ghaemiyeh.com
تَوضِيْحُ نَهجُ البَلَاغَةِ
الطبعة المحققة الأولى
1423هـ 2002م
حقوق الطبع محفوظة
من مراكز التوزيع:
سوريا - دمشق - السيدة زينب(عليها السلام) - مكتبة الرسول الأعظم
هاتف : 6471116 مقسم 109.
إيران - قم المقدسة - مؤسسة برهيزكار للطباعة والنشر
شارع صفائية - فرع ممتاز - تلفكس 7746182 - 251 - 0098
دارعلوم: للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع
...........................
المكتبة : حارة حريك - بئر العبد - شارع السيد عباس الموسوي- الهاتف : 01/545182 - 03/473919-ص. ب : 13/6080
المستودع: حارة حريك - بئر العبد - مقابل البنك اللبناني الفرنسي - تلفاكس : 01/541650
البريد الإلكتروني :daraloloum@hotmail.com
محرر الرقمي: محسن حقاني فر
الطبعة المحققة الأولى
1423هـ 2002م
حقوق الطبع محفوظة
من مراكز التوزيع:
سوريا - دمشق - السيدة زينب(عليها السلام) - مكتبة الرسول الأعظم
هاتف : 6471116 مقسم 109.
إيران - قم المقدسة - مؤسسة برهيزكار للطباعة والنشر
شارع صفائية - فرع ممتاز - تلفكس 7746182 - 251 - 0098
دارعلوم: للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع
...........................
المكتبة : حارة حريك - بئر العبد - شارع السيد عباس الموسوي- الهاتف : 01/545182 - 03/473919-ص. ب : 13/6080
المستودع: حارة حريك - بئر العبد - مقابل البنك اللبناني الفرنسي - تلفاكس : 01/541650
البريد الإلكتروني :daraloloum@hotmail.com
تَوضِيْحُ
نَهجُ البَلَاغَةِ
آيةُ اللهِ العُظمَى
الإمَام السَّيّد مُحَمَّد الحُسَيْنِي الشَّيَرَازِي
(قدس سره الشریف)
الجُزءُ الرَّابِعُ
مكتبة الروضة الحيدرية
الرقم :4493
التاريخ:2005/1/29
دار العلوم: للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ (3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمّد وآله أجمعين، واللعن على أعدائهم إلى يوم الدين .
وكان عبد الله يقول: (ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله، كانتفاعي بهذا الكلام !)
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، وَيَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ ، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ، وَليَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا ، وَما نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلا تُكْثِرُ فِيهِ فَرَحاً ،
.............................
التوضيح:
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإن المرء قد يسره) ويفرحه (درك) إدراك (ما لم يكن ليفوته) بأن قدر أن يصل إليه، والحال أن المقطوع بوصوله لا ينبغي الفرح له، إذ الإنسان يفرح بالأمور المحتملة لا المقطوعة، ألا ترى أنه لا يفرح الإنسان بإشراق الشمس وما أشبه ؟ (ويسوؤه) ويحزنه (فوت ما لم يكن ليدركه) إذ قدر أن لا يصل إليه الإنسان، والحال أن المقطوع بقوته لا حزن عليه. ألا ترى أن الإنسان لا يحزن بفوت السلطنة منه ،لأنها مقطوعة العدم.
(فليكن سرورك بما نلت من آخرتك) إذ هو محتمل الوصول والعدم. (وليكن أسفك) وحزنك (على ما فاتك منها) أي من الآخرة، لأنها كانت محتملة الوصول ففاتت (وما نلت) وأدركت (من دنياك فلا تكثر فيه فرحا) إذ الدنيا المقدرة تصل إلى الإنسان قطعاً .
وَمَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلاَ تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً ، وَليَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ .
..............................
(وما فاتك منها فلا تأس) أي لا تحزن (عليه جزعاً) وحزناً إذ الدنيا التي لم تقدر لا تصل إلى الإنسان قطعاً (وليكن همك فيما بعد الموت) لتحصل أكبر قدر ممكن من الثواب .
لما ضربه ابن ملجم لعنه الله:
وَصِيَّتِي لَكُمْ: أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً ؛ وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ. أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَخَلاكُمْ ذمٌّ! أَنَا بِالأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ. إِنْ أَبْقَ فَأَنا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبةٌ،
....................................
التوضيح :
(وصيتي لكم) أيها الأولاد، والوصية النصيحة، سواء كانت في حال الحياة، أو لما بعد الممات (أن لا تشركوا بالله شيئاً) أي لا تجعلوا له شريكاً (ومحمد صلى الله عليه وآله فلا تضيعوا سنته) أي شريعته ودينه (أقيموا هذين العمودين) التوحيد والعمل بالإسلام (وخلاكم ذم) أي جاوزكم اللوم، فلا ذم عليكم بعد هذين الأمرين، تركتم ما تركتم، وأخذتم ما أخذتم (أنا بالأمس) الذي كنت فيه صحيحاً معافى (صاحبكم) والخليفة الأمر والناهي فيكم.
(واليوم عبرة لكم) تعتبرون بي، وتعرفون بسبب حال الدنيا وعدم إمكان الركون إليها (وغداً مفارقكم) إلى الآخرة (إن أبق) في الحياة، ولم أمت من هذه الضربة (فأنا ولي دمي) أي الجرح الذي جرحني ابن ملجم، أفعل به ما أشاء من العفو والانتقام (وإن أفن) وأمت من هذه الضربة، (ف) ليس عجيباً ذلك إذ (الفناء ميعادي) مصدر ميمي، أي وعدت بذلك، فكل حي فان ،( وإن أعف) عن ابن ملجم قبل أن أموت (فالعفو لي قرية) يقربني الله بذلك
وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ، فَاعْفُوا : أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ(1). وَاللهِ مَا فَجَئنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ، وَلَا طَالِعُ أَنْكَرْتُهُ؛ وَمَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ وَرَدَ، وَطَالِبٍ وَجَدَ؛ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ للأَبْرَارِ(2).
قال السيد الشريف رضي الله عنه :
أقول : [وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب، إلّا أن فيه ها هنا زيادة أو جبت تكريره ] .
...................................
إلى رضاه وفضله، لقوله سبحانه: وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (3)وقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ (4). (وهو) أي العفو، إن عفوتم بعدي (لكم حسنة) لأن العفو مستحب مثاب عليه، (فاعفوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ)؟ بسبب عفوكم، أو كما تحبون عفو الله، فاعفوا، ولا يخفى: أن هذا لا ينافي الانتقام من ابن ملجم كما حدث بعد الإمام، إذ الأمر للإرشاد لا للإيجاب، ولا ينافي وجود الغفران في العفو، وجوده في القصاص، لأن لكل من الطرفين مصلحة، ولذا يوجب كل واحد منهما الثواب . (والله ما فجئني) أي ما ورد عليّ فجأة وبغتةَ (من الموت) أي : بسببه (وارد كرهته) إذ الكراهة إما المفارقة الدّنيا، أو لملاقاة الآخرة، وكلاهما كان محبوباً للإمام (ولا طالع انكرته) واشمأززت منه (وما كنت إلّا كقارب) هو الطالب للماء ليلا .
(ورد) الماء، ويجد مطلوبه (وطالب وجد) ما كان يطلبه ، فقد كان(عليه السلام) شائقاً إلى لقاء الله، متضجراً من الدنيا، وأبرار جمع بر، بمعنى: المحسن.
كتبها بعد منصرفه من صفين:
هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ، ابْتِغاءَ وَجْهِ الله ، لِيُولِجَهُ بهِ الْجَنَّةَ، وَيُعْطِيَهُ بهِ الأَمَنَةَ .
منها : وَإِنَّهُ يَقُومُ بِذلِكَ الْحَسَنُ بْنُ علي يأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْروفِ، وَيُنفِقُ فی الْمَعْرُوفِ، فَإِنَّ حَدَثَ بِحَسَنٍ حَدَثٌ وَحُسَيْنُ حَيٌّ ، قَامَ بِالأَمْرِ
........................................
التوضيح:
(بما يعمل في أمواله، كتبها بعد منصرفه) أي انصرافه ورجوعه (من صفين) (هذا) الآتي في الوصية (ما أمر به عبد الله علي بن أبي طالب في ماله) أي بالنسبة إلى ماله (ابتغاء وجه الله) أي عملته رغبة في ثوابه سبحانه ( ليولجه) أي يدخله الله تعالى (به) أي بسبب هذا الأمر وهذا العمل الجنة (ويعطيه به الأمنة) أي الأمن في الآخرة، من العذاب والنار .
(منها) : ( وانه يقوم بذلك) أي بشؤون ذلك الوقف الذي أوقفه الإمام(عليه السلام) (الحسن بن علي يأكل منه بالمعروف) أي بالقدر المتعارف أكله لمتولي الوقف حسب تعبه فيه ومقدار أجرته العادلة. (وينفق) الباقي (في المعروف) من وجوه البر والخيرات (فإن حدث بحسن حدث) أي مات (عليه السلام) (وحسين حي) بعد في دار الدنيا (قام) الحسين(عليه السلام) (بالأمر ) أي
بَعْدَهُ، وأَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ. وَإِنَّ لابْنَيْ فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقَةِ عَلِيَّ مِثْلَ الَّذِي لِبَنِي عَلِي، وَإِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الْقِيامَ بِذلِكَ إِلَى ابْنَيْ فَاطَمةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَقُرْبَةٌ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَتَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ، وَتَشْريفاً لِوُصْلَتِهِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ ، وَيُنْفِقُ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِيَ لَهُ ، وَأنْ لَا يَبِيعَ مِنْ أَوْلادِ نَخْلِ هَذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةً حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً . وَمَنْ كَانَ مِنْ إمائي - اللَّاتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ - لَهَا وَلَدٌ ، أَوْ هِيَ حَامِلٌ،
.......................................
أمر الوقف (بعده وأصدره) أي : أجرى الوقف (مصدره) أي في المورد المقرر له ، من الأكل والإنفاق (وإن لابني فاطمة)(عليها السلام) ، أي الحسن والحسين (من صدقة علي) (عليه السلام)، أي ما وقفه (مثل الذي لبني علي) من سائر زوجاته، فكلهم شركاء في الأكل. (وإني إنما جعلت) التولية على الوقف (والقيام في ذلك إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه الله) أي طلب ثوابه، لأنهما أحب إليه تعالى، من سائر الأولاد (وقربة) أي تقرباً (إلى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حيث إنهما ولداه (وتكريماً لحرمته) أي حرمة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (وتشريفاً لوصلته) أي صلته وقرابته معهما (ويشترط) فاعله [علي](عليه السلام)( على الذي يجعله إليه) أي المتولي المنصوب على الوقف، من الحسن(عليه السلام) وسائر المتولين (أن يترك المال على أصوله) وكان المال أرضاً ونخلات (وينفق من ثمره، حيث أمر به) أي في المكان الذي أمر به، من الأكل والإنفاق في وجوه الخير (وهدي له) أي أوقع في قلبه أن ينفقه في ذلك السبيل الخيري (وأن لا يبيع من أولاد نخل هذه القرى) الموقوفة (ودية) أي فسيلا، وهو النخل الصغير (حتى تشكل أرضها غراسا) أي يكثر النخل في الأرض. (ومن كان من إمائي) أي جواري (اللّاتي) جمع التي (أطوف عليهن) أي الامسهن (لها ولد أو هي حامل) فإذا
فَتُمْسَكُ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظِّهِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ، قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُّ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ .
قال الشريف : قوله (عليه السلام) في هذه الوصية : [أن لا يبيع من نخلها ودية]، الودية : الفسيلة، وجمعها ودي. قوله(عليه السلام) : [حتى تشكل أرضها غراسا] هو من أفصح الكلام، والمراد به أن الأرض يكثر فيها غراس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها بها فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها.
.................................
أنا مت (فتمسك على ولدها) أي تحفظه وهي القيمة على شؤونها (وهي من حظه) أي تعتق هي من نصيب إرث الولد (فإن مات ولدها وهي حية فهي عتيقة )لا سبيل للورثه على استملاكها (قد أفرج عنها الرق) أي العبودية قد ارتفعت عنها، (وحررها العتق) أي أطلقها فهي حرة، بعد ذلك.
قال الشريف : وإنما ذكرنا هنا جملا ليعلم بها أنه(عليه السلام)كان يقيم عماد الحق ، ويشرع أمثلة العدل، في صغير الأمور وكبيرها ودقيقها وجليلها .
انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَلاَ تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَلاَ تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِهاً ، ولا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فانزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثُمَّ امْضِ إلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ ؛
........................
التوضيح :
(انطلق) أيها العامل (على تقوى الله وحده لا شريك له) بأن تكون التقوى ملازمة لك في جميع أعمالك وأفعالك (ولا تروعن) أي لا تخيفنّ لأجل أخذ الزكاة (مسلماً ولا تجتازن عليه) أي لا تمر على مسلم (كارها) أي : في حال كونه كارها لمرورك من أرضه (ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله) أي مقدار الزكاة (فإذا قدمت على الحي) القبيلة، أو القرية (فانزل بمائهم) على حافة بئر يستقون منها ، أو ستر لهم (من غير أن تخالط أبياتهم) فلا تدخل في وسط الحي براحلتك .
( ثم امض إليهم بالسكينة) أي الهدوء في المشي (والوقار) أي: مشية
حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَلا تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ ، ثُمَّ تَقُولَ : عِبَادَ اللهِ ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللهِ وَخَلِيفَتُهُ، لِأَخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللهِ في أَمْوَالِكُمْ ، فَهَلْ لِلَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقِّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ . فإِنَّ قَالَ قَائِلٌ : لا ، فَلاَ تُرَاجِعْهُ ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَإِنطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أو تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ، فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إبِلٌ فَلاَ تَدْخُلْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِ وَلاَ عَنِيفِ بِهِ. وَلاَ تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةٌ
..................................
الاحترام (حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم) لا دخول متسلط متكبر (ولا تخدج بالتحية لهم) أي لا تبخل، يقال أخدجت السحابة إذا قل مطرها (ثم تقول : عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته) يعني الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)(لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل لله في أموالكم من حق) أي الزكاة (فتؤدوه إلى وليه) علي(عليه السلام) ؟ (فإن قال قائل : لا ، فلا تراجعه )حملا لفعل المسلم على الصحيح، ولقوله على الصدق (وأن أنعم لك منعم) أي قال لك نعم، عندي حق الله (فإنطلق معه) أي أذهب معه لأخذ الزكاة (من غير أن تخيفه) في الكلام (أو توعده) من [الإبعاد] وهو الوعد بالشر (أو تعسفه) أي تأخذه بشدة (أو ترهقه) أي تكلفه ما يصعب عليه . (فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة) إذا كان عنده منهما ما يبلغ النصاب مع اشتراط سائر الشرائط الموجبة للزكاة (فإن كان له ماشية) أي دابة زكوية تمشي كالبقر والغنم (أو ابل فلا تدخلها) أي لا تدخل في محلها (إلا بإذنه فإنَّ أكثرها له) ومن له الأقل يجب أن يراعي حق من له الأكثر (فإذا أتيتها) ودخلت فيها بإذنه .
(فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه) كدخول الجبابرة والمتكبرين (ولا عنیف به) أي بشدة وعنف (ولا تنفرن بهيمة) فإنَّ الإسلام يأمر برعاية
وَلَا تُفْزِعَنَّهَا ، وَلا تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا ، وَاصْدَعِ الْمَالَ صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيِّرْهُ ، فَإِذَا أَخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ. فَلاَ تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّ اللهِ فِي مَالِهِ؛ فَاقْبِضْ حَقَّ اللهِ مِنْهُ . فَإِنَّ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ، ثُمَّ اخْلِطْهُمَا ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً ، حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللَّهِ فِي مَالِهِ ، وَلاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً وِلاَ هَرِمَةٌ وَلاَ مَكْسورَةٌ وَلاَ مَهْلُوسَةٌ، وَلاَ ذَاتَ عَوَارٍ،
...........................
الحيوان، كما يأمر بالإحسان إلى الإنسان (ولا تفزعنها) أي تخيفن البهيمة (ولا تسوءنّ صاحبها فيها) بأن تعمل مع البهيمة عملا يتأذى بذلك صاحبها، كما يفعل بعض الناس من حملها بصوفها، أو الضغط على كلاها، أو ما شابه (واصدع المال صدعين) أي : اقسمه قسمين (ثم خيره) أي خيّر المالك في اختيار أي القسمين أراد (فإذا اختار) المالك قسما (فلا تعرضن لما اختاره) ثانيا (فلا تزال كذلك) تقسم المال قسمين (حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله) فإذا كان المال عشرين مثلا، والحق خمسة تقسم العشرين عشرة عشرة، ثم تقسم العشرة التي لم يخترها خمسة خمسة، فيختار هو خمسة، وأنت تأخذ الخمسة الباقية ، لا يخفى أن ليس المراد التقسيم الحقيقي، إذ في كثير من الأحيان يلزم الكسر مثل خمسة وعشرين إذا أريد تقسيمه قسمين. (فاقبض حق الله منه) أي المقدار المفروض زكاة (فإن استقالك) بأن طلب منك أن تجعل ما أخذته في ضمن الأغنام ثانية، والتقسيم من أول (فأقله) أي فاقبل كلامه .
(ثم أخلطهما) ما أخذت أنت وما بقي له (ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا) من تقسيم المال قسمين قسمين وهكذا. (حتى تأخذ حق الله في ماله)وفي هذا النحو من الأخذ، روعي المالك خير مراعاة (ولا تأخذن عودا) أي المسنة من الإبل (ولا هرمة) هي الأسن من العود (ولا مكسورة) رجلها أو يدها أو قرنها أو ما أشبه (ولا مهلوسة) أي الضعيفة (ولا ذات عوار) أي ذات
وَلاَ تَأْمَنَنْ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ، رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصِّلَهُ إلَى وَلِيْهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ ، وَلاَ تُوَكِّلْ بِهَا إِلَّا نَاصِحاً شَفِيقاً وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعْنِفٍ وَلَا مُجْحِفٍ، وَلَا مُلْغِبٍ وَلاَ مُتْعِبٍ. ثُمَّ أحْدُرْ إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ بِهِ، فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِيتُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا، وَلاَ يَمْصُ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلكَ بوَلَدِهَا ؛ وَلَا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً،
.......................................
عيب (ولا تأمنن عليها) أي على البهيمة المأخوذة (إلا من تثق بدينه) في حال كونه (رافقا بمال المسلمين) فلا يؤذيها (حتى يوصله إلى وليهم) أي ولي المسلمين، وهو الإمام نفسه (فيقسمه بينهم) كما أمر الله سبحانه. (ولا توكل بها) حتى تريد تسليمها لإيصالها إلى الإمام (إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا) يحفظها ولا يخون فيها، ويخاف عليها من العطب وينصح للمسلمين فلا يحيف عليهم ( غير معنف) من العنف بمعنى الشدة (ولا مجحف) يجحف بحقها أي يظلم في إعطاء الكلاء والماء وما أشبه. (ولا ملغب) يورث تعب الحيوان (ولا متعب) اللغوب أشد التعب، ففي الكلام تدرج من الأعلى إلى الأسفل (ثم أحدر ) أي أرسلها إلينا سريعا (إلينا ما أجتمع عندك) من الزكوات (نصيره) أي نصرفه ( حيث أمر الله به) في قوله عز وجل إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ(1).
(فإذا أخذها أمينك) يريد أن يأتينا بها (فاوعز إليه) أي امره (ألا يحول بین ناقة وبين فصيلها) أي ولدها الرضيع (ولا يمص لبنها) أي لا يبالغ في حلبها حتى يقل اللبن في الضرع، للولد (فيضر ذلك بولدها) إذ يقل رضاعه فيهزل ويمرض (ولا يجهدنها ركوبا) فيما إذا كانت إبلا، أي لا يركبها ركوبا مجهدا
1) سورة التوبة : 60 .
وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وَبَيْنَهَا، وَلْيُرَفِّهُ عَلَى اللَّاغِبِ، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ ، وَلْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُرِ، وَلَا يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الأَرْضِ إِلَى جَوَادِّ الطَّريقِ ، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْهَا فِي النِّطَافِ وَالأَعْشَابِ، حَتَّى تأتِينَا بِإِذْنِ اللهِ بُدَّناً مُنْقِيَاتٍ، غَيْرَ مُنْعَبَاتٍ وَلاَ مَجْهُودَاتٍ، لِنَقْسِمَهَا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فإنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لأَجْرِكَ ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ .
........................................
موجبا لتعبها .( وليعدل بين صواحباتها في ذلك) الركوب (وبينها) فيركب هذه مرة وتلك مرة (وليرفه على اللاعب) أي ليرح ما لغب بمعنى تعب(وليستأن) من الأناة، بمعنى ليرفق (بالنقب) أي بالحيوان الذي جرح خفه (والظالع) أي الذي تعب أو جرح حتى أخذ يغمز في مشيته (وليوردها) أي الماشية (ما تمر به من الغدر ) جمع غدير ، وهو : الماء الموجود في منخفضات الأرض، أي يأتي بالماشية إلى الغدران، لتشرب العطشى منها . (ولا يعدل بها عن نبت الأرض) أي محل النبات فيها (إلى جواد الطريق) جمع جادة، وهي التي لا نبت فيها، لكونها مسير القوافل (وليروحها في الساعات) أي يعطيها الراحة في ساعات الاستراحة(وليمهلها) أي يعطيها المهلة ولا يسير بها (في النطاف) جمع نطفة، وهي: الماء القليل في الطريق، والمهلة لأجل أن تشرب. (والأعشاب) أي مواضع الكلأ (حتى تأتينا بأذن الله بدنا) جمع بادنة أي سمينة .
( منقيات) اسم فاعل من أنقت الإبل إذا سمنت، وأصله بمعنى صارت ذات نقى أي مخ (غير متعبات) أي لم تتبعب (ولا مجهودات) من الجهد، بمعنى النصب (لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله) بين الفقراء وسائر المصالح (فإن ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله) كلمة تبرك، وإن كان الأصل فيها الاستثناء .
آمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ، حَيْثُ لَا شَهِيدَ غَيْرُهُ ، وَلاَ وَكِيلَ دُونَهُ. وَآمُرُهُ أَنْ لَا يَعْمَلَ بِشيءٍ مِنْ طَاعَةِ اللهِ فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا أَسَرَّ ، وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ ، وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتُهُ ، فَقَدْ أَدّى الأَمَانَةَ، وَأَخْلَصَ الْعِبَادَةَ .
..........................
التوضيح :
(آمره بتقوى الله) أي بأن يخافه سبحانه (في سرائر أمره) أي ما ينجزه من الأمور المخفية (وخفيات عمله) أي أعماله المخفية، فإنَّ التقوى في ذلك أهم، من التقوى في الأمور العلانية (حيث لا شهيد غيره) أي لا يشهد العمل الخفي غيره سبحانه (ولا وکیل دونه) أي ليس هناك من يوكل الأمور إليه مطلقا سوى الله تعالى، ويحتمل أن يكون [لا شهيد] بهذا المفاد أيضا أي لا شهيد بقول مطلق إلّا الله تعالى .
(و آمره أن لا يعمل بشيء من طاعة الله فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسر) أي أخفى بأن لا يكون باطنه مخالفا لظاهره، فمحل النهي هو المخالفة في الباطن، لا العمل بالطاعة في الظاهر (ومن لم يختلف سره وعلانيته وفعله ومقالته) أي فعله مع قوله (فقد أدى الأمانة) الملقاة على عاتقه من إطاعة الله سبحانه في كل حال (وأخلص العبادة) لله تعالى، إذ لو كان مرائيا لأختلف
وَآمُرُهُ أَنْ لا يَجْبَهَهُمْ وَلا يَعِضَهُمْ وَلاَ يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضُّلاً بِالإِمَارَةِ عَلَيْهِمْ ، فإنَّهُمُ الإخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالأعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ. وَإِنَّ لَكَ فِي هذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ ، وَإِنَّا مُوَفُّوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَالّا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُومًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ،
......................................
ظاهره وباطنه، وسره وعلنه. (وآمره أن لا يجبههم) أي لا يضرب على جبهة الذين يريا، أخذ الصدقة منهم (ولا يعضهم) أي لا يبهتهم، كما هي عادة الأمراء إذا غضبوا على الرعية بهتوها ليبرروا موقفهم من الانتقام (ولا يرغب عنهم) أي لا يتجافى ولا يبتعد (تفضلا بالإمارة عليهم) بأن يترفع عليهم بسبب الإمارة (فإنهم) وإياه (الإخوان في الدين والأعوان على استخراج الحقوق) فهم يعطون وهذا يأخذ (وإن لك في هذه الصدقة نصيبا مفروضا) فرضه الله سبحانه بقوله وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا(1). (وحقاً معلوما) بينه الله سبحانه إذ جعله أحد المصارف الثمانية (وشركاء أهل مسكنة) لأنه تعالى أراد بقوله [والمساكين](وضعفاء ذوي فاقه) أي فقر وحاجة لأنه سبحانه أردفه بهم في قوله إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ...وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا (2)(وإنا موفوك حقك) أي تعطيك ما تستحق (فوفهم حقوقهم) بأن لا تتعدى على أصحاب الأموال في قول أو فعل، ولا على أصحاب الزكاة بنقص حقهم في الأخذ (وإلا تفعل) من توفية حق الناس (فإنك من أكثر الناس خصوما يوم القيامة) إذ كل الفقراء
وَبُؤْساً لِمَنْ - خَصْمُهُ عِنْدَ الله - الْفَقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْمَدْفُوعُونَ، وَالْغَارِمُ وَابْنُ السَّبِيلِ! وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالأَمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا ، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الْخِزْيِ ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَذَلُّ وَاخْزَى. وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الأُمَّةِ ، وَأَفْضَعَ الْغِشْ غِشُّ الأَئِمَّةِ، وَالسّلام .
....................................
خصومه (وبؤسا) أي فقرا ويأسا (لمن خصمه عند الله الفقراء والمساكين والمسكين) أشد حالا من الفقير (والمدفوعون) أي الذين يجب أن يدفع إليهم من سائر المصالح (والغارم) وهو المديون (وابن السبيل) الذي تمت نفقته في السفر فبقي حائرا لا يعلم كيف يرجع إلى أهله (ومن استهان بالأمانة) أي لم يهتم بها (ورتع في الخيانة) أي تحرك في خيانة الأمانة، بعدم توفية الناس حقوقهم (ولم ينزه نفسه) أي شرفه النفسي وسمعته عند الناس (ودينه) عند الله تعالى (عنها) أي عن الخيانة (فقد أحل بنفسه في الخزي) جمع خزية، أي البلية والفضيحة (وهو في الآخرة أذل وأخزى) مما عليه في الدنيا (وإن أعظم الخيانة خيانة الأمة) في أموال الفقراء وسائر المصالح (وأفضح الغش) أي : أسوئه (غش الأئمة) أي الولاة والخلفاء (والسلام).
فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرةِ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ بِهِمْ ، فإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ
....................................
التوضيح:
( فاخفض لهم جناحك) أي تواضع لأهل مصر، وأصل خفض الجناح، أن الطائر يخفض جناحه أمام أبويه، تذللا ( وألن) من اللين مقابل الشدة (لهم جانبك) أي طرفك، من اللسان واليد وما أشبه، فإنَّها من جوانب الإنسان (وأبسط لهم وجهك) لا تعبسه (وآس بينهم) بمعنى المواساة، أي أجعل بعضهم أسوة بعض ( في اللحظة) أي الملاحظة، وهي النظرة بطرف العين.
(والنظرة) كي لا تنظر إلى بعضهم أكثر من بعض، فيظنون إنك ترجح بعضهم على بعض (حتى لا يطمع العظماء) أي الأشراف (في حيفك لهم) أي ظلمك للناس، لأجلهم، فإنَّهم إذا رأوا من الوالي زيادة عناية طمعوا في أن يجروه إلى جانبهم فيما يريدون فعله من ظلم الضعفاء (ولا ييأس الضعفاء من عدلك بهم) أي إنك تعدل بهم غيرهم، بأن لا تفرق بين القوي والضعيف . (فإن الله تعالى يسائلكم معشر عباده) منصوب على الاختصاص، أي يا معشر عباده .
عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنتُمْ أَظْلَمُ ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ . وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا بِأَفضَلِ مَا أُكِلَتْ فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِي بِهِ الْمُتْرَفُونَ
.............................
(عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة) فالنظرة واللحظة مورد المحاسبة كالصلاة والصيام (الظاهرة والمستورة) عن أعين الناس (فإن يعذب) بذنبكم (فأنتم أظلم) أي أنتم الظالمون، لا هو، والتفضيل هنا جرّد [ عن الفضل] وإنما جيء للأصل، كقولهم [الأحوط] يراد الاحتياط، وقوله سبحانه : ذَلِكَ خَيْرٌ(1)ولا يراد أنه أحسن وطرفه الآخر حسن (وإن يعف) عن ذنوبكم (فهو أكرم) وذلك العفو بكرمه وفضله . (واعلموا عباد الله أن المتقين) الذين خافوا الله سبحانه فعملوا بمرضاته (ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة) أي إذ ركبوا حسن الدنيا وحسن الآخرة (فشاركوا أهل الدنيا) الذين لا تقوى لهم (بأفضل ما سكنت) إذ هو ساكن في محله وهو راض بما قسم الله له مطمئن بأنه لم يجرم في سكناه هادئ البال، بخلاف غير المتقي فإنّه يسكن غير راض وإن سكن قصرا - إذ الرضى من لوازم الإيمان - ولا اطمينان له، إذ قد أجرم في تحصيل السكني، قلق الخاطر لما يصير إليه . (وأكلوها بأفضل ما أكلت) للرضا بالقسمة، وإن أكل خبزا يابسا، مطمئن بحسن ثواب الله، إذا نال الضيق في مأكله، وذلك بخلاف المجرم العاصي( فحظوا من الدنيا بما حظي) أي بمثل ما نال (به المترفون) أي المنعمون الذين يسرفون في التلذذ والشهوات .
1) سورة النساء : 59
وَأخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ ؛ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلّغِ ؛ وَالْمَتْجَرِ الرَّابحِ . أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللهِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ. لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَلَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ . فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ الْمَوْتَ وَقُرْبَهُ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، وَخَطْبٍ جَلِيلٍ، بِخَيْرٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ شَرِّ أَبَداً،
.........................
(وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة) جمع جبّار، الذي يجبر الناس ويظلمهم (المتكبرون) الذين لا يؤدون حق الله سبحانه كبرا واعتلاءٌ. (ثم انقلبوا) أي المتقون، انتقلوا إلى الدار الآخرة (عنها) أي : عن الدنيا (بالزاد المبلغ) الذي يبلغهم المراتب الرفيعة في الآخرة، وهي الأعمال الصالحة (والمتجر) أي التجارة (الرابح ) ذو الربح، إذ عملوا حسنا فيأخذون جزاءه ضعفا . (أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم) فإنَّ للزهد لذة لا يلتذ بمثله أحد، إذ هو لذة العقل، وهو أفضل من كل لذة (وتيقنوا أنهم جيران الله) تشبيه للمعقول بالمحسوس، إذ الآخرة دار لرضاه سبحانه وكرامته، فكأنه سبحانه هناك (غدا في آخرتهم) وهذا اليقين مما يوجب أن تحسن دنياهم أكثر من غيرهم، إذ العلم بالمصير الحسن يوجب اطمئنانا في النفس وفرحا (لا ترد لهم دعوة) يدعون الله بها ، إذ من أطاع الله سبحانه قبل الله كل دعائه واستجاب . (ولا ينقص لهم نصيب من لذة) إذ يلتذون بكل ملذات الدنيا المباحة من مسكن، وملبس، ومشرب، ومنكح، ومركب، وغيرها . . . (فاحذروا عباد الله الموت وقربه) فإنَّه مهما كان بعيدا فإنّه قريب إلى الإنسان [وغير بعيد كل ما هو آت]. (وأعدوا له عدته) أي الشيء اللائق بالإنسان بعد موته، وهو العمل الصالح .
(فإنه) أي الموت (يأتي بأمر عظيم) وهو الانتقال إلى عالم آخر (وخطب جليل) الخطب المصيبة، والجليل بمعنى الكبير (بخير لا يكون معه شر أبدا)
أوْ شَرِّ لاَ يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً. فَمَنْ أَقْرَبُ إلى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا! وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا! وَأَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْمَوْتِ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أدْرَكَكُمْ، وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ. الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ، وَالدُّنْيا تُطوى مِنْ خَلْفِكُمْ. فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحَرُّهَا شَدِيدٌ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ. دَارٌ لَيْسَ فِيها رَحْمَةٌ ،
..................................
لمن آمن وأصلح، إذ الثواب دائم له (أو شر لا يكون معه خير أبدا) لمن كفر وعصى إذ العقاب - للمخلَّد - غير منقطع أبدا (فمن أقرب إلى الجنة من عاملها) ؟ استفهام بمعنى النفي أي لا أقرب إلى الجنة من العامل لها. (ومن أقرب إلى النار من عاملها) أي من الذي عمل عملا يستحق النار، كالكفر والإثم (وأنتم طرداء الموت) جمع طريد، تشبيه للموت بالصياد، وللإنسان بالصيد الذي يعقبه الصياد ويطارده ليأخذه (إن أقمتم له) في بلادكم (أخذكم) الموت (وإن فررتم منه) سيحا في البلاد، أو استحكاما للأبنية، وتهيئة للسلاح وما أشبه، تحصينا لأنفسكم عن القتل والموت بالمفاجآت (أدرككم) ولا ينفعكم الفرار. (وهو ألزم لكم من ظلكم) فإنَّه ملازم لكم حتى يحين وقتكم فيدرككم ، والعبارة كناية عن شدة الملازمة (الموت معقود بنواصيكم) جمع ناصية، وهي مقدم شعر الرأس، وكما أن الشيء الذي عقد بالناصية ملازم للإنسان كذلك الموت (والدنيا تطوى من خلفكم) كأن الإنسان في صفحة طويلة من الدنيا بمقدار عمره فكلما مر يوم تقدم الإنسان إلى آخر الصفحة، وطويت الصفحة من خلفه حتى تنتهي الصفحة. (فاحذروا ناراً قعرها) أي عمقها (بعيد) فلا تعصوا حتى لا تبتلوا بهذه النار .
(وحرها شديد وعذابها (جديد) إذ لا يخمل له عذاب بل يتجدد كل آن آن، فإِنَّ جهنم (دار ليس فيها رحمة)من الله سبحانه على أهلها
وَلَا تُسْمَعُ فِهَا دَعْوَةٌ، وَلَا تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ. وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ، فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنْهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنّاً بِالله بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً للهِ . وَاعْلَمْ - يَا مُحَمَّدُ بْنَ أَبِي بَكْرٍ- أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي ، أَهْلَ مِصْرَ ، فأَنْتَ مَحْقُوقٌ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ ، وَأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ الأَسَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ ،
............................
(ولا تسمع فيها دعوة) لمن يدعو الله تعالى (ولا تفرج فيها كربة) فإنَّ أهلها في كربة دائمة. (وإن استطعتم أن يشتد خوفكم من الله) بتوليد موجبات الخوف منه تعالى في نفسكم بكثرة التفكر والعبادة (وأن يحسن ظنكم به) بأن تظنوا به سبحانه أنه يدخلكم الجنة (فاجمعوا بينهما) أي الخوف والرجاء (فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه من ربه) فإنَّ من خافه سبحانه كان عارفا بنقمته، ومن كان عارفا بنقمته يكون عارفا برحمته فيكون حَسَنَ الظن به، إذ لازم المعرفة عرفان كل من الرحمة الموجبة للرجاء، والنقمة الموجبة للخوف. (وإن أحسن الناس ظنا بالله) بأن يرحمه ويتفضل عليه (أشدهم خوفا لله) باحتمال أن يعاقبه وينكل به (واعلم یا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي) جمع جند، وحيث أن أهل البلاد كانوا جنودا للوالي والخليفة إذا دهم عدو سماهم(عليه السلام) جندا (في نفسي) أي عند نفسي (أهل مصر) بدل من [ أعظم أجنادي]. (فأنت محقوق أن تخالف على نفسك) أي مطالب بحق في أن تخالف شهواتك وميولك .
( وأن تنافح عن دينك) أي تدافع عنه (ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدهر) لا كما يقول الجُهّال العمر قصير، فاللازم أن نلتذ فيه بأكبر قدر ممكن
وَلاَ تُسْخِطِ اللهَ برضَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، فإِنَّ فِي اللهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ مِنَ اللهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ . صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا الْمُؤَقَتِ لَهَا، وَلاَ تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغٍ ، وَلا تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لاشْتِغَالِ. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلاتِكَ .
ومنه : فإِنَّهُ لاَ سَوَاءَ ، إِمَامُ الْهُدَى وَإِمَامُ الرَّدَى، وَوَلِيُّ النَّبِيِّ ، وَعَدُوُّ النَّبِيِّ. وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - : [إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلاَ مُشْرِكاً ؛ أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللَّهُ بِإِيمَانِهِ،
..................................
من اللذة (ولا تسخط الله برضى أحد من خلقه) بأن تعصي الله سبحانه حتى يرضى عنك الناس (فإن في الله خلفا من غيره) فإذا فقدت عطف أحد لأجله سبحانه فالله يعوضك ضك عما فقدته . (وليس من الله خلف في غيره) فإذا فقد الإنسان فضله تعالى لم يجد ذلك عند أحد (صل الصلاة لوقتها المؤقت لها) نحو بين الطلوعين لصلاة الصبح ، ومن دلوك الشمس إلى غسق الليل للظهرين، ومن المغرب إلى نصف الليل للعشائين، (ولا تعجل وقتها لفراغ) عندك كأن تقدم الظهر على الدلوك (ولا تؤخرها عن وقتها) كأن تؤخر الظهر عن المغرب (لاشتغال) لك (واعلم أن كل شيء من عملك تبع لصلاتك) فإنَّ قبلت قبل ما سواها، وأن ردّت ردّ ما سواها .
(ومنه): (فإنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى) أي ليس مساويا إمام يهدي وإمام يوجب الردى والهلاك، وهو إمام الفساق والضلال (وولي النبي) الذي تولاه وأحبه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (وعدو النبي) الذي عاداه (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
( ولقد قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله إني لا أخاف على أمتي مؤمنا) أي يؤذيهم ويضلهم (ولا مشركا) أي كافر (أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه) من أن
وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللهُ بِشِرْكِهِ . وَلكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلِّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ، عَالِمِ اللِّسَانِ، يقولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ ] .
...........................
ينال أمتي بسوء. (وأما المشرك فيقمعه الله بشركه) أي يقهره، فلا يتمكن من أن يؤذي الأمة، لأنهم يعلمون أنه مشرك فلا يسمعون كلامه حتى يوجب هلاكهم وضلالهم(ولكني أخاف عليكم) أيتها الأمة(كل منافق الجنان) أي الذي أسر النفاق والكفر في قلبه (عالم اللسان) العارف بأحكام الشريعة الناطق بها (يقول ما تعرفون) من الأحكام والشرائع (ويفعل ما تنكرون) من الآثام والمحرمات، فإنَّه يؤدي الأمة حتى ينخدعوا بلسانه، فيتسممون بأعماله.
، قال الشريف: وهو من محاسن الكتب
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللهِ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِدِينِهِ، وَتَأْبِيدَهِ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابه ؛ فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً ؛ إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلاءِ اللهِ تَعَالَى عِنْدَنَا، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا، فَكُنْتَ فِي ذلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ، أَوْ دَاعِي مُسَدّدِهِ .
......................................
التوضيح:
(أما بعد) الحمد والصلاة (فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمداً صلى الله عليه وآله لدينه) أي اختاره لأن يبلّغ دين الله تعالى إلى الناس (وتأييده إياه) أي تقوية الله للرسول، من الأيد بمعنى القوة (بمن أيده من أصحابه) أي هيأ سبحانه أصحابا يقرونه وينفذون أمره (فلقد خبأ) أي أخفى (لنا الدهر منك عجبا) أي أمرا غريبا، ثم أظهره، بهذا الكلام منك (إذ طفقت) أي أخذت (تخبرنا ببلاء الله عندنا) أي امتحانه لنا. (ونعمته علينا في نبينا) إذ نحن أصحابه الذين أيده الله بنا، فهذا الكلام منك كلام رجل مراوغ یرید أن يقصي صاحب الحق عن حقه، إذ الحق لا يقال لأهله، وإنما لغير أهله، بقصد إعلامهم (فكنت في ذلك) الإخبار (كناقل التمر إلى هجر) بلدة من بلاد البحرين كثيرة النخيل والتمور (أو داعي مسدده) المسدد معلم يرمي السهام.
إِلَى النِّضَالِ ، وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الإِسْلامِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ ؛ فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ ، وَإِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ. وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ ، وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ! وَمَا لِلطُّلَقَاءِ وأَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ، وَالتَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، وَتَرْتِيبِ دَرَجَاتِهِمْ ، وَتَعْرِيفِ طَبَقَاتِهِمْ ! هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا ،
...............................
(إلى النضال) أي كالذي يدعو من علمه الرمي إلى المراماة. (وزعمت أن أفضل الناس فلان وفلان) ذكر معاوية في كتابه إلى الإمام بأن الأفضل فلان وفلان، بقصد تنقيص قدر الإمام (فذكرت أمرا إن تم) وصح (اعتزلك كله) أي أنت بمعزل عن ذلك كله إذ فضيلة من لا يرتبط بك إطلاقا لا یوجب فضلك (وإن نقص) وكنت كاذباً فيما قلت - كما هو كذلك - (لم يلحقك ثلمه) أي عيبه فإنَّ عدم فضيلة شخص لا يوجب عدم فضيلة آخرين (وما أنت) يا معاوية (والفاضل والمفضول) أي أنت بمعزل عن فهم ذلك وتعيينه، فإنَّه أنما يعرف ذا الفضل، من الناس ذووه (والسائس والمسوس؟) السائس الحاكم الذي يسوس الناس ويدير شؤونهم، والمسوس الرعية . (وما للطلقاء وأبناء الطلقاء) فإنَّ معاوية كان طليقا للرسول، وابن أبي سفيان الطليق أيضا، وهؤلاء حيث كانوا أسلموا خوفا لم يكن لهم في الإسلام نصيب حتى يتمكنوا من التمييز (والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم) بأن أيّهم أفضل. (وتعريف طبقاتهم) بأن أيّهم في أية طبقة من الفضل (هيهات) أن يعرف ذلك إلّا من كان في عدادهم وعلى غرارهم (لقد حن قدح ليس منها) القدح السهم وحن بمعنى صوت، فإنَّ السهم إذا كان يخالف سائر السهام في النحت والخشب كان له صوت يخالف صوت سائر السهام، عند الرمي، وهذا مثل لمن يدخل في شأن ليس من شأنه .
وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا! أَلاَ تَرْبَعُ أَيُّهَا الإنْسَانُ عَن ظَلْعِكَ، وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ، وَتَتَأَخَرُ حَيْثُ أَخْرَكَ الْقَدَرُ! فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَغلُوبِ، وَلاَ ظَفَرُ الظَّافِرِ ! وَإِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيهِ ، رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ الاَ تَرَى - غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ ، وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أُحَدِّثُ - أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَلِكُلِّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا.
........................
(وطفق) أي أخذ (يحكم فيها) أي في المفاضلة (من عليه الحكم لها) أي للمفاضلة فإنَّ من ليس له فضل ، محكوم بذلك فكيف يتمكن أن يكون حاكما؟ . (ألا تربع أيها الإنسان على ضلعك) أي ألا تقف على حدك، تشبيه بالإبل الذي ينام على ضلعه، والاستفهام للأمر والتوبيخ (و) ألا (تعرف قصور ذرعك ؟ ) أي قصور يدك عن تناول هذه الأمور (وتتأخر حيث أخرك القدر)؟ التقدير السيّء الذي كان لك (فما عليك غلبة المغلوب) أي : لا يرتبط بك أن الشخص إذا غلب . (ولا ظفر الظافر) أي الغالب إذا غلب، فلست أنت في شيء من ذلك (وأنك) يا معاوية (لذهاب في التيه) أي كثير الذهاب في الضلال (رواغ عن القصد) أي كثير المراوغة والميل عن قصد الطريق ووسطه (ألا ترى - غير مخبر لك ولكن بنعمة الله أحدث- ) أي أن ما أريد أن أقوله ليس بقصد إخبارك والفخر بالنسبة إلى نفسي، ولكن أحدث بنعمة الله سبحانه حيث قال وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(1)(أن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين) أي قتلوا في الجهاد وما أشبه (ولكل فضل) في استشهاده. (حتى إذا استشهد شهيدنا) هو حمزة بن عبد المطلب عم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) استشهد في غزوة أحد .
1) سورة الضحى: 11.
قِيلَ : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ ، وَخَصَّهُ رَسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةٌ عِنْدَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ! أَوَلَا تَرَى أَنَّ قَوْمًا قُطْعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَلِكُلِّ فَضْلُ - حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ قِيلَ : (الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ !) وَلَوْلاَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةَ ، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ. فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ
...............................
(قيل) له من جانب الله سبحانه (سيد الشهداء) وذلك لبلائه العظيم وإيمانه الراسخ (وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه) والحال أن لصلاة الميت خمس تكبيرات. (أولا ترى أن قوما) من المسلمين (قطعت أيديهم في سبيل الله) والجهاد من أجله (ولكل فضل) لما أصابه (حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم) من قطع اليد، وهو جعفر بن أبي طالب، أخ الإمام(عليه السلام) ، قطعت يداه في غزوة مؤتة (قيل) له من جانب الله سبحانه، على لسان الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(الطيار في الجنة وذو الجناحين) فقد وهب الله سبحانه عوض قطع يديه جناحين يطير بهما في الجنان جنان مع الملائكة . (ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه) حيث قال سبحانهفَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ (1)(لذكر ذاكر) يعني نفسه الكريمة (فضائل جمة) أي كثيرة (تعرفها قلوب المؤمنين) لأنهم حفظوها وقدروها حق قدرها (ولا تمجها آذان السامعين) أي لا تنكرها لأنها واقعية وليست مكذوبة . (فدع عنك من مالت به الرمية) الصيد يرميه الصائد، ومالت به خالفت قصده فأتبعها، مثل لمن أعوج غرضه، فمال عن الاستقامة لطلبه، ولعل القصد بالمثل، خطاب النفس، أي
1) سورة النجم : 32 .
فإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا ، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا . لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزْنَا وَلاَ عَادِيُّ طَوْلِنَا أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا ؛ فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنَا، فِعْلَ الأَكْفَاءِ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ! وَأَنَّى يَكُونُ ذلِكَ وَمِنَّا النَّبِي وَمِنْكُمُ الْمُكَذَّبُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الأَخلَافِ ، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِين،
..........................
لا يهمك يا علي من خالف القصد لأغراضه، كمعاوية وأضرابه، أو تعريض بالذين تقدموه في الخلافة، جوابا عن تفضيل معاوية لهم، أو غير ذلك . (فإنا صنائع ربنا) أي أن لنا من الفضل ما يكفينا، ولا يضرنا جهل الجاهل وإنكار المنكر، ومعنى الصنائع المختصون بفضله في بابي الرسالة والإمامة. (والناس بعد صنائع لنا) فنحن واسطة الفيض إليهم الموجب لحياتهم السعيدة في الدنيا والآخرة (لم يمنعنا قديم عزنا) أي عزّنا القديم بآبائنا ( ولا عادي طولنا) أي فضلنا الاعتيادي، فإنَّ الطول بمعنى الفضل، والعادي بمعنى الشيء المعتاد (أن خلطناكم) يا بني أمية (بأنفسنا) [أن] فاعل [لم يمنع] يحتمل أن يكون مفعولا، و[قديم] فاعل (فنكحنا) منكم (وأنكحنا) لكم بناتنا (فعل الأكفاء) أي عاملناكم معاملة الكفو لكفوه، والمثل لمثله (ولستم هناك) أي لم تكونوا أكفاء لنا. (وأنّى يكون ذلك)؟ أي المماثلة والتكافؤ - بيننا وبينكم - (و) الحال أنه (منا النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم))(ومنكم الكذاب) لقب أبو جهل (ومنا أسد الله) حمزة بن عبد المطلب (ومنكم أسد الأحلاف) أبو سفيان، لأنه جمع القبائل وحالف بعضهم مع بعض لحرب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)( ومنا سيدا شباب أهل الجنة) الحسن والحسين(عليهم السلام) كما قال الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(ومنكم صبية النار )أولاد عقبة، أو مروان، حيث أوعدهم النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بالنار، وهم صبيان (ومنا خير نساء العالمين) فاطمة
وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ، فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ! فَإِسْلاَمُنَا قَدْ سُمِعَ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لاَ تُدْفَعُ ، وَكِتَابُ اللهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ(1)وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(2)،
.......................
الزهراء(عليها السلام) (ومنكم حمالة الحطب) زوجة أبي لهب أم جميل بنت حرب عمة معاوية كانت تحمل الأشواك وتلقيها في طريق الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)لتدخل في قدمه الشريفة إذا سار في الليل من داره إلى المسجد (في كثير) من هذه المفاضلات (مما لنا) خيره (وعليكم) شره. (فإسلامنا قد سمع) سمعه الناس، بأنا كنا أسرع الناس إلى الإسلام (وجاهليتنا) أي شرفنا في زمن الجاهلية (لا تدفع) أي لا ينكره أحد، حيث كانت لهم الفضائل في زمن الجاهلية. (وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا) أي أن ما سلبوه منا من الخلافة ، يرجع إلينا بحكم القرآن، ومعنى شذ: ابتعد وهو قوله : (وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فما كان للنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)من السلطة والإمرة لنا، إذ نحن أولى به، بحكم الكتاب، حيث إننا من قرباه وقوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا) أي أحق الناس بمقام إبراهيم وبالانتساب إليه، هم طائفتان: الأولى : الذين اتبعوه سابقا، والثانية هذا النبي والمؤمنون (والله ولي المؤمنين) جميعا، وحيث إن الإمام من أتباع إبراهيم حقا، إذ كل من كان ألزم بطاعة الله كان أولى بإبراهيم وبمقام السلطة والإمارة .
فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بِالْقَرَابَةِ ، وَتَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ. وَلَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ اللهِ - صلّى الله عليه وآله - فَلَجُوا عَلَيْهِمْ ، فإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ. وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ ، وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ، فإنْ يَكُنْ ذلِكَ كَذلِكَ فَلَيْسَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ، فَيَكُونَ الْمُذْرُ إلَيْكَ . وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا .
...............................
(فنحن مرة أولى) بمقام الخلافة من غيرنا (بـ) سبب (القرابة) لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم). (وتارة أولى بـ) سبب (الطاعة) حسب الآية الثانية (ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فلجو عليهم) أي غلبوهم، فإنَّ الأنصار في يوم السقيفة قالوا منا أمير ومنكم أمير، فاحتج المهاجرون على أولوية أنفسهم بأنهم من شجرة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) وبهذا قبل الأنصار أن يتأخروا . (فإن يكن الفلج) والظفر (به ) أي بالقرب من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (فالحق لنا دونكم) لأني أقرب الناس برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ممن يصلح للخلافة (وإن يكن) الفلج (بغيره) أي ليس بالقرب من الرسول، وإنما بمن تقدم كيفما كان (فالأنصار على دعواهم) في أن لهم الحق في الخلافة ويلزم أن يكون منهم أمير، كما من المهاجرين أمير . ( وزعمت) يا معاوية في كتابك (أني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت) أي ظلمت (فإن يكن ذلك كذلك) أي كما تقول، وليس كما تقول، فإنَّهم هم الذين ظلموا الإمام وحسدوه حيث أخروه عن مقامه وغصبوا الخلافة التي عقدها الله ورسوله له، في يوم الغدير وغيره (فليس الجناية) مني (عليك) إذ لا ترتبط أنت بالخلفاء (فيكون العذر إليك) أي فيلزم علي أن أعتذر إليك .
(وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) هذا من تتمة بيت لأبي ذؤيب، وأوله
وَقُلْتَ : إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ حَتَّى أُبَايَعَ ، وَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَدمَّ فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكَاً فِي دِينِهِ، وَلَا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ! وَهَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا، وَلكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا
...................................
[وعيّرها الواشون إني أحبّها] والشكاة النقيصة، وظاهر بمعنى بعيد، أي إن محبتي لك ليست عاراً عليك يا أيتها المحبوبة، ومراد الإمام(عليه السلام) بالتمثيل، أن هذه النقيصة التي تزعم، لا ترتبط بك يا معاوية. (وقلت) في كتابك (إني كنت أقاد) يوم أرادوا أخذ البيعة مني ، لأبي بكر (كما يقاد الجمل المخشوش) أي الذي جعل في أنفه الخشب ليربط به الحبل فيقاد كيف يشاء الشخص، من الخشاش - وزن كتاب - ما يدخل في عظم أنف البعير من الخشب(حتى أبايع) لأبي بكر، فظن معاوية أن هذا طعن في الإمام(عليه السلام)( ولعمر الله) أي قسما بالله (لقد أردت أن تذم) بهذا (فمدحت وأن تفضح) بالصاق عيب بي (فافتضحت) إذ لصق بك العيب . (وما على المسلم من غضاضة) ونقيصة (أن يكون مظلوما) وهذا دليل على أنهم ظلموني حقي وأجبروني بمثل هذا الإجبار العظيم على أخذ البيعة (ما لم يكن شاكا في دينه) بأن لا يكون عدم عمله بشيء من أجل الشك في الدين (ولا مرتابا بيقينه) أي صاحب ريب، وهو أول الشك، في يقينه بأصول الدين. (وهذه) التي ذكرتها من أني أخذت قهرا للبيعة (حجتي إلى غيرك قصدها) لأنها تقصد أبا بكر ومن لحقه، فأنا إنما أحتج بهذا على أولئك بأنهم سلبوني حقي حتى قهرت، أما أنت فلست في العير ولا في النفير فلا حاجة في الاحتجاج عليك إذْ طرفا الاحتجاج أنا وأبو بكر، لا أنا وأنت .
(ولكني أطلقت لك منها) أي من هذه الحجة - التي لا ترتبط بك -
بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا. ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ لِرَحِمِكَ مِنْهُ، فَأَيُّنا كَانَ أَعْدَى لَهُ، وَأَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ! أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ، أَمَّنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَبَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ،
.................................
(بقدر ما سنح) أي ظهر (من ذكرها) إشارة إلى أن ما أردت تنقيصي به، إنما هو مدح لي. (ثم ذكرت) يا معاوية (ما كان من أمري وأمر عثمان) وأني ما نصرته حتى قتل (فلك أن تجاب) أي لك الحق في أن أجيبك عن هذا الإشكال (لرحمك منه) فإنَّ عثمان من بني أمية، وللرحم أن يدافع عن رحمه (فأينا) أنا أم أنت (كان أعدى له) أي أشد عدوانا لعثمان (وأهدى) أي أبصر (إلى مقاتله) أي وجوه قتله؟ (أمن بذل له) أي لعثمان (نصرته)وهو الإمام (عليه السلام) حيث صار سفيرا بينه وبين الناقمين ونصح عثمان مراراً في الخروج من مظالمهم (فاستقعده واستكفه) أي طلب عثمان منه أن يقعد ويكف عن النصرة، فإنَّ عثمان أخرج الإمام من المدينة أو طلب إليه أن لا يتدخل في الأمر، بعد ما هدى الإمام الثوار وطلب منهم أن يكفوا عن عثمان، بل أرسل الماء مع الإمام الحسن(عليه السلام) إليه حيث حصروه في داره. (أمن استنصره) أي طلب عثمان نصرته - وهو معاوية - فقد أرسل عثمان إليه - إلى الشام - أن ينصره، فأرسل معاوية جماعة، وأمرهم بالسير حتى إذا وصلوا قرب المدينة، لا يدخلوها إطلاقاً، حتى يأتيهم أمر معاوية، وأكد ذلك للجماعة، بأن لا يقولوا: شهدنا ما لم تشهده، فقال : فإنَّما أنا الشاهد وأنتم الغائبون، وكان قصده من هذا العمل أن يسد لسان الناس عن نفسه حتى لا يقولوا لم ينصره معاوية، ومن جانب آخر لا ينصره، حتى يقتل فيخلو له الجو .
(فتراخى عنه وبث المنون إليه) أي نشر الموت إليه، بسبب عدم نصرته
حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ . كَلأَ وَاللهِ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا(1). وَمَا كُنْتُ لأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً ؛ فإنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ ؛ فرُبَّ مَلوْمٍ لاَ ذَنْبَ لَهُ. وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظَّنَّةَ الْمُتَنَصْحُ .
وَمَا أَرَدْتُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ....................................(حتى أتى قدره عليه وقتل (كلا والله) ليس الأمر كما تزعم، بأن الناس لا يدرون صنعك، ويخفى على الله فعلك (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) العوق : المانع عن النصرة (وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ) الذين يريدون الجهاد (هَلُمَّ إِلَيْنَا) أي كونوا معنا ولا تخرجوا للجهاد . (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ) أي الحرب (إلَّا قَلِيلاً) في ما إذا اضطروا ولم يجدوا مفرا (وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه) أي على عثمان (أحداثا) أي أعيب عليه بدعا وأعمالا سيئة، كتقسيمه الولايات في أقربائه الذين لا يليقون، وإعطائه أموال الأمة إلى أقربائه وحاشيته دون المسلمين، وضربه أبن مسعود، ونفيه لأبي ذر ، وغيرها. (فإن كان الذنب إليه) مني (إرشادي، وهدايتي له) بالكف عن هذه الأعمال (فرب ملوم لا ذنب له) أي يمكن أن ألام أنا بهذا لكن لا ذنب لي، فالإرشاد واجب .)(وقد يستفيد الظنة المتنصح وهذا عجز بيت صدره [وكم سقت في آثاركم من نصيحة] والظنة: التهمة، والمتنصح : المبالغ في النصح والإرشاد أي قد يتحصل الناصح التهمة، لأن من يريد نصحهم يريدون أن يبرءوا أنفسهم من هذا الناصح، فيتهمونه ليشوهوا سمعته. (وما أردت إلّا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أي بقدر استطاعتي (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ)
1) سورة الأحزاب : 18
تَوَكَّلْتُ(1). وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلأَصْحَابِي إِلَّا السَّيْفُ ، فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ ! مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ، وَبِالسّيُوفِ مُخَوَّفِينَ؟! [لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ ] فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، وَالْتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ، سَاطِعِ قَتَامُهُمْ ، .............................
تَوَكَّلْتُ) في أموري. (وذكرت) يا معاوية (أنه ليس لي ولأصحابي إلّا السيف) تهددني بذلك (فلقد أضحكت) الناس من تهديدك (بعد استعبار) أي بعد أن أورثت البكاء على حالك في الضلال. (متى ألفيت) أي وجدت (بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين) أي : متأخرين فارين، حتى تهددهم بالسيف (وبالسيوف مخوفين) أي يخوفون بالسيف (لبّث قليلا يلحق الهيجا حمل) [لا بأس بالموت إذ الموت نزل] [حمل] اسم رجل أغير على إبله ، فاستنقذها، وأنشد هذا البيت، أي: امكث قليلا أيها المغير، يلحق الحرب - وهي الهيجاء - حمل، ويحارب حتى ينقذ إبله، فصار مثلا يضرب للتهديد بالحرب، أي اصبر يا معاوية يلحق علي(عليه السلام) بالحرب، فتعرف مذاق المحاربة معه .
(فسيطلبك) للحرب (من تطلب) وتهدده بالحرب (ويقرب منك ما تستبعد) من نزول الهزيمة بك وبجيشك (وأنا مرقل) مسرع (نحوك في جحفل) أي جيش (من المهاجرين والأنصار) من أصحاب الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (والتابعين لهم بإحسان) الذين اتبعوهم ممن لم يدركوا النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(شديد زحامهم) أي اجتماعهم ومزاحمتهم لك . (ساطع قتامهم)
1) سورة هود 88
مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ ؛ أَحَبُّ اللقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفُ هَاشِمِيَّةٌ ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (1).
...........................
أي غبارهم وقت المسير إليك (متسربلين) أي لابسين (سرابيل الموت) أي لباس الموت، كناية عن استعدادهم للموت، ويكون المستعد للموت أشد قتالاً (أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم) يعني أنهم يحبون الموت، لما يعلمون في أن موتهم يسبب لهم ملاقاة ثواب الله سبحانه (قد صحبتهم ذرية بدرية) أي أولاد أهل بدر، فهم أولاد سادة كرام (وسيوف هاشمية) كناية عن نفوذها وشدة بأسها في الأعداء (قد عرفت) يا معاوية (مواقع نصالها) أي المحلات التي تضرب بتلك السيوف (في أخيك) حنظلة (وخالك) الوليد( وجدك) لأمك عتبة ( وأهلك) الذين قتلتهم تلك السيوف، حيث حاربوا الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فقد قتلهم الإمام(عليه السلام) في مختلف غزوات الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) كناية عن أن تلك السيوف قريبة إلى معاوية لتقتله، كما قتلت أقرباءه .
1) سورة هود 83
وَقَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبُوا عَنْهُ ، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ ، وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ. فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ الأُمُورُ الْمُرْدِيَةُ ، وَسَفَهُ الآرَاءِ الْجَائِرَةِ، إِلَى مُنَابَذَتِي وَخِلافِي، فَها أَناَ ذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِیَادِي، وَرَحَلْتُ رِكَابِي، وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ
............................
التوضيح :
(وقد كان من انتشار حبلكم) انتشار الحبل تفرق طاقاته التي فتل منها ، وهذا كناية عن تفرق أهل البصرة فقسم له(عليه السلام) وقسم عليه وقسم بين ذلك(وشقاقكم) أي مخالفتكم (ما لم تغبوا عنه)أي ما لم تجهلوه، من غبا عنه بمعنى جهله (فعفوت عن مجرمكم) أي المسيء منكم (ورفعت السيف عن مدبركم) فإنَّ الإمام أوصى جيشه بأن لا يتبعوا الفارين من أهل الجمل (وقبلت) العذر (من مقبلكم) الذي أتى إلينا معتذراً. (فإن خطت) أي تجاوزت (بكم الأمور المردية) أي المهلكة (وسفه الآراء الجائرة) أي الآراء الناشئة من السفاهة والظلم (إلى منابذتي) أي: مخالفتي (وخلافي) بأن أردتم الشقاق والعصيان ثانيا (فها أنا ذا قد قربت جيادي) جمع جواد، أي قربتها لأركبها حتى آتي إلى محاربتكم ثانيا (ورحلت ركابي)أي شددت الرحل عليها، والركاب: الإبل. (ولئن ألجأتموني إلى المسير إليكم) أي
لأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لاَ يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَعْقَةِ لَاعِقٍ ؛ مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ ، وَلِذي النَصِيحَةِ حَقَّهُ، غَيْرُ مُتَجَاوِرٍ إِلَى بَرِيٍّ، وَلَا نَاكِثاً إِلَى وفيٍّ .
............................
اضطررتموني - بسبب مخالفتكم- حتى أسير إليكم، للمحاربة (لأوقعن بكم وقعة) أي أحاربكم محاربة (لايكون يوم الجمل) بالنسبة (إليها إلّا كلعقة لاعق) اللعقة اللحسة، أي إن يوم الجمل يكون ايسر منها، كناية عن شدة محاربته لهم هذه المرة. (مع أني) لا أريد بهذا جميع أهالي البصرة، بل أهل النفاق والشقاق منها، إذ أني (عارف لذي الطاعة منكم فضله) في طاعته وانقياده لأوامري (ولذي النصيحة) الذي ينصح ولا يفسد (حقه) علي، في حال كوني في تهديد أهل البصرة (غير متجاوز إلى بريء) بل أخص العتاب والعقاب بالسقيم (ولا ناكثا إلى وفي) أي لا أنقض العهد بالنسبة إلى من وفى وبقي على الطاعة .
فَاتَّقِ اللهَ فِيمَا لَدَيْكَ، وَانْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ، وَارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ ، فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلاماً وَاضِحَةً ، وَسُبُلاً نَيِّرَةً، وَمَحَجَّةٌ نَهْجَةٌ، وَغَايَةٌ مَطلُوبَةٌ، يَرِدُهَا الأَكْيَاسُ، وَيُخَالِفُهَا الأَنْكَاسُ، مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَن الْحَقِّ، وَخَبَطَ فِي التِّيهِ ، وَغَيِّرَ اللهُ نِعْمَتَهُ، وَأَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ .
..............................
التوضيح:
(فاتق الله فيما لديك) أي فيما أنت مسلط عليه، بأن لا تخالف أمر الله سبحانه في ذلك (وأنظر في حقه) سبحانه (عليك) فأده كما أمر (وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته) وهو معرفة الخليفة واتباعه (فإن للطاعة أعلاما واضحة) جمع [علم] وهو ما ينصب في الطريق لمعرفة الجادة، إن من يريد إطاعة الله سبحانه لا يضل الطريق، لمعروفية طريق الإطاعة(وسبلا نيرة) أي واضحة ذات نور(ومحجة) أي طريقا(نهجة) واضحة (وغاية مطلوبة) للناس، وهي الوصول إلى السعادة في الدارين(يردها) أي تلك الطرق، أو تلك الغاية (الأكياس) جمع كيّس، بمعنى العاقل الفطن(ويخالفها الأنكاس) جمع نکس، بمعنى الدنيء . (من نكب عنها) أي انحرف عن تلك الطرق (جار عن الحق) إلى الباطل (وخبط في التيه) أي مشى على غير هداية، في الضلال (وغير الله نعمته) عليه (وأحل به نقمته) أي عذابه وعقوبته، كما قال
فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ! فَقَدْ بَيْنَ اللهُ لَكَ سَبيلَكَ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بكَ أُمُورُكَ ، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ ، وَمَحَلَّةِ كُفْرٍ، وَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرّاً، وَأَقْحَمَتْكَ غَيّاً ، وَأَوْرَدَتْكَ الْمَهَالِكَ ، وَأَوْعَرَتْ عَلَيْكَ الْمَسَالِكَ .
....................
سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّرًا نِعْمَةٌ أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيَّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ(1)(ف) احفظ (نفسك نفسك) عن الآثام والعقاب (فقد بيّن الله لك سبيلك) الذي إن سلكته رشدت وسعدت (وحيث تناهت بك أمورك) أي راقب المحل الذي تنتهي أمورك إليه لئلا تضل وتشقى (فقد أجريت) مصيبتك (إلى غاية خسر) أي غاية توجب خسارتك لكل شيء (ومحلة كفر) أي المحل الذي ينتهي إليه الكافر من النار والنكال (وإن نفسك قد أولجتك شرا) أي أدخلتك في الشر (وأقحمتك) أي أدخلتك بكل صعوبة وشدة (غيا) أي ضلالا (وأوردتك المهالك) جمع مهلكة، وهي محل الهلاكة (واوعرت) أي أخشنت وصعبت (عليك المسالك) أي : مسالك الرشاد، فتراها صعبة حيث زينت لك نفسك الضلال والغي.
1) سورة الأنفال: 53
مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ ، الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ، الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ، الْمُسْتَسْلِم لِلدَّهْرِ الدَّامَ لِلدُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى ، والظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً، إلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لاَ يُدْرَكُ ، السَّالِكِ سَبَيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، غَرَضِ الْأَسْقَامِ، وَرَهِينَةِ الأَيَّامِ، وَرَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ، وَعَبْدِ الدُّنْيَا،
.........................
التوضيح:
وقيل، أنه كتبها لابنه محمد بن الحنيفة. (من الوالد الفان) أي الذي أخذ في سبيل الفناء(المقر للزمان) بأنه يفعل ما يشاء أن يفعل بالإنسان، من الضعف والانحلال (المدير للعمر) لأن غالبه قد ذهب، وبقي منه أقله (المستسلم للدهر) أي المنقاد لصروفه، إذ لا يملك أن يغيره (الذام للدنيا) إذ هي دار بلاء وعناء (الساكن مساكن الموتى) فإنَّ من مآله الموت يسكن الدنيا (والظاعن عنها) أي الراحل عن الدنيا (غدا) أي بعد هذا اليوم، ويراد الغد حقيقة (إلى المولود المؤمل ما لا يدرك) فإنَّ الإنسان يمشي في طريق الهالكين في أعماله وأفعاله(غرض الأسقام) كأن الأسقام ترمي الإنسان ينبالها (ورهينة الأيام )فكما يسترد الرهن، كذلك يسترد الإنسان إلى التراب والفناء كما كان .
(ورمية المصائب) الرمية الصيد الذي يرمى، يعني أن المصائب تأتيه . وترميه من كل جانب (وعبد الدنيا) أي المتبع لها، كاتباع العبد لسيده
وَتَاجِرِ الْغُرُورِ ، وَغَرِيمِ الْمَنَايَا ، وَأَسِيرِ الْمَوْتِ، وَحَلِيفِ الْهُمُومِ، وَقَرِينِ الأَحْزَانِ، وَنُصُبِ الآفَاتِ، وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ، وَخَليفَةِ الأَمْوَاتِ.
أَمَّا بَعْدُ ، فإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي ، وَجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ، وَإِقْبَالِ الآخِرَةِ إِليَّ، مَا يَزَعُنِي مِنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ، وَالاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَفَنِي
..........................
( وتاجر الغرور) إذ يصرف عمره ويشتري الأشياء التي لا تفيد، كالمغرور الذي أعطى ماله لما لا يقابله (وغريم المنايا) جمع منية، فكما أن الدائن يطلب المديون، كذلك الموت يطلب الإنسان. (وأسير الموت) فكما أن الأسير لا مخلص له من الأسر كذلك الإنسان لا مخلص له من الموت.
(وحليف الهموم) أي قرينها (وقرين الأحزان) فإنَّ الإنسان مقترن بأنواع الحزن (ونصب الآفات) أي لا تفارقه الآفات، مثل فلان نصب عيني أي في منظري وتحت إدراكي (وصريع الشهوات) كأن الشهوات تصارع الإنسان والإنسان يصارعها للتخلص منها، فتغلب هي حتى تصرع الإنسان (وخليفة الأموات) إذ الإنسان قائم مقام الأموات في بلادهم وآثارهم، وهو من أولادهم.
(أما بعد فإنَّ فيما تبينت) أي علمت (من إدبار الدنيا عني) إذ ذهب غالبها (وجموح الدهر) أي تغلبه وعصيانه (علي) برمي المصائب (وإقبال الآخرة إلي) أي قربها (ما يزعني) أي يمنعني (من ذكر من سواي) لأني مشغول بأمر نفسي.
(والاهتمام بما ورائي) أي الذي أخلفه ورائي من الدنيا وشؤونها (غير أني - حيث تفرد بي، دون هموم الناس، هم نفسي) هم نفسي فاعل تفرد، ويأتي متعلق [غير أني] في قوله [كتبت] أو [أوصيك] (فصد فني) أي صرفني
رَأْيِي ، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي، فَأَقْضَى بِي إِلَى جِدِّ لا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ، وَصِدقٍ لاَ يَشُوبُهُ كَذِبٌ . وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِيني مِنْ أَمْرِ نَفْسِي، فَكَتَبْتُ إِليكَ مُسْتظْهِراً بِهِ إِنْ أنا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ .
........................
همي (رأيي) أي اتباع آرائي، فلا أتبع أفكاري الدنيوية (وصرفني عن هواي) إذ الهم يوجب يقظة الإنسان، حتى لا يتبع هواه، ويحتمل أن يكون [رأيي] فاعل صدفني وصرفني، فالمراد بالرأي الرأي الصائب والعقل الحصيف .
(وصرح لي ) أي ظهر لي(محض أمري) أي خالصه الذي لا تغشاه الأهواء والميول (فأفضى بي) أي انتهى رأيي الصائب ومحض أمري (إلى جد لايكون فيه لعب) لما علمت من بطلان اللعب وسوء عاقبته (وصدق لا يشوبه كذب) فإنَّ الصادق من كل شيء ما يطابق الواقع الصحيح. (ووجدتك) يا بني، وهذا عطف على [تفرد] أي حيث وجدتك (بعضي) فإنَّ الولد من بعض الإنسان لأن جزءاً من دمه ينقلب منياً ثم ولداً (بل وجدتك كلّي) لأن المني ينفصل عن كل جزء من أجزاء الإنسان، أو باعتبار أنه الباقي بعده والممثل له (حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني) فإنَّ الإنسان يحس بالألم إذا أصاب ولده شيء، كما يحس بالألم إذا أصاب نفسه شيء (وكأن الموت لو أتاك أتاني) فكرهي لموتك مثل كرهي لموتي (فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي) أي حيث أنك كنفسي، لم أر مانعا من نصيحتك، وإن كنت مشتغلا بهموم نفسي دون غيري (فكتبت إليك) متعلق بـ [غير أني] (مستظهرا به) أي أستعين بما أكتب على هدايتك (إن أنا بقيت لك أو فنيت) أي سواء بقيت حيا أو مت
فإنّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ - أَي بُنيَّ - وَلُزُوم أَمْرِهِ ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَالاِعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ. وَأَيُّ سَبَبٍ بَيْنكَ وَبَيْنِ اللهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ!
أحي قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ، وَأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ، وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ، وَنَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ، وَذَلَّلَهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهر
................................
وفارقتك (فإني أوصيك) مفعول (كتبت) (بتقوى الله) أي الخوف منه (أي بني) مصغر ابن (ولزوم أمره) بأن تلازم أحكامه (وعمارة قلبك بذكره) بأن تذكره دائما، فإنَّه يوجب عمارة القلب بالفضائل، وبدون ذكره يكون القلب كالخراب، لاستيلاء الرّذائل عليه (والاعتصام بحبله) أي التمسك بشريعته التي هي كالحبل الموصل للإنسان إلى الدرجات الرفيعة (وأي سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به)؟ استفهام تعجب لتعظيم حبله سبحانه يعني أنه سبب وأي سبب، نحو رجل وأي رجل، في مقام المدح، و[إن] من الشرط لتحقيق الموضوع.
(أحي قلبك بالموعظة) فإنَّ حياة القلب بالفضائل وهي تتولد من المواعظ (وأمته) عن طلب الشهوات (بالزهاده) فإنَّ الإنسان إذا زهد في الدنيا ماتت الشهوات في قلبه فلا يتطلبها (وقوّه باليقين) فإنَّ اليقين يقوي القلب، حتى لا يخاف شيئا .
(ونوره بالحكمة) فإنَّ الحكمة وهي معرفة الشريعة توجب نورا في القلب به يبصر الحق والباطل، والحسن والقبيح (وذلله بذكر الموت) فإنَّ القلب جموح، فإذا ذكر الموت ذل وتواضع (وقرره بالفناء) أي اطلب منه الإقرار بالفناء والموت ( وبصره فجائع الدنيا) أي أره مصيبات الدنيا، حتى لا يركن إليها (وحذره صولة الدهر) أي هجومه وآلامه حتى يكون على استعداد
وَفَحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهُمْ، فَإِنظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَعَمَّا انْتَقَلُوا وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا ، فإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وَحَلُّوا دِيَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلِ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ . فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ ، وَدَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لاَ تَعْرِفُ، وَالْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ . وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلالَتَهُ ، فَإِنَّ الْكَفَّ
............................
للآخرة (وفحش) أي فاحش (تقلب الليالي والأيام) فإنّ الأيام كثيرة التقلبات من غنى إلى فقر، ومن صحة إلى مرض وهكذا. (واعرض عليه أخبار الماضين) الذين مضوا قبلك من الأخيار والأشرار، ليجتنب عمل الأشرار، ويقتفي أثر الأخيار( وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين) من أنواع المصائب والعقوبات، حتى يعرف الدهر تماما (وسر في ديارهم وآثارهم) الباقية بعدهم (فإنظروا فيما فعلوا) من الأبنية والعمارات والبساتين والمصنوعات، كطاق کسری و قلعة بعلبك - مثلا - (وعما انتقلوا) أي عن الأهل والبلاد والآثار (وأين حلوا ونزلوا) في القبور، وديار الفناء (فإنك تجدهم) بفكرك وبصيرتك (قد انتقلوا عن الأحبة) جمع حبيب (وحلوا ديار الغربة) فإنَّ الإنسان في المقابر غريب - والمراد غربة جسمه - (وكأنك عن قليل) أي: بعد مدة قليلة (قد صرت كأحدهم) في الانتقال عن الدنيا إلى الآخرة (فاصلح مثواك) أي محل الثوى والرقدة (ولا تبع آخرتك بدنياك) بأن تعصي الله سبحانه للذة الدنيا ، فلا تكون لك آخرة سعيدة. (ودع القول فيما لا تعرف) فلا تتكلم بما لا تعلم (والخطاب فيما لم تكلف) أي لم يكلفك الله سبحانه (وامسك عن طريق إذا خفت ضلالته) والمراد الطرق التي لا يعلم الإنسان صحتها وبطلانها، في الأعمال والأقوال (فإن الكف) أي الترك
عِنْدَ حَيَرَةِ الضَّلالَةَ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الأَهْوَالِ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ ، وَأَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ، وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ، وَجَاهِدُ فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ، وَلاَ تَأْخُذْكَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . وَخُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَنِعْمَ الْخُلُقُ التّصَبُّرُ ، وَالْجِيْء نَفْسَكَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ، فإنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفِ حَرِيزٍ، وَمَانِعِ عَزِيزٍ،
.............................
(عند حيرة الضلالة) أي الضلالة الموجبة لحيرة الإنسان هل يقدم أم لا؟ (خير من ركوب الأهوال) التي لا يعلم هل ينجو الإنسان منها أم لا؟ (وأمر بالمعروف تكن من أهله) أي أهل المعروف، فإنَّ أهل كل شيء من يزاوله ويلازمه (وأنكر المنكر بيدك ولسانك) أي قولاً وعملاً (وباين) أي : فارق وابتعد عن (من فعله) أي فعل المنكر (بجهدك) أي بكل ما تقدر عليه من الجهد (وجاهد في الله) أي في سبيله سبحانه ولأجله (حق جهاده) أي كما ينبغي أن يجاهد الإنسان (ولا تأخذك في الله لومة لائم) أي لا تسبب ملامة شخص أن تترك أمراً من أوامر الله سبحانه (وخض الغمرات) أي ادخل في الشدائد، فإنَّ الغمرات جمع غمرة، وأصلها الماء الذي يغمر الإنسان أي يشمله (للحق حيث كان) الحق (وتفقه في الدين) أي تعلم أحكام الدين (وعود نفسك التصبر على المكروه) فإنَّ الإنسان إذا لزم التصبر يكون الصبر معتاداً له ( ونعم الخلق التصبر) لأنه يعين الإنسان في الوصول إلى الغايات السامية. (وألجئ نفسك في الأمور كلها إلى إلهك) أي عودها أن تلتجئ في الشدائد وسائر الحوائج إلى الله سبحانه (فإنك) إن فعلت ذلك (تلجئها إلى كهف حريز) أي إلى ملجأ حافظ لك من أن يمسّك سوء (ومانع عزيز) أي
وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فإنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ، وَأَكْثِرِ الاسْتِخَارَةَ، وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي، وَلَا تَذْهَبَنَّ عَنْهَا صَفْحاً ، فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَلا يُنْتَفَعُ بِعِلمٍ لاَ يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ . أَي بُنَيَّ ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَأَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُقْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي ، وَأَنْ أَنْقَصَ فِي رَأْيِي
....................
مانع عن وصول المكاره إليك، ذو عزة ومنعة (وأخلص في المسألة لربك) بدون رياء أو سمعة أو تشريك غيره سبحانه في السؤال منه (فإن بيده) تعالى (العطاء والحرمان) فإنَّ أخلصت في السؤال أعطاك، وليس بيد أحد غيره شيء من هذين (وأكثر الاستخارة) أي طلب الخير من الله سبحانه، أو إجالة الرأي لطلب خير الآراء، فيما تريد أن تعمله (وتفهم وصيتي) حتى تعمل بها عن تفهم وبصيرة، ، لا عن تعبد وإطاعة (ولا تذهبن عنها )أي عن وصيتي (صفحا) بأن تعرض عنها، تشبيه بمن لا يمشي في وسط الجادة، وإنما في جوانبها (فإن خير القول ما نفع) فإذا انتفعت بوصيتي كانت من خير القول . (وأعلم إنه لا خير في علم لا ينفع ) فإذا علمت الوصية ولم تعمل بها، لا خير فيها (ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه) أي لا يكون من الحق تعلمه كالسحر وما أوجب الفساد.
(أي بني) [أي] حرف نداء، وبني منادى (إني لما رأيتني قد بلغت سنا) أي وصلت نهاية عمري (ورأيتني) أي رأيت نفسي (أزداد وهنا) أي ضعفا( بادرت) أي تعجلت (بوصيتي إليك) بهذه الوصية (وأوردت خصالا) جمع خصلة، وهي الصفة (منها ) أي من الوصية (قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي) أي ألقي (إليك بما في نفسي) من النصح والإرشاد (و) قبل (أن أنقص في رأيي) فإنَّ الإنسان إذا شاخ لا يمكنه أن يبين جميع آرائه أو هذا على سبيل
كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَن الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ. وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ . فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبُكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأيِكَ مِنَ الأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤُونَةَ الطَّلَبِ ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلاج التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ،
.......................................
العادة، من نقص الإنسان في معلوماته لدى الكبر - وإن كان الإمام منزها عن ذلك -. (كما نقصت في جسمي) فإنَّ العمر ينقص منهما (أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى) بأن يستولي على قلبك ما يغلب من أسباب الهوى، فيأخذ بمجامع القلب، ولا تجد الموعظة فيه، بعد ذلك سبيلا، وهذا من باب [إياك أعني واسمعي يا جارة] لو كان المخاطب الإمام الحسن(عليه السلام)(وفتن الدنيا) ما يوجب الفتنة منها (فتكون) أنت في عدم استماع المواعظ (كالصعب)أي كالفرس الذي يصعب ركوبه لتوحشه (النفور) الذي يتنفر ولا يأنس ( وإنما قلب الحدث) أي الشاب (كالأرض الخالية) التي لا زرع فيها (ما ألقي فيها من شيء) بيان [ما] الموصولة (قبلته) وربته وأخرجته نباتا (فبادرتك بالأدب) أي أسرعت إلى أدبك(قبل أن يقسو قلبك) أي : يشتد بالملكات الرديئة، فلا تجد الفضائل فيه منفذا (ويشتغل) بأمور الدنيا والرذيلة (لبك) أي عقلك، وإنما بادرتك(لتستقبل بجد رأيك) أي برأيك الجاد (من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب) [ما قد] مفعول [تستقبل] و[ الأمر] بيان لـ [ما] (بغيته) أي طلبه (وتجربته) فتستعمل حسب ما جرب أهل التجربة، ولا تتجشم إعادة التجارب ( فتكون) باستعمال أوامر أهل التجربة (قد كفيت مؤونة الطلب) فلا تحتاج إلى أن تطلب بنفسك (فأتاك من ذلك) العلاج (ما قد كنا نأتيه) أي
وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ .
أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ في أَخْبَارِهِمْ ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ؛ بَلْ كَأَنَّي بِمَا انْتَهَى إِليَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَقْتُ صَفْوَ ذلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَّيْتُ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ
.............................
جاءك نتائج العلاجات، بلا صعوبة، مما قد كنا نعالج فنحصل عليها بالعلاج والمشقة (واستبان لك) أي ظهر لك (ما ربما أظلم علينا منه) أي لم يظهر وجهه حتى حصلناه وفهمناه بالصعوبة والعلاج - وهذا على سبيل العرف، وإلا فالإمام كان في غنى عن ذلك - (أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي) أي العمر الطويل (فقد نظرت في أعمالهم) نظر تعقل وتدبر (وفكرت في أخبارهم) التي جاءت إلينا منهم (وسرت في آثارهم) الباقية بعدهم، كبقايا المدن وما أشبه (حتى عدت) أي صرت (كأحدهم) مطلعا على أوضاعهم تمام الاطلاع (بل كأني بما أنتهى) أي وصل (إليَّ من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم) إذا اجتمع لدي أخبار جميعهم (فعرفت صفو ذلك) الذي انتهى إلي (من كدره) فأية حياتهم كانت صفوا، وأيتها كانت كدرة تشوبها الآلام والمخاوف (ونفعه من ضرره) فأي سلوكهم كان ضارا وأيه كان نافعا (فاستخلصت لك من كل أمر نخيله) أي مختاره المصفى (وتوخيت) أي تحريت وأخرجت لك في هذه الموعظة (جميله) الموجب للسعادة والرفاه (وصرفت عنك مجهوله) أي لم أبين لك ما يجهل غايته (ورأيت) أي نظرتُ
حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ العُمُرِ ومُقْتَبِلَ الدَّهْرِ ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَأَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ الإِسْلام وَأَحْكَامِهِ ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، لاَ أُجَاوِزُ ذلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ. ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فيهِ مِنْ أَهوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ
..........................
لك ( حيث عناني من أمرك) أي من جهة عنايتي بأمرك (ما يعني الوالد الشفيق) فإنَّه لا يعني لولده إلّا خيرا، وأنا قصدت ذلك لك (وأجمعت) أي عزمت (عليه) الضمير عائد إلى [ما] (من أدبك) بيان [ما] أي عزمت على أدبك (أن يكون ذلك) النصح والإرشاد ( وأنت مقبل العمر) أي العمر مقبل عليك إذ أنت في أوله، ويحتمل كون [أن يكون] مفعول [رأيت] ويكون [أجمعت] عطفا على [يعني] (ومقتبل الدهر) أي الدهر مقبل عليك، إذ الإنسان في أول عمره له من النشاط ما يقبل الدهر عليه بإعطائه بعض آماله، في حال كونك (ذو نية سليمة) لم تختلط بعد بأمراض الدنيا النفسية (ونفس صافية) لم تكدرها الآلام والشهوات (وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله) مفعول [رأيت] أي رأيت أولا أن أعلمك القرآن ( وتأويله) أي ما يؤول أمر الآيات إليه من النتائج المخالفة لظواهر الآيات، كتأويل إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(1)أي كونهم ينظرون إلى ألطافه سبحانه (و) تعليم (شرائع الإسلام) جمع شريعة، وأصلها المورد الذي يرده الإنسان على الشطوط لشرب الماء، والمراد به قوانين الإسلام. (وأحكامه وحلاله وحرامه لا أجاوز ذلك بك إلى غيره) أي لا اعلك غير الكتاب (ثم أشفقت) أي خفت (أن يلتبس عليك) أي يشتبه عليك (ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم)
1) سورة القيامة : 23 .
مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ إِحْكَامُ ذلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلامِكَ إِلَى أَمْرِ لَا آمَنْ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةِ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هذِهِ. وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنْ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِليَّ مِنْ وَصِيَّتِي، تَقْوَى اللَّهِ، وَالاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْكَ، وَالأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ ،
...........................
في الكتاب (مثل الذي التبس عليهم) أي : يشتبه عليك القرآن، كما اشتبه على الناس، فإنَّ الإنسان إذا عرف القرآن أول ما عرف، ورأى الناس مختلفين فيه، يوشك أن يميل إلى جانب من تلك الانحرافات، وهذا إرشاد إلى لزوم تعليم الناس الأصول والفروع قبل تعليمهم الكتاب وتأويله إذا كان يخشى عليهم الانحراف (فكان إحكام ذلك) الذي اختلف الناس فيه، أي أحكام الأصول الغامضة بسبب البرهان والأدلة( على ما كرهت من تنبيهك له) إذ الإنسان يكره الخوض في الدقائق لصعوبتها عليه وهذه جملة معترضة بين اسم كان وهو [أحكام] وخبره وهو [أحب]. (أحب إلي من إسلامك) أي من أن أسلمك (إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة) بأن أتركك وشأنك لتأخذ من الناس آراءهم، حتى تهلك بسبب الانحراف الذي يأتي إلى ذهنك في أصول الدين، تأخذه من الناس المنحرفين (ورجوت) عطف على [أشفقت ] (أن يوفقك الله فيه) أي فيما اختلف الناس فيه (لرشدك) فلا تنحرف (وأن يهديك لقصدك) أي وسط الطريق لا يمينه ولا شماله المائلان عن الحق (فعهدت إليك وصيتي هذه) قبل أن أعلمك القرآن (واعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به إلي) أي أحب الأشياء إلي مما تأخذه أنت (من وصيتي : تقوى الله) أي الخوف منه سبحانه. (والاقتصار على ما فرضه الله عليك) بأن لا تزيد عليه من عندك فتكون مبدعا(والأخذ) أي التمسك (بما مضى عليه الأولون من آبائك) كالرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم)وأجداده الكرام
وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فإنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ يَنْظُرُوا لَأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذلِكَ إِلَى الأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا، وَالإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلِّفُوا، فإنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذِلكَ بِتَفَهُم وَتَعْلُّمٍ، لاَ بِتَورُّطِ الشُّبُهَاتِ، وَعُلوا الْخُصُومَاتِ، وَابْدَأَ قَبْلَ نَظِركَ فِي ذِلكَ بالاِسْتِعَانَةِ بِإِلهِكَ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ،
......................................
الذين هم سلسلة الأنبياء والأوصياء (والصالحون من أهل بيتك) الذين كانوا مؤمنين وعاملين بالصالحات (فإنهم لم يدعوا أن ينظروا لأنفسهم) أي لم يتركوا التفكر في أمر أنفسهم وماذا ينبغي أن يصنعوا (كما أنت ناظر ) أي كما أنت تنظر لأمر نفسك (وفكروا كما أنت مفكر ) في كيفية سلوكهم الموجب لسعادتهم (ثم ردهم آخر ذلك) النظر والتفكر (إلى الأخذ بما عرفوا) من الأمور المفيدة (والإمساك) أي الكف (عما لم يكلفوا) أي لم يكلفهم الله سبحانه ، فاعمل أنت كما عمل أولئك والذي وصلوا إليه بعد التفكر والتجربة .
(فإن أبت نفسك) أي امتنعت(أن تقبل ذلك) الذي ذكرت من الأخذ بما عرف والإمساك عما لم يكلف (دون أن تعلم) سبب ذلك (كما علموا) أي علم آباؤك وأهلك (فليكن طلبك ذلك) أي اطلب وجه لزوم العمل بما عرف والإمساك عما لا يكلف (بتفهم وتعلم) بأن يكون قصدك أن تعرف وتفهم (لا بتورط الشبهات) أي بأن توقع نفسك في الأمور المشتبهة (وعلوا الخصومات) بأن تعلوا بينك وبين غيرك، فإنَّ الإنسان قد يفتش عن حقيقة بالجدل والنزاع، وقد يفتش عن حقيقة بالتعلم والتفكر. (وابدأ قبل نظرك في ذلك) الذي ذكرت لك (بالاستعانة بإلهك) بأن تستعين به، ليعينك على الفهم والإدراك (والرغبة إليه) أي الطلب منه تعالى (في توفيقك) أي بأن يوفقك للغاية
وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبهةٍ ، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ . فَإِذَا أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ ، وَتَمَّ رَأَيْكَ فَاجْتَمَعَ ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذلِكَ هَمّاً وَاحِداً ، فانظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ ، وَفَرَاغِ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ، وَتَتَوَرِّطُ الظُّلْمَاءَ . وَلَيْسَ طَالِبُ الدِّين مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ ، وَالإمْسَاكُ عَنْ ذلِكَ أَمْثَلُ .
.............................
الصحيحة (وترك كل شائبة أو لجتك في شبهة) أي يوفقك في أن تترك كل ما يشوب الفكر ، مما يدخل الإنسان في الشبهة في الحق وعدم الإذعان له (أو أسلمتك إلى ضلالة) أي الشائبة الموجبة لتسليم الإنسان إلى الانحراف عن الحق ، أي المسببة لذلك (فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع) لله تعالى (وتم رأيك) أي صح تماما بلا شبهة فيه (فاجتمع) شوارد الآراء تحت نطاق واحد، لا أن يتردد الرأي بين النفي والإثبات (وكان همك في ذلك) الذي تطلب منه تعالى (هما واحدا) لا احتمالات وترددات .
(فانظر فيما فسرت لك) مما سيأتي في بيان أصول الدين (وإن لم يجتمع لك ما تحب من نفسك) بأن ترددت نفسك في احتمالات (وفراغ نظرك) أي لم يفرغ نظرك إلى جهة واحدة (وفكرك ) إلى اتجاه واحد حتى تدرك ما سأذكره لك من مسائل أصول الدين (فاعلم أنك) بتشتت رأيك (إنما تخبط العشواء) أي مثل خبط الناقة الضعيفة البصر التي لا تأمن من السقوط في هوة لا منجاة لها منها (وتتورط الظلماء) أي تدخل في مكان مظلم لا تدري عاقبة الدخول فيه (وليس طالب الدين من خبط أو خلط) الحق بالباطل، والصحيح بالسقيم، إذ طالب الدين يريد معرفة الحق، وتلك لا تجتمع مع الخيط والخلط (والإمساك عن ذلك) الفكر الذي ليس بمستقيم بل مشوب بالخلط (أمثل) أي أحسن، وحاصل كلام الإمام أنه ينبغي لولده أن يسير في الأخذ
فَتَفَهَّمْ يَا بُنيَّ وَصِيَّتِي، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا لمْ تكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ، وَالابْتِلاَءِ ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ، أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا نعْلَمُ ، فإنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذلكَ
.........................
بأصول الدين سيرة آبائه والصالحين، فإنَّ أراد أن يعرف الحق هو بنفسه، فاللازم أولا أن يستعين بالله، ثم يجرد فكره للحق ، فإذا رأى في فكره خلطا وارتباكا، فالأمثل أن يترك التفكر بمثل هذا الذهن المشوب لأن ضره أقرب من نفعه . (فتفهم) أي تعلم (يا بني وصيتي واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة) وهذا شروع في بيان صفاته تعالى، وأنه لا تضاد لما قد يتوهم إنه مضاد فالحياة والموت - على ما بينهما من الاختلاف - من إله واحد .
(وأن الخالق) للناس (هو المميت) لهم، لا أن هناك خالقا، وآخر مميتا (وأن المفني) للبشر (هو المعيد) لهم في الآخرة (وأن المبتلي هو المعافي) الابتلاء الامتحان بالشدائد، والمعافات كون الإنسان بمنجى من الابتلاء (وإن الدنيا لم تكن لتستقر إلّا على ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء) أي أن الدنيا تتراوح بين النعمة والشدة، كما شاء الله سبحانه، فإنَّه سبحانه شاء لها ذلك، ولا يمكن التخلف عن مشيئة الله تعالى( والجزاء فى المعاد) أي شا الله سبحانه أن يجازي الناس، على ما عملوا، في الآخرة، فإنَّه لم يشأ أن يجعل الدنيا دار الجزاء (أو ما شاء مما لا نعلم) أي تكون الدنيا على ما شاء الله من سائر أحوالها مما لا نحيط به علما، وهذا إذعان بأن أمور الكون كلها منه سبحانه، لا قوة لأحد على تغييرها وتبديلها . (فإن أشكل عليك شيء من ذلك) كأن تقول كيف يمكن وحدة المميت والمحيي ، أو كيف لا يمكن تغيير
فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ بِهِ ، فإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلا ثُمَّ عُلِّمْتَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الأَمْرِ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأيُكَ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ ، فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ . وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَارْضَ بِهِ رَائِداً ، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً، فإني لَمْ أَلُكَ نَصِيحَةً، وَإِنَّكَ لَمْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ
.................................
الدنيا عما هي عليه؟ أو ما أشبه من الإشكالات(فاحمله على جهالتك به) أي قل : أنا جاهل، وإلا فالأمر كما أخبرني أبي(عليه السلام)( فإنك أول ما خلقت، خلقت جاهلا ثم علمت) الأشياء تدريجيا، واحمل هذا الشيء الذي لا تفهمه على جهالتك أيضا . (وما أكثر ما تجهل من الأمر) فليكن هذا أيضا كتلك الجهالات (ويتحير فيه رأيك) كيف هو ؟ (ويضل فيه بصرك) أي لا يعرف ذلك لنفسك بصيرتك (ثم تبصره بعد ذلك) فليكن جهلك بما ذكرت لك، مثل تلك الجهالات، ولا تتعجل بالإنكار والجحود، بلا دليل . (فاعتصم) أي تمسك، ولذ (بالذي خلقك ورزقك وسواك) أي صنعك صنعا معتدلا (وليكن له تعبدك) أي عبادتك وطاعتك(وإليه رغبتك) بأن ترغب في الحظوة عنده والزلفة لديه(ومنه شفقتك) أي خوفك (واعلم يا بني أن أحداً لم ينبيء عن الله) أي لم يخبر عنه سبحانه (كما أنبأ عنه الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) من أوامره ونواهيه، وثوابه وعقابه، وصفاته وأحواله (فارض به) أي بالرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(رائدا) أي معرفا ودليلا (وإلى النجاة قائدا) فإنَّه(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أحسن القادة إلى طريق النجاة (فإني لم آلك) أي لم أقصر لك (نصيحة) فقد نصحتك حق النصح (وإنك لم تبلغ في النظر لنفسك) أي إذا أردت أن تنظر وتفكر لنفسك لسعادتك ونجاتك
..........................
(وإن اجتهدت) وتعبت في التفكر والنظر (مبلغ نظري لك) أي بقدر ما أنا نظرت لأجلك ولإرشادك ونصيحتك فإنَّ الأب الرؤوف العالم أحسن نظرا، من الولد الذي لم يبلغ مرتبة .
(واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك) بأن كان للكون إلهان (لآتتك رسله) ليبينوا أمره ونهيه (ولرأیت آثار ملكه وسلطانه) فإنَّ لكل ملك آثار (وعرفت أفعاله وصفاته) ماذا فعل؟ وما هي صفته ؟ وإذ لم يكن أي ذلك، دل أن لا شريك لله سبحانه (ولكنه إله واحد) لا شريك له (كما وصف نفسه) في الكتاب الحكيم (لا يضاده في ملكه أحد) فهو المالك المطلق الذي يفعل ما يشاء . ( ولا يزول) عن الألوهية (أبدا ) بل هو باق سرمدي (ولم يزل) بأن لم يكن له ثم كان، بل كان منذ الأزل، هو (أول قبل الأشياء) كان أو لم يكن شيء (بلا أولية) أي أنه لا أول له، حتى يكون مسبوقا بالعدم (وآخر بعد الأشياء) فيبقى بعد فنائها جميعاً (بلا نهاية) أي لا آخر له (عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر) أي أنه سبحانه أعظم من ان يراه الإنسان، أو يدرك كنهه. (فإذا عرفت ذلك) أي عظمته سبحانه (فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله) تجاه الله سبحانه (في صغر خطره) أي صغر قدره بالنسبة إلى الله تعالى ( وقلة مقدرته) إذ الإنسان قليل القدرة جدا ( وكثرة عجزه) عن غالب
وَعَظِيمٍ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ ، فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ، وَالرَّهْبَةِ مِن عُقُوبَتِهِ، وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ : فإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرُكَ إِلَّا بِحَسَنٍ، وَلَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ. يَا بُنَيَّ إنِّي قَدْ أَنبَأَتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا، وَأَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لأَهْلِهَا فِيها ، وَضرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الأَمْثَالَ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا، وَتَحْذُوَ عَلَيْهَا . إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ، فَأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً وَجَنَاباً مَرِيعاً ، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ،
.......................
الأشياء (وعظيم حاجته إلى ربه) في جميع أموره (في طلب طاعته) متعلق بقوله [ فافعل] .
(والرهبة من عقوبته) بأن تخاف عقابه فلا تعصيه (والشفقة) أي الخوف (من سخطه) وغضبه (فإنه لم يأمرك إلّا بحسن) إذ الواجبات والمستحبات فيها مصالح (ولم ينهك إلّا عن قبيح) فإنَّ المحرمات والمكروهات فيها مفاسد، وهذا كعلة ثانية للزوم إطاعته، أولا لعظمته تعالى، وثانيا للصالح في أحكامه. (يا بني إني قد أنبأتك) أي أخبرتك(عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها)من حال إلى حال، والزوال الفناء (وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها) من ضروب النعيم وأصناف اللذات(وضربت لك فيهما) أي في بابي الدنيا والآخرة (الأمثال) الموجبة لتقريب الذهن(لتعتبر بها) أي: بتلك الأمثال (وتحذو عليها ) أي تقتدي بتلك الأمثال من الحذو. (إنما مثل من خبر الدنيا) أي عرفها على حقيقتها (كمثل قوم سفر ) أي : مسافرون (نبا بهم منزل جديب) أي لم يوافقهم، المنزل المقحط الذي فيه القحط والغلاء، فأهل الدنيا فيها، كأهل ذلك المنزل، إذ الدنيا لا توافق الإنسان(فأموا) أي قصدوا (منزلا خصيبا) ذا خصب وسعة ورخص، والمراد به الآخرة (وجنابا) أي ناحية ( مريعا) أي كثير العشب والماء (فاحتملوا وعثاء الطريق) أي مشقته
وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَمِ ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ ، ومَنْزِلَ قَرَارِهِمْ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ أَلَماً، وَلاَ يَرَوْنَ نَفَقَةً مَغْرَماً . وَلاَ شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلِّهِمْ . وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ، فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ، إِلَى مَا يَهْجُمُون عَلَيْهِ، وَيصِيرُونَ إِلَيْهِ . يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْركَ،
........................
(وفراق الصديق) أي الأصدقاء الذين كانوا لهم في المنزل الأول - وهكذا الإنسان حين يموت - (وخشونة السفر) أي صعوبته (وجشوبة المطعم) أي خشونته (ليأتوا سعة دارهم) والمراد بها الآخرة (ومنزل قرارهم) الذي فيه مستقرهم (فليس يجدون لشيء من ذلك) الصعوبات في الطريق (ألما) لما يقصدون من الغاية الحسنة (ولا يرون نفقة) ينفقونها في سبيل قطع الطريق (مغرما) أي غرامة ذاهبة عنهم، وإنما يجدونها غنيمة إذ أوصلتهم إلى مقصدهم (ولا شيء أحب إليهم مما قربهم من منزلهم) فكلما قربوا ازدادوا فرحا (وأدناهم من محلهم) الذي يقصدون، هذا مثل العقلاء النابهين في الدنيا (ومثل من اغتر بها) أي خدع بالدنيا (كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب) ذي سعة (فنبا بهم إلى منزل جديب) ذي قحط، فإنَّ الدنيا بالنسبة إلى الكفار والعصاة، كالمنزل الخصيب، والآخرة كالمنزل الجديب. (فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم) أي أصعب بنظرهم (من مفارقة ما كانوا فيه) كالدنيا (إلى ما يهجمون عليه) أي ينتهون إليه بغتة (ويصيرون إليه) إذ لا شيء لهم هناك، بل نكال وعقاب .
(يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك) فكما توزن بالميزان
فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَاكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنُ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ ، وَلاَ تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَإنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَلا تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ وَاعْلَمْ أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَةُ الأَلْبَابِ . فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ، وَلا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ ، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ .
........................
أشياء فيعرف تساويها وقيمها، كذلك يلزم على الإنسان أن يجعل ذاته كمحايد بين شخصين أحدهما نفسه، والآخر غيره، فيعطي الاثنين بالتساوي (فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك) من أنواع الخير (واكره له ما تكره لها) أي لنفسك من أنواع الشر والإثم (ولا تظلم) أحدا (كما لا تحب أن تظلم) أي يظلمك الناس (وأحسن) إلى الناس (كما تحب أن يحسن إليك) أي يحسن الناس إليك (واستقبح من نفسك) أي انظره بنظر الزراية والإهانة (ما تستقبح من غيرك) من الأعمال السيئة (ولا تقل ما لا تعلم) إذا سألت عن شيء (وإن قل ما تعلم) كما لا تحب أن يقال لك ما لا يعلمون، في جوابك عن السؤال (ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك) من السب والاستهزاء وما أشبه، وما ذكره الإمام(عليه السلام) من أعجب الموازين الموجبة للاجتماع والألفة ولكل خير، والعمل به من أشكل الأمور (واعلم أن الإعجاب) أي استحسان الإنسان ما يصدر من نفسه(ضد الصواب) لأن الأعمال منها حسنة، ومنها قبيحة، فاستحسان الكل خطأ (وآفة الألباب) أي مصيبة العقول، فإنَّها تصاب بهذا المرض الوخيم (فاسع في كدحك) أي في أشد السعي (ولا تكن خازنا لغيرك) بأن تحرص على جمع المال، فيبقى بعدك للورثة بل أنفق من المال في سبيل الله ليبقى لك (وإذا أنت هديت لقصدك) بأن وفقت لأعمال الخير والاستقامة (فكن أخشع ما تكون لربك)
وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَأَنَّهُ لَا غِنى لَكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الاِرْتِيَادِ، وَقَدْرِ بَلاغِكَ مِنَ الزَّادِ، مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ ، فَلاَ تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ، فَيَكُونَ ثِقْلُ ذلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، فَاغْتَنِمْهُ وَحَمِّلُهُ إِيَّاهُ، وَأَكْثِرُ مِنْ تَزْوِيدِهِ
....................
دفعا للعجب عن نفسك، فإنَّ الإنسان ربما يهتدي، لكنه يعجب بنفسه، فيكون وبالا عليه . (واعلم أن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة) والمراد به طريق الوصول إلى الجنة والسعادة الأبدية (ومشقة جديدة) يلزم على الإنسان أن يطيع طول عمره حتى يحصل على تلك النتيجة المطلوبة (وأنه لا غنى لك فيه) أي في هذا الطريق (عن حسن الارتياد) الارتياد الطلب، وحسنه الاتيان به على ما ينبغي مما يوجب السعادة (وقدر بلاغك من الزاد) بأن تحمل زاداً يكفيك طول الطريق ( مع خفة الظهر) بأن لا يكون ثقيلا بالذنوب، كالمسافر الذي يجب أن يحمل زادا كثيرا - إذا كان الطريق طويلا - مع ملاحظة أن يكون الزاد غير متعب لراحلته (فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك) من الذنوب والمعاصي وما لا يعني (فيكون ثقل ذلك وبالا عليك) أي موجبا للأذية والعقوبة (وإذا وجدت من أهل الفاقة) أي الحاجة (من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة) فإنَّ الفقير يأخذ المال من الإنسان هنا، ليسترده الإنسان هناك في الآخرة، وهذا يوجب - بحسب التشبيه - الحصول على الفائدة بدون المشقة (فيوافيك) أي يعطيك (به) أي بذلك الزاد (غدا) في يوم القيامة (حيث تحتاج إليه) أشد الاحتياج. (فاغتنمه) أي عد وجود مثل هذا المحتاج غنيمة (وحمله) أي : الزاد (إياه) أي ذلك الفقير ((وأكثر من تزويده) أي من إعطائه
وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلا تَجِدُهُ. وَاغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ، لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَؤُوداً، الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِن الْمُثْقِل ، وَالْمُبْطىءُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ الْمُسْرِعِ ، وَأَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لَا مَحَالَةَ عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ، فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ، وَوَطَّىءْ الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، (فَلَيْسَ بَعْدَ
.........................
الزاد ( وأنت قادر عليه) أي والحال أنك قادر على تزويده (فلعلك تطلبه فلا تجده) إذ لا يتيسر الفقير في كل وقت، قالوا وهذا الكلام من أبلغ ما قيل في الحث على الصدقة والإحسان (واغتنم من استقرضك في حال غناك) بأن طلب منك شيئاً في الدنيا، وأنت قادر على إعطائه (ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك) أي الآخرة، إذ كل ما أحسن الإنسان هنا، وجده هناك، وهو في أشد الاحتياج ( واعلم أن أمامك عقبة كؤودا) أي صعبة المرتقى، والعقبة الطريق الملتوي في الجبل، الذي بين ارتفاع الجبل، وهوة السفح (المخف فيها) أي في تلك العقبة (أحسن حالا من المثقل) الذي عليه ثقل وشيء كثير، لأن خطر السقوط على المثقل أكثر من خطره على المخف (والمبطئ عليها)أي على تلك العقبة، وهو الذي يمشي بطيئا (أقبح حالا من المسرع) إذ كلما طال الأمد في العقبة، رافقه طول الخطر، والمراد خفة الظهر من الذنوب، والإسراع في الأعمال الصالحة الموجبة لسرعة المرور في المحشر وعلى الصراط (وأن مهبطك بها ) أي محل هبوطك ونزولك، بتلك العقبة .
(لا محالة) أي يقينا (على جنة أو نار) أن كنت مطيعا فعلى الجنة وألا فعلى النار . (فارتد) أي اطلب (لنفسك) طلبا حسنا (قبل نزولك) هناك، حيث لا رجوع (ووطئ المنزل) أي هيئه تهيئة حسنة (قبل حلولك) فيه (فليس بعد
الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ)، وَلا إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ ، وتكفَّلَ لك بِالإِجَابَةِ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْكَ، وَلَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَمْنَعُكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلكَ بِالنِّقْمَةِ، وَلَمْ يُعَيِّرُكَ بِالإِنابَةِ ،
.................................
الموت مستعتب) أي استرضاء ، فلا يطلبون رضاك (ولا إلى الدنيا منصرف) أي لا رجوع لك إلى الدنيا حتى تتدارك ما فات، وتبدل المنزل من سيّئ إلى حسن. (واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض) وهو الله سبحانه وخزائن السماوات والأرض، هي المولدات لجميع أنواع احتياجات البشر فالشمس مثلا مثلا من الخزائن لأنها مما توجب حياة الإنسان والحيوان والنبات، والأرض من الخزائن، لأنها معدن الجواهر والمعادن الثمينة، وهكذا (قد أذن في الدعاء) بأن تطلب منه حوائجك (وتكفل لك بالإجابة) قال تعالى : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(1)(وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه) أي تطلب رحمته (ليرحمك) ويتفضل عليك بما تحتاجه (ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك) أي يكون لك حجابا وواسطة فإنَّ الإنسان يدعو سبحانه مباشرة وبلا واسطة (ولم يلجئك) أي لم يضطرك (إلى من يشفع لك إليه) فلا يحتاج الإنسان إلى الشفيع لينال الحظوة لديه تعالى، وإنما يحتاج إلى الشفيع إذا أساء واقترف. (ولم يمنعك - إن أسأت - من التوبة) فإنَّ الإنسان إذا أساء ثم تاب قبل الله توبته (ولم يعالجك بالنقمة) فإنَّ الله سبحانه يؤخر العذاب على العاصي لعله يتوب (ولم يعيرك بالإنابة) أي التوبة، وليس
1) سورة غافر : 60 .
وَلَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الفَضِيحةُ بِكَ أَوْلَى، وَلَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الإنابَةِ، وَلَمْ يُناقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ وَلَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنةً، وَحَسَبَ سَيْئَتَكَ وَاحِدَةً، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً، وَفتحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ، فإذا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاءكَ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ
........................
سبحانه، کالناس الذين يعيرون المذنب، إذا رجع بذنبه السابق (ولم يفضحك) أي يظهر سيئاتك (حيث الفضيحة بك أولى) من الستر، بل هو سبحانه ساتر للمعاصي، إلّا أن يظهرها الإنسان بنفسه (ولم يشدد عليك في قبول الإنابة) فإنَّه يقبل التوبة بمجرد الرجوع وتلافي ما فات (ولم يناقشك بالجريمة) فإنَّ الإنسان إذا أجرم وأناب لم يحاسبه الله سبحانه حسابا دقيقا لما أجرم (ولم يؤيسك من الرحمة) بل وعد الرحمة لمن عصى وأناب، كما قال سبحانه :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ (1)وقال : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا(2). (بل جعل نزوعك) أي رجوعك (عن الذنب حسنه) إذ التوبة في نفسها حسنة (وحسب سيئتك واحدة) كما قال سبحانه: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا(3)(و حسب حسنتك عشراً) حيث قال سبحانه: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا(4)(وفتح لك باب المتاب) أي التوبة، مصدر ميمي . (فإذا ناديته سمع نداءك) وصوتك (وإذا ناجيته) أي تكلمت معه بكلام
عَلِمَ نَجْوَاكَ، فَأَقْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ، وَأَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ، وَاسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِن رَحْمَتِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْطائِهِ غَيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الأَعْمَارِ، وَصِحَّةِ الأَبْدَانِ، وَسَعَةِ الأَرْزَاقِ . ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفاتِيحَ خَزائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ مِنْ مَسْأَلِتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوابَ نِعْمَتِهِ، وَاسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ ، فَلا يُقَنِّطَنَّكَ إبْطَاءُ إِجَابَتِهِ ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النّيَّةِ .
.............................
خفي (علم نجواك) فإنَّه لا يحتاج إلى الجهر حتى يعلم، فإنَّه يعلم السر كما يعلم العلانية. (فأفضيت) أي القيت(إليه بحاجتك) التي تحتاجها (وأبثثته) أي کاشفته (ذات نفسك) أي التي بنفسك من الحوائج والآلام (وشكوت إليه همومك) تطلب دفعها ورفعها (واستكشفته كروبك) أي طلبت منه أن يكشف أحزانك ومصائبك (واستعنته على أمورك) أي طلبت منه أن يعينك على أمورك (وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره) الذي بيده وحده (من زيادة الأعمار) بأن يزيد في عمرك أو عمر أحد يخصك أمره (وصحة الأبدان) عند مرضها (وسعة الأرزاق) عند ضيقها . (ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه) أي ما يوجب فتح رحمته ولطفه نحوك ، لقضاء حوائجك (بما أذن لك من مسألته) فإنَّه تعالى حيث أذن للإنسان في أن يسأله، وجعل السؤال سببا للعطاء، كان مفتاح خزائنه بيد الإنسان. (فمتى شئت استفتحت بالدعاء) أي بسبب الدعاء(أبواب نعمته) فتهمي إليك مختلف النعم بالدعاء (واستمطرت شآبيب رحمته) شآبيب جمع شؤبوب بالضم، بمعنى الدفعة من المطر، كأن رحمته تعالى كالمطر، الذي ينزل من السماء بدفعات .
(فلا يقنطك إبطاء إجابته) أي لو أبطأ سبحانه في الإجابة لا تقنط من فضله ولا تيأس (فإن العطية على قدر النية) أي على قدر نيتك من الإخلاص
وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الإِجَابَةُ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظَمَ لأَجْرِ السَّائِل، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الآمِل . وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلاَ تُؤْتَاهُ ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً ، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُتِيتَهُ ، فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ ، وَيُنْقَى عَنْكَ وَبَالُهُ ، فَالْمَالُ لاَ يَبْقَى لَكَ وَلَا تَبْقَى لَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا ، وَللْفَنَاءِ لا لِلْبَقَاءِ، وَلِلْمَوْتِ لاَ لِلْحَيَاةِ، وَأَنَّكَ فِي مَنْزَلِ قُلْعَةٍ
...............................
وغيره واليقين وغيره تكون عطية الله سبحانه لك . (وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك) التأخير(أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الآمل) أي أنه سبحانه يعطيك أكثر من املك ولذا أخر العطاء، للامتحان وما أشبه (وربما سألت الشئ) من الله سبحانه (ولا تؤتاه) أي لا يعطيك سؤالك (وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا) مما الله سبحانه أعرف بصلاحك فيما أعطاك وما منعك (أو صرف عنك لما هو خير لك) أي صرف شيء ضار كان صرفه عنك خيرا لك من إعطاء طلبتك (فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته) كما لو طلب الإنسان الغنى، وعلم الله سبحانه أنه لو أغناه ، طغى (فلتكن مسألتك)أي سؤالك من الله سبحانه (فيما لك جماله) من التوفيق للسعادات الدنيوية والأخروية (وينفي عنك وباله) بأن لا يكون له وبال أي عاقبة سيئة، وهذا تعليم منه(عليه السلام) لكيفية السؤال، وماذا ينبغي أن يسأله الإنسان (فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له).
(واعلم أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا) فإنَّ الدنيا ممر، والآخرة مقر (وللفناء) أي الموت (لا للبقاء) إذ لا يبقى الإنسان حيا دائما (وللموت لا للحياة) أما عطف بيان، أو المراد بالفناء أن يعدم الإنسان، وبالموت أن يموت والفرق بينهما واضح (وأنك في منزل قلعة) ينقلع الإنسان عنه، وليس
وَدَارِ بُلْغَةٍ، وَطَرِيقٍ إِلَى الآخِرَةِ، وَأَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ لاَ يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ، وَلاَ بُدْ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذرٍ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيْئَةٍ، قَدْ كُنتَ تُحَدِّثُ نفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ ، وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ،
...............................
مستقرا له (ودار بلغة) أي دار يؤخذ منها قدر الكفاية للآخرة فهي للبلاغ، لا للبقاء. (وطريق إلى الآخرة وأنك طريد الموت) يطاردك الموت حتى يصل إليك كما يطارد الصياد الصيد حتى يقنصه (لا ينجو منه هاربه) أي من هرب منه بالتحفظ على صحته والتحصن بالحصون القوية والاكتناف بالجنود والأسلحة (ولا بد أنه) أي الموت (مدركه) أي واصل إليه (فكن منه) أي من الموت (على حذر أن يدركك) أي يصل إليك، وحيث أن لفظة [حذر] أضيف إلى [ أن يدرك] لم يدخله ما التنوين (وأنت على حال سيئة) من معاصي الله سبحانه (قد كنت تحدث نفسك منها) أي من تلك الحال (بالتوبة فيحول) الموت (بينك وبين ذلك) الذي تحدثت به نفسك من التوبة (فإذا أنت قد أهلكت نفسك) بسبب المعصية التي لم تتب منها، وهذا تحذير عن مطلق العصيان، لأن احتمال أن يأخذ الإنسان الموت فجأة، دائمي .
(يا بني أكثر من ذكر الموت) وأنك لا بد وأن تموت (وذكر ما تهجم عليه) أي ما ترد أنت عليه بعد الموت؛ فجأة وبلا تدرج (و) ما (تفضي) أي تصل (بعد الموت إليه )من المنزل الجديد ذي الأهوال العظيمة (حتى يأتيك) الموت (وقد أخذت منه حذرك) احتراسك، فإنَّ الإنسان إذا ذكر المخوف، عمل للتجنب عنه (وشددت له أزرك) أي قوتك، فإنَّ الإنسان إذا علم أن
وَلَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا ، وَتَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا ، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللهُ عَنْهَا ، وَنَعَتْ لَكَ نَفْسَهَا، وَتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا ، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاوِيَةٌ ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ، يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا . نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ ، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا . سُروحُ عَاهَةٍ
.........................
أمامه شيئا مهولا جمع قواه حتى يتغلب عليه(ولا يأتيك) الموت (بغتة) فجأة، وبلا استعداد (فيبهرك) أي يغلبك على أمرك (وإياك أن تغتر)وتنخدع (بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها) أي سكونهم واطمئنانهم بالدنيا (وتكالبهم) أي تنازعهم (عليها) فتكون كأحدهم ، بل اللازم أن لا تطمئن بالدنيا، وأن لا تتكالب على زينتها، فإنَّ أهل الدنيا غافلون. (فقد نباك الله عنها) أي أخبرك عن الدنيا وأحوالها (ونعت) أي: وصف (لك نفسها) أي نفس الدنيا (وتكشفت) الدنيا (لك عن مساويها) حيث تهلك إنسانا بعد إعطائه الحياة، وتفقره بعد الغنى، وهكذا (فإنما أهلها كلاب عاوية) أي صائحة (وسباع ضارية) تضر بعضها ببعض (يهر) أي يمقت ويكره (بعضها بعضاً، ويأكل عزيزها ذليلها) أي يأكل أمواله وعنوانه وسائر ممتلكاته .
( ويقهر كبيرها صغيرها) أي يجبره في حوائجه ويسخره لمصالحه . (نعم معقلة) أي أن بعض أهل الدنيا وهم الضعفاء، كالبعير الذي عقلت يده فلا يتمكن من الحركة(وأخرى مهملة) وهم الأقوياء كالإبل التي أهملت فتفعل ما تشاء(قد أضلت عقولها) أي أضاعتها فلا تدرك بها (وركبت مجهولها) أي الطرق المجهولة التي لا يدرى ما عاقبتها ( سروح عاهة) أي أنهم يسرحون لرعي الآفات، كما تسرح الإبل لرعي النبات، وسروح جمع سرح، وهو
بِوَادٍ وَعْثٍ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا ، وَلا مُقِيمٌ يُسِيمُهَا . سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، وَاتَّخَذُوهَا رَبَّاً، فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا . رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلَامُ ، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الأَظْعَانُ، يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ ! وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ
....................................
السائم من الإبل ونحوه (بواد وعث) أي رخو يصعب فيه السير، لأن سير الإنسان في الدنيا مشكل صعب (ليس لها راع يقيمها) أي يقيم أمر تلك النعم حتى تصل إلى مصالحها (ولا مقيم يسيمها) أسام الدابة بمعنى سرحها إلى المرعى، أي ليس لها قيم يسرحها (سلكت بهم الدنيا طريق العمى) أي أوقعتهم في جادة منحرفة (وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى) أي غطت على أبصارهم حتى باتوا لا يرون منار الهدى فيأوون إليه ويستضيئون بنوره لئلا يضلوا (فتاهوا) أي ضلوا (في حيرتها) أي في تحيرهم في الدنيا (وغرقوا في نعمتها) حتى لم يعرفوا الخلاص من النعمة لشكرها لئلا تكون لهم وبالا (واتخذوها) أي الدنيا (ربا) أي كالرب، فإنَّهم يعبدونها ويعملون لأجلها.
(فلعبت بهم) حيث أوردتهم المهالك(ولعبوا بها) حيث صرفوها كيف شاؤوا بغير مراقبة الشريعة فيها (ونسوا ما وراءها) من أمور الآخرة والثواب والعقاب . (رويدا) أي اصبر قليلا ( يسفر الظلام) أي يكشف ظلام الجهل فيتبين أحوال الآخرة، (كأن قد وردت الأظعان) جمع ظعينة، بمعنى الهودج، أي يرد المسافرون إلى الآخرة (يوشك من أسرع أن يلحق) فإنَّ الناس مسرعون في سیرهم نحو الآخرة، ويقرب أن يلحقوا بأن يموتوا . (واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار) كأنهما مركبان للإنسان يسيران به (فإنه يسار به وإن كان) هو بنفسه
وَاقِفاً، وَيَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً. وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ . فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ ، وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ، فإنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ، فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَلاَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ. وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِب ، فإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً. وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً. وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ ، وَيُسْرٍ لا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ ؟ !
..............................
(واقفا) غير سائر( ويقطع المسافة) الزمانية (وإن كان مقيما) في الدنيا (وادعا) أي ساكنا مستريحا (وأعلم) علما (يقينا ) أي مطابقا للواقع (أنك لن تبلغ أملك) أي: ما تأمله من أمور الدنيا (ولن تعدو أجلك) أي لن تجاوزه. (فخفض في الطلب) أي رفق واقل من طلب الدنيا (وأجمل في المكتسب) أي في الاكتساب، والاجمال فيه عدم الحرص (فإنه رب طلب قد جر إلى حرب) أي سلب المال والشقاء، كناية عن لزوم طلب الدنيا لفوات الآخرة (فليس كل طالب بمرزوق) يرزق النعمة كما يشاء (ولا كل مجمل) في الطلب متوسط فيه (بمحروم ) أي يحرم عما يطلبه (وأكرم نفسك عن كل دنيّة) أي عن الصفات والأفعال الخسيسة (وإن ساقتك) تلك الدنيئة وأوصلتك(إلى الرغائب) أي ما ترغبه و تشتهيه من أمور الدنيا (فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا) إذ نفس الأشياء أعن الأشياء، فلا يتمكن أن يحصل الإنسان على عوض منها إذا أهانها لأجل طلب أو رغبة (ولا تكن عبد غيرك) تطيعه إطاعة عمياء (وقد جعلك الله حرا) تملك زمام أمرك (وما خير خير لا ينال إلّا بشر ) إن الشيء الحسن الذي لا يصل الإنسان إليه إلّا بسبب الشر، ليس ذلك الشيء خيرا، فلا تدن منه (و) ما خير (يسر لا ينال إلّا بعسر ) إذ الإنسان يفر من الشيء العسير
وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ . وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ ذُو نِعْمَةٍ فَأَفْعَلْ ، فإِنَّكَ مُدْركٌ قَسْمَكَ، وَآخِذُ سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ ، وَتَلافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ، وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدّ الْوِكَاءِ ،
..........................
لعسره فإذا كان اليسر في طريقه عسر، لم يكن فرق بينه وبين العسر (وإياك أن توجف بك) أي تسرع بك (مطايا الطمع) جمع مطية، كأن الطمع له مطية يركبها الإنسان ليصل إلى ما طمع فيه (فتوردك مناهل الهلكة) جمع منهل، المحل الذي يرد الإنسان إلى الماء منه وذلك لأن الطمع دائما يسبب إذلال الإنسان وهلاكه (وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة) بأن تكون نعمتك من نفسك بالاكتساب أو نحوه ( فافعل) إذ لا وجه لأن يذل الإنسان نفسه في تحصيله رزقه (فإنك) سواء كان بينك وبين الله واسطة أم لا (مدرك قسمك) أي الذي قسم الله لك (وآخذ سهمك) أي نصيبك المقدر لك (وإن اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه) فلا يذهب الإنسان إلى باب أحد لتحصيل أكثر من رزقه الذي يأتيه بلا واسطة أحد (وإن كان كل منه) تعالى، فإن مصدر الأرزاق هو الله فقط. (وتلافيك) أي تداركك (ما فرط من صمتك) أي ما تقدم من سكوتك (أيسر من إدراك ما فات من منطقك) فإنَّ الإنسان يتمكن من أن يتدارك ما لم يقله - بأن يقوله - لكنه لا يتمكن أن يدرك ما قاله، ثم ندم عليه، إذ أن الكلام لا يرجع بعد أن قيل (وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء) أي الرباط، وهكذا قلب الإنسان فإنَّه وعاء الكلام، فالتحفظ عليه بشد اللسان، الذي هو رباط له فإذا لم يشد خرج ما في القلب، ولا يقدر الإنسان على رده .
وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ . وَمَرَارَةُ الیَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلبِ إِلَى النَّاسِ، وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خير مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ ، وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ، وَرُبِّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ! مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ . قَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ ، وَبَايِنُ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ. بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامَ! وَظُلْمُ الضَّعِيفِ أَنْحَشُ الظُّلْمِ !
.........................
(وحفظ ما في يديك أحب إليّ من طلب ما في يد غيرك) فلا يبذل الإنسان كل ما في يديه حتى يحتاج إلى الناس ويطلب ما في أيديهم كما قال سبحانه وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ(1)(ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس) أي أن اليأس يلزم أن يكون مأيوساً عما في أيدي الناس، فإنَّ مرارة هذا ، أحسن من أن يطلب الإنسان من الناس شيئا ثم لا يعطونه . (والحرفة) أي الضيق في الرزق (مع العفة) بأن يعف الإنسان ويتنزه عن كسب الحرام (خير من الغنى مع الفجور) أي عمل المحرم ، إذ يبقى وبال الفجور، ويذهب ضيق الرزق (والمرء أحفظ لسره) فلا تقل سرك لأحد، لأنه يفشيه .
(ورب ساع فيما يضره) فاللازم أن يلاحظ الإنسان فيما يسعى هل ذلك يضره أو ينفعه؟ (من أكثر) في الكلام (أهجر) أي هذى، فاللازم أن يقلل الإنسان من كلامه (ومن تفكر أبصر )، طريق الصواب، فاللازم لمن يريد أمراً أن يكثر من التفكر فيه (قارن أهل الخير) أي كن معهم (تكن منهم) لأن أخلاقهم تسري إليك (وباين أهل الشر) أي ابتعد عنهم (تبن عنهم) إي : تكن خلافهم وعلى ضد صفتهم ( بئس الطعام الحرام) لأنه يوجب خزي الدنيا والآخرة. (وظلم الضعيف أفحش الظلم) لأنه أوجب في كسر القلب
1) سورة الإسراء : 29
إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً. رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءَ ، وَالدَّاءُ دَوَاءً ، وَرُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ الْنَاصِحِ، وَغَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ . وَإِيَّاكَ وَاتِّكَالَكَ عَلَى الْمُنَى فإنَّهَا بَضَائِعُ الْمَوْتَى، وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ. بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً . لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ،
...............................
الموجب لزيادة العقوبة (إذا كان الرفق خرقا) لأن المقام مقام العنف، والخرق ضد الرفق (كان الخرق) أي العنف (رفقا) لأن الرفق عبارة عن وضع كل شيء موضعه، ومن الناس من لا ينفع معه الرفق، فاللازم على الإنسان أن يلاحظ كل مقام ويؤديه حقه . (ربما كان الدواء داءً) لأنه موجب لازدياد المرض (والداء دواء) لأنه موجب لدفع مرض أشد، كالزكام الذي يدفع الجنون، والرمد الدافع للعمى، والدمل الدافع للجذام، فاللازم على كل إنسان ملاحظة كل مقام (وربما نصح غير الناصح) أي الذي ليس من شأنه النصح، فاللازم أن يلاحظ الإنسان الكلام، ولا يعرض عنه بمجرد أنه خرج من غير الناصح . (وغش المستنصح) أي المطلوب منه النصح، فلا يعتمد الإنسان على كلام الناصح بدون أن يتدبر ويفكر فيه .
(وإياك واتكالك على المنى) أي الأماني والآمال بدون عمل وجد فيما تريد (فإنها) أي المنى (بضائع الموتى) فإنَّ من يتمنى لا يصل إلى مناه حتى يموت، فكأن أمنيته بضاعة موته، وهذا تحريض على العمل دون انتظار الصدف. (والعقل حفظ التجارب) أي أن العقل هو أن يحفظ الإنسان تجاربه حتى ينتفع بها في مقام الحاجة (وخير ما جربت ما وعظك) أي زجرك عن سيئة، أو أرشدك إلى حسنة (بادر الفرصة) بأن تعمل إذا جاءتك الفرصة (قبل أن تكون غصة) لا تقدر على العمل، لانتفاء وقت الفرصة، والغصة الحزن، وأصلها ما ينشب في الحلق فلا ينحدر . (ليس كل طالب يصيب) فإذا علم
وَلا كُلُّ غَائِبٍ يَؤُوبُ . وَمِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ، وَمَفْسَدَةُ الْمَعَادِ. وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ، سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ. التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ ، وَرُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ ! لا خَيْرَ فِي مَهِينٍ، وَلَا فِي صَدِيقٍ ظَنِينٍ . سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ، وَلاَ تُخَاطِرْ بِشِيءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاج .
..........................
الإنسان بذلك، وجعله نصب عينه لم يحزن إذا فات ما قصده (ولا كل غائب يؤوب) أي يرجع فمن يعلم هذا كانت صدمة عدم الرجوع ضعيفة بالنسبة إليه (ومن الفساد إضاعة الزاد) بأن لا يتحفظ الإنسان عليه حتى إذا احتاج إليه لم يجده (و) من الفساد (مفسدة المعاد) أي إفساده بعدم العمل له، فليس الفساد منحصراً في إضاعة الدنيا - كما يظن الناس - (ولكل أمر عاقبة) فالإنسان إذا عمل شيئا لا بد وأن يعلم أن له عاقبة حسنة أو سيئة فليلاحظها (سوف يأتيك ما قدر لك) فلا تحرص ولا تحزن (التاجر مخاطر) لأنه ربما خسر، فإذا علم التاجر ذلك لا يحزن إذا خسر لأنه قدره قبل التجارة.
(ورب يسير أنمى من كثير ) أي : نماؤه أكثر ، فلا يهتم الإنسان بالقلة والكثرة في الأوائل، وإنما يلزم أن يلاحظ النتائج (لا خير في مهين) أي شخص حقير النفس، فاللازم أن لا يتخذه الإنسان ردءا وظهيرا (ولا في صديق ظنين)إي متهم لأنه يجر من الشر أكثر من الخير (ساهل الدهر) أي خذ حظك منه ، ولا تأتي بالأعمال العنيفة رجاء البلوغ إلى أحسن (ما ذل لك قعوده) هي الإبل التي يقعدها الراعي في حوائجه، لأنها أسهل قيادا من سواها، والمراد أن الدنيا إذا كانت سهلة للإنسان، لزم على الإنسان أن ينتفع بها ولا يكدر صفوة نفسه بالطمع في أمور أخرى لا يعلم هل تستقيم له أم لا ؟ إذ ربما أوجب ذلك ذهاب السهل، وعدم إدراك القصد، (ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه) إذ ربما ذهب القليل ، ولم يأت الكثير (وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج) فإنَّ الإنسان قد يصر
اِحْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصَّلَةِ، وَعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ وَالْمُقَارَبَةِ ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللَّيِنِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ . وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ. لاَ تَتَّخِذَنَّ عَدُوٌّ صَدِيقكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ، وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ ، حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةٌ ، وَتَجَرَّع الْغَيْظَ ،
..........................
على الشيء فيه هلاك نفسه وذهاب ماله، فاللازم على الإنسان أن لا يلج، والجموح الارتفاع عن عنف ولجاجة (احمل نفسك من أخيك - عند صرمه -) أي قطعه عنك (على الصلة) فاللازم أن تصله أنت، وإن قطع هو عنك (وعند صدوده) أي هجره لك وعنفه بك (على اللطف) اللين معه . (والمقاربة) بأن تقترب منه في مقابل هجره لك ( وعند جموده) بأن لا يبذل لك مالا ولا جاها (على البذل) والإعطاء ( وعند تباعده) عنك (على الدنو) والاقتراب منه (وعند شدته) أي الشدة في أخلاقه (على اللين) في الكلام والمعاشرة، معه (وعند جرمه) بأن أجرم إليك (على العذر) بأن تعتذر أنت منه، ليرجع الصفاء والوداد (حتى كأنك له عبدا وكأنه ذو نعمة عليك) إذ بهذه الأخلاق يستقيم الوداد، ويصفو القلب، وتقوى الأخوة . (وإياك أن تضع ذلك) أي ما ذكرت من الصفات ( في غير موضعه) فإنَّ بعض الناس إذا لأن الإنسان أمامهم سبب ذلك غلواء هم وشدة ابتعادهم وكثرة جرمهم (أو أن تفعله بغير أهله) فتجرئهم عليك أكثر فأكثر (لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي) بسبب ذلك (صديقك) إذ ذلك تقوية لجانب العدو طبعا وإضعاف لجانب الصديق (وأمحض أخاك النصيحة حسنة كانت) النصيحة (أم قبيحة) بالنسبة إليه، فإنَّ النصيحة لها ثمار طيبة، وإن كانت ذات اصطدام . (وتجرع الغيظ) أي لا تظهر الغضب بل اكتمه
فإني لَمْ أَرَ جُرعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةٌ ، ولا أَلَذْ مَغَيَّةٌ . وَلِنْ لِمَنْ خَالَظَكَ ، فإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ ، وَخُذْ عَلَى عَدُوّكَ بِالْفَضْل فإنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ . وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً تَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذلِكَ يَوْماً مَّا . وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ ، وَلَا تُضِيعَنَّ حَقِّ أَخِيكَ اتِّكَالَا عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، فإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِاخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ. وَلا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ،
...............................
في نفسك ( فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة) إذ هو يوجب المحبة والألفة، وعدم انجرار الأمر إلى مالا يحمد عقباه (ولا ألذ مغبة) أي عاقبة فإنَّ الإنسان يحس بعد الكظم بلذة نفسية وراحة عقلية . ( ولن) أي كن لينا (لمن غالظك) أي تغلظ عليك في الكلام وما أشبه (فإنه) إن لنت له (يوشك) أي يقرب (أن يلين لك) إذ لينك يحدث فيه ردة فعل قوية توجب لينه (وخذ على عدوك بالفضل) أي تفضل عليه (فإنه أحلى الظفرين) ظفر الانتقام وظفر العفو، وكونه أحلى لأنه يورث رفعة للإنسان حتى في نظر عدوه، وارتياحا في ضمير المتفضل (وإن أردت قطيعة أخيك) أي تهجره وتقاطعه (فاستبق له من نفسك بقية) بأن تبقى بينك وبينه بقية من الصلة (ترجع إليها ) إي إلى تلك البقية (أن بدا) أي ظهر (له) أي لذلك الصديق الذي أوجب بفعله قطيعتك (ذلك) الرجوع (يوما ما ) فإنَّ الرجوع بعد القطيعة التامة أشكل من الرجوع إذا بقي بعض الصلة. (ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه) أي كن كما ظن وافعل الأمر الذي يريده منك (ولا تضيعن حق أخيك اتكالا) واعتمادا (على ما بينك وبينه) بأن تقول بيننا صلة قوية فلا حاجة إلى إعطائه حقه، لأنه لا يهم الأمر ما دام بيننا الصداقة (فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه) فإنَّ إضاعة الحق توجب قطع الصلة والبرودة من الجانبين . (ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك) لحرمانهم من حقوقهم، اعتمادا على كونهم
وَلَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فَبِكَ، وَلاَ يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ . وَلَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِكَ، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ. وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ . مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى ! إِنَّ لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ، مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثَواكَ ، وَإِنْ جَزِعْتَ
............................
أهلك ولا يهم أمرهم، وإنما المهم أمر الأجانب (ولا ترغبن فيمن زهد فيك) أي استغنى عنك، فإنَّ ذلك يوجب ذلة ومنقصة (ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته) فإذا أتى هو بأسباب القطيعة فأت أنت بأسباب الصلة، حتى تتبدل القطيعة صلة .
(ولا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان) بأن تسرع إلى الإساءة، وتبطئ عن الإحسان (ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك) فلا تهتم يظلم الناس لك، لأن عاقبته محمودة (فإنه) أي الظالم (يسعى في مضرته) أي ضرر نفسه(ونفعك) إذ الظالم حقير عند الناس مهان، والمظلوم محترم عزيز (وليس جزاء من سرك أن تسوءه) فإذا أتى إنسان إليك بما يسرك فلا تفعل ما يوجب حزنه. (واعلم يا بني أن الرزق رزقان) أي قسمان من الرزق(رزق تطلبه ورزق يطلبك) فلا تحرص في طلب الرزق (ف) إن الرزق المقدر لك (إن أنت لم تأته أتاك) إذ قدر وصوله إليك (ما أقبح الخضوع) لإنسان (عند الحاجة) إليه ( والجفاء) له ( عند الغنى) منه ، فإنَّ ذلك دليل خسة النفس، وإنها تذهب وراء حاجاتها، لا وراء الفضيلة (إن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك) أي آخرتك، أما ما بقي فإنَّه يفنى ولا يبقى لك منه شيء، وهذا تحريض لانتهاز الدنيا في عمارة الآخرة (وإن جزعت) أي أردت أن تجزع
عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ، فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ، فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهٌ، وَلا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلَامِهِ ، فإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالآدَابِ، وَالْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ . إطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ. مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ ، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ .
.......................
(على ما تفلت) أي ذهب (من يديك) من أمور الدنيا (فاجزع على كل ما لم يصل إليك) لأن الجزع لهما سواء، وهذا بيان لعدم صحة الجزع على لى ما تفلت لأنه غير لائق بالإنسان وهو مثل الجزع على ما لم يصل .
(استدل على ما لم يكن بما قد كان) لأن الدنيا بعضها يشبه بعضا فيعلم مقياس الأمور المستقبلة بالنظر إلى الأمور الماضية، وهذا بيان للزوم فطنة الإنسان إلى المستقبل ليعد له عدته (فإن الأمور أشباه) سابقا ولاحقا ومقارنا (ولا تكونن من لا تنفعه العظة) أي الوعظ والإرشاد (إلا إذا بالغت في إيلامه) بل انتفع بالموعظة بمجرد سماعها (فإن العاقل يتعظ بالآداب) التي يعلم بها ويراها (والبهائم لا تتعظ إلّا بالضرب) والإيلام في الإنسان كالضرب في الحيوان، ولا تكن بمنزلة الحيوان (اطرح عنك واردات الهموم) أي ما يرد عليك من الأحزان (بعزائم الصبر ) أي الصبر القوي( وحسن اليقين) بأن الله سبحانه سيكشف الهموم ويجزل أجرها فإنَّ الإنسان إذا عزم على الصبر، وسلی نفسه بانكشاف الهم، لا تؤثر فيه الهموم (من ترك القصد) أي الوسط في كل شيء (جار) أي كان جائرا ظالما (والصاحب مناسب) أي مثل ذو النسب، فله من الحقوق والواجبات كما للنسب (والصديق من صدق غيبه) بأن حفظك في غيبتك كما يحفظك في حضورك، والصدق معناه تطابق
وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَنَاءِ، رُبِّ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ، وَرُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ، وَالْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ، مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ ، وَأَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ سُبْحَانَهُ ، وَمَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهوَ عَدُوُّكَ . قَدْ يَكُونُ الْیَأْسُ إدْرَاكاً، إذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً. لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ ،
.......................
الحالين (والهوى) أي اتباع الميول النفسية (شريك العناء) والتعب، لأنه يوجب الأتعاب (رب قريب أبعد من بعيد) لأنه يجفو الإنسان بما لا يجفو بمثله البعيد، فاللازم على الإنسان مراعاة الأحوال لا النسبة (ورب بعيد أقرب من قريب) في النسب فيقوم بحقوق الإنسان أكثر من قيام ذي نسبة .
(والغريب من لم يكن له حبيب) لا من كان في البلاد النائية. وهذا تحريض على اتخاذ الأحباء (من تعدى الحق ضاق مذهبه) أي محل حركته إذ التعدي من الحق موجب للإفراط أو التفريط، وكلاهما يوجب الضيق، بخلاف الحق الذي هو عدل في الأمور (ومن أقتصر على قدره) بأن لم يفعل فوق طاقته(كان) قدره (أبقى له) لأن قدر الإنسان مع الإنسان، أما الزائد فلا . (وأوثق سبب أخذت به) لوصولك إلى غاياتك (سبب بينك وبين الله) فإنَّه باق وموصلك إلى ما تريد، إذ بيده سبحانه كل شيء (ومن لم يبالك) أي لم يهتم بأمرك، من باليته بمعنى راعيته (فهو عدوك) إذ العدو هو الذي يضيع الحقوق (قد يكون اليأس إدراكا) للمنى (إذا كان الطمع هلاكا) إذ ضد الهلاك البقاء الموجب لإدراك الإنسان بعض ما يتمناه، وهذا تحريض على أن لا يطمع الإنسان في كل شيء مما يحتمل فيه هلاكه، فإنَّ بقاءه بلا ما رغب فيه أفضل له (ليس كل عورة تظهر) فلا يختم الإنسان لما يعلم من عورات نفسه
وَلاَ كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ، وَأَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ. أَخْرِ الشَّرَّ فإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ، وَقَطيعةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ. مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ. لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ. إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ. سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ،
........................
ونقائصه التي لا علاج لها عنده، إذ لا تظهر للناس كل عورة. (ولا كل فرصة تصاب) فلا يغتم الإنسان لما فاته من الفرص، إذ لا يتمكن الإنسان من اغتنام كل فرصة، ويحتمل أن يكون المعنى بالعكس وأريد من الجملة التحريض على انتهاز الفرصة متى سنحت إذ يمكن أن لا يصيب الإنسان مثلها، فيما (وربما أخطأ البصير قصده) فلم يبلغ مراده (وأصاب الأعمى رشده) فبلغ ما أراد ولعل هذا لتحريض الإنسان على الطلب، وإن كان لا يعرف وجه الحيلة، إذ ربما أصاب الأعمى رشده إذا جد واجتهد(أخر الشر) إذا كنت تريد أن تعمله (فإنك إذا شئت تعجلته) فإنَّ فرص الشر لا تنقضي، ولذا من الأفضل تأخيره لمن أراده، لعله ينصرف عنه فلا يفعله . (وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل) فإنَّها توجب الراحة والحفاظ على الآداب، فاللازم على الإنسان أن يقاطع الجاهل ويفر منه إذا لم تكن الصلة بقصد الارشاد والتوجيه المحتمل تأثيره (من أمن الزمان خانه) فاللازم على الإنسان أن يتخذ حذره من تقلبات الدهر ( ومن أعظمه) بأن أهاب الحوادث فلم يقدم في مطالبه (أهانه) أي جعله مهينا، فإنَّ من هاب شيئا لم يقدر على التغلب عليه (ليس كل من رمي أصاب) فإذا رمى الإنسان وقصد حاجة، فليجعل في خاطره إنه ممكن الخطأ، وبذلك لا يحزن إذا أخطأ الهدف. (إذا تغير السلطان تغير الزمان) المراد تغير أهل الزمان، فإنَّ الناس تابعون للملوك فكيف ما كان الملوك كانوا (سل عن الرفيق قبل الطريق) أي أوجد لنفسك رفيقا للسفر قبل أن تسافر،
وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ . إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مُضْحكاً ، وَإِنْ حَكَيْتَ ذلِكَ عَنْ غَيْرِكَ. وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ، وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ. وَاكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابٍ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ ، وَلَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ، وَإِنِ اسْطَعْتَ أَنْ لاَ يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَأَفْعَلْ .
............................
للزوم الرفيق في السفر (وعن الجار قبل الدار) إذ لو كان جار الإنسان سيئا كان في عذاب دائم(إياك أن تذكر في الكلام ما يكون مضحكا) فإنَّ الإضحاك يوجب سلب الهيبة والوقار (وإن حكيت ذلك) الكلام المضحك (عن غيرك ) لأن السوء في الإضحاك ، لا في كون الكلام منك أو من غيرك .
(وإياك ومشاورة النساء) في أمر تريد أن تفعله (فإن رأيهن إلى أفن) أي إلى نتيجة ضعيفة غير قوية (وعزمهن إلى وهن) إي إلى ضعف، ومن عزمه ضعيف، ونتائج آرائه ضعيفة، لا ينبغي أن يشاور ، لإن النساء عاطفيات لا عقليات. (واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن) أي احفظهن في دائرة العفة والفضيلة بسبب أن تمنعهن عن العمل بما يشتهين (فإن شدة الحجاب أبقى عليهن) بخلاف التسهيل في أمرهن فإنَّه مفسد لهن، والسر إن المرأة تميل بالعاطفة لا بالعقل، وأتباع العواطف يوجب الفساد، ويحتمل أن يراد بـ [ أبصارهن] خصوص هذا العضو، فالمراد حفظهن عن النظر إلى الأجانب من الرجال. (وليس خروجهن) من الدار (بأشد من إدخالك من لا يوثق به عليهن) فإنَّ في كلا الحالين تختلط المرأة بمن لا يثق الإنسان بدينه وأمانته، وذلك مظنة الفساد ( وإن اسطعت) أي استطعت (أن لا يعرفن غيرك فافعل) إذ كلما كانت دائرة المرأة أقل، كان الانسياق وراء العاطفة المفسدة فيها أقل
وَلا تُمَلكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ، وَلا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَها ، وَلَا تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ بِغِيرِهَا. وَإِيَّاكَ وَالتَّغَائِرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ، فَإِنَّ ذلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ، وَالْبَرِيئَةَ إِلَى الرِّيَبِ. وَاجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ
............................
(ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها) بأن تملكها أمورا لا ترتبط بشأنها، كتمليكها البيع والشراء وما أشبه (فإن المرأة ريحانة) أي خلقت كالريحان لأجل اللطف والأنوثة ( وليست بقهرمانة) تتحكم في الأمور حسب آرائها وأفكارها .
(ولا تعد بكرامتها نفسها) أي لا تجاوز بإكرامها، إكرام نفسها، بأن تكرم غيرها لأجلها، لأن ذلك يوجب انسياقك وراء عواطفها، وهذا خارج عن الاعتدال، الذي يكون باتباع العقل دون العاطفة (ولا تطمعها في أن تشفع بغيرها) بأن تجعل غيرها شفيعا لها عندك، لتقضي حوائجها إذ الناس يشفعون لها، وذلك جب أن تذهب أنت حسب حوائجها العاطفية، خجلا من الناس الذين شفعوا لها (وإياك والتغاير) أي إظهار الغيرة على المرأة بسوء الظن في أمرها (في غير موضع غيرة) أي بدون سبب عقلاني موجب للغيرة (فإن ذلك يدعوا الصحيحة إلى السقم) إي الصحيحة في عفتها، إلى ذهاب العفة ( والبريئة) من الخيانة (إلى الريب) والشك فإنَّ المرأة لا تقدم على الفساد خوف الفضيحة، فإذا رأت أنها مفتضحة بلا سبب، تجرأت على الخيانة، فإنَّ اللوم يوجب الإغراء، قال الشاعر : [دع عنك لومي فإنَّ اللوم إغراء]. (واجعل لكل إنسان من خدمك) جمع خادم (عملا تأخذه به) فإنَّ توزيع الأعمال أكثر نجاحا في الوصول إلى الغايات، وفي عدم إحساس كل فرد بأنه
فإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لاَ يَتَواكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ، وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ فإنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ ، وَيدُكَ الَّتِي بِهَا تَصُولُ . أَسْتَوْدِع اللهَ دِينَكَ وَدُنْيَاكَ ، وَاسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالأَجِلَةِ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالسَّلَام .
.........................
كلف فوق مقداره (فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك) بأن يكل بعضهم الأمر إلى آخر، فلا ينجز العمل (وأكرم عشيرتك فإنَّهم جناحك الذي به تطير ) إذ الإنسان تساعده عشيرته في الأفراح والأحزان، والشدائد والمكاره (وأصلك الذي إليه تصير) أي إليهم ترجع، فإن كانوا في أعين الناس عظماء كنت عظيما، وإن كانوا صغراء كنت صغيراً .
( ويدك التي بها تصول) على الاعداء وتهجم عليهم لأن العشيرة يحاربون من حارب أحد رجالها، ويهجمون على من هجم عليه. (استودع الله) أي اجعل عند الله بعنوان الوديعة (دينك ودنياك) ليسلما عن الذهاب والفقدان، فإنَّه سبحانه أكرم الأمناء (واسأله خير القضاء) أي القضاء والتقدير الحسن (لك في العاجلة والآجلة والدنيا والآخرة) عطف بيان (والسلام) ولا يخفى أن هذه الوصية من جلائل الوصايا، فمن عمل بها سعد في الدارين سعادة ليست فوقها سعادة، فإنَّها جامعة لمكارم الأخلاق، وفضائل النفس، والله الموفق .
وَأَرْدَيْتَ جِيلاً مِنَ النَّاسِ كَثِيراً، خَدَعْتَهُمْ بِغَيْكَ وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْج بَحْرِكَ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ، وَتَتَلاطَمُ بِهِمُ الشَّبُهَاتُ، فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَتَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَعَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ، إِلَّا مَنْ فَاءَ
................................
التوضيح :
(وأرديت) أي أهلكت يا معاوية (جيلا) أي جماعة (من الناس كثيرا ) حيث أضللتهم مما سبب عقابهم الأخروي (خدعتهم بغيك) أي بسبب ضلالك (وألقيتهم في موج بحرك) أي الفتن التي أثرتها، تشبيهاً لها بموج البحر (تغشاهم الظلمات) أي تعلوهم ظلمات الجهل والضلال، فهم في تلك الظلمات لا يعرفون الطريق (وتتلاطم بهم الشبهات) كما تتلاطم أمواج البحر (فجازوا عن وجهتهم) أي تعدوا عن جهة قصدهم الذي كان الحق (ونكصوا) أي رجعوا (على أعقابهم) إلى الوراء، وإلى زمان الجاهلية، تشبيهاً بمن يرجع القهقرى، عوض أن يمشي إلى الأمام (وتولوا) أي أدبروا عن الحق (على أدبارهم) جمع دبر وهو الوراء. (وعولوا) أي اعتمدوا (على أحسابهم) فتعصبوا تعصب الجاهلية، بخلاف ما جعله الله سبحانه ميزانا من التقوى، وذلك أن معاوية قوى العنصرية العربية ونادى صراحة بالقومية (إلا من فاء)
مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ، وَهَرَبُوا إِلَى اللهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ، وَعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ. فَاتَّقِ اللهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ ، وَجَاذبِ الشَّيْطَانَ قيَادَكَ، فإنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ، وَالآخِرَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، وَالسّلَاُم .
........................
أي رجع (من أهل البصائر) جمع بصيرة بمعنى المعرفة (فإنهم فارقوك بعد معرفتك) أي بعد أن عرفوا أنك مخالف للإسلام (وهربوا إلى الله) بالتوبة والإنابة (من مؤازرتك) أي إعانتك (إذ حملتهم على الصعب) أي لما رأوا أنك أكرهتهم على الأمر الصعب الذي هو خلاف الدين (وعدلت بهم عن القصد) أي وسط الطريق، إلى المهاوي والضلالات (فاتق الله يا معاوية في نفسك) أي خفه سبحانه خوفا باطنا، لا مجرد إظهار الخوف لخدعة الناس، أو المراد لأجل نفسك و [في] للنسبة (وجاذب الشيطان قيادك) فاخرج قيدك وزمامك من يد الشيطان الذي يقودك إلى النار والعقاب (فإن الدنيا منقطعة عنك) أي زائلة غير باقية (والآخرة قريبة منك) فاللازم أن تفكر لآخرتك ((والسلام)).
أَمَّا بَعْدُ ، فإِنَّ عَيْنِي - بِالْمَغْرِبِ - كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجِّهَ عَلَى الْمَوْسِم أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْعُمْيِ القُلُوبِ، الصُّمُ الْأَسْمَاعِ، الْكُمْهِ الْأَبْصَارَ، الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَيُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّها بِالدِّينِ، وَيَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا
....................
التوضيح:
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإن عيني بالمغرب) أي الذي جعلته رقيبا في البلاد المغربية، لاطلاعي على أحوال معاوية (كتب إلي يعلمني) في كتابه (أنه وجه على الموسم) أي موسم الحج، والموجه معاوية (أناس من أهل الشام العمي القلوب) جمع أعمى ، والمراد بهم من لا يدركون الحق بقلوبهم (الصم الأسماع) الذين لا يستمعون إلى الموعظة للانتفاع بها (الكمه الأبصار) جمع أكمه، أي الذين لا ينظرون في الأدلة للاستفادة منها (الذين يلتمسون) أي يطلبون (الحق بالباطل) أي يريدون الوصول إلى الحق لكن بسبب أعمال باطلة (ويطيعون المخلوق) أي معاوية (في معصية الخالق) الذي أمرهم باتباع الخليفة الشرعي.
( ويحتلبون الدنيا درها) الدر اللبن، والمراد حلباً وتطلب خيرات الدنيا (بـ) اسم (الدين) فإنَّهم جعلوا الدين وسيلة لانتهاز الدنيا (ويشترون عاجلها)
بآجِلِ الْأَبْرَارِ وَالْمُتَّقِينَ، وَلَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ الَّا عَامِلُهُ، وَلا يُجْزَى جَزَاء الشَّرِّ الاَّ فَاعِلُهُ. فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِم الصَّلِيبِ ، وَالنَّاصِح اللَّبِيبِ، وَالتّابع لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيع لإِمَامِهِ . وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ ، وَلَا تَكُن عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً، وَلاَ عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً، وَالسَّلَامُ .
..........................
أي عاجل الدنيا (بآجل الأبرار والمتقين) وهو الجنة . (ولن يفوز بالخير إلّا عامله) هذا بيان إنهم لن يفوزوا بالخير والسعادة، لأنهم لم يعملوا لأجله، والفائز بالخير هو الذي يعمل له (ولا يجزى جزاء الشر إلّا فاعله) فهم يجزون جزاء الشر (فأقم) با قثم (على ما في يديك) من السلطة والحكومة (قيام الحازم) الملتفت للأشياء المستعد للأحداث (الصليب) أي الشديد المتصلب في أمره. (والناصح اللبيب) أي العاقل (والتابع لسلطانه) أي لخليفته (والمطيع لإمامه) يعني نفسه الكريمة (وإياك وما يعتذر منه) أي احذر أن تفعل شيئا تحتاج إلى الاعتذار منه، إذا قيل لك : لم فعلت هذا؟ (ولا تكن عند النعماء) أي النعمة (بطراً) أي شديد الفرح الموجب لإهمال الأمر الذي يسبب ضياع النعمة (ولا عند البأساء) أي الشدة (فشلا) أي فاشلا جبانا (والسلام) .
ثم توفي الأشتر في توجهه إلى مصر قبل وصوله إليها
أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحَ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ وَإِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الجَهْدِ، وَلَا ازْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدِّ، وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةً ،
................................
التوضيح:
وذلك أن الإمام(عليه السلام) كان قد ولى محمدا مصر، ثم عزله، ونصب مكانه مالك الأشتر، لما رأى فيه من الصلاح فتكدر خاطر محمد من عزله (إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجده) أي تكدر محمد (من عزله بالأشتر عن مصر ، ثم توفي الأشتر) بسم دسه إليه معاوية (في توجهه إلى مصر، قبل وصوله إليها). (أما بعد) الحمد والصلاة (فقد بلغني موجدتك) مصدر ميمي، بمعنى الوجد، وهو الغضب والكدور (من تسريح) أي إرسال مالك (الأشتر إلى عملك) أي ولايتك (وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهد) أي لأني لم أرى منك قليل جهد في عملك (ولا ازدياداً في الجد) أي لم يكن عزلك لأني أردت بذلك أن تزداد جدا في الأعمال - فلا يسبق إلى ذهنك أن عزلك لتقصير منك - (ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك) وولايتك (لوليتك ما هو أيسر عليك مؤونة) وعده الإمام(عليه السلام) بأن يوليه بلدا آخر أسهل على
وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلايَةَ إِنَّ الرّجُلَ الَّذِي كُنتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنا نَاصِحاً ، وعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً ، فَرَحِمَهُ اللهُ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ ، لاقَى حِمَامَهُ ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضونَ، أَوْلاهُ اللهُ رِضْوَانَهُ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ. فَأَصْحِرْ لِعَدُوكَ ، وَامْض عَلَى بَصِيرَتِكَ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ ، وَادْعُ إِلَى سَبِيل رَبِّكَ، وَأَكْثِرُ الاِسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ .
...............................
محمد، من ولاية مصر (وأعجب إليك ولاية) أي أحب إليك من مصر. وذلك تسكينا لخاطره وترضية له، وقد كان بناء الإمام(عليه السلام) ذلك، لكن الأمر لم يتم (إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر) أي الأشتر(رضی الله عنه)(كان رجلاً لنا ناصحا) يعمل حسب رغبتنا ( وعلى عدونا) أي معاوية (شديداً ناقما) أي كارها (فرحمه الله) وحيث أن الإمام كتب هذا الكتاب بعد مقتل الأشتر، ترحم عليه (فلقد استكمل أيامه) أي أكمل أيام عمره المقدر له ( ولاقى حمامه) أي موته (ونحن عنه راضون) إذ كان مع الحق (أولاه الله رضوانه) أي أعطاه الله سبحانه الرضا والجنة ( وضاعف الثواب له) أي أكثر من عمله، وحيث قتل الأشتر أرجع الإمام محمدا إلى منصبه الأول، ولذا قال له (فأصحر) إي اظهر، وأصله الخروج من الأبنية إلى الصحراء (العدوك) معاوية وجيشه فقد بعث معاوية إلى مصر جيشا لاستلابها (وامض على بصيرتك) ودينك (شمر لحرب من حاربك) أي استعد، وأصل التشمير ترفيع الثوب عن الساق، لأجل العمل، حتى لا يلتف بالرجل، ويمنع عن السرعة في العمل (وادع إلى سبيل ربك) أي اهد الناس ومرهم بالمعروف (وأكثر الاستعانة بالله) في قلبك ولسانك (يكفك ) الله سبحانه (ما أهمك) مما تريد ( ويعنك) الله سبحانه (على ما نزل بك) من الكارثة من جهة الحرب (إنشاء الله) تعالى .
أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ مِصْرَ قَدِ افْتَتِحَتْ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ الله - قَدِ اسْتُشْهِدَ ، فَعِنْدَ اللهِ نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً ، وَعَامِلاً كَادِحاً وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَرُكْناً دَافِعاً . وَقَدْ كُنْتُ حَثَنْتُ النَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ، وَأَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ ، وَدَعَوْتُهُم سِرّاً وَجَهْراً، وَعَوْداً وَبَدْءاً ،
....................
التوضيح:
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإن مصر قد افتتحت) على يد معاوية، فإنَّ معاوية أرسل جيشا، وحارب محمد بن أبي بكر، حتى قتل، ودخل جيش معاوية مصر فاتحا (ومحمد بن أبي بكر رحمه الله قد استشهد) أي قتل في سبيل الله (فعند الله نحتسبه) أي نجعله الله حتى يجزل لنا الأجر (ولدا ناصحا) أي في حال كونه كان لنا ولداً يرشد وينصح (وعاملا كادحا) يكد ويتعب في سبيل الله (وسيفا قاطعا) أي كان كالسيف على رقاب الأعداء (وركنا دافعا) يدفع الخصوم (وقد كنت) عند إرادة معاوية غزو مصر (حثثت الناس على لحاقه) على أن يلحقوا بمحمد (وأمرتهم بغيائه) بأن يغيثوه (قبل الوقعة) أي قبل أن تقع المحاربة بين الجانبين (ودعوتهم) أي الناس (سرا وجهرا) أي في أوقات الانفراد والاجتماع (وعودا وبدءا) أي أولا وأخيرا، وهذان بالنسبة إلى كل مجلس مجلس، يعني كنت دائم الدعوة لذلك .
فَمِنْهُمُ الآتِي كَارِهاً ، وَمِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ كَاذِباً ، وَمِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلاً. أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْهُمْ فَرَجاً عاجِلاً ، فَوَاللَّهِ لَوْلاَ طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ، وَتَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّةِ، لَأَحْبَبْتُ أَنْ لا أَبْقَى مَعَ هؤُلاَءِ يَوْماً وَاحِداً، وَلَا أَلْتَقِي بِهِمْ أَبَداً .
.................................
(فمنهم الآتي) لنصرة محمد (كارها) لا عن نشاط واندفاع (ومنهم المعتل كاذبا) أي المتعذر بالأعذار المكذوبة (ومنهم القاعد) عن الحرب (خاذلا) يجبن الناس (أسأل الله تعالى أن يجعل منهم) أي من الناس (فرجا عاجلا) بالخلاص منهم (فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة) أي في أن أرزق الشهادة في سبيل الله (وتوطيني نفسي على المنية) أي استعدادي لأن أموت (لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء) القوم (يوما واحدا ولا ألتقي بهم أبدا) لما أرى من خذلانهم وتفرق آرائهم وعدم نصرتهم، لكن بقائي معهم باشتياق أن أرزق الشهادة في إحدى الحروب التي تلتحم بيني وبين عدوي .
في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء، وهو جواب كتاب كتبه إليه عقيل
فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذلِكَ شَمَّرَ هَارِباً ، وَنَكَصَ نَادِماً ، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّريقِ، وَقَدْ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِيابِ، فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلَا وَلاَ ، فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةِ
............................
التوضيح :
(فسرحت) أي أرسلت (إليه) أي إلى ذلك العدو (جيشا كثيفا) أي كثيرا (من المسلمين) الذين تحت لوائي ( فلما بلغه) أي العدو (ذلك) الجيش (شمر هاربا) أي رفع ثوبه عن ساقه لئلا يلتف برجله حين العدو والفرار (ونكص) أي رجع في حال كونه (نادما) على فعله (فلحقوه) إي العدو (ببعض الطريق) في فراره (وقد طفلت الشمس) أي دنت (للإياب) أي الرجوع، بأن كان ذلك قبل الغروب (فاقتتلوا شيئا كلا ولا) إي زمانا قليلا، بمقدار قلة لفظة (لا ولا) فإنَّ حرفين ثانيهما حرف اللين سريع الانقضاء عند الاستماع ومنه قال المغربي :
وأسرع في العين من لحظة ***واقصر في السمع من لا ولا
(فما كان) الحرب (إلا)كموقف ساعة) أي مقدار وقوف جزء من الزمان
حَتَّى نَجَا جَرِيضًا بَعْدَمَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ الرَّمَقِ، فَلَأَياً بِلأَي مَا نَجَا . فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً وَتَرْكَاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ، وَتَجْوَالَهُمْ فِي الشَّقَاقِ ، وَجِمَاحَهُمْ فِي التَّيهِ ، فإنَّهُمْ قَدْ أجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهُ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَبْلِي ، فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوَازِي ! فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْن أُمِّي.
وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْيِي فِي الْقِتَالِ،
............................
(حتى نجا جريضا) أي مغموما (بعد ما أخذ منه بالمخنق) أي الحلق الذي هو مكان الخناق (ولم يبق منه غير الرمق) أي بقية النفس. (فلأيا بلأي ما نجا) اللأي مصدر حذف فعله ومعناه الشدة و [ما] مصدريه، و[نجا] كالمصدر من النجاة، أي عسرت نجاته عسرا بعسر، وذلك بيان لشدة عسره حتى أنجى نفسه (فدع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال) التركاض مبالغة في الركض (وتجوالهم) أي جولانهم ( في الشقاق) أي: الخلاف معي (وجماحهم في التيه) أي ترفعهم واستعصاهم، في الضلال (فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قبلي) أي قبل ذلك، لكن ذلك كان في الإسلام، وهذا في الإيمان، (فجزت قريشا عني الجوازي) جمع جازية، دعاء عليهم بأن يجزوا على أعمالهم السيئة (فقد قطعوا رحمي) فإن من أظهر مظاهر قطع الرحم المعاداة والمحاربة (وسلبوني سلطان ابن أمي) أي الخلافة، والمراد بابن الأم الأخ، وقد آخى الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بين الإمام وبين نفسه ، أو لأن فاطمة بنت أسد أم الإمام، كان الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عنها بالأم لأنها ربت الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) فقال في شأنها [فاطمة أمي بعد أمي].
(وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال) وماذا أعزم عليه في المستقبل
فإِنَّ رَأْيِي قِتَالُ الْمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى اللهَ، لَا يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةَ ، وَلا تَفَرَّقُهُمْ عَنِّي وَحَشَةٌ، وَلا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ - وَلَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ - مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً ، وَلا مُقِرّاً لِلضَّيْم وَاهِناً ، وَلاَ سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ ، وَلاَ وَطِئَءَ الظُّهْرِ لِلرَّاكِبِ المُتَقَعِّدِ، وَلَكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ :
فإن تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِننِي*** صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ
يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ*** فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ
...........................
(فإن رأيي قتال المحلين) الذين يحلون قتال المسلمين ويجوزونه، كمعاوية وأصحابه (حتى ألقى الله) أي ألقى ثوابه وجزاءه، والمراد الموت (لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة) وكبرا (ولا تفرقهم عني وحشة) وخوفا، وهكذا يكون الإنسان المطمئن قلبه بالله، فإنَّه يرى في القرب من الله عزة، وفي البعد عنه وحشة، أما من سواه فلا يرى لهم وزنا (ولا تحسبن ابن أبيك) يعني نفسه الكريمة (ولو أسلمه الناس) بأن تركوه والتفوا حول أعدائه (متضرعا متخشعاً) من الخوف الذي يلحق به. (ولا مقراً للضيم) أي الظلم الذي يلحق به (واهنا) أي ضعيفا (ولا سلس الزمام) أي سهل الانقياد (للقائد) أي الذي يريد أن يقوده (ولا وطيء الظهر) أي لينه (للراكب المتقعّد) أي الذي يتخذ الظهر قعودا أي مستعملا للركوب في كل حاجاته، وهذا من باب التشبيه بالناقة، وذلك كناية عن عدم انقياده(عليه السلام) للأحداث والأشخاص، وإنما له اتجاه خاص ينفذه بكل دقة . (ولكنه كما قال أخو بني سليم) : (فإن تسأليني كيف أنت؟ فإنني صبور على ريب الزمان صليب) أي صلب شديد، لا أخضع للأحداث والآلام، وإنما أمضي بكل صبر وصلابة (يعز عليّ أن ترى بي كآبة) أي يشق عليّ أن يرى الرائي بوجهي آثار الحزن، مما نزل بي ( فيشمت عاد) أي عدو (أو يساء حبيب) ولذا أظهر التجلد والتصبر لا الكآبة والحزن، وهذا من شيم الرجال البواسل، ويوجب قوة في نفس الإنسان بالإيحاء الذاتي، وضعفا في أعدائه.
فَسُبْحَانَ اللهِ مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ الأهْوَاءَ الْمُبْتَدَعَةِ، وَالْحَيرَةِ الْمُتَّبَعَةِ مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ وَاطْرَاحَ الْوَثَائِقِ، الَّتِي هِي للهِ طِلْبَةٌ وَعَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ .
..........................
التوضيح :
(فسبحان الله) يستعمل للتعجب، كأنه تنزيه لله في مقابل ضعف أو قوة، في المتعجب منه ، فإذا قال ذلك شخص في المؤمن أو الكافر، كان مراده تنزيه الله سبحانه عن مثل إيمانه أو مثل كفره، وهكذا (ما أشد لزومك الأهواء المبتدعة) التي ابتدعتها والصيغة للتعجب(والحيرة المتبعة) أي التحير في الأمر الذي تتبعه أنت، فإنَّ المؤمن يعرف منهاجه ويسير عليه، أما المنافق فإنَّه متحير دائما لا يدري ماذا يصنع حتى يبطن الكفر فلا يظهر، ويظهر الإيمان فلا يزرى به (مع تضييع) أي ضياعك أنت (الحقائق) جمع حقيقة، والمراد حقائق الإسلام، والأحداث (واطرح الوثائق) أي طرحك لكل عهد من عهود الإسلام والإيمان (التي هي لله طلبة) فإنَّ الله سبحانه يطلب تلك العهود التي عهدها للبشر. (وعلى عباده حجة) يحتج بها سبحانه على عباده فيقول : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ(1)
1) سورة يس : 60 .
فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ فِي عُثْمَانَ وَقَتَلَتِهِ ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ، وَخَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ ، وَالسّلامُ .
...........................
(فأما إكثارك الحجاج) أي المجادلة والمحاجة (في عثمان وقتلته) ورميك إياي بقتل عثمان وإيواء قاتليه (ف) أنت المأخوذ بدم عثمان دوني إذ (أنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك) وذلك بعد قتله، حيث أن كلامك ونصرتك لأجل نفسك، إذ تريد بهذا انتهاز الإمرة والخلافة (وخذلته) فلم تنصره (حيث كان النصر له) في زمن حياته، فإنَّه استنصر معاوية ضد الثوار فلم يرسل إليه المعونة حتى قتل (والسلام) .
مِن عَبْدِ اللهِ عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا للهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ، وَذُهِبَ بِحَقِّهِ، فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ ، فَلَا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ، وَلَا مُنْكَرٌ يُتَنَاهِي عَنْهُ .
أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِليكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللهِ، لاَ يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ ،
................................
التوضيح:
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين عُصي في أرضه) فإنَّ أهل مصر كانوا في الثوار الذين جاؤوا إلى المدينة يطالبون عثمان بإصلاح أوضاع البلاد، ودفع الظلم عن العباد، ولهم قصة طويلة مع عثمان مذكورة في التواريخ ( وذهب بحقه) حق الله أوامره ونواهيه، فإذا لم يعمل بها كان ذهابا لحقه سبحانه (فضرب الجور) والظلم (سرادقه) هو غطاء يمد فوق صحن البيت (على البر والفاجر ) إذ لم يؤد حق أي أحد منهم (والمقيم) في بلده ( والظاعن) المسافر . (فلا معروف يستراح إليه) أي يسكن الناس إليه ويطمئنون به (ولا منكر يتناهى عنه) أي يُنهى عنه (أما بعد) الحمد والصلاة، وما تقدم (فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله ) هو مالك الأشتر(رحمۀ الله علیه)(لا ينام أيام الخوف) استعدادا للعمل ورفع الخوف، والمراد حذره والتفاته
وَلاَ يَنْكُلُ عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرُّوعِ، أَشَدَّ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَدْحِجٍ ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ الْحَقَّ ، فإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، لاَ كَلِيلُ الظُّبَةِ، وَلاَ نَابِي الضَّرِيبَةِ : فإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا ، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا، فَإِنَّهُ لَا يُقْدِمُ وَلَا يُحْجِمُ ، وَلاَ يُؤَخِّرُ وَلا يُقَدِّمُ إِلَّا عَنْ أَمْرِي، وَقَدْ أَثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ.
................................
عند المكاره (ولا ينكل ) أي لا ينكص ويجبن (عن الأعداء ساعات الروع) أي أوقات الخوف والفزع (أشد على الكفار من حريق النار) حتى يؤلهم ويذرهم هلكي فانين . (وهو مالك بن الحارث أخو مذحج) اسم لقبيلة مالك (فاسمعوا له) کلامه سماعا للعمل (وأطيعوا أمره) فيما يقول (فيما طابق الحق) هذا قيد للتوضيح والتعميم، كقوله سبحانه: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ(1)(فإنه سيف من سيوف الله) على الأعداء (لا كليل الظبة) الظبة حد السيف والسكين، والكليل الذي لا يقطع (ولا نابي الضريبة) يقال نبا السيف، إذا لم يؤثر في المضروب، والضريبة النفس المضروبة، أي يؤثر سيفه إذا ضرب (فإن أمركم أن تنفروا) إلى الجهاد (فانفروا) واخرجوا (وأن أمركم أن تقيموا) ولا تجاهدوا (فأقيموا فإنَّه لا يقدم ولا يحجم) الإحجام ضد الإقدام (ولا يؤخر ولا يقدم إلّا عن أمري) وحسب إرادتي (وقد آثرتكم) أي قدمتكم (به) أي بمالك (على نفسي) حيث أرسلته إليكم ، ولم أحتفظ به لحوائجي (لنصيحته لكم) فإنَّه يفعل ما هو صلاح لكم (وشدة شكيمته) أي قوته (على عدوكم) والشكيمة حديدة معترضة في فم الفرس، في اللجام، فإن كانت قوية أو جبت القوة في الراكب، ثم استعيرت لكل قوة .
1) سورة الأنعام : 38
فإنكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبْعاً لِدُنْيَا امْرىءٍ ظَاهِرٍ غَيُّهُ، مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ ، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ، وَيُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ، اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضَّرْغَامِ ، يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ، وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَريسَتِهِ ، فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ !
.......................
التوضيح :
(فإنك) يا عمرو (قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه) أي معاوية الذي ضلاله وانحرافه ظاهر لدى الإنسان (مهتوك ستره) إذ لاستر على نفسه حتى لا تبين نواياه، بل ظاهر أنه يريد الرئاسة والفجور (يشين الكريم بمجلسه) وهكذا يكون الشخص الخليع الفاسق، فإنَّ الكريم النفس يهان في مجلسه ( ويسفه الحليم بخلطته) أي بالمخالطة معه (فاتبعت أثره) في ما يأمر بنهي (وطلبت فضله) أي ما يفضل منه من المال والجاه (اتباع الكلب للضرغام) أي مثل إتباع الكلب للأسد فإنَّ الكلاب تتبع الأسود للأكل من فضل فرائسهم (يلوذ ) الكلب (بمخالبه) أي مخالب الأسد، كناية عن انتظاره لما يحصله مخلب الأسد من الفريسة . ( وينتظر ) الكلب (ما يلقى) الأسد (إليه من فضل فريسته) أي ما صاده من الحيوان (فأذهبت دنياك وآخرتك) أما
وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ . فَإِنْ يُمَكِّنَنِّي اللهُ مِنْكَ وَمِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا ، وَإِنْ تُعْجِزَانِي وَتَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٍّ لَكُمَا ، وَالسَّلامُ .
.............................
الآخرة فواضح، وأما الدنيا فلما يسبب إتباع معاوية من الأتعاب والسباب (ولو بالحق أخذت أدركت ما طلبت) وفوقه لأن في إتباع الحق نيل الدنيا والآخرة (فإن يمكنني الله منك ومن ابن أبي سفيان) أي معاوية (أجزكما بما قدمتما) أي أعطيكما جزاء أعمالكما السابقة من الإفساد (وإن تعجزاني) بأن لا أتمكن من أن أجزيكما (وتبقيا) في الحياة، فلم تقتلا على يدي (فما أمامكما شر لكما) إذ هو العذاب والنكال الأبدي، وهو شر من القتل بيد الإمام (والسلام) .
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ . بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ ، وَالسَّلامُ .
...................................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فقد بلغني عنك أمر) شنيع (إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك) أي أغضبت الله سبحانه (وعصيت إمامك) حيث خالفته (وأخزيت أمانتك) أي ألصقت بها خزية ومصيبة وهي الخيانة، فإنَّ الولاية أمانة بيد الوالي، فإذا عمل بخلاف مقتضاها فقد خان الأمانة (بلغني أنك جردت الأرض فأخذت ما تحت قدميك) من أموال الناس (وأكلت ما تحت يديك) من الغنيمة والفيء (فارفع إلي حسابك) وما صنعت بأموال المسلمين (واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس) فراقب الله سبحانه في أموال الأمة (والسلام) قيل إن هذا الكتاب كان لعبد الله بن عباس والي الإمام على البصرة، وذلك حين أخذ بعض أموال بيت المال بلا حق .
أَمَّا بَعْدُ، فإنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي وَبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي لَمُوَاسَاتِي وَمُؤَازَرَتِي وَأدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْن عَمَّكَ
...........................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإني كنت أشركتك في أمانتي) حيث جعلتك واليا من قبلي، والأمة أمانة بيد الخليفة والوالي (وجعلتك شعاري) وأصله الثوب اللاصق بشعر البدن، ويكنى به عن خاصة الشخص (وبطانتي) مقابل الظهارة، وهي الطبقة الثانية من الثوب في طرف البدن (ولم يكن رجل من
أهلي) ممن يصلح للولاية - فليس هذا تفضيلا على الإمامين الحسن(عليه السلام) والحسين(عليه السلام) - (أوثق منك في نفسي لمواساتي) أي من جهة أنك تواسيني في مهامي، وتجعل نفسك مثل نفسي في جلب النفع إلي ودفع الضرر عني. (ومؤازرتي) أي معاونتي (وأداء الأمانة إلي) بالقيام حسب موازين الشريعة في الولاية (فلما رأيت الزمان على ابن عمك) يعني نفسه الكريمة، فإنَّ الكتاب موجه إلى عبد الله بن عباس والي الإمام على البصرة، حيث أخذ من بيت المال ما لا يستحق وفر إلى الحجاز، وربما قيل إنه موجه إلى عبيدالله بن عباس والتفصيل في كتاب رجال المامقاني (رحمۀ الله علیه) .
قَدْ كَلِبَ، وَالْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ، وَأَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ، وَهَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فَنَكَتْ وَشَغَرَتْ ، قَلَبْتَ لابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمُجَنِّ فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ، وَخُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ، فَلاَ ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ وَلاَ الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ . وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اللهَ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَكَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ، وَتَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْئِهِمْ، فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الْأُمَّةِ
.................................
(قد كلب) أي اشتد وخشن. (والعدو) أي معاوية (قد حرب) أي اشتد أمره (وأمانة الناس قد خزيت) أي وقعت في الخيانة والبلية والمراد بأمانة الناس الخلافة، وخزايتها وقوعها في محنة المحاربة التي أثارها معاوية (وهذه الأمة قد فنكت) أي وقعت في المهزلة (وشغرت) أي لم يبق لها حامي يحميها عن الأعداء (قلبت لابن عمك ظهر المجن) المجن الترس وتقليب ظهره كناية عن النكوص عن القتال وهذا مثال يضرب لمن يخالف ما عهد فيه . (ففارقته مع المفارقين) عنه من سائر الأعداء (وخذلته) أي تركت نصرته (مع الخاذلين) الذين تركوا نصرته (وخنته مع الخائنين) الذين نقضوا عهده وتركوا طاعته (فلا ابن عمك آسيت) أي ساعدت وشاركت في المكاره (ولا الأمانة أديت) إذ خنت فيها (وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك) إذ من يريد الله لا يخون (وكأنك لم تكن على بينة) أي حجة واضحة (من ربك) فإنَّ من يعلم بالله وعلمه وسائر صفاته لا يعقل أن يخون (وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم) فتظهر الإيمان والجهاد، خداعا ومكرا، حتى يطمئنوا بك ويودعوك أمانتهم فتخونها، فعل المنافق المرائي (وتنوى غرتهم) أي غفلتهم (عن فيئهم) أي غنائمهم، حتى تسلبها . (فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة) فإنَّ الأمر إذا اشتد على الخليفة، اشتغل بنفسه وصار الولاة في سعة مما
أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ، وَعَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ، وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمْ، اخْتِطَافَ الذَّئْبِ الْأَذَلِّ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةِ، فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَاز رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ، غَيْرَ مُتَأَثِّمِ فِي أَخْذِهِ، كَأَنَّكَ - لا أَبَا لِغَيْرِكَ - حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَاً مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَسُبْحَانَ اللهِ! أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ؟ أَوَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ !
......................
يفعلون بالأمة وأموالها، إذ لا محاسب لهم (أسرعت الكرة) أي الرجوع إلى نواياك التي نويتها من ذي قبل وأظهرت خلافها خداعا (وعاجلت الوثبة) أي الوثوب على أموال الأمة (واختطفت) الاختطاف الأخذ بكل سرعة ، لئلا ترى العيون المختطف (ما قدرت عليه من أموالهم المصونة) أي المحفوظة في بيت المال، التي كانت حفظت (لأراملهم) نسائهم اللاتي فقدن الأزواج جمع أرملة (وأيتامهم) الأولاد الذين مات أبوهم (اختطاف الذئب الأذل) أي السريع العدو والجري (دامية المعزى) أي المعزى المجروحة التي يدمى جسمها (الكسيرة) التي كسرت رجلها، فلا تقدر على الفرار (فحملته) أي المال (إلى الحجاز، رحيب الصدر بحمله) أي لا تتأثم في هذا الحمل والخيانة (غير متأثم) أي متحرز عن الإثم (في أخذه) وسليه (كأنك - لا أبا لغيرك- ) هذا تلميح إلى السب بدون التفوه بلفظه، نحو [لا أقسم] الذي هو تلميح إلى القسم، وهذا كناية عن نزول المصيبة إذ من يموت أبوه تنزل به الكوارث (حدرت) أي أرسلت (إلى أهلك تراثا) أي إرثا (من أبيك وأمك) وهكذا تستحل ما لا تملك (فسبحان الله) تعجب من فعله (أما تؤمن بالمعاد)؟ استفهام توبيخ (أو ما تخاف نقاش الحساب) أي المناقشة والمداقة لدى حساب الخلق يوم القيامة .
أَيُّهَا الْمَعْدُودُ - كَانَ - عِنْدَنَا مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَطَعَاماً ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ، أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً وَتَشْرَبُ حَرَاماً، وَتَبْتَاعُ الْإِمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ مَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللهُ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ ، وَأَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ الْبِلادَ! فَاتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْ إِلَى هؤُلاَءِ الْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ ، فإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللهُ مِنْكَ لَأَعْذِرَنَّ إِلَى اللهِ فِيكَ، وَلَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلَّا دَخَلَ النَّارَ !
.........................
(أيها المعدود - كان - عندنا من ذوي الألباب) لفظة [كان] للإشارة، إلى سقوطه من هذه الدرجة بعد هذه الفعلة، والألباب جمع لب، بمعنى القلب(كيف تسيغ طعاما وشرابا) الاساغة الأكل هنيئا (وأنت تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما)؟ استفهام إنكار وتوبيخ . (و) كيف (تبتاع) أي تشتري (الإماء وتنكح) من هذا المال (النساء) بمهور محرمة (من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله) أي أرجع سبحانه (إليهم هذه الأموال) والإرجاع باعتبار أن المال لله خلقه لأوليائه فكونه في يد الكفار كالمغصوب، فلما جاء إلى المسلمين كان إرجاعا إليهم (وأحرز بهم هذه البلاد) أي حفظ بسببهم البلاد من الكفر والظلم، ومن المعلوم أن اشتراء الأمة بمال حرام جب لبطلان البيع فيكون الاقتراب منها زنا وكذلك جعل المال الحرام مهرا لبضع منكوح - إذا كان على وجه القيدية - موجب لبطلان العقد. (فاتق الله) يا بن عباس (واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم فإنَّك إن لم تفعل) رد المال (ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك) أي لأعاقبنك عقابا يكون عذرا لي عند الله من فعلتك (ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار) إذ لا يكون الضرب به إلّا لأهل الباطل المستحقين النار .
والظاهر أن ابن عباس تاب وأرجع المال، لأنه كان بعد ذلك مع الإمام
وَاللهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ، وَلا ظَفِرَا مِنِّي بِإِرَادَةِ، حَتَّى آخُذَ الْحَقِّ مِنْهُمَا، وَأُزِيلَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا ، وَأُقْسِمُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يَسُرُنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ لِي، أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي، فَضَحِّ رُوَيْداً، فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى،
.............................
في الكوفة حتى إذا قتل بسيف ابن ملجم لعنه الله قام خطيبا وبين للناس تعيين الإمام الحسن(عليه السلام) بعد أبيه للخلافة (والله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت) وهذا ليس إهانة بالنسبة إليهما، فإنَّ الشرط يأتي في المحال نحو قوله سبحانه: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ(1)و إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ(2)(ما كانت لهما عندي هوادة) أي اختصاص بالميل (ولا ظفرا مني بإرادة) أي لم أردهما بعد ذلك، وكأنه كناية عن الطرد (حتى آخذ الحق منهما وأزيل الباطل عن مظلمتهما) أي عن الظلم الذي اقترفاه، وكأن [عن] هنا للبيان، بمنزلة [من]. (وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني العالمين ما يسرني أن ما أخذته من أموالهم حلال لي) أي أني ما أفرح بمثل تلك الأموال فيما لو كانت حلالا لي، فكيف أنت تفرح بها وهي محرمة عليك؟ (أتركه ميراثا لمن بعدي) لعل ذكر هذا من باب أن في التصرف في المال محذور آخر، لمحاسبة الإنسان على ما فعل من الحلال، فكيف بأخذ المال من قبل ابن عباس حراما، وتصرف فيه حال كونه حراما آخر؟ (فضح رويدا) أي فادع نفسك على مهل، وهو كناية عن عدم الإسراع إلى المعاصي، وأصل ضح من ضحيت الغنم إذا رعيتها في الضحى (فكأنك قد بلغت المدى)
وَدُفِنَتَ تَحْتَ الثَّرَى، وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلّ الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، وَلَاتَ حِينَ مَناصٍ .
.............................
أي الغاية، والمراد الموت (ودفنت تحت الثرى) أي التراب (وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة) أي القيامة، حيث يقول الظالمأَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ(1)كما يحكي عنه القرآن الحكيم. (ويتمنى المضيع) أي الذي ضيع دنياه فلم يحصل فيها ما يسعده هناك ( فيه بالرجعة) يقولرَبِّ ارْجِعُونِ *لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا(2)(ولات حين مناص) أي ليس ذلك الوقت وقت الخلاص والنجاة و[لات] [لا] النافية زيدت عليه [التاء] وحذف اسمها، أي لات الحين، حين مناص، والحين الوقت، والمناص بمعنى النجاة والخلاص .
إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي، وكان عامله على البحرين، فعزله واستعمل نعمان بن عجلان الزرقي مكانه
أَمَّا بَعْدُ، فإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ نُعْمَانَ بْنَ عَجْلَانَ الزُّرَقِي عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَنَزَعْتُ يَدَكَ بِلَا ذَمّ لَكَ، وَلا تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ، فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلَايَةَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ ، فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينِ، وَلاَ مَلومٍ ، وَلَا مُتَّهُم ، وَلاَ مَأْتُومٍ، فَلَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي،
...................................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإني قد وليت) أي أعطيت الولاية والسلطة (نعمان بن عجلان الزرقي، على البحرين، ونزعت) أي رفعت (يدك) عن السلطة .
(بلا ذم لك) في عزلك (ولا تثريب) أي لوم ( عليك) فليس خلعك لأجل منقصة فيك حتى تغتم لذلك (فلقد أحسنت الولاية) أي تولي الأمور، هناك (وأديت الأمانة) التي هي إدارة البلاد حسب أوامر الشريعة (فأقبل) إليّ في حال كونك (غير ظنين) أي ظن به سوء الظن. (ولا ملوم) في إدارتك (ولا متّهم) في عملك (ولا مأثوم) أي عاص في أمر الله سبحانه (فلقد أردت المسير) أي السير (إلى ظلمة أهل الشام) أي معاوية وربعه الظالمين في عصيانهم لإمامهم، وظلمة جمع ظالم (وأحببت أن تشهد معي) أي تحضر
فإنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ ، وَإِقَامَةِ عَمُودِ الدِّينِ، إِنْ شَاءَ الله .
..............................
معی القتال (فإنك ممن أستظهر به) أي أستعين به (على جهاد العدو وإقامة عمود الدين إنشاء الله) تعالى، وهذا من غاية المدح للرجل رحمه الله .
إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامله علی اردشیر خره
بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلهَكَ، وَأَغْضَبْتَ إِمَامَكَ : أَنَّكَ تَقْسِمُ فَي الْمُسْلِمِينَ الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ ، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ فِيمَنِ اعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ. فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، لَئِنْ كَانَ ذِلِكَ حَقّاً
.......................................
التوضيح :
(بلغني عنك) يا مصقلة (أمر، إن كنت فعلته) بأن كان الخبر صادقا (فقد أسخطت إلهك) حيث فعلت الحرام (وأغضبت إمامك) حيث أتيت بخلاف أمره، والأمر هو (أنك تقسم في المسلمين) أي أموالهم وغنائمهم (الذي حازته) أي جمعته وتسلطت عليه (رماحهم وخيولهم) في الحرب، فإنَّ الغنائم تحصل بسببهما (وأريقت عليه دمائهم) حيث حاربوا الكفار وقتل بعضهم (فيمن اعتامك) أي اختارك وصادقك (من أعراب قومك) ووصفهم بالأعراب، لعل فيه إهانة بالنسبة إليهم، إشارة إلى قوله سبحانه الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا(1). (فوالذي فلق الحبة) أي شقها وأخرج النبات منها (وبراً النسمة) أي خلق الإنسان (لئن كان ذلك) الذي بلغني (حقا) مطابقا للواقع
1) سورة التوبة : 97
لَتَجدَنَّ بِكَ عَلَيَّ هَوَاناً ، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً ، فَلَا تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ ، وَلاَ تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دينِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. أَلاَ وَإِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هذَا الْفَيْءِ سَوَاءٌ : يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ، وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ .
................................
(لتجدن بك على هوانا) أي ذلة وضعة (ولتخفن عندي ميزانا) فلا يكون لك وزن ثقيل لدي (فلا تستهن بحق ربك) من الإهانة، أي لا تجعل حق الله سبحانه هينا سهلا (ولا تصلح دنياك بمحق دينك) أي بإذهاب دينك وإبطاله (فتكون من الأخسرين أعمالا) الذين حصلوا بأعمالهم العقاب والعذاب (ألا وإن حق من قبلك) أي عندك من المسلمين (وقبلنا) أي في طرفنا (من المسلمين في قسمة هذا الفيء) أي الغنيمة (سواء) فلكلهم حق فيه ( يردون عندي عليه) أي يأتون عندي كلهم لأجل هذا الحق (ويصدرون عنه) أي يخرجون من عندي وقد أخذ كل حقه، فكيف اختصصت بمثل هذا قومك، لأجل أنهم اختاروك وقووا سلطانك؟
وقد بلغه(عليه السلام) أن معاوية كتب إليه، يريد خديعته باستلحاقه بنفسه
وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُّ لُبَّكَ، وَيَسْتَفِّلْ غَرْبَكَ فَاحْذَرْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ : يَأْتِي الْمَؤْمِنَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ ، وَيَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلْتَةٌ
.......................................
التوضيح :
( وقد عرفت أن معاوية كتب إليك) كتابا (يستزل لبك) أي يطلب بكتابه زلل عقلك، وسقوطه في الإثم (ويستفل) أي يثلم (غربك أي حدتك، كناية عن استمالته إلى جانبه حتى لا يكون شديدا عليه، فإنَّه كان شديدا ضد معاوية (فاحذره) أي خف من معاوية، لا يفعل بك ذلك (فإنما هو ) أي معاوية (الشيطان يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله) كناية عن التوسل لإضلاله بكل الوسائل ومن كل الجهات الممكنة (ليقتحم غفلته) أي ليدخل بالقوة على الإنسان في حال غفلته (ويستلب) أي يسلب (غرته) أي في حال كونه غافلا مخدوعا غير ملتفت (وقد كان من أبي سفيان) أبي معاوية (في زمن عمر بن الخطاب فلتة) أي كلام باطل، حيث قال في شأن زياد [ إني أعلم من وضعه في رحم أمه] يريد نفسه فقد كان أبو سفيان زنى بأم [زياد] وهي زوجة لعبيد، فكان يقول : أنا أبوه، حتى يجعله من أنصاره، ويصرفه عن نصرة الإمام، ورأى أن
مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ، وَنَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ : لا يَثْبُتُ بهَا نَسَبٌ ، وَلاَ يُسْتَحَقُّ بِهَا إِرْثٌ، وَالْمُتَعَلُقُ بِهَا كَالْوَاغِلِ الْمُدَفَّعِ ، وَالنَّوْطِ الْمُذَبْذَبِ.
فلما قرأ زياد الكتاب قال : شهد بها وربّ الكعبة، ولم تزّل في نفسه حتى ادعاه معاوية .
قال الرضي الله : قوله [الواغل] هو الذي يهجم على الشرب ليشرب معهم وليس منهم ، فلا يزال مدفعا محاجزا [ والنوط المذبذب] هو ما يناط برجل الراكب من قعب أو قدح أوما أشبه ذلك فهو أبدا يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره.
...............................
أحسن وسيلة لذلك، أن يخدعه بأنه أخوه لأن أبا سفيان والد كليهما .
(من حديث النفس) أي كلام يتكلم به الإنسان من دون إرادة للحقيقة والواقع (ونزعة من نزغات الشيطان) أي باطلا من أباطيله، والنزغ بمعنى الميل (لا يثبت بها) أي بتلك الفلتة (نسب ولا يستحق بها إرث) لأن للعاهر الحجر (والمتعلق بها) أي بتلك الفلتة، والمراد به معاوية (كالواغل) الذي يريد الشرب مع القوم وليس معهم (المدفع) فيدفع، ليطرد فإذا أريد إثبات النسب بهذه الفلتة، دفع المريد لأنه على خلاف حكم الإسلام .
(والنوط) الذي يناط ويعلق بالرجل (المذبذب) المتحرك بغير استقرار، فإذا استلحقك معاوية بابيه، كنت مضطربا في نسبك دائما، لا قرار لمثل هذه النسبة. (فلما قرأ زياد هذا الكتاب) من الإمام(عليه السلام)(قال شهد بها) أي بالنسبة، وفاعل شهد أبو سفيان (ورب الكعبة) لأن زيادا كان يميل إلى أن يوصل نفسه، بمثل هؤلاء، ليذهب عنه العار الذي كان يرمى به (ولم تزل في نفسه حتى ادعاه معاوية )بعد مقتل الإمام(عليه السلام) ، وفرح به أبو سفيان، وصار من أنصار الباطل ، بعد أن خدم الحق .
إلى عثمان بن حنيف الأنصاري - وكان عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها، فمضى إليها -
أَمَّا بَعْدُ يَا بْنَ حُنَيْفٍ : فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلَى مَأْدُبَةِ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ . فَانظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ ، فَمَا اشْتَبَة عَلَيْكَ عِلْمُهُ
..............................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (يا بن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة) جمع فتى وهو الشاب (دعاك إلى مأدبة) هي الطعام يصنع للدعوة (فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان) أي يطلب لك طيب أصناف الطعام (وتنقل إليك الجفان)جمع جفنة، وهي القطعة، ولعل هذا الطعام كان سببا لاستمالة الوالي، وإذا مال الوالي إلى جانب، ابتعد عن العدل بذلك المقدار، ولذا نبه الإمام(عليه السلام) بالإضافة إلى ما ذكره بقوله : (وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم) أي محتاجهم وفقيرهم (مجفو) أي يجفى ويطرد فلا يدعى. (وغنيهم مدعو) إلى الوليمة (فانظر) يا بن حنيف (إلى ما تقضمه) أي تأكله .
(من هذا المقضم) أي المأكل (فما اشتبه عليك علمه) بأن لم تعلم وجه
فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنَتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ . أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً ، يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ ، أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَعِفْةٍ وَسَدَادٍ. فَوَ اللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُم تِبْراً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً ،
................................
الصحة فيه (فالفظه) أي اتركه (وما أيقنت بطيب وجوهه) أي بأنه حلال في اكتسابه وإنفاقه وسائر الأمور المتعلقة به (فنل منه) من نال أي أدرك، والمراد تصرف فيه (ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به) في أعماله وأفعاله فيسير على منهاجه وسيرته (ويستضيء بنور علمه) ليرى دروب الحياة الحالكة (ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمرية) الطمر الثوب الخلق (ومن طعمة الضمير عائد إلى الإمام، لا إلى الدنيا، أي من الطعام الذي يتمكن منه (بقرصيه) أي قرصي الخبز، قرص للظهر وقرص للعشاء (ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني) أيها الناس، وأيها المقتدون بي (بورع) في أعمالكم بأن تكون مطابقة للشرع ( واجتهاد) في الأعمال الصالحة، بأن تجهدوا أنفسكم وتتعبوها في ذلك (وعفة) هو التوسط في الملذات (وسداد) أي الصلاح، فإنَّ الأمة لو اتصفت بهذه الصفات كان عونا للخليفة في إنجاز أموره التي يتوخاها فإنَّ فراغ البال من ناحية الأمة، يوسع مجال الخليفة في العمل. (فوالله ما كنزت) أي ما جمعت (من دنياكم) أيها الناس (تبرا) أي ذهبا (ولا ادخرت) الادخار الحفظ ليوم الحاجة (من غنائمها وفرا) أي مالا كثيرا، كما هي عادة الملوك والأمراء.
(ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا) أي ثوبا آخر، حتى انزع البال، والبس
وَلاَ حُزْتُ مِنْ أَرْضِكُمْ شِبْراً ، بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ . وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا ، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا ، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ بَدَا حَافِرِهَا ، لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ ،
...............................
الثاني (ولا حزت) الحيازة التملك والسيطرة على الشيء (من أرضكم شبرا) فإنَّ الإمام(عليه السلام) لم يشتر من الأرض حتى مقدار الشبر، وهذا لا ينافي ما كان يملكه بواسطة الإحياء حين كان في المدينة مغصوب الحق (بلى كانت في أيدينا فدك)هی بساتين وأراض كانت لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أعطاها لفاطمة (عليه السلام)، وغصبها بعد ذلك أبو بكر لإخلاء يد على(عليه السلام) عن المال فلا يميل إليه الناس (من كل ما أظلته السماء) أي تحت السماء وهذا الوصف للشمول (فشحت عليها نفوس قوم) أي بخلت، وذلك بأخذها، كأنها تشح من أن تجعلها في يد أهلها، والقوم أبو بكر وأتباعه. (وسخت عنها نفوس قوم آخرين) أي سمحت بها والقوم هم علي(عليه السلام) وفاطمة وابناهما، والسماح كناية عن عدم المطالبة بلغ الأمر ما بلغ (ونعم الحكم الله) الذي يحكم بين الغاصب والمغصوب منها (وما أصنع بفدك وغير فدك) من أموال الدنيا (والنفس مظانها) جمع مظنة، وهو المكان الذي يظن فيه وجود الشيء (في غد جدث) أي القبر (تنقطع في ظلمته) أي ظلمة القبر .
(أثارها) أي حركاتها وأفعالها (وتغيب أخبارها ) أي ماذا حدث عليها (وحفرة) عطف على جدث (لو زيد في فسحتها) أي وسعتها (وأوسعت) لها (يدا حافرها) الذي يحفر القبر (لأضغطها الحجر والمدر) المدر هو الطين المتحجر، والاضغاط لأن جدران القبر لا بد وأن تضغط على الميت لعدم
وَسَدَّ فُرَجَهَا التَّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ، وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِي آمِنَةٌ يَوْمَ الْخَوْفِ الأَكْبَرِ، وَتَثبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ. وَلَوْ شِئْتُ لاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ، وَنَسَائِج هذَا الْقَزِّ. وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمةِ - وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ الْيَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ ، وَلا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَعِ - أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً
................................
المنفذ ولتهدمها عليه ولو بعد حين (وسد فرجها التراب المتراكم) فرج جمع فرجة، بمعنى: الوسعة الخالية، والمتراكم بمعنى المجتمع (وإنما هي نفس أروضها) أي : أذللها (بالتقوى) والاجتناب عن الملذات والمشتهيات (لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر) وهو يوم القيامة (وتثبت على جوانب المزلق) أي موضع الزلة ، أي الصراط الذي من عبره دخل الجنة ومن زلق منه وقع في النار(ولو شئت لاهتديت الطريق) أي كنت قادرا (إلى مصفى هذا العسل) الذي يعرفه الناس، ولذا جيء بلفظة [هذا ] إشارة إليه (ولباب هذا القمح) أي الحنطة (ونسائج هذا القز) أي الأثواب المنسوجة من القز، وهو ما يصنع منه الحرير (ولكن هيهات أن يغلبني هواي) أي ميل النفس في اتباع هذه الملذات (ويقودني جشعي) أي شدة الحرص على الدنيا وملذاتها، لتناول هذه المشتهيات.
( إلى تخير الأطعمة) أي اختيار الأحسن منها (ولعل بالحجاز أو اليمامة) يجد (من لا طمع له في القرص) أي في قرص الخبز من شدة الفقر(ولا عهد له بالشيخ) فلم يشبع بطنه من الطعام فقرا وفاقة، وهذه الجملة تفيد بعدم وجود فقير حقيقي في البلاد الإسلامية الطويلة العريضة، إبان حكم الإمام، ببركة تطبيق الإسلام، وإلا لم يكن مجال لكلمة [لعل] . (أو أبيت) أي هيهات أن أبيت في الليل (مبطانا) أي ممتلئ البطن، ولعل ذكر الليل، باعتبار أن
وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ :
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ*** وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ
أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةٌ لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ ، هَمُّهَا عَلَفُهَا ، أوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا ،
..............................
احتمال جوع الفقراء في الليل أكثر (وحولي بطون غرثى) أي جائعة (وأكباد حرى) مؤنث حران، بمعنى العطشان (أو أكون كما قال القائل) وهو حاتم الطائي المشهور بالسخاء، في جملة أبيات (وحسبك داءا) أي مرضا (أن تبيت ببطنة) أي شبعان البطن من الأكل (وحولك أكباد تحن إلى القد) أي تميل إلى أكل القد، وهو الجلد غير المدبوغ. (أأقنع من نفسي بأن يقال) لي (أمير المؤمنين) بأن يكون لي الاسم الكبير والمكانة المرموقة (ولا أشاركهم في مکاره الدهر)بأن ينزل المكروه بهم دوني فأشبع ويجوعون، وآكل الجيد وأترفه، ويأكلون الردي، في صعوبة من العيش؟ كلا لا يكون هذا (أو) لا (أكون أسوة) ومقتدى (لهم في جشوبة العيش) أي خشونته، لا يكون هذا بل أعيش في جشوبة كما يعيش بعضهم هكذا .
(فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات) فإنَّ خلقة الإنسان للعبادة، كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (1)(كالبهيمة المربوطة) القيد بذلك لأن البهيمة المرسلة همها غير الأكل أيضا، بخلاف المربوطة، فإنَّه لا هم لها إلَّا الأكل (همها علفها) أي أن تأكل العلف . (أو) كالبهيمة (المرسلة شغلها تقممها)
1) سورة الذاريات : 56
تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أَتْرَكَ سُدىً، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ! وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ : (إِذَا كَانَ هذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ، وَمُنَازَلَةِ الشَّجْعَانِ ) أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَائِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً، وَالنَّبَاتَاتِ الْبَدَوِيَّةَ أَقْوَى وَقُوداً، وَأَبْطَأَ خُمُوداً وَ
............................
أي التقاطها للقمامة، وهي الكناسة (تكترش) أي تملأ كرشها (من أعلافها) أي علف القمامة (وتلهو ) أي تغفل (عما يراد بها) من الذبح والأكل (أو) هل (أترك) من قبله سبحانه (سدى) بلا غاية ولا أمر ولا نهي (أو أهمل عابثا) أي لأعبث والعب؟ (أو أجر حبل الضلالة)فإنَّ الضال يجر حبله معه نحو الضلالة. (أو أعتسف) الإعتساف ركوب الطريق على غير قصد وهدى (طريق المتاهة) أي الحيرة والتيه ، وهذه الاستفهامات على طريق الإنكار، والنفي (وكأني بقائلكم يقول) في معرض الإنكار على عدم تنعمي وأكل الطيبات (إذا كان هذا) الذي ذكره من القرصين (قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف على قتال الأقران) أي من يماثله في الشجاعة ( ومنازلة) أي محاربة (الشجعان) جمع شجاع .
(ألا) فليعلم القائل المنكر على قوتي القليل (وان الشجرة البرية) التي تنبت في البر (أصلب عودا) لأنه يقوى بمقاسات الحر والبرد (والروائع الخضرة) أي الأشجار ذات الروعة والجمال والخضرة (أرق جلودا) من جلود أشجار البر (والنباتات البدوية) أي الأعشاب النابتة في البدو، مقابل البستان (أقوى وقودا) أي اشتعالا للنار، من النباتات غير البدوية (وأبطأ خمودا) فإنَّ نارها أدوم، فإذا كان مأكل الإنسان خشنا وعيشه صعبا كانت قواه أكثر وتحمله للشدائد أزيد (و) هناك سبب آخر لقوتي، وهو إني من عشيرة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
أَنَا مِنْ رَسُولِ الله كَالصِّنْوِ مِنَ الصِّنْوِ وَالذَّرَاعَ مِنَ الْعَضُدِ . والله لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا ، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ ، وَالْجِسْم الْمَرْكُوسِ حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ .
ومن هذا الكتاب، وهو آخره:
إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ،
..........................
وكلّ هذه العشيرة شجعان أقوياء. فـ (أنا من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) كالصنو من الصنو) الصنوان نخلتان يجمعهما أصل واحد (والذراع من العضد) فإذا كان العضد شديدا كانت الذراع كذلك. (والله لو تظاهرت العرب) أي اجتمعت، ويسمى بالتظاهر لأن كل منهم يقوي ظهر الآخر للثبات والوقوف (على قتالي) أي محاربتي (لما وليت) أي ما أدبرت (عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها) بأن كانت كافرة، وتمكنت من قتلها (لسارعت إليها) بلا خوف ولا وجل (وسأجهد في أن أطهر الأرض من هذا الشخص المعكوس) أي معاوية وكونه معكوسا باعتبار انعكاس الفضيلة فيه إلى الرذيلة .
(والجسم المركوس) أي المقلوب، باعتبار كونه مقلوب الآراء والصفات، والنسبة إلى الجسم باعتبار المجاورة أو الحال والمحل - مجازا -(حتى تخرج المدرة) هي قطعة الطين اليابس (من بين حب الحصيد) الحصيد هو النبات المحصود أي المقطوع من الأرض، وحبه كالقمح والشعير وما أشبه، وهذا للتمييز بين الحق والباطل.
(إليك عني) أي ابتعدي عني (يا دنيا) والمراد أنه(عليه السلام) غير راغب في زخارفها (فحبلك على غاربك) الغارب الكاهل، وهذا كناية عن تسريحها
قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ، وَأَقْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكَ، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ! أَيْنَ الْقُوَمُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ، أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ! ها هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ ، وَمَضَامِينُ اللُّحُودِ. وَاللهِ لَوْ كُنْتِ شَخصاً مَرْئِیّاً، وَقَالَباً حِسِّيّاً ، لأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بالْأَمَانِي، وَأُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي،
.....................................
لتذهب حيث شاءت، كما أنه إذا سرح الحيوان يجعل حبله على عاتقه، ولا يجر بالحبل إلى جهة مخصوصة (قد انسللت) أي فررت (من مخالبك) جمع مخلب، وهو أظافر الحيوان المفترس التي بها يأخذ الصيد ويقتله (وأفلت) أي شردت (من حبائلك) جمع حبالة وهي شبكة الصياد (واجتنبت الذهاب في مد حاضك) جمع مدحض، وهو محل السقوط والهلاك (أين القوم الذين غررتهم) أي خدعتهم أيتها الدنيا (بمداعبك) جمع مدعبة، بمعنى الدعابة والمزاح (أين الأمم الذين فتنتهم ) أي خدعتهم أيتها الدنيا .
(بزخارفك) جمع زخرف، بمعنى الزينة (ها هم رهائن القبور) فكما يبقى الرهن عند المرتهن كذلك هؤلاء باقون في قبورهم إلى يوم النشور (ومضامين اللحود) جمع لحد ، وهو الشق في القبر، أي مضمونون في شقق قبورهم (والله) أيتها الدنيا (لو كنت شخصا مرئيا) إي شخصا يرى (وقالبا ) أي هيكلا (حسيا) أي محسوسا يدرك بالحواس (لأقمت عليك) يا دنيا (حدود الله) من الرجم والجلد والتعزير وما أشبه (في عباد غررتهم بالأماني) أي بأن منيتهم بالأكاذيب فإنخدعوا وتركوا الآخرة لأجلك، ولا يخفى أن أمثال هذه العبارة من الكناية وإظهار الإرشاد للسامعين، بترك الدنيا والإقبال على الآخرة (وأمم القيتهم في المهاوي) جمع مهوى وهو المحل المنخفض الذي يهلك الإنسان
وَمُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلاءِ، إِذْ لاَ وِرْدَ وَلاَ صَدَرَ! هَيْهَاتَ! مَنْ وَطِيءَ دَحْضَكِ زَلِقَ، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ ، وَمَنِ ازْوَرَّ عَنْ حَبَائِلِكِ وَفِّقَ، وَالسَّالِمُ مِنْكِ لا يُبَالي إِنْ ضَاقَ بهِ مُنَاخُهُ، وَالدُّنْيَا عنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ انْسِلَاخُهُ .
اعْزُبِي عَنِّي! فَوَ اللَّهِ لَا أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي، وَلَا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي. وَايْمُ اللهِ
........................
إذا وقع فيه (وملوك أسلمتهم إلى التلف) الأخروي بالعقاب والعذاب على ما فعلوا واقترفوا (وأوردتهم موارد البلاء) والعذاب (إذ) أي في مكان( لا ورد) أي ليس محل ورود الماء (ولا صدر ) أي ليس محلا للخروج عن المشرعة بعد الارتواء، فكأنها باسم الماء جاءت بهم إلى محل الهلاك : (هيهات) لست أنت ناصحة شفيقة ف (من وطي) أي جعل رجله في (دحضك) هي المزلقة التي لا تثبت عليها الرجل (زلق) وسقط (ومن ركب لججك) لجة البحر معظمه (غرق) هذان كنايتان عن من اعتمد على الدنيا وتناول ملذاتها .
(ومن أزور) أي مال (عن حبائلك) جمع حباله، وهي شبكة الصياد (وفق) للخلاص والنجاة (والسالم منك) يا دنيا (لا يبالي إن ضاق به مناخه) أي محله ومنزله ( والدنيا عنده كيوم حان) أي حضر (انسلاخه) أي ذهابه وفناؤه، والمعنى أنه لا يهتم بشأنها كما أن من يريد الذهاب عن منزل لا يهتم بذلك المنزل حسنا كان أم قبيحا (اعزبي ) أي ابتعدي أيتها الدنيا (عني، فو الله لا أذل لك) بإرادة ملذاتك الموجبة للذلة (فتستذليني) أي تجعليني ذليلاً، تعطي حاجة مرة وتمنعيها مرة (ولا أسلس لك) أي لا أنقاد لك، بأن أسير كلما توجهت ملذاتك وشهواتك (فتقوديني) كما تقاد البهائم (وأيم الله) قسم
.......................
بالله سبحانه، وفي ايم، لغات (يمينا) منصوب بفعل مقدر أي أحلف قسما (استثنى فيها بمشيئة الله) أي لا أترك متعلق الحلف إلّا إذا شاء الله سبحانه، وهذا للتبرك والاحترام، وإلا فلا يفرق الحلف بذلك (لأروضن نفسي رياضة) بمنعها عن الملذات والمشتهيات (تهش) أي تفرح وتنبسط، نفسي (معها) أي مع تلك الرياضة وبسبب شدتها (إلى القرص) أي قرص الخبز (إذا قدرت) النفس ((ليه) أي على القرص (مطعوما) أي من أنواع الطعام (وتقنع) النفس (بالملح مأدوما) أي أداما يؤكل مع الخبز.
(ولأدعن) أي أتركن (مقلتي) أي عيني(كعين ماء) من كثرة البكاء لله سبحانه (نضب) أي نفذ وتمّ (معينها) أي مائها (مستفرغة) أي : في حال كون عيني أفرغت (دموعها ) ثم استبعد(عليه السلام) أن يكون حاله في المأكل وما أشبه كحال البهيمة ( أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك) أي تنام (وتشبع الربيضة) أي الغنم، والربوض للغنم، كالبروك للإبل (من عشبها فتربض) أي تستقر (ويأكل على من زاده فيهجع) أي يسكن كما سكنت الحيوانات بعد شبعها؟ لا يكون هذا أبدا (قرت إذا عينه) هذا دعاء للإنسان بالاطمئنان والاستقرار لأن الخائف تنظر عينه هنا وهناك ليجد ملجأ بخلاف المطمئن المستقر، واستعملت الجملة هنا استهزاءا من باب استعمال الضد في الضد
إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِمَةِ الْهَامِلَةِ، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ! طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا، وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا ، وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا، فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ، وَتَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ، وَهَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ، وَتَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِم ذُنُوبُهُمْ ،
..............................
(إذا اقتدى) علي(عليه السلام) (بعد السنين المتطاولة) أي السنين الطويلة من عمره (بالبهيمة الهاملة) أي المسترسلة التي لا داعي لها ( والسائمة) أي التي تسرح في الأعشاب (المرعية) أي التي ترعى (طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها) أي ما فرض الله عليها من الأحكام، وأداء الفرض إتيانه (وعركت) أي حقت (بجنبها) الضمير للنفس (بؤسها) أي ضرها، كأن البؤس شوكة في جنب الإنسان فيسحقها الإنسان صابرا عليها، وهذا كناية عن الصبر في المكاره .
(وهجرت في الليل غمضها) أي نومها والأصل فيه غمض العين، للتضرع والعبادة ( حتى إذا غلب الكرى) أي النوم (عليها) أي على النفس (افترشت أرضها) بأن نام على الأرض بغير فراش. (وتوسدت كفها) بأن جعل وسادته الكف، بدون مخدة يضع رأسه عليها (في معشر ) أي هو بين جماعة من العباد ( اسهر عيونهم خوف معادهم) فلا تنام عيونهم خوفاً من العقوبة، وهكذا تتأتى الخواطر المخيفة إلى الإنسان في الليل (وتجافت) أي ابتعدت (عن مضاجعهم) جمع مضجع، بمعنى محل النوم (جنوبهم ) فلا يضعون جنبهم على الفراش . (و همهمت بذکر ربهم شفاههم) الهمهمة صوت يردد في الصدر، ویراد بها هنا الصوت الخفي (وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم) يقال : تقشع السحاب أي
أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(1). فَاتَّقِ اللهَ يَا بنَ حُنَيْفٍ ، وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ ، لِيَكُنْ مِنَ النَّارِ خَلاصُكَ. .................................
انجلى (أولئك) الذين هذه صفاتهم (حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) أي الفائزون (فاتق الله يا بن حنيف) رجوع إلى خطاب عثمان بن حنيف الذي حضر تلك المأدبة، وكتب إليه الإمام بهذا الكتاب لتأديبه وإرشاده (ولتكفف أقراصك) فلا تحضر المآدب المشبوهة (ليكن من النار خلاصك) ونجاتك .
1) سورة المجادلة: 22 .
أَمَّا بَعْدُ، فإنَّكَ مِمَّنْ أَسَتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الْأَثِيمِ، وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ الْمَخُوفِ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْثٍ مِنَ اللَّينِ، وَارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرفَقَ، وَاعْتَزِمُ بِالشِّدَّةِ حِينَ لَا يَغْنِي عَنْكَ إِلَّا الشَّدَّةُ،
.................................
التوضيح:
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإنك ممن استظهر به) أي استعين به (على إقامة الدين) أي إقامة أحكامه، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرشاد الجاهل وما أشبه (وأقمع به) أي اقلع واكسر بسبيه (نخوة الأثيم) أي تكبر العاصي (وأسد به لهاة) هي اللحمة المستدلية في الحلق والمراد هنا المنفذ (الثغر) مظنة العدو في حدود المملكة (المخوف) الموجب للخوف من هجوم الأعداء (فاستعن بالله على ما أهمك) من الأمور، بمعنى : اطلب إعانته. (واخلط الشدة) على الآثمين (بضغث) أي بشيء خليط (من اللين) فإنَّ الشدة المحضة توجب اليأس عن الوالي، كما إن اللين المحض يوجب تجرؤ الناس على الإنسان (وارفق) بالناس (ما كان الرفق) أرفق أي أوجب لملائمة الحال( واعتزم) من العزم (بالشدة حين لا يغني عنك إلّا الشدة) بأن كانت الشدة
وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالإِشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ، وَلاَ يَبْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ ، وَالسَّلَامُ .
..............................
الموجبة لانقلاع المفسدين عن إفسادهم .
(واخفض للرعية جناحك) وخفض الجناح كناية عن اللين والملائمة معهم، كما يخفض الطائر جناحيه لأبويه (وابسط لهم وجهك) فلا تقطب وجهك عبوسا حتى يخافوا منك (وألن لهم جانبك) بأن تجعل جانبك لينا لا شدیدا غليظا (واس) أي شارك وسوّ (بينهم في اللحظة)هي النظر بطرف العين ( والنظرة) هي النظر بتمام العين وهذا كناية عن التساوي بينهم حتى في دقائق الأمور (والإشارة) إذا كان المجال مجال الإشارة، للعطف (والتحية)أي السلام وما أشبه (حتى لا يطمع العظماء في حيفك) أي في ظلمك (ولا ييأس الضعفاء من عدلك) فإنَّ القوي لو رأى الوالي يميل إليه طمع في جلبه إلى جانبه ليظلم كيف يشاء، وحين ذاك ييأس الضعيف من العدل، وهذا موجب لسخط الناس، المؤدي للتصادم بين السلطة والأمة وينتهي إلى مالا يحمد (والسلام) .
أُوصِيكُمَا بتقْوَى اللَّهِ، وَأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا ، وَلاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا ، وَقُولَا بِالْحَقِّ، وَاعْمَلَا لِلآخِرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَضْماً ، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً. أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَةُ كِتَابِي، بِتَقْوى اللهِ، وَنَظْم أَمْرِكُمْ ، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ ،
............................
التوضيح :
(أوصيكما بتقوى الله) أي الخوف منه (وأن لا تبغيا الدنيا) أي لا تطلباها (وإن بغتكما) أي طلبتكما بتهيئة أسباب الراحة والرفاه، بل أعرضا عنها، ودعوها لأهلها، فإنَّ الدنيا إذا احتوت على الإنسان أوجبت نسيان الآخرة (ولا تأسفا) أي لا تغتما (على شيء منها) أي من الدنيا (زوي عنكما) أي نحى بأن فاتكما (وقولا بالحق) لا لطلب المال والجاه (واعملا للأجر) في الآخرة، لا لشيء من عرض الدنيا (وكونا للظالم خصما) مخاصمان له مهما كان قويا ( وللمظلوم عونا) معينا له ضد الظالم (أوصيكما و) أوصي (جميع ولدي وأهلي) أي أقربائي ومن يمت إلي بصلة (ومن بلغه كتابي) هذا بتقوى الله أي الخوف منه، حتى يكون موجبا لإطاعة أوامره والانتهاء عن نواهيه .
(ونظم أمركم) بأن ينظم الإنسان أموره المالية، والعبادية، والعائلية، والدرسيه، وما أشبه، فإنَّ النظام موجب للراحة والاطمئنان (وصلاح ذات بينكم)
فإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : (صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ) الله اللهَ فِي الْأَيْتَامِ فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ، وَلا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ . وَاللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ . مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِثُهُمْ . والله الله فِي الْقُرْآنِ، لَا يَسْقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ.
..............................
بأن يكون بعضكم موداً للآخر، لا يعاديه، ولا يهجره (فإني سمعت جدكما) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم، يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام) يعني أن فضل الصلاح أكثر من فضل الصلاة والصيام طيلة الحياة، ومن المعلوم أن بعض الواجبات أفضل من بعضها الآخر، اذكروا (الله الله) والتكرار للتأكيد (في الأيتام) الذين تحت أيديكم . (فلا تغبوا أفواههم) بأن تطعموهم يوما وتتركوا يوما ، يقال : أغب القوم بمعنى جاءهم يوما وترك يوما، وهذا كناية عن تعاهد الأيتام باستمرار، لا متقطعا (ولا يضيعوا) أي الأيتام في أي جانب من جوانب الحياة (بحضرتكم) أي في حال اطلاعكم وحضوركم على حالهم (و) اذكروا (الله الله في جيرانكم) جمع جار (فإنهم وصية نبيكم) أي أوصى بهم الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) وصية ثم أقيم المصدر مقام الفعل (ما زال) النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)( يوصي بهم بهم حتى ظننا أنه سيورثهم) أي يجعل لهم نصيبا من تركة الجار والمراد بالظن في مثل هذه المقامات كون الراجح بحسب أنظار العقلاء، من ظواهر الكلام ذلك لا أن الإمام(عليه السلام)كان يظن بذلك حقيقة، فهو من المجاز الشائع في الاستعمالات.
(و) اذكروا (الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم) فإنَّ كل إنسان يلزم على حفظ أحكام القرآن وتلاوته، حتى لا يسبقه غيره، وهذا مثل
والله اللهَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ . وَالله اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لا تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظُرُوا. وَالله اللهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطِعَ. لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ،
.................................
قوله سبحانه: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ(1)وقوله : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات(2)(و) اذكروا (الله الله في الصلاة فإنَّها عمود دينكم) فإنَّ الدين يقوم بالصلاة، إذ الصلوات المفروضات كل يوم خمس مرات، موجبة لتهيئة النفس لامتثال سائر أوامر الدين، لكونها تقوي ملكة الدين، الباعثة للإتيان بسائر أمور الدين. (و) اذكروا (الله الله في بيت ربكم) مكة المكرمة (لا تخلوه) عن الحاج والمعتمر (ما بقيتم) في الحياة ( فإنه إن ترك لم تناظروا) أي لا ينظر الله إليكم بالكرامة، كما لا ينظر الناس إليكم بالعظمة، فإنَّ عظمة المسلمين تظهر في الحج (والله الله في الجهاد) أصله من الجهد بمعنى المشقة (بأموالكم) بذلا (وأنفسكم) تعبا وحربا (والسنتكم) قولا ( في سبيل الله) ولأجل رضاه وتطبيق أحكامه (وعليكم بالتواصل) يصل بعضكم بعضا مقابل القطيعة والهجران (والتباذل) بأن يعطي بعضكم بعضا . (وإياكم والتدابر) بأن يجعل بعضكم دبره للبعض الآخر (والتقاطع) بأن يقطع بعضكم عن بعض ويهجره (لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) المعروف كل ما أمر به الشرع أو العقل، والمنكر كلما نهى عنه أحدهما (ف) إن تركتم (يولى عليكم شراركم) جمع شرير، وذلك لأن الأشرار لو رأوا الطريق مفتوحا أمامهم بلا مانع
ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ .
ثم قال(عليه السلام):
يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِين خَوْضَاً ، تَقُولُونَ: (قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ). أَلاَ لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي . انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ ، وَلاَ يُمَثَّلُ بِالرَّجُلِ، فإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : (إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ).
..................................
دخلوه وساموا الناس ألوان العذاب (ثم تدعون) الله سبحانه في كشف ذلك (فلا يستجاب لكم) لأنكم أو جبتم سخط الله، بترك أمره، فلايستجيب دعائكم .
ثم قال(عليه السلام) :
(يا بني عبد المطلب) أراد (عليه السلام)أقرباءه الحاضرين (لا ألفينكم) أي لا أجدكم، نفى في معنى النهي (تخوضون دماء المسلمين) أي تقتلونهم انتقاما لقتلهم إياي (خوضا) وأصل الخوض الدخول في الماء وما أشبه (تقولون : قتل أمير المؤمنين) كما هي عادة الناس إذا قتل رئيسهم أخذوا الناس، هذا لأنه قتل، وذاك لأنه تآمر ، وذلك لأنه مظنون، وهكذا فإنَّ الإسلام يحرم ذلك وإنما القتل للقاتل فقط .
(ألا ، لا تقتلن بي غير قاتلي) ابن ملجم لعنه الله . (انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بـ) مقابل ضربه لي(ضربة) واحدة (ولا يمثل بالرجل ) التمثيل هو التشويه بقطع الأطراف سواء قبل الموت أو بعده (فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إياكم والمثلة)أي احذروها ولا تفعلوها (ولو بالكلب العقور) الذي يعقر الناس ويجرحهم، وهو مرض يصيب الكلب، ويوجب تسمم من عقره .
وَإِنَّ الْبَغْيَ وَالزُّورَ یِذِيعَانِ بِالْمَرْءِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ، وَيُبْدِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِكٍ مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ ، وَقَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً بِغَيْرِ
الْحَقِّ فَتَالَّوْا عَلَى اللهِ فَأَكْذَبَهُمْ
........................
التوضيح :
(وان البغي) أي الظلم (والزور) أي الكذب (يذيعان بالمرء) أي يشهرانه ويفضحانه (في دينه ودنياه) فهو إنسان مفتضح في الدنيا يتجنبه الناس وينظرون إليه شزرا، ومفتضح في الآخرة، بما عمل، مما يورثه النار والنكال .
(ويبديان) أي يظهران (خللّه) جمع خله، أي مفاسده (عند من يعيبه) أي يريد عيبه، فإنَّ الناس إذا أرادوا عيب أحد، فإنَّ كان ظالما كاذبا كان لهم ذلك حجة على تعييبهم له (وقد علمت) يا معاوية (أنك غير مدرك ما قضي فواته) أي دم عثمان أي قضي - بقضاء الله سبحانه - أن يفوت ويذهب . (وقد رام) أي قصد (أقوام) أي جماعات (أمرا) هو الطلب بدم عثمان، قبلك، والمراد بالأقوام أصحاب الجمل (بغير الحق) لأنهم لم يكونوا أولياء عثمان (فتألوا) إي تطاولوا (على الله) سبحانه بنقض أحكامه (فأكذبهم) الله تعالى أي حكم
مَا وَحْدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَلاَ حَقِيقَتَهَ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، وَلا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ ، وَلَا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ . كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ
..............................
التوضيح :
(ما وحده من كيفيّة) أي لم يجعل الله سبحانه واحداً من جعل له كيفا، أي حالة، إذ الحالة غير الذّات، فيوجب ذلك الاثنينية مثلا[زيد] شيء، و [المرض] شيء، وكذلك [العلم] و[القوة] و[الكرم] وغيرها، وإنّما الله سبحانه صفاته عين ذاته(ولا حقيقته أصاب من مثله) أي جعل له سبحانه مثالا ، إذ المثال لما كان ممكنا لزم أن يكون الممثّل أيضا ممكنا، ومن وصفه سبحانه بصفات الممكنات لم يصب حقيقة الله تعالى - الّتي هي واجب وجوده - غير مماثل للممكنات .
(ولا إيّاه عَنى) أي قصد (من شبّهه) أي جعل له شبيها- لما تقدم في دليل نفي المثال -
( ولا صمده) أي قصده (من أشار إليه) لأن الإشارة تستلزم الجسمية والجهة، والله ليس بجسم ولا له جهة (وتوهّمه) أي تصوّره فإنَّ كنهه سبحانه مخفي، فمن تصوّر كنهه فإنَّما المتصور غير الله سبحانه .
(كل معروفٍ بنفسه) أي كل ما كان ذاته معروفة، ونفسه واضحة لدى
مَصْنُوعٌ، وَكُلُّ قَائِم في سِوَاهُ مَعْلُولٌ. فَاعِلٌ لا بِاضْطِرَابٍ آلَةٍ، مُقَدِّرٌ لا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ، غَنِيٌّ لاَ بِاسْتِفَادَةٍ. لاَ تَصْحَبُهُ الأَوْقَاتُ، وَلَا تَرْفِدُهُ الأَدَوَاتُ ؛ سَبَقَ الأَوْقَاتَ كَوْنُهُ، وَالعَدَمَ وَجُودُهُ، وَآلابْتِدَاءَ أَزَلُهُ . بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ
............................
الإنسان (مصنوع) أي مخلوق، إذ ذات الخالق لا تعرف : فإنّها غير محدودة، والذهن المحدود لا يمكن أن يحتوي على ما ليس بمحدود.
( وكلّ قائم في سواه) أي ما كان قيامه ووجوده بسبب غير نفسه (معلول) أي له علة، بخلاف ما كان قيامه بذاته - وهو الله سبحانه - فإنَّه علّة وليس بمعلول لشيء .
(فاعل لا باضطراب آلة) أي لم يضطرب سبحانه في خلق الأشياء، كما تتحرك وتضطرب آلات الإنسان - أي جوارحه - لدى إرادته أن يعمل عملاً ما (مقدّر) للأشياء (لا بجول فكرة) فإنّ الإنسان إذا أراد أن يقدر شيئاً ويخطّطه لابد وأن يحرّك فكره أولاً، وليس كذلك الله سبحانه، إذ لا فكر له وإنما علم وإرادة .
(غني لا باستفادة) الثروة والقدرة من غيره، وإنما هو سبحانه غني بذاته .
(لا تصحبه الأوقات) فإنّ الوقت حادث، والقديم يستحيل عليه مقارنة الحادثات (ولا ترفده) أي تعينه (الأدوات) أي الآلات كما تعين الإنسان في حوائجه (سبق الأوقات كونه) أي وجوده سبحانه إذ الوقت حادث وهو قديم.
(و) سبق (العدم وجوده) وليس كالممكنات التي يسبق على وجودها العدم إذ أنها معدومة ثم توجد (و) سبق (الابتداء أزله) فهو أول ولا ابتداء له (بتشعیره المشاعر) جمع مشعر، بمعنى آلة الشعور والإدراك، كالعين ،
مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيْ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِح ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أَنْ لَا يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ، وَلَا طَوْلٌ خُصَّ بِهِ، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ، وَعَطْفاً عَلَى إِخْوَانِهِ .
.............................
التوضيح :
(من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح)جمع مسلحة، أي الثغور والحدود: وسميت بذلك لأنها مواضع السلاح (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن حقا على الوالي أن لا يغيره على رعيته) بالإهانة بهم وهضم حقوقهم والكبر عليهم .
(فضل ناله) أي حصل عليه من مال كثير أو سلطان جديد (ولا طول) أي فضل كبير (خص به) دون سائر الناس والمعنى أن الحق على الوالي أن لا يتغير بسبب سلطان أو مال، لا كالعادة على ضعاف النفوس من الولاة، حيث إذا رأوا أنفسهم في غنى تغيروا على الرعية وتجبروا في الأرض. (وأن يزيده ما قسم الله له من نعمه) [ما] فاعل [يزيده] (دنوا من عباده) بأن يقترب منهم أكثر (وعطفا على إخوانه) أي يعطف على الناس الذين هم رعيته، شكرا لما
أَلاَ وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَنْ لَا أَحْتَجِزَ دُنَكُمْ سِراً إِلَّا فِي حَرْبٍ، وَلَا أَطْوِيَ دُنَكُمْ أَمْراً إِلَّا فِي حُكْمٍ ، وَلَا أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقّاً عَنْ مَحَلِّهِ، وَلَا أَقِفَ بِهِ دُونَ مَقْطَعِهِ، وَأَنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذلِكَ وَجَبَتْ للَّهِ عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ، وَلِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ ،
..................................
تفضل تعالى عليه، وقضاء ا لحق الأمة حين قدر عليه بسبب ذلك الفضل الذي أعطاه الله إياه (ألا وإن لكم) أيها الأمراء (عندي) ومن حقكم علي (أن لا أحتجز دونكم سرا) أي لا أخفي عليكم أمرا من أمور المملكة (إلا في حرب) فإنَّ الحرب يجب أن تؤتى بكل سرية حتى لا يطلع الأعداء ويتهيؤوا للمدافعة، وحيث الاطلاع على الأوضاع في البلاد مما تشتاق النفوس إليها، فهو حق لهم على الوالي أنه إذا اطلع على شيء أن يعرفهم به، لا أن يختص بالسر دونهم (ولا أطوي دونكم أمرا) بأن لا أجعل لكم نصيبا في أمر يحدث، بالمشورة (إلا في حكم) شرعي لا يحتاج إلى الشور والتفاوض، وفي الحقيقة إن هذين الأمرين من أهم ما يلزم على الولاة إذا أرادوا الكرامة لأنفسهم، ولرعيتهم، حيث أن هذين يوجب العلاقة المتبادلة واطمئنان الناس بالحكومة واخلاصهم لها وتفانيهم في سبيلها .
(ولا أؤخر لكم حقا عن محله) أي وقت حلوله، بإعطائكم فيئكم وسائر ما تستحقون (ولا أقف به) أي بالحق (دون مقطعه) أي دون الحد الذي قطع به أن يكون لكم، مثلا قطع بكون حق كل واحد ألف دينار، فلا يقف الوالي دون الألف بإعطائهم تسعمائة (وأن تكونوا عندي في الحق سواء) لا أرجح بعضا على بعض (فإذا فعلت ذلك) الذي هو حق علي لكم (وجبت الله عليكم النعمة) أي ثبتت نعمته تعالى عليكم حيث هيىءَ لكم واليا عادلا شفيقا فيجب شکره سبحانه (و) وجبت (لي عليكم الطاعة) لوجوب طاعة الوالي إذا كان
وَأَلَّا تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ، وَلَا تُفَرِّطُوا فِي صَلَاحٍ، وَأَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ، فإنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنْ اعْوَجَّ مِنْكُمْ ، ثُمَّ أَعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ ، وَلَا يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً، فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللهُ بِهِ أَمْرَكُمْ وَالسَّلَامُ .
...........................
عادلا (وأن لا تنكصوا) أي لا ترجعوا (عن دعوة) أدعوكم إليها (ولا تفرطوا) أي لا تقصروا (في صلاح) أي في أمر هو صلاح للدولة والأمة (وأن تخوضوا الغمرات) أي تدخلوا في الشدائد (إلى الحق) أي كي تنتهوا إلى الحق الذي طلبه سبحانه منكم (فإن أنتم لم تستقيموا لي على ذلك) الذي ذكرت من الحقوق عليكم، بعد عدلي فيكم واعطائكم حقوقكم (لم يكن أحد أهون علي) أي أذل عندي (ممن أعوج منكم) ولم يعمل بواجبه . (ثم أعظم له العقوبة) لأنه أنيط به الأمر، فأفسد عوض الإصلاح وأحق الناس بالعقوبة من ضيع الحق الذي عليه (ولا يجد) المعوج (عندي فيها) أي في العقوبة .
(رخصة) بأن أتركها كأني مرخص في فعل العقوبة وتركها (فخذوا هذا) الحق الذي بينت بأنه لكم على أمرائكم (من أمرائكم) أي الولاة عليكم أيها الأمراء على الجيش (وأعطوهم من أنفسهم) أي الحقوق التي عليكم (ما يصلح الله به أمركم) أي خذوا حقكم من الوالي، وأعطوا حق الوالي له حتى يصلح الله الأمر، في البلاد.
مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْخَراجِ : أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ لَمْ يُقَدِّمَ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا . وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلِّفْتُمْ يَسِيرٌ ، وَأَنَّ ثَوَابُهُ كثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ
............................
التوضيح :
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج) والخراج هو الذي يأخذه الوالي من الأراضي المفتوحة عنوة، التي هي لكل المسلمين، فيؤجرها الوالي، في مقابل مال معلوم، ويسمى بالخراج، لأنه يخرج من الأرض، وأصحاب الخراج هم الذين يتولون الخراج ويودعونه خزينة الدولة (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن من لم يحذر) أي لم يخف العقاب (ما هو صائر إليه) أي : العاقبة التي يصير إليها، بأن لم يخف العقاب (لم يقدم لنفسه ما يحرزها) أي يحفظها من سوء المصير، من الأعمال الصالحة بخلاف من خاف، فإنّه يعمل حتى ينجو هناك من النكال والعذاب. (واعلموا أن ما كلفتم) من الطاعة ( يسير) سهل (وأن ثوابه) الذي قرره سبحانه على تلك الأعمال (كثير ) إذ هو الثواب الأبدي الذي لا يشوبه حزن وألم (ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان) أي الظلم والتعدي، و[من] بيان [ما] .
عِقَابٌ يُخَافُ لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لاَ عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ . فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ، فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ، وَوَكَلَاءُ الْأَمَّةِ وسُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ. وَلَا تُحْسِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ، وَلاَ تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ، وَلَا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ، وَلَا دَابَّةَ يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا، وَلاَ عَبْداً،
................................
(عقاب يخاف) منه ، اسم كان، أي لو لم يكن عقاب في الظلم الذي نهى الله عنه (لكان في ثواب اجتنابه) أي الثواب الذي قرره سبحانه لمن اجتنب الظلم (ما لا عذر في ترك طلبه) فمن لم يطلبه، لم يكن معذورا عند الناس، لكثرة ثواب ترك الظلم. (فانصفوا الناس من أنفسكم) أي اجعلوا بينكم وبينهم النصفة، بإعطائهم حقهم، كما تأخذون منهم حقكم (واصبروا لحوائجهم) لا أن تتركوها ولم تهتموا بها ضجرا وضيقا (فإنكم خزان الرعية)جمع خازن وهو الحافظ للمال، فإنَّ عمال الخراج يحفظون الأموال عندهم، لتنفق في مصالح الناس (ووكلاء الأمة) فقد أعطى الأمة ثقتها بهم حيث دخل في بيعة الخليفة الآمر عليهم. (وسفراء الأئمة) أي الوسطاء بينهم وبين الناس، والمراد بالأئمة الخلفاء ومن إليهم(ولاتحسموا) أي لا تقطعوا (أحداً عن حاجته) بأن لا تؤدوها إليه (ولا تحسبوه عن طلبته) بأن تحيلوا بينه وبين ما يريد أن يعمل، وليت الإمام كان حاضرا، ليرى ماذا يعمل الموظفون بالناس، فی هذا الدور؟ . (ولا تبيعن للناس في) استيفاء (الخراج) وأخذه (كسوة شتاء ولا صيف) أي ما يحتاجون إليه من الكساء طول السنة، فإنَّه وإن كان الوقت صيفا لا يباع كساء الشتاء لأجل الخراج، وهكذا بالعكس (ولا دابة يعتملون عليها) أي اللازمة لأعمالهم في الزرع والحمل وما أشبه (ولا عبدا) يحتاجون
وَلَا تَضْرِبُنَّ أَحَداٌ سَوْطاٌ لِمَكَانِ دِرْهَمٍ، وَلَا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، مُصَلِّ وَلَا مُعَاهَدٍ، إِلَّا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلَاحَاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ ، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونَ شَوْكَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةٌ ، وَلاَ الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ، وَلَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةٌ، وَلا دِينَ اللهِ قُوَّةٌ وَأَبْلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا
...............................
إليه مما يعد مؤنة لهم .
(ولا تضربن) أصله تضربون، حذف نونه للنهي، وواوه لالتقاء الساكنين (أحدا سوطا لمكان درهم) أي لأجل طلبكم منهم المال إذا لم يعطوكم (ولا تمس مال أحد من الناس) بأن تأخذوه للبيع وأخذ الخراج من ثمنه (مصل) أي مسلم (ولا معاهد) كتابي في ذمة المسلمين. (إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا) في يد المعاهد، المستحق عليه الخراج (يعدي به على أهل الإسلام) فإنَّ من طبيعة الكتابي أن يتعدى على المسلم إذا وجد فرصة، فحينئذ يجوز بيع ذلك الفرس أو السلاح في الخراج (فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام فيكون شوكة عليه) أي على الإسلام والمسلمين (ولا تدخروا أنفسكم نصيحة) ادخر الشيء إذ أبقاه ليصرفه في وقت الحاجة أي لا تمنعوا أنفسكم من نصح المسلمين، بظن أنكم تخفون ذلك النصح لوقت آخر، بل مهما عملتم من نصح فابذلوه، وهذا من أهم الدساتير، فكثيراً ما يعلم أحد شيئا في صلاح الناس لكنه لا يبديه لهم، بزعم أنهم إذا علموا احتياجهم تبعوه وسألوه أو ما أشبه ذلك (ولا) تدخروا (الجند حسن سيرة) أي سيروا معهم سيرة حسنة فلا تدخروا رواتبهم (ولا الرعية معونة) أي عونا، بل أعينوهم من الخراج بقدر رفع حاجاتهم ( ولا دين الله قوة) فابذلوا كل ما تتمكنون من المال لتقوية دين الله سبحانه (وابلوا في سبيل الله) أي أدوا لأجله سبحانه (ما
اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا ، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم.
................................
أستوجب عليكم) أي ما وجب من الفرائض .
( فإن الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم) يقال اصطنعت عنده أي طلبت منه أن يصنع لي شيئا، والمعنى طلب سبحانه منا (أن نشكره بجهدنا) أي بكل قوانا وجهودنا، وشكره أداء ما وجب علينا (وأن ننصره) والمراد نصرة دينه (بما بلغت قوتنا) أي بجميع قوتنا (ولا قوة) لأحد (إلا بالله العلي العظيم) فإنَّه تعالى هيأ الأسباب وأرشد إلى المصالح.
أَمَّا بَعْدُ، فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظُّهْرَ حَتَّى تَفِيءَ الشَّمْسُ مِنْ مَرْبِضِ الْعَنْزِ وَصَلُّوا بِهِمُ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ حَيَّةٌ فِي عُضْوٍ مِنَ النَّهَارِ حِينَ يُسَارُ فِيهَا فَرْسَخَانِ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرِبَ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ، وَيَدْفَعُ الْحَاجُّ
.............................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فصلوا بالناس الظهر) من أول الزوال (حتى تفيء) أي ترجع (الشمس من مريض العنز) أي حائط محل نوم الأغنام فإنّ الحائط يعدم ظله أول الظهر - تقريبا - ثم يرجع الظل المغربي إلى ناحية المشرق كلما رجعت الشمس نحو المغرب، والمراد أن يصير ظل كل شيء مثله، فإنَّه آخر وقت فريضة الظهر (وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء) لم تصفر للغروب (حية) لم تقترب من المغيب الذي هو كالموت لها، والمراد بذلك فضيلة الإتيان بالعصر في هذا الوقت قبل اصفرار الشمس (في عضو) أي جزء (من النهار حين يسار فيها) أي في الشمس (فرسخان) بأن بقيت ساعتان إلى الغروب حتى إذا أراد الشخص السير والسفر، كان فرسخان من سيره في النهار حيث كانت الشمس باقية فوق الأفق. (وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم) أي بعد الغروب بمقدار ربع ساعة (ويدفع الحاج) من
إِلَى مِنيَّ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْعِشَاءَ حِينَ يَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْغَدَاةَ وَالرَّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَصَلُّوا بِهِمْ صَلاةَ أَضْعَفِهِمْ، وَلَاَ تَكُونُوا فَتَّانِينَ.
..............................
عرفات - ليلة العاشر - (إلى) نحو (منى) فإنَّه يسير ليلا إلى نحو منى، ليبيت في المشعر، ثم يصبح في منى بعد طلوع الشمس (وصلوا بهم مس (وصلوا بهم العشاء حين يتوارى) أي يغيب (الشفق) وهو الضياء أول الليل، وغيبوبة الشفق بعد ساعة من الغروب - تقريبا -(إلى ثلث الليل) فإنَّه آخر وقت العشاء (وصلوا بهم الغداة) أي صلاة الصبح (والرجل يعرف وجه صاحبه) من الضياء، وكأن هذا تأخير عن أول وقتها - وهو طلوع الفجر الصادق - لأجل قيام الناس من النوم وجمعهم في المسجد (وصلوا بهم صلاة أضعفهم) بأن يخفف الإمام في صلاته حسب طاقة أضعف المأمومين من المرضى والعاجزين (ولا تكونوا) أيها الأئمة للجماعة (فتانين) أي موجبين لفتنة المأمومين ونفرتهم من صلاة الجماعة بسبب التطويل في الصلاة.
كتبه للأشتر النخعي، لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ مِنْ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ ، حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ : جِبَايَةَ خَرَاجِهَا،
..........................
التوضيح :
(كتبه للأشتر النخعي، لما ولاه على مصر وأعمالها) أي بلادها وقراها (حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر) فطلبه الإمام، وجعل مكانه مالك الأشتر (وهو أطول عهد) للإمام(عليه السلام)(كتبه وأجمعه للمحاسن) والآداب والسياسات. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ابتداء باسم الإله المستجمع لجميع صفات الكمال المكرر رحمته في الدنيا وفي الآخرة، وقد ذكرنا تفسير البسملة مفصلا في كتاب التفسير (هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر) وأصل مالك من اليمن، وكان من الشجعان، وقد قال فيه الإمام(عليه السلام)كان لي، كما كنت الرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وسمي بالأشتر، لخرق جفنه الأسفل في بعض الحروب.
( في عهده إليه) عهد إليه أي أوصى بوصية، والتعدية بـ [إلى] لانتهاء العهد إلى ذلك الطرف (حين ولاه مصر) أي جعله واليا عليها (جباية خراجها)
وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا ، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا . أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتِي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا، وَلاَ يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ ، جَلَّ اسْمُهُ ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ،
.......................
أي ولاه لأجل جمع خراج مصر والجباية بمعنى : الجمع والخراج ما يخرج من الأرض من المنافع والحقوق. (وجهاد عدوها) الداخلي كمعاوية والخارجي كالروم (واستصلاح أهلها) أي طلب صلاحهم بالإرشاد والتأديب وما إلى ذلك (وعمارة بلادها) بأن يعمرها بالدور والشوارع والحوانيت والحمامات والبساتين وما إلى ذلك (أمره) علي(عليه السلام)( بتقوى الله) بأن يخافه فيطيعه فيما أمر ونهى (وإيثار طاعته) بأن يقدم طاعته على كل شيء (واتباع ما أمر به) سبحانه (في كتابه) القرآن الكريم (من فرائضه) الواجبة (وسننه) المستحبة (التي لا يسعد أحد إلّا باتباعها) والعمل بها (ولا يشقى إلّا مع جحودها) أي إنكارها (وإضاعتها) بعدم العمل بها (وأن ينصر) الأشتر (الله) تعالى(سبحانه بقلبه) بالعزم على تنفيذ أوامره في البلاد والعباد (ويده) بالتأديب والجهاد والكتابة، وما أشبه ( ولسانه) بقول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (فإنه جل اسمه) أي عظم، والإضافة إلى الاسم للتشريف ، وإلا فأصل الجلال في المسمى (قد تكفل) وضمن (بنصر من نصره) أي نصر دينه حيث قال سبحانه :إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (1).
( وإعزاز من أعزه) فإنَّ من أعز الله تعالى بالقيام لأجله، أعزه سبحانه بين
1) سورة محمد : 7
وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَيَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلَّا مَا رَحِمَ اللهُ ، ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ، أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنتَ تَقُولُ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ، فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ،
.............................
الناس. (وأمره) علي(عليه السلام) (أن يكسر نفسه من الشهوات) أي يذلها فلا يعطيها ما تطلبه من الملذات والمشتهيات (ويزعها) أي يكف نفسه عن المطامع والمطامح (عند الجمحات) أي إذا جمحت النفس وعصت إلّا عن نيل الملذات (فإن النفس أمارة بالسوء) أي كثيرة الأمر بالأعمال السيئة (إلا ما رحم الله) سبحانه فحفظ الإنسان نفسه - برحمته تعالى - عن الانسياق وراء الشهوات والأهواء. (ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك) أي أرسلتك (إلى بلاد قد جرت عليها دول) جمع دولة، وجرت بمعنى مضت (قبلك) وقبل دولتك (من عدل وجور) أي أن بعض تلك الدول كانت عادلة وبعضها كانت ظالمة (وأن الناس ينظرون من أمورك) وكيف تعمل أيام حكومتك (في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك) فكنت تقول هذا حسن وهذا سيء، وهكذا ينظر الناس إليك (ويقولون فيك) وفي تصرفاتك (ما كنت تقول فيهم) من تحسین حسناتهم وتقبيح قبائحهم (وإنما يستدل على الصالحين) وأن أي الناس صالح وأيهم ليس بصالح .
(بما يجري الله لهم على ألسن عباده) فإنّ مدح الناس شخصا، كان دليلا على صلاحه (فليكن أحب الذخائر ) التي تدخرها (إليك، ذخيرة العمل الصالح)
فَامْلِكُ هَوَاكَ وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لا يَحِلُّ لَكَ، فإنَّ الشَّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فَيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ، وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ ، ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبْعاً ضَارِياً ، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ
...............................
في مقابل ذخيرة الملوك والولاة للمال والجواهر (فاملك هواك) لئلا يردك موارد الهلكة (وشح بنفسك) أي ابخل بها فلا تبذلها(عما لايحل لك) من الأعمال والأقوال والتصرفات . (فإن الشح بالنفس) بعدم صرفها في موارد الهلكة (الأنصاف منها فيما أحبت) بعدم التعدي (أو كرهت) بعدم التفريط، فإنَّ الإنسان قد يحب شخصا فيسرف في إكرامه ، وقد يكره شخصا فيبخل حتى في إكرامه اللائق به، والشح بالنفس العمل مع كل إنسان حسب قابليته لا حسب حب الإنسان أو كرهه له. (واشعر قلبك الرحمة للرعية) حتى يكون حب الرعية داخلا في قلبك، وذلك فإنَّ الإنسان بكثرة التفكر في أمر ، يكون ذلك الأمر ملكة له (والمحبة لهم) بأن تحبهم (واللطف بهم) بأن تكون لطيفا في معاملتك معهم (ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا) أي تضرهم (تغتنم أكلهم) والمراد هضمهم حقوقهم، والتصرف في أموالهم بالاغتصاب. (فإنهم) أي الناس (صنفإن) أي قسمان (إما أخ لك في الدين) إن كان مسلما كما قال سبحانه إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخوَةٌ(1)(أو نظير لك في الخلق) فإنَّ الناس يتشابه بعضهم بعضا، فيما لم يكن مسلما (يفرط منه الزلل) أي يسبق منهم الخطأ، والتعبير بالسبق، لبيان أنه لا يريد الخطأ، وإنما الخطأ يبدر بدون أن يصل الإنسان إليه فيقف أمامه حتى لا يبدر.
1) سورة الحجرات : 10
وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِةِ وَصَفْحِهِ ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالى الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ. وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللهِ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ . وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ
.....................................
(وتعرض لهم العلل) أي علة الأعمال السيئة فيسيؤون بسبب تلك العلل (ويؤتى على أيديهم) العمل القبيح (في العمد والخطأ) وهذا طبيعة الإنسان، إذ ليس معصوما ( فأعطهم من عفوك وصفحك) عن إساءتهم (مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه) بالنسبة إلى ذنوبك وآثامك . (فإنك) يا مالك (فوقهم) أي أعلى مرتبة من الرعية (ووالي الأمر عليك) والمراد به نفسه الكريمة (فوقك) رتبة (والله) سبحانه (فوق من ولاك) فاللازم ملاحظته سبحانه في أمره ونهيه (وقد استكفاك) أي طلب سبحانه منك كفاية (أمرهم) بإنجاز طلباتهم والقيام بمصالحهم (وابتلاك بهم) أي اختبرك بسببهم حيث جعلك والياً عليهم (ولا تنصبن نفسك لحرب الله) أي مخالفة شريعته تعالى بالظلم والجور، فإنَّ الوالي الجائر كالذي نصب نفسه للمحاربة. (فإنه لا بد لك بنقمته) أي ليس لك يد وقوة لدفع عذابه تعالى إذا أراد بك سوءا (ولا غنى بك عن عفوه ورحمته) فإنَّ الإنسان مهما كان رفيعا محتاج إلى فضله تعالى، ومن هو بهذه المنزلة يحتاج إلى شخص ولا يتمكن من دفع نقمته، لا ينصب نفسه مخالفا له، حتى يقطع رحمته منه أو ينزل عقوبته به (ولا تندمن على عفو) فإنَّ عفوت عن مجرم أجرم إليك ثم عفوت عنه فلا تندم أبدا، إذ العفو أحسن عاقبة من الانتقام.
وَلاَ تَبْجَحَنَّ بعُقُوبَةٍ، وَلاَ تُسْرعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحةً، وَلاَ تَقُولَنَّ : إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأَطَاعُ، فإنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيرِ وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أَبْهَةً أَوْمَخِيلَةٌ ، فَانظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ ،
..................................
(ولا تبجحن بعقوبة) أي لا تفرحن بسبب ما عاقبت به أحداً، فإنَّ العقوبة شر عاقبة مهما كانت حقا (ولا تسرعن إلى بادرة) وهي ما يظهر من الإنسان من قول أو فعل عند الغضب (وجدت منها مندوحة) أي مفرا ومخلصا، بل فر من آثار الغضب حتى يهدأ. (ولا تقولن إني مؤمر) قد أمرت من جانب الخليفة بكذا (آمر) لكم أيتها الرعية (فأطاع ) أي فاللازم أن أطاع، بأن ترى نفسك فوقهم (فإن ذلك) أي جعل الإنسان نفسه بهذه المنزلة، الموجبة للكبر (أدغال في القلب) أي إدخال للفساد فيه إذ الشخص الذي يفكر هكذا تفكير إذا عملت الرعية خلاف هواه عاقب بغير حق (ومنهكة للدين) أي مضعفة لدين الإنسان إذ ذلك يوجب الظلم والعدوان والكبر والترفع (وتقرب من الغير) أي الاغترار بالسلطة، والوقوع في تطورات غير محمودة. (وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة) [ما] فاعل أحدث، و[ من] بيان له و [أبهة ] مفعولة أي إذا سبب السلطة لك كبرا وعظمة (ومخيلة) أي الخيلاء والعجب (فانظر) لكسر جماح نفسك وإخراج الكبر من قلبك (إلى عظم ملك الله فوقك) فإنَّ النفس إذا نظرت إلى أعظم منها صغرت، واستصغرت ما هي فيه(وقدرته) سبحانه (منك على ما لا تقدر عليه من نفسك) يعني أنه تعالى قادر على التصرف في نفسك بالإفقار والأمراض والإماتة وما أشبه مما لا تقدر أنت على مثل ذلك، بالنسبة إلى نفسك .
فإنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ إِليكَ مِنْ طِمَاحِكَ، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ، وَيَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ . إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللهِ فِي عَظَمَتِهِ ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُتِهِ ، فإنَّ اللهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ ، وَيُهِينُ كُلِّ مُخْتَالٍ . أَنْصِفِ اللهَ وأنصِف النَّاسَ مِنْ نَفسِکَ ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ ، فإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ
............................
(فإن ذلك) النظر والتفكر في عظمته سبحانه (يطامن إليك) أي يخفض (من طماحك) أي ارتفاعك وكبرك (ويكف عنك) أي يمنع(من غربك) أي حدة تعظيمك لنفسك (ويفيء إليك) أي يرجع (بما عزب عنك) أي غاب (من عقلك) فإنَّ من ذهول العقل أن يرى الإنسان نفسه عظيما، وهي صغيرة حقيرة . (إياك) أي أحذر يا مالك (ومساماة الله) أي مباراته ومقابلته في السمو والعلو ( في عظمته والتشبه به في جبروته) بأن تكون جبارا، كما هو سبحانه جبار، فإنَّ جبره إنما هو في ملكه، وتجبر الإنسان يكون في غير ملكه، إذ الملك كله لله (فإن الله يذل كل جبار) يجبر الناس على ما لا يريدون. (ويهين كل مختال) أي متكبر (أنصف الله) بالإتيان بما أمر (وأنصف الناس) بإعطاء حقوقهم (من نفسك ومن خاصة أهلك) فلا تذرهم يتركون أوامره تعالى، أو يضيعون حقوق الناس (ومن لك فيه هوى من رعيتك) أي لك ميل إليه، من حاشيتك وأصحابك، فإنَّ الغالب أن أهل السلطان وحاشيته لا يهتمون بفرائض الله، ولا بحقوق الناس حيث يرون أنفسهم في غنى، وان الإنسان ليطغى أن رآه استغنى.
(فإنك إن لا تفعل) الأنصاف (تظلم) الناس بنفسك أو بحاشيتك وأهلك حيث أطلقت سراحهم يفعلون ما يشاؤون بالناس (ومن ظلم عباد الله كان الله
خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لِلهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ. وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ، وَتَعْجِيلِ نَقْمَتِهِ، مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلمٍ، فإنَّ اللهَ سَمِيعُ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ . وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ ، فإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى
............................
خصمه دون عبادة) فإِنَّ الله تعالى يتولى رد المظالم (ومن خاصمه الله أدحض حجته) أي أبطلها، لأنه سبحانه عالم بالواقعيات، فلا يعبر عليه الكذب والتزوير . (وكان) هذا الظالم (لله حربا) أي محاربا (حتى ينزع) أي يقلع عن الظلم (أو يتوب) فيما لو تمت المظلمة ولا محل للانزاع منها (وليس شيء أدعى) أي أكثر دعوة وتسبيبا (إلى تغيير نعمة الله) بذهابها عن الإنسان (وتعجيل نقمته) أي نكاله وعقابه على الإنسان (من إقامة على ظلم) أي من أن يقيم الإنسان ويستمر في ظلم الناس. (فإن الله سميع دعوة المضطهدين) أي يسمع شكاية المظلومين ودعائهم لزوال ملك الظالم (وهو للظالمين بالمرصاد) أي بمحل الرصد والترقب يراقبهم لأخذهم (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق) أي أعدلها من جهة كونه حقا مثلا أحب البذل ما لم يكن فيه إفراط ولا تفريط، وإن كانا جائزين في أنفسهما، لعدم كونهما مضرين (وأعمها في العدل) بأن يشمل عدلها الناس، فإذا أراد بذل ألف دينار، أعطاها لألف شخص مثلا، لا لمائة، وإن كان كلا الأمرين جائزا .
(واجمعها لرضى الرعية) بأن توجب لرضى جميع الرعية لا بعضهم دون بعض (فإن) الإنسان إذا لاحظ رضى البعض وهم الخاصة وقع في محذور غضب العموم ومن المعلوم أن (سخط العامة يجحف) أي يذهب (برضى
الْخَاصَّةِ ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ . وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوالِي مَؤُونَةٌ فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلْ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلَاءِ، وَأَكْرَة لِلْإِنْصَافِ ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكراً عِنْدَ الإِعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ ، وَأضعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ .
وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ،
..........................
( الخاصة) إذ العامة يوجبون أن يسخط الخاصة على الإنسان أيضا، إذا أكثروا الشكاوي عندهم، لأن الناس مرتبطون بعضهم ببعض. (وإن سخط الخاصة) أي بعض الناس، الذين يريدون الزيادة من حقهم على حساب سائر الناس (يغتفر) ولا يؤثر (مع رضى العامة) ولذا يجب على الإنسان أن يلاحظ رضى العامة، وإن سخط بعض الخاصة (وليس أحد على الرعية أثقل على الوالي مؤونة) أي ما يتطلب ويريد (في الرخاء) والراحة (وأقل معونة) أي عونا وإغاثة (له في البلاء) والشدة (وأكره للإنصاف) إذا أراد الوالي إعطاء حقه، لا أكثر (واسأل بالإلحاف) أي الإلحاح في السؤال (وأقل شكرا عند الإعطاء) أي إعطائه المال والمنصب وما أشبه (وأبطأ عذرا عند المنع) أي لا يقبل عذر الوالي إذا منعه عن العطية (واضعف صبرا عند ملمات الدهر) أي حوادثه التي تلم بالإنسان (من أهل الخاصة) أي أهل الخصوصية والقرب بالإنسان، وهم الحاشية، والجار متعلق، بأثقل، وما بعده من أفضليات التفضيلات، والسر في ذلك واضح لأن الخاصة يعدون أنفسهم من الطبقة الرفيعة، والطبقات الرفيعة غالبا يبتلون بهذه النقائص،لأنهم يرون لأنفسهم امتيازات موهومة .
(وإنما عماد الدين) الذين يقومون بأمره وسائر شؤونه (وجماع المسلمين) أي جماعتهم (والعدة) التي يهيّؤها الوالي (للأعداء) فيما إذا
الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ ، وَمَيلُكَ مَعَهُمْ . وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وَأَشْنَأَهُمْ أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسَ ، فإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً، الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا ، فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ، وَاللهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ
..............................
صارت محاربة (العامة من الأمة) لأنهم حيث لا يرون لأنفسهم امتيازات يعملون في جميع المجالات (فليكن صغوك) أي إصغاؤك (لهم) بالاختلاط معهم وقضاء حوائجهم . (وميلك معهم) فلا تحجبهم ولا تصرف نفسك عنهم، وهنا شيء لا بد من ذكره، وهو أنّ الإنسان مضطرّ للخاصّة، لأنهم هم الّذين يشاركونه في التفكير والاستعداد لمواجهة الأحوال فاللازم إرضائهم أيضاً، بما لا يسخط العامة، كما كان الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والإمام(عليه السلام) يفعلان ذلك، وأنجح الناس من تمكن من جمع الجهتين وإرضاء الطرفين، في طاعة الله سبحانه، ولكن هذا من أشكل الأمور. (وليكن أبعد رعيتك منك) تبتعد عنه أكثر من ابتعادك عن غيره (وأشنأهم) أي أبغضهم عندك (أطلبهم لمعائب الناس) أي أشدّهم طلباً وتفحّصاً وبياناً لعيوب النّاس (فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها) فإنَّه يحتاج إلى الكل، والكل يحتاجون إليه، فإذا أراد عيبهم تنفّر الطرفان أحدهما من الآخر، مما يجرُّ إلى التّصادم وما لا يحمد عقباه .
(فلا تكشفنّ) أي لا تفحصنّ (عمّا غاب عنك منها) أي من المعائب (فإنما عليك تطهير ما ظهر) فإنَّ الله سبحانه نهى عن التّجسّس ولم يأمر بالتّفحّص عمّا لا يعلم، وهذا هو منشأ ما اشتهر بين الفقهاء من قولهم : [ إنّما ما مورون بالظاهر] (والله يحكم على ما غاب عنك) فدعه لله تعالى (فاستر
الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سِتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ، أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ، وَتَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لاَ يَصِحُ لَكَ ، وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ ، فإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٍّ، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ . وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ، وَلاَ جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَن الأمور،
..........................
العورة) أي العيب (ما استطعت يستر الله منك) عيبك من (ما تحب ستره من رعيتك) أي من عيوبك التي تحبّ أن لا يعرفها الرّعية. (أطلق عن الناس عقدة كل حقد) فإنَّ الأحقاد ولائد أسباب خاصة، إذا أزال الإنسان تلك الأسباب زالت تلك العقد النفسية التي تورث الحقد الدائم (واقطع عنك كل وتر) أي كل عداوة، مثلاً هذا يعادي الإنسان لأنه لم يكرمه في مجلس. وذاك يعادي لأنه لم يعط ، وثالث يعادي لأنه ما زاره عند رجوعه من سفره، فإذا تدارك الإنسان هذه الأمور زالت العداواة والأحقاد (وتغاب) أي كن كالغائب في عدم المعرفة (عن كل ما لا يصح لك) من من دعوة، أو عقوبة، أو إعطاء، أو ما أشبه، فاجعل نفسك كأنّك لم تفهمه ولم تحضر الأمر (ولا تعجلن إلى تصديق ساع) يسعى بذكر معائب النّاس وجرائمهم لتنزل عقوبتك عليهم (فإن السّاعي غاش) يغش ويكذب ويوجب الفساد (وإن تشبه بالنّاصحين) لك، لأنّه يقول أنا ناصح أريد اطلاعك على الخفايا، لتأخذ حذرك منها .
(ولا تدخلن في مشورتك) الشور الفحص عن الحق بسبب تصفح الآراء والأفكار (بخيلاً يعدل بك عن الفضل) فيقول لك لا تتفضل ولا تعط، خوفاً من الفقر، أو لعدم استحقاق الآخذ أو ما أشبه (ويعدك الفقر) إن أنت أعطيت ما عندك (ولا جباناً يضعفك عن الأمور ) لأنه يخاف من مواجهة المشكلات.
وَلاَ حَرِيصاً يُزَيْنُ لَكَ الشَّرَةَ بِالْجَوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنّ بِاللَّهِ إِنَّ شَرّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَار قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الأَثَامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظُّلَمَةِ وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ مِمَّنْ لَمْ آرَائِهِمْ وَنَفَادِهِمْ يُعاوِنَ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ،
.........................
(ولا حريصاً) على الملك والمال، وما أشبه (يزين لك الشره) هو الإفراط في الملذّات (بالجور) فيقول لك انهب الأموال، ليكون لك مال أو نحو ذلك( فإن البخل والجبن والحرص غرائز) أي طباع (شتى) متفرقة في الإنسان (يجمعها سوء الظن بالله) فالسيء الظن بإعطائه سبحانه وتعويضه ما أعطى الإنسان، يكون بخيلاً، والسيء الظن بإعانته ونصره يكون جباناً، والسيء بتقديره تعالى يكون حريصاً. (إن شر وزرائك) الوزير هو المؤازر للعمل (من كان للأشرار قبلك وزيرا) لأنه مكروه عند الناس، منحرف النفس (ومن شركهم في الآثام) والمعاصي (فلا يكوننّ) أمثال هذا الوزير (لك بطانة) أي وزيراً وخاصة لك (فإنهم أعوان الأثمة) جمع آثم أي فاعل الإثم، فإنّ من اعتاد على الإثم يعين الآثمين . (وإخوان الظلمة) جمع ظالم، وأخو الظالم لا يعين العادل، بل يعين الظالم فإن الطيور على أشكالها تقع - (وأنت) يا مالك (واجد) أي تجد (منهم) أي بدل هؤلاء الوزراء (خير الخلف) فإنَّ البلاد لا تخلو عن الحكماء المعتدلين (ممن له مثل آرائهم) الصائبة (ونفاذهم) في الأمور، بمعرفة كيفية العمل، والإتيان بالفعل فعلاً (وليس عليه مثل أصارهم) جمع إصر، وهو: الذنب والحمل الثقيل ( وأوزارهم) جمع وزر، بمعنى الإثم.( ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه) حتى يكون له سابق سیء عند الله
وَلا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ : أُوَلِئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَؤُونَةٌ، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ الْفاً، فَاتَّخِذْ أُولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ، ثُمَّ لِيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ، وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةٌ فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللهُ لِأُولِيَائِهِ ، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ .
......................
وعند الناس (ولا آثماً على إثمه) وإن لم يكن الإثم ظلما للغير، كشرب الخمر وما أشبه (أولئك) الوزراء الذين ليست لهم سابقة سوء (أخف عليك مؤونة) فإنَّهم لم يعتادوا أخذ الأموال من الولاة، حتى يريدوا مثلها منك (وأحسن لك معونة) لأنهم لم يترهلوا في الحكم حتى يثقل عليهم العمل (وأحنى عليك عطفاً) أي أكثر حنواً وميلا وتعطفاً عليك، لأنهم يرون أنك ولي نعمتهم. (وأقل لغيرك إلفاً) أي ألفة ومحبة، إذ لم يسبق لهم حكم حتى ألفوا الناس (فاتخذ أولئك) الجدد من الوزراء (خاصة لخلواتك) تخلو بهم للاستشارة (وحفلاتك) إذا أردت أن تحتفل بشيء والمراد اجتماعاتك بالناس للأعياد وأشباه ذلك ( ثم ليكن أثرهم عندك) أي أفضلهم لديك الذي تقدمه على غيره ( أقولهم بمرّ الحق لك) أي أكثر تكلّماً بالحق المحض، والإتيان بلفظ [ مر،] لأن الحق مرّ، بخلاف الباطل الذي هو حلو، لأنه انفكاك عن القيد والتبعة .
(وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه) كصرف العمر في البطالة، وما أشبه بأن يكون ذلك الوزير لا يساعدك على مثل هذا الأمر، وإنّما يساعدك في الأمور الحسنة (واقعاً ذلك) المكروه لله( من هواك حيث وقع) أي وإن كان ذلك الأمر من أشد مرغوباتك، وكلمة [واقعاً] حال مما كره الله، فإنَّ بعدم مساعدة الوزير لك يعرف أنه لا يعمل حسب هواك وإنما
وَالْصَقَ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ ، ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلّا يُطْرُوكَ وَلَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ ، فَإِنَّ كَثرَةَ الإِطَراءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ، وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ . وِلاِ يكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الإِسَاءَةِ! وَأَلْزِمْ كُلّاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى
...........................
يعمل حسب أوامر الله والصلاح (والصق) أي اقترب يا مالك (بأهل الورع) الخائفين من الله سبحانه. (والصدق) الصادقين في أعمالهم وأقوالهم (ثمّ رضهم) أي عوّدهم، من الرّياضة (على أن لا يطروك) أي لا يمدحوك (ولا يبجحوك) أي : لا يفرحوك (بباطل لم تفعله) بأن يقولوا فعل الوالي كذا، والحال أنّك لم تفعله، وإنّما فعله غيرك (فإن كثرة الإطراء) والمدح (تحدث) في الممدوح (الزّهو) أي الفخر والعجب بالنّفس( وتدني) أي تقرب الممدوح (من العزّة) أي الكبر والاعتزاز، وكل ذلك رذيلة . (ولا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء) أي متساوين فتحترم المسيء كما تحترم المحسن (فإن في ذلك تزهيدا) وتنفيراً (لأهل الإحسان في الإحسان) إذ يقول المحسن لا داعي لي في الإحسان، وقد أرى استواء منزلتي بمنزلة الذي لم يتعب ولم يحسن؟
(وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة) إذ يقول المسيء، يظهر أنه لا مانع في الإساءة وإلا كنت مكروها لدى الناس، فلا مانع من الاستمرار في الإساءة ؟ . (وألزم كلّاً منهم) أي من المحسنين والمسيئين (ما ألزم نفسك) بإكرام المحسن، وإهانة المسيء، فإنَّ المحسن بإحسانه طلب لنفسه الإكرام، والمسيء بإساءته طلب لنفسه الإهانة (واعلم أنه ليس شيء بأدعى) أي بأكثر
إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ . فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرُ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلا. وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ،
................................
طلب ودعوة (إلى حسن ظن راع برعيته، من إحسانه إليهم) فإذا أحسن إليهم أحبّهم، لأنه أمن منهم ووثق بمحبتهم له، فيحبّهم، (وتخفيفه المؤونات) أي الصعوبات (عليهم) فإنَّه إذا شدد عليهم في الأمر كرهوه، فكرههم، أما إذا خفّف عليهم أحبوه فأحبهم (وترك استكراهه) أي إكراهه (إياهم على ما ليس له قبلهم) أي عندهم بأن لا يكرههم على إتيانهم بشيء والحال أنه لا يحق له ذلك، كأن يكرههم على حضور مجلسه دائماً، والحال أنه ليس من حق الوالي على الرعية ذلك . (فليكن منك) يا مالك (في ذلك) الذي ذكرت (أمر يجتمع لك به) أي بسببه (حسن الظن) من رعيتك إليك، حتى يظنوا أنك لا تريد إلّا خيرهم ولا تحمّلهم أمراً شاقاً، فإذا فعلت ذلك (يقطع عنك) أي يزيل عنك (نصباً) وتعباً (طويلاً) إذ الرعية إذا أساؤوا الظن بالوالي، أوجدوا له في كل يوم مشكلة، ولم يعينوه في أموره، بخلاف ما إذا أحسنوا به الظن فإنّهم يكونون له عوناً، عوض أن يكونوا عليه ثقلاً.
(وإن أحق من حسن ظنك به لمن بلائك عنده) أي امتحانك له، بأن رأيته عاملاً مجاهداً مخلصاً، والبلاء بمعنى الصنع، ويستعمل في الحسن والسيء (وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده) فاللازم أن يجعل الإنسان ميزان حسن الظن وسوء الظن مقادير الناس من العمال السابقة، لا أن يجعل الميزان، مقادير مدحهم وذمهم للوالي، يطرد الناقد، ويقرب
وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةٌ صَالِحَةٌ عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاجْتَمَعَتْ بهَا الْأُلْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ. وَلاَ تُحْدِثَنَّ سُنَّةَ تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَن فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا . وَأكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ، وَمُنَافَثَةَ الْحُكَمَاءِ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيهِ أمْرُ بِلادِكَ،
...........................
المطري - كما هي هي العادة عند الأغرار من أصحاب السلطة- (ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة) أي السابقون منهم، فإنَّ الولاة كثيراً يأخذهم الكسل والترهل فيتركوا بعض السنن استثقالاً، ويستمر الأمر على ذلك حتى تموت تلك السنة بين الناس (واجتمعت بها) أي بتلك السنة (الألفة) بين الناس ( وصلحت عليها) أي على تلك السنة (الرعية) وذلك مثل أن يترك حضور الجماعة، بل يستنيب مكانه، فإنَّ الجماعة من عمل صدر الإسلام، وفيها يأتلف الناس بعضهم ببعض، ويصلح الوالي بها ولاؤهم. (ولا تحدثن سنة) أي طريقة جديدة (تضر بشيء من ماضي تلك السنن) فإذا صرف الناس نشاطهم في هذه السنة الجديدة، لم يبق لهم نشاط لصرفه في السنة القديمة، كأن یسن مثلاً زيارة الحسين(عليه السلام) يوم العشرين من شعبان بمناسبة - وإن أعلن للناس أنه من باب مطلق الزيارة لا من باب زيارة خاصة - فلا يأتي الناس إلى الزيارة في النصف منه (فيكون الأجر لمن سنها) أي سن تلك السنن السابقة، كلأئمة(عليهم السلام) .
( والوزر عليك بما نقضت منها) حيث صارت طريقتك موجبة لترك تلك السنة (وأكثر) يا مالك (مدارسة العلماء) أي المباحثة معهم في شؤون الإسلام (و منافثة الحكماء) أي محادثتهم، والحكماء هم المطلعون على الأوضاع (في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك) بأن يكون سبباً لاستقرار أوضاع البلاد
وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ ، وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ : فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ، وَمِنْهَا كتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةَ النَّاسِ،
.............................
(وإقامة ما استقام به الناس قبلك) حتى تعلم ماذا صار سبباً لاستقرار الناس واستقامتهم، قبلك في الحكومات الماضية، فتعمل به، وماذا صار يعكس ذلك فتتركه (واعلم) يا مالك (أن الرعية طبقات) مختلفة (لا يصلح بعضها إلّا بعض) لأن كل طبقة تقوم بنواقص الطبقة الأخرى (ولا غنى ببعضها عن بعض) الاحتياج كل طبقة إلى سائر الطبقات، مثلاً الخباز يحتاج إلى الحطاب، وبالعكس، وهكذا. (فمنها جنود الله) أي الجيش المحافظون للبلاد، وإضافته لله من باب كونهم حماة بلاد الإسلام المنسوب إليه سبحانه (ومنها كتاب العامة والخاصة) كتّاب، جمع كاتب، وكتاب العامة هم الذين يكتبون لعامة الناس، كالخراج والمظالم، وكتاب الخاصة هم الذين يكتبون أوامر الوالي إلى العمّال نصبهم وعزلهم وأخبار الأعداء، وما أشبه ذلك ممن لا يرتبطون بعامة الناس، وإنما هم من خواص الوالي وأهل سره .
(ومنها قضاة العدل) أي القاضون بين الناس بالعدل (ومنها عمّال الإنصاف والرفق) الذين يعملون للوالي، بإحضار الناس وتبليغهم، ومن يودعهم الوالي الأموال، من لهم الإنصاف في الأمور، ويعالجون المشاكل بكل رفق ولين (ومنها أهل الجزية) اليهود والنّصارى والمجوس الذين يؤدون قدراً من أموالهم - بعنوان الجزية - في مقابل حماية الدولة لهم (والخراج) الذين يدفعون إيجار الأراضي التي هي للدولة لكونها مفتوحة عنوة، ممن استأجروهم لمصالحهم الزراعية وما أشبه (من أهل الذمة ومسلمة الناس) أي
وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٍّ قَدْ سَمَّى اللهُ لَهُ سَهْمَهُ وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِيضَةٌ فِي كِتَابِهِ، أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنا مَحْفُوظاً. فَالْجُنُودُ - بِإِذْنِ اللهِ - حُصونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوُلَاةِ، وَعِزُّ الدِّينِ وَسُبُلُ الْأَمْنِ، وَليْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ . ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلَّا بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ
............................
الذين استسلموا ودخلوا في طاعة الدولة (ومنها التّجّار) الذين يتجرون ويكسبون (وأهل الصّناعات) الّذين لهم صنعة كالحداد والنجار ومن أشبههم (ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة) أي الفقراء، من الذين لا يدخلون تحت تلك العناوين. (وكل) من أصناف هذه الطبقات (قد سمّى الله) أي عين سبحانه (له سهمه) أي نصيبه وحكمه (ووضع على حده) أي شأنه (فريضة) أي : بين الواجب له وعليه (في كتابه) القرآن الحكيم (أو سنة نبيه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عهداً منه)(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(عندنا محفوظاً) فنعلم حكمه ببيان الرسول (فالجنود - بإذن الله- ) هذا للتبرك، وإلا فمن المعلوم أن كل شيء في الكون بإذن الله وإرادته إذ لو لم يرد شيئاً بالإرادة التكوينية، لم يصر إطلاقاً .
(حصون الرعية) فكما يحفظ الحصن أهله، كذلك يحفظ الجند الناس من خطر الأعداء . (وزين الولاة) إذ الوالي يتزين بالجند، كما يتزين الإنسان بالملابس وما أشبه(وعز الدين) إذ يكون لهم سطوة ورهبة في نفوس الأعداء(وسبل الأمن) لأن بهم يأمن الناس على أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، إذ الأمن إنّما يأتي بسبب القوّة (وليس تقوم الرعية) وتستقيم (إلّا بهم) إذ لولا الجند لثار كل طامع ، ونهب كل لص، وهكذا. (ثم لا قوام للجنود إلّا بما الله يخرج لهم من الخراج) إذ الكافل بشؤون الجيش من السلاح والعتاد وما
الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ. ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَينِ الصِّنْفَيْنِ إِلَّا بِالصِّنفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَيَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا . وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلَّا بِالتُّجَارِ وَذَوي الصِّنَاعَاتِ، فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ
................................
أشبه، وجمعهم تحت لواء الطاعة، هو المال (الذي يقوون به على جهاد عدوهم) الذي هو عدو المسلمين (ويعتمدون عليه) أي على ذلك الخراج (فيما يصلحهم) من السلاح والزاد وما أشبه (ويكون من وراء حاجتهم) أي محيطاً بجميع حاجاتهم، فيسدها . (ثم لا قوام لهذين الصنفين) الجنود، وأهل الخراج (إلا بالصنف الثالث من القضاة) ليحل مشاكلهم وإلّا وقع التصادم وفسد النظام (والعمال) الذين يجمعون الخراج (والكتاب) الذين يكتبون المرافعاتف ومقادير الخراج وما أشبه (لما يحكمون من المعاقد)جمع معقد بمعنى العقد في البيع والشراء وسائر المعاملات كالقضاة، و[لما] علة لقوله(عليه السلام) : [لاقوام] (ويجمعون من المنافع) وهم العمال الذين يجمعون الخراج وسائر أموال الدولة (ويؤتمنون عليه) أي يكونون أمناء لشؤون الدولة (من خواص الأمور وعوامها) بالكتابة والإنشاء. (ولا قوام لهم جميعاً إلّا بالتّجار) الذين يتجرون ويجمعون المال، (وذوي الصناعات) من الناس، وذلك لأنهم الصنف الذي يوجد المال، والأصناف السابقة لا يقومون إلّا بالمال (فيما يجتمعون عليه من مرافقهم) الضمير للتجار وذوي الصناعات، أي بسبب يجمعون المنافع وكيفية إيرادها وإصدارها، (ويقيمونه من أسواقهم) أي إنهم لأجل مرافقهم يقيمون الأسواق (و) ما (يكفونهم) أي
مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ مَا لَا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ. ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ، وَفِي اللهِ لِكُلِّ سَعَةٌ، وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ . وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالاهْتِمَامِ وَالاِسْتِعَانَةِ بِاللهِ ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُوم الْحَقِّ ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ. فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُم فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِإِمَامِكَ، وَأَنْقَاهُمْ
................................
يكفي أصحاب الصناعات، سائر الناس (من الترفق) والعمل (بأيديهم) في إنتاج المصنوعات ( ما لا يبلغه رفق غيرهم) لأن غيرهم لا يعرف كيفية الصنعة (ثم الطبقة السفلى)، وسمي بهذا، لأنه يأكل ولا يعمل لعدم قدرته على العمل . (من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق) أي يجب (رفدهم) أي مساعدتهم (ومعونتهم) أي إعطاء العون لهم (وفي) خلق الله سبحانه (الكل)من هذه الطبقات المتقدمة (سعة) إذ قد هيأ في الأرض كل ما يحتاج إليه الإنسان ( ولكل) من هذه الطبقات (على الوالي حق بقدر ما يصلحه) ويهيئ أمره ، إذ الوالي هو المنظم العام للدولة .
(وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك) الحق الذي للطبقات عليه (إلّا بالاهتمام) بأمور الناس (والاستعانة بالله) ليعينه فيما كلفه حتى يقدر على القيام به (وتوطين نفسه) أي تحضير ذاته (على لزوم الحق والصبر عليه) أي على الحق (فيما خف عليه) بأن سهل فعله (أو ثقل) عليه وصعب الإتيان به. (فول من جنودك) أي اجعلهم والياً على سائرهم (انصحهم في نفسك) أي تطمئن نفسك بكونه أنصح من سواه (لله ولرسوله) بأن يطيع الكتاب والسنة ( ولإمامك) أي نفسه الكريمة (وأنقاهم) أي أطهرهم
جَيْباً وَأَفْضَلَهُم حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ وَيَرْأَفُ بالضُّعَفَاءِ وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ، مِمَّنْ لَا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَلَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالْأَحْسَابِ، وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ، ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ، فَإِنَّهُمْ
............................
(جيبا) جيب القميص طوقه في طرف العنق، والمراد طهارة الصدر والقلب، وعدم إتيانه بلوث يلزم عنقه ( وأفضلهم حلماً) بأن يكون أحلمهم (ممّن يبطئ عن الغضب) فإذا غضب لم ينفذ غضبه . (ويستريح إلى العذر) فإذا اعتذر إليه المسيء قبل عذره، وجعله راحة لنفسه (ويرأف بالضعفاء) فيقضي حوائجهم (وينبو) أي يشتد ويعلو (على الأقوياء) فيوقفهم عند حدهم، حتى لا يظلموا الضعفاء (ومن لا يثيره) ولا يبهجه (العنف) والشدة في الأمر، لأنّ نفسه ساكنة هادئة (ولا يقعد به الضعف) بل ينفذ الأمر الصالح، وإن كان في حالة ضعف ووهن، ثمّ بين الإمام(عليه السلام) ، من ينبغي أن يكون ولاة الجند، ممن يجتمع فيه هذه الصفات بقوله : (ثم الصق) في تولية الجند (بذوي المروءات) المروة الرجولة (الأحساب) أي أصحاب الحسب والفضيلة (وأهل البيوتات الصالحة) أي المعروفة بالصلاح، وبيوتات جمع بيت، والمراد من له عشيرة، والإنسان صاحب العشيرة أفضل من غيره، لما عركته التجارب، وله وزن عند الناس، وهو يلاحظ شرف عشيرته فلا يسرع إلى بعض ما لا يحمد - وكل ذلك غالبي - (والسوابق الحسنة) فمن حسنت سابقته تحسن لاحقته (ثم أهل النجدة) الذين يعينون الناس، ويغلبون على الأمور الصعاب، فإنَّ النجدة بمعنى الإعانة، والغلبة (والشجاعة والسخاء والسماحة) الذين يسمحون في الأمور لسعة صدرهم، ولا يضيقون الأشياء. (فإنهم) أي المتصفين بهذه
جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ، وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ . ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا ، وَلا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ، وَلا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا، فإنَّ لِلْيَسِير مِنْ لُطْفِكَ مَوْضعاً
.................................
الصفات (جماع من الكرم) أي مجموع منه (وشعب من العرف) جمع شعبة ؛ والعرف بمعنى المعروف، أي أن كل جانب من جوانبهم معروف غير منكر، ومثل هذا الإنسان يصلح لأن يولى أمر الجند الذي بيده الدماء والفروج والأموال والبلاد، بل يناط به بالآخرة، الإيمان والكفر (ثم تفقد) أي تفحص (من أمورهم) وحاجاتهم (ما يتفقد الوالدان من ولدهما) من القيام بجميع شؤونهم. (ولا يتفاقمن) أي لا يعظمن (في نفسك شيء قويتهم) أي الجنود، أي ولاة الجنود المتصفين بتلك الصفات.
(به) والمعنى كل ما قويت به مثل هذا الوالي، لا يعظم عندك، فتقول في نفسك، ما صرفته على مثله عظيم، وأكثر من استحقاقه، فإنَّ كل ما يصرف لمثل هذا الوالي يكون بحق واستحقاق . (ولا تحقرن لطفاً) وإحساناً (تعاهدتهم به) فلا تترك شيئاً من لطفك لأنه حقير غير مهم، بل كل لطف (وإن قل) يقع من قلوبهم موقعاً حسناً (فإنه) أي ذلك اللطف (داعية لهم إلى بذل النصيحة) أي لأن يبذلوا النصيحة (لك) في حفظ الجند وحسن الخدمة (وحسن الظن بك) بأنك قريب منهم عاطف عليهم، ولذا تلطف بهم. (ولا تدع تفقد) أي التفحص عن (لطيف أمورهم) أي صغارها كأن تسأل عن دمل وقع بجسم أحدهم مثلاً(اتكالاً على جسيمها) بأن تفكر إني أتفقد عظيم الأمور فلا داعي للتفقد عن صغير أمورهم (فإن لليسير من لطفك موضعاً) في
يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ . وَلْيَكُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ ، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ، فإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ، وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ،
........................................
قلوبهم (ينتفعون) به ويوجب ذلك شدة حسن ظنهم بك حتى أنك تسأل عن الأشياء الصغيرة المرتبطة بهم (وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه) فلا بد للوالي من الفحص عن العظيم والحقير بما يحتاجون إليه. (وليكن اثر رؤوس جندك عندك) آثرهم أي أفضلهم عندك وأعلاهم رتبة في نظرك، ورؤوس الجند زعماؤه (من واساهم في معونته) بأن ساعدهم بمعونته لهم كأنه أحدهم (وأفضل عليهم) أي جاد عليهم (من جدته) أي من غناه وماله والمراد ما بيده من أرزاق الجند .
(بما يسعهم) أي بالقدر الذي يكفيهم (ويسع من وراءهم) أي أهلهم الذين بقوا في بلادهم وتركوهم في ديارهم (من خلوف أهليهم) جمع خلف، وهو من يبقى في الحي من النساء والأطفال والعجزة بعد سفر الرجال (حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو) فإنَّهم إذا كفوا مؤنة أنفسهم ومؤنة أهليهم ومؤنة حكومتهم لم يبق لهم هم الإ هم جهاد الأعداء، وذلك يوجب نجاح الدولة، وهيبتها في أعين الأعداء. (فإن عطفك) وميلك يا مالك ( عليهم) أي على الرؤساء أو على الجند عامة (يعطف قلوبهم عليك) ويكثر ولاءهم لك (وإن أفضل قرة عين الولاة) الموجب لفرحهم واطمئنانهم الذي هو سبب استقرار العين وعدم اضطرابها، كما في عين الخائف الذي يريد أن يجد ملجأً، ولذا ينظر هنا وهناك باستمرار (استقامة العدل في البلاد) بأن يأمن
وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ . وَإِنَّهُ لا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ، وَلَاَ تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دَولَتِهِمْ ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطاع مُدَّتِهِمْ، فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ
...............................
كل إنسان لعدالة الحكومة وعدم تعدي الرعية بعضهم على بعض . (وظهور مودة الرعية) أي حبهم للدولة (وإنه لا تظهر مودتهم) وحبهم للولاة (إلا بسلامة صدورهم) بسبب العدل الحاصل في البلاد (ولا تصح نصيحتهم) أي لا ينصحون للوالي نصيحة صحيحة (إلا بحيطتهم) أي احتياطهم وحفظهم (على ولاة الأمور) أي حب الرعية لبقاء الولاة، وأخذهم التدبير لعدم ظهور ثورة عليهم فإنّ الناس إذا أحبوا الولاة تحفظوا عليهم لما علموا من أن حفظهم يعود بالخير على أنفسهم، فإذا احتاطوا على الوالي انكشف من عملهم هذا أنهم يحبونه .
(وقلة استثقال دولتهم) بأن لا يستثقل الرعية الدولة ويروها ثقيلة عليهم يرجون زوالها (وترك استبطاء انقطاع مدتهم) بأن يعدون زمن دولتهم قصيراً ويريدون لها الطول، فلا يرون أن انقطاع مدتهم قد طال فيستبطؤه (فافسح) أي وسع يا ملك (في آمالهم) أي آمال الرعية حتى يروا أن ثباتك يلزم حصولهم على ما يتمنون وذلك بتوسيع الأمن وتشجيع الزراعة والصناعة وما أشبه ذلك . (وواصل في حسن الثناء عليهم) بأن تثني عليهم دائماً، بما يستحقون من الثناء والإطراء (وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم) بأن تعد صنائع أعمال الذين قاموا بالأعمال العظيمة فإنَّ ذلك يشجع الناس على الإقدام، ويرجو لك المقدمون طول البقاء حتى يستفيدوا من مدحك (فإن كثرة الذكر الحسن أفعالهم) وما أتوا
تَهُزُّ الشُّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاكلَ ، إِنْ شَاءَ اللهُ. ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا أَبْلَى، وَلاَ تُضِيفَنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلَائِهِ، وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلاَ ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً . وَارْدُدْ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ،.........................به (تهز الشجاع أي تحركه للإقدام ( وتحرض) أي تحث (الناكل) أي المتأخر المتقاعد، ليتقدم ويعمل (إن شاء الله) تعالى . (ثم اعرف لكل امرئ ما أبلى) من البلاء بمعنى الامتحان، أي بما عمل من الصنائع الجليلة (ولا تضيفن بلاء امرئ) أي لا تنسبن أعمال شخص ما (إلى غيره) فإنَّه ظلم له وكذب (ولا تقصرن به دون غاية بلائه) أي لا تعطه من الجزاء أقل من استحقاقه (ولا يدعونك شرف امرئ) وعز مقامه (إلى أن تعظم من بلائه) وعمله .)(ما كان صغيراً فتطريه أكثر من استحقاقه وتجزيه بأكثر من جزائه . (ولا) يدعونك (ضعة امرئ) وعدم رفعة مقامه (إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً) كما جرت عادة الناس بذلك فإنَّهم يمدحون العظماء بأعمال تافهة ولا يمدحون الأصاغر ولو بأكابر الأعمال (واردد إلى الله والرسول) أي: إلى الكتاب والسنة (ما يضلعك) أي يشكل عليك (من الخطوب) أي الأمور العظيمة في السلم والحرب وما أشبه . (و) ما (يشتبه عليك من الأمور) فلا تدري ماذا تصنع(فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ) باتباع الكتاب (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) باتباع السنة (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) أي أصحاب)
فإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ(1)فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ : الْأَخْذُ بِمُحْكَم كِتَابِهِ وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ : الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ . ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْم بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لا تَضِيقُ بِهِ الأُمُورُ ، وَلاَ تَمَحِّكُهُ الْخُصُومُ ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلاَ يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ، وَلا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ ....................................
الخلافة، وهم الأئمة الأثنى عشر(عليه السلام) (فإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) من الأحكام (فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) بالرجوع إلى الكتاب والسنة لترون أي جانب من الجانبين عليه دليل شرعي (فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه) أي نصه الصريح الذي ليس متشابهاً . (والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة) التي اجتمعت الأمة على أنها وردت من الرسول (غير المفرقة) أي لا السنة التي اختلفت الأمة فيها فبعضهم يقول بأنها من الرسول، وبعضهم يقول بأنها مكذوبة مفتراة عليه(عليه السلام).
(ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك) وهذا انتقال من الحكم في الجند إلى الكلام في شؤون القاضي والقضاء (في نفسك) بأن تطمئن به (ممن لا تضيق به الأمور) فيضجر من القضايا والأحكام (ولا تمحكه) أي لا تغضبه (الخصوم) أي المترافعون (ولا يتمادى) أي لا يستمر (في الزلة) أي السقطة في الخطأ، فإذا علم بخطئه رجع. (ولا يحصر) أي لا يضيق صدره (من الفيء إلى الحق) أي الرجوع إليه (إذا عرفه) بعد أن حكم بخلاف الحق، بخلاف بعض القضاة الذين يتكبرون عن الاعتراف بالخطأ (ولا تشرف نفسه على طمع) فيترك الحق لطمع رشوة أو جاه أو ما أشبه (ولا يكتفي بأدنى فهم)
1) سورة النساء : 59
دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُم بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِندَ اتِّضَاح الْحُكْمِ مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولئِكَ قَلِيلٌ ، ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لاَ يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ،
..................................
للأحكام والقضايا (دون أقصاه) بالتأمل والغور والتحقيق (وأوقفهم) أي أكثرهم وقوفاً (في الشبهات) أي الأحكام والقضايا المشتبهة، وهذا عطف على قوله : [أفضل] . (وأخذهم بالحجج ) أي أكثرهم اعتناءاً وأخذاً بالأدلة التي يأتي بها الخصوم لدى المحاكمة (وأقلهم تبرماً) وضجراً (بمراجعة الخصم) فإذا أكثر الخصم من مراجعته لا يتبرم ولا يضجر (وأصبرهم على تكشف الأمور) فلا يعجل في الحكم، بل يلطف ويصبر حتى يظهر الأمر الذي يريد أن يحكم فيه (وأصرمهم) أي أكثرهم قطعاً للخصومة وبياناً لمر الحق .
(عند اتضاح الحكم) أي وضوحه (ممن لا يزدهيه) أي لا يستخفه فرحاً (إطراءٌ) أي ثناءاً حتى إذا ثنى عليه مال إلى جانب المثني (ولا يستميله إغراءٌ) حتى إذا أغراه أحد بالمال أو نحوه مال إلى جنبه (وأولئك) المتصفون بهذه الصفات (قليل) لكن لا بد للوالي من الفحص عنهم حتى يجدهم ويستقضيهم (ثم أكثر ) يا مالك (تعاهد قضائه) أي تتبعه في أحكامه حتى يعرف أنك مراقب عليه فلا يفتي في الحكم بالباطل خوفاً منك. (وافسح له في البذل) أي وسع عليه في الإعطاء (ما يزيل علته) أي حاجته حتى لا ينظر إلى أموال الناس، ولا يحتاج إلى الرشوة وما أشبه (وتقل معه) أي مع ذلك (حاجته إلى الناس) ولفظة [تقل] من باب العرف، وإلا فالمراد عدم حاجته (وأعطه من المنزلة لديك) بأن تعظمه وتوقره (ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك) حتى يكون مهيباً عند الناس
لِيَأْمَنَ بِذلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ ، فَانظُرْ فِي ذلِكَ نَظَراً بَلِيغاً ، فإِنَّ هذا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا . ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً، وَلا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً ، فإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَیَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ فِي الإِسْلامِ
.....................................
وينفذ حكمه فوراً (ليأمن بذلك) الذي أعطيته من المنزلة (اغتيال الرجال له) أي وشايتهم له (عندك) فإنَّه إذا خاف أحداً لا بد وأن يخضع له، وإذا خضع لشخص لا يتمكن من الحكم عليه أو رد وساطته وبذلك يفسد الحكم (فانظر في ذلك) الذي ذكرت من أوصاف القاضي وكيفية معاملتك له (نظراً بليغاً) بالاهتمام بما ذكرت (فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار) في زمن عثمان حيث كان الولاة والحكام يعملون بالأهواء .
(يعمل فيه بالهوى) والميول النفسية (وتطلب به الدنيا) لا الآخرة (ثم انظر) يا مالك ( في أمور عمالك) الذين تجعلهم ولاةٌ في المدن والبلاد (فاستعملهم اختباراً) أي بعد الاختبار والامتحان (ولا تولهم) الأعمال(محاباة وأثرة) المحاباة الإعطاء مجاناً، والأثرة الإعطاء ترجيحاً لأحد على أحد بدون رجحان. (فإنهم) أي الولاة (جماع) أي مجمع (من شعب الجور والخيانة) إذ الوالي معرض لكل ذلك فإذا لم يمتحن وأنيط به العمل وكان غير نقي الباطن تناول أنواع الظلم، والخيانة بالأمة (وتوخ) أي تحر واطلب (منهم) أي من العمال (أهل التجربة) الذين جربوا الأمور فعرفوها (والحياء) فإنَّ الحيي يستحي من الظلم والخيانة وما أشبه (من أهل البيوتات الصالحة) المعروفة بالصلاح وتقدم وجه كون الشخص من البيت والعشيرة.
(والقدم في الإسلام) أي من له خطوة سابقة على غيره في الخدمة بالإسلام، فإنَّ من له سابقة
الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلَاقاً، وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً ، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً. ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاح أَنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ ، ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ
...........................
أحسن عملاً، لأنه يلاحظ سوابقه ويمشي على تلك الطريقة (المتقدمة) في تقبل الإسلام فإنَّ ذلك يدل على أصالة في النفس توجب قبول الحق بمجرد عرفانه (فإنهم أكرم أخلاقاً) التربية الإسلام لهم (وأصح أعراضاً) لم يختلط عرضهم بما لا يعرف كما هو كذلك بالنسبة إلى غير أهل البيوتات. (وأقل في المطامع إشرافاً) لأن حياءهم وتجربتهم يوجبان التنزه عن المطامع ، إذ الإنسان الرفيع لا يطمع لما يعلم من أن الطمع يشين أمره .
( وأبلغ في عواقب الأمور نظراً) لما عركتهم التجارب وعرفوا الأمثال والتقلبات (ثم أسبغ) أي أوسع (عليهم الأرزاق) بإعطائهم مقدار حاجاتهم في رفاه . ( فإن ذلك) الإسباغ (قوة لهم على استصلاح أنفسهم) ومن صلح حاله لا يفكر إلّا في عمله، أما من اشتغل ذهنه بأموره الداخلية فإنَّه لا يتمكن من إنجاز الأعمال الموكولة إليه كما ينبغي (وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم) فلا يظلمون الناس بأخذ أموالهم، ولا بيت المال بأكل ما فيه من حقوق المسلمين (وحجة عليهم إن خالفوا أمرك) إذ يقال لهم لماذا خالفتم هل لاحتياجكم إلى المال؟ فقد أسبغت الدولة عليكم في العطاء وأعطاكم الوالي بقدر ما يفرغ بالكم لتشتغلوا بتنفيذ الأوامر (أو ثلموا) أي خانوا (أمانتك) في عملهم أو بيت المال الذي تحت أيديهم (ثم تفقد أعمالهم) وافحص عنها هل يقومون بالواجب عليهم أم لا؟ . ( وابعث) أي أرسل (العيون) أي الجواسيس
مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ . وَتَحَفَّظُ مِنَ الْأَعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً ، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ ، وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ، وقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ . وتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِما يُصْلِحُ أَهْلَهُ ، فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وصلَاحِهِمْ
................................
(من أهل الصدق والوفاء عليهم) أما كونه صادقاً لئلا يكذب عليك، وأما كونه وفياً ليفي بما أمرته (فإن تعاهدك في السر) والخفية (لأمورهم) أي أمور العمال(حدوة) أي سوق وحث (لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية) لأنهم يخافون أن تعزلهم إذا لم يستعملوا ذلك.
(وتحفظ من الأعوان) أي احفظ مثل هؤلاء الأعوان الذين هم عيونك على العمال (فإن أحد منهم) أي من العمال (بسط يده إلى خيانة) بالنسبة إلى الدولة أو الأمة (اجتمعت بها) أي بتلك الخيانة (عليه) أي على ذلك العامل الخائن (عندك أخبار عيونك) بأن أجمع جميع عيونك على أنه خان تلك الخيانة (اكتفيت بذلك) الاجتماع في أخبار العيون (شاهداً) على ذلك العامل (فبسطت عليه العقوبة في بدنه) بالحد والتعزير (وأخذته) أي عاقبته (بما أصاب من عمله) المحرم عليه (ثم نصبته بمقام المذلة) بأن أذللته أمام الناس (ووسمته بالخيانة) أي علمته عند الناس بأنه خائن (وقلدته عار التهمة) بأنه متهم كأنها قلادة في عنقه، فإنَّ ذلك يوجب اعتبار سائر العمال وحذرهم بأن يصابوا بما أصيب. (وتفقد أمر الخراج) أي افحص عنه (بما يصلح أهله) أي الذين يدفعون الخراج فاصلح أمرهم حتى يتمكنوا من إعطائه إعطاء حسناً (فإن في صلاحه) أي الخراج (وصلاحهم) أي الذين
صلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ، لأَنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ . وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ ، لأنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلاً. فإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةَ أَوْ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ ، خَفَّقْتَ عَنْهُمْ
.............................
يدفعونه (صلاحاً لمن سواهم) من الطبقات إذ أنهم يتوقفون على الأموال فإذا تحسنت أموال الدولة، تحسنت أمور الناس(ولا صلاح لمن سواهم) أي سوى أهل الخراج (إلا بهم) وذلك (لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله) إذ لا تنتظم أمور الناس إلّا بقوة الدولة والدولة لا تقوى إلّا بالمال (وليكن نظرك) يا مالك (في عمارة الأرض) بالزرع والضرع والبناء وما أشبه (أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج) أي في جلبه وجمعه من الناس (لأن ذلك) الخراج (لا يدرك إلّا بالعمارة) إذ الأرباح تتوقف على العمران (ومن طلب الخراج بغير عمارة) سابقة للأرض (أخرب البلاد وأهلك العباد) لأنه أجبر الناس على بيع أمتعتهم وأكثر في تضعيفهم مما يهلكون بسببه جوعاً ومرضاً ولا يقدرون على العمارة فلا تعمر البلاد بل تخرب (ولم يستقم أمره إلّا قليلاً) إذ الناس يدفعونه حتى يسقط عن الحكم ويأتي من يقوم بشؤونهم (فإن شكوا) أي أهل الخراج (ثقلاً) في كثرة الخراج (أو علة) كالجراد (أو انقطاع شرب) هو الماء الذي يأتي في النهر (أو) انقطاع (بالة) أي ما يبل الأرض من المطر فيما يسقى بالمطر (أو إحالة أرض) لما فيها من البذر والزرع إلى الفساد بسبب أنه (اغتمرها) أي عمها (غرق) لها (أو أجحف بها عطش) بأن قل ماؤها فلم تأت بالزرع الكافي(خففت عنهم) في
الله
بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ أَمْرُهُمْ، وَلَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلايَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلَابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ ، وَتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ ، وَالثَّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ فِي رِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ
....................................
الخراج (بما ترجو أن يصلح أمرهم) حسب نظرك في قدر التخفيف . (ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم) بأن تعد الذين لم تأخذ عنهم من المال المقدر عليهم بعنوان الخراج ثقيلاً على نفسك، لأنه أوجب تنقيص أموال الدولة .
(فإنه ذخر) لك عندهم (يعودون به عليك في عمارة بلادك) فإنَّ عمارة البلاد يعود إلى الوالي خيرها (وتزيين ولايتك) بالزرع والعمارة (مع استجلابك) وجلبك (حسن ثنائهم) فإنَّهم يمدحونك بتخفيفك الخراج عليهم (وتبجحك ) أي سرورك (باستفاضة العدل فيهم) أي بأن سببت إفاضة العدل وتكثيره بالنسبة إليهم (معتمداً فضل قوتهم) أي أنك تعتمد وتستند إلى قوتهم المالية وولائهم للدولة (بما ذخرت عندهم من إجمامك) أي إراجتك (لهم) بعد أخذك الزائد (والثقة منهم) فإنَّهم وثقوا بك وإذا وثقت الرعية بالوالي عملت لأجله بكل إخلاص( بما عودتهم من عدلك عليهم) فإنَّ من رأى العدل من واليه واعتاده وثق به (في رفقك بهم) وعدم العنف في أخذ الخراج كاملاً حين لم يجدوه. (فربما حدث من الأمور) التي تحتاج فيها إلى مالهم ورجالهم كالحرب الفجائية، أو ما أشبه (ما إذا عولت) واعتمدت (فيه) أي في ذلك الأمر (عليهم من بعد) أي بعد تخفيف الخراج عليهم (احتملوه) وقبلوه
طَيِّبَةٌ أَنْفُسُهُمْ بِهِ ، فإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا ، وَإِنَّما يُغوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ. ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ ، واخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ
.............................
(طيبة أنفسهم به) أي بكل طيب نفس أو لأجل أن أنفسهم طيبة تجاهك، ولذا يتحملون الأمور التي تكلفهم بها. ثم بين الإمام(عليه السلام) وجه التخفيف عليهم إذا شكوا نقصاً في الزرع بقوله (فإن العمران محتمل ما حملته) أي إذا كانت العمارة قائمة والزرع نامياً، فكلما حملت أهلها من الخراج سهل عليهم، لأنهم يحصلون الأرباح فيدفعون بعضها إلى الدولة (وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها) فإنَّهم إذا افتقروا لم يتمكنوا من العمارة فتخرب الأرض، وكيف يريد الوالي منهم الخراج حال أنهم محتاجون؟ . (وإنما يعوز أهلها) أي يفتقر أهل الأرض الخراجية (لإشراف أنفس الولاة على الجمع) للمال (وسوء ظنهم بالبقاء) لاحتمالهم أنهم يعزلون عن قريب، ولذا يدخرون المال حتى يكون لهم شيء يعيشون به إذا عزلوا (وقلة انتفاعهم بالعبر) جمع عبرة، وهي ما يوجب إيقاظ الإنسان واعتباره من الأمور التي تحدث، ولو كان الوالي معتبراً يقظاً لعلم أن الأمر بيد الله، فلو عزل أو بقى كان رزقه على الله، وإن جمعه للمال يقرب عزله بالعكس من إنصافه واكتفائه فإنَّه يوجب بقاءه في عمله (ثم انظر) يا مالك (في حال كتابك) الذين يكتبون أمور الدولة (فول على أمورك) في شؤون الكتابة (خيرهم) أي أحسنهم (واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك)جمع مكيدة، وهي معالجة المشاكل الحربية والدولية وما أشبه (وأسرارك) المالية وما أشبه (بأجمعهم) متعلق
لِوُجُوهِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ، فَيَجْتَرِيءَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَأٍ وَلَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ، فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلاَ يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ ، وَلا يَعْجِزُ عَنْ إطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ ،
..........................
با خصص (لوجوه صالح الأخلاق) أي أفضل الكتاب صفاةٌ وأخلاقاً.
(ممن لا تبطره) أي لا تطغيه (الكرامة) التي ترى منك (فيجترئ بها) أي بسبب تلك الكرامة (عليك في خلاف لك) بأن يجترئ فيخالفك في قول أو فعل ( بحضرة ملأ) أي بمحضر من الناس، مما يوجب سقوط هيبتك (ولا تقصر به الغفلة) أي لا توجب غفلته عن أعمالك حتى يقصر في أمرك (عن إيراد مكاتبات عمالك عليك) أي في اطلاعك على ما كتب العمال إليك .
(وإصدار جواباتها) أي جوابات كتب العمال (على الصواب) متعلق بإصدار (عنك) فإنَّ الإنسان غير المهتم، لا يهتم بما ورد وبما صدر بخلاف النبيه الذي لا يفوته شيء (فيما يأخذ لك ويعطي منك) هذا بيان لوجه الصواب فإنَّ الكاتب يلزم أن يعرف ماذا ينبغي أن يأخذ من العامل للوالي، وماذا ينبغي أن يعطي من طرف الوالي للعامل، في كتابة الرسالة، فقد يكل إلى العامل عملاً، ليس من صالح الوالي، وقد يجبره إلى القيام بأمر يظنه أخذاً من العامل للوالي، والحال أن فيه الضرر وهكذا (و) أن يكون الكاتب خبيراً بطرق المعاملات ف (لا يضعف عقداً اعتقده لك) بأن يعتقد لك عقداً يكون قليل الفائدة للوالي وضعيف الشروط والبنود . (ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك) أي إذا أوقعت معاقدة مع أحد كانت ضارة عليك، يعرف الكاتب وجوه حل تلك المعاقدة بالطرق الشرعية حتى تتخلص من هذه المشكلة
وَلا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ . ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فَرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فإنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوَلَاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْأَمَانَةِ شَيْءٌ . وَلَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً،
.........................
(ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور) بأن يكون عارفاً بمقدار نفسه، فلا يرفع بها فوق مستواها فيتدخل في أمور ليس من شأنه، ولا ينزل بها أقل من رتبتها فيحتشم من أمور يلزمه التدخل فيها .
(فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل؛ ومن يجهل مقادير الناس لا يتمكن أن يكتب إليهم على وجه الصواب والحكمة (ثم لا يكن اختيارك إياهم ) أي للكتاب (على فراستك) أي قوة ظنك وحسن نظرك (واستنامتك) أي ثقتك وسكونك بالأشخاص، بأن يكون الاختيار تابعاً لميلك الخاص بدون المشاورة وأخذ الآراء والاختبار ( وحسن الظن منك) بهذا أو ذاك. (فإن الرجال) الذين يريدون الحظوة عند الدولة (يتعرفون لفراسات الولاة) أي يتوسلون لأن يوقعوا أنفسهم عند حسن ظن الولاة، حتى يناط بهم أمر، ويقضى لهم حاجة، ولذا يلزم على الوالي أن لا يعتمد على فراسته (بتصنعهم) أي بصنعهم الحسن (وحسن خدمتهم) للولاة في ابتداء الأمر (و) الحال أنه (ليس وراء ذلك) التصنع وحسن الخدمة (من النصيحة والأمانة شيء) فقد وقع الوالي في أحبولتهم إذا عمل بحسن فراسته. (ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك) فمن أحسن في عمله سابقاً يستخدم، ومن لم يعمل يترك (فاعمد) أي اعتمد للاستخدام (الأحسنهم - كان - في العامة أثراً) بأن
وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهَا فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ، وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرِ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ، لَا يَظْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلاَ يَتَشَنَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا، وَمَهُمَا كَانَ فِي كُتَابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْه أَلْزِمْتَهُ ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتَّجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً : الْمُقِيم مِنْهُمْ والْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَالْمُتَرَفْقِ بِبَدَنِهِ فَإِنَّهُمْ
................................
رضيت عنه عامة الناس (وأعرفهم بالأمانة وجهاً) بأن عرف الناس وجهه بالأمانة في الأمور.
(فإن ذلك) الاختبار للكاتب(دليل على نصيحتك) يا ماك(لله ولمن وليت أمره) يعني الإمام نفسه الكريمة . (واجعل لرأس) أي لرئاسة (كل أمر من أمورك رأساً منهم) أي رئيساً من الكتاب، فللخراج كاتب، وللجندكاتب، وللعمال كاتب، وهكذا بحيث يكون ذلك الكاتب (لا يقهره كبيرها) أي لا يسبب غضبه كبير الأمور غضبه كبير الأمور الملقات على عاتقه (ولا يتشتت عليه كثيرها) أي يكون قادراً على ضبط الكثير من الكتابات والأعمال، فلا يتفرق عليه بحيث لا يعلم بعضها ويفوته (ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت) أي تغافلت (عنه ألزمته) أي ألزمك الناس بذلك العيب، وألصق العيب إليك فإنَّ الناس يقولون إنه من عيب الوالي، وإلا أصلح الكاتب (ثم استوص بالتجار) أي أوصهم بحسن العمل(وذوي الصناعات) من الكسبة (وأوص) الناس (بهم) أي بالتجار وذوي الصناعات (خيراً) بأن يحسن العمال والكتاب وسائر موظفيك إليهم، ولا يؤذوهم من غير فرق بين أقسامهم المقيم منهم في البلد والمضطرب بماله الذي يتردد بين البلدان للاتجار (والمتفرق ببدنه) أي صاحب الصنعة الذي يزاول الصنعة كالنجار والحداد. (فإنهم) أي التجار
مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ وَجُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالْمَطَارِح، فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا وَلاَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهَا، فإنَّهُمْ سِلْمٌ لَا تُخَافُ بَائِقَتُهُ، وَصُلْحٌ لا تُخْشَى غَائِلَتُهُ . وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلادِكَ ، وَاعْلَمْ - مَعَ ذلِكَ - أَنَّ في كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً ، وَشُحّاً قَبِيحاً، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ،
.................................
وذوي الصناعات (مواد المنافع) إذ المنافع تأتي منهم (وأسباب المرافق) أي الحاجات، فإنّهم يطلبون الحاجات للناس، ويصنعون الصنائع المحتاج إليها .
(وجلابها) أي الذين يجلبونها (من المباعد) أي الأماكن البعيدة ( والمطارح) أي أماكن السقوط والطرح، كالجبال وسائر المحلات التي يطرح فيها تلك الحاجيات (في برك وبحرك وسهلك وجبلك) السهل مقابل الجبل. (و) يجلبونها من (حيث لا يلتئم الناس لمواضعها) أي لا يتمكن الناس أن يبقوا في تلك الأماكن لصعوبة البقاء هناك، كالجزر وما إليها (ولا يجترئون عليها) لأنها موضع الخوف أو ما أشبه ، ثم علل(عليه السلام) قوله: [استوص وأوص] بعلة أخرى بقوله : (فإنهم) أي التجار والصناع (سلم) أي مسالمون (لا تخاف بائقته) أي داهيته وإضراره، إذ التجار لا يحاربون الدولة ولا يثورون عليها. (وصلح) أي مصالحون (لا تخشى غائلته) أي ضرره وعصيانه (وتفقد أمورهم) أي ابحث عن أحوال التجار(بحضرتك) أي الذين هم في بلدك (وفي حواشي بلادك) أي من كان منهم في أطراف البلاد (واعلم) يا مالك (مع ذلك) الذي ذكرت من مدح التجار (أن في كثير منهم ضيقاً) في الخلق والمعاملة (فاحشاً) أي كثيراً (وشحاً) أي بخلاً (قبيحاً) موجباً لقبح صاحبه لكثرة البخل (واحتكاراً للمنافع) أي حبساً لها عن الناس رجاء الزيادة
وَتَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ، وَذلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلاةِ. فَامْنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ ، فإِنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - مَنَعَ مِنْهُ . وَليَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْلٍ، وَأَسْعَارٍ لا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ ، فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ بِهِ ، وَعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ . ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى
.........................................
في السعر والغلاء (وتحكماً) أي حكماً بالجور (في البياعات) أي المبايعات إذ يجعلون عليها أثماناً غالية .
(وذلك) الذي يفعله بعض التجار(باب مضرة للعامة) أي عامة الناس لما يلحقهم من الأذى من جهة هذه الأعمال (وعيب على الولاة) لدلالة ذلك على ضعفهم (فامنع من الاحتكار) بأن تأمر التجار بعدم حفظ ما يحتاج إليه الناس (فإن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)منع منه) وهدد من عمل به (وليكن البيع بيعاً سمحاً) ليسامح ويسهل فيه (بموازين عدل) لا نقص فيها كما قد يكون ذلك عند بعض الكسبة . (وأسعار ) جمع سعر، بمعنى : الثمن (لا تجحف) أي : لا تضر (بالفريقين من البائع والمبتاع) أي اشترى يقال ابتاع المتاع إذا اشتراه (فمن قارف) أي ارتكب (حكرة) أي احتكاراً (بعد نهيك إياه) عن الاحتكار (فنکل به) أي أوقع به النكال والعذاب (وعاقبه في غير إسراف) بأن لا تكثر من العقوبة، وإنما بمقدار الاستحقاق . (ثم ) اذكر (الله الله) يا مالك (في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم) أي لا علاج لهم في إدارة أمورهم (من المساكين) جمع مسكين، وهو الذي أسكنه الفقر من الحركة، فلا يتحرك كما يتحرك الأغنياء (والمحتاجين) جمع محتاج، أي صاحب الحاجة (وأهل البؤسى) بمعنى شدة الفقر من البؤس .
وَالزَّمْنَى، فإنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَائِعاً وَمُعْتَراً، وَاحْفَظُ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسْماً مِنْ غَلَاتِ صَوَافِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ بَلَدِ، فإِنَّ لِلأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلأَدْنَى ، وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ ، فَلَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ ، فإنَّكَ لا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِكَ التَّافِه
..................................
(والزمنی) جمع زمین، وهو المصاب بالزمانة، أي العاهة والمرض المانعان عن الاكتساب (فإن في هذه الطبقة قانعاً) بمعنى : السائل من قنع بمعنى سأل (ومعتراً) أي متعرضاً للعطاء بلا سؤال (واحفظ لله ما استحفظك) أي طلب سبحانه منك الحفظ (من حقه) تعالى (فيهم) أي في أهل المسكنة والحفظ بإدارة شؤونهم وتفقد أحوالهم والقيام بحوائجهم . (واجعل لهم قسماً من بيت مالك) الذي يجمع من الخراج والزكاة والجزية وما أشبه (وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد) غلات جمع غلة، وهي : الثمرة كالحنطة والشعير وصوافي الإسلام جمع صافية، وهي أرض الغنيمة التي اغتنمها المسلمون باسم الإسلام، ومعنى في كل بلد، توصية العمال بإعطائهم في سائر البلاد. (فإن للأقصى) أي الأبعد (منهم) أي من الفقراء والمساكين الذين في سائر البلاد (مثل الذي للأدنى) أي للأقرب إليك الذي في بلدك، فتعطي لأهل بلدك من بيت المال، ولأهل سائر البلاد من الصوافي حيث لا بيت مال هناك (وكل قد استرعيت حقه) أي طلب سبحانه منك أن ترعى حقهم قريباً كان أم بعيداً (فلا يشغلنك عنهم بطر) أي طغيان الملك والنعمة، كما هي عادة الرؤساء يشغلون بأمرهم عن تفقد سواهم (فإنك لا تعذر ) أي لا يقبل الله ولا الناس عذرك (بتضييعك التافه) أي بعدم اعتنائك بالشيء القليل من الأمور.
لإحْكامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ . فَلَا تُشْخِصْ هَمَّك عَنْهُمْ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَشا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ ، فَفَرِّغْ لِأُولئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُعِ ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ ، فإِنَّ هَؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلُّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ .
.................................
(لأحكامك الكثير المهم)فإنَّ الإنسان مسؤول عن التافه كما هو مسؤول عن الكثير، فاللازم مراعاة الأمرين، لا ترك التافه والاعتناء بالكثير. (فلا تشخص) أي لا تصرف (همك) أي اهتمامك (عنهم ) أي : عن ملاحظة شؤون الفقراء والمساكين (ولا تصعر) أي لا تمل (خدك لهم) كما يفعل المتكبرون ( وتفقد) أي ابحث عن (أمور من لا يصل إليك منهم) أي من الفقراء (ممن تقتحمه العيون) أي تنظر إليه باحتقار (وتحقره الرجال) لعدم أهميته ورثاثة أثوابه (ففرغ لأولئك) الفقراء(ثقتك) أي الموثقين من أصحابك، ليفحصوا عن شؤونهم وخصوصياتهم (من أهل الخشية) من الله سبحانه حتى يخافوه في أمر الفقراء فلا يهملوهم. (والتواضع) حتى لا يتكبروا عن مباشرتهم والفحص عنهم في الخرائب والخانات وما أشبه، فإذا تفحصوا عنهم ووجدوهم (فليرفع) أولئك الثقاة (إليك أمورهم) أي أمور الفقراء( ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله) أي بما يقدم لك عذراً عنده سبحانه (يوم تلقاه) بعد الموت، حتى لا يقول لك : لماذا ضيعت الفقراء (فإن هؤلاء) الفقراء (من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم) لمسكنتهم وانقطاعهم . (وكل) أي كل واحد من هؤلاء الفقراء، أو من كل طبقة (فاعذر إلى الله) أي انت بما يعذرك عند الله(في تأدية حقه إليه) أي بإعطائك له حقه الذي أوجبه سبحانه عليك .
وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْیُتْمِ وَذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ مِمَّنْ لَا حِيلَةَ لَهُ، وَلَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ عَلَى الْوُلاَةِ ثَقِيلٌ ، وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ ، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلَى أَقْوَام طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللهِ لَهُمْ . واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَواضَعُ فِيهِ لله الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ
...........................
(وتعهد) بالبحث والقيام بالحوائج (أهل اليتم) أي الأيتام (وذوي الرقة في السن) أي المتقدمون في العمر الذي رق عظمهم وحالهم (ممن لا حيلة له) أي لا علاج له في إنجاز أموره (ولا ينصب للمسألة نفسه) أي لا يقوم بنفسه للسؤال(وذلك) العمل بأن ينصب نفسه للفحص عن الطبقة السفلى (على الولاة ثقيل) لكثرة أشغالهم وعدم رجاء فائدة من وراء هؤلاء الفقراء (والحق كله ثقيل) إذ الإنسان يريد أن لا يكون مقيداً، بل يعمل كيف يشاء يكذب ويخون ويتبع الشهوات المحرمة وهكذا. (وقد يخففه الله ) أي يجعل الحق على أنفسهم خفيفاً غير ثقيل (على أقوام طلبوا العاقبة) المحمودة في الآخرة (فصبروا أنفسهم) عن اقتراف الآثام (ووثقوا بصدق موعود الله لهم ) أي ما وعده سبحانه من الجنان والثواب (واجعل) يا مالك (لذوي الحاجات) الذين يحتاجون إليك لحل قصة، أو طلب شيء أو رفع ظلامة أو ما أشبه (منك) أي من نفسك (قسماً) بأن تجعل بعض أوقاتك لهم (تفرغ لهم فيه) أي في ذلك القسم (شخصك) بالذات. (وتجلس لهم مجلساً عاماً) يحضره عموم الناس المحتاجين (فتتواضع فيه) أي في ذلك المجلس (لله الذي خلقك) حتى يتمكن كل ذي حاجة أن يبدي حاجته إذ الناس لا يتمكنون أن يتكلموا مع المتكبرين . (وتقعد عنهم جندك وأعوانك) بأن تأمرهم أن لا يتعرضوا لهم بالمنع أو الأذى .
مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِن : لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ . ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِيَّ، وَنَحَّ عَنْهُمُ الضّيقَ وَالْأَنَفَ يَبْسُطِ اللهُ عَلَيْكَ بِذلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ ، ويُوجِبُ لَكَ ثَوابَ طَاعَتِهِ . وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً
........................................
(من أحراسك) جمع حرس بمعنى الحافظ (وشرطك) جمع شرطة على وزن غرفة، وهم طائفة من أعوان الدولة بخلاف الحارس الذي هو خاص برئيس الدولة أو ما أشبه (حتى يكلمك متكلمهم) أي من يريد الكلام من ذوي الحاجات في حال كونه (غير متتعتع) التعتعة في الكلام التردد فيه من عجز والمراد غير خائف، فإنَّ الخائف لا يتمكن من الإفصاح عما لديه. (فإني سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) يقول : في غير موطن) واحد، بل في مواطن ومواضع عديدة (لن تقدس) أي لن تطهر، من الرذائل (أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع) أي في حال كون الأخذ بغير تعتعة بل بكل جرأة (ثم احتمل) أي تحمل يا مالك (الخرق) أي العنف في الكلام (منهم) ثم أي من ذوي الحاجات حين يطلبون حاجتهم (والعي) أي العجز عن الإفصاح بحاجتهم، والمراد عدم الضجر بذلك (ونح عنهم الضيق) أي لا تضيق خلقك (والأنف) أي الاستنكاف، فلا تأنف للتكلم معهم ( يبسط الله عليك بذلك) أي بسبب ذلك التحمل بكل لين ورفق (أكناف رحمته) أي أطرافها (ويوجب لك ثواب طاعته) حيث أطعته فيما أمرك من مراعاة الرعية (وأعط ما أعطيت هنيئاً) لا بأن تمن أو تعنف في الإعطاء حتى تكون العطية ثقيلة على الأخذ غير هنئ لديه .
وَامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَإِعْذَارٍ ، ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا : مَنْهَا إجَابَةُ عُمَالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُكَ، وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَخْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ، وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْم عَمَلَهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ . وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَأَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النّيَّةُ ، وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ .
...................................
(وامنع) إذا أردت منع أحد عن العطية (في إجمال) أي في منع جميل (وإعذار) أي بتقديم عذر عن منعك لا منعاً قاسياً (ثمَّ) هناك (أمور من أمورك ) المربوطة بك (لابد لك) يا مالك (من مباشرتها) أي معالجتها بنفسك .
(منها إجابة عمالك بما يعيا) ويعجز (عنه كتابك) فقد لا يعرف الكاتب كيف يجيب سؤال العامل فلا بد لك أن تجيب بنفسك ذلك السؤال، وإلّا فقد ضيعت الأمر إن وكلت كل الأمور إلى الكتاب - (ومنها إصدار حاجات الناس) أي إعطائهم حاجاتهم (يوم ورودها عليك) بأن تعجل في الإعطاء (بما تحرج به صدور أعوانك) أي تضيق صدورهم عن القضاء السريع، وإنما يريدون المماطلة إما إظهاراً للكبرياء، أو تعاجزاً عن التعجيل، أو ما أشبه ذلك. (وامض لكل يوم عمله) أي نفذ في كل يوم عمله المربوط به ولا تؤخر العمل (فإن لكل يوم ما فيه) من الأعمال(واجعل لنفسك) في العبادة والضراعة (فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت) التي تقسمها على أعمالك (وأجزل) أي أحسن وأعظم (تلك الأقسام) الموزعة على الأشغال. (وإن كانت) الأوقات (كلها لله) سبحانه يعطي عليها الأجر (إذا صلحت فيها النية) بأن قام الإنسان بكل عمل يعمله، حتى الأكل والوقاع قربة إليه (وسلمت منها الرعية) بأن عمل الوالي لأجل سلامة المسلمين
وَلْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ لِلّهِ دِينَكَ : إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةٌ ، فَأَعْطِ اللهَ مِنْ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ وَلَا مَنْقُوصٍ، بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ ، وَإِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ لِلنَّاسِ فَلَا تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَلَا مُضَيِّعاً فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ ولَهُ الْحَاجَةُ ، وقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الْيَمَنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ؟ فَقَالَ : (صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ
................................
(ولیكن في خاصة ما تخلص به لله دينك) أي في أخص الحالات التي تتدين فيها لله (إقامة فرائضه) هذا اسم [ليكن] (التي هي له خاصة) وليست مربوطة بشؤون الرعية (فأعط الله من بدنك) أي بعض بدنك (في ليلك ونهارك) بإقامة الصلاة وما أشبه. (ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك) الذي تأتي له (كاملاً غير مثلوم) أي غير مخدوش بشيء من الموانع (ولا منقوص) بمثل الرياء والعجب، فمثلاً يأتي الإنسان بالصلاة كاملة بآدابها وشرائطها خالية عن الرياء والموانع (يالغا من بدنك ما بلغ) أي وإن بلغ تعب بدنك في سبيل الإتيان بالفرائض مبلغاً عظيماً فإنَّ اللازم أن يهتم الإنسان بأداء ما عليه، ولا يعتني بتعبه ونصبه. (وإذا قمت في صلاتك للناس) بأن صليت معهم في جماعة (فلا تكونن منفراً) أي موجباً لنفرة الناس وفرارهم بتطويلك للصلاة (ولا مضيعاً) للصلاة بالنقص في الأركان والشرائط (فإن في الناس من به العلة) أي المرض الذي لا يتمكن من الطول (وله الحاجة) التي تفوت إذا طول صلاته. (وقد سألت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حين وجهني إلى اليمن) فقد أرسل الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الإمام إلى اليمن في مهمة، كما هو مذكور في التواريخ، وكان ذلك عام حجة الوداع (:كيف أصلي بهم؟) طويلاً أم قصيراً (فقال) صلى الله عليه وآله : (صل بهم كصلاة
أَضْعَفِهِمْ وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِين رَحِيماً) . وَأَمَّا بَعْدُ ، فَلَا تُطَوْلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاَةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ، وَقِلَّةُ عِلم بِالْأُمُورِ، وَالاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ فَيَصْغُرُ عِندَهُمُ الْكَبِيرُ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ القَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ. وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لاَ يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الأمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ
...............................
أضعفهم فلا تطول وكن بالمؤمنين (رحيما تعطف عليهم وترحمهم أما بعد ما تقدم يا مالك فلا تطولن احتجابك عن رعيتك) بأن لا تظهر لهم مدة طويلة فإن احتجاب الولاة عن (الرعية وعدم ظهورهم أمام الناس في المناسبات - كما يفعله المتكبرون بزعم الإبقاء على هيبتهم . (شعبة من الضيق أي ضيق صدر الوالي من حوائج الناس وقلة علم بالأمور لأنه لو علم الأمور كما ينبغي قضى البعض الممكن، واعتذر اعتذاراً مقنعاً عما لا يمكن والاحتجاب منهم أي من الرعية ( يقطع عنهم) أي عن الولاة (علم ما احتجبوا دونه) أي جعلوا لأنفسهم حجاباً دون ذلك الأمر، حين لم يعرفوا الأمر المحجوب عنه . (فيصغر عندهم الكبير) إذ أنهم لا يعرفون الأمور إلّا بواسطة، والواسطة قد تجعل الأمر الكبير صغيراً تزلفاً، فلا يهتم له الوالي وذلك يفسد عليه الأمر (ويعظم الصغير) بعكس ذلك (ويقبح الحسن ويحسن القبيح) فيرتب الوالي آثار الضد على ضده مما يوجب الفساد (ويشاب الحق بالباطل) أي يخلط بينهما .
(وإنما الوالي بشر) لا يعلم الغيب (لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور) أي ما أخفى الناس عنه، وضمير [به] راجع إلى [ما] ومصداقه [من الأمور] (وليست على الحق سمات) جمع سمة، بمعنى: العلامة، أي ليس
تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ : إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقِّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ! أَوْ مُبْتَلَى بِالْمَنْعِ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيسُوا مِنْ بَذلِكَ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مِمَّا لاَ مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاةِ مَظْلِمَةٍ، أَوْ طَلَبِ إِنْصافٍ فِي مُعَامِلَةٍ. ثُمَّ إِنَّ لِلْوالِي خَاصَّةً وبِطَانَةٌ ،
...............................
للحق علامات ظاهرة حتى يعرف الوالي الحق من الباطل بواسطة تلك العلامة حتى (تعرف بها) أي بتلك السمات (ضروب الصدق من الكذب) أي أقسام الصدق . (وإنما أنت) يا مالك الأشتر (أحد رجلين إما امرؤ سخت نفسك بالبذل) لنفسك ومالك (في الحق) وحوائج الناس (فـ) إذاً (فيم احتجابك) أي لماذا تحتجب عنهم؟ هل تحتجب (من واجب حق تعطيه) أي هل تريد الفرار من حق واجب؟(أو فعل كريم تسديه) أي عمل تقوم به في قضاء حوائج الناس؟ (أو) أنت الرجل الثاني بأن تكون (مبتلى بالمنع)؟ تمنع الناس حوائجهم وحينئذ لا احتياج إلى الاحتجاب (فما أسرع كف الناس عن مسألتك) أي أنهم يكفون عن سؤالك فوراً(إذا أيسوا من بذلك) وإعطائك. (مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك) أي لا كلفة ولا صعوبة لأنها أمور ضئيلة تافهة، فإذا ظهرت للناس وسألوك إياها تمكنت من قضائها بلا صعوبة .
(من شكاة مظلمة) أي شكاية عن ظلم فتأمر من ينهي الظالم عن ظلمه (أو طلب إنصاف في معاملة) فيما يريد أحد المتعاملين الإجحاف بحق الآخر، فتأمر من يأمره بالإنصاف وأمثال هذه الأمور خفيفة لا تهم حتى عجب الوالي عن الناس لأجلها . (ثم إن للوالي خاصة وبطانة) البطانة ضد
فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وتَطَاوُلٌ ، وقِلَّةُ إِنْصَافِ فِي مُعَامِلَةٍ ، فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولئِكَ بِقَطْع أَسْبابِ تِلْكَ الأَحوال، وَلَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَحَامَّتِكَ قَطِيعةً، ولا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ، فِي شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ، يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذِلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ
.........................................
الظهارة - في الثياب - والمراد هنا المقربون إلى الوالي الجلاس له (فيهم استئثار) أي حب لجمع الأموال والوجاهات لأنفسهم(وتطاول) أي ترفع على الناس بالجبروت (وقلة إنصاف في معاملة) يعاملون الناس بها(فاحسم) أي اقطع (مادة أولئك) البطانة (بقطع أسباب تلك الأحوال) أي قطع أسباب تعديهم بأن لا تعطهم المجال للاستئثار والتطاول . (ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك) الحامة كطامة الخاصة والقرابة (قطيعة) هي الأرض التي يمنحها الخليفة أو الوالي لأحد والمصدر الإقطاع (ولا يطمعن) أحد من حاشيتك وحامتك (منك في اعتقاد عقدة) أي في اقتناء ضيعة، فإنَّ العقدة بمعنى الضيعة (تضر بمن يليها من الناس) إذا كانت بيد حاشيتك (في شرب) أي النصيب من الماء بأن يأخذ الماء بنفسه، فيضر ذلك بأراضي المجاورين. (أو عمل مشترك يحملون مؤونته) ومصارفه (على غيرهم) مثلا يحتاج النهر إلى الكرى، فإذا أعطيت الضيعة للحاشية، حملوا مؤونة الكرى على المشترك وهكذا .
(فيكون مهنأ) أي المنفعة الهنيئة لـ (ذلك) الشيء أعطيته للحاشية (لهم دونك) إذ لا تنتفع أنت بتلك الضيعة أو العقدة (وعيبه عليك في الدنيا) بذم الناس لك (والآخرة) بإثم أعمال الحاشية وأنت قادر على منعهم . (وألزم الحق من لزمه) أي من لزم عليه الحق ، فإذا كان الحق يرى لزوم أحد، فألزمه
مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ ، فإِنَّ مَغَبَّةَ ذلِكَ مَحْمُودَةٌ. وَإِنْ ظَنّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ، وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُّونَهُمْ بإِصْحَارِكَ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ رِيَاضَةٌ مِنْكَ لِنَفْسِكَ ، وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ،
..........................
كما يأمر الحق (من القريب والبعيد) ولا تترك الحق الذي ثبت على القريب خوفاً أو شفقة أو ما أشبه (وكن في ذلك) الإلزام للحق (صابراً) متحملاً للأذى الذي يتولد منه (محتسباً) أي تحسب ذلك عند الله سبحانه، بأن يكون إلزامك وصبرك له سبحانه (واقعاً ذلك) الإلزام بالحق (من قرابتك) أي أقوامك(وخاصتك) أي حواشيك (حيث وقع) أي ولو كان في غاية الثقل عليهم.
(وابتغ) أي اطلب (عاقبته) أي عاقبة إلزام الحق (بما يثقل عليك منه) أي من الحق، فإنَّه في بعض الأحيان يلزم العمل بالحق ثقلاً كبيراً على الإنسان، لكن هذا الثقل يثمر عاقبة حسنة (فإن مغبة) أي عاقبة (ذلك) الإلزام بالحق (محمودة) في الدنيا يحسن ثناء الناس وفي الآخرة بالأجر والثواب (وإن ظنت الرعية بك حيفاً) أي ظلماً بالنسبة إليهم بأن ظنوا أنك قصرت في أموالهم أو في إرادتهم أو ما أشبه .
(فأصحر) أي أظهر (لهم بعذرك) أي بين وجه ذلك العمل، إن أتيته أو بين أنه افتراء عليك إن لم تأته (واعدل) أي اصرف (عنك ظنونهم بإصحارك) أي بإظهارك الحق (فإن في ذلك) الإظهار لدى ظن السوء بك (رياضة منك لنفسك) أي تعويداً لنفسك على العدل، وإرغاماً لكبرك على الخضوع فإنَّ الإنسان لا يحب أن يتنازل لبيان أعذاره لدى الناس، إذ يراهم أنهم دون ذلك . (ورفقاً برعيتك) لأن مثل هذا العمل يوجب الرفق واللين بالنسبة إلى
وَإِعْدَاراً تَبْلُغَ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ، وَلَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَللَّهِ فِيهِ رِضىً، فإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لِبِلَادِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عِدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوِّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ، فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَاتَّهِم فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ . وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةٌ، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ،
...........................
الرعية (وإعذاراً) أي إظهاراً للعذر (تبلغ به) أي بسبب هذا العذر(حاجتك من تقويمهم على الحق) فإنَّ من يحضر لإبداء عذره لا يجوز عن باطل غيره، وإذا عرف الناس منه ذلك، استقاموا على الحق في أمورهم. (ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه) أي إلى ذلك الصلح (عدوك و) الحال أن (لله فيه) أي في ذلك الصلح (رضى) بأن لم يكن الصلح محرماً من جهة من الجهات (فإن في الصلح دعة) أي راحة (لجنودك وراحة من همومك) فإنَّ المحارب يتحمل هموماً جمة بخلاف المصالح (وأمناً لبلادك) لأن الناس في أيام السلم يأمنون ويعملون بكل راحة لترقية البلاد. (ولكن) خذ (الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه) معك فلا تغفل منه طرفة عين، ولا تتساهل في العدة والعدة والتهيؤ اعتماداً على الصلح .
(فإن العدو ربما قارب) أي تقرب منك بالصلح(ليتغفل) أي ليغفلك فيغدرك فجأة في حال الغفلة منك(فخذ بالحزم) أي ملاحظة الأمور والحيطة لها (و اتهم في ذلك) الحزم (حسن الظن) فلا تحسن ظنك بالعدو مهما كان ظاهر الصدق. (وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة) أي معاهدة(أو ألبسته منك ذمة) بأن يكون في ذمامك وأمنك، والأول للمكافئ، والثاني للعدو الضعيف (فحط) من حاط أي احفظ (عهدك بالوفاء) فلا تخن العهد
وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً ، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ، مِنْ تَعْظِیمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ. وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ. لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ، فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلاَ تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ وَلَا تَخْتِلَنَّ عَدُوّكَ ، فإِنَّهُ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى اللهِ إِلَّا جَاهِلٌ
..............................
(وارع ذمتك بالأمانة) أي كن أميناً في ذمتك فلا تخن الذمام (واجعل نفسك جنة) أي وقاية (دون ما أعطيت) أي حافظ على العهد بنفسك حتى إذا وجه إليك سهم الانتقاد فاقبله ولا تخن (فإنه ليس من فرائض الله شيء، الناس اشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم) وميولهم(وتشتت آراؤهم) أي اختلاف أنظارهم (من تعظيم الوفاء بالعهود) فإنَّ كل الناس يعظمونه مهما اختلفت آراؤهم و[الناس] مبتدأ خبره [أشده] وقوله : [مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم] جملة معترضة (وقد لزم ذلك) الوفاء بالعهود (المشركون فيما بينهم) بأن أوصى بعضهم بعضاً بأن لا يخونوا (دون المسلمين) أي بالنسبة لعهدهم مع المسلمين مع ما هم عليه من الشرك وعداوة الإسلام.
(لما استوبلوا من عواقب الغدر ) أي لأنهم وجدوا عواقب الغدر وبيلة مهلكة، واستوبل بمعنى عده وبيلا - أي: مهلكا قبيحا. (فلا تغدرن) يا مالك (بذمتك ولا تخيسن) أي لا تخونن ( بعهدك) الذي عاهدت (ولا تختلن) الختل الخداع (عدوك ) أي لا تخدعه بإعطائه الأمان، ثم نقضه (فإنه لا يجتري على الله) بنقض العهد الذي أوجب الوفاء به كما قال سبحانه: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا(1)(إلا جاهل) بعواقب النقض
1) سورة الإسراء : 34
شَقِيٍّ . وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ، وَيَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ فَلَا إِدْغَالَ وَلَا مُدَالَسَةَ ولَا خِدَاعَ فِيهِ، وَلا تَعْقِدْ عَقْداً تُجوْزُ فِيهِ الْعِلَلَ ، وَلَا تُعَوْلَنَّ عَلَى لَحْنٍ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَالتَّوثِقَةِ. وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ ، لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ
.............................
(شقي) قد وجب عليه العقاب. (وقد جعل الله عهده وذمته) أي العهد الذي أوجده بين الناس والذمة التي جعلها وديعة عند كل أحد والإضافة إلى الله تشريفي، نحو خلق الله (أمنا) أي لأجل أمن بعض من بعض (أفضاه) أي أفشاه وجعله (بين العباد برحمته) ولطفه (وحريما) أي شيئا حرام خلافه (يسكنون) أي يطمئن الناس (إلى منعته) أي ما له من قوة يلتجئ الناس إليها، إذ لولا خلقه سبحانه للعهد والذمة لم يكن للخائفين والمحاربين ملجأ وملاذ (ويستفيضون) أي يفزعون بسرعة (إلى جواره) أي جوار العهد والذمة فرارا من الخوف عن الحرب وما أشبه. (فلا إدغال) أي إفساد ينقض العهد (ولا مدالسة) أي تدليس بإظهار الأمان والمباغتة بالخيانة (ولا خداع فيه) أي في العهد (ولا تعقد عقداً) بينك وبين غيرك.
(تجوز فيه العلل) بأن كان العقد غير صريح في المراد، فيجوز فيه احتمالات: وعلل جمع علة وهي ما يطرأ على الكلام من الاحتمالات المفسدة لاستفادة المراد منه. (ولا تعولن) أي لا تعتمدن (على لحن قول) اللحن ما يقبل التوجيه كالتورية والمفهوم المخالف وما أشبه (بعد التأكيد) من العهد (والتوثقة) أي الوثوق بأن تريد نقض العهد فتعلل بأن العهد لم يكن صريحا وهكذا بالنسبة إلى العقد - كما يفعل ذلك من لا وجدان له-. (ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله) بأن عاهدت مع أحد ثم رأيت ضيقة من الوفاء بالعهد (إلى طلب انفساخه) متعلق بـ[ لا يدعونك] أي لا تطلب انفساخ
بِغَيْرِ الْحَقِّ فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ ، خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ ، وَأَنْ تُحِيطُ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طِلْبَةٌ، فَلَا تَسْتَقِيلَ فَيهَا دُنْيَاكَ وَلَا آخِرَتَكَ. إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنَى لِنِقْمَةٍ، وَلا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ، وَلا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا . وَاللهِ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكُمِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ،
.................................
العهد ( بغير الحق) هذا بيان لطلب الانفساخ (فإن صبرك على ضيق أمر) أي أمر ضيق عليك أوجبه العهد (ترجو انفراجه) بتمام مدة العهد أو ما أشبه (و) ترجو (فضل عاقبته) إذ تعرف لدى الناس بأنك وفي بالعهد بالإضافة إلى مالك من الثواب الجزيل (خير من عذر) بالعهد (تخاف تبعته) أي إثمه عند الناس وعند الله. (وأن تحيط بك من الله فيه) أي في ذلك العذر (طلبة) أي مطالبته سبحانه بحقه من الوفاء، فإذا لم تفعل الوفاء استحققت العقاب (فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك) من الإقالة بمعنى طلب الفسخ والعفو أي لا تقدر بعد العذر أن تستقيل الناس بأن يعفو عن عذرك ولا يذموك، وأن تستقيل الله بأن يعفو عنك ولا يعاقبك .
(إياك) أي أحذر يا مالك (والدماء وسفكها) أي إراقتها بقتل الناس (بغير حلها) الذي أحله الله سبحانه كالمفسد والقاتل ومن أشبههما (فإنه ليس شيء أدنى) أي أقرب (لنقمة) أي لغضب الله سبحانه (ولا أعظم لتبعة) أي الإثم والعقاب (ولا أحرى) أي أجدر وأحق (بزوال نعمة وانقطاع مدة) أي مدة العمر بالموت (من سفك الدماء بغير حقها) فإنَّه يوجب كل ذلك. (والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا) أي سفك بعضهم دم آخر (من الدماء يوم القيامة) فإنَّ أول شيء يحكم
فَلَا تُقَوْيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ ، فإِنَّ ذلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ ، بَلْ يُزيلُهُ وَيَنقُلُهُ . وَلاَ عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللهِ وَلاَ عِندِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، لأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ. وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطأٍ وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ، فإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةٌ، فَلَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَائِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمُ. وَإِيَّاكَ وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا ،
..................................
هناك حوله هو الدماء (فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام)كما يفعل الجبارون إذ يقتلون الأبرياء لأنهم أمروا بمعروف أو نهوا عن منكر أو ما أشبه ذلك (فإن ذلك) السفك (مما يضعفه) أي يضعف السلطان (ويوهنه بل يزيله وينقله) من سفك إلى غيره. (ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد) أي فيما إذا قتلت بريئاً عمداً (لأن فيه) أي في القتل العمد (قود البدن) أي القصاص الواقع على جسم القاتل فلا يمكن صرف النظر عن القصاص (وإن ابتليت بـ) قتل (خطأ) بأن لم تتعمد القتل .
(و) إنما (أفرط عليك سوطك) بأن كنب تريد الحد أو التعزير تأديباً فسبب السوط موت المجرم (أو سيفك) كأن أردت التأديب بالسيف فقتل المجرم. (أو يدك بالعقوبة) التي تريدها بالمذنب (فإن في الوكزة) هي الضربة بقبضة اليد (فما فوقها) من أقسام الضرب (مقتلة) أي قتل، وهذا تعليل لكون السوط ونحوه قد يفرط، إذ قد يكون الشيء اليسير سبباً للقتل كما وكز موسى(عليه السلام) ذلك القبطي فقضى عليه (فلا تطمحن) أي ترتفعن (بك نخوة سلطانك) أي كبريائه (عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول) أي ورثته (حقهم) من دية الخطأ . (وإياك) يا مالك (والإعجاب بنفسك) بأن تحسن الظن بنفسك وأن ما عملت حسن (والثقة بما يعجبك منها) بأن تثق بالعمل الذي يسبب أن
وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ ، فإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ . وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ ، أَوْ التَزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبَعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ ، فإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَالتَزَيَّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ ، وَالْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ . قَالَ اللهُ تَعَالَى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ(1)
...........................
تعجب بنفسك لأنها أدت مثل ذلك العمل (و) إياك و (حب الإطراء) أي أن يثني الناس عليك ويمدحوك (فإن ذلك) كله (من أوثق فرص الشيطان) أي أحسن فرصه التي تسبب هلاك الإنسان (في نفسه) الضمير عائد إلى الشيطان (ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين) أي ليبطله، فإنَّ الإنسان إذا عجب بنفسه بطل عمله وكذلك من أحب الإطراء على عمله، إذ يدل على كون العمل ليس لله سبحانه، وإنما للرياء والسمعة.
(وإياك) يا مالك (والمن على رعيتك بإحسانك) بأن تمن عليهم إذا أحسنت إليهم (أو التزيد) أي إظهار الزيادة (فيما كان من فعلك) بأن تريد إظهار أنه فوق الذي عملت حقيقة (أو أن تعدهم) وعداً (فتتبع موعدك بخلفك) بأن تخلف وعدك. (فإن المن يبطل الإحسان) لدى الناس ولدى الله سبحانه (والتزيد يذهب بنور الحق) فإنَّ للحق نوراً ، فإذا أظهر الشخص أنه عمل فوق ما عمله، لم يكن لما عمله وقع نور في أعين الناس (والخلف) للوعد (يوجب المقت) أي الغضب (عند الله و) عند (الناس) فيكرهون الإنسان المخلف لوعده (قال الله تعالى : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ) أي أنه مقت كبير (أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ) من الأعمال، والآية عامة شاملة للوعد كما تشمل
1) سورة الصف : 3.
وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا، أَوِ التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا أَوْ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ ، أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ. فَضَعْ كُلِّ أَمْرِ مَوْضِعَهُ ، وَأَوْقِعْ كُلَّ عَمَلٍ مَوْقِعَهُ . وَإِيَّاكَ وَالْأَسْتِثْنَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ، وَالتَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْركَ . وَعَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ ، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ . أَمْلِكْ
..................................
الأمر بالحسن والنهي عن القبيح (وإياك) يا مالك (والعجلة بالأمور) بأن تأتي بها (قبل أوانها) آن جمع، بمعنى الوقت (أو التسقط فيها) أي التهاون - عكس العجلة - (عند إمكانها) بأن جاء وقتها (أو اللجاجة فيها) بالإصرار لفعلها (إذا تنكرت) أي صعبت ولم تتيسر، بأن اللازم أن يترك الإنسان الأمر إذا صعب وأشكل (أو الوهن) والضعف (عنها) وعن الإتيان بها (إذا استوضحت) أي وضحت وتيسرت.
(فضع كل أمر موضعه) اللائق به من الإقدم أو الإحجام والإتيان بالشيء على وجهه (وأوقع كل عمل موقعه) المناسب له (وإياك) يا مالك(والاستثثار) أي الاستبداد (بما الناس فيه أسوة) أي متساوون بأن تخص نفسك بشيء هو للناس عامة، كأن تتملك الأنهار العامة، والمعادن الوسيعة وما أشبه. (و) إياك و (التغابي) أي التغافل (عما تعنى به) أي تقصد أنت به بأن يريده الناس منك (مما قد وضح للعيون) أي ظهر وعلم به الناس (فإنه) الظاهر أن الضمير عائد إلى [ما الناس فيه أسوة ] (مأخوذ منك لغيرك) أي ما تملكته وخصصته بنفسك سيؤخذ منك لغيرك إذا انتقل الملك عنك فعليك إثمه ولا يبقى في يدك . (وعما قليل) [ما] زائدة و [عن] بمعنى [بعد] (تنكشف عنك أغطية الأمور) فإنَّ أمور الآخرة مغطاة لا يراها الإنسان إلّا إذا مات (وينتصف منك للمظلوم) الذي استأثرت بحقه بعد كون الناس كلهم سواء في ذلك (املك) يا
حَمِيَّةَ أَنْفِكَ ، وَسَوْرَةَ حَدِّكَ، وَسَطْوَةَ يَدِكَ . وَغَرْبَ لِسَانِكَ، وَاحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاِخْتِيَارَ وَلَنْ تَحْكُمَ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ . وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ ، أَوْ أَثَرٍ
.............................
مالك (حمية أنفك ) أي كبرك وترفعك (وسورة) أي حدة (حدك) أي غضبك (وسطوة يدك) أي الضرب الشديد بها. (وغرب لسانك) أي شدتها في القول فإنَّ غرب السيف حده فلا تتكبر ولا تغضب ولا تضرب أحداً ولا تتكلم كلاماً حاداً (واحترس) أي احترز وتجنب (من كل ذلك بكف البادرة) أي ما يبدر ويسرع منك من لسانك أو يدك (وتأخير السطوة) والشدة إذا أردتها، فإنَّ في التأخير يرجع العقل إلى الإنسان فلا يفعل إلّا اللائق المناسب (حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار) فى أن تفعل ومقدار ما تفعل، فإنَّ الإنسان لدى الغضب هائج يفعل ما لا يليق. ( ولن تحكم ذلك) الكف للبادرة والتأخير للسطوة (من نفسك) بأن تقوى نفسك على زمامها عند الغضب (حتى تكثر همومك) وأحزانك (بذكر المعاد) أي الرجوع (إلى) ثواب (ربك) وعقابه حتى يتجلى المعاد في النفس، فلا تفعل شيئاً إلّا إذا علم عدم سوء عاقبته (والواجب عليك) يا مالك (أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك) بأن تنظر إلى أعمالهم وأحوالهم فإنَّ السير في أحوال الماضيين يوقظ الإنسان ويرشده إلى ما ينبغي أن يعمله، ولذا قال سبحانه: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ (1)(من حكومة عادلة) بيان [ما] . (أو سنة فاضلة) أي ذات فضل وحسن (أو أثر) أي خبر
1) سورة النحل : 36.
عَنْ نَبِيْنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ، فَتَقْتَدِيَ بمَا شَاهَدتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا ، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتْبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي هَذَا، وَاسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ،
................................
وارد (عن نبينا(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أو فريضة في كتاب الله) تعالى (فتقتدي) بالعمل (بما شاهدت مما عملنا به) الضمير عائد إلى [ما] في [مما] (فيها) أي في ما ذكر من الحكومة والسنة والأثر والفريضة، ولا يخفى أن السنة هنا أعم من الأثر، إذ المراد بها الطريقة الحسنة سواء كانت عن الأنبياء السابقين أو نبينا(صلّی الله علیه وآله وسلّم)،أو عمل صالح اعتاده الناس كبناء المدرسة مثلاً.
ثم إن المراد بقوله [ بما شاهدت] أن يكون العمل وفق أعمال الإمام والصحابة الصالحين، لا أن يعمل بظاهر من الظواهر بدون فهم المراد منه فإِنَّ كثيراً من الظواهر أريد بها غيرها، وإنما أوضح المراد الرسول صلّى الله عليه وآله في عمله مما اقتدى به أصحاب الأخيار، فمثلاً المراد في النهي عن الصلاة على المنافق في قوله سبحانه: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا (1)إذا لم يكن صلاح في الصلاة، بقرينة صلاة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) على [ابن أبي] وهكذا ليس قوله سبحانه: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ(2)قيداً، وإنما لبيان الغالب بقرينة عمل الصحابة وهكذا.
( وتجتهد لنفسك) فإنَّ فائدة الاجتهاد عائدة إلى نفسك (في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا) بأن تتعب لتعمل به في كل أمورك (واستوثقت) أي طلبت الوثوق (به ) أي بسبب هذا العهد (من الحجة لنفسي عليك) بأن لا
لِكَيْلَا تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا . وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ ، وَعَظِيمَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ ، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ، وَجَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبِلادِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ، وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ، وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ، (إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
.......................
يكون لك عذر إذا خالفت (لكي لا تكون لك علة) وعذر (عند تسرع نفسك إلى هواها) في خلاف ما بينت لك (وأنا أسأل الله بسعة رحمته) أي أجعل سعة رحمته واسطة لإنجاح أمري وإعطاء طلبتي (وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة ) [على] متعلق بـ [قدرته] فإنَّه سبحانه قادر على إعطاء كل ما يرغب الإنسان إليه (أن يوفقني وإياك) يا مالك (لما فيه رضاه) سبحانه (من الإقامة على العذر الواضح إليه) تعالى (وإلى خلقه) أي يوفقنا لأن نقیم على الحق الذي من عمل به كان له عذر واضح في أعماله) فلا يمكن أن يؤخذ بشيء إذ كلما أشكل عليه أجاب بأنه عمل بالحق فتتقدم حجته ولا يؤخذ بشيء(مع حسن الثناء في العباد) بأن يذكر الناس له(عليه السلام) بخير، كما دعا إبراهيم(عليه السلام) بقوله: وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ(1). (وجميل الأثر) الباقي منا (في البلاد) بعمارتها وإصلاحها (وتمام النعمة) بأن يتم سبحانه علينا نعمه (وتضعيف الكرامة) بأن يزيد في كرمه علينا وإكرامه لنا (وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة) في سبيل الله (إنا إليه) سبحانه (راجعون) والمراد إلى حسابه وثوابه .
1) سورة الشعراء : 84
وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً، وَالسَّلامُ .
................................
(والسلام على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) الطيبين) فلا خبث فيهم (الطاهرين) فلا قذارة لهم (وسلم تسليماً كثيراً) ومعنى تسليم الله له (صلّی الله علیه وآله وسلّم)جعله سالماً من مكاره الدنيا والآخرة، و(السلام).
إلى طلحة والزبير ( مع عمران بن الحصين الخزاعي) ذكره أبو جعفر الإسكافي في كتاب (المقامات) في مناقب أمير المؤمنين(عليه السلام).
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتُمَا، وَإِنْ كَتَمْتُمَا، أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُوني ، وَلَمْ أُبَايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي. وَإِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَبَايَعَنِي، وَإِنَّ العَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ ، وَلَا لِعَرَضٍ حَاضِرٍ ، فَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ فَارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللهِ مِنْ قَرِيبٍ، وَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي
............................................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فقد علمتما - وإن كتمتما-) أي أخفيتما ما تعلمون (أني لم أرد الناس) ولم أطلبهم لبيعتي (حتى أرادوني) بأنفسهم للبيعة (ولم أبايعهم) فلم أمدد لهم يدي للبيعة حرصاً على الخلافة (حتى بايعوني) بأن بسطوا يدي بالقوة (وإنكما ممن أرادني وبايعني) فلي في أعناقكما البيعة (وإن العامة) من الناس (لم تبايعني لسلطان غالب) حتى تقولا إنهم بايعوا خوفاً فلا شرعية لهذه البيعة (ولا لعرض) أي مال (حاضر ) حتى تقولا إنهم بايعوا طمعاً، وإنما كانت بيعتهم بمجرد الرضا والرغبة (فإن كنتما بايعتماني طائعين) أي بالطوع والرغبة منكما (فارجعا) عن نقضكما البيعة (وتوبا إلى الله من قريب) وادخلا في سائر المسلمين الباقين تحت البيعة ( وإن كنتما بايعتماني
كَارِهَيْنِ، فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ، وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ. وَلَعَمْرِي مَا كُنتُمَا بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمَانِ، وَإِنَّ دَفْعَكُمَا هذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلَا فِيهِ، كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ ، بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِهِ. وَقَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّي قَتَلْتُ عُثْمَانَ، فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَعَنْكُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِئٍ بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَ .
..............................
كارهين) أي كنتما تكرهان بيعتي (فقد جعلتما لي عليكما السبيل) أي الحجة (بإظهاركما الطاعة وإسراركما) أي إخفائكما (المعصية) والنقض فإذا قيل لما يحاربهما علي(عليه السلام)، أجيب بأنهما خانا ونقضا البيعة ( ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان) فلا مجال لكما بأن تقولا إنا خفنا منك، واتقينا الناس إذ أنتما في قوة ومنعة والقوي لا يتقي، وإنما يتقي الضعيف وسائر المهاجرين مع أنهم لم يكونوا بمثل قوتكما لم يتقوا ولم يخافوا فكيف يمكنكم ادعاء الخوف والتقية؟ . (وإن دفعكما هذا الأمر) أي البيعة لي بالخلافة (من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما) عند الله وعند الناس (من خروجكما منه بعد إقراركما به) إذ النقض محرم الله عند قبيح عند الناس، فكيف تمكنتما من الخروج، ولم تتمكنا من عدم الدخول؟ (وقد زعمتما أني قتلت عثمان) وهذا الزعم باطل لأنهما كانا يعلمان خلافه، بالإضافة إلى أن قتل عثمان إن كان يبرر شيئاً فإنَّما يبرر عدم بيعتهما لا نقض البيعة (فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة) فإن شهدوا علي بذلك فالحق معكما ، فلنرجع في التحاكم والاستشهاد إليهم.
(ثم يلزم كل امرئ) مني ومنكما (بقدر ما احتمل) من الاشتراك في دم عثمان، فقد كانا يحرضان على قتله، بينما الإمام يصلح وينصح الجانبين
فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْخَانِ عَنْ رَأيِكُمَا ، فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُمَا الْعَارُ، مِنْ قَبْل أَنْ يَتَجَمَّعَ الْعَارُ وَالنَّارُ ، وَالسَّلَامُ .
.................................
(فارجعا أيها الشيخان) يا طلحة ويا زبير (عن رأيكما) في القتال ونقض البيعة (فإن الآن أعظم أمركما) إن رجعتما (العار) فيقال إنهما تابا، وهذا عار خفيف (من قبل أن) تموتا ف ( يتجمع العار والنار) في الآخرة (والسلام).
أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا، وَابْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا، لِيَعْلَمَ أَيُّهُمَا أَحْسَنُ عَمَلاً ، وَلَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا، وَلَا بِالسَّعي فِيهَا أُمِرْنَا، وَإِنَّمَا وُضِعْنَا فِيهَا لِنَبْتَلَى بِهَا ، وَقَدِ ابْتَلَانِي اللهُ بِكَ وَابْتَلَاكَ بي : فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ ، فَعَدَوْتَ عَلَى الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَلَا لِسَانِي، وَعَصَيْتَهُ
...................................
التوضيح:
(أما بعد) الحمد والصلاة ( فإن الله سبحانه قد جعل الدنيا) طريقاً ومحل عمل (لما بعدها) من الآخرة (وابتلى) أي امتحن (فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملاً) ومعنى ليعلم، أن يصير علمه خارجياً بأن يوجد ما كان يعلمه منذ الأزل (ولسنا) نحن البشر (للدنيا خلقنا) وإنما خلقنا للآخرة (ولا بالسعي فيها) لأجلها (أمرنا) وإنما أمرنا بالسعي للآخرة (وإنما وضعنا فيها لنبتلى) أي نمتحن (بها) أي بالدنيا وزخارفها. (وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي) فكل يمتحن بالآخر (فجعل أحدنا حجة على الآخر) فإنّ الإمام(عليه السلام)كان حجة على معاوية (فعدوت) أي وثبت أنت يا معاوية (على الدنيا بتأويل القرآن) حيث أولت آية القصاص بالنسبة إلي، والحال أني بريء من دم عثمان (فطلبتني بما لم تجن يدي) أي بجناية لم أفعلها (ولا لساني) فلم أحرض عليها ( وعصيته) أي ربطت ذلك الأمر وهو دم عثمان.
أَنْتَ وَأَهْلُ الشَّامِ بِي ، وَأَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ، وَقَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ ، فَاتَّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ ، وَنَازِعَ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ ، وَاصْرِفْ إِلى الآخِرَةِ وَجْهَكَ ، فَهِيَ طَرِيقُنَا وَطَرِيقُكَ . وَاحْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اللهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَةٍ تَمَسُّ الْأَصْلَ، وَتَقْطَعُ الدَّابِرَ ، فإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللهِ أَلِيَّةٌ غَيْرَ فَاجِرَةٍ، لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِكَ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ(1).
...............................
(أنت وأهل الشام بي) مع أني بريء من ذلك. (وألب) أي حرض (عالمكم) بالواقع من براءتي (جاهلكم ) علي (وقائمكم) الذي قام بالمطالبة (قاعدكم) الذي لم يكن له داع في المطالبة (فاتق الله) يا معاوية (في نفسك) أي خوفاً باطناً يردعك عن الآثام، لا إظهار الخوف فقط (ونازع الشيطان قيادك) أي جاذب قيادك من الشيطان لئلا يرديك إلى النار (واصرف إلى الآخرة وجهك) عوض صرفه إلى الدنيا (فهي) أي الآخرة (طريقنا وطريقك) فاللازم أن نتهيأ له. (واحذر أن يصيبك الله منه) أي من جانبه سبحانه (بعاجل قارعة) القارعة هي المصيبة تمس الإنسان بشدة، كما يقرع الشيء بالشيء، والمراد عذاب عاجل في الدنيا (تمس الأصل) أي أصلك (وتقطع الدابر) أي : فرعك وهذا كناية عن أنه لا يذر أصلاً ولا فرعاً (فإني أولي) أي أحلف (لك بالله ألية) أي حلفاً (غير فاجرة) أي غير حانثة ولا كاذبة (لئن جمعتني وإياك جوامع الأقدار) أي الأقدار التي تجمع بين شخصين (لا أزال بباحتك) أي بساحتك بمعنى دوام الحرب معك (حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا) بغلبة أحدنا على الآخر أو بموت أحدنا (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) الذين يحكمون بالعدل .
1) سورة الأعراف: 87
لما جعله على مقدمته في الشام
اتَّقِ اللهَ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ، وَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ، وَلاَ تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ ، مَخَافَةَ مَكْرُوهٍ، سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ، فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادعاً ، وَلِنَزْوَتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ وَاقِماً قَامِعاً .
............................
التوضيح :
(اتق الله) يا ابن هانئ (في كل صباح ومساء) أي نهار وليل (وخف على نفسك الدنيا الغرور) أي خف من خدعة الدنيا التي تغر الإنسان وتخدعه (ولا تأمنها على حال) بأن تظن أنها لا تخدعك ولا تنال منك (واعلم أنك إن لم تردع نفسك) وتأخذ زمامها ( عن كثير مما تحب مخافة مكروه) يصل إليك (سمت) أي ارتفعت (بك الأهواء) جمع هوى، بمعنى: الميول النفسية والشهوات (إلى كثير من الضرر ) فمثلاً لو أخذ الإنسان في عداوة الناس مخافة نقص جاهه، إذا أطلق أمرهم امتد ذلك العداء إلى أضرار كثيرة (فكن لنفسك) یا بن هانئ (مانعاً) عن المضرات (رادعاً) أي زاجراً . (ولنزوتك) أي وثبتك (عند الحفيظة) أي الغضب (واقماً) أي قاهراً (قامعاً) أي قالعاً، فإذا غضبت فلا تسطو على من غضبت عليه بل تدبر الأمر، واعمل حسب الصلاح والحكمة .
أَمَّا بَعْدُ، فإنّي خَرَجْتُ مِن حَيِّي هذَا إِمَّا ظَالِماً، وَإِمَّا مَظْلُوماً، وَإِمَّا بَاغِياً ، وَإِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيْهِ . وَإِنِّي أُذَكِّرُ اللهَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ فإِنْ كُنتُ مُحْسِناً أَعَانَنِي، وَإِنْ كُنْتُ مُسِيئاً استَعْتَبَنِي .
.................................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإني خرجت من حيي هذا) الحي: محل القبيلة، والمراد به المدينة المنورة ، محل سكنى الإمام (إما ظالماً وإما مظلوماً وإما باغياً) البغي هو الظلم، لكنه أخص منه، لأن البغي ظاهر في ظلم الغير بخلاف الظلم الذي هو أعم من ظلم النفس( وإما مبغياً عليه) والمراد كونه(عليه السلام) بالنسبة إلى أعدائه طلحة والزبير وعائشة، في إحدى الحالتين. (وإني أذكر الله) أي أطلب باسم الله سبحانه (من بلغه كتابي هذا) هذا مفعول [اذكر] (لما نفر إلي) أي سافر وخرج من الكوفة قاصداً نحوي (فإن كنت محسناً أعانني) في أمري (وإن كنت مسيئاً استعتبني) أي طلب مني الرجوع عن إساءتي، وهذا الكلام من الإمام(عليه السلام) في غاية الإنصاف، وقد قال قبله(عليه السلام) القرآن الكريم : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(1).
1) سورة سبأ: 24
وَكَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَيْنَا وَالْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ وَنَبِيّینَا وَاحِدٌ، وَدَعْوَتَنَا فِي الْإِسْلامِ وَاحِدَةٌ، وَلَا نَسْتَزِيدُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالتَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ وَلَا يَسْتَزيدُونَنَا : الْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَنَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ ! فَقُلْنَا : تَعَالَوْا نُدَاوِ ما لاَ يُدْرَكُ الْيَوْمَ
..........................
التوضيح :
(وكان بدء أمرنا) أي ابتداء الحرب (أن التقينا والقوم من أهل الشام) معاوية وأصحابه (والظاهر) أي والحال أن الظاهر هو من حال الجانبين
(أن ربنا واحد ونبينا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة) لأن كل جانب يدعو إلى الإسلام (ولا نستزيدهم) أي لا نطلب منهم الزيادة(في الإيمان بالله والتصديق برسوله) لأنهم معترفون بالأمرين (ولا يستزيدوننا) أي لا يطلبون منا الزيادة على الأمرين (الأمر) بيننا وبينهم(واحد) لا اختلاف فيه (إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء) أي بريئون إذ لم نرق نحن دم عثمان، فكان أولئك يلقون الدم علينا وكنا نحن نظهر البراءة منه . (فقلنا) لهم (تعالوا نداو ما لا يدرك اليوم) أي نجعل للأمر دواءاً، فإنَّ عثمان لا يعود حياً، وإنما نتيجة الخصام تشتت الكلمة، فتعالوا لنداوي هذا الأمر .
بِإِطْفَاءِ الثَّائِرَةِ، وَتَسْكِينِ الْعَامَّةِ ، حَتَّى يَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَيَسْتَجْمِعَ ، فَنَقْوَى عَلَى وَضْع الْحَقِّ مَوَاضِعَهُ ، فَقَالُوا : بَلْ نُدَاوِيهِ بِالْمُكَابَرَةِ! فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ الْحَرْبُ، وَرَكَدَتْ وَوَقَدَتْ نِيرَانُهَا وَحُمِسَتْ . فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَإِيَّاهُمْ ، وَوَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِينَا وَفِيهِمْ، أَجَابُوا عِنْدَ ذلِكَ إِلَى الَّذِي دَعَوْنَاهُمْ إِلَيْهِ ، فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا، وَسَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَةُ .
............................
(بإطفاء الثائرة) أي نخمد الفتنة التي ثارت وانتشرت (وتسكين العامة) أي عامة الناس (حتى يشتد) ويقوى (الأمر) أي أمر الإسلام (ويستجمع) أي يجمع أطرافه (فنقوى على وضع الحق مواضعه) المقررة في الشريعة . (فقالوا : بل) جواب لنفي كلام الإمام(عليه السلام)(النداويه بالمكابرة) أي المعاندة، فتركوا التصالح والتفاهم الذي دعوتهم عليه إلى المحاربة والمعاندة (فأبوا) الإصلاح (حتى جنحت الحرب) أي مالت بأن قويت بميل أولئك لها (وركدت) أي استقربت وقامت (ووقدت) أي اشتعلت ( نيرانها) تشبيه للحرب بالنار لأنها تفني الرجال والأموال كما تفني النار الحطب (وحمست) أي اشتدت وصلبت. (فلما ضرستنا) الحرب أي عضتنا بأضراسها (وإياهم) بأن أفنت منا ومنهم (ووضعت مخالبها)جمع مخلب، وهو أظفر السبع، تشبيه للحرب به (فينا وفيهم) بأن صرنا جميعاً فريسة لها (أجابوا عند ذلك إلى) الصلح والمفاهمة (الذي دعوناهم إليه) قبل أن تنشب الحرب بأن حكموا القرآن، وقالوا ما حكم القرآن اتبعناه ( فأجبناهم إلى مادعوا) من المصالحة والمفاهمة (وسارعناهم ) أي طلبنا سرعتهم (إلى ما طلبوا) من التفاهم. (حتى استبانت عليهم الحجة) أي ظهرت بأن الحق لنا، ولم نكن شركاء في دم عثمان .
( وانقطعت منهم المعذرة) أي لم يكن لهم عذر في شق عصا الطاعة
فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَمَنْ لَجَّ وَتَمَادَى فَهُوَ الرَّاكِسُ الَّذِي رَانَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ ، وَصَارَتْ دَائِرَةُ السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ .
............................
علينا (فمن تم على ذلك منهم) الذي ظهر بأن رجع إلى الحق (فهو الذي أنقذه الله) أي نجاه (من الهلكة) أي الهلاك الأخروي باتباع معاوية. (ومن لج) في البقاء على الباطل (وتمادى) أي استمر في الغي (فهو الراكس) أي الناكث الذي قلب عهده (الذي ران الله على قلبه) أي غطى قلبه، حتى يتيه في الضلال، بعد أن رأى سبحانه منه إعراضاً عن الحق مع علمه به (وصارت دائرة السوء على رأسه) فإنَّ الأيام تدور بالخير والشر، فإذا صارت دائرة السوء على رأس أحد، كان معناه أنه وقع في السوء، وهذا من باب التشبيه كما لا يخفى.
أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ الْوَاليَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ، فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ ، فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ ، وَابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ ، رَاجِياً ثَوَابَهُ ، وَمُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ
............................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإن الوالي إذا اختلف هواه) بأن جرى مع أهوائه وميوله النفسية، بخلاف الذي يتبع الدين فإنَّ هواه واحد لا يختلف (منعه ذلك) الاختلاف (كثيراً من العدل) إذ أنه يتبع الهوى لا الحق (فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء) لا تلاحظ ميلك إلى بعضهم دون بعض (فإنه ليس في الجور عوض عن العدل) فإنَّ الجور لا يأتي بالنتائج التي يأتي بها العدل في الدنيا والآخرة. (فاجتنب ما تنكر أمثاله) إذا صدر عن الآخرين أي لا تفعل الشيء الذي تنكره إذا فعله غيرك، مثلاً كيف تنكر ظلم الناس لك، فانكر ظلمك للناس واجتنبه (وابتذل) أي ابذل (نفسك في ما افترض الله عليك) أي الواجبات (راجياً ثوابه) أي في حال كونك ترجوا ثوابه تعالى (ومتخوفاً عقابه) أي خائفاً من عقابه تعالى. (واعلم أن الدنيا دار بلية) أي بلاء
لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَطُّ سَاعَةٌ إِلَّا كَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَكَ عَنِ الْحَقِّ شَيْءٌ أَبَداً ، وَمِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ، وَالاِحْتِسَابُ عَلَى الرّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ، فإنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ، وَالسَّلَامُ .
............................
وعناء (لم يفرغ صاحبها فيها) أي في الدنيا (قط) أي أبداً (ساعة) واحدة (إلا كانت فرغته ) أي : فراغه (عليه حسرة يوم القيامة) لأنه يندم على أن لم يعمل في تلك الساعة ما يوجب ثوابه ورفعة درجته . (وأنه لن يغنيك عن الحق شيء أبداً) إذ الباطل لا يأتي بالثمار الطيبة التي يأتي بها الحق (ومن الحق عليك حفظ نفسك) عن المحرمات والآثام (والاحتساب) أي المراقبة (على الرعية بجهدك) حتى لا ينحرفوا عن طريق الحق (فإن) الثواب (الذي يصل إليك من ذلك) الاحتساب على الرعية (أفضل من الذي يصل بك) بسبب هذا الاحتساب من الجهد والأذى (والسلام) .
مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ مِنْ جُبَاةِ الْخَرَاجِ وَعُمَّالِ الْبِلَادِ . أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَقَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ ِللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَفَّ الْأَذَى ، وَصَرْفِ الشَّذَى ، وَأَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ وَإِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ ، إِلَّا مِنْ جَوْعَةِ الْمُضْطَرِّ،
...................................
التوضيح :
(إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم) أي يمر جيش الإمام بأراضيهم (من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من مر به الجيش) أي جيش الإمام (من جباة الخراج) جمع جابي وهو الذي يجمع الخراج من الأراضي (وعمال البلاد) جمع عامل، وهو المنصوب من قبل الخليفة لإدارة البلاد (أما بعد) المقدمة (فإني سيرت جنوداً) أي أمرتهم بالسير (هى مارة) أي تمر (بكم إن شاء الله وقد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الأذى) بأن لا يأذوا من في طريقهم.
( وصرف الشذى) أي الشر بأن لا يعملوا شراً بالنسبة إلى أحد. (وأنا أبرأ إليكم) أي أظهر براءتي بالنسبة إليكم (وإلى ذمتكم) فإنَّ من في ذمة الخليفة وتحت رعايته محترم فالاعتبار إلى الذمة اعتباري (من معرة الجيش) أي أذاه ، فإني لا أرضى بذلك فإذا آذى الجيش أحداً فليس من قبلي ولا برضاي (إلا من جوعة المضطر ) فإذا أصاب الجيش جوع اضطر معه إلى تناول ما يسد به رمقه فلا بأس عليه، لأن الله سبحانه أباح للمضطر رفع اضطراره بشرط أن
لا يَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ . فَنَكِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ شَيْئاً ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ ، وَكُفُّوا أَيْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَارَّتِهِمْ، وَالتَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا اسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْهُمْ . وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْشِ، فَارْفَعُوا إِلَيَّ مَظَالِمَكُمْ، وَمَا عَرَاكُمْ مِمَّا يَغْلِبُكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا لاَ تُطِيقُونَ دَفْعَهُ إِلَّا بِاللَّهِ وَبِي، فَأَنَا أُغَيْرُهُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
...................................
(لا يجد عنها) أي عن تلك الجوعة (مذهباً) يذهب إليه في سد رمقه (إلى شبعه) غير التناول من أموال الناس (فنكلوا من تناول منهم) أي من الجيش والتنكيل : العقوبة (شيئاً ظلماً عن ظلمهم) أي عوض ظلمهم فإذا أراد الجيش أن يتناول شيئاً حراماً استحق العقاب وعلى العامل للإمام أن يعاقبه. (وكفوا أيدي سفهائكم) أي امنعوهم (عن مضارتهم) أي إيراد الضرر بالجيش (والتعرض لهم) حتى لا يتعرضوا إلى الجيش بسوء (فيما استثنيناه منهم) أي من الجيش، والمستثنى هو حالة الاضطرار ، فإذا اضطر الجيش إلى تناول ما یسد به رمقه، فلا يحق لأحد أن يتعرض بهم لدفعهم وإنما لصاحب المال الحق في أن يطالب بالثمن كما قرر في الشريعة (وأنا بين أظهر الجيش) أي في وسطهم وهذا إما من باب أن الإمام(عليه السلام)كان حاضراً في الجيش - كما هو الظاهر- أو مجاز من باب قرب وصول الإنسان في العاصمة، وكأنه لإشرافه على الجيش بين أظهرهم.
(فارفعوا إلى مظالمكم) جمع مظلمة، بمعنى : الظلم، فإذا ظلم الجيش أحداً ولم يقدر على دفعه، فليرفع إلى الإمام شكايته (وما عراكم) أي عرض وطرأ عليكم (مما يغلبكم) فلا تقدرون على كفه (من أمرهم) أي أمر الجيش (وما لا تطيقون دفعه إلّا بالله) أي بحوله وقوته (وبي) أي بسببي (فأنا أغيره) أي أغير ذلك الظلم (بمعونة الله) وعونه (إن شاء الله) تعالى.
ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طالباً الغارة.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ تَضْيِيعَ الْمَرْءِ مَا وَلِّيَ، وَتَكَلُّفَهُ مَا كُفِي، لَعَجْزٌ حَاضِرٌ، وَرَأَيٌ مُتَبَّرٌ. وَإِنَّ تَعَاطِيَكَ الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ قِرْقِيسِيَا وَتَعْطِيلَكَ مَسَالِحَكَ الَّتي وَلَّيْنَاكَ - لَيْسَ بِهَا مَنْ يَمْنَعُهَا ، وَلاَ يَرُدُّ الْجَيْشَ عَنْهَا - لَرَأَيٌ شَعَاعٌ ، فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ مِنَ أَعْدَائِكَ عَلَى أَوْلِيَاتِكَ،
........................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإن تضييع المرء ما ولي) أي ما جعل والياً عليه (وتكلفه ما كفي) بأن يتكلف العمل لما يجب عليه (لعجز حاضر) إذ لم يفعل ما وجب عجزاً (ورأي متبر) من تبر إذا أهلكه، أي رأي فاسد إذ فعل ما لم يجب عليه (وإن تعاطيك) أي إعطائك للعدو المجال (الغارة على أهل (قرقيسيا) وهي بلدة على الفرات (وتعطيلك مسالحك) جمع مسلحة، وهي و الثغر الذي يلي حدود البلاد، وتسمى بذلك لكونها موضع الرجال والسلاح (التي وليناك) أي فرضنا أمرها إليك (ليس بها من يمتعها) من جراء إهمالك شأنها. (ولا يرد الجيش) الذي هيأه العدو (عنها لرأي شعاع) أي متفرق غير مجتمع لحفظ البلاد ومكافحة العدو (فقد صرت) بإهمالك لبلادك (جسراً لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك) إذ إنهم رأوا ضعفك فعبروا إلى البلاد
غَيْرَ شَدِيدِ الْمَنْكِبِ، وَلا مَهِيبِ الْجَانِبِ، وَلاَ سَادٍّ ثُغْرَةٌ، وَلَا كَاسِرٍ لِعَدُوِّ شَوْكَةً، وَلَا مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ، وَلَا مُجْزٍ عَنْ أَمِيرِهِ.
............................
فكأنك جسر لهم، ولو رؤوا فيك قوة لما تجاسروا على الغارة في حال كونك (غير شديد المنكب) هو مجتمع الكتف والعضد وهذا كناية عن القوة (ولا مهيب الجانب) حتى يهابه ويخافه العدو (ولا ساد ثغرة) وهي: الفرجة التي يدخل منها العدو (ولا كاسر لعدو شوكة) أي هيبة وعزة (ولا مغن عن أهل مصره) فلم يفدهم في دفع عدوهم (ولا مجز عن أميره) فإنَّ الإمام لم يجزه بالمدح والثناء لأنه لم يفعل ما يستحق ذلك، وإنما فعل العكس.
أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ، فَلمَّا مَضى عَلَيْهِ السَّلَامُ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ. فَوَاللهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي، وَلاَ يَخْطُرُ بِبَالِي ، أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ،
............................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإن الله سبحانه بعث محمداً(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) أي أرسله (نذيراً للعالمين) أي مخوفاً لهم، إن لم يأخذوا بالإسلام أصولاً وفروعاً (ومهيمناً) أي شاهداً وحافظاً (على المرسلين) فكل زيادة أو نقيصة في دينهم - مما حرفه الناس - يبين الرسول ذلك حتى يرجع دين المرسلين كما جاؤوا به، لا كما فعلته أقوامهم من بعدهم (فلما مضى(عليه السلام)) إلى لقاء ربه (تنازع المسلمون الأمر) أي في أمر الخلافة (من بعده فوالله ما كان يلقى في روعي) أي في قلبي . (ولا يخطر ببالي) أي بذهني (أن العرب تزعج) أي تزيل وتنقل (هذا الأمر ) أي الخلافة (من بعده) أي بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته) إلى غيرهم، والمراد أن الموازين الظاهرية كانت تقتضي ذلك،
وست
وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ! فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنْ الْإِسْلَامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً ، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ،
..................................
لا أن الإمام لم يكن يعرف الأمر من السابق، وإلا فقد كان الإمام يعلم كل شيء كما أوصاه الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وإنما يكنى عن استبعاد المطلب ب [عدم الظن] أو [عدم الإلقاء في الروع] أو ما أشبه .
(ولا أنهم منحوه) من نحاه بمعنى صرفه وبعده (عني من بعده) إلى غيري (فما راعني) أي خوفني وأزعجني (إلا انثيال الناس) أي انصبابهم (على فلان)يعني أبا بكر (يبايعونه) للخلافة (فأمسكت يدي) أي كففتها عن العمل في ضده خوف الفتنة (حتى رأيت راجعة الناس) أي الناس الذين رجعوا إلى ورائهم بترك حكم الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في نصبي خليفة (قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله) أي إيطاله، فإنَّ كل شيء يخالف دين الإسلام محق له، إذ الإسلام كل لا يتبعض فكيف برفض هذا
، الركن المهم الذي هو الخلافة والإمامة. (فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله) بكفي عن المنازعة، وإعطاء رأيي في كيفية الفتوح وسائر المشاكل (أن أرى فيه) أي في الإسلام (ثلماً) أي خرقاً (أو هدماً) بأن يقلع الإسلام عن أصله (تكون المصيبة به) أي بسبب ذلك الثلم أو الهدم (علي أعظم من فوت ولا يتكم) والإمارة عليكم (التي إنما هي متاع أيام قلائل) جمع قليلة، والمراد بالأيام أيام الدنيا، والمتاع ما يتمتع به الإنسان.
يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ. ومنه : إِنِّي وَاللهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلَاعُ الْأَرْضِ كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَلاَ اسْتَوْحَشْتُ، وَإِنِّي مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَيَقِينٍ مِنْ رَبِّي. وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ لَمُشْتَاقٌ، وَحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنتَظِرٌ رَاجٍ،
..............................
(يزول منها) أي من تلك الأيام (ما كان) ووجد (كما يزول السراب) الذي يتراءى في الصحراء وليس له حقيقة (أو كما يتقشع) ويبيد (السحاب) في الهواء فلا يبقى منه أثر (فنهضت في تلك الأحداث) أنبه وأرشد وأسدد وأقوم (حتى زاح الباطل) الذي كان يخشى منه على الإسلام، كقيام مسيلمة وأشباه ذلك (وزهق) أي مات وبطل (واطمأن الدين) أي ثبت واستقر (وتنهنه) أي منع عن الزوال يقال نهنهته أي منعته وكففته ، وتنهنه مطاوع له (ومنه) أي هذا من الكتاب (إني والله لو لقيتهم) والمراد أجناد الشام في حال كوني (واحداً، وهم طلاع الأرض كلها) الطلاع ملء الشيء، أي في حال كونهم يملؤون الأرض (ما باليت) أي ما اهتممت بهم (ولا استوحشت) أي ما خفت (وإني من ضلالهم الذي هم فيه، والهدى الذي أنا عليه، لعلى بصيرة) أي أني أعرف ضلالهم، وأني على الهدى لا أشك في ذلك (من نفسي) أي أنا منشئ البصيرة نفسي. (ويقين من ربي) أي من جانبه سبحانه، فإنَّه هو المتفضل باليقين (وإني إلى لقاء الله) أي الموت الذي فيه لقاء حساب الله وجزائه (لمشتاق و) إلى (حسن ثوابه) أي ثوابه الحسن (لمنتظر) أنتظر أن يأتيني (راج) أصله راجي، اسم فاعل من رجا يرجو.
وَلَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِي أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَفُجَّارُهَا ، فَيَتَّخِذُوا مَالَ الله دُوَلاً، وَعِبَادَهُ خَوَلاً ، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً ، وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً ، فإنَّ مِنْهُمُ الَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ، وَجُلِدَ حَداً فِي الإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ الرَّضَائِخُ فَلَولَا ذَلِكَ
.............................
(ولكنني آسى) أي أحزن (أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها) أي معاوية وأتباعه والسفيه هو الذي يخالف الحق، كما قال سبحانه: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ الناس(1)(وفجارها) جمع فاجر، وهو المبالغ في المعصية. (فيتخذوا مال الله دولاً) جمع دولة، وهي ما يتداول، والمراد يتصرف بعضهم ويعطيه إلى الآخر، بدون وضعه في حقه، وإعطائه لمصالح المسلمين (وعباده خولا) أي عبيداً، يفعلون بهم كما يفعل السيد بعبده (والصالحين حرباً) أي محاربين (والفاسقين حزباً) أي يجعلونهم حزبهم وطرف أعمالهم ومشاوراتهم، عوض الصالحين (فإن منهم) أي من هؤلاء السفهاء الذين سيطروا على الأمر (الذي قد شرب فيكم الحرام) كمغيرة بن شعبة وعتبة بن أبي سفيان شربا الخمر وجلدا في قصة مذكورة في التواريخ. (وجلد حداً في الإسلام) فإنَّ حد شارب الخمر ثمانون جلدة (وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له) أي أعطيت له (على الإسلام) أي لأجل أن يسلم (الرضائخ) أي العطايا، وهم أبو سفيان ومعاوية وعمرو بن العاص، فإنَّهم كانوا من المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا بعد إعطاء النبي لهم الأموال، اتقاء من شرهم على الإسلام والمسلمين. (فلولا ذلك) الذي أحزن من سيطرة هؤلاء السفهاء عليكم، أن توانيتم في الأمر.
1) سورة البقرة : 142 .
مَا أَكْثَرْتُ تَألِيبَكُمْ وَتَأْنِيبَكُمْ، وَجَمْعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ وَلَتَرَكْتُكُمْ إِذَا أَبَيْتُمْ وَوَنَبْتُمْ ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ ، وَإِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ ، وَإِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى، وَإِلَى بِلادِكُمْ تُغْزَى! انْفِرُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ وَلَا تَثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ وَتَبُوءُوا بالذُّلّ، وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسَّ ، وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَم عَنْهُ، وَالسَّلَامُ .
.......................................
(ما أكثرت تأليبكم) أي تحريضكم ضد هؤلاء (وتأنيبكم) أي لومكم في میل قلوب بعضكم إليهم وعدم قيامكم ضدهم (وجمعكم) تحت لواء الحق لتبتعدوا عن هؤلاء (وتحريضكم) وحثكم ( ولتركتكم) وشأنكم (إذا أبيتم) عن الإنضواء تحت لوائي (وونيتم) أي أبطأتم عن إجابتي (ألا ترون إلى أطرافكم) أي أطراف بلادكم وجوانبها (قد انتقصت) قد نقصت بسبب استلاب معاوية لها (وإلى أمصاركم) جمع مصر، بمعنى : البلدة (قد افتتحت) أي : افتتحها العدو. (وإلى ممالككم تزوى) أي تقبض من ناحية العدو (وإلى بلادكم تغزى) أي تغزوها الأعداء (انفروا) أي اذهبوا وسافروا (رحمكم الله) جملة خبرية في معنى الدعاء (إلى قتال عدوكم) معاوية ومردة أهل الشام. (ولا تثاقلوا إلى الأرض) اثاقل أي تثاقل عن الخروج كأنه لاصق بالأرض (فتقروا) بمعنى الإقامة (بالخسف) أي بالذل والانهضام (وتبوء وا) أي : ترجعوا (بالذل) أي الذلة تحت نفوذ الأعداء (ويكون نصيبكم) في الدنيا والآخرة (الأخس) أي الأقل الموجب للذلة (وإن أخا الحرب الأرق) أي الساهر، فإنَّ من يريد الحرب لا ينام، وهذا تحريض لهم على أن لا يناموا عن العمل (ومن نام لم ينم عنه ) أي لا ينام الناس عنه، بل هم ساهرون لإزالته وإبادته (والسلام) .
وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل
مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ . أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَ لَكَ وَعَلَيْكَ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولِي عَلَيْكَ فَارْفَعْ ذَيْلَكَ، وَاشْدُدْ مِئْزَرَكَ ، وَاخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ ، وَانْدُبْ مَنْ مَعَكَ، فإنْ حَقَّقْتَ فانْفُذْ ، وَإِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ !
...............................
التوضيح:
(من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن القيس )هذا اسم أبي موسی الأشعري (أما بعد) المقدمة (فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك) أي لنفعك وضررك أما نفعه بالتشبيط لأنه يسلم عن عواقب الجهاد والحرب في الدنيا، وأما كونه عليه فلأنه يوجب ذهاب دنياه لسخط الإمام عليه وآخرته لأنه خالف ولي أمر المؤمنين بالحق والمخالف له في النار (فإذا قدم رسولي) الحامل لكتابي (عليك فارفع ذيلك) أي ذيل ثوبك (واشدد مئزرك) هو الذي يلبس مكان السراويل، وهذان كناية عن استعداده للجهاد (واخرج من جحرك) أي مقرك تشبيه له بثقب الحيوان (واندب) أي ادع للجهاد (من معك) من المسلمين (فإن حققت) ما أمرتك (فانفذ) أي طبق الأمر .
(وإن تفشلت) من الفشل ضد النجاح بأن لا تريد تنفيذ الأمر (فابعد) عن
وَايْمُ الله لَتُؤْتَيَنَّ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ، وَلَا تُتْرَكُ حَتَّى يُخْلَطَ زُبْدُكَ بِخَاثِرِكَ ، وَذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ، وَحَتَّى تُعْجَلَ عَنْ قِعْدَتِكَ وَتَحْذَرَ مِنْ أَمَامِكَ كَحَذَركَ مِنْ خَلْفِكَ، وَمَا هِي بِالْهُوَيْنَى الَّتِي تَرْجُو، وَلكنَّهَا الدَّاهيَةُ الْكُبْرَى، يُرْكَبُ جَمَلُهَا، وَيُذَلَّلُ صَعْبُهَا ، وَيُسَهَّلُ جَبَلُهَا . فَاعْقِلْ
.............................
الولاية فقد عزلتك (وايم الله) حلف بالله سبحانه فإنَّ [ايم] من ألفاظ القسم (لتؤتين من حيث أنت) أي لا بد لك من الإتيان والخروج عن محلك (ولا تترك) في أمن وسلامة (حتى يخلط زبدك بخاثرك) قالوا إن أصل هذا المثل أن الشخص يعمل السمن فيختلط خاثره برقيقه، فيتحير إن أوقد النار تحته حتى يصفو، احترق، وإن تركه كما هو بقي كدراً، فهو متحير في أمره، وهذا مثل لمن يتحير في أمره فلا يدري أي العملين يأتي به. (وذائبك بجامدك) هذا من تتمة المثل لأن الخاثر هو الجامد، والزبد هو الذائب (وحتى تعجل) أي يؤتى بما يسبب تعجيلنا (في قعدتك) هي بمعنى هيئة القعود والمراد ولايته، والمعنى نضع واحداً مكانك، ونعزلك عن الولاية (و) حتى (تحذر من أمامك كحذرك من خلفك) أي يحيط الخوف بك، من الأمام ومن الخلف لأن المخالف للخليفة يحذر على كل حال سواء بقى في الحكم أو عزل . (وما هي) أي ما هذه الصفة التي هي عزلك وإحاطة الخوف بك (بالهويني) مؤنث أهون (التي ترجو) فإنَّه كان يرجو بقاءه في إمارته سالماً يرجو بقاءه في إمارته سالماً عن أخطار الحرب، أما أن يعزل ويخاف فهو صعب عليه(ولكنها ) أي : هذه الصفة(الداهية) أي المصيبة (الكبرى) من مصيبات الدهر (يركب جملها) كناية عن لزوم الاستعداد لها، كمن يستعد للدفاع والمحاربة فيركب الجمل. (ويذلل صعبها) كمن يريد معالجة الأمور فيذل الصعب منها ليتسنى له الوصول إلى غايته .
(ويسهل جبلها) أي يجعل السير في الجبل لأجله سهلاً (فاعقل) من
عَقْلَكَ ، وَامْلِكْ أَمْرَكَ ، وَخُذْ نَصِيبَكَ وَحَظَّكَ. فَإِنْ كَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَيْرِ رَحْبٍ وَلَا فِي نَجَاةٍ، فَبِالْحَرِيِّ لَتُكْفَيَنَّ وَأَنْتَ نَائِمُ، حَتَّى لاَ يُقَالَ : أَيْنَ فُلَانٌ؟ وَاللهِ إِنَّهُ لَحَقِّ مَعَ مُحِقِّ، وَمَا أُبَالِي مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ، وَالسَّلَامُ .
...........................
العقال بمعنى الشد (عقلك) لئلا يسرح في مراتع الغي والضلال (واملك أمرك) لئلا يفوت من يدك (وخذ نصيبك وحظك) فلا يفوتك نصيبك من الخير بلجاجك في ترك مساعدة الإمام(عليه السلام) (فإن كرهت) مساعدة الإمام (فتنح) أي اعتزل الولاية وابتعد عنها (إلى غير رحب) أي إلى مكان غير وسيع. (ولا في نجاة) بل في هلاك الدنيا والآخرة (فبالحري) أي الجدير (لتكفين) أي نكفيك أمر القتال، ولا نحتاج إليك (وأنت نائم) أي كالنائم الذي ليس له نصيب (حتى لا يقال : أين فلان؟) يعني أبا موسى (والله إنه) أي أمر البصرة (لحق مع محق) أي مع الإمام لا مع أصحاب الجمل (وما أبالي ما صنع الملحدون) الذين ألحدوا وانحرفوا عن منهج الإسلام بخروجهم على إمامهم ونقضهم بيعتهم (والسلام) .
أَمَّا بَعْدُ ، فإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ، وَالْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَفُتِنْتُمْ، وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلَّا كُرْهاً ، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنفُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حِزْباً .
....................................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت) يا معاوية (من الألفة والجماعة) أي الائتلاف والاجتماع، قبل بزوغ نور الإسلام (ففرق بيننا وبينكم أمس) حين ظهور الإسلام وانبعاث الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(أنا آمنا و) أنتم (كفرتم) بالله والرسول (واليوم أنا استقمنا) على جادة الإسلام (و) أنتم (فتنتم) أي انحرفتم إلى الضلالة . (وما أسلم مسلمكم) كمعاوية وأبي سفيان و هند (إلا كرهاً) حيث أنهم آمنوا حين الفتح خوفاً من أن يهدر الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) دماءهم، بما اقترفوا من الإجرام ضد الرسول صلّى الله عليه وآله والإسلام (وبعد أن كان أنف الإسلام) وهو أشراف الجزيرة، لأن فتح مكة كان من أواخر غزوات الرسول صلى الله عليه وآله بعد أن عم الإسلام - تقريباً -الجزيرة (كله لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) حزباً) فإنَّ أشراف العرب صاروا من حزب
وَذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَشَرَدْتُ بِعَائِشَةَ، وَنَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ! وَذلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَيْكَ، وَلا الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ. وَذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي المُهَاجِرِینَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهَجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ ،
....................................
الرسول: وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا(1). (وذكرت) يا معاوية تريد تنقيصي (أني قتلت طلحة والزبير) في واقعة الجمل.
(وشردت بعائشة) أي طردتها، وفرقت جمعها وأرجعتها إلى المدينة (ونزلت بين المصرين) كوفة والبصرة، وكأنه عيب بنظر معاوية، إذ ترك الإمام دار الهجرة (وذلك أمر غبت عنه) إذ لم يكن معاوية في واقعة الجمل (فلا عليك) أمره (ولا العذر فيه إليك) لو كنت مقصراً، بينما أنا لم أقتل طلحة وإنما قتله مروان، ولم أقتل الزبير بل قتله ابن جرموز، واحترمت عائشة أرجعتها إلى دارها التي جعلها الله لها بدون أن أعاقبها بجزاء فعلها، ونزولي المصرين تحفظاً على الإسلام من كيدك وكيد أمثالك ممن بيتوا الشر بالإسلام. (وذكرت أنك زائري في المهاجرين والأنصار) فإنَّ معاوية هدد الإمام(عليه السلام) في كتابه بأنه يقبل عليه لمحاربته في المهاجرين والأنصار، فرده الإمام أولاً ليس من المهاجرين ولا من الأنصار- مما أوهم كلامه عليه اللعنة بأنهم منهم - وثانياً بأنه مستعد للقائه أكبر استعداد. (وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك) فإن الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) قال : لا هجرة بعد الفتح، وكان أبو سفيان إنما جاء مع الرسول صلّى الله عليه وآله بعد الفتح حيث كان تحت لوائه في حرب حنين، فليس معاوية من المهاجرين ولا من الأنصار الذين كانوا في المدينة،
1) سورة النصر : 2
فإِنْ كَانَ فِيكَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِةْ فإنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ اللهُ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ! وَإِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو بَنِي أَسَدٍ : مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ*** بحَاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَجُلْمُودِ
وَعِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ وَإِنَّكَ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ، الْمُقَارِبِ الْعَقْلِ ،
.......................................
والمراد بأسر أبيه حين وقع في أيدي المسلمين قبل ليلة الفتح في قصة طويلة، فقوله: [في المهاجرين والأنصار] مما أنك يوهم منهم، ادعاء فارغ ليس له حقيقة (فإن كان فيك عجل) أي تعجيل لملاقاتي (فاسترفه) من الرفاهية أي نفس عنك وتعجل كما تريد (فإني إن أزرك) وأراك (فذلك جدير أن يكون الله إنما بعثني إليك للنقمة منك) أي الانتقام لأعمالك التي عملتها . (وإن تزرني) بأن تأتيني (فكما قال أخو بني أسد) من شعرائهم: (مستقبلين رياح الصيف تضربهم) (بحاصب بين أغوار وجلمود) رياح الصيف شديدة الحرارة تحمل الغبار والحجارة، فإذا هبت على الإنسان تضرب وجهه بالحرارة والغبار والحجارة، والحاصب ريح تحمل التراب والحصى، وأغوار جمع غور بمعنى الغبار، والجلمود الصخر، أي أن حال معاوية كحال من استقبل رياح الصيف، حين ما يلاقي الإمام لما يلقاه من غبار الحرب والسيوف والرماح. (وعندي السيف الذي أعضضته) أي جعلته يعض، وذلك كناية عن القتل (بجدك) يا معاوية، وهو عتبة بن ربيعة (وخالك) الوليد بن عتبة (وأخيك) حنظلة (في مقام واحد) وهو يوم بدر حيث قتل جميعهم الإمام(عليه السلام) في ذلك اليوم ، وهذا للتلويح بأنك أيضاً تلحق بهم إذا حاربتني . (وإنك - والله - ما علمت) أي الشخص الذي عرفته منذ السابق و[ما] موصولة (الأغلف القلب) أي الذي قلبه في غلاف فلا يعرف الحق (المقارب العقل) أي الناقص العقل
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ : إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لاَ لَكَ ، لأَنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ ، وَرَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ، وَطَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَلاَ فِي مَعْدِنِهِ ، فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ !! وَقَرِيبٌ مَا أَشْبَهَتَ مِنْ أَعْمَامِ وَأَخْوَالٍ! حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ ، وَتَمَنِّي الْبَاطِلِ، عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ ،
........................
فليس في عقله سعة يرى البعيد ويدرك الحق (والأولى أن يقال لك) وفي شأنك (أنك رقيت سلماً أطلعك مطلع سوء عليك لا لك) والسلم طماحه إلى الخلافة، ومطلع السوء الذي عليه شقاؤه في الدنيا ولعن الأجيال له، وفي الآخرة بالعذاب والنار .(لأنك نشدت غير ضالتك) الضالة ما فقده الإنسان من مال ونحوه، الضالة الفحص عنها وطلبها، وهذا مثل يضرب لمن طلب غير حقه (ورعيت غير سائمتك) السائمة الماشية من الحيوان، ورعيها عبارة عن إطلاقها في المرعى، ومن رعى غير سائمة كان ظالماً للناس بأخذ بهائمهم. (وطلبت أمراً) هو الولاية والخلافة (لست من أهله ولا في معدنه) لأنك ظالم طاغ، ومثله لا يصلح لإمارة المسلمين (فما أبعد قولك من فعلك) فقولك إظهار أن الحق معك، وفعلك الغدر والختل والخروج عن الطاعة (و قريب ما أشبهت) [ما] مصدرية، أي قريب شباهتك (من أعمام وأخوال) أي أقربائك الكفار الذين حاربوا الرسول في مختلف المناطق، وأنت هكذا ترفض حكم الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في وصيه. (حملتهم الشقاوة) أي كونهم أشقياء النفوس (وتمني الباطل) بأن يمحقوا الإسلام (على الجحود) أي الإنكار (بـ) رسالة (محمد صلى الله عليه واله وسلم فصرعوا) أي قتلوا ووقعوا في (مصارعهم) أي المحلات التي وقعوا فيها صرعى، كبدر وأحد وغيرهما (حيث علمت)
لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً، وَلَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً ، بِوَقْعِ سُيُوفِ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى، وَلَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنَى، وَقَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، ثُمَّ حَاكِم الْقَوْمَ إِلَيَّ، أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ الله تَعَالَى، وَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ فإنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنْ اللَّبَن فِي أَوَّلِ الْفِصَالِ، وَالسَّلَامُ لِأَهْلِهِ .
..................................
أماكن صرعهم (لم يدفعوا) عن أنفسهم (عظيما) وهو الموت (ولم يمنعوا حريما) أي حريمهم عن الذل ، وكانت صرعتهم .
(بوقع سيوف) وقعت عليهم (ما خلا منها الوغى) الوغى: الحرب، أي لم تخل الحروب من تلك السيوف بل إنها باقية إلى هذا اليوم. (ولم تماشها) أي تلك السيوف (الهويني) أي لم ترافق تلك السيوف المساهلة، والهون، بل إنها شديدة على أعداء الله (وقد أكثرت) يا معاوية من الكلام (في قتلة عثمان) مطالباً منّى دمه، ليتسنى لك بهذه الخديعة نقض البيعة العامة، والخروج عن الطاعة، وقتلة جمع قاتل (فادخل فيما دخل فيه الناس) أي طاعتي وبيعتي (ثم حاكم القوم) الذين قتلوا عثمان (إلي أحملك وإياهم على كتاب الله تعالى) وأبين أن الحق لمن وعلى من . (وأما تلك التي تريد) من إمارة الشام، وجعلت كل ذلك عذراً ووسيلة إليها (فإنها خدعة الصبي عن اللبن في أول الفصال) فإنَّ الصبي يخدع فيما يفصل عن لبن أمه، فإنَّ إرادته للشام مثل خدعة الصبي، في كون كليهما ضعيف لا ينتج ظاهراً للناس، أو المراد أن جعلك قتل عثمان وسيلة خدعة، مثل خدعة الصبي مما لا يخفى على أحد (والسلام لأهله) أي لمن يستحق السلام، لا مثل معاوية الذي يستحق الحرب.
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِالأمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الْأُمُورِ فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلَافِكَ بِادْعَائِكَ الأَبَاطِلَ، وَاقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْن وَالْأَكَاذِيبِ، وَبِانْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلَا عَنْكَ وَابْتِزَازِكَ لِمَا اخْتُزِنَ دُونَكَ ، فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ وَجُحُوداً
...............................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فقد آن لك) أي صار الوقت (أن تنتفع باللمح الباصر) أي بنظر العين (من عيان الأمور) أي من جهة معاينة الأمور وإدراك الحقائق ، يقال لأرينك لمحاً باصراً، أي أمراً واضحاً، أي قد ظهر لك الحق ، فعليك أن تنتفع به (فقد سلكت مدارج أسلافك) أي في الطريق الذي سار فيه أجدادك وأقرباؤك ، ومدارج جمع مدرج بمعنى الطريق لأنه يدرج فيه (بـ)سبب (ادعائك الأباطيل) أي حيث ادعيت الادعاءات الباطلة (واقتحامك) أي دخولك، أو إدخال الناس (غرور المين) المين الكذب الفاضح. (والأكاذيب) أي حيث أدخلت نفسك، أو أدخلت الناس في أكاذيب توجب الغرور والخداع(وبانتحالك) أي ادعائك لنفسك (ما قد علا عنك) أي المقام الذي هو أرفع منك (وابتزازك) أي سلبك (لما اختزن دونك) أي منع منك وهي الإمارة، والاختزان هو جعل الشيء في الخزينة ليمنع عن الناس ولا يتناوله كل أحد (فراراً من الحق) أي وذلك لإرادتك أن تفر من الحق. (وجحوداً)
لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لكَ مِنْ لَحْمِكَ وَدَمِكَ ، ممَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ، وَمُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ الْمُبِينُ ، وَبَعْدَ الْبَيَانِ إِلَّا اللَّبْسُ؟ فَاحْذَرِ الشَّبْهَةَ وَاشْتِمَالِهَا عَلَى لُبْسَتِهَا، فإنَّ الْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِيبَهَا وَأَغْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا ، وَقَدْ أَتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفَانِينَ مِنَ الْقَوْلِ ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ السِّلْمِ ، وَأَسَاطِيرَ
............................
أي إنكاراً (لما هو ألزم لك من لحمك ودمك) ومصداق [ما] بيعة الإمام، وكونه ألزم، باعتبار أن توابع البيعة يلزمه حتى بعد موته وفراقه عن جسده .
(مما قد وعاه سمعك) فسمعت ببيعة الناس للإمام (وملئ به صدرك) فعرفت ذلك حق المعرفة (فماذا بعد الحق إلا الضلال)؟ إذ الإنسان إذا لم يتبع الحق صار إلى الضلال والانحراف (المبين) أي الواضح من أبان بمعنى ظهر . (و) ماذا (بعد البيان إلّا اللبس؟) أي الخلط، فأنت لا تنكر الحق لأنه لم يبين لك، وإنما تنكره إرادة الخلط واللبس (فاحذر) يا معاوية (الشبهة) بأن توقع نفسك في الاشتباه عمداً (واشتمالها على لبستها) أي ما اشتملت عليه الشبهة من الالتباس وعدم معرفة وجه الحق، كأنه لباس على وجه الحق (فإن الفتنة طالما) أي في كثير من الأحيان (أغدقت جلابيبها) يقال أغدف الليل إذا أرسل ظلمته، وجلابيب جمع جلباب، بمعنى : الثوب الأعلى الذي يغطي ما تحته، أي طالما أسدلت الفتنة أغطية الباطل، فأخفت الحقيقة . (وأغشت الأبصار ظلمتها) بمعنى أنها صارت غشاوة وعلى أبصار الناس، فلم يرون الحق من الباطل (وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين من القول) جمع فن بمعنى ضروب من القول الملفق والاحتجاج التافه (ضعفت قواها عن السلم) أي ليس لها قوة لإيجاد السلم والصلح بين الجانبين (و) ذو (أساطير) جمع
لَمْ يَحُكْهَا مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا حِلْمٌ أَصْبَحَتَ كَالْخَائِضِ فِي الدَّهَاسِ، وَالْخَابِطِ فِي الدِّيمَاسِ وَتَرَقَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ الْمَرَامِ، نَازِحَةِ الْأَعْلَامِ، تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَنُوقُ وَيُحَاذَى بِهَا الْعَيُّوقُ، وَحَاشَ لِلَّهِ
.............................
أسطورة، بمعنى : الخرافة التي لا يعرف منشؤها .
(لم يحكها منه) من حاك بمعنى نسج، أي لم ينسج تلك الأساطير من كتابك (علم ولا حلم) فإنَّ كتاب العليم الحليم، يظهر منه رزانة صاحبه، بخلاف كتاب الجاهل ذي الطيش (أصبحت) يا معاوية (منها) أي من تلك الأساطير التي ذكرتها (كالخائض في الدهاس) الدهاس أرض رخوة يعسر فيها السير، فإذا خاض الإنسان فيها أشكل عليه الخروج منها، فكلامك يا معاوية رخو كتلك الأرض. (والخابط في الديماس ) هو المكان المظلم، وخبط في سيره بمعنى: سار على غير هدى، وكما يصطدم ويزلق ويسقط السائر في الظلمة كذلك الذي يعمل بلا رشد وهدى (وترقيت) أي ارتفعت في كلامك (إلى مرقبة) هو المكان العالي الذي يترقب الإنسان فيه الاطلاع على المنخفضات (بعيدة المرام) أي بعيد عنك مقصد تلك الرقبة فلا تنالها (نازحة) أي بعيدة (الأعلام) جمع علم، وهو ما ينصب في الطريق لاهتداء المارة، وكونها بعيدة يستلزم ضلال الإنسان قبل الوصول إليها، إذ المسافة الخالية منها توجب عدم معرفة الإنسان بالجادة. (تقصر دونها) أي دون تلك الأعلام والوصول إليها، أو دون تلك المرقبة (الأنوق) هو طير فطن يحرز بيضه في مكان مخفي في القلل الصعبة مما لا تنالها الأيدي، وهذا كناية عن عدم إمكان وصوله إلى ما أراده (ويحاذى بها العيوق) هو نجم بعيد في المرئي يضرب ببعده المثل، يعني أن تلك المرقبة في محاذاة عيوق فلا تصل إليها يدك. (وحاش لله) أي أنه سبحانه منزه من أن يجوز لك شرعاً
أَنْ تَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدِي صَدْراً أَوْ وِرْداً ، أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً ! ! فَمِنَ الآنَ فَتَدَارَكْ نَفْسَكَ، وَانْظُرْ لَهَا ، فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى يَنْهَدَ إِلَيْكَ عِبَادُ اللهِ أُرْتِجَتْ عَلَيْكَ الْأُمُورُ، وَمُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْكَ الْيَوْمَ مَقْبُولٌ، وَالسَّلَامُ .
......................................
(أن تلي للمسلمين بعدي صدراً أو ورداً) الورد الورود على الماء، والصدر الرجوع بعد الشرب، وهذا كناية عن توليه أي أمر منهم (أو أجري لك على أحد منهم) أي من المسلمين (عقداً أو عهداً) بأن تكون طرف عقد أحد، أو طرف أحد في معاهدة تؤخذ منه أي لا أشغلك في أقل شأن من الشؤون. (فمن الآن فتدارك) يا معاوية (نفسك) بأن تعمل عملاً يوجب قربك وخلاصك (وانظر لها) أي لنفسك (فإنك إن فرطت) أي قصرت (حتى ينهد إليك عباد الله) ينهد أي ينهض لحربك (أرتجت) أي أغلقت (عليك الأمور) فلم تقدر على الخروج منها (ومنعت أمراً) يعني التوبة والصلح (هو منك اليوم مقبول) قبل الشروع في الحرب (والسلام) لأهل السلام.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَرْءَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُونَهُ ، وَيَحْزَنُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ، فَلَا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ ، وَلَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ
...............................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإن المرء ليفرح بالشيء الذي لم يكن ليفوته) فإنَّ الإنسان قد يفرح بما ينال من الأشياء، والحال أنه لا داعي إلى الفرح، لأنه كان من المقدر أن يناله، ومن المعلوم أن لا فرح لما يصل إلى الإنسان قطعاً، وإنما الفرح للشيء المحتمل .
( ويحزن على الشيء الذي لم يكن ليصيبه) بأن يطلب شيئاً فلا يصيبة فيحزن، والحال أنه لا حزن للشيء المقدر عدم وصوله إلى الإنسان وإنما الحزن لما كان المقدر إصابته ثم لم يحصل الإنسان عليه لعارض خارجي وهذا الكلام مقدمة لما يأتي من كلامه(عليه السلام) وحاصل معنى المقدمة : أي الأمور الدنيا لا ينبغي الحزن لفواتها ولا الفرح لمجيئها وإنما هي مقدرة، وإنما الفرح والحزن لإصابة الآخرة أو فوتها لأنها محتملة (فليكن أفضل ما نلت في نفسك) بأن تظنه أفضل شيء نلته (من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ) بدفع مكروه أو كبت عدو ( ولكن) ليكن أفضل ما نلت من الدنيا (إطفاء باطل).
أَوْ إِحْيَاءُ حَقٌّ، وَليَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ، وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ .
...............................
والإذهاب له (أو إحياء حق) بعد الاندراس (وليكن سرورك بما قدمت) من الأعمال الصالحة إلى آخرتك (وأسفك) وحزنك ( على ما خلفت) بأن لم تعمل حتى فات الوقت (وهمك فيما بعد الموت) لتحصل على الثواب وتنجو من العقاب .
أَمَّا بَعْدُ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ، وَاجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ، فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِي، وَعَلم الْجَاهِلَ ، وَذَاكِرِ الْعَالِمَ. وَلاَ يَكُنْ لَكَ إِلَى النَّاسِ سَفِيرٌ إِلَّا لِسَانُكَ ، وَلاَ حَاجِبٌ إِلَّا وَجْهَكَ. وَلَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا ،
....................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فأقم) يا بن عباس (للناس الحج) أي اهتم بشؤونه وإقامة شعائره (وذكرهم بأيام الله) أي الأيام التي كانت لله فيها نعمة عظيمة، أو نقمة عظيمة، والتذكير بها يوجب الخوف من العصيان والرجاء (و اجلس لهم) أي للناس (العصرين) أي الغداة والعشي من باب التغليب وكان وجه التغليب أن العصر الزمان (فأفت المستفتي) أي الذي يسأل عنك من الأحكام ( وعلم الجاهل) شرائع الإسلام ( وذاكر العالم) بالمباحثة والمدارسة (ولا يكن لك إلى الناس سفير إلّا لسانك) فإذا أردت من أحد شيئاً فقل أنت ذلك ، لا أن ترسل إليه سفيراً فإنَّه زاد أو نقص أو عمل ما لا ترضاه. (ولا حاجب) ومانع يمنعهم عن الوصول إليك (إلا وجهك) وهذه عبارة أخرى عن عدم جعل الحاجب إطلاقاً، فإذا أراد منع أحد من حاجته منعه بنفسه لا واسطة الحاجب (ولا تحجبن) أي لا تمنعن (ذا حاجة عن لقائك بها) أي
فإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أوَّلِ وِرْدِهَا لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا . وَانْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللهِ فَاصْرِفْهُ إلَى مَنْ قَبَلَكَ مِنْ ذَوي الْعِبَالِ وَالْمَجَاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الْفَاقَةِ وَالْخَلَّاتِ، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَفْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا . وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِن أَجْراً ، فإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: سَوَاءَ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ (1)فَالْعَاكِفُ : الْمُقِيمُ بِهِ،
................................
بتلك الحاجة (فإنها) أي تلك الحاجة - مجازاً - (إن ذيدت) أي منعت .
(عن أبوابك في أول وردها) أي ورودها، بأن لم تقضها أول مرة (لم تحمد في ما بعد على قضائها) لأن سيئة المنع الأول تذهب بطراوة الأداء فيما بعد. (وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله) كالزكاة والخراج والجزية (فاصرفه إلى من قبلك) أي من عندك من الفقراء والمحتاجين (من ذوي العيال والمجاعة) أي الجوع (مصيباً به) أي بالمال (مواقع الفاقة) أي شدة الاحتياج (والخلات) جمع خلة، بمعنى الحاجة فلا تصرف المال في المشكوك فقره وحاجته (وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا) ) أي أرسل الزائد إلينا (لنقسمه في من قبلنا ) أي من عندنا . (ومر) أمر من [أمر] حذفت منه الهمزة تخفيفاً (أن لا يأخذوا من ساكن أجراً) أي من يسكن في دورهم وبيوتهم، لیست کسائر البيوت حتى يأخذ المالك الأجرة ممن يسكن داره (فإِنَّ الله سبحانه يقول : سواء العاكف فيه والباد) أصله [بادي] اسم فاعل من بدا بمعنى ظهر، والمراد من يأتي من الخارج (فالعاكف المقيم به) من عكف بمعنى:
1) سورة الحج 25
وَالْبَادِي : الَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِمَحَابهِ وَالسَّلامُ .
...........................
أقام (والبادي الذي يحج إليه من غير أهله) فإذا كان الجميع متساوين بالنسبة إلى مكة فكيف يأخذ أحدهم من الآخر أجرة؟ (وفقنا الله وإياكم لمحابه) أي : مواضع محبته، وهي الأعمال الصالحة التي يحبها الله تعالى (والسلام) .
أَمَّا بَعْدُ ، فإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ : لَيِّنٌ مَسُّهَا، قَاتِلٌ سُمُّهَا، فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا، لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا، وَضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا،
، لِمَا أَيْقَنْتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا ، وَتَصَرُّفِ حالاتِهَا، وَكُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ بِهَا، أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا ، فَإِنْ صَاحِبَهَا
.......................................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإنما مثل الدنيا مثل الحية لين مسها) أي جسمها، واستعمال المس في الجسم مجاز، يراد به أن الإنسان إذا مسها أحس بلين ونعومة (قاتل سمها) والمراد بالمثال أن الدنيا ظاهرها لين لذيذ وباطنها خشن موجب لهلاك الإنسان إذا تناول من ملذاتها المحرمة (فأعرض عما يعجبك فيها) بأن لا تتناولها (لقلة ما يصحبك منها) فإنَّ الإنسان مهما بقي الدنيا فإنَّه قليل لسرعة زوالها (وضع عنك همومها) فلا تغتم لأمر من أمورها (لما أيقنت من فراقها) وهل يختم الإنسان لشيء يفارقه؟ . (و) من (تصرف حالاتها) فتارة تعطي وتارة تأخذ فلا بقاء لها حتى يغتم الإنسان لأجل شيء فيها (وكن آنس ما تكون بها) أي كن في حالة شدة أنسك بالدنيا لإقبالها عليك (أحذر ما تكون منها) أي أشد حذراً لأنها تقلب الأوضاع في لمحة عين، وتبدل اللذائذ أي أضدادها في أسرع وقت (فإن صاحبها) أي الذي في
كُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ عَنْهُ إِلَى مَحْذُورٍ، أَوْ إِلَى إِينَاسٍ أَزَالَتْهُ عَنْهُ إِلَى إِيحَاشٍ ! وَالسَّلَامُ .
............................
الدنيا (كلما اطمأن فيها إلى سرور) من جهة وجدانه لشيء يريده .
(أشخصته) الدنيا (عنه) أي عن ذلك السرور (إلى محذور) يحذر منه الإنسان، أي أذهبت تلك المسرة وجعلت مكانها المضرة (أو) كلما اطمأن فيها (إلى إيناس) أي أنس بوجدان شيء مطلوب (أزالته) الدنيا (عنه إلى إيحاش) أي ما يورث وحشة (والسلام) .
وَتَمَسَّكْ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَاسْتَنْصِحْهُ، وَأَحِلَّ حَلَالَهُ ، وَحَرِّم حَرَامَهُ، وَصَدِّقْ بمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ، وَاعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِن الدُّنْيَا لِمَا بَقِي مِنْهَا ، فإنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً، وَآخِرَهَا لاَ حِقٌ بِأَوَّلِهَا! وَكُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ. وَعَظِّمْ اسْمَ اللهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلَّا عَلَى حَقٌّ،
.................................
التوضيح :
(وتمسك بحبل القرآن) كأن القرآن حبل من أخذ به رفعه إلى السماء والجنة(واستنصحه) أي اطلب النصح منه بمطالعة أحكامه وإرشاداته والعمل بها (وأحل حلاله) أي اجعله حلالاً ولا تحرم ما أحله القرآن فتوى كانت أو عملاً (وحرم حرامه) فلا تقترف المحرم (وصدق بما سلف من الحق) لا أن تكذب به كما كذب اليهود عيسى(عليه السلام) والنصارى بمحمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم) (واعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها) أي قس الباقي بالماضي فإنَّ الدنيا كلها على نهج واحد فكيف كانت سابقاً تكون فيما بعد (فإن بعضها يشبه بعضاً) في الأحوال، والناس والكيفيات.
(وآخرها لا حق بأولها) إذ كلها تفنى حتى لا يبقى منها شيء فيلحق الآخر الأول في الفناء (وكلها حائل) أي زائل (مفارق) للإنسان لا يبقى منه شيء (وعظم اسم الله أن تذكره) بالحلف (إلا على حق) بأن تحلف به
وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلَّا بِشَرْطِ وَثِيقٍ . وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ ، وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَاحْذَرْ كُلِّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلِ إذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوِ اعْتَذَرَ مِنْهُ . وَلَا تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ الْقَوْلِ، وَلاَ تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ ، فَكَفَى بِذلِكَ كَذِباً .
.........................
سبحانه محقاً (وأكثر ذكر الموت) أي أكثر من أنك سوف تموت (وما بعد الموت) من الحساب والجزاء، فإنَّ ذكر هذه الأمور موجب للانصراف عن الدنيا (ولا تتمن الموت إلّا بشرط وثيق) أي بالإيمان والعمل الصالح، أما من يتمن الموت بلا استعداد له فهو سفيه، وهذا تحريض على الاستعداد للموت (واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكره) ذلك العمل (لعامة المسلمين) كأن يستأثر بالخيرات فهو يرضى لنفسه أن يتناول أكثر قدر من الخير، ولا يرضى ذلك لسائر الناس، أو يرضى لنفسه أن يستغيب مثلاً ويكره ذلك إذا صدر من غيره بالنسبة إليه (واحذر كل عمل يعمل به في السر ويستحى منه في العلانية) كالمنكرات التي يرتكبها الشخص خفية فإنَّه يستحي منها في العلانية أمام الناس. (واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه) أي صاحب ذلك العمل، هل عمل به أم لا؟ ( أنكره) وقال لم أعمل به. مع أنه عمل به (أو اعتذر منه) بأن كان العمل قبيحاً حتى أوجب الاعتذار (ولا تجعل عرضك) هو ما يخص الإنسان من أهله وذاته وحاشيته .
(غرضاً لنبال القول) بأن تعمل عملاً يوجب أن يسبك الناس، ونبال جمع نبل، بمعنى السهم . (ولا تحدث الناس بكل ما سمعت به) من القصص وما أشبه (فكفى بذلك كذباً) فإنَّ كثيراً مما يسمعه الإنسان كذب، فإذا قال
وَلَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ ، فَكَفَى بِذلِكَ جَهْلاً. وَاكْظِمِ لْغَيْظَ ، وَتَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ، وَاحْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَاصْفَحْ مَعَ الدَّوْلَةِ، تَكُنْ لَكَ الْعَاقِبَةُ. وَاسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْكَ، وَلاَ تُضَيْعَنَّ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ عِنْدَكَ ، وَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلَهُمْ تَقْدِمَةٌ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمُ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ، وَمَا تُؤَخِّرُهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ، وَاحْذَرْ صَحَابَةَ
...................................
الإنسان كل ما سمعه كان كاذباً (ولا نود على الناس كل ما حدثوك به) فاللازم على القائل أن يستمع إلى كلام الناس بأدب ولا يردهم في حديثهم (فكفى بذلك جهلاً) فإنّ الرد بالنسبة إلى ما لا يفيد رده لغو وعبث لا يصدر إلّا عن جاهل (واكظم الغيظ) فلا تظهر الغضب (وتجاوز عند المقدرة) أي عند القدرة فإذا أساء إليك إنسان وقدرت على رد إساءته وعقابه فلا تفعل (واحلم عند) موجبات (الغضب) بأن لا تغضب وهذا غير كظم الغيظ (واصفح) أي تجاوز عن المسيئين (مع الدولة ) أي : عندما تكون لك دولة وسلطة فإنَّ فعلت ذلك (تكن لك العاقبة) المحمودة. (واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك) بشكرها وعدم إهمالها حتى تفسد وتضمحل (ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك) بعدم القيام بحقها (ولير عليك أثر ما أنعم الله به عليك) فإنَّ أنعم بالمال، فإنفق وتجمل، وإن أنعم بالعلم فاعمل وتعلم، وهكذا (واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه) أي أفضلهم إنفاقاً لنفسه في الأعمال الصالحة الموجبة لحسن العاقبة (وأهله) بأن يأمر أهله بالأعمال الصالحة (وماله) بأن ينفقه في سبيل الله (فإنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره) أي ذخيرته لتأخذها في الآخرة. (وما تؤخره) بأن تتركه بدون أن تنفقه في الصالحات (يكن لغيرك خيره) إذ الوارث يتصرف فيه (واحذر صحابة) أي أن
مَنْ يَفِيلُ رَأيَهُ وَيُنْكَرُ عَمَلُهُ، فإنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ . وَاسْكَنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفْلَةِ وَالْجَفَاءِ وَقِلَّةَ الْأَعْوَان عَلَى طَاعَةِ اللهِ . وَاقْصُرْ رَأْيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ. وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ، فإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ، وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ . وَأَكْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ ، فإنَّ ذلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشَّكْرِ، وَلَا تُسَافِرْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلَاةَ
...............................
تصحب (من يفيل) أي يضعف (رأيه) في الأمور فإنَّه موجب لك الوقوع في المكاره (وينكر عمله) أي يعمل أعمالاً غير مرضية عند الناس (فإن الصاحب معتبر بصاحبه) إذ الناس ينظرون إلى المتصاحبين نظرة واحدة فيضر الصاحب وشره يسري إلى الإنسان. (واسكن الأمصار العظام فإنَّها جماع المسلمين) أي مجمعهم ومن المعلوم أن الإنسان يتمكن من الكثرة في العلم والعمل كلما كان المسلمون أكثر(واحذر منازل الغفلة) التي أهلها غافلون جاهلون (والجفاء) التي أهلها يجفون الناس لقلة آدابهم وأخلاقهم (وقلة الأعوان على طاعة الله) بأن كان الذين يؤازرون الإنسان في طاعة الله قليلين. (واقصر رأيك) وفكرك (على ما يعنيك) مما يهمك فلا تصرفه فيما لا يعني (وإياك) أي احذر (ومقاعد الأسواق) أي القعود في السوق (فإنها محاضر الشيطان) إذ المعاملات المحرمة إنما تؤتى فيها (ومعاريض الفتن) معاريض جمع معراض، وهو: قسم من السهم، وإنما كانت الأسواق كذلك، لأنها محل للمنازعات ولإثارة الشهوات بسبب النظر إلى ما لا يحل .
(وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليه) في المال والجهات الدنيوية، بأن تنظر إلى من دونك في المال والجاه ( فإن ذلك من أبواب الشكر ) فإنّ الإنسان إذا نظر إليه شكر نعم الله على نفسه (ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة) أي
الترايان
إِلَّا فَاصِلاً فِي سَبِيلِ اللهِ. أَوْ فِي أَمْرِ تُعْذَرُ بِهِ. وَأَطِعِ اللهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ ، فَإِنَّ طَاعَةَ اللهِ فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا . وَخَادِعْ نَفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ ، وَارْفُقْ بِهَا وَلاَ تَقْهَرْهَا، وَخُذْ عَفْوَهَا وَنَشَاطَهَا، إِلَّا مَا كَانَ مَكْتُوبَاً عَلَيْكَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، فإنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَتَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا . وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا . وإِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةَ الْفُسَّاقِ، فإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ. وَوَقِّرِ اللهَ، وَأَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ .
................................
صلاة وقت الظهر، وإطلاقه شامل للجمعة والظهر، والمراد بـ[ تشهد] حضورها وأداؤها (إلا فاصلاً) أي خارجاً ذاهباً (في سبيل الله) أي للحرب والجهاد للإسلام (أو في أمر تعذر به) كالخروج للحج إذا لم يوجد بعد ذلك رفقة، أو ما أشبه مما هو عذر لدى الله سبحانه . (وأطع الله في جميع أمورك فإنَّ طاعة الله فاضلة على ما سواها) أي: لها الفضل، وأي عاقل يترك ماله الفضل، لما ليس له فضل ؟ (وخادع نفسك في العبادة) بأن تسلب من وقتك في غفلة فلة من من النفس لأجل إتيان عبادة الله سبحانه(وارفق بها) أي بنفسك(ولا تقهرها) بأن تكثر من العبادة حتى تفرط فيها، فإنَّ ذلك موجب لكبت النشاط وعدم الإقبال وحضور القلب. (وخذ عفوها) أي وقت فراغ النفس (ونشاطها) أي ارتياحها لأن تعبد في مثل هذه الأوقات ليكون الإقبال أكثر (إلا ما كان مكتوباً عليك) أي : واجباً عليك (من الفريضة فإنَّه لا بد من قضائها) أي الإتيان بها (وتعاهدها عند محلها) سواء كانت النفس نشطة أم لا (وإياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك) فإنَّ العاصي كالآبق، فكلاهما يخاف الطلب والعقوبة (في طلب الدنيا) أي أنك متوجه إلى الدنيا عوض التوجه إلى الله سبحانه، والإتيان بطاعته . (وإياك ومصاحبة الفساق فإنَّ الشر بالشر ملحق) فإذا التحقت بهم دل ذلك على أنك شر لا خير ، فإنَّ الطيور على أشكالها تقع (ووقر الله) أي : احترمه في التكلم والعمل (وأحبب أحباءه) أي
وَاحْذَرِ الْغَضَبَ ، فإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ ، وَالسَّلَامُ .
......................
المطيعين الذين يحبون الله ويحبهم (واحذر الغضب) فلا تغضب (فإنه جند عظيم من جنود إبليس) فإذا غضب الإنسان يعمل كل محرم ، فكأنه جند يسلطه على الإنسان ليغلبه فيعمل الإنسان ما يشاء إبليس (والسلام) .
في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية
أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ، فَكَفَى لَهُمْ
غَيّاً، وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً ، فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ ، وَإِيضَاعُهُمْ
..................................
التوضيح:
(إلى سهل بن حنيف الأنصاري وهو عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية) وقوله في(معنى) أي أن الكتاب في هذا المقصد، وهو مصدر ميمي بمعنى القصد، أي في هذا الصدد. (أما بعد) الحمد والصلاة (فقد بلغني أن رجالاً ممن قبلك) أي عندك (يتسللون) أي يذهبون واحداً بعد واحد في خفاء وحذر (إلى معاوية فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم) أي إمدادهم لك ونصرتهم إياك (فكفى) تسللهم (لهم غياً) وضلالاً إذا التحقوا بمثل معاوية . (و) كفى (لك منهم شافياً) إذ من كان هواه مع معاوية يكون كالمرض الذي إذا بقى يسري إلى سائر الناس بالإضلال والوسوسة، أما إذا ذهب فتستريح منه ولا تخاف ختله وإضلاله (فرارهم) فاعل [كفى] (من الهدى والحق وإيضاعهم) أي إسراعهم
إِلَى الْعَمَى وَالْجَهْلِ ، وَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، وَمُهْطِعُونَ إِلَيْهَا ، وَقَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا في الْحَقِّ أُسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحْقاً !! إِنَّهُمْ - وَاللهِ - لَمْ يَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ ، وَلَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا الأَمر أَنْ يُذَلِّل اللهُ لَنَا صَعْبَهُ، وَيُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ ، إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَالسَّلَامُ .
..............................
(إلى العمى) في الدين (والجهل) بالحق .
(وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها) تاركين الحق وراءهم (ومهطعون) أي مسرعون (إليها وقد عرفوا العدل ورأوه) بأعينهم في جانب الإمام(عليه السلام)( وسمعوه ووعوه) أي اشتملوا عليه بأن دخل في قلوبهم (وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة) أي سواء فلا نفضل أحداً على أحد (فهربوا إلى الأثرة) أي الاختصاص بالمنفعة، فإنَّ معاوية كان يعطي للأقوياء أكثر من الضعفاء (فبعداً لهم وسحقاً) السحق بمعنى البعد وهذا دعاء عليهم بأن يبعدهم الله عن رحمته (إنهم - والله - لم ينفروا من جور) وظلم (ولم يلحقوا بعدل) إذ لا عدل عند معاوية (وإنا لنطمع في هذا الأمر ) أي أمر الفتنة التي أحدثها معاوية (أن يذلل الله لنا صعبه) كناية عن استئصال شأفة معاوية ( ويسهل لنا حزنه) أي خشونته (إن شاء الله) تعالى (والسلام).
أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ صَلاحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لا تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً ، وَلاَ تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَادَاً . تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابٍ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بقَطِيعَةِ دِينِكَ.
..............................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإن صلاح أبيك غرني منك) أي الشيء الذي غرني منك فظننت أنك مثل أبيك في الصلاح ولا يخفى أن أعمال الأئمة كانت جارية على حسب الظاهر كما أن أقوالهم كانت بتلك المثابة وإلا فالإمام يعلم الواقع وليس يغر (وظننت أنك تتبع هديه) أي طريقته الصالحة (وتسلك سبيله) أي تسير في المسير الذي سار فيه (فإذا أنت - فيما رقي إلي عنك- ) أي رفع إلي من جانبك (لا تدع لهواك انقياداً) بل تنقاد إلى الهوى في كل ما يأمرك به، وهذا لنفي كل فرد، أي ليس هناك أي فرد من أفراد الانقياد إلّا تتبعه ولا تدعه (ولا تبقي لآخرتك عتاداً) العتاد هو الذخيرة المعدودة لوقت الحاجة، أي لا تعمل بما يبقى لك في آخرتك (تعمر دنياك بخراب آخرتك) فإنّ التمتع باللذائذ المحرمة التي تعمر الدنيا - بزعم الفاعل - يوجب اب الآخرة. (وتصل عشيرتك بقطيعة دينك) أي بمال الناس وجاههم،
وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً، لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ، أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ، أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ ، أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ ، أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى خِيَانَةٍ، فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابي هذَا، إِنْ شَاءَ اللهُ .
قال الشريف الرضي الله : والمنذر هذا، هو الذي قال فيه أمير المؤمنين(عليه السلام): [ إنه لنظار في عطفيه] أي كثير النظر في جانبيه عجباً وخيلاء، وعطف، بمعنى : الجانب [ مختال في برديه] المختال المعجب المتكبر، والبردان الثوبان اللذان يلبسهما الإنسان، مئزراً، ورداءً [تفال في شراكيه] التفل البصق، لأجل التنظيف، والشراكين سير النعل، وهذه الجمل عبارة عن أنه متكبر مقبل على نفسه، ومثله لا يصلح في الإمارة .
...............................
وذلك محرم فهو قطيعة للدين (ولئن كان ما بلغني عنك حقاً لجمل أهلك) أي بعيرهم وهو مثل يضرب للذلة، لأنه يحمل عليه، وينضح به، ويحمل المتاع، فهو ذليل في أيديهم.
(وشسع نعلك) الشسع سير بين الإصبع الوسطى والتي تليها في النعل العربية، ولا قيمة معتدة له (خير منك) لأنهما لا يستحقان النار والمعاد (ومن كان بصفتك) أي مثل حالك (فليس بأهل أن يسد به ثغر) الثغر الحد بین بلد الدولة وبين بلاد الأعداء (أو ينفذ به أمر) أي يكون منفذاً له(أو يعلى له قدر ) بأن يرفع شأنه (أو يشرك في أمانة) بأن يكون أميناً (أو يؤمن على خيانة) أي على دفع خيانة، وفي بعض النسخ [جباية] بالجيم أي جمع جباية (فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله) كلمة تبرك تقال لإتمام الأمر أو قضاء الحاجة .
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ ، وَلاَ مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ ، وَاعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ، وَأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ، فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعُهُ بِقُوَّتِكَ .
...................................
التوضيح:
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإنك) يا بن عباس (لست بسابق أجلك) بأن تفر منه فلا يلحقك (ولا مرزوق ما ليس لك) أي لا ترزق الرزق الذي لم يقدر (لك واعلم بأن الدهر يومان: يوم لك ،ويوم عليك) فلك فيها أفراح وأحزان، وإذا علم هذا، الإنسان لا يحزن عند النقمة ولا ييأس، ولا يبطر عند النعمة ولا يفرح كثيراً - فإنَّ الله لا يحب الفرحين - (وأن الدنيا دار دول) جمع دولة ، بضم الدال، فإنَّ السعادة في الدنيا تتداول من يد إلى يد (فما كان منها لك أتاك على ضعفك) وقلة حيلتك(وما كان منها عليك) وفي ضررك (لم) تتمكن أن (تدفعه بقوتك) فلا تحاول شيئاً لا يكون ولا تحزن وتهتم - إلّا بقدر عقلائي .
أَمَّا بَعْدُ، فإنِّي عَلَى التَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ، وَالاسْتِمَاعِ إِلَى كِتَابِكَ، لَمُوَهْنٌ رَأْيِي، وَمُخَطَّئٌ فِرَاسَتِي. وَإِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ وَتُرَاجِعُنِي السُّطُورَ
.................................
التوضيح :
(أما بعد) الحمد والصلاة (فإني على التردد في جوابك) أي ردي لكل كتاب تكتبه، من [ترددت إلى فلان] بمعنى رجعت إليه مرة بعد أخرى (و) على (الاستماع إلى كتابك) والاعتناء به (لموهن رأيي) أي مضعف لرأيي، فإنَّ الأجدر أن لا أجيبك، فإنَّ الناس إذا رؤوا أني أجيبك نسبوني إلى ضعف الرأي، وذلك يكون بسببي، فإنَّ أوهنت رأيي، وقوله : [ على التردد] خبر لقوله [ موهن] (ومخطئ فراستي) فإن فراستي إنك لا ينفع معك الكلام والكتاب، فإذا كتبت إليك، كان الظاهر لدى الناس من ذلك أني أرجو فيك، فينسبون فراستي إلى الخطأ، لكن الإمام كان يكتب إليه إتماماً للحجة، وإظهاراً للعدل، وهذا الكلام كناية عن عدم الفائدة في هداية معاوية، لأنه غير قابل له. (وإنك إذ تحاولني الأمور) المحاولة المطالبة، والتماس طريق الوصول إلى الغاية، والمعنى إذ تطلب مني بعض غاياتك، كولاية الشام وما أشبهها (وتراجعني السطور) أي تطلب مني أن أرجع إلى جوابك بالسطور
كَالْمُسْتَثْقِلِ النَّائِم تَكْذِبُهُ أَحَلَامُهُ، وَالْمُتَحَيِّرِ الْقَائِمِ يَبْهَظُهُ مَقَامُهُ ، لَا يَدْرِي أَلَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ، وَلَسْتَ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبيةٌ . وَأَقْسِمُ بِاللهِ إِنَّهُ لَوْلاَ بَعْضُ الاِسْتِبْقَاءِ، لَوَصَلَتْ إِلَيْكَ مِنِّي قَوَارعُ ، تَقْرَعُ الْعَظْمَ، وَتَهْلِسُ اللَّحْمَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ ، وَتَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحَتِكَ، وَالسَّلَامُ لِأَهْلِهِ .
.......................................
(كالمستثقل النائم) أي كالنائم نوماً ثقيلاً (تكذبه أحلامه )أي كالنائم الذي يحلم ويرى أنه نال شيئاً مطلوباً فإذا انتبه رأى أنه كان كذباً، فأمانيك شبيهة بالأحلام المكذوبة التي لا أثر لها في عالم الخارج .
(و) مثل (المتحير القائم) أي القائم الواقف في تحيره (يبهظه مقامه) أي يثقله ويشق عليه كونه في الحيرة لأنه لا يدري الحيرة لأنه لا يدري ماذا يصنع (لا يدري أله ما يأتي) ويفعل (أم عليه ) ؟ وهكذا أنت كالمتحير في أعمالك (و) الحال أنك (لست به) بالتحير، لأنك تدري ما لك وما عليك (غير أنه) أي المتحير (بك شبيه) وهذا إما من عكس التشبيه، أو من باب أن المتحير أهون عاقبة من مثل معاوية الذي عاقبته وخيمة، والأضعف يشبه بالأقوى. (وأقسم بالله أنه لولا بعض الاستبقاء) أي إبقائي لك، وعدم إرادتي لإهلاكك (لوصلت إليك مني قوارع) جمع قارعة وهي المصيبة التي تنزل على الإنسان بشدة، وكأنها تقرعه كما تقرع الباب (تقرع العظم) أي تكسره (وتهلس اللحم) أي تذيبه وتنهكه (واعلم أن الشيطان قد ثبطك) أي أقعدك (عن أن تراجع أحسن أمورك) أي من مراجعة أحسن الأمور لك، وهي الطاعة لولي الطاعة لولى الأمر (وتأذن لمقال نصيحتك) أي، وعن أن تسمع لمقالنا في نصيحتك وإرشادك (والسلام لأهله) أي أهل السلام، أما معاوية فأهل الحرب، ولذا لا يصح السلام عليه .
ونقل من خط هشام بن الکلبی
هذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا، وَرَبِيعَةُ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا ، أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ، وَيَأْمُرُونَ بِهِ، وَيُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ ، لَا يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً ، وَلَا يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلاً، وَأَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذلِكَ وَتَرَكَهُ ، أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ :
.......................
التوضيح :
(كتبه بين ربيعة واليمن) وهما قبيلتان كانت بينهما منافسة وطالت إلى زمن العباسيين (ونقل) هذا الكتاب (من خط هشام بن الكلبي) . (هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن) المراد أهل الحل والعقد منهم (حاضرها وباديها) أي أهل المدن منها وأهل الصحراء (وربيعة حاضرها وباديها) أي بلا خلاف بينهم (أنهم) يسيرون (على كتاب الله) القرآن الحكيم (يدعون إليه ويأمرون به ويجيبون من دعا إليه وأمر به) لا يتخلفون عن الداعي، ولا يعملون بخلاف الكتاب (لا يشترون به ثمناً) أي لا يتركون القرآن لأجل ما رجاه (ولا يرضون بدلاً) بأن يعدلوا إلى حكم مخالف لحكم الكتاب (وأنهم يد واحدة) أي كاليد الواحدة التي لا يمكن التفرق في عملها، بل إنها إذا قبضت قبضت، وإذا ترکت تركت، أو المراد باليد [القوة] (على من خالف ذلك) العمل بالكتاب . (وتركه) يكونون عليه حرباً وضداً (أنصار بعضهم لبعض) في الحق
دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ ، لا يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَائِبٍ، وَلَا لِغَضَبِ غَاضِبٍ، وَلا لاِسْتِذْلالِ قَوْمٍ قَوْماً، وَلَا لِمَسَبَّةِ قَوْمٍ قَوْماً! عَلَى ذلِكَ شَاهِدُهُمْ وَغَائِبُهُمْ ، وَسَفِيهُهُمْ وَعَالِمُهُمْ، وَحَلِيمُهُمْ وَجَاهِلُهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذلِكَ عَهْدَ الله وَمِيثَاقَهُ [إِنَّ عَهْدَ الله كَانَ مَسْؤُولاً] وكتب : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالبٍ .
...............................
(دعوتهم واحدة) إلى الكتاب والسنة (لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب) أي عتاب أحد لهم: بأنهم كيف عاهدوا مع ما بينهم من العداوة والشحناء؟
( ولا لغضب غاضب) فإنَّ غضب أحدهم على القبيلة الأخرى فإنَّ غضبه لا يسبب نقض العهد والرجوع إلى العداوة والبغضاء (ولا) ينقضون عهدهم (لاستذلال قوم قوماً) فإذا أذل أحد القبيلين القبيل الآخر في كلام أو عمل لا ذلك نقض عهدهم (ولا لمسبة قوم قوماً) أي سب أحد القبيلين للآخر (على ذلك) العهد الذي كتب (شاهدهم) أي حاضرهم عند المعاهدة (وغائبهم وسفيههم) أي جاهلهم (وعالمهم وحليمهم وجاهلهم) أي الذي لا حلم له بقرينة المقابلة . (ثم إن عليهم بذلك) العهد، و[ثم] لترتيب الكلام، لا لترتيب الخارج (عهد الله وميثاقه) فالله سبحانه طرف العهد حتى يكون النقض نقضاً لعهد الله، والميثاق هو العهد الأكيد (إن عهد الله كان مسؤولاً) يسأل عنه يوم القيامة، هل وفى به أم لا؟ ( وكتب) هذا العهد (علي بن أبي طالب) والظاهر أن [الواو] في المثل [وكتب] عطف على المعنى، أي قرره وكتبه .
ذكره الواقدي في كتاب (الجمل)
مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِيَّ أَمِيرِ المُؤْمِنِينِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ : أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِي فِيكُمْ، وَإِعْرَاضِي عَنْكُمْ ، حَتَّى كَانَ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَلاَ دَفْعَ لَهُ، وَالْحَدِيثُ طَوِيلٌ ، وَالْكَلَامُ كَثِيرٌ ، وَقَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ ، وَأَقْبَلَ مَا
..........................
التوضيح:
(إلى معاوية) في أول ما بويع له، ذكره الواقدي في كتاب الجمل) ولا يخفى أن ذكر الشريف قدس سره بعض المصادر، دون الأكثر، لأن الأكثر كانت منشورة مشهورة بخلاف الأقل، إذا كانت مصادرها بعيدة. (من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد) المقدمة، أو بعد الحمد والصلاة (فقد علمت إعذاري فيكم) إقامتي على ما يعذرني ولا يوقع اللوم علي، في أمركم بني أمية، في قصة عثمان (وإعراضي عنكم) فلم أكن في جملة المحرضين على قتل عثمان، بل أعرضت عن ذلك (حتى كان ما لابد منه) مما قدر من قتله (ولا دفع له) إذ لا يتمكن الإنسان من دفع المقدور .
(والحديث طويل، والكلام كثير ) حول قصة عثمان، ولا داعي هنا إلى سرده (وقد أدبر ما أدير) أي مضى ما مضى مما صدر في الفتنة (وأقبل ما
أَقْبَلَ. فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ . وَأَقْبَلْ إِلَيَّ فِي وَفْدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ . وَالسَّلَامُ .
..........................
أقبل) من بيعة الناس لي (فبايع من قبلك) أي خذ البيعة لي ممن عندك من أهل الشام .
(وأقبل إلي في وفد من أصحابك) أي في جماعة من حاشيتك وخاصتك .
عند استخلافه إياه على البصرة
سَع النَّاسَ بِوَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَحُكْمِكَ، وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ إِلَى اللهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ ، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ .
................................
التوضيح:
(سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك) أي أطلق وجهك، وأحسن مجلسك، وأعدل في حكمك حتى تسع الناس جميعاً، ولا يختص شيء من الثلاثة بجماعة خاصة، كما يفعله المتجبرون (وإياك والغضب) فاحذر من الغضب (فإنه طيرة ) أي شؤم (من الشيطان) فهو الذي يسببه
(واعلم أن ما قربك إلى الله) من الأعمال الصالحة (يباعدك من النار) ففي فعله سعادة وفي تركه شقاء (وما باعدك من الله يقربك من النار) ففي الإتيان به إدراك الشقوتين البعد عن رضاه سبحانه، والقرب إلى النار .
لا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ ، تَقُولُ وَيَقُولُونَ، وَلَكِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً .
............................
التوضيح :
(لا تخاصمهم) ولا تحاججهم، يا ابن عباس (بالقرآن) بأن تستدل بآياته على أحقية الإمام بالخلافة، وإن ما تأتي به كان مرضاة لله سبحانه (فإن القرآن جمال) أي كثير الاحتمال لمعاني مختلفة (ذو وجوه) أي احتمالات، فإذا استدللت لهم بـأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُم (1)مثلاً، ببيان أن الإمام من أولي الأمر، فاللازم إطاعته، ردوك بأن ولي الأمر هو الذي لا يحكم في دين الله، مثلاً فـ(تقول) أنت معنى (ويقولون) هم معنى آخر حسب أفكارهم وأهوائهم . (ولكن حاججهم بالسنة) الواردة عن الرسول، مثل [علي مع الحق والحق مع علي] (فإنهم لن يجدوا عنها محيصا) أي مهرباً الصراحة السنة في المعني، دون القرآن، فقد جعل فيه سبحانه [متشابهات] لامتحان الناس، كما قال وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ(2)
ذكره سعيد بن يحيى الأموي في كتاب (المغازي)
فإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظْهِمْ، فَمَالُوا مَعَ الدُّنْيَا، وَنَطَقُوا بِالْهَوَى. وَإِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْزِلاً مُعْجِباً اجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ، فإنّي أُدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَلَقاً.
..................................
التوضيح :
(إلى أبي موسى الأشعري، جواباً في أمر الحكمين) فقد كتب الأشعري إلى الإمام كتاباً من محل قعدتهم لفصل القضية، فأجابه الإمام بهذا الجواب . (فإنَّ الناس قد تغير كثير منهم عن كثير من حظهم) أي انقلبوا عن حظوظهم الحقيقية وهي السعادة الأبدية بنصرة الدين ونبذ الأهواء (فمالوا مع الدنيا) معرضين عن الآخرة (ونطقوا بالهوى) لا بموازين الدين (وإني نزلت من هذا الأمر ) أي أمر الخلافة (منزلاً معجباً) أي موجباً للتعجب، كيف دخل الناس في طاعتي مختارين، ثمّ انقلب جمع منهم وخرجوا عن الطاعة بلا سبب؟ (اجتمع به) أي بقص هذا الأمر والضمير عائد إلى ما يفهم من الكلام - (أقوام أعجبتهم أنفسهم) تاركين الحق وراءهم، فهم يعملون بآرائهم. (فإنى أداوي منهم قرحا) أي جراحة في باطنهم، وهو النفاق (أخاف أن يكون علقا) العلق
وَلَيسَ رَجُلٌ - فَاعْلَمْ - أَحْرَصَ عَلَى أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأُلْفَتِهَا مِنِّي ، أَبْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ الْمَآبِ. وَسَأفِي بِالَّذِي وَأَیْتُ عَلَى نَفْسِي ، وَإِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحٍ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ، فإنَّ الشَّقِي مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ الْعَقْلِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَإِنِّي لَأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بباطلٍ ، وَأَنْ أُقْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اللهُ .
...................................
هو الدم الغليظ الجامد، ومتى صار في الجرح مثل هذا الدم صعب علاجه، يعني أن الإمام(عليه السلام) يخاف من حدوث انشقاق هائل بين المسلمين لا يمكن علاجه ( وليس رجل - فاعلم ) يا أبا موسى (احرص على أمة محمد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) أي أكثر حرصاً لسعادتهم (و) على (ألفتها) واتحاد كلمتها (منى) جملة [فاعلم] معترضة بين اسم ليس، وخبرها . (أبتغي) أي أطلب ( بذلك) الحرص على الأمة (حسن الثواب) أي الثواب الحسن(وكرم المآب) أي المرجع الكريم، من آب بمعنى رجع، والمراد الرجوع إلى الله سبحانه (وسأفي) من الوفاء (بالذي وأيت) أي وعدت وحلفت وقررت (على نفسي) من اتباع الكتاب والسنة مهما تكلف الأمر (وإن تغيرت) يا أبا موسى (عن صالح ما فارقتني عليه) أي انقلبت أنت عن الرأي الصالح الذي صار مقرراً أن تعمل به - من الأخذ بالحذر، والوقوف عند الحق - و[إن] وصلية، أي إنا باقون على عهدنا، وإن كنت أنت في العهد، بأن غرك ابن العاص وخدعك . (فإن الشقي من حرم نفع ما أوتي) أي تكون شقياً أنت - إذا فارقت الصالح - إذ قد حرمت من نفع ما أعطاك الله (من العقل والتجربة) فقد عرفت الأمور، وجربت الناس، فلا تخدع بابن العاص (وإني لأعبد) أي أغضب من [عبد] كغضب، لفظاً ومعنى (أن يقول قائل بباطل) كما تقول أنت أو أنه تأكيد لقوله[ سافي] أي لا أقول الباطل. (وأن أفسد أمراً قد أصلحه الله) وبينه، بأن أمشي
فَدَعْ مَا لاَ تَعْرِفُ ، فَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ بِأَقَاوِيلِ السُّوءِ، وَالسَّلَامُ .
..........................
في غير طريق الشرع، فإن أحكام الله سبحانه إصلاح للاجتماع، ومخالفتها إفساد للناس (فدع) يا أبا موسى .
(ما لا تعرف) أي لا تتكلم بما لا تعلم ولا تعمل بالشبهة (فإن شرار الناس طائرون إليك) أي آتون كالطير في السرعة، لئلّا يفوتهم الأمر (بأقاويل السوء) جمع قول ((والسلام) لأهل السلام.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ، وَأَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ .
........................
التوضيح :
كتب(عليه السلام) هذا الكتاب لما بايعه الناس بالخلافة، وإنما كتبه وصية لهم باتباع الحق وترك الباطل. (أما بعد) الحمد والصلاة (فإنما أهلك) الله (من كان قبلكم) من الأمم (أنهم منعوا الناس الحق) أي حقوقهم (فاشتروه) أي فاضطر الناس لشراء الحق منهم بالرشوة والعصيان، أو معنى فاشتروه فباعوه، بأن تركوا الحق وأخذوا الباطل (وأخذوهم بالباطل) أي أجبروهم على أن يأتوا بالأعمال الباطلة (فاقتدوه) أي اقتدوا بالباطل واتبعوه، وهذا ما يسبب لكم يا أمراء الأجناد، أن تعملوا بالحق، ولا تجبوا الناس بالباطل، إن أحببتم البقاء، وحسن الذكر، اعتباراً بالأمم الهالكين.
( ويدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله، والكلام القصير الخارج في سائر أغراضه )(عليه السلام) ، وحكم جمع حكمة، وهي الكلمة التي توجب بصرة ومعرفة، والمختار: يعني ما اختاره الشريف، لإدراجه في الكتاب .
1 - قَالَ(عليه السلام) : كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ .
2 - وقَالَ(عليه السلام) : أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ ، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ
............................
التوضيح :
1 - قال(عليه السلام) : (كن في الفتنة كابن اللبون) هو ابن الناقة إذا استكمل سنتين، ولبون كفعول وصف لأمه (لا ظهر) له قوي يتحمل (فيركب) فيكون قابلاً لركوب الناس (ولا) له (ضرع) ولبن ( فيحلب) أي يحلبونه الناس، والمراد تجنب الفتنة، حتى لا ينتفع أهل الفتنة به، لا بنفسه، ولا بماله وما يتعلق به .
2 - وقال(عليه السلام) : (أزرى بنفسه) أي حقرها (من استشعر الطمع) أي لك أخفى الطمع في باطنه وتخلف به إذ الناس يذلون الطامع (ورضي بالذل) أي
مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ .
3 - وقال(عليه السلام): الْبُخْلُ عَارٌ ، وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ ، وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَالْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ، وَالْعَجْرُ آفَةٌ، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةٌ، وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ .
4 - وقال(عليه السلام) : نِعْمَ الْقَرِينُ الرّضَى، وَالْعِلْمُ وِراثَةٌ كَرِيمَةٌ ،
.........................
بالذلة والمهانة لدى الناس (من كشف عن ضره) بأن بين للناس ضره وفاقته (وهانت عليه نفسه من أمر عليها) أي على نفسه (لسانه) بأن جعله أميراً، يقول بلا رويّة، فيقع في المشكلة مما يوجب إتعاب جسده لتنفيذ ما وعد والخلاص مما تكلم، وهذا كناية عن لزوم سجن اللسان حتى لا يتكلم بما يوقع الإنسان في المشكلة .
3 - وقال(عليه السلام) : (البخل عار) على الإنسان يعير به (والجبن منقصة) إي أنه نقص في الرجولة (والفقر يخرس الفطن عن حجته) فلا يقدر أن يتكلم، لأنه يعلم أن الناس لا يصغون إلى كلامه (والمقل) أي قليل المال (غريب في بلدته) إذ يعامل معه معاملة الغرباء، فلا يعرفه الناس ولا يعرف الناس ولا يسمع له كلام ولا يتمتع بلذائذ الحياة، كالإنسان الغريب في غير بلده (والعجز) أي التعاجز عن أداء الحقوق (آفة) أي بلاء على الإنسان (والصبر شجاعة) للنفس إذ تتحمل المكاره كالشجعان الذين يتحملون شدائد الحرب ونحوها (والزهد ثروة) إذ الزاهد كالمثري لا يحتاج إلى احد، لنفرته عن الدنيا فلا يحتاج إليها (والورع) عن محارم الله (جنة) أي وقاية للإنسان عن مكاره الدنيا والآخرة .
4 - وقال(عليه السلام) : (نعم القرين) أي المقارن للإنسان (الرضا) فإنَّ الإنسان الراضي بقسمته في فرح دائم (والعلم وراثة كريمة) فكما أن الإرث يوجب
وَالأدابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، وَالْفِكْرُ مِرْأَةٌ صَافِيَةٌ .
5- وقال(عليه السلام) : صَدْرُ الْعَاقِلِ صُنْدُوقُ سِرِّهِ، وَالْبَشَاشَةُ حِبَالَةُ الْمَوَدَّةِ، وَالاحْتِمَالُ قَبْرُ الْعُيُوبِ. وروي أنه قال في العبارة هذا المعنى أيضاً : وَالْمُسَالَمَةُ خِبَاءُ الْعُيُوبِ، وَمَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ السَّاخِطُ عَلَيْهِ .
.................................
غنى الورثة، كذلك العلم يوجب غنى الإنسان، أو المراد أن من ورث علماً فقد ورث شيئاً كريماً، لأنه يوجب حسن ثناء الناس له (والآداب حلل مجددة) حلل جمع : حلة، وهي: الثوب الجديد فكما أن من لبس الحلل يعظم عند الناس، كذلك ذو الأدب، وكلما تأدب الإنسان، كان كلابس حلة جديدة ( والفكر) في الأمور (مرآة صافية) غير كدرة، فكما ترى المرآة وجه الإنسان والمواضع التي لا تصل إليها عينه، من سائر جسده كذلك الفكر، يري الإنسان ما خفي عليه ابتداء .
5 - وقال(عليه السلام) : (صدر العاقل صندوق سره) فلا يفتح الصندوق ليطلع علي الناس على ما فيه، كما لا يفتح صندوق ماله، حذراً من اطلاع الناس. (والبشاشة) أي ملاقاة الناس بوجه طلق (حبالة المودة) أي مما توجب حب الناس للبشوش، كما تأتي الحبالة ـوهي الشبكة- بالصيد (والاحتمال) للمكاره (قبر العيوب) فإنَّ الإنسان إذا لم يظهر المكروه الذي وصل إليه، خفى عيبه عند الناس، كالقبر الذي يستر البدن، أما إذا ظهر المكروه عرف الناس عيبه مثلاً لو لم يتحمل الفقر وأظهره، ظهر للناس أنه فقير والفقر عيب، وهكذا . . . (والمسالمة) مع الناس بعدم إغضابهم بقول أو عمل (خباء العيوب) فإنَّ الشخص لا يظهر عيب من سالمه، وإنما يظهر عيب من عاداه، فالعيب موجود، لكن خباه وغطاه المسالمة (ومن رضي عن نفسه) فأظهر للناس فضله، ولذا (كثر الساخط عليه) لأنهم لا يرونه أهلاً كما يظن هو،
6 - وقال(عليه السلام) : الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فَي عَاجِلِهِمْ ، نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ .
7 - وقال(عليه السلام) : اعْجَبُوا لِهَذَا الْإِنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ ، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ ، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمِ !!
8 - وقال(عليه السلام) : إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أَحَدٍ أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ.
........................
ولذا يسخطونه حين يرون كبره ورياؤه وترفيع نفسه .
6 - وقال(عليه السلام) : (الصدقة دواء منجح) أي يوجب نجاح الإنسان في مهامه (وأعمال العباد في عاجلهم) أي في الدنيا التي هي عاجلة (نصب أعينهم) أي أمام أعينهم (في أجلهم) أي في الآخرة، فمن عمل خيراً رآه ، ومن عمل شراً رآه .
7 - وقال(عليه السلام) : (اعجبوا ) أي تعجبوا (لهذا الإنسان) المراد نوع البشر (ينظر بشحم) فإنَّ العين خلقت من الشحم (ويتكلم بلحم) أي بواسطة لحم اللسان.
(ويسمع بعظم) أي عظم الأذن يضربه موج الهواء فيقرع عصب الصماخ ، ويكون السمع من ذلك (ويتنفس من خرم) أي من شق الأنف والفم.
8- وقال(عليه السلام) : (إذا أقبلت الدنيا على أحد) بأن ارتفع حظه، وقدر له العلو والمنزلة (أعارته) أي أعطته بالعارية (محاسن غيره) فالديار التي بناها الغير، والأموال التي ادخرها الغير، والجاه الذي كافح لأجله الغير، تعطى له (وإذا أدبرت) الدنيا (عنه) وقدر له الانحطاط (سلبته محاسن نفسه) حتى أنه
9- وقال(عليه السلام) : خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةٌ إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ.
10 - وقال(عليه السلام) : إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ العَفْوَ عَنْهُ شُكراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
11 - وقال(عليه السلام) : أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجِزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ .
12 - وقال(عليه السلام) : إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النّعَمٍ
...................................
يسلب ماله الذي جمعه، ويؤخذ منه المنصب الذي كدّ وتعب لأجله، وهكذا.
9 - وقال(عليه السلام) : (خالطوا الناس) أي عاشر وهم (مخالطة) أي بنحو من المعاشرة (إن متم معها) أي مع تلك المخالطة (بكوا عليكم) لحبهم لكم (وإن عشتم )وبقيتم في الحياة (حنوا) أي مالوا وعطفوا (إليكم) لأنكم عاشرتموهم معاشرة حسنة .
10 - وقال(عليه السلام) : (فإذا قدرت على عدوك) الذي عاداك وآذاك (فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه) فإنَّ القدرة من نعم الله سبحانه، وكل نعمة تحتاج إلى الشكر والعفو عن العدو شكر، لأنه مما ندب إليه سبحانه . فهو إطاعة له .
11 - وقال(عليه السلام)( أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان) لأن اكتساب الأصدقاء لا يحتاج إلى أزيد من معاشرة حسنة، وهي ليست بمال ولا فيها تعب فإذا عجز عنها المرء فهو أعجز الناس (وأعجز منه) أي من هذا الأعجز (من ضيع من ظفر به منهم) بأن سلك سلوكا نفر منه صديقه .
12 - وقال(عليه السلام) : (إذا وصلت إليكم أطراف النعم) أي أوائلها فكأن
فَلَا تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ.
13 - وقال(عليه السلام) : مَنْ ضَيَّعَهُ الْأَقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الْأَبْعَدُ .
14 - وقال(عليه السلام) : مَا كُلُّ مَفْتُونٍ يُعَاتَبُ .
15 - وقال(عليه السلام) : تَذِلُّ الْأُمُورُ لِلْمَقَادِير ، حَتَّى يَكُونَ الْحَتْفُ فِي التَّدْبِيرِ .
.................................
النعم أشياء ممتدة طويلة، يصل إلى الإنسان أولاً أطرافها، كأول العلم وأول المال وأول الجاه وما أشبه (فلا تنفروا) أي لا تبعدوا وتشردوا (أقصاها) أي أواخر النعم (بقلة الشكر) فمن شكر النعمة (زيد فيها) ومن كفر أفلتت من يده، كما قال سبحانه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(1).
13 - وقال(عليه السلام) : ( من ضيعه الأقرب) إليه من قرابة نسب وسبب، بأن تركه ولم يأبه به (أتيح) أي قدّر (له الأبعد) فيأتي الأبعدون ليتولوا أمره، يحفظوه ويساعدوه.
14 -وقال(عليه السلام) (ما كل مفتون) أي داخل في الفتنة (يعاتب) أي يوجه إليه اللوم، لأنه قد يدخل الإنسان في الفتن اضطراراً لا باختيار.
15 - وقال(عليه السلام) : (تذل الأمور للمقادير) أي أن الأمور التي يأتي بها الإنسان، إنما هي مطيعة للتقدير، فمثلاً يتزوج الإنسان بتلك المرأة لأنه قدِّر أن يتزوج بها، والتقدير معناه علم الله سبحانه بما يكون في الكون، لا أن القدر يجبر الإنسان، أو أن علمه علّة للمعلوم.
(حتى يكون الحتف) أي هلاك الإنسان (في التدبير) أي في الأمر الذي
1) سورة إبراهيم: 7 .
16 - وسئل(عليه السلام) عن قول رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)(غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلاَ تَشَبَّهسوا بِالْيَهُودِ) فَقال(عليه السلام) : إِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَالدِّينَ قُلٍّ، فَأَمَّا الآنَ وَقَدْ َاتَّسَعَ نِطَاقُهُ ، وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ، فَامْرُؤٌ وَمَا اخْتَارَهُ .
17 - وقال(عليه السلام) في الذين اعتزلوا القتال معه : خَذَلُوا الْحَقِّ، وَلَمْ يَنْصُرُوا الْبَاطِلَ .
18 - وقال(عليه السلام) : مَنْ جَرَى فِي عِنَانِ أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجَلِهِ .
.....................
يدبره بظنّ المنفعة جاهلاً بأنّه سبب هلاكه، كأن يشرب الدواء بظن أنه مفيد له، وفي الدواء هلاكه .
16 - وسئل(عليه السلام) : عن قول الرسول صلى الله عله وآله وسلم : (غيروا الشيب) أي الشعر الأبيض في اللحية، وتغيره بالحناء ونحوه (ولا تشبهوا باليهود) الذين يتركون لحاهم بيضاء، ما معنى هذا الكلام؟ ، فقال(عليه السلام) في الجواب : (إنّما قال(عليه السلام) ذلك والدين قل) أي قليل بقلة أنصاره (فأما الآن وقد اتسع نطاقه) النطاق الحزام العريض، واتساعه كناية عن انتشاره وكثرة المسلمين، كما أن الإنسان يتسع نطاقه إذا سمن ( وضرب بجرانه) جران البعير مقدم عنقه، يضرب به على الأرض إذا نام واستراح، وهذا كناية عن قوة الإسلام الباعثة لاطمئنانه وعدم خوف أهله من الأعداء (فـ) كل (امرئ وما اختاره) الخضاب أو الترك، وهذا لا ينافي كون الأفضل الخضاب، كما في الأحاديث .
17 - وقال(عليه السلام) - في الذين اعتزلوا القتال معه - : (خذلوا الحق) فلم ينصروه (ولم ينصروا الباطل) إذ لم يلتفوا حوله، بل ابتعدوا عن الطرفين .
18 - وقال(عليه السلام) : (من جرى في عنان أمله) بأن سار في آماله، يتمنّى المستقبل المشرق بدون أن يعمل له (عثر بأجله) أي سقط في أجله بالموت
19 - وقال(عليه السلام) : أَقِيلُوا ذَوِي الْمُرُوءَاتِ عَثَرَاتِهِمْ ، فَمَا يَعْثُرُ مِنْهُمْ علي عَاثِرٌ إِلَّا وَيَدُ اللهِ فِي يَدِهِ يَرْفَعُهُ .
20 - وقال(عليه السلام) : قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ ، وَالْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ، وَالْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فانتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ .
21 - وقال(عليه السلام) : لَنَا حَقٌّ ، فَإِنْ أُعْطِينَاهُ ، وَإِلَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الإبِلِ، وَإنْ طَالَ السُّرَى.
...............................
قبل أن يبلغ شيئاً مما يريد، وعنان سير اللجام تمسك به الدابة، والمراد ترك العنان، ولم يأخذه لئلا يسير أمله .
19 - وقال(عليه السلام) : (أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم) العثرة السقطة، وإقالتها إغماض العين عنها، فإذا عمل ذو مروءة عملاً غير لائق فأغمضوا عنه العين ولا تفضحوه (فما يعثر منهم عاثر) أي لا يسقط منهم ساقط في أمر قبيح -صدفة- (إلا ويد الله في يده) كناية عن كونه سبحانه معه - جزاءاً لمروته السابقة- ( يرفعه) حتى لا يبقى في السقطة .
20 - وقال(عليه السلام) : (قرنت الهيبة بالخيبة) فمن تهيب أمراً خاب من إدراكه (والحياء بالحرمان) فمن أفرط من الخجل في شيء لم ينله ( والفرصة) أي التوافق بين الأسباب التي توجب وصول الإنسان إلى سعادة (تمرّ مرّ السحاب) أي كما يمر السحاب بسرعة، فإنَّ الأسباب لا تهيّأ إلّا نادراً (فانتهزوا ) أي أدركوا (فرص الخير) فإذا واتت الفرصة، اعملوا لأجل البلوغ إلى السعادة .
21 - وقال(عليه السلام) : (لنا حق) في الخلافة والإمارة (فإن أعطيناه) فهو (وإلا ) لفظ (ركبنا أعجاز الابل ) أي تحملنا المشاق في سبيل الوصول إليه فإنَّ ركوب مؤخر الإبل مما يصعب على الإنسان (وإن طال السرى) أي المسير
22 - وقال(عليه السلام) : مَنْ أَبْطَاً بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بَهَ نَسَبُهُ .
23 - وقال(عليه السلام) : مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَالتَّنْفِيسُ عَنِ الْمَكْرُوبِ .
24 - وقال(عليه السلام) : يا بْن آدَمَ ، إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ .
....................................
مما يوجب أكثرية المشقة، هذا ما يظهر من هذه الحكمة، لكن الشريف فسره هكذا: وهذا من لطيف الكلام وفصيحه ومعناه : إنما إن لم نعط حقنا كنا أذلاء، وذلك أن الرديف يركب عجز البعير كالعبد والأسير ومن يجري مجراهما، والله العالم بمراد أوليائه .
22 - وقال(عليه السلام) : (من أبطأ به عمله) بأن لم يعمل عملاً موصلاً له إلى الخير والسعادة (لم يسرع به نسبه) فإنَّ نسبه الرفيع لا يلحقه بصفوف العاملين .
23 - وقال(عليه السلام) : (من كفارات الذنوب العظام) أي من الأشياء التي تكفرها وتوجب محو تلك الذنوب (إغاثة الملهوف) أي المظلوم، وإغاثته رفع الظلم عنه (والتنفيس) أي التفريج (عن المكروب) الذي وصل إليه كرب وغم، بأن يزيل الإنسان غمه .
24 - وقال(عليه السلام) : (يا بن آدم إذا رأيت) أي أدركت (ربك سبحانه يتابع لي عليك نعمه) أي يتفضل عليك بنعمة إثر نعمة (وأنت تعصيه) في أوامره ونواهيه (فاحذره) أي خف منه أن يكون التتابع لأجل أن تزيد إثماً، إذ عدم الشكر موجب لانقطاع النعمة، فإذا كان عدم الشكر ولم يكن انقطاع دل على إرادة الشر، كما قال سبحانه: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً(1)
1) سورة آل عمران: 178
25 - وقال(عليه السلام) : مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ.
26 - وقال(عليه السلام) : إِمْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ .
27 - وقال(عليه السلام) : أَفْضَلُ الزُّهْدِ إِخْفَاءُ الزُّهْدِ.
28 - وقال(عليه السلام) : إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبارٍ ، وَالْمَوتُ فِي إِقْبَالٍ، فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى!
............................
25 - وقال(عليه السلام) : (ما أضمر أحد شيئاً إلّا ظهر في فلتات لسانه)جمع فلتة، بمعنى ما يصدر من الإنسان بدون التفات وإرادة خاصة (وصفحات وجهه) فإنَّه إذا رأى مرغوباً أو سمع به تهلل وجهه، وإذا كان ضد ذلك، تقطب وخطف لونه، فيظهر الأمر من حركاته .
26 - وقال(عليه السلام) : (امش بدائك) أي سايره ولا تطلب له دواءاً (ما مشى بك) ولم يوقعك في أذية، وذلك لأن الأدوية غالباً تسبب أمراضاً جديدة، ولذا نقل عنه(عليه السلام) أنه قال : [ما من دواء إلّا ويهيّج داءاً] وقد أيّد ذلك الطب .
27 - وقال(عليه السلام) : (أفضل الزهد إخفاء الزهد) إذ الإنسان كثيراً ما يظهر زهده، ليطلع الناس على حسن عمله، وهذا مما يوجب بطلان الزهد لأنه يكون رياءً وإنما الزاهد الحقيقي من يعمل لله فقط، حتى إذا عرف الناس زهده، حزن وتأثر .
28 - وقال(عليه السلام) : (إذا كنت في إدبار) من عمرك ، لأن في كل يوم يبتعد الإنسان عن الدنيا بقدر يوم .
(والموت في إقبال) بأن أخذ يقبل إليك، لأن الموت في كل يوم يتقدم إلى الإنسان بمقدار يوم (فما أسرع الملتقى) بينك وبين الموت.
29 - وقال(عليه السلام) : الْحَذَرَ الْحَذَرَ! فَوَاللهِ لَقَدْ سَتَرَ ، حَتَّى أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ .
30 - وَسُئِل(عليه السلام) عَنِ الْإِيمَانِ، فَقَالَ : الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ ، وَالْيَقِينِ ، وَالْعَدْلِ، وَالْجِهَادِ. وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقُّبِ : فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ،
......................
29 - وقال(عليه السلام) : احذر (الحذر الحذر) من المعاصي، والتكرار للتأكيد (فوالله لقد ستر) الله المعاصي (حتى كأنه قد غفر) والحال أنه لم يغفر ، وإنما ستر وعن قريب يؤاخذ بالسيئات حيث لا مفر ولا رجوع، وهذا تحذير من العصيان .
30 - وسئل(عليه السلام) عن الإيمان، فقال: (الإيمان على أربع دعائم) جمع دعامة بمعنى العمود، فكما يبنى سقف البيت على العمود، كذلك بني الإيمان على الأعمدة (على الصبر ) على الطاعة (واليقين) بالمبدأ والمعاد وما أشبه (والعدل) في الأمور كلها (والجهاد) في سبيل الله سبحانه. (والصبر منها على أربع شعب) جمع شعبة، بمعنى : القسم : أي على أربعة أقسام (على الشوق) إلى الجنة (والشفق) أي الخوف (والزهد) في الدنيا (والترقب) أي الترصد للموت (فمن اشتاق إلى الجنة) ونعيمها (سلا) أي ابتعد (عن الشهوات) المحرمة الموجبة للنار (ومن أشفق) وخاف (من النار اجتنب المحرمات) المسببة لدخول الإنسان في جهنم .
(ومن زهد في الدنيا) فلم يرها مقرة ومحلة وعلم قصر مدتها (استهان بالمصيبات) أي عدها هيئة لأنه يعلم قصر مدة المصيبة وأنها موجبة للأجر
وَمَنْ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ. وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ، وَتَأَوَّلِ الْحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ، وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ . فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ . وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلَى غَائِصِ الْقَهم،
..................................
والثواب (ومن ارتقب الموت) وانتظره (سارع إلى الخيرات) لئلّا تفوته الفرصة بالموت، وكل هذه الأمور لا تكون إلّا بالصبر والتحمل. (واليقين منها على أربع شعب) أي على أربعة أقسام (على تبصرة الفطنة) الفطنة الذكاء، و تبصرتها أي التبصرة الناشئة منها (وتأوّل الحكمة) أي الوصول إلى الدقائق التي تؤول وتنتهي إليها الحكمة، والحكمة هي معرفة وضع الأشياء مواضعها (وموعظة العبرة) العبرة مما يسبب اعتبار الإنسان ودركه الضار من النافع - بسبب ما يرى من الأحداث والتقلبات - وموعظتها هي الوعظ الذي يأخذه الإنسان بسببها، فإنَّ العبرة تعظ الإنسان وترشده. (وسنة الأولين) أي معرفة طريق الأولين من الأنبياء والصالحين حتى يتبعها الإنسان (فمن تبصر في الفطنة) أي في ذكائه ومعرفته للأمور (تبينت له) أي ظهرت له (الحكمة) بأن عرف مواضع الأشياء (ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة) إذ العارف بمواضع الأشياء يتمكن من أن يدرك مواضع الاعتبار منها (ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين) إذ هو باكتسابه منهم مواضع الخطأ والصواب فكأنه كان فيهم ورأى ماذا عملوا، وماذا أنتج عملهم. (والعدل منها على أربع شعب) أي على أربعة أقسام (على غائص الفهم) أي الفهم الغائص في الأمور، فإنَّه بدون الفهم لا يكون عدل، إذ الفاهم يتمكن من إقامة العدل .
وَغَوْرِ الْعِلمِ، وَزُهْرَةِ الْحُكْمِ، وَرَسَاحَةِ الْحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحُكْمِ، وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُقَرِّطُ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً . وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ، وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ : فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ ،
..............................
(وغور العلم) أي العلم الذي يغور في باطن الأشياء (وزهرة الحكم) أي حسن الحكم بأن يتمكن من أن يحكم على الأشياء بالحكم الحسن المطابق للواقع (ورساخة الحلم) أي أن يكون له حلم راسخ ثابت حتى إذا عصى عليه الفهم أو التطبيق حلم حتى يصل إلى معرفة العدل في الأمر، ويتمكن من تطبيقه (فمن فهم) أي كان له فهم حاد (علم غور العلم) أي باطنه وسره، أي أنه يدرك عمق الأشياء. (ومن علم غور العلم) وباطنه (صدر عن شرائع الحكم) شرائع : جمع شريعة، وهو المحل الذي على الماء يرده الشارب، وصدر أي رجع رياناً بعد وروده، أي أنهل من منهل الحكم عن صدر عارفٍ بالأحكام (ومن حلم لم يفرط في أمره) بالزيادة أو النقصان بل أخذ العدل والوسط (وعاش في الناس حميداً) لأن العادل في الأمور، محمود لدى الناس. (والجهاد منها على أربع شعب) أي على أربعة أقسام (على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) لأنهما إلقاء النفس في التعب، والجهاد من الجهد بمعنى التعب في الأمر (والصدق في المواطن) بأن يصدق الإنسان في كل موطن سواء ضره الصدق أو نفعه (وشنآن الفاسقين) أي بغضهم وعداوتهم (فمن أمر بالمعروف شد) و قوی (ظهور المؤمنين) لأنه كلما كثر العدد اشتد الأمر وقوي.
وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْكَافِرِينَ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ شَنِئَ الْفَاسِقَينَ وَغَضِبَ لِلَّهِ ، غَضِبَ اللهُ لَهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ .
31 - وقال(عليه السلام) : وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَع دَعَائِمَ : عَلَى التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُع، وَالزِّيغِ ، وَالشَّقَاقِ : فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى الْحَقِّ، وَمَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَن الْحَقِّ، وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ، وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ، وَسَكَرَ سُكْرَ الضَّلَالَةِ،
...........................
(ومن نهى عن المنكر أرغم أنوف الكافرين) أي أذلهم لأنهم هم أصل المنكرات، وأصله الإرغام أي الإيصال إلى الرغام أي التراب (ومن صدق في المواطن) أي المواضع كلها (قضى ما عليه) أي أدى الشيء الذي وجب عليه من صدق الحديث وصدق العمل (ومن شنى الفاسقين) أي عاداهم (وغضب لله) تعالى إذا رأى محرماً (غضب الله له) فإذا أراد أحد إيذاءه دفع الله عنه (وأرضاه يوم القيامة) بإرساله إلى الجنة التي وعدها الله المتقين.
31 - وقال(عليه السلام) : (الكفر على أربع دعائم) أي له أربعة أعمدة، كما للسقف أعمدة لا يقف إلّا بها (على التعمق) في العقائد تعمقاً غير عقلائي، کالوسوسة (والتنازع) في الحق (والزيغ) أي الميل مع الهوى (والشقاق) أي العناد في الحق (فمن تعمق لم ينب) أي لم يرجع (إلى الحق) لأنه دائماً يذهب وراء التدقيقات الفلسفية والأوهام حتى يكون ذلك ملكة له، ومن صار مثل ذلك ملكة له لا يرجع إلى طرق العقلاء في الفهم والاستدلال (ومن كثر نزاعه بالجهل) بأن يكون كثير المجادلة فيما يعنيه وما لا يعنيه (دام عماه عن الحق) فلا يبصره . (ومن زاغ) أي مال مع الهوى (ساءت عنده الحسنة) أي رآها سيئة (وحسنت عنده السيئة) بأن رآها حسنة، لأنه زائغ مائل (وسكر سكر الضلالة)
وَمَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ ، وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ . وَالشَّكُّ عَلَى أَرْبَع شُعَب: عَلَى التَّمَارِي، وَالْهَوْلِ وَالتَّرَدُّدِ، وَالاسْتِسْلَامِ : فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ ، وَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ، وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا .
.................................
بأن تملى من الباطل واشتغل به فلا يستفيق إلى الحق (ومن شاق) أي عاند في الحق (وعرت) أي صعبت (عليه طرقه) يقال طريق وعر، إذا صعب السير فيه (وأعضل) أي أشكل (عليه أمره) فلا يعرف وجه الحق (وضاق عليه مخرجه) فلا يدري كيف يخرج من المشكلات لأنه يعاند في كل شيء، فلا يعلم وجه الخروج .(والشك على أربع شعب) أي أربعة أقسام (على التماري) أي التجادل، لإظهاره للناس قوة جدله ، لا لإحقاق الحق (والهول) بأن يخاف الحق فلا يقبله (والتردد) في الحق بأن لا يدري أي الطرفين صحيحاً (والاستسلام) بأن يستسلم الإنسان لكل شيء بدون دليل ومعرفة فإنَّه يشك في الحق لأنه لم يأخذ الأمر عن دليل (فمن جعل المراء ديدناً) أي جعل الجدال عادة (لم يصبح ليله) أي لا يخرج من ظلام الشك إلى نهار اليقين (ومن هاله ما بين يديه) من الحق (نكص على عقبيه) أي رجع إلى الجاهلية، وعقب وراء الرجل، وهذا كناية عن الارتداد إلى الجاهلية، كما يرتد الماشي القهقرى (ومن تردد في الريب) أي الشك (وطئته سنابك الشياطين) سنابك جمع سنبك، وهو طرف الحافر، أي أن الشياطين يجعلونه فرشاً لهم يمرون عليه كيفما شاءوا، وهذا كناية عن أنه ليس من الدين في شيء (ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة) بأن لم ينظم أمر نجاته بل سار غير واع كيفما ساروا به (هلك فيهما) فلا دنيا مطمئنّة ، ولا آخرة حسنة .
قال الرضي: وبعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة والخروج عن الغرض المقصود في هذا الباب .
32 - وقال(عليه السلام) : فَاعِلُ الْخَيْر خَيْرٌ مِنْهُ ، وَفَاعِلُ الشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ .
33 - وقال(عليه السلام) : كُنْ سَمْحاً وَلا تَكُنْ مُبَذِّراً، وَكُنْ مُقَدِّراً وَلاَ تَكُن مُقَتِّراً .
34 - وقال(عليه السلام) : أَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى .
35 - وقال(عليه السلام) : مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا فِيهِ بِمَا لاَ يَعْلَمُونَ .
......................................
32 - وقال(عليه السلام) (فاعل الخير خير منه) لأنه مبعث الخير وعلته، وعلة الشيء أفضل منه بديهة (وفاعل الشر شر منه) لأنه مبعث الشر وعلته، ومن يأتي منه الشر أشر منه .
33 - وقال(عليه السلام) : (كن سمحاً) أي سخياً (ولا تكن مبذراً) أي مسفاً في الإعطاء (وكن مقدراً) بأن تنفق بقدر الصلاح والحكمة (ولا تكن مقتراً) أي مضيقاً في الإنفاق .
34 - وقال(عليه السلام) : (أشرف الغنى ترك المنى) جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان لنفسه، وفي ترك هذا غنى للإنسان إذ من يتمنى الأشياء، إنّما يتمناها لفقر كامن فيه، فإذا تركها، كان غنى النفس، وغنى النفس أشرف أقسام الغنى بالمال ونحوه .
35 - وقال(عليه السلام) : (من أسرع إلى الناس بما يكرهون) بأن قال فيهم لي بالصفات التي لا يحبونها، كإظهار نقائصهم (قالوا فيه بما لا يعلمون) لأنهم يريدون الانتقام منه بوصمه بعيوب كثيراً ما يكون بريئاً منها، ولعل ما لا
36 - وقال(عليه السلام) : مَنْ أَطَالَ الْأَمَلَ أَسَاءَ الْعَمَلَ .
37- وقال (عليه السلام): وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار، فتر جلوا له واشتدوا بين يديه، فقال : مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ؟ فَقَالُوا : خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا ، فقال : وَاللهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ! وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ. وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَها الْعِقَابُ، فَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الْأَمَانُ مِنَ النَّارِ !
.....................................
يعلمون، كناية عما لا يكون فيه .
36 - وقال(عليه السلام): (من أطال الأمل) بأن كان رجاءه في بقائه طويلاً (أساء العمل) إذ أنه يعمل الأعمال السيئة معتمداً على أنه إذا قرب وقته أدرك وتدارك .
37 - وقال(عليه السلام) : وقد لقيه عند مسيره إلى الشام لمحاربة معاوية دهاقين الأنبار(دهاقين) جمع دهقان وهو زعيم الفلاحين، معرّب [ده بان] أي حافظ القرية، فترجلوا له واشتدوا بين يديه أي نزلوا من خيولهم وأخذوا يركضون فقال(عليه السلام) : (ما هذا الذي صنعتموه) ؟ من الترجل والركض (فقالوا خلق منا) أي عادة لنا (نعظّم به أمراءنا) وذلك لدلالة هذه الحركة على أنا حاضرون بخدمتكم راكضون في أمركم .
فقال(عليه السلام) : (والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم وإنكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم) لما تلاقون من صعوبة المشي والركض (وتشقون) بالتخفيف من الشقاوة، والأول بالتشديد من المشقة (به في آخرتكم) إذ أنه موجب لتكبر الكبراء، وإذلال النفس، وما أشبه من المحرمات الموجبة للعقاب (وما أخسر المشقة وراءها العقاب)؟ أي أنه أكبر أقسام المشقة خسارة، لأنها توجب ذهاب الدنيا والآخرة (فـ) ما (أربح الدعة) أي الراحة (معها الأمان من النار)
38 - وقال(عليه السلام) لابنه الحسن(عليه السلام) : يَا بُنَيَّ، احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً، وَأَرْبَعاً ، لاَ يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ : إِنَّ أَغْنَى الغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ، وَأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ، وَأَكْرَمَ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ. يَا بُنَيَّ ، إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ ،
...........................
لأنه لم يفعل محرماً يستحق به دخول النار .
38 - وقال(عليه السلام) لابنه الحسن(عليه السلام) : (يا بني) أصله ابني حذف الألف للتصغير، والتصغير هنا يفيد العطف واللطف (احفظ عني أربعاً وأربعاً) وحيث أن كل أربع مسلوك في سلك خاص، لم يقل ثمانياً (لا يضرك) ضراً بالغاً (ما عملت معهن) من الأعمال التي ليست بمحرمة، ومن المعلوم أن الأعمال المباحة أيضاً فيها ضرر عدم إدراك الدرجات الرفيعة المهيئة للمتقين، بالإضافة إلى الحساب. أما الأربعة الأولى فـ( إن أغنى الغنى العقل) فإنَّه يوجب كل خير، ولذا هو من أفضل أقسام الغنى بالمال أو بالجاه أو بالأولاد أو ما أشبه، ومن المعلوم أن العقل قسم منه اكتسابي، فهذا تحريض على اكتساب ذلك والعمل به ( وأكبر الفقر الحمق) لأنه يوجب ذهاب دنيا الإنسان وآخرته، وأي فقر شر من هذا؟ والحمق باعتبار أن قسماً منه اكتسابي يصح التحذير منه (وأوحش الوحشة العجب) فإنَّ من أعجب بنفسه كرهه الناس فلا يجد أنيساً، فهو في وحشة الإنفراد طيلة حياته (وأكرم الحسب حسن الخلق) الحسب ما يكتسبه الإنسان - مقابل النسب الذي ليس للإنسان فيه صنيع - ومن المعلوم أن حسن الخلق يحصل من خير الدنيا والآخرة ما لا يحصله غيره، ولو كان أفضل الناس علماً ومالاً وما أشبه (يا بني إياك ومصادقة الأحمق) فلا تكن صديقاً له (فإنه يريد أن ينفعك فيضرك) لأنه يعمل ما لا يليق بك لحمقه،
وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِالتَّافِهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ، فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ : يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ ، وَيُبَعِّدَ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ.
39 - وقال(عليه السلام) : لاَ قُرْبَةَ بِالنَّوَافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالْفَرَائِضِ.
40 - وقال(عليه السلام) : لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ .
...............................
فيكون عمله سبباً لضررك (وإياك ومصادقة البخيل) فلا تكن صديقه (فإنه يبعد عنك) أي يتبعد لئلّا تطلبه بحاجة (أحوج ما تكون إليه) أي في حالة احتياجك الشديد، لأنه بخيل لا يريد أن ينفق عليك، وما فائدة مثل هذا الصديق؟ . (وإياك ومصادقة الفاجر ) أي الفاسق الذي كل همه شهوته (فإنه يبيعك بالتافه) أي الشيء القليل، إذ لو دار الأمر بينك وبين شهوته باعك في سبيل إرضاء شهوته، ومصادقة مثل هذا الإنسان غبن وخسارة (وإياك ومصادقة الكذاب فإنَّه كالسراب) الذي يتراءى للإنسان في الصحراء ماءً، فإذا جاءه لم يجده شيئاً. ( يقرب عليك البعيد) بكذبه (ويبعد عليك القريب) وذلك يوجب اختلال الميزان عندك فتترتب آثار البعيد على القريب، وبالعكس، وذلك يوجب خبلاً وفساداً .
39 -وقال(عليه السلام) : (لا قربة بالنوافل) أي لا يقترب الإنسان إلى الله سبحانه بسبب لنافلة، و وهو العمل المستحب(إذا أضرّت بالفرائض) أي الواجبات، كمن لا يصلي لأنه يريد الزيادة المستحبة، أو لا ينفق الخمس، لأنه يعمر المسجد .
40 - وقال(عليه السلام) : (لسان العاقل وراء قلبه) فهو يتفكر أولا ويزن الكلام، ثم يتكلم (وقلب الأحمق وراء لسانه) فهو يسرع في التكلم، ثم يفكر فيما قال هل كان صحيحاً أم لا؟
قال الرضي رحمه الله : وهذا من المعاني العجيبة الشريفة، والمراد به أن العاقل لا يطلق لسانه إلّا بعد مشاورة الروية [مؤامرة الفكرة] والأحمق تسبق حذقات لسانه وفلتات كلامه مراجعة فكره ومماخضة رأيه - أي تحريكه حتى يظهره صوابه، كخض اللبن لظهور الزبد - فكأن لسان العاقل تابع لقلبه، وكأن قلب الأحمق تابع للسانه) .
41 - وقد روي عنه(عليه السلام) هذا المعنى بلفظ آخر، وهو قوله :
قَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي فِيهِ، وَلِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ . ومعناهما واحد .
42 - وقال لبعض أصحابه في علة اعتلها: جَعَلَ الله مَا كَانَ مِن شَكْوَاكَ حَطّاً لِسَيِّئَاتِكَ ، فإِنَّ الْمَرَضَ لَا أَجْرَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ يَحُطُّ السَّيِّئاتِ، وَيَحُتُهَا حَتَّ الْأَوْرَاقِ. وَإِنَّمَا الْأَجْرُ فِي الْقَوْلِ بِاللَّسَانِ، وَالْعَمَلِ
................................
41 - (وقد روي عنه(عليه السلام) هذا المعنى بلفظ آخر وهو قوله عليه السلام: (قلب الأحمق في فيه) فما يمرّ بقلبه يقوله بلسانه بلا روية وتفكير، كأن قلبه في فمه (ولسان العاقل في قلبه) فلا يتكلم بشيء إلّا إذا تفكر وتروّى، فكأن لسانه في قلبه، إذ لا يخرج الكلام إلّا عن مشورة القلب وتبينه ومعناهما واحد .
42 - وقال(عليه السلام) : (لبعض أصحابه، في علة اعتلها) أي في مرض أصابه (جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك) أي جعل مرضك موجباً لغفران ذنبك (فإن المرض لا أجر فيه) إذ الأجر إنّما يترتب على ما عمله الإنسان، والإنسان لم يعمل شيئاً إذا مرض (ولكنّه ) أي المرض (يحط السيئات) ويزيلها (ويحتها) أي يسقطها (حت الأوراق) أي مثل إسقاط الشجرة لأوراقها، وهذا فضل من الله سبحانه حيث أورد على عبده أذى، يعوض عن ذلك بحطّ سيّئاته . (وإنّما الأجر في) العمل الاختياري مثل (القول باللسان والعمل
بالْأَيْدِي وَالْأَقْدَام ، وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْجَنَّةَ .
قال الرضى رحمه الله: وأقول صدق(عليه السلام) : (إنّ المرض لا أجر فيه) لأنه من قبيل ما يستحق عليه العوض، لأنّ العوض يستحق ما كان في مقابلة فعل الله تعالى بالعبد من الآلام والأمراض وما يجري مجرى ذلك، والأجر والثواب يستحقّان على ما كان في مقابلة فعل العبد فبينهما فرق، قد بيّنه الإمام(عليه السلام)، كما يقتضيه علمه الثاقب ورأيه الصائب .
43 - وقال(عليه السلام) : في ذكر خباب بن الأرتَ : يَرْحَمُ اللهُ خُبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ ، فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً، وَهَاجَرَ طَائِعاً ، وَقَنِعَ بِالْكَفَافِ وَرَضِيَ عَنِ اللهِ، وَعَاشَ مُجَاهِداً .
................................
بالأيدي والأقدام) ذكراً وشكراً وتلاوة وإرشاداً وما أشبه (وإنّ الله سبحانه يدخل بصدق النية) بأن تكون نيّته في أعمال الخير صادقة، لا أنه قصد بها الرياء وما أشبه (والسريرة الصالحة) بأن يكون قلب الإنسان نظيفاً عن الصفات الرذيلة .
(من يشاء من عباده الجنة) وهذا الكلام كالاستدراك لقوله [وإنما الأجر ] حتى لا يتوهم أن الأجر خاص بعمل الجوارح، بل يعم عمل القلب، أيضاً.
43 - وقال(عليه السلام) : في ذكر خباب بن الأرت، وهو من الصحابة الأوليين الذين أوذوا في سبيل الله بأيدي المشركين : (يرحم الله خباب بن الأرت) دعاء بلفظ المضارع ، أي اللهم ارحمه (فلقد أسلم) في مكة (راغباً) في الإسلام لا طمعاً أو خوفاً (وهاجر) إلى المدينة (طائعاً) بلا كره له في مفارقة بلده (وقتع بالكفاف) أي بما يكفيه من المال، دون زيادة (ورضي عن الله) سبحانه بما قسم له (وعاش مجاهداً )في سبيل الإسلام، حتى ذهب إلى الآخرة .
44 - وقال(عليه السلام) : طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ ، وَعَمِل لِلْحِسَابِ وَقَنِعَ بِالْكَفَافِ، وَرَضِيَ عَنِ اللهِ .
45 - وقال(عليه السلام) : لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هَذَا عَلَى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي ، وَلَوْ صَبَيْتُ الدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا عَلَى الْمُنَافِقِ عَلَى أَنْ يُحِبَّنِي مَا أَحَبَّنِي. وَذلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَانْقَضَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا عَلِيُّ ، لا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ .
46 - وقال(عليه السلام) : سَيِّئَةٌ تَسُوءُكَ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ .
.............................
44 - (طوبى) إذ تكون حالته طيبة .
45 - وقال(عليه السلام) : (لو ضربت خيشوم المؤمن) الخيشوم أصل الأنف. والضرب عليه أشد، لأنه إدماء وإرغام (بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني) لأن المؤمن يريد الآخرة، وحيث أن الإمام قائد إليها، لا يبغضه من يريدها، ولو أوذي وأهين (ولو صببت الدنيا) كناية عن تمليكها (بجماتها)جمع جمة، وهو مجتمع الماء من الأرض، والمراد بحذافيرها، جليلها وحقيرها (على المنافق) الذي هو من أهل الدنيا، وإنما جعل الدين ستاراً (على أن يحبني ما أحبني) فإنَّ أهل الدنيا لا يحبون أهل الآخرة فكيف بقائدهم؟ (وذلك ) أي بيان ذلك (أنه قضى) أي هكذا قدر - والسبب ما ذكرناه - (فإنقضى) أي ذكر (على لسان النبي الأمي(صلّی الله علیه وآله وسلّم) المنسوب إلى أم القرى، وهي مكة (أنه قال : يا علي لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق) وكلامه حق وصدق لا يمكن أن يخالف .
46 - وقال(عليه السلام) : ( سيئة تسوءك) أي معصية تأتيها فتندم (خير عند الله من حسنة تعجبك) أي تفرح بها وتظن أنك قد أتيت بالجواب، وذلك لأن
47 - وقال(عليه السلام) : قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ، وَصِدْقُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ ، وَشَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرِ أَنفَتِهِ، وَعِفَّتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ.
48 - وقال(عليه السلام) : الظَّفَرُ بِالْحَزْمِ ، وَالْحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّأْيِ ، وَالرَّأَيُ بِتَحْصِينِ الْأَسْرَارِ .
49 - وقال(عليه السلام) : احْذَرُوا صَوْلَةَ الْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ، وَاللَّئِيم إِذَا شَبعَ .
.........................
الندم على السيئة موجب لمحوها، فلا إثم عليك من ورائها، أما الحسنة المعجبة فإنَّها تمحق بذاتها، وتورث الإثم، لأن عجب الإنسان بعمله محرم.
47 - وقال(عليه السلام) : (قدر الرجل ) أي منزلته ومكانته (على قدر همته) بمعالي الأمور فمن كان أعلا همة كان أفضلا (وصدقه) في العمل والكلام (على قدر مروءته) أي رجولته ، فإنَّ النفس الشريفة لا تكذب (وشجاعته على قدر أنفته) أي رفعة نفسه، فإنَّ النفس الرفيعة لا تتمكن أن ترى النقائص فتشجع لإزالتها (وعفته) بأن لا ينساق وراء الشهوات (على قدر غيرته) على نفسه أن تنحط ، وعلى الأعراض أن تهتك، فكلما كانت غيرته أكثر ، كانت عفته أكثر .
48 - وقال(عليه السلام) : (الظفر بالحزم) أي إنما يظفر الإنسان بمراده بحزمه، والتفاته إلى الأمور وترتيبه الأشياء كما ينبغي (والحزم بإجالة (الرأي) بأن يجيل الإنسان آراءه ويحركها لكي يعرف الصواب (والرأي بتحصين الأسرار) أي إنما يكون عالياً إذا أخفى الإنسان أسراره، لأنه يتمكن أن يستنتج منها، أما إذا فشی سره، حالت دون تنفيذ آرائه عوائق وموانع .
49 - وقال(عليه السلام) :(احذروا صولة الكريم) أي هجومه، وثوران غضبه (إذا جاع) أي إذا احتاج، فإنَّ كريم النفس، لا يتذلل، ولا يخنع، وإنما يصول لأخذ حقه ( واللئيم إذا شبع) فإنَّ لئيم النفس يطغى إذا رآه استغنى.
50 - وقال(عليه السلام) : قُلُوبُ الرِّجَالِ وَحْشِيَّةٌ، فَمَنْ تَأَلَّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ .
51 - وقال(عليه السلام) : عَيْبُكَ مَسْئُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ .
52 - وقال(عليه السلام) : أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ .
53 - وقال(عليه السلام) : السَّخَاءُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً، فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَحَيَاءٌ وَتَذَهُمٌ .
54 - وقال(عليه السلام) : لاَ غِنَى كَالْعَقْل،
............................
50 - وقال(عليه السلام) : (قلوب الرجال وحشية) أي كالوحش يتنفر من الإنسان (فمن تألفها) بأن هييء أسباب التألف من الإحسان والبشاشة، وما أشبه (أقبلت عليه) وتصادقت معه، ومن لم يتألفها بقيت متنفرة منه .
51 - وقال(عليه السلام): ( عيبك مستور) لدى الناس لا يعرفونه ولا يظهرونه (ما أسعدك جدك) أي حظك فما دام حظ الإنسان مخالف له، لا يذكر بعيب، أما إذا خالفه حظه، فإنَّ عيوبه تذكر بالألسنة، وتشهر عند الناس.
52 - وقال(عليه السلام) : (أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة) أي أكثرهم قدرة على أن يعاقب، وذلك لأن القدرة نعمة من الله سبحانه وشكرها العفو عن عباده، والعفو فضيلة، فإذا تفضل الله على الإنسان، يلزم أن يتفضل هو على الناس.
53 - وقال(عليه السلام): (السخاء ما كان ابتداءً) بأن تعطي الشيء بدون أن يطلب منك (فأما) الإعطاء من (ما كان عن مسألة) أي بعد السؤال (فحياء) من الرد (وتذمم) أي فرار من الذم، إذا لم تعط ، لا أنه سخاء .
54 - وقال(عليه السلام): (لا غنى كالعقل) فعلى الإنسان أن يحصل القدر
وَلا فَقْرَ كَالْجَهْلِ، وَلَا مِيرَاثَ كَالأَدَبِ، وَلاَ ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ .
55 - وقال(عليه السلام) : الصَّبْرُ صَبْرَانِ : صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ .
56 - وقال(عليه السلام): الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنْ، وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ .
57 - وقال(عليه السلام) : الْقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ .
........................................
الكسبي من العقل، وكونه أغنى الغنى، لأنه يورث سعادة الدنيا والآخرة (ولا فقر كالجهل) الذي يسبب الشقاء في النشأتين(ولا ميراث كالأدب) فإنَّ الإنسان المتصف بالآداب يسعد بأدبه، أما المال الموروث فإنَّه ينفذ (ولا ظهير كالمشاورة) فإنَّ المشورة تبين وجه الصواب وتجعل الذين استشارهم الإنسان ظهراً له في عمله .
55 - وقال(عليه السلام) : (الصبر صبران) أي قسمان (صبر على ما تكره) كالصبر على المصيبة والصبر على الطاعة الشاقة، كالجهاد، وبذل المال ( وصبر عما تحب) بأن تترك محبوبك ولذتك لأجل امرأة، كأن يترك النظر إلى الأجنبية.
56 - وقال(عليه السلام) : (الغنى في الغربة وطن) إذ المال يجمع حول الإنسان الأصدقاء، والمرافق الناعمة، فكأن الإنسان في السفر، إذا كان ذا مال، أنه في وطنه ( والفقر في الوطن غربة) فإنَّ الفقير لا صديق له ولا عيش، ولذا كان كالغريب الذي لا يجد مرافق الحياة وسعادتها .
57 - وقال(عليه السلام) : (القناعة مال لا ينفد) إذ القنوع لا يحتاج إلى أحد، كالإنسان الذي له مال كثير أما ذو المال فإنَّه يحتاج إذا نفذ ماله، كما يتفق كثيراً .
قال الرضي: وقد روي هذا الكلام عن النبي
58 - وقال(عليه السلام) : الْمَالُ مَادَّةُ الشَّهَوَاتِ .
59 - وقال(عليه السلام) : مَنْ حَذَّرَكَ كَمَنْ بَشَّرَكَ.
60 - وقال(عليه السلام) : اللِّسَانُ سَبْعٌ ، إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ.
61 - وقال(عليه السلام) : الْمَرْأَةُ عَقْرَبٌ حُلْوَةُ اللَّبْسَةِ .
62 - وقال(عليه السلام) : إِذا حُيِّيتَ بِتَحِيَّةٍ فَحَيِّ بِأَحْسَنَ مِنْهَا ،
.......................
58 - وقال(عليه السلام) : (المال مادة الشهوات) لأن الفقير لا يتمكن من تنفيذ رغباته وشهواته، أما ذو المال فإنه يفعل بماله ما يشتهي من تناول الآثام، واقتراف الملذات المحرمة .
59 - وقال(عليه السلام) : (من حذرك كمن بشرك) أي المحذر، بسبب وقايتك عن الأخطار، يكون نافعاً لك، كمن يبشرك بأمر، مما تنتفع به، فاللازم أن تفرح بالمحذر، كما تفرح بالمبشر .
60 - وقال(عليه السلام) : (اللسان سبع) أي كالسبع الضاري (إن خلي عنه) ولم يقيد (عقر) أي جرح الإنسان فإنِّ الإنسان، ربما تكلم بكلام يكون فيه أذاه ويسبب إهانته ، فاللازم أن يحفظ الإنسان لسانه .
61 - وقال(عليه السلام) : (المرأة عقرب حلوة اللبسة) أي في لباس جميل، إذ هي تسبب وقوع الإنسان في المعاصي والآثام، مما يتضرر بها الإنسان، كما يتضرر الإنسان بالعقرب إذا لدغته .
62 - وقال(عليه السلام) : (إذا حييت بتحية فحي بأحسن منها) أي إذا أكرمت بإكرام، كما لو سلم عليك، أو أهدي إليك شيء أو نحو ذلك، فرد التحية بالأحسن .
وإِذَا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فَكَافِئْهَا بِمَا يُرْبِي عَلَيْهَا ، وَالْفَضْلُ مَعَ ذلِكَ لِلْبَادِئِ .
63 - وقال(عليه السلام) : الشَّفِيعُ جَنَاحُ الطَّالِبِ .
64 - وقال(عليه السلام) : أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ .
65 - وقال(عليه السلام) : فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ .
66 - وقال(عليه السلام) : فَوْتُ الْحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِهَا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا
.............................
(وإذا أسديت إليك يد) أي عمل معك إحسان وعمل جميل (فكافئها) أي انت بما يقابلها (بما يربي) أي يفضل (عليها) لتكون أنت أرفع من المبتدئ في تلك التحية وتلك اليد (والفضل مع ذلك للبادئ) لأنه ابتدأ بالإحسان، والمبتدئ ليس كالمكافئ، فالمبتدئ بالإساءة أظلم، والمبتدئ بالإحسان أكرم .
63 - وقال(عليه السلام) : (الشفيع جناح الطالب) فمن طلب شيئاً، وذهب معه بشفيع إلى المطلوب منه، كان كالطائر الذي يطير بجناحه، فإنَّه أولا الجناح لما نهض الطائر، ولولا الشفيع في كثير من الأحيان لم تقض الحاجة .
64 - وقال(عليه السلام) : (أهل الدنيا كركب) جمع راكب، وهو المسافر (يسار بهم وهم نيام) جمع نائم، فإنَّ الناس لا يعرفون سيرهم نحو الآخرة - فهم كالنائم الذي لا يعرف السير- وإن كان الدهر يسير بهم سير سيراً حثيثاً نحو الآخرة .
65 - وقال(عليه السلام) : (فقد الأحبة) جمع حبيب (غربة) لأن الإنسان الفاقد لهم كالغريب الذي لا يجد صديقاً يأنس به، ولا يتمكن من أن يتوصل إلى حوائجه بواسطة أصدقائه .
66 - وقال(عليه السلام) : (فوت الحاجة) بأن لا يدرك الإنسان حاجته (أهون من طلبها إلى غير أهلها) فإنَّ طلب الحاجة من غير الأهل صعب على النفس ،
67 - وقال(عليه السلام) : لا تَسْتَحِ مِنْ إِعْطَاءِ الْقَلِيلِ، فَإِنَّ الْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ .
68 - وقال(عليه السلام) : الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْر ، وَالشَّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى .
69 - وقال(عليه السلام) : إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُ فَلَا تُبَلْ مَا كُنْتَ .
70 - وقال(عليه السلام) : لا تَرى الْجَاهِلَ إِلَّا مُفرِطاً أَوْ مُفَرْطاً
..........................
وصعوبته أكثر من صعوبة فوت الحاجة .
67 - وقال(عليه السلام) : (لا تستح من إعطاء القليل) بل أعط القليل، إذا لم تتمكن أو لم ترد إعطاءه الكثير (فإن الحرمان أقل منه )أي حرمان الطرف بعدم إعطائه إطلاقاً، أقل من الإعطاء القليل، ولفظة (أقل) مجاز لطيف .
68 - وقال(عليه السلام) : (العفاف زينة الفقر )فإذا كان الإنسان فقيراً فزينته بين - الناس أن يعف ولا يتناول اللذائذ كيف ما وجدها (والشكر زينة الغنى) فإذا استغنى الإنسان كانت زينته أن يشكر .
69 - وقال(عليه السلام) : (إذا لم يكن ما تريد) أي لم تتمكن مما قصدت وأردت (فلا تبل) أي لا تبال (ما كنت) في طلبه حقيراً أو كبيراً، أي إذا صعب مرادك، فاعمل كل عمل لتصل إليه، ويحتمل أن يراد بهذه الحكمة النهي عن الأسف عما فات الإنسان .
70 - وقال(عليه السلام) : (لا ترى الجاهل إلّا مفرطاً) الإفراط الزيادة عن الوسط (أو مفرطاً) التفريط التقصير عن القصد فلو سقيت الدابة عشرة أرطل كان إفراطاً، ولو سقيتها خمساً كان تفريطاً - مثلاً - وإنما القصد السبعة، والجاهل حيث لا يعلم مقدار كل شيء، وما ينبغي لكل أمر ، إما يذهب بعيداً أكثر من القصد، أو يبطئ في العمل أقل من القاعدة.
71 - وقال(عليه السلام) : إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ .
72 - وقال(عليه السلام) : الدَّهْرُ يَخْلِقُ الْأَبْدَانَ، وَيُجَدِّدُ الْآمَالَ، وَيُقَرِّبُ الْمَنِيَّةَ، وَيُبَاعِدُ الْأَمْنِيَّةَ : مَنْ ظَفَر بهِ نَصِبَ، وَمَنْ فَاتَهُ تَعِبَ .
73 - وقال(عليه السلام) : مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ النَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأُ بِتَعْلِيم نَفْسِهِ قَبْلَ لي تَعْلِيم غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ.
........................
71 - وقال(عليه السلام) : (إذا تم العقل نقص الكلام) فإنَّ غالب كلام الإنسان هذر لا فائدة فيه، فإذا تم العقل وكمل ، أدرك الإنسان الكلام النافع من غيره فيقتصر على النافع من الكلام فقط ، ويقل كلامه .
72 - وقال(عليه السلام) : (الدهر) أي الزمان (يخلق الأبدان) أي ينقصها ويأخذ من قواها، (ويجدد الآمال) فإنَّ الإنسان إذا قدم به العمر يكثر أمله، كما قال الرسول [يشيب ابن آدم، ويشب فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل] (ويقرب المنية) أي الموت (ويباعد الأمنية) أي يبعد آمال الإنسان، فكلما زاد عمر الإنسان، عرف أن آماله ابتعدت، إذ كانت تحتاج إلى نشاط وقوة ومدة، وكلها في نقص (من ظفر به) أي بالأمل (نصب) أي كل شيء من أمور الدنيا يتعب الإنسان (ومن فاته) أمله (تعب) لإدراكه .
73 - وقال(عليه السلام) : (من نصب نفسه للناس إماماً) أي مقتدى (فليبدأ بتعليم نفسه) الآداب والشرائع (قبل تعليم غيره) فإنَّ الناس إنما يقبلون الأدب من العامل، لا من القائل( وليكن تأديبه بسيرته) أي بأعماله الحسنة (قبل تأديبه بلسانه) وكلامه فإنَّ عمل إلّا ما معيار عمل الناس، لا كلامه إذا كان عمله مخالفاً (ومعلم نفسه) أي الذي يتعلم العلم (ومؤدبها) الذي يتأدب بالآداب (أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم) لأن العمل أصعب من الكلام ،
74 - وقال(عليه السلام) : نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ.
75 - وقال(عليه السلام) : كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ .
76 - وقال(عليه السلام) : إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا اشْتَبَهَتْ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا .
77 - ومن خبر ضرار بن حمزة الضبابي عند دخوله على معاوية ومسألته له عن أمير المؤمنين، قال: فاشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي
..............................
فالعامل أحق بالإكرام من القائل .
74 - وقال(عليه السلام) : (نفس المرء) المراد به الجنس، أي أنفاسه (خطاه إلى أجله) فإنَّ كل نفس خطوة، فلو قدر بقاء الإنسان في الدنيا بمقدار مائة ألف نفس، كان كل نفس ينقص جزءٌ من عمره.
75 - وقال(عليه السلام) : (كل معدود منقض) من انقضى، أي فات، فإنَّ ما يعد ينقضي بكل عدد عدد يذهب ويفنى منه، فمثلاً عمر الإنسان معدود بستين سنة ، فإذا ذهب سنة انقضى جزء من العمر (وكل متوقع) أي ما يتوقع ويترقب مجيئه (آت) أي يأتي لا محالة، فلا بد للإنسان أن يعمل للآتي، ويصرف النظر عن المنقضي .
76 - وقال(عليه السلام) : ( إن الأمور إذا اشتبهت اعتبر آخرها بأولها) .
77 - ومن خبر ضرار بن حمزة الضبابي، عند دخوله على معاوية، ومسألته أي سؤال معاوية له عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال : فاشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله كناية عن ظلمته، فإنَّ السدول حجب الظلام وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته والقبض على اللحية إنّما يكون لمن يريد التّفكر يتململ تململ السليم التململ : التّحرّك وسليم الملدوغ من حيّة، ونحوها، سمّي بذلك تفاؤلاً، كما تسمى الصحراء بالمفازة
بكاء الحزين، ويقول :
يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّي أَبِي تَعَرَّضْتِ ؟ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ؟ لاَ حَانَ حِينُكِ هَيْهَات غُرِّي غَيْرِي، لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا ! فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ . آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ ، وَطُولِ الطَّرِيقِ،
.................................
ويبكي بكاء الحزين ويقول : (يا دنيا يا دنيا) أمثال هذا الخطاب، من غير أمثال الإمام(عليه السلام) ، إنّما هو لإظهار الحزن أو الفرح أو ما أشبه، نحو [أيا شجر الخابور] أمّا من أمثال الإمام، فيحتمل ذلك، كما يحتمل أن يكون خطاباً حقيقيّاً بأن يسمع كلامهم الكون وأجزاؤه، على حد قوله سبحانه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ(1)(إليك عنّي) أي ابتعدي (أبي تعرضت) الهمزة للاستفهام، والباء حرف جر، والياء للمتكلم، وهو استفهام إنكار. (أم إليّ تشوقت) أي اشتقت، والتعرض التصدي والطلب، والتشوق حالة نفسية .
(لا حان حينك) أي لا جاء وقت وصولك إلي، وهذا دعاء عليها بعدم حصول طلبتها (هيهات) أي ابتعد الأمر فلا تصل الدنيا إليّ (غرّي غيري) أي اخدعي غيري حتى يلتذ بملذاتك (لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها) فإنَّه لا يحل للرجل أخذ المرأة بعد الطلاق الثالث، وهذا كناية عن أنه(عليه السلام) ترك الدنيا تركاً لا يرجع إليها أبداً (فعيشك قصير) إذ أمد الدنيا ينتهي بسرعة. (وخطرك) أي عظمك ومقدارك (يسير) هيّن لا أهمّية له (وأملك حقير) أي الذي يأمله الإنسان من الدنيا حقير تافه (آه) كلمة توجع (من قلة الزاد) هو ما يأخذه المسافر من الطعام ونحوه لسفره. (وطول الطريق) فإنَّ
1) سورة الإسراء : 44 .
وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَعَظِيمِ الْمَوْرِدِ !
78 - ومن كلام له(عليه السلام) للسائل الشامي لما سأله : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره :
وَيْحَكَ ، لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءٌ لازماً ، وَقَدَراً حَاتِما وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ
............................
طريق الإنسان إلى أن يصل إلى الجنّة يستغرق آلاف السنين، وزاد العمر الذي هيّأه الإنسان طيلة حياته بمقدار سني عمره، لولا فضل الله سبحانه (وبعد السفر) أي امتداده باعتبار الزمان، والطريق باعتبار المكان (وعظيم المورد) أي محل الورود على الله سبحانه، فإنَّه ورود على محكمة تفحص عن طول عمر الإنسان وجزئيّات أعماله ونواياه .
78 - ومن كلام له(عليه السلام) ، للسائل الشامي لما سأله : أكان مسيرنا إلى الشام (القتال معاوية) بقضاء من الله وقدر؟ - بعد كلام طويل، هذا مختاره: (ويحك) كلمة تستعمل للمدح والذم ، باعتبار اختلاف الأماكن، قال له الإمام إن السفر كان بقضاء الله وقدره، فأظهر الرجل الحسرة، حيث أنه لو كان بقضاء الله لم يكن لهم ثواب، إذ ما يفعله الله سبحانه لا يعطى بإزاء فعله الثواب لعبده، فأجابه الإمام بقوله : (لعلّك ظننت قضاءٌ لازماً) لا يمكن التخلف عنه. (وقدراً حاتماً) أي محتوماً لا يمكن خلافه، والقضاء هو حكم الله على الأشياء بأن تكون بكيفيات خاصة، والقدر التقدير المجعول لكل شيء، مثلاً إذا قال المهندس يلزم أن تبني داراً، كان قضاءٌ، وإذا عيّن مكانها و خصوصياتها كان قدراً، لكن بعد ذلك، بيد البناء إن شاء أطاع وعمل وإن شاء خالف ولم يعمل، وهكذا الإنسان كالبناء بالنسبة إلى قضاء الله وقدره، إذ فيه إرادة يتوجه بها كيف شاء . ( ولو كان ذلك) القضاء والقدر
لَكَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ . إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْبِيراً ، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً، وَكَلَّفَ يَسِيراً، وَلَمْ يُكَلِّفُ عَسِيراً ، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثيراً ، وَلَمْ يُعْضَ مَغْلُوباً ، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَهاً ، وَلَمْ يُرْسِلِ الْأَنْبِيَاءَ لَعِباً، وَلَمْ يُنْزِلِ الْكِتَابَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً ، وَلاَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً: وذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ(1)
.................................
(لكذلك) الذي ذكرت من اللزوم والحتمية (لبطل الثواب والعقاب) إذ لو أجبر الإنسان على الطاعة لم يكن لعمله ثواب، ولو أجبر على المعصية لم يكن لعصيانه عقاب (وسقط) أي بطل ولغي (الوعد) بالثواب (والوعيد) بالعقاب، فإنَّ كليهما باطلان مع الجبر (إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً) أي في حال كونهم مختارين إن شاؤوا عملوا وإن لم يشاؤوا تركوا (ونهاهم تحذيراً) لا جبراً، أي حذرهم، وقال إن فعلتم وقعتم في المحذور .
(وكلف يسيراً) أي تكاليف سهلة دون طاقة الإنسان (ولم يكلف عسيراً) أي ليس تكاليفه عسرة صعبة .
(وأعطى على القليل كثيراً) ففي مقابل العمل القليل يعطى الثواب الجزيل(ولم يعص مغلوباً) أي ليس سبحانه مغلوباً في معصية العاصين له، بل هو الذي أعطاهم المجال، بإكراهه إياهم، بحيث سلب الاختيار منهم. (ولم يرسل الأنبياء لعبا) أي لأجل اللعب والعبث، بل لغاية السعادة للإنسان، ونيل الدرجات الرفيعة (ولم ينزل الكتاب) أي جنس الكتب السماوية (للعباد عبثاً) وبدون غاية وفائدة. (ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا) بلا داع ولا غرض، بل الغرض من الكل الإطاعة، ونيل السعادة للمطيع (وذَلِكَ) بأن الكون باطل عبث (ظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) التي
1) سورة ص : 27
79 - وقال(عليه السلام) : خُذِ الْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ الْمُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ الْمُؤْمِنِ .
80 - وقال(عليه السلام) : الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَخُذِ الْحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ .
81 - وقال(عليه السلام) : قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ .
..............................
يدخلونها لعقيدتهم الباطلة وأعمالهم السيئة .
79 - وقال(عليه السلام) : (خذ الحكمة أنى كانت) سواء عند المؤمن أو المنافق أو الكافر (فإن الحكمة تكون في صدر المنافق) الذي لا يعمل بها (فتلجلج في صدره) أي نتحرّك، باضطراب النفس حولها هل تقولها أم لا؟ (حتّى تخرج) الحكمة من لسانه (فتسكن إلى صواحبها) أي سائر الكلمات .
الحكيمة الموجودة (في صدر المؤمن) إذ صدر المؤمن معدن الحكم والإرشادات ومعنى تسكن: أنّ المؤمن لا يتردّد حول الحكمة، بل يعيها ويعلم أنّه يلزم أن يعمل بها .
80 - وقال(عليه السلام) : (الحكمة ضالة المؤمن) أي الشيء الذي فقده، كما يفقد الإنسان ماله مثلاً (فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق) كما يأخذ الإنسان ضالته أين وجدها، ولو عند المنافق، أو في المزبلة، أو ما أشبه، وهذا تحريض لتعلم الكلمات الحكيمة، والآداب، من أي شخص كان، فالاعتبار بما يقال، لا بمن يقول.
81 - وقال (عليه السلام): (قيمة كل امرئ ما يحسنه) فإنَّ بمقدار معرفة الإنسان
قال الرضي: وهي الكلمة التي لا تصاب لها قيمة ،ولا توزن بها حكمة، ولا تقرن إليها كلمة .
2 - قال(عليه السلام) : أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الْإِبِلِ لَكَانَتْ لِذَلكَ أَهْلاً: لاَ يَرْجُونَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إِلّا ذَنْبَهُ، وَلاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولُ : لا أَعْلَمُ، وَلَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ ،
........................
للعلوم والآداب يكون وزنه وقيمته عند الله وعند الناس .
2 - وقال(عليه السلام) : (أوصيكم بخمس) أي بنصائح خمس (لو ضربتم إليها) أي للسفر إلى تحصيل هذه النصائح (آباط الإبل) جمع إبط، وضرب الآباط كناية عن السفر، لأن الإنسان إذا سافر على الإبل، وأبطأ في السير ضرب برجله إبطه ليسرع .
(لكانت) هذه الخمس (لذلك) الضرب على الآباط (أهلاً) لعظمها، حتى ينبغي للإنسان أن يسافر لأجلها، والخمس هي : (لا يرجون أحد منكم إلّا ربه) فيرجو كل خير منه، ويرجو دفع كل شر عنه، فإنَّ هذا هو التوحيد الخالص، وهذا لا ينافي رجاء غيره رجاءً آليّاً وواسطة جعلها الله سبحانه لإنجاز تلك الغاية المتوخاة . (ولا يخافن إلّا ذنبه) بأن يخصص خوفه به، لأن عاقبة الذنب أشد من عاقبة كل مخوف، ومعنى لا يخاف، لا يخاف الخوف الكامل، وذلك لا ينافي الخوف العقلاني من الأضرار (ولا يستحين أحد منكم إذا سئل عما لا يعلم) بأن سأله الناس عما لا يعلم جوابه، فلا يستحي (أن يقول : لا أعلم) فإنَّ فضيلة الصدق عند الله وعند الناس تزين هذا الإنسان، بخلاف ما إذا أجاب بخلاف الواقع، فإنَّه يشينه في الدنيا والآخرة (ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلّمه) فإنَّه لا نقص في التعلم،
وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لاَ رَأْسَ مَعَهُ، وَلَا فِي إِيمَانٍ لاَ صَبْرَ مَعَهُ .
83 - وقال(عليه السلام) : لرجل أفرط في الثناء عليه، وكان له متهماً : أَنا دُونَ مَا تَقُولُ، وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ .
84 - وقال(عليه السلام) : بَقِيَّةُ السَّيْفِ أَبْقَى عَدَداً، وَأَكْثَرُ وَلَداً .
.........................
وإنّما النّقص في الجهل . (وعليكم) اسم فعل، بمعنى [الزموا] (بالصبر) في الأمور كلها (فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد) أي بهذه المنزلة الشريفة (ولا خير في جسد لا رأس معه) إذ هو ميت، لا ينفع ولا ينتفع به (ولا في إيمان لا صبر معه) فإنَّ من لا يصبر عن المعصية يفعلها ومن لا يصبر على الطاعة يتركها، ومن لا يصبر عند المصيبة يجزع، وإيمان بتوبة ترك الطاعة وفعل المعصية والجزع المحرم، لا يأتي منه خير مطلوب .
83 - وقال(عليه السلام) لرجل أفرط في الثناء عليه بأن بالغ في مدح الإمام وكان(عليه السلام) له متهما حيث كان الإمام يظن أنه منافق ليس في قلبه ما يقول على لسانه: (أنا دون ما تقول) أي أقل من هذه الأوصاف والمدائح التي تذكرها، ولعلّه أثبت له بعض صفات الله الخاصة به، أو صفة خاصة بالنبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(وفوق ما في نفسك) إذ نفسك تحط من شأني .
84 - وقال(عليه السلام) : (بقية السيف) أي الباقون بعد القتال الذين بقوا وقتل أقرباؤهم وأنصارهم (أبقى عدداً) أي أحسن بقاء (وأكثر ولداً) أي ويكون أولادهم أكثر، وذلك لأن الجماعة إذا رضوا بالذل ولم يحاربوا من يطمع فيهم، لا تكون أهميته لعددهم، ولا عنوان لولدهم، أما إذا حاربوا وبقي بعضهم، كان الباقي شرفاء مرفوعي الرأس، فهم أبقى وأكفأ ، عند التعداد للكرماء .
85 - وقال(عليه السلام) : مَنْ تَرَكَ قَوْلَ (لَا أَدْرِي) أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ .
86 - وقال(عليه السلام) : رَأْيُ الشَّيخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغُلَامِ. وروي (مِنْ مَشْهَدِ الْغُلَامِ).
87 - وقال(عليه السلام): عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَمَعَهُ الاسْتِغْفَارُ .
88 - وحكى عنه أبو جعفر محمد بن علي الباقر(عليه السلام) ، أنه قال : كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا ، فَدُونَكُمُ الآخَرَ
............................
85 - وقال(عليه السلام) : ( من ترك قول لا أدري) بأن لم يقل هذه الكلمة في علي جواب الأسئلة التي توجه إليه، بل أجاب جواباً خلافاً للواقع (أصيبت مقاتله) هذا كناية عن الهلاك، أي هلك لأنه قال بما لا يعلم، ومقاتل جمع مقتل، محل القتل - كالنحر -وأصيبت، أي أصاب الهلاك موضع قتله فقتله .
86 - وقال(عليه السلام) : (رأي الشيخ) في الأمور (أحبّ إليّ من جلد الغلام) أي صبره على القتال، بل على كل شيء، فإنّ الأشياء إنّما تعالج بالآراء ثمّ بالأعمال، أما العمل بدون الرأي والتخطيط فحري بالفشل . . . وروي: (من مشهد الغلام) أي من حضوره للمحاربة والمقاتلة .
87 - وقال(عليه السلام) : (عجبت لمن يقنط) من رحمة الله (ومعه الاستغفار) أي فتح الله سبحانه لباب التوبة، لا يدع مكاناً للقنوط .
88 - وحكى عنه أبو جعفر محمد بن علي الباقر ،(عليه السلام): أنه(عليه السلام)قال : (كان في الأرض أمانان من عذاب الله) بأن كانا سبباً لعدم نزول العذاب على أهل الأرض (وقد رفع أحدهما) أي ذهب أحد الأمانين (فدونكم الآخر) أي
فَتَمَسَّكُوا بِهِ : أَمَّا الْأَمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْأَمَانُ الْبَاقِي فَالاسْتِغْفَارُ . قَالَ اللهُ تَعَالَى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(1)
قال الرضي : وهذا من محاسن الاستخراج ولطائف الاستنباط .
89 - وقال(عليه السلام) : مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ .
............................
خذوه (فتمسكوا به) ولا تتركوه (أما الأمان الذي رفع فـ) كان وجود (رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وأما الأمان الباقي) الذي لم يرفع (فالاستغفار) والتوبة من الذنب .
(قال الله تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت) يا رسول الله (فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) ولعل سر الإتيان بـ [ليعذبهم] في الأول و[ معذبهم] في الثاني، لما ذكر من انقطاع الأول، واستمرار الثاني، فإنَّ الاسم يدلّ على الاستمرار .
89 - وقال(عليه السلام): (من أصلح ما بينه وبين الله) بأن عمل بأوامره، وترك نواهيه (أصلح الله ما بينه وبين الناس) بأن جعله محبوباً مطاعاً لديهم (ومن أصلح أمر آخرته) بالإيمان والعمل الصالح (أصلح الله له أمر دنياه) بأن يكفيه مهام الدنيا (ومن كان له من نفسه واعظ) بأن كانت له حالة نفسية تأمره بالفضيلة والدين (كان عليه من الله حافظ) يحفظه عن الآفات والمكاره .
1) سورة الأنفال: 33
90 - وقال(عليه السلام) : الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلَمْ يُؤيِسهُمْ مِنْ رَوْحِ اللهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللهِ .
91 - وقال(عليه السلام) : إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُ الْأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكَمِ .
92 - وقال(عليه السلام) : أَوْضَعُ الْعِلْمِ مَا وَقَفَ عَلَى النِّسَانِ، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ.
................................
90 - وقال(عليه السلام) : (الفقيه كل الفقيه) هذا مبالغة في الفقاهة، كأنه كل الفقهاء علماً وفقهاً، إذ يعرف كل ما يعرفه الفقهاء، كما قال الشاعر: لو جئته لرأيت الناس في رجل*** والدهر في ساعة والأرض في دار .
(من لم يقنط من رحمة الله) بأن يقول أن ذنوبهم سبب عدم مغفرة الله لهم أبداً حتى ييئسوا (ولم يؤيسهم من روح الله) أي لطفه ورحمته وسمي روحاً، لأنه يوجب السعة والراحة، وكأن الرحمة في الآخرة، والروح في الدنيا (ولم يؤمنهم من مكر الله) المكر لغة بمعنى المعالجة خفية للوصول إلى الشيء، والمراد يمكر الله عقابه المفاجئ، وذلك بأن لا يقول لهم أنّ الله كريم فافعلوا ما شئتم فالفقيه الكامل هو الذي يترك الناس بين الخوف والرجاء .
91 - وقال(عليه السلام) : (إنّ هذه القلوب تملّ) وتكسل، من الملالة (كما تمل الأبدان) وتتعب من العمل (فابتغوا) أي اطلبوا (لها طرائف الحكم) أي غرائبها الموجب لانبساط القلوب، فإنَّ القلب ينشرح للأمور الغريبة الطريفة.
92 - وقال(عليه السلام) : (أوضع العلم) أي أدناه وأخسّه (ما وقف على اللّسان) بأن تكلم الإنسان به بدون أن يعمل (وأرفعه) أي أرفع العلم وأشرفه (ما ظهر في الجوارح) جمع جارحة، وهي الأعضاء (والأركان) أي أركان البدن
93 - وقال(عليه السلام) : لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ) لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ(1)، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ ، وَالرّاضِيَ بِقِسْمِهِ ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ .
...........................
كالقلب والمخ ، فإذا شغل الإنسان بالعمل الصّالح، والنّوايا الطّيبة، كان مشتملاً على أشرف العلم ، ولو تكلّم به فقط كان مشتملاً على أدناه .
93 - وقال(عليه السلام) : (لا يقولنّ أحدكم : اللهم إني أعوذ بك من الفتنة) بأن : يطلب أن لا يبتليه الله بالفتنة، فإنَّ ذلك ما لا يكون (لأنّه ليس أحد إلّا وهو مشتمل على فتنة) أي ما يوجب الامتحان كالبدن، والحياة، والمال، وما أشبه ، فإنَّ كلّها فتنة وامتحان للنّاس، يعرف بها أنّ المرء حسن أو خبيث، فإذا صرفها في الطّاعة كان صالحاً، وإن صرفها في المعصية كان طالحاً. (ولكن من استعاذ) أي من يريد الاستعاذة (فليستعذ من مضلات الفتن) أي ما يوجب ضلاله، بأن يدعو أن لا يعطيه الله مالاً يسبب طغيانه، أو أولاداً يسببون إرهاقه بالكفر ، أو ما أشبه ذلك، (فإن الله سبحانه يقول : واعلموا أنّما أموالكم وأولادكم فتنة) ويصح الاستعاذة من أصل المال والولد؟ و(ذلك أنّه) سبحانه ( يختبرهم) أي يمتحنهم (بالأموال والأولاد ليتبين) أي يظهر (الساخط لرزقه) إذا كان قليلاً، والطاغي بماله إذا كان كثيراً . (والراضي بقسمه) الذي قسمه الله سبحانه له (وإن كان) هذا الاستظهار ليس له (سبحانه) إذ هو
1) سورة الأنفال: 28
أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، ولكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذُّكُورَ وَيَكْرَهُ الْإِنَاثَ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ الْمَالِ، وَيَكْرَهُ انْثِلَامَ الْحَالِ .
قَالَ الرضي: وهذا من غريب ما سمع منه في التفسير .
94 - وسئل عن الخير ما هو ؟ فقال : لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، وَلَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ ، وَحِلْمُكَ، وَأَنْ تُبَاهِي النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ ، فإنْ أَحْسَنْتَ حَمدْتَ اللهَ،
.........................
(أعلم بهم من أنفسهم) ، (ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب) فيكونان عن استحقاق وعمل لا بمجرد علمه سبحانه .
ثم بيّن(عليه السلام) كيف يختبرهم سبحانه ليظهر نواياهم بقوله - في بيان اختلاف النوايا - (لأن بعضهم يحب الذكور ويكره الإناث) من الأولاد بالنسبة إلى قوله سبحانه [وأولادكم ]. (وبعضهم يحب تثمير المال) أي إنمائه بالربح والثمر (ويكره انثلام الحال) أي نقصه، وهذا بالناسبة إلى قوله سبحانه [إنما أموالكم] فلكي تظهر هذه الأقسام من المحبّة الكامنة في النفوس يعطي الله المال والأولاد، لكي يستحق المطيع الثواب والعاصي العقاب (قال الرضي (رحمة الله، وهذا من غريب ما سمع منه في التفسير) بهذا الأسلوب اللطيف والشكل الطريف.
94 - وسئل(عليه السلام)، عن الخير، ما هو ؟ فقال(عليه السلام): (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك) كما يزعم الناس (ولكن الخير أن يكثر علمك) بالأمور ( و حلمك) في المشاكل (وأن تباهي الناس) أي تزيد عليهم، لا بمعنى المفاخرة (بعبادة ربك) تعالى (فإن أحسنت حمدت الله) على أن وفّقك
وَإِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللهَ. وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِرَجُلَيْنِ : رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ ، وَرَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ .
95 - وقال(عليه السلام) : لا يَقِلُ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى، وَكَيْفَ يَقِلُ مَا يُتَقَبَّلُ؟
96 - وقال(عليه السلام) : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاؤُوا بِهِ، ثُمَّ تَلَا: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا (1)
..............................
للإحسان (وإن أسأت استغفرت الله) وطلبت منه العفو والغفران (ولا خير في الدنيا إلّا لرجلين) أي صنفين من الناس (رجل أذنب ذنوباً، فهو يتداركها بالتوبة) والإنابة، فالخير في توبته عن ذنوبه السالفة (ورجل يسارع في الخيرات) أي يسرع إليها .
95 - وقال(عليه السلام) : (لا يقل عمل مع التقوى) لأنه يقبل وما يقبل ليس قليلاً، لأنّ المهم رضاه سبحانه، وقد رضي بدليل القبول (وكيف يقل ما يتقبل)؟ استفهام إنكار ، قال سبحانه: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(2).
96 - وقال(عليه السلام) : (إنّ أولى الناس بالأنبياء) بأن يكون مربوطا بهم، وأقرب الناس إليهم (أعلمهم بما جاؤوا به) ولا يخفى أن المراد العالم العامل (ثم تلا(عليه السلام): إن أولَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ للذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي من اتبعه سابقاً، ورسول الإسلام والمؤمنون، وإنّما كانوا هؤلاء أولى، لأنهم علموا بما جاء به، وعملوا بما أتى من الشريعة السماوية.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَليَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللهَ وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ، وَإِنَّ عَدُوٌّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللهَ وَإنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ .
97 - وسمع(عليه السلام) رجلاً من الحرورية يتهجّد ويقرأ، فقال: نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ فِي شَكٍّ .
98 - وقال(عليه السلام) : اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لاَ عَقْلَ رِوَايَةٍ ، فإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْم كَثِيرٌ ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ .
.........................
(ثم قال(عليه السلام) : إنّ ولي محمّد)(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أي محبه وتابعه (من أطاع الله وإن بعدت لحمته) أي نسبه، فلحمه ليس من لحم الرسول وعشيرة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(وإن عدو محمّد(صلّی الله علیه وآله وسلّم)من عصى الله وإن قربت قرابته) بأن كان من أقرب الناس نسبا إلى الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، كأبي لهب، فإنَّ ميزان رجال الدين ورجال الفكر ، الموالاة والمعاداة الدينية والفكرية، لا العنصرية والإقليمية وما أشبه .
97 - وقال(عليه السلام) وقد سمع رجلاً من الحرورية وهم الخوارج، يتهجّد أي يصلي بالليل ويقرأ القرآن : ( نوم على يقين) بأن يكون الإنسان متيقناً بالأصول التي منها الإمامة (خير من صلاة في شك) في شيء من العقيدة الواجبة إذ النوم يثاب عليه باعتبار كونه راحة للبدن التي أمر الله بها والصلاة في شك لا ثواب فيها، بل فيها عقاب، كما يظهر من الأحاديث.
98 - وقال(عليه السلام): (اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية) بأن تفهموه للعمل به ومراعاته (لا عقل رواية) بأن تريدوا نقله فقط (فإن رواة العلم) الذين يروونه وينقلونه (كثير) من الناس (ورعاته قليل) إذ قل من يعمل، ويأخذ الخبر للعمل .
99 - وسمع رجلاً يقول : (إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) فقال(عليه السلام) : إِنَّ له قَوْلَنَا : (إِنَّا لِلَّهِ) إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ ، وَقولَنَا :(وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهَلْكِ.
100 ومدحه قوم في وجهه ، فقال (عليه السلام): اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لَنَا مَا لا يَعْلَمُونَ .
101 - وقال(عليه السلام) : لَا يَسْتَقِيمُ قَضَاءُ الْحَوَائِجِ
..............................
99 - وسمع(عليه السلام) ، رجلاً يقول : (إنّا لله وإنّا إليه راجعون) فقال(عليه السلام) : (إنّ قولنا - إنّا لله - إقرار على أنفسنا بالملك) إذ [اللام للملك]، نحو المال لزيد.
(وقولنا - وإنّا إليه راجعون - إقرار على أنفسنا بالهلك) أي الهلاك، لأنّ الرجوع إلى حسابه سبحانه وجزائه لا يكون إلا بعد الموت والهلاك.
100 - وقال(عليه السلام) - قد مدحه قوم في وجهه - : (اللّهمّ إنّك أعلم بي من نفسي) فإنَّ الله سبحانه يعلم من دقائق صفات الإنسان وأعماله، ما لا يعلمه الإنسان بنفسه (وأنا أعلم بنفسي منهم) أي من هؤلاء المادحين، لأنّ كل إنسان يعرف نفسه خيراً من معرفة غيره له (اللّهمّ اجعلنا خيراً ممّا يظنّون) أي يظنّ هؤلاء المادحون (واغفر لنا ما يعلمون) من الأخطاء وقد ذكرنا سابقاً أن طلب الأئمة للغفران، باعتبار بعض المباحات التي لا يرونها لاثقاً بمقامهم مع الله سبحانه .
101 - وقال(عليه السلام) : (لا يستقيم قضاء الحوائج) بأن يكون القضاء قضاءاً
إلَّا بِثَلاثٍ : بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُمَ ، وَبِاسْتِكْتَامِهَا لِتَظْهَرَ، وَبِتَعْجِيلِهَا لِتَهْنُؤَ .
102 - وقال(عليه السلام) : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرَّبُ فِيهِ إِلَّا الْمَاحِلُ، وَلاَ يُظَرَّفُ فِيهِ إِلَّا الْفَاجِرُ، وَلا يُضَعَّفُ فِيهِ إِلَّا الْمُنْصِفُ، يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً، وصِلَةَ الرَّحِمِ مَنّاً، وَالْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ ! فَعِنْدَ ذلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بمَشُورَةِ النِّسَاءِ ،
......................................
حسناً (إلا بثلاث) خصال يفعلها القاضي (باستصغارها) أي بأن يعد القاضي قضاءه صغيرا (لتعظم) الحاجة في عين المقضي له (وباستكتامها) فإذا قضاها ، قضاها فى كتمان لا أن يظهر أنه قضى الحاجة الفلانية (لتظهر) فإنَّ الفاعل إذا أخفى فعله صار عند الناس رد فعل وإكبار له، حتى أنهم يظهرون فعله ويمدحونه عليه (وبتعجيلها) في القضاء (التهنؤ) أي تكون هنيئاً للمقضى له، فإنَّ الإبطاء يذهب بهناء القضاء.
102 - وقال(عليه السلام) : (يأتي على الناس زمان لا يقرب فيه إلّا الماحل) أي الساعي بالناس عند السلطة بالوشاية فالناس يقربونه خوفاً والسلطان يقربه طمعاً، وأصل المحل الكيد والمكر (ولا يظرف فيه) أي لا يعد ظريفاً (إلا الفاجر) الذي يفجر ويعصي (ولا يضعف فيه) أي لا يعد ضعيفاً (إلّا المنصف) الذي يعدل في القول والعمل، وذلك في كل زمان يغلب الفساد حتى تكون الرذائل مكان الفضائل (يعدون الصدقة فيه) أي في ذلك الزمان (غرماً) أي غرامة ذاهبة من أيديهم بلا عوض ولا أجر (وصلة الرحم منا) أي تفضلاً على من وصلوه، لا واجباً مفروضاً .(والعبادة استطالة على الناس) أي تفوقاً عليهم، فالعابد يجعل نفسه فوق الآخرين تفضلاً عليهم، بينما أن من كثرت عبادته، كثر تواضعه حتى يظن أن كل الناس أفضل منه (فعند ذلك) الزمان (يكون السلطان) أي : إدارة أمور السلطة (بمشورة النساء) كما نرى في
وَإِمَارَةِ الصَّبْيَانِ، وَتَدْبِيرِ الْخِصْيَانِ !
103 - ورئي عليه إزار خَلَقٌ مرقوع فقيل له في ذلك ، فقال :
يَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ، وَتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ ، وَيَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ . إِنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ، وَسَبِيلَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلَّاهَا أَبْغَضَ الْآخِرَةَ وَعَادَاهَا ، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَاشٍ بَيْنَهُمَا ، كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعْدَ مِنَ الْآخَرِ ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ!
.........................
هذا الزمان (وإمارة الصبيان) لأن المقاييس تضاع فيكون كل شيء في المكان الذي لا يليق به (وتدبير الخصيان) أي العبيد، إذ ينشغل أرباب السلطة باللهو واللعب ويقع الأمر بأيدي عبيدهم وخدمهم كما رأيناه في زماننا .
103 - ورثي عليه -(عليه السلام)- إزار خلق مرقوع أي بال، قد رقع خرقة فقيل له في ذلك؟ أي قيل للإمام لماذا لا تبدل إزارك بإزار جديد؟ فقال(عليه السلام): ( يخشع له القلب) فإنَّ القلب يخضع إذا لبس الإنسان ثوباً بالياً (وتذل به النفس) عن الطموح والاستعلاء (ويقتدي به المؤمنون) فلا يتعلقون بالدنيا وزخارفها (إن الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان) يتفاوت أحدهما عن الآخر(وسبيلان) أي طريقان (مختلفان) فالسالك في أحد السبيلين لا يتمكن من السلوك في السبيل الآخر. (فمن أحب الدنيا وتولاها) أي اتبعها (أبغض الآخرة وعاداها) لأن أمر الآخرة يضاد محبوبه (وهما بمنزلة المشرق والمغرب) في البعد والاختلاف بين جهتيهما (و) الإنسان بمنزله (ماش بينهما) أي بين المشرق والمغرب (كلما قرب من واحد بعد من الآخر) كما هو الشأن في الجهتين المتقابلتين (وهما) أي الدنيا والآخرة (بعد) أي إلى هذا الحال، أو بعد ذلك (ضرتان) أي كزوجتين لرجل واحد، اللتين كل واحدة
104 - وعن نوف البكالي، قال: رأيت أمير المؤمنين(عليه السلام) ذات ليلة، وقد خرج من فراشه، فنظر في النجوم فقال لي: يانوف، أراقد أنت أم رامق؟ فقلت بل رامق قال :
يَا نَوْفُ، طُوبَى للزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ، أُولئِكَ قَوْمَ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطًاً، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طِيباً، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً، وَالدُّعَاءَ دِثَاراً ، ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحَ .
...........................
منهما تعادي الأخرى، ولا يخفى أن هذا إنما هو بالنسبة إلى الدنيا المحرمة ،أما الدنيا المحللة فقد قال سبحانه في موضوعها: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً(1)وقال الإمام(عليه السلام) فيما ينسب إليه: وما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا .
104- وعن نوف البكالي، قال: رأيت أمير المؤمنين(عليه السلام) ذات ليلة ، وقد خرج من فراشه، فنظر في النجوم فقال لي، يا نوف: (أراقد أنت أم رامق ؟ ) أي نائم أنت أم يقظ ، يقال رمقه إذا لحظه ، فقلت: بل رامق، قال: (يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا) التاركين لها (الراغبين في الآخرة) العاملين لأجلها (أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا) في مقابل الجلوس على الكراسي (وترابها فراشاً )أي عوض الفراش (وماءها طيباً) أي بدل الطيب .
( والقرآن شعاراً) أي جعلوه علامتهم اللاصقة بهم في قراءتهم له والعمل به ومعرفة الناس إياهم بأنهم أهل القرآن (والدعاء دثاراً) أي أنهم الأمر الظاهر منهم، كالدثار الذي يلبسه الإنسان فوق ثيابه للدفء (ثم قرضوا الدنيا قرضا) أي مزقوها كما يمزق الثوب بالمقراض (على منهاج المسيح) أي طريقته(عليه السلام)
1) سورة البقرة : 201
يَا نَوْفُ ، إِنَّ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَامَ فِي مِثْلِ هذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ : إِنَّهَا سَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً أَوْ عَريفاً أَوْ شُرْطِيّاً، أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ (وهي الطُّنْبور) أَوْ صَاحِبَ كَوْبَةٍ وهي الطبل. وقد قيل أيضاً : إن العرطبة الطبل والكوبة الطنبور .
105 - وقال(عليه السلام) : إِنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْفَرَائِضَ ، فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ لَكُمْ حُدُوداً، فَلَا تَعْتَدُوهَا ، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَا تَنْتَهِكُوهَا ، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً، فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا .
...............................
في الزهد. (يا نوف : إن داوود(عليه السلام) قام في مثل هذه الساعة من الليل، فقال إنها ساعة لا يدعو فيها عبد إلّا استجيب له) أي استجاب الله دعاءه (إلا أن يكون عشاراً) وهو من يتولى أخذ أعشار المال، للدولة، ظلماً (أو عريفاً ) وهو الذي يتجسس عن أخبار الناس لتعريفها للسلطة (أو شرطياً) وهم أعوان الحاكم الباطل (أو صاحب عرطبة) (وهي الطنبور) (أو صاحب كوبة) (وهي الطبل، وقد قيل أيضاً : إن العرطبة الطبل، والكوبة الطنبور) .
105 - وقال(عليه السلام) : (إن الله افترض عليكم الفرائض) أي أوجب عليكم الواجبات (فلا تضيعوها) بتركها والتهاون فيها (وحد لكم حدوداً) أي بين لكم حد كل شيء الموجب للعامل في نطاقه، السعادة، كحد النكاح والطلاق، والإرث والقضاء وهكذا (فلا تعتدوها) بتجاوز تلك الحدود - زيادة أو نقصاً - ( ونهاكم عن أشياء) كالخمر والميسر وما أشبه (فلا تنتهكوها) أي لا تخرقوا نهيه بإتيانها (وسكت لكم) أي لنفعكم (عن أشياء) كخصوصيات الآخرة، وسوابق الكون، وما أشبه ( ولم يدعها نسياناً) لأنه سبحانه منزه عن النسيان (فلا تتكلفوها) أي لا تكلفوا أنفسكم التعمق فيها ، فإنَّها لا تنفع دينكم ولا دنياكم.
106 - وقال(عليه السلام) : لا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاِسْتِصْلَاحِ دُنْيَاهُمْ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ .
107 - وقال(عليه السلام) : رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ، وَعِلْمُهُ مَعَهُ لا يَنْفَعُهُ.
108 - وقال(عليه السلام) : لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هذَا الإِنْسَانِ بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ : وَذلِكَ الْقَلْبُ. وَلَهُ مَوَادَّ مِنَ الْحِكْمَةِ وَأَضْدَادَ مِنْ خِلَافِهَا ،
.............................
106 - وقال(عليه السلام) : (لا يترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم) كأن يترك الصلاة لأجل الكسب (إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه) أي ما هو أكثر ضرراً من الشيء الذي تركوا الدين لأجله، وقد شاهدنا ذلك بأم العين، في هذا الزمان.
107 - وقال(عليه السلام) : (رب عالم قد قتله جهله) لأنه تعلم العلم لفظاً، بدون أن يؤثر العلم في قلبه حتى يتحرك للعمل، فجهله الواقعي سبب قتله وهلاكه الأخروي (وعلمه معه لا ينفعه) كما لو علم الإنسان بوجود أسد ورائه لكنه لم يفر فإنَّه يقع فريسة له، لجهله، وإن كان معه علمه.
108 - وقال(عليه السلام) : (لقد علق بنياط هذا الإنسان) التياط عرق معلق به غدٍ القلب (بضعة) أي قطعة من اللحم (هي) أي تلك البضعة (أعجب ما فيه) أي أعجب ما في الإنسان (وذلك) هو (القلب) وتذكير [ذلك] باعتبار خبره (وله مواد من الحكمة) التي يعرفها الإنسان، وكونها [مواد] باعتبار أنها تمد الإنسان بالعمل (وأضداد من خلافها) أي خلاف الحكمة كالتي يعمل بها السفاكون وأصحاب الرذائل نحو : الحياء جبن والسخاء سرف والشجاعة جنون، ويحتمل أن يراد من الأضداد أن كل حكمة تنبت عندها رذيلة، توجب صرفها عن كونها فضيلة، كالشجاعة تنتهي إلى التهور، والرجاء ينتهي إلى الطمع وهكذا قوله .
فإِن سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءَ أَذَلَّهُ الطَّمَعُ ، وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْضُ، وَإِنْ مَلَكَهُ الْیَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ، وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ ، وَإِنْ أَسْعَدَهُ الرِّضَى نَسِيَ التَّحَفُّظَ ، وَإِنْ نَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحَذَرُ ، وَإِنِ اتَّسَعَ لَهُ الْأَمَنُ اسْتَلَبَتْهُ الْغِرَّةُ، وَإِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ الْغِنَى ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْجَزَعُ ،
...................................
وهذا المعنى أليق بترتب قوله [فإن سنح] بالفاء .
(فإن سنح) أي ظهر (له الرجاء) لشيء (أذله الطمع) إذ الطمع موجب للذلة، والتذلل لمن يطمع فيه الإنسان (وإن هاج به الطمع) بأن كثر وزاد (أهلكه الحرص)أوجب هلاكه الأخروي، وقد يوجب الحرص هلاك الدنيا أيضاً. (وإن ملكه اليأس) بأن يئس من شيء (قتله الأسف) أي التأسف، والمراد بـ[قتله] أن يكثر من التأسف حتى ينهك، وأحياناً يحرض ويهلك (وإن عرض له الغضب) بأن غضب على أحد أو على شيء (اشتد به الغيظ) أي زاد وقوي في نفسه، مقابل أن يبرد غضبه ويكظم غيظه (وإن أسعده الرضا) بأن رضي حتى صار سعيداً نفساً (نسي التحفظ) أي لم يتحفظ من الزيادة في الرضا حتى يخرج عن الاعتدال، بل قد يجره رضاه إلى الحرام، كأن يرضى عن أحد فيبذل له ما لا يستحق وهكذا. (وإن ناله الخوف)أي خاف من شيء (شغله الحذر ) أي أخذ في الحذر من ذلك المخوف حتى لا يبقى له فراغ لسائر أعماله وواجباته (وإن اتسع له الأمن) بأن كان في منتهى الأمن (استلبته الغرة) أي سلبه الغرور والغفلة. عن إصلاح شأنه، وتدارك ما ربما يأتي في المستقبل من أنواع الخوف. (وإن أفاد) أي حصل (مالاً أطغاه الغنى) والطغيان عبارة عن الخروج عن حد الاعتدال في المال بالإسراف ونحوه . (وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع)
وَإِنْ عَضَّتْهُ الْفَاقَةُ شَغَلَهُ الْبَلَاءُ ، وَإِنْ جَهَدَهُ الْجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ، وَإِنْ أَفْرَطَ بِهِ الشَّبَعُ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ. فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٍّ ، وَكُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ.
109 - وقال(عليه السلام) : نَحْنُ النُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى، بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي .
110 - وقال(عليه السلام) : لا يُقِيمُ أَمْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ ،
..........................
فلا يصبر، ومعنى الفضيحة ظهور ما لا يحمل منه (وإن عضته الفاقة) أي الفقر، والعض هو الأخذ بالأسنان شديداً وهذا كناية عن إيلام الفقر له (شغله البلاء) عن سائر أعماله وواجباته. (وإن جهده الجوع) أي أتعبه(قعد به الضعف) فلا يقدر على العمل، من كثرة الضعف (وإن أفرط به الشبع) بأن أكل كثيراً (كظته البطنة) أي كربته وآلمته البطنة، وهي امتلاء البطن (فكل تقصیر به مضر) أو المراد بالتقصير النقيصة عن الاعتدال (وكل إفراط له) وزيادة عن الاعتدال (مفسد) وإنما الفضيلة أن يقف في الوسط ، قال سبحانه : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا(1)
109 - وقال(عليه السلام) : (نحن النمرقة الوسطى) النمرقة: الوسادة، وإنما شبه(عليه السلام) آل البيت بالنمرقة، للاستناد إليهم في أمور الدين، كما يستند إلى الوسادة للراحة (بها يلحق التالي) الذي قصر ولم يسر سيراً معتدلاً (وإليها يرجع الغالي) الذي غالي وذهب بعيداً، فمن قال فيهم بالألوهية، يرجع إليهم في الحق، ومن قال بأنهم دون الأمة والخلافة، يلزم أن يرجع إليهم إذا أراد الحق .
110 - وقال(عليه السلام) : (لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع) أي لا
1) سورة البقرة : 143 .
وَلا يُضَارِعُ، وَلاَ يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ .
111 - وقال(عليه السلام) ، وقد توفي سهل بن حُنَيْفٍ الأنصاري بالكوفة بعد مرجعه معه من صفين، وكان أحب الناس إليه : لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ .
قال الشريف الرضي : معنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه، فتسرع المصائب إليه، ولا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار والمصطفين الأخيار، وهذا مثل قوله (عليه السلام):
112 - مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَسْتَعِدُ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً .
وقال الشريف : وقد يؤول ذلك على معنى آخر، ليس هذا موضع ذكره، ولعل مراده: أن من أحبهم فليخلص لله حبهم، فليست الدنيا تطلب عندهم، كما ذكره البعض .
113 - وقال(عليه السلام) : لا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ،
....................................
يجامل في الحق بأن يترك بعض الحق مجاملة (ولا يضارع) أي لا يشابه المبطلين في أعماله، ولا يشبه بهم (ولا يتبع المطامع) أي الأطماع المادية ، فإنَّ الإنسان إذا كان أحد الثلاثة لم يتمكن من إقامة أمر الله .
111 - وقال(عليه السلام) - وقد توفي سهل بن حنيف الأنصاري بالكوفة، بعد مرجعه أي رجوعه معه(عليه السلام) ، من صفين، وكان أحب الناس إليه -(لو أحبني جبل لتهافت) أي تساقطت أجزاءه قطعة قطعة، لأن البلاء موكل بالولاء.
112 - (من أحبنا أهل البيت، فليستعد للفقر جلباباً) والظاهر أن المراد في تلك الأزمنة، حيث كثرة الأعداء، فإذا أحب أحد أهل البيت، ضيقوا عليه أشد التضييق مما يؤول أمره إلى الفقر، كما ذكر في التاريخ .
113 - وقال(عليه السلام) : (لا مال أعود) أي أنفع (من العقل) إذ المال يفنى،
وَلاَ وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْب، وَلا عَقْلَ كَالتّذبِيرِ، وَلاَ كَرَمَ كَالتَّقْوَى، وَلا قَرِينَ كَحُسْنِ الْخُلْقِ، وَلَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ، وَلَا قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ، وَلاَ تِجَارَةَ كَالْعَمَل الصَّالِحِ، وَلا رِبْحَ كَالثَّوَابِ، وَلاَ وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشَّبْهَةِ، وَلَا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ، وَلَا عِلْمَ كَالتَفَكُّرِ، وَلاَ عِبَادَةَ كَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ،
.........................
والعقل باق يدر بالخيرات على الإنسان (ولا وحدة أوحش من العجب) لأن المعجب بنفسه يمقته الناس، فيكون في وحشة دائمة (ولا عقل كالتدبير) فإنَّ تدبير الأمور على وجه الصلاح أحسن نتائج العقل. (ولا كرم) أي شرافة (كالتقوى) فإنَّها أشرف الصفات (ولا قرين) وصاحب للإنسان (كحسن الخلق) إذ هذه الصفة توجب كثرة الأصدقاء وراحة الإنسان (ولا ميراث كالأدب) إذ الأدب يوجب رفعة الإنسان مادياً ومعنوياً بخلاف الميراث الذي هو مال فقط، والمعنى أن اللازم أن يؤدب الإنسان أولاده، فإنَّه أنفع لهم من أن يخلف لهم المال بدون تأديبهم (ولا قائد) للإنسان إلى الخيرات (كالتوفيق) فمن وفقه الله سبحانه، قاده التوفيق إلى أنواع السعادة (ولا تجارة كالعمل الصالح) لأنه يورث خير الدارين، بخلاف سائر التجارات المالية فلیست هكذا. (ولا ربح كالثواب) فإنَّ الأرباح المالية منقطعة، أما الثواب فهو باق أبدي .
(ولا ورع كالوقوف عند الشبهة) فإنَّه أفضل أنواع الورع، وما دونه الورع عن المحرمات (ولا زهد كالزهد في الحرام) بأن يتركه الإنسان، أما من يزهد في اللذائذ المباحة، ويأتي ببعض المحرمات، فليس زهداً حقيقة (ولا علم كالتفكر) فإنَّ التفكر يوصل الإنسان إلى حقائق المعارف بخلاف العلم العادي الذي يتحصله الإنسان سطحياً. (ولا عبادة كأداء الفرائض) فمن يعبد الله بإتيان
وَلَا إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ وَالصَّبْرِ، وَلَا حَسَبَ كَالتَّوَاضْعِ ، وَلَا شَرَفَ كَالْعِلْمِ، وَلاَ عِزَّ كَالْحِلْمِ ، وَلَا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ .
114 - وقال(عليه السلام) : إِذَا اسْتَوْلَى الصَّلَاحُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ خَزْيَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ! وَإِذَا اسْتَوْلَى الْفَسَادُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ!
.................................
المستحبات بدون أن يأتي بجميع الفرائض ليس عابداً حقيقة (ولا إيمان كالحياء) عن الله بترك نواهيه (والصبر) على الطاعة، وعن المعصية، وعن الجزع في المصيبة (ولا حسب كالتواضع) فإنَّه أفضل أنواع الأخلاق الفاضلة، الموجبة لرفعة الإنسان، والحسب ما يكتسبه الإنسان من الفضائل مقابل النسب. (ولا شرف كالعلم) فليس شرف المال والجاه وما أشبه كشرف العلم (ولا عز كالحلم) فإنَّ الحليم يحصل من العز في النشأتين ما لا يحصله غيره، وإن سائر أنواع العز عرضي وهذا داخل في ذات الإنسان (ولا مظاهرة أوثق من المشاورة) فإنَّ الإنسان إذا استشار جعل الناس لنفسه ظهراً حيث أنهم يحترمونه - لأنه احترمهم - بالإضافة إلى أنه يعرف وجه الصواب فكل أهل الصواب ظهر له .
114 - وقال(عليه السلام) : (إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله) صلاح الزمان بسعة الخير في مرافق الحياة، وصلاح أهله بكونهم معتدلين في الأقوال والأفعال.
( ثم أساء رجل الظن برجل لم تظهر منه خزية) أي فضيحة (فقد ظلم) من أساء الظن ، لأن ظنه في غير موقعه (وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله) بأن صار أكثرهم من أهل الفساد (فأحسن رجل الظن برجل) اعتباطاً وبدون دليل، فأسند إليه أمر لا يسند إلّا إلى الصالح (فقد غرر) أي أوقع نفسه في الغرر والخطر .
115 - وقيل(عليه السلام): كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ فقال(عليه السلام): كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنَ يَفْنَى بِبَقَائِهِ ، وَيَسْقَمُ بِصِحَّتِهِ وَيُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ!
116 - وقال(عليه السلام) : كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ! وَمَا ابْتَلَى اللهُ أَحَداً بِمِثْلِ الْإِمْلَاءِ لَهُ .
.........................
115 - وقيل له(عليه السلام) : كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ أي كيف تجد نفسك فقال(عليه السلام) : (كيف، يكون حال من يفنى ببقائه) فإنَّ كل ساعة من البقاء، موجب لنقص ساعة من العمر، وهكذا يفنى العمر تدريجاً (ويسقم بصحته) إذ الصحة سبب لعدم مبالاة الإنسان ببدنه، وذلك سبب للمرض (ويؤتى من مأمنه) في أسباب الموت كامنة في نفس الإنسان ونفس الإنسان محل آمن، إذ لا يكمن هناك عدو خارجي.
116 - وقال(عليه السلام) : (كم من مستدرج بالإحسان إليه) يقال استدرجه الله، أي تابع نعمه عليه، وهو مقيم على عصيانه ليأخذه درجة درجة، حتى يهلكه، كما قال سبحانه: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ*وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(1).
(و) كم من (مغرور) قد ظن أنه لا يعاقب (ب) سبب (الستر عليه) إذ ستره الله ولم يفضحه، بما فعله من الآثام (و) كم من (مفتون) أي مخدوع (بحسن القول) من الناس (فيه) فيظن أنه كما يقول الناس (وما ابتلى الله أحداً يمثل الإملاء له) أي الإمهال إذ لو أدبه بما يأتي من الآثام، لانتهى، لكن لو تركه وما يفعل، أوجب ذلك تزايد الآثام والعقاب عليه .
1) سورة الأعراف: 182 - 183.
117 - وقال(عليه السلام) : هَلَكَ فِي رَجُلَانِ : مُحِبُّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ
118 - وقال(عليه السلام): إضَاعَةُ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ .
119 - وقال(عليه السلام) : مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنُ مَسُّهَا ، وَالسُّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا ، يَهْوِي إِلَيْهَا الْغِرُّ الْجَاهِلُ وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ !
120 - وسئل(عليه السلام) عن قريش فقال : أَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ فَرَيْحَانَةُ قُرَيْشٍ، نُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ ، وَالنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ. وَأَمَّا بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ
............................
117 - وقال(عليه السلام) : (هلك في رجلان) أي صنفان من الناس (محب غال) قد غالى، وبالغ في، كالذين قالوا بألوهية الإمام(عليه السلام)( ومبغض قال) أي قالي، بمعنى: شديد البغض، كالخوارج، والنواصب ومن إليهم .
118 - وقال(عليه السلام) : (إضاعة الفرصة غصة) أي توجب الحزن، فإنَّه إذا تمكن الإنسان من شيء فلم يفعله أوجب ذلك أن يحزن بعده، حيث لا يتمكن من ذلك - فإنَّ الفرص لا تبقى -.
119 - وقال(عليه السلام) : (مثل الدنيا كمثل الحية، لين مسها )إذ جسم الحية لين غير خشن ( والسم الناقع) أي القاتل (في جوفها) أي باطنها فالدنيا ظاهرها لذائد وشهوات وباطنها معاصى وآثام وحرمان عن ثواب الله سبحانه .
(يهوي إليها الغر ) أي الغافل (الجاهل) بحقيقتها حيث لا يعلم ما في باطنها (ويحذرها ذو اللب) أي الباطن (العاقل) الذي يدرك حقائق الأشياء وعواقبها .
علي 120 - وسئل(عليه السلام) : عن قريش ؟ فقال : (أما بنو مخزوم) وهم طائفة من قريش (فريحانة قريش) أي كأنهم الرياحين في صباحة المنظر وحسن الرائحة (تحب حدیث رجالهم) الحلاوته (والنكاح في نسائهم) لكمالهن (وأما بنو عبد شمس)
فَأَبْعَدُهَا رَأْياً ، وَأَمْنَعُهَا لِمَا وَرَاءَ ظُهُورِهَا . وَأَمَّا نَحْنُ فَأَبْذَلُ لِمَا فِي أَيْدِينَا ، وَأَسْمَحُ عِنْدَ الْمَوْتِ بِنُفُوسِنَا، وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَمْكَرُ وَأَنْكَرُ ، وَنَحْنُ أَفْصَحُ وَأَنْصَحُ وَأَصْبَحُ .
121 - وقال(عليه السلام) : شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ : عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤُونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ .
122 - وتبع جنازة فسمع رجلاً يضحك ، فقال : كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الْحَقُّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ، وَكَأَنَّ الَّذِي
........................
ومنهم بنو أمية (فأبعدها رأياً) أي ينظرون إلى العواقب، ولعل الأقرب أن المراد أنهم أبعد رأياً عن الصواب (وأمنعها لما وراء ظهورها) أي يحمون الجار، ولعل الأقرب أن المراد أنهم لا ينظرون إلى ما ورائهم، وإنما ينظرون إلى العاجلة. (وأما نحن) بني هاشم (فأبذل لما في أيدينا) أي أسخى وأجود (وأسمح عند الموت بنفوسنا) فلا نبالي بالموت ولذا يكون الشجعان منا (وهم) أي بنو عبد شمس (أكثر) عدداً (وأمكر) أي أكثر مكراً وحيلة (وأنكر) أي أكثر نكراناً للجميل (ونحن أفصح) لساناً (وأنصح) أي أكثر نصيحة للناس (وأصبح) أي أجمل وجهاً .
121 - وقال(عليه السلام) : (شتان ما بين عملين) أي أن بينهما فرقاً كثيراً (عمل) في الشهوات المحرمة حيث (تذهب لذته وتبقى) على الإنسان (تبعته) وآثامه (وعمل) الله سبحانه حيث (تذهب مؤونته) أي صعوبته (ويبقى أجره) وثوابه .
122 - وتبع جنازة ، فسمع رجلاً يضحك، فقال: (كأن الموت فيها) أي في الدنيا (على غيرنا كتب) ولا نموت نحن، ولذا نشتغل بالضحك (وكأن الحق فيها) أي في الدنيا (على غيرنا وجب) ولذا لا نبالي بالحق (وكأن الذي
نَرَى مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ! نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ ، وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ، كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ! ثُمَّ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظٍ وَوَاعِظَةٍ، وَرُمِينَا بِكُلِّ جَائِحَةٍ !
123 - وقال(عليه السلام) : طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ ، وَطَابَ كَسْبُهُ ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ ، وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ عَنْ مَالِهِ ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يُنَسَبْ إِلَى الْبِدْعَةِ .
......................
نرى من الأموات سفر) أي مسافرون - لا إنهم أموات، حتى نعتبر بهم، ونهيئ أنفسنا لهذه المنزلة المخوفة (عما قليل إلينا راجعون) ولذا لا نبالي بالموت ولا نتهيأ له (نبوئهم) أي ندخلهم (أجداثهم) أي في قبورهم جمع جدث، بمعنى القبر. (ونأكل تراثهم) أي ميراثهم، بلا مبالاة ولا تفكير فيما صاروا، وفي أننا عن قريب مثلهم نكون (كأنا مخلدون) أي باقون إلى الأبد - في الدنيا - (بعدهم، ثم قد نسينا كل واعظ وواعظة) أي كل ما يوعظنا من أحداث الدهر - والإتيان بالتذكير والتأنيث، للتعميم - أي كل أمر موجب للعظة، وكل حادثة توجب الوعظ (ورمينا بكل جائحة) أي آفة، من مرضٍ وفقر وشدة، ومع ذلك لا نبالي .
123 - وقال(عليه السلام) : ( طوبى لمن ذل في نفسه) بأن لم ير نفسه شيئاً (وطاب كسبه) فلم يكتسب المكاسب المحرمة (وصلحت سريرته) أي باطنه، فلم ينطو على الرذائل(وحسنت خليقته) أي طبيعته فلم تكن طبيعة ملوثة(وأنفق الفضل عن ماله) أي الزائد عن مقدار حاجته(وأمسك الفضل من لسانه) بأن لم يتكلم في ما لا يعنيه. (وعزل عن الناس شره) فلم يأت إليهم بالشر (ووسعته) أي كفته (السنة) أي شريعة الإسلام وطريقته، فاكتفى بالعمل بها عن العمل بالبدع (ولم ينسب إلى البدعة) أي لم يأت بها حتى ينسب إليها .
قال الرضي: أقول: ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله ، وكذلك الذي قبله .
124 - وقال(عليه السلام) : غَيْرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرٌ، وَغَيْرَةُ الرَّجُلِ إِيمَانٌ .
125 - وقال(عليه السلام) : لَأَنْسُبَنَّ الْإِسْلَامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي . الْإِسْلَامُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْإقْرَارُ ، وَالْإقْرَارُ هُوَ الْأَدَاءُ ، وَالْأَدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ.
.......................
124 - وقال(عليه السلام) : (غيرة المرأة كفر) وهي بأن تمانع الرجل عن الزواج لي بالمتعددة، وهو كفر عملي، كما أن ترك الحج كفر عملي، إذ الكفر - عقيدي، وعملي، كما تقدم - فكل إنكار للأصول كفر عقيدي، وكل منع عن الفروع، وإتيان بالمعاصي كفر عملي (وغيرة الرجل) بأن لا يزني، ويمنع زوجته عن تعاطي المنكرات (إيمان) قد أمر به الإسلام.
125 - وقال(عليه السلام) : (لأنسبن الإسلام نسبة) أي أبين له الأصل والحقيقة (لم ينسبها أحد قبلي) بمثل هذه النسبة (الإسلام هو التسليم) لله سبحانه فيما أمر ونهى (والتسليم هو اليقين) فالتسليم بلا يقين قلبي لا يكفي (واليقين هو التصديق) فإنَّ الإنسان قد يتيقن بالشيء لكن بلا تصديق بحقيقته بل من باب الجهل المركب، وهذا ليس بإسلام (والتصديق هو الإقرار) أي إقرار القلب بحقيقة الإسلام، كما يقر اللسان بالشيء . (والإقرار هو الأداء) إذ قد يكون إقرار بلا إعطاء، وهذا إقرار صوري، وكما أن اللسان قد يقرأ بالشيء لزيد، لكن لا يعطيه المقولة، كذلك القلب قد يقر بشيء، ولكن لا يستعد للعمل على طبق ما أقر واعترف (والأداء هو العمل) أي عمل القلب وتحريكه الجوارح نحو الإطاعة، وإن شئت قلت، إن الإسلام أداء عن إقرار، وإقرار عن تصديق، وتصديق عن يقين، ويقين عن تسليم ... وبعض الشراح فسر
126 - وقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الْفَقْرَ الذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَيَفُوتُهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، وَيُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ، وَعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ . الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةٌ ، وَيَكُونُ غَداً جِيفَةٌ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ شَكٍّ فِي اللهِ، وَهُوَ يَرَى خَلْقَ اللهِ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ، وَهُوَ يَرَى الْمَوْتَى، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى، وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الأُولَى،
....................................
كلامه(عليه السلام) بشكل آخر، والله أعلم .
126 - وقال(عليه السلام) : (عجبت للبخيل يستعجل الفقر) فإنَّه لا ينفق خوف أن يفقر، وتقتيره وعدم إنفاقه فقر حاضر إذ هو مثل الفقير في عدم إنفاقه وتقتيره (الذي منه هرب) فإنَّ البخيل لاينفق هرباً من الفقر، لئلا يفتقر وقد وقع فيه، (ويفوته الغنى الذي إياه طلب) إذ لا فائدة في الغنى إلّا الإنفاق فإذا لم ينفق فاته الغنى، فإنَّه إذا ذهب اللازم ذهب الملزوم (فيعيش في الدنيا عيش الفقراء) أي مثل عيشهم (ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء) لأنه كان له مال، والمال يحاسب عليه (وعجبت للمتكبر) كيف يتكبر، ولا يذكر ماضيه ومستقبله وحاله ؟ وهو الذي(كان بالأمس) قبل أن يكون إنساناً (نطفة) من المنى القذر(ويكون غداً) بعد الموت (جيفة) منتنة.
وهو على كبره ونخوته*** في بين جنبيه يحمل العذرة
(و عجبت لمن شك في الله) ولم يتيقن وجوده سبحانه؟ كيف يشك(وهو يرى خلق الله) أفلا يستدل بالأثر على المؤثر؟ فإنَّه شيء فطري للبشر، بل لمطلق ذي الروح ( وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى الموتى) جمع میت، أفلا يعتبر بما يرى، ليذكر أنه غداً مثلهم ؟ ( وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى) أي الآخرة (وهو يرى النشأة الأولى) أي الدنيا، فإنَّه كيف ينكر
وَعَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ الْفَنَاءِ وَتَارِكٍ دَارَ الْبَقَاءِ .
127 - وقال(عليه السلام) : مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ ابْتُلِيَ بِالْهَمِّ، وَلاَ حَاجَةَ ِللهِ فِيمَنْ لَيْسَ لِلَّهِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ نَصِيبٌ .
128 - وقال(عليه السلام) : تَوَقَّوُا الْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي الْأَشْجَارِ ، أَوَّلُهُ يُحْرِقُ، وَآخِرُهُ يُورِقُ .
.................................
قدرته سبحانه على الإعادة، وقد رأى الابتداء - الذي هو أصعب من الإعادة، في نظر الإنسان- ؟ (وعجبت لعامر دار الفناء) أي الدنيا (وتارك دار البقاء) أي الآخرة؟ فإنَّ ما يبقى أحق بالتعمير مما يفنى.
127 - وقال(عليه السلام) : (من قصر في العمل) فلم يعمل كما ينبغي (ابتلي بالهم) أي الحزن على فوات نتائج العمل، قال الشاعر :
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً*** ندمت على التفريط في زمن البذر
( ولا حاجة لله) كناية عن عدم اعتناء الله سبحانه به (فيمن ليس لله في ماله ونفسه نصيب) بأن لم ينصب بدنه للطاعة، ولا أنفق ماله في سبيل الله تعالى.
128 - وقال(عليه السلام) : (توقوا البرد في أوله) أي اتقوا وتحذروا من البرد في أول مجيئه كأول الشتاء (وتلقوه في آخره) أي اعرضوا أنفسكم للبرد - وهذا هو التلقي له - في آخره كأول الربيع ( فإنه ) أي البرد (يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار) والنباتات (أوله يحرق) ولذا يسقط الأوراق، كالحرق الذي لا يذر الشيء (وآخره يورق) أي يوجب إخراج الأشجار للأوراق وهكذا يفعل بالبدن، وقد عللنا ذلك في كتاب : [ مبادئ الطب ] .
129 - وقال(عليه السلام) : عِظَمُ الْخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَغِّرُ الْمَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ.
130 - وقال(عليه السلام) ، وقد رجع من صفين، فأشرف على القبور بظاهر الكوفة : يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ، وَالْمَحَالِّ الْمُقْفِرَةِ، وَالْقُبُورِ الْمُظْلِمَةِ، يَا أَهْلَ التُّرْبَةِ ، يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لَاحِقٌ. أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ ، وَأَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ . هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا ، فَمَا خَبَرُ مِنْ عِنْدَكُمْ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال : أَمَّا لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى .
.............................
129 - وقال(عليه السلام) : (عظم الخالق عندك) بأن تعرف عظمته (يصغر المخلوق في عينك) إذ لا ترى لهم أهمية في قبال الخالق ولذا لا تعصيه لأجلهم .
130 - وقال(عليه السلام) - وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة - (يا أهل الديار الموحشة) أي المورثة لوحشة الإنسان ورهبته ضد الأنس (والمحال) جمع محل (المقفرة) من أقفر المكان إذا لم يكن فيه ساكن (والقبور المظلمة) فإنَّ داخل القبر مظلم لا نور فيه ( يا أهل التربة) أي التراب (يا أهل الغربة) فإنَّهم غرباء لا أنيس لهم (يا أهل الوحشة) الذين لا أنس لهم (أنتم لنا فرط) هو المتقدم من القوم (سابق) سبقتمونا إلى الآخرة (ونحن لكم تبع لاحق) نموت فنلتحق بكم (أما الدور) التي كانت لكم، جمع دار (فقد سكنت) سكنها أقوام آخرون . (وأما الأزواج) أي زوجاتكم (فقد نكحت) نكحها أناس آخرون (وأما الأموال) التي كانت لكم (فقد قسمت) قسمها الوارث (هذا خبر ما عندنا) بالنسبة إلى من تخلف منكم .
(فما خبر من عندكم) من أحوال الآخرة؟ [ثم التفت(عليه السلام) إلى أصحابه فقال: (أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزاد التقوى) ولا يخفى
131 - وقال(عليه السلام) ، وقد سمع رجلاً يذم الدنيا : أَيُّهَا الذَّامُ لِلدُّنْيَا، الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا، الْمَحْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا! أَتَغْتَرُّ بالدُّنْيَا ثُمَّ تَذُمُّهَا؟ أَنْتَ الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا، أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ؟ مَتَى اسْتَهْوَتْكَ، أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ؟ أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى؟ كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ، وَكَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ؟ تَبْغِي لَهُمُ الشَّفَاءَ ،
......................
أن كون أهل القبور أهل الوحشة والغربة، وما أشبه، يراد به بالنسبة إلى أبدانهم، لا أرواح المؤمنين منهم- وقد سبق ذكر ذلك -.
131 - وقال(عليه السلام) ، وقد سمع رجلا يذم الدنيا : (أيها الذام للدنيا) لتقلب أحوالها وإيذائها للناس (المغتر بغرورها) أي المخدوع بخدعتها لك (المخدوع بأباطيلها) والخدعة الهجوم على الشخص على حين غفلة (أتغتر بالدنيا ثم تذمها؟) على نحو استفهام الإنكار، كيف تذم بعد أن كنت مغروراً بها ؟(أنت المتجرم عليها) يقال تجرم عليه، إذا ادعى الجرم عليه(أم هي المتجرمة عليك) ؟ أنك أنت المتجرم لأنك عرفت، وقد عرفتك الدنيا عن نقصها ومع ذلك أقدمت (متى استهوتك) الدنيا، أي ذهبت بعقلك؟ وهذا استفهام إنكار(أم متى غرتك) وخدعتك ؟ . (أبمصارع آبائك من البلى) المصارع جمع مصرع ، وهو مكان السقوط، أي مكان سقوط آبائك من الغناء؟ أليست إراءة الدنيا لمصارع آبائك كافية في إيقاظك .
(أم بمضاجع أمهاتك) جمع مضجع، وهو محل النوم (تحت الثرى) أي تحت التراب (كم عللت) أي خدمت المرضى(بكفيك) أي بيدك، فلماذا لم تعتبر من حالهم (وكم مرضت بيديك)؟ التمريض كالتعليل في المعنى والفرق بينهما یسیر (تبغى لهم) أي للمرضى (الشفاء) أي تطلب لهم بالأدوية والأدعية
وَتَسْتَوصِفُ لَهُمُ الْأَطِبَّاءَ ، غَدَاةَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ، وَلَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ. وَلَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ، وَلَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطَلِبَتِكَ، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهُمْ بِقُوَّتِكَ ! وَقَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ، وَبِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ . إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا ، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنىً لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا ، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنْ اتَّعَظَ بهَا . مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللهِ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللهِ ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللهِ .
..............................
أن يشفوا (وتستوصف لهم الأطباء) أي تطلب من الأطباء وصف دائهم ودوائهم (غداة) أي في وقت (لا يغنى عنهم) أي لا يفيدهم (دواؤك) إذ قدر لهم الموت. (ولا يجدي عليهم بكاؤك) فإنَّ البكاء على المريض لا يفيد شفاءٌ (ولم ينفع أحدهم إشفاقك) أي خوفك له من مرضه (ولم تسعف فيه بطلبتك) الإسعاف إعطاء المطلوب، والطلبة، المطلوب، أي لم تقض حاجتك التي هي شفائهم (ولم تدفع) المرض (عنهم بقوتك) وقدرتك (وقد مثلت لك به الدنيا نفسك) أي أن الدنيا جعلت الذي مات قبلك مثالاً لك لتقيس نفسك على ذلك المثال (و) أدتك (بمصرعه مصرعك) فكما صرع تصرع (إن الدنيا دار صدق لمن صدقها) أي أراد التعرف على حقيقتها صدقا، فإنَّها تكشف عن أحوالها السيئة له فوراً. (ودار عافية لمن فهم عنها) إذ يعمل الإنسان الفاهم لأجل العافية من بلياتها، وهي الآثام التي توجب الهلكة .
(ودار غنى لمن تزود منها) أي دار توجب غنى الإنسان في الآخرة، إذا أخذ الإنسان الزاد منها، وهي العمل الصالح (ودار موعظة لمن اتعظ بها) فإنَّها تعظ الإنسان بنكباتها وتقلّباتها. (مسجد أحبّاء الله) فإنَّهم جعلوها مسجداً يسجدون لله فيها (ومصلّى ملائكة الله) إذ أنهم يصلون فيها، له سبحانه (ومهبط وحي الله) فإنَّ محل نزول الوحي هو الدنيا (ومتجر أولياء الله) فإنَّهم جعلوها
اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الجَنَّةَ . فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا، وَنَادَتْ بِفِرَاقِهَا، وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا، فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلائِهَا الْبَلاءَ، وَشَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ ؟! رَاحَتْ بِعَافِيَةِ ، وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ، تَرْغِيباً وتَرْهِيباً ، وَتَخْوِيفاً وَتَحْذِيراً، فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ ، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ذَكَّرَتْهُمُ الدُّنيا فَتَذَكَّرُوا ، وَحَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا ، وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا .
.............................
دار تجارة يرجون الثواب فيها للآخرة (اكتسبوا فيها الرحمة) إذ جاؤوا بأسباب الرحمة وهي الإيمان والعمل الصالح (وربحوا فيها الجنّة) إذ ربح العمل الصالح دخول الجنان( فمن ذا يذمها) أي من الذي يتمكن أن يذمّها ذمّاً حقيقيّاً (وقد آذنت) أي أعلمت (ببينها) أي بعدها وزوالها عنهم، فإنَّها لم تخدع (ونادت بفراقها) والنداء إنما هو بإظهار الدنيا فراق كل أحد ممن ماتوا (ونعت نفسها وأهلها) يقال : نعا زيدٌ محمداً، إذا أخبر بفقده، فإنَّ الدنيا بما أظهرت من أحوالها، أخبرت بفناء نفسها، وفناء أهلها (فمثلت) الدنيا (لهم ) أي لأهلها (ببلائها) الذي فيها (البلاء) الأخروي لمن عصى وكفر (وشوقتهم بسرورها) الذي فيها (إلى السرور) الذي يجده الإنسان في الآخرة. (راحت) الدنيا (بعافية) أي وافت الإنسان وقت العشي - من الرواح مقابل البكور ، وهو صحيح لا هم له .
(وابتكرت) أي أصبحت (بفجيعة) أي بفاجعة نازلة على الإنسان، وإنما يفعل بالإنسان ذلك (ترغيبا) إلى الآخرة (وترهيباً) عن الدنيا (وتخويفاً) للعاصين (وتحذيراً) للمغرورين (فذمّها رجال غداة الندامة) أي عندما أصبحوا نادمين فيها على ما فرطوا وفعلوا (وحمدها آخرون يوم القيامة) حيث وجدوا ثواب أعمالهم الصالحة (ذكرتهم ) أي الذين حمدوها (الدنيا) بمصائبها وآلامها (فتذكروا) وعرفوا (وحدثتهم) عن وخامة عاقبتها إن تعاطوا المنكرات والآثام (فصدقوا) ما قالت، ولذا اجتنبوا عنها (ووعظتهم) بأن أرشدتهم (فاتّعظوا)
132 - وقال(عليه السلام) : إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ : لِدُوا لِلْمَوْتِ، وَاجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ .
133 - وقال(عليه السلام) : الدُّنْيَا دَارُ مَمَرِّ لاَ دَارُ مَقَرِّ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ : رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا .
134 - وقال(عليه السلام) : لَا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلَاثٍ : فِي نَكْبَتِهِ، وَغَيْبَتِهِ، وَوَفَاتِهِ .
............................
وعملوا بما فهموا، ولذا حمدوها في الآخرة حين رأوا جزاء أعمالهم .
132 - وقال(عليه السلام) : (إنّ لله ملكاً ينادي في كل يوم) وفائدة ندائه إطلاع النبي(عليه السلام) بواسطة مراجع الوحي (لدوا) من ولد يلد، المخاطب البشر (للموت) اللام للعاقبة - نحو فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً، بمعنى أن عاقبة الولادة موت الأولاد (واجمعوا للفناء) فإنَّ مصير كل شيء يجمع من مال أو غيره الفناء والاضمحلال ( وابنوا للخراب) فإنَّ كل بناء ينتهي إلى الخراب.
133 - وقال(عليه السلام) : (الدنيا دار ممرّ) يمرّ الإنسان من بطن أمّه إلى الآخرة، من الدنيا (لا دار مقرّ) يستقرّ فيها الإنسان (والنّاس فيها رجلان) أي صنفان (رجل باع فيها نفسه) لشهواته، كأنّه أعطى نفسه للعقاب، ليلتذّ بالمشتهيات المحرّمة (فأوبقها) أي أهلكها (ورجل ابتاع نفسه) أي اشتراها حيث عمل بالطاعات ( فأعتقها) من النار والنكال .
134 - وقال(عليه السلام) : (لا يكون الصديق صديقا) حقيقة (حتّى يحفظ أخاه في ثلاث) شدائد (في نكبته) أي بليّته الّتي يبتلى بها، فيساعده فيها ولا يخذله (وغيبته) فلم يتناول عرضه، ولم ينتهز اغتيابه للنيل من ماله أو ما أشبه (ووفاته) فإذا مات قام من بعده بحقوقه، من تجليله، وحل مشاكل عائلته، وما أشبه .
135 - وقال(عليه السلام) : مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمَ أَرْبَعاً : مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ، وَمَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ، وَمَنْ أَعْطِيَ الاِسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ .
قال الرضي: وتصديقُ ذلِكَ كتابُ اللهِ، قالَ اللهُ عزّ وجلّ في الدُّعَاء : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(1)وقال في الاستغفار: وَمَنْ يَعْمَلْ سوءاً أَوْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً(2)وقال في الشكر : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (3)وقال في التوبة : إِنَّمَا التّوبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حكيماً(4)
...............................
135 - وقال(عليه السلام) : (من أعطي أربعا) أي أعطاه الله سبحانه أربعة أشياء (لم يحرم أربعا) مرتبة على تلك الأربع (من أعطي الدّعاء) بأن أجاز سبحانه في دعائه، كما في الدعاء [ أذنت لي في دعائك ومسألتك] (لم يحرم الإجابة) بل يجيبه سبحانه فيما طلب (ومن أعطي التوبة) بأن أجيز في أن يتوب بعد العصيان (لم يحرم القبول) فإنَّ الله سبحانه يقبل التوبة (ومن أعطي الاستغفار) أي أجيز له أن يطلب الغفران والستر لذنوبه - وهذا أعم من التوبة - (لم يحرم المغفرة) أي الغفران والستر فلا يفضحه سبحانه في الدارين (ومن أعطي الشكر) بأن أجيز له أن يشكر الله تعالى (لم يحرم الزيادة) بل يزيد الله عليه نعمته من فضله.
136 - وقال(عليه السلام) : الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيِّ، وَالْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةُ، وَزَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ، وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ .
137 - وقال(عليه السلام) : اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ .
138 - وقال(عليه السلام) : مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ .
139 - وقال(عليه السلام) : تَنْزِلُ الْمَعُونَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ .
140 - وقال(عليه السلام) : مَا أَعَالَ مَنِ اقْتَصَدَ .
...........................
136 - وقال(عليه السلام) : (الصلاة قربان كل تقي) أي أن المتقين يتقربون بالصلاة إلى مرضاة الله سبحانه ( والحج جهاد كل ضعيف) فمن ضعف عن الجهاد، وذهب إلى الحج كان في حكم الجهاد له ( ولكل شيء زكاة) أي ما يوجب تزكيته وطهارته (وزكاة البدن الصيام) لأنه يوجب طهارة البدن عن الآثام (وجهاد المرأة حسن التبعل) أي معاشرة الزوج معاشرة حسنة، فإذا فعلت ذلك كانت كالمجاهد في سبيل الله .
137 - وقال(عليه السلام) : (استنزلوا الرزق بالصدقة) أي اطلبوا نزول الرزق بإعطائكم الصدقة، فإنَّها توجب زيادة الرزق .
138 - وقال(عليه السلام) : (من أيقن بالخلف) أي بأن الله يخلف ويعوض ما أنفقه (جاد بالعطية) إذ يعلم كل عطاء يعطيه يعوض عنه .
139 - وقال(عليه السلام) : (تنزل المعونة) أي ينزل العون للإنسان من السماء (بقدر المؤونة) أي بقدر حاجة الإنسان ومصارفه .
140 - وقال(عليه السلام) : (ما أعال) أي ما افتقر (من اقتصد) أي توسط في
141 - وقال(عليه السلام) : قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ .
142 - وقال(عليه السلام) : التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ .
143 - وقال(عليه السلام) : الْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ .
144 - وقال(عليه السلام) : يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ، وَمَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ عَمَلُهُ .
............................
إنفاقه، بعدم الإسراف والتبذير في صرف المال .
141 - وقال(عليه السلام) : (قلة العيال أحد اليسارين) لأن عدم كون الإنسان في الضيق إما بكثرة المال، أو بأن يقل من يطلب منه النفقة .
142 - وقال(عليه السلام) : (التودد) أي التحبب إلى الناس (نصف العقل) إذ العقل يصلح دين الإنسان ودنياه وإصلاح الدنيا بالتحبب إلى الناس في المعاشرة والمعاملة وما أشبه ذلك، ومن تحبب إلى الناس بأخلاقه وآدابه فقد أمن على مصالحه الدنيوية .
143 - وقال(عليه السلام) : (الهم) والحزن (نصف الهرم) لأن الهرم يوجب : ضعف البدن وضعف النفس، والهم ضعف للنفس .
144 - وقال(عليه السلام): (ينزل الصبر على قدر المصيبة) فإذا كانت المصيبة عظيمة نزل على الإنسان من الله سبحانه صبر كبير، وإن كانت صغيرة نزل صبر بقدرها (ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبته) أي عندما أصابته مصيبة، وكانت الضربة جزعاً ولعدم رضا بقضاء الله تعالى (حبط عمله) أي ذهب ثواب صبره، لأنه جزع ولم يصبر ، والحبط هو البطلان، فلا يثاب على صبره.
145 - وقال(عليه السلام) : كَمْ مِنْ صَائِمِ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ وَالْعَنَاءُ، حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْیَاسِ وَإِفْطَارُهُمْ !
146 - وقال(عليه السلام) : سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكاةِ وَادْفَعُوا أَمْوَاجَ البَلاءِ بِالدُّعَاءِ .
..............................
145 - وقال(عليه السلام) : (كم من صائم ليس له من صيامه إلّا الجوع والظمأ) أي العطش، وذلك لأنه فعل ما يوجب سخط الله، كالاغتياب ونحوه، فلا يثبه على صيامه (وكم من قائم) ليله بالعبادة (ليس له من قيامه إلّا السهر) وعدم نوم الليل (والعناء) أي التعب، لأنه لم يخلص لله سبحانه، أو أخلص وأتى بما يبطل عمله (حبذا نوم الأكياس) أي العقلاء جمع كيّس (وإفطارهم) حيث أنهم يحرزون الثواب بعقلهم وإطاعتهم لله في النوم لراحة البدن ، والإفطار لتجويز الله لهم التمتع بالطيبات بينما الحمقى يكون قيامهم وصيامهم وبالاً عليهم، فلم يدركوا راحة الدنيا ولا الآخرة.
146 - وقال(عليه السلام): (سوسوا) السياسة حفظ الشيء بما يحفظه من الفساد (إيمانكم بالصدقة) فإنَّ التصدق يحفظ الإيمان عن الفساد، إذ تسبب تقوية الإيمان، فإنَّ إعطاء المال الذي هو أحب شيء إلى الإنسان في سبيل الله، يركز ملكة الإيمان في النفس (وحصنوا) أي احفظوا، واجعلوا الحصن الحافظ (أموالكم بالزكاة) فإنَّ إعطاء الزكاة يوجب لطف الله تعالى بحفظ مال المزكي (وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء) فإنَّه سبحانه يستجيب الدعاء، ويحفظ الداعي .
قال كُمَيْل بن زياد: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فأخرجني إلى الجبّان، فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم قال :
يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّى مَا أَقُولُ لَكَ : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيِّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ
...................
147 - ومن كلام له(عليه السلام) ، لكميل بن زياد النخعي، قال كميل بن زياد وكان معتمداً للإمام، ووالياً من قبله في بعض الأيام أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) فأخرجني إلى الجبان أي الصحراء فلما أصحر أي دخل الصحراء تنفس الصعداء وهو نفس الملهوف الذي يخرج من أعماق باطنه ثم قال(عليه السلام) : (یا کمیل بن زياد إن هذه القلوب) المودعة في الإنسان (أوعية) جمع وعاء بمعنى الظرف، أي هي كالظروف لكن الظرف يحفظ الماديات، والقلب يحفظ الأخلاق والمعنويات (فخيرها أوعاها) أي أحسن القلوب، أكثرها حفظاً للعلوم والمعارف. (فاحفظ عني ما أقول لك) واضبطه في قلبك (الناس ثلاثة) أقسام (فعالم رباني) أي منسوب إلى الرب تعالى، لأنه تعلم وعمل لله سبحانه (ومتعلم على سبيل نجاة) أي يتعلم العلم - ولم يصل إلى مرتبة العالم - وتعلم لنجاة نفسه لا للرياء وما أشبه (وهمج رعاع ) الهمج ذباب صغير يقع على كل مكان، والرعاع الأحداث الذين لا دراية
أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَأُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ. يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ ، وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ. يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، الْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ .
.........................
لهم، أي أن القسم الثالث مثل هذا البعوض في ذهابه إلى كل مكان، وكونه حدثاً لا يدرك ولم ينضج، وهذا القسم (أتباع كل ناعق) أي كل راع إلى حق أو باطل (يميلون مع كل ريح) أي كل اتجاه، كما تميل الأعشاب مع مختلف الأرباح (ولم يلجأوا إلى ركن وثيق) فلم يأخذوا طريقة حقة يؤمنون بها مستقبلهم . (يا كميل ، العلم خير من المال) وذلك لأن (العلم يحرسك) لأنه يرشد إلى طريق النجاة وطريق الهلاك فيتجنب الإنسان طريق الهلاك (وأنت تحرس المال) لأن المال يحتاج إلى الحافظ، وإلا سرق وبدد (والمال تنقصه النفقة) أي الإنفاق ( والعلم يزكوا) أي يزيد وينموا (على الإنفاق) لأن الإنسان إذا علم، قويت ملكة العلم في نفسه، بقاءٌ وانتشاراً ،- كما هو وجداني - (وصنيع المال) أي الذي تحببته بالمال، بأن أحبك لأجل مالك (يزول بزواله) أي زوال المال، أما صنيع العلم يبقى، لأن العلم باقٍ غير زائل .
(يا كميل بن زياد العلم دين يدان به) أي طريقة تتخذ منهجاً ومسلكاً، لأن العلم مرشد، كما أن الدين طريق ومرشد للإنسان (به) أي بالعلم (يكسب الإنسان الطاعة) أي طاعة الناس له - وهذا هو الأقرب، بقرينة الجملة الآتية، ويحتمل أن يراد كونه مرشداً إلى طاعة الله - (في حياته) أي ما دام حياً (وجميل الأحدوثة) أي الحديث عنه (بعد وفاته) فإنَّ الناس يمدحون العالم
وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ . يَا كُمَيْلُ، هَلَكَ خُزّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ : أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ ، وَأَمْثَالُهُمْ في الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ. هَا إِنَّها هُنَا لَعِلْماً جَمّاً لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةٌ .
وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلى صدره ! بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ فِي الدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ ،
......................
بعد موته . (والعلم حاكم والمال محكوم عليه) إذ العلم هو الذي يوجه المال كيف يصرف وكيف لا يصرف (يا كميل هلك خزان الأموال) جمع خازن، وهو الحافظ (وهم أحياء) إذ ليس لهم ذكر ولا مدح، وحياة الإنسان الحقيقية في الدنيا بذكره الجميل، ومدح الناس له (والعلماء باقون ما بقي الدهر) ولو كانوا تحت التراب لأنهم مذكورون بالجميل يثني عليهم الناس (أعيانهم مفقودة) أي ذهبت أجسامهم عن الحياة (وأمثالهم) أي أشباحهم وذكرهم (في القلوب موجودة) يحبهم الناس ويثنون عليهم (ها) اسم فعل أمر بمعنى [خذ] أو كلمة تأسف وأصلها [هاه] وذلك أن المتفجر يتنفس بالصوت (إن ههنا لعلماً جماً) أي كثيراً - من قبيل ما ذكرت من فضل العلم، وتفضيله على المال (لو أصبت له حملة) جمع حامل، أي لو وجدت لعلمي حاملين، لأظهرته وثبتّه .
(وأشار(عليه السلام) بيده إلى صدره) حين قال [ههنا]: (بلي) الكلام في صورة الاستثناء، لكنه [منقطع] (أصبت) أي وجدت (لقناً) هو الذي يفهم بسرعة (غير مأمون عليه) أي لا آمن عليه أن يستعمل العلم في جلب الدنيا، ولذا لا أعلمه، والمراد باللقن، غالب الناس الذين لا يريدون من العلم إلّا طلب الدنيا (مستعملاً آلة الدين) الذي هو العلم، فإنَّه وسيلة إلى الدين النافع في الدارين (في الدنيا) ولأجل جلبها . (ومستظهراً بنعم الله على عباده) أي يستعين بنعمة الله- إذ أعطاه سبحانه - على إيذاء الناس (وبحججه على أوليائه)
أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ ، لاَ بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُيْهَةٍ. أَلاَ لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ، أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ، سَلِسَ الْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَالاِدْخَارِ ، لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهَا بِهِمَا الْأَنْعَامُ السَّائِمَةُ! كَذلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوتِ حَامِلِيهِ. اللهُمَّ بَلَى!
..........................
فإنَّ عرف حجة ودليلاً - ممّا تفضل الله عليه بنعمها- استعمل ذلك الدليل للجدال مع أولياء الله تعالى (أو منقادا) عطف على [لقنا] أي أصبت للعلم منقاداً طائعاً (لحملة الحق) أي الحاملين له، لكن (لا بصير له في أحنائه) أي دقائقه وخفاياه والأحناء جمع حنو، بمعنى الطرف، ومثل هذا الشخص ليس قابلاً لأن يظهر الإنسان له العلم، لأنه مقلّد جاف. (ينقدح الشك) أي يظهر، كما تنقدح النار من الزناد (في قلبه لأول عارض من شبهة) أي ما يعرض عليه من الشكوك والشبهات إذ لا مناعة علمية له تحفظه (ألا) فليتنبّه السامع (لا) يصلح لحمل العلم (ذا) الذي لا بصيرة له (ولا ذاك) الذي يستعمل العلم لأجل الدنيا (أو منهوماً) عطف على لقنا أي أصبت لحمل العلم مفرطاً (باللذة) أي الشهوة الذي لا هم له إلّا شهواته (سلس القياد للشهوة) فهو ينساق وراء شهواته ورغباته في الطعام والملبس والجاه والجنس وما أشبه (أو مغرما) عطف على لقنا، أي مولعاً (بالجمع والادخار) للمال ولا هم له سواه. (ليسا) أي المنهوم والمغرم (من رعاة الدين في شيء) رعاة : جمع راعي، بمعنى: أنّهما لا يرتبطان بالدين ولا يرعيانه (أقرب شيء شبها بهما الأنعام السائمة) التي تسوم وترعى، فإنَّ هم الأنعام اللّذة والشهوة، وهكذا هذين الصنفين وهل مثليهما ممن يحفظ العلم، أو يؤمن على الدين؟ (كذلك يموت العلم) ويذهب عن الناس (بموت حامليه) الصالحين لحمله. (اللّهم، بلى)
لا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، أَوْ خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتِهِ . وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولئِكَ؟ أُولئِكَ - وَاللهِ - الأَقَلُّونَ عَدَداً ، وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللهِ قَدْراً . يَحْفَظُ اللهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا قُلُوبَ أَشْبَاهِهِمْ . هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ،
.........................
ليس كل الناس كما ذكرت - من الأصناف الأربعة، غير اللائقة للعلم - (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة) يبين حجته على عباده (إما ظاهراً مشهوراً) يعرفه الناس ويشتهر فيما بينهم (أو خائفاً مغموراً) غمره الظلم حتى أخفاه ، ينتظر الظهور، كما غاب موسى(عليه السلام) ، وغاب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وغاب الإمام المهدي(عليه السلام)( لئلّا تبطل) وتضمحل (حجج الله)جمع حجة، بمعنى : الدليل على الأصول والفروع المرشد إليها (وبيناته)جمع بينة، بمعنى الحجة الواضحة (وكم ذا ) ؟ القائم بحجة الله، وهذا استفهام عن عدد القائمين، لبيان قلتهم .
(وأين أولئك)؟ الذين يقومون بالحجة، وهذا استفهام عن أمكنتهم وتنبيه على خفائهم بين الناس، لقلة الراغبين فيهم، وخوفهم من الجبابرة. (أولئك) القائمون بحجة الله (- والله - الأقلون عدداً) فعددهم قليل (والأعظمون عند الله قدرا) فإنَّ منزلتهم عنده سبحانه رفيعة (يحفظ الله بهم) أي بسببهم (حججه وبيناته) أي أدلته وأحكامه (حتى يودعوها) أي يجعلون تلك الحجج بعنوان الوديعة (نظرائهم) أي أمثالهم من أهل الحق (ويزرعوها) تشبيه بالزرع فی الأرض، الموجب للثبات فيها (قلوب أشباههم) من القائمين بحجج الله(هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة) أي أنّ العلم الواصل إلى حقيقة البصيرة
وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانِ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى ، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ . آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ انْصَرِفُ يَا كُمَيْلُ إِذَا شِئْتَ
148 - وقال(عليه السلام) : الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ .
149 - وقال(عليه السلام) : هَلَكَ امْرُؤٌ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ
........................
والمعرفة هجم عليهم، حتى صاروا علماء، و[هجم ] كناية عن تدفّق العلم نحوهم، كما يتدفق المهاجم. (وباشروا روح اليقين) يعني أن اليقين الذي لا يزول ولا يحول، جاء إليهم حتى أنهم باشروها وزاملوها (واستلانوا ما استوعره المترفون) الترف هو البطر بالنعمة، أي عدواً ليناً سهلاً، ما عده خشناً ، وهو الزهد في الدنيا وإطاعة الله سبحانه . (وأَنسوا بما استوحش منه الجاهلون) فإنَّ الجهال يستوحشون من الطاعة والعبادة وما إليها، وهؤلاء يانسون بها (وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى) فإنّ أرواحهم تتعلق بالجنة ورضوان الله سبحانه وإن كانت نفوسهم في الدنيا (أولئك) المتّصفون بهذه الصفات (خلفاء الله في ارضه) الممثلون له العارفون بأحكامه وأدلّته (والدعاة) جمع [داعي] (إلى دينه) وشريعته (آه آه) اسم صوت يستعمل للرغبة، وللتضجر، اشتاق (شوقاً إلى رؤيتهم) ثمّ قال(عليه السلام) (انصرف) أي اذهب (يا كميل إذا شئت) الانصراف، فقد تمّ الكلام .
148 - وقال(عليه السلام) : (المرء مخبوء) أي مستور (تحت لسانه) فإذا لم يتكلم لم يعلم باطنه ومقداره ، فإذا تكلم ظهر ذلك كالشيء المستور تحت حجاب، إذا رفع الحجاب عرف ذات الشيء المستور .
149 - وقال(عليه السلام) : (هلك امرؤ لم يعرف قدره) إذ الإنسان إذا لم يعرف
150 - وقال(عليه السلام) : لرجل سأله أن يعظه : لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَولِ الزَّاهِدِينَ ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ ، يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ ، وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِي ، يَنْهَى وَلَا يَنْتَهِي، وَيَأْمُرُ بِمَا لاَ يَأْتِي، يُحِبُّ الصَّالِحينَ وَلا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، وَيُبْغِضُ الْمُذْنِبِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ ، يَكْرَهُ الْمَوتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، وَيُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ الْمَوتُ لَهُ ،
...............................
قدره وقيمته صرف نفسه فيما لا يليق فيهلك، أمّا إذا عرف قدره، لم يصرف نفسه إلّا فيما يليق من تحصيل العلم والآداب، والعمل بما يلزم، وهنالك السعادة والفوز.
150 - وقال(عليه السلام) : (لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل) أي بدون العمل الصالح (ويرجى التوبة) أي يؤخّرها (بطول الأمل) لأنّ له أملاً طويلاً أن يبقى في الدنيا، فيقول: أتوب أيامي الأخيرة (يقول في الدنيا) أي في باب الدنيا ولذاتها (بقول الزاهدين) وإنها يجب أن تترك، كما يتكلم الزاهدون حول الدنيا (ويعمل فيها بعمل الراغبين) من الانكباب على الدنيا، والتمتع بلذاتها (إن أعطي منها لم يشبع ) بل مدّ بصره إلى ما لم يعط (وإن منع منها لم يقنع) بما عنده، بل يريد الدنيا وزيادتها (يعجز عن شكر ما أوتي) أي ما أعطاه الله سبحانه من نعيم الدنيا . ( ويبتغي) أي يطلب (الزيادة فيما بقي) أي بالنسبة إلى باقي الدنيا، مما لم يعط (ينهى) عن المنكر (ولا ينتهي) هو بل يتعاطى المنكرات (ويأمر بما لا يأتي) أي يأمر الناس بالمعروف ولا يأتي هو به(يحب الصالحين ولا يعمل عملهم) كسلاً واستسهالاً (ويبغض المذنبين وهو أحدهم) أي مذنب كأحدهم يتعاطى المحرمات والآثام. (يكره الموت لكثرة ذنوبه) التي اقترفها (ويقيم على ما يكره الموت له) [ما] موصولة، أي على
إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً ، وَإِنْ صَحَّ أَمِنَ لأَهِياً، يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفِيَ ، وَيَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَ، إِنْ أَصَابَهُ بَلَاءٌ دَعَا مُضْطَرّاً، وَإِنْ نَالَهُ رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرّاً ، تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ ، وَلاَ يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَیْقِنُ ، يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ ، وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ ، إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وَفُتِنَ، وَإِنِ افْتَقَرَ قَنِطَ وَوَهَنَ، يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ، وَيُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ ،
..............................
الشيء الذي يكره الموت لأجل ذلك الشيء، وهو الذنب، والإقامة على الذنب، الاستمرار في الإتيان به (إن سقم ظل نادماً) على ما فرط في أيام صحّته (وإن صح) بأن لم يكن مريضاً (أمن) العاقبة، في حال كونه (لاهياً) مشغولاً بلهو الدنيا ولعبها (يعجب بنفسه إذا عوفي) أي يتكبر، ويظن أنه على خير، في أيام صحته . (ويقنط) من رحمة الله وفرجه (إذا ابتلي) بمرض أو فاقة أو هم، فلا يشكر إذا عوفي، ولا يرجو إذا ابتلى (إن أصابه بلاء دعا) الله سبحانه لكشف بليته (مضطراً) أي في حال كونه مضطراً (وإن ناله رخاء) وسعة (أعرض) عن الله (مغتراً) قد أخذه الغرور والغفلة(تغلبه نفسه على ما يظن) فإذا ظن لذة حاضرة ، غلبته نفسه وأمرته بتحصيلها (ولا يغلبها على ما يستيقن) أي لا يغلب هو على نفسه، بالطاعة والعبادة، حتى يحصل ما يستيقن من السعادة والجنة . (يخاف على غيره) الهلاك (بـ) سبب أنه أتى بذنب (أدنى من ذنبه) كأن يخاف على غيره سرقة درهم، وهو سارق دينار (ويرجو لنفسه بأكثر من عمله) بأن عمل عملاً قليلاً ويرجو ثواباً كثيراً (إن استغنى) بأن صارت له ثروة ومال (بطر ) هو الاغترار بالنعمة (وفتن) أي صار مفتوناً مخدوعاً فارتكب الآثام لا هياً . (وإن افتقر قنط) عن رحمة الله ويئس (ووهن) أي ضعف عن أداء ما عليه للهم الذي يتحمله من الفقر (يقصر إذا عمل) فلا بأني بالعمل على وجهه (ويبالغ إذا سأل) فإنَّ الإلحاف والإصرار
إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ الْمَعْصِيَةَ ، وَسَوَّفَ التَّوْبَةَ، وَإِنْ عَرَتْهُ مِحْنَةٌ انْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ الْمِلَّةِ . يصِفُ الْعِبْرَةَ وَلا يَعْتَبِرُ، وَيُبَالِغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَلاَ يَتَّعِظُ، فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ ، وَمِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌّ ، يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى ، وَيُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى، يَرَى الْغُشْمَ مَغْرَماً ، وَالْغُرْمَ مَغْنَماً ، يَخْشَى الْمَوْتَ، وَلَا يُبَادِرُ الْفَوْتَ،
.................................
في السؤال مكروه، لأنه يوجب إزعاج المسؤول عنه، وإيذائه، قال سبحانه: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا(1). (إن عرضت له شهوة) محرمة (أسلف المعصية) أي قدمها، وارتكبها (وسوف التوبة) أي آخرها، لأنه ينساق وراء شهواته (وإن عرته) أي : عرضت عليه (محنة) أي بلية (انفرج) أي بعد (عن شرائط الملة) أي شرائط ملة الإسلام وطريقته، وهي الصبر عند البلاء والثبات الرزايا والمحن (يصف العبرة) أي الموعظة الموجبة للاعتبار( ولا يعتبر) أي لا يتعظ هو بنفسه، (ويبالغ ) أي يكثر (في الموعظة) للناس (ولا يتعظ) هو بنفسه، بإطاعة الأوامر، وترك النواهي (فهو بالقول مدل) من أدل على أقرانه بمعنى استعلى عليهم . (ومن العمل مقل) إذ يأتي بقليل من العمل (ينافس فيما يفنى) أي يباهي ويتزيد من الدنيا الفانية (ويسامح) ويساهل (فيما يبقى) أي الآخرة، فلا يعمل لها ( يرى الغنم) أي الغنيمة التي هي الآخرة، وما يبذله الإنسان فى سبيلها (مغرماً) أي غرامة وذهاباً للمال بلا عوض، فإذا تصدق - مثلاً - رأى أنه ذهب من يده بدون أن يحصل على شيء بإزائه . (و) يرى (الغرم) أي الغرامة، وهي ما يعرفه من الشهوات واللذات (مغنماً) أي غنيمة، والحال أن ما يصرف في الشهوات غرامة قد ذهبت يد الإنسان بلا عوض، إن لم يعوض العقاب (يخشى الموت) أن يأتيه (ولا يبادر الفوت) أي لا يسرع أن
1) سورة البقرة : 273
يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ ، فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ، وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ ، اللَّهْوَ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ ، يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ، وَيُرْشِدُ غَيْرَهُ وَيُغْوِي نَفْسَهُ ، فَهُوَ يُطَاعُ وَيَعْصِي، وَيَسْتَوْفِي وَلَا يُوفِي، وَيَخْشَى الْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ، وَلَا يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ .
...............................
يعمل قبل فوات الفرصة ( يستعظم من معصية غيره) أي يراها عظيمة (ما يستقل أكثر منه من نفسه) فالأكثر من تلك المعصية إذا صدرت من نفسه سه يراها قليلة صغيرة. (ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره) فإذا أطاع طاعة، رآها كثيرة وإذا أطاع غيره تلك الطاعة نفسها، رآها حقيرة، وكل ذلك دليل انحراف النفس، وعجب الإنسان بنفسه (فهو على الناس طاعن) يطعن ويخدش فيهم (ولنفسه مداهن) مجامل، لا ينهاها عن المنكر، ولا يهذبها (اللهو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء) لأنه يرى لنفسه ذلة إذا جلس مع الفقراء، ولذا يكره ذلك، وبالعكس مجلس الأغنياء عنده . (يحكم على غيره لنفسه) بأن يجعل نفسه مظلوماً، وغيره ظالماً (ولا يحكم عليها لغيره) لأنه لا ينصف وإنما يرى الحق دائماً بجانب نفسه (ويرشد غیره) بالنصائح والعظات (ويغوي نفسه) أي يضلها بإتيان المنكرات (فهو يطاع) أي يطيعه الناس (ويعصي) الله سبحانه (ويستوفي) أي يطلب وفاء حقه من الناس (ولا يوفي) أي لا يعطهم حقوقهم، أو المراد بالجملتين الأعم من الله ومن الناس (ويخشى الخلق في غير ربه) أي يعمل لغير الله سبحانه خشية من الناس (ولا يخشى ربه في خلقه) فهو يضر الناس؟ ولا يخشاه سبحانه بالنسبة إليهم .
قال الرضي : ولو لم يكن في هذا الكتاب إلّا هذا الكلام لكفى به مو عظة ناجعة، وحكمة بالغة، وبصيرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر .
151 - وقال(عليه السلام) : لِكُلِّ امْرِئٍ عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ .
152 - وقال(عليه السلام) : لِكُلِّ مُقْبِلٍ إِدْبَارٌ ، وَمَا أَدْبَرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ .
153 - وقال(عليه السلام) : لا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ وَإِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ .
154 - وقال(عليه السلام) : الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْم كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ . وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلِ إِثْمَانِ : إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَى بِهِ .
155- وقال : اعْتَصِمُوا بِالذِّمَم فِي أَوْتَادِهَا .
................................
151 - وقال(عليه السلام): (لكل امرئ عاقبة حلوة أو مرة) فاللازم أن يراقب الإنسان عاقبته، حتى تكون حلوة .
152 - وقال(عليه السلام): (لكل مقبل إدبار) سواء كانت الدنيا أو غيرها، وإدبارها ذهابها (وما أدبر كأن لم يكن) إذ يفقده الإنسان، كما كان سابقاً فاقداً له.
153 - وقال(عليه السلام): (لا يعدم الصبور الظفر) أي لا بد للصابر أن يظفر بمراده (وإن طال به الزمان) حتى يظفر بمطلوبه .
154 - وقال(عليه السلام): (الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم) فهو شريكهم في الثواب، إن كان العمل طاعة، وفي العقاب إن كان معصية (وعلى كل داخل في باطل إثمان) الأول (إثم العمل به) أي بذلك الباطل (و) الثاني (إثم الرضا به) فإنَّ فعل القلب المقارن للعمل يعاقب به .
155 - وقال(عليه السلام): (اعتصموا بالذمم) الذمم جمع ذمة، وهي ما يلتزمه الإنسان، والمعنى تحصنوا بها عن الكوارث، بأن أدخلوا أنفسكم في ذمة الناس (في أوتادها) جمع وتد، وهو المسمار، والمراد به الرجال أهل النجدة
156 - وقال(عليه السلام) : عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لَا تُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِ.
157 - وقال(عليه السلام): قَدْ بَصَرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَقَدْ هُدِيتُمْ إِنْ اهْتَدَيْتُمْ ، وَأَسْمِعْتُمْ إِنِ اسْتَمَعْتُمْ .
158 - وقال(عليه السلام): عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ .
........................
والوفاء، الذين كالأوتاد في الصلابة .
156 - وقال(عليه السلام) : (عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته) أي طاعة الله والرسول والأئمة، فإنَّ الناس لا يعذرون بجهالة هؤلاء فإنَّ الإنسان لو قال جهلتهم لا يعذر، ولا يقبل عذره، ولا تجب طاعة من ليس المهم معرفته ، وقيل للكلمة معنى آخر، وهذا أظهر .
157 - وقال(عليه السلام) : (قد بصرتم إن أبصرتم) أي كشف الله سبحانه لكم السعادة والشقاء، إن كانت لكم أبصار، فإنظروها واعملوا بها (وقد هديتم إن اهتديتم) أي إن كنتم قابلين للهداية، فقد بين الله لكم أسبابها (وأسمعتم) أي أسمعكم سبحانه المواعظ والنصائح (إن استمعتم) أي إن كانت لكم أسماع لتسمعون بها .
158 - وقال(عليه السلام): ( عاتب أخاك بالإحسان إليه) أي إن أردت عتابه في أمر صدر عنه وإساءة ارتكبها، فعاتبه، بأن تحسن إليه ، فإنَّ الإحسان آلم أنواع العتاب في النفوس الرفيعة (واردد شره بالإنعام عليه) فإنَّ الإنسان إذا أنعم على شخص استحى ذلك الشخص أن يفعل الشيء بالنسبة للإنسان، وهذه الكلمة من أجل الكلمات وأعظمها في نشر المودة، ورد الاعتداء .
159 - وقال(عليه السلام) : مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التّهَمَةِ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ.
160 - وقال(عليه السلام): مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ .
161 - وقال(عليه السلام): مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا .
162 - وقال(عليه السلام): مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ بِيَدِهِ .
163 - وقال(عليه السلام): الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ.
.......................
159 - وقال(عليه السلام): (من وضع نفسه مواضع التهمة) أي في موضع يتهم فيه الإنسان، كما لو دخل حانة الخمر، ولو لقضاء حاجة مشروعة (فلا يلومن من أساء به الظن) لأنه بنفسه سبب آثار الشكوك، وإساءة الظنون .
16 - وقال(عليه السلام): (من ملك استأثر) أي من ملك جاهاً أو مالاً أو ما أشبه، استبد به، ولم يعط الحق الذي فيه لغيره .
161 - وقال(عليه السلام): (من استبد برأيه) ولم يشاور الناس (هلك) لأنه يقع في المشاكل الموجبة للهلاك (ومن شاور الرجال) الذين لهم رأي وفكر (شاركها في عقولها) إذ كل إنسان يبين له وجه الصواب في العمل، فيكون مشاركاً لهم في نتائج آرائهم وأفكارهم .
162 - وقال(عليه السلام): (من كتم سره كانت الخيرة بيده) فلو شاء أظهره ولو شاء لم يظهره، أما إذا أظهره لم يكن له في كتمانه بعد .
163 - وقال(عليه السلام): (الفقر الموت الأكبر) إذ هو يوجب ذلة الإنسان ومهانته طول حياته التي يعيشها في الفقر، وهذا أعظم من الموت مرارة
164 - وقال(عليه السلام): مَنْ قَضَى حَقَّ مَنْ لا يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبَدَهُ .
165 - وقال(عليه السلام): لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ .
166 - وقال(عليه السلام): لا يُعَابُ الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقَّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ.
167 - وقال(عليه السلام): الْإِعْجَابُ يَمْنَعُ الاِزْدِيَادَ .
........................
وصعوبة ، وقوله(عليه السلام) [الفقر فخري] يعني الفقر إلى الله تعالى .
164 - وقال(عليه السلام): (من قضى حق من لا يقضي حقه فقد عبده) مثلاً زيد لا يقضي حق خالد، فإذا قضى خالد حق زيد، كان عابداً، إذ العبادة هي الخضوع بلا تقرب عوض، والإعطاء لمن لا يعطي يكون من هذا القبيل، فكأن القاضي عبد، والطرف سيده .
165 - وقال(عليه السلام): (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) أي لا يجوز للإنسان أن يفعل محرماً لأمر أحد، ولو كان ذلك الأمر أباً، أو سيداً أو زوجاً، ومحكوماً بالنسبة إلى الحاكم، أو ما أشبه، فلا يعذر بقوله [المأمور معذور].
166 - وقال(عليه السلام): (لا يعاب المرء بتأخير حقه) أي بأن يؤخر أخذ ماله، ويتسامح في الطلب (إنما يعاب من أخذ ما ليس له) بأن يأكل أموال الناس، أو يفسد حقوقهم.
167 - وقال(عليه السلام) : (الإعجاب) أي إعجاب الإنسان بنفسه، ورؤية ما عمله عظيماً (يمنع الازدياد) فإنَّه لا يرى نفسه ناقصاً- حين ما أعجب- ليجتهد في ازدياد فضله، بل يبقى ناقصاً ذا رذيلة، بخلاف المتواضع بعمله.
168 - وقال(عليه السلام): الْأَمْرُ قَرِيبٌ وَالأصْطِحَابُ قَلِيلٌ .
169 - وقال(عليه السلام): قَدْ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ .
170 - وقال(عليه السلام): تَرْكُ الذَّنْبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ.
171 - وقال(عليه السلام): كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلَاتٍ!
172 - وقال(عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا .
173 - وقال(عليه السلام) : مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَأ.
..............................
168 - وقال(عليه السلام): (الأمر قريب) أي أمر الآخرة، ومجيئها ( والاصطحاب) أي الصحبة والبقاء في الدنيا (قليل) لا يطول أمده .
169 -وقال(عليه السلام): (قد أضاء الصبح) أي أسفر وظهر، والمراد بالصبح الحق (لذي عينين) أي أن له عين وبصيرة.
170 - وقال(عليه السلام): (ترك الذنب أهون) أي أيسر (من طلب التوبة) إذ الترك بيد الإنسان، والتوبة ليست بيده .
171 - وقال(عليه السلام): (كم من أكلة منعت أكلات) كما لو أكل ما يضره، فأوجب عليه الحمية عن عدة مآكل، أياماً، حتى يطيب
172 - وقال(عليه السلام): (الناس أعداء ما جهلوا) فإنَّ الجهل بالشيء يستلزم الجهل بفائدته، يتصور الجاهل أنه لا فائدة في ذلك الشيء، وهذا يستلزم عداءه .
173 - (من استقبل وجوه الآراء) أي طلب الآراء وعرف وجوهها (عرف مواقع الخطأ) فإنَّ من عرف الصحيح عرف الخطأ، للمقابلة بينهما .
174 - وقال(عليه السلام): مَن أَحَدَّ سِنَانَ الْغَضَبِ للهِ قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ الْبَاطِل .
175 - وقال(عليه السلام): إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقَّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنهُ .
176 - وقال(عليه السلام): آلَةُ الرِّئَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ .
177 - وقال(عليه السلام): ازْجُرِ الْمُسِيءَ بِثَوَابِ الْمُحْسِنِ .
178 - وقال(عليه السلام): أُحْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ .
...........................
174 - وقال(عليه السلام): (من أحد أسنان الغضب لله) أي شحذ، و[السنان] نصل الرمح، والمعنى من اشتد غضبه له سبحانه (قوي على قتل أشداء الباطل) أي قوي في قمع أهل الباطل، وإن كانوا أشداء أقوياء .
175 - وقال(عليه السلام): (إذا هبت أمراً) من [هاب] بمعنى: تخوفت من أمر(فقع فيه) أي أوقع نفسك في ذلك الأمر، أمر من [(وقع] (فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه) فإنَّ الخوف من الأمر، أقل من خوف الدخول فيه .
176 - وقال(عليه السلام): (آلة الرئاسة سعة الصدر) فإنَّ من وسع صدره في الأمور أخذاً وإعطاءً ، وإغضاءً، يقبلونه الناس سيداً ورئيساً، أما من يدقق في الأمور، ينضجر منه الناس، ويفرون منه، ولا يعترفون به .
177 - وقال(عليه السلام): (ازجر المسيء) أي أدبه (بثواب المحسن) أي بإعطاء الثواب لمن أحسن، فإنَّ المسيء ينقلع عن الإساءة إذا رأى ذلك.
178 - وقال(عليه السلام): (احصد الشر) أي اقلعه (من صدر غيرك) أي الحسد والغل والعداوة، وما أشبه، الكامنة في صدر عدوك ، اقلعها (بقلعه من صدرك)
179 - وقال(عليه السلام): اللَّجَاجَةُ تَسُلُّ الرَّأْيَ .
180 - وقال(عليه السلام): الطَّمَعُ رِقٌّ مُؤَيَّدٌ .
181 - وقال(عليه السلام): ثَمَرَةُ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ ، وَثَمَرَةُ الْحَزْمِ السَّلَامَةُ .
182 - وقال(عليه السلام): لاَ خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ .
183 - وقال(عليه السلام): مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلَالَةً .
..........................
فإذا نظف قلبك عنه ، نظف قلبه عنك
179 - وقال(عليه السلام): (اللجاجة تسل) من سل بمعنى [نزع] (الرأي) فإنَّ اللجوج يذهب بهباء رأيه، فلا يتخذون رأيه .
180 - وقال(عليه السلام): (الطمع رق) أي عبودية (مؤبد) أي دائمي أبدي، إذ الطامع يتبع من يطمع فيه، فهو كالعبد له .
181 - وقال(عليه السلام): (ثمرة التفريط الندامة) فإنَّ من فرط في أمر ، فلم يتداركه، ندم على ما فرط ( وثمرة الحزم السلامة) فإنَّ من كان حازماً، ملتفتاً للأمور، عاملاً بما يجب، يسلم من الآفات والشرور .
182 - وقال(عليه السلام): (لا خير في الصمت) والسكوت (عن الحكم) بالحق، فاللازم أن يتكلم الإنسان بما هو حق (كما أنه لا خير في القول بالجهل) بأن يتكلم الإنسان بما يجهل، ولا يعلم، فلكل من الكلام والسكوت موقع .
183 - وقال(عليه السلام): (ما اختلفت دعوتان) بأن ادعى شخص شيئاً، وادعى شخص آخر ضده (إلا كانت إحداهما ضلالة) إذ لا يمكن أن يتناقض
184 - وقال(عليه السلام): مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُريتُهُ .
185 - وقال(عليه السلام): مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِّبْتُ، وَلا ضَلَلْتُ وَلاَ ضُلَّ بِي.
186 - وقال(عليه السلام): لِلظَّالِمِ الْبَادِي غَداً بِكَفِّهِ عَضَّةٌ .
187 - وقال(عليه السلام): الرَّحِيلُ وَشِيكٌ .
188 - وقال(عليه السلام): مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ .
...............................
الحق، كأن يكون زيد في دعواه هذه مبطلاً ومحقاً، وهكذا.
184 - وقال(عليه السلام): (ما شككت في الحق مذ أريته) بل اتبعت الحق قلباً، وعملاً، وهكذا يلزم أن يكون المؤمن، لا يشك في الحق مهما تتقلب الأحوال والظروف.
185 - وقال(عليه السلام): (ما كذبت) في قول (ولا كذبت) أي لم أقل قولاً يستحق التكذيب، فإنَّ الصادق لا يستحق التكذيب (ولا ضللت) عن سبيل الحق (ولا ضل بي) أي لم أعمل عملاً يوجب ضلال الناس وانحرافهم، وإنما ضل من ضل بسبب هواه ومخالفته لي .
186 - وقال(عليه السلام): (للظالم البادي) أي الذي بدأ بالظلم، مقابل من رد الاعتداء، فإنه مجازاً يطلق عليه الظالم لقرينة المقابلة كقوله سبحانه فَمَنِ أعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ (1)( غداً) يوم القيامة (بكفه عضة) أي يعض بأسنانه على يده ندماً، على ما ظلم .
187 - وقال(عليه السلام): (الرحيل وشيك) أي الرواح إلى الآخرة، قريب .
188 - وقال(عليه السلام): (من أبدى صفحته للحق هلك) إبداء الصفحة :
1) سورة البقرة : 194.
189 - وقال(عليه السلام): مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ أَهْلَكَهُ الْجَزَعُ .
190 - وقال(عليه السلام): وَاعَجَبَاهُ! أَتَكُونُ الْخِلَافَةُ بِالصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ؟
قال الرضي: وروي له شعر في هذا المعنى :
فإن كُنتَ بِالشُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُم*** فَكَيْفَ بِهِذَا وَالْمُشِيرُونَ غُيَّبُ؟
وَإِنْ كُنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ*** فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَأَقْرَبُ
191 - وقال(عليه السلام): إِنَّمَا الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا ،
..............................
إظهار الوجه، والوقوف أمام شيء، والمراد أن من قاوم الحق، كان ذلك سبباً لهلاكه ، إذ الحق يعلو، ولا يعلى عليه .
189 - وقال(عليه السلام): (من لم ينجه الصبر) بأن لم يصبر في المكاره حتى ينجو(أهلكه الجزع) وهو إظهار ما بالنفس من الأسى .
190 - وقال(عليه السلام): ( واعجباه ) النداء، بمعنى يا عجب احضر فهذا یا وقتك (أتكون الخلافة) للرسول (بالصحابة والقرابة)؟ أي ليست بهما، وإنما هي تعيين من الله سبحانه، كما أن الرسالة تعيين منه سبحانه.
(غيب) جمع غائب يريد(عليه السلام)، أن أبا بكر لو تقدم إلى الخلافة، بحجة أنه أخذ آراء الصحابة، فهذا ليس بصحيح إذ الإمام وهو من أكبر الصحابة لم يكن حاضراً عند الانتخاب، وإن كان أبو بكر، تقدم إلى الخلافة، بحجة أنه من عشيرة الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، فغيره - ويعني الإمام(عليه السلام) به نفسه - أقرب إلى الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
191 - وقال(عليه السلام): (إنما المرء في الدنيا غرض) الغرض، ما يجعل ليرميه الرامي، فيعرف به مقدار علم الرامي في الرمي (تنتضل فيه المنايا) أي
وَنَهْبٌ تُبَادِرُهُ الْمَصَائِبُ، وَمَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ . وَلاَ يَنَالُ الْعَبْدُ نِعْمَةَ إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلا يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ . فَنَحْنُ أَعْوَانُ الْمَنُونِ، وَأَنْفُسُنَا نَصْبُ الْحُتُوفِ، فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو الْبَقَاءَ وَهذَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً، إِلَّا أَسْرَعَا الْكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا ، وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعَا؟!
............................
تصيبه وتثبت فيه، والمنايا جمع منية، بمعنى الموت، والجمع باعتبار أفراد الإنسان(ونهب) أي منهوب (تبادره المصائب) أي أن المصائب تسرع إليه، تنهبه، بأن تصيبه (ومع كل جرعة) من الماء (شرق) هو وقوف الماء في الحلق، مما يوجب الشدة، وهذا كناية عن أن مع كل لذة ألم. (وفي كل أكلة غصص) الغصة ما يقف في حلق الإنسان من اللقمة، كالشرق بالنسبة إلى الماء (ولا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى) فإنَّ كان منعماً بالشباب كان فاقداً لحصافة الرأي، وإنما يتنعم بها حين فقد الشباب، وهكذا (ولا يستقبل) الإنسان (يوماً من عمره إلّا بفراق) يوم (آخر من أجله) أي من مدته إذ لا يستقبل الإنسان الغد، إلّا بفراق هذا اليوم، وهكذا (فنحن أعوان المنون) المنون الموت، وكوننا أعوانه، لأنه بعيشنا نقترب منه، فكأنا ساعدناه في أخذه لنا .
(وأنفسنا نصب الحتوف) جمع حتف، بمعنى: الهلاك، أي أن أنفسنا منصوبة في اتجاه الموت (فمن أين نرجو البقاء)؟ والحال إنا في قبال الموت، ونحن أعوانه (وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شيء شرفاً) أي لم يرفعا لشيء شرفاً وعزاً (إلا أسرعا الكرة) أي الرجوع إلى ذلك الشيء الشريف (في هدم ما بنيا وتفريق ما جمعا) فاللازم أن لا يهتم الإنسان بالدنيا، ولا يغتم لها .
192 - وقال(عليه السلام): يَا بْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ، فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِك.
193 - وقال(عليه السلام): إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَإِقْبَالاً وَإِدْبَاراً، فَأْتُوهَا مِنْ قِبَل شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا، فإنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِي .
194 - وكان(عليه السلام) يقول : مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ؟ أَحِينَ أَعْجِرُ عَنِ الانْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي: لَوْ صَبَرْتَ ؟ أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي : لَوْ عَفَوْتَ .
.........................
192 - وقال(عليه السلام): (يا بن آدم ما كسبت فوق قوتك) أي أكثر من حوائجك (فانت فيه خازن لغيرك) أي تجمع وتحفظ للوارث .
193 - وقال(عليه السلام) : (إن للقلوب شهوة) أي اشتهاءً، كما للبدن اشتهاء إلى اللذائذ ( وإقبالاً وإدباراً) فربما أقبلت إلى شيء، وربما أدبرت ذلك عن الشيء (فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها) أي إذا أردتم عملاً، فاعملوا كما یشتهی القلب حتى يقبل عليه وينجزه، مثلاً شهوة القلب عبادة الله بالدعاء ، فادعوا، لا أن تجبروه على الصلاة حتى يتنفر وهكذا (فإن القلب إذا أكره) على ما لا يحب (عمي) ولم يأت بالعمل .
194 - وكان(عليه السلام) يقول : (متى أشفي غيظي إذا غضبت) بتنفيذ الغضب - والانتقام من الطرف؟ (أحين أعجز عن الانتقام) مما يوجب الانتقام زيادة المشاكل (فيقال لي لو صبرت) لكان خيراً، إذ لا تقدر على الانتقام؟ (أم حين أقدر عليه فيقال لي لو عفوت) لكان أجمل بك فإنَّ العفو أفضل من الانتقام ؟ .
195 - وقال(عليه السلام) وقد مر بقدر على مزبلة : هَذَا مَا بَخِلَ بِهِ الْبَاخِلُونَ.
وروي في خبر آخر أنه قال : هذا مَا كُنتُمْ تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالْأَمْس !
196 - وقال(عليه السلام): لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ .
197 - وقال(عليه السلام): إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُ الْأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَةِ .
198 - وقال(عليه السلام) لما سمع قول الخوارج : (لا حكم إلّا لله) كَلِمَةُ حَقِّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ .
..........................
195 - وقال(عليه السلام)- وقد مر بقذر على مزبلة - : (هذا ما بخل به الباخلون) إذ الأطعمة اللذيذة، تصبح أقذاراً، بعد قليل ... وروي في خبر آخر أنه(عليه السلام) قال : (هذا ما كنتم تتنافسون فيه) أي تتغالبون فيه ويريد كل واحد منكم أن يكون له (بالأمس).
196 - وقال(عليه السلام): (لم يذهب من مالك ما وعظك) أي صار سبباً لوعظك، بأن صرفه في وعظ أو إرشاد، أو صار ذهابه علة للتنبه .
197 - وقال(عليه السلام): (إن هذه القلوب تمل) وتكسل (كما تمل الأبدان) وتتعب (فابتغوا) أي اطلبوا (لها طرائف الحكمة) أي الحكم الطريفة الظريفة التي توجب نشاطها، ودفع الكسل عنها، لتتمكنوا من الاستمرار في العمل والعبادة .
198 - وقال(عليه السلام)- لما سمع قول الخوارج لا حكم إلّا لله - : (كلمة حق يراد بها باطل) لقد أراد الخوارج بكلمتهم تلك أن لا يكون حاكم إطلاقاً، وإنما يرجع الناس بأنفسهم إلى الكتاب والسنة، وهذه الكلمة ظاهرها أن [ الحكم لله] لا [أن الحاكم لا يكون] فالكلمة حق إذ لا يجوز حكم غير الله
199 - وقال(عليه السلام) في صفة الغوغاء: هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا. وقيل: بل قال(عليه السلام) : هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا، فقيل : قد عرفنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟ فقال : يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْمِهَنِ إِلَى مِهْنَتِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ ، وَالنَّسَّاجِ إِلَى مَنْسِجِهِ، وَالْخَبَّازِ إِلَى مَخْبَرِهِ.
200 - وقال(عليه السلام)، وأُتي بجانٍ ومعه غوغاءُ، فقال : لا مَرْحَباً بِوُجُوهٍ لاَ تُرَى إِلَّا عِنْدَ كُلِّ سَوْءَةٍ.
.....................................
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(1)والمراد وهو أن لا يكون حاكم، باطل، إذ لا يستقيم أمر الناس إلّا بالحاكم، وقد قصد الخوارج بهذه الكلمة الاحتجاج لخروجهم عن طاعة الخليفة . 199 - وقال(عليه السلام)- في صفة الغوغاء - [وهم الناس المختلفون يجتمعون اعتباطاً لمشاهدة أمر حادث] (هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا) لأنهم باجتماعهم يفعلون ما يريدون (وإذا تفرقوا لم يعرفوا) لعدم اشتهار لكل واحد منهم في المجتمع، وإنما هم من سواد الناس . وقيل : بل قال(عليه السلام) : (هم الذين إذا اجتمعوا ضروا) الناس باجتماعهم ( وإذا تفرقوا نفعوا) فقيل : قد عرفنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟ فقال(عليه السلام) : (يرجع أصحاب المهن) جمع مهنة، بمعنى العمل والشغل (إلى مهنتهم) وكسبهم (فينتفع الناس بهم كرجوع البناء إلى بنائه والنساج إلى منسجه) أي محل نسجه (والخباز إلى مخبزه) مصدر ميمي بمعنى : محل الخبز.
200 - وقال(عليه السلام)- وأتى بجان أي إنسان قد جن وأجرم ومعه غوغاء - : (لا مرحباً بوجوه لا ترى إلّا عند كل سوءة) أي كل سوء، فإنَّ الناس لا
1) سورة المائدة : 44.
201 - وقال(عليه السلام): إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانِ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، وَإِنَّ الْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ .
202 - وقال(عليه السلام)، وقد قال له طلحة والزبير : نبايعك على أَنا شركاؤك في هذا الأمر : لا ، وَلكنَّكُمَا شَريكَانِ فِي الْقُوَّةِ وَالاسْتِعَانَةِ، وَعَوْنَانِ عَلَى الْعَجْزِ وَالْأَوَدِ.
203 - وقال(عليه السلام): أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ ، وَإِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ ،
...............................
يجتمعون إلّا في مناسبات سيئة، كالقتل، والضرب، والجناية، وما أشبه، وهذا غالبي كما لا يخفى .
201 - وقال(عليه السلام): (إن مع كل إنسان ملكين يحفظانه) عن الكوارث والنوازل (فإذا جاء القدر) أي الذي قدر، أن يصيبه من مكروه وما أشبه (خليا) أي ذانك الملكان (بينه) أي بين هذا الإنسان (وبينه) أي بين ذلك القدر(وإن الأجل جنة حصينة) أي المدة التي قدرها الله سبحانه لعمر الإنسان حافظ له عن الأقدار ، حتى إذا تم عمره، لم يكن له حافظ ووقاية .
202 - وقال(عليه السلام)- وقد قال له طلحة والزبير : نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الأمر [أي أمر الخلافة ]-: (لا ولكنكما شريكان) لي (في القوة والاستعانة) بأن تكونا قوة وعوناً في تنفيذ أوامري (وعونان على العجز والأود) أي الاعوجاج أن تعينان إذا عجزت السلطة، أو انحرفت، في تنفيذ الأوامر وتقويم المعوج المنحرف.
203 - وقال(عليه السلام): (أيها الناس اتقوا الله) أي خافوه (الذي إن قلتم سمع) كلامكم (وإن أضمرتم) أي نويتم شيئاً (علم) ما أضمرتم
وَبَادِرُوا الْمَوْتَ الَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ .
204 - وقال(عليه السلام): لاَ يُزَهْدَنَّكَ فِي الْمَعْرُوفِ مَنْ لا يَشْكُرْ لَكَ ، فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ يَسْتَمْتِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، وَقَدْ تُدْرِكُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ الْكَافِرُ ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .
205 - وقال(عليه السلام): كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وِعَاءَ الْعِلْمِ، - فإِنَّهُ يَتَّسِعُ.
...............................
( وبادروا الموت) أي أسرعوا إلى العمل قبل أن يدرككم الموت (الذي إن هربتم منه أدرككم) والهروب إنما هو بتوفير أسباب البقاء وأسباب الصحة ولو بالفرار من بلد إلى بلد آخر (وإن أقمتم) في مكانكم (أخذكم) لأنه لا يقاومه شيء (وإن نسيتموه ذكركم) لأنه لا ينسى الإنسان، مهما نسيه الإنسان.
204 - وقال(عليه السلام) : (لا يزهدنك في المعروف) أي لا يسبب نفرتك وابتعادك عن العمل الخيري (من لا يشكر لك) بأن أحسنت إليه فلم يشكرك، فتقول لا خير في هذا العمل الذي لا يحمد الإنسان عليه (فقد يشكرك عليه) أي على المعروف (من لا يستمتع بشيء منه) فإنَّ من الناس من إذا سمع الإحسان، مدح المحسن وإن لم يبلغه إحسانه (وقد تدرك من شكر الشاكر) أي يصيبك من شكر الذي شكرك - بدون وصول إحسانك إليه - (أكثر مما أضاع الكافر) الذي أحسنت إليه فلم يشكرك، هذا في الدنيا (والله يحب المحسنين) فأحسن، حتى يحبك الله تعالى، وإن لم يشكرك الناس .
205 - وقال(عليه السلام) : (كل وعاء) وظرف (يضيق بما جعل فيه) إذا أريد أن يجعل فيه أكثر من مقداره (إلا وعاء العلم) الذي هو القلب (فإنه يتسع) بكثرة
206 - وقال(عليه السلام): أَوَّلُ عِوَضِ الْحَلِيمٍ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ.
207 - وقال(عليه السلام): إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ .
208 - وقال(عليه السلام): مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، يع وَمَنْ خَافَ أَمِنَ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ ، وَمَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ، وَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ .
....................................
العلم ولا يضيق .
206 - وقال(عليه السلام): (أول عوض الحليم من حلمه) أي أول ما يعطى له عوضاً عن حلمه أمام الجاهل (أن الناس أنصاره على الجاهل) الذي تعدى عليه، فإنَّ الناس يلومون ذلك الجاهل، وينصرون ذلك الحليم .
207 - وقال(عليه السلام): (إن لم تكن حليماً فتحلم) أي تكلف الحلم، واحمل نفسك عليه (فإنه قل من تشبه بقوم) أي بجماعة ذات صفة خاصة (إلا أوشك) واقترب (أن يكون منهم) فمن تشبه بالكرماء، صار كريماً، وهكذا وعلى هذا فمن تشبه بالحلماء صار حليماً .
208 - وقال(عليه السلام): (من حاسب نفسه ربح )لأنه يعرف مقدار الضرر، لي فيتدارك وذلك سبب للربح (ومن غفل عنها) أي عن نفسه، فلم يصرفها فيما ينبغي .
(خسر) إذ لم يدرك القيمة الواقعية للنفس (ومن خاف أمن) إذ الخائف يهيئ لنفسه أسباب الأمن (ومن اعتبر) بحوادث الدهر (أبصر ) وعرف النجاة (ومن أبصر) ورأى (فهم) أي يفهم ويدرك (ومن فهم علم) إذ من أدرك قلباً . صار إدراكه علماً له إذ يجمع له الشواهد والبراهين، حتى يكون علماً راسخاً .
209 - وقال(عليه السلام): لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا ، وتلا عقيب ذلك : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةِ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(1)
210 - وقال(عليه السلام): اتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ شَمَّرَ ، تَجْرِيداً، وَجَدَّ تَشْمِيراً، وَكَمَّشَ فِي مَهَلٍ ، وَبَادَرَ عَنْ وَجَلٍ ، وَنَظَرَ
................................
209 - وقال(عليه السلام): (لتعطفن) أي تميلن (الدنيا علينا) أهل البيت (بعد شماسها) أي امتناعها وإدبارها عنا (عطف الضروس) أي مثل عطف الناقة السيئة الخلق (على ولدها) فإنَّها مع ضيق خلقها تعطف على ولدها، وقد صار ما قاله الإمام(عليه السلام)، فها هي الدنيا تخضع أمام عظمة أهل البيت(عليهم السلام) بعد تلك الشدائد التي لا قوها، وهكذا العاقبة للأنبياء والأئمة والصالحين (وتلا) الإمام(عليه السلام)( عقيب ذلك الكلام، قوله سبحانه : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) يعني أئمة الناس ووارثين للأرض .
210 - وقال(عليه السلام): (اتقوا الله) أي خافوا عقابه (تقية من شمر تجريداً) فإنَّ مريد السير السريع، يرفع ثوبه عن ساقيه - وهو التشمير - ويجردهما، لئلا يلتف برجله، فيمنعه عن سرعة السير، أي هكذا كونوا في إطاعة الله .
(وجد تشميراً) أي جد في تشميره واجتهد (وكمش) أي جد في السير (في مهل) أي في مدة مهلته في الدنيا، التي يتمكن من العمل فيها (وبادر) أي أسرع في الأعمال الصالحة (عن وجل) وخوف من الله سبحانه (ونظر) أي
1) سورة القصص : 5
فِي كَرَّةِ الْمَوْئِلِ وَعَاقِبَةِ الْمَصْدَرِ، وَمَغَيَّةِ الْمَرْجِعِ .
211 - وقال(عليه السلام): الْجُودُ حَارِسُ الْأَعْرَاضِ، وَالْحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ، وَالْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ، وَالسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ ، وَالاِسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ . وَقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ . وَالصَّبْرُ يُنَاضِلُ الْحِدْثَانَ، وَالْجَزَعُ
.................................
فكر (في كرة الموئل) الموئل آخر السير الذي يؤول إليه أمر الإنسان - وكرته إقباله - [إذ الكر مقابل الفر] فإنَّ الإنسان يرجع إلى الله سبحانه، في القيامة (وعاقبة المصدر) أي عاقبة العمل الذي يصدر عن الإنسان، هل سعادة أو شقاء؟ ( ومغبة المرجع) المغبة بمعنى العاقبة، أي نظر في عاقبة رجوعه هل إلى خسر أم إلى ربح؟ فمن نظر كذلك، لا بد وأن ينساق وراء الأعمال الصالحة .
211 - وقال(عليه السلام): (الجود حارس الأعراض) فإنَّ الإنسان إذا جاد حفظ عرضه عن تناول الناس له بسوء (والحلم فدام السفيه) الفدام ما يشده بعض الناس على فمهم، والمراد أنك إذا حلمت ربطت فم السفيه فلم يتمكن أن يتكلم عليك (والعفو زكاة الظفر ) فإذا ظفرت بعدوك ، كان سبب بب نماء الظفر أن تعفو عنه (والسلو) أي أن تسلو ولا تفكر في ما يفعل الغادر (عوضك ممن غدر) فإذا غدر بك غادر، فتسل ولا تفكر في غدره ( والاستشارة عين الهداية)فإنَّها سبب للهداية إلى الطريق الصحيح، فكأنها الهداية بعينها .
(وقد خاطر) أي أوقع نفسه في الخطر (من استغنى برأيه) ولم يشاور الناس في أموره، لأنه كثيراً ما يقع في الأضرار والمهالك (والصبر يناضل) أي يدافع (الحدثان) نوائب الدهر أي يدافع الصبر عن المصائب فإذا أصابته مصيبة فصبر، ذهبت المصيبة هدراً، ولم تؤثر أثراً بالغا (والجزع) عند
مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ . وَأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى . وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرِ! وَمِنَ التَّوفِيقِ حِفْظُ التَّجْرِبَةِ . وَالْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ، وَلَا تَأْمَنَنَّ مَلُولاً.
21 - وقال(عليه السلام): عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ .
213 - وقال(عليه السلام): أَغْضِ عَلَى الْقَذَى وَالأَلَم تَرْضَ أَبَداً .
.................................
المصيبة ( من أعوان الزمان) ضد الإنسان فمن جزع فكأنّه أعان الزمان السيئ على نفسه إذ يكون الضرر حينئذ أكثر . (وأشرف الغنى ترك المنى) جمع منية ، بمعنى ما يتمناه الإنسان، فإنَّ ترك الأماني يوجب غناء الإنسان بخلاف تطلبها ، فإنَّها لا تزال تزيد وتنمو (وكم من عقل أسير تحت هوى أمير) إذ كثير من الناس جعلوا عقولهم أسيراً تحت حكم أهوائهم يطيعون الأهواء ضدّ العقول (ومن التوفيق) الذي يقود الإنسان إلى السعادة (حفظ التجربة) أي أن تتحفظ بما جربت لتسير على نهجها في المشاكل (والمودة) مع الناس (قرابة مستفادة) إذ الصديق يعمل كما يعمل القريب، بدون أن تكون بينهما رحم (ولا تأمنن ملولاً) أي السريع الملل والسآمة، ومثل هذا لا يؤمن على عمل، إذ قد يمل، فيترك عملك، ويوجب فساد أمرك .
212 - وقال(عليه السلام): (عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله) فكما أنَّ الحسود يحول بين الإنسان وبين مصالحه، كذلك العجب يحسد العقل، ولا يتركه أن يعمل حسب صلاح الإنسان.
213 - وقال(عليه السلام): (أغض على القذى) أي أغمض عينيك مع وجود قذى فيها (والألم) أي اصبر على الألم الذي يصيبك (ترض أبداً) فإنَّ الصبر الرضا، ومعنى أن من يوطّن نفسه على الآلام يعيش راضياً دائماً،
214 - وقال(عليه السلام): مَنْ لاَنَ عُودُهُ كَثْفَتْ أَغْصَانُهُ .
215 - وقال(عليه السلام): الْخِلافُ يَهْدِمُ الرَّأْيَ .
216 - وقال(عليه السلام): مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ .
217 - وقال(عليه السلام): فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ ، عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ .
218 - وقال(عليه السلام): حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ الْمَوَدةِ .
.....................................
بخلاف من لا يتحمّل فإنَّه يعيش ساخطاً أبداً.
214 - وقال(عليه السلام): (من لان عوده كثفت أغصانه) لين العود كناية عن الأخلاق الحسنة، وكثافة الأغصان كناية عن كثرة الأصدقاء .
215 - وقال(عليه السلام): (الخلاف) بين المتشاورين في الرأي (يهدم الرأي) الذي للإنسان، لأنّ المخالف يوجد الشك مما يسبب عدم تنفيذ الإنسان لرأيه .
216 - وقال(عليه السلام): (من نال) أي من أعطى (استطال) أي ارتفع في المجتمع واستعلى، فإنَّ الجواد مرفوع القدر لدى الناس .
217 - وقال(عليه السلام): (في تقلب الأحوال) أي تقلّبات الدهر، من صحة وغنى ومرض وفقر وجاه وما أشبه (علم جواهر الرجال) أي يعلم جوهر الرجل، وهل هو حسن أو قبيح، لأنه إذا صبر عند البلاء، وشكر عند الرخاء، ، ولم يستطل عند الجاه، ولم يذل عند الفقر، وهكذا، دل على حسن جوهره .
218 - وقال(عليه السلام): (حسد الصديق) لصديقه (من سقم المودة) إذ لولا أن المودّة بينهما مريضة وليست حقيقية ما كان الحسد .
219 - وقال(عليه السلام): أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعَ .
220 - وقال(عليه السلام): لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ الْقَضَاءُ عَلَى الثَّقَةِ بِالظَّنِّ.
221 - وقال(عليه السلام): بِئْسَ الزَّادُ إلَى الْمَعَادِ، الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ .
222 - وقال(عليه السلام): مِنْ أَشْرَفِ أَعْمَالِ الْكَرِيمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ.
223 - وقال(عليه السلام): مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوبَهُ ، لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ .
...............................
219 - وقال(عليه السلام): (أكثر مصارع العقول) أي سقوطها وعدم حكمها كما ينبغي (تحت بروق المطامع) أي الأطماع، فإنَّ الإنسان إذا طمع في مال أو جاه أو ما أشبه، لم يتبع عقله، وارتكب القبيح لأجل الوصول إلى ذلك الذي طمع فيه .
220 - وقال(عليه السلام): (ليس من العدل القضاء على الثقة) أي بأن يهلك الإنسان ثقته بأحد (بالظن) في ذلك الشخص إذ الظن لا يغني من الحق شيئاً، فإِنَّ وثق الإنسان بأحد ، يلزم أن يبقي ثقته، حتى يتيقّن بخلافها، لا بمجرّد الظن بالخلاف.
221 - وقال(عليه السلام): (بئس الزاد إلى المعاد) أي ما يخلّفه الإنسان من عمله للآخرة (العدوان على العباد) أي ظلمهم والتعدي عليهم .
222 - وقال(عليه السلام): (من أشرف أعمال الكريم) أي الرفيع النفس (غفلته عما يعلم) بأن يتغافل عن ذنب المذنبين وعيوب الناس .
223 - وقال(عليه السلام): (من كساه الحياء ثوبه) بأن كان شخصاً حيياً يستحي من العمل القبيح (لم ير الناس عيبه ) لأنه لا يظهر عيباً حتّى يروه .
224 - وقال(عليه السلام): بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الْهَيْبَةُ، وَبِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ الْمُوَاصِلُونَ، وَبِالْإِفْضَالِ تَعْظُمُ الْأَقْدَارُ ، وَبِالتَّوَاضُعِ تَتِمُ النّعْمَةُ ، وَبِاحْتِمَالِ الْمُؤنِ يَجِبُ السُّوْدَدُ ، وَبِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمُنَاوِئُ، وَبِالْحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ تَكْثُرُ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِ.
225 - وقال(عليه السلام): الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْحُسَّادِ ، عَنْ سَلَامَةِ الْأَجْسَادِ!
226 - وقال(عليه السلام) : الطَّامِعُ فِي وِثَاقِ الذُّلِّ .
..................................
224 - وقال(عليه السلام): (بكثرة الصمت) والسكوت (تكون الهيبة) للإنسان، لدى الناس (وبالنصفة) بأن يكون منصفاً فيما له وعليه (يكثر المواصلون) أي المحبّون الذين يواصلونه (وبالإفضال) أي بالإنعام على الناس (تعظم الأقدار) أي يرفع قدر الإنسان عند الناس (وبالتواضع تتم النعمة) فإنَّ الله سبحانه يتم نعمته على من تواضع لعظمته . (وباحتمال المؤن يجب السؤدد) المؤن جمع مؤنة، بمعنى حوائج الإنسان من القوت واللباس وما أشبه، والمعنى أنّ السيادة على الناس إنّما تكون باحتمال الإنسان مؤناتهم وما يحتاجون إليه (وبالسيرة العادلة) بأن يعدل الإنسان في أعماله وأفعاله [لا يفرط ولا يفرّط] ( يقهر المناوئ) أي المخالف، إذ لا يجد في الإنسان قبيحاً حتى يتخذه ممسكاً (وبالحلم عن السفيه) بأن تحلم عمّن يؤذيك سفاهة (تكثر الأنصار عليه) إذ الناس أنصار الحليم ضدّ السفيه .
225 - وقال(عليه السلام): (العجب لغفلة الحسّاد عن سلامة الأجساد) أي يتعجّب الإنسان، كيف لا يحسد الحاسدون سلامة جسد الإنسان، مع أنّه أحق بالحسد من المال والجاه الذين يحسدهما الحاسدون، وهذا تنبيه لعظم نعمة السلامة .
226 - وقال(عليه السلام): (الطامع في وثاق الذل) الوثاق : الحبل الذي يوثق
227 - وسئل عن الإيمان فقال : الإيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَإقْرَارٌ بِاللَّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ .
228 - وقال(عليه السلام): مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنيا حَزِينَاً فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللهِ سَاخِطاً، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ، وَمَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُنَا دِينِهِ . وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ آياتِ اللهِ هُزُواً، وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا
.........................
به ويقيّد به الإنسان، فإنَّ الطامع ذليل دائماً، لأجل ما طمع فيه .
227 - وسئل عن الإيمان فقال(عليه السلام): (الإيمان معرفة بالقلب) بالنسبة ؟ إلى أصول الدين (وإقرار باللّسان) بالشهادتين وفروعهما (وعمل بالأركان) أي أركان البدن وأعضائه، من صلاة وصيام وحج و وما أشبه .
228 - وقال(عليه السلام): (من أصبح على الدنيا حزيناً) لماذا لم تأته أو فاتته؟ - (فقد أصبح لقضاء الله) وحكمه بالنسبة إلى أمور الدنيا كيف تكون (ساخطاً) غاضباً، فاللازم أن لا يحزن الإنسان على الدنيا (ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به) شكاية، لا حكاية (فقد أصبح يشكو ربه) لأنه سبحانه أنزل عليه المصيبة (ومن أتى غنيّاً فتواضع له لغناه) أي لأنه غني، لا لأنه مسلم، أو صديق، أو محسن إلى الناس، أو ما أشبه (فقد ذهب ثلثا دينه) لأنه تواضع له قلباً وجسداً، فلم يبق إلّا الإقرار باللسان بعظمته بمحلين من محلات الإيمان، فإنَّ محلّ الإيمان اللسان والجنان والأركان .
( ومن قرأ القرآن ،فمات، فدخل النار فهو ممن كان) في الدنيا (يتخذ آيات الله هزواً) أي استهزاءاً ومسخرة، وهذا لبيان أن قارئ القرآن لا يدخل النار، إلّا إذا كان مستهزءاً بالقرآن . (ومن لهج قلبه يحب الدنيا) أي كان فكره
الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاثٍ : هَمٍّ لا يُغِيُّهُ، وَحِرْصٍ لا يَتْرُكُهُ، وَأَمَلٍ لا يُدْرِكُهُ .
229 - وقال(عليه السلام): كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً، وَبِحُسْنِ الْخَلْقِ نَعِيماً، وَسُئِلَ(عليه السلام) عن قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً(1)فَقَالَ : هِيَ الْقَنَاعَةُ.
230 - وقال(عليه السلام): شَارِكُوا الَّذي قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ ، فإِنَّهُ أَخْلَقُ لِلْغِنَى ، وَأَجْدَرُ بِإِقْبَالِ الْحَظِّ عَلَيْهِ .
231 - وقال(عليه السلام) في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ(2).
..............................
طلب الدنيا، وارتكز في قلبه حبّها حتى أنه كان دائماً في ذكرها (التاط) أي التصق (قلبه منها) أي من الدنيا (بثلاث) صفات (هم لا يغبه) أي لا يفارقه لما فات منها (وحرص لا يتركه) للازدياد منها (وأمل لا يدركه) والأمل هو المنتهى الذي يتصوره الإنسان آخر مرحلته في الجمع والإرخاء وما أشبه .
229 - وقال(عليه السلام): (كفى بالقناعة ملكا) فإنَّ القنوع لا يحتاج إلى شيء كما أن المالك لا يحتاج (و) كفى (بحسن الخلق نعيما) فإنَّ من حسنت أخلاقه، كان في نعيم دائم، (وسئل(عليه السلام) عن قوله تعالى : فلنحيينّه حياة طيّبة) ما معناها، فقال(عليه السلام): (هى القناعة) وهذا من مصاديق الاية، كما لا يخفى.
230 - وقال(عليه السلام): (شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق) والمشاركة معه ، بالمعاملة، والزواج، والمشاورة، وما أشبه (فإنه أخلق للغنى) أي أجدر أن يكون سبباً لثروة مشاركيه (وأجدر بإقبال الحظ عليه) فإذا شاركه الإنسان أقبل الحظ على المشارك أيضاً.
231 - وقال(عليه السلام) في قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) :
الْعَدْلُ : الأَنْصَافُ، وَالْإِحْسَانُ : التَّفَضُلُ .
232 - وقال(عليه السلام): مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ الطَّوِيلَةِ .
قال الرضي(رحمة الله) : [أقول : ومعنى ذلك أنّ ما ينفقه المرء من ماله في سبيل الخير والبر، وإن كان يسيراً، فإنَّ الله يجعل الجزاء عليه عظيماً كثيراً واليدان ههنا عبارة عن النعمتين، ففرق(عليه السلام) بين نعمة العبد ونعمة الرب تعالى ذكره، فجعل تلك قصيرة، وهذه طويلة، لأنَّ نعم الله أبداً تضعف على نعم المخلوق أضعافاً كثيرة، إذ كانت نعم الله أصل النعم كلها، فكل نهمة إليها ترجع ومنها تنزع] ، لكن الظاهر أن الكلام أعمّ من الإحسان إلى الناس، أو العمل لله سبحانه، كما ذكرنا.
233 - وقال(عليه السلام) لابنه الحسن(عليه السلام) : لا تَدْعُونَ إِلَى مُبَارَزَةٍ، وَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ، فَإِنَّ الدَّاعِي بَاغٍ ، وَالْبَاغِي مَصْرُوعٌ .
................................
(العدل الإنصاف ) بأن ينصف الإنسان فيما له أو عليه (والإحسان: التفضل) بأن يتفضل الإنسان على سائر الناس، زيادة على استحقاقهم .
232 - وقال(عليه السلام) : (من يعط باليد القصيرة) أي يعين الناس والدين، ولو إعانة قليلة (يعط باليد الطويلة) أي يعينه الناس ويعينه الله إعانات كبيرة ، وكفى(عليه السلام) عن الأمرين باليد القصيرة والطويلة .
233 - وقال(عليه السلام)- لابنه الحسن(عليه السلام)- : (لا تدعونّ إلى مبارزة) أي بروز القرن لك لتقاتله، كما كانت العادة في الحروب، حيث يخرج الشجاع من أحد الجانبين ويدعو قرينه لمقاتلته (وإن دعيت إليها) بأن دعاك القرن إلى المبارزة (فأجب فإنَّ الداعي باغ) أي ظالم، لأنه بادئ (والباغي مصروع) هالك، لأنّ الله سبحانه لاينصر الظّالمين.
234 - وقال(عليه السلام) : خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ : الزَّهْوُ، وَالْجُبْنُ ، وَالْبُخْلُ ، فإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا ، وَإِذَا كَانَتْ بَخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَمَالَ بَعْلِهَا ، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا .
235 - وقيل له : صف لنا العاقل ، فقال(عليه السلام) : هُوَ الَّذِي يَضَعُ الشَّيْءَ مَوَاضِعَهُ ، فَقِيلَ : فصف لنا الجاهل ، فقال : قَدْ فَعَلْتُ .
قال الرضي: يعني أن الجاهل هو الذي لا يضع الشيء مواضعه، فكأن ترك صفته صفة له، إذ كان بخلاف وصف العاقل .
..............................
234 - وقال(عليه السلام): (خيار خصال النساء) أي أفضل صفاتهن (شرار خصال الرجال) ثم بين(عليه السلام) تلك الخصال بقوله : (الزهو) أي الكبر (والجبن والبخل) فإنَّها صفات حسنة في المرأة، وصفات سيّئة في الرجل (فإذا كانت المرأة مزهوة) أي متكبرة (لم تمكن) الأجنبي (من نفسها) لأنها ترى ذلك عاراً، ومنافياً لكبريائها (وإذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها) عن التلف والإسراف (وإذا كانت جبانة فرقت) أي خافت (من كل شيء يعرض لها) فلا يقع عرضها في الخطر، ولا يخفى أن المراد بحسن تلك الصفات فيها، حسن الحدود التي بينها الإمام(عليه السلام) ، لا حسنها مطلقاً .
235 - وقيل له(عليه السلام): صف لنا العاقل ؟ فقال(عليه السلام): (هو الذي يضع الشيء مواضعه) التي تبتدع لذلك الشيء .. (فقيل) له(عليه السلام) (فصف لنا الجاهل ؟ قال(عليه السلام)) : قد فعلت .
قال الرضي(رحمة الله) : يعني أن الجاهل هو الذي لا يضع الشيء مواضعه فكان ترك صفته أي صفة العاقل صفة له (أي للجاهل إذ كان بخلاف وصف العاقل .
236 - وقال(عليه السلام): وَاللهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْدومٍ.
237 - وقال(عليه السلام): إِنَّ قَوماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَارِ، وَإِنَّ قَوماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنْ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَارِ .
238 - وقال(عليه السلام): الْمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا ، وَشَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا !
239 - وقال(عليه السلام): مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِيَ ضَيَّعَ الْحُقُوقَ ،
............................
236 - وقال(عليه السلام): (والله لدنياكم هذه) إضافة الدنيا إليهم لتكالبهم عليها (أهون في عيني من عراق خنزير) العراق ما في بطنه (في يد مجذوم)هو المصاب بمرض الجذام، وما أقذر كرش الخنزير في يد ذي الجذام؟ وهكذا كانت الدنيا في عين الإمام(عليه السلام).
237 - وقال(عليه السلام): (إنّ قوماً عبدوا الله رغبة) في الثّواب (فتلك) العبادة (عبادة التّجّار) لأنهم يعطون الشيء بقصد العوض (وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة) وخوفاً من النّار (فتلك عبادة العبيد) فإنَّهم يعملون لأسيادهم خوفا من عقابهم (وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً) لأنهم عرفوا حقّاً عليهم فأدّوه (فتلك عبادة الأحرار) فإنَّ الأحرار يؤدّون الحقوق، ويقيمون باللازم عليهم عقلاً .
238 - وقال(عليه السلام): ( المرأة شرّ كلّها) لأنها تتّصف بصفات تأتي منها الشرور - وذلك لنقصان عقلها، وغلبة عاطفتها - (وشرّ ما فيها أنّه لا بدّ منها) فإنَّها ركن في الخلقة، كما أنّ الرّجل ركن آخر، وهذا تحذير عن الوقوع في حبائلها، ممّا يؤدّي بالدّين والدنيا .
239 - وقال(عليه السلام): (من أطاع التّواني) أي التّكاسل والتّعاجز (ضيع الحقوق)
وَمَنْ أَطَاعَ الْوَاشِيَ ضَيَّعَ الصَّدِيقَ .
240 - وقال(عليه السلام): الْحَجَرُ الْغَصِيبُ فِي الدَّارِ رَهْنٌ عَلَى خَرَابِهَا .
قال الرضي: ويروى هذا الكلام عن النبي الا الله ، ولا عجب أن يشتبه الكلامان ، لأن مستقاهما من قليب، ومفروغهما من ذنوب.
241 - وقال(عليه السلام): يَوْمُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مَنْ يَوْمٍ الظَّالِمِ عَلَى الْمَظْلُومِ .
242 - وقال(عليه السلام): اتَّقِ اللهَ بَعْضَ التَّقَى وَإِنْ قَلَّ ، وَاجْعَلْ بَيْنَكَ
المفروضة عليه، لأنه إذا كسل لم يقم بالحق اللازم عليه (ومن أطاع الواشي) أي النّمام (ضيع الصديق) لأنه يوجب الفساد بينهما ، وهدم الصّداقة.
240 - وقال : (الحجر الغصيب) أي المغصوب (في الدار رهن على خرابها) أي موجب لخراب الدار، كما أنّ الرهن يعاد إلى صاحبه، ولا يبقى عند المرتهن .
قال الرضي(رحمة الله) : ويروى هذا الكلام عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، ولا عجب أن يشتبه الكلامان، لأن مستقاهما من قليب، أي كلاهما نزحا من بئر علم الإله ومفروغهما من ذنوب . أي يفرغان من دلو واحد هو دلو الرسالة .
241 - وقال(عليه السلام)(يوم المظلوم على الظالم) وهو يوم القيامة الذي ينتصف فيه المظلوم من الظالم (أشدّ من يوم الظالم على المظلوم) وهو في الدنيا حين يظلم الظالم المظلوم، فإنَّ الانتقام أشدّ من الظلم .
242 -وقال(عليه السلام): (اتّق الله بعض التقى وإن قل) فلا تكن مطلق السراح في معاصيه، فإنَّ التَّقوى القليلة تجر إلى التقوى الكثيرة (واجعل بينك
وَبَیْنَ الله سِتْراَ وَإِنْ رَقَّ.
243 - وقال(عليه السلام): إِذَا ازْدَحَمَ الْجَوَابُ، خَفِي الصَّوَابُ .
244 - وقال(عليه السلام): إِنَّ للهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقَّاً، فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَصَّرَ عَنْهُ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ .
245 - وقال(عليه السلام): إِذَا كَثُرَتِ الْمَقْدِرَةُ قَلَّتِ الشَّهْوَةُ .
246 - وقال(عليه السلام): احْذَرُوا نِفَارَ النَّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ .
247 - وقال(عليه السلام): الْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ الرَّحِمِ .
.......................
وبين الله سترا) والمراد عدم إظهار المعاصي أمام الله سبحانه، بل التجنب عنها (وإن رق) ستر.
243 - وقال(عليه السلام): (إذا ازدحم الجواب) أي كثر الجواب المختلف على سؤال واحد (خفي الصواب) فلا يعلم أي جواب هو الصحيح؟
244 - وقال(عليه السلام): (إنّ لله في كل نعمة) يتفضل بها للعبد (حقّاً فمن أداه) أي أدّى ذلك الحق، وهو الشكر (زاده) الله (منها) أي من تلك النعمة (ومن قصّر عنه) فلم يؤدّ شكر النعمة، لساناً وقلباً وبدناً (خاطر بزوال نعمته) أي أوقع نفسه في خطر زوالها.
245 - وقال(عليه السلام): (إذا كثرت المقدرة) أي قدرة الإنسان على الشّيء (قلت الشهوة) إذ النفس تستغني إذا عرفت القدرة، فتقل الشهوة.
246 - وقال(عليه السلام): (احذروا نفار النعم) أي نقورها بسبب عدم شكرها غلام (فما كل شارد) أي فار (بمردود) أي يمكن ردّه .
247 - وقال(عليه السلام): (الكرم أعطف من الرحم) فإذا تكرمت على إنسان
248 - وقال(عليه السلام): مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ .
249 - وقال(عليه السلام): أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ .
250 - وقال(عليه السلام): عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ، وَحَلِّ الْعُقُودِ، وَنَقْضِ الْهِمَمِ.
251 - وقال(عليه السلام): فَرَضَ اللهُ الإِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبَر،
...............................
كان أعطف إليك من رحمك وقرابتك .
248- وقال(عليه السلام): (من ظنّ بك خيراً فصدّق ظنّه) بأن تعمل حسب ظنّه ، فإن ظنّ بك العلم، فتعلم، وإن ظنّ بك الإحسان، فأحسن وهكذا.
249 - وقال(عليه السلام): (أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه) إذ المكروه مخالف للشّهوة، وكل ما خالف الشهوة مطابق للعقل، وما طابق العقل كان أفضل .
250 - وقال(عليه السلام): (عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم) جمع عزيمة، وهي الإرادة القوية والقصد، وفسخها نقضها، فلولا أنّ هناك إرادة فوق إرادة البشر ، لم يكن ناقض لعزائم الإنسان وإنما كان ينفذها كما أراد (وحلّ العقود) جمع عقد، بمعنى النية تنعقد على فعل أمر، ثم تنفسخ، ولعلّ العزيمة أقوى من العقد (ونقض الهمم) جمع همّة، أي اهتمام الإنسان بالأمر وهذا أضعف من الأولين، فإنّ هناك همّة، وعقداً وعزيمة .
251 - وقال(عليه السلام): (فرض الله الإيمان) به وحده لا شريك له (تطهيراً من الشّرك ) حتّى لا يكون الإنسان ملوثاً بلوث الخرافة التي هي الشرک بالله (و) فرض (الصلاة تنزيهاً عن الكبر) إذ الصلاة توجب ذلّة العبد أمام الربّ
وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ ، وَالصِّيَامَ ابْتِلاءً لإخْلَاصِ الْخَلْقِ، وَالْحَجَّ تقرِبَةً لِلدِّينِ، وَالْجِهَادَ عِزّاً لِلإِسْلَامِ ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ، وَمُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ، وَتَرْكَ الزِّنَا تَحْصِيناً لِلْنَّسَبِ ،
.................................
تعالى (والزكاة تسبيباً للرزق) فإنّ الزكاة توجب زيادة الرّزق، ولذا سمّيت زكاةً، فإنَّها بمعنى النمو (والصيام ابتلاءً) أي امتحاناً (لإخلاص الخلق) فإنَّ الصيام لا يصدر إلّا عن مخلص لله سبحانه إذ الإنسان يتمكن من الإفطار، ولو كان في وسط المجتمع، فإذا لم يفطر دلّ ذلك على إخلاصه (والحج تقربة للدين) أي سبباً لتقرب أهل الدين بعضهم من بعض (والجهاد عزّاً للإسلام) لأن رفع راية الإسلام لا يكون إلّا بالجهاد. (والأمر بالمعروف مصلحة للعوام) حتى يهتدوا ولو ترك الأمر بالمعروف، ترك المعروف، وذلك يسبب الضرر لعامة الناس (والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء) حتى يرتدعوا عن الإتيان بالمنكرات (وصلة الرحم منماة) مصدر ميمي بمعنى الإنماء والإكثار (للعدد) فإنَّ الصلة توجب كثرة الأرحام والأقرباء، ممّا يزيد في قوتهم وشوكتهم (والقصاص حقناً) أي حفظاً (للدماء) إذ لو قتل القاتل، لم يجرؤ غيره على القتل(وإقامة الحدود إعظاما للمحارم) أي حتى يعظم الناس محارم الله سبحانه ولا يرتكبوها فيفسد الاجتماع. (وترك شرب الخمر تحصيناً) أي حفظاً (للعقل) فإنَّ الخمر توجب ذهابه (ومجانبة السرقة) أي سرقة أموال الناس (إيجاباً للعفة) حتى يكون الإنسان عفيف النفس، واقفاً على العدل، غير مفرط ولا مفرّط (وترك الزنا تحصيناً) أي حفظاً (للنسب)
وَتَرْكَ اللُّواطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ، وَالشَّهَادَةَ اسْتِظْهَاراً عَلَى الْمُجَاحَدَاتِ، وَتَرْكَ الْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلْصِّدْقِ، وَالسَّلَامَ أَمَانَا مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَالأمَانَةَ نِظَاماً للُأمَّةِ ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلإِمَامَةِ .
252 - وقال(عليه السلام): مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ، وَحَلاوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الآخِرَةِ.
253 - وكان(عليه السلام)يقول : أَحْلِفُوا الظَّالِمَ - إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ -
............................
فإنَّ الزنا لو أبيح اختلطت الأنساب، فلم يعلم الولد والوالد، والأقرباء (وترك اللّواط تكثيراً للنسل) إذ لو أبيح اللواط فر الناس من تكاليف الزواج باللّواط. فيقلّ النسل ، إن لم يعدم .
(والشّهادة) أي إقامة الشّهود (استظهاراً على المجاحدات) أي لئلّا يجحد النّاس ما علموه من الحقوق فتضيع. (وترك الكذب تشريفاً للصدق) حتى يكون الصدق الذي به قوام العالم شريفاً محترماً ، فلا يقدم الناس على خلافه (والسلام أماناً من المخاوف) فإنَّ من يسلّم يأمن الناس شره، كما كانت العادة، ويحتمل أن يراد السلام مقابل الحرب (والأمانة) بأن لا يخون أحد في مال غيره (نظاماً للأمة) إذ لو لم تجب الأمانة فسد النظام إذ لا يعمل أحد بوظيفته ولا يؤتمن بعض عن بعض في معاملاتهم (والطاعة) لولي الأمر (تعظيماً للإمامة) حتى تبقى هيبة الإمامة فتتمكن من تنفيذ الأشياء والسّير بصالح الأمة إلى الأمام.
252 - وقال(عليه السلام): (مرارة الدنيا حلاوة الآخرة) الصّوابات الّتي يتحمّلها الإنسان في الدّنيا توجب له الأجر والثواب والعكس في حلاوة الدّنيا. 253 - وكان(عليه السلام) يقول : (احلفوا الظالم - إذا أردتم يمينه) أي أردتم أن
بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ حَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِهَا كَاذِباً عُوجِلَ الْعُقُوبَةَ، وَإِذَا حَلَفَ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَمْ يُعَاجَلْ، لِأَنَّهُ قَدْ وَحَدَ اللهَ تَعَالَى،
254 - وقال(عليه السلام): يَا بْنَ آدَمَ، كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ فِي مَالِكَ ، وَاعْمَلْ بِهِ مَا تُؤْثِرُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ .
255 - وقال(عليه السلام): الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنَونُهُ مَسْتَحْكِمٌ .
256 - وقال(عليه السلام): صِحَّةُ الْجَسَدِ، مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ .
...........................
يحلف (بأنه بريء من حول الله وقوّته) أي أنّه مبتعد عنهما - إن كان كاذباً - (فإنه إذا حلف بها كاذباً عوجل العقوبة) أي عاقبه الله سبحانه على كذبه عاجلاً (وإذا حلف بالله الذي لا إله إلّا هو) بأن حلف بهذه اللّفظة (لم يعاجل) بالعقوبة على كذبه (لأنه قد وحّد الله تعالى) وذكره سبحانه بصفة حسنة .
254 - وقال(عليه السلام): (يتبم آدم كن وصيّ نفسك في مالك) فمهما تريد أن يعمل به في ما بعدك، فاعمل أنت في حياتك ذلك العمل (واعمل به ما توثر) أي ترجّح (أن يعمل فيه من بعدك) فإنّ الورثة لا يعملون غالباً، ثمّ ان ثواب إعطاء الإنسان أكثر، من ثواب إعطاء الغير.
255 - وقال(عليه السلام): (الحدة) أي أن يكون الإنسان حادّاً سریع الغضب (ضرب من الجنون، لأنّ صاحبها يندم) فيظهر أنه حالة غير طبيعيّة لا اختيار للإنسان في حالها، فإذا كشفت عرف الإنسان ضررها فندم (فإن لم يندم فجنونه مستحكم) إذ ليس له إفاقة، بل بقي غاضباً حادّاً.
256 - وقال(عليه السلام): (صحّة الجسد من قلّة الحسد) إذ الحسد يوجب تأثّر النفس، وتأثّر النفس يوجب انحراف الجسد، لتأثيرها فيه .
257 - وقال(عليه السلام) الكميل بن زياد النخعي : يَا كُمَيْلُ، مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا فِي كَسْبِ الْمَكَارِمِ ، وَيُدْ لِجُوا فِي حَاجَةِ مَنْ هُوَ نَائِمٌ. فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلَّا وَخَلَقَ اللهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ لُطْفاً . فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إِلِيهَا كَالْمَاءِ فِي انْحِدَارِهِ حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كَمَا تُطْرَدُ غَرِيبَةُ الإِبِلِ .
258 - وقال(عليه السلام): إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللهَ بِالصَّدَقَةِ .
.............................
257 - وقال(عليه السلام): - لكميل بن زياد النخعي - : (يا كميل، مُرْ أهلك أن يروحوا في كسب المحارم) الرواح، السير من بعد الظهر، وكان التخصيص بهذا الوقت، لاشتغال الناس غالباً في الصباح بشؤونه الداخلية، وكسب المكارم إتيان ما يوجب السعادة والمحمدة (ويدلجوا) الإدلاج : السير أول الليل (في حاجة من هو نائم) بأن يقضوا حوائج الناس، وإن كانوا نياماً، وكأنّه لبيان لزوم القربة في العمل، وحبّ الخير، لا لأنّ أربابها يعرفونها . (فوالذي وسع سمعه الأصوات) أي قسماً بالله الذي يسمع كلّ صوت (ما من أحد أودع قلباً سروراً) بأن أسرّ وأفرح إنساناً (إلا وخلق الله له من ذلك السرور لطفاً) أي عناية خاصة منه تعالى إليه (فإذا نزلت به) أي بالذي أفرح (نائبة) أي مصيبة من مصيبات الدهر(جرى) ذلك اللطف (إليها) أي إلى تلك النائبة (كالماء في انحداره) في سرعة السير(حتى يطردها) أي: يبعد ذات اللطف تلك النائبة (عنه) أي عن ذلك الإنسان (كما تطرد غريبة الإبل) وهي التي ليست لهذا الرا فإنَّه يطردها عن مرعاه ومشربه، لئلا تزاحم إبله .
258 - وقال(عليه السلام): (إذا أملقتم) أي إذا افتقرتم (فتاجروا الله بالصدقة) فإنَّكم إذا تصدّقتم أعطاكم الله تعالى، فإعطاء الصدقة تجارة .
259 - وقال(عليه السلام): الْوَفَاء لِأَهْلِ الْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللهِ، وَالْغَدْرُ بِأَهْل الْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اللهِ .
260 - وقال(عليه السلام): كَمْ مِنْ مُسْتَدْرج بِالْإِحْسَانِ إِلَيهِ ، وَمَغْرُورِ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ . وَمَا ابْتَلَى اللهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الْإِمْلاءِ لَهُ.
................................
259 - وقال(عليه السلام): (الوفاء لأهل الغدر) بأن يفي الإنسان بعهده معهم -بعد ما غدروا هم بالعهد.
(غدر عند الله) إذ ذلك يوجب جرأة الناس على الغدر، وتجرؤ الناس على محارم الله حرام (والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله) لأنه إطاعة لأوامره سبحانه، حيث أمر بمحاربة الغادرين .
26 - وقال(عليه السلام): (كم من مستدرج بالإحسان إليه) أي يريد الله لي بالإحسان إليه إهلاكه درجة درجة. كما قال سبحانه: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً (1)(ومغرور بالستر عليه) فحيث ستر الله عليه معاصيه خدع وظنّ أنه لا يعاقب (ومفتون) أي مغرور (بحسن القول فيه) بقول الناس الحسن فيه ومدحهم إيّاه، فيظنّ أنّه عند الله كذلك (وما ابتلى الله سبحانه أحداً بمثل الإملاء له) بأن ينعم عليه بقصد أن يزداد إثماً، حتى يكون عقابه شديداً .
1) سورة آل عمران: 178
في الغريب من كلامه(عليه السلام) المحتاج إلى تفسیر
1 - وفي حديثهِ عَليه السَّلَام : فَإِذَا كَانَ ذلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ.
قال الرضي: اليعسوب : السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذ، والقزع : قطع الغيم التي لا ماء فيها .
2 - وفي حديثه(عليه السلام) : هذَا الْخَطِيبُ الشَّحْشَحُ .
قال الرضي: يريد الماهر بالخطبة الماضي فيها، وكل ماض في كلام أو فهو شحشح، والشحشح في غير هذا الموضع : البخيل الممسك .
3 - وفي حديثه(عليه السلام) : إِنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَماً .
...........................
1 - 1 - وفي حديثه(عليه السلام): (فإذا كان ذلك) إشارة إلى ظهور علامات خروج الإمام المهدي(عليه السلام)(ضرب يعسوب الدين بذنبه) أي قام واستقام واطمأن (فيجتمعون إليه) أي الناس (كما يجتمع قزع الخريف) .
2- وَفي حَديثه(عليه السلام) : (هذا الخطيب الشحشح) فقد ورد أنه(عليه السلام) رأى خطيبا يخطب فقال : (ما هذا الخطيب الشحشح)؟ .
3 - وَفي حديثه(عليه السلام): (إن للخصومة قحما) يريد بالقحم المهالك، لأنها تقحم أصحابها في المهالك والمتالف أي مواضع الهلكة والتلف في الأكثر، ومن ذلك، قحمة الأعراب وهو أن تصيبهم السنة فتتعرق أموالهم [أي تتم وتنتهي] فذلك تقحمها فيهم قيل فيه وجه آخر، وهو أنها تقحم بلاد
قال الرضي: يريد بالقحم المهالك، لأنها تقحم أصحابها في المهالك والمتالف في الأكثر . ومن ذلك قحمة الأعراب وهو أن تصيبهم السنة فتتعرق أموالهم(1)فذلك تقحمها فيهم. وقيل فيه وجه آخر : وهو أنها تُقْحِمُهُمْ بلادَ الريف، أي تحوجهم إلى دخول الحضر عند محول البدوِ.
4 - وفي حديثه(عليه السلام) : إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى .
........................
الريف، أي تحوجهم إلى دخول الحضر، عند محول البدو فقد روى أنه(عليه السلام) وكل أخاه عقيل في خصومة، لإنقاذ حقه، وقال هذه الجملة، وأتمّها بقوله(عليه السلام) : [وإن الشيطان ليحضرها ] .
4 - وفي حديثه(عليه السلام) : ( إذا بلغ النساء نص الحقاق، فالعصبة أولى)(والنص منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها) كالنص في السير، لأنه أقصى ما تقدر عليه الدابة، وتقول نصصت الرجل عن الأمر، إذا استقصيت مسألته عنه، لتستخرج ما عنده فيه، فنص الحقائق يريد به الإدراك ، لأنه منتهى الصغر، والوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبير، وهو من أفصح الكنايات عن هذا الأمر. (وأغربها يقول) : فإذا بلغ النساء ذلك فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محرماً، مثل الأخوة والأعمام وبتزويجها إن أرادوا ذلك، والحقاق : محاقة الأم للعصبة في المرأة، وهو الجدال والخصومة، وقول كل واحد منهما للآخر أنا أحق منك بهذا يقال منه : حاققته حقاقا، مثل جادلته جدالاً، وقد قيل: أن نص الحقاق بلوغ العقل وهو الإدراك لأنه(عليه السلام) إنما أراد منتهى الأمر الذي تجب فيه الحقوق والأحكام، ومن رواه [نص الحقائق] فإنَّما أراد جمع حقيقة، هذا معنى ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام. والذي عندي : إن المراد بنص الحقائق ههنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه
1) تتعرق أموالهم: من قولهم تعرق فلان العظم: أكل جميع ما عليه من العظم.
قال الرضي: والنص : منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها كالنص في السير ، لأنه أقصى ما تقدر عليه الدابة. وتقول : نصصت الرجل عن الأمر، إذا استقصيت.
5- وفي حديثه(عليه السلام) : إِنَّ الإِيمَانَ يَبْدُو لُمْظَةً فِي الْقَلْبِ، كُلَّمَا ازْدَادَ الْإِيمَانُ ازْدَادَتِ اللُّمْظَةُ .
قال الرضي: واللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض. ومنه قيل : فرس ألمظ، إذا كان بجحفلته شيء من البياض .
6 - وفي حديثه(عليه السلام) : إِنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ لَهُ الدِّينُ الظُّنُونُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ، لِمَا مَضَى، إِذَا قَبَضَهُ .
...........................
تزويجها وتصرفها في حقوقها تشبيهاً بالحقاق من الإبل، وهي : جمع حقة وحقّ ، - بكسر الحاء فيهما- وهو الذي استكمل ثلاث سنين، ودخل في الرابعة، وعند ذلك يبلغ إلى الحد الذي يتمكن فيه من ركوب ظهره، ونصه في السير، والحقائق أيضاً حقة، فالروايتان جميعاً ترجعان إلى معنى جمع واحد، وهو أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور)، والعصبة هم الأخوة والأعمام ومن أشبه ، سموا به لأنهم يتعلقون بالأب، من عصب إذا تعلق، أو لأنهم يتعصبون للإنسان في المشاكل والخصومات، ويتحمل في نص الحقاق، بلوغ الثدي ارتفاعه .
5 - وفي حديثه(عليه السلام): (إن الإيمان يبدو لمظة في القلب) كأنه بصيص نور (كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة) واللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض، ومنه قيل فرس ألمظ إذا كان بجحفلته [هي في الحيوان بمنزلة الشفة للإنسان] شيء من البياض .
6 - وفي حديثه(عليه السلام): (أن الرجل إذا كان له الدين الظنون) أي المحتمل أداؤه وعدمه (يجب عليه أن يزكيه لما مضى إذا قبضه) بأن يخرج زكاته
قال الرضي: فالظنون: الذي لا يعلم صاحبه أيقضيه من الذي هو عليه أم لا، فكأنه الذي يظن به، فمرة يرجوه ومرة لا يرجوه. وهذا من أفصح الكلام، وكذلك كل أمر تطلبه ولا تدري على أي شيء أنت منه فهو ظنون، وعلى ذلك قول الأعشى :
مَا يَجْعَلُ الجُدَّ الظَّنُونَ الَّذِي*** جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الْمَاطِرِ
مِثلَ الفُرَاتِيِّ إِذَا مَا طَمَا*** يَقْذِفُ بِالْبُوطِيِّ وَالْمَاهِرِ
والجُدّ : البئر العادي في الصحراء، والظنون: التي لا يعلم هل فيها ماء أم لا .
7 - وفي حديثه(عليه السلام) : أَنه شيع جيشاً يغزيه فقال : اعْذِبُوا عَنِ النِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُمْ .
قال الرضي : ومعناه : أصدفوا عن ذكر النساء وشغل القلب بهن، وامتنعوا من المقاربة لهن، لأن ذلك يَفُتَ في عضد الحميّة، ويقدح في معاقد العزيمة، ويكسر عن العَدْوِ ويلفت عن الإبعاد في الغزو، وكل من امتنع من
............................
واللجب السحاب المصوت ذو الرعد، والفراتي الفرات، والياء للتأكيد. والبوصى ضرب من صغار السن، والماهر السابح، والمعز: لا يتساوى البئر المحتمل كون الماء فيها، التي لم يمر عليها السحاب الماطر ليملأها، مع نهر الفرات الممتلىء، الذي لكثرة مائه يقذف بالسفينة والسابح، وهذا مثل يضرب لبيان عدم استواء البخيل والغني .
7 - وفي حديثه(عليه السلام) : (أنه شيع جيشا يغزيه) أي يجعله يحارب فقال : (أعذبوا عن النساء ما استطعتم) [ ومعناه أصدفوا] أي: أعرضوا عن ذكر النساء وشغل القلب بهن، وامتنعوا عن المقاربة لهن، لأنّ ذلك يفت في عضد الحميّة [أي يضعف حميّة الإنسان ويكسرها ، فلا جد له على القتال] ويقدح في معاقد العزيمة .
شيء فقد أعذب عنه. والعاذب والعذوب: الممتنع من الأكل والشرب.
8 - وفي حديثه (عليه السلام): كَالْيَاسِرِ الْفَالِجِ يَنتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ .
قال الرضي: الياسرون هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور، والفالج : : القاهر والغالب، يقال : فلج عليهم وفلجهم، وقال الراجز : لما رأيت فالجاً قد فلجا .
9 - وفي حديثه(عليه السلام): كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ .
...........................
[ العزيمة النية ومعاقدها محل عقدها في القلب] ويكسر عن العدو [أي يسبب عدم تمكن الإنسان من الجري والركض] ويلفت عن الأبعاد في الغزو [أي يصرف الإنسان عن أن ينظر نظرة بعيدة حالة الحرب] وكل من امتنع من شیء فقد أعذب عنه والعاذب والعذوب الممتنع من الأكل والشرب [ وذلك لأن المقاربة تضعف القوّة البدنيّة، والقوّة النفسية، وذلك سبب ما ذكر، ويحتمل في العبارة أن يكون المراد عدم تعرض الجيش بالنساء وإيذائهن - كما هو من وصايا الإسلام].
8- وفي حَديثه(عليه السلام) : (كالياسر الفالج ينتظر أول فوزة من قداحه) [الياسرون هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور] الجزور الناقة المجزورة أي المنحورة، والقداح السهام، والمضاربة المقامرة على أجزاء الناقة [والفالج القاهر والغالب ، يقال : فلج عليهم وفلجهم، وقال الراجز : لما رايت فالجاً قد فلجا] أي غالباً قد غلبا .
9 - وفي حَديثه(عليه السلام): (كنا إذا احمر الباس) أي اشتدّت الحرب (اتقينا : برسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)أي لذنا به حذراً من العدو، لأن العدو كان يخاف من الاقتراب منه (فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه) لشجاعته الفائقة(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
قال الرضي: ومعنى ذلك أنه إذا عظم الخوف من العدو، واشتد عضاض الحرب، فزع المسلمون إلى قتال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بنفسه، فينزل الله عليهم النصر به، ويأمنون مما كانوا يخافونه بمكانه. وقوله : (إذا احمر البأس) كناية عن اشتداد الأمر، وقد قيل في ذلك أقوال أحسنها : أنه شبه حَمْيَ الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها. ومما يقوي ذلك قول رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وقد رأى مُجْتَلَدَ الناس يوم حنين وهي حرب هوازن: [الآن حَمِيَ الوَطيسُ] فالوطيس: مستوقد النار، فشبه رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ما استحرّ من جلاد القوم باحتدام النار وشدة التهابها.
.......................
(ومعنى ذلك إذا عظم الخوف من العدو واشتد عضاض الحرب) أي عضته للمقاتلين (فزع المسلمون إلى قتال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بنفسه) أي طلبوا إليه(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أن يقاتل بنفسه (فينزل الله عليهم النصر به) أي بسببه صلى الله عليه وآله وسلّم (ويأمنون ممّا كانوا يخافون، بمكانه) أي بسبب مكانته في الشَّجاعة (وقوله إذا احمر البأس : كناية عن اشتداد الأمر، وقد قيل في ذلك أقوال، أحسنها: أنّه عليه السّلام شبه حمى الحرب بالنار) حمى الحرب، أي اشتدادها (الّتي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها، وممّا يقوى ذلك قول رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، وقد رأى مجتلد الناس)، أي اجتلادهم واقتتالهم (يوم حنين، وهي حرب هوازن (الآن حمي الوطيس) فالوطيس مستوقد النار) أي محل إيقادها (فشبّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، ما استحرّ من جلاد القوم) أي ما اشتدّ من قتالهم (باحتدام
النار، وشدّة التهابها).
انقضى هذا الفصل ورجعنا إلى سنن الغرض الأول في هذا الباب من ذكر الحكم والكلمات القصار .
261 - قال(عليه السلام) : لما بلغه إغارة أصحاب معاوية على الأنبار، فخرج بنفسه ماشياً حتى أتى النّخَيْلَة فأدركه الناس، وقالوا: يا أمير المؤمنين نحن تكفيكهم ، فقال :
مَا تَكْفُونَنِي أَنْفُسَكُمْ، فَكَيْفَ تَكْفُونَنِي غَيْرَكُمْ؟ إِنْ كَانَتِ الرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا ، فَإِنَّنِي الْيَوْمَ لَأَشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي، كَأَنَّنِيَ الْمَقُودُ وَهُمُ الْقَادَةُ ، أَوِ الْمَوْزُوعُ وَهُمُ الْوَزَعَةُ !
فلما قال(عليه السلام)هذا القول، في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب، تقدم إليه رجلان من أصحابه فقال أحدهما : إني لا أملك إلّا نفسي وأخي، فمر بأمرك يا أمير المؤمنين ننقد له .
فقال(عليه السلام) : وَأَيْنَ تَقَعَانِ مِمَّا أُرِيدُ؟
262 - وقيل : إن الحارث بن حَوت أتاه فقال : أتراني أظنّ
..........................
261 - وقال(عليه السلام) : (ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفونني غيركم)؟
فأنتم أنفسكم مختلفون غير مجتمعين على رأي واحد ( إن كانت الرعايا) جمع رعية (قبلي لتشكو حيف رعاتها) أي ظلم الحكام جمع [راع] (فإنني اليوم لأشكو حيف رعيتي) وظلمهم علي بعدم الإطاعة (كأنني المقود وهم القادة) فيجب أن أتبعهم في آرائهم، لا أن يتّبعوني في رأيي (أو) أنا (الموزوع) أي المحكوم (وهم الوزعة) جمع وازع، بمعنى : الحاكم .
(وأين تقعان مما أريد)؟ أي ليس لكما منزلة في الذي أريده من اتفاق الناس لمحاربة أهل الشام، وإطاعتهم جملة، فإنَّ نفرين لا يأتي منهما شيء بالنسبة إلى مثل هذه الأمور.
262 - وقيل : أنّ الحارث بن حوت أتاه(عليه السلام) ، فقال : أتراني أظن
أصحاب الجمل كانوا على ضلالة ؟ فقال(عليه السلام) :
يَا حَارِثُ ، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ! إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقِّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ. وَلَمْ تَعَرفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ .
فقال الحارث : فإني أعتزل مع سعيد بن مالك وعبد الله بن عمر، فقال(عليه السلام) : إِنَّ سَعِيداً وَعَبْدَ اللهِ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ ، وَلَمْ يَخْذُلاَ الْبَاطِلَ .
263 - وقال(عليه السلام): صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِبِ الْأَسَدِ : يُغْبَطُ بِمَوْقِعِهِ، وهُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ .
.....................
أصحاب الجمل كانوا على ضلالة؟ أي أتظنّني أني أسيء الظن بالنسبة إلى أصحاب الجمل ؟ وكان كلامه هذا لبيان أنه يراهم على حق فقال (عليه السلام) : (يا حارث، إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك)، هذا كناية عن أنّ رأيه لم يصب إذ الناظر إلى ما تحته لا يرى الأشياء المحيطة، كما هي، ولذا يكون حكمه هو خطأً، لأنه صادر عن غير معرفة (فحرت) أي تحيرت، ولم تصب الحق الذي خطأ أصحاب الجمل (إنك لم تعرف الحق) كما يلزم (فتعرف من أتاه) أي حتى تعرف من أتى الحق، ومن أعرض عنه . (ولم تعرف الباطل) حقّ معرفته (فتعرف من أتاه) واتخذه (فقال الحارث : فإني أعتزل مع سعيد بن مالك وعبد الله بن عمر) حتى لا أكون معك، ولا مع أصحاب الجمل ، فقال(عليه السلام) : (إن سعيدا وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحق) يعني المتمثل في الإمام(عليه السلام) وأصحابه (ولم يخذلا الباطل) إذ الاعتزال ليس خذلاً للباطل، وإنما مناصرة الحق خذل للباطل.
263 - وقال(عليه السلام) : (صاحب السلطان كراكب الأسد) أي الذي يصحب السلطان ويكون من خواصه، مثل الذي ركب الأسد (يغبط بموقعه) أي يغبطه الناس ويتمنون منزلته ( وهو أعلم بموضعه) من الخوف والحذر لأنه يعلم إن
264 - وقال(عليه السلام) : أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ .
265 - وقال(عليه السلام) : إِنَّ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ إِذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاماً ، وإِذَا كَانَ خَطَأَ كَانَ دَائِماً .
266 - وسأله رجل أن يعرفه الإيمان فقال(عليه السلام) : إِذَا كَانَ الْغَدُ فَأْتِنِي حَتَّى أُخْبِرَكَ عَلَى أَسْمَاعِ النَّاسِ ، فإِنْ نَسِيتَ مَقَالَتِي حَفِظَهَا عَلَيْكَ غَيْرُكَ ، فإنَّ الْكَلَامَ كَالشَّارِدَةِ، يَنْقُفُهَا هَذَا وَيُخْطِئُهَا هَذَا.
...............................
تحرك حركة يسيرة كان طعمة السجن والسيف وما أشبه، كراكب الأسد الذي يتعجب الناس من شجاعته، لكنه في خوف دائم أن يكون طعمة للأسد.
264 - وقال(عليه السلام) : (أحسنوا في عقب غيركم) أي في أولادهم وذراريهم، بعد موت الآباء (تحفظوا في عقبكم) أي يحفظكم الناس في أولادكم بعد موتكم وفقدكم.
265 - وقال(عليه السلام) : (إن كلام الحكماء) العارفين بالأشياء (إذا كان صواباً كان دواماً) عن الأسقام الفردية الاجتماعية (وإذا كان خطأً كان دائماً) إذ الناس يتبعونهم ويعظمون آراؤهم، ولذا يؤثّر أثره الحسن أو السيئ في الناس .
266 - وسأله رجل: أن يعرفه الإيمان؟ فقال(عليه السلام): (إذا كان الغد فاتني، حتّى أخبرك على أسماع الناس) أي حضورهم حتى يستمعون ويستفيدون .
(فإن نسيت مقالتي حفظها عليك غيرك، فإنَّ الكلام كالشاردة) أي كالدابة التي تشرد (ينقفها) أي يصيبها (هذا) أي شخص، فيحفظها (ويخطئها) فلا يتمكن من أخذها (هذا) أي شخص آخر .
قال الرضي: وقد ذكرنا ما أجابه به فيما تقدم من هذا الباب وهو قوله: (الإيمان على أربع شعب)
267 - وقال(عليه السلام) : يا بنَ آدَمَ، لا تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ ، فإِنَّهُ إِنْ يَكُ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اللّهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ .
268 - وقال(عليه السلام) : أَحْببْ حَبيبَكَ هَوْناً مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَعْيضَكَ يَوْماً مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا ،عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا.
269 - وقال(عليه السلام) : النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلانِ: عَامِلٌ عَمِلَ
.................................
267 - وقال(عليه السلام) : (يا بن آدم لا تحمل هم يومك الذي لم يأتك، على يومك الذي قد أتاك) فلا تتحمّل في هذا اليوم، هم الغد، بل تتحّمل في كل يوم هم نفس ذلك اليوم، والمراد بالهم الحزن وما اشبه، لا التفكير في كيّفية العمل وترتيب أسبابه - فإنَّه من الحزم - (فإنه إن يك) اليوم الآتي (من عمرك يأتي الله فيه برزقك) فما همّك له، وإن لم يكن من عمرك، فالهم عبث لا وجه له .
268 - وقال(عليه السلام) : (أحبب حبيبك هونا ما) الهون الخفيف، أي لا يكن حَبك له حَبا شديدا حتى تطلعه على كل أسرارك (عسى) أي لعله (يكون بغيضك يوما ما) فيبغضك ويوجب حبك الزائد له ، كشفه لأسرارك، وندمك لمحبته .
(وابغض بغيضك هونا ما) أي بغضاً قليلا (عسى أن يكون حبيبك يوما ما) فتندم على ما أفرطت في بغضه، وجريت عليه من الغوائل مما لا تتمكن من علاجه، والمعنى لزوم ملاحظة الإنسان احتمال انقلاب كل من عدوه وصديقه إلى الضد فلا يبالغ في الحب والعداء .
269 - وقال(عليه السلام) : (الناس في الدنيا عاملان) أي صنفان (عامل عمل
فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا ، قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ ، يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ الْفَقْرَ، وَيَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَيُقْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ، وَعَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا، فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَأَحْرَزَ الْحَطِّيْنِ مَعاً ، وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً ، فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَ اللهِ ، لَا يَسْأَلُ اللهَ حَاجَةً فَيَمْتَعُهُ.
270 - وروي أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلي الكعبة وكثرته، فقال قوم: لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، وما تصنع الكعبة بالحلي؟ فهم عمر بذلك، وسأل عنه أمير المؤمنين(عليه السلام). فقال :
إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ،
..........................
في الدنيا للدنيا ) لا للآخرة (قد شغلته دنياه عن آخرته) فلا يهتم للآخرة أصلا (يخشى على من يخلفه) أي أولاده وورثته (الفقر) من بعده، ولذا يجمع لهم حتى لا يفتقروا (ويأمنه) أي الفقر، في الآخرة (على نفسه) فلا يقدم لنفسه شيئاً (فيفني عمره في منفعة غيره) ولا ينتفع هو بنفسه. (وعامل عمل في الدنيا لما بعدها) وهي الآخرة (فجاءه الذي له) أي حصته المقدرة له (من الدنيا بغير عمل) عمله لأجلها (فأحرز الحظين) حظ الدنيا وحظ الآخرة (معاً) لأن الله ضمن النّاس أرزاقهم (و ملك الدارين جميعاً) دار الدنيا ودار الآخرة (فأصبح وجيهاً عند الله) أي ذا جاه ومنزلة (لا يسأل الله حاجة فيمنعه) بل يعطيه كل ما سأل .
270 - وروی أنّه ذكر عن عمر بن الخطاب في أيامه، حلي الكعبة [جمع حلية، بمعنى الزينة من الذهب والفضة] وكثرته ، فقال قوم لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، وما تصنع الكعبة بالحلي؟ فهم عمر بذلك، وسأل أمير المؤمنين(عليه السلام)؟ فقال : (إن القرآن أنزل على النبي(صلّی الله علیه وآله وسلّم)
والْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ : أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِض، وَالْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقَّيهِ ، والخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللهُ حَيْثُ وَضَعَهُ، وَالصَّدقَاتُ فَجَعَلَهَا اللهُ حَيْثُ جَعَلَهَا، وَكَانَ حَلْىُ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ، فَتَرَكَهُ اللهُ عَلَى حَالِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَكَاناً ، فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ . فقال له عمر : لولاك لافتضحنا. وترك الحلي بحاله .
....................................
والأموال أربعة) أقسام، الأول (أموال المسلمين فقسّمها بين الورثة) إذا مات المورّث (في الفرائض) أي في أقسام الإرث. (و) الثاني (الفيء) وهو الغنائم (فقّسمه على مستحقّيه) وهم المجاهدون ومن إليهم (و) الثالث (الخمس) الذي قرّره الله في الغنائم وفي الأرباح وما أشبه (فوضعه الله حيث وضعه) حيث قالفَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(1)(و) الرّابع (الصّدقات) أي الزكاة (فجعلها الله حيث جعلها) من الأصناف الثمانية حيث قال : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ(2)(وكان حلي الكعبة فيها يومئذ) أي يوم كان الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)(فتركه الله على حاله) ولم يقرّر لها مصرفاً .
(ولم يتركه نسياناً) حتى نقرر لها مصرفا .
(ولم يخف عليه مكانا) أي لم يكن مكان حلي الكعبة خافيا على الله، حتى لم يعلم بها ولذا لا حكم بما ينبغي حولها (فأقره) يا عمر (حيث أقره الله ورسوله) إذ أبقياه ولم يتصرفا فيه (فقال له عمر، لولاك لافتضحنا، وترك الحلي بحاله ).
271 - وروى أنه(عليه السلام) رفع إليه رجلان سرقا من مال الله، أحدهما عبد من مال الله، والآخر من عروض الناس .
فقال(عليه السلام) : أما هذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اللهِ وَلاَ حَدْ عَلَيْهِ مَالُ اللَّهِ أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ الشَّدِيدُ. فقطع يده .
272 - وقال(عليه السلام) : لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هذِهِ الْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ .
273 - وقال(عليه السلام) : اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اللهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ - وَإِنْ
................................
271 - وروى أنه(عليه السلام) رفع إليه رجلان سرقا من مال الله : أحدهما عبد من مال الله [يلزم أن يصرف في مصالح المسلمين، إذ لا مالك خاص له، إلاّ ا بيت المال] والآخر من عروض الناس [أي أن الثاني كان عبداً من عرض الناس] أي متاعهم وملكهم، وعروض جمع عرض: المتاع غير الذهب والفضة فقال(عليه السلام) : (أما هذا) العبد السارق الذي هو لله فهو لله (فهو من مال الله لا حد عليه) في هذه السرقة(مال الله أكل بعضه بعضاً) فلم يتلف المال المسروق(وأما الآخر) الذي عبد للناس وسرق مال الله (فعليه الحد الشديد) وشدته لأنه سرقه من مال الله، فهي سرقة والمسروق مال لله تعالى (فقطع يده) أي أصابع يده.
272 - وقال(عليه السلام) : (لو قد استوت قدماي) أي استقرتا (من هذه المداحض) جمع مدحض، بمعنى: المزلقة، والمراد بها الفتن (لغيرت أشياء) من البدع الدارجة في الناس، أما والشخص مشغول بإخماد الفتن الكبيرة، فإنَّه لا وقت له لتغيير أشياء صغيرة.
273 - وقال(عليه السلام) : (اعلموا علما يقينا أن الله لم يجعل للعبد - وإن
عَظُمَتْ حِيلَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ طِلْبَتُهُ، وَقَوِيَتْ مَكِيدَتُهُ ، أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ . وَالْعَارِفُ لِهَذَا، الْعَامِلُ بِهِ، أَعْظَمُ النَّاسِ رَاحَةً فِي مَنْفَعَةٍ، وَالتَّارِكُ لَهُ الشَّاكُّ فِيهِ أَعْظَمُ النَّاسِ شُغُلاً فِي مَضَرَّةِ .
وَرُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجُ بِالنُّعْمَى، وَرُبَّ مُبْتَلَى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى!
...........................
عظمت حيلته) أي تقلبه لطلب الرزق (واشتدت طلبته) لمتاع الدنيا (وقويت مكيدته) أي كيده في تحصيلها (أكثر مما سمي له في الذكر الحكيم) [أكثر] مفعول [لم يجعل] والجملة بينمها اعتراض، والذكر الحكيم : ما ذكره الله سبحانه وقدّره بكل إحكام وإتقان، فإنَّ الإنسان لا يصل إلى أكثر من نصيبه المقّرر ولذا يكون كثرة الطلب سخافة . (ولم يحل) سبحانه (بين العبد - في ضعفه وقلة حيلته - وبين أن يبلغ ما سمي له في الذكر الحكيم) فيأتيه نصيبه وإن كان في منتهى الضعف والوهن، لكن هذا لا ينافي السعي اللازم في طلب المعاش، وإنما هو مانع عن الحرص، إذ الرزق الآتي بعد الطلب مما سمّي في الذكر الحكيم (والعارف لهذا) الذي ذكرت (العامل به) بأن لا يجتهد أكثر من القدر المقرر - حرصاً -.
(أعظم الناس راحة في منفعة) إذ المنفعة واصلة وهو مستريح. (والتارك له) أي لما ذكرت، بأن يتعب نفسه تعباً متزايداً (الشاك فيه) أي فيما ذكرت (أعظم الناس شغلاً في مضرة) إذ يشتغل كثيراً، ويضر نفسه، بلا فائدة (ورب منعم عليه) أي قد أنعم الله عليه بأنواع، لا كرامة، وإنما (مستدرج بالنعمى) أي يريد الله بهذه النعم أخذه درجة درجة، ووصوله إلى كمال طغيانه، حتى يأخذه بذنوبه (ورب مبتلي) بالفاقة وما أشبه (مصنوع له بالبلوى) أي أن بلواه
فَزِدْ أَيُّهَا الْمُسْتَمْتِعُ فِي شُكْرِكَ ، وَقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَقِفْ عِنْدَ مُنْتَهَى رزْقِكَ .
274 - وقال(عليه السلام): لا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً، وَيَقِينَكُمْ شَكّاً . إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا، وَإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا .
275 - وقال(عليه السلام): إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ، وَضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٍّ . ورُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ الْمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ؛ وَكُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الشَّيْءِ الْمُتَنَافَسِ فِيهِ
..............................
صنع من الله سبحانه ليعطيه الأجر والثواب، فلا يظنّ ذو النعمة أنه إنما أنعم عليه لكرامته، ولا ذو البلية أنه إنما ابتلي لمهانته (فزد أيها المستمتع) بنعم الله (في شكرك) حتى لا تكون مستدرجاً (وقصر من عجلتك) في طلب الدنيا (وقف عند منتهى رزقك) الذي يأتيك فلا تتعب نفسك فيما لم يقدّر لك .
274 - وقال(عليه السلام): (لا تجعلوا علمكم جهلا) بأن لم تعملوا، فإنَّ غير لك العاقل والجاهل سواء (و) لا تجعلوا (يقينكم شكا) فإنَّ غير العامل بيقينه والشاك سواء (إذا علمتم فاعملوا) بما علمتم (وإذا تيقنتم، فاقدموا) على سب يقينكم .
275 - وقال(عليه السلام): (إن الطمع مورد غير مصدر) أي يرد الإنسان في المهالك، ولا يصدره عنها، بل يبقى الطامع في الهلكة (وضامن) للإنسان بوصوله إلى ما طمع، لكنّه (غير وفي) إذ ليس كل طامع يصل (وربما شرق شارب الماء) أي دخل الماء في مجرى تنفسه مما منعه عن شرب البقية (قبل ريه) أي قبل أن يرتوي من الماء، وهذا مثل للطامع لا يبلغ غاية ما يريد. (وكلما عظم قدر الشيء المتنافس فيه) أي الذي يتغالب عليه الناس - كالوزارة
عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ. وَالْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ، وَالْحَظُّ يَأْتِي مَنْ لاَ يَأْتِيهِ .
276 - وقال(عليه السلام): اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تُحَسِّنَ فِي لَاَمِعَةِ الْعُيُونِ عَلَانِيَتِي، وَتُقَبِّحَ فِيمَا أَبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتِي، مُحَافِظاً عَلَى رِئَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنِّي ، فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي، وَأُقْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءِ عَمَلِي، تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِكَ، وَتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ .
.............................
والسيادة وما أشبه - (عظمت الرزية) والمصيبة (لفقده) فلا تطلبوا الأشياء الكبار، لأنكم تصدمون صدمة قوية بفقدها (والأماني) جمع أمنية، وهي التي يطلبها الإنسان من أنواع السعادة (تعمي أعين البصائر) جمع بصيرة فلا يرى الإنسان خيره وشرّه، إذا علق الأمل بشيء، وإنما يسير وراءه ليصل إليه، وإن كان في ذلك أعظم الشر له (والحظ يأتي من لا يأتيه) فاللازم أن لا ينساق الإنسان وراء أمانيه، ولا يتعب نفسه للآمال إذ ربما أتى الحظ من لم يتعب له .
276 - وقال(عليه السلام): (اللّهمّ إني أعوذ بك من أن تحسّن في لامعة العيون) أي العيون الناضرة - ولمعة العين نظرتها - ( علانيتي) أي ظاهري بأن يكون ظاهري ظاهراً حسنا (و تقبح فيما أبطن لك) أي في باطن قلبي (سريرتي) بأن يكون باطني قبيحا، في حال كوني (محافظا على رئاء الناس) أي مراءاتهم، ليحمدوني (من نفسي بجميع) متعلق بـ[رئاء] (ما أنت مطلع عليه مني) أي أتحفظ على رياء الناس بكل شيء أنت مطلع عليه، فاعمل للناس ولا أعمل لك، مع انک مطلع على جميع أموري (فابدي) أي أظهر (للناس حسن ظاهري وأفضي إليك) أي أنهي إليك - إذ الأعمال تنتهي إلى الله تعالى (بسوء عملي) إذ أنت مطلع على خفايا أموري (تقريبا إلى عبادك) بريائي لهم (وتباعدا) أي ابتعادا (من مرضاتك) بعدم إخلاصي لك .
277 - وقال(عليه السلام): لا وَالَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غَيْرِ لَيْلَةٍ دَهْمَاءَ تَكْشِرُ عَنْ يَوْمِ أَغَرَّ ، مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا .
278 - وقال(عليه السلام): قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ .
279 - وقال(عليه السلام): إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا .
280 - وقال(عليه السلام): مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اسْتَعَدَّ .
281 - وقال(عليه السلام): لَيْسَتِ الرَّوِيَّةُ كَالْمُعَايَنَةِ بِالْإِبْصَارِ ؛ فَقَدْ تَكْذِبُ
....................................
277- وقال(عليه السلام): (لا) ليس الأمر هكذا (والذي أمسينا منه) أي دخلنا المساء، من جانبه (في غير ليلة دهماء) أي في بقية ليلة سوداء، فإنَّ [غبر] بمعنى البقية (تكشر ) أي تتفرج ( عن يوم أغر) أي أبيض، إذ الليل ينفرج عن الصباح (ما كان كذا وكذا) هذا متعلق الحلف، وحيث لم يكن مهما، وإنّما المهم لفظة القسم ، لم يذكره السيد(رحمة الله) .
278 - وقال(عليه السلام): (قليل تدوم عليه) من الأعمال، بأن تبقى مستمراً في إتيانه (أرجى من كثير مملول منه) بأن يملّ منه الإنسان ويسأم فيتركه .
279 - وقال(عليه السلام): (إذا أضرت النوافل بالفرائض) كمن يتعب من النافلة، فلا يفعل الفريضة(فارفضوها) أي اتركوا النوافل لتأتوا بالفرائض،
280 - وقال(عليه السلام): (من تذكر بعد السفر) أي السفر إلى الآخرة (استعد) بالأعمال الصالحة الموصلة إلى السعادة .
281 - وقال(عليه السلام): (ليست الروية) أي التفكير ودرك الأشياء بالعقل (كالمعاينة بالإبصار) أي كرؤية العين، بل الأول أقوى من الثاني (فقد تكذب
الْعُيُونُ أَهْلَهَا، وَلاَ يَغُشُّ الْعَقْلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ .
282 - وقال(عليه السلام): بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الْغِرَّةِ .
283 - وقال(عليه السلام): جَاهِلُكُمْ مُزْدَادٌ ، وَعَالِمُكُمْ مُسَوْفٌ.
284 - وقال(عليه السلام): قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْمُتَعَلِّلِينَ .
285 - وقال(عليه السلام): كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ الإِنْظَارَ، وَكُلُّ مُؤَجّلٍ يَتَعَلَّلُ بالتَّسْوِيفِ .
...............................
العيون أهلها) كما يرى البعيد الكبير صغيرا كأجرام السماء، وما أشبه ذلك ( ولا يغش العقل من استنصحه) إذ الأحكام العقلية لا خلف لها، فلو قال العقل إن الكل أعظم من الجزء لا يمكن الخلف فيه، وهكذا.
282 - وقال(عليه السلام): (بينكم وبين الموعظة) أي الاتعاظ بالمواعظ (حجاب من الغرة) أي الغفلة، فهي مانعة عن عملكم بالمواعظ .
283 - وقال(عليه السلام): (جاهلكم مزداد) أي يزداد في الجهل، والعمل بما لا يقتضيه العلم(وعالمكم مسوف) أي يؤخر العمل فلا يعمل، فكيف تكون حال مثل هذه الأمة، وإنما تتقدم الأمة إذا كان جاهلهم ينقلع ، وعالمهم يعمل.
284 - وقال(عليه السلام): (قطع العلم عذر المتعللين) أي الذين يتعللون في عدم عملهم، بأنهم لم يعلموا، فقد انتشر العلم، حتى ليدركه من أراد.
285 - وقال(عليه السلام): (كل معاجل) أي عجل إليه الأجل (يسأل الإنظار) بأن ينظر ويمهل حتى يعمل صالحا (وكل مؤجل) قد أخّر وأجّل موته (يتعلل) أي يعتذر عن العمل (بالتسويف) وإنه سوف يفعل، فكل من تعجيل الموت وتأجيله لا ينفع الإنسان.
286 - وقال(عليه السلام): مَا قَالَ النَّاسُ لِشَيْءٍ (طُوبَى لَهُ) إِلّا وَقَدْ خَبَأَ لَهُ الدَّهْرُ يَوْمَ سُوءٍ .
287 - وسئل عن القدر، فقال: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكُوهُ، وَبَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلِجُوهُ ، وَسِرُّ اللهِ فَلَا تَتَكَلَّفُوهُ .
288 - وقال(عليه السلام): إِذَا أَرْذَلَ اللهُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ .
289 - وقال(عليه السلام): كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللهِ ،
.................................
286 - وقال(عليه السلام): (ما قال الناس لشيء طوبى له) أي أنه حسن حاله، لأن له جاها أو مالا أو ما أشبه (إلا وقد خبأ ) أي أخفى (له الدهر يوم سوء) حيث يرى الصعوبة، لأن الأفراح لابد وإن تكون بعدها أحزان، وبالعكس.
287 - وسئل(عليه السلام) عن القدر ؟ وكان السائل لم يكن قابلا للإجابة ولذا عالی أضرب الإمام عن جوابه، والقدر هو تقدير الله سبحانه لما يجري في الكون، التي من جملتها كون بعض أشيائها تجري باختيار الإنسان، كالمهندس المقدر للبناء، وإن كان البناء يجري بأيدي البنّاء والعمال .
فقال(عليه السلام): (طريق مظلم فلا تسلكوه) أي لا تسيروا فيه، كناية عن دقة فهمه (وبحر عميق فلا تلجوه) أي لا تدخلوا فيه، لأنه مظنة الفرق (وسر الله) أي أمر من الأمور الخفية الراجعة إلى الله سبحانه (فلا تتكلفوه) أي لا تتعبوا أنفسكم لمعرفته .
288 - وقال(عليه السلام): (إذا أرذل الله عبدا) أي جعله رذيلا لا اعتناء بشأنه (حظر عليه العلم) أي حرمه منه ، فلا يوفّق للتعلم .
289 - وقال(عليه السلام): (كان لي فيما مضى أخ في الله) أي: أن أخوته أخوة
وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ . وَكَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ، فَلَا يَشْتَهِي مَا لاَ يَجِدُ ، وَلَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ . وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً ، فإِنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ، وَنَقَعَ غَلِيلَ السَّامِعِينَ . وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً ! فَإِنْ جَاءَ الجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَابٍ، وَصِلُّ وَادٍ، لا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً . وَكَانَ لَا يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ ، حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِذَارَهُ؛ وَكَانَ لَا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ بُرْئِهِ ؛ وَكَانَ يَقُولُ مَا يَفْعَلُ وَلَا يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ ؛
..............................
دينية، لا نسبية أو ما أشبه (وكان يعظمه في عيني) فقد كان لا يبالي بالدنيا وزخارفها (وكان خارجا من سلطان بطنه) فلا يأكل حسب شهوات نفسه (فلا يشتهي ما لا يجد) من الأطعمة.
(ولا يكثر إذا وجد) ما يشتهيه (وكان أكثر دهره صامتا) لا يتكلم (فإن قال) وتكلم (بذ القائلين) أي منعهم عن القول، لحسن كلامه فكان الكل يستمعون إليه. (ونقع غليل السامعين) أي أزال عطشهم إلى المعارف، حيث فصاحة العبارة، وبلاغة المعنى (وكان ضعيفا) في بدنه(مستضعفا)يجده الناس ضعيفا، لعدم إيذائه لأحد (فإن جاء الجد) وصار وقت العمل (فهو ليث غاب) أي أسد الغابة، والأسد في الغابة يكون أشجع (وصل) أي حيّة (واد) فإنَّ الحية فيه أقوى من حية البلاد والدور (لا يدلي بحجة) أي : لا يذكر حجة على مطلب (حتى يأتي قاضيا) أي يقضي بالفصل (وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله ) أي كان يحتمل أن الفاعل له عذر فيما فعل (حتى يسمع اعتذاره) فإنَّ صح أعذره، وإلا لامه . (وكان لا يشكو وجعا) أي لا يذكره (إلا عند برئه) من باب الحكاية، حتى لا يكون شكاية عن المصيبة (وكان يقول ما يفعل ولا يقول ما لا يفعل) أي كان من رجال الأعمال لا من رجال الأقوال
وَكَانَ إِذَا غُلِبَ عَلَى الْكَلَام لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ، وَكَانَ عَلَى مَا يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ ، وَكَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْهَوى فَخَالَفَهُ، فَعَلَيْكُمْ بِهِذِهِ الْخَلَائِقِ فَالْزَمُوهَا وَتَنَافَسُوا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ الْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ .
290 - وقال(عليه السلام): لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اللهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ لَكَانَ يَجِبُ أَلَّا : يُعْصَى شُكراً لِنِعَمِهِ .
291 - وقال(عليه السلام)، وقد عزى الأشعث بن قيس عن ابن له :
يَا أَشْعَثُ ، إِنْ تَحْزَنْ عَلَى ابْنِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ مِنْكَ ذلِكَ الرَّحِمُ ،
................................
(وكان إذا غلب على الكلام) بأن لم يمهله احد، لأن يتكلم (لم يغلب على السكوت) فلا يفوقه أحد في السكوت بل يظل ساكتا طويلاً .
(وكان على ما يسمع احرص منه على أن يتكلم) فإنَّ في السماع الاستفادة وفي الكلام الإفادة (وكان إذا بدهه) أي ورد عليه فجأة وبغتة(أمران ينظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه) لأن الأقرب إلى ميل الإنسان، أبعد عن العقل والواقع(فعليكم) أيها الناس (بهذه الخلائق) والصفات الحسنة (فالزموها) واتصفوا بها (وتنافسوا فيها) أي تغلبوا بأن يريد كل أحد أن يغلب آخر، ليزيد عليه في الأجر والثواب (فإن لم تستطيعوها) بأن تشتملوا عليها ( فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير) إي تأدية بعض الفضل خير من الترك الكامل إذ لا إدراك لشيء حينذاك .
290 - وقال(عليه السلام): (لو لم يتوعد الله على معصيته) بأن أباح العصيان (لكان يجب) عقلا (أن لا يعصى شكرا لنعمه) التي أنعم بها على الإنسان.
(يا أشعث، إن تحزن على ابنك فقد استحقت منك ذلك الرحم) أي
وَإِنْ تَصْبِرْ فَفِي اللهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ. يَا أَشْعَثُ إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْجُورٌ ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْزُورٌ .
يَا أَشْعَثُ ابْنُكَ سَرَّكَ وَهُوَ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ ، وَحَزَنَكَ وَهُوَ ثَوَابٌ وَرَحْمَةً
292 - وقال(عليه السلام)، على قبر رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)ساعة دفنه : إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلا عَنْكَ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحُ إِلا عَلَيْكَ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَيَعْدَكَ لَجَلَل .
..................................
كونه رحما لك، وهذا كناية عن عدم الإساءة في التحزن على الأرحام (وإن تصبر فـ) الصبر أولى إذ (في الله من كل مصيبة خلف) فيعوض الإنسان عما أصابه (يا أشعث، إن صبرت جرى عليك القدر) أي الذي قدر لك من المصائب والآلام (وأنت مأجور) بصبرك في المصيبة . (وإن جزعت) والجزع إظهار الشكوى وعدم الرضا بالمصائب (جرى عليك القدر وأنت مأزور) أي مرتكب للوزر والذنب ، فمن الأفضل الصبر، لأن الجزع لا سبب دفاعا، ولا أجرا (يا أشعث، ابنك سرك) حين ولد لك (وهو بلاء) لأنك كنت مكلفا بتربيته (وفتنة) أي امتحان لك هل تقوم بما أمر الله فيه أم لا؟ (وحزنك) موته (وهو ثواب ورحمة) إذ الله سبحانه يعطي الثواب للوالدين في فقد الأولاد.
292 - وقال(عليه السلام)- على قبر رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)ساعة دفنه -: (إن الصبر) - في المصائب (لجميل إلّا عنك) إذ مقتضى ما أوجب الله على الأمة من حب الرسول، أن لا يصبروا على فراقه (وإن الجزع لقبيح إلّا عليك) فيحسن الجزع، لا بمعنى عدم الرضا بالقضاء، بل بمعنى إظهار التألم الشديد، والتأثر الكثير، (وإن المصاب بك) أي المصيبة بسبب فقدك (لجليل) عظيم (وإنه ) أي المصاب (قبلك وبعدك) لسائر الرزايا (لجلل) أي هين حقير.
293 - وقال(عليه السلام): لا تَصْحَبِ الْمَائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ، وَيَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ .
294 - وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب، فقال(عليه السلام): مَسِيرَةُ يَوْمِ لِلشَّمْسِ .
295 - وقال(عليه السلام): أَصْدِقَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ ، وَأَعْدَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ ؛ فَأَصْدِقَاوْكَ : صَدِيقُكَ، وَصَدِيقُ صَدِيقِكَ، وَعَدُوُّ عَدُوِّكَ . وَأَعْدَاؤُكَ : عَدُوُّكَ ، وَعَدُوُّ صَدِيقِكَ، وَصَدِيقُ عَدُوِّكَ.
296 - وقال(عليه السلام)، لرجل رآه يسعى على عدو له، بما فيه إضرار بنفسه : إِنَّمَا أَنْتَ كَالطَّاعِنِ نَفْسَهُ لِيَقْتُلَ رِدْفَهُ .
...........................
293 - وقال(عليه السلام): (لا تصحب المائق) أي الأحمق (فإنه يزين لك فعله) الصادر عن الحمق (و يود أن تكون مثله) في الأفعال.
294 - وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب؟ فقال(عليه السلام): (مسيرة يوم الشمس) وهذا جواب بقدر فهم السائل، كما لا يخفى.
295 - وقال(عليه السلام): (أصدقاؤك ثلاثة ، وأعداؤك ثلاثة) أي ثلاثة أصناف عالية ( فأصدقاؤك) هم (صديقك) وهذا واضح (وصديق صديقك وعدوّ عدوّك) إن هذان الصنفإن ينفعانك بالآخرة، الأول إيجاباً، والثاني سلباً (وأعداؤك) هم(عدوك) وهو واضح (وعدوّ صديقك) لأنه يضرك حيث يضرّ صديقك النافع لك (وصديق عدوّك) لأنه يضرّك حيث ينصر من يضرّك .
296 - وقال(عليه السلام)- لرجل ، رآه يسعى على عدو له، بما فيه إضرار بنفسه - فكان يريد ضرر عدوّه، فيتضرّر بنفسه : (إنّما أنت) يا أيها الساعي (كالطاعن نفسه) أي الضارب نفسه برمح أو ما أشبه (ليقتل ردفه) أي الراكب
297 - وقال(عليه السلام) : مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقَلَّ الاِعْتِبَارَ !
298 - وقال(عليه السلام): مَنْ بَالَغَ فِي الْخُصُومَةِ أَثِمَ، وَمَنْ قَصْرَ فِيهَا ظَلَمَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ مَنْ خَاصَمَ .
299 - وقال(عليه السلام): مَا أَهَمِّنِي ذَنْبٌ أُمْهِلْتُ بَعْدَهُ حَتَّى أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَأَسْأَلَ الله الْعَافِيَةَ.
300 - وسئل(عليه السلام): كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم؟
............................
خلفه، فهو يضر نفسه، لا من خلفه .
297 - وقال(عليه السلام): (ما أكثر العبر) أي الأشياء الموجبة لعبرة الإنسان واتعاظه (وأقل الاعتبار) لأن النّاس لا يعتبرون بها .
298 - وقال(عليه السلام): (من بالغ في الخصومة أثم) لأنه يتعدى عن الحد، بالكذب والإيذاء وما أشبه (ومن قصر فيها) بأن لم يخاصم بالمقدار الذي قرّره الله سبحانه، بل ترك الظالم يظلم كيف يشاء بدون أن يقف له (ظلم) لأنه خلاف أمر الله، بالقبض على يد الظالم (ولا يستطيع أن يتّقي الله من خاصم) هذا لبيان صعوبة التقوى عند المخاصمة، لأن الإنسان إما مفرط فيها أو مفرّط .
299 - وقال(عليه السلام): (ما أهمني ذنب أمهلت بعده حتى أصلّي ركعتين) لأن أقترب إلى مرضاته بسبب الصلاة (و أسأل الله العافية) أي أن يعفوني عن ذلك الذنب، وهذه الحكمة لبيان، لزوم هذا العمل بعد الذنب وأنه يورث العفو والغفران.
300 - وسئل(عليه السلام): كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم؟
فقال(عليه السلام): كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ .
فقيل(عليه السلام): كيف يحاسبهم ولا يرونه؟
فقال(عليه السلام): كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ .
301 - وقال(عليه السلام): رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ، وَكِتَابُكَ أَبْلَغْ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ !
302 - وقال(عليه السلام): مَا الْمُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلَاءُ، بِأَخْرَجَ إِلَى الدَّعَاءِ مِنَ الْمُعَافَى الَّذِي لاَ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ !
303 - وقال(عليه السلام): النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، وَلَا يُلَامُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ .
..................................
في يوم القيامة فقال(عليه السلام) : (كما يرزقهم) في الدنيا (على كثرتهم) فإنَّ الرزق والحساب من باب واحد، فقيل له(عليه السلام): كيف يحاسبهم ولا يرونه؟ فقال : (كما يرزقهم ولا يرونه) فإنَّ الأنبياء والأئمة والملائكة والصالحين يتولون الحساب، كما أنه سبحانه يخلق الصوت في الجو موجها إلى الناس عند المحاسبة .
301 - وقال(عليه السلام): (رسولك) إلى الناس في حوائجك (ترجمان عقلك) فإنَّه يدل على مقدار العقل (وكتابك أبلغ ما ينطق عنك) من الرسول، لأنه لفظك بخلاف الرسول فإنَّه أمينك .
302 - وقال(عليه السلام): (ما المبتلى الذي قد اشتد به البلاء) من مرض أو فقر أو خوف أو محنة (بأحوج إلى الدعاء) لينجيه الله من بلائه (من المعافى الذي لا يأمن البلاء) لأن غفلة هذا أشد من بلاء ذاك، فهو بحاجة إلى الدعاء، ليوقظه الله سبحانه من غفلته .
303 - وقال(عليه السلام): (الناس أبناء الدنيا) حيث أن أصلهم التراب، ونشأتهم فيها (ولا يلام الرجل، على حب أمه) وهذه لطيفة في بيان وجه
حب
304 - وقال(عليه السلام): إِنَّ الْمِسْكِينَ رَسُولُ اللهِ، فَمَنْ مَنَعَهُ فَقَدْ مَنَعَ الله ، وَمَنْ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَعْطَى اللَّهَ .
305 - وقال(عليه السلام): مَا زَنَى غَيُورٌ قَطُّ .
306 - وقال(عليه السلام): كَفَى بِالأَجَلِ حَارِساً .
307 - وقال(عليه السلام): يَنَامُ الرَّجُلُ عَلَى الثُّكْلِ، وَيَنَامُ عَلَى الْحَرَبِ .
قال الرضي(رحمة الله) : ومعنى ذلك : أنه يصبر على قتل الأولاد، ولايصبر على سلب الأموال .
..............................
الناس للدنيا، والسر الألفة، كما أن سر حب الأم الألفة .
304 - وقال(عليه السلام): (إن المسكين رسول الله) أي أن الله سبحانه هو الذي أرسل المساكين إلى الناس، ليعطوهم المال( فمن منعه) ولم يسعفه بحاجته (فقد منع الله) إذ منع الرسول، يلازم منع المرسل (ومن أعطاه فقد أعطى الله) وهذا ابلغ تحريض للإنفاق على الفقراء .
305 - وقال(عليه السلام): (ما زنى غيور قط) لأن غيرته تمنعه من اقتراف مثل هذه الفعلة الشنيعة .
306 - وقال(عليه السلام): (كفى بالأجل حارسا) إذ الإنسان لا يموت إلّا في وقت موته ،فوقت موته يحفظه حتى يصل إليه، كالحارس الذي يحفظ الإنسان .
307 - وقال(عليه السلام): (ينام الرجل على الثكل) أي فقد الأولاد (ولا ينام على الحرب) أي سلب الناس لأمواله، لأنه يعلم في الأول، أن الأمر قد انقضى ولا فائدة في التفكير لإرجاع الميت، أما في الثاني فإنَّه يفكر كيف يرجع ماله، لأنه يعلم بقاءه .
308 - وقال(عليه السلام): مَوَدَّةُ الْآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ إِلَى الْمَوَدَّةِ أَحْوَجُ مِنَ الْمَوَدَّةِ إِلَى الْقَرَابَةِ .
309 - وقال(عليه السلام): اتَّقُوا ظُنُونَ الْمُؤْمِنِينَ ، فإنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْحَقِّ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ .
310 - وقال(عليه السلام): لا يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْدٍ، حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ.
311 - وقال (عليه السلام)لأنس بن مالك، وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير
.................................
308 - وقال(عليه السلام): (مودة الآباء) أي حب بعضهم لبعض (قرابة بين الأبناء) أي أن تلك المودة توجب الصلة الوثيقة بين الأبناء كصلة القرابة، فعلى الأولاد أن يراعوها (والقرابة إلى المودة أحوج من المودة إلى القرابة) إذ لولا المودة بين الأقرباء لكان الهجر وقطيعة الرحم ، أما المودة فتكون بين الأباعد، ولا تحتاج إلى القرابة .
309 - وقال(عليه السلام): (اتقوا ظنون المؤمنين) أي لا تفعلوا ما يوجب سوء ظن المؤمنين فيكم (فإن الله تعالى جعل الحق على ألسنتهم) فإذا أساؤوا بكم الظن دل ذلك على انحراف في عملكم .
310 -وقال(عليه السلام): (لا يصدق إيمان عبد) بالله (حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده) أي تكون ثقته بما عند الله من السعادة العاجلة والآجلة، أشد من ثقته بما في يد نفسه، فإنَّ ذلك مقتضى معرفة الله سبحانه، وإيمان الإنسان به.
311 - وقال(عليه السلام)- لأنس بن مالك، وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير ،
لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئاً مما سمعه من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) في معناهما، فلوى عن ذلك، فرجع إليه، فقال : إِنِّي أُنْسِيتُ َذلِكَ الأمْرَ .
فقال(عليه السلام): إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَضَرَبَكَ اللهُ بِهَا بَيْضَاءَ لَاَمِعَةٌ لَا تُوَارِيهَا الْعِمَامَةُ .
قال الرضي: يعني البرص، فأصاب أنساً هذا الداء فيما بعد في وجهه فكان لا يرى إلّا مبرقعاً .
312 - وقال(عليه السلام): إِنَّ لِلْقُلُوب إِقبَالاً وَ إدْبَاراً ؛ فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بهَا عَلَى الْفَرَائِض .
............................
لما جاء إلى البصرة، يذكرهما [أنس] شيئاً مما سمعه من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)فی معناهما حيث كان أنس قد سمع الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وهو يقول لطلحة والزبير إنكما تحاربان عليّا وأنتما له ظالمان فلوى [أنس] عن ذلك فرجع إليه، فقال انس معتذرا عن عدم إخباره إياهما بما سمع عن الرسول : إني أنسيت ذلك الأمر الذي قاله رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)قال الإمام : ( إن كنت كاذبا) بان لم تنس وإنما تعتذر (فضربك الله بها) الضمير عائد إلى ما يفهم من الكلام، وهي [البلية] (بيضاء لامعة) أي برصا يلمع أبيض (لا تواريها العمامة)أي لا تكون قليلة، في قرب قصاص شعرك حتى تواريها وتخيفها إنزال العمامة على الجبهة .
312 - وقال(عليه السلام): (إن للقلوب إقبالا) إلى العمل والطاعة (و إدبارا) بحيث لا ترغب في العمل (فإذا أقبلت) ونشطت (فاحملوها على النوافل) أي الأمور المستحبة (وإذا أدبرت) وملت (فاقتصروا بها على الفرائض) ولا تجبروها على النوافل، لتزيد ساما وملالة.
313 - وقال(عليه السلام): فِي الْقُرْآنِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ .
314 - وقال(عليه السلام): رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ، فإنَّ الشَّرَّ لاَ يَدْفَعُهُ إلَّا الشَّرُّ.
315 - وقال(عليه السلام)لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع : أَلِقُ دَوَاتَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ، وَفَرِّجَ بَيْنَ السُّطُورِ،
..........................
313 - وقال(عليه السلام): (وفي القرآن نبأ ما قبلكم) من قصص الأنبياء والأمم السابقين (وخير ما بعدكم) من أحوال القبر والقيامة والجنة والنار (وحكم ما بينكم) من الواجب والحرام، وفصل القضايا، والمعاملات والميراث وما أشبه .
314 - وقال(عليه السلام): (ردوا الحجر من حيث جاء) كناية عن دفع الشر إلى غالب فاعله، فإذا رماكم أحد بحجر، فارموه بنفس ذلك الحجر، ليقف عند حده ولا يطغي (فإن الشر لا يدفعه إلّا الشر) تسميته شرا للمقابلة، كقوله الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ(1).
315 - وقال(عليه السلام)لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع: (ألق دواتك) أي ضع فيها الليقة، وهي كالوصلة فائدتها تحفظ القلم عن زوائد الحبر.
(وأطل) أي مد (جلفة قلمك) أي رأسه الذي يكتب به، فإنَّ إطالتها توجب تدرج المداد إلى الورق، فلا يسيل الحبر مرة واحدة، وهذا في القلم الذي يعمل من القصب (وفرج بين السطور )فلا تقرب السطور بعضها إلى
1) سورة البقرة : 194.
وَقَرْمِطْ بَيْنَ الْحُرُوفِ : فإِنَّ ذلِكَ أَجْدَرُ بِصَبَاحَةِ الْخَطِّ .
316 - وقال(عليه السلام): أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ .
قال الرضي: ومعنى ذلك أن المؤمنين يتبعونني، والفجار يتبعون المال كما تتبع النحل يعسوبها، وهو رئيسها .
317 - وقال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه! فقال(عليه السلام)له : اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (1).
................................
بعض، فإنَّ التفريج يوجب حسن الخط وجماله (وقرمط) أي ضيق (بين الحروف) فإنَّ الفرجة بين حروف الكلمة توجب شين الخط (فإن ذلك) الذي ذكرت ، إذا عملت به (أجدر بصباحة الخط) وجماله .
316 - وقال(عليه السلام): (أنا يعسوب المؤمنين) أي قائدهم (والمال يعسوب الفجار) لأنهم يتبعونه .
317 - وقال له(عليه السلام) ، بعض اليهود ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه وأنه من خليفته؟ فقال : (إنما اختلفتا عنه) أي الذي صدر عنه(عليه السلام) هل الوصية بالخليفة أم لا ؟ (لا فيه) لأن الكل كان معترفا به(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
(ولكنكم) اختلفتم اختلافا منكراً في أصل الأصول إذ (ما جفت أرجلكم من البحر) حين خرجتم من مصر(حتى قلتم لنبيكم) موسى(عليه السلام) (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون) حيث تريدون آلهة مصنوعة، كما
1) سورة الأعراف: 138
318 - وقيل له : بِأَيْ شَيْءٍ غَلَبْتَ الأقران؟ فقال(عليه السلام): مَا لَقِيتُ رَجُلاً إِلَّا أَعَانَنِي عَلَى نَفْسِهِ .
قال الرضي يومىء بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب .
319 - وقال(عليه السلام)لابنه محمد بن الحنفية : يَا بُنَيَّ ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ غالب الْفَقْرَ ، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْهُ ، فإنَّ الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ، مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ، دَاعِيَةٌ لِلْمَقْتِ !
320 - وقال(عليه السلام)لسائل سأله عن معضلة: سَلْ تَفَقُّهاً ،
..........................
للمشركين، بدل توحيدكم لإله السماوات والأرض !.
318 - وقيل له(عليه السلام): بأي شيء غلبت الأقران ؟ في الحرب فقال(عليه السلام): (ما لقيت رجلا) في الحرب عند المقاتلة (إلا أعانني على نفسه )إذ أنه بمجرد ما يراني يهن خوفا مني، والخوف في القرن معين الشجاع على قتله .
319- وقال(عليه السلام) - لابنه محمد بن الحنفية - : (يا بني إني أخاف عليك الفقر) أي أن تفتقر( فإن الفقر منقصة للدين) أي يوجب نقصه فإنَّ الفقير ربما تواضع لغير الله، أو كذب، أو خان، أو ما أشبه، لسد خلته (مدهشة للعقل) أي توجب دهشته وتحيره حتى لا يدري العقل ماذا يصنع ؟ (داعية للمقت) [التا] في داعية للمبالغة، أي يوجب الفقر غضب الإنسان فإنَّ الفقير يتألم من كل أمر ويغضب سريعا، أو المراد مقت الناس له، أو مقت الله إياه، إذا عمل المحرم لإنجاء نفسه من ذل الفقر .
320 - وقال(عليه السلام)- لسائل سأله عن معضلة - أي مشكلة : (سل تفقها )
وَلَا تَسْأَلُ تَعَنُّتاً ، فإِنَّ الْجَاهِلَ الْمُتَعَلَّمَ شَبِيةٌ بِالْعَالِمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبِيةٌ بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ.
321 - وقال(عليه السلام) لعبد الله بن عباس، وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه : لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وَأَرَى ، فإنْ عَصَيْتُكَ فَأطِعْنِي .
322 - وروي أنه(عليه السلام) ، لما ورد الكوفة قادما من صفين مر بالشباميين(1)، فسمع بكاء النساء على قتلى صفين، وخرج إليه حرب ابن شرحبيل الشبامي، وكان من وجوه قومه .
............................
أي لأجل الفهم والتعلم (ولا تسأل تعنتا) أي لأجل المجادلة والممارات - والتعنت إلقاء النفس في العنت أي المشقة - (فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم) فإنَّ كليهما في سبيل نجاة ( وإن العالم المتعسف) الملقي نفسه في العسف والمشقة بسبب المجادلة والرياء (شبيه بالجاهل المتعنت) لأن كليهما في مشقة بدون استفادة سعادة الدنيا، أو ثواب الآخرة .
321 - وقال(عليه السلام)- لعبد الله بن عباس، وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه(عليه السلام)- : (لك أن تشير علي) بما تراه صلاحا (وأرى) أنا هل ذلك صلاح أم لا؟ (فإن عصيتك) ولم أخذ برأيك (فأطعني) لا أن تترك رأيي لرأيك .
322 - وروي أنه(عليه السلام)، لما ورد الكوفة، قادما من صفين بعد انتهاء الحرب مر بالشباميين [حي في الكوفة] فسمع بكاء النساء على قتلى صفين، وخرج إليه، حرب بن شرحبيل الشامي، وكان من وجوه قومه .
1) شبام :ككتاب: إسم حي
فقال(عليه السلام): أَتَغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أَسْمَعُ؟ أَلَا تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هَذَا الرَّنِينِ؟
وأقبل حرب يمشي معه، وهو(عليه السلام)راكب ، فقال(عليه السلام) : إِرْجِعْ ، فإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي ، وَمَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ .
323 - وقال(عليه السلام)، وقد مر بقتلى الخوارج يوم النهروان : بُؤْساً لَكُمْ، لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ، فقيل له : مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ المؤمنين؟ فقال : الشَّيْطَانُ الْمُضِلُّ، وَالْأَنْفُسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، غَرَّتْهُمْ بِالْأَمَانِيِّ، وَفَسَحَتْ لَهُمْ بِالْمَعَاصِي ، وَوَعَدَتْهُمُ الإظْهَارَ،
...........................
فقال(عليه السلام)له : (أتغلبكم نسائكم) في البكاء قهرا عليكم وبدون رضاكم؟ (على ما أسمع) من صوتهن (ألا تنهونهن عن هذا الرنين)؟ الرنة مد الصوت فی حزن أو ما أشبه (ارجع فإنَّ مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي) إذ يوجد فيه روح الكبر، حيث أن بركابه مثل حرب الذي وجه هو في قومه (ومذلة للمؤمن) الذي يمشي، لانه ينزل بمنزلة العبيد والخدم عند الناس .
323 - وقال(عليه السلام)- وقد مر بقتلى الخوارج يوم النهروان -: (بؤسا لكم) دعاء عليهم بالبؤس والفاقة من رحمة الله تعالى (لقد ضركم من غركم) وخدعكم، بأن تخرجوا عن طاعة الإمام (فقيل له(عليه السلام): من غرهم يا أمير المؤمنين؟) فقال(عليه السلام): (الشيطان المضل) أي الذي يضلّ الإنسان (والأنفس الأمارة بالسوء) أي النفس التي تأمر الإنسان بالأعمال السيئة (غرّتهم) الشيطان والأنفس(بالأماني) أي بأنهم إن فعلوا العصيان وصلوا إلى أمنياتهم وآمالهم (وفسحت لهم بالمعاصي) أي أرتهم أن العصيان لابأس به كأنه شيء فسيح لا ضيق فيه (ووعدتهم الإظهار) أي أن يظهرهم ويغلبهم على من يقاتلهم ،
فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ .
324 - وقال(عليه السلام) : اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللهِ فِي الْخَلَوَاتِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ .
325 - وقال(عليه السلام)، لما بلغه قتل محمد بن أبي بكر : إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ نَقَصُوا بَغِيضاً ، وَنَقَصْنَا حَبيباً .
326 - وقال(عليه السلام): الْعُمْرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً .
.................................
موسوساً في قلوبهم قاتلوا فإنَّكم الأعلون - قال سبحانه: فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ(1)أي غالبين (فاقتحمت بهم النار) أي أدخلتهم في جهنم .
324 - وقال(عليه السلام): (اتقوا معاصي الله في الخلوات)جمع خلوة أي اتركوا عصيانه في السر الخالي من الناس (فإن الشاهد) الذي يراكم في خلواتكم (هو الحاكم) بينكم يوم القيامة، وإذا كان الحاكم لا يخفى عليه شيء من الجريمة، لم يمكن الفرار.
325 - وقال(عليه السلام)- لما بلغه قتل محمّد بن أبي بكر_ على يد معاوية عند إمارته لمصر : (إنّ حزننا عليه) أي على محمّد (على قدر سرورهم) أي سرور معاوية وربعه (به) أي بقتله (إلا أنهم نقصوا بغيضاً) أي فقدوا شخصاً كانوا يبغضونه (ونقصنا حبيباً) أي شخصاً كنا نحبه .
326 - وقال(عليه السلام): (العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة) أي أن منتهى قبول العذر هو الستون، إذ بعده تضعف القوى، ولا يتمكن الإنسان أن يتدارك ما فات، غالباً، أو المعنى إن المعذرة مقبولة إلى ستين
1) سورة الصف : 14 .
327 - وقال(عليه السلام): مَا ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ الإِثْمُ بِهِ، وَالْغَالِبُ بِالشَّرِّ مَغْلُوبٌ .
328 - وقال(عليه السلام): إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ : فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِي ، وَاللهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ .
329 - وقال(عليه السلام): الإِسْتِغْنَاءُ عَنِ الْعُذْرِ أَعَزُّ مِنَ الصِّدْقِ بِهِ .
330 - وقال(عليه السلام) : أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ للَّهِ .
................................
سنة، أما بعدها، فلا إذ عند ضعف القوى تكون المعصية أشنع .
327 - وقال(عليه السلام): (ما ظفر من ظفر الإثم به) أي الذي ظفر بواسطة الإثم، كان ظفره وبالاً عليه، فكأنه لم يظفر، إذ هذا الظفر موجب لخسارة أبدية هي دخول النار (والغالب بالشر مغلوب) فإنَّ من غلب الناس بواسطة شرّه، مغلوب واقعاً، إذ شرّه موجب لدخوله النار .
328 - وقال(عليه السلام): (إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات لي الفقراء) بالخمس والزكاة وما أشبه (فما جاع فقير إلّا بما متع به غني) فإنَّ الغني إذا لم يعط حق الفقير، تصرّف فيه، فمتعته إنما هي بمال الفقير ( والله تعالى سائلهم عن ذلك) أي يسأل الأغنياء لماذا منعوا حق الفقراء ؟ .
329 - وقال(عليه السلام): (الاستغناء عن العذر) بأن لا يفعل فعلاً يوجب الاعتذار (أعز من الصدق) بأن يفعل ما يوجب العذر وإن كان صادقاً في عذره ، إذ العذر موجب لتضاؤل الإنسان، بخلاف الذي لا يأتي بما يوجب العذر فإنَّه في مقامه وعزّه .
330 - وقال(عليه السلام): (أقل ما يلزمكم لله) أي يجب عليكم أن تفعلوه
أَلا تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ .
331 - وقال(عليه السلام): إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّاعَةَ غَنِيمَةَ الْأَكْیَاسِ عِنْدَ تَفْريطِ الْعَجَزَةِ !
332 - وقال(عليه السلام): السُّلْطَانُ وَزَعَةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ.
333 - وقال(عليه السلام)، في صفة المؤمن : الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ، وَحُزْنُهُ في قَلْبِهِ، أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً ، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً . يَكْرَهُ الرُفْعَةَ،
........................
لأجله سبحانه (أن لا تستعينوا بنعمه) عليكم (على معاصيه) فلا تصرفوا الأعضاء والجوارح، والأموال، والجاه ، التي أعطاكم الله سبحانه إيّاها، في العصيان والإثم.
331 - وقال(عليه السلام): (إنّ الله سبحانه جعل الطاعة غنيمة الأكياس) جمع كيس، بمعنى العاقل (عند تفريط العجزة) جمع عاجز، فإنَّ العقلاء يغتنمون فسحة المجال، للإتيان بالطاعة، فإذا لم يجاهد ذو المال بماله، أو ذو القوة بقوته، بقي مجال الجهاد فارغاً، يغتنمه الكيس، وهكذا .
332 - وقال(عليه السلام): (السلطان) المراد به الجنس ولذا جيء له الخبر بلفظ الـ[وزعة ] جمعاً (وزعة الله) جمع وازع بمعنى الحاكم المانع (في أرضه ) فإنّ الحاكم المسلم يمنع الناس عن الآثام والمعاصي.
333 - وقال(عليه السلام) - في صفة المؤمن - : (المؤمن بشره) أي بشاشته (في وجهه) فوجهه طلق بشّاش (وحزنه فى قلبه) فلا يقطّب وجهه عند حزن قلبه ( أوسع شيء صدراً) فلا يضيق صدره لمجرد كلمة أو فعلة (وأذل شيء نفساً)لأنه يرى عظمة الله سبحانه فيتصاغر أمام الله سبحانه (يكره الرفعة) بأن يرتفع
وَيَشْنَأُ السُّمْعَةَ. طَوْيلٌ غَمُّهُ، بَعِيدٌ هَمُّهُ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ، مَشْغُولٌ وَقْتُهُ. شَكُورٌ صَبُورٌ ، مَغْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ، ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ، لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ ! نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ وَهُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ .
334 - وقال(عليه السلام): لَوْ رَأَى الْعَبْدُ الْأَجَلَ وَمَصِيرَهُ، لَأَبْغَضَ الْأَمَل وَغُرُورَهُ.
335 - وقال(عليه السلام): لِكُلِّ امْرِيٍ فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ : الْوَارِثُ وَالْحَوَادِثُ .
................................
مقامه عند الناس (ويشنأ السمعة) أي يبغض أن يكون له صيت عند الناس، لأنه لا يريد بعمله إلّا الله سبحانه (طويل غمه) أي حزنه، وذلك من جهة مستقبله إذ لا يدري ما مصيره في الآخرة (بعيد همّه) فإنَّه يهتمّ لما بعد الموت بينما يهتم الناس لهذه الحياة فقط (كثير صمته ) أي سكوته (مشغول وقته) فلا يتركه هملاً بلا شغل. (شكور) لنعم الله (صبور) لبلائه (مغمور بفكرته) أي غريق في التفكر ، لما يصنعه لإنجاء نفسه وإنجاء الناس (ضنين بخلته) أي بخيل بإظهار حاجته للناس فلا يطلب منهم شيئاً (سهل الخليقة) أي الطبيعة فلا عنف في أخلاقه (لين العريكة) أي النفس، لا لجاجة فيه (نفسه أصلب) في إتيان أوامر الله (من الصلد) وهو الحجر الصلب (وهو أذل من العبد) في تواضعه لله وللنّاس .
334 - وقال(عليه السلام): (لو رأى العبد الأجل ومصيره) أي المحل الذي الإنسان إليه (لأبغض الأمل وغروره) فإنَّه حينذاك يعرف أن آماله يصير وغروره، خديعة من الشيطان، وإنّ اللازم صرف وقته، لآخرته .
335 - وقال(عليه السلام): (لكل امرئ في ماله شريكان الوارث والحوادث)
336 - وقال(عليه السلام): الْمَسْؤُولُ حُرِّحَتَّى يَعِدَ .
337 - وقال(عليه السلام): الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ .
338 - وقال(عليه السلام): الْعِلْمُ عِلْمَانِ : مَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعٌ ، وَلَا يَنْفَعُ الْمَسْمُوعُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَطْبُوعُ .
339 - وقال(عليه السلام): صَوَابُ الرَّأْيِ بِالدُّوَلِ : يُقْبِلُ بِإِقْبَالِهَا، وَيَذْهَبُ : بِذَهَابِهَا.
...............................
كالأمراض التي توجب صرف المال، والسراق، وما تأخذه الدولة، فالوارث يأخذ ماله بعد موته، والحوادث تصرف ماله في حال حياته .
336 - وقال(عليه السلام): (المسؤول) أي الذي يسأل الشخص منه شيئاً (حر) إن شاء أعطى وإن شاء لم يعط (حتّى يعد) إذ يجب عليه الوفاء حينئذ .
337 - وقال(عليه السلام): (الداعي بلا عمل) كأن يدعو الله أن يرزقه ولداً، بدون أن يتزوج ، وهكذا (كالرامي بلا وتر) فإنَّ سهمه لا يصيب الهدف.
338 - وقال(عليه السلام): (العلم علمان) أي صنفان (مطبوع) في النفس راسخ فيها ( ومسموع) يسمعه الإنسان، بدون رسوخ في نفسه من السابق .
(ولا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع) إذ الإنسان إنما يتحرك، بما رسخ في نفسه، لا بما يسمع، وهذا تحريض على طبع الإنسان للعلوم النافعة في نفسه، حتى تظهر آثاره في الخارج .
339 - وقال(عليه السلام)، (صواب الرأي بالدول) أي أن الرأي الصائب مقارن بدولة الإنسان (يقبل) الرأي الصائب (بإقبالها) أي بإقبال الدولة (ويذهب بذهابها) فإذا انتقلت الدولة عن أحد، لم تنفعه آراؤه، ولعل هذا كناية عن
340 - وقال(عليه السلام): الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَالشَّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى .
341 - وقال(عليه السلام): يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَورِ عَلَى الْمَظْلُوم!
342 - وقال(عليه السلام): الْغِنَى الْأَكْبَرُ الْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ .
343 - وقال(عليه السلام): الْأَقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ، وَالسَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ، وَكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(1)، وَالنَّاسُ مَنْقُوصُونَ
.................................
تقارن الحظوظ في الآراء والحظوظ في الخارج .
340 -وقال(عليه السلام): (العفاف زينة الفقر) فإذا كان الفقير عفيفا متوسطا في إنفاذ مطالب جسده، كان ذا جمال عند الناس(والشكر زينة الغنى) فالغني إذا كان شاكرا، لسانا وقلبا وعملا، كان ذا جمال في المجتمع .
341 - وقال(عليه السلام): (يوم العدل على الظالم) وهو يوم القيامة، الذي يعاقب الله فيه الظالمين (أشد من يوم الجور على المظلوم) إذ الجور على المظلوم، ليس بشدة العقاب الذي يرد على الظالم، في الآخرة .
342 - وقال(عليه السلام): (الغنى الأكبر اليأس عما في أيدي الناس) بخلاف الثروة، فإنَّ المثري أيضا محتاج إلى الناس بالاكتساب والاتجار .
343 - وقال(عليه السلام): (الأقاويل) أي الأقوال (محفوظة) عند الله سبحانه (والسرائر) جمع سريرة ، بمعنى الضمائر(مبلوة) أي مختبرة فيبلوها الله سبحانه ليظهر خيرها من شرها (وكل نفس بما كسبت رهينة) أي مرهونة بأعمالها، فإنَّ عملت خيرا، نجت وأن عملت شرا هلكت (والناس منقوصون) لأنه يؤخذ من
1) سورة المدثر : 38
مَدْخُولُونَ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ : سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ، وَمُجِيبُهُمْ مَتَكَلِّفٌ، يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَأْيَا يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأْيِهِ الرِّضَى وَالسُّخَطُ، وَيَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنْكَؤُهُ اللَّحْظَةُ ، وَتَسْتَحِيلُهُ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ .
344 - وقال(عليه السلام): مَعَاشِرَ النَّاسِ، اتَّقُوا اللهَ، فَكَمْ مِنْ مُؤَمَلٍ مَا لاَ يَبْلُغُهُ، وَبَانٍ مَا لَا يَسْكُنُهُ، وَجَامِعٍ مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ، وَمِنْ حَقٌّ مَنَعَهُ ،
...........................
أبدانهم وعقولهم لدى الكبر ، أو المراد نقص المجموع بالموت لبعضهم (مدخولون) أي مصابون بالدخل وهو مرض العقل والقلب بالرذائل (إلا من عصم الله) أي حفظه عن الرذيلة(سائلهم متعنت) أي يسأل عنتا وجدالا ، لا تفهّما وتعلّما( ومجيبهم متكلف) يتكلف الجواب بدون أن يكون له علم (يكاد أفضلهم رأيا) أي أفضل الناس رأيا (يرده عن فضل رأيه الرضا والسخط) فإذا رضي عن أحد حكم له بغير حق، وإذا سخط على أحد حكم عليه بغير حق (ويكاد أصلبهم عوداً) أقومهم نفساً، تشبيهاً بالشجرة الصلبة العود تنكؤه اللحظة أي تسيل جرحه - من نكنه إذا أسال دمه - واللحظة، أي نظرة منه إلى المشتهيات، والمراد بتنكئه : توجب خدشة دينه (وتستحيله الكلمة الواحدة) أي تحوله عما هو عليه من الدين، كلمة واحدة تقال له، أو عليه، فينحو نحو الباطل .
344 - وقال(عليه السلام): (معاشر الناس) جمع معشر، بمعنى: الجماعة (اتقوا الله) أي خافوه (فكم من مؤمل ما لا يبلغه) أي يرجوا ما لا يصل إليه (وبان) للدور والقصور (ما لا يسكنه) ولا ينتقل إليه (وجامع) للأموال (ما سوف يتركه) ولا ينتفع به (ولعلّه من باطل جمعه) فعليه إثمه (ومن حق منعه )
أَصَابَهُ حَرَاماً، وَاحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً ، فَبَاءَ بِوِزْرِهِ، وَقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ ، آسِفاً لاَهِفاً ،خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (1).
345 - وقال(عليه السلام): مِنَ الْعِصْمَةِ تَعَذُّرُ الْمَعَاصِي .
346 - وقال(عليه السلام): مَاءً وَجْهِكَ جَامِدٌ يَقْطُرُهُ السُّوَالُ، فَانظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ .
347 - وقال(عليه السلام): الثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ الاسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ،
.......................
فلم يصرفه في المواضع المقررة في الشريعة (أصابه حراما) أي نال ذلك المال من الحرام (واحتمل به آثاما) أي ذنوبا ومعاصي (فباء) أي رجع إلى الآخرة (بوزره) أي مع ذنب ذلك المال المحرم (وقدم على ربه آسفا) يأسف لما فات (لاهفا) يلهف ويحزن على ما مضى من الدنيا بدون أن يقدم فيه عملا صالحا (قد خسر الدنيا) حيث فنت (والآخرة) حيث لم يعمل لها (ذلك هو الخسران المبين) أي الواضح .
345 - وقال(عليه السلام): ( من العصمة تعذر المعاصي)، لأن الإنسان إذا تعذرت عليه المعصية يعتصم، ولا يرتكب فيبقى سالما .
346 - وقال(عليه السلام): (ماء) وجهك جامد) المراد بماء الوجه عزّ الإنسان وشرفه وجاهه عند الناس (يقطره السؤال) أي يوجب نزوله، وذهاب عزّك .
(فإنظر عند من تقطره) وتصبه، هل عند إنسان لا يقدرك، أم عند من يحترمك ؟ .
347 - وقال(عليه السلام): (الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق) أي إذا مدحت
1) سورة الحج : 11 .
وَالتَّقْصِيرُ عَنِ الاِسْتِحْقَاقِ عِیٌّ أَوْ حَسَدٌ .
348 - وقال(عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهُ .
349 - وقال(عليه السلام): مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبٍ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ. وَمَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ، وَمَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطِبَ، وَمَنِ اقْتَحَمَ اللُّجَجَ غَرِقَ ، وَمَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ اتُهِمَ . وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَوُّهُ ،
.................................
أحد بأكثر من استحقاقه، فقد تملقته، وذلك ليس مدحا، بل اعتباطا (والتقصير عن الاستحقاق) بأن مدحت دون الاستحقاق (عي) أي عجز (أو حسد) لمقام الممدوح ، فلا تريد أن تمدحه حسدا .
348 - وقال(عليه السلام): (أشد الذنوب) إثما وعقابا (ما استهان به صاحبه) بأن يعتبره هينا وسهلا .
349 - وقال(عليه السلام): (من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره) فلا يصيب غيره، إذ الإنسان إذا عرف نفسه كاملا، أخذ في عيب الناس، ولا يعيب من هو مثل في العيب (ومن رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته) من الدنيا، لأنه راض بما قسم الله له (ومن سلّ) أي جر من الغلاف (سيف البغي) أي الظلم على الناس (قتل به) أي بسبب ذلك السيف، فإنَّ القاتل لا بد وأن يقتل ليرى عقاب قتله في دنياه قبل الآخرة . (ومن كابد الأمور) أي قاس الأمور بدون إعداد أسبابها (عطب) أي هلك (ومن اقتحم اللجج) أي دخل في لجج جمع لجة وسط البحر (غرق) ولم ينج لأنه إلقاء للنفس في المهلكة ومن دخل مداخل السوء أي في محلات السوء (اتّهم) أي اتهمه الناس بأنه من أهل السوء (ومن كثر كلامه كثر خطوه) فمن الأحسن أن يقل
وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ . وَمَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ، فَأَنْكَرَهَا، ثُمَّ رَضَيَهَا لِنَفْسِهِ ، فَذلِكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ، وَالْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ. وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ .
350 - وقال(عليه السلام): للظَّالِمٍ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ :
............................يعصي
الإنسان الكلام تحفظا على نفسه من الخطأ (ومن كثر خطؤه قل حياؤه) إذ الحياء يذهب بتكرر الخطأ فلا يخجل من الناس إذا أخطأ . (ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه) من الله ، إذ الحياء يوجب الخجل منه سبحانه فلا المستحي (ومن قلّ ورعه مات قلبه) فإنَّ حياة القلب كونه بحيث يؤثر الآثار النافعة، والذي لم يستح من الله لا يكون هكذا (ومن مات قلبه دخل النار) لعدم إتيانه بالأعمال الصالحة (ومن نظر في عيوب النّاس فانَّكرها) وتعجب منها (ثمّ رضيها) أي رضي مثل تلك العيوب لنفسه (فذلك الأحمق بعينه) لأن الأحمق لا ميزان لرضاه عن الأشياء فيرضى الشيء هنا ولا يرضى نفس الشيء في مكان آخر، بخلاف العاقل الذي كل شيء له بميزان. (والقناعة مال لا ينفد) إذ مال الإنسان ينفد مهما كان، أمّا القناعة فهي باعثة دائمة على صيانة الإنسان (ومن أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير) لأنه يزهد في الدنيا، فلا يريدها، حيث يعلم بالموت (ومن علم أنّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلّا فيما يعنيه) أي يقصده ويريده، ولا يهذر بالكلام، لأنه يعلم أن الكلام محسوب عليه إن تكلم شرّاً عوقب به .
350 - وقال(عليه السلام): (للظالم من الرجال ثلاث علامات) يعرف بها أنه
يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَيُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَةَ .
351 - وقال(عليه السلام): عِنْدَ تَنَاهِي الشِّدَّةِ تَكُونُ الْفَرْجَةُ، وَعِنْدَ تَضَايُقِ حَلَقُ الْبَلَاءِ يَكُونُ الرَّخَاءُ .
352 - وقال(عليه السلام) لبعض أصحابه : لا تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغُلِكَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ : فإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَوَلَدُكَ أَوْلِياءَ اللهِ ، فإنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَوْلِياءَهُ، وَإِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللهِ فَمَا هَمُّكَ وَشُغُلُكَ بِأَعْدَاءِ اللهِ؟!
353 - قال(عليه السلام): أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ .
..........................
ظالم (يظلم من فوقه) ممّن تجب إطاعته(بالمعصية) فلا يطيع أوامره ونواهيه (و من دونه بالغلبة) أي يقهره ويتسلّط عليه بلا حق (ويظاهر القوم الظلمة) جمع ظالم، أي يكون ظهيرا لهم في الظلم .
351 - وقال(عليه السلام): (عند تناهي الشدة) أي وصول الشدّة إلى نهايتها لي (تكون الفرجة) أي الفرج (وعند تضايق حلق البلاء) كأن البلاء حلقة تحيط بالإنسان، فإذا تضايقت (يكون الرخاء) والسعة .
352 - وقال(عليه السلام)- لبعض أصحابه- : (لا تجعلنّ أكثر شغلك بأهلك وولدك) بأن تشتغل بهم كثيراً (فإن يكن أهلك وولدك أولياء الله) وأحباؤه (فإن الله لا يضيع أولياءه) بل يرعاهم (وإن يكونوا أعداء الله، فما همّك وشغلك بأعداء الله) ؟ فاللازم أن تشتغل بهم بقدر الواجب عليك، وتجعل بقية وقتك لنفسك .
353 - وقال(عليه السلام): (أكبر العيب أن تعيب) الناس بـ (ما فيك مثله) كأن تعيبهم باغتيابهم، أو بخلهم، وأنت بخيل، وتغتاب الناس.
354 - وهنا بحضرته رجل رجلا بغلام ولد له فقال له : لِيَهْنِئْكَ الْفَارِسُ ؛ فَقَالَ(عليه السلام): لَا تَقُلْ ذلِكَ، وَلَكِنْ قُلْ : شَكَرْتَ الْوَاهِبَ، وَبُورِكَ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَرُزِقْتَ بِرَّهُ .
355 - وبنى رجل من عماله بناءً فخماً، فقال(عليه السلام): أَطْلَعَتِ الْوَرِقُ رُؤُوسَهَا! إِنَّ الْبِنَاءَ يَصِفُ لَكَ الْغِنَى .
356 - وقيل له(عليه السلام): لو سُدَّ على رجل بابُ بيته ، وتُرِكَ فيه من أين كان يأتيه رزقه؟ فقال(عليه السلام): مِنْ حَيْثُ يَأْتِهِ أَجَلُهُ .
.......................
354 - وهنأ بحضرته(عليه السلام)رجل رجلا، بغلام ولد له، فقال له: (ليهنئك الفارس) أي يكون هنيئا لك هذا الولد الفارس - تفاؤلا بان يكون شجاعا - فقال(عليه السلام) : (لا تقل ذلك) لأنه لا معنى له ولا أجر(ولكن : قل شكرت الواهب) إخبار بمعنى الإنشاء أي أشكر الواهب تعالى الذي وهب لك هذا الغلام (وبورك لك في الموهوب) أي ليكن الولد مباركا، أي مستمرا في الخير(وبلغ أشده) أي كماله، دعاء على بقائه حتى يكمل (ورزقت بره) وإحسانه إليك .
355 - وبنى رجل من عمّاله - أي ولاة الإمام - بناء فخما - أي ضخما عظيما - فقال له(عليه السلام): (أطلعت الورق رؤوسها) الورق الفضة أي الفضة الموجودة عندك أظهرت رؤوسها، كناية عن ظهورها بسبب هذا البناء الذي بنيت (أن البناء يصف لك المغنى) إذ لو لا غناك لم تقدر على البناء .
356 - وقيل له(عليه السلام): لو سدّ على رجل باب بيته، وترك فيه، من أين كان يأته رزقه ؟ فقال(عليه السلام) : (من حيث يأته أجله) فلو كان رزقه في الدنيا لهيئ الله له وسيلة لوصول الرزق إليه، فإنَّ باعث الأجل، هو باعث الرزق، ولا يحجبه باب وجدار .
النوم
357 - وعزى قوماً عن ميت مات لهم فقال(عليه السلام): إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَ بِكُمْ بَدَأَ ، وَلا إِلَيْكُمُ انْتَهَى، وَقَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هَذَا يُسَافِرُ، فَعُدُّوهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَإِلَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ .
358 - وقال(عليه السلام): أَيُّهَا النَّاسُ، لِيَرَكُمُ اللهُ مِنَ النّعْمَةِ وَجِلِينَ ، كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ! إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اخْتِباراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً .
............................
357 - وعزى(عليه السلام)، قوما عن ميت مات لهم، فقال(عليه السلام): (إن هذا الأمر) وهو موت قريبكم (ليس بكم بدء) إذ سبق أن مات من غيركم (ولا إليكم انتهى) إذ يموت الناس بعد ميتكم (وقد كان صاحبكم هذا) الذي مات (يسافر، فعدوه في بعض أسفاره) الآن، بعد أن مات (فإن قدم عليكم) ورجع من سفر الآخرة، فهو (وإلا) يقدم هو عليكم (قدمتم) أنتم (عليه) حيث موتكم .
358 - وقال(عليه السلام): (أيها الناس، ليركم الله من النعمة وجلين) أي اللازم أن يراكم سبحانه خائفين من نعمة، من جهة احتمال أن تكون النعمة استدراجا (كما يراكم من النقمة) أي البلية (فرقين) أي خائفين فزعين ثم بين الإمام سبب وجوب الخوف من النعمة بقوله : (إنه من وسع عليه في ذات يده) من نعم الله سبحانه (فلم ير ذلك استدراجا) أي لم يحتمل أن يكون إعطاؤه تعالى، لأخذه درجة درجة إلى العذاب (فقد أمن مخوفا) أي ما يجب الخوف منه (ومن ضيق عليه في ذات يده) أي النعمة التي أنعمها الله عليه (فلم ير ذلك اختبارا) وامتحانا موجباً للثواب (فقد ضيع مأمولا) أي ضيع الثواب الذي هو مأمول في مثل تلك الحالة .
359 - وقال(عليه السلام): يَا أَسْرَى الرَّغْبَةِ أَقْصِرُوا، فإنَّ الْمُعَرِّجَ عَلَى الدُّنْيا لا يَرُوعُهُ مِنْهَا إِلَّا صَرِيفُ أَنْیَابِ الْحِدْثَانِ. أَيُّهَا النَّاسُ، تَوَلَّوْا مِنْ أَنْفُسِكُمْ تَأدِيبَهَا ، وَاعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضَرَاوَةِ عَادَاتِهَا .
360 - وقال(عليه السلام): لا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مُحْتَمَلاً .
361 - وقال(عليه السلام): إِذَا كَانَتْ لكَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ .
............................
359 - وقال(عليه السلام): (يا أسرى الرغبة) جمع أسير، أي أيها الأسراء في أيدي رغباتكم، ترغبون كل يوم شيئا (أقصروا) أي كفوا عن رغباتكم (فإن المعرج على الدنيا) أي المعوّل على الدنيا (لا يروعه منها) أي لا يفزعه من الدنيا(إلا صريف أنياب الحدثان) الصريف صوت الأسنان عند الاصطكاك أي اصطكاك أنياب النوائب، فإنَّها هي التي تروعه وتفزعه، والمعنى لا تكونوا هكذا بل خافوا عواقب الدنيا، قبل أن تنزل بكم الأحداث (أيّها النّاس تولوا من أنفسكم تأديبها) أي أذبوها أنتم بأنفسكم (واعدلوا بها) أي اصرفوا أنفسكم (عن ضراوة) أي إضرار (عاداتها) حتى لا تحتاجوا إلى مؤدّب وصارف غيركم، وإلّا أدّبكم الزمان، وصرفكم الموت حيث لا يفيد.
360 - وقال(عليه السلام): (لا تظنن بكلمة خرجت من) لسان (أحد سوءا، و) الحال( أنت تجد لها في الخير محتملا) أي احتمالاً فإنَّ قال كلمة لم تعلم أنها سب أو كلام عادي، فلا تحملها على السب، وهكذا، وهذا من مصاديق حمل فعل المسلم على الصحيح.
361 - وقال(عليه السلام): (إذا كانت لك إلى الله سبحانه حاجة) فتريد طلبها
فَابْدَا بِمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ ؛ فإنَّ اللهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ، فَيَقْضِي إِحْدَاهُما وَيَمْنَعَ الْأُخْرَى.
362 - وقال(عليه السلام): مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَع الْمِرَاءَ .
363 - وقال(عليه السلام): مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ، وَالْأَناةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ .
364 - وقال(عليه السلام): لاَ تَسْأَلْ عَمَّا لاَ يَكُونُ، فَفِي الَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغُلٌ .
...........................
منه تعالى (فابدأ بمسألة الصلاة على رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)) أي تطلب من الله أن يصلي على رسوله بقولك [اللهم صل على محمد وآل محمد] (ثم سل حاجتك) بعد الصلوات (فإن الله أكرم من أن يسأل حاجتين) الصلاة على الرسول،وحاجتك (فيقضي إحداهما) وهي الصلاة ( ويمنع الأخرى) وهي حاجتك، كما أنه لا يرد الصلاة، فلا بد وأن يقضيهما .
362 - وقال(عليه السلام): ( من ضن) أي بخل (بعرضه) وهو ما يهم الإنسان من نفسه وأهله وما أشبه (فليدع المراء) أي يترك الجدال إذا كان الجدال يوجب غضب الطرف الآخر، فينال عرض الإنسان، في حضوره أو في غيبته .
363 - وقال(عليه السلام): (من الخرق) أي الحمق، ضدّ الرفق (المعاجلة قبل الإمكان) أي أن يتعجل الإنسان بالشيء قبل أن يتمكن منه ( والأناة) أي التأنّي (بعد الفرصة) بأن يتمكن فلا يعمل، ويتأنى .
364 - وقال(عليه السلام): (لا تسأل عما لا يكون) أي لا تطلب الأمور البعيدة (ففى الذي قد كان) وتمكن منه (لك شغل) فاشتغل به .
365 - وقال(عليه السلام): الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ ، وَالاِعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحُ . وَكَفَى أَدَباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيرِكَ .
366 - وقال(عليه السلام): الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ : فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ؛ وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ ، فإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ .
367 - وقال(عليه السلام): يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، مَتَاعُ الدُّنْيا حُطَامٌ مُوبِئٌ فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاهُ! قَلْعَتُهَا أَحْظَى مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا ، وَبُلْغَتُهَا
.............................
265 - وقال(عليه السلام): (الفكر) في الأمور (مرآة صافية) عن الكدورات فإنَّه يري الإنسان وجه الصواب (والاعتبار) أي الاتعاظ بما جرى على السابقين (منذر) للإنسان عمّا لا ينبغي فعله (ناصح) أي ينصح الإنسان ولا يغشه ولا يكذبه (وكفى أدباً لنفسك) إن أردت التأدّب (تجنّبك ما كرهته لغيرك) فما رأيته في غيرك قبيحاً، اجتنبه، فإنَّه أحسن كيفيّة لتأديب النفس.
366 - وقال(عليه السلام): (العلم مقرون بالعمل) أي أنّهما أمران مقترنان (فمن علم عمل) إذ لو لم يعمل ظهر أنّه لم يعلم حق العلم وإنما عرف شيئاً سطحياً (والعلم يهتف بالعمل) أي يناديه أن يجيء (فإن أجابه) العمل، بقي (وإلا ارتحل) العلم، أي ذهب (عنه) أي عن الذي لم يعمل، كالعالم بوجود الأسد خلفه، فإنَّه لا بدّ وأن يغر، فإنَّ لم يغر دلّ على أنه لا يعلم .
367 - وقال(عليه السلام): (يا أيها الناس متاع الدنيا) أي ما يتمتع الإنسان به في الدنيا (حطام) هو ما يتكسر من النبات اليابس، أي أن قيمة متاع الدنيا قيمة هذا الحطام (موبئ) أي ذو وباء مهلك (فتجنبوا مرعاه) أي اجتنبوا محل رعي النبات (قلعتها) القلعة عدم سكونك للتوطن، أي عدم سكونك إلى الدنيا (أحظى) أي أسعد (من طمأنينتها) أي الاطمئنان إليها (وبلغتها) أي مقدار ما
أَزْكَى مِنْ ثَرْوَتِهَا . حَكِمَ فِي مُكْثِي بِالْفَاقَةِ، وَأُعِينَ عَلَى مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَةِ. وَمَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهَاً، وَمَنِ اسْتَشْعَرَ الشَّغَفَ بهَا مَلَأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَانَا ، لَهُنَّ رَقْصٌ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ هَمٌّ يَشْغَلُهُ، وَهَمٌّ يَحْزُنُهُ ، كَذلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِعَظَمِهِ فَيُلْقَى بِالْفَضَاءِ، مُنْقَطِعاً أَبْهَرَاهُ، هَيِّناً عَلَى اللهِ فَنَاؤُهُ، وَعَلَى الْإخْوَانِ الْقَاؤُهُ. وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْن الاعْتِبَارِ، وَيَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْن الاضْطِرَارِ ، وَيَسْمَعُ فِيها بأُذُنِ الْمَقْتِ
.................................
يتبلغ به الإنسان من القوت (أزكى) وأحسن (من ثروتها) الكثيرة (حكم) في القدر الإلهي (في مكثي) من الدنيا (بالفاقة) والفقر. (وأعين على من غني عنها بالراحة) أي أن الغني عن الدنيا في راحة تامة، فقد أعانه الله بالراحة وعدم التعب (ومن راقه) أي أعجبه (زبرجها) أي زينة الدنيا (أعقبت) الدنيا (ناظریه كمها) الكمه: العمى، أي أعمت الدنيا عينه عن الحق (ومن استشعر الشغف بها) أي من ولع في قلبه الحب للدنيا (ملأت) الدنيا (ضميره) وباطنه (أشجانا) أي أحزانا، بخلاف من لا يريدها فإنَّه خال من الهموم . (لهن) أي للأشجان (رقص) أي وثوب (على سويداء قلبه) أي حبه القلب، ومركزه فله .
(هم يشغله) لنيل بعض الأماني(وهم يحزنه) لفوات بعض الأماني(كذلك) حالة (حتى يؤخذ بكظمه) أي مخرج نفسه. كناية عن خنق الموت له (فيلقى بالفضاء) أي يطرح روحه في فضاء العدم (منقطعا أبهراه) الأبهر وريد العنق، والأبهران الوريدان، وانقطاعهما كناية عن الهلاك (هينا على الله فناؤه) إذ لا يهدم به ركن من أركان الدين (وعلى الأخوان إلقاؤه) أي طرحه في قبره، لعدم أهمية له عندهم . (وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار) ليعتبر بها فيهيئ نفسه للآخرة (ويقتات منها) أي يأكل قوته من الدنيا (ببطن الاضطرار) أي كما يأكل المضطر، بقدر الضرورة، لا بقدر الشبع (ويسمع فيها بإذن المقت)
وَالْإِبْغَاضِ ، إِنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ أَكْدَى، وَإِنْ فُرِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَنَاءِ ! هَذَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ (يَوْمٌ فِيهِ يُبْلِسُونَ).
368 - وقال(عليه السلام): إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ الثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ ، وَالْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، ذِيَادَةً لِعِبَادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِيَاشَةً لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ .
369 - وقال(عليه السلام): يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، وَلاَ مِنَ الْإِسْلَام إِلَّا اسْمُهُ، مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ ، خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، سُكَانُهَا وَعُمَّارُهَا
.........................
أي الغضب، لأن من يغضب على شيء يمقت حتى الاستماع إليه (والإبغاض) لها (إن قيل أثرى) فلان، أي صار له ثروة، لم يمر زمان حتى (قيل أكدى) أي افتقر، وهذا وصف لحال الدنيا وتقلبها (وإن فرح له) أي فرح الناس له (بالبقاء) حين كان حيا (حزن له بالفناء) والموت بعد مدة (هذا) حال الإنسان في الدنيا (ولم يأتهم) بعد (يوم فيه يبلسون) أي يتحيرون، وهو يوم القيامة .
368 - وقال(عليه السلام): (إن الله سبحانه وضع الثواب على طاعته) فمن أطاعه أثابه (والعقاب على معصيته) فمن عصاه عاقبه (زيادة لعباده)أي منعا لهم عن المعاصي، من زاده بمعنى طرده (وحياشة لهم إلى جنته) من حاش الصيد، إذا جاءه من حواليه ليسوقه إلى الحبالة أي سوقا لهم إلى جنته .
369 - وقال(عليه السلام)-وكأنه يصف زماننا هذا- : (يأتي على الناس زمان لا لي يبقى فيهم من القرآن إلّا رسمه) أي خطه، إذ لا يعملون به (ولا من الإسلام إلّا اسمه) فهم مسلمون بالاسم لا بالعمل (مساجدهم يومئذ) أي في ذلك الزمان (عامرة من البناء) بالجص والآجر وما أشبه (خراب من الهدى) إذ الهداية فيها قليلة، وهذا ليس ذما للعمارة وإنما للخراب (سكانها وعمّارها)
شَرُّ أَهْلِ الْأَرْضِ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ، وَإِلَيْهِمْ تَأْوِي الْخَطِيئَةُ ؛ يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا، وَيَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا . يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : [فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُوْلَئِكَ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ](1)، وَقَدْ فَعَلَ، وَنَحْنُ نَسْتَقِيلُ اللَّهَ عَثْرَةَ الْغَفْلَةِ .
370 - وروى أنه(عليه السلام) قلما اعتدل به المنبر إلّا قال أمام الخطبة : أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ،
......................
أي من يسكن في المساجد للصلاة وما أشبه، ومن يعمرها (شر أهل الأرض) لأنهم يراؤون بأعمالهم (منهم تخرج الفتنة) لأنهم يوجبون إضلال الناس بالإهمال لأحكام الله سبحانه، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أشبه .
(وإليهم تأوي) وترجع (الخطيئة) أي خطايا أعمال الناس لأنهم السبب في خطئهم بترك الإرشاد والأمر والنهي (يردون من شذ) وابتعد (عنها) أي عن الفتنة (فيها) أي في الفتنة، لإدخالهم الناس في ضلالاتهم (ويسوقون من تأخر عنها) أي عن الفتنة (إليها) لأنهم يرون أنفسهم المثال الكامل للإيمان، فمن لم يلحق بهم سلقوه حتى يلتحق بهم (يقول الله سبحانه فبي) أي بنفسي (حلفت، لأبعثن) أي أرسلن(على أولئك فتنة تترك الحليم فيها) أي في تلك الفتنة (حيران) لا يعلم كيف المخرج منها، مع حلمه وتأنيه في الإدراك والفهم (وقد فعل) أي يفعله سبحانه قطعا (ونحن نستقيل الله) أي نطلب منه سبحانه أن يعفو عنا (عثرة الغفلة) أي السقوط في الغفلة .
370 - وروي أنه(عليه السلام)- قلما اعتدل به المنبر - أي اعتدل على المنبر إلّا قال أمام الخطبة [كالحمد والصلاة]: (أيها الناس اتقوا الله) خافوا عقابه، فلا
1) من حديث قدسي.
فَمَا خُلِقَ امْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ، وَلاَ تُرِكَ سُدىً فَيَلْغُوَا ! وَمَا دُنْيَاهُ الَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ مِنَ الْآخِرَةِ الَّتِي قَبَّحَهَا سُوْءُ النَّظَرِ عِنْدَهُ، وَمَا الْمَغْرُورُ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الدُّنْيَا بِأَعْلَى هِمَّتِهِ ، كَالْآخَرِ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الْآخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ .
371 - وقال(عليه السلام): لا شَرَفَ أعْلَى مِنَ الإِسْلَام، وَلاَ عِزَّ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى، وَلاَ مَعْقِلَ أَحْسَنُ مِنَ الْوَرَعِ ، وَلَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَا كَنْزَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ ، وَلاَ مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ الرّضَى بالْقُوتِ .
.............................
تفعلوا ما يغض- ما يغضبه (فما خلق امرؤ عبثا) أي بلا غاية ومقصد (فيلهو) ويلعب (ولا ترك) امرئ (سدى) أي بلا أمر ونهي ورقابة .
(فيلغو) أي يأتي باللغو (وما دنياه التي تحسنت له) أي تزينت (بخلف) وعرض (من الآخرة التي قبحها) أي قبح الآخرة (سوء النظر عنده) فإنَّ سوء نظر الإنسان إلى الآخرة وعدم اعتباره بها، قبح الآخرة في نظر الإنسان، ولذا لا يريد الموت ويفر من الآخرة (وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همته) بأن وصل إلى ما يريد من نعيم الدنيا ولذائذها (كالآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سهمته) السهمة النصيب، فإنَّ أقل قليل من الآخرة خير من من أكثر كثير من الدنيا، فاللازم على الإنسان أن يجتهد لتحصيل الآخرة .
371 - وقال(عليه السلام): (لا شرف أعلى من الإسلام) فالإسلام فوق كل شرف (ولا عز أعز من التقوى) فالخوف من الله تعالى فوق كل عز (ولا معقل) أي لا ملجأ للإنسان يؤمنه من المخاوف (أحسن من الورع) والاجتناب عن المعاصي (ولا شفيع أنجح من التوبة) إذ التوبة ناجحة قطعا، وسائر الشفعاء محتملوا النجاح (ولا كنز أغنى من القناعة) إذ القناعة توجب الغنى الدائم بخلاف الكنز إذ كثيرا ما ينفد (ولا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت)
وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ ، وَتَبَوَّاً خَفْضَ الدَّعَةِ . وَالرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ، وَمَطِيَّةُ التَّعَبِ، وَالْحِرْصُ وَالْكِبْرُ وَالْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى التَّقَحُم فِي الذُّنُوبِ، وَالشَّرُّ جَامِعُ مَسَاوِئِ الْعُيُوبِ.
372 - وقال(عليه السلام) الجابر بن عبد الله الأنصاري : يَا جَابِرُ، قِوَامُ الدِّين وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَةِ : عَالِم مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ، وَجَاهِلٍ لاَ يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَجَوَادٍ لَا يَبْخَلُ بمَعْرُوفِهِ،
...............................
فمن رضي بقوته لم يكن فقيرا (ومن اقتصر على بلغة الكفاف) أي على الكفاف الذي يبلغه مقدار حاجته من العيش .
(فقد انتظم الراحة) أي ظفر بالراحة، يقال انتظمه بالرمح أي أنفذه فيه (وتبوأ ) أي اتخذ المحل في(خفض الدعة) أي راحة سعة العيش . (والرغبة) في الأشياء(مفتاح النصب) أي التعب، إذ من رغب في شيء تعب لأجل تحصيله (ومطية التعب) كأن التعب يركب على الرغبة ويأتي إلى الإنسان الراغب (والحرص والكبر والحسد دواع) أي كل واحد يدعو (إلى التقحم) والدخول (في الذنوب) والآثام (والشر جامع مساوىء العيوب)فإنَّ الإنسان ذا الشر يفعل كل معصية من الإيذاء والظلم والقطيعة والعقوق والقتل وما أشبه، فهو يجمع جميع قبائح سائر العيوب والموبقات، ولذا يجب على الإنسان أن يتجنب الشر بكل قواه .
372 - وقال(عليه السلام)- لجابر بن عبد الله الأنصاري - : (يا جابر، قوام الدين والدنيا بأربعة) أصناف من الناس، لولا هؤلاء لم تنتظم أمور الدين، ولا أمور الدنيا، الأول (عالم مستعمل علمه) بأن يعلم ثم يعمل (و) الثاني (جاهل لا يستنكف) أي لا يتكبر(أن يتعلم) العلم (و) الثالث (جواد لا يبخل بمعروفه)
وَفَقِيرٍ لَا يَبيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ ؛ فَإِذَا ضَيْعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ ، وَإِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ. يَا جَابِرُ، مَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِ كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَمَنْ قَامَ لِلَّهِ فِيهَا بِمَا يَجِبُ فِيهَا عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ،
............................
بأن يعين الناس وينفق في القربات (و) الرابع (فقير لا يبيع آخرته بدنياه) فلا يفعل الحرام لتحصيل المال، وسبب كون هؤلاء قوام الدارين، لأن قوام الدين بالعلماء وأتباعهم، والصنف الأول هو الرعيل الأول، والأصناف الثلاثة أتباع لهم إذا عملوا بالشرائط المذكورة، وإنما ذكر الجاهل لأن العلماء لا يبقون فاللازم أن يكون هناك جهال يتعلمون العلم للأجيال اللاحقة وهكذا، أي أن قوام الدنيا يكون بالمشي في سنن الشرع، وذلك يعرف بالعلماء، والجهال الذين يتعلمون حتى يصبحوا بدورهم علماء . ثم المعاش بحاجة إلى أغنياء منهم المال، وفقراء منهم العمل، إذ لو كان الكل فقراء لا تدار الأمور المحتاجة إلى المال، ولو كان الكل أغنياء لم يكن يعمل أحد الأعمال السفلى، فيتوقف النظام (فإذا ضيع العالم علمه ) بأن لم يعمل بمقتضاه (استنكف الجاهل أن يتعلم) لأنه يرى المشقة في تحصيل العلم، وعدم الفائدة منه (و إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه) إذ يفعل الأعمال المحرمة كالسرقة والخيانة التحصيل المال، فلا تبقى للناس دنيا، ولا دين. (يا جابر، من كثرت نعم الله عليه) بالمال والجاه والعلم والقوة وما أشبه (كثرت حوائج الناس إليه) لأن الناس محتاجون إلى النعم المجتمعة عنده (فمن قام، لله، فيها) أي في النعم (بما يجب فيها) من إعطاء حقوق الله، وقضاء حوائج الناس .
(عرضها) أي جعل نعمة الله في معرض البقاء (للدوام والبقاء) قال
وَمَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا للزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ .
373 - وروى ابن جرير الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه - وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث - أنه قال فيما كان يحض به الناس على الجهاد : إني سمعت علياُ(عليه السلام) يقول يوم لقينا أهل الشام : أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ وَمُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِئَ ؛ وَمَنَ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ؛ وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ هِيَ السُّفْلَى، فَذلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ الْهُدَى، وَقَامَ عَلَى الطَّرِيقِ،
................................
سبحانه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ(1)(ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال والفناء) قال سبحانه وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(2)
373 - (أيها المؤمنون، إنه من رأى عدواناً) أي تعدياً على الحق (يعمل به أي يعمل به الظالمون (ومنكراً) في الشريعة (يدعى إليه) أي يدعو أهل الباطل إليه (فانكره بقلبه فقد سلم) من العقاب (وبرئ) عن الإثم، إذا كان منتهى قدرته ذلك (ومن أنكره بلسانه فقد أجر ) أي أعطاه الله الأجر (وهو أفضل من صاحبه) لأنه أنكر المنكر. (ومن أنكره بالسيف) بأن حارب فاعل المنكر - فيما إذا قدر على ذلك - (لتكون كلمة الله هي العليا) أي يكون حكم الله سائداً في البلاد (وكلمة الظالمين ) أي حكمهم المخالف لحكم الله (هي السفلى) الممحوقة (فذلك) الإنسان هو (الذي أصاب سبيل الهدى) أي وصل إليه (وقام) أي استقام (على الطريق) الموجب للوصول إلى السعادة الأبدية
وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ .
374 - وفي كلام آخر له يجري هذا المجرى : فَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ ، فَذلِكَ الْمُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ الخَيْرِ ؛ وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ، فَذلِكَ مُتَمَسْكٌ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَمُضَيِّعٌ خَصْلَةً؛ وَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ ، فَذلِكَ الَّذِي ضَيِّعَ أَشْرَفَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلَاثِ ، وَتَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ، وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ، فَذلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ . وَمَا أَعْمَالُ الْبرِّ كُلّیهَا وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ
............................
(ونور) أي ظهر (في قلبه اليقين) الحقيقي بالمبدأ والمعاد.
374 - وفي كلام آخر(عليه السلام)، يجري هذا المجرى في التحريض على إنكار المنكر (فمنهم) أي من الناس (المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه) فهو لا يرضى قلباً بالمنكر، وينهي لساناً عنه، ويحاربه باليد، إذا لم ينفع اللسان (فذلك) الإنسان هو (المستكمل لخصال الخير) لأنه أنكر بكلّ قواه (ومنهم المنكر بلسانه وقلبه، والتارك) للانكار (بيده فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير) الإنكار باللسان وبالقلب (ومضيع خصلة) واحدة، هي الإنكار باليد . (ومنهم المنكر بقلبه ) فقط (والتارك) للإنكار (بيده ولسانه) فلا يقول ولا يعمل (فذلك الذي ضيع أشرف الخصلتين) أي الخصلتين اللتين هما أشرف من الخصلة الثالثة .
(من الثلاث) الخصال (وتمسك بواحدة) فقط هي الإنكار القلبي (ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده فذلك) الإنسان هو (ميت الأحياء) إذ هو كالميت في عدم الفائدة في وجوده (وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل
اللهِ، عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ، إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرِ لُجْيٍّ . وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يُقَرُبَانِ مِنْ أَجَلٍ ، وَلَا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ .
375 - وعن أبي جحيفة قال : سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام)يقول : أَوَّلُ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ، الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ، ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ ، ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً ، وَلَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً ، قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ، وَأَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ .
............................
الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلّا كنفثة) هي ما يمازج النفس من ذرات الريق (في بحر لجي) أي كثير المياه متلاطمه ، وذلك لأن بهذين يبقى الدين مستمرا بينما أعمال البر كلها تترتب عليهما، والجهاد لولاهما يذهب هدرا. (وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل) فلا يزعم أحد أنه لو أمر ونهى قتل قبل وقت أجله (ولا ينقصان من رزق) فيزعم أحد أنه لو أمر ونهى لم يأتيه المقدار المقدر له من الرزق لانصراف الناس عنه (وأفضل من ذلك كله) أي من مطلق الأمر والنهي (كلمة عدل) يقولها الشخص(عند إمام جائر) لإصرافه عن جوره، وإرشاده إلى الصراط المستقيم .
375 - وعن أبي جحيفة، قال سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يقول (أول ما تغلبون عليه من الجهاد) فلا تتمكنون من الإتيان به لغلبة الظالمين عليكم (الجهاد بأيديكم) فيمنعونكم من الحرب مع أهل الكفر والفسق (ثم بألسنتكم) فلا يدعونكم تتكلمون بالحق أمرا ونهيا وإرشادا (ثم بقلوبكم) إذ يصرفونكم عن المعروف ويحثونكم عن المنكر، حتى لا تنكروا منكراً، ولا تعرفوا معروفاً - كما صار في زماننا هذا - (فمن لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر) بقلبه (منكرا قلب) أي نكس قلبه ( فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه) كناية عن
376 - وقال(عليه السلام): إِنَّ الْحَقِّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ .
377 - وقال(عليه السلام): لا تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرٍ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَذَابَ اللهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا يَأْمَنُ مَكَرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ(1)وَلَا تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اللهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ(2).
378 - وقال(عليه السلام) : الْبُخْلُ جَامِعُ لِمَسَاوِئِ الْعُيُوبِ، وَهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ .
............................
تبدل حالة القلب إلى الضد، مما لا يأتي منه الخير .
376 - وقال(عليه السلام): (إن الحق ثقيل مريء) أي حميد العاقبة هنئ آخره ( وإن الباطل خفيف وبيء) أي وخيم العاقبة، من الوباء وهو المرض.
377 - وقال(عليه السلام): (لا تأمنن على خير هذه الأمة عذاب الله) بل احتمل غالي أن يأتي العذاب حتى على الأخيار (لقوله تعالى : فلا يأمن مكر الله إلّا القوم الخاسرون) ومكر الله : علاجه الأمر، إذ من المحتمل أن ينقلب الخير شراً بسبب فتنة مفاجئة، فيعذبه الله سبحانه(ولا تيأسن لشر هذه الأمة من روح الله) أي رحمته الموجبة للسعة (لقوله تعالى : إنه لا ييأس من روح الله إلّا القوم الكافرون) إذ ربّما تهب نسيم رحمة فينقلع الشرير من شرّه ، ويشمله عطفه ولطفه سبحانه .
378 - وقال(عليه السلام): (البخل جامع لمساوىء العيوب) لأنه يوجب المنع عن الزكاة والخمس والصدقة والإيثار والمساواة وما أشبه (وهو زمام يقاد به إلى كل سوء) فيقطع الإنسان رحمه - ويعق أبويه، ويهمل عياله، ويترك الفقير
379 - وقال(عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فإنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ. فَلَا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمَّ يَوْمِكَ! كَفَاكَ كُلُّ يَوْمٍ عَلَى مَا فِيهِ ؛ فإنْ تَكُن السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ لَمَا لَيْسَ لَكَ؟ وَلَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ ، وَلَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ، وَلَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ .
............................
يموت جوعاً، إلى غير ذلك من المساوئ .
379 - وقال(عليه السلام): (الرزق رزقان) أي صنفان من الرزق (رزق تطلبه) وليس لك (ورزق يطلبك) قد قدره الله سبحانه لك (فإن لم تأته) ولم تذهب إليه (أتاك) حتى يصل إليك، وإذ كان الرزق كذلك فما وجه الهمّ للرزق (فلا تحمل هم سنتك على هم يومك) إذ للسنة رزق يأتي تدريجاً (كفاك كل يوم على ما فيه) قدر لك من الرزق (فإن تكن السنة من عمرك فإنَّ الله تعالى سيؤتيك) أي يرسل إليك (في كل غد جديد ما قسم لك) من الرزق (وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهم لما ليس لك)؟ ولماذا تهتم برزقه من الآن؟ .
(و لن يسبقك إلى رزقك) المقدر لك (طالب) يطلب الرزق (ولن يغلبك عليه) أي على رزقك (غالب) بأن يخرجه من قسمتك بالقوة (ولن يبطئ عنك) أي لن يتأخر (ما قدر لك) من الرزق، وهذا كله للنهي عن الحرص والجشع، لا للنهي عن تحصيل الرزق كما أمر الله سبحانهلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ(1)فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (2).
قال الرضي: وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم من هذا الباب، إلّا أنه هاهنا أوضح وأشرح، فلذلك كررناه على القاعدة المقررة في أول الكتاب.
380 - وقال(عليه السلام): رُبَّ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ وَمَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ ، قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ.
381 - وقال(عليه السلام): الْكَلَامُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ؛ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ ، فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْرُنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ، فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً وَجَلَبَتْ نِقْمَةً .
382 - وقال(عليه السلام): لا تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ ، بَلْ لا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ ، فإِنَّ
................................
380 - وقال(عليه السلام): (رب مستقبل يوماً ليس بمستدبره) إذ ينتهي عمره في ذلك اليوم فهو يستقبل ذلك اليوم، ولا يخرج منه، حتى يكون مستدبراً له، بل يموت في أثنائه (و) رب (مغبوط) يغبطه الناس على مقامه وماله (في أول ليله قامت بواكيه) جمع باكية أي النساء اللاتي يبكين لموته (في آخره) لأنه مات في وسط الليل.
381 - وقال(عليه السلام): (الكلام في وثاقك) أي مشدود بحبلك وإنك ما لك له تتمكن من إطلاقه وعدم إطلاقه.
(ما لم تتكلّم) ولم يخرج من لسانك (فإذا تكلمت به صرت في وثاقه) لأنك ملزوم به معاقب عليه إن كان شراً (فاخزن) أي احفظ (لسانك كما تخزن ذهبك وورقك) الورق : الفضة (فربّ كلمة) قالها الشخص(سلبت نعمة وجلبت نقمة) أي بلية ومصيبة .
382 - وقال(عليه السلام): (لا تقل ما لا تعلم) فإنَّه كذب ومنقصة (بل، لا تقل كل ما تعلم) إذ التكلم ببعض المعلومات يوجب نقصاً وشنعة (فإن
اللهَ فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
383 - وقال(عليه السلام): احْذَرْ أنْ يَرَاكَ اللهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ، وَيَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ ، فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ .
384 - وقال(عليه السلام): الرَّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا مَعَ مَا تُعَايِنُ مِنْهَا جَهْلٌ، وَالتَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ الْعَمَلِ إِذَا وَثِقْتَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنٌ،
...........................
الله فرض على جوارحك) جمع جارحة، بمعنى العضو (كلها، فرائض يحتج بها عليك يوم القيامة) فإنَّ تكلمت بما هو محرم، كالغيبة الصادقة، والتنقيص الصادق، وما أشبه كان كلامك وبالاً عليك، وموجباً لعقوبتك في الآخرة.
383 - وقال(عليه السلام): (احذر أن يراك الله عند معصيته) أي في محلّ نهاك عنه، نحو مكان الزنا، ومكان الاغتياب، وما أشبه(ويفقدك عند طاعته) كوقت الصلاة، وأشهر الحج في المواطن، وهكذا (فتكون من الخاسرين)الذين خسروا السعادة الأبدية (وإذا قويت) أي صارت لك قوة (فاقو على طاعة الله) أي اصرف قوتك في الطاعة (وإذا ضعفت) بأن تريد الضعف عن شيء وعدم الإتيان به (فاضعف عن معصية الله) ولا تأت بها.
384 - وقال(عليه السلام): (الركون) أي الاعتماد (إلى الدنيا، مع ما تعاين) وتشاهد (منها) من أنواع التقلبات (جهل) فإذا كنت قوياً، أو ذا مال وجاه ونحو ذلك فلا تعتمد على شيء من ذلك بل كن دائم الحذر، واعمل عمل الخائف ذهاب كل ذلك من يدك (والتقصير في حسن العمل) بأن لا تحسن عملك (إذا وثقت) وعملت (بالثواب عليه) أي على العمل الحسن (غبن)
وَالطَّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ الْاخْتِبَارِ عَجْزٌ .
385 - وقال(عليه السلام): مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ أَنَّهُ لاَ يُعْصَى إِلَّا فِيهَا، وَلاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِتَرْكِهَا .
386 - وقال(عليه السلام): مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ .
387 - وقال(عليه السلام): مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ، وَمَا شَرٌّ بِشَرِّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ، وَكُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ فَهُوَ مَحْقُورٌ، وَكُلُّ بَلَاءٍ دُوْنَ النَّارِ عَافِيَةٌ .
...................................
وخسارة (والطمأنينة) أي الاطمئنان والوثوق (إلى كل أحد قبل الاختبار) والامتحان له (عجز) إذ ذلك يكشف عن أن الإنسان عاجز عن الاختبار والامتحان .
385 - وقال(عليه السلام) : (من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى) الله (إلّا فيها) ومن المعلوم أن المحل الذي يعصي فيه الشخص، هين لا قيمة له عند ذلك الشخص (ولا ينال ما عنده) من الكرامة والثواب (إلا بتركها) يترك الدنيا ولذائذها .
386 - وقال(عليه السلام): (من طلب شيئاً ناله) تماماً (أو) نال (بعضه) وهذا غالبي، لا دائمي، كما لا يخفى.
387 - وقال(عليه السلام): (ما خير بخير بعده النار) أي ليس الشيء الذي يوجب دخول النار خيراً، وإن سمي خيراً، ويحتمل أن يكون [ما] استفهاميّة للإنكار (وما شرّ بشرّ بعده الجنة) فإنَّ التعب الذي يوجب الجنة ليس شراً، وإن سمي شراً (وكل نعيم دون الجنّة) أي باستثناء نعيم الجنة (فهو محقور ضئيل وكل بلاء دون النار عافية) إذ هي بالنسبة إلى جميع أنواع البلاء أشّد وأمر، حتى أن البلاء عافية بالنسبة إليها.
388 - وقال(عليه السلام): أَلاَ وَإِنَّ مِنَ الْبَلَاءِ الْفَاقَةَ، وَأَشَدُّ مَنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الله الْبَدَنِ، وَأَشَدُّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْبِ. أَلاَ وَإِنَّ مِنَ النِّعَمِ سَعَةَ الْمَالِ، وَأَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ الْمَالِ صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ البَدَن تَقْوَى الْقَلْبِ.
389 - وقال(عليه السلام): مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ . وفي رواية عالم أخرى : مَنْ قَاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعُهُ حَسَبُ آبَائِهِ .
390 - وقال(عليه السلام): لِلْمُؤْمِن ثَلَاثُ سَاعَاتِ : فَسَاعَةٌ يُنَاجِي بِهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُ مَعَاشَهُ،
...........................
388 - وقال(عليه السلام): (ألا وإنّ من البلاء الفاقة) أي الفقر (وأشدّ من الفاقة) بلاءً (مرض البدن وأشد من مرض البدن مرض القلب) بالرذائل كالحسد والغل والرياء وما أشبه (ألا وإنّ من النعم سعة المال) والغنى (وأفضل من سعة المال صحة البدن) وسلامته من الأمراض (وأفضل من صحة البدن تقوى القلب) لأنها توجب السعادة الأبدية، كما أنّ مرض القلب يوجب الشقاء الأبدي .
389 - وقال(عليه السلام): (من أبطأ به عمله) بأن لم يقدمه عمله إلى صفوف السابقين (لم يسرع به نسبه) إذ النسب الرفيع لا يجعل الإنسان في رعيل الأشراف والصالحين.
في رواية أخرى: (من فاته حسب نفسه) الحسب ما يحصله الإنسان من الكمالات (لم ينفعه حسب آبائه) في ترفيعه وتشريفه .
390 - وقال(عليه السلام): (للمؤمن ثلاث ساعات) أي يقسم وقته إلى ثلاثة أقسام (فساعة يناجي بها ربه) ويعمل لآخرته (وساعة يرم) أي يصلح (معاشه)
وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ . وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلَّا فِي ثَلَاثٍ : مَرَمَّةِ لِمَعَاشٍ، أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ .
391 - وقال(عليه السلام): ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُبَصِّرْكَ اللهُ عَوْرَاتِهَا ، وَلَا تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ !
392 - وقال(عليه السلام): تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا ، فإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ .
393 - وقال(عليه السلام): خُذْ مِنَ الدُّنْيا مَا أَتَاكَ، وَتَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ ؛
........................
وقوته للدنيا (وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذتها فيما يحل) له (ويجمل) كالنزهة والمقاربة والاجتماع مع الأصدقاء وما أشبه (وليس للعاقل أن يكون شاخصاً) أي مسافراً (إلا في ثلاث) أي في أحد من هذه الثلاث جهات (مرمة لمعاش) أي ترميم وإصلاح لمعاشه وقوته (أو خطوة في معاد) أي يخطو لأجل تحصيل المعارف والعلوم الموجب لإصلاح آخرته (أو لذّة في غير محرّم) كاالزواج أو نزهة أو زيارة صديق أو ما أشبه .
391 - وقال(عليه السلام): (ازهد في الدنيا) الزهد التنفّر عن الدنيا ( يبصرك الله عوراتها أي عيوبها ( ولا تغفل) عن السعادة والآخرة (فلست بمغفول عنك) لأن الله ليس غافلا عما يعمله الإنسان .
392 - وقال(عليه السلام): (تكلموا تعرفوا) أي يعرف النّاس مقاديركم بالكلام (فإن المرء مخبوء) أي مستور (تحت لسانه) فإذا تكلّم عرف.
393 - وقال(عليه السلام): (خذ من الدنيا ما أتاك) أي لا تتكلف لأجل الدنيا، بل ما أتاك منها بنفسه، فخذه (وتولّ) أي أعرض (عمّا تولّى عنك) أي لم
فإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ .
394 - وقال(عليه السلام): رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ .
395 - وقال(عليه السلام): كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ .
396 - وقال(عليه السلام): الْمَنِيَّةُ وَلَا الدَّنِيَّةُ ، وَالتَّقَلُّلُ وَلاَ التَّوَسُّلُ . وَمَنْ لَمْ يُعْطَ قَاعِداً لَمْ يُعْطَ قَائِماً ، وَالدَّهْرُ يَوْمَانِ : يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ ؛ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ .
..........................
يأتك، فلا تطلبه (فإن أنت لم تفعل) حسب الوصية، بل أردت طلب الدنيا (فأجمل في الطلب) أي ليكن طلبك طلبا جميلاً، لا قبيحاً، كطلب الحريص، والطلب الذي يوجب العقاب، وما أشبه ذلك .
394 - وقال(عليه السلام): (ربّ قول أنفذ من صول) أي ربّ كلام يؤثر، أكثر من نفوذ السطوة .
395 -وقال(عليه السلام): (كل مقتصر عليه) أي كلما اقتصر الإنسان عليه وقنع به، فهو (كاف) له يكفيه، وإذا لم يرد القناعة لم يكفه كل شيء.
396 - وقال(عليه السلام): (المنية ولا الدنية) أي الموت خير من ارتكاب الأعمال الدنيئة، كالتذلل والنفاق وما أشبه (والتقلل ولا التوسل) أي الاكتفاء بالقليل خير من التوسل إلى الناس لإشباع الرغبات (ومن لم يعط قاعداً) بأن لم يقدر له الرزق وهو قاعد غير طالب (لم يعط قائماً) في حال الطلب، إذ المفروض أنه لم يقدر له (والدهر يومان يوم لك عليك) أي يوم لنفعك ويوم لضرا لضرك (فإذا كان لك فلا تبطر) أي لا تطغى ولا يخرجك المال والجاه وما أشبه عن الحق (وإذا كان عليك فاصبر) ولا تجزع، فإنَّ الصبر أجمل.
397 - وقال(عليه السلام): نِعْمَ الطِّيبُ المِسْكُ، خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ ، عَطِرٌ ريحُهُ .
398 - وقال(عليه السلام): ضَعْ فَخَرَكَ ، وَاحْطُطْ كِبْرَكَ ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ .
399 - وقال(عليه السلام): إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ حَقَّاً، وَإِنَّ لِلْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ حَقَّاً . فَحَقُّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، إِلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ ، وَحَقُّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اسْمَهُ، وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ، وَيُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ.
400 - وقال(عليه السلام): الْعَيْنُ حَقٌّ، وَالرُّقَى حَقٌّ، وَالسِّحْرُ حَقٌّ،
................................
397 - وقال(عليه السلام): (نعم الطيب المسك) هي التي تنفصل عن الغزال (خفيف محمله) أي حمله (عطر ريحه) أي شديد العطورة.
398 - وقال(عليه السلام): (ضع فخرك) فلا تفتخر (واحطط كبرك) فلا تتكبر (واذكر قبرك) حين تموت وتدخل القبر ذليلاً مهاناً .
399 - وقال(عليه السلام): (إن للولد على الوالد حقا، وإن للوالد على الولد حقا) إذ الحقوق تتكافأ ، فكل له من الحق مثل الذي عليه (فحق الوالد على الولد أن يطيعه في كل شيء) يأمره به (إلا في معصية الله سبحانه) إذ لا طاعة المخلوق في معصية الخالق (وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه) فلا يسميه بالأسماء القبيحة نحو حرب، ونغل، ومعاوية، ومطى، وما أشبه (ويحسن أدبه) حتى يتأدب بآداب الإسلام(ويعلمه القرآن) وشرائع الإسلام .
400 - وقال : (العين حق) فإنَّ الإنسان قد يصاب بالعين المشؤومة (والرقى حق) وهي الأدعية التي يعود بسببها الإنسان (والسحر حق) وهو ما
وَالْفَالُ حَقٌّ، وَالطَّيَرَةُ لَيْسَتْ بِحَقِّ، وَالْعَدْوَى لَيْسَتْ بِحَقِّ، وَالطِّيبُ نُشْرَةٌ، وَالْعَسَلُ نُشْرَةٌ ، وَالرُّكُوبُ نُشْرَةٌ ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ نُشْرَةٌ .
401 - وقال(عليه السلام): مُقَارَبَةُ النَّاسِ فِي أَخْلَاقِهِمْ أَمَنْ مِنْ غَوَائِلِهِمْ .
402 - وقال(عليه السلام) لبعض مخاطبيه، وقد تكلم بكلمة يستصغر مثله عن قول مثلها : لَقَدْ طِرْتَ شَكِيراً ، وَهَدَرْتَ سَقْباً .
................................
يتصرف في المسحور، ومعنى حق: أنه موجود في الخارج، وليس بوهم (والفال حق) وهو الانتقال من شيء إلى حادث حسن يكون في المستقبل (والطيرة ليست بحق) وهي الإنتقال من شيء إلى حادث سيء يكون في المستقبل (والعدوى ليست بحق بأن يتعدى بعض النواقص كالعمى والعرج وما أشبه، من إنسان إلى إنسان - كما كان يزعمه أهل الجاهلية - (والطيب نشرة) أي يوجب انتشار الجسد (والعسل نشرة ) أي شرب العسل يوجب انتشار البدن وسمنه (والركوب نشرة) أي ركوب الخيل وما أشبه (والنظر إلى الخضرة نشرة) موجبة لانتشار الجسد ونشاطه .
401 - وقال(عليه السلام): (مقاربة الناس في أخلاقهم) بأن لا يبتعد الإنسان عن عاداتهم وسلوكهم - مما ليس بمحرم -(أمن من غوائلهم) أي موجب لأن يأمن الإنسان من أذاهم ومكرهم، فإنَّ المقاربة توجب المودة والحب .
402 - وقال(عليه السلام) - لبعض مخاطبيه، وقد تكلم بكلمة يستصغر مثله عن قول مثلها - أي أنه أصغر من ذلك الكلام قدرا : (لقد طرت شكيرا) أي وأنت فرخ غير قابل للطيران (وهدرت سقبا) الهدير صوت الإبل، والسقب صغير الإبل الذي لا يهدر. فكلامك أيها المتكلم كان أكبر منك، كما أن الطيران والهدير، أكبر من ذينك الحيوانين .
قال الرضي: والشكير هاهنا: أول ما ينبت من ريش الطائر، قبل أن يقوى ويستحصف. والسقب: الصغير من الإبل، ولا يهدر إلّا بعد أن يستفحل .
403 - وقال(عليه السلام): مَنْ أَوْمَأة إِلَى مُتَفَاوِتٍ خَذَلَتْهُ الْحِيَلُ .
404 - وقال(عليه السلام)، وقد سئل عن معنى قولهم : (لاَحَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) قال : إِنَّا لاَ نَمْلِكُ مَعَ اللهِ شَيْئاً ، وَلاَ نَمْلِكُ إِلَّا مَا مَلَّكَنَا ؛ فَمَتَى مَا مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا، وَمَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا .
405 - وقال(عليه السلام) لعمار بن ياسر ؛ وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً: دَعْهُ يَا عَمَّارُ ، فإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَادَمَ مِنَ الدُّنْيَا،
..........................
403 - قال(عليه السلام): (من أومأ إلى متفاوت) أي من طلب تحصيل الأشياء البعيدة، فإنَّ الإيماء كناية عن الطلب، والمتفاوت: المتباعد ( خذلته الحيل) جمع حيلة أي لم يجد حيلة وطريقة للوصول إليها .
404 - وقال(عليه السلام)- وقد سئل عن معنى قولهم (لا حول ولا قوّة إلّا بالله)؟ : (إنا لا نملك الله شيئا) أي ليس ملكنا للأشياء في عرض ملك الله لها (ولا نملك إلّا ما ملكنا) أى أعطانا ملكه (فمتى ملكنا ما هو أملك به منا) إذ الأشياء ملك حقيقي لله، وملك مجازي لنا(كلفنا) بان نعمل رضاه في ملكه (ومتى أخذه منا وضع تكليفه عنا) إذ لا تكليف إلّا على المقدور . . فإنَّ الحول، بمعنى القدرة، والقوة قسم خاص منها، ومن المعلوم أن جميع أنواع القدرة التي توجد عندنا إنما هي من عند الله سبحانه .
405 - وقال(عليه السلام)- لعمار بن ياسر، وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبه كلاما - : (دعه) أي اتركه (يا عمار فإنَّه لم يأخذ من الدين إلّا ما قادم من الدنيا)
وَعَلَى عَمْدِ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ ، لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَادْراً لِسَقَطَاتِهِ .
406 - وقال(عليه السلام): مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَبَا لِمَا عِنْدَ اللهِ! وَأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ اتَّكَالاً عَلَى الله .
407 - وقال(عليه السلام): مَا اسْتَوْدَعَ اللهُ امْرِ أَ عَقْلاً إِلَّا اسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْماً .
408 - وقال(عليه السلام): مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ .
409 - وقال(عليه السلام): الْقَلْبُ مُصْحَفُ الْبَصَرِ .
...................................
أي سبب تقربه إلى الدنيا (وعلى عمد لبس على نفسه) أي أوقع نفسه في الشبهة عامداً (ليجعل الشبهات عاذرا) أي موجبة لعذره (السقطاته) أي زلاته.
406 - وقال(عليه السلام): (ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء) إكراما من الأغنياء لهم (طلبا لما عند الله) أي لثوابه سبحانه (وأحسن منه تيه الفقراء) أي تكبرهم (على الأغنياء) بأن لا يتواضعوا لغناهم (اتكالا) واعتمادا (على الله) سبحانه في معيشتهم، فإنَّ في هذا التيه إذلالاً لنخوة الأغنياء، وتقوية للاعتماد على الله .
407 - وقال(عليه السلام): (ما استودع الله امرأ عقلا) أي ما جعل بعنوان الوديعة في شخص عقلا (إلّا استنقذه به) أي أنقذ الله بسبب العقل ، ذلك الشخص (يوما) يقع في مضطرب من الأمر لا يدري ماذا يصنع، فإنَّ عقله كفيل بإرشاده سبيل الحق .
408 - وقال(عليه السلام): (من صارع الحق صرعه) أي من قاوم الحق، أهلكه الحق، وألقاه على الأرض.
409 - وقال(عليه السلام): (القلب مصحف البصر) فإنَّ ما يراه البصر ينقش في القلب ، فكأنّه كتاب له.
410 - وقال(عليه السلام): التَّقَى رَئِيسُ الأَخْلَاقِ .
411 - وقال(عليه السلام): لا تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ، وَبَلَاغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ .
412 - وقال(عليه السلام): كَفَاكَ أَدَبَاً لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ .
413 - وقال(عليه السلام): مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الْأَحْرَارِ، وَإِلَّا سَلَا سُلُوَّ الْأَغْمَار .
414 - وفي خبر آخر أنه(عليه السلام) قال للأشعث بن قيس معزياً : إنْ
................................
410 - وقال(عليه السلام): (التقى رئيس الأخلاق) فإنَّ الخوف من الله سبحانه بمنزلة الرئيس لسائر الفضائل والأخلاق الحسنة .
411 - وقال(عليه السلام): (لا تجعلنّ ذرب لسانك) أي حدته (على من أنطقك )أي لا تطل لسانك على من علمك النطق ، والمراد إما الله سبحانه أو الأبوان، أو المعلم ( و ) لا (بلاغة قولك على من سددك) أي لا تصرف بلاغتك في صد من أرشدك ودلك الطريق .
412 - وقال(عليه السلام): (كفاك أدبا لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك) فإذا رأيت غير متأدب، فتعلّم منه الأدب، أو ترك ما ترى منه من سوء الأدب مما يقبح في نظرك، فإنَّ ذلك العمل منك أيضا قبيح.
413 - وقال(عليه السلام): (من صبر صبر الأحرار) فإنَّ الإنسان الحر لا يقيّد بميول نفسه، ولذا يصبر عند البلية - والتقدير : فهو - (وإلّا) يصبر (سلا سلو الأغمار) جمع غمر، هو الجاهل الذي لم يجرب الأمور، ومعنى سلا، أنه لا بد له أن يسلو بطول المدة، كما يسلو الأغمار .
414 - وفي خبر آخر، أنّه قال(عليه السلام)، للأشعث بن قيس معزياً : (إن
صَبَرْتَ صَبْرَ الْأَكَارِمِ، وَإِلّا سَلَوْتَ سُلُوَّ الْبَهَائِمِ .
415 - وقال(عليه السلام)في صفة الدنيا : تَغُرُّ وَتَضُرُّ وَتَمُرُّ ، إنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ، وَلَا عِقَاباً لِأَعْدَائِهِ ، وَإِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا .
416 - وقال لابنه الحسن(عليه السلام): لا تُخَلَّفَنَ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، فإِنَّكَ تُخَلْفُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ : إمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، وَإِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بمَعْصِيَةِ اللهِ
..........................
صبرت صبر الأكارم) جمع كريم، وهو شريف النفس (وإلّا سلوت سلو البهائم) إذ عند القضاء لا علاج سواء صبر الإنسان أم جزع، لكنّ الصبر من فعل الكريم، والجزع من فعل الدنيء .
415 - وقال(عليه السلام)، في صفة الدنيا (تغر) الإنسان وتخدعه (وتضر) بتفويت السعادة من يده( وتمر) أي تذهب (إن الله تعالى لم يرضها) أي لم يرض الدنيا (ثوابا لأوليائه) فليس ثوابهم في الدنيا( ولا عقابا لأعدائه) فليس عقابهم هنا (وإن أهل الدنيا كركب) جمع راكب، بمعنى : المسافر (بينا هم حلو) ونزلوا (إذ صاح بهم سائقهم) وهو الموت (فارتحلوا) وذهبوا .
416 - وقال لابنه الحسن(عليه السلام): (لا تخلفن وراءك شيئا من الدنيا) بأن تجمع الدنيا وتذرها للورثة (فإنك تخلفه لأحد رجلين) أن تخلفت شيئا (إما رجل عمل فيه) أي فيما تخلفت (بطاعة الله فسعد بما شقيت به) والشقوة قد تكون بكون الوضع حراما، وقد تكون بمجرد أن يكون على الإنسان حسابه وإن كان الوضع حلالا (وإما رجل عمل فيه بمعصية الله) بأن صرف المال في عصيانه سبحانه .
فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ؛ فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ حَقِيقاً أنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ.
قال الرضي: ويروى هذا الكلام على وجه آخر وهو :
أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ الَّذِي فِي يَدِكَ مِنَ الدُّنْيَا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ قَبْلَكَ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْلٍ بَعْدَكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ : رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ؛ أَوْ رَجُلٍ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَشَقِيتَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، وَلَيْسَ أَحَدُ َهذَيْنِ أَهْلاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ، وَلاَ أنْ تَحْمِلَ لَهُ عَلَى ظَهْركَ ،
.....................................
(فشقي بما جمعت له) وصرت سبباً لشقوة إنسان (فكنت عونا له على معصيته) لله تعالى (وليس أحد هذين حقيقا أن تؤثره) وترجحه (على نفسك) بأن لا تصرف أنت، ويصرف هو . (قال الرضي (رحمة الله) : ويروى هذا الكلام على وجه آخر وهو ) : (أما بعد) الحمد والصلاة (فإن الذي في يدك من الدنيا) من مالها وأرضها وما أشبه (قد كان له أهل قبلك) ممن انتقل منهم إليك (وهو صائر إلى أهل بعدك) أي بعد موتك (وإنما أنت جامع) ما تجمع من أموال الدنيا (لأحد رجلين) فإنَّ الوارث لك أحد هذين الصنفين (رجل عمل فيما جمعته بطاعة الله) كأن أنفق الأموال في الخيرات والقربات (فسعد بما شقيت به) إذ الإنسان إذا ترك ماله لم يستفد منه، فهو قد تعب ولم ينتفع (أو رجل عمل فيه بمعصية الله) بأن صرفه في الحرام (فشقيت بما جمعت له) إذ جمعت مالك فيمن صرفه في الحرام. (وليس أحد هذين) الرجلين (أهلاً أن تؤثره على نفسك) وترجحه بأن تجمع أنت لذلك، دون نفسك (ولا أن تحمل له على ظهرك) لأن ما جمعه الإنسان هو المحاسب به، فكأنه حمل على
فَارْجُ لِمَنْ مَضَى رَحْمَةَ اللهِ، وَلِمَنْ بَقِيَ رِزْقَ الله .
417 - وقال(عليه السلام)لقائل قال بحضرته : (أَسْتَغْفِرُ اللَّه) : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي مَا الاِسْتِغْفَارُ؟ الاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلّيِّينَ ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ : أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى، وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً ، وَالثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللهَ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، وَالرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ
.............................
ظهره، ما انتفع به غيره (فارج لمن مضى) من صاحب الأموال قبلك (رحمة الله) بأن يتفضل سبحانه عليه بالرحمة والرضوان (ولمن بقي) من ورّاثك الذين تريد أن تبقي لهم مالك (رزق الله) بان يرزقهم، فلا تخلف لهم أكثر من القاعدة - كما هو شأن أهل الدنيا .
417 - وقال(عليه السلام)- لقائل، قال بحضرته أي في محضر الإمام(عليه السلام): أستغفر الله : (ثكلتك أمك) هذا دعاء على الشخص بالموت، حتى تجلس أمه في عزائه (أتدري ما الاستغفار)؟ ما هو ، وما شروطه (الاستغفار درجة العليّين) أي المربوطين بالدرجات العلى، والسعادات الرفيعة (وهو اسم واقع على ستة معان) أي علامة لستة أشياء، إذا أكملت تلك الأشياء، كان للاستغفار حقيقة، وإلّا فلا (أولها الندم على ما مضى) بأن يندم الإنسان على ما اقترف من الآثام (والثاني: العزم على ترك العود إليه) أي إلى ما مضى (أبدا) بأن يعزم أن لا يعص طيلة عمره (والثالث : أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم) التي لهم عليك ( حتى تلقى الله أملس) مجردا من الحقوق (ليس عليك تبعة) لأحد، والتبعة ما يتبع الإنسان من الحقوق والذنوب (والرابع : أن تعمد) أي تقصد .
إلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّي حَقَّهَا، وَالْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ، حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظْمَ ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ ، وَالسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ ، فَعِنْدَ ذلِكَ تَقُولُ : (أَسْتَغْفِرُ اللهَ) .
418 - وقال(عليه السلام): الْحِلْمُ عَشِيرَةٌ .
419 - وقال(عليه السلام): مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ : مَكْتُومُ الأَجَلِ، مَكْنُونُ الْعِلَل، مَحْفُوظُ الْعَمَل . تُؤلِمُهُ الْبَقَّةُ ،
........................
(إلى كل فريضة عليك ضيعتها) من صلاة وصيام وما أشبه (فتؤدي حقها) بأن تقضيها كما أمر الله تعالى. (والخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي تبت على السحت) أي: على الحرام، فيما كان أكلا للأموال المحرمة كالربا والسرقة والخمر وما أشبه (فتذيبه بالأحزان) فإنَّ الحزن يذيب اللحم (حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ) أي ينبت (بينهما لحم جديد) غير نابت على الحرام (والسادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية) بأن تقوم في طاعة الله صياما وسهرا وما أشبه (فعند ذلك) أي بعد تلك الأعمال الستة (تقول : أستغفر الله) فإنَّ الاستغفار حينئذ على حقيقة .
418 - وقال(عليه السلام): (الحلم عشيرة) فإنَّ الإنسان الحليم يجتمع حول الناس، فيكونون له كالعشيرة التي تكتنف بالشخص وتدافع عنه .
419 - وقال(عليه السلام): (مسكين ابن آدم مكتوم الأجل) أي لا يعرف مقدار عمره، ووقت فوته (مكنون العلل) فلا يعلم العلة التي تأتيه في المستقبل (محفوظ العمل) فإنَّ أساء شيئا حفظ له، ليجزى به (تؤلمه البقة) هي البعوض
وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ ، وَتُنْتِتُهُ الْعَرْقَةُ .
42 - وروي أنه(عليه السلام)كان جالسا في أصحابه، فمرت أصحابه فمرت بهم امرأة جميلة، فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال(عليه السلام) : إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ ؛ وَإِنَّ ذلِكَ سَبَبُ هَبَابِهَا ، فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلَامِسْ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ .
فقال رجل من الخوارج : [قاتله الله كافرا ما أفقهه] فوثب القوم ليقتلوه ، فقال(عليه السلام): رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ، أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ !
421 - وقال(عليه السلام): كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيِّكَ
........................
(وتقتله الشرقة) هي الماء الذي يدخل في مجرى التنفس عوض مجرى الطعام، وربما قتله (وتنتنه العرقة) فإنَّ العرق القليل يوجب نتن جسمه وعفونته .
420 - وروي أنه(عليه السلام) كان جالسا في أصحابه فمرت بهم امرأة جميلة، فرمقها القوم بأبصارهم أي نظروا إليها فقال(عليه السلام): (إن إيصار هذه الفحول) أي الرجال(طوامح) من طمح إذا ارتفع (وإن ذلك) الطموح (سبب هبابها) أي هيجان أنفس هذه الفحول، فإنَّ هباب بمعنى الهيجان (فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله) أي يقترب منها (فإنما هي) التي أعجبته (امرأة كامرأته) التي هي له فقال رجل من الخوارج (قاتله الله - يعني الإمام(عليه السلام)كافرا ما أفقهه) فإن الخوارج كانوا يعتبرون الإمام كافرا، ومعنى [ما أفقهه] أنه كثير الفقه فوثب القوم الذين كانوا حوالي الإمام ليقتلوه ، فقال(عليه السلام): (رویدا) أي اصبروا (إنما هو) الذي قاله هذا الخارجي (سببٌّ بسب)، فأسبه إن شئت (أو عفو عن ذنب) فلا أسبه بل أعفو عنه ، أما أنكم تريدون قتله، فلا.
421 - وقال(عليه السلام): (كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيك) أي
مِنْ رُشْدِكَ .
422 - وقال(عليه السلام): افْعَلُوا الْخَيْرَ وَلاَ تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً ، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرُ ، وَلاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي، فَيَكُونَ وَاللهِ كَذَلِكَ . إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَهْلاً، فَمَهْمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ .
423 - وقال(عليه السلام): مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلَانِيَتَهُ ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنَ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ أَحْسَنَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ .
................................
طريق الضلالة (من رشدك) أي من طريق الرشاد والهداية .
422 - وقال(عليه السلام): (افعلوا الخير) مهما قل (ولا تحقروا منه) أي من الخير(شيئا) بأن ترونه صغيرا فلا تفعلوه (فإن صغيره كبير) عند الله (وقليله كثير) في الأجر والثواب (ولا يقولن أحدكم أن أحداً أولى بفعل الخير مني)كما هي عادة الناس يقولون فلان يلزم أن يفعل هذا الخير (فيكون - والله - كذلك) أن يكون أول العاملين، فإنَّ من أشار إليه الناس بالأولوية، يكون الأول عملاً إذ يعمل الخير قطعا (إن للخير والشر أهلا) أي لكل واحد منهما أهل (فمهما تركتموه منهما) أي أي شيء تركتموه من الخير أو الشر(كفاكموه أهله) أي يقوم أهله بفعله عوضا عنكم .
423 - وقال(عليه السلام): (من أصلح سريرته) أي باطنه (أصلح الله علانيته) أي ظاهره، عند الناس، حتى يروه صالحا (ومن عمل لدينه كفاه الله أمر دنياه) حتى لا يحتاج في معيشته إلى التعب (ومن أحسن فيما بينه وبين الله) فلم یعص الله في خلواته (أحسن الله بينه وبين الناس) حتى لا يؤذونه ويحبونه .
424 - وقال(عليه السلام): الْحِلْمُ غِطَاءٌ سَائِرٌ ، وَالْعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعٌ ، فَاسْتَرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ .
425 - وقال(عليه السلام): إِنَّ للهِ عِباداً يَخْتَصُّهُمُ اللهُ بِالنّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا ؛ فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ .
426 - وقال(عليه السلام): لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثِقَ بِخَصْلَتَينِ : الْعَافِيَةِ وَالْغِنَى. بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافِيً إِذْ سَقِمَ؛ وَبَيْنَا تَرَاهُ غَنِيّاً إِذْ افْتَقَرَ .
.................................
434 - وقال(عليه السلام): (الحلم غطاء ساتر) يستر عيب الإنسان فإنَّ الحليم لي لا يعمل الأعمال التي توجب ظهور عيبه (والعقل حسام) أي سيف (قاطع) إذ يقطع الحق من الباطل، ويميز بينهما (فاستر خلل خلقك) أي نواقص أخلاقك (بحلمك) فإنّ الحليم لا يعرف الناس نواقصه كالحسد، والبخل، والجبن، وما أشبه (وقاتل هواك بعقلك) حتى لا يغلبك الهوى في الأمور .
425 - وقال(عليه السلام): ( إن لله عبادا يختصهم الله بالنعم لمنافع العباد) أي يعطيهم النعم، حتى ينفعوا العباد (فيقرها) الله (في أيديهم ما بذلوها) أي مدة بذلهم للناس(فإذا منعوها) أي منعوا النعم عن العباد (نزعها منهم) أي أخذ تلك النعم من أولئك المانعين( ثم حولها إلى غيرهم) ممن يبذلها للعباد وهكذا .
لي 426 - وقال(عليه السلام): (لا ينبغي للعبد أن يثق) ويعتمد (بخصلتين) أي صفتين (العافية) البدنية (والغنى) المالية، وذلك لأنك (بينا تراه معافى) في جسمه (إذ سقم) ومرض (وبينا تراه غنيا إذ افتقر ) وذهب ماله .
427 - وقال(عليه السلام): مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ، فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى الله ؛ وَمَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ، فَكَأَنَّمَا شَکَا الله .
428 - وقال(عليه السلام)في بعض الأعياد : إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ ، وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ .
429 - وقال(عليه السلام): إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ، فَوَرِثَهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ، وَدَخَلَ الْأَوَّلُ بِهِ النَّارَ .
................................
427 - وقال(عليه السلام) : (من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنه شكاها إلى الله )لأن المؤمن مؤدب بآداب الله تعالى( ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله) لأن الكافر بعيد عن الله، فإذا رأى شكاية المؤمن، حملها على إيمانه، وأن إيمانه هو سبب هذه النكبة .
438 - وقال(عليه السلام)- في بعض الأعياد : (إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه) أي قبله وأثابه عليه، فإنَّ العيد الحقيقي الموجب للفرح والمسرة، لمثل هذا الإنسان (وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد) لأن الإنسان قد أمن فيه من العقاب ونال فيه الثواب .
429 - وقال(عليه السلام): (إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة حسرة رجل كسب مالاً في غير طاعة الله) بأن كان كسبه من الحرام (فورثه رجل) بعد موت الرجل الكاسب، ولم يكن الوارث عالماً بكيفية المال، أو كان عالماً، وردّه كما أمر الله، كما لو سرق الأول ، وردّ الثاني (فانفقه في طاعة الله سبحانه فدخل) الوارث (به) أي بسبب هذا المال (الجنة) حيث أطاع بسببه (ودخل الأول به) أي بسبب المال (النار) فإنَّه يتحسر كيف صار هذا المال سبباً للنار بالنسبة إليه، بينما صار سبباً لدخول الجنة بالنسبة إلى وارثه .
430 - وقال(عليه السلام): إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفَقَةً وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً ، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ مَالِهِ، وَلَمْ تُسَاعِدَهُ الْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ، وَقَدِمَ عَلَى الْآخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ.
431 - وقال(عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ : طَالِبٌ وَمَظْلُوبٌ ، فَمَنْ طَلَبَ لك الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْمَوْتُ ، حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا ؛ وَمَنْ طَلَبَ الآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا .
432 - وقال(عليه السلام): إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا
...............................
430 - وقال(عليه السلام): (إن أخسر الناس صفقة) الصفقة كناية عن المعاملة، إذ المتعاملان يصفقان بعد التمام كناية عن أن كل منهما، قد غسل يده ونفضها عن ما كان يتعلق به (وأخيبهم سعياً ) الخيبة عدم إدراك النتيجة بعد العمل لأجل الوصول (رجل أخلق بدنه) أي صرف عمره (في طلب ماله، ولم تساعده المقادير على إرادته) فلم يصل إلى ما أمله من جمع المال (فخرج من الدنيا بحسرته) يتحسر ويحزن على ما فات (وقدم على الآخرة بتبعته )أي بما يتبع ما جمع من الذنوب، وما أشبه، فإنَّه فقد دنياه وآخرته بذلك .
431 - وقال (عليه السلام): (الرزق رزقان طالب) الإنسان يطلب ذلك الرزق (ومطلوب) يطلبه الإنسان ويسعى له (فمن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه عنها) فقد صرف عمره في الطلب ثم مات وخرج من الدنيا التي كان طلبه لأجلها - وهذا هو الرزق المطلوب-.
(ومن طلب الآخرة) وكان عمله لأجلها (طلبته الدنيا حتى يستوفي) ويكمل (رزقه منها) أي الدنيا، وهذا الرزق الطالب، وهو أفضل الرزقين .
432 - وقال(عليه السلام): (إن أولياء الله) أي أحباؤه (هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا)
إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا ، وَاشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا، فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ، وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ، وَرَأَوْا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اسْتِقْلَالاً ، وَدَرَكَهُمْ لَهَا فَوْتاً ، أَعْدَاءُ مَا سَالَمَ النَّاسُ، وَسِلْمُ مَا عَادَى النَّاسُ! بِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَبِهِ عَلِمُوا، وَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، لَا يَرَوْنَ مَرْجُوا فَوْقَ مَا يَرْجُونَ، وَلاَ مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ.
...................................
فعرفوا أنها دار غرور وفناء (إذا نظر الناس إلى ظاهرها) فخدعوا بزينتها وحياتها (واشتغلوا بآجلها) أي الآخرة (إذا اشتغل الناس بعاجلها) أي زينتها العاجلة، بدون اشتغال بما ورائها (فأماتوا منها) أي من الدنيا (ما خشوا أن يميتهم) وذلك هو النفس، أي أماتوا أنفسهم قبل أن تميتهم النفس، باتباع الشهوات .
(وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم) فإنَّ الدنيا تترك الإنسان إذا مات، فالأفضل أن يتركها الإنسان حتى لا يلوث بالآثام (ورأوا استكثار غيرهم منها) أي من الدنيا (استقلالا) أي موجبا لقلة ثوابهم وأجرهم في الآخرة (ودركهم لها) أي درك الناس للدنيا ولذائذها (فوتا) لما هو أهم منها ، وهو أهم منها، وهو الآخرة فهم(أعداء ما سالم الناس) فإنَّ الناس يسالمون الشهوات(وسلم ما عادى الناس) فإنَّ الناس يعادون الخيرات والأعمال الصالحة، أي يتركونها ويتضجرون منها (بهم علم الكتاب) أي أن الناس إنما علموا معنى القرآن بسبب هؤلاء الصلحاء . (وبه علموا) أي عرفوا ، فإنَّهم معروفون عند الناس بأنهم عارفون بالقرآن (وبهم قام الكتاب) بأن صار له كيان في المجتمع (وبه قاموا) فإنَّهم إنما يعملون بالكتاب فهم قائمون به (لا يرون مرجوا فوق ما يرجون) فإنَّهم يرجون رحمة الله ورضوانه، ولاشيء فوق هذا (ولا مخوفا فوق ما يخافون) فإنّهم يخافون النار، ولاشيء أكثر خوفا منها .
433 - وقال(عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ اللَّذَاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ .
434 - وقال(عليه السلام): أَخْبُرْ تَقْلِهْ .
قال الرضي: ومن الناس من يروي هذا للرسول .. ومما يقوي أنه من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام): ما حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي، قال المأمون : لولا أن علياً قال (أخبر تقله) لقلت : اقله تخبر .
435 - وقال(عليه السلام): مَا كَانَ اللهُ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدِ بَابَ الشُّكْرِ وَيُعْلِقَ عَنْهُ بَابَ الزِّيَادَةِ ، وَلاَ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدِ بَابَ الدُّعَاءِ .
...............................
433 - وقال(عليه السلام): (اذكروا انقطاع اللذات) فإنَّ لذائذ الدنيا تنتهي (وبقاء لي التبعات) أي الآثام التي أوجدتها تلك اللذات وإذا تذكر الإنسان، هذا، انقطع عن الشهوات المحرمة، واللذات المحظورة .
434 - وقال(عليه السلام): (أخبر تقله) [أخبر] أمر من [خبر] باب [قتل] بمعنى [علم]، و (تقله) مضارع مجزوم بعد الأمر، وهائه للوقف، من [قلاه] بمعنى [ أبغضه] ومعنى الجملة إذا أعجبك ظاهر شخص، فاختبره تبغضه، لما ترى من سوء باطنه أي أبغض شخصا تريد فهم عيوبه، تعرف عيوبه فإنَّ الإنسان ما دام يحب الشخص، لا يرى عيوبه، فإذا قلاه عرف عيوبه ، وقديما قالوا : (إن حبّ الشيء يعمي ويصم) و (وعين الرضى عن كل عيب كليلة) .
435 - وقال(عليه السلام): (ما كان الله ليفتح على عبد باب الشكر )بأن يكون العبد شكورا، لأنعم الله، بتوفيقه سبحانه (ويغلق عنه باب الزيادة) فإنَّه تعالى و قال : لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (1)( ولا ليفتح على عبد باب الدعاء)
1) سورة إبراهيم : 7 .
وَيُخْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْإِجَابَةِ ، وَلَا لِيَفْتَحَ لِعَبْدِ بَابَ التَّوْبَةِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْمَغْفِرَةِ.
436 - وقال(عليه السلام): أَوْلَى النَّاسِ بِالْكَرَم مَنْ عُرِفَتْ بِهِ الْكِرَامُ .
437 - وسئل(عليه السلام): أيهما أفضل: العدل، أو الجود؟ فقال(عليه السلام): الْعَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا ، وَالْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَام ،
...................................
والضراعة إليه في حوائجه (ويغلق عنه باب الإجابة) وقد قال سبحانه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (1)(ولا ليفتح لعبد باب التوبة) بأن يوفقه للتوبة عن المعاصي (ويغلق عنه باب المغفرة) وقد قال سبحانه: وَإِنِي لَغَفَّارٌ لِمَن تاب(2)فإذا كان العبد شاكراً دَعّاءاً توّاباً، أعطاه الله سبحانه لوازم هذه الزيادة، زيادة النعم، والإجابة، والغفران.
436 - وقال(عليه السلام): (أولى الناس بالكرم من عرفت به الكرام) بأن كان لي من أولادهم أو قائما مقامهم، حتى كان معرفا للكرام من الناس وإنما كان أولى، لأنه يقبح أن يكون الإنسان معرفا لقسم من الناس، ولا يكون متصفا بصفاتهم الحسنة .
437 - وسئل(عليه السلام)أيهما أفضل: العدل، أو الجود؟ فقال(عليه السلام): (العدل يضع الأمور مواضعها) فإنَّ العدل هو العمل بالموازين المقررة، وهي تعطي كل شيء حقه (والجود يخرجها من جهتها) إذ هو زيادة في الإعطاء - لكنه زيادة ممدوحة لا مذمومة - (والعدل سائس) أي مدير للأمور (عام)
وَالْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا.
438 - وقال(عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهلُوا .
439 - وقال(عليه السلام): الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآن :
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ(1). وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي، وَلَمْ يَفْرَحُ بِالآتِي، فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ.
........................
يشمل كل فضيلة، فالعدل في العمل، وفي الأكل، وفي القضاء، وفي الشجاعة، وهكذا (والجود عارض) ليس من طبيعة الواقع(خاص) بشيء مخصوص هو الإعطاء ( فالعدل أشرفهما وأفضلهما) أي أفضل الصفتين .
438 - وقال(عليه السلام): (الناس أعداء ما جهلوا) فإنَّهم إن اعترفوا بالجهل كان منقصة لهم، ولذا يعادون ما يسبب النقص فيهم - وقد مرّ تفسيره - .
439 - وقال(عليه السلام): (الزهد كله بين كلمتين من القرآن) أي : في هاتين الجملتين.
(قال الله سبحانه : لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) أي لا تحزنوا على ما فاتكم من المنافع، سواء كانت حاصلة وفاتت أم كانت مترقبة ولم تدركوها (وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) بما حصلتم عليه من أمور الدنيا (ومن لم يأس على الماضي) الذي فات ( ولم يفرح بالآتي) الذي جاء إليه (فقد أخذ الزهد بطرفيه) لأن ذلك كاشف عن عدم اعتنائه بالدنيا، والذي لا يعتني بالدنيا هو الزّاهد حقّا .
1) سورة الحديد: 23
440 - وقال(عليه السلام): مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ !
441 - وقال(عليه السلام): الوِلَايَاتُ مَضَامِيرُ الرِّجَالِ .
442 - وقال(عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقِّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ. خَيْرُ الْبِلَادِ مَا حَمَلَكَ .
443 - وقال(عليه السلام): و قد جاءه نعي الأشتر رحمه الله : مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ ! وَاللهِ لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً ،
..................................
440 - وقال(عليه السلام): (ما أنقض النوم لعزائم اليوم) فقد يعزم الإنسان على شيء، فإذا نام واستيقظ وجد انحلالاً في عزيمته - وقد مرت هذه الكلمة عن الإمام(عليه السلام) ، في السابق -.
441 - وقال(عليه السلام): (الولايات مضامير الرجال) المضامير جمع مضمار، وهو المحل الذي تضمر فيه الخيل - أي يواظب على أكله - للسباق، والرجال إذا صاروا حكاما تبين باطنهم وصفاتهم، كما يتبين في المضمار الخيل الحسن من الخيل السيئ.
442 - وقال(عليه السلام): (ليس بلد أحق بك من بلد) فكل البلاد تصلح مسكنا لك، و(خير البلاد ما حملك) أي كنت فيه في راحة وسعادة، وهذا تحريض على أن يختار الإنسان البلد الذي فيه راحته، لا البلد الذي ألفه وكان فيه آباؤه وأقاربه، فإنَّ المهم الراحة كيفما وجدت.
443 - وقال(عليه السلام): - وقد جاءه نعي الأشتر(رحمة الله) - أي خبر وفاة مالك الأشتر بدسيسة معاوية، حيث قتله بالسم في العسل : (مالك، وما مالك) هذا للتعظيم من شأنه، و[مالك] الأول خبر مبتدأ محذوف، أي [هو مالك] (والله لو كان جبلا لكان فندا) [الفند]، الجبل العظيم أي لو كان مالك من جنس
وَلَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً ، لاَ يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ ، وَلَا يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ .
قال الرضي: الفند: المنفرد من الجبال .
444 - وقال(عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ .
445 - وقال(عليه السلام): إِذَا كَانَ فِي رَجُل خَلَّةٌ رَائَقُة فَإِنتَظِرُوا أَخَوَاتِهَا .
446 - وقال(عليه السلام) لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق، في كلام دار بينهما : مَا فَعَلَتْ إِبلُكَ الْكَثِيرَةُ؟ قَالَ : دَغْدَعَتْهَا الْحُقُوقُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
................................
من جنس الجبال، لكان من هذا النوع العظيم من الجبال (ولو كان حجرا لكان صلدا) أي قويا محكماً لا من الأحجار الرخوة (لا يرتقيه الحافر) أي أن الفرس لا يتمكن أن يرتقي هذا الجبل العظيم (ولا يوفي) أي لا يصل (عليه الطائر) لارتفاعه، وهذا كناية عن عظمته وارتفاعه، حتى أنّه شبيه بهذا الجبل العظيم.
444 - وقال(عليه السلام): (قليل مدوم عليه) أي عمل صالح قليل يدوم عليه الإنسان (خير من كثير مملول منه) أي من عمل كثير يتركه للملالة والسآمة .
445 - وقال(عليه السلام): (إذا كان في رجل خلّة) أي: صفة (رائقة) أي : حسنة(فانتظروا أخواتها) أي أخوات تلك الصفة فيه، فإذا كان سخياً فهو شجاع عفيف غيور، وهكذا، وذلك لأن الفضائل تتلازم كما أن الرذائل تتلازم .
446 - وقال(عليه السلام)- لغالب بن صعصعة، أبي الفرزدق، في كلام دار بينهما -: (ما فعلت إبلك الكثيرة )؟ أي أين ذهبت ولماذا لا تملكها؟ قال صعصعة [دغدغتها الحقوق] أي فرّقها إعطاؤها في حقوق الله كالزكاة،
فقال(عليه السلام): ذلِكَ أَحْمَدُ سُبُلِهَا .
447 - وقال(عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهٍ فَقَدِ ارْتَطْمَ فِي الرِّبَا .
448 - وقال(عليه السلام): مَنْ عَظِّمَ صِغَارَ الْمَصَائِبِ ابْتَلَاهُ اللهُ بِكِبَارِهَا .
449 - وقال(عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهَوَاتُهُ .
450 - وقال(عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَرْحَةً إِلَّا مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةٌ .
451 - وقال(عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِبٍ فِيكَ .
.................................
وحقوق الناس كصلة الرحم والإطعام يا أمير المؤمنين فقال(عليه السلام): (ذلك) التفريق في الحقوق (أحمد سبلها) أي أحسن طرق التفريق الذي يوجب الحمد والمدح لك، من الله، ومن الناس .
447 - وقال(عليه السلام): (من اتجر بغير فقه) أي بدون معرفة الأحكام الشرعية (فقد ارتطم) أي وقع (في الربا) إذ كثير من المعاملات توجب الربا، فإذا عرف الإنسان الفقه، تجنّب تلك المعاملات، وإلّا وقع فيها .
448 - وقال(عليه السلام): (من عظّم صغار المصائب) أي عدها عظيمة (ابتلاه الله بكبارها) جزاءاً على جزعه و عدم صبره في الصغار.
449 - وقال(عليه السلام): (من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته) إذ تنفيذ الشهوات يوجب زوال الكرامة، فإذا كانت نفسه كريمة لم ينفّذ شهواته .
450 - وقال(عليه السلام): (ما مزح امرؤ مزحة) أي مزاحاً صغيراً - فكيف بالكبير - أو المراد مزحة واحدة (إلّا مجّ من عقله مجّة) أي رمى وأبطل بعض عقله، إذ المزاح يوجب صغر الإنسان.
451 - وقال(عليه السلام): (زهدك في راغب فيك) بأن لا ترغب فيمن يحبك
نُقْصَانُ حَظٍّ ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْسٍ .
452 - وقال(عليه السلام): الْغِنَى وَالْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْض عَلَى اللهِ .
453 - وقال(عليه السلام): مَا زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ ابْنُهُ الْمَشْؤُومُ عَبْدُ اللهِ.
454 - وقال(عليه السلام): مَا لابْنِ آدَمَ وَالْفَحْرَ : أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جيفَةٌ ، وَلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدْفَعُ حَتْفَهُ .
455 - وسئل : من أشعر الشعراء؟ فقال(عليه السلام) : إِنَّ الْقَوْمَ
...............................
ويرغب في خلقك (نقصان حظّ) إذ الإنسان يتقدم بواسطة الأصدقاء (ورغبتك في زاهد فيك) بأن ترغب فيمن لا يريد صداقتك(ذل نفس) إذ تذل نفسك لأجله بدون فائدة .
452 - وقال(عليه السلام): ( الغني والفقير بعد العرض على الله) فمن رضي الله عنه كان غنيّاً، ومن سخط عليه كان فقيراً، أما الغنى والفقر في الدنيا فشيء زائل .
453 - وقال(عليه السلام): (ما زال الزبير رجل منا أهل البيت) يكون كأحدهم في الاتجاه (حتى نشأ ابنه المشؤوم) أي الشوم (عبد الله) فصرفه عنا .
454 - وقال(عليه السلام): (ما لابن آدم والفخر) ؟ أي ليس لابن آدم أن يفتخر (أوله نطفة) قذرة (وآخره جيفة) منتنة( ولا يرزق نفسه) فإنَّ الله سبحانه يرزقه (ولا يدفع حتفه) أي موته ، فمن أوله وآخره سيئان، وفي الوسط لا يملك شيئا فكيف يفتخر ؟ .
455 - وسئل(عليه السلام)، من أشعر الشعراء؟ فقال(عليه السلام): (إن القوم) أي
لَمْ يَجْرُوا فِي حَلْبَةٍ تُعْرَفُ الْغَايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِهَا ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَالْمَلِكُ الضِّلِّيل . يريد امرأ القيس .
456 - وقال(عليه السلام): أَلاَ حُرٌّ يَدَعُ هَذِهَ اللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا؟ إِنَّهُ لَيْسَ لأَنفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ ، فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا.
457 - وقال(عليه السلام): مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ : طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا .
458 - وقال(عليه السلام): الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ،
....................................
الشعراء (لم يجروا في حلبة تعرف الغابة عند قصبتها) الحلبة القطعة من الخيل من تجتمع للسباق، والمراد بالحلبة هنا الطريقة الواحدة، والقصبة ما يجعلونه في آخر الغابة، حتى يأخذه السابق، ليعرف، بدون نزاع، أنه السابق، وكان الغالب أن يكون الشيء المجعول قصبا، والمراد أن الشعراء مختلفون لم يذهبوا مذهباً واحداً في الشعر، بل بعضهم أكثر من المدح، وبعضهم أكثر التشبيب ، وهكذا (فإن كان ولابد) أن ترجح بعضهم على بعض (فالملك الضليل) لقب ، أو لأنه كان ضالا [يريد امرأ القيس] -.
456 - وقال(عليه السلام): (ألا حرّ) أي ألا يوجد شخص حر، خرج من قيد لي الشهوات، لا كالسائرين الذين هم عبيد شهواتهم (يدع هذه اللماظة) هي بقية الطعام في الفم، والمراد بها هنا، الدنيا - تحقيراً لها - (لأهلها) أي يترك الدنيا، لأهل الدنيا (أنه ليس لأنفسكم ثمن إلّا الجنة فلا تبيعوها إلّا بها) لا كمن يبيع نفسه بالدنيا فيخسر الدنيا والآخرة.
457 - وقالكمن يبيع: (منهومان) المنهوم : المفرط في الرغبة (لا يشبعان) من مرغوبهما (طالب العلم) لا يشبع من العلم (وطالب الدنيا) لا يشبع منها، مهما حصل منها .
458 - وقالكمن يبيع: (الإيمان أن تؤثر) أي ترجح (الصدق حيث يضرك)
عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وَأَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ .
459 - وقال(عليه السلام): يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ، حَتَّى تَكُونَ الآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ .
قال الرضي: وقد مضى هذا المعنى فيما تقدم برواية تخالف هذه الألفاظ.
460 - وقال(عليه السلام): الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْهِمَّةِ .
..........................
أي في مقال يضرك الصدق (على الكذب حيث ينفعك) فإنَّ معنى طلب الجنة هذا، فإنَّ في الصدق الجنة، وهي أعظم من كل منفعة دنيوية يوجب الصدق تفويتها (وأن لا يكون في حديثك فضل) وزيادة (عن عملك) فلا تقول أزيد مما تعمل (وأن تتقي الله في حديث غيرك) بأن تخافه سبحانه فلا تحدث عن غيرك بما لم يقله، أو لم يعمله، بل تقول طبق الواقع .
459 - وقال(عليه السلام): (يغلب المقدار على التقدير) أي أن القدر الإلهي (غالب على تقدير الإنسان للأشياء (حتى تكون الآفة فى التدبير) مثلا التقدير أن يموت الإنسان في يوم كذا، ويقدر الإنسان لحياته شرب الدواء، ويكون تدبيره للدواء مهلكا، فالآفة جاءت من محل ظنه الإنسان تدبيرا وتهيئة للوسائل [ضد القدر الإلهي].
460 - وقال(عليه السلام): (الحلم والأناة توأمان) الحلم حبس النفس عند الغضب، والأناة: التأني في الأمور، والتوأمان: هما المولودان في بطن واحد، والمراد أن هاتين الصفتين كالتوأمين، كما كان أحدهم، كانت الأخرى (ينتجهما علو الهمة) فإنَّ الإنسان العالي همته لا ينظر إلى القريب
461 - وقال(عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجِز.
462 - وقال(عليه السلام): رُبَّ مَفْتُونِ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ .
463 - وقال(عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، وَلَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا .
464 - وقال(عليه السلام): إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مُروَداً يَجْرُونَ فِيهِ، وَلَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ كَادَتْهُمُ الضِّبَاعُ لَغَلَبَتْهُمْ .
قال الرضي(رحمة الله) : والمرود هنا مفعل من الإرواد، وهو الإمهال والإنظار، وهذا من أفصح الكلام وأغربه ، فكان(عليه السلام) شبه المهلة التي هم فيها بالمضمار الذي يجرون فيه إلى الغابة، فإذا بلغوا منقطعها، انتقض نظامهم بعدها .
............................
ليعجل أو يغضب ، بل ينظر إلى العواقب .
461 - وقال(عليه السلام): (الغيبة) والتكلم وراء الناس بذمهم (جهد العاجز) الذي عجز عن الانتقام عن عدوه، فهو يستغيبه .
462 - وقال : (رب مفتون) قد خدع (بحسن القول فيه) أي بمدح الناس له، فظن أن فيه ما يقوله الناس، والحال أن الأمر بالعكس.
463 - وقال(عليه السلام): (الدنيا خلقت لغيرها أي للآخرة (ولم تخلق لنفسها) حتى يعمل الإنسان فيها لأجلها، بل اللازم أن يكون العمل للآخرة .
464 - وقال(عليه السلام): (إن لبني أمية مرودا) أي مهلة - وهي زمان اتحاد بعضهم مع بعض - (يجرون فيه) إلى غايتهم، عند اختلافهم (ولو قد اختلفوا فيما بينهم) وتشتتت كلمتهم (ثم كادتهم الضباع) جمع ضبع، ومعنى كادتهم، مکرت بهم، وحاربتهم (لغلبتهم) إذ ليس لأي واحد منهم قوة الدفاع في مقابل الضبع - هذا الحيوان الضعيف - فكيف في مقابل الأسود القوية.
465 - وقال(عليه السلام) في مدح الأنصار : هُمْ وَاللهِ رَبَّوا الْإِسْلَامَ كَمَا يُرَبَّى الْفِلْوُ مَعَ غَنَائِهِم، بِأَيْدِيهِمُ السَّبَاطِ، وَأَلْسِنَتِهِمُ السَّلَاطِ .
466 - وقال(عليه السلام): الْعَيْنُ وَكَاءُ السَّهِ .
قال الرضي(رحمة الله) : وهذه من الاستعارات العجيبة، كأنه شبه السه بالوعاء [لسلامة الإنسان وحياته] والعين بالوكاء [الرباط الذي يحفظ ما في الوعاء كالتربة وما أشبه] فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء، وهذا القول في الأشهر الأظهر من كلام النبي صلى الله عليه وآله، وقد رواه قوم لأمير المؤمنين(عليه السلام): وذكر ذلك المبرد في كتاب المقتضب، باب اللفظ بالحروف وقد تكلمنا على هذه الاستعارة في : مجازات الآثار النبوية .
467 - وقال(عليه السلام)في كلام له : وَوَلِيَهُمْ وَالٍ فَأَقَامَ وَاسْتَقَامَ، حَتَّى ضَرَبَ الدِّينُ بجرَانِهِ .
................................
465 - وقال(عليه السلام)- في مدح الأنصار - (هم والله ربوا الإسلام كما يربي الفلو) الفلو : المهر (مع غنائهم) أي كونهم أغنياء ولم يحتاجوا إلى الإسلام - حسب الظاهر، احتياجاً مادياً - (بأيديهم السباط ) يقال : رجل سبط اليدين، أي سخيهما (وألسنتهم السلاط) جمع سليط، وهو الطويل الشديد.
466 - وقال(عليه السلام): (العين وكاء السه) الوكاء : الرباط، والسه، عقب الإنسان، ولعل المعنى أن العين رباط يربط خلف الإنسان بأمامه، فلا يصاب الإنسان من خلفه بالعدو وما أشبه ، لأن العين تراقب الخلف، كما تراقب الأمام .
467 - وقال(عليه السلام)- في كلام له -: (ووليهم) أي تولى أمورهم (وال) المراد به الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فإنَّه تولى شؤونهم (فأقام) الناس (واستقام) الأمر (حتى ضرب الدين بجرانه) مقدم عنق البعير، يضرب به الأرض عند الاستراحة، وهذا كناية عن استراحة الدين وتمكنه .
468 - وقال(عليه السلام): يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ، يَعَضُّ الْمُوسِرُ فِيهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ : وَلَا تَنْسَوا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ(1). تَنْهَدُ فِيهِ الْأَشْرِارُ ، وَتَسْتَذَلُّ الْأَخْيَارُ ، وَيُبَايِعُ الْمُضْطَرُونَ، وَقَدْ نَهَى رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلم عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّينَ .
469 - وقال(عليه السلام) : يَهْلِكُ فِي رَجُلَانِ مُحِبُّ مُفْرِطٌ ، وَبَاهِتٌ مُفْتَرٍ .
قال الرضي: وهذا مثل قوله(عليه السلام): هَلَكَ فِيَّ رَجُلانِ : مُحِبٌّ غَالٍ، وَمُبْغِضٍ قَالٍ .
.............................
468 - وقال(عليه السلام): (يأتي على الناس زمان عضوض) أي زمان شديد ( يعض الموسر فيه) أي يمسك الغني في ذلك الزمان (على ما في يديه) إمساكاً شديداً كأنه عض بالأسنان (ولم يؤمر بذلك) بأن يبخل هكذا بخل (قال الله سبحانه: وَلاَ تَنْسَوا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) بأن يتفضل بعضكم على بعض (تنهد) أي ترتفع (فيه) أي في ذلك الزمان (الأشرار) الذين لا دين لهم.
(وتستذل الأخيار) أي يذلهم الناس (ويبايع المضطرون) أي يبايع اضطراراً لجبر السلطان أو ما أشبه (وقد نهى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) بيع المضطرين) جمع بيعة بالكسر ، بمعنى هيئة البيع، وحالته .
469 - وقال(عليه السلام): ( يهلك في رجلان) أي صنفان من الرجال (محب مفرط) أي يفرط في حبه، كالذين قالوا أنه(عليه السلام) هو الله [الغلاة] (وباهت مفتر) من بهت، بمعنى نسب إليه ما لم يفعل، وهو عبارة عن أخرى من الافتراء، وهم كالخوارج والنواصب الذين نسبوا إلى الإمام ما ليس فيه .
قال الرضي(رحمة الله) : وهذا مثل قوله(عليه السلام) : (هلك في رجلان محب غال ومبغض (قال) [غال] من [غلى] بمعنى أفرط و [قال] من [قلا] بمعنى بغض وعادي .
1) سورة البقرة : 237
470 - وسئل عن التوحيد والعدل، فقال(عليه السلام): التَّوْحِيدُ أَلَّا تَتَوَهَّمَهُ ، وَالْعَدْلُ أَلَّا تَتَّهِمَهُ .
471 - وقال(عليه السلام): لا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ .
472 - وقال(عليه السلام)في دعاء استسقى به : اللَّهُمَّ اسْقِنَا ذُلُلَ السَّحَابِ دُونَ صِعَابِهَا .
قال الرضي(رحمة الله) : وهذا من الكلام العجيب الفصاحة، وذلك أنه(عليه السلام) شبه السحاب ذوات الرعود والبوارق والرياح والصواعق بالإبل الصعاب التي تقمص برحالها [يقال قمص الفرس وغيره، أي رفع يديه وطرحهما معاً، وبرحالها بمعنى بما فوقها من الرحل] وتقص بركبانها [الركبان جمع راكب، وتقص بمعنى تقتحم به فکسرت عنقه] وشبه السحاب خالية من تلك الروائع [جمع رائعة، بمعنى الصفة المفزعة ] بالإبل الذلل التي تحتلب طيعة [أي شديدة الطاعة عند حلب لبنها] وتقتعد مسمحة [يقال اقتعد الإبل بمعنى جعلها (قعدة) يركبها إذا شاء، ومسمحة من أسمح بمعنى جاد، كأنها تجود بما يراد منها].
......................................
470 - وقال(عليه السلام) وقد سئل عن التوحيد والعدل : (التوحيد أن لا تتوهمه) أي لا تصور الله بوهمك إذ كل ما دخل في الذهن فهو مخلوق، وليس بخالق (والعدل أن لا تتهمه) بأن تتهمه بعدم الحكمة في أفعاله أو أوامره ونواهيه .
471 - وقال(عليه السلام): (لا خير في الصمت) أي السكوت (عن الحكم) بالحق (كما أنه لا خير في القول بالجهل) بأن يقول الإنسان ما يجهله .
472 - وقال(عليه السلام)- في دعاء استسقى به - : (اللهم اسقنا ذلل السحاب) ذلل جمع ذليل، وهو السحاب الحامل للمطر لأنه ذليل بحمل الماء (دون صحابها) جمع صعب، وهو الخال من الماء، فإنَّه يصعد مع الهواء وينزل كالناقة الصعبة .
473 - وقيل(عليه السلام): لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين ، فقال(عليه السلام): الْخِضَابُ زِينَةٌ وَنَحْنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَةٍ ! يريد وفاة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
474 - وقال(عليه السلام): مَا الْمُجَاهِدُ الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَعْظَمَ أَجْراً مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَّ : لَكَادَ الْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَة.
475 - وقال(عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ .
قال الرضي : وقد روى بعضهم هذا الكلام الرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
476 - وقال(عليه السلام)- لزياد بن أبيه ، وقد استخلفه لعبد الله بن العباس على فارس وأعمالها في كلام طويل كان بينهما نهاه فيه عن تقدم الخراج - : اسْتَعْمِلِ الْعَدْلَ، وَاحْذَرِ الْعَسْفَ
................................
473 - وقيل(عليه السلام)- لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين ؟ فقال(عليه السلام): (الخضاب زينة ونحن قوم في مصيبة) يريد وفاة رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم)فإنَّ وفاة الشخص العظيم، يؤثر في أصحابه طول الحياة، فكيف بمثل الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم).
474 - وقال(عليه السلام): (ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر) على الشهوة (فعف) ولم يرتكب (لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة) وذلك لشدة أخذ الإنسان زمام نفسه، حتى أن الفاعل لذلك كأنه ملائكة في طهارة النفس .
475 - وقال(عليه السلام): (القناعة مال لا ينفد) إذ هي مع الإنسان دائماً ا بخلاف المال إذ يمكن ذهابه ونفاده.
قال الرضي(رحمة الله) : وقد روى بعضهم هذا الكلام لرسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم) ومن الممكن أن قاله الإمام بعدما قاله الرسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ، ولذا حكى عنهما .
476 - وقال(عليه السلام): (استعمل العدل) فاعدل في الناس (واحذر العسف)
وَالْحَيْفَ ، فَإِنَّ الْعَسْفَ يَعُودُ بِالْجَلَاءِ، وَالْحَيْفَ يَدْعُو إِلَى السَّيْفِ.
477 - وقال(عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفْ بِهِ صَاحِبُهُ .
478 - وقال(عليه السلام): مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْل الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْم أَنْ يُعَلِّمُوا .
479 - وقال(عليه السلام): شَرُّ الْإِخْوَانِ مَنْ تُكُلِّفَ لَهُ.
قال الرضي: لأن التكليف مستلزم للمشقة، وهو شر لازم عن الأخ المتكلف له، فهو شر الإخوان .
480 - وقال(عليه السلام): إِذَا احْتَشَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ .
..................................
أي الظلم (والحيف) أي الإفراط في أمور الناس (فإن العسف) والشدة (يعود بالجلاء) أي مفارقة الوالي عن عمله، بالانعزال (والحيف) أي الإفراط (يدعو إلى السيف) ينزعه المظلومون لقتال الظالم .
477 - وقال(عليه السلام): (أشد الذنوب ما استخف به صاحبه) لأنه یوجب عدم المبالاة بالدين والأحكام، وهذا من أشد الإجرام.
478 - وقال(عليه السلام): (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا) أي ما أوجب عليهم التعلم (حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا) أي: أوجب عليهم تعليم الجهال، وهذا لبيان أشدية التكليف على العلماء بتعليم الجهال .
479 - وقال(عليه السلام): (شر الإخوان من تكلف له) أي أوقع الإنسان نفسه فی الكلفة والمشقة، لأجله .
480 - وقال(عليه السلام): (إذا احتشم المؤمن أخاه) أي خجل منه في أموره (فقد فارقه) إذ لا تبقى الأخوة مع الخجل في البين، وإنما يكون الأخ من يكون موضع سر الإنسان .
قال الرضي : يقال : حشمه وأحشمه إذا أغضبه، وقيل: أخجله، أو احتشمه طلب ذلك له، هو مظنة مفارقته .
...............................
قال الرضي: وهذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع وإتمام المختار، من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)حامدين لله سبحانه، على ما من به من توفيقنا لضم ما انتشر من أطرافه [أي أطراف كلامه (عليه السلام)] وتقريب ما ما يعد من أقطاره ، وتقرر العزم - كما شرطنا أولاً -على تفضيل أوراق من البياض في آخر كل باب من الأبواب، ليكون لاقتناص الشارد [أي أخذه وحشره مع أمثاله ] واستلحاق الوارد [أي نلحق به ما يرد علينا من كلمات جديدة] وما عسى يظهر لنا بعض الغموض [في الكلمات فنفسرها في تلك الأوراق البيض] ويقع إلينا بعد الشذوذ [أي بعد ما شذ وخفي علينا] وما توفيقنا إلّا بالله، عليه توكلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وذلك في رجب سنة أربعمائة من الهجرة، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الرسل والهادي إلى خير السبل، وآله الطاهرين، وأصحابه نجوم اليقين .
وقد فرغت من شرح [النهج] المسمى [بتوضيح نهج البلاغة]، في السادس من شعبان، سنة ألف وثلاثمائة وخمس وثمانين من الهجرة، في كربلاء المقدسة. وأسأله سبحانه أن يتفضل علي بالقبول، ويجعله منظوراً للإمام(عليه السلام) ، وهو المستعان، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .
كربلاء المقدسة
محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي
6 /شعبان/ 1385هـ
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى عبد الله بن العباس..............7
ومن كتاب له(عليه السلام) : قاله قبل موته على سبيل الوصية....9
ومن وصية له(عليه السلام) : بما يعمل في أمواله ......11
ومن وصية له(عليه السلام) : إلى من يستعمله على الصدقات....14
ومن عهد له(عليه السلام) : إلى بعض عماله وقد بعثه إلى الصدقة....19
ومن عهد له(عليه السلام) : إلى محمد بن أبي بكر لما قلده مصر ...22
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى معاوية جواباً - وهو من محاسن الكتب ...29
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى أهل البصرة ....41
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى معاوية ...43
ومن وصية له (عليه السلام): كتبها للحسن(عليه السلام) بحاضرين منصرفاً من صفين...45
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى معاوية ...87
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى قثم بن العباس عامله على مكة...89
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجده من عزله عن مصر...91
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى عبد الله بن عباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر... 93
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أخيه عقيل جواباً لكتابه..............95
و من كتاب له (عليه السلام) : إلى معاوية................98
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أهل مصر لما ولى عليهم الأشتر ........100
ومن كتابه له(عليه السلام) : إلى عمرو بن العاص...102
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى بعض عماله ....104
عطية
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى بعض عماله ....105
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي عامله على البحرين....111
ومن كتاب له (عليه السلام): إلى مصقلة بن هبيرة عامله على أردشير خره .......113
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى زياد بن أبيه....115
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة ......117
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى بعض عماله ....129
ومن وصية له (عليه السلام): للحسن والحسين(عليهم السلام) لما ضربه ابن ملجم...131
ومن كتاب له (عليه السلام): إلى معاوية ....135
ومن كتاب له(عليه السلام) : إليه أيضاً ....137
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أمرائه على الجيش ...138
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى عماله على الخراج ....141
ومن كتاب له (عليه السلام): إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة ...145
ومن كتاب له(عليه السلام) : للأشتر النخعي لما ولاه مصر، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن...147
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى طلحة والزبير ....206
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى معاوية ....209
ومن وصية له (عليه السلام):وصى بها شريح بن هانئ....211
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة..... 212
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين..... 213
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوان ..........216
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم....218
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى كميل بن زياد النخعي عامله على هيت....220
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أهل مصر مع الأشتر لما ولاه إمارتها ..........222
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أبي موسى الأشعري عامله على الكوفة ........227
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى معاوية جواباً...230
ومن كتاب له(عليه السلام) : إليه أيضاً ....235
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى عبد الله بن عباس وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية ....239
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى قشم بن العباس عامله على مكة ....241
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى سلمان الفارسي(رحمة الله) قبل خلافته....244
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى الحارث الهمداني....246
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى سهل بن حنيف الأنصاري عامله على المدينة.............. 252
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى المنذر بن الجارود العبدي....254
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى عبد الله بن العباس....256
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى معاوية ....257
ومن حلف له(عليه السلام): كتبه بين ربيعة واليمن....259
و من كتاب له(عليه السلام) : إلى معاوية في أول ما بويع له....261
ومن وصية له(عليه السلام): لعبد الله بن العباس ....263
ومن وصية له(عليه السلام) : لعبد الله بن العباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج.... 264
ومن كتاب له(عليه السلام) : إلى أبي موسى الأشعري جواباً في أمر الحكمين.....265
ومن كتاب له(عليه السلام) : لما استخلف إلى أمراء الأجناد....268
حكم أمير المؤمنين(عليه السلام) ....269
و من كلام له(عليه السلام) : لكميل بن زياد النخعي ....341
فصل : نذكر فيه شيئاً من غريب كلامه المحتاج إلى التفسیر....387
الفهرس ....486