه السلام)- على فرعون) حين أرسلهما الله سبحانه إليه (وعليهما مدارع الصّوف) جمع مدرعة وهي ثوب قصير ضيق لا يلبسه إلّا المتواضع، لعدم كونه فضفاضا يلائم الكبرياء (وبأيديهما العصيُّ) جمع عصا، وهذا أيضاً ظاهرة أخرى للتواضع (فشرطا له)
.....................................
أي لفرعون (إن أسلَمَ) لله سبحانه (بقاء ملكه ودوام عزّه) فإنَّه لم يك يهلك، على تقدير إيمانه، والمراد بالبقاء والدوام: الاستطالة لا الأبدية - كما لا يخفى -.
(فقال) فرعون لمن حوله : (ألا تعجبون من هذين) الشخصين (يشرطان لي دوام العزِّ وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذُّلِّ) ؟! وكيف يمكن أن يكون الفقير الذليل معطياً للعزّ والبقاء، فإنّ ذلك للغني العزيز (فَهلاً أُلقي عليهما أساورةٌ من ذهب) لو كانا صادقَين في دعواهما النبوة من قبله سبحانه؟ وأساورة: جمع أسورة، جمع سوار ، وهو ما يجعل زينة في اليد، وقد كان الملوك في السابق يلبسون السوار، ولذا أخبر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بعض أصحابه بأنه يلبس سوار كسرى ملك الفرس، وكان كما قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وقد كان هذا الكلام من فرعون (إعظاما للذّهب وجمعه) كأنّه معيار النبوة (واحتقارا للصّوف وَلُبْسِهِ) كأنّه ينافي البعث من طرفه تعالى .
(ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه - حيث بعثهم - أن يفتح لهم كنوز الذِّهبانِ) جمع ذهب (ومعادن العِقيان) هو نوع من الذهب ينمو في معدنه (ومغارس الجنان) جمع مغرس، أي محل غرس الأشجار في البساتين بأن يكون لهم بساتين وأشجارا (وأن يحشر معهم) أي يجمع لديهم، فإنّ الحشر بمعنى
طُیُورَ السَّمَاء وَوُحُوشَ الأَرْضِ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلاءُ، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ، وَاضْمَحَلَّتِ الأَنْبَاءُ ، وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلِينَ، وَلاَ اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ، وَلاَ لَزِمَتِ الأَسْمَاءُ مَعَانِيهَا . ولكنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ، وَضَعَفَةً
..................................
الجمع (طيور السّماء) حيث ذهبوا ذهبت (ووحوش الأرض) جمع وحش، وهو الحيوان غير الأهلي، سواء كان سبعا أم لا (لفَعَلَ) جواب [لو] (ولو فَعَلَ) سبحانه ذلك بالأنبياء بأن أعطاهم هذه الهيبة، وهذا الملك (لسقط البلاء) أي الامتحان، أي لم يمتحن الناس بالأنبياء لأن الناس يتبعون الملك والسلطة، أينما كانا، فلم يتميز الخبيث من الطّيب .
(وبطل الجزاء) إذ الجزاء على اتباع الحق عن اختيار ورغبة، لا اضطرار اتباع المال والسلطة (واضمحلَّت) أي بطلت وذهبت (الأنباء) أي أخبار السماء بالوعد لمن آمن والوعيد لمن كفر ، لعدم الحاجة إلى ذلك (وَلَما وجب للقابلين أجور المبتلين) أي ثواب الذين ابتلوا واختبروا، فخرجوا ناجحين من الاختبار، وأدوا حق الله في المضايق . المهالك، عن طيب نفس ورغبة قلب .
(ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين) لأنهم لم يحسنوا باتباع الأنبياء. بل اتبعوا شهواتهم في المال والسّلطة (ولا لزمت الأسماء معانيها) فمثلا المؤمن ليس بمعناه الحقيقي، وهو الّذي نبع إيمانه من القلب، وإنما يسمى به من انقاد، والإنقاد خوفا وطمعا للسلطة الثرية ليس إيماناً حقيقيا.
(ولكنّ الله سبحانه) عوض أن يزود الرسل بالمال والجاه (جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم) جمع عزيمة، بمعنى الإرادة (و) حملهم (ضعفة) جمع
فِيمَا تَرَى الأَعْيُنُ مِنْ حَالاتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلأُ القُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنَىً، وَخَصَاصَةٍ تَمْلأُ الأَبْصَارَ وَالأَسْمَاعَ أَذىً .
وَلَوْ كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ ، وَعِزَّةِ لاَ تُضَامُ، وَمُلْكٍ تُمتَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ ، لَكَانَ ذلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الاعْتِبَارِ ، وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الاِسْتِكْبَارِ، وَلَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ، أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ ،
.....................................
ضعیف (فيما ترى الأعين من حالاتهم) المادية، والجاهية (مع قناعة) للرسل عن المال والجاه (تملأ القلوب والعيون غنى) فإنّ قلبهم لا يميل إلى زخارف الدنيا، وعينهم لا تنظر إلى زينتها نظر تطلب واشتهاء (وخصاصةٍ) أي فقر (تملأ الأبصار والأسماع أذىً) كما يتأذّى النّاس من رؤية الفقراء واستماع أحاديثهم .
(ولو كانتِ الأنبياء أهل قوّة لا ترام) أي لا تقصد، بمعنى أن أحداً لا يقصدهم لكثرة قوّتهم، أو أن قوتهم من الكثرة بحيث لا يتوقع أحد أن يكون مثلهم في القوّة (وعزّة لا تضام) أي لا تغلب بحيث تكون عزتهم فوق كل عزة لا يتمكن أحد من ظلمهم (ومُلكٍ تمتد نحوه أعناق الرجال) تعجباً وتطلباً .
(رتُشدُّ إليهِ عُقدُ الرّحَالِ) جمع عقدة، الحبال التي تعقد على الرجل لئلآ يقع من ظهر الدابة، فإنّ أصحاب السلطة يسافرون الناس إليهم طلباً لدنياهم (لكان ذلكَ) الملك (أهون على الخلقِ في الإعتبار) أي أضعف تأثيراً في القلوب من جهة اعتبارها واتعاظها (وأبعدُ لَهم في الاستكبَارِ) أي لا يتكبّرون عليهم بل يؤمنون بهم فوراً، لأنّ الناس على دين ملوكهم، أو المعنى أنه يسبب استكبار النّاس، لأنهم يرون الأنبياء وهم قدوة في هالة من الكبرياء .
(ولآمنوا عن رهبةٍ قاهرةٍ لهم أو رغبةٍ مائلةٍ بهم) أي لم يكن إيمانهم عن
فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً، وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةٌ . وَلكِنَّ الله سُبْحَانَه أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الاِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ ، وَالتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ ، وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، وَالاِسْتِكَانَةُ لأَمْرِهِ، وَالاِسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ، أُمُوراً لَه خَاصَّةً، لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ. وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَالاخْتِبَارُ أَعْظَمَ ، كَانَتِ الْمُثُوبَةُ وَالْجَزَاءُ أَجْزَلَ .
..........................................
رهبة النار، أو رغبة الجنة، لأنهم في مناً عنهما، بل كان الإيمان لسلطة الأنبياء وثروتهم.
(فكانت النّيّات مُشتركةٌ) أي نية المؤمن حقيقة، والمؤمن لأجل السلطة، مشتركة غير معلومة أن أيهما عن حقيقة، وأيهما عن رغبة في سلطة الأنبياء .
(والحسنات مقتَسَمةٌ) بينما ينبغي أن يكون للمؤمن الحقيقي الحسنة لا لكل من أظهر الإيمان .
(ولكنَّ الله سبحانه أراد أن يكون الاتِّباع لرسله والتَّصديقُ بكتبه) السماوية (والخشوع لوجهه) أي ذاته المقدسة وسميت بالوجه لتوجه الإنسان إليها. فباعتبار ذات، وباعتبار وجه، وباعتبار جنب، وباعتبار عين، وهكذا (والاستكانَةُ) أي التضرع (لأمره) تعالى ( والاستسلام) أي الانقياد (لطاعته) سبحانه (أُمور آله خاصَّةً) بأن يكون المؤمن إنما آمن لذاته تعالى، لا لما يرى من سلطة الأنبياء (لا تشوبها من غيرها) أي من غير هذه الأمور (شائِبَةً) بأن لا تدخلها ريبة سلطة وثروة .
(وكلما كانت البلوى) أي الابتلاء (والاختبار أَعظم) حيث يكون الإيمان أشكل (كانت المثوبة والجزاء أجزل) لأن الأجر بقدر المشقّة .
ستون
أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ، إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هذا الْعَالَم؛ بِأَحْجَارٍ لا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَامًا . ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلْ نَتَائِقِ الْأَرْضِ مَدَراً،
........................................
(ألا ترون) في مثال الاختبار بالأشياء الشاقة، لا بالأَشياء المشتهاة لنفس الإنسان (أنّ الله سبحانه اختبر) أي امتحن (الأوّلينَ من لدن آدم صلوات الله عليه إلى الآخرين من هذا العالم) أي من أهل الأرض (بأحجار) هي الكعبة المعظّمة، التي بنيت من الأحجار، وأمر النّاس - حتى آدم(عليه السلام) - بالحج إليها والطواف حولها (لا تَضرُّ ولا تَنفعُ) بذاتها (ولا تُبصِرُ ولا تسمعُ) حسب الظاهر، وهذا لا ينافي ضررها ونفعها حسب أمر الله سبحانه، وبصرها وسمعها حسب الواقع، حيث ورد أن الحجر الأسود ملك يسمع، ولذا نقول له : [ أمانتي أديتها] كما لا تنافي بين قوله سبحانه: وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا ينفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ(1)مع كون الأصنام ضارة بلا إشكال.
(فجعلها) أي تلك الأحجار (بيته الحرام) أي المحترم (الّذي جعله) قبلة للأنام و (للناس قياماً) أي موجباً لقيام أمورهم الاجتماعية والاقتصادية وما إليهما.
( ثم وضعه) أي هذا البيت، وثم: لترتيب الكلام، لا للترتيب الخارجي (بأوعر بقاع الأرض حجراً) أي أكثرها وعورة وخشونة، فإنَّ مكة سلسلة جبال خشنة (وأقلَّ نتائق الأرض) جمع نتيقة، بمعنى : المرتفع ومكة مرتفعة باعتبار أنها جبال (مدراً) هو قطع الطين اليابس، فانه كلما قل المدر - والمراد به الطين - يقل النبات .
1) سورة يونس: 106 .
وَأَضْيَقِ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ قُطْراً. بَيْنَ جِبَالِ خَشِئَةِ، وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ، وَقُرى مُنقَطِعَةٍ ؛ لاَ يَزْكُو بِهَا خُفٌ، وَلاَ حَافِرٌ وَلاَ ظِلْفٌ ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عليه السّلامُ وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنتَجَع أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةَ لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ
.....................................
(وأضيقِ بطُونِ الأودية) جمع وادي بمعنى : الصحراء (قُطراً) أي من حيث السعة، فإنَّ الجبال قريبة بعضها إلى بعض فلا سهل يوجب الانبساط في النفس والسعة في محل الحركة والعمل .
(بين جبال خشنة) لا لين في أحجارها (ورمال دمثة) لينة يصعب السير فيها (وعيون وشلة) أي قليلة الماء، لقلة الأمطار هناك ( وقُرىً) جمع قرية (منقطعة) أي بعيدة بعضها عن بعض (لا يزكو بها خفٌّ) أي الجمل، فإنَّ جمال مكة - لقلة نبتها - لا تنمو كنمو جمال المناطق الخصبة (ولا حافرٌ) أي الخيل (ولا ظلفٌ) أي البقر والغنم ، فإنَّ جميع هذه الحيوانات هناك هزال .
( ثم أمر) سبحانه (آدم)(عليه السلام)( وولدهُ ان يثنوا أعطافهُم) جمع عطف ، وهو طرف الجنب (نحوه) أي نحو البيت الحرام، وثني العطف كناية عن التوجه والميل إليه، والطواف حوله (فصار ) هذا البيت (مثابة) أي مرجعا، من ثاب إذا رجع(لمنتجع أسفارهم) أي محل الفائدة من الأسفار فإنَّ مكة بسبب الحج إليها محل لفائدة الناس حيث يتَّجر إليها ومنها .
(وغايةَ لمُلقى رحالهم) أي لإلقاء رحلهم عن ظهور دوابهم (تهوي إليه) أي تميل إلى البيت الحرام (ثمار الأفئدة)أي الأرواح الكائنة في القلوب، كأنها ثمرتها (من مفاوز) جمع مفازة، بمعنى الصحراء (قفار) جمع قفر، الصحراء التي لا ماء لها ولا كلاء ولا أنيس .
سَحِيقَةٍ وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ ، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً يُهلِّلُونَ للَّهِ حَوْلَهُ ، وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ. قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ، ابْتِلاءَ عَظِيماً ، وَاَمْتِحَاناً شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً ،
.........................
( سحيقة) أي بعيدة (ومهاوي) جمع مهوى، وهو المحل المنسرح من الجبل (فجاج) جمع فج، بمعنى الطريق (عميقة) النهاية، أي أن الناس يأتون إليه من الصحاري والجبال (وجزائر) جمع جزيرة، قطعة الأرض في وسط البحر (بحار منقطعة) تلك الجزائر عن الاتصال بالأرض، لأنها محاطة بالماء (حتى يهزّوا) أي يحركوا حول الكعبة (مناكبهم) جمع منكب، ما بين العنق والعضد (ذللاً) أي أذلة خاضعين .
(يهلّلون) أي يرفعون صوتهم من الإهلال، ومنه الإهلال بالتلبية والأدعية (لله حوله) أي حول هذا البيت (ويرملون) الرمل ضرب من السير السريع (على أقدامهم شعثاً) جمع أشعث، وهو ضد التمشيط للرأس واللّحية (غبرا) جمع أغبر ، وهو المغبّر بالغبار (له) أي له تعالى، فإنَّهم يطوفون بالبيت، ويسعون بين الصفاء والمروة في هذه الأحوال .
(قد نبذوا السرابيل) جمع سربال، بمعنى الثوب (وراء ظهورهم) إذ المحرم يتجرد عن ثوبه فيدخل في ثوب الإحرام ( وشوّهوا) أي غيروا (بإعفاء الشعور ) تركها بلا تمشيط ولا حلق ولا تقصير (محاسن خَلْقِهِمْ) من وجه ورأس وجسد، ابتلاهم الله سبحانه بذلك (ابتلاءً) أي امتحاناً(عظيماً) لا يناله الإنسان إلّا بمشقة.
(وامتحاناً شديداً) على النفس (واختباراً مبيناً) أي واضحاً ظاهراً
وَتَمْحِيصاً بليغاً. جَعَلَهُ الله سَبَباً لِرَحْمَتِهِ ، ووُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ، وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ، وسَهْلٍ وقَرَارٍ ، جَمُ الأَشْجَارِ ، دَانِي الثِّمَارِ ، مُلْتَفِّ الْبُنَا مُتَّصِلِ الْقُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ ، ورَوْضَةٍ خَضْرَاءَ ، وأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ، وَعِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ، ورِيَاضٍ نَاضِرَةٍ ، وطُرُقٍ عَامِرَةِ،
...................................
(وتمحيصاً) التمحيص تحريك الشيء حتى يؤخذ لبّه ( بليغاً) أي بالغاً في التمحيص .
(جعله الله) أي البيت الحرام (سبَباً) وعلةً (لرحمته) على خلقه المطيعين له (وَوُصلة إلى جنّتهِ) أي سبباً لوصول الإنسان إلى جنّته .
( ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام) جمع مشعر، وهو محل الشعائر، كالصفا والمروة ، وعرفات، وكالمشعر، ومنى(بين جنّاتٍ وأنهارٍ) أي بساتين وحدائق (وسهلٍ) من الأرض، لا بين الجبال (وقرارٍ) أي موضع مطمئن من الأرض، لا علو ولا انخفاض فيها، في حال كونها (جَمّ الأشجارِ) أي كثير الشّجر (داني الثَّمار) فيها ثمار دانية أو آن قطفها (مُلتفّ البُنا) جمع بنية، وهي ما يبتنيه الإنسان، والمراد كثير العمران بحيث كانت الأبنية متلاصقة بعضها ببعض (مُتّصل القُرى) الخصب الأرض وطيب هوائها، كثرت قراها، حتى اتصل بعضها ببعض.
(بين بُرَّة) أي حنطة (سمَراءَ) وهي أجود أنواع الحنطة (وَرَوضةٍ) أي حديقة (خضراء) مخضرة (وأريافٍ)جمع ريف وهي الأرض الخصبة ( مُحدِقَةٍ) أي محيطة بالبيت (وعِرَاصٍ) جمع عرصة الساحة الواسعة التي ليس بها بناء (مُغدِقَةٍ) من أغدق المطر إذا كثر ماؤه (ورياض) جمع روضة، بمعنى : الحديقة (ناضرةٍ) من النضارة، بمعنى البهجة والزينة. (وطرقٍ عامرةٍ)
لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَب ضَعْفِ الْبَلاءِ وَلَوْ كَانَ الإِسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا ، وَالأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بهَا ، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ ، وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَنُورٍ وَضِيَاءٍ ، لَخَفَّفَ ذلِكَ مُسَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنْ الْقُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ
...................................
بالمارة وبوسائل الراحة (لكان) جواب [لو] (قد صغر قدرُ الجزاء) لمن حج (على حسب ضَعفِ البلاءِ) أي قلة الامتحان، لأن مثل ذلك المكان يذهب إليه الإنسان بدون أمر وزجر .
(ولو كان الإساس المحمول عليها) بناء الكعبة، أي أساس الكعبة (والأحجار المرفوع بها) الكعبة، أي الأحجار التي بنيت الكعبة منها (بين زُمُرُدةٍ خضراء) نوع من الجوهر الثمين (وياقوتة حمراء ونور وضياء) بأنّ كانت الأحجار تشع نوراً (لخفف ذلك مسارعة الشَّكِّ في الصُّدُورِ) فإِنَّ كل إنسان لم يكن يُشك في أنه من الله وشيء حسن، وإنما يجعل الله سبحانه موضع شك وريبة ليحتاج إلى الدلالة، ومجاهدة النفس ليكثر الأجر ويظهر الفضل (ولوضع) أي لأبطل (مجاهدة إبليس عن القلوب) أي لم يكن الإنسان يحتاج إلى الجهاد مع الشيطان، في صحة الحج، ولم يكن إبليس يقدر على الوسوسة في قلب الإنسان لإبطال الحج (ولنفى معتلج الرّيب) أي الريب الذي اعتلج - بمعنى التطم بالقلب -(من الناس) فلم يكونوا يرتابون في الحج .
(ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد) التي يسوقها إليهم، يظهر صبرهم وتحملهم وإطاعتهم (ويتعبَّدُهم) أي يأمرهم على نحو الاستعباد
بِأَنْوَاعِ الْمُجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَليَجْعَلَ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَابا ذُلُلاً لِعَفْوِهِ.
فَالله اللهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلمِ ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى، وَمَكِيدَتَهُ الْكُبْرَى، الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ،
......................................
(بأنواع المُجَاهِد) جمع مجهد، مصدر ميمي، بمعنى : الجهد (ويبتليهم بضروب المكاره) التي يكرهونها (إخراجاً للتكبُّر من قلوبهم) فإنَّ المشاق تصفّي نفس الإنسان، وتلطّف الأفئدة عن خشونتها (وإسكانا للتَّذلُّل في نفوسهم) فإن المشاق ترشد الإنسان على أنه ضعيف لا يقدر على شيء فيسكن الذل والانكسار في قلبه .
(وليجعل ذلك) الاختبار بالمشاق (أبواباً فُتُحاً) أي مفتوحة (إلى فضله) فإنَّ الشخص إذا عمل بالمشاق نال فضله تعالى (وأسباباً ذللا) أي سهلة (لعفوه) تعالى، فإنَّ العفو عن المذنب لا يكون إلّا بالإطاعة .
(فـ) اذكروا (الله الله في عاجل البغي) أي لا الظلم في الدنيا (وآجل وخامة الظُّلم) أي شدّته على الظالم (وسوء عاقبةِ الكبر) أي لا تفعلوا ما يسبب ذلك لكم غدا (فإنّها ) أي هذه الرذائل (مصيدة إبليس) التي يصيد بها النّاس لإلقائهم في النار (العُظمى) إذ النفوس مائلة إلى الظلم والكبر (ومكيدته الكبرى) أي أكبر أنواع كيده ومكره لتحريف الناس عن سبيله - سبحانه (التي تساور) أي تقاتل وتحارب (قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة) فكما أن السم يغالب الصحة، حتى يغلبها ويتلف الإنسان، كذلك الكبر والظلم والبغي
فَمَا تُكْدِي أَبَداً، وَلاَ تُشْوِي أَحَداً ، لاَ عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَلَا مُقِلاًّ في طِمْرِهِ. وَعَنْ ذلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَواتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ ، تَسْكِيناً لأَطْرَافِهِمْ، وَتَخْشِيعاً لأَبْصَارِهِمْ ، وَتَدْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ،
........................................
(فما تكدي) أي ما تعجز هذه المكيدة عن التأثير - من أكدى الحافر إذا عجز عن التأثير في الأرض - (أبداً) بل تعمل مكيدة الشيطان دائما (ولا تشوي) أي لا تخطأ، من أشوت الضربة، إذا أخطأت فلم تقتل (أحداً) من الناس .
(لا عالما لعلمه) فإنَّ العلم لا يقف سدا دون هذه المكيدة (ولا مُقِلاً) أي فقيرا (في طمره) أي كسائه البالي، فكيف بالجاهل والغني، أي أن الظلم والبغي والكبر آلات لإبليس يصيد بها كل أحد( وعن ذلك) الكيد الشيطاني(ما حرس الله) [ما] زائدة، أو مصدرية أي حراسة الله، أي حفظ الله (عباده المؤمنين) حتى لا يتمكن الشيطان من إغرائهم وبث هذه الرذائل فيهم (بالصّلوات والزّكوات) فإنَّهما ترقق القلب، وتقربه إلى الله، فلا يتمكن الشيطان من إغرائهم بإدخال الكبر والظلم والبغي، في قلوبهم وجوارحهم .
(و مجاهدة الصيام) أي الصيام الموجب للجهد (في الأيّام المفروضات) کشهر رمضان وما أشبه (تسكينا لأطرافهم) أي أيديهم وأرجلهم وسائر جوارحهم، فإنَّ كلا من الصلاة والصيام يسكن أطراف الإنسان (وتخشيعا لأبصارهم) أي إيجابا لها على الخشوع والانكسار (وتذليلا لنفوسهم) لئلا تطغى، فإنَّ الإنسان في الصلاة، وكذلك الجائع والعطشان تسكن فورة نفسه
وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ، لمَا فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً ، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّيَام تَذَلُلاً؛ مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ .
..............................
(وتخفيضا لقلوبهم) أي التهاب القلب نحو الشهوات (وإذهاباً للخيلاء) أي الكبر(عنهم) فإنَّ الوقوف أمام الله والضعف يشعر أن الإنسان بضعفه وعدم قوته على شيء، فيذهب عنه الكبر (لما في ذلك) الشيء الواجب - وهو الصلاة - ومن هذا يظهر أن الجمل السابقة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة، ويؤيده قوله الآتي بعداً [من الصيام] الخ، ويحتمل أن يكون إلى هنا للأعم من الصلاة والصيام، وتكون هذه الجملة خاصة بالصلاة، كما جرينا على ذلك في التفسير - والأول أظهر لفظاً، والثاني معنىً.
(من تعفير عناق الوجوه بالتراب) أي وضعها في التراب، والعتاق جمع عتيق، بمعنى الكريم، أي الوجوه الكريمة التي هي أكرم أعضاء البدن(تواضعا) لله سبحانه (والتصاق كرائم الجوارح)من يدين ورجلين (بالأرض تصاغرا) لله سبحانه (ولحوق البطون بالمتون) أي الظهور (من الصّيام) فإنَّ المعدة إذا خلت من الطعام والشراب التصق البطن بالظهر (تذلّلا) لله سبحانه (مع ما في الزَّكاة من صرف ثمرات الأرض) من حنطة وشعير وتمر وزبيب - واجبا - وسائر الحبوب وما أشبه - استحبابا - (وغير ذلك) من إبل وبقر وغنم وذهب وفضة - وجوبا - وسائر الأمور الزكوية - استحبابا - (إلى أهل المسكنة والفقر) ويسمى الفقير مسكينا، لأن الفقر يسكنه فلا يتمكن أن يتحرك كما يتحرك الغني .
انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الفَخْرِ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ! وَلَقَدْ نَظَرْتُ فِمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ إِلَّا عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلاَءِ ، أَوْ حُجَّةِ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لأَمرٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلاَ عِلَّةٌ .
.......................................
(انظروا) أيها الناس (إلى ما في هذه الأفعال) العبادية من صلاة وصيام وزكاة (من قمع نواجم الفخر) جمع ناجمة، من نجم بمعنى طلع، أي قلع ما يظهر من الفخر في القلب (وقدع) أي كف (طوالع الكبر) جمع طالعة أي ما يظهر من الكبر في الإنسان، فإنَّ الإخضاع الذي تأتي به هذه الأفعال يحصد كل فخر وكبر (وقد نظرت فما وجدت أحداً من العالمين) والمراد الأشخاص الظاهرين المعروفين لديهم، لا أن العموم شمول حقيقي .
( يتعصب لشيء من الأشياء) ويبذل في سبيله نفسه وماله، في خلاف الحق(إلّا عن علّة تحتمل تمويه الجهلاء) أي علَّة تحتمل التمويه لدى الجاهل، أي أن المتعصب جاهل، فموّه عليه ولذا يتعصب (أو حجّة) أي دليل له على تعصبه (تليط) أي تلتصق تلك الحجة (بعقول السفهاء) فيظن السفيه المتعصب صحة تلك الحجة على العصبية، ولذا يتعصب بخلاف الحق .
(غيركم) والمراد بهم من خاطبهم الإمام(عليه السلام) ، فإنَّ تعصبهم عبث واعتباط (فإنكم تتعصبون لأمر لا يعرف له سبب ولا علة )لا عن حجت يقبلها السفيه ولا عن علة تتحمل التمويه ، فإنَّ تعصبهم كان للعرب، وذلك كان محض الباطل، إذا كان يوجب تفرق المسلمين عنهم. وبغض الناس لهم، وأخيراً تمكن غيرهم أن ينقض عليهم بثورات مستمرة، حتى قلعوا جذور التعصب عن بلاد الإسلام، ثم بين(عليه السلام) علة بعض أقسام التعصبات التي كانت مقترنة بحجة مموهة.
أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لأَصْلِهِ ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ وَأَنْتَ طِينِيٌّ. وَأَمَّا الأَغْنِيَاءُ مِنْ مُترفَةِ الأُمَمِ، فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِع النّعَمِ ، فَقَالُوا : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاَ وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ(1). فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الأَفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ الأُمُورِ، الَّتِي
....................................
(أمَّا إبليس فتعصب على آدم)(عليه السلام) ، أي قام ضد آدم تعصبا لنفسه(لأصله) أي لأجل أن أصل آدم كان من الطين (وطعَنَ عليه) أي على آدم (في خلقته فقال: أنا ناريٌ) أي أصلي مخلوق من النار (وأنت) يا آدم (طينيٌّ) والنار أشرف، ولذا فلا ينبغي لها أن تسجد لآدم(عليه السلام).
(وأما الأغنياءُ من مُترفة الأُمم) المترف بصيغة المفعول، هو الموسع عليه في النعم الذي يصرف ثروته في غير حق (فتعصَّبوا)لأنفسهم، وجعلوها فوق الناس(لآثار مواقع النِّعم) فإنَّ موقع النعمة كالأرض الخصبة ينبت الكبر والفخر، فإنَّ الإنسان يطغى إذا رأى الغنى، فكأنّ النعم تسقط في واقع، ومن تلك المواقع تنبت آثار الكبر وما إليه (فقالوا) في ضدّ الأنبياء (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاَ وَأَوْلاَداً ) منكم ، فكيف نتبعكم أيها الأنبياء؟ (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ) في الآخرة، لأن الله يحبنا بدليل أنه أعطانا في الدنيا الأموال والأولاد، فما وجه احتياجنا لاتباعكم ؟ (فإن كان لا بُدَّ) لكم (من العصبيَّة) بأن تتعصبوا للأمر تجتمعون حوله وتعادون من لا يوافقكم عليه .
(فليكن تعصُّبكم لمكارم الخِصَالِ) أي الصفات الكريمة (ومحامد الأفعال) أي الأفعال المحمودة (ومحاسن الأمور) أي الأمور الحسنة (التي
1) سورة سبأ 35
تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُ وَالنَّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ وَيَعَاسِيبِ الْقَبَائِل؛ بالأَخْلاقِ الْرَّغِيبَةِ، وَالأَحْلامَ الْعَظِيمَةِ، وَالأَخْطَارِ الْجَلِيلَةِ، وَالآثَارِ المَحْمُودَةِ. فَتَعَصَّبُوا لِخِلَالِ الْحِمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ ، وَالْوَفَاءِ بِالذَّمَام ، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ ، وَالأَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْبَغيِ ، وَالإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ ، وَالإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَالْعَظْمِ لِلْغَيْظِ ،
..................................
تفاضلت فيها المُجَداء) جمع مجيد وهو الرفيع (والنُّجداء) جمع نجيد وهو الشجاع الماضي عزمه (من بيوتات العرب) البيت: القبيلة، وسميت بيتاً لاجتماعهم في بيت واحد (ويعاسيب القبائل) جمع يعسوب، وهو أمير النحل، ورئيس القبيلة، أي تعصبوا للصفات الحسنة التي كانت في العرب، لا أن يكون تعصبكم للعرب (بالأخلاق الرَّغيبة) أي الحميدة المرغوب فيها ، والظرف متعلق بقوله : [ تفاضلت] (والأحلام) أي العقول (العظيمة) في
الرزانة والمعرفة .
(والأخطار) جمع خطر، بمعنى: العظمة والشرف (الجليلة) أي ذات الجلال والرفعة (والآثار المحمودة) التي بقيت منهم وحمدها الناس لهم .
(فتعصَّبوا لخلال الحمد) أي الصفات التي تورث الحمد من الناس لذي الصفة (من الحفظ للجوار) أي من جاور الإنسان، باحتمائه عن الظلم، والقيام بقضاء حاجته (والوفاء بالذِّمام) أي العهد (والطاعة للبرِّ) بأن يطيع الإنسان البر، بمعنى أن يعمله (والمعصية للكبر) بأن لا يستجيب الإنسان لداعي الكبرياء من نفسه (والأخذ بالفضل) بأن يعمل الإنسان بالفضل(والكف) أي الامتناع (عن البغي ) أي الظلم على الغير (والإعظام للقتل) بأن يعد الإنسان قتل النفس بلا سبب عظيماً، فيتركه (والإنصاف للخلق) بأن يجعل بينهم وبينه نَصَفة يحب لهم ما يحب لنفسه(والكظم الغيظ) فإذا غضب
وَاجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَاحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثُلَاتِ بِسُوءِ الأَفْعَالِ، وَذَمِيمِ الْأَعْمَالِ. فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ وَالْشَرْ أَحْوَالَهُمْ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ . فَإِذَ تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ ، وَزَاحت الأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ، وَمُدَّتِ الْعَافِيَةُ فَيهِ عَلَيْهِمْ ، وَانْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ
.................................
لم يظهر غضبه (واجتناب الفساد في الأرض) بالإيذاء، والفتنة، وأكل أموال الناس وما أشبه (واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المَثُلات) أي العقوبات التي صارت مثلا للناس، يرهب الصالحون بها المفسدين.
فقد نزلت بهم العقوبة (بـ) سبب (سوُءِ الأفعال وذميم الأعمالِ) أي الأعمال المذمومة (فتذكَّروا في الخير والشرِّ أحوالهم) أي أحوال تلك الأمم حتى تفعلوا الخير، وتتركوا الشر خوفا من أن ينزل بكم ما نزل بهم.
(واحذروا أن تكونوا أمثالهم) في نزول العقوبة بكم (فإذا تفكَّرتم في تفاوت حاليهم) أي حالي السعادة والشقاء، في تلك الأُمم(فالزموا كلَّ أمرٍ) حسن (لزمت العزَّةُ) به أي بسبب ذلك الأمر .
(شأنهم) أي انظروا ماذا كان سبب عزة أولئك الأمم فلزموه، ويأتي بيان [الأمر] في قوله [من الاجتناب ..] (وزاحت) أي بعدت (الأعداء له) أي لالتزامهم بذلك الأمر ( عنهم) أي عن تلك الأمم . (ومُدَّت العافيةُ فيه) أي في ذلك الأمر وبسببه (عليهم وانقادت النِّعمةُ) أي جاءت النعمةُ (له) أي لأجل ذلك الأمر (معهم) فكانت النعمةُ معهم
(وصلت الكرامة عليه) أي على ذلك الأمر (حبلهم) بأن اتصلوا بحبل
مِنَ الاجْتِنَاب لِلْفُرْقَةِ واللُّزومِ للأُلْفَةِ، وَالتَّحَاضِّ عَلَيْهَا، وَالتَّوَاصِي بِهَا، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ، وَأَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ ؛ مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوبِ، وَتَشَاحُنِ الصُّدُورِ، وَتَدَابُرِ النُّفُوسِ، وَتَخَاذُلِ الأَيْدِي، وَتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ وَالْبَلاءِ.
....................................
الكرامة ( من الاجتناب للفرقة) أي التفرقة والتشتت، هذا بيان لقوله : [كل أمر] أي الزموا الاجتناب من التفرق - أي الاتحاد - فإنَّه صار سببا لتلك الفضائل فيهم.
(واللُّزوم للأُلفة) بأن يألف بعضكم بعضا (والتِّحاضِّ عليها) بأن يحض بعضكم بعضا بالائتلاف وعدم التّشتّت (والتواصي بها) بأن يوصى بعضكم بعضا بالألفة والاتّحاد .
( واجتنبوا كلَّ أمرٍ كسر فقرتهم) هي ما انتظم من العظام في الظهر من الكاهل إلى مطلع الذنب، وهي كناية عن تبديد شملهم (وأوهَنَ مُنتهم) المنّة : القوّة، وأوهن بمعنى : أضعف (من تضاغن القلوب) الضغن: الحقد، أي تحاقد بعضهم لبعض (وتشاحن الصّدور) الشحناء: البغضاء، (وتدابر النّفوس) بأن أدبرت نفس بعضهم عن نفس الآخرين (وتخاذل الأيدي) بأن خذلت يد بعضهم بعضاً، فلم تساعده، وهكذا العكس .
(وتدبَّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم) أي طالعوا سيرتهم (كيف كانوا في حال التمحيص) أي تمحيص الله لهم، لأخذ خيارهم وتمييز صلحائهم ( والبلاء) أي الابتلاء والامتحان، والأمر بالتدبّر في أحوال أولئك لتخفيف وطأة المصائب على المخاطبين، إذ الإنسان بالتّفكر في أحوال المبتلين يخفف عن نفسه الهموم الواردة عليه، كما يقال : إذا عم البلاء طاب .
أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءَ ، وَأَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءَ ، وَأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حالاً. اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ العَذابِ، وَجَرْعُوهُمُ الْمُرَارَ، فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ، لَا يَجِدُونَ حِيلَةَ فِي امْتِنَاعٍ ، وَلا سَبِيلاً إِلَى دِفَاعٍ. حَتَّى إِذَا رَأَى اللهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ ، وَالاحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ،
.............................
(ألم يكونوا أثقل الخلق أعباء) جمع عبء، وهو الثّقل (وأجهد العباد بلاءً) أي كان بلاؤهم أكثر اجهادا لهم، من اجهاد البلاء على سائر النّاس.
(وأضيق أهل الدّنيا حالا) ثم بين(عليه السلام)سبب ضيق أولئك المؤمنين بقوله : (اتَّخذتهم الفراعنة) جمع فرعون، وهو لقب عام الملوك مصر، في زمان موسى(عليه السلام) ، وحواليه (عبيدا) يذبحون أبنائهم ويستحيون نسائهم (فساموهم سوء العذاب) أي أنزلوا بهم أشدّ أنواع العذاب (وجرعوهم المرار) شجر شديد ،المرارة حتّى أنّ الإبل إذا أكلته تقلّصت منه شفاهها (فلم تبرح الحال بهم)أي لم تزل حالة العذاب بأولئك المؤمنين (في ذُلَّ الهلكة) أي الذّلّ الملحق بهم بسبب إهلاك الفراعنة لهم .
( وقهر الغلبة) فإنّ الغالب يقهر المغلوب ويجبره على ما يريد (لا يجدون حيلة) أي وسيلة وطريقا (في امتناع) أي لأن يمتنعوا عن تعذيب الفراعنة،( ولا سبيلا إلى دفاع) عن أنفسهم حتى لا ينصب عليهم عذاب فرعون وقومه(حتّى إذا رأى الله سبحانه جدّ الصّبر منهم)أي الصّبر الجدي الحقيقي منهم، لا يتركون دينهم، ليكفّ فرعون عنهم، بل صامدون صابرون (علی الأذى في محبّته) تعالى ( والاحتمال للمكروه) أي احتمل المؤمنين المكروه - أي العذاب - (من خوفه) سبحانه، فإنّهم لم يتركوا دينهم خوفا منه تعالى
جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَابِقِ الْبَلاءِ فَرَجاً، فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلّ، وَالأمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ، فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً ، وَأَئِمَّةً أَعْلَامَاً ، وبَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنَ الله لَهُمْ مَا لَمْ تَبْلِغِ الآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ.
فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الأَمْلَاءُ مُجْتَمِعَةٌ، وَالْأَهْوَاءُ مُتَّفِقَةٌ، وَالقُلُوبُ مُعْتَدِلَةٌ ، وَالأَيْدِي مُتَرَادِفَةً ، وَالسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةٌ ، وَالْبَصَائِرُ
............................
(جعل) جواب [إذا] (لهم من مضايق البلاء فرجا) فإنّ البلاء يضيق على الإنسان حركاته وأعماله .
(فأبدلهم العِزَّ مكان الذّلّ) حيث صاروا سادة، بعد أن كانوا عبيدا، وذلك حين أغرق فرعون وجنوده، ونجاهم من مصر والقبط (والأمن مكان الخوف) من فرعون وملأه (فصاروا ملوكا حكّاما) يحكمون البلاد.
(وأئمّة أعلاما) للدّين بهم يهتدي النّاس ويقتدي (وبلغت الكرامة من الله لهم) أي أكرمهم الله كرامة (ما لم تبلغ الآمال) أي آمالهم (إليه) الضّمير عائد إلى [ما] (بهم) أي مقدار، لم تبلغ الآمال بذلك المقدار بهؤلاء، فلم ترفعهم الآمال إلى حيث الاحتمال لمثل هذه الكرامة .
(فانظروا كيف كانوا) أي بنو اسرائيل (حيث كانت الأَملاء)جمع ملأ، بمعنى: الجماعة (مجتمعةً) تحت لواء الدّين (والأهواءُ) أي الآراء لهم (متّفقة) في تنفيذ أحكام الشّريعة .
(والقلوب معتدلة)لا إفراط فيها ولا تفريط (والأيدي مترادفة) بعضها إثر بعض، يعمل الكل العمل الواحد لأجل الشّريعة وتعمير الأرض.
(والسّيوف متناصرة) إذا هجم بهم العدو اجتمع الكلّ لحربه (والبصائر
نَافِذَةَ، وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةً. أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ، وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ! فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وَتَشَتَّتَتِ الألْفَةُ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالأَفْئِدَةُ، وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَتَفَرَّقُوا مَتَحَازبينَ، قَدْ خَلَعَ اللهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةً نِعْمَتِهِ،
.............................
نافذة) تنفذ من الدّنيا ومن ظواهر الأمور إلى الآخرة، وإلى عواقب الأشياء وأعماقها (والعزائم) جمع عزيمة، بمعنى : الإرادة (واحدةً) بلا تشتّت ولا اختلاف .
(ألم يكونوا أرباباً) أي سادات وحكّاماً (في أقطار الأرضين) ففي كل قطر وقطعة كان منهم السّادة والملوك.
(ومُلُوكاً على رقاب العالمينَ ) يحكمون على النّاس، وذكر الرقاب لأنّ البيعة تتعلق بالرقبة، وذلك لأنها مكان السّيف إن لم تقبل الإطاعة، فالحكم نافذ فيها، كما أنّ السّيف نافذ فيها - بعلاقة المماثلة-.
(فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم) أي آخر أمور بني إسرائيل - بعد تلك الرّفعة والعزّة -.
(حين وقعت الفرقة) أي التّفرقة بينهم (وتشتتّت الألفة) أي: الائتلاف الّذي كان بينهم (واختلفت الكلمة) بأن صار لكل واحد منهم كلام غير كلام الآخر ( والأفئدة) جمع فؤاد (وتشعّبوا مختلفين) أي صاروا شعبا مختلفة.
( وتفرّقوا متحازبين) أي صار كل جماعة منهم حزبا مخالفاً لجماعة أخرى (قد خلع الله عنهم لبَاسَ كرامته) الّتي أكرمهم بها حين كانوا مجتمعين (وسلبهم غضارة نعمته) أي سعتها .
وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ . فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِم السّلام . فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الأَحْوَالِ ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الأَمْثَالِ !
تَأْمُلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ ، لَيَالِيَ كَانَتِ الأَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ، يَحْتَازُونَهُمْ عِنْ رِيفِ الْآفَاقِ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ،
..........................
( وبقي قصص أخبارهم فيكم) أي رواياتها (عبَراً للمعتبرين) [عبر] جمع عبرة، بمعنى : ما يسبب اعتبار الإنسان، وإيقاظه إلى جهة الصّلاح والفساد، وعاقبة الأعمال ( فاعتبروا بحال ولد اسماعيل) جدّ الرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ومنه عرب الحجاز غالبا .
(وبني اسحاق) بن ابراهيم(عليه السلام)( وبني اسرائيل) إسرائيل اسم يعقوب(عليه السلام)، ولعل ذكرهم في قبال [بني اسحاق] لعدم اشتهار بعض بني اسحاق باسم بني إسرائيل.
(فما أشدّ اعتدال الأحوال) أي تناسب حال أولئك بأحوالكم أنتم معاشر المسلمين (وأقرب اشتباه الأمثال) أي تشابه أولئك بكم.
(تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم أي تفرّقهم الأول قبل ظهور محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وظهور دولتهم ببركته (ليالي كانت الأكاسرة) جمع كسرى، وهم ملوك الفرس.
(والقياصرة) جمع قيصر، ملوك الرّوم (أربابا لهم) أي ساداتهم (يحتازونهم) أي يقبضونهم (عن ريف الآفاق) أي الأراضي الخصبة في أطراف الأرض (وبحر العراق) فقد كان العراق - في الاصطلاح السّابق - يقال
وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا، إِلَى مَنَابِتِ الشَّيح، وَمَهَافِي الرِّيحِ ، وَنَكَدِ الْمَعَاشِ، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةٌ مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَوَبَرٍ، أَذَلَّ الأمَمِ دَاراً ، وأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً، لَا يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمَونَ بِهَا، وَلَا إِلَى ظِلٍّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا . فَالأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَالأَيْدِي مُخْتَلَفَةٌ،
...................................
لقطعة من الأرض يحيط بها ثلاثة أبحر، البحر الأسود، وبحر قزوين، والخليج الفارسي، وكان العرب واليهود منتشرين على بعض هذه الأبحر .
(وخضرة الدّنيا) أي محلّاتهم الخضرة (إلى منابت الشَّيح) جمع منبت، والشيح قسم من النّبات القليل الفائدة (ومها في الريح) المواضع الّتي تهفو - أي تهب - فيها الرّياح وهذا كناية عن تبعيدهم في الصّحاري حيث لا زرع ولا فائدة ( ونكد المعاش) أي صعوبته (فتركوهم) القياصرة والأكاسرة (عالة مساکین) عالة، جمع عيل، وهم الذين لا نفقة لهم وإنما ينفق عليهم شخص آخر، ومساكين جمع مسكين، وهم الّذين أسكنهم الفقر (إخوان دبر) أي ظهر مقروح (ووبر ) هو شعر الجمل، والمراد إزالتهم عن المدن وإسكانهم الصّحاري في الخيام، يمتطون الدّواب المقروحة الظهر من كثر التّعب (أذلّ الأمم دارا) أي أن دارهم ذليلة لا يهتمّ بها ولا يعتنى بشأنها.
(وأجدبهم قراراً) أي أنّ قرارهم ومستقرّهم جدب لا نبت فيه مقابل الخصب (لا يأوون إلى جناح دعوة) أي لم يكن بينهم من يدعو إلى الحق فيأوُون ويجتمعون إليه بحيث (يعتصمون بها) أي يحفظون أنفسهم بتلك الدّعوة عن إذلال الملوك لهم .
(ولا) يأوون (إلى ظلِّ أُلفَةِ) فيما بينهم (يعتمدون على عزّها) فإنّ الألفة توجب العزّة. (فالأحوال مضطربةً) غير مستقرّة (والأيدي مختلفة) لا تعاون
وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ، فِي بَلَاءِ أَزْلٍ، وَإِطْبَاقِ جَهْلٍ ! مِنْ بَنَاتٍ مَوزُودَةٍ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَأَرْحَامِ مَقْطُوعَةٍ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ .
فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ،
............................
بينها (والكثرة متفرّقة) لا اجتماع لها (في بلاءِ أزلٍ) بمعنى الشّدة، أي بلاء شديد (وإطباق جهلٍ) قد شملهم الجهل لا يعلمون من الحياة ومن الآخرة شيئاً .
(من بنات موؤودة) وأد بنته، أي: دفنها وهي حيّة، فقد كان من عادة أهل الجاهلية، أن يدفنوا البنات أحياء قائلين نعم الصهر القبر، كارهين للبنات، كما قال سبحانه: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (1)وقال: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(2)(وأصنام معبودة) فإنّهم كانوا يعبدون الأصنام ينحتونها بأيديهم ثم يعبدونها .
( وأرحامٍ مقطوعةٍ) يقطع بعضهم البعض، فلا تزاور ولا تألف(وغارات مشنونة) يشن بعضهم الغارة- أي الهجوم - على بعض، فيقتل ويهتك ويسلب وهكذا كان حالهم قبل الإسلام.
(فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولا) هو نبيّ الإسلام محمّد محمد الله (فعقد بملَّته) أي بطريقته السّماوية (طاعتهم)فقد كانت الطّاعة بينهم متفرّقة، كلٍّ يطيع شيئاً وشخصاً، فجمع الرّسول طاعتهم حول شيء واحد.
وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ الْفَتَهُمْ : كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا ، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا ، وَالْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرقِينَ، وَعَنْ خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ . قَدْ تَرَبَّعَتِ الأُمُورُ بِهِمْ، فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزِّ غَالِبٍ. وَتَعَطَّفَتِ الأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكِ ثَابِتٍ .
..................................
(وجمع على دعوته أُلفتهم) فألّفهم جميعا حول دعوة الإسلام (كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها) كما ينشر الطّائر جناحه على فراخه لئلّا يصيبهم أذىً.
(وأسالت) النّعمة الإلهيّة (لهم جداول) جمع جدول، بمعنى النّهر (نعيمها) الموجبة لريهم من الظمأ (والتفَّت الملَّة) أي الطريقة الإسلاميّة (بهم) أي جمعتهم كما يلتف الحبل بحزمة القصب (في عوائد بركتها) أي في بركاتها العائدة إليهم (فأصبحوا في نعمتها غرقين) كما يغرق الشّخص في البحر، وهذا كناية عن كثرة النّعمة عليهم ( وعن خضرة عيشها) كناية عن العيش الهنيء، تشبيه بخضرة النبات في مقابل يبسه (فكهين) أي راضين يتفكهون بتلك العيشة .
(قد تربّعت الأمور بهم) أي أقامت أمورهم بعد التفرق والتّشتّت (في ظلِّ سلطانٍ قاهرٍ) للأعداء هو سلطان الإسلام (وآوتهم الحال) أي أعطتهم حالتهم الإسلامية الإيواء والمسكن (إلى كَنَفِ عزٍّ غالبٍ) أي إلى جهة عزّة غالبة لا يتمكن شيء من إزالتها. (وتعطّفت الأمور عليهم) كأنّ الأمور كانت بعيدة عنهم في زمن الجاهليّة، ثم مالت نحوهم (في ذُرى) جمع ذروة ، بمعنى الجهة الأعلى من كل شيء (مُلكٍ ثابتٍ) أي حيث صاروا رؤساء الدّولة الثابتة .
فَهُمْ حُكّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِينَ . يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ ، وَيُمْضُونَ الْأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ، لاَ تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَلا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ! أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ ،
............................
(فهم حُكّامٌ على العالمين) المراد بالعالمين الأقطار المختلفة، (وملوك في أطراف الأرضين) ببركة الإسلام.
(يملكون الأُمور على من كان يملكها عليهم) فإنّهم صاروا ملوكا على أمم كسرى وقيصر، بعد أنْ كانت تلك الأمم ملوكا عليهم .
(ويمضون الأحكام) أي يجرون أحكامهم (فيمن كان يمضيها فيهم) من الفرس والرّوم (لا تغمز لهم قناة) كناية عن قوتهم، والقناة: الرمح، وغمزها كناية عن الضغط عليها لتعديلها فيما إذا كانت معوجة، والقناة إذا كانت صلبة لا يمكن غمزها، وهكذا صار العرب بفضل الإسلام أقوياء، لا يتمكن أحد من غمزهم.
(ولا تقرع لهم صفاة) هي الحجر الصلب، وقرعها: صدمها لتكسر، وهذا أيضا كناية عن قوتهم وشدة باسهم ببركة الإسلام، ثم بعدما بين الإمام (عليه السلام)حالهم قبل الإسلام، وحالهم بعد الإسلام، عطف بالكلام نحو حالهم في زمانه، حيث رجعوا إلى حالة الجاهليّة .
(ألا وإنَّكُم قد نفضتم أيديكم) نفض اليد كناية عن الانعزال عن الأمر، كما إذا نفضت اليد - أي حُركَت تحريكاً عنيفا - يسقط كل ما فيها (من حبلٍ الطَّاعةِ) كأنّ الطّاعة حبل يوصل الحاكم بالرعية، ويجمع بينهما .
(وثلمتم) الثلم: الشق، (حصن الله المضروب عليكم) وهو حصن
بِأَحْكَامُ الْجَاهِلِيَّة، . فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هذِهِ الأُلْفَةِ الَّتِي يَنتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً، لأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ
.....................................
الشّريعة التي تجمعهم وتسعدهم وتمنع الأعداء من الوصول إليهم (بـ) سبب اتباعكم لـ ( أحكام الجاهليّة) من التّفرّق والتّشتّت والمخالفة لمواليكم (فإنّ الله سبحانه قد امتن على جماعة هذه الأمة) ويأتي متعلق [ امتن] في قوله : [بنعمة] والجهل بينها اعتراض (فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة) أي تأليف بعضهم إلى بعض، كما قال سبحانه: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا(1)وقال : لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ(2)(التي ينتقلون) أي المسلمون (في ظلّها) إذ لولا أُلفتهم لم يتمكنوا من السّير في آفاق الأرض والسيطرة على البلاد والعباد.
( ويأوُون إلى كنفها) أي يستريحون إلى جانب هذه الألفة، في أمن من الأخطار (بنعمةٍ) متعلق بـ [امتن] (لا يعرفُ، أحدٌ من المخلوقين لها قيمة) أي لا تقدر بثمن، من عظم ثمنها (لأنَّها ) أي الألفة (أرجح من كلّ ثمنٍ) يقدّر (وأَجلُّ من كلِّ خَطَرٍ) أي من كل عظيم، إذ بها يؤتى كل شيء، وبدونها لا يحصل الشخص على أيّ شيء.
(واعلموا أنَّكم صِرتُم بَعدَ الهِجرَةِ) وهي كناية عن الالتزام بأحكام
أَعْرَاباً، وَبَعْدَ الْمُوَالاَةِ أَحْزَاباً. مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الإسلام إلَّا بِاسْمِهِ، وَلاَ تَعْرِفُونَ مِنَ الإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ. تَقُولُونَ: النَّارَ وَلَا الْعَارَ! كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الإسلامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ، وَنَقْضاً لِمِيثَاقِهِ
.....................
الإسلام (أعرابا ) كناية عن صيرورتهم كأهل البادية- الذين قال الله تعالى فیهم: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ(1)- (وبعد الموالاة) لجهة واحدة (أحزاباً) كل حزب له جهة خاصة ، وآراء مخصوصة.
(ما تتعلّقون من الإسلام إلّا باسمه) فتسمون مسلمين، بدون أن تعملوا بأحكام الإسلام (ولا تعرفون من الإيمان إلّا رسمه) أي علامته، بدون أن تكونوا مؤمنين عاملين بشرائط الإيمان، والإسلام: هو الشهادتان، والإيمان: العمل جناناً ولساناً وأركاناً بما جاء به الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (تقولون : النّارَ ولا العارَ) اذا دعيتم الى حكم من أحكام الإسلام ينافي تقاليدكم وعاداتكم، كالمتزوج من غير العربي، وهكذا، والمعنى نقدم نار جهنّم- بتركنا حكم الإسلام - ولا نقدم على ما يصير سببا للعار علينا .
(کأَنَكُم تريدون أن تكفِئُوا ) أي تكبّوا (الإسلام على وجهه) بعدم عملكم بأحكام الإسلام (انتهاكا) منكم (لحريمه) أي حرمة الإسلام فإنّ الاتيان بالمحّرمات إذهاب لحرمة الإسلام (ونقضاً لميثاقه) أي عهده الّذي أخذ منكم، باتباع أحكامه في مقابل إسعاده لكم في الدّارين، وحقّنه لدمائكم
وأموالكم وأعراضكم .
1) سورة التوبة : 97
الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ، وَأَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ. وَإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ ، ثُمَّ لاَ جَبْرائِيلُ، وَلَامِيكَائِيلُ وَلَا مُهَاجِرُونَ وَلَا أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ، إِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسِّيفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ .
..............................
الميثاق (الّذي وضعه الله لكم حرما في أرضه) لأن بذلك الميثاق حفظتم، كما يحفظ من في حرم ملك أو كبير .
( وأمنا بين خلقه) إذ أنّ أمنكم إنما نشأ من ذلك الميثاق (وأنّكم إن لجأتم إلى غيره) أي لذتم إلى غير الإسلام، أو غير ميثاق(حاربكم أهل الكفر) لأنّ لكلّ ملّة أعداء.
( ثمّ لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار) المهاجرون: الّذين هاجروا مع الرّسول إلى المدينة، والأنصار: الّذين نصروه من أهل المدينة، الّذين هم أقوى إيماناً منكم، واشهر عند النّاس ولذا يهابونهم (ينصرونكم) إذ من انحرف عن طريق الإسلام لا ينصره الله بإرسال الملائكة، ولا أصحاب الرسول الأخيار، فلا يبقى في الميدان لمحاربة الكّفار (إلّا) هو وحده لائذاً بـ (المقارعة بالسّيف) فسيفه ناصره - فقط -(حتى يحكم الله بينكم) إن شاء غلبتم، والَّا غلب الكفار ، بخلاف العامل بالإسلام حقيقة، فأنّ الله ينصره حتماً كما قال : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ(1).
أقول : لقد صار حال المسلمين اليوم، وأنا أكتب هذا الشرح كما قال الإمام(عليه السلام) إذ تركوا العمل بالإسلام، فوكلهم الله إلى أنفسهم فقارعوا الكّفار وحدهم، وغلب عليهم الكفّار، حتّى أنّ اليهود وهم أذلّ خلق الله سيطروا
1) سورة محمد : 7
وَإِنَّ عِنْدَكُمُ الأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَقَوَارِعِهِ ، وَأَيَّامِهِ وَوَقَائِعِهِ ، فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بِأَخْذِهِ، وَتَهَاوُناً بِبَطْشِهِ، وَيَأْساً مِنْ بَأْسِهِ . فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ لَمْ یَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ، إِلَّا لِتَرْكِهِمُ الأمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عِن الْمُنْكَرِ. فَلَعَنَ اللهُ السُّفَهَاءَ
......................................
على بلادهم في فلسطين، ولم يتمكنوا من تحريك ساكن، بل الأمم الكبار، الّذين لا يعدون دولة المسلمين أمامهم شيء يذكر، وقد ابتلعوا بلاد الإسلام واحدة تلو الأخرى، فذهبت من أيديهم أسبانيا والهند والصّين، و طاجكستان، وبلاد أفريقيا، وغيرها، والبلاد الباقية في أيديهم لا شأن لهم فيها، وإنّما هي خاضعة لقوانين الكفّار وسلطتهم ومكرهم وكيدهم، هدى الله المسلمين، وأنقذهم من أيدي أعدائهم بمحمّد وآله الطّاهرين.
(وإنَّ عندكَمُ الأمثال من بأس الله) أي عذابه الذي صبّه على الّذين لايمتثلون أوامره (وقوارعهِ) جمع قارعه، وهي : العذاب الشّديد الّذي يقرع الأمة ( وأيّامه) الّتي صنع فيها بعض الأشياء غير المترقّبة ، يقال : يوم فلان إذا وصلت إليه فرحة أو فاجعة غير مترقّبة (ووقائعه) جمع واقعة، وهي القصّة الّتي تقع من قبله سبحانه على النّاس (فلا تستبطئوا وعيده) أي : لا تظنّوا أنّ وعيده تعالى بالعذاب على المخالفين (جهلا) منكم ( بـ) كيفيّة (أخذه) تعالى للعصاة (وتهاوناً) منكم أي: تساهلا (ببطشه) أي ضربه وتعذيبه .
(ويأساً) منكم (من) بأسه) أي عذابه وشدّته. (فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم) والمراد بهم أمّا بنو إسرائيل، أو الأمم الّذين كانوا في الرّوم والفرس، الّذين غلب المسلمون عليهم وأخذوا بلادهم (إلّا لتركهم الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر) تهاونا بهذين الواجبين .
(فلعن الله السّفهاء) أي طردهم عن رحمته، والسّفهاء هم الّذين ارتكبوا
العش
لِرُكُوبِ الْمَعاصِي وَالْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهي!
أَلاَ وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الإسلامِ، وَعَطَّلْتُمْ حَدُودَهُ ، وَأَمَتُّمْ أَحْكامَهُ.
أَلاَ وَقَدْ أَمَرَنِي اللهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالنَّكْثِ وَالْفَسَادِ فِي الأَرْضِ ، فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وأما القاسطون فقد جاهَدْتُ، وأما الْمارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ،
........................
المعاصي (لركوب المعاصي) وعملهم بها (والحُلماء) العقلاء منهم (لترك التّناهي) أي تركهم النّهي عن المعاصي، و[التّناهي] من باب التّفاعل، لنهي بعض بعضا (ألا وقد قطعتم قيد الإسلام) الّذي كان عليكم، والمراد بقيد الإسلام: أحكامه، وقطعه: تركهم لها.
(وعطّلتُم حدوده) الّتي جعلها الله سبحانه (وأمتّم أحكامه) فإنّها إذا ترکت كانت كالميّت لا يأتي منه خير .
(ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي) أي الظلم (والنّكث) أي الّذين نقضوا البيعة (والفساد في الأرض) أي الّذين أفسدوا فيها (فأمَّا النّاكثون) وهم طلحة الزّبير وأصحاب الجمل الّذين بايعوا الإمام(عليه السلام) ونقضوا بيعته حبّا للرئاسة (فقد قاتلت) معهم .
(وأمّا القاسطون) أي الظّالمون - كما قال سبحانه: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا(1)- وهم أصحاب معاوية (فقد جاهدتُ) أي حاربتُ (وأمّا المارقة) من مرق، بمعنى: خرج، والمراد بهم الخوارج الّذين خرجوا عن الّدين (فقد دوّخت) أي أضعفتهم وأذللتهم في النهروان، وإنّ بقي منهم شيء .
1) سورة الجن : 15
وَأَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَرَجَّةُ صَدْرِهِ. وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَلَئِنْ أَذِنَ اللهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلَّا مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلادِ تَشَذُّراً.
أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ، وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ . وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلّم -
....................................
(وأمّا شيطان الرَّدهةِ) هي : النّقرة في الجبل، يجتمع فيها الماء، والمراد بشيطانها : ذو الثدية، رئيس الخوارج فقد وجد مقتولا في ردهة (فقد كُفيتهُ) أي كفيت شرّه (بصعقة) أي غشية أصابته من الهول (سُمِعَت لها) أي لتلك الصّعقة (وجبة قلبه) أي خفقانه واضطرابه (ورجّةُ صدرِهِ) أي اهتزازه وارتعاده، فقد اضطرب ذو الثدية عند قتله اضطرابا عظيما .
(وبقيتْ بقيّةٌ من أهل البغي) كمعاوية وأصحابه (ولئن أذن الله في الكَرَّة عليهم) أي في رجوعي إلى قتالهم، وأذن الله عبارة عن تهيئتهِ سبحانه للأسباب، وإبقائه للعمر(لأُدِيلنّ منهم) أي آخذ الدّولة منهم(إلّا ما يتشذّرُ) أي يتفرّق (في أطرافِ البلاد تشذّراً) فإنّ من فرّ منهم من يدي فله نصيبه، أمّا من بقي فسوف أحاربهم وآخذ الدولة منهم - إن شاء الله -.
ثم بين(عليه السلام) أنه قادر على ذلك بقوله : (أنا وضعتُ في الصّغر) أي في حال صغر سنّي (بكلاكل العرب) جمع كلكل، بمعنى الصّدر، والمراد بها : رؤساء الكفّار الّذين قتلهم الإمام(عليه السلام) (وكسرتُ نواجم) جمع ناجمة، بمعنى: ما ظهر من الشيء (قرون ربيعة ومضر) أي ما كان يظهر من هاتين القبيلتين من الكفّار المحاربين للرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (وقد علمتم) أيّها النّاس (موضعي من رسول الله) أي ارتباطي به، وصلتي معه(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْتُقْنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ . وَكَانَ يَمْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذَّبَةً فِي قَوْلِ، وَلَا خَطْلَةً فِي فِعْلِ. وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ - صلى الله عليه وآله وسلّم - مِنْ لَدُنْ
..............................
وذلك (بالقرابة القريبة) فأنا ابن عمّه (والمنزلة الخصيصة) أي الّتي كانت تخصني دون غيري .
(وضعني) رسول الله (في حجره وأنا ولد) صغير (يضمّني إلى صدره) حبّا وعطفا، كما يضمّ الأب الرّؤوف ولده إلى صدره (ويكنفني في فراشه) أي : يؤويني معه في فراشه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
(ويمسّني جسده) كما يمِسّ الإنسان جسده بجسد ولده حبّا وحنانا، ولأجل التّقبيل والتّلطيف .
(ويَشمِّني عَرفَهُ) هي الرّائحة الطّيبة، فإنّ الإنسان إذا شمّ آخر دخل حبّه في قلبه، ولذا يشمّ الإنسان ولده وحبيبه ، ولعلّ الرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان يامر عليّا(عليه السلام) بذلك ليتمازج الحبّان، أو أنّهُ كناية عن تقريبه له(عليه السلام) حتى كان يشمّ رائحته الطّيبة .
(وكان يمضغ الشيءَ) بأسنانه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (ثمّ يلقمنيه) كما يفعل الإنسان ذلك لولده حبّاً له وعطفاً عليه، فقد أُتيَ بالإمام إلى الرّسول وهو رضيع (وما وجد)(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(لي كذبة في قول) إذ لم أكذب قط (ولا خطلة) أي خطأ (في فعل) من الأفعال .
(ولقد قرن الله به - صلى الله عليه وآله وسلّم - من لدن) أي من وقت
أَنْ كَانَ فَظِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ . وَلَقَدْ كُنتُ أَتَّبِعُهُ اتَّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً ، وَيَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ.
وَلَقدَ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي. وَلَمْ يَجْمَعُ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسلام غَيْرَ رَسُولِ اللهِ - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا ،
...........................
(أنْ كان فطيماً) قد أخذ من الرضاع وشرب اللّبن (أعظم ملكٍ من ملائكته) لعلّه الرّوح ، أو جبرائيل(عليه السلام)(يسلك ) ذلك الملك (به)(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (طريق المكارم) أي يرشده إليها (و محاسن أخلاق العالم) أي الأخلاق الحسنة، كالصدق، والأمانة، والوفاء، وما اشبه، ( ليله ونهاره) أي كان الملك مع الرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ليلا ونهاراً لا يفارقه أبدا .
( ولقد كنت أتّبعه) أي اتّبع الرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(اتّباع الفصيل أثرَ أمّه) الفصيل : ولد النّاقة، ويسمّى بذلك لأنه فصل منها (يرفع لي في كُلّ يوم مِن أخلاقهِ علماً) وسمي ذلك بالعلم، تشبيها بأعلام الطّريق الدّالة على المسلك فإنّ الأخلاق سبيل السّعادة في الدّارين (ويأمُرني بالإقتداء به) زيادة في التّربية والتّوجيه.
(ولقد كان يجاور في كُلَّ سنةٍ بحراء) جبل بالقرب من مكة، كان النّبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم)يذهب إليه للخلوة بنفسه ومناجاة ربّه (فأراهُ )(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (ولا يراه غيري حيث كنت معه، ولم يكن معه أحد .
(ولم يجمع بيت واحد يومئذ) أي يوم إذ بعث (في الإسلام غير رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وخديجة) زوجته المفضلة(عليه السلام) (وأنا ثالثهما) وكان العابد لله
أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ .
وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه - صلى الله عليه وآله وسلّم - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيِّ ، وَلكِنَّكَ وَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ.
....................................
سبحانه منحصرا فيهم (أرى نور الوحي والرّسالة) الظّاهر إرادة ضيائهما المعنوي، فإنّ للحقّ نورا يعرفه أهله (وأشُمّ ريح النّبوَّةِ) شمّا معنويّا ، وهذا من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، أو أنّ المراد أمر خارق، كان يشمّه الإمام .
( ولقد سمعت رنّةَ الشّيطان) أي أنينه (حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلّم، فقلت يا رسول الله ما هذه الرّنّة) ؟ الّتي أسمعها (فقال)(صلّی الله علیه وآله وسلّم):
(هذا الشّيطان) وهذه رنّته (قد أَيِسَ من عبادته) فكأن الشّيطان كان عازما على إضلال النّاس إلى حدّ أن يعبدوه حتّى تهیّئ أذهان أهل جزيرة العرب لمثل هذا النحو من الكفر - كما نرى من بعض عُبّاد إبليس في بلاد سنجار ونحوها في العراق، فلمّا بُعث الرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) تأوّه لما رأى من إحباط الله سبحانه لمكره ومؤامراته ضدّ البشر، ببعثه من يكون سبباً لهدايتهم، ثمّ قال الرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام) (إنّك تسمع ما أسمع) من صوت الوحي، ورنّة الشّيطان، وما أشبه (وترى ما أرى) من صورة الملائكة، والشّيطان (إلّا أنّك لست بنبيّ) إذ النّبي من أمر ابتداءً بتبليغ الرّسالة (ولكنّك وزير) معيّن لي (وإنّك لعلى خير) في المستقبل .
وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ - صلى الله عليه وآله وسلّم - لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ، وَنَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ، عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيُّ وَرَسُولٌ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ . فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلّم وَمَا تَسْأَلُونَ؟ قَالُوا : تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلّم : إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، فَإِنْ فَعَلَ اللهُ لَكُمْ ذلِكَ ، أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ؟ قَالُوا : نَعَمْ، قَالَ : فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ.
.............................
(ولقد كنت معه - صلى الله عليه وآله وسلّم - لمَّا أتاه الملأُ من قريش) أي الأشراف منهم، وإنما سموا بالملأ لأنهم يملأون الصدور والعيون هيبة وجلالاً (فقالوا يا محمد إنك قد ادّعيت عظيما) من الأمر (لم يدَّعهِ آباؤك ) الأقربون (ولا أحد من بيتك) من قريش وعبد المطلب وهاشم (ونحن نسألك أمراً إن أجبتنا إليه وأريتناه) بأن أتيت بهذه المعجزة الّتي نسألك إيّاها حتّى نشاهدها بأعيننا (عَلِمنَا إنّك نبيّ ورسول، وإن لم تفعل) تلك المعجزة (عَلِمْنا أَنَّكَ ساحِرٌ كذّاب) لست نبي (فقال صلى الله عليه وآله: وما تسألون) مني؟ (قالوا : تدعوا لنا هذه الشجرة حتى تنقلع) عن الأرض (بعروقها) جمع عرق (و) تأتيك فـ(تقف بين يديك) مثل إتيان شخص إليك .
(فقال صلى الله عليه وآله : إنّ الله على كل شيء قدير) فيقدر على مثل ذلك الذي طلبتموه (فإن فعل اللهُ لكم ذلك) الذي سألتموه (أتؤمنون) بي؟ (وتشهدون بالحقّ) الذي بعثت به؟ (قالوا نعم، قال)(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(فإني سأريكم ما تطلبون، وإني لأعلم أنكم لاتفيئون) أي لا ترجعون، (إلى خير) فلا تؤمنون
وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ، وَمَنْ يُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ. ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ! إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ، وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ الله.
فَوَالَّذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا، وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ ؛ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم، مُرَفْرِفةٌ،
.........................
بي (وإن فيكم من يُطرحُ في القليب) أي في بئر بدر- والبئر تسمى قليباً- وذلك لأنهم جاؤُوا إلى حرب الرسول - وهو في المدينة - وتحارب الطرفان في محل يسمى [بدراً] وقتل جمع من الكفار، وطُرِحوا في تلك البئر التي كانت موجودة هناك .
(ومن يحزّب الأحزاب) وهم كبراء قريش، الّذين جمعوا أحزابا مختلفة، وجاءوا إلى حرب الرّسول، في غزوة [الخندق] المشهورة (ثم قال(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : يا أيّتها الشّجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أنّي رسول الله فانقلعي بعروقك) عن الأرض (حتى تقفي بين يديّ بإذن الله) تعالى .
ثم قال الإمام(عليه السلام) ، وهو يحكي هذه القصّة (فوالّذي بعثه بالحقِّ) [الواو] للقسم، والّذي بعث الرّسول بالحقِّ هو الله سبحانه (لانقلعت) الشّجرة، و[اللام] للتأكيد (بعروقها) أي مع عروقها (وجاءت) إلى الرّسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، (ولها دويٌّ) أي صوت (شديدٌ وقصفٌ) أي : صوت (كقصف أجنحة الطّيرٍ) وقت رفيفها بشدّة .
( حتّى وقفت بين يدي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)مرفرفة) رفرف الطّائر إذا بسط
وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذلِك قَالُوا - عُلُوّاً وَاسْتِكْبَاراً - : فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَى نِصْفُهَا، فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبٍ إِقْبَالٍ، وَأَشَدِّهِ دَوِيّاً ، فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فَقالُوا - كُفْراً وَعُتُوّاً - : فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعُ إِلى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأَمَرَهُ صلى الله عليه وآله وسلّم فَرَجَعَ ؛
.....................................
جناحه على شيء، والمراد أنّ الشجرة بسطت أغصانها على الرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)،( وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لعلّ المراد مماستها لجسمه الشّريف (وببعض أغصانها على منكبّي) والمنكب ما بين العنق العضد ( وكنت عن يمينه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إذ ذاك .
(فلمّا نظر القوم) الكفّار (إلى ذلك قالوا - علوّاً واستكباراً -) لا تفهّما واستظهارا (فمرها فليأتِكَ نصفها ويبقى نصفها) في مكانها (فأمرها) الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)(بذلك ) الذي طلبوا (فأقبل إليه )(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(نصفها كأعجبِ إقبالٍ) بسرعةٍ وعدْوٍ (وأشدّهِ دويّا) أي صوتا (فكادت) أي اقترب أن (تلتفّ برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) من شدّة الالتصاق به .
( فقالوا - كفراً وعتوّا -)أي ظُلما، أي أنّ قولهم كان ناشئا عن ذلك، لا عن تفهّم الحق، والإيمان به (فمر هذا النّصف) الّذي جاءك (فليرجع إلى نصفه) الباقي (كما كان) حتّى يستويان شجرة (فأمره(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فرجع) كما طلبوا وأرادوا .
فَقُلْتُ أَنَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ فَإِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ، وَإِجْلاَلاً لِكَلِمَتِكَ. فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ: بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وَهَلْ يُصَدِّقَكَ فِي أَمْرِكَ إِلَّا مِثْلُ هذا! [يَعْنُونَنِي]. وَإِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لاَ تَأْخُذُهُمْ فِي الله لَوْمَةَ لَائِم ، سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ، وَكَلَامُهُمْ كَلَامُ الأَبْرَارِ ، عُمَّارُ اللَّيْلِ وَمَنَارُ النَّهَارِ . مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ؛
.................................
(فقلت أنا : لا إله إلَّا الله فإنّي أوّل مؤمن بك يا رسول الله) وليس المراد إيمانه(عليه السلام) هناك، وإنّما التجديد لإظهار إيمانه، تقويةٌ لأزر الرّسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وتشجيعا لمن يريد الإيمان (وأوّل من أقرّ بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت) من الانقلاع والمجيء إليك (بأمر الله تعالى تصديقاً) بنبوّتك وإجلالاً لكلمتك) حتّى لا يكون كلامك فارغاً هباءً (فقال القوم) الحاضرون(كلّهم: بل ساحر كذّاب) أي كثير الكذب في دعواه النبّوة (عجيب السَّحرِ) حيث تطيعه الكائنات (خفيف فيه) فإنّ الخفّة في الأعمال دليل الحذق .
(وهل يصدّقك) يا محمّد ( في أمرك) العمل (إلّا مثل هذا) الشّخص (يعنونني) أي يعنون بـ(هذا) الإمام(عليه السلام) (وإنّي لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم سيماهم) أي ظاهرهم (سيما الصديقين) هم الذين يكثرون تصديق الله والرّسول فإنّ سيماء الصدّيق وقر ،متواضع، خاشع، قليل الكلام، وما أشبه ذلك .
( وكلامهم كلام الأبرار) الّذين لا يكذبونف ولا يستغيبون، ولا يبهتون ولا يستهزءون، أي أنّي من أولئك القوم (عُمّار اللّيل) أي القائمون بالطّاعة والعبادة ليلا، وعمّار جمع عامر . (ومنارُ النّهار) بهم يستنير الناس في أمور دينهم، (متمسكون بحبل القرآن) كأن القرآن حبل الله الذي ألقاه للناس، فمن
يُحْیُونَ سُنَنَ اللهِ وَسُنَنَ رَسُولِهِ؛ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَلا يَعْلُونَ، وَلاَ يَغُلُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ. قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ، وَأَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ !
.................................
تعلق به رفعه الله إلى الجنان.
( يحيون سنن الله) إحياء السّنة عبارة عن العمل بها وحضّ النّاس عليها (وسنن رسوله) ما ورد عنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وإن لم يكن في القرآن الحكيم (لا يستكبرون) أي لا يتكبّرون (ولا يعلون) أي لا يريدون علوّاً في الأرض. وإنما همّهم الآخرة ( ولا يغلون) أي لا يخونون (ولا يفسدون) في الأرض.
(قلوبهم في الجنان) يريد الذّهاب إليها (وأجسادُهُم في العمل) الصّالح الموجب لسعادة النّشأتين.
رويَ أن صاحِباً لأميرِ المُؤمِنينَ(عليه السلام) يقالُ لهُ هَمَّامُ كانَ رجُلاً عابِداً ، فقال : يا أَمِيرَ المُؤمِنينَ، صِفْ لى المُتَّقِينَ حتَّى كأَنَّي أَنْظُر إليهم، فتثاقل(عليه السلام) عن جوابه ثم قال: يا هَمَّامُ، اتَّقِ الله وأحسِن فَإنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ . فلم يقنع هَمَّامُ بهذا القول حتّى عَزَمَ عليه ، فَحَمِدَ الله وأَثنى عليه، وصلّى على النبيَّ(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ثم قال(عليه السلام) :
.................................
التوضيح:
(روى أنّ صاحبا لأمير المؤمنين(عليه السلام)يقال له همَّام، وكان رجلا عابدا، فقال يا أمير المؤمنين صف لي المُتّقين حتّى كأنّي أنظُر إليهم، فتثاقل(عليه السلام) أي تباطاً (في جوابه، ثم قال : يا هَمّامُ اتّق الله وأحسن) والإحسان فوق التّقوى، بأن يعمل الإنسان بالرّغائب والمندوبات (إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) ولعلّ تثاقُل الإمام واختصاره في الجواب لما يَعلم من أنّ التفصيل موجب لهلاكه، كما يأتي في آخر الخطبة (فلم يقنع هَمّام بهذا القول حتّى عزمَ عليهِ ) أي أَصرَّ أن يُجيبه إجابةٌ مفصلة، وأقسم الإمام على ذلك (فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النّبي - صلى الله عليه وآله وسلّم - ثم قال(عليه السلام)) :
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الله - سبحَانَهُ وَتَعَالى - خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأنَّه لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ من أطاعهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ معَيشَتَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ. فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ : مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُم الاِقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ .
........................................
(أمَّا بَعدُ) أي بعد الحمد والصّلاة (فإنّ الله - سبحانه - وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيّاً عن طاعتهم) أي لم يكن محتاجا لطاعتهم (آمِناً من معصيتهم) فلم يكن يخاف من عصيانهم (لأنَّه لا تضّره معصيةُ من عصاه) وإنّما تضّر المعصية ذات العاصي (ولا تنفعه طاعةُ من أطاعه) وإنّما تنفع الطّاعة نفس المطيع .
(فقسم بينهم معيشتهم) أي أرزاقهم التي يعيشون بها (ووضعهم من الدُّنيا مواضعهم) أي جعل كلّ واحد من النّاس في الموضع اللائق به، بحيث أن بمثل هذه المواضع تدار أمور الكون .
(فالمتَّقون فيها) أي في الدنيا (هم أهل الفضائل) الّتي تزين الانسان وتحلّيه(منطقهم الصّوابُ) أي كلامهم صواب لا هذر ولا محرم فيه، والمنطق مصدر ميمي، بمعنى: النطق .
(وملبسهم) أي لباسهم (الاقتصاد) فالاقتصاد في الأمور، والتّوسّط بلا زيادة ونقيصة، كاللّباس لهم الّذي به يعرف الانسان، ويحتمل أن يكون المراد أنهم متوسطون في ثيابهم، لا يلبسون غاليا ولا مبتذلا (ومشيهم التواضع) أي يمشون في الأرض متواضعين، أو المراد بالمشى السلوك، فإنّ الانسان المتواضع قلبه يتواضع في كل سلوكه .
غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَوَقَفُوا أَسْمَاءَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ، نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ. وَلَوْلَا الأَجَلُ الَّذي كُتَبَ لَهُمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسادِهِمْ طَرْفَةَ عينٍ، شَوْقاً إلى الثَّوابِ، وَخَوفاً مِنَ العِقابِ، عَظُمَ الخَالِقُ فّي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دَونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ ،
..........................
(غضّوا أبصارهم عما حرَّم الله عليهم) أما المراد غض البصر عن مثل النظر إلى الأجنبيّة، أو المراد غض البصر عن المحرّمات مطلقا، أي أنّهم لا ينظرون إلى المحرّمات بنظر الإرادة والتّعاطي .
(ووقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم) فلا يضيعون أسماعهم في استماع اللّغو فكيف بالمحرم؟ .
(نُزَّلَتْ أنفسهم منهم في البلاء كالّتي نُزَّلت في الرّخاء) أي نفوسهم في البلاء والرّخاء على حدّ سواء، لا أنهم يجزعون عند البلاء، شأن الذين لا رزانة لأنفسهم (ولولا الأجل الّذي كتب لهم) أي كتب الله لهم، والمدّة المقرّرة عنده تعالى لهم (لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين) أي مقدار أن يحرك الإنسان عينه (شوقاً إلى الثّواب وخوفاً من العقاب) فإنّ كثرة الرغبة والرهبة توجبان - في الأولى - خلو القلب من الدم، لأنّ الدم يتوجه إلى الخارج للتملي من اللّذة - وفي الثانية - كثرة الدم في القلب، لأن الدم يتوجه إلى الداخل فرارا من المؤلم وفي كل واحد من هذين الأمرين هلاك الإنسان .
(عظم الخالق في أنفسهم) حيث أدركوا بعض عظمته سبحانه (فصغُرَ ما دونه في أعينهم) إذ الإنسان إذا عرف شيئاً عظيما قاس سائر الأشياء بذلك الشيء، ولذا تصغر تلك الأشياء في عينه .
فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ . وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا ، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ. قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ . صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةٌ . تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ .
................................
(فهم والجَّنة كمن قد رآها) فإنّ الإنسان إذا طال فكره في شيء ارتسم ذلك الشيء في نفسه حتّى كأنه حسه بإحدى حواسه (فهم فيها منَّعمون) فإنّ ارتسام النعمة رتبة من رتب التنعم .
(وهم والنَّارُ كمن قد رآها فهم فيها معذّبون) على غرار ما ذكر في الجنّة .
(قلوبهم محزونة) لأنهم لا يدرون ماذا يُصنعُ بهم، وهذا لا ينافي قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(1)لأنّ ذلك الحزن على الأمور الدّنيوية، والحزن في أمر الآخرة الذي يلازم العصاة، والحزن هنا ما يلازم المتّقين من جهة الدّرجات وما أشبه (وشُرُورُهُمْ مأمونَةٌ) يأمن النّاس شرّهم، لأنهم لا يؤذون أحداً (وأجسادُهُم نحيفة) لكثرة تفكرهم وعملهم، وقلّة أكلهم، فإن ذلك كلّه يوجب نحافة الجسم .
( وحاجاتُهُم خفيفة) إذ المؤمن لا يرغب في كثير من الدنيا حتى تكون حاجته إليها كثيرة (وأنفسهم عفيفةٌ) عفّت عن الآثام والمعاصي وتنزّهت من ارتكاب المحرمات (صبروا أيّاماً قصيرةٌ) أي أيام الدنيا (أَعقبتُهم) تلك الأيّام أي الصّبر فيها (راحةٌ طويلةٌ) في الآخرة لهم (تجارة مربحةٌ) فإنّ عمل الإنسان في الدّنيا في حكم التّجارة، إذ يعمل هنا ويأخذ هناك.
1) سورة يونس: 62 .
يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ. أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا . أَمَّا اللَّيْلُ فَصَافُونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لأَجْزَاءِ الْقُرآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلاً. يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ . فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا
.............................
(يَسْرَهَا) أي سهّل هذه التجارة (لهم رَبُّهُم) إذ جعل الثواب بإزاء العمل، وبيّن ذلك لهم بسبب الأنبياء (أرادَتهَم الدّنيا فلم يُريدوها) بمعنى أنّهم أعرضوا عن الدنيا، ولم يصرفوا وقتهم في تحصيلها، وإنما صرفوه في تحصيل الآخرة.
(وأَسَرَتْهُم) أي جعلتهم الدّنيا أسرى لنفسها (فَفَدَوا أنفسهم منها) تأسير الدنيا عبارة عن تزيين الدنيا نفسها لهم حتى يطلبوها، وتغذية أنفسهم بترك الدنيا وزخارفها .
(أمّا اللّيل فصافون أقدامهم) أي يصفُّون إحدى رجليهم بإزاء الأخرى قائمين (تالِينَ) أي قارئين (لأجزاء القرآن يرتِّلُونَهُ ترْتِيلا) والتّرتيل : إظهار الحروف والوقف على الوقوف أو التدبر، أو هما معا .
( يُحَزّنونَ) به) أي بالقرآن (أنفسهم) فإنّ الإنسان إذا تذكر الأمور المحزونة حزن، كما أنه إذا تذكر الأمور المفرحة فرح، والقرآن حيث يشتمل على التخويفات يوجب الحزن .
(ويستَثِيرُون) أي يهيجون (به) أي بسبب القرآن (دَوَاء دَائِهم) المراد به البكاء، والداء : الكمد الحاصل للإنسان من الهموم والأحزان، فإذا بكى سكن الدّاء الكائن في قلبه ، أو أنّ المراد التعرّف على علاج الرّذائل الّتي هي داء .
(فإذا مرُّوا بآيةٍ فيها تشويقٌ) إلى الثواب (رَكَنُوا إليها طَمَعاً) أي اتّكلوا إلى تلك الآيةِ راجينَ أن يَصلهم ذلك الثّواب (وتطلَّعت نُفُوسُهم إليها) أي إلى
شَوْقاً، وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ . وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ .
.......................................
تلك الآية، والتطلع : النظر إلى المحبوب ليطلع عليه (شوقاً) إلى الثواب .
(وظنُّوا أَنّها نُصبَ أَعينهِمِ) من كثرة اشتياقهم، فإنَّ الإنسان إذا اشتاق إلى شيء تفكر فيه كثيرا، وذلك ما يوجب ارتسامه في ذهنه .
(وإذا مرّوا بآيةٍ فيها تخويفٌ) عن العقاب (أَصغُوا إليها) الإصغاء الاستماع .
(مسامِعَ قُلوبهم) بمعنى أنّهم التفوا إليها بقلوبهم لا بأسماعهم فقط،( وظنّوا أنّ زفيرَ جهنّم وشهيقها) الزّفير والشّهيق: صوت تنفّس الإنسان، جذبا للهواء وإخراجا له إلى الخارج، والنّار لها هذان الصوتان حين اشتعالها والتهابها (في أصُولِ آذانهِمِ) أي في أعماق آذانهم، وذلك كناية عن شدّة تأثّر النفس بها (فهم حانُونَ) من يحنو إذا انحنى (على أوساطهم) فإنّ الإنسان الخائف يحني نفسه، وذلك ليكون الضّغط على قلبه أكثر ، فيحس بالطمأنينة، مما يسببها تجمع الدم في القلب، أو المراد الرّكوع .
(مُفتَرِشُونَ لجباههِمِ وأكفّهِم ورُكبِهِم وأطرافِ أقدامهِم) هي المواضع الّتي تصل إلى الأرض حال السّجود (يطلُبُون إلى الله تعالى في فكاك رِقابِهم) أي خلاصها من النّار، وإنّما نسب إلى الرَّقَبةِ لأنها محل الذنب، بعلاقة أنها محل السيف في الشخص المجرم، قال الشاعر بالنسبة إلى الإمام :
وضربته کبیعته بخمٍ *** مواقعه من النّاس الرقاب
وَأَمَّا النَّهَارُ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ . قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فِيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ ؛ وَيَقُولُ : قَدْ خُولِطُوا!
وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمرٌ عَظِيمٌ !لا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلاَ يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ . فَهُمْ لأَنفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ
................................
( وأما النَّهارُ فـ) هم (حُلَمَاءُ) جمع حليم، في أعمالهم (عُلَمَاءُ) جمع عالم (أبرارٌ) جمع بر ، وهو المحسن (أتقيِاءُ) جمع تقي، بمعنى المجتنب عن المعصية (قَد براهُمُ الخوفُ) أي نحتهم الخوف من الله والخوف من الذنب (بَريَ القِدَاحِ) جمع قَدح بالكسر وهو السهم قبل أن يراش، فإنّ الخوف يوجب إذابة اللّحم، فقد رقق أجسادهم كما ترقق السهام بالنحت .
( يَنظُرُ إليهم النَّاظِرُ فيحسبُهُم مَرضَى) لما عليهم من آثار الضّعف وصفرة الوجه وما أشبه (وما بالقوم من مرض) إذ ما يشاهد فيهم من آثار الصيام والصلاة والسهر (ويقول) الناظر (قد خُولِطُوا) أي خالط عقلهم خلل لما يراهم من الانقطاع عن النّاس والبكاء وما أشبه - مما قد يكون مثل ذلك في المجانين -
( ولقد خالطَهُم أمر عظيم) هو الخوف من الله سبحانه الذي أقلقهم وأسهرهم .
(لا يرضونَ مِنْ أعمالهِمُ القليل) فإنّ الإنسان إذا علم بالقواب الّذي أمامه، لا بد وأن يستقل علمه ولا يرضى بقليله .
(ولا يستكثِرُون الكثير) إذ الثواب من الكثرة بحيث كل عمل كثير لا يفي به (فهم لأنفسهم مُتَّهمُون) يتهمونها بالتقصير والكسل (ومن أعمالِهِم) الّتي
مُشْفِقُونَ، إِذَا زُكِّيَ أَحدُهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ، وَرَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسي !
اللّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لي مَا لا يَعْلَمُونَ .
فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قَوَّةً فِي دِينٍ،
..........................
عملوها (مُشفِقُونَ) أي خائفون، هل قبلت حسناتهم؟ وهل يعاقبون على غير الحسنات؟ (أذا زُكِّي أحَدُهُم) أي مدحه النّاس( خاف مما يقال له) خوف من يخشى أن لا يكون كذلك فيفضح غداً أو يخشى أن يسبب المدح له كبراً ونخوة .
( فيقول :) لرَدِ المادح (أَنَا أعلَم بنفسي من غيري) وهذا عبارة أخرى عن القدح (وَرَبَّي أعلم بي من نفسي) إذ - حتى الإنسان نفسه - لا يعرف نفسه .
ثم يتوجهون إلى الله سبحانه تواضعا قائلين :
(اللَّهُمَ لا تُؤاخِدْنِي بما يقولون) مؤاخذة من يرضى بما ليس فيه، كما قال سبحانه: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ(1)(واجعلني أفضل ممّا يظُنُّون) أي يظنّ هؤلاء المادحون فيَّ من الخير والصلاح .(واغفر لي ما لا يعلمون) من هفواتي وتقصيري.
(فمن عَلامَةِ أَحَدِهِم) أي أحد هؤلاء المتّقين (أنّك ترى له قوّةً في دين)
1) سورة آل عمران : 188
وَحَزْماً فِي لِينٍ، وَإِيمَاناً فِي يَقِينٍ، وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ، وَعِلْماً فِي حِلْمٍ، وَقَصْداً فِي غِنىً، وَخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ، وَتَجَمُّلا فِي فَاقَةٍ ،
وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ، وَطَلَباً فِي حَلَالٍ ، وَنَشَاطاً فِي هُدىً،
..............................
أي أنّ دينه قويً لا يزول بمجرد زخارف الدنيا وشهوات النفس وما أشبه (وحزماً في لين) أي أنّه متقن لأموره، لكن بدون عنف، بل يعاشر النّاس ويعمل بكل رفق ولين .
(وإيماناً في يَقين) فهو مؤمن في الظّاهر متيقّن في الباطن (وحِرصاً في علمٍ) أي في التعلم والتعليم . (وعلماً في حلم) فإنّ العالم يحتاج إلى الحلم الكثير ، لأنه - بعلمه - يرى انحراف النّاس، فيلزم أن يكون حليما حتّى يتمكن من إجابة المسائل ومن الإصلاح .
(وقصداً في غنِىً) أي أنّه ولو كان غنيّاً، يتوسّط في أموره بدون سرف ولا بخل (وخُشُوعاً في عبادة) أي يعبد خاشعاً خاضعاً لله سبحانه، لا مجرد إتيان الظواهر (وتجمُّلا في فاقة) أي الفقر، فإنّ الفقراء غالباً لا يهتمّون بإصلاح ظواهرهم، وذلك ممّا يوجب ذلّتهم علاوة على فقرهم، ويستحب للإنسان أن يتجمل، [فإن الله جميل يحب الجمال]، كما ورد.
(وصبراً في شدّة) فإنَّ المصائب إذا وردت على الإنسان لم يكن أمامه إلّا الصبر أو الجزع، وفي الأول خير الدنيا بسكون النفس، وفي الثاني خير الآخرة بالثواب والأجر .
( وطلباً في حلالٍ) مقابل الطلب كيفما كان حلالاً أم حراماً (ونشاطاً في هُدىً) أي الجد والقوة في الهداية، بأن يعمل بلا كلل في سبيل الهداية
وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ ، يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَلٍ . يُمْسِي وَهَمَّهُ الشُّكرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ . يَبِيتُ حَذِراً وَيُصْبِحُ فَرِحاً ، حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، إِنْ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ . قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لاَ يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى،
........................
والاهتداء (وتحرجاً) بمعنى: عدّ الشّيء حرجاً أي إثما وصعبا (عن طمعٍ) فلا يطمع في مال النّاس، أو ما أشبه ذلك .
(يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجلٍ) أي خوف، هل أنهُ عمل بما يلزم عليه أم لا ؟ ( يُمسي) أي يدخل المساء، بمعنى العصر، أو اللّيل .
(وهمّهُ الشَّكرُ ) لله سبحانه، على ما أنعم عليه من أوّل الصباح، فإنَّ الشكر بعد النعمة (ويُصبحُ وَهَمّهُ الذَّكرُ) لله تعالى، فإنّ الإنسان يتذكر الله سبحانه عند الصباح كأنه وجود من جديد (يَبيتُ) أي يدخل اللّيل (حَذِراً) لا يدري يبقى إلى الصّباح في أمن وسلامة وذكر(ويُصبحُ فرِحا) حيث مرّ عليه اللّيل بسلام (حَذِراً لما حُذِّر من الغفلةِ) بأن يعد من الغافلين - وهذا مصداق لقوله : [حَذِراً] (وفرحاً بِمَا أَصابَ) وأدرك(من الفضل والرَّحمَةِ) من طرفه سبحانه .
(إن استصعبت عليه نفسُهُ فيمَا تَكرَهُ) أي إذا لم تطاوعه نفسه فيما يشقّ عليها من الطّاعة (لم يُعطها سُؤلها فيما تُحِبُّ) بأن يترك الطّاعة، ويأخذ بالشّهوات الّتي تريدها نفسه (قُرَّةُ عينه) أي فرحه، والأصل فيه أن عند الفرح تستقر العين، فلا تتحرك كالمضطرب الذي ينظر هنا وهناك ليجد الملجأ والمفر(فيما لا يَزُولُ) أي : الآخرة (وزَهادَتْهُ) أي تفرقه (فيما لا يبقى) أي الدنيا .
يَمْرُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ، وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ. تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ ، قَلِيلا زِلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ ، قَانِعَةٌ نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلاٌ أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينَهُ ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَحْظُوماً غَيْظُهُ . الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولُ ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ . إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ،
..............................
( يَمزُجُ الحِلمَ بالعلمِ) أي يتّصف بالحلم مع أنّه عالم، وذلك لأنّ العالم یحتاج إلى حلم كبير ليعلّم الجهّال، ويتعلم هو بنفسه المسائل العضال .
(والقولَ بالعملٍ) فلا يكتفي بالأقوال فقط (تَراهُ) أيها الرّائي (قريباً أَمَلهُ) لا يأمل بعيداً، كأمَل أهل الدّنيا الذين يرون أنفسهم باقين فيها مدّة مديدة، فإنَّ طول الأمل ينسي الآخرة .
( قليلاً زلَلُهُ) جمع زلة، بمعنى: العصيان، وفعل ما لا ينبغي، فإنّ الإنسان إذا كان واعيا ملتفتا تقل خطاياه (خاشعاً) أى خاضعا لله سبحانه (قَلبُهُ) لا أن يكون قلبه صلدا، وإنّما الخشوع سمة جوارحه فقط، كالمرائي (قانِعةً نفسُهُ) بما أعطاه الله سبحانه . (منزُوراً أكلُهُ) أي قليلا، من النزر (سهلاً أَمرُهُ) لا يتكلّف في أموره كما يتكلّف أهل الدّنيا في أمورهم .
(حَرِيزاً) أي حصينا محفوظا (دينُهُ) لا ينثلم بالشّهوات (مَيِّنَةً شهوتُهُ) كناية عن عدم اتّباعه للشهوات (مكظوماً غيظُهُ) الكظم: الإخماد، أي لا يظهر غضبه إذا غضب .
(الخير مِنهُ مأمولٌ) يأمل النّاس خيره، لأنه من أهل الخير (والشَّرُ منه مأمونٌ) إذ لا يريد شرّاً بالنّاس .
(إن كان) بجسده (في الغافِلينَ) بأن كان في جملتهم جسماً (كُتِبَ في الذَّاكِرِينَ) لله سبحانه لأنه ذاكر بقلبه .
وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ . يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، ويُعْطِي مَنْ حَرَمُهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فَحْشُهُ، لَيْناً قَوْلُهُ ، غَائِباً مُنكَرُهُ ، حَاضِراً مَعْرُوفَهُ، مُقْبِلا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِي الزَّلازِلِ وَقُورُ ، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ . لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ :
..................................
( وإن كان في الذّاكِرِينَ) بجسده (لم يُكتَبُ مِنَ الغافلين) لأنه ذاكر كما هم ذاکرون، لا أنه كالغافل في وسط الذين يذكرون الله سبحانه (يعفو عمّن ظَلَمَهُ)كما قال سبحانه: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى(1)(ويُعطي من حَرَمهُ) لأنه لا يريد الانتقام فإذا كان الذي حرمه أهلا لأن يعطى أعطاه .
(ويصلُ مَنْ قَطَعَهُ) فإنَّه لا يفعل القطيعة المذمومة انتقاما، ولو أن طرفه قطعه (بعيداً فُحشُهُ) أي كلامه القبيح والسباب، ومعنى بعده عدم تناوله له . (ليَّناً قولُهُ) لا خشناً ولا جافياً (غائباً مُنكَرهُ) أي لا يفعل الأفعال المنكرة (حاضراً معرُوفُهُ) أي يعمل العمل المعروف (مُقبلاً خيرهُ مدبراً شرّهُ) أي يعمل الأول ويترك الثاني .
(في الزّلازل وَقُورٌ) أي لا يضطرب في الشّدائد، فإنّ الاضطراب فيها يوجب عدم التمكن من مقاومتها، وعدم المجال للتفكّر في كيفية حلّها والتّخلص منها .
(وفي المكارِهِ صبُورٌ) يصبر عند الأمر المكروه حتى يمر بسلام (وفي الرّخاء) والسعة .
(شكورٌ ) كثير الشكر له سبحانه (لا يحيفُ) أي لا يجور (على من يُبغضُ) كما هو عادة كثير من الناس إذا غضبوا جاروا بالقول والعمل على من
1) سورة البقرة: 237
وَلا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ ، وَلا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلاَ يُنَابِزُ بِالأَلْقَابِ، وَلا يُضَارُّ بِالْجَارِ، وَلاَ يَشْمَتُ بِالمَصَائِبِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِي الْبَاطِل ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ. إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ، وَإِن ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقَمُ لَهُ .
.....................................
غضبوا عليه (ولا يأثمُ) أي لا يعصي الله (فيمن يُحبُّ) لإرضاء حبيبه ... فلا يفرط في لوازم المحبة، كأن يُعطي من يحبه أكثر من استحقاقه - مثلا -.
( يعترفُ بالحقِّ قبل أن يُشْهَدَ عليه) أي يطلب منه الشّهادة حرصا له على إحقاق الحق (لا يُضيعُ ما استُحفِظَ) أي ما جعل عنده وديعة ليحفظها .
( ولا ينسى ما ذُكِّرَ) فلو ذكَّرهُ الله سبحانه شيئاً، أو ذكَّره أحد، لا ينسى ذلك الشيء إهمالا وتساهلا (ولا ينابزُ بالألقابِ) أي لا يدعو غيره باللقب الذي يكره، كما قال سبحانه: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَب(1).
( ولا يضارُّ بالجار) أي لا يكون سببا لضرر الجار (ولا يشمت بالمصائب) فلا يفرح إذا نزلت بغيره مصيبة، ولا يقول قول المتشفي .
(ولا يدخلُ في الباطل) كيفما كان من قول أو عمل (ولا يَخْرُجُ من الحق) بأن يتركه (إن صمت) أي سكت (لم يغمّه صمتُه) أي لم يحزنْ لسكوتهِ، لأنّهُ يرى الصمت فضيلةٌ (وإن ضَحِك لم يَعلُ صَوتُهُ) فإنْ ذلك قبيح، وإنّما ضحكه التّبسم .
(وإن بُغي عليه) أي ظلم (صَبَرَ حتّى يكون الله هو الذي ينتقم له) فإنّ
1) سورة الحجرات : 11 .
نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي راحةٍ . أَتْعَبَ نَفْسَهُ لَآخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ . بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزَاهَةٌ ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ. لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَعَظَمَةٍ، وَلَا ذُنُوُّهُ بمكرٍ وَخَدِيعَةٍ .
قال : فَصُعِقَ هَمَّامُ صَعقةٌ كَانَتْ نَفْسُهُ فِيها .
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ .ثُمَّ قَالَ : أَهَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا؟
...........................
الله يأخذ بحق المظلوم من الظالم.
(نفسه منه في عناءٍ) أي في تعب من الأعمال الصّالحة (والنَّاسُ منه في راحةٍ) لأنه لا يؤذي أحداً (أتعبّ نفسه لآخرته) عبادةٌ وعملاً صالحاً(وأرَاحَ النّاسَ من نفسهِ) فلا يكلّفهم ولا يؤذيهم .
(بعدُهُ عمّن تباعد عنه زهد ونزاهة) فإنَّه إذا تباعد عن شخص كان لأجل إطاعة الله في الابتعاد ، ولأنه يريد أن لا يتلوث بآثامه، لا أن يكون ابتعاده لأجل هوى نفسه (ودنوّه ممّن دنا منه) أي اقترب إليه (لينٌ) أي دنو لين (ورحمةٌ) يرحمه بها، لا خُدعةٌ وابتزازاً لماله ، أو نحو ذلك .
(ليس تباعده بكبر وعظمة) كما ذلك عادة الجبّارين (ولا دنوّه بمكر وخديعةٍ) وهاتان الجملتان مصداقان لما سبق .
(قال) الراوي (فَصُعِقَ هَمَّامُ صَعقةٌ كانت نفسهُ فيها) أي في تلك الصعقة أي الغشوة [نفسه] بأن مات من شدة التأثّر بهذه الخطبة (فقال أمير المؤمنين(عليه السلام)) :
(أما والله لقد كنت أخافها) أي الصعقة، (عليه ) أي على همام (ثم قال)(عليه السلام): (أهكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها) ؟ الاستفهام للتعجّب من
فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين؟
فقال : وَيْحَكَ، إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لاَ يَعْدُوهُ، وَسَبَبَاً لَا يَتَجَاوَزُهُ. فَمَهْلاً، لا تَعُدْ لِمِثْلِهَا ، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ !
.......................
صنع الموعظة، وإنما يموت الإنسان لشدة الفرح الموجبة لخلو القلب عن الدم ، أو لشدة الحزن الموجبة لامتلاء القلب بالدم .
(فقال له قائل : فما بالُكَ يا أمير المؤمنين) ؟ أي لماذا لا تموت أنت مع اطّلاعك على هذه الموعظة . (فقال : ويحك) كلمة توبيخ وقد تستعمل في الإطراء (إنَّ لكلّ أجل) في انقضاء عمر الإنسان (وقتا لا يعدوهُ) أي لا يتجاوز بنه (وسبباً) أي للموت (لا يتجاوزهُ) ولو إلى قبل ذلك الوقت (فمهلاً) أي انتظر في كلامك وترو (لا تَعُد لِمثلها) أي لمثل هذه الكلمة (فإنّما نفث) أي نفخ (الشيطانُ على لسانك) حتى تكلمت بهذا الكلام، والسر أن النفوس الكبيرة لا تتأثّر بما تتأثر به النّفوس الصغيرة، ولذا ترى شدّة فرح إنسان صغير بدمية، أو شدة حزنه لفقد درهم، مما لا يؤثر أضعاف ذلك في النفس الكبيرة .
نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَنَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً ، وَ بِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً . وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، خَاضَ إلَى رِضْوَانِ اللهِ كُلَّ غَمْرَةٍ، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلِّ غُصَّةٍ. وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الأدنَوْنَ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الأَقْصَوْنَ،
............................................
التوضيح:
(نحمده) تعالى (على ما وفّق له من الطّاعةِ) أي من الطاعةِ لهُ تعالى (و ذادَ) أي دَفَعَ (عنه) سبحانه (من المعصية) أي دفع المعصية عن نفسه بإرشاد الإنسان الى مواضع سخطه (و نسأله لمنَّتِهِ) أي فَضلهُ (تماماً) بأن يتم فضله علينا (و بحبله اعتصاماً) أي يوفقنا لأن نعتصم بحبله، والمراد دينه . (و نشهدُ أنَّ مُحّمداً عبده و رسوله) ذكرنا سابقا أن تقديم [عبده] لعلّه في مقابل اليهود و النصارى الذين يجعلون انبياءهم أبناء الله وشركائه. (خاض إلى رِضوانِ الله كُلَّ غَمرَةٍ) أي دخل في كل شدة لأجل رضاه سبحانه (و تجرّعَ فيه) أي في رضاه (كلّ غصّة) إذا شرب الإنسان الماء فلم يسغه بأن لم ينزل من حلقه بسهولة، يقال : غصَّ بالماء (وقد تلوَّنُ له الأدنون) أي تقلب له أقرباؤه(عليه السلام)فكانوا يوماً له و يوماً عليه، إلّا النادر منهم (وتألَّب) اجتمع على عداوته (الأقصون) أي الأبعدون
وَخَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا ، وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتَهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا، حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِنْ أَبْعَدِ الدّارِ، وَأَسْحَقِ الْمَزَارِ . أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللهِ ، بِتَقْوى اللهِ، وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُمُ الضَّالُونَ الْمُضِلُّونَ، وَالزَّالُونَ الْمُزِلُونَ، يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً ، وَيَفْتَتُونَ افْتِنَانَا . وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادِ، وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادِ .
الذين لم يكن لهم قرابة معه معه(عليه السلام).(وخلعت إليه العرب أعِنّتها)جمع عنان، وهو الزمام، أي أنهم صاروا ضده يعادونه(وضربت الى محاربته بطون رَواحلها) جمع راحلةٍ وهي الناقة، أي أنهم ساقوا ركائبهم لمحاربته، فإنَّ الإنسان إذا أراد إسراع مشي دابته ضرب برجله بطنها (حتّى أَنزَلَتْ) العرب (بساحتهِ) أي بفناء محله، والمراد المدينة المنورة (عداوتها) أي جاءوا إلى هناك لمعادته(من أبعد الدار) و هي مكة (و أسحق المزار) أي أقصى محل الزيارة، فإنَّ السحق بمعنى البعد . (أوصيكم) يا (عباد اللهِ بتقوى الله) أي الحذر منه واجتناب محرّماته(و أُحذركم أهل النفاق) أي أُخوّفكم من المنافقين، لا تغتروا بهم (فإنهم الضالون) الذين تاهوا عن الطريق (المُضِلُّون) الذين يضلون من عداهم (و الزَّالُّون) من زل بمعنى: أخطأ (المُزلون) اى الموقعون للناس في الخطأ (يتلوّنون ألواناً) فلهم كل يوم لون، إذ أنهم لا يسيرون على مبدأ، وإنما يسيرون وِفْقَ مصالحهم، فأينَ ما كانت مصالحهم انحازوا نحوها ( ويتفنَّون) أي يأخذون فى فنون من العمل و القول (افتناناً) لا يأخذون طريقة واحدة مثل أصحاب المباديء.
(و يعمدونكم بكلِّ عمادٍ) أي يقيمونكم بكل ما يعتمد عليه لتتبعوا طريقتهم فإنَّ من يريد إلجاء غيره إلى جانبه يأتي إليه بكل وسيلة (و يرصدونَكُم بكلِّ مرصادٍ) اى يترقَّبونكم فى كل مكان، ليصيدونكم بحبائلهم
قُلُوبُهُم دَوِيَّةٌ، وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ. يَمْشُونَ الْخَفَاءَ، وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ. وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ، وَقَولُهُمْ شِفَاءٌ ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ العَيَاءُ . حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، وَ مُؤَكِّدُوا الْبَلاءِ، وَمُقْتِطُوا الرَّجَاءِ. لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقِ صَرِيعٌ ، وَ إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ ، وَلِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ . يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ ،
..............................
ويدخلونكم في جمعهم (قلوبهُمُ دَويَّةٌ) أي مريضة من الدوي بالكسر بمعنى المرض. (وصفاحهم) جمع صفحة و المراد صفحة وجههم (نقيَّةٌ) عن آثار العداوة، لأنهم يظهرون أنفسهم في صورة البريء، وقلوبهم مملؤة من النفاق أو المراد نقاؤها من آثار الطاعة والعبادة (يمشُونَ الخفاء) أي مشي التستّر لئلا يطلع أحد على باطن أمرهم (ويدبون الضراء) الدب : هو المشي الخفي، أي : يسيرون في المجتمع سير المرض في الجسم أينما وصلوا أفسدوا . (وصفُهَم دواءٌ) أي يصفون الدواء للأمراض الاجتماعية - ليراهم الناس مصلحين - (و قولهُم شفاءٌ) عن الأمراض لأنَّهم يرشدون النّاس إلى أدوية أمراضهم النفسية (و فعلُهُم الدَّاءُ العَياءُ) أي الداء الذى أعجز الأطباء وأعياهم عن علاجه (حَسدةَ الرَّخاء) جَمعُ حسودٍ، أي يحسدون الناس على السعة (ومؤكِّدوا البلاء) أي إذا نزل البلاء بأحدٍ أكدُّوه و زادُوه بالشماتة والسعي لإعضاله (و مُقنِطوا الرجاء) أي إذا رجى أحدٌ شيئاً أو قعوه في القنوط واليأس.
(لهم بكلّ طريق صريع) أي أنهم كثيراً ما خدعوا أناساً فاهلكوهم، كما يُهلِكُ القاتلُ من يصرعه و يطرحه على الأرض (وإلى كل قلب شفيعٌ) فهم يجعلون إلى كل إنسان وسائل ليقضوا مآربهم إذا احتاجوا اليها .
(ولكلّ شجوٍ) أي حزن (دموع) يبكون لكل إنسان مفجوع تصنّعاً وتزلّفاً حتى يُقَرِّبوا أنفسهم إلى قلبه (يتقارضون الثناء) أي كل واحدٍ منهم يُثني على الآخر و يطريه، ليثنيى الآخر عليه، لا لإستحقاق أحدهم للثناء .
وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ : إِنْ سَأَلُوا أَلحَفُوا، وَ إِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا، وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا. قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلاً، وَلِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلاً، وَلِكُلِّ حَيِّ قَاتِلاً، وَلِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً ، وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً. يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمع بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ، وَ يُنْفِقُوا بِهِ أَعْلاقَهُمْ. يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ، وَ يَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ.
...........................
(و يتراقبون الجزاء) أي يعمل كل للآخر ليعمل الآخر له، لا كالمؤمنين الذين يعملون لله سبحانه (إنْ سألوا الحفوا) أي ألحّوا في السؤال وبالغوا (وإن عذلوا) أي لاموا أحدا (كشفوا) أي فضحوا من يلومونه، اذ ليس قصدهم الاصلاح بل الفضيحة و الانتقام.
(و إن حكموا أسرفوا) في الحكم بأن يزيدون فى التقدير (قد أعدّوا لكل حقٍ باطلاً) أي جعلوا قبال كل حق باطلا لصرف الناس إلى ذلك الباطل - الذين ألبسوه لباس الحق - (ولكل قائم مائلاً) أي جعلوا بإزاء كل شيء مستقيم شيئاً منحرفاً (ولكلّ حيٍّ قاتلا) بأن لا يسلم منهم أحد(و لكلّ بابٍ مفتاحاً)حتى لا يَصعب عليهم ولوج كل مكان لقضاء مأربهم(و لكلِّ ليلٍ مصباحاً) فإذا أدلهمَّ خطب هيؤوا - قبلا - لذلك ما ينيرهم حتى لا يسقطوا في الظلمة .
(يتوصَّلون إلى الطمع باليأس) أي أنهم باظهارهم الياس عما في أيدى النّاس يتوصلون إلى مطامعهم الدنيوية، فإنَّ الناس يقضون حوائج الذين يظهرون اليأس عما في أيديهم، و لذا قال(عليه السلام): (ليقيموا به أسواقهم).
(و ينفقوا) أي يروجوا (به) أي بذلك اليأس (أعلاقَهم) جمع [علق] بمعنى الشيء النفيس (يقولون فيُشبّهون) أي يشبهون الحق بالباطل، والباطل بالحق (ويصفون فيموهون) التمويه: التلبيس، والمراد وصف الأشياء بما
قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ، وَأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ، فَهُمْ لُمَّةُ الشَّيْطَانِ، وَحُمَةً النّيرَانِ: أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ(1)
............................
ليس من أوصافها (قد هونوا) أي سهلوا على الناس (الطّريق) الذي يسيرون عليه بأن قالوا لهم إن طريقنا الذي نسير عليه طريق سهل يسير، حتى يتبعهم الناس.
(وأضلعوا المضيقَ) أي عوجوا مضائق الطرق، والمضائق كناية عن المداخل الدقيقة، التي يظهر فيها باطنهم و نفاقهم، و تعويجها : اراءة الناس أنهم لا يقصدون هذا الطريق، و إنما يريدون غيره، تعمية عليهم، إذ لو دخلوا في المضائق بدون التعمية ظهر باطنهم الفاسد.
(فهم لُمَّةُ الشيطان) المَّة: الجماعة، أي أنهم من جماعة الشيطان (وَحُمَةُ النيرانٍ) الحمة: إبرة العقرب التي تلسع بها، فكأن نار جهنم بواسطة هؤلاء تلسع الناس وتوصل اليهم ألمها( أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) الذين خسروا دنياهم وآخرتهم .
1) سورة المجادلة 19
الْحَمْدُ لله الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَائِهِ، وَجَلالِ كِبْرِيَائِهِ، مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُيُونِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ، وَرَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صفَتِهِ .
وَ أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلَّا الله، شَهَادَةَ إِيمَانِ وَإِيقَانٍ، وَإِخْلاصِ وَإِذْعَانٍ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ وَأَعْلامُ الْهُدَى دَارَسَةٌ،
................................
التوضيح:
(الحمد لله الذي أظهر من آثار سلطانه) أي آثار سلطته على الكون، فإنَّ الخلق من آثار سلطة الله سبحانه (وجلال كبريائه) أي ارتفاع عظمته (ما حيّر مُقل العيون) جمع مقلة، و وهي شحمة العين التي تجمع السواد والبياض (من عجائب قدرته) بيان [ما] (وردع) أي منع (خطرات هماهم النّفوس) جمع همهمة، وهي صوت خفي عند حديث النّفس، والمراد تشبيه ما يخطر بالبال عند إرادة إدراك كُنْهِهِ سُبحانه (عن عرفان كنه صفته) أي كنه ذاته وصفاته .
( وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة إيمان وإيقان) لا كشهادة المنافقين الذين لم يدخل الايمان قلوبهم، ولا كشهادة ضعفاء الايمان من المؤمنين الذين لم يتيقنوا يقيناً راسخاً (و إخلاص،) لا شرك فيه (وإذعان) أي خضوع لله سبحانه.
(وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وأَعْلامُ الْهُدَى دارسةٌ) الواو
ومَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ، فَصَدَعَ بِالْحَقِّ ، ونَصَحَ لِلْخَلْقِ، وَهَدَى إلى الرُّشْدِ، وَأَمَرَ بِالْقَصْدِ،
وَاعْلَمُوا، عِبَادَ الله ، أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاُ، وَلَمْ يُرْسِلُكُمْ هَمَلاً، عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ ، وَ أَحَصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ، فَاسْتَفْتِحُوهُ، وَاسْتَنْجِحُوهُ، واطْلُبُوا إِلَيْهِ واسْتَمْنِحُوهُ،
......................................
للحال و المراد بأعلام الهدى الأحكام والآثار التي تدل على الأصول، دارسة بمعنى منهدمة. (و مناهج الدّين) جمع منهج، بمعنى الطريق (طامسةٌ) من طمس بمعنى انمحى واندرس (فصدع بالحقّ) أي قام بالحق وأصل الصدع: الكسر ، والمراد كسر الباطل بصدمه الحق (ونصح للخلق) بأن أرشدهم إلى ما يسعدهم في الدّارين .
( وهدى إلى الرّشد) مقابل الغي، بمعنى الضلال (وأمر بالقصد) أي يسلك الناس سلوكاً وسطاً لا إفراط ولا تفريط، في جميع أمورهم .
( واعلموا عباد الله) منادى حذف حرف النداء منه، نحو يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا(1)(أنّه) تعالى (لم يخلقكم عبثا ) أي بلاغاية و بدون مصلحة (و لم يرسلكم )تشبيهاً للخلق بالإرسال (هملا) أي بدون أوامر و نواهي (علم) سبحانه (مبلغ نعمه عليكم) أي مقدارها (وأحصى إحسانه إليكم) فليس إحسانه بلا حساب (فاستفتحوه) أي اطلبوا منه أن يفتح عليكم الأبواب التي أُغلقت في وجوهكم (واستنجحوه) أي اطلبوا منه نجاح أموركم.
(و اطلبوا) حوائجكم (اليه) أي منتهيا اليه تعالى (و استمنحوه) أي اطلبوا
1) سورة يوسف : 29
فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ ، ولا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ ، وَإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ، وَفي كُلِّ حِينِ وَأَوَانٍ، وَمَعَ كُلِّ إِنْسٍ وَجَانٍّ، لا يَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ، ولايَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ، ولا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ، ولا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ، ولا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخصٍ، ولا يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَن صَوْتِ،
.......................................
منه العطاء والمنحة .
(فما قطعكم عنه) تعالى (حجاب) أي لاحجاب بينه و بين خلقه (و لا أغلق عنكم دونه) سبحانه (باب) بالعكس من الملوك والكبراء.
(وأنّه) سبحانه (لبكُلَّ مكان) اللام للتاكيد، و معنى أنه في كل مكان نفوذ علمه و قدرته، إذ ليس سبحانه جسما، وهو منزه عن الزمان والمكان (وفي كلّ حين وأوان)جمع آن بمعنى الزمان وليس كالموجودات التي تكون حينا ولا تكون حينا آخر- قبل خلقها و بعد انعدامها - (و مع كلّ إنس وجانٍ) معية العلم و القدرة، لا معية الأجسام (لا يثلمه) أي لا ينقصه (العطاء) لأنّ العطاء لا يخرج عن ملكه، و لأنه قادر على خلق ما لا يحصى (ولا ينقصه الحَباءُ) الحباء : العطية بدون مكافأة، أي لا تنقص خزائنه عن إعطاء شي (ولا يستنفده سائل) استنفده أي جعله نافد المال، لاشئ عنده فإنَّ السائلين لا يتمكنون من ذلك، إذ لا ينفد ما لديه تعالى (ولا يستقصيه نائل) استقصى، بمعنى أتى على آخر ما عنده ، أي أن الذين يأخذون منه لا يأتون على آخر ما عنده تعالى، إذ عطاءه أبدي لا آخرَ له .
(ولا يلويه شخص عن شخص) فإذا توجّه سبحانه إلى شخص لم يكن ذلك سببا لأن ينصرف ويميل عن التوجه إلى الآخرين (ولا يلهيه صوت عن صوت) ألهاه بمعنى أشغله، فإنّ الله سبحانه يسمع الأصوات في آن
وَ لا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ، وَلا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ، وَلا تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابٍ، وَ لا يُجِنَّهُ الْبُطُونُ عَنْ الظُّهُورِ، ولا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَن الْبُطُونِ. قَرُبَ فَنَأَى ، وَ عَلَا فَدَنَا، وَظَهَرَ فَبَطَنَ،
....................................
واحد، لا كالإنسان الذي إذا استمع إلى صوت لم يقدر أن يستمع إلى آخر .
(ولا تحجزه) أي لا تمنعه (هبة) لأحد( عن سلبٍ) لآخر، وبالعكس من ذلك الإنسان، فإنَّه إذا اشتغل بالعطاء لم يتمكن من السلب، إذ لا حواس له تفي بالجهتين والله ليس بجسم، فإنَّه يعطي لهذا و يأخذ من هذا في حال واحد .
( ولا يشغلُهُ غضب) على أحد (عن رحمةٍ)لآخر، فإنَّه يرحم هذا ويغضب على ذلك في حال واحد، (ولا تولِهُهُ) أي لا تحيّره (رحمةٌ عن عقابٍ) يأن يرحم أحداً و يعاقب غيره، أو المراد الرحمة والعقاب بالنسبة إلى إنسان واحد في حال واحد من جهتين، كأن يُعطيه الحياة رحمة، و يمرضه عقاباً .
(و لا يُجنَّه) أي لا يَستره (البطون) أي كونه تعالى مخفياً (عن الظهور) لخلقه، بآثاره فهو باطن بذاته، ظاهر بآثاره( ولا يقطعه الظّهور) بآثاره (عن البطون) ومعنى يقطعه : يمنعه، أي ظهوره لا يمنع عن كونه باطناً .
(قرب) إلى الناس علماً و قدرةً (فنأى) أي بَعُدَ ، فإنَّ قُربه إلى كل أحد موجب لبعده عن مشابهة الأجسام، إذ لو كان شبيها بالأجسام لما قرب إلى كل أحد، فإنَّ نسبة الجسم لا بُدَّ وأن تختلف، قرباً إلى بعض الأشياء وبعداً عن بعض الأشياء .
(وعلا) أي ارتفع عن مشابهة المخلوقات (فدنا) اليها بالعلم والقدرة، إذ علوه سبحانه سبب قربه (وظهر) للناس بآثاره (فبطن) أي لم يعرف كنهه،
وَبَطَنَ فَعَلَنَ ، وَدَانَ وَ لَمْ يُدَنْ. لَمْ يَذْرَإِ الْخَلْقَ بِاحْتِيَالِ، وَلا اسْتَعَانَ بِهِمْ لكلالٍ .
أُوصِيكُمْ، عِبَادَ الله، بِتَقْوَى الله، فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَالْقِوَامُ، فَتَمَسَّكُوا بوَثَائِقِهَا ، وَ اعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا ،
.........................
والظهور سبب البطون إذ لو لم يكن له هذه الآثار الظاهرة، لم يكن باطناً مخفياً، فإنَّ مثل الآثار الكثيرة لا تأتي إلّا من الواجب وجوده، وذلك يلازم خفاء الكنه .
(و بطن) أي اختفى كنهه (فعلن) بآثاره - على عكس ما تقدم - ولا يخفى أن تعليل كل من الضدِّين بالآخر، من جهة كونهما معلولان لشئ واحد فباعتبار هذا علة ذاك، و باعتبار آخر بالعكس (ودان) أي حاسب الخلائق (ولم يدن) أي لم يحاسبه أحد (لم يذرإ) أي لم يخلق (الخلق باحتيال) أي بتفكّر وطلب علاج، فإنَّ الحيلة بمعنى معالجة الأمر للوصول إليه .
(ولا استعان بهم) أي بالخلق (لكلال) أي ملل من التعب، كما يستعين الإنسان بشخص إذا ملّ وكلَّ عن عمله .
(أُوصيكم عباد الله بتقوى الله) أي الخوف منه المسبب لاجتناب معاصيه و الاتيان بأوامره (فإنّها ) أي التقوى (الزّمام) الذي يأخذ به الإنسان ليوجهه نحو السعادة، مثل زمام الفرس وشبهه (والقِوامُ) أي ما يقوّم الإنسان، فلا ينحرف ولا يضل .
(فتمسكوا بوثائقها) أي اعتصموا بالأمور الوثيقة المحكمة من التقوى، التي ليس فيها رياء ونفاق وبدعة (واعتصموا بحقائقها) أي بالتقوى الحقيقية ، لا مثل الوسوسة التي توجب كثرة تطهير الإنسان ليده و ثوبه، فيسمى في
تَؤُلْ بِكُمْ إلى أَكْنَانِ الدَّعَةِ وَأَوْطَانِ السَّعَةِ، وَمَعَاقِلِ الْحِرْزِ وَمَنَازِلِ الْعِزَّ، في يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ، وَ تُظْلِمُ لَهُ الأقْطَارُ، وَيُعَطِّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ. وَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ،
........................................
العرف منقيا، وليس به (تؤل بكم) تلك التقوى، أي تصّيركم وتنتهى بأمركم (إلى أكنان (الدّعَةِ) أكنان: جمع كن بالكسر وهو ما يستكن به، والدَّعَةِ : خفض العيش وسعته (وأوطان السَّعةِ) أي المحلات التي هي وسيعة من حيث المساحة ومن حيث النعمة وما أشبه (ومعاقل الحرز ) جمع معقل بمعنى الحصن، والحرز: الحفظ من كل آفة وبلاء(ومنازل العزّ) الموجبة لعزة الإنسان فلا ذلّة فيها(في يوم تشخص فيه الأبصار) وذلك يوم القيامة،وشخوص البصر كناية عن دهشة الإنسان، فإنَّ الشخوص بمعنى السفر، والمراد هنا حركة الأبصار هنا وهناك لتجد ملجأ ومفرّاً، كما هو شأن الخائف.
(و تظلم له)أي لذلك اليوم(الأقطار) جمع قطر، بمعنى : القطعة من الأرض، أو أطرافها، فإنَّ في يوم القيامة تشمل المحشر ظلمة حالكة - كما ورد -.
(و يعطل فيه صروم) جمع صرمة وهي: القطعة من الإبل من عشرة إلى خمسين (العشار) جمع عشراء، وهي : الناقة مضى لحملها عشرة أشهر، و حيث إنّ الإبل من نفائس أموال العرب كنى بذلك عن شدة الهول المسيطر على الموقف، حتى أنّ النّاس يذهلون عن أهم وأنفس أموالهم، فلا يراعونها، إذ التعطيل معناه : الإهمال قال سبحانه: وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(1)( وُينفخ في الصُّورِ) وهو بوق ينفخ فيه إسرافيل مرتين، مرة عند انقضاء الدنيا
1) سورة التكوير : 4 .
فَتَرْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ ، وَ تَبْكَمُ كُلُّ لَهَجَةٍ ، وَتَدِكُ الشُّمُ الشَّوَامِخُ ، والصُّمُ الرَّوَاسِخُ، فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً ، وَمَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً ، فَلا شَفِيعٌ يَشْفَعُ ،
...........................
فيموت كل إنسان، ومرة عند قيام الآخرة فيحيى كل إنسان .
(فتزهق كلُّ مهجة) المهجة: النفس، ومعنى زهوقها: دهشتها، كأنّها زاهقة باطلة، لا تقدر أن تعمل شيئاً ( وتبكمُ) الأبكم: الأخرس (كلّ لهجة) أي لسان، فلا يتكلم إنسان من الخوف.
(وتدك الشّم) جمع أشم، بمعنى : الرفيع (الشوامخ) جمع شامخ، وهو الكثير الارتفاع، والمراد بذلك الجبال، ودكها عبارة عن نسفها حتى تكون كالصوف المندوف كما قال سبحانه: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (1).
(والصّم) جمع أصم ، وهو المحكم الذي لا تجويف فيه (الرّواسخ) جمع راسخ، بمعنى الثابت الذي لا يضطرب، و هذا عبارة أُخرى عن الجبال (فيصير صلدها) أي الصلب الأملس من الجبال (سراباً) أي كالسراب، الذي هو شبه الماء في طرف الأفق وليس بماء ، قال سبحانه: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا(2).
(رقرقاً) أي مضطربا، ومنه يسمى الماء الرقراق، لأنه لا يستقر (ومعهدها) أي محل الجبال الذى كان يعهد وجودها فيه (قاعاً) القاع: المطمئن من الأرض الذي لا نتوء فيه (سملقا ) أي مستوياً، كما قال سبحانه: لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا(3)(فلا شفيعٌ يشفعٌ) لمن لا يستحق الشفاعة، فإنَّ الشفاعة هناك ليست كالشفاعة في الدنيا، يشفع كل إنسان لصديقه، بل
وَلا حَمِيمٌ يَدْفَعُ وَلا مَعْذِرَةٌ تَنْفَعُ .
..........................
وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى(1)(ولا) حميم) أي صديق (يدفع) الأهوال والعذاب عن الإنسان (ولا معذرة) أي عذر(تنفع) حتى تخلّص صاحبها من العذاب، إذا كان مستحقاً له .
1) سورة الأنبياء : 28
بَعَثَهُ حِينَ لا عَلَمٌ قَائِمٌ، وَلا مَنَارٌ سَاطِعْ، وَلا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ أُوصِيكُمْ، عِبَادَ الله، بِتَقْوَى الله، وأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ، وَمَحَلَّةُ تَنْغِيصٍ ، سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ،
.......................................
التوضيح :
(بعثه) أي أرسل الله رسول الإسلام(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (حين لا علم قائم) أي دين وشريعة تكون علماً للنّاس يهديهم إلى الطريق الموصل إلى السعادة، تشبيها بأعلام الطرق التي توضع لتدل عليها (ولامنار ساطع) المنار : الموضع المرتفع الذي يوضع عليه النور ليلا ليهتدي المارة إلى الطريق، وإلى محلّ الضيافة، و الساطع: المرتفع الظاهر (ولا منهج ) أي طريقة (واضح) يعرفه الإنسان فيسلكه ليوصله إلى السّعادة.
(أُوصيكم) يا (عباد الله بتقوى الله) الخوف منه الموجب لعبادته وطاعته و اجتناب معاصيه .
(وأحذركم الدّنيا) أي أخوفكم من التلوّث بالدنيا الموجب لذهاب آخرتكم (فإنها دار شخوص) أي الذهاب والانتقال، لايبقى الإنسان فيها (ومحلّة تنغيص) أي محل ينغص عيش الإنسان بالهموم والأكدار (ساكنها طاعن) أي مسافر فإنَّ الإنسان وإن كان ساكنا فيها، فإنَّه لابد وأن يسافر إلى
وَقَاطِتُهَا بَائِنٌ، تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ، تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ ، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ، وَمِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى بُطُونِ الأمْوَاج ، تَحْفِرُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا، وَتَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا ، فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَكٍ، وَمَا نَجَا مِنْهَا فإلى مَهْلَكٍ !
..............................
الآخرة (وقاطنها) أي الذي قطن وسكن فيها (بائِنُ) أي مبتعد منفصل عنها، بعد قليل، وذلك حين يموت .
(تميد) أي تضطرب (بأهلها ميدان السفينة )أي مثل اضطراب السفينة في أمواج البحار، فإنَّها تقلب الناس من حال إلى حال (تقصِفُها)، أي تكسرها (العواصف) جمع عاصفة، وهي الريح الشديدة (في لجج البحار ) جمع لجة وهي وسط البحر .
(فمنهم الغرِقُ) الذي غَرِقَ عند انكسار سفينته (الوَبِقُ) أي الهالك، وهم الذين غرّتهم الدنيا فتعاطوا المحرمات حتى أفسدوا آخرتهم.
(ومنهم النّاجي على بطون الأمواج) بأن ركب قطعة من الأخشاب المتكسرة من السفينة وبقي على بطن الموج لا يدري مصيره ومسيره (تحفزه) أي تدفعه (الرّياح بأذيالها) جمع ذيل، أي أطرافها (وتحمله) الرياح (على أهوالها) فهول الغرق، و هول أن يكون طعمة للأسماك، وهول البقاء في البحر حتى الموت بلا أكل واستراحة .
(فما غرق منها) أي من السفينة بمن فيها )فليس بمستدرك) أي لا يمكن أن يدركه الإنسان وينجيه (وما نجا منها فإلى مهلك) أي الناجي غالباً، يبقى في البحر حتى يهلك و يموت .
عِبَادَ الله، الآنَ فَاعْمَلُوا، وَالألْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالأبْدَانُ صَحِيحَةٌ، وَالأعْضَاءُ لَدْنَةٌ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحٌ، وَ الْمَجَالُ عَرِيضٌ، قَبْلَ إِرْهَاقِ الْقَوْتِ، وَحُلُولِ الْمَوْتِ . فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ، وَلَا تَنتَظِرُوا قُدُومَهُ .
.................................
يا (عباد الله، الآن فاعملوا) للنجاة من أهوال الآخرة، وأنتم في الدنيا (و الألسن مطلقة) يمكنكم الذكر والتسبيح والنطق بالخير، قبل قيد الألسن عند الموت (و الأبدان صحيحة) تتمكنون من عمل الخير والعبادة (والأعضاء) أي الجوارح (لدنة) أي لينة تطيعكم، قبل أن تيبس ولا تتحرك (والمنقلب فسيح) أي أن مكان الانقلاب من الضلال إلى الهدى واسع يمكنكم ذلك .
(والمجال عريض) أي واسع يمكنكم التدارك لما فات منكم (قبل إرهاق الفوت) أرهقه الشئ: أي اتعبه، والفوت ذهاب الفرصة بحلول الأجل، ووصول الموانع (وحلول الموت) أي مجيئه (فحققوا عليكم نزوله) أي اجعلوه كالمحقق الكائن لا محالة، ولا تكونوا غافلين كالذين لا يهتمون بالموت كأنهم شاكون فيه ( ولا تنتظروا قدومه) حتى تعملوا، بل اعملوا قبل أن يرد الموت بكم، كالذي يعمل للضيف قبل نزوله به .
وَلَقَدْ عَلِمَ المُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم ، أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللهِ وَلا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ . وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ،
.............................
التوضيح:
يذكر قصته مع الرسول مع الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، و يحرض أصحابه على الجهاد.
( ولقد علم المستحفظون) أي الذين أودعهم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) علمه وأمانته، والعلماء الذين استحفظوا الدين فإنَّ استحفظ متعد، وليس بلازم( من أصحاب محّمد صلى الله عليه وآله أنّى لم أرُدَّ على الله) بأن لا أقبل له حكماً، كما كان بعض الصحابة يفعل ذلك (ولا على رسوله)بأن يأمر النبي یبأمر فلا أطيعه، كما كان غيري يفعل ذلك، والفرق أن الأول ردّ الحكم من أحكام القرآن، و الثاني ردّ لأمر من أوامر الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)(ساعةٌ قطّ) أي أبداً، حتى في لحظة واحدة، فإنَّ الساعة لغة بمعنى: الجزء من الزمان.
(ولقد واسيته) أي الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)(بنفسي) بأن أشركت نفسي مع الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في الشّدة، أو قدّمت نفسي لأتي الرسول فأن المواساة تستعمل في الأمرين (في المواطن التي تنكص فيها الأبطال) نكص : بمعنى فَرَّ ولم يقدم .
وتَتَأَخَّرُ فِيهَا الأقْدَامُ، نَجْدَةً أَكْرَمَني الله بِهَا .
وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وآله وَإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي.
وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّيِ، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي . وَلَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ صلّى الله عليه وآله وَالْمَلائِكَةُ أَعْوَانِي، فَضَجَّتِ الدَّارُ وَالأفْنِيَةُ : مَلاٌ يَهْبِطُ، وَمَلاٌ يَعْرُجُ ، وَمَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةً مِنْهُمْ،
...............................
(وتتأخر فيها الأقدام) جمع قدم، وذلك كيوم حنين وخيبر وأُحد وغيرها، ممن فَرَّ الصحابة فيها. وثبت الإمام كالجبل الأشم، يدافع عن الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) حتى قال الأزري يصف الشيخين :
[لو يكن فيهما شجاعة قرم*** فلماذا في الدين ما بذلاها]
(نجدة) أي كانت تلك الإقدامات نجدة، وشجاعة (أكرمني الله بها) إذ الإنسان لا يُكرّم إلّا عند الامتحان إذا نجح .
( ولقد قبض رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم) أي قبض الله روحه عن جسده (وإن رأسه لعلى صدري) وهذا لبيان أنه كان مع الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إلى آخر لحظة من لحظات حياته(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . (ولقد سالت نفسه) أي روحه الطاهرة (في كفي) فإنَّ الروح كما ثبت جسم لطيف من قبيل الهواء والضياء يراها أولياء الله تعالى (فأمررتها على وجهي ) تبركاً بها ( (ولقد وليتُ غُسله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) أي فوض إليَّ غسله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
(والملائكة أعواني) في التغسيل (فَضَجْت الدار والأفنية) أي ازدحمت بالملائكة، وأفنية جمع فناء، وهو ما اتسع من الدار والساحة (ملا) أي جمع من الملائكة( يهبط) أي ينزل إلى الأرض (وملاً يعرج) أي يصعد إلى السماء (وما فارقت سمعي هينمةً) هي الصوت الخفي (منهم) أي من الملائكة
يُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ . فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَ مَيِّتاً؟ فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ، وَلْتَصْدُقُ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ. فَوَالَّذِي لا إله إلّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ . أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ الله لِي وَلَكُمْ !
..............................
(يُصَلُّون عليه ) أي على الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(حتى واريناه) أي دفنَّاه (في ضريحه) أي قبره .
(فمن ذا أحق به مني حيّاً وميتاً) حتى يأخذ مقامه بعده؟ .
(فانفذوا على بصائركم) أي سيروا إلى العدو عن بصيرة بإمامكم، لاريبة في قلوبكم من الأمر(ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم)لا أن تكون نياتكم مدخولة لة بالشك في صحة هذا الجهاد وعدمه (فوالذي لا اله الا هو إني لعلى جادّة الحق) الموصلة إليه (وإنهم) أي الأعداء(لعلى مزلة الباطل) مكان الزلل الموجب للسقوط في الهلكة (أقول ما تسمعون) هذا كتاكيد للمطلب، وأصله أن الإنسان يمكن فيه الاشتباه، فإذا قال مثل هذه الكلمة أراد إفادة أنه واعٍ لكلام نفسه، لا اشتباه ولا غفلة عنده (وأستغفر الله) أي أطلب غفرانه (لي ولكم).
يَعْلَمُ عَجِيجَ الوُحُوشِ فِي الفَلَوَاتِ، وَمَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ، واخْتِلافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ، وتَلاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ الله، وَ سَفِيرُ وَحْيِهِ، وَرَسُولُ رَحْمَتِهِ .
....................................
التوضيح:
( يعلم) سبحانه ( عجيج الوحوش في الفلوات) عجيج الوحوش: أصواتها، وفلوات: جمع فلات، بمعنى الصحراء (ومعاصى العباد في الخلوات) حيث ليس هناك أحد يطلع عليها (واختلاف النينان) جمع نون، بمعنى الحوت واختلافها ذهابها ومجيئها و حركتها في البحار (الغامرات أي العميقة الكثيرة الماء (وتلاطم الماء) أي تحركه واضطرابه (بالرياح العاصفات) التي تعصف، أي تهب بشدة.
(وأشهد أن محمداً نجيب الله أي مختاره الذي انتجبه (وسفير وحيه) أي الوسيط الذي يأخذ الوحي من ناحيته تعالى ليوصله إلى العباد ورسول رحمته) الذي بعثه ليرحم العباد ببيان المنهاج المسعد للإنسان في دنياه وآخرته، فإن منهاج الإسلام يوجب للإنسان الخلاص من كل وهم وحزن وكل مشكلة وعقدة في الحياة الدنيوية، أما الآخرة فالإسلام كفيل بالجنة للمسلم العامل .
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكونُ مَعَادُكُمْ ، وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ ، وَإِلَيْهِ مُنْتَهى رَغْبَتِكُمْ، وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ . فَإِنْ تَقْوَى الله دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ ، وَشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ ، وَ صَلاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ ،
...................................
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإني أُوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأَ خلقكم) بأن كان مبرئكم منه (وإليه يكون معادكم) أي عودكم، ومعنى [إليه] إلى حکمه و قضائه وحسابه (وبه نجاح طلبتكم) فإنَّ طلب الإنسان لا ينجح إلّا بإرادة الله سبحانه (وإليه منتهى رغبتكم) فإنَّ انتهاء رغبة الإنسان الكمال المُطلق الذي لا يتأتى إلّا من قبله سبحانه (ونحوه) تعالى (قصد سبيلكم) فإنَّ طريق الإنسان ينتهي إلى جنابه تعالى أي إلى ثوابه وعقابه (وإليه مرامي مفزعكم) مرمى الفزع ما يدفع إليه الخوف، وهو الملجأ الذي يتوجه إليه الإنسان ليأمن من خوفه والمفزع مصدر ميمي.
(فإن تقوى الله دواء داء قلوبكم)وداء القلب: الرذائل، فإذا اتقى الإنسان ذهبت الرذيلة عن قلبه، لأنها منهية من قبل الله سبحانه فيتركها الإنسان حسب تقواه (وبصر عمى أفئدتكم) جمع فؤاد، وهو القلب، فإنَّ القلب غير المتقي أعمى لا يبصر العواقب، فإذا اتقى الإنسان أبصر قلبه حقائق الأمور وعواقبها .
(وشفاء مرض أجسادكم) فإنَّ الأمراض غالباً ولائِدُ المحرمات وما أشبه ، فإذا اتقى الإنسان شُفي جسمه ولذا يكون الطابع العام للمجتمع المتدين الصحة، و للمجتمع غير المتدّين المرض. (وصلاح فساد صدروكم) بالحقد والغل والكبر وما أشبه، فإنَّ التقوى تُذْهِبْ أمراض الصدر .
وَطُهُورُ دَنَسٍ أَنْفُسِكُمْ، وَجِلاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ، وَأَمْنُ فَزَع جَأْشِكُمْ، وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ. فَاجْعَلُوا طَاعَةَ الله شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ، وَدَخِيلا دُونَ شِعَارِكُمْ، وَلَطِيفاً بَيْنَ أَضْلاعِكُمْ، وَأَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ، وَمَنْهَلا لِحِينِ وَرُودِكُمْ، وَشَفيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ، وَجُنَّةً لِيَوْمٍ فَزَعِكُمْ،
........................
(وطهور دنس أنفسكم) فلا تكون نفوسكم جبانة أو بخيلة أو ما أشبه .
(وجلاء عشا أبصاركم) العشوة : الضعف في البصر وجلاؤها ذهابها (وأمن فزع جأشكم) الجأش : ما يضطرب في القلب عند الفزع، فإنَّ التقوى حيث توجب تعلق الإنسان بالخالق، تأمن من الأهوال والفزع (وضياء سواد ظلمتكم) أي ظلمة الكفر والعصيان .
(فاجعلوا طاعة الله شعاراً) هو الثوب اللاصق بالجلد، والمراد أن تكون التقوى في القلب(دون دثاركم) هو الثوب ما فوق الشعار، أي لا ظاهراً فحسب، كما في المنافق الذي يظهر الإيمان و يبطن الكفر والنفاق .
( ودخيلا) أي داخلاً في أنفسكم (دون شعاركم) أي لا ملاصقاً بالجسم فحسب (و لطيفا بين أضلاعكم) أي في قلبكم الذي هو بين الأضلاع (وأميراً فوق أُموركم) فكل ما يوافق به التقوى ائتوا به وما لم يوافق اتركوه (و منهلاً) هو ما يَرِدَّهُ الشارب من الماء للشرب (لحين ورودكم) أي وقت ورودكم في الماء، و المعنى خذوا الأمور من نحو التقوى لا كيف ما كان .
(وشفيعاً لدرك طلبتكم ) فإنَّ التقوى توجب أن يُدرك الإنسان مطلبه قال سبحانه: وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخرَجاً(1)(وجنةً ليوم فزعكم) فإذا خاف
1) سورة الطلاق : 2.
وَمَصَابِيحَ لِبُطُونَ قُبُورِكُمْ، وَسَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ، وَنَفْساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ، فَإِنَّ طَاعَةَ الله حِزْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَئِفَةٍ، وَمَخَاوِفَ مَتَوَقَّعَةٍ، وَأُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ. فَمَنْ أَخَذَ بِالْتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا ، وَاحْلَوْلَتْ لَهُ الأمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا ، وَانْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا،
..................................
الإنسان المُّتقى نَجَّاه الله سبحانه (ومصابيح لبطون قبوركم) فإنَّ القبرَ مُظلم وضياؤه التقوى .
(رسكناً) أي أنيسا (لطول وحشتكم) في القبر، فإنَّ قبر غير المتقي موحش (ونَفسَاً) أي موجباً لخروج الهم (لِكَرْبِ ) جمع كربة، بمعنى : الهم (مواطنكم)، فإنَّ الإنسان لا بُدَّ وأن يتوجه إليه الهم والغم، فإذا كان مُتقياً نفس كربه وأُزيل همه .
(فإنَّ طاعة الله حرز) أي حافظ (من متالف مُكتنفة) متالف : جمع متلف ، أي محل التلف، ومُكتنفة : المحيطة بالإنسان .
(ومَخاوف) جمع مخوف مصدر ميمي(متوقعة) أي أقسام متوقعة من الخوف(وأُوار) حرارة النار ولهيبها (نيران موقدة) والمراد نيران الحروب والفتن، وإنما شبهت بالنار لأنها توجب حرارة جسم الإنسان، وإفناء الأشياء كما أن النار توجب ذلك، وإيقاد النار : إشعالها .
(فمن أخذ بالتقوى عزبت) أي بَعُدت وغابت (عنه الشدائد بعد دُنوِّها) و اقترابها، فإنَّ الله سبحانه يكفي المتقي أمره، و يجعل له مخرجا من حيث لا يحتسب .
(واحلولت له الأمور) أي صارت (حلوة بعد مرارتها) فإنَّ أمر المتقي إلى خير (وانفرجت عنه الأمواج ) أي أمواج الفتن والبلايا (بعد تراكمها) أي
وَأَسْهَلَتْ لَهُ الصَّعَابُ بَعْدَ إِنْصابَهَا، وَهَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا، وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا، وتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النَّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا ، وَوَبَلتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا .
فَاتَّقُوا الله الذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ، وَوَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ، وَامْتَنَّ عليكم بِنِعْمَتِهِ . فَعَبْدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ، وَاخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقْ طَاعَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ هذا الإسلامَ دِينُ الله الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ،
................................
تجمعها (وأسهلت له الصعاب) أي سهلت له المشكلات (بعد إنصابها) أي إتعابها لهذا الشخص (وهطلت) أي انصبت كالمطر .
(عليه الكرامة بعد قحوطها) أي كونها قحطاً لا توجد (وتحدَّبت) أي عطفت (عليه الرحمة بعد نفورها) أي شرودها عنه (وتفجرت عليه النعم)جمع نعمة وتفجرها كناية عن كثرتها كما تتفجر العيون (بعد نضوبها) يقال نضب الماء إذا غار في الأرض وذهب (ووبلت عليه البركة) الوابل : المطر الشديد( بعد إرذاذها) الرذاذ : المطر الضعيف .
(فاتقوا الله الذي نفعكم بموعظته) حيث أرشدكم إلى مواقع السعادة، و مواقع الشقاء ( ووعظكم برسالته) التي أرسلها إليكم بواسطة الأنبياء (وامتنَّ عليكم) أي مَنَّ عليكم (بنعمته) وفضله .
(فعَبّدوا) أي ذَلّلوا(أنفسكم لعبادته) وطاعته (واخرجوا إليه من حق طاعته) وحق الطاعة أن يطيع الإنسان في كل ما أمر سبحانه ونهى (ثم)لتراخي الكلام، لا لفصل الزمان بين الكلامين (أنَّ هذا الإسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه) أي اختاره لأن يكون سبيلا إلى رحمته سبحانه في الدارين .
وَاصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ ، وَأَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ ، وَأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ. أَذَلَّ الأدْيَانَ بِعِزَّتِهِ، وَوَضَعَ الْمِلَ بِرَفْعِهِ، وَأَهَانَ أَعْدَاءهُ بِكَرَامَتِهِ، وَخَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ، وَهَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلالَةِ بِرُكْنِهِ، وَسَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ،
....................................
(واصطنعه) أي صنعه، بأن قرر مناهجه (على عينه) هذا كناية عن اكتماله، كما أن من ينظر إلى الشيء الذي يصنعه لابُد وأن يأتي ذلك الشيء وفق مراده، فإنَّ اصطناع الشيء على العين، الأمر بأن يضع تحت النظر، خوفاً للمخالفة في المطلوب إن صنع بعيداً عن النظر .
( وأضفاه) أي أعطى الإسلام(خيرةَ خلقه) أي خير البرية، وهو الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ليبلغه للناس(وأقام دعائمه )أي دعائم الإسلام وهي أركانه وأحكامه(على محبته) أي محبة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فإنَّه لا يقبل الإسلام بدون حب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) . (أذل الأديان) السابقة كاليهودية والمسيحية (بعزته) أي بسبب أن أعز الإسلام ولم يقبل سواه (ووضع الملل) التي لا توافق الإسلام (برفعه) أي بسبب أن رفع الإسلام، فإن من الطبيعى أن الشئ إذا ارتفع على أقرانه انخفضوا.
(وأهان أعدائه) أي أعداء الإسلام (بكرامته) أي بسبب أن كُرِّمَ الإسلام، فإنّ الشيء إذا أكرِمَ كان مُلازماً لإهانة مَنْ ناواه (وخذل محاديه) جمع محاد، وهو الشديد المخالفة (بنصره) أي بنصر الإسلام.
(وهدم أركان الضلالة بركنه) أركان الضلالة: طرقها واتباعها، فإنَّهُ حيث جعل للإسلام طرق لم يبق للضلالة طرق مشروعة، وإنما جاء الناس إلى طرق الإسلام.
(وسقى من عطش) إلى الإيمان والفضيلة (من حياضه) جمع حوض، و
وَأَتْأَقَ الْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُزوَتِهِ، وَلا فَكَّ لِحَلْقِتِهِ، وَلا انْهدَامَ لأَسَاسِهِ ، وَلا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ، وَلا انْقِلاعَ لِشَجَرَتِهِ ، وَلا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ ، وَلا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ ، وَلا جَذَ لِفُرُوعِهِ، وَلا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ ، وَلا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ، وَلا سَوَاد لِوَضْحِهِ، وَلا عِوَجَ لأَنْتِصَابِهِ، وَلا عَصَلَ فِي عُودِهِ،
...................................
المراد معارف الإسلام وأحكامه (وأتأق الحياض) أي أملأ الإسلام من تشق الحوض بمعنى امتلأ (بمواتحه) جمع ماتح وهو الذي ينزح الماء من البئر للحوض ونحوه ( ثمَّ جعله لا انفصام لعروته) العروة: يد الإبريق ونحوه، و المعنى أن من تمسك بالإسلام، لا ينقطع عنه الخير، إذ لا انقطاع له.
(ولا فك لحلقته) التي يتمسك بها الإنسان ليجره إلى السعادة في الدارين (ولا انهدام لأساسه) كما يهدم أساس البناء، بأن يأتي دين جديد فيهدم الإسلام ( و لا زوال لدعائمه) أي أحاكمه (ولا انقطاع لشجرته) معارف الإسلام وأصوله وفروعه (ولا انقطاع لمدته) إذ هو باق إلى يوم القيامة (ولا عفاء) أي لا دروس ولا اضمحلال (لشرائعه) جمع شريعة، أي أحكامه و سائر ما يتعلق به (ولا جذ) أي لا قطع (لفروعه) بل فروعه باقية لا تغير (ولا ضنك) أي لا ضيق (لطرقه) بل طرق واسعة ،كناية عن سهولة الأحكام وعدم العسر فيها .
(ولا وعوثة لسهولته) الوعوثة : رخاوة في الأرض تغوص بها الأقدام السير فيعسر المشي فيها .
(ولا سواد لوضحه) الوضح: بيان الصبح ،فلا انحراف لأحكام الإسلام حتى يكون كالسواد في بياض الصبح (ولا عوج) والتواء (لانتصابه) أي : لاستقامته (و لا عَصَلَ) هو الاعوجاج الذي يصعب تقويمه (في عوده) تشبيه
وَلا وَعَثَ لِفَجِّهِ، وَلا انْطِفَاءَ لِمِصْبَاحِهِ، وَلا مَرَارَةَ لِحَلاوَتِهِ . فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا، وَثَبَّتَ لَهَا أَسَاسَهَا، وَيَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا، وَمَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا، و مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفّارُهَا ، وَأَعْلامٌ قُصِدَ بهَا فِجَاجُهَا، وَمَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا. جَعَلَ فِيهِ مُنْتَهى رِضْوَانِهِ،
..................................
للإسلام بعود مستقيم لاعوج فيه (ولا وعث) الوعث: الطريق الذي يعسر فيه المشي (لفَجِّه) الفج: الطريق الواسع بين جبلين.
(ولا انطفاء لمصباحه) فنور الإسلام باق أبد الدهر (ولا مرارة لحلاوته) فالإسلام حلو الأصول والفروع (فهو دعائم أَساخ) أي أثبت (في الحق أسناخَهَا) جمع سنخ بمعنى: الأصل، فأصوله ثابتة في الحق لا في الباطل (و ثبِّت لها) أي للدعائم (أساسها) فهي محكمة متقنة (و) هو (ينابيع) جمع ينبوع، بمعنى : العين (غزرت) أي كثرت ( عيونها) من الماء (و) هو (مصابيح شَبَّت) ارتفعت من الإيقاد (نيرانها) فضؤه عال مرتفع (و) هو (منار)هو المحل المرتفع الذي يوضع فيه النور الهداية المارة .
(اقتدى بها سُفّارَها) أي ذوو السفر، وهم المسافرون ليلاً، والضمير عائد إلى النيران، والاقتداء بها : معرفة الطريق بسببها ( وأعلام) جمع علم، وهو ما ينصب في الطريق ليهتدي به المسافر (قصد بها) أي بسبب تلك الأعلام (فجاجها) جمع فج ، وهو: الطريق، وكأن المنار لليل والأعلام للنهار .
( ومناهل) جمع منهل ، محل شرب الماء (رَوِي بها)من الظمأ (ورَّادها) أي من وردها لشرب الماء .
(جعل) سبحانه (فيه) أي في الإسلام (منتهى رضوانه) فمن عمل به
وَذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ، وَسَنَامَ طَاعَتِهِ ، فَهُوَ عِنْدَ الله وَثِيقُ الأَرْكَانِ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ، مُنِيرُ الْبُرْهَانِ، مُضِيءُ النِّيرَانِ، عَزِيزُ السُّلْطَانِ، مُشْرِفُ الْمَنَارِ، مغوزُ الْمَثَارِ. فَشَرِّفُوهُ وَاتَّبِعُوهُ ، وَأَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ ، وَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ .
ثُمَّ إِنَّ الله سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عَلَيْهِ وآله وسلم بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الانْقِطَاعُ، وَأَقْبَلَ مِنَ الآخِرَةِ الاطِّلاعُ،
......................
رضي الله عنه (وذروة دعائمه) الذروة المحل المرتفع من الشيء فكأن الأديان دعائم ، والإسلام ذروتها .
(وسنام طاعته) السنام من البعير : الموضع المرتفع في ظهره ويشبّه به كل شئ مرتفع (فهو عند الله وثيق الأركان) أي محكم الأصول والفروع (رفيع البنيان) فلا بناء مثله في الرفعة .
( منير البرهان) دليله واضح لا خفاء فيه (مُضيءُ النيران) فمصابيحه موقدة(عزيز السلطان) أي رفيعه الذي لايغالب(مشرف المنار) أي مناره مرتفع يشرف على الطريق لهداية الناس .
(معوز المثار ) أي لو أراد أحد إثارة هذا الدين، بأن يخلطه ويحرفه، لا يتمكن من ذلك، من أعوز إذا احتاج إليه فلم ينله، والمثار مصدر من ثار الغبار إذا هاج .
(فشر فوه) أي تشرفوا به (واتبعوه) بالتزام أحكامه (وأدُّوا إليه حقه) من الأخذ به، والدعوة إليه (وضعوه موضعه) أي لا تحرفوا أحكامه.
(ثم إن الله) سبحانه( بعث محمداً(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالحق حين دنا من الدنيا الانقطاع) أي قبل آخر الدنيا، فإنَّ الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)من علائم الساعة (وأقبل من الآخرة الإطّلاع) أي الإتيان، يقال اطلع فلانا علينا أي أتانا .
وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ، وقَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ، وَخَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ، وَأَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ، فِي انْقِطَاع مِنْ مُدَّتِهَا، وَاقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَتَصَرُّم مِنْ أَهْلِهَا، وَانْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا ، وَانْتِشَارِ مِنْ سَبَبِهَا، وَعَفَاءِ مِنْ أَعْلامِهَا ، وتَكَشفِ مِنْ عَوْرَاتِهَا ، وَقِصَرٍ مِنْ طُولِهَا .
...................................
( وأظلمَتْ بهجتها) أي بهجة الدنيا (بعد إشراق) فقد أشرقت الدنيا بوجود الأنبياء السابقين، فلما أظلمت بفقدهم وترك الناس أحكام الله سبحانه جاء الرسول ليشرقها من جديد .
(و قامت بأهلها على ساق)أي حاربتهم ، يقال : قامت الحرب على ساق إذا استعرت(وخشُن منها) أي من الدنيا(مهاد) فلم يتمكنوا من الاستراحة عليها، كما إذا خشن فراش الآثام.
(وأزف منها قياد) أزف : أي قرب والمعنى اقترب من الدنيا أن تنقاد للزوال.
( في انقطاع من مدتها) أي أن الدنيا انقطعت من مدتها المقررة لها ، كأنها انقضى أجلها واقتربت من القيامة (واقتراب من أشراطها) أي علائم زوالها .
(وتصرم من أهلها) أي تقطع من أهل الدنيا فإنَّهم ذهبوا إلى الآخرة (و انفصام من حلقتها) أي انقطعت الروابط بین الدنيا وبين أهلها فلا هم يتنعمون فيها، ولا هي تعمر بهم (وانتشار من سببها) أي تفرق أسباب الحياة في الدنيا حتى لا تضبط، وكلما تقلص النظام صارت الأسباب منتشرة لا ينتفع بها (وعفاء) أي انطماس ( من أعلامها) جمع علم، وهو النصب الذي يوضع في الطريق للدلالة عليه .
(وتكشف) أي ظهور (من عوراتها) أي سيئات الدنيا كالفقر والحرب والمرض وما أشبه (وقصر من طولها) فإنَّ الدنيا اقتربت من الآخرة، وذهب
جَعَلَهُ الله بَلاغاً لِرِسَالَتِهِ، وَكَرَامَةٌ لأُمَّتِهِ، وَرَبيعاً لأهْلِ زَمَانِهِ، وَرِفْعَةً لأعْوَانِهِ، وَشَرَفاً لأَنْصَارِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ، وَسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقَّدُهُ، وبَحْراً لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ، ومِنْهَاجاً لا يُضِلُّ نَهْجُهُ، وَشُعَاعاً لا يُظْلِمُ ضَوْؤُهُ، وَفُرْقَاناً لا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ، وَتِبْيَاناً لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَشِفَاءَ لا تُخْشَى أَسْقَامُهُ،
...............................
جزء منها ، أو أن الأعمار صارت قصيرة بسبب الفوضى السائدة فيها (جعله الله) الضمير للرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)( بلاغاً لرسالته) أي سبباً لأن يبلغ الناس رسالة الله تعالى .
( وكرامة لأُمَّته) فإنَّ المسلمين علت منزلتهم بسبب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (وربيعاً لأهل زمانه) فكما أن الربيع يوجب إنعاش أهله، كذلك الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)کان ربيعا للناس.
(ورفعة لأعوانه) فإنَّهم ارتفعت مكانتهم (وشرفاً لأنصاره) عظموا به(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وصارت لهم عزة وسيادة .
( ثم أنزل) الله سبحانه ( عليه )(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(الكتاب) أي القرآن الكريم (نوراً لا تطفأ مصابيحه) أي أحكامه وإرشاداته (وسراجاً لا يخبُو) أي لا يُطفأ (توقُدَّه) أي اشتعاله ( وبحراً لا يُدرك قعره) من العمق والغور (ومنهاجاً) أي طريقاً إلى الحق (لا يَضلَّ نَهَجُهُ) أي لا يسبب ضلال الناس الذين تمسكوا به.
(وشعاعاً لا يظلم ضوؤه فضوؤه) مستمر موجب للهداية (وفرقاناً) أي فارقاً بين الحق والباطل (لا يخمد برهانه )بل دليله باقٍ إلى الأبد (وتبيانا) أي بياناً للحق (لا تهدم أركانه) أي شرائعه وأحكامه (وشفاءٌ) لأمراض القلب وأمراض الجسم و أمراض المجتمع (لا تخشى أسقامه) إذ لایوجب سقماً ومرضا، حتى يخشى من ذلك.
وَعِزّاً لا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ، وَحَقّاً لا تُخْذَلُ أَعْوَاتُهُ. فَهُوَ مَعْدِنُ الإِيمَانِ ويُحْبُوحَتُهُ، وَيَنَابِيعُ العِلْمِ وَ بُحُورُهُ ، وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَغُدْرَانُهُ ، وَأَثَافِيُّ الإسلام وَ بُنْيَانُهُ ، وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ . وَبَحْرٌ لا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِقُونَ، وَعُيُونٌ لا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ، وَمَنَاهِلُ لا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ، وَمَنَازِلُ لا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ،
................................
( وعزاً لا تهزم أنصاره) في ميدان الاستدلال والاحتجاج إذ حجته فوق كل حجة (وحقا) مطابقاً للواقع (لا تخذل أعوانه) فأعوانه غالبون دائما لا يغلب أحدٌ عليهم (فهو ) أي القرآن (معدن الإيمان) أي المحل الذي يؤخذ منه الإيمان( وبحبوحته) أي الوسط الذي يوجد فيه معظمه.
(وينابيع العلم) جمع ينبوع، بمعنى : العين (وبحوره) التي لا تنزف( ورياض العدل) جمع روضة، بمعنى الحديقة، أو محل الماء (وغدرانه)جمع غدير ، وهو الموضع المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر ونحوه، یعنی أن كل مطلب من مطالب الكتاب عدل لا ظلم ولا زيغ فيه (واثافيُّ الإسلام) جمع أثفية، وهي الحجر الذي يوضع عليه القدر ليطبخ أي أن القرآن أساس الإسلام (و بنيانه) أي هيكل بنائه فهو الأصل والفرع.
( وأودية الحق) جمع وادي ، وهو الشط (وغيطانه) جمع غوط بمعنى المكان المنخفض من الأرض يزكو نبته لاجتماع المياه فيه .
( وبحر لا ينزفه) أي لا يتم ماءهُ (المستنزفون) أي الأخذون لمائه (وعيون لا ينضبها ) أي لا يتمها (الماتحون) أي الأخذون للماء منها، جمع ماتح وهو نازح الماء من البئر ونحوها (ومناهل) جمع منهل : محل الشرب من النهر ونحوه (لا يغيضُها) أي لا ينقصها (الواردون) الذين يردونها للشرب .
( ومنازل لا يضلُّ نهجها المسافِرُون) فإنَّ من أراد السفر إلى الحق يرى
وَأَعْلامُ لا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ، وَأَكَامٌ لا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ. جَعَلَهُ الله رِيّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ، وَرَبيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ، وَمَحَاجَّ لِطْرُقِ الصَّلَحَاءِ، وَ دَوَاءٌ لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ، وَنُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ، وَحَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ ، وَمَعْقِلاً مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ، وَعِزّاً لِمَنْ تَوَلاهُ ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَهُدىً لِمَنِ اثْتَمَّ بِهِ،
.............................
الطريق إليه مستقيما بسبب القرآن الحكيم ( وأعلام) جمع علم، وهو العلامة التي تنصب في الطريق للدلالة عليه (لا يعمى عنها السائرون) لأنها واضحة جليةٌ فلا تخفى على من أراد السير (وآكام) جمع أكمةٍ ، وهو الموضع المرتفع في الصحراء (لا يجوز عنها) بل يحطون الرحال عليها (القاصدون) فإنّ السائر ينزل في المرتفعات لأنها أنظف وأشرف .
(جعله الله) الضمير القرآن (رياً لعطش العلماء) لأن فيه من العلوم ما يرتوي العاطش للعلم بسببه (و ربيعا) أي مُنعِشاً (لقلوب الفقهاء) الذين يريدون فهم الحقائق و معرفتها ( ومحاج) جمع محجة، بمعنى الطريق (لطرق الصلحاء) فإنَّ الصالح الذي يريد السير إلى الله سبحانه يكون القرآن طريقه الموصل له إلى ما يريد.
(ودواء ليس بعده داءٌ) ومرض (ونورا ليس معه ظلمة) إذ القرآن ينير سبيل الحق كاملا ( وحبلا وثيقا) أي محكما (عروته) وهي الحلقة التي في الحبل إذا تمسك الإنسان بها أوصلته إلى السعادة والجنة (ومعقلا) أي حصنا (منيعا ذروته) فإذا علاه الإنسان يمنعه عن مكاره الدنيا والآخرة .
(وعِزّاً لمن تولّاه) أي اتخذه وليا لنفسه(وسلماً لمن دخله) يوجب سلامة دينه وماله وسائر ما يتعلق به(وهدى) يرشده إلى الطريق (لمن ائتم به) أي
وَعُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ، وَبُرْهَانَا لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وَفَلْجاٌ لِمَنْ حَاجَّ بِهِ، وَحَامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ، وَمَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَجُنَّةٌ لِمَنِ اسْتَلامَ، وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى، وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوَى، وَحُكْماً لِمَنْ قَضَىَ .
.....................
اقتدی به وجعله إمامه (وعذراً لمن انتحله) أي نسب نفسه إليه، فإنَّ المنافق إذا انتحل القرآن كان عذراً له فلا يقتل ولا يسلب ماله وأهله (وبرهاناً) أي حجة (لمن تكلَّم به) وجعله حجة لكلامه .
(وشاهداً لمن خاصم به) فإنَّه يغلب على خصمه إذا احتجَّ بالقرآن (وفَلجاً) أي ظفراً وفوزاً (لمن حاجَّ به) المحاجة: المباحثة والمجادلة، فإنَّ من باحث بواسطة القرآن غلب على خصمه .
(و حاملاً لمن حمله) أي من حمل القرآن بأن عمل به، كأن القرآن حاملاً له على الخير والسعادة(ومطية) هي الدابة التي يركبها الإنسان للوصول إلى مقاصده (لمن أعمله) أي جعله بحيث يعمل في المجتمع فإنَّه يسبب وصول الإنسان إلى مقاصده .
(وآية لمن تَوَسَّم) أي أراد التفرس عن الأمور المستقبلية فإنَّ القرآن آيةٌ و دليلٌ على ذلك (وجنة) ما به يُتقى الضرر (لمن استَلأم) أي لبس اللَّامة وهي أداة الحرب التي يلبسها الإنسان لتقيه من الأعداء (وعِلماً لمن وَعَى) أي أدرك (وحديثاً لمن روى) أي أراد أن يروي القصص(وحكماً لمن قَضَى) أي أراد القضاء بين الناس.
تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا ، وَتَقَرَّبُوا بهَا، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (1). أَلَا تَسْمَعُونَ إِلى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ؟ قَالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(2). وَإِنَّهَا لَتَحُتُ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ ،
.................................
التوضيح:
(تعاهدوا أمرَ الصلاةِ) أي واظبوا شأنها لئلا تضيع (وحافظوا عليها) بأدائها في أوقاتها (واستكثروا منها) بإتيان النوافل والتبرع بها فإنَّ الصلاة خير موضوع (وتقرَّبوا بها) إلى الله سبحانه فإنَّها معراج المؤمن (فإنها كانت) الفعل لمجرد الربط ، لا بمعنى الماضي (على المؤمنين كتاباً موقوتا) أي مكتوبا محتوماً .
(ألا تسمعون إلى جواب أهل النار) كما يحكيه القرآن الحكيم(حين سُئِلُوا: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)؟ أي أدخلكم في النار (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) و هذا سبب من أسباب دخولنا في النار (وإنَّها ) أي الصلاة (لَتحُبُّ الذنوبَ) أي تسقطها (حَتَّ الورقِ) أي مثل سقوط أوراق الأشجار عند الخريف.
وتُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ، وَشَبَّهَهَا رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ؟ وَقَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ، وَلَا قُرَّةُ عَيْنٍ مِنْ وَلَدٍ وَلا مَالٍ.
يَقُولُ الله سُبْحَانَهُ : رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ..................................( وتطلقُها أي الذنوب (إطلاق الرِّبق) حبل فيه عدة عرى كل منها ربقة يربط بها الدواب، فكأن الذنوب ربق في الأعناق فإذا صلى الإنسان فكت ريقة كما تفك الربق عن أعناق الدواب .)(وشَبَّهَهَا أي الصلاة (رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالحمَّة) العين التي تنبع الماء الحار فيستشفى به من العلة (تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات) حسب أعداد الصلوات اليومية الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء .)(فما عسى أن يبقى عليه من الدرن؟ إستفهام إنكاري أي هل يمكن أن يبقى على ذلك الرجل المغتسل كل يوم خمس مرات شئ من الأوساخ؟ وهكذا من صلى الخمس لا يبقى عليه شيء من الذنوب.)(وقد عرف حقها رجالٌ من المؤمين فأدوها حق أدائها (الذين لا تشغلهم عنها زينةُ متاع ولا قرة عين) أي الأموال والأولاد، ويسمى الولد قرة عين، لأنه يوجب استقرار العين وذلك يكون عند الفرح، أما عند الخوف فإنَّ العين تضطرب هنا وهناك لتجد ملتجاً .)(من ولد ولا مال على اللف والنشر المشوش (يقول الله سبحانه : رجالٌ لا تُلْهِيهِمْ) أي لا تشغلهم (تجارَةٌ وَلا بَيعٌ) التجارة أعم من البيع لأنها)
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ(1). وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وآله وسلم نَصِياً بِالصَّلاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ، لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا(2)، فَكَانَ يَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ . ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاةِ قُرْبَاناً لأهْلِ الإسلامِ، فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْس بِهَا ، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةٌ ، وَمِنَ النَّارِ حِجَازاً
................................
تشمل الرهن والمزارعة والمساقاة وما أشبه .
(عَنْ ذِكْرِ الله و) عن (إقَام الصَّلاةِ) أصله إقامة الصلاة، مصدر باب الأفعال من أقام يقيم (وَإيتاءِ الزَّكَاةِ) أي إعطائها (وكان رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)نصباً) أي : إذا تعب (بالصلاة) من كثرة إتيانه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بها( بعد التبشير له) من الله سبحانه (بالجنة) وإنما كان يتعب نفسه بالصلاة مع علمه بأنه يذهب إلى الجنة (لقول الله سبحانه: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها) أي كن صابراً في أدائها متحملاً المشاق في سبيلها (فكان يأمر بها أهله) بالصلاة (و يصبِرُ عليها نفسه) فلا يتركها لتعبها .
(ثم إنَّ الزكاة جعلت مع الصلاة قرباناً) أي موجبة للتقرب إلى مرضاة الله سبحانه (لأهل الإسلام فمن أعطاها طَيِّب النَّفس بها) بأن لم يجرها مغرما ثقيلا و إنما فرضا يسيراً ( فإنها ) أي الزكاة ( تجعل له كفارة) لذنوبه ، يقال : كَفَّرَ الذنب أي ستره ومحاه (ومن النار حجازاً) أي حاجزاً ومانعاً فلا تلفحه النار
وَوِقَايَةٌ. فَلا يُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ ، وَلا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَهُ، فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِهَا، يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا ، فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ، مَغْبُونُ الأَجْرِ ، ضَالُّ الْعَمَلِ ، طَوِيلُ النَّدَمِ .
ثُمَّ أَدَاءَ الأَمَانَةِ، فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ ، وَالأَرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ، وَالْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ المَنْصُوبَةِ، فَلا أَطْوَلَ وَلا أَعْرَضَ، وَلا أَعْلَى وَلا أَعْظَمَ مِنْهَا .
..............................
(ووقايةً) أي حافظاً ( فلا يُتبعنَّها أحد نفسه) أي لا يكون نظره وراء تلك الزكاة لتعلق نفسه بها .
(ولا يُكثرنَّ عليها لَهَفه) بأن يتلهف على ذلك المال المدفوع كأنه شيء ذهب من يده اعتباطا .
(فإن من أعطاها غير طيِّب النفسِ بها) كأنه يراه مغرماً بأن (يرجو بها ما هو أفضل منها) من ثواب الله وفضله (فهو جاهل بالسُّنة) غير عالم بما أعد الله سبحانه لمعطي الزكاة من الأجر والفضل (مغبونُ الأجرِ) أي منقوصه (ضالُّ العمل) قد بطل عمله بلا فائدة تعود إليه (طويل الندم) يندم في الآخرة طويلا ، لماذا لم يعط عن طيب خاطر حتى ينال ثواب الله .
(ثم) لترتيب الكلام لا للتدرج في الخارج (أداء الأمانةِ فقد خاب من ليس من أهلها) أي خَسِرَ من ليس مؤدياً للأمانة (إنها ) أي الأمانة (عُرضِت على السماوات المبنية) التي بناها الله بقدرته (والأرضين المدحوة) أي المبسوطة، من دحاها بمعنى : بسطها، (والجبال ذات الطُّولِ المنصوبة) على الأرض (فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها) بالنسبة للكائنات الأرضية .
وَلَوِ امْتَنَعَ شَيْءٌ بِطُولِ أَوْ عَرْضٍ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزِّ، لا مُتَنَعْنَ، وَلكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَعَقَلْنَ مَا جَهلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ، وَهُوَ الإنسان، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(1).
إنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالى لا يَخْفى عَلَيْهِ مَا
...................................
(ولو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن) أي لو كانت ظواهر الشيء سبباً لتمكنه من حمل الأمانة الذي يحتاج إلى نفس قوية، لكانت الجبال أحق الأشياء بالامتناع والتمكن، والمراد الامتناع عن الخيانة، بأداء الأمانة سالمة كما أُخذت .
(ولكن أشفقن) أي خِفْن (من العقوبة) التي تترتب على خيانة الأمانة (وعقلن) أي أدركنَ (ما) أي الشيء الذي (جهل) ذلك الشيء (من هو أضعف منهن) أي من السماوات. الخ (وهو الإنسان )فقبلها .
(إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً) بخيانة الأمانة بعد قبولها (جهولا) يجهل العقاب المترتب على ذلك وكلام الإمام(عليه السلام) إشارة إلى قوله سبحانه: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (2)والمراد من الآية، إما المجاز لبيان صعوبة قبول الأمانة وأدائها، أو حقيقةٌ بأن قد عُرِضَت الأمانة على تلك الأشياء عرض اختيار، فلم تقبل لِما علِمَت من صعوبتها و قد ذكرنا تفضيل ذلك في كتاب [تقريب القرآن] فراجع .
(إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه ما) أي الشيء الذي
الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ. لَطُفَ بِهِ خُبْراً ، وَأَحَاطَ بِهِ عِلْماً. أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ ، وَجَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ، وَضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ، وَخَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ .
...........................
(العباد مقترفون)أي عاملون به، من اقترف بمعنى كسب وعمل (في ليلهم ونهارهم لطف به) الضمير عائد إلى[ما] (خبرا) أي علماً ومعنى، اللطف: الدقة، أي أن علمه نافذ في دقائق الأشياء (وأحاط به علماً) فعلمهُ محیطٌ بالأشياء لا يخرج شيء عن علمه .
(أعضاؤكم شهوده) على أعمالكم ، قال سبحانهالْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (1)(وجوار حكم جنوده) أي جند الله سبحانه يأتمرون بأمره (و ضمائركم) أي سرائركم(عيونه) أي جواسيسه فإذا فعلتم شيئاً أخبرت الله سبحانه بذلك، وهذا من بديع التعبير (و خلواتكم عيانه) أي مشاهد إليه لا يخفى عليه .
1) سورة يس :65
وَالله مَا مُعَاوِيَةُ بِأَذْهِي مِنِّي ، وَلكنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ . وَلَوْلا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنتُ مِنْ أَدْهى النَّاسِ، وَلكِنْ كُلَّ غُدَرَةِ فَجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ .
.........................................
التوضيح:
لقد كان معاوية يتوسل بالحيل ومختلف أنواع المكر والخدعة لبلوغ مآربه، فكان الناس يقولون إن معاوية داهية، وفي قباله الإمام كان يتخرج إلّا من العمل الصحيح المرضي لله سبحانه، ولذا كانت تفوته كثير من المنافع الدنيوية، وقد بَيَّنَ في هذا الكلام و وجه ذلك بقوله : (والله ما معاوية بأدهى منّي) أي أكثر دهاءٌ، وهو التمكن من الوصول إلى المطلب بواسطة الوسائل الملتوية المخفية (ولكنه يغدر ) إذا رأى في الغدر نفعاً له فلا يلتزم بالعهد(ويفجُرُ) أي يعصي الله سبحانه عصياناً كبيراً ، إذا رأى في ذلك صلاح نفسه .
(ولولا كراهية الغدر) أي إني أكرهه لأنه خيانة ومنقصة ومعصية (لكنت من أدهى الناس) لأني أعرفُ بوجه الحيلة من كل أحد (وَلكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فجَرَةٌ) أي فجور وعصيان(وَكُلُّ فُجَرَة كُفَرَةٌ). فإنَّ الكفر على قسمين : كفر في العقيدة، وكفر في العمل، كما قال الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) : كفر من هذه الأمة
وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَالله مَا أَسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ، وَلا أَسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ .
................................
عشرة، النمام ... و المراد كفر العمل لا كفر العقيدة .
(وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ) أي علم(يعرف به يوم القيامة) كأنه علامة له، إذ لكل إنسان يأتى إلى المحشر طابع خاص وشكل مخصوص، كما قال سبحانه: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ(1).
( وَالله مَا أَسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ) أي أنا أعرف الكيد فليس تسلط ذي الكيد عليّ لأني غافل بل من جهة أني متحرج لا أريد الكيد ( وَلا أَسْتَعْمَرُ بالشَّدِيدَةِ) أي أن القوة الشديدة لا توجب ضعفي وإنما أتقي الله سبحانه، ولذا لا أقدم في كثير من الموارد، يقال : غمزه، إذا أثر فيه بالضغط .
1) سورة الرحمن: 41 .
أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَريقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُها قَصِيرٌ ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ .
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرّضا وَالسُّخْطُ، وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمْهُمُ الله بالْعَذَابِ لَمَّا عَمُوهُ بالرّضا،
.........................................
التوضيح :
(أَيُّهَا النَّاسُ لا تَسْتَوْجشُوا في طريق الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ) فإذا رأيتم أهل الحق قليلا فلا يسبب ذلك وحشتكم، وخوفكم بل سيروا في الطريق مهما كان أنصاره قليلين ( فإن الناس) أهلُ الباطل (قد اجتمعوا على مائدة) هي مائدة الدنيا والتلذّذ بلذائذها كيفما كانت من حلال أو حرام (شبعها قصير) لأن أيام الدنيا قليلة قصيرة (وجوعها طويل) فإنَّ من شَبعَ من الدنيا المحرمة جاع في الآخرة .
(أيها الناس) إذا تركتم الدنيا تقوى وزهداً ، فلا ترضوا بأعمال المتكالبين عليها، فإنَّ الإنسان كما يؤخذ بعمله كذلك يؤخذ برضاه .
(إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرّضاً وَالسُّخُطُ) فالراضي بفعل شريك له والساخط على فعل مجانب له (وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ) قوم صالح (رجلٌ واحد) هو قيدار (فَعَمَّهُمُ الله بِالْعَذَاب) بأن أنزل العذاب على العاقر وغيره (لما عمَّوه بالرضا)
فَقَالَ سُبْحَانَهُ: فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (1)، فَمَا كَانَ إِلا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الأَرْضِ الْخَوَّارَةِ .
أَيُّهَا النَّاسُ ، مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ ، وَمَنْ خَالَفَ وَقَعَ في التّيهِ !
..............................
أي عموا العاقر بأن رضوا بفعله فكانوا شركاء له في الإثم الموجب للعقاب .
(فقال سبحانه) ناسباً الفعل إلى جميعهم (فعقروها) أي جرحوها (فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ) من فعلهم الذي أوجب نزول العقاب عليهم (فَمَا كَانَ إِلَّا أنْ خَارَتْ )أي صوتت كخوار الثور (أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ حُوَارَ السِّكْةِ الْمُحْمَاةِ) أي : الحديدة المحمرة بالنار (في الأرض الخَوَّارة) أي اللينة السهلة، فإنَّها لحرارتها تسرع النفوذ في الأرض، وكثيراً ما يسمع لها صوت خرقها الأرض وإحراقها لما فيها من جذور النبات وما أشبه .
(أَيُّهَا النَّاسُ ، مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ) لأن الطرق المسلوكة لابد وأن تنتهي إلى مواضع الماء والكلأ فيستريح الإنسان بالوصول إلى محل الراحة (ومن خالف) بأن ذهب يمينا وشمالاً (وقع في التيه) الذي لا ماء فيه فيوجب هلاكه، فسيروا في الطريق الواضح الذي أمر الله ورسوله به .
1) سورة الشعراء : 157
كالمناجي به رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عند قبره
السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله عَنِّي، وَعَن ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جوَارِكَ، وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ! قَلَّ، يَا رَسُولَ الله، عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي،
................................
التوضيح :
روى أن الإمام لما أراد أن يضع الصديقة الطاهرة(عليها السلام)في القبر، ظهرت يدان شبیهتان بيدي رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) داخل القبر، وأخذتا الصديقة(عليها السلام)،ولما علم الإمام بموقع الرسول خاطبه بهذا الخطاب (السلام عليك يا رسول الله عنى وعن ابنتك) فإنَّ الإنسان يبلغ السلام إلى من يلقاه عن صديقه أيضا، إذا علم برضاه لذلك ورغبته فيه (النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ) فإنَّ الميت ينزل في القبر (والسريعة اللّحاق بك) لأنها أول أهل بيت الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لحوقاً به، كما أخبرها(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في مرضه الذي توفي فيه (قل يا رسول الله عن صفيتك) أي أن القلة ناشئة من ناحية فاطمة(عليها السلام) التي هي مختارة لك (صبري) وإذا قل صبرُ الإنسان أظهر الجزع والحزن الشديد .
(ورق) أي ضعف (عنها تجلُّدي) أي تحفظي على عدم إبداء الجزع فإني لا أتمكن إلّا من إظهار الجزع .
إِلَّا أَنَّ لِي فِي التَّأْسِّي بِعَظِيمٍ فُرْقَتِكَ، وَفَادِحٍ مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزٍّ ، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ، فإَنَا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . فَلَقَدْ اسْتُرْجِعَتِ الْوَديعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ! أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ،
................................
(إِلا أَنَّ لِي فِي التَّأسِّي) أي الاقتداء( بِعَظِيم فُرْقَتِكَ) أي بفراقك الذي عظُمَ عليّ (وفادح) أي تمثيل (مصيبتك) أي موتك(موضع تعزِّ) أي تصبّر وجلل والمعنى إني أعتبرُ بالمثال المتقدم وهو صبري في مصيبتك فلا أجزع في هذه المصيبة أيضا صبراً واحتساباً .
(فلقد وسدتك) أي أنمتك وجعلت لك الوسادة (في ملحودة قبرك) الملحودة الجهة المشقوقة من القبر(وفاضت) أي خرجت( بين نحري وصدري نفسك) فإنَّ الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان في حجرعلي(عليه السلام) حين النزع، فكما إني صبرتُ في تلك المصيبة مع عظمها و مشاهدتي لها، كذلك أصبر في مصيبة الزهراء(عليها السلام).
(فإنّا لله وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) هذه الجملة يقولها من أصيب بمصيبة ليعزي نفسه، إذ المملوك لله الذي إلى ثوابه وعقابه مصيره لا ينبغي أن يحزن إذا أخذ الله سبحانه منه شيئا .
(فَلَقَدْ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ) فإنَّ الصديقة(عليها السلام)كانت وديعة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عند الإمام، واسترجعها لأن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أخذها بيديه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الطاهرتين في قبرها (وأُخذت الرهينة) كأنها كانت عند الإمام بإزاء عهد الإمام الذي أعطاه للرسول بأن يراعيها ويقوم بشأنها .
(أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ) أي دائم ما دمت حياً (وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ) أي ينقضي
إلى أَنْ يَخْتَارَ الله لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ. وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا ، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ ، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ، هَذَا وَلَمْ يَطْلِ الْعَهْدُ ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذَّكْرُ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمَا سَلامَ مُوَدِّعٍ ، لا قَالٍ وَلاسَئِمٍ ، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلا عَنْ مَلالَةٍ ،
...................................
بالسُهاد، أي السهر، فإنَّ المحزون كثيراً لا يقدر أن ينام(إلى أَنْ يَخْتَارَ الله لي دَارَكَ) أي الجنة (الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ) ولا يخفى أن الفاجعة الأليمة توجب دوام الحزن والسهر كلما ذكرها الإنسان إذ أنها تكمن في طيات النفس وتغمر النفس بالأسى كلما ذكرتها .
(وستنبئك) أي تخبرك (ابنتك بتضافر أمتك) أي تظاهرهم (على هضمها) أي ضلمها بعضهم بالفعل وبعضهم بالسكوت والتأييد فإنهم غصبوا منها فدكاً، وكسروا ضلعها، وأسقطوا جنينها، ولطموا وجهها، وآذوها في زوجها وأحرقوا باب دارها، ودخلوها بغير إذنها (فأحفها السؤال) أي استقص في مسألتها .
(واستخبرها الحال) أي أطلب منها أن تخبرك عن حالنا بعدك (هذا) كله وقع علينا (ولم يطل العهد) الذي عاهدوك في أن يُحسنوا إلى أهل بيتك (ولم يخل منك الذكر) بل كان ذكرك باقٍ بينهم، وإنما فعلوا ما فعلوا - لا نسياناً - وإنما عصياناً وتكالباً على المال والسلطة (والسلام عليكما سلام مودع) يريد الوداع والانصراف، فإنَّ السلام يؤتى به عند الدخول وعند الانصراف (لا قالٍ) القال : المبغض (و لا سئمٍ) من السامة، بمعنى: الملالة، أي أنَّ انصرافي ليس لأجل أني غاضب و ملول منكما .
(فإن انصرف) وأرجع عن قبركما (فلا عن ملالة) من بقائي عندكما
وَإِنْ أُقِمْ فَلا عَنْ سُوءِ ظَنِّ بِمَا وَعَدَ اللَّهِ الصَّابِرِينَ .
.................................
(وإنْ أُقم) عند قبركما (فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصابرين) بأن يكون بقائي للجزع، حيث إني أُسيءُ الظن بعقبى الصبر بل انصرافي لأجل إدارة شؤون أسباطك يا رسول الله، والقيام بمهام الإسلام حسب أمرك، ولو بقيت كان ذلك لأجل أني مُعرض عن الدنيا و زخارفها لا أنس لي بها وبأهلها .
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ، وَالآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكِمْ لِمَقَرُكُمْ ، وَ لا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ ، وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ .
.....................................
التوضيح:
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ) أي ممر إلى الآخرة (وَالآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ) التي يستقر فيها الإنسان (فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرْكُمْ) بأن تزودوا من الدنيا بالأعمال الصالحة، حتى يكون لكم هناك المقامات العالية، فإنَّ ما يزرعه الإنسان في الدنيا يحصده في الآخرة.
(ولا تهتكوا أستاركم) كأن ظاهر الإنسان الذي لم يعص ستر على باطنه الملئ بالشهوات فإذا عصى انكشف باطنه وهتك ستره (عند من يعلم أسراركم) إشارة إلى أن الله سبحانه يعلم الضمائر، لكنه لا ينظر إليها نظر عقاب وعذاب إلا إذا هتكوا الستر بإتيان المعصية (وأَخرجوا من الدنيا قلوبكم) بأن يكون قلبكم مربوطاً بالآخرة ناظراً إليها (من قبل أن تخرج منها أبدانكم) بالموت والذهاب تحت التراب .
(ففيها) أي الدنيا (اختبرتم) أي امتحنكم الله سبحانه (ولغيرها خلقتم)
إِنَّ الْمَرْءً إذا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ : مَا تَرَكَ؟ وَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ : مَا قَدَّمَ؟ لله آبَاؤُكُمْ! فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً، وَلا تُخْلِفُوا كُلًّا فَيَكُونَ عَلَيْكُمْ .
..........................
أي أن الإنسان خلق للاستقرار في الآخرة، وإنما الدنيا ممر ومختبر، واعملوا فلا ينفعكم إلا العمل، أما المال فيبقى فـ(إنَّ المرء إذا هلك) أي مات (قال الناس : ما ترك؟) أي يكون سؤالهم عن أمواله.
(وقالت الملائكة : ما قدَّم؟) أي يكون سؤالهم عن عمله الذي عمله في الدنيا ليأخذ جزاءه في الآخرة (لله آباؤكم) كلمة تستعمل للتضجر، وأصلها إن من كان مطيعاً لله يجب أن يعمل بما أمر الله فكيف يخالفه؟ وتستعمل أحيانا للمدح .
(فقدموا) من اعمالكم (بعضاً) ولا تجعلوا عملكم كُلَّهُ للدنيا (يكن لكم) ذلك الذي قدمتموه (قرضاً) تأخذونه عند ورودكم إلى الآخرة (ولا تُخْلِفُوا) أي لا تبقوا في الدنيا (كُلاًّ فيكون عليكم) وزراً وعقاباً .
تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ الله! فَقَدْ نُودِيَ فَيكُمْ بِالرَّحِيلِ ، وَأَقِلُوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا، وَانْقَلِبُوا بِصَالِحٍ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، فَإِنْ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً وَمَنَازِلَ مَخُوفَةٌ مَهُولَةٌ ، لا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا .
...........................
التوضيح :
(تجهزوا) أي خذوا جهازكم، وهو زاد المسافر وما يلزم في سفره (رحمكم الله) جملة خبرية في معنى الإنشاء (فقد نودى فيكم بالرَّحيل) أي أُعلمتم بلزوم السفر من الدنيا إلى الآخرة .
(أقلوا العرجة) اسم من التعريج بمعنى حبس المطية قرب المنزل (على الدنيا) أي اجعلوا ركونكم إليها قليلا .
( وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم) أي ارجعوا إلى الآخرة، وقد صحبتم احسن ما لديكم (من الزاد) بأن تجعلوا أعماركم وأموالكم للآخرة لا تصرفوها لأجل الدنيا (فإن أمامكم عقبة كؤُوداً) أي صعبة المرتقى (ومنازل مخوفة مهولة) توجب الخوف و الهول، فإنَّ القبر، والحساب، والسراط، وما أشبه توجب أشد الخوف والهول (لا بد من الورود عليها) فليس للإنسان مفرٌّ منها (والوقوف عندها) بأن يقف حتى يُحاسب .
وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلاحِظَ الْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ، وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ ، وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُفْطِعَاتُ الأُمُورِ، وَمُعْضلات المخذُورِ. فَقَطِّعُوا عَلائِقَ الدُّنْيَا وَاسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى .
................................
(وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلاحِظَ الْمَنِيَّةِ) أي منبعث نظر الموت، كأن الموت شئ يَنظر إلى الإنسان حين يريد اختطافه (نحوكم دانية) أي قريبة .
(وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا) جمع مخلب، وهو ظفر الحيوان المفترس(وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ) أي علقت بكم (وقد دهمتكم) أي وردت عليكم (فيها) أي في المنية - إذا نزلت - (مفظعات الأمور) أي الأمور الفظيعة الشديدة (ومعضلات المحذور) أي المحاذير - المخوفات - المشكلة، من أعضل الأمر إذا أشكل ولم يعلم وجه حله .
(فقطعوا علائق الدنيا) حتى لا تصيدكم وتقعوا في شباكها (واستظهروا) أي استعينوا (بزاد التقوى) أي الزاد الذي هو التقوى من الله سبحانه .
[ وقد مضى شيءٌ من هذا الكلام فيما تقدم بخلاف الرواية].
بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما، والاستعانة في الأمور بهما
لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً، وَأَرْجَأْتُمَا كَثِيراً . أَلا تُخْبِرَانِي، أَيُّ شَيْءٍ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ؟ وَأَيُّ قَسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ؟ أَمْ أَيُّ حَقٌّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ، أَمْ جَهِلْتُهُ ، أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ !
..............................
التوضيح :
(لقد نقمتما يسيرا) أي غضبتما لأمر يسير وعدم مشورتي لكم (وارجأتما) أي أَخرتما (كثيرا ) أي أنَّ الذي أَخرتماه لي غير النقمة التي أظهرتماها من تجهيز الجيش والقيام بمحاربتي كثيراً .
(أَلا تُخْبِرَانِي، أَيُّ شَيْءٍ لَكُمَا فِيهِ حَق دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ؟) أي هل لكما الحق في لزوم مشورتي لكما، فلم أَستشر، حتى يكون ذلك دفعاً لحقكما وسبباً لغضبكما(وأيُّ قَسْمٍ) أي قسمة في العطاء(أستاثرت) أي استبددت (عليكما به) أي بذلك القسم بأنْ أخذته لنفسي، وحرمتكما في حال كون ذلك حقاً لكما، حتى تغضبان عليّ .
(أَمْ أَيْ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) في أُمور القضاء ونحوها (ضعفت عنه) فلم أَتمكن من تنفيذه (أم جهلته) فلم أعلمَ به (أم أخطاتُ بابه)
وَاللهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلافَةِ رَغْبَةٌ ، وَلا فِي الْوِلايَةِ إِرْبَةٌ، وَلَكنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا ، وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلى كِتَابِ الله وَمَا وَضَعَ لَنَا، وَ أَمَرَنَا بِالْحُكْم بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَا اسْتَسنَّ النَّبِيُّ ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم ، فَاقْتَدَيْتُهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذلِك إِلى رَأْيِكُمَا ، وَلا رَأي غَيْرِكُمَا، وَلا وَقَعَ حُكْمُ جَهِلْتُهُ ، فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَإِخْوَانِي مِنَ المُسْلِمِينَ،
.............................
بما اشتبهت في المصداق والجهل : الخطأ في الحكم . فاحتجت إلى أحد يوازرني فلم أعتمد عليكما ؟ كل ذلك لم يكن، وإنما أرادا أن يكونا وزيرين يكون لهما منصب، وأن يكون لهما مال زائد على سائر المسلمين، فلما رأيا خلاف ذلك نقما على الإمام، وشقّا عصا الطاعة .
( والله ما كانت لي في الخلافة رغبة) وميل حتى تمُنّا عليَّ بأنَّكما نفذتما رغبتى ببيعتكما لي، فاللازم أنْ أُنفِّذَ رغبتكما (ولا في الولاية) أي تولي شؤون المسلمين (إربَةٌ) أي غرض وحاجة (ولكنكم دعوتموني إليها) أي إلى الخلافة (و حملتموني عليها) أي أَصررتم عليَّ حتى قبلتها .
(فلما أَفضت) الخلافة، أي وصلت (إليَّ نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا) أي الأحكام التي بينها الكتاب للخليفة .
(وأَمرنا بالحكم به) من أحكام الشريعة (فاتَّبعتُهُ) ونفَّذته فى المسلمين (وما استسنَّ) أي جعله سنة وطريقة (النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فاقتديته) أي جعلته قدوة لي، و عملت به .
(فلم أحتج في ذلك) العمل بالكتاب والسنة (إلى رأيكما) حتى أستشيرُ (ولا رأي غير كما) وهل يستشير الإنسان بدون الاحتياج؟ (ولا وقع حكم جهلته) كيف يكون وكيف ينفذ ؟ (فأستشيركما) فيه (و) أستشير سائر (إخواني المسلمين) حتى أعرف الحكم .
قاله لطلحة والزبير
ولَوْ كَانَ ذلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا ، ولا عَنْ غَيْرِكُمَا . وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الأُسْوَةِ، فَإِنَّ ذلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُم أَنَا فِيهِ بِرَأْیِي ، وَلَا وَلِيتُهُ هَوىً مِني ، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَأُنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسلم - قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اللهُ مِنْ قَسْمِهِ، وَأَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ،
..........................
(ولو كان ذلك) بأن جهلت شيئا (لم أرغب عنكما) بأن أترككما ولا أستشيركما (ولا عن غيركما) من سائر المسلمين (وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة) أي الاقتداء بالرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في تسوية العطاء بين المسلمين، فقد كان الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يُسوي في العطاء، و بعده جاء عمر وعثمان، ففضلا بعضاً على بعض على خلاف حكم الله والرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
و لما جاء الإمام وأعاد سُنَّة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)و سيرته ، نَقِمَ أهل الإثرة عليه ومن جملتهم طلحة والزبير، إذ كانا يريدان أن يفضلهما في العطاء، فأبى(عليه السلام) إلّا اتباع سيرة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (فإنَّ ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي) حتى يكون رأيي الخاص موجباً لحرمانكما (ولا وليته) أي اتبعت هذا الأمر- وهو التسوية - (هوىً مني) أي بمجرد رغبتي وهوى نفسي .
(بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) من التسوية في العطاء (قد فرغ منه) أي أنه مفروغ منه ثابت في الشريعة شهدته وشهدتما ذلك في زمن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ الله من قسمه) أي جعله من التسوية في العطاء (وأمضى فيه حكمه) بأن يكون للكل على حدٍّ سواء، وذلك لأن المسلمين إذا كانوا جميعاً دخيلا في تحصيل الغنيمة كان الكل فيه مشاركون على حد سواء إلّا ما استثني - نحو : من قتل قتيلاً فله سلبه ، وما أشبه - فإذا أراد أحدكم أكثر ، كان ظالماً لمن ينتقص من حقه وحيث إن مركز القيادة الإسلامية هي التي تقوم بالجهاد وما أشبه، يكون النصيب هناك موزعاً .
فَلَيْسَ لَكُمَا ، وَالله ، عِنْدِي وَلا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى . أَخَذَ اللهُ بِقُلُوبِنا وَقُلُوبِكُمْ إلى الْحَقِّ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ .
ثم قال(عليه السلام) : رَحِمَ اللهِ امْرَأَ رَأي حَقَاً فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ ، وَكَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ .
..................................
أما سائر بلاد الإسلام، فلها حسب الحاجة كما يرى الولاة ومن ذلك تبين أنه لا يلزم تقسيم المال إلى جميع أفراد المسلمين حتى يُقال : وكيف كان العطاء خاصاً بالمدينة مثلاً؟ كما أن ذلك حكم الغنائم وما أشبه فلا يقال : فكيف يجوز للمجتهد التفضيل في إعطاء الخمس والزكاة؟ ولذا كان الإمام أوصى مالكا في عهده حين ولاه مصر أن يعطي القاضي ما يسد حاجته، إلى غير ذلك .
(فليس لكما) يا طلحة والزبير (والله عندي ولا لغير كما في هذا) الأمر وهو التقسيم بالسوية (عتبى) أي عتب وإشكال (أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق) بأن ترضى القلوب باتباع الحق (وألهمنا وإياكم الصبر) على حكم الله سبحانه وإن كان في ذلك نقص لمال أو جاه بالنسبة إلينا .
(ثم قال(عليه السلام)) : (رحم الله امرأ رأى حقاً فأعان عليه) حتى يستقر ويغلب على الباطل(أو رأى جوراً) أي ظلما (فرده) بأن أبطله (وكان عوناً بالحق على صاحبه) الذي يظلم، بأن ينبه صاحبه الذي على الباطل، حتى يرجع عن غيه .
وقد سمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين
إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ ، وقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمُ : اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ ،
....................................
التوضيح :
وفيه نهي لهم عن السَّب. ولا يخفى أنه لا ينافي عدم السَّبِ لمصلحةٍ طارئةٍ، جواز السب للقاعدة، فإنَّ لكل شيء موقعاً، ولذا قال سبحانه: وَلَا نَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ(1)وقد كان النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يسب الأصنام، و لذا قالت قريش لأبي طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا .
(إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ) فإنَّ السَّبَ يُثير الطرف المقابل بلا فائدة (وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ) أي أعمال معاوية وأتباعه (وذكرتم حالهم) لمن يجهلُ أي الطرفين على الحق (كان أَصوبَ فِي الْقَوْل) لأنَّه يوجب الفات الناس إلى عدم لياقة معاوية، وكونه ظالماً في دعواه (وأبلغ في العذر) أي عُذرنا في قتالهم، إذ كل من يعرف أنهم ظالمون يُعطينا الحق في محاربتهم.
(وقُلْتُمْ مَكَانَ سَبْكُمْ إِيَّاهُمْ: اللَّهُمَّ احْقِنُ) أي احفظ (دماءنا ودماءَهم) بان
1) سورة الأنعام: 108
وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلالَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ .
..............................
يرجعوا إلى الحق فلا يحاربوا حتى تراق الدماء (وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنَنَا وَبَيْنِهِمْ) أي الصفة التي بين الطرفين كأنها شيء متصل، إذا فسد حاربا وإذا صلح تآلفا .
(وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلالَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ) منهم ( ويرعوي) أي ينقلع (عن الغيٍّ) أي الضلالة (و العدوان) أي التعدى (من لَهِجَ به) أي تكلم بالغيّ والعدوان، ممن علم الحق لكنه استمر على الباطل، غياً وعدوانا . ولا يخففى أن مثل ذلك بالنسبة إلى الخصم يوجب ترضية خاطره وجلبه إلى طرف الحق .
في بعض أيام صفين وقد رأي الحسن(عليه السلام) يتسرع إلى الحرب
امْلِكُوا عنّي هذَا الْغُلامَ لا يَهُدَّنِي ، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ – يَعْنِي الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ - عَلَى الْمَوْتِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم .
قال السيد الشريف الرضي : وقوله(عليه السلام) [امْلِكُوا عنّي هذَا الْغُلامَ] من أعلى الكلام وأفصحه.
.....................................
التوضيج:
......
(املكوا) أي احفظوا بشدة (عني ) أي عن طرفي، ومن جهة أمري (هذا الغُلام لا يهدني) أي حتى لا يهدُمَ أركاني بموته إذا قتل (فانني أَنفُسُ) أي أبخل (بهذين) - (يعنى الحسن والحسين(عليهم السلام)) - على الموت لئلا ينقطع بـ) سبب موتـ (هما نسل رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ) إذ هما الباقيان من نسل الرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ، حَتَّى نَهِكَتْكُمُ الْحَرْبُ ، وقَدْ وَالله أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَتَرَكَتْ ، وَهِي لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ .
لَقَدْ كَنْتُ أَمْسٍ أَمِيراً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً ،
..............................
التوضيح :
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أحِبُّ) من لزومكم الطاعة وائتماركم لأوامري(حتى نهكتكم الحرب) أي أضعفتكم (وقد والله أخذت) الحرب (منكم) بعضاً ممن قتلوا وتركت بعضاً وهم الباقون (وهي) أي الحرب (العدوّكم) أي أصحاب معاوية (أنهك) إذ قتل منهم أكثر من أصحاب الإمام وهذا الكلام لومٌ لأصحابهِ، كيف جبنوا عن القتال لما أضعفتهم الحرب بينما يجب أن يكونوا كالسابق، إذ تأثير الحرب في أعدائهم كان أكثر .
وإنما دافعهم في إجبار الإمام على الحكومة، هو خوفهم الذي سرى فيهم من الحرب .
(لقد كنت أمس) قبل إنهاك الحرب (أميراً) آمركم فتأتمرون (فأصبحتُ اليوم مأموراً) إذ هم الذين ألجأوا الإمام لأنْ يقبل قضية التحكيم، وكان الإمام كارهاً لها، لأنَّه يعلم أنها مكيدة .
وَ كُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً ، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهيّاً ، وَقَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ ، وَلَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ !
................................
(وكنت أمس ناهياً) عن الحكومة حينما اقترحتم عليَّ ( فأصبحتُ اليوم مَنهياً) إذ أن أصحاب الإمام لما عَرفوا المكيدة في التحكيم جعلوا ينهون الإمام عنه بعدما أفلت الزمام من يده(عليه السلام) ، وأعطى القول بقبوله .
( وقد أحببتم البقاء) في الدنيا ولذا أجبرتمونا على التحكيم، لتنهوا بذلك أمر القتال (وليس لى أن أحملكم على ما تكرهون) من الحرب، وهذا توبيخ لهم بتركهم الحرب، وجبنهم وإلزامهم للإمام بالتحكيم، ثم ندمهم ونهيهم له(عليه السلام) عن التحكيم.
مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيا ؟ أَمَا أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ! وبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بها الآخِرَةَ : تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ ، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ ، وَتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا ، فَإِذا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ .
....................................
التوضيح :
(مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هذِهِ الدَّارِ فِى الدُّنْيا) ؟ استفهام للانكار، أي أنك لا تحتاج إلى مثل هذه السِعَةِ، فما حاجتك لها . . ؟ (أما) للتنبيه (أنت إليها) أي إلى هذه السعة (في الآخرة كنت أحوج) بمعنى أن تقدم بعضها إلى آخرتك وتكتفي في الدنيا بدار تكفيك . . وكان الإمام(عليه السلام) قال هذه الجملة مقدمةً لكلامه الآتي (وبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بها الآخِرَةَ) بأن صرفتها في تحصيل مرضاة الله سبحانه(تَقْري فِيهَا الضَّيْفَ) إقراءُ الضيف : إضافتهُ .
(وتصلُ فيها الرَّحم) بأن تدعوهم إلى دارك للنزهة وما أشبه (وتطلع منها) أي من هذه الدار (الحقوق) الشرعية (مطالعها) أي إلى وجوهها التي شرعها الله سبحانه .
(فإذا) فعلت ذلك (أنت قد بلغت بها) أي بهذه الدار (الآخرة) لأنها
فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين، أشكو أليك أخي عاصم بن زياد . قال : ومالَهُ؟ قال : لبس العباءةَ وتَخَلَّى عن الدنيا . قال : عليَّ به . فلما جاء قال :
يَاعُدَيَّ نَفْسِهِ! لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ! أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ! أَتَرَى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَ هُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذلِكَ !
........................
صارت سبباً لتحصيلها .
(فقال له العلاء : يا أميرَ المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال(عليه السلام) : ومالَهُ؟ قال : لَبِسَ العباءة) التي كانت من زي الزهاد (وتَخَلَّى عن الدنيا) أي عن التنعم بنعمها (قال(عليه السلام) : عليَّ به. فلما جاء قال :
(يا عديَّ نَفسهِ) تصغير عدو أما للتصغير أو التعظيم نحو [دويهية تصفرُّ منها الأنامل] (لقد استهام بك الخبيث) أي الشيطان، ومعنى استهام زين الهيام والتوله إليك (أما رَحِمْتَ أهلكَ وولدكَ) ؟ حيث تركت شأنهم لزعمك أنَّك زَهدت في الدنيا (أَتَرى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا) ؟ حيث قال سبحانه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ(1).
(أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذلِكَ) بأن يُحلل لك مجبوراً في تحليله، حتى إذا علمت ذلك تركت لتوافق مرضاة الله سبحانه، وذلك لأنَّ لذائذ الدنيا مباحة للإنسان وقد خَلقها سبحانه له بشرط أن لا يأخذها من حرام، ولا يصرف القوة التي أخذ منها إلّا في طاعة، ولا يُبعد أن يكون هذا للعامة، أما
1) سورة الأعراف: 32.
قال : يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك !
قَالَ : وَيْحَكَ ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ الله تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أنفسهم بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَیِلا يَتَبَيْغَ بِالْفَقِير فَقْرُهُ!
................................
الخواص فينطبق عليه قوله(عليه السلام) : [ما من أحد طابَ مَطعمه وملبسه إلّا وطال وقوفهُ بين يدي الله سُبحانه ].
(قال : ) عاصم مستفسراً من الإمام كيف يَنهاه، عن ذلك وهو زاهد في الدنيا (يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك) لا نعومة له حتى يلتذ جسمك (و جشوبة مأكلك) أي خشونتهِ لا لين فيه . . ؟ .
(قال)(عليه السلام) : (ويحك) كلمة تستعمل للإهانة وللمدح (إني لست كأنت)حتى تقيس نفسك بي(إِنَّ الله فرض على أئمة العدل) مقابل الأئمة الجائرون، فإِنَّ الله سبحانه لم يمض كونهم أئمة، حتى يرتب عليهم شؤون الأئمة المنصوبين من قبله (أن يُقدِّروا) أي يقيسوا (أنفسهم بضعفةِ الناس) جمع ضعیف، أي يعيشوا كالضعفاء في المأكل والملبس وما أشبه (كيلا يتبيغ) أي لا يهيج(بالفقير فقره) إذ لو رأى الفقير أن إمامه يتنعم بلذائذ الحياة هاج به الفقر ولم يصبر و انحرف عن الجادة، أما إذا رأى إمامه يعيش مثل عيشه كان ذلك سلوة له وتطميناً لقلبه .
وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر، فقال(عليه السلام):
إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَبَاطِلا، وَصِدْقاً وَكَذِباً، وَنَاسِحْاً وَمَنْسُوخاً، وَعَاماً وَخَاصَاً ، وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِها ،
..........................
التوضيح :
(وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدى الناس من اختلاف الخبر) أي الأخبار المروية عن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وما نسب إليه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بدعةٌ وكذباً (فقال(عليه السلام)) مقسماً الحديث إلى أربعة أقسام.
(إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقَّاً وَبَاطِلا، وَصِدْقاً وَكَذِباً) الحق و الباطل باعتبار المطالب - ككون الإله واحداً أم متعدداً - و الصدق والكذب باعتبار الأخبار، ككون الرسول قال كذا أم لم يقله، وقد يكون الفرق بينهما بالاعتبار، فيقال للخبر المطابق للواقع . [ صدق] باعتبار كونه مطابقاً للواقع، و[حق] باعتبار أنه مطابق للواقع.
(وناسخاً) أزال الحكم السابق (ومنسوخاً) قد أزيل حكمه (وعاماً) شاملاً لكل الأفراد نحو [أكرم العلماء] (وخاصاً) نحو [لتكرم زيداً] (ومحكماً) واضح الدلالة نحو [قل هو الله أحد] (ومتشابها) غير واضح
وَحِفْظاً وَوَهْماً . وَلَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم - عَلَى عَهْدِهِ، حِتَّى قَامَ خَطِيباً ، فَقَالَ : [مِنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ]. وَإِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ : رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرُ لِلإِيمَانِ، مُتَصَنِّعٌ بِالإسلام، لا يَتَأَثَّمُ وَلا يَتَحَرَّجُ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم - مُتَعَمِّداً ،
...............................
الدلالة نحو [إلى ربها ناظرة ] .
(وحفظاً) أى ما حفظ عن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(ووهماً) مالم يُتَعَمد كذبه ولكن توهم خلاف ما قاله الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
( ولقد كُذِبَ على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) على عهده) أي في زمان حياته (حتى قام خطيباً فقال : (مِنْ كَذَبَ عَلَى مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار) أي ليملأ مكانه في الآخرة من النار، وهذا كناية عن أنه بذلك يستحق النار (وَإِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيث أَرْبَعَةُ رِجَال لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ) وكان الإمام(عليه السلام) قدم تلك المقدمة لبيان أن بعض الناس علم بالعام دون الخاص، أو سمع المتشابه وظنه محكماً، أو ما أشبه ذلك .
الأول : (رجلٌ مُنافقٌ) يخالف ظاهره باطنه، فهو مسلم في الظاهر، كافر في الباطن (مُظْهِرُ لِلإِيمَانِ، مُتَصَنْع بالإسلام) أي يصنعه لنفسه دون أن يكون في الواقع مُسلما (لا يتأثم) أي لا يخاف الاثم (ولا يتحرَّج) أي لا يخشى الوقوع في الحرج، أي الجرم الموجب للضيق (يَكذبُ على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)متعمداً) لمصالح شخصية وذلك كأبي هُرَيْرَةَ، وسمرة بن جندب، وأحزابهما.
فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنافِقٌ كَاذِبٌ لم يَقبلوا مِنهُ ولا يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، ولكِنَّهُمْ قَالُوا: صَاحِبُ رَسُولِ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم - رَآه ، وسَمِعَ مِنْهُ، ولَقِفَ عَنْهُ ، فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ، عَلَيْهِ وَآلِهِ السَّلَامُ، فَتَقَرَّبُوا إلى أَئِمَّةِ الضَّلالَةِ، وَالدُّعَاةِ إلى النَّارِ بالزور وَالْبُهْتَانِ ،
............................
(فلو علم النَّاس أنَّهُ منافق كاذب) في حديثه (لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله ( ولكنهم قالوا صاحب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) رأى) الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (وسَمِعَ منه) الحديث (ولَقَفَ عنه) أي تناول وأخذ (فيأخذون بقوله) فيما يرويه عن الرسول .
( وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللهُ عَن الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ)من الصفات الذميمة، كقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (1)فهل يتوقع الإنسان بعد ذلك من أمثال هؤلاء الصدق والأمانة في نقل الحديث؟ .
(ثم بقوا) هؤلاء المنافقون (بعده عليه وآله السلام) أي بعد موت الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)( فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار) جمع الداعي ( بالزور) أي الكذب وهذا متعلق بـ[تقرَّبوا] (والبهتان) أي الافتراء على الرسول في خلق الأحاديث.
1) سورة المنافقون : 1 - 4 .
فَوَلَّوْهُمُ الأَعْمَالَ ، وَجَعَلُوهُمْ حُكّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ ، أَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا ، وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيا، إِلّا مَنْ عَصَمَ الله ، فَهَذَا أَحَدُ الأرْبَعَةِ . وَرَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَوَهِمَ فِيهِ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً، فَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَيَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ ،وِيَقُولُ : أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم ، فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ ، وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذلِكَ لَرَفَضَهُ !
................................
(فَوَلَّوهُمُ الأعمال) حيث رأى أولئك الأئمة أن في بقاء هؤلاء تقوية لسلطانهم، إذ يختلقون لهم الأحاديث (وجعلوهم حُكاماً على رقاب الناس) يتصرفون في البلاد والعباد كيف شاءوا (أكلوا) أي أولئك الأئمة (بهم) أي بهؤلاء (الدنيا ) إذ قوّوا سلطتهم باختلاق أحاديث مجعولة لتحبيبهم إلى الناس .
(وإنما الناس مع الملوك و) مع (الدنيا إلا من عصم الله) أي : حفظه حتى لا يميل إليهم، إذا كان في ذلك هلاك دينه(فهذا أحدُ الأربعة) الذين يأتون بالحديث عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ومنه يقع الاختلاف في الأخبار المروية عنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ومن هنا نشأت البدع.
(و) الثاني من الأقسام الأربعة (رجلٌ سمع من رسول الله شيئاً لم يحفظه على وجهه) كما قال الرسول وعلى الجهة التي أرادها (فوهم) أي أخطأ وغلط (فيه) أي في ذلك الشيء (ولم يتعمد كذباً) على الرسول وافتراءٌ عليه (فهو) أي الحديث الموهوم ( في يديه ويرويه )عن الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
( ويعمل به) لنفسه (ويقول : أنا سمعته من رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فلو علم المسلمون أنّه وهم فيه) وأخطأ (لم يقبلوه منه ، ولو علم هو)الراوى (أنه كذلك )واشتباه (لرفضه) ولم يروه ولم يعمل به .
ورَجُلٌ ثَالِثُ، سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم شَيْئاً يأمرُ بِهِ، ثُمَّ نَهى عَنْهُ، وَهُوَلا يَعْلَمُ، أَوْسَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُو لا يَعْلَمُ ، فَحَفِظَ المَنْسُوخ ، وَلَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ ، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إذ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ .
وَآخَرُ رَابِعٌ ، لَمْ بِكُذِبْ عَلَى الله ، وَلا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضُ لِلْكَذِب خَوْفاً مِنَ الله، وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم ، وَلَمْ يَهِمْ،
......................................
(و) الثالث من الأقسام الأربعة (رجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم) بالنهي، كسماعه أمره(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بذهاب أبي بكر بسورة براءة ثم تهيه عن ذلك، وتبديله بالامام (أو سمعه )(صلّی الله علیه وآله وسلّم)( ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم )كما لو سمع لزوم الكف عن الجهاد في مكة ثم أمر به في المدينة (فحفظ المنسوخ) الذي زال حكمه (ولم يحفظ الناسخ) أي الحكم الثاني .
(فلو علم أنه منسوخ لرفضه) ولم يعمل به (ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أَنَّهُ منسوخ لرفضوه) ولم يعملوا به، لكنهم جهلوا ذلك فأخذوا به، وهو خلاف الواقع فمن هنا يأتي الاختلاف .
(و) القسم الرابع (آخر رابع) الأقسام الثلاثة الماضية الراوية للحديث (لم يكذب على الله ولا على رسوله) عمداً كالمنافقين ( مُبعضُ للكذب خوفاً من الله) لئلا يعاقبه (وتعظيماً لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) إذ نسب الكذب إليه قبيح ينافي مقامه الكريم (ولم يهم ) أي لم يخطأ، لا كالقسم الثاني، ولا كالقسم الثالث
بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَه ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ ، فَحَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ ، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالعَامَّ، فَوَضَعَ كُلَّ شيءٍ مَوْضِعَهُ، وَعَرَفَ الْمُتَشَابِهَ، وَمُحْكَمَهُ .
...........................
(بل حفظ ما سمع على وجهه) أي مع عرفان مقصده الذي قيل لأجله (فجاء به) أي نقل الحديث(على ما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه) كما أنه سمع الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، لا بعضه دون بعض .
(فحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب) أي تجنب (عنه) فإنَّ الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كان يأمر حسب المصالح في شؤون خاصة، فإذا ذهب ذلك الظرف أمر بما يلائم الظرف الثاني، كالكف عن الجهاد في مكة، والأمر بالجهاد في المدينة .
( وعرف الخاص والعام) فلم يأمر بالعام حتى في مورد الخاص (فوضع كل شيء موضعه) العام لجميع الأفراد باسثناء الخاص، والخاص لمكانه المخصوص به.
(وعَرَفَ المتشابه) الذي يُراد به غير معناه الظاهر، أو ما تشابه فلم يعلم المراد منه (ومحكمه) نحو لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ(1)الذي هو مُحكم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *«إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *(2الذي هو متشابه وهذا الراوي - من الأقسام الأربعة - هو المُعتمد عليه الذي لا يروي إلا صدقاً وحقاً، ويمكن الأخذ بقوله .)
وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم الكلامُ لَهُ وَجْهَانِ : فَكَلامٌ خَاصٌ، وَكَلامٌ عَامٌ ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لا يَعْرِفُ مَا عَنَى الله سُبْحَانَهُ بِهِ ، وَلا مَا عَلَى رَسُولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم - فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ ، وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةِ بِمَعْنَاهُ، وَمَا قُصِدَ بِهِ، وَما خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم - مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهمُهُ ،...................................(وقد كان يكون من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم و الكلام له وجهان :) من جهة يمكن العمل به ومن جهة لا يمكن العمل به، فإنَّ الرسول كان يتكلم حسب أهل العرف قال سبحانه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ) فكما أن كلام البلغاء يحتوى على مختلف الأشكال كذلك كلام الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم).)( فكلام خاص وكلام عام فيسمعه أي الكلام العام (من لا يعرف ما عنى الله سبحانه به) أي بهذا الكلام العام فيظن أنه عنى تمام أفراده ، والحال أن المقصود باسثناء الخاص .)(ولا ما عنى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم ) من بيان هذا الكلام العام ( فيحمله السامع ويوجّههُ على غير معرفة بمعناه) المقصود (وما قصد به) حين أُطلق (وما خرج) أي جاء (من أجله) فقد جاء الكلام من أجل الكناية كما يحكى أن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قال لبعض أصحابه إقطع لسانه - بالنسبة إلى سائل كان يسأله - فأراد الرجل أن يقطع لسانه، فأدركه عليٌ(عليه السلام) و قال : إن مراد السائل إعطائه شيئاً، وهكذا.)(و ليس كُلُّ أصحاب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم من كان يسأله ويستفهمه) أي يطلب من الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فهم ما يقول، إما خجلا أو جهلا ، أو ما شابه .)
حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الأَعْرَابِيُّ وَالطَّارِىءُ، فَيَسْأَلُهُ عليه السلام حَتَّى يَسْمَعُوا، وَكَانَ لا يَمُرُّ بِي مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ إِلَّا سَأَلْتُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ، فَهِذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلافِهِمْ، وَعِلَيْهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ .............................(حتى إن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي أي البدوي الخارج من المدينة (والطارئ) أي الذي طرأ أي عرض، وليس من الصحابة (فيسأله(عليه السلام) حتى يسمعوا) فإذا كانوا كذلك لم يكن فهمهم للأحاديث فهماً صحيحاً يمكن الاعتماد عليه .)(وكان لا يمُرُّ بي من ذلك شيء من الأحاديث المشكلة (إلا سألت عنه و حفظته) ولذا قال(عليه السلام) علمني رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب .)(فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم أي علة هؤلاء في الاختلاف (في رواياتهم) التي رووها كما أن منها ظهر منشأ البدعة، وإن بعضها عمدٌ وبعضها جهل.)
## وَمِن خُطبة له(عليه السلام: في عجيب صنعة الكون)وَكَانَ مِن اقْتِدَارِ جَبَرُونِهِ ، وَبَديعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ البَحْرِ الزَّاخِرِ المُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ ، يَبْساً جَامِداً، ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبِاقاً، فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ.................................التوضيح:(وكان من اقتدار جبروته الجبروت الحالة التي يمكن بها جبر الأشياء على الإطاعة والانقياد، فإضافة الاقتدار إليها من باب إضافة العام إلى الخاص (و) من (بديع لطائف صنعته) أي الصنعة الدقيقة التي ابتدعها وأوجدها من غير مثال (أن جعل من ماء البحر) وهو البحر الذي خلقه الله سبحانه وتعالى قبل خلق الأرض والسماوات، وأشير إليه في الخطبة الأولى وغيرها (الزاخر) أي الطافي الممتلي من زخر البحر إذا امتلأ (المتراكم) أي المجتمع (المتقاصف) أي الذي يقصف بعضه بعضاً، أي يكسره (يبساً جامداً) أي الأرض اليابسة .)(ثم فطر منه أي خلق من ذلك الماء (أَطباقا) أي طبقات، فإنَّ ماء البحر خُضَّ خضاً شديداً، فَجُعِلَ من زبدهِ الأرض، ومن بخارهِ الصاعد السماوات ، وحيث كان البخار شيئاً واحداً متصلاً، قال(عليه السلام)(ففتقها) أي فرقها بعد أن كانت متصلة (سبع سماوات) أما المراد الأجرام، أو المراد)
بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ، وَقَامَتْ عَلَى حَدّهِ . وَأَرْسَى أَرْضاً يَحْمِلُهَا الأخْضَرُ الْمُثْعَنْجِرُ، وَالْقَمْقَامُ المُسَخَّرُ، قَدْ ذَلَّ لأمْرِهِ، وَأَذْهَنَ لِهَيْبَتِهِ ، ووَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ . وَجَبَلَ جَلامِيدَهَا ، وَنُشُوزَ مُتُونِهَا................................ما يملأ الفضاء من الجسم البسيط الذي كان يسمى أثيراً، وتمييز بعض السماوات عن بعض، يكونها مدارات لكل مدار نظام خاص .(بعد ارتتاقها أي بعد أن كانت متصلة بعضها ببعض إذ البخار كان جسماً واحداً .)(فاستمسكت السماوات، أي تماسكت (بأمره) التكويني (وقامت على حده) أي الحد الذي حدده لها الأمر الإلهي (و أرسى أرضاً)أي جعلها ثابتة محكمة ( يحملها الأخضر) أي البحر، فإنَّ الأرض كالكرة فيالبحر (المثعنجر) أي معظم البحر، أو المراد البحر السائل، فإنَّ السائل يقال له مثعنجر - بالكسر- (و القمقام) اسم آخر للبحر(المُسخَّر) الذي سخره الله سبحانه، والأرض وإن لم تكن محمولة للبر حقيقة، إلا أنَّ الإنسان يراها كذلك(قد ذلَّ) البحر (لأمره) سُبحانه .)(وأذعن لهيبته أي من خوفه تعالى (ووقف الجاري منه) أي من البحر(لخشيتهِ) أي خوفه تعالى، وامثال هذه الجمل من باب التشبيه، وإنما المراد الإطاعة التكوينية من الأشياء لله سبحانه، ومن الممكن أن يكون للأشياء خوف وخشية وإدراك، كما يظهر من جملة من الآيات والروايات.)(وجبل سبحانه أي خلق (جلاميدها) جمع جُلمود، وهي الصخور الصلبة (و) خلق (نشوز) أي مرتفعات (مُتُونها) كالآكام، الشبيهة بمتن الإنسان)
وَأَطْوَادِهَا، فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا ، وَأَلْزَمَهَا قَرَارَتَهَا، فَمَضَتْ رُؤُوسُهَا فِي الْهَواءِ، وَرَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ، فَأَنْهَدَ جَبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا، وَأَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا، وَمَوَاضِع أَنْصَابِهَا، فَأَشْهَقَ قِلالَهَا ، وَأَطَالَ أَنْشَارُهَا،................................في ارتفاعها (واطوادها جمع طود، بمعنى: الجبل(فأرساها) أي ثبت تلك الجبال (في مراسيها) أي محلات استقرارها .)(وألزمها أي الجبال (قرارتها) فكل واحدة منها مستقرة في مكانها، وإذا جاء يوم القيامة، ينعكس الأمر، قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)(1). (فمضت رُؤوسُها في الهواء) شامخة مرتفعة (ورست) أي ثبتت(اصولها في الماء) فإنَّ الجبل يخترق الأرض حتى الماء (فَأَنهَدَ) سبحانه، أي رفع(جبالها عن سهولها) السهل ضد الجبل، أي جعل الجبال أعلى من الأرض السهلة .
(وأساخ قواعدها) أي ثبت أصول الجبال( في متون أقطارها) أي في المتون من أقطار الأرض وأطرافها (ومواضع أنصابها) جمع نصب، وهو ما جعل علماً ليعرف الإنسان به الجادة، أي جعلها في المواضع التي يراد بها أن تكون موضع دلالة للطرق وما أشبه(فأشهق) أي جعلها شاهقة مرتفعة (قلالها) جمع قلة، وقلة الجبل أعلاه (وأطال) في الجو (أنشازها) أي متونها
1) سورة النمل : 88
وَجَعَلَهَا لِلأرْضِ عِمَاداً، وَأَرَّزَهَا فِيها أَوْتَاداً ، فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا، أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا. فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا، وَأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا، فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً ،
...............................
المرتفعة في الأرض، غير القلال، جمع نشز، وهو المرتفع .
(وجعلها للآرض عماداً) تعتمد الأرض على تلك الجبال، وإلا لتفككت و اضطربت (وارَّزَها) أي ثبت تلك الجبال (فيها ) أي في الأرض (أوتاداً) جمع وتد، وهو المسمار، فإن الجبال بمنزلة المسامير التي تجمع بين قطع الخشب (فسكنت) الأرض (على حركتها) أي مع كونها متحركة كما يقول العلم الحديث أو في حال كونها متحركة، إذ كانت قبل خلق الجبال مضطربة .
(من أن تميد) أى تضطرب (بأهلها) وتتزلزل بهم .
(أو تسيخ) أي تهبط في الهواء(بحملها) أي بما تحمل من الإنسان والدواب وغيرهما، بأن تأخذ غير مدارها كما يقول العلم الحديث (أو تزول عن مواضعها) ذات اليمين أو الشمال أو الفوق.
(فسبحان من أمسكها) أي حفظ الأرض (بعد موجان) أي تموج (مياهها) فلم تؤثر الأمواج الشديدة في تحريك الأرض.
(وأجمدها) أي جعلها جامدة (بعد رطوبة أكنافها) أي أطرافها فإنَّها خلقت من زبد البحر .
(فجعلها) أي الأرض (لخلقه مهاداً) موضع الاستقرار والاستراحة
وَبَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً! فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ لا يَجْرِي، وَقَائِم لَا يَسْرِي، تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ، وَتَمْخُضُهُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ، وَإِنَّ فِي ذلِك لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى(1).
..................................
(وبسطها لهم فراشاً) كالفرش المبسوط الذي يستريح الإنسان إليه (فوق بحرٍ لجِّيٍّ) كثير الماء(راكد) ذلك الماء (لا يجري) كما تجري مياه الأنهار .
(وقائم) في مكانه (لا يسري) في الهواء (تكركره) أي تحركه ذاهبة به وعائدة له (الرياح العواصف) جمع عاصفة، وهي الشديدة (وتمخضه)كما يمخض اللبن في السقاء ليخرج منه الزبد (الغمام) أي السحاب، والمراد به الجنس، ولذا جيء بالفعل مؤنثاً(الذوارف) جمع ذارفة، أي السائلة، فإنَّ الأمطار الشديدة توجب مخض ماء البحر إذا نزلت فيه، لأن أعلاه يكون أسفله، وبالعكس (إن في ذلك) الذي ذكر من الآيات الأرضية والسماوية (لعبرة) أي اعتباراً، ودلالة على وجود الخالق وعلمه وقدرته وحكمته (لمن يخشى) فيعترف بالإله سبحانه ويطيعه .
1) سورة النازعات: 26
اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَائِرَةِ، والْمُصْلِحَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيا غَيْرَ الْمُفْسِدَةِ، فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَها إِلَّا النُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ، وَالإبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ،
.............................................
التوضيح :
(اللهمَّ أيُّما عبد من عبادك) [ما] زائدة، أو موصوفة أي شخص وصف بـ [عبد] (سَمِعَ مَقالَتَنا) أي قولنا (العادلة) في قصة الخلافة، وبطلان مزاعم من أبطل خلافة الإمام طمعاً أو جهلاً (غير الجائرة) التي لا جور فيها ولا انحراف إلى الباطل (والمصلحة) صفة المقالة (في الدين والدنيا) لأنها توجب إطاعة أمر الله ، ونظم المسلمين في سلك واحد، يوجب قوتهم أمام الكفار .
(غير المفسدة) حال عن [ المصلحة] أي في حال كون مقالتنا لا تفسد شيئا (فأبى بعد سمعه لها) أي للمقالة (إلّا النكوص) أي الرجوع وعدم العمل بأن أصر على باطله .
(عن نصرتك) ينصر دينك( والإبطاء عن إعزاز دينك) فإنَّ إعزاز الدين إنما يكون بالإلتفاف حول خليفة رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الشرعي الذي يَعرفُ الإسلام عِرفاناً تاما.
فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ يَا أَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةً ، وَنَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَسْكَنْتَهُ أَرْضَكَ وَسَمَاوَاتِكَ، ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ الْمُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ، وَالآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ .
..................................
(فإنَّا نستشهدك عليه يا أكبر الشاهدين شهادة) أي نجعلك شاهداً عليه. بأنه عرف ولم يعمل، أو المعنى نطلب شهادتك ضده بسبب شهادة الرسول أو القرآن، فإنَّهما شهيدان لنا، وبشهادتهما الصادقة نطلب أن تكون أنت أيضا شاهداً - إذ قال الرسول: علي مع الحق، والحق مع علي، وقال القرآن : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)- أما على المعنى الأول فيكون[ بأكبر] شبه [بدل] عن [الكاف] في [نستشهدك] (ونستشهد عليه جميع ما أسكنته أرضك وسماواتك) من الملائكة والإنسان والجن وما أشبه، ولا يخفى أن استشهاد هؤلاء مثل استشهاد الإنسان لإنسان آخر في قضية من القضايا ( ثم أنت) يارب ( بعد) أي بعد انحرافه عمداً والاستشهاد منا عليه (المغني عن نصره) أي تغنينا حتى لا نحتاج إلى شخصٍ آخر مثل هذا الشخص (والآخذ له بذنبه) ذنب الانحراف عن الحق عمداً.
1) سورة النساء : 59.
الْحَمْدُ لله الْعَلي عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِينَ، الْغَالِبِ لِمَقالِ الْوَاصِفِينَ، الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ للنَّاظِرِينَ، الْبَاطِنِ بِجَلالِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ الْمُتَوَهِّمِينَ، الْعَالِمِ بِلَا اكْتَسَابِ وَلَا ازْدِيَادِ،
......................................
التوضيح:
(الحمد لله العلي عن شبه المخلوقين)أي أنه أرفع من أن يشبههم، إذ لو كان شبيهاً لهم، لكان مساوياً معهم ، فلم يكن أرفع (الغالب لمقال الواصفين) أي لا يستطيع الواصفون أن يصفوه مهما بالغوا في الوصف، كأنه سبحانه يغلب وصفهم (الظاهر بـ) سبب (عجائب تدبيره) أي تدبيره للمخلوقات العجيبة (للناظرين) فإنَّ من نظر إلى الآثار العجيبة عرف حكمة صانعها وقدرته الفائقة .
(الباطن بجلال عزته) أي أن كونه عزيزاً سبب لجلاله وارتفاعه فإنَّ كل عزيز مرتفع (عن فكر المتوهمين) فلا يصل إليه تعالى فكر الناس، والتوهم: التظني و التعقل، فإنَّه سبحانه لا يُدرَكُ كُنهه.
(العالم بلا اكتساب) علمٌ من أحد، بعكس الإنسان الذي يعلم الأشياء بالكسب والتعلم (ولا ازديادٍ) فإنَّ علمه لا يزداد تدريجا كما يزداد علم الإنسان .
وَلا عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ، الْمُقَدِّرِ لِجَمِيعِ الأُمُورِ بِلا رَوِيَّةِ وَلَا ضَمِيرِ، الَّذِي لَا تَغْشَاهُ الظُّلَمُ، وَلا يَسْتَضِيءُ بِالأَنْوَارِ، وَلا يَرْهَقُهُ لَيْلٌ، وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارُ ، لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالإبْصَارِ ، وَلا عِلْمُهُ بِالإِخْبَارِ .
ومنها في ذكر النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) :
أَرْسَلَهُ بِالضّياءِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الاصْطِفَاءِ، فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ،
..................................
(ولا علم مستفاد) فلم يستفد العلم من أحد، والاكتساب أعم من الاستفادة .
(المقدر لجميع الأمور ) بأن يكون لكل شيء مقدار خاص طولاً وعرضاً و زماناً وعمراً، وما أشبه( بلا روية )أي فكر (ولا ضمير) أي إضمار في النفس إذ لا نفس له سبحانه (الذي لا تغشاه الظلم) جمع ظلمة، فإنَّ النهار والليل لا يقعان عليه، إذ هو سبحانه ليس بجسم (ولا يستضيء بالأنوار) بأن يقع عليه نور الشمس أونور المصباح أو غيرهما.
(ولا يرهقه ليل) أي لا يغشاه (ولا يجري عليه نهار) وهذان أخصان من [الظلم] و[الأنوار] في الجملتين السابقتين .
(ليس إدراكه) تعالى للأشياء (بالابصار) إذ لا عين له كعيون البشر (ولا علمه بالاخبار) بأن يخبره شخص فيعلم بعكس الإنسان الذي علمه بإخبار الناس له .
ومنها في ذكر النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(أرسله )سبحانه (بالضياء) أي النور الذي يجب معرفة الناس لطريق السعادة (وقدَّمه ) على غيره (في الإصطفاء) بأن اختاره للرسالة دون سواه (فرتق به المفاتق) جمع مفتق، بمعنى الشق، فإنَّه كان بين الناس انشقاقات
وَسَاوَرَ بِهِ الْمُغَالِبَ، وَذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ، وَسَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَةَ، حَتَّى سَرَّحَ الضَّلالَ، عَنْ يَمِينِ وَشِمَالِ .
....................................
طبقية وما أشبه فجمع شملهم (وساور) أي غالب الله سبحانه (به) أي : بسبب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
(المغالب) أي الكفار الذين يغالبون الحق لإرادة الغلبة عليه .
(وذلَّل به) أي بالرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)(الصُّعُوبةَ) أي المشاكل التي كانت تكتنف الناس من كل جانب ومكان (وسهِّل به الحُزُونة) أي الصعوبة التي كانت في الأخلاق، وفي طباع الناس، فإنَّ الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لَيَّنَ الطباعِ وهذبها (حتى سَرَّحَ الضلال) أي أبعده عن الناس (عن يمين وشمال) أي جانب الإفراط والتفريط، فمثلاً الضلال في الإنفاق والإسراف والبخل والوسط الجود.
وَأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ، وَحَكَمٌ فَصَلَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَسَيِّدُ عِبَادِهِ، كُلَّمَا نَسَخَ الله الْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا، لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرٌ . وَلَا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ .
.....................................
التوضيح :
(وأشهد أنَّه) تعالى (عدلٌ) بذاته لا ميل فيه ولا اعوجاج (عَدَلَ) في الحكم والخلق، فلم يَظلم مخلوقاً ولا في حكم (وحَكُمٌ) أي حاكم(فصل) في القضية تفصيلاً عادلاً .
(وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله) لعل تقديم العبد - لما تقدم - دلالة على أن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لا يتعدّى منزلة العبودية، خلافاً لزعم اليهود والنصارى في أنبيائهم (وسيِّدُ عباده) جعله تعالى سيداً عليهم (كلما نسخ الله الخلق فرقتين) أي جعلهم جماعتين، كالعرب والعجم وأولاد سام وأولاد حام وهكذا.
(جعله) أي جعل نطفة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) و نوره ( في خيرهما) أي في أحسن الفرقتين.
(لم يسهم فيه ) أي لم يشترك في نطفته - أي آبائه وأُمهاته - (عاهر) أي زان.
(ولا ضرب فيه )(صلّی الله علیه وآله وسلّم)( فاجر ) يقال ضرب في الشيء إذا صار له نصيب
ألا وَإِنَّ الله جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلاً ، وَلِلْحَقِّ دَعَائِمَ، وَلِلطَّاعَةِ عِصَماً . وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلْ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ عَلَى الأَلْسِنَةِ، وَيُثَبِّتُ الأَفْئِدَةَ، فِيهِ كِفَاءٌ لِمُكْتَفٍ، وَشِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ . واعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ الله المُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ .
..............................
منه ، أي ليس لفاجر نصيب في الرسول، فلم يكن في آبائه شخص فاجر أبداً .
( ألا وإن الله جعل للخير أهلا) هم يأتون بالخير ويعملون له (وللحق دعائم) هم يأخذون الحق، حتى لا ينهار (وللطاعة عصماً)جمع[ عصمة]و هي ما يعتصم بها والمراد الأشخاص المطيعون الذين تعتصم بهم الطاعة من أن تنهار وتفنى، إذ لولا المطيعون لم تكن طاعة (وإنَّ لكم عند كُلِّ طاعة عوناً من الله سبحانه) فإنَّ الله يعينكم في طاعاتكم (يقول) ذلك العون (على الألسنة) أي: يجري ذلك العون الطاعة على اللسان .
(ويثبت الأفئدة فيه) أي يثبت ذلك العونُ القلوبَ في الإتيان بالطاعة، لئلا يتزلزل القلب ويخاف، ويرجف اللسان ولا يتكلم بالطاعة (كفاءٌ) ذلك العون الغيبي (لمكتفٍ) أي الذي يريد الاكتفاء، لا الذي يريد أنْ يتعلل ليفر من الطاعة (وشفاءٌ لمشتفٍ) أي لمن يريد الشفاء من أمراض المعصية . وقد ذكر الإمام هذه الجمل من قوله (ألا وإن) لحث الناس على الطاعة و ترغيبهم فيها.
(واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه) أي الذين أودع الله فيهم العلم فحفظوه - و هم العلماء الأخيار - (يصونونَ مَصونهُ) أي يحفظون ما یجب
حفظه من العلوم لئلا يندرس ويفنى .
( ويُفجّرون عيونه) أي عيون العلم، بالمدارسة والمذاكرة .
يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلايَةِ، ويَتَلاقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ، ويَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ، ويَصْدُرُونَ بِرِيَّةِ، لا تَشُوبُهُمُ الرِّيبَةُ ولا تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ، عَلَى ذلِك عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ أَخْلاقَهُمْ، فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ، وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ، فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ الْبَذْرِ يُنتَقَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ
....................................
(يتواصلون بالولاية) أي يصل بعضهم بعضاً بسبب الولاية والمحبة التي تحلوا بها من جراء كونهم حافظين لعلم الله تعالى .
(ويتلاقون) أي يلقى بعضهم بعضاً (بالمحبة) فيحب أحدهُمُ الآخر (ويتساقون) يسقي بعضهم بعضاً (بكأس روية) أي توجب الارتواء من الظمأ، والنجاة من العطش، فإنَّ العلم الذي يقوله أحدهم للآخر يوجب ارتواء المتعلم ، لأن ذلك العلم ينير الأذهان المظلمة .
(و يصدرون برِيَّةٍ) أي يخرجون بعد التفرق بالري أي الامتلاء من الماء [ التاء ] في رِيَّةٍ، للموحدة .
(لا تشوبهم الريبة) أي لا يشك أحدهم بالآخر - من جهة سوء الظن أو ما أشبه - (ولا تسرع فيهم الغيبة) أي لا يغتاب أحدهم الآخر، كما هو شان أهل الجهل إذ يسرع أحدهم في غيبة الآخر - لدى غيابه - .
(على ذلك) الذي ذكر لهم من الصفات الحسنة (عقد) الله سبحانه (خلقهم واخلاقهم) فإنَّ خلقهم من طينة صافية، وأخلاقهم طاهرة زاكية (فعليه) أي على ذلك [العقد] (يتحابون) يحب بعضهم بعضاً.
(وبه يتواصلون) يصل أحدهم الآخر ولا يهجره (فكانوا كتفاضُل البذر) أي أنهم يتفاضلون على سائر الناس كما يفضل البذر (يُنتقى) أي يختار صافياً من [الزوان] وما أشبه ليخرج النبات جيداً (فيؤخذ منه) أي من ذلك البذر الجيد.
وَيُلْقَى ، قَدْ مَيَّزَهُ التَّخْلِيصُ ، وَهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ .
فَلْيَقْبَلِ امْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا ، َولْيَحْذَرْ قَارِعَةَ قَبْلَ حُلُولِهَا ، وَلْيَنْظُر امْرُؤٌ فِي قَصِيرِ أَيَّامِهِ، وقَلِيلِ مُقَامِهِ، فِي مَنْزِلِ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً، فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ، وَمَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ . فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ، وَتَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ، وَأَصَابَ سَبيلَ السَّلامَةِ
..............................
( ويُلقى) الرديء (قد ميَّزهُ) أي ذلك البذر (التخليص) أي كونه قد خلص من البذور السيئة (و هَذَّبه) أي نقاء (التمحيص) أي الاختيار- وهذا هو وصف العلماء الأخيار كما ذكره الإمام(عليه السلام)-.
(فليقبل امرُؤٌ كرامةً) أي كرامة عظيمة (بقبوُلها) أي بقبوله للتقوى ( وليحذر قارعةً) أي مصيبة تقرع الإنسان، والمراد به الموت أو القيامة (قبل حلولها) بأن يعمل صالحاً حتى لا تأتيه القارعة بغتة فتصير سبباً لعذابه ونكاله .
(ولينظر امرؤٌ في قصير أيامه) المراد بالنظر : التفكر والعمل الصالح (وقليل مقامه) أي مقامه القليل في الدنيا(في منزل) أي الدنيا وكأن التفكير لتحقير شأنها.
(حتى يستبدل به منزلاً) المراد به الآخرة، أي يصبر حتى ينتقل إلى ذلك المنزل (فليصنع لمتحوله) أي المحل الذي يتحول إليه (ومعارف منتقله) أي المواضع التي يعرف الانتقال إليها .
(فطوبى لذي قلب سليم) عن أدران الملكات السيئة (أطاع من يهديه) أي الله سبحانه (وتجنب من يُرديه) أي من يهلكه وهو الشيطان .
(وأصاب سبيل السلامة) أي الطريق الموجب لسلامته عن المعاصي
يبَصَر مَنْ بَصَّرَهُ، وَطَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ، وَ بَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ ابْوَابُهُ، وَتُقْطَعَ أَسْبَابُهُ، وَاسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ، وَأَمَاطَ الْحَوْبَةَ، فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَهُدِيَ نَهْجَ السَّبِيل.
....................................
والآثام (ببصر من بصره) أي بإبصار المرشد الذي أرشده (وطاعة هادٍ أمره) بالسلوك في هذا السبيل فسلك كما أمر (وبادرَ الهدى قبل أن تغلق أبوابه) بالموت، فإنَّهُ لا تقبل التوبة من الإنسان إذا مات .
(وتقطع أسبابه) أي أسباب الهدى (واستفتح التوبة) أي فتحها بأن شرع في التوبة (وأماط الحوبة) أي أزال الإثم.
(فقد أُقيم على الطريق) أي أقاموا الإنسان على طريق الزوال (وهُدِيَ نَهج السَّبيل) أي أروه الطريق المستقيم الواضح .
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يُصْبِحُ بِي مَيِّتاً وَلا سَقِيماً ، وَلا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقي بِسُوءٍ ، وَلا مَأْخُوذاً بِأَسْوَإِ عَمَلِي ، ولاَمَقْطُوعاً دَابِرِي، وَلا مُرْتَدّاً عَنْ دِينِي، ولا مُنكِراً لِرَبِّي، وَلا مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي ، وَلا مُلْتَبِساً عَقْلِي، وَلا مُعَذِّبَا بِعَذَابِ الأُمَمِ مِنْ قَبْلِي .
...................................
التوضيح :
(الحمد لله الذي لم يُصبحْ بي ميتاً ولا سَقِيماً) أي لم يمتني ولم يُمرضني (ولا مَضروباً على عروقي بسوء) فإنَّ العرق إذا ضرب - أي اضطرب - صار الإنسان مريضاً (ولا مأخوذاً بأسوءِ عملي) أي لم يأخذني الله سبحانه بأعمالي السيئة، حتى يُهلكني ويعذبني، ولا يخفى أن المراد بسوء العمل - ما ذكرناه سابقاً من الأمور اللازمة للجسد، التي كان الإمام وسائر المعصومين يرونها بعداً عن الله تعالى وسيئةً - (ولا مقطوعاً دابري) الدابر : بقية الرجل من ولده و نسله، أي لم يقطع نسلي .
(ولا مرتداً عن ديني) أي لم أرجع عن ديني(ولا منكراً لربي) كالجاحدين الذين ينكرون وجود الله سبحانه (ولا مستوحشا من ايماني) فان بعض الناس يخافون من إيمانهم ويرونه شيئاً غريباً لاصقاً بهم (ولا مُلتبسا عقلي) أي لم يختلط عقلي بجنون ونحوه (وَلا مُعَذَّباً بِعَذَابِ الأمم مِنْ قَبْلِي)
بن
أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي ، لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَلَا حُجَّةَ لِي. وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَخُذَ إِلّا مَا أَعْطَيْتَني ، وَلا أَتَّقِيَ إِلّا مَا وَقَيْتَنِي .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ، أَوْ أَضِلَّ فِي هَدَاكَ، أَوْ أَضَامَ فِي سُلْطَانِكَ ، أَوْ أَضْطَهَدَ وَالأمْرُ لَكَ !
اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةِ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي ،
...........................
من قبيل الخسف والرمي بالحجارة وما أشبه مما أصيبت به الأمم السابقة .
(أصبحت عبداً مملوكاً) لله سبحانه (ظالماً لنفسي) فأن المعصوم يرى حضور الله دائماً، ويعلم علمه الواسع وإحاطته الشاملة، یری نفسه مُقصراً في جنبه، إذ لا يتمكن من الوفاء بحقه، لضروريات جسده (لك الحجة عليَّ ولا حُجَةً لي ) فإنَّ الله سبحانه وتعالى أتم الحجة على العبد، بما ليس للعبد حجة إذا ترك أمراً أو ارتكب نهياً (ولا أستطيع أن آخذ) شيئاً من الأشياء (إلا ما أعطيتنيي) من النعم والفواضل. (ولا أتقي إلّا ما وقيتني) أي حفظتني منه (اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في ) جنب (غناك) الذي تغني به كل شيء، بأن تحرمني من فضلك حتى أفتقر (أو أضل في هُداك) أي مع هدايتك لي، وفي بمعنى النسبة (أو أُضامَ) أي أُظلم (في سلطانك) أي والحال أنك سلطان تقدر على دفع الظالمين عني (أو أُضطهد) ويؤخذ حقّي (وألامرُ لك) تقدر على الدفاع عني .
(اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي) أي الأشياء الكريمة التي أعطيتها لي، فإنَّ الجوارح والمشاعر كلها كرائم تفضل الله بها على الإنسان، وانتزاع النفس كناية عن الموت، إذ لو انتزع غيرها قبل الموت أصبح الإنسان ناقصاً، كانْ يُعمى أو يُصم أو يُجن أو ما أشبه .
وَأَوْلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ، أَوْ أَنْ تُفْتَتَنَ عَنْ دِينكَ ، أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ !
......................................
(وأول وديعة ترتجعها) أي : تأخذها (من ودائع نِعَمكَ عندي) فإنَّ نعم الله سبحانه عند الإنسان وديعة لا بد وأنْ يرتجعها جميعاً .
(اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ) أي نخالف أوامركَ (أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِينكَ) بأن نخرج من الدين بافتتان الناس وإضلالهم (أوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا) أي نسير خلف الهوى مرة فمرة (دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ) بأن نتبع الهوى دون الهدى .
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ الله سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّاً بِوِلايَةِ أَمْرِكُمْ وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ ، لا يَجْرِي لأَحَدٍ إِلا جَرَى عَلَيْهِ ،
.................................
التوضيح :
(أما بعد فقد جعل الله سبحانه لي) أيها المسلمون (عليكم حقّاً بولاية أَمركم)أي بكوني والياً لأموركم (وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ) المماثلة في أصل الحق ، لا في الكيفية.
(فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ) أي في وصف الناس له، فكل إنسان يصف الحق (وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ) أي في إعطاء الإنصاف، فإنَّ الإنسان غير مستعد أن يُنصف الناس من نفسه، وأصل الإنصاف من النصف، كأن كلا الطرفين ينصفان الأمر نصف لهذا ونصف لذاك .
(لا يجري) الحق (لأحدٍ إلّا جرى عليه) بأن كان عليه حق مثل ما له حق ، فمثلاً للرجل الحق على المرأة بحسن التبعل ، كما أن للمرأة الحق على الرجل بالنفقة، وللوالد الحق على الولد بالإطاعة، وللولد الحق على الوالد بالتربية، وهكذا.
وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلّا جَرَى لَهُ . وَلَوْ كَانَ لأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً لله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ ، وَلَكنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ
..............................
(ولا يجري عليه الّا جرى له) هذه القضية عكس القضية السابقة (ولو كان لأحد أن يجرى له) بأن كان له الحق على غيره (ولا يجري عليه) فلا يكون عليه حق من أحد (لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه) إذ له حق على كل أحدٍ ، وليس لأحد حق عليه، والاتيان بـ[لو] مجاز لزيادة التقريب في عدم الانفكاك بين الأصل و العكس.
(لقدرته على عباده) والقادر المطلق، لا حق عليه، إذ هو خالق، والخالق لا يعطيه أحد شيئاً حتى يستحق شيئاً ( ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه) فإذا عَدَلَ سبحانه في كل شيء لم يكن ظالماً ،حتى يأتي يأتي عليه حق المظلوم، إذ مثار الحق أحد شيئين .
الأول : أن يكون شخص متفضلاً على الإنسان، فالمتفضل يكون له الحق على ذلك المُتَفَضل عليه - وليس لأحد فضل على الله-.
الثاني: أن يكون الشخص ظالما لغيره، فيكون للمظلوم حق، والله سبحانه عادل لا يظلم أحداً وصروف القضاء تقلبات الأمور الجارية على الناس، من إِفقار وإِغناء ، وإِبلال وإِمراض، وإِحياء وإِماتة، وما أَشبه .
(ولكنه سبحانه)مع ذلك الذي لاحق عليه سبحانه واقعاً (جعل حقه على العباد أن يطيعوه) بأن جعل حقاً له - جديداً - غير أصل الخلقة والانعام ((وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب) أي الثواب الذي هو ضعف العمل،
تَفَضَّلا مِنْهُ، وتَوَسَّعَاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ .
ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا ، ويُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ. وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ ، وَحَقُ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي ،
...........................
قال تعالى: مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا(1).
( تفضّلا منه وتوسعاً) أي سعة في رحمته (بما هو من المزيد أهله) أي بما هو أهلهُ مزيداً، أي زيادة على أصل الأهلية وهذا لزيادة التجليل له سبحانه.
ثم بيّن(عليه السلام) حق الوالي وحق الرعية الذي ساق الكلام بصدده (ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض) فإنَّ استحقاق بعض الناس على بعض، إنما هو بجعل الله، وإلّا فمن تصرف في ملك الآخر كان الحق للمالك لا للملوك، والناس كلهم ملك لله سبحانه، فإذا تصرف أحدٌ فيهم بما لا يلائمهم، كان اللازم ثبوت حق الله تعالى عليه، لا حق للمتصرف فيه ( فجعلها تتكافأ، في وجوهها) فحق في مقابل حق .
(ويُوجب بعضُها بعضاً) فإذا صار لأحد حق على غيره، كان لذلك الغير حق أيضاً (ولا يستوجب بعضهاً إلّا ببعضٍ) هذه القضية عكس القضية السابقة (وأعظم ما افترض) أي أَوجب (سبحانه من تلك الحقوق حقُّ الوالي على الرعية وحقُّ الرعية على الوالي) وإنما كان ذلك أعظمُ الحقوق، لأن الاجتماع يستقيم بذلك، بينما سائر الحقوق توجب إقامة الأفراد، وما يتوقف عليه
1) سورة الأنعام: 160 .
فَرِيضَةً فَرَضَها الله - سُبْحَانَهُ - لِكُلِّ عَلَى كُلِّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لأُلْفَتِهِمْ ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِصَلاح الْوُلاةِ، وَلا تَصْلُحُ الولاة إِلا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ ، فَإِذا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إلى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ وَاعْتَدَلَت مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلالِهَا
...............................
الاجتماع أَهم مما يتوقف عليه الفرد.
وكل حقّ من هذين الحقين (فريضةٌ فرضها الله سبحانه لكُلِّ على كُلِّ) أي : لكل طرف على كلِّ طرف.
(فجعلها) أي هذه الفريضة (نظاماً لألفتهم) به تنتظم الألفة بين الوالي والرعية (وعزاً لدينهم) إذ بالألفة تعتز الحكومة والأمة، مما يوجب عز الدين ورفعته في نظر الأعداء .
(فليست تصلُحُ الرعيةُ إلّا بصلاح الولاة) فإنَّ الناس على دين ملوكهم (ولا تصلح الولاة إلّا باستقامة الرَّعيَّةِ) إذ لو انحرفت الرعية، اضطرب أمر الوالي، ولم يتمكن من إدارة البلاد كما ينبغي .
(فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه) بالنصرة والمؤازرة (وأدى الوالي إليها ) أي إلى الرعية (حقها) بالرعاية والعناية (عَزَّ الحق) بسبب الاجتماع والألفة والقوة (بينهم وقامت مناهج الدِّين) للتعاون الحاصل بينهما الموجب للرقابة الشديدة على حفظ الدين .
(واعتدلت معالم العدل) جمع [مَعْلَمْ] وهو ما ينصب في الطريق للإرشاد إلى جهته، حتى لا يضل المارة (وجرت على أَذلالِها) جمع [ذِل] بكسر الذال
السُّنَنُ فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأعْدَاءِ. وَإِذا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيهَا ، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الإِدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الأحْكَامُ
..........................
بمعنى محجة الطريق (السُّنَنُ) أي جرت سنن الله وأحكامه، على وجوهها (فصلح بذلك الزمان) إذ ليس المراد من صلاح الزمان وفساده إلّا فساد الناس وصلاحهم.
(وطمع في بقاء الدولة) إذ الدولة إنما تبقى بمعاضدة الأمة لها، أما إذا صار الأمر بالعكس سقطت الدولة بتجمع الأمة ضدها (ويئست مطامع الأعداء) أي أعداء الدين إذ الأعداء إنما يتمكنون من الإخلال إذا تشتت الأمر وتفرقت الكلمة فالوحدة عِزٌّ، والفرقة ذل .
(وَإِذا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَاليَها) بعدم الإطاعة والمخالفة (أو أجحف الوالي برعيَّتهِ) أي ظلم الوالي رعيته وسار بهم في طريق الجور (اختلفت هُنَالِكَ الكلمة) أي تشتَّت كلمة الوالي والرعية وعَبَّر عن التشتت بالكلمة لأنَّه إذا اختلفت الآراء، اختلفت الكلمات، فكلّ يقول غير ما يقوله الآخر .
(وظهرت مَعالمُ الجور) إذ كل من الطرفين يجورُ على الآخر (وَكثُرَ الإدغال في الدين) الإدغال في الأمر إِدخال ما يفسده فيه، إذ كل جانبٍ يَجر الدين إلى جانبه ليقوي جبهته، ومن المعلوم إن ذلك موجب للتأويل والاختلاف ونسبة ما ليس من الدين إلى الدين (وتُرِكَتْ مَحاجُّ السُّننِ) جمع محجة، بمعنى وسط الطريق أي سُنن الإسلام.
(فعُمِلَ بالهوى) عوض الهدى (وعُطِلَّتُ الأحكام) إذ لا يُنفِّذها كل جانب
وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيم حَقٌّ عُطْلَ، وَلا لِعَظيم بَاطِل فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الأَبْرَارُ ، وَتَعِزُّ الأَشْرَارُ ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ الله سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحَ فِي ذلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضًا الله حِرْصُهُ،
عِناداً على الجانب الآخر وكَثُرت علل النفوس أي أمراضها الباطنية من قبيل الحسد والغل والافتراء وما أشبه .
فلا يُستوحش لعظيم حقٌّ عُطِّلَ أي إذا عُطّل الحق لا تأخذ النفوس وحشة و استغراب لتعودها على تعطيل الحقوق وإتيان كل جانب بالأعمال الباطلة تجاه الآخر .
(ولا لعظيم باطل فُعِلْ) لاستيناس كل جانب بالأعمال الباطلة الصادرة من الجانب الآخر .
(فهنالكَ تذِلُّ الأبرارُ) جمع بر، بمعنى : المحسن .
( وتَعزُّ الأَشرارُ) لأنه يروج سوق الدجل والأعمال المنكرة، يستعين بهم كل طرف للتلفيق ضد الآخر، وبمقدار ما يَعزُ هؤلاء يذل الأبرار، لأن تورعهم المانع عن الاتيان بالمنكرات يسقطهم عن الانتفاع في زمان رواج سوقها (وتعظُمُ تبعات الله سبحانه عند العباد) التبعة : ما يتبع الذنب من الإثم والعقاب، والمراد أن الناس يستوجبون العقاب من جانبه سبحانه .
(فعليكم بالتناصح في ذلك) الوقت، بأن ينصح كل جانب الجانب الآخر، لتعود الأُلفة بين الوالي والرعية (وَحُسنِ التَّعاون عليه) بأن يُحسن كُلَّ جانبٍ إعانة الجانب الآخر في الاتحاد والعمل بأمرٍ الله سبحانه (فليس أحدٌ وإن أَشتدَّ على رضا الله حرصه) بأن كان حريصاً على تحصيل مراضي الله
وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ بِبَالِغ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ ، وَلكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ الله عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ ، والتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بِينَهُمْ . وَلَيْسَ امْرُؤٌ وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَلَهُ الله مِنْ حَقِّهِ .
................................
سبحانه بإمتثال جميع أوامره تعالى.
(وطال في العمل اجتهاده) بأن أجهَدَ نفسه ليل نهار للعمل حسب أوامر الله تعالى (ببالغ) متعلق بقوله [ فليس أحدٌ] والجملة بينهما معترضة أي لا يبلغ أي إنسان (حقيقة ما الله سبحانه أهلهُ من الطاعة له) [من] بيان [ما] المصدرية، وإنما لا يبلغ لأن الإنسان لا يتمكن أن يؤدي مقدار حق الله تعالي، إذ هو مِلكٌ له، فكل ما يصدر منه ليس عوضاً من نفسه، حتى يكفي ويقابل ما أعطاه الله تعالى .
( ولكن) إذا لم يقدر الإنسان على أداء جميع حق الله تعالى، يلزم أن لا يترك ما يقدر عليه إذ (من واجب حقوق الله على العباد النصيحة) بأن ينصح كلُّ إنسان من يتمكن من نصيحته (بمبلغ جُهدِهِم) أي منتهى مقدار طاقتهم (والتعاون على إقامة الحق بينهم) كُلُّ يُعين الآخر، حتى يتمكن من أداء
حقوقه تعالى .
(وليس امرُؤٌ وإن عظمت في الحق منزلته) بأن كان ذا رُتبة كبيرة من التقوى والورع (وتقدمت في الدين فضيلته) بأن يكون ذا فضل على أقرانه في الالتزام بالدين وأحكامه (بفوق أن يُعان) أي يعينه الناس (على ما حَمَّلَهُ اللهُ من حقه) إذ حق الله لا يمكن أن يؤديه الإنسان وحده، إذ من حقوقه مالا يؤدى إلّا بالاجتماع والتعاون، وقوله : [بفوق] متعلق بـ[ليس امرو] والجملة بينهما معترضة .
وَلا امْرُؤٌ وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ .
فأجابه(عليه السلام) رجل من أصحابه بكلام طويل، يكثر فيه الثناء عليه، ويذكر سمعه وطاعته له ، فقال (عليه السلام):
إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلالُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ ، أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ - لِعِظَمِ ذلِكَ - كُلُّ مَا سِوَاهُ ،
........................................
(ولا امرؤٌ وإن صغَّرتهُ النفوس) بأن نظر الناس إليه نظر تصغير وتحقير (واقتحمته العيون) أي احتقرته، والنسبة إلى العين لأنها آلة إدراك موجبةٌ للاحتقار (بدون أن يعين على ذلك) الحق لله الواجب على غيره (أو يُعانَ عليه) أي على الحق الواجب على نفسه، فكل إنسان - كبيراً كان أو صغيراً - يلزم أن يُعين غيره ويُعانُ من ناحية غيره، إذ الحقوق الاجتماعية لا تتأتى إلّا بالتعاون، وقوله [بدون] متعلق بـ[لا امرؤٌ] والجملة بينهما اعتراض (فأجابه(عليه السلام) رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له ، فقال(عليه السلام)) رداً له على إطرائه ما يؤنبه فى ذلك تعليماً للناس أنه لاينبغي إطراء الولاة، إذ أن ذلك يوجب كبرهم وزعمهم التفوق، ولذلك يكثر المتزلُفون حولهم مما يفسدهم، ويحول بينهم وبين قضائهم لحوائج الناس أو قبول النقد لهم .
(إن من حق من عظم جلال الله في نفسه) بأن علم أن الله أجلُ وأرفع من كل شيء (وجل) أي ارتفع (موضعهُ) سبحانه (من قلبه) بأن رآه أجلَّ من كل شيء (أن يصغر عنده - لعظم ذلك - كل ما سواه) [ذلك] أي ذلك الجلال و[كل] فاعل [يصغر] ووجه ذلك أنَّ الإنسان إنما يُعظَّمُ شيئا إذا لم يدرك
وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ كَانَ كَذلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ الله عَلَيْهِ ، وَلَطُفَ إحْسَانُهُ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ الله عَلَى أَحَدٍ إِلَّا ازْدَادَ حَقٌّ الله عَلَيْهِ عِظَماً . وَإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاتِ الْوُلاةِ عِنْدَ صَالِحٍ النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، ويُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ،
..............................
أعظمَ منه، وإلاّ صَغُرَ ذلك العظيم عند الأعظم، فإذا أدرك الإنسان عظمته سبحانه لم ير لما سواه قيمة وعظمة، إذ كلُّ عظيم لا شيء عند عظمة الله سبحانه، فإنَّ النسبة أبعد مما بين القطرة والبحر، أو الذرة والفضاء - إذا أردنا أن نُقرِّب ذلك إلى الذهن بالتمثيل بالمحسوسات.
(وإن أحق من كان كذلك) أي أحق المعظمين لله بتصغير ما سواه (لمن عظمت نعمة الله عليه) لأنه كلما عظمت نعمة الله على أحد، عرف عظمة الله أكثر ، وكلما كان معرفة الإنسان بعظمة الله أكثر ازداد تصغيره لمن سواه سبحانه .
( ولطف إحسانه إليه) أي دق فإنَّ الإحسان قد يشمل الأشياء الكبيرة، وقد يشمل حتى الأشياء الدقيقة.
(فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ الله عَلَى أَحَدٍ إِلا ازْدَادَ حَقُّ الله عَلَيْهِ عِظَما) إذ الحق بمقدار النعمة، وكلما زاد الحقّ زادت المعرفة - لمن تفكر - وكلما زادت المعرفة زاد التصغير لما سواه سبحانه (وإن من اسخف حلالاتِ الولاة) السخف رقة العقل وضعفه (عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر) أي أن حال الوالي سخيف، إذا ظن الصالحون به أنه يحب الفخر، إذ أن ظنهم، كاشف عن أنه يُظَنُ به مثل هذا الظن، بينما اللازم على الوالي أن یسیر سيرةً تنفي عنه مثل هذا الظن.
( ويوضع أمرهم على الكبر) أي من سخف الولاة أن يظن الصالحون بهم
وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنْكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإِطْرَاءَ، وَاسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ ، وَلَسْتُ - بِحَمْدِ اللهِ كَذلِكَ . وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذلِكَ، لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لله سُبْحَانَهُ ، عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ. وَرُبَّمَا اسْتَخلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلاءِ، فَلا تُثْنُوا عَلَى بِجَمِيل ثَنَاءِ لإخْرَاجِي نَفْسِي إلى الله سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِیَّةِ
................................
أنهم يبنون أمورهم على أساس الكبر، فحيثما كان رفعة لهم تبعوه .
(وقد كرهت أن يكون جَالَ في ظنِّكم) أي جاء وتحرك في أذهانكم (إني أحبُّ الإطراء) أي الثناء والمدح (واستماع الثناء) أي أَستمع منكم ثنائكم عليَّ .
(ولستُ -بحمد الله كذلك) أُحب الثناء والملك، وإنما قال الإمام هذه الجمل، دفعاً لقول ذلك الشخص الذي مَدحهُ، بعدما بيَّن الإمام حق الوالي وحق الرعية، مما يستشم منه أنه(عليه السلام) يريد إطراء نفسه بأنه قام بالواجب عليه تجاه الرعية .
( وَلَوْ كُنتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذلِكَ) الإطراء فيَّ - محبة نفسية - (لتركته) أي أخليتُ قلبي عن ذلك الحب (انحطاطا لله سبحانه) أي تواضعاً له (عن تناول) أي إرادة ( ما هو) سبحانه (أحقُّ به) وبين [ما] بقوله (من العظمة والكبرياء) فإنَّ الله سبحانه أحق بأن يعظم ويكبر من كل أحد، إذ فيه حقيقة ، وفي غيره مجاز .
(وَرُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّناءَ بَعْدَ الْبَلاءِ) أي يسرُّ بعض الناس الثناء بعد إجهاد النفس والعمل الصالح، لكني لست كذلك .
(فلا تُثنُوا عليَّ بجميل ثناء) أي بالثناء الجميل (لإخراجي نفسي إلى الله و إليكم من التَّقيَّة) [لإخراجي] متعلق بـ[ لا تُثنُوا] أي لا يكن ثنائكم لي،
فِي حُقُوقِ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ، وَلا تَظُنُّوا بِي اسْتِتَقَالاً فِي حَقٌّ قِيلَ لِي، وَلا الْتِمَاسَ إِعْظَامِ لِنَفْسِي ، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أو الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ،
.................................
لأني خرجت من حقوقكم، وخرجت من حقوق الله سبحانه، أي أديت الحقوق المفروضة عليَّ ، تجاه الله وتجاهكم بدون تقية أو خوف (في حقوق لم أفرغ من أدائها) [في] متعلق بـ[إخراجي] أي لأني أخرجت نفسي من الحقوق التي لم أُتم بعد جميعها، فإنَّ الإنسان مادام في الدنيا لم يرد جميع الحقوق الواجبة عليه، إذ الحقوق طيلة الحياة .
(و) في (فرائض) عليَّ بعد (لا بد من إمضائها) أي إنجازها (فلا تكلِّموني بما تكلم به الجبابرة) جمع جبار وهو الظالم، فإنَّ الظالم إنما يُمدحُ بما لا يستحق خوفاً منه.
(وَلا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ) أي الذين تبدر منهم بوادر السوء فإنَّ الناس يتحفظون على أنفسهم من الجبابرة بمدحهم ، والموافقة على آرائهم حقاً كانت أم باطلاً.
(ولا تخالطوني) أي تعاشروني (بالمُصانعةِ) أي المداراة والمجاملة بدون أن تفهموا أوامرى وزواجري خوفاً وتملقاً (وَلا تَظُنُّوا بِى اسْتِثْقَالا فِي حَقِّ قِيلَ لي ،) فإنَّه مهما قيل لي الحق نفذته بكل ترحاب (ولا) تظنوا بي (التماس إعظام لنفسي) أي أني أريد أن أُعظِّم نفسي.
(فَإِنَّهُ مَن اسْتَثْقَلَ الْحَقِّ أَنْ يُقَالَ لَهُ) أي يقال له إن هذا حق (أو) استثقل (العدل أن يُعرضَ عليه) فإذا عُرِضَ عليه شيء فيه العدالة استثقله وأباه
كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ . فَلا تَكُفُوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيءَ، وَلَا آمَنْ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلّا أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنّي فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لا رَبَّ غَيْرُهُ ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لا تَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا ،
.........................................
(كان العمل بهما أَثقل عليه) فإنَّ من لا يستعد أن يسمع الحق والعدل، كيف يستعد أن يعمل بهما ؟
(فلا تكفوا) أي لا تتركوا (عن مقالة بحقِّ) إذا رأيتم الحق في شيء فاعرضوه عليَّ وقولوا لي ذلك (أو مشورة بعدل) بأن تستشيروني فيما رأيتم فيه العدل لأعمل به .
(فإنِّي لست في نفسي) أي مع الغض عن الروح القدسية -وأنا بصفتي إنساناً كسائر أفراد الإنسان-. (بفوق أن أخطئَ ولا أمن ذلك) الخطأ (من فعلي) ثم استثنى من ذلك بما هو الواقع، في المعصومين(عليهم السلام) بقوله(فَإِنَّهُ مَن اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ) أي يكفيني الخطأ فإنَّه سبحانه أكثر ملكا للخطأ من الإمام، إذ كل شيء يقع إنما هو بقدرته وإرادته حتى أنه سبحانه لو شاء أن لا يقع لم يقع، وهذا كقول يوسف(عليه السلام) : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ(1).
(فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لا رَبِّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لا نَمْلِك مِنْ أَنْفُسِنَا) فإنَّ كل شيء صادر من النفس فإنَّما هو بإرادته سبحانه أما في الخير فظاهر، وأما في الشر فلأنه سبحانه يملك أن يحول بين العبد وبين ما
1) سورة يوسف : 33
وَأَخْرَجَنَا مَّما كُنَّا فِيهِ إلى مَا صَلَحنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلالَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى .
...............................
يريد فعله من الشر.
(وأخرجنا مما كُنَّا فيه) أي من الجاهلية التي عمَّت الآفاق قبل الإسلام، وهذا باعتبار الاجتماع لا باعتبار الإمام نفسه (إلى ما صلحنا عليه) من نور الإسلام (فأبدلنا بعد الضلالة) التي عمَّت الدنيا (بالهدى) الذي جاء به رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (وأعطانا البصيرة) في أمر الدين والدنيا (بعد العمى) أي الجهالة، فإنَّ الجاهل كالأعمى، في كون كل منهما لا يهتدي إلى سبيل، ولا يعرف الطريق المنجي من الطريق المردي .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَأَكْفَأُوا إِنَائِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقًّا كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي، وَقَالُوا: أَلا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ ،
........................................
التوضيح:
(اللهمَّ إني أستعديك) أي أستغيثك وأستعينك ، والاسم العدوى (على قُريشٍ) قبيلة الإمام(عليه السلام)(فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي) فإنَّ سلب الإنسان حقه أعظمُ قطع للرحم (وأكفأوا انائي) كناية عن غصب الحق، إذ كما إذا كُفِئ الإناء يُفرغْ ما فيه، كذلك إذا غُصِبَ الحق يُذهِب عن الإنسان حقه الذي هو له (وأجمعوا على منازعتي حقاً) هو الخلافة (كنت أولى به من غيري) إذ عينه الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)بأمر الله سبحانه خليفة من بعده، ثم نازعه الخلفاء الثلاثة مقامه، وهم من قريش (وقالوا : أَلا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ) أي ذلك الحق فأنت له أهل وكفؤ .
(وفي الحقِّ أن تمنعه) لينتقل إلى غيره وكأنه(عليه السلام) يريد ببيان هذا الكلام إظهار المناقضة التي وقعوا فيها ، إذ لو كان حقاً له(عليه السلام) كيف يكون من الحق أن يمنعه، وإن لم يكن حقاً له كيف يكون من الحق أن يأخذه . . ؟ ثم قالوا
فَاصْبِرْ مَغْمُوماً ، أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً . فَنَظَرْتُ فَإِذا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَلا ذَابٌّ وَلا مُسَاعِدٌ، إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي، فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى، وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا وَصَبَرْتُ مِنْ كَظمٍ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمٍ، وَآلَمَ لِلْقَلبِ مِنْ خزِّ الشِّفَارِ .
.........................
(فاصبر) يا عليُّ (مغموماً) في غم وغصة (أو مُت متأسفاً) وهذا كناية عن عدم الفائدة وعدم إرجاعهم الحق له كقوله سبحانه فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا (1). (فنظرت) أي تفكرت كيف أصنع (فإذا ليس لي رافدٌ) أي معين (ولا ذابّ) أي دافع يدافع عني (ولا مُساعدٌ) يساعدني في إرجاع حقي (إلا أهل بيتي فضننت بهم) الضن، البخل أي بخلت بهم (عن المنية) فإنَّ لازم المحاربة قتل جماعة من أهل البيت(عليهم السلام) (فأغضيت) أي غمضت عيني - عن الخلافة - (على القذى) هو ما يقع في العين مما يؤذيها، وهذا كناية عن شدة تأذية(عليه السلام) على انسلاب حقه (وجرعت) أي ابتلعت (ريقي) الريق ماء الفم (على الشجا) هو عظم يعترض في الحلق فيشتد الوجع به، وآلم ما يكون إذا أراد الإنسان بلع شيء، وهذا كناية ثانية عن الصبر بكل أذية وصعوبة .
( وصبرت من كظم الغيظ) أي إخماده وعدم إظهاره (على أمرَّ من العلقم) هو مادة مرةٌّ جداً ( وآلم) أي أكثر ألما (للقلب من خزِّ الشفار) جمع شفرة بمعنى حد السيف ونحوه، وهذا من باب تشبيه ما يقع على النفس من المرارة والآلم بما يقع على الجسم و الحاسة .
1) سورة الطور: 16.
قال الشريف رضي الله عنه : وقد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة ، إلا أني ذكرته هاهنا لا ختلاف الروايتين .
..........................
(قال الشريف رضي الله عنه : وقد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة) هی الشِقشِقية (إلا أني ذكرته هاهنا لا ختلاف الروايتين) .
في ذكر من سار إلى البصرة، لحربه من أهل الجمل
فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي وَخُزَّانِ بَيْتِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرٍ ، كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَعَلَى بَيْعَتِي، فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ، وَأَفْسَدَوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ، وَوَثَبُوا عَلَى شِيعَتِي، فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ غَدْراً، وَطَائِفَةٌ عَضُّوا عَلَى أَسْيَافِهِمْ ،
.................................
التوضيح :
(فقدموا) أي طلحة والزبير وعائشة ومن إليهم (على عُمَّالي) جمع عامل، وهو المنصوب من قبل الخليقة لإدارة الأمور (وخُزان بيت المسلمين) جمع خازن وهو الحافظ (الذي في يَدي) إذ الإمام لما انتقلت إليه الخلافة الظاهرية صار جميع بيوت الأموال في البلاد تحت سلطة الإمام، كأنها في يده (و) قَدِموا (على أهل مصر كلهم في طاعتي وعلى بيعتي) المراد بالمصر [البصرة] (فشتتوا كلمتهم) بجعلهم فرقتين فرقة معي، وفرقة مع العصاة (وأفسدوا عليٍّ جماعتهم) إذ بدَّلوا الجماعة بالفرقة .
(ووثبوا) أصل الوثوب : القفز، ويستعمل بمعنى استغلال الفرصة بغتةً (على شيعتي، فقتلوا طائفة منهم غدراً) وخيانة إذ لم يكونوا محاربين لهم، وإنما كانوا آمنين تحت لواء الإسلام وسلطة الخلافة الشرعية (وطائفة عضوا على أسيافهم) العض على السيف كناية عن ملازمة العمل به، بكل إصرار،
فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا الله صَادِقِينَ.
.......................
كما يأخذ العاض بأسنانه الشيء بكل شدة (فضار بوا بها) أسيافهم، وحاربوا أولئك العصاة ( حتى لقوا الله) أي لقوا ثواب الله سبحانه (صادقين) في إسلامهم إذ من شرائط الإسلام محاربة الذين يحاربون المسلمين لحب نشر السلطة عليهم .
لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمّد بهذَا الْمَكَان غَرِيباً! أَمَا وَالله لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْسٌ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الْكَوَاكِبِ أَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَفْلَتَتْنِي أَعْيَانُ بَنِي جُمَحٍ،
....................................
وكان عبد الرحمن من أعيان بني أمية وكبرائهم والأشداء ضد الإمام (عليه السلام).
لقد أصبح أبو (محمد) كنية طلحة بهذا المكان غريباً) إذ ليس ببلده (أما والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى جمع قتيل تحت بطون الكواكب أي منتشرين في الآفاق كل واحد منهم تحت كوكب من كواكب السماء أدركت وتري أي ثاري (من بني عبد مناف) فإنَّ طلحة كان منهم وكان قاتله [ مروان] قتله انتقاما لتاليبه الناس على عثمان، فقد وتروا الإمام بتأليب الناس ضده وعصيانه وتشقيق شيعته وقتل جماعة منهم، والوتر في الدين من أفضل الفضائل، ولذا قال الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عند فتح مكة حيث عدوا أحلاف قريش على حلف الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) [خزاعته ] [ لا نُصرت إن لم أنصر خزاعة ] .
(وأفلتتني أعيان بني جمح) أي شردوا مني ولم اتمكن منهم، والمراد
لَقَدْ أَتْلَمُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أَمْرِ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَهُ فَوْقِصُوا دُونَهُ .
.................................
بأعيانهم كبرائهم الذين كانوا في ركب الجمل (لقد أتلعوا) أي رفعوا، والمراد بهم من كانوا في ركب الجمل (أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله ) فإنَّهم لم يكونوا أهل الخلافة، وإنما أرادوا الاستيلاء عليها بالقوة وسفك الدماء (فوقصوا) أي كُسِرت أعناقهم (دونه) أي قبل الوصول إلى ذلك الأمر، ومن غريب الأمر أن هؤلاء هم الذين أفسدوا دنياهم وآخرتهم بهذا العصيان ضد الخليفة الشرعي، ومعاوية هو الذي حصد نتاج أتعابهم .
قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ ، وَأَمَاتَ نَفْسَهُ ، حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ وَلَطُفَ غَلِيظُهُ، وَبَرَقَ لَهُ لاَمِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ ، فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ، وَسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ
...................................
التوضيح:
(قد أحيا)صاحب التقوى(عقله) وإحياء العقل إنما هو بالعلم والتفكر، والعمل مما يوجب جلاء العقل الذي هو بمنزلة حياته(وأمات نفسه) بعدم الانسياق وراء شهواتها (حتى دق جليله) أي خفي الأمر الذي كان كبيراً في نفسه من حب الشهوات واتباع الأهواء (ولطف غليظه) فإنَّ النفس خشنة بالرذائل جموحة، وإذا اتقى الإنسان، لطفت النفس حتى تمحى خشونتها وتكون لينة حكيمة .
(وبرق) أي ظهر (له لا مع كثير البرق) فإنَّه سبحانه يهدى سبيله لمن جاهد من أجله، كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(1)وهذا من باب تشبيه المعقول بالمحسوس كما ورد: [ليس العلم بكثرة التعلم، بل نور يقذفه الله في قلب من يشاء] (فأبان) أي أظهر ذلك البرق (له الطريق) للسعادة (وسلك به السبيل) أي سار به في طريق الحق .
1) سورة العنكبوت: 69 .
وَتَدَافَعَتْهُ الأبْوَابُ إِلى بَابِ السَّلامَةِ ، وَدَارِ الإِقَامَةِ، وَثَبَتَتْ رِجَلاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الأَمْنِ وَالرَّاحَةِ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ ، وَأَرْضَى رَبَّهُ .
.............................
(وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة) فإنَّ الإنسان الطالب للحق يطرق كل باب، فإذا لم يجد مطلوبه في ذلك الباب طرق باباً آخر، وهكذا حتى يأتى إلى باب السلامة لدنياه وآخرته وهو باب الحق مثلاً من يريد الفحص عن المبدأ إذا كان صادقاً بدون تعصب يطرق باب الإلحاد فلا يجد مطلوبه، ثم باب الوثنية وهكذا، حتى يصل إلى باب التوحيد، وهذا في كل شيء من الأصول والفروع .
(ودار الإقامة) أي المحل الذي يقم عليه من الاعتقادات والأعمال والأخلاق (وَثَبَتَتْ رجلاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ) أي بسبب أن بدنه مطمئن غير شاك ولا متزلزل ( في قرار الأمن والراحة) فإنَّ الإنسان إذا كان خائفاً شاكا لم يطمئن بدنه، ومن عدم اطمينانه لا تستقر رجلاه في قرار يوجب أمن قلبه وراحةُ نفسه، وإنما يكون كذلك ( بـ) سبب (ما استعمل عقله) حتى يدرك الواقع (وأرضى ربه) في العمل بما أحب .
قاله بعد تلاوته: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (1)
يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ !
.................................
التوضيح:
(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) ألهاكم أي صرفكم عن ذكر الله سبحانه المكاثرة وإرادة كل واحد منكم أن يكثر ماله وثروته على أقرانه، واستمر ذلك الإلهاء بكم حتى الموت وزيارتكم المقابر محمولين على الأعواد، هذا هو المعنى الظاهر من الآية، حسب المتفاهم عرفاً، لكن الظاهر من كلام الإمام(عليه السلام) أنه فسّر [التكاثر] بالافتخار بكثرة الآباء والأجداد كما هو العادة عند الناس حيث يفتخرون بآبائهم وأجدادهم مع أنهم تراب في القبور ، قد فنوا وذهبوا .
( يالَهُ مَراماً ما أبعده) [يا] حرف نداء و [اللام] للتعجب، والمنادى محذوف أي ياقوم والضمير في [له] راجع إلى [المرام] وهو منصوب على التمييز، أي ياللتكاثر مقصداً بعيداً لا يُدركه الإنسان، فإنَّ الإنسان لا يصل إلى ما يريد قصده من التكاثر في الأموال والأولاد، فإنَّ النفس غير القانعة لا تصل إلى مشتهاها من كثرة الأموال والأولاد.
(وزوراً) أي زائرون للمقابر، (ما أغفله) أي أكثر غفلتهم، حيث إنهم
1) سورة التكاثر : 1 و 2
وَخَطَراً مَا أَفْظَعَهُ! لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيْ مُدَّكِرٍ، وَتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ! أَفَبِمَصَارِعَ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ! أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ!
يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَادَا خَوَتْ،
..........................
غافلون عن هذا المصير، أي الهلاك، ولذا يكثرون من الأموال والاتيان بضمير المفرد في [ما أغفله] والحال أن [زوراً] جمع باعتبار كل واحد واحد، نحو قوله سبحانه: وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (1)(وخطراً) ذلك التكاثر وتلك الزيارة للمقابر (ما أفظعه) إذ يوجب ذلك ذهاب سعادة الإنسان .
(لقد استخلوا منهم) أي وجود الأحياء خالياً من الأموات (أيَّ مُدَّكِرٍ) أي تذكر واعتبار، فلم يعتبروا بهم، إذ لو وجد الأحياء تذكراً واعتبارا من الأموات لتذكروا ، فإنَّ الإنسان إذا وجد تذكرة من أحد تذكر، فإذا لم يتذكر كان معناه أنه لم يجد تذكراً واعتباراً، والمذكر مصدر ميمي أصله [إذ دكر ] من الذكر قلبت الذال دالا لقاعدة باب الافتعال .
(وتناوشوهم من كان بعيداً) أي تناولوا آباءهم الأموات بالمفاخرة بهم، والحال أنهم بعيدون عنهم، فهم في عالم الآخرة والمكاثرون في عالم الدنيا (أفَبمصارعِ آبائهم يفخرون) ؟ الاستفهام للإنكار، أي كيف يَفخرُ هؤلاء الأحياء المكاثرون بالآباء الذين صرعوا وماتوا (أم بعديد الهلكي) أي بتعداد الهالكين، فإن هلكي جمع هالك ( يتكاثرون) يتفاخر بعضهم على بعض، فيقول هذا لي عشرة من الآباء العظام، ويقول ذاك لي عشرون، وهكذا. (يرتجعون) أي يرجع هؤلاء الأحياء بسبب المفاخرة (منهم) أي من أمواتهم (أجساداً خوت) أي سقط بناؤها، وخلت من الأرواح، فكأن المفاخر
1) سورة التحريم: 4 .
وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ. وَلَأَنْ يَكُونَوا عِبَراً ، أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً، وَلَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ! لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهُمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ، وَلَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ ،
.............................
بآبائه يريد أن يرجعهم إلى الدنيا بعد أن هلكوا وصاروا في القبور رميماً (وحركات سكنت) حيث يقول فعلوا كذا وكذا من البطولات والمفاخر (ولأن يكونوا) أي الآباء الميتون ( عِبَراً) أي سبباً لاعتبار الأحياء (أحقُّ من أن يكونوا مُفتخراً) يفتخر الأحياء بهم، إذ الإنسان يلزم أن يعتبر بالميت لا أن يفتخر به .
(ولأن يهبطوا) أى ينزل الآباء (بهم) أي بهؤلاء الأحياء المفتخرين (جناب ذلّةٍ) أي على عتبة الإذلال، بأن يكون موتهم سبباً لذلة هؤلاء الأحياء حيث إن الإنسان عند بواعث الضعف والهلاك يذل لا أن يَطغى (احجي) أي أولى (من أن يقوموا) أولئك الأموات (بهم) أي بهذه الأحياء (مقام عِزَةٍ) فيعتزوا بهم ، ويكون أولئك سبباً لطغيانهم حيث يفتخرون بهم.
(لقد نظروا) أي الأحياء (إليهم) أي إلى أولئك الآباء الأموات (بأبصار العشوة) أي ضعيفة البصر، إذ لو كانت أبصارهم تنظر البعيد، وتدرك أعماق الأشياء، لرأوا منهم الموجب للإعتبار لا للفخر والتكاثر (وضربوا) هؤلاء الأحياء (منهم) أي من الأموات (في غمرة جهالة) أي الجهالة التي تغمرهم وتشملهم، كأن هؤلاء الأحياء بسبب مفاخرتهم بالأموات أدخلوا أنفسهم في جهالة كبيرة، يُقال ضرب بالماء إذا غاص فيه ومعنى [منهم]من جهتهم وبسببهم .
( ولو استنطقوا عنهم) أي طلب الأحياء من قبل الأموات النطق (عرصات تلك الدِّيار الخاوية) جمع عرصة، بمعنى الساحة والديار الخاوية: أي
وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ، لَقَالَتْ، ذَهَبُوا فِي الأَرْضِ ضُلالاً وَذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالاً، تَطَلُّونَ فِي هَامِهِمْ، وَتَسْتَثْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا، وَتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا، وَإِنَّمَا الأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ بَوَاكٍ وَنَوائِحُ عَلَيْكُمْ .
....................................
المتهدمة أى لو سأل الأحياء عرصات المقابر، كيف صارت آباؤنا (والربوع الخالية) الربوع : المساكن، والخالية التي خلت من الأنس والإنسان .
(القالت) تلك الديار والربوع في جواب السؤال (ذهبوا في الأرض ضلالاً)جمع ضال، أي أن آباءكم قد ضلوا تحت التراب، فلا يعرفون إذ صاروا تراباً واختلطت أجزاءُ بعضهم ببعض (وذهبتم) أنتم أيها الأبناء (في أعقابهم) أي بعدهم (جُهَّالاً) جمع جاهل، إذ لم تتذكروا بهم (تطأون في هامهم) أي تمشون على رؤوسهم، فإنَّ الهام أعلى الراس، ومن المعلوم أن الأحياء يمشون فوق الأموات إذ أنهم أخفض منهم في القبور.
(وتستثبتون) أي تطلبون تثبيت ما تثبتون من الجدران والأعمدة (في أجسادهم) إذ تراب أجساد أولئك الأموات اختلطت بالجص والآجر والأرض فيكون البناء ومحله في أجساد أولئك الأموات لدى الواقع والحقيقة (وترتعون) أي تأكلون وتتلذذون(فيما لفظوا) أي ترك أولئك الأموات من الأموال والإرث.
(وتسكنون فيما خربوا) أي في بيوتهم التي خرَّبوها، خراباً معنوياً بانتقالهم عنها (وإنما الأيام بينكم وبينهم بواكٍ) جمع باكية (ونوائح) جمع نائحة (عليكم) أي أن الأيام تتحسر عليكم كيف غفلتم ونسيتم، وهذا مجاز عن أنهم يذهبون الأيام الباقية من عمرهم هدراً بدون تدبرٍ وتفكرٍ .
أُولئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ ، وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ ، الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ، وَحَلَبَاتُ الْفَخْرِ، مُلُوكاً وَسُوَقاً، سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلاً، سُلِّطَتِ الأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ، وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لا يَنْمُونَ،
...............................
(أولئكم) الأموات و [كم] للخطاب (سلف غايتكم) الغاية : الموت أي أنهم أسلافكم الذاهبون إلى الغاية التي أنتم تذهبون إليها .
(وفرَّاط مناهلكم) فرَّاط جمع فارط، وهو المتقدم من القوم إلى الماء والكلأ ليهيء لهم مكاناً حسناً، والمناهل جمع منهل، محل ورود الإنسان على الماء، يعني أنهم الذاهبون قبلكم إلى موارد الماء والمراد بها مناهل الموت (الذين كانت لهم مقاوم العز) مقاوم جمع مقام، أي مقامات يظهر فيها عزهم (وحلبات الفخر ملوكا)جمع حلبة، وهي الدفعة من الخيل في الرهان، والمراد محلات يفتخرون فيها (وسُوقاً) أي كانت لهم الأسواق الرائجة، والمراد نفوذ كلمتهم ورواج أمرهم أو هو جمع سوقة، بمعنى الرعية.
(سلكوا في بطون البرزخ) البرزخ : العالم المتوسط بين الدنيا والآخرة، ومعنى بطونه أواسطه وبحبوحاته (سبيلاً سُلِّطت الأرض عليهم فيه) أي في البرزخ والمراد بتسليط الأرض تمكنها من تحويلهم إلى التراب (فأكلت) الأرض (من لحومهم) إذ بدلتها تراباً (وشربت من دمائهم) إذ سالت عليها ونفذت فيها .
(فأصبحوا في فجوات قبورهم جماداً) أي كالجماد الذي لا ينمو، وفجوات: جمع فجوة، بمعنى الفُرجة، والمراد شق القبر (لا ينمون) أي ليس لهم نمو كما تنمو الأحياء.
وَضِمَاراً لا يُوجَدُونَ ، لا يُفْزِعُهُمْ وَرُودُ الأهْوَالِ، وَلا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الأَحْوَالِ، وَلا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ، وَلا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ. غُيِّباً لا يُنْتَظَرُونَ، وَشُهُوداً لا يَحْضُرُونَ ، وَإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا، وَآلافاً فَافْتَرَقُوا، وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ، وَلا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ، عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ ،
..................................
(وضماراً)أي غائبين خلاف العيان(لايوجدون) أي لا يجدهم الإنسان لإختفائهم في القبور(لا يفزعهم) أي لا يوجب خوفهم وفزعهم(ورود الأهوال) في عالم الأرض، لأنهم بمعزل عن الأرض وأهوالها ومخاوفها .
( ولا يحزنهم تنكُر الأحوال) أي تبدل الحالات الحسنة إلى حالات سيئة لأهل الأرض (ولا يحفلون بالرَّواجف) أي لا يبالون بالاضطرابات التي تحصل للأحياء، ورواجف جمع راجفة، بمعنى: الاضطراب والزلزلة (ولا يأذنون) أي لا يستمعون .
(للقواصف) من قصف الرعد إذا اشتد صوته .
(غيَّبا ) جمع غائب (لا ينتظرون) أي لا ينتظر أحد رجوعهم (وشهوداً)جمع شاهد أي حاضرون في البلاد غير مسافرين - إذ المقبرة من البلد - (لا يحضرون) في المجالس والنوادي .
(وإنَّما كانوا جميعاً) مجتمعين بعضهم مع بعض ومع أهاليهم (فتشتتوا) أي تفرقوا (وآلافا) جمع أليف، أي مؤتلفين مع غيرهم (فافترقوا) فلا أُلفة بينهم وبين الأحياء .
(وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم عميت أخبارهم) أي أن جهل الناس بأخبارهم وما مر عليهم بعد الموت، ليس لأجل أنهم منذ زمان بعيد افترقوا عن الناس - إذ الميت القريب العهد أيضا لا يعرف خبره - وليس لأن محلهم بعيد
وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ ، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً ، وَبِالسَّمْعِ صَمَماً وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُونَا ، فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصَّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ. جيرَانٌ لا يَتَأَنَّسُونَ. وَأَحِبَّاءُ لا يَتَزَاوَرُونَ، بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَى التَّعَارُفِ ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الإخَاءِ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جَميعٌ ، وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلَّاءُ ،
.....................................
مكانا عن محل الأحياء ولذا لا يعرف خبرهم (وصمت ديارهم) صم، أي: خرس بعلاقة الحال والمحل، فإذا خرس الحال ينسب الخرس إلى المحل. (ولكنهم سُقُوا كأساً) هي كأس الموت ( بدلتهم) تلك الكأس - وهي مؤنثة سماعاً - (بالنطق خرسا) فصمتوا ولا يتمكنون من حكاية أحوالهم (وبالسمع) أي استماعهم للأقوال (صمما) فلا يسمعون الكلام بالآذان الجسدية (وبالحركات سكوناً) فلا يتمكنون من الحركة (فكأنهم في ارتجال الصفة) أي إذا وصفهم واصف مرتجلا بلا تأمل في حين ما يشاهدهم ملقين على الأرض (صرعى سبات) أي صرعوا وألقوا على الأرض من النوم.
(جيران) بعضهم لبعض (لا يتأنَّسون) أي لا يأنس أحدهم بالآخر والمراد بهذه الصفة وما أشبهها حسب أبدانهم و حالتهم الدنيوية لا حالة أرواحهم. (وأحبَّاءُ) لأنهم كانوا في حال الحياة أحباء (لا يتزاورون)لا يزور بعضهم بعضاً (بليت بينهم) أي خلقت وذهبت بين الأموات (عُرى التعارف) جمع عروة، أي لا يتعارف أحدهم مع الآخر (وانقطعت منهم أسباب الإخاء) فلا أُخوة بينهم (فكلهم وحيد وهم جميع) أي أن كل واحد منهم منفرد، لا يرتبط بالآخر والحال أنهم مجتمعون في قبور متقاربة.
( وبجانب الهجر) أي كل واحد منهم يهجر صاحبه (وهم أخلاء) جمع
لا يَتَعَارَفُونَ لِليْلٍ صَبَاحاً وَلا لِنَهَارٍ مَسَاءً ، أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً ، شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مَمَّا خَافُوا، وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مَمَّا قَدَّرُوا، فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إلى مَبَاءَةٍ، فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ .
..............
خليل بمعنى الصديق - إذ كانت بينهم مودة في الدنيا - (لا يتعارفون لليل صباحاً ولا لنهار مساءً) أى لا يميزون أحدهما من الآخر .
(أي الجديدين) أي الليل والنهار، ويقال لهما جديدان لتجدد كل واحد منهما ( ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا) الظعن: السفر ، أي إن ماتوا نهاراً لم يأتهم ليل بعد، وإن ماتوا ليلا لم يأتهم نهار بعد فكأنه صار أبدياً لهم .
(شاهدوا من أخطار دارهم) الجديدة، أي عالم القبر والآخرة (أفظع مما خافوا) فإنَّ المخاوف هناك أكثر مما عرفها الإنسان، أو يمكن أن يصفها (ورأوا من آياتها) أي علاماتها والأشياء المهمة من تلك الدار (أعظم مما قدروا) فإنَّ الإنسان مهما قَدَّرَ أحوال الآخرة، إذا وصل إليها رآها أعظم مما قدَّر، لأن ذلك عالم وسيع، نسبته إلى الدنيا كنسبة الدنيا إلى الرحم.
(فكلتا الغايتين) أي الجنة والنار (مَدَّتْ لهم إلى مباءة) المباءة: مكان التبؤ والاستقرار، أي أن الإنسان يمد في عمره إلى تلك الغاية، فإسناد الامتداد إلى الغاية مجاز، وإنما الإسناد حقيقة إلى مُدة بقاء الإنسان في الدنيا المنتهية بتلك المدة إلى الغاية - وجاز الإسناد المجازي للملازمة بين المدة وبين الغاية، وإذا أريدت الحقيقة قيل فكلتا المدتين مدت لهم إلى مباءة .
(فأتت) تلك المباءة (مبالغ الخوف والرجاء) فإنَّ الجنة فوق رجاء الإنسان، والنار فوق خوف الإنسان، فالمباءة التي هي محل الاستقرار أعظم
فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَیُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا، وَلَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ الْنُّطْقِ، فَقَالُوا: كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ ، وَخَوَتِ الأجْسَامُ النَّوَاعِمُ ،
.................................
مما نتصوره نحن في الدنيا، فإنَّ مبلغ خوفنا هنا لا يصل إلى واقع النار العظيمة الخارجة عن التصور، فإذا رأيناها وجدناها أكثر خوفاً مما كُنَّا نخاف منها، وهكذا الجنة بالنسبة إلى الرجاء .
(فلو كانوا) هؤلاء الأموات (ينطقون بها) أي بتلك المباءة - بأن أذنوا في أن يصفوا لنا مِقدار الخوف من النار والرجاء للجنة - (لعيُّوا ) أي عجزوا (بصفة) أي بأن يصفوا (ما شاهدوا وما عاينوا) من أهوال النار ونعيم الجنة . إذ أنهما فوق الوصف (ولئن عميت آثارهم) أي انقطعت عن كل أثر عن الأموات.
(وانقطعت أخبارهم) فلا يخبرون بشيء(لقد رجعت فيهم أبصار العبر) أي أن أبصارنا التي تعتبر نظرات إليهم، فإنا وإن لم نعتبر بكلامهم -لسكرتهم - لكن لابد وأن نعتبر بالأموات أنفسهم، إذ رأيناهم هامدین خامدین بعد الحركة والنشاط، وإنما قال(عليه السلام)[ رجعت] لأن العين كانت ناظرة إليهم حال الحياة، ثم رجعت إليهم بعد الممات .
(وسمعت عنهم) أي أقوالهم التي يقولونها بلسان الحال (آذان العقول) أي عقولنا ( وتكلموا) أولئك الأموات (من غير جهات النُّطق) وإنما من جهات من الحال (فقالوا: كلحت) أي تكشر في عبوس وتجهم (الوجوه النواضر ) جمع ناضرة، أي التي لها بريق وصفاء من النعمة (وخوت) أي تهدمت وتفرقت الأجزاء (الأجسام النواعم) أي اللينة، جمع ناعمة .
وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى، وَتَكَاءَدَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ، وتَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ ، فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا ، وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً، وَلا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً ! فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَكَ،
................................
(ولبسنا أهدام البلى) جمع هِدم بالكسر ، الثوب البالي، والبلى : الفناء والزوال( و تكاءدنا) أي شق علينا (ضيق المضجع) أي القبر (وتوارثنا الوحشة) أي ورثها بعض لاحق عن بعض سابق، فكأن الميت السابق الذي كان في وحشة الانفراد والعزلة أعطى بالإرث الوحشة للميت اللاحق .
(وتهكمت) أي تهدمت أو سخرت (علينا الربوع) أي أماكن الإقامة، والمراد المقابر (الصّموت) الذي لا ينطق (فانمحت) أي زالت، أصله: محیت (محاسنُ أجسادنا) أي المحلات الجميلة في أبداننا (وتنكرت) بحيث إذا رأها الإنسان الذي كان يعرفها لم يعرفها الآن لتغيرها (معارف صورنا) أي المواضع المعروفة من صورتنا، كالعين والفم وما أشبه .
(وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا) فلا تبرح المقابر (ولم نجد من كربٍ فرجاً) إذ المهموم في القبر لسوء عمله لا يجد مفرجا لهمه وحزنه (ولا من ضيق) أي ضيق القبرِ (مُتسعاً) أي محل سعة (فلو مثلتهم) أيها السامع (بعقلك) أي تصورت حالهم (أو كُشِفَ عنهم محجوب الغطاء) أي الغطاء الحاجب، نحو قوله حِجَاباً مَّسْتُورًا(1)أي ساتراً (لك) أيُّها السامع .
1) سورة الإسراء : 45
وَقَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكْتْ وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ، وَتَقَطَّعَتِ الأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلاقَتِهَا ، وَهَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا، وَعَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلىً . سَمَّجَهَا وَسَهَّلَ طُرُقَ الآفَةِ إِلَيْهَا، مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلا أَيْدٍ تَدْفَعُ، وَلا قُلُوبٌ تَجْزَعُ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ وَأَقْذَاءَ عُيُونٍ
...................................
(وقد ارتسخت) أي صارت الهوام راسخة ثابتة في آذانهم (أسماعُهُم بالهوامُ) جمع هامة، الحيوانات الصغيرة التي تسكن داخل الأرض، والمراد بها الدود (فاستكَّت) أي صمَّت (واكتحلت أبصارهم بالتراب) بأن دخل التراب في أعينهم (فخسفت) و غارت، إذ العين تتقلص عند الجفاف واليبس (وتقطَّعت الألسنة) أي صارت قطعة قطعة (في أفواههم بعد ذلاقتها) أي حدتها في النطق وفصاحتها .
(وهَمَدَت) أي سكنت (القلوبُ في صدورهم بعد يقظتها ) وحركتها الدائمة (وعاث) أي أفسد (في كل جارحة) أي عضو (منهم جديد بلي) أي فناء جديد، إذ الفناء يتجدد، كما أن البقاء في الحي يتجدد .
(سمَّجها) أي قَبَّحها (وسهل) ذلك البلى (طرق الآفة إليها) والآفة : الفساد (مستسلماتٍ) تلك الجوارح للفناء والبلى لا تقدر على دفع شيء يرد عليها من الفساد والآفات .
(فلا أيدٍ تدفع ) الفساد كما كان في أيام الحياة، إذا وردت واردة على جسدهم تدفعها أيديهم (ولا قلوب تجزع) وتحزن لورود المصيبة على أبدانهم (لرأيت) جواب [فلو مثلتهم] (أشجان قلوب) جمع شجن، بمعنى: الهم، أي قلوباً محزونة (وأَقذاء عيون) أي عيونا قد دخلها القذى، وهو ما يقع في العين
لَهُمْ فِي كُلِّ فَطَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لا تَنْتَقِلُ، وَغَمْرَةٌ لا تَنْجَلِي . وَكَمْ أَكَلَتِ الأَرْضُ مِنْ عزِيزِ جَسَدِ، وَأَنِيقِ لَوْنٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ، وَرَبِيبَ شَرَفٍ يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ، وَيَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، ضَنَاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ وَشَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَلَعِبِهِ! فَبَيْنَا هُوِ يَضْحَكُ إلى الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلٍّ عَيْشِ غَفُولٍ ،
..............................
فيؤذيها (لهم ) أي لأولئك الأموات في كل فظاعة أي أمر فظيع شديد (صفة) حال لا تنتقل) أي لا تنتقل تلك الصفة السيئة عنهم لا مثل المريض الذي إذا شفي ذهبت عنه الحالة السيئة .
(وغمرةٌ) أي كربة تغمرهم أي تشملهم ( لا) تنجلي) أي لا تنكشف ولا تذهب وكم أكلت الأرض) فصيرته تراباً من عزيز جسد أي جسد عزيز ( وأنيق لون أي لون أنيق، بمعنى الرائق الحسن.
(كان) ذلك الجسد واللون (في الدنيا غذيَّ ترفٍ) أي مغذياً بالنعم، فإنَّ غذيَّ فعيل بمعنى المفعول، والترف: الزيادة في النعمة (وربيب شرفٍ) أي مربى بالشرف والعز (يتعلل بالسرور) أي يتشاغل بأسباب السرور والفرح لينسى أحزانه (في ساعة حزنه) ضناً على قلبه في أن يقع في مخالب الأحزان .
(ويفرغ إلى السلوة) أي ينصرف إلى التسلّي بتخيل السعادة والأفراح واللذائذ (إن مصيبة نزلت به) يريد انصراف نفسه عن تلك المصيبة (ضنّا) أي بخلاً (بغضارة عيشه) أي بطيب عيشه أن ينقص بالهموم والمصائب (وشحاحةً) أي بخلاً (بلهوه ولعبه) أي يذهبا من يده، بسبب المصيبة النازلة به ( فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك) الدنيا (إليه) فهو فرح مسرور، والدنيا مقبلة عليه ( في ظل عيش غفول) أي موجب للغفلة .
إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَ نَقَضَتِ الأَيَّامُ قُوَاهُ ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ، فَخَالَطَهُ بَثَّ لا يَعْرِفُهُ ، وَنَجِيُّ هَمِّ مَا كَانَ يَجِدُهُ، وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلِ، آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ ، فِفِزِعَ إِلى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ ، وَتَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ ، فَلَمْ يُطْفِيء بِبَارِدٍ الأَثَوَّرَ حَرَارَةً ،
..................................
(إذ وطئ الدَّهر به حسكه) الحسك: شوكٌ شديد اللزقة كثير الألم، والمعنى أدخل الدَّهر في جسم هذا الإنسان الحسك أي أشد الآلام والمصائب (ونقضت الأيام قواه) أي حطَّمها حتى لا تبقى له قوة (ونظرت إليه الحتوف) أي المهلكات، جمع حتف (من كتب) أي من قرب، بمعنى وصول المهلكات إليه (فخالطه بثُّ) أي حزن (لا يعرفه) أي لم يكن يعرفه سابقا، وإنما ورد عليه وروداً وخالطه أي مازج خواطره وأفكاره (ونجيُّ هم) أي هم خفي كأنه يناجيه (ما كان يجده) سابقاً .
(وتولّدت فيه فترات علل) أي علل تأخذه في فترات ودفعات (آنس ما كان بصَّحَته) أي في وقت كان أكثر الأوقات أُنساً وفرحاً بصحته (ففزع) أي التجأ( إلى ما كان عوَّده الأطباء) لشفاء أمراضه (من تسكين الحارِّ بالقارِّ) أي البارد، وسمّي قارّاً لأن من طبع البرودة الاستقرار، بعكس الحرارة التي من طبعها الحركة، والحار : الأمراض الحارة التي تولدت من الدم.
(وتحريك البارد) الذي يقطن البدن فيفسده كالبلغم (بالحارِّ) إذ الأدوية الحارة، تحرك المرض البارد وتزيله (فلم يُطفيء ببارد) مرضه الحار (الا ثوَّر حرارة) أي هيجها و[إلا] استثناء منقطع ، والمعنى لم ينفع الدواء البارد إلّا تهيج الحرارة، إذ يتحرك الطبع الحار بالحرارة لدفع البارد - فإنَّ الطبع والدواء يتعارضان - وذلك يسبب ثوران الحار .
وَلا حَرَّكَ بِحَارٌ إِلَّا هَيِّجَ بُرُودَةً ، وَلا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ ، حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ، وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وَتَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ ، وَتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ ، فَقَائِلٌ يَقُولُ : هُوَ لِمَا بِهِ وَمُمَنِّ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ ،
....................
( ولا حرَّك بحارٍّ) من الدواء، الذي شربه لتحريك البارد وإزالته (إلا هيج برودة) وصار سبباً لازدياد المرض (ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع) أي لم يتمكن المريض من تعديل طبيعته بسبب مزج تلك الأدوية بطبيعته المنحرفة التي يريد تعديلها (إلا أمدَّ منها) أي من الطبائع (كُلَّ ذات داء) حتى قويت وتمكنت من إضافة داء جديد على دائه القديم .
(حتى فتر معلّله) المعلل : من يتولى خدمة المريض ويرجِّيه الشفاء، وفتر بمعنى: ضعف ووهن، لأنه لم ير له شفاءً (وذهل) أي فوجيء بعدم شفائه الموجب لذهوله (ممرضه) أي من يداريه (وتعايا أهله بصفة دائه) أي عجز أهله عن أن يصفوا للطبيب دائه، وبذلك اشتركوا في العجز مع الطبيب والممرض والمعلل .
(وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ) لأنهم لا يريدون أن يقولوا إنه أسوء حالاً، ولا يتمكنون أن يقولوا إنه أحسن حالا ً(وتنازعوا دونه) أي حول المريض (شجيَّ خبرٍ) أي الخبر المُشجي المحزن (يكتمونه) من عدم رجاء شفائه، فإنَّ الحاضرين يختلفون عند اليأس عن برئه ماذا يصنعون؟ (فقائل يقول هو ) أي المريض (لما به) أي إنه يموت لما به من المرض، وكأنه مملوك للعلة التي حلت به - ولذا قال لما به -.
( وَمُمَنُ لهم إياب عافيتهِ) أي يمني أهله بأن عافية المريض تعود
وَمُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ، يُذَكِّرُهُمْ أَسَى الْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ. فَبِينَا هُوَ كَذلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيا، وَتَرْكِ الأحِبَّةِ، إِذ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ، فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ وَيَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ . فَكَمْ مِنْ مُهِمِّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ، وَدُعَاءِ مُؤْلِمٍ لَقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ ،
.........................
(و مصبرٌ لهم على فقده) بأنه إن فقد فالله يعطيهم الأجر والصبر (يذكرهم أسى الماضين) جمع أُسوة، لزوم الاقتداء والتأسي بعباد الله الصالحين الذين مضوا فإنَّهم كانوا يصبرون على البلايا (من قبله) أي من قبل هذا الحادث أو قبل هذا المريض أو قبل هذا الذي يصيبه (فبينا هو) المريض (كذلك على جناح من فراق الدُّنيا) تشبيه بالراكب على جناح الطائر الذي يريد به السير والطيران من مكان إلى مكان .
( وترك الأحبَّةِ) جمع جمع حبيب (إذ عرض له عارض من غُصصه)جمع غصة التي توجب كرب الإنسان، وصعوبة حاله، فإنَّ نوبات المرض تروح وتجيء (فتحيرت نوافذ فطنته) نوافذ الفطنة : المحلات التي تنفذ الفطنة والأفكار منها إلى الخارج، والمراد أن افكارها الصائبة قد تجمَّدت لأن الروح أخذت في الخروج فلا تعمل اجهزة الفطنة لتأخذ الأفكار وتعطيها .
(ويبست رطوبة لسانه) فلا يقدر على التكلم (فكم من مُهمٍّ من جوابه عرفه) أي يهم الحاضرين جوابه عن سؤال وجهوه إليه وهو يعرف الجواب (فعيَّ) أي عجز (عن رَدِّهِ) لأنه لا يقدر على الكلام (ودعاءٍ مؤلمٍ لقلبه سمعه) أي دعاه بعض أهله و الحاضرين، وقد سمعه وكان ذلك النداء مؤلماً لقلبه إذ كان مزيجا بالحزن والبكاء (فَتصامَّ عنه) أي كان كالأصم عن سماعه إذ لم يتمكن على جوابه ليبس لسانه .
مِنْ كَبِيرِ كَانَ يُعَظِّمُهُ، أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ! وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِي أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى قُلُوبِ أَهْلِ الدُّنْيَا .
............................
(من كبيرٍ كان يُعَظِّمُه) أي كان الدعاء له من كبير هو مُعَظَّمٌ عند المريض(أو صغير كان يرحمه) ويرحب به ويحبه (وإنَّ للموت الغمراتٍ) جمع غمرة بمعنى الشدة التي تغمر الإنسان وتحيط به (هي أفظع من أن تُستغرقَ بصفة) فلا يمكن وصف تلك الشدائد(أو تعتدل على قلوب أهل الدنيا) أي إنها لا تستقيم على قلوب الناس، لأنهم في غفلة عنها ولهو ولعب، أو إن قلوب الناس لا يمكن أن تدركها لأنها أعظم من القياس والمعلومات التي للإنسان حتى يقيسوا تلك الشدائد بما علموها .
قاله عند تلاوته: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (1)
إِنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاءَ لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ، وَمَا بَرِحَ لله - عَزَّتْ آلاؤهُ - الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ
...........................................
التوضيح:
(إن الله سبحانه وتعالى جعل الذِّكرَ جلاء للقلوب) فكما تصفو المرآة بالجلاء، كذلك تصفو القلوب بالذكر، لأنه يُذكرُها بالحقائق فتلين خشونتها (تسمع) القلوب (به) أي بالذكر (بعد الوقرة) هي ثقل في السمع (وتبصر) القلوب (به) أي الذكر (بعد العشوة) هي ضعف البصر (وتنقاد) القلوب، أي تخضع (به) أي بالذكر (بعد المعاندة) أي عنادها ولجاجها في ترك الحقِّ والعدل .
(وما برح لله - عزّت آلاؤه ) أي مازال واسمه قوله [عباد] ومعنى عزَّت آلاؤهُ، أي نعمه سبحانه عزيزة رفيعة لأنها من قبل الله العزيز الرفيع( البرهة بعد البرهة) أي الفترة بعد الفترة (وفي أزمان الفترات) جمع فترة، وهي الزمان الخالي عن المعالم والشرئع .
1) سورة النور: 37.
عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الأبْصَارِ وَالأسْمَاعِ وَالأَفْئِدَةِ، يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ الله، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَة ، بِمَنْزِلَةِ الأدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ. مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ، وَبَشِّرُوهُ بِالنَّجَاةِ، وَمَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَشِمَالاً ذَمُوا إِلَيْهِ الطَّريقَ، وَحَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ،
..........................
(عبادٌ ناجاهم) الله سبحانه (في فكرهم) بأن ألقى سبحانه في فكرهم .
(وكلمهم في ذات عقولهم) أي دلت عقولهم، والدلالة كانت من الله سبحانه، كأنها كلامه لهم (فاستصبحوا بنور يقظةٍ في الأبصار والأسماع والافئدة) استصبح أي أضاء مصباحه أي أضاء أبصارهم برؤية الحقائق وأسماعهم بالاستماع إلى الحق، وأفئدتهم بفهم الحقيقة .
(يُذكِّرون) متعلق بـ[عباد] أي أنَّ لله عباد تلك أوصافهم يذكرون الناس (بأيام الله) أيام الله هي الأيام التي كانت فيها لله سبحانه نعمة عظيمة على البشر، أو نقمة عظيمة عليهم ، وبالقرينة يُعَّيَنُ أيُّ المعينين، والمراد هنا الثاني بقرينة (ويُخَوِّفون مقامهُ) أي يُخَوِّفون الناس إن هم تمادوا في الغيّ والضلال يعذاب الله سبحانه وقوله [مقامه] من باب تشبيه المعقول بالمحسوس .
فهم(بمنزلة الأدلة في الفلوات) أدلة جمع دليل، الذين يدلون المسافرين على الطريق وفلوات جمع فلاة، بمعنى: الصحراء(من أخذ القصد) أي الطريق السوي (حَمِدُوا إليه طريقه) أي استحسنوه في سيره لهذا الطريق المستقيم (وبَشَّروه بالنجاةِ) لأنَّ قصد الطريق يوصل إلى الغاية المطلوبة (ومن أخذ يميناً وشمالاً) بأن انحرف عن الجادة، ولعل المراد الإفراط والتفريط في الحق (ذمُّوا إليه الطريق) وقالوا إنَّ طريقك هذا مذموم (وحَذَّروهُ من الهلكة)
وَكَانُوا كَذلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَأَدِلَّةَ تِلكَ الشُّبُهَاتِ .
وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيا بَدَلاً، فَلَمْ تَشْغَلُهُمْ تِجَارَةً وَلا بَيْعٌ عَنْهُ ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ، وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ الله، فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ، وَيَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ، وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ ، فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذلِكَ،
..................................
أي الهلاك (وكانوا كذلك) أي كأولئك الأدلة عن الطرق في الصحاري (مصابیح تلك الظلمات) أي ظلمات الجهل والضلال (وأدلة تلك الشبهات) الأمور التي تشتبه في ذهن الإنسان فلا يدري أيُّها الحق وأيُّها الباطل.
(وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لأهْلاً أَخَذُوهُ) أي أخذوا الذكر (من الدنيا بدلاً) فلم يشغلوا أنفسهم بالدنيا، بل أشغلوها بالذكر (فلم تشغلهم تجارة)كالمزارعة والاصطياد، والمداهنة، وما أشبه (ولا بيع عنه) أي عن الذِّكر (يقطعون به) أي بالذِّكر (أيام الحياة) أي يسيرون مُدة عُمرهم وهم ذاكرون الله سبحانه (ويهتفون بالزواجر) جمع زاجرة، وهي المواعظ المخوفة التي تزجر الإنسان عن المعاصي ( عن محارم الله في إسماع الغافلين) الذين غفلوا عن الآخرة، وهتف بمعنى صاح.
( ويأمرون) الناس (بالقسط) أي العدل (ويأتمرون به) أي إنهم يعملون بالقسط (وينهون عن المنكر) المحرمات والقبائح (ويتناهون عنه) أي أنهم لا يأتون بالمنكر.
( فكأنَّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة) أي وصلوا إلى الآخرة وتمت دنياهم (وهم فيها) أي والحال أنهم في الدنيا (فشاهدوا ما وراء ذلك) الذي هم فيه من الدنيا .
فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَحْ فِي طُولِ الإِقَامَةِ فِيهِ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَائِهَا ، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذلِكَ لأهْلِ الدَّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لا يَرَى النَّاسُ، وَيَسْمَعُونَ مَا لا يَسْمَعُونَ . فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ الْمَحْمُودَةِ، وَمَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَةِ، وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ، وَفَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةِ وَكَبِيرةٍ أُمِرُوا بِهَا
............................
(فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أهْل الْبَرْزَخ) أي غيب أحوالهم (في طول الإقامة فيه) أي في حال كون أهل البرزخ مقيمين فيه طويلا ، فإنَّ طول الإقامة يوجب الضجر والسآمة علاوة على سائر أقسام العذاب (وحقَّقَتِ القيامة عليهم) أي على هؤلاء الأدلاء المرشدين (عِداتها)جمع عدة، بمعنى : الوعد (فكشفوا غطاء ذلك) فإنَّ الآخرة كالمغطاة بغطاء، ولذا لا يعلم بتفاصيلها وخصوصيتها أهل الدنيا (لأهل الدنيا) إذ يبينون تفاصيلها (حتى كأنَّهم يرون ما لا يرى الناس) من الآخرة .
(ويسمعون) من أقوال أهل البرزخ والقيامة والجنة والنار (مالا يسمعون) أي لا يسمع الناس (فلو مثلتهم لعقلك) أي مثلت أولئك الأدلة المرشدين، بأن تفكرت بأحوالهم - وهم في الدنيا - (في مقاومهم المحمودة) جمع مقام (ومجالسهم المشهودة) التي يشهدونها أي يحضرونها لأجل الطاعة والعبادة (وقد نشروا دواوين أعمالهم) جمع ديوان، وهو الصحيفة التي كتبت فيها الحسنات والسيئات، وهذا كناية عن تفكرهم فيما عملوا من خير وشر في ماضي أحوالهم، عند وقايتهم لأنفسهم فإنَّ الصالحين يراقبون أنفسهم .
(وفرغوا) عن كل عمل (لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة وكبيرةٍ أُمروا بها) بأن أرادوا الإطلاع على خصوصيات أعمالهم كبيرها وصغيرها.
فَقَصَّرُوا عَنْهَا، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيهَا، وَحَمَّلوا ثِقَلَ أَوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ، فَضَعُفُوا عَنِ الاسْتِقْلالِ بِهَا ، فَنَشَحُوا نَشِيجاً، وَتَجَاوَبُوا نَحِيباً يَعِجُّونَ إلى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامٍ نَدَمٍ وَاعْتِرَافٍ ، لرَأَيْتَ أَعْلامَ هُدىً، وَمَصَابِيحَ دُجىً ، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ ،
.............................
(فَقصَّروا عنها) أي عن الإتيان بتلك الأشياء التي أُمروا بها (أو نُهوا عنها ففرطوا فيها) بأن أَتوها خلافاً للنهي وإنما ذكر(عليه السلام) هذين فقط، لأن الصالحين إذا أرادوا التفكر في أعمالهم، ومحاسبة أنفسهم تذكروا المعاصي فقط لأنَّها هي محط نظرهم (وَحَمَّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم) أي نسبوا الوزر والعصيان إلى أنفسهم، لا كعامة الناس الذين لا يعترفون بالعصيان، وإذا اعترفوا بها عللوا ذلك بعلل غير أنفسهم حتى يبرئوا ساحتهم .
(فضعفوا عن الاستقلال بها) أي علموا بأنهم لا يتمكنون من حمل هذه الأوزار ، لأنها توجب العذاب الذي لايطاق (فنشجوا) نشج الباكي إذا غصَّ بالبكاء في حلقه من شدة تألمه النفسي (نشيجاً وتجاوبوا نحيباً) النحيب : أشد البكاء، أي أجاب بعضهم بعضاً في البكاء، كما يفعل أهل المصيبة، وهكذا كان عباد الله سابقاً يجتمعون كل أسبوع مرة أو ما أشبه، ثم يتذكرون ويذاكرون أحوال الآخرة، وما سلف منهم من المعاصي والذنوب فيبكون ويعلو نشيجهم ونحيبهم (يعجُّون) العجيج : الصياح (إلى ربهم من مقام ندم واعتراف) بالخطايا (لرأيت) جواب [فلو مثلتهم) (أعلام هدى) جمع علم بمعنى اللواء أو الجبل .
(ومصابيحُ دُجىً) أي الظلمة، فكما ينير المصباح للهداية إلى الطريق، كذلك ينيرون هؤلاء لهداية الناس إلى الحق في ليالي الجهل والضلال (قد حفَّت بهم الملائكة) أي أحاطت بهم، كما قال سبحانه : الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا
وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَأُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ، فِي مَقَام اطَّلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ، وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ . يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ، رَهَائِنُ فَاقَهٍ إِلَى فَضْلِهِ، وَأُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ ، جَرَحَ طُولُ الأَسَى قُلُوبَهُمْ، وَطُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ ......................................اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ(1). (وتنزلت عليهم السكينة) أي حالة هدوء واطمينان وسكون توجب استقرارهم وعدم تزلزلهم عن الحق، وفي كل أمر (وفُتحت لهم أبواب السماء) المراد أن أدعيتهم ترفع إلى الله سبحانه، وتنزل الرحمة عليهم (وأُعدَّت لهم مقاعد الكرامات) أي في الجنة، ومقاعد جمع مقعد، محل القعود والجلوس (في مقام اطلع الله عليهم فيه ) أي أنزل عليهم رحمته وفضله (فرضي سعيهُم) الذي عملّوه لأجله سبحانه .
(وحَمد مقامهم) أي مدحه وأجزل ثوابهم لأجل ذلك (ويتنسَّمون) أي ينتظرون، وتنسم النسيم أي تشممه بأنفه (بدعائه) أي بدعائهم له تعالى (رَوْحَ التَّجاوز) عن سيئاتهم (رهائن فاقةٍ) أي احتياج (إلى فضله) فكأنه في رهن الفضل فإذا جاء الفضل فكت رقابهم كما يُفك الرهن إذا جاء المال .
(وأسارى ذلَّة لعظمته) أي أنهم أُسرى لعظمته تعالى، فقد أسرتهم العظمة فيتبعونه تعالى، اتباع الأسير لمن أسره (جرحَ طول الأسى) أي : الحزن .
(قلوبهم) والمراد بالجرح الخشوع والخضوع والانكسار .
(وطول البكاء) من خشيته سبحانه (عيونهم) فأعينهم مجروحة الأجفان
1) سورة فصلت : 30
لِكُلِّ بَابٍ رَغْبَةِ إلى الله مِنْهُمْ يَدْ قَارِعَةٌ ، يَسْأَلُونَ مَنْ لا تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ ، وَلا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ .
فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ .
...................................
(لكل باب رغبة إلى الله يد قارعةٌ) أي يقرعون جميع أبواب رحمته باب الخوف، وباب الرجاء، وباب الشكر، وباب الذكر، وهكذا، والمعنى: إنهم يُقبِلون عليه سبحانه، بمختلف أنحاء الإقبال والرجاء (يسألون من لا تضيق لديه المنادِحُ) جمع مَندوحَةٍ، والأصل فيها المتسع من الأرض، والمراد أنَّه لا تضيق لديه العطيات (ولا يَخِيبُ عليه الراغبون) فمن رغب فضله لا يخيب، بل يرجع بما رغب وأراد (فحاسب) أيها الإنسان (نفسك لنفسك) أي لنجاة نفسك ( فإن غيرها ) أي غير نفسك ( من الأنفس لها حسيب غيرك) فلا تشغل نفسك بحساب غيرك .
قاله عند تلاوته: يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(1)
أَدْحَضُ مَسْؤُولِ حُجَّةَ ، وَأَقْطَعُ مُغْتَرِّ مَعْذِرَةً، لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةٌ بِنَفْسِهِ .
يَا أَيُّهَا الإنسانُ، مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ ، وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ، وَمَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ؟
.....................................
التوضيح :
(أَدْحَضُ مَسْؤُولِ حُجَّةً) دحض : بمعنى بطل، يعني أن الإنسان حُجَّته أمام حُجّة الله سبحانه باطلة تافهة لا قيمة لها، وهذا الكلام بمناسبة قوله تعالى سبحانه : [ما غرَّك] يعني أنه لا حجَّة له عند احتجاج الله سبحانه عليه بأنَّه لم فعل المحرمات؟ (وأقطعُ مخترٍّ) أي مغرور ومعناه المخدوع (معذرة) إذ لا عذر له أمام حجّته سبحانه (لقد أبرح) أي أعجب (جَهَالةً) أي من جهةٍ جهلهِ( بنفسه) فأعجبته نفسه، إذ لم يعلم واقعها وحقيقتها .
(يَا أَيُّهَا الإنسانُ، مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ) استفهام توبيخي، أي ما الذي صار سبباً لجرأتك حتى تعصي الله سبحانه (وما غرَّك بربك) أي ما الذي خدعك حتى عَصيت ربك (وَمَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ) أي ما أكثر أنسك بأن تُهلِكَ نفسك بسبب الآثام والمعاصي .
1) سورة الإنفطار: 6.
أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولُ، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ؟ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ؟ فَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ لِحَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ! فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ، وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ، وَعَزّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَهِي أَعَزُّ الأنْفُسِ عَلَيْكَ! وَكَيْفَ لا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ، وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سطواتِهِ !
....................................
(أما مِنْ دائك بُلولٌ)؟ أي شفاء، مِنْ بلَّ مرضه إذا زال (أم ليس من نومتك) أي غفلتك (يقضةٌ) وانتباه؟ (أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك) ؟ فالإنسان يرحم غيره إذا رأه في مشكلة توجب له عاقبة سيئة فكيف لا يرحم نفسه، وهي معرضة لسخط الله وانتقامه (فربما ترى الضاحي لحرَّ الشمس) الضاحي البارز الظاهر للشمس ( فتظلُّه) لئلا تؤذيه الشمس .
(أو ترى المبتلى بألم يمضُّ جسده) أي يبالغ في نهك جسده وضعفه (فتبكي رحمة له) وحزناً لما أصابه (فما صبَّرك على دائك) أي مرضك؟ الذي هو الانحراف في النفس وفي العمل، وهذه صيغةُ تعجُب (وجلَّدك )من التجلَّد بمعنى التصبُّر (على مصابك) ؟ أي مصيبتك التي هي الزيغ عن سبيل الرشاد الموجب لهلاك الإنسان في الآخرة .
(و) ما (عزاك) أي سلّاك (عن البكاء على نفسك وهي أعزُّ الأنفُس عليك) ؟ فغفلت عنها، وعما يُرادُ بها من العذاب والأهوال في الآخرة فلم تبك خوفاً (وكيف لايوقظك) عن نومة الغافلين (خوف بيات نقمة) أي تبيت بنقمة من الله توجب زوال نعمتك .
(وقد تورطت بمعاصيهِ) التورط : الوقوع في المحذور (مدارج سطواته)
فتدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ، بِعَزِيمَةٍ ، وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ، وَكُنْ لله مُطِيعاً، وَبِذِكْرِهِ آنِساً . وَتَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إقْبَالَهُ عَلَيْكَ، يَدْعُوكَ إِلى عَفُوهِ، وَيَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ وَأَنْتَ مُتَوَلَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَتَعَالَى مِن قَوِيٌّ مَا أَكْرَمَهُ! وَتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ !
.........................................
جمع مدرج، بمعنى المحل الذي يدرج إليه الإنسان درجةً درجة، والباء في [ بمعاصيه] للسببية، أي وقعت بسبب معاصي الله سبحانه، في مدارج عقوباته، فإنَّ السطوة بمعنى الهجمة للأخذ والنكال (فتداو من داء الفترة) أي الفتور عن إطاعة الله سبحانه ( في قلبك) فان مبعث الفتور في الجسد القلب (بعزيمةٍ) أي عزم واضح موجب للعمل ( ومن كرى الغفلة) الكرى : النوم، فإنَّ الغافل كالنائم (في ناظرك بيقظةٍ) أي انتباه من الغفلة (وكن للهِ مُطيعاً) في أوامره ونواهيه (وبذكره أنساً) أي تأنس بذكره، ولا تضجر ولا تسأم ولا تستوحش، (وتمثل في حال تولَّيك عنه) أي إعراضك عنه تعالى (إقباله عليك) فإنَّ الله سبحانه ناظر إلى أعمال عبيده دائماً ، فهو دائم الإقبال، وكيف يعرض الإنسان عن ملك عظيم مقبل عليه بيده كل رحمة ونقمة؟ (يدعوك إلى عفوه) بأن تفعل ما يوجب عفوه من التوبة والإنابة (ويتغمدك) أي يغمرك (بفضله) ونعمته .
(وأنت متولِّ عنه إلى غيرهِ) أي صارف بقلبك إلى لذائذ الدنيا و شهواتها (فتعالى) أي ارتفع سبحانه (من قويٍّ ما أكرمه) صيغة تعجب، أي إنه قوي كريم في غاية الكرم بينما الأغنياء في العادة لا يكرمون، لأنهم يرون أنفسهم في غنىً عن مصانعة الناس بكرم وإحسان، لأنهم أقوياء (وتواضعت) أي أنت وضيع (من ضعيفٍ ما أجرأك على معصيته) مع أن العادة تقتضي عدم جرأة الضعيف على العصيان .
وَأَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ ، وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبُ. فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ، وَلَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ، بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرِفَ عَيْنٍ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ، أَوْ سَبْئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ . فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ! وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ، مُتَوَازِبَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ
..................................
(وأنت في كنف) أي طرف (ستره مُقيم) فقد ستر عليك ولم يُبدِ معايبك أمام الناس (وفي سعة فضله منقلِّب) أي متحرك ، نهار تستضيءُ به ، وليل تسكن فيه وأثاث ورياش تتنعم بها ومآكل ومشارب تتلذذ بها وهكذا (فلم يمنعك) سبحانه(فضله) بسبب عصيانه (ولم يهتك عنك ستره) بما اقترفت من الآثام.
(بل لم تَخلُ من لطفه مطرف عينٍ) أي مقدار طرفة العين، وهي اللحظة التي يتحرك فيها الجفن (في نعمة يُحدِثُها لك) فإنَّ نعمة حركة أجهزة البدن المستمرة والتنفس، ونقاء الهواء، وما أشبه، ترد على الإنسان، في كل لحظة لحظة (أو سيِّئةٍ يسترها عليك) فإنَّ الستر مستمر وإن كانت السيئة سابقة (أو بلية) أي بلاء (يصرفها عنك) إذ الإنسان معرض للأخطار والبلايا كل آن .
(فما ظنُّك به لو أطعته) ؟ فإنَّ من يحسن على العاصي كيف يعمل مع المطيع ؟ .
نعم قد ورد في الحديث القدسي : عبدي أطعني تكن مثلي، أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون (وأيم الله) حلف بالله سبحانه فإنَّ كلمة [أيم] فيها لغات للحلف (لو أن هذه الصفة أي صفة عصيانك له وأحسانه لك كانت) في متفقين في القوة فكأن هناك نفران يتفقان في القوة (متوازيين في القدرة) بأن كانت قدرة أحدهما بقدرة الآخر، ثم كان أحدهما يحسن إلى الآخر، والآخر يسيء إليه.
لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكمٍ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمٍ الأخْلاقِ وَمَسَاوِئِ الأَعْمَالِ. وَحَقّاً أَقُولُ! مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ ، وَلكنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتُ، وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ. وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبِلاءِ بِجِسْمِكَ، وَ النَّقْصٍ فِي قُوَّتِكَ، أَصْدَقُ وَأَوْفِى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ، أَوْ تَغُرَّكَ. وَلَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مَتَّهَمٌ .
........................
(لكنت أوّل حاكم على نفسك بذميم الأخلاق) إذ كنت تسيء إلى من أحسن إليك، وذميم فعيل بمعنى المفعول أي بالأخلاق المذمومة (ومساويء الأعمال) أي الأعمال السيئة، فكيف إذا كان أحدهما إله عظيم والآخر عبد ذليل . . ؟
(وحقاً أقول) أي أقول حقاً - وهو مفعول مطلق (ما الدنيا غرتك) أي أن الدنيا لم تسبب غرورك، حتى اجترأت على المعاصي، إذ الدنيا أرتك الاعتبار والموعظة.
( ولكن) أنت(بها) أي بالدنيا (اغتررت) فاللوم عليك لا عليها، إذ أنك غفلت عما ترى في الدنيا من مصائبها وأحزانها( ولقد كاشفتك العظات) أي أظهرت لك الموعظات التي تقع في الدنيا حقيقة لكنك لم تهتم بها (وآذنتك) أي أعلمتك الدنيا (على سواء) أي على عدل في الأعلام فلم تنحي شيئاً ( ولهي) أي الدنيا، واللام للتاكيد(بما تعدك من نزول البلاء بجسمك) إذ الإنسان معرض للبلايا والأمراض (والنقص في قوتك) بالشيب والهرم (أصدق وأوفى من أن تكذبك) بأن تعدك بالقوة الدائمة والصحة المستمرة، ثم لا تفي .
(أو تَغُرَّكَ) أي تخدعك (ولرب ناصح لها) أي الدنيا، والمراد لأهل الدنيا - بعلاقة الحال والمحل - نحو واسأل القرية (عندك متَّهم) كما كان الناس يتهمون الأنبياء والأئمة فلا يقبلون أقوالهم .
وَصَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ. وَلَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ، وَ الرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ، لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ ، وَبَلاغِ مَوْعِظَتِكَ، بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ، وَالشَّحِيحِ بِكَ! وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً ، وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطْنْهَا مَحَلَّا! وَإِنَّ السَّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ .
إذا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ
.......................................
(و) لرب (صادق من خبرها) لك بأنها دار زوال وبلاء عندك (مُكَذَبٌ) لا تصدقه، كما هو شأن الجهلة، لا يصغون إلى كلام الصُلحاء والمرشدين (ولئن تعرَّقتها) أي طلبت معرفة الدنيا على حقيقتها (في الديار الخاوية) أي الساقطة، التي فُني أهلها، وسقطت أبنيتها .
(والربوع الخالية) عن الأهل والربع : المنزل (لتجدنَّها من حسن تذكيرك) أي تذكير الدنيا لك، بسبب بيان أحوال السابقين فيها الذين فنوا وبقيت ديارهم خالية خاوية (وبلاغ موعظتك) أي وعظها لك وعظاً بالغاً (بمحلة الشَّفيق عليك) أي تكون الدنيا بهذه الموعظة بمنزلة الناصح المشفق، والإشفاق : الخوف، ويقال للصديق شفيق، لأنه يخاف أن يقع صديقه في محذور.
(والشحيح) أي البخيل(بك) لا يريد أن يسلمك بيد الحوادث، ولا يريد أن يخدعك ويغرك (ولنعم) أي الدنيا (دار من لم يرض بها داراً) بأن جعلها معبراً، وإنما كانت حسنة، لأنها مزرعة الآخرة (ومحلُّ من لم يُوطِّنها محلًّا) بأن لم يتخذها وطناً لنفسه (وإنَّ السُعداء بالدنيا غداً) أي الذي سعد بسبب الدنيا، وهو في الآخرة (هم الهاربون منها) أي من الدنيا (اليوم) لأنهم تزودوا منها، بدون أن يتلوثوا بها .
(إذا رجفت الراجفة) الراجفة هي النفخة التي ترجف وتزلزل الأرض، حین لنشور.
وَحَقَّتْ بِجَلائِلِهَا الْقِيَامَةُ، وَلَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ ، وَبِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ، وَبِكُلِّ مُطَاعٍ أَهْلُ طَاعَتِهِ ، فَلَمْ يُجْزَ فِي عَدْلِهِ وَقِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي الْهَوَاءِ ، وَلا هَمْسُ قَدَمٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ ، وَعَلائِقِ عُذْرِ مُنقَطِعَةٌ! فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ،
.........................
(وحقَّت) أي ثبتت وقامت (بجلائلها القيامة) أي قامت القيامة مع عظائمها وأهوالها (ولحق بكلِّ منسكٍ أهله) أي عباده، قال سبحانه: لِكُلِ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ (1)(وبكلْ معبُودٍ عَبَدتُهُ) فالمشركون يلحقون بالأصنام، وعُبَّاد النار يلحقون بها، وعُبَّادُ البقر يلحقون به، وهكذا (وبكل مُطاعٍ) من أهل الصلاح أو الجور (أهل طاعته) أي أتباعه .
(فلم يجز في عدله وقسطه) الضمير لله سبحانه (يومئذ) أي يوم القيامة (خرق بصر في الهواء) فكأن الهواء شئ واحد ، إذا نظر الإنسان إلى ما فوق خرق نظره ذلك الشي (ولا همسُ قدمٍ في الأرض) كأن للقدم صوتاً خفياً إذا وضعت على الأرض، حاصل ذلك من الاصطكاك والاصطدام (إلا بحقِّه) أي كل صغير - فكيف بالكبير - يجازى في يوم القيامة بالحق .
(فكم حُجَّةٍ يوم ذاك داحضةٌ) أي باطلة، وهي الحجج والأعذار التي يقدمها أهل المعاصي (و علائق عذر) ما يتعلق به الإنسان العاصي ليجعله عذراً لنفسه ( منقطعة) إذ لا تقبل تلك الأعذار (فتحرَّ) من التحري، بمعنى الطلب (من أمرك) أي أطلب أمراً (ما يقوم به عذرك) فإذا أردت أن تعمل عملاً، فاطلب وجه رضاه سبحانه فيه، حتى يكون لك عذر هناك .
1) سورة الحج : 67 .
وَتَثْبُتُ بهِ حُجَّتُكَ، وَخُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِمَّا لا تَبْقَى لَهُ، وَتَيَسِّرْ لِسَفَرِكَ ، وَشِمْ بَرْقَ النَّجَاةِ ، وَارْحَلْ مَطَايَا التشمِيرِ .
........................................
(وتثبت به حجتك) بأن تكون لك حجة ومفراً عما أتيت به من الأعمال (وخذ ما يبقى لك) من الدنيا كالخيرات والصدقات والأعمال الصالحة (ممّا لا تبقى له) فإنَّ الإنسان لا يبقى للدنيا، ولا يبقى لعمره وصحته وماله ونشاطه وما أشبه .
( وتيسر) أي تأهب (السفرك) إلى الآخرة (وَشِم) أي المح وأنظر (برق النجاة) أي انتظره لتستغله فتسير في ضوئه (وارحل مطايا التشمير) مطايا جمع مطية، وهي المركوب ، يقال رحل المطية إذا وضع عليها الرحل، والتشمير : الحسر عن اليد والرجل استعداداً للعمل، والمراد به السفر إلى الآخرة .
وَالله لأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّدَاً، وَأَجَرَّ فِي الأَغْلالِ مُصَفَّداً ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى الله وَرَسُولَهُ يَومَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلى البلَى قُفُولُهَا،
................................
التوضيح :
(والله لأن أبيتَ) أي أبقى ليلاً إلى الصباح (على حَسَكِ السَّعدانِ) الحسكِ : الشوك، والسعدان: نبت ترعاه الإبل له شوك شديد تشبه حلمة الثدي، (مُسهداً) أي مسهراً، لا أنام، من سهده إذا أسهره (وأُجَرَّ في الأغلال) جمع غل، ما يوضع في عنق المجرم ويده ورجله (مُصفَّداً) أي مُقيداً (أَحَبُّ إِلَي مِنْ أنْ ألْقَى الله وَرَسُولَهُ يَومَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ) ملاقاة الله كناية عن ملاقاة جزائه وحسابه .
( وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامٍ) حطام الدنيا: متاعها، تشبيه بما يحطم - أي يكسر - من النبت اليابس الذي لا قيمة له (وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إلى الْبِلَى قُفُولُهَا) ؟ القفول الرجوع، والبِلى : الفناء، فإنَّ نفس الإنسان ترجع إلى الفناء كما كانت فانية قبل وجوده، والمراد من [نفس] نفسه الزاكية، والمعنى : لماذا يظلم الإنسان أحداً لمنفعة نفسه الفانية فإنَّها
وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا؟!
وَالله لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَهْلَقَ ، حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرْكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غَيْرَ الأَلْوَانِ، مِنْ فَقْرِهِمْ،
...........................
سواء انتفعت أم لا فهي تفنى ولا تبقى للدنيا حتى يقول الشخص إن فائدة الظلم تبقى له .
( ويطول في الثرى) أي التراب(حلولها) وبقاؤها (والله لقد رأيت عَقيلا) يريد(عليه السلام) أخاه عقيل بن أبي طالب(عليه السلام)(وقد أملق) أي افتقر، وذلك لأنه(عليه السلام) كان كريماً ، فبذل أموالاً كثيرةٌ حتى ركبه كثير من الدين، وذلك سبب سوء حاله وحال عائلته، وهذا هو السبب في عدم إعطاء الإمام دينه - مع أن بيت المال لا بُد وأن يقوم بديون المديونين - فإنّ ذلك الدين لشؤونه، لا الدّين لبذله الذي لا يعرف الوسط .
ومنه ظهر كيف وجد هذا الفقر في الدولة الإسلامية مع أنه لا يوجد فقير واحد في بلاد الإسلام، لما قرر الإسلام من المناهج لرفع الفقر، ولذا قال الإمام(عليه السلام) في كلام له : [لعل هناك بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع ولا طمع له في القرص] وتعَجَب الإمام من وجود فقير في الكوفة حتى وقف سائلاً [ما هذا]؟ كما في كتاب الوسائل .
(حتى استماحني) أي استعطاني (من بركم) أي حنطتكم، والمراد حنطة بيت المال (صاعاً) الصاع ثلاثة أمداد، وهو أقل من ثلاث كيلوات (ورأيت صبيانهُ شُعَثَ الشُّعُورِ) شعث جمع أشعث وهو الشعر المتلبد بالوسخ (غبر الألوان) جمع أغبر، وهو متغير اللون بسبب غبار أو شحوب (من فقرهم) فإنَّ الفقير يشحب لونه، ويغبر لعدم اعتنائه بنظافة جسمه، من شدة الفقر
كَأَنَّمَا سُوَّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِم، وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً ، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلْمِهَا ، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ : ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، يَا عَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْساتُهَا لِلَعِبِهِ ،
...........................
(كأنما سودت وجوههم بالعظلم) هو سواد يُصبغُ به .
( وعاودني) عقيل(عليه السلام) في طلبه (مؤكِداً) استعطاءه (وكرر عليَّ القول) في طلب العطاء الزائد (مُردداً) يردد ويكرر الطلب (فأصغيت إليه سمعي) أي استمعت إلى كلامه (فظن إني أبيعهُ ديني) بإنجاز رغبته خِلافاً لأمر الدين (وأتَّبِعُ قيادهُ) ما يقاد به كالزمام، أي أتبعه فيما يقول(مفارقا طريقتي) الدينية (فأحميت له حديدة) أي جعلتها في النار حتى صارت حارة .
(ثم أدنيتها من جسمه) أي قربتُ الحديدة الحارة من جسم عقيل(عليه السلام) (ليعتبر بها) أي يتّعظ ويعرف ألم العذاب (فضج) عقیل (ضجيج ذي دنفٍ) أي ذي مرض (من ألمها) تألم جسمه بالحديدة (وكاد أن يحترق من ميِسَمِها) الميسم: المكواة ، التي تكوى بها أجسام الحيوانات أو ما أشبه وإنما قال(عليه السلام) كاد، لأنَّ الحديدة لم تتصل بجسم عقيل، وإنما اقتربت منه فحس بلفحها .
(فقلتُ له ثكلتك التواكل يا عقيل) الثكل: فقدان الحبيب، والأكثر أن يستعمل في فقدان الولد، وهذه الجملة دعاء على الإنسان بالموت، حتى تفقده أُمه ونساء أقاربه، فأن الثواكل جمع ثاكلة (أَتئنُّ) من الأنين، بمعنى: الصوت الذي يُخرجهُ المريض من فمه من شدة المرض (من حديدة أحماها إنسانُها للعبه) فإن العمل لم يكن جدّيّاً، إذ لم يرد الامام(عليه السلام) أن يكويه، بل
تنط.
وَتَجُرُّنِي إِلى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أَتَئِّنُّ مِنْ الأذَى وَلا أَئِنُّ مِنْ لَظىّ؟! وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُونَةٍ فِي وِعَائِهَا، وَمَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا ،
.................................
أراد أن يقربها من جسمه وإضافة الإنسان إلى الحديدة، لأدنى مناسبة.
( وتجُرني إلى نارٍ سجرها) أي أوقدها (جَبَّارها) أي الله سبحانه الجبَّار القاهر للأشياء حسب إرادته (لغضبه) فإنَّ من لا يتحمّل ألم قرب حديدة مُحْمَاة ينبغي له أن لا يريد بغيره الوصول إلى النار (أَتئنُ من الأذى) الأذية القليلة (ولا أئِنُّ من لظى) أي نار جهنم، والاستفهام للإنكار في الموضعين .
ثم انتقل الإمام إلى قصة أخرى تفيد ما أفادته القصة الأولى، من أنَّه (عليه السلام) يتحرج عن الظلم ولو كان قليلا، وهي إن الأشعث بن قيس كان من المنافقين، وأراد أن يصانع الإمام بشيء حتى يستميل قلبه(عليه السلام) ، ويكون بذلك مَحفوظاً لديه فينال بذلك مالاً أو جاهاً كما هي عادة الأشراف مع الحكام .
(وأعجبُ من ذلك) أي من استعطاف عقيل(عليه السلام) ، وإنما كان أعجب لأن عقيل كان في مطلبه شفاءُ فقره وقرابته وحقه في بيت المال، دون هذا الإنسان الذي أهدى الهدية التي أراد بها التوصل إلى نيل جاه أو مال حرام .
(طارق) الطارق هو الآتى ليلا، ويستعمل في كل من يطرق باب الإنسان بمكروه (طرقنا بملفوفة) أي مع ملفوفة، وهي نوع من الحلوى، كأنها تُلف بعد الطبخ (في وعائها) أي في ظرفها (و) بت(معجونةً) عجنت من السكر والدقيق وما أشبه (شنئتها) أي كرهتها (كأنما عُجنت بريق حيةٍ )أي بلعُابها المسموم (أو قينها) الذي أشد كراهة للإنسان.
فَقُلْتُ : أَصِلَةٌ ، أَمْ زَكَاةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَذلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ !
فَقَالَ : لا ذَا وَلا ذَاكَ، وَلكِنَّهَا هَدِيَّةٌ. فَقُلْتُ هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ ! أَعَنْ دِينِ الله أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي؟
..................................
(فقلت : أصلة) للرحم هذه (أم زكاة) فإنَّ ثمن الزكاة يجوز أن يشتري به الحاجة للفقير (أم صدقة) مستحبة (فذلك مُحرمٌ علينا أهل البيت) فقد حرَّم الله سبحانه على الرسول وآله الأئمة والصديقة الطاهرة عليهم الصلاة والسلام الزكاة والصدقة المستحبة والواجبة .
أما غيرهم من السادة فالمحرم عليهم الصدقة الواجبة، أما المستحبة فلا تُحرم عليهم، واحتمل جماعة من الفقهاء إنَّ حرمة الصدقة المستحبة جارية حتى بالنسبة إلى أقرباء الرسول الأقربين، غير الأئمة(عليهم السلام) ، ولذا كانت أم كلثوم تأخذ الجوز والتمر من أفواه أيتام الإمام الحسين (عليه السلام) ، وتقذفها موبخةٌ أهل الكوفة بأن الصدقة محرمة عليهم .
ثم إن الإمام(عليه السلام) لم يذكر حكم الصلة لوضوح أن الطارق لم يقصدها إذ لم تكن قرابة بين الإمام وبين الأشعث، ولفظة [ ذلك] تعود إلى كل من [الزكاة] و [الصدقة ] .
ولم يذكر الإمام الهدية، لأن الهدية إن كانت لاجرائه الحق فلا يجوز أن يأخذ الإنسان ثمن إجراء الحق، وإن كانت لأن يعمل بالباطل فحرمةُ ذلك أكثر ولذا استغرب الإمام(عليه السلام)لما قال له الشخص إنها هدية .
(فقال) الطارق (لا ذا) أي الصدقة (ولا ذاك) أي الزكاة (ولكنَّها هديةٌ) أُهديت إليك (فقلت هبلتك الهبول) هي المرأة التي لا يعيش لها ولد، وهبلتك بمعنى: ثكلتك، وهذا دعاء عليه بالموت، حتى تشكل عليه أمه (أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ ) بأن ألينَ إليك بواسطة هذه الهدية، فأميل إليك
أَمُخْتَبِطٌ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٍ، أَمْ تَهْجُرُ؟ وَاللَّه لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ الله فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةِ مَا فَعَلْتُهُ،
...............................
سواءٌ وافقت الحق أم الباطل.
(أمختبطٌ أنتَ) هو الذي خُلِطَ عَقله، فهو نصف مجنون (أم ذو جِنَّةٍ)هو المجنون الصرف، الذي سُتِرَ على عقله (أم تهجُر) أي تهذو بما لا معنى له، فإِنَّ الإنسان العاقل الشاعر لا يقصد خِداع الإمام ، بعد معرفته له بمثل الهدية ونحوها، وقد رفض(عليه السلام) في قضية الشورى الخلافة الطويلة العريضة، لمجرد أن لا يقول [وسيرة الشيخين] .
لا يُقال فكيف كان الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقبل الهدية؟ إذ الجواب واضح، فإنَّه فرق بين المُهدين للهدايا، إذ قد يكون المُهدي يريد بذلك رضاه سبحانه وتعالى ومحبته للمُهدى له، ومن هذا القبيل كانت الهدايا التي يقبلها الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وقد يكون يريد بذلك استمالة الحاكم ليحكم له بالباطال، وهذا هو الذي قصده الإمام(عليه السلام) .
(والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة) جمع إقليم، وهو القطعة المعينة من قبل علماء الفلك في الأرض، فإنَّهم قسموا الربع الشمالي من خط الاستواء إلى سبعة أقسام معظم المعمورة فيها، ومراد الإمام(عليه السلام) أعطيت المعمورة كلها (بما تحت أفلاكها) أي أعطيتها من السماء إلى الأرض (عَلَى أَنْ أَعْصِيَ الله فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ) أي قشرتها (ما فعلته) ذلك الظلم على قلته ولو كان الثمن بتلك الكثرة والعظمة فكيف أظلم - كما يريد الأشعث - في مقابل ملفوفة حلواء . . ؟
وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لأهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضُمُهَا، مَا لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى ، وَلَذَّةٍ لا تَبْقَى! نَعُوذُ بِالله مِنْ سُبَاتِ الْمَقْلِ وَقُبْحِ الزَّلَلِ. وَبِهِ
نَسْتَعِينُ .
....................................
(وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لأهْوَنُ مِنْ وَرَقَة) من أوراق الشجر (في فم جرادة تقضمها) تُكسرها بأسنانها، فكيف أظلم أحداً لهذه الدنيا ؟ (ما لعليٍّ ولنعيم يَفني) ؟ أي لاحاجة لي بنعيم الدنيا الفانية(ولذَّةٍ لا تبقى) من لذائذ الدنيا(نعوذ بالله) أي نستجير به أن يحفظنا(من سُبات العقل) أي نومه الموجب لأن يرجح الإنسان شهواته على مقتضيات عقله (وقُبِح الزَّلل) أي السقوط في الخطأ الذي هو قبيح ( وبه نستعينُ) حتى يُعيننا على أنفسنا كي لانَظلِمَ ولا نعصي .
اللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَلا تَبْذُلْ جَاهِيَ بِالإقْتَارِ ، فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ، وَأَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ، وَأُبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي، وَأُفْتَتَنَ بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي، وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الإِعْطَاءِ وَالْمَنْع ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
.....................................
التوضيح:
(اللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ) صيانة الوجه : حفظه من التعرض للسؤال، ونسبة الصيانة إلى الوجه لأنه الموضع الذي يواجه الإنسان به الباذل فيوجب خجله ونحوه، واليسار: الغنى (ولا تبذل جاهي بالإقتار) الإقتار : الفقر، وبذل الجاه : إسقاط المنزلة من القلوب، فإنَّ الفقير تسقط منزلته، لأن الناس يفرون منه ولا يحترمونه (فأسترزقُ) أي أطلب الرزق مِنْ (طالبي رزقك) أي الذين يطلبون الرزق منك، فلا داعي إلى تطويل الطريق، وإعطاء غيرك لي ما أنت قادرٌ عليه. (واستعطف شرار خلقك) أي أطلب عطفهم ومنحهم (وأُبتلى بحمد من أعطاني) دون حمدك (وأفنتن) أي أُبتلى وأُمتحن (بذمِّ من منعني) وذلك ليس مما ينبغيى أن يذم الإنسان شخصاً منعه لمجرد أنه منعه (وأنت من وراء ذلك كُلِّهِ) إعطاء المعطي، ومنع المانع (وليُّ الإعطاء والمنع) فإنَّه سبحانه لم يُقدِّر لي ولذا مُنعت أو تفضَّل عليَّ بعطفِ المُعطي فأُعطيت، فإذا كان الأمر بيدك يارب فأسألك أن توصل الرزق إليَّ مباشرةٌ بدون واسطة (إنَّك على كل شيء قدير) فتقدر على الإيصال وصون الوجه باليسار.
دَارٌ بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ ، لا تَدُومُ أَحْوَالُهَا ، وَلا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا ، أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَتَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ، الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالأمَانُ فِيهَا مَعْدُومٌ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْراضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا ،
....................................
التوضيح :
(دار بالبلاء محفوفةٌ) ففي جوانبها كلها بلايا وأسقام (وبالغدر) أي: الخدعة (معروفة) يغدر بذى الجاه وذي المال وذي السلطان فينزِّلهم عن رتبهم، ويجعل غيرهم مكانهم (لاتدوم أحوالها) على حالة واحدة، بل تتقلب من حال إلى حال (ولا يَسلم نُزَّالها) جمع نازل، أي النازلون فيها، بل ترميهم بمختلف أصناف البلاء والمحن، فالإنسان فيها (أحوال مختلفة) من غنىً وفقر وصحةٍ ومرضٍ وشبابٍ وهرمٍ وهكذا.
(وتارات) جمع تارة بمعنى مرة، (متصرفة) أي مختلفة فمرة هكذا ومرة هكذا (العيش فيها مذموم) إذ عيشها مُنغص بالكدورات، ولذا يذمه كل إنسان (والأمان فيها معدوم) إذ لا أمان لأحدٍ بل كل إنسان فيها معرض للفناء وصنوف البلاء .
(وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْراضٌ مُسْتَهْدَفَة) أي كالغرض الذي يُرمى ويُجعَلُ هدفاً للنبال، يأتيهم مختلف سهام البلاء (ترميهم) الدنيا (بسهامها) المراد بها
وَتُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا .
وَاعْلَمُوا عِبَادَ الله أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدَّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ، مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً، وَأَعْمَرَ دِيَاراً، وَأَبْعَدَ آثَاراً، أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةٌ، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةٌ وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةٌ ، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً ، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةٌ، فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ، وَالنَّمَارِقِ الْمُمَهْدَةِ، الصُّخُورَ وَالأحْجَارَ الْمُسَنَدَةَ،
.............................
الأمراض والمحن والشدائد (وتفنيهم بحمامِها) الحمام: الموت.
(وَاعْلَمُوا عِبَادَ الله أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا) أي شملكم في حال كونكم في الدنيا (على سبيل من قد مضى) من أهل الدنيا الذين تمتعوا بالدنيا ثم فنوا (ممنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً) فإِنَّ الأعمار في بعض الأمم كانت أطول من أعمارنا، لشدة بنيتهم وصلابة عظامهم (وأعمر دياراً) أي ان ديارهم كانت أكثر عمارة كسباً ونحوها .
( وأبعد آثاراً) فإنَّ آثارهم كانت تبقى بعدهم كثيراً، بخلاف آثاركم التي لا تبقى إلّا قليلا، ولذا بقيت بقايا طاق كِسرى، وقلعة بعلبك، وما أشبههما (أصبحت أصواتهم هامدة) أي ساكنة، فلا يتكلمون(ورياحهم راكدة) أي ساكنة، وركود الريح كناية عن انقطاع العمل وبطلان الحركة (وأجسادهم بالية) أي فانية مندرسة من البلى بمعنى الإندراس .
(وديارهم خالية) عن أهلها، فقد فني أهلها وبقيت الدار (وآثارهم عافيةً) أي ذاهبة مندرسة (فاستبدلوا بالقصور المشيدة) أي المبنية بناء محكماً.
(والنمارق) جمع نمرقة، وهي الوسادة (الممهدة) التي صفت لاتكائهم عليها (الصُّخُورَ وَالأحْجَارَ الْمُسَنَدَةَ) التي يستندون في القبور إليها
وَالْقُبُورَ اللَّاطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ، الَّتي قَدْ بُنِيَ بِالْخَرَابِ فِنَاؤُها ، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا ، فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ ، وَأَهْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلِينَ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالأَوْطَانِ، وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ، عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ ، وَدُنُوِّ الدَّارِ. وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبَلَى،
................................
(والقبور اللاطِئَةَ) أي اللاصقة بالأرض، من لطأ بالأرض بمعنى لصق (المُلحدة) من أُلحد القبر إذا جُعِلَ له لحداً، وهو الشق في جانبه (الَّتي قَدْ بُنِيَ بِالْخَرَابِ فِنَاؤُها) الفناء : الساحة للدار وما أشبه، كأن تلك القبور منازل لها فناء، وفناؤها خراب وعدم .
(وشُيّد بالتُّراب بناؤها) إذ تملأ القبور بالتراب (فمحلُّها) أي محل تلك القبور(مقترب) قريب من الناس، فإنَّ المقابر في قرب المدن (وساكنها مغترب) غريب إذ لا أُنس له بأهل الدنيا (بين أهل محلَّةٍ موحشين) فإنَّ الأموات لا تزاوُرَ بينهم ولا أُنس، ولذا فهم أهل محلة واحدة، ولكنهم تغمرهم الوحشة والانفراد.
(وأهل فراغ) إذ لا عمل لهم(متشاغلين) أي مشغولين بثواب أعمالهم أو عقابها(لا يستأنسون بالأوطان) التي تركوها في دار الدنيا (ولايتواصلون) يصل بعضهم بعضاً (تواصُل الجيران) إذ همدت أجسامهم وخَوت أجسادهم (على ما بينهم من قرب الجوار) أي مع أن بعضهم قريب من بعض (ودُنُوٍّ الدار) أي قربها، فإنَّ قبورهم متقاربة، (وكيف يكون بينهم تزاور) زيارة بعضهم لبعض .
(وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى) البلى : الفناء، وكلل : الصدر، كان الفناء
وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى، وَكأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إلَى مَا صَاروا إِلَيْهِ، وَارْتَهَنَكُمْ ذلِكَ الْمَضْجَعُ وَضَمَّكُمْ ذلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ . فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الأمُورُ ، وَبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ :
هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(1). ...................................
ألقى عليهم صدره، فصار سبباً لتحطمهم، كما تحطم الحنطة ونحوها بالرحى (وأكلتهم الجنادل)جمع جندل، بمعنى: الحجارة (والثرى) أي التراب، فإنَّ الإنسان يتحول إلى التراب فكأن التراب أكله .
(وكان قد صرتم )أيها السامعون (إلى ما صاروا إليه) من الفناء (وارتهنكم ذلك المضجع) كما يحبس الرهن في يد المرتهن، والمضجع : محل الاضطجاع والنوم، يعني القبر (وضمَّكم ذلك المستودع) أي حواكم القبر الذي هو محل وديعة أجسادكم (فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور) تناهى به الأمر، أي وصل إلى غايته، والمراد انتهاء الأمور التي في البرزخ والقبر، لتأتي نوبة القيامة وأهوالها.
( وبُعثِرت القبور) أي قلب ثراها وأخرجت الأموات منها (هنالك تبلو) أي تخبر من قبله سبحانه (كل نفس ما أسلفت) في دار الدنيا والمراد الإخبار للجزاء، كما يقرأ جرم المجرم ليعاقب، وإحسان المحسن ليعطى الجائزة (وردوا إلى الله) أي إلى جزائه وحسابه (مولاهم الحق) فإنّه سبحانه ربهم لا غيره (وضل عنهم) أي عن عبدة الأصنام (ما كانوا يفترون) أي يجعلونها شركاء له سبحانه .
1) سورة يونس: 30
ليهديه إلى الرشاد
اللهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الآنسِينَ لأوْلِيائِكَ ، وَأَحْضَرُهُمْ بِالْكِفايَةِ لِلمُتوكِّلِينَ عَلَيْكَ . تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ، وَتَطَّلِعُ عليهم فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ. فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ ، إِنْ أوْحَشَتْهُمُ الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ ،
......................................
التوضيح:
(اللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الآنسِينَ لأوْلِيائِكَ) فأولياء الله سبحانه أشد أُنساً بالله من أُنسهم بكل أحد، والأُنس بالله عبارة عن إرادة العزلة والمناجاة، مما يجد الصالحون فيه لذَّة واطمئنان (وأحضرهم) أي أحضر الناس (بالكفاية للمتوكلين عليك) فإنَّكَ تكفيهم بأحسن أنواع الكفاية مِمّا لا يقدر مثلها غيرك، والمتوكل على الله هو الذي يعمل بأمره سبحانه، ويَكِلُ أمرهُ إليه (تُشاهِدهم في سرائرهم) جمع سريرة، أي تنظر إلى ضمائر الناس الأولياء والمتوكلين.
(وَتَطَّلِعُ عليهم فِي ضَمَائِرِهِمْ ،) الإطِّلاع أعم من المشاهدة، إذ المشاهدة الرؤية والإطلاع شامل للإستماع ونحوه (وتعلم مبلغ بصائرهم) جمع بصيرة، بمعنى: المعرفة أي تعلم مقدار معرفة كل واحد منهم(فأسرارهم لك) يا إلهي(مكشوفة) إذ انت مُطَّلع على باطنهم (وقلوبهم إليك ملهوفة) أي: مضطربة من شدة الحب والاشتياق (إن أوحشتهم الغربة) بأن كانوا في محل غريب، يوجب وحشتهم (آنسهم ذكرك) فإنَّ بالذكر يحصل
وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهُمُ الْمَصَائِبُ لَجَلُّوا إلى الاسْتِجَارَةِ بِكَ، عِلْماً بِأَنَّ أَزِمَّةَ الأمُورِ بِيَدِكَ، وَمَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ. اللَّهُمَّ إِنْ فَهَهْتُ عَنْ مَسْأَلَتي، أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتِي فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي، وَخُذْ بِقَلْبِي إِلى مَرَاشِدِي، فَلَيْسَ ذلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدَايَاتِكَ، وَلا بِبِدْعٍ مِنْ كِفَايَاتِكَ. اللَّهُمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ، وَلا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ .
......................
اطمئنان وسكون للنفس يوجب ذهاب الوحشة .
(وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهُم المَصَائِبُ لَجَأوا إلى الاسْتِجَارَةِ بِكَ) أي يلجأون إليك في دفع المصائب والمكاره عنهم (علماً) منهم (بأن أزمَّة الأمور) جمع زمام ، وهي الأسباب التي تأتي بالنتائج الحسنة أو السيئة (بيدك) المراد تحت إرادتك، ولفظة اليد من باب التشبيه (و) إن (مصادرها) أي صدور تلك الأمور (عن قضائك) فإنَّك تقضي ما تشاء .
(اللهم إن فههت) أي عييت، فإنَّ الفهامة ضد النصاحة (عن مسألتي) أي عن كيفية السؤال (أو عَمِيتُ عن طلبتي) فلم أتمكن من الوصول إليها (فدُلَّني على مصالحي) في كيفية الطلب وطريق الوصول (وخذ بقلبي إلى مراشدي) مواضع الرشد والصلاح (فليس ذلك بنُّكٍر) أي منكر - غير معروف - (من هداياتك) فكم هديت الناس إلى مصالحهم، وأرشدتهم إلى مواضع رشدهم .
(ولا بِبِدعٍ ) أي مبتدع جديد( من كفاياتك) التي تكفي بها من تشاء من خلقك (اللهمَّ احملني على عفوك) كأن العفو مركب يركب الإنسان عليه فينجو من خطاياه وآثامه (ولا تحملني على عدلك) إذ العدل موجب لعدم إعطاء الأجر فإنَّ الإنسان ملك له سبحانه، فكل عمل يعمله يكون باستحقاقه تعالى، ومثله لا يوجب الأجر، وقد سبق وجه استغفار المعصومين(عليهم السلام) وطلبهم العفو في مالك الأشتر(رضی الله عنه)بعد موته.
لله بَلاءُ فُلانٍ، فَقَدْ قَوَّمَ الأَوَدَ ، وَدَاوَى الْعَمَدَ ، خَلَّفَ الْفِتْنَةَ! وَأَقَامَ السُّنَّةَ، ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ، قَلِيلَ الْعَيْبِ. أَصَابَ خَيْرَهَا ، وَسَبَقَ شَرَّهَا . أَدَّى إلى اللهُ طَاعَتَهُ ،
.......................
(الله بلاء فلان) أي لله ما فعل مالك من الخير، وهذا مدح بأنَّ عمله كان لله سبحانه (فقد قوّم الأود) أي عدل الإعوجاج فقد كان(رحمۀ الله علیه) للإمام بمنزلة الإمام (عليه السلام)للرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كما نصر بذلك الإمام(عليه السلام)(وداوى العمد) أي العلة، ومداواتها: إزالتها (خلف الفتنة) بأن تركها بعده، وهذا تضجر من بقاء الفتنة، وموت مالك الذي كان يعالج الفتن وينفذ أمر الإمام(عليه السلام)فيها ، بلا زيادة أو نقصان .
(وأقام السنة) أي عمل بسنة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، بدون ابتداع فيها (ذهب نقيَّى الثَّوب) نقاء الثوب كناية عن عدم تلوثه بالمعاصي والآثام (قليل العيب) وإنما قال قليل العيب لانَّ كل أحد غير المعصوم لابد وأن يكون فيه عيب (أصاب خيرها) لعل الضمير يعود إلى أحوال الناس الظاهر من السياق، وإصابة الخير كناية عن نجاحه في الامتحان، إذ ثبت واستقام .
(وسبق شَرَّها) كناية عن أن شرها لم يلحقه فكأنّه فرَّ عنها، كالذي يفر من سبع ولص وما أشبه (أدى إلى الله طاعته) أي أطاعه سبحانه، فكأن الطاعة
وَاتَّقَاهُ بِحَقِّهِ. رَحَلَ وَتَرَكَهُمْ، فِي طُرُقٍ مُتَشَعَّبَةٍ لا يَهْتَدِي بِهَا الضَّالُ، وَلا يَسْتَيْقِنُ الْمُهْتَدِي .
.........................
كانت أمانةً بيده فأداها كاملة (واتقَّاه حقه) أي حق التقوى (رحل وتركهم) أي الناس.
(في طرقٍ مُتشعبةٍ) فإنَّ مالكاً كان يملك زمام أمر أهل الكوفة يثقون به ويجتمعون على رأيه، فلما مات صار لكل رأيٌ (لا يهتدى) أي في تلك الطرق (الضَّالُ) إذ لا يطمئن بما يرى من طرق الهداية، (ولا يستيقن المهتدى) بأن طريقه هدى، وهذه عادة الناس، فإنَّهم يتبعون رؤساءهم دون الآمر الأعلى، فإذا فقد الرئيس انقصم حبلهم، وقد قال بعض أهل السنة إن المراد بـ[فلان] في كلام الإمام [عمر] وهذا خطأ وكيف يجتمع هذا مع مع تضجره الشديد من عمر في الخطبة الشقشقية، مع الغض عن سائر الأمور التي ثبتت في التواريخ والسير .
قال الشريف : وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة
وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا ، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الإبِلِ الهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِزوَدِهَا، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرّدَاءُ ، وَوَطِئَ الضَّعِيفُ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بهَا الصَّغِيرُ ، وَهَدَجَ
............................
التوضيح:
(وبسطتم يَدِي) أي مددتموها للبيعة (فكففتها) أي جمعتها فِراراً عن يعتكم (ومددتموها فقبضتها) إما عبارة أُخرى عن الجملة السابقة، أو المراد ببسط اليد فتح الكف، والمراد بكففتها: جمعتها، فالجملتان لافادة معنيين (ثم تداككتم عليَّ) التداك : الازدحام (تداك الابل الهيم) أي مثل تزاحم جماعة الإبل العطاش، فإنَّ هيم جمع هيماء، بمعنى: العطشى، (على حياضها) جمع حوض : مجمع الماء (يوم ورودها) أي ورودها الماء للشرب(حتى انقطعت النَّعل) أي انقطع شسع نعل الامام(عليه السلام) .
(وسقط الرِّداء) من منكب الامام(عليه السلام)( ووُطيء الضعيف) أي: سُحِقَ بالأقدام من كان ضعيفاً لا يقدر على المكافحة (وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيَّاي أن ابتهج بها) أي بالبيعة (الصغير) والابتهاج الفرح (وهدج) أي مشى
إِلَيْهَا الْكَبِيرُ ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكَعَابُ .
............................
مشية الضعيف (إليها الكبير ) ليوصل نفسه إلى الإمام فيبايع (وتحامل نحوها العليل) أي حمل نفسه على المشي بكل صعوبة ليبلغ البيعة .
( وحَسرَتْ إليها الكعَابُ) كعاب وزن السحاب، الجارية حين يبدو ثديها للنهود ،وهي الكاعبة، وحسرت أي كشفت عن وجهها لترى جماهير الناس، وهذه من عادة البنات أنْ يكشفن عن وجوههن في الازدحامات والمناسبات، وقصد الإمام(عليه السلام) من بيان هذه الجمل إنَّ البيعة تمت بمنتهى اختيار الناس، فليس لأحد أن يقول عنها بأنها كانت بإكراه وإجبار، وهذه عادة الناس يقبلون على الشيء بكل جد واشتياق، ثم إذا تصادَم الحق مع مصالحهم تنفَّروا .
فَإِنَّ تَقْوَى الله مِفْتَاحُ سَدَادٍ، وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ، وَعِتْقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةِ. بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ، وَيَنْجُو الْهَارِبُ، وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ .
.......................................
التوضيح :
(فإن تقوى الله مفتاح سداد) فإنَّ سداد الإنسان إنما يكون بالتقوى (وذخيرةُ معاد) أي هي الباقية للإنسان في يوم القيامة (وعِتقٌ من كلِّ ملكة) الملكة: الصفة الحاصلة للنفس الثابتة فيها، كملكة الجُبن أو الشجاعة، والبخل أو الكرم وهكذا والمراد هنا الملكات السيئة، فإنَّ الإنسان المتقي يتخلص من كل هذه الملكات، حيث يتبع أوامر الإسلام.
(ونجاةٌ من كلِّ هلكة) أي هلاكه في الدنيا والآخرة، فإنَّ التقوى تحفظ الإنسان عن المهالك - وبالأخص المهالك الأخروية - (بها) أي بالتقوى ( ينجح الطالب) لأمر من الأمور فإنَّ الله يتفضل على أهل التقوى بإنجاز أمورهم (وينجو الهارب) من خوف المعاصي والآثام، فالذي يَهرب من الله من خوف معاصيه إذا اتقى ينجو ولا يلحقه الضرر الذي هرب منه (وتنال الرغائب) أي : الأشياء المرغوبة للإنسان .
فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ، وَالْحَالُ هَادِثَةٌ، وَالأقْلامُ جَارِيَةٌ، وَبَادروُا بِالأعْمَالِ عُمُراً نَاكساً، وَمَرَضاً حَابِساً ، أَوْ مَوْتاً خَالِساً . فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُم . زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ ، وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ. قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ
..................................
(فاعملوا) الآن، وأنتم في الدنيا (والعمل يُرفعُ) أي يقبل (والتوبة تَنفعُ) فتوجب محو الذنوب (والدعاء يُسمعُ) أي يقبله الله سبحانه، والسماع حيث هو سبب للقبول، أُقيم مقامه بعلاقة السبب والمسبب (والحال هادئةٌ) أي ساكنة يمكن العمل فيها، فإنَّ في أوقات الاضطراب لا يمكن العمل.
(والأقلام جارية) أي تجرى بكتابة الحسنات، والمراد أقلام الكتبة من الملائكة الحافظين للأعمال (وبادِرُوا بالأعمال عمراً ناكساً) أي ذاهباً كان العمر الناكس - وهو أواخر العمر الموجب لنكس الإنسان إلى حالة الطفولة والخرافة - يريد أَخذ الإنسان، والعمل يريد استغلاله، فاللازم أنْ يَعمل الإنسان قبل أنْ يأخذه العمر (ومرضاً حابساً) أي يَحبسكم ويمنعكم من العمل (أو موتاً خالساً) يأخذكم على فجأة وبغتة .
(فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ) يهدم لذائذكم في الحياة (ومكدِّرُ شهواتِكُم) ينغصها بالفناء (ومباعد طِيَّاتكم) جمع [طية] بالكسر، بمعنى: القصد أي يحول بينكم وبين مقاصدكم فيبعدها عنكم الموت (زائِرٌ غيرُ محبوبٍ) لا يحبه الإنسان (وقرن) هو الكفؤ في الشجاعة، الذي يبارز الشخص في ساحة الحرب (غير مغلوبٍ) لا يتمكن الإنسان من غلبته .
(رواترٌ) القاتل ومن أشبه من الذين يريقون دم الإنسان ويجرحونه (غير مطلوبٍ) فإنَّ الإنسان لا يتمكن أن يطالب الموت بدم من أماته ( قد أعلقتكم
حَبَائِلُهُ، وَتَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ، وَأَقْصَدَتْكُم مَعَابِلُهُ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ ، فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ، وَاحْتِدَامُ عِلَلِهِ، وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ، وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ، وَأَلِيمُ إِزْهَاقِهِ،
....................................
حبائله) شبكة الصيد، جمع حبالة، وأعلقتكم أي تعلقت بكم (وتكنَّفتكم) أي أحاطتكم (غوائله)جمع غائلة وهي الشدائد والكوارث .
( وأقصدتكم) أقصده إذا رماه بالسهم (معابله) جمع معبلة، وهي : النصل الطويل العريض، أي الحديدة في رأس السهم(وعظمت فيكم سطوته) أي أخذهُ، فإنَّ الموت إذا أراد أخذ أحد لا يمكنه الفرار منه (وتتابعت عليكم عدوته) العدوة: العدوان، وتتابع العدوان باعتبار أخذه لأقربائهم وأصدقائهم واحد بعد واحد (وقلَّت عنكم نبوته) النبوة: أن يخطيء في الضربة فلا يصيب، أي الموت لا يخطيء إذا أراد الإصابة ولعل لفظة [قلت] باعتبار الآجال المعلقة التي يفلت الإنسان منها(فيوشِكُ أن تغشاكم دواجي ظُللِهِ) دواجي جمع داجية، أي المظلمة، وظلل جمع ظُلَّة، كالسحابة التي تظل، أي يقرب أن يظلكم سحاب الموت المظلم .
(واحتدام عللّه) أي يوشك أن يغشاكم احتدام - أي اشتداد - علل الموت، جمع علة، فإنَّ الموت يورث العلة (وحنادس غمراتهٍ) حنادس جمع حندس، بكسر الحاء ، الظلمة الشديدة وغمرات جمع غمرة، وهي التي تغمر الإنسان وتشمله أنواع الشدائد .
(وغواشي سكراته) غواشي جمع غاشية، التي تغشى الإنسان وتشمله، وسكرات جمع سكرة، الحالة الشديدة التي توجب أن لا يشعر الإنسان كأنَّهُ سكران (وأليم إرهاقه) الإرهاق: اللابطال، أي الشديد المؤلم من الموت
وَدُجُوُّ إِطْبَاقِهِ، وَجُشُوبَةُ مَذَاقِهِ، فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ ، وَفَرَّقَ نَدِيَّكُمْ، وَعَفَّى آثَارَكُمْ، وَعَطَّلَ دِيَارَكُمْ، وَبَعَثَ وُرَّاتَكُمْ ، يَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُمْ، بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصِّ لَمْ يَنْفَعْ ، وَقَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ ، وَآخَرَ شَامِتٍ لَمْ يَجْزَعْ .
فَعَلَيْكُمْ بِالْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ ، وَالتَّأَهُّبِ وَالاسْتِعْدَادِ، وَالتَّزَوُّدِ
......................................
الذي يوجب إبطال الإنسان (ودُجُّو إطباقه) الدجوُّ: الإظلام، والأطباق: الاشتمال فإنَّ الموت يشمل الإنسان، وله ظلمة توجب سقوط الحواس والمشاعر عن الإدراك (وجشوبة) أي خشونة (مذاقه) أي ذوقه، فإنَّ الإنسان يذوق الموت بحواسه وإدراكاته، والتاكيد بهذه الجمل المتقاربة معنى لتركيز حال الموت في ذهن الإنسان، فإنَّ التكرار من أفضل وسائل التركيز (فكأنْ قد أتاكُم) الموت (بغتةً) أي فجأة (فأسكت نجيَّكم) النجى القوم يتناجون .
(وفرَّق نديّكم) النَّدي : الجماعة يجتمعون للمشاورة (وعفَّى آثاركم) أي محاها حتى لا أثر لكم بعد (وعطَّل دياركم) عن ساكنيها فبقيت خالية (وبعث) أي أثار (ورَّائَكُم) جمع وارث (يقتسمون تراثكم ) أي ميراثكم (بين حميم خاصٍّ) أي حالكم في حال الموت بين صديق يخصكم (لم ينفع) بكم نفعاً في درء الموت عنكم .
(وقريب محزون لم يمنع) الموت عنكم ( وآخر شامتٍ) يفرح بموتكم (لم يجزع) أي لم يحزن حزناً شديداً (فعليكم بالجدِّ) في العمل (والاجتهاد) في الطاعة ( والتأهُّب) أي التهيّء لملاقاة الموت (والاستعداد) بتحصيل التقوى التي تنفع في الآخرة (والتزوُّد) أي أخذ الزاد اللائق بالآخرة وهو العمل
فِي مَنْزِلِ الزَّادِ. وَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا، وَأصَابُوا غِرَّتَهَا، وَأَقْنَوْا عِدَّتَهَا، وَأَخْلَقُوا جِدَّتَهَا . أَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثَاً. لا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَلا يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ، وَلا يُجيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ .
......................................
الصالح (في منزل الزَّاد) أي الدنيا .
(ولا تغرَّنَّكم الدنيا) أي لا تخدعنَّكم بزخارفها حتى تركَنون إليها(كما غرَّت من كان قبلكم) مِنَ البشر(من الأمم الماضية) الذين انحرفوا عن سنن الأنبياء والقرون (الخالية) الخالية أي الماضية، وقرون جمع قرن مائة سنة أو ما أشبه، والظاهر أنَّهُ سُمي قرناً ، لِتَقارن أعمار كل جيل في تلك المدة (الذين احتلبوا) أي حلبوا (درتها) أي لبن الدنيا، والمراد لذائذها تشبيهاً لها بالناقة الحلوبة .
( وأصابوا غِرَّتها) أي غفلتها، فكأنهم أصابوا أنْ الدنيا غافلةً عنهم، لا ترید بهم شراً، ولذا تمتعوا بلذائذها غافلين من أنها فاطنة وستنتقم منهم (وأفنوا عدتها) أي أيامها العديدة، كناية عن بقائهم فيها مدة مديدة (وأخلقوا جِدَّتها) أي جعلوا جديدها - من الشباب والرياش والأموال وما أشبه - قديماً حيث عمَّروا فيها وتمتعوا بزخارفها (أصبحت مساكنهم أجداثاً)جمع جدث بمعنى: القبر .
( وأموالُهُم ميراثاً) إرثاً لأقربائهم (لا يعرفون من أتاهم) إلى مقابرهم، والمراد عدم المعرفة بالأبدان، كما كانت العادة أن يعرفوا بحواسهم (ولا يحفلون) أي لا يبالون (مَنْ بكاهُم) لأنّهم في شغل عنهم (ولا يُجيبون) إجابة باللسان( من دعاهم) كما كانوا في الدنيا يجيبون، أما المعرفة بالنفس لمن أتى
فَاحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ ، غَرَارَةٌ خَدُوعٌ ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ ، لا يَدُومُ رَخَاؤُهَا ، وَلا يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا ، وَلا يَرْكُدُ بَلاؤُهَا .
منها في صفة الزهاد : كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، فَكَانُوا فِيهِا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا ، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ، تَقَلَّبُ
........................................
والاهتمام بالنفس لمن بكى وإجابة النفس لمن دعا فذلك شيءٌ مُسلمٌ بالنسبة إلى من يؤذن لهم هناك .
(فاحذروا الدُّنيا فإنَّها غدَّارة) تغدر بالإسان: تظهر شيئاً حتى إذا اطمئن إليه أخذتهُ منه على حين غرة ( غرَّارة) كثيرةُ التغرير والخداع (خدوع) كثيرةٌ الخديعة و المكر(مُعطيةٌ) لبعض الأشياء للإنسان(مَنوعٌ) كثيرة المنع لحوائج الإنسان، ولا تعطي يوماً شيئا إلّا منعته بعد ذلك (مُلبِسةٌ) تُلبِسُ الإنسان اللباس و الرياش (نَزوعٌ) ثم تنتزعها منه (لا يدوم رخاؤها) الرخاء: السعة في العيش (ولا ينقضي عَناؤها) أي تعبها (ولا يركد) أي لا يهدأ (بلاؤها) ومصائبها .
(كانوا قوماً من أهل الدنيا) بأبدانهم وتعارفهم مع أهلها (وليسوا من أهلها) بالقلوب والأعمال (فكانوا فيها كمن ليس منها) إذ لا يعاشرون أهل الدنيا معاشرةٌ تامةٌ، وإنما يأخذون بطرف من الدنيا لا يضر دينهم وآخرتهم (عملوا فيها بما يبصرون) فيه الخير والسعادة، لا كأهل الدنيا الذين يعملون كالأعمى لا يهتمون أنجوا أم هلكوا؟
(وبادروا فيها ما يحذرون) أي سبقوا المحذور حتى لم يلحقهم كمن يسبق لصاً أو سبعا حتى لا يلحقه (تَقَلَّبُ) أي تتقلب، حذفت إحدى تاءيه
أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الآخِرَةِ، يَرَوْنَ أَهْلِ الدُّنْيَا يُعَظْمُونَ موت أَجْسَادِهِمْ، وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ .
...............................
على قاعدة باب التفعيل (أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة) أي كأنَّهم - وهم في الدنيا - يعيشون بين أظهر أهل الآخرة، لأنسهم بإولئك، ووحشتهم من أهل الدنيا (يرون أَهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم) فإذا مات من أهل الدنيا أَحد عظَّموا موته، مع العلم أنه ليس المهم موت الأجساد وإنما المهم موت القلوب.
(و) لذلك (هم) أي الزهاد (أَشدُ إعظاما لموت قلوب أحيائهم) فإذا رأوا حياً مات قلبه بأن ترك الطاعة واقترف المعصية عظَّموا ذلك، لما يعلمون من أنَّ عاقبة مثل هذا الإنسان إلى الخسارة الأبدية .
ذكرها الواقديُّ في كتاب (الجُمل):
فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَبَلْغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ، فَلَمَّ اللهِ بِهِ الصَّدْعَ وَرَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ، وَأَلَّفَ بِهِ ذَوِي الأَرْحَامِ، بَعْدَ الْعَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَ الضَّغَائِنِ الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوب.
..................................
التوضيح:
(فصدعَ) أي الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، والصدع أصله الكسر ، فكأن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كسر عادات الجاهلية وعقائدها (بما أمر به) من أوامر الله سبحانه (وبلَّغَ رسالات ربهِ) والاتيان بالجمع باعتبار كل رسالة رسالة، وحكم حكم (فلَمَّ الله به الصَّدع) أي جمع سبحانه بسبب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) انشقاق الناس .
(ورتق) أي خاط (به الفتق) وهو شق الثوب، ومفاد هذه الجملة كمفاد الجملة الأولى (وأَلَّف به ذوي الأرحام بعد العداوة الواغرة في الصدور) الواغرة، بمعنى: الداخلة، فإنَّ الجاهليين كانوا يقطعون الأرحام لعداوات بينهم ، فألَّفَ الله بالرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بين أُولئك حتى صاروا أرحاماً وإخوةٌ (والضغائِنْ)جمع ضغينة، بمعنى الحقد (القادحة في القلوب) كان يتطاير شررها في قلوب أهل الجاهلية.
وهو من شيعته، وذلك أنَّهُ قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً، فقال (عليه السلام):
إِنَّ َهذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلا لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ ، وَإِلَّا فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لا تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ .
..................................
التوضيح :
(إنَّ هذا المال) الذي تراه في بيت المال تحت سلطتي وأردتَ بعضه (ليس لى، ولا لك، وإنما هو فيءُ للمسلمين) أي خَرَاجٌ وغنيمة (وجلبُ أسيافهم) أي ما جلبه أسيافهم في الجهاد (فإن شَرِكْتَهُم في حربهم) بأن حاربت معهم (كان لك مثل حظِّهم) يقسم المال على الكل بالسوية فيعطى لك قسم منه ( وإلا فَجَناة أيديهم) أي ما جناه (لا تكون لغير أفواهِهِم) ولا نصيب لك فيه .
أَلا إِنَّ اللَّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الإِنسانِ، فَلا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذا امْتَنَعَ، وَلا يُمْهِلُهُ النَّطْقُ إِذا اتَّسَعَ. وَإِنَّا لأُمَرَاءُ الكلامِ، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَهَدِّلَتْ غُصُونُهُ .
................................
التوضيح :
أمر الإمام ابن أُخته جعدة بن هبيرة يوماً أن يخطب الناس فصعد المنبر فحصر، ولم يستطع الكلام فخطب الإمام بهذا الكلام.
(ألا إِنَّ اللسانَ بضعةٌ) أي قطعة( من الإنسان فلا يُسعدُهُ القول) أي لايتأتى من اللسان التكلم (إذا امتنع) الإنسان عن الكلام بأن لم يستعد ذهنه لتخريج الكلام ( ولا يُمهِلُهُ النطق إذا اتسع) إذ تنحدر الألفاظ من اللسان انحدار السيل حتى لا يجد الإفراغ ما في ذهنه، مجالاً (وإنَّا لأمُراءُ الكلام) يعني أن عَيَّ ابن أُختي ليس لعدم تمكنه، فإنَّا في الكلام كالأمير، وسائر الناس كالرعية، بل عَيَّهُ لعدم مساعدة ذهنه، لأن اللسان بضعة من الإنسان لا يسعده القول إذا امتنع .
(وفينا تنشَّبت) أي ثبتت (عروقه) كالشجرة التي تثبت أصولها (وعلينا تهدَّلت) أي تدلَّت (غصونه) فالمعاني السامية في أنفسنا، والألفاظ الفصيحة البليغة متدلية علينا، أي أنها تتفجر من جوانبنا .
وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ الله أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَاللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ ، وَاللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ . أَهْلُهُ مُعْتَكفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الإِدْهَانِ، فَتَاهُمْ عَارِمٌ ، وَشَائِبُهُمْ آثِمٌ، وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ ، وَقَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ. لا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلا يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ .
.......................................
(واعلموا رحكمكم الله) دعاء بلفظ الخبر، وكأن الأصل فيه بيان الشوق إلى المطلوب حتى كأنه وقع أو سيقع في مثل : يرحمكم الله (أنَّكم في زمان القائل فيه بالحق قليل) هذا بالنسبة إلى زمان الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أو مطلقا ، لأن زمان الإمام كان زمان فوضى واضطراب، وفي مثله يقل القائل بالحق (واللسان عن الصدق كليل) أي تعب للخوف أو الطمع المستولي على النفس مما يوجب ثقل الصدق .
( واللازم للحق ذليلُ) وهكذا يكون الزمان إذا اضطرب واختل حبل الوحدة (أهله معتكفون على العصيان) أي ملازمون له من عكف بمعنى لزم (مصطلحون على الدهان) أي اصطلح بعضهم بعضاً على المجاملة في الدين (فَتَاهُم) أي شابُّهم (عارم) شرس سيءُ الخلق (وشائِبهم) أي كبيرهم في السن (آثمٌ) يعصى الله سبحانه ولا يمنعه شيبه عن الكف عن الأثم .
(وعالمهم مُنافقٌ) يبطن شيئاً ويظهُر غيره طلباً للدنيا (وقارِئُهُم) للقرآن (مماذق) هو من يخرج وده بالغش، بينما اللازم أن يكون القاريء محباً للناس حتى يؤثر القرآن فيهم بسبب محبوبية شخصه (لا يُعظُمُ صغيرُهُم كبيرهُم) وذلك لفساد الصغار والكبار (ولا يعوُلُ) أي لا يعين (غَنِيُّهم فقيرهم) لاستيلاء حب المال على قلوب الأغنياء، فلا يقومون بأمور الفقراء.
روى ذعلب اليماني عن أحمد بن قتيبة ، عن عبدالله بن يزيد، عن مالك بن دحية ، قال : كُنّا عند أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وقد ذُكِرَ عنده اختلاف الناس فقال :
إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِئُ طِينِهِمْ ، وَذلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخَ أَرْضٍ وَعَذْبِهَا، وَحَزْنِ تُرْبَةٍ وَسَهْلِهَا ، فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ، وَعَلَى قَدْر َاخْتِلافِهَا يَتَفَاوَتُونَ،
...................................
التوضيح :
(إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِى طِينِهِمْ) أي عناصر تركيبهم التي هي الأصل فيهم (وذلك) أي بيان ذلك (أنَّهم كانوا) في الأصل (فلقة) أي قطعة (من سبخ أرض وعذبها) أي ملوحة الأرض الناشئة بالملح، وعذبها : التي لاملوحة فيها (وحزنِ تُربةٍ) أي الخشن من الأرض (وسهلهاَ) التي لا خشونة فيها، بل لين ونعومة (فهم على حسب قرب أرضهم) أي قرب أصل بعضهم لبعض في اللين والخشونة وما أشبه (يتقاربون) فنفران كانا من طين عذب تتقارب اخلاقهما وهكذا .
(وعلى قدر اختلافها) أي اختلاف أرضهم في الحزونة والسهولة وما أشبه (يتفاوتون) في الأخلاق، وتوضيح ذلك أنّه لا شك في اختلاف طبائع الإنسان، فمن جوادٍ ذاتاً إلى بخيلٍ ذاتاً، وشجاعٍ طبعاً إلى جبانٍ طبعاً،
فَتَامُ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ، وَمَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ، وَزَاكِي العَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ ، وَقَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ، وَمَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ، وَتَائِهُ الْقَلْبِ
....................................
وهكذا . . . كما لا شك في انّ أصل الإنسان التراب، إذ يتحول التراب نباتاً فيأكلَهُ الإنسان - أو يأكله الحيوانُ ويأكل ذلك الحيوانُ الإنسان - فيصير المأكول دماً ثم منياًّ منشأً للولد، فذلك الطبع الذي كان في الأرض يؤثر في أخلاق الإنسان ونفسياته، مع اختلاف الأثر في كونه ترابا أو إنساناً، فالأرض السهلة تكون الإنسان الَّينُ الأَخلاق وبالعكس، الحزنة والأرضُ المالحة تكون الإنسان الصعب النفس بخلاف العذبة .
ولكن لا يخفى أنَّهُ مع ذلك فإن زمام الاختيار بيد الإنسان، وليس مجبوراً على العمل بمقتضى طبعه وذاته، ولهذا الكلام تفصيلٍ طويلٌ واحتمالات، اكتفينا منه بهذا القدر من الاحتمال .
ثم بيّنَ الإمام(عليه السلام) : أقسام الناس بالنسبة إلى الجهة الجسمية والعقلية معاً، إذ اختلاف التربة يؤثر في اختلاف الجسم أيضاً (فتامُّ الرُّواءِ) أي المنظر والمعنى ذو النظر الحسن التام (ناقصُ العقل) خِلافَ مَنظرهِ (ومادُّ القامة) بأن كانت قامَتُه طويلة (قصير الهمة)لا يهتم للأمور العالية المحتاجة إلى طول زمان (وزاكي العمل) أي الذي عمله حسن (قبيحُ المنظر) فبين منظره وعمله خلاف .
(وقريبُ القعرِ) أي قصير الجسم، خفيفه في مقابل الإنسان السمين الشبيه بالإناء البعيد قعره (بعيد السَّبر) النظرة والفكرة والهمة، والمسبار: آلةٌ يُقدَّرُ بها عمق الشيء (ومعروف الضَّريبة ) أي الطبيعة (منكر الجليبة) ما يتصنعه الإنسان على خلاف طبعه كأنه يحلبه و يجلبه (وتائِهُ القلب) لا يستقر قلبه على
مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ، وَطَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ .
.............................
شيء، و ولا ارتكاز فيه .
( متفرق اللُّب ) أي العقل فتفكيره مشوش وميوله متناقضة (وطليقِ اللسان) أي فصيحه (حَديدُ الجنان) أي ثاقب الفكر ، قوي الفهم، والجنان :القلب سمي به لتستره .
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله! لَقَدْ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالأَنْبَاءِ وَ أَخْبَارِ السَّمَاءِ. خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ، وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءً.
...........................
التوضيح:
(بأبي أنت وأمي) الباء للتفدية، أي أفديك أبي وأُمي، لأنك أعزُّ منهما عندي، وهذه الجملة لإظهار مقدار الحب بالنسبة إلى المحبوب، حتى أن الحُبَّ إذا دار الأمر بينه وبين أبويه قدَّمهُ عليهما وفداه بهما (لقد انقطع بموتك مالم ينقطع بموت غيرك) من الأنبياء (من النبوة والأنباء وأخبار السماء) إذ كل نبي توفي كان بعده نبي متصل بما وراء الغيب، فهو نبي ويأتي بأخبار السماء، وأنباء غيبية، ولو من غير جهة السماء، لقوة نفس النبي واتصاله بما وراء الطبعة .
أما بعد الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حيث لم يكن نبي آخر ، فقد انقطعت هذه السلسلة من الموجودات الشريفة والأخبار الغيبية .
(خصصت) یا رسول الله بالفضل أهلك وأقاربك (حتى صرت مسلياً عمن سواك) فلم يكن فقدهم لشيءٍ محزناً لهم، بعد أنْ كان لهم مثلك ( وعمَّمت) بالفضل عن جميع الناس( حتى صار الناس فيك سواء) فكلهم
وَلَوْلا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَع، لأنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤُونِ، وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلا ، وَالْكَمَدُ مُحَالِفاً، وَقَلاَّ لَكَ ، وَلكِنَّهُ مَالا يُمْلَكُ رَدُّهُ، وَلا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! أَذْكُرْنا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ !
..............................
مغترف من فضلك مستفيد من رسالتك، وبعض الشراح جعل التخصيص و التعميم في جهة مصيبته(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والإطلاق أجمل .
(ولولا أنَّك أمرتَ بالصَّبر ) في المصائب (ونهيتَ عن الجزع) وهو انسياق الإنسان وراء عاطفته في المصيبة، فإنَّ الإنسان إذا انساق وراء العاطفة ظهر منه حزن كثير، وضرب للنفس، وأعمالٍ بشعة أُخرى يفعلها الجهلاء (لأنفدنا عليك ماء الشؤون) الشؤون : منابع الدمع من الرأس، أي أفنينا في فراقك ماء عيوننا حتى لا يبقى دمع في مخازنه (ولكانَ الداءُ مماطلا) فلا يذهب بل يبقى كالمماطل الذي لا يؤدي دينه، والمراد بالداء هنا الحُزن .
(والكمَدُ) الحزن الكامن في النفس، الشديد التأثير (مُحالفاً) لنا، لا يُفارقنا كالَّذَيْن تحالفا أن يكون أحدهما عوناً للآخر حيث لا يفترقان (وقلَّا) تثنية [قل] فعل ماضٍ، أي أنَّ الداء المُماطل والكمد المحالف قليلان (لك) في مُصابك (ولكنَّه) أي الموت (مالا يُملكُ رَدُّهُ) فإنَّ الإنسان لا يقدر على إرجاع الموت .
( ولا يُستطاعُ دَفعهُ) فأي فائدة في الحزن بعد أن اختطفتك المنون فإنَّ المطلب المهم هو دفع الموت ليس مقدوراً، والمقدور وهو الحزن لا ينفع - و بهذا الاعتبار جيء بالاستثناء بلفظة [لكنه] (بأبي أنت وأمي) يا رسول الله (اذكرنا عند ربِّك) بالدعاء لنا، وطلب الرحمة منه سبحانه علينا (واجعلنا من بالك) في خاطرك ولفظة [من] نشوية .
اقتصَّ فيه ما كان منه(عليه السلام) بعد هجرة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ثم لحاقه به
فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأخَذَ رَسُولِ الله - صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم - فَأَطَأُ ذِكْرَهُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْعَرَج.
قال السيد الشريف (رحمۀ الله علیه) في كلام طويل : قوله(عليه السلام) (فأطأُ ذكره) من الكلام الذي رمى به إلى غايتي الإيجاز والفصاحة، أراد (عليه السلام) أني كنت أُعطى خبره(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، من بدء خروجى إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع (أي عَرَج )فكنّى عن ذلك بهذه الكناية العجيبة (أي وطئ الذكر) كأنه(عليه السلام)يضع قدمه في مواضع يذكر فيها الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) .
...............................
التوضيح :
(اقتص) أي قص وحكى (فيه) أي في هذا الكلام (ما كان منه (عليه السلام) بعد هجرة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من مكة إلى المدينة (ثم لحاقهِ(عليه السلام) به(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) .
(فجعلتُ أتبع مأخذ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) أي محل أخذه أي كنت أتساءَل عن كيفية عمل الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، من يوم فارق مكة بقصد الهجرة (فأطأُ ذكره) كأَنَّهُ(عليه السلام) يمشي في ذكر الرسول إذ يتتبع أخباره .
(حتى انتهيت إلى العَرَج) عند خروجي من مكة بعد الرسول بقصد الهجرة وعرج موضع بين مكة والمدينة.
فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ، وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ، وَالْمُدْبِرُ يُدْعَى، وَالْمُسِيءُ يُرْجَى ، قَبْلَ أَنْ يَخْمُدَ الْعَمَلُ، وَيَنْقَطِعَ الْمَهَلُ ، وَيَنْقَضِيَ الأَجَلُ، وَيُسَدَّ بَابُ التَّوْبَةِ ،
............................
التوضيح :
(فاعلموا وأنتم) الواو للحال (في نفس البقاء) أي سعة البقاء، وسميت السعة نفساً كأن البقاء يتنفس وله حياة بعد، بخلاف ما إذا ذهب البقاء - بأن مات الإنسان - فقد انقطع نفس البقاء (والصُّحفُ) التي تُكتب فيها أعمالكم ، جمع صحيفة (منشورة) لم تطو فإنَّ الإنسان ما دام حياً تبقى صحفه منشورة ليدرج فيها عمله (والتوبة مبسوطة) أي لها مجال فتقبل، والبسط ضد القبض(والمُدبِرُ) أي الذي أدبر عن الله سبحانه بالكفر والعصيان (يُدعى) يدعوه سبحانه إلى الإيمان والإطاعة.
(والمُسيءُ يرجى) أن يقلع عن أساءته حيث ينفعه الإنقلاع (قبل أن يخمد العمل) أي يبطل فلا عمل بعد الموت ( وينقطع المهل) أي المهلة (و ينقضي الأجل) أي تفنى مدة بقاء الإنسان في الدنيا (ويسد باب التوبة) كما قال سبحانه : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ
وَتَصْعَدَ الْمَلائِكَةُ .فَأَخَذَ امْرُؤٌ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ، وَأَخَذَ مِنْ حَيْ لِمَيْتِ، وَمِنْ فَانِ لِبَاقِ، وَمِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِم . امْرُؤٌ خَافَ اللَّه وَهُوَ مُعَمَّرٌ إِلى أَجَلِهِ، وَمَنْظُور إلى عَمَلِهِ ، امْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا ، وَزَمُهَا بِزِمَامِهَا ،.......................................إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ(1)(وتصعد الملائكة) الحافظون لعمل الإنسان فإنَّه إذا مات لم تبق حفظته في الأرض لانتهاء مهمتهم . (فأَخذ امرُؤٌ من نفسه لنفسه) [أخذ] ماضٍ بمعنى الأمر، أي فليأخذ كل امرئٍ من نفسه يصرفها في الأعمال الصالحة لنفسه أي لنجاتها، وفوزها غداً، فإنَّ الإنسان إذا صرف نَفسه في العمل الصالح رأى نتيجتهُ في الدنيا والآخرة (وأخذ من حي) أي نفسه وهو حي (لميت) أي لحالة موته (ومِنْ فانٍ) وهو جسمه (لباقٍ) وهو الإنسان في عالم الآخرة .
(ومِنْ ذاهبٍ) وهو الإنسان في الدنيا، إذ يذهب ويسافر منها (لدائم) باقٍ، وهو الإنسان في الآخرة، أو المراد بالذاهب: الدنيا، وبالدائم: الآخرة، فالناجي هو (امرؤٌ خافَ الله) فعمل بأوامره (وهو معمَّرٌ ) أي يعمر ويبقى في الدنيا (إلى أجله) الذي هو وقت موته.
(ومنظور) أي أُعطيَ المُهلةَ والنظرة (إلى عمله) الذي يعمله وهو في الدنيا .
(امرؤٌ الجَم نفسه بلجامها) ولجام النفس التقوى التي تَحولُ بين الإنسان وبين المُحرمات(وزمَّها) أي قادها(بزمامها) أي بالحبل الذي تُقادُ به النفس
1) سورة النساء : 18
فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي الله ، وَقَادَهَا بِرْمَامِهَا إِلى طَاعَةِ الله .
.............................................
وهو حبل الشريعة (فأمسكها بلجامها عن معاصي الله) هذا بيان لقوله(عليه السلام)[ بلجامها] (وقادها بزمامها إلى طاعة الله) هذا بيان لقوله بزمامها.
جُفَاةٌ طَغَامٌ ، وَعَبِيدٌ أَقْزَامَ، جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ . وَتُلُقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ، مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَيُؤَدَّبَ، وَيُعَلَّمَ وَيُدَرَّبَ، وَيُوَلَّى عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ .
............................................
التوضيح :
(جفاةٌ) جمع جافٍ، بمعنى غليظ القلب (طغامٌ) أوغاد الناس وأراذلهم (وعبيدٌ) جمع عبد ، وإنما شبههم بالعبيد لعدم استقلالهم في الإدارة وتفهم الأشياء، وإنما هم أتباع يمتثلون أمر معاوية في ما يضرهم (أقزامٌ) جمع قزم، وهو الرذيل الذي لا يُعرف له كيان (جُمِعوا من كل أوب) أي من كل ناحية وهذه عادة الأشرار دائما، فإنَّ ذوي البيوتات والشرف لا يتبعونهم، فيضطرون إلى جمع الأشرار والتقوية بهم.
(وتلقطوا) الالتقاط : الجمع والأخذ من الأرض (من كل شوب) أي كل خلطٍ، فهم ليسوا بصراح النسب ، بل شائبة(مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَيُؤَدَّبَ) أي أنهم جُهلاء أصحاب رذيلة، فاللازم أن يعلموا ويُؤدبوا بالآداب (ويُعلَّم) العلم (ويدرب) أي يُمرنوا على العمل فلا أصل لهم ولا شرف، ولا حسب لهم ولا أدب (ويُوَلَّى عليه ) أي يكون له وليٌ يلي شؤونهُ، فإنّهم سُفهاءَ لا رشد فيهم (ويؤخذ على يديه) حتى لا يَتصرف تصرفاً سيئاً .
لَيْسَوُا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، وَلا مِنَ الَّذِينَ تَبَوءُوا الدَّارَ .
أَلا وَإِنَّ الْقَوْمَ اخْتَارُوا لأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ . وَإِنَّمَا عَهْدُكُمْ بَعَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ بِالأَمْسِ يَقُولُ : [إِنَّهَا فِتْنَةٌ، فَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَشِيمُوا سُيُوفَكُمْ] .
....................................
(ليسوا من المهاجرين والأنصار) ذوي السوابق والعلم والآداب (ولا من الذين تبوّءوا الدار) أي نزلوا المدينة المنورة ممن اجتمع حول الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) من غير مكة، لا يقال وقد كان كذلك أصحاب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حيث اجتمعوا من كل ناحية، ولم يكن لهم في أول الدعوة سوابق، إذ الفرق واضح فإنَّ الرسول اجتمع حوله الأخيار، إذ لم يكن له أول الدعوة مال وقوة بخلاف معاوية فإنَّه جَمع الأشرار بالمال والقوة والأشرار تابعون لهما، بخلاف الأخيار الذين هم تابعون للحق .
ثم إنَّ الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)لم يكن في قباله من له أنصار ذووا سوابق، فعدم السابقة في أصحابه لا يضر بخلاف معاوية، فإنَّه جمع من لا سابقة له ليقابل بهم من له سوابق وفضائل .
(ألا وإنَّ القوم) أي معاوية وأصحابه (اختاروا لأنفسهم أقرب القوم مما تكرهون) أي اختاروا في التحكيم أبا موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس وهذا الرجل كان قريباً إلى ما يكره أصحاب الإمام، لأنَّه كان ضد الإمام، وضد قيامه بالحرب أمام الطغام.
(وإنما عهدكم بعبد الله بن قيس بالأمس يقول) ما يدل على كراهته لكم و لنهضتكم : (إنها فتنة) أي هذه الحرب بين الإمام وبين الناقضين لبيعته (فقطّعوا أوتاركم) أي أوتار القسي، وهو ما يُرمى منه (وشيمُوا) أي أعمدوا (سيوفكم)، وذلك كناية عن عد ، وذلك كناية عن عدم الحرب، فكان أبو موسى يخذِّل يخذل عن الإمام
فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبَاً فَقَدْ لَزِمَتْهُ التُّهَمَةُ. فَادْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِعَبْدِ الله بْنِ الْعَبَّاسِ ، وَخُذُوا مَهَلَ الأَيَّامِ ، وَحُوطُوا قَوَاصِيَ الإسلامِ. أَلا تَرَوْنَ إِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى، وَإِلى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى؟
................................
ويُثَبِّط عزائم المؤمنين في محاربة مناؤي الإمام(عليه السلام) .
(فإن كان صادقاً) في أنَّ هذه الحرب فتنةٌ وينبغي للإنسان أن لا يُشارك فيها (فقد أخطأ بمسيره) إلى الفتنة بنفسه (غير مستكره) إذ لم يُكره أحد أبا موسى ليسير إلى الحرب ويدخل فيها ويكون حكماً في الأمر فعمله خلاف عقيدته، ومثل هذا الشخص لا يعتمد عليه .
(وإن كان كاذباً في قوله : إنها فتنة (فقد لزمته التهمة إذ كان عارفاً بالحق، ومع ذلك تكلم بالباطل( فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله ابن العباس) فقد رشح الإمام(عليه السلام) للمحاجة من جانبه ابن عباس، لأنه كفؤ لعمرو ويعلم مكائده، أما أبو موسى فكان أبلها، لكن عدة من أصحاب الإمام المُغفلين أصروا على أبو موسى، جهلاً منهم بواقع الحال (وخذوا مهل الأيام) أي اجعلوا أيام المُهلة بين الجانبين حيث عطلت الحرب مدة مديدة الحكم الحكمين، لتجديد قواكم واستعدادكم للحرب من جديد .
(وحوطوا قواصي الإسلام) جمع قاصية، وهي: الأطراف البعيدة ، ومعنى إحاطتها حفظها من غارة أهل الفتنة عليها، وقد كان الأمر كما قال الإمام (عليه السلام) ، فإنَّ معاوية أغار على أطراف بلاد الإمام حيث رأى تفرق جيش الإمام (ألا ترون إلى بلادكم تُغزى) وتهاجم بسبب معاوية؟ (وإلى صفاتكم) الصفاة الحجر الصلب، والمراد منها هنا القوة (تُرمى) أي أن قواكم صارت مَطمَعا للأعداء .
هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ . يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حِكَمِ مَنْطِقِهِمْ. لا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، هُمْ دَعَائِمُ الإسلام، وَوَلائِجُ الاعْتِصَامِ .
..............................
التوضيح :
(هُم عيشُ العلم وموتُ الجهل) إذ العلم لا يعيش إلّا بسبب العلماء، والجهل لا يموت إلّا بمقدار حياة العلم ( يخبركم حلمهم عن علمهم) فإنَّ العالم يكون حليما، أما الجاهل فإنَّه يكون عَجولا حاداً (وصمتهم عن حكم منطقهم) فإن الصمت دليل العقل الذي هو بدوره دليل على المنطق الحكيم، وهو عبارة عن الإرشاد، والقول في موضع الكلام، والكلام بقدر الحقيقة .
(لا يخالفون الحقَّ) إلى الباطل (ولا يختلفون فيه) بإن يخالف أحدهم الآخر(هم دعائم الإسلام) جمع دعامة، بمعنى العمود، إذ هم المُبينون لأحكامه (وولائج الاعتصام) ولائج جمع وليجة، وهي : ما يدخل فيها الإنسان فراراً من مطر أو عدو أو سبع أو ما أشبه، أي أنَّ باتباع طريقهم يعتصم الإنسان من الانحراف والزلل .
بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ فِي نِصَابِهِ، وَانْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ . عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ، لا عَقْلَ سَمَاعٍ وَرِوَايَةٍ. فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ .
.............................
(بهم عاد الحق في نصابه) أي أصله المقدر له (وانزاح) أي زال( الباطل عن مقامه) الذي أقام فيه، فكأن الحق والباطل يتراوحان في مجالات الحياة فإذا وجدَ الحقُّ أعواناً يبينونه ويهتمون بشأنه - كالأئمة(عليهم السلام) وأوليائهم - يأخذ الحق مكان الباطل، وإلا أخذ الباطل مكان الحق، (وانقطع لسانه) أي لسان الباطل (عن منبته) أي المحل الذي نَبُتَ فيهِ، أي أصلهُ، وهذا كناية عن انقطاع حجة الباطل أمام حجة الحق .
(عقلوا) أي فهم آل محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (الدين عقل وعاية) بأن وعوه واشتملوا عليه (ورعاية) بأن رعوه ولاحظوه لئلا يَتعدى عليه متعدٍ، ولا يُحَرِّفَهُ مُحَرِّفْ (لاعقل سماع ورواية) فلم يكونوا مجرد سامع لأحكام الدين، ورووا من النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)إلى الغير، بدون تفَّهم وتَدَبَّر( فإن رواة العلم كثير) أي الذين يَروونه ( ورعاته قليل) أي الذين يُراعونه .
وقد جاءه برسالة من عثمان، وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع، ليقل هتف الناس باسمه للخلافه، بعد أن سأله مثل ذلك من قبل . لقد كان الثوار المجتمعون في المدينة من البلاد لأجل إعطاء عثمان مطالبهم، وأمره بعدل الولاة في المسلمين، يئسوا من عثمان، ولذا حاصروه في داره واعلموا أنهم لم يفكوا الحصار حتى يخرج من مظالمهم، وكان جماعه منهم في تلك الأثناء ينادي باسم الإمام خليفةً مكان عثمان، وهذا ما ساء عثمان فأرسل إلى الإمام(عليه السلام) ، يأمره بالخروج - مسفّراً - إلى خارج المدينة، حيث كان للإمام هناك مال يُسمى [ينبع] المعروف بهذا الأسم إلى يومنا هذا، فخرج الإمام، ثم بعد أن رأى عثمان أنه لا يمكن لشخص غير الإمام حل المشكلة، طلبه وجعله سفيراً بينه وبين الثوار .
فجاء الإمام(عليه السلام) ، وأراد الإصلاح، لكن عثمان أبى العمل بنصح الإمام ومطاليب المسلمين وعاد المسلمون إلى حصارهم، فطلب عثمان ابن عباس، وقال له أبلغ الإمام لزوم خروجه من المدينة ثانياً، حيث سمع الهتاف باسم الإمام ،خليفة من الثائرين، فلما أبلغ ابن عباس الإمام مقالة عثمان قال(عليه السلام):
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً بِالْغَرْبِ : أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ ! بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ، ثُمَّ هُوَ الآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ! وَالله لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ أَثِماً
................................
التوضيح :
( يَا بْنَ عَبَّاسٍ، مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً بِالْغَرْبِ) الغرب : الدلو العظيم، والجمل الناضح ، هو الذي يستقي الماء من البئر ونحوها، فإنَّه إذا ذهب نحو البئر تدلت الدلو إلى الماء، وإذا رجع صعدت الدلو، فيأخذها الزُّراع، ونحوه ليكبها (أقبل وأدبر) كيف ما شاء عثمان، والكلام تضجر واستهزاء (بعث) عثمان (إليَّ أن أخرج) من المدينة، فخرجت (ثم بعث إليَّ أنْ أقدم) وأرجع إلى المدينة، فرجعتُ (ثم هو الآن يبعث إليَّ أنْ أَخْرُج) من المدينة (والله لقد دفعت عنه) ورددت الثوَّار (حتى خشيت أن أكون آثما) حيث كان الحقُّ مع الثوار، والمراد ليست الخشية حقيقة، بل هذا كناية لكثرة المدافعة .
وَاللهُ مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ وَمُوَرِّثُكُمْ أَمْرهُ ، وَمُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمَارٍ مَحْدُودٍ، لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ ، فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ ، وَاطْوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِر ،
...................................
التوضيح :
(والله) سبحانه (مستأديكم شكره) أي طالب منكم أداء شكره (ومورثكم أمره) أي يورث امر الدين إياكم، حيث قمتم بأمره وإطاعته(وممهلكم في مضمار محدود) أي معطيكم المُهلة في مضمار الحياة المحدود بالأجل، والمضمار هو محل تربية الخيل وإضماره، ليتمكن من السبق يوم المسابقة، و شبه به الدنيا حيث إنها محل العمل للسبق يوم القيامة، والفوز بالجنة.
( لتتنازعوا سبقه) السبق : هو الشيء الثمين الذي يكون عليه التسابق، فيأخذه السابق من المتسابقين، ومعنى التنازع التنافس في احتواء أكبر قدر من الثواب و الجنة( فشدوا عقد المآزر) العقد : جمع عقدة، والمآزر: جمع مِئزر ، وهو [الفوطة] وشد عقدها كناية عن الجد والعمل، فإنَّ العقدة إذا لم تشد شداً محكما، لم يتمكن الإنسان من العمل الدائب السريع، خوفاً أنْ يقع مئزره وتبدو عورته .
(واطوُوا فضول الخواصر) فإنَّ الإنسان إذا أراد العمل، جمع فاضل ثوبه
وَلا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ. مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ ، وَأَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ!
وصلى اللهُ على سيِّدنا محمَّدِ النَّبيِّ الأُميِّ، وعلى آله مَصابيحِ الدُّجى والعُزوةُ الوثْقَى، وسلَّم تسليماً كثيراً .
.....................
لئلا يلتف بقدمه فيمنعه من الحركة .
(ولا تجتمع عزيمةٌ) أي عزم راسخ للعمل (و وليمةٌ) أي الأطعمة الشهية، يعني لا تجتمع معالي الأمور مع طلب اللذائذ والشهوات (ما أنقض النوم لعزائم اليوم) أي ما أشد النوم نقضاً لعزيمةِ الإنسان فإذا نام الشخصُ لم يتمكن من إنفاذ عزمه وإرادته .
(وأمحى الظلم) أي ما أكثر ما يمحى ظلمة الليل، فإن ظلم جمع ظلمة (لتذاكير الهمم) أي تذكار الهمة التي كانت بالنهار، فإذا جاء الليل ارتخى الإنسان، ولم يمض ما بناه وعزَمَ عليه في النهار، وكأن الجملتين لبيان وجوب الجد حتى لا يبطل العمل النوم وظلمة الليل .
(وصلى الله على سيدنا محمدٍ النَّبيِّ الأُميَّ) المنسوب إلى أُم القرى وهي مكة، لأن البلاد مُدت من تحتها، كما في الأحاديث (وعلى آله مصابيحُ الدجى) أي الظلمات، فانّهم ينيرون سبل الحق (والعروةُ الوثقى) أي المحكمة التي إذا أخذ بها الإنسان لم يخف انفصامها، حتى يبقى بلا ماء (وسلم) خبر في معنى الإنشاء أي اللهم سلم على الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(تسليماً كثيراً) والصلاة منه سبحانه العطف والرحمة، والسلام: جعلهم سالمين من كل مكروه.
إلى أعدائه، وأمراء بلاده
ويدخل في ذلك ما اختير من عهوده إلى عُمَّاله، ووصاياه لأهله وأصحابه
مِنْ عَبْدِ الله عليّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلى أَهْلِ الْكُوفَةِ، جَبْهَةِ الأَنْصَارِ وَسَنَامِ الْعَرَبِ.
أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ، إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ، فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْتَابَهُ
...................................
التوضيح :
(مِنْ عَبْدِ الله علي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلى أَهْل الْكُوفَةِ، جَبْهَةِ الأَنْصَارِ) المراد : أنصاره(عليه السلام) ، لا أنصار الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وتشبيههم بالجبهة تشريفٌ لهم، كأنهم في أعلى مرتبة من مراتب انصاره (وسنَامٍ العرب) السنام : المحل المرتفع في ظهر الإبل، وإنما شبههم بالسنام ترفيعاً لَهم، ثم لا يخفى أنْ هذا لا ينافي تضجَّره(عليه السلام) فيما بعد عنهم، لأنَّه اختلف حالهم قبلا وبعداً .
(أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُخبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ) وما جرى عليه، لتعلموا عدم اشتراكي في قتله، كما يدَّعيهِ العصاة كطلحة والزبير، (حتَّى يكونَ سمعُهُ کعيانه) أي سماعكم كالرؤية لا تخفي عليكم من الأمر خافية (إنَّ الناس طعنوا عليه) أي عابوا أعماله (فكنتُ رجُلاً من المهاجرين أُكْثِرُ استعتابُهُ) أي
وَأُقِلُّ عِتَابِهُ، وَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجِيفُ، وَأَرْفَقُ حِدَائِهِمَا الْعَتِيفُ . وَكَانَ مِنْ عَائِشَةَ فِيهِ فَلْتَةُ غَضَبٍ، فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ، وَبَايَعَنِي النَّاسُ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ وَلا مُجْبَرِينَ ، بَلْ طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ .
وَاعْلَمُوا أَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا
.....................................
استرضاءه، حتى يرضى عن الناس فيعطيهم مطاليبهم المشروعة (وأُقلُّ عتابه ) والعيب عليه .
(وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه) أي في أمر عثمان والنقمة عليه (الوجيف) أي السريع، وهذا كناية عن مسارعتهما في إثارة الفتنة عليه وكثرة الطَّعنِ فيه (وأرفق حدائهما العنيف) الحداء : زجل الابل لسيره، والعنيف: التسيير بكل شدة وعنف (وكان من عائشه فيه) أي في عثمان (فلتةُ غَضَبٍ) الفلتة: ما يصدر من الإنسان من قول أو عمل فجأة وبلا روية، فقد كانت عائشة تقول : [اقتلوا نعثلاً قتله الله ] تشبه عثمان بنعثل اليهودي وكانت تُحرِّض الناس عليه أشد تحريض .
(فأُتيح له قوم) أي هُيِّئَ لعثمان جماعة (فقتلوه) بسبب تلك التحريضات (وبا يعني الناس غير مستكرهين) لم يكرههم أحدٌ على البيعة (ولا مُجبرين) والجبر: خروج الأمر من يد الإنسان، والإكراه أن يعمله بذاته، لكنه لخوف من يكره ، فإذا صُبًّ الماء في حَلق إنسان بالقوة سُمي إجباراً، وإذا قيل له إنْ لم تشرب قتلناك، فأخذهُ بيده وشربه، سُميَّ إكراهاً (بل طائعين) في بيعتهم (مخَّيرين) بكل اختيارهم وإرادتهم.
(واعلموا أنَّ دار الهجرة) أي المدينة التي كانت هجرة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأصحابه إليها(قد قَلَعت بأهلها) إذ انتقل أهلها، الإمام وأصحابه المهاجرون
وَقَلَعُوا بِهَا، وَجَاشَتْ جَيْشَ الْمِرْجَلِ وَقَامَتِ الْفِتْنَةُ عَلَى الْقُطْبِ، فَأَسْرِعُوا إلى أَمِيرِكُمْ، وَبَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُمْ، إِنْ شَاءَ الله عَزَّ وَجَل .
...............................
والأنصار - من بقي منهم - إلى صوب العراق (وقلعوا بها) أي فارقوها، يقال قلع المكان بأهله، إذا انتقلوا عنه ولم يصلح لاستيطانهم (وجاشت) أي غلت (جيش المِرجَلِ) أي مثل غليان القدر، لتدفع فتنة عائشة وطلحة والزبير، أي فعليكم أن تقتدوا بهم في الخروج من الكوفة لنصرة الإسلام ضد العصاة .
( وقامت الفتنةُ على القُطب) أي قطب الخلافة وهو الإمام، وإخماد مثل هذه الفتنة أولى، من الفتنة التي تقوم على الأطراف والجوانب (فأسرعوا) يا أهل الكوفة (إلى أميركم) يعني نفسه الشريفة ( وبادروا) إلى (جهاد عدوكم) فإنَّ العصاة أعداء المسلمين إذ يريدون الفوضى والاضطراب (إنْ شاء الله عز وجل) كلمة كانت للشرط، ثم استعملت للتبرك .
وَجَزَاكُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيْكُمْ أَحْسَنَ مَا يَجْزِي الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ، وَالشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ ، فَقَدْ سَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَدُعِيتُمْ فَأَجَبْتُمْ .
.................................
التوضيح:
( وجزاكم الله من أهل مصر) [من] لبيان [كم] (عن أهل بيت نبيكم) أي جزاكم من جهة نصرتكم لاولئكم (أحسن ما يجزي العاملين بطاعته) إذ أطعتم يا أهل الكوفة في نصرة خليفة الرسول وسائر أهل بيته (والشاكرين لنعمته) إذ شکرتم نعمة الخليفة بنصركم له (فقد سمعتم) الكلام (وأطعتم ) الأمر (ودعيتم) إلى الجهاد (فأجبتم) ونصرتم .
بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتَعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً ، وَكَتَبْتَ كِتَاباً، وَأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً .
فقال له شريح: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين . قال : فنظر إليه نظر المغضب ثم قال له :
يَا شُرَيْحُ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لَا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ،
................................
التوضيح :
(لشريح بن الحارث ، قاضيه) في الكوفة، وقد كان قاضياً من زمن عمر إلى زمن يزيد، حيث أفتى بقتل الحسين(عليه السلام)، ثم بقي بعد ذلك إلى زمان الحَجَّاج ، وكانت مدة قضاوته وكانت مدة قضاوته خمسا وسبعين سنة، باستثناء عامين في فتنة ابن الزبير وسبب هذا الكتاب ما روى أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين(عليه السلام) ، اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً، فبلغه(عليه السلام) ذلك، فاستدعاه ، وقال له:
(بلغني أنَّك ابتعت) أي اشتريت (داراً بثمانين ديناراً وكتبت كتاباً) أدرجت فيه البيع (وأشهدت فيه شهوداً) بأن أخذتَ إمضاءاتهم؟ (فقال له شريح: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين) كما بلغك، قال الراوي (فنظر(عليه السلام) إليه نظر المغضب) ثم قال له : (يا شريح أما أنّه سيأتيك من لا ينظرُ في كتابك) أي
وَلا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً، ويُسْلِمَكَ إلى قَبْرِكَ خَالِصاً. فَانْظُرْ يَا شُرِيحُ لا تَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمنَ مِنْ غَيْر حَلالِكَ! فَإذا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الآخِرَةِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اشْتَرَيْتَ، لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ، فَلَمْ تَرْغَبُ فِي شِرَاءِ هَذِهِ الدَّارِ بِدِرْهَم فَمَا فَوْقُ .
وَالنسخة هذه : (هذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ ، مِنْ عَبْدِ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ، اشْتَرَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ الْغُرُورِ، مِنْ جَانِبِ الْفَانِينَ،
............................
الموت، أو عزرائيل(عليه السلام)(ولا يسألك عن بينتك) وشهودك (حتى يُخرِجَك منها) أي من هذه الدار(شاخصاً) أي ذاهباً بك إلى قبرك.(ويُسلمك إلى قبرك خالصاً) أي مُجرداً عن تلك الدار (فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك) كمال الرشوة والأيتام والأمانات وما أشبه (أو نقدت الثمن) أي أعطيته (من غير حلالك) بأن كان من مالك المشتبه (فإذا أنت) فعلت أحد هذين (قد خسرت دار الدنيا) لانتقالك عنها (ودار الآخرة) لتعاطيك المحرم الموجب لدخول النار .
(أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اشْتَرَيْتَ) من تلك الدار (لكتبت لك كتاباً على هذه النسخة) الآتية (فلم ترغب في شراء هذه الدار بدرهم فما فوق) حيث توجب هذه النسخة التنبيه والإيقاظ (والنسخة) هذه (هذا ما اشتری عبدٌ ذلیلٌ) شريح (من عبدٍ) هو البائع (قد أُزعج للرَّحيل) أي : حرك تحريكاً موجباً لأذاه (اشترى منه داراً من دار الغرور) أي الدنيا (من جانب الفانين) أي من طرف أناس قد فنوا .
وَخِطَّةِ الْهَالِكِينَ. وَتَجْمَعُ هَذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ : الْحَدُّ الأَوَّلُ يَنْتَهِي إِلى دَوَاعِي الآفَاتِ، وَالْحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إِلى دَوَاعِي الْمُصِيبَاتِ، وَالْحَدُّ الثَّالِثُ ينْتَهِي إلى الْهَوَى الْمُرْدِي ، وَالْحَدُّ الرَّابِعُ یِنْتَهِي إِلى الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي، وَفِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ . اشْتَرَى هَذَا الْمُغْتَرُّ بِالأَمَلِ، مِنْ هذَا الْمُزْعَجِ بِالأَجَلِ، هذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوج مِنْ عِزِّ الْقَنَاعَةِ، وَالدُّخُولِ فِي ذَلِّ الطَّلَبِ وَالضَّرَاعَةِ، فَمَا أَدْرَكَ هَذَا الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَى
................................
(وخطة الهالكين) أي صوبهم (وتجمعُ هذه الدَّار حدود أربعة) كالشمال والجنوب والغرب والشرق، في الدُّور المشتراة، لكنها حدود معنوية (الحد الأول ينتهي إلى دواعي الآفات)جمع آفة ، وهي : البلاء في المال، كأنه من هذا الحد ينتهي البلاء في مال ساكن الدار (والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المُصيبات) أي ما يُصيب الإنسان في أهله وبدنه (والحد الثالث ينتهي إلى الهوى المردي) أي هوى النفس الموجبة لهلاك الإنسان (والحد الرابع ينتهي إلى الشيطان المغوي) الذي يغوي الإنسان ليهلكه، والمراد بهذه الحدود إنَّ الإنسان مُعَرَّضٌ لهذه الأخطار الأربعة.
(وفيه) أي في الحد الرابع (يُشرَعُ بابُ هذهِ الدَّار) أي يفتح باب الدار، وذلك كناية عن اختلاف الشيطان ذهاباً وإياباً إلى الإنسان (اشترى هذا المغترٌّ بالأمل ) أي شرع الذي غرَّه وخدعه البقاء في الدنيا (من هذا) البائع (المزعج بالأجل) أي المضطرب بسبب الأجل والموت (هذه الدار) مفعول [اشترى] وإنما اشتراها (بـ) سبب (الخروج من عِزّ القناعة) التي كان فيها حيث لا دار له.
(والدُّخول في ذلِّ الطلب) فإنَّ الطالب للشيء أسيرٌ له (والضَّراعة) أي الاستكانة والتضرع ( فما أدرك هذا المشتري) أي لحقه (فيما اشترى) أي:
مِنْ دَرَكٍ، فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ الْمُلوك ، وَسَالِبِ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ، وَمُزِيلِ مُلْكِ الْفَرَاعِنَةِ، مِثْلِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَتُبِّعٍ وَحِمْيَرَ، وَمَنْ جَمَعَ الْمَالَ عَلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ، وَبَنَى وَشَيَّدَ وَزَخْرَفَ وَنَجَّدَ ، وَادَّخَرَ وَاعْتَقَدَ، وَنَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ ، إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إلى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ،
......................
الدار ( من دَركٍ) أي تبعة ونقص (فعلى مبلبل أجسام الملوك) خبر مقدم، ومبيتدأهُ [إشخاصهم] أي لو ظهر نقص، فعلى الله سبحانه أنْ يجمع بين البائع والمشتري في يوم الحساب، ليرى هناك لمن الحق، ومبلبل الجسم : مهیج دائه .
(وسالب نفوس الجبابرة) أي مهلكهم - وهو الله، الجبابرة الجبابرة جمع جبار، وهو الذي يجبر الناس على حسب إرادته بما يكرهون (ومزيل مُلكِ الفراعنة) جمع فرعون، والمراد به هنا الملوك الطغاة (مثل كسرى) ملك الفرس (وقيصر ) ملك الروم (وتبع وحمير) ملوك اليمن .
( ومن جمع المال على المال فأكثر) من المال والإدخار (وبنى) الأبنية (وشيَّدَ) أي رفع البناء (وزخرف) أي نقش البناء بالزينة (ونجَّد) أي زيَّنَ (وادّخر واعتقد) المال : أي اقتناه (ونظر بزعمه للولد) أي فكر في أنْ يَدَّخِرَ المال لأولاده من بعده.
(اشخاصهم) مبتدأ : تقدم خبره، وهو قوله[ فعلى مبلبل] (جميعاً) أي إذا ظهر نقص في الدار، فعلى الله سبحانه إرسال البائع والمشتري (إلى موقف العرض والحساب) أي القيامة، وهذه الجملة على غرار ما يكتب في أوراق الأملاك، من أنه إذا ظهر نقص، فعلى البائع أو على المشتري .
ومَوْضِع الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ : إِذا وَقَعَ الأَمْرُ بِفَضْلِ الْقَضَاءِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ(1)شَهِدَ عَلَى ذلِكَ الْعَقْلُ إِذا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى، وَسَلِمَ مِنْ عَلائِق الدُّنْيَا.
..............................
(وموضع الثواب والعقاب) إذ في القيامة يبين مَنْ المثاب ومَنْ المُعاقب؟ (إذا وقع الأمر بفصل القضاء) أي إشخاصهم في هذا الزمان، والجملة السابقة لبيان المكان (وخَسِرَ هُنالك ) في القيامة في ذلك اليوم (المُبطلون) أي : العاملون بالباطل، ثم يكتب مكان الشهود (شهد على ذلك) البيع (العقل إذا خرج من أسرِ الهوى) أي هوى النفس (وسَلِمَ من علائق الدنيا) فإنَّهُ يميز حينئذ أنَّ الأمر كما كتب في هذه النسخة .
1) سورة غافر : 78
فَإِنْ عَادُوا إلى ظِلِّ الطَّاعَةِ فَذاكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ تَوَافَتِ الأُمُورُ بِالْقَوْمِ إلى الشَّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ، فَانْهَدْ بِمَنْ أَطَاعَكَ إلى مَنْ عَصَاكَ ، وَاسْتَغْن بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ ، فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مشْهَدِهِ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ .
............................
التوضيح :
وذلك حين انتهى أصحاب الجمل إلى البصرة، فكتب إلى واليه عثمان بن حنيف، يأمره بإخضاعهم (فإنْ عادوا إلى ظِلَّ الطاعةِ) الطاعة باعتبارها موجباً للرفاه، جعل لها ظل (فذاك الذي نحب) الموجب لجمع شمل المسلمين (وإنْ توافت الأمور بالقوم) توافى أي وافى بعضهم بعضاً، حتى تم اجتماعهم والأمور يراد بها ما يسبب وينتهي بهم (إلى الشِقاق والعصيان) عن طاعة الدولة .
(فانهد) أي أنهض( بمَن أطاعكَ إلى مَنْ عصاك) من أهل الجمل ومواليهم من البصريين (واستغن بمن انقاد معك عمَّنْ تقاعس عنَّك) أي تخلَّف وتثاقل (فإنَّ المُتكاره) المُتثاقل الذي يكره الحرب (مَغيِبُهُ) أي غيابه (خير من مشهده) إذ غيابه يوجب قلة نفر واحد، أما شهوده فإنَّه موجب لأن يخذل غيره فيلزم فقدان عدة أشخاص (وقعوده أغنى من نهوضه) أي أكثر فائدة عن أن ينهض للحرب ، وهذه قاعدة كُلية فى أهل الإستثقال والكراهة .
وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةِ وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعىٌ لِمَنْ فَوْقَكَ . لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ، وَلَا تُخَاطِرَ إِلَّا بِوَثِيقَةٍ، وَفِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلِّمَهُ إِلَيَّ ، وَلَعَلِّي أَنْ لا أَكُونَ شَرّ وَلاَتِكَ لَكَ، وَالسَّلاَمُ .
.............................
التوضيح :
(وإنَّ عملك ليس لَكَ بطعمةٍ) فلا تجعل ولايتك لاستدرار المادة والمال (ولكنَّه في عُنقك أمانة) يجب أن تتحَفظ عليه كما تتحفظ على أمانتك (وأنت مُسترعىّ لمن فَوقَكَ) أي يرعاك ويواظب على تصرفاتك الخليفة الذي هو فوقك (ليس لك أنْ تفتات في رعية) أي تستبد فيهم (ولا تُخَاطِرِ) المخاطرة : إلقاء النفس في الخطر، والمراد به الدنيوي والأخروي (إلّا بوثيقة) أي دليل شرعي، وإجازة من الخليفة .
(وفي يديك مال من مال الله عز وجل) وهو ما يجتمع في بيت المال (وأنت من خزَّانه) جمع خازن، وهو الحافظ (حتى تُسلَّمه إلى) بإرساله، كي يصرف في مصالح المسلمين (ولعلّي أنْ لا أكونَ شرَّ ولاتك) أي الذين تَسلَّطوا عليك من الخلفاء (لك والسلام) وكلمة [لعل] من الامام (عليه السلام) على سيبل التواضع .
إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلا لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لله رِضىً، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنِ أَوْ بِدْعَةٍ
..............................
(إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان) مراد الإمام أهل الحل والعقد، لا الأفراد بأعيانهم (على ما بايعوهم عليه) من العمل بالكتاب والسنة (فلم يكن) بعد بيعتهم (للشاهد) الحاضر الذي لم يبايع بعد (أنْ يختار ) لنفسه خليفة آخر (ولا للغائب) عن المدينة (أنْ يَرد) لأن الميزان لو كان بيعة (أنْ أهل الحل والعقد في عاصمة الإسلام، فقد بايعنيى أولئك ، وإن كان الميزان غير ذلك فكيف رضيت أنت ببيعة أولئك .
( وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار) لأنهم أهل الحل والعقد الذين عرفوا الإسلام أحسن من غيرهم.
(فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضىً ) أما على رأي الشيعة فلأن اجتماع جميعهم يلازم وجود رأي الإمام المعصوم وأما على رأي السُّنة فلأن أهل العقد والحل كاف في تعيين الخليقة (فإنْ خرج من أمرهم خارج بطعنٍ) في الخيلفة (أو بدعَةٍ) بأن اشترط شيئاً آخر في الخليفة، وأتى
رَدُّوهُ إِلى مَا خَرَجَ مِنْهُ ، فَإِنْ أَبِي قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلاهُ الله مَا تَوَلَّى .
وَلَعَمْرِي ، يَا مُعَاوِيَةُ، لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَم عُثْمَانَ ، وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَتَجَنَّى. فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ! وَالسّلامُ .
..............................
بشرط جديد (ردّوه إلى ما خرج منه) بالنصح والإرشاد، ليأخذ بما أخذ به المسلمون .
( فإن أبى قاتلوه على اتِّباعِهِ غير سبيل المؤمنين) الذي أجمع المسلمون عليه ( وولاه الله ما تولَّى) أي جعله الله مُحباً لما أحب، وتابعاً لما تَبِعْ، وهذا إشارة إلى قوله سبحانه وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(1)((ولعَمري) قسمٌ بنفسه الشريفة (يا معاوية ، لئن نظرتَ بعقلك دون هواك) وإتباعك لميولك وشهواتك (لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان) أي أكثر النَّاس براءَةً، إذ لم أشرك فيه بيد ولا لسان (ولتعلمن أَني كُنتُ في عُزلة عنه) أي انعزال وانزواء (إلَّا أنْ تتجنَّى) أي تدعي الجناية على من لم يفعلها (فتجنَّ) أي تستر (ما بدا لك) أي ما ظهر لك وانقدح في نفسك أنْ تخفيه (والسلام) ختم الكتب بالسلام من باب سلام الوداع .
1) سورة النساء : 115
أَمَا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ، وَرِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلالِكَ، وَأَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأيِكَ ، وَكِتَابُ امْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ، وَلَا قَائِدٌ يُرْشِدُهُ ، قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ ، وَقَادَهُ الضَّلَالُ فَاتَّبَعَهُ، فَهَجَرَ لاغِطاً، وَضَلَّ خَابِطاً .
.................................
التوضيح :
(أما بعد فقد أتتني منك عظة مُوصَّلة) أي ملفقة من كلام مختلف، وصَّل بعضه ببعض، فقد كتب معاوية إلى الإمام كتاب وعظ وإرشاد - حيلة وخدعة - فأجابه الإمام بهذا الجواب (ورسالة محبَّرة) أي مزينة بالألفاظ والعبارات (نمقتها بضلالك) أي حسنت بلاغتها بسبب ضلالك ، إذ تريد أكل الحق بالكتب والعبارات ( وأَمضيتها بسوء رأيك) أمضيتها، أي بعثتها إليَّ، حيث إن رأيك سيء تظن أنَّ لإمارة الدنيا قيمة وقدراً.
( وكتاب امريءٍ ليس له بصر يهديه) أي بصيرة توجب هدايته، وهذا عطف على [موعظة) (ولا قائدٌ يرشدهُ) إلى موضع صلاحه وفلاحه (قد دعاهُ الهوى) إلى العصيان (فأجابه) أي قبل طلب الهوى (وقادهُ الضَّلال) أي جره كما تجر الدابة (فاتَّبَعه) الضمير للضلال (فهجر) أي هذى في كلامهٍ (لاغِطاً) من اللغط بمعنى الجلبة بلا معنى (وصل) أي انحرف عن الطريق (خابطاً) قد
منه : لأَنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ لا يُثَنّى فِيهَا النَّظَرُ ، وَلا يُسْتَأَنفُ فِيهَا الْخِيَارُ . الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ، وَالْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنٌ .
............................
خرج الكلام بلا ميزان .
(منه) : أي من ذلك الكتاب، في رد معاوية الذي ادعى أنَّ البيعة لم تتم للإمام (لأنَّها بيعة واحدة لا يثنّى فيها النظر أي لا ينظر) فيها ثانيا بعدما نظر اليها أولا، بل تنفذ البيعة إذا تمت (ولا يستأنف فيها الخيار) أي لا اختيار لأحدٍ أنْ يستأنف البيعة بعد عقدها وقبول الناس لها (الخارج منها طاعنٌ) في عمل المسلمين (والمروِّى فيها) أي الذي يتفكر ويتروى هل يقبلها أم لا؟ (مُداهن) أي منافق، يُخالف الحقَ باطناً، ويسميه التروي ظاهراً .
أَمَّا بَعْدُ ، فَإِذا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْفَضلِ، وَخُذْهُ بِالأَمْرِ الْجَزْمِ ، ثُمَّ خَيِّرَهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ ، أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ، فَإِن اخْتَارَ الْحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَارَ السّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ ، وَالسَّلام .
.............................
التوضيح :
(أما بعد) أي بعد الحمد والصلاة، (فإذا أتاك كتابي) هذا (فأحمل) أي الزم (معاوية على الفصل) أي الحكم القطعي، في أنه يرضخ، أو يأبى، فقد بعث الإمام جريراً إلى معاوية بكتاب، لكن معاوية أرجأ الجواب، وجرير في دمشق ينتظر الجواب، ويريد معاوية بالمماطلة تجهيز قواه، ليعلم أنه هل يتمكن أن يقابل الإمام أم لا؟ ولذا كتب بهذا الكتاب إلى جرير (وخذه بالأمر الجزم) أي القطع في أحد الطرفين.
( ثم خيِّره بينَ حرب مُجلية) أي مخرجة له من وطنه، إنْ أبى التسليم لبيعتي (أو سلم مخزيةً) أي تخزيه وتذلُ كبرياءَه، وذلك بقبوله البيعة، والحرب والسلم مؤنثان سماعاً، ولذا جيء بوصفهما مؤنثا (فإن اختار الحرب ) و العصيان (فانبذ إليه) أي اعلمه من قبلي بالحرب، وإنّي أُعامله معاملة المحارب (وان اختار السِّلمَ) والرضوخ (فخذ بيعته) ليَّ (والسلام) .
فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا ، وَاجْتِيَاحَ أَصْلِنَا، وَهَمُّوا بِنَا الْهُمُومَ وَفَعَلُوا بِنَا الأفَاعِيلَ، وَمَنَعُونَا الْعَذْبَ وَأَحْلَسُونَا الْخَوْفَ ، وَاضْطَرُّونَا إِلى جَبَلٍ وَعْرٍ، وَأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ، فَعَزَمَ اللهُ لَنَا عَلَى الذَّبُ عَنْ حَوْزَتِهِ وَالرَّمُيِ مِنْ وَرَاءِ حُرْمَتِهِ .
................................
يحكي(عليه السلام) معاملة قريش للرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في أول الدعوة (فأراد قومُنا) أي العرب، أو قريش (قتل نَبيِّنا) كما فعلوا في ليلة المبيت (واجتياح) أي استئصال وقطع (أصلنا) فإنَّ الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أصل بيته (وهمُّوا بنا الهموم) أي قصدوا إنزالها بنا (وفعلوا بنا الأفاعيل)جمع افعولة :وهي الفعلة الرديئة، من الإلجاء إلى الشعب، والتعذيب، والإهانة، وما أشبه (ومنعونا العذب) أي هنيء العيش، أو الماء العذب .
(وأحلسُونا الخوف) أي الزمونا الخوف، بأفعالهم وتهديداتهم (واضطرُّونا إلى جبل وعرٍ) كناية عن إلجاء الكفار لهم إلى الشدائد، كالذي يضطر إلى أَن يصعد جبلاً وعراً شديداً حيث يلاقي الشدائد والمصائب ( وأوقدوا لنا نار الحرب) أي حاربونا، وإنما قيل نار الحرب، تشبيها لها بالنار التي تأكل الحطب وما أشبه، والحرب تأكل الناس وتحطمهم .
(فعزم الله لنا) أي أراد لنا (على الذَّبْ عن حوزته) أي نذب وندفع عن شريعته (والرَّمي من وراء حُرمته) حرمة الله : أحكامه، والرمي من ورائها
الذي
مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذلِكَ الأَجْرَ ، وَكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الأَصْلِ. وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ خِلْوٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِحِلْفٍ يَمْنَعُهُ، أَوْ عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ، فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بِمَكَانِ أَمْنِ .
وَكَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وسلم إذا احْمَرَّ الْبَأْسُ ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالأَسِنَّةِ ،
..............................
كناية عن الدفاع عنها، كالذي له حرمة فيرمي الأعداء من ورائها لئلا يصلوا إليها (مؤمِنُنَا) الذي آمن بالرسول (يبغي بذلك) الدفاع (الأجر) والثواب (وكافِرُنا) إذا دافع عن الرسول، كما دافع أبو لهب عنه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في بعض الأوقات (يحامي عن الأصل) والعشيرة، فلم يكن لنا مدافع، لأجل مال أو منصب أو ما أشبه .
(ومن أسلم من قريش) غير قبيلة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وأهله الأدنين (خِلوٌ مما نحنُ فيه) أي خالٍ من الهُموم والشدائد التي كُنا نقاسيها بسبب إسلامنا (بحلفٍ يمنعه) فله حلف مع عشيرة يمنعه ذلك الحلف من أن يؤذيه الكفار (أو عشيرةٍ تقومُ دونَهُ) فإنَّ عشائرهم كانوا يحامون عنهم فلا يتعرض أحدٌ لهم بسوء ( فهو من القتل بمكان أَمن) لا يتجرأُ أحد على قتله، فأهل البيت وأقارب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) هم - فقط - قاسوا الشدائد .
(وكان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) إذا احمَرَّ البأس) أي اشتد القتال، فإن القتال إذا اشتد جرت الدماء الدماء فيه كثيراً وذلك احمراره .
(وأحجم الناس) أي فرّوا وتقهقروا (قدَّم أهل بيته) للمبارزة، لأنهم يفدونه إلى أواخِرَ أنفاسهم، ولذا كان حوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يوم حنين العباس وأولاده والإمام(عليه السلام) ، إلى غير هذا الموقف، من سائر المواقف (فوقى بهم أصحابه حرَّ السيوف والأسنَّة) جمع سنان، بمعنى: الرمح، أي جعل أهل بيته وقاية
فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةَ . وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلكِنَّ آجَالَهُمْ عُجْلَتْ ، وَمَنِيَّتَهُ أُجِّلَتْ ، فَيَاعَجَباً لِلدَّهْرِ ! إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي، وَلَمْ تَكُنْ له كَسَابِقَتِي الَّتِي لا يُدْلِي أَحدٌ بِمِثْلِهَا،
...............................
لأصحابه، فيلاقون حرارة السيف والرمح دون أصحابه .
( فقتل عبيدةُ بن الحارث) ابن عم الإمام(عليه السلام) (يوم بدر) وهو أول حرب بين الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)وبين الكفار(وقُتِلَ حمزة) بن عبد المطلب عم الإمام(عليه السلام) (يوم أُحد) ومُثِّلَ بجسمه الشريف (وقتل جعفر) بن أبي طالب، أخو الإمام(عليه السلام) (يوم مؤتة) وهي بلد على حدود الشام في حرب بين الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) والروم.
(وأَراد من لو شئتُ ذكرتُ اسمهُ) [مَنْ] فاعل [أراد] ومصداقه [الإمام(عليه السلام)] لم يسمِّ نفسه تواضعاً، أي أني أَردت (مثل الذي أَرادوا من الشهادة والقتل في سبيل الله تعالى (ولكنَّ آجالهُم عُجِّلت) أي آجال من ذكرت أسماءهم من أقاربي (ومنيِّتَهُ) أي موته، والضمير عائد إلى الإمام(عليه السلام) (أُجِّلت) وتأخرت (فيا) قوم (عجباً) أصله عجبي، ويجوز في مثله خمسة أوجه، قال ابن مالك :
واجعل منادى صح أن يضف ليا*** كعبد عبدي عبدُ عبداً عبديا
(للدَّهر) والزمان (إذ صرتُ يقرن بي من لم يسعَ بقدمي) أي بمثل وقوفي على قدمي لأجل الدين، والمراد بـ[من] معاوية .
(ولم تكن له كسابقتي) إذ لا سابقة لمعاوية إلّا الكفر والقيام ضد الإسلام، المحاربة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (التي لا يدلي أحدٌ بمثلها) أي لا يقول أحدٌ
إِلَّا أَنْ يَدَّعِي مُدَّع مَالا أَعْرِفُهُ، وَلا أَظُنُّ الله يَعْرِفُهُ . وَالْحَمْدُ لله عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةٍ عُثْمَانَ إِلَيْكَ، فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ ،فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَلا إلى غَيْرِكَ ،
.............................
بأنَّ لي مثل سابقة الإمام، لعدم وجود مثل تلك السابقة في أَحدٍ من المسلمين (إلا أنْ يَدعي مُدعٍ ما لا أعرفه) بأن يكذب، فيقول عن نفسه سوابق مكذوبة .
( ولا أظُنَ الله يعرفه) إذ لا وجود لها، وهذا من باب السالبة بانتفاء الموضوع، كقوله سبحانه أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ(1)ولفظة [ الظن] من باب التواضع ( والحمد لله على كل حال) حتى حال أني صرت أُقرنُ بمثل معاوية] وإنما يحمده سبحانه، لأن البلايا موجبة للأجر، ولذا ورد [ الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه ] .
(وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَيْكَ) لقد وجد معاوية في المطالبة بدم عثمان خدعة يخدع بها جماهير أهل الشام البُلّه، وبذلك يتمكن أن يشق عصا الطاعة، ويدعي الخلافة، فيجعل ذلك ذريعة إلى ما دار في نفسه المشوبة من حب السلطة، ولذا طالب في كتابه الإمام(عليه السلام) بأن يدفع إليه قتلة عثمان ليقتلهم عوضه .
(فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ ، فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَلا إلى غَيْرِكَ) وذلك لأن عثمان بسبب بدعهِ كان مهدور الدم، كما أفتى بذلك طلحة والزبير وعائشة ومن إليهم، ولا يقتص من قتل مهدور الدم، ولا أقل من أن يكون
1) سورة يونس : 18
وَلَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعُ عَنْ غَيِّكَ وَشِقَانِكَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطْلُبُونَكَ، لا يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٍّ وَلا بَحْرٍ، وَلا جَبَلٍ وَلا سَهْلٍ ، إِلَّا أَنَّهُ طَلَبٍ يَسُوءُكَ وِجْدَاتُهُ ، وَزَوْرٌ لا يَسُرُّكَ لُقْياتُهُ، وَالسّلامُ لأَهْلِهِ.
....................................
الأمر شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، وعلى فرض وجوب القصاص، فليس لمعاوية حق الاقتصاص، وهل يصح لأفراد الرعية أن يطالبوا تنفيذ الحكم بأيديهم ؟ بالإضافة إلى أن القتلة كانوا مجتهدين، وفتواهم أن للمجتهد المخطيء أجراً واحداً.
( ولعمري ) قَسمٌ بنفسه الشريفة (لئن لم تنزع عن غيِّك وشقاقك) أي : لم تنته عن ضلالك ومشاقتك أي مخالفتك (لَتعرِفَنَّهم) أي قتلة عثمان(عن قليل) أي بعد قليل من الزمان (يطلبونك) عوض ما كنت أنت تطلبهم، يريدون قتلك كما قتلوا عثمان (لا يكلِّفونك طلبهم) أي هم بأنفسهم يأتون إليك، حتى لا تحتاج أنت إلى أنْ تتكلَّف في طلبهم (في برٍ ولا بحرٍ ولا جبلٍ ولا سهلٍ ) أي لا تحتاج إلى طلبهم في هذه الأماكن وإنما هم الطالبون لك (إلّا أنه ) أي : لطلبهم لك (طلبٌ يسوءُك وجدانهُ) أي وجدان هذا الطلب، بمعنى : أن تجده.
(وزور) جمع زائر ، أي أنهم زائرون لك (لا يسرُّك لقيانه) أي لقاؤهم. وإفراد الضمير باعتبار كل واحد واحد كقوله سبحانه:إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ(1)(والسلام لأهلهِ) أي أهل السلام المستحقين له .
1) سورة البقرة : 259
وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلابِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا . دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا، وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا . وَإِنَّهُ يُوشَكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لَا يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنٌّ، فَاقْعَسْ عَنْ هذَا الأَمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ، وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ ،
.............................
التوضيح :
(وكيف أنت) يا معاوية (صانِعٌ إذا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلَابِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ) جلابيب جمع جلباب، الثوب الذي فوق الثياب وتكشف الجلابيب كناية عن موته مُخلفاً وراءَهُ الدنيا وزخارفها (من دنيا قد تبهَّجت) أي تحسَّنت (بزينتها) لك (وخدعت بلذتها) أي غرَّت الناس بسبب لذائذها، فارتكبوا معاصي الله سبحانه لأجلها (دَعَتَك) الدنيا (فأجبتها) بالتناول من محرَّماتها (وقادتك) إلى الضلالة ( فاتبعتَها) فضَللتَ (وأمرتك فأطعتها) خلافاً لأمرِ الله سبحانه .
(وإنَّه يُوشكُ) أي يقربُ (أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لا يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنُّ) المجن: الترس، والمراد إيقافه سبحانه له في معرض الحساب والهوان، حيث لا ترس ينجيه (فاقعَسْ) أي تأخر (عن هذا الأمر) أي أمر الخلافة (وخذ أُهبة الحساب) أي استعداد حساب الآخرة وعدته (وشمِّر لما قد نزل بك) أي
وَلا تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ ، وَإِلَّا تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأخَذَهُ ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ وَالدَّمِ .
وَمَتَى كُنتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ، وَوُلاةَ أَمْرِ الأُمَّةِ؟ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقِ، وَلا شَرَفٍ بَاسِقِ ،
..........................
استعد للمحاربة والبلاء الذي نَزل بك (ولا تُمكِّن الغواة) جمع غاوي، بمعنى قرناء السوء (من سمعك) بأن يقولوا لك ما شاءوا فتسمع كلامهم .
( وإلا تفعل) ما أمرتك (أُعلمك ما أغفلت من نفسك)من الضعف، فإنَّك إذا اصطدمت بالقوة تعرف ضعف قواك، وهكذا الإنسان لا يعرف جهالته إلّا عند الامتحان (فإنَّك مُترف) المترف: الذي أطغتهُ النعمة (قد أخذ الشيطان منك مأخذه) أي ما أراد أخذه، وتسلط الشيطان على المترفين أكثر من تسلطه على غيرهم ( وبلغ فيكَ أَملَهُ) إذ أمل الشيطان أن يضل النا (وجرى) الشيطان (منك مجرى الرُّوح والدّم) كناية عن تسلطه التام عليه.
( ومتى كنتم يا معاوية سَاسَة الرَّعيَّة) ؟ جمع سائس، بمعنى المدير لشؤونها (ووُلاة أمرِ الأُمة) أي أنكم لا تصلحون لذلك (بغير قدمٍ سابقٍ) أي لا سابقة لكم حتى تستحقون ذلك (ولا)شرفٍ باسقٍ) أي عال رفيع، فقد كان أبو معاوية، أبو سفيان رجلاً جاهلاً بخيلاً أحمقاً زانياً - كما هو مشهور في قصة ابن سلول- وأُمه هند، حمقاء حقوداً زانية - كما هو مشهور في قصة تلاوة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)آية: إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ عليها، إلى قوله: وَلَا يَزْنِينَ (1).وضحك الحاضرون ..
1) سورة الممتحنة : 12.
وَنَعُوذُ بِالله مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ الشَّقَاءِ. وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً فِي غِرَّةِ الأُمْنِيَّةِ، مُخْتَلِفَ الْعَلَانِيَةِ وَالسَّرِيرَةِ .
وَقَدْ دَعَوْتَ إلى الْحَرْبِ، فَدَع النَّاسَ جَانِباً واخْرُجْ إِلَيَّ، وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ ، ليُعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ، وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ ! فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ ، وَذلكَ السَّيْفُ
...............................
(ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشَّقاء) أي أنْ يلزم الإنسان ما سبق له من الشقوة، فيشقى بسبب ذلك .
(وأُحذِّرك) يا معاوية (أنْ تكون متماديا في غرة الأُمنية) أي مستمراً في غُرور الأمل، إذ أَمله بالخلافة هو الذي أوجب له ذلك التمادي في الغي والضلال (مختلف العلانية والسريرة) فعلانيته طلبُ دم عُثمان، وسريرته الطمع في الخلافة (وقد دعوَت إلى الحرب) كان معاوية قد أراد إظهار الشجاعة، فدعى الإمام للمحاربة، فأجابه الإمام بهذا الجواب (فدع الناس جانباً و اخرج إليَّ) لنتبارز أنا وأنت، حتى يظهر الشجاع .
( واعف الفريقين من القتال ليعلم أيُّنا المَرينُ على قلبه) يقال : ران على قلبه، إذا صدأ قلبه - كما يصدأ الحديد - من الآثام والمعاصي (والمُغَطى على بصره) فلا يرى الحق، وهذا الكلام من الإمام كالمباهلة، في غلبة الصادق على الكاذب، ولذا جاء بلام التعليل في قوله(عليه السلام)[ ليعلم] فلا يقال : أي ربط بين [اخرج] وبين [ليُعْلَمَ]؟
(فأنا أبو حسن) أي المعروف عندك، وعند الناس بالشجاعة (قاتل جدِّك) لأمك عتبة بن أبي ربيعة (وأخيك) حنظلة بن أبي سُفيان (وخالك) الوليد بن عتبة (شدخاً) أي كسراً لهم (يوم بدر وذلك السيفُ) الذي قتلتهم به
ای
مَعِي، وَبِذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي مَا اسْتَبْدَلْتُ دِينَا، وَلا اسْتَحْدَثْتُ نَبِيًّا . وَإِنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ . وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِراً بِعُثْمَانَ . وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمَانَ فَاطْلُبُهُ مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنْتَ طَالِباً، فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِحُ مِنَ الْحَرْبِ إذا عَضْتُكَ ضَجِيج الْجِمَالِ بِالأَثْقَالِ، وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِع
.............................
(معي) المراد إما الحقيقة، أو كناية عن القوة (وبذلك القلب) القوي (ألقى عدوي ما استبدلت ديناً) بأن أُعرِضَ عن ديني السابق بدينٍ جديد (ولا استحدثتُ نبياً) بأن أَتخذ نبياً جديداً .
(وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين) فإنَّ معاوية وأباهُ وقومه الكفار لعنهم الله لم يدخلوا في الإسلام بالطوعة والرّغبة (ودخلتُم فيه مُكرهين) بعد فتح مكة حين رأوا أنَّ عدم إسلامهم يوجبُ قتلهم لما اقترفوه من الآثام والإجرام مع الرسول، قبل الفتح.
(وزعمت أنَّك جئت ثائراً بعثمان) يقال ثار به إذا طلب بدمه (ولقد علمت حيث وقع دم عثمان) أي على من لزم ومن الذي أراقه (فاطلبه من هناك إنْ كنت طالباً) فإنَّ من أراق دم عثمان بالتحريض والحث هم عائشة وطلحة والزبير .
( فكأني قد رأيتك تضجُّ من الحرب) أي تصيح وتولول خوفاً وهلعاً (إذا عضَّتك) أي الحرب تشبياً لها بالسبع الذي يعضُّ الشخص بأسنانه (ضجيج الجمال بالأثقال) أي مثل ما يضج الجمل بحمله الثقيل، لأنه لا يطيقه، وقد كان كما قال الإمام(عليه السلام)( وكأني بجماعتك تدعوني جزعاً من الضرب المتتابع) يأتي متعلق تدعوني في قوله [إلى] ومعنى جزعاً، إنهم جزعواً من
وَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ ، إلى كِتَابِ اللهِ ، وَهِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ ، أَوْ مُبَايِعَةً حَائِدَةٌ.
.............................
ضربنا الذي يتبع بعضه بعضاً بهم .
(والقضاء الواقع) عليهم بالقتل والإبادة (ومصارعَ بعد مصارعَ) إذ يقتل منهم جماعة بعد جماعة( إلى كتاب الله) كما فَعل معاوية بإشارة عمرو بن العاص حيث أمر برفع المصاحف خُدعة ومكيدة.
(وهي كافرة جاحدة) بالكتاب، إذ لا تعمل بأحكامه (أو مبايعة حائدة) أي غادرة حيث بايعت معي ثم حادت ومالت عن البيعة، والمراد أنهم يرفعون المصاحف و هم بين كافر وبين غادر كالذين بايعوا الإمام ثم التحقوا بمعاوية.
فَإِذا نَزَلْتُمْ بِعَدُوٍّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ ، فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الأَشْرَافِ أَوْ سِفَاحِ الْجِبَالِ ، أَوْ أَثْنَاءِ الأَنْهَارِ ، كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً ، وَدَونَكُمْ مَرَدّاً. وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتْكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ ، وَاجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجِبَالِ وَمَنَاكِبِ الْهِضَابِ،
.................................
التوضيح :
(فإذا نزلتم بعدو) بأن ذهبتم إليهم (أو نزل بكم) العدو، بأن جاء إليكم (فليكن معسكركم في قبل الأشراف) جمع شرف - محركة - العلو، أي قُدّام الجبال (أو سفاح الجبال) سَفْحُ الجبل أسفلهُ (أو أثناء الأنهار) أي : منعطفات الأنهار (كيما يكون لكم ردءاً) أي عوناً، فإنَّ العدو لا يتمكن أنْ يعبر الشُّرَف أو الجبل أو النهر ليُحيط بكم (ودونكم مردّاً) أي مكان الرد الدفع، ترجعون إليه فتتحصنون .
(ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد) أي طرف واحد (أو اثنين) لا أكثر، لئلا يتفرق العسكر، فإنَّ تفرُّقَ القِوى موجبٌ لضعفها.
(واجعلوا لكم رُقباء) جمع رقيب، وهو المراقب لحال العدو (في صياصي الجبال) أي أعاليها (ومناكب الهضاب) أي مرتفعات الآكام ، فإنَّ
لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ . وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوْمِ عُيُونُهُمْ، وَعُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلائِعُهُمْ . وَإِيَّاكُمْ وَ التَّفَرَّقَ : فَإِذا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً، وَإِذا ارْتَحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً ، وإذا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفَّةً ، وَلا تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلَّا غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً .
.....................................
مناكب جمع منكب، بمعنى المرتفع، وهضاب جمع هضبة، بمعنى : الجبل القليل الإرتفاع.
(لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة) أي مكان تخافون منه (أو أمنٍ) أي : تأمنون من جهته (واعلموا أنَّ مقدمة القوم) الذين يذهبون أمامهم ليختاروا لهم المكان المناسب (عيونهم) التي بها يرون المكان الصالح للقتال (وعيون المقدِّمة طلائعهم) فإِنَّ مِنَ المقدمة يخرج بعضهم الأجرأ والأعلم بالأمور ليختار المكان، فاللازم أنْ تكون المقدمة والطَّليعة في كمال الالتفات والوعي أو المراد أنهم إذا رأوا طلائع العدو فليتهيأوا، ولا يستسهلوا الأمر.
(وإياكم والتفرق) والتشتت بينكم فإنَّ ذلك موجب لضعف قِواكم (فإذا نزلتم) في مكان (فانزلوا جميعاً، وإذا ارتحلتم) وأردتم السير (فارتحلوا جميعاً) لا أنْ ينزل بعض ويرتحل بعض حتى تختلف كلمتهم ( وإذا غشيكُمُ الليل فاجعلوا الرماح كِفَّةً) أي مثل كفة الميزان مستديرة حولكم، حتى إذا هجم العدو تكونوا مستعدين للدفاع، ليس حمل السلاح الذي يحيط بهم (ولا تذوقوا النوم إلّا غراراً) هو النوم الخفيف (أو مضمضةٌ) بأن يتراوح بين النوم واليقظة، كالذي يتمضمض بالماء : يأخذه ثم يمجه، وهكذا.
وصى بها معقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقاتل مقدمة له :
اِتَّقِ الله الَّذِي لابُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ ، وَلا مُنتَهى لَكَ دُونَهُ، وَلا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ، وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ، وَغَوَّرْ بِالنَّاسِ، وَرَفِّهُ فِي السَّيْرِ ، وَلا تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، فَإِنَّ الله جَعَلَهُ سَكَناً ، وَقدَّرَهُ مُقَاماً لا طَعْناً، فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ ، وَرَوِّحُ ظَهْرَكَ.
........................
التوضيح :
(اتَّقِ الله الذي لا بد لك من لقائه) أي لقاء حسابه وجزائه (ولا مُنتهى لك دونه) فإنَّ نهاية كل إنسان إلى حسابه تعالى وثوابه أو عقابه (ولا تقاتلنَّ إلّا من قاتلك) فاترك الآمنين في القرى والأرياف والأخبية، ومن لا يَتَعرَّضُ لك (وسِر البَرْديَن) أي في الغداة والعشيّ حيث الهواء والأرض باردتان، حتى لا يتأذى العسكر بالحر (وغوِّر بالناس) أي انزل بهم في الغائرة، أي نصف النهار، وقت شدة الحر .
(ورفّه في السير) أي سِر سيراً عادلاً، لا سريعا حتى يتأذى الناس (ولا تَسر أول الليل) وقت منام الناس (فإنَّ الله جعلهُ سكناً) أي وقتاً للسكون لتخفيف أتعاب النهار (وقدَّرَةُ مقاماً) أي للإقامة (لا ضَعناً) أي لا لأجل السفر (فارح منه) أي في أول الليل (بدنك وروِّح ظهرك) أي أرح دابتك.
فَإِذا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السَّحَرُ أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ الله . فَإذا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً، وَلا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُريدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ ، وَلا تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي، وَلا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ ، قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَالإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ .
..................................
(فإذا وقفت) أي قمت (حين ينبطحُ السحر) أي ينبسط (أو حين ينفجر الفجر) أي يظهر، والفجر هو الصبح (فَسِر على بركة الله) بأن يجعل الله سبحانه سيرك مباركاً ذا ثباتٍ واستمرار، وهذا هو الأصل في البركة (فإذا لقيتَ العدو فقف من أصحابك وسطاً) وذلك ليستوي أصحابه بالنسبة إليه فيكون أسهل في الأمر والنهي، ولئلا يقتل فيتشتت نظام الجيش (ولا تدنُ من القوم) أي لا تقترب من العدو (دنو من يريد أنْ يُنشبَ الحرب) أي يهيجها (ولا تباعد عنهم) أي عن العدو (تباعد من يهاب البأس) أي يخاف الحرب حتى يوجب ذلك جرأة العدو وخوف جيشك ، إذ يروك كالخائف (حتى يأتيك أمري) بماذا ينبغي أن تفعل(ولا يحملنَّكم شنآنهم) أي بغضكم للعدو (على قتالهم قبل دعائهم) أي قبل أنْ تدعوهم إلى المسالمة ونبذ الخلاف (والإعذار إليهم) أي تقديم ما يبين عذركم في قتالهم، فاللازم الإعذار والدعاء ثم القتال .
وَقَدْ أَمَرْتُ عَلَيْكُمَا وَعَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الأَشْتَرَ ، فَاسْمَعَا لَهُ وَأَطِيعَا، وَاجْعَلاهُ دِرْعاً وَمِجَنّاً ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ لا يُخَافُ وَهْنُهُ وَلا سَقْطَتُهُ وَلا بُطْؤُهُ عَمَّا الإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ ، وَلا إِسْرَاعُهُ إلى مَا الْبُطَءُ عَنْهُ أَمْثَلُ .
...................................
التوضيح:
(إلى أَميرينِ من أُمراءِ جيشه) هما زياد بن النضر وشريح بن هاني بعثهما على مقدمة له في اثنى عشر ألفاً، فالتقيا بجند الشام، وكتبا إلى الإمام بذلك، فأرسل إليهما الأشتر لنجدتهما .
( وقد أمَّرتُ عليكما) أي جعلت أميراً (وعلى من في حيِّزكما) أي في جانبكما من الجيش (مالك بن الحارث الأشتر فاسمعا له وأطيعا) ما يأمر (واجعلاه درعاً ومجنّاً) أي تِرساً تتحفظان به من الأعداء (فإنه ممَّن لا يُخافُ وهنه) أي لايُخاف أن يهن أو يضعف (ولا سقطته) أي أنْ يَسقط ويخطأ فی المحاربة (ولا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم) أي أقربُ إلى الحزم، وهو تدبير الأمر والإلتفات إلى جهات العمل (ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل) أي أولى وأحسن .
لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدأُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى حُجَّةٍ ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدأُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ . فَإِذا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ الله فَلا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلا تُصِيبُوا مُعْوِراً، وَلا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَدَىٌ، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ ،
...............................
التوضيح :
(لا تقاتلوهم حتى يبدأوكم) فتكون الحجة لكم عليهم، إذ تكونوا بذلك مدافعين، لا مهاجمين (فإنكم بحمد الله على حُجةٍ) ومن هو كذلك لا يحتاج إلى الإسراع والسبق في المحاربة، إنما ذلك لمن يعلم أنه ليس محقاً فيريد السبق لئلا يسبقه المُحق (وترككم إيَّاهم حتى يبدأوكم حجَّةٌ أُخرى لكم عليهم) إذ لا يتمكنوا أنْ يقولوا بعد ذلك إنَّ الطرف اعتدى علينا ونحن دافعنا (فإذا كانت الهزيمة) والانكسار للأعداء (بإذن الله) ولطفه (فلا تقتلوا مُدبراً ) أي من فرَّ وأدبر.
(ولا تصيبوا) بالقتل والجرح (معوِراً) الذي أمكن من نفسه وعجز عن حمايتها (ولا تجْهزوا على جريح) الإجهاز على الجريح : إتمام أسباب موته وقتله (ولا تهيِجُوا النِّساء بأذىً) أي لا تؤذوا امرأةٌ (وإنْ شتمن أعراضكم)
وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ ، إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
.......................................
العِرض : كل شيء يحترمه الإنسان من نفسه أو أهله أو أقربائه (وسببن أمراءكم) وحكامكم .
(فإنهُنَّ ضعيفاتُ القوى) فإنّ الرجل أقوى من المرأة (والأنفُس) فإنَّ روح الرجل أكثر من روح المرأة، إذ ضعف جسدها المرأة، إذ ضعف جسدها يوجب ضعف نفسها (والعقول) فإنَّ المرأة أميلُ إلى العاطفة من العقل (إنْ) مخففة من الثقيلة، وحذف اسمها، أي إنا(كُنَّا لنُؤمرُ بالكف عنهنَّ )أي عن النساء (وإنَّهنَّ لمشركات) وذلك في زمن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
(وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية) أي يؤذيها ويضربها(بالفهر) الحجر الصغير بقدر ملئ الكف أو ما أشبه (أو الهرواة) العصا (فيُعَيَّرُ بها) أي بهذه الفعلة يلومُهُ قومه، لِمَ فعلت هذا مع المرأة؟ .
(و) يُعَيَّرُ (عقبه) أي نسله بفعل أبيه (من بعده) فإذا كان هذا هو حال الجاهلية، وذلك حال الإسلام مع المشركات فما أجدر بالعفو عن مثل المسلمة التي انحرفت في الفتن .
اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ، وَمُدَّتِ الأَعْنَاقُ ، وَشَخَصَتِ الأَبْصَارُ، وَنُقِلَتِ الأَقْدَامُ، وَأُنْضِيَتِ الأَبْدَانُ. اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْتُومُ الشَّنَآنِ، وَجَاشَتْ مَرَاجِلُ الأَضْغَانِ. اللّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَتَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا
..................................
التوضيح:
(اللهم إليك أفضت القلوب) أي انتهت بالتوجه والاستكانة (ومُدَّت الأعناق) لتنظر هل يأتي الفرج والنصر(وشخصت الأبصار) أي توجهت نحو السماء. الذي هو جهة العلو، ومنه يأتي النصر والرزق (ونُقِلَت الأقدام) إذ الذهاب إلى الحرب ذهابٌ إلى أمره سبحانه (وأُنضيت) أي بليت بالضعف والهزال (الأبدان) في طاعتك ( اللهمَّ قد صرَّح) أي ظهر (مكتوم الشنآن) أي أنَّ العداوة المكنونة في صدور الأعداء قد ظهرت .
(وجاشت) أي غلت كما يغلي القدر(مراجل) جمع مرجل، بمعنى : القدر(الأضغان) جمع ضِغن، بمعنى : الحقد (اللهم إنَّا نشكوا إليك غيبة نبينا) هذا إظهار للضعف أمامَ الله سبحانه ليتفضل بالقوة والغلبة (وكثرة عدوِّنا، وتشتُّتَ) أي تفرق (أهوائنا) أي آرائنا، والمراد آراء أنصاره(عليه السلام)
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ(1). (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنا) المحاربين لنا، فتحاً (بِالْحَقِّ) والقيد توضيحي، وإظهارٌ لما في نفس الداعي من طلب الحق، إذ من المعلوم أنَّ فتحه سبحانه بالحق (وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) الذي تفتح الطريق أمام أهل الحق .
1) سورة الأعراف: 89
لا تَشْتَدَّنْ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ، وَلا جَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ ، وَأَعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقَهَا ، وَوَطِّئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا، وَاذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِيِّ، وَالضَّرْبِ الطَّلَحْفِيِّ، وَأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ .
.......................................
التوضيح :
(لا تشتدن عليكم) أي لاتشق عليكم (فرَّة) أي فرار (بعدها كرَّة)ورجوع، فلا تعتبروها انهزاماً لتخلق في نفوسكم الضعف وآثار الانكسار (ولا جولةٌ) أي دوران من هنا إلى هناك (بعدها حملة) هجوم الأعداء (وأعطوا السيوف حقوقها) في الضرب بها على الأعداء (ووطِّئوا للجنوب) جمع جنب (مصارعها) أي هيِّئوا لجنوب الأعداء محل وقوعها، كناية عن لزوم إحكام الضرب حتى يسقط العدو بسببه إلى مصرعه (واذمروا) أي حرضوا (أنفسكم على الطعن) في الأعداء (الدَّعسيِّ) أي الشديد أسم من الدعس أي الطعن الشديد ( والضرب الطلحفي) أشد الضرب والياء في اللفظتين للمبالغة (وأميتوا الأصوات) فلا تتكلموا عند الحرب (فإنُّه) أي السكوت (أطرد للفشل)، إذ المتكلم يتوجه بعض نفسه إلى الكلام وإلى المخاطب، فلا تتجه نفسه جميعا إلى المحاربة، فيتسرب إليه الفشل بخلاف الساكت .
فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَسْلَمُوا وَلكِنِ اسْتَسْلَمُوا، وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ ، فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ .
......................................
(فوالذي فلق الحبة) شقها حتى أخرج من وسطها النبات (وبرأ) أي خلق(النسمة) أي البشر(ما أسلموا) أي معاوية ومن على شاكلته (ولكن استسلموا)أي أظهروا الإسلام حقناً لدمائهم، وانتهازاً للفرصة (وأسروا الكفر) أي أضمروه في أنفسهم (فلما وجدوا أعوانا عليه) أي على الكفر(أظهروه) وذلك بنقض أحكام الإسلام، وهدم شريعة الدين.
إلی معاوية، جواباً عن كتاب منه إليه
فَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لأُعْطِيكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ .
وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلَّا حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ بَقِيَتْ، أَلا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإلى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ
...........................................
التوضيح :
(إلى معاوية، جواباً عن كتاب منه إليه(عليه السلام)) وذلك بعد ما طالت الحرب، وخاف معاوية الفشل، فطلب من الإمام الشام - بحجة أنَّ الحرب أكلت العرب، وإنَّه والإمام سيان، فمن الجدير أنْ يأخذ الإمام بعضاً ويدع لمعاوية بعضاً .
(فأما طلبُك إلى الشام) بأن أدعها لك (فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس) فإنَّ الإمام لم يقر معاوية في منصبه : إمارة الشام، فكيف يُعطيه اليوم وقد ظهرت خبث سريرته، وما عرفه الإمام منه، من عدم الدين، وتصرفه السيء في المسلمين .
(وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ) أي أفنتهم (إلا حُشاشات أنفس بقيت) جمع حُشاشه بمعنى بقية الروح (ألا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ) بأن قُتل عن أمر الدين وفي سبيله (فإلى الجنة) وذلك لا يضر (ومن أكلهُ الباطل) بأنْ
فَإِلى النَّارِ. وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ ، وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الآخِرَةِ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، فَكَذلِكَ نَحْنُ، وَلكِنْ لَيْسَ أَمَيَّةُ كَهَاشِمٍ، وَلا حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ، وَلا الْمُهَاجِرُكَالطَّلِيق،
......................................
حارب ضد الدين (فإلى النار) وهذا جزاؤه .
(وأما استواؤنا في الحرب والرجال) إذ تريد بذلك تهديدي، بأنَّه لا غلبة لي عليك، إذ الجيشان متساويان (فلستُ بأمضى على الشك مني على اليقين) فلسنا متساويان إذ الشاك لا يتمكن أنْ يخلص المبدئه كما يتمكن المتيقن، والمعنى : لستُ على الشك الذي أنت فيه، بأكثر مُضياً وإقداماً في الأمر مني، وأنا على يقين من عقيدتي وأمري، هذا حالنا .
(و) أما جنودنا فـ(ليس أهل الشام) وهم جنودك ( بأحرص على الدنيا من أهل العراق) جنودي( على الآخرة) لأن أهل الآخرة أحرص على الآخرة، من أهل الدنيا على الدنيا .
(وأما قولك إنّا بنو عبد مناف) أراد معاوية أن يُبين استواءَه مع الإمام في النسب (فكذلك نحنُ) من بني عبد مُناف، لا أنتم (ولكن ليس أميَّةُ) جدك (کهاشم) جدي (ولا حرب) جدك الثاني(كعبد المطلب) جدي الثاني (ولا أبوسفيان) أبوك (كأبي طالب) أبي، فقد كان آبائي سادةٌ أشرافاً، وآباؤك أراذلٌ
أوباشاً .
(ولا المهاجر) يعني نفسه الكريمة (كالطَّليق) أي الذي أُطلق، حيث إن معاوية أسلم عام الفتح، وأطلقهم الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) مَنّاً عليهم حيث قال لهم
وَلا الصَّرِيحُ كَالأَصِيقِ، وَلا الْمُحِقُّ كَالْمُبْطِلِ، وَلا الْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِل . وَلَبِئْسَ الْخَلْفُ خَلْفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ .
وَفِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتي أَذْلَلْنَا بِهَا الْعَزِيزَ، وَنَعَشْنَا بِهَا الذُّلِيلَ.
............................
اذهبوا فأتنم الطلقاء (ولا الصَّريحُ) يعني نفسه الزكية حيث إن نسبه صحيح لا مغمز فيه (كاللَّصيقِ) أي كالذي أُلصق بالقبيلة وليس منهم، فإنَّ أُمية كما يذكر أهل التواريخ كان عبداً رومياً تبنّاهُ عبدُ شمس ويقال أنَّ بينهما كان اتصال محرم، وهذا ليس بعيداً من سيرة آل أُميّة فإنَّ أخلاقهم لا تشبه أخلاق العرب، فضلاً عن قُريش والهاشميين.
(ولا المُحقُّ) يعني نفسه الكريمة (كالمبطِل ) وهو معاوية (ولا المُؤمن كالمُدغِل) أي المُفسد ، وهو معاوية( ولبئس الخلف خلفٌ يتبع سلفاً هوى في نار (جهنم فإنَّ معاوية كان يتبع آباءَه في معارضة الإسلام، وقد هوى آباؤه في نار جهنم (وفي أيدينا بَعدُ فَضلُ النبوة) أي بقايا تعاليم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وما فَضَّلَ الله سبحانه هذا البطن من هاشم الذي فيه النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)( التي أذللنا بها العزيز) من الكفار.
(ونعشنا) أي رفعنا (بها الذليل) إذ الاسلام ألغى الميزات إلّا التقوى، كما قال سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(1)فلا ذلة فلا ذلة بسبب الإنتماء إلى العشيرة الفلانية، أو ما أشبه كما كان رائجاً في الجاهلية، وبنوا أُمية ليسوا كذلك لعدم كونهم من هذا البطن، ولا لديهم تعاليم الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) التي علَّمها لأهل بيته .
1) سورة الحجرات : 13
وَلَمَّا أَدْخَلَ الله العَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً ، وَأَسْلَمَتْ لَهُ هَذِهِ الأَمَّةُ طَوْعاً وَكَرْهاً ، كُنتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ : إِمَّا رَغْبَةٌ وَإِمَّا رَهْبَةٌ، عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ، وَذَهَبَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ . فَلا تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً ، وَلا عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً، وَالسَّلامُ .
............................
(وَلَمَّا أَدْخَلَ الله الْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً) أي جماعة، جماعة حيث قوى الإسلام(وَأَسْلَمَتْ لَهُ هَذِهِ الأَمَّةُ طَوْعاً وَكَرْهاً) أي بعضهم عن رغبة نفس، وبعضهم عن خوف ورهبة (كُنتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ في الدِّين : إمَّا رَغْبَةً) في مال أو جاه (أو رهبةٌ) عن قتل وإهانة (على حين فاز أهل السبق بسبقهم) أي بسبب سبقهم إلى الإسلام، وكان المراد بذلك نفسه الكريمة الذي كان أول من أسلم.
( وذهب المهاجرون الأولون) الذين هاجروا من مكة إلى المدينة (بفضلهم) إذ فضَّلهم الله سبحانه على من سواهم، بما لقوا من الأتعاب وثبتوا في مقابل الشدائد (فلا تجعلنَّ للشيطان فيك نصيباً )كأن جزءاً منه للشيطان(ولا على نفسك سبيلاً) بأنْ يكون متبعاً له، ولعل الأول لنهيه عن اتِّباع الهوى، والثاني لنهيه عن اتِّباع الشيطان، والله العالم.
اعْلَمْ أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ، فَحَادِثْ أَهْلَهَا بِالإِحْسَانِ إِلَيْهُمْ ، وَاحْلُلْ عُقْدَةَ الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ .
وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ،
...................................
التوضيح :
(اعلم أن البصرة مهبط إبليس) ولعل ذلك باعتبار إلقائه الفتن هناك ، يوم الجمل، كأنَّه هبط هناك للإضلال والإغواء (ومَغرِسُ الفتن) كأن الفتن تخرج منها، وهذه العادة جارية فيما إذا وقعت الثورة في مدينة كثرت الفتن فيها إلى مدة مديدة، لهيجان النفوس المقتضي للفتن (فحادث أهلها بالإحسان إليهم) ليكون الكلام كلاماً حسناً (واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم) كأن الخوف عقد في قلوبهم، ولذا هُم دائموا الخوف، والترفق واللين يوجب حل تلك العقدة .
( وقد بلغني تنمُّرك لبني تميم) أي تنكر أخلاقِكَ لهم، فإنَّ بني تميم كانوا ضد الإمام في قصة الجمل، ولذا كان ابن عباس يُسيءُ إليهم انتقاماً ، فكتب بعض الشيعة إلى الإمام يخبره بذلك، فكتب الإمام إلى ابن عباس بهذا الكتاب (وغلظتك عليهم) أي تغلظ وتخشن في معاملتهم.
وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلَّا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ فِي جَاهِلِيَّةِ وَلا إِسْلامِ ، وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةَ ، وَقَرَابَةً خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا، وَمَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا . فَارْبَعْ أَبَا الْعَبَّاسِ، رَحِمَكَ الله ، فِيمَا جَرَى عَلَى لِسَانِكَ وَيَدِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ! فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذلِكَ، وَكُنْ عِنْدَ صَالِحٍ ظَنِّي بِكَ، وَلا يَفِيلُنَّ رَأيِي فِيكَ، وَالسَّلامُ .
.................................
(وإنَّ بني تميم لم يَغب لهم نجمٌ إلّا طلع لهم) نجم (آخر) كناية عن أنَّ بعضهم وإن كانوا معادين، إلّا أنَّ بعضهم الآخر موالون .
(وإنَّهم لم يسبقوا بوغمٍ) أي حرب (في جاهليةٍ ولا إسلام) فكانوا هم شُجعانٌ في الجاهلية والإسلام، حتى أن قبيلة لم تسبقهم في الشجاعة، ومثل هذه فضيلة تستحق التقدير (وإنَّ لهم بنا رحماً ماسة) إذ كان بين تميم وهاشم مصاهرة، وهي تستلزم القرابة والرحمية (وقرابةً خاصَّةً) لا قرابة مطلق القبائل بعضهم مع بعض في أجدادهم الأعالي (نحن مأجورون على صلتها) أي صلة الرحم تلك .
(ومأزورون) من الوزر ، أي مذنبون (على قطيعتها) وهذه جهة أُخرى توجب مراعاتهم (فاربع) أي ارفق (أبا العباس) كنية عبد الله بن عباس (رحمك الله) دعاء بلفظ الخبر (فيما جرى على لسانك ويدك) بالنسبة إلى بني تميم (من خير وشر ) يعني في الإثابة والمعاقبة، فلا تحرمهم من الثواب، ولا تُكثر عليهم من العقاب - فوق الذي يستحق المستحق منهم - (فإنَّا شريكان في ذلك) أي فيما جرى على لسانك ويدك، على الخليفة إحسانُ الوالي وإساءته، لنصبه إياهُ .
(وكن عند صالح ظني بك) أي صدق ظني الحسن فيك بأنَّك تُطيع أمري( ولا يفيلن) أي لا يُخطئن ( رأيي فيك) بسوء صنيعك (والسلام) عليك .
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةٌ وَقَسْوَةٌ، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةٌ، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفِ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّافَةِ، وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالإِدْنَاءِ ،
...................................
التوضيح :
(أمَّا بعدُ) الحمد والصلاة (فإنَّ دهاقين أَهل بلدك)جمع دهقان - معرب ده بان - أي أصحابُ الريف، فإنَّ [ده] بمعنى الريف، و[بان] بمعنى الحافظ له (شكوا منك غلظة وقسوة) في أخلاقك وأعمالك معهم (واحتقاراً) لهم (وجفوةٌ) أي جفاءٌ (ونظرت) أي فكرت في أمرهم (فلم أرهم أهلاً لأن يُدنوا) أي يقربوا إليك (لشركهم) والمروي أنهم كانوا مجوساً (ولا أنْ يُقصوا) أي يُبعدوا ويُهانوا (ويُجفوا) أي يقطع الوالي صلاته معهم (لعهدهم) أي لأنهم معاهدون (فالبس لهم جلباباً) هو الثوب الواسع الذي يلبس فوق الثياب، والمراد هنا (الأخلاق) لأنَّها تُحيط بالإنسان كالجلباب (من اللين تشوبه بطرف من الشِّدَّة) أي تخلطه ببعض الشدة .
(وداول لهم) أي تراوح (بين القسوة) مرة (والرَّأفة) مرة (وامزج لهم) أي لتكن لك أخلاقاً مختلفة ممزوجة (بين التقريب والإدناء) لهم منك
وَالإِبْعَادِ وَالإِقْصَاءِ إِنْ شَاءَ الله .
....................................
(والإبعاد والإقصاء إنْ شاء الله) وذلك لكونهم مُعاهدين يوجب اللين، وإذا أُخذوا باللين طمعوا في الأمر وقَويت شوكتهم مما يضر بالإسلام فاللازم أنْ يمزج اللين ببعض الشدة، حتى لا يفسدهم اللين .
إلی زیاد بن أبیه وهو خليفة عامله عبد الله بن عباس على البصرة وعبد الله عامل أمير المؤمنين يومئذ عليها وعلى كور الأهواز وفارس وكرمان وغيرها:
وَإِنِّي أُقْسِمُ بِالله قَسَماً صَادِقاً ، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْء الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبيراً ،
...........................
التوضيح :
إلى زياد بن أبيه وهو خليفة عامله عبد الله بن عباس على البصرة، وعبد الله عامل أمير المؤمنين يومئذ عليها وعلى كور الأهواز وفارس وكرمان) كور: جمع كورة، بمعنى : الناحية، لا يُقال كيف ولَّى الامام زياداً ، وهو ولد الزنا، وذلك لا يَصلح لمجرد الإمامة فكيف بالولاية؟ وقد أُجيب عن ذلك بجوابات ذكرناها في شرح العروة في مسالة التقليد، لعل أقربها : إن الأحكام كانت تدريجية، بعضها لم يظهر إلّا بعد الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، أو في زمان متأخر، كما أن بعضها لم يظهر إلى الآن، فيظهر في زمان الإمام المهدي(عليه السلام) ، ولعل عدم الصلاحية من هذا القبيل، وهذا لا ينافي ظهور الأحكام في زمن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، إذ أنَّ ظهور بعضها بمعنى إيداعها إلى الإمام(عليه السلام) ، لا أنَّ جميعها ظهرت إلى الناس كما لا يخفى .
(وإني أُقسم بالله قسماً صادقاً) أي عاملاً بمقتضى القسم (لئن بلغني أنك حنت من في المُسلمين) أي غنائمهم شيئاً صغيراً أو كبيراً) أي قليلاً كانت
لأشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةَ تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَئِيلَ الأَمْرِ، وَالسَّلامُ .
...........................
الخيانة أو كثيرة .
(لأشدَّنَّ عليك شدة تدعك قليل الوفر) أي قليل المال، بسبب ما جمعته منك (ثقيلَ الظَّهر) من العقاب، وهذا من باب التشبيه، فإنَّ العقاب يحمل على الجسم كله، لكن الظهر حيث إنّه محل الحمل، جعله موضعاً للعقاب الذي يتحمله الإنسان (ضئيل الأمر) أي ضعيفه، فإنَّ العزل عن المقام يوجب ضآلة أمر الإنسان، وعدم جاهه (والسلام) .
فَدَعِ الإِسْرَافَ مُقْتَصِداً ، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْم غَداً، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدْمِ الْفَضْلَ لِيَوْم حَاجَتِكَ .
أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيكَ الله أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنْ الْمُتَكَبِّرِينَ ! وَتَطْمَعُ - وَأَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِي النَّعِيمِ، تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ وَالأَرْمَلَةَ -
...............................
التوضيح :
(فدع الإسراف) وكن (مقتصداً) أي متوسطاً في الإنفاق، لا بالإفراط ولا بالتفريط ( واذكر في اليوم) أي الدنيا (غداً) أي الآخرة التي فيها تُحاسب عما عملت (وامسك) أي احفظ (من المال بقدر ضرورتك) التي تحتاج إليها (وقدم الفضل) أي الزائد على الضرورة (ليوم حاجتك) في الآخرة (اترجو أن يُعطيك الله أجر المتواضعين) الذين عملوا بأوامره تواضعاً وتخضعاً.
(وأنت عنده من المُتكبرين) الذين لا يعملون بأمره، فإنَّ مَن يتصرف بالمال بخلاف أمره سبحانه متكبراً عليه إذ عَمِلَ عملاً يدلُّ على عدم الانقياد ، بل الكِبرُ واللجاج .
(وتطمع - وأنت مُتمرِّغٌ) أي مُتقلب (في النعيم) اللذائذ والمشتهيات (تمنعه) أي النعيم (الضعيف) أي الفقير(والأرملة) التي مات زوجها وبقيت
أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ الْمُتَصَدِّقِينَ؟ وَإِنَّمَا الْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفَ وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ ، وَالسَّلامُ.
....................................
فقيرة بلا والي (أنْ يوجب) الله (لك ثواب المُتصدقين) الذين تصدَّقوا بأموالهم في سبيله سبحانه .
(وإنما المرءُ مَجزيٌّ بما أسلف) أي يُجزى في الآخرة، بما قدَّم في الدنيا (وقادمٌ) أي يَرِدُ في القيامة (على ما قدَّم) وأرسلَ من الدنيا إلى هناك(والسلام).
ومن خطبة له(عليه السلام): يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس ...7
منها في صفة الجنة ....19
ومن خطبة له(عليه السلام): في الحث على التآلف....23
ومن خطبة له(عليه السلام): في أوائل خلافته ....29
ومن كلام له(عليه السلام) : بعدما بويع بالخلافة ....32.
ومن خطبة له(عليه السلام) : عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة....35
و من كلام له(عليه السلام) : في وجوب اتباع الحق عند قيام الحجة ....38
ومن كلام له (عليه السلام): لما عزم على لقاء القوم بصفين ...40
ومن خطبة له(عليه السلام) : يذكر فيها قصة الشورى وأصحاب الجمل...43
ومن خطبة له(عليه السلام) : وفيها ذكر المستحق للخلافة ...48
ومن كلام له(عليه السلام) : في شأن طلحة بن عبيد الله ....54
ومن خطبة له(عليه السلام) : في الوعظ والإرشاد ....57
و من خطبة له(عليه السلام) : وفيها الوعظ والإرشاد وبيان فضل القرآن...60
ومن كلام له(عليه السلام) : في معنى الحكمين .....78
ومن خطبة له(عليه السلام) : في وصفه سبحانه وبيان الرسالة والإنذار والوعظ ... 81
ومن كلام له(عليه السلام) : في التوحيد...86
ومن خطبة له(عليه السلام) : في ذم العاصين من أصحابه...88
ومن كلام له(عليه السلام) : في قوم هموا باللحاق بالخوارج....92
ومن خطبة له(عليه السلام): في حمد الله وذكر آثار قدرته وفي الإرشاد....94
ومن خطبة له(عليه السلام) : في وصفه تعالى وفضل القرآن ووعظ الناس .......111
ومن كلام له(عليه السلام) : قاله للبرج بن مسهر الطائي ...123
ومن خطبة له(عليه السلام) : في حمد الله وذكر الرسول ....124
منها في صفة خلقة الجرادة ...132
ومن خطبة له(عليه السلام) : تجمع من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة....136
ومن خطبة له(عليه السلام): في ذكر الملاحم ...154
ومن خطبة له(عليه السلام) : في الوصية بالتقوى وذكر الموت والاستعداد له ....158
ومن كلام له(عليه السلام): في الإيمان ومعنى الهجرة وبيان علمه(عليه السلام) ........162
ومن خطبة له(عليه السلام) : فيها حمد الله والثناء على نبيه ...166
و من خطبة له(عليه السلام) : في الوصية بالتقوى ....175
ومن خطبة له(عليه السلام): تسمى القاصعة....185
ومن خطبة له(عليه السلام) : يصف فيها المتقين وهي التي صعق لها همّام ....243
ومن خطبة له(عليه السلام) : يصف فيها المنافقين ....258
ومن خطبة له(عليه السلام) : فيها الحمد لله والثناء على رسوله والوعظ .......263
ومن خطبة له(عليه السلام) : حول بعثة الرسول وموعظة الناس ....271
ومن كلام له(عليه السلام) : في بيان اختصاصه بالنبي والحث على الجهاد ......274
ومن خطبة له(عليه السلام) : في فضل الإسلام والقرآن والحث على التقوى ....277
ومن كلام له(عليه السلام) : في الصلاة والزكاة والأمانة والوعظ ......291
ومن كلام له(عليه السلام) : في معاوية...297
ومن كلام له(عليه السلام) : في الوعظ بسلوك الطريق الواضح...299
ومن كلام له(عليه السلام) : عند دفن سيدة النساء فاطمة(عليها السلام) ....301
ومن كلام له(عليه السلام) : في الوعظ ...305
ومن كلام له(عليه السلام) : كان كثيراً ما ينادي به أصحابه ....307
و من كلام له(عليه السلام) : کلم به طلحة والزبير ....309
ومن كلام له(عليه السلام) : في الوصية لأصحابه أن لا يكونوا سبابين ..........313
ومن كلام له(عليه السلام) : في بعض أيام صفين....315
ومن كلام له(عليه السلام) : قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة................ 316
ومن كلام له(عليه السلام) بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي................ 318
ومن كلام له(عليه السلام) : وقد سأله سائل عن أحاديث البدع..................321
ومن خطبة له(عليه السلام) : في عجيب صنعة الكون....329
ومن خطبة له(عليه السلام) : في استنهاض أصحابه إلى الجهاد ....334
ومن خطبة له(عليه السلام) : في وصف الله سبحانه ....336
ومن خطبة له(عليه السلام) : في صفة الرسول والعلماء والوعظ ...339
ومن دعاء له(عليه السلام) : كان يدعو به كثيرا.........344ً
ومن خطبة له(عليه السلام) : في صفين ....347
ومن كلام له(عليه السلام): في التظلم والتشكي من قريش ........360
و من كلام له(عليه السلام) : في ذكر أهل الجمل .....363
و من كلام له(عليه السلام) : لما مرّ بطلحه وابن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل ...365
و من كلام له(عليه السلام) : في وصف السالك إلى الله سبحانه بالتقوى والعمل الصالح....367
ومن كلام له(عليه السلام) : قاله بعد تلاوته : ألهاكم التكاثر ....369
ومن كلام له(عليه السلام) : قاله عند تلاوته : رجال لا تلهيهم ....385
ومن كلام له(عليه السلام) : قاله عند تلاوته : يا أيها الإنسان ....392
ومن كلام له(عليه السلام) : في التبرؤ من الظلم ....400
ومن دعاء له(عليه السلام) : يلتجيء إلى الله أن يغنيه...407
ومن خطبة له(عليه السلام) : في التنفير من الدنيا ...408
ومن دعاء له(عليه السلام) : يلجأ فيه إلى الله ...412
و من كلام له(عليه السلام) : في مالك الأشتر بعد موته...414
ومن كلام له(عليه السلام) : في وصف بيعته بالخلافة ....416
ومن خطبة له(عليه السلام): في فضيلة التقوى ...418
ومن خطبة له(عليه السلام) : خطبها بذي قار وهو متوجه إلى البصرة...425
ومن كلام له(عليه السلام) : کلم به عبد الله بن زمعة ....426
ومن كلام له(عليه السلام): في إحجام اللسان عن الكلام...427
ومن كلام له(عليه السلام) : قاله وقد ذكر عنده اختلاف الناس...429
و من كلام له(عليه السلام) : قاله وهو يلي غسل رسول الله وتجهيزه....432
ومن كلام له(عليه السلام) : في ما كان منه بعد هجرة النبي ثم لحاقه به .........434
ومن خطبة له (عليه السلام): في المسارعة إلى العمل...435
ومن كلام له(عليه السلام) : في شأن الحكمين وذم أهل الشام...438
ومن خطبة له(عليه السلام) : يذكر فيها آل محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)...441
ومن كلام له(عليه السلام) : قاله لعبد الله بن عباس....443
ومن كلام له(عليه السلام): يحث فيه أصحابه على الجهاد...445
باب المختار من كتب أمير المؤمنين....447
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة 449
و من كتاب له(عليه السلام) : إليهم بعد فتح البصرة ...452
و من كتاب له (عليه السلام): الشريح القاضي ...453
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى بعض أمراء جيشه ...458
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى الأشعث عامل اذربيجان ...459
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى معاوية ...460
ومن كتاب له(عليه السلام) : إليه أيضاً ...462
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إلى معاوية..... 464
ومن كتاب له(عليه السلام) : يحكي معاملة قريش للرسول في أول الدعوة ......465
ومن كتاب له(عليه السلام): إلى معاوية...470
ومن وصية له(عليه السلام) : وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو ...475
ومن وصية له(عليه السلام) : لمعقل بن قيس الرياحي....477
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أميرين من أمراء جيشه...479
ومن وصية له(عليه السلام) : العسكره قبل لقاء العدو بصفين...480
ومن دعاء له(عليه السلام) : كان يقوله إذا لقي العدو محارباً...482
وكان(عليه السلام) يقول : لأصحابه عند الحرب ....484
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى معاوية جواباً...486
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى عبد الله بن عباس وهو عامله على البصرة .....490
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى بعض عماله ...492
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى زياد بن أبيه ....494
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى زياد أيضاً ...496
مكتبة الروضة الحيدرية
الرقم4492
التاريخ 3005/1/29