توضیح نهج البلاغة المجلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

تَوضِيحُ نهج البلاغه

آيَةُ اللهِ العُظْمَى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره

الجُزْءُ الثَّانِي

دار العلوم

الطبعة المحققة الأولى

1423ه- 2002م

حقوق الطبع محفوظة

محرر الرقمي: سيد عبدالله رضوي

اشارة

توضِيحُ نهج البلاغة

الطبعة المحققة الأولى

1423ه- 2002م

حقوق الطبع محفوظة

من مراكز التوزيع:

سوريا - دمشق - السيدة زينب علیها السلام - مكتبة الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله وسلم

هاتف : 6471116 مقسم 109 .

إيران - قم المقدسة – مؤسسة برهيزكار للطباعة والنشر

شارع صفائية - فرع ممتاز - تلفكس 7746182 - 251 - 0098

...............................................................................

دار العلوم للتحقبقق والطباعة والنشر والتوزيع :

المكتبة : حارة حريك - بئر العبد - شارع السيد عباس الموسوي - الهاتف : 1/545182 03/473919 - ص.ب : 13/6080 المستودع حارة حريك - بئر العبد - مقابل البنك اللبناني الفرنسي - تلفاكس : 01/541650

البريد الإلكتروني :daraloloum@hotmail.com

توضِيحُ نهج البلاغة

آيَةُ اللهِ العُظْمَى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره

الجُزْءُ الثَّانِي

مکتبه الروضة الحيدرية

الرقم 4491

التاريخ 29/1/2005

دار العلوم للتحقبقق والطباعة والنشر والتوزيع :

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهم ولا الضالين .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمّد وآله أجمعين، واللعن على أعدائهم إلى يوم الدين.

الخطب و المواعظ و الکلام

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في عظه الناس وامرهم بالتقوی

قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ وَخَبَرَ الضَّمَائِرَ ، لَهُ الإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَالْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلْيعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَهَلِهِ قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ ، وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغْلِهِ، وَفِي مُتَنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَبِعَظَمِهِ وَلْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَقَدَمِهِ ،


التوضيح :

(قد علم) الله سبحانه (السرائر) جمع سريرة وهي القلب والضمير فإنَّ جميع النوايا التي ينويها الإنسان يعلمها سبحانه وتعالى (وخبر) أي اطلع وعلم (الضمائر) جمع ضمير، وهذا عطف بيان للجملة السابقة، تأكيداً (له الإحاطة بكل شيء) ومعنى إحاطته : استيلاؤه بالعلم والقدرة (والغلبة لكل شيء) فهو غالب على جميع الأشياء (والقوة على كل شيء) فهو القوي الغالب المحيط، ولا يخفى اختلاف مفهومات الصفات المذكورة.

(فليعمل العامل منكم) أيها الناس (في أيام مهله) وهي أيام كونه في الدنيا، فإنَّ له مهلة فيها للعمل الصالح (قبل إرهاق أجله) أي : قبل أن يرهقه ويستأصله ( وفي فراغه قبل أوان شغله) المراد بالفراغ إما الفراغ في الدنيا قبل الآخرة، أو وقت فراغه، فإنَّ الإنسان قد يكون فارغاً، وقد يكون مشغولاً .

(وفي متنفسه) أي وقت إمكان التنفس، وهو ما دام حياً (قبل أن يؤخذ بكظمه) الكظم هو الحلق (وليمهّد) أي يهيّئ مكانه في الآخرة (لنفسه وقدمه)

وَلْيَتَزَوْدُ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ. فَاللَّهَ الله أَيُّهَا النَّاسُ، فِيمَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، وَاسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثًا، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدى ، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَلا عَمَى، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ وَكَتَبَ آجَالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ «الْكِتَابَ


وذكر القدم لأنه من أهول الأحوال.

(وليتزوّد) بالعمل الصالح (من دار ظعنه) أي الدنيا التي يظعن وينتقل منها (لدار إقامته) أي الآخرة التي يبقى فيها أبد الآبدين (ف) احذروا (الله الله)كرّر للتأكيد، يا (أيها الناس فيما استحفظكم من كتابه) أي جعلكم حفظة عليه فاحفظوه،وحفظه عبارة عن العمل به .

(واستودعكم من حقوقه) أي جعلكم محلاً لوديعته التي هي حقوقه عليكم ، والمراد بها الأحكام الشرعية، فإنَّها حق الله على الناس، وهي ودائعه تعالى عندهم (فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثاً) أي بلا غاية ولا مقصد حتى لم يكن عليكم تكليف ( ولم يترككم سدى) أي بلا تكليف وسديّ بمعنى الإهمال (ولم يدعكم في جهالة) لا تعرفون الأصول والفروع بل علمكم بسبب الأنبياء (ولا عمى) فإنّ الإنسان الجاهل كالأعمى الذي لا يبصر .

(قد سمّى آثاركم) أي كتب قبل أن تعملوها وهذا كناية عن علمه سبحانه بما يعملون، أو المراد أنه تعالى بيّن أعمالهم وحدّدها لكن الأول أقرب ( وعلم أعمالكم ) أي جعل العلامة على أعمالكم، أو علمكم إياها حتى لا تجهلوها (وكتب آجالكم) أي مدة بقائكم في الدنيا ( وأنزل عليكم الكتاب ) المراد به إما جنس الكتب المنزلة على الأنبياء، أو خصوص القرآن الحكيم

تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ » (1)، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً ، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ - فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ - دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ ، وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ - عَلَى لِسَانِهِ - مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ، وَنَوَاهِیَهُ وَأَوَامِرَهُ، وَأَلْقَى إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ،


(تبياناً) أي بيان - قالوا: والتبيان أكثر إفادة من البيان.

(لكل شيء) والمراد بذلك أنه تعالى بين في القرآن الخطوط العامة للحياة السعيدة، لا أنه ذكر كل جزئي جزئي من الأمور (وعمر فيكم نبيه) محمد صلی الله علیه و آله وسلم (أزمانا ) أي أعطى العمر لنبيه ليكون بينكم مدة مديدة (حتى أكمل) سبحانه (له) صلی الله علیه و آله وسلم (ولكم - فيما أنزل من كتابه - دينه) أي أكمل دينه ، القرآن والأحكام المنزلة فيه.

(الذي رضي لنفسه) بمعنى أنه سبحانه ارتضاه ديناً لنفسه، أي طريقة يصل الخلق منها إلى مرضاته (وأنهى إليكم) أي أوصل إليكم (على لسانه) أي لسان الرسول (محابه من الأعمال) أي الأعمال التي يحبّها سبحانه، ومحاب جمع محب مصدر ميمي، أو اسم مكان أي مكان حبه (ومكارهه) أي الأعمال التي يكرهها ونواهيه وأوامره ولعل الفرق أنَّ [المحاب] أعم من الأوامر لأنها تشمل حتى المستحبّات بخلاف الأوامر، وكذا النسبة بين المكاره والنواهي .

(وألقى إليكم المعذرة) أي ما يوجب عذركم إن أطعتموه وعذره - في عقابكم - إن عصيتموه، لأنه بين لكم فخالفتم (واتخذ عليكم الحجّة) وهي ما


1) إشارة إلى الآية 89 من سورة النحل .

وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدِ. فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَةَ أَيَّامِكُمْ ، وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ، وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ، وَلا تُرَخْصُوا لأَنْفُسِكُمْ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ فِيهَا مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ ،


يحتج به المولى على العبد - إن خالف - والعبد على المولى - إن أطاع - (وقدم إليكم بالوعيد) أي بين لكم العقاب الذي يأتيكم إن خالفتم .

(وأنذركم بين يدي عذاب شديد) أي قبل عذاب شديد الذي هو عذاب الآخرة، فإنَّ معنى [بين يدي] قبل الشيءوقدامه(فاستدركوا) أي أدركوا فلا يفوتكم (بقية أيامكم) بالعمل الصالح والتوبة (واصبروا لها) أي اجعلوا لأنفسكم الصبر في الأعمال التي تعملونها في بقية الأيام (أنفسكم) مفعول أصبروا ومعنى تصبير النفس أمرها بالصبر (فإنها) أي بقية الأيام (قليل في كثير الأيام التي تكون منكم فيها الغفلة) في : بمعنى النسبة، يعني إن ما بقي من الأيام قليل بالنسبة إلى الأيام الماضية التي غفلتم عن الله فيها، وإنما كانت قليلة بالنسبة إلى مجموع الناس بالنسبة إلى المجموع، وإن كانت الأيام الباقية بالنسبة إلى الشاب أكثر من الأيام الماضية، أو الكلام [خطابي] لتهوين أمر الصبر لديهم كما جرت عادة البلغاء في تهوين المشاق للناس حتى يركبوها .

(والتشاغل عن الموعظة) أي عدم الاعتناء بها، وهذا عطف على قوله [لغفلة]، (ولا ترخصوا لأنفسكم) أي لا تبيحوا لها عمل المحرمات، فإنَّ الإنسان يوحي إلى نفسه بالخير والشر والنفس تعمل حسب تلك الإيحاءات (فتذهب بكم الرخص) التي أرخصتموها لأنفسكم (فيها) أي في الأنفس (مذاهب الظلمة) جمع ظالم، أي تسير النفس كما يسير الظالمون في ارتكاب

وَلا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الإدْهَانُ عَلَى الْمَصَيبَة . عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ ، وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ، وَالْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ ، وَالْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ.


المحرمات، وترك الواجبات (ولاتداهنوا) المداهنة إظهار خلاف ما في الضمير مجاملة للعاصي (فيهجم بكم الإدمان على المصيبة) فإنَّ الإنسان لو داهن يكون مصيره إلى النار التي هي أعظم المصائب، وذلك لأن المداهنة خلاف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال الإمام المرتضى صلوات الله عليه : أمرنا رسول الله أن نلاقي أهل المعاصي بوجوه مكفهرة، أو المراد مداهنة الإنسان مع نفسه.

يا (عباد الله إن أنصح النّاس لنفسه أطوعهم لربّه) أي أكثرهم إطاعة ، وإنما كان أنصح لأنه يهيّئ لنفسه أحسن المقامات في الآخرة (وإن أغشهم لنفسه) أي أكثرهم غشاً لها (أعصاهم لربه) لأنه يهيئ لها مستقبلاً سيئاً (والمغبون من غبن نفسه) فإنَّ من يغبن نفسه بأعمال توجب لها هواناً وعقاباً، فإنَّه أحق باسم المغبون من المغبون في معاملته، فإنَّ خسارات المعاملة وقتية وخسارة النفس أبدية ( والمغبوط) الذي يغبطه الناس ويتحسرون على مقامه الرفيع (من سلم له دينه) بأن لم يفسد بالمعاصي والآثام، (والسعيد) الذي نال السعادة (من وعظ بغيره) بأن رأى غيره تضرر من المعاصي فلم يعمل بها . فإنَّه أدرك السعادة بدون ضرر .

(والشقي من انخدع لهواه) فإنَّ الهوى والميول النفسية إلى الشهوات تخدع الإنسان ومن استسلم لهواه فقد شقى واستحق العقاب (وغروره) أي النفس التي تغرّه وتزين له العصيان.

وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلإِيمَانِ، وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ . جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلإِيمَانِ . الصَّادِقُ عَلَى شَرَفِ مَنْجَاةٍ وَكَرَامَة، وَالْكَاذِبُ عَلَى شَفَا مَهْوَاهُ وَمَهَانَة . وَلا تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ،


( واعلموا أن الرياء شرك) الرّياء هو أن يعمل الإنسان الأعمال يسير الصالحة ليراه النّاس فيمدحوه، وهذا شرك لأن المرائي عمل لغير الله سبحانه، واتخذ الله رباً آخر زعمه ضاراً نافعاً .

(ومجالسة أهل الهوى) الذين ينساقون وراء هواهم وشهواتهم (منساة للإيمان) أي توجب نسيان الإيمان، فإنَّ الإيمان يضعف إذا كثر على النفس ما يخالف الإيمان مما يقوله ويعمله أهل الهوى - فإنَّ الطبع سارق - (ومحضرة للشيطان) فإنّ الشيطان يحضر عند أهل الهوى والمعصية (جانبوا الكذب) أي تجنبوا عنه ( فإنّه ) أي الكذب (مجانب للإيمان) إذ الإيمان يأمر بالصدق وينهى عن الكذب .

(الصادق على شرف منجاة) أي أن صدقه يوجب نجاته (وكرامة) أي تكريم الله والناس له، فإنّ الصدق فضيلة يمدحها الناس .

(والكاذب على شفا) [شفا] جرف الوادي، مما أشرف على السقوط (مهواة) أي هوى في المشكلة والسقوط (ومهانة) عند الله سبحانه وعند الناس فإنّهم متى ى ما عرفوا أنّ فلاناً كاذب سقط من أعينهم، فهو قريب الوقوع والمهانة عند الناس (ولا تحاسدوا) وهو أن يتمنى الإنسان زوال نعمة المتنعمين، ولذا يعمل لزوالها بالتنقيص لهم والحط من شأنهم (فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب) إذ الحسد موجب لحبط الأعمال، هذا

وَلا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ فَأَكْذِبُوا الأمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورٌ، وَصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ .


بالإضافة إلى أن المجتمع المتحاسد لا يزال يأخذ في السقوط والهوي حتى يصل الهاوية، إذ أفراده عوض أن يشتغلوا بالرفعة والترفيع فهم مشغولون بالتخفيض.

(ولا تباغضوا) بأن يبغض بعضكم بعضاً (فإنها ) أي المباغضة (الحالقة) التي تحلق وتزيل كل خير وسعادة (واعلموا أن الأمل يسهي العقل) أي يوج- سهوه وذهوله ، إذ الذي يأمل الأشياء البعيدة لا يعمل حسب أوامر العقل من العمل الصالح وأخذ الحيطة والحذر، لأنه يرجو بقاءه الطويل، (وينسي الذكر ) أي يوجب أن لا يذكر الإنسان ربّه، إذ يترقب أن يتوب في كبره وآخر عمره، كما كما ه- المشاهد في النّاس طوال الأمل (فأكذبوا الأمل) أي إذا قال لكم أنتم تبقون في الدنيا مدة مديدة اعملوا عمل من لا يبقى إلا مدة قليلة كما قال الإمام الحسن علیه السلام : اعمل لآخرتك كأنك تموت غداً (فإنه غرور وصاحبه) أي صاحب الأمل (مغرور) قد خدع وأُري ما ليس بحقيقة .

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

في بيان صفات المتقين وصفات الفسّاق

عِبَادَ اللَّهِ ، إِنَّ مِنْ أَحَبُ عِبَادِ اللهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ،فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ ،


التوضيح:

يا (عباد الله إنّ من أحب عباد الله إليه) فالذين هم في الدرجة الأولى من الحبّ جماعة منهم من يأتي وصفه، ولذا جيء ب[من] التي هي للتبعيض (عبداً أعانه الله على نفسه) بأن كان مسلّطاً على النفس، يقودها حيث مراضي الله لا أن النفس تقوده إلى الشهوات وليس معنى إعانة الله جبره سبحانه، بل توفيقه الخاص الذي يتوقف على المجاهدة قبلاً كما قال سبحانه: «وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» (1).

(فاستشعر الحزن) أي جعل الحزن شعاراً لنفسه. والشعار هو اللباس اللاصق بالبدن سمّي بذلك، لاتصاله بالشعر، يعني أنه حزين دائماً، لما يعلم من صعوبة المستقبل والموقف في الآخرة .

( و تجلبب الخوف) أي جعل الخوف من الأهوال المستقبلة في الآخرة جلباباً له، والجلباب هو الثوب الساتر الذي يكون فوق جميع الثياب


1) سورة العنكبوت: 69 .

فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ ، وَأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ ، وَهَوْنَ الشَّدِيدَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ ، وَارْتَوَى مِنْ عَذْبِ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ ،


والحزن قلبي بخلاف الخوف الذي يظهر أثره على الأعضاء والجوارح وإن كان مصدره القلب أيضاً .

(فزهر) أي أضاء (مصباح الهدى في قلبه) فإنَّ الإنسان الخائف من الآخرة يوجد في قلبه حالة تبعثه على الخير والواجب وتمنعه عن الشرّ والمحرم .

(وأعد القرى) هو ما يهيّاً للضيف والمراد به العمل الصالح (ليومه النازل به) وهو يوم الموت أو يوم الآخرة، يعني أنه يستعد للقاء الله تعالى (فقرب على نفسه البعيد) الذي هو الموت، فهو يراه قريباً يستعد له بينما يراه سائر الناس بعيداً لا يعمل لأجله (وهون الشديد) أي الأعمال الشديدة الموجبة لنجاته فإنّه يراها هيئة لما يعلم من حسن عاقبتها (نظر) إلى الأمور بدقة واعتبار (فأبصر ) لا يعمى عن المصلحة والمفسدة حيث أنّ النّاس يخلطون بين الحق والباطل - فكأنهم غير مبصرين-.

( وذكر ) الله سبحانه (فاستكثر) من الذكر، أي ذكر ذكراً كثيراً، أو استكثر من العمل الصالح .

(وارتوى) أي شرب حتى امتلأ من الماء (من عذب فرات) والمراد به العلوم الصالحة لأنه شبيه بالماء العذب السائل الذي يتلذذالإنسان بشربه وتكون له عقبى محمودة (سهلت له موارده) جمع مورد وهو محل الورود في الماء، فإنّ الإنسان الذي يبتغي الحق يسهل عليه التمسك بالأحكام وتعلم

فَشَرِبَ نَهَلاً، وَسَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً . قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ، إِلا هَمَّا وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الهُدى وَمَغَالِيقِ أَبْوابِ الرَّدَى . قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ،


شرائع الإسلام بينما يصعب ذلك على غيره (فشرب نهلاً) النهل هو الشرب الأول، يعني أنه ارتوى بشربه الأول، فلم يحتج إلى تكرار الشرب .

(وسلك سبيلاً جدداً) هي الأرض الصلبة المستوية التي يسهل السلوك فيها فإنَّ جادة الشرع واضحة قويمة (قد خلع) أي طرح من رأسه (سرابيل لشهوات) جمع سربال وهو الثوب .

(وتخلى من الهموم) التي اشتغل بها أهل الدنيا، فإن الإنسان الذي صرف نظره إلى الآخرة لا يهتم للأمور الدنيوية كثيراً حتى يهتم لها (إلا) هما واحداً (انفرد لهذا الإنسان (به) وهو هم الآخرة، وإنما كان منفرداً لأنّ أهل الدنيا لا يشاركونه في هذا الهم (فخرج من صفة العمى) فإنَّ الإنسان الذي لا يميز بين الحق والباطل والحرام والحلال هو والأعمى سواء في عدم رؤية الأعمى ظاهري وهذا أعمى معنى (ومشاركة أهل الهوى) الأشياء، لكن عمى لا يشاركهم في ارتكاب المحظورات لمجرد هوى نفسه (وصار من مفاتيح أبواب الهدى) فإنّ الناس إذا أرادوا الهداية سألوا من هذا الإنسان فكأن الهدى بيت له باب إذا أريد دخلوه لزم فتحه بالمفتاح الذي هو هذا الإنسان المتقي (ومغاليق) جمع مغلاق وهو ضد مفتاح (أبواب الردى) أي الهلاك، لأنه يسدّ على النّاس الفساد والشر، فهو كالمغلاق.

(قد أبصر طريقه) المؤدّي به إلى الجنّة (وسلك سبيله) لأنه يسلك نفس

وَعَرَفَ مَنَارَهُ، وَقَطَعَ غِمَارَهُ، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا، وَمِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا ، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْل ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لله - سُبْحَانَهُ - فِي أَرْفَع الأمور ،


ذلك السبيل بخلاف من يعلم ويفعل خلاف ما يعلم فإنّه أبصر الطريق لكنه تنكب السبيل .

(وعرف مناره) هو المحل الذي ينصب في الطريق ويجعل عليه النور ليلاً ليهتدي المارة به (وقطع غماره) جمع غمر - بالفتح - وهو معظم البحر، يعني أنه عبر بحار المهالك إلى سواحل النجاة .

(واستمسك من العرى بأوثقها) عرى جمع عروة، فقد شبه الإسلام بكوز ذي عرى إذا تمسك الإنسان بإحداها تمكن من الشرب منه وأوثق تلك العرى عروة التقوى .

(ومن الحبال بأمتنها) فكأنّ السعادة في محل مرتفع وأدلي منه حبال ليصعد النّاس بها إلى ذلك المحل ، وأقوى الحبال هو حبل التقوى، وهذان اقتباس من قوله تعالى: «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى» (1)، وقوله سبحانه «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا» (2).

(فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس) فكما أن ضوء الشمس واضح لا لبس فيه كذلك يقين هذا الإنسان بالآخرة وما وراء الطبيعة (قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الأمور فإن الإنسان إذا التزم جادة الشرع وجد واجتهد عرف الأحكام وفهم طرق الإسلام فهو لقربه منه سبحانه واحتوائه لأحكامه


1) سورة لقمان : 22 .

2) سورة آل عمران 103 .

مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدِ عَلَيْهِ، وَتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعِ إِلَى أَصْلِهِ. مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ، كَشَافُ عَشَواتِ مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ ، دَفَاعُ مُعْضلاتٍ، دَلِيلُ فَلَوَاتٍ، يَقُولُ فَيُفْهِمْ، وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ. قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ


كالمقرب عند الملك الذي له مكانة رفيعة عنده (من إصدار كلّ وارد عليه) يعني أنه إذا ورد عليه مسألة من مسائل الدين يتمكن من الجواب عنها جواباً صحيحاً فيصدر السؤال بعد أن ورد عليه (وتصييركل فرع إلى أصله) لأنه يعرف أصول الإسلام وفروعه فإذا سئل عن فرع تمكن من إرجاعه إلى أصله لا إلى غير أصله فيعرف مثلاً أن هذا الفرع من أصل [كل شيء حلال] أو أصل [قف عند الشبهة ] .

فهو (مصباح ظلمات) إذ ظلمات الجهل تنكشف بسببه (كشاف عشوات) جمع عشوة وهي سوء البصر أي أنه يكشف عن أصحاب العشوات الظلمات التي في أبصارهم، وهذا كناية عن توضيحه الأمور الملتبسة التي التبست على الذين ليس لهم حظ وافر من الدين (مفتاح مبهمات) التي أبهمت وأشكلت فإنَّه يفسرها ويبينها ويظهرها (دفاع معضلات) معضلة التي يصعب حلها، فإنَّه يحلّها ويدفع إعضالها ويسهل فهمها (دليل فلوات) جمع فلاة وهي الصحراء الواسعة، فكما أن الدليل يرشد الضال عن الطريق في الصحراء، فكذا الإنسان المتقي يرشد الناس إلى طريق الحق في متاهات الحياة (يقول) الجواب، أو الحكم (فيفهم) المخاطب، لوضوح بيانه (ويسكت) فيما كان الجواب موجباً لمضرة أو التكلم موجباً لشرّ (فيسلم) من عواقب الكلام .

(قد أخلص لله) في أعماله، فلا يعمل إلا له سبحانه (فاستخلصه)أي جعله سبحانه خالصاً لنفسه بأن أولاه عنايته ولطفه وجعله من خاصته

فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ، وَأَوْتَادِ أَرْضِهِ. قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ ، يَصِفُ الْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ، لَا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةَ إِلَّا أَمَّهَا ، وَلا مَظئَةً إِلا قَصَدَهَا ، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زمَامِهِ، فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ ،يَحُل


(فهو من معادن دينه) فكما أن معدن الذهب محله كذلك هذا الإنسان محل الدين، إذ هو العالم به.

(وأوتادأرضه) فإنّ الأرض إنما تكون موضع رحمة الله بواسطة الأخيار، ولولاهم لصرف الله سبحانه لطفه عن أهل الأرض، فهم كالوتد الحافظ لألواح الخشبة بعضها مع بعض (قد ألزم نفسه العدل) أي بأن يعدل في جميع الأمور (فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه) أي لا ينساق وراء الأهواء، إذ الانسياق وراء الهوى ظلم وتعد بالنسبة إلى النفس، لإخراجها بذلك عن سعادتها إلى شقائها (يصف الحق) أي يبين ما هو الحق من الأشياء (ويعمل به) هو ، لا أنه يأمر الناس بالبر وينسى نفسه .

(لا يدع للخير غاية إلا أمّها) أي قصدها أي أنه يقصد نهاية كل خير مثلاً نهاية الخير في باب الصلوات أن يأتي بالنوافل، وفي الزكاة أن يزكي من أرباح التجارة وهكذا، فهو لا يقتنع بأول الخير دون غايته (ولا مظنة إلا قصدها) فكلما ظن وجود الخير تبعه حتى ينال من الخير، مثلاً يظن أن هذا الشخص فقير وفي إعانته مثوبة، فيعطيه وهكذا.

(قد أمكن الكتاب من زمامه) أي أعطى زمامه للكتاب حتى يذهب به إلى حيث الأحكام الشرعيه، وهذا كناية عن اتباعه للكتاب الحكيم (فهو) أي القرآن (قائده) الذي يقوده (وإمامه) الذي يأتم هذا الشخص به (يحل) هذا

حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ ، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ. وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالِ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضَلالٍ ، وَنَصَبَ لِلنَّاس به أشراكاً مِنْ حَيَائِلِ غُرُورٍ ، وَقَوْلِ زَورٍ ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ،


الإنسان ( حيث حلّ ثقله ) ثقل المسافر متاعه وثقل القرآن أوامره وزواجره يعني أن هذا الشخص يتبع القرآن في كل حكم .

( وينزل) هذا الشخص ( حيث كان منزله) أي منزل القرآن، وفيه استعارة لطيفة .

ولما أتم علیه السلام صفات المتقين شرع في صفات الفساق بقوله : (وأخر قد تسمى عالماً) أي سمّى نفسه عالماً (وليس به) أي ليس بعالم (فاقتبس) أي أخذ (جهائل) جمع جهالة، والمراد ما ظنه علماً جهالة، والمراد ما ظنه علماً وهو في الحقيقة جهل (من جهال) لأنهم لو كانوا علماء لم يعطوا الجهل باسم العلم (وأضاليل) أي وهي ما ظن أنها هدايات وليست كذلك (من ضلال) من أناس

ضالين ولولا أنهم ضالون لم يعطوا الضلالات (ونصب للناس أشراكاً) الحبالة التي يصاد بها الطير والسمك ونحوهما من حبائل غرور) فكأن للخدعة حبالات تنظم حتى تكون أشراكاً (وقول زور) أي الكذب، فقد نظم أموره المكذوبة والمزورة لصيد الناس وجعلهم من حفدته ومراجعيه .

( قد حمل الكتاب) أي القرآن الحكيم ( على آرائه) فمثلاً يحمل قوله تعالى «إِلَى رَبّهَا نَاظِرَةٌ » (1) على أن الله سبحانه قابل للرؤية بالبصر، وهكذا. (وعطف الحق) أي أماله (على أهوائه) فكلما اشتهاه قال إنه الحق وأخذ


1) سورة القيامة : 23 .

يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِم وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ : أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ ، وَفِيهَا وَقَعَ ، وَيَقُولُ : أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانِ وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانِ لا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ ، وَلا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ . وَذلِكَ مَيْتُ الأَحْيَاءِ ! (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) ؟ (وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) !


يستدل لذلك (يؤمن الناس من) الذنوب (العظائم) فيقول إن هذه الذنوب لا خوف منها .

( ويهوّن كبير الجرائم) أي المعاصي الكبيرة، فيجعلها هيئة لا أهمية لها، ولا إثم عظيم في فعلها (يقول) بلسانه لخداع الناس (أقف عند الشبهات) ليزكّي نفسه ويُري الناس شدة ورعه حتى أنه يقف عند الأمور المشتبهة ولا يعمل بها احتياطاً (و) الحال أنه (فيها) أي في تلك الشبهات (وقع) إذ ليس له احتياط وارعواء وتقوى ( ويقول) لتزكية نفسه : اعتزل البدع التي تجددت مما ليست من الدين ونسبت إليه (وبينها اضطجع) أي نام كناية عن انغماره فيها .

( فالصورة صورة إنسان) في الخلقة (والقلب قلب حيوان) لا يدرك ولا يفهم (لا يعرف باب الهدى فيتبعه) لأنه انحرف عن الهداية وعدم المعرفة لما أوقع نفسه في الشهوات (ولا) يعرف ( باب العمى) والضلالة (فيصد عنه) ويمتنع عن الدخول فيه ( وذلك) الإنسان (ميت الأحياء) لأنه حي بدناً ميت ،روحاً، فكما لا يأتي من الميت الخير كذلك لا يأتي من هذا الإنسان .

ثم أشار علیه السلام إلى انفتاح باب الحق حتّى أنّ الذي لا يلجه فإنَّما بسبب نفسه فأين تذهبون أيها النّاس في ترككم الحق واتباعكم الباطل (وأنى تؤفكون أفك بمعنى انصرف، أي إلى أين تنصرفون عن الحق.

وَالأَعْلامُ قَائِمَةٌ ، وَالآياتُ وَاضِحَةٌ ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ بَلْ كَيْفَ تَعْمَهُونَ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيكُمْ وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ ، وَأَعْلامُ الدِّينِ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ.


( والأعلام قائمة) أعلام جمع علم وهو الذي ينصب في الطريق بفاصلة ليعلم منه الجادة والمراد أعلام الحق التي يُستدل بها عليه .

(والآيات) الدالة على رضى الله سبحانه وأمره ونهيه (واضحة) لا لبس فيها(والمنار) وهو المحل الذي يوضع عليه المصباح ليلاً للاهتداء نحو الطريق، والمراد به هنا الجنس ولذا قال هنا الجنس ولذا قال : (منصوبة موجودة (فأين يتاه بكم) من التيه بمعنى الضلالة، أي إلى أين يذهب الشيطان بكم منحرفاً الجادة (بل كيف تعمهون) من العمه وهو أشد العمى (و) الحال أنه (بينكم عترة نبيّكم) أي أهله وذريته الذين هم خلفاؤه والقائمون مقامه.

(وهم أزمة الحق) جمع ،زمام وهو الشيء الذي يقاد به الحيوان فكأنهم أزمة للحق لقود الناس إلى السعادة (وأعلام الدين وألسنة الصدق) أي أن كلامهم عين الصواب، وفيه استعارة لطيفة .

(فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن) أحسن منازل القرآن هو القلب، والمراد تب أهل البيت وتقديرهم، كما يقدر القرآن ،ويحترم أو المراد بأحسن ما أنزلهم القرآن حيث قال : «إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُربى» (1)، والمراد من [الأحسن] حينئذ، كما براد من قوله : «يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها» (2)(وردوهم) من ورود الماء إذا نزل المشرعة الشربه أي اغترفوا من بحار علومهم (ورود) أي مثل ورود (الهيم العطاش) الهيم


1) سورة الشورى : 23

2) سورة الأعراف: 145 .

أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوهَا عَنْ خَاتَم النَّبِيِّينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : (إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيْتٍ، وَيَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَلَيْسَ بِبَالٍ فَلا تَقُولُوا بِمَا لا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ، وَأَعْذِرُوا مَنْ لا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ - وَهُوَ أَنَا ، أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الأكْبَرِ !


جمع هائم وهو الإبل الشديد العطش وعطاش جمع عطشان.

(أيها الناس خذوها) الضمير للقصد والشأن أي خذوا هذه الجملة التي تأتي، وهذا لتأكيد التمسك بالعترة ، لأن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم نص عليهم (عن خاتم النبيين صلی الله علیه و آله وسلم ) فإنَّه قال: (إنّه يموت من مات منا) أهل البيت (وليس بميت) لبقاء آثاره، وإشعاع روحه الطاهرة من عالم الآخرة إلى عالم الدنيا .

(ويبلى من بلي منا) أي يفقد شخصه ويدفن تحت التراب وليس ببال لبقاء ذكره الجميل قال الشاعر : [ والذكر للإنسان عمر ثان]، فلا تقولوا بما لا تعرفون) فإن وجود الأئمة علیهم السلام موجبة لمضاعفة عذاب من يقول في الأحكام بما لا يعلم (فإنّ أكثر الحق فيما تنكرون) ومن كان لا يعرف أكثر الحق كيف يحق له أن يتكلم من عند نفسه والأعلام قائمة والمراد ب [تنكرون] إما [تجهلون] بقرينة [لا تعرفون] كما هو الظاهر، وهذا واضح لأنّ غالب النّاس يجهلون أكثر الأحكام، وإما بمعنى [تخالفون] من الإنكار، وهذا لأن الحقائق الكونية الشرعية وغيرها خافية على غالب النّاس، ويظنون خلافها.

(وأعذروا) أي لا تلوموا (من لا حجة لكم عليه) أي لا دليل لكم على أنّه أخطأ ( وهو (أنا المراد بقول [اعذروه] (ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر) الثقل المتاع النفيس، وهذا إشارة إلى قوله صلی الله علیه و آله وسلم : [ إني تارك فيكم الثقلين كتاب

وَأَتْرُكُ فِيكُمُ الثَّقَلَ الأَصْغَرَا قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الإِيمَانِ، وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ وَأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَفَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الأَخْلاقِ مِنْ نَفْسِي،


الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي] (1). وإنما كان القرآن الثقل الأكبر لأنه عبارة عن مجموع الأحكام الإلهية التي منها مسألة الإمامة .

(وأترك فيكم الثّقل الأصغر) فإنّ الإمام قد خلف الحسنين ، وهما من الثّقل الأصغر قدوة للنّاس وإماماً لهم بالإيصاء بهما وإلزام التّمسّك بهما .

(قد ركزت) أي أثبت (فيكم راية الإيمان) ببيان أصول الإسلام وشرح عقائده .

(ووقفتكم على حدود الحلال والحرام ) ببيان الفروع وشرح الأحكام(وألبستكم العافية من عدلي) فأنتم في عافية من الظلم.

(وفرشتكم) أي بسطت لكم (المعروف من قولي وفعلي) فإنّهما كانا من المعروف الذي يستريح الإنسان تحت لوائه وفيه تشبيه بالأرض المفروشة التي يتهنأ الإنسان بالتقلب عليها .

(وأريتكم كرائم الأخلاق) من عدل وفضيلة وسخاء وشجاعة ووفاء وغيرها، والإرائة كانت بالقول وبتحليه عليه الصّلاة والسّلام بها والمراد هنا الثاني بقرينة قوله (من نفسي) وإن كان يحتمل الأعم، فإنّ القول أيضاً من


1) وسائل الشيعة : ج 18 ص 19.

فَلا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لا يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَلا تَتَفَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكْرُ .

ومنها : حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا، وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا، وَلا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ سَوْطُهَا وَسَيْفُهَا، وَكَذَبَ الظَّانُ لِذَلِكَ . بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَمُونَهَا بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً !


النفس (فلا تستعملوا الرأي) والقياس في الأحكام الشرعية - بدون اتباع الكتاب والعترة - (فيما لا يدرك قعره البصر) فإنّ الأحكام لا ينال البصر مغزاها (ولاتتغلغل) أي لا تدخل (إليه الفكر) إذ العين والفكر قاصران عن معرفة الحياة حتى يتمكنا من معرفة أحكام الله المقرّرة لكل جزئي من جزئيات الحياة الوسيعة .

(ومنها) : ثم ذكر الإمام علیه السلام ما يكون بعده من الأحداث، وقد حذف الشريف [رحمه الله] وسط الخطبة ( حتّى يظنّ الظان) أي الذي يظن خطأ (أنّ الدنيا معقولة) من العقال وهو شد ركبة البعير - كناية عن استقرارها - على بني أمية لا تتجاوز عنهم ( تمنحهم) أي تعطيهم الدنيا (درها) أي لبنها (وتوردهم) من ورود الماء، أي أنّ الدّنيا إذا أرادت سقي بني أمية توردهم (صفوها) أي المحل الصافي من الماء (و) يظنّ الظَّان أنّه (لا يرفع عن هذه الأمة سوطها وسيفها) كناية عن حكومتهم، فهم دائمو الحكومة والسلطة على النّاس.

(وكذب الظَّان لذلك) أي دوام ملك بني أمية (بل هي) المنحة التي تمنحهم الدنيا (مجّة) نقطة العسل، أو من مج الشراب إذا قذفه من فيه هي (من لذيذ العيش) وقد شبّه بالمجة تحقيراً لها وتشبيهاً لقصر مدتها (يتطعمونها برهة أي زماناً قصيراً (ثم يلفظونها) أي يتركونها (جملة) فلا يبقى في أيديهم شيء منها.

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

وقد ذكر الإمام علیه السلام ما فيها ما يسبب هلاك الناس

أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرِ قَطَّ إِلا بَعْدَ تَمْهِيلِ وَرَخَاءِ ، وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ إِلا بَعْدَ أَزْلِ وَبَلاءِ، وَفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ


التوضيح :

(أما بعد) والأصل مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة (فإن الله لم يقصم جبّاري دهرقط) قصمه بمعنى كسر ظهره، والمراد إبادة الجبارين وسلب النعمة عنهم (إلا بعد تمهيل) بأن أمهلهم مدة يتمكنون فيها من الإنابة والرجوع (ورخاء) بأن أنعم عليهم فقابلوا نعمه بالإساءة (ولم يجبر عظم أحد من الأمم) بأن رفعهم بعد ضعفهم وأنعشهم بعد ذلّهم وهوانهم وقد كنى الله ذلك بجبر العظم (إلا بعد أزل وبلاء) الأزل : الشدة، أي أنّ الشّدة توجب الإنعاش فإنّ بعد العسر يسراً، وهذا الأمر طبيعي كسابقه، فإنّ الجبارين يشتغلون بالملاهي والفساد وهما سببا وثبة النّاس لإزالتهم، كما أنّ الأذلاء يفكرون ويجمعون قواهم لرفع الهوان عن أنفسهم، وهما سبب التقدم عن والسعادة .

(وفي دون) أي في أقل من (ما استقبلتم من عتب) أي عتب الزمان وإذلاله لكم .

وَمَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرًا وَمَا كُلُّ ذِي قَلْبِ بِلَبِيبٍ، وَلَا كُلُّ ذِي سَمْعِ بِسَمِيعِ، وَلا كُلُّ نَاظِرِ بِبَصِيرٍ ، فَيَا عَجَباً! وَمَا لِيَ لا أَعْجَبُ مِنْ خَطَا هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا ! لا يَقْتَصُونَ أَثَرَ نَبِيٍّ،


(وما استدبرتم من خطب) أي ما مر بكم من الأحداث والخطوب الجسيمة، والخطب هو الأمر العظيم الذي ينزل بالإنسان كالرزية والمصيبة وما أشبه (معتبر) مبتدأ خبره قوله في دون] أي أن إذلال الزمان لكم وإنزال الخطوب بكم كاف لأن تعتبروا، لأنكم صرتم من مصاديق الجملة السابقة [ولا يجبر عظم أحد . . ] .

(وما كلّ ذي قلب بلبيب) وهذا كالحث لهم على العمل والنهوض، أي أن ليس كل إنسان عاقل فكونوا أنتم عقلاء فيما يجب عليكم من النّهضة والقيام . ولا) كلّ ذي سمع أي أذن (بسميع) أي بواع لما يسمع ليعتبر به أو بمعنى أنه يمكن أن يكون أصم. (ولا كلّ ناظر ) أي عين ( ببصير ) بأحد المعنيين السابقين .

(فيا عجباً) أي يا عجب أحضر فهذا وقتك، والألف في آخر الكلمة بدل من ياء المتكلّم قال ابن مالك :

واجعل منادى صح أن يضف ليا*** كعبد عبدي عبد عبداً عبدياً

(وما لي لا أعجب) فإنّ المكان مكان تعجب واستغراب (من خطأ هذه الفرق) فقد تولدت في زمان الإمام فرق دينية كل يدعي أنه المحبوب عند الله سبحانه المتبع لأمره ونهيه من خوارج، وعثمانية، ومحايدة، وصوفية، وما أشبه . على اختلاف حججها في دينها فلكل حجة مزعومة لعمله بطريقته الخاصة به (لا يقتضون أثر نبي لأنهم لو تمسكوا بأقوال النبي صلی الله علیه و آله وسلم التي منها

وَلا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيَّ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ، وَلَا يَعِفُونَ عَنْ عَيْبٍ، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ مَا عَرَفُوا، وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُبْهَماتِ عَلَى آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا


علي مع الحق والحق مع علي لم يختلف منهم اثنان ولا يقتدون بعمل وصي) فإنّ الإمام كان وصيّاً وخليفة ،فيهم، فلو لم تكن أقوال النبي الهلال الاول كان اللازم اتباع الوصي مهما كان ولا يؤمنون بغيب) فإنّهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر - وهما غائبان عن الحواس - إيماناً صادقاً، كان إيمانهم زاجراً لهم عن اتباع الميول والأهواء (ولا يعفون عن عيب أي لا يكفون عن عيوبهم، بل هم سائرون في المعائب والنقائص فإن معنى عف كف.

( يعملون في الشبهات) أي الأمور المشتبهة التي لا يعلم حلّها من حرامها وحقها من باطلها ويسيرون في الشهوات أي ميولهم وأهوائهم بلا مراعاة ( للشريعة المعروف عندهم ما عرفوا وإن كان مخالفاً للحق والمنكر عندهم ما أنكروا وإن كان موافقاً للحق .

(مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم المفزع الملجأ الذي يلجأ إليه الإنسان في مهماته ، والمعضلة المشكلة الدينية أو الدنيوية، والمراد أنهم لا يرجعون إلى الإمام في حل مشاكلهم (وتعويلهم) أي اعتمادهم (في المبهمات) أي الأمور المبهمة الخفية ..

(على آرائهم) فهم لا يرجعون إلى الكتاب والسنّة والعترة (كأن كلّ امرئ منهم إمام نفسه) فلا يحتاج إلى إمام ومقتدى (قد أخذ منها )أي من

فِيمَا يَرَى بِعُرى ثِقَاتٍ ، وَأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ .


نفسه (فيما يرى) من آرائه في المشاكل (بعرى ثقات) فهو قد تمسك بعروة نفسه ووثق بذاته (وأسباب محكمات) فكأن الحبل الذي تمسك به ينتهي إلى نفسه حبل محكم لا انقطاع له .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

حول الرسول الأعظم واتباعه علیهم السلام له صلی الله علیه و آله وسلم

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَاعْتِزَامِ مِنَ الْفِتَنِ، وَانْتِشَارِ مِنَ الأُمُورِ،


التوضيح:

(أرسله) الله سبحانه ( على حين فترة من الرّسل) الفترة الفاصلة بين الشَّيئين، فقد جاء الرسول له بعد ما انقضى عن رسالة عيسى حوالي خمسمائة سنة، لا كأنبياء بني إسرائيل الذين أرسلوا تباعاً .

(وطول هجعة من الأمم) الهجوع النوم، كأن الأمم كانت نائمة عن المعارف الحقة والمعلومات الإلهية فجاء النبي لا لإيقاظهم وإعادة الحق إلى نصابه .

(واعتزام) أي غلبة (من الفتن) فإنّ الفتنة تقوم كلما تقلص الدين من النفوس إذ الدين خير رادع عن الفتن وأسبابها وجذورها .

(وانتشار من الأمور) فإنّ كل أمر له نظام واقعي يبيّنه الدين فإذا ذهب الدين انتشر الأمر بين أهواء النّاس، مثلاً الدين يقرّر أن مثلاً الدين يقرّر أن مهر السنّة خمسمائة درهم، أما إذا لم يكن دين فقانون يغالي فيه إلى حدود مدهشة، وقانون يخفض منه إلى حدود زهيدة وهكذا.

وَتَلَظٌ مِنَ الْحُرُوبِ، وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اصْفِرَارِ مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا ، وَاغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا ، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى ،


(وتلظ من الحروب) تلظت الحرب، أي اشتعلت والتهبت، وكلّما بعد الناس عن الدين كثرت الحروب لأنها ولائد الفتن، وعدم استقرار النظام وهما من ثمار عدم الدين .

(والدنيا كاسفة النور) فكما أن الإنسان يرى الأشياء بوجود النور، كذلك الدين سبب لرؤية المضار والمصالح والخيرات والشرور، فإذا فقد الدين لم يكن للدنيا نور (ظاهرة الغرور) الناس مخدوعون بها إذ لا ثقافة دينية لهم حتى يخرجوا عن الاغترار إلى التبصر والتفكّر (على حين اصفرار من ورقها) فالدنيا كالشجرة إذا كانت مع دين كانت مخضرة للنشاط والحياة والصحة التي يولدها الدين فيها، وإلا كانت بالعكس.

(وإياس من ثمرها) فإنّ الدّنيا إذا كانت مضطربة لا تثمر الثمر المطلوب منها من التقدم والأمن والرخاء .

و اغورار من مائها) كناية عن عدم النضارة والبهجة، أو أن هذه الجملة على نحو الحقيقة فإنّ انحراف الأرض عن مناهج السّماء يوجب عدم جريان الأنهار ، وقلّة الثمار واصفرار الأشجار، وهذا كما أنه مربوط بالأمور الغيبية كذلك مربوط بالمناهج فإنّ الدين يوسع آفاق الفكر، ويضع المناهج الصّحيحة ويوجب التعاون وكلّ ذلك موجب لعمارة الأرض. (قددرست) أي خلقت وبليت (منار الهدى) المنار المحل الذي يوضع

وَظَهَرَتْ أَعْلامُ الرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهَّمَةٌ لأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ . فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللهِ .


عليه المصباح، ليرى الإنسان طريقه في الليل، وهذا جنس ولذا جيء بالفعل مؤنثاً، كالمثل [أهلك النّاس الدرهم الأبيض والدينار الأصفر] (وظهرت أعلام الرّدى) أي رايات الضلالة الموجبة للهلاك والشقاء.

(فهي) أي الدنيا (متجهمة لأهلها) من تجهّم بمعنى استقبله بوجه عابس كريه ( عابسة) أي قابضة اشمئزازاً (في وجه طالبها) لا تسعد الطالب ولا تفي بما يريد الإنسان من الخير والسعادة (ثمرها الفتنة) فإنّ المناهج إذا انحرفت - وذلك من جراء عدم وجود الأنبياء وتسلّط الجبارين - كثرت الفتن والاضطرابات (وطعامها الجيفة) فقدكانوا يأكلون الجيف، لقلة أرزاقهم.

(وشعارها الخوف) أي كان النّاس يخاف بعضهم من بعض، والشعار هو الثّوب اللاصق بالشعر من الجلد - ومنه سمّي شعاراً - وشبّه به الخوف لأنه في قلب الإنسان لاصق به، وذلك لأن الاضطراب يوجب خوف جميع أفراد الناس بعضهم من بعض.

(ودثارها السيف) الدثار هو القوب الذي يلبس فوق الشعار والمجتمع إذا كان خائفاً كان يحمل السلاح وقاية لنفسه من الأعداء.

أقول : وقد عادت في أيامنا هذه الحالة - كما قال الإمام علیه السلام حيث ابتعد الناس عن الأحكام، وهذا طابع عام لزمان الجاهلية .

( فاعتبروا عباد الله) أي خذوا العبرة - للعمل الصالح - من تلك الفترة المظلمة والاعتبار إنما هو بعدم إعادة تلك الظروف، بسبب ترك أحكام الله سبحانه .

وَاذْكُرُوا تِيكَ الَّتي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مَرْتَهَنُونَ، وَعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ . وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلا بِهِمُ الْعُهُودُ وَلا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الأَحْقَابُ وَالْقُرُونَ وَمَا أَنْتُمُ الْيَومَ مِنْ يَوْم كُنتُمْ فِي أَصْلابِهِمْ بِبَعِيدٍ. وَاللهِ مَا أَسْمَعَهُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً


( واذكروا تيك) الأعمال السيئة والعقائد الباطلة (التي آباؤكم وإخوانكم بهامرتهنون) فإنّهم رهائن أعمالهم فإذا كانوا قد أساءوا خسروا السعادة في الدنيا والآخرة، فلا تعملوا مثل أعمالهم حتى يصيبكم مثل ما أصابهم (وعليها محاسبون) في الآخرة ( ولعمري) هذا حلف بنفسه الشريفة (ما تقادمت بكم ولا يهم) بالآباء والإخوان (العهود) فإنّكم تذكرون عهد ما قبل الرسالة والفجائع التي كنتم تعانون منها وكان آباؤكم جميعاً فيها (ولا خلت) أي لم تمض، من خلا بمعنى مضى (فيما بينكم وبينهم) أي بين الآباء والإخوان (الأحقاب) جمع حقب ثمانون سنة أو أكثر (والقرون) القرن هو مدّة جيل واحد، فقالوا مائة ، وقالوا أقل .

والمعنى: أن الآباء والأخوان الذين كانوا في تلك الظلمات، ، قريبون منكم ،زماناً ، فهم بين أب وأخ وجد وما أشبه.

(وما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد) وإنما الفصل أقل من خمسين سنة، وأصلاب جمع صلب وهو العظم الذي في ظهر الإنسان، وهو محل مني الرجل ، قال سبحانه: «يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَرَابِبِ»(1).

(والله ما أسمعهم) أي الآباء والإخوان الذين عاصروا قبل الرسالة وحين الرسالة ورأوا الزمانين (الرسول شيئاً ) من الحكم والأحكام والمواعظ


1) سورة الطارق : 7.

إلا وَهَا أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ ، وَمَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِهِمْ بالأمْسِ، وَلا شَقَّتْ لَهُمُ الأَبْصَارُ ، وَلا جُعِلَتْ لَهُمُ الأَفْئِدَةُ في ذلِكَ الأوان، إلا وَقَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ . وَاللهِ مَا يُصْرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ، وَلا أَصْفِيتُمْ بِهِ وَحُرِمُوهُ، وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطَامُهَا ،


والنّصائح (إلا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه) أي أبيِّن لكم ما بين الرّسول لآبائكم وأخوانكم.

(وما أسماعكم اليوم بدون أسماعهم بالأمس) يعني أنّكم تسمعون كما كان أصحاب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم يسمعون، فاللازم أن تعملوا كما كانوا يعملون (ولا شقّت لهم الأبصار) حيث أنّ البصر محاط بالوجه الممتد، فكأنه قد شق في وسط شيء مستو (ولا جعلت لهم الأفئدة) جمع فؤاد وهو القلب (في ذلك الأوان) أي أوان حياة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

(ألا وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان) فأنتم وإياهم سواء في وجوب العمل كما أني کالرسول صلی الله علیه و آله وسلم في الوعظ والإرشاد .

(والله ما بصرتم بعدهم) أي بعد أصحاب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم(شيئاً جهلوه) حتى يكون عذركم في عدم العمل أنهم إنما عملوا لأنهم جهلوا عفو الله وغفرانه - مثلاً - وأنتم عالمون بذلك فتعلمون أنه لا أهمية للعمل (ولا أصفيتم به) أي بشيء (وحرموه) بأن يكون سبب عدم عملكم أنكم مخصوصون بأمر ينجيكم، ممّا لم يكن لأولئك ذلك الأمر .

بل أنتم أحق بالعمل (و) ذلك لأنه (لقد نزلت بكم البلية) أي المصيبة وهي التفرّق والتشتت والفتن التي نجمت من سوء تصرّف عثمان الذي أدّى إلى قتله (جائلاً) من الجولان وهو الحركة (خطامها) هو ما یجعل، في أنف

رِخْواً بِطَانُهَا ، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ، فَإِنَّمَا هُوَ ظِلُّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ .


البعير ليُقاد به، وهذا كناية عن الاضطراب وعدم الاستقرار، فإنّ البعير إذا كان جائل الخطام كان غير متجه إلى وجهة معينة (رخواً بطانها) البطان حزام يجعل تحت بطن البعير، ليستقر القتب فوق ظهره، فإذا كان رخواً ألقى الراكب غثاً وإرهاقاً (فلا يغرنكم ما أصبح فيه أهل الغرور) أي لا يخدعكم عن الإيمان والعمل الصالح ما ترون من نعمة أهل الدنيا، فتظنون أن ترك الذين يؤدّي إلى الخير والنعمة (فإنّما هو) أي ما فيه أهل الغرور من النعم (ظل ممدود) لا حقيقة له ولا بقاء بل (إلى أجل معدود) قد عدت فترة بقائها، ثم تزول بموتهم، أو زوال نعمتهم.

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

وهی مشتملة على أوصاف الله سبحانه، وعظيم مخلوقاته

الْحَمْدُ لِلّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْر رُؤْيَةِ ، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةِ ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً ، إِذْ لا سَمَاء ذَاتُ أَبْرَاج ، وَلا حُجبٌ ذَاتُ إِرْتَاج، وَلا لَيْلٌ دَاجٍ ، وَلا بَحْرٌ سَاجٍ، وَلا جَبَلْ ذُو فِجَاجٍ، وَلا فَجٍّ


التوضيح:

(الحمد لله المعروف من غير رؤية) فإنّ الله تعالى معروف لدى عباده بآثاره وإن لم يره أحد . (والخالق من غير روية) أي أنه خلق الأشياء بدون ترق وتفكر وإمعان نظر (الذي لم يزل قائماً دائماً) فلم يخل منه وقت وكان قائماً منذ الأزل، أي عالماً قادراً حياً من غير نوم ولا كسل وما أشبه (إذ لا سماء ذات أبراج) جمع برج، وهو القطعة من السّماء التي تظهر، ومن ذلك سمّي برجاً، فإنّ برج بمعنى ظهر ( ولا حجب ذات إرتاج) جمع رتج وهو الباب العظيم، والمراد بالحجب - وهو جمع حجاب - ما جعله الله سبحانه من الحجب على العرش كالملوك الذين يجعلون الحجب من دون سريرهم وإن كان الله سبحانه ليس جسماً، وإنّما هو للتشريف والعظمة (ولا ليل داج) أصله [داجي] بمعنى مظلم (ولا بحر ساج) أصله [ساجي] بمعنى ساكن، فإنّ للبحار سكوناً في مقابل الأنهار التي تجري .

(ولا جبل ذو فجاج) جمع فج، وهو الطريق في الجبل (ولا فج) أي

ذُو اعوجاج ، وَلا أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادِ، وَلا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادِ : ذلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَوَارِثُهُ، وَإِلَهُ الْخَلْقِ وَرَازِقُهُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ : يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ ، وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ. قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ ، وَأَحْصَى آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِهِمْ ،


طريق (ذو اعوجاج) فإنَّ الطريق في الجبل غالباً يكون ذو التواءات واعوجاجات (ولا أرض ذات مهاد) أي ممهدة وقابلة للسكن (ولا خلق ذو اعتماد) أي ذو قصد وإرادة يعتمد عليها في أعماله، أو استناد إلى محل (ذلك ) الله العظيم المتصف بما ذكر من الصفات (مبتدع الخلق) الذي خلقهم ابتداء بدون مثال واحتذاء ما سبق من الأمثال (ووارثه) لأن الخلق يفني ويبقى الله سبحانه مالكاً لما يبقى منهم - كالوارث الذي يتملك ما يبقى من المورث - ( وإله الخلق) لا معبود لهم سواه ( ورازقه) والرزق أعم من المأكول والملبوس وغيرهما .

(والشمس والقمر دائبان) أي متحركان بحركة مستمرة بلا توقف (في مرضاته) أي حسب إرادته تعالى وأمره ، فإنّ الكون لا يتحرّك ولا يسكن إلا حسب أمره سبحانه (يبليان كل جديد) وهذا إسناد مجازي فإنّ البقاء موجب للبلاء، أو حقيقي فإنَّ للنيرين مدخلاً في تفرق الأجزاء الموجب للبلاء (ويقربان كل بعيد) فإنّ البعيد الزماني يقرب بمرور الأيام والليالي الحاصلات من حركات النيّرين .

(قسم أرزاقهم) أي أرزاق الناس (وأحصى آثارهم) أي عدد أثر كل إنسان وما يبقى منه ويخلفه بعده (وأعمالهم) التي يعملونها (وعدد أنفاسهم) فهو سبحانه يعلم عدد أنفاس كل إنسان .

وَخَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ، وَمُسْتَقَرَّهُمْ وَمُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الأَرْحَامِ وَالظُّهُورِ، إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ.

هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَاتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ ،


(وخائنة أعينهم) أي لمحات أعينهم التي تلمح بالخيانة إلى مال الناس وعرضهم وما أشبه.

(وما تخفي صدورهم من الضمير) أي السرّ الذي ينوونه بقلوبهم، فإنّ الصدر وعاء للقلب (ومستقرهم) أي محل استقرارهم قبل المجيء إلى الدنيا وهي أرحام النساء (ومستودعهم) أي المحل الذي يودعون فيه قبل المجيء إلى الدنيا والمراد به أصلاب الرجال، وإنما سمي الصلب مستودعاً، والرحم مستقراً، لمكث الإنسان في الرّحم أكثر من مكثه في الصلب، وقد بين الإمام المراد من اللفظين بقوله (من الأرحام والظهور ) فإنّ الصّلب في ظهر الرجل ، وهو محلّ المني قبل إفرازه إلى أن تتناهى قبل إفرازه (إلى أن تتناهى بهم الغايات) أن علمه سبحانه بأحوال البشر يبتدئ من حين كونهم في الأصلاب إلى آخر أيامهم في الحياة حيث ينتهون إلى الغاية المقدّرة لهم، والعبارة من [القلب] الذي هو من فنون البلاغة ، نحو عرضت الناقة على الحوض، فإنَّ الغاية لا تنتهي بهم، بل ينتهون إلى الغاية.

(هو) الله سبحانه (الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته) فإنَّ من يعاديه سبحانه بترك أوامره وارتكاب نواهيه تكون النقمة والعذاب عليه شديداً، مع أنه تعالى واسع الرحمة والمغفرة (واتسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته) وهاتان صفتان تلفت الأنظار، لما بينهما من التنافي عند المخلوقين، فإنَّ

قَاهِرُ مَنْ عَاذَهُ، وَمُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ ، وَمُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ وَغَالِبُ مَنْ عَادَاهُ ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ،


الإنسان إذا رضى غض عن أعدائه وإذا غضب لم ينج من غضبه أحباؤه، لكنه سبحانه يكل لكل شيء بكيله ويضع كل شيء في موضعه .

(قاهر من عازه) أي قصد مشاركته تعالى في عزته بأن يقهر السلاطين وأصحاب الأموال ومن إليهم ممن لهم شراكة - اسمية - في صفة من صفاته سبحانه، أو المراد الفراعنة ومن إليهم ممن يدعون الربوبية ( ومدمّر) أي مهلك (من شاقه) أي عاداه كأنه في شق وجانب، والله سبحانه في جانب وشق آخر.

(ومذلّ من ناواه) أي عاداه (وغالب من عاداه) فإنّ الله سبحانه يغلب على أعدائه كما قال : «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَ أَنَا وَرُسُلي» (1).

(ومن توكل عليه) بأن وكل أموره إلى الله سبحانه - وهذا لا ينافي العمل، بل العمل من التوكل لأنه مما أمر به الله تعالى (كفاه) أي تفضل عليه بإنجاز أمره .

(ومن سأله أعطاه) وهذه القضايا طبيعية لا كلية فلا ينافيها عدم تطبيقها على بعض المصاديق لمصالح خاصة، كما نقول : العقار الفلاني مقوّي للقلب، فإنّه لا ينافي عدم تقويته في بعض الناس .

(ومن أقرضه) أي أعطى الله قرضاً، وهو عبارة عن صرف المال أو النفس أو ما أشبه في أمره سبحانه كما قال «مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَا» (2)(قضاه) أي أرجع سبحانه إليه ما أقرض، في الدنيا أو الآخرة.


1) سورة المجادلة: 21

2) سورة البقرة : 245 .

وَمَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ عِبَادَ اللهِ زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا، وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْل أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ، وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السَّيَاقِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظُ وَزَاجِرٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا زَاجِرٌ وَلا وَاعِظُ .


(ومن شكره) أي شكر آلاءه ونعمه (جزاه) أعطاه جزاء الشكر، (يا عباد الله زنوا أنفسكم) أمر من [الوزن] والمراد عرضه على الشريعة ليعلم مطابقتها وعدم مطابقتها، كما يعرض الجنس على المقدار ليعلم كميته (من قبل أن توزنوا) في الآخرة، حيث إذا ظهرت خفة وزنكم لم يكن لكم محل للتدارك (و حاسبوها من قبل أن تحاسبوا) ليروا هل أنها أدت ما وجب عليها أم لا، حتّى إذا ظهر عدم أدائها تداركتم (وتنفّسوا) أي اعملوا، والتنفّس كناية عنه (قبل ضيق الخناق) الخناق الحبل الذي يوضع في عنق من يراد خنقه وإهلاكه، فإنّ الحبل إذا ضيّق لم يتمكن المخنوق من التنفّس، وهكذا الإنسان إذا مات لم يتمكن من العمل المريح لنفسه كما يريح النفس الجسم (وانقادوا) أي اتبعوا الأوامر، كالدّابة التي تنقاد لصاحبها (قبل عنف السياق )والمراد به الموت الذي يسوق الإنسان بعنف إلى الآخرة.

(واعلموا أنه من لم يعن على نفسه) بأن يجمع قواه وعقله ليغلب على شهوات نفسه ولذاتها (حتى يكون له منها) أي من نفسه (واعظ) بأن كانت نفسه يقظة تعظه عند كل زلة وترشده (وزاجر) تزجره عن المعاصي (لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ) فإنَّ النفس المنحرفة لا ينفعها مواعظ الأولين والآخرين، لأنه إذا لم يكن للنّفس حالة تهيؤ واستعداد لم تقبل النصح والإرشاد مهما كان الناصح عظيماً .

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

تعرف بخطبة الأشباح وهي من جلائل خطبه علیه السلام

اشارة

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَالجُمُودُ ،


التوضيح:

وكان سأله سائل أن يصف الله حتى كأنه يراه عياناً فغضب علیه السلام لذلك والأشباح جمع شبح وهو الشخص، وكأن التسمية بهذا الاسم لسؤال ذلك على الشخص من الإمام علیه السلام .

روی مسعدة بن صدقة عن الصادق علیه السلام ، أنه قال : خطب أمير المؤمنين هذه الخطبة على منبر الكوفة وذلك أن رجلاً أتاه فقال له يا أمير المؤمنين صف لنا ربنا لنزداد له حباً وبه ،معرفة، فغضب ونادي الصلاة جامعة فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله، فصعد المنبر وهو مغضب متغيّر اللون، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلی الله علیه و آله وسلم ثم خطبها .

أقول : لعل غضب الإمام علیه السلام كان لأجل كون السؤال تعنّتاً، كما هو كثير عند الجهلة لا يريدون بذلك الفهم وإنما تحبيب أنفسهم، وإنما أجاب الإمام لموقفه من الحاضرين الذين شهدوا السؤال فإنَّ العالم يفهم الحقيقة من التعنت أما غيره فلا يدرك، فعدم الجواب يحمل على سوء الأخلاق أو العجز أو غير ذلك .

(الحمد لله الذي لا يفره) من [فرر، يفر] على وزن وعد يعد أي لا یزیده (المنع) عن العطاء (والجمود) جمد مقابل سال، فإن العطية تسيل،

وَلا يُكْدِيهِ الإِعْطَاء وَالْجُودُ ، إِذْ كُلُّ مُعْطِ مُنتَقِصُ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَانِع مَذْمُومٌ مَا خَلاهُ، وَهُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النّعَم ، وَعَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَالْقِسَم، عِيَالُهُ الْخَلْقِ، ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ، وَقَدْرَ أَقْوَاتَهُمْ، وَنَهَجَ سَبِيلَ الرَّاذِبِينَ إِلَيْهِ ، وَالطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ ،


والمنع ملازم للجمود (ولا يكديه) أي لا يفقره (الإعطاءوالجود) فإنَّ الكون يتكون بلفظة [كن] أو إرادة معناها، فكيف يمكن الوفر والفقر بالنسبة إلى من إرادته هكذا؟ (إذ كل معط) غيره سبحانه (منتقص) أي موجب لنقصه عما أعطاه (سواه ،تعالى، ولفظة [إذ] تعليل لما ربما يسأل : بأنه كيف الله هكذا ونشاهد أن غيره ليس كذلك؟

(وكل مانع مذموم ما خلاه) هذا علة لقوله الا يفره] فإنَّه دفع لدخل مقدر، هو أنه تعالى إذا [لا يفره المنع] فلماذا يمنع؟

(وهو المنّان بفوائد النّعم) أي أن إعطاءه للنعم منة محض، لا أن أحد يستحق منه تعالى شيئاً وإضافة الفوائد إلى النعم للبيان .

( وعوائد المزيد والقسم) عوائد جمع عائدة وهي النعمة العائدة إلى الإنسان، وسمّيت عائدة تفوّلاً بأنها لا تكون مرة واحدة، بل تعود مرة بعد مرة والقسم جمع قسمة وهي ما قسمها الله سبحانه للخلق من ضروب المنافع والأرزاق ( عياله الخلق) أي الذين يعيلهم ويدير شؤونهم جميع الخلق (ضمن أرزاقهم) بأن يوصلها إليهم، ما دام قدر لهم رزقاً (وقدر أقواتهم) بأن كتب في اللوح وعلم بأن لكل أحد قدر من الرزق .

(ونهج) أي أوضح وبيّن ( سبيل الراغبين إليه) أي الذين يرغبون الوصول إلى ثوابه ورضوانه (والطالبين ما لديه) من الكرامة والجنة والنعيم .

وَلَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلُ الأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْل فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَالآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ، وَالرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ، مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ ، وَلا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ ،


(وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل) فإن جوده حسب الصلاح والحكمة لا حسب السؤال، وإن كان أحياناً يعطي السائل بما لا يعطي الساكت لكن ذلك ليس إلا لأن السؤال علة للحكمة والصلاح وهذا بخلاف البشر الذين هم يجودون بالمسؤول بما لا يجودون بغير المسؤول .

(الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله) فإن الله سبحانه أزلي، لا شيء قبله إطلاقاً، حتى العدم (والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده) فهو تعالى أبدي لا [بعد] يتصوّر بعده حتى يتصوّر المظروف الذي في ذلك [البعد].

(والرادع أناسي الأبصار) جمع إنسان وهو ما يرى وسط البصر ممتازاً عن السواد في لونه (عن أن تناله أو تدركه) النيل: الوصول والإدراك: التميز، فقد يكون الإنسان يرى شيئاً بإجمال لكن لا يدركه بتفصيل، وقوله [الرادع] مجاز ، وإلا فهو سبحانه غير قابل للرؤية إطلاقاً .

ما اختلف عليه دهر بأن تمرّ عليه الأيام والشهور والأعوام، فإن هذه أمور حادثة والأمور الحادثة لا تحتوي على القديم.

(فيختلف منه الحال) بأن يكون حاله في السنة الفلانية غير حاله في السنة التالية ،وهكذا فإنَّ اختلاف الأحوال تابع لاختلاف الأزمان والأمكنة ،والصفات، فإذا انتفى الزمان انتفى المكان والصفة الزائدة (ولاكان) تعالى (في مكان) خاص (فيجوز) ويمكن ( عليه الانتقال فلا زمان ولا مكان له

وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفْسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ، مِنْ فِلِنّ اللُّجَيْنِ وَالْعِقْيَانِ، وَنُثَارَةِ الدُّرِّ وَحَصِيدِ الْمَرْجَانِ، مَا أَثْرَ ذلِكَ فِي جُودِهِ، وَلا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ ، وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الأَنْعَامِ مَا لا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الأنام ، لأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ، وَلا يُبْخِلُهُ


تعالى، لأنهما حادثان والحادث لا يحتوي على القديم (ولو وهب) وأعطى (ما تنفست عنه معادن الجبال) قالوا بأن الجواهر والمعادن تتكون من الحرارة المتصاعدة من جوف الأرض، فإنَّها تحرّك المواد الثمينة إلى الخارج وتنضجها، ولذا شبه علیهم السلام بالتنفس.

(وضحكت عنه أصداف البحار) فإنّ الصّدف ينغلق كالإنسان الضاحك حتى يظهر ما فيه من اللؤلؤ وما أشبه (من فلز اللجين) الفلز المعادن التي تذاب بالنّار، كالذهب والفضة وما أشبه واللجين الفضة (والعقيان) الذهب ونثارة ( الدّر ) أي ما ينثر في الأعراس ونحوه من الدر الذي هو حصاة شفافة ثمينة و (حصيد المرجان) وهو نبات ينبت في البحر فيحصده الغوّاصون (ما أثر ذلك) الإعطاء والهبة لجميع الأشياء الثمينة (في جوده) بأن يعتريه بخل، فإنَّ الجواد إذا أعطى أمواله أثر ذلك فيه بخلاف ما إذا أراد الإبقاء لنفسه وليس كذلك الله سبحانه ، لأنه لا يحتاج، ولأن خلق هذه الأشياء كلها بيده سبحانه .

(ولا أنفد سعة ما عنده) أي لم يوجب لملكه وقدرته نفاداً بل يخلق من جديد (ولكان عنده) تعالى من ذخائر (الأنعام) ممّا يملك خلقه، أو في سائر الكواكب والمجرات والعوالم (ما) لا تنفده مطالب الأنام أي لا تعدمه طلبات النّاس، لأن ملك الله سبحانه لا يدرك وكذلك سعته وعظمته لأنه الجواد الذي لا يغيضه أي لا ينقصه من غاض الماء إذا نزل وفني (سؤال السائلين) فإعطاءأسئلتهم لا يوجب نفاد ما عنده (ولا يبخله) أي لا يوجب

إِلْحَاحُ المُلِحِينَ . فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ : فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَاثْتَمَّ بِهِ وَاسْتَضِيْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَمَا كَلْفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَاب عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَلا فِي سُنَّةِ النَّبي صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم وَأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ،


بخله (إلحاح الملحين) وإصرارهم على العطاء، بخلاف الناس فإنّهم إن كثر عليهم الطلب والإلحاح الذي يؤدي إلى نقصان أموالهم فذلك يدفعهم إلى البخل .

(فانظر أيها السائل) يريد علیه السلام به من سأله أن يصف ربّه - كما مرّ في أول الخطبة - (فما دلّك القرآن عليه من صفته) تعالى ككونه عالماً قادراً سميعاً بصيراً خالقاً رازقاً إلى غيرها (فائتم به) أي اقتد بالقرآن في وصفه تعالى بتلك الصفات (واستضئ بنور هدايته) أي بنور هداية القرآن في ما يجوز على الله الصفات والنعوت (وما كلفك الشيطان علمه) بأن ألهم في نفسك تعالى من بأن تصف الله سبحانه بتلك الصفة التي لم تذكر في القرآن - والمراد بالقرآن الأعم مما جاء به النبي والأئمة عليهم السّلام، فإن ذلك من باب المثال - ولذا قال علیه السلام : (مما ليس في الكتاب عليك فرضه) أي ثبوته، فإنّ أحكام الكتاب ومناهجه ثابتة للنّاس (ولا في سنة النبي صلی الله علیه و آله وسلم وأئمة الهدى) الاثنى عشر ، والمراد ذلك وإن لم يوجد بعضهم بعد فقد أخبر النبي بهم وأمر باتباعهم (أثره) بأن لم يرد عنهم .

(فكل علمه) وهل أنه صحيح أم لا؟ ( إلى الله سبحانه) ولذا قال الفقهاء : إن صفات الله توقيفية لا يجوز إطلاق صفة عليه إلا إذا وردت حتى فيما كان الفعل من تلك المادة موجودة في الكتاب أو السنّة، مثلاً لا يصح إطلاق (زارع) عليه ،تعالى، مع أنه :ورد «وَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ : أَمْ نَحْنُ الزَّرْعُونَ» (1)


1) سورة الواقعة : 64 .

فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ ، فَمَدَحَ الله - تعالى - اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً،


(فإنّ ذلك) الإيكال إلى الله تعالى وعدم التكلّم حول الصفة التي لم تذكر (منتهى حق الله عليك) ومعنى منتهى الحق، أنّه ليس لك واجب آخر بالنسبة إلى هذا الموضوع غير السكوت .

( واعلم) أيها السائل (أنّ الراسخين في العلم) يقال رسخ بمعنى ثبت، والراسخ هو الذي تعلم كثيراً حتى ثبت في العلم وعلم النتائج، بخلاف غيره الذي لا يعلم النتائج وهو منها في شك، لعدم قوّة علمه وكثرة مراسه، حتى يعض على العلم بضرس قاطع .

(هم الذين أغناهم عن اقتحام) أي الدخول في (السدد) جمع سدة، وهي باب الدار والفاصلة .

(المضروبة دون الغيوب) أي الأشياء الغائبة عن الإدراك والحواس، والسدد استعارة (الإقرار ) فاعل أغناهم (بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب) أي أنهم يعترفون بالمجهول لديهم إجمالاً بأنا نعترف بكل غيب ولا يتكلفون الفحص عما لا طريق لهم إليه حتى ربما يوجب ذلك تنكبهم الطريق الحق، وسلوكهم في متاهات الضلالة (فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول) أي إتباع الأخذ بالبحث (ما لم يحيطوا به علماً ) حيث قال :سبحانه «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ وَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبَّنَا» (1)


1) سورة آل عمران: 7 .

وَسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً، فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ الله سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ، وَحَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ


(وسمّى) الله سبحانه (تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً) فإنّ الإنسان الراسخ في العلم يعرف ما يقدر مما لا يقدر فيحوم حول ما يقدر ويترك ما لا يقدر بخلاف غير الراسخ الذي يظن أن كل شيء في متناوله فيتعمّق في الممكن والمحال .

(فاقتصر على ذلك) الإيمان بالجملة وترك التعمق (ولا تقدّر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك) فإنّ العقل محدود والله سبحانه غير محدود ولا يمكن للمحدود الإحاطة بغير المحدود، وإلا لزم الخلف(فتكون من الهالكين) لأنك بذلك تذعن بخلاف الواقع، وذلك كفر .

ثم ابتدأ علیه السلام ببيان ما تقدّم بأسلوب آخر بقوله : (هو القادر الذي إذا ارتمت (الأوهام أي ذهبت الأوهام والأفكار من الرمي، وجواب [إذا] قوله [ردعها]، (لتدرك منقطع قدرته) منقطع الشيء منتهاه، لأنه ينقطع عند ذلك الحد، أي أرادت الأوهام أن تعرف منتهى قدرة الله تعالى، كما يعرف الإنسان أن منتهى قدرة زيد - في حمل الأثقال مثلاً - مائة كيلو، وفي المعارف إلى كتاب المعالم وهكذا.

(وحاول الفكر المبرّأ من خطرات الوساوس) بأن كان الفكر صحيحاً سليماً لا مريضاً ،بالوساوس، فإن مثله أبعد عن الإدراك، لأنه يتشكك في كل شيء (أن يقع عليه) أي يدركه ويفهمه في حال كونه تعالى (في عميقات

غُيُوب مَلَكُوتِهِ، وَتَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ، لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَغَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمٍ ذَاتِهِ ، رَدَعَهَا وَهِيَ تجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ - سُبْحَانَهُ فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ


غيوب ملكوته) الملكوت مبالغة في الملك يعني أنّه سبحانه الملك العظيم الغائب عن الإدراك كنهه.

(وتولهت) التوله اشتداد الحب من [وله] بمعنى اشتياق (القلوب إليه) تعالى ( لتجري) القلوب - أي لتفهم - (في كيفية صفاته) وأنها كصفات المخلوقين، أم لا (وغمضت) أي خفيت (مداخل العقول) بأن كان العقل يدخل من مداخل ضيقة جدّاً، حتى أن مداخله كانت غامضة خفية - وهذه استعارة لمنتهى الدقة - (في حيث لا تبلغه الصفات أي بلغت تلك المداخل الدقة بحيث لا يمكن أن توصف لدقتها .

(لتناول علم ذاته) بأن يتناول بالعلم ذاته تعالى، وأنها كيف هي وما هي.

(ردعها) أي ردع الله سبحانه تلك الأوهام والقلوب والعقول التي أرادت كشف ذاته تعالى والمراد بالردع قصورها عن الوصول (وهي تجوب) أي تسير في (مهاوي سدف الغيوب) مهاوي: جمع مهوى، وهو محل التردي من فوق إلى تحت وسدف سدفة من الليل المظلم، كأن العقل والفكر والوهم تتردى في ظلمات الغيب بدون أن تصل إلى المطلوب (متخلصة إليه سبحانه) أي حينما أرادت التخلص والوصول إلى ذاته تعالى بأن تعرف كنه الذات (فرجعت) العقول والأوهام والقلوب إذ (جبهت) يقال : جبهه إذا ضربه على جبهته ليردعه ويرديه (معترفة) بأنه)

لا يُنَالُ بِجَوْرِ الاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ، وَلا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلالِ عِزَّتِهِ . الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْر مِثَالِ امْتَثَلَهُ وَلا مِقْدَارِ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقِ مَعْهُودٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ، وَعَجَائِبٍ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ، وَاعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوْتِهِ ،


سبحانه (لا ينال بجور (الاعتساف) الجور ،الظلم والاعتساف سلوك غير الجادة، كأنّ الفكر وما إليه تنكبوا الطريق وساروا على غير الجادة إذ أرادوا معرفة كنهه تعالى .

(كنه معرفته) نائب فاعل لا لا ينال] ولا تخطر ببال أولي الرويات الرويّة الفكر ، أي أصحاب الفكر والعقل (خاطرة) أي الصفة الخاطرة التي تخطر بالبال (من تقدير جلال عزّته) أي فهم مقدار عزّته سبحانه .

(الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله) أي أوجد الخلق، إيجاد ابتداع لا إيجاد اقتداء بغيره فإنَّه لم يكن مثال اقتفاه سبحانه في خلقه .

(ولا مقدار احتذى) أي اقتدى (عليه)أي على ذلك المقدار، فلم يقس سبحانه مقدار خلقه بمقدار سابق فهو المبدع في أصل الخلق، وفي مقدار الخلق (من) خالق متعلق ب-[مثال] أي لم يكن مثال من خالق آخر معهود كان قبله تعالى .

(وأرانا) سبحانه (من ملكوت قدرته) أي الملك العظيم الذي هو آثار قدرته تعالى ( وعجائب ما نطقت به آثار حكمته كأن آثار حكمة الله - في خلقه - ألسنة تنطق بالعجائب .

(واعتراف) عطف على قوله [ملكوت] أي أرانا من اعتراف (الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك) ما يمسك الشيء (قوته) [من الخلق] و[إلى]

مَا دَلْنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَظَهَرَت فِي الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ ، وَأَعْلامُ حِكْمَتِهِ ، فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَدَلِيلاً عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً ، فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ، وَدَلالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِع قَائِمَةٌ. فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَائِن أَعْضَاءِ خَلْقِكَ،


متعلقان ب[حاجة] أي أن حاجة الخلق إلى من يقوم بشؤونه (ما دلنا) مفعول [أرانا] أي أن الله سبحانه أرانا بواسطة الملك الوسيع، والآثار الكثيرة، واحتياج الخلق دليلاً على ذاته المقدّسة (باضطرار قيام الحجّة له) متعلق ب[دلنا] على معرفته متعلق ب[دلنا] أي دلنا على معرفته، بسبب أن قيام الحجّة يضطر الإنسان إلى العلم والعرفان.(وظهرت في البدائع التي أحدثها) وأوجدها من العدم (آثار صنعته) فاعل ظهرت.

(وأعلام حكمته) عطف على الفاعل، فالبدائع دليل على الصنع وعلى الحكمة (فصار كل ما خلق) من أصناف المخلوقات (حجّة له) تعالى يحتج بها على العباد - إن تركوا الاذعان به - (ودليلاً عليه) يدلنا على وجوده سبحانه، وإلا فلو لم يكن موجوداً فمن أين هذه الآثار البديعة والصنائع المحكمة؟ (وإن كان) ما خلق (خلقاً صامتاً) كالجمادات والحيوانات والنباتات (فحجّته) أي حجة ذلك الخلق والإضافة إلى المفعول (بالتدبير ناطقة) أي أنها تنطق بأنها من فعل مدير حكيم ومعنى نطقها دلالتها على ذلك (ودلالته) عطف على حجّة (على المبدع قائمة) فإنّ الأثر يدل على المؤثر وإن كان صامتاً غير ناطق .

(فأشهد يا الله (أنّ من شبهك بتباين أعضاء خلقك) أي بخلقك المتباين

وَتَلاهُم حِقَاقِ مَفَاصِلِهِم الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكمتِكَ ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ، وَلَمْ يُبَاشِرَ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لا نِدَّ لَكَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّةَ التَّابِعِين مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينِ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (1)كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ،


الأعضاء من عين ولسان وأذن وغيرها .

(وتلاحم ) أي اتصال (حقاق مفاصلهم) حقاق: جمع حقة يضم الحاء بمعنى رأس العظم عند المفصل، والمفصل موضع اتصال العظمين (المحتجبة) تلك الحقاق ( لتدبير (حكمتك) فإنَّ حكمته سبحانه اقتضت احتجاب المفاصل تحت اللحم والجلد، لئلا تصاب بأذى (لم يعقد غيب ضميره على معرفتك) خبر [إن] أي إن ضمير الغائب الباطن لم يصل إلى معرفته سبحانه، لأنه شبهه تعالى بما ليس شبيهاً به.

(ولم يباشر قلبه اليقين) [ اليقين ] فاعل للفعل يباشر و [قلبه] مفعول (بأنه لاند) ولا شريك (لك) لأن الله إذا كان شبيهاً بالإنسان أو الحيوان كانا شريكين له إذ المتشابهان مشتركان في الحكم والند يستعمل بمعنى المثل وبمعنى الضد .

(وكأنه لم يسمع) إلى القرآن العظيم حيث يبين (تبرؤ التابعين) لأهل الضلالة (من المتبوعين) في القيامة (إذ يقولون): «تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيْكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ » [التاء] للقسم و[ إن] مخففة من الثقيلة، و [مبين] بمعنى الظاهر الواضح، و[نسويكم] بمعنى نقول بالتساوي بينكم الله سبحانه (كذب العادلون بك) يا رب ومعنى العادلون الذين عدلوا


1) سورة الشعراء : 97 - 98 .

إِذْ شَبْهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ، وَنَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهمْ، وَجَزْأُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وَقَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ المُخْتَلِفَةِ الْقُوَى، بِقَرَائِح عُقُولِهِمْ . وَأَشْهَدُ أَنْ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ، وَنَطَقَتْ عَنْهُ


غيرك، وقالوا بالتعادل والتساوي بين الخالق والمخلوق (إذ شبهوك بأصنامهم) فقالوا إن [الله] إله كما أن [الأصنام] آلهة (ونحلوك) أي أعطوك(حلية المخلوقين) أي صفاتهم الخاصة من بين الجسمية وما أشبه (بأوهامهم) متعلق ب[ نحلوك] أي كانت النحلة بالوهم والخيال، لا للحقيقة والواقع .

وجز أوك تجزئة المجسمات بخواطرهم فإنَّ الأجزاء خاصة بالأجسام والقول بأن الله شريكاً يوجب التجزئة، لأن الشركاء لهم جهة جامعة وجهة فارقة .

( وقدروك) أي قاسوك ( على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم قرائح جمع قريحة وهي ما يقترحها الإنسان أي أن عقولهم اقترحت قياسك على الخلق الذين تختلف قواهم والله سبحانه ليس ذا قوى مختلفة وإنما هو ذات واحدة لا أجزاء لها ولا قوى تتحكم فيها .

(وأشهد أن من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك) أي سواك بغيرك وجعلك معادلاً له والعادل بك كافر بما تنزلت به محکمات آياتك فإنّ آيات الله المحكمة - غير المتشابهة - دلت على أن الله سبحانه لا شبه له كقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ (1)، وقوله : وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدُ (2)( ونطقت عنه أي عن قبل عدم التشبه والمعادلة - أي أن النطق من هذه الجهة -


1) سورة الشورى: 11 .

2) سورة الإخلاص : 4.

شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيْنَاتِكَ، وَإِنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ، فَتَكُونَ في مَهَبٌ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً ، وَلا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً .


(شواهد حجج بيناتك) البينات جمع بينة وهي الأدلة الواضحة، والمعنى أن الأدلة الواضحة التي هي حجة تشهد - ناطقة - إنك لست كغيرك حتى تكون صفاتك كصفات سائر المخلوقين .

(وأنك أنت الله الذي لم تتناه في العقول) أي لم تكن متناهياً محدوداً في عقول الناس أي لا تدركك العقول (فتكون في مهب فكرها مكيفاً ) أي فتتكيف وتتلون - بلون فكر العقول - إذ العقل إذا احتوى على شيء فإنَّما يلونه بلون المعقولية، وقوله [مهب] من باب الاستعارة كأن الفكر كالريح التي تهب ولها مهب خاص.

(ولا في رويات خواطرها) جمع روية وهي الفكر (فتكون محدوداً)

بحد الفكر (مصرفاً) تصرفك العقول، وتحوم حولك .

وحيث أن الله سبحانه منزه عن صفات المخلوقين، وأغلب الناس يصورونه بتصاويرهم ويظنون أنه سبحانه كمثل بعض مخلوقاته، أكد الإمام هذه الخطبة وفي سائر خطبه بضروب التأكيد على عدم تشبهه بالخلق، في وأفرغ المطلب في قوالب متعددة وفي الحقيقة أن الطريقة الدينية الوحيدة الله سبحانه عما لا يليق به هي طريقة أهل البيت علیه السلام الذين عرفوه التى سبحانه في حدود المعرفة البشرية، أما كنه معرفة الله سبحانه، فمن المستحيل إدراكه، وذلك لدليل واضح هو أنه سبحانه غير محدود ، والعقل محدود، والمحدود لا يشتمل على غير المحدود، وإلا لزم الخلف، ودليل المقدمتين [ الله غير محدود والعقل محدود] واضح يحتاج إلى البيان.

ومنها : قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ ، وَدَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ، وَوَجْهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الإنْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ ، وَلَمْ يَسْتَضْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيّ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَكَيْفَ وَإِنَّمَا صَدَرَتِ الأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ ؟ الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الأَشْيَاءِ بِلا رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا ، وَلَا قَرِيحَةِ غَزِيرَةٍ


[ومنها] (قدر) الله سبحانه (ما خلق) من أصناف المخلوقات، ومعنى قذر، أنه لم يخلق اعتباطاً، وإنما عن مقدار معين لحكمة خاصة (فأحكم تقديره) إذ وضع كل شيء موضعه اللائق به (ودبره) التدبير التخطيط للمستقبل حتى يأتي الشيء كما يراد (فألطف تدبيره) ولطف التدبير عبارة عن دقته بحيث لا يبقى فراغ لحاجات الشيء .

(وجهه لوجهته) أي سيره في المسير اللائق به فيها (فلم يتعد) ذلك الشيء الموجه (حدود منزلته) أي الحدود التي أنزله الله فيها (ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته) فإنَّ كل شيء من المخلوقات لا بد وأن يصل إلى الغاية التي عينها الله سبحانه، مثلاً غاية ارتفاع النخل كذا متراً، فإنَّه لا يقصر عن الوصول إلى ذلك الارتفاع الذي عينه الله سبحانه له (ولم يستصعب) أي لم ير الأمر صعباً (إذ أمر بالمضي على إرادته) أي إرادته تعالى، وهذا كسابقه إنما هو بالنسبة إلى التكوينيات .

(وكيف) يتمكن الشيء من مخالفته سبحانه (وإنما صدرت الأمور) المرتبطة بهذا الشيء (عن مشيئته) تعالى فإذا لم يشأ شيئاً لم يكن له تكون وصدور إطلاقاً (المنشئ أصناف الأشياء بلا روية فكر) الإضافة بيانية (آل) الله تعالى (إليها ) أي إلى تلك الروية، بخلاف البشر فإنَّه يعمل الأشياء بعد التفكر فيرجع إلى ما فكر ثم يعمل (ولا قريحة) هي ما يقترحه الإنسان وينشئه في صقع ذهنه ثم يأتي به خارجاً (غريزة) هي الصفة المنطبعة في

أَضْمَرَ عَلَيْهَا ، وَلا تَجْرِبَةِ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ ، وَلا شَرِيكِ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعَ عَجَائِبِ الأُمُورِ ، فَتَمَّ خَلْقُهُ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، وَأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ، وَلَمْ يَعْتَرِضُ دُونَهُ رَيْتُ الْمُبْطِئ، وَلا أَنَاةُ الْمُتَلَكُئِ، فَأَقَامَ مِنَ الأَشْيَاءِ أَوَدَهَا، وَنَهَجَ حُدُودَهَا ، وَلاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادُهَا ،


الإنسان (أضمر) الله تعالى (عليها ) أي على تلك القريحة بأن أضمر اقتراحاً ثم أبداه في حال الوجود.

(ولا تجربة أفادها ) هو بمعنى استفادها (من حوادث الدهور) كالإنسان الذي يستفيد من الحوادث فيصحح أفكاره وأعماله .

( ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور) فإنّ الله لا شريك له، يكون له معين في الخلق بل هو وحده خلق جميع ما خلق (فتم خلقه) أي خلق المخلوق بالله وحده، والفاء تفريع على [المنشي] (وأذعن لطاعته) فاعل أذعن [الخلق] المستفاد من [خلقه] وأجاب إلى دعوته فإنَّه تعالى [كلما أراد كان (ولم يعترض دونه) أي دون الخلق والانقياد (ريث المبطئ) أي مدة مهلة الذي يبطئ فى الإجابة، فإنَّه تعالى بمجرد أن أراد شيئاً كان ذلك الشيء بلا تمهل وبطء (ولا أناة المتلكئ) الأناة: الصبر والتؤدة، والتلكؤ التباطؤ والتعلل في عدم الإطاعة (فأقام) الله سبحانه (من الأشياء أودها) أي اعوجاجها، وهذا كناية عن عدم الاعوجاج في المخلوقات (ونهج) أي ورسم (حدودها) ومزاياها.

( ولاءم) من الملائمة، بمعنى جعل التناسب والالتئام (بقدرته) سبحانه (بين متضادها) أي متضاد الأشياء، فالنار المتضادة للماء جمع بينهما الله تعالى وهكذا .

وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا ، وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتِ فِي الْحُدُودِ وَالأَقْدَارِ ، وَالْغَرَائِزِ وَالْهَيْئَاتِ، بَدَايَا خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا، وَفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا.

(ووصل أسباب قرائنها) أي جعل أسباب القرائن موصولة بعضها ببعض حتى تجتمع قرينة كل شيء مع ذلك الشيء ( وفرقها) أي الأشياء (أجناساً مختلفات في (الحدود) كالارتفاع والانخفاض (والأقدار) كالكبر والصغر (والغرائز) أي الطبائع كاليبوسة والرطوبة (والهيئات) كالأحمر والأصفر والأشكال المختلفة وما ذكرناه من باب المثال وإلا فالألفاظ أعم هي بدايا خلائق بدايا جمع بديء بمعنى المصنوع من [بدء] أي خلائق مصنوعة (أحكم) الله تعالى (صنعها) فليس في صنعها خللاً وفساداً .

وفطرها على ما أراد وابتدعها بلا مشارك ومضاد في إرادته سبحانه، فلا يكون المصنوع إلا وفق إرادته تعالى.

منها: في صفة السماء:

وَنَظَمَ بِلا تَعْلِيقِ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا، وَلاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا، وَوَشَّجَ


(ونظم بلا تعليق) بشيء (رهوات) جمع رهوة وهي المحل المرتفع أي بلا أن يعلق السماء بواسطة الحبائل بالأعالي، كما هي العادة في تعليق الأشياء بالمرتفعات (فرجها) جمع فرجة وهي المحل الخال، أي فرج السماوات وما بينها من الفضاء والسعة (ولاحم) أي ألصق (صدوع) جمع صدع وهو الشق (انفراجها) أي ألصق بعض السماوات ببعض حتى لا انفراج فيها، وحيث أن الشيء ملأ الفضاء متصلة صح هذا التعبير كما يصح التعبير السابق اختلاف الطبقات العليا في الغلظة والخفة (ووشج) أي شبك

بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَزْوَاجِهَا، وَذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ ، وَالصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ، حُزُونَةً مِعْرَاجِهَا، وَنَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانُ، فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا، وَفَتَقَ بَعْدَ الاِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابهَا .


(بينها) أي بين السماوات (وبين أزواجها) أي ،أمثالها ففي كل سماء نجوم وكواكب وأجرام ومعنى التشبيك جعل بعضها في بعض.

(وذلل للهابطين بأمره) وهم الملائكة (الصاعدين بأعمال خلقه) فإنَّ أعمال الخلق تصعد بسبب الملائكة إلى السماء (حزونة) أي صعوبة (معراجها) أي العروج إلى السماوات فإنَّ العروج والنزول مشكلان لكن الله سهل للملائكة ذلك (وناداها) أي السماوات (بعد إذ هي دخان) فقد خلقت السماوات من بخار الماء كما قال سبحانه «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (1)»، وإنما عبر عن البخار بالدخان للمشابهة، فإنَّ الأول ذرات الماء المختلطة بالهواء، والثاني ذرات الرماد - كذا قالوا-.

(فالتحمت على أشراجها) التحمت أي اتصلت وعرى جمع عروة، وأشراج الوادي ما انفسح منه، أي اتصلت القطع من الدخان حتى صارت سماءاً ،ملتحمة والإتيان با [عرى] لأن كل قطعة كالعروة في أنها تمسك لقصد اتصالها بالقطعة الأخرى.

(وفتق) أي فصل ( بعد الارتتاق) أي الاتصال (صوامت أبوابها) جمع صامت، کنّی به عن الانغلاق والمعنى أن الله سبحانه فتح أبواب السماء بعد


1) سوره فصلت آیه 11

وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا، وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ،


انغلاقها، والمراد بذلك جعل فيها أبواباً لنزول الملائكة وصعودهم (وأقام وصداً) وهو ما يرصد ويرقب الحركات (من الشهب) جمع شهاب، وهو النار التي ترى في الليل في السماء (الثواقب) جمع ثاقب سميت الشهب بذلك لأنها تثقب الفضاء حين انقضاضها .

(على نقابها) جمع نقب وهو الخرق والمراد بالخرق المحل الممكن لاستراق السمع في السماوات وقد قال سبحانه «وإلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَلْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبُ »(1). ، وهو كما ورد أن الشياطين يصعدون أعالي الجو لاستراق كلمات الملائكة، فمن استرق منهم شيئاً من الكلام رمي بالشهاب الذي يحرقه، وقد دل العلم الحديث على أن الجو محل لسكونة الأرواح الخيرة والشريرة، كما في كتاب [على حافة العالم الأثيري] كما دلّ العلم الحديث على أن الأرض معرض للقذائف الجوية التي لولا الطبقة [النتروجينية] المحطمة للقذائف لأصيب أهل الأرض بعنت كبير كما في كتاب [بصائر جغرافيا].

(وأمسكها) أي حفظ الله السماء (من أن تمور) أي تضطرب (في خرق الهواء) أي في الفضاء، فإنَّ الأرض كرة معلقة في الهواء، لا تضطرب ولا تمور خلاف سيرها المقدر لها، وقوله [خرق] من باب التشبيه. (بأيده) أي بقوته والأصل أنها جمع [يد] وحيث أن اليد آلة قوة الإنسان، استعملت بمعنى القوة.


1) سورة الصافات: 10

وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لأمْرِهِ، وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا وَقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا ، فَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِل مَجْرَاهُمَا ، وَقَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِج دَرَجِهِمَا ، لِيُمَيَّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِهِمَا ، وَلِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَالْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا ،


(وأمرها أن تقف) أي لا تفارق ،مدارها في مقابل الاضطراب ((مستسلمة لأمره) فهي تطيع الله سبحانه كما قال سبحانه: « فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَنَبنَا طَابِعِينَ».

(و) جعل الله سبحانه (شمسها آية) أي دليلاً على وجوده تعالى (مبصرة) أي توجب إبصار الناس للأشياء (لنهارها) اللام متعلق بجعل أي جعل لأجل النهار الشمس مبصرة .

(و) جعل (قمرها آية ممحوة) قد محي فيه النور فليس له نور كالشمس أو المراد المحو الذي يشاهد في القمر (من ليلها) الظاهر أن الجار متعلق ب [ممحوة] أي المحو من الليل (فأجراهما) أي حركة الشمس والقمر (في مناقل) جمع منقل، وهو محل الانتقال، والمراد به البروج التي يسير فيها النيران (مجراهما) أي محل جريانهما (وقدر سيرهما) التقدير جعل الشيء بقدر معلوم (في مدارج در جهما) مدارج جمع مدرج، وهو محل الدرج معنى الحركة ودرج بمعنى الدرجة أي أن الله سيرهما في درجاتهما في السماء .

ليميز بين الليل والنهار بهما فإذا طلعت الشمس كان النهار، وإذا غابت وظهر القمر كان الليل .

(وليعلم عدد السنين) و ليعلم (الحساب بمقاديرهما) فإنّ كل دورة

ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوْهَا فَلَكَهَا ، وَنَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيْهَا وَمَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا، وَرَمَى مُسْتَرقِي السَّمْع بِثَوَاقِب شُهُبِهَا، وَأَجْرَاهَا عَلَى أَذْلالِ تَسْخِيرهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا، وَمَسِيرِ سَائِرِهَا ،


للأرض حول نفسها يوم وكل دورة خاصة للقمر شهر وهكذا، وبهما تعرف السنة، كما تعرف أوقات المحاسبة في مواعيد الآجال (ثم علق) الله سبحانه (في جوها) أي في جو السماء، أي وسطها والمراد بالسماء الفضاء (فلكها) أي أفلاك السماء، والمراد بالأفلاك مدارات الكواكب وناط بها أي علق بالسماء (زينتها) أي ما هو زينة السماء، والمراد الكواكب، كما قال سبحانه : «إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِرِينَةِ الكواكب» (1)، (من) بيان ل [زينتها]، خفیات (دراریها الْكَوَاكِبِ جمع دري، وهو الكوكب الوضاء كالدر والظاهر أن المراد بها النجوم الصغار ومصابيح كواكبها أي الكواكب التي هي كالمصابيح إشراقاً، والمراد بها الكواكب الكبار التي تضيء في الليل .

(ورمى مسترقي السمع) أي الشياطين الذين يعلون إلى قرب الملائكة فيستمعون إلى كلامهم خفية، ولذا سمّي استراقاً فإنَّ الملائكة لا تريد أن يسمع الشياطين كلامها بثواقب (شهبها أي الشهب الثاقبة كما تقدم (وأجراها) أي سير الكواكب (على أذلال) جمع ذل بالكسر وهو محجة الطريق (تسخيرها) أي سخرها في الطرق المقدرة لها، بحيث لا تحيد عن تلك الطرق (من ثبات ثابتها) فإنَّ بعض الكواكب ثابتة في محلاتها كأكثر الكواكب (ومسير) أي سير فإنه مصدر ميمي(سائرها) وهي الكواكب السبع السيارة- أو الأكثر من السبع - كما في العلم الحديث .


1) سورة الصافات: 6 .

وَهُبُوطِهَا وَصُعُودِهَا ، وَنُحُوسِهَا وَسُعُودِهَا .

ومنها في صفة الملائكة : ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وَعِمَارَةِ الصَّفِيح الأعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ، خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلائِكَتِهِ، وَمَلأ بهم فُرُوجَ فِجَاجِهَا، وَحَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِها،


(وهبوطها وصعودها) فإنَّ الكوكب ما دام لم يصل إلى خط نصف النهار فهو صاعد، فإذا انحدر عنه فهو هابط (ونحوسهاوسعودها) فإنَّ بعض الكواكب علامة السعد وبعضها علامة النحس، كما أن الهواء الشرقية - في بلادنا - علامة الأمراض ، والغربية بالعكس، فقد جعل الله سبحانه لكل شيء علامة لا أن الكوكب بنفسه سعد أو نحس .

(ثم خلق سبحانه لإسكان سماواته) أي الفضاء، كما قال سبحانه: «وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا » (1)، وقال في وصف الطير : «مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّالسما»(2).

(وعمارة الصفيح الأعلى) أي الصفحة العليا مقابل الصفيح الأسفل، وهي الأرض من ملكوته أي من ملكه فإنَّ [ملكوت] لتعظيم الملك (خلقاً بديعاً) أي قسماً جديداً من (ملائكته فإنَّ الملائكة قسم جديد من الخلق وملأ بهم أي بالملائكة (فروج فجاجها جمع فج وهو الطريق، وفروج جمع فرجة وهي السعة، أي السعة ما بين طرق السماء (وحشا بهم) أي جعلهم في وسط السماء - من الحشو - (فتوق) جمع فتق وهو الانفصال في الشيء (أجوائها) أي فضاءاتها جمع [جو] بمعنى الفضاء.


1) سورة الفرقان ؛ 48 .

2) سورة النحل : 79

وَبَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَطَائِرِ الْقُدُسِ ، وَسُتَرَاتِ الْحُجُبِ، وَسُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيج الَّذِي تَسْتَكُ مِنْهُ الأسْمَاعُ سُبْحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا ، فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا .


(وبين فجوات تلك الفروج) الكائنة في السماء (زجل المسبحين منهم) الزجل الصوت المرتفع، فإنَّ أصوات الملائكة ترتفع بالتسبيح له سبحانه وعدم سماع الإنسان لأصواتهم لعدم قابلية صماخه، كما أن الأصم لا يسمع أصواتنا لعدم قابلية صماخه (في حظائر القدس) جمع حظيرة، وهو المحل الخضر الذي يسوّر بسور، ولذا سمي حظيرة - من حظر بمعنى منع - و والقدس بمعنى النزاهة والطهارة (وسترات) جمع سترة وهو الثوب الذي يعلق للستر (الحجب) جمع حجاب، والإضافة للبيان فإنَّ هناك حجباً مما ورائه تشبيهاًبالحجب التي تنصبها الملوك لستر ما وراء الحجاب عن الأعين .

(وسرادقات المجد) جمع سرادق، وهو ما يمد على صحن البيت فيغطيه عن الريح والحر والبرد والأنظار (ووراء ذلك) الذي ذكر من الحجب والسرادقات (الرجيج) أي الزلزلة والاضطراب من رج بمعنى تحرك (الذي تستك) أي تصم منه الأسماع) لشدّة الصوت أو الكيفية، والمراد بالرجيج ما تقدم من [الزجل] و[الرجيج ] في الإعراب عطف بيان ل- [ذلك ] و [ ووراء] خبر لقوله : (سبحات) أي أن وراء تلك الأصوات طبقات .

(نورتردع الأبصار عن بلوغها) لقوة النور وشدته (فتقف) الأبصار (خاسئة) أي مطرودة من خسئ بمعنى طرد (على حدودها) فإنَّ العين لا تتمكن أن ترى أكثر من قابليتها .

ولا يخفى أنه ليس هناك جسم أو ما يشبه بل هذا محل التشريف، كما جعل سبحانه الكعبة محل تشريفه - في الأرض - جعل الحجب والأنوار

وَأَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ، وَأَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ ، لا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ، وَلا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، «بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » (1)


والعرش وما أشبه محل تشريفه في السماء، وإلا فمن زعم أنه سبحانه جسم أو له محل، أو أنه أقرب إلى مكان من مكان فقد أشرك بالله، وتاه في متاهات الكفر .

(وأنشأهم) أي أوجد الله تعالى الملائكة (على صور مختلفات) كما أن الإنسان على صور مختلفة .

(وأقدار متفاوتات) فلكل قدر ومزايا (أولي أجنحة) جمع جناح وجناحهم من جنسهم، لا من جنس أجنحة الطير، إلا إذا شاؤوا التشكل بالطيور (تسبح) الملائكة (جلال عزته) أي أنهم ينزهون الله سبحانه عما أجل وأعز منها - كالجسمية والولد وما أشبه - .

(لا ينتحلون) أي لا ينسبون لأنفسهم (ما ظهر في الخلق من صنعته) تعالى كأفراد الإنسان الذين ينسبون إلى أنفسهم خلق الله سبحانه، كالذين ادعوا الربوبية ونحوهم .

( ولا يدعون أنهم يخلقون شيئاً مما انفرد) الله تعالى (به) أي بخلقه (بل) الملائكة (عباد مكرمون) أكرمهم الله سبحانه (لا يسبقونه بالقول) كناية عن أنهم مطيعون له تعالى فلا يقولون شيئاً قبل أن يريده تعالى (وهم بأمره) سبحانه (يعملون) وهذا اقتباس للآية الكريمة في وصف الملائكة .


1) سورة الأنبياء : 26 ، 27

جَعَلَهُمُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ، وَحَمْلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ. وَأَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ المَعُونَةِ، وَأَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إِلَى تَمَاجِيدِهِ، وَنَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلامِ تَوْحِيدِهِ، لَمْ تُنْقِلْهُمْ مُوصِرَاتُ الآثَامِ،


(جعلهم فيما هنالك) ما زائدة للتزيين (أهل الأمانة على وحيه) فإنَّهم أمناء الله سبحانه في إنزال الوحي على أنبيائه (وحملهم إلى المرسلين) أي جعلهم يحملون من قبله تعالى إلى أنبيائه (ودائع أمره ونهيه) الإضافة للبيان، أي أمره ونهيه التي هي ودائعه عند الملائكة ليؤدوه إلى الأنبياء .

(وعصمهم) أي حفظهم (من ريب الشبهات) أي الشبهة في الإله، كما يشك فيه سبحانه بعض الناس (فما منهم) أي ليس أحد الناس فما منهم أي ليس أحد من الملائكة (زائغ ) أي مائل منحرف (عن سبيل مرضاته) مصدر ميمي أي عن طريق رضاه تعالى (وأمدهم بفوائد المعونة) بأن أعانهم على طاعته.

(وأشعر قلوبهم) أي ألهمها (تواضع إخبات السكينة) الإخبات بمعنى الخضوع، فإنّ النفس الساكنة المطمئنة خاضعة خاشعة، بخلاف النفس الجموحة (وفتح لهم) تعالى (أبواباً ذللاً) جمع ذلول خلاف الصعب إلى تماجيده جمع ،تمجيده وهو المدح، فإنَّهم يسهل عليهم تمجيده وتسبيحه تعالى وليسوا كالبشر يوجب يوجب ذلك صعوبة وتعباً عليهم .

( ونصب لهم مناراً) جمع منارة، وهي المحل المرتفع الذي يوضع فيه المصباح لهداية السائر ليلاً (واضحة على أعلام)أي أدلة (توحيده) فكلهم يوحدون الله سبحانه وليسوا كالبشر بين شاك ومقر ومنكر (لم تثقلهم موصرات الآثام) أي مثقلاتها من [الإصر] بمعنى الثقل، فإنَّهم لا يذنبون

وَلَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَالأيَّام، وَلَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ، وَلَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ، وَلَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ ، وَمَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَةِ جَلالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ، وَلَمْ تَطْمَعُ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرهِمْ .


لأنهم معصومون ( ولم ترتحلهم يقال ارتحله إذا وضع عليه الرحل ليركبه .

(عقب الليالي والأيام) جمع عقبة وهي النوبة، وتضاف إلى الليل والنهار لتعاقبهما، أي لم يتسلط عليهم تعاقب الليالي والأيام لتفنيهم وتهرمهم (ولم ترم الشكوك) من [رمى يرمي]، (بنوازعها) جمع نازعة، وهي القوس لأنها تنزع الوتر للرمي ( عزيمة إيمانهم) أي صلابة إيمانهم، والمعنى أنهم لا يشكون بعد الإيمان، كما يحدث ذلك لبعض الناس .

(ولم تعترك الظنون) أي لم تعرض الظنون والأوهام (على معاقد يقينهم) كأن لليقين عقداً في القلب - ولذا يقال له عقيدة - (ولا قدحت أي ظهرت، وأصل القدح صك الحجر بعضه ببعض لإخراج النار (قادحة (الإحن جمع الحقد والضغينة فيما بينهم فليس بينهم عداوة وبغضاء (ولا) إحنة وهي سلبتهم الحيرة في الله ما لاق أي الشيء الذي لصق (من معرفته) سبحانه (ما (بضمائرهم) أي أن الحيرة لا تسلب عقيدتهم بالله كما قد يكون في البشر . حيث يتحيرون في الله بعد المعرفة (و) لا سلبتهم الحيرة (ما سكن - من عظمته وهيبة جلالته - في أثناء صدورهم فإنَّهم يعظمونه سبحانه ويهابونه ولا يزول ذلك من صدورهم ولم تطمع فيهم الوساوس الوسوسة التردد في الأمر والشك فيه (فتقترع) من الاقتراع بمعنى ضرب القرعة . (برينها) الرين الدنس (على فكرهم) كأن الوسوسة تقترع لترى المحل

مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلْحِ وَفِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشَّمْحَ، وَفِي قَتْرَةِ الظَّلام الأنهم ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الأَرْضِ السُّفْلَى ، فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضِ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ، وَتَحْتَهَا رِيحُ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ ،


المناسب لدنسها والإتيان بالاقتراع من جهة شباهة الوسوسة بترديد الاقتراع وحاصل المعنى أن الوسوسة لا تدنس أفكارهم (منهم) أي بعض الملائكة في الخلقة (من هو في خلق الغمام الدلح) جمع دالح وهو الغمام الثقيل بالماء، أي أن شكله كشكل الغمام ذي المطر .

( وفي عظم الجبال الشمخ) جمع شامخ وهو المرتفع وفي قترة أي خفاء (الظلام الأيهم) أي الشديد الظلمة يعني أنهم بتلك العظمة سود شديدي السواد وذلك للإرهاب والتخويف، ولا يخفى أن الأرواح - التي من جنسها الملائكة - ليست من المادية بحيث تحس بالحواس، أو تصادم مع سائر الماديات المحسوسة، فلا يقال إذا كانت الملائكة هكذا فلماذا لا نحس بها.

(ومنهم من خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى) تخوم جمع تخم بفتح التاء وهي باطن الأرض أي أعماقها أي أن أقدامهم في أعماق الأرض ( فهي (كرايات) أي أعلام ( بيض) جمع بيضاء في مقابل أولئك الملائكة السود (قد نفذت في مخارق الهواء) مخارق جمع مخرق ، وهو محل الخرق، أي أنها تخرق الهواء، حيث تخرج من الأرض إلى ناحية الفضاء (وتحتها) أي تحت أولئك الملائكة (ريح هفافة) أي الساكنة الطيبة (تحبسها) أي تحبس تلك الريح أولئك الملائكة ( على حيث انتهت) تلك الملائكة، أي تحبسها على منتهاها فلا تمتد تلك الملائكة ( من الحدود المتناهية) المعينة لها، فلا

قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ، وَوَصَلَتْ حَقَائِقُ الإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، وَقَطَعَهُمُ الإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ، وَلَمْ تُجَاوِزُ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ. قَدْ ذَاقُوا حَلاوَةَ مَعْرفَتِهِ، وَشَرَبُوا بالكأس الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَتَعَكَّنَتْ [تمكنت مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ، فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ


تتحرك عن أماكنها كما أن الريح تحبس الراية عن التعدي عن حدودها، بالالتواء وما أشبه.

(قد استفرغتهم أشغال عبادته) أي أن اشتغالهم بعبادة الله سبحانه أفرغهم عن الاشتغال بغير العبادة فلا يشتغلون بشيء آخر (ووصلت حقائق الإيمان) أي الإيمان الحقيقي (بينهم ) أي بين أولئك الملائكة (وبين معرفته) تعالى كأن الإيمان خيط متصل بين الله سبحانه وبينهم (وقطعهم الإيقان به) أي اليقين بالله سبحانه (إلى الوله) هو شدّة الاشتياق (إليه) تعالى، ومعنى [قطعهم] أن اليقين سبب قطعهم عن كل شيء إلى الاشتياق فهم مشتاقون إلى الاستزادة من معرفته (ولم تجاوز رغباتهم ما عنده) أي أن رغبتهم إلى ما عنده تعالى لم تجاوز (إلى) رغبتهم في (ما) عند غيره) فهم راغبون إليه فقط (قد ذاقوا حلاوة معرفته وحلاوة المعرفة ابتهاج يحصل للنفس حتى يرى الإنسان أن كل حلاوة دونها.

(وشربوا بالكأس الروية) التي تروي وتطفئ العطش (من محبته) تعالى (وتعكنت) العكنة الطي الذي في البطن من السمن (من) سويداء قلوبهم هي مجمع الروح في القلب، وتعتبر كمركز للقلب (وشيجة خيفته الوشيجة عرق الشجرة وأريد بها هنا بواعث الخوف من الله سبحانه أي أن بواعث الخوف النابعة من سويداء قلوبهم تجمعت كالعكن (فحنوا) أي ثنوا (بطول الطاعة)

اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ، وَلَمْ يُنْقِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ، وَلا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الرُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ، وَلَمْ يَتَوَلَّهُمُ الإعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَلا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الإِجْلالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيم حَسَنَاتِهِمْ، وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُؤُوبِهِمْ، وَلَمْ تَغِضٌ رَغَبَاتُهُم فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ،


الباء سببية (اعتدال ظهورهم) فهم في حالة ركوع (ولم ينفد) من النفاد بمعنى الخلاص والتمام .

(طول الرغبة إليه) تعالى ( مادة تضرعهم) فإنَّ رجاءهم لم يعدم خوفهم منه سبحانه .

( ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة) أي قربهم منه تعالى - قرباً معنوياً - (ربق خشوعهم) جمع ربقة وهي حبل فيه عدة عرى تربط فيها الحيوانات المتعددة، فإنَّهم مع قربهم خاشعون له سبحانه أعناقهم في ذل العبودية (ولم يتولهم الإعجاب) من أعمالهم (فيستكثروا ما سلف منهم) كما هو الغالب في أفراد الناس حيث يحسنون أعمالهم السابقة فيظنون كثرتها وكفايتها (ولا تركت لهم استكانة الإجلال )أي خضوعهم لجلال الله وعظمته (نصيباً في تعظيم حسناتهم) فإنَّهم لا يعظمون حسناتهم لما يعلمون من عظمة الله وجلاله، فإنَّ الشخص إذا نظر إلى عظم الطرف يستقل عمله تجاهه (ولم تجر الفترات فيهم الفترة من الفتور عن العمل كسلاً ومللاً على طول دؤوبهم من دائب العمل بمعنى بالغ فيه واجتهد حتى أجهد نفسه.

(ولم تغض رغباتهم) من غاض الماء إذا نزل في الأرض حتى لم يبق منه شيء، أي أن رغبتهم في الطاعة لا تفنى (فيخالفوا عن رجاء ربهم) فإن الرغبة

وَلَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلاتُ أَلْسِنَتِهم، وَلا مَلَكَتْهُمُ الأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ، وَلَمْ تَخْتَلِفُ فِي مَقَاوِم الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ ، وَلَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ، وَلا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِم بَلادَةُ الْغَفَلاتِ،


إذا غاضت لم يرج الإنسان المرغوب فيه، فلا يعمل لأجله ولم تجف من الجفاف بمعنى اليبس .

(لطول المناجاة) والتكلم مع الله سراً (أسلات ألسنتهم) جمع طرف اللسان حتى تقف عن ذكره تعالى .

(ولا ملكتهم الأشغال) بمعنى منعتهم أشغالهم (فتنقطع بهمس الجؤار) الهمس الصوت الخفي، والجؤار : الصوت الرفيع تضرعاً، (إليه) سبحانه (أصواتهم) أي أن الاشتغال يوجب تبدل ضراعتهم الجهرية إلى الهمس فإنَّ الإنسان المشغول بأمر ما يهمس صوته عادة لانصراف القوة إلى ناحية أخرى .

(ولم تختلف - في مقاوم الطاعة) جمع مقام أي مقامات الطاعة (مناكبهم) جمع ،منكب فإنَّهم في صفوف معتدلة، حتى أن مناكبهم مصطفة لا تقدم لبعضها على بعض وهذا يدل على التأدب.

(ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم) فإنَّ الشخص إذا أراد الاستراحة ثنى رقبته لتمديدها ودفع الكسل والنصب عنها، وهذا تقصير بالنسبة إليه سبحانه، فالملائكة لم يفعلوا ذلك وإنما رقابهم ممتدة دائماً الضراعة والاستكانة .

(ولا تعدو أي لا تسطو على عزيمة جدهم) أي جهدهم في الطاعة (بلادة الغفلات) أي الغفلة البليدة، فإنّهم دائموا الجد بغير غفلة وفتور

وَلا تَنتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ. قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمٍ فَاقَتِهِمْ، وَيَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى المَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ، لا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ، وَلا يَرْجِعُ بِهِمُ الاسْتِهْتَارُ بِلُزُومٍ طَاعَتِهِ، إِلا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مَنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَمَخَافَتِهِ ،


(ولا تنتضل) يقال انتضلت الإبل إذا رمت بأيديها في السير سرعة (في هممهم في العبادة والطاعة (خدائع الشهوات) أي الشهوات الخادعة للإنسان، والمعنى أن الشهوات لا تسير سيراً سريعاً في اهتمامهم بالعبادة، حتّى تنقص من طاعتهم .

( قد اتخذوا ذا العرش) أي الله سبحانه (ذخيرة ليوم فاقتهم) أي حاجتهم ولعل المراد بذلك يوم العرض الأكبر، إذ كل نفس تحضر هناك للمحاسبة، أشدّ أيّام الأنفس حاجة وفقراً (ويمَّموه) أي قصدوه (عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم) فهم يرغبون إليه تعالى بينما سائر الخلق يرغبون إلى مخلوق مثلهم لقضاء حوائجهم فقوله [ برغبتهم] متعلق ب[انقطاع ] .

(لا يقطعون أمد) أي طول (غاية عبادته ) أي أن عبادتهم لا تنتهي إلى الغاية حتى يستريحوا بأنهم عملوا إلى الغاية المطلوبة منهم ولا يرجع) بهم) رجوعاً من الطاعة إلى الكسل الاستهتار بلزوم طاعته الاستهتار التولع الزائد، أي أنّ ولعهم بلزوم الطاعة لا يسبب لهم ،رجوعاً، كما هي العادة في الناس، فإنَّ الولع الزائد بالشيء يولد في أنفسهم غفوة واشمئزازاً .

(إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته) مواد جمع مادة وهي التي تمد الشيء، والاستثناء منقطع ، أي أنهم كلماأطاعوا إذ دارت فيهم بواعث الإطاعة من الرغبة والرهبة الموجودتين في قلوبهم، والحاصل أنه لا

لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ، فَيَنُوا فِي جِذْهِمْ، وَلَمْ تَأْسِرْهُمُ الأطماع فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْي عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَو اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ . وَلَمْ يُفَرِّقُهُمْ سُوءُ التَّقَاطع،


يرجع ولع الملائكة بالطاعة إلا إلى الزيادة، وذلك للموادالموجودة في قلوبهم الموجبة للزيادة.

(لم تنقطع أسباب الشفقة منهم) الشفقة الخوف (فينوا) من [ونى] بمعنى کسل وضعف في جدهم) واجتهادهم في الطاعة.

( ولم تأسرهم الأطماع) أي أطماع خارجية (فيؤثروا) ويقدموا (وشيك السعي) أي السعي الوشيك وهو السعي الضعيف، مقابل السعي الحثيث، فإنَّ الوشيك بمعنى القريب ( على اجتهادهم وسعيهم الحثيث في الطاعة، فإنَّ الإنسان إذا طمع في شيء قل سعيه في غيره، والملائكة لا طمع لهم في غير الله سبحانه كي يخف سعيهم في طاعة الله تعالى.

(ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم) أي لا يعدونه عظيماً (ولو استعظموا ذلك العمل الماضي منهم ( لنسخ الرجاء منهم) أي أبطل الرجاء - الذي يحدث من استعظام العمل، فإنّ الشخص إذا رأى عمله عظيماً صار رجاؤه كبيراً - (شفقات وجلهم) أي تارات خوفهم وشفقات جمع شفقة وهي التارة من الخوف فإنّ الرّجاء إذا عظم قل الخوف .

(ولم يختلفوا في محبة ( ربّهم) وطاعته ( ب) سبب (استحواذ الشيطان) واستيلائه ( عليهم) فإنّ الشيطان لا يجد إليهم سبيلاً ولم يفرقهم سوء التقاطع أي التحاسد والتشتت فيما بينهم

وَلا تَوَلاهُمْ غِلَّ التَّحَاسُدِ، وَلا شَعَبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيَبِ، وَلااقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَم، فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانِ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَبَغْ وَلا عُدُولٌ وَلا ونى وَلا فُتُورٌ، وَلَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلا وَعَلَيْهِ مَلَكْ سَاجِدٌ، أَوْ سَاعِ حَافِدٌ، يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلماً،


(ولاتولاهم)أي أخذهم (غل التحاسد) أي الحسد الكائن في النفس فإنّ الغل هو الحسد الكامن في النفس.

(ولا شعبتهم) أي فرقتهم (مصارف الريب) جمع ريبة، أي صروف الريبة التي تعرض للإنسان فإنَّ الشك يوجب صرف الإنسان عن اتجاهه، وذلك يوجب التفرّق .

ولا) اقتسمتهم أخياف) جمع خيف بمعنى الناحية (الهمم) جمع همة، أي أن النواحي المتشتتة من الأفكار والاهتمامات لا توجب تفرقهم - كما في البشر - إذ لا همم مختلفة لهم، وإنما همهم جميعاً شيء واحد فهم أسراء إيمان قد جمعهم الإيمان بالله كلهم تحت لواء واحد، كالأسير الذي يتمكن من الانفكاك والانطلاق لم يفكهم من ربقته أي ربقة الإيمان والربقة : الحبل فيه عرى لأعناق البهم تربط بها لتنخرط في حبل واحد ويسهل سوقها (زيغ) أي انحراف ولا عدول عن الحق (ولا) ونى) أي وهن وضعف (ولا) فتور) أي فاصلة وكسالة بين العمل .

(وليس في أطباق السماء) أي طبقاتها المختلفة، والمراد أجزائها (موضع) إهاب هو جلد الحيوان، أي قدر جلد (إلا وعليه ملك ساجد) لله (أو ساع حافد) خفيف سريع السير فيما أمره الله، فالسماء ممتلئة بالملائكة (يزدادون على طول الطاعة) أي على أنهم في الطاعة طول أوقاتهم ( بربّهم علماً) وهذا خلاف الإنسان ،

وَتَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً.

فإنَّ طول طاعته لأحد يزيده تنفراً واشمئزازاً ، لما يبدو له نقائصه .

(وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظماً) فعظمته سبحانه لا تزال تنمو في أنفسهم .

ومنها في صفة الأرض ودحوها على الماء:

كَبَسَ الأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجِ مُسْتَفْحِلَةٍ، وَلُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةِ ، تَلْتَطِمُ أَوَاذِي أَمْوَاجِهَا، وَتَصْطَفِقَ مُتَقَاذِفَاتُ أَتْبَاجِهَا، وَتَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا،


(ومنها في صفة الأرض ودحوها على الماء) أي بسطها عليه (كبس) الله (الأرض) أي ضغط الأرض (وجعلها على مور) المور التحرك الشديد (أمواج مستفحلة) أي هائجة صعبة، فإنَّ الله سبحانه خلق الماء أولاً ثم جعل فوقه الأرض ضاغطاً بها على الماء، حيث كانت الأمواج الهائجة تعلو الماء (و) على (لجج) لجة، وهي معظم الماء ووسطه (بحار) من الماء والاتيان بالجمع باعتبار قطعها المختلفة وإلا كانت بحراً واحداً (زاخرة) من زخر إذا امتلأ تلتطم أواذي) جمع آذي وهو أعلى الموج (أمواجها) جمع موج وهو ما يعلو البحر من المياه المختلطة بالهواء، ومعنى التطامها ضرب بعضها بعضاً بشدة (وتصطفق) أي تضطرب وتهتز (متقاذفات أثباجها) جمع ثيج - كفرس - بين الكاهل والظهر، واستعير لأعالي الموج، ومعنى اصطفاقها اضطرابها ما بين الموجب لقذف بعضها على بعض .

( وترغو) تلك البحار، أي تعطي الرغوة (زبداً) بيان لترغو، أي تخرج الزيد (كالفحول) من الإبل عند هياجها فإنَّ الإبل إذا اهتاج أخرج من فمه

فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاطِم لِثِقْلِ حَمْلِهَا ، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا، وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً، إِذْ تَمَعَكَت عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا، فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً، وَفِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً ، وَسَكَنَتِ الأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ، وَرَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَاعْتِلائِهِ،


الزبد لما يخلط من الهواء باللعاب اللزج الكائن في فمه (فخضع جماح) أي استعلاء.

(الماء المتلاطم) الذي يلطم بعضه بعضاً (لثقل حملها) أي حمل الأرض (وسكن هيج) أي هيجان (ارتمائه) من [رمي] أي اضطرابه وقذفه للأمواج (إذ وطئته) أي وطئت الأرض الماء (بكلكلها) بمعنى الصدر (وذل) الماء (مستخذياً) أي منكسراً مسترخياً إذ تمعكت التمعك تمرّغ الدابة في التراب (عليه) أي على الماء (بكواهلها) أي كواهل الأرض، والكاهل بين والعنق، والمراد هنا الثقل يعنى أن الأرض لما ألقت بثقلها على الماء، ذل الماء فلم يضطرب ولم يهتز- كما كان ..

(فأصبح) الماء (بعد اصطخاب) افتعال من الصخب بمعنى رفع الصوت(أمواجه) فإنَّ للأمواج صوتاً وصياحاً (ساجياً) من سجى بمعنى سكن (مقهوراً) ذليلاً قد قهرته الأرض وفي حكمة الذل الحكمة ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه ( منقاداً أسيراً) لا يقدر على التحرك والاضطراب.

(وسكنت الأرض مدحوة) من الدحو بمعنى البسط (في لجة تياره )أي معظم تيار الماء، والتيار هو الماء الجاري بشدة (وردت) الأرض من نخوة (من) بأوه أي زهوه (واعتلائه) أي تعاليه فإن الماء كان كالزاهي المتعال، فلما ألقيت الأرض عليه رجع عن ذلك، بل سكن وهدأ.

وَشُمُوحْ أَنْفِهِ وَسُمُو غُلَوَائِهِ وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِفَّةِ جَرْيَتِهِ، فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ، وَلَبَدَ بَعْدَ زَيَفَان وَثَبَاتِهِ . فَلَمَّا سَكَنَ هَيَاجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا، وَحَمْلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشَّمْحَ الْبُلْ عَلَى أَكْتَافِها ، فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أَتُوفِهَا، وَفَرَّقَهَا فِي سُهُوبٍ بِيدِهَا


وشموخ أنفه يقال شمخ بأنفه إذا تكبر (وسمو) أي ارتفاع (غلوائه) أي نشاطه وتكبره، فإنَّ الغلواء بمعنى تجاوز الحد.

(وكعمته) أي كعمت الأرض الماء، يقال كعم البعير إذا شد فاه لئلا يعض أو يأكل ( على كظة جريته) الكظة ما يعرض من امتلاء البطن بالطعام فالماء الذي كان يجري في تياره كان كثيراً متراكماً كالشخص الممتلئ طعاماً (فهمد) أي سكن الماء بعد نزقاته النزقة الطيش ( ولبد) أي قام وسكن (بعد زيفان وثباته الزيفان التبختر في المشي، والوثبة الطفرة، كأن الماء كان يطفر من هنا إلى هنا متبختراً .

(فلما سكن هياج الماء) أي اضطرابه من تحت أكنافها أي أطراف (من الأرض، فإنَّ الأكناف جمع كنف بمعنى الطرف والناحية (و) من (حمل) الماء ل- (شواهق الجبال جمع شاهق وهي الجبال المرتفعة (الشمخ) جمع شامخ وهو المرتفع (البذخ) جمع باذخ وهو المرتفع الضخم على أكتافها أي أكتاف الأرض ، الموجب لثقل الأرض على الماء .

(فجر) أي أظهر الله سبحانه (ينابيع (العيون) جمع ينبوع وهو محل الماء العذب المتجمع تحت الأرض من عرانين (أنوفها) عرانين جمع عرنين - ما صلب من عظم الأنف، والمراد أعالي الجبال (وفرقها) أي بالكسر - وهو الأنهار النابعة ( في سهوب) جمع سهب بمعنى الفلاة (بيدها) جمع بيداء وهي

وَأَخَادِيدِهَا، وَعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلامِيدِهَا، وَذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشَّمْ مِنْ صَيَاخِيدهَا ، فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرَسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَع أَدِيمِهَا ، وَتَغْلُغْلِهَا مُتَسَرْبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا، وَرُكُوبِ الْجِبَالِ أَعْنَاقَ سُهُول الأرَضِينَ وَجَرَاثِيمِهَا ،


الصحراء، وكأنّ المعنى الصحاري الواسعة .(وأخاديدها) جمع أخدود وهي الحفر المستطيلة في الأرض، كمجاري الأنهار.

(وعدل حركاتها) أي حركات الأرض، فإنَّ الأرض لوجود ثقل عليها تتحرك وتضطرب اضطراب السفينة في الماء (بالراسيات) جمع راسية وهي الجبل (من) (جلاميدها جمع جلمود وهو الحجر الصلب .

( وذوات الشناخيب) جمع شنخوب وهو رأس الجبل (الشم) جمع أشم وهو الرفيع من صياخيدها جمع صيخود وهو الصخرة الشديدة (فسكنت) الأرض ( من (الميدان أي التحرك والاضطراب (لرسوب الجبال أي نفوذ الجبال في أعماق الأرض ( في قطع ) جمع قطعة (أديمها) أي سطحها، تشبيهاً بالجلد ( وتغلغلها التغلغل المبالغة في الدخول والضمير للجبال (متسربة ) التسرب الدخول في الشيء (في جوبات خياشيمها جوبات جمع جوبة وهي الحفرة، وخياشيم جمع خيشوم وهو منفذ الأنف إلى الرأس.

وركوب الجبال أعناق سهول (الأرضين السهل ضد الجبل،وركوب الأعناق كناية عن التسلط فإنَّ الراكب على عنق البعير أكثر تسلّطاً عليها ( وجراثيمها) هي ما سفل عن السطح، فإنَّ الجبال داخلة في أجواف الأرض، والأرضين - جمعاً - باعتبار قطعها المختلفة

وَفَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَبَيْنَهَا، وَأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَام مَرَافِقِها ، ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا ، وَلا تَجِدُ جَدَاوِلُ الأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا، حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا، وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا


(وفسح) الله سبحانه، أي أوسع بين الجو) أي الفضاء (وبينها) أي بين الأرض ( وأعد الهواء متنسماً آلة للتنفس والنسيم ما يشرح النفس ويبرد حرارة البدن والقلب (لساكنها أي ساكن الأرض، ولولا الهواء لم يتمكن الإنسان من العيش على وجه الأرض.

(وأخرج إليها أي إلى الأرض (أهلها من الإنسان والحيوان والنبات (على) تمام مرافقها أي بعد أن أكمل جميع وسائل الحياة والعيش، أخرج وأظهر سكان الأرض، ومرافق جمع مرفق بمعنى أسباب الرفق والمراد أسباب العيش ووسائل الحياة المريحة .

(ثم لم يدع ) سبحانه (جرز الأرض وهي الأراضي التي لا تمر عليها مياه العيون فتنبت النبات التي تقصر مياه العيون عن روابيها جمع رابية وهي الأرض المرتفعة التي لا يصل إليها مياه الأنهار والعيون .

(ولا تجد جداول الأنهار) جمع جدول وهو النهر (ذريعة) أي وسيلة إلى بلوغها لارتفاع الأرض وانخفاض النّهر حتى أنشأ لها وأوجد من أجل تلك الأراضي المرتفعة ناشئة سحاب تحيي (مواتها الموات ما لا يزرع من الأرض، وناشئة بمعنى المنشأة، وإنما جيء بهذه اللفظة، لأن السحاب تنشأ رويداً رويداً حتى تكون ركاماً كثيفاً (وتستخرج) تلك الناشئة (نباتها) بالهطول عليها .

أَلْفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ، وَتَبَايُن قَزَعِهِ، حَتَّى إِذَا تَمَخْضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ، وَالْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ، وَلَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَمُتَرَاكِمٍ سَحَابِهِ، أَرْسَلَهُ سَحَاً مُتَدَارِكاً ، قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ، تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ


(ألف) الله سبحانه (غمامها ) هو السحاب (بعد افتراق لمعه) جمع لمعة وهي القطعة البيضاء من السحاب، سميت بها لأنها تلمع لبياضها وتباين (قزعه جمع قزعة وهي قزعة وهي القطعة من الغيم من الغيم، فإنَّ قطع السحاب تتجمع من هنا وهناك ويتصل بعضها ببعض حتى تكون سحاباً كثيفاً .

(حتى إذا تمخضت) أي تحركت تحركاً شديداً كما يتحرك اللبن في السقاء (لجة المزن فيه) اللجة معظم الماء، والمزن السحاب، وضمير [فيه] راجع إلى المزن، فإنّ الماء يتمخض في السحاب، حتى يهطل، وحيث أن السحاب ماء مخلوط بالهواء صخ جعل السحاب ظرفاً، والماء مظروفاً وهي الحاشية ،والطرف، فإنّ البرق يظهر من والتمع برقه في كففه جمع كُفَّة أطراف السّحاب غالباً .

(ولم ينم وميضه أي لمعانه ( في كنهور كسفرجل القطعة العظيمة من السحاب (ربابه) هي السحاب الأبيض، أي لم يسكن البرق في هذا السحاب المحمّل بالماء، بأن تتابعت البروق - وذلك قرب نزول المطر ..

ومتراكم سحابه السحاب المتراكم هو الكثير الذي تكوّن من تجمّع القطع الكثيرة (أرسله) أي أرسل الله تعالى المطر (سخاً) أى صباً متلاحقاً (متداركاً) يدرك بعضه بعضاً .

(قد أسف) أسف : دنا من الأرض لثقله (هيدبه) ما تهدب منه إلى الأرض أي ما تدلّى (تمريه الجنوب أي تستخرج رياح الجنوب ما

دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ وَدُفَعَ شَابِيبِهِ. فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا، وَبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ، وَمِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الأعْشَابَ فَهِيَ تَنْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا، وَتَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ


السحاب من الماء من مرى الناقة إذا مسح على ضرعها ليحلب لبنها (دور) جمع [درة] ،بالكسر ، وهي اللبن (أهاضيبه) جمع أهضاب، وهو جمع هضبة، وهي المطرة فالسحاب كالبقرة، وما تدلى منه كالضرع والجنوب كالحالب والأمطارالتي تنزل متداركة،كالحليب.

( ودفع شآبيبه) جمع شؤبوب، وهي الدفعة القوية من المطر (فلما ألقت السحاب) وحيث أن السحاب للجنس، جيء بالفعل مؤنثاً (برك بوانيها) البرك الصدر والبواني ما يلي الصدر من الأعضاء فالسحاب كالحيوان الذي يلقي على الأرض بصدره وأضلاعه - والمراد بذلك أنه أنزل ما فيه من الأمطار ..

(و) ألقت (بعاع) الثقل الكائن فيه من الأمطار (ما استقلت) السحاب (به) أي بذلك البعاع أي حملته (من العبء) أي الحمل (المحمول عليها) فقد حملها الله سبحانه المطر .

(أخرج) الله سبحانه (به) أي بذلك المطر النازل (من هوامد الأرض) الميتة التي لا نبات فيها (النبات) وهو كل ما ينبت مأكولاً كان أو غير مأكول (ومن زعر الجبال) جمع أزعر وهو الموضع القليل النبات (الأعشاب) جمع عشب وهو النبات الذي لا ساق له (فهي) أي الأرض ( تبهج) من البهجة وهي الفرح والسرور (بزينة رياضها) فكأنها فرحة مسرورة بالبساتين والأعشاب المزينة لها .

(وتزدهي) أي تعجب وتتبختر (بما ألبسته) الفعل مبني للمجهول

مِنْ رَنطِ أَزَاهِيرهَا وَحِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِر أَنْوَارِهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ بَلاغاً لِلأنام، وَرِزْقاً لِلأَنْعَامِ ، وَخَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِها، وَأَقَامَ الْمَنَارَ لِلْسَالِكينَ عَلَى جَوَادٌ طُرُقِهَا . فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ، وَأَنْفَذَ أَمْرَهُ، اخْتَارَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلام خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُ أَوْلَ جِبِلَّتِهِ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَأرْغَدَ فِيهَا


والملبس هو الله سبحانه، أو السحاب (من ريط) جمع ربطة بالفتح وهي كل ثوب رقيق لين (أزاهيرها) جمع أزهار وهو جمع زهرة بمعنى النبات، أو بمعنى الوردة وحلية ما سمطت الأرض (به ) الضمير عائد إلى [ما] وسمط بمعنى علق عليه (من ناضرأنوارها) جمع نور بالفتح بمعنى الزهر والناضر ذو النضرة، أي البهجة والجمال (وجعل ذلك) الذي يخرج من الأرض (بلاغاً للأنام) البلاغ ما يتبلغ به الإنسان من القوت، والأنام بمعنى الناس (ورزقاً للأنعام) جمع نعم من غنم وإبل وبقر وما أشبه (وخرق الفجاج) الطرق (في آفاقها) أي آفاق الأرض، أو آفاق الفضاء، جمع أفق، ومعنى خرق أوجد الطرق التي تخرق الهواء أو الأرض.

(وأقام المنار) أي محل الإنارة (للسالكين) الذين يريدون الذهاب من محل إلى محل (على جواد طرقها) جواد جمع جادة، و جادة، وهي الطريق الواضح والضمير للأرض والمراد بالمنار العلائم الدالة على الطريق من الكواكب والجبال والرياح وما أشبه مما تدل على اتجاه الطرق والبلاد .

(فلما مهد أرضه) جعلها قابلة للسكنى (وأنفذ أمره) بمعنى خلق ما أراد (اختار آدم علیه السلام خيرة من خلقه) [خيرة] مصدر تأكيدي (وجعله أول جبلته) أي أول خليقته، فإنَّه أول جنس البشر (وأسكنه ) أي آدم علیه السلام (جنته) وهل هي جنّة الدنيا أو جنّة الآخرة فيه خلاف (وأرغد) أي أوسع في هناء (فيها) أي في

أُكُلَهُ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُضَ لِمَعْصِيَتِهِ، وَالْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ ، فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ - مَوَافَاةَ لِسَابِقِ عِلْمِهِ - فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَأَرْضَهُ بِنَسْلِهِ، وَلِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ، مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ.


الجنّة (أكله ) أي ما يأكله ( وأوعز إليه) أي أخبره وأنبأه (فيما نهاه عنه) من أكل ثمار تلك الشجرة . فقال : «وَلَا نَقَرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ » (1).

(وأعلمه أن في الإقدام عليه ) أي على ما نهاه (التعرض لمعصيته) والمراد عصيان الأمر الإرشادي لا المولوي الذي هو معصية حقيقية (والمخاطرة بمنزلته) أي جعل منزلته في خطر الزوال، لأنه إذا أكل من الشجرة خرج من الجنة.

( فأقدم ) آدم علیه السلام (على ما نهاه) الله (عنه) من أكل ثمار تلك الشجرة، وذلك بتغرير الشيطان وحلفه له علیه السلام بأنه له لمن الناصحين (موافاة السابق علمه تعالى، أي كان الإقدام موافقاً لما علمه سبحانه من سابق علمه، فإنَّه تعالى يعلم كل شيء يقع في المستقبل (فأهبطه) أي أنزل آدم علیه السلام من درجته ( بعد التوبة) أي تاب آدم عن زلته (ليعمر أرضه بنسله) وذريته، وإلا كانت الأرض خالية من البشر.

( وليقيم الحجّة به) أي بواسطة آدم علیه السلام (على عباده) فإن الأنبياء حجّة على الخلق إذا عصوا (ولم يخلهم) أي العباد (بعد أن قبضه) أي أمات آدم علیه السلام (مما يؤكد عليهم حجّة ربوبيته) فإنّ العقل دلّ على الربوبية، والأنبياء


1) سورة البقرة : 35

وَيَصِلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ ، بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيائِهِ، وَمُتَحَمْلِي وَدَائِعِ رِسالاتِهِ، قَرْنا فَقَرْنا ، حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيْنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حُجَّتُهُ، وَبَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَنُذُرُهُ. وَقَدَّرَ الأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا، وَقَسَّمَهَا عَلَى الضّيقِ وَالسَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ


يؤكدون ذلك (ويصل بينهم) أي بين العباد (وبين معرفته) بسبب الأنبياء .

(بل تعاهدهم) الله سبحانه (بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه) أي أرسل إلى العباد الحجة بعد الحجة على لسان المختارين من الأنبياء (ومتحملي ودائع رسالاته) فإنّ الرسالة وديعة من الله سبحانه عند أنبيائه ليؤدوها إلى عباده (قرناً فقرناً) والمراد به مدة عمر جيل من الناس، وسمي قرناً لاقتران أعمار بعضهم ببعض ، وفي مدته خلاف من ثلاثين إلى المائة ، وذلك بمختلف الاعتبارات والمشهور الآن إطلاقه على المائة .

(حتى تمت بنبينا محمد صلی الله علیه و آله وسلم حجته) إذ لا نبي بعده يأتي بحجة جديدة (وبلغ المقطع) أي النهاية التي لا شيء بعدها ( عذره) فإنَّه فيما لو خالف الناس لم يكن لهم عذر تجاه الله سبحانه (ونذره) جمع النذير، الذي يخوف المخالفين بالعقاب .

( وقدّر) سبحانه (الأرزاق فكثرها) لبعض ( وقللها) لآخر، ومعنى التقدير التخطيط كراكب السيارة الذي هو مضطر في السير مع اتجاه السيارة، بينما هو مختار في عمله داخل السيارة، ولذا ورد لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين.

(وقسمها) أي الأرزاق وذلك بعد التقدير (على الضيق والسعة فعدل فيها) فلم يكن أحد الأمرين ظلماً، إذ الظلم أن يمنع الإنسان أحداً حقه، ولا حق لأحد على الله سبحانه، وإنما قسم بالاختلاف (ليبتلي) أي يمتحن (من أراد)

بِمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا ، وَلِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشَّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ غَيْهَا وَفَقِيرِهَا ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا ، وَبِسَلامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا، وَبِفَرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا . وَخَلَقَ الأَجَالَ فَأَطَالَهَا وَقَصَّرَهَا، وَقَدَّمَهَا وَأَخْرَهَا


امتحانه (بمیسورها ومعسورها) فهل يصبر المعسور له وهل يشكر الميسور لأجله ؟

(وليختبر بذلك) الاختلاف (الشكر والصبر من غنيها وفقيرها) الضمير راجع إلى العباد ويجوز الإتيان بضمير المؤنث باعتبار [الجماعة] كما قال ابن مالك :

والتاء مع جمع سوى السالم من*** مذکر کالتا مع إحدى اللبن

أو راجع إلى الأرزاق - مجازاً .

(ثم قرن) سبحانه (بسعتها) أي سعة الأرزاق (عقابيل) جمع عقبولة بمعنى الشدائد (فاقتها) أي الفقر، فإنَّ السعة دائماً معرضة للزوال وإتيان الضيق مكانها .

(وبسلامتها) أي سلامة الأرزاق (طوارق آفاتها) جمع طارقة المصيبة النازلة دفعة فقد لا يتضيق الرزق ولكنه يكون بشدة وصعوبة .

(و) قرن سبحانه (بفرج) جمع فرجة (أفراحها) جمع فرح وإنما قال [فرج] لأن الإنسان يفرح في الفرجة والسعة (غصص أتراحها) جمع غصة، وأتراح مقابل أفراح.

(وخلق) سبحانه (الآجال ) أي مدة إقامة كل إنسان في دار الدنيا (فأطالها وقصرها) بأن جعل مدة بعض طويلاً، ومدة بعض قصيراً (وقدّمها وأخرها)

وَوَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا ، وَجَعَلَهُ خَالِجاً لأشْطَائِهَا، وَقَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ، وَنَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ، وَخَوَاطِرِ رَجْمِ القُتُونِ، وَعُقَدِ عَزيمَاتِ الْبَقِينِ،


فذوو الآجال القصيرة يقدم أجل هذا على ذاك، وكذلك في الآجال الطويلة .

(ووصل بالموت أسبابها) أي حبال الآجال، كأن لكل مدة موصولة بحبل حتى ينتهي الحبل بيد الموت، فإذا انتهت المدة جرّ الموت الحبل واختطف الإنسان المنقضي أجله .

(وجعله) أي الموت (خالجاً ) أي جاذباً (لأشطانها) جمع شطن على وزن فرس بمعنى الحبل الطويل شبّه به الأعمار الطويلة - كما ذكرنا - (وقاطعاً لمرائر ) جمع مريرة وهي الحبل يقتل على أكثر من طاق (أقرانها) جمع قرن وهو الحبل يقرن به ،بعيران وهذا من أقوى الحبال ومع ذلك الموت يقطعه فيقع الإنسان المتصل به في هوّة الفناء .

هو سبحانه (عالم السر من ضمائر المضمرين) الذين يضمرون الأشياء في مكنونهم فإنه سبحانه يعلمها .

(و) من (نجوى المتخافتين) التخافت المكالمة سراً، يعني أنه سبحانه يعلم نجواهم.

(و) من (خواطر رجم الظنون) فإنَّ الظن إذا وقع على شيء فكأنه قد رجم ذلك الشيء، والخاطر هو الشيء الذي يخطر ببال الإنسان .

(وعقد) جمع عقدة (عزيمات) جمع عزيمة مما يعزم الإنسان عليه (اليقين) فاليقين كالشيء المعقود بالقلب الذي ينوي الإنسان له ويعزم عليه يعني أنه سبحانه يعلم الظنون ويعلم اليقين وهما سران في ضمير الإنسان.

وَمَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ، وَمَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ وَغَيَابَاتُ الْغُيُوبِ، وَمَا أَصْغَتْ ِلاسْتِرَاقِهِ مَصَائِحُ الأَسْمَاعِ، وَمَصَائِفُ الذُّرُ، وَمَشَاتِي الْهَوَامُ، وَرَجْعِ الْحَنِينِ


(ومسارق) جمع مسرق، وهو مصدر ميمي ،(إيماض) اللمعان الذي يأتي من إشارة العين، قال الشاعر :

امرأة في الرمضان الماضي *** تقطع الحديث بالإيماض أي بإشارة العين (الجفون) جمع جفن، يعني أنه سبحانه يعلم سرقة النظر، وإن لم يدرك ذلك الناس الذين بحضرة من يسرق في نظره .

(و) يعلم (ما ضمنته أكنان القلوب) جمع كن بالكسر ، وهو كل ظرف يستتر فيه الشيء، والمراد أنه يعلم المعلومات الموجودة في زوايا القلوب (وغيابات) أي أعماق (الغيوب) التي هي غائبة عن الحواس كالأشياء المستورة تحت الأرض ونحوها .

(و) يعلم (ما أصغت) الإصغاء بمعنى الاستماع (لاستراقه مصائخ الأسماع) مصائخ جمع مصاخ، وهو محل الإصاخة، أي ثقبة الأذن، أي أنه يعلم أن فلاناً يسترق السمع، أو يعلم المطلب الذي يسترق السمع لأجله .

(ومصائف) جمع مصيف، وهو محل الإقامة في الصيف (الذر) النمل ، أي يعلم محل النمل في الصيف - تحت الأرض - فإنّ النمل يغير مكانه في الصيف عن مكانه في الشتاء.

(و مشاتي الهوام) جمع هامة وهي كل حيوان صغير يعيش في الحجر، والمشاتي جمع مشتى، وهو محل الإقامة شتاء.

(و) يعلم (رجع الحنين) أي ترديد الحنين الذي يظهرها أصحاب

مِنَ المُولَهَاتِ، وَهَمْسِ الأَقْدَامِ، وَمُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلائِحِ غُلُفِ الأَكْمَامِ، وَمُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَأَوْدِيَتِهَا، وَمُخْتَبَا الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الأَشْجَارِ وَالْحِيَتِهَا ، وَمَغْرِزِ الأَوْرَاقِ مِنَ الأفْنَانِ، وَمَحَطَّ الأَمْشَاج


المصائب (من المولهات) أي النساء الوالهة الحزينة التي أصيبت بمصيبة .

(و) يعلم (همس) أي الصوت الخافت من (الأقدام) فإنه سبحانه يعلمها ويسمعها.

(و) يعلم (منفسح الثمرة) مكان نموها من فسح (من ولائج) جمع وليجة بمعنى البطانة (غلف) غلاف وهو القشر المحيط به (الأكمام)

جمع جمع كم بالكسر ، وهو غطاء الفؤاد ووعاء الطلع يعني أنه سبحانه يعلم محل نمو الثمرة في داخل غلاف الوعاء المقرر للثمار.

(و) يعلم (منقمع الوحوش) أي موضع اختفاء الحيوانات الوحشية - غير الإنسية - من انقمع بمعنى اختفى.

(من غيران الجبال) جمع غار، وهو الثقبة الواسعة في الجبل يختفي فيها الحيوان (وأوديتها ) جمع وادي، وهو المحل المنفسح في الجبال و [من] بيان المنقمع .

(و) يعلم (مختبأ) أي محل اختباء - بمعنى الاختفاء - (البعوض بين سوق الأشجار) جمع ساق وهو أسفل الشَّجرة (وألحيتها) جمع لحاء وهو قشر الشجرة .

(و) يعلم (مغرز الأوراق) أي محل غرزها أي نباتها (من الأفنان) أي الغصون .

(و) يعلم (محط الأمشاج) جمع مشيج من مشج إذا خلط، والمراد

مِنْ مَسَارِبِ الأصْلابِ ، وَنَاشِئَةِ الْغُيُوم وَمُتَلاحِمِهَا ، وَدُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا، وَمَا تَسْفِي الأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا، وَتَعْفُو الأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا، وَعَوْم نَبَاتِ الأَرْضِ فِي كُثبَانِ الرِّمَالِ،


المني، لأنه مخلوط من أجزاء مختلفة - وهذه الأجزاء انفصلت من كل عضو البدن - لتكوّن بها أجزاء مختلفة للإنسان والحيوان، و[محط] بمعنى المحل الكائن فيه المني (من مسارب الأصلاب) جمع مسرب، وهو المحل الذي يتسرب ويدخل فيه المني، وأصلاب جمع صلب في ظهر الرجل .

(و) يعلم (ناشئة الغيوم) أي المنشأ من السحاب، الذي لم يتلاحم بعد (ومتلاحمها) أي ما اتصل بعضه ببعض كاللحم المتصل أجزائه.

(و) يعلم (درور ) أي الهطول والنزول - كدر الحليب - (قطر السحاب) أي الأمطار (في متراكمها) أي السحاب الذي بعضه فوق بعض .

(و) يعلم (ما تسفي الأعاصير) يقال سفت الريح التراب، أي ذرته وحملته، والأعاصير جمع إعصار، وهي ريح تثير السحاب، أو تقوم من الأرض كالعمود (بذيولها) فإنَّ ذيول الريح تعمل ما تعمل، أما معظمها فهي في الفضاء .

(و) يعلم ما (تعفو الأمطار ) أي تمحو (بسيولها) وهو المطر الغزير الذي يشكّل مياهاً كثيرة تسيل، فتخرب البناء وما أشبه .

(و) هو عالم ب( عوم) من عام إذا دخل، وجر [عوم] لأنه عطف على قوله [السر] المضاف إليه ل[عالم] وإنما جئنا ب[يعلم] في الجمل السابقة للإيضاح، وإلا فالكل عطف على [السر]. (نبات الأرض في كثبان الرمال) جمع كثيب، وهو التل الصغير من الرمل .

وَمُسْتَقَرٌ ذَوَاتِ الأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ، وَتَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِير الأوْكَارِ، وَمَا أَوْعَبَتْهُ الأصْدَافُ، وَحَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ، وَمَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ ، أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارِ، وَمَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ وَسُبْحَاتُ النُّورِ ، وَأَثَر كُلِّ خَطْوَةٍ،


(و) عالم ب( مستقر ذوات الأجنحة) أي محل الطيور (بذرا) جمع ذروة القمة بأعلى الشيء (شناخيب الجبال) جمع شنخوب بمعنى الرأس .

(و) عالم ب(تغريد ذوات المنطق) يقال غرد الطائر إذا رفع صوته كأنه يغنّي (في دياجير الأوكار) جمع ديجور وهو شدّة الظلمة، وأوكار جمع وكر بيت الطائر، وإنما سمّي [ ذوات المنطق] لأنه نطقها.

(و) يعلم (ما أوعبته) أي جمعته (الأصداف) جمع صدف و وهو القشرة التي يخرج منها اللؤلؤ ( وحضنت عليه أمواج البحار ) يعني أن الأمو أن الأمواج حضنت ذلك الشيء كحضن الأم ولدها، وذلك مثل العنبر الذي تربيه البحار.

(و) يعلم ( ما غشيته سدفة ليل) أي ظلمته وغشاه بمعنى حواه (أو ذرّ) أي طلع (عليه شارق نهار) أي ضياء النهار .

(و) يعلم (ما اعتقبت) أي تعاقبت وتوالت ( عليه أطباق الدياجير) طبق، ودياجير جمع ديجور بمعنى الظلمة، كأن ظلمات الليل كالأغطية التي تغطي على الأشياء طبقاً بعد طبق (وسبحات (النور) جمع سبحة أي درجاته وأضواؤه .

(و) هو سبحانه عالم ب(أثر كل خطوة) أي ما يبقى بعدها على الأرض مما يدل على مرور ذي روح هنا .

وَحِسٌ كُلِّ حَرَكَةٍ، وَرَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ، وَمُسْتَقَرْ كُلِّ نَسَمَةٍ وَمِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ، وَهَمَاهِم كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ ، وَمَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ، أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ، أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ، أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَمُضْغَةٍ، أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَسُلالَةِ ، لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ ،


(و) عالم ب- (حس كل حركة) المراد بحسّها صوتها، أو حالتها الموجودة فيها (ورجع كل كلمة) أي جواب الكلمة، أو ترديدها في الهواء.

(و) عالم ب(تحريك كل شفة) بالكلام (ومستقر كل نسمة) أي كل إنسان، أي يعلم أن كل إنسان أين يستقر في حال سكونه .

(و) عالم ب( مثقال) أي ثقل (كل ذرة) وهي التي ترى في ضوء الشمس الداخل من كوة في محل مظلم.

(و) عالم ب(هماهم) جمع ،همهمة وهي الصوت الذي لا يميز (كل نفس هامة) أي التي تهم .

(و) يعلم سبحانه (ما عليها) أي على الأرض (من ثمر شجرة) حين وقوعه عليها (أو ساقط ورقة) أي أوراق الأشجار التي تسقط على الأرض أو قرارة (نطفة أي قرارها في الرحم (أو نقاعة دم) ما ينقع من الدم في أجزاء البدن ، أي يجتمع في النقرة التي في العروق وما أشبه ( ومضغة) وهي اللحمة والتي تشبه اللحم الممضوغ بالأسنان، فإنَّ المضغة تنقع في الرحم، أو أنها عطف على نقاعة أي يعلم سبحانه كل مضغة .

(أو ناشئة خلق) أي الخلق الذي ينشأ ويخرج من العدم إلى الوجود (وسلالة) أي الخلاصة التي تخلص من الأشياء، أو المراد الإصفاء (لم) يلحقه سبحانه (في ذلك) العلم بهذه الأشياء (كلفة) وصعوبة كما هو كذلك

وَلا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ، وَلا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الأُمُورِ وَتَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلالَةٌ وَلا فَتْرَةٌ، بَلْ نَفَذَ فِيهِمْ عِلْمُهُ، وَأَحْصَاهُمْ عَدُهُ، وَوَسِعَهُمْ عَدْلُهُ، وَغَمَرَهُمْ فَضْلُهُ، مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ، وَالتَّعْدَادِ الْكَثِيرِ، إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مُؤمَلِ، وَإِنْ تُرْجَ فَأَكْرَم مَرْجُو اللَّهُمَّ وَقَدْ بَسَطتَ لِي فِيمَا لا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ، وَلا أَثْنِي


في الإنسان فإنّ الإنسان لا يعلم شيئاً إلا بعد تكلف ومشقة (ولا) اعترضته حفظ ما ابتدعه) وأوجده من خلقه عارضة تمنعه عن الابتداع والإيجاد كما (من قد يمنع الإنسان شيء عما يريد أن يعمله ويوجده .

(ولااعتورته) الاعتوار العروض في تنفيذ الأمور وتدابير المخلوقين (ملالة ولا فترة) أي كسل وضعف كما يعترض الإنسان إذا استمر في عمل طويل (بل نفذ فيهم علمه) أي علم الأمور داخلها وخارجها، كالشيء الذي ينفذ في شيء، فيدخل باطنه (وأحصاهم عده) فإنه سبحانه يعلم عددهم (ووسعهم عدله) فإنَّه يعدل بالنسبة إلى جميع المخلوقين، ومعنى العدل وضع كل شيء موضعه (وغمرهم فضله فإنَّ إحسانه سبحانه شمل جميعهم (مع تقصيرهم عن كنه) أي ما يستحق من (ما) أي العبادة التي (هو أهله) .

(اللهم أنت أهل الوصف الجميل) أي أهل لأن توصف بالجميل ( والتعداد الكثير) فإنَّ أوصافه سبحانه كثيرة (إن تؤمل) أي يرجو فضلك الناس (فخير مؤمل) لأنه لا أفضل منه سبحانه في الرجاء والأمل (وإن ترج فأكرم مرجو) هو الذي يترقب الإنسان منه الخير (اللهم وقد بسطت لي) من (فيما) أي في النعم التي (لا أمدح به) الضمير عائد إلى [ما] المراد به [النعم] (غيرك) فإنك المتفضّل فكيف أمدح سواك ( ولا أثني) أي لا أمدح من الثناء

بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ، وَلا أُوَجْهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَمَوَاضِعِ الرِّيبَةِ، وَعَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الآدمِيِّينَ ، وَالثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ . اللَّهُمَّ وَلِكُلِّ مُثْنِ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءِ، أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءِ، وَقَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِر الرَّحْمَةِ وَكُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ. اللَّهُمَّ وَهَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ


بمعنى الإطراء ( به ) أي بسبب تلك النعم، والضمير عائد إلى [ما] .

على أحد سواك) والمراد انقطاعه بالحمد له وحده .

(ولا أوجهه) أي أوجه المدح (إلى معادن الخيبة) أي المحلات التي تخيّب الإنسان إذا رجاها والمراد منهم ما سوى الله سبحانه ومواضع الريبة) أي الشك، فإنَّ المخلوق موضع شك في أنه هل يتفضل أم لا؟

(و) قد (عدلت) يا رب بلساني عن مدائح الآدميين) أي المنسوبين إلى آدم (والثناء على المربوبين المخلوقين وإنما نسب العدل إليه تعالى. لأنه وحده تفضل، فلم يبق مجالاً لتفضل غيره حتى يستحق المدح تعالى، وهذا من باب النسبة إلى السبب، والمراد بهذه الجمل، السبب الأول الحقيقي في الإنعام ، وإلا فلكل منعم من النّاس حق المدح والثناء .

(اللَّهم ولكل مثن) أي عامل للثناء مادح لشخص على من أثنى عليه مثوبة) أي ثواب وجزاء، فإنَّه مصدر ميمي (من جزاء) بقدر الثناء (أو عارفة من عطاء) أي عطاء معروف أكثر من الجزاء (وقد رجوتك) يا إلهي دليلاً على ذخائر (الرحمة أي أن الرجاء هو أن تدلني على الرحمة المدخرة عندك للصالحين (وكنوز المغفرة) أي غفران الذنب.

(اللّهم وهذا مقام) أي أنا قائم في هذا المقام (من أفردك بالتوحيد) ای

الَّذِي هُوَ لَكَ، وَلَمْ يَرَ مُسْتَحِقَّا لِهَذِهِ المَحَامِدِ وَالْمَمادِحَ غَيْرَكَ ، فَاقَةٌ وبِي إِلَيْكَ لا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلا فَضْلُكَ ، وَلا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلا مَنكَ وَجُودُكَ ، فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَام رِضَاكَ، وَأَغْنِنَا عَنْ مَدْ الأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) !


جعلك واحداً لا شريك لك .

(الذي هو لك) وهذا لتأكيد أن التوحيد ليس إغراقاً، وإنما حقيقة واقعة في مقابل صفات المخلوقين التي قد يدعي الإنسان أنها لهم، وليست واقعاً بل إغراقاً ومبالغة وتملقاً (ولم ير مستحقاً لهذه المحامد جمع محمدة، مصدر ميمي بمعنى الحمد (والممادح غيرك) وقوله [ولم] عطف على [أفردك] .

(وبي فاقة) أي حاجة شديدة (إليك لا يجبر مسكنتها) المسكنة شدة الفقر التي توجب سكون صاحبها عن الحركة التجارية والزراعية وما أشبه - مما يتحرك بها أهل الثروة - (إلافضلك) وإحسانك (ولا ينعش من خلتها) أي ،فقرها والإنعاش ما يوجب النشاط والحركة (إلا منّك) أي إحسانك (وجودك) بالإعطاء والإكرام (فهب لنا في هذا المقام) الذي أنا فيه (رضاك) بأن ترضى عنا (واغننا) بإعطائنا حوائجنا (عن مد الأيدي) أي بسطها للاستعطاء (إلى سواك) أي غيرك (إنك على كل شيء قدير).

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان

دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ، لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ .


التوضيح:

(دعوني والتمسوا غيري) أي اطلبوا للبيعة غيري ليكون رئيساً على المسلمين (فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان) أي في الخلافة - بعد مقتل عثمان - اضطرابات وارتباكات فإنَّ أراد الخليفة أن يعمل بالكتاب والسنة والعدل والحق يقوم في وجهه المعارضون الذين اعتادوا الرشوة والظلم وهضم حقوق الضعفاء وإن أراد الخليفة الانحراف ومسايرة الظالمين كما فعل عثمان، كان حائداً عن الكتاب والسنة.

وحيث أنّ الإمام لا يريد إلا الحق كان يعلم عدم استقامة الأمر له ف(لا تقوم له) أي لهذا الأمر الذي هو الخلافة (القلوب) أي لا تتحد في الالتفاف حوله ولا تثبت عليه العقول) بل العقول التي تقبله أول الأمر ترده آخر الأمر (وإن الآفاق قد أغامت) أي غطيت بالغيم، وهذا كناية عن خروج الأمر عن الحالة الطّبيعيّة، كما تخرج الآفاق بالغيم عن ذلك . (والمحجّة) أي الطريق (قد تنكرت) أي ذهبت معالمها فلا تعرف

وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ، وَلَمْ أُصْعْ إِلَى قَوْلِ الْقَائِل وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ، وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنّي أَمِيراً!


واعلموا أني إن أجبتكم إلى قبول الخلافة الظاهرية ركبت بكم ما أعلم أي سرت بكم في طريق الحق، كما يركب القائد الناس في مراكبه ولم أصغ) أي لا أسمع إلى قول القائل) الذي يقول في ما يشاء ) وعتب العاتب الذي يعتب لماذا تركت سيرة الخلفاء (وإن تركتموني) ولم تبايعوني (فأنا كأحدكم) في أنه لا تبعة عليكم مني، ولا أفسد الأمر عليكم .

( ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم) أي للخليفة الذي تنصبونه (وأنا لكم وزيراً) بأن تجعلون الخليفة غيري (خير لكم منّي أميراً) أي خليفة .

ولا يقال : كيف جاز للإمام أن يرفض الخلافة؟

لأنه يقال : الإمام لم يرفض وإنّما بيّن طريقته في هذا الأسلوب - فالأسلوب مجاز عن الطريقة لا أنه رفض حقيقي - ولذا قال في النهاية [خيرلكم] أي من جهة الدنيا لا أنه خير في نظر الواقع والحقيقة، والله أعلم .

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

فی عمله علیه السلام واعمال بنی امیه

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي فَقَاتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِى عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا، وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا .


التوضيح :

(أما بعد) أي بعد الحمد والصلاة (أيها الناس فإني فقأت الفتنة) فقأ عين العين بمعنى قلعها والظاهر أن المراد بالفتنة الخوارج، حيث أن اجتثاثهم كان صعباً جداً، إذ أنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام والزهد فلم يكن أحد يجترئ على تكفيرهم ومحاربتهم لولا الإمام الذي كان أشد ملازمة منهم لأحكام الإسلام، وأزهد منهم عند الخاص والعام، وهذا شيء واضح. فإنّ الذين يتظاهرون بالذين لا يتمكن من إسقاط منزلتهم وزحزحتهم إلا الأشد تمسكاً والأقوى أخذاً بتعاليم الإسلام وأحتمل أن يراد بالفتنة جميع الفتن التي وقعت في زمان الإمام التي لولا الإمام لم يتمكن أحد من قلعها .

( ولم يكن ليجترئ عليها) أي على الفتنة واجتثاثها(أحد غيري) لما ذكرنا (بعد أن ماج) شمل واضطرب(غيهبها) أي ظلمتها بأن شملت ظلمتها الناس حتى الأخيار، فإنّ بعض الفتن تشمل الخواص كما تشمل العوام.

(واشتدّكلبها) الكلب داء يصيب الكلاب ويسمّى حينئذ بالكلب العقور فإذا عض أحداً مات إن لم يسرع إلى الدواء، وكان أمر الخوارج هكذا يفسد الناس بمجرد وصوله إليهم.

فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَلا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مَائَةً وَتُضِلُّ مِائَةً إِلا أَنْبَأْتُكُمْ بنَاعِقِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا ،


وإذا كنت الإمام القادر على أمور الدنيا والدين (فاسألوني) عن كلّ ما تشاؤون قبل أن تفقدوني بالموت والخروج من بين أظهركم.

(فوالذي نفسي بيده) قسم بالله سبحانه الذي نفس الإمام بيده يوجهها كما يشاء (لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة) أي يوم القيامة، وإنّما سمّيت بالساعة، لتجدّد الساعة هناك - وكما يقال الآن [ساعة الصفر] لابتداء الثورات ..

(ولا) تسألوني ( عن فئة) أي جماعة (تهدي مائة وتضل مائة) الواو بمعنى ،أو ، وإنما خصص هذا بالذكر، لأن ابتداء الكلام كان في الخوارج الذين أضلوا الناس .

(إلا أنبأتكم) أي أخبرتكم (بناعقها) أي الداعي إلى تلك الهداية، أو الضلالة - المفهوم من قوله تهدي وتضل ..

(وقائدها) الذي يقود أولئك المائة ويحتمل أن يراد بالضمير في [ناعقها ] : المائة، على ضرب من المجاز (وسائقها) والفرق أن القائد هو الذي يتقدم والسائق هو الذي يتأخر .

وإنما لم يذكر الإمام علیه السلام المتعلق [لاتسألوني] اكتفاء بذكر متعلق [ولاعن فئة] على حد قول الشاعر :

نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راض والرأي مختلف

وقوله : [علقتها تبناً وماء بارداً] .

وَمُنَاخِ رِكَابِهَا، وَمَحَطَّ رِحَالِهَا، وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً، وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً. وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الأُمُورِ، وَحَوَازِبُ الْخُطُوب، لأطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ، وَفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ المَسْؤُولِينَ، وَذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ، وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ،


(ومناخ ركابها) المناخ بضم الميم محل بروك القافلة من أناخ وركاب الراكب مقابل راجل .

(ومحط رحالها) أي المحل الذي يحط رحل الإبل والفرس ومن المعلوم أن محل الإناخة، غير محط الرحال.

(ومن يقتل من أهلها) أي أهل تلك الفئة (قتلا) في مقابل الموت (ومن يموت منهم موتاً) في مقابل القتل ( ولو قد فقد تموتي ونزلت بكم كرائه الأمور) جمع كريهة وهي الأمور الشديدة التي لا يعلم حلّها وعلاجها (وحواز الخطوب) جمع حازب وهو الأمر الصعب، وخطوب جمع خطب الداهية والأمر الشديد.

(لأطرق كثير من السائلين) أطرق برأسه إذا نكسه فلم يرفعه تحيراً، وهذا كناية عن تحيّرهم في الأمر لا يدرون من يحل لهم المشكلة ويرشدهم طريق الصواب .

(وفشل كثير من المسؤولين) لا يعلمون الجواب ولا يهتدون إلى طريق الصواب (وذلك إذا قلصت حربكم) أي تمادت واستمرت وأصل التقلص التقبّض، يعني عدم انفراجها وانكشاف غمتها .

(وشمرت عن ساق) فإنَّ الإنسان إذا أراد الجدّ في العمل رفع ثوبه عن ساقه-وهو التشمير-لئلا يمنعه فاضل الثوب عن الإسراع في العمل

وَضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً ، تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلاءِ عَلَيْكُمْ ،حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ لِبَقِيَّةِ الأَبْرَارِ مِنْكُمْ .

إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرْنَ مُقْبِلاتِ، وَيُعْرَفْنَ مُدبِرَاتٍ، يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ ، يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِتْنَ بَلَداً


والجملة تشبيه بهذا الإنسان كناية عن جدّ الحرب واستعارها .

(وضاقت الدنيا عليكم ضيقاً) بأن لا تجدوا مفراً وملجاً عن المشكلة والكارثة (تستطيلون معه) أي مع ذلك الضيق .

(أيام البلاء عليكم) فإنّ الإنسان الواقع في البلية يستطيل الأيام، بعكس الإنسان الذي في الهناء والرفاه.

(حتى يفتح الله لبقية الأبرار منكم) والفتح وإن كان عاماً لكنه إنما يأتي بملاحظة الأبرار ولذا نسب إليهم.

(إنّ الفتن إذا أقبلت شبهت) يعني يشتبه فيها الحق بالباطل، ويلبس الباطل لباس الحق فيغر به من قلت معرفته وضئلت تجربته .

(وإذا أدبرت) بأن انزاحت (نبهت) ودلّت على مواقع الخطأ فيها، فإن الإنسان يفكر ويرجع إليه صوابه فيرى موقع الحق من الباطل.

(ینكرن) أي ،الفتن والمعنى لا يعرف كونها فتنةً وباطلاً (مقبلات) أي في حال إقبالها ويعرفن (مدبرات) فيعرف النّاس - لدى إدبار الفتن - أنها كانت فتنة وباطلاً (يحمن ) أي الفتن (حوم الرياح ) أي مثل حركة الرياح من حام بمعنی دار . (يصبن) الفتن ( بلداً ويخطئن بلدا) فتشمل الفتنة بلداً دون بلد كما أن

أَلَا إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةً: عَمَّتْ خُطْتُهَا، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا ، وَأَصَابَ الْبَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا، وَأَخْطَاً الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا . وَأَيْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنْ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوْءٍ بَعْدِي،


الرياح تشمل بلداً دون بلد .

(ألا إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية) وذلك لأنّهم حرّفوا الإسلام باسم الإسلام، وحيث كانت السلطة بأيديهم، تمكنوا من ترسيخ قواعد الكفر في المجتمع، مما كوى المسلمون بنارها إلى يومنا هذا بعد أربعة عشر قرناً - وقد كانت الجمل السابقة من قوله [ إن الفتن) مقدمة لهذه النتيجة ..

(فإنها فتنة عمياء) كالأعمى الذي لا يبصر الطريق فيضل ويسقط في المهاوي (مظلمة) وهذان وصفان لشدّة جهالة الحق فيها واختلاطه بالباطل.

(عمّت خطّتها) لأنها كانت رئاسة عامة للبلاد الإسلامية فلا منجى منها (وخصت بليتها لآل البيت عليهم السّلام، حيث أنها كانت ضدهم، أو المراد خصت بليتها أهل الحق وليست كالفتن التي تشمل أهل الحق وأهل الباطل.

(وأصاب البلاء من أبصر فيها) أي في تلك الفتنة، فإن من عرف أنها فتنة وأراد تجنّبها إلى الحق نزل به بلاء الاضطهاد من بني امیه.

(وأخطأ البلاء من عمي عنها) أي من لم يبصر أنها فتنة فجاراهاوسايرها، فإنّهم لم يكونوا يتعرضون لمن لم يعارضهم .

(وأيم الله لتجدنّ) أيّها المسلمون ( بني أمية لكم أرباب سوء بعدي) أي قادة سوء يعملون سوءاً ويأمرونكم بالسوء .

كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا ، وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا، وَتَؤْمِنُ بِرِجْلِهَا، وَتَمْنَعُ دَرَّهَا . لا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلا نَافِعًا لَهُمْ ، أَوْ غَيْرَ ضَائِرِ بِهِمْ، وَلا يَزَالُ بَلاؤُهُمْ حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلا كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ، تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةٌ، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً،


(كالناب الضّروس) النّاب الناقة المسنة، والضروس السيّئة الخلق التي تعض بضرسها حالبها.

(تعذم) أي تعض (بفيها وتخبط بيدها) أي تضرب الأرض وتخلط الحسن بالسيئ.

(وتزين) أي تضرب (برجلها) فترفس الناس وتكسر الأشياء وهكذا.

(وتمنع درها) أي حليبها فلا تعطي اللبن (لا يزالون بكم أي بنو أمية (حتى لا يتركوا منكم أحداً إلا نافعاً لهم) يؤيدهم (أو غير ضائر بهم) لا ينهاهم عن المنكر .

(ولا يزال بلاؤهم) يتمادى ويستمر (حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم) إذا أراد كفهم عن ظلمه أو أخذ حقه منهم، (إلا كانتصار العبد من ربه) أي سيده، فكما لا يتمكن العبد أن ينتصر من سيّده، كذلك لا تتمكنون من الانتصار عليهم .

(و) انتصار (الصاحب من مستصحبه) أي التابع من متبوعه والذليل ممّن أذلّه (ترد عليكم) أيها الناس (فتنتهم) أي فتنة بني أمية (شوهاء) قبيحة المنظر . أي مشوّهة الخلقة (مخشية) أي مخوفة مرعبة .

(وقطعاً جاهلية) فإنّهم يعيدون الأخلاق الجاهلية، فكل خلق منها كقطعة

لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدى وَلا عَلَمْ يُرَى نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ، وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ ، ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيج الأديمِ، بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً ، وَيَسُوقُهُمْ عُنْفاً، وَيَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةِ


من قطع الجاهلية قبل الإسلام (ليس فيها) أي في فتنتهم (منارهدى )محل للنور يعرف به الطريق.

(ولا علم يرى) أي دليل يسير عليه السائر يراه فيسير نحوه لئلا يضل .

( نحن أهل البيت) المراد الأئمة الطاهرون (منها) أي من فتنة بني أمية (بمنجاة) أي في محل نجاة لا تشملنا وهذا تحريض للناس للتمسك بأهل البيت إذا أرادوا النّجاة من تلك الفتنة - بمعنى عدم الوقوع في الباطل والإثم .

(ولسنا فيها بدعاة) جمع داع، فإن أهل البيت كانوا مخالفين لبني أمية لا داعين إليهم .

(ثم يفرجها الله عنكم) بزوال ملكهم(كتفريج الأديم) هو الجلد، أي كما يسلخ الجلد عن اللحم (بمن) أي يكون الفرج على يد من (يسومهم خسفاً) أي يذل بني أمية يقال سامه خسفاً إذا أذله (ويسوقهم عنفاً) يريد بالسوق تنحيتهم عن أريكة السلطة، والمراد بأولئك بني العباس، وليس هذا مدحاً لهم بل نقلاً وحكاية، كما قال سبحانه عن بخت نصر« بَعَثْنَا عَلَيّه عِبَادًا لَّنَا أُولى بأسٍ شَدِيدٍ» (1).

(ويسقيهم بكأس مصبّرة) أي مملوءة إلى أصبارها - جمع صبر بمعنى الحاشية والطرف - وهذا كناية عن ألوان الانتقام منهم وتعميم التعذيب


1) سورة الإسراء:5.

لا يُعْطِيهِمْ إِلا السَّيْفَ ، وَلا يُحْلِسُهُمْ إِلا الْخَوْفَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ - بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا - لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً ، وَلَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ ، لأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونَنِي


والاستئصال لهم (لايعطيهم إلا السيف) كناية عن سعة القتل فيهم فلا أمان لهم (ولا يحلسهم ) أي لا يلبسهم - يقال أحلس البعير إذا ألبسه الحليس وهو الكساء الذي يوضع على ظهره - .

(إلا الخوف) يعني أنه يغشى فيهم الخوف .

(فعند ذلك تود قريش - بالدنيا وما فيها - لو يرونني) فإنَّ أبا مسلم إنما- قام في مقابلة الأمويين لنصرة العلويين فكانت قريش تود أن ترى الإمام لتعطيه حقه وقوله : [بالدنيا] أي كانوا يحبون رؤيته علیه السلام في مقابل إعطائهم الدنيا وما فيها لما لاقوه من بني العباس .

(مقاماً واحداً ولو قدر جزر جزور جزور) الناقة التي تجزر أي تنحر أي أن قريش تود رؤيتي ولو بمقدار نحر بعير - في مقام واحد - فإنَّ الإنسان في السراء يحب أن يرى أصحابه وأهله ليرى سرورهم خصوصاً إذا كان السرور لمن ظلم(لأقبل منهم) أي أتسلّم وآخذ من قريش.

(ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني) هؤلاء القوم - من النصفة والحق-) أي يحبون أن يروني لأقبل منهم السلطة العامة مما أطلب اليوم بعضه. فإنَّ الإمام علیه السلام كان يطلب ضم الشام - الذي هو بعض السلطة - فلا يعطيها معاوية وفي بعض الشروح تفسير [تود قريش] بحب بني أمية لذلك - لكن ما ذكرناه أظهر - والله العالم .

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

فيها وصف الله والرسول وآل البيت علیهم السلام، ثم الوعظ والإرشاد

فَتَبَارَكَ اللهُ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَم، وَلا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ ، الأَوَّلُ الَّذِي لا غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ ، وَلا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِيَ .

منها : فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ، وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٌّ ،


التوضيح :

(فتبارك الله) من برك بمعنى ،ثبت أي أنه سبحانه ثابت لا يزول ومنه سميت البركة، لأنها تبقى ولا تفنى بسرعة (الذي لا يبلغه بعد الهمم) جمع همّة، أي أن الهمة البعيدة لا تبلغ كنه معرفته سبحانه لتعذرها على البشر (ولا يناله حدس ) هو الظن ( الفطن) جمع فطنة بمعنى الذكاء .

(الأول الذي لا غاية له) أي لا آخر لوجوده تعالى (فينتهي) وينعدم (ولا آخر له فينقضي) وكأنه بالنسبة إلى ذات الشيء، والوصف السابق باعتبار ظرفه، مثلاً إذا سار زيد إلى الكوفة فالكوفة غاية، وإذا كان عمره إلى ذلك الوقت فله آخر هناك - وإلا فالوصفان بمعنى واحد أو يتكلف : بأن لا غاية بمعنى [لا ابتداء].

(منها) في وصف الأنبياء (فاستودعهم) الله، أي أودعهم في أفضل مستودع أي أصلاب الرجال وأقرهم في خير مستقر أي أرحام النساء.

تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الأَصْلابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الأَرْحَامِ، كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ، قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللهِ خَلَفٌ. حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً ، وَأَعَزّ الأرومَاتِ مَغْرِساً ، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَ مِنْهَا أَمَنَاءَهُ.


(تناسختهم) أي تناقلتهم (كرائم الأصلاب) أي الأصلاب الكريمة والصلب في ظهر الرجل موضع مائه (إلى مطهّرات الأرحام) أي أرحام النساء المطهرة عن الزنا والكفر وما أشبه فمثلاً الرسول صلى الله عليه وسلم أودع في صلب آدم علیه السلام ثم انتقل إلى رحم [حواء] وهناك أودع في صلب [هابيل] وانتقل إلى رحم [زوجته] وهلم جرّاً .

(كلما مضى منهم) أي من الأنبياء (سلف) بأن مات أحدهم (قام منهم بدين الله)أي لإقامة دينه (خلف) يخلف مكانه ليؤدّي رسالة ربه (حتى أفضت أي انتهت(كرامة الله) بالنبوة (إلى محمد صلی الله علیه و آله وسلمفأخرجه) أي الرسول (من أفضل المعادن منبتاً) المنبت اسم مكان بمعنى محل النبات والمراد[بني هاشم] .

( وأعز الأرومات) جمع أرومة بمعنى الأصل (مغرساً) موضع الغرس (من الشجرة التي صدع منها أنبياءه) يقال صدع فلاناً إذا قصده لكرمه، أي خصهم بالنبوة، والمراد بها شجرة إبراهيم علیه السلام الذي تفرع الذي تفرع منه أنبياء بني إسرائيل الكثار وغيرهم .

(وانتجب) أي اختار (منها) أي من تلك الشجرة (أمناءه) المأمونين على تبليغ الشريعة .

عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الأَسَرِ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ، وَبَسَقَتْ فِي كَرَمِ، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ، وَثَمَرَةٌ لا تُنَالُ، فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ، وَشِهَابٌ سَطَعَ ، نُورُهُ، وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ، سِيرَتُهُ الْقَصْدُ، وَسُنَتُهُ الرَّشْدُ ، وَكَلامُهُ الْفَضْلُ، وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ،


( عترته) عترة الرجل أهله الأقربون أي أن أهل بيت الرسول صلی الله علیه و آله وسلم (خير العتر) جمع عترة ( وأسرته) رهطه وجماعته (خير الأسر) جمع أسرة ( وشجرته خير الشجر) الشجر للجنس والشجرة للفرد نحو تمر وتمرة وبقر وبقرة (نبتت) شجرة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم (في حرم) مكة (وبسقت) أي ارتفعت (في كرم) فكلهم كرماء أذكياء لها فروع طوال لامتداد ذرية الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

( وثمرة لا تنال) أي أن عزه وسؤدده لا ينال فلا يتمكن أحد من الوصول إلى هذه المرتبة الرفيعة فهو إمام من اتقى لأنه صلی الله علیه و آله وسلم المعلم والمرشد والأسوة.

(وبصيرة) أي سبب بصيرة (من اهتدى) إلى الحق (سراج) أي مصباح (لمع) وأشرق (ضوؤه) فكما يضيء المصباح كذلك الرسول لا يضيء بالإرشاد والهداية.

(وشهاب) هو النيزك يرى بالليل ينقض في السماء (سطع) أي ارتفع (نوره) فرآه كل أحد (وزند) هو ما يقدح من الحجر لإخراج النار (برق لمعه) أي نوره (سيرته القصد) يعني التوسط في الأمور بلا إفراط ولا تفريط (وسنته) أي طريقته (الرّشد) لا غي في سنته صلی الله علیه و آله وسلم.

(وكلامه الفصل) بين الحق والباطل (وحكمه العدل) لا يجور في

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ، وَغَبَاوَةٍ مِنَ الأُمم . اعْمَلُوا، رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى أَعْلامِ بَيْنَةِ، فَالطَّرِيقُ نَهْجُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَأَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَفَرَاغِ ، وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ،


الحكم أو أن أحكامه كلها عادلة لا انحراف فيها (أرسله) الله سبحانه (على حين فترة من الرسل) الفترة الزمان بين الرسولين (وهفوة) أي انحراف الناس ( عن العمل الصالح ( وغباوة) أي جهل ( من الأمم) بما يصلح دنياهم وآخرتهم .

(اعملوا) أيها الناس (رحمكم الله) دعاء في صورة الجملة الخبرية (على أعلام بيّنة أي واضحة والمراد بالأعلام أحكام الكتاب والسنّة، فإنّها أعلام لطريق الحق والهدى .

(فالطريق) إلى الحق (نهج) واضح مستقيم ( يدعو إلى دار السلام) فاعل يدعو [الطريق] ودار السلام هي الجنّة، لأنها دار سلامة، كما قال سبحانه :«لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ» ؟ (1).

(وأنتم في دار مستعتب) أي طلب العتبى - بمعنى الرضا - فإنَّ الدنيا دار يطلب من الإنسان - فيها - أن يرضي ربه وهذا كناية عن أن للإنسان وقتاً للعمل الصالح .

(على مهل) أي مهلة من العمل ( وفراغ) فلا اشتغال للإنسان بما لا يتمكن من العمل الصالح بسببه (والصحف) جمع صحيفة - التي يكتب فيها عملكم - (منشورة) فلكم إمكان أن تزيدوا وتنقصوا في أعمالكم.


1) سوره الانعام 137.

والأقلامُ جَارِيَةٌ، وَالأبْدَانُ صَحِيحَةٌ ، وَالألْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالتَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ، وَالأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ .


(والأقلام جارية) بالكتابة لكم أو عليكم، فيمكنكم التدارك (والأبدان صحيحة) لا مرض فيها (والألسن مطلقة) لا خرس لها، والجملتان من باب الغالب-كما لا يخفى-(والتوبة مسموعة) لا كالآخرة التي لا تقبل التوبة فيها ( والأعمال مقبولة) فمن عمل صالحاً قبل منه ورفع به درجته .

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

في فضيلة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم

بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلالٌ فِي حَيْرَةِ، وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةِ، قَد اسْتَهْوَتْهُمُ الأَهْوَاءُ ، وَاسْتَزَلَتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ ، وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاءُ ، حَيَارَى فِي زَلْزَالِ مِنَ الأمْرِ، وَبَلاءِ مِنَ الْجَهْل فَبَالَغَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ


التوضيح:

(بعثه) الله سبحانه (والنّاس ضلال) جمع ضال (في حيرة) لا يعرفون طريق الصواب (وحاطبون في فتنة) أي كانوا يخوضون في الفتن لا يهتدون إلى الحق، ولا يجدون للخلاص سبيلاً (قد استهوتهم الأهواء) أي أن الميول والشهوات أخذتهم إلى جانبها (واستزلتهم الكبرياء) أي أدت كبريائهم وانصرافهم عن الحق إلى الزلة والسقوط في المفاسد.

( واستخفتهم الجاهلية الجهلاء) أي جعلتهم الجاهلية خفافاً، تسوق بهم إلى المهالك والمضار والجاهلية صفة لأقوام ما قبل الرسالة، حيث كان الناس يغوصون في بحار الجهل والآثام، والجهلاء مبالغة في وصفها بالجهل.

(حيارى) جمع حيران (في زلزال من الأمر) أي أن أمورهم لم تكن مستقرة بل مضطربة.

(وبلاء من الجهل) فجهلهم كان بلاة عليهم (فبالغ) الرسول (صلى الله عليه

وَآلِهِ فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.


(وآله في النّصيحة) لهم بترك الكفر والآثام (ومضى على الطريقة) الصحيحة يدعو الناس لاتباعه .

(ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة) أي دعا النّاس بأن يكونوا حكماء عارفين، ويعظون النّاس موعظة حسنة، لا عنف فيها ولا تجهم ولا إيذاء.

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

فيها حمد الله، وتمجيد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم

اشارة

الْحَمْدُ لله الأَوَّلِ فَلا شَيْءَ قَبْلَهُ ، وَالآخِرِ فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ، وَالظَّاهِرِ فَلا شَيْءٍ فَوْقَهُ، وَالْبَاطِنِ فَلا شَيْءَ دُونَهُ .


التوضيح :

( الحمد لله الأول فلا شيء قبله) فهو واجب الوجود، فهو أزل، ولا شيء غيره إلا ممكن الوجود فيسبق عدمه وجوده، مهما طال به الزمن في طرف الأزل .

(والآخر فلا شيء بعده) لأنه سبحانه يبقى بعد فناء جميع الأشياء والدليل عليه هو [ وجوب الوجود كما ذكرنا .

(والظاهر فلا شيء فوقه) والمراد بالظاهر العالي منزلة الرفيع قدراً، ولذا وصفه بقوله [فلا شيء فوقه] أي من حيث الرتبة والشرف.

(والباطن فلا شيء دونه) في تبطن الأشياء وعرفان كنهها والمراد البطون بالعلم لا بالمكان، كما هو واضح .

ومنها في ذكر الرسول

مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرُ ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ، فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ، وَمَمَاهِدِ السَّلامَةِ، قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الأَبْرَارِ، وَتُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الأبْصَارِ، دَفَنَ اللهُ بهِ الصَّغَائِنَ ،


(مستقرّه)صلی الله علیه و آله وسلم أي محل قراره وهو مكة أو المراد رحم أمه صلی الله علیه و آله وسلم (خير مستقر ) فإنَّ مكة هي أم القرى،وبيت الله الحرام، وإن أريد قرار نطفته، فلطهارة والدة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وأصالتها .

(ومنبته) أي:آباؤه الذين نبت صلی الله علیه و آله وسلم منهم (أشرف منبت) لأنهم المختارون لهذا الرسول العظيم (في معادن الكرامة) فأجداده صلی الله علیه و آله وسلم كانوا كرماءأذكياء، كأنهم معدن لهذا الوصف.

(ومماهد) جمع ممهد والمراد المهد - فهو اسم مكان من أمهد أي هيأالمكان الحسن للاستقرار - (السلامة) فإنّ الرسول صلی الله علیه و آله وسلم كان من آباء كلهم سالمون عن الكفر والسفاح وسائر الأرجاس.

(قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار) أي أن قلوبهم مصروفة نحوه لاتخاذ العلم والعمل منه ، فإنَّهم يتأسون به ويقتدون بسيرته وسنته .

(وثنيت إليه ) صلی الله علیه و آله وسلم (أزمة الأبصار) أزمة جمع زمام وانثناء الأزمة كناية عن تحوّل الأبصار إليه كما أن انثناء أزمة الدابة إنما يكون إذا أريد تحولها إلى اتجاه آخر .

(دفن) الله سبحانه (به) أي بالرسول صلی الله علیه و آله وسلم (والضغائن) أي الأحقاد بما أوجد في قلوبهم من المحبة والألفة .

وَأَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ أَلْفَ بِهِ إِخْوَانَا ، وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرَانَا ، أَعَزَّ بِهِ الذُّلَّةَ ، وَأَذَلُّ بِهِ الْعِزَّةَ. كَلامُهُ بَيَانٌ، وَصَمْتُهُ لِسَانُ .


( وأطفأ به الثوائر) جمع ثائرة وهي العداوة التي تثور وتثب للإضرار (ألف) الله سبحانه ( به ) صلی الله علیه و آله وسلم : ( أخواناً ) فجعل كل مسلم أخاً للآخر - كما قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » (1).

(وفرق) سبحانه (به) صلی الله علیه و آله وسلم (أقراناً) الذين كانوا يألفون على الشرك والعصيان فمن آمن منهم فرق عمّن بقي على كفره.

( أعز ) سبحانه (به) صلی الله علیه و آله وسلم و الذلّة) التي كانت تشمل العرب وسائر الناس، فيما قبل الإسلام.

( وأذل) سبحانه ( به) صلی الله علیه و آله وسلم(العزة) للكافرين والعصاة فأصبحوا أذلاء بعد أن كانوا أعزّة .

(كلامه) صلی الله علیه و آله وسلم (بيان) للحق، ليس هدراً ولغواً.

(وصمته لسان) فإن سكوته صلی الله علیه و آله وسلم دليل على العدم والترك، فإذا سكت عن شيء دلّ على أنه ليس بمنكر ، لأن قوله وفعله وتقريره كلها حجّة.


1) سورة الحجرات: 10 .

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

في حال أصحابه وأصحاب الرسول صلى الله عليه وآله سلم

وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ، وَبِمَوْضع الشَّجَا مِنْ مَسَاعْ رِيقِهِ. أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ ،


التوضيح :

(ولئن أمهل) الله (الظالم) ولم يعجل في عقابه فلن يفوت (أخذه أي لا يذهب عنه تعالى أن يأخذه وينتقم منه (وهو) سبحانه (له) أي للظالم (بالمرصاد) هو موضع الرصد والترقب كأنه سبحانه واقف في طريق الظالم يراقبه حتى إذا وصل إليه - وحان وقته - أخذه أخذ عزيز مقتدر. .

(على مجاز طريقه) المجاز محل العبور من جاز بمعنى مرّ (وبموضع الشجا) الشجا ما يعترض في الحلق من عظم ونحوه (من مساغ ريقه) أي ممره من الحلق، فإنَّ ماء الفم يمرّ من الحلق بسهولة إلى الباطن، وهذا تمثيل لقرب ترقب الله سبحانه للظالم، حتى كأنه سبحانه في حلقه، فإذا أراد أخذه جعل هناك شجا فلا يتمكن من شرب الماء .

(أما والذي نفسي بيده) أي الله سبحانه الذي روح الإنسان تحت قدرتهوهذا حلف فيه نكتة لطيفة ..

( ليظهرنّ) أي ليغلبن وليتسلطن (هؤلاء القوم) معاوية وأتباعه (عليكم

لَيْسَ لأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، وَلكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ ، وَإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي . وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا، وَأَصْبَحتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي . اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَدَعَوْتُكُمْ سِرًا وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، أَشُهُودٌ كَغُيَّابٍ،


ليس لأنهم أولى بالحق منكم) حتى ينطبق عليهم [الحق يعلو ولا يعلى عليه].

(ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم) معاوية أي أنه إذا أمرهم بأمر أسرعوا في تلبيته فينتهزون كل فرصة والعامل - دائماً - مقدم على الكسول العاطل (وإبطائكم عن حقي) أي عن الحق الذي آمركم به.

(ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها) جمع الراعي، أي حكّامها فإنّ الناس يخافون من ظلم السلاطين والحكام.

(وأصبحت) بالعكس من ذلك (أخاف ظلم رعيتي) بأن تظلمني في عدم الإطاعة وعدم السير على الخطة التي أنهجها لهم (استنفرتكم للجهاد) أي طلبت منكم النفر والسير لجهاد أهل الشام (فلم تنفروا) ولم تسيروا .

(وأسمعتكم فلم تسمعوا) أي أسمعتكم سوء العاقبة إذا لم تحاربوا هؤلاء، لكنكم ما أطعتم كالذي لا يسمع .

(ودعوتكم) إلى الحق (سرّاً) فرادى وفي الخلوات (وجهراً) جماهيراً وفي الاجتماعات (فلم تستجيبوا) ولم تقبلوا النصح والإرشاد.

(ونصحت لكم) فيما ينفعكم (فلم تقبلوا) نصحي ولم تسيروا وفق منهجي (أشهود كغياب)؟ استفهام إنكار أي كيف أنتم حاضرون في حال

وَعَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ ! أَتْلُو عَلَيْكُمُ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا ، وَأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا ، وَأَحْتُكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرْقِينَ أَبَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ، وَتَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ،


كونكم - في عدم الانتفاع - كالغائبين الذين لا يسمعون الكلام .

(وعبيدكأرباب) أن العبد يحتاج إلى الإخافة في الإطاعة، وهؤلاء كانوا عبيداً لكنهم كأرباب لا رب لهم وهذا الكلام في غاية الجمال والبلاغة في الازدراء بهم.

( أتلو) أي أقرأ ( عليكم الحكم) جمع حكمة وهي الموعظة (فتنفرون منها) بعدم العمل بمضامينها ( وأعظكم بالموعظة البالغة) التي تبلغ غاية الإرشاد والإيضاح (فتتفرقون عنها) أي لا تجتمعون على الأخذ بها والاتعاظ منها .

(وأحثكم) أي أحرضكم (على جهاد أهل البغي) أي أهل الظلم وهم معاوية وأتباعه (فما آتي على آخر قولي) في الحث والتحريض (حتى أراكم متفرقين) يذهب كل فريق إلى داره ومحله (أيادي (سبأ) جمع أيدي وهي النعمة، أي كما تفرقت نعم [سبأ] وهي مدينة في اليمن، حكى القرآن الحكيم قصتها في قوله: «لَقَدْ كَانَ لِسَمَاء فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ» (1)، وقيل غير ذلك ، ثم صار [أيادي سبأ] مثلاً في شدة التفرق والاختلاف .

(ترجعون إلى مجالسكم) بلا اهتمام للجهاد (وتتخادعون) أي يخدع بعضكم بعضاً (عن مواعظكم) التي وعظتكم بها، فلا ترون لها قيمة وثمناً.


1) سورة سبأ: 15 .

أَقَوْمُكُمْ عُدْوَةً، وَتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةَ ، كَظَهرِ الْحَنِيَّةِ، عَجَزَ الْمُقَوْمُ ، وَأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ . أَيُّهَا القَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ المُبْتَلَى بِهِمْ . مَرَاؤُهُمْ . صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ . لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَني بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَم ، فَأَخَذَ مِنّي عَشَرَةً مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ !


(أقومكم) بالنصح والإرشاد وأجمعكم (غدوة) أي صباحاً (وترجعون إليّ عشية) أي ليلاً (كظهر الحنية) أي القوس سميت بها لانحنائها (عجز المقوم) عن تقويمكم، وهذه جملة خبر للتأفيف والتضجر (وأعضل المقوم) أي استصعب وعصى من يراد قوامه واستقامته .

(أيها القوم) الجماعة (الشاهدة أبدانهم) أي الحاضرة في محضري (الغائبة عنهم عقولهم)كناية عن عدم رشدهم وإدراكهم (المختلفة أهواؤهم) فلكل هوى وميل واتجاه بلا اجتماع على الحق (المبتلى بهم أمراؤهم) فإنَّ أمراء العراق ما كانوا يعلمون ماذا يصنعون بهؤلاء، ولذا دل التاريخ على كثرة التقلبات في هذه البلاد بما يقل مثلها في سائر المدن والبلاد .

(صاحبكم) يعني الإمام ب[الصاحب ] نفسه الطاهرة ( يطيع الله في أوامره ونواهيه (وأنتم تعصونه) بالمخالفة والتفرق واتباع الأهواء .

(وصاحب أهل الشام) وهو معاوية (يعصي الله) فلا يطيع أوامره، ولا يرتدع عن زواجره (وهم يطيعونه) في باطله (لوددت) أي أحببت .

( والله - أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم) المصارفة تعويض نقد بنقدآخر (فأخذ منّي عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم) فإنَّ الدّينار

يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاثِ وَاثْنَتَيْنِ : صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعِ، وَبُكُمْ ذَوُو كَلام، وَعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارِ ، لا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللقَاءِ، وَلا إخْوَانُ ثِقَة عِنْدَ الْبَلاء !


-كان-يعادل عشرة دراهم والمراد أن رجلاً من أهل الشام - في الإطاعة - خير من عشرة منكم، فالجيش المكون من مائة منهم - مثلاً - أفضل في القوة والمنعة من جيش مكوّن من ألف منكم .

(يا أهل الكوفة منيت منكم) أي امتحنت بواسطتكم وابتليت بكم (بثلاث) من الخصال السيّئة التي فيكم (واثنتين) أي خمس خصال سيئة، وإنما فرقهما لأن الاثنتين شكل آخر من غير شكل الثلاث، وإن كان الجميع خصال سوء.

أما الثلاث (صم ذوو أسماع) أي أن أسماعكم لا تنفع فأنتم كالإنسان الأصم الذي لا ينتفع بسمعه ، وصُمّ وصُمّ جمع أصمّ، وهو من فقد حاسة السمع .

(وبكم) جمع أبكم وهو الذي لا يقدر على التكلّم (ذوو كلام) وحيث أنّ كلامهم لا ينفع فهم كالأبكم الذي لا يتكلم إذ عدم الكلام والكلام غير المفيد سواء.

(وعمي) جمع أعمى (ذوو أبصار) والحاصل أن أسماعكم وأبصاركم وألسنتكم لا يأتي منها الخير فوجودها كعدمها ... وأما الاثنتان (لا أحرار صدق) أي ليس أحدكم حرّاً صادقاً، وإنما حريتكم مكذوبة لأن عملكم عمل العبد ( عند اللقاء) في الحرب، فالعبد يفر، لأنه لا يهمه مَنْ كان سيده، سيده الأوّل أو خصمه، أما الحرّ فإنّه يعلم إذا غُلب يكون عبداً لخصمه، ولذا يصمد أمام الأعداء (ولا إخوان ثقة) أي إخوان يثق بكم الإنسان (عند البلاء)

تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ! يَا أَشْبَاءَ الإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ تَفَرَّقَتْ مِنْ جَانِب آخَرَ، وَاللهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ : أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى وَحَمِيَ الصِّرَابُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبْلِهَا .


فإنّكم تتجانبون أصدقاءكم إذا نزل بهم البلاء، لإنطوائكم على الرذيلة. (تربت أيديكم) أي أصابت التراب، وهذا دعاء عليهم بعدم الخير، لأن الإنسان إذا ذهب إلى العمل فقد يجد العمل، وقد لا يجد فكأنه أصابت يده التراب الذي لا ينفع، ولم تصب عملاً نافعاً .

(يا أشباه الإبل) المتصفة بأنها (غاب عنها رعاتها) فإنّ الإبل إذا غاب عنها الراعي تفرّقت أشدّ التفرّق .

(كلّما جمعت من جانب) فيما إذا كان الجمع من غير الراعي لها (تفرقت من جانب آخر) لعدم انتظام ،أمرها، وعدم اتحاد أهوائها.

(والله-لكأني بكم) أي هكذا أراكم وأظنكم (فيما (إخالكم) أي فيما أظن، فإنَّ [خال] بمعنى [ظن] (أن لو حمس) أي اشتد (الوغى) أي الحرب (وحمي ) أي صار حاراً (الضراب) أي القتال وحرارته كناية عن شدّته (قد انفرجتم أي تفرّقتم (عن ابن أبي طالب) يعني الإمام علیه السلام نفسه .

(انفراج المرأة عن قبلها) كما تبدي النساء عورتها لدى الوضع عند الولادة، أو لدى ملاقاة السلاح، لأنها تذهل عن أمرها، حتى أنها لا تعرف انکشاف قبلها إذا فزت وقد صرّح الإمام بهذا اللفظ ليوجد فيهم الأنفة والحميّة لعلهم يأنفون عن مثل هذا التشبيه القبيح، والمراد التشبه في فرارهم بالمرأة المنفرجة لا أن المقصود جميع أطراف التشبيه فتأمل.

وَإِنِّي لَعَلَى بَيْنَةٌ مِنْ رَبِّي ، وَمِنْهَاجٍ مِنْ نَبِنِي، وَإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الْقُطُهُ لَقْطاً .

انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيْكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ، فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدى، وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدَى، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وَإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا وَلا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا ، وَلا تَتَأَخُرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا .


(وإني) لا يهمني أمركم في ذات نفسي، وإنما أنصح لكم، إذ إنّي لعلى بينة من ربي) فأنا أعرف أحكام الله سبحانه .

(ومنهاج من نبتي) أعلم سنة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

(وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطاً) أي آخذ الحق كما يأخذ الإنسان اللقطة الثمينة من بين ما لا ثمن له، فإن الحق واحد والباطل ضروب مختلفة.

(انظروا) إلى (أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم) أي طريقهم ( واتبعوا أثرهم) في الأعمال والأقوال والعقائد (فلن يخرجوكم من هدى) إلى الضلالة (ولن يعيدوكم في ردى) أي الهلاك، والإعادة باعتبار ما كان الناس عليه في زمن الجاهليّة. فإن لبدوا أي أقاموا على أمر ((فالبدوا) أي أقيموا عليه من [لبد] بمعنى [أقام]. وإن نهضوا بالحرب، أو ما أشبه (فانهضوا) وهذا كناية عن اتباعهم في كل الأمور ولا تسبقوهم بأن تسرعوا في الأمر فيما تأنوا فيه كأن يحاربوا وأهل البيت يرون وجوب المسالمة (فتضلوا) عن الطريق .

(ولا تتأخروا عنهم) كما لو قام أهل البيت بالحرب، فلم ينهض معهم الناس، فإنّهم تأخروا عنهم - فإنَّ التقدم والتأخر يعتبر بالسلوك، تشبيهاً له بالمشي - (فتهلكوا) بالعصيان وتوجبوا على أنفسكم العقاب والنيران.

لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ، لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبراً ، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ !


(لقد رأيت أصحاب محمّد صلّى الله عليه وآله فما أرى أحداً يشبههم منكم) في الطاعة والسبق إلى الخير والفضيلة - والمراد بهم المؤمنون حقاً، لا المنافقون - كما لا يخفى -.

(لقد كانوا يصبحون شعثاً) جمع أشعث وهو الذي لم يمشط رأسه فتداخل شعره.

(غبراً) جمع أغبر وهو المعفر الرأس فإنّ القيام بالليل وكثرة الركوع والسجود يسبب ذلك، والمراد أنهم كانوا عباداً زهاداً (وقد باتوا ظلوا الليل كله (سجداً) ساجد (وقياماً) جمع قائم ( يراوحون المراوحة بين عملين هي أن يعمل هذا مرة وذاك مرة بين جباههم جمع جبهة وخدودهم) جمع خد، يعني أنهم كانوا يضعون جبهتهم وحدهم على الأرض خضوعاً - هذه مرّة، وذاك أخرى - وذلك كناية عن إدمان الصلاة والاستكانة.

(ويقفون على مثل الجمر) أي مثل الواقف على جمر النار من ذكر معادهم فإن الإنسان إذا خاف شديداً، كان كالواقف على الجمر في ضربان القلب، وعدم استقرار الجسد .

(كأنّ بين أعينهم) أي في جباههم (ركب المعزي) جمع ركبة والمعزى جمع معز، فإنّ كثرة السجود توجب يبس الموضع واستدارته وانعقاد الثفنة، وتخصيص المعزى لأن ركبها أشد يبوسة (من طول سجودهم) لله سبحانه .

إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُتُهُمْ حَتَّى تَبلَّ جُيُوبَهُمْ، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، وَرَجَاءَ لِلثَّوَابِ !


(إذا ذكر الله هملت) أي جرت ( أعينهم) دموعاً (حتى تبل) أعينهم (جيوبهم) من كثرة البكاء، فإنَّ الخائف الشديد الخوف والراغب الشديد الرّغبة، إذا ذكر لديهم المخوف منه أو المرغوب إليه بكوا .

(ومادوا) أي اضطربوا - عند ذكر الله سبحانه - (كما يميد الشجر يوم العاصف) إذا هبت الرياح الشديدة (خوفاً من العقاب) لئلا يكونوا من أهله (ورجاء للثواب) تمنياً أن يكونوا من مستحقيه .

وَمِنْ کلام له علیه السلام

في وصف بني أمية

وَاللهِ لا يَزَالُونَ حَتَّى لا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلا اسْتَحَلُوهُ، وَلا عَقْداً إلا حَلُوهُ، وَحَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرِ إِلا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَتَبَابِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ، وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ : بَاكِ يَبْكِي لِدِينِهِ، وَبَاكِ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ ،


التوضيح:

(والله لا يزالون) أي يبقون حتى لا يدعوا أي لا يتركوا الله محرّماً (إلا استحلوه) أي أتوا به كأنه حلال (ولا) عقداً ممّا عاهد الله البشر (إلاحلوه) ولم يفوا به، أو المراد عقودهم مع النّاس وهذا إضافي بمعنى أنهم لا يبالون بالمحرمات ،والعقود لا استغراقي حقيقي .

( وحتى لا يبقى بيت مدر) وهو المبني من طوب وحجر ونحوهما (ولا) وبر) وهي الخيام المضروبة من أوبار الإبل ونحوها (إلا دخله ظلمهم) فإنّ الضرائب وما أشبه تدخل كل بيت (ونبا به سوء رعيهم) يقال نبا به المنزل إذا لم يوافقه فارتحل عنه، يعني أن سوء إدارة بني أمية يوجب ابتعاد الناس عن دارهم فراراً من الظلم.

(وحتى يقوم الباكيان يبكيان) المراد جنسان من الباكي (باك يبكي لدينه) حيث أن بني أمية يحاربون الدين (وباك يبكي لدنياه) حيث يستبدون بالسيطرة

وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيْدِهِ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ ، وَإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ، وَحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءَ أَحْسَنَكُمْ بِاللَّهِ ظَنَا، فَإِنْ أَتَاكُمُ اللهُ بِعَافِيَةِ فَاقْبَلُوا، وَإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.


على الدنيا فلا يجعلون لأحد منها نصيباً .

(وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم) أي إذا أراد الانتصار(كنصرة العبد من سيّده) الذي لا يتمكن الانتصار منه والتغلب عليه (إذا شهد أطاعه من وإذا غاب اغتابه) هذا بيان لكيفية النصرة، فإنّ العبد حيث لا يتمكن الانتصار يكون حاله هكذا، إذا حضر المولى أطاعه - خوفاً وجبراً - وإذا غاب المولى اغتابه العبد وبين مظالمه وأذاه له .

(وحتى يكون أعظمكم فيها) أي في حكم بني أمية (عناء) تعباً وصعوبة (أحسنكم بالله ظنّاً) إذ الإنسان الحسن الظن بالله يعمل من أجله سبحانه، وبنو أمية مخالفون لمن أطاع الله سبحانه ولذا يضطهدوه ويؤذوه أكثر من غيره.

(فإن أتاكم الله بعافية) سلامة عن شرّهم (فاقبلوا) واشكروا الله عليها (وإن ابتليتم ببلائهم (فاصبروا) حتى يأتي الله بأمره (فإن العاقبة للمتقين) الذين يتّقون الآثام والمعاصي.

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في التزهيد في الدنيا

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ، وَنَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرنا عَلَى مَا يَكُونُ ، وَنَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الأدْيَانِ ،كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الأَبْدَانِ .

عِبَادَ اللهِ ، أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ وَإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا، وَالْمُبْلِيَةِ لأَجْسَامِكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا ،


التوضيح:

(نحمده تعالى على ما كان من تهطال نعمه علينا قديماً ونستعينه من أمرنا على ما يكون ليكون سبحانه عوناً لنا في ما سيأتي ونسأله المعافاة في الأديان) بأن يتفضل علينا بعافية ديننا عن الأخطار (كما نسأله المعافاة في الأبدان بأن يعافي بدننا من الأمراض.

یا (عباد الله أوصيكم بالرّفض لهذه الدّنيا) أي تركها وعدم الإقبال عليها (التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها) فإنَّ الدنيا تترك الإنسان عند الموت وتأخذ منه نعيمها، وإن لم يحب الإنسان إلا البقاء، ودوام النعمة (والمبلية لأجسامكم) فإنّ الإنسان يبلى في القبر ويصير تراباً .

(وإن كنتم تحبون تجديدها) أي تجديد الدنيا فهي على نقيض منكم حيث أنكم تخدمونها وهي تسيء إليكم فما أجدر بالإنسان أن يترك ما هذا شأنه.

فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ، وَأَمُوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوه. وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لا يَعْدُوهُ، وَطَالِبٌ حَثِيفٌ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ، وَمُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْمَا! فَلَا تَنَافَسُوا فِي عِزّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا،


(فإنما مثلكم ومثلها أي مثلكم في الدنيا (كسفر) بمعنى جماعة مسافرين (سلكوا سبيلاً) أي ساروا في طريق فكأنهم قد قطعوه) ووصلوا إلى الغاية التي من أجلها سافروا (وأمّوا علماً) أي قصدوا جبلاً - أو علامة - فكأنهم قد - بلغوه وهكذا الدنيا حيث أنها محدودة لا بد وأن تنتهي عن قريب، ولذا فمن الأفضل أن لا يعتمد الإنسان عليها ( وكم عسى المجري) مركوبه إلى الغاية أن يجري إليها أي الذي يريد أن يجري إلى تلك الغاية (حتى يبلغها متعلق بكم عسى] أي أي مقدار من المدة يرجو - الذي يجري مركوبه إلى غاية يريد أن يجري إليها - حتى يبلغ تلك الغاية؟ وهذا استفهام للتحقير، فإنَّ ماله غاية لا بد من الوصول إليها، وإن كانت المسافة بعيدة .

(وما عسى) أي ما يُؤمل أن يكون بقاء) أي بقائه من له يوم لا يعدوه فإنَّ لكل إنسان يوم لا يعدو ذلك اليوم، بل إذا وصل إليه انتهى عمره وانتقل إلى الآخرة والاستفهام للتحقير لبيان قلّة الأمر المؤمّل إذا كان له آخر وغاية (و) الحال أنه طالب حثيث من الموت) يحث ويحرض على السير (يحدوه) يسوقه ويسيّره (ومزعج في الدنيا حتى يفارقها رغماً) والطالب الحثيث هو أمر ( الله سبحانه فالأمر آخر، وطالب يحدو . . فكم يبقى الإنسان والحال هذه؟

(فلا تنافسوا) التنافس التغالب على الشيء (في عزّ الدنيا وفخرها) بأن

وَلا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا ، وَلا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَبُؤْسِهَا، فَإِنَّ عِزَّهَا وَفَخْرَها إِلَى انْقِطَاعِ ، وَإِنَّ زِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ، وَضَرَّاءَهَا وَبُؤْسَهَا إِلَى نَفَادِ، وَكُلٌّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءِ، وَكُلُّ حَيَّ فِيهَا إِلَى فَنَاءِ. أَوَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الأَوَّلِينَ مُزْدَجَرْ وَفِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةً وَمُعْتَبَر ،


يريد كل منكم أن يعلو على صاحبه في العز والفخر .

(ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها) أي لا تفرحوا ولا ترضوا عن زينة الدنيا ونعيمها، لأنه سراب خادع لا دوام له ولا بقاء (ولا تجزعوا) الجزع ضدّ الصبر (من ضرّائها) أي الأضرار التي تلحق بكم من الدنيا (وبؤسها) شدائدها (فإن عزّها وفخرها إلى انقطاع) فلا بد أن يأتي زمان لا عزّ لكم فيه ولا فخر حيث ذهبا بسبب أو بالموت (وإن زينتها ونعيمها إلى زوال) وفناء (وضراءها وبؤسها إلى نفاد) أي خلاص وتمام، من نفد إذا فنى (وكل مدة) خيراً كانت أو شرّاً (فيها) أي في الدنيا (إلى انتهاء) قال الشاعر :

رأيت الدهر مختلفاً يدور *** فلا حزن يدوم ولا سرور

وقد بنت الملوك به قصوراً *** فما بقى الملوك ولا القصور

(وكل حي فيها إلى فناء) فكيف يعتمد العاقل على مثل هذه الدنيا؟ أم؟ كيف يحزن لبؤسها ؟ أو يفرح لنعيمها ؟ .

(أو ليس لكم في آثار الأولين) ممن كان من قبلكم (مزدجر) أي مايسبب الانزجار والارتداع عن الإقبال على الدنيا فها هم قد فنوا ومضوا وهذه آثارهم .

(وفي آبائكم الماضين) الذين ماتوا (تبصرة و معتبر) أي ما يوجب التبصر والاعتبار، بأن تعرفوا من مضيّهم حال الدنيا وأنها لا تفي ولا تبقى على أحد

إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ! أَوَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُونَ، وَإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لا يَبْقَوْنَ أَوَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالِ شَتَّى فَمَيْتٌ يُبْكَى وَآخَرُ يُعَزَّى، وَصَرِيعٌ مُبْتَلَى، وَعَائِدٌ يَعُودُ، وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ، وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وَغَافِلُ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ، وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي !


(إن كنتم تعقلون) أي إن كنتم تعقلون لاعتبرتم بآبائكم والأولين ممن كان قبلكم .

(أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون)؟ فهل ترجون رجوعاً لكم إذا فنيتم ولذا تعتمدون على الدّنيا (وإلى الخلف الباقين لا يبقون) فهل ترجون بقاءاً بعد ما ترون من هلاك خلفاء السابقين - الذين يعاصرونكم - ؟ .

(أو لستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتّى)؟ جمع شتيت بمعنى أحوال مختلفة، وذلك مما يدل على عدم بقاء الدنيا على حال وإنما انتقالها من حال إلى حال (فميت يبكى) له (وآخر يعزّى) وهو من يرتبط بالميت حيث يعزّونه النّاس ويسلّونه في مصابه (وصريع) أي من نام على فراش العلة كأن المرض صرعه (مبتلی) ابتلى بالداء والمرض.

( وعائد) للمريض ( يعود) أي يزوره ويسأل عن أحواله (وآخر) محتضر في آخر ساعاته (بنفسه يجود) أي يعطي نفسه لله سبحانه، يقال جاد بنفسه إذا قارب الموت .

وطالب للدنيا والموت يطلبه) فهو في عين الإيغال في الدنيا وهو يبتعد عنها بطلب الموت له ( وغافل ) عن الآخرة (وليس بمغفول عنه) بل له حساب دقيق .

(وعلى أثر الماضي) من الناس (ما يمضي الباقي) [ما] مصدرية، أي

أَلا فَاذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَاتِ، وَمُنَغْصَ الشَّهَوَاتِ، وَقَاطِعَ الأُمْنِيَاتِ، عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلأَعْمَالِ الْقَبيحةِ، وَاسْتَعِينُوا اللهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِب حَقِّهِ ، وَمَا لا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَإحْسَانِهِ .


يكون مضي الباقين في الدنيا .

(ألا) للتنبيه ( فاذكروا) أيّها النّاس (هادم اللذات) وهو الموت الذي يهدم لذات الإنسان في هذه الحياة، ومن المعلوم أن ذكر الموت يوجب ابتعاد الإنسان عن الشهوات لأنه يوجد في نفس الذاكر ملكة عزوف عن الدنيا ومنغص الشهوات يقال : نغص عيشه إذا أفسده (وقاطع الأمنيات) جمع أمنية بمعنى الآمال فكأن الأماني متصلة بالإنسان والموت يقطع خيوطها (عند المساورة) متعلق بما ذكروا، والمساورة المواثبة كأنّ الإنسان يثب على العمل القبيح فيأتي به (للأعمال القبيحة) المحرمة في الشريعة .

(واستعينوا الله على أداء واجب حقه) أي اطلبوا منه سبحانه الإعانة كي تؤدّوا حقه حتى يعينكم (و) أداء الواجب (ما لا يحصى وإحسانه) فإنّ الإنسان لا يتمكن أن يحصي عدد نعم الله سبحانه.

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

في رسول الله وأهل بيته الأطهار

الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ ، وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ . نَحْمَدُهُ فِي جَمِيع أُمُورِهِ، وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ، وَتَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً،


التوضيح:

(الحمد لله الناشر في الخلق فضله) فإنه سبحانه عمم فضله وإحسانه في جميع خلقه (والباسط فيهم بالجود يده) فكما أن الإنسان إذا أراد أن يعطي أحداً شيئاً مد يده - أي بسطها - ليناوله، كذلك الله سبحانه، من باب تشبيه المعقول بالمحسوس تقريباً إلى الذهن وإلا فلا يد لله سبحانه فإنّه منزّه عن الجسم وعن عوارض الجسم .

(نحمده في جميع أموره) من نعمة أو بلاء فإنه لا يفعل شيئاً إلا حسب الصلاح فيستحق بذلك حمداً وثناءاً (ونستعينه على رعاية حقوقه) أي نطلب منه تعالى أن يعيننا حتى نؤدي حقه - الذي هو إطاعته وعبادته ..

(ونشهد أن لا إله غيره وأن محمداً عبده ورسوله) وتقديم [عبده] للاعتراف بمقام الألوهية والتخضّع لدى جنابه تعالى .

(أرسله) سبحانه (بأمره صادعا) يقال صدع : بالأمر أي قام به، وأصل

وَبِذِكْرِهِ نَاطِقاً، فَأَدّى أَمِيناً، وَمَضَى رَشِيداً، وَخَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ، وَمَنْ لَرْمَهَا لَحِقَ ، دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلَامِ،


الصدع الكسر كأنه يكسر الباطل ليبني مكانه صرح الحق .

(وبذكره ناطقاً) أي بأن يذكره سبحانه أو بذكره الذي هو قرآنه (فأدّى) رسالة ربه (أميناً) بغير أن يزيد فيها أو ينقص .

(ومضى رشيداً) أي مع الرّشد لم يتغيّر عما كان عليه، وهذا خلاف كثير من الناس الذين يبتدئون في الأعمال بنظافة ونزاهة، لكن في آخر الأمر يتورطون ويرتطمون في الغي والانحراف .

(وخلف فينا راية الحق) وهي الكتاب والعترة كما قال صلی الله علیه و آله وسلم : [إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً] (1).

(من تقدّمها مرق) أي خرج عن الدين ومعنى التقدم الزيادة على ما شرعه الله سبحانه.

(ومن تخلف عنها زهق) أي اضمحل وهلك والتخلّف بعدم إتيان ما شرع الله من الأحكام.

(ومن لزمها) أي لزم الراية(الحق) بالحق بدون تقدّم أو تأخر (دليلها) شرع الإمام في بيان دليل يعرف به راية الحق حتى لا يجتمع الناس تحت راية الباطل بظنّ أنّها الحق .

(مكيث الكلام) أي رزين يمكث في قوله فلا يسرع في الجواب، وذكر


1) وسائل الشيعة : ج 18 ص 19 .

بَطِيءُ الْقِيَامِ، سَرِيعُ إِذَا قَامَ ، فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ، وَأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ ، جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ ، فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى يُطْلِعَ اللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَيَضُمُ نَشْرَكُمْ ، فَلا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلِ ، وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرِ، فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلُّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ، وَتَثْبُتَ الأُخْرَى،


الحلول للمشاكل وإنما يمكث .

( بطيء القيام) أي لا يقوم بأمر إلا بعد بطء وتريث وتفكّر .

سريع إذا قام فإذا تبين وجه الحق نهض في تنفيذه مسرعاً بلا تلكؤ وبطء - وكأن الإمام علیه السلام يصف بذلك حال نفسه-.

(فإذا أنتم ألنتم له رقابكم) ألان رقبته كناية عن الخضوع لها ، لأن الرقبة تكون طوع أمره ونهيه لا تبقى صلبة لا تعتني بأمره ونهيه .

(وأشرتم إليه بأصابعكم) بأن كان مشهوراً بينكم يشار إليه بالأصابع (جاءه الموت فذهب به) يعني إذا تمّ الإسلام بالإمام بأن صار مطاعاً مشتهراً توفى .

وبعد الوفاة تمضي مدة حتى يقوم قائم آل محمد علیه السلام (فلبثتم بعده ما شاء الله) المدة الطويلة بلا إمام قائم (حتى يطلع الله لكم) أي يخرج لكم(من يجمعكم) تحت لواء الحق (ويضم نشركم) يجمع المتفرق منكم (فلا تطمعوا في غير مقبل) إلى الزعامة كالأئمة الذين لم يقوموا بالأمر، فإنهم لم يقبلوا نحو الزعامة وإنما لزموا دورهم (ولا تيأسوا من مدبر)كالإمام المهدي الذي أدبر بغيبته عنهم (فإن المدبر عسى) أي لعل (أن تزل إحدى قائمتيه) أي رجليه والزلة كناية عن عدم القيام بالأمر.

(وتثبت الأخرى) كناية عن عدم الانقطاع مطلقاً وإنما التأخير لمصالح .

فَتَرْجِعَا حَتَّى تَنْبُنَا جَمِيعاً. أَلا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ : إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ ، وَأَرَاكُمْ مَا كُنتُمْ تَأْمُلُونَ .


(ف) بعد ذلك (ترجعا ) القائمتان (حتى تثبتا جميعاً) بأن تكمل شرائط القيام فيقوم بإذن الله سبحانه .

ولا يخفى أن الكلام لا يدل على عدم قيام لواء الحق قبل ظهور الإمام علیه السلام وإنما الحق الكامل يكون بظهوره، ثم ذكر علیه السلام لزوم استمرار الحجة وإن لم يقم الإمام بالزعامة.

(ألا إن مثل آل محمد صلی الله علیه و آله وسلم كمثل نجوم السماء) ثم بيّن وجه التمثيل بقوله : (إذا خوى) أي غاب (نجم طلع نجم) والنجوم لا تزال في السماء سواء كان الليل وكانت ظاهرة أو كان النهار وكانت مستورة .

(فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع) جمع صنيعة بمعنى النعمة، أي النعم (وأراكم) الله سبحانه (ما كنتم تأملون) بظهور الإمام المهدي علیه السلام .

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

وهي تشتمل على الملاحم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلِ، وَالآخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرِ ، وَبِأَوْلِيَتِهِ وَجَبَ أَنْ لا أَوَّلَ لَهُ، وَبِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لا آخِرَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ شَهَادَةً يُوافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإعْلانَ،


التوضيح:

وهي تشتمل على الملاحم وتسمى الحرب بالملحمة، لأنها محل اللحم الذي يحصل من القتل، فإنَّ أجزاء الإنسان إذا قطعت كانت لحماً وسميت به وملاحم جمع ملحمة.

هو سبحانه (الأول قبل كل أوّل) فكل ما يسمى بالأول يكون الله سبحانه [أوّلاً] قبله (والآخر بعد كل آخر) فكل ما بالآخر يكون الله سبحانه [آخراً] بعده (وب) سبب (أوّليته) وقدمه على الأشياء (وجب أن لا أول له) إذ لو كان له تعالى أوّل، لم يكن هو الأول، بل ما سبقه الأول - يقول مطلق-.

(وب) سبب (آخريته) وبقائه بعد الأشياء (وجب أن لا آخر له) إذ لو كان له تعالى آخر، لم يكن هو الآخر، بل ما يتأخر عنه هو الآخر - بقول مطلق -.

(وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة يوافق فيها السرّ (الإعلان) لا كشهادة

وَالْقَلْبُ اللسَانَ .

أَيُّهَا النَّاسُ ، لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي وَلَا يَسْتَهْوِيَنْكُمْ عِصْيَانِي، وَلا تَتَرَامَوْا بِالأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي . فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ .


المنافقين الذين يشهدون ظاهراً لا ،باطناً أو شهادة الكفار الذين (وَجَحَدُواْ وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) ، يشهدون باطناً لا ظاهراً .

(والقلب (اللسان فكلاهما يشهدان بالوحدانية ويعترفان بالربوبية . (أيّها الناس لا يجرمنكم) أي لا يسبب جرمكم وعصيانكم (شقاقي) أي . معاندتي، فإنّ الإنسان ربما يريد معاندة غيره فيوقعه العناد في الإثم وعصيان الله سبحانه .

(ولا يستهوينكم) يقال : استهواه إذا أماله عن طريق الصواب، أي لا يميلكم عن طريق الحق (عصياني) بأن يكون عصيانكم لي سبباً لميلكم الحق، كما ربما يوقع المعاند نفسنه في العصيان والمهلكة عناداً لشخص آخر وقد كان في الكوفة أناس يعاندون الإمام فيركبون كلّ صعب وذلول في سبيل معاندته.

(ولاتتراموا بالأبصار) أي تغامز بعضكم ببصره مع بعض إشارة إلى كذبي(عند ما تسمعونه مني) من الأخبار المغيّبة .

(فو الذي فلق الحبة) أي شقّها ليخرج منها النبات .

(وبرأ النسمة) أي خلق الإنسان (إن الذي أنبئكم به) أي أخبركم من

عَنِ النَّبِيِّ الأُمِّي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ ، وَلا جَهِلَ السَّامِعُ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّام، وَنَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ . فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ ، وَاشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ ،


الأمور المستقبلية، إنما هو (عن النبي الأمي) منسوب إلى أم القرى (صلى الله عليه وآله ما كذب المبلغ) أي الرسول فيما أخبرني (ولا جهل السامع) يعني نفسه علیه السلام .

( لكأنّي) اللام للقسم ، لتأكيد الأمر (انظر إلى ضليل) شديد الضلال (قد نعق بالشام أي صاح والغالب استعماله في الإهانة، لأن النعيق صوت الحمار، وفي المراد [بالضليل] خلاف والأشبه أنه عبد الملك، وإنما كان مبدأ نعقه بالشام.

(وفحص براياته) أي ركز لها، كما يفحص الطائر - أي يبحث بجؤجئه - عن الأرض، ليزيح التراب عنها ليبيض (في ضواحي) جمع ضاحية، بمعنى الطرف(كوفان) أي الكوفة، وقد كان عبد الملك قد خرج أمر العراق والحجاز وفارس ومناطق أخرى من يده وخلع بقية ولايات فلسطين وغيرها، ووثب في الشام بعض الأمويين ضده، فتمكن من استرداد الملك من أيديهم بالبطش والشدّة، وهذا كناية عن استيلائه على العراق بعد قتله لمصعب بن الزبير الذي كان والياً من قبل أخيه عبد الله.

(فإذا فغرت فاغرته) أي انفتح فمه يقال: فغر الفم إذا انفتح - وإنما جيء بالمؤنث باعتبار النفس،كأنها تريد الالتهام لكل شيء . والفم دليل على فغر النفس.

(واشتدّت شكيمته) الشكيمة هي الحديدة المعترضة في اللجام في فم

وَثَقُلَتْ فِي الأَرْضِ وَطْأَتُهُ ، عَضَتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا، وَمَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا، وَبَدَا مِنَ الأَيَّامِ كُلُوحُهَا، وَمِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا . فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ، وَقَامَ عَلَى يَنْعِهِ، وَهَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ،


الدابة، وإذا كانت الدابة قوية تكون شكيمتها شديدة وهذا كناية عن قوة [الضليل] .

(وثقلت في الأرض وطأته) أي عظم سلطانه حتى كبّ على الناس كأنه شيء ثقيل واقع عليهم .

(عضت الفتنة أبناءها) والمراد بأبناء الفتنة الداخلين فيها ممن وثب على الأمر وخالف سلطته (بأنيابها ) جمع ناب وهو الضرس المتصل بالضواحك وإنما نسب العزّ إليها، لأنها أشد في الإيلام والقطع لحدة رأسها .

(وماجت الحرب) أي اضطربت الحرب في كل مكان، كما يموج البحر (بأمواجها) وإنما شبه بالموج ، لأن الفتنة تبتدئ صغيرة ثم تكبروتتوسع، وهكذا الموج.

(وبدا) أي ظهر (من الأيام كلوحها) أي عبوسها وشدائدها، من عبس وجهه إذا قبضه اشمئزازاً.

(ومن الليالي كدوحها) جمع كدح وهو الجرح وأثر الخدش، وهو كناية الشدّة (فإذا أينع زرعه) أي نضج وكمل، وهو كناية عن كمال استيلاء [الضليل]

(وقام على ينعه) أي حالة نضجه بأن استقام الأمر له (وهدرت شقاشقه) الشقشقة هو ما يخرجه البعير من الزبد لدى هياجه وهدرت أي خرجت، وهذا كناية عن كمال الفتنة كمال الفتنة ووصولها حال الاهتياج .

وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ، وَأَقْبَلْنَ كَاللَّيْل الْمُظْلِم، وَالْبَحْرِ الْمُلْتَطِم هَذَا، وَكَمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفِ وَيَمُرُ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِف!


(وبرقت بوارقه) جمع بارقة وهي البرق أو السيف لأنه يبرق والتأنيث باعتبار كونه حديدة .

(عقدت رايات الفتن المعضلة) أعضل الأمر إذا أشكل (وأقبلن) تلك الرايات .

(كالليل المظلم) في عدم رؤية الإنسان وجه الحق لكثرة اضطراب الأمور وتداخل الحق والباطل.

( والبحر الملتطم) الذي يلتطم بعض مائه ببعض وتتداخل أمواجه من كثرة الاضطراب والحركة.

(هذا) أي خذ هذا الخبر عن المستقبل، وقد كان الأمر كما أخبر الإمام علیه السلام فإنَّ عبد الملك لمّا سيطر على الأمر بعث الحجاج والياً على العراق فعقد رايات الفتن وأخذ العراق يموج بمظالم الحجاج من قتل ونهب وما أشبه ذلك، وحارب الخوارج عدة مرات ثم عطف الإمام علیه السلام إلى الكوفة يخبر عما تكون عليه في المستقبل بقوله : (وكم يخرق الكوفة من (قاصف من قصف إذا اشتد صوته يقال : قصفت الريح إذا اشتد صوتها .

والمراد أن الكوفة ترى اضطرابات وفتنا (ويمر عليها أي الكوفة من (عاصف وهو الريح الشديد، سمّى به، لأنه يعصف أي لأنه يعصف أي يهب بشدّة وقد كان كما قال الإمام ، فبعد الإمام جاء معاوية ثم المختار ثم مصعب

وَعَنْ قَلِيلِ تَلْتَفُ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ، وَيُحْصَدُ الْقَائِمُ ، وَيُحْطَمُ الْمَحْصُودُ !


ثم عبد الملك، وهكذا.

وعن قليل تلتف القرون بالقرون، لعل المراد قرون أهل الحق من الشيعة بقرون أهل الباطل من أتباع معاوية ( ويحصد القائم) فإنّ معاوية أخذ يحصد الحكم القائم في زمان الإمام علیه السلام .

(ويحطم المحصود) فقد كان معاوية يحطم الشيعة بالقتل والأسر وحرق الدور وما أشبه هذا ما يمكن أن يستفاد من الخطبة والعلم عند الله وعند أوليائه علیهم السلام.

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

في ذكر يوم القيامة وأحوال الناس المقبلة

وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِنِقَاشِ الْحِسَابِ وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ، خُضُوعاً، قياماً ، قَدْ الْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَرَجَفَتْ بهِمُ الْأَرْضُ، فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً ، وَلِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً .


التوضيح:

(وذلك) أي يوم القيامة (يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين) فإن جميع الخلائق يجتمعون في يوم القيامة (النقاش الحساب أي الاستقصاء والدقة في المحاسبة ، من ناقشه إذا داقه وحاسبه حساباً دقيقا.

(وجزاء الأعمال) ليجزى كل إنسان بما عمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر في حال كون النّاس (خضوعاً) كأنهم من شدّة خضوعهم قطعة من الخضوع، نحو [زيد عدل] وفي حال كونهم (قياماً) جمع قائم، وهذا دليل الشدة، إذ الإنسان الذي في الأمن والرفاه يجلس وقت المحاسبة أما الخائف فهو يقف .

(قد ألجمهم العرق) أي وصل العرق إلى أفواههم من الكثرة كأنه لجام في فمهم .

(ورجفت) أي اضطربت بهم الأرض كما قال سبحانه: «إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَا لَهَا» (1)، (فأحسنهم حالاً من وجد لقدميه موضعاً) يستقر فيه، وهذا إما على الحقيقة لبيان ضيق المحشر، وإما على المجاز لبيان الاضطراب، فإنَّ المضطرب لا يدري أين يقف فهو كمن لا يجد لقدميه موضعاً (ولنفسه متسعاً) أي مكاناً وسيعاً لا يتأذى بضيقه .


1) سوره زلزله آیه 1

ومنها : فِتَنْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم، لا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ، وَلا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ ، تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةٌ ، يَحْفِرُهَا قَائِدُهَا وَيَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا، أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلْبُهُمْ، قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ ،


(ومنها ) ثم عطف الإمام علیه السلام إلى ذكر الملاحم-بعد ذكر بعض أحوال القيامة - وكأنه علیه السلام ذكر أحوال القيامة تمهيداً ليتخذ الإنسان حذره-في الفتن-من ذلك اليوم، فلا يخوض في الفتنة خوضاً بلا مبرر مشروع .

(فتن كقطع الليل المظلم) فكما لا يرى الإنسان مقصده في الليل، كذلك لا يرى الإنسان الحق في الفتنة.

(لا تقوم لها قائمة) أي لا تنجح تلك الفتنة ولعل المراد بها فتنة صاحب الزنج الذي زعم أنه من آل الرسول، والتف حوله العبيد ، وأخذ يقتل وينه- ويسلب في البصرة وما والاها، ولكنها لم تنجح أخيراً، فقد حاربها الأخيار والأشرار على حد سواء حتى سقط قتيلاً وذهبت حركته أدراج الرياح.

(ولا تردّ لها راية) أي أن أعلامها لا تردّ وإنما تتقدم إلى حيث تريد وذلك كناية عن عموم فسادها وتوسعها (تأتيكم) هذه الفتنة (مزمومة) تشبيه لها بالناقة المهيئة للركوب التي لها زمام (مرحولة) أي ولها ،رخل، وذلك كناية عن استعدادها التام للإفساد .

(يحفزها) أي يحثها ويحرّضها (قائدها) وهو صاحب الزنج - على ما ذكر-(ويجهدها راكبها) أي أن راكبي تلك الفتنة يجهدونها للتغلب على الأمر - وهذا كناية عن شدة بأسهم واهتمامهم البالغ في الحركة والوثوب على البلاد-(أهلها) أي أهل تلك الفتنة القائمون بإشعالها (قوم شديد(كلبهم أي ضراوتهم وقساوتهم، كالكلب المتهارش (قليل سلبهم) أي ملكهم الذي يستولون عليه أو المراد أنهم ليسوا من أهل الثروة والمال، وقد كان كذلك فإنَّ غالب أحزاب صاحب الزنج كانوا من العبيد الأشداء القليلي المال .

يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَوْمَ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ ، فِي الأَرْضِ مَجْهُولُونَ ، وَفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ . فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكَ ، مِنْ جَيْشِ مِن نِقَمِ اللَّهِ! لا رَهَجَ لَهُ ، وَلا حَسَّ ، وَسَيْبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الأَحْمَرِ ، وَالْجُوعِ الأَغْبَرَ !


(يجاهدهم في سبيل الله قوم) كأنّ المراد بهم الأهالي الخيرون، لا أن القصد حربهم مع الخلفاء (أذلة عند المتكبرين) فإنَّ ذوي الدين من أهل البصرة وما والاها حاربوهم لما رأوا فيهم من الانحراف عن الشريعة-كما ذكر في التواريخ - وكونهم أذلة، باعتبار أن السلطات الجبارة-غالباً-لا تهتم بحركات أهل الدين ولا ترى فيها فائدة إذ أن اعتمادها على رجالها وسلاحها، فلا ترى للدين أهمية ولذويه غنى وفائدة .

(في الأرض مجهولون) ليس لهم معروفية أصحاب المناصب والرتب من أهل السلطان (وفي السماء معروفون) لأنهم أخيار أبرار لهم قيمتهم عند الله سبحانه (فويل لك يا بصرة عند ذلك) فقد كانت الفتنة في البصرة وامتدت إلى الأهواز وعبادان وأخيراً قضى عليها الموفق العباسي.

(من جيش من نقم الله)كأنّ الله سبحانه أراد الانتقام من أهل البصرة، فقد كثر فيها الفساد قبل ظهور صاحب الزنج، كما هو العادة في الثورات، فإنّها ولائد فساد عام في السلطة والاجتماع.

(لا رهج له) أي لا غبار لهذا الجيش، فإنَّها كانت ثورة داخلية، لا عساكر وجيوش (ولا حس) أي الجلبة والأصوات المختلفة التي تتولد من حركة الجيش .

(وسيبتلى أهلك) يا بصرة (بالموت الأحمر) على يد صاحب الزنج، ففي بعض التواريخ أنه قتل ثلاثمائة ألف شخص (والجوع الأغبر) الموجب لتغير الوجه، كأن عليه ،غبار، إذ الجوع يذهب بطلاوة الوجه ونضارته، فقد فقد الناس في فتنة صاحب الزنج أقواتهم، حتى اشتد بهم الجوع، وقد ذكر ابن ميثم في الشرح تمام هذه الخطبة وهي طويلة فلتراجع .

وَمِنْ خُطبة لهُ علیه السلام

في التزهيد في الدنيا

أَيُّهَا النَّاسُ ، انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا الصَّادِقِينَ عَنْهَا ، فَإِنَّهَا وَاللَّهِ عَمَّا قَلِيلِ تُزِيلُ النَّاوِي السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآمِنَ،


التوضيح:

(أيها الناس انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها) والزهد في الدنيا عبارة عن عدم اتخاذها مقراً دائماً والتناول منها كيف ما كان من دون رعاية الحلال والحرام. أما التمتع بطيبات الدنيا فإنَّ ذلك لا ينافي الزهد قال الله سبحانه : «قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُل هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الحيوةِ الدُّنْيَا» (1).

(الصادقين عنها) من صدف بمعنى أعرض (فإنها) أي الدنيا ( والله-عما قليل) [ما] زائدة لتأكيد معنى القلة (تزيل) أي تُفني وتُهلك (الثاوي) أي الذي اتخذها مثوى ومحلاً (الساكن) فيها ( وتفجع) أفجعه الأمر إذا نزل به ما يوجب ذهاب مال أو أهل أو ما أشبه .

(المترف) الذي له ترف وهو التزيد من التمتع والإسراف فيه (الآمن) في محله ومكانه .


1) سورة الأعراف: 32.

لا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ ، وَلا يُدْرَى مَا هُوَ آتِ مِنْهَا فَيْنتَظَرَ. سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ، وَجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا .

رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَ تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ ، وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلِ لَمْ يَكُنْ ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ،


(لا يرجع ما تولى منها) أي من الدنيا (فأدبر) عن الإنسان، (ولا يدرى) أي لا يعلم (ما هو آت منها) أي بماذا تأتي الدنيا بخير أو شر (فينتظر) أي حتى ينتظره الإنسان (سرورها مشوب بالحزن) فإنَّ الإنسان لا بد وأن يحزن لجانب من جوانب الدنيا وإن كان فرحاً بجانب آخر .

(وجلد الرجال) أي قوتهم ومنعتهم (فيها) أي في الدنيا تنتهي (إلى الضعف والوهن) عطف بيان للضعف.

(فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها) أي إذا حصل لديكم كثرة من النعم الموجبة لرضاكم لا يغركم ذلك لقلة ما يصحبكم منها من تلك الكثرة، أو من الدنيا، فإنَّ اصطحاب الدنيا للإنسان في مدة قليلة .

(رحم الله امرأ تفكّر) في أمر نفسه وزوال الدنيا (فاعتبر) أي أخذ العبرة، وهي معرفة حقيقة الدنيا وأنها دار انقضاء لا دار بقاء (واعتبر فأبصر) فإنّ الإبصار يأتي بعد الاعتبار.

(فكأن ما هو كائن من الدنيا) وموجود فعلاً (عن قليل لم يكن) لأنه يفنى والفاني كأنه لم يكن أبداً، إذ لا أثر له.

(وكأنّ ما هو كائن من الآخرة مما سيصل إلى الإنسان (عما قليل لم يزل) إذ يبقى إلى الأبد.

وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنقَضِ، وَكُلُّ مُتَوَفَّعِ آتٍ، وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَان .

ومنها في صفة العالِم : الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ، وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ ، جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلِ،


(وكل معدود) أي ما يعد، وله آخر (منقض) أي ينقضي ويفنى - كالدنيا (وكل متوقع) ما يترقب وقوعه - كالآخرة - (آت) يأتي لا محالة (وكل آت قريب دان) من [ دنی] بمعنى اقترب .

(العالم من عرف قدره) بأن علم بأن له قيمة ووزناً، وأنه يتمكن أن يحصل على أعالي الدرجات بسبب العمل الصالح .

( وكفى بالمرء جهلاً ألا يعرف قدره) لأن هذا أعظم أنواع الجهالة، وإن كان عالماً في جميع العلوم.

(وإن من أبغض الرجال إلى الله لعبداً وكله الله إلى نفسه) بأن لم يلطف به الألطاف الخفية، لتركه طريق الهدى، ومثله مثل إنسان له ولدان أعطى كلّ واحد منهما ألف دينار ليتجرا به فأتجر أحدهما وربح فأحبه الوالد وزاد له في الإعطاء والإكرام، وقامر الآخر فخسر فتركه الوالد وشأنه لا يأبه به ولا يعطيه بعد ذلك شيئاً، فإنه سبحانه أعطى الإنسان القوة والعقل فإنَّ صرفهما في سبيل الخير زاده هدى وتقوى وإن صرفهما في الشر تركه وما يعمل حتى يوصله إلى آخر درك في الهاوية .

في حال كون ذلك العبد ( جائراً) أي مائلاً ( عن قصد السبيل) أي وسط طريق الهدى (سائراً بغير دليل) فلا يتبع الأنبياء والأئمة في سيره في الحياة .

إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطْ عَنْهُ!

ومنها عن آخر الزمان : وَذَلِكَ زَمَانٌ لا يَنْجُو فِيهِ إِلا كُلُّ مُؤْمِن نُوَمَةٍ إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ ، وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَذ ،


(إن دعي إلى حرث الدنيا) أي زرعها وما يوجب إنمائها (عمل) طلباً للدنيا (وإن دعي إلى حرث الآخرة) وما يوجب الفوز بها من الأعمال الصالحة (كسل) ووهن لعدم رغبة له فيها (كأن ما عمل له) من أمور الدنيا (واجب عليه) حتى إذا لم يعمله عوقب (وكأن ما ونى) وكسل (فيه) من عمل الآخرة (ساقط عنه) مع أنّ الأمر بالعكس.

(وذلك) أي آخر الزمان (زمان لا ينجو فيه) أي من شرّه (إلا كل مؤمن نومة) أي كثير النوم، وذلك كناية عن عدم مشاركة الأشرار، كالإنسان النائم الذي لا يشارك الناس في أعمالهم (إن شهد) أي حضر في مجتمع الناس (لم يعرف) أي لا يعرفه الناس لعدم اختلاطه بهم .

(وإن غاب لم يفتقد) أي لم يسأل عن أحواله أحد لعدم صداقتهم معه، وهكذا يكون الأخيار عند غلبة الأشرار، لأنهم ينقطعون عنهم بعد رؤيتهم عدم فائدة النصح فيهم، وهذا لا ينافي وجوب التصدي لأحكام الإسلام الموجب للشهرة والعزّ، فإنَّ لكل واحد من الأمرين ظرفاً خاصاً، بل ينبغي للمؤمن أن يتصدى لأن يكون إماماً للمتقين كما قال سبحانه: «وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا» (1).


1) سورة الفرقان : 74 .

أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى، وَأَعْلامُ السُّرَى، لَيْسُوا بِالْمَسَابِيحِ، وَلا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ ، أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ .

أَيُّهَا النَّاسُ، سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الإِسْلامُ ، كَمَا يُكْفَأُ الإناء بِمَا فِيهِ . أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ يُعِذْكُمْمِنْ أَنْ يَبْتَلِيكُمْ.


(أولئك) الموصوفون بتلك الأوصاف (مصابيح الهدى) فكما يوجب المصباح هداية الناس إلى حوائجهم في الظلمة، كذلك هؤلاء أدلة الناس إلى الحق في ظلمة الجهل والإثم.

( وأعلام السّرى) هو السير ليلاً، شبّه به السير في ظلمة الكفر والعصيان فإنَّهم أعلام وأدلة لمن يريد الاستنارة والهداية في ظلمات الجهل والباطل (ليسوا بالمساييح) جمع مسياح وهو الذي يسير في الناس بالفساد (ولا المذابيع) جمع مذياع وهو من يذيع الفاحشة (البذر) جمع بذور وهو كثير السفه (أولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته) في الدنيا بالسلامة، وفي الآخرة بالجنة (ويكشف عنهم ضراء نقمته) فلا تنزل عليهم نقمته سبحانه إذا نزلت بالأشرار بل ينصرف عنهم ضر النقم وأذاه .

(أيها الناس سيأتي عليكم زمان يكفأ فيه الإسلام) أي يترك الإسلام فلا يعمل به (كما يكفأ الإناء بما فيه) فكما أن الإنسان إذا كفئ الإناء جعل أعلاه أسفله، كذلك يقلب الإسلام - وهو مجاز عن انقلاب أهل الإسلام - وهذا كزماننا حيث أن الإسلام لا يعمل به إلا في مجال بعض العبادات .

(أيها الناس إنّ الله قد أعاذكم) أي آمنكم (من أن يجور عليكم) فإنّه سبحانه لا يظلم أحداً (ولم يعذكم من أن يبتليكم) أي يمتحنكم فإنَّه سبحانه

وَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِل : «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ»(1).

قال السيد الشريف الرضي : أما قوله علیه السلام : (كل مؤمِن نُوَمَةٍ) فإنَّما أراد به الخامل الذكر القليل الشر، والمسابيح : جمع ،مسياح، وهو الذي يسيح بين الناس بالفساد والنمائم والمذاييع : جمع مذياع وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها، ونوّه ،بها، والبُذُرُ : جمع بَذُور وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه .


يمتحن كل أحد، فاللازم أن يخاف الإنسان من الفشل في الامتحان، ويأخذ عدته ويعمل صالحاً لينجح لدى الامتحان .

(وقد قال جل من قائل : إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين) [إن] مخففة من الثقيلة والابتلاء بمعنى الامتحان.


1) سورة المؤمنون: 30

وَمِنْ خطبة له علیه السلام

وقد تقدم مختارها، بخلاف هذه الرواية

أَمَّا بَعْدُ، فَإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَداً ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً ، وَلا يَدَّعِي نُبُوَّةَ وَلا وَحْياً، فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ ،


التوضيح :

( وقد تقدم مختارها ب) شکل (خلاف هذه الرواية)

(أما بعد) أصله مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة، ثم خفف إلى لفظة [أما بعد] (فإن الله سبحانه بعث محمّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) و الحال أنه (ليس أحد من العرب يقرأ كتاباً) سماوياً قراءة صحيحة، فإنَّ الكتب السابقة قد حرّفت وبدلت فما كان منها في أيدي الناس كانت محرفة باطلة .

(ولا يدعي نبوة ولا وحياً) إليه من جانبه سبحانه، ومراد الإمام علیه السلام بهذه الجملة بيان حالتهم في الضلالة والجهالة، فإنَّ خبر السماء إما أن يصل بواسطة الوصي والنبي، وإما بواسطة الكتاب الصحيح وكلاهما كان مفقوداً في زمان بعثة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

( فقاتل)صلی الله علیه و آله وسلم (بمن أطاعه) أي بسبب المؤمنين (من عصاه) من الكافرين .

(يسوقهم) أي الناس (إلى منجاتهم) مصدر ميمي أي إلى نجاتهم

وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ ، يَحْسِرُ الْحَسِيرُ، وَيَقِفُ الْكَسِيرُ ، فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ ، إِلا هَالِكاً لا خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَبَرَّأَهُم مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ، وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُم وَأَيْمُ اللهِ، لَقَدْكُنتُ مِنْ سَاقَتِهَا


(ويبادر بهم الساعة أن تنزل بهم) أي يعجل بهم السير حتى يؤمنوا ويعملوا صالحاً، حتى لا يفاجئهم الموت قبل التنزيه والتزكية، فكأنه صلی الله علیه و آله وسلم والساعة يبادر كل منهما لاختطاف الناس .

( يحسرالحسير) أي يكمل الذي يكل عن العمل للآخرة من حسر فلان إذا أعيى وكلّ (ويقف الكسير) أي المكسور بعض أعضائه (فيقيم) صلی الله علیه و آله وسلم (عليه) أي على كل واحد منهما (حتى يلحقه غايته) التي هي الإيمان والعمل الصالح، والمعنى أن ضعف إيمانه أو فسد عمله فتراخى في السير في من سبيل المؤمنين للوصول للسعادة والنجاة فإن النبي صلی الله علیه و آله وسلم كان يقيم عليه وينتظره ويعالج مرضه حتى يوصله بقافلة المؤمنين، تشبيهاً بقائد القافلة الذي يلاحظ الضعفاء وأهل المرض لئلا يبقوا في الطريق، ويكونوا عرضة الهلاك (إلاهالكاً لا خير فيه) فمن دعاه صلی الله علیه و آله وسلم فلم تنفع فيه الدعوة وعاند وأصر فإنّه يتركه وشأنه، وتسمية هالكاً على نحو المجاز بالمشارفة .

(حتى أراهم ) صلی الله علیه و آله وسلم(منجاتهم) مصدر ميمي أي نجاتهم (وبوأهم) أي أحلهم (محلتهم) أي المحل اللائق بهم (فاستدارت رحاهم) كناية عن حسن أحوالهم، فإنَّ دوران الرحى يوجب الطحن الموجب لرفاه الإنسان في مأكله وطعامه (واستقامت قناتهم) هي الرمح، فإذا كان معوجاً لم يتمكن المحارب من الغلبة، أما إذا استقام تمكن من الغلبة على عدوّه .

(وأيم الله) قسم بالله سبحانه (لقد كنت من ساقتها) أي ساقة جيش

حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا، وَاسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا، مَا ضَعُفْتُ، وَلا جَبْنْتُ، وَلا خُنْتُ، وَلا وَهَنْتُ وَأَيْمُ اللهِ، لأبْقَرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ !

قال السيد الشريف الرضي : وقد تقدم مختار هذه الخطبة، إلا أنني وجدتها في هذه الرواية على خلاف ما سبق من زيادة ونقصان، فأوجبت الحال إثباتها ثانية .


الكفر، يعني كنت في آخرها أضربها وأفتك فيها وكونه في الساقة كناية عن مطاردتها بأجمعها، لا مطاردة جانب خاص فقط (حتى تولت) أي الجيش. والتأنيث باعتبار الجماعة، أو الكتيبة، أو ما أشبه ومعنى تولت [انهزمت] (بحذافيرها) أي بأجمعها (واستوسقت) أي اجتمعت (في قيادها) أي قياد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم لها بمعنى إطاعة العرب للرسول صلی الله علیه و آله وسلم في ما يأمر وينهي.

(ما ضعفت ولا جبنت ولا خنت) فلم يكن لي نكوص عن الجهاد في سبيل الإسلام بسبب ضعف في البدن ، أو ضعف في النفس، أو ضعف في الإيمان، فإنَّ الجبن من ضعف النفس، والخيانة من ضعف الإيمان (ولا وهنت) الوهن أعم من الضعف، فإنَّ الإنسان قد يتكاسل عن أمر وإن لم يكن ضعيفاً في بدنه وقوته .

(وأيم الله لأبقرنّ) أي أشقن (الباطل) كأنّه غلاف على الحق، فإذا شق ظهر الحق (حتى أخرج الحق من خاصرته) أي جانبه، يعني أنا في هذا الحال كما كنت مع الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، فلا أهتم بالباطل الملتفّ على الحق، كما لم أكن أهتم بالباطل المحارب مع الحق .

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

فی بعض صفات الرسول الكريم وتهديد بني أمية وعظة الناس

حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، شَهِيداً ، وَبَشِيراً ، وَنَذِيراً، خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً ، وَأَنْجَبَهَا كَهْلاً، وَأَظْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةَ، وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةَ .


التوضيح :

(حتى بعث الله محمدا صلی الله علیه و آله وسلم) أي كانت الأحوال مظلمة حتى بعث صلی الله علیه و آله وسلم (شهيداً) يشهد على الناس بما عملوا (وبشيراً) يبشر من آمن وأطاع بالثواب ( ونذيراً) ينذر من خالف بالعقاب في حال كونه صلی الله علیه و آله وسلم(خير البرية طفلاً) إذ كان صادقاً أميناً طاهر المولد، كريم الأصل (وأنجبها كهلا) أي أكثرها نجابة في حال تقدّم السن لم يقترف إثماً أو باطلاً أو ما يخالف العفاف - كما كان الشأن لدى كهول الجاهلية -.

( وأطهر المطهرين شيمة) الشيمة الخلق ، أي أنه صلی الله علیه و آله وسلم كان متحلياً بطهارة الأخلاق، وعدم دنسه بالرذائل . (وأجود المستمطرين ديمة) المستمطر السحاب الذي يطلب منه المطر، و (ديمة) بمعنى السحاب، أي أنه صلی الله علیه و آله وسلم كان أجود الناس في الإعطاء لمن طلب منه العون والعطاء، قالوا : الديمة المطر الذي لا رعد فيه ولا برق فهو أفضل أنواع السحاب - لأنه يشبه المتواضع في مطره - ولعل الإتيان بهذه اللفظة للدلالة على إعطاء الرسول وفيضه بلا من أو أذى أو جلبة .

فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا، وَلا تَمَكَّنتُمْ مِنْ رَضَاعَ أَخْلافِهَا ، إلا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا ، قَلِقاً وَضِينُهَا ، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ،


(فما احلولت لكم) يا بني أمية (الدنيا) بأن صارت لكم حلوة، من زمان عثمان (في لذتها ولا تمكنتم من رضاع أخلافها) جمع خلف بالكسر حلمة ضرع الناقة، أي ما تمكنتم من در لذات الدنيا وجمع مشتهياتها.

(إلا من بعد ما صادفتموها) أي الدنيا (جائلاً خطامها) تشبيه للدنيا بالناقة التي لا راكب لها فهي تحول الحبل الذي يوضع في أنفها كالزمام لتقاد به (قلقاً وضينها) الوضين حزام الناقة الذي يشدّ تحت بطنها لبقاء السرج عليها حتى لا يتأذى الراكب، ولا يقلق من ركوبها، يعني أن الدنيا كانت قلقة الوضين لا صاحب لها يسوّي سرجها .

والحاصل أنكم لم تحصلوا على الدنيا بالأتعاب والجهد - كما فعل الرسول صلى الله عليه وآله سلم - وإنما حصلتم عليها حين لا داعي لها وهي مستعدة لإلقاء زمامها بكل الأيدي، فقد كان عثمان هكذا غير مبال بالأمر يتسلط عليه كل حيّال انتهازي .

(قد صار حرامها) أي حرام الدنيا ( عند أقوام) كعثمان وحاشيته (بمنزلة السدر المخضود) السدر هو شجر النبق، والمخضود المقطوع الشوك، ومنحني الأغصان من ثقل الحمل لكثرة الثمر، والمراد كثرة لذتها ،يعني أنه قد اختلط الحرام بالحلال، وصار الحرام شيئاً سائغاً شهياً لديهم، فإنَّ الركوب على الدنيا في هذا الحال أيسر لأن الجاني يتمكن من نيل اللذة كيفما كانت، بخلاف ما لو كان الحرام محظوراً فإنَّ الوصول إلى اللذة المحللة شيء صعب .

وَحَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودِ وَصَادَفْتُمُوهَا ، وَاللهِ، ظِلاً مَمْدُوداً إِلَى أَجَل مَعْدُودٍ. فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاعِرَةٌ ، وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ ، وَسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وَسَيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ. أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ دَم ثَائِراً، وَلِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً .


(وحلالها بعيداً غير موجود) أي ليس بموجود في قربكم لا أنه ليس بموجودإطلاقاً (وصادفتموها) أي وجدتم الدنيا .

(-والله- ظلاً ممدوداً)يهنأ المتفيّئ فيه، وذلك كناية عن لذتها وسعتها إلى أجل معدود أي مدة قد عدت ،تعداداً، فلا بقاء لها - وهذا لبيان واقع حال الدنيا لا من تتمة المطلب ..

(فالأرض لكم شاغرة) أي فارغة، قد شغرت وخلت عن وخلت عن القائد المحامي (وأيديكم فيها ) أي في الدنيا ، أو في الأرض ( مبسوطة) قد وسع عليكم عثمان بما تشتهون بلا حساب ولا عقاب (وأيدي القادة ) جمع قائد (عنكم مكفوفة) مقبوضة، فإنَّ عثمان قد منع الناس العلماء كالإمام، وأبي ذر وأمثالهما من وضع حد لاستهتار بني أمية .

(وسيوفكم عليهم) أي على القادة (مسلّطة) بمعنى أنه كانت لكم السلطة بما منحكم الخليفة فالقادة بالحق أتباع وأنتم أمراؤهم .

(وسيوفهم) أي القادة (عنكم مقبوضة) لا تتمكن من إيقافكم على حدكم ومنعكم عن الاستهتار والالتذاذ بكل ما تشتهون من الحرام والفساد.

ثم أشارعلیه السلام إلى تهديد بني أمية بعقاب الله تعالى (إلا وإن لكل دم) يراق بغير حق (ثائراً) يثور للانتقام ممن أراق الدم (ولكل حق) مضاع (طالباً) يطلبه ممن قد أضاعه .

وَإِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِم فِي حَقٌّ نَفْسِهِ ، وَهُوَ اللّهُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ ، وَلا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ. فَأَقْسِمُ بِاللهِ ، يَا بَنِي أُمَيَّةَ ، عَمَّا قَلِيل لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ!

أَلا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَقَبلَهُ !


(وإن الثائر في دمائنا) التي أرقتموها يا بني أمية، يوم صفين والجمل ونهروان ( كالحاكم في حق نفسه) فإن دماءنا حق للثائر الذي هو الله سبحانه، وهذا لبيان أنه تعالى لا يسامح في الطلب والعقاب، لأنه حكم في حق هو له سبحانه ، إذ الإمام وأصحابه كانوا منقذين لأمره تعالى (وهو) أي الثائر (الله الذي لا يعجزه من طلب) أي لا يتمكن مطلوبه من تعجيزه بالفرار أو الاعتصام بالقوة، حتى لا يتمكن سبحانه من الانتقام منه وجزائه بالعقاب والإدانة (ولا يفوته من هرب) إذ لا يمكن الهروب منه تعالى .

(فأقسم بالله يا بني أمية عما قليل) [ما] زائدة، لتأكيد التقليل (لتعرفنها) أي الدنيا (في أيدي غيركم) كما صارت لبني العباس وغيرهم (وفي دار عدوكم) أي أن السلطة تكون في دار أعدائكم الذين هم [المختار] و[ مصعب] و [آل عبّاس] و[العلويون] ومن أشبههم .

(ألا إن أبصر الأبصار )أي أشد الأبصار رؤية (ما نفذ في الخير طرفه) فكأنه شعاع يخرج من العين فإذا نفذ طرف الشعاع في الخير، كان شديد الإبصار وإذا نفذ فى الشر - بأن نظر البصير إلى الشر وأراده - كان البصر ضعيفاً كليلاً، وهذا تحريض على أن يصرف الإنسان نظره في الخير والحق، لا في الباطل والشر (ألا إن أسمع الأسماع) أي أشد الأسماع سمعاً (ما وعى التذكير) أي احتوى على التذكير (وقبله) بأن عمل به .

أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةٍ مِصْبَاحٍ وَاعِطٍ مُتَّعِظُ، وَامْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنِ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ .

عِبَادَ اللهِ لا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ، وَلَا تَنْقَادُوا لَأَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بهذَا الْمَنْزِلِ نَازِلُ بِشَفَا جُرُفِهَارٍ، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعِ إِلَى مَوْضِعِ لِرَأَي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيِ، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ،


(أيّها النّاس ) ثم نحى علیه السلام نحو وعظ الناس وإرشادهم (استصبحوا) أي اطلبوا المصباح والضياء (من شعلة مصباح واعظ متعظ) أي يعمل هو بوعظه، فإنَّ الاطمئنان إنما يكون بمثل هذا الواعظ حتى يتبين من عمله أنه متأثر بما يقول ( وامتاحوا) أي استقوا الماء ، يقال : امتاح إذا سقى (من صفو عين) أي الماء الصافي النابع من عين (قد روقت) أي صفت من راق (من الكدر) والمراد استقاء الحلم من نفسه الكريمة علیه السلام .

يا (عباد الله لا تركنوا ) أي لا تعتمدوا (إلى جهالتكم) بأن لا تحصلوا على العلم وإنما تسيروا في جهالتكم (ولا تنقادوا لأهوائكم) تسيّركم حيث تشاء (فإنّ النّازل بهذا المنزل) أي المعتمد على هواه (نازل بشفا جرف هار) [شفا] طرف الوادي، [وجرف] المحل الذي يجرفه السيل وما أشبه، ويسقطه و [هار] أصله [هاري] بمعنى المتهدم أو المشرف على الانهدام أي أن المتكل على هواه في محلّ السقوط والانهيار.

(ينقل الردى) أي الهلكة (على ظهره من موضع إلى موضع) هذا كناية عن كونه موجباً لإضلال الناس، لأنه ينقل الجهالة إلى المستشير، فهو هالك وينقل الهلاك إلى غيره .

(لرأي يحدثه بعد رأي يريد أن يلصق ما لا يلتصق) الظاهر أن [اللام]

وَيُقَرْبَ مَا لا يَتَقَارَب ! قَاللَّهَ الله أَن تَشْكُوا إِلَى مَنْ لا يُشْكِي شَجْوَكُمْ ، وَلا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ .


متعلق بايريد] أي أن هذا الجاهل المعتمد على هواه يريد - بسبب آرائه التي يحدثها مرة ومرة - أن يلصق الأشياء ويجمع بين شتاتها، فإنَّ الجهال لا يعلمون الأسباب والنتائج، وإنما يجمعون بين الجهالات لإلصاقها، وحيث لا قدر لهم في العلم لهم كل يوم رأي في التوجيه.

مثلاً من يرى الكون ولا علم له بالواقع تارة يقول إنه خليق الصدفة وأخرى يقول تجمع السدم، وثالثة يقول إنه من الأثير، وهكذا، والحق في خلاف ذلك كله .

(ويقرب ما لا يتقارب) أي يجعل بعض الأشياء قريباً إلى بعضها الآخر ومرتبطاً به، بينما لا تقارب بينهما كما قرب [دارون] بين الإنسان والقرد.

(فالله الله) منصوب بفعل مقدّر أي اذكروا الله أو خافوا الله (أن تشكوا إلى مَن لا يشكي شجوكم) الشجو الهم والحاجة والإشكاء، إزالة شكوى المشتكي، أي لا ترفعوا الشكوى إلى من لا يزيل همكم وشكواكم، وهذا لبيان أن لا يأخذوا الحلول في المشاكل من غيره علیه السلام ، لأنه شكاية إلى من لايحل المشكلة ولا يزيل الهمّ .

(و) إلى من (لا ينقض برأيه ما قد أبرم (لكم) [أبرم لكم] أي المشكلة التي وقعتم فيها كأنها مبرمة مفتولة، تحتاج إلى النقض والفلّ حتى تنجوا منها، فلا تشكوا إلى من لا يتمكن من نقض هذه المشكلة، فلا يقدر أن ينقض برأيه ما قد أبرم وأشكل ، ثم بين علیه السلام دفع ما ربما يتوهم من أنه لا يتدخل في بعض الأمور فكيف يأمر بالإرجاع إليه وحده، وذلك لبيان أن

إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الإِمَامِ إِلا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ : الإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَالاِجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، وَالإحْيَاء لِلسُّنْةِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقّيهَا ، وَإصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا.

فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحَ نَبْتِهِ،


المقصود من الإرجاع إلى نفسه في هذه الأمور التي يذكرها لا سائرالشؤون .

(إنه ليس على الإمام إلا ما حمل من أمر ربه) أي أداء الرسالة التي حمّلها الله سبحانه على لسان نبيه، ثم بيّن ذلك بقوله (الإبلاغ في الموعظة) بأن يبلغ الناس الموعظة النافعة لهم .

( والاجتهاد في النصيحة) بأن يتعب نفسه في نصح الناس وإرشادهم والإحياء للسنّة) أي طريقة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

(وإقامة الحدود على مستحقيها) ممن قد ارتكب إثماً أو جريمة .

(وإصدار السهمان) جمع سهم بمعنى النصيب من الحقوق المالية (على أهلها) المستحقين، ففي هذه الأمور يراجع الإمام ولا يرجع إلى غيره أما سائر الأمور فليس من مهمة الإمام، فإنَّه ليس على الإمام إلا ما حُمّل، والاعتراض على الناس إنما هو : لماذا ترجعون إلى غير الإمام في هذه الأمور؟ ولا يخفى أن هذه الخمسة شاملة لكل شؤون الدنيا والدين بضرب من التعميم، كشمول [إصدار السهمان] للمصالح العامة حتى مثل تبليط الشوارع لأن أهل المدينة يستحقون ذلك، وهكذا.

(فبادروا العلم) أي أسرعوا في أخذ العلم من الإمام (قبل تصويح) أي جفاف (نبته) بموت صاحب العلم.

وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْي بَعْدَ التَّتَاهِي!


(ومن قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستثار العلم) المستثار مصدر ميمي أي إثارة العلم من آثاره بمعنى أظهر، فكأنّ العلم في العالم مخفي، يتمكن الإنسان من إثارته وإظهاره بالسؤال (من عند أهله) والمراد به نفسه الزكية .

(وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه) أي انتهوا بأنفسكم عنه (فإنما أمرتم بالنهي بعد التناهي) فإنَّ النهي عن الشيء إنما يؤثر بعد أن يتناهى الإنسان - بنفسه - عن ذلك الشيء، قال سبحانه: «لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ*كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ» (1)، وقال : «قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا» (2)فقدم حفظ النفس على حفظ الأهل . قال الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله*** عار عليك إذا فعلت عظيم


1) سورة الصف : 2 ، 3 .

2) سورة التحريم: 6 .

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

وفيها يبيّن فضل الإسلام، ويذكر الرسول الكريم، ثم يلوم أصحابه

اشارة

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الإِسْلامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ، وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ ، فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ ،


التوضيح:

(الحمد لله الذي شرع الإسلام) أي نهجه وجعله دستوراً للحياة (فسهل شرائعه لمن ورده) حيث رفع العسر والحرج فضلاً منه ومنّة، ولم يشرّع الأحكام الضررية، إلا في مواضع الضرورة - مما خيره أعم - كالجهاد وما أشبه .

(وأعز أركانه) أي جعل أركان الإسلام عزيزة (على من غالبه) أي من غالب الإسلام وأراد دحضه فإنَّ أحكام الإسلام من القوة والعصمة بحيث لا يتمكن أحد من نقضه أو دحضه نقضه أو دحضه، أو المراد بأركان الإسلام حكومته، يعني أن الحكومة الإسلامية لا تغالب .

(فجعله) أي الإسلام (أمناً) أي محل أمان واطمئنان (لمن علقه) أي تعلق به (وسلماً لمن دخله) فإنَّ الداخل في الإسلام يسعد ويسلم من شرور الدنيا والآخرة - وهذا حكم طبيعي فلا ينافي ذلك عدم انطباق الكليات المذكورة على بعض الأفراد كما أن قول الطبيب العقار الكذائي مقوّ، فطبيعي لا ينافيه

وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ، وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ وَفَهُما لِمَنْ عَقَلَ ، وَلُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَتَبْصِرَةً بِهِ، لِمَنْ عَزَمَ ،


عدم التقوية في بعض الأمزجة-.

( وبرهاناً) أي حجة (لمن تكلم به) أي من حاج بالإسلام غلب على خصمه .

(وشاهداً لمن خاصم عنه) فإنَّ المسلم إذا خاصم أحداً في أمر ، وأتى من الإسلام دليلاً على وجهة نظره صار شاهداً له، لقوة أحكامه وتطابقها للواقع.

(ونوراً لمن استضاء به) فمن يريد الضياء للخروج عن ظلمة الجهل كان الإسلام مرشداً له إلى الخير والصلاح.

(وفهماً لمن عقل) أي موجباً لدرك الأشياء وفهمها على حقيقتها لمن أراد التعقل والفهم، لأن الإسلام بين الخطوط العامة للكون والحياة .

( ولباً) أي عقلاً (لمن تدبّر ) فكما أن بالعقل يفهم الإنسان الأشياء، كذلك بالإسلام يفهم الحقائق فهو كاللب في كونه آلة الإدراك .

(وآية) أي دليلاً (لمن توسم) أي تفرس والمتوسم هو الذي يدرك الخفايا بالأدلة والعلامة، وهكذا الإسلام، فإنَّ الإنسان يعلم الأمور المستقبلية بواسطة الإسلام.

(وتبصرة لمن عزم) أي من عزم أمراً، ولم يعلم النتيجة كان الإسلام مبصراً له، لأن الإسلام يرى النتائج المترتبة على المقدمات .

وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ ، وَنَجَاةَ لِمَنْ صَدَّقَ ، وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ، وَرَاحَةً لِمَنْ فَوْضَ، وَجُنَّةَ لِمَنْ صَبَرَ . فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ وَأَوْضَحُ الْوَلَائِج، مُشْرَفُ الْمَنَارِ ، مُشْرِقُ الْجَوَادُ، مُضِيءُ الْمَصَابِيح،


( وعبرة لمن اتعظ) أي من أراد الاتعاظ، فإنَّ الإسلام بما بيّن من القصص والتواريخ يكون عبرة له .

(ونجاة) عن مشاكل الدنيا والآخرة (لمن صدّق) بالإسلام بأن يكون عمله موافقاً له.

( وثقة لمن توكَّل) على الإسلام، أي أن من فوّض أموره على الإسلام بأن جعله منهاجه في الحياة كان الإسلام ثقة له لا يخونه، ولا يسلّمه إلى المعاطب والمهالك .

(وراحة لمن فوّض) أمره إلى الإسلام، لأنه يعلم أن كل شيء يصيبه ففيه الخير فهو في راحة واطمئنان.

(وجنّة) أي وقاية (لمن صبر) فإنّ الصابر - حسب أمر الإسلام - يقي نفسه من المهالك (فهو) أي الإسلام (أبلج ) أوضح (المناهج) جمع منهاج وهو الطريق كأن الطرق إلى الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة كثيرة أوضحها وأنورها الإسلام.

(وأوضح الولائج) جمع ،وليجة وهي ما يلج ويدخل فيه الإنسان لحفظه عن الأخطار (مشرف المنار) المشرف هو المكان الذي يرتفع عليه الإنسان ليطّلع على ما ورائه والمنار محل الإنارة لإضاءة الطريق أي أن مناره مرتفع، فإذا استضاء الإنسان به رأى إلى آخر الطريق.

(مشرق الجواد) جمع جادة وهي الطريق الواضح، أي أن طريق الإسلام ظاهر من أشرق إذا ظهر واستبان وأنار (مضيء المصابيح) فإن مصابيح

كَرِيمُ الْمِضْمَارِ، رَفِيعُ الْغَايَةِ، جَامِعُ الْحَلْبَةِ، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ، شَرِيفُ الْفُرْسَانِ التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ ، وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ ، وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ ،


الإسلام وهي أحكامه تضيء وتنير طريق السعادة لمن طلبها.

(كريم المضمار) المضمار محل تضمير الخيل للسباق، ومعنى كونه كريماً أن الإنسان إذا أضمر خيله هناك، سبق عند المسابقة، وهذا كناية عن أن الذي يربّي في الإسلام نفسه يسبق الآخرين في نيل السعادة.

(رفيع الغاية) فإنَّ غايته سعادة الدنيا والآخرة، وهذه أرفع الغايات وأسماها (جامع الحلية) الحلبة خيل تجمع من كل مكان للانتصار كأنها الحليب الذي يجمع من جسد الحيوان عند الدرّ، والمراد بكون الإسلام جامع الحلبة إنه يجمع جميع فنون السعادة لانتصار الإنسان على المشاكل وأنواع الشقاء.

(متنافس السبقة) السبقة العوض الذي يعين للسابق في ميادين التغالب بالخيل وشبهها والإسلام يتنافس ويزاحم الناس بعضهم بعضاً في النيل السبقته التي هي الجنة، لأنها أنفس الأشياء التي يستبق الناس لأجلها . (شريف الفرسان) أي أن الداخلين في الإسلام والذين يتسابقون شرفاء لأنهم إنما تسابقوا في أشرف شيء . (التصديق) لله والرسول والأئمة (منهاجه) أي طريق الإسلام.

(والصالحات مناره) أي الشيء الذي ينير الطريق إلى السعادة - ليس مصباحاً وإنما - الصالحات، فإنّها تنير طريق الحق (والموت غايته) أي أن الإسلام لا ينتهي إلا بالموت، وإلا فاللازم على المسلم أن يعمل باستمرار حتى يموت .

وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ ، وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ.

ومِنها في ذكر النبي صلی الله علیه و آله وسلم :

حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لِقَابِسٍ ، وَأَنَارَ عَلَمَا لِحَابِسٍ فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ،


(والدنيا مضماره) فاللازم أن يعمل الإنسان ما دام في الدنيا لا مثل مضمار الخيل، الذي هو أيام قلائل .

(والقيامة حلبته) أي محل الحصول على السبقة (والجنة سبقته) أي جزاء السابقين العاملين بالإسلام، ومن المحتمل أن تكون هذه الجمل تفسيراً للجمل السابقة، لا جملاً مستأنفاً - على نحو ما فسرناه - .

(حتى أورى) أي أوقد (قبساً) أي شعلة من النور (لقابس) الذي يريد الاقتباس والمعنى أن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وأظهر الأحكام النيرة، التي هي شعلة النور في طريق الحق، لطلاب الحق والسعادة.

(وأنار علماً) أي وضع له ناراً في رأس علم - أي الجبل - (الحابس) هو الذي حبس ناقته حيرة لا يدري أين ،الطريق فقد كانت العرب تضع النيران في رؤوس الجبال للإشارة إلى الطريق - في الليل - ليستنير بها المتحيرون من القوافل وغيرهم وهذا تشبيه لحال الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ، وحال المتحيّرين في بيداء الجهل والضلال (فهو) أي الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

(أمينك (المأمون) لا يخونك إذا ائتمنته وقلّدته دينك ومنهاجك، أي اتبعته في أوامره وزواجره.

(وشهيدك يوم الدين) الدين بمعنى الجزاء، ويوم الدين هو يوم القيامة،

وَبَعِيتُكَ نِعْمَةَ وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةَ .

اللَّهُمَّ اقْسِمُ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَذَلِكَ، وَاجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ .

اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَائِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ،


فإنَّ الرسول صلی الله علیه و آله وسلم يشهد لمن عمل بما عمل كما قال سبحانه:«وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» (1).

(وبعيثك) أي المبعوث لك (نعمة) أي أنعاماً من الله سبحانه على البشر (ورسولك) أي المرسل إليك، إرسالاً (بالحق) لا بالباطل (رحمة) أي ترحماً وتفضلاً من الله على النّاس .

(اللهم اقسم له) أي الرسول (مقسماً) أي نصيباً (من عدلك) وهذا دعاء لإعطائه سبحانه للرسول ما يستحق في مقابل أعماله .

(واجزه مضعفات الخير) أي الخير المضاعف (من فضلك) وإحسانك زيادة على العدل والاستحقاق .

(اللهم أعل على بناء البانين بناءه) كناية عن ارتفاع دينه حتى يكون أرفع الأديان، كما قال سبحانه: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » (2).

(وأكرم لديك) المراد القرب معناً لا حسّاً - لاستحالته في حقه سبحانه (نزله) هو ما يهيّأ للضيف من مأكل وما أشبه لراحته ومعنى أكرمه بما يوجب تكريمه وتفضيله.


1) سورة البقرة : 143

2) سورة التوبة : 33 .

وَشَرْفُ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ وَالْفَضِيلَةَ، وَاحْشُرْنَا فِى زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا وَلا نَادِمِينَ وَلا نَاكِبينَ ، وَلا نَاكِثِينَ، وَلا ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ، وَلا مَفْتُونِينَ.


قال الشريف : وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم، إلا أننا كررناه ها هنا لما في الروايتين من الاختلاف .

وَمِنها في خطاب أصحابه

وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ لَكُمْ مَنْزِلَةٌ تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ،


(وشرّف عندك منزله) بأن تكون له منزلة شريفة رفيعة (وآته) أي أعطه (الوسيلة) أي السبب الذي يوصله إلى ما يشاء واعطه السناء الرفعة والنور ( والفضيلة) بأن يكون له فضل وزيادة على من عداه .

(واحشرنا) أي اجمعنا من حشر بمعنى جمع (في زمرته) أي في جماعته صلی الله علیه و آله وسلم الخاصين به (غیر خزايا) جمع ،مخزي، من خزي إذا ارتكب شيئاً يوجب الخجل والقباحة (ولانادمين) بأن لا تخذلنا حتى نعمل أعمالاً توجب الخزي والندم - في الآخرة -(ولاناكبين) نكب الطريق إذا عدل عنه ، أي لا نكون عادلين عن طريق الحق.

(ولا ناكثين) نكث العهد إذا نقضه ولم يف به (ولا ضالين) قد انحرفنا عن الطريق وضللنا (ولا مضلين) أضللنا الناس ( ولا مفتونين) قد فتنتنا الدنيا بزخارفها، فغررنا بها.

أقول : ولعل الإمام ذكرهما في مناسبتين .

( وقد بلغتم) أيها المسلمون (من كرامة الله لكم) حيث أكرمكم بالإسلام (منزلة تكرم بها) أي بسبب تلك الكرامة (إماؤكم) بعد ما كان السادة - في زمن

وَتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ وَيُعَظْمُكُمْ مَنْ لا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَلا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، وَيَهَابُكُمْ مَنْ لا يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً، وَلا لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ. وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنقُوضَةً فَلا تَغْضَبُونَ وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَم آبَائِكُمْ تَأْنفُونَ! وَكَانَتْ أُمُورُ اللهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ ، وَعَنْكُمْ نَصْدُرُ ، وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ ، فَمَكْتُتُمُ الظُّلَمَةَ


الجاهلية في خوف وإهانة-(وتوصل بها جيرانكم) أي يتفقد الإنسان جاره وكل ذلك لأمر الإسلام وتربيته الناس على ذلك .

(ويعظمكم من لا فضل لكم عليه) فإنّ الكفّار كانوا يعظمون المسلمين لما رأوا فيهم من الرفعة والسمو بدون أن يكون سبب ذلك فضلاً من المسلمين عليهم (ولا يد) أي لا نعمة (لكم عنده) وإنما قيل للنعمة (يد) لأنها آلة إعطائها - غالباً - .

(ويها بكم من لا يخاف لكم سطوة) أي بطشاً وعقاباً، فإنَّ الإنسان يحترم العالم ويهابه وإن لم يخف بطشه وعذابه، وقد كان الكفار يهابون المسلمين بمثل هذه الهيبة (ولا لكم عليه إمرة) أي إمارة وسلطة (وقدترون عهود د الله منقوضة) قد نقضها الكفّار، لعدم دخولهم في الإسلام، أو نقضها أصحاب معاوية (فلا تغضبون) ولا تنهون عن المنكر (وأنتم لنقض ذمم) جمع ذمه وهي العهد - (آبائكم تأنفون) أي تترفع أنفسكم من أن ترى ذمة آبائكم منقوضة فتنهون عن ذلك، وتخاصمون الناقض .

(وكانت أمور الله عليكم ترد) فالنّاس يسألون منكم عن الأحكام (وعنكم تصدر) فأنتم تجيبون عنها (وإليكم ترجع) في موارد اختلاف الناس في حكم من أحكام الله (فمكنتم الظلمة) جمع ظالم وهو الذي لا يعمل بأحكام الله

مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ ،وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ ، يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، وَايْمُ اللَّهِ ، لَوْ فَرْقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ، لَجَمَعَكُمُ اللهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ !


تعالى من منزلتكم بأن تركتم منزلتكم حتى استولى عليها الظالمون (وألقيتم إليهم) أي إلى الظلمة .

(أزمتكم) جمع زمام وهو ما يقاد به الدابة، يعني أنكم بعد أن كنتم تأخذون بقياد النّاس أخذ الناس بقيادكم، وهذا مما يؤيد كون الكلام في مقابل معاوية وأصحابه - لا الكفّار ..

(وأسلمتم أمور الله في أيديهم) بعد ما كانت في أيديكم (يعملون بالشبهات) بدون أن يروا وجه الحق فيتّبعوه (ويسيرون في الشهوات) يعملون لذاتهم وشهواتهم لا حسب أوامر الله.

(وأيم الله لو فرقوكم تحت كلّ كوكب) بأن باعدوا بينكم بهذا المقدار من البعد للخلاص منكم .

(لجمعكم الله لشرّ يوم لهم) أي لقهرهم والانتقام منهم كما فعل سبحانه في قصة [المختار] و [التوابين] وما أشبه وهذا الكلام تقوية للشيعة في القيام بأخذ حقهم.

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

في بعض أيام صفين

وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ ، وَانْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ، تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ الطَّغَامُ ، وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّام، وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَيَآفِيخُ الشَّرَفِ، وَالأنفُ الْمُقَدَّمُ، وَالسَّنَامُ الأَعْظَمُ


التوضيح:

(وقد رأيت جولتكم) معاشر أصحابي أي جولانكم وحركتكم في الحرب ( وانحيازكم) أي تقهقركم وابتعادكم (عن صفوفكم) خوفاً من عسكر الشام (تحوزكم) أي تشتمل عليكم (الجفاة) جمع الجافي : من الجفاء بمعنى الظلم (الطغام) أوغاد الناس .

( وأعراب أهل الشام) الذين لا ثقافة لهم ولا حضارة وهذا عتب على أصحابه بأنه كيف يذلون أمام جيش معاوية، ويبتعدون عن صفوفهم.

(و) الحال (أنتم لهاميم) جمع لهميم بمعنى السابق من الخيل والإنسان (العرب) أي السباقون إلى كل فضيلة (ويآفيخ الشرف) جمع يأفوخ وهو فوق الرأس حيث يجتمع عظما المؤخّر والمقدّم .

(والأنف المقدم) وصف توضيحي لتأكيد معنى الشرف (والسنام الأعظم) السّنام هو ما على ظهر البعير مما هو أعلى أعضائه يشبه به في الرفعة والسموّ .

وَلَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةِ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ، وَتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ ، حَسَاً بِالنِّصَالِ، وَشَجْراً بِالرِّمَاحِ، تَرْكَبُ أُولاهُمْ أَخْرَاهُمْ كَالإِبِلِ الهِيمِ الْمَطْرُودَةِ، تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا، وَتُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا !


( ولقد شفى وحاوح صدري) جمع وحوحة صوت الصدر إذا كان متألماً وهو صوت معه بحح (أن رأيتكم بآخرة) أي في جولة آخرة (تحوزونهم كما حازوكم) بأن اشتملتم عليهم وأحطتم بهم والإحاطة بالعدو دليل الغلبة إذ لا مفر للمحاط فمن أين توجّه يأتيه الحراب (وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم) في الجولة السابقة .

(حساً) أي قتلاً (بالنصال) هو المباراة في الرمي (وشجراً) أي طعناً (بالرماح) جمع رمح (تركب أولاهم أخراهم) الفرارهم من أيديكم فإن الجمع إذا أرادوا الفرار وقع بعضهم على بعض كأنه راكب عليه (كالإبل الهيم) جمع هائمة وهي العطشانة (المطرودة) التي تطرد من الماء فإنَّها من شدة العطش وخوف الطرد إذا فرت ركبت بعضها على بعض.

(ترمى) تلك الإبل (عن حياضها) جمع حوض وهو محل الماء (وتذاد)أي تمنع (عن مواردها) جمع مورد وهو محل ورودها لشرب الماء.

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

وهي من خطب الملاحم

اشارة

الْحَمْدُ لِلّهِ الْمُتَجَلِّى لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ، وَالظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ . خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لا تَلِيقُ إِلا بِذَوي الضَّمَائِرِ وَلَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ في نَفْسِهِ . خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتْرَاتِ،


التوضيح :

(الحمد لله المتجلّي) أي المظهر نفسه (لخلقه ب) سبب (خلقه) فإنَّ الخلق هو الأثر الدال على الخالق والظاهر) لقلوبهم لا لأبصارهم لأنه سبحانه لا يرى (بحجته) أي بما استدل به واحتج على وجوده سبحانه.

(خلق الخلق من غير روية) أي تفكر وتدبر لأنه لا يحتاج إلى الفكر (إذ كانت الرويات لا تليق إلا بذوي الضمائر) أي الذين لهم قلوب وأجزاء كالناس : أما الله المنزّه عن ذلك فلا يتروى ولا يفكر لخلوه سبحانه عن الأعضاء والجوارح .

(وليس) سبحانه بذي ضمير في نفسه أي ليس لنفسه أي ذاته ضمير و سر.

(خرق علمه) أي نفذ (باطن غيب السترات) جمع سترة: وهي ما يستر به أي الباطن الغائب المستور .

وَأَحَاطَ بِغُمُوضٍ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ .


(وأحاط) علمه سبحانه (بغموض عقائد السريرات) أي المخفي من عقائد الناس الكائنة في سريرتهم - أي ضمائرهم ..

منها في ذكر النبي صلی الله علیه و آله وسلم

اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الأَنْبِيَاءِ، وَمِشْكَاةِ الضّياءِ، وَذُؤَابَةِ الْعَلْيَاءِ ، وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ، وَمَصَابِيحَ الظُّلْمَةِ، وَيَنَابِيع الْحِكْمَةِ .

ومنها : طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبّهِ،


(اختاره الله سبحانه (من) شجرة الأنبياء) فإنّ الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ينتهي نسبه إلى أبي الأنبياء إبراهيم علیه السلام .

(ومشكاة) الكوة التي يوضع فيها المصباح (الضياء) والإضافة للبيان كأن هذه السلسلة التي منها النبي كون يشع منها ضياء الوحي والنبوّة (وذؤابة) الناصية (العلياء) أي العلو فهو صلی الله علیه و آله وسلم في أعلى مراتب العلوّ .

(وسرة البطحاء) البطحاء الأرض المستوية والمراد هنا مكة والسرة يراد بها الوسط أي أنه صلی الله علیه و آله وسلم أفضل بيت في مكة .

(ومصابيح الظلمة) فإنّ آباء الرسول كانوا أهل حق ودين يضيئون الطريق للجاهل والضّال.

(وينابيع (الحكمة) جمع ينبوع ، وهو العين، كأنهم كانوا عيون الحكم يتفجر منهم ممّا يفيد النّاس ويهديهم إلى السعادة والخير .

ثم وصف الإمام علیه السلام نفسه بقوله :

(طبيب دوّار بطبّه) أي أنه يدور هنا وهناك ومعه طبه - الذي هو العلم -

قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبِ عُمْيِ ، وَآذَانِ صُمْ، وَأَلْسِنَةِ بُكُم، مُتَتَبَّعْ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْواءِ الْحِكْمَةِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُوم الثَّاقِبَةِ ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَالصُّحُورِ الْقَاسِيَةِ .


لعله يجد مريضاً يريد العلاج عن مرض الجهل فيشفيه بإرشاده وهدايته . (قدأحكم مراهمه) جمع مرهم وهو الدواء الشافي للدمل ونحوه (وأحمى مواسمه) جمع ميسم وهو المكواة التي يكوى بها المريض إذا عجز عن الشفاء بغيره و [أحمى ] بمعنى أوقد عليه النار حتى حمى، وذلك كناية عن استعداده للشفاء بحيث لا يحتاج إلى الإحماء إذا وجد من احتاج إلى الكي (يضع ذلك) الطب ( حيث الحاجة إليه) أي في كل مكان محتاج إلى الشفاء (من قلوب عمي) جمع أعمى وهو القلب المصروف عن الله سبحانه .

(وآذان صم) جمع صمّاء وهي التي لا تصغي إلى الموعظة (وألسنة بُكم) جمع أبكم وهو اللسان الذي لا ينطق بالحق .

(متتبع) أي ذلك الطبيب (بدوائه مواضع الغفلة) أي أنه يذهب إلى النّاس الغافلين عن الآخرة (ومواطن (الحيرة) أي المتحيّرون عن الله وعن أحكامه.

(لم يستضيئوا بأضواء الحكمة) أي أنهم لم يهتدوا - قبله علیه السلام - بالنور الساطع من الحكم الإسلامية (ولم يقدحوا) أصله ضرب الحجر على الحجر لإخراج النار (بزناد العلوم الثاقبة) فإنَّهم لم يتناولوا العلوم التي تثقب الجهل لتصل إلى محض الحق.

(فهم في ذلك) الجهل - المستفاد من الكلام -(كالأنعام السائمة) التي ترعى الأعشاب بلا علم ولا دراية وإنما همّها بطنها (والصخور القاسية) أي

قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لأهْلِ الْبَصَائِرِ، وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الحَقِّ لِخَابِطِهَا، وَأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا ، وَظَهَرَتِ الْعَلامَةُ لِمتَوَسّمِهَا .


الصلبة التي لا تتفجر منها الأنهار ولا تنبت النبات فليست محل خير . (قد) انجابت أي ظهرت (السرائر) جمع سريرة، والمراد بها الأمور الواقعية المستورة (لأهل البصائر) الذين لهم قلوب وقادة بصيرة، والمراد بذلك إما نفسه علیه السلام ، أي قد ظهرت لي كوامن الأمور، فيكون هذا مقدمة لما يخبر به بعد من الأخبار المستقبلية، أو أن المراد أن أهل البصرة ظهر لهم الحق بما بيّنه علیه السلام فمن لم يظهر له إنما كان لتقصيره كقولنا : [وضح الحق لذي عينين].

(ووضحت محجة الحق) أي وسطه الواضح (لخابطها) أي السائر عليها والمعنى أن مريد السير قد وضح له الحق (وأسفرت الساعة) أي القيامة (عن وجهها) أي أظهرت عن نفسها وذلك بمجيء علائمها، فقد قال الرسول صلی الله علیه و آله وسلم: [ بعثت أنا والساعة كهاتين] (1)وأشار صلی الله علیه و آله وسلم إلى إصبعيه .

(وظهرت العلامة) للساعة (لمتوسمها) المتوسّم هو المتفرّس الذي يرى العلامة فيعرف ذا العلامة، وهذه فذلكة لبيان فتنة مستقبلية هي من أشراط الساعة .

ثم الظاهر أن الإمام وجّه الخطاب إلى المعاصرين لتلك الفتنة الذين لا يقومون بإخمادها، بقوله : [مالي ..] لا أنه خطاب إلى أصحابه لعدم المناسبة ، اللهم إلا أن يقال وجه الخطاب عتابهم في عدم أخذهم بهذه العلوم التي يفيض بها صدر الإمام، وعدم اعتنائهم لها .


1) بحار الأنوار: 2/ 263 .

مَالِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَزْوَاحٍ ، وَأَرْوَاحاً بِلا أَشْبَاحٍ، وَنُسَّاكاً بِلا صَلَاحٍ، وَتُجَاراً بِلا أَرْبَاحٍ، وَأَيْقَاظاً نُوْماً ، وَشُهُوداً غُيَّباً، وَنَاظِرَةً عَمْيَاءَ وَسَامِعَةً صَمَّاءَ ، وَنَاطِقَةٌ بَكْمَاءَ !


( مالي أراكم) وهذا عتاب لهم في مكان [ما لكم] وإنما ينسب الاستفهام إلى نفسه للإشارة إلى أن المطلب من الغرابة بحيث يمكن أن يكون المتكلم اشتبه في الرويّة فهم غير مقصرين وإنّما رآهم المتكلم مقصرين اشتباهاً منه (أشباحاً) جمع شبح وهو الجسد بلا روح (بلاأرواح) أجسام مرئية بلا أرواح مدركة.

(وأرواحاً بلا أشباح) هذا من تتمة التأنيب أي أنكم ناقصون كالروح بلا جسد، أو الجسد بلا روح الذي لم ينفع كل واحد منهما دون الآخر، وهذا كما يذم ذا اللسانين وإن كان أحد لسانيه حسناً .

(ونساكاً) جمع ناسك وهو الزاهد (بلا صلاح) أي أنكم غير زاهدين وإنما تظهرون الزهد والصلاح (وتجاراً بلا أرباح) أي تعملون بلا ثمر لأن أعمالكم للدنيا التي لا ربح حقيقي لها .

(وأيقاظاً) جمع يقظ (نوماً) جمع نائم أي أنّكم في الظاهر أيقاظ لكن لعدم درككم للأمور وعدم عملكم عملاً مثمراً، كالنوم .

(وشهوداً) جمع شاهد وهو الحاضر (غيّباً) جمع غائب، أي أنّكم حاضرون جسماً، غائبون قلباً.

(وناظرة عمياء) تنظرون بالعيون لكنكم كالأعمى لا تدركون الحقائق، وعمي جمع [أعمى] (وسامعة صمّاء) جمع أصم .

(وناطقة بكماء) جمع أبكم والمعنى لا تنتفعون بأبصاركم وأسماعكم

رَايَةُ ضَلالٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا وَتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا، وَتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا . قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، قَائِمٌ عَلَى الظُّلَّةِ، فَلا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلا تُفَالَةٌ كَثْفَالَةِ الْقِدْرِ ، أَوْ نُفَاضَةٌ كَنْفَاضَةِ الْعِكُم، تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الأَدِيمِ،


وألسنتكم (راية ضلال قد قامت) لعله إشارة إلى آخر الزمان - كالوقت الذي نحن فيه - (على قطبها ) تمثيل الاستحكام أي تلك الضلالة، حتى أن لها رحى ومداراً ،وقطباً، تدور بانتظام، لا إنها شيء وقتي وجولة تنتهي بسرعة .

(وتفرقت) تلك الضلالة ( بشعبها) أي انتشرت بفروعها فلها شعب وفروع (تكيلكم) أي تأخذكم للهلاك كيلاً (بصاعها ) آلة الكيل، كأن تلك الفتنة عامة حتى أنها تكال الناس كيلاً، لا أنها خاصة ببعض الناس كما أن الأمر كذلك في زماننا هذا.

(وتخبطكم) من خبط الشجر إذا ضربه بالعصا ليسقط ورقه، أو من خبط البعير بيده الأرض إذا ضربها بيده وهذا أقرب (بباعها) وهو مد اليدين وذلك كناية عن شمول الفتنة لجميعهم (قائدها) أي قائد تلك الفتنة وكأنّ المراد الحكام (خارج من الملة) أي من شريعة الإسلام.

(قائم على الضلّة) أي الضلالة (فلا يبقى - يومئذ) أي في ذاك اليوم ( منكم إلا ثفالة كثفالة القدر) الثفالة الثفل الذي يبقى بعد ذهاب الخالص الطيب من الطعام يعني أن الباقين ليسوا إلا أشراراً قد ذهب خيارهم (أو نفاضة) ما يسقط بالنفض.

(كنفاضة العكم) هو لمظ تجعل فيه المرأة ذخيرتها، فإذا تمت الذخيرة نفضت الحكم لتنفضها من بقايا الزاد الباقية في ثنايا نسيج العكم . (تعرككم) الفتنة، وهوالدلك الشديد (عرك الأديم) هو الجلد، يدلك

وَتَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِيدِ، وَتَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتِخْلاصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِيئَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ المَذَاهِبُ، وَتَتِيهُ بكُمُ الْغَبَاهِبُ وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ؟ وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ، وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ،


شديداً ليمتد وهو كناية عن شدة وطأة الفتنة وتحريكها لهم تحريكاً عنيفاً .

(وتدوسكم) الفتنة (دوس (الحصيد) أي الحب المحصود فإنَّه يداس بشدّة ليتفرّق قشره عن لبه (وتستخلص) الفتنة (المؤمن من بينكم) ونسبة استخلاص الفتنة المؤمن، لأنها هي السبب في كمال إيمانه حيث يبقى في كل الهزاهر بدون انحراف أو تنكب .

(استخلاص الطير الحبة البطينة ) أي السمينة (من بين هزيل الحب) أي غير السمينة .

ثم توجه الإمام علیه السلام بالخطاب إلى أهل ذلك الزمان الذين يقعون في الفتنة، بقوله : (أين تذهب بكم المذاهب) جمع مذهب، وهي الطرائق التي تتولد في الفتن ويدعو كل إنسان أتباعه إلى طريقة خاصة.

(وتتيه بكم (الغياهب) جمع غيهب وهو الظلمة، كأن الظلمات تسبب ظلالهم وتيههم .

(وتخدعكم الكواذب) أي الأقوال الكاذبة (ومن أين تؤتون)كأن أعوان الفتنة يأتون إلى الناس لإظلالهم، وهذه الاستفهامات للإنكار .

(وأنّى تؤفكون) أي كيف تنصرفون عن الحق؟ من أفك بمعنى انصرف، ثم بيّن الإمام أن تلك الفتنة لا تبقى وإنما تذهب وتضمحل بعد مدة بقوله (فلكل أجل ) أي مدة (كتاب) قد كتب الأجل في ذلك الكتاب فلا يزيد

وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ ، فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيْكُمْ، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ، وَاسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ وَلْيَصْدُقُ رَائِدَ أَهْلَهُ، وَلْيَجْمَعُ شَمْلَهُ، وَلْيَحْضِرُ ذِهْنَهُ، فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الأمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ، وَقَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَةِ.


على ما كتب ولا ينقص عنه.

(ولكل غيبة) لأحد أو شيء (إياب) ورجوع وهكذا يرجع الإسلام بعد الفتنة التي تسبب غياب أحكامه ونظامه .

(فاستمعوا من ربانيكم) العارف بالله سبحانه منسوب إلى [رب] والمراد نفسه الكريمة (واحضروه قلوبكم) للإدراك والفهم لتعرفوا ذلك الزمان وعلائمه .

(واستيقظوا) أي لا تكونوا كالنائم (إن هتف) أي صاح الرباني (بكم ) لإيقاظكم، حتّى لا تقعوا في الفتنة من غير دراية (وليصدق رائد أهله) الرائد هو الذي يتقدم القوم المسافرين يرتاد لهم موضع كلاً وماء، وهذا أمر بالقادة، بأن يتحفظوا على النّاس في ذلك الزمان لئلا يضل الأتباع بلا علم (وليجمع) الرائد (شمله) أي جماعته فلا يتركهم نهباً للفتن والضلالات(وليحضر) الرائد(ذهنه) ليعرف مواقع الفتن والضلالة (فلقد فلق) أي شق وفاعله الضمير العائد إلى الإمام علیه السلام .

(لكم الأمر) أي بينه لكم لئلا تضلوا .

(فلق الخرزة) فكما أن الخرزة إذا شقت رُئي ما في جوفها كذلك أوضح الإمام لكم باطن الأمر، حتى لا يبقى شيء مشتبه (وقرفه) قرف الأمر أي قشره، وأوضحه (قرف الصمغة) أي مثل تقشير الصمغة، فإنَّها إذا تقشر يظهرما في بطنها بجلاء، لكونها شفافة، ثم بين الإمام علیه السلام علائم تلك الفتنة وما

فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ، وَرَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ ، وَعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ ، وَقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ ، وَصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُعِ الْعَقُورِ، وَهَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُوم ، وَتَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ ، وَتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ، وَتَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ، وَتَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً،


يصحبها من الموبقات والآثام بقوله : ( فعند ذلك) الزمان (أخذ الباطل مآخذه) جمع مأخذ أي جميع المحلات الممكنة أخذه منها (وركب الجهل مراكبه) والمراد تفشيه واتساعه بين الناس (وعظمت الطاغية) أي سلطة السلطان الطاغي، والتأنيث باعتبار النفس، أو أن التاء للمبالغة.

(وقلت الدّاعية) إلى الهدى (وصال الدّهر) أي هجم على الناس بالفقر والبلاء والمرض وما أشبه .

(صيال السبع العقور) الذي إذا عقر موضعاً سبب ألماً كثيراً ومرضاً، أي مثل صولة الحيوان المفترس الذي صار مع ذلك عقوراً (وهدر فنيق الباطل) شبه الفتنة بالبعير إذا ،هدر، فإنَّ [فنيق] الفحل من الإبل (بعد كظوم) أي كظم وإمساك، فإنَّ أهل الباطل في دولة الحق ساكنون خوفاً من أهله أما إذا قامت الفتن، فأهل الباطل يشرعون في الحركة والصياح والدعوة والإفساد (وتواخى الناس) أي آخى بعضهم بعضاً ( على الفجور) فيتخذ الخليل خليلة فاجرة، أو خليلاً فاسقاً، حيث لا أخوة تجمعهم إلا الفسق .

(وتهاجروا على الدين) أي إذا كان أحدهم متديناً هاجره صديقه.

(وتحابوا على الكذب) أي أحب بعضهم بعضاً، لأنه كذب في نفعه (وتباغضوا على الصدق) أي أن أحدهم إذا صدق وقال الحق، غضب عليه الآخر وأبغضه لأنه صدق (فإذا كان ذلك) حال الناس (كان الولد غيظاً) أي

وَالْمَطَرُ قَيْظاً ، وَتَفِيضُ اللّنَامُ فَيْضاً ، وَتَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً، وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِتَاباً ، وَسَلاطِينُهُ سِبَاعاً ، وَأَوْسَاطُهُ أَكَّالاً، وَفُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً، وَغَارَ الصِّدْقُ ، وَفَاضَ الْكَذِبُ، وَاسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللَّسَانِ،


موجباً لغيظ أبويه لأنه يكون للولد اتجاه آخر غير اتجاه الأبوين، فإن الإسلام هو الذي يوحد الاتجاهات ويظلل العائلة بالألفة والوداد، فإذا انفصم انفصمت العلائق ) والمطر (قيظاً المراد أن المطر يأتي في الصيف حيث لا ينفع، أو أن المطر يكون كالمطر في القيظ لعدم الاستفادة منه، حيث تكون الأمور الزراعية بالمكائن والآلات - كما في حالنا هذا -.

( وتفيض اللئام فيضاً) أي يكثرون كما يفيض الماء ويكثر، وذلك لأن المجتمع إذا صار فاسداً كثر فيه الفاسدون وقل الصالحون (وتغيض الكرام) من غاض الماء إذا غار في الأرض (غيضاً) وذلك كناية عن قلتهم.

(وكان أهل ذلك الزمان ذئاباً) أي كالذئاب في اختطاف الخيرات، وعدم المبالاة بالحرام والحلال، وسوء العواقب .

(وسلاطينه سباعاً) كالسبع في افتراس الناس وقتلهم ونهشهم (وأوساطه) أي المتوسطون من أهل ذلك الزمان (أكالاً) لا يعرفون إلا الأكل وذلك كناية عن عدم اهتمامهم إلا بأنفسهم .

(وفقراؤه) أي فقراء ذلك الزمان (أمواتاً) أي كالأموات في عدم توفر وسائل العيش لهم، إذ الأغنياء لا يرحمونهم، والدولة لا تهتم بهم، بخلاف ما لو كان الإسلام آخذاً بالزمام (وغار الصدق) أي نصب وذهب .

(وفاض الكذب) أي كثر وزاد كما يفيض الماء (واستعملت المودة باللسان) أي أنه يذهب الودّ من القلوب وإنما يكون الود والحب باللسان فقط

وَتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ، وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً، وَالْعَفَافُ عَجَباً، وَلُبِسَ الإِسْلامُ لُبْسَ الْقَوْمِ مَقْلُوباً .


(وتشاجر) أي عادى (الناس) بعضهم بعضاً (بالقلوب) وهي صفة النفاق.

( وصار الفسوق نسباً) فالفسق يكون هو سبب التواصل - كما يكون النسب سبب التواصل - فمثلاً يتصادق الناس على المنكرات والمحرمات ويحتمل أن يكون المراد أن الزنا وما أشبهه يكون سبباً للنسب .

(و) يكون (العفاف) والنزاهة ( عجباً) أي موجباً لعجب الناس كيف عفّ وتنزّه فلان؟ (ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً) فقلب النّاس يحب الإسلام وعليهم اسمه أما ظاهرهم فظاهر كفر ونفاق .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في صفة الله وذكر الملائكة وبيان الخلق والإشارة إلى البعث

اشارة

كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعَ لَهُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ : غِنى كُلِّ فَقِيرِ، وَعِزُّ كُلْ ذَلِيلِ، وَقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفِ .


التوضيح:

(كل شيء خاشع) أي خاضع (له) تعالى، حتى الذين لا يعترفون به خاضعون تكويناً لإرادته .

(وكل شيء قائم به) أي أن قوام كل شيء ووجوده إرادته سبحانه ، حتى إذا صرف عنهم الإرادة فنوا وعدموا .

(غنى كل فقير) فإنَّ غنى الفقراء - فيما هم فيه أغنياء، كالصحة والأمن والوجود وما أشبه - إنما هو بسببه وفضله تعالى أو المراد أن كل شيء فقير في ذاته - لكونه ممكناً - وإنما غناه ووجدانه لشيء من الله سبحانه .

(وعز كل ذليل) فإنَّ الذليل يعتز بأن له إلهاً عظيماً عزيزاً، أو الذي ذكرنا في الفقرة السابقة بمعنى أن الذليل ذاتاً عزه بالله.

(وقوة كل ضعيف) فالقوة التي للضعفاء إنما هي بالله، أو على المعنى الذي ذكرناه سابقاً.

(ومفزع كل ملهوف) المفزع محل الفزع والالتجاء، والملهوف، هو

مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ، وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ، وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَمَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ . لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ . لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةِ، وَلا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ، وَلا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ،


الذي نايه أمر وعرضت له كارثة، فإنَّ كل مضطر يلتجىء إليه سبحانه لكشف ضره وتعويض خسارته .

(من تكلم سمع) الله سبحانه (نطقه) أينما كان وكيفما تكلّم (ومن سكت) ولم ينطق ( علم سره) وما يدور في ضميره (ومن عاش) في الدنيا (فعلیه) تعالی (رزقه) حتى يموت (ومن مات فإليه) سبحانه (منقلبه) مصدر ميمي أي انقلابه ورجوعه ومعنى [إليه ] إلى جزائه والمحل الذي أعده له ، إذ هو سبحانه منزّه عن المكان.

ثم التفت علیه السلام عن الغيبة إلى الخطاب - الذي هو من فنون البلاغة بقوله : (لم ترك) من [رأى] و[الكاف] للخطاب (العيون فتخبر عنك) إخباراً بالرؤية، بأن تحكي للنفس صورتك وكيفيتك .

(بل كنت) يا رب (قبل الواصفين من خلقك) فإنّ النّاس القادرين على الوصف هم مخلوقون لك والإتيان بلفظة [بل] لعله لدفع إيهام أن ما لا يرى لا يكون] فعدم رؤيته ليس لعدم كونه فإنّه كائن بل قبل كل شيء.

(لم تخلق الخلق لوحشة) كما يتوحش الإنسان من الانفراد فيكسب مؤنساً (ولا استعملتهم) أي أمرتهم بالعمل، أو جئت بهم إلى الوجود وأعطيتهم ما أعطيتهم(لمنفعة) لك من ورائهم (ولايسبقك) في الفرار (من طلبت) تشبيه بمن يسبق طالبه فراراً فلا يدركه الطالب عجزاً.

وَلا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ، وَلا يَنقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَلَا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ ، وَلا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ، كُلُّ سِرْ عِنْدَكَ عَلانِيَةٌ ، وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةً، أَنْتَ الأبَدُ فَلا أَمَدَ لَكَ ، وَأَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلا مَحِيصَ


(ولايفلتك) أي لا ينفلت منك (من أخذت) كما ربما ينفلت الناس من أيدي خصمائهم .

(ولا ينقص سلطانك من عصاك) إذ سلطانه كائن على الجميع، سواء عصى العاصي أم أطاع المطيع ، لعدم خروج شيء من تحت أمره، وقبضة قدرته سبحانه .

(ولا يزيد في ملكك من أطاعك) لأن الملك كائن لا يتسع ولا ينقبض وإنما الأمر بالإطاعة لمنفعة المطيع (ولايرد أمرك) أي تقديرك (من سخط قضاءك) فمثلاً سخط لضيق ،رزقه لا يردّ سخطه ضيق رزقه الذي قضاه سبحانه له .

(ولا يستغني عنك من تولى) أي أعرض (عن أمرك) بأن عصاك، فإنَّ للإنسان احتياج محض إليه سبحانه (كل سر عندك) يا ربّ (علانية) أي ظاهر غير مستور.

(وكل غيب) أي ما غاب عن الحواس ( عندك شهادة) أي حاضر مشهودلأن الله مطلع على جميع الأشياء ظاهرها وباطنها حاضرها وغائبها.

(أنت الأبد) أي باقي دائماً (لا أمد لك) أي لا مدة لك، حتى إذا بلغت إلى تلك المدة انقضى أجلك .

(وأنت المنتهى) أي انتهاء جزاء كل إنسان إليك (لا محيص) أي لا مفر

عَنْكَ، وَأَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلا مَنْجَى مِنْكَ إلا إلَيْكَ . بيَدِكَ نَاصِيَةُ كُل دَايَّةِ ، وَإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ. سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ! وَمَا أَصْغَرَ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ! وَمَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ! وَمَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَائِكَ وَمَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أَصْغَرَهَا فِي نعم الآخِرَةِ!


(عنك) ولا يتمكن أحد من أن لا يصل إليك (وأنت الموعد) الموعد محل الوعد أي أن الإنسان وعد أن يصل إليك - والموعد غير المنتهى مفهوماً - (فلا منجى) أي لا نجاة (منك إلا إليك) بأن يتضرّع الإنسان إليك لنجاته من سخطك.

( بيدك) أي بقدرتك وتحت أمرك ( ناصيةكل دابة) الناصية مقدم الجبهة ، وإنما خص بذلك، لأن الشخص إذا أخذ بشعر إنسان لا يتمكن المأخوذ من الانقلات ويتمكن من توجيهه كيفما شاء .

(وإليك مصير) مصدر ميمي أي صيرورة (كل نسمة) أي كل إنسان (سبحانك) مفعول مطلق لفعل محذوف أي أسبحك سبحانك، والمعنى أنزّهك تنزيهاً عن النقائص (ما أعظم ما نرى من خلقك) فإنَّ ما يرى من مخلوقاته سبحانه عظیم فكيف بما لا يرى (وما أصغر عظيمة) أي عظيم المخلوقات ( في جنب قدرتك) فإنَّ قدرة الله سبحانه لا تحد بحدّ .

(وما أهول ما نرى من ملكوتك) أي أنّ كبر الملكوت - بمعنى الملك - موجب للهول والدهشة (وما أحقر ذلك) الخلق والملك - الذي نراه - (فيما غاب عنا من سلطانك) وملكك (وما أسبغ نعمك في الدنيا) فإن نعمه سبحانه في الدنيا سابغة واسعة (وما أصغرها في نعم الآخرة) [في] بمعنى النسبة فإنَّ

ومنها في وصف الملائكة الكرام :

مِنْ مَلائِكَةِ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ، وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ، هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ، وَأَخْوَفُهُمْ لَكَ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ ، لَمْ يَسْكُنُوا الأصْلابَ، وَلَمْ يُضَمَّنُوا الأَرْحَامَ، وَلَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهينِ، وَلَمْ يَشْعَبْهُمْ رَيْبُ الْمَنُونِ، وَإِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ ،


نعم الآخرة من الكثرة بحيث أن نعم الدنيا لا شيء بالنسبة إليها .

(من ملائكة أسكنتهم سماواتك) فإنّ الملائكة أجسام لطيفة مقرها الطبقات العليا الفضاء اء ورفعتهم عن أرضك فليسوا من سكان الأرضكالإنسان-.

(هم أعلم خلقك بك) هذا إضافي بالنسبة إلى عامة الناس والأجنة والحيوانات، لا إنه حتى بالنسبة إلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم والأئمة علیه السلام (وأخوفهم لك) أي أكثر الخلق خوفاً منك(وأقربهم منك) قرب منزلة ، لا قرب مكان - فإنَّه تعالى منزّه عن المكان-.

(لم يسكنوا ) أي الملائكة (الأصلاب) جمع صلب وهو محل المني في ظهر الرجل ولم يضمنوا الأرحام جمع رحم، وهي محل الولد في الأم.

(ولم يخلقوا من ماء مهين) أي حقير والمراد به النطفة (ولم يشعبهم) من شعبه بمعنى أهلكه (ريب المنون) المنون الموت، وريبه عمله، والمعنى إنهم لا يموتون - كما يموت الإنسان - أو أن [المنون] الدهر، و[ريبه] صرفه أي لا تنالهم صروف الدهر من قوة وضعف وغنى وفقر وما أشبه.

(وإنهم) أي الملائكة وهذا متعلق بقوله [لو عاينوا] والجملة في الوسط اعتراض (على مكانهم منك) أي قربهم للطفك وفضلك - يا رب ..

وَمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ، وَاسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ، وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ، وَقِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ ، لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُواأَعْمَالَهُمْ. وَلَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَلَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ .


(ومنزلتهم عندك) أي مكانتهم الرفيعة ( واستجماع أهوائهم فيك) أي ليست لهم أهواء متشتتة متفرّقة - كالإنسان - وإنما كل فكرهم ونظرهم عنده سبحانه ومصروفة في عظمته وطاعته .

( وكثرة طاعتهم لك) فإنّهم دائماً في طاعة الله سبحانه (وقلة غفلتهم عن أمرك) إما حقيقي، بأن كان لهم غفلة قليلة منه سبحانه أو كنائي، إن لم تكن لهم غفلة (لو عاينوا) متعلق بقوله سابقاً [وإنهم].

(كنه ما خفي عليهم منك) أي كنه ذاتك وصفاتك (لحقروا أعمالهم) فإنَّ الإنسان كلما اطلع على عظمة الله سبحانه حقّر عمله في جنب عظمته تعالى.

(ولزروا على أنفسهم) أي عابوها وحقروها لأنها لا تعمل إلا قليلاً ( ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ولم يطيعوك حق طاعتك) فإنَّ ذلك غير معقول بالنسبة إلى المخلوقات .

ومنها في عصيان الخلق

سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَمَعْبُوداً !


ثم توجه الإمام علیه السلام إلى الإنكار على النّاس العصاة الذين أعرضوا عنه تعالى وقدم على ذلك مقدمة بقوله :

(سبحانك) اللهم (خالقاً ومعبوداً) أي أنت خالق الخلق، وأنت الإله

بِحُسْنِ بَلائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً ، وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً : مَشْرَباً وَمَطْعَماً، وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً وَقُصُوراً ، وَأَنْهَاراً ، وَزُرُوعاً، وَثِماراً، ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا ، فَلا الدَّاعِي أَجَابُوا وَلَا فِيمَا رَغْبْتَ رَغِبُوا، وَلا إِلَى مَا شَوَقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةِ قَدْ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا ، وَاصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا ، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئًا أَعْشَى بَصَرَهُ،


المعبود بالحق (بحسن بلائك عند خلقك) الباء للسببية، أي أن التسبيح بسبب حسن امتحان الله سبحانه فإنَّه تعالى إنما اختبر عباده اختباراً حسناً سهلاً لاعسر فيه ولا صعوبة (خلقت داراً) أي الجنة (وجعلت فيها مأدبة) هي ما يضع من الطعام للمدعوين، والمراد نعيم الجنة .

ثم فسر علیه السلام ذلك بقوله :(مشرباً ومطعماً) مصدران ميميان أي شراباً وطعاماً (وأزواجاً) للنساء رجالاً وللرجال نساء (وخدماً) جمع خادم .

(وقصوراً وأنهاراً وزروعاً) جمع زرع وهو النبات والشجر (وثماراً) أي فواكه .

( ثم أرسلت داعياً) هو النبي صلی الله علیه و آله وسلم أو مطلق الدعاة، فالمراد الجنس (يدعو إليها) أي إلى تلك الدار .

(فلا الداعي أجابوا) أي لم يجب النّاس الداعي - والمراد الأغلبية منهم - (ولا فيما رغبت رغبوا) فإنَّهم لم يرغبوا في نعيم الجنة (ولا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا) جهلاً منهم وعتواً (أقبلوا على جيفة) المراد منها الدنيا (افتضحوا أكلها) الافتضاح ظهور نوايا الشخص السيئة ونفسيته الدنيئة .

(واصطلحوا على حبها) أي صالح بعضهم بعضاً، بأن لا ينكر أحدهم على الآخر، في حبّ الدنيا (ومن عشق شيئاً) كما عشق الناس الدنيا (أعشى بصره)

وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِ غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَواتُ عَقْلَهُ ، وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ ، وَوَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ ، فَهُوَ عَبْد لَهَا، وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا ، حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا، وَحَيْتُما أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا، وَلا يَنْزَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ ،


أي أعماه ، فإنَّ المحب لا يرى إلا الصفات المحبوبة أما الصفات الذميمة فيغض عنها .

(وأمرض قلبه) فإنَّ القلب إذا لم ير الشر، فهو مريض لخروجه من جادة الاستقامة فهو ينظر بعين غير صحيحة) والمراد من النظر ليس الرؤية وإنما الإدراك النفسي (ويسمع بأذن غير سميعة) فإنَّ سمع حسنة أخذها، وإن سمع سيئة تصام عنها .

(قد خرقت الشهوات عقله) فامتلأ بالشهوات بعد أن كان العقل لا ينفذ فيه شيء حتى يكون على حدّ ذاته يدرك الأشياء ويميزها بميزان عادل صحیح (وأماتت الدنيا قلبه) فإنّ القلب الحي هو الذي يفرّ من السيّئ ويأوي إلى الحسن، أما القلب إذا مات كان كالإنسان الميت الذي لا يفرّ من الضار ولا يجلب النافع .

(وولهت) أي اشتاقت اشتياقاً زائداً ( عليها ) أي على الشهوات (نفسه فهو عبد لها) أي للشهوات (ولمن في يديه شيء منها) فكما أن العبد يتبع سيده كذلك هذا الإنسان يتبع شهواته ومن يمكن أن يحصل على الشهوات بواسطته.

(حيثما زالت) أي مالت الشهوات (زال) هذا الشخص (إليها) إلى الشهوات (وحيثما أقبلت) واتجهت تلك الشهوات (أقبل عليها) يدور معها .

(ولا ينزجر) أي لا ينتهي (من الله) أي من جهة أمره سبحانه (بزاجر) أي

وَلا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظِ، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ، حَيْثُ لا إِقَالَةَ وَلا رَجْعَةَ، كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. فَغَيْرُ مَوْصُوفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ : اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ، وَحَسْرَةً الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ،


بسبب زاجر من قبله تعالى (ولا يتعظ منه) تعالى (بواعظ) أي بسبب وواعظ من طرفه سبحانه.

(و) الحال (هو) الذي اتبع الشهوات غافلاً عن الآخرة (يرى المأخوذين على الغرّة) الذين ماتوا وأخذهم الله سبحانه للحساب والجزاء غفلة وبغتة بدون سابق إنذار (حيث لا إقالة) بأن يقيلهم الله سبحانه عثراتهم (ولا رجعة) إلى الدنيا ليتداركوا ذنوبهم بالطاعة والإنابة (كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون) ؟ من أحوال الآخرة وسيئات ما عملوا والاستفهام للتعجيب والتذكير.

(وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون) [من] بيان [ما] أي أنهم كانوا يأمنون فراق الدنيا، فجاءهم الفراق بغتة وخطفهم من مأمنهم (وقدموا من الآخرة) بيان [على] (على ما كانوا يوعدون) من العقاب والحساب الذي كانوا يوعدونه فلا يصدقونه .

(فغیر موصوف ما نزل بهم) من الأهوال والشدائد فإنها لعظمها لا تأتي في درج البيان والوصف (اجتمعت عليهم سكرة الموت) فإنَّ للموت حالة كحالة السكران إذ يغطّى على عقله من شدّة أهوال الموت (وحسرة الفوت) أي فوت أوان الطاعة الموجبة للخلاص والفوز (ففترت لها) أي لتلك السكرة والحسرة (أطرافهم) فإنَّ الإنسان تضعف أعصابه عند الشدائد والمخاوف

وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ، ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً ، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأَذُنِهِ، عَلَى صِحْةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءِ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ! وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاَ جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبهَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا


(وتغيّرت لها ألوانهم) إذ الخوف يوجب هجوم الدم نحو الباطن فيصفر الوجه.

(ثم ازداد الموت فيهم ولوجاً) أي دخولاً ، لأن الموت أمر تدريجي يأتي جزءاً جزءا (فحيل بين أحدهم) المراد كل واحد من هؤلاء الموصوفين كما قال سبحانه: «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ» (1)، (وبين منطقه) حتى أنه لا يتمكن أن يتكلم.

(وإنه لبين أهله) ممدود في حالة السكرات (ينظر ببصره) إليهم (ويسمع بأذنه) كلامهم لكنّه لا يقدر على التكلّم (على صحة من عقله وبقاء من لبه) أي عقله، وذلك مما يزيده حسرة (يفكر فيم) أصله [في ما] وإذا دخلت حروف الجر على [ما] حذف الألف نحو [عم] و[لم] وما أشبه (أفنى عمره)؟ حيث لم يحصل على الغاية الحسنة ( وفيم أذهب) وأعدم (دهره) بلا فائدة ولا تجارة رابحة .

( ويتذكر) في ذلك الحال (أموالاً جمعها) طيلة حياته وقد (أغمض في مطالبها) أي ما يتطلبه جمع تلك الأموال من الشقاء والسعادة، لأنه أغمض بصره في كون تلك الأموال من الحرام أو الحلال .

(وأخذها) أي تلك الأموال من مصرحاتها الصريح هو الذي لا لبس


1) سورة البقرة : 96.

وَمُشْتَبهَاتِهَا، قَدْ لَرْمَتْهُ تَبعَاتُ جَمْعِهَا ، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا ، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا ، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا ، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبءُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا ، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ، وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا


ولا اشتباه (و مشتبهاتها) اشتبه حله بحرامه (قد لزمته تبعات جمعها) جمع تبعة وهي العقوبة والمشكلة تتبع التصرف السيّئ من جهة الجمع ومعنى لزمته أن استحق العقاب.

( وأشرف على فراقها) أي مفارقة تلك الأموال (تبقى) تلك الأموال (لمن وراءه ) أي تبقى لمن بعده من الورثة ونحوهم (ينعمون فيها) أي يتنعمون في تلك الأموال ( ويتمتعون بها) التمتع أخذ المتعة (فيكون المهنأ) من [الهناء] وهو ما أتاك خير بلا صعوبة ومشقة (لغيره) وهو الوارث (والعبء) أي الثقل، الذي هو الذنب (على ظهره) فإنَّ الوارث لا يعلم بكون المال حراماً، ولذا يجري أصل الصحة ويتناوله في هناء (والمرء) المورّث (قد غلقت رهونه) أي استحقها مرتهنها (بها) أي بتلك الأموال .

(فهو يعض يده) كناية عن أسفه (ندامة على ما أصحر له) أي ظهر له وأصله البروز إلى الصحراء لأنه يظهر فيها ( عند الموت من أمره) أي أمر نفسه.

(ويزهد) هذا الإنسان المحتضر (فيما كان يرغب فيه أيام عمره) لأنه يظهر له في ذلك الحال عدم فائدة المال وما أشبه ولذا ينفر عنه، بينما كان في السابق يرغب فيه ( ويتمنى) حال الموت (أن) الشخص الذي كان يغبطه بها) أي يغبط هذا المحتضر بسبب تلك الأموال (ويحسده عليها) والفرق بين

قَدْ حَازَهَا دُونَهُ فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ : يُرَددُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِمْ . ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ ، قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبهِ


الغبطة والحسد أن الغبطة تمني المرء أن يكون لنفسه مثل ما لغيره والحسد تمني المرء زوال نعمة الغير .

(قد حازها) أى ملكها ذلك الحاسد والغابط (دونه) لأنه رأى وبال تلك الأموال فيقول يا ليت كانت لغيري حتى لا أؤخذ بإثمها وتبعتها (فلم يزل الموت يبالغ في جسده) ويوهن قواه .

(حتى خالط لسانه سمعه) أي شارك السمع اللسان في العجز عن القيام بوظيفته فقد كان قادراً على الاستماع غير قادر على التكلم والآن صار لا يقدر على الاستماع أيضاً (فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه) وإنما يبقى له البصر .

(يردد طرفه بالنظر في وجوههم) ينظر إلى هذا مرّة وإلى ذاك أخرى (يرى حركات ألسنتهم) مما يدل على أنهم يتكلمون بشيء (ولا يسمع رجع) أي صوت (كلامهم) لأن الموت قد شمل أذنه، وفي هذا الحال زيادة الحسرة وكثرة الغصة .

(ثم ازداد الموت النياطاً) أي اختلاطاً به (فقبض بصره) كما قبض سمعه ولسانه من ذي قبل (وخرجت الروح من جسده) ومات .

(فصار جيفة) أي كالجيفة، وهذا مجاز بالمشارفة (بين أهله) وتكرار هذه الكلمة للإشفاق (قد أوحشوا من جانبه ) أي من جهته ( وتباعدوا من قربه) إذ الناس

لا يُسْعِدُ بَاكِياً ، وَلا يُجِيبُ دَاعِياً، ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطِّ فِي الأَرْضِ، فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ ، وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ . حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، وَالأمْرُ مَقَادِيرَهُ ، وَالْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ ، وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ، أَمَادَ السَّمَاءَ وَفَطَرَهَا، وَأَرَجَ الأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا، وَقَلَعَ جبَالَها وَنَسَفَهَا ، وَدَكَ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلالَتِهِ وَمَخُوفِ سَطْوَتِهِ ،


يخافون من الميت ويتبعدون عنه (لا يسعد باكياً) بالبكاء معه، أي لا يشاركهم في أحزانهم كما كان يشارك معهم في حال حياتهم (ولا يجيب داعياً) يدعوه .

(ثم حملوه إلى مخط) أي مكان قد خط لقبره ( في الأرض وأسلموه فيه) أي في ذلك المخط (إلى عمله) بمعنى أنه يبقى وعمله الذي قدمه في الحياة فإنَّ كان خيراً سعد وإن كان شراً شقى .

(وانقطعوا عن زورته) أي زيارته فلا يزورونه ويبقى هناك في القبر رهن عمله (حتى إذا بلغ الكتاب أجله) أي الذي كتبه الله سبحانه لبقاء الأموات في القبور :أجله أي مدته (و) بلغ (الأمر مقاديره) جمع مقدار، أي أمر الله في في البقاء في القبر مقداره الذي قدّره وعينه .

( وألحق آخر الخلق بأوله) بأن مات الجميع (وجاء من أمر الله ما يريده من تجديد خلقه) بإحيائهم وجمعهم في عالم الآخرة (أماد السماء) أي حرّكها (وفطرها) أي شقها وصدعها والمراد تبديد نظام السّماء، وهذا جواب [إذا] (وأرج الأرض) من الرجّة بمعنى الحركة (وأرجفها) أي زلزلها (وقلع جبالها) عن مواضعها (ونسفها) أي أزالها (ودك بعضها بعضاً) الدك الضرب (من هيبة جلالته) سبحانه.

(ومخوف سطوته) أي سلطته المخوفة، والألفاظ إما على الحقيقة، إن كانت الجبال تشعر، أو كناية.

وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا ، فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاقِهِمْ ، وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِما يُرِيدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الأَعْمَالِ وَخَبَايَا الْأَفْعَالِ، وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ : أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلاءِ وَانْتَقَمَ مِنْ هَؤُلاءِ. فَأَمَّا أَهْلُ طَاعَتِةِ فَأَثَابَهُمْ بِجوَارِهِ، وَخَلْدَهُمْ فِي دَارِهِ، حَيْثُ لا يَظْعَنُ النَّزَّالُ ، وَلا تَتَغَيَّرُ بِهِمُ الْحَالُ ، وَلا تَنُوبُهُمُ الأَنْزَاعُ، وَلا تَنَالُهُمُ الأَسْقَامُ، وَلا تَعْرِضُ لَهُمُ الأَخْطَارُ،


(وأخرج) الله سبحانه (من فيها) أي فى الأرض من الأموات (فجددهم بعد إخلاقهم) جمع ،خلق، بمعنى البلى، وإنما جيء بالجمع، باعتبار كل شخص شخص (وجمعهم بعد تفرقهم) في أماكن متعدّدة من الأرض.

(ثم ميزهم) أي جعل كل جماعة ذات عمل متشابه متميزة عن الجماعة الأخرى (لما يريد) سبحانه (من مسألتهم عن خفايا الأعمال) أي الأعمال التي عملوها خفية (وخبايا الأفعال) جمع خبيئة وهي الخفية (وجعلهم فريقين) مختلفين (أنعم على هؤلاء) بالجنّة والمغفرة (وانتقم من هؤلاء) بالنار والعقاب .

(فأما أهل طاعته فأثابهم بجواره) والمراد مجاورة رضاه ولطفه - فإنَّه سبحانه منزّه عن المكان-.

(وخلّدهم في داره) أي جعلهم خالدين باقين أبد الآبدين (حيث لا يظعن) أي لا يرحل (النزال) جمع نازل أي ليس لهم انتقال من الآخرة (ولاتتغير بهم الحال) في سرور دائم وعيش رغد .

(ولاتنوبهم الأفزاع) جمع فزع بمعنى الخوف، ونابه بمعنى أدركه (ولا تنالهم الأسقام) جمع سقم بمعنى المرض (ولا تعرض لهم الأخطار) جمع ،خطر، وهو ما يوجب ذهاب محبوب من محاب الإنسان .

وَلا تُشْخِصُهُمُ الأَسْفَارُ . وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرْ دَارٍ ، وَغَلَّ الأَيْدِيَ إِلَى الأعْنَاقِ، وَقَرَنَ النَّوَاصِي بِالأَقْدَامِ ، وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ، وَمُقَطَّعَاتِ التِّيرَانِ، فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرَّهُ، وَبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ، فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ ، وَلَهَبْ سَاطِعْ ، وَقَصِيفٌ هَائِلٌ ، لا يَظْعَنْ مُقِيمُهَا وَلا يُفَادَى أَسِيرُهَا ، وَلا تُفْصَمُ كُبُولُهَا ، لا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى ، وَلا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى.


( ولا تُشخصهم الأسفار) جمع سفر، أي ليس لهم سفر، وأشخصه بمعنى أذهب به، والسفر حيث فيه المشقة لا يوجد في الجنّة (وأما أهل المعصية فأنزلهم شرّ دار) وهي جهنم (وغل الأيدي) لهم (إلى الأعناق) حيث يجمع بينهما في الغل (وقرن النواصي) جمع ناصية مقدم الرأس (بالأقدام) يجمع بينهما زيادة في العذاب والنكال .

(وألبسهم سرابيل القطران) سرابیل جمع سربال وهو الثوب، والقطران شيء كالذهن له رائحة كريهة تسرع فيه النار ومقطعات النيران أي الألبسة المقطعة من النار (في عذاب قد اشتد حره) حتى أن حرارة النار في الدنيا شيء بالنسبة إليه - كما ورد .

(وباب) لجهنم (قد أطبق) وسدّ (على أهله) أي أهل العذاب (في نار لها كلب) أي هيجان (ولجب) أي صوت مرتفع ( ولهب) أي شعلة (ساطع) عال (وقصيف) هو الصوت الشديد. (هائل) يوجب الهول والوحشة (لا يظعن) أي لا يسافر ولا يرحل (مقيمها) أي المقيم في تلك النّار فإنَّها أبدية دائمة (ولا يفادي أسيرها) أي لا يقبل إعطاء الفدية عن الأسير في تلك النار حتى ينجو ، كما يفادي الأسير في الدنيا (ولا تفصم) أي لا تنقطع (كبولها) جمع كبل بمعنى القيد (لا مدة للدار فتفنى) كما تنفني الدنيا (ولا أجل للقوم) أي مدة لبقائهم هناك ( فيقضى) ذلك الأجل، ويتخلصوا من العذاب .

ومِنها في ذكر النبي صلی الله علیه و آله وسلم

قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَغَرَهَا ، وَأَهْوَنَ بِهَا وَهَوْنَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً، وَبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ ، لِكَي لا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً ، أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً . بَلْغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً، وَنَصَحَ لَأُمَّتِهِ مُنْذِراً، وَدَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً، وَخَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذَّراً .


(قد قد حقر الدنيا وصغرها) أي رآها حقيرة صغيرة لا أهمية لها ولا شأن لأمرها.

(وأهون بها) أي رآها هوناً (وهونها) أي رأها يسيراً .

(وعلم) صلی الله علیه و آله وسلم (أن الله زواها) أي صرف الدنيا (عنه) صلی الله علیه و آله وسلم (اختياراً) أي اختيار للرسول الابتعاد عن الدنيا (وبسطها لغيره) كالكفّار والفراعنة (احتقاراً) للدنيا، فإنَّها ليست بشيء مهم حتى يمنع عن الأشرار.

(فأعرض) الرسول صلی الله علیه و آله وسلم(عنها ) أي عن الدنيا (بقلبه) فلم يحبها (وأمات ذكرها عن نفسه) فلم يكن يحدث نفسه بالنيل منها (وأحب أن تغيب زينتها عن عينه) فإنّ الإنسان إذا لم ير الشيءالمرغوب فيه، لم يتمناه .

(لكي لا يتخذ منها رياشاً) اللباس الفاخر وما أشبهه (أو يرجو منها) أي من الدنيا (مقاماً) ومنصباً ( بلغ) صلی الله علیه و آله وسلم (عن ربه معذراً) أي ما يوجب العذر من طرفه سبحانه، إذا عذب العاصي بعد البلاغ .

(ونصح لأمته منذراً) لهم مخوفاً من عذاب الآخرة (ودعا إلى الجنة مبشرا) بالثواب لمن أطاع (وخوف من النار محذراً) بالعقاب لمن عصى.

نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَمَحَطُ الرِّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ، وَمَعَادِنُ الْعِلْمِ، وَيَنَابِيعُ الْحِكَمِ ، نَاصِرُنَا وَمُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وَعَدُونَا وَمُبْغِضُنَا يَنتَظِرُ السَّطْوَةَ.


ثم عطف الإمام إلى أهل البيت علیه السلام بقوله : (نحن شجرة النبوة) أي المتفرّعون من تلك الشجرة (ومحط الرسالة) أي محل نزول الرسالة السماوية .

(ومختلف الملائكة) أي محل اختلافهم وذلك بهبوطهم وصعودهم من اختلف إليه إذا جاء وذهب .

(ومعادن العلم) فكما أن المعدن محل الشيء الثمين الذي يتكون فيه كذلك الأئمة محلات للعلم الكثير .

( وينابيع الحكم) جمع ينبوع وهي العين والحكمة العلم بمواضع الأشياء ومناسبات الأمور (ناصرنا ومحبّنا) وإن لم يتمكن من نصرنا (ينتظر الرّحمة) من الله سبحانه لأنه أمر بحبنا ونصرتنا (وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السطوة) والعذاب من الله تعالى .

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

فى أركان الإسلام

إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الإِسْلامِ، وَكَلِمَةُ الإِخْلاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ ،


التوضيح:

(إنّ أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى) الوسيلة هي السبب الذي يتسبب به إلى شيء محبوب (الإيمان به) أي بالله(وبرسوله) أي تصديقه فإنَّه أحسن الوسائل التي يتقرب الإنسان بها إلى لطف الله ورحمته .

(والجهاد في سبيله) بالمال والنفس وسائر ما يبذله الإنسان في سبيل إقامة أمر الإسلام.

(فإنه) أي الجهاد ( ذروة الإسلام) أي أعلى أحكام الإسلام وذلك لأنه الشيء الوحيد الذي يوجب وجود الإسلام في النّاس، وبقائه (وكلمة الإخلاص) أي الشهادة بالوحدانية - وهذا غير الإيمان، فإنّ الإيمان لا ينافي الإشراك، فإنّه إيمان بأمرين اثنين - (فإنها الفطرة) أي الخلقة فإنَّ الخلقة الخالية عن الشوائب والشبهات إذا نظر إلى الكون وفهم وحدة النظام فيه لا بد وأن يعترف بالوحدانية .

(وإقام الصلاة) أي الإتيان بها بحدودها وشروطها (فإنّها الملة) أي أنّها

وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ، وَحَجُ الْبَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةً في الأجل، وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ ، وَصَدَقَةُ الْعَلانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ،


أعظم ركن من أركان الملة الإسلامية - أي طريقتها - ولعظمها فكأنها هي الملة بالذات .

(وإيتاء الزكاة) أي إعطائها فإنها فريضة واجبة ثابتة في الشريعة .

(وصوم شهر رمضان فإنّه جنّة) أي وقاية (من العقاب) كالجنّة للمحارب التي تقيه من الأعداء .

(وحج البيت واعتماره) أي العمرة (فإنهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب) أي يغسلان الذنب .

(وصلة الرّحم) بأن يصل الإنسان أرحامه فلا يقطعهم (فإنها) أي الصلة (مثراة في المال) أي موجبة للثروة (ومنسأة في الأجل) أي توجب تأخيره من نسى إذا تأخر .

(وصدقة السّر) أي إعطاء الصدقة سراً بحيث لا يعلم بها أحد (فإنها تكفر الخطيئة) أي توجب محو الذنب.

( وصدقة العلانية) بأن يتصدق الإنسان في العلن - مع التحفظ على الإخلاص - (فإنها تدفع ميتة السوء) أي الموت الستئ كالغرق والحرق والهدم وما أشبه .

أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ وَارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ ، واقْتَدُوا بِهَذِي نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْي . وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ .

وَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ،


(وصنائع المعروف) أي صنع الشيء الحسن كإعانة الفقراء ومساعدة أهل الحاجة والسّعي في زواج العزّاب وما أشبه ذلك (فإنّها تقي) أي تحفظ الإنسان عن (مصارع الهوان) أي السقطات الموجبة للهون والذلة كذهاب مال الإنسان ومنصبه وتشتت أمره وما أشبه ذلك .

(أفيضوا في ذكر الله) الإفاضة الدخول، ومعنى الجملة المواظبة على الذكر (فإنه أحسن الذكر) لأنه موجب لإنارة القلب ومرضاة الرّب وثواب الآخرة.

(وارغبوا فيما وعد) الله (المتقين) والرّغبة فيه بالعمل الصالح المؤدّي إليه (فإن وعده أصدق الوعد) لا خلف فيه ولا زيادة أو نقصان (واقتدوا بهدي نبيكم) هديه أي طريقته الرشيدة الموجبة للوصول إلى الغاية.

(فإنه أفضل الهدي) لأنه موصل إلى السعادة في الدارين.

(واستنوا بسنته) أي ابتغوا سنّته (فإنّها أهدى السنن) أي أحسن السنن هداية، ولعل الفرق بين الجملتين أنّ الأولى خاصة بسيرته الشخصية صلی الله علیه و آله وسلم والثانية عامة لما شرعه صلی الله علیه و آله وسلم من الأحكام وبينه من طريق السعادة .

(وتعلموا القرآن فإنَّه أحسن الحديث) إذ هو جامع لخير الدنيا وسعادة الآخرة.

وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ، فَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ، بَل الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ ،وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ ، وَهُوَ عِنْدَ اللهِ أَلْوَمُ .


(وتفقهوا فيه) بمعرفة تفسيره وتأويله (فإنه ربيع القلوب) فإن فهم القرآن موجب لإزدهار القلوب كما يزدهر الربيع بالخضروات (واستشفوا بنوره) أي اطلبوا الشفاء من ظلمة الجهل بنور القرآن الموجب لمعرفة الحقائق الكونية والشرعية ( فإنه شفاء الصدور) من ظلمة الجهل ، فإنَّ الجهل من أشدّ الأمراض .

(وأحسنوا تلاوته) أي قراءة القرآن (فإنه أنفع القصص) إذ فيه القصص الحقة الموجبة للهداية والتبصر ، ولما ذكر الإمام علیه السلام لزوم الإتيان للمذكورات، بعدما تلبس الإنسان لباس ،الإسلام بين أنه بدون العمل بهذه الأمور، والاكتفاء بالعلم بها، موجب للخسران .

(فإن العالم العامل بغير علمه) كأن علم بوجوب الصلاة والزكاة والحج وحسن الصدقة والتلاوة لكنه لا يعمل بما يعلم (كالجاهل الحائر) الذي يتحير في وجه الخير وطريق السعادة .

(الذي لا يستفيق من جهله) أي لا يتخلص من جهله، فإنَّ العلم إنما هو للعمل فإذا لم يكن عمل كان العالم كالجاهل (بل الحجة عليه أعظم) لأنه ترك العمل بعد المعرفة والحجة على الجاهل: أنه لم يتعلم (والحسرة له) في فوات الخيرات عنه (ألزم ) أي أكثر لزوماً من الحسرة على الجاهل (وهو) العالم التارك للعمل ( عند الله ألوم) أي أشد لوماً، فإنَّ لوم الله سبحانه له أكثر من لومه للجاهل، وإن كانا كلاهما يشتركان في اللوم.

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في ذم الدنيا

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بِالآمَالِ، وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ. لا تَدُومُ حَبْرَتُهَا ،


التوضيح:

(أما بعد) أي بعد الحمد والصلاة (فإني أحذركم الدنيا) أي أخوفكم من الوقوع في حبائلها وشهواتها (فإنها حلوة خضرة ) لها طعم حسن ولون جذاب .

حقت بالشهوات أي أن الشهوات أحاطت بالدنيا، وذلك كناية أنها تلازم الشهوات، وتخالطها.

(وتحببت) أي تقربت إلى الناس (بالعاجلة) أي كونها غير آجلة، وإنما عاجلة يأخذها الإنسان بدون ترقب والناس يحبون العاجلة .

(وراقت) أي تزينت(بالقليل) أي بشيء قليل من المال والجاه، في مقابل درجات الآخرة، ونعيمها الكثير (وتحلت) من الحلي،أي تزينت( بالآمال) فإنَّ الإنسان يأمل المستقبل الخير، وهي زينة الدنيا حتى أن الإنسان إذا لم يرج مستقبلاً ،زاهراً، لم يكن لدنياه حلية .

(وتزينت بالغرور ) أي أن زينة الدنيا كذب لا أساس لها، وإنما هي غرور وخداع إذ زينتها ليست إلا صورية زائلة ( لا تدوم حبرتها) الحبرة السرور والنعمة

وَلا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا . غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ ، نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ ، أَكَّالَةٌ غَوَالَةٌ لا تَعْدُو - إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْل الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالرِّضَاءِ بِهَا - أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ : «كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ، وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً» (1).


( ولا تؤمن (فجعتها) أي أن الإنسان لا يؤمن أن تصيبه مصيبة وفجيعة (غرارة) كثيرة التغرير والخداع (ضرارة ) كثيرة الضرر (حائلة) أي متغيرة تنقلب من حال إلى حال (زائلة) تزول وتنقضي (نافدة) تنفد وتنتهي (بائدة) أي هالكة.

(أكالة) تأكل كل شيء بإفنائها له (غوالة) أي مهلكة من غال بمعنى أهلك (لا تعدو) يتأتى متعلقه في قوله [أن تكون] والجملة في وسطهما اعتراض . - إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها أي إذا أتت بأماني الناس وآمالهم (والرضاء بها -) لأنها جاءت بأمانيهم (أن تكون) متعلق ب-[لا تعدو] .

(كما قال الله تعالى سبحانه) أي ليست أكثر من هذا المثل المذكور في القرآن الكريم (كماء أنزلناه من السماء) أي المطر والمراد بالسماء جهة العلو (فاختلط به نبات الأرض) هذا في غاية البلاغة، حتى كأن الماء لم يُنشئ النبات، وإنما صرف اختلاط - لبيان السرعة في التكون دليلاً على سرعة الدنيا (فأصبح (هشيماً) الهشيم النبت اليابس ،المتكسر، وفي هذا أيضاً ما لا يخفى حتى كأنه لم يكن فصل بين اختلاط الماء بالنبات وبين أن يصبح هشيماً - إلا بمقدار [الفاء] ..

(تذروه الرياح) أي تنقله من مكان إلى مكان (وكان الله على كل شيء مقتدراً) فهو سبحانه قادر على هذه التبديلات والتحويلات في سرعة خاطفة


1) سورة الكهف : 45.

لَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةِ إِلا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً، وَلَمْ يَلْقَ في سَرَّائِهَا بَطْناً، إلا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً، وَلَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءِ ، إلا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاءِ! وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكْرَةً،وَإِنْ جَانِبُ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَاحْلَوْلَى ، أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى ! لا يَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً ،


(لم يكن امرؤ منها) أي من الدنيا (في حبرة) أي سرور وحبور (إلا أعقبته) أي أعقبت الدنيا ذلك الشخص (بعدها) أي بعد الحبرة (عبرة) بأن بكى بعد السرور فإنَّ [ العبرة ] بمعنى [الدمعة ] .

( ولم يلق) امرؤ ( في سرائها) أي أفراح الدنيا (بطناً) كأن الدنيا مقبلة عليه فبطنها بطرف ذلك الإنسان (إلا منحته) الدنيا (من ضرائها ) أي ضررها وبؤسها( ظهراً) بأن أدارت الدنيا له ظهرها وانقلبت عليه .

(ولم تطله) الطل المطر، أي لم تمطر على أحد (فيها) أي في الدنيا (ديمة) مطر يدوم في سكون بلا رعد ولا برق (رخاء) بأن صار رخي البال الكثير النعم دائمها (إلاهتنت عليه) أي ،أمطرت من الهتن بمعنى الصب (مزنة) بمعنى المطر (بلاء ) أي انصب عليه البلاء، كما انصب عليه الرخاء .

(و) الدنيا (حري ) أي حقيق (إذا أصبحت له) أي لأحد (منتصرة) نصرته على أعدائه (أن تمسي) الدنيا (له) أي لذلك الشخص (متنكرة) كالذي لا تعرفه فتنقل الانتصار إلى جانب آخر (وإن جانب) أي طرف (منها) أي من الدنيا (اعذوذب) أي صار عذباً فراتاً (واحلولى) أي صار حلواً (أمر منها جانب) أي صار مراً (فأوبى) أي صار كثير الوباء، وهو مرض قتال (لا ينال امرؤ من غضارتها) أي نعمتها وسعتها (رغباً) أي رغبةً وميلاً.

إلا أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً وَلا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحَ أَمْنِ، إِلا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِم خَوْفٍ غَرَّارَةٌ غُرُورُ مَا فِيهَا ، فَانِيَةٌ ، فَانِ مَنْ عَلَيْهَا ، لا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى. مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ وَمَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ، وَزَالَ عَمَّا قَلِيلِ عَنْهُ، كَمْ مِنْ وَاثِقِ بِهَا فَجَعَتْهُ، وَذِي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ،


إلا) أرهقته) الدنيا والإرهاق تحميل العمل الموجب للتعب والنصب ((من نوائبها) جمع نائبة وهي المصيبة الشديدة (تعباً) بأن أوقعته في التعب بعد الراحة (ولا يمسي) الإنسان (منها) أي من الدنيا (في جناح أمن) كأنه في أعلى مراتب الأمن على جناح طائر - هو الأمن - (إلا أصبح على قوادم خوف) جمع قادمة وهي ريشات كبار في مقدم جناح الطائر، وهذا تشبيه لشدة الخوف لأن الكائن على القوادم في معرض السقوط ، الدنيا (غرارة) كثيرة الخدع (غرور ما فيها ) فإنَّ كل ما فيها - لزواله - كأنه غرور وخدعة (فانية) هي أي الدنيا .

(فان من عليها) من الإنسان وغيره (لا خير في شيء من أزوادها جمع زاد (إلاالتقوى) فإنَّ اتقاء الله والمعاصي هو الذي يبقى إلى الآخرة.

(من أقل منها) أي أخذ القليل من الدنيا (استكثر مما يؤمنه) أي كان أمنه كثيراً ، إذ كلما قل جانب كثر الجانب الآخر (ومن استكثر منها) أي أكثر من الدنيا (استكثر مما يوبقه) أي يهلكه (وزال) أي انتقل (عما قليل) [ما] زائدة لتأكيد معنى القلة ( عنه ) أي عما استكثر من الدنيا .

(كم من واثق بها) أي بالدنيا ظان أنها تبقى له (فجعته) أي أفقدت منه ما يحبه من أمور الدنيا، كالأهل والمال والمنصب وما أشبه .

(و) كم من ذي طمأنينة) أي اطمينان إليها قد صرعته) أي أوقعته على

وَذِي أُبَهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيرًا، وَذِي نَخْوَةِ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً! سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ، وَعَيْشُهَا رَنِقٌ، وَعَذْبُهَا أُجَاجٌ ، وَحُلُوْهَا صَبِرٌ ، وَغِذَاؤُهَا سِمَامٌ ، وَأَسْبَابُهَا رِمَامٌ حَيْهَا بِعَرَضِ مَوْتِ ، وَصَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمِ ! مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ ، وَعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ، وَمَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ،


الأرض المذلة والعدم (و) كم من (ذي أبهة) أي عظمة ورفعة (قد جعلته) الدنيا (حقيراً) بأن أذهبت أبهته.

(و) كم من (ذي نخوة) أي افتخار واعتزاز بما لديه من العز والشرف (قد ردّته أي أرجعته الدنيا (ذليلاً) بأن أرغمت أنفه (سلطانها دول) ينتقل من هذا إلى ذاك وهكذا جم جمع دولة وهي انقلاب الزمان.

(وعيشها رنق) أي كدر فإنَّه مشوب بالآلام والأسقام وعذبها أجاج) أي(مالح شديد الملوحة، إذ في عين عذوبة في جانب وأجاج في جانب وحلوها صبر ) هو عصارة شجرة مرّة .

وغذاؤها سمام) جمع سم وهو ما يوجب قتل الإنسان إذا شربه أي أن غذاء الدنيا مشوب بالسم .

(وأسبابها (مام) وهي القطعة البالية من الحبل جمع :رمة أي أن يتمسك بها من الدنيا، ويجعل سبباً للوصول إلى هدف وغاية، بال منقطع (حيها بعرض (موت) أي في معرض أن يفنى ويموت (وصحيحها بعرض سقم) أي معرض للمرض.

ملكها مسلوب يسلب من يد المالك إما بالحوادث أو بالموت وعزيزها (مغلوب بغلبة آخر عليه أو غلبة الموت .

وموفورها منكوب) أي ما كثر من الدنيا ووفر مصاب بالنكبة أي فی

وَجَارُهَا مَحْرُوبُ أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً، وَأَبْقَى آثاراً، وَأَبْعَدَ آمَالاً ، وَأَعَدَّ عَدِيداً، وَأَكْثَفَ جُنُوداً ! تَعَبُدُوا لِلدُّنْيَا أَي تَعَبدِ وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيثَارِ ، ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغِ وَلَا ظَهْرِ قَاطِعٍ .


معرض المصيبة والشديدة التي تذهب بذلك الكثير .

وجارها محروب أي من جاور الدنيا وكان فيها فإنَّه تصيبه الحرب-على وزن فرس - أي السلب والنهب .

(ألستم) أيّها النّاس (في) مساكن من كان قبلكم من الأمم في حال كونهم (أطول) منكم (أعماراً وأبقى آثاراً فإنَّهم لقوة آثارهم بقيت إلى هذا الوقت، كقلعة حلب وغيرها (وأبعد آمالاً فإنَّهم حيث كانوا أطول أعماراً، كانت آمالهم أبعد من هؤلاء.

(وأعد عديداً) أي أكثر تعداداً للعدد والأشخاص (وأكثف) أي أكثر (جنوداً) والخطاب إما عام أو خاص بالنسبة إلى المخاطبين .

(تعبدوا) أي عبدوا (للدنيا أي تعبد وعبادتهم لها بمعنى خضوعهم لزخارفها كما يخضع العابد للمعبود .

وآثروها) أي قدموها على سائر الأشياء (أي إيثار ) وهذا اللفظ للتعظيمأي إيثاراً عظيماً .

(ثم ظعنوا عنها) أي انتقلوا بغير زاد من العمل الصالح (مبلغ) يبلغهم ذلك الزاد إلى الآخرة، وهذا كناية عن بقائهم بعد الموت فقراء عن العمل، فأهلكهم العذاب كما أن من لا زاد له في السفر يهلكه الجوع والعطش.

(ولا ظهر) أي دابة يركبون ظهرها (قاطع ) يقطع الطريق ويوصلهم إلى

فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَادِح، وَأَوْهَنَتْهُمْ بِالْقَوَارع، وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ، وَعَفْرَتُهُمْ لِلْمَنَاخِرِ، وَوَطَأَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ. فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا،


الغاية المنشودة فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفساً بفدية بأن أعطتهم أنفسهم في مقابل فداء أخذته منهم، أي هل أبقتهم الدنيا، أم أهلكتهم ؟.

( أو أعانتهم لدى الشدائد والموت (بمعونة) أسدتها إليهم لإخراجهم من الشدة (أو أحسنت لهم صحبة) بأن حفظت كرامتهم وحقوقهم؟ كلا! (بل أرهقتهم) أي أتعبتهم الدنيا (بالقوادح) جمع قادحة وهي وهي مرض يقع في الأسنان فيبددها ويفسدها .

(وأوهنتهم) أي أضعفتهم (بالقوارع) جمع قارعة، وهي المصيبة الشديدة التي تقرع الإنسان وتحطمه.

(وضعضعتهم) أي حركتهم وذلّلتهم (بالنوائب) جمع نائبة وهي المصيبة (وعفرتهم للمناخر) جمع منخر بمعنى الأنف، أي كبت أنوفهم في التراب من [ العفر] بمعنى التراب .

ووطأتهم) الدنيا (بالمناسم) جمع منسم وهو رجل البعير، أي داست الدنيا عليهم بأرجلها .

( وأعانت) الدنيا (عليهم ريب المنون أي الموت لما أراد أخذهم أعانت الدنيا الموت لاختطافهم وإهلاكهم.

(فقد رأيتم) أيها النّاس (تنكرها) كأنّها لا تعرفهم (لمن دان لها) أي

وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ لَهَا، حَتَّى ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الأَبَدِ. وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلا السَّغَبَ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلا الضَّنْكَ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إلا الظُّلْمَةَ ، أَوْ أَعْقَبَتْهُم إلا النَّدَامَةَ ! أَفَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ ، أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ ، أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ؟ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا فَاعْلَمُوا وَأَنْتُمْ - تَعْلَمُونَ - بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا ، وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا :


خضع للدنيا بصرف أوقاته في طلبها وتجميلها (و) لمن (آثرها) أي قدم الدنيا على الآخرة (وأخلد لها) أي ركن إليها (حتى ظعنوا) أي ارتحلوا (عنها لفراق الأبد) أي مفارقة لا رجوع إليها.

(وهل زودتهم) الدنيا، أي أعطتهم الزاد (إلا) السعب) أي الجوع (أو أحلتهم إلا الضنك) أي الضيق، أي أحلتهم في محل ضيق (أو نوّرت لهم إلا الظلمة) أي أرتهم الظلمة باسم النور .

(أو أعقبتهم إلا الندامة) فإنَّ الإنسان يندم على ما أخذ من الدنيا (أفهذه) الدنيا (تؤثرون) لها على الآخرة، بعد هذه الأوصاف؟ والاستفهام للإنكار (أم إليها تطمئنون)؟ أي ببقائها ودوامها (أم عليها تحرصون) لجمعها واقتنائها .

(فبئست الدار) الدنيا (لمن لم يتهمها) بالخيانة والغدر (ولم يكن فيها على وجل) وخوف (منها) أما من اتهمها ووجل منها وعمل لآخرته فنعمت الدار هي إذ الإنسان يحصل على الآخرة فيها .

(فاعلموا) أيها النّاس ( وأنتم تعلمون ) جملة معترضة (بأنكم تاركوها) عند الموت (وظاعنون) أي مسافرون (عنها) إلى الآخرة ( واتعظوا فيها) أي خذوا الموعظة في الدنيا (ب) الكفار (الذين قالوا) تبجحاً واغتراراً :

«مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةَ » (1): حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً ، وَأُنْزِلُوا الأجْدَاثَ فَلا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً ، وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفيحَ أَجْنَانُ، وَمِنَ التَّرَابِ أَكْفَانَ ، وَمِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانَ ، فَهُمْ جِيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِياً ، وَلا يَمْنَعُونَ ضَيْماً ، وَلا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً


(من أشدّ منا قوة) ؟ ظانين أن قوتهم تمنع عن بأس الله فيهم وعن الموت إن ينزل بهم .

حملوا إلى قبورهم بالجنائز (فلا يدعون ركباناً) جمع راكب : أي لا يقال لهم أنهم راكبون - حينما حملوا في الجنائز - إذ الراكب هو من ركب اختياراً.

(وأنزلوا الأجداث) جمع جدث وهو القبر ( فلا يدعون ضيفاناً) جمع ضيف أي لا يقال لهم : إنهم ضيوف، لأن الضيف ليس بهذه الكيفية.

( وجعل لهم من الصفيح) بمعنى وجه به الأرض، فإنَّه يستعمل في كل الأرض شيء عريض، أو المراد بالصفيح [اللبن] (أجنان) جمع جنن بمعنى القبر.

(ومن التراب أكفان) فإنَّ أكفانهم تبلى ولا يبقى إلا القبر مشتملاً عليهم (ومن الرفات جيران الرفات العظام البالية أي أن جيرانهم عظام سائر الأموات.

(فهم جيرة) جمع جار (لا يجيبون داعياً) إن دعاهم أحد لم يتمكنوا من إجابته (ولا يمنعون ضيماً) أي ظلماً ينزل بهم ، فلو آذاهم أحد لم يتمكنوا من دفعه.

(ولا يبالون مندبة) أي لا يهتمون بندبة أحد لهم .


1) سوره فصلت آیه 15

إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا ، وَإِنْ تُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا . جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ ،وَجِيرَةً وَهُمْ أَبْعَادُ مُتَدَانُونَ لا يَتَزَاوَرُونَ، وَقَرِيبُونَ لا يَتَقَارَبُونَ . حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ وَجُهَلاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ . لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ،


(إن جيدوا) أي مطروا من جاده الغيث (لم يفرحوا) كما يفرح أهل الدنيا بالمطر لنماء زروعهم وثمارهم.

(وإن قحطوا) أصابهم القحط، بأن لم يمطر السحاب (لم يقنطوا) لعدم تضررهم بالقحط (جميع و هم آحاد) فإن أبدانهم مجتمعة في المقابر لكنهم آحاد حيث لا صلة ولا تزاور ولا تعارف بينهم، وهذا بالنسبة إلى أبدانهم أما أرواحهم مستأنسة بعضها ببعض إن كانوا متقين - كما ثبت بالضرورة من الدين .

(وجيرة) أي بعضهم جار بعض التجاور قبورهم (وهم أبعاد أحدهم يبعد عن الآخر .

(متدانون) أي بعضهم قريب من بعض (لا يتزاورون) أي لا يزور أحدهم الآخر (وقريبون) في النسب أو في المزار (لا يتقاربون) أي لا يقرب بعضهم من بعض .

(حلماء قد ذهبت أضغانهم) أي أنهم كالحليم الذي لا يضغن ولا يحقد أحداً (وجهلاء) أي أنهم كالجهال، لأن علمهم قد سلب عن أجسادهم (قد ماتت أحقادهم) فإن الجاهل يحقد، لكن هؤلاء لا يحقدون.

ويحتمل أن يكون المراد أن حليمهم لا يضغن وجاهلهم لا يحقد على خلاف ما كانوا في الدنيا .

(لايخشى فجعهم) أي لا يخاف أحد أن يفجعوه ويصيبوه بأذى، أو لا يخاف أن يفجع أحد منها منهم بفجيعة .

وَلا يُرْجَى دَفْعُهُمْ . اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الأَرْضِ بَطْناً، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً، وَبِالأهْل غُرْبَةَ، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةَ، فَجَاؤُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا، حُفَاةَ عُرَاةٌ ، قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَةِ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : كَمَا بَدَأْنَا أَوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) (1).


(ولا يرجى دفعهم) بأن يدافعوا عن الأحياء كما كانوا يدافعون في حال حياتهم .

(استبدلوا بظهر الأرض بطناً) فتركوا ظهر الأرض، وناموا في بطنها .

(وبالسعة ضيقاً) فكانوا في سعة الدنيا فصاروا في ضيق القبور (وبالأهل غربة) فقد كانوا في أهلهم ثم صاروا غرباء .

(وبالنور ظلمة) فقد كانوا في نور الشمس والقمر، ثم صاروا في ظلمة القبر .

(فجاؤوها كما فارقوها) أي رجعوا إلى الأرض بعد مفارقتهم لها، فإن الإنسان كان تراباً ثم نباتاً، ثم منيّاً، ثم إنساناً، ثم يرجع إلى حالة التراب كماكان سابقاً .

(حفاة عراة) أي جاءوها في حال عدم التنعل، وعدم اللباس (قد طعنوا عنها بأعمالهم أي سافروا عن الأرض، والمراد مسافرة أرواحهم إلى الحياة الدائمة والدار الباقية وهي الجنّة الجنة أو النار .

(كما قال سبحانه كما بدأنا أول خلق نعيده) أي كما ابتدأنا خلق الإنسان من التراب نعيده في التراب (وعداً علينا) أي أن هذا وعد لازم علينا أن تفي به (إنا كنا فاعلين) لذلك.


1) سورة الأنبياء: 104 .

وَمِنْ خُطْبَة له علیه السلام

ذكر فيها ملك الموت وتوفيه الأنفس

هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً ؟ أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً ؟ بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ! أَیَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا، أَمِ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا؟


التوضيح:

في امتناع وصف الإله (وذكر فيها ملك الموت وتوفيه (الأنفس) (هل تحس) أيها الإنسان (به) أي بملك الموت (إذا دخل منزلاً) لقبض الأرواح ؟ (أم هل تراه إذا توفى) أي أمات (أحداً) من الناس (بل كيف) يدخل ملك الموت في بطن النساء و(يتوفّى الجنين في بطن أمه) [توفى] متعد، فاعله ملك الموت، قال سبحانه: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ» (1)، وحكي أن أحداً قال وراء جنازة [من المتوفى] ؟ بصيغة الفاعل فقال الإمام أمير المؤمنين - وكان حاضراً -: الله، فتعجب الرجل ، فقال الإمام : [الله يتوفّى الأنفس].

(أيلج) أي يدخل الملك (عليه) أي على الجنين (من بعض جوارحها) أي من بعض أعضاء المرأة، جمع جارحة بمعنى العضو (أم الروح أجابته) أي أجابت ملك الموت حين طلبها من الخارج (بإذن ربها) [الروح] مؤنث سماعاً


1) سوره الزمر :42.

أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا؟ كَيْفَ يَصِفُ إِلهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقِ مِثْلِهِ !


(أم هو) أي الملك القابض لروح الجنين(ساكن معه) أي مع الجنين (في أحشائها) أي في بطنها؟.

(كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله) ؟ أي ملك الموت، فإنَّ من لا يقدر على وصف المخلوق لا يقدر على وصف الإله، بالأولى.

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في ذم الدنيا

وَاحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ، وَلَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا ، وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا . دَارٌ هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا ، فَخَلَطَ حَلالَهَا بِحَرَامِهَا ، وَخَيْرَهَا بِشَرْهَا ، وَحَيَاتَهَا بِمَوتِهَا ، وَحُلُوهَا بِمُرِّهَا، لَمْ يُصْفِهَا اللَّهُ تَعَالَى لَأَوْلِيَائِهِ ،


التوضيح:

(وأحذركم) أي أخوفكم أيّها النّاس من (الدنيا فإنّها منزل قلعة) أي محل انقلاع وعدم استقرار (وليست بدار نجعة) أي ليست محط الرحال فإنَّ النجعة بمعنى طلب الكلاً في موضعه، فإنَّ القوافل كانوا يطلبون لمنزلهم محلاً ذا كلاً ، فإذا لم يجدوه لم ينزلوا .

(قدتزيّنت بغرورها) أي ازدانت للنّاس بالخداع والغرور لا بالواقع والصدق، بمعنى أن زينتها ليست صادقة (وغزت) أي خدعت الناس (بزينتها) الزائلة .

(دار هانت على ربّها) لا قيمة لها عند الله سبحانه (فخلط حلالها بحرامها) بمعنى أن جعل سبحانه فيها من النوعين (وخيرها بشرها وحياتها بموتها وحلوها بمرّها) ولو كانت عزيزة عنده سبحانه لم يجعلها إلا محلاً للخيرات فقط، كما أنّ الإنسان إذا اصطفى شيئاً لم يجعل فيه إلا الخير .

(لم يصفها الله تعالى لأوليائه أي لم يجعلها صافية لهم عن الأكدار

وَلَمْ يَضِنُّ بهَا عَلَى أَعْدَائِهِ ، خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَشَرُّهَا عَتِيدٌ. وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ، وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ، وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ. فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ ، وَعُمُر يَفْتَى فَنَاءَ الزَّادِ، وَمُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ ! اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ، وَاسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مَا سَأَلَكُمْ .


والآلام (ولم يضن بها) سبحانه أي لم يمنعها (على أعدائه) وهم الكفار والعصاة.

(خيرها زهيد) أي قليل (وشرّها عتيد) أي حاضر (وجمعها ينفد) أي يخلص ويتم (وملكها يسلب) يسلبه الفناء (وعامرها يخرب) فإنَّ العمارة مهما كانت محكمة يسري إليها الخراب والفناء.

(فما خير دار (تنقض) أي تهدم (نقض البناء) أي كما ينهدم البناء، والاستفهام للإنكار ، يعني لا خير في مثل هذه الدّار .

(و) ما خير (عمر يفنى فناء الزاد) فكما يفنى المأكول يفنى عمر الإنسان وينتهي (و) ما خير (مذة تنقطع انقطاع السير) فكما أن السائر ينقطع سيره بعد مدة كذلك تنقطع مدة بقاء الإنسان في الدنيا بعد زمان مقدّر له .

(اجعلوا ما افترض الله عليكم) من الواجبات وترك المحرمات (من طلبكم) فكما أنتم تحصلون على مطالبكم الدنيوية - من أكل وشرب ولباس وما أشبه - بكلّ حرص واشتياق، فكذلك اجعلوا فرائض الله هكذا .

(واسألوه من أداء حقه ما سألكم) أي اطلبوا من الله سبحانه أن يوفقكم لأداء ما فرضه عليكم - الذي هو حقه-ومعنى[ما سألكم] الشيء الذي طلبه منكم .

وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا ، وَيَشْتَدَّ حُزْتُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا ، وَيَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا . قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الآجَالِ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الآمَالِ ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَالْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآجِلَةِ ،


(وأسمعوا دعوة الموت آذانكم) أي أسمعوا آذانكم دعوة الموت لكم، وهذا كناية عن تملي الإنسان بقضية الموت قبل أن يدعى بكم أي قبل أن تدعون إلى الموت.

(إنّ الزّاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم) كناية عن حزنها (وإن ضحكوا)بوجوههم (ويشتد حزنهم) الباطن ( وإن فرحوا) في الظاهر .

(ويكثر مقتهم أنفسهم) أي غضبهم على أنفسهم-لأنها لا تطاوعهم فيما يريدون الأعمال - (وإن اغتبطوا بما رزقوا) أي غبطهم غيرهم بما رزقهم الله سبحانه من الحظ في الطاعة والعبادة (قد غاب عن قلوبكم) أيها الناس (ذكر الآجال) أي الموت فلا تذكرونه.

(وحضرتكم كواذب الآمال) أي الآمال الكاذبة التي لا تصلون إليها، فإنّها نصب أعينكم تسعون لها (فصارت الدنيا أملك بكم من الآخرة) أزمتكم بيد الدنيا كأنكم ملك لها .

(و) صارت (العاجلة) أي الدنيا العاجلة (أذهب بكم) أي أكثر تسييراً لكم نحوها (من الآجلة) أي الآخرة التي هي مؤجلة .

ثم مثل الإمام علیه السلام لكون الدنيا آخذة بزمامهم لا الذين بقوله:

وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانُ عَلَى دِينِ اللهِ، مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلا خُبْثُ السَّرَائِرِ ، وَسُوء الضَّمَائِرِ. فَلا تَوَازَرُونَ وَلا تَنَاصَحُونَ ، وَلا تَبَاذَلُونَ وَلا تَوَادُّونَ ، مَابَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ، وَلا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ وَيَقْلِقُكُمُ الْیَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ، وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُويَ مِنْهَا عَنْكُمْ !


(وإنما أنتم إخوان على دين الله) كما قال سبحانه: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » (1).

(ما فرّق بينكم إلا خيث السرائر) إذ حبّ المال والجاه وما أشبه يوجب التحاسد والتفرقة (وسوء الضمائر ) أي النوايا السيئة فلا) توازرون أي لا يعاون بعضكم بعضاً، من (وزر) (ولا تناصحون) لا ينصح بعضكم بعضاً (ولا (تباذلون لا يبذل الغني منكم للفقير (ولا) توادون) لا يحب أحدكم الآخر.

(ما بالكم تفرحون باليسير من الدنيا)؟ أي لماذا تفرحون بدنيا يسيرة (تدركونه) أي إذا أدركتم ذلك اليسير .

( ولا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه) أي تحرمون منه بسوء صنيعكم أو كسلكم عن القيام بما يوجب حيازتكم له كعدم مسارعتكم في الإتيان بالمندوبات والفضائل .

(ويقلقكم) أي يسبب اضطرابكم (اليسير من الدنيا يفوتكم) بأن يذهب عنكم بعد حيازتكم له، أو بعد رجاء أن تحوزوه (حتى يتبين ذلك) الاضطراب (في وجوهكم) بانقباضها (و) في (قلة صبركم عما زوي) أي ( ابتعد (منها) أي من الدنيا (عنكم) فإن قلة الصبر تظهر في حركات الإنسان .


1) سورة الحجرات : 10 .

كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ، وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ. وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ ، إِلا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ ، قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَقْضِ الآجِلِ وَحُبِّ الْعَاجِلِ، وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةٌ عَلَى لِسَانِهِ ، صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، وَأَحْرَزَ رِضًا سَيْدِهِ


(كأنها) أي الدنيا (دار مقامكم) داركم التي تقيمون فيها إلى الأبد (وكأن متاعها باق( عليكم متاع الدنيا ما يتمتع الإنسان به فيها من لباس ورياش وما أشبه .

(وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف) عليه (من عيبه إلا مخافة أن يستقبله بمثله) أي أنكم لا تذكرون معايب إخوانكم لهم، حتى يتجنبون عنها لأنكم تخافون إن ذكرتم عيوبهم، أن يذكروا لكم عيوبكم ولذا يسكت كل واحد منكم عن عيب الآخر، وتبقى العيوب بلا إصلاح لها .

(قد تصافيتم) أي صافي بعضكم بعضاً (على رفض الآجل) الذي الآخرة (وحب العاجل) الذي هو الدنيا (وصار دين أحدكم لعقة على لسانه) كاللعوق فإنَّ الدين في اللسان لا في القلب، فقد قال الإمام الحسين :[الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم] (1).

تصنعون بالنسبة إلى أوامر الله سبحانه (صنيع من قد فرغ من عمله وأحرز ) أي حاز وأدرك (رضا سيّده) فإنَّ الإنسان الذي عمل ما وجب عليه وأحرز رضا ،مولاه يستريح ولا يهتم وأهل الدنيا هكذا يصنعون بلا مبالاة بأوامره سبحانه .


1) بحار الأنوار: ج 40ص 338 .

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

في وعظ الناس

الْحَمْدُ لِلَّهِ الوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ وَالنّعَمَ بِالشَّكْرِ. نَحْمَدُهُ عَلَى آلائِهِ ، كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلائِهِ . وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ، السِّرَاعَ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ . وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ،


التوضيح:

(الحمد لله الواصل الحمد بالنعم والنعم بالشكر) فإنَّ من حمده سبحانه تفضل عليه بالنعمة، ثم طلب من الناس-على نعمه - الشكر، فالشكر تابع للنعمة والنعمة تابعة للحمد.

(نحمده) سبحانه (علی آلائه) نعمه (كما نحمده على بلائه) أي المصائب، فإنّها إما تطهير للذنوب، أو موجبة للأجر، وكلاهما لطف يستحقان حمداً .

(ونستعينه ) أي نطلب إعانته (على هذه النفوس ) أي نفوسنا بأن يساعدنا لنتغلب عليها (البطاء) جمع بطيء، أي التي تُبطئ (عما أمرت به) فإنَّ الإنسان يتكاسل عن فعل الطاعات (السّراع إلى ما نهيت عنه) أي تسرع إلى ارتكاب المحرمات.

( ونستغفره) أي نطلب غفرانه (ممّا أحاط به علمه) أي علمه بالمعاصي التي ارتكبناها .

وَأَحْصَاهُ كِتَابُهُ : عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرِ ، وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ، وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ، وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ ، إيماناً نَفَى إِخْلاصُهُ الشِّرْكَ، وَيَقِيتُهُ الشَّكْ . وَنَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَنْ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ


(وأحصاه كتابه) أي عده كتابه الذي كتب فيه أعمالنا، فإن علمه سبحانه علم غير قاصر ) بل يدرك الأشياء (و) كتابه سبحانه کتاب غیر مغادر جميع لا يغادر - أي لا يترك - عملاً إلا كتبه كما قال سبحانه: «وَلَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَنَهَا» (1).

(ونؤمن به إيمان من عاين الغيوب) المراد بالغيوب، ذاته سبحانه، فكما لو فرض أنه كان مرئياً، كان إيمان الإنسان به إيماناً قوياً، كذلك نؤمن به الآن إيماناً قوياً.

(ووقف على الموعود) وهو يوم القيامة ومن المعلوم أن الإيمان بالحشر من الإيمان بالله إيماناً نفى إخلاصه الشرك) فإنَّ الإيمان الخالص يلازم نفي الشرك .

(و) نفى ( يقينه الشك) فإنَّ الإيمان قد يكون ظناً فلا ينفي الشك - أي الاحتمال - أما إذا كان يقيناً كان منافياً للشك .

(ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلی الله علیه و آله وسلم) والشهادة بعبودية الرسول بالإضافة إلى أنه نوع تشريف له لأنه عبدالله العظيم، لنفي زعم ألوهيته صلی الله علیه و آله وسلم، كما زعم النصارى بالنسبة إلى المسيح، أو الولادة كما زعم أهل الكتاب بالنسبة إلى عزير والمسيح علیهم السلام .


1) سورة الكهف : 49.

شَهَادَتَيْن تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ ، وَتَرْفَعانِ الْعَمَلَ : لا يَخِفُ مِيزَانٌ توضَعَانِ فِيهِ، وَلا يَثْقُلُ مِيزَانَ تُرْفَعَانِ عَنْهُ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ ، بِتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا الْمَعَادُ : زَادٌ مُبْلِغْ وَمَعَادٌ مُنْجِحْ ، دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ، وَوَعَاهَا خَيْرُ واع. فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا، وَفَازَ وَاعِيهَا. عِبَادَ اللهِ إِنْ تَقْوَى اللهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللهِ مَحَارَمَهُ ،


(شهادتین) حال من نشهد (تصعدان (القول الحسن إلى السماء، بمعنى أنهما توجبان له قبولاً وترفعان العمل الصالح (لا يخف ميزان توضعان أي الشهادتان (فيه) فإنَّه يثقل بالحسنات .

(ولا يثقل ميزان ترفعان عنه) لأن العمل الصالح بدون الشهادتين غير مجد (أوصيكم عباد الله بتقوى الله) أي الخوف منه الموجب لإتيان الواجب وترك الحرام (التي هی الزاد) الموجب للوصول إلى الغاية المنشودة (وبها هي المعاد) الحسن.

ثم فسر علیه السلام المراد من الزاد والمعاد بقوله : (زاد مبلغ) كاف لأن يوصل الإنسان إلى الآخرة بسلام.

(ومعاد منجح) يوجب نجاح الإنسان وفوزه بالجنّة (دعا إليها) أي إلى تلك التقوى (أسمع داع) أي أكثر الداعين إسماعاً (ووعاها) أي احتفظ بها وأخذها (خير (واع) فإنَّ كل إنسان محتفظ بالتقوى فهو خير واع لأنه وعى أحسن شيء (فأسمع) النّاس (داعيها ) أي الرسول صلی الله علیه و آله وسلم (وفاز) وظفر بسعادة الدارين (واعيها) الذي وعاها .

يا (عباد الله إن تقوى الله حمت) أي منعت من [حمي] بمعنى منع (أولياء الله محارمه) أي المحرمات، لأن من خاف حقيقة اجتنب الحرام.

وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وَأَظْمَاتْ هَوَاجِرَهُمْ ، فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصبِ، وَالرِّيَّ بِالظُّمَا، وَاسْتَقْرَبُوا الأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ ، ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءِ وَعَنَاء، وَغِيرٍ وَعِبَرٍ، فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ لا تُخْطِئُ سِهَامُهُ، وَلا تُؤْسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَم، وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ . آكِلٌ


(وألزمت قلوبهم مخافته) أي الخوف منه تعالى و[ مخافة] مصدر ميمي بمعنى الخوف .

(حتى أسهرت) التقوى (لياليهم) هذا من الإسناد المجازي، أي أسهروا في الليالي (وأظمأت هواجرهم) جمع هاجرة وهي الساعة الحارة في وسط النهار والمراد أنهم قاموا الليالي عبادة، وصاموا النهار حتى عطشوا في الساعات الحارّة .

(فأخذوا الراحة بالنصب) أي أخذوا على راحة الآخرة بتعب الدنيا .

(والري) في الآخرة (بالظمأ) في الدنيا (واستقربوا الأجل) أي رأوه قريباً (فبادروا العمل) حتى لا يدركهم الأجل ولم يعملوا بعد عملاً كافياً .

(ثم إنّ الدّنيا دار فناء وعناء) أي صعوبة وتعب (وغير) أي تغيرات (وعبر) أي أشياء توجب الاعتبار والتنبه (فمن (الفناء) [من] لبيان (أن الدهرموتر قوسه) أي جعل لقوسه الوتر ليرمي بها الناس فيهلكهم (لا تخطئ سهامه) التي يرميها نحو الناس، والمراد بالسهام أسباب الموت .

(ولا تؤسى جراحه) أي لا تداوى من أسوت الجرح بمعنى داريته (يرمي) الدهر (الحي بالموت) فيموت (والصحيح بالسقم) فيمرض (والناجي بالعطب) أي الهلاك، فيهلك، بعد نجاته من شديدة والدهر (آكل) للناس

لا يَشْبَعُ، وَشَارِبٌ لا يَنْقَعُ . وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لا يَأْكُلُ وَيَبْنِي مَا لا يَسْكُنُ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللهِ تَعَالَى لا مَالاً حَمَلَ ، وَلا بِنَاءً نَقَلَ وَمِنْ غِيْرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً ، وَالْمَغْبُوطُ مَرْحُوماً ، لَيْسَ ذَلِكَ إِلا نَعِيماً زَلَّ وَبُؤْساً نَزَلَ. وَمِنْ عِبَرهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ . فَلا أَمَلْ يُدْرَكُ، وَلا مُؤَمل يُتْرَكُ . فَسُبْحَانَ اللهِ


(لا يشبع) من أكله ( وشارب) للدماء (لا ينقع) بالشرب، لرفع عطشه.

(ومن العناء) أي التعب الموجود في الدنيا (أن المرء يجمع ما لا يأكل) فتعبه عليه بدون أن يكون له (ويبني ما لا يسكن) بل يسكنه غيره (ثم يخرج إلى الله) المراد إلى الدار التي أعدها الله سبحانه للحساب والجزاء (لا مالاً حمل) مما جمعه (ولا بناء نقل) مما بناه ولم يسكنه .

(ومن غيرها) أي من تغير الدنيا وتقلبها (أنك ترى المرحوم مغبوطاً) أي أن الإنسان الذي يرحمه النّاس لفقره أو نحوه، يغبط بعد زمان لتجدد الغنى له أو نحو ذلك.

(و) ترى (المغبوط مرحوماً) فمن كان يغبط لماله أو جاهه أو نحو ذلك يصبح مرحوماً يرحمه يرحمه النّاس لفقده أسباب السعادة والاغتباط .

(ليس ذلك) الرحم له (إلا نعيماً زل) وانتقل منه ( وبؤساً نزل) عليه (ومن عبرها) أي أسبابها الموجبة للعبرة (أن المرء يشرف على أمله) حتى يقال أنه وصل إليه ( فيقتطعه) عن أمله (حضور أجله) حيث يختطفه الموت فلا يصل إلى أمانيه .

فلا أمل يدرك ولا مؤمل أي صاحب الأمل ( يترك) على حاله .

(فسبحان الله) كلمة تستعمل بمعنى التعجب، والأصل فيها : إن النزاهة

مَا أَغَرَّ سُرُورَهَا وَأَظْمَأُ رِبَّهَا! وَأَضْحَى فَيْتَهَا لا جَاءِ يُرَدُّ، وَلا مَاضٍ يَرْتَدُّ ! فَسُبْحَانَ الله مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ المَيْتِ لِلحَاقِهِ بِهِ، وَأَبْعَدَ المَيْتِ مِنَ الْحَيِّ لانْقِطَاعِهِ عَنْهُ !

إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلا عِقَابُهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرِ مِنَ الْخَيْرِ إلا ثَوَابُهُ . وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ ،


عن التغير لله لا لغيره (ما أغر سرورها) فإنَّما سرورها غرور محض.

(وأظمأ ريها) فإنَّ ارتواء الإنسان فيها من الماء عطش، لأنه أمل إليه (وأضحى فيئها) الفيء الظل والإضحاء البروز إلى الشمس، أي أن فيئها زائل بمجيء الشمس مكانه (لاجاء يرد) فإنَّ الموت والسقم والذلة وما أشبهها إذا قدر مجيئها لا يرد.

(ولا ماض يرتد) فإنّ من مضى لا يرجع (فسبحان الله ما أقرب الحي من الميت) إذ كل حي قريب من الموت.

(للحاقه به) أي التحاق الحي بالميت بعد أن مات (وأبعد الميت) الذي مات (من الحي) الذي بقي (لانقطاعه عنه) فإنّ الإنسان إذا مات له ميت انقطع عنه ، فلا الميت إليه أبداً .

(إنه ليس شيء بشر من الشر) أي بأكثر شرّاً من الشّر نفسه (إلا عقابه) فالسرقة مثلاً شر وعقابها أكثر شرّاً منها (وليس شيء بخير من الخير) أي بأحسن من الخير (إلا ثوابه) الذي يبقى .

(وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه) مثلاً إذا سمع الإنسان أن

وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الآخِرَةِ عِبَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ ، فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ، وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِي الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا: فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابح وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ ! إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ


البحر الكذائي عظيم، فإذا شاهده رآه أصغر مما في نفسه، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأشياء - والسر أن نفس الإنسان خلقت أعظم من جميع ما في الدنيا-.

(وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه) مثلاً الجنّة إذا شاهدها الإنسان رآها أعظم مما سمع، وكذلك سائر أمور الآخرة - والعلة أن النفس خلقت أصغر من أمور الآخرة ..

( فليكفكم من العيان السماع) أي اكتفوا بسماع الآخرة - في العمل - عن عيانه الذي هو أعظم منه (ومن الغيب الخبر ) أي من الغيب الذي غاب عنكم من أمور الآخرة، الذي سمعتم من خبرها .

(واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة) كالمال الذي ينفقه الإنسان في سبيل الله (خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا) كما لو يعط الزكاة - مثلاً -.

(فكم من منقوص) نقص ماله الدنيوي (رابح) لأنه زاده في آخرته (و) كم من (مزيد خاسر) زاد ماله الدنيوي، لكنه خاسر إذ خسره في الآخرة.

(إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه) هذا البيان أن الإنسان إذا أخذ بالواجبات - التي هي أضداد المحرمات - كان في سعة، بخلاف ما إذا أراد الأخذ بالمحرمات فليس العمل الصالح صعباً، بل العكس صعب، فمثلاً أمر الإنسان بالعدل ونهي عن الظلم والعدل أوسع لأنه يوجب العمران

وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . فَذَرُوا مَا قَلْ لِمَا كَثُرَ، وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ، فَلا يَكُونَنَّ الْمَضْمُوتُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ، مَعَ أَنَّهُ وَاللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُ، وَدَخَلَ الْيَقِينُ،


والتقدم والائتلاف مما يزيد في سعة العالم بخلاف الظلم الذي بعكس ذلك كله .

(وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم) مثلاً أحل للإنسان أكثر أنواع الأشربة - التي تعدوا الآلاف - في حين لم يحرم عليه إلا الخمر وما أشبهها، وهكذا.

(فذروا) أي اتركوا ودعوا (ما قل لما كثر ) ففي الكثير غنى عن القليل (وذروا (ما ضاق لما اتسع) فإنّ في السعة كفاية عن الضيق (قد تكفل) الله (لكم بالرزق) بمعنى أنّ الرزق لا بد وأن يصل إلى الإنسان فقليل من السعي كاف فإنَّ غالب الرزق إنما يكون بعمل الله سبحانه كالأنهر، والهواء، والضياء، والنبات، وما أشبه .

(وأمرتم بالعمل) الصالح للآخرة، فإنّ الإنسان لا يحصل على الآخرة إلا بالعمل .

(فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه) أي ما ضمن الله أن يطلبه لكم وهو الرزق (أولى بكم من المفروض عليكم عمله) وهو ما يوجب لكم القربى إلى الله سبحانه وتحصيل الجنّة، وإنما قال علیه السلام : أولى بكم] لأن الإنسان إذا أولى شيئاً اهتماماً كان ما بحسب المترائي [أولى به]. (مع أنه - والله - لقد اعترض الشك ودخل اليقين) أي جاء الشك ودخل

حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَكَأَنَّ الَّذِي قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ ، فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وَخَافُوا بَغْتَةَ الأَجَلِ، فَإِنَّهُ لا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ. مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ، وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ .


في اليقين، فإنّ اليقين بكون الله سبحانه كفيل بالرزق خالطه الشك، ولفظة [مع] لبيان أنه : أقول لكم الكلام السابق ، مع أني أعلم، أنه قد اعترض الشك، و[الله] لتأكيد علمه علیه السلام بذلك .

(حتى كأن الذي ضمن لكم) وهو الرزق (قد فرض عليكم) بأن تحصلوه (وكأن الذي قد فرض عليكم وهو العمل (قد وضع عنكم فلم يجب عليكم الإتيان به .

ثم لا يخفى أن مثل هذه الكلمات إنما هی للحد من نشاط الذين يصرفون كل أوقاتهم في طلب الدنيا بدون اعتناء بالآخرة، كما كما هو أغلب الناس، فلا بد من كثرة التأكيد ليعتدل الأمر، وإلا فطلب الحلال من المفروض على الإنسان، كما هو ضرورة من ضروريات الدين .

(فبادروا العمل) أي عجلوا بالعمل للآخرة (وخافوا بغتة الأجل) أي يباغتكم ويفاجئكم الأجل بدون تهيئة زاد من العمل الصالح.

(فإنه لايرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق) فإنَّ فائت العمر لا يرجع ، وأما ما يفوت من الرزق فمن الممكن تعويضه .

(ما فات اليوم من الرزق رُجي غداً زيادته) بأن يزاد المقدار الفائت على ما هو موجود عند الإنسان .

(وما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته) وتغييراً يساق في الغد

الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي، وَالْبَأْسُ مَعَ الْمَاضِي فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلاتَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (1).


واليوم] بملاحظة البلاغة (الرجاء مع الجائي) أي الممكن مجيئه وهو الرزق واليأس مع الماضي الذي لا يعوّض وهو العمر.

(اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أي حق تقواه وهو اجتناب المحرمات والإتيان بالواجبات .

(وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ، أي ليكن موتكم مع الإسلام الكامل فإِنَّ في ذلك السعادة الأبدية .


1) سوره آل عمران :102.

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

في الاستسقاء

اللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا، وَاغْبَرَّتْ أَرْضُنَا، وَهَامَتْ دَوَابنَا، وَتَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا، وَعَجِّتْ عَجِيجَ الشَّكَالَى عَلَى أَوْلادِهَا، وَمَلْتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا


التوضيح:

(في الاستسقاء) وهو طلب [السقيا] أي نزول المطر (اللهم قد انصاحت) أي جفت (جبالنا) وجفاف الجبل يوجب عدم جريان العيون، وجفاف ما عليها من النباتات .

(واغيرت أرضنا) أي صار فيها الغبار لجفافها(وهامت دوابنا) أي عطشت من الهيام بمعنى العطش.

(وتحيرت) الدواب ما تدري كيف تروي أنفسها (في مرابضها) جمع مريض، وهو محل الدابة. (وعجت) أي الدواب، والعجيج صوت فيه حزن (عجيج الثكالى جمع ثكلى] وهي المرأة التي مات ولدها على أولادها التي عطشت.

(وملت) الدواب (التردد في مراتعها) جمع مرتع وهي محلات الرعي فإنها ملت وعجزت عن كثرة ما ترددت في المراتع طلباً للماء .

وَالْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الآنْةِ، وَحَنِينَ الْحَانْةِ اللّهُم فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا ، وَأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا ! اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنا مَخَائِلُ الْجُودِ، فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ ، وَالْبَلاغَ لِلْمُلْتَمِس . تَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الأنامُ، وَمُنِعَ الْغَمَامُ،


(و) ملت (الحنين إلى مواردها) جمع مورد وهو محل شرب الماء أي أخذت تحنّ وتعطف على موارد الماء .

(اللهم فارحم أنين الآنة) أي الحيوانات التي تأنّ من العطش. (وحنين الحانّة) أي الحيوانات التي تحنّ وتعطف .

( اللهم فارحم حيرتها) أي تحير تلك الحيوانات (في مذاهبها) جمع مذهب، وهو محل الذهاب (وأنينها في موالجها) جمع مولج وهو المدخل والمراد مرابضها.

( اللهم خرجنا إليك) فإنَّ دعاء الاستسقاء وصلاته في الصحراء، والمعنى تجردنا عن الوطن نحو رحمتك حين اعتكرت علينا) أي عكر ضد صفا (حدابير (السنين جمع حدبار وهي الناقة المهزولة شبهت بها السنة المجدية.

(وأخلفتنا مخائل) جمع مخيلة وهي السحابة التي تظهر أنها ماطرة ثم لا تمطر، (الجود) المطر، ومعنى الأخلاف أنها لا تفي بما أظهرت من إرادة الأمطار.

(فكنت) اللهم) و(الرجاء للمبتئس) ابتأس أي مسته البأساء (والبلاغ للملتمس) يقال إلتمس الشيء إذا طلبه والبلاغ إلى الكفاية (ندعوك حين الأنام) أي يئسوا من المطر والماء (ومنع الغمام) عن المطر .

وَهَلَكَ السَّوَامُ، أَن لا تُؤَاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا، وَلا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا .

وَانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ، وَالرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ، وَالنَّبَاتِ الْمُونِقِ، سَحَاً وَابِلاَ تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ . اللَّهُمُ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِبَةً مُزوِيَةً تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً ، هَنِيئَةً مَرِيعَةً ، زَاكِياً نَبْتُهَا، ثَامِراً فَرْعُهَا،


(وهلك السوام) جمع سائمة و سائمة وهي البهيمة الراعية أن لا تؤاخذنا بأعمالنا بأن يكون مظهر مؤاخذتك لنا قطع المطر .

(ولا تأخذنا بذنوبنا) لعل الفرق بين [المؤاخذة] و[الأخذ] أن الأول بمعنى المحاسبة والثاني بمعنى العقاب.

وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق يقال انبعق المزن إذا انفرج عن المطر .

(والربيع المغدق) أغدق المطر بمعنى كثر ماؤه ، والمراد بالربيع الفصل المقابل للفصول الأخرى (والنبات المونق) آنق النبات أي أسر وأفرح لكثرة نمائه وحسن منظره (سحّاً) أي صباً (وابلاً) أي شديد المطر (تحيي به ما قد مات) من الأراضي، وإحياء الأرض إنما يكون بالنبات.

(وترد به ما قد فات) أي مضى، كأنّ اخضرار الأرض رد لما فات .

(اللهم) أسقنا (سقياً منك) أي من طرفك ولطفك (محيية) لأراضينا (مروية) تروي الإنسان والحيوان والنبات والأرض (تامة) لا نقص فيها (عامة) تعم الجميع (طيبة) لا توجب مرضاً أو نحوه (مباركة) توجب البركة أي النمو والزيادة (هنيئة) تكون بلا كدر ولا تعب (مريعة) أي خصيبة توجب الخصب.

(زاكياً نبتها) أي ينمو نبات تلك المطرة (ثامراً) أي آتياً بالثمر (فرعها) أي

نَاضِراً وَرَقُهَا، تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُحْيِي بِهَا الْمَيْتَ مِنْ بلادِكَ اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا، وَتَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا، وَيُخْصِبُ بهَا جَنَابُنَا ، وَتُقْبلُ بهَا ثِمَارُنَا ، وَتَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا، وَتَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا، وَتَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ، وَعَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ، عَلَى بَريْتِكَ الْمُرْمِلَةِ، وَوَحْشِكَ الْمُهْمَلَة


أغصان تلك النباتات (ناضراً) من النضارة بمعنى البهجة (ورقها) بأن يكون شديد الاخضرار .

(تنعش بها الضعيف من عبادك) أي توجب له القوة (وتحيي بها الميت من بلادك) فإنّ المطر يوجب الحركة للنبات وذلك شبيه بالحياة.

(اللهم) أسقنا (سقياً منك تعشب بها) أي بتلك السقيا (نجادنا) جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض (وتجري بها وهادنا) جمع وهدة وهي ما انخفض من الأرض أي تجري بالماء .

(ويخصب بها جنابنا) الخصب ضد الجدب والجناب الناحية (وتقبل بها ثمارنا) من الإقبال بمعنى الظهور والخروج .

(وتعيش بها مواشينا) جمع ماشية وهي الإبل والبقر والغنم، بأن لا تموت من الظمأ .

(وتندى بها أقاصينا) أي أطراف البلاد البعيدة، جمع قاصية .

(وتستعين بها ضواحينا) جمع ضاحية أي النواحي التي لها سكان كالأرياف (من بركاتك الواسعة) متعلق ب-[سقياً] ( وعطاياك الجزيلة) أي الكثيرة العظيمة (على بريتك المرملة) أي الفقيرة.

(ووحشك) أي الحيوانات المتوحشة (المهملة) في الصحاري لا راعي لها ولا كفيل.

وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً ،مُخْضِلَةٌ مِدْرَاراً هَاطِلَةً، يُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ، وَيَحْفِرُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ ، غَيْرَ خُلْبٍ بَرْقُهَا ، وَلا جَهَامِ عَارِضُهَا ، وَلا قَزَعِ رَبَابُهَا، وَلا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا ، حَتَّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ،


(وأنزل علينا سماء) أي مطراً - بعلاقة الظرف والمظروف - (مخضلة) من اخضل بمعنى ابتل .

(مدراراً) يدر وينزل باستمرار (هاطلة) يقال هطل المطر إذا نزل باستمرار(يدافع الودق منها الودق) الودق المطر، والجملة كناية عن استمراره بشدة كأن كل قطرة تدافع القطرة السابقة عليها حتى تنزل ( ويحفز) أي يدفع حتى ويحث (القطر منها القطر) فكل قطرة محفزة للقطرة المتقدمة عليها .

(غير خلب برقها) البرق الخلب ما يظهر في سحابة المطر ثم لا ينزل المطر .

(ولاجهام) هو السحاب الذي لا مطر فيه (عارضها) ما يعرض في الأفق من السحاب .

(ولاقزع) هو القطع الصغار من السحاب ( ربابها) هو السحاب الأبيض ( (ولا شفان) الشفان الربح الباردة أي لا ذات ريح باردة (ذهابها) جمع ذهبة وهي المطرة ،القليلة، أي لا تكون أمطارها القليلة ذات ريح باردة فإنَّ ذلك مما يضر الزرع ويؤذي الإنسان .

(حتى يخصب لإمراعها المجدبون) يقال أخصب القوم إذا نالوا الخصب وهو كثرة العشب والإمراع الإخصاب والمجدب الذي ناله الجدب أي القحط والمعنى حتى يكثر عشب أهل الجدب لإمراع تلك المطرة .

وَيَحْيَا بِبَرَكَتِهَا المُسْنِتُونَ، فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَأَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ .

قال السيد الشريف رضي الله عنه، قوله علیه السلام : (انْصَاحَتْ جِبَالُنَا) أي تَشَقَّقَتْ مِنَ المُحولِ، يُقَالُ : انْصَاحَ الثَّوْبُ إذَا انْشَقِّ وَيُقَالَ أَيْضاً : انْصَاحَ النّبتُ وَصَاحَ وَصَوّحَ إِذَا جَفْ وَيَبِسَ، كُلَّهُ بِمَعْنَى. وَقَوْلُهُ : (وَهَامَتْ دَوَابْنَا) أي عَطِشَتْ، وَالْهُيَامُ: الْعَطَشُ . وَقَوْلُهُ : (حَدَابِيرُ السِّنِينَ) جمع حدبار، وهي الناقة التى أنضاها السيرُ ، فشبه بها السنة التي فشا فيها الجَدْبُ ، قَالَ ذو الرمة :

حَدَابِيرُ مَا تَنْفَكُ الأ مُنَاخَةً *** عَلَى الْخَسْفِ أَوْ نَرْمِي بِهَا بَلَداً قَفْرا وَقَوْلُهُ : (وَلا قَزَع رَبَابُهَا) الْقَزَعُ: القِطَعُ الصَّغَارُ الْمُتَفَرقَةُ مِنَ السَّحَابِ .

وَقَوْلُهُ :(وَلا شَفّانٍ ذِهَابُهَا) فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ : وَلا ذَاتَ شَفّان ذِهَابُهَا . وَالشَّفَانُ : الريحُ البَارِدَةُ ، وَالذَّهَابُ : الأَمْطَارُ اللَّيّنةُ. فَحَذَفَ (ذَاتَ) لِعِلْمِ السَّامِعِ بِهِ.


(ويحيا ببركتها المسنتون) أي الذين أصابتهم السنة - بمعنى القحط - وحياتهم بكثرة الماء والعشب وما يتبع ذلك.

(فإنك) يا رب (تنزل الغيث) أي المطر (من بعد ما قنطوا) أي قنط الناس ويئسوا من نزوله.

(وتنشر رحمتك) أي تعمّها للناس (وأنت الولي الحميد) الذي تُحمد أفعاله فلا يذر عباده يهلكون جدباً وقحطاً.

وَمِنْ خُطبَه له علیه السلام

فی تعظیم ما حجب عن الناس

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ ، فَبَلْغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ وَلا مُقَصْرٍ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ وَلَا مُعَذِّرٍ . إِمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصَرُ مَنِ اهْتَدَى.


التوضيح:

(أرسله) الله سبحانه والمراد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ( داعياً إلى الحق وشاهداً على الخلق) فإنه صلی الله علیه و آله وسلم لم يشهد عليهم يوم القيامة بما فعلوا كما قال سبحانه:«وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» (1).

(فبلغ رسالات ربّه) إنّما جمع [رسالات] باعتبار كل رسالة رسالة (غير وان من ونى] بمعنى تباطأ وتكاسل ولا مقصر) في الأداء.

(وجاهد في الله) أي في سبيل إقامة دين الله (أعداءه) أي أعداء الله سبحانه - الذين لا يمتثلون أوامره - (غير واهن) من الوهن بمعنى الضعف أي لم يضعف في الجهاد ( ولا معذر) هو من يعتذر كاذباً بلا عذر له ،واقعاً أي لم يعتذر الرسول صلی الله علیه و آله وسلم في ترك الجهاد بأعذار كاذبة .

وهو صلی الله علیه و آله وسلم(إمام من اتقى) لأنه صلی الله علیه و آله وسلم مقتدى الناس الذين يخافون الله تعالى.

( وبصر من اهتدى) أي أسباب بصيرة المهتدين كأنه بصرهم الذي يرون به سبيل الحق .


1) سورة البقرة : 143 .

منها : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ ، إِذا لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصَّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ ، وَتَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لا حَارِسَ لَهَا وَلا خَالِفَ عَلَيْهَا، وَلَهَمَّتْ كُلِّ امْرِي نَفْسُهُ، لا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا ، وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ، وَأَمِنْتُمْ مَا حُذَرْتُمْ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأَيْكُمْ ،


(لو تعلمون ما أعلم) من أحوال الآخرة (مما طوي عنكم غيبه) أي أخفي عليكم، كالصحيفة التي تطوى وتلف فلا يعلم ما فيها .

(إذاً لخرجتم إلى الصعدات) جمع صعيد بمعنى الصحراء لتركتم منازلكم هاثمين في الصحارى، فإنّ الخائف كثيراً يهيم في الفلوات .

(تبكون على أعمالكم) التي أسلفتموها من المعاصي أو التي لم تحصلوا من ورائها الثّواب .

(وتلتدمون) الالتدام الضرب على الصدر أو الوجه للنياحة حزناً على مفقود على أنفسكم أي تضربون أجسامكم جزعاً.

( ولتركتم أموالكم لا حارس لها) أي أهملتموها، فإن من خاف خوفاً شديداً لم يأبه بالمال .

(ولا خالف عليها) أي ليس عليها من يخلفكم، ولهمت كل امرئ نفسه أي لحزنت نفس كل امرئ على شخصه فلم يحزن لما سواها.

(لا يلتفت إلى غيرها) من الأهل والأقارب والأصدقاء (ولكنكم نسيتم ماذكرتم) أي ذكركم الله سبحانه من أهوال القيامة .

(وأمنتم ما حذرتم) حذركم الله سبحانه من النّكال والعقاب (فتاه عنكم) أي ضل عنكم (رأيكم) الموجب لإرشادكم إلى الخوف من الآخرة . .

وَتَشَمَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللهَ فَرْقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَالْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ . قَوْمٌ وَاللهِ مَيَامِينُ الرَّأْيِ، مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ، مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ، مَتَارِيكُ لِلْبَغْي. مَضَوْا قُدماً، عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَأَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ ،


( وتشتت) أي تفرّق ( عليكم أمركم) فإنّ الإنسان الذي لم يجمع فكره في اتجاه واحد يتيه الحق ويسهو عن الصّواب.

(ولوددت) أي أنّي أحب (أن الله فرّق بيني وبينكم) لأنكم لا تهتمون بالآخرة.

(وألحقني بمن هو أحق بي منكم) يعني الرسول والأنبياء والأوصياء، وكونهم أحق بالإمام، لأنه وإياهم على منهاج واحد بخلاف المخاطبين.

(قوم والله ميامين) جمع ميمون (الرأي) في رأيهم اليمن والسعادة (مراجيح الحلم) لهم حلوم راجحة لا طيش لهم ولا سرعة في الأمور. (مقاويل بالحق) جمع مقوال أي كثير القول بالحق (متاريك للبغي) جمع متراك مبالغة في الترك، أي كثيروا الترك للظلم .

(مضوا قدماً) أي مضوا أمامي إلى الآخرة، فإنّ [قدم] بمعنى المضي إلى الأمام.

(على الطريقة) الصحيحة ( وأوجفوا) الوجيف سير سريع أي أسرعوا (على المحجة) بمعنى الطريق، والمراد سرعتهم في عمل الصالحات . (فظفروا) أي فازوا (بالعقبى الدائمة أي العاقبة الحسنة المستمرة - أي

وَالْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ. أَمَا وَاللَّهِ، لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلامُ ثَقِيفِ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ ، يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ، وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ، إِيهِ أَبَا وَذَحَةَ!

قال الشريف: الوذحة الخنفساء. وهذا القول يومى علیه السلام به إلى الحجاج وله مع الوذحة حديث : [قالوا إنه رأى خنفساء فطردها ثم عادت فطردها ثانية فلسعت ،يده فورمت وصار سبب هلاكه. وقيل بذلك - كما في البحار - وغيره ]


الجنّة - (والكرامة الباردة) أي هنيئة، فإنّهم كانوا إذا حصلوا على الشيء بالحرب كانت [حارة] وإلا سموها [باردة] وذلك المزيد في الهناء ، حيث لم يتعب عليها تعباً زائداً.

(أما والله ليسلطن عليكم غلام ثقيف) أي الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان والياً عليهم من قبل عبد الملك بن مروان.

(الذيال) أي الطّويل الذيل، فقد كان لكبره يطول ثيابه - كعادة الجبارين-(الميال) الكثير الميل عن الحق إلى الباطل، أو المائل المتبختر في مشيته .

( يأكل خضرتكم كناية عن تبديل لأحوالهم الحسنة إلى الحالة السيئة ويذيب شحمتكم كناية عن تضعيفه قواهم كما أن من يذاب شحم جسده يهزل ويضعف .

(إيه أبا وذحة) إيه اسم فعل للإستزادة من الشيء، كأنه علیه السلام قال : استزد يا حجاج من أمرك - على نحو الكناية بكونه لا مزيد على ما يفعل من الخراب والفساد-.

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

يوبخ البخلاء بالمال والنفس

فَلا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا ، وَلا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا . تَكْرُمُونَ بِاللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ! فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ،


التوضيح:

(فلا أموال بذلتموها للذي رزقها) أي رزقكم تلك الأموال، ومعنى البذل له تعالى بذلها في سبيله .

(ولا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها) في سبيل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكرمون بالله على عباده أي تكونون أعزّة بسبب الله سبحانه - بانتسابكم إليه بإيمانكم وعلمكم وما أشبه - على عباد الله، وإنّما جيء ب[على] لمعنى الترفع.

(ولا تكرمون الله في عباده) ومعنى إكرام الإنسان له تعالى أن يجله بالدّعوة إليه وغرس عظمته تعالى في نفوس الناس .

(فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم) أي أنكم كائنون في منازل آبائكم السابقين الذين ماتوا وخلفتموهم من بعدهم، فإنكم سوف تكونون مثلهم، وهذا تحريض لبذل النفس والمال، فإنّهما إلى انقطاع، وقد قال الإمام الحسين علیه السلام :

وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ !


وإن كانت الأبدان للموت أنشئت*** فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل

(و) اعتبروا ب(انقطاعكم عن أوصل إخوانكم) فإن أقرب إخوانكم إليكم من انقطع عنكم بالموت وأنتم عن قريب تكونون مثلهم فسارعوا في الأعمال الصالحة .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

في مدح أصحابه وتحريضهم على العمل

أَنْتُمُ الأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ، وَالإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ، وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ ، وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِل .


التوضيح:

(أنتم) معاشر أصحابي (الأنصار على الحق) أي ينصر بعضكم بعضاً في الحق .

(والإخوان في الدين) فالأخوة بينكم أخوة دينية، لا قبلية أو نسبية أو ما أشبه .

(والجنن) جمع جنّة (يوم البأس) أي يوم الشدّة فأنتم تحفظون البلاد والعباد في يوم الكربة والشدّة.

( والبطانة دون النّاس) بطانة الرّجل خواصه وهو تشبيه ببطانة الثوب التي تلي جسده أي أنتم الخواص لي، دون سائر الناس .

(بكم) أي بسببكم (أضرب (المدير) عن الحق إلى الباطل (وأرجو طاعة المقبل) فإنّ المقبل إنما يقبل بواسطة الدعاية وبواسطة الخوف وهما يتمان بالأنصار والأصحاب.

فَأَعِيتُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشُ، سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَوْلَى الناس بالنَّاس !


( فأعينوني بمناصحة خلية من الغش) أي ينصح بعضكم بعضاً في سبيل المصلحة الإسلامية، بدون أن يظهر النصيحة ويبطن الغش، كما هو كثير في المرائين والمنافقين .

(سليمة من الرّيب) أي ليست محل شك وارتياب، كما ربما تكون النصيحة بحيث يرتاب الإنسان من نوايا صاحبها .

(فو الله إنّي لأولى النّاس بالناس) أي أني أولى بهم من أنفسهم، فإذا أمرتهم بأمر وأرادوا غير ذلك يلزمهم إتباع أمري وترك إرادتهم لأجلي، وهذه الجملة لتأكيد لزوم الإعانة له علیه السلام عليهم، حيث أنه علیه السلام أولى بهم من أنفسهم، فإعانته عليهم أولى من الانصراف إلى شؤون أنفسهم.

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

وقد جمع الناس وحضّهم على الجهاد فسكتوا مليّاً

فقال علیه السلام : مَا بَالُكُمْ أَمُخْرَسُونَ أَنْتُمْ؟ فقال قوم منهم : يا أميرالمؤمنين، إن سرت سرنا معك.

فقال علیه السلام : مَا بَالُكُمْ ! لا سُدّدْتُمْ لِرُشْدِ! وَلَا هُدِيتُمْ لِقَصْدِ! أَفِي مِثْلِ هذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ؟


التوضيح:

(وقد جمع النّاس وحصّهم على الجهاد فسكتوا مليّاً) أي سكوتاً طويلاً فلم يجيبوه وقد كان ذلك حين ما كان يغير أصحاب معاوية على أطراف بلاد الإمام، فكان علیه السلام يريد استنفارهم لرد الاعتداء .

(فقال علیه السلام ): (ما بالكم) أي أي شيء سبب سكوتهم (أمخرسون أنتم)؟ من الخرس بمعنى عدم التمكن من التكلّم (فقال قوم منهم : يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك (فقال علیه السلام : ما بالكم لا سدّدتم لرشد هذا دعاء عليهم بعدم التوفيق فإن التسديد بمعنى التوفيق والرّشد الهداية ) ولا هديتم لقصد أي لطريق المنى الذي هو قصد - أي وسط-.

(أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج)؟ فإن شأن الخليفة أن يخرج إلى

إنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَذَوِي بَأْسِكُمْ، وَلا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ وَالْمِصْرَ وَبَيْتَ الْمَالِ وَجِبَايَةَ الأرْضِ ، وَالْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالنَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى، أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحَ فِي الْجَفِيرِ الْفَارِغ، وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَا، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي،


حروب مهمّة لا مناوشات مختصرة، فكيف تقولون إن تخرج نخرج؟ . (إنّما يخرج في مثل هذا رجل ممّن أرضاه) وأراه أهلاً لصدّ العدو (من شجعانكم) جمع شجاع، (وذوي بأسكم) البأس بمعنى الشدة، أي صاحب الشدّة الذي يتمكن من الدفاع .

(ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر) أي المدينة (وبيت المال وجباية الأرض) أي جمع الخراج والمقاسمة من الأرض .

( والقضاء بين المسلمين) في حقوقهم ( والنظر في حقوق المطالبين)الّذين يطلبون عزل وال، أو نصب وال، أو سد ثغر أو ما أشبه .

(ثمّ أخرج في كتيبة) أي جماعة قليلة من الجيش، من كتب بمعنى ويقال للكاتب كاتب لأنه يجمع الكلمات بعضها إلى بعض.

جمع (أتبع) كتيبة (أخرى) من العدوّ (أتقلقل) أي أتحرّك (تقلقل القدح) هو السّهم قبل أن يوضع له الرّيش (في الجفير) الكنانة التي توضع فيها السّهام (الفارغ) الذي لا سهم فيه ، فإنّ السّهم إذا كان بلا ،ريش ووضع في الفارغة، تقلقل وصوّت، وهذا تشبيه لحاله علیه السلام لذلك القدح الذي يكون وصفه غير لائق به.

(وإنّما أنا قطب الرحا) فإنّ الرّحى تدور على القطب (تدور علي وأنا بمكاني)

فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا ، واضْطَرَبَ ثِفَالُهَا. هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ الرَّأْيُ السُّوءُ. وَاللهِ لَوْلاَرَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُو - لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ - لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَشَمَالٌ ، إِنَّهُ لا غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ . لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِح الَّتِي لا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلا هَالِكٌ،


مقيم لا أن أخرج إلى هنا وهناك(فإذا فارقته) أي مكاني (استحار) أي تردد واضطرب.

(مدارها) أي مدار الرحى (واضطرب ثفالها) هو الشق الأسفل من حجري الرحى.

(هذا) الذي ذكرتم من خروجي (لعمر (الله) أي قسماً بالله (الرأي السوء) الذي لا يصلح المضي عليه ( والله لولا رجائي الشهادة عند لقائي العدوّ - لو قد حم لي لقاؤه) [حم] بمعنى قدر(لقربت ركابي) أي أحضرت إبلي التي هي للركوب (ثمّ شخصت عنكم) أي سافرت من بلدكم وتركتكم متخلّياً عنكم (فلا أطلبكم) للنّصرة أو ما أشبه (ما اختلف جنوب وشمال) - بمعنى إلى الأبد - والمراد بالاختلاف هبوب رياح الجهتين، يخلف إحداهما الأخرى (إنه لا غناء) ولا فائدة (في كثرة عددكم مع قلة اجتماع قلوبكم) فإنّ الاجتماع بالأبدان لا ينفع إذا تفرّقت القلوب.

(لقد حملتكم) أي أريتكم وحرضتكم (على الطريق الواضح التي لا يهلك عليها إلا هالك) أي غير الشخص الذي تمكّن الفساد عن طبعه فلا يهتدي أبداً .

مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَنْ زَلْ فَإِلَى النَّارِ !


(من استقام) في سلوك هذا الطريق (فإلى الجنة ومن زلّ) وعطب ولم يستقم(فإلى النّار) وهذا الكلام من الإمام علیه السلام بيان ، لأنه علیه السلام فعل ما ينبغي له فقد أتمّ الحجّة عليهم وأراهم طريق الرشاد، فإن لم يستقيموا كان ذلك من أنفسهم، بعد إتمام الحجة .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

في بيان بعض فضله ووعظ النّاس

تَاللهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالَاتِ، وَإِثْمَامَ الْعِدَاتِ ، وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ، وَعِنْدَنَا - أَهْلَ الْبَيْتِ - أَبْوَابُ الْحِكَمِ وَضِيَاءُ الأَمْرِ.


التوضيح:

(تالله) حلف بالله (لقد علمت تبليغ الرسالات) أي أعلم كيف يلزم أن يبلغ الخليفة، أن يبلغ رسالات ربه، ممّا أمّنه النّبي لديه .

(وإتمام العدات) جمع [عدة] بمعنى الوعد أي أعلم كيف يلزم أن يتم الخليفة ما وعده، بلا خلف ولا نقض.

(وتمام الكلمات) أي أعلم كيف يلزم أن يتم الخليفة كلامه الذي تكلّم به، وهذا يلح إلى التّعرّض بمن تصدّى للخلافة بدون أن يعلم ذلك، وأن يعمل به فلم يعرفوا كيف يبلغون رسالات الله بل كانوا يقولون لولا عليّ لهلك ،عمر كما لم يعرفوا كيف يتمون المواعيد، إذ كان وعدهم جهلاً ، فإذا وقعوا في مأزق خالفوا الوعد،كما لم يعرفواكيف يخرجون عن الكلام الذي تكلموا به،لترائي المحذور لديهم في وسط الكلام .

(وعندنا أهل البيت) منصوب على الاختصاص، أي أخص أهل بيت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم (أبواب الحكم) والحكمة وضع الشيء في موضعه (وضياء الأمر)

أَلَا وَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ، وَسُبُلَهُ قَاصِدَةٌ. مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَغَنِمَ، وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَنَدِمَ . اعْمَلُوا لِيَوْم تُذْخَرُ لَهُ الذّخَائِرُ ، وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ.وَمَنْ لايَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَرُ، وَغَائِبُهُ أَعْوَرُ .


فالأمور لدينا ظاهرة واضحة لا تخفى ولا تشتبه.

(ألا وإن شرائع الدين واحدة) لا تناقض فيها ولا تخالف، فما كان يفعله الخلفاء من التناقض في الأحكام فواحد ينصب خالداً وواحد يعزل، وواحد يرى الحد وآخر يرى خلافه - مثلاً - خلاف شريعة الإسلام . (وسيله قاصدة) أي مستقيمة متوسطة لا إفراط فيها ولا تفريط (من أخذ بها) أي بسبل الدين (لحق) الغاية (وغنم) المثوبة .

(ومن وقف عنها) بأن لم يسير في طريق الحق (ضل وندم) لما يلحقه من الإثم والعقاب .

(اعملوا ليوم) هو يوم القيامة (تذخر له الذخائر) فإنّ الإنسان يدخر الأعمال لذلك اليوم الذي هو أحوج أيامه .

(وتبلى) أي تظهر(فيه) أي في ذلك اليوم(السرائر) جمع سريرة، بمعنى ضمير الإنسان وسرّه، فإنّ الإنسان في الدنيا مخفي ضميره، وما كان يعمل وينوي، أما في ذلك اليوم فيظهر ضميره على الملأ .

(ومن لا ينفعه حاضر لبّه) أي عقله الحاضر لديه فعلاً (فعازبه) أي عازب لبه والعازب المنحاز الذي لا يدرك ( عنه) أي عن النفع (أعجز ) فإنّك إذا لم تستفد من عقلك الحاضر فهل تستفيد من عقل ليس لك؟

(وغائبه) أي غائب اللب، وهو الذي يترقب في المستقبل(أعوز) أيأشدّ

وَاتَّقُوا نَاراً حَرُهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ .

أَلاوَإِنَّ اللَّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورتُهُ مَنْ لا يَحْمَدُهُ.


عوزاً وعدماً في عدم الاستفادة منه وهذا لمن يؤخّر الأمر معتذراً بعدم إدراك عقله فعلاً، ولعلّه يدركه في المستقبل، والمعنى التحريض على العمل حالاً ، وعدم ترك العمل رجاء عقل يحصل، أو رجاء عقل مستقبل .

(واتقوا ناراً حرّها شديد) فلا تعصوا لتبتلوا بها (وقعرها بعيد) فإنَّ عمقها كثير (وحليتها) أي زينتها التي توضع في العنق واليد والرجل (حديد) أي الغل والقيود (وشرابها صديد) وهو شيء يشبه قيح الجرح، وفي الخبر يخرج من فروج الزناة .

(ألا) فتنبهوا (وأن اللسان الصالح يجعله الله تعالى للمرء في الناس) بأن يكون لسانهم حسناً بالنسبة إلى الشخص لأنه عمل الصالحات، فيحمده النّاس(خير له من المال يورثه من لا يحمده) وهذا تحريض على أن يعمل الإنسان صالحاً ويصرف أمواله في سبل الخير، فإنّه يوجب محمدة النّاس بخلاف ما لو ترك العمل واشتغل بجمع الأموال، فإنه يورثه الورثة، وغالباً لايحمد الوارث المورث، بل يصرف ماله بلا ذكر حسن منه له .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

بعد ليلة الهرير

هذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ!


التوضيح:

[وقد قام إليه رجل من أصحابه فقال : نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فما ندري أي الأمرين أرشد] فإنَّ معاوية لما رفع المصاحف، كفّ أصحاب الإمام عن الحرب ، ثمّ ألزموه أن يقبل اقتراح معاوية، بأن يكون من طرف الإمام حَكَم، ومن طرف معاوية حَكم، يجلسان لينظرا في أمر المسلمين ويحلا المشكلة ، لكنّ الإمام لم يقبل حتى أجبروه ورأى الإمام لو لم يقبل التحقوا بمعاوية-كما فعلوا من بعد بالإمام الحسن علیه السلام - فقبل الإمام ، ثم عيّن الإمام الحكم لكنّهم لم يقبلوا حكم الإمام- وهو ابن عبّاس- بل انتخبوا أبا موسى الأشعري، وأجبروا الإمام على القبول، وجلس الحكمان وخدع ابن العاص أبا موسى، ولما رأوا فشل الحكمين، جاء المغفلون من أصحاب الإمام ليلقوا تبعة التحكيم على الإمام، قائلين:كيف نهيتنا أولاً عن التحكيم، ثمّ أمرتنا به؟ فإنَّ كان النهي صحيحاً فلماذا أمرت بعد ذلك؟ وإن كان الأمر صحيحاً فلماذا نهيتنا أوّلاً؟ فصفق علیه السلام لإحدى يديه على الأخرى ثم قال :

(هذا) أي فشلكم أنتم المغفّلون، الذين انطلت عليكم حيل معاوية جزاء من ترك العقدة أي ما حصل عليه التعاقد، فقد تعاقد الإمام وأصحابه

أَمَا وَاللهِ لَوْ أَنّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْراً ، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوْمْتُكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ الْوُثْقَى وَلَكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ؟ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِي بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي،


على حرب معاوية، لكنهم تركوا الحرب عند حيلة ابن العاص برفع المصاحف.

(أما والله لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به) من الاستمرار في الحرب وعدم تركها لحيلة ابن العاص .

(حملتكم على المكروه) أي نفذت أمري بكل شدة وصلابة وإن كرهتم ذلك (الذي يجعل الله فيه خيراً) فإنّ تنفيذ الإمام لرأيه - ولو بكره من أصحابه - مما جعل الله فيه الخير لإصابة رأي الإمام علیه السلام الهدف.

(فإن استقمتم هديتكم) هذه الجملة والجملتان بعدها لبيان كيفية تنفيذ الإمام لرأيه والمعنى إن كنتم مطيعين بيّنت لكم طريق الصواب.

(وإن اعوججتم) بأن أردتم العصيان (قومتكم) بالقوة والعقاب (وإن أبيتم) التقويم(تداركتكم) بقتل العصاة وإخراجهم من زمرة الجيش (لكانت الوثقى) هذا جواب [لو] أي لو أني نفذت رأيي بكل صورة، لكانت الطريقة الوثقى - مؤنّث أوثق - وذلك لنجاح هذه الطريقة وكفالتها لانتصار الإمام على الأعداء.

(ولكن بمن) أقوم العصاة ؟ ( وإلى من) أرجع في مساعدتی عليكم؟ (أريد أن أداوي بكم) داء التفرق وعدم الإطاعة (وأنتم دائي) فمنكم التفرق وعدم الإطاعة .

كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا اللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ ، وَكَلَّتِ النَّزْعَةُ بِأَشْطَانِ الرَّكِي أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْقُرْآنِ فَقَبلُوهُ، وَقَرَأوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيجُوا إِلَى الْقِتَالِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللْقَاحِ إِلَى أَوْلادِهَا ،


(کناقش الشوكة بالشوكة) أي كمن يريد إخراج الشوكة بالشوكة، فإنّها تألم جسمه أكثر .

(وهو يعلم أن ضلعها معها) الضلع الميل، أي أن الإنسان يعلم أن ميل الشوكة إلى جنسها، لا إلى جسد الإنسان، فربما انكسرت الشوكة في الجسم وصارت مع الشوكة السابقة أوجبت الألم أكثر، وهذا بيان لحال أصحابه بأن ميل المطيعين أيضاً مع العاصين فكيف يعالج ببعضهم بعضاً، ولا يخفى أن السواد دائماً هكذا وإن كان الخواص على خلاف ذلك.

(اللَّهم قد ملت أطباء هذا الداء الدّوي) وصف للداء للمبالغة، مثل ليلة ليلاء، ومعنى ملالة الأطباء يأسهم عن العلاج.

(وكلّت) أي تعبت وعجزت (النزعة) جمع نازع وهو الذي ينزع الماء من البئر (بأشطان) جمع شطن وهو الحبل (الركي) جمع ركية وهي البئر أي أنّ من يريد نزع الماء من هذه البئر بواسطة الحبل قد كلَّ، وذلك كناية عمّن يريد نزع الهدى من قلوب الناس وجريه على جوارحهم.

(أين القوم الذين دعوا إلى القرآن) دعاهم الرسول إلى العمل بالقرآن (فقبلوه) وعملوا به وقرءوا القرآن فأحكموه أي أحكموا قراءته وإحكامه [العلم به] (وهيجوا إلى القتال) أي هاجهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، بمعنى أثارهم (فولهوا) أي تحرّكوا نحوها تحرّك الشخص الواله الذي يعشق الشيء (وله اللقاح إلى أولادها) أي مثل وله اللقاح جمع لقوح وهي الناقة

وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا ، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الأَرْضِ زَحْفَاً زَحْفاً ، وَصَفَاً صَفاً . بَعْضُ هَلَكَ ، وَبَعْضُ نَجَا . لا يُبَشِّرُونَ بِالأَحْيَاءِ، وَلا يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى . مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ، ذُبُلُ الشِّفَاءِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الأَلْوَانِ مِنَ السَّهَر عَلَى وَجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ.


(وسلبوا السيوف أغمادها) بمعنى جروها عن الغمد للجهاد.

(وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً) أي سيراً سيراً (وصفاً وصفاً) فهنا صف من المجاهدين وهناك صف، حتى استولوا على أطراف الأرض وجوانبها (بعض هلك) في الحرب بأن قتل (وبعض نجا) رجع سالماً غانماً (لا يبشرون بالأحياء) أي إذا قيل لأولئك المجاهدين أن فلاناً بقي حيّاً ولم يقتل في المعركة لا يفرحون بحياته، لأنهم لا يرون في الموت حزناً وهماً، إذ يعلمون أن القتل في سبيل الله شرف ومثوبة (ولا يعزّون عن الموتى) أي إذا مات قريب أحدهم في الجهاد، لا يعزيه أصحابه بموت قريبه لأنهم لا يرون الموت في سبيل الله فجيعة تستحق أن يعزى قريب الميت بسبب موت قريبه .

(مره العيون من البكاء) من خوف الله سبحانه جمع أمره وهو من فسد عينه (خمص البطون من الصيام) جمع أخمص بمعنى الضامر الهزيل (ذبل الشفاه) ذبل جمع ذابل بمعنى اليابس وشفاه جمع شفة (من الدعاء) فإنّ المكثر من الدعاء والكلام بيبس فمه، لتبخر الماء بالحرارة الحاصلة من الحركة .

(صفر الألوان من الشهر) أي سهر الليل بالصلاة والقرآن والدعاء جمع أصفر.

(على وجوههم غيرة الخاشعين) فإنّ الإنسان الخاشع ينكسر وجهه

أُولئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ. فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأُ إِلَيْهِمْ، وَنَعَضُّ الأَيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ. إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً، وَيُعْطِيكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ ، فَاصْدِقُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ، وَاقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ وَاعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ .


خشوعاً، أو المراد الغبار الحاصل من السجود على الأرض (أولئك) الذين وصفتهم بتلك الأوصاف (إخواني الذاهبون) إلى الحياة الأخرى.

(فحق لنا أن نظمأ إليهم) كما يظمأ الإنسان ويتطلب الماء (ونعض الأيدي) أسفاً (على فراقهم) فإنّ الإنسان المتأسف يعض على أصابعه ليخفف من همه.

(إن الشيطان يسني لكم طرقه) سنّاه بمعنى سهله (ويريد أن يحل دينكم عقدة عقدة) كما تحل عقد الخيط والمراد تركهم لشريعة من شرائع الإسلام.

( ويعطيكم ب) عرض (الجماعة) والاجتماع (الفرقة) والتفرق (فاصدفوا) أي أعرضوا (عن نزغاته) جمع نزعة، بمعنى الحث (ونفثاته) كأنه ينفث أي ينفخ في قلب الإنسان ويحثه على العصيان.

(واقبلوا النصيحة ممّن أهداها إليكم) يؤيد نفسه الكريمة علیه السلام فإنه كان يهدي النصيحة إليهم .

( واعقلوها) أي احبسوا النصيحة (على أنفسكم) بمعنى ملازمة النفس لها، وعدم تركها تذهب أدراج الإهمال .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

قاله للخوارج، وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة، فقال علیه السلام :

أَكُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّين؟ فَقَالُوا : مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ .

قَالَ : فَامْتَازُوا فِرقَتَيْنِ، فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً ، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً ، حَتَّى أُكَلِّمَ كُلَا بِكَلامِهِ . وَنَادَى النَّاسَ ،


التوضيح:

(أكلكم) أيها المنكرون للحكومة (شهد معنا صفين) أي حضر في تلك الواقعة التي صارت سبباً لظهور الخوارج أثر قصة التحكيم ؟ .

(فقالوا منا من شهد ومنا من لم يشهد) لأنه التحق بخوارج صفين جماعة أخرى من أثر دعاية الخوارج .

(قال): (فامتازوا فرقتين) أي جماعتين (فليكن من شهد صفّين فرقة ومن لم يشهدها فرقة حتى أكلم كلاً بكلامه) فإنّ الإنسان الحاضر في محل ليس كالغائب .

(ونادى الناس) أي أخذوا يتكلّمون ويصيحون - كما هي العادة في مثل هذه المواقف .

فَقَالَ : أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلَامِ، وَأَنْصِتُوا لِقَوْلِي، وَأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيْ، فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا . ثُمَّ كَلَّمَهُمْ عَلَيْهِ السَّلامِ بِكَلامِ طَوِيلٍ .

منه : أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَغِيلَةً، وَمَكْراً وَخَدِيعَةً : إِخْوَانُنَا وَأَهْلُ دَعْوَتِنَا اسْتَقَالُونَا وَاسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ،فَالرَّأْيُّ الْقَبُولُ مِنْهُمْ وَالتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ؟ فَقُلْتُ لَكُمْ : هذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إيمَانٌ ، وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ،


(فقال أمسكوا عن الكلام) أي اسكتوا (وأنصتوا لقولي) أي استمعوا (وأقبلوا بأفئدتكم) جمع فؤاد بمعنى القلب (إلي فمن نشدناه شهادة) أي طلبنا منه أن يشهد (فليقل بعلمه فيها ) أي في تلك الشهادة (ثم كلّمهم علیه السلام بكلام طويل).

[منه] (ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف) زاعمين أنهم يدعون إلى حكم القرآن في حال كون رفعهم كان (حيلة وغيلة) أي اغتيالاً بمعنى أخذ الطرف بالمكروه فجأة وبدون سابق علم .

(ومكراً) أي احتيالاً للفرار من الحرب (وخديعة) أي غشاً لأصحاب الإمام علیه السلام : (إخواننا) متعلق ب[تقولوا] (وأهل دعوتنا) أي أن أهل الشام إخوان لنا في الدين وأهل دعوة الإسلام - مثلنا - (استقالونا) أي طلبوا منا أن نقيلهم ونترك الحرب معهم (واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه) أي طلبوا الراحة إلى الكتاب ليريحهم الكتاب تعب الاختلاف والانشقاق (فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم) يقال نفّس عنه إذا رفع همّه وغمّه .

(فقلت لكم: هذا) الذي يطلبون (أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان) لأنهم يريدون بذلك وقف القتال ليستعيدوا نشاطهم ويبدؤوا به من جدید قاصدین استمرار تعديهم .

وَأَوَّلُهُ رَحْمَةً، وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ. فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ، وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ ، وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بِنَوَاجِدْكُمْ، وَلا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقِ نَعَقَ : إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ ، وَإِنْ تُرِكَ ذَلَّ . وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ، وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا .

وَاللهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا ،


(وأوله رحمة) لأنه توقيف للقتال واستراحة (وآخره ندامة) حيث تندمون بترككم لهم وقد أشرفتم على الانتصار (فأقيموا على شأنكم) أي المحاربة (والزموا طريقتكم) في عدم إنهاء القتال .

(وعضوا على الجهاد بنواجذكم) هي الطواحن فإذا عزّ الإنسان عليها قويت أعصاب رأسه، ويكون أكثر استعداد للحرب لازدياد الحرارة في الرأس ، الدافعة نحو الإقدام.

(ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق) أي صائح صاح، والمراد به ابن العاص الذي دعا إلى ترك المحاربة وتحكيم القرآن (إن أجيب) ذلك الناعق إلى ما دعا (أضلّ) أتباعه (وإن ترك ذلّ) لانهزام معسكره وبطلان أمره.

(وقد كانت هذه الفعلة) أي صارت هذه الهيئة من الفعل فإنَّ [فعلة] بالفتح بمعنى الهيئة (وقد رأيتكم أعطيتموها) أي أنتم الذين أعطيتم هذه الصورة للواقعة بعصيانكم أمري في استمرار القتال والتحاكم إلى كتاب الله - الذي رفعه ابن العاص حيلة ومكراً ..

ثم بين الإمام أنه سواء قبل إنهاء الحرب والاحتكام إلى الكتاب أو لم يقبل كان على حق ، لأن الكتاب في الحالين معه.

(والله لئن أبيتها ) أي هذه الفعلة - يعني إنهاء الحرب - (ما وجبت علي فريضتها)

وَلا حَمَّلَنِي اللهُ ذَنْبَهَا وَوَاللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُ الَّذِي يُتَّبَعُ، وَإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي، مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ : فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلی الله علیه و آله وسلم ، وَإِنْ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ وَالإِخْوَانِ وَالْقَرَابَاتِ .

فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةِ إلا إيمَاناً ،


أي لم يكن واجب عليّ إنهاء الحرب وفريضتها يعني ثبوت الفعلة - وقد أريد بالفعلة إنهاء الحرب-.

(ولا حملني الله ذنبها) أي لم يكن عليّ ذنب في إباء إنهاء الحرب، إذ كان إباء الإمام لمصلحة المسلمين والإسلام.

(وواله إن جئتها) أي الفعلة بمعنى إنهاء الحرب، أي قبلت الإنهاء وتركت الحرب باختياري .

(إني للمحق الذي يتبع) فكانت دعوة ابن العاص في إتباع الكتاب لا تضرني إذ الكتاب يعيني خلفاً وقائداً (وإن الكتاب لمعي ما فارقته مذ صحبته) أي لم أخالف أحكامه من يوم أسلمت- حسب الظاهر - فلم أكن أخشى أن أتحاكم إلى الكتاب وإنّما كان إبائي لأني أعلم بمكيدة القوم .

( فلقد كنا مع رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم) نتبع الكتاب حيث الوقت حرج والأزمة شديدة - فكيف نفارق الكتاب في هذا الظرف وليس الأمر بذلك التحرج .

(وإنّ القتل ليدور على الآباء والأبناء) بمعنى أنّ المسلم كان يقتل أباه الكافر وابنه الكافر.

(والإخوان والقرابات) فلم نفرّ من الميدان ولم نخالف الكتاب انسياقاً مع العواطف .

(فما نزداد على كل مصيبة وشدّة إلا إيماناً) فإنّ الإنسان كلما ضحى

وَمُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ، وَتَسْلِيماً لِلأَمْرِ ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِرَاحَ، وَلَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الإِسْلامِ لِمَا دَخَلَ فِيهِ مِن الزّيغ وَالاعْوِجَاج، وَالشَّبْهَةِ وَالتَّأْوِيل .

فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَكُمُ اللهُ بِهِ شَعَثَنَا، وَنَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا ، رَغِبْنَا فِيهَا


بشيء غال لديه في سبيل هدف خاص يزداد تعلقه بذلك الهدف .

(ومضياً على الحق) نمضي في سبيل الحق بلا رجوع أو ارتداد (وتسليماً للأمر) الذي أمرنا الله سبحانه من أقسام الفرائض (وصبراً على مضض الجراح) جمع جرح ومضضها ألمها .

( ولكنّا) اليوم ليس الأمر بتلك الصعوبة (إنّما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام) وهو أهون على النفس من قتال الآباء والأبناء (لما دخل فيه) أي في إسلام هؤلاء الإخوان (من الزّيغ والاعوجاج) حيث خلفوا طاعة ولي الأمر وانضووا تحت لواء الباطل.

(والشبهة والتأويل) حيث يشبهون الباطل بالحق ويُأولون الحق بغير معناه والحاصل أنا على منهاج واحد فقد كنا نقاتل في أول الإسلام لإرساء دعائم الإسلام، ونقاتل الآن لتقويم ما اعوج من أمره، والهدف في كلا الأمرين واحد .

(فإذا طمعنا في خصلة) أي في أمر (يلم الله به شعثنا) أي يجمع تفرقنا، وذلك بدخول هؤلاء في الطاعة ونبذهم العناد والعصيان .

(ونتدانی بها) أي نقترب بسبب تلك الخصلة بعضنا من بعض (إلى البقية فيما بيننا) أي إلى بقيّة الإسلام التي يتمسك الطرفان بها (رغبنا فيها) أي في

وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا .


تلك الخصلة ( وأمسكنا عما سواها) من الاختلافات التي لا تعود إلى جوهر الإسلام وتقدير الكلام فإذا طمعنا في لمّ الشعث، حاربنا رغبة في الاجتماع، وقد تحصل أن الإمام علیه السلام احتج عليهم بأمرين :

الأول : أنّهم هم الذين طلبوا الحكومة فلم يكن ذلك من الإمام علیه السلام .

الثاني : أنّ الإمام سواء حارب أو أنهى المحاربة فهو على حق، فإنَّ محاربة الإمام كانت للإسلام فلا مأخذ عليه وتركه كان للرّجوع إلى حكم القرآن، والقرآن يعينه دون عدوه.

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

قاله لأصحابه في ساحة الحرب بصفين

وَأَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسٌ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأْشِ عِنْدَ اللقَاءِ، وَرَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً فَلْيَذُبْ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فُضْلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُبْ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ. إنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثُ لا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ ، وَلا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ .


التوضيح:

(قاله لأصحابه في ساحة الحرب) بصفّين وفيه تعليمهم لكيفية المحاربة.

(وأي امرئ منكم) معاشر أصحابي (أحسّ من نفسه رباطة جأش) أي قوة القلب(عند اللقاء) أي لقاء العدو (ورأى من أحد من إخوانه فشلاً) وضعفاً(فليذب عن أخيه) فليدافع عنه (بفضل نجدته) أي شجاعته (التي فضل بها عليه) أي فضل بتلك الشجاعة على أخيه (كما يذب عن نفسه) وهذا بالنتيجة عائد إلى نفسه لأن نصرة الإنسان تتوقف على نصرة أقرانه جميعاً .

(فلو شاء الله لجعله مثله) في ضعف القلب والفشل، فإذا تفضّل الله عليه بالشجاعة فليشكر ربه في بذلها لصديقه الفاشل الضعيف.

(إنّ الموت طالب حثيث) أي يطلب النّاس بشدّة (لا يفوته المقيم) في محله (ولا يعجزه الهارب) الذي يهرب من الموت وهذا الكلام من الإمام

إنْ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ !

وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ، لألْفُ ضَرْبَةِ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاش .

ومنه : وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُونَ كَثِيشَ الضبَابِ : لا تَأْخُذُونَ حَقَّاً، وَلا تَمْنَعُونَ ضَيْماً . قَدْ خُلّيتُمْ وَالطَّرِيقَ


دفع، لأن يقول القوي إنّي أخاف إن نصرت آخر أن أقتل دونه .

(إنّ أكرم الموت القتل) لأنّ الإنسان لا بد أن يموت، فإذا قتل في سبيل الله أدرك الثواب وإذا مات لم يدرك ،ثواباً والأمر كائن لا محالة، فلماذا لا يدرك الإنسان ما فيه فضل.

(والذي نفس ابن أبي طالب بيده) هذا حلف بالله سبحانه، مع إشتماله على التهديد - إن كان المطلب على خلاف الواقع-.

(لألف ضربة بالسيف) في سبيل الله (أهون علي من ميتة على الفراش) ومعنى الهوان كونه محبوباً لدي، لما أعلم من الثّواب فيه .

و(منه) أي بعض هذا الكلام (وكأني أنظر إليكم) معاشر المحاربين في ركابي (تكشون كشيش الضباب) جمع ضب وهو حيوان معروف، فإنّها إذا ازدحمت سمع لجلودها صوت خاص يسمى بالكشيش، والمراد حكاية حال أصحابه عند الهزيمة من جيش الأعداء، ولعل ذلك بعد قتله علیه السلام وسيطرة معاوية على البلاد.

(لا تأخذون حقاً ولا تمنعون ضيماً) أي ظلماً (قد خليتم والطريق) أي

فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ، وَالْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوْمِ .

ومنه: فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ، وَأَخْرُوا الْحَاسِرَ، وَعَضُّوا عَلَى الأضرَاسِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلأَسِنَةِ،


خلى لكم الطريق، فإنّ القوم يسيرون في طريق الدّنيا، أما طريق الآخرة فقد خلى لكم .

(فالنّجاة للمقتحم) أي للذي يسلك طريق الآخرة، وإنّما سمّاه اقتحاماً لما في طريق الآخرة من الشدائد (والهلكة) أي العقاب والعذاب (للمتلوم) أي للمتباطئ والمتوقف، وهو الذي لايسلك طريق الآخرة .

(ومنه) : في حتّهم على القتال (فقدموا الدارع) أي ليكن الذي لبس الدرع في مقدمة الصفوف لعدم تأذيه بنبال القوم ورماحهم (وأخروا الحاسر) الذي لا درع له (وعضوا على الأضراس) أي اضغطوا بعضها على بعض (فإنّه) أي العض (أنبى للسيوف عن الهام) من نبا السيف إذا رفعته الصلابة من موقعه فلم يقطعه، فإنّ الإنسان إذا عض على نواجذه تصلبت أعصاب رأسه وجلدته، فيكون أقوى في الصلابة ويقل تأثير السيف على رأسه حينئذ. وهام، جمع هامة بمعنى الرأس .

(والتووا في أطراف الرماح) أي إذا جاءكم طرف رمح الأعداء، فأميلوا ذلك الجانب ،وأعطفوه، حتى لا يصل إليكم الرمح .

(فإنّه) أي الالتواء (أمور للأسنة) أسنة ، جمع سنان، وهو الرمح وهو الرمح، ومعنى أمور أشدّ فعلاً للمور، أي الاضطراب، فإنّ الإنسان إذا التوى، اضطرب

وَغُضُّوا الأبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَاشِ، وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وَأَمِيتُوا الأصْوَاتَ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ. وَرَايَتَكُمْ فَلا تُمِيلُوهَا وَلا تُخِلُوهَا، وَلا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، وَالْمَانِعِينَ الدِّمَارَ مِنْكُمْ، فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمُ الَّذِينَ يَحُقُونَ بِرَايَاتِهِمْ ،


جانبه المقصود بالرمح فلم يتمكن الرمح من النفوذ فيه، بل انزلق عنه (وغضوا الأبصار) والظاهر أنّ المراد بالغض تضييق الجفون ليرى قليلاً، لا الغمض.

(فإنّه) أي الغض (أربط للجأش) أي أكثر تقوية للقلب (وأسكن للقلوب) فإنّ الإنسان إذا نظر إلى الأعداد هاله كثرتهم واضطرب قلبه وخاف أما إذا غض بصره لم يرَ إلا ما أمامه وذلك شيء قليل فيقوى قلبه في المحاربة.

(وأميتوا الأصوات) أي لا تتكلموا (فإنّه أطرد للفشل) فإنّ المتكلم يذهب بعض قواه فيكون أقرب إلى الفشل، أما الساكت فقواه متجمعة في باطنه مندفعة نحو عمله فيكون أطرد للفشل .

(ورايتكم) أي لواءكم (فلا تميلوها) فإنّ ميل الراية موجب لريبة البعيد فيظنّ أنّها مشرفة على السقوط (ولا تخلوها) أي لا تفعلوا بها ما خللاً، لأن الراية علامة البقاء والاستمرار في الجهاد.

(ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم) الذمار ما يلزم على الإنسان حفظه من عرض أو مال أو ما أشبه أي الأشخاص الذين لهم الأعداء فإنّهم أكثر إيثاراً للنفس في سبيل التحفظ على نفسية منع الذمار عن كيانهم، فلا يتخلون عن اللواء بمجرد خوف أو تعب.

(فإنّ الصّابرين على نزول الحقائق) أي الذين يصبرون إذا نزلت بهم نازلة (هم الذين يحفون براياتهم) أي يكتنفون بها ويحيطون حولها لئلا تسقط

وَيَكْتَنِفُونَ حفَافَيْهَا، وَرَاءَهَا، وَأَمَامَهَا ، وَلا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا، وَلا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا . أَجْزَأَ امْرُؤٌ قِرْنَهُ، وَآسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْتُهُ وَقِرْنُ أَخِيهِ ، وَايْمُ اللهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ، لا تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الآخِرَةِ،


فيفشلوا ويلاموا .

(ويكتنفون حفافيها) أي جوانبها أي يدورون في جوانبها تحفّظاً لها عن الأعداء.

(وراءها وأمامها) تفسير لحفافيها (ولا يتأخرون عنها فيسلموها) بيد الأعداء (ولا يتقدمون عليها) بأن يجعلونها وراء ظهرهم (فيُفردوها) فإنّ إفراد الراية محل خطر السقوط الذي فيه انهزام الجيش .

(أجزأ امرؤ قرنه) فعل ماضي بمعنى الأمر، وأجزأ بمعنى يكفي أي الأعداء (وآسى أخاه بنفسه) أي من ليواسي أخاه بنفسه، بأن يقدم له ما يتمكن من العون .

(ولم يكل قرنه إلى أخيه) بأن يفر هو من مقابلة قوة من الأعداء، حتى يذهب القرن إلى صديقه فيجتمع عليه أي على ذلك الصديق (قرنه وقرن أخيه) فإنّ الكافر إذا لم يجد المسلم الذي كان يقاتله لوى عنانه إلى مسلم آخر، فيجتمع على ذلك المسلم كافران.

(وأيم الله) حلف بالله سبحانه (لئن فررتم من سيف العاجلة) أي سيف الدنيا، الذي بأيدي أعدائكم فراراً من خوف الموت .

(لا تسلموا من سيف الآخرة) أي عذاب الله سبحانه المهيّأ لمن فرّ عن

وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ ، وَالسَّنَامُ الأعْظَمُ .

إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللهِ، وَالذُّلَّ اللازِمَ، وَالْعَارَ الْبَاقِيَ. وَإِنَّ الْفَار لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ، وَلا مَحْجُورٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ . الرَّائِحُ إِلَى اللَّهِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الْمَاءَ الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي !


الزحف (وأنتم لهاميم العرب) جمع لهميم، وهو السابق من الإنسان أو الخيل، أي السابقون إلى كل خير فإن الكوفة كانت معروفة بالبسالة والشجاعة .

( والسّنام الأعظم) السّنام ما على ظهر البعير من الارتفاع يمثل به المترفع (إنّ) في الفرار موجدة (الله أي غضبه (والذل اللازم) فإنّ الإنسان الذي ينتصر عدوّه عليه يلزمه الذل (والعار الباقي) حتى بعد موته، حيث يذكر فيعير.

(وإنّ الفاز لغير مزيد في عمره) فإنّ العمر لا يطول بالفرار، كما لا يقصر بالوقوف (ولا) محجوز بينه وبين يومه المقدّر فيه موته، أي لا يتمكن من أن يحجز ويمنع عن الموت إذا جاء وقته .

(الرّائح إلى الله) المراد الميت الذي له عمل صالح - كالمستشهد في سبيل الله - (كالظمآن يردّ الماء) فكما يفرح ويروي الماء غلته كذلك يفرح الميت في سبيله سبحانه ويتنعم بمختلف أنواع النعيم .

( الجنّة تحت أطراف العوالي) جمع عالية بمعنى الرمح، والمعنى أن الجنّة إنما تتحصل من الاستشهاد تحت ظلال الرماح، أو مطلق الجهاد وإن لم يستشهد الإنسان.

الْيَومَ تُبْلَى الأَخْبَارُ وَاللهِ لأنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ . اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقِّ فَاغْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ، وَشَنّتْ كَلِمَتَهُمْ، وَأَبْسِلْهُمْ بِخَطَايَاهُمْ إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنِ دِرَاكِ : يَخْرُجُ مِنْهُم النَّسِيمُ، وَضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ، وَيُطِيحُ الْعِظَامَ، وَيُنْدِرُ السَّوَاعِدَ وَالأَقْدَامَ ،


(اليوم) تبلى الأخبار) أي تظهر أخبار كلّ إنسان مما كان يظهر أنه شجاع أو ثابت أو ما شاكل ذلك، فإنّ الحرب مختبر الرجال .

(والله لأنا أشوق إلى لقائهم) أي لقاء الأعداء، لنيل ثواب الجهاد (منهم إلى ديارهم) فإنّ الشّوق إلى الديار أقل من شوق المؤمن إلى الجنة.

(اللهم فإنَّ ردّوا الحق) ولم يقبلوه (فافضض جماعتهم) أي فرقهم ((وشتت كلمتهم) أي اجعل كلام الواحد يخالف كلام الآخر، حتى يقع التنافر بينهم من جراء اختلافهم .

( وأبسلهم) أي أسلمهم للهلاك (بخطاياهم) أي بذنوبهم، والمعنى عجّل العقوبة عليهم بما أذنبوا ولا تؤخر هلاكهم (إنّهم) أي الأعداء (لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك) أي متدارك متتابع ( يخرج منهم) أي من مواضع ذلك الطعن (النّسيم) أي الهواء والمعنى أنهم مستميتون، فاللازم أن يتخذ أصحابنا أُهبتهم للقائهم .

(و) دون (ضرب يفلق) أي يكسر (الهام) أي الرأس (ويطيح العظام) فإنّ الضرب إذا كان شديداً تطايرت منه صغار العظام، فتسقط على الأرض.

( ويندر) أي يخرج (السواعد) جمع ساعد من اليد (والأقدام) أي يخرجها عن مراكزها.

وَحَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ ، وَيُرْجَمُوا بِالْكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْحَلائِبُ، وَحَتَّى يُجَرُ بِبِلادِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ، وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُبُولُ فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ ، وَبِأَعْنَانِ مَسَارِبِهِمْ وَمَسَارِحِهِمْ .

قال السيد الشريف أقُولُ: الدّعْقُ الدّقُ أَي تَدقُ الخُيُولُ بِحَوَافِرهَا أَرْضَهُمْ . وَنَوَاحِرُ أَرْضِهِمْ : مُتَقَابِلاتُهَا. يُقَالُ : مَنَازِلُ بَنِي فُلانٍ تَتَنَاحَرُ، أَيْ تَتَقَابَلُ.


( وحتى يرموا بالمناسر) جمع منسر، وهي القطعة من الجيش (تتبعها المناسر) أي بتوالي قطعات الجيش بعضها أثر بعض .

( ويرجموا بالكتائب) جمع كتيبة بمعنى الجيش، أو قسم خاص منه (تقفوها) أي تتبعها (الحلائب) جمع حلبة، وهي الجماعة من الخيل تجتمع للنصرة .

(وحتى يجر ببلادهم الخميس) أي يذهب إلى بلادهم الجيش، وسمّى الجيش خميساً لاشتماله على الأيمن والأيسر والمقدم والخلف والقلب.

(يتلوه الخميس) أي جيش وراء جيش ( وحتى تدعق) يقال دعق الطريق إذا وطئه وطئاً شديداً (الخيول في نواحر أرضهم) أي أقاصي أرضهم تشبيهاً بالنّحر الذي هو آخر الجسد، أو المراد المواضع المهمة، كما أن النحر موضع مهم إذا خنق مات الإنسان .

(وبأعنان مساربهم ومسارحهم) أعنان الشيء أطرافه والمسارب جمع مسرب بمعنى المذهب والمسارح جمع ، مسرح، بمعنی محل سرح الماشية وقد كان الإمام علیه السلام يعلم مقدار استعداد الأعداء ولذا حرض أصحابه بمثل هذه التحريضات البالغة وهى دستور لكل من يريد الظفر على أعداء مجهّزين .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

في التحكيم

إِنَّا لَمْ نُحَكِّم الرِّجَالَ ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا الْقُرْآنَ . وَهذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطِّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفْتَين، لا يَنْطِقُ بِلِسَانِ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانِ . وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ .


التوضيح:

(إنا لم نحكّم الرّجال) كأن الإمام علیه السلام يريد بذلك أن ينقض كلام الخوارج الذين قالوا قد حكمت الرّجال في دين الله .

وإِنَّما حكمنا القرآن) بأن ينظرا فيه فيحكما على طبق أمره (وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين (الدفتين) هما الصفحتان من جلد تحويان على أوراق المصحف الشريف.

(لا ينطق بلسان) إذ لا لسان له (ولا بد له من ترجمان) يترجم ويبين المراد منه (وإنّما ينطق عنه الرّجال) العارفون المعناه، وهذا نقض لكلام الخوارج حيث قالوا لا حاجة إلى التحكيم بعد وجود كتاب الله سبحانه، فإنّ الإمام علیه السلام يذكر أن القرآن صامت فلا بد له من رجال يعرفون معناه ليبينوا ما فيه من الأحكام.

وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ، لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلّي عَنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) (1)فَرَدَّهُ إِلَى اللهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ، وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ ، فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله ، فَنَحْنُ أَوْلاهُمْ بِهِ


(ولما دعانا القوم) أي أصحاب معاوية (إلى أن نحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولّي) أي المعرض (عن كتاب الله تعالى) .

( وقد قال الله سبحانه : فإنَّ تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) فإنّ الإمام إنّما أعرض عن التحكيم لأنه كان يعلم أنه مكيدة، ولم يكن إعراضه عن الكتاب.

(فرده إلى الله) في قوله سبحانه : [ ردّوه إلى الله] (أن نحكم بكتابه) فيما يوجد في الكتاب من الأحكام.

(وردّه إلى الرّسول) في قوله سبحانه: [والرّسول] (أن نأخذ بسنّته) في ما لم يوجد في الكتاب فإذا حكم بالصدق بأن لم يكن القصد المكيدة (في كتاب الله بأن بين المراد من الكتاب كتطبيق آية : [ وأولى الأمر منكم] على الإمام .

(فنحن أحق الناس به) أي بالحكم، أو بالكتاب (وإن حكم بسنة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم كقوله صلی الله علیه و آله وسلم : عليّ مع الحق والحق مع عليّ.

(فنحن أولاهم) أي أولى الناس، أو أولى من معاوية وأصحابه (به) أي بحكم السنة .


1) سورة النساء : 59 .

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَجَلَا فِي التَّحْكِيم؟


(وأما قولكم) أي الخوارج (لم جعلت بينك وبينهم أجلاً في التحكيم)؟

فإنّ الإمام علیه السلام لجعل مدة الحكم سنة، حتّى ينظر الطرفان في تلك المدة ويحكما بما يوافق الكتاب، وقد كان الخوارج يوجهون النقد إلى الإمام في ضرب هذه المدّة وحجتهم في النقد أن معاوية يتقوى في مدة المهلة ويستعيد نشاطه للمحاربة من جديد، لكن كلام الخوارج كان فاسداً، فإن المدة كانت لا بد منها كما ضرب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم مذة في قصة الحديبية، وذلك لأن أمر الثورات ليس كقضاء عادي بين نفرين يفصل في يوم أو ساعة، وإنما يحتاج إلى مدة من الأمر، لتهيئة الظروف للتفاهم، وتقريب وجهات الأنظار.

ولا بأس ببيان صورة الكتاب : [بسم الله الرحمان الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى عليّ بن أبي طالب على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين، و قاضى معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن من شيعته من المؤمنين والمسلمين إنّما ننزل عند حكم الله تعالى وكتابه ولا يجمع بيننا إلا إياه وأنّ كتاب الله سبحانه بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيى القرآن ونميت ما أمات القرآن، فإنّ وجد الحكمان ذلك في كتاب الله اتبعاه، وإن لم يجداه أخذا بالسنّة العادلة غير المفرقة والحكمان عبد الله وعمرو بن العاص، وقد أخذ الحكمان من عليّ ومعاوية ومن الجندين أنهما آمنان على أنفسهما وأموالهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار وعلى الذين يقضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين عهد الله أن يعمل بما يقضيان عليه فيما وافق الكتاب والسنّة وأن الأمن والموادعة ووضع السلاح متفق عليه بين الطائفتين إلى أن يقع الحكم ، وعلى كل واحد من الحكمين عهد الله ليحكمن الأمة بالحق، لا بما يهوى وأجل الموادعة سنة كاملة، فإنَّ أحبّ الحكمان

فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ، وَيَتَثَبِّتَ الْعَالِمُ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلا تُؤْخَذُ بِأَكْظَامِهَا، فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيْنِ الْحَقِّ ، وَتَنْقَادَ لأَوَّلِ الْغَيْ . إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ - وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ -


أن يعجلا الحكم عجلاه ، وإن توفى أحدهما فلأمير شيعته أن يختار مكانه رجلاً لا يألو الحق والعدل وإن توفّى أحد الأميرين كان نصب غيره إلى أصحابه ممّن يرتضون أمره ويحمدون طريقته ، اللهم إنّما نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيها إلحاداً أو ظلماً] .

وشهد في الصحيفة من أصحاب علي علیه السلام عشرة ومن أصحاب معاوية عشرة .

(فإنّما فعلت ذلك ليتبين الجاهل) أي يفهم الأمر (ويتثبت العالم) في رأيه ليتخلّص من الشبهات ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة) أي مدة الكف القتال (أمر هذه الأمة) بما لا يكون معه قتال بعد ذلك.

(ولا تؤخذ بأكظامها) جمع [كظم] محركة بمعنى مخرج النفس، وذلك كناية عن المضايقة والاشتداد لعدم المهلة (فتعجل عن تبيّن الحق) بمعنى أن تتعجل قبل تبيّن الحق وظهوره.

(وتنقاد لأول الغي) أي ما يبدو من الضلال، فإنّ الجاهل ينساق وراء كل ناعق ويتجاوب لكلّ حركة .

(إنّ أفضل النّاس عند الله كان العمل بالحق أحبّ إليه) هذا لبيان من أنّ المدّة ولو كانت توجب الصعوبة عليّ لكن ذلك حق، واللازم أن يتبع الإنسان الحق وإن أوجب صعوبة عليه (وإن نقصه) الحق (وكرثه) أي

مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ . فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَمِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ! اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لا يُبْصِرُونَهُ، وَمُوزَعِين بِالْجَوْرِ لا يَعْدِلُونَ بِهِ، جُفَّاةٍ عَنِ الْكِتَابِ، نُكُبِ عَنِ الطَّرِيقِ. مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا، وَلَا زَوَافِرِ عِنْ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا.


أوجب شدّة الغم عليه.

(من الباطل) متعلّق بأحبّ إليه (وإن جرّ إليه فائدة وزاده) عطف على [جر] أي زاده فائدة (فأين يتاه بكم) خطاب مع الخوارج أي إلى أين تضلون .

(ومن أين أتيتم) ؟ أتاه أي خدعه وأغفله أي من أن صار سبب هلاككم، وإلى أي المهالك تذهبون بعد وضوح الحجة، والاستفهام إنكاري .

(استعدوا للمسير إلى قوم) أي أصحاب معاوية (حيارى عندالحق) جمع حيران (لا يبصرونه) أي لا يرون الحق ( وموزعين) من أوزعه أي أغراه (بالجور) فإنّ معاوية أغراهم بالظلم والجور.

(لا يعدلون به) أي لا يجعلون شيئاً عدلاً للجور الذي يرتكبونه (جفاة) من جفا بمعنى ظلم وابتعد (عن الكتاب) أي القرآن (نكب) جمع ناكب بمعنى المائل (عن الطريق) لا يستقيمون فيه وإنّما يمشون في الطرق المعوجة، ثمّ أظهر الإمام اشمئزازه عن أصحابه بقوله : (ما أنتم بوثيقة يعلق بها) أي بعروة محكمة يستمسك بها (ولازوافر) جمع زافرة وهي أنصار الرّجل وأعوانه (عزّ) أي موجب للعز والشرف (يعتصم إليها) أي يتمسك الشخص بها ويوجبون له عزّة ورفعة .

لبشس حُشّاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ ! أُفُ لَكُمْ! لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً ، يَوْما أَنَادِيكُمْ وَيَوْماً أُنَاجِيكُمْ ، فَلا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النَّدَاءِ، وَلا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عندَ النَّجَاءِ !


(لبئس حشاش نار الحرب أنتم) حشاش جمع حاش، من حش النار بمعنى أوقدها أي لبئس الموقدون لنار الحرب أنتم ، وشبهت الحرب بالنار، لأنها كالنار تفني الأشياء.

(اف لكم) كلمة تضجر وتنفر و[لكم] لبيان جهة الضّجر، وأنه من جهتكم .

(لقد لقيت منكم برحاً) أي شدّة وعنتاً (يوماً أناديكم ويوماً أناجيكم) أي سواء كنتم بعيدين عنّي أو قريبين فلا بعدكم بمريح ولا قربكم بمفيد .

(فلا أحرار صدق عند النداء) للحرب ،وعنده ، فإنّ الإنسان الحر يجي- المنادي للحرب لأنه يعلم أن الحرب عزّه وشرفه وبقاء أهله وبلده، بخلاف العبد الذي لا علاقة له فإنّه لا يفرق لديه تغلب أي الطرفين، فإنّه لا علاقة له بهذا الطّرف ولا بذاك الطّرف .

(ولا إخوان ثقة عند النّجاء) النّجاء الإفضاء بالسّر، من النجوى أي لا يوثق بكم في إباحة السّر وإظهار الضمير للمشاورة والمباحثة .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

لما عوتب على التسوية في العطاء

أَتَأْمُرُونَي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلْيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ مَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ،


التوضيح :

(لما عوتب على التّسوية في العطاء)

فقد كان الرسول صلی الله علیه و آله وسلم يسوي في العطاء بين المسلمين، سواء كان المال من الغنائم أو الزكوات أو ما أشبه، أما من جاء بعده ممّن ادعى الخلافة فقدكانوا يتفاضلون، خلاف سنّة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ، حتى جاء الإمام علیه السلام فأخذ في التّسوية وذلك ممّا لم يرق للذين اعتادوا الفضل في زمن الثلاثة، فعاتبوه بما فعل، وذكروا له أنه علیه السلام إن استمر في هذه الطريقة أدّى ذلك إلى تفرّق أصحابه، وفاته النصر، فأجاب الإمام علیه السلام بهذا الجواب :

(أتأمروني أن أطلب النصر بالجور) أي أن أكون منتصراً بسبب إعطاء حق الضعيف إلى القوي الذي هو جور وظلم (فيمن وليت عليه) متعلّق [بالجور] أي أجور على الرّعيّة التي ملكت زمام أمرها .

(والله ما أطور به) من طار يطور، بمعنى حام حول الشّيء، أي لا أحوم حول ذلك ولا أقاربه .

(ما سمر سمير) أي ما دام يسمر سامر، والسامر هو المتحدث بالليل ،

وَمَا أَمْ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً ! لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ! أَلا وَإِنْ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ . وَلَمْ يَضَعَ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلا حَرَمَهُ اللهُ شُكْرَهُمْ ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُهُمْ ،


وهذا كناية عن الأبدية في عدم جوره، لأنّ السمر مستمر مع بقاء الإنسان .

(وما أم نجم في السماء نجماً) أي ما دام يقصد بعض النجوم بعضاً، وذلك كناية عن سيرها فإنّها بحركاتها ترى كالقاصد.

(لوكان المال لى) ملكاً شخصياً (لسويت بينهم) أي بين النّاس في العطاء( فكيف) لا أعدل (وإنّما المال مال الله) وقد أمر سبحانه بالتسوية، فأولى بأن أسوي بين الرّعية.

(ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف) لأن الله سبحانه جعل للمال موارد خاصة، فإذا صرف في غير تلك الموارد كان تبذيراً.

(وهو) أي إعطاء المال في غير حقه (يرفع صاحبه في الدنيا) لتقوية صاحب الأطماع للمعطي (ويضعه في الآخرة) لأنه عصى الله سبحانه في صرفه المال في غير مصرفه المقرّر .

( ويُكرمه في النّاس ) لمدح الآخذين له ( ويهينه عند الله) العصيانه له تعالى (ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه) المقرّر شرعاً (ولا عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم) إذ الآخذ ذو الطمع لا يعرف حقاً، حتى يشكر المعطي، ولو عرف الحق لم يطمع في أزيد من نصيبه. (وكان لغيره) أي غير المعطي(ودّهم) أي حبّ الآخذين فهم يأخذون

فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرَّ خَدِين وَالأمُ خَلِيلِ !


من هذا المال ويحبّون غيره .

(فإن زلت به النعل) كناية عن سقوط المعطي سقوطاً مالياً أو اجتماعياً أو ما أشبه (يوماً) في يوم من الأيام .

(فاحتاج إلى معونتهم) أي أن يعينه الآخذون لماله.

(ف) هم (شرّ خدين) الخدين الصديق (وألأم خليل) أي أكثر الأخلاء لؤماً، فإنَّ من يطمع في مال الإنسان لا يهبه حقه فما دام له مال ورفعة حام حوله، أما إذا سقط ، تركه ليحوم حول ذي مال آخر .

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

وفيه يبين بعض أحكام الدين ويكشف للخوارج الشبهة وينقض حكم الحكمين

فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلِّلُونُ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله، بِضَلالِي، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي، وَتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي !


التوضيح :

في الاعتراض على الخوارج، فإنّهم قالوا بأن الإمام كفر - لأنه علیه السلام قبل التحكيم في دين الله - وقالوا للإمام تب، لكنّ الإمام علیه السلام لم يقبل مقالهم، وبين لهم أنه لم يخطأ حتى تجب عليه التّوبة، فأخذوا يحاربون الإمام والمسلمين عامة يفسدون في الأرض ويقتلون الناس بلا مبرر إلا هوى وجهالة وضلالة .

(فإن أبيتم إلا أن تزعموا أنى أخطأت وظللت) بقبولي للتحكيم (فلم) تظللون عامة أمة محمدصلی الله علیه و آله وسلم) فإنَّ ضلال الخليفة لا يوجب ضلال الأمة (بضلالي) أي بسبب ضلالي.

(وتأخذونهم بخطئي) وعصياني ( وتكفرونهم بذنوبي) وقد قال سبحانه :

سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبُ. وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ،


«وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى» (1)

(سيوفكم على عواتقكم) جمع عاتق وهو ما بين المنكب والعنق يوضع السيف هناك استعداداً للضرب .

(تضعونها مواضع البرء والسّقم) أي تضربون بها المستحق وغيرالمستحق - والمراد السّقم بنظرهم، لا بنظر الإمام علیه السلام -.

(وتخلطون) في الضرب (من أذنب) بنظركم - كالإمام علیه السلام - (بمن لم يذنب) كعامة المسلمين وقد كان الخوارج ولدوا نظرة مغلوطة - تابعة لنظرتهم المغلوطة حول الإمام علیه السلام - وذلك أنّه لا واسطة بين الإسلام والكفر فمن أذنب فهو كافر، ومن لم يذنب فهو مسلم - وليس هناك مسلم فاسق، يستحق الحد لفسقه لا القتل لكفره، فاعترض عليهم الإمام علیه السلام بقوله : (وقد علمتم أن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم رجم الزاني المحصن) وهو الذي له زوج، فكأنه قد تحصن عن الزنا بالزواج (ثمّ صلّى عليه) صلاة الأموات، فلو كان كافراً - لزناه - لم يصل عليه النبي صلی الله علیه و آله وسلم .

(ثم ورثه أهله) أي أعطى ميراثه لأهله بعد موته لا لأهله قبل موته بعد الزنا، فإنّ الإنسان إذا كفر قسمت أمواله يوم كفره إلى ورثته في ذلك اليوم لا ورثته عند الموت.


1) سورة الأنعام: 164 .

وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرْثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ. وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَالْمُحْصَنِ، ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ ، وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللهِ فِيهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الإِسْلامِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ ، ثُمَّ أَنتُمْ شِرَارُ النَّاسِ، وَمَنْ رَمَى بهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ ، وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ !


(وقتل)صلی الله علیه و آله وسلم(القاتل وورث ميراثه أهله) يوم قتل، ولو كان كافراً بسبب قتله كان اللازم جعل ميراثه حسب يوم أن قتل، لا يوم قُتِل .

(وقطع)صلی الله علیه و آله وسلم يد (السارق وجلد الزاني غير المحصن) الذي لا زوج له ( ثم قسم عليهما من الفيء) أي الغنيمة ( ونكحا المسلمات) ولوكاناكفرا بالسّرقة والزّنا لم يكونا مسلمين ليستحقا الغنيمة ويجوز للمسلمات نكاحهن إياهما .

(فأخذهم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم بذنوبهم) أي عاقبهم حسب ذنوبهم وأقام حق الله فيهم ولم يمنعهم الرّسول صلی الله علیه و آله وسلم(سهمهم من الإسلام) كالفيء الذي يعطى للمسلم وما أشبه (ولم يخرج أسماءهم من بين أهله) أي أهل الإسلام بأن يعلن أنهم كفار داخلون في زمرة الكافرين.

(ثم أنتم شرار الناس) ترتكبون الآثام بأنفسكم فكيف تكفرون مرتكبي الآثام وتصرفون النظر عن أنفسكم.

(ومن رمی به الشيطان مراميه) أي أنتم من وسائل الشيطان في إضلال الناس تشبيه بمن يرمي بسهمه هدفه ليصطاد من وراء ذلك ما شاء.

(وضرب به تيهه) أي سلك به في وادي الضلالة، يقال ضربت التيه أي

وَسَيَهْلِكُ فِي صِنْفَانِ : مُحِبُّ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبَغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَخَيْرُ النَّاسِ فِي حَالاً النَّمَطُ الأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ، وَالْزَمُوا السَّوَادَ الأَعْظَمِ فَإِنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ . وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَة ! فَإِنَّ الشَّاذَ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَ مِنَ الْغَنَمِ لِلذَّنْبِ


سرت في المتاهة سميت الصّحراء بها لأنها محلّ التيه والضلال عن الطريق.

(وسيهلك في صنفان) من الناس، والمراد الهلاك، عاقبة وآخرة (محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحق) كالذين قالوا بألوهية الإمام علیه السلام .

(ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق) كالخوارج والنواصب الذين سبّوا الإمام علیه السلام ونسبوه إلى الكفر والعصيان .

(وخير الناس في حالا) تميز لخير (النمط الأوسط) أي القسم الأوسط و هم شیعته علیه السلام .

(فالزموه) أي النمط الأوسط (والزموا السواد الأعظم) فقد كان السواد الأعظم ذلك اليوم مع الإمام علیه السلام ، وإنما كان مع الخوارج قلّة من النّاس وليس المراد السواد الأعظم مطلقاً، وإلا فأهل الباطل كالوثنيين والمسيحيين أكثر من المسلمين.

(فإنّ يد الله مع الجماعة) أي قوّة الله سبحانه - إذ اليد بمعنى القوة - ((وإياكم والفرقة) أي التفرقة (فإنّ الشاذ من النّاس للشيطان) إذ من يترك الناس ويستبد بآرائه يسرع إليه الباطل، لأنه لا يستفيد الآراء الصّحيحة من المجتمع .

(كما أنّ الشّاذ من الغنم للذئب) حيث يخطفها، إذ لا يرى الراعي عليها

أَلا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ، وَإِنَّمَا حُكْمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ، وَيُمِينَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ، وَإِحْيَاؤُهُ الاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَإِمَاتَتُهُ الاِفْتِرَاقُ عَنْهُ . فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا،


(الامن دعا إلى هذا الشعار) الشّعار علامة يتواضع جماعة من الناس عليه ليعرفوا به جماعتهم عمّن سواهم، وسمّي شعاراً كأنه اللباس الملاصق إلى جلدهم - إذ البطانة تسمّى الشعار في مقابل الظهارة المسماة بالدثار - ومراده علیه السلام بهذا الشعار شعار المفارقة للجماعة التي هم على حق .

(فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه) هذا لبيان عدم غرور الإنسان بزهد صاحب الشعار وصلاحه، وإنّما الميزان كونه مع الجماعة أو مخالفاً لهم، فإنَّ من يخالف الجماعة إذ لم يقتل كان مادة فساد وإخلال بالأمن والاجتماع.

(وإنّما حكم (الحكمان) أبو موسى وابن العاص (لبحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن) كما سبق ذكره في الكتاب الذي كتب بين الإمام ومعاوية .

( وإحياؤه) أي القرآن (الاجتماع عليه) لأنه يوجب حركة القرآن في مجالات الحياة والحركة من ملازمات الحياة .

(وإماتته الافتراق عنه) فإنَّه يوجب عدم العمل بالقرآن (فإن جرنا القرآن إليهم) أي إلى معاوية وأصحابه (اتبعناهم) وسلّمنا الأمر إليهم (وإن جرهم) القرآن (إلينا اتبعونا) وسلموا الأمر إلينا - وهذا الكلام من الإمام علیه السلام لبيان أنه لم يعمل عصياناً بتحكيم القرآن وجعل الحكمين-.

فَلَم آتِ - لا أَبا لَكُمْ - بُجْراً ، وَلا خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ، وَلَا لِيَسْتُهُ عَلَيْكُمْ ، إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ لا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ، فَتَاهَا عَنْهُ ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ ،


(فلم آت - لا أباً لكم - بجراً) البحر الشر، وأصل لا أباً لكم كلمة تنقيص كأنه لا أباً لهم ليرشدهم ويؤدّبهم، أو دعاء عليهم بأن يفقدوا الأب ليتشتت شملهم .

(ولا ختلتكم) أي خدعتكم ( عن أمركم) بأن جعلت الحكمين خدعة، فتأخذون ذلك عليّ (ولا لبسته عليكم) بأن أخفيت عنكم وجه الحقيقة لتشتبهوا في الأمر.

(إنّما اجتمع رأي ملئكم) أي جماعتكم وذوي الرأي منكم (على اختيار رجلين) الأشعري وابن العاص (أخذنا عليهما) العهود (أن لا يتعدّيا (القرآن) في حكمهما (فتاها) أي ضلاً وانحرفا (عنه) أي عن القرآن (وتركا الحق وهما يبصرانه) لأن كليهما كان يعلم أن الحق مع الإمام .

لكن الأشعري لم يُعيّن الإمام حقداً عليه، حيث عزله الإمام علیه السلام عن منصبه في الكوفة، وابن العاص ترك الإمام انسياقاً وراء شهواته وما وعده معاوية من ولاية مصر، فقد خدع ابن العاص الأشعري، وقال له : إن الفساد من هذين الرجلين علي ومعاوية، فاللازم أن يخلع كل منا ،صاحبه حتّى يجتمع المسلمون ويعينوا خليفة صالحاً لأنفسهم، واغتر الأشعري بكلام ابن العاص، وفي يوم الإعلان صعد الأشعري المنبر ، وقال : أيها الناس أنا خلعت علياً كما نزعت هذا الخاتم من إصبعي .

ثم صعد ابن العاص - وكان الأشعري يظنّ أنّه يفعل مثل ما فعل بالنسبة إلى صاحبه معاوية - وقال أيها الناس استمعتم أنّ الأشعري خلع صاحبه؟

وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ . وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا - فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ وَالصَّمَدِ لِلْحَقِّ - سُوءَ رَأيهِمَا ، وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا .


فإنّي قد نصبت صاحبي معاوية على مسند الخلافة، كما وضعت خاتمي في أصبعي ثم جعل خاتمه في أصبعه، ثم لما نزل من المنبر، سبّه الأشعري وأخذ كلّ بلحية الآخر، ولم تنحل الفتنة، وإنّما زادت .

(وكان الجور) والانحراف (هواهما) أي الأشعري وابن العاص (فمضيا عليه) تاركين الحق والعدل ( وقد سبق استثناؤنا عليهما) أي أن تفويضنا لهما لم يكن مطلقاً، بل استثنينا العمل برأيهما ، فهما لم يكونا حكمان حتى في نفاذ مثل هذا الرأي ) في الحكومة بالعدل والصمد للحق ) أي الصمود والثبات للحق هذه جملة معترضة لبيان مقدار تفويضهما في الأمر (سوء رأيهما وجور حكمهما) مفعول [استثنينا] .

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة وكان ذلك بعد موقعة الجمل

اشارة

يَا أَحْنَفُ، كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلا لَجَبْ، وَلا قَعْقَعَةُ لُجُم، وَلا حَمْحَمَةً خَيْلٍ . يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ

كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ .


التوضيح :

(يا أحنف) وقد كان والياً للإمام على البصرة (كأني به) أي بصاحب الزنج واسمه علي بن محمد، وكان يدعي أنه من آل الرسول ، ثار واجتمع حوله كثير من العبيد والصعاليك، وقتل في البصرة مقتلة عظيمة، حتى ذكر في بعض التواريخ أن قتلاه كانوا ثلاثمائة ألف وأخيراً غلب عليه الخليفة العباسي وقتله.

(وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار) لعدم كونه جيشاً له خيل ينثرالغبار، وإنما كان أتباعه حفاة.

(ولا لجب) أي لا صياح لهم (ولا) قعقعة لجم) جمع الجام، لأنه لم يكن لهم خيل حتى تكون لها لجم وقعقعة اللجام صوته لدى الحركة.

(ولا حمحمة خيل) أي صوتها (يثيرون الأرض بأقدامهم) أي يظهرون الغبار بالأقدام، دون الخيول (كأنها أقدام النعام) جمع نعامة، لعل التشبيه في

ثم قال علیه السلام : وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ، وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ، وَخَرَاطِيمٌ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ، مِنْ أُولئِكَ الَّذِينَ لا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلا يُفْتَقَدُ غَائِبُهُمْ أَنَا كَابُ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا


سهولة المشي ويسره فإنَّ النعام هكذا ، وقيل غير ذلك قال الرضي: [يومئ بذلك إلى صاحب الزنج] وإنما قيل له ذلك، لأن غالب جيشه كان من الزنج أي العبيد، الذين أتى بهم من الزنج .

(ويل لسكككم العامرة) جمع سكة، والمراد خراب الطرق العامرة بواسطة ثورة صاحب الزنج (والدور المزخرفة) أي المزيّنة بالزخرف، وهو بمعنى الزينة (التي لها أجنحة كأجنحة النسور ) المراد ما يخرج منها إلى الجادة كالجناح بقصد توسعة الغرف، وتظليل المارة عن البرد والحرّ .

(وخراطيم) جمع خرطوم (كخراطيم الفيلة) جمع فيل والمراد بهاالأعمدة التي تحفظ الجناح .

(من أولئك الذين لا يندب قتيلهم) [من] متعلق بويل والظاهر أن المراد بعدم ندبة القتيل أنهم لا أهل لهم لأن أغلبهم من العبيد - فلا يبكي أحد لهم إذا قتلوا .

( ولا يفتقد غائبهم) إذا غاب منهم أحد لم يكن أحد يفتقده ويبحث عن أحواله .

(أنا كاب الدنيا لوجهها) من كب الإناء، إذا أكفأه، بمعنى أنه زهد في الدنيا فلم يعتن بشأنها .

(وقادرها بقدرها) أي أتعامل مع الدنيا بقدرها الحقيقي، لا أن أضعها فوق قيمتها كما يفعل أهل الدنيا .

(وناظرها بعينها) أي أنظر إلى الدنيا بعين الدنيا أي بالعين التي ينبغي أن ينظر بها إلى الدنيا لا بعين العظمة والكبر .

ويومى علیه السلام به إلى وصف الأتراك، الذين جاؤوا من الشرق، وهم المغول وخربوا بلاد الإسلام وقد كانت حركة هؤلاء بتحفيز المسيحيين، والذي تمكن أن يبقى من الإسلام باقية أمام زحفهم هم الشيعة بقيادة الإمام الشيخ نصير الدين الطوسي رحمه الله ، كما ثبت ذلك في التواريخ .

منها في وصف الأتراك:

كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْما - كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُ الْمُطَرَّقَةُ ، يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيبَاجَ، وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْل حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ، وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُور!


(كأني أراهم) أي المغول (قوماً كأن وجوههم المجان) جمع مجن المطرقة) وهي التي ألزق بها الطراق - ككتاب - وهو جلد يقدر على مقدار الترس ثم يلزق به وقد كانت وجوه الأتراك في الاستدارة كالمجان وفي الخشونة كالمطرقة.

( يلبسون السرق) الحرير الأبيض ، أو مطلق الحرير (والديباج) ما كان فيه حرير ويعتقبون الخيل أي يحتبسونها لأنفسهم ويمنعونها عن غيرهم.

(العتاق) جمع عتيق وهي الخيل الكريمة، فقد كان الأتراك أصحاب ترف وجمال (ويكون هناك استحرار قتل)أي اشتداده أصله من[الحر].

(حتى يمشي المجروح على المقتول) وقد أكثر الأتراك القتل في إيران والعراق.

(ويكون المفلت) الذي يفلت من أيديهم وينجو بنفسه (أقل من المأسور) الذي يأسرونه .

فقال له بعض أصحابه : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب! فضحك علیه السلام ، وقال للرجل، وكان كلبياً :

يَا أَخَا كَلْبٍ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمَ مِنْ ذِي عِلْمٍ.

وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَمَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ : «إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ ...»(1).

الآيَةَ، فَيَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرِ أَوْ أُنْثَى ، وَقَبِيحِ أَوْ جَمِيلٍ، وَسَخِي أَوْ بَخِيلِ، وَشَقِي أَوْ سَعِيدِ،


[فقال له بعض أصحابه : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب! فضحك علیه السلام وقال للرجل - وكان كلبياً-]:

(يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلم من ذي علم) أي ليس هذا علماً مبني بالغيب ذاتاً، وإنما هو تعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم الذي علمه الله سبحانه .

( وإنما علم الغيب علم الساعة) أي وقت قيام القيامة (وما عدده الله سبحانه بقوله : «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ،» إشارة إلى آخر الآية (فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام) أي أرحام النساء .

(من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد) والظاهر أن المراد العموم، أما في الجملة فيمكن أن يعلمه الوصي بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم بأمره سبحانه كما قال سبحانه: «فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول ) (2)


1) سورة لقمان : 34.

2) سورة الجن : 26 و 27 .

وَمَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَبَاً أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً، فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إلا اللهُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنِيهِ، وَدَعَا لِي بَأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي، وَتَضْطَمْ عَلَيْهِ جَوَانِحِي


(ومن يكون في النار حطباً) توقد به النار، كما قال سبحانه : «وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ » (1)، (أو في الجنان للنبيين مرافقاً) أي مصاحباً ورفيقاً.

(فهذا) أي كل واحد من هذه الثلاثة [الساعة] و [ما في الأرحام] و [غاية كل إنسان] (علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله) تعالى (وما سوى ذلك) المذكور (فعلم علمه الله نبيه فعلّمنيه) فأنا أعلمه بتعليم الرسول إياي .

(ودعا) الرسول صلی الله علیه و آله وسلم (لي بأن يعيه) أي يحفظه ويضبطه (صدري) فلا أنساه (وتضطم) أي تضم باب افتعال من [الضم] بمعنى الاشتمال (عليه جوانحي) أي أضلاعي، جمع جانحة، والمراد بذلك القلب، وحاصل الفرق على ما بينه الإمام علیه السلام أن في الغيب أمرين .

الأول : ما يبديه الله سبحانه للرسول صلی الله علیه و آله وسلم ويعلّمه الرّسول للأوصياء .

الثاني : ما لا يعلمه الله للرسول - وهي الأمور الثلاثة - وعدم التعليم غالبي، وإلا فقد أخبر سبحانه بعض تلك الثلاثة لنبيه صلی الله علیه و آله وسلم، وأخبره النبي صلی الله علیه و آله وسلم للأئمة - كما يظهر من بعض الأحاديث ..


1) سورة البقرة : 24 .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في ذكر المكاييل والموازين

عِبَادَ اللهِ، إِنَّكُمْ - وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا - أَثْوبَاءُ مُؤَجَلُونَ، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ : أَجَلٌ مَنْقُورٌ، وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيْعٌ، وَرُبَّ كَادِحِ


التوضيح:

يا (عباد الله إنّكم - وما تأملون من هذه الدنيا - أثوياء) جمع ثوى كغنى بمعنى الضيف، أي مثلكم مثل الضيف، ومثل آمالكم مثل آمال الضيف، فكما أن الضيف لو أمل آمالاً كثيرة كان ذلك باطلاً، كذلك إذ كانت لكم آمالاً طوالاً، إذ لا تبقون في الدنيا كثيراً حتى تدركوا جميع آمالكم.

(مؤجلون) لكم أجل ومدة محدودة (ومدينون) أي مطلوبون بالموت (مقتضون) من اقتضاه بمعنى طلبه، أي يطلبكم الموت، فلا بقاء لكم حتى تدركوا آمالكم .

(أجل منقوص) ينقص كل يوم جزء منه (وعمل محفوظ) يحفظ كل ماعملتم لتجزون به في الآخرة .

(فرب دائب) في العمل، أي مستمر فيه ليله ونهاره (مضيع) أوقاته، حيث أنه يعمل فيما لا ينفعه في الآخرة (ورب كادح) من كدح بمعنى تعب وأجهد نفسه .

خَاسِرٌ. وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنِ لا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلَّا إِدْبَاراً، وَلا الشَّرُّ إِلا إقبالاً، وَلا الشَّيْطَانُ فِي هَلاكِ النَّاسِ الأطمعاً، فَهَذَا أَوَانٌ قَويَتْ عُدَّتُهُ، وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَأَمْكَنَتْ فَريسَتْهُ اضْرب بطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً ،


(خاسر) لأنه خسر عمره بدون أن يحصل على ما يبقى له في الآخرة، وهاتان الجملتان لتحريض الإنسان على أن يصحح أعماله، ويجعلها بحيث ينتفع منها في الآخرة.

(وقد أصبحتم في زمن) المراد زمانه علیه السلام ، بالقياس إلى زمان الرسول صلی الله علیه و آله وسلم(لا يزداد الخير فيه إلا إدباراً ) لأن الناس قد توجهوا إلى الدنيا ، حيث اعتادوا في زمن الخلفاء ذلك، وحيث أنهم يستقبلون زمن معاوية الذي كان مادياً محضاً .

( ولا الشر إلا إقبالاً) فكلما أدبر الخير أقبل الشر (ولا) يزداد (الشيطان في هلاك الناس إلا طمعاً) لما يرى من إدبارهم عن الآخرة وإقبالهم على الدنيا .

(فهذا أوان) جمع آن بمعنى الوقت (قويت عدته) أي عدة الشيطان لمايرى من استيلاء معاوية على بعض البلاد وتفرق المسلمين (وعمت مكيدته) أي شملت كثيراً من الناس.

(وأمكنت فريسته) أي سهلت الفريسة التي يريد أن يفترسها، والمراد بالفريسة، أهل الباطل والآثام، فإنَّهم فريسة الشيطان يفترسهم لإدخالهم في النار، وتبعيدهم عن رحمة الله سبحانه.

(اضرب بطرفك) أيها السامع (حيث شئت من الناس) أي انظر إليهم (فهل تبصر إلا فقيراً يكابد فقرا)ً [ يكابد] أي يلاقي مصاعبه ومصائبه، وهذا لا

أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً ، أَوْ بَخِيلاَ اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً، أَوْ مُتَمَرْداً كَأَنْ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْع الْمَوَاعِظِ وَقْراً!


ينافي قوله علیه السلام : [ ولعل هناك باليمامة أو الحجاز من لا عهد له بالشبع ولا طمع له في القرص] الظاهر منه عدم وجود الفقير في المجتمع، فإنَّ الإمام علیه السلام أراد بالفقير هنا الذي لا يعيش عيش رفاه وسعة، وإلا فقد عمم الإسلام - بواسطة منهاجه الذي طبقه الإمام علیه السلام - الغنى، حتى لم يكن في المجتمع الإسلامي فقير واحد، ولذا لما رأى الإمام فقيراً بصيراً، وقف :يسأل: ما هذا؟ قالوا يا أمير المؤمنين ؛ نصراني كبر وعجز ، قال علیه السلام : ما ،أنصفتموه، استعملتموه حتى إذا عجز تركتموه، أجروا له من بيت المال راتباً.

وأما قصة عقيل علیه السلام ، وقوله علیه السلام : رأيت صبية شعث الشعور فقد كان عقيل بذولاً للمال، ولذا ورد أنه استقرض مائة ألف وأرادها من الإمام .

(أو غنيّاً بذل نعمة الله كفراً) أشار إلى قوله سبحانه: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كَفَرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ» (1)، وتبديل النعمة كفراً يراد به عدم صرف النعمة في المحل اللائق بها .

(أو بخيلاً اتخذ البخل بحق الله وفرا)ً أي موجباً لتوفير ماله وتكثيره وهذا غير المستبدل لنعمة الله كفراً، فإنَّ ذلك يصرفها في غير مصارفها، وهذا يجمعها فلا يصرفها أصلاً.

(أو متمرداً كأنّ بأذنه عن سمع المواعظ وقراً) أي صمماً فلا يرعوي عن غيه كأنه لا يسمع المواعظ.


1) سورة إبراهيم : 28 .

أَيْنَ أَخْبَارُكُمْ وَصُلَحَاؤُكُمْ وَأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وَسُمَحَاؤُكُمْ وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ، وَالْمُتَنَزُهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جمِيعاً عَنْ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَةِ الْمُنَغْصَةِ، وَهَلْ خُلِقْتُمْ إِلا فِي حُثَالَةِ لا تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ


(أين أخياركم وصلحاؤكم) لقد كان الإمام علیه السلام يحب أن يرى المجتمع ، كالمجتمع أيام الرسول صلی الله علیه و آله وسلم- كما تقدم في خطبة أخرى له علیه السلام - فإذ لم ير ذلك تأفف وتضجر، كما هو شأن المصلحين إذا رأوا خللاً المجتمع تضجروا منه كثيراً لتألمهم بالخلل الجزئي لما ارتكزوا عليه من الإصلاح.

(وأين أحراركم) جمع حر، والمراد المقيد بالشرف والوطن والدين وقد سبق أن العبد لا يهمه الوطن ونحوه ، لعدم ارتباطه به بجانب خاص.

(وسمحاؤكم) أي أهل السماح والفضل (وأين المتوزعون في مكاسبهم) يهمهم الحلال ويتورعون - أي يجتنبون - عن الحرام .

(والمتنزهون في مذاهبهم) أي يتنزهون ويبتعدون عن الشبهات في طرقهم الدينية والدنيوية .

(أليس قد ظعنوا) أي سافروا (جميعاً عن هذه الدنيا الدنية) أي الوضيعة (والعاجلة المنغصة) التي تنغص عيش الإنسان وتشوبه بالكدور والمرارة. (وهل خلقتم) أنتم المخاطبون (إلا في حثالة) أي في جماعة من النّاس أنذال، فإنَّ الحثالة بمعنى الرديء .

(لاتلتقي بذمهم الشفتان) فإنَّ المتكلم إذا أراد أن يتكلم تلاقت شفتاه

اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ، وَذَهَابَاً عَنْ ذِكْرِهِمْ فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ظَهَرَ الْفَسَادُ، فَلا مُنْكِرٌ مُغَيْرُ وَلا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ، وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ؟ هَيْهَاتَ لا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ ، وَلا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إلا بِطَاعَتِهِ لَعَنَ اللهُ الْآمِرِينَ بالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ ،


وهؤلاء لا يذمهم الإنسان لكثرة نذالتهم (استصغاراً لقدرهم فإنَّه يحقرهم ويراهم أصغر حتى من الذم .

(وذهاباً عن ذكرهم) أي ابتعاداً حتّى من أن يذكرهم ويتلفظ باسمهم وبمثالهم فإنّا لله وإنا إليه راجعون قد وقعنا في الفاجعة حيث عاصرنا مثل هؤلاء النّاس .

(ظهرالفساد) والانحراف عند الناس (فلا منكر مغير) أي لا أحد ينكر المنكر ويغيّره إلى المعروف .

(ولا زاجر مزدجر) أي لا رادع للمنكر يرتدع هو بنفسه عن الآثام (أفبهذا) العمل والخلق (تريدون أن تجاوروا الله) أي تجاوروا رضاه ولطفه (في دار قدسه) أي الدار التي أعدها مقدسة طاهرة من كل نقص وعيب.

(وتكونوا أعزّ أوليائه عنده؟) والاستفهام للإنكار والتوبيخ (هيهات) كلمة استبعاد بمعنى لا يكون ذلك (لا يخدع الله عن جنته) بأن يخدعه الإنسان ببعض ظواهر يأتي بها لأخذ الجنّة.

(ولاتنال) أي لا تدرك (مرضاته) أي رضاه سبحانه - مصدر ميمي بمعنى الرضا - (إلا بطاعته) وعبادته، ولما ذكر علیه السلام قوله : [ ولا زاجر مزدجر] عقب ذلك بقوله : (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين ) له فعمله منكر، ويأمر

وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ!


بمعروف، كما قال سبحانه:«كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ» (1).

(والناهين عن المنكر العاملين به) وهذان من صفات المنافقين فإنّهم يأمرون وينهون لعدم الصعوبة في ذلك، لكنهم لا يأتمرون بما يأمرون ولا ينتهون عما ينهون لصعوبة العمل .


1) سورة الصف : 3.

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

لأبي ذر رحمه الله لما أخرج إلى الربذة

يَا أَبَا ذَرُ، إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ. إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ،


التوضيح:

الربذة : وهي موضع قرب المدينة المنوّرة، وقبر أبي ذر هناك، وقد هدمه الوهابيون وهو مزار معروف إلى الآن وقد كان أبو ذر رحمه الله لا يسكت عن بدع عثمان وما أحدثه في الإسلام ممّا يخالف الكتاب والسنة، ولذا نفاه عثمان إلى الشام - وشيعة لبنان إلى يومنا هذا من مخلفات أبي ذر في مدة نفيه - ثم أرجعه معاوية إلى المدينة، فنفاه عثمان ثانياً إلى الربذة، وبقي هناك يكابد الجوع والمرض حتى مات هناك ودفن، ولما أراد الخروج من المدينة منفياً من قبل عثمان، ودّعه الإمام علیه السلام بهذه الكلمات :

(يا أبا ذر إنّك غضبت لله) حيث رأيت أعمال عثمان المخالفة لله سبحانه فارجُ من غضبت له بأن يتفضّل عليك في الدنيا بذكر باق حسن، وفي الآخرة بالأجر والثواب الجزيل .

(إن القوم) يعني عثمان ومعاوية وحاشيتهما (خافوك على دنياهم) لأنهم رأوا فيك مهدداً لدنياهم حيث أن ذكر مثالب الشخص يوجب انفضاض الناس من حوله .

وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، وَاهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ، فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ، وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ ! وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً ، وَالأكْثَرُ حُمَّداً . وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَتَا عَلَى عَبْدِ رَتْقاً، ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً !


(وخفتهم على دينك) حيث خفت إن جاملتهم وسكت عن معايبهم تكون مأثوماً عند الله سبحانه (فاترك في أيديهم ما ) أي الدنيا التي (خافوك عليه) أي أعرض عنها بقلبك وتسلّ بفراقها.

(واهرب منهم بما) أي بالدين الذي (خفتهم) أي خفت منهم (عليه) فإنَّ الإنسان إذا بعد عن مجتمع الناس سقط تكليفه في الأمر والنهي، فيكون هارباً بدينه لم يبق ويترك الأمر حتى يكون عاصياً .

(فما أحوجهم إلى ما منعتهم) أي أنهم محتاجون إلى الدين إذ أنت لم تعطهم دينك في سبيل تعميرهم لدنياك .

(وما أغناك عمّا منعوك) فإنَّ الإنسان الزاهد لا يحتاج إلى الدنيا وإنما كل نظره إلى الآخرة.

(وستعلم من الرابح غدا) علم يقين ومشاهدة هل أنت الرابح أم هم؟ (و) من (الأكثر حسّداً) جمع حاسد كناية عمن أوتي الثواب، فإنَّ المنعم محسود.

ثم بيّن الإمام علیه السلام أنّ الله تعالى لا يذره هملاً (ولو أنّ السَّماوات والأرض كانتا على عبد رتقاً) بحيث لا مفرّ له منهما، قد ضيقتا سبله، وأحاطتا به، وأوقعتاه في المشاكل .

(ثم اتقى الله) أي عمل بأحكام الشريعة (لجعل الله له منهما مخرجاً)

وَلا يُؤْنِسَنَّكَ إِلا الْحَقُّ ، وَلا يُوحِشَنَّكَ إِلا الْبَاطِلُ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لأَحَبُّوكَ ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لأَمَّنُوكَ .


كما قال سبحانه: «وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب » (1).

(ولا يؤنسنك إلا الحق) فكن آنساً به وإن أوحشك الناس (ولا يوحشتك إلا الباطل فكن مستوحشاً به وإن آنسك الناس.

(فلو قبلت دنياهم) وسكت عنهم (لأحبّوك) حب الظالم لأنصاره (ولو قرضت منها) أي قطعت جزءاً من دنياهم (لأمنوك) فإن الإنسان عبيد الإحسان .


1) سورة الطلاق : 2 و 3.

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

وفيه يبين علیه السلام قبوله، أي الخلافة ويصف الإمام الحق

أَيْتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتَةُ ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَاتُهُمْ ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الأَسَدِ !


التوضيح:

ومن طريف ما ينقل أن عثمان بعث إلى أبي ذر بمال - مع عبد له - ليسكته عن نقده لعثمان، وحيث علم عثمان أنه لا يقبل الرشوة أراد الخدعة - والإتيان مما ظاهره الشرع - فقال للعبد إن قبل أبو ذر المال فأنت حر، أراد بذلك أن يصرّ العبد ويرى أبو ذر أن قبول المال موجب لعتق رقبة ليقدم على القبول فجاء العبد وعرض المال فأبى أبو ذر ، قال العبد : إن في ذلك عتقي، فقال أبو ذر : ولكن في ذلك رقّي.

(أيتها النفوس المختلفة) من حيث الأهواء والميول (والقلوب المتشتتة) تشتت بمعنى تفرق (الشاهدة أبدانهم) أي أنهم حضور بأبدانهم (والغائبة عنهم عقولهم) كناية عن عدم وعيهم واتعاظهم كالغائب عقله (أظأركم) أي أعطفكم وأميلكم على الحق وأنتم تنفرون عنه نفور المعزى جمع معز (من وعوعة الأسد) صوته.

هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ، أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ .

اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ، وَلا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الإصْلاحَ فِي بِلادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ


(هيهات أن أطلع بكم سرار العدل) أي ما خفي من العدل، والمراد أنتم غير قابلين للإطلاع، حتى أشرفكم على العدل المضاع بين أظهركم، يقال اطلع به الشيء إذا أصعده ربوة ليرى الشيء المخفي ورائها، وأسرار كسحاب آخر ليلة من الشهر، والمراد به الظلمة، أي الظلمة الساترة للعدل .

(أو أقيم اعوجاج الحق) أي الاعوجاج الذي أصاب الحق، بخلطه مع الباطل ، فإنّكم غير مستعدين لذلك.

(اللهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منا) من قبول الخلافة الظاهرية (منافسة في سلطان) بأن أردت أن أتقدم في السلطة على سائر الناس ويكون لي الحكم والأمر والنهي .

(ولا التماس) أي طلب ( شيء من فضول الحطام) أي زوائد متاع الدنيا،وسمي حطاماً، لأنه يحطم ويفني، وإضافة الفضول إلى الحطام بيانية .

(ولكن لنرد المعالم من دينك) معالم الطريق، النصب الدالة عليه، وقد طمست المعالم في زمن عثمان، وبعضها في زمن الخليفتين فأراد الإمام علیه السلام إظهارها وإحيائها .

(ونظهر الإصلاح في بلادك) وقد أمر سبحانه بعمارة الأرض وإصلاحها (فيأمن المظلومون من عبادك) ولا يخافوا من الظالمين (وتقام المعطلة من

حُدُودِكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَتَابَ، وَسَمِعَ وَأَجَابَ، لَمْ يَسْبِقُنِي إِلا رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله بِالصَّلاةِ.

وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَائِمِ وَالأحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ ،


حدودك) أي الحدود المعطلة والأحكام المهملة .

(اللّهمّ إنّي أوّل من أناب) أي رجع إليك بالطاعة والانقياد، وتسمية الأمر إنابة - وإن لم يكن من الإمام علیه السلام إعراض - باعتبار المشابهة لمن سواه، كما قالوا في قوله تعالى: « لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا » (1).

(وسمع) داعي الله (وأجاب) بقبول الإسلام وأحكامه، فإنَّ الإمام علیه السلام أوّل النّاس إيماناً .

(لم يسبقني إلا رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم بالصلاة) ومن هذا شأنه يسرع إلى أوامرالله سبحانه لا يريد الخلافة لسلطان أو مال.

(وقد علمتم) أيها النّاس (أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدّماء والمغانم) جمع مغنم وهو الغنيمة (والأحكام) أي تنفيذ أحكام الإسلام (وإمامة المسلمين) أي كونه مقتدى لهم ،وأسوة وكون الوالي على الفروج باعتبار أمره ونهيه بالحرب الموجبة لسبي النساء المسلمات أحياناً ، النساء الكافرات، وبمعنى ذلك الوالي على الدّماء .

(البخيل) اسم ل[يكون] و[الوالي] خبره المقدم (فتكون في أموالهم نهمته)


1) سورة إبراهيم: 13 .

وَلا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ ، وَلا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ، وَلَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ. فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْم ، وَلا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ، وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ ، وَلا الْمُعطّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الأُمَّةَ .


يبالغ في حرصه وجمعه لأموالهم، لأنّ البخيل لا يبذل المال، وفي ذلك تعطيل لأموالهم، وإضاعة لما يحتاج ومن يحتاج إلى المال.

(ولا الجاهل فيضلهم بجهله) لأن الوالي مصدر الأمور، فإذا جهل الأمور سبب إضلالهم (ولا الجافي) الذي يجفو ويقاطع الناس كبراً أو ضجراً (فيقطعهم بجفائه) ويعطل أمورهم المتوقفة عليه .

(ولا الحائف) الذي يحيف ويجور (للدّول) جمع دولة، بمعنى المال لأنه يتداول من يد إلى يد يعني الذي يجور في إعطاء المال، فيحابي شخصاًزائداً، ويمنع شخصاً آخر، ، حسب شهواته ورغباته .

(فيتّخذ قوماً دون قوم) دون أن يراعي المساواة وجعل الحقوق مواضعها، وفي بعض النسخ [الخائف] بالخاء المعجمة أي الذي يخاف بعض الدول، فيصادق من خاف منه دون غيره .

(ولا المرتشي في الحكم) أي الذي يأخذ الرّشوة (فيذهب بالحقوق) لأنه يأخذ الرشوة ويحكم للراشي، دون الذي له الحق واقعاً.

(ويقف بها) أي بالحقوق (دون المقاطع) أي الحدود التي عينها الله سبحانه جمع مقطع ، أي محل قطع الأمور الذي جعله الله سبحانه.

(ولا المعطّل للسنَّة) الذي لا ينفذ أحكام الإسلام (فيهلك الأمة) لأن في أحكام الإسلام حياة الأمة، فإذا عطلت هلكت الأمة .

----------------------------

ولا يخفى أن الإمام علیه السلام ذكر أبرز الصفات المنافية للأمير لا كلها والجامع أن يكون فاقهاً لأمور الدنيا والدين عادلاً - بمعنى الملكة الباعثة على الإطاعة - رجلاً طاهر المولد إلى غيرها ممّا فصل في الفقه.

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

وفيها وعظ وتزهيد وتذكير

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى، وَعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى الْبَاطِنُ لِكُلِّ سَرِيرَةِ الْعَالِمُ بِمَا تُكِنُ الصُّدُورُ، وَمَا تَخُونُ الْعُيُونُ .

وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ غَيْرُهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُهُ وَبَعِيتُهُ، شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإِعْلانَ، وَالْقَلْبُ اللَّسَانَ .


التوضيح:

(نحمده على ما أخذ وأعطى) فإنَّ كلاً من أخذه سبحانه وإعطائه يتبع مصلحة تستحق الحمد (وعلى ما أبلى) أي أحسن وأنعم (وابتلى) أي امتحن.

(الباطن لكل سريرة) أي يعلم السرائر، كأنه باطن معها (العالم بما تكن الصدور) أي تخفي فيها (وما تخون العيون) من اختطاف النظر ، الذي لا يطلع عليه أحد، ولو كان قريباً من الخائن عينه .

(ونشهد أن لا إله غيره، وأن محمداً) صلی الله علیه و آله وسلم و (نجيبه) أي مختاره من أنجبه ، أي اختاره (وبعيثه) أي مبعوثه أرسله بالهدى ودين الحق .

(شهادة يوافق فيها السر الإعلان والقلب اللسان) لا شهادة لسانية كالمنافق، أو قلبيّة فقط كالكافر الذي يعلم قال سبحانه:«وَجَحَدُواْ بِهَا

منها : فَإِنَّهُ وَاللهِ الْجِدُّ لا العِبُ، وَالْحَقُّ لَا الْكَذِبُ. وَمَا هُوَ إلا الْمَوْتُ أَسْمَعَ دَاعِيهِ، وَأَعْجَلَ حَادِيهِ. فَلا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ وَحَذِرَ الإِقْلَالَ ، وَأَمِنَ الْعَوَاقِبَ - طُولَ أَمَلِ وَاسْتِبْعَادَ أَجَلٍ -


وَاسْتَيْقَنَتْها أَنفُسُهُمْ» (1)،فكلاهما يشهدان بهاتين الشهادتين، والمراد بالسر والإعلان جهراً وخفية.

(منها) في وعظ الناس (فإنه) أي أمر الآخرة (والله الجد لا اللعب) أي أن ما هناك من جنة أبدية أو نار سرمدية جد، لا إنه لعب ولهو (والحق) المطابق للخارج (لا الكذب وما هو) مصير الإنسان (إلا الموت أسمع) الناس (داعيه) أي داعي الموت وليس المراد صرف الموت، بل ما يترتب عليه من الأمور، ومعنى إسماع داعيه، أنه قد علم كل إنسان مصيره.

(وأعجل حاديه) الذي يحدو ويسير بالناس إلى الموت يسير بهم سيراً مستعجلاً - وذلك كناية عن سرعة أيام الدنيا وانقضائها-.

( فلا يغرنك سواد النّاس من نفسك) فإنّ الإنسان كثيراً ما يغترر بوجود الناس في أطرافه فيعصي الله سبحانه اعتماداً عليهم، بينما الموت يختطفه ولا ينفعه سواد النّاس في دفع الموت ودفع العقاب المترتب على الخطيئة.

(فقد رأيت من كان قبلك) من النّاس الذين ماتوا (ممن جمع المال وحذر) أي خاف (الإقلال) أي القلة من المال ( وأمن العواقب) بأن لم يخش موتاً ولا فوتاً (طول أمل واستبعاد أجل) أي كان أمنه لأجل طول أمله في


1) سورة النمل: 14 .

كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ، مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ حَمْلاً عَلَى الْمَنَاكِبِ وَإِمْسَاكاً بِالأَنَامِلِ. أَمَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً، وَيَبْتُونَ مَشِيداً، وَيَجْمَعُونَ كَثِيراً كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً ، وَمَا جَمَعُوا بُوراً ، وَصَارَتْ أَمْوَالُهُمْ


الدنيا، وأنه كان يستبعد أن يأتيه أجله .

(كيف نزل به الموت فأزعجه عن وطنه) الإزعاج التسبب إلى ما أذى الإنسان (وأخذه من مأمنه) أي محل أمنه في حال كونه (محمولاً على أعواد المنايا) أي التابوت ومنايا جمع [منية] بمعنى الموت (يتعاطى به الرّجالُ الرّجالَ) أي يعطي بعض بعضاً جنازته (حملاً على المناكب) جمع منكب وهو ما بين العضد والعنق (وإمساكاً) أي أخذاً (بالأنامل) جمع أنملة، رأس الإصبع، والمعنى أنك ستصبح بعد قليل مثل أولئك، فاللازم أن تأخذ حذرك .

(أما رأيتم الذين يأملون بعيدا)ً لهم آمال طوال مثل أنه يأمل أن ينال بعد سنوات مناصب أو أموالاً، أو ما أشبه .

(ويبنون مشيداً) أي أبنية محكمة مما تدل على رجائهم البقاء الطويل . (ويجمعون كثيراً) زاعمين أنهم يبقون مدة مديدة يحتاجون خلالها إلى تلك الأموال.

(كيف أصبحت بيوتهم قبوراً) مثل الناس الذين يدفنون في بيوتهم، أو يهدم عليهم البيت فيبقون هناك إلى الأبد .

( وما جمعوا بوراً) جمع بائر أي بلا فائدة منها لهم (وصارت أموالهم

لِلْوَارِثِينَ، وَأَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمِ آخَرِينَ ، لا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ، وَلا مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ! فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ بَرَّزَ مَهَلُهُ ، وَفَازَ عَمَلُهُ . فَاهْتَبلُوا هَبَلَهَا، وَاعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا : فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامِ ،


للوارثين) إما عطف بدل عن [ما جمعوا بوراً] أو أن المراد بما جمعوا - جمعهم أي أن الفعل، وهو الجمع قد هلك، وصار المال لغيرهم، بمعنى ضاع عملهم، وصارت نتيجة العمل للغير، فإنَّ العمل شيء والنتيجة شيء آخر .

(وأزواجهم) نسائهم، أو المراد الأعم من [الرجل] الذي ماتت زوجته [والزوجة] التي مات زوجها (لقوم آخرين) وهذا الكلام لاستفزاز النفس نحو العمل الصالح، فإنَّ أزواجهم ومن أقرب الناس إليهم يصبحن لعيش أناس أجانب - بعد موتهم - فما الأمل من هذه الدنيا؟ وما يكون اعتبار مثلها؟

(لا في حسنة يزيدون) لأن ابن آدم إذا مات انقطع عمله .

(ولا من سيّئة يستعتبون) أي يطلب منهم أن يعملوا عملاً يكفرها (فمن أشعر التقوى قلبه) أي أذاق قلبه طعم التقوى بحيث صارت التقوى ملكة له .

(برز مهله) أي أظهر التقدم في الخير - على سائر الناس - فإنَّ [المهل] بمعنى التقدم في الخير (وفاز عمله) أي ظفر على عمله الصالح، وتمكن من الاتيان به في مقابل الفساق الذين لا يتمكنون من الظفر على صالح الأعمال.

(فاهتبلوا هبلها) الاهتبال تطلب الشيء بإحكام للنيل منه ، والضمير عائداً إلى التقوى أي اطلبوا التقوى طلباً لائقاً بها.

( واعملوا للجنة عملها) أي العمل اللائق بالجنة الموصل إليها (فإن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام) أي دار بقاء تقيمون فيها .

(بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازا لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازِ . وَقَرْبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ .


(بل خلقت لكم مجازاً) أي محل عبور (لتزودوا منها الأعمال إلى دار القرار) أي لتأخذوا منها زادكم للآخرة التي هي دار قراركم وبقائكم، إلى الأبد.

(فكونوا منها) أي من الدنيا (على أوفاز) جمع وفز بمعنى العجلة - أي على استعجال لئلا تفوت الدنيا قبل أن تعملوا للآخرة، ولعلّ الاتيان ب[أوفاز] جمعاً للإشارة إلى أنه ينبغي العجلة في كل أمر .

(وقرّبوا الظهور) أي المطايا التي تركبون عليها (للزيال) أي لفراق الدنياتشبيه بمن يريد السفر حيث يقرب مراكبه إلى نفسه للسير.

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

فيها تعظيم لله سبحانه، وذكر للقرآن والرسول صلى الله عليه وآله، ووعظ للناس

اشارة

وَانْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ بِأَرْمَتِهَا ، وَقَذَقَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالأرَضُونَ مَقَالِيدَهَا، وَسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ الأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ ، وَقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النِّيرَانُ الْمُضِيئَةُ ،


التوضيح:

(وانقادت له) أي لله سبحانه (الدنيا والآخرة بأزمتها) جمع زمام (وقذفت إليه السّماوات والأرضون مقاليدها) جمع ،مقلاد بمعنى المفتاح، فكما أن الباب ينفتح كذلك أبواب الرزق والخلق وما أشبه من المكونات مفاتيحها بيد الله سبحانه .

(وسجدت له بالغدو) أي الصباح ( والأصال) جمع أصيل طرف العصر )الأشجارالناضرة) أي ذات النضرة والبهجة والمعنى خضوعها له سبحانه وقوله بالغدو والآصال] كناية عن الاستمرار، أو هناك سجدة خاصة لها في الوقتين لا ندركها .

(وقدحت له) أي لله سبحانه (من قضبانها) جمع قضيب بمعنى الغصن (النيران) المضيئة فإنَّ المرخ والعقار تظهر من أغصانها النار، ومعنى [له] لأمره وإرادته تعالى.

وَآتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ الثَّمَارُ الْيَانِعَةُ .


وآتت) أي أعطت (أكلها أي ما يؤكل من الثّمار ( بكلماته ) أي بأوامره التكوينية التي هي كالكلمات بالنسبة إلى المخلوقين (الثمار) أي أشجار الثّمار - فاعل آتت - ( اليانعة) أي الناضجة المدركة .

منها في القرآن :

وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقٌ لَا يَعْيَا لِسَانُهُ، وَبَيْتٌ لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ ، وَعِةٌ لا تُهْزَمُ أَعْوَاتُهُ.

منها حول الرسول صلى الله عليه وآله : أَرْسَلَهُ عَلَى حِينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَتَنَازُعِ مِنَ الأَلْسُنِ،


( وكتاب (الله) أي القرآن ( بين أظهركم ) أي في وسطكم ناطق لا يعيا) أي لا يكل (السانه) كناية عن إمكان دوام الاستفادة منه (وبيت) كما أن البيت يحفظ الإنسان عن الحر والبرد واللص وما أشبه ، كذلك القرآن حافظ للعامل به .

( لا تهدم أركانه) أركان البيت جوانبه المحيطة به، والمراد بأركان القرآن مواعظه وأصوله وأحكامه وما أشبه وعز لا تهزم أعوانه) فإن أعوان القرآن ( منتصرون دائماً لانتصار الحق على الباطل دائماً، إما جسماً، أو روحاً وواقعاً .

(أرسله) الله سبحانه (على حين فترة من الرّسل) أي فاصلة بين الرسول وبين الرّسل السابقة.

وتنازع من الألسن فإنّ الألسن كانت مختلفة، وإنما وحدها الإسلام بلغة القرآن، أو هو كناية عن المذاهب والآراء بعلاقة السبب والمسبب، فإنّ مظهر المذهب اللسان .

فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ، وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ، فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلِينَ بِهِ .


(فقفّى به) أي بالرّسول صلی الله علیه و آله وسلم (الرّسل) أي اتبع الله سبحانه بسبب الرسول أولئك الرسل بأن جعله صلی الله علیه و آله وسلم في قفاهم ومن بعدهم.

(وختم به الوحي) إذ هو صلی الله علیه و آله وسلم آخر الأنبياء وخاتم المرسلين .

(فجاهد في الله) أي في سبيله سبحانه (المدبرين عنه) أي الذين أدبروا عن الله ، وأقبلوا على الأصنام والآثام.

(والعادلين به) أي الذين يجعلون الأوثان عدلاً لله تعالى وشركاء له .

منها في وصف الدنيا :

وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَر الأَعْمَى، لا يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً، وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا .فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ ، وَالأعْمَى إِلَيْهَا


(منها ) : في وصف الدنيا (وإنما الدنيا منتهى بصر الأعمى) فإنَّ الدنيا آخر مكان ينظر إليه الشخص الذي عمى عن الآخرة فيظن أن ليس بعد الدنيا شیئ.

(لا يبصر مما وراءها) أي وراء الدنيا (شيئاً) ويزعم أن لا آخرة .

(والبصير ينفذها بصره) أي ينفذ في الدنيا ويعبر منها إلى الآخرة، فيرى ( أنه وراء الدنيا آخرة (ويعلم أن الدار) الحقيقية التي هي دار باقية (وراءها) وأنها ليست بدار إلا مجازاً .

(فالبصير منها) أي من الدنيا (شاخص ) أي مسافر والمعنى أنه كالمسافريعمل عمل المسافر لا عمل القاطن (والأعمى) الذي لا يرى الآخرة (إليها)

شَاخِصٌ وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدُ،وَالأعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ .


أي إلى الدنيا (شاخص ) بمعنى شخص ببصره إذا نظر به إلى الشيء يعني أن تمام نظره إلى الدنيا، لا ينظر إلى الآخرة .

والبصير منها أي من الدنيا (متزود) يأخذ الزاد للآخرة، لأنه يرى أن داره هناك فلا بد أن يتزود لها .

( والأعمى لها متزود فإنَّه حيث يزعم أن الدنيا هي داره إنما يعمل العمارة الدنيا فقط، فكل ما يحصله من الأشياء إنما يحصله لعمارة الدنيا .

منها في عظة الناس :

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلا وَيَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ مِنْهُ وَيَمَلُّهُ إِلا الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لا يَجِدُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةَ . وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ،


(واعلموا أنه ليس من شيء) من أمور الدنيا (إلا ويكاد صاحبه) أي صاحب ذلك الشيء (يشبع منه ويمله) من الملالة بمعنى الضجر، فإنَّ طبع الإنسان متطور يألف الجديد وينفر من القديم.

(إلا الحياة فإنَّه لا يجد) له أي لنفسه (في الموت راحة) بل يخاف الموت ولا يمل من الحياة خوفاً من أن يبتلى بالموت، وقد جعل الله هذه الخيفة من الموت لمصلحة بالغة هي أن يعمل الإنسان لما بعد الموت، فإنَّ الإنسان إذا خاف من شيء مترقب فكر في علاج الأمر وما يزيل الخوف، وهذا هو المراد من قوله : (وإنما ذلك ) الخوف من الموت (بمنزلة الحكمة التي) هي وضع الأشياء ،مواضعها أي أنّ الخوف حكمة (هي حياة للقلب الميت) الذي لا يعرف الآخرة، فإن خوفه يسوقه إلى العمل الصالح وما يؤتى به نفسه عن الأهوال بعد الموت .

وَبَصَرُ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ ، وَسَمْعُ لِلأُذُنِ الصَّمَّاءِ ، وَرِيٌّ لِلظَّمْآنِ، وَفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَالسَّلاَمَةُ كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، لا يَخْتَلِفُ فِي اللهِ،


(و) ذلك الخوف (بصر للعين العمياء) أي يوجب تبصرها لمن لا يرى إلا الدنيا وسمع للأذن الصماء فإنَّ الخوف يوجب أن يستمع إلى المواعظ ليجد ضالته فيها .

(وريّ للظمآن) الذي ظمأ إلى معرفة ما ينجي من الأهوال، هذا الخوف رتي له أي موجب لريه لأنه يسوقه إلى التحري عن الحقيقة ومعرفة أسباب النجاة .

(وفيها) أي في تلك الحكمة التي هي الخوف من الموت (الغنى كله) فإنَّ الخائف يتزود بما يوجب غناه هناك (والسلامة) فإنَّ الخائف يعمل الصالح الموجب لسلامة آخرته .

ثم عطف الإمام علیه السلام إلى القرآن بقوله : كتاب الله تبصرون به الحقائق من الأصول والفروع والأخلاق والقصص.

(وتنطقون به) فإن حملة الكتاب ينطقون بالكتاب في أوامرهم وسائر شؤون علمهم وعملهم .

(وتسمعون به) أي تستمعون إلى الأشياء بواسطة الكتاب، فإن صدقها الكتاب أخذتم وإلا رفضتم .

(وينطق بعضه ببعض) أي يفسر بعضه بعضاً (ويشهد بعضه على بعض) ففي مكان منه الدعوى، وفي مكان آخر الدليل.

(ولا يختلف) القرآن ( في الله) أي في باب بيان الله، كما يختلف التوراة

وَلا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ . قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلْ فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَنَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ وَتَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الآمَالِ ، وَتَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الأَمْوَالِ. لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ ،


والإنجيل الرائجان في أوصافه سبحانه.

( ولا يخالف) القرآن (بصاحبه) الذي أخذ به وعمل بما فيه (عن الله) أي لا يبعده عنه تعالى إن القرآن الذي هذا شأنه بينكم ولكنكم أعرضتم عنه (و قد اصطلحتم) أي تصالح بعضكم مع بعض (على الغل فيما بينكم) أي الخيانة والحقد فيحقد بعضكم على بعض، ويخون بعضكم بعضاً، كأنه وقع التصالح على ذلك، ولذا لا ينكر أحد منكم على الآخر غله وعمله الفاسد.

(و) اصطلحتم على (نبت المرعى على دمنكم) هذا مثال لمن يتصالح في الظاهر ويريد الغدر في الباطن، المرعى: النبات و[دمن]: جمع تمع [دمنة] بمعنى المحل القذر ، فإنَّ النبات الذي ينبت على المقاذر نضر، لكنه سريع الجفاف، وكذلك التصالح الذي يقع مع غل القلوب، فإنَّه في الظاهر جميل، لكنه في الباطن سريع الزوال، لأن غل القلوب لا يذره يبقى، والمعنى أن صلحكم على الغل من هذا القبيل .

(وتصافيتم) أي صار بينكم الصفا (على حبّ الآمال) فلكل أمل يرقبه ولا ينكر عليه غيره للتصافي الذي صار بينهم .

(وتعاديتم في كسب الأموال) فإنَّ بعضكم يعادي بعضاً حول مال الدنيا، يريد كل واحد أن يسلب ما في يدي الآخر، ويسبق إلى المنفعة قبل وصول أخيه إليها .

(لقد استهام بكم الخبيث) أي الشيطان والمعنى صار هائماً - شديد

وَتَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ .


العشق - بكم حيث راكم لأوامره مطيعين (وتاه بكم الغرور) أي أن الغرور أوجب ضلالكم ، من تاه إذا تحير .

(والله المستعان) الذي يستعان به لإنقاذه تعالى المبتلي بيد عدوه (على نفسي وأنفسكم) حتى نتغلب عليها، ولا تقودنا إلى هواها .

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم

وَقَدْ تَوَكَّلَ اللهُ لأهل هذا الدين بإعْزَازِ الْحَوْزَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ .


التوضيح:

وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم بنفسه فقد كان الجيش الإسلامي يحارب في جبهات الشام بقيادة خالد بن الوليد - في زمن أبي بكر - ولما مات وولى عمر الأمر، عزل خالداً - لما بينهما من الإحن - ونصب مكانه أبا عبيدة الجراح، فضعف الجيش عن المقاومة، وخرج ملك الروم بنفسه للمحاربة، فقوى جانب الكفار لما رأوا ملكهم معهم، ووصل الخبر إلى عمر فأراد أن يخرج بنفسه، فشاور الإمام علیه السلام في ذلك - كما كان عادته مشاورة الإمام - لما يعلم من صواب رأيه علیه السلام ، ولم يكن الإمام من يخفي عنه النصيحة للإسلام والمسلمين فأشار الإمام علیه السلام ، عليه بعدم خروجه قائلاً:

(وقد توكّل الله) أي تحفظ سبحانه (لأهل هذا الدين) أي المسلمين (بإعزاز الحوزة) حوزة كل شيء ،مجمعه وما يحوزه أي يملكه، أي أنه سبحانه يعزّ حمى الإسلام.

(وستر العورة) أي عورة المسلمين وهي محلات النقص فيهم، يسترها

وَالَّذِي نَصَرَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَنْتَصِرُونَ، وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَمْتَنِعُونَ،حَيَّ لا يَمُوتُ.

إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ ، فَتَلْقَهُمْ بِشَخْصِكَ فَتُنْكَبْ لا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَائِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلادِهِمْ لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ ،


لئلا يراها الأعداء فيهاجمون منها على المسلمين .

(و) الله سبحانه (الذي نصرهم) أي المسلمين (وهم قليل) في بدء الإسلام (لا ينتصرون) أي أن من شأنهم أن لا يتغلبوا على الأعداء لقلتهم وكثرة الأعداء (ومنعهم) عن تسلّط الأعداء عليهم (وهم قليل لا يمتنعون) أي ليس فيهم قابلية الامتناع (حي لا يموت) فيقدر أن ينصرهم على الروم، ويمنعهم عن بأس الكفار، وبعد بيان هذه المقدمة بين الإمام العلة في نهيه عمر عن الخروج إلى الروم - بنفسه - فقال :

(إنك متى تسر إلى هذا العدو) الذي هو الروم ( بنفسك فتلقهم بشخصك) في ميدان الحرب (فتنكب) أي تغلب بأن يغلب الروم عليك - فرضاً - (لا تكن للمسلمين كانفة) أي عاصمة وكنف يلجأون إليها (دون أقصى بلادهم) أي ملجأ يحفظ بلادهم كأنه حامي لأقاصي بلاد الإسلام كما يقال : لا حافظ دون البلد، أي إمام البلد يحفظه أي إمام البلد يحفظه من الأخطار.

(ليس بعدك) إذا نكبت وغلب الروم (مرجع يرجعون إليه) أما إذا كنت المدينة، وكسر جيش الإسلام لا يهولهم الأمر لوجود الحافظ والمرجع. ولا يخفى أن هذا الكلام لا ينافي رؤية الإمام الحق لنفسه، إذ كان الأمر دائراً بين ذهاب الإسلام أو ذهاب حق الإمام، فاختار الثاني، فإنَّه إذا ذهب عمر وغلب انكسر المسلمون هناك، وطمع فيهم الأعداء من كل مكان

فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً ، وَاحْفِرُ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلاءِ وَالنَّصِيحَةِ ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى كُنتَ رِدْءاً للنَّاسِ وَمَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ .


والإمام لم يعرف عند جميع المسلمين بكونه مرجعاً حتى يكون الأخذ بالزمام، ولعله كان في ذلك هلاك الأمة .

إن قلت : ألم يكن يقدر الإمام على الحفظ؟

:قلت النبي والإمام يسيرون حسب الظروف الظاهرية العادية، والإمام بلا معين لم يكن يقدر حسب العادة .

( فابعث إليهم رجلاً محرباً) أي ممارساً للحروب (واحفز) أي إدفع (معه أهل البلاء) أي الذين لهم مهارة وتجارب (والنصيحة) الذين ينصحون لله والرّسول والمسلمين في الجهاد لا يريدون إلا الحق .

(فإن أظهرالله) الأمر بأن كان الغلب للمسلمين (فذاك ما تحب) وقد انتهى الأمر بسلام.

(وإن تكن الأخرى) بأن انكسر المسلمون (كنت) أنت (ردءاً) أي ملجاً (للنّاس) المنكسرين (ومثابة) أي مرجعاً (للمسلمين) فتهيئ الجيش من جديد .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

وقد وقعت مشاجرة بينه وبين عثمان فقال المغيرة بن الأخنس لعثمان أنا أكفيكه، فقال علي علیه السلام للمغيرة:

يَا بْنَ اللَّعِينِ الأبْتَرِ، وَالشَّجَرَةِ الَّتِي لا أَصْلَ لَهَا وَلا فَرْعَ، أَنْتَ تَكْفِينِي؟ وَاللهِ مَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ، وَلا قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ.

اخْرُجْ عَنا أَبْعَدَ اللهُ نَوَاكَ، ثُمَّ أَبْلِغْ جُهْدَكَ، فَلا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ!


التوضيح:

(يا بن اللعين الأبتر) أبو مغيرة كان من رؤوس المنافقين والأبتر كل شيء انقطع عن الخير من بتر بمعنى قطع (والشجرة التي لا أصل لها لا آباء کرام (ولا فرع) إلى أولاد صالحين (أنت تكفيني)؟ استفهام إنكار (والله ما أعز الله من أنت ناصره) فإنَّ الشخص الذي لا دين له لا ينصر نصرة لله فيها رضى حتى يعزّ منصوره.

(ولا قام من أنت منهضه) أي تنهضه ،وتقومه فإنّ الشخص الجبان لا يتمكن من إقامة إنسان (اخرج عنا أبعد الله نواك) أي دارك، أو النوى بمعنى البعد والمعنى إن بعدك يكون كثيراً (ثم ابلغ جهدك) فيما تشاء أن تعمل من التخريب والإفساد .

(فلا أبقى الله عليك إن أبقيت) يقال أبقيت على فلان إذا راعيته ،

---------------------------

والمعنى عدم تمكنه من أي إفساد ،وعمل حتى أنه إذا أراد الإبقاء على الإمام علیه السلام ورعايته، لم يحتج الإمام إلى ذلك، بل يطلب منه أن لا يبقى عليه، ويدعو عليه بأن لا يرعاه الله إن أراد رعاية الإمام .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

في أمر البيعة

لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً . إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنفُسِكُمْ .

أَيُّهَا النَّاسُ ، أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ ،


التوضيح:

(لم تكن بيعتكم إياي فلتة) الفلتة الأمر الذي يقع فجأة بلا روية ولا استشارة وهذا إشارة إلى ما وصف به عمر بيعة أبي بكر - كما في كتب السنة قال : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وفى الله المسلمين شرّها ومن عاد إليها فاقتلوه، قال الشاعر :

قد قال فيها أنها لفلتة *** لاترجعوا لمثلها البتة

وهذا الكلام من الإمام إشارة إلى وجوب إطاعتهم له، لأن الأمر لم يكن بلا اختيار ومشورة حتى يحتجوا بأنهم اضطروا ، فلا حكم لبيعتهم.

(وليس أمري وأمركم واحداً) أي لنا اتجاهان إني أريدكم لله بأن أقيمكم وأقيم أمر الله فيكم وأنتم تريدونني لأنفسكم بأن أعمر دنياكم وأشبع ميولكم .

(أيها الناس أعينوني على أنفسكم) أي إذا أمرت أمراً خلاف ميولكم

وَأَيْمُ اللهِ لأَنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ ، حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِها .


فأنفذوا أمري على أنفسكم وإن كانت كارهة لذلك.

(وأيم الله) حلف بالله تعالى (لأنصفنّ المظلوم من ظالمه) يعني آخذ الحق للمظلوم ممّن ظلمه .

( ولأقودن الظالم بخزامته) هي خلقة من من شعر تجعل في وترة أنف البعير ليشد فيها الزمام فيقاد حيث شاء وهو كناية عن إرغام الظالم (حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها) المنهل محل ورود الماء .

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

في شأن طلحة والزبير، وفي البيعة له

وَاللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيًّ مُنْكَراً ، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نِصْفاً . وَإِنَّهُمْ ليَطْلُبُونَ حَقاً هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَما هُمْ سَفَكُوهُ ، فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي


التوضيح :

(في معنى طلحة والزبير) كيف بايعا الإمام وكيف خرجا عليه .

(والله ما أنكروا) طلحة والزبير وأتباعهما (علي منكراً) عملته يبررون بذلك خروجهم عليّ.

(ولاجعلوا بيني وبينهم نصفاً) أي عدلاً وإنصافاً بأن ينصفونني (وإنهم) باحتجاجهم الباطل في طلبهم مني دم عثمان (ليطلبون حقاً هم تركوه) فإنَّ كان حق عثمان صحيحاً، فلماذا تركوا عثمان حتى قتل بدون أن يفكروا في منع القاتلين .

(ودماً هم سفكوه) فإنّهم كانوا في طليعة المحرضين على قتل عثمان (فإن كنت) فرضاً (شريكهم فيه) أي في سفك دم عثمان (فإن لهم نصيبهم منه) ولا وجه لأن يطالب أحد القتلة قاتلاً آخر بالدية والقود.

(وإن كانوا ولوه) أي باشروا سفك دم عثمان (دوني) وكان هذا هو الواقع

فَمَا الطَّلِبَةُ إِلا قِبَلَهُمْ .

وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ وَلا لُبِسَ عَلَيَّ . وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمَا


حيث أن الإمام كان يستسفر بين عثمان والثوار لئلا تقع المشكلة .

(فما الطلبة إلا قبلهم) الطلبة ما يطالب به الثأر، إن المطلوب بدم عثمان، هم غيري .

(و) بناءاً على هذا ف(إن أول عدلهم) إذا أرادوا العدل (للحكم على أنفسهم) [اللام] للتأكيد والجملة خبر [إن] فاللازم أن يحكموا أولاً على أنفسهم ثم من بعد ذلك ينظرون من كان شريكاً معهم، والواقع أن طلحة والزبير ومعاوية وعائشة كانوا هم الذين أثاروا الفتنة على عثمان، ولكنهم لما رأوا أن الإمام لا ينزل عند رغبتهم في توليتهم المناصب وإعطائهم الأموال اتخذوا دم عثمان ذريعة لوصولهم إلى شهواتهم، لكن القضاء عاكس جميعهم فالأولان قتلا هدراً وعائشة ابتليت بمعاوية التي لم تكن تفكر في أنه يصبح خليفة، ومعاوية وإن نال الخلافة أياماً، لكن أيامه كانت أيام فتن واضطرابات مما لم يهنأ بالملك، ثم أورث اللعنة والخزي إلى الأبد .

(إن معي لبصيرتي) لم أفارق بصيرتي وعلمي حتى لا أعلم ما لي مما عليّ (ما لبست) أي اشتبهت (ولا لبس علي) بأن يسبب قول الناس وعملهم إشتباهاً في أمري حتى أشتبه ولا أعلم وجه الحق فأنا أعلم أني على حق وأنهم على باطل.

(وإنها) أي هذه الفئة التي تحارب بقيادة طلحة والزبير (للفئة الباغية) التي تبغی وتظلم (فيها الحمأ) أي القريب في النسب من الإمام وهو الزبير فقد كان

وَالْحُمَّةُ. وَالشَّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ ، وَإِنَّ الأمْرَ لَوَاضِحٌ، وَقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَاتُهُ عَنْ شَغَبِهِ . وَأَيْمُ اللَّهِ لأُقْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لا يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِي، وَلَا يَعُبُونَ بَعْدَهُ فِي حَسْي!


ابن خالة الإمام (والحمة) وهي الإبرة اللاسعة من العقرب ونحوه ويشير بذلك إلى زوجة الرسول، حيث كانت تلدغ ، وقد أخبر الرّسول صلی الله علیه و آله وسلم الإمام بخروج هؤلاء عليه كما أخبرصلی الله علیه و آله وسلم عائشة بالذات .

(والشبهة المغدفة) من أغدف بمعنى أظلم، أي الشبهة التي تظلم وجه الحق، وتستر على الناس الدوافع الحقيقية لطلب هؤلاء بدم عثمان.

(وإن الأمر لواضح) في ذاته ودوافعه (وقد زاح الباطل) أي زال وذهب عن نصابه أي عن محله (وانقطع لسانه) أي لسان الباطل (عن شغبه) الشعب تهيج الشر، فقد كان الناس يعرفون دوافع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية، وقد أوضحها الإمام في عدة خطب وكلمات حتى لم يكن للمشتبه عذر في عدم العلم .

(وايم الله لأفرطن لهم حوضاً أنا ماتحه) أفرط الحوض بمعنى ملأه حتى فاض، ومتح الماء بمعنى نزعه من البئر أو نحوها وأخرجه يعني أملاً لهم حوض المنية الذي أنا أخرجت ماء ذلك الحوض وحصلت عليه، وذلك كناية عن استعداده للمحاربة فهو يمتح الماء ويملأ أحواضهم .

(لا يصدرون عنه بري) أي لا يتمكنون من الاستفادة من ذلك الحوض فلا يرتوون منه ، بل يغصون بمائه، وذلك كناية عن عدم استفادتهم لمطالبهم من هذا الشعب الذي أثاروه .

(ولا يعبون) العب شرب سريع بلا تنفس (بعده) أي بعد الشرب من هذا الحوض (في حسي) وهو مجمع الماء في الأرض أي لا يتمكنون أن يشربوا

منه : فَأَقْبَلْتُمْ إِلَى إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيل عَلَى أَوْلادِهَا، تَقُولُونَ : الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ : قَبَضْتُ كَفْي فَبَسَطْتُمُوهَا ، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا . اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَظَلَمَانِي، وَنَكْنَا بَيْعَتِي، وَأَلْبَا النَّاسَ عَلَيَّ، فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَلا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا ، وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَلا وَعَمِلا .


ماءاً بعد شربهم من هذا الحوض، لأن ماءه يهلكهم فلا تبقى لهم حياة ليشربوا من ماء آخر.

(منه) في كيفية بيعة الناس له علیه السلام :

( فأقبلتم) بعد قتل عثمان (إليَّ إقبال العوذ) أي مثل إقبال الأنثى من الضبي والإبل، جمع عائذة (المطافيل) جمع [مطفل] بمعنى ذات الطفل (على أولادها) فكما أن الأم تقبل على أولادها كأنها تستجير بها وتلوذ، كذلك كانت الناس تقبل على الإمام للبيعة معه .

(تقولون : البيعة البيعة) منصوب بفعل مقدر أي نريد البيعة (قبضت كفّي) أي جمعتها لئلا تلامس أيديكم للبيعة (فبسطتموها) وجزيتموها (ونازعتكم يدي) أريد قبضها وتريدون بسطها (فجاذبتموها ) للبيعة، هكذا كانت بيعة الناس لي، ومنهم طلحة والزبير، ثم نكثا إيثاراً للدنيا ولشهواتهما.

(اللّهمّ إنّهما) أي طلحة والزبير (قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي) أي نقضاها (وألبا ) أي حرضا (الناس عليّ ) لنكث البيعة والمحاربة (فاحلل ما عقدا) من الاتفاق ضدّي، حتى تفسد عقدتهما (ولا تحكم لهما ما أبرما) أي لا تجعل ما أبرما محكماً حتى لا يقبل النقض والنكث .

(وأرهما المساءة) أي السوء (فيما أملا) من النفوذ والسلطة، فقد كان أمل طلحة والزبير الخلافة والإمارة ( وعملا) من تهيئة الجيش وتحريض الناس وقد استجاب الله دعاء الإمام علیه السلام ، فقتلا شر قتلة ولم ينالا ما أرادا .

وَلَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ، وَاسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ، فَغَمَطَا النِّعْمَةَ، وَرَدًا الْعَافِيَةَ .


(ولقد استثبتهما) أي طلبت رجوعهما إلى البيعة والطاعة من [ثاب]بمعنى رجع (قبل القتال) فأبيا (واستأنيت بهما أمام الوقاع) أي طلبت منهما الأناة والتؤدة قبل وقوع الحرب (فغمطا النعمة) أي جحداها، والمراد نعمتي عليهما (وردّا العافية) بالسلامة من الحرب إلى المحاربة والمقاتلة .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

يومئ فيها إلى ذكر الملاحم

يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى ، إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ .

منها : حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِذْهَا ،


التوضيح:

(يعطف الهوى على الهدى) هذا في أحوال الإمام المنتظر المهدي [عجل الله تعالى فرجه] الذي بشر به الرسول صلی الله علیه و آله وسلم في أخبار متواترة ذكرها علماء السنّة وعلماء الشيعة، والمعنى أن الإمام يحكم بالهدى ويترك الهوى.

(إذا عطفوا) أي سائر الناس (الهدى على الهوى) بأن جعلوا الدين تبعاً لهواهم ومشتهيات أنفسهم (ويعطف) الإمام علیه السلام (الرأي على القرآن) فيرى حسب أحكام القرآن ويفتي بها (إذا عطفوا القرآن على الرأي) بأن أولوا القرآن حسب آرائهم وأفكارهم.

(منها) في بيان كيفية استيلاء الإمام المنتظر، وحكمه في البلاد والعباد فإنه علیه السلام يأتي ويثور (حتى تقوم الحرب بكم على ساق) كناية عن اشتدادها كالإنسان القائم على رجله، ليتهيأ للأمر (بادياً) أي ظاهراً (نواجذها) جمع [ناجذ] وهي أربعة في أقصى الأضراس وهذا كناية عن شدة الاحتدام، فإن

مَمْلُوءَةَ أَخْلافُهَا، حُلُوا رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا أَلَا وَفِي غَدٍ - وَسَيَأْتِي غَدْ بِمَا لا تَعْرِفُونَ - يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِي أَعْمَالِهَا ، وَتُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ


الأسد إذا اشتد غضبه أبدى نواجذه .

(مملوءة أخلافها) جمع خلف - بالكسر - بمعنى الضرع وهذا كناية عن كثرة الشر واستعداده للظهور كاستعداد الحليب في الضرع إذا امتلأ.

(حلواً رضاعها) فإنَّ الناس يستعذبون تلك الحرب لما يروا فيها من سيطرة الحق (علقماً) أي مرّاً كالعلقم (عاقبتها) بالنسبة إلى الظالمين (ألا وفي غد) والمراد المستقبل، وإن كان بعيداً، كما يطلق الأمس على الماضي، وإن كان قبل دهر .

(وسيأتي غد بما لا تعرفون) جملة معترضة بين الظرف [في غد] والمظروف [ يأخذ] أتت للتهويل .

(يأخذ الوالي) المراد بالوالي الإمام الحجة علیه السلام (من غيرها) أي أن المتصف بكونه من غير هؤلاء السلاطين، وكأنه قد سبق ذكر للإمرة والولاية لجماعة من الناس كبني أمية والعباس .

(عمالها على مساوئ أعمالها) أي يحاسب العمال الذين تحت نفوذه وأمرته على سوء تصرفاتهم في البلاد والعباد ولا يتركهم هملاً يعملون كيف العادة في الحكومات الظالمة حيث لا تهمهم مظالم الناس يشاءون كما هي هي وظلم العمال.

(وتخرج له الأرض أفاليذ) جمع أفلاذ، وهو جمع فلذة، وهي القطعة الثمينة من المعادن كالذهب والماس وغيرهما.

كَبِدِهَا، وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا، فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ، وَيُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

منها : كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّام، وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ،فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضُّرُوسِ،


( كبدها) جمع كبد شبّه بها المعادن المخفية تحت الأرض، والمراد أن المعادن والكنوز تظهر للإمام الحجة علیه السلام .

( وتلقي) الأرض (إليه) أي إلى الإمام الحجة علیه السلام (سلماً مقاليدها) جمع مقلاد ، وهو المفتاح ومفاتيح الأرض الأشياء التي هي سبب للوصول إلى غايات مهمة من فتح البلاد واستخراج الثروات وما أشبه ذلك، وقوله: [سلماً] أي بدون صعوبة كبيرة .

(فيريكم) الإمام الحجة (كيف عدل السيرة) أي السيرة العادلة، أو سيرة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فاللام للعهد الذهني ( ويحيي ميت الكتاب والسنة) والمراد بميتهما ما أهمل وترك العمل به منهما وحياته رواجه وتنفيذه.

(منها) : أي قطعة من هذه الخطبة (كأني به) لفظة [كأني] وما أشبه للدلالة على أن الأمر واقع حتى كأن الإمام علیه السلام ينظر إليه ، والضمير [به] على ماذكروا عائد إلى عبد الملك بن مروان الذي ثارت أطراف البلاد عليه فأخمدها .

(قدنعق) أي صوت والنعيق هو الصوت الذي له أعوان (بالشام) فإنَّ مركز عبد الملك كان الشام وفحص (براياته أي بحث بأعلامه، وبحثها كناية عن تركيزها، لأن العلم يركز بعد حفر الأرض كأنه فحص القطات لبيضها (في ضواحي كوفان) جمع ضاحية وهي الناحية (فعطف) أي عبد الملك (عليها) أي على تلك الضواحي وأهاليها (عطف الضروس) هي الناقة السيئة

وَفَرَشَ الأَرْضَ بِالرُّؤُوسِ . قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَثَقُلَتْ فِي الأَرْضِ وَطاتُهُ، بَعِيدَ الْجَوْلَةِ، عَظِيمَ الصَّوْلَةِ. وَاللَّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلا قَلِيلٌ، كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ، فَلا تَزَالُونَ كَذَلِكَ، حَتَّى تَؤُوبَ إلَى الْعَرَب عَوَازِبُ أَحْلامِهَا !


الخلق والمراد انتقام عبد الملك من الأهالي، فإنَّه قد ثار المختار ضد بني أمية، ثم ثار ابن الزبير في مكة وأرسل أخاه مصعباً، فاستولى مصعب على العراق، وقتل المختار، ثم جاء عبد الملك وقتل مصعباً وانتقم من أهالي الكوفة وما والاها انتقاماً شديداً، وأكثر فيهم القتل .

( وفرش الأرض بالرؤوس) كناية عن كثرة قتله لأهل العراق (قد فغرت) أي انفتحت (فاغرته) كناية عن فمه، فإنّ السبع إذا أراد إلتهام شيء فتح فاه للأكل والازدراد.

( وثقلت في الأرض وطأته) أي قدمه التي توطئ الأرض، وذلك كناية ثقله على الناس لما كانوا يخافون ويرهبون بطشه وفتكه (بعيد الجولة) الحركة كناية عن سيطرته في الآفاق .

(عظيم الصولة) أي البطش والفتك، يقال صال الأسد إذا وثب على فريسته (والله ليشردنكم) يفرقنكم (في أطراف الأرض حتى لا يبقى منكم) معاشر المخاطبين والمراد هم وذريتهم، (إلا قليل) ينجو من يده (كالكحل في العين) من القلة واستدارة الأعداء عليهم (فلا تزالون كذلك) في ظلم بني أمية واضطهادهم (حتى تؤوب) أي ترجع (إلى العرب عوازب أحلامها) أي غائبات عقولها، فإنّ عوازب جمع عازبة، بمعنى الغائبة والأحلام جمع حلم

فَالْزَمُوا السَّنَنَ الْقَائِمَةَ، وَالآثَارَ الْبَيْنَةَ، وَالْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ .


بمعنى العقل، وهل المراد بذلك بنو العباس لأنهم كانوا عرباً أصلاً - بخلاف بني أمية الذين كان أصلهم من الروم - أو سلاطين الشيعة، أو ذلك في زمان الإمام المهدي علیه السلام ؟ احتمالات .

( فالزموا) أيّها النّاس (السنن القائمة) أي الأحكام التي هي جارية بينكم ولا تتركوها (والآثارالبيّنة) أي آثار الرسول صلی الله علیه و آله وسلم الواضحة الظاهرة (والعهد القريب) أي عهد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، الذي هو قريب من زمانكم (الذي فيه) أي على ذلك العهد (باقي النبوة) والمراد بها الأئمة ( عليهم السلام)، الذين هم الباقون من آل الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

(واعلموا أن الشيطان إنما يسنّي) أي يهيّئ (لكم طرقه) بالتزيين لكم وحثكم على سيرها (لتتبعوا عقبه) أي عقب الشيطان، والعقب مؤخر القدم.

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

في وقت الشورى

لَمْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَعَائِدَةِ كَرَم. فَاسْمَعُوا قَوْلِي، وَعُوا مَنْطِقِي عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ تُنتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ،


التوضيح:

قاله علیه السلام لأهل الشورى - الخمسة - حينما كانوا يريدون انتزاع الأم منه .

(لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة الحق) فإني أول الناس إجابة إلى دعوة الحق، كما في زمن الرّسول صلی الله علیه و آله وسلم، حيث كان أوّل الناس إيماناً، وإطاعة للرسول في كل أمر (وصلة (رحم) فإنَّ قبول الإسلام من الرسول صلی الله علیه و آله وسلم كان صلة للرحم حين قطعها سائر أقارب الرسول.

(وعائدةكرم) أي الكرم العائد على الناس بخير، فالإضافة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف .

(فاسمعوا قولي) حيث علمتم سوابقي وأني لا أقصد ولا أعمل إلا الخير (وعوا) أي أدركوا (منطقي) أي كلامي (عسى) أي لعل - إذا أسرعتم إلى الانتخاب - (أن تروا هذا الأمر) أي انتخاب أحد بلا روية ( من بعد هذا اليوم تنتضى) أي تسل وتجر (فيه السيوف) للمقاتلة (وتخان فيه العهود) بين الأمة

حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لأهْلِ الضَّلالَةِ، وَشِيعَةَ لأهْلِ الْجَهَالَةِ.


والولاة (حتى يكون بعضكم أئمة لأهل (الضلالة) أي مقتدى لهم (و شيعة لأهل الجهالة) أي تابعاً لأهل الجهل، وقد كان كما قال الإمام علیه السلام ، فإنَّ عثمان خان عهد أهل الشورى بأن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله، بل سار على هواه حتى اجتمع الثوار فقتلوه، وصار إماماً لأهل الضلالة كمعاوية ومن أشبه بينما كان تابعاً لأهل الجهل كصهره مروان وسائر أقربائه يتبع آرائهم في العمل على خلاف الكتاب والسنة .

ومن كلام له علیه السلام

في النهي عن عيب الناس

وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لأهْلِ الْعِصْمَةِ وَالْمَصْنُوع إِلَيْهِمْ فِي السَّلامَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَيَكُونَ الشَّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ ، وَالْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ، فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ وَعَيْرَهُ بِبَلْوَاهُ أَمَا ذَكَرَ


التوضيح:

(وإنما ينبغي لأهل العصمة) الذين حفظهم الله وعصمهم عن اقتراف الآثام، والمراد الذين لا يعصونه سبحانه كالعدول (والمصنوع إليهم في السلامة) الذين صنع الله إليهم في أن يسلموا من الآثام والسيئات (أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية) بأن يهتموا لإقصائهم عن المعاصي، كما لو قيل ترحم على المريض كان معناه أعطف عليه وأنجه من المرض (ويكون الشكر) على ما أنعم الله عليهم بإرشادهم إلى الطريق وحفظهم عن العصيان .

(هو الغالب عليهم والحاجز لهم) أي المانع لأهل العصمة ( عنهم) أي عن عيب أهل المعصية .

(فكيف بالعائب الذي عاب أخاه) لأنه يعصي فهو بعدم شكره وعدم ترحمه قد خالف اللازم عليه فكيف إذا زاد على ذلك الاشتغال بالعيب .

(وعیره ببلواه) الذي ابتلي به من العصيان (أماذكر) هذا العائب أخاه

مَوْضِعَ سَتْرِ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ ! وَكَيْفَ يَدُمُهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى الله فِيمَا سِوَاهُ، مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ . وَأَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ ، وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ ، لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ!

يَا عَبْدَ اللهِ لا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ،


العاصي (موضع ستر الله عليه) أي أما فعل الله تعالى بهذا الشخص العائب (من ذنوبه) بيان لما ستر متعلق به [ستر] (مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به) فإنَّ أهل الصلاح مهما كانوا أتقياء - إذا لم يكونوا معصومين - لا بد وأن قد ارتكبوا جرائم هي بالنسبة إليهم، أعظم من الجرائم التي يرتكبها الفساق بالنسبة إلى أنفسهم (وكيف يذمه بذنب قد ركب مثله) أي قد عمل مثل ذلك الذنب (فإن لم يكن ركب ذلك الذنب بعينه) الذي يعيب الفاسق به (فقد عصی الله فيما سواه) أي سوى ذلك الذنب (مما هو أعظم منه) وقد مر وجه كونه أعظم ، ثم بين الإمام أنه إذا فرض عدم وجود ذنب له سابقاً، لكنه الآن آت بالذنب .

( وأيم الله لئن لم يكن عصاه) أي عصى الله (في الكبير و) لم يكن ((عصاه في الصغير) قبل ذلك (لجراءته على عيب الناس أكبر) من عيوب الناس فهو إذاً عاص له سبحانه بعيبه للناس .

(یا عبدالله لا تعجل في عيب أحد بذنبه ) أي بسبب ذنبه (فلعله مغفور له) ولا يخفى أنّ هذا الكلام من الإمام علیه السلام إنما هو بالنسبة إلى الذين لم يخلعوا جلباب الحياء ممن أمر الله سبحانه بذمهم وعيبهم، ليذوقوا هون المعصية، ويجنب الناس عن اتباعهم والإقتداء بعملهم .

وَلا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةِ، فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ . فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبٍ نَفْسِهِ ، وَلْيَكُن الشكرُ شَافِلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ


(ولا تأمن على نفسك صغير معصية، فلعلك معذب عليه) إذ لا يعلم الإنسان مورد غضب الله تعالى، ولذا ورد لا تحقر شيئاً من المعاصي فلعل فيها غضب الله .

(فليكفف من علم منكم عيب غيره) أي فليحفظ نفسه من أن يعيب أحداً (لما يعلم من عيب نفسه) قال الشاعر :

لا تنه عن خلق وتأتي مثله*** عار عليك إذا فعلت عظيم

(وليكن الشكر) لله سبحانه على ما وفقه (شاغلاً له على معافاته) أي على أن عافاه (مما ابتلي به غيره) من أصناف المعاصي والآثام.

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

في النهي عن سماع الوقيعة وترتيب الأثر عليها، وفي الفرق بين الحق والباطل

أَيُّهَا النَّاسُ ، مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينِ وَسَدَادَ طَرِيقٍ، فَلا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَتَاوِيلَ الرِّجَالِ أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي، وتُخْطِئُ السِّهامُ، وَيُحِيلُ الْكَلَامُ، وَبَاطِلُ ذلِكَ يَبُورُ،


التوضيح:

(أيّها النّاس من عرف) منكم (من أخيه وثيقة دين) أي أن له ديناً يوثقه ويقيده عن اقتراف الآثام والمعاصي (وسدادطريق) أي صحة طريقته وسيرته في الأمور.

(فلا يسمعنّ فيه أقاويل الرّجال) أي كلماتهم البذيئة فيه ورميه بالجرائم (أما إنه قد يرمي الرامي وتخطئ السهام فكما أنه قد تخطئ السهام فلا تصيب الهدف كذلك قد يخطئ الكلام فلا يكون المرمي بالكلام السيئ مقترفاً لما رُمي ،به مثلاً يقال فلان ليس بأمين والحال أن هذا الكلام مخالف للواقع، بل هو أمين في الأمور، وهكذا.

( ويحيل الكلام) أي يتغير عن وجه الحق (وباطل ذلك) الكلام أي المكذوب منه (يبور) أي يهلك ولا يثمر يعني أنه إذا كانت الوقيعة مكذوبة

وَاللهُ سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ. أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلا أَرْبَعُ أَصَابعَ . فسئل، علیه السلام عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال :

الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ !


تهلك وتفسد بلا أن يضرّ المرمي شيئاً (والله سميع) للقذف (وشهيد) يشهد على ذلك وهذا كالتهديد لمن يرمي القول جزافاً .

(أما إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع) [فسئل علیه السلام عن معنى قوله هذا ؟] [فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال] :

(الباطل أن تقول سمعت والحق أن تقول رأيت) والمراد بذلك أن مسموعات الإنسان يختلط فيها الحق بالباطل، فمن الباطل أن يحكم الإنسان بكل شيء ،سمعه، وذلك بخلاف ما وذلك بخلاف ما يراه الإنسان فإنّه حق لا شبهة فيه قالوا وهاتان القضيتان مهمتان إذ لا سور لهما، ولذا جاز أن يكون من المسموع حقاً وهو ما اجتمع فيه شرائط الحجية، ومن المرئي باطلاً وهو الذي يدرك بالبصر خلاف واقعه لعله؛كالماء المتراكم الذي يرى أسود والجسم البعيد الذي يرى صغيراً والخطان المتقاربان اللذان يرى اتصالهما بعد مسافة حقاً وهكذا.

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

في مواضع المعروف

وَلَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَعِنْدَ غَيْر أَهْلِهِ، مِنَ الْحَظْ فِيمَا أَتَى إلا مَحْمَدَةُ اللّثامِ، وَثَنَاءُ الأَشْرَارِ، وَمَقَالَةُ الْجُهَّالِ، مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ : مَا أَجْوَدَ يَدَهُ ! وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللهِ بَخِيلُ !

فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بهِ الْقَرَابَةَ،


التوضيح:

(وليس لواضع المعروف في غير حقه وعند غير أهله) كمن يطلق كلباً عقوراً، فإنّ الإطلاق لغيرحق، وهو ليس بأهل للإطلاق - واللفظتان : في غير .. وعند غير .. متقاربتا المعنى -.

(من الحظ فيما أتى) وعمل من فعل المعروف و[من] متعلق ب[ليس] (إلا محمدة اللئام) فإنّ اللئام هم الذين يحمدون عمله ( وثناء الأشرار ) فإنَّهم يثنون عليه ويمدحونه (ومقالة الجهال) فإنَّ الجهال يقولون فيه القول الحسن (ما دام منعماً عليهم) فإنَّ الثناء ، منهم له ما دامت نعمته قائلين (ما أجود يده) أو أنها جملة مستأنفة، أي أنه جواد (و) لكن (هو عن ذات الله) أي البذل في سبيله وحسب أوامره (بخيل) لا يبذل شيئاً .

( فمن آتاه الله) أي أعطاه سبحانه (مالاً فليصل به القرابة) بأن يبذل على

ذوي قرباه .

وَلْيُحْسِنُ مِنْهُ الضَّيَافَةَ ، وَلْيَفُكَ بِهِ الأَسِيرَ وَالْعَانِي، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ، وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَالنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ، فَإِنَّ فَوْراً بِهِذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الآخِرَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.


(وليحسن منه) أي من ذلك المال (الضيافة) بأن يضيف الناس ضيافة حسنة، لا أن يضيف الأثرياء وأهل المعصية أو ما أشبه (وليفك به الأسير) في أيدي الظالمين، يفديه بماله ليخلصه من شرهم (والعاني) الذي عناه وقصده بحاجته ( وليعط منه) أي من ذلك المال (الفقير والغارم) أي المديون في غير معصية الله سبحانه ( وليصبر نفسه على الحقوق) أي وحقوق الله للناس عليه، بأدائها إليهم كالخمس والزكاة والصدقات .

(والنوائب) جمع نائبة وهي المصيبة فإنَّ للمال والإعطاء في سبيل الصالح العام تبعات وصعوبات، وذلك (ابتغاء الثواب) أي طلب الأجر من الله سبحانه، لا لأجل الرياء والسمعة (فإن فوزاً) يفوز به الإنسان (ب) سبب (هذه الخصال) التي ذكرت، وإنّما نكر [فوزاً] للتعظيم نحو : [ربنا آتنا في الدنيا حسنة] .

(شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة) فقد حاز المنفق ماله في هذه السبل الشرف الدنيا وسعادة الآخرة (إن شاء الله) تعالى .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في الاستسقاء

أَلا وَإِنَّ الأَرْضَ الَّتِي تُقِلُّكُمْ، وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ، مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ، وَمَا أَصْبَحَنَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجَّعاً لَكُمْ، وَلَا زُلْفَةً إِلَيْكُمْ ، وَلا لِخَيْرِ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ أَمِرَنَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا، وَأَقِيمَتَا


التوضيح:

(ألا وإن الأرض التي تقلكم) أي تحملكم (والسماء التي تظلكم) تشبيه للسماء بالسقف الذي يظل الإنسان من الحر والبرد (مطيعتان لربكم) كما قال سبحانه: «فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ» (1).

(وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما) من المطر والنبات وما أشبه (توجعاً لكم) أي تألماً ،لفقركم كما يتألم الإنسان لإنسان فقير .

(ولا زلفة إليكم) أي لأجل أنهما تريدان الاقتراب والتحبب إليكم (ولا لخير ترجوانه منكم) فهما غنيان عنكم .

(ولكن أمرنا بمنافعكم) أمرهما الله سبحانه بأن تنفعاكم (فأطاعتا وأقيمتا)


1) سورة فصلت : 11.

عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا . إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِغْلاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكَّرٌ ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ الاِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ


أي أقامهما الله سبحانه (على حدود مصالحكم فقامتا) بأمر الله سبحانه (إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة) أي إذا عملوا السيئات (بنقص الثمرات) فتحمل الأشجار ثماراً أقل مما كانت تحمل سابقاً.

(وحبس البركات) جمع بركة وهي النمو والزيادة فنتاج الحيوان والأرض وما أشبه يكون أقل.

(وإغلاق خزائن الخيرات) فالخير الذي كان يأتي سابقاً، من الإنسان لأخيه، أو من السماء أو من الأرض، تغلق أبوابه (ليتوب تائب) فإنَّ التأديب موجب لليقظة والتوبة .

(ويقلع مقلع) أي ينتهي عن الشيء من أراد الانتهاء ( ويتذكر متذكر) أي من له قابلية التذكر والإنزجار بواسطة التأديب (ويزدجر مزدجر) أي ينزجر عن المعصية من أراد الإنزجار .

(وقد جعل الله سبحانه الاستغفار سبباً لدرور الرزق) أي درّه ونزوله كدر الحليب (ورحمة الخلق) عطف على [درور].

(فقال) تعالى في القرآن الحكيم: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) كثير المغفرة للذنوب (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً) أي هاطلاً بالأمطار (وَيُمْدِدْكُمْ

بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) (1). فَرَحِمَ اللهُ امْرِئَ اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَبَادَرَ مَنِيَّتَهُ اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتَارِ وَالْأَكْنَانِ، وَبَعْدَ عَجِيج الْبَهَائِمِ وَالْوِلْدَانِ، رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ، وَرَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ، وَخَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَنِقْمَتِكَ. اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، وَلا تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ،


بِأَمْوَالِ وَبَنِينَ)، بأن يكثر أموالكم وأولادكم ، كل ذلك بسبب الاستغفار .

(فرحم الله امرءاً استقبل توبته) كما يستقبل الإنسان أصدقائه وأقربائه،والمراد تاب في مستقبل عمره وجهله [ رحم الله] ماض، لكنه بمعنى الدعاء والإنشاء.

( واستقال خطيئته) أي طلب منه سبحانه أن يقيله ويغفر ذنبه كأنه لم (يذنب وبادر) (منيته أي الموت بأن عمل قبل أن يموت.

(اللهمَّ إنا خرجنا إليك) في الصحراء - على ما يقتضي العادة من كون الاستسقاء في الصحراء - (من تحت الأستار) كالمخدرات اللاتي خرجن من تحت الستر ( والأكنان) جمع كن، وهو البيت (وبعد عجيج البهائم) أي صوتها من العطش (والولدان) أي عجيج الأولاد الصغار من العطش.

في حال كوننا (راغبين في رحمتك) بإنزال المطر ودر الخير (وراجين فضل نعمتك) بأن تتفضل علينا من نعمتك (وخائفين من عذابك ونقمتك) النقمة ضد الرحمة.

(اللهمَّ فاسقنا غيثك) أي المطر النازل من عندك (ولا تجعلنا من القانطين) أي الآيسين من رحمة الله (ولا تهلكنا بالسنين) جمع سنة

بمعنى


1) سورة نوح : 10 - 12 .

(وَلا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمْ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ ، حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَايِقُ الْوَعْرَةُ وَأَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَةُ، وَأَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسْرَةُ، وَتَلاحَمَتْ عَلَيْنَا الْفِتَنُ الْمُسْتَصْعِبَةُ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ لا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَلَا تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ.


القحط والجدب (ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا) من المعاصي، فإنَّ العاصي سفيه وإن ظهر في كمال العقل (يا أرحم الراحمين) فإنَّ سبحانه أكثر كماً وكيفاً من كل رحمة .

(اللهم إنّا خرجنا إليك) أي خروجنا لنطلب لطفك وإحسانك ، فإنَّه سبحانه منزّه عن المكان .

(نشكو إليك ما لا يخفى عليك) من عدم الأمطار، والقحط، وشح المياه، وقلة الأرزاق (حين ألجأتنا المضايق الوعرة) جمع مضيق وهو

(حين المحل الضيق الذي يصعب للإنسان الكون فيه، والوعرة بمعنى الخشنة الشديدة ، يقال أرض وعرة أي غير مستوية .

(وأجاءتنا) بمعنى جاءت بنا (المقاحط) جمع مقحط ، ،مقحط، بمعنى القحط (المجدبة) من أجدب مقابل أخصب (وأعيتنا) أي أعجزتنا (المطالب المتعسّرة) أي مطالبنا التي تعسرت علينا (وتلاحمت) أي اجتمعت حتى صارت وصلة كاللحم(علينا الفتن المستصعبة) فإنَّ القحط يوجب الفتنة لإشاعته للرعب والفوضى.

(اللهم إنا نسألك أن لا تردنا خائبين) الخائب الذي لم يحصل على مطلبه (ولا تقلبنا ) أي لا ترجعنا إلى أهلنا (واجمين) الواجم هو الحزين الكاسف البال الذي أسكته الحزن عن التكلم .

وَلا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا، وَلَا تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا. اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثكَ وَبَرَكَتَكَ، وَرِزْقَكَ وَرَحْمَتَكَ ، وَاسْقِنَا سُقيَا نَافِعَةٌ مُرْوِيَةٌ مُعْشِبَةً، تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ، وَتُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ نَافِعَةَ الْحَيَا، كَثِيرَةَ الْمُجْتَنَى ، تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ، وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ، وَتَسْتَوْرِقُ الأَشْجَارَ ، وَتُرْخِصُ الأَسْعَارَ ، إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ .


(ولا تخاطبنا بذنوبنا) بأن تسمينا عندك مذنبين فلا ترضى (ولا تقايسنا بأعمالنا) أي لا تجعل فعلك بنا مناسباً لأعمالنا (اللهم انشر علينا غيثك) الغيث المطر (وبركتك) أي نماءاً في الثمر وما أشبه (ورزقك ورحمتك) الرحمة أعم من الرزق .

(واسقنا سقيا) أي مطراً (نافعة) للبلاد والعباد (مروية) أي تروي من الظمأ والعطش (معشبة) تنبت العشب والكلأ (تنبت بها ما قد فات) فلم ينبت بسبب القحط (وتحيي بها ما قد مات) من الأشجار، فإنَّ أصل الشجر يبقى حياً بينما يموت الشجر، فإذا وصل إليه الماء حيى من جديد.

(نافعة الحيا) أي المطر والخصب (كثيرة المجتنى) أي الثمر الذي يجتنى ويقتطف (تروي بها القيعان) جمع قاع وهي الأرض السهلة (وتسيل البطنان) جمع بطن، وهو المنخفض من الأرض (وتستورق الأشجار) أي تخرج ورقها (وترخص الأسعار) فإنّ الرزق إذا كثر رخص وذهب الغلاء (إنك على ما تشاء قدير فتقدر على أن تعمل كل ما طلبنا منك.

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في بعثة الرسل، وفضل أهل البيت وأحوال أهل الضلال

بَعَثَ اللهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ، وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ ، لِئَلَّا تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ . أَلا إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةٌ ،


التوضيح:

(بعث الله رسله بما خصهم به من وحيه) فإن الوحي خاص بالرسل لا يشركهم فيه أحد (وجعلهم حجّة له على خلقه) يحتج يوم القيامة بالرّسل على العصاة، يقول لهم: ألا بلغ الرسل، فلماذا عملتم بالمعاصي والآثام؟ ( لئلا الحجّة لهم) أي للناس ( ب) سبب (ترك الإعذار) من الله (إليهم) فيقول أهل المعاصي : يا ربّ لم نكن نعرف ما يجب علينا، فارتكابنا للمعاصي لم يكن تقصيراً منا .

(فدعاهم) الله سبحانه (بلسان الصدق) فإنَّ الرسل كانوا صادقين في كلماتهم (إلى سبيل الحق) الذي هو مطابق للواقع لا خلاف فيه .

(ألا إن الله تعالى قد كشف الخلق كشفة) أي اطلع عليهم، وذلك تشبيه بمن يكشف السر، ويستبطن الأمر ليطلع عليه .

لا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ، فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً ، وَالْعِقَابُ بَوَاءَ.

أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا ، كَذِباً وَبَغْياً عَلَيْنَا،أَنْ رَفَعَنَا اللهُ وَوَضَعَهُمْ، وَأَعْطَانَا وَحَرَمَهُمْ، وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ .


ثم بين علیه السلام أن الكشف لم يكن لجهله سبحانه، بل لاختبارهم (لا أنه) تعالى (جهل ما أخفوه) أي الناس (من مصون أسرارهم ومكنون ضمائرهم) جمع ضمير وهو باطن الإنسان وسرّه (ولكن) كان الكشف (ليبلوهم) أي يختبرهم (أيهم أحسن عملا) والمراد أيهم يعمل حسناً وأيهم يعمل سيّئاً (فيكون الثواب جزاءً) أي لئلا يكون الثواب جزافاً يعطى لمن لا يستحق (والعقاب بواء) من باء إذا رجع ، أي جزاءاً لما عملوا من المعاصي، أو من باء فلان ،بفلان أي قتل ،به فيكون العقاب كالقصاص.

(أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم) أي الثابتون فيه ، فإنَّ العالم القوي يكون راسخاً، غير مردد في الأمور، بخلاف غيره فإنه يتردد في الأمور.

فيظن أو يشك ويرجّح بالمرجحات (دوننا) أي لسنا نحن الراسخين وإنما هم الرّاسخون فقد كان في أصحاب الرسول من يزعم أنه أعلم من أهل البيت، أو أقرأ أو أقضى أو ما أشبه .

( كذباً) كان زعمهم (وبغياً علينا) أي حسداً وذلك لأنه (أن رفعنا الله ووضعهم) قال سبحانه:«أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ»(1).

(وأعطانا) العلم (وحرمهم، وأدخلنا) في لطفه ورحمته (وأخرجهم) أي


1) سورة النساء : 54 .

بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى، وَيُسْتَجْلَى الْعَمَى . إِنَّ الأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشِ غُرِسُوا فِي هذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِم،لا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَلا تَصْلُحُ الوَلاةُ مِنْ غَيْرِهمْ .

منها : أَثَرُوا عَاجِلا وَأَخَرُوا آجِلاً ، وَتَرَكُوا صَافِياً ، وَشَرِبُوا أَجِنا، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَقَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ ، وَبَسِي بِهِ وَوَافَقَهُ ، حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ ، وَصُبِغَتْ بِهِ خَلائِقُهُ ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُزيداً


لم يعطهم ولم يشملهم بلطفه (بنا يستعطى الهدى) أي يطلب الناس أخذالهدى.

(ويستجلى العمى) أي يطلب إنجلاء الجهل (إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم) أي البطن الطالبي العلوي (لا تصلح) الإمامة (على سواهم) من سائر الناس وسائر بطون قريش (ولاتصلح الولاة) خلفاء الرسول (من غيرهم).

(منها) : أي بعض تلك الخطبة (آثروا عاجلاً) أي أن بعض الناس اختاروا الدنيا العاجلة (وأخروا آجلاً) ولم يعتنوا بالآخرة المستقبلة فلم يعملوا لها (وتركوا صافياً) فإن الآخرة مصفاة من الأكدار (وشربوا أجناً) الماء الآجن المتغير لونه وطعمه والمراد لذائذ الدنيا المشوبة بالكدورات (كأني أنظر إلى فاسقهم) أي فاسق النّاس أو فاسق معين كملوك بني أمية ومن أشبههم (وقد صحب المنكر فألفه) كما يألف الصديق الصديق (وبسئ به) أي فرح به (ووافقه) أي وافق الفسق (حتى شابت عليه مفارقه) جمع مفرق، وهو أم رأسه (وصبغت به) أي بالمنكر (خلائقه) جمع خليقة ملكة الإنسان، أي أن ملكاته النفسية تلونت بلون المنكر (ثم أقبل) على النّاس ( مزيداً) يخرج الزبد من فيه .

كَالتَّيَّارِ لا يُبَالِي مَا غَرَّقَ ، أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لَا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ! أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحَ الْهُدَى، وَالْأَبْصَارُ اللَامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ، وَعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ!

ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ، وَتَشَاحُوا عَلَى الْحَرَام،


بیان لحاله في سورة غضبه (كالتيار) وهو الشلال من الماء ونحوه، الذي يجري بشدة فيوجب الأمواج والتلاطم .

(لا يبالي ما غرّق) لكونه كالسكران من المعصية (أو كوقع النار في الهشيم) أي الحطام اليابس، الذي يتهشم ويتكسر بسهولة (لا يحفل) أي لا يبالي (ما حزق) وهكذا يكون أهل المعصية، أما أهل الدين فإنهم يراقبون كل حركاتهم وسكناتهم حتى لا يصدر منهم ما فيه لله سبحانه نهي.

(أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى) أي صحب معها مصابيح الهدى، التي هي أحكام الله سبحانه، فسار في ضوئها إلى موضع السعادة.

(و) أين (الأبصار اللامحة) أي الناظرة (إلى منار التقوى) كالرسول صلی الله علیه و آله وسلم والأئمة الطاهرين، حيث تشع منهم التقوى ..

(أين القلوب التي وهبت لله) فلم تفكر ولم تأمر إلا في الله وفيما لله فيه رضى (وعوقدت) عقدها أصحابها (على طاعة الله) حتى لا تتحرك إلا للطاعة .

(ازدحموا) أي الناس ( على الحطام) أي حطام الدنيا، وهو ما يبس من النبات حتى إذا صادفته أقل قوة تكسر وتلاشى - وقد شبهت الدنيا بذلك، لأنها مثله في الفناء والذهاب - (وتشاخوا) أي تضاربوا (على الحرام) أي على

وَرُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ، وَأَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ ، دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَتَفَرُوا وَوَلَّوْا، وَدَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَأَقْبَلُوا !


اقتناء كل واحد منهم المحرمات والتلذذ بها (ورفع لهم علم الجنّة والنّار ) أراد علیه السلام بعلم الجنة الأحكام المؤدية إليها وبعلم النار المحرمات المنتهية إليها، ومعنى [رفع] ظهر كما تظهر أعلام الطريق للمارة.

(فصرفوا عن الجنّة وجوههم) أي أعرضوا عنها فلم يعملوا بما يؤدي إليها (وأقبلوا إلى النار ب) سبب (أعمالهم) المؤدية إليها (دعاهم ربهم فنفروا وولّوا) هاربين عن دعوته (ودعاهم الشيطان) إلى المعاصي (فاستجابوا وأقبلوا يتمثلون أوامره وينفذون أحكامه .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في فناء الدنيا، وذم البدعة

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا، مَعَ كُلِّ جَرْعَةِ شَرَقٌ ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصْ لا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةَ إِلَّا بِفِرَاقِ

! أُخْرَى، وَلا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ ،


التوضيح:

(أيها الناس إنّما أنتم في هذه الدنيا غرض) الغرض الهدف الذي يرمى بالسهم (تنتضل فيه المنايا) جمع منية وهي الموت وتنتضل بمعنى تترامى إليه، فإنَّ سهام الموت تقصد الإنسان وتتوجه نحوه (مع كل جرعة) يتجرعها الماء ونحوه (شرق) هو الماء يذهب في مجرى التنفس، وأحياناً يسبب هلاك الإنسان، وكونه مع كل جرعة بمعنى أن كل جرعة معرض لذلك (وفي كل أكلة غصص) هي اللقمة لا يتمكن الإنسان من از درادها وربما الإنسان من سبيت الهلاك .

( لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى) فمثلاً نعمة النضج الفكري تتوقف على فقد الشباب، ونعمة الزوجة لا تنال إلا بفقد الفراغ، ونعمة الثروة لا تكون إلا بفقد الرّاحة، وهكذا.

(ولا يعمر معمر منكم يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله) فكل يوم يعمره الإنسان، إنما يكون قد هدمه وأزاله عن مدته المقرّرة كونه في الدنيا .

وَلَا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلَّا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ، وَلَا يَحْيَى لَهُ أَثَرٌ ، إلا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ ، وَلا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدُ إِلا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ، وَلا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إلا وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ. وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا ، فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابٍ أَصْلِهِ!

منها : وَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ


(ولا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها) أي ما قبل تلك الزيادة (من رزقه) فمثلاً قدر أن يصل إلى الإنسان في يوم السبت دينار وفي يوم ا الأحد ديناران، فإنَّ وصول الدينارين، إنما هو بعد نفاد الدينار الأولى، أي بعد وصوله إليه وعدم ترقبه .

(ولا يحيى له أثر إلا مات له أثر) فإنّ الأثر الذي يؤثره الإنسان في الماء والهواء والأرض وما أشبه يأخذ في الزوال - بمقتضى أن العالم كون وفساد - فكل وقت جديد يأتي فيه أثر ،جديد، يذهب الأثر القديم.

(ولايتجدّد له جديد إلا بعد أن يخلق له جديد) يخلق أي يبنى فإنَّ الدنيا دار بلاء (ولاتقوم له نابتة) أي الشجرة التي تنبت (إلا وتسقط منه) أي من ملك هذا الإنسان (محصودة) أي ثمرة قد حصدت (وقد مضت أصول) من أجدادنا وآبائنا (نحن فروعها) فإنَّ الأولاد كالفرع بالنسبة إلى الآباء (فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله) بمعنى أنه لا بقاء له .

(منها) أي من تلك الخطبة ، في ذمّ البدعة (وما أحدثت بدعة) وهي التي يؤتى بها بعنوان أنها من الإسلام، وليس من الإسلام بأن لم يدل على جوازها دليل عام أو خاص، كصلاة التراويح وما أشبه، أما ما يؤتى بها لا بعنوان أنه من الإسلام وإن لم يكن في زمن الرسول، كركوب الطائرة، أو

إلا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ. فَاتَّقُوا الْبِدَعَ، وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ إِنْ عَوَازِمَ الأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدِثَاتِهَا شِرَارُهَا .


بعنوان أنه من الإسلام حيث دلّ عليه دليل عام، وإن لم يدل دليل خاص. كبناء المدارس الدينية وما أشبه، فليست بدعة .

(إلا ترك بها سنة) فإنّ البدعة إنّما توضع في مكان السنة، فمثلاً سنة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم عدم صلاة التراويح، فالإتيان بها موجب لترك السنّة فهي ضدها، وهكذا.

(فاتقوا البدع وألزموا المهيع) هو الطريق الواضح، والمراد طريق الإسلام (إنّ عوازم الأمور أفضلها) جمع [عوزم] كجعفر بمعنى المتقادم، أي الأمور التي كانت في زمن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم و وجاء بها الدليل - مقابل البدعة التي هی شيء جديد-.

(وإنّ محدثاتها) أي ما يحدث ويبدع من الأمور (شرارها) الشركل شيء منه الشقاء والعناء فإنّ البدع توجب خسران الدنيا والآخرة.

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه

إِنَّ َهذَا الأمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلا خِذْلانُهُ بِكَثرَةِ وَلا قِلَّةٍ ، وَهُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُندُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ ، وَطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ ، وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودِ مِنَ اللهِ،


التوضيح:

( وقد استشاره عمر بن الخطاب الخطاب في الشخوص) أي الذهاب والسفر لقتال الفرس بنفسه وكان عمر خاف من انهزام المسلمين، وزعم أنه لو كان معهم ،كان أقرب إلى النصر ، فأشار إليه الإمام بالعدم وفي بعض التواريخ أن الإمام بعث بالإمام الحسن علیه السلام مع الجيش، وأنه ذهب إلى أن فتح ودخل أصفهان وصلّى في مسجد هناك .

(إن هذا الأمر ) أي الفتح (لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة) من باب اللف والنشر المرتب (وهو) أي الإسلام (دين الله الذي أظهره) من الغيب للناس (وجنده) الظاهر أن المراد كون المسلمين - المفهوم من الكلام - الذي أعده وأمده أي هياه وجعل له مدداً (حتى بلغ ما بلغ) أي المقدار الذي بلغ من السعة والقدرة .

(وطلع حيث طلع) أي ظهر في الأماكن (ونحن على) أمر (موعود من الله)

وَاللهُ مُنْجِزّ وَعْدَهُ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ . وَمَكَانُ الْقَيْمِ بِالأمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ : فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقُ وَذَهَبَ ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَا فِيرِهِ أَبَداً . وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلاً، فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالإِسْلامِ، بِحَذَافِيرِهِ وَعَزِيزُونَ بِالاجْتِمَاعِ !

فَكُنْ قُطْباً، وَاسْتَدِرِ الرَّحَا بِالْعَرَبِ،


حيث قال سبحانه: «وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ » (1).

(والله منجز وعده) أي لا يخلفه (وناصر جنده) الذين هم المسلمون المجاهدون في سبيله.

(ومكان القيم بالأمر) أي لایخلفة القائم بأمر المسلمين (مكان النظام) أي السلك (من الخرز) اسم جنس وهو ما تنظم في سلك كحبة السبحة ونحوها .

( يجمعه ويضمه) أي يجمع السلك الخرز ويضم بعضها إلى بعض (فإن انقطع النظام) أي السلك (تفرق) الخرز (وذهب) بدداً .

( ثم لم يجتمع بحذافيره) أي بتمامه (أبداً) فإنَّ السعادة إذا ذهبت هيهات أن ترجع (والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً) بالعدد (فهم كثيرون بالإسلام) فإنّ الإسلام قد أوجد فيهم طاقة هائلة، وأورث لهم هيبة كبيرة .

(وعزيزون بالاجتماع) لأن كلمتهم واحدة تحت لواء الإسلام (فكن) باقياً في المدينة (قطباً) لهم (واستدر الرحا) أي أدرها (بالعرب) فهم الذين يذهبون


1) سوره الحج 40

وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هذِهِ الأرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ .

إِنَّ الأعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا: َهذَا أَصْلُ الْعَرَب، فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ ، فَيَكُونُ ذلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ، وَطَمَعِهِمْ فِيكَ.


ويفتحون، كما تدور الرحا على القطب لتحطيم الحبّات وطحنها (وأصلهم) أي العرب (- دونك - نار الحرب) والإصلاء إيصال الشيء إلى النّار (فإنّك إن شخصت) أي ذهبت وسافرت (من هذه الأرض) وهي المدينة (انتقضت عليك العرب من أطرافها) فإنّهم جديدو عهد بالإسلام ومستعدين للارتداد (وأقطارها) جمع قطر، بمعنى الناحية .

(حتى يكون ما تدع وراءك من العورات) الجبهات التي تفتح ضدّ الإسلام والعورة هي المكان الذي يخشى منه إن أغفل فيه (أهم إليك مما بين يديك) أي الفرس، فالإنسان إذا تحطم داخله كان أشدّ عليه، ممّا إذا لم يكن له قوة في الخارج.

(إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا أصل العرب) الذين يحاربوننا (فإذا اقتطعتموه) أي قتلتموه (استرحتم) مؤنة هجومهم من جديد وفتحهم لبلادنا (فيكون ذلك) الذي يسبب جرأة الأعاجم (أشدّ لكلبهم) أي ضراوتهم وشدّتهم (عليك وطمعهم فيك) فيكون رواحك بنفسك سبباً لتشدّد الأمر على المسلمين، وضعف جانب الداخل منهم، ولذا فالمشورة أن لا تذهب .

أقول : لقد تقدّم وجه عدم إجازة الإمام علیه السلام له في المسير - في كلام

فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا كُنَّا تُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ : !


له علیه السلام حول عدم خروجه إلى حرب الروم -.

(فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين) فقد ذكر عمر تمر للإمام أنه سمع أن الفرس قد قصدوا المسير إلى المسلمين وقصدهم لذلك دليل قوتهم وإنما أكره أن يغزونا قبل أن نغزوهم فأجاب الإمام بهذا الجواب ثم بين السبب في ردعه وإن قصدوا ذلك بقوله : (فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك) لأن الله تعالى أكثر حباً للإسلام من كل أحد (وهو أقدر على تغيير ما يكره) بأن يثني عزمهم ويلقي الرعب في قلوبهم فلا يتمكنون من السير.

(وأما ما ذكرت من عددهم) وأنهم عدد هائل وعدد المسلمين قلة (فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة) بأنا أكثر عدداً من الأعداء (وإنما كنا نقاتل بالنصر) من الله سبحانه (والمعونة) أي إعانته، وقد كان كما قال الإمام ال : فانتصر المسلمون، وظهر خلل رأي عثمان، حيث أشار بخروج عمر.

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

فی الغایه من بعثه الرسول

فَبَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الأوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ، بِقُرْآنِ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ، وَلِيُثْبِّتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ .


التوضيح :

وفيها بيان علة البعثة وفضل القرآن والنّاس في المستقبل، وعظمة الناس.

(فبعث الله) سبحانه (محمداً صلی الله علیه و آله وسلم بالحق) أي إرسالاً بالحق لا إرسالاً بالباطل كما يرسل الجبابرة الولاة .

(ليخرج عباده من عبادة الأوثان) أي الأصنام (إلى عبادته) تعالى (ومن طاعة الشّيطان إلى طاعته) فإنَّ العصاة يطيعون الشيطان إذ هو الآمر بالعصيان .

(بقرآن) أي مع قرآن (قد بيّنه) الله سبحانه (وأحكمه) فإنَّ أحكامه متقنة لا خلل فيها ولا نقص ( ليعلم) أي يعرف (العباد ربّهم إذ جهلوه) أي في ظرف جهلوه سبحانه، فإنَّ الناس كانوا جهلة زمان ابتعاث الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

( وليقروا به إذ جحدوه) أي أنكروه (وليثبتوه بعد إذ أنكروه) فلم يعترفوا بوجوده، ولعلّ الجحود مع الاستيقان والإنكار مع الشك والجهل عدم المعرفة إطلاقاً.

فَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاتِ، وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ، وَلا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ،


(فتجلى سبحانه لهم) أي ظهر - ذاته وصفاته - (في كتابه من غير أن يكونوا رأوه) فإنَّه سبحانه قد عرف نفسه في القرآن الكريم .

(بما أراهم من (قدرته) فإنّ الإنسان إذا ذكر بآثار أحد عرفه، فإنَّه سبحانه قد ذكر في القرآن صنوفاً من مظاهر ،قدرته ممّا يلفت الإنسان إلى معرفته .

(وخوفهم من سطوته) أي عقابه، بما بين من العذاب في الدنيا والآخرة لمن خالف وعصى .

(وكيف محق) أي أهلك (من محق) من الأمم السابقة (بالمثلات) أي بالعقوبات التي صارت مثلاً للنّاس .

(واحتصد) أي حصد كما يحصد السنبل (من احتصدبالنقمات) جمع نقمة وهي العقوبة .

(وإنه سيأتي عليكم من بعدي) كزمان بني أمية (زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل) فإن الحق قد خفي في زمان بني أمية، وظهر الباطل ، حتى لم يكن الناس يعرفون أمور دينهم إلا كما شاءت أهواء آل أمية .

(ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله) فقد أمر معاوية باختلاق الأحاديث عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم لتقوية سلطانه، وبذل لذلك الأموال الطائلة.

وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْل ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِهِ ، وَلا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلا فِي الْبِلادِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ! فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ


(وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته) [أبور] يعني لا رواج له إطلاقاً، بمعنى أنه لا يعمل به، ومعنى [تلي] عمل به، فإنَّ حق التلاوة العمل، والمعنى أن الكتاب بمعناه المراد أبعد الأشياء عن العمل فقد كان آل أمية يشربون الخمر، ويزنون مع المحارم، ويقتلون النفوس البريئة ، إلى غيرها من المحرمات المنصوصة في القرآن الحكيم .

(ولا أنفق منه) أي أروج من الكتاب (إذا حرّف عن مواضعه) بمعنى فسر كما تشاء أهواء بني أمية فقد أعطى معاوية لسمرة بن جندب أربعمائة ألف ،درهم حتى صعد المنبر ونسب إلى الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، أنه قال : نزلت في عليٍّ علیه السلام آية: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَولُهُ في الحَيَوة الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدُ فِيهَا وَيُهْلِك الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ» (1)، ونزلت في ابن ملج ملجم قاتل علي علیه السلام آية : «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشَرِى نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ » (2).

(ولا في البلاد شيء أنكر من (المعروف) هذا على طريق المبالغة، أوعلى ظاهره، فإنَّ حب الإمام - مثلاً - كان من أنكر الشتائم في بلاد معاوية .

ولا أعرف من المنكر) فإنَّ ولاء آل أمية كان من أشدّ أنحاء المعروف (فقد نبذ الكتاب) أي طرحوا العمل به (حملته) كأصحاب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم أمثال


1) سورة البقرة : 204 و 205 .

2) سورة البقرة : 207 .

وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ : فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ مَنْفِيَّانِ طَرِيدَانِ، وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقِ وَاحِدٍلا يُؤْوِيهِمَا مُؤْهِ . فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ، وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ ! لأنَّ الضَّلالَةَ لا تُوَافِقُ الْهُدَى، وَإِنِ اجْتَمَعَا،فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ، وَافْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ، كَأَنَّهُمْ


أبي هريرة (وتناساه) أي جعلوا أنفسهم كأنهم ناسين لأحكامه - مع أنهم في الحقيقة غير ناسين - (حفظته) الذي حفظوه (فالكتاب - يومئذ -وأهله) الحقيقيون كشيعة الإمام (منفیان طریدان) طردهم أهل الباطل عن المجامع، ينفون من بلد إلى بلد كما فعل بحجر وأصحابه وصاحبان مصطحبان أي صديقان يكون أحدهما صاحباً للآخر، لا يفارقه .

وهما (في طريق واحد) من الخير والصلاح (لا يؤويهما مؤو) الإيواء : إعطاء المكان والمسكن، وذلك كناية عن الاحتفاء بهما، والاهتمام بشأنهما كالغريب الذي لا يؤويه أحد (فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في النّاس) بهياكلهما وجسومهما (وليسا فيهم) بأرواحهما ، لعدم الألفة بين الناس وبين الكتاب وأهله.

(ومعهم) جسماً وهيكلاً (وليسا معهم) روحاً وعملاً (لأن الضلالة) التي بأيدي الناس (لا توافق الهدى) الذي يدعو إليه الكتاب وأهله (وإن اجتمعا) بأجسامهما في محل واحد - وهذا علة لقوله علیه السلام : ليسا فيهم، وليسا معهم - (فاجتمع القوم) أي الناس المناوثون للكتاب وأهله (على الفرقة) أي التفرق كما هو الطابع العام لأهل الشام ومن إليها في زمن الأمويين، ومعنى الفرقة : الابتعاد عن الكتاب وأهله (وافترقوا على الجماعة) العاملة بالكتاب.

(كأنهم) في اتخاذ آرائهم وتأويل الكتاب على طبق أهوائهم

أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلا اسْمُهُ ، وَلا يَعْرِفُونَ إِلا خَطَّهُ وَزَيْرَهُ، وَمِنْ قَبْلُ مَا مَثْلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلِّ مُثْلَةٍ، وَسَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللهِ فِرْيَةَ، وَجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيْئَةِ .


(أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم) إذ لو كان الكتاب إمامهم،اتبعوه . (فلم يبق عندهم منه) أي من الكتاب (إلا اسمه) إذ لا يعمل به حتى تبقى روحه لديهم (ولا يعرفون إلا خطه وزبره) أي كتبه يقال زبره بمعنى كتبه والمعنى أنهم لا يعرفون مقاصده العالية وأحكامه السامية (ومن قبل) في أزمنة بني إسرائيل ونحوها (ما) زائدة للتزيين (مثلوا بالصالحين كل مثلة) أي كل أنواع المثلة والمثلة عبارة عن التنكيل والعقاب الذي يسبب أن يجعل ذلك مثلاً عند الناس لفظاعته، كأن تصلم الأذن، أو تفقأ العين، أو يجدع الأنف، ونحو ذلك، وهذه الجملة لبيان أن تمثيل بني أمية بأهل الكتاب ليس شيئاً جديداً، فعادة الجبابرة - في كل زمان - التنكيل بالصالحين، أو المراد أن بني أمية في زمان كفرهم فعلوا أمثال هذه الأعمال، كما فعلت هند بحمزة ال فليس عملهم شيئاً جديداً بالنسبة إليهم .

(وسموا صدقهم) أي صدق الصالحين ( على الله) حيث كانوا يصدقون بأحكام الله سبحانه (فرية) أي افتراء كما كان أبو سفيان ينسب كلام الرّسول صلی الله علیه و آله وسلم إلى الافتراء «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكُ افْتَرَبَهُ (1)«وَقَالُوا أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا» (2).

(وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة) فالحسنة التي هي الإسلام والتوحيد


1) سورة الفرقان : 4 .

2) سورة الفرقان : 5 .

وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَتَغَيْبِ أَجَالِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ، وَتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، وَتَحُلُ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَالنِّقْمَةُ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ الله


كانت لدى بني أمية - قبل إظهارهم للإسلام - لها عقوبة السيئة، فكانوا ينكلون بالمسلمين ويعاقبونهم - وهذا إن كان المراد بالجمل السابقة بني أمية، وإن كان المراد الأمم السابقة، فالمصداق غير بني أمية وإنما عتاة الأمم البائدة، وعلى أي حال ففي هذه الجمل بيان حال الجبابرة والعتاة في كل زمان .

ثم توجه الإمام إلى نصح الناس بقوله: (وإنما هلك من كان قبلكم من الأمم (بطول آمالهم) جمع أمل، وهو أن يرجو المرء أن يفعل في المستقبل أشياء مرتبطة بالدنيا (وتغيب آجالهم) أي أنه غاب عن أنظارهم أجلهم، فلم يتأهبوا للآخرة ولم يعجلوا بالصالحات، ومعنى هلاك الأمم إما نزول العقوبة عليهم، أو ذهاب كيانهم كما ذهب كيان الرومانيين، وكيان بني إسرائيل، وهكذا.

(حتى نزل بهم الموعود) وهو الموت (الذي ترد عنه المعذرة) أي لا يقبل فيه عذر بأن يعتذر الإنسان عن الموت فيرجع الموت، ولا يأخذ من جاء لأجله .

(وترفع عنه التوبة) أي لا تفيد التوبة بعده إذا جاء (وتحل) أي تنزل (معه) أي مع الموت (القارعة) أي الداهية ،المهلكة، كأنها تقرع الإنسان وتدقه (والنقمة) أي العقاب.

(أيها الناس إنه من استنصح الله) له بمعنى اتخذ الله ناصحاً له، باتباع

وُفْقَ، وَمَن اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ، وَعَدُوَّهُ خَائِفٌ، وَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللهِ أَنْ يَتَعَظْمَ ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ ، وَسَلامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ . فَلا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيح


أوامره وانتهاج مناهجه (وفق) لكل خير وسعادة (ومن اتخذ قوله) أي قول الله تعالى (دليلا) يدله على مواضع الخير (هدي) إلى صراط مستقيم (للتي هي أقوم أي للطريقة التي هي أقوم وأحسن الطرق، كما قال سبحانه:«إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ» (1).

(فإن جار الله) أي الذي اتخذ أحكامه - كان جار في ظل جاره - (آمن) عن المكاره وما نزل عليه منها فإنَّما هو موجب للعوض والأجرة، فلا منفعة تفوت من يده بلا بدل - كما يقال : الذي أمن نفسه في [ شركة التأمين] آمن.

(وعدوه خائف) إن عاش كان في ضيق، وإن مات فإلى النار ( وإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم) إذ الإنسان يعرف الأشياء بأضدادها، فمعرفة عظمة الله ملازمة لمعرفة حقارة ،النفس، فلا ينبغي بعد ذلك التعاظم .

(فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته) سبحانه (أن يتواضعوا له ) ففي تواضعهم رفعة لهم، إذ التواضع يدل على الفهم وتقدير الأشياء حق قدرها وكلا الأمرين موجب للرفعة وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أي سلامتهم عن العقوبة أن يستسلموا له بالإنقياد وإطاعته الأوامر (فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح) أي مثل


1) سورة الإسراء : 9

مِنَ الأجْرَبِ، وَالْبَارِي مِنْ ذِي السَّقَمِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرَّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ، وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ، وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ. فَالْتَمِسُوا ذلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ ، فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ،


نفار الصحيح من الحيوان (من) الأجرب الذي أصيب بداء الجرب - وهو داء خبيث يوجب العدوى، ولذا يفر الصحيح منه خوفاً - ( والباري) أي الإنسان الصحيح البري من المرض (من) الإنسان (ذي) السقم) أي المريض.

(واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه) فإنَّ الإنسان لا يدرك حسن الأشياء، إلا إذا رأى قبح أضدادها، ولذا قالوا تعرف الأشياء بأضدادها .

(ولن تأخذوا بميثاق الكتاب) أي بأحكامه المحكمة التي هي بمنزلة المواثيق والعهود بين الله خلقه (حتى تعرفوا الذي نقضه) فإنَّ قبح

وبين الناقض يوجب ترفع الإنسان عن أن يماثله، وذلك موجب للأخذ بالكتاب (ولن تمسكوا ) أصله [ تتمسكون] (به) أي بالكتاب والتمسك قوة الأخذ والعمل بأحكامه (حتى تعرفوا الذي نبذه) أي طرح العمل به، والعلة لذلك كما ذكرنا في الجمل السابقة .

(فالتمسوا) أي اطلبوا (ذلك) العمل بالكتاب والمراد العلم بمقاصد الكتاب (من عند أهله) وهم الأئمة والعلماء الربانيون (فإنهم عيش العلم) بهم يعيش العلم، ويبقى في الحياة.

(وموت الجهل) أي انعدامه ونفيه، فإنَّ العلماء هم الذين يميتون الجهل

هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ ، لا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ، وَصَامِتْ نَاطِقٌ


وينيرون الناس بالعلم هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم فإنَّ الإنسان إذا حكم في قضية عرف من حكمه أنه عالم أو ليس بعالم وصمتهم عن منطقهم فإنَّ العالم ،صموت والجاهل ،ثرثار فصمت الإنسان دليل علمه.

(وظاهرهم عن باطنهم) فإنَّ الظاهر عنوان الباطن، فإذا كان الظاهر حسناً دل على قلب حسن مليء بالفضيلة والتقوى .

(لا يخالفون الدين) بترك أوامره والإتيان بنواهيه (ولا يختلفون فيه) بأن يكون لكل واحد اتجاه يخالف اتجاه الآخر، فإنَّ اتجاه أهل الدين واحد (فهو) أي القرآن (بينهم شاهد صادق) يشهد بحسن أعمالهم ، لمطابقة أعمالهم له (وصامت ناطق) فإنَّه لا يتكلم، لكنه يعلم ويبين ويرشد.

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

في ذكر أهل البصرة

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الأَمْرَ لَهُ ، وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ ، لا يَمُيَّانِ إِلَى اللَّهِ بِحَبْلِ، وَلا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ . كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبْ

لِصَاحِبِهِ، وَعَمَّا قَلِيلِ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ !


التوضيح:

وهم الذين اجتمعوا لمحاربة الإمام في وقعة الجمل وعلى رأسهم طلحة والزبير وعائشة .

(كل واحد منهما) أي من طلحة والزبير (يرجو الأمر ) أي أمر الخلافة (له) فمحاربتهما ليست لأجل الدين وإنما لأجل الدنيا (ويعطفه عليه) أي يحيل الأمر إلى نفسه دون صاحبه) وصديقه ، فهو مخالف في قلبه حتى مع صاحبه.

(لا يمتان إلى الله بحبل) أي لا يتصلان إليه سبحانه بحبل الدين والإيمان (ولا يمدان إليه) تعالى (بسبب) فلا سبب بينهما وبينه تعالى من أسباب الإيمان (كل) واحد منهما حامل ضب لصاحبه الضب حيوان معروف والعرب تضرب المثل به في الحقد أي أن كل واحد من طلحة والزبير يحقد صاحبه ويحسده وإنما جمعتهما المصلحة المشتركة في قبال الخلافة.

(وعما قليل يكشف قناعه) أي قناع كل واحد منهما (به) أي بسبب الحقد

وَاللهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا، وَلَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هذَا ، قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ، فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ! فَقَدَ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ، وَقُدْمَ لَهُمُ الْخَبَرُ .


الذي يطوي عليه لصاحبه، كما قال الشاعر :

ومهما يكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم

وقد ظهر صدق مقالة الإمام علیه السلام فإنَّهما اختلفا فيمن يصلي بالناس وأراد كل واحد منهما أن يكون هو الإمام حتى خافت عائشة تفكك الجيش، فأصلحت بينهما بأن يصلي محمد بن طلحة في يوم ويصلي عبد الله بن الزبير في يوم، وادعى عبد الله بن الزبير أن عثمان نص عليهما بالخلافة يوم الدار لكن منجنيق الحجاج كانت أقوى من نص عثمان وطلب كل واحد من طلحة والزبير أن يسلم الناس عليه بإمرة المؤمنين وطلب كل واحد منهما تولي القتال إلى غير ذلك من المهازل.

( والله لئن أصابوا الذي يريدون) من انتزاع الأمر من يدي والاستبداد به (لينتزعن هذا) أي أحدهما (نفس هذا) أي الآخر (وليأتين هذا) أحدهما بالقتل (على هذا) أي الآخر، أي لقامت الحرب بينهما حتى أن كل واحد منهما يريد قتل الآخر والاستراحة منه.

(قد قامت الفئة الباغية) التي تبغي وتظلم، وتهدم الإسلام (فأين المحتسبون) أي الذين يجاهدون حسبة لله، أي في حسابه وقربة إليه. (فقد سنت لهم) أي للمحتسبين الذين يريدون ثواب الله سبحانه (السنن) أي دلّوا على الخير (وقدم لهم الخبر ) فعلموا من على الحق ومن على الباطل ، فإنَّ الرسول صلی الله علیه و آله وسلم أخبر بكل ذلك قبل الوقوع .

وَلِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ ، وَلِكُلِّ نَاكِثِ شُبْهَةً . وَاللهِ لا أَكُونَ كَمُسْتَمِعِ اللذم، یَسْمَعُ النَّاعِيَ، وَيَحْضُرُ الْبَاكِي ، ثُمَّ لا يَعْتَبِرُ !


وقال صلی الله علیه و آله وسلم : يا علي : حربك حربي، وقال: علي مع الحق والحق مع علي. وقال : لعن الله من آذاني في علي . إلى غير ذلك.

( ولكل ضلة) أي ضلال (علة) هذا بيان لعلة ضلال هؤلاء، وهي طلب الخلافة ( ولكل ناكث) ينكث البيعة ويخون العهد (شبهة) ما يسبب له اشتباه الحق بالباطل - عن عمد أو جهل - كما كانت شبهة هؤلاء دم عثمان .

(والله لا أكون كمستمع اللدم) هو ضرب الإنسان على صدره ووجهه عند المصيبة (يسمع ) مستمع اللدم (الناعي) الذي يخبر بموت شخص ( ويحضر الباكي) أي يراه.

(ثم لا يعتبر) والمعنى أنه صلی الله علیه و آله وسلم يتغافل عن هؤلاء، بعد ما عرف نواياهم، وظهرت له آثار نكثهم، فلا يكون كمن يرى موضع الخطر، فيرى أن الناعي نعى من وقع عليه الخطر، والباكي بكاه، ثم لا يتجنب ذلك الموضع، حتى يقع الخطر عليه ويموت كما مات من قبله .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

قبل موته

أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِئٍ لاقِ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ. وَالأجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ كَمْ أَطْرَدْتُ الأَيَّامَ


التوضيح:

والسيد رحمه الله أراد بذلك، أنه صدر منه علیه السلام بعد ما ظهر أثر الموت عليه .

(أيها الناس كل امرئ لاق) أي يلقى (ما يفرّ منه) أي الموت (في فراره) فإنَّ الإنسان بمواظبته على صحة جسده ووقايته عن الآفات كالفار عن الموت، لكن الفرار ليس ظاهرياً، بل عملياً وقائياً .

(والأجل مساق النفس) أي أن الأجل يسوق الإنسان حتى يوصله إلى ساعته المقررة فيموت فيها ( والهرب منه ) أي من الموت (موافاته) أي يوجب الوصول إليه، إذ الهرب يحتاج إلى الزمان، وكلما انقضی زمان اقترب الإنسان بمقدار ذلك الزمان إلى الموت.

(كم أطردت الأيام) إسناد الإطراد إلى الأيام مجاز، والأصل [أطردت] ما أريد في الأيام، نحو صائم النهار، وأطرد الشيء جعله طريداً لاقتناصه والتحصيل عليه.

أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هذا الأمْرِ ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ، هَيْهَاتَ! عِلْمٌ مَخْرُونَ! أَمَّا وَصِيَّتِي : فَاللَّهَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَمُحَمَّداً صلى الله عليه وآله، فَلا تُضَيَّعُوا سُنَّتَهُ. أَقِيمُوا هَذَيْن الْعَمُودَيْن ، وَأَوْقِدُوا هَذَيْن الْمِصْبَاحَينِ ، وَخَلاكُمْ ذَمِّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا . حُمْلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ ،


(أبحثها) أي أبحث في الأيام وأطلب (عن مكنون هذا الأمر) أي وقت الموت ، وكأنّ الإمام علیه السلام أطال التفكير في أيام عديدة لتحصيل قاعدة يعرف منها وقت موت كل إنسان كما تعرف النتائج من مقدماتها وكما تعرف الأمراض عن علائمها .

(فأبى الله إلا إخفاءه) وهذه الجمل كناية عن عدم الفائدة في إتعاب النفس المعرفة وقت الموت فقد شاء الله أن لا يكون للموت علامة - يعرف بها وقت الموت بحيث يعرف كل إنسان أي وقت يموت - وهذا في الحقيقة من العجيب، فإنَّه أشغل بال الحكماء، لكن أحداً لم يقدر على الاستخراج .

(هيهات) لا يعلم أحد فإنَّه (علم مخزون) قد خزن في الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه، ولمن شاء سبحانه أن يعلّمه .

(أما وصيّتي: فالله لا تشركوا به شيئاً) أي لا تجعلوا شيئاً شريكاً له (ومحمداً صلی الله علیه و آله وسلم فلا تضيعوا سنته) أي طريقته التي هي أحكامه وما جاءه من عند ربه .

(أقيموا هذين العمودين) أي التوحيد والنبوّة (وأوقدوا هذين المصباحين) أي أبقوا لهما ضوئهما والمراد الاستنارة الدائمة منهما.

(وخلاكم ذم ما لم تشردوا) أي ليس عليكم ذم ما لم تفروا من هذين الأمرين (حمل كل امرئ منكم مجهوده) أي ليحمل كل إنسان ما يقدر عليه

وَخُفْفَ عَنِ الْجَهَلَةِ ، أَنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةً لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ، غَفَرَ اللهُ لِي وَلَكُمْ إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ، وَإِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّمَا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ، وَمَهَابٌ رِبَاحٍ،


من العمل، وهذا تحريض على العمل بمنتهى الطاقة (وخفف عن الجهلة) أي ليخفّف كل إنسان أحكامه على الجهال، كأهل البوادي ومن أشبه وهذا إشارة إلى أنه لا يحق لإنسان عالم عامل أن ينظر بالازدراء إلى الجهال، لأنهم لا يعلمون كما يعلم، ولا يعملون كما یعمل -كما هي العادة عند العاملين غالباً ..

(أنا بالأمس) في حال صحتي (صاحبكم) الذي صحبكم وكان منكم (وأنا اليوم عبرة لكم) تعتبرون بي كيف أن الإنسان يفارق الحياة، ولا يقدر - في مقابل قضاء الله - على شيء (وغداً مفارقكم) بالموت والذهاب إلى الآخرة (غفر الله لي ) بإعطاء الدرجات الرفيعة (ولكم) بمحو الخطايا (إن تثبت الوطأة) أي الثقل أي إن بقيت حياً في دار الدنيا (في هذه المزلة) أي محلّ ذلّة الحياة، حيث ضرب علیه السلام .

(فذاك) ما يرجوه أهله علیه السلام والناس (وإن تدحض القدم) أي تزل وتزلق، وهذا كناية عن موته علیه السلام (ف) ليس قولي بعجيب، إذ الإنسان في دار الدنيا عارية كالّذي في ظل شجرة أو ظل غمام، فإنَّه يذهب الظل عنه .

(إنما كنا في أفياء) جمع فيء، وهو الظل (أغصان) جمع غصن (ومهاب رياح) جمع مهب وهو محل هبوبها فإنّ الرّياح لا تلبث أن تسكن فلا يتمتع الإنسان بها.

وَتَحْتَ ظِلٍّ غَمَام ، اضْمَحَلَّ فِي الْجَوْ مُتَلَفقُهَا ، وَعَفَا فِي الأَرْضِ مَخَطُّهَا ، وَإِنَّمَا كُنتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً ، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلاءَ : سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكِ، وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقِ. لِيَعِظُكُمْ هُدُوِّي، وَخُفُوتُ إِطْرَافِي، وَسُكُونُ أَطْرَافِي، فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ. دَاعِيكُمْ


(وتحت ظلّ غمام) أي السحاب (اضمحل في الجو) أي إنعدم في الفضاء (متلفّقها) أي المنضم بعضه إلى بعض والضمير للغمام - وإنما أنث باعتبار الجنس - .

( وعفا في الأرض مخطها) أي المكان الذي تخط الرياح في الأرض فإنّ آثار الرّياح تذهب سريعاً و[عفا] بمعنى انعدم .

( وإنما كنت) بينكم (جاراً جاوركم بدني أياماً) وكان التخصيص بالبدن لبقاء روحه علیه السلام في الناس إلى الأبد.

(وستعقبون منّي جنّة خلاء) أي سيبقى بدني خالياً عن الروح (ساكنة بعد حراك) أي بعد تحرّك (وصامتة بعد نطق) أي ساكتة، وهذا وصف للشّيء باعتبار جزئه .

(ليعظكم هدوّي) أي سكوني (وخفوت إطرافي) من خفت بمعنى السكون والإطراف جمع طرف بمعنى الأعين (وسكون أطرافي) جمع طرف بمعنى الأعضاء (فإنّه) الهدوّ والسكون (أوعظ للمعتبرين) أي الذين يريدون الاعتبار، فإنّ الإنسان إذا رأى الميت تذكّر فناء الدنيا، وكان ذلك أكثر تأثيراً في قلبه من الموعظة (من المنطق البليغ) الذي يبلغ المتكلم مراده من الوعظ.

(والقول المسموع) الذي يسمعه المستمع (وداعيكم) أي أنا أودعكم -

وَدَاعُ امْرِئٍ مُرْصِدِ لِلتَّلاقِي ! غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي، وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوْ مَكَانِي وَقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي.


والأصل وداعي لكم- .

(وداع امرئ مرصد) أي منتظر (للتلاقي) في الآخرة (غداً ترون أيامي) في الآخرة تكون أيامي عامرة بالسيادة والعزة لا كأيام الدنيا التي كانت عليّ .

(ويكشف لكم عن سرائري) فإنّ السرائر في الدنيا مخفية لا يعلم حسنها من سيئها، فإذا صارت القيامة وظهرت السرائر، كما قال سبحانه: «يَوْمَ تُبلَى السَّرابِرُ » (1)، يظهر نقاء سريرة الإمام وكدورة سرائر أعداءه.

(وتعرفونني) في الدنيا (بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي) فإنّ الإمام كان عطوفاً رؤوفاً يعدل ويقسم المال بالسوية، وإذا قام غيره مقامه، أظهر كلّ فساد وظلم وتعد وقد كان كما قال الإمام علیه السلام حين استولى معاوية وأخذ يجور في الناس جوراً لم ير مثله، وكذلك أحلاف أمية وبني العبّاس


1) سورة الطارق : 9

وَمِنْ خُطبَة علیه السلام

في الملاحم وفي وصف أهل الضلال

وَأَخَذُوا يَمِيناً وَشِمَالاً طَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيْ، وَتَرْكاً لِمَذَاهِبٍ الرُّشْدِ. فَلا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ، وَلا تَسْتَبْطِلُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ. فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ


التوضيح:

(وأخذوا) أي النّاس (يميناً وشمالاً) أي في طرق الضلال، فإن جادة الهدى هي الوسط وأطرافها ضلال وهلاك ( طعناً) أي ولوجاً (في مسالك الغي) أي الضلال (وتركاً لمذاهب الرّشد) أي طرقه، فإن مذاهب جمع مذهب، وهو الطريق والاتيان باللفظ جمعاً بإعتبار أنّ كلّ واحد من النّبي والإمام والعالم طريق إلى الله سبحانه وإن كان الجميع حاكياً عن أمر واحد.

(فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد) لقد كان النبي صلی الله علیه و آله وسلم والإمام علیه السلام أخبرا بأمور مستقبلة، فكان الناس يستعجلون في صيرورتها، فنهاهم الإمام عن ذلك، لأن الاستعجال لا يفيد إلا قلق المستعجل، ومعنى [مرصد]: مراقب] ينتظره الإنسان (ولا تستبطئوا ما يجيء به الغد) أي لا تعدوه بطيئاً.

(فكم من مستعجل بما) أي لشيء (إن أدركه ودّ أنه لم يدركه) لما يصاحبه من الفتن والابتلاء.

وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدِ! يَا قَوْمِ ، هَذَا إِيَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ ، وَدُنُوّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لا تَعْرِفُونَ . أَلا وَمَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ، وَيَخذُو فِيهَا مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلُّ فِيهَا رِبْقاً ، وَيُعْتِقَ رِقّاً، وَيَصْدَعَ شَعْباً، وَيَشْعَبَ صَدْعاً،


(وما أقرب اليوم من تباشير غد) تباشير الشيء أوله والمعنى أن الغد قريب حتى أن الإنسان - وهو في يومه هذا - قريب من طلائع الغد .

(يا قوم هذا) الوقت (إبان) أي قرب وقت (ورود كل موعود) من مواعيد الرسول والإمام حول تسلّط الأمويين، كما رأى الرّسول صلی الله علیه و آله وسلم في المنام أنهم ينزوون على منبره نزو القردة وغير ذلك من الإخبارات المستقبلة (ودنو) أي قرب من طلعة ما لا تعرفون) يقال طلع الشيء إذا ظهر بعد اختفائه ألا ومن أدركها أي الموعودات (منا) أي من أئمة أهل البيت عليهم السّلام .

(يسري فيها بسراج منير) فإنّ تلك الفتن الموعودة لا تؤثر فيهم انحرافاً،ويحذو فيها أي يتبع (على مثال الصالحين) من الأنبياء والمرسلين، وهذا تحريض للناس على اتباعهم علیهم السلام في الفتن، وإنما يرى الإمام بسراج منير ( ليحل فيها ) أي في تلك الفتن (ربقاً) جمع ربقة، وهي الحبل الذي فيه عدّة عرى لربط البهائم، أي يريد الإمام حلّ رقاب الناس من الهلكة .

( ويعتق رقاً) أي عبوديتهم، فكأن النّاس في الفتن عبيد شهواتهم وعبيدالظالمين، والأئمة يعتقونهم من العبوديتين.

( ويصدع شعباً) الشعب التفرق والصدع الجمع (ويشعب) أي يفرق (صدعاً) أي جمعاً في معسكر الضلال، وأنهم يبصرون الطريق ويهدون الناس إلى السّبيل .

فِي سُتْرَةِ عَنِ النَّاسِ لَا يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ ، ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْل تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ وَيُرْمَى بِالنَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ ، وَيُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوح !

منها في أهل الضلال : وَطَالَ الأمَدُ بهم


(في سترة عن النّاس) أي في حال كونهم متسترين عن الناس، أو في حال سترة للحق عن الناس بحيث لا يرونه، حتى أنه (لا يبصر القائف) وهو الذي يعرف الآثار ويستدلّ بها على الأمور (أثره) أي أثر نفسه وهذا بيان لشدّة الظلام وتراكم الباطل على الحق (ولو تابع) القائف (نظره) بأن نظر مرة بعد مرة ليرى أثره ( ثم) لترتيب الكلام لا لترتيب المطلب فإنّ [ثم] يأتي للأمرين.

(ليشحذن) من شحذ السكين ونحوها بمعنى حدّدها (فيها) أي في تلك الفتن (قوم شحذالقين) أي الحداد (النّصل) أي هي حديدة السيف والسكين ونحوهما، والمراد أن في تلك الفتن تتقوى أذهان جماعة من الناس فتصير مستعدة لدرك العلوم والمعارف وفهم الحقائق، كما هي العادة في الفتن فإنّها - حيث كانت محل تقلب الآراء وتبدّل السمات والعلامات - توجب شحذ أذهان جماعة من النّاس (تجلى بالتنزيل) أي القرآن (أبصارهم) فإنّهم حيث يرون الفتن يرجعون إلى القرآن ليجدوا حلاً لها فينكشف لديهم أسرار القرآن .

(ويرمى بالتفسير في مسامعهم) حيث يسألون عن تفسير الآيات، فتفسر لهم كأنه إلقاء في المسامع (ويغبقون) أي يسقون (كأس (الحكمة) أي تفهم الأشياء وإدراك الأمور (بعد الصبوح) أي بعد ما شربوهابالصباح، وهذا كناية عن دوام تعلمهم الأمور في كل صباح ومساء .

(وطال الأمد) أي المدة (بهم) حيث لم يروا جزاء أعمالهم فأوغلوا في

لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ، وَيَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ، حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الأَجَلُ، وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ، وَأَشَالُوا عَنْ لَقَاحٍ حَرْبِهِمْ، لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللهِ بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ، حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلاءِ،


المعاصي (ليستكملوا الخزي) أي يكملوا سخط الله سبحانه بهم (ويستوجبوا الغير) أي أحداث الذهر ونوائبه، فإنّ الإنسان إنّما يستوجب تغيّر النعمة عنه إذا تمادى في الطغيان والظلم، كما قال سبحانه: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيرا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيرُوا مَا بِأَنفُسِهِم» (1).

(حتى إذا اخلولق) أي استوى (الأجل) يقال : اخلولق السحاب إذا استوى وصار خليقاً أن يمطر ، والمعنى قرب أجلهم (واستراح قوم إلى الفتن) بمعنى أنهم اعتزلوها وتركوا الفتنة تأخذ مجراها بدون أن يقوموا بتغيرها.

(وأشالوا) أي رفعوا أنفسهم (عن لقاح حربهم) أي عن تهييج المحاربة مع أهل الفتنة فإنّ الفتنة إذا دخلها جماعة هاجت فكانت كالناقة إذا لقحت للحمل .

(لم يمنّوا على الله بالصبر) جواب [إذا] أي أن هؤلاء المؤمنين إذا أحدثت تلك الحوادث قاموا في وجه الباطل صابرين لما يلقون من الأذى في سبيل الجهاد وإعلاء كلمة الحق بدون أن يمنّوا على الله في صبرهم لأجله سبحانه (ولم يستعظموا بذل أنفسهم في (الحق) فلا يعدون أنفسهم عظيماً حتّى يرون أن بذلها شيء مهم حتى إذا وافق وارد القضاء) أي القضاء الإلهي الوارد في وجوب الجهاد (انقطاع مدة البلاء) بأن جاء القضاء بالجهاد


1) سورة الأنفال: 53 .

حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ، وَدَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ، حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وآله رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الأَعْقَابِ، وَغَالَتْهُمُ السُّبُلُ، وَاتَّكَلُوا عَلَى الوَلائِج، وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ، وَهَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ ، وَنَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَبِّ أَسَاسِهِ، فَبَتَوْهُ


وانقطعت مدة البلاء (حملوا بصائرهم على أسيافهم) فإنهم يظهرون عقيدتهم داعين إليها بالأسياف، فكأنهم جعلوا البصائر - جمع بصيرة بمعنى العقيدة الصحيحة - على السيف يدعون إلى البصيرة، وإلا فالسيف.

(ودانوا لربهم بأمر واعظهم) الذي هو الرسول صلی الله علیه و آله وسلم- وحيث أن الجمل السابقة كانت في أحوال الجاهلية، كما يظهر من سياق الكلام - قال علیه السلام : (حتى إذا قبض الله رسوله) محمداً (صلى الله عليه وآله رجع قوم على الأعقاب) جمع عقب : وهي مؤخرة الرّجل بمعنى ارتدوا إلى الجاهلية كما كانوا سابقاً وهذا من باب تشبيه المعقول بالمحسوس (وغالتهم) أي هلكتهم (السّبل) المتفرقة التي سلكوها عوض سلوك سبيل الحق .

(واتكلوا) أي اعتمدوا في أخذ الدين على الولائج) جمع وليجة، أي دخائل المكر والخداع التي يدخل فيها الإنسان للمؤامرة على الحق ووصلوا غير الرحم أي غير رحم رسول صلی الله علیه و آله وسلم ، حيث نحتوا لأنفسهم الخليفة ( وهجروا السبب المتصل بالله سبحانه - يعني نفسه الشريفة - الذي أمروا بمودته كما قال سبحانه: ﴿وَقُل لا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى(1).

( ونقلوا البناء عن رص أساسه أي عن سمت أساسه، كناية عن تزحزح الأمر من عليّ علیه السلام الذي هو أساس الإسلام إلى أبي بكر (فبنوه) أي البناء .


1) سورة الشورى : 23 .

فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةِ، وَأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ. قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ، وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ، عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ : مِن مُنْقَطِع إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنِ ، أَوْ مُفَارِقِ لِلدِّينِ مُبَايِنِ .


وهو كناية عن الخلافة - (في غير موضعه) الذي هم آل البيت عليهم السّلام .

(معادن كلّ خطيئة) بيان ل- [غير موضعه] (وأبواب كلّ ضارب في غمرة) الغمرة: الشَّدّة والضارب في الغمرة كناية عن المثيرين للفتن والخلفاء كانوا أبواب أولئك ، إذ بسببهم تمكنوا من إيجاد الفتن، كخالد بن الوليد ومروان وابن أبي ،سرح ومن إليهم (قد ماروا) أي تحركوا واضطربوا (في الحيرة) أي في ما يوجب التحير وعدم فهم حل المشاكل (وذهلوا في السكرة) فهم كالسكران الذي لا يعلم من يختار وما يعمل (على سنة من آل فرعون) فإِنَّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، وقد فعل خالد بن الوليد بمالك بن نويرة مثل ذلك وهكذا قضايا أخر مذكورة في كتب السير، تشبه أعمال فرعون وآله (من) منقطع إلى الدنيا راكن إليها (أو مفارق للدين مباين) له .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

يحذر من الفتن

وَأَحْمَدُ اللهَ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاخِرِ الشَّيْطَانِ وَمَزَاجِرِهِ، وَالاعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَمَخَاتِلِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ

وَرَسُولُهُ، وَنَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ،


التوضيح:

(وأحمد الله وأستعينه على مداحر الشيطان) الذحر بمعنى الطّرد، ومداحر جمع مدحر - مصدر ميمي - بمعنى الأمر الذي به يدحر الشيطان يعني أستعين الله سبحانه على أن يوفقني لطرد الشيطان .

(ومزاجره) جمع مزجر : بمعنى الزجر، أي على أن يوفقني لزجر الشيطان (و) على (الاعتصام من حبائله ومخاتله) أي أن يحفظني سبحانه لئلا أقع في حبائله، وهي جمع حبالة، بمعنى شرك الصياد والمخاتل جمع مختل، بمعنى المحل الذي يختل ويختفي فيه الشيطان ليكمن لأجل اصطياد الفريسة .

(وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ذكر في ما سبق أن ذكر [عبده] لعله في مقابل النّصارى الذين يزعمون أن المسيح إله شريك مع الله سبحانه.

(ونجيبه) أي انتجبه واختاره لرسالته (وصفوته) أي مختاره فإنّ الشخص

لا يُوَازَى فَضْلُهُ، وَلا يُجْبَرُ فَقْدُهُ. أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلادُ بَعْدَ الضَّلالَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَالْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ، وَالْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ، وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُونَ الْحَرِيمَ، وَيَسْتَذِلُونَ الْحَكِيمَ، يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةِ، وَيَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةِ! ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ . فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ،


يصطفي الشيء الحسن (لا يوازي) أي لا يقابل (فضله) فليس أحد في الفضل كالرسول صلی الله علیه و آله وسلم (ولا يجبر فقده) فلا يسد مكانه صلی الله علیه و آله وسلم شيء . (أضاءت به البلاد) فكما أنّ الظلم تمنع عن اهتداء الإنسان للطريق

كذلك الجهل بالمناهج المسعدة .

(بعد الضلالة المظلمة) التي كانت شاملة للنّاس في زمن الجاهلية (و) بعد (الجهالة الغالبة) على النّاس حتى أنهم لم يكونوا يعرفون طريق الرّفاه والسعادة والخير (والجفوة) يجفو ويظلم بعضهم بعضاً (الجافية) وصف للتأكيد مثل [ ليلة ليلاء].

(والناس) في ذلك الزمان (يستحلون الحريم) أي المحرم المحظور من الأشياء (ويستذلّون الحكيم) فإنّ الجاهل لا يعرف قدر العالم العارف بالأشياء ولذا لا يقدره، بل يستذلّه (يحيون على فترة) أي خلو من الشرائع السماوية (ويموتون) على كفرة أي على هيئة الكفر والإنكار لله سبحانه .

(ثم ) حذر الإمام علیه السلام المسلمين بأن لا يعملوا ما يستحقوا بذلك رجوع حالات الجاهلية، بقوله : (إنّكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت) أي إن البلايا تقصدكم كما يرمي الغرض بالسهم .

(فاتقوا سكرات النعمة) فإن الإنسان إذا رأى نفسه منعماً أخذته الغفلة - الّتي كالسكرة - فيعمل بما يوجب سخط الله سبحانه ، الموجب لزوال نعمته.

وَاحْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ، وَتَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ، وَاعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوع جَنِينِهَا ، وَظُهُورِ كَمِينِهَا ، وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَمَدَارِ رَحَاهَا . تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ، وَتَؤُولُ إِلَى فَظاعَةٍ جَلِيَّة . شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلَامِ، وَآثَارُهَا

كَآثَارِ السّلامِ، تَتَوَارَثُهَا


(واحذروا بوائق النقمة) بوائق جمع ،بائقة، وهي الدّاهية الواردة والنقمة ضدّ النّعمة (وتثبتوا أي تروّوا ولا تعملوا شيئاً بدون تدبّر وتبصر (في قتام العشوة) القتام الغبار والعشوة أن يركب الإنسان الأمر بلا بصيرة، يعني في حالات الفتن والاضطرابات لا تركبوا الأمور بدون تثبت وتفحص لئلا تضلوا وتشقوا .

(واعوجاج الفتنة) فإنّ الفتنة لها طرق ملتوية معوجة، بخلاف الحالات العادية التي لها طرق واضحة، وسبل معلومة (عند طلوع) أي ظهور (جنينها) أي جنين الفتنة، فكأن الفتنة تحمل أولاً ثمّ تظهر نتائجها .

(وظهور كمينها) من يكمن ويختفي ليظهر ويلقي الفتنة على غرة وفجأة (وانتصاب قطبها) وهو الذي تدور عليه الفتنة من المنافقين والكفّار (ومدار رحاها) أي دوران رحى الفتنة .

(تبدأ) الفتنة (في مدارج خفية) جمع مدرج : وهو محل الدرج والحركة، أي أنّ الفتنة تبتدئ في اختفاء (وتؤول) أي تنتهي (إلى فظاعة جليّة) أي إلى صناعة واضحة واضحة غير مخفيّة (شبابها أي شباب الفتنة والمراد أولها حين قوتها .

(كشباب الغلام) الذي له نشاط متزايد وسرعة في النمو والحركة.

( وآثارها كآثار السّلام) الحجارة الصّم واحدها سلمة، أي أنّ لها في الأبدان كأثر الحجارة من الرض والجرح والكسر (تتوارثها) أي تلك الفتنة

الظُّلَمَةُ بِالْعُهُودِ أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ، وَآخِرُهُمْ مُقْتَدِ بِأَوْلِهِمْ، يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ ، وَيَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ ، وَعَنْ قَلِيلِ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوع ، وَالْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ ، فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ، وَيَتَلاعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ .


(الظلمة) جمع ظالم (بالعهود) يعهد بعضهم إلى بعض، كما عهد معاوية إلى يزيد وهكذا.

(أولهم) أي أول الذين يثيرون الفتنة (قائد لآخرهم) فهو بما وضع من الخطط والأساليب كالقائد للآخر الذي يتبع مناهجه .

(وآخرهم مقتد بأولهم) حيث يتبع خطواته الفاسدة، بدون أن يتبصر بالأمر، ويأخذ بما يوجب السعادة والخير .

(يتنافسون) أي يتغالبون ويتحاسدون (في دنيا دنية) وضيعة لا قيمة لها (ويتكالبون) كما يتهارش الكلاب (على جيفة مريحة) أي منتنة، فإنّ الدنيا كالجيفة وآكلها كالكلاب - إلا إذا كانت في طاعة الله سبحانه.

(وعن قليل) أي بعد قليل - حين الموت ومشاهدة آثار الأعمال في الآخرة - (يتبرأ التابع من المتبوع) لأنه صار سبباً لهلاكه (والقائد من المقود) أي المتبوع من التابع كما قال سبحانه: «وإذ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتَّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ أتَبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ» (1).

(فيتزايلون) أي يزول بعضهم عن بعض ويفارق أحدهم الآخر(بالبغضاء) بالعداء لا كمثل مفارقة الأحباء بعضهم لبعض .

( ويتلاعنون عند اللقاء) أي يلعن بعضهم بعضاً، إذا جمعوا في الآخرة،


1) سورة البقرة : 166.

ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ، وَالْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ، فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةِ، وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلامَةِ، وَتَخْتَلِفُ الأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا، وَتَلْتَبِسُ الآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ، وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ،


وبعد ما أشار علیه السلام إلى فتنة بني أمية التي نكب الإسلام بها أكبر نكبة، أشار إلى فتنة التتار أو الفتنة في زماننا هذا بعد سقوط الدّولة الإسلامية بقوله :

(ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة) أي الفتنة الطالعة الظاهرة (الرجوف) الكثيرة الرجفة والاضطراب (والقاصمة) الكاسرة لظهر الإسلام والمسلمين (الزحوف) التي تزحف من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام.

(فتزيغ قلوب) أي تميل من الإسلام (بعد استقامة) فإنّ الناس تبع للملوك، وحيث أن التتار قلبوا البلاد إلى مناهج كافرة انحرف كثير من المسلمين فأخذوا يتعاطون المنكرات .

(وتضل رجال بعد سلامة) من أديانهم (وتختلف الأهواء) أي الميول والاتجاهات (عند هجومها) أي هجوم تلك الفتنة لبلاد الإسلام .

(وتلتبس الآراء) أي حقها بباطلها عند نجومها أي ظهور تلك الفتنة.

(من أشرف لها) أي جعل ينظر إلى تلك الفتنة - خارجاً عنها - أو المعنى أراد دفعها .

(قصمته) أي كسرته (ومن سعى فيها) بأن صار جزءاً لها (حطمته) أي أهلكته وأبادته. والجملتان كناية عن شمول الفتنة لكل الناس من دخلها ومن لم يدخلها .

يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَعَمِيَ وَجْهُ الأَمْرِ. تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ، وَتَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا ، وَتَرْضُهُمْ بِكَلْكَلِهَا يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ، وَيَهْلِكُ فِي طَريقِهَا الرَّكْبَانُ،


(يتكادمون) أي يعض بعضهم بعضاً (فيها) أي في تلك الفتنة تكادم) الحمر) جمع حمار (في العانة) وهي القطيع من حمر الوحش، أي إذا كانت حمر الوحش في جماعة من أنفسها كيف يعض بعضها البعض كذلك هؤلاء (قد اضطرب معقود الحبل) أي الحبل المعقود في رقاب الاجتماع الجامع لهم على منهاج الإسلام، واضطرابه كناية عن اضطراب الناس في الآراء والأخلاق والأعمال والعقائد،كماهو المشاهد في زماننا هذا .

(وعمي وجه الأمر) فلا يعرف الحق من الباطل أو الصحيح من السقيم (تغيض) أي تغور وتنضب (فيها) أي في تلك الفتنة (الحكمة) فلا حكمة عند النّاس ولا حكماء لهم .

(وتنطق فيها الظلمة) جمع ظالم بالظلم والعدوان (وتدق) تلك الفتنة (أهل البدو) أي أهل البادية - مقابل الحضر - (بمسحلها) هي آلة النحت وذلك كناية عن شدة وقعها عليهم كشدّة وقع آلة النّحت على الشيء المنحوت ( وترضهم) رض الشيء دقه وهشمه (بكلكلها) أي بصدرها .

(يضيع في غبارها الوحدان) جمع واحد أي المتفردون، والمراد الفضلاء، فإنّ للفاضل قدر في زمن الهدوء، أما في زمن الفوضى فيتقدّم الأشرار ويضيع الأفاضل .

(ويهلك في طريقها الركبان) أي أنّ أهل القوة الخائفين في تلك الفتنة

تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ ، وَتَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ ، وَتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ، وَتَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِين، تَهْرُبُ مِنْهَا الأكْيَاسُ ، وَتُدَبِّرُهَا الأرْجَاسُ . مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ ، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ ! تُقْطَعُ فِيهَا الأرْحَامُ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الإِسْلامُ بَرِيُّهَا سَقِيمٌ،


يهلكون، فكيف بسائر الناس (ترد) هذه الفتنة على النّاس (بمر القضاء) أي القضاء الإلهي الذي هو مر الذي هو مر في أذهان الناس .

(وتحلب عبيط الدّماء) أي الغليظ من الدّم الطّري، وحلبها له كناية عن إيجاب تلك الفتنة إراقة الدماء، كما يحلب الإنسان اللبن.

(وتثلم) أي تكسر وتهدم تلك الفتنة (منارالذين) كالعلماء والمدارس الدينية وما أشبه ذلك (وتنقض عقد اليقين) أي يقين الناس بالله والرسول والأصول والفروع، فإنّها تسبب زوال يقين النّاس لما تلقيه من الشبهة والإشكالات.

(تهرب) أي تفر (منها) أي من تلك الفتنة (الأكياس) جمع كيس وهو الحاذق العاقل ( وتدبّرها) أي تهيئها وتدير شؤونها (الأرجاس) جمع رجس وهو القذر، والمراد أشرار النّاس (مرعاد مبراق) أي لتلك الفتنة أصوات هائلة كالرّعد وكثوف عجيبة كالبرق تشبيه بالسحاب الموجب للهول لرعده وبرقه (کاشفه عن ساق) إشارة إلى عملها المتواصل كالذي يريد العمل فيكشف عن ساقه لئلا يمانعه الثّوب.

(تقطع فيها الأرحام ) لأن الفتنة توجب تفرّق الناس، فيقطع الرحم رحمه (ويفارق عليها) أي على تلك الفتنة (الإسلام) فالنّاس يتركون الإسلام انسياقاً تلك الفتنة (بريّها سقيم) يعني أن الداخل فيها ولو كان بري الجسم، لكنه سقيم النفس .

وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ !

منها : بَيْنَ قَتِيلِ مَطْلُولٍ، وَخَائِفِ مُسْتَجِيرِ ، يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الأَيْمَانِ وَبِغُرُورِ الإِيمَانِ، فَلا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ، وَأَعْلامَ الْبِدَع وَالْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ ، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ، وَاقْدَمُوا عَلَى اللهِ مَظْلُومِينَ، وَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ،


(وظاعنها مقيم) أي أن من يسافر فراراً عنها تدركه الفتنة فهو والمقيم سواء في اشتمال الفتنة عليهم جميعاً .

(منها :) أي من تلك الخطبة، في وصف الناس عندها (بين قتيل مطلول) يقال طل دمه: بمعنى هدر فلم يقتص من القاتل (وخائف مستجير) يستجير ويلوذ بالناس لرجاء النّجاة .

(يختلون) أي أن الناس يخدعون (بعقدالأيمان) فالظالمون يقولون لهم إنا مؤمنون، حتى يخدعوهم ويقضون منهم مأربهم (وبغرور الإيمان) جمع يمين أي يحلفون لهم بحسن نواياهم ليخدعوهم فيظنون أن حلفهم صادق (فلا تكونوا) أيها الناس (أنصاب الفتن) جمع ،نصب، وهو ما يوضع ليقصد، أي لا تكونوا من حماة الفتنة حتى يقصدكم الناس الذين يريدون الفوضى والشغب (وأعلام البدع ) جمع بدعة (والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة) وهي الكتاب والسنة ، فإنّهما كالحبل المعقود في رقاب المسلمين والمعنى الزموا جماعة المسلمين في أعمالهم، ولا تتفرقوا في الأحزاب والأهواء (وبنيت عليه أركان الطاعة) أي أسس الإسلام التي بنيت على تلك الأسس أركان طاعة الله سبحانه .

(واقدموا على الله مظلومين ولا تقدموا عليه ظالمين) يعني إذا دار

وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ، وَمَهَابِطَ العُدْوَانِ، وَلا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لَعَقَ الْحَرَامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ، وَسَهَّلَ لَكُمْ سَبُلَ الطَّاعَةِ.


الأمرين بين أن تكونوا أحدهما فكونوا مظلومين لا ظالمين .

(واتقوا مدارج الشيطان) جمع مدرج، وهو محل درجه وسيره، والمعنى المعاصي (ومهابط العدوان) أي المحلات التي أسست على التعدي على الناس كمراكز الحكومة والسلطان الظالمة.

(ولا تدخلوا بطونكم لعق الحرام) جمع لعقة، وهي ما تأخذه في الملعقة (فإنّكم بعين من حرم عليكم المعصية) أي أنه سبحانه يراكم وسيجازيكم عليه وسهّل لكم سبل الطاعة) حتى لا تصعب عليكم .

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

في صفة الله سبحانه، وصفة أئمة الدين

الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالُ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ، لا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ، وَلَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ،لافْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَالْمَصْنُوع،


التوضيح:

(الحمد لله الدال على وجوده بخلقه) فإنَّ الخلق أثر له سبحانه والأثر يدل على المؤثر (وبمحدث خلقه على أزليته) إذ لو كان محدثاً هو سبحانه ، لاحتاج إلى محدث، فلم يكن إلهاً ( وباشتباههم) أي مشابهة بعضهم لبعض (على أن لا شبه له) إذ الأشباه تجمعها الصفة الواحدة، فلو كان سبحانه شبيهاً للخلق، لكان وإياهم داخلين في صفة واحدة، وذلك يستلزم الإمكان، وحيث أن الأشياء تعرف بما يقابلها عرف أزليته وعدم شباهته، بحدوث الأشياء وأنها يشبه بعضها بعضاً .

(لا تستلمه المشاعر) أي لا تصل إليه سبحانه الحواس، فلا يبصر، ولا يلمس وهكذا ومشاعر جمع مشعر بمعنى محل الشعور والإدراك (ولا تحجبه السواتر) أي أنه سبحانه عالم بكل شيء، وإن كان مخفياً تحت الأستار (لافتراق الصانع والمصنوع) فالمصنوع حادث ذو شبه يمكن حجبه والصانع بالعكس من كل ذلك .

وَالْحَادٌ وَالْمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ الأَحَدِ بِلا تأْوِيلِ عَدَدِ، وَالْخَالِقِ لا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ ، وَالسَّمِيع لا بأدَاةِ، وَالْبَصِيرِ لا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ وَالشَّاهِدِ لا بِمُمَاسَّةٍ ، وَالْبَائِن لا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ، وَالظَّاهِرِ لا بِرُؤْيَةٍ، وَالْبَاطِن لا بلَطَافَةِ .


(والحادّ) الذي جعل الحدود ( والمحدود) الذي جعل له الحدود والرب والمربوب) أي الخلق الذين هم تحت تربیته سبحانه .

(الأحدبلا تأويل عدد) يعني أنه سبحانه واحد، لكن لا بالوحدة العددية، بأن يكون داخلاً في الأعداد ، حتى يكون واحداً من جنس ما يكون له ثان وثالث وهكذا (والخالق لا بمعنى حركة ونصب) أي التعب، فكونه خالقاً، إنما هو بالإرادة لا كما في الإنسان الذي لا يتمكن من خلق وصنع شيء إلا إذا تحرك وتعب .

(والسميع لا بأداة) أي آلة السمع كالأذن بل يسمع سبحانه بذاته (والبصير لا بتفريق آلة) فإنَّ الأبصار في الإنسان ونحوه لا يكون إلا بتفريق الأجفان وفتح أحدهما الآخر ، وليس له سبحانه عين حتى يكون هكذا.

(والشاهد) أي الحاضر (لا بمماسة) أي مس جسم الشاهد لهواء خاص ومكان خاص حتى يكون مقترباً من المشهود عليه فالله سبحانه منزّه عن القرب المكاني والمماسة الجسمية (والبائن) أي المنفصل عن الأشياء (لا بتراخي مسافة) أي بابتعاد شيء عن شيء في المسافة، فإن ذاته سبحانه مباين للأشياء.

(والظاهر) في العالم (لابرؤية) الإنسان له بل ظاهر بآثاره وأدلته (والباطن) أي الخفي ذاته (لا بلطافة) فإنّ الأشياء الباطنة كالماء الذي يتسرب

بَانَ مِنَ الأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَبَانَتِ الأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوع لَهُ ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ ، مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ ، وَمَنْ قَالَ : (كَيْفَ) فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ قَالَ : (أَيْنَ) فَقَدْ حَيْزَهُ . عَالِمٌ إِذْ لا مَعْلُومٌ، وَرَبَّ


في الباطن وما أشبه يحتاج إلى لطف حتى يتسرب ويبطن وليس الله سبحانه هكذا (بان من الأشياء بالقهرلها) أي أنه سبحانه منفصل عن الأشياء انفصالاً قاهراً لها - لا انفصالاً محايداً - ( والقدرة عليها) فهو قادر على التصرف فيها والتقليب لها .

(وبانت الأشياء منه بالخضوع له) فكل شيء خاضع له سبحانه مطيع لأمره (والرّجوع إليه) فكلّ شيء يرجع في بقائه وتقلباته - تكويناً - إليه تعالى (من وصفه) سبحانه (فقد حده) والمراد من وصفه بصفات الأشياء بأن بين كيفيته وخصوصياته، فإنَّ ذلك مستلزم لتحديده وحصره في جانب واحد، والله سبحانه غير متناه ولا وصف بصفات المخلوقين (ومن حده فقد عده) أي جعله معدوداً في ردف سائر الموجودات فهو واحد منهم.

(ومن عده فقد أبطل أزله) إذ لو كان سبحانه كالموجودات لم يكن أزليّاً ومن) قال : كيف بأن بيّن كيفيته سبحانه (فقد استوصفه) أي وصفه بما هو بريء منه، فإنّ اللّه سبحانه لا كيف له أو المراد أنّ من قال كيف على سبيل الاستفهام - فقد طلب وصفه .

(ومن قال أين) أي أنّه تعالى في المكان الكذائي (فقد حيّزه) أي جعل له حيّزاً ومكاناً خاصاً، والله لا مكان له.

(عالم إذ لا معلوم) إذ علمه بالأشياء منذ الأزل (ورب) أي له صفة

إِذْ لا مَرْبُوبٌ، وَقَادِرٌ إِذْ لَا مَقْدُورٌ .

منها : قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ ، وَلَمَعَ لامِعٌ ، وَلاحَ لائِحٌ، وَاعْتَدَلَ مَائِل، وَاسْتَبْدَلَ اللهُ بِقَوْمٍ قَوْماً، وَبِيَوْمٍ يَوْماً ، وَانْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ . وَإِنَّمَا الأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللهِ عَلى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ،


الربوبية - التي معناها التربية - (إذ لا مربوب) وليس أن وجدت له صفة الربوبية، وصلاحية الخلق، بعد أن لم تكن له تلك الصلاحية (وقادر إذ لا مقدور) إذ القدرة صفة ذاتية لا أنها وجدت حين خلق المقدورات .

(منها :) في بيان أوصاف أئمة الدين، ووصف الإسلام (قد طلع طالع) أي خرج إلى الخلافة قالوا خطب الإمام علیه السلام بهذه الخطبة بعد مقتل عثمان، فلعل المراد بالأوصاف أوصاف نفسه الشريفة والأئمة من ذريته، أو أنها أوصاف الإمام المهدي علیه السلام ( ولمع لامع) أي أشرق (ولاح) أي ظهر (لائح) وهذه الجمل تفيد المفاجآت غير المترقبة.

(واعتدل مائل) فإنّ الأمر كان مائلاً في زمن الخلفاء نحو الانهيار واعتدل في زمن الإمام علیه السلام .

( واستبدل الله بقوم قوماً) جعل القوم الذين على الحق في مكان القوم الذين كانوا على الباطل ( وبيوم يوماً) أي جعل يوم الحق مكان الحق مكان يوم الباطل وانتظرنا الغير أي صروف الدهر حتى تأتي بالحق (انتظار المجدب أي الذي في القحط من الجدب مقابل الخصب(المطر) ليخرج من البلاء إلى الرخاء، ثم بين علیه السلام وصف الأئمة الذين يليقون بأخذ الزمام.

(وإنّما الأئمّة قوام الله) أي القائمون من طرفه سبحانه (على خلقه) ليسوقوهم إلى الخير والسعادة (وعرفاؤه على عباده) جمع عريف بمعنى

لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ إِلا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصْكُم بِالإِسلام، وَاسْتَخْلَصَكُمْ [وَاسْتَخَصَّكُمْ لَهُ، وَذلِكَ لأَنَّهُ اسْمُ سَلامَةِ، وَجِمَاعُ كَرَامَةٍ . اصْطَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ، وَبَيَّنَ حُجَجَهُ مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ، وَبَاطِنِ حِكَم . لا تَفْنَى غَرَائِبُهُ ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ .


النقيب، المطلع على أحوال النّاس .

(لا يدخل الجنّة إلا من عرفهم وعرفوه) بأن يكون بينهما تعارف وتواصل (ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه) بأن يكون بينهما تناكر وتدابر (إنّ الله تعالى خصكم) أيها المسلمون (بالإسلام) بأن وفقكم إلى اعتناقه والالتزام به (واستخلصكم له) أي طلب منكم أن تخصصوا أنفسكم للإسلام بأن تعملوا من أجله ولإعلائه (وذلك) أي لماذا طلب منكم أن تخصصوا أنفسكم للإسلام (لأنه اسم سلامة) أي علامة على سلامة الدّنيا والآخرة، فينبغي أن يخصص الإنسان نفسه لأجله (وجماع كرامة) أي مجتمع الكرامات الدنيوية والأخروية فمن عمل به سعد في النشأتين .

(اصطفى الله تعالى منهجه) أي اختار طريق الإسلام للناس (وبين حججه) أي الأدلة الدالة على أنه أحسن الأديان والمناهج (من ظاهر علم) أي أن ظاهر حجج الإسلام علم ( وباطن حكم) فلكل حجة من حجج الإسلام حكمة ومصلحة وعمق، [ومن] بيان الحجج، فإنّ الحجّة قد تكون تافهة سخيفة، وقد تكون في ظاهرها دليلاً علميّاً، ولكن كانت جدلاً لا باطن حقيقي لها، وليس كذلك حجج الإسلام ( لا تفنى غرائبه) أي غرائب الإسلام فكلما تعمق الإنسان في الإسلام ظهرت له غرائب أحكام تدلّ على أنه جعله سبحانه لا من جعل البشر. (ولا تنقضي عجائبه) أي الأمور العجيبة

فِيهِ مَرَابِيعُ النّعم، وَمَصَابِيحُ الظُّلَم، لا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلا بِمَفَاتِيحِهِ، وَلا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلا بِمَصَابِيحِهِ . قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ، وَأَرْعَى مَرْعَاهُ فِيهِ شِفَاءُ الْمُشْتَفِي، وَكِفَايَةُ الْمُكْتَفِي.


المودعة في الإسلام (فيه) أي في الإسلام.

(مرابيع النعم) جمع مرباع وهو المكان الذي ينبت فيه نبت الربيع .

(ومصابيح الظلم) أي المصباح الذي يكشف الظلمة ويجعل مكانها نوراً (لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه) يعني أنّ الخير لا يتوجه نحو الإنسان إلا إذا سلك الإنسان السبيل الذي جعل الله للخير وقرّره في الإسلام، مثلاً العلم لا يحصله الإنسان إلا بالتعلم من عالم، والمال لا يحصله الإنسان إلا بالكد والاكتساب ، وهكذا سائر الشؤون الدينية والدنيوية لها مفاتيح بينت وقررت في الإسلام فالضمير في مفاتيحه عائد إلى الإسلام.

(ولا تكشف الظلمات) ظلمات الجهل والفتنة وما أشبه (إلا بمصابيحه) أي مصابيح الإسلام (قد أحمى) الله أي حفظ ورعى (حماه) الضمير للإسلام، والحمى هو المحل الذي يحظر استطراقه لاحترام جعل له .

(وأرعى مرعاه) أي هيأ الإسلام لأن يكون مرعى للعلم والحكمة والخير كما يرعى الإنسان المرعى لرعي دوابه (فيه) أي في الإسلام (شفاء المشتفي) أي من أراد الشفاء من الآثام والشقاء (وكفاية المكتفي) أي الذي ليس حريصاً، وإنما يكتفي بالخير والوسط في الإسلام كفاية له، إذ بالإسلام يحصل الإنسان على خير الدنيا وسعادة الآخرة .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في صفة الضّال

وَهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللهِ يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ، وَيَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ، بِلا سَبِيلِ قَاصِدِ، وَلا إِمَامٍ قَائِدِ .

منها : حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ غَفْلَتِهِمُ


التوضيح :

(وهو) أي الضال الحائد عن طريق الله سبحانه (في مهلة من الله) قدمن أخر أجله لينظر عمله (يهوي ) وينزل في دركات الآثام (مع الغافلين) الذين غفلوا عن الله وأحكامه .

(ويغدو) أي يصبح (مع المذنبين) العاصين لله تعالى (بلا) أن يكون له (سبيل قاصد) أي متوسط يوصل إلى المطلوب والمراد به سبیل الحق (ولا إمام قائد) له إلى السعادة والخير فإن الإنسان المذنب يترك الطريق الحق، ويترك الإمام الهادي الذي يقوده إلى النجاة، ويشتغل بالمعاصي والآثام.

(منها): في صفات أهل الغفلة، وأنهم كيف يندمون حيث لا ينفع الندم (حتى إذا كشف لهم) الله سبحانه ( عن جزاء معصيتهم) وذلك بعد أن قبض أرواحهم (واستخرجهم) أي أخرجهم (من جلابيب غفلتهم) جمع جلباب

اسْتَقْبَلُوا مُذبِراً ، وَاسْتَذبَرُوا مُقْبِلاً ، فَلَمْ يَنتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ، وَلا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ إِنِّي أَخَذْرُكُمْ، وَنَفْسِي، هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، فَلْيَلْتَقِع امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ ، فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ،


وهو الثّوب الواسع الذي يلبس الإنسان، فكأنهم كانوا من جلباب من الغفلة لا يهتدون إلى الحق حتى إذا جاءهم الموت خرجوا من ذلك الجلباب.

(استقبلوا مديراً) أي العذاب الأخروي (واستدبروا مقبلاً) أي الدنيا ومتاعها، فقد كانوا في الدنيا يتوجهون إلى الدنيا، ويولون الدبر للآخرة، فلمّا جاءهم الموت انعكس الأمر، استقبلوا الآخرة، وأدبروا عن الدّنيا، وذلك لانقضاء أيام الدّنيا، ومجيء أيام الآخرة (فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم) الغفلة أنّ ما أدركوه في الدنيا من الدنيا من لذائذها وشه- لذائذها وشهواتها، لم ينفعهم إذا أدبرت ولم تبق معهم .

(ولابما قضوا من وطرهم) أي حاجتهم فإن حوائجهم الدنيوية التي قضيت لم تنفعهم في الآخرة، حيث انقطعت الدنيا بما فيها (إني أحذركم) أيّها النّاس (و) أحذر (نفسي) من (هذه المنزلة) أي أن يكون للإنسان هذه المنزلة الموجبة للندم.

( فلينتفع امرؤ بنفسه) وذلك بالعمل الصالح، وهذا أمر وطلب لأن لا يضيع الإنسان نفسه في الدنيا، بطلب الشهوات والغفلة عن الآخرة (فإنّما البصير من سمع) الوعظ والإرشاد والاعتبار (فتفكر) في أمر نفسه وعمل لنجاتها ( ونظر) إلى الدنيا وأحوالها (فأبصر ) الحقيقة ولم تعمه الشهوات وانتفع بالعبر الموجبة لأن يعتبر الإنسان، ويدرك حقيقة الدنيا وزوالها وضرر شهواتها وخير تركهما في سبيل الآخرة .

ثُمَّ سَلَكَ جَدداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي، وَالضَّلالَ فِي الْمَغَاوِي، وَلا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفِ فِي حَقٌّ، أَوْ تَحْرِيفِ فِي نُطق ، أَوْ تَخَوُّفِ مِنْ صِدْقٍ .

فَأَفِقْ أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَاسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِكَ،


(ثم) بعد الاعتبار (سلك جدداً) أي طريقاً (واضحاً) هو طريق الحق والهدى .

(يتجنّب فيه) أي في ذلك الجدد (الصرعة) أي الوقوع والهلاك (في المهاوي) جمع مهوى، وهو المحل المنخفض الذي يقع فيه الإنسان، وذلك كناية عن المعصية والإثم، فإنها توجب هوي الإنسان عن مراتب الكمال إلى النقص، ثم العقاب في الآخرة .

(و) عن ((الضّلال) وأن يتيه الإنسان (في المغاوي) جمع مغواة، وهي محل الغوي والضلال كما يضل الإنسان الطريق في الصحارى المجهولة.

(ولا يعين على نفسه الغواة) جمع غاوي وهو الضال عن طريق الهداية ، أي لا يعينهم - باتباع طريقهم - على ضد نفسه وهلاكها (بتعسف في حق) بأن يتكلف الباطل ويترك طريق الحق (أو تحريف في نطق) بأن ينطق بالباطل ويحرف بكلامه الحق (أو) تخوف من صدق بأن لا يصدق خوفاً من الناس، فإنَّ الإنسان إذا عمل هذه الأعمال، كان معيناً للغواة، فإنَّهم يطمعون فيه ويأخذونه معهم.

ثم أخذ علیه السلام في الوعظ والإرشاد (فأفق أيها السامع) لكلامي (من سكرتك) السكرة كناية عن الغفلة والإفاقة كناية عن الالتفات.

(واستيقظ) أي تنبه (من غفلتك) فإنَّ الغافل كالنائم إذ كلاهما لا يدركان

وَاخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَأَنْعِم الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّي صلّى الله عليه وآله مِمَّا لا بُدَّ مِنْهُ وَلا مَحِيصَ عَنْهُ ، وَخَالِفٌ مَنْ خَالَفَ ذلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، وَدَعْهُ وَمَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ ، وَضَعْ فَخَرَكَ، وَاحْطُطْ كِبْرَكَ ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزْرَعُ


الواقع (واختصر من عجلتك) أي سرعتك في طلب الدنيا والاختصار التأني ليرى الصحيح من السقيم، والنافع من الضّار .

(وأنعم الفكر ) أي تفكر فكراً حسناً (فيما جاءك على لسان النبي الأمي) محمد صلی الله علیه و آله وسلم المنسوب إلى أم القرى، وهي مكة (مما لا بد منه أي في الأحكام التي لا بد للإنسان من الأخذ بها، أو المراد من أمور الآخرة التي لا بد وأن تصل إلى الإنسان .

(ولامحيص) أي لا مفز (عنه) إذ لا يمكن الفرار من الأحكام لمن أراد يص) السعادة، أو لا يمكن الفرار من أمور الآخرة فإنَّها آتية لا محالة وخالف من خالف ذلك الإشارة إلى ما لا بد منه ] إلى غيره أي العصاة الذين خالفوا الأحكام وما جاء به الرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم خالفهم، ولا تتبع طريقتهم .

(ودعه) أي ذر المخالف العاصي (وما رضي لنفسه) من الآثام (وضع فخرك) أي لا تفتخر فإنّ الافتخار دليل صغر النفس (واحطط كبرك) أي لا تتكبر فإنّ الكبر دليل خفّة النفس وعدم الوزن لها (واذكر قبرك) فإنّ ذكر القبر يوجب أن يعمل الإنسان صالحاً (فإن عليه) أي على القبر(ممرك) مصدر میمي، أي مرورك في سفرك من الدنيا إلى الآخرة.

(وكما تدين تدان) أي كما تعمل تجزى، فإن الجزاء من جنس العمل، فإنَّ [دان] بمعنى عمل أي كما تعمل يُعمل بك (وكما تزرع) أي كالذي تزرع

تَحْصُدُ، وَمَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً ، فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ، وَقَدْمْ لِيَوْمِكَ . فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ وَالْجِدْ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ »وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبیرٍ»(1).

إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيم ،


من حنطة وشعير - والمراد هنا الأعمال التي يعملها الإنسان - (تحصد) ومن المعلوم أنه :

لا يجتني الجاني من الشوك العنب*** ولا من الأعناب شوكاً ذا تعب

(وما قدمت اليوم) أي إلى الآخرة - من صالح الأعمال أو فاسدها - (تقدم عليه غداً) في الآخرة (فامهد) أي هيئ في الآخرة (لقدمك) أي المكان الذي تضع فيه قدمك، وذلك بطيب الأعمال ليكون محلك هناك حسناً .

(وقدم) الأعمال الصالحة (ليومك) أي الآخرة فإنّه يوم نجاح الإنسان أو سقوطه فالحذر الحذر) مفعول مطلق لفعل محذوف، أي احذر الحذر اللازم (أيّها المستمع لئلا تعمل بما يوجب خزيك هناك.

(والجد الجد) أي جد جداً لأن تعمل بما يجب عليك (أيها الغافل) عن

) عواقب الأعمال (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير)، أي لا يخبرك عن الواقع، مثل الإنسان الخبير المطلع على الأمور، وهذا كناية عن اطلاع المتكلم الحقيقة مما يلزم على السامع قبول خبره .

ثم بين علیه السلام جملة من خصال الشر الموجب لسوء العاقبة (إن من عزائم الله ) جمع عزيمة وهي ،الفريضة مقابل الرخصة والمراد هنا المحرمات، لأنه سبحانه فرض تركها وألزم العقاب لمرتكبها (في الذكر الحكيم) أي


1) سورة فاطر: 14 .

الَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ وَيُعَاقِبُ، وَلَهَا يَرْضَى وَيَسْخَطُ، أَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْداً - وَإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ ، وَأَخْلَصَ فِعْلَهُ - أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا، لاقِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هذِهِ الْخِصَال لَمْ يَتُبْ مِنْهَا : أَنْ يُشْرِكَ بِاللهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ،


المذكورة في القرآن، ووصفه بالحكيم، لأنه يضع الأشياء مواضعها، ويبينها على حقائقها (التي عليها) أي على تلك العزائم (يثيب) أي يعطي الثواب سبحانه لمن تركها ( ويعاقب) لمن ارتكبها .

( ولها) أي لتلك العزائم ( يرضى) إذا تركت (ويسخط) إذا عمل بها (أنه) اسم [إن] في قوله [إن من عزائم الله] والجار خبر مقدم (لا ينفع عبداً - وإن أجهد) ذلك العبد (نفسه) في الطاعة (وأخلص فعله) الطاعات لله سبحانه (أن يخرج) فاعل [ينفع] وجملتا [أجهد] و [أخلص] معترضتان.

(من الدنيا لاقياً ربّه) ملاقاة الله كناية عن الوصول إلى المحل الذي أعده الله سبحانه للثواب والعقاب، ووجه الكناية : أنّ الإنسان يلاقي الحاكم لدى المحاكمة، فالتشبيه للمعقول بالمحسوس (بخصلة من هذه الخصال) التي سنذكرها بحيث (لم يتب منها) أي أن الإنسان إذا عمل بعض هذه الأعمال، ثم خرج من الدنيا قبل التوبة، لا بد وأن يلاقي سخط الله سبحانه وعقابه، إذ أنها ميزان الثواب والعقاب والرّضا والسخط (أن يشرك بالله فيما افترض) الله (عليه من عبادته) [فيما] بيانية، أي أن الشرك في عبادة الله، بأن يعبد الإنسان صنماً أو ما أشبه يوجب العقاب، وإن كان أخلص في الأعمال الخيرية وأجهد نفسه في الطاعات، فقد قال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يشرك بِهِ (1).


1) سورة النساء : 48.

أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلاكِ نَفْسٍ، أَوْ يُقِرٌ بِأَمْرِ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ ،


(أو يشفي غيظه بهلاك نفس) بأن يقتل أحداً شفاء لغضبه، لا أن يكون القتل له سبحانه كالحدود والقصاص، فقد قال سبحانه:«وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّهُ خَلِدًا فِيهَا » (1).

(أو يقرّ بأمر فعله غيره) لعلّ المراد بذلك، أن يقول الإنسان : فعلت كذا من الخير والحال أنه لم يفعله بل فعله غيره لقوله سبحانه: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا مَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ (2)، أو المراد قذف إنسان، فالمعنى القول بأن الغير فعل كذا، لقوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ الیمٌ (3)، وهنا احتمالات أخر ذكرها الشراح.

(اويستنجح حاجة إلى النّاس ) أي يطلب نجاح حاجته من الناس (بإظهار بدعة في دينه) بأن يبدع في الدين ما ليس منه، ولعلّ الآية الدالة على ذلك قوله سبحانه : «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَأَلهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أَوَلَبَكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَهُمُ العنُونَ » (4)أو قوله: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناًقَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ » (5).


1) سورة النساء : 93.

2) سورة آل عمران : 188.

3) سورة النور : 19.

4) سورة البقرة : 159.

5) سورة البقرة : 79 .

أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِي فِيهِمْ بِلِسَانَيْن . اعْقِلُ ذلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ.

إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا ، وَإِنَّ السِّبَاعَ هَمُهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا ،


(أويلقى النّاس بوجهين) فإذا حضروا مدحهم وإذا غابوا ذمّهم (أو يمشي فيهم بلسانين) لسان مدح وإطراء، ولسان ذمّ وازدراء ، ولعلّ الجملتين لمفاذ ،واحد، والدليل عليه قوله سبحانه : «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا »(1) (اعقل ذلك) الذي ذكرت من الوعظ والإرشاد.

(فإنّ المثل دليل على شبهه) أي أنّ الأحوال التي تجري على الأشياء، دليل على أن مثل تلك الأشياء أيضاً تجري عليه مثل تلك الأحوال، مثلاً: الحكم الذي يجري على صاحب هذا السلطان من العزة والجاه يجري على صاحب السلطان الآخر، والخوف الذي يسيطر على هذا الجيش المنكسر يجري مثله على الجيش الآخر إذا انكسر ،وهكذا، وهذه الجملة إما تابعة للجمل السابقة، والمعنى أنّ المحرمات التي لم يذكرها الإمام، كالمحرمات التي ذكرها في عدم الانتفاع بصالح الأعمال لمن يرتكبها، مما وعد الله النار عليها كالربا والزنا وأشباه ذلك وإما مقدّمة لما يأتي وذلك لبيان أن الإنسان التابع لشهواته كالبهيمة، إلخ .

(إنّ البهائم) جمع بهيمة وهي الحيوان الذي لا يفصح، ولذا سمّي بهيمة، والتأنيث باعتبار النفس (همها بطونها) أن تملأها وتفرغها (وإنّ السّباع همها العدوان على غيرها) فهي بما أودع فيها من الغرائز تريد الظلم والتعدي دائماً.


1) سورة النساء : 145 .

وَإِنَّ النِّسَاءَ هَمُهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْفَسَادُ فِيهَا، إِن الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ إِن الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ . إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ .


(وإن النساء همهنّ زينة الحياة الدنيا، والفساد فيها) إذ المرأة بوصف كونها عاطفية تهتم بالفساد كلّما هاجت منها العاطفة نحو جانب، فهي مفرطة في جانب، ومفرطة في جانب آخر، بخلاف الرّجال الذين ترتفع فيهم قوتا العقل والعاطفة .

(إنّ المؤمنين مستكينون) أي خاضعون لله عزّ وجل من استكان بمعنى تضرع والمستكين لا يكون في فكر البطن، وإنما في فكر الإطاعة والعبادة (إنّ المؤمنين مشفقون) أي خائفون متعطفون من أشفق بمعنى خاف وتعطّف، والخائف المتعطّف لا يعتدي على أحد (أنّ المؤمنين خائفون) والخائف لا يهتمّ بالزينة والفساد.

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

في فضل أهل البيت والإرشاد

وَنَاظِرُ قَلْبِ اللبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ، وَيَعْرِفُ غَوْرَهُ وَنَجْدَهُ . دَاعِ دَعَا ، وَرَاعٍ رَعَى ، فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي،


التوضيح :

(وناظر ) أي عين (قلب اللبيب) - أي العاقل - وعين القلب، كناية عن إدراكه للأشياء، كما يدرك البصر للمتبصّرات (به) أي بسبب ذلك الناظر(يبصر) اللبيب (أمده) أي منتهى أمره، وإذا أدرك الإنسان منتهى الأمور وما تؤول إليه الأعمال، لا بد وأن يخرج عن حدود العقل والشريعة، مما يضره في دينه ودنياه .

(ويعرف غوره) أي عمقه وانخفاضه (ونجده) أي ارتفاعه أي يرى ما يوجب الرّفعة وما يوجب الضعة (داع دعا) والمراد به الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

(وراع رعى) النّاس في مواضع الرفاه والسعادة، والجملتان السابقتان كالمقدمة لهذه الجمل، حيث أن البصير يدرك الحقيقة، فمن الضروري أن يتبع الحق المتمثل في الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

(فاستجيبوا) أي أجيبوا أيها الناس، ولعلّ الاتيان من باب الاستفعال لأن الإجابة يسبقها التفكّر، وإهتمام النفس بالإجابة (للدّاعي) الذي دعى إلى الهدى .

وَاتَّبِعُوا الرَّاعِيَ. قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ، وَأَخَذُوا بِالْبِدَع دُونَ السُّنَنِ . وَأَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ، وَنَطَقَ الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ ، نَحْنُ الشَّعَارُ وَالأَصْحَابُ، وَالْخَزَنَةُ وَالأبْوَابُ، لا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً .


(واتبِعُوا الرّاعِيَ) الذي يرعاكم في معاشب أمن وسلامة، أما غيرنا ممن أخذ زمام الأمور عنفاً وتخويفاً ف- (قد خاضوا) أي دخلوا (بحار الفتن) حيث أهلكوا أنفسهم من غير بصيرة .

(وأخذوا بالبدع) التي ابتدعوها (دون السنن) جمع سنة ، أي : الطرائق التي سنّها الرسول صلی الله علیه و آله وسلم،كإبداعهم صلاة التراويح ومنع المؤلفة، وتحريم متعتي الحج والنساء وغيرها وأرز (المؤمنون أي انقبضوا وثبتوا ولاذوابالصمود لئلا ينحرفوا مع المنحرفين (ونطق الضالون المكذبون) لله ورسوله حيث استولوا على الأمور بالقوة، وأخذوا ينطقون بما يشاؤون .

(نحن الشعار) للدين، وهو الثوب الذي يلبس ملاصقاً للجلد، وسمّي شعاراً باعتبار اتصاله بشعر جسم الإنسان، فكأنهم عليهم السّلام لشدّة لصوقهم بالدين كالشعار للجسد (والأصحاب) للرسول صلی الله علیه و آله وسلم الذين صحبوه لأجل الإسلام ، فقط لا لحبّ الرئاسة وما أشبه.

(والخزنة) جمع خازن : وهو الحافظ للشيء النفيس، فهم عليهم السّلام خزّان علم الكتاب وسنة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم والأبواب للعلم والمعرفة، فكما أن الإنسان لا يتمكن من الدخول فى الدار ونحوها إلا بطرق الباب، كذلك لايتمكن الإنسان من الدخول في مدائن العلم والعرفان إلا بالسؤال منهم (لاتؤتى البيوت إلا من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سمّى سارقاً وهكذا من

منها : فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ وَهُمْ كُنُورُ الرَّحْمَنِ. إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا ، وَإِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا فَلْيَصْدُقُ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيَحْضِرْ عَقْلَهُ، وَلْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ ، وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ . فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَر،


طلب الإسلام من غير طريقهم عليهم السّلام.

(منها) أي بعض الخطبة في شأن آل البيت عليهم السلام (فيهم) نزلت (كرائم القرآن) جمع كريمة:و هی الآيات المادحة الموجبة لتكريم المراد منها.

(وهم كنوز الرحمن) فكما أنّ الكنز محلّ الشيء الثّمين، فهم محلّ العلوم والمعارف الثمينة بإيداع الله سبحانه ذلك فيهم (إن نطقوا) وتكلّموا في خبر أو حكم أو قصة أو ما أشبه (صدقوا) لعلمهم بالأشياء .

(وإن صمتوا) ولم يتكلّموا (لم يسبقوا) أي لم يسبقهم أحد بالكلام لهيبتهم، فإنّ الإنسان إذا علم وجود أعلم منه في المجلس، لا يقدر على الكلام خوفاً من الفضيحة (فليصدق رائد أهله) الزائد هو الذي يتقدّم القوم المسافرين لينظر لهم مكاناً حسناً، لنزولهم فيه، والمراد هنا أنّ رواد العلم الذين يأخذون العلوم والأحكام، يلزم عليهم أن يصدقوا الناس في ذكر فضائلهم عليهم السّلام وأنهم هم الأئمة والخلفاء دون سواهم .

(وليحضر عقله) أي يعمل عقله في تميز الحق من الباطل، لا أن يجري على عواطفه وتقاليده (وليكن من أبناء الآخرة) الذين يخافون عذاب الله ويرجون ثوابه، فيعملون عملاً صادقاً، وإن خالف ذلك دنياهم (فإنّه منها) أي من الآخرة (قدم) فإن آدم علیه السلام كان في الجنّة، ثم جاء إلى الأرض (وإليها ينقلب) أي يرجع بعد موته (فالناظر بالقلب) نظر تبصر وتعقل( العامل بالبصر)

يَكُونُ مُبْتَدَأَ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ : أَعَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ؟! فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ . فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ. فَلا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الأَبُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ ، وَالْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ : أَسَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ !

وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرِ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ ، فَمَا طَابَ


أي الذي يعمل بنهج البصيرة والإدراك ، لا بنهج الجهال (يكون مبتدأ عمله أن يعلم : أعمله عليه أم له؟) أي أنّ الذي يريد الشروع فيه، هل يوجد هل يوجب له الخيروالسعادة والثواب أم الشر والشقاوة والعقاب؟

(فإن كان) العمل المراد (له) أي نافعاً له (مضى فيه) وعمله (وإن كان عليه وقف عنه) ولم يرتكبه لئلا يتضرر به.

(فإن العامل بغير علم) بعاقبة عمله (كالسائر على غير طريق) منحرفاً عنه (فلا يزيده بعده عن الطريق إلا بعداً من حاجته) وهذا تحذير عن العمل على غير هدى، وبدون أن يفكر الإنسان في مصير عمله.

(و) أنّ (العامل بالعلم) بأن تبصر عاقبة ما يريد عمله (كالسائر على الطّريق الواضح) الذي يصل إلى هدفه بدون كلل أو ملل ( فلينظر ناظر ) أي عامل يريد السير في طريق (أسائر هو) سيراً يوصله إلى غايته (أم راجع) يوجب سيره سيره الخزي والندامة، كالراجع الذي لذي يريد مقصداً مقصداً، لكنّه ضدّ يسير اتجاهه، وبعدما بين الإمام علیه السلام الميزان العمل الصحيح، بين التلازم بين الظاهر والباطن، حتى لا يقال أن ظاهر العمل ليس دليلاً على صحة الباطن أو سوء.

واعلم أن لكل ظاهر باطناً على مثاله) أي مثل ذلك الظاهر (فما طاب

ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ ، وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ. وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ صلّى الله عليه وآله : [إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ، وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُحِبُّ الْعَمَلَ وَيُبْغِضُ بَدَنَهُ] .


ظاهره طاب باطنه) فإنّ الظاهر عنوان الباطن (وما خبث ظاهره خبث باطنه) وذلك لأن خبيث السريرة لم يتمالك من تصحيح ظاهره، وإن أراد إخفاء سريرته، إذ السريرة تعمل تلقائياً، والظاهر يعمل بتكلف، والتلقائي لا بد وأن يظهر أثره ، بمجرد أن رفع القسر، ولو بالسهو والنسيان ،ونحوهما، وهكذا طيب السريرة، ولذا قال الإمام علیه السلام : [ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه ] (1)وقال الشاعر :

ومهما يكن عند امرئ من خليقة*** وإن خالها تخفى على الناس تعلم (وقد قال الرسول الصادق صلى الله عليه وآله) : (إنّ الله يحبّ العبد) إذا كان نقي السريرة طاهر الضمير (ويبغض عمله) الذي يأتي به إذا كان منكراً ، زل إليه.

(ويحب العمل) الصالح (ويبغض (بدنه) أي الشخص الذي عمل ذلك العمل، إذا كان خبيث السريرة، فاسد ،الضمير والاستشهاد بهذا الكلام لبيان خبث العمل - أحياناً - لا يسبب سقوط الظاهر الحسن إذا كان الباطن حسناً، وبالعكس طيب العمل أحياناً، لا يسبب سقوط الظاهر السيئ إذا كان الباطن سيئاً، فإن الظاهر يتبع الباطن في الحسن والقبح، ولا يتبع بعض النادرة التي تصدر مخالفاً للباطن أحياناً .


1) نهج البلاغة : باب المختار من الحكم.

وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً. وَكُلُّ نَبَاتٍ لا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ، وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا طَابَ سَقْيهُ، طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ . وَمَا خَبُثَ سَقْيه ،

خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ .


( واعلم أنّ لكلّ عمل نباتاً) أي ثمراً ونموّاً ونتيجة (وكل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة) فالعمل مثلاً كتأليف الكتاب، والنبات هو الثمر الذي يترتب عليه من إرشاد النّاس والمياه هو المحل الذي استقى منه المؤلف الرشد من القرآن أو كتب الفلاسفة - (فما طاب سقيه طاب غرسه) أي نباته ( وحلت) من الحلاوة (ثمرته) كالمستقي من القرآن الحكيم - في المثال ..

(وما خبث سقيه خبث غرسه) ونموه (وأمرت ثمرته) أي صارت مرة لا تستساغ، وهذا تحريض على صحة العمل وتحسين الشخص لنواياه التي هي بمنزلة الماء وانتقاء مصدر العمل .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

يذكر فيها بديع خلقة الخفاش

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْحَسَرَتِ الأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، وَرَدَعَتْ عَظَمَتْهُ الْعُقُولَ ، فَلَمْ تَجِدْ مَسَاعَاً إِلَى بُلُوعْ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ! هُوَ اللَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ،


التوضيح:

في حمد الله وتنزيهه، ويذكر فيها بديع خلقة الخفاش.

(الحمد لله الذي انحسرت) أي انقطعت وانفرجت (الأوصاف) أي أوصاف الناس له سبحانه (عن كنه معرفته) فلا تدرك الأوصاف معرفة كنهه سبحانه، لأن ذات الله لا تعرف، وذلك لأنّ الإنسان محدود، والله سبحانه غير محدود ولا يعقل إحاطة الحدود بغير المحدود، وإلا لزم الخلف ( وردعت عظمته) تعالى (العقول) التي تريد إدراكه (فلم تجد) العقول (مساغاً) أي محلاً ممكناً ، يسوغ - أي يجوز - عليها الوصول إلى ذلك المحل (إلى بلوغ غاية ملكوته) أي ملكه الواسع (هو) المتصف بتلك الصفات (الله الحق) في مقابل الأصنام الباطلة (المبين) الظاهر بآثاره (أحق وأبين) أي أظهر (مما ترى العيون) فإنّ العين يمكن أن تخطأ كما ترى الماء الكثير أسود، وكما ترى الشمس صغيرة وهي كبيرة، وكما ترى الخطين المتوازيين الممتدين متصلاً - بعد مسافة - إلى غيرها، أما العقل فلا يمكن خطأه، فإذا قال لا بد

لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدِ فَيَكُونَ مُشَبَّهَا ، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرِ فَيَكُونَ مُمَثَلاً، خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلِ، وَلا مَشُورَةِ مُشِيرٍ، وَلا مَعُونَةٍ مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ ، فَأَجَابَ وَلَمْ يُدَافِعُ ، وَانْقَادَ وَلَمْ يُنَازِعُ وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ ،


للأثر من مؤثر ، أو لا يمكن اجتماع النقيضين أو أنّ الكل أعظم من الجزء، لا بد وأن يكون ولا خطأ فيه إطلاقاً .

(لم تبلغه العقول بتحديد) بأن يحدّده العقل ويعرف حدوده (فيكون) سبحانه (مشبّها) شبيهاً بسائر الأمور المحدودة (ولم تقع عليه الأوهام) أي العقول ( بتقدير ) بأن يبين قدره تعالى (فيكون) سبحانه (ممثلاً) أي مثلاً لسائر المخلوقات، ولعلّ المراد بالتحديد الحد المنطقي-أي الجنس والفصل - وبالتقدير، الكم والكيف، وما أشبه .

(خلق) سبحانه (الخلق على غير تمثيل) أي لم يكتسب مثالاً للخلق، حتى يكون صنعه للخلق حسب ذلك المثال (ولا مشورة مشير) استشاره في أمر الخلق (ولا معونة معين) بأن أعانه في الخلق أحد أو آلة - كما عند الناس في أعمالهم - (فتم خلقه) تعالى للأشياء (بأمره) سبحانه (وأذعن) أي انقاد الخلق (لطاعته) تكويناً (فأجاب) الخلق لما أراد تعالى (ولم يدافع) سبحانه بأن يأبى الخلق من الانقياد التكويني له (وانقاد) أي خضع الخلق (ولم ينازع) سبحانه بأن يخاصمه أحد في خلقه.

ثمّ أخذ سبحانه في بیان خلقة الخفّاش، ذاكراً لمثال من أمثلة خلقه التي تدلّ على عظيم لطفه وعلمه وصنعه، وإن كان المخلوق في النّاس منفوراً منه غير ظاهر عليه آثار القدرة (ومن لطائف صنعته) أي دقائقها ( وعجائب خلقته) أي الخلق المورث للعجب .

مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضَّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيْ، وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا ، وَتَتَّصِلُ بِعَلانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا ، وَرَدَعَهَا بِتَلالُوِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيْ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا ، وَأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَجِ اثْتِلاقِهَا ،


( ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش) جمع خفاش وهو حيوان معروف (التي يقبضها الضياء الباسط لكلّ شيء) فإنّ ضياء الشمس يسبب حركة الإنسان والحيوان في مذاهبهما وإلى مصالحهما، إلا أن الخفاش ينقبض ويأوي إلى بيته بالنّهار لأنّ الضّياء يؤذيه .

(ويبسطها) بالحركة والانتشار (الظلام القابض لكلّ حي) مما يسبب له إخماد الحس والحركة (وكيف عشيت) العشاء : سوء البصر [ضعفه] ويسمّى خفّاشاً لذلك، لأنّ الخفش بمعنى ضعف البصر (أعينها عن أن تستمد الشمس المضيئة نورا)ً فإنَّها ضعيفة البصر، ولذا تؤذيها الشمس فتفر منها فلا (تهتدي به) أي بنور الشمس (في مذاهبها) جمع مذهب، وهو طريق الذهاب والإياب.

(وتتصل بعلانية برهان الشمس) أي بظهور دليل الشمس - والمراد بدليلها - نورها (إلى معارفها) إلى المواضع التي تتعرّف إليها الخفافيش (وردعها) أي منع النور الخفافيش (ب) سبب (تلألؤ ضيائها) أي ضياء الشمس (عن المضي في سبحات إشراقها) أي درجاتها وأطوارها (وأكنّها) أي أستر النور الخفافيش (في مكامنها) جمع مكمن وهو : محل الاختفاء (عن الذهاب في بلج) أي ضوء (ائتلاقها) أي لمعان الشمس.

مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَحْدَاقِهَا ، وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ

فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا ، فَلا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ، وَلا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ. فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا، وَبَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا، وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الصِّبَاب فِي وِجَارِهَا، أَطْبَقَتِ الأجْفَانَ عَلَى مَاقِيهَا ، وَتَبَلَّغَتْ بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ المَعَاشِ فِي ظُلَمِ لَيَالِيهَا .


(فهي) أي الخفافيش (مسدلة الجفون) من أسدل الستر بمعنى نصبه (بالنّهار على أحداقها) جمع حدقة وهي العين.

(و) هي (جاعلة الليل سراجاً) أي مصباحاً (تستدل به) أي بالليل (في التماس أرزاقها) أي طلب رزقها فهي تبصر بالنور القليل الموجود في الليل .

(فلا يرد أبصارها أسداف ظلمته) يقال أسدف الليل إذا أظلم (ولا تمتنع) الخفافيش (من المضي) والسير (فيه) أي في الليل (الغسق) أي شدّة ظلمته (دجنته) الدجنة بمعنى : الظلمة.

(فإذا ألقت الشمس قناعها) كناية عن ظهورها كأنّ الليل قناع تقنع الشمس به (وبدت) أي ظهرت (أوضاح نهارها) جمع وضح بمعنى بياض الصبح (ودخل من إشراق نورها على الضباب) جمع ضب، وهو حيوان ،معروف، يسكن في داخل الأرض (في وجارها) الوجار جحر الصّب فإنّ النور لزم أن يشتد حتى يدخل في الثقوب العميقة في داخل الأرض .

(أطبقت) الخفافيش (الأجفان) جمع جفن، وهو غطاء العين (على مآقيها) جمع مآق وهو طرف العين مما يلي الأنف (وتبلغت) أي إقتاتت واكتفت .

(بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها) والمراد بفيء الليل، القوت

فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشاً، وَالنَّهَارَ سَكَناً وَقَرَاراً! وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّبَرَانِ، كَأَنَّهَا شَطَايَا الآذَانِ، غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشِ وَلَا قَصَبٍ، إلا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيْنَةَ أَعْلاماً . لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقًا فَيَنْشَقًا، وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلا . تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لاصِقٌ بهَا


الذي حصلته في اللّيل .

(فسبحان من جعل الليل لها) أي للخفافيش (نهاراً) أي كالنهار في الحركة (ومعاشاً) أي لأجل تحصيل المعاش الذي يعيش به (والنّهار سكناً) تسكن فيه ( وقراراً) نقز وتنام فلا تخرج.

(وجعل لها أجنحة من لحمها) فإن جناح كل طائر من الريش إلا أنّ جناح الخفّاش من اللحم (تعرج) أي تصعد (بها) أي بسبب تلك الأجنحة (عند الحاجة إلى الطّيران كأنها) أي كأن تلك الأجنحة (شظايا) جمع شظية، بمعنى القطعة من الشيء (الآذان) فإنَّ جناح الخفاش يشبه قطعة الأذن في أنه كالغضروف، في حال كون تلك الأجنحة (غير ذوات ريش ولا قصب)كقصب ريش الطائر وإن كان لجناح الخفاش أيضاً قصب من جنس الغضروف (إلا أنك ترى مواضع العروق) في جناح الخفّاش (بينة أعلاماً) أي رسوماً ظاهرة، فإنَّ علم الشّيء دليله .

(لها جناحان لما يرقا) أي لم يرقا، وجيء ب[الما] للطف لا يخفى (فينشقا) في الطيران (ولم يغلظا فيثقلا) ويمنعا الخفاش عن الطيران (تطير) الخفافيش (وولدها لاصق بها) فإنَّها تحمل أولادها الصغار إذا أرادت أن تطير.

(لاجِيِّ إِلَيْهَا) ، يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ، وَيَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ لا يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَاتُهُ، وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهوض جَنَاحُهُ، وَيَعْرفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ، وَمَصَالِحَ نَفْسِهِ. فَسُبْحَانَ الْبَارِئِ لِكُلِّ شَيْءٍ ، عَلَى غَيْرِ مِثَالِ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ!


(لاجئ إليها) مخافة السقوط (يقع) الولد أي يهبط (إذا وقعت) الخفافيش ( ويرتفع إذا ارتفعت) أي طارت (لا يفارقها) الولد (حتى تشتد أركانه) الضمير عائد إلى الولد واشتداد الأركان كناية عن قوته للنهوض والاستقلال.

(ويحمله للنهوض جناحه) أي حتى يحمل الولد جناحه للنهوض والطيران وهذا عطف بيان لقوله : تشتد أركانه ( ويعرف مذاهب عيشه) أي يتمكن الولد من العيش بنفسه والقيام بمهامه (ومصالح نفسه) فحينذاك ينفك عن أمه .

(فسبحان البارئ) أي الخالق (لكل شيء على غير مثال خلا) أي بقي ذلك المثال (من غيره تعالى بأن يكون عمل أحد قبله سبحانه، ثم تعلم منه تعالى فإنَّه لا أحد قبله ولا شيء مخلوق لغيره .

وَمِنْ كَلام لهُ علیه السلام

خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم

اشارة

فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَفْعَلْ . فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِني حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ عَلَى سَبِيلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَمَذَاقَةٍ مَرِيرَةِ .


التوضيح:

أي قصة حرب الجمل، وفيها وصف الإيمان، وحال أهل القبور .

يظهر من السياق أن الإمام علیه السلام أخبر عن بعض الفتن المستقبلة، ثم قال : (فمن استطاع عند ذلك) الأمر المستقبل (أن يعتقل) أي يحفظ (نفسه على الله عزّ وجلّ) بأن لا يخرج عن طاعته ( فليفعل) وجملة الشرط للتأكيد، ولبيان صعوبة الحفظ في طريق الله سبحانه كما يقال : إن كنت رجل فافعل كذا.

(فإن أطعتموني) في حفظ أنفسكم (فإنّي حاملكم إن شاء الله على سبيل الجنّة) أي أوصلكم إليها، ولفظ [حامل] باعتبار أن الحمل والإرشاد متشابهان في الإيصال .

(وإن كان) حفظ النّفس - وإن وصلية - (ذا مشقة شديدة) لأنّ المغريات والأهواء على ضد ذلك (ومذاقة مريرة) أي أن ذوق المحافظة والتحمّل لها مرّ

وَأَمَّا فُلانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأي النِّسَاءِ ، وَضِغْنٌ غَلا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيْ، لَمْ تَفْعَلْ . وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الأُولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى .


صعب (وأمّا فلانة) والظاهر أن المقصود بها [عائشة] وكأنه سئل علیه السلام عن أمرها في قصة الجمل وما الذي حملها على محاربة الإمام؟ مع أنها ما كانت تطمع بالملك، كما كان الزبير وطلحة يطمعان فيه ؟

(فأدركها رأي (النساء) فإنّ النّساء يعملن بالعواطف لا العقول - غالباً - فلاعلة لعملهن إلا الاعتباط في كثير من الحركات .

(وضغن) أي حقد قديم (غلا في صدرها) فإنها كانت تغار من فاطمة الزهراء زوجة الإمام علیه السلام ، كما كانت تحقد على الإمام كونه الخليفة الشرعي المنافس لأبيها أبي بكر ، ولما تعلم من أن الإمام لا يذرها تعمل ما تشاء، كما كانت تفعل في أيام الخلفاء من نشر الأحاديث الزائفة وما أشبه وكانت تعلم أنّ الإمام لا يفضلها في العطاء، وإنما يقسم بالسوية حسب ما كان يعمل الرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

( كمرجل القين) المرجل ،القدر، والقين ،الحداد فإنّ من عادة الحدادين أن يضعوا الحديدة المحماة في الماء، وذلك الماء إذا وضع فيه الحديد يغلي غلياً شديداً . (ولو دعيت) عائشة (لتنال من غيري ما أتت إليّ) من السب وتجهيز الجيش وتحريض الناس وما أشبه (لم تفعل) لأنها كانت تكره الإمام أشدّ الكره ، على خلاف أمر الله والرسول صلی الله علیه و آله وسلم (ولها بعد) أي بعد كل ذلك الذي تقدمت بها إليّ (حرمتها الأولى) فإنّي أحترمها كما كنت أحترمها سابقاً-لأجل رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم- ( والحساب على الله تعالى) فإنّه يجازيها بأعمالها .

منه في وصف الإيمان :

سَبِيلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاج ، أَنْوَرُ السِّرَاج . فَبِالإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الإِيمَانِ، وَبِالإِيمَانِ يُعْمَرُ العِلْمُ ، وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ، وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا، وَبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الآخِرَةُ ، وَإِنَّ الْخَلْقَ لا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ، مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى.


(منه) : أي بعض هذا الكلام في وصف الإيمان، هذا الإيمان (سبيل أبلج (المنهاج أي واضح الطريق (أنور السراج) أي مضيء المصباح ((فبالإيمان يستدل على الصالحات) إذ لا يعرف الإنسان الأعمال الصالحة، وإنما الإيمان دليل على أن الشيء الفلاني صالح والشيء الفلاني غير صالح (وبالصالحات يستدل على الإيمان) فإنّ العامل بالصالحات مؤمن، فالعمل دليل الإيمان أما من يقول أنا مؤمن ولا يعمل فكلامه كذب، إذ للإيمان آثار .

(وبالإيمان يعمر العلم) إذ العلم إنما يحفز عليه الإيمان، أما العلم الذي لا يحفز عليه الإيمان، ففيه المخلوط من الحق والباطل، مثلاً العلم بمبدأ الكون ومنتهاه يأتي من الإيمان، ولذا نرى من لا إيمان له يقول بالتعطيل أو الشرك أو ما أشبه ( وبالعلم يرهب الموت) أي يخشى منه، إذ من يعلم عاقبة أمره يخشى من العمل الفاسد ومن أن يلقى الموت بلا استعداد .

(وبالموت تختم الدنيا) كما أن بالولادة تبتدئ الدنيا، وإنما ينتقل الإنسان بالموت إلى الآخرة (وبالدنيا تحرز الآخرة) إذ الأعمال الصالحة المحرزة للآخرة إنما تؤتى في الدنيا (وإن الخلق لا مقصر لهم) أي لا مستقر لهم (عن القيامة مرقلين) أي مسرعين (في مضمارها) أي ميدان الدنيا (إلى الغاية القصوى) أي أبعد الغايات، وهي الآخرة فإنَّ العمر يذهب بكل سرعة .

منه : قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الأَجْدَاثِ. وَصَارُوا إِلَى مَصَائِرِ الْغَايَاتِ، لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا لا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَلَا يُنْقَلُونَ عَنْهَا.

وَإِنَّ الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَر ، لَخُلُقَانِ مِنْ خُلق الله سُبْحَانَهُ ، وَإِنَّهُمَا لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ ،


(منه) أي بعض هذا الكلام في حال حشر الإنسان (قد شخصوا) أي سافروا وتحركوا (من مستقر الأجداث) جمع جدث وهو القبر، أي قد سافروا من قبورهم التي كانت محل قرارهم إلى الآخرة - وقد تم برزخهم - (وصاروا إلى مصائر الغايات) مصائر جمع مصير، وهو ما يصير الإنسان إليه من سعادة أو شقاء وجنّة أو نار (لكل دار) من الجنّة والنار (أهلها) فللجنّة المؤمن العامل بالصالحات، وللنّار غيره .

(لا يستبدلون بها) بدارهم داراً أخرى (ولا ينقلون عنها) فالسعداء في الجنّة أبداً، والأشقياء في النار أبداً، وإنما ينتقل من النار المؤقتة إلى الجنّة ،السعداء، والمقصود أبدية البقاء بالآخرة، لا من الابتداء، وإذ كان الأمر خطراً فعلى الإنسان أن يعمل لإنقاذ نفسه وإنقاذ غيره، أما إنقاذ الغير فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما إنقاذ النفس فبالعمل بالكتاب، ولذا شرع علیه السلام - بعد بيان الجنّة والنار - في التحريض على هذين الأمرين.

(وإن الأمر بالمعروف) وهو كل ما حسّنه الشرع والعقل والنهي عن المنكر) وهو كل ما قبحه الشرع والعقل (لخلقان من خلق الله سبحانه) فمن أخلاقه سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّه لم يرسل الرسل، ولم ينزل الكتب إلا لأجل هذين الأمرين (وإنهما لا يقربان من أجل) الآمر الناهي .

وَلا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ، وَعَليكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ ، وَالشَّفَاءُ النَّافِعُ ، وَالرّيُّ النَّاقِعُ، وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسْكِ، وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ . لا يَعْوَجُ فَيْقَامَ ، وَلا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ، وَلا تُخْلِقُهُ


( ولا ينقصان من رزق) فإنَّه يغلب على ظنّ النّاس أنهم إن أمروا أو نهوا قتلوا أو نقص رزقهم لعدم توفيره من فاعل منكر - إذا كان سبباً لرزقهم - والأمر ليس كذلك، فإنَّهما بشرائطهما - التي منها الأمن من الضرر - لايوجبان شيئاً من تقريب الأجل ونقص الرزق، أما ما يوجب أحد الأمرين - أي الضرر - فذلك من الجهاد في سبيل الله، ومورده غير مورد الأمر والنهي .

(وعليكم بكتاب الله) أي الزموه فإنّ [عليك] اسم فعل بمعنى ألزم (فإنّه الحبل المتين) أي المحكم الذي لا ينقطع، تشبيه له بالحبل الذي يرفع الإنسان من البئر ونحوها.

(والنور المبين) بمعنى الواضح من أبان بمعنى ظهر (والشفاء النافع) الذي ينتفع به الإنسان من مشاكل الدنيا والآخرة (والري) أي الارتواء من الماء (الناقع) أي المزيل للعطش يقال نقع العطش إذا أزاله .

(والعصمة للمتمسّك) أي يعصم ويحفظ المتمسك به،أي من الأخطار (والنجاة للمتعلق) فمن تعلق بالقرآن أي عمل به نجا من المهالك (لا يعوج) وينحرف (فيقام) كما يقام الرمح وشبهه إذا اعوج .

(ولا يزيغ) من زاغ بمعنى مال (فيستعتب) من أعتب إذا انصرف، والمعنى لا يطلب منه الانصراف عن زيغه كما يطلب من الإنسان الزائغ أن يرجع إلى الجادة فليس القرآن كالقوانين الوضعية التي يلزم تعديلها باختلاف الظروف وتبدل الحالات (ولاتخلقه) أي تبليه كما يبلى الثوب

كَثْرَةُ الرَّدُ ، وَوُلُوجُ السَّمْعِ ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ .

وقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عنها ؟ فقال علیه السلام:

إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ ، قَوْلَهُ: »آلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ» (1)عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لا تَنْزِلُ بنَا وَرَسُولُ اللهِ *صلى الله عليه وآله بَيْنَ أَظْهُرِنَا .


ونحوه (كثرة الرد) أي القراءة.

(وولوج السمع) أي دخول القرآن في سمع الإنسان، وهذا من عجائب القرآن، فإنَّ أسلوبه ومعانيه جديدة إلى الأبد لانطباقه على كل زمان ومكان (من قال به) أي بالقرآن بأن بيّن محتوياته (صدق) لأنه مطابق للواقع (ومن عمل به سبق) غيره إلى السّعادة والخير .

(وقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت رسول الله صلى الله وآله عنها ..؟؟ فقال علیه السلام :)

(لما أنزل الله سبحانه قوله : آلم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ» أي ظنّوا أنهم بمجرد إظهارهم الإيمان يتركوا وشأنهم بدون امتحان واختبار (وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) أي لا يمتحنون، وهذا استفهام إنكاري، أي ليس الأمركذلك، وإنما كلّ أحد يظهر الإيمان لا بد وأن يختبر ويمتحن (علمت أنّ الفتنة) أي الامتحان (لاتنزل بنا ورسول الله صلی الله علیه و آله وسلم بين أظهرنا) وذلك لدلالة الآية على كون الفتنة في المستقبل لا في الحال، والقرائن تدل


1) سورة العنكبوت: 1 و 3 .

فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللهُ تَعَالَى بِهَا؟ فَقَالَ : [يَا عَلِيُّ ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي] ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أَحَدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي : [أَبْشِرْ ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ؟] فَقَالَ صلى الله عليه وآله لي : [إِنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إذَنْ؟] فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ ،


على أن المستقبل بعد موت الرسول صلی الله علیه و آله وسلم (فقلت يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله تعالى بها)؟

(الظاهر أن قوله علیه السلام : [لما أنزل الله] وقوله: [فقلت] لبيان كون السؤال والجواب بعد نزول الآية في الجملة، لا لكونهما وقعا بعد النزول مباشرة وبلا فصل حتى يستشكل أنّ السورة مكية، فكيف يجتمع كلامه علیه السلام [لمّا] مع كون السؤال بعد قصة أحد ؟

(فقال :) صلی الله علیه و آله وسلم (يا علي : إن أمتي سيفتنون من بعدي) أي يمتحنون أيهم يثبت على الحق وأيّهم ينحاز إلى الباطل. (فقلت: يا رسول الله، أوليس قد قلت لي يوم أحد، حيث استشهد من استشهد من المسلمين) كحمزة علیه السلام وغيره (وحيزت) أي نحيت (عني الشهادة) فلم أقتل في سبيل الله (فشق ذلك علي) حيث لم أستشهد حتى أنال درجات الشهداء (فقلت لي : أبشر فإنّ الشهادة من ورائك) أي على يدي ابن ملجم لعنه الله (فقال صلّى الله عليه وآله لي : إنّ ذلك) النهي قلت (لكذلك) كائن لا محالة (فكيف صبرك إذاً)؟

أي على أية حالة تكون حين تضرب ؟ على حالة الصبر أو حالة الجزع ؟ (فقلت: يا رسول الله : ليس هذا من مواطن الصبر) أي ينبغي أن لا

وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشَّكْرِ فَقَالَ : [يَا عَلِيُّ ، إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ،


أسأل هل أصبر أم لا، فإن ذلك مثل أن يسأل [من زف إليه عروس]: هل تصبر؟! (ولكن من مواطن البشرى) أي البشارة (والشكر ) فإنّ أهل الإيمان وأولياء الله يستبشرون بالمنية في سبيل الله .

فقال : يا علي) في جواب السؤال عنه صلی الله علیه و آله وسلم ما هذه الفتنة؟] والجملة في وسط السؤال والجواب معترضة لبيان وقت السؤال والجواب وبيان أنه كيف يجمع بين [افتتان الناس] مما ظاهر كونه بسبب الإمام بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم بين [استشهاد الإمام] ما ظاهره كون ذلك في زمن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم والظاهر أن السيد الرضى رضي الله عنه بتر وسط الكلام الموجب لربط الجمل بعضها ببعض - وقد نقل بعض الشارحين وسط الكلام - ففي المقام سؤال وجوابان:

الأول : [ما الفتنة ]؟ وجوابه مذكور بقوله صلی الله علیه و آله وسلم : [يا علي . . . إلخ ] .

والثاني : كيف يفتن الناس بسبب الإمام والحال أنه سيقتل؟ .

والجواب : أنه يقتل بعد افتتان الناس به - وهذا ساقط في الذي نقله الله عنه السيد رضي-.

(إن القوم سيفتنون بأموالهم) فإن الإنسان إذا رأى ماله كثيراً طغى ومنع الحقوق. (ويمنون بدينهم على ربّهم) فيزعمون أن إسلامهم الظاهري منّة منهم على الله تعالى، بينما الله سبحانه غني عن العالمين.

(ويتمنون رحمته) بلا عمل يستحقون به الرحمة (ويأمنون سطوته) أي

وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ، وَالأهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ ، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ ، وَالرِّبَا بِالْبَيْع ] قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَيِّ الْمَنَازِلِ نزلُهُمْ عِنْدَ ذلِكَ؟ أَبِمَنْزِلَةِ رِئَةٍ ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ؟ فَقَالَ : [ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ ] .


عقابه ونكاله من دون أن يتركوا المناهي والمحرمات .

(ويستحلون حرامه) أي الذي حرمه سبحانه (بالشبهات الكاذبة) أي يجعلون المحرم ،مشتبهاً ، وهم يعلمون أنهم كاذبون في هذا الجعل (والأهواء الساهية) أي الموجبة للسهو عن الحق، وذلك مثل قوله تعالى : «فِي عِيشَةٍ راضية» (1)، أي مرضية .

(فيستحلون الخمر ب) اسم (النبيذ) وهو نوع من الخمر لكنه أخف من خمر العنب (والسحت) كالرشوة وما أشبه (ب) اسم (الهدية) فإذا أراد أن يرشي القاضي ومن أشبهه قال : إنه هدية (والربا ب) اسم (البيع) فيبيع قیمته مائة بمائة وخمسين ثم يشتريه منه بمائة، ولا يريد بهذا إلا إعطاء قرض مائة وأخذ مائة وخمسين وإنما البيع لفظ محض وصورة مجردة:

(قلت يا رسول الله :) إذا كان كذلك (بأي المنازل أنزلهم) أي بأي حكم أحكم على مثل هؤلاء (عند ذلك؟) الإمتثال والامتحان؟ (أبمنزلة ردة) وأنهم مرتدون عن الإسلام (أم بمنزلة فتنة) وأنهم مخدوعون مفتنون، فإنَّما لهم التأديب والتأنيب، لا القتل والتعذيب.

(فقال : ) صلی الله علیه و آله وسلم (بمنزلة فتنة) إذ هذه الأمور معاصي وليست كفراً وارتداداً،وإنما الكفر في الإنكار،ولعل وجه سؤال الإمام علیه السلام، لأن يعرف الخوارج أن ليس كل عاص كافراً - كما كانوا يزعمون - .


1) سورة الحاقة : 21 .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

فيها الحث على التقوى والعمل للآخرة

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ، وَسَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ، وَدَلِيلاً عَلَى آلائِهِ وَعَظَمَتِهِ. عِبَادَ اللهِ، إِنَّ الدَّهْرَ


التوضيح:

(الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره) فإذا أراد الإنسان ذكره سبحانه لزم أن يفتح الكلام بالحمد كما يفتح الباب بالمفتاح، وقد ورد: [كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع] (1)(وسبباً للمزيد) أي الزيادة (من فضله) كما قال سبحانه: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » (2)، والحمد أحد أنواع الشكر ، فإنَّ مواقع الشكر الجنان والأركان واللسان، ولذا قال سبحانه: « اَعْمَلُواْ عَالَ دَاوُدَ شُكرا»(3).

( ودليلاً على آلائه جمع [الى] بمعنى النعمة وعظمته) فإنَّ الإنسان الذي يحمد الله يتوجه إلى نعمته سبحانه وإلى عظمته، إذ اللفظ يوجب الإيماء إلى الذهن بالتفكر حول ما يلفظ يا عباد الله إنّ الدّهر) أي الزمان ،


1) كنز العمال : ج 3 ص 263 .

2) سورة إبراهيم: 7.

3) سورة سبأ : 13 .

يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ لا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَلَا يَبْقَى ، سَرْمَداً مَا فِيهِ ، آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ ، مُتَسَابِقَةٌ أُمُورُهُ، مُنَظَاهِرَةٌ أَعْلامُهُ .

فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَذْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ،


والدنيا (يجري بالباقين كجريه بالماضين) فإنّ حال الباقي من الناس في الدنيا، كحال الماضي منهم ، فالدّنيا نسخة مكررة لأمر واحد (لا يعود ما قد ولّى منه) أي من الدهر، والمراد مما فيه من حيوان وإنسان ونبات وسائر الأشياء، فإنّهاإذا فنيت لم تعد.

(ولا يبقى سرمداً) باقياً دائماً (ما فيه) فإنّ كلّ شيء فيه إلى زوال واضمحلال (آخر فعاله) أي فعال الدّهر(كأوّله) حياة وموت، ووجود وعدم، وما أشبه (متسابقة أموره) أي تتسابق الأمور الجارية في الدنيا، فمثلاً الفقر أخذ مكان الغنى والغنى يريد أخذ مكان الفقر، وكذلك في الصحةیرید والمرض ،والحياة والموت وغيرها، وفي بعض النسخ [متشابهة أموره (متظاهرة أعلامه) أي تتوالى العلامات على الأشياء، فإن كل ما يوجد في الدنيا أو يعدم له علم - أي علامة - ليبقى ذلك الشيء ليدل عليه (فكأنكم بالساعة) أي القيامة (تحدوكم) أي تحرضكم على السير، فإنَّ الإنسان يسير سيراً حثيثاً نحو الآخرة، فكأنّ الساعة تحدوه (حدو الزاجر) أي سائق الإبل (بشوله) جمع شائلة ، وهي:الخالية عن الولد فإن سوق الإنسان لها أعنف .

(فمن شغل نفسه بغير نفسه) بأن لم يشتغل بإصلاح نفسه، بل اشتغل بعمارة الدنيا وبأمور الناس وما أشبه (تحير في الظلمات) أي ظلمات الجهل وظلمات العاقبة السيئة (وارتبك في الهلكات) [ارتبك] أي تحيّر، فيما إذا وقع في الهلكة ماذا يصنع ؟ والهلكة إنما تكون لأنه لم يهيئ نفسه للسعادة الأبدية

وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وَزَيَّنَتْ لَهُ سَبْعَ أَعْمَالِهِ، فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرْطِينَ اعْلَمُوا، عِبَادَ اللهِ، أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنِ عَزِيزِ، وَالْفُجُورَ دَارُ حِصْنِ دَلِيلِ ، لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ، وَلا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ . أَلَا وَبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا ، وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى.


(ومدت به شياطينه في طغيانه) أي أمدوه بالوسوسة والإغواء، حتى لا يخرج عن الطغيان، وهو المخالفة لأوامر الله سبحانه .

(وزينت) الشياطين (له سيّئ أعماله) فإنّ الإنسان إذا اعتاد عملاً زين ذلك العمل في نظره، كما قال سبحانه: «َفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَعَاهُ حَسَنَاً» (1).

(فالجنّة غاية السابقين) الذين سبقوا إلى الخيرات (والنار غاية المفرطين) الذين فرطوا وقصروا في الأعمال الصالحة (اعلموا عباد الله أنّ التقوى دارحصن عزيز أي موجبة لعزة الكائن في هذه الدار ، أي الملابس للتقوى .

(والفجور) أي الخروج عن أوامر الله سبحانه (دار حصن ذليل) توجب ذلة الداخلين فيها (لا يمنع) الفجور (أهله) عن المكاره والآفات (ولا يحرز) أي لا يحفظ (من لجأ إليه) واعتصم به .

(ألا) فليتنبه السامع (وبالتقوى تقطع حمة الخطايا) حمة هي إبرة الزنبور والعقرب وما إليهما، والمراد بها هنا سطوة المعاصي، فإن المتقي يحفظ نفسه - بسبب تقواه - من أن تناله الخطايا بسوء. (وباليقين) بالمبدأ والمعاد (تدرك الغاية القصوى) أي أبعد الغايات

هي الجنّة، فإنّ الإنسان المتيقن يجتنب عن العصيان، مما يوجب إدراك


1) سورة فاطر: 8 .

عِبَادَ اللهِ ، الله اللهَ فِي أَعَزّ الأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرْقَهُ. فَشِقْوَةٌ لازِمَةٌ ، أَوْ سَعَادَةً دَائِمَةً ! فَتَزَوْدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لأيَّامِ الْبَقَاءِ. فَقَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ، وَأُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَحُثِقْتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفِ، لا يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالْمَسِيرِ. أَلا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ!


السعادة الأخروية.

يا (عباد الله) احذروا (الله) احذروا (الله في) أن تفعلوا شيئاً يوجب هلاك (أعزّ الأنفس عليكم) والمراد بها نفس الإنسان، فإنَّها أعزّ الأنفس (وأحبّها إليكم) فإنَّ الإنسان يحبّ نفسه أكثر من حبه لأي نفس أخرى (فإن الله قد أوضح لكم سبيل الحق) الموجب لنجاة من سلكه (وأنار طرقه) أي الطرق إلى مختلف السعادات (ف) إن وراء الإنسان ليس إلا (شقوة لازمة) بالخلود في النار لمن كفر وعصى (أو سعادة دائمة) بالخلود في الجنّة لمن آمن وأطاع .

(فتزوّدوا في أيام الفناء) وهي أيام الدّنيا (لأيام البقاء في الآخرة (فقد دللتم على الزاد) وهو الإيمان والعمل الصالح (وأمرتم بالظعن) أي ما يوجب الحسن، وهو العمل الصالح، فإن معنى الظعن السير .

(وحثثتم على المسير) أي تهيئة أسباب السير المريح، أو المراد أن الدنيا تحث الإنسان على السير بتقلب أحوالها وقصر أيامها (فإنّما أنتم كركب وقوف) جمع واقف (لا يدرون متى يؤمرون بالمسير) فإنّ الموت يأتي مفاجئاً (ألا فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة) ؟ إستفهام للإنكار فإنَّ الإنسان الذي لا يبقى في الدنيا، إذا عمل من أجلها كان سفهاً وعبثاً.

وَمَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلِ يُسْلَبُهُ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَحِسَابُهُ! عِبَادَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللهُ مِنَ الْخَيْر مَتْرَكَ، وَلا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبُ . عِبَادَ اللهِ احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الأعْمَالُ ، وَيَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ، وَتَشِيبُ فِيهِ الأطْفَالُ .


(وما يصنع بالمال من عما قليل يسلبه) أي يؤخذ منه، وذلك حين الموت (وتبقى عليه تبعته) فإنَّ ما يتبع المال من الآثام فيما إذا منع حقه، أو صرف في غير حقه أو اكتسب من غير حقه يبقى على الإنسان (وحسابه) فإنّ الإنسان محاسب بما ملك سواء من الخير أو الشّر، وسواء صرفه في الخير أو في الشر أو لم يصرفه .

يا (عباد الله إنه ليس لما وعد الله من الخير مترك) أي محل ممكن الترك فإن كل ما أمر الله سبحانه لا بد وأن ينفّذ ويطاع وقوله علیه السلام [من الخير] أي من موجبات الخير وهي الواجبات التي توجب السعادة (ولا فيما نهى عنه من الشرّ مرغب) أي محل رغبة فإنَّه لا يمكن للإنسان أن يأتي بمناهي الله سبحانه الموجبة للشر، (يا عباد الله احذروا يوماً تفحص فيه الأعمال) أي يرى الصحيح منها والسقيم، وذلك للجزاء.

(ويكثر فيه الزلزال) كما قال سبحانه: «إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٍ عَظِيم» (1)، فإنَّ من أحوال القيامة وقوع الزلزال فيها (وتشيب فيه الأطفال) أي يبلغون حد الهرم، إما لطوله فإنَّه خمسون ألف سنة، وإما لأهواله فإنَّ الهول ي- يوجب الضعف الموجب لبياض الشعر، كما قال الشاعر : [وأشاب الدهر رأسي قبل إبان المشيب].


1) سورة الحج : 1.

اعْلَمُوا، عِبَادَ اللهِ، أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَعُبُونَا مِنْ جَوَارِحِكُمْ، وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ، لا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلِ دَاجٍ ، وَلا يُكِنَّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجِ ، وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ.


(اعلموا عباد الله أنّ عليكم رصداً) أي رقيباً يرصد عليكم (من أنفسكم) فإنّ في باطن الإنسان قوة توقظ الإنسان وتنبهه، فإذا أراد عمل الخير حته وإذا أراد عمل الشّر ردعه ( وعيوناً من جوارحكم) فإنَّ جوارح الإنسان تشهد على الإنسان بما فعل في يوم القيامة، كما قال سبحانه:«الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ »(1)، فالجوارح كالجواسيس على الإنسان .

(وحفاظ صدق) أي صادقين في كلامهم وكتابتهم (يحفظون أعمالكم) وهم الملائكة، كما قال سبحانه: «ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ» (2)( وعدد أنفاسكم) يعني أنّ الحساب دقيق إلى هذا الحد.

(لا تستركم منهم) أي من أولئك الحفظة (ظلمة ليل داج) دجى بمعنى أظلم واشتدّ ظلامه (ولا يكنكم) من الكن بمعنى محل الحفظ (منهم باب ذو رتاج) أي ذو إحكام في الغلق أي لا يتمكن الإنسان أن يهرب إلى مكان ويغلق الباب على نفسه لئلا يعلم بأعماله الحفظة من الملائكة.

(وإن غداً) الذي فيه حسابكم (من اليوم قريب) فإنَّ كل آت قريب، وهذا تحريض للعمل لذلك اليوم، لا أن يقال : إنه بعيد فلايهم العمل لأجله، فإنّ


1) سورة يس : 65.

2) سورة ق : 18 .

يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لاحقاً بِهِ. فَكَأَنَّ كُلِّ امْرِئٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ، وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ . فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةِ، وَمُفْرَدِ غُرْبَةٍ وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ ، وَبَرَزُتُمْ لِفَضلِ الْقَضَاءِ، قَدْ زَاحَتْ


الإنسان لا يهتم للمستقبل البعيد ( يذهب اليوم) أي أيام الدنيا (بما فيه) من خير وشر (ويجيء الغد) وهو ما بعد الموت (لاحقاً به) أي بهذا اليوم، الذي نحن فيه من أيام الدنيا .

(فكأنّ كل امرئ منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته) وهو القبر (ومخطّ حفرته) الحفرة المكان الذي يحفر والمخط موضع التخطيط، فإنّ القبر يخطط مقداره أولاً، ثمّ يحفر (فيا له) لفظة تعجب في فرح أو حزن أو ما أشبه ، وأصله [ يا قوم له] والضمير عائد إلى ما يسبقه يفسّره [من] فيما بعده، و [ اللام] تعجب من هذا النحو من المالكية، فمثلاً مالكية القبر لهذا النحو من الوحدة المنقطعة عن جميع الناس، وهكذا.

(من بيت وحدة) لا أحد مع الإنسان فيه (ومنزل وحشة) يوجب وحشة الإنسان، وهي حالة خوف تطرأ على الإنسان المتوحد في محل مخوّف، كالصحراء أو المكان المظلم أو ما أشبه ( ومفرد غربة) أي محل يفرد فيه الإنسان وهو غريب لا عهد له به (وكأن الصيحة) أي صيحة الموت أو صيحة القيام للمحشر (قد أتتكم) والثاني أقرب .

(والساعة) أي ساعة القيام للسوق نحو المحشر (قد غشيتكم) أي شملتكم (وبرزتم) أي ظهرتم في المحشر (الفصل القضاء) أي للقضاء الفاصل بين السعيد والشقي وأهل الجنّة وأهل النار (قد زاحت) أي انكشفت

عَنْكُمُ الأبَاطِيلُ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ العِلَلُ ، وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ ، وَصَدَرَتْ بِكُمُ الأُمُورُ مَصَادِرَهَا ، فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ، وَاعْتَبِرُوا بِالْغِيْرِ،

وَانْتَفِعُوا بِالنُّذْرِ .


( عنكم الأباطيل) التي كانت تكتنفكم في الدنيا، من زخارفها ومالها وجاهها، وما أشبه لأن الإنسان مجرد من كل ذلك في الآخرة.

(واضمحلت) أي بطلت (عنكم العلل) التي كنتم تعللون بها أعمالكم الفاسدة في الدنيا، فإنّ هناك لا تقبل العلل الباطلة، كأن يعلل شربه للخمر بأنه اعتادها، أو لعبه للقمار بأنه مسلي له (واستحقت بكم الحقائق) أي أحاطت بكم، يقال استحق الذين إذا جاء وقته (وصدرت بكم الأمور مصادرها) أي وصلتكم الأمور الصادرة من مصادرها، وهذا للتهويل، فإنّ الأمر لا يصدر من المصدر إلا أنه يوجب غاية ونتيجة مهمة بالنسبة إلى الإنسان (فاتعظوا بالعبر) جمع عبرة، وهي ما يوجب التفات الإنسان وإدراكه لما ينفع وما يضر (واعتبروا بالغير)، أي التغيرات فإن تغيرات الدنيا توجب اعتبار الإنسان إن فكر فيها وأعطاها حق النظر (وانتفعوا بالنذر) جمع نذير وهو كل أمر يوجب تخويفاً من عمل لأن له عاقبة سيّئة .

وَمِنْ خُطبة له علیه السلام

فيها بيان فضل الرّسول، وعظمة القرآن، ودولة بني أمية

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأُمَمِ ، وَانْتِقَاضِ مِنَ الْمُبْرَمِ، فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ . ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ ، وَلَنْ يَنْطِقَ ،


التوضيح:

(أرسله) أي أرسل الله تعالى محمداً صلی الله علیه و آله وسلم على حين فترة من الرسل أي حين عدم وجود الرّسل، وبعد زمانهم الذي كانوا فيه، فإنّ بين رسول ،الإسلام وعيسى علیه السلام ما يقرب من خمسمائة عام ( وطول) هجعة) أي نوم والمراد نوم عن المعارف والأحكام (من الأمم) فقد كانت أمم العالم تغط في نوم الجهل والغفلة (وانتقاض من المبرم) أي المحكم، وأصله مبرم الحبل ونحوه إذا قتل فتلاً قوياً، أي أن أحكام الله سبحانه المبرمة كانت منقوضة في زمن الجاهلية لا يعمل بها .

( فجاءهم) الرسول صلی الله علیه و آله وسلم (بتصديق الذي بين يديه ) أي ما كان أمامه صلی الله علیه و آله وسلم من الرّسل وأحكام الله سبحانه (والنّور) أي جاءهم الرسول بالنور (المقتدى به) وهو القرآن الحكيم، الذي يقتدي به النّاس (ذلك) النّور هو (القرآن فاستنطقوه) أي اطلبوا منه أن ينطق لكم، ولكنّه (لن ينطق) نطقاً باللسان، وإنما النطق بمعنى بيان القصص والمعارف والأحكام.

وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ : أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ.

منها : فَعِنْدَ ذلِكَ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرِ إِلَّا وَأَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةَ ، وَأَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً فَيَوْمَئِذٍ لا يَبْقَى لَهُمْ فِي السَّمَاءِ وَلا فِي الأَرْضِ نَاصِرٌ. أَصْفَيْتُمْ بِالأمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ،


(ولكن أخبركم عنه) أي عن ،القرآن وكيفية إرشاده (ألا إن فيه علم ما يأتي) من أحوال القيامة والجنة والنار وما أشبه (والحديث عن الماضي) المبدأ وأحوال الأنبياء وقصصهم مع أقوامهم (ودواء دائكم) فإن داء الإنسان الجهل والمرض والرذيلة، ودواء الكل في القرآن (ونظم ما بينكم) فإنَّه ينظم أمور الناس حتى يسعدوا جميعاً في ألفة ورفاه . .

(منها : ) في دولة بني أمية (فعند ذلك) أي قيام الحكم الأموي (لا يبقى بیت مدر) مصنوع من حجارة ونحوها (ولا وبر) مصنوع من الشعر ونحوه، أي الخيام (إلا وأدخله الظلمة) جمع ،ظالم والمراد حكام بني أمية (ترحة) أي بؤساً وشدة، ضدّ [فرحة].

(وأولجوا فيه نقمة) أي أدخلوا فيه الانتقام والشدة، فإن حكم الباطل هكذا يكون دائماً، يوجب ضيقاً في النفوس، وضنكاً في الحياة (فيومئذ) أي في ذلك اليوم الذي يحكم فيه الأمويون ويذيقونكم ألوان العذاب.

(لا يبقى لكم في السماء ولا في الأرض (ناصر) وذلك لأن الناس إذا اشتغلوا بالمعاصي، ولم يغيروا المنكر، انقطع عنهم عون السماء، وإذا انقطع عون السماء لم يكن لهم عون في الأرض (أصفيتم) أي آثرتم وقدمتم (بالأمر غير أهله) أي بأمر الخلافة والإمارة .

وَأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ، وَسَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأكَلاً بِمَأْكَلٍ، وَمَشْرَباً بِمَشْرَبٍ، مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَم، وَمَشَارِبِ الصَّبِرِ وَالْمَقِرِ، وَلِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْف ، وَدِثَارِ السَّيْفِ، وَإِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ وَزَوَامِلُ الآثَامِ فَأُقْسِمُ ، ثُمَّ أُقْسِمُ ، لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَيَّةُ


(وأوردتموه غير مورده) تشبيه للخلافة بالحيوان الذي يورد على الماء فإنّه إذا أورده السائق في غير المشرعة تعب السائق والحيوان معاً .

(وسينتقم الله ممن ظلم) بإعطاء الأمر إلى الأمويين، والسكوت على أعمالهم (مأكلاً بمأكل) أي يؤكله سبحانه المرّ، كما أكل الحلو (ومشرباً بمشرب) أي يشربه الكدر ، كما شرب العذب (من مطاعم العلقم) شيء شديد المرارة ( ومشارب الصبر والمقر) الصبر عصارة شجرة مرّة ، والمقر السّم، يعني أن جزاء تقديم بني أمية هذه الأمور وهي كناية عما يلاقونه من الشدائد في دولتهم .

(و) من (لباس شعار الخوف) أي باطنه الخوف (ودثار السيف) أي ظاهره السيف. فإن الإنسان في دولة الظلمة خائف القلب، مهيأ السلاح وشبه الخوف بالشعار - وهو الثوب الذي يلاصق شعر الجسد - لأنه في داخل قلب الإنسان، وأمّا الدّثار وهو الثوب الذي فوق الشعار ظاهر، ولذا شبه به السيف الظاهر على جسد الإنسان .

(وإنّما هم) أي آل أمية (مطايا الخطيئات) كأن الخطايا والآثام تركب عليهم لتسوقهم إلى النار (وزوامل الآثام) جمع زاملة، وهي : ما يحمل عليها الطعام من الإبل ونحوه (فأقسم ثمّ أقسم) تكرار للتأكيد (لتنخمنها أمية) النخامة: ما يدفعه الصدر أو الدماغ من الماء اللزج معنى الجملة أن أمية

مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النَّخَامَةُ ، ثُمَّ لا تَذُوقُهَا وَلَا تَطْعَمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً مَا كَرَّالْجَدِيدَان !


تلفظ الخلافة، كما يلفظ الإنسان النخامة، وذلك كناية عن خروج الأمر من أيديهم، بسبب بني العباس (من بعدي كما تلفظ) أي تطرح (النخامة) ولعلّ وجه إسناد اللّفظ إليهم، أنهم ارتكبوا جرائم أوجبت ذلك - وإن كان خروج الخلافة عنه- كان بكره منهم-.

(ثمّ لا تذوقها) أي الخلافة (ولا تطعم بطعمها) أي لا تعرف طعم الخلافة (أبداً ، ما كرّ (الجديدان) هما الليل والنهار وكرهما دورانهما .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

يبين فيها حسن إدارته للرعية

وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ وَأَحَطتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ، وَأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلّ، وَحَلَقِ الضَّيْم شُكراً مِنّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ، وَإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ ، وَشَهِدَهُ الْبَدَنُ، مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِير.


التوضيح:

( ولقد أحسنت جواركم) أيها المسلمون، فأوصلت الخير إليكم، وكففت الأذى عنكم ( وأحطت - بجهدي - من ورائكم) أي حفظتكم عن أن ينال أحد منكم مكروهاً ، كما يحيط البناء بالإنسان حافظاً له عن الأخطار (وأعتقتكم من ريق الذل) جمع ربقة، وهي: الحبل فيه عرى لربط أعناق الأغنام بها لينخرط الكل في نظام واحد يساقون كما يشاء الرّاعي، فإنّ عثمان جعل المسلمين أذلاء،بسبب أعماله وعمّاله ، حتّى أنّهم كانوا يعدون العراق [بستان قريش] .

(وحلق)جمع حلقة (الضّيم) أي الذل، فكأنه حلقة في رقابهم، وأيديهم وأرجلهم (شكراً منّي للبر القليل) أي ما رأيته من بر بعضكم، فإنّي جازيت ذلك البرّ بتلك الأعمال من إحسان الجوار وغيره ( وإطراقاً) يقال أطرق رأسه ، إذا لم يرفعه وكأنه لا يرى ما يفعل أمامه (عمّا أدركه البصر) منكم من سوء الأعمال ( و) إطراقاً عما (شهده البدن) أي لمسه بدني - وذلك كناية عما أدركه علیه السلام أو الأذى الوارد على جسده الشريف - (من المنكر الكثير) الصادرمنكم، كل ذلك بعكس عثمان وولاته الذين سبقوا الإمام في إدارة البلاد.

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في حمده سبحانه وبيان ،عظمته وفضائل رسله، وحقيقة الرجاء

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَحِكْمَةٌ ، وَرِضَاهُ أَمَانٌ وَرَحْمَةٌ ، يَقْضِي بِعِلْمٍ.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِي ، وَعَلَى مَا تُعَافِي وَتَبْتَلِي، حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ ، وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ ----------------------------

التوضيح:

(أمره) سبحانه بشيء (قضاء) لازم لا يمكن الفرار عنه (وحكمة) فإنَّه تعالى لا يأمر إلا حسب المصلحة والخير (ورضاه) إذا رضى عن أحد (أمان) له عن الأخطار (ورحمة) له بالإنعام والإفضال (يقضي) أي يحكم فيما يحكم (بعلم) فليس حكمه صادراً عن جهل .

(اللهم لك الحمد على ما تأخذ وتعطي) فإن كليهما خير للإنسان، ولذا يستحق سبحانه على كل واحد منهما الحمد والمدح (وعلى ما تعافي وتبتلي) فإنّ ابتلاءه إما لحط ذنب أو لرفع درجة، وكلاهما نعمة تستحق الحمد (حمداً يكون أرضى الحمد لك) أي تكون أنت أكثر رضا من ذلك الحمد، من رضاك سائر أنواع حمد الحامدين وذلك كناية عن بلوغ حمد الحامد الدرجة الكاملة حتى يكون سبحانه شديد الرضا به (وأحب الحمد إليك) أي تحبّه أكثر من حبك لسائر أنواع المحامد ( (وأفضل الحمد عندك) فإنّ الرّضا والحب، قد

حَمْداً يَمْلأُ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ . حَمْداً لا يُحْجَبُ عَنْكَ، وَلا يُقْصَرُ دُونَكَ .

حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدَهُ، وَلا يَفْنَى مَدَدْهُ. فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ


يتعلقان بغير الأفضل - كما يتداول عند النّاس-.

(حمداً يملأ ما خلقت) هذا من تشبيه المعقول بالمحسوس، فلو كان الحمد جسماً لملأ كل شيء، ومثل هذا الكلام تعبير عن مدى اهتمام النفس بهذا الجانب، حتى أنه لو تمكن من هذا المقدار من الحمد - تكويناً، لا رمزاً، كما يقوله الآن لمحمد - والحاصل أن مثل هذا اللفظ رمز إلى هذا المقدار من الحمد النفسي، كما تقول : ألف رحمة على فلان تريد أنك لو قدرت لترحمت عليه ألف مرة [رحمة رحمة رحمة ..] حتى تبلغ الألف في التعداد وحيث لا تقدر على ذلك - عدم القدرة حقيقة أو ادّعاء جعلت لفظ [الألف] رمزاً إلى ذلك - دلالة لما تنطوي عليه نفسك من إرادة نزول الرحمة على [فلان] ( ويبلغ ما أردت) لو كان جسماً، وأريد بلوغه إلى المكان المرتفع [الفلانی] لبلغ (حمداً لا يحجب عنك) فإن الإنسان إذا كان عاصياً حجب ومنع حمده عن الله سبحانه، بمعنى أنّه لم يقبل ولم يترتب عليه الأثرالمترتب على حمد الحامدين (ولايقصر) نفس الحمد (دونك) أي دون البلوغ إلى رضاك، فإنّ عدم الوصول قد يكون بسبب منع مانع عن الوصول وقد يكون بسبب عدم وجود المقتضي في الشيء .

(حمداً لا ينقطع عدده) فلو كان يعد لبقي إلى الأبد (ولا يفنى مدده) مايمده من الحمد المتوالي بعضه إثر بعض .

(فلسنا نعرف كنه عظمتك) أي مقداره الزائد و[الفاء] لتعليل هذا الحمد

إلا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيْ قَيُّومُ لا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ. لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ. أَدْرَكْتَ الأَبْصَارَ ، وَأَحْصَيْتَ الأَعْمَالَ، وَأَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَام. وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمٍ سُلْطَانِكَ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ،


الكثير، كأن قائلاً قال: ولم هذا القدر الكبير من الحمد؟ فأجيب لعظمته سبحانه البالغة حداً لا يدرك، فهو أعظم من أن يفي الحمد مهما كثر بعظمته .

(إلا أنا نعلم أنك حي) لا تموت أبداً (قيوم) قائم بالأمور لا تغفل عنها طرفة عين (لا تأخذك سنة) هي مقدمة النّوم ( ولا نوم) فإنه سبحانه لا تعرض عليه العوارض (لم ينته إليك نظر) فيراك أحد من خلقك، لأن النظر يقع على الجسم ولوازمه وهو سبحانه منزه عنهما(ولم يدركك بصر) عطف بيان للجملة السابقة، أو المراد بالنظر : الفكر فالجملتان مختلفتان (أدركت الأبصار) والتخصيص بها للمقابلة (وأحصيت الأعمال) بمعنى علمه سبحانه بها وبكميتها وكيفيتها .

(وأخذت بالنواصي) جمع ناصية، وهي مقدم الرأس (والأقدام) جمع قدم، وذلك كناية عن كون النّاس تحت قدرته الكاملة، كما أنّ من يأخذ بناصية شخص وقدمه - جميعاً - يكون مسلطاً على المأخوذ أقوى سلطة (وما الذي نرى من خلقك؟) استفهام للتحقيق، أي أن مرئياتنا ليست بمهمة بالنسبة إلى غيرها التي لا نراها مما خلقت وصنعت (ونعجب له من قدرتك) ممّا ندركه بحواسنا (ونصفه من عظيم سلطانك)؟

(و) الحال أن (ما تغيب) أي غاب (عنا منه) أي من خلقك (وقصرت أبصارنا) عنه فلا نراه لبعده عنا، أو الحيلولة شيء بيننا وبينه، أو لصغره حتى

وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سُتُورُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ . فَمَنْ فَرْغَ قَلْبَهُ ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأَتَ خَلْقَكَ . وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً، وَسَمْعُهُ وَالِها، وَفِكْرُهُ

حَائِراً منها : يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ ،


لا يرى بالعين المجرّدة ( وانتهت عقولنا دونه) فلا تدركه عقولنا، لأنّ عقولناأقصر من إدراكه.

(وحالت ستورالغيوب) أي كونه غائباً عنا فكأن الغيب ساتر (بيننا وبينه) فلا ندركه (أعظم) خبر قوله [وما تغيب منا] ثمّ لمح علیه السلام إلى بعض ما عطا لا يدركه العقل من أسرار الخلقة بقوله (فمن فرّغ قلبه) عن كلّ شيء ليفكر في هذا الأمر : [كيف أقمت] فقط ( وأعمل فكره ليعلم كيف أقمت عرشك) على أكتاف الملائكة، أو في الفضاء أو المراد كيف هو - بالذات ..

(وكيف ذرأت) أي خلقت (خلقك) من أي شيء، وبأية كيفية (وكيف علقت في الهواء سماواتك) هذه الأجرام الثقيلة، والمنظومات الكثيرة . (وكيف مددت على مور الماء) أي اضطرابه وموجه - الذي كان عند بدء الخلقة - (أرضك ، رجع) جواب [من فرغ] (طرفه حسيراً) أي ممنوعاً عن[الفهم والإسناد إلى الطرف لأنه آلة الإدراك ( وعقله مبهوراً) أي مغلوباً عن الفهم (وسمعه والها) إذ لا يسمع ما يفيد ذلك (وفكره حائراً) غير مدرك لماأراد .

(منها :) في بيان حقيقة الرجاء (يدعي بزعمه أنه يرجو الله) والرجاء

كَذَبَ وَالْعَظِيمِ مَا بَالُهُ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ. وَكُلُّ رَجَاءِ - إلا رَجَاءَ اللَّهِ تَعَالَى - فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ وَكُلُّ

خَوْفٍ مُحَقَّقْ ، إلا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ .


عبارة عن تقرب المحبوب ، ورجاء الله ترقب رضاه وإحسانه وفضله (كذب) في قوله أنه يرجو (و) الله (العظيم) أنه لا يرجو رجاءً حقيقياً (ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله)؟ [ما باله] أي ما شأنه لو صدق في قوله لأظهر أعماله من كونه راجياً .

(فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله) فإنَّه لا يصح أن يقول الزارع إني أرجو أن أحصل في هذه السنة على حنطة جيدة، وهو لم يزرع الحنطة، أو يقول المهندس إني أرجو أن أحصل على دار جميلة، وهو لم يخطط ولم يَبْن ، فإنَّ الرجاء عبارة عن ترقب المحبوب، بعد تهيئة الإنسان للمقدمات التي بيده وإنما الرجاء بالنسبة إلى سائر المقدمات التي ليست بيد الإنسان،فإِنَّه يرجو تمامها بقدرة الله تعالى ويخاف عدم تمامها، كما يرجو ويخاف الزارع إذا ،زرع أن يهطل المطر، وأن لا يهطل .

(وكل رجاء - إلا رجاء الله تعالى - فإنَّه مدخول) أي مغشوش قد دخله العيب إذ ليس بأيدي الناس شيء، إلا إذا شاءت الأقدار، وهذا كما يقال كل ملك غير ملك الله مجاز ، فلو قدر الله وصول الدينار من [زيد] إلى الراجي وصل ولو لم يقدر لم يصل .

(وكلّ خوف محقق) أي أنّ الناس يخافون من كل مخوف خوفاً حقيقياً (إلاخوف الله فإنَّه معلول) أي فيه علّة وسقم، فإن الغالب من الناس لا يخافون الله سبحانه، خوفاً هو أهله ولذا يغلبهم الذنب، مع العلم أنه لو كان

يَرْجُو اللهَ فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ لِعِبَادِهِ؟ أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً؟ أَوْ تَكُونَ لا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً؟ وَكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لا يُعْطِي رَبَّهُ ،


خوفهم خوفاً تاماً لم يقدموا على الذنب، بعد ما أعد له من العقاب .

ثم علیه السلام بين أن الناس كيف لم يؤدّوا حق الله مع عظيم رجائهم منه.

(يرجو الله في الكبير) أي في الشيء الكبير كالأولاد والجنّة، وما أشبه(ويرجو العباد في الصغير) كإعطائه مالاً أو منصباً أو ما أشبه (فيعطي العبد) التقدير والاحترام (ما لا يعطي الرّب) من الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه، وهذا كما لو رجوت [زيداً] ألف دينار ولم تطعه ورجوت [خالداً] ديناراً وأطعته .

(فما بال الله) أي ما شأن الإنسان مع الله (جل ثناؤه يقصر به عما یصنع لعباده) أي لا يأتي الإنسان بواجب تقديره مثل ما يأتي بواجب تقدير العباد (أتخاف أن تكون في رجائك له كاذباً) ؟ فأنت لا ترجوه حقيقة، ولذا لا تقدّره حق قدره، بينما ترجو سائر العباد حقيقة، ولذا تقدرهم حق قدرهم والمعنى: هل السبب في عدم تقديرك لله أنك لا ترجوه حقيقة .

(أو) السبب في عدم تقديرك له سبحانه أنك (تكون لا تراه للرجاء موضعاً) ومن الطبيعي أن من لا يرجوه الإنسان لا يقدره، بخلاف الناس فأنت تراهم موضع رجاء وأهلاً ليرجون فلذا تقدرهم (وكذلك) لما أتم علیه السلام الكلام حول الرّجاء تكلم حول الخوف، على طريق [اللف والنشر المرتب].

(إن هو) أي الإنسان (خاف عبداً من عبيده أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربّه)

فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِمْ ضِمَارًا وَوَعْداً. وَكَذلِكَ مَنْ عظُمَتْ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا فِي قَلْبِهِ، أَثَرَهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا ، وَصَارَ عَبْداً لَهَا .

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله كَافِ لَكَ فِي الأَسْوَةِ، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا ، إذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا،


فإنّ الإنسان الخائف من شخص يتجنب سخطه ويريد إرضاءه بكل وسيلة بمقتضى الخوف، وليس الإنسان كذلك مع الله، فإنَّه وإن خافه لم يطعه، و ولم يأت بمرضاته ، ولذا لا يعصي الإنسان الملك الذي يخاف منه،ويعصي الله وإن ادعى أنه يخاف منه تعالى ( فجعل خوفه من العباد نقداً) حيث يأتي بمقتضى الخوف (وخوفه من خالقهم) أي خالق العبيد (ضماراً) يسوف به ويضمره ( ووعداً) يعد ولا يفي.

(وكذلك من عظمت الدّنيا في عينه) يعامل مع الله أقل من معاملته مع النّاس، في بابي الرّجاء والخوف، لأنه قدم الدنيا على الآخرة (وكبر موقعها في قلبه) أكبر من موقع الله سبحانه وموقع الآخرة (آثرها) أي اختارها وقدّمها (على الله تعالى فانقطع إليها) فلم يسر إلى ما ورائها (وصار عبداً لها) في الانقياد والخضوع لا عبداً لله سبحانه .

( ولقد كان في رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم- كاف لك كاف لك) في الأسوة) أي الاقتداء(ودليل لك على ذمّ الدّنيا وعيبها) أي أنها مذمومة معيوبة (وكثرة مخازيها) جمع ،مخزي بمعنى الخزي - وهو السقوط عن درجة الاعتبار وإهمال الشأن بحيث لا يعتنى به-(ومساويها) من السوء بمعنى القيح.

ثم بين علیه السلام وجه الدلالة بقوله : (إذ قبضت عنه أطرافها) أي أطراف

وَوُطِّتَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا وَقُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا.

وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللهِ - عليه السلام - إِذْ يَقُولُ : «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» (1). وَاللهِ ، مَا سَأَلَهُ إلا خُبزاً يَأْكُلُه ، لأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الأَرْضِ ،


الدنيا، طرف المال وطرف المأكل، وطرف النّساء وهكذا، فإن الرسول صلى الله وآله لم يتمتع بمال الدنيا ومأكلها، والحسان من أبكارها - وهذا وإن كان بإرادة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم في الواقع، إلا أنه لم يتهيأ له صلی الله علیه و آله وسلم ما تهيأ للقياصرةالأكاسرة في الظّاهر - ولو كانت الدنيا حسنة ممدوحة، لم يحرم منها الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وتعطى لغيره .

(ووطئت لغيره أكنافها) جمع كتف، بمعنى الجانب، ومعنى [وطئت] : هيئت وذللت (وفطم عن رضاعها)كناية عن عدم التذاذه صلی الله علیه و آله وسلم بلذائذ الدنيا (وزوي) أي ابتعد (عن زخارفها) جمع[زخرف] بمعنى الزينة .

(وإن شئت) أن تدرك كيف أنّ الدنيا مذمومة (ثنيت بموسى كليم الله علیه السلام ) أي ذكرته صلی الله علیه و آله وسلم ثانياً، لترى كيف أنه انقطع عن الدنيا (إذ يقول) كما يحكيه القرآن الحكيم: «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ»، [فقير] مبتدأ مؤخر و[لما] خبر ،مقدم، أي أنا فقير لكل نوع من أنواع الخير الذي تتفضّل به عليّ، وقد قال موسى علیه السلام ذلك حين ما جاء إلى [مدين] هارباً من [ فرعون] ولم يكن عنده زاد ولا مركب ولا مأوى.

(والله ما سأله إلا خبزاً يأكله) فكان سؤاله علیه السلام لم الشبع بطنه (لأنه كان يأكل بقلة الأرض) في سفره من [مصر] إلى [مدين].


1) سورة القصص: 24 .

وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ، لِهُزَالِهِ وَتَشَذَّب لَحْمِهِ، وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثَتُ بدَاوُودَ عليه السلام صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ ، وَقَارِئ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوص بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ : أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا . وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عليهما السلام.


(ولقد كانت خضرة البقل) أي العشب (ترى من شفيف صفاق بطنه) الصفاق الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، وشفيفه كونه غير ممتلئ حتى يكون كالزجاج رقة (لهزاله) علیه السلام (وتشذب لحمه) أي تفرّقه وتحلّله، حتى لم يبق له لحم كثيف يحول بين ما في البطن وبين نفوذ النظر في الداخل، فلو كانت الدنيا ممدوحة لم تذو عن مثل موسى علیه السلام .

(وإن شئت) الزيادة في عرفان ذم الدنيا (ثلثت بداوُدعلیه السلام ) أي ذكرته كمثال ثالث ( صاحب المزامير) جمع [مزمور] وهو ما يترنم به من الأناشيد فقد كان داوود علیه السلام يقرأ [الزبور] - وهو الكتاب السماوي المنزل عليه- بلحن طيب جميل لا بلحن الغناء - كما ربما يزعم-.

(وقارئ أهل الجنّة) كما ورد في الأحاديث أن الله سبحانه ينعم على أهل الجنّة بقراءة داود بصوته الجميل الرخيم (فلقد كان يعمل سفائف الخوص) جمع سفيفة، وهی: المنسوجة من خوص الأشجار، أي كان ينسج الخوص (بيده) الكريمة (ويقول : لجلسائه أيكم يكفيني بيعها) بأن يبيع هذه السفائف، لكي لا أبيعها أنا بنفسي (ويأكل قرص الشعير من ثمنها) أي ثمن تلك السفائف، لو كان للدنيا قدر ، لم يتركها مثل داود النبي العظيم علیه السلام .

( وإن شئت) الزيادة في معرفة ذمّ الدنيا (قلت في عيسى بن مريم علیه السلام)

فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ ، وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ. وَكَانَ إدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ ، وَظِلالُهُ فِي الشَّتَاءِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتْهُ وَرَيْحَاتُهُ مَا تُنْبِتُ الأَرْضُ لِلْبَهَائِم ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِتُهُ، وَلا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلا مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلا طَمَعْ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلاه،وَخَادِمُهُ يَدَاهُ !


بعض أحواله وزهده في الدنيا (فلقد كان يتوسد الحجر) أي يجعله وسادته فيضع رأسه عليه (وبلبس) اللباس (الخشن) غير الناعم (ويأكل الجشب) أي الغليظ من الطعام (وكان إدامه ) هو الشيء الذي يؤكل مع الخبز (الجوع ) هذا كناية عن أنه لم يكن له إدام، بل كان يأكل قدراً من الخبز، ويجوع عوض الإدام فالجوع كان يملأ بعض بطنه عوض الإدام، وهذا من بليغ العبارة.

(وسراجه بالليل القمر ) إذ لم يكن له مصباح يستضيء بنوره في الليالي (وظلاله في الشّتاء) أي ما يظله من البرد (مشارق الأرض ومغاربها) ففي الصباح كان يأوي نحو الشرق حتى تشرق عليه الشمس، وفي العصر نحو الغرب حتى لا يحرم من الشمس.

(وفاكهته وريحانه) الفاكهة الثمار كالرمان والريحان الخضروات كالفجل (ما تنبت الأرض للبهائم) من القت ونحوه (ولم تكن له زوجة تفتنه) أي توجب فتنته وامتحانه (ولاولد يحزنه) أي يوجب حزنه، لمرضه أو ما أشبه (ولا مال يلفته) أي يجلب إلتفاته ونظره فينشغل عن الآخرة (ولا طمع) في مال أحد أو منصب أو شيء ( يذلّه) فإنَّ الطامع يذل لمن يطمع فيه .

(دابته رجلاه) فكان يسير من مدينة إلى مدينة راجلاً بغير دابة (وخادمه يداه) لا خادم له يخدمه وإنما كان يقضي حوائجه بنفسه، ثم لا يخفى أن

فَتَأْسٌ بِنَبِيِّكَ الأطيب الأظهر عليه السلام فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةٌ لِمَنْ تَأَسَى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى . وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيْهِ، وَالْمُقْتَصُّ لأثَرِه . قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً،


مثل هذا الإلحاح في الأحاديث وكلمات الرسول والأئمة ( عليهم الصلاة والسّلام]، إنما هو لتعديل جانبي الدنيا والآخرة، فإنّ النّاس مغرقون في الدنيا، ومن الغريب أن الناس بعد ذلك كله لم يعتدلوا، بل مضوا في نفس الخطة البهيمية لكن بأدنى تفاوت.

(فتأس) أي اقتد أيها المسلم (بنبيك الأطيب) ريحاً (الأطهر) خلقاً، وفي سائر أنواع الطهارة صلی الله علیه و آله وسلم دعاء في صورة خبر ، أي اللهم اعطف عليه وارحمه بفضلك (فإن فيه) صلی الله علیه و آله وسلم (أسوة) ومقتدى (لمن تأسى) أي لمن أراد الاقتداء، لأنه صلی الله علیه و آله وسلم كامل في الجهات الإنسانية والمثل الرفيعة ( وعزاء) أي صبراً وسلوة (لمن تعزّى) أي لمن أراد التصبر والتسلّي، فإنّ الإنسان الذي يترك اللذائذ تهيج به النفس، فلا بد له من سلوة يتسلّى بها، فإن النفس تستقر إذا رأت الذين هم مثلها في الصبر عند المكاره .

( وأحبّ العباد إلى الله (المتأسي) أي المقتدي (بنبيه) صلی الله علیه و آله وسلم (والمقتص) أي المتتبع (لأثره) يمشي في المحل الذي مشى فيه من باب تشبيه المعقول بالمحسوس - تقريباً للذهن - (قضم) صلی الله علیه و آله وسلم(الدنيا قضماً) القضم هو : الكسر بالأسنان، فكأنه صلی الله علیه و آله وسلم كسر الدنيا كسراً، ولم يُبق عليها سالمة كمن يقضم الشيء الذي لا حاجة له به (ولم يعرها من أعار بمعنى أعطى العارية (طرفاً) أي لم ينظر إليها، ولم يعطها ،طرفه، وإنما كان نظره إلى الآخرة .

(أهضم أهل الدنيا كشحاً) الكشح ما بين الخاصرة والضلع الخلفي،

وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْنا، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا ، وَعَلِمَ أَن اللهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَحَفَرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ. وَصَغَرَ شَيْئاً فَصَغَرَهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلهِ ، وَمُحَادَّةً عَنْ أَمر الله .


أي أنه صلی الله علیه و آله وسلم لو كان أخلى النّاس بطناً، فإنّ الهضم بمعنى خمص البطن وخلوه من الطعام، وذلك كناية عن إعراضه عن الدنيا (وأخمصهم من الدنيا بطناً أي أن بطنه كانت أخلى بطون أهل الدنيا عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها فإنَّ الله سبحانه عرض الدنيا على رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، لكن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم امتنع من قبولها، لأنه كان يعلم أنه لا فائدة فيها وأنها زائلة لا تبقى.

(وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً) أي الدنيا (فأبغضه) وبغض الله للدنيا، من جهة كونه سبحانه يعصى فيها، وإلا فالدنيا المحللة التي هي وسيلة الآخرة، فقد كان النبي صلی الله علیه و آله وسلم وسائر الرّسل يقبلون عليها، ولذلك أخذ الرسول صلی الله علیه و آله وسلم في يده الملك والقوة (وحقر ) الله (شيئاً فحقره أي عده حقيراً، فإنّ الدّنيا في جنب الآخرة حقيرة جداً، حتى لا تساوي جناح بعوضة.

(وصغر شيئاً فصغره) والفرق بين الحقير والصغير أنّ ما لا كمال له والثاني ما لم يبلغ الكمال، وإن كان له كمال مترقب، ولذا يقال للطفل صغير ولا يقال له حقير (ولو لم يكن فينا إلا حبنا) أي محبّتنا (ما أبغض الله) إيّاه (ورسوله) ،له ومصداق [ما]: الدّنيا ، أي حبنا للدنيا التي أبغضها الله ورسوله .

(وتعظيمنا) ل-(ما صغر)ه (الله ورسوله) والمراد بها الدنيا أيضاً (لكفى به) (أي بذلك الحب (شقاقاً لله) المشاقة بمعنى المخالفة، كأن أحد الطرفين في شق والآخر في شق ثان (ومحادة عن أمر الله) المحادّة المخالفة في عناد

وَلَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وآله يَأْكُلُ عَلَى الأَرْض، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ ، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ : [يَا فُلاثَةُ - لإحْدَى أَزْوَاجِهِ - غَيِّبِيهِ عَنِّي ، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا].


(ولقد كان صلی الله علیه و آله وسلم يأكل على الأرض) أي جالساً عليها، لا على الكرسي والفرش، أو كان يضع خبزه وما أشبه على صعيد الأرض.

(ويجلس جلسة العبد) فإنّ العبد لا يجلس جلسة استراحة وتربيع، وإنّما يجلس جلسة المنتظر للقيام لأنه منتظر لأمر مولاه، حتى إذا أمره كان مهيّاً فوراً بدون تأخير حتى بمقدار أن ينتقل من الجلسة المريحة إلى الجلوس المتهيئ للقيام، وهكذا يكون دائماً أصحاب الأشغال الكثيرة المتواضعون في أنفسهم (ويخصف) أي يخيط (بيده نعله) إذا احتاجت إلى الخياطة ونحوها (ويرقع بيده ثوبه) الرقعة: الوصلة، توضع في موضع الخرق ثم تخاط بالثوب لئلا يبقى الخرق .

(ويركب الحمار العاري) فلا يأنف من عريه (ويردف خلفه) هو أن

يجلس الراكب معه غيره، وهذا يدلّ على التّواضع .

(ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التصاوير) أي الصور مقابل الستر الذي لا صورة فيه (فيقول) صلی الله علیه و آله وسلم ، ( يا فلانة - لإحدى زوجاته - غيّبيه عني) والمراد رفع الستر لا يبقى معلقاً تظهر صوره (فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها) جمع زخرف بمعنى الزينة ومن المعلوم أنّ الإنسان بمقدار ما تذكر الدنيا وتعلّق قلبه بها يغفل عن الآخرة، فإن القلب لا يتوجه

فَأَعْرَضَ عَن الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَي لا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً ، وَلا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، وَلَا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً ، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ ، وَأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ وَكَذَا مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ .


إلى طرفين مختلفين ،كما أشار إليه سبحانه بقوله: «مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »(1).

(فأعرض عن الدنيا بقلبه) ولعلّ ذكر القلب للإشارة إلى أن الإعراض كان حقيقيّاً، لا كبعض الناس الذين يظهرون الإعراض، ويبطنون الحبّ والإقبال (وأمات ذكرها من نفسه) صلی الله علیه و آله وسلم ، فلم يكن يذكر الدّنيا ويميل إليها حتى في نفسه .

(وأحب أن تغيب زينتها عن عينه) حتى لا يراها ليكون في موضع الافتتان بها والحبّ ،لها فإنّ القلب يميل إلى الشيء الجميل إذا نظر إليه ، أو ذكر عنده(لكي لا يتخذ منها رياشاً ) الرياش اللباس الفاخر ونحوه (ولا يعتقدها قراراً) أي أنها دار قرار وبقاء، فإنّ الإنسان إذا تعلق قلبه بشيء قويت فيه ملكة التلاقي معه معه دائماً ( ولا يرجو فيها مقاماً) أي لا يترقب البقاء والإقامة في الدنيا (فأخرجها) صلی الله علیه و آله وسلم( من النفس) فلم يكن للدّنيا في نفسه الشريفة محل واعتبار (وأشخصها) أي أبعدها (عن القلب) فلم يتعلّق قلبه المبارك بها (وغيبها عن البصر) فلم ينظر إليها ولم يجمع حوله منها ما يقع نظره عليه (وكذا من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر إليه) لأنّ النظر يذكر الإنسان به فيهيج فيه عواطف العداء مما يوجب أذاه ( وأن يذكر عنده) لنفس ذلك السبب .


1) سورة الأحزاب : 4.

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِئ الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا : إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ، وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِقُهَا مَعَ عَظِيمٍ زُلْفَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ : أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ فَإِنْ قَالَ : أَهَانَهُ، فَقَدْ كَذَبَ وَالْعَظِيمِ.

وَإِنْ قَالَ : أَكْرَمَهُ، فَلْيعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَمَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وَزَوَاهَا.


(ولقد كان في رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ما يدلك على مساوئ الدنيا) جمع [مساءة] بمعنى العيب والنقص (وعيوبها) وهو ضد الكمال والتمام (إذ جاع فيها) أي في الدنيا (مع خاضته) أي مع خصوصيته وفضله عند الله سبحانه، أو المراد بخاصته أهله الذين هم ألصق النّاس به صلی الله علیه و آله وسلم رحماً ، ولو كانت الدنيا حسنة جميلة عند الله سبحانه لكان نصيب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم منها أكثر، لأنه كان أحب الناس إليه تعالى والأحب موفور النصيب وافر الحظ.

(وزويت) أي بعدت (عنه ) صلی الله علیه و آله وسلم ( زخارفها ) أي زينتها (مع عظيم زلفته) أي قربه من الله تعالى فإنَّ [زلفى] بمعنى القرب (فلينظر ناظر بعقله) أي نظر تدبّر وتفكّر هل (أكرم الله محمداً بذلك) الزّهد في الدنيا (أم أهانه؟) فانزواء الدنيا عنه إذا لم يكن إهانة، حكم العقل بحسن اتباع هذه الطريقة (فإن قال أهانه فقد كذب و) الله (العظيم) إذ لم يوجد عاقل في الدنيا يحكم بأن الرّسول صلی الله علیه و آله وسلم كان مهاناً من هذه الناحية، بل جميع العقلاء يحبّون الإنسان الزاهد الذي صرف نظره عن الدنيا وزخارفها .

(وإن قال أكرمه، فليعلم أن الله قد أهان غيره) أي غير الرّسول صلی الله علیه و آله وسلم (حيث بسط الدنيا له) أي لذلك الغير المثري (وزواها) أي الدنيا

عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ . فَتَأَسَى مُتَأْسٌ بِنَبِيْهِ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ، وَإلا فَلا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله عَلَماً لِلسَّاعَةِ، وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ وَمُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ. خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً ، وَوَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيماً . لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ. فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً


( عن أقرب النّاس منه) منزلة ، وهو الرسول صلی الله علیه و آله وسلم (فتأسي) أمر في صورة الإخبار أي فليتأس والتأسي: الاقتداء (متأس) أي من أراد التأسي والاقتداء (بنبيه) في الإعراض عن الدنيا (واقتص أثره) أي وليتبع أثر الرسول في الزهد في ملذات الحياة (وولج) أي دخل (مولجه) أي المحل الذي دخل فيه الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ( وإلّا) فإن لم يفعل كما فعل الرسول صلی الله علیه و آله وسلم (فلا يأمن الهلكة) أي الهلاك الأخروي (فإنّ الله جعل محمداً صلی الله علیه و آله وسلم علماً للساعة) أي علامة ليوم القيامة، فإنّ مبعثه أقرب من الساعة من مبعث سائر الأنبياء، فهو صلی الله علیه و آله وسلم الدليل الذي يقتدي به ، ومن خالفه يقدم على هلاك يقدم على هلاك نفسه مع قرب الساعة (ومبشّراً بالجنّة) لمن أمن وأطاع (ومنذراً بالعقوبة) لمن كفر أو عصى (خرج) صلی الله علیه و آله وسلم (من الدنيا خميصاً) أي خال البطن من الطعام، إما حقيقة، أو كناية عن عدم تمتعه باللذات (وورد الآخرة سليماً) عن الآثام والأدران (لم يضع) لنفسه (حجراً على حجر ) أي لم يبن بيتاً محكماً كما يبني أهل الدنيا، وإنما صنع غرفه التي كانت دائرة مدار المسجد من اللبن والطّين .

(حتى مضى) صلی الله علیه و آله وسلم(لسبيله) أي طريقه الذي يحبّ أن يسلكه وهو الموت (وأجاب داعي ربه) وهو ملك الموت الذي يدعو إلى الله سبحانه (فما أعظم منَّة الله عندنا حين أنعم علينا به) أي بالرسول صلی الله علیه و آله وسلم ( سلفاً ) أي في حال

تَتَّبِعُهُ ، وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ! وَاللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ وَاقِعِهَا . وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ : أَلا تَنْبِذُهَا؟ فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّي ، فَعِنْدَ الصَّبَاحَ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى!


كونه صلی الله علیه و آله وسلم سابقاً علينا في الطاعة والعبادة أو سابقاً في العمر (نتبعه) في أعماله وأفعاله ( وقائداً) يقود النّاس إلى الخير (نطأ عقبه العقب: مؤخر القدم، ووطئها كناية عن الاقتفاء التام حتى أن رجلنا تتصل برجله، كأنها تطأ عقبه صلی الله علیه و آله وسلم ، ثم بين علیه السلام : أنه اقتدى بالرسول صلی الله علیه و آله وسلم في الزهد والإعراض عن الدنيا .

(والله لقد رقعت مدرعتي هذه) هي ثوب من صوف (حتى استحييت من راقعها) كما يستحي الإنسان ذو الثوب الخلق من الناس الذين حواليه . (ولقد قال لي قائل :) ولعلّه هو الراقع ، أو غيره (ألا تنبذها)؟ أي تطرح هذه المدرعة لتستبدل بها جديداً، وهذا استفهام للتحريض .

(فقلت : اغرب عنّي) أي ابتعد (فعند الصباح يحمد القوم السّرى) السّرى هو السير ليلاً، فإنّ القافلة إذا سارت ليلاً، وصلت المحل قبل الصباح، فإذا أصبح حمد سيره في الليل الموصل له إلى الهدف، وإن كان في الليل وقت السير، يكره السير لنعاسه ولصعوبة السّير، وهذا مثل يقال لمن يتحمل التعب رجاء إدراك الخير، وقد أراد الإمام علیه السلام بذلك، إنه يتحمّل مثل هذه المدرعة المشينة، رجاء رحمة الله وفضله المعدة للزاهدين في الدنيا .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في صفة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وأهل بيته علیهم السلام ولزوم اتباع طريقتهم، والوعظ

بَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِيءِ، وَالْبُرْهَانِ الْجَلِي ، وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي، وَالْكِتَابِ الْهَادِي. أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةِ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ، وَأَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ، وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ. مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ ،


التوضيح:

(بعثه) الله سبحانه (بالنور المضيء) وهي الأحكام التي تضيء سبيل السعادة والبرهان الجلي) أي الواضح وهي المعجزات الباهرات التي كانت للنبي صلی الله علیه و آله وسلم مما تدل على صدق كلامه وادعائه النبوّة (والمنهاج ) أي الطريق (البادي) أي الظاهر، فإنّ طريقة الإسلام ظاهرة لا لبس فيها ولا غموض (والكتاب) أي القرآن (الهادي) فإنّه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (أسرته خير أسرة الأسرة: أقارب الإنسان.

(وشجرته) أي أصله (خير شجرة) لأنها شجرة إبراهيم الخليل، والأنبياء من آله الأطهار ( وأغصانها) أي أغصان تلك الشجرة وهم الأنبياء (معتدلة) لا انحراف فيهم (وثمارها) وهي العلوم والمعارف المنتشرة منهم (متهدّلة) أي دانية للاقتطاف، فكل أحد يتمكن من الوصول إلى معارفهم وعلومهم .

(مولده بمكّة) أي أنها محل ولادته وهذا من جملة المفاخر، إذ مكّة

وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، عَلا بِهَا ذِكْرُهُ، وَامْتَدَّ بِهَا صَوْتُهُ ، أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ، وَدَعْوَةٍ مُتَلافِيَةٍ. أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ، وَقَمَعَ بِهِ

الْبَدَعَ الْمَدْخُولَةَ ، وَبَيْنَ بِهِ الأحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ .


حرم الله سبحانه، (وهجرته بطيبة) وهي المدينة المنوّرة، وكانت لها قبل تسمية الرسول صلی الله علیه و آله وسلم إياها ب[المدينة ] اسمان:

الأول : طيبة كانت اسماً لها عند أهاليها لكثرة مياهها وزروعها وندی هوائها، في وسط الجبال والصحراء القاحلة .

الثاني : يثرب، كانت اسماً لها عند سائر الناس، لأنهم إذا وردوها تمرّضوا لتغيّر المناخ عليهم من يبوسة إلى رطوبة وكون الهجرة إلى هناك مفخرة دنيوية للتخلص من الهواء الشديد إلى الهواء اللطيف (علا) أي ارتفع (بها) أي بالمدينة ( ذكره) صلی الله علیه و آله وسلم (وامتد بها صوته) كناية عن بلوغ دعوته إلى أطراف البلاد.

(أرسله) الله (بحجّة كافية) في الدلالة والبرهنة (وموعظة شافية) عن أمراض الجهل والرذيلة ( ودعوة متلافية) من تلافاه بالإصلاح قبل أن يهلكه الفساد، فلولا الرسول صلی الله علیه و آله وسلم لكان مصير النّاس الشقاء الأبدي (أظهر) الله سبحانه (به) صلی الله علیه و آله وسلم (الشرائع المجهولة) عند النّاس (وقمع) أي قلع (به البدع المدخولة) التي دخلت في الأديان كالوثنية، وعبادة المسيح وعزير، وما أشبه .

(وبين به الأحكام المفصولة) التي فصلها الله سبحانه تفصيلاً، أو بمعنى الحق والباطل فإنَّ اسم المفعول قد يأتي بمعنى اسم الفاعل، نحو [حجاباً مستوراً] أي ساتراً.

فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ ، وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ، وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ، وَيَكُنْ مَابَهُ إِلَى الْحُزْنِ الطُّويل، وَالْعَذَابِ الوبيل، وَأَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ تَوَكَّلَ الإِنابَةِ إِلَيْهِ . وَأَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ الْمُؤَدِّي إِلَى جَنَّتِهِ ، الْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلٌ رَغْبَتِهِ.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً وَالْمَنْجَاةُ أَبَداً . رَهْبَ فَأَبْلَغَ


(فمن يبتغ غير الإسلام ديناً تتحقق شقوته) أي شقاؤه في الدنيا والآخرة (وتنفصم) أي تنقطع (عروته) أي محل استمساكه بالحياة السعيدة .

(وتعظم كبوته) أي سقطته، لأنه يسقط في مشاكل الحياة، وفي النار بعد الممات ( ويكون مآبه أي مرجعه من [آب] بمعنى [رجع] (إلى الحزن الطويل) في الآخرة (والعذاب الوبيل) أي الموجب للوبال والشدّة (وأتوكل على الله توكل الإنابة إليه) أي توكّل من يرجع إليه سبحانه في جميع أموره، لا توكّل من يجعل ذلك لقلقة لسانه بلا حقيقة له.

(وأستر شده) أي أطلب أن يرشدني (السبيل المؤدي إلى جنّته) والمراد الإبقاء على ذلك السبيل - مثل : اهدنا الصراط المستقيم - (القاصدة) صفة السبيل وهي مؤنثة سماعاً، والمراد بها [المتوسطة] التي لا انحراف فيها (إلى محلّ رغبته) أي المحل الذي رغب سبحانه أن يذهب الإنسان إليه أي الجنة.

(أوصيكم) يا (عباد الله بتقوى الله) أي الخوف منه (وطاعته) في أوامره ونواهيه (فإنّها) أي كل واحد من التقوى والطاعة (النّجاة غداً) أي موجبة للنجاة في الآخرة.

(والمنجاة) مصدر ميمي بمعنى [النّجاة] (أبداً) أي دائماً في الدارين (رهب) أي أخاف الناس عن المعاصي (فأبلغ) في ترهيبه، إذ أتى بكل ما

وَرَغْبَ فَأَسْبَغَ وَوَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَهَا، وَزَوَالَهَا وَانْتِقَالَهَا. فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا . أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللّهِ ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ فَقُضُوا عَنْكُمْ - عِبَادَ اللَّهِ - عُمُومَهَا وَأَشْغَالَهَا لِمَا قَدْ أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَتَصَرُّفِ حَالَاتِهَا . فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ وَالْمُجِدُ الْكَادِح.


يمكن أن يوجد في الإنسان خوفاً وخشية (ورغب) في الجنة والرضوان (فأسبغ) أي أحاط بجميع وجوه الترغيب، أو أكثر في الإعطاء.

(ووصف لكم الدنيا وانقطاعها) كما في القرآن الكريم (وزوالها وانتقالها) ألفاظ متقاربة المعنى تؤدي إلى أمر واحد وهو فناء الدّنيا (فأعرضوا) أيّها النّاس( عما يعجبكم فيها) أي ما يحلو في أنفسكم من زخارف الدنيا (لقلة مايصحبكم منها) فإنّ منتهى عمر الدنيا مائة سنة، وهي تنقضي بسرعة .

(أقرب دار من سخط الله) سبحانه حيث يعصى فيها (وأبعدها من رضوان الله) أي رضاه سبحانه، حيث تقل الطاعة فيها (فغضوا عنكم) يا (عبادالله عمومها وأشغالها) أي لا تهتموا بغموم الدنيا وأمورها، والخض كناية عن عدم الالتفات فكما أن من غض بصره، ستر عينه، كذلك من غض همه ستره ولم يعتن به كأنه غير مشاهد (لما قد أيقنتم به) الضمير عائد إلى [ما] (من فراقها وتصرّف حالاتها) أي انقلاباتها من حال إلى حال.

(فاحذروها) وخافوا منها (حذر الشفيق) أي الخائف (الناصح) لنفسه الذي يزجرها عن الوقوع في الهلكة (والمجد) في عمله (الكادح) الذي يكدح أي يتعب لخلاص نفسه وراحة مستقبله.

وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ : قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ ، وَزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَذَهَبَ شَرَقُهُمْ وَعِزُهُمْ، وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ، فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الأوْلادِ فَقْدَهَا، وَبِصُحْبَةِ الأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا . لا يَتَفَاخَرُونَ، وَلا يَتَنَاسَلُونَ، وَلا يَتَزَاوَرُونَ، وَلا يَتَحَاوَرُونَ .


(واعتبروا بما رأيتم من مصارع القرون قبلكم) مصارع جمع مصرع والمراد به الهلاك، والقرون الأمم الذين كانوا في الدنيا، حيث هلكوا وفنوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد، ومعنى الاعتبار بهم التهيؤ والاستعداد للآخرة قبل أن يكون الإنسان كأحدهم في الفناء والذهاب عن الدنيا (قد تزايلت) أي تفرّقت (أوصالهم) أي مفاصل أبدانهم، بأن زالت بعضها عن بعض (وزالت) أي ذهبت (أبصارهم وأسماعهم) فلا سمع لهم ولا يصر (وذهب شرفهم وعزّهم) فلا شريف ولا عزيز، بل كلّهم متساوون تحت التراب ( وانقطع سرورهم ونعيمهم) فلا سرور ولا فرح لهم ولا نعيم عندهم، والمراد إما مطلقاً، أو الدنيوي من تلك الأمور.

(فبدلوا) أي بدلهم الموت (بقرب الأولاد فقدها) إذ ابتعدوا عنهم ( (وبصحبة الأزواج) النساء، أو الأعم (مفارقتها) فلا أزواج لهم ، وإنما نُكحت نساؤهم وصرن لقوم آخرين (لا يتفاخرون) بأن يفتخر بعضهم على بعض بالأمور الدنيوية (ولا يتناسلون) بأن يولدوا الأولاد (ولا يتزاورون) يزور أحدهم الآخر، والمراد إما الأشرار، أو الزيادة الدنيوية - إن أريد به الأعم من الأخيار -.

(ولا يتجاورون) أي لا يسكن أحدهم بجوار الآخر، كما كانوا يتجاورون في الدنيا.

فَاحْذَرُوا، عِبَادَ اللهِ، حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ الْمَائِعِ لِشَهْوَتِهِ ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ، فَإِنَّ الأمْرَ وَاضِحٌ، وَالْعَلَمَ قَائِمٌ ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ وَالسَّبِيلَ قَصَدٌ


(فاحذروا) يا (عباد الله) عن العاقبة السيئة (حذر الغالب لنفسه) أي الذي غلب على نفسه، فلم تتمكن من الانقياد إلى شهواتها (المانع لشهوته) عن النفوذ والارتواء (الناظر بعقله) أي الذي يفكر في الأمور، ويأخذ بالأصلح (فإنّ الأمر واضح) أي أمر السعادة والشقاء واضح لا لبس فيه (والعلم) أي العلامة للخير والشر (قائم) يراه الإنسان كالعلم القائم في الطريق مقابل العلم الساقط الذي لا يدل على طريق (والطريق) إلى الآخرة (جدد) أي مستوي مسلوك ( والسبيل) إلى الجنة (قصد) قويم مستقيم .

وَمِنْ كَلام له علیه السلام

لبعض أصحابه وقد سأله علیه السلام : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال:

يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ، تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدِ، وَلَكَ بَعْدُ دَمَامَةُ الصِّهرِ


التوضيح:

(يا أخا بني أسد) أخو فلان يعني أنه من تلك القبيلة (إنك لقلق الوضين) شيء يشدّ تحت بطن البعير لبقاء الرحل قوياً مستوياً، وقلقه كناية عن عدم استحكامه، فلا يتهنأ الراكب في ركوبه ، لتحرك ما تحته (ترسل) أي تقول الكلام (في غير سدد) أي بدون استقامة، وقلق الوضين مثال يقال لمن يتكلم اعتباطاً، بدون ترو، ودون مراعاة محل الكلام، وكأن السائل كان سأل هذا الكلام في غير موضعه، ولذا زجره الإمام، وحيث أن [قلق الوضين] والمتكلم في غير موضعه، شبيهان في إزعاج الإنسان، استعير أحدهما للآخر.

(ولك بعد) أي بعد هذا الذي ذكر من الاضطراب في الكلام (ذمامة الصهر ) أي حماية صهر الإنسان فإن الإنسان يراعي حق صهره ويحاميه، فلك الحق في أن أجيبك عن سؤالك، وإن كان في غير مورده، فإنّ الرّجل كان أسدياً، وكانت زوجة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم زينب بنت جحش أسديه.

وَحَقُّ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ : أَمَّا الاِسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ وَنَحْنُ الأَعْلَوْنَ نَسَباً، وَالأشَدُونَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله نَوْطاً، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحْتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمِ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَالْحَكَمُ اللهُ، وَالْمَعْوَدُ إِلَيْهِ الْقِيَامَةُ


والصهر علقة حاصلة بين أقارب الزوج وأقارب الزوجة (و) لك (حق المسألة إذ للجاهل أن يسأل من العالم بما يهمه من أمر دينه ودنياه .

(وقد استعلمت) أي طلبت العلم (فاعلم) جوابك (أما الاستبداد) أي استقلال عمر وأبي بكر وعثمان بالخلافة، وانحصارها فيهم (علينا) أي على ضررنا (بهذا المقام) أي الخلافة (ونحن الأعلون نسباً) لانتسابهم إلى عبد المطلب الذي كان سيّداً عظيماً، وكذلك سائر أفراد أسرتهم (والأشدّون برسول الله صلى الله عليه وآله نوطاً) أي تعلقاً (فإنها كانت أثرة) أي اختصاص الشخص بالشّيء وعزله عن مستحقه.

(شحت عليها نفوس قوم) أي بخلت عن وضع الحق في موضعه والقوم هم الذين تقدموا على الإمام (وسخت) أي سمحت (عنها نفوس آخرین) أي نفسه الكريمة، فإنَّه سخا بهذا المقام، ليسلبه غيره، حفظاً لبيضة الإسلام.

فإنه لو جرد سيفه وأراد أخذها منهم بالقهر لحدثت التفرقة، مما تودي بالإسلام حيث أن الناس جديدو العهد به .

(والحكم) بيننا وبينهم (الله) وسوف يحاسب كل امرئ بما عمل (والمعود إليه القيامة) أي أن العود إليه سبحانه في الآخرة، حيث يجزي المثيب ويعاقب المسيء .

وَدَعْ عَنْكَ نَهْبَاً صِیحَ فِي حَجَرَاتِهِ*** وَهَاتِ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ

وَهَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ ،


(ودع عنك نهباً صيح في حجراته) البيت لامرئ القيس وتتمته (وهات حديثاً، ما حديث الرواحل) فإنَّ جماعة نهبوا إبلاً لامرئ القيس فقال له بعض أصدقائه : أعرني راحلتك حتى أركبها وألتحق بهم وأسترد الإبل، فأعطاه امرئ القيس راحلته، ولما ذهب الرجل ليأخذ إبل امرئ القيس، أخذ أولئك هذه الراحلة أيضاً منه وردّ خائباً، فقال امرؤ القيس : دع عنك قصّة قصة نهب الإبل، فإنَّه أمر واضح - إذ الناهبون نهبوها فجأة وبغتة - والذي ينبغي التكلم خوله قصة الراحلة هل إنها أخذت من صديقي ،قهراً، أم أنه خانني وأعطها إياهم خدعة بي؟ و[الحجرات] بمعنى [الأطراف] ومعنى [صيح في حجراته] أي جرى الكلام ،حوله، فهو شيء معلوم لا يحتاج إلى السؤال والجواب و[ ما] خبر و[حديث الرواحل] مبتدأ، و[هات] بمعنى قص وانقل وتكلّم حول ذلك .

و وجه تمثيل الإمام علیه السلام ، أن قصة الخلفاء الثلاثة شيء معلوم، لا يحتاج إلى السؤال والجواب، فإنَّهم نهبوا الخلافة بكل وضوح وجلاء، وعرف ذلك كل أحد، وإنما الذي ينبغي التكلم ،حوله، قصة معاوية، الذي جاء يدعي الأمر بعد ما استقرت السلطة بيدي وبايعني الناس .

(وهلم) أي اذكر (الخطب) أي الأمر العجيب المدهش (في) معاوية (ابن أبي سفيان) وادعائه الخلافة (فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه) فإنّ الإنسان إذا دهمه أمر حقير، فأثر فيه أثراً كبيراً، يبكي أولاً لما ناله، ثم يرجع فيضحك متعجباً من تفاهة الأمر الذي نا به فأثر فيه ما لم يكن مترقباً، وهذا مثال يضرب لأمر تافه يؤثر أثراً غير مترقب.

وَلا غَرْوَ وَاللهِ، فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِعُ الْعَجَبَ، وَيُكْثِرُ الأَوَدَ! حَاوَلَ لْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ، وَسَدَّ فَوَارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ، وَجَدَحُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً ، فَإِنْ تَرْتَفِعُ عَنَّا وَعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى، أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ،


( ولا غرو) أي لا عجب (والله) فإنّ حالة الدنيا هذه قديماً وحديثاً.

(فيا له خطباً) الخطب : الأمر المعجب المدهش و[يا] حرف نداء مناداه محذوف، أي يا قوم و[له] عائد إلى المتأخر، أو المعنى [يا للخطب] يعني يا خطب أحضر فهذا وقتك، كما قالوا في [يا للتعجب] (يستفرغ العجب) أي يثير كلاماً لدى الإنسان من تعجب، حتى يفرغ محل عجب الإنسان، وهذا لا ينافي قوله الا غرو ] فإنّ الإنسان إذا نظر إلى تقلب الدنيا لا يتعجب، وإذا نظر إلى الأمر نفسه يتعجب، أو هو مثل ما قال ابن هاني:

قد سرت في الميدان يوم طرادهم*** فعجبت حتى كدت لا أتعجب

بمعنی أنه فرع محل تعجبي من كثرة العجب (ويكثر الأود) أي الاعوجاج (حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه) وهو الإمام (وسد فوّاره) أي فوّار النور، وهو الثقبة التي يخرج منها النور بشدّة - كفوارة الماء - (من ينبوعه) أي عين النّور، فإنّ للنّور محلاً للإشعاع كما للماء عين لإخراج الماء (وجدحوا) أي خلطوا (بيني وبينهم شرباً وبيئاً) أي نصيباً من الماء يوجب شربه الوباء، أراد علیه السلام بذلك الفتنة التي أججوها، حتى أن من وقع فيها أصيب وابتلي كما يبتلى الشارب للماء الوبيء.

(فإن ترتفع عنا وعنهم محن البلوى) المحن : جمع محنة ، وهي الشدة، والبلوى : الابتلاء، يعني إذا ارتفعت عنا هذه الفتن بانهزام القوم (أحملهم من الحق على محضه) أي خالصه فإنّي إنما أحارب للحق، فإن جاء الأمر

وَإِنْ تَكُن الأُخْرَى، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (1).


بيدي عملت به - بكل دقة وأمانة -(وإن تكن) الواقعة الخصلة (الأخرى) بأن لم أتمكن من السيطرة عليهم، فلم ينهزموا (فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) أي لا تمت غماً من أجلهم فإنَّ الإنسان إذا اشتد تحسّره وتوجعه لأمر، مات فجأة والآية تنهي عن ذلك «إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ» فهو يجازيهم بسوء أعمالهم.


1) سورة فاطر: 8 .

وَمِنْ خُطبَة له علیه السلام

في بيان صفة الخالق سبحانه، وابتداعه للمخلوقات

الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ، وَسَاطِحِ الْمِهَادِ، وَمُسِيلِ الْوِهَادِ، وَمُخْصِبٍ النَّجَادِ. لَيْسَ لأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ، وَلا لَأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءُ، هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يَزَلْ ، وَالْبَاقِي بِلا أَجَلٍ .


التوضيح:

(الحمد لله خالق العباد) جمع عبد والإنسان عبد الله تعالى، بما للكلمة من معنى لأن أموره ابتداءاً واستدامة منه سبحانه (وساطح جميع المهاد أي الأرض، يقال سطحه بمعنى : بسطه ومسيل الوهاد جمع وهدة وهي المنخفض من الأرض وتسييل الوهاد إسالة الأمطار فيها - بعلاقة الحال والمحل مثل جري النهر -.

(ومخصب النّجاد) جمع نجد وهو : ما ارتفع من الأرض وتخصيبها إنبات النبات فيها مما يسبب الخصب والرخاء (ليس لأوليته) سبحانه (ابتداء) فكلّماتقدم الفكر في طرف الابتداء، كان سبحانه بلا انقطاع له حتى يقال أول ابتدائه تعالى ذلك الوقت وإلا لزم الإمكان والحدوث، ويوجب التسلسل أو الدور - كما تقرر في علم المعقول-.

(ولا لأزليّته انقضاء) أي ليس آخر لبقائه ودوامه، بل هو باقي بلا آخر (هو الأول لم يزل) في أوليته (والباقي بلا أجل) أي بدون مدة، بل يبقى بلا آخر .

خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ، وَوَحَدَتْهُ الشَّفَاهُ ، حَدَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا . لا تُقَدِّرُهُ الأوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَالْحَرَكَاتِ، وَلَا بِالْجَوَارِحِ وَالأدَوَاتِ . لا يُقَالُ لَهُ : مَتَى؟) وَلا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى)، الظَّاهِرُ لا يُقَالُ: (مِمَّا؟) وَالْبَاطِنُ لا يُقَالُ: (فَيمَا؟)،


(خزت) أي سقطت خضوعاً (له الجباه) جمع جبهة، والمراد به السجود له ( ووحدته الشفاه جمع شفة، أي قالت : أنه سبحانه واحد لا شريك له (حدّ الأشياء) أي جعل لكلّ شيء حداً، من زمان ومكان وكم وكيف. (عند خلقه لها إبانة له) أي تميزاً لنفسه سبحانه (من شبهها) أي من شباهة الأشياء، فهو تعالى لا حد له، والأشياء لها حدود.

(ولا تقدّره الأوهام) أي الأفكار، بأن تعرف قدره تعالى، وتبين حدوده سبحانه (بالحدود والحركات) بأن تقول الأوهام أن له تعالى كذا من الحدود وكذا من الحركات كما تحدّد حركات الإنسان وحدوده - وذلك لأنه تعالى لا حركة له ولا حدود - إذ كلا الأمرين يستلزمان الحدوث.

(ولا بالجوارح) جمع جارحة وهي: العضو فلا عين له سبحانه ولا يد وهكذا ( والأدوات) جمع [أداة] بمعنى: [آلة] كالقلب والكبد والكلية وما أشبه (لا يقال له : متى؟) كان بمعنى الزمان ، إذ لا زمان ،له بل الزمان مخلوق له (ولا يضرب له) تعالى (أمد) ومدة في بقائه (بحتّى) كأن يقال [إنّ الله باقي حتى الوقت الفلاني] وذلك لأنه تعالى لا آخر له و[حتى] للغاية (الظاهر لا يقال : ممّا ؟) فلا يقال من أي شيء ،ظهر كما يظهر النبات من الأرض والجنين من الرحم، فإنَّ ظهوره تعالى ليس من هذا القبيل، بل بمعنى أنه معلوم بآثاره وقدرته وصنائعه (والباطن لا يقال : فيما؟) فلا يقال في أي شيء بطن، كما يقال بطن الذهب في الصندوق والإنسان في القبر، فإنَّ

لا شَبَحٌ فَيَتَقَضَّى، وَلا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى . لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقِ ، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقِ ، لا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ ، وَلا كُرُورُ لَفْظَةٍ ، وَلا ازْدِلافُ رَبْوَةِ، وَلا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ، فِي لَيْلِ دَاجٍ ،


کونه باطناً، بمعنى أنه غير ظاهر الكنه كالشيء الباطن الغائب عن الحواس.

(لا) أنه سبحانه (شبح) أي جسم كسائر الأجسام (فيتقضى) أي يفنى وينعدم كما تفنى الأجسام(ولامحجوب) أي وراء حجاب جسماني(فيحوى) أي يشمله ذلك الحجاب، كما يشمل الحجاب الإنسان وما أشبهه فإنَّ ذلك من صفات الأجسام، وهو تعالى ليس بجسم (لم يقرب من الأشياء بالتصاق) كما تلتصق الأجسام بعضها ببعض وإنما قربه سبحانه بالعلم والقدرة (ولم يبعد عنها) أي عن الأشياء (بافتراق) بأن يكون بينها مسافة إذ ذلك من صفات الجسم، وإنما بعده بمعنى أنه ليس كمثل الأشياء في الجسم والروح وما أشبه .

(لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة) أي امتداد بصر، بدون حركة الجفن، كأن أبصر شاخص - أي مسافر - إلى جهة النظر (ولا كرور لفظة) أي رجوعها، ولعلّ التخصيص بذلك لأجل أن رجوع اللفظ إلى الحلق أخف وأيسر من خروجها إلى الخارج، وكرورها جر النفس بقايا اللفظ إلى الداخل (ولا از دلاف ربوة) ازدلف، بمعنى اقترب والربوة المحل المرتفع من الأرض، يعني وقوع نظر الإنسان إلى أول ربوة بعيدة من الربي، فيمن يسير في الصحراء، فإنَّه حتى مثل هذه النظرة مشمولة لعلم الله سبحانه .

(ولا انبساط خطوة) أي التي يخطوها الإنسان فإنّ الرجل تنفرج عند الخطوة، سواء كان ذلك (في ليل داج) أي المظلم من دجى بمعنى: أظلم

وَلا غَسَقِ سَاجِ ، يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ ، وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الأُفُولِ وَالْكُرُورِ، وَتَقَلْبِ الأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْلِ مُقْبِلِ ، وَإِدْبَارِ نَهَارِ مُدْبِرٍ . قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةٍ، وَكُلِّ إِحْصَاءِ وَعِدَّةٍ، تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ


(ولا غسق ساج) الغسق الظلمة، والمراد بها الليل والساجي بمعنى الساكن، ونسبة السكون إلى الليل من باب علاقة الحل والمحل ، إذ الساكن ما في الليل، لا الليل بنفسه - إلا بضرب من الاعتبار.

( يتفيّأ عليه القمرالمنير)تفيّأ أي نسخ فإنَّ نور القمر ينسخ سواد الليل وغسقه، ويأخذ مكانه (وتعقّبه) أي الغسق أو الليل(الشمس) أي تأتي بعقب الليل، وفي مكانه (ذات النور في الأفول والكرور) أي في كل من الغروب والطلوع، فإن الشمس عند غروبها تكون كالشيء يعقب الليل إذ تطرده من تحت الأفق، وكذلك عند طلوعها تعقب الليل إذ تطرده من فوق الأفق.

(و) في(تقلب الأزمنة والدهور) عطف على قوله [ في ليل داج] أي أن جميع الحركات والسّكنات معلومة لديه في طول الأزمنة ، لا في زمان دون زمان ويحتمل أن يكون [تقلب] بالرفع عطفاً على [شخوص] أي لا يخفى عليه تقلب الأزمنة (من إقبال ليل مقبل) بيان لتقلب الأزمنة والدهور ( وإدبار نهار مدبر) فإنَّ كل ذلك مشمول بعلمه سبحانه.

وهو سبحانه (قبل كل غاية) للأشياء (ومدة) لها، والظاهر أنّ الفرق بينهما هنا، أن الغاية آخر الشيء، والمدة امتداد بقائه .

(وكل إحصاء وعدة) أي وتعداد، إذ هو سبحانه قبل الأشياء فيكن بعددها وتعدادها، الذي هو من الصفات العارضة للأشياء .

(تعالى) أي ارتفع سبحانه - ارتفاعاً معنوياً - عما ينحله المحددون أي

مِنْ صِفَاتِ الأَقْدَارِ، وَنِهَايَاتِ الأَقْطَارِ، وَتَأَثْلِ الْمَسَاكِنِ، وَتَمَكُنِ الأَمَاكِنِ. فَالحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرَوبٌ ، وَإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ . لَمْ يَخْلُقِ الأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولِ أَزَلِيَّةٍ، وَلا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ،


ينسبه إليه تعالى الذين يجعلون له حدوداً (من صفات الأقدار) بيان [ما] وصفات الأقدار الطول والعرض والعمق والكبر والصغر مما تتصف الأشياء ذات القدر والحدود، فإنه سبحانه بريء من كل ذلك (ونهايات الأقطار) أي آخر الأبعاد الثلاثة فإن ما لا قدر ،له لا نهاية له - في جهة من الطول والعرض والعمق ..

(وتأثل المساكن) أي أنه سبحانه تعالى عن تأصل المسكن، أي المساكن المتأصلة فليس له مسكن، لا بد له منه، كما لا بد للإنسان من ذلك والإتيان ب[تأثل] بمعنى [تأصل] مع أنه لا مسكن له إطلاقاً لإفادة أن كل شيء له مسكن لا بد وأن يكون متأصلاً في الاحتياج إلى المسكن (وتمكن الأماكن) فإنَّ المكان متمكن بالنسبة إلى ذي المكان، أي أنه لا بد له من المكان .

(فالحد) كيفاً أو كماً، زماناً أو مكاناً، (لخلقه مضروب) أي أن خلقه متصف بهذه الصفات لا هو تعالى ( وإلى غيره) تعالى (منسوب) أما هو فمنزّه عن الحد .

(لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ولا من أوائل أبدية) بأن كانت أصول الأشياء وموادها، وإنما الله سبحانه صورها - كما يقول القائلون بقدم العالم - بل الله سبحانه خلق المادة وخلق الصورة.

(بل خلق ما خلق) من الأشياء (أقام حدّه) أي جعل له حداً خاصاً به

وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ . لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ ، وَلا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعٌ عِلْمُهُ بِالأمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالأحْيَاءِ الْبَاقِينَ، وَعِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى.

منها : أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ، وَالْمُنشَأُ الْمَرْعِيُّ ، فِي فِي ظُلُمَاتِ الأرْحَامِ ، وَمُضَاعَفَاتِ الأَسْتَارِ . بُدِثْتَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ،


(وصور ما صور) أي أعطاه صورة خاصة، كصورة الإنسان، وصورة الحيوان وما أشبه (فأحسن صورته) فأتقنها وأحكمها (ليس لشيء منه) سبحانه (امتناع) بل كلما يريد يكون .

(ولا له) تعالى (بطاعة شيء انتفاع) وإنما الطاعة لانتفاع المخلوقين (علمه) تعالى (بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين) فإنّ علمه بالنسبة إلى جميع المعلومات متساو من دون تفاوت بين الماضي والمستقبل والحال (وعلمه بما في السماوات العلى)أي العالية المرتفعة (كعلمه بما في الأرضين السفلى) لا يفترق بالنسبة إلى علمه المرتفع والمنخفض.

(منها):أي بعض هذه الخطبة (أيها المخلوق السوي) أي المستوي الخلقة، لا نقص فيه، بل صنع كل شيء منه على وجه الإتقان والإحكام (والمنشأ) أي الذي أنشأ وأبدع (المرعي) الذي رعى وحفظ بحفظه سبحانه وبرعايته تعالى.

(في ظلمات الأرحام) ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة (ومضاعفات الأستار ) أي الأستار التي بعضها فوق بعض وهي الطبقات الثلاثة المذكورة.

(بدئت من سلالة من طين) السلالة : الخالص من الشيء الذي ينسل -

وَوُضِعْتَ فِي قَرَارٍ مَكِينِ إِلَى قَدَرِ مَعْلُومٍ، وَأَجَل مَقْسُومٍ ، تَمُورُ فِي بَطْنِ أمَكَ جَنِيناً لا تُحِيرُ دُعَاءَ، وَلا تَسْمَعُ نِدَاءً ، ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرْكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا ، وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا . فَمَنْ هَدَاكَ لِاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْي أُمِّكَ، وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإِرَادَتِكَ! هَيْهَاتَ ، إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَالأدَوَاتِ


أي يخرج - منه، فإنَّ كل إنسان أصله تراب، ثم ينقلب عشباً، ثم دماً ثم منياً (ووضعت في قرار مكين) هي رحم الأم ، فإن المني يستقر فيها، وكونها مكيناً، لأنها ذات تمكن من حفظ النطفة.

(إلى قدر معلوم) أي إلى مدة معلومة مقدرة للحمل، وهي بين ستة أشهر وسنة، وحسب اختلاف المقدر لكل جنين، (وأجل مقسوم) أي نهاية قسمها الله سبحانه لهذا الجنين (تمور) أي تضطرب (في بطن أمك) في حال كونك (جنيناً لا تحيردعاء) أي لا ترد جواب من يدعوك من [ما أحار جواباً] أي ما رد (ولا تسمع نداء) لمن يناديك لعدم قابلية أذن الجنين للسماع.

(ثم أخرجت من مقرك) في البطن (إلى دار لم تشهدها) أي لم ترها قبل ذلك، وهي دار الدنيا (ولم تعرف سبل منافعها) أي الطرق التي تجر المنفعة إليك (فمن هداك) وأنت طفل (لاجترار الغذاء من ثدي أمك)؟ بسبب المص أليس هذا دليلاً على مدير حكيم عليم خلقك وهداك إلى ذلك؟

(و) من (عرفك عند الحاجة) إلى شيء من الطعام والإفراغ (مواضع طلبك وإرادتك) فتمص الثدي دون غيره، وتبكي إذا أردت ذلك؟ وهكذا من عرفك الإفراغ لدى الحاجة (هيهات) كلمة تستعمل لاستبعاد الأمر، والمراد هنا استبعاد يفهم الإنسان كنه الخالق (إن من يعجز عن صفات ذي الهيئة والأدوات) أي ذي

فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ، وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ!


الشكل والجوارح، وهو الإنسان.

(فهوعن صفات خالقه أعجز) لأن الخلق إذا كان مع وضوحه متعذر الوصف وبلوغ الكنه، فالخالق لغموضه أبعد فهماً، وأغمض إدراكاً ووصفاً (ومن تناوله) أي يتناوله الإنسان بمعنى يدركه (بحدود المخلوقين) فيظن أنه محدود بالكم والكيف والزمان والمكان (أبعد) عن الفهم والإدراك .

وَمِن كلام له علیه السلام

لما اجتمع الناس إليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته عنهم واستعتابه لهم، فدخل عليه فقال:

إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ،وَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ ، وَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ . إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ ، وَلَا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ


التوضيح:

(لما اجتمع الناس إليه، وشكوا ما نقموه على عثمان، وسألوه مخاطبته لهم واستعتابه لهم) أي يطلب الإمام علیه السلام منه أن يرضي النّاس [فدخل عليه] حاملاً لرسالة الناس إليه [وقال] :

يا عثمان (إنّ النّاس ورائي) أي خلفي في المدينة (وقد استسفروني) أي جعلوني سفيراً، وهو حامل الرسالة بين شخصين (بين وبينهم) لأودي رسالتهم إليك، وكلامك إليهم (ووالله ما أدري ما أقول لك) هذا كناية عن عدم جهله بشيء من أمر نفسه وأمر الناس حتى ينبه ويرشد (ما أعرف) من طلبات النّاس (شيئاً تجهله) أنت حتى أبين لك .

(ولا أدلك على أمر لا تعرفه) بل أنت تعرف وجه نقمة الناس عليك (إنّك لتعلم) من أمر الإسلام (ما نعلم) من واجباته ومحرماته (ما سبقناك إلى شيء) بأن أخذناه دونك (فنخبرك عنه) لتعرفه (ولا خلونا بشيء) من أمر الدين

فَتُبَلّغَكَهُ . وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا ، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله كَمَا صَحِبْنَا.

وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَلَا ابْنُ الْخَطَّابِ أَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُما ،وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالَا . فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ !


• الواجب على كافة المسلمين-(فنبلغكه) أي نبين لك ذلك الشيء .

(وقد رأيت) الرسول صلی الله علیه و آله وسلم و وسائر الأمور المرتبطة بالإسلام (كما رأينا) نحن .

(وسمعت) كلام الله والإرشاد من الرسول (كما سمعنا) نحن (وصحبت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم) فعرفت سيرته (كما صحبنا) نحن، وهذه الجمل لتأكيد أنه يعلم ماذا يجب عليه فلا موضع لأن يرشد إلى مجهول (وما ابن أبي قحافة) أبو بكر (ولا ابن الخطاب) عمر (أولى بعمل الحق منك) لأن الكل متساوون عند الله تعالى يريد من جميعهم العمل.

(وأنت أقرب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وشيجة )أي اشتباك(رحم) وقرابة (منهما) أي من عمر وأبي بكر، فإن عثمان من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف رابع أجداد النبي صلی الله علیه و آله وسلم وأما أبو بكر فهو من بني مرة سابع أجداد النبي صلی الله علیه و آله وسلم وعمر بن عدي بن كعب ثامن أجداد النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، وهذا حسب

الظاهر، والإمام كان لصيقاً بالنبي وعمر كان غير نقي النسب.

(وقد نلت من صهره) أي مصاهرة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم (ما لم ينالا) فقد تزوج عثمان بابنتي الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ،رقية وأم كلثوم، وكان هذا من أكبر الشرف - لو عرف قدره-وهذا لتأكيد أنه أوجب بعمل الحق منهما .

(ف) اذكر (الله الله في) جهة (نفسك) لا تعرضها للهلكة في الدنيا والعقوبة في الآخرة.

فَإِنَّكَ - وَاللهِ - مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمَى، وَلا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلِ ، وَإِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ - وَإِنَّ أَعْلامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ ، فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى ، فَأَقَامَ سُنَّةَ مَعْلُومَةَ، وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةٌ. وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيْرَةٌ، لَهَا أَعْلامُ ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلامُ . وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ


( فإنّك-والله ما تبصر من عمى) أي إذا قال لك شخص وجه الخلاص من هذه المشكلة، لم يكن ذلك شيئاً لا تعرفه، فأنت أعرف بمظالمك عند الناس (ولا تعلم من جهل ) بأن لا تعلم سبب نقمة الناس، ثم تعرفه بمقالة قائل (وإن الطرق الواضحة) أي طرق الإسلام والمراد أحكامه (وإن أعلام الدّين لقائمة)أعلام الدّين مايدل على أحكامه، كما أن أعلام الطريق تدلّ على الطريق المنجح الموصل.

( فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل) يعدل بين النّاس (هدي) إلى الحق، بأن تعلمه (وهدى) النّاس إليه (فأقام سنة معلومة) بأن عمل بها و نشرها بين الناس (وأمات بدعة مجهولة) أي لا يعرفها الشرع، ولا يعترف بها (وإن السنن) أي الأحكام التي سنّها الله ورسوله في كيفية إدارة الأمة (لنيّرة) واضحة (لها أعلام) أي أدلة من الشريعة كما أن الطريق له أعلام تدلّ

الإنسان صوبه .

(وإن البدع لظاهرة لها أعلام) أي أدلة تدل على أنها بدع، فليس لأحد أن يرتكبها زاعماً أنه لا دليل على أن الشيء الفلاني بدعة (وإن شر الناس عند الله إمام جائر) الإمام هو المقتدي سواء كان بحق أو باطل قال سبحانه:«وَجَعَلْتَهُمْ أَيْمَةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا» (1)، وقال: «وَجَعَلْنَهُمْ أَيمّةً


1) سورة الأنبياء : 73.

ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةَ مَأْخُوذَةً، وَأَحْيَى بِدْعَةً مَتْرُوكَةً وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله يَقُولُ : [يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلا عَاذِرٌ ، فَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا. وَإِنِّي أَنْشُدُكَ الله أَن لا تَكُونَ إمَامَ هذِهِ الأُمَّةِ الْمَقْتُولَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالَ : يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،


يَدعُونَ إِلَى النَّارِ)(1)،(ضل) عن الطريق (وضلّ به) أي ضل الناس بسببه لأنه نشر البدع فأخذ بها النّاس (فأمات سنة مأخوذة) قد أخذها الناس وعملوا بها (وأحيى بدعة متروكة) عند المسلمين(وإني سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يقول : يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر) الذي جار وظلم (وليس معه نصير) ينصره (ولا عاذر) يقبل عذره أو يبين عذره في أعماله التي عملها (فيلقى في جهنم فيدور فيها) لحيرته وإرادته الفرار والنجاة (كماتدور الرّحى) حول نفسها .

(ثمّ يرتبط في قعرها) أي يشد في الطبقة السفلى من جهنم، لأنه أشدّ النّاس جرماً ولذا يكون من أشدّ النّاس عذاباً (وإنّي أنشدك الله) أي أقسمك بالله (أن لا) تفعل ما بسببه (تكون إمام هذه الأمة المقتول) الذي يفتح على المسلمين الصراع والقتال .

(فإنّه كان يقال) ولعلّه لتذكيره بما علم سابقاً من رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم (يقتل في هذه الأمة إمام يفتح) ذلك الإمام (عليها) أي على الأمة (القتل والقتال إلى القيامة) وقد كان كذلك فإنّ انحراف عثمان الموجب لقتله أوجب انشقاق يوم


1) سورة القصص : 41 .

وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا ، وَيَبُثُ الْفِتَنَ فِيهَا ، فَلَا يُبْصِرُونَ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً ، وَيَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً . فَلا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيْقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلالِ السِّنِّ وَتَقَضَى الْعُمُرِ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : [كَلّم النَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي،حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ] .


الأمة إلى سنة وشيعة، والتاريخ يدلّ على ما وقع بين الطائفتين من المآسي، بينما لو كان الأمر طبيعياً، لكان الإمام يملك زمام الحكم ويحكم بين المسلمين على الكتاب والسنة ويتسلسل الأمر بلا خلاف وتشاحن .

(ويلبس) ذلك القتل (أمورها عليها) فلا يعرفون الحق من الباطل (ويبث) أي ينشر الفتن فيها كفتنة الجمل وصفين والخوارج وغيرها (فلا يبصرون الحق من الباطل) وذلك لإلقاء الطامعين الفتن والقلاقل بين النّاس .

(يموجون فيها) كما يموج البحر، والضمير عائد إلى الفتنة (موجاً) مصدر للتأكيد (ويمرجون فيها مرجاً) أي يخلطون بين الحق والباطل في تلك الفتنة (فلا تكونن) يا عثمان (لمروان سيقة) هوما استاقه العدو من الدواب، وقد كان مروان - ابن طريد رسول الله-مستشاراً لعثمان وكان أحمق منافق، عابد شهوة وفجور، وهوالذي أشعل الفتنة، حتّى استبد بالأمر، وكان عثمان ملكه زمام الدولة في الواقع، فأردى المسلمين بهذا المهوى السحيق(يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ) أي تقدمه (وتقضي العمر) أي انقضاؤه.

(فقال له عثمان) في جواب طلبه علیه السلام منه الإصلاح (كلم الناس) الثائرين(في أن يؤجّلوني) أي يمهلوني مدة (حتى أخرج إليهم من مظالمهم) وأرفع الظلم عنهم .

فَقَالَ عليه السلام : مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلا أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ .


(فقال علیه السلام) له : (ما كان) من المظالم (بالمدينة) كالحمى وحبس أموال المسلمين ونحوهما (فلا أجل فيه) لأنك تقدر أن تنفذ الأمر في ظرف يوم (وما غاب) عن المدينة، كالمظالم بالأمصار (فأجله وصول أمرك إليه) والآن تتمكن من إرسال الرسل لرد مظالم الناس في الآفاق، ومعنى كلام الإمام علیه السلام أنه لا وجه للتأجيل ، لكن عثمان ركب رأسه وتمادى في المظالم، حتى قتله المسلمون ووقعت الفتنة.

فهرس الجزء الثاني

ومن خطبة له علیه السلام : في عظة الناس وأمرهم بالتقوى ... 7

ومن خطبة له علیه السلام : في بيان صفات المتقين وصفات الفساق ... 14

و من خطبة له علیه السلام : وقد ذكر فيها ما يسبب هلاك الناس ... 26

ومن خطبة له علیه السلام : حول الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله وسلم واتباعه له ... 30

ومن خطبة له علیه السلام : في أوصاف الله سبحانه وعظيم مخلوقاته ... 36

و من خطبة له علیه السلام : تعرف بخطبة الأشباح وهي من جلائل خطبه ... 41

في صفة السماء ... 56

في صفة الملائكة ... 61

في صفة الأرض ... 73

ومن خطبة له علیه السلام : لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان ... 93

ومن خطبة له علیه السلام : في عمله وأعمال بني أمية ... 95

ومن خطبة له علیه السلام : في وصف الله والرسول ثم الوعظ والإرشاد ...103

ومن خطبة له علیه السلام : في فضيلة الرسول صلى الله عليه وسلم ... 108

ومن خطبة له علیه السلام : في حمد الله وتمجيد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ... 110

ومن خطبة له علیه السلام : في حال أصحابه وأصحاب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم... 113

و من كلام له علیه السلام : في وصف بني أمية ... 122

ومن خطبة له علیه السلام : في التزهيد في الدنيا... 124

ومن خطبة له علیه السلام : في رسول الله وأهل بيته الأطهار... 129

ومن خطبة له علیه السلام : تشتمل على الملاحم... 133

ومن كلام له علیه السلام : في ذكر يوم القيامة وأحوال الناس المقبلة ... 139

ومن خطبة له علیه السلام : في التزهيد في الدنيا ...142

ومن خطبة له علیه السلام : تقدم مختارها وهي في النبي صلی الله علیه و آله وسلم...148

ومن خطبة له علیه السلام : في بعض صفات الرسول وتهديد بني أمية ... 151

ومن خطبة له علیه السلام : في فضل الإسلام والرسول ولوم أصحابه ... 159

ومن خطبة له علیه السلام : في بعض أيام صفين ... 168

ومن خطبة له علیه السلام : وهي من خطب الملاحم ...170

ومن خطبة له علیه السلام : في صفة الله وذكر الملائكة ... 181

ومن خطبة له علیه السلام : في أركان الإسلام ...198

ومن خطبة له علیه السلام : في ذم الدنيا ...202

ومن خطبة له علیه السلام : ذكر فيها ملك الموت وتوفية الأنفس ... 213

ومن خطبة له علیه السلام : في ذم الدنيا ...215

ومن خطبة له علیه السلام : في وعظ الناس ...220

ومن خطبة له علیه السلام : في الاستسقاء ... 230

ومن خطبة له علیه السلام : في تعظيم ما حجب عن الناس وما سيكون في أمر الحجاج الثقفي ...236

ومن كلام له علیه السلام : يوبخ البخلاء بالمال والنفس ... 240

ومن كلام له علیه السلام : في مدح أصحابه وتحريضهم على العمل ... 242

ومن كلام له علیه السلام : وقد جمع الناس وحضهم على الجهاد ... 244

ومن كلام له علیه السلام : في بيان بعض فضله ووعظ الناس ... 248

ومن كلام له علیه السلام : بعد ليلة الهرير ... 251

ومن كلام له علیه السلام : قال للخوارج وهم مقيمون على إنكار الحكومه ... 256

و من كلام له علیه السلام : قاله لأصحابه في ساحة الحرب بصفين ... 262

ومن كلام له علیه السلام : في التحكيم ... 270

ومن كلام له علیه السلام : لما عوتب على التسوية في العطاء ... 276

ومن كلام له علیه السلام : فيه يبين بعض أحكام الدين وينقض حكم الحكمين ... 279

و من كلام له علیه السلام : فيما يخبر به عن الملاحم في البصرة ... 286

ومن خطبة له علیه السلام : في ذكر المكاييل والموازين ... 291

ومن كلام له علیه السلام : لأبي ذر رحمه الله لما أخرج إلى الربذة ... 297

ومن كلام له علیه السلام : وفيه يبين قبوله أي الخلافة ويصف الإمام الحق ... 300

ومن خطبة له علیه السلام : فيها وعظ وتزهيد وتذكير ...305

ومن خطبة له علیه السلام : فيها تعظيم الله سبحانه وذكر القرآن والرسول ووعظ الناس ... 310

ومن كلام له علیه السلام : وقد شاوره عمر في الخروج إلى غزو الروم ... 317

ومن كلام له علیه السلام : في رده على المغيرة بن الأخنس ... 320

ومن كلام له علیه السلام : في أمر البيعة ... 322

و من كلام له علیه السلام : في شأن طلحة والزبير وفي البيعة له ... 324

ومن خطبة له علیه السلام : يومىء فيها إلى ذكر الملاحم ... 329

ومن كلام له علیه السلام : في وقت الشورى ... 334

ومن كلام له علیه السلام : في النهي عن عيب الناس ... 336

ومن كلام له علیه السلام : في النهي عن سماع الوقيعة وفي الفرق بين الحق والباطل ... 339

و من كلام له علیه السلام : في مواضع المعروف ... 341

ومن خطبة له علیه السلام : في الاستسقاء ... 343

ومن خطبة له علیه السلام : في بعثة الرسول وفضل أهل البيت وأحوال أهل الضلال ... 348

ومن خطبة له علیه السلام : في فناء الدنيا وذم البدعة ... 353

و من كلام له : وقد استشاره عمر في الشخوص لقتال الفرس بنفسه ... 356

ومن خطبة له علیه السلام : وفيها بيان علة البعثة وفضل القرآن ... 360

ومن كلام له علیه السلام : في ذكر أهل البصرة ... 369

ومن كلام له علیه السلام : قبل موته ... 372

ومن خطبة له علیه السلام : في الملاحم وفي وصف أهل الضلال ... 377

ومن خطبة له علیه السلام : وفيها يحذر من الفتن ... 383

ومن خطبة له علیه السلام : في صفة الله سبحانه وصفة أئمة الدين ... 392

ومن خطبة له علیه السلام : في صفة الضال والوعظ والإرشاد ... 398

ومن خطبة له علیه السلام : في فضل أهل البيت والإرشاد ... 407

ومن خطبة له علیه السلام : يذكر فيها بديع خلقة الخفاش ... 413

ومن كلام له علیه السلام : خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم ... 419

ومن خطبة له علیه السلام : فيها الحث على التقوى والعمل للآخرة ...428

ومن خطبة له علیه السلام : فيها بيان فضل الرسول وعظمة القرآن وذكر دولة بني أمية ... 436

ومن خطبة له علیه السلام : يبين فيها حسن إدارته للرعية ... 440

ومن خطبة له علیه السلام : في حمده سبحانه و بيان عظمته وفضائل رسله ...441

ومن خطبة له علیه السلام : في صفة الرسول وأهل بيته ولزوم اتباع طريقتهم والوعظ ... 458

و من كلام له علیه السلام : لبعض أصحابه وقد سأله : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ؟ فقال علیه السلام : ... 464

ومن خطبة له علیه السلام : في بيان صفة الخالق سبحانه وابتداعه للمخلوقات ... 469

ومن كلام له علیه السلام : لما اجتمع الناس إليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته عنهم ... 477