توضیح نهج البلاغة المجلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

تَوضیحُ نَهجُ البَلاغَةِ

الطبعة المحققة الأولى

1423ه- 2002م

حقوق الطبع محفوظة

من مراكز التوزيع

سوريا - دمشق - السيدة زينب علیهم السلام- مكتبة الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلّم

هاتف : 6471116 مقسم 109 .

إيران - قم المقدسة - مؤسسة برهيزكار للطباعة والنشر

شارع صفائية - فرع ممتاز - تلفكس 7746182 - 251 - 0098

دار المعلوم: للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع

المكتبة : حارة حريف - بئر العبد - شارع السيد عباس الموسوي - الهاتف : 1/545182 المستودع حارة حريك - بئر العبد - مقابل البنك اللبناني الفرنسي - تلفاكس : 01/541650 البريد الإلكتروني :daraloloum@hotmail.com

محرر الرقمي: سید محمد رضوي

اشارة

الطبعة المحققة الأولى

1423ه- 2002م

حقوق الطبع محفوظة

من مراكز التوزيع

سوريا - دمشق - السيدة زينب علیهم السلام- مكتبة الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلّم

هاتف : 6471116 مقسم 109 .

إيران - قم المقدسة - مؤسسة برهيزكار للطباعة والنشر

شارع صفائية - فرع ممتاز - تلفكس 7746182 - 251 - 0098

دار المعلوم: للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع

المكتبة : حارة حريف - بئر العبد - شارع السيد عباس الموسوي - الهاتف : 1/545182 المستودع حارة حريك - بئر العبد - مقابل البنك اللبناني الفرنسي - تلفاكس : 01/541650 البريد الإلكتروني :daraloloum@hotmail.com

محرر الرقمي: سید محمد رضوي

تَوضِیحُ نَهج البَلَاغَةِ

آيةُ اللهِ العُظمَى الإمَام السَّيِد مُحمَّد الحُسَيني الشِّيرَازِي

(قُدِّسَ سِرَّه)

المکتب الروضة الحيدرية 4490

الجزء الأول

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِیمِ (1)

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

كلمة الناشر

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِیمِ

الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) ظاهرة من ظواهر القرن الذي عشنا فيه. فقد شهد مرحلةً تاريخية فريدة مرّت على العالم الإسلامي، وكان أحد الأسماء اللامعة التي اشتركت في هندسة الأحداث وصياغتها، سواءً على الصعيد الديني، أم السياسي، أو الفكري.

بقيت ظاهرة الإمام الشيرازي شاخصةً ممتدّة طوال عقود، ولم تنته برحيله. فقد أحدث موجاً اجتماعياً جارفاً لا يمكن أن ينضب معينه أو يجف، وكان الإمام الشيرازي رحمة الله مسكوناً بالفضائل لا يعرف الملل، أو السأم. كان يُقرب البعيد ويستسهل المحال فيجعله ممكناً، وينظر لكل الأمور بمنظار التفاؤل والتحدي .

كان يعتقد أن أهدافه يمكن أن تتحقق على غرار أهداف فلاسفة الجمهورية المثالية عن طريق تربية المجتمع تربية ثقافية عالية يرتقي بها من إصلاح) (باطن)) الإنسان، إلى أن يضعه في مقام المسؤولية، التي وضعها الله سبحانه لبني البشر عامة، حينما عرض الأمانة عليهم.

لذا بدأ (رضوان الله عليه) بمخاطبة أرواح الناس وعقولهم وإصلاحها على وفق المنهج المثالي الذي وضعه لنظريته وتوفير التطبيقات الثقافية اللازمة المشروعة الشامل. فاضطلع بوضع منظومة دينية نسجها بنفسه، وقدمها على شكل مؤلفات عقائدية يمكن لجميع طبقات المجتمع أن تستفيد منها، وتتأثر بها، خلافاً للمؤلفات التي توضع للمتخصصين، كما فعل ذلك في مجالات أخرى.

وكان من نتاج هذه التصورات أن كنت شروحاً على القرآن الكريم، ونهج البلاغة، والصحيفة السجادية، وغير ذلك، وكلها تهدف إلى تقريب القرآن، ونهج البلاغة إلى أذهان المسلم العادي دون أن يدخله في تعقيدات العبارة، أو استقصاء المطالب التي يحتاج إدراكها إلى مقدمات لا تتيسر لكل أحد .

من هنا جاءت فكرة شرح نهج البلاغة. فقد أسماه [توضيح نهج البلاغة] طبقاً لنظرته في التربية الإجتماعية والتنشئة الذاتية.

يعد كتاب توضيح نهج البلاغة من المؤلفات المتقدمة للإمام الراحل . فقد كتبه منتصف الثمانينات الهجرية 1385هـ / 1965م عندما كان مقيماً بمدينة كربلاء المقدسة وطبع أول مرة في الثمانينات الميلادية بطهران (ضمن أربعة أجزاء)، ثم نشرته بمدينة قم المقدسة سنة 1410هـ / 1990م مؤسسة الفكر الإسلامي (ضمن مجلدين) .

وقد قامت دار العلوم بتحقيق ونشر الطبعة الثالثة من هذا [التوضيح] ضمن أربع مجلدات، وبشكل مميّز وإخراج فنّي، حيث وضع کشف موضوعي شامل لجميع مفردات الكتاب على صفحات الشرح ليسهل على القارىء تناول مطالب الكتاب بيسر، ودون أي مشقة مع مراعاة حذف المكررات والضبط والإتقان لنكون ممن ساهم مع الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) في تعزيز نظريته الفكرية التي تدعو إلى صياغة إنسان الغد على وفق مرتكزات منهج معرفي، تكون قاعدته القرآن، وكلمات أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام، ومفاهيم أبنائه الأئمة الهداة من آل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم.

دار العلوم

بيروت - لبنان

5 جمادى الأول 1423هـ

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين .

وبعد: فإنَّ من الضروري أن يتقرب الإنسان إلى علوم الإسلام الخمسة .

وهي : أصول الدين.. التفسير.. الأخلاق . . تاريخ الإسلام .. فقه الأحاديث .

والتقرب إلى هذه العلوم لا يمكن إلّا بالعلم باللغة العربية، فإنَّ هذه اللغة مفتاح فهمها، وقد تطورت الظروف في البلاد الإسلامية إلى ترك هذه العلوم، وهذه اللغة، بالرغم من أن عمل المسلمين السابقين كان على تعلم هذه الأمور الستة، ونشرها، ولذا يقول المؤرخون : إن المسلمين كانوا ينشرون دينهم ولغتهم في كل مكان يسيطرون عليه . . وبانحطاط هذه الأمور الستة، وقف مدّ الإسلام عن الارتفاع، و آل كيانهم إلى الإضمحلال، وشارفت شمس عزهم على الأفول، بينما كان المسلم أمنع من عقاب الجو، في نظر العالم، لا تُفكر أكبر دولة في منازلتهم، نرى اليوم (والأمر يملكه النسوان والخدم).

هذا من ناحية ..

ومن ناحية أخرى : إذا دقّقنا في كتاب (نهج البلاغة) للإمام المرتضى، أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والثناء، الذي جمعه الشريف الأجل السيد الرضي (قدس الله تربته)، رأينا أن الأمور الستة مجتمعة فيه إجمالاً و تفصيلاً، بسطاً أو تحريضاً، فإنَّه يشرح أصول العقائد من توحيدٍ ورسالةِ ومعادٍ وإمامةِ شرحاً، ويحث إلى القرآن حثا، ويلمح إلى الأخلاق الفاضلة تلميحاً، ويشير إلى تاريخ الإسلام إلماعاً .. وكله حديث، بالإضافة إلى أنه سنام اللغة ومنتجعها ومنبثقها ومرعاها .

.. عزمت على أن أجني من ثمرة هذا الكتاب العظيم ما أتمكن عليه، کی أقدمه إلى الطلاب، لعل الله سبحانه أن يحيي - بقدرته - آثار الإسلام الدّارسة، ويعيد إلى أهل العلم، ما فقدوه عن عمد، وعن غير عمد، من الحركة والنشاط الإسلامي الذي أُخمِدَ منذ زمن ترك هذه العلوم بين المسلمين.

والله الموفق، وهو المستعان .

كربلاء المقدسة : محمد بن المهدي

مقدمة السيد الشريف الرضي

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد حمد الله الذي جعل الحمد ثمناً لنعمائه، ومعاذاً من بلائه، ووسيلاً إلى جنانه(1)، وسبباً لزيادة إحسانه، والصلاة والسلام على رسوله نبيّ الرحمة، وإمام الأئمة، وسراج الأمة، المنتجب من طينة الكرم، وسلالةِ المجد الأقدم، ومَغرِس الفخار المعرق، وفرع العلاء المُثمر المورق، وعلى أهل بيته مصابيحُ الظَّلم، وعِصَم الأمم، ومنار الدين الواضحة، ومثاقيل الفضل الرّاجحة، فصلى الله عليهم أجمعين، صلاةً تكون إزاءً لفضلهم، ومكفافأةً لعملهم، وكفاءً لطيب أصلهِم وفرعِهِم، ما أثار فجر طالع، وخوى نجم ساطع، فإني كنت في عنفوان السن، وغضاضة الغصن، ابتدأتُ تأليف كتابِ في خصائص الأئمة علیهم السلام : يشتمل على محاسن أخبارهم، وجواهر كلامهم، حداني عليه غرضٌ ذكرتهُ في صدر الكتاب، وجعلتُه أمام الكلام، وفرغتُ من الخصائص التي تخصُ أميرَ المؤمنين عليّاً (صلوات الله عليه)، وعاقت عن إتمام بقيّة الكتاب محاجزات الأيام، ومماطلات الزّمان، وكنتُ قد بوّبت ما خرج من ذلك أبواباً، وفصلتهُ فصولاً، فجاء في آخرها فصلً يتضمّن مَحاسِنَ ما نُقل عنه علیه السلام من الكلام القصير في المواعظ والحكم


1) في بعض النسخ وسبيلاً

والأمثال والآداب، دونَ الخُطبِ الطّويلة، والكتب المبسوطة، فاستحسنَ جماعةُ من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذكره معجبين ببدائعه، ومتعجّبين من نواصعه، وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختارِ كلام مولانا أمير المؤمنين علیه السلام في جميع فنونه، ومتشعّبات غصونه : من خُطبِ، وكتب، ومواعظ وأدب، علماً أن ذلك يتضّمن من عجائب البلاغةِ، وغرائبِ الفصاحةِ، وجواهر العربية، وثواقبِ الكَلم الدّينيَة والدّنيويّة، ما لا يوجدُ مجتمعاً في كلام، ولا مجموع الأطراف في كتاب، إذ كان أمير المؤمنين علیه السلام مَشْرَع الفصاحة ومورِدها، ومَنْشَأ البلاغةِ ومولدِها، ومنه علیه السلام ظهر مَكنُونُها، وعنه أُخِذَتْ قوانينُها، وعلى أمثلته حَذا كل قائِل خطيبٍ، وبكلامه استعان كل واعظٍ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا، وتقدّم وتأخّروا، لأنّ كلامه علیه السلام الكلامُ الذي عليه مسحةٌ من العلم الإلهي وفيه عبقةٌ من الكلام النبوي، فأجبتهم إلى الابتداء بذلك، عالماً بما فيهِ من عظيم النّفع، ومنشور الذكر، ومذخور الأجر. واعتمدتُ به أن أبيّن من عظيم قدر أمير المؤمنين علیه السلام في هذه الفضيلة، مضافةً إلى المحاسن الدّثرة، والفضائل الجمة، وأنّه علیه السلام انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين، الذين إنما يُؤثَرُ عنهم منها القليلُ النّادرُ، والشَّاذ الشارِدُ ؛ فأمّا كلامُه فهو البحرُ الّذي لا يُساجَل، والجمّ الّذي لا يُحافَل.

وأردتُ أن يسوغ لي التمثل في الافتخارِ به علیه السلام بقول الفرزدق :

لسلام أولئك آبائي فجئني بمثلِهِم *** إذا جمَعَتْنا يا جريرُ المَجامعُ

ورأيت كلامه علیه السلام يدورُ على أقطاب ثلاثة : أوّلها الخُطَب والأوامر، وثانيها الكُتُب والرّسائلُ، وثالثُها الحِكَم والمواعظ، فأجمعتُ بتوفيق الله سبحانه على الابتداء باختيار محاسنِ الخُطب، ثم محاسنِ الكُتُب، ثم محاسن الحِكَم والأدبِ، مُفرِدا لكل صِنفٍ من ذلك باباً، ومُفصلاً فيه أوراقاً، ليكون مقدّمة لاستدراكِ ما عساهُ يشذّ عنّي عاجلاً، ويقَعُ إليّ آجلاً، وإذا جاء شيءٌ

من كلامه علیه السلام من الخارج في أثناء جوارِ، أو جواب سؤالِ، أو غرضِ آخرَ من الأغراضِ - في غير الأنحاء الّتي ذكرتُها، وقررتُ القاعدة عليها - نَسبتهُ إلى أليق الأبواب به، وأشدّها ملامحة لغرضِهِ. وربّما جاء فيما أختارُه من ذلك فصول متّسقة، ومحاسن كلمٍ غير مُنتظمة، لأنّي أوردُ النُّكَت واللّمَعَ، ولا أقصِد التَّتالي والنّسق.

ومن عجائبه علیه السلام، التّي انفرد بها، وأمِنَ المشاركة فيها، أنّ كلامه الواردَ في الزّهد والمواعظ، والتّذكير والزَّواجر، إذا تأمَّله المتأمّل، وفكّر فيه المُفكّر، وخلع من قلبه أنّهُ كلام مثلِه ممّن عَظُمَ قَدرُه ، ونفذ أمرُه، وأحاط بالرِّقاب مُلكه، لم يعترضه الشكّ في أنّه كلامُ من لاحظّ له في غيرِ الزّهادة، ولا شُغلَ لهُ بغيرِ العبادة قد قَبَع في كِسر بيتٍ أو انقطع إلى سَفح جبلٍ لا يَسمعُ إلا حسَّه، ولا يرى إلّا نفسه، ولا يكادُ يوقِن بأنّه كلام من يَنغمِس في الحرب مُصلتاً سيفه، فيقُطُ الرّقابَ، ويُجدِّلُ الأبطالَ، ويعودُ به يَنِطف دماً، ويقطُر مُهجاً، وهو مع تلك الحالِ زاهدُ الزَّهاد، وبَدَلُ الأبدال. وهذه من فضائله العجيبة، وخصائصه اللّطيفة، التي جَمَع بها بين الأضداد وألفّ بين الأشتات، وكثيراً ما أذاكِرُ الإخوان بها، وأستخرجُ عجبُهم منها، وهي موضع العبرة بها، والفكرة فيها.

وربّما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظُ المردد، والمعنى المكرّر، والعُذر في ذلك أنّ روايات كلامهُ تختلف اختلافاً شديداً؛ فربّما اتفق الكلامُ المختار في روايةٍ فَنُقِلَ على وجهه، ثمّ وُجِد بعد ذلك في روايةٍ أخرى موضوعاً غير وضعه الأول : إمّا بزيادة مختارة، أو بلفظٍ أحسنَ عبارة؛ فتقتضي الحالُ أن يُعاد، استظهاراً للاختيار، وَغيرةً على عقائل الكلام، وربَّما بَعُدَ العهد أيضا بما اختير أوّلاً فأعيد بعضُه سهواً ونِسياناً، لا قَصداً أو اعتماداً. ولا أدعي - مع ذلك - أننى أحيطُ بأقطارِ جميع كلامهِ علیه السلام حتى لا يشِذّ عنّي منه شاذ، ولا ينِدّ نادّ، بل لا أبعِد أن يكون القاصِرُ عنّي فوق الواقع إليّ، والحاصلُ في

رِيقتي دونَ الخارج من يديّ، وما عليّ إلا بذلُ الجهد، وبلاغةُ الوسع، وعلى الله سبحانه وتعالى نَهج السبيل وإرشاد الدّليل، إن شاء الله .

ورأيتُ من بعدُ تسميةَ هذا الكتاب بـ (نهج البلاغة)؛ إذ كان يَفتح للناظر فيه أبوابها، ويقرّب عليه طِلابَها، وفيه حاجةُ العالِم والمتعلّم، وبُغية البليغ والزّاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل، وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن شَبَه الخلق، ما هو بلال كل غُلّة، وشفاء كُلّ عِلَّة، وجِلاَء كلّ شبهة. ومن الله سبحانه أستمدّ التوفيق والعِصمة، أتنجّزُ التّسديد والمعونة، وأستعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ اللّسان، ومِن زلّة الكلِم، قبل زلّة القَدم، وهُو حَسبي وَنِعم الوَكيلُ.

فَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

يذكر فيها ابتداءً خلق السماءِ والأرض، وخلق آدم

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُونَ، وَلاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ المُجْتَهِدُونَ،

.......................................

التوضيح :

(فمن خطبة له) أي للإمام أمير المؤمنين علیه السلام .. يذكر فيها (ابتداء خلق السماء) كيف أُنشئت من العدم (والأرض) كيف أوجدت من لا شيء (و) ابتداء (خلق آدم) عليه الصلاة والسلام.

(الحمد لله) أي أن جنس الحمد له سبحانه، إذ جميع المحامد راجعة إليه (الذي لا يبلغ مدحته) أي لا يبلغ مقدار حق مدحه والثناء عليه (القائلون) الذين يقولون الحمد ويتكلمون به، وذلك لأن نعم الله سبحانه لا تحصى لكثرتها والإنسان مهما حمد ومدح فإنّه لا يصل إلى المقدار الواجب عليه عقلاً، أو المعنى أنه حيث كان غير محدود الصفات الحسنة، والإنسان محدود، فلا يمكن أن يحيط المحدود بغير المحدود (ولا يحصي نعماءه العادّون) جمع [عاد] وهو الذي يعدّ ويحسب، أي أن الذين لهم علم بالحساب والعدد لا يتمكنون من إحصاء نعمه لكثرتها (ولا يؤدّي حقه المجتهدون) جمع مجتهد، وهو الذي يجهد نفسه ويتعبها في سبيل شيء ما، والمراد هنا المجتهدون في العبادة والطاعة، وإنما لا يؤدون حقه تعالى، لأن أعمال العباد في جنب ألطافه إليهم أقل من المقدار اللازم والثمن المتعارف .

الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَ لا يَنالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌ مَحْدُودٌ ، وَلاَ نَعْتُ مَوْجُودٌ ، وَلا وَقْت مَعْدودٌ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ .

.......................................

(الذي لا يدركه بعد الهمم) جمع همة، يعني أن الإنسان مهما كانت همته رفيعة ونظره دقيقاً فإنَّه لا يدرك كنهه سبحانه، بل لا يعرف الإنسان من الله سبحانه، إلّا أنه موجود له صفات كمالية منزه عن النقائص، أما ما هو؟ وكيف هو..؟ وأمثال ذلك فلا يدرك الإنسان شيئاً منها .

(ولا يناله غوص الفطن) جمع فطنة وهي الذكاء، والغوص هو (الانغماس) في الماء، وغالباً يطلق الغوص، لمن يغوص مريداً اللؤلؤ والمرجان وهذا كناية - أي أن الأذكياء كلما غاصوا في بحار العلوم والمعارف، لمعرفة حقيقته تعالى، والالتقاط من دور کنهه سبحانه، لا يقدرون على الوصول والالتقاط.

(الذي ليس لصفته حد محدود) فإنَّ صفات الممكن تنقطع، كما نرى ذلك في قدرتنا، وعلمنا وحياتنا، وسائر صفاتنا، فمثلاً إنا نقدر على حمل (مائة كيلو) أو نقدر على تركيز النظر ساعة، أو تعلم كتاباً خاصاً، أو نحيى خمسين سنة، أما الله سبحانه، فلا حد لصفاته، فعلمه غير محدود بحدود، وقدرته تشمل كل شيء، وحياته أزلية أبدية وهكذا.

(ولا) لصفته (نعت موجود) النعت يقال لما يتغير فعلمنا مثلاً يتغير من قلة إلى كثرة، أو من حال إلى حال، أما علمه سبحانه فلا تَغيّر فيه (ولا) لصفته (وقت معدود) أي وقت قد عدّ بالحساب، كأن نقول أن علمه مدته خمسة أيام، أو ألف سنة (ولا) لصفته (أجل) أي وقت (ممدود) أي طويل قد مدّ، كأن يقال أنه يعلم الأشياء إلى حين انقضاء الدنيا، وهذا مع سابقه عبارتان عن شيء واحد، ولكن باعتبارين، فباعتبار آخرِ المدة يقال [أجل]

فَطَرَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّحُورِ مَيَدَانَ اَرضِهِ.

أَوَّلُ الدِّين مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ،

.......................................

وباعتبار قطعات الزمان يقال [وقت معدود] والحاصل أنه لا يصح أن يقال حدّ علم الله - مثلاً - الموجودات، ولا أن يقال زاد علمه أو نقص، ولا أن يقال علمه يبقى خمسين سنة ولا أن يقال علمه ينتهي إلى الزمان الفلاني.

ولما أتمّ الإمام بيان ذاته وصفاته تعالى .. أتى لبيان بعض مظاهر قدرته سبحانه فقال : (فطر) أي خلق (الخلائق) جميع أصناف الخلق (بقدرته) فإنَّ الخلق لا يكون إلّا بالقدرة، وهي الإبداع عن إرادة (ونشر الرياح) أي بسطها في السماء والأرض من هنا إلى هناك ومن هناك إلى هنالك (برحمته) حيث إن الرياح - غالباً - رحمة وفضل، لأنها تنقّي الأجواء، وتصفي المياه، وترّبي الأشياء، وتروّح عن الإنسان (ووتّد) أي سكن عن الاضطراب، كالوتد الذي يحفظ الشيء عن السقوط والاضطراب (بالصخور) جمع صخرة، والمراد به الجبل (ميدان) أي اضطراب، من [ماد] إذا اضطرب (أرضِهِ) فإنَّ الأرض تتفكك وتضطرب، بسبب الحركة والجاذبية لولا الصخور التي هي كالأوتاد لها .

(أوّل الدِّين) الدّين هو الطريقة، والمراد به هنا الطريقة السماوية التي جاءت لهداية البشر (معرفته) فإنَّ الإنسان إذا لم يعرف الله فإنَّه لا دين له وإن صلّى وصام وبرّ وأنفق، فإنَّ من لا يعرف الله كيف يَتَّبع منهاجه؟ (وكمالُ معرفتهِ التصديقُ به) بأن يبني الإنسان بناءً عملياً على الإذعان والاعتراف، فإنَّ بذلك التصديق يكمن العرفان، وإلا فمن عرفه قلباً ولم يصدّق فهو ناقص المعرفة (وكمال التصديق به) أي بالله (توحيده) بأن يوحّده الإنسان ولا يجعل

وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الأخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الأخْلاصِ لَهُ نَفي الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلْ صِفَةٍ أَنَّها غَيْرُ المُصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفِ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ.

.......................................

لهُ شريكاً فإنَّ من عرف الله وصدّق به، ولكنه جعل له شريكاً كان تصديقه ناقصاً، إذ ليس تصديقاً بما هو الواقع من جميع الجهات، بل من بعض الجهات .

(وكمال توحيده الإخلاص له) فإنَّ التوحيد لا يكمل إلّا إذا أخلص الإنسان في سره وباطنه لله تعالى، أما من يوحّده ولكن لا يخلص له في أعماله، فإنَّ توحيده صوري لا كمال له (وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه) بأن لا يجعل الإنسان ذات الإله شيئاً، وصفاته شيئاً آخر، كما هو كذلك في الإنسان وصفاته، مثلاً زيد شيء وعلمه شيء آخر، وإن اقترنا، فمن وحّد الله سبحانه ولم يجعل له شريكاً من الأصنام وما أشبه، لكنه أثبت هناك صفاتاً مغايرة للذات، لم يكن مخلصاً لله سبحانه إذ يتوجه إلى الذات وإلى الصفات، وهذا هو الذي عبّر عنه المتكلمون بأنه سبحانه [لا معاني له] أي أن صفاته عين ذاته وإنما تنتزع الصفات من الذات باعتبارات، فباعتبار انه يعلم الأشياء يقال عالم، وباعتبار أنه يقدر على الأشياء يقال قادر، لا أن هناك ذات وعلم، وذات وقدرة، وهذا كما يقال : الإنسان واحد، زيد، أبو عمرو، ابن خالد، جد محمود، فإنَّ هذه الأسماء قد انتزعت عن شيء واحد باعتبارات متعددة، والحاصل أن من أثبت صفة وذاتاً لله لم يكن مخلصاً في توحيده.

ثم بين الامام عله السّلام التلازم بين التوحيد ونفي الصفات بقوله : (لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف) فإنَّه لو قال : هناك ذات وصفة غير الذات ملاصقة بها - نحو التصاق أوصافنا بذواتنا - دلت الصفة على غير الموصوف فتحدث الاثنينية (وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة) فإنَّ كل شيء يشهد - شهادة تكوينية - على أنه غير الشيء الآخر.

فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَه، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّاهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، وَمَنْ قَالَ [فِيمَ]

.......................................

ثم فرّع الإمام علیه السلام على ذلك بقوله : (فمن وصف الله سبحانه) بصفة مغايرة للذات (فقد قرنه) أي قد قرن الله بشيء آخر - هو الصفة -.

(ومن قرنه) تعالى بأوصافه (فقد ثنَّاه) أي جعله أثنين : الذات، والصفات (ومن ثنّاه) أي جعل الله أثنيناً (فقد جزّأه) أي جعله ذا أجزاء، فإنَّ الاثنين المتداخلين واحد ذو أجزاء، كما أن الإنسان واحد ذو أجزاء، و[السكنجبيل] واحد ذو أجزاء خل وشهد .

(ومن جَزَّأه) أي جعله تعالى ذا أجزاء (فقد جهله) أي لم يعرفه حق معرفته، إذ انه عرفه اثنينا، وإلهاً ذا أجزاء، ولم يعرفه واحداً، وإلهاً بسيطاً لا جزء له (ومن جهله) تعالى (فقد أشار إليه) إذ الجهل يستلزم أن يَعِدَّهُ الإنسان كالأمور الجسمانية القابلة للإشارة الحسية، أو كالأمور العقلية - كالجنس والفصل - القابلة للإشارة العقلية، والله سبحانه مُنزّه عن أمثال هذه الإشارات .

(ومن أشار إليه) تعالى (فقد حدَّه) أي جعله محدوداً، إذ الإشارة تستلزم التوجه إلى ناحية خاصة، وذلك يلزم أن تكون تلك الناحية محيطة بذلك المشار إليه (ومن حَدَّهُ) تعالى (فقد عَدَّهُ) أي أدخله تحت التعداد، إذ يكون المشار إليه حينئذ واحداً، والجانب الأخر ثانٍ، والجانب الأخر ثالث، وهكذا، والله منزّه عن أن يدخل تحت العد، إذ هو الواحد الذي لا ثاني له (ومن قال) عن الله (فيم) أصله [في ما] وإذا دخلت حروف الجر على [ما] الاستفهامية حذف ألفها نحو [فيم] و[لم] و[عم] ونحوها .. يعني من سئل

فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ [علامَ؟] فَقَدْ أَخْلى مِنْهُ. كَائِنْ لا عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لأَعَنْ عَدَم. مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةِ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزايَلَةٍ، فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالأَلَةِ،

.......................................

قائلاً [فيم الله؟] (فقد ضمّنه) أي جعله في ضمن شيء آخر إذ [في] للظرفية، والمظروف دائماً محاط بالظرف محدود، والله ليس محدوداً .

(ومن قال) عن الله : (علام؟) أي سئل [الله على أي شيء؟] (فقد أخلى منه) أي كان لازم سؤاله أن بعض الجهات خالية عنه تعالى، إذ الشيء الكائن على شيء آخر يكون الأسفل منه خالياً عنه كما أنك إذا قلت زيد على الأرض كان لازم ذلك خلوّ باطن الأرض من زيد (كائن) أي أن الله سبحانه موجود (لا عن حدث) أي مبتدأ عن حدوث بأن لم يكن ثم كان، كما هو شأن سائر الكائنات، و[عن] للمجاوزة (موجود) أي أنه سبحانه موجود (لا عن عدم) فلم يكن سابقاً معدوماً ثم وُجِدَ وكان الفرق بين الفقرتين أن الأولى باعتبار الذات - وأنها ليست حادثة - والثانية باعتبار السابق، وأنها لم يسبق عليها العدم، وإن كانتا متلازمتين في النتيجة .

والله سبحانه (مع كل شيء لا بمقارنة) أي أن [المعية] ليست بمعنى اقتران الله بالأشياء، كما هو كذلك في الأمور الجسمانية فإذا قلت زيد مع محمد، كان معناه اقترانها، بل اقترانه تعالى بالأشياء بمعنى أنه عالم بها قادر عليها (وغير كل شيء لا بمزايلة) أي أنه تعالى مغاير للأشياء لكن ليست المغايرة بمعنى أنه تعالى زائل عنها غير مرتبط بها كما لو قلنا أن زيداً غير محمدٍ، حيث يراد به أنهما جنسان متغايران، بل المغايرة هنا بمعنى أن له ذاتاً وصفاتاً، لا تشابه سائر المخلوقات، وهو سبحانه (فاعل) للأشياء ومكوّن لها (لا بمعنى الحركات والآلة) يعني أنه لا يتحرك إذا أراد أن يفعل شيئاً، كما هو

بَصِيرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحّدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَلَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ. أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءَ ، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءَ،

.......................................

كذلك بالنسبة إلينا فإذا أردنا أن نفعل شيئاً تحركنا حتى نفعله، وهكذا الله تعالى يوجد الأشياء ابتداء بدون احتياج إلى آلةٍ توصّله إلى ذلك الشيء بخلاف البشر الذي يصنع الأشياء بالآلات، فينشر الخشب ويثبت الوتد، بالمنشار والمدق وما أشبه ذلك .

وأنه تعالى (بصير) أي عارف بالأشياء (إذ) أي في، زمان (لا منظور إليه من خلقه) أي كان سبحانه متصفاً بأنه [بصير] في وقت لم يكن مخلوق موجوداً، والمراد بالبصير العارف بالأشياء، وهذا بخلاف الإنسان الذي لا یبصر إلّا ما هو مخلوق موجود، ثم لا يخفى أنه سبحانه لا حاسة له كحواسنا تبصر الأشياء، أمّا أنه هل يراها بذاته، ويسمع بذاته؟، أم المراد بالسمع والبصر العلم؟ احتمالان، والمرجّح لدّي - حسب المستفاد المستفاد من الظواهر - الثاني، ولا ينافي ذلك عدم معرفتنا بالمزايا والكيفيات، كما لا نعرف سائر صفاته بکنهها، وهو سبحانه (متوحّد) أي واحد ولكن ليست وحدته كوحدتنا، فإنّ الوحدة فينا معناها أن هناك غيرنا ممن إذا ابتعد عنا نستوحش، وإذا اقترب إلينا نأنس، وليس كذلك سبحانه اذ لا جنس له حتى يأنس بقربه ويستوحش لبعده، كما لا قرب ولا بعد للأشياء بالنسبة إليه وإلى هذا أشار علیه السلام بقوله : (إذ لا سكن يستأنس به) والاستئناس ضد الوحشة التي تطرأ على الإنسان حال الانفراد (ولا يستوحش لفقده) بالابتعاد عنه أو فنائه وهلاكه، و[إذ] للعلة، بخلاف [إذ] في الجملة السابقة، فإنَّها بمعنى الزمان .

(أنشأ) سبحانه (الخلق إنشاءً) والإنشاء غالباً يستعمل في الإبداع، وهو الإيجاد بدون احتذاء مثال واتباع الغير (وابتدأه) أي الخلق (ابتداء) فكان

بِلا رَوِيَّةٍ أَجَالَها، وَلا تَجْرِبَةِ اسْتَفَادَهَا، وَلاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا، وَلاَ هَمَامَةِ نَفْسِ اضْطَرَبَ فِيهَا. أَحَالَ الأشْيَاء لأوْقَاتِها، وَلَأَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا، وَغَرَّزَ غَرَائِزَهَا، وَأَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا،

.......................................

هو الأول في الخلق لا سابق عليه، والابتداء أعم - مفهوماً - من الإنشاء (بلا رويَّةٍ) هي بمعنى الفكر ((أجالها) أي أدارها وردّدها، فإنَّ الإنسان إذا أراد أن يعمل شيئاً قلب وجوه الرأي في ذهنه حتى يستقر على كيفية خاصة، والله سبحانه إنما يخلق بلا فكر وترديد (ولا تجربة استفادها) من غيره بأن كان غيره صنع شيئاً ثم جعل ذلك الغير قدوة له يستفيد من أعماله الكيفية والمزايا . (ولا همامة نفس) الهمامة بمعنى الاهتمام، أي بدون اهتمام حدث في نفسه سبحانه (اضطرب فيها) بأن اهتم في الأمر مضطرباً كما هو الشأن من يريد أن يفعل شيئاً عظيماً، إذ يهتم ويضطرب فكره (أحال الأشياء لأوقاتها) أي أنه تعالى أحال كل شيء مما يحدث في الكون لوقته؛ فمثلاً أحال الفواكه الفصل الصيف، والأمطار لفصل الشتاء وهكذا، والحاصل أنه تعالى جعل لكل شيء وقتا خاصاً به، يظهر في ذلك الوقت حسب حكمته البالغة .

(ولأم بين مختلفاتها) أي جعل الالتئام والوفاق والائتلاف بين الأشياء المختلفة كما قرن النفس اللطيفة بالجسم الكثيف، وقرن الطبائع الأربع بعضها مع بعض في المواليد الثلاثة : فالماء والنار مقترنان والهواء والأرض ملتأمتان (وغرّز غرائزها) جمع غريزة وهي الطبيعة، أي جعل لكل شيء طبيعة خاصة وهذا كقولهم سوّد السواد، وبيّض البياض، أي جعل ذلك الجنس أسود، وهذا الجنس أبيض .. فنرى لكل شيء طبيعة خاصة، هذا بارد، وذاك حار، وهكذا (وألزمها أشباحها) جمع شبح، وهو الشخص أي ألزم سبحانه الغرائز

عَالِماً بهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحِيطاً بِحُدُودِها وَانْتِهَائِهَا، عارفاً بقرآئِنِها وَأَحْنَائِهَا. ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الأَجْوَاءِ

.......................................

أشخاصها، أي جعل تلك الغرائز في مواد خاصة، حتى تعرف كل مادة بغريزتها فلا تتبدل الغرائز عن الأشباح ولا الأشباح عن الغرائز، كأن تكون الطبعية الباردة مرة في النار ومرة في الماء، أو يكون الماء مرةً بارداً ومرةً حاراً بالطبيعة، وهذا الإلزام هو الذي كوّن القوانين العامة في الكون وإلا لم يستقر حجر على حجر.

وكان سبحانه (عالماً بها) أي بالأشياء (قبل ابتدائها) وخلقها فكان تعالى يعرف مزايا الأشياء التي يريد خلقها بلا زيادة أو نقيصة (محيطاً) إحاطة علم (بحدودها) أجناسها وفصولها وسائر الأمور المرتبطة بها (وانتهائها) أي يعلم وقت ما ينتهي كل شيء ويتحول من الوجود إلى العدم لانقضاء أمده (عارفاً بقرائِنِها) جمع قرینة وهي ما يقترن بالشيء (وأحنائها) جمع حنو بالكسر - بمعنى الجانب، فمثلاً كان سبحانه يعلم [السُّكر] قبل خلقه محيطاً بأنه جسم أبيض حلو، وأنه إلى أي حين يبقى [حلوا] ثمّ تذهب حلاوته لتمادي الزمان عليه - مثلاً - عارفاً بأنه يقترن بالخل أو بما أشبهه، وسائر جوانبه مثل أنه لو اقترن بالخل ماذا كان يصير لونه، وماذا تكون خواصه، وكيف يكون طعمه...؟

(ثم) بعد العلم والعرفان بالأشياء (أنشأ سبحانه فتق الأجواء) جمع جو وهو الفضاء بين السماء والأرض، واعتبار كل طرف من أطرافه، أوجب جمعه على الأجواء ومعنى فتق الأجوء شقها، أن صار محلاً لشيء بعد أن كان فضاءً بحتاً، والضاهر أن الفضاء أيضاً مخلوق، وإن كان خالياً من كل شيء، وعدم تصور الإنسان لحالة قبل الفضاء لا يوجب القول بعدم خلقها، وحاصل

وَشَقَّ الأَرْجَاءِ، وَسَكَائِكَ الْهَوَاءِ، فَأجْرَى فِيهَا مَاءَ مُتَلاطِمَا تَيَّارُهُ، مُتَرَاكِماً زَخَارُهُ. حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ العَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ القَاصِفَةِ، فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ،

.......................................

هذا الفصل، أنه تعالى خلق ماءً في الفضاء وخلق ريحاً، وموّجت الريح الماء، ومن ذلك خلق السماوات والأرض،

(وشق الأرجاء) جمع [رجاء] على وزن [عصى] بمعنى الجانب، أي شق أطراف الفضاء، بجعل الماء فيها، فإنَّ الماء يشق الفضاء الممتد في كل جانب (وسكائك الهواء) جمع [سكاكة] على وزن [تلاقة] بمعنى الهواء الملاقي أعالي الفضاء، وهذا كناية عن أن الفتق كان ذا ارتفاع كما كان ذا طول وعرض وتوسع يشمل الأجواء والأرجاء (فأجرى) تعالى (فيها) أي فى تلك الأجواء والأرجاء والسكائك (ماء متلاطماً تياره) التیّار : الموج الذي يأتي، يعني أن أمواجه كانت متلاطمة يلطم بعضها بعضاً، ويصطدم بعضها بالأخر، لشدة هيجانها وحركتها (متراكماً زخَارُهُ) التراكم هو كون الشيء بعضه فوق بعض مع زيادة وكثرة، والزخار مبالغة في الزاخر، وهو الممتد المرتفع أي أن الماء كان بعضه فوق بعض في ارتفاعٍ وعلوٍ، بخلاف مياه البحار المسطحة - حسب ما يرى -.

ثم خلق سبحانه قسمين من الريح قسماً تحت الماء تحمله وقسماً فوق الماء تعصفه وتموّجه (حمله) أي الماء (على متن الريح العاصفة) وهي الشديدة الهبوب (و) على متن (الزَّعزع) هي الريح سميت به، لأنها تزعزع أي تحرك الأشياء الثابتة (القاصفة) من قصف بمعنى حطّم، أي الريح الشديدة التي من شأنها أن تحطم (فأمرها) أي أمر الله سبحانه الريح (بردّه) أي ردّ الماء عن الهبوط، فإنَّ الماء لثقله يهبط لكن الريح جعلت له كالسناد الذي

وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدّهِ، وَقَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِها فَتِيقُ، وَالْمَاء مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ. ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا، وَأَعْصَفَ مَجْراها،

.......................................

كلما ثقل نحو الأسفل حفظته وردته عن الهبوط (وسلطها) أي سلّط الله الريح (على شدّه) أي شد الماء كأنّها وثاق للماء تشد بعضه مع بعض حتى يبقى مجتمعاً لا يفترق (وقَرنَها) أي قرن الله الريح (إلى حدّه) أي حدّ الماء فكان السطح الأعلى للريح مماساً للسطح الأسفل للماء.

(الهواء من تحتها فتيق) يعني أن الهواء من تحت الريح مفتوق مشقوق فإن الريح الحاملة للماء كانت قد فتقت الهواء حتى أخذت مكانها.

(والماء من فوقها دفيق) يعني أن الماء من فوق الريح يتدفق ويتحرك بشدة، فالريح متوسطة بين الهواء والماء، والمراد بالهواء إما الفضاء أو الجسم اللطيف الذي يتنفس به وهو غير الريح (ثم) الظاهر أنه لترتيب الكلام لا لترتيب المطلب، إذ قد سبق اضطراب الماء، وتموجه أي دفقه (أنشأ) أي خلق (سبحانه) مفعول مطلق لفعل محذوف أي أنزهه تنزيها، وأُسبّحه تسبيحاً (ريحاً اعتقم مهبّها) المهب مصدر ميمي بمعنى الهبوب والجري واعتقم بمعنى كانت عقيمة لا تلد، فإنَّ من الرياح ما لا تلقح سحاباً ولا شجراً، ومنها ما تلقح، وتلك الريح كانت عقيمة لأنها لم تكن تلقح بل تحرك الماء فقط.

(وأدام مُرَبَّهَا) المرب مصدر ميمي من أربّ بالمكان، مثل البرية - باب أفعال من المضاعف - بمعنى لازمة أي أدام الله الزام تلك الريح لمكانها فلم تكن تسير من هناك، كما عادة الرياح، بل كانت في محل واحد لتحريك الماء وتُموّجه (وأعصف) الله سبحانه (مجراها) أي جري الريح - مصدر ميمي - بمعنى إجرائها، والمعنى جعل جري تلك الريح شديداً، فإنَّ العصف بمعنى

وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا ، فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ المَاءِ الزَّخَارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ الْبِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ. تَرُدُّ أَوْلَهُ إلى آخِرِهِ، وَسَاجِيَهُ إِلَى مَائِرِهِ، حَتَّى عَبْ عُبَابُهُ

.......................................

شِدّة الهبوب (وأبعد منشاها) أي جعل محل إنشاء تلك الريح بعيداً، ولعلها كانت تأتي من مكان بعيد حتى تصل إلى سطح الماء (فأمرها) أي أمر الله سبحانه تلك الريح - ولعل المراد : الأمر تكوينياً، لا تشريعياً - (بتصفيق الماء الزّخّار) التصفيق هو التحريك والتقليب، والزّخّار هو الممتد المرتفع، أي بتحريك الماء المذكور سابقاً - ذي الارتفاع والكثرة -.

(وإثارة موج البحار) أي أمر الله تلك الريح بأن تثير وتهيّج أمواج تلك المياه وسماها بحاراً، باعتبار قطعها المختلفة.

(فمخضته مخض السِّقَاءِ) المخض هو التحريك بشدة، كما يمخض السِّقاء لاستخراج الزبد من اللبن، والسِّقاء هو الجلد الذي يصنع منه وعاءً للماء واللبن والدهن وما أشبه. أي حرّكت الريح تلك المياه تحريكاً عنيفاً كتحريك السِّقاء (وعَصَفَت) تلك الريح (به) أي بالماء (عَصفَها) أي مثل عصفها وشدة هبوبها ( بالفضاء) بمعنى أن الريح جعلت تشتد بالماء جيئةً وذهاباً، كما تجري في الفضاء بشدة وقوة بدون مانع ودافع، فقوله عصفها مفعول مطلق نوعي، نحو جلست جلسة الأمير (ترد) الريح (أوَّله إلى آخره) أي أول الماء إلى آخره في تمويجه له وتحريكه إياه (و) ترد تلك الريح (ساجيه) من سجا بمعنى سكن (إلى مائره) من [مار] بمعنى تحرك، أي كلما سكن بعض الماء ردته إلى المتحرك حتى صار الماء دائم التحرك.

(حتى عبّ عبابه) [عبّ] بمعنى ارتفع أي ارتفع الماء ارتفاعه المقصود، فإنَّ التحريك يوجب تدخيل أجزاء الهواء في الماء حتى يرتفع الماء للفرج

وَرَمَى بالزَّبَدِ رُكَامُهُ، فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقِ، وَجَوَ مُنْفَهِقٍ، فَسَوَى مِنْهُ سَبْعَ سَموَاتٍ، جَعَلَ سُفْلاهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً،

.......................................

الحاصلة فيه من الهواء (ورمى) الماء (بالزَّبد) وهو ما يعلو البحر واللبن لدى شدة هياجها من الماء الذي فيه الهواء، أو الدهن المخلوط باللبن (ركامه) أي ارتفاعه، وهو مفعول به لـ [رمي] أي رمى الماء أعلاه بالزبد، بأن تجمع الزبد فی أعلى الماء (فرفعه) أي ذلك الزبد والمراد به بخار الماء، وإنما سمی زیداً لشبهه به في أنه يرتفع من الشيء بسبب الحركة والحرارة، وهذا لا ينافي ما ورد في القرآن الكريم من أن السماوات خلقت أن السماوات خلقت من الدخان، إذ المراد بالدخان ذلك أيضاً، لشبهه به في المنظر، واختلاط ذراته المرتفعه بالهواء، وقد دلت الأدلة على أنه لم تكن هناك نار ورماد ليتكون الدخان .

(في هواء) المراد به جهة العلو (منفتق) قد انشقت تلك السماء بسبب هذا الدخان، فهو مجاز بالمشارفة من قبيل (من قتل قتيلاً] إذ الانفتاق كان بسبب الدخان، و وهو لا يقال أنه لم يكن هناك شيء حتى ينشق! إذ الفضاء له وحدة متصلة فإذا دخله شيء فقد انشق.

(وَجَوْ) أي رفعه في فضاء (منفهق) أي المفتوح الواسع (فسوّى) أي صنع الله سبحانه (منه) أي من ذلك الزبد (سبع سموات) وهذا لا ينافي ما ثبت في علم الفلك الحديث أنه ليس هناك إلّا الفضاء لأنه لا شك في أن المدارات للأجرام السيارة ممتلئة بالأجسام اللطيفة المسماة في الاصطلاح العلمي بـ [الغاز] بالإضافة إلى احتمال أن يكون المراد بالسماوات السبع المجرات والسدم مما ثبت في العلم الحديث (جعل) الله (سُفلاهنَّ) أي أسفل السماوات (موجاً مكفوفاً) أي الممنوع من السيلان، فإنَّ الغاز الموجود شبيه بالموج، أو سمي موجاً لتموجه، وهذا - والجملة الآتية بيان لقوله علیه السلام [سبع

وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكا مَرْفُوعاً ، بِغَيْر عَمَدٍ يَدْعَمُهَا، وَلا دِسَارِ يَنْظِمُها . ثُمَّ زَيْنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، وَضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرِى فيها سِرَاجاً مُسْتَطِيراً وَقَمَراً مُنِيراً : في فَلَكِ دَائِرِ،

.......................................

سموات] (وعُلياهنَّ) أي السماء العليا والسماء مؤنث مجازي ولذا جيء لها بالضمير المؤنث، وإن جاز فيها التذكير أيضاً - (سقفاً محفوظاً) أما بمعنى حافظاً، لأن السماء تحفظ العالم عن الفساد بما أودع فيها من قوى الجاذبية ونحوها، وفي علم الفلك الحديث قالوا: إن في أعالي الجوّ طبقة نتروجينية تحفظ الأرض من قذائف السماء، أو المراد محفوظاً من وصول الشياطين، ومن الفساد والاختلال.

(وسمكاً مرفوعاً بغير عمد يدعمها) أي ليس للسماء عماد يحفضها عن السقوط والانهيار (ولا دسار) مفرد الدسر، وهو الخيط والمسمار الذين بهما تشد السفينة كما قال سبحانه: «وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ» (1)(ينظمها) أي ينظم السماء ويربط بعض أجزئها ببعض (ثم زَيَّنها) أي زيَّن الله السماء (بزينة الكواكب) بيان [زينة] أي بزينة هي الكواكب، فإنَّ الكواكب تزين السماء وتجمّلها (و) بـ (ضياء الثواقب) جمع [ثاقبة] اسم للكوكب لأنه بنوره يثقب السماء حتى يصل إلى الأرض (وأجرى) الله سبحانه (فيها) أي في السماء (سِراجاً) أي مصباحاً والمراد به الشمس (مُستطيراً) أي منتشراً وذلك باعتبار انتشار ضيائه، والمراد بإجرائه جعله يجري (وقمراً منيراً) أي يعطي النور والضياء، وكل واحد من السراج والقمر (في فلك دائر) أي يدور، والمراد بالفلك المدار الذي يدور فيه الشمس والقمر، وكونه دائراً أما باعتبار ما حمل


1) سورة القمر : 13 .

وَسَقْفٍ سَائِرِ، وَرَقِيمِ مَائِرِ. ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمواتِ الْعُلا، فَمَلَاهُنَّ أَطواراً مِنْ مَلائِكَتِهِ.

مِنْهُمْ سُجُودٌ لا يَرْكَعُون، وَرُكُوعُ لَا يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُون

.......................................

فيه - بعلاقة الحال والمحل - أو باعتبار ما يستصحب هذين الجرمين من الهواء والغاز لدى الحركة (وسقفٍ سائر) فإنَّ السماء التي هي سقف - تشبيها بسقوف البيوت - تسير بأحد عد الاعتبارين الأولين (ورقيم) اسم من أسماء الفلك به، لانه مرقوم فيه بالكواكب، كاللوح الذي رَقم فيه الخط (مائِرٍ) أي متحرك كما قال سبحانه: «يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا»(1).

(ثم) بعد خلق السماوات (فتق) وشق سبحانه وتعالى (ما بين السماوات العلا) فإنَّ وحدة السماء - أي شيء كان - قد انشق بإيجاد الملائكة فيها (فملاهُنَّ أطواراً) أي أقساماً (من ملائكته) والملك هو الجسم الروحاني اللطيف المنزّه عن العصيان ويسمى ملكاً، باعتبار كونه رسولاً من قبله سبحانه في الأمور من [الألوكة) بمعنى الرسالة وقد ذكر علیه السلام أربعة أقسام من الملائكة، هنا فـ (منهم) أي من أولئك الملائكة (سجود) جمع ساجد (لا يركعون) فهم دائماً في السجود تعظيماً لله سبحانه (و) منهم (ركوع) جمع راكع (لا ينتصبون) أي لا يستقيمون إلى القيام، كما هو عادة الراكع (و) منهم (صافون) قد اصطفوا أمام عظمة الله سبحانه كما يصطف الجند أمام الملك تعظيماً


1) سورة الطور : 9

لاَ يَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لا يَسْأَمُونَ، لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ الْعُقُولِ، وَلا فَتْرَةُ الأَبْدَانِ، وَلاَ غَفْلَةُ النِّسْيَانِ. وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، وأَلْسِتَةٌ إِلَى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ،

.......................................

واحتراماً (لا يتزايلون) عن الاصطفاف، بل هم الاصطفاف، دائماً (و) منهم (مسبحون) يسبحون الله - أي ينزهونه عن النقائص - (لا يسأمون) أي لا يملّون من السأم بمعنى الملل.

(لا يغشاهم) أي لا يعرض على أولئك الملائكة المذكورين (نوم (العيون) أي النوم الذي يعرض على العين، وكأن الإضافة لأجل أن لا يتوهم متوهم أن المراد من النوم الفترة - كما يقال فلان نائم يراد بذلك غفلته وعدم ارتقابه للأمر - (ولا) يغشاهم (سهو العقول) بأن يسهو عن شيء كما يسهو الإنسان (ولا فترة الأبدان) بأن تضعف أبدانهم عن العبادة (ولا غفلة النسيان) بأن يغفلوا عن الشيء بسبب نسيانه فإنَّ الملائكة معصومون عن الخطأ والنسيان وما أشبه .. وقد كان ما سبق هو القسم الأول من أقسام الملائكة، ثم جاء السياق لبيان القسم الثاني بقوله علیه السلام (ومنهم) أي أن بعضاً من الملائكة (أمناء على وحيه) جمع أمين وهم الذين يأتون بالوحي إلى الأنبياء كجبرئیل علیه السلام (وألسِنَةٌ إلى رسله) جمع لسان، فهم مثل اللسان في التعبير للغير عن القلب، فإنَّ الملائكة تأتي بكلام الله إلى الرسل علیه السلام (ومختلفون) الاختلاف هو المراودة بالمجيء والذهاب (بقضائه وأمره) فيأتون بالقضاء الذي قضاه الله على الناس من موت وحياة وسعة رزق وضنك وما أشبه، وبأوامر الله سبحانه تكوينا أو تشريعاً، والمراد بهذه الجملة أما ما سبق، أو المراد بهم الملائكة الذين ينفّذ الله بهم أوامره وتقديراته في هذا العالم كعزرائيل علیه السلام الذي يختلف بإماتة الناس وهكذا.

وَمِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ، وَالسَّدَئَةُ لأَبْوَابِ جِنَانِهِ . وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الْأَرَضِينَ السفْلَى أَقْدَامُهُمْ ، وَالمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُم، وَالخَارِجَةُ مِنَ الأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ، وَالمُناسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ. ناكِسَةٌ دُونَهُ

.......................................

(ومنهم) أي ومن الملائكة - وهم القسم الثالث - (الحفظة) جمع حافظ مثل كتبة وطلبة جمع كاتب وطالب (لعباده) الذين يحفظونهم عن العطب والهلاك ففي الأحاديث [إن لله ملائكة يحفظون الناس عن أنواع الهلكات فإذا جاء القدر خلو بينه وبين ذلك الأمر المقدر]، أو المراد من الحفة الكاتيون الذين يحفظون أعمال العباد ويسجلونها عليهم كما قال سبحانه : «مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ» (1)(والسّدنة) جمع سادن وهو الخادم الحافظ للشيء الذي أنيط به (لأبواب جنانه) بيدهم مفاتيح الأبواب وهم الحافظون عليها.

(ومنهم) أي ومن الملائكة - هم القسم الرابع) - (الثَّابتةُ في الأرضين السفلى أقدامهم) أي الطبقات السفلة من الأرض (والمارِقةُ) أي الخارجة، من [مرق] بمعنى خرج (من السماء العليا) وهي السماء السابعة (أعناقهم) فهم بهذا الطول المدهش (والخارجة من الأقطار) جمع [قطر] وهو الناحية (أركانهم) جمع ركن بمعنى الجانب أي أنّ جوانب جسمهم خارجة من أقطار الأرض، فبعضها في هذا القطر وبعضها في ذلك القطر وهكذا.

(والمناسبة لقوائم العرش) جمع قائمة وهي رجل السرير، والعرش : هو سریر الملك، وأصله بمعنى الارتفاع، ولذا يقال للسقف عرش، وعريش، وقد خلق الله سبحانه كرسياً عظيماً جعله مورد ليما جعله مورد لطفه وعنايته. محمّلة


1) سورة ق : 18

أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفْعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ، وَأَسْتَارُ الْقُدْرَةِ. لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَصْوِيرِ،

.......................................

على أكتاف الملائكة لزيادة العظمة والجلال، كما قال سبحانه: «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ»(1).

(أكتافهم) فهم خلقوا بحيث إن أكتافهم مناسبة لقوائم العرش طولاً وعرضاً وصلابة، والظاهر من السياق أن هؤلاء الملائكة حقيقة، لا استعارة ولا منافاة بين وجودها وعدم رؤيتنا وإحساسنا، فإنَّ الملك جسم نوراني لا يرى بالعين المجردة، كالهواء - مثلاً - (ناكسة دونه) أي دون عظمة الله سبحانه (أبصارهم) أي أنهم خفضوا أبصارهم لجلاله سبحانه، أو أن الضمير يرجع إلى [العرش] والحال في المعنيين واحد (متلفّعون) من [تلفع] بمعنى التحف بالثوب (تحته) أي تحت العرش (بأجنحتهم) جمع جناح وكأن المراد أنهم قد التفوا بأجنحتهم وجعلوها أمام أعينهم خوفاً وإجلالاً.

(مضروبة بينهم) أي بين أولئك الملائكة (وبين مَن دونهم) من سائر الناس، الذين هم دونهم في الرتبة والعظمة (حجب العِزّة) فقد شبهت العزة التي أحاطت بأولئك الملائكة بأستار تمنع من مشاهدتهم، كما أن عزة السلطان - في الدنيا - توجب احتجابه عن الناس والحجب جمع حجاب (وأستار القدرة) أي أستار قدرة الله تعالى التي خلقهم بهذه الكيفية اللطيفة حتى لا يتمكن الإنسان من رؤيتهم أو عرفان مزاياهم وخصوصياتهم. وهؤلاء الملائكة مع قربهم المعنوي منه تعالى (لا يتوهمون ربَّهم) تعالى (بالتصوير) بأن يصوروا له صورة في أوهامهم وأذهانهم - كبعض جهلة الناس


1) سورة الحاقة : 17

وَلا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ، وَلا يَحُدُّونَهُ بالأماكن، وَلاَ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ.

صفة خلق آدم علیه السلام

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَحْهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْماءِ حَتَّى خَلَصَتْ،

.......................................

الذين ينقشون في أذهانهم لله سبحانه الصورة والشبح (ولا يُجرُون) هؤلاء الملائكة (عليه) تعالى (صفات المصنوعين) كأن يصفونه بالولد والزوجة والشريك وما أشبه ذلك من الجهل والعجز والطيش، مما يصفه الكفار بها تعالى (ولا يحُدُّونَه بالأماكن) بأن يقولوا إنه موجود في السماء، أو في الأرض، أو ما أشبه حتى يجعلوه محدوداً بالمكان المحيط به (ولا يشيرون إليه بالنظائر) بأن يقولوا إن الله نظير الإنسان أو شبيه النور، أو نحو ذلك، فإنَّ التمثيل والتنظير له بالممكنات يوجب الإشارة إليه، وقد سبق إن صحة الإشارة إلى شيء من لوازم إمكانه .

(ثم) لترتيب الكلام، أو لترتيب المطلب حيث إن خلق آدم كان بعد خلق السماوات والأرض (جمع) الله (سبحانه) مصدر لفعل محذوف، أي أسبحه سبحانه - بمعنى أنزّهه عن النقائص تنزيهاً (من حَزنِ الأرض) الحزن على وزن فلس: الغليظ الخشن (وسَهلِهَا) وهو ضد الحزن (وعَذبِهَا) هي الأرض التي لا ملح فيها (وسبخها) وهي الأرض المالحة (تربةً) أي تراباً، ولعل حكمة الجمع كانت لأجل تدخيل الطبائع المختلفة في الإنسان ليصلح للامتحان إذ لو كان من السهل العذب لما كان فيه استعداد العصيان، ولو كان بالعكس لما كان فيه استعداد الإطاعة (سَنَّها) أي خلطها (بالماء حتى خلصت)

وَلاَطَهَا بِالْبلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءِ وَوُصُولٍ، وَأَعْضَاءِ وَقُصُولِ : أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَها حتى صَلْصَلَتْ ، لوَقْتِ مَعْدُودٍ، وَأَمَدٍ مَعْلُومٍ،

.......................................

أي صارت طيناً خالصاً (ولاطها) أي خلطها وعجنها (بالبَلَةِ) أي الرطوبة (حتى لزبت) أي صلبت وتداخلت بعضها في بعض، والظاهر أن الفرق بين الجملتين أن الأولى لحالتها الطينية والثانية لحالتها الاستمساكية، ولذا قال في الأولى [بالماء] وفي الثانية [بالبَلَّة) فإنَّ الطين إذا عُجِنَ عجناً شديداً ومرّ عليه زمان صار لازباً صلباً يصلح للقالب والتمثيل .

(فجبَل) أي خلق (مِنها) أي من تلك التربة (صُورةً) المراد بها صورة آدم عليه السلام (ذاتَ أحناءٍ) جمع حنو بالكسر بمعنى ما فيه اعوجاج في البدن كالأضلاع وما أشبه (ووُصول) جمع كثرة للوصل، وجمع قلته أوصال، وهي المفاصل، سميت بذلك لأنها توصل الجسم بعضه ببعض (وأعضاءٍ) جمع عضو کاليد والرجل (وفصولٍ) لعل المراد بها الأحوال المختلفة كفصل الشباب وفصل الهرم، أو المراد ما هو أعم من العضو، فالرأس فصل، بينما العين في الرأس عضو وهكذا.

(أجمَدَها) أي جعل تلك التربة بعد كونها طيناً مرةً ولازبةً مرةً أُخرى، جامدة بأن يبست (حتى استمسكت) أي تماسك بعض أجزائها ببعض (وأصلدها) أي جعلها صلدةً، وهي الصلبة الملساء (حتى صلصلت) أي تسمع لها صلصلة إذا هبت عليها الرياح، كالفخار، وقد كان تصنيع هذا التمثال (لوقت معدود) وهو الوقت الذي ينفخ فيه الروح (وأمدِ معلوم) الأمد هو المدة من الزمان باعتبار الامتداد، والوقت هو المدة باعتبار كل جزء جزء ولذا قال في الأول [معدود] وفي الثاني [معلوم].

ثُمَّ نَفخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثْلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانِ يُجِيلُهَا ، وَفِكَرِ يَتَصَرْفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأَدَوَاتِ يُقَلِّبُهَا، وَمَعْرِفَةِ يَفْرُقُ بها بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِل وَالأَذْوَاقِ

.......................................

(ثم) بعد الصنع ومرور تلك المدة (نفخ) الله (فيها) أي في تلك التربة (من روحه) إضافة الروح إلى الله سبحانه للتشريف، نحو [بيت الله] و[ناقة الله] والمراد بالنفخ، الضغط على الروح حتى يدخل كالنفخ الذي هو ضغط على الهواء حتى يدخل في الشيء أو يهب على الشيء .

(فمثُلت) تلك التربة، من [مثل] على وزن [كرم] أي قام منتصباً (إنساناً) هو آدم علیه السلام.

(ذا أذهان) جمع [ذهن] وهو قوة التعقل (يجيلها) أي يحرك تلك القوى العقلية في الأمور لتحصيل وجه الرأي فيها ولعل وجه الإتيان بـ [الأذهان] جمعاً، باعتبار مختلف القوى الباطنة، من مدركة للمبصرات، والمسموعات والمعقولات، وهكذا ... (و) ذا (فِكر) جمع فكرة وهو الذي يجيل الذهن ويصرّفه من هنا إلى هناك - فالمراد بالأذهان: المتحرك، وبالفكر المحرك - يتصرف الإنسان (بها) أي بتلك الفكر في أموره .

(و) ذا (جوارح) جمع جارحة، وهي العضو، سمی بالجارحة، لأنها تجرح وتفعل (يختدمها) أي يجعلها في حوائجه، كالخادم الذي يستعمله الإنسان في حوائجه (وأدوات) جمع أداة وهي الآلة، ولعلها أعم من الجارحة فإنَّها تصدق على الإصبع والجارحة لا تصدق عليها إلّا بعناية (يقلبها) أي يحركها في حوائجه وأموره (و) ذا (معرفة) أي عرفان وقوة إدراك (يفرق) الإنسان (بها) أي بسبب تلك المعرفة (بين الحق والباطل) فيعرف الحق، ويعرف الباطل، وهذه القوة غير القوى السابقة (و) ذا (الأذواق) جمع ذوق

وَالمَشَامُ، وَالألْوَان وَالأَجْنَاسِ، مَعْجُوناً بطِينَةِ الألْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالأَشْبَاءِ المُوْتَلِفَةِ ،

.......................................

وأصلة ما يدرك باللسان ثم تستعمل في كل شيء يدركه الإنسان بالقوى اللامسة أو نحوها، كما قال سبحانه: «ذُقٌ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ» (1)وقال : «فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ»(2).

(و) ذا (المشام) جمع مشمّ والمراد به آلة الشمّ، ولعل الإتيان بالجمع باعتبار أفراد الإنسان - كما يظهر من قوله والألوان والأجناس - أو كان المراد المفرد فإنَّ الجنس والجمع ينوب أحدهما مكان الآخر باعتبارات بلاغية، فينسلخ من الجمع مناه ليستعمل في الفرد كقوله تعالى: «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ» (3)والمراد ابن أبيّ كما ينسلخ من الفرد قيد الوحدة ليستعمل في الجنس كقوله تعالى : «رَبَّنَا آیَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً» (4)والمراد جنس الحسنة لا حسنة واحدة.

(و) ذا (الألوان) جمع لون كالأحمر والأخضر (والأجناس) جمع جنس كالعربي والتركي والفارسي، أو جنس الحرارة والبرودة وهكذا - والأول اقرب -. في حال كون الإنسان (معجوناً بطينة الألوان المختلفة) يعني أن الإنسان قد عجن في أصل طينته بالألوان المختلفة والظاهر أن المراد باللون : القسم، فإنها يطلق بمعناه (والأشباه) جمع شبه، وهو ما يشبه بعضه البعض (المؤتلفة) التي ائتلف بعضها مع البعض.


1) سورة الدخان : 49.

2) سورة النحل : 112 .

3) سورة المنافقون : 7.

4) سورة البقرة : 201.

وَالأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ، وَالأَخْلاطِ الْمُتَبَايَنَةِ، مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالْبِلَّة وَالْجُمُودِ، وَاسْتَأدى اللهُ سُبْحَانَهُ الْمَلائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتَهُ إِلَيْهِمْ،

.......................................

(والأضداد) جمع وهو المخالف للشيء (المتعادية) التي يعادي بعضها بعضاً تكوينا (والأخلاط) خلط ما يخلط أجزائه بعضها ببعض (المتباينة) أي المخالف بعضها بعضاً، ثم بَّين علیه السلام ما وصفه بتلك الأوصاف الأربعة بقوله (من الحرّ والبردِ والبلَّة) هی الرطوبة (والجمودِ) هو اليبس، فلكل من هذه الأجناس الأربعة لونُ خاص مخالف لِلَّونِ الآخر، وكل واحد شبيه بالآخر من جهة الائتلاف معه وكونه مخلوقاً لإصلاح الجسم وتمشية الحياة، وكل واحد ضد للآخر من بعض الجهات فالحر ضد البرد، والرطوبة ضد اليبوسة، وكل واحد مركب من أجزاء صغار وأخلاط تباين بعضها بعضاً، قالوا والإنسان مركب من الصفراء والسوداء والبلغم والدم، وكل واحد منها مركب من العناصر الأربعة الماء والهواء والنار والتراب.

(و) بعد ما كمل آدم علیه السلام، ونفخ فيه الروح (استادى الله) أي طلب الأداء وهو إعطاء ما بذمة الشخص (سبحانه) مفعول مطلق لفعل محذوف (الملائكة وديعته) الضمير عائد إلى الله (لديهم) فقد شبه ما كان بذمتهم من لزوم السجود لآدم - حسب أمر الله تعالى - بالوديعة المستودعة عند الشخص، وقد طلبها سبحانه لوصول وقت أدائها، حيث قال لهم :«فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ»(1).

(وعهد وصيَّتَهُ إليهم) أي ما عهده سبحانه إليهم حيث أوصاهم بالسجود


1) سورة الحجر: 29

في الإذعان بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُشُوع لِتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: «اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ» (1)اعْتَرَتْهُ الْحَمِيَّةُ وَغَلَبَتْ عليه الشَّقْوَةُ، وَتَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَهُونَ خَلْقِ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْماماً لِلْبَلِيَّةِ،

.......................................

لآدم فالسجدة وديعة والأمر بها وصية إليهم (في الإذعان) والانقياد (بالسّجود له) أي لآدم علیه السلام (والخشوع) أي الخضوع (التكرمته) أي لتكريم الله سبحانه له (فقال) الله (سبحانه) للملائكة (اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ) وكان الأمر شاملاً له وإن لم يكن من جنس الملائكة (اعترتْهُ الحَميَّةُ) أي عرضت عليه الأنفة والاستكبار (وغلبت عليه الشّقوة) ضد السعادة (وتعزّز) أي ظن نفسه عزيزاً (بـ) سبب (خلقة النار) أي لكونه مخلوقاً من النار، وأن آدم قد خلق من الطين، زاعماً أن النار أفضل من التراب (واستهون) أي رآه هيّناً خفيفاً (خلق الصلصال) أي خلقة الإنسان من الصلصال، وهو الطين الذي يَبُس فسمع له صليل وصوت وحينذاك طلب إبليس أن يكون مُنظَراً إلى يوم يبعثون.

(فأعطاه الله النَّظِرة) أي البقاء والانتظار إلى يوم الوقت المعلوم (استحقاقاً للسُّخطة) أي إنما قبل الله طلب الشيطان ليستحق بذلك الأمد السخط والغضب الشديد من الله بما يصدر منه من الكفر والمعاصي زيادة على عصيانه بترك السجود وهذا علة غائية، يعني أن الانتظار كان مؤديا إلى استكمال السخط نحو قوله: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا»(2)(واستتماما للبلية) البلية - والابتلاء - بمعنى الامتحان أي إنما أعطاه الله المهلة


1) سورة البقرة : 34

2) سورة القصص : 8.

وَإنجازاً لِلْعِدِةِ، فَقالَ: «إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم»(1)، ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيهَا عَيْشَهُ، وَآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ ،

.......................................

طلباً لتمام الامتحان فإنَّ البقاء يوجب ظهور ما في باطن الإنسان من السعادة أو الشقاء.

(وإنجازاً للعدة) أي أراد سبحانه بإبقاء الشيطان أن ينجز وعده، ولعله سبحانه كان وَعَدَ سابقاً إبقاء الشيطان، حتى يكون (إعطاءه النظرة) إنجازاً لذلك الوعد، أو أن [استحقاقاً وإستماماً] علة لإعطاء النظرة، و [إنجازاً] علة للإبقاء بعد [إعطاء النظرة].

(فقال) الله سبحانه لذلك (إنك) يا شيطان (من المُنْظَرْيْنَ) الذين أنظروا وأمهلوا أي أنت من جملتهم، ولعل غيره هم الملائكة ومن أشبههم (إلى يَوْم الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) أي إلى اليوم الذي عُيّن فيه وقت إهلاكك المعلوم لدية سبحانه - وهو يوم القيامة، أو يوم ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، كما في بعض الأحاديث -.

(ثم أسكن) الله (سبحانه) مصدر لفعل محذوف - كما تقدم - (آدم) علیه السلام وعدم ذكر [حواء] في هذه المجالات لعدم تعلق القصد بها، وإنما المقصود بيان أول الخلقة لينتهي إلى بعثة الأنبياء (داراً) هي الجنة (أرغد فيها عيشه) أي أوسعه بأن هيء له من جميع الملاذ، كما قال سبحانه: «وَكُلَاً مِنْهَا رَغَدًا» له(2)أي واسعاً (وآمَنَ فيها) أي في تلك الدار (محلته) أي محل حلوله فإنَّ الجنة


1) سورة ص : 80 و 81

2) سورة البقرة : 35.

وَحَذَرَهُ إِبْلِيسَ وَعَدَاوَتَهُ، فَاغْتَرَّه عَدُوُّهُ نَفَاسَةَ عِلِيهِ بِدِارِ الْمُقَامِ، وَمُرَافَقةِ الأَبْرَارِ، فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكْةِ، وَالْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ

.......................................

دار أمان لا خوف فيها من فقر أو مرض أو جهل أو عدو أو ما أشبه (وحذّره) أي خوَّف الله سبحانه آدم علیه السلام (من إبليس) أي من الشيطان (وعداوته) له (فاغترَّه عدَّوه) أي جعل الشيطان، آدم مغروراً، بما وسوس إليه وحلف له (نفاسةً عليه) النفاسة: الحسد أي حسداً من الشيطان على آدم علیه السلام (بدار المقام) فإنَّ النعمة لها حُسّادٌ، فحسد الشيطان أن يرى آدم في الجنة التي هي دار البقاء والإقامة الأبدية (و) بـ (مرافقة الأبرار) المرافقة هي البقاء مع الرفيق، وسمى الرفيق بذلك، لرفق كل منهما بصاحبه، والأبرار جمع بر وهو المحسن، فقد حسد الشيطان أن يرى آدم مرافقاً للملائكة .

(فـ) لَمّا غرّه الشيطان (باع) آدم علیه السلام (اليقين) الذي قاله الله سبحانه : بالمنع من أكل الشجرة (بشكُه) أي بالشك الذي ألقاه الشيطان إليه، فإنَّه سبحانه قال لآدم لا تأكل من هذه الشجرة حتى تبقى في الجنة، لكن الشيطان جاء وقال له إن أكلت من هذه الشجرة تكون ملكاً كسائر الملائكة أو تكون خالداً، فشك آدم علیه السلام في صدقه، لكن الشيطان حلف له : كما قال سبحانه : «وقاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ»(1)فأكل آدم منها اغتراراً بكلام إبليس (و) باع (العزيمة) أي العزم الأكيد الذي كان ينبغي له - في اتباع أمر الله تعالى - (بوهنه) أي بأن وهن آدم وضعف في إنفاذ أمر الله تعالى، والمعنى أنه باع ما كان ينبغي له من العزم في طاعة الله بالضعف في إنفاذ أمره.

(واستبدل) آدم علیه السلام (بالجذل) وهو الفرح الذي غمره بكونه في الجنة


1) سورة الأعراف: 21.

وَجَلاً، وَبِالاِغْتِرَارِ نَدَماً، ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ، وَلقَاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ،

.......................................

(وجلا) بالخوف من حلول العقاب، لأنه لمّا أكل من الشجرة خاف من العقوبة وسخط الله تعالى (وبالاغترار ندماً) أي استشعر الندم بسبب ذلک الاغترار فقد كان مغروراً فبدله بالندم، كأنه أعطى الغرور وأخذ الندم، كما أعطى الفرح وأخذ الوجل .

(ثم) بعد العصيان والندم (بسط الله سبحانه) ومعنى البسط : إجازة التوبة، كأنه سبحانه نشر رحمته وبسطها حتى تكون تحت متناول آدم علیه السلام (له) أي لآدم (في توبته) من [تاب] بمعنى رجع، كأن العاصي أبتعد عن قربه سبحانه ثم رجع إلى قربة، ثم أن الأنبياء معصومون عن العصيان، وإنما يعتريهم ترك الأولى وقد كان أولى بآدم علیه السلام أن لا يأكل من الشجرة، فإنَّ أمره سبحانه لآدم بعدم الأكل كان إرشادياً، كأمر الطبيب مريضه بأن لا يأكل الطعام الفلاني، بدليل قوله سبحانه: «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى » (1)فكان النهي عن الأكل، لبقائه في الجنة في محل راحة وكرامة، ومخالفة الأمر الإرشادي لا توجب عصياناً ولا عقاباً وإنما يصل إلى المخالف الجزاء الطبيعي كاكل الحامض وهو مزكوم يصيبه المرض.

(ولقاه كلمةَ رحمتِهِ) أي أعطاه ولقنه الكلمة التي إذا قالها آدم رحمه الله سبحانه، وفي الأحاديث، أن المراد بها أن يقسم على الله تعالى بحق الخمسة الطيبين محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين .


1) سورة طه : 118 و 119.

وَوَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ، وَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِيَّةِ وَتَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ. وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكَثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ الله إِلَيْهِمْ

.......................................

(ووعدَهَ المَرَدَّ) مصدر ميمي، أي الرَدَّ (إلى جنَّتِهِ) أي الجنة التي كان فيها وقد أخرج منها بسبب ذلك الأكل من الشجرة المنهي عنها (وأهبطه) أي أنزل الله سبحانه آدم (إلى دار البليَّة) أي الدار التي يبتلى فيها الإنسان والمراد بالدار، الدنيا، والابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان (و) إلى دار (تناسل الذُريَّة) التناسل التوالد، والذرية الأولاد والأحفاد، أي أن الدنيا دار يتناسل فيها الإنسان، ويعقب الذراري والأحفاد.

(واصطفى) أي اختار الله (سبحانه من ولده) جمع [ولد] أي أولاد آدم علیه السلام (أنبياء) مرسلين (أخذ) الله تعالى (على الوحي ميثاقهم) الميثاق هو العهد الأكيد من (وثق) كأن يوجب وثاق الإنسان وشده شداً محكماً، والمعنى أخذ عليهم الميثاق أن يبلغوا ما أوحى إليهم .

(وعلى تبليغ الرسالة) أي إبلاغ الناس رسالة الله سبحانه (أمانتهم) ومعنى [أخذ الأمانة] جعل الشيء أمانة عند الشخص فكأنه أعطى الرسالة واخذ الأمانة، فإنَّ بلغوا الرسالة رد إليهم الأمانة فهم ذووا أمانة، وإن لم يبلغوا الرسالة، لم يرد عليهم الأمانة ويبقون بلا أمانة - وهذا من بديع البلاغة-.

(لمَّا بدل أكثرُ خلقه) أي خلق الله (عَهدَ الله إليهم) فإنَّ الله سبحانه عهد إلى الناس أن يؤمنوا به، والعهد عبارة عما أودع فيهم من الفطرة الدالة على توحیده وسائر الأصول والمعارف - إجمالاً - وقوله: [لمّا] يراد بذلك أن بعض الأنبياء أتوا على أثر تبديل أكثر الخلق، لا كل الأنبياء، إذ أن الأنبياء

فَجَهلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بالتبليغ، وَيُثِيرُوا

.......................................

تسلسلوا من عهد آدم علیه السلام، فهذا بالنسبة إلى قوله : [واصطفى] من قبيل بدل البعض من الكل، ثم أن التبديل عبارة عن الإنكار وعدم الإذعان، في مكان الاعتراف والإذعان (فجهلوا حَقَّهُ) أي حق الله عليهم (واتخذوا (الأنداد) جمع [ند] وهو [الضد] و[المثل] والمراد هنا الآلهة الباطلة (معه) أي مع الله سبحانه (واجتالتهم) الاجتيال: الصرف، أي صرفت الناس (الشياطين عن معرفته) أي معرفة الله تعالى (واقتطعتهم) أي قطعتهم الشياطين (عن عبادته) تعالى، فلم يسمحوا لهم بالمعرفة والطاعة .

(فبعث) أي أرسل الله (فيهم) أي في الناس (رسله) جمع رسول (وواتر) أي أرسل وتراً بعد وتر، وواحداً بعد الآخر (إليهم أنبياءَه) النبي يقال له [رسول] باعتبار أنه يبلغ، ويقال له [النبي] باعتبار أنه يخبر من [النبأ] بمعنى الخبر (ليستأدوهم) أي يطلب الأنبياء من الناس أداء (ميثاق فطرته) أي العهد الأكيد المودوع في فطرتهم - والفطرة بمعنى الخلقة فإنَّ كل إنسان قد أودع في فطرته معرفته سبحانه حتى أنه مضطر إلى العرفان وإن أنكر باللسان وفي الأحاديث [أن الميثاق كان في عالم الذر] (ويذكروهُم) أي يذكر الأنبياء الناس (منسي نعمته) أي نعم الله المنسية فإنَّ الإنسان المغمور في النعمة ينساها لألفه بها، فيحتاج إلى المذكر حتى يشكر ويذكر.

(ويحتجوا) أي الأنبياء (عليهم) أي على الناس (بالتبليغ) بأن تتم الحجة عليهم حيث بلغوهم فمن لم يعمل كان مستحقاً للنكال والعقاب (ويثيروا) من

لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرِةِ : مِنْ سَقْفِ فَوْقَهُمْ مَرْفُوع، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعِ، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالِ تُفْنِيهِمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَأحْدَاثِ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخْلِ اللَّهُ

.......................................

[الإثارة] وهي إظهار المخفي، كما يثار التراب بالمحراث (لهم) أي الناس (دفائن العقول) أي كنوز العقول المخفية، فإنَّ في كل إنسان من الطاقات والقابليات قدراً كبيراً فلو ألفت وعلم وذكر ظهرت الطاقات مما توجب عمارة الدنيا وسعادة الآخرة، ولو أهمل ذهبت سدىّ لم ينتفع بها في دين ولا دنيا.

(ويروهم) أي يري الأنبياء الناس (آيات المقدرة) أي الأدلة الدالة على الصانع تعالى التي قدرت وخلقت (من سقف) بيان [الآيات] (فوقهم مرفوع) والمراد به السماء، كما قال سبحانه: «وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظَاً»(1). وكونه سقفاً باعتبار أنه في جانب العلو كالسقوف في المنازل (ومهاد) هو المهد، شبهت الأرض به لأنها محل استراحة الإنسان كما أن المهد محل استراحة الطفل (تحتهم موضوع) قد وضع وجعل، والمراد به الأرض.

(ومعايش) جمع معيشة، وهي ما يستعيش بها الإنسان (تحييهم) أي توجب حياتهم وبقائهم من المآكل والمشارب وما أشبه (وأجال) جمع [أجل] وهو الوقت المضروب لانتهاء مدة الإنسان في الحياة (تفنيهم) أي إذا وصلوا إليها فنوا وهلكوا - ونسبة الإفناء إلى الآجال مجاز كما لا يخفى (وأوصاب) جمع [وصب] وهو [التعب] (تهرمهم) أي تسبب هرمهم وشيخوختهم فإنَّ المتاعب تهرم الإنسان (وأحداث) جمع [حدث] وهو ما يحدث على الإنسان طول عمره (تتابع) أي تتوارد (عليهم). (ولم يخل الله) من الخلاء بمعنى


1) سورة الأنبياء : 32

سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيَّ مُرْسَلِ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةِ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ : رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ، وَ لا كَثْرَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ، مِنْ سَابِقِ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِر عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ : عَلَى ذَلِكَ

.......................................

الفراغ (سبحانه) مصدر لفعل محذوف أي أسبحه تسبيحاً (خلقه من نبيِّ مرسل) كان يهديهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم (أو كتاب منزلٍ) أنزله من السماء فبقي بين اظهر الناس حتى يرشدهم، وإن لم يكن نبي موجوداً بل قد ذهب النبي من بينهم بالموت أو نحوه (أو حجّةٍ لازمةٍ) قد لزمت الناس كالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء وخلفائهم، فيما لم يكن الكتاب أيضاً بأن حرف وبدل (أو محجَّةٍ قائمةٍ) المحجة هي الطريق الواضح، ومعنى قائمة القويمة المستقيمة المسلوكة، ولعل المراد بها التقاليد والعادات التي بقيت من عند الرسل مستمرة في الأمة .. ثم وصف علیه السلام الأنبياء بقوله : (رسل) أي هم رسل (لا تقصر بهم قِلَّةَ عَدَدِهِم) أي أن قلة عددهم لا توجب لهم أن يقصرّوا في تبليغ الرسالة خوفاً، كما هو الشأن في الناس حيث إنهم إذا رأوا خذلان الناصر وقلة العدد لم يقدموا للتبليغ والإرشاد (ولا كثرة المكذبين لهم) فإنَّهم مع كثرة من يكذّبهم لا تنهار أعصابهم ليتركوا واجبهم في الإرشاد والهداية.

(من سابق) بيان رسل أي رسول سابق (سمي له من بعده) بأن أوحى الله تعالى باسم الرسول الذي يأتي من بعده ليبشر به الناس كما بشر موسى وعيسى بالرسول صلی الله علیه و آله و سلّم (أو غابر) أي رسول لاحق (عرّفه مَنْ قبله) بأن جاء وهو معروف لدى الناس بسبب تعريف النبي السابق له. وحيث إن الديانات كلها واحدة من عند إله واحد كان الأنبياء يبشر السابق منهم باللاحق ويصدّق اللاحق منهم السابق (على ذلك) التبشير والتعريف للأنبياء بعضهم لبعض

نَسَلَتِ الْقُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ ، وَسَلَفَتِ الْآبَاءُ، وَخَلَفَتِ الأَبْنَاءُ، إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رِسُولِ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلّم الإِنْجَازِ عِدَتِهِ، وَ تمام نُبُوَّتِهِ ، مَأْخوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُ، مَشهُورَةٌ سِمَاتُهُ، كَرِيماً مِيلادُهُ. وَأَهْلُ الأَرْض يَوْمِئِذٍ مِلِلٌ مُتَفَرِّقَةٌ،

.......................................

نسلت) أي ولدت (القرون) جمع قرن وهو مدة من الزمان يقترن فيها أعمار الجيل بعضهم لبعض - كمائة سنة، أو ثلاثين سنة، أو نحو ذلك، حسب اختلاف الأنظار - وقد شبهت القرون بمن تتنسل وتتولد، باعتبار مجيء كل قرن عقب قرن سابق (ومضت الدهور) جمع دهر وهو القطعة من الزمان (وسلفت الآباء) فإنَّ كل أب يذهب ويموت قد كان معاصراً لنبي سابق مبشر بنبي لاحق (وخلفت الأبناء) فإنَّ الأولاد إنما يخلفون آبائهم وهم معاصرون لنبي سابق يبشر باللاحق، أو نبي لاحق قد عرف من قبل النبي السابق (إلى أن بعث الله سبحانه) مصدر سبح، أي أنزهه تنزيهاً (محمداً رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لإنجاز عدته) مصدر وعد أبدلت الواو بالتاء، فقد كان الله سبحانه وعد الأنبياء السابقين بإرسال الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم فأنجز بإرساله وعده سبحانه (وتمام نبوته) أي ولآن تتم النبوة المنسوبة إلى الله تعالى بمجيء خاتم الأنبياء، وآخر السفراء .. في حال كونه (مأخوذاً على النَّبيين ميثاقه) أي أخذ الله عهد النبيين بأن يبشروا أممهم بالرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، والميثاق هو العهد الأكيد، من وثق.

(مشهورةً سماتُهُ) جمع سمة بمعنى العلامة، من الوسم كعِدةٍ من الوعد، أي أن أوصاف الرسول كانت مشهورة لدى الأمم السابقة حيث عَرَّفها الأنبياء لهم . (كريماً ميلاده) بمعنى أن ولادته كانت نقية شريفة، من أصل طاهر، وآباء طيبين (و) الحال أن (أهل الأرض يومئذ) أي يوم بعثة الرسول (ملل متفرقة) جمع وهي الفرقة من الناس، أي فرق مختلفة العقائد والعادات

وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَوَائِفُ مُتَشَتْتَةٌ، بَيْنَ مُشَيَّهِ لِلهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدِ في اسْمِهِ أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكانِهِ مِنْ الْجَهَالَةِ، ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِقاءَهُ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيا،

.......................................

والتقاليد (وأهواء منتشرة) قد كان لكل جماعة هوىً واتجاه بلا حجة أو دليل، والتقدير [ذووا أهواء] أو مبالغة من قبيل [زيد عدل] (وطوائف متشتتة) جمع طائفة، و هی الجماعة من الناس، والتشتت هو التفرق، والإتيان بثلاث جمل في معنى واحد لتصوير حالة أهل الأرض وانقسامهم العجيب في الطوائف (بين مشبهِ لله بخلقه) أي جماعة قد شبّهت الله سبحانه بالمخلوقين، فزعموا أن له ولداً وصاحبة وزوجةً وهكذا .

(أو ملحدٍ في اسمه) من الحد بمعنى مال، أي مائل عن اسم الله سبحانه فجعله بصفات لا تليق به، أو بمعنى الذين يلحدون فينكرونه سبحانه، والمراد بـ [الاسم] المسمّى (أو مشير إلى غيره) بأن يشرك معه إلهاً آخر، فالناس بين من يصفه سبحانه بغير أوصافه، ومن ينكره، ومن يشرك معه غيره (فهداهم) الله (به) أي بالرسول صلی الله علیه و آله و سلّم (من الضلالة) وهي الانحراف عن جادة الهدى (وأنقذهم) أي خلصّهم الله سبحانه (بمكانه) أي مكان الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم ويطلق المكان على المكين بعلاقة الحال والمحل (من الجهالة) التي عمّتهم حول الله سبحانه وصفاته.

(ثم اختار الله سبحانه لمحمدٍ صلی الله علیه و آله و سلّم لقاءه) وهذا مجاز من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، والمراد به لقاء كرامته (ورضي له) أي للرسول صلی الله علیه و آله و سلّم (ما عنده) أي عنده تعالى، بأن أراد أن يمنحه الثواب والجنة ويخلصه من أتعاب الحياة (وأكرمه) تعالى (عن دار الدنيا) كأن الدنيا ليست دار كرامة ولذا أكرمه

وَرَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ الْبَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأَنْبِيَاءُ في أُمَمِها، إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً بغَيْر طريقٍ وَاضِحٍ، وَلا عَلَم قَائِمِ كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ : مُبَيِّناً حَلالَهُ وَحَرَامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ

.......................................

عن هذه الحياة المشوبة بالكدورات (وَرَغِبَ) الله سبحانه (به) أي بالرسول، بمعنى رفعه (عن مقام البلوى) أي الابتلاء الموجود في الدنيا، بأن أراد إبعاده عن المصائب والمتاعب (فقبضه) أي قبض الله الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم (إليه) أي منتهياً القبض إلى ثوابه وفضله في حال كونه صلی الله علیه و آله و سلّم (كريماً) ذا كرامة ورفعة وجاه صلی الله علیه و آله و سلّم جملة خبرية، يراد بها الإنشاء، أي اللهم صلّي عليه، ومعنى الصلاة العطف والرحمة.

و (خلف) الرسول (فيكم) أيها الناس (ما خلّفت الأنبياء في أممها) والمراد بـ [ما] الشيء الذي يرجع إليه للسعادة والاسترشاد (إذ لم يتركوهم) أي لم يترك الأنبياء أممهم (هَمَلاً) أي مُهملين بلا طريق وهداية (بغير طريق) إلى الحق (واضح) ظاهر يعرفه الكل (ولا علم قائم) أي بدون منار يستنير به الناس ليعرفوا الصحيح من الفاسد والهداية من الضلالة .

(كتاب ربِّكم فيكم) [كتاب] منصوب على أنه بدل من [ما] المنصوب بـ [خلف] أي خلف الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم فيكم كتاب الله تعالى، والمراد به القرآن، في حال كون ذلك الكتاب (مُبيناً) بصيغة الفاعل، أي قد بيّن (حلاله وحرامه) أي ما أحلّ الله وما حرمه تعالى (وفرائضه) أي واجباته (وفضائله) ما رغّب فيه .

ولعل ذلك إشارة إلى الأحكام الخمسة التكليفية فالحلال المباح و الحرام المحظور والفرائض الواجبات والفضائل المستحبات، وترك المكروهات. ومنهم من أدرج المكروه في الحلال و (ناسخه) وهو الحكم الذي نسخ غيره

وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ

.......................................

وبيّن انتهاء أمده (ومنسوخهُ) وهو الحكم الذي بيّن انتهاء أمده من نسخ الضوء الظل إذا أزاله وأبطله (ورُخَصَهُ) جمع رخصة كغرفة وغرف، وهو ما رخّص فيه (وعزائمه) جمع عزيمة وهي التي لا رخصة فيها (وخاصه) وهو ما يخص فرداً أو طائفة أو ما أشبه (وعامَّة) وهو ما يعم أفراداً (وعِبَرَه) جمع عبرة، وهي ما يعتبر به الإنسان من قصص الماضين وأحوالهم وما آل إليه أمرهم (وأمثاله ) جمع مثل وهو الشيء الذي يقرّب المطلب إلى الذهن بتطبيق الكلي على الفرد (ومُرسَلَه) هو المطلق (ومحدُودُه) هو المقيد، والفرق بينهما وبين العام والخاص أن العام يشمل الأفراد باللفظ نحو [العلماء]، والمرسل يشملها بالماهية نحو [العالم] وفي مقابلهما الخاص والمقيد نحو [العلماء العدول] و [العالم العادل] (ومحكمه) وهو الذي يعرف المراد منه لظهوره في معنى خاص (ومتشابِهَهُ) وهو الذي يتشابه المراد منه، بأن يتحمل اللفظ لمعنيين أو اكثر فلا يعرف أيهما يراد من اللفظ.

فالحلال، نحو: «كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَلًا طَيِباً»(1).

والحرام، نحو: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ»(2).

والفريضة، نحو : «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ»(3).

والفضيلة، نحو: «فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا * وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ


1) سورة البقرة : 168

2) سورة المائدة : 3.

3) سورة البقرة : 43.

.......................................

بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ»(1).

والناسخ، نحو: «أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ)»(2).

والمنسوخ، نحو: «إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً»(3).

والرخصة، نحو: «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ»(4).

والعزيمة، نحو: «وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»(5).

والخاص، نحو: «يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ»(6).

والعام، نحو: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ»(7).

والعبرة، نحو: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا»(8).

والمثل، نحو: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ»(9).

والمرسل، نحو: «فَكُّ رَقَبَةٍ»(10).

والمحدود، نحو: «فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»(11).


1) سورة النور : 33 سورة النساء: 32.

2) سورة المجادلة : 13

3) سورة المجالدة: 12

4) سورة المائدة : 3.

5) سورة الأنعام 121

6) سورة التحريم: 1.

7) سورة البقرة : 278

8) سورة إبراهيم : 28

9) سورة النور : 35

10) سورة البلد : 13

11) سورة المجادلة : 4.

مُفَسّراً مُجْمَلَهُ، وَمُبَيْنَا غَوَامِضَهُ. بَيْنَ مَأْخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ وَ مُوَسَّعٍ عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وَبَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الْكِتابِ فَرْضُهُ، ومَعْلُومٍ فِي السُّنَةِ

.......................................

والمحكم، نحو: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»(1).

والمتشابه، نحو: «المَص»(2).

(مُفسِّراً مجمله) أي في حال كون الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم قد فسر وأوضح ما أجمل فی الكتاب، مثلاً قال الكتاب : [أقيموا الصلاة] فبيّن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم المراد بالصلاة وأوقاتها وخصوصياتها (ومبيّناً غوامِضهُ) والغوامض هي الأمور التي يصعب على الإنسان فهمها، وإن لم يكن مجملاً في اللفظ، كبعض شؤون المبدع تعالى، جمع غامض وهو الخفي من الأمر، ثم أن ما ذكر في الكتاب وبينه الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم على أقسام.

فـ (بين مأخوذ ميثاق علمه) أي قد أخذ على العباد العهد، والميثاق بأن يعلِّموه كالأحكام وما شبهها (وموسَّعٍ على العباد في جهله) بأن لا يلزم علمه فمن شاء تعلّمه ومن شاء لم يتعلمه كالآداب غير الواجبة وكخصوصيات الآخرة، فإنَّ اللازم تعلم الفرائض والعلم للآخرة في الجملة.

(وبين مثبت في الكتاب) أي في ظاهر القرآن الحكيم (فرضه) كقوله سبحانه : «وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ»(3)«فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا» (4)مما ظاهره الوجوب لأنه بصيغة الأمر (ومعلومُ في السُّنة) المفسرة للكتاب،


1) سورة محمد : 19.

2) سورة الأعراف: 1.

3) سورة النور : 32.

4) سورة النور : 33

نَسْخُهُ، وَوَاجِبٍ في السُّنَّةِ أَخْذُهُ وَمُرَخْصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ،

.......................................

الواردة عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم (نسخه) فإنَّ الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم بيّن فضل النكاح والمكاتبة لا وجوبهما، وتسمية هذا نسخاً بالمجاز، وإنما ارتكبنا ذلك لوضوح أن السنة لا تنسخ الكتاب (وواجب في السنَّة أخذُه) بأن كان ظاهر السنَّةِ وجوب الأخذ به - لما ورد من الأمر به - الظاهر في الوجوب (ومرخّص في الكتاب تركه) بعكس القسم السابق كقوله سبحانه «فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا»(1)مما ظاهره جواز ترك السعي، ولكن السنَّةِ دلت على وجوب السعي - هذا حسب ما استظهرناه من كلامه علیه السلام - وللشارح [ابن میثم رحمة الله] قول آخر هذا نصه.

ثالثها: ما هو مثبت في الكتاب فرضه معلوم في السُنَّة نسخه وذلك كقوله تعالى «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) «وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا»(2)فكانت الثيب إذا زنت في بدء الإسلام تمسك في البيوت إلى الممات والبكر تؤذى بالكلام ونحوه بمقتضى هاتين الآيتين، ثم نسخ ذلك في حق الثيب بالرجم وفي حق البكر بالجلد والتعذيب بحكم السنة . . ورابعها ما ورابعها ما هو يعكس ذلك أي مثبت في السنة أخذه مأذون في الكتاب تركه وذلك كالتوجه إلى بيت المقدس - في الصلاة - في ابتداء الإسلام، فإنّه كان ثابتاً في السنة ثم نسخ بقوله تعالى «فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»(3).. أقول وفي كلا الأمرين مناقشة، وقد ذكرنا ما


1) سورة البقرة : 158.

2) سورة النساء : 15 - 16.

3) سورة البقرة : 144.

وَبَيْنَ وأَجِبٍ بِوَقْتِهِ، وَزَائِلِ فِي مُسْتَقْبَلِهِ، وَمُبَاينٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ، مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صغيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَاتَهُ، وَبَيْنَ مَقْبُولِ فِي أَدْنَاهُ، مُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ.

.......................................

يظهر من الآية السابقة في [تقريب القرآن] (1)مما لا نسخ معه.

(وبين واجبٍ بوقته) كالحج الذي يجب في أشهر الحج (وزائل في مستقبله) فإذا فاتت الأشهر زال الوجوب الفعلي حتى تأتي الأشهر من جديد، وهذا بخلاف الواجبات غير المقيدة كالنذور المطلقة والديون وما أشبه مما لا وقت لها (ومباين بين (محارمه) أي بين أحكام مباين بعضها مع بعض في الحرمة ومقدارها (من كبير أوَعَدَ عليه نيرانه) كقوله سبحانه «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا» (2)(أو صغير أرصد) أي هيأ (له غفرانه) أي مغفرته كالصغائر - وبها فسّر قوله تعالى «إِلَّا اللَّمَمَ» (3)- (وبين مقبول في أدناه) أي يقبل أدنى ذلك التكليف وأخفه (موسع في أقصاه) مع أنه سبحانه وسع للإنسان بأن يأخذ بأقصى التكليف وأثقله، كما يقبل في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، الذي هو أدنى وأخف كفارة على الإنسان، ويوسّع للإنسان في أن لا يأخذ بالأدنى بل يكسي العشرة، أو يعتق رقبة.. والمقصود من هذه الجمل ذكر أقسام الأحكام - في الجملة - بأنها مختلفة رتبت حسب المصالح، فلكل حكم لون خاص، ليكون الإنسان في سعة وتنوع وذلك أبعد من الضجر وأقرب إلى طبيعة الإنسان الميّالة نحو التلّون والتطوّر.


1) ج 2، ص 14، مؤسسة الوفاء

2) سورة النساء : 93

3) سورة النجم : 32

منها في ذكر الحج

وَفَرَضَ عَلَيْكُمُ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةَ لِلأَنَامِ يَرِدُونَهُ وُرُودَ الأَنْعَامِ، وَيَأْلَهُونَ إِلَيْهِ وُلُوه الْحَمام، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلامَةً لِتَوَاضِعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ ، وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ،

.......................................

(منها) أي بعض هذه الخطبة التي سبقت جمل منها (ذكر) علیه السلام (في) باب (الحج) فقد كانت الخطبة طويلة اسقط الشريف الرضي جملة منها.

(وفرض) الله (عليكم) أيها الناس (حجَّ بيته الحرام) أصل الحج: القصد، وسمّي الحج بذلك لأنه القصد إلى محل خصوص وإضافة البيت إليه سبحانه تشريفية لأنه مورد عنایته، ووصفه بالحرام باعتبار كونه ذا حرمة واحترام . . البيت (الذي جعله قبلة للأنام) يقابلونه في صلواتهم وذبحهم ويوجهون أمواتهم إليه إلى غير ذلك مما يجب أو يستحب فيه استقبال القبلة (يرِدُونَهُ) يقال ورد إذا وصل، ويستعمل غالباً في ورود الماء، والضمير عائد إلى البيت (ورود (الأنعام) أي كما ترد البهائم على الماء عطاشى، وهذا لبيان شدة شوق الناس إلى البيت (ويألهوُنَ) من [إله] بمعنى فزع أي يفزعون (إليه) أي إلى البيت ويلوذون به (ولوه الحمام) أي كما يفزع الحمام إلى محله عند الخوف، فإنَّ الحمام يظهر عليه أثر اللوذ بكثرة.

(جعله) أي البيت (سبحانه) مصدر لفعل محذوف (عَلامَةً) أي دليلاً (لتواضعهم) أي تواضع البشر وخشوعهم وخضوعهم (العظمته) تعالى فإنَّ المواقف والأعمال تدل على التواضع والخشوع (وإذعانهم) أي إنقيادهم (لعزّته) سبحانه إذ من لا ينقاد لا يذهب إلى الحج ولا يأتي بتلك المناسك، (واختار) الله سبحان (من خلقه سُمَّاعاً) جمع سامع كزرّاع جمع زّارع .

(أجابوا إليه) إنما عدّي بـ [إلى] لانتهاء الجواب إليه تعالى (دعوته) لهم

وَصَدَقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلائِكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بعَرْشِهِ. يُحرزُونَ الْأَرْبَاحَ في مَتجَرِ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ، جَعَلَهُ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى لِلإِسْلام عَلَماً، وَلِلعَائِذِينَ حَرَماً،

.......................................

إلى الحج (وصدّقوا كلمته) فقد وافق عملهم لما قاله سبحانه من وجوب الحج . والصدق هو مطابقة شيء لشيء، ومنه يسمى الخبر صدقاً لأنه يطابق الواقع.

(ووقفوا) في عرفات والمشعر ومنى والمطاف والسعى (مواقِف أنبيائِهِ) فإِنَّ الأنبياء قد حَجُوا ووقفوا في تلك المواقف (وتشبَّهوا) هؤلاء الحجاج عند طوافهم حول البيت (بملائكتِهِ) تعالى (المطيفين بعرشه) مِنْ طاف إذا دار، فإنَّ لله تعالى ملائكة يطوفون حول العرش خضوعاً وانقياداً.

(يحرزون) أي الحجاج (الأرباح) جمع ربح والمراد به الثواب (في متجر عبادته) المتجر محل التجارة ومواقف الحج في مكة وحواليها متجر يحصل الإنسان فيها على الثواب، لأنها متجر العبادة والطاعة لا المال والمادة (ويتبادرون) المبادرة: المسابقة، أي يسابق بعض الحجاج بعضاً (عند موعد مغفرته) أي عند المحل الذي وعد الله الغفران في ذلك المحل، والتبادر إنما هو بالأعمال الصالحة كما قال سبحانه «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ»(1)کانّ من يعمل أكثر يكون أكثر مسارعة لتحصيل المغفرة المثوبة (جعله) أي جعل الله (سبحانه وتعالى) البيت (للإسلام عَلَماً) كالأعلام التي تخفق فيأوي إليها الجيش، أو المراد بالعَلَم - الجبل - فهو كالجبل الأشم الذي يلوذ بكنفه الناس من الحر والبرد وسائر المخاوف .

(و) لـ (العائدين) جمع عائذ وهو المستجير (حرماً) أي محل أمن


1) سورة آل عمران : 133

فَرَضَ حَجَّهُ، وَأَوْجَبَ حَقَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وفَادَتَهُ فَقَالَ سُبْحانَهُ : «وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن الْعَالَمِينَ»(1).

.......................................

وسلامة حتى أن الولي للدم لا يتمكن أن ينال المجرم بسوء وهو عائذ بالحرم (فرض) أي أوجب الله سبحانه (حجَّهُ) أي حج البيت (وأوجَبَ) سبحانه على الناس (حقَّه) أي حق البيت بالحج والاحترام (وكتب عليكم وِفادَتهُ) الوفادة : الزيادة، ومعنى كتب : فرض أي ألزم على الناس زيارة البيت فقال سبحانه : «وَالله عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ» أي حق لله على الناس أن يحجوا بيته «مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» أي تمكن من السير إليه بالزاد والنفقة وما أشبه، و[من] بدل بعض عن كل فإنَّ الواجب إنما هو على المستطيع (ومن كفر) بأن لم يحج «فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن الْعَالَمِينَ» فإنَّه لا يضر الله، وإنما يضر نفسه ولا يخفى أن المراد بالكفر هنا وفيما أشبهه إنما هو الكفر العملي لا الكفر العقيدي .


1) سورة آل عمران: 97

ومِنْ خُطبَةِ لَهُ علیه السلام

بعد انصرافه من صفِّين

أَحْمَدُهُ اسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ، وَاسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ. وَأَسْتَعِيتُهُ فَاقَةً

.......................................

التوضيح :

(و من خطبة له علیه السلام)

أي جملة من خطبة خطبها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام (بعد انصرافه) ورجوعه نحو الكوفة (من صفين) وهو اسم مكان بين الفرات ودجلة أو توابع سورية قرب حلب وقد وقعت في هذا الموضع حرب بين الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وبين معاوية، ولها قصة طويلة في التاريخ .

(أحمده) الضمير عائد إلى الله تعالى (استتماماً لنعمته) أي طلباً لتمامها فإنَّ الشكر يوجب زيادة النعمة كما قال تعالى «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» (1)واستتماماً مفعول له (واستلاماً لعزّته) الاستسلام هو الانقياد، فإنَّ الحمد يدل على أن الحامد انقاد لعزته تعالى والعزة هى الرفعة والغلبة (واستعصاماً) أي طلباً للحفظ والعصمة (من معصيته) أي من عصيانه فإنَّ الحمد يوجب زيادة ألطافه تعالى بالنسبة إلى الحامد وإذا كثرت ألطافه تعالى بالنسبة إلى أحد ابتعد عن العصيان (وأستعينه) أي أطلب إعانته تعالى (فاقةً) أي لأجل الفاقة


1) سورة إبراهيم: 7 .

إِلى كِفايَتِهِ، إِنَّهُ لا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ. وَلا يَئِلُ مَن عَادَاهُ، وَلا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ، فَإِنَّهُ أَرْجَحُ ما وُرْنَ، وَأَفْضَلُ مَا حُزِنَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، شَهَادَةً مُمْتَحَنَا إِخْلاصُهَا، مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا، تَتَمَسَّكُ بها أَبَداً ما أَبْقانَا، وَنَدْخِرُهَا لأَهَاوِيل مَا يَلْقَانَا،

.......................................

والاحتياج (إلى كفايته) أي إلى أن يكفيني ما أحتاج به إليه تعالى (إنَّه) تعالى (لا يضلُّ مَنْ هداه) هذا من تتمة الثناء لا أنه علة لما تقدم ومعنى [من هداه] أنه تعالى إذا هدى أحداً فإنَّه لا يضله، وإن كان ربما ضل بسوء عمله . (ولا يئل) من [وئل] على وزن [وعد، يعد] بمعنى [خلص] (من عاداه) تعالى بمعنى أن عدوه المخالف لأوامره لا ينجو من العقاب (ولا يفتقر) أي لا يكون فقيراً (من كفاه) تعالى (فإنَّهُ) أي الحمد، وهذا تعليل لقوله [أحمده] (أرجحُ ما وزن) أي أرجح الطاعات في ميزان الحسَنات (وأفضل ما حُزِن) أي أحسن الأشياء التي يخزنها الإنسان ويدّخرها ليوم حاجته (وأشهدُ أن لا إله إلا الله) فالأصنام والأوثان وغيرها ليست آلهة، بل هو سبحانه الإله (وحده لا شريك له شهادةً) هذا حال من [أشهد] (ممتحناً إخلاصُها) أي أن كونها خالصة قد امتحنت فإنَّ أعمال الإنسان تدل على أنه هل يشهد بإخلاص، أم أن شهادته سطحية؟ فإذا دار الأمر بين الله وبين غيره يرجح الغير عليه سبحانه (معتقداً مصاصها) مصاص كل شيء خالصه ، أي أن خالص تلك الشهادة هو المعتقد لنا، فعقيدتنا هي الشهادة الخالصة عن شوائب الشرك.

(نتمسَّك بها) أي بهذه الشهادة (أبداً) أي دائماً (ما أبقانا) الله سبحانه في الدنيا (وندَّخرها) أي نجعلها ذخيرة (لأهاويل) جمع أهوال وهو جمع هول والمراد بذلك ما يخاف منه من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة (ما يلقانا) في المستقبل كأنّ كلمة الشهادة كنز ينفق الإنسان منه لدفع ما يخاف منه. كما

فَإِنَّها عَزيمَةُ الإِيمَانِ، وَفَاتِحَةُ الإِحْسَانِ، وَمَرْضَاةُ الرَّحْمَنِ وَمَدْحَرَةُ الشَّيْطَان. وَاَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالدِّين المشهور، وَالْعَلَمِ الْمَأْثُورِ، وَالْكِتَابِ الْمَسْطُورِ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ،

.......................................

يدفع الإنسان لدفع إبتلاءات السلاطين ومَنْ إليهم (فإنَّها) أي كلمة الشهادة (عزيمة الإيمان) أي الأمر الضروري بالنسبة إلى الإيمان حتى أنه لا إيمان بدون هذه الشهادة .

(وفاتحة (الإحسان) أي أن كل إحسان إنما يبدأ بالشهادة، فإنَّ من لم يشهد بهذه الشهادة لا يقبل عمله فهو كمن لا إحسان له «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» (1)«لَئِنَ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» (2)(ومرضاة الرحمن) أي موجبة لرضى الله سبحانه عن العبد، ومرضاة مصدر ميمي (ومَدْحَرة الشيطان) أي موجب لدحره، والدحر: الطرد والبعد، فإنَّ من شهد هذه الشهادة ابتعد الشيطان عنه ومدحرة مصدر ميمي أيضاً.

(واشهد أنَّ محمداً عبده) أي عبد الله تعالى (ورسوله) الذي أرسله إلى الناس (أرسله) الله تعالى (بالدِّين المشهور) المراد الدين الظاهر الذي لا خفاء فيه، ومنه يسمى المشهور مشهوراً لأنه ظاهر للناس لا خفاء فيه (والعَلَمِ) هو الذي يهتدي به، من العلامة، ومنه يسمى اللواء علماً (المأثور) من [أثر] بمعنى ورد، والمراد به هنا الإسلام الذي هو عَلَمٌ للضال يهتدي به إلى طريق الحق والسعادة (والكتاب المسطُورِ) والمراد به القرآن، الذي سطر وكتب، أما في اللوح المحفوظ أو في الصحائف لتلاوة الناس (والنُّورِ الساطع) أي


1) سورة المائدة : 27

2) سورة الزمر : 65.

وَالضَّيَاء اللامع، وَالأمْرِ الصّادِعِ، إِزَاحَةَ لِلشَّبُهَاتِ، وَاحْتِجَاجاً بِالبَيِّنَاتِ، وَتَخذِيراً بِالآيَاتِ، وَتَخْويفاً بِالْمَثُلاتِ، وَالنَّاسُ في فِتَنِ انْجَذَمَ فيها حَبْلُ الدِّينِ،

.......................................

المتعالي الظاهر، وهذا من باب التشبيه فكما يرى الإنسان بسبب النور الأشياء المحسوسة كذلك يرى بسبب نور الهداية طريق السعادة .

(والضّياء اللاَّمع) عطف بيان للجملة السابقة (والأمر الصادع) يقال صدع بالأمر إذا قام به، قال سبحانه «فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ» (1)ونسبه إلى الأمر مجازاً، فإنَّ الأمر مصدوع به، وإنما الصادع هو الإنسان القائم بالأمر (إزاحة للشُّبهات) أي إنّما أرسله الله سبحانه لأجل إزالة الشبهات، التي هي أسباب أن يشتبه الإنسان الحق بالباطل.

(واحتجاجاً بالبينات) جمع بينة وهي الحجة الواضحة أي لأجل أن يحتجّ الرسول على الكفار والعصاة بالأدلة الواضحة الدالّة على خطأهم وانحراف طريقهم .

(وتحذيراً بالآيات) أي لأجل أن يحذرهم ويخوفهم بما يبيِّن لهم من الآيات الدالة على علم الله وقدرته ونكاله للظالمين (وتخويفاً بالمثلات) المثلات بالفتح ثم الضم جمع مَثْله بضم الثاء، وهي العقوبات التي حلّت بالأمم السابقة التي صارت مثلاً للناس يذكرونها ويخافون منها، أي أنّ الرسول يخوِّف الناس بأنَّهم إن لم يؤمنوا عوقبوا كما عوقبت الأمم السابقة المنحرفة (و) قد بعث الرسول في حال كون (الناس في فتنٍ) جمع فتنة، و هی البليَّة (انجذم) أي انقطع (فيها) أي في تلك الفتن (حبل الدين) وإنّما يُقال للدِّين حبل لأنّه كالحبل الذي يتعلَّق به الإنسان الموجود في الهاوية، ليجرّه


1) سورة الحجر : 94

وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي الْيَقِينِ وَ اخْتَلَفَ النَّجْرُ، وَتَشَتَّتَ الأَمْرُ، وَضَاقَ الْمَخْرَجُ، وَعَمِيَ المَصْدَرُ، فَالْهُدَى خامِلٌ، وَالْعَمَى شَامِلٌ. عُصِيَ الرَّحْمَنُ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الإيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ،

.......................................

الذي فوق، إلى الأعلى، وهكذا مَن تعلق بالدّين رفعه بالدّين إلى الدرجات العالية والسعادة في الدنيا والآخرة. (وتزعزعت) أي تحرّكت وتزلزلت (سواري) جمع سارية وهي الدعامة والعمود (اليقين) فلا يقين للناس بالمبدأ والمعاد ( واختلف النجر) هو بمعنى: الأصل أي اختلفت الأصول التي اعتمد الناس عليها، فلا أصل مسلّم في العقيدة أو العادة أو النظام يستند الكل إليه، بل كلّ طائفةِ ذهبت نحو أصل ومعتقد اختارته لنفسها (وتشتّت الأمر) أي اختلف فكلُ يسلك سبيلاً ويسير سيراً مخالفاً لسير الآخر (وضاق المخرج) شبَّه الخروج عن الأهواء والتقاليد الفاسدة بمن يريد الخروج من شدّة، لكنَّ الباب ضيقٌ لا يتمكن من الخروج، وضيق المخرج كناية عن عدم وضوحه فلا يدري الإنسان كيف يخرج من المشاكل والمفاسد.

(وعمي المصدر) أي ضاع وخفي محل صدور الناس في تقاليدهم وعقائدهم، كالأعمى الذي لا يبصر ، فإنَّ الناس إنّما يأخذون عقائدهم وأعمالهم من الذي يعرف - فهو مصدرهم - فإذا لم يكن هناك عارف يؤخذ منه، فكأنّ المصدر الذي عليه أن یری فیه هدی، قد عمی فلا يبصر، فكيف يتمكن من إبصار غيره ؟ (فالهدى خامل) يقال خمل الأمر إذا خفي، أي أنَّ الهدى مخفيٌ ليس بظاهر حتى يؤخذ به (والعمى شامل) أي عدم معرفة الحق شامل للناس يُعْمهِم (عُصي الرحمن) أي عصاه الناس و (نُصر الشيطان) والمراد إطاعته في الكفر والعصيان فإنَّ ذلك نصر له على جنود الرحمن (وخُذِلَ الإيمان) أي ترك ولم يعمل به (فانهارت دعائمه) الانهيار: هو

وَتَنَكَّرتْ مَعَالِمُهُ وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ، وَعَفَتْ شُرُكُهُ . أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ، بِهِمْ سَارَتْ أعلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ، فِي فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئتْهُمْ بأَخْلافِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا،

.......................................

السقوط، أي سقطت دعامات الإيمان، والدعامة ما يستند إليها.

(وتنكّرت معالمه) التنكر تحول الشيء من حال معروف إلى حال منكرٍ، يقال تنكّر فلان إذا صار ينكر أصدقاءه ومعارفه، والمعالم جمع معلم وهو موضع العلامة التي يُهتدى بها للطريق، أي أن علائم الإيمان قد تنكرت فلم يعرفها الإنسان حتى يسير في هدايتها لئلا يضل (و درست) الاندراس الانطماس وذهاب الأثر (سبله) أي طرق الإيمان فلا تعرف الطرق لتسلك (وعفت شركه) جمع شركة بالفتحات وهي وسط الطريق، أي اندرست طرق الهدى، فإنَّ عفى بمعنى دَرَسَ.

(أطاعوا) أي الناس (الشيطان فسلكوا مسالكه) أي طرقه، جمع مسلک وهو الطريق المسلوك (ووردوا مناهله) جمع منهل وهو مورد الشرب في النهر، أي ورد الناس منهل الشيطان، عوض أن يردوا منهل الحق (بهم) أي بالناس (سارت أعلامه) أي أعلام الشيطان، جمع علم .

(وقام لواؤه) أي أنّ الناس هم السبب لغلبة الباطل على الحق (في فتنٍ) جمع فتنة وهي البليّة أي أنّهم ساروا في فتن (داستهم) تلك الفتن أي سحقتهم (بأخفافها) جمع خف ب وهو رجل البعير مما يمس الأرض الأرض، فكأنَّ

الفتنة سحقت الناس حتى ذلّوا و هشمت عظامهم (ووطئتهم بأظلافها) جمع ظلف بالكسر، وهو رجل البقر والشاة مما الأرض وهذا كناية عن أنّ الفتن سيطرت على الناس، من جرّاء انطماس الهدى، واتباع سبل الشيطان (وقامت) الفتن (على سنابكها) جمع سنبك كقنفذ وهو طرف

فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ، فِي خَيْر دَارِ، وَشَرِّ جِيرَانِ. نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَ كُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بأَرْضِ عَالَمُها مُلْجَمّ، وَجَاهِلُها مُكْرَمٌ .

.......................................

الحافر فكأنّ الفتنة بعير قامت وسيطرت، بعد ما كانت في أيام الهدى ساقطة مضمحلّة .

(فهم) أي الناس (فيها) أي في الفتن (تائهون) جمع تائه وهو الذي ضلّ الطريق فلا يعرف المسلك (حائرون) جمع حائر وهو المتحيِّر (جاهلون) للحق (مفتونون) قد فتنوا، والمفتون هو الذي استهوته الفتنة والضلال فتبعها (في خير دار) أي مكة (وشرّ جيران) وهم عبدة الأوثان والكفار الذين جاوروا مكة، أي أنّ أولئك الناس الموصوفون بتلك الأوصاف كانت دارهم أحسن دار وجيرانهم - أو جيرانها- شر جيران .

(نومهم سهودٌ) أي أنهم دائمون الخوف - كما هو من لوازم المجتمع المضطرب - حتى أنّهم لا ينامون وإنما (يسهدون) أي يسهرون من الخوف وكذلك كانت مكة قبل البعثة (وكحلهم دموعٌ) فأنّهم حيث كانوا دائمي المحاربة : يبكون على الدوام، حتى كأنّ الدمع كحلهم الملازم لعينهم وهم (بأرضٍ عالمها) أي العالم الذي فيها (ملجمٌ) قد الجم وسدّ لسانه بلجام فلا يتمكن أن يتكلم بالحق خوفاً (وجاهلها مكرمٌ) يكرمه الناس إتقاءً لشره وطيشه أو لأنّهم على شاكلته والناس إلى أمثالهم أشبه .

ومنها يعني آل النبی صلی الله علیه و آله و سلّم

مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأَ أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالَ دِينِهِ، بِهِمْ أَقامَ انْحناءَ ظَهْرِهِ، وَأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ .

.......................................

(ومنها) أي استطرد الإمام في الخطبة، حتى وصل إلى جملة منها (يعني) وهو علیه السلام يقصد بالأوصاف الآتية (آل النبي صلی الله علیه و آله و سلّم) والمراد بآله : علي وفاطمة وأولادهما الطاهرين.

(موضع سرّه) فإنّ الله سبحانه يضع أسراره فيهم، والمراد بالسر هو الأمر الذي لا يصلح إظهاره كالآجال والأرزاق وما أشبه (ولجأ أمره) اللّجاء: ما يلتجئ إليه الناس ويلوذون به، والمعنى أن الأوامر تأتي إليهم، فهم مركز الأوامر الصادرة من عنده سبحانه، كما أن الأشراف ملجأ الناس ومأواهم (وعيبة علمه) العيبة : الوعاء، يعني أنّ الله سبحانه يفيض إليهم بالعلوم فهم محل علمه تعالى (وموئل حكمه) أي مرجع حكم الله تعالى، من آل يؤول بمعنى رجع، والنسبة مجاز إذ المعنى أنهم موئل الناس لاستفادة حكم الله تعالى منهم (وكهوف كتبه) جمع كهف وهو المغارة في الجبل، والمراد بالكتب القرآن وكتب الأنبياء السابقين وإنما قال [كهوف] تشبيهاً بسعة صدورهم في اكتناز العلوم، وصلابة أنفسهم الحاوية لتلك العلوم كالجبال الراسية.

(وجبال دينه) فكما أن الجبل لا يتزلزل، كذلك لا يتزلزل آل محمد عليهم الصلاة والسلام في الأمور الدينية (بهم) أي بآل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم (أقام) الله سبحانه (انحناء ظهره) أي ظهر الدِّين، وانحنائه كناية عن ضعفه، فكما أنّ المنحني ضعيف واهن كذلك كان الدين قبل تقويم الرسول وآله له (وأذهب) الله (ارتعاد) هو تحرك البدن خوفاً (فرائصه) جمع فريصة وهي اللّحمة بين

ومنها يعني قوماً آخرين

زَرَعُوا الْفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الْغُرُورَ، وَحَصَدُوا التَّبُورَ، لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدُ، وَلا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً : هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمَادُ الْيَقِين .

.......................................

الجنب والكتف وبين الثدي والكتف، ترتعد عند الخوف والفزع، وهذا كناية عن أنّ الدِّين كان كالخائف، وبالرسول وآله صار كالآمن.

(ومنها) أي استطرد الإمام في الخطبة حتى وصل إلى هذه القطعة (يعني) أي يقصد الإمام علیه السلام ذبالأوصاف الآتية (قوماً آخرين) الذين هم ناوءوا آل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم.

(زرعوا الفجور) جعل علیه السلام القبائح التي ارتكبوها كزرع زرعوه، والفجور العصيان (وسقوه الغرور) فإنَّ الاغترار بالدنيا لما يرى الشخص فيها من المهلة بمنزلة السقي، الذي يوجب ريع الزرع وقوته (وحصدوا) أي قطعوا الثمر (الثبور) أي الهلاك، فإنَّ ثمرة الفجور الهلاك، ولعل المراد بهؤلاء مغتصبي الخلافة كمعاوية وأتباعه وأسياده (لا يقاس بال محمد صلی الله علیه و آله و سلّم من هذه الأمة أحد) فإنَّ أحداً من المسلمين لا يشبه آل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم في فضلهم ونبلهم وسائر مكارمهم، ولعل الإتيان بـ [من هذه الأمة] لأجل أنّه إذا لم يقس بهم أحد من الأمة، فعدم قياس غير الأمة بهم بطريق أولى .

(ولا يسوى بهم) التسوية: التعديل، أي لا يعادلهم (من جرت نعمتهم عليه أبداً) أي من أنعموا عليه، فإنَّ المتفضّل لا يعادل بمن تفضّل عليه فإنَّ اليد العليا خير من اليد السفلى، والمراد بنعمتهم فضلهم عليه بالعلم والإرشاد وما إليهما.

(هم) يعني آل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم (أساس الدّين) فكما أنّ البناء لا يقوم إلا بالأساس كذلك الدِّين لا يقوم إلا بهم (وعماد اليقين) فكما أنّ السقف لا يبقى

إِلَيْهِمْ يَفِيء الْغَالِي، وَبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالي. وَلَهُمْ خَصَائِصُ حقِّ الْوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوِرَاثَةُ ، الآنَ إِذْ رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَنُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ !

.......................................

في محله المرتفع إلّا بالعماد كذلك يقين الناس بالمبدأ والمعاد وما إليهما متوقف على آل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم (إليهم يفيء) أي يرجع (الغالي) الذي غلا في دينه، فهم الهادون الراشدون فمن تجاوز حد العقيدة الصحيحة إنّما يعرف العقيدة بسببهم (وبهم يُلحَقُ التالي) أي الذي قصّر في العقيدة، وتأخر في هذا المجال إنّما يصحّح عقيدته بهم.

مثلاً أنّهم يقولون بأنّ عيسى علیه السلام بشرٌ رسولٌ، فمن غلا واعتقد ألوهيّته لا بد له أن ير. يرجع إليهم في تصحيح معتقده ومن قصّر وقال أنّ عيسى ليسر رسولاً وإنّما هو إنسان عادي لا بد له أن يصل إليهم في معتقده حتى يكون قد خرج من التقصير، ولعل المراد بالغلو والتلو الأعم من العقيدة والعمل، فإنّ لكل شيء جانبين إفراط وتفريط .

(ولهم) أي لآل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم (خصائص حقّ الولاية) فإنّ الولاية العامة على الناس حق من الله وله خصائص وميّزات ككون الولي معصوماً وأشجع الناس وأحسنهم خلقاً وأفضلهم وهكذا، وهذا كله مجتمع في آل محمد صلی الله علیه و آله و سلّم.

(وفيهم الوصية) من الرسول حيث أوصى قائلاً إني تارك فيكم خليفتين ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا من بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي . (والوراثة) فإنَّهم الذين ورثوا الرسول في ماديّاته ومعنوياته، فإنّ المعنويات تورث بالنطفة والولادة، وباكتساب الأخلاق من طول المعاشرة (الآن - إذ - رجع الحق إلى أهله) حينما ذهب الخلفاء الثلاثة وصارت النوبة لعلي علیه السلام فقد نصّبه الرسول يوم غدير خم خليفة من بعده فالمراد بـ [الآن] عند ممات عثمان، و[إذ] زائدة والمراد بالحق الخلافة (ونقل) الحق (إلى منتقلة) أي المحل الذي انتقل منه .

وَمِنْ خُطبَةِ لَهُ علیه السلام

وَهِيَ المَعْرُوفَة بِالشَّقِشَقِيَّةِ

أَمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ، وَإِنَّهُ لِيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى.

.......................................

التوضيح :

(ومن خطبة) أي بعض خطبة أو [من] نشوية (له علیه السلام وهي المعروفة) لدى الناس (بالشقشقية) لقول الإمام علیه السلام في آخرها [تلك شقشقة هدرت] (أما) كلمة تنبيه (والله) حلف بالله لا على التقمّص بل على [وإنّه يعلم] وإنّما ذكر التقمّص مقدمة للقسم له (لقد تقمّصها) أي تقمّص الخلافة وقد شبّه الإمام الخلافة بالقميص الذي يلبسه الإنسان، لأنها تحيط بالإنسان إحاطة اللّباس بالبدن، ولأنّها جمالٌ وزينةٌ مثل اللّباس هو جمالٌ وزينةٌ (فلانٌ) وفي بعض النسخ [ابن أبي قحافة] مكان [فلان] والمؤدّى واحد بالاتفاق (وإنّه ليعلم) أي والحال أنّ أبا بكر يعلم بأنّي أحقُّ بها منه إذ (أن محلي منها) أي من الخلافة (محل القطب من الرحى) الرحى: ما يطحن فيه الحبوب وما أشبه، والقطب هو محور الرحى الذي يُدار عليه وبدون القطب لا يتمكّن الرحى من العمل والإنتاج يعني أن أبا بكر يعلم أني قطب رحى الخلافة، كما كان الإمام - بعد الرسول - قطب رحى الإسلام، كما قالت الصديقة الطاهرة علیها السلام في خطبتها [دارت بنا رحى الإسلام]. فإن الإسلام لم يقم إلا بسيف الإمام كما قال الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم وألمع إلى ذلك تصريحاً أو تلويحاً مرات عديدة فقد كان هو الفاتح في أغلب الحروب الصعبة كبدر وأحد وحنين وخيبر وغيرها، كما أن أبا بكر وعمر لمّا كانا يستشيران الإمام في أمور الفتح

يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّئِلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً. وَطَفِقْتُ أَزتئِي

.......................................

وما أشبه - كما ثبت ذلك في تاريخ الفريقين - كانا في أمن من تضعضع الإسلام وهز كيانه داخلياً أو خارجياً، ولما آلت النوبة إلى عثمان، واخذ يأخذ برأي عشيرته أمثال [مروان] دون الإمام اجتاح الإسلام ذلك الإعصار الهائل الذي يكوي المسلمين بناره إلى هذا اليوم.

(ينحدر عني السيل) هذا تشبيه آخر، حيث شبه الإمام نفسه بالجبل الأشم الذي تتجمع عليه الأمطار والثلوج ثم تنحدر عنه إلى العيون والأودية والبساتين فإنَّ العلم قد انحدر من الرسول إلى الإمام ومنه انحدر إلى غيره، وقد كان الخلفاء قبله يأخذون منه، حتى قال عمر في سبعين موضع [لولا علي لهلك عمر] .

(ولا يرقى إليّ الطير) أي لا يطير الطير طيراناً يصل إليّ لسمو مقامي، وقد يتوهم بعض الناس أن تزكية الإنسان نفسه مما لا ينبغي، لكن من المفروض على أولياء الله أن يدعوا الناس إلى أنفسهم لهدايتهم إلى الطريق، ولذا كان الرسل يدعون الناس إلى الاعتراف بهم - وهل هناك طريقة أخرى إلى تعريف أنفسهم؟، وهذا هو السبب في تعريف الرسول لأهل بيته (فسدلت) سدل الثوب إرخائه (دونها) أي دون الخلافة (ثوبا) وذلك كناية عن أني لبست ثوباً آخر غير ثوب الخلافة، لما رأيتها مغتصبة (وطويت عنها) أي عن الخلافة (كشحا) هي الخاصرة يعني أني أعرضت عن الخلافة، فإنَّ الإنسان المعرض عن الشيء يطوي ويلف خاصرته نحو اتجاه آخر لإفادة إعراضه وعدم الاكتراث بذلك الشيء .

(وطفقت) طفق بمعنى جعل وشرع (أرتئي) أي شرعت أجيل رأيي في

بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدِ جَدَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنْ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ! فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَانَا أَحْجَى، فَصَبْرتُ وَفِي الْعَيْنِ قَدْىَ، وَفِي الْحَلْقِ شَجاً،

.......................................

الأمر، وماذا ينبغي أن أفعل (بين أن أصول بيد جذاء) يقال [صال] إذا حمل نفسه على الشيء بكل قوة وإقدام، والجذاء بمعنى المقطوعة، أي هل الأفضل أن أعارض القوم وأحاربهم بيد مقطوعة - وذلك كناية عن عدم الناصر والمعين - (أو أصبر على طخية) هي الظلمة يقال ليلة طخياء أي مظلمة (عمياء) والمراد بذلك الهضم والظلم الذي صدر منهم بحق الإمام وبحق الإسلام، أي أصبر على هذه الظلمة الشديدة ونسبة [عمياء] إلى [طخية] بعلاقة السبب والمسبب، إذ من في [الطخية] هو الذي لا يبصر.

(يهرم) أي يشيب غاية الشيب (فيها) أي في تلك الطخية (الكبير) أي المسن فإنَّ المصائب تسبب هرم الإنسان وشيبه لما يرد على النفس من الآلام والمكاره (ويشيب فيها) أي في تلك الطخية (الصغير) قصير السن (ويكدح فيها مؤمن) الكدح هو السعي والعمل (حتى يلقى ربه) فلا راحة للمؤمن في الطخية، إذ المؤمن كلما رأى الإسلام في خطر سعى وجد واجتهد لإزالة الخطر (فرأيت) بعد إجالة الرأي والترديد بين الأمرين [أن أصول أو أصبر] (أن الصبر على هاتا) أي هذه فإنَّها لغة في [هاتي] للإشارة والمراد بها [الصبر] والإتيان بالمؤنث باعتبار [الطخية] (أحجى) أي الزم وأولى من [حجى] بمعنى لزمه ورضي به، وذلك لعدم الناصر (فصبرت وفي العين قذى) هذا كناية عن شدة الألم، فإنَّ من في عينه قذى وهو ما يقع في العين من غبار ونحوه يكون في ألم شديد.

.......................................

(وفي الحلق شجاً) الشجا ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه، أي

أَرَى تُرَاثي نَهْباً، حَتَّى مَضَى الأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إلَى فُلانٍ بَعْدَهُ. ثم تمثل بقول الأعشى :

شَسَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا *** وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرٍ

.......................................

كان حالي كحال من دخل عظم أو نحوه في حلقه، حيث يكون في شدة الألم لا راحة له ولا قرار (أرى تراثي) هو الميراث، أي ما وصل إليّ من الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، من الخلافة، أو الأعم من ذلك ومن [فدك] (نهباً) أي منهوبا قد سلبوه (حتى مضى الأول) أي أبو بكر (السبيله) المقرر له وهو الموت (فأدلى بها) أي أرسل الخلافة، كما قال سبحانه «فَأَدْلَى دَلْوَةٌ»(1)، إلى (فلان) يعني عمر، وفي بعض النسخ [إلى ابن الخطاب] (بعده) حيث أوصى أبو بكر بأن يكون الخليفة من بعده عمر (ثم تمثل) الإمام علیه السلام (بقول الأعشى) وهو أحد الشعراء :

شتان ما یومی علی کورها *** ويوم حيان أخي جابر

(شتان) بمعنى أفترق و (ما) زائدة و (كور) الرحل الذي يوضع على الناقة و (ها) عائد إلى الناقة و (حيان) كان سيداً في بني حنيفة مطاعاً فيهم و (جابر) أخو حيان أصغر منه يقول الشاعر - وهو الأعشى الذي كان ينادم حيان - أن

هناك فرقاً بعيداً بين يومين مرّا عليّ، ففي يوم كنت على كور الناقة في السفر في متاعب وزحمات، وفي يوم آخر كنت عند حيان في رفاه وراحة .. ولعل وجه تمثيل الإمام بهذا البيت إرادته مقارنة يوميه، ففي يوم كان مع الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم في راحة وعزة ومنعة، وفي يوم ابتلى بـ [عمر] في تعب ونصب وبلاء، أو المراد مقارنة يومه بيوم عمر، فيومه موجب للتعب والنصب وغصب الحق ويوم عمر يمرّ عليه وهو متقمص الخلافة في عز ومنعة.


1) سورة يوسف : 19.

فَيَا عَجَباً!! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ، إِذْ عَقَدَهَا لَآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ! لَشَدَّ مَا تَشَطْرَا ضَرْعَيْهَا !

.......................................

(فيا عجباً) أصله [عجبي] وفي المنادى المضاف إلى الياء يجوز وجوه خمسة كما قال ابن مالك [وأجعل منادى صح أن يضف ليا كعبد عبدي عبد عبداً عبدياً] المعنى [يا عجيب أحضر فهذا وقتك] أو يا قوم التعجب تعجباً، (بينا هو) أي أبو بكر (يستقيلها) أي يطلب الإقالة من الخلافة (في حياته) أي حين كان حياً لأنه يعلم عدم قابليته لها، فقد روى علماء العامة والخاصة أن أبا بكر قال [ أقيلوني فلست بخيركم وعليّ فيكم] (إذ عقدها) أي الخلافة (الآخر) وهو [عمر] (بعد وفاته) فكيف تحمل أثام الخلافة بعد الموت، وهو يرى نفسه غير قابل لها وهو في الحياة؟ (لشدَّ ما تشطّرا ضرعيها) [اللام] للتعجب والقسم و[شد] من الشديد والمراد الاستمساك بالشيء بكل قوة تشطراً أي أخذ كل من أبي بكر وعمر شطراً وجزءاً (ضرعيها) الضرع هو الثدي والضمير عائد إلى الخلافة.

فقد شبّه الإمام الخلافة بناقة حلوبة - بجامع الانتفاع بالخلافة كالانتفاع بالناقة - وشبّه تمسك عمر وأبي بكر بالخلافة بنفرين بدران ضرع الناقة بكل شدة واستمساك فكأنهما تواطيا على أن لا يخليا بین الناقة وبين صا وبين صاحبها وإنما تمسك كل واحد بضرع من ضرعيها بالشدة ليشرب حليبها، وهذه الجملة للتعجب، يعني عجيب هذا الاقتسام الذي تمسكا به بكل شدة حيث رشّح أبا بكر عمر - في يوم السقيفة - وعين أبو بكر عمر حال موته، ومن غريب الأمر التهافت الواقع للعامة في قصة هذا الاستخلاف فقد رووا أن أبا بكر أغمي عليه حال الوصية إلى عمر وهو في السوق، ومع ذلك كانت الوصية صحيحة - ولم يهجر أبو بكر - كما هجر الرسول - العياذ بالله - حينما أراد الوصية لعلّي علیه السلام ...؟

فَصَيَّرَهَا فِي حَوزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كلَمُها، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا، وَيَكْثُر الْعِثَارُ فِيهَا وَالاِعْتِدَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِب الصَّعْبَةِ إِنْ أشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحْمَ،

.......................................

(فصيرها) أي جعل أبو بكر الخلافة (في حوزة) هي المحل الذي يحاز فيه الشيء (خشناء) اي خشنة والمراد بها [عمر] فالخلافة صارت فيه وهو خشن الأخلاق غليظ جاف سريع الغضب (يغلظ كلمها) هي الأرض الغليظة التي يصعب المشي فيها، فقد كان عمر شديد المواجهة يخشى الذي يقابله شره وبذاءة لسانه (ويخشن مسها) أي لمسها والاقتراب منها، وهذا كناية عن طبع عمر( ويكثر العثار فيها) أي في تلك الأرض، يقال عثر إذا أصابت رجله حجراً أو نحوه فآلمها أو أوجب سقوط الإنسان، فإنَّ الأرض الخشنة يعثر الماشي فيها ( والاعتذار منها) أي يكثر الاعتذار وهذا إشارة لما كان يفعله عمر من المسارعة في الأحكام عن جهل ثم يعتذر منها حينما كان ينّبهه علي علیه السلام أو أحد الصحابة على خطأه .

(فصاحبها) أي الذي يمشي في تلك الأرض ويصاحبها (كراكب الصعبة) و هی الناقة العاصية التي لا تسير سيراً هيناً وإنما تشمس وتؤذي الراكب (إن أشنق لها) أي لتلك الناقة وأشنق بمعنى جرّ الزمام لإيقافها وعدم سيرها (خرم) أي سبّب شق أنفه الذي هو محل الزمام لأنها تريد الجري، والراكب يريد إيقافها بشدة - وشق أنفها يوجب ضرراً على المالك وأذى لها - (وإن أسلس لها) أي أرخى لها الزمام حتى تجري الناقة كما تشاء (تفحم) أي أدخلت نفسها في مواضع الهلكة، فلا يدري راكب مثل هذه الناقة ماذا يصنع هل يشنق أم يسلس؟ وهكذا من يصاحب عمر إن أراد نهيه عن أعماله الفاسدة، عاداه وآذاه، وإن سكت عنه ليفعل ما يفعل أورد المسلمين في الهلكة.

فَمُنِيَ النَّاسُ - لَعَمْرُ الله - بَخَيْطِ وَشِمَاسِ وَتَلَونِ وَاعْتِراضِ، فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ، حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةِ زَعَمَ أني أحدُهُمْ

....................................

(فمني الناس) أي ابتلوا وأصيبوا (لعمر (الله) قسم بالله، وأصل [عمر] الحياة يقال لعمرك، أي وحتى حياتك، ثم استعمل في القسم مطلقاً من دون نظر إلى أصل معناه (بخبط) لما كان عليه عمر من الخبط والخلط في الأمور (وشماس) هو إباء الفرس عن الركوب، وهو إشارة إلى أن [عمر] لم يكن يطاوع الرفق . . بل كان عنيفاً في أموره، وكان الناس مبتلون بسوء اخلاقه (وتلون) فإنَّه كان يوم في لون غير لون اليوم السابق، فمرة يحارب ومرة یصاحب، وهكذا كما هو الشأن في كل إنسان غير متّزن (واعتراض) الاعتراض هو السير على خط غير مستقيم أي لم يكن يسير على خط مستقيم وجادة واضحة .

(فصبرت) على أعمال عمر (على طول المدة) أي مع أن مدة خلافته قد طالت ( (وشدة المحنة) التي ابتليت بها من أجله، وقد ذكرت كتب السير من الفريقين طرفاً من أعمال عمر وآرائه، مما يدهش الإنسان (حتى إذا مضى) عمر (لسبيله) كناية عن موته والمراد بـ [مضى] أراد المضي فإنَّ كل واحد من الفعل والإرادة يستعمل بمعنى الآخر قال سبحانه «ويُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ»(1)بمعنى فعل، وقال «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَلاةِ»(2)أي أردتم القيام (جعلها) أي جعل عمر الخلافة (في جماعة) ستة (زعم أني أحدهم) وهم علي علیه السلام، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد،


1) سورة البقرة : 185

2) سورة المائدة : 6 .

.......................................

ولفظة [زعم] باعتبار أن محله علیه السلام أرفع منهم، لا بمعنى الزعم المتعارف - كما لا يخفى.

وخلاصة حديث الشورى - كما في شرح ابن ميثم - أن عمر لما طعن دخل عليه وجوه الصحابة وقالوا له ينبغي لك أن تعهد عهدك أيها الرجل وتستخلف رجلاً ترضاه، فقال لا أحب أن أتحملها حياً وميتاً فقالوا أفلا تشير علينا؟ فقال أما أن أشير فإنَّ أجبتم قلتم؟ فقالوا نعم فقال الصالحون لهذا الأمر سبعة نفر سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يقول أنهم من أهل الجنة أحدهم سعيد بن زيد وأنا مخرجه منهم لأنه من أهل بيتي وسعد ابن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة والزبير، وعثمان، وعلي، فأما سعد فلا يمنعني منه إلا عنفه وفضاضته، وأما عن عبد الرحمن بن عوف فلأنه قارون هذه الأمة، وأما من طلحة فتكبره ونخوته، وأما من الزبير فشحه ولقد رأيته بالبقيع يقاتل على صاع من شعير ولا يصلح لهذا الأمر إلا رجل واسع الصدر.

وأما من عثمان فحبه لقومه وعصبيته لهم وأما من عليّ فحرصه على هذا الأمر ودعابة فيه ثم قال يصلي صهيب بالناس ثلاثة أيام تخلوا الستة نفر في البيت ثلاثة أيام ليتفقوا على رجل منهم فإنَّ استقام أمر خمسة وأبى رجل فاقتلوه، وأن استقر أمر ثلاثة وأبى ثلاثة فكونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، ويروى فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن بن عوف، ويروى فتحاكموا إلى عبد الله بن عمر، فأي الفريقين قضى له فاقتلوا الفريق الآخر، فلما خرجوا عنه واجتمعوا لهذا الأمر قال عبد الرحمن أن لي ولابن عمر من هذا الأمر الثلث فنحن نخرج أنفسنا منه على أن نختار رجلاً هو خيركم للأمة فقال القوم رضينا غير عليّ فإنَّه أتهمه في ذلك فقال أرى وأنظر.

.......................................

فلما يئس من رضاعلي رجع إلى سعد فقال هلم نعين رجلاً ونبايعه فالناس يبايعون من بايعته فقال سعد إن بايعك عثمان فأنا لكم ثالث وإن أردت أن تولى عثمان فعليّ أحب إليّ، فلما آيس من مطاوعة سعد كف عنهم، وجاءهم أبو طلحة في خمسين، رجلاً من الأنصار يحثهم على التعيين فاقبل عبد الرحمن إلى علي علیه السلام وأخذ بيده وقال أبايعك على أن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين أبي بكر وعمر فقال عليّ علیه السلام تبايعني على أن

أعمل بكتاب الله وسنة رسوله وأجتهد رأيي فترك يده، ثم أقبل على عثمان فأخذ بيده وقال له مثل ما قاله لعلي علیه السلام فقال نعم فكرّر القول على كل منهما ثلاثاً فأجاب كل بما أجاب به أولاً فبعدها قال عبد الرحمن هي لك يا عثمان، وبايعه، ثم بايعه الناس .

ويرد الأشكال على عمر من وجوه نذكر بعضها :

الأول : أنّ الخليفة كان معيناً من قبل الرسول في قصة [الغدير] وغيرها فبأي حق خالف النص؟

الثاني : أنه بأي حق عاب جماعة زعم أن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم مات عنهم راضياً - كما صرح بذلك - وأنهم من أهل الجنة؟

الثالث : أنه بأي حق حكم بتقديم الثلاثة الذين فيهم ابن عوف؟ .

الرابع : أنه بأي حق حكم بقتل من خالف الأكثر، وهل أهل الجنة يقتلون لمجرد رأي رأوه؟

الخامس: إن كان أمر الخلافة [شورى] فهذا التعيين كان خلاف الشورى فأي دليل لرضا المسلمين بذلك، وإن كان بالنص فلا نص لهذا الموضوع بهذه الكيفية . . ؟

فَيَا لَلهِ وَلِلشَّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِي مَعَ الأَوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ! لكِنَّي أسففتُ إِذْ أَسفَوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا،

.......................................

كما أن ابن عوف بأي معيار دخّل سيرة الشيخين في الشروط؟ مع أنّ سيرة الشيخين متناقضة، فهذا ولىّ خالداً، وهذا عزله، وهذا حكم بشكل وذلك بشكل آخر، وهذا أوصى وذاك جعله شورى، وهكذا ... فكيف يمكن أن يعمل الخليفة برأي متناقض؟ ثم هل وفي عثمان، أم ضرب بالكل عرض الحائط؟

(فيا لله) اللام للإستغاثة (و للشورى) أي استغيث بالله من الشورى وهي المشورة في أمر الخلافة، وبالأخص بالكيفية التي جعلها عمر، فإنَّ الشورى غير جائزة في الأمر المنصوص، فكما لا تجوز المشورة في تحليل الخمر، أو إباحة ترك الصلاة، كذلك لا تجوز المشورة في تبديل خليفة، وإنما دخل عليّ علیه السلام في الشورى المصلحة أهم وهي تكذيب أولئك الذين قالوا أن النبوة والخلافة لا تصلحان لبني هاشم، ولإحتمال إنقاذ الحق بذلك (متى اعترض الريب) أي الشك (فيَّ) حرف جرّ مضاف إلى ياء المتكلم (مع الأول منهم) أي من هؤلاء وهو أبو بكر، وجعله منهم باعتبار تآمرهم على اغتصاب الخلافة، يعني أني لم أكن أقرن بأبي بكر الذي يعترف كل من أولئك له بالفضل فكيف أقرن بمن دونه؟

(حتى صرت أقرن) وأساوى - بمعنى أُجعل قريناً - (إلى هذه النظائر) جمع نظير وهو المثيل، أي أمثل بعثمان وأشباه عثمان (لكني أسففت إذ أسفوا) يقال أسف الطائر إذا دنى من الأرض (وطرت إذ طاروا) يعني أني لم أخالفهم حفظاً على بيضة الإسلام - فكان مثلي مثل طائر في سرب طائر الذي يدنوا إلى الأرض إذا دنوا منها ويطير ويصعد إذا طاروا وصعدوا .

فَصَعْيَ رَجُلٌ مِنْهُمْ لِصْغْنِهِ، وَ مَالَ الآخَرُ لِصِهْرِهِ، مَعَ هَنِ وَهِنِ، إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْتَيْهِ، بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ،

.......................................

(فصغى) إي مال أو استمع وكان الأصل هو هو الثاني وإنما يستعمل بمعنى مال، لأن الإصغاء يلازم الميل (رجل منهم) من أهل الشورى: ويريد علیه السلام بذلك [سعد] (الضغنه) أي عداوته وحسده الكامن في صدره، فقد كان ابن وقاص منحرفاً عنه علیه السلام، وتخلف عن بيعته بعد قتل عثمان (ومال الآخر) وهو عبد الرحمن بن عوف (الصهره) أي مصاهرة الذي كان بينهما ارتباط سببي، والمراد به عثمان فقد كان عبد الرحمن زوجاً لأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط و أخت عثمان لأمه أروى بنت كريز، ولذا أعطى الخلافة العثمان دون الإمام عليّ علیه السلام (مع هنِ وهنِ) هذا كناية عن وجود أمور أخرى سببّت عدم بيعتهم للإمام، ولعله علیه السلام يشير إلى اشتراطهم معه متابعة سيرة الشيخين، وتخوفهم من عمله بالحق، فلا يكون لهم نصيب في الملك وما أشبه ذلك و [هن] أسم لمطلق الأجناس : ويستعمل كثيراً في أمور مكروهة.

(إلى أن) تمت البيعة لعثمان (وقام ثالث القوم) بعد الشيخين (نافجاً حضنيه) النافج هو النافخ، والحضن ما بين الإبط والكشح - أي الخاصرة - وهذا كناية عن أكله لبيت مال المسلمين كالبعير الذي يأكل كل شيء يجده من النبات فينتفخ ، وهذا المعنى اظهر بقرينة ما يأتي، من أن يكون المراد النفخ تكبراً (بين نثيله) وهو الروث (ومعتلفه) وهو محل العلف، فكما أن البهيمة تطوف بين المحل الذي له ما فيه العلف والمحل الذي يبعر فيه، كذلك كان عثمان كل همه جمع أموال المسلمين وأكلها وإشباع أقاربه منها دون ملاحظة مصالح المسلمين، فكأنه يأكل هنا هناك وهو في التطواف بينهما دون الاشتغال بأمر آخر، وقد ذكر العلامة الأميني في الغدير قائمة ببعض سرفه في أموال المسلمين.

وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ الله خِضْمَةَ الإِبِل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ، إلى أن انتَكَثَ فَتْلُهُ ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ!

.......................................

(وقام معه) أي مع عثمان (بنو أبيه) هم بنو أمية أشباه مروان (يخضمون مال الله) الخضم الأكل بملأ الفم كما يأكل البعير النبات (خضمة الإبل) أي مثل خضمة الإبل وأكلها (نبتة الربيع) فكما، أنها لا تلتفت إلى شيء إلّا الأكل ويأكل في نهم وحرص بجميع فمه كذلك كان عثمان وبنو أمية بالنسبة إلى أموال المسلمين (إلى أن انتكث) أي انتقض، وأصله : إبطال أمر مبرم (فتله) أي ما أبرمه وقتله من الرئاسة وجمع الأموال والسيطرة (وأجهز عليه) أي على عثمان (عمله) أي قتله ما عمل يقال : أجهزت على الجريح أي قتلته.

(وكبت به) من [كبو] إذا سقط ومنه الجواد قد يكبو (بطنته) وهي التخمة والإسراف في الشبع، أي أن أكله للأموال أورث سقوطه فقد جعل عثمان يسيء التصرف في أمور المسلمين بأكل أموالهم، وتفريقها في أقاربه وفرض سيطرتهم على رقاب المسلمين بدون مبرّر وكفاية منهم للسلطة، وإقصاء خيار الصحابة وضربهم وإيذائهم، وتبديل الخلافة إلى ملك عضوض، ولذا اجتمع المسلمون من مختلف الأمصار - في قصة طويلة - وكلما أرادوا إرجاعه عن سیره لم يرجع، فاضطروا إلى أن قتلوه ليخلصوا المسلمين وبلاد الإسلام منه، وكان من أكبر المحرضين على قتله عائشة وطلحة والزبير وأشباههم حتی أن عائشة كانت تشبهه بيهودي طويل اللحية يسمى نعثل فتقول [اقتلوا نعثلا قتلة الله فقد بدل سنة الرسول وثوبه بعد لم يبل] .

وبعد ان قتل لم يجرأ أحد من أهله من دفن جنازته حتى بقي ثلاثة أيام.

وأخيراً اجتمع بعض بني أمية وأهله ودفنوه ليلاً في [حش كوكب] وهو بستان كان يتخلى فيه متصل بالبقيع ثم أدخله معاوية في البقيع . . وبعد قتله

فَمَا رَاعَني إِلا وَالنَّاسُ إِلَيَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ، يَنْتَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَشُنَّ عِطْفَاي، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ.

.......................................

التف الناس حول الإمام علي علیه السلام يطلبون بيعته وبعد إصرار قبل الإمام وكان أول من بايعه طلحة والزبير، ولكنهما لما رأيا أن مطامحهم ومطامعهم في الإمارة والسيطرة والمال قد انهارت -، لعمل الإمام بالحق - نكتا بيعته والتحقا بعائشة التي كانت تحسد الإمام وتبغضه، وأقاموا حرب الجمل ومنها تولدت حرب صفين ومنها تولدت حرب النهروان، التي اكتوى المسلمون بنارها إلى هذا اليوم .

(فما راعني) الروع : الفزع أي ما أفزعني (إلا والناس) مقبلون (إليّ) لأخذ البيعة والمعنى ما راعني إلّا إقبال الناس (كعرف الضبع) الضبع حيوان من نوع السباع تأكل الأموات إن وجدتها، وعرفها: الشعر الكثير الذي على عنقها وهذا تشبيه لتكاثر الناس على الإمام وإزدحامهم عليه (ينثالون) أي يزدحمون (عليَّ من كل جانب) من الجوانب الأربعة (حتى لقد وطئ) أي سحق بالأقدام لكثرة الناس (الحسنان) الإمام الحسن والإمام الحسين علیهما السلام كما هو العادة في أن الازدحام إذا كثر يسحق من إلى جوانب الشخص المزدحم عليه، وقال بعض أن المراد بـ [الحسنان] الإبهامان، فقد كان الإمام جالساً حينما إنثالوا عليه لمبايعته.

(وشق عطفاي) العطف: طرف الرداء سُمي به لأنه يعظف باستدارة البدن، فقد انخرق جانبا رداء الإمام من كثرة جذب الناس لهما، لإرادة الوصول إلى الإمام وأخذ يده للبيعة، في حال كونهم (مجتمعين حولي) أي أطرافي (كربيضة الغنم) الربيضة : الطائفة الرابضة من الغنم، بالتشبيه بها من جهة أن المجتمعين كانوا كالأغنام في عدم الوقار وعدم توازن الحركات -

فَلَمَّا نَهَضْتُ بالأَمْرِ نَكَشَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَطَ آخَرُونَ

.......................................

كأنهم بهائم، من شدة شوقهم وحرصهم على بيعة الإمام - (فلما نهضت بالأمر) أي قبلت البيعة وقمت بالإمارة الظاهرية - بعد ما كان علیه السلام هو الخليفة من الله والرسول على المسلمين - (نكثت) أي نقضت بيعتي (طائفة) وهم أصحاب الجمل كطلحة والزبير ومن إليهما، فقد بايعوا الإمام ثم نقضوا بيعته.

(ومرقت أخرى) المروق هو الخروج، والمراد بهم أهل النهروان - الخوارج - فإنَّهم خرجوا من الدين بعد ما كانوا فيه، كما يمرق السهم من الغرض بعد دخوله فيه (وقسط آخرون) أي فسق كما قال سبحانه «وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا» (1)والمراد بهم معاوية وأصحابه الذين فسقوا ولم يدخلوا في طاعة الإمام، بعد مبايعة الناس له، ويحتمل أن يكون المراد بالمارقة : معاوية وأجناد الشام، وبالقاسطة : الخوارج حسب الترتيب الخارجي، وعلى أي تقدير فهذه الأسماء لهؤلاء من الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم حیث قال للإمام علیه السلام ستقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين.

ومجمل القصة أن الإمام لما بويع بالمدينة، أراد طلحة والزبير منه إمارة الكوفة، والبصرة فلم يلب طلبهما، فخرجا من المدينة باسم [العمرة] والتحقا بعائشة، فأخذوا يألبُون الناس على الإمام، وكتبا إلى معاوية في الشام وأرادا اقتسام البلاد بين الثلاثة، وذهبا إلى البصرة لتوجيه العراق نحوهم، وذلك سبب تمرّد معاوية، حيث استظهر بهم وأقاما في البصرة يفسدان حتى التحق الإمام بهما بجيشه، وركبت عائشة على [جمل] وجرت المحاربين بين الطرفين مما انتهى إلى نصر الإمام وقتل طلحة والزبير ورجوع عائشة إلى


1) سورة الجن: 15

كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا كلام الله سُبْحَانَهُ حيث يَقُولُ : «تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ تَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلُوّاً في الأَرْضِ وَلَا فَسَاداً، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(1).

.......................................

المدينة خائبة خاسرة . . ثم قام [معاوية] لمحاربة الإمام وحارب الطرفان في محل يسمى [صفين] ولما قرب انتصار الإمام دبّر [عمرو بن العاص] مكيدة رفع المصاحف على الرماح باسم أنهم يطلبون حكم القرآن، وانطلت هذه الحيلة على جملة من أصحاب الإمام فكفوا عن القتال، وقد اشرف علیه السلام على الانتصار.

وأخيراً انتهى الأمر إلى تحكيم حكمين [أبي موسى الأشعري، وعمروبن العاص] فحكم أبو موسى بعزل الإمام، وعمرو بنصب معاوية وهنا انشق أولئك الأغرار من أصحاب الإمام علیه السلام وخرجوا عليه، ومن ذلك سموا بـ [ الخوارج] وحاربوا الإمام في محل يسمى [النهروان] وانتصر الإمام عليهم، وإن بقيت منهم بقية عاشوا في البلاد الإسلامية، وأخيراً قتل واحد منهم وهو [ابن ملجم] الإمام علیه السلام في محراب مسجد الكوفة .

(كأنهم) أي هؤلاء الطوائف الثلاث (لم يسمعوا كلام الله سبحانه حيث يقول) في كتابه الكريم (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً في الأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ولذا لم يعملوا بمقتضاها وأرادوا العلو وأفسدوا، وفي الحقيقة إن هذه الحلقة من الاضطراب بعد حلقة [السقيفة] من أهم الحوادث التي أفسدت البلاد وغيرت مجرى تاريخ المسلمين، وسببت إنشقاقهم إلى هذا اليوم.


1) سورة القصص : 83.

بَلَى وَالله لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلَكِنَّهُمْ حَلِيتَ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا! أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أن لا يُقَارُوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبٍ مَظْلُومٍ، لألْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا

.......................................

(بلي) نفى لـ [ كأنهم لم يسمعوا] (والله لقد سمعوها) بآذانهم (ووعوها) بقلوبهم أي صاروا وعاءً لها (ولكنهم) تركوا العمل بها لأنه (حليت الدنيا في أعينهم) أي تزينت ورأوها حلوة يقال حليت المرأة أي تزينت بالحلي (وراقهم) أي أعجبهم (زبرجها) أي زينة الدنيا وزخارفها، ولذا تركوا الآخرة للتحفظ عليها والنيل من زخارفها (أما والذي فلق الحبة) أي شقها وأخرج منها النبات (وبرأ) أي خلق (النسمة) وهي الإنسان أو الروح (الولا حضور الحاضر) الذي حضر لبيعة الإمام والامتثال لأوامره (وقيام الحجة) من الله على الإمام بأن يقول له لم لم تنهض بالأمر وقد هيئ لك الجو (بوجود الناصر) أي بسبب وجود الناصر للإمام على أعدائه .

(و) لولا (ما أخذ الله) [ما] موصولة (على العلماء أن لا يقارّوا) من قرّ على الأمر إذا لزمه ولم يغيره (على كظة ظالم) الكظة هي الألم الذي يجده الإنسان في بطنه من كثرة الأكل وامتلاء الطعام (ولا سغب مظلوم) السغب شدة الجوع بمعنى أن الله عهد إلى العلماء أن لا يسكتوا على ظلم الظالم للمظلوم بأن يأكل حقه، فلا يجد المظلوم ما يتقوت به بينما يأكل الظالم حتى يمتلىء ويكظ بطنه - كناية عن حرمان ذلك وإتخام هذا - (الألقيت) جواب [لولا] (حبلها) أي حبل الخلافة (على غاربها) الغارب : الكاهل . فقد شبه الإمام الخلافة بالناقة، وإلقاء الحبل على الغارب كناية عن إهمالها وإرسالها وعدم التصدي لها، كما أن مهمل الناقة يلقي حبلها على كاهلها لتذهب حيث تشاء.

وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِها، وَلأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز! قالوا: وقام إليه رجل من أهل السوادِ عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته ، فناوله كتاباً قيل : إن فيه مسائل كان يريد الإجابة عنها، فأقبل ينظر فيه فلما فرغ من قراءته قال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين، لو اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ من حيث أفضيتَ! فَقَالَ : هَيْهَاتَ

.......................................

(ولسقيت آخرها) أي آخر الخلافة، فقد شبهها الإمام بمزرعة سُقي أولها (بكأس أولها) فكما تركت الأمر في أيام أبي بكر، كنت أترك الأمر بعد عثمان (و لألفيتم) أي وجدتم أنتم - أيا الناس، وإن كان الأمر كذلك عند الإمام حتى بعد قيامه بالأمر - (دنياكم هذه) برئاستها وزخارفها (ازهد عندي من عفطة عنز) وهي ما ترسله من أنفها، والمراد في أزهد - أي أكثر زهداً ونفرة من الدنيا من زهدي في عفطة العنز - فنسبة أزهد إلى الدنيا : مجاز كما لا يخفى.

انتهت الخطبة .

(قالوا) أي الرواة (وقام إليه) أي إلى الإمام علیه السلام (رجل من أهل السواد) والمراد به العراق، وسمي سواداً لكثرة زرعه والعرب تسمي الأخضر أسود، لأنه يميل إليه (عند بلوغه) أي بلوغ الإمام (إلى هذا الموضع من خطبته فناوله) أي أعطاه (كتاباً) قيل كانت فيه أسئلة أراد الإجابة عنها (فأقبل) الإمام (ينظر فيه) وانقطعت الخطبة (قال له ابن عباس) والمراد به عبدالله على الظاهر (يا أمير المؤمنين لو اطردت) أي لاسترسلت (خطبتك) التي كنت تخطبها بأن تأتي بالبقية (من حيث أفضيت) أي من حيث انتهيت إليه .

(فقال) الإمام علیه السلام (هيهات) كلمة تقال بمعنى [ابتعد] أي بَعُدَ ذلك.

يابْنَ عَبَّاسِ! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ! قال ابن عباس : فو الله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام أَلا يكون أميز المؤمنين علیه السلام بلغ منه حيث أراد .

قال الشريف الرضي رضی الله : قوله علیه السلام [كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم] يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها، وإن أرخى لها شيئاً مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها، يقال : أشنق الناقة، إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه، وشنقها أيضاً: ذكر ذلك ابن السكيت في [إصلاح المنطق] وإنما قال [أشنق لها] ولم يقل [أشنقها] لأنه جعله في مقابله قوله [أسلس لها] فكأنه علیه السلام قال : إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها بالزمام .

.......................................

المطلب من أن يتم (يا ابن عباس تلك) المقالة (شقشقة) هی شيء كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج (هدرت) أي خرجت خروج الهدير، وهو صوت البعير (ثم قرت) أي سكنت فلا زيادة عليها (قال ابن عباس فوالله ما أسفت على كلام قط) أي أبداً (كأسفي على هذا الكلام) الذي بتر وقطع (ألاً يكون أمير المؤمنين علیه السلام بلغ منه) أي من هذا الكلام (حيث أراد) بسبب قطع ذلك الرجل لكلامه .

وَمِنْ خُطْبَة لهُ علیه السلام

في هداية الناس وكمال يقينه

بِنَا اهْتَدَيْتُمُ في الظُّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمُ الْعَلْيَاءِ، وبِنَا أَفْجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ، وُقِرَ سَمْعُ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ، وَكَيْفَ يُرَاعِي النَّبأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ؟

.......................................

التوضيح :

(بنا) المراد بالضمير الرسول وأهل البيت (اهتديتم) أيها الناس (في الظلماء) أي ظلمة الكفر والمعاصي، فإنَّ الإنسان الذي لا يعرف الحقيقة يتيه في الظلمات، والرسول وأهل بيته عرفوا للناس الحقائق، فكأنهم حملوا مشاعل النور لهداية الناس عن ظلمات الحياة والحقيقة (وتسنمتم العلياء) تسنم ركب سنام البعير، وهو الموضع العالي في ظهره، والمعنى ارتقيتم مراقي الشرف والسؤدد، فقد كانت العرب وسائر أهل الأرض في ظلمة حالکة من الکفر والعصيان والمشاكل، كما كانوا خائفين أذلاء (وبنا أفجرتم) أي دخلتم في الفجر (عن السرار) وهو آخر ليلة من الشهر يختفي فيها القمر.

(وقر سمع) أي صمّ وهذا دعاء بالصم على السمع الذي (لم يفقه الواعية) وهي العبر والمواعظ التي تصرخ بالإنسان لتهديه إلى السبيل (وكيف يراعي النبأة) و هی الخبر بصوت خفي (من أصمته الصيحة) هی الصوت الشديد؟ والمعنى أن من أصمّتسمعه الصيحة - فلم يسمعها - كيف يمكن أن يسمع الصوت الضعيف؟ ولعل هذا إشارة إلى أن من لم يعتبر بالقرآن والسنة النبوية كيف يؤثر فيه كلام الإمام علیه السلام، وهو أدون منهما منزلة والذي يؤيد

رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ، مَازِلْتُ أَنْتَظِرُ بَكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ، وَأَتَوَسمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُعْتَرِّينَ، سَتَرنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ، وَبَصْرَنِيكُمْ صدقُ النّية.

.......................................

هذا أن الإمام خطب هذه الخطبة بعد مقتل طلحة والزبير، وكأنه يشير إليهما، وإلى ما أحدثاه من الفتنة بدون اتعاظ بكلام الله والرسول والإمام.

(ربط جَنَان) الجنان القلب، وسمي بذلك لاختفائه، من [جَنّ] والمراد الدعاء للقلب الخائف من الله بالرباطة والقوة، فإنَّ الشيء إذا كان مربوطاً، كان قوياً لا يتمكن أحد من زحزحته - ولذا كنّى عن القوة بالربط - (لم يفارقه الخفقان) هو الاضطراب، فإنَّ القلب الخائف من الله سبحانه دائم الاضطراب خوفاً من أن لا يكون صدر منه شيء يوجب العقوبة والعذاب وهكذا يلازم الخوف من الله الرباطة والقوة فإنَّ الإنسان إذا عظم الخالق في نفسه صغر ما دونه في عينه.

(ما زلت أنتظر بكم) أيها المحتفون بي (عواقب الغدر) فإنَّ الإنسان الذي يغدر بأميره لا بد وأن تظهر عواقب غدره من التآمر والإفساد وخلع الطاعة ونحو ذلك (وأتوسّمكم) التوسم : التفرس أي أتفرس فيكم من حركاتكم وسكناتكم - (بحلية المغترين) أي بعلائم الأشخاص المغرورين، والمغرور هو الذي حلى في عينه شيء زائف، ومثله يترك الحق لأجل ذلك، ولذا لا يبعد أن يتركوا الإمام لغرورهم وغفلتهم، ويميلوا إلى غيره (سترني عنكم جلباب الدين) الجلباب هو الثوب الفضفاض الذي تلبسه المرأة، وجلباب الدين أحكامه التي توجب ستر الإنسان عن السيئات فلا يرى أعماله السيئة، يعني أن الذي عصمكم مني فلم أتعرض لكم بالأذى هو الظواهر الدينية التي لبستموها .

(وبصرنيكم) أي أراني واقعكم وما خفي في صدوركم (صدق النية) أي

أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ في جوادُ الْمَضَلَّةِ، حَيْثُ تَلْتَقُونَ وِلا دَلِيلَ، وَتَحْتَفِرونَ وَلا تُمِيهُونَ، الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمِاءَ ذاتَ الْبَيَانِ غَرَبَ رَأي امْرِىءٍ تَخَلَّفَ عَنّي! مَا شَكَكْتُ في الحقِّ مُذْ أُرِيتُهُ!

.......................................

النية الصادقة الكامنة في صدري فإنَّها تتفرّس بواطنكم السيئة، فإنَّ الإنسان الطاهر القلب يلقى إليه بواطن الأشخاص - من الغيب - فيرى كل إنسان على ما هو عليه (أقمت لكم) [اللام] للتأكيد والمعنى [أقمتم] بإرشاداتي ونصائحي (على سنن الحق) والسنن هي الطريق الواضح (في جواد) جمع جادة وهي الطريق (المضلة) هى الأرض التي يضل سالكها، أي أني أقمتكم على طريق الحق بين الطرق الباطلة الكثيرة التي يضل الإنسان إذا سلكها بلا دليل (حيث تلتقون ولا دليل) أي حيث يلتقي بعضكم بعض ليتسائل عن الطريق لكن الكل تائهون لا يعرفون الطريق فلا فائدة في التقائهم وتساؤلهم .

(و) حيث (تحتفرون) الأرض للوصول إلى الماء لئلا تهلكوا من العطش (ولا تميهون) يقال [أماه] أي أخرج الماء، أي لا تجدون الماء، فالأرض مضلة، والدليل مفقود، والماء غير موجود فكيف كنتم؟ وهكذا أنتم في الأمور الدينية، وقد أنقذتكم من مثل ذلك (اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان) العجماء هي البهيمة التي لا تتكلم ومعنى كونها ذات البيان أنها مع عدم تكلمها تبين عن الشيء بالدلالة والإشارة ومراده علیه السلام بـ [العجماء] العبر والعظات، التي هي أعجم لا تنطق ولكنها تدل وتشير إلى الأمور، فإنَّ العبرة تدل على أن من فعل كذا أصابه كذا - لما كذا أصابه كذا - لما بين الأسباب والمسببات من الارتباط - ومعنى إنطاقه علیه السلام، دلالتهم على تلك العبر وإرشادهم إليها، كي يعتبروا .

(غرب) أي غاب وضل (رأي أمريء تخلف عني) أي لم يتبعني فإنَّ الإمام هو الحق، وكل من تخلف عنه على باطل (ما شككت في الحق مذ أريته) أي

لَمْ يُوجِس مُوسى عَلَيْهِ السَّلامِ خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَدُوّل الضَّلالِ! الْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سبيل الْحَقِّ وَالْبَاطِل. مِنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ!

.......................................

من وقت أرانيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، فقد كنت ألزم الحق، ولذا كان كل مخالف لي على باطل (لم يوجس موسى علیه السلام خيفة على نفسه) كما قال سبحانه : «فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى» (1) أي لم يكن خوف موسى علیه السلام على نفسه (1)وإنما خاف من أن يموه السحرة على الناس فلا يقبلوا کلام موسی علیه السلام (بل أشفق) أي أكثر شفقة وخوفاً (من غلبة الجهال) وهم السحرة (ودول الضلال) جمع دولة و هی سلطة، أي سلطة فرعون، فإنَّ موسى كان أخوف ما يخاف هو هذا الأمر غيره وقد أراد علیه السلام بهذا الكلام أنه لا يخاف على نفسه من الظالمين المعادين له وإنما يخاف على انطلاء تمويهاتهم على الناس فينحرفون عن الحق.

(اليوم توافقنا) أي تلاقينا نحن وأنتم (على سبيل الحق والباطل) فمن سار معی كان على الحق، ومن خالفني كان على الباطل (من وثق بماء لم يظمأ) أي أن من كان واثقاً بأحد لم يحتج إلى غيره فمن اللازم أن يحصل الإنسان على الثقة بإمامه حتى لا يحتاج إلى غيره، وذلك كما أن الشخص الذي يعلم أن عنده ماء يكفيه للشرب لم يهج به العطش، فإنَّ سكون النفس يؤثر في سكون الجسد.


1) سورة طه : 67 .

وَمِنْ خُطْبَةِ لَهُ علیه السلام

لما قبض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وخاطبه العباس وأبو سفيان ابن حرب في أن يبايعا له بالخلافة

أَيُّها النَّاسَ، شُقوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرْجُوا عَنْ طَريقِ الْمُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ .

.......................................

التوضيح :

(لما قبض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة).

وذلك أن أبا سفيان أراد الفتنة وجعل المسلمين بعضهم يضرب وجه بعض، حتى ينتهز فرصة لإرجاع الناس إلى الكفر، فجاء واستصحب العباس-، وهو لا يعلم بالمكيدة - يستنهضان الإمام علیه السلام للقيام بطلب حقه وإقصاء القوم.

(أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة) فكأنّ الفتن مثل أمواج البحر التي إذا غمرت شيئاً أغرقته، وسفن النجاة هي الطرق الموصلة إلى رضوان الله سبحانه، وشقها كناية عن السير في الطريق القويم الموجب للوصول إلى الساحل.

(وعرجوا) أي ميلوا واعزفوا (عن طريق المنافرة) أي منافرة بعضكم البعض، والنفرة هي الابتعاد عن كره (وضعوا) أي اتركوا (تيجان المفاخرة) عن رؤوسكم، فإنَّ الذي يفتخر كأنه شمخ برأسه ووضع عليها تاجاً من الافتخار كتيجان الملوك، فالإمام يأمر بالتواضع.

أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ. هَذَا مَاءً آجِنِّ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بها اكِلُهَا، وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِبْنَاعِهَا كالزَّارِع بِغَيْرِ أَرْضِهِ .

.......................................

(أفلح من نهض بجناح) أي فاز بالظفر من نهض بالأمر وكان له جناح يساعده، وقد كانت الجمل لردع أبي سفيان عن المفاخرة بعليّ علیه السلام في قبال أولئك الغاصبين وهذه الجملة وما بعدها لبيان عذره علیه السلام في تركه الأمر وعدم نهوضه حيث لا جناح ولا انصار له، وقد شبه الانصار بالجناح، لأنه كما يطير الطائر بجناحيه كذلك ينهض الناهض بانصاره.

(أو استسلم) ولم ينهض (فأراح الناس) وأراح نفسه فلم يوقعهم في المهلكة، ولم يوقع نفسه في المذلة، يقال قيل لعنترة أنك أشجع العرب؟ فقال لست بأشجعهم ولكن أقدم إذا كان الإقدام عزماً وأحجم إذا كان الإحجام حزماً (هذا) الذي تدعواني للنهوض به من الإمرة والخلافة (ماء آجن) أي كالماء المتعفن الذي لا يستساغ طعمه فإنَّ الخلافة تشوبها المكاره والمصاعب والمتاعب (ولقمة يغص بها آكلها) فلا يهنا بها ومعنى [غص] بالشيء، بقي في حلقه ونشب في لهاته فلم يتمكن من بلعه، كما قال الشاعر [أكاد أغص بالماء الفرات].

وبعد ما شبه الإمام علیه السلام الخلافة بالماء الآجن واللقمة الصعبة، شبه نفسه بالذي يقطف الثمرة قبل النضج (ومجتني الثمرة) من [اجتنى] بمعنى قطف (لغير وقت إيناعها) يعني قبل بلوغها النضج والكمال، و[اللام] للتأكيد، فإنّ وقت خلافة الإمام الظاهرية لم يحن بعد إذ لو قام بالأمر لم يتبعه إلا جماعة قليلة، وذلك يورث الفتنة التي تعصف بالإسلام ولذا ترك الإمام حقه، فإذا قمت أنا في هذا الوقت كنت (كالزارع بغير أرضه) الذي لا يحصل شيئاً من ثمره فإنَّ الناس ليسوا بمحل قابل لخلافة الإمام وإنما هم محل لأبي

فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزَعَ مِنَ الْمَوْتِ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيْا وَالَّتِي! وَاللهِ لابنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَسُ بِالْمَوْتِ

.......................................

بكر، فإنّهم إلى أشباههم أميل، وقد أخبر القرآن الحكيم بذلك بقوله : «أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ»(1).

(فإن أقل) أن الخلافة لي وأنتم غاصبون لها (يقولوا حرص على الملك) بأن يسيطر ويتسلط على الملك والمنصب (وإن أسكت) فلا أطالب حقي (يقولوا) والمراد ناس آخرون (جزع من الموت) وخاف أنه إذا طلب حقه و قامت المحاربة، قتل في سبيل ذلك، فتخلصاً من الموت يسكت عن حقه (هيهات) أي شتان بين هذه المزاعم وبين الواقع، فلو طلبت لم يكن طلبي حرصاً على الملك ولو سكتُّ لم يكن سكوتي جزعاً من الموت (بعد اللتيا والتي) أي تلك المزعمة الأولى والمزعمة الثانية أي بعد التجاوز عن هذين الكلامين الباطلين، الحق في أن سكوتي لمصلحة الإسلام، ولو طلبت كان لإجراء الحق وإرجاع الخلافة إلى أهلها الشرعيين .

واللتيا مصغر التي، وتصغيرها شاذ كما قال ابن مالك :

وصغر واشذوذا الذي التي *** وذا مع الفروع منها تأوتي

وهذا مثل أصله أن رجلاً تزوج بقصيرة سيئة الخلق فشقي بعشرتها ثم طلقها وتزوج بأخرى طويلة فكان شقائه بها أشد فطلقها، فقيل له ألا تتزوج؟ قال لا أتزوج بعد اللتيا والتي (والله) ليس السكوت خوف الموت، فإنَّه (لابن أبي طالب) يعني نفسه علیه السلام، واللام، للتأكيد (أنس بالموت) أي أكثر إنساً


1) سورة آل عمران : 144 .

مِنَ الطِّفْلِ بِشَذِي أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمُ اضْطِرابَ الأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ!

.......................................

بأن يموت (من الطفل بثدي أمه) فليس لي خوف من الموت (بل) سكوتي لأني (اندمجت) أي انطويت واشتملت (على مكنون علم) أي علم مكنون، هو ما أعلم من نتائج الأمور وعواقبه وأن الله إنما أمهل هؤلاء للامتحان والاختبار.

(لو بحت به) من باح بسره إذا أظهره، أي لو أظهرت ذلك العلم (الاضطربتم) أنتم (اضطراب الارشية) جمع رشاء بمعنى (في الطوى) جمع طوية وهي البئر (البعيدة) أي العميقة فكما يكثر اضطراب الحبل فيها عند السقاء - لبعد عمقها - كذلك يكثر اضطرابكم لو أعلمتكم بما أعلم. فإنه علیه السلام لو اخبرهم بامتلاك أولئك الأمر وما يسببون من إراقة الدماء وتغيير الأحكام وسوق الناس بالغلظة والاستيثار بفيء المسلمين وما إلى ذلك لأضطرب المسلمون أشد الاضطراب، كما أن من يخبر أن حاكمه سوف يظلم ويؤذي خاف واضطرب، لكن الإمام يسكت عن ذلك كله إبقاء لنظام الإسلام، ولعدم إيجاد حرب داخلية توجب العصف بالإسلام والمسلمين.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

لما أشير عليه بألا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال

وَاللَّهِ لا أَكُونُ كالضَّبُعِ : تَنَامُ عَلى طُولِ اللَّدْم، حَتَّى يَصلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا، وَيَخْتِلَها رأصِدُها، وَلكِنِّي أَضْرِبُ بِالمُقْبِل إِلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرِ عَنْهُ،

.......................................

التوضيح :

(لما أُشير عليه بأن لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال) أي لا يرقب ولا يستعد لقتالهما.

(والله لا أكون كالضبع) هو حيوان من السباع يأكل الأموات إذا وجدها (تنام على طول اللدم) هو الضرب بشيء ثقيل يسمع صوته، وضبع مؤنث سماعي .

قال أبو عبيد يأتي صائد الضبع فيضرب بعقبه الأرض عند باب جحرها ضرباً غير شديد - وذلك هو اللدم - ثم يقول خامري أم عامر [أي الزمي دارك من خامر إذا لزم داره وأم عامر كنية الضبع] يقول ذلك بصوت ضعيف مكرراً فتنام الضبع على ذلك فيجعل في عرقوبها حبلاً، فيجرها ويخرجها [وكأنّ فی الصوت تأثيراً وإيحاءً] يقول الإمام علیه السلام لا أكون كالضبع أبقى في المدينة حتى تقوى شوكة طلحة والزبير، فيأخذان الأمر من يدي، كالضبع المصيدة.

(حتى يصل إليها) أي إلى الضبع (طالبها) الذي يريد صيدها (ويختلها) الختل الخديعة (راصدها) أي الصائد الذي رصدها (ولكني اضطرب بالمقبل إلى الحق) الذي يبغي (المدبر عنه) أي عن الحق، وهو من خالف الإمام

وَبِالسَّامِع المُطيع العاصي الْمُريبَ أَبَداً، حَتَّى يَأْتِي عَلَى يَوْمِي. فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ مَدفوعاً عَنْ حَقًّي، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ، مُنْذُ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّهُ علیه السلام حَتَّى يَوْم النَّاس هذَا .

.......................................

(و) اضرب (بالسامع) للحق (المطيع) لأوامري (العاصي) للحق (المريب) ذو الريب في الحق - والريب بمعنى الشك - (أبداً) يعني هذا شأني دائماً (حتى يأتي عليّ يومي) أي مماتي واليوم المعدّ لانتقالي من الحياة إلى الدار الآخرة.

ثم بين علیه السلام أن هضم طلحة والزبير لحقه، ليس أول هضم أصابه، بل قد استمرأ الناس حقوقه وهضموا أمره منذ أمد طويل (فوالله مازلت مدفوعاً عن حقي) أي دفعني الناس عن الحق الذي هو لي (مستأثراً عليّ) أي أن الناس استأثروا واستبدوا بحقوقي على ضرري (منذ قبض الله نبيه صلی الله علیه و آله و سلّم حتى يوم الناس هذا) [منذ] بمعنى الوقت الماضي فقد غصب أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، حقه الشرعي في الخلافة وبعد ذلك جاءت عائشة وطلحة والزبير، وبعدهم معاوية .

وَمِن خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

يذم فيها أتباع الشيطان

اتَّخَذُوا الشَّيْطَان لأمْرِهِمْ مِلاكاً، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَفَرْخَ في صُدُورِهِمْ، ودبّ وَدَرَجَ في حُجُورِهِمْ، فَنَظَر بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ،

.......................................

التوضيح:

(اتخذوا) أي الكفار والعصاة (الشيطان لأمرهم ملاكاً) الملاك قوام الشيء الذي يملك به، ويعني أن قوام أمرهم إطاعة الشيطان (واتخذهم) أي الشيطان (له) أي لنفسه (أشراكا) جمع شرك وهو ما يصاد به فهم آلة الشيطان في الإضلال إذ بسببهم يضل سائر الناس (فياض وفرخ في صدورهم) هذا كناية عن استيطان الشيطان لقلوب هؤلاء، فإنَّ الطير إذا باض وفرخ في مكان فقد اتخذه وطناً لنفسه ومأوى يأوي إليه (ودب) أي تحرك (ودرج) أي مشى (في حجورهم) جمع حجر، وهو الحصن، فكما أن الطفل يدب ويدرج في حجر والديه ويألف بهما ألفة شديدة كذلك هؤلاء بالنسبة إلى الشيطان (فنظر) الشيطان (بأعينهم) وهذا كناية عن أن نظر هؤلاء إلى المحارم والشرور إذ نظر الشيطان إليهما، فقد اتحد بهم وامتزج معهم (ونطق بألسنتهم) فكلامهم كلام الشيطان (فركب ) الشيطان (بـ) سبب (هم الزلل) جمع زلة وهي العثرة عن الحق وعدم رسوخ القدم فيه، أي أن الشيطان أوقفهم في مواقف الزلة حتى زلوا ولم يثبتوا (وزين لهم الخطل) هو أقبح الخطأ، أي أن الشيطان حسن في

فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَةُ الشَّيْطَانُ في سُلْطَانِهِ، وَنَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ!

.......................................

نفوسهم الخطايا والآثام القبيحة، ففعلوا (فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه) أي أن الشيطان صار شريكاً لهم في سلطتهم على الأمور، فما يفعلونه إنما يفعلونه باشتراك مع الشيطان حصة له وحصة لهم (ونطق بالباطل على لسانه) فلسانهم يتكلم لكن بإيحاء من الشيطان وإلقاء منه إليهم.

وَمِن کَلامِ لَهُ علیه السلام

يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك الكلام

يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ، وَلَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ، وَادَّعَى الْوَلِيجَةَ. فَلْيَأْتِ عَلَيها بِأمْرِ يُعْرَفُ، وَإِلا فَلْيَدْخُلْ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ.

.......................................

التوضيح :

لقد كان المسلمون يقولون لطلحة والزبير، كيف تنقضان بيعة الإمام، وقد بايعتماه طوعاً ورغبة بدون إكراه ولا إجبار؟ فكانا يجيبان بأنهما إنما بايعا بأيديهما لا بقلوبهما ويزعمان أن هذا الجواب يبرّر موقفهما العدائي من الإمام علیه السلام ولذا قال الإمام علیه السلام (يزعم) الزبير (أنه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه) فكان في البيعة مكرهاً غير راضٍ (فقد أقر بالبيعة) إقراراً (وادعى الوليجة) الدخيلة في الأمر، إدعاء، والمقر مأخوذ بإقراره ما لم يثبت بحجة واضحة خلاف الإقرار (فليأت) الزبير (عليها) أي على الوليجة التي ادعاها (بأمر يعرف) أي بحجة واضحة معروفة (وإلا) فإن لم يأت بالحجة (فليدخل فيما خرج منه) من طاعتي وتسليم الأمر إليّ، فإنَّ على المدعي البينة، وإن لم يقمها كان اللازم الكف عن ادعائه.

وَمِن کَلامِ لَهُ علیه السلام

يصف أصحاب الجمل وأنهم أصحاب قول لا أصحاب عمل

وَقَدْ أَرْعَدُوا وَأَبْرَقُوا، وَمَعَ هَذَيْنِ الأمْرينِ الْفَشَلُ، وَلَسْنَا تُرْعِدُ حَتَّى تُوقِعَ، وَلا تُسِيلُ حَتَّى نُمْطَرَ .

.......................................

التوضيح :

(وقد أرعدوا وأبرقوا) شبههم علیه السلام بالسحاب الذي يرعد ويبرق، الماعا إلى المطر فإنّهم كانوا يقولون ويسبون ويظهرون الشجاعة والبسالة (ومع هذين الأمرين) الإرعاد والإبراق (الفشل) وعدم المحاربة الشديدة، فقد اعتزل الزبير الحرب وطلحة قتل بدون محاربة معلومة (ولسنا نرعد) بأن نقول ونهرّج (حتى نوقع) بالعدو ونوسع فيهم القتل والضرب (ولا نسيل) بالكلام (حتى نمطر) أي نظهر العمل فإننا نجري الأمور، لا الأقوال، وهذا هو الحائز بين العاملين وغيرهم - غالباً - فالعاملون يعملون بلا أن يقولوا والقائلون لا يعملون، وإنما مجرد قول وثرثرة.

وَمِنْ خُطبة لَهُ علیه السلام

أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجِلَهُ، وَإِنْ مَعِي لبصيرتي : مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي، وَلا لُبْسَ عَلَيَّ. وَايْمُ اللهِ لأُقرِطَنَ

.......................................

التوضيح :

ومن خطبة له علیه السلام

والغالب أن [الخطبة] تكون مع اعتماد في الأداء، ووقوف أو صعود منبر أو ما أشبه، وابتداء بالحمد والصلاة، بخلاف [الكلام] وهذا هو الذي جعل [السيد] يقول تارة [من خطبة] وأخرى [من كلام] والغالب أن [السيد] يبتر بعض الخطبة أو بعض الكلام. مما يراه افصح من سائر جملها ولذا يقول [من ..] بالتبعيض (ألا) حرف تنبيه، أي ليتنبه السامع (وإنَّ الشيطان قد جمع حزبه) المراد بالشيطان إما حقيقة أو كناية عن شخص وقد ذكروا أنه علیه السلام خطبها بمناسبة حركة طلحة والزبير (واستجلب) أي طلب جلب (خيله ورجله) أي فرسانه ورجالاته وهذا إشارة إلى قوله تعالى «وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ»(1)(وإن معي لبصيرتي) لم أتغير بل عرفاني بالأمور كما كنت سابقاً (ما ليست على نفسي) التلبيس الإشتباه أي لم أسبب الإشتباه على نفسي حتى لا أدري هل أنا على الحق أم لا، كما هو الشأن في كثير من الناس حيث يقعون في المعارك يتشككون في أمر أنفسهم (ولا لبس علىَّ) بأن شكك لى مشكك فشككت (وأيم الله) أي قسما بالله فإنَّ [أيم] بمعنى القسم (الأفرطن)


1) سورة الإسراء: 64

لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ! لاَ يَصْدِرُونَ عَنْهُ، وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ.

.......................................

يقال أفرطه إذا ملأه حتى فاض (لهم) أي لهؤلاء المخالفين لي (حوضاً أنا ماتحه) يقال متح الماء إذا نزح الماء، والمعنى أني أهيّء لهم الجيش الجم الذي أنا متوليه بحيث (لا يصدرون عنه) أي لا يخرجون عن الماء - كناية عن

عنه) أنهم يقتلون فلا ينجون بسلامة - (ولا يعودون إليه) إذ لو ماتوا لا يتمكنون من الذهاب والإياب.

وَمِنْ كَلام لَهُ علیه السلام

لابنه محمد بن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل

تَزُولُ الْجِبَالُ وَلاَ تَزُلْ! عَضْ عَلَى نَاجِدَكَ أَعِرِ اللَّهَ جُمْجُمَتَكَ. تِد في الأَرْضِ قَدَمَكَ. ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ،

.......................................

التوضيح :

وإنما سمي ابن الحنفية لأن أمه امرأة من بني حنفية وإنما قيل له ذلك ليميز عن أولاد فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، وكان شجاعاً محبوباً عند الإمام علیه السلام وإخوانه.

(تزول الجبال ولا تزل) يعني يجب أن تكون من الصمود في مقابل الأعداء حتى إنك لا تزحزح عنهم، وأن زالت الجبال عن مراكزها.

(عض على ناجذك) النواجذ أقصى الأضراس، وإذا عض الإنسان على أسنانه اشتدت أعصاب رأسه فكان أكثر عزيمة واشد شكيمة (أعر الله) من (أعار يعير) أي أبذل بنحو العارية لله (جمجمتك) أي رأسك فإنَّه سبحانه يأخذه هنا ويعطيك هناك. ومعنى هذا أن يصمم للقتل (ند) من [وتد] أي أثبت الوتد في الجدار ونحوه (في الأرض قدمك) أي اجعلها كالوتد، حتى إذا جاءت كتيبة لا تنهزم فإنَّ الوتد ثابت مهما كان الأمر (ارم ببصرك أقصى القوم) أي انظر إلى آخر معسكر الأعداء حتى تجد في نفسك العزم على مقاتلة الجمع الكثير، فإنَّ الإنسان كلما كان أعرف بكثرة العدو كان أشد عزماً وأقوى

وَغُضٌ بَصَركَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ.

.......................................

قلباً للتقدم وأكثر تقديراً للظروف (وغض بصرك) أي بعد أن نظرت إلى آخر القوم أرم بصرك على الأرض لئلا يهولنك السيوف والرماح المشرعة نحوك، وهكذا الإنسان ذو العزم الراسخ يقدر مقدار الأعداء ثم يشرع من الأدنى فالأدنى ناظراً أمامه لئلا يضطرب قلبه إذا أبصر غير قدامه (واعلم أن النصر من عند الله سبحانه) وإذا علم الإنسان ذلك اشتد قلبه وربط جاشه وتضاعف نشاطه وقدرته.

وَمِنْ كَلام لَهُ علیه السلام

لما أظفره الله بأصحاب الجمل، وقد قال له بعض أصحابه وددت أن أخي فلاناً كان شاهداً ليرى ما نصرك الله به على أعدائك

فَقَالَ لَهُ علیه السلام : أَهْوَى أَخِيكَ مَعَنَا؟ فَقَالَ : نَعَمْ؟ قَالَ : فَقَدْ شَهِدَنَا، وَلَقَدْ شَهِدَنَا في عَسْكَرِنَا هَذَا أَقْوَامُ في أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ،

.......................................

التوضيح :

(لما أظفره الله بأصحاب الجمل - بأن غلب عليهم وانهزموا - وقد قال له بعض الصحابة وددت أن أخي فلاناً كان شاهدنا - أي يرى نصرنا عليهم - ليرى ما نصرك الله به على أعدائك؟)

(فقال له علیه السلام : أهوى أخيك معنا؟ أي هل ميله ورغبته معنا، وأنه يحبنا ويكره أعداءنا؟ (فقال - الرجل - نعم - ... ).

(قال) علیه السلام : (فقد شهدنا) أي حضرنا في الثواب فإنَّه شريك معنا في الأجر لأن الرجل مع مَن أحب (ولقد شهدنا في عسكرنا) أي كان كالحاضر معنا في الثواب والأجر ((هذا) صفة عسكرنا (وأقوام في أصلاب الرجال) جمع صلب وهو عظم الظهر موضع المني، كما قال سبحانه «يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ» (1)(و أرحام النساء) المراد بهم الأجنة الذين لم يخرجوا بعد


1) سورة الطارق : 7 .

سَيَرْعَفٌ بِهِمُ الزَّمَانُ، ويَقْوَى بهِمُ الإِيمَانُ.

.......................................

من الرحم (سيرعف بهم الزمان) أي يخرجهم الزمان إلى الوجود وأصل الرعاف الدم الذي يخرج من الأنف، فكأن الزمان يرعف ورعافه أولئك المشاركون معنا، لأنهم يهوونا ويحبونا وهواهم معنا (ويقوى بهم الإيمان) لأنهم ينصرون أمير المؤمنين وأهل بيته بالقلم واللسان وسائر وسائل النصر .

وَمِنْ كَلام لَهُ علیه السلام

في ذم أهل البصرة بعد وقعة الجمل

كُنتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ، رَغَا فَأَجَبْتُمْ، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ. أَخْلاقُكُمْ دِقَاقٌ، وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ، وَدِينَكُمْ نِفَاقٌ، وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ، وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنْ بَذَنْبِه، وَ الشَّاخِصُ عَنْكُمْ

.......................................

التوضيح :

(كنتم) يا أهالي البصرة (جند المرأة) يعني عائشة (وأتباع البهيمة) يعني الجمل، فإنَّهم كانوا يتبعون الجمل حيث مال وذهب وكان الجمل يسمى بـ [عسكر] (رغا) الجمل: وهو صوته (فأجبتم) وقد كنى عن صوت راكبه بصوته - بعلاقة الحال والمحل - (وعقر) أي قطعت أرجله وجرح (فهربتم) فلا ثبات لكم، ولا إدراك (أخلاقكم دقاق) جمع دقيق وهو الدنيء إذ الشيء الدقيق لا يستقر على حال، ولا يتحمل مختلف الأشياء (وعهدكم شقاق) فإنَّهم عاهدوا الإمام علیه السلام على يد واليه [عثمان بن حنيف] ثم خالفوا فكان عهدكم مخالفة ومشاقة (ودينكم نفاق) تظهرون هنا وجهاً وهناك وجهاً، (وماؤكم زعاق) أي مالح والماء المالح يؤثر في أخلاق الإنسان حرافة وتعنتاً.

(والمقيم بين أظهركم) جمع ظهر، والمعنى في وسطكم، فإنَّ ظهر الشيء ما يظهر منه مقابل البطن المخفي من كل شيء (مرتهن بذنبه) أي أنه ملازم للذنب، إذ لا بد وأن يكتسب من أخلاقهم وصفاتهم فهو كالرهن الملازم للشخص ما دام المال لم يؤد (والشاخص عنكم) أي المسافر عن

مُتَدَارَكَ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ. كَأَنِّي بِمَسْجِدكُمْ كَجُوجُو سَفِينَةٍ. قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْها الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِها وَمِنْ تَحْتِها، وَغَرقَ مَنْ فِي ضِمْنِها.

وفي رواية : وَأَيْمُ اللهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى مَسْجِدِهَا كَجُوجُوْ سَفِينَةٍ، أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ.

وفي رواية : كَجُوجُو طَيْرِ في لُجَّةِ بَحْرٍ.

.......................................

بلادهم إلى غيرها (متدارك برحمة من ربه) قد أدركته الرحمة ولذا وفق للفرار منهم ومن بلدهم (كأني بمسجدكم) وهو مسجد كبير بين (البصرة) الحالية ( والزبير) ربما قدّر بمائة ألف متر (كجؤجؤ سفينة) وهو صدرها الظاهر للأبصار من بعيد.

(قد بعث الله عليها) أي على البصرة (العذاب من فوقها) أي الطرف الأعلى منها (ومن تحتها) أي من الطرف الأسفل منها، كما قال سبحانه «إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ» (1)قالوا وقد غرقت البصرة مرتين في أيام القادر بالله ومرة في أيام القائم بأمر الله كما أخبر الإمام علیه السلام (وغرق من في ضمنها) أي في داخل البصرة.

وفي رواية :

(وأيم الله) أي قسماً بالله فإنَّ [أيم] بمعنى القسم (لتغرقن بلدتكم) أي البصرة (حتى كأني أنظر إلى مسجدها) الذي تقدم ذكره (كجؤجؤ سفينة) أي صدر السفينة (أو نعامة جاثمة) أي واقعة على وجه الأرض، فإنَّ شرفات المسجد لعلوها لم يغمرها الماء بل بقيت ظاهرة.

(كجؤجؤ طير) أي صدره (في لجة بحر) أي في وسطه، فإنَّ الإنسان


1) سورة الأحزاب : 10.

وفي رواية أخرى : بِلادُكُمْ أَنْتَنُ بِلادِ اللهِ تُربةَ : أَقْرَبُها مِنَ الْمَاءِ، وَأَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَبِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الشَّرِّ، الْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ، وَالْخَارِجُ بِعَفْوِ اللَّهِ.

.......................................

يرى الطير الرابض على ماء البحر والذي يملأ عين الإنسان منه هو الصدر منه ... ولعل الإمام علیه السلام قال ذلك مكرراً ، فأختلف الرواة حسب اختلاف كلام الإمام علیه السلام، فإنَّ العادة قد جرت بأن الإنسان يذكر الخبر الطريف -

تبشيراً وتحذيراً - مكرراً في كل مناسبة، والله العالم .

وفي رواية أخرى :

(بلادكم) يطلق البلاد على البلد الواحد باعتبار المحلات (أنتن بلاد الله تربة) وذلك لكثرة البخار المتصاعد من المياه الموجب للرطوبة والعفونة، بالإضافة إلى أن قرب الأرض من الماء يوجب عفونتها لاحتباس الأبخرة فيها - كما ذكروا في كتب الطب - (أقربها) أي أقرب البلاد (من الماء) لانخفاض مستواها حتى أنها قريبة من مستوى المياه الداخلية وسطح البحر (وأبعدها من السماء) أي من الرحمة، والمراد [السماء النقي] فإنَّ الأرض كلما كانت أرفع كانت أقرب إلى الهواء النقي الذي لم تشبه الأبخرة والعفونات والمراد بـ [التفضيل] النسبي لا الحقيقي كما لا يخفى (وبها) أي في بلادكم (تسعة أعشار الشّر) هذا عدد يقال للمبالغة، لا للحصر الحقيقي، والمعنى أن فيها شر كثير.

(المحتبس فيها) أي الباقي - وقد شبهه الإمام علیه السلام بالمحبوس، لأنها مثل الحبس في رداءتها - مرتهن (بذنبه) وحذف [مرتهن] الدلالة الكلام عليه (والخارج) منها إنما خرج (بعفو الله) فإنَّ بقاءهُ هناك الموجب لتخلقه بأخلاقهم معصية تحتاج إلى عفو الله سبحانه للخلاص منها، ومن هذا يظهر

كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَقَهَا الْمَاءُ، حَتَّى مَا يُرَى مِنْهَا إِلا شُرَفُ الْمَسْجِدِ، كَأَنَّهُ جُوجُو طُيْرِ في لُجَّةِ بَحْرٍ!

.......................................

أن قوله علیه السلام [المحتبس ..] يراد به بأن الباقي، إنما احتبس هناك بسبب ذنب صدر منه (كأني أنظر إلى قريتكم هذه) والقرية تطلق في مقابل الصحراء، وإن كانت بلدة كبيرة، كما قال سبحانه «وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ» (1)«أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ» (2)«قَرْيَنِكَ الَّتِي أَخرَجَتكَ» (3)وكأنها سميت قرية لأنها مقرى الضيف (قد طبقها الماء) أي شملها (حتى ما يرى منها) أي من القرية (إلا شرف المسجد) جمع شرفة وهي ما يبنى في أعالي جدار المسجد للزينة (كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر) قد سبق تفسير الجملتين .


1) سورة فاطر: 24

2) سورة الأعراف: 82

3) سورة محمد 13.

وَمِنْ كَلام لَهُ علیه السلام

في مثل ذلك

أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاء، بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَسَفِهتْ حُلُومُكُمْ، فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلِ، وَأَكْلَةً لِآكِلِ، وَفَرِيسَةً لِصَائِل.

.......................................

التوضيح:

(أرضكم يا أهالي البصرة (قريبة من الماء) لانخفاض مستواها (بعيدة من السماء) أي الرحمة أو الهواء النقي (خفت عقولكم) تشبيه للعقل بالشيء من الخفيف الذي يحركه هبوب الرياح، في مقابل العقول الرزينة التي لا تتحرك بأدنى حركة وأقل اضطراب وعاصفة (وسفهت حلومكم) أي أنكم سفهاء لا كمال لعقولكم (فأنتم غرض لنابل) الغرض هو الشيء الذي ينصب ليرمي بالسهام، والنابل الضارب بالنبل وهو السهم، فإنَّهم صاروا غرضاً لطلحة والزبير وعائشة (واكلة لأكل) يعني أنكم لا حصانة لكم، حتى أن كل أحد يطمع في أكلكم كلقمة سائغة (وفريسة لصائل) أي من صال من السباع والفريسة هو الحيوان الصغير الضعيف الذي يفترسه السباع وصال بمعنى هاجم ووثب بقوة.

وَمِنْ كَلام لَهُ علیه السلام

فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان

وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزَوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الإِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ، فَإِنَّ في الْعَدْلِ سَعَةَ، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ!

.......................................

التوضيح :

فأن عثمان كان قد أعطى بعض أراضي المسلمين لأقربائه ومن إليهم فلما جاء الإمام علیه السلام إلى الحكم قطع أيدي اولئك الذين استولوا عليها بأمر عثمان، وردّها للمسلمين كما كانت لهم .

(والله لو وجدته) أي وجدت المال الذي اقطعه عثمان (قد تزوج به النساء) بأن جعله المعطي له مهراً وتزوج به امرأة (وملك به الإماء) بأن اشترى به أمة (لرددته) فأبطلت كونه مهراً وكونه ثمناً لاشتراء الأمةَ، والنكاح لا يمنعني من إبقاء المال المغتصب على غصبيته، وهذا لبيان أن استحلال الفرج بهذا المال لا يلزم الاغتصاب فكيف بسائر التصرفات؟ (فإن في العدل سعة) إذ العدل يسع الكل، ولا يوجب التخصيص ببعض دون بعض - كما في الظلم - (ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق) فإنَّما الإنسان إنما يفر من العدل خوفاً أن لا يرضى به أهل المطامع والمطامح، فإذا جار هذا الإنسان إرضاء الرغبة أولئك كان الناقمون عليه أكثر، ويكون هو في ضيق أشد، كما أن عثمان لما أرضى خاصته ضاق عليه الأمر حتى قتل .

وَمِنْ كَلام لَهُ علیه السلام

لما بويع في المدينة

ذِمَّتِي بِمَا أَقولُ رَهِينَةٌ، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمَثَلاتِ، حَجَزَتْهُ التَّقْوَى عَنْ تقَحَم الشَّبُهَاتِ، أَلا

.......................................

التوضيح :

و(ذمتي بما أقول هيئة) الذمة هي النفس الملتزمة بشيء، أي أن نفسي مرتهنة بصحة ما أقول، فكما أن الرهينة لا تُفك إلّا بإعطاء المال لها، كذلك الذمة لا تُفَك - ولا يظهر صدق القائل وصحة دعواه إلا بمطابقة كلامه للواقع (وأنا به) أي بما أقول (زعيم) أي كفيل بصدق ما أقول - والجملتان بمنزلة الحلف - ومتعلق الحلف قوله (أن من صرّحت له العبر) جمع عبرة، وهي الموعظة التي تقع في الناس فيعتبر بها غيرهم، ومعنى تصريح العبرة دلالتها على النتيجة (عما بين يديه من المثلات) بمعنى العقوبات. أي أنّ العبر تكشف عن العقوبات التي تقدمت، ومعنى بين يديه، ما تقدم على زمانه، كأنه أمامه، ويُعبِّر عن الآثام بـ [بين اليدين] لامتداد الفضاء من ذلك إلى بين يدي الإنسان .

(حجزته التقوى) أي منعته تقواه - واتقاؤه عن العذاب - (عن تقحم الشبهات) الشبهة هي ما يشتبه حاله، فلا يدري أحل هو أم محرم، والتقحم الدخول بلا رؤية، أي أن العبر أدّت إلى أن لا يقتحم هذا الشخص في الشبهة، خوفاً من نزول العقاب عليه، فإنَّ الشبهة مظنة الخطيئة (ألا) فليتنبه

وَإِنَّ بَلِيَتِكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ الله نَبِيكُم صَلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ. وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبِلُنَّ بَلْبَلَةَ، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ، وَأَعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَلَيَسِقَنَّ

.......................................

السامع (وإن بليتكم) أي ابتلاؤكم و اختباركم (قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم صلی الله علیه و آله و سلّم) فكما بعث النبي صلی الله علیه و آله و سلّم كان موجباً للامتحان العظيم ليظهر المؤمن والكافر والمنافق.

كذلك أخذ الإمام بالزمام أوجب امتحان الناس، وان أيهم يتبع الحق وأيهم يتبع الباطل. (والذي) أي قسماً بالله الذي (بعثه) أي أرسل الرسول (بالحق) أي إرسالاً بالحق، فلم يكن الإرسال بالباطل، كإرسال الجبابرة جلاوزتهم للجور والطغيان (لتبلبلن بلبلة) يقال بلبلت الألسن بمعنى اختلطت أي يخلط بعضكم بعضاً، فإنَّ الأحداث تخلط الناس أعاليهم بأدانيهم، وأدانيهم بأعاليهم، أو المراد البلبلة في الكلام .

(ولتغربلن غربلة) هي نخل الدقيق في الغربال، كأنهم في الأحداث الآتية ينخلون فيبقى القوي الإيمان، ويسقط الضعيف الإيمان، وإن كان الظاهر استوائهما أو العكس، قبل الأحداث، فإنَّ الأحداث تظهر جواهر الرجال (ولتساطن سوط القدر) السوط تحريك ما في القدر بألة ونحوها، يعني تكونون هكذا، (حتى يعود أسفلكم) جاهاً ورتبة وديناً (أعلاكم) لما فيه من الجوهر الكامن الذي يرتفع عند الأحداث (وأعلاكم أسفلكم) لما فيه من الضعف الموجب لسقوطه في الفتن كما قال سبحانه «أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا» (1)تشبيه للسقوط المعنوي بالسقوط الحسّي (وليسبقن) إلى الجهاد


1) سورة التوبة : 49

سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيْقَصُرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا وَاللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً، وَلا كَذَبْتُ كِذْبَةٌ، وَلَقَدْ نُبُثْتُ بَهَذَا الْمَقَامِ وَهَذَا الْيَوْمِ، أَلَا وَإِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُها،

.......................................

والخير والفضيلة (سابقون) إليها (كانوا) في السابق (قصروا) فلم يبلغوا المقدار الممكن لهم (وليقصرن سباقون كانوا سبقوا) أي كان أناس في زمن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم وهم بعده سباقون إلى الفضيلة والجهاد، وفي هذا الدور يقصرون في العمل كالزبير الذي كان من السابقين في نصرة الرسول والإمام ثم صار من أعدائه فأورد نفسه النار بذلك.

(والله ما كتمت وشمة) هي الكلمة، أي لم أكتم شيئاً من الحق، بل أظهرت الحق كما هو فقد كان عليه الصلاة والسلام هادياً إلى الحق أماراً بالمعروف نهاء أعن المنكر (ولا كذبت كذبة) واحدة أبداً، فقد كان علیه السلام صريحاً غير مجامل في الحق ولا مداهن في العدل (ولقد نبئت) أي أُخبرت، والمخبر له هو الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم (بهذا المقام) الذي اقوم فيه لبيعتكم (وهذا اليوم) الذي تبايعونني فيه، وكان الإمام علیه السلام أراد بهذا قطع السبيل على الذين يريدون منه المواربة والمداجات كما إعتادوه عمن سلفه، ثم بيّن علیه السلام أن المخالف له إنما يعصي الله سبحانه، فاللازم أن يأخذ بزمام نفسه لئلا يقع في الخطأ (ألا) فليتنبه السامع (وإن الخطايا) جمع خطیئة و هی المعصیة سميت بها، لأن الإنسان يأتي بها خطاء وإلا فالعاقل لا يفعل ما يضره .

(خیل شمس) جمع شموس وهي الفرس التي تمنع ظهرها عن الركوب، وتقتحم في المهالك (حمل عليها) أي على تلك الخيل - وهو اسم جنس - (أهلها) أي أهل الخطايا والذنوب تشبيه للمذنب براكب الفرس

وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا، فَتَقَحَمَتْ بِهِمْ في النَّارِ، أَلَا وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأَعْطُوا أَزِمَّتَهَا، فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ. حقٌّ وباطلٌ، وَلِكُلِّ أَهْلٌ، فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ، وَلَئِنْ قَلُ الْحَقُّ فَلَرُبَّما

.......................................

الشموس التي لا يأمن الإنسان منها (وخلعت لجمها) أي أفلتت من يد الراكب لجامها الحافظ لها عن تقحم المهالك (فتقحمت بهم في النار) أي أدخلتهم فيها (ألا وإن التقوى) المراد بـ [التقوى] الجنس ولذا وصف بالجمع بقوله (مطايا) جمع [مطية] وهي المركوب، كما قالوا: [أهلك الناس الدراهم البيض والدنانير الصفر] (ذلل) جمع ذليل، فإنَّ التقوى تمنع الإنسان عن المهالك، بعكس الخطايا فإنَّها توردها في المهالك، ولذا اشبهت الخطايا بـ [الشمس] والتقوى بـ [الذلل].

(حمل عليها) أي على تلك المطايا (أهلها) أي أهل التقوى (وأعطوا أزمتها) جمع زمام، فإنَّ الإنسان الذي أعطى زمام الخيل حفظها عن السرعة والحركة غير المرغوبة، وهكذا التقوى كالمطية التي بيد الإنسان زمامها (فأوردتهم الجنة) في سير مريح، وهذا تحريض على اجتناب المعاصي والآثام والتزام التقوى في الأمور (حق وباطل) فإنَّ الله سبحانه حيث جعل الدنيا دار اختبار اسلس قياد كل من الحق والباطل ليختبر فيها الناس كما قال سبحانه «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا»(1)(ولكل أهل) فبعض يختار الحق وبعض يختار الباطل (فلئن أمر الباطل) أي تسنم مقام القيادة والأمر والنهي (لقديما فعل) أي فعل الباطل قديماً ذلك حيث كان الباطل من قديم الزمان يأخذ بزمام الأمر والنهي (ولئن قل الحق) أي أتباعه (فلربما)


1) سورة الإنسان : 3.

وَ لَعَلَّ، وَلَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٍ فَأَقْبَلَ !

وَمِنْ هذِهِ الخُطْبَةِ

شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ !

.......................................

يغلب الباطل مع قلته (ولعل) يأتي يوم يغلب الحق الباطل، كما قال سبحانه «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ» (1)(ولقلما أدبر شيء اللَّهِ فأقبل) هذا استبعاد منه علیه السلام أن يعود الحق إلى نصابه كما كان فإنَّ الشيء إذا أدبر كان بسبب ذهاب مقوماته، ومع ذهاب المقومات لا يعود كما كان، وكان هذا إشارة إلى ما وقع فعلاً من عدم رجوع الناس إلى سنة الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم.

يقول الرضي: إن في هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان وأن حظ العجب منه أكثر من حظ العجب به وفيه مع الحال التي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ولا يطلع فجها إنسان ولا يعرف ما أقول إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق وجرى فيها على عرق «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)»(2).

من جملة هذه الخطبة تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام : (شغل من الجنة والنار أمامه) أي أن الإنسان الذي يعلم بأن أمامه أحد الأمرين : الجنة أو النار، يشتغل بذلك عن غيره، فلا بد وأن يعمل ليل نهار لتحصيل الجنة والابتعاد عن النار، وشغل مبني للمفعول، ونائب الفاعل له [من] والجملة إما إخبارية، أو إنشائية بمعنى أن اللازم أن يعمل الإنسان دائم الأوقات للآخرة، لأن أمامه إما الجنة وإما النار فلا مجال له للاشتغال بأمور الدنيا.


1) سورة البقرة: 249

2) سورة العنكبوت: 43

سَاعٍ سَريعُ نجا، وَطَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا، وَمُقَصِّرُ في النَّارِ هَوَى. الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ، عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ، وَمِنْهَا مَنْقَذَ السُّنَّةِ وَإِلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ. هَلَكَ مَن ادعى، وَخَابَ مَنِ افْتَرَى .

.......................................

ثم أخذ الإمام علیه السلام يقسم الناس إلى ثلاثة طوائف (ساع سريع نجا) أي أسرع في السير إلى رضوان الله سبحانه نجا بنفسه وفاز بالجنة، وأصل [ساع] [ساعي] وحيث كانت الضمة ثقيلة على الياء حذفت، فالتقى الساكنان فحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، واتصل التنوين بالعين فصار [ساع] (وطالب) لرضوان الله وجناته (بطيء) في سيره فمرة يعمل بالخير ومرة بالشر (رجا) أي رجاء الثواب والجنان (ومقصر) في العمل (في النار هوى) أي سقط لأنه لم يعمل بالواجب ولم يترك المحرم (اليمين والشمال مضلة) أي أن ما زاغ عن جادة الشريعة نحو الإفراط أو التفريط، ضلال وانحراف عن الحق كالطرفين في الطريق إذا سلكهما الإنسان ضل وحاد عن الجادة الموصلة (والطريق الوسطى) صفة الطريق، لأنها مؤنث ساعي (هي الجادة) الموصلة إلى الهدف.

(عليها) أي على الجادة (باقي الكتاب وآثار النبوة) أي الكتاب الباقي، وأثر الأنبياء، فكأن الكتاب وآثار النبوة سارا على ذلك فمن سار في الجادة كان تابعاً لهما (ومنها) أي من الطريق الوسطى (منفذ السنة) أي أن سنة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم تنفذ وتسير من الجادة وتصل للهدف، فالسائر في الجادة سائر على منهاج السنة (وإليها) أي إلى الجادة (مصير العاقبة) أي أن العاقبة المحمودة للإنسان تصير إلى الجادة، أما من كانت عاقبته سيئة فإنه يخالف الجادة حتى يصل إلى تلك العاقبة السيئة (هلك من ادعى) أنه على الحق وهو يسير في اليمين والشمال وخاب أي خسر (من افترى) وكذب بنسبة اليمين

.......................................

مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ. وَكَفَى بِالمَرْءِ جَهْلاً أَلا يَعْرِفَ قَدْرَهُ. لاَ يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ، وَلَا يَظْمَا عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمِ. فَاسْتَتِرُوا بيُوتِكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْتِكُمْ،

.......................................

والشمال إلى الله سبحانه، كأهل الأهواء الباطلة الذين ينسبون أعمالهم المنحرفة إلى الله سبحانه ورسوله صلی الله علیه و آله و سلّم .

(من أبدى) أي أظهر (صفحته) أي صفحة وجهه (للحق) أي من بارز الحق صريحاً، فإنَّ العدو يبدي صفحة وجهه لعدوه (هلك) لأن الحق يحطمه ويهلكه (وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره) فإنَّ الإنسان له قابلية أن یسیر في مراقي السعادة حتى يكون أعظم السعداء في الدنيا وعظيم الحظ في الآخرة، وهذا هو قدر الإنسان، فإذا لم يعرف الإنسان قدر نفسه أضاعها أو ألحق بها الشقاوة في الدنيا والآخرة، وأي جهل أعظم من هذا الجهل الموجب لخسارة الدنيا والآخرة (لا يهلك على التقوى سنخ أصل) السنخ النبت، أي أن أصل نبات الإنسان لا يهلك إذا كان مقترنا بالتقوى، كما لا يفسد أصل نبات الأشجار إذا وفرت له الأرض الصالحة والماء والهواء والضياء.

(ولا يظمأ عليها) أي لا يعطش إذا كان مقترناً بالتقوى (زرع قوم) فالأعمال الخيرية إذا كانت بدون تقوى صاحبها عطشت عطشاً يوجب فسادها، فإنَّ الله إنما يتقبل من المتقين، أما إذا كانت مقترنة بالتقوى لم تعطش بل بقيت ريانة غير فاسدة ولا ذابلة (فاستتروا ببيوتكم) أي ألزموا البیوت، ولا تعرضوا أنفسكم لمقابلة الحق، كما هو العادة العادة في أيام الاضطراب والفوضى، من أن ضعفاء الإيمان يسيطر عليهم قادة الباطل، فيبدون صفحتهم للحق وفي ذلك هلاكهم (وأصلحوا ذات بينكم) فكأن الصلة

وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ وَلَا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلا رَبَّهُ، وَلَا يَلُمْ لاَئِمُ إِلا نَفْسَهُ.

.......................................

شيء بين الطرفين، إذا صارت بينهما منافرة، فسدت، وإصلاحها: إرجاعها إلى نصابها الصالح الموجب للسعادة والألفة (والتوبة من ورائكم) تتمكنون الاتصال بها، كما أن من وراء الإنسان يتمكن الإفساد من الاتصال به، وهذا كناية عن عدم فوت محل التوبة (ولا يحمد حامد إلا ربه) إذ جميع النعم منه تعالى، والمراد أن أصل الحمد مربوط به وإن كان اللازم أن يشكر الإنسان وسائط النعم كما قال سبحانه «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ»(1)(ولا يلم ) من لام يلوم (لائم إلّا نفسه) والمراد لزوم اشتغال كل إنسان بعيوب نفسه عن عيوب الآخرين، وقد أجاد الشاعر في قوله :

لسانك لا تبدي به سوءة أمرء *** فكلك سوءات وللناس ألسنُ

وعينك إن أهدت إليك معائباً *** من الناس قل يا عين للناس أعين


1) سورة لقمان : 14

وَمِنْ كَلام لَهُ علیه السلام

صفة من يتصدى للحكم بين الأُمة وليس لذلك بأهل

إِنْ أَبْغَضَ الْخَلائِقِ إِلَى اللهِ رَجُلانِ : رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْغُوفٌ بِكَلامِ بِدْعَةٍ، وَدُعَاءِ ضَلالَةٍ،

.......................................

التوضيح :

(إن أبغض الخلائق) جمع خليقة، ولعل التأنيث باعتبار كونها صفة لنفس (إلى الله) والإتيان بـ [إلى] لأن السوء الموجب للبغض والعداوة - عند الله سبحانه - يبتدئ من الإنسان، وينتهي إليه سبحانه كما قال تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ » (1)(رجلان) أي صنفان من الرجال .

(رجل وكله الله إلى نفسه) فإنَّ الإنسان إذا رأى الهدى فلم يتبعه، تركه سبحانه وشأنه ولا يلطف به الألطاف الخفية الموجبة لعونه ومدده، كما أن الأب إذا اعرض ولده عن إطاعته، تركه وشأنه لا يأبه به، ولا يعتني بأمره، وكان المراد بهذا الصنف الحكام الجائرون، والمراد بالصنف الثاني العلماء الضالون المضلون .

(فهو جائر) أي مائل (عن قصد السبيل) أي وسط الطريق الموصل إلى الهدف (مشغوف بكلام بدعة) أي مولع به، قد بلغ حبه شغاف قلبه، وهو غلافه، كما قال سبحانه «قَدْ شَغَفَهَا حُبّا»(2)(ودعاء ضلالة) فهو يتكلم بما


1) سورة فاطر: 10

2) سورة يوسف : 30

فَهُوَ فِتْنَةٌ لمن افْتَتَنَ بِهِ، ضَالُ عَنْ هَذِي مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، مُضِلُّ لِمَنِ اقْتَدَى بهِ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنُ بِخَطِيبتِهِ، وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً، مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ الأُمَّةِ.

.......................................

هو بدع - أي جديد - في الدين ويدعوا الناس إلى الضلالة كمعاوية مثلاً الذي كان يتكلم بما أبدع لا بما سنه الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، ويدعوا الناس إلى نفسه وضلالاته، لا إلى الحق وأهله.

(فهو فتنة) أي موجب لامتحان (لمن افتتن به) وتعلق بأعماله وأقواله، والفتنة هي ما توجب تحريف الإنسان عن جادة الهدى إلى الضلالة (ضال عن هدى من كان قبله) أي قد ضل الطريق فلم يسر على طريق من قبله من الصالحين (مضل لمن اقتدى به) واتبعه (في حياته وبعد وفاته) فإن من يرسم طريق الضلالة يوجب إضلال الناس سواء كان المضلّ حيّاً أم ميتاً (حمّال خطايا غيره) أي أنه كثير الحمل لخطايا الذين اتبعوه [فإن من سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة] (رهن بخطيئته) أي أنه مرتهن بعصيانه، معاقب عليه، وليس مطلقاً ليرتقي في مراقي السعادة و الكمال.

(ورجل) هو الصنف الثاني، وهم العلماء الضالون المضلون، فإنَّ هاتين الطائفتين هما الحكّام على الأبدان والعقائد ولذا قال الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم [طائفتان في أمتي إذا صلحتا صلحت أمتي وإذا فسدتا فسدت أمتي : العلماء والأمراء] وذلك لأن الناس تابعون لمجرى حياتهم ومجرى تعليمهم - لأن الأول يؤمن أبدانهم والثاني عقائدهم - فإذا فسد أحدهما فسد الناس وإذا صلح صلح الناس (قمش) أي جمع - وأصل القمش جمع التفرق - (جهلاً) فمثلاً قال بعدم عدالة الله كما يقول الأشعري ولعدم حشر الأجساد كما يقول الفلاسفة غير المتألهين، وهكذا فما جمعه إنما هو جهل، لا علم (موضع في جهال الأمة) [موضع] اسم فاعل

عَادٍ في أغْبَاش الفِتنةِ، عَم بِمَا فِي عَقْدِ الْهَدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ، بَكْرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ، مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّى إِذَا ارْتَوَى

.......................................

من أوضع بمعنى أسرع، كما قال سبحانه «وَلَاَرْضَعُواْ خِلَالَكُمْ»(1)أي مسرع بالإفساد في جهال الناس، فإنّهم هم الذين يفسدون بفساده.

(عاد) من [عدا يعدو] بمعنى أسرع، أي مسرع (في أغباش الفتنة) جمع [غبش] بالتحريك، بمعنى الظلمة، أي أنه يسرع في ظلمات الفتن، بخلاف العاقل فإنَّه لا يذهب في الفتنة بل يتنحى عنها لئلا تصيبه بظلماتها وآثامها (عم) صفة مشتقة من [العمی] (بما في عقد الهدنة) بالهدنة والمسالمة بين الناس - التي يعقدها العقلاء - ذات منافع جمة ومثل هذا الشخص جاهل بما فيه من المصالح، ولذا للاضطراب والفتن، وهذه حقيقة يشاهدها الإنسان في الظروف الآمنة، فإنَّ أمثال أولئك الجهال يسعون لتحطيمها بظن أن التحطيم يحسن الحال غافلين عن أن الهدنة والمسالمة لا تعقدان إلا بشق الأنفس وبصعوبات جمة، وأنها إذا هدمت سادت الفوضى والاضطراب .

(قد سماه أشباه الناس) الذين هم في صورة الناس، وليس لهم حقيقة الإنسانية لعدم انطوائهم على العلوم والمعارف ولا يميزون بين الصالح والطالح والصحيح والفاسد (عالماً) والحال أنه (ليس به) أي ليس بعالم وإنما جاهل في صورة عالم (بكر) أي أصبح (فاستكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر) فإنَّ مثل هذا العالم شكلاً، يأتي كل صباح ليحفظ ويتلقى دروساً من الأضاليل والأباطيل (حتى إذا ارتوى) أي امتلأ كالعطشان الذي يرتوي من


1) سورة التوبة : 47

مَنْ آجِنِ، وَأكْتَتَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلِ، جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً، ضَامِناً لِتَخْلِيص مَا الْتَبسَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى المُبْهَمَاتِ هيا لَهَا حَشْواً رَنَا مِنْ رَأيِهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشَّبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ : لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ اَخْطَأَ، فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ،

.......................................

الماء (من أجن) هو الماء المتعفن المتغير طعمه ولونه (واكتنز) أي جمع في نفسه ما عده كنزاً من العلوم (من غير طائل) أي بدون فائدة لأنه شيء خسيس حقير، فقد جمع أقوالاً فارغة وأدلة وهمية، وأحاديث موضوعة وما أشبه ذلك (جلس بين الناس قاضياً) ليقضي بينهم في أمور الحلال والحرام والدعاوي والمرافعات.

(ضامناً لتخليص ما التبس على غيره) فإنَّ الذي يجلس مجلس القضاء والإفتاء كان إظهار الضمان لذلك، ومعنى (تخليص ما التبس) أنه يظهر الحق، ويخلصه من بين المشتبهات والمحتملات (فإن نزلت به إحدى المبهمات) أي جاءته إحدى القضايا المبهمة المشكلة (هيأ لها) أي جعل لحل تلك المبهمة (حشواً) أي كلاماً زائداً فارغاً، فإنَّ الحشو هو الزائد الذي لا فائدة فيه (رثا) أي بالياً ضد الجديد (من رأيه) كما هو العادة في الجهال أنهم يهيؤون كلاماً كثيراً في المشكلات للحفظ على كيانهم أمام الناس (ثم قطع به) أي بذلك المهيأ البالي، وجعله المطلب المقطوع به المصاب لكبد الحقيقة (فهو) أي هذا الشخص (من لبس الشبهات) والشك والالتباس فيها (في مثل نسج العنكبوت) وهو بيتها، يعني أنه شاك في نفسه لا يعلم أن حكمه صحيح أو باطل .

(لا يدري أصاب أم أخطأ) لأنه يعلم أن أدلته واهية وإنه لفقها تلفيقاً (فإن أصاب) الواقع في حقيقة الأمر (خاف أن يكون قد أخطأ) لأنه لا يعلم

وَإنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ. جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالَاتِ، عَاشِ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ لَمْ يَعَضُّ عَلَى الْعِلْمِ بَضِرْسٍ قَاطِعِ يُذْرِي الرِّوَايَاتِ إِذْرَاءَ الرِّيحِ الْهَشِيم لاَ مَلِيءٌ - وَاللَّهِ - بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَلاَ هو أَهل لما فُوْضَ إِليه .

.......................................

الصواب والخطأ عن دليل ومستند (وإن أخطأ) في الواقع (رجا) في نفسه (أن يكون قد أصاب) وهذا تمثيل بليغ لحال الجهلاء المتعرضين للفتوى والقضاء (جاهل) بنفسه وأن تزيّا بزي أهل العلم والقضاء (خباط جهالات) يقال [خبط] أي سار في الليل على غير هدى، أي أنه يسير في الجهالات بدون دليل ومرشد (عاش) هو الذي ضعف بصره حتى لا يميز بين الأمور وإنما يرى الأشباح .

(ركّاب عشوات) جمع عشوة مثل الأول وهي ركوب الأمر على غير هدىّ، أي أنه يركب الأمور ويفتي بها بدون هداية ودليل (لم يعض على العلم بضرس قاطع) فإنَّ الإنسان إذا أراد اختيار عود أنه ليّن أو صعب، عض عليه فيعرف حقيقته، والجازم في الأمور العالم بها كذلك بخلاف الجاهل الذي لا يدري حقيقة الأشياء إذ لا يقدر على العض الكامل الشديد ليختبر الأمور.

(يُذري الروايات) أي يطرحها (إذراء الريح الهشيم) الهشيم ما يبس من النبت وتفتت أي كما أن الريح تنشر وتفرق الهشيم كذلك هذا الجاهل يطرح ما روي عن الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم لأنه يعتمد على رأيه لا على الروايات (لاملى) الملي هو الذي يحسن القضاء و يجيده وهذا الناصب نفسه للقضاء ليس مجيداً له (والله - بإصدار ما ورد عليه) أي بأن يحكم في القضية بما هو الحق، حتى تصدر القضية عنه وقد بلغت نصابه من الحق وأعطيت حقها من الفصل والحكم (ولا هو أهل لما فوض إليه) أي للقضاء الذي فوّضه الخليفة إليه، فقد كان القضاة في زمان من تقدم على الإمام كذلك فإنهم بمجرد أن

.......................................

لا يحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ، وَلاَ يَرَى أَنْ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرُ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرٍ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وتَعِجُ مِنْهُ المَوارِيتُ إِلَى اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ

.......................................

تعلموا بعض روايات الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم أو صحبوه أياماً قلائل كانوا يُعينون قضاةً بلا علم ومعرفة (لا يحسب العلم في شيء مما أنكره) أي أنه إذا لم يعرف شيئاً يزعم أنه ليس بعلم، وأن العلم منحصر فيما عرفه وهكذا شأن الجهال دائماً يظنون أن ما لديهم لديهم هو العلم، فقط، دون ما لدى سواهم.

(ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهباً لغيره) فيزعم أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه فكل ما ذهب إليه غيره مما وراء رأيه لا قيمة له ولا ثمن له بنظره (وان أظلم عليه أمرٌ اكتتم به) [أظلم عليه أمر] بمعنى أنه جهله حتى كأن الأمر في

ظلمة فلا يرى، يعني أنه إذا لم يعرف شيئاً كتمه وستره، كما هو شأن الجهال ذوي الأنفه، بخلاف العلماء الراسخين الذين يبحثون ويسألون عما لا يعلمونه، ولذا قالوا [إذا رأيتم العالم يكثر من قولة لا أدري فاقتربوا إليه، فإنَّه عالم متقي] (لما يعلم من جهل نفسه) فأنه يظن أن لو أظهر جهله بعدم إطلاعه على المسألة الفلانية تبدّل رأي الناس في كونه عالماً، فإنَّ الإنسان الفارغ يخاف أن يظهر للناس أمره بخلاف العالم فإنَّه وزين بما لديه ولذا لا يخشى.

(تصرخ من جور قضائه الدماء) يعني أن الدماء التي يريقها في الحدود والديات التي حكم فيها بغير حق تصرخ إلى الله سبحانه للانتقام منه، وهذا كناية عن بطلان أحكامه في الدماء (وتعجّ منه المواريث) العجيج: رفع الصوت، أي أن المواريث التي يحكم فيها بغير ما أنزل الله ترفع صوتها شاكية إلى الله سبحانه بأنه جار فيها وأعطاها غير أهلها، وحرم أهلها، والمواريث جمع ميراث (إلى الله اشكو من معشر) أي جماعة وتسمى

يَعيشُونَ جُهَّالاً وَيَمُوتُونَ ضَلالاً، لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةُ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِهِ وَلَا سِلْعَةٌ أنفِقُ بَيْعاً وَلَا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرْفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلاَ عَنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ المَعْرُوفِ وَلا أَعَرَفُ مِنَ الْمُنْكَر.

.......................................

الجماعة معشراً، لمعاشرة بعضهم لبعض (يعيشون جهالاً) أي جاهلين بالأحكام والسنة (ويموتون ضلالاً) جمع ضال، أي أنهم ضالون إلى حين المماة لا يهتدون إلى السبيل حتى يموتوا بتلك الحالة (ليس فيهم سلعة) أي متاع (أبور) أي أكثر كساداً، من بارت السلعة، إذ كسدت] (من الكتاب إذا تلى حق تلاوته) أي عمل به كما ينبغي العمل به، وإنما جئ بلفظ [التلاوة] لأنها طريق إلى العمل.

(ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أغلى ثمناً من الكتاب) أي القرآن الكريم (إذا حرّف عن مواضعه) أي فسّر بغير معناه، ولذا يرى الإنسان كل ذي مبدأ باطل يأخذ بآيه يفسرها كما يشاء ثم هي عنده أفضل شيء، وإذا فسرت كما هو ظاهره كانت بائرة يهرب صاحب ذلك المبدأ منها (ولا عندهم أنكر) أي أكثر إنكاراً (من المعروف) فإنَّهم ينكرون المعروف لأنه يصادم مصالحهم (ولا أعرف من المنكر) لأنه يوافق مآربهم وأمورهم .

ومن كلام له علیه السلام

في ذم اختلاف العلماء في الفتيا

تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ في حُكْم مِنَ الأَحْكام فَيَحْكُمُ فِيهَا برَأيهِ، ثُمَّ تَرِدُ تلك الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلافِه، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقَضَاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الإِمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ، فَيُصَوْبُ آرَاءَهُمْ جَميعاً -

.......................................

التوضيح :

فلقد كان أصحاب الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم - غالياً - يعملون بأرائهم في الأمور لقلة ما حفظوه من الروايات، وإذا قيل للخليفة بذلك صوب أراءهم جميعاً لأنه هو الآخر، يعمل بالرأي ويوصي قضاته وولاته بالعمل بالرأي.

(ترد على أحدهم) أي على أحد القضاة أو العلماء (القضية في حكم من الأحكام) الشرعية سواء كانت مرتبطة بالقضاء أو بغير القضاء (فيحكم فيها) أي في تلك القضية (برأيه) وحسب فكرته غير المستقاة من الكتاب والسنة (ثم ترد تلك القضية بعينها) لتأكيد كون القضية الثانية مثل القضية الأولى في جميع الجهات (على غيره) أي غير ذلك القاضي الأول (فيحكم فيها) أي في تلك القضية (بخلافه) أي بخلاف حكم القاضي الأول (ثم يجتمع القضاة بذلك) الحكم في تلك القضية (عند الإمام الذي استقضاهم) أي طلب منهم أن يكونوا قضاة (فيصوب آرائهم جميعاً) فإنَّه يحكم بأن كل أولئك مع اختلافهم، على صواب وسداد، وهذا هو الفرق بيننا نحن - الشيعة - وبين أهل السنة، فإنا نقول

وَإِلهُهُمْ وَاحِدًا وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدًا وَكِتابُهُمْ وَاحِدٌ، أَفَأَمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - بالاخْتِلافِ فَأَطَاعُوهُ! أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ! أَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِثْمَامِهِ! أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى؟

.......................................

بان حكم الله واحد، وأن من أصابه فقد أصاب الحق، ومن لم يصبه فقد اخطأ، لكنه معذور إذا لم يقصر في المقدمات بخلاف أهل السنة القائلين بأن المجتهدين المختلفين على صواب كلهم، وأن تناقضوا في الآراء والفتاوى.

ثم يتعجب الإمام من أنه كيف يمكن أن تكون آراؤهم جميعاً على صواب (وإلههم واحد) الواو للحال (ونبيهم واحد) هو الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم (وكتابهم واحد) هو القرآن، فلو كان أحد هذه الثلاثة متعدداً أمكن الاختلاف، لكن مع الوحدة لا يمكن الاختلاف (أفأمرهم الله - سبحانه بالاختلاف) أي اختلاف بعضهم مع بعض (فأطاعوه)؟ هذا استفهام إنكاري فإِنَّ الله لم يأمر إلّا بالإتحاد والائتلاف لا بالاختلاف والتعدد في الفتيا (أم نهاهم عنه فعصوه)؟ ولم هذا العصيان بعد النهي؟ قال سبحانه «وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ»(1)(أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم) أي بهؤلاء القضاة (على إتمامه)؟ بأن يقولوا من عند أنفسهم، ولذا استغنوا عن الكتاب والسنة باجتهاد آرائهم، ومعلوم أن الرأي يختلف باختلاف أصحاب الرأي .

(أم كانوا) هؤلاء القضاة (شركاء له) أي لله سبحانه (فلهم أن يقولوا) ما شاؤوا ( وعليه) تعالى (أن يرضى)؟ كما هو حال الشريك مع شريكه إذ


1) سورة آل عمران : 19.

أَمْ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأَدَائِهِ إِليهمْ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ» (1)وقال «تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ»(2)، وَذَكَرَ أَنْ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضَهُ بَعْضاً،

.......................................

كل واحد لا بد وأن ينفذ أراء شريكه، وإلا انفسخت الشركة بينهما (أم أنزل الله سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم عن تبليغه) للناس (وأدائه) أي إعطاء ذلك الدين (إليهم) أي إلى الناس؟ ولذا فما وصل بيد الناس دين ناقص يحتاج إلى الإتمام، وأداء القضاة بمنزلة المتمم له، ولكن هذا خلاف القرآن الحكيم (والله سبحانه يقول) ما يرد هذا الزعم (ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) أي ما قصرنا في القرآن من أمر يحتاج إليه الناس، فإنَّ الكتاب قد بين الخطوط العامة لما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم، وقد شرح الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم بما كفى الأمة، كما قال صلی الله علیه و آله و سلّم [ما من شيء يقربكم إلى الجنة ويبعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به وما من شيء يقربكم إلى النار ويبعدكم عن الجنة إلا وقد نهيتكم عنه] .

وقال تعالى «تبياناً لِكُلِّ شَيْءٍ» أي بيان كل ما يحتاج الناس من الخطوط العامة لأمور دينهم ودنياهم، فأصول التوحيد والعدل والمعاد والرسالة، والعبادات والمعاملات والفضائل وما أشبه موجودة في القرآن الحكيم (و) لا تناقض في القرآن حتى يقول كل صاحب رأى أنا أخذت بطرف منه وجانب مما بين فيه ويكون ذلك منشأ الاختلاف فقد (ذكر) سبحانه (أن الكتاب يصدق بعضه بعضاً) لا أنه يناقض بعضه بعضاً.


1) سورة الأنعام: 38

2) سورة النحل : 89

وَأَنَّهُ لاَ اخْتِلافَ فِيهِ . فَقَالَ سَبْحَانَهُ : «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً»(1)وَإِنَّ الْقُرآنَ ظَاهِرُهُ أنيق وباطنه عَمِيقٌ، لا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ،

.......................................

(وأنه لا اختلاف فيه) أي في الكتاب (فقال سبحانه) بهذا الصدد (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) فإنَّ أعظم المنكرين لا يمكن أن يؤلف كتاباً في ظرف ثلاث وعشرين سنة، وتطرأ عليه مختلف الأحوال والأطوار العجيبة، ومع ذلك يأتي بالكتاب الذي ذلك يأتي بالكتاب الذي ألفه في أسلوب واحد ونسق واحد بلا اختلاف وتناقض وتهافت .

وقد زعم من لا خبرة له ولا معرفة له بالتفسير أن هذا التحدي منظور فيه، إذ نرى كثيراً من الكتب لا اختلاف فيها؟ وهذا زعم الجاهل، فإنَّ الآية تقول : (لو كان] - القرآن - والمراد بظروفه وملابساته - لا أن المراد كل كتاب ولو ذو عشرين صفحة وألّفه إنسان في نصف يوم ... إذاً فالقرآن لا نقص فيه - كما ذكر ذلك في الآية الأولى - وقد أوضح كل شيء توضيحاً - كما ذكر ذلك في الآية الثانية، ولا يخالف بعضه بعضاً - كما ذكر ذلك في الآية الثالثة - وما هذا شأنه لا يمكن أن يسند الخلاف إليه، ومع ذلك كله فالقرآن ذو روعة خاصة وروح عجيبة أخاذة (وإن القرآن ظاهره أنيق) حسن معجب بأنواع البلاغة والبيان والأسلوب الحسن والانسجام المدهش، يقال أنقني الشيء أي أعجبني (وباطنه عميق) فلا يدرك أسراره إلا الراسخون في العلم، كالبحر الذي لا يدرك ما فيه إلّا الغواص الماهر (لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه) فقد أضفى الله سبحانه عليه حالة تجدد بحيث كلما طالعه الإنسان وتلاه راه


1) سورة النساء : 82

وَلاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلا بِهِ.

.......................................

عجيباً مدهشاً (ولا تكشف الظلمات) أي ظلمات المناهج في الحياة (إلا به) أي بالقرآن فإنَّه هو الذي يقرر برامج الحياة السعيدة التي تنجي الإنسان من ظلمات العقائد والعادات والأخلاق والأعمال وما إلى ذلك. فإنَّ الإنسان بدون القرآن في ظلمة الجهل لا يعرف الطريق إلى العقائد الحقّة، والأعمال الحسنة، والفضائل، والأحكام الصحيحة، وإذا كان معه القرآن اهتدى إلى كل ذلك وتبدد الظلام بنور القرآن الحكيم، فإنّ قلت كيف اختلف العلماء عندنا، في بعض الأحكام ...؟ قلت ذلك اختلاف في فهم الكتاب والسنة لا اختلاف في الأداء. بدون استناد إلى كتاب وسنة، بالإضافة إلى ضياع كثير السنة من السنة عندنا ولو وصلت إلينا السنة كما كانت في زمان الإمام، أو في زمان أولاده الطاهرين لم يكن اختلاف .

وَمِنْ كَلام لَهُ علیه السلام

قاله للأشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة يخطب، فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث فيه، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه عليك لا لك، فخفض علیه السلام إليه بصره ثم قال:

مَا يُدرِيكَ مَا عَلَي مِمَّالي، عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللهِ وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ !

.......................................

التوضيح :

قالوا : كان أمير المؤمنين علیه السلام يتكلم في أمر الحكمين، فقام رجل من أصحابه، وقال نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها، فلم ندر أي الأمرين أرشد؟ فصفق علیه السلام بإحدى يديه على الأخرى وقال هذا جزاء من ترك العقدة، وأراد بذلك أن تحكيم الحكمين كان جزاؤكم حيث تركتم معقد الأمر وهو خلافته علیه السلام ورضيتم بالتحكيم الذي لا يدرى ما عاقبته، فظن الأشعث أن الإمام عنى بذلك جزاء نفسه، حيث حارب القوم، فقال الأشعث قولة مريداً بذلك أن هذا الكلام في ضررك يا أمير المؤمنين لا في نفعك فقال الإمام : ما يدريك. وهنا قول آخر ذكره ابن میثم، لكن ما ذكرناه هو الأظهر والله العالم .

(ما يدريك) يا أشعث (ما عليّ مما لي)؟ فإنَّك لم تفهم الكلام حتى تعرف هل أنه في ضرري أو نفعي (عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين) وقد كان أشعث هذا منافقاً، واشترك - أخيراً - هو في قتل الإمام، في مؤامراته مع ابن ملجم، كما اشتركت ابنته [جعدة] في قتل الإمام الحسن علیه السلام، بإسقائه السم الذي بعثه إليها معاوية، واشترك ابنه [محمد] بن الأشعث في قتل الإمام

حَائِكَ ابْنُ حَائِكَ! مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِرٍ! وَاللَّهِ لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةَ، والإِسْلامُ أُخْرَى!

.......................................

الحسين علیه السلام يوم عاشوراء، فقد كان من قواد جيش ابن سعد (حائك ابن حائك) أما حقيقة بأن كان هو وأبوه حائكين، فقد كان أهل اليمن يحيكون الأثواب، أو مجازاً يراد به نقصان العقل، فإنَّ الحائك حيث أنه مشتغل بالحياكة طول وقته يجمد فكره على جهة خاصة ولا يتسع أفق عقله، ولذا لا يكون له دقة سائر الناس المطلقة الأفاق، ولذا ورد نقصان عقل الحائك، هذا بالإضافة إلى أن حركات بدن الحائك في حال الحياكة توح خفةً فيه .

(منافق ابن كافر) فقد كان الأشعث منافقاً في أصحاب الإمام علیه السلام كما كان عبد الله ابن أبيّ منافقاً في أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم يظهر كل منهما الولاء، ويبطنان العداء وكان أبو الأشعث كافراً (والله لقد أسرك الكفر مرةً) (و) أسرك (الإسلام) مرة (أخرى) فقد وقع بين طائفتين من الكفار مقاتلة فغلب الجانب الآخر وأسروا في جملة أسراهم الأشعث، وارتد الأشعث بعد موت الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم فقاتله المسلمون وغلبوا عليه وأسروه إلى أبي بكر ثم عفا عنه، وتفصيل ذلك كما ذكروا : أن قبيلة مراد قتلت قيساً الأشج أبا الأشعث فخرج الأشعث طالباً بثار أبيه، فخرجت كندة متساندين إلى ثلاثة ألوية، على أحدها كبش ابن هانئ، وعلى أحدها القشعم بن الأرقم وعلى أحدها الأشعث فأخطأوا مراداً ووقعوا على بن الحارث بن كعب، فقتل كبش والقشعم وأسر الأشعث وفدي بثلاثة آلاف بعير لم يفد بها عربي قبله ولا بعده وأما أسر الإسلام له فذلك إن بني وليعة لما ارتدوا بعد موت النبي صلی الله علیه و آله و سلّم وقاتلهم زياد بن لبيد البياضي الأنصاري لجأو إلى الأشعث مستنصرين به فقال لا أنصركم حتى تُملّكوني، فتوجوه كما يتوجّ الملك من قحطان فخرج معهم مرتداً يقاتل

فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَلاَ حَسَبُكَ! وَإِنَّ امْرَأَ دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ، وَسَاقَ إِلَيْهِمُ الْحَتْفَ، لَحْرِيُّ أَنْ يَمْقُتَهُ الأَقْرَبُ، وَلَا يَأْمَنَهُ الأبعد!

.......................................

المسلمين وأمد أبو بكر زياداً بالمهاجر ابن أبي أمية فالتقوا بالأشعث فتحصن منهم فحاصروه أياماً ثم نزل إليهم على أن يؤمنوه وعشرة من أقاربه حتى يأتي أبا بكر فيرى فيه رأيه، وفتح لهم الحصن فقتلوا كل من فيه من قوم الأشعث إلا العشرة الذين عزلهم وكان المقتولون ثمانمائة، ثم حملوه أسير أمغلولاً إلى أبي بكر فعفى عنه وعمن كان معه وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة.

(فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك) أي لم ينفعك أموالك ولا مزاياك في عدم الأسر، فلقد أسرت مع ما كان لك من الأموال والحسب - كما زعمت - وليس ذلك إلّا لانحراف شخصك عن الجادة المستقيمة حتى أنك كنت في كل واحد من الكفر والإسلام منحرفاً عن أهل ملتك (وإنّ امراً دل على قومه السيف) أي أرشد السيف إلى قومه ليقتلهم، فإنَّه كما تقدم فتح باب الحصن حتى هجم المسلمون وقتلوا ثمانمائة رجل من قومه، وكان ذلك منه استيثار لنفسه وترجيحاً لنجاته على نجاة قومه، ويأتي احتمال آخر في هذا (وساق إليهم الحتف) هو الموت - واللفظان كناية - .

(الحري) أي جدير (أن يمقته الأقرب) أي يغضب عليه أقرباؤه وعشيرته (ولا يأمنه الأبعد) إذ من يفعل مع قريبه ذلك، لا يأمن من شره الأباعد الذين ليسوا من قومه وعشيرته .

لكن السيد الشريف الرضي ، قال : أراد بقوله علیه السلام : دل على قومه السيف ما جرى له مع خالد بن الوليد باليمامة، فأنه غرّ قومه ومكر بهم حتى أوقع بهم خالد وكان قومه بعد ذلك يسمونه [عرف النار] وهو اسم للغادر

.......................................

عندهم انتهى، ثم أن هنا سؤالاً وهو أنه كيف سبّ الإمام علیه السلام الأشعث بمثل هذا السب الشديد، وهو النزيه اللسان والجوارح؟ وقد قال علیه السلام لأصحابه : أني اكره لكم أن تكونوا سبابين - في قصة حرب صفين - ؟ والجواب : أن السب على نوعين، سبّ للتشفي وهو أمر شخصي موقت وسبّ لهدم الضلال وتعريفه للناس كي لا يتبعوه، فإنَّه نوع من محاربة الباطل والذي نهى الإمام عنه هو القسم الأول، وما فعله علیه السلام هو من القسم الثاني، ولذا نرى القرآن العظيم بينها، بقوله: «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ»(1)يقول «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ»(2)ويقول في وصف بعض الكافرين «عُتُلِ بَعدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ» (3)وفي بعض المنافقين «قَاتَلَهُمُ اللهُ»(4).


1) سورة الأنعام : 108 .

2) سورة الأنبياء : 98

3) سورة القلم : 13

4) سورة التوبة : 30.

وَمِنْ كَلام لَهُ علیه السلام

وفيه تخويف الناس من الموت، وترغيبهم للطاعة

فَإِنَّكُمْ لَوْ عَايَتْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ ، وَسَمِعْتُمُ وَأَطَعْتُمْ، وَلَكِنْ مَحْجُوبُ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يَطْرَحُ الْحِجَابُ وَلَقَدْ بُصْرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ ، وَأَسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وَبِحَقُ أَقُولُ لَكُمْ :

.......................................

التوضيح :

(فإنكم) أيها الناس (لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم) أي أبصرت الأهوال والشدائد التي عاينها الأموات (الجزعتم ووهلتم) هو الخوف والفزع الشديد، من [وهل] بمعنى خاف (وسمعتم) كلام الله سبحانه (وأطعتم) أوامره (ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا) أي مستور تور ما شاهدوه من الشدائد (وقريب ما يطرح الحجاب) و المراد بذلك حين موت الإنسان، فإنَّه حجب عنه (ولقد بصّرتم) أي أراكم الرسول وأريتكم الطريق (إن أبصرتم) بمعنى لقد انتفعتم لو أردتم الانتفاع والبصيرة (وأسمعتم) المواعظ والزواجر (إن سمعتم) أي انتفعتم بالمسموعات الدينية إن أردتم الاستماع لها والعمل بها (وهديتم) هداكم الكتاب والسنة (أن اهتديتم) أي إن أردتم الاهتداء وسلوك الطريق المستقيم .

(وبحق أقول لكم) هذا كقوله سبحانه «وَالْحَقَّ أَقُولُ»(1)أي أن قولي حق


1) سورة ص : 84

لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ، وَزَجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزدَجَرٌ. وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلا الْبَشَرُ.

.......................................

مطابق للواقع (لقد جاهرتكم العبر) جمع عبرة بمعنى الموعظة، أي أن المواعظ ظهرت لكم في جهر، بلا خفاء وتستر.

((وزجرتم) أي منعتم ونهيتم (بما فيه مزدجر) مصدر ميمي أي بالنواهي المحذّرة التي تكفي لزجر الإنسان عن المعاصي والآثام (وما يبلغ عن الله بعد رسل السماء إلا البشر) يعني هل تنتظرون أحداً غيري؟ فإن تبليغ الأحكام والمواعظ لا يكون إلا على أيدي الرسل، وبعد الرسل يبلغ البشر أحكامه وتخويفاته، وقد بلغتكم وأنذرتكم، وبعضهم فسّر هذه العبارة، بغير المعنى الذي ذكرناه لكن هذا أقرب.

وَمِنْ خطبة لَهُ علیه السلام

يزهد علیه السلام الناس في الدنيا، ويرغبهم في الآخرة

فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ، وَإِنْ وَرَاءَ كُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ .

قال السيد الرضي رحمة الله :

أقول : أن هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه وبعد كلام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بكل كلام لمال به راجحاً وبرز عليه سابقاً، وأما قوله علیه السلام [تخففوا تلحقوا] فما سمع كلام أقل منه مسموعاً ولا أكثر منه محصولاً، وما أبعد غورها من كلمة وأنفع نطفتها من حكمة وقد نبهنا في [كتاب الخصائص] على عظم قدرها و شرف جوهرها.

.......................................

التوضيح :

(فإن الغاية أمامكم) الغاية هي الجنة والسعادة، وهي أمام الإنسان، لأن الإنسان يسير حتى يصل إليها، (وأن وراءكم الساعة تحدوكم) فكأن القيامة كالسائق الذي يسوق الإنسان ليوصله إلى غايته، ويعبر إلى غايته، ويعبر عن المستقبل بالأمام وبالوراء باعتبارين (تحففوا) فعل أمر من باب [التفعل] أي خففوا من أثقالكم وذنوبكم (تلحقوا) بالغاية المترقبة من السعادة والجنة، وبالصالحين الذين ذهبوا قبلكم وماتوا في الماضي (فإنما ينتظر بأولكم أخركم) أي أن الأموات الذين ذهبوا قبلكم، إنما هم باقون في البرزخ، ليلحق بهم سائر الناس الآخرون، حتى يذهبوا جميعاً إلى المحشر للحساب والجزاء، فأنتم لستم هملاً، وإنما ينتظرونكم للموت والالتحاق بالسابقين.

وَمِنْ خطبة لَهُ علیه السلام

أَلاَ وَإنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ ، لِيَعُودَ الْجَوْرُ إلَى أَوْطَائِهِ، وَيَرْجِعَ الْباطِلُ إِلَى نِضَابِهِ. وَاللهِ مَا أَنْكَرَوُا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفاً.

.......................................

التوضيح :

قد بلغ الإمام علیه السلام خبر الناكثين لبيعته، فخطب هذه الخطبة، مبيناً أن الناكثين هم مريقو دم عثمان.

(ألا وإن الشيطان قد ذمر حزبه) أي جثهم وخصهم يقال : [ذمر فلاناً بالأمر] أي حثه عليه (واستجلب جلبه) الجلب على وزن فرس بمعنى ما يجلب من بلد إلى بلد، يعني أحضر جيشه من هنا وهناك، ليحارب الحق ويلقي الفتن (ليعود الجور) أي الظلم والباطل (إلى أوطانه) أي محاله الأولى التي أزالها الإسلام عنها (ويرجع الباطل إلى نصابه) أي أصله، وقد ظهر صدق كلام الإمام علیه السلام، فقد انقسم المسلمون بهذه الحركة قسمين، فتفرقوا بعد الإلفة، وتعادوا بعد الحب والوداد، وجاء الباطل يسوق معاوية فأخذ مكان الحق وهكذا.

(والله ما أنكروا) أي هؤلاء الناكثون لبيعتي كطلحة والزبير ومن لف لفهم (عليّ منكراً) بأني عملت عملاً منكراً ولذا هم ينكثون بيعتي ويخرجون عليّ (ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً) النصف - بالكسر - بمعنى العدل، أي لم

وَأَنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقًّا هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ : فَلَئِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصيبَهُمْ مِنْهُ، وَلَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي، فَمَا التَّبِعَةُ إلا عِنْدَهُمْ، وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ، يَرْتَضِعُونَ أَمَا قَدْ فَطَمَتْ، وَيحيون بذعَةَ قَدْ أُمينتْ.

.......................................

يحكموا العدل بيني وبينهم ليعدلوا في الأمر، وإنما جاءوا بالكذب والمكر وهم يبتغون وراء ذلك رئاسة وسلطة .

(وإنهم) في طلبهم بدم عثمان - كما يقولون - (ليطلبون حقاً هم تركوه) فإنَّهم تركوا عثمان بين الشرار والناقمين عليه (ودماً هم سفكوه) فقد كانت عائشة وطلحة والزبير يصرون على قتل عثمان ويحرضون الناس حتى أن عائشة كانت تقول [اقتلوا نعثلاً قتله الله] والإمام علیه السلام كان يأخذ دور الناصح المشفق فيطلب من عثمان إصلاح الأمر ويتوسط بین عثمان وبين الثوار، في قضية طويلة مذكورة في التاريخ (فلئن كنت شريكهم فيه) على الفرض والتقدير (فإن لهم) أي لهؤلاء الناكثين (النصيبهم منه) فلا حق لهم في أن يطالبوني ما هم شركاء (ولئن كانوا ولوه) أي تولوا قتله وإراقة دمه (دوني) بأن لم أكن شريكاً معهم - كما هو الواقع - (فما التبعة إلا عندهم) التبعة ما يتبع الإنسان من الإثم ولوازم السوء من جراء عمله للشيء، يعني أن اللوازم السيئة إنما هي من طرف الناكثين طرف الناكثين لا من جهتي .

(وإن أعظم حجتهم) التي يحتجون بها عليّ - من قتل عثمان - (لعلى أنفسهم) لأنهم هم المحضرون المسبّبون (ير تضعون أما قد فطمت) أي أنهم يريدون إحياء الجاهلية بعد انقضاء أوانها، فإنَّ الأم إذا فطمت رضيعها فقد انقضى وقت الرضاع (ويحيون بدعة قد أميتت) فإن بدع الجاهلية وضلالاتها قد أماتها الإسلام وهؤلاء يريدون إحياءها بشق عصى المسلمين وإلقاء الفتن

يا خَيْبَةَ الدَّاعِي! مَنْ دَعَا! وَإِلامَ أُجِيبَ! وَإِنِّي لَرَاضِ بِحُجَّةِ اللهِ عَلَيْهِمْ وَعِلْمِهِ فِيهِمْ. فَإِنْ أبوا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ، وَنَاصِراً لِلْحَقِّ! وَمِنَ الْعَجَبِ بَعْتُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطَّعَانِ! وَأَنْ أصْبرَ لِلْجلاد!

.......................................

والتفرقة فيهم (يا خيبة الداعي) يعني أن الداعي إلى هذه البدعة خائب خاسر، والتقدير [يا خيبة الداعي احضري فهذا وقتك] أو يا قوم انظروا خيبة الداعي ولقد كان كما قال الإمام علیه السلام خاب طلحة والزبير بأن قتلا واستحقا اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة (من دعا)؟ تحقير للداعي، بأنه إنسان لا قيمة له (وإلام اجيب)؟ يعني الذين أجابوه إلى أي شيء أجابوه؟ وهذا تحقير للمطلب، وأصل [إلام] [إلى ما] فإنَّ [ما] الاستفهام يحذف الفها إذا دخل عليها حرف الجر نحو [عم] و[لم] وما أشبههما.

(وإني لراض بحجة الله عليهم) أي بما يحتج عليهم يوم القيامة من ما ارتكبوه من الآثام (وعلمه فيهم) فإنَّه سبحانه يعلم ما يفعلون كما هو عالم بنواياهم وسيجازيهم عليها (فإن أبوا) أي امتنعوا عن الانقياد للحق والرجوع إلى الطاعة (أعطيتهم حد السيف) أي أجبرت على مقاتلتهم بتراً للفساد (وكفى به) أي بالسيف (شافيا من الباطل) إذ الباطل الذي لا يرتفع بالنصح والهداية لا بد وأن يرتفع بالسيف.

(وناصراً للحق) فإنَّ الحق يغلبه الباطل إذا لم تسنده القوة والمال (ومن العجب) [من] للتبعيض، وغالباً يأتي - في مثل هذا الموضع - لشدة العجب (بعثهم إليّ ) أي أرسال هؤلاء الناكثين إليّ (أن ابرز) أي استعد يا علي (للطعان) مصدر من باب المفاعلة، فإنَّ لهذا الباب مصدرين المفاعلة والفعال (وأن أصبر للجلاد) أي المجالدة والمحاربة.

هَبلَتْهُمُ الْهَبُولُ! لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلَا أَرْهَبُ بِالضَّرْبِ وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينِ مِنْ رَبِّي، وَغَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي.

.......................................

(هبلتهم الهبول) هبلتهم أي ثكلتهم، والهبول المرأة الثكلى التي لا يبقى لها ولد، وهذا دعاء عليهم بالموت حتى لا تناد بهم أمهاتهم (لقد كنت وما أهدّد بالحرب) أي كنت سابقاً بحيث يخشى بطشي، ويعرف الناس شجاعتي فلم يكن يهددني أحد بالحرب، لأنهم يعلمون أني لا أخافها (ولا أرهب بالضرب) أي لا أخوّف بأن أضرب وأقاتل، لأن الناس كانوا يعلمون أني أقتل واضرب (وأني لعلى يقين من ربي) والمتيقن لا يخاف الموت لأنه يعلم أنه لو مات انتقل إلى جوار رحمة ربه وتخلص من الدنيا وأحزانها وأشجانها وآلامها (وغير شبهة من ديني) فأعرف أن الدار الآخرة خير لي من الدنيا.

وَمِنْ خطبة لَهُ علیه السلام

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الأَمْرَ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ كَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةِ أَوْ نُقْصَانِ، فَإِذا رَأَى أَحَدُكُمْ لَأَخِيهِ غَفِيرَةٌ في أَهْلِ أَوْ مَالِ أَوْ نَفْسٍ فَلَا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً،

.......................................

التوضيح :

(أما بعد) اصله مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة، فقلبت [مهما] أما] وحذف سائر الكلام وبقيت لفظة [بعد] (فإن الأمر) المراد به الجنس من الآجال والأرزاق، والمناصب، وما أشبه ذلك (ينزل من السماء إلى الأرض) کنایة عن أن التقديرات إنما تكون في السماء (كقطرات المطر) فكما أن المطر ينزل من السماء كذلك التقديرات، كما قال سبحانه «وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ»(1)(إلى كل نفس بما قسم لها) أي لتلك النفس، والنفس مؤنث سماعي (من زيادة أو نقصان) في كل شيء، زيادة المال أو نقصانه، زيادة العلم أو نقصانه، زيادة الأولاد أو نقصانهم، وهكذا (فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة) أي زيادة وكثرة (في أهل أو مال أو نفس) بأن صار له أهل وعشيرة، أو أموال كثيرة ، أو أولاد وبنين وحفدة (فلا تكونن) تلك الغفيرة (له) أي لهذا الرائي (فتنة) وامتحاناً، بأن يحسد هذا الإنسان الذي يرى أخيه ويعمل للحط منه، كما هو عادة الكثيرين، فإنَّهم إذا رأوا رفعة إخوانهم في أمر من الأمور الدنيوية كادوا لهم وعملوا لتحطيمهم .


1) سورة الذاريات : 22

فَإِنَّ المَرْءَ الْمُسْلِمَ الْبَرِيء مِنَ الْخِيَانَةِ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةٌ تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَتُغْرَى بِهَا لِتَامُ النَّاسِ، كانَ

.......................................

وقد قال الإمام قوله السابق [إن الأمر ينزل ...] تمهيداً لهذا، فإنَّ علم أن الأمور بالزيادة لأحد من تقدير الله سبحانه، فما السبب في حسده وكيده لمن زيد له والزيادة لم تكن باختياره وإنما بإرادة الله سبحانه؟ والذي ينبغي أن يعمل هذا الحاسد ويدعو ليقدر له مثل ما قدر لأخيه، قال سبحانه «وَقُلِ اعْمَلُوا»(1)وقال «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم»(2)(فإن المرء المسلم البريء من الخيانة) هذا تأكيد لقوله [لا تكونن له فتنة] وعلة لذلك وحاصله أن المسلم أرفع من أن يحسد غيره، بل اللازم عليه - إذا رأى رفعة أخيه - أن ينتظر أحد الحسنيين، أما الرفعة له من الله سبحانه في الدنيا، وإما أن يرزق الخير في الآخرة، وقوله [فإن] ابتداء الكلام وما يأتي من قوله [كان] خبر له، وقد وصف علیه السلام المؤمن المنتظر لأحد الحسنيين، بعدم الخائن لدينه، لأنه إذا خان لم يرج أحديهما، فإنَّ نصيب الخائن الشقاء لا السعادة .

(ما لم يغش دناءة) أي لم يعمل، من [غشى] بمعنى ارتكب وأحاط بالشيء، والدناءة : العمل الدنيء القبيح (تظهر) أي دناءة ظاهرة، في مقابل ما لو غشي دناءة جاهلاً بكونها دناءة (فيخشع لها إذا ذكرت) أي يخاف من ذكرها ويوجل، فإنَّ الإنسان العامل للقبيح يخجل من ذكر عمله ويخشع نفسياً من إفشائه (وتغرى بها) أي بتلك الدناءة (لثام الناس) فإنَّ الدناءة يغرّ بها الأدنياء، والإغراء هو الإلزام للشيء، كأن الشيطان يغريهم ويغويهم ويلزمهم إياها، (كان) خبر قوله [فإن المرء المسلم] وقوله [تظهر ..] جملة معترضة


1) سورة التوبة : 105

2) سورة غافر : 60

كَالْفَالِجِ الْبَاسِرِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَورَةِ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ الْمَغْرَمُ .

.......................................

لوصف الدناءة (كالفالج الياسر) الياسر هو المقامر، والفالج بمعنى الظافر وهذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، فإنَّ أصله كان كالياسر الفالح .

((الذي ينتظر أول فورة) أي نجاح من [فار] إذا غليّ، فإنَّ الإنسان الناجح لعلوّه وارتفاعه، كالمرجل الذي يغلي إلى فوق (من قداحه) جمع [قدح] وهو سهم المقامرة، فإنَّهم كانوا يكتبون على السهام أسماء الأنصبة أو أسماء الأشخاص فيجعلون، بعض السهام أعلى من بعض، وبعض السهام فارغة لا نصيب لها.

(توجب) تلك القداح (له) أي لهذا الفالج الياسر (المغنم) أي الغنيمة والفائدة وربح القمار (ويرفع بها) أي بسبب هذه القداح (عنه) أي عن الفالج الياسر (المغرم) أي الغرامة، فهو مصدر ميمي قالوا وكان من ترتيب قمارهم أنهم يعدون أحد عشر سهماً، يكون لسهم نصيب وللثاني نصيبان وللثالث ثلاثة أنصبة وهكذا إلى السهم السابع الذي له سبعة أنصبة، ويجعلون أربعة منها فارغة لا نصيب لها، ويكتبون بذلك فوق السهام، ثم يأتون بجزور عن صاحبها بغير أن يدفعوا إليه قيمتها فينحرونها ويقسمونها عشرة أجزاء متساوية .

ثم يأتى بشخص تعصّب عينيه وتعطى له القداح فيخرج أحدها بأسم أحدهم، فما كان في ذلك السهم من الأجزاء يعطى إلى المسمى الأول، وهكذا حتى تتم الأجزاء العشرة للإبل، وهؤلاء يأخذون الأجزاء بدون إعطاء ثمن البعير، فمن كان ظافراً خرج له سهم السبعة، ودونه الستة وهكذا، وبعد تمام أجزاء الجزور من خرج السهم بإسمه لزم عليه أن يغرم من ثمن البعير

وَكَذلِكَ المُرءُ المُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللَّهِ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمَّا دَاعِيَ اللهِ فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلِ وَمَالٍ وَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُهُ.

.......................................

بمقدار حصص سهمه الخارج بإسمه حتى يتم الثمن، ومن خرج بإسم إحدى تلك السهام الفارغة فلا يخسر ولا يربح، مثلاً إذا خرج السهم الأول بإسم زيد وكان مكتوباً عليه أربعة، أخذ أربعة أجزاء من الجزور، ثم خرج السهم الثاني بإسم عمرو وكان مكتوباً عليه ستة أخذ ستة أجزاء من الجزور ثم إذا خرج السهم الثالث بإسم بكر وكان مكتوباً عليه سبعة لزم أن يغرم سبعة أعشار ثمن الجزور، وهكذا حتى يتم الثمن ويتم أجزاء الجزور.

فكما أن الياسر المقدرله الظفر والنجاح ينتظر الخير، كذلك المسلم البريء من العيب ينتظر أحد الحسنيين، وهذا من باب تشبيه أهل الدين في فوزهم في الآخرة أو حسنى الدنيا، بأهل الدنيا، تقريباً لأذهان أولئك الناس الذين كانوا قريبي عهد بهذه الأعمال المقامرية.

(وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة) في دينه فإنَّ العاصي خائن لنفسه ولدينه (ينتظر من الله إحدى الحسنيين) أي أحد الأمرين الحسنيين (إما داعي الله) أي الموت، الذي يؤتي بسبب داعي الله وهو ملك الموت الذي يدعو من قبله سبحانه (فما عند الله خير له) من الدنيا كما قال سبحانه: «وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ»(1).

(وإما رزق الله) في الدنيا (فإذا هو ذو أهل ومال) بفضله سبحانه (ومعه دينه) إذ لم يحسد غيره الذي رآه متفوقاً عليه (وحسبه) أي شرفه الذي حصله


1) سورة آل عمران: 198

إنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا وَالْعَمَلُ الصَّالِحَ حَرْثُ الْآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لأقْوَامٍ، فَاحْذَرُوا مِنَ اللهِ ما حذركم من نَفْسِهِ، وَاخْشَوْهُ خَشْيَةَ لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ،

.......................................

من علم وفضيلة وما أشبه، فإذا كان المرء من بين أحد الحسنيين دنيا أو آخره، فما الداعي له إلى أن يحسد غيره الذي رآه متفوقاً عليه، فإنَّه إما أن يبقى - في الدنيا - على وضعه المنحط حتى يأتيه الموت، فقد حصّل على جزاء الآخرة ونعيم الجنة، وإما أن يرتفع في الذنيا بفضله سبحانه، فقد حصّل على خير الدنيا، ومن هو إلى خير لا ينبغي أن يحسد الغير نعم هذا مشروط يكونه نظيفاً من الذنوب، كما عنه علیه السلام بقوله [ ما لم يغش دناءة ..] وقوله [البريء من الخيانة] وحيث أن جملة الشرط وهي قوله [فإن المرء المسلم البريء ..] ابتعدت عن الجواب الذي هو قوله [ينتظر ..] كرر الشرط بقوله علیه السلام [وكذلك ..] .

(إن المال والبنين حرث الدنيا) أي زرعها الذي يزرعه الإنسان في دار الدنيا ثم يرى حاصل زرعه في الدنيا (والعمل الصالح) الذي يعمله الإنسان يرى جزاءهُ في الآخرة (حرث الآخرة وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام) كما ينسب إلى الإمام علیه السلام قوله [ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا و أقبح الكفر والإفلاس بالرجل] وإذ بين علیه السلام الحرمة افتتان الإنسان بما يرى من نعمة الغير، قال (فإحذروا من الله) أي خافوا منه سبحانه (ما حذركم من نفسه) فإنَّه تعالى حذركم من المعاصي والآثام كما قال سبحانه «وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ»(1)(واخشوه خشية ليست بتعذير) أي خشية خالية من الأشياء الموجبة لعذر


1) سورة البقرة : 40 .

وَاعْمَلُوا في غَيْرِ رِيَاءِ وَلَا سُمْعَةٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللَّهِ يَكِلْهُ اللهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ. نَسْأَلُ اللهَ مَنَازِلَ الشُّهَدَاء، وَمُعائِشَةَ السُّعَدَاء، وَمُرَافَقَةَ الأَنبياء.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ - وَإِنْ كَانَ ذَا مَالِ - عَنْ عشيرتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَالْسِنَتِهِمْ،

.......................................

الإنسان، فإنَّ الإنسان قد يخشى الله سبحانه، لأنه قد أذنب فيخشى من ذنبه، وقد يخشى الله سبحانه بدون أي ذنب، وإنما رفعة مقامه سبحانه توجب الخشية، فإنَّ [تعذير] مصدر [عذّر] بمعنى لم يثبت له عذر .

(واعملوا في غير رياء ولا سمعة) فلا يكن إتيانكم بالعمل الصالح لأجل أن يرى الناس عملكم أو يسمعون بما عملتم فيحسّنون عملكم، فإنَّ الرياء والسمعة يبطلان الأعمال الصالحة (فإنه من يعمل لغير الله) أي يأتي بالأعمال الصالحة لكن بدون أن يكون قصده الله سبحانه بل قصده تحسين الناس له (يكله الله إلى من عمل له) أي أن الله سبحانه لا يعطيه أجر عمله، وإنما ينبغي أن يطلب ثواب عمله ممن رائي لأجله، مثلاً لو أعطى المال للفقير لأجل تحسين الناس له، كان ثواب إنفاقه على الناس لا على الله، إذ كيف يعمل الإنسان لشخص ويريد جزاءهُ وأجره من آخر؟ (نسأل الله منازل) جمع منزلة (الشهداء) الذين قتلوا في سبيل الله (ومعايشة السعداء) في الآخرة (ومرافقة الأنبياء) بان نكون من أتباعهم في الدنيا حتى نحشر في زمرتهم ونكون رفيقاً لهم في الآخرة.

(أيها الناس إنه لا يستغني الرجل - وإن كان ذا مال - عن عشيرته) أي قبيلته التي جمعهم وإياه أحد الأجداد والقريبين (ودفاعهم) أي لا يستغني عن دفاع العشيرة (عنه بأيديهم وألسنتهم) فإنَّ لكل إنسان حساد وأعداء، خصوصاً

وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةٌ مِنْ وَرَائِهِ، وَآلَمُهُمْ لِشَعَثِهِ، وَأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ. وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللهُ لِلْمَرْءِ في النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُوَرِّثُهُ غَيْرُهُ.

.......................................

إذا كان نابهاً عظيماً، والعشيرة تأخذها الحمية نحو قريبهم فهم يدافعون عنه في المشاكل والأزمات (وهم أعظم الناس حيطة) أي إحاطة، كالسور المحيط بالبلد الذي يحفظه من هجوم الأعداء (من ورائه) يحفظونه من مهاجمة الأعداء وهمز الحسّاد والأنداد (والمُهم لشعثه) أي أكثر الناس لمّا وجمعاً لتفرقه وانتشاره فإنَّ الشعث بمعنى الانتشار، فإنَّ الإنسان باعتبار عرضه وماله وأهله منتشر في الناس فإذا لم يكن له بجمع أمره، نال كل عدو شيئاً منه، وهذا تشبيه بمن انتشر ماله، فإذا لم يكن له من يجمع له ماله ضل بعضه وصار عرضة للنهب .

(وأعطفهم عليه) أي يميلون إليه، من العطف بمعنى الميل (عند نازلة) أي مصيبة نازلة وإنما قيل نازلة، لأنها تنزل من السماء، بكونها مقدرة هناك (إذا نزلت به) من فقد مال أو جاه أو أهل أو ما أشبه (ولسان الصدق يجعله الله للمرء فی الناس) بأن يمدحوه ويذكروه بالحسن، وإنما سمي لسان الصدق، لأن الإنسان النزيه، إذا مدحه الناس كانوا صادقين في مدحهم له وإذا ذموه كانوا كاذبين (خير له من المال يورثه غيره) وهذا كناية عن لزوم سير الإنسان بالسيرة الحسنة، وتحليه بالفضائل حتى يبقى له ذكر طيب في الناس، ومعلوم أن الذكر الطيب خير من جمع الإنسان للمال حتى يبقى بعده، فإنَّ المال خاص لبعض الورثة في مدة قليلة ثم يفنى، أما الذكر الحسن فيبقى مدى الأزمان، وقد دعا إبراهيم علیه السلام قائلاً «وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ»(1).


1) سورة الشعراء : 84

ومنها : ألا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَن الْقَرَابَة يَرَى بِهَا الْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بالَّذِي لا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلَا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عنهم يَد وَاحِدَةً، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدِ كَثِيرَةٌ، وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ

.......................................

ومنها : أي من تلك الخطبة (ألا) كلمة تنبيه (لا يعد لن أحدكم عن القرابة) بأن يهمل قريبه ولا يرعاه بالمال والعطف (يرى بها الخصاصة) الخصاصة : الفقر، أي إذا رأى بقريبه الفقر (أن يسدها) أي يسد تلك الخصاصة، ومعنى سدّها رفعها بالمال، وهذا بدل الاشتمال لقوله [القرابة] أي لا يعدلن أحدكم عن سدّ خصاصة القرابة (بالذي) أي بالمال والجاه والعون الذي (لا يزيده إن أمسكه) يعني إن أمسك ذلك العون عن قريبه لا يزيد الممسك شيئاً، فإنَّ أموال الدنيا وسائر شؤونها إذا أمسكها الإنسان لا تزيد الإنسان شيئاً، فإنَّ المقدّر كائن لا محالة (ولا ينقصه إن أهلكه) يعني لو بذل ذلك المال وأهلكه في سبيل قريبه، لا ينقص منه شيء، وقد تقدم قول الإمام الي فيما ينسب إليه .

إذا أقبلت الدنيا عليك فجد بها *** على الناس طراً قبل أن تتفلت

فلا الجود مفتيها إذا هي أقبلت *** ولا البخل مبقيها إذا هي ولّت

(ومن يقبض يده عن عشيرته) أي لا يساعدهم بالمال والعون (فإنما

تقبض منه) أي من هذا الإنسان (عنهم) أي عن العشيرة (يد واحدة) فإنَّ يد الإنسان واحدة لا أكثر (وتقبض منهم) أي من جانب عشيرته (عنه) أي من هذا الإنسان القابض يده (أيد) جمع يد (كثيرة) فإنَّ الإنسان إذا لم يساعد الناس كفت كل يد المساعدة عنه وليس من العقل أن يكف الإنسان يده ليخسر أيادي كثيرة (ومن تلن حاشيته) بمعنى أن يكون إنساناً ليناً، والحاشية

يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةَ.

وقال السيد الرضي رضی الله عنه : الغفيرة هاهنا الزيادة والكثرة من قولهم للجمع الكثير الجم الغفير والجماء الغفير، ويروى [عفوة من أهل أو مال] والعفوة : الخيار من الشيء، يقال: أكلت عفوة الطعام، أي خياره وما أحسن المعنى الذي أراده علیه السلام بقوله : ومن يقبض يده عن عشيرته إلى تمام الكلام فإنَّ الممسك خيره عن عشيرته إنما يمسك نفع يدٍ واحدة فإذا احتاج إلى نصرتهم واضطر إلى مرافدتهم قعدوا عن نصره وتثاقلوا عن صوته، فمنع ترافدهم الأيدي الكثيرة وتناهض الاقدام الجمة.

.......................................

الأطراف تشبيه بالشيء اللين جوانبه الممكن لأن يداس ويقترب منه (يستدم من قومه المودة) أي يكون بلين الحاشية طالباً لدوام حب قومه له، فإنَّ الناس ينفرون من الشخص الخشن، أما الشخص اللين الهش البش ذو الأخلاق الفاضلة ، فالناس يجتمعون حوله، لأنه لا يؤذيهم بلسانه أو عمله .

وَمِنْ خطبة لَهُ علیه السلام

وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الحَقِّ، وَخَابَطَ الْغَيْ، مِنْ إِدْهَانِ وَلَا إِيهَانِ. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ،

.......................................

التوضيح :

(ولعمري) [اللام] للقسم و[عمري] بمعنى الحياة وبمعني الدين، أي قسماً بحياتي أو قسماً بديني - والأول أقرب - (ما عليّ من قتال من خالف الحق) أي ليس عليّ في قتال المخالفين (وخابط الغيّ) أي داخل الضلال وخالطه (من إدهان) أصله [اندهان] باب افتعال من [الدهن] بمعنى المصانعة والمداهنة على جهة الباطل، كما قال سبحانه «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ»(1)كأن المصانع يستعمل الدهن ليلين للناس ويلينوا له، كما يستعمل الدهن في الرضوض وما أشبه لغرض التليين (ولا إيهان) أي الدخول فى الوهن، أما بمعنى الضعف أو المراد به نصف الليل، فيكون كناية عن التستر والمخاتلة أي لا يدخلني ضعف أو لا أتستر ولا أخاتل .

(فاتقوا الله) خافوا عقابه ونكاله (عباد الله) منادى حذف منه حرف النداء، وعباد جمع عبد، فإن لعبد اثنين وعشرين جمعاً أو أكثر، ومناسبة هذا الكلام لسابقه أن الإنسان لا ينبغي له أن يهين في أمر الله وإطاعته لمصانعة الناس ومداهنتهم .


1) سورة القلم: 9

وَفِرُّوا مِنَ اللَّهِ إِلَى اللهِ، وَامْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لكُمْ ، وَقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ، فَعَلِيَّ ضَامِنٌ لِقَلْحِكُمْ آجِلاً إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلاً.

(وفروا من) عذاب (الله) سبحانه (إلى) رحمة (الله) ومن عذابه إلى رضوانه فكما أن الفار يفر من الشيء المكروه إلى الشيء المرغوب فيه، كذلك ينبغي أن يكون الإنسان بالنسبة إليه تعالى لغير مما يوجب سخطه من الكفر والعصيان إلى ما يوجب رضوانه من الإطاعة والإيمان (وامضوا) أي سيروا (في) الطريق (الذي نهجه) وأوضحه وجعله (لكم) من الأحكام والشرائع (وقوموا بما عصبه بكم) أي ربطه وكلفكم بأدائه، فإنَّ الإنسان مربوط بتكاليفه (فعليٌّ) علیه السلام، يعني لنفسه الشريفة (ضامن) إذا عملتم بما ذكرت لكم (لفلجكم) أي ظفركم، فإنَّ الفلج بالمعنى الفوز بالمرغوب فيه (آجلا) أي في المستقبل، أما المراد في الدنيا، أو في الآخرة، و (إن لم تمنحوه) أي تعطوا الظفر (عاجلا) سريعاً في الدنيا، فإنَّ الإنسان العامل بأوامره سبحانه يظفر بالسعادة في الدنيا ولو بعد حين، وفي الآخرة بكل قطع ويقين.

وَمِنْ خطبة لَهُ علیه السلام

.......................................

التوضيح :

كان قوم بصنعاء من شيعة عثمان يعظمون قتله، فبايعوا علياً علیه السلام على دخل فلما اختلف الناس عليه علیه السلام بالعراق وكان العامل له علیه السلام على صنعاء عبید الله بن العباس وعلى الجند بها سعيد بن نمران، ثم قتل محمد بن أبي بكر بمصر وكثرت غارات أهل الشام تكلم هؤلاء ودعوا إلى الطلب بدم عثمان فأنكر عليهم عبيد الله بن العباس وتظاهروا بمنابذة عليّ علیه السلام، فحبسهم فكتبوا إلى أصحابهم الجند، فعزلوا سعيد بن نمران عنهم واظهروا أمرهم فانضم إليهم خلق كثير إرادةً مع الصدقة، فكتب عبيد الله وسعيد إلى أمير المؤمنين علیه السلام يخبرانه الخبر فكتب علیه السلام إلى أهل اليمن والجند كتاباً يهددهم فيه ويذكرهم الله تعالى، فأجابوه أنا مطيعون إن عزلت عنا هذين الرجلين عبيد الله وسعيداً، ثم كتبوا إلى معاوية فأخبروه فوجه إليهم بسر بن أرطأة، وكان فظّاً سفاكاً للدماء، فقتل في طريقه بمكة داود وسليمان ابني عبيد

الله بن العباس، وفي الطائف عبد المدان، وكان صهراً لأبن عباس ثم انتهى إلى صنعاء، وقد خرج منها عبيد الله وسعيد واستخلفها عليها عبدالله بن عمرو بن أراكة الثقفي وقتله بسر، وأخذ صنعاء فلما قدم ابن عباس وسعيد علياً علیه السلام بالكوفة عابهما على تركهما قتال بسر فاعتذرا إليه بضعفهما عنه، فقام علیه السلام إلى المنبر ضجراً من مخالفة أصحابه له في الرأي، وأنشأ الخطبة . . . قال السيد رحمة الله وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية

مَا هِي إِلا الْكُوفَةُ، أَقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا، إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلا أَنْتِ، تَهَبُّ أَعَاصِيرُكَ فَقَبَّحَكِ اللهُ !

وتمثل بقول الشاعر:

لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي *** عَلَى وَضر - مِنْ ذَا الإِنَاءِ - قَلِيل

.......................................

على البلاد، وقدم عليه عاملاه على اليمن، وهما عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران لما غلب عليهما بسر بن أرطأة ، فقام علیه السلام إلى المنبر ضجراً بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرأي فقال : (ما هي إلا الكوفة) أي ليس في يدي على نحو التام والاستقلال إلا مدينة الكوفة (أقبضها وأبسطها) أي هي تحت تصرفي أتصرف فيها كما أشاء، كما يتصرف الإنسان في الثوب الذي تحت يده بالقبض والبسط فإنَّ الإمام كان لا يعتمد على جند سائر البلاد التي كانت في تصرفه وتحت يده وإن كانت هي كثيرة حتى ذكروا أنه كان للإمام علیه السلام ألف عامل على البلاد، وكان الخارج عن حوزته - قبل قصة مصر واليمن - الشام فقط، ثم توجه الإمام علیه السلام بالخطاب إلى الكوفة قائلاً (إن لم تكوني) يا كوفة (إلا أنت) تحت تصرفي (تهب أعاصيرك) الجملة صفة، يعني أن لم يكن ملكي الا ! الكوفة التي تهب أعاصيرها، وهي جمع إعصار، ريح تهب وتمتد من الأرض إلى السماء فيها الغبار الكثير، وهب الأعاصير كناية عن اختلاف الآراء الموجودة في الكوفة (فقبحك الله) أي جعلك الله قبيحةً، وهذا جواب [إن] وذلك مثل أن يقال: إن لم يكن إلا أنت فلا تكن، وقد أراد الإمام علیه السلام من ذلك إظهار ضجره وبيان قلة ما يعتمد عليه من ملكة.

وتمثل الإمام علیه السلام بقول الشاعر :

لعمر أبيك الخير يا عمرو أنني *** على وضر من ذا الإناء قليل

ثم قال علیه السلام : أُنْبِثْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ، وَإِنِّي وَاللهِ لَأَظُنُّ أَنْ هؤُلاءِ الْقَوْمَ سَيْدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقْكُمْ وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ في الحَقِّ، وَطاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ وَبِأَدَائِهِمُ الأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ، وَبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلادِهِمْ

.......................................

الوضر هو غسالة السقاء والقصعة وبقية الدسم في الإناء، وعمر أبيك، أي قسما بحياته، والخير صفة للأب من باب [زيد عدل] والمراد أن الذي بقي من الملك مما اعتمد عليه، كالوضر الباقي في الإناء الذي هو شيء قليل، في مقابل الإناء الممتلئ بالماء أو الطعام.

(ثم قال علیه السلام) (أنبئت) أي أخبرت (بسراً) ابن أرطأة وكان سفاكاً من عملاء معاوية (قد اطلع اليمن) أي بلغها وتمكن منها، وقد فعل بسر باليمن ما تقدم بعضه، وقد دعا علیه السلام بقوله: [اللهم اسلبه عقله ودينه] فجن من دعاء الإمام علیه السلام وكان يلتقم بقيه عذرته، بعد أن غلّوا يديه لئلا يأكل القاذورات (وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم) أي معاوية وأتباعه (سيدالون منكم) أي ستكون لهم الدولة، عوضاً عنكم (باجتماعهم على باطلهم) أي بسبب أنهم مجتمعون على أمرهم الباطل وهو التمسك بطاعة معاوية (وتفرقكم عن حقكم) فإن أهل الكوفة كانوا متفرقين عن الإمام علیه السلام، لا يطيعون أوامره .

(وبمعصيتكم) أي عصيانكم - فإنَّ المعصية هنا مصدر ميمي - (إمامكم) أمير المؤمنين، عصيانه (في الحق) الذي يأمر به (وطاعتهم) أي أصحاب معاوية (إمامهم) معاوية (في) الأمر (الباطل) الذي يأمر به (وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم) فلو أمرهم بشيء أنجزوا ما قال بدون أية خيانة (وخيانتكم) فواحد منكم يشرد وواحد منكم ينهب المال وهكذا كما اتفق في أصحاب الإمام علیه السلام : ( وبصلاحهم في بلادهم) فإنهم يحبون بلادهم ويصلحونها

وَفَسَادِكُمْ. فَلَوِ اثْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبِ لخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاقَتِهِ، اللهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّونِي، وَسَئِمْتُهُمْ وَسَيْمُونِي، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي

.......................................

ويجلبون إليها الخير (وفسادكم) فإنَّ أهل الكوفة كانوا بالعكس (فلو ائتمنت أحدكم على تعب) القعب القدح الضخم (لخشيت أن يذهب بعلاقته) أي يده .

وهنا أمران لا بد من التنبيه عليهما . . الأول أن جماعة زعموا أن معاوية كان ذا سياسة رفيعة، وبذلك تمكن من الاستيلاء على أجهزة الحكم، دون الإمام علیه السلام، والثاني أن الحق لا يتمكن من أخذ القيادة أمام الباطل، ولذا لم يتمكن الإمام من ذلك، لكن الزعمان باطلان، فإنَّ معاوية كان لا يبال بأي إثم ارتكب، ومن المعلوم أن الإنسان المحدود بحدود الشرع لا يتمكن من مثل ذلك، فالأمر لم يكن إلّا لصوصيةً ونهباً وسفكاً، لا حكومةً وسياسةً . . أما أنَّ الحق لا يتمكن فيكذبه الوجدان بل الحق أقوى من الباطل في الإدارة، كما رأينا الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم أدار الأمور وتغلّب على الباطل، وكما رأينا غير الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم من الحكّام العادلين. وهنا يبقى سؤال أنه لم انهزم الإمام أمام معاوية؟ والجواب أن الله سبحانه جعل الإمام امتحاناً، ولذا لم يكن مأموراً إلا بالسير الدقيق ليميز الخبيث من الطيب، كما أن عيسى المسيح علیه السلام انهزم أمام قوى اليهود، وهكذا بعض الأنبياء الآخرين .

(اللهم إني قد مللتهم) أي القوم (وملوني) فالناس لا يستعدون للمداقة، لذا يملهم الحاكم الدقيق ويملونه، أي يحصل لهم منه السأم والضجر والملل (وسئمتهم وسئموني) وهي بمعنى الملالة، وكأنها رتبة بعد الملل (فأبدلني بهم خيراً منهم) والمراد الأنبياء والصلحاء في الآخرة (وأبدلهم بي) أي

شَرّاً مِنِّي، اللهُمَّ مُتْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاتُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، أَمَا وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاس مِنْ غَنْمٍ .

هُنَالِكَ، لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ *** فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الْحَمِيمِ

.......................................

بعوضي (شراً مني) عقوبة لأعمالهم، والتفضيل منسلخ عن معنى الفضل، كما هو كثير في هذا الباب، أو المراد الشرية في الاصطلاح المتعارف .

(اللهم مث) من [مات] بمعنى [أذاب] (قلوبهم كما يماث الملح في الماء) وذلك كناية عن إزالة القوة والصلابة عنها، فإنَّ القلب إذا لم يقو، جرّ الإنسان إلى كل شر، إذ قوة القلب هي مبعث العزة والسعادة وسائر الفضائل، فقد كان الإمام علیه السلام يريد من أهل البلاد عامة أن يكونوا مستقيمين في جادة الشرع بحيث لا يحيدون عنها قيد شعرة، فإذا رأى منهم ذلك أظهر التضجر منهم، وإلا فقد كان للإمام علیه السلام من خيرة الأصحاب ما تضرب بهم الأمثال، وقد ضمن لثلاثين ألف منهم الجنة، وكانوا يسمون بشرطة الخميس - كما في منتهى المقال للمامقاني - وهذه الأدعية والتضجرات إنما هي بالنسبة إلى المنحرفين.

(أما والله لوددت) أي أحببت (أن لي بكم) أي عوضكم (ألف فارس من بني فراس بن غنم) وهم قبيلة مشهورة بالشجاعة، ومنهم ربيعة حامي الضعن حياً وميتاً ولم يحم الحريم أحد وهو ميت غيره، عرض له فرسان من بني سليم، ومعه ضعائن من أهله يحميهن وحده فرماه أحد الفرسان بسهم أصاب قلبه فنصب رمحه في الأرض واعتمد عليه وأشار إليهن بالمسير فسرن حتى بلغن بيوت الحيّ وبنو سليم قيام ينظرون إليه لا يتقدم أحد منهم نحوه خوفاً منه حتى رموا فرسه بسهم فوثبت من تحته فسقط وتبين للقوم أنه كان ميتاً منذ أصابه السهم. هنالك لو دعوت أتاك منهم *** فوارس مثل أرمية الحميم

قال الرضي رحمة الله : الأرمية : جمع رمى وهو السحاب، والحميم هاهنا وقت الصيف وإنما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر لأنه أشد جفولاً وأسرع خفوفاً، لأنه لا ماء فيه وإنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء، وذلك يكون في أكثر أزمان الشتاء، وإنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا والإغاثة إذا استغيثوا والدليل على ذلك قوله : هنالك لو دعوت أتاك منهم.

.......................................

يعني لو دعوت بني فراس لرفع الضيم، أتاك منهم راكبين خيولهم - فإنَّ الفارس الشجاع الراكب للخيل - وهم مثل سحب الصيف في السرعة، فإنَّ [أرمية] جمع [رمى) وهو السحاب سمي به لأنه يرمى به في الهواء، والحميم وقت الصيف من [حم] بمعنى الحرارة (ثم نزل علیه السلام من المنبر).

وَمِنْ خطبة لَهُ علیه السلام

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مَحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينِ، وَ فِي شَرْ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنِ، وَحَيَاتِ صُمْ،

.......................................

التوضيح :

( إن الله بعث محمداً صلی الله علیه و آله و سلّم لا نذيراً للعالمين) أي لينذر الناس ويخوفهم من الكفر والمعاصي، والمراد بالعالمين، الإنس والجن، ومن في الأجرام الأخرى إلى يوم القيامة (وأميناً على التنزيل) أي كان مؤتمناً على القرآن والوحي لا يزيد فيهما ولا ينقص منهما (وأنتم معشر العرب على شر دین) وهو الكفر والشرك فإنَّه شر طريقة، إذ لا يعتقد صاحبها بالإله ولا بالأنبياء ولا بالمعاد، فقد كان ذلك صبغة العرب بصورة العموم وإن كان فيهم اليهودي والمجوسي والمسيحي، وفئة قليلة، على دين إبراهيم علیه السلام (وفي شر دار) إذ كان دارهم - وهي مكة - محلاً للأوثان والأصنام والشرك والفسوق والعصيان (منيخون) من أناخ بالمكان إذا أقام به، وفي بعض النسخ [متنّخون] من باب التفعيل على وزن [مصرّفون] وهو المعنى السابق .

(بين حجارة خشن) جمع خشناء بمعنى الخشونة ضد اللين، وحيث إن المراد بالحجارة الجنس، جيء لها بوصف الجمع (وحيات) جمع حية (صم) جمع صماء وهي التي تمشي في طريقها لا تتلوى على شيء كالإنسان الأصم

الذي لا تزجره الصيحة .

تَشْرَبُونَ الْكَذِرَ وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ الأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ .

ومنها: أي بعض هذه الخطبة فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلا أَهْلُ بَيْتي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ،

.......................................

فإنَّ أراضي الحجاز لبعدها عن الماء، وقربها إلى خط الاستواء، تكون الشمس فيها أكثر إشراقاً وحرارة فتتصلب حجارتها أكثر وتكون حياتها أخشن (تشربون) الماء (الكدر) الذي غَيَّره البقاء الطويل، وأمال لونه إلى الكدرة لعدم توفر المياه لديهم، إلّا مياه الغدران والآبار والأمطار وما أشبه (وتأكلون الجشب) هو الطعام الغليظ، أو الذي لا ادام معه (وتسفكون) أي تريقون (دماءكم) بعضكم يريق دماء بعض (وتقطعون أرحامكم) فلا تواصلونهم بالبر والإحسان (الأصنام فيكم منصوبة) تجعلونها للعبادة والخضوع لها (والآثام) جمع أثم وهو المعصية (بكم معصوبة) أي مشدودة بكم، فأنتم ملازمون لها، ملازمة أحد الشيئين المشدودين للآخر.

لقد كان العرب كذلك قبل الإسلام، حتى مَن الله عليهم بالرسول، فانتشروا في الأرض واستبدلوا بأماكنهم الحارة ذات الأحجار والصلال أرياف الشام والعراق وإيران وغيرها، وصاروا سادة يجبى إليهم الخير من كل مكان، بل فوق ذلك فقد ارتفع مناخهم بكل وسائل الراحة، كما نشاهد اليوم في الحجاز فقصور مشيدة وحدائق، ومياه عذبة وخيرات من كل شيء.

(فنظرت فإذا ليس لي معين) يعينني لأخذ حقي من الذين جلسوا مجلسي بعد الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم (إلا أهل بيتي) من أبناء عمومتي وأولادي ومن إليهم (فضننت بهم عن الموت) أصل الضن البخل، والمراد هنا تحفظت عليهم أن

وَأَغْضَبْتُ عَلَى الْقَدَى، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجي، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ، وَعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ.

ومنها : وَلَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ ُيؤْتِيهِ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً، فَلَا ظَفِرَتْ يَدُ البَائِعِ، وَخَزِيَتْ أَمَانَةُ المُبْتَاعِ، فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أَهْبَتَهَا

.......................................

لا يموتوا في سبيل أمري، إذا أنا حاربت القوم، ولقد كان من أسباب عدم نهضة الإمام، ذلك، فلو قتل الإمامان الحسن والحسين انقطعت الإمامة (واغضيت على القذى) القذى ما يقع في العين من ذرات التراب وما أشبه فيؤذي العين أذية كثيرة، والإغضاء هو الإغماض، وذلك كناية عن شدة تألمه علیه السلام من الغاصبين لمكانه (وشربت على الشجى) هو ما يعترض في الحلق من عظم ونحوه مما يؤذي الإنسان أذية كبيرة، والشرب عليه أكثر إيذاء، حيث لا بد للإنسان من الشراب (وصبرت على أخذ الكظم) الكظم، الحلق أي أني كنت كالشخص الذي اخذ حلقه يخنق، من جهة أولئك الذين تقدموا عليّ، وفي شدة كشدّة الإختناق (وعلى أمر) أي أكثر مرارة (من طعم العلقم) أي الحنظل .

ومنها : أي بعض هذه الخطبة، وفيه ذم ابن العاص .

(ولم يبايع) عمرو بن العاص معاوية (حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمناً) بأن يوليه مصر لو تمت له وخرجت من يد الإمام علیه السلام (فلا ظفرت يد البائع) هذا دعاء على البائع وهو معاوية بعدم الظفر والفوز (وخزيت أمانة المبتاع) هو عمرو بن العاص الذي ابتاع ملك مصر بالبيعة لمعاوية، ومعنى خزیت، ذلت وسفلت، والمراد بالأمانة : الدين الذي جعله الله أمانة عند الناس ليرى كيف يؤدونها هل بحق أم يبيعونها بمقابل عرض زائل؟ (فخذوا) يا أهل الكوفة - بعد ما عرفتم الأمر بالنسبة إلى أهل الشام - (للحرب أهبتها)

وَأَعِدُّوا لَهَا عُدْتَها، فَقَدْ شَب لظاهَا، وَعَلاَ سَنَاهَا، وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ، فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى النَّصْرِ.

.......................................

أي استعدادها، والحرب مؤنث سماعي (وأعدوا لها عدتها) أي لوازمها من سلاح ونحوه، والعدة هي ما يهيئه الإنسان لملاقاة العدو (فقد شب) أي اشتعل (الظاها) أي نار الحرب واللظى هي النار المشتعلة (وعلا سناها) أي ضوءها، وهذا كناية عن قرب الحرب (واستشعروا الصبر) أي اجعلوه شعاركم، فإنَّ الإنسان المصمم على الصبر ينجح (فإنه) أي الصبر (أدعى إلى النصر) أي أكثر دعوة، فإنَّ الإنسان الصابر لا يفر من الميدان بل يصمد مهما كلف الأمر، والصمود سر النجاح .

وَمِنْ خطبة لَهُ علیه السلام

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ،

.......................................

التوضيح :

وقد خطب علیه السلام هذه الخطبة حين بلغه أن جيش معاوية غزى بعض مملكته.

قالوا : ورد إلى الإمام شخص من أهل الأنبار يخبره أن سفيان بن عوف الغامدي قد ورد في خيل معاوية إلى الأنبار وقتل عامله حسان البكري، فصعد علیه السلام المنبر وخطب الناس وقال : إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار وهو مغتر، لا يخاف ما كان واختار ما عند الله على الدنيا، فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم فإنَّ أصبتم منهم طرفاً انكلتموهم عن العراق أبداً ما بقوا، ثم سكت رجاء أن يجيبوه بشيء فلم يفه بكلمة، فلما رأى صمتهم نزل وخرج يمشي راجلا حتى أحاطه قوم من أشرافهم وقالوا: يا أمير المؤمنين ألا ترجع ونحن نكفيك؟ فقال : ما تكفوني ولا تكفون أنفسكم فلم يزالوا به، حتى ردوه إلى منزله، فبعث سعيد بن قيس الهمداني في ثمانية آلاف في طلب سفيان بن عوف فخرج حتى انتهى إلى أدنى أرض قنسرين فأتوه فرجع، فخرج الإمام مغضباً يجر رداءه حتى أتى النخيلة ومعه الناس فرقي رباوة من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلی الله علیه و آله و سلّم ثم قال :

(أما بعد) أصله مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة فأبدلت [مهما] بـ [أما] وحذفت الجملة، وبقي لفظ [بعد] دالاً عليها (فإن الجهاد باب من أبواب الجنة) وهذا تشبيه، إذ كما أن باب الدار منفذ إليها، كذلك الجهاد

فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ، وَ جُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ. فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلُ، وَشَمَلَةَ الْبَلاء، وَ ديْثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالأَسْدادِ

.......................................

منفذ إلى الجنة، وسميت الجنة جنة، لتسترها، بالأشجار، ماخوذة من [جن] بمعنى استتر.

(فتحه الله لخاصة أوليائه) جمع ولي وهو المحب الموالي، ومعنى ذلك أنه لا يوفق للجهاد إلا خواص عباد الله الصالحين (وهو لباس التقوى) فكما أن اللباس يقي الإنسان من الحر والبرد، ويجمله بين الناس، كذلك التقوى تقي الإنسان من المعاصي وتجمّله بين الناس لتحليه - بسببها - بالفضائل (ودرع الله الحصينة) أي التي تحصن الإنسان وتحفظه عن الآثام والمعاصي، وعن النار والنكال في الآخرة، والدرع مؤنث سماعي (وجنته) هي [المجن] أو بمعنى وقايته (الوثيقة) التي يوثق بها.

(فمن تركه) أي الجهاد (رغبة عنه) أي تنفراً عنه، وذلك لا يكون إلّا بعد اجتماع الشرائط إذ الترك عند فقدها، ليس رغبة عنه، وإنما لعدم إمكانه وتوفر شرائطه (ألبسه الله ثوب الذل) لأن الأعداء يتسلطون عليه فيذل (وشملة البلاء) : الشملة هي ما يشتمله الإنسان ويلبسه، فإنَّ الأعداء إذا تسلطوا على الإنسان أحاطوا بأنواع البلاء في ماله وعرضه وسائر أموره، حتى كأنه لبس شملة منه (وديث) من [ديثه] باب التفعيل بمعنى [ ذلّله] أي ذل (بالصغار) مقابل الكبر (والقماءة) يقال [قمی] الرجل على وزن [كرم] أي ذل وأهين (وضرب على قلبه بالأسداد) جمع سد، وهو الحجاب الذي يحول بين الإنسان وبين الحسنات الموجب لهلاكه في الدنيا والآخرة، فإنَّ الإنسان لا يلبث أن يعتاد المنكرات والآثام، وفي ذلك كل شقاء وبلية.

وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضييع الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ. أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلى قِتَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْم لَيْلاً وَنَهَاراً، وَسِرًا وَإِعْلانَا، وَقُلْتُ لَكُمُ : اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْزُوكُمْ فَوَ اللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلا ذَلُوا . فَتَوَاكَلْتُمْ وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ الْغَارَاتُ عَلَيْكُمُ

.......................................

(وأديل الحق منه) أي أخذ انتقام الحق منه، حيث لم ينصره، وانتقام الحق بما يفعله سبحانه به من شقاء الدنيا ونار الآخرة من [دال] بمعنى أخذ الدولة وذلك (بـ) سبب (تضييع الجهاد) وعدم القيام به في مقابل الباطل، وقد صار أهل الكوفة كما قال الإمام علیه السلام حيث سيطر عليهم معاوية - بعد مدة - فأذلهم بما لا فوقه ذلة، بينما إنهم لو كانوا يجاهدون فينصرون الإمام وولده الحسن علیه السلام لكانوا أمنع من عقاب الجو (وسيم الخسف) الخسف : الذل والمشقة، وسيم بمعنى كلّف، أي كلفه الباطل ما يذله وما يشق عليه (ومنع النصف) بمعنى العدل، أي لم يعدل الأعداء فيه، بل يظلمونه ويجورون عليه.

(ألا) فلينتبه السامع (وأني قد دعوتكم) يا أهل الكوفة (إلى قتال هؤلاء القوم) معاوية وأصحابه (ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً) أي جهاراً (وقلت لكم اغزوهم) بالذهاب إلى بلادهم لاستلابها منهم (قبل أن يغزوكم) ويستلبوا منكم بلادكم ويغيرون عليكم في بلادكم (فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم) عقر الدار وسطها (إلا ذلوا) فإنَّ الإنسان إذا بقي في داره لم يستعد للقتال، فإذا جاءه جيش مستعد غلب على أهل الدار، فأذلهم، بخلاف الإنسان الذي يستعد للجهاد والغزو، فإنَّه لا يمكن أن يغزى في داره لأنه خارج متطلع مستعد، فإذا لاقاه جيش كان كفؤاً له (فتواكلتم) أي أوكل الأمر بعضكم إلى بعض (وتخاذلتم) أي تنحى كل واحد منكم ناحية (حتى شنت الغارات) جمع غارة، وهی الدفعة من هجوم العدو وشنها : الهجوم (عليكم) فقد أمر معاوية جيشه

وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ.

.......................................

بأن ينالوا أطراف بلاد الإمام لإلقاء الرعب في قلوب الأمة (وملكت عليكم الأوطان) فقد كان جيش معاوية يسيطر على بعض أطراف البلاد.

وقد ذكر أهل السياسة، أن بعض الناس فيه طبيعة الاستعلاء بحب الترفع بالمال والجاه وما أشبه، ومنهم رعاع يتبع السادة حيثما يوجهونهم، فمن جبل على الاستعلاء بيده قلوب الرعاع، فإذا جلبه الإنسان إلى نفسه بإشباع رغبته من إعطاء المال، أو منح المنصب، تبع الإنسان وجرّ اتباعه نحوه، وإذا أراد الإنسان أن يعطي كل ذي حق حقه، أغضب، فإنَّ تمكن جاهر بالعداء والمبارزة، وإن لم يتمكن نافق وانتهز الفرص للنيل من كرامة الإنسان، وهذا هو السر، لكثرة أعداء الأنبياء سواء غَلبوا أم غُلبوا، فإنَّهم كانوا يريدون الحق، وإعطاء كل ذي حق حقه، وعدم منح الباطل شيئاً، فكان ذلك مثال غضب الذين يرون لأنفسهم فضلاً، فيحاربونهم أو ينافقون إذا لم يجدوا للحرب سبيلاً .

وحيث إن الإمام كان ينهج منهاج الأنبياء، لم يكن أشراف قومه يطيعونه ويكفونه الأمر، بخلاف معاوية الذي كان يعمل بما يقوي ،سلطانه، فمثلاً لو كان الإمام أعطى طلحة والزبير الكوفة، والبصرة، ومعاوية الشام، وعائشة عشرة آلف درهم كل سنة - كما أعطاها خلافاً للعدل - لاستقامت له الأمور، لكنه علیه السلام كان يرى أن ذلك كله باطل، ولذا انقضَّ هؤلاء عليه، بخلاف أبي بكر، الذي يمنح الفاسق الزاني [خالد بن الوليد] منصباً، ويسميه سيفاً، وعمر الذي يعطي عائشة آلاف الدراهم جوراً في العطاء، وعثمان الذي يقرب بني أمية ويركبهم رؤوس المسلمين ويبعد أبا ذر العظيم، ومعاوية الذي يعطي مصر لابن النابغة عمرو بن العاص في سبيل تقوية سلطانه . . نعم قد تساعد الظروف أحدا، فيتمكن أن يسلّح نفسه ليعمل بالحق، ويسيطر على أصحاب الأطماع حتى لا يتمكنوا من القيام ضده علناً، ويتولد من ذلك

وَهذَا أَخُو غَامِدٍ وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأَنْبَارَ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِي وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحهَا، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَسْلِمَةِ، وَالأُخْرَى المُعَاهَدَةِ، فيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلَائِدَهَا وَرِعَالَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلا بِالإِسْترْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ. ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ،

.......................................

النفاق، كما تمكن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم من ذلك، ولذا كثر المنافقون حوله، حتى نزلت فيهم آية من الذكر الحكيم .

(وهذا أخو غامد) هو سفيان بن عوف من بني غامد قبيلة من اليمن بعثه معاوية لشن الغارات على أطراف العراق تهويلاً لأهلها (قد وردت خيله الأنبار) بلدة عراقية كما ذكروا (وقتل حسان بن حسان البكري) والي الإمام علیه السلام هناك (وأزال خيلكم عن مسالحها) جمع مسلحة وهي الثغر سمي بذلك لأنه محل السلاح (ولقد بلغني أن الرجل منهم) أي من جيش معاوية (كان يدخل على المرأة المسلمة و) المرأة (الأخرى المعاهدة) أي المسيحية واليهودية اللتين في عهد الإسلام وذمته (فينتزع حجلها) أي خلخالها وهو الذهب والفضة المصنوع لزينة الرجّل (وقُلبها) وهو السوار زينة اليد (وقلائدها) جمع قلادة ما تلبسها المرأة في عُنقها للزينة (ورعاثها) جمع رعثة بمعنى القرط ما يلبس في الأذن (ما تمتنع) تلك المرأة المسلوبة (منه) أي من ذلك الرجل الناهب (الا بالاسترجاع) بأن تقول [إنا لله وإنا إليه راجعون] أو تردد صوتها بالبكاء ( والاسترحام) بأن تطلب رحمته وشفقته لكي لا ينالها بمكروه.

(ثم انصرفوا) جيش معاوية (وافرين) تامّين عددهم لم ينقص أحدهم بالقتل (ما نال رجلاً منهم كلم) أي جرح لأنه لم يقابلهم أحد من جيش العراق ورجاله .

وَلا أُريقَ لَهُمْ دَمْ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأَ مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً ، فَيَا عَجَباً! - واللهِ - يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِن اجْتِمَاعِ هؤلاءِ القَوْم عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرَّقْكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً،

.......................................

ولا أريق لهم دم) أي لم يجرحهم أحد حتى يراق على الأرض دمهم وهذا مما يشجع أولئك الغزاة على إعادة الغزو والإرهاب لأنهم لم يروا مقابلة ومقاتلة (فلو أن امراً مسلماً مات من بعد هذا الحادث (أسفاً) أي حزناً (ما كان به) أي بسبب موته (ملوماً) فلا يلام على موته لم قد مات؟ (بل كان به) أي بالموت (عندي جديراً) أي حقيقاً حرّيا (فيا عجباً) أي يا عجبی والمنادى المضاف إلى الياء يجوز فيه تبديل ياء المتكلم بالألف، كما قال ابن مالك :

واجعل منادى صح أن يضف ليا *** كعبد عندي عبد عبداً عبدياً

والمنادى إما محذوف بمعنى يا قوم عجباً أنا أو هو المنادى أي يا عجبي أحضر فهذا وقتك (والله يميت القلب) ويخمد فيه النشاط (ويجلب الهم) والحزن وهذه جملة معترضة بين العجب والمتعجب منه.

(من اجتماع هؤلاء القوم) أي معاوية وأصحابه (على باطلهم) الذي هو دعوى الخلافة والاستقلال في الإمارة وسائر أعمالهم المنكرة (وتفرقكم عن حقكم) فإنَّ لكم آراء مختلفة لا تجتمعون على الطاعة، كاجتماع أولئك ولقد كان بإمكان الإمام أن يجمعهم على الطاعة بمنع الرؤساء منهم ما يريدون وقتل المعارضين حتى يصفو له الجو لكن ذلك خلاف الحق ولذا كف الإمام عنه بل أراد علیه السلام أن يجمعهم الحق فلم يجتمعوا (فقبحاً لكم) منصوب بفعل محذوف أي قبح الله قبحاً لكم (وترحا) الترح مقابل الفرح بمعنى الهم

حِینَ صِرتُم غرَضاً یُرمَی: يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلا تُغيرونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلا تَغْرُونَ وَيُعْصَى اللَّهُ وَتَرْضَوْنَ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيِر إلَيْهِمُ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ : هَذِهِ حَمَارَةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبِّحْ عَنَّا الْحَرُ، وإذا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشَّتَاءِ قُلْتُمْ : هذِهِ صَبَارَةُ الْقُرْ أَمْهِلْنَا يَنْسَلِحْ عَنَّا الْبَرْدُ، كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرْ فَإِذَا كنتم مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرْ تَفِرُّونَ،

.......................................

والحزن (حين صرتم غرضاً) هو ما يجعل في محل ليجرب الرماة مقدار إصابتهم الهدف فيرميه كل واحد منهم (يرمى) فإنَّكم مثل الغرض في تناول كل أحد عليكم بالسوء والهجوم.

(يغار عليكم) أي يهاجمكم أصحاب معاوية (ولا تغيرون) فلا تهاجمون معاوية وبلاده (وتغزون) أي يغزوكم العدو (ولا تغزون) فإنَّكم لا تردون الاعتداء بمثله ( ويعصى الله) يعصيه معاوية وأصحابه (وترضون) فإنَّ السكوت علامة الرضا (فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر) كالصيف (قلتم) معتذرين (هذه حمارة القيظ) أي شدة الحر فإنَّ حمارة بمعنى ذلك، والقيظ فصل الصيف (أمهلنا يسبخ عنا الحر) التسبيخ : التخفيف والتسكين، ومعناه حتى يخف الحر فإنَّ السفر والقتال في أيام الحر أشد وقعاً على الإنسان (وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء) وأيام البرد (قلتم) معتذرين (هذه صبارة القر) بمعنى البرد، والصبارة: شدة برد الشتاء (أمهلنا ينسلخ) ويذهب (عنا البرد) فإنَّ الهواء البارد يؤذي الإنسان المسافر.

(كل هذا) تقولون (فراراً من الحر والقر) أي البرد الشديد، ونصب فرارا، لكونه مفعولاً لأجله (فإذا كنتم من الحر والقر تفرون) ولا تريدون

فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ مِنَ السَّيْف أَفَرُ يَا أَشْبَاءَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ حُلومُ الأَطْفَالِ! وَعُقُولُ رَبَّاتِ الحِجَالِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً - واللهِ - جَرَّتْ نَدَماً، وَأَعَقَبَتْ سَدَماً. قَاتَلَكُمُ اللهُ لقَد ملأتُمْ قَلبي قَبْحاً

.......................................

السفر والقتال فيهما (فانتم والله من السيف افر) أي اكثر فراراً ولعل قوله [كل هذا] على نحو الاستفهام الإنكاري، لا على نحو الجملة الخبرية، فالمعنى الإنكار عليهم بكون فرارهم - كما يقولون - من الحر والبرد وإنما من القتال (يا أشباه الرجال) جمع شبه أي انتم في شكل الرجال.

(ولا رجال) ليس فيكم حقيقة الرجولية فإنَّ الرجل يكون ذا غيرة وحمية وأنفة من أن يغار ويهان ويذل (حلوم الأطفال) أي فيكم عقول الأطفال التي لا تقدر الأشياء قدرها الحقيقي (وعقول ربات الحجال) جمع [ربة] وهي المرأة العروسة التي في الحجلة، فإنَّ عقلها غير كامل ولا ناضج لأنها جديدة العهد بالدخول في مزدحم الحياة، حتى أن العجوز أعلى منها عقلاً وتجربة .

(لوددت أني لم أركم) بأن لم أكن سافرت من الحجاز إلى العراق لأراكم (ولم أعرفكم) ثم بين ذلك بقوله (معرفة) أي أنّ معرفتي لكم معرفة (والله - جرت ندماً) إليّ (وأعقبت) أي خلفت (سدماً) أي هما وأسفاً (قاتلكم الله) دعاء عليهم بأن يهلكهم الله وإنما جيء بباب المفاعلة، لأن الأصل قتل أحد لأحد، إنما يكون من طرفين، كل يريد قتل صاحبه، وأن كان هذا المعنى مفقوداً في إهلاك الله سبحانه، كما قال سبحانه «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ»(1)(لقد ملأتم قلبي قيحاً) هذا تشبيه فإنَّ المحل المتقيح يتألم


1) سورة التوبة : 30.

وَشَحَتْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهمَام أَنْفَاساً، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيَانِ وَالْخِذْلانِ، حَتَّى قَالَتْ قُرَيْشَ : إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ وَلَكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ. للهِ أَبُوهُمْ وَهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنّي !

.......................................

ويشتد وجعه وهكذا قلب الإمام علیه السلام كان متألماً منو منهم أشد التألم كالمكان المجروح المتقيح .

(وشحنتم صدري غيظاً) الشحن هو الملأ، أي ملأتم، وإنما نسب إلى الصدر لأن القلب الذي هو محل النفس في الصدر، والغيظ هو الحزن على الأمر مع إرادة الانتقام والدفع (وجرّعتموني نغب) جمع نغبة مثل جرعة لفظاً ومعنى (التّهمام) بمعنى الهم (أنفاساً) جمع نفس، أي أشربتموني بعدد أنفاسي جرعاً من الهم والحزن بما فعلتم من المعصية ومخالفة الأمر (وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان) فقد عصيتموني وتركتم أوامري، والخذلان هو ترك الشخص وحده بلا نصرة وإعانة (حتى لقد قالت قريش أن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب) لأنه لو كان عالماً بالحرب لم يغلبه معاوية ولم تدر قريش أن عدم نصرتي إنما هي من أصحابي الذين لا يطيعون أوامري ويخذلونني (الله أبوهم) كلمة تعجب واستغراب، وأصلها التعجب عن شيء حسن، نحو (الله دره) فإنَّ الشيء أو الشخص الذي لله يكون حسناً جميلاً، ومن المعلوم أن أب الإنسان لو كان حسناً في أفعاله سرى ذلك إلى أولاده فإنَّ الولد سر أبيه.

(وهل أحد منهم) أي من قريش (أشد لها) أي للحرب - وهي مؤنث سماعي - (مراساً) مصدر [مارسه] أي عالجه وزامله، حتى عرف جميع خصوصياته (وأقدم فيها) أي في الحرب (مقاماً مني) أي قياماً بشؤونها

لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهأَنذَا قَدْ ذَرْقْتُ عَلَى السِّينَ! وَلَكِنْ لاَ رَأْيَ لِمَنْ لاَ يُطَاعُ!

.......................................

و خوضاً فيها (لقد نهضت فيها) أي في الحرب (وما بلغت العشرين) من العمر (وها) للتنبيه (أنا ذا) الإنسان السابق المقدم (قد ذرفت على الستين) أي زدت عليها (ولكن لا رأي لمن لا يطاع) فإنَّ أصحابي إذا لم يطيعوني لا ينفذ رأيي حتى يتبين أن أرائي مصيبة وخططي في الحرب تفوق خطط معاوية ومَنْ ماثله من الانتهازيين و[لا رأي] نفي الحقيقة مجازاً أي لا يفيد رأي من لا يطاع رأيه.

وَمِنْ خطبة لَهُ علیه السلام

في التحذير من الدنيا والترغيب في الآخرة

أَمَّا بَعْدُ، فَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ، وَآذَنَتْ بِوَداع، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَشْرَفتْ بِاطْلاع، أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ المَضْمَارَ، وَغَداً السَّبَاقَ.

.......................................

التوضيح :

(أما بعد) أصلها مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة، فبدلت [مهما] بـ [أما] وحذفت سائر الجملة ما عدا [بعد] (فإن الدنيا قد أدبرت) فإنَّ الإنسان إذا جاء إلى الدنيا، كانت الدنيا مديرة عنه إذ في كل ساعة ينقص من عمره جزءاً وتتأخر الدنيا عنه (وآذنت بوداع) أي أعلنت بأنها تودع أهلها للرحيل عنهم، وآذانها ما تري الناس من مصرع آبائهم أو أصدقائهم (وإن الآخرة قد أشرفت باطلاع) الاطلاع هو الإتيان فجأة، يقال اطلع فلان علينا أي أتانا فجأة وإشراف الآخرة: قربها، فإنَّ كل يوم تتقدم الآخرة إلى الإنسان بمقدار تأخر الدنيا عنه (ألا وإن اليوم المضمار) محل ضمور الخيل، فإن الخيل إذا أريد المسابقة عليها تضمر لتهزل فتتمكن من الجري سريعاً، والمعنى أن الإنسان في الدنيا كالخيل في محل الإضمار فإنَّ عمل بما يجب عليه سبق هناك وإن لم يعمل تأخر .

(وغداً) أي يوم القيامة (السباق) أي المسابقة، لأنه يُعرف هناك مَنْ السابق إلى الجنة - باختلاف درجاتها - ومن التأخر إلى النار - باختلاف

وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغايَةُ النَّارُ، أَفَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ! أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمٍ بُؤْسِهِ! أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامٍ أَمَلِ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ خَضُورٍ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ. وَمَنْ قَصْرَ فِي أَيَّامَ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورٍ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرْهُ أَجَلُهُ. أَلا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ. أَلا وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلاَ

.......................................

در کاتها - (والسبقة) هي الغاية التي يجب على السابق أن يصل إليها - وسيأتي في كلام السيد معنىَ آخر له - (الجنة) فإنَّ السابق يفوز بها (والغاية النار) فأن الموطن الأخير الذي ينتهي إليه الإنسان الذي لم يعمل هو النار . . ثم عطف الإمام علیه السلام إلى العظة والتحذير (أفلا تائب من خطيئته ؟) استفهام ترغيبي يريد الإمام علیه السلام الترغيب في التوبة (قبل منيته) أي قبل موته (ألا عامل لنفسه) أي لنجاتها وخلاصها (قبل يوم بؤسه) البؤس : سوء الحالة، واشتداد الحالة (ألا) فلينتبه السامع (وإنكم في أيام أمل) يأمل كلّ حسن العاقبة (من ورائه أجل) أي من وراء الأمل الموت.

(فمن عمل في أيام أمله) في الدنيا (قبل حضور أجله) وموته (فقد نفعه عمله) لأنه يرى ثوابه في الآخرة (ولم يضره أجله) إذ غير العامل يضره أجله، لما يلاقي من الأهوال والعذاب (ومن قصر في أيام أمله) بأن لم يعمل كما ينبغي (قبل حضور أجله) وموته (فقد خسر عمله) الذي عمل من الآثام والمعاصي (وضره أجله) لأنه يبتلى هناك بالعذاب والنكال (ألا فاعملوا) أيها الناس (في الرغبة) أي في السرّاء والحالات الحسنة (كما تعملون في الرهبة) أي في الضراء والحالات السيئة، فإنَّ من عادة الإنسان أن عادة الإنسان أن ينسى الله سبحانه حالة السراء ويذكره حالة البؤس والشدائد .

(ألا وأني لم أر كالجنة نام طالبها) [نام] بمعنى [لم يعمل] (ولا) رأيت

كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلاَ وَإِنَّهُ مَنْ لا يَنْفَعُهُ الحقُّ يَضُرُّهُ البَاطِلُ، وَمَنْ لَم يَسْتَقِمْ بِهِ الْهُدَى، يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالَ إِلى الرَّدَى. أَلَا وَإِنَّكُمْ قد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَدُلِلْتُمْ عَلى الزَّادِ، وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : اتَّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الأَمَل ، فَتَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرِزُونَ أَنْفُسَكُمْ بِهِ غداً.

.......................................

(کالنار نام هاربها) أي الذي يخاف منها، وهذا كناية لعدم العمل الموجب للجنة والخلاص من النار مع عظم الأمرين - بما لا عظم فوقهما - .

(ألا وإنه من لا ينفعه الحق) بأن لم يتبعه لينتفع به (يضره الباطل) إذ هناك (طرفان فمن لم يلتحق بطرف الحق لا بد وأن يلتحق بطرف الباطل ويضره ذلك فإنَّ لم يجد يبخل، ومن لم يقدم يحجم، ومن لم يشجع يجبن وهكذا (ومن لم يستقم به الهدى) أي لم ينفعه الهدى فلم يقمه عن الاعوجاج والضلال (يجر به الضلال إلى الردى) أي الهلاك، كما قال سبحانه »إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِنَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا»(1)(ألا) فلينتبه السامع (وإنكم قد أمرتم بالظعن) أي الرحيل عن الدنيا (ودللتم على الزاد) أي دلكم الكتاب والسنة على لوازم هذا السفر الطويل وهو تقوى الله والعمل الصالح (وإن أخوف ما أخاف عليكم) أي اشد الأشياء التي أخافها عليكم (اثنتان) أي خصلتان (اتباع الهوى) الهوى : ميل النفس إلى الملذات حلالاً كانت أو حراماً واتباع الهوى غالباً يردي الإنسان .

(وطول الأمل) بأن يأمل الإنسان البقاء في الدنيا طويلاً فإن الإنسان إذا أمل ) البقاء الطويل يقترف الآثام ويقول سوف أتوب (فتزودوا من الدنيا) أي خذوا زادكم للآخرة (ما تحرزون) أي تحفظون (أنفسكم) عن النار (به) أي بذلك الزاد (غداً) في الآخرة، يقال حرز نفسه إذا حفظها عن العطب والهلاك


1) سورة الإنسان : 3.

.......................................

قال السيد الشريف الرضي رحمة الله :

أقول : لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام، وكفى به قاطعاً لعلائق الآمال، وقادحاً زناد الاتعاظ والازدجار، ومن أعجبه قوله علیه السلام : (ألا وإن اليوم المضمار وغداً السباق والسبقة الجنة والغاية النار) فإنّ فيه مع فخامة اللفظ وعظم قدر المعنى وصادق التمثيل، وواقع التشبيه سراً عجيباً ومعنى لطيفاً وهو قوله علیه السلام : (والسبقة الجنة والغاية النار) فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين. ولم يقل السبقة النار، كما قال : السبقة الجنة لأن الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب وهذه صفة الجنة وليس هذا المعنى موجوداً في النار نعوذ بالله منها فلم يجز أن يقول : السبقة النار بل قال : والغاية النار، لأن الغاية قد ینتهي إليها من لا يسره الانتهاء إليها ومن يسرّه ذلك، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معاً فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل ، قال الله تعالى : «وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ»(1)ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال سبقتكم (بسكون الباء) إلى النار فتأمل ذلك فباطنه عجيب وغوره بعيد، وكذلك أكثر كلامه علیه السلام. (وفي بعض النسخ) وقد جاء في رواية أخرى (والسبقة الجنة) بضم السين، والسبقة عندهم : اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض والمعنيان متقاربان، لأن ذلك لا يكون جزاءً على فعل الأمر المذموم، وإنما يكون جزاءً على فعل الأمر المحمود.


1) سورة إبراهيم: 30

وَمِنْ خطبة لَهُ علیه السلام

أَيُّهَا النَّاسُ، الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْمُحْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، كَلامُكُم يُوهِي الصُّمَّ الصَّلابَ،

.......................................

التوضيح:

وقد خطب علیه السلام بهذه الخطبة حين بلغه أن الضحاك أغار على الحجاج بأمر معاوية وذلك أن معاوية لما سمع باختلاف الناس على عليّ علیه السلام وتفرقهم عنه وقتله من قتل من الخوارج بعث الضحاك بن قيس في أربعة آلاف فارس وأمره بالنهب والغارة على أطراف بلاد الإمام لإلقاء الرعب والخوف في قلوب الناس لينفضّوا عن علي علیه السلام، فإن الناس إذا رأوا ضعف القيادة لم يلتفّوا حولها، فأقبل الضحاك يقتل وينهب حتى مرّ بالثعلبية فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم وقتل عمرو بن عميس بن مسعود ابن أخي عبد صاحب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وقتل وقتل معه ناساً أصحابه فلما بلغ علياً علیه السلام ذلك استصرخ أصحابه على أطراف أعماله واستثارهم للقاء العدو فتلكأوا فخطبهم بهذه الخطبة : (أيها الناس المجتمعة أبدانهم) فبعضهم تلو بعض (المختلفة أهواؤهم) أي أراؤهم فلكل واحد منهم رأي خاص به (كلامكم يوهي) أي يضعف (الصم) جمع [أصم] وهو من الحجارة الصلب شُبه بالأصم الذي لا يؤثر فيه الکلام لفقد سمعه (الصلاب) جمع صلب وهو الشديد القوي أي أن كلامكم بقوته وبريقه يؤثر في الحجر فيوهيه.

وفعْلُكُمْ يُطْمَعُ فِيكُمُ الأَعْدَاء تَقُولُوْنَ فِي المَجَالِسِ : كَيْتَ وَكَيْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ: حِيدِي حَيَادِ مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ، وَلَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ، أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ وَسَأَلْتُمُونِي التَّطويل، دِفاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُول .

.......................................

(وفعلكم) المنبئ عن ضعفكم وعدم عزمكم على الأمر (يطمع فيكم الأعداء) فإنَّ الأعداء إذا رأوا قولهم خافوا وإذا رأوا فعلهم المنبئ عن ضعفهم طمعوا (تقولون في المجالس كيت وكيت) أي كذا وكذا، وهذا كناية عن قولهم إنما نعمل بالأعداء ونهجم عليهم ونبيدهم وما أشبه ذلك و[كيت] لا يستعمل إلّا مكرراً بدون حرف العطف أو معه (فإذا جاء) وقت (القتال) و المبارزة (قلتم حيدي حياد) هذه كلمة يقولها الهارب. وهي من مصطلحاتهم عند الفرار من الحرب، من [حاد] بمعنى مال وأغرب، كأنه يطلب من الحرب أن تميل عنه ولا تصيبه بأذاها أي ميلي ميلاً (ما عزت دعوة من دعاكم) أما جملة خبرية أي ليست عزيزة دعوته لأنكم تخونون ولا تنصرون أو دعاء عليهم بأن يكونوا أذلاء حتى لا يعتمد أحد عليهم لا يعتمد أحد عليهم لأن الرؤساء إذا رأوا تفرقهم لم يعتمدوا عليهم (ولا استراح قلب من قاساكم) أي رافقكم لأنكم تخالفونه فهو في تعجب دائم منكم (أعاليل) بمعنى علل، جمع علة، وهو مرض ونحوه مما يتعلّل به الإنسان (بأضاليل) جمع أضلوله وهو الباطل أي أنكم تتعللون لخذلانكم وتفرقكم بألف باطل وضلال (وسألتموني) لفراركم عن الحرب (التطويل) في موعد الحرب بأن تتأخرون عن النفور إليها، فإنَّكم تدفعون الحرب عن أنفسكم (دفاع ذي الذين) أي المديون (المطول) أي الكثير المطل - وهو تأخير أداء الدين بغير عذر - أي أنكم في دفع الحرب عن أنفسكم تشبهون دفاع المديون الدين عن نفسه بلا عذر وجهه، وإنما فراراً عن الأداء فقط.

لا يَمْنَعُ الضَّيْمَ الدَّلِيلُ! وَلَا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلا بِالْجِد! أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ، وَمَعَ أَيْ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟ الْمَغْرُورُ وَاللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ. وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَد فَازَ - وَاللَّهِ - بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ، وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ .

.......................................

(لا يمنع الضيم) أي الظلم (الذليل) فإنَّ الإنسان الذليل لا قوة له حتى يتمكن من دفع الظلم والوقوف دون الظالم لئلا يظلم (ولا يدرك الحق إلّا بالجد) في مقابل الهزل، فإنَّ العمل الجدي هو الذي يسبب إدراك الحق والوصول إليه، وفي هاتين الجملتين تلميح إلى أنهم أذلاء غير جادين في أعمالهم (أي دار بعد داركم تمنعون) أي إذا لم تدافعوا عن بلادكم فعن أي بلاد تدافعون؟ وهذا تحريض لهم على الدفاع لأن الإغارة وقعت على بلادهم (ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ فإنَّ الإمام علیه السلام كان جامعاً بشرائط الإمامة فلو كان الإنسان يدافع عن إمامه لكان الإمام علیه السلام أحق الناس بالدفاع عنه (المغرور والله - من غررتموه) فإنَّ الذي يخدع بكم، هو المخدوع الكامل، إذ لا تمدون إليه يد العون أبداً، فهو كامل الغرور إذ غرّه من لم يف له بشيء أصلاً (ومن فاز بكم) بأن صار رئيسكم (فقد فاز - والله - بالسهم الأخيب) وهو من سهام الميسر الذي لا حظ له وأخيب تفضيل، من الخيبة بمعنى الفشل وعدم الفوز.

(ومن رمى بكم) كناية عن معاضدتهم في الحرب كالرامي الذي يعتمد على سهمه ورميه في الحرب (فقد رمى بأفوق ناصل) [الفوق] موضع الوتر من السهم، والأفوق السهم المكسور فوقه والناصل العاري عن النصل، وهو الحديد الذي يغرز في الجسم على راس خشب السهم يعني أن من رمى بأهل

أَصْبَحَتْ وَاللهِ لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ.

وَلا أَطْمَعُ فِي نَضْرِكُمْ، وَلاَ أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ. مَا بَالُكُمْ؟ مَا دَوَاوْكُمْ؟ مَا طِبْكُمْ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ . أَقَوْلاً بِغَيْرِ عمل ! وَغَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ وَطَمَعاً فِي غَيْرِ حَقٍّ؟!

.......................................

الكوفة فكأنما رمى بسم رمى بسهم لا يثبت في الوتر حتى يرمي، وإن رمى به لم يقتل أحداً إذلا نصل له (اصبحت - والله - لا أصدق قولكم) فيما تقولون، فإنَّ الإنسان لا يصدق كثير القول، الذي لا يعمل إبّان العمل (ولا أطمع في نصركم) العلمي بخذلانكم (ولا أوعد العدو بكم) الإيعاد هو وعد الشيء، أي لا أتمكن تهديد العدو بأن لي جنود الكوفة لعلمي بعدم نصرتكم (ما باكلم؟ استفهام إنكاري (ما دواؤكم) لا دواء لدائكم النفسي .

(ما طبكم)؟ استفهام إنكاري، أي لا يمكن شفاؤكم من مرض التفرق والتشتت وعدم الاستقامة وعدم العمل (القوم) أصحاب معاوية الذين يأتمرون بأوامره الباطلة (رجال أمثالكم) فلماذا لا تكونون مثلهم في العمل والإقدام؟ (أقولاً بغير عمل) استفهام إنكاري أي هل تقولون قولاً - بأن ما نفعل كذا وكذا - بغير أن تعملون بقولكم (وغفلة من غير ورع)؟ أي أنكم غافلون عن شؤون دنياكم، لا مثل غفلة الناس المتقين الذين غفلتهم عن الدنيا إنما هي لاشتغالهم بأمور الآخرة (وطمعاً في غير حق)؟ أي إنكم تطمعون طمعاً في المال حين تقسيم بيت المال، وفي الجاه والمنصب بغير أن يكونوا مستحقين لذلك، لأنهم لا يعملون حتى يستحقوا المزيد من الفيء والمناصب الرفيعة في الدولة .

وَمِنْ کلاَمٍ لَهُ علیه السلام

في معنى قتل عثمان

لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنتُ نَاصِراً ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَنْ خَذَلَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : نَصَرَهُ مَنْ هُوْ خَيْرٌ مَنِّي . وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ،

.......................................

التوضيح :

يفصل علیه السلام فيه حديث قتله وأنه لِمَ قتل؟ (لو أمرت به) أي بقتل عثمان (لكنت قاتلاً) لأن السبب كالمباشر في الفعل (أو نهيت عنه) أي عن قتله (لكنت ناصراً) له فإنَّ الإمام حيث نصح الطرفين ولم ينفع فيهما النصح اعتزل الأمر فلم يأمر ولم ينه وإن كان المجرم في الأمر عثمان حيث خالف وعده وأراد الفتك بالطالبين للإصلاح في قصة طويلة - راجع الغدير للأميني - (غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول) في مقام نفسه على قاتليه (خذله مَنْ أنا خير منه) فمروان - مثلاً - لا يتمكن أن يقول أنا خير من الثائرين لأني نصرت عثمان وهم خذلوه فإن نصرة رجل مثل عثمان لا توجب مدحاً للناصر (ومن خذله) كالثائرين (لا يستطيع أن يقول نصره من هو خير مني) كان يجعلوا مروان، خيراً من أنفسهم، إذ نصرة عثمان لا توجب خيرية الناصر من الخاذل، ومن هذا الكلام يفهم أن الإمام علیه السلام كان ناقماً على عثمان وعلى ناصريه، إذ لم يعكس الأمر في الفقرة الثانية .

(وأنا جامع لكم أمره) أي أمر قتل عثمان ومعنى [جامع] ملخص لكم

اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الأَثَرَةَ، وَجَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ، وَاللَّهِ حُكْمٌ وَاقِع في الْمُسْتَأْثِرِ وَالْجَازع .

.......................................

الواقعة (استأثر) عثمان أي استبد بآرائه (فأساء الأثرة) فان المستبد برأيه الذي يسلك طريق الحق لا غضاضة عليه، أما المستبد المسيء فإنَّه يستحق كل لوم وإثم (وجزعتم) عن أعماله واستبداده (فأسأتم الجزع) إذ الجزع أورث قتلاً سبب انقسام المسلمين ولعله لو كان الجزع مع الحنكة والتروّي - أكثر مما ترووا وصبروا - لكان أفضل إذ لعلهم حصلوا على مخرج من الأمر (ولله حكم واقع) في الدنيا، أو المراد حكمه في الآخرة (في المستأثر) وهو عثمان (والجازع) وهم الثوار ، فإنَّه يعاقب - في الآخرة - المخطئ منهما كما أنه ترك الأمر بالاختيار والإرادة - في الدنيا - حتى وقع ما وقع كما هو شأنه سبحانه حيث جعل الدنيا دار اختبار واختيار وليمتحن الناس على أعمالهم.

وَمِنْ کلاَمٍ لَهُ علیه السلام

لا تَلْقَيَنَ طَلْحَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْتَهُ، يَرْكَبُ الصَّعْبَ وَيَقُولُ : هو الذُّلُولُ. وَلَكِنِ الْقَ الزُّبَيْرَ، فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةَ، فَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ :

.......................................

التوضيح :

وقد أرسل علیه السلام عبد الله بن عباس إلى الزبير يطلب منه الرجوع عن الحرب وذلك قبل وقوع حرب الجمل.

(لا تلقين) يا بن عباس (طلحة فإنَّك إن تلقه) من [لقى] بمعنى المواجهة والمكالمة حول رجوعه عن الحرب (تجده كالثور عاقصاً قرنه) من عقص الشعر إذا فتله ولواه وهذا كناية عن كبريائه، فإنَّ الثور الذي يلوي قرنه - طبيعياً فيه من القوة البدنية شيء كثير وهكذا المتكبر فيه من الكبر النفسي شيء غير قليل (يركب الصعب) أي الأمور الشاقة وركوبها كناية عن إقدامه عليها (ويقول هو الذلول) الذلول : الجمل سهل القياد الذي لا يؤذي صاحبه، مقابل الصعب، يعني أنه لكبره يستهين بالأمور الصعبة، وهذا غير استسهال الإنسان في سبيل الحق أمراً مشكلاً، فإنَّ الأول كبرياء، والثاني علو همة - وبينهما فرق واضح - (ولكن يا ابن عباس (الق الزبير) ابن العوام (فإنه ألين عريكة) هي بمعنى الطبيعة، واصل العرك دبغ. الجلد بالدلك ونحوه، كأنه يوجب لينه ونضجه بخلاف الجلد الذي لم يدبغ .

(فقل له) إذا لقيته (يقول لك ابن خالك) يعني نفسه علیه السلام وعليّ ابن خال

عَرَفْتَني بِالْحِجَازِ وَأَنْكَرْتَنِي بِالْعِرَاقِ، فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا.

قال السيد الشريف : أقول : وهو علیه السلام أول من سمع منه هذه الكلمة أعني : فما عدا مما بدا.

.......................................

الزبير لأن أبا طالب وصفية أم الزبير من أولاد عبد المطلب بن هاشم (عرفتني بالحجاز) حيث بايعتني، فإنَّ الإنسان المبايع لا بد وأن يعرف المبايع له وإلا لم يبايعه (وأنكرتني بالعراق) حيث جئت لمحاربتي والمحارب لا بد وأن ينكر فضل الإنسان وإلّا لم يحارب (فما عدا مما بدا) يقال عدا الأمر بمعنى صرفه وبدا بمعنى ظهر، و[من] للاستبداد أي ما الذي صرفك مما ظهر منك - في الحجاز - من بيعتي؟ وقد كان الجواب واضحاً فأنه صرفه حب الرئاسة وقد قال الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلّم : حب المال والجاه ينبتان النفاق في قلب الرجل المؤمن كما ينبت الماء البقل .

وَمِنْ خُطّیَةِ لَهُ علیه السلام

في جور الزمان، ويقسم الناس إلى أقسام

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا في دَهْرِ عَنُودٍ وَزَمَنِ كَنُودٍ، يُعَدُّ فِيهِ الْمُحسِنُ مُسيئاً، وَيَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُواً، لا تَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَلا تَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَلاَ نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً

.......................................

التوضيح :

(أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود) الدهر قطعة من الزمان، وقد يطلق على الزمان كله، وعنود من [عند] على وزن [نصر] بمعنى جار، ووصف الدهر بالعنود، باعتبار ما يقع فيه من الجور بعلاقة الحال والمحل، نحو جرى النهر، والدنيا لم تخل من الجور، ولكن قد يكون الجور ظاهراً شاملاً وقد يكون قليلاً غير ظاهر، وقد كان زمان الإمام علیه السلام، من القسم الأول، لكثرة الفتن فيه في البلاد الإسلامية (وزمن كنود) أي الكفور، ثم بين الإمام علیه السلام سبب ذلك بقوله (يعد فيه المحسن مسيئاً) لأن طبائع الناس إذا مالت إلى الإساءة نفرت من الإحسان فيعدون العامل به مسيئاً (ويزداد الظالم فيه عتواً) أي تكبراً وتجبراً، لما يجد من الأنصار والأعوان (لا ننتفع بما علمنا) من عادة البلغاء أن ينسبون إلى أنفسهم القضايا العامة، تلييناً للموقف، وبياناً للعموم.

(ولا نسأل عما جهلنا) من الأحكام والآداب (ولا نتخوف قارعة) هي

حَتَّى تَحُلَّ بِنَا. فالناسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ : مِنْهُمْ مَنْ لا يَمْتَعُهُ الْفَسَادَ إِلَّا مَهَانَةُ نَفْسِهِ، وَكَلالَةُ حَدِّهِ وَنَضِيضُ وَفَرِهِ، وَمَنْهُمُ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ، وَالْمُعْلِنُ بشَرُهِ وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ، وَأَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامِ يَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ،

.......................................

الخطب العظيم ينزل على الناس من قحط أو غلاء أو أمراض أو تسلط الأعداء أو ما أشبه وسميت قارعة لأنها تقرع الناس بالشدة، والقلوب بالفزع (حتى تحل بنا) ثم فصل الإمام علیه السلام أحوال الناس، استدلالاً لما ذكره من كون الدهر عنوداً ... إلخ (فالناس على أربعة أصناف منهم) أناس فاسدون في أنفسهم وقلوبهم وإنما لا يفسدون لضعفهم وهم (من لا يمنعه الفساد) أي من الفساد (إلا مهانة نفسه) من [هان] بمعنى ذل وخف أي خمولها وعدم وجود أنصار وقوة بهما فيفسد (وكلالة حده) أي ضعف سلاحه عن القطع يقال كلَّ حد السيف إذا ضعف عن القطع (ونضيض وفره) النضيض القليل والوفر المال أي قلة ماله فليس له مال يصرفه في إفساده وشهوات نفسه.

(ومنهم المصلت لسيفه) يقال أصلت سيفه، أي جره وشهره على الناس يعني أنه مبطل قوي يشهر سيفه في وجه المحق (والمعلن بشره) أي المظهر شره (والمجلب بخيله ورجله) أي جمع أنصاره ممن له فرس أو راجل وهذا كناية عن جمعه أنصاره لمكافحة الحق وإظهار الباطل (قد أشرط نفسه) أي هيأها وأعدها للفساد (وأوبق) أي أهلك (دينه) بما عمل من الآثام (الحطام) هو المتكسر من النبات بعد اليبس وقد شبه الدنيا بذلك لأن مآل آخرها الی ذلك (ينتهزه) أي يختلسه ويحصل عليه (أو مقنب) طائفة من الخيل (يقوده) يعني أنه إنما ما فعل إما للجاه بأن يحصل على الحطام، وإما للجاه بأن يرأس فتةً، هم كالخيل التي يقودها الإنسان إلى حيث ما يريد.

أو مِنْبَرِ يَفْرَعُهُ. وَلَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللهِ عِوَضاً! وَمِنْهُمْ مَنْ يَطلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَلَا يَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا، قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ، وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ

.......................................

(أو منبر يفرعه) أي يعلوه من [فرع المنبر] إذا علاه بأن يحصل على منصب الجمعة والجماعة والخطابة، وكأن [المقنب] للأمارة وهذا للفقاهة والقضاء ونحوهما.

(ولبئس المتجر) مصدر ميمي (أن ترى) أيها الإنسان (الدنيا لنفسك ثمناً) أي بئست التجارة تجارة من يتاجر للدنيا، لأنه يراها ثمناً لأتعابه وأعماله مع أن الدنيا دار رحيل وزوال، فاللازم أن يعمل الإنسان فيها للآخرة لا أن يعمل لها ( و) ترى الدنيا (ممّا لك عند الله) أي ثواب الذي لك عند الله سبحانه (عوضاً) بأن تترك الثواب وتأخذ الدنيا بدله (ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة) فإنّه يصلي لرياء، ويدرس للشهرة وينفق لجلب الأنظار إلى نفسه وهكذا يعمل أعمال الآخرة، ولكن ينوي بها تحصيل الدنيا ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا) فإنَّ الإنسان يتمكن أن يجعل ضروريات الأمور الدنيوية من قبيل الأكل والمقاربة والتجمل للآخرة فيأكل للتقوى على العبادة ويقارب لأمر الله تعالى وحفظ نفسه عن الآثام ويتجمل لتقوية الحق بتحصيل الشوكة له، وهكذا.

(قد طامن) فعل من الطمأنينة، أي خفض (من شخصه) أي تواضع فلن يخدع الناس بأنه إنسان خائف من الله، مع أنه في قلبه يريد بذلك اصطياد السذج وتمكين نفسه في قلوب البسطاء (وقارب من خطوه) بأن يمشي بخطى متقاربة تشبها بالصالحين، ليخدع الناس بأنه منهم (وشمر من ثوبه) أي رفعه من الأرض ليظهر أنه متقي يتجنب من أن يمس ذيله الأراضي المحتملة للنجاسة .

وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلأَمَانَةِ، وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللهِ ذَريعَةً إِلَى الْمَعْصِيةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَقعده عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُؤُولَةُ نَفْسِهِ، وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ على حاله، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذلِكَ في مَرَاحٍ وَلَا مَغْدى.

.......................................

(وز خرف من نفسه للأمانة) أي زين نفسه بزينة الصالحين، كالخضاب، ولبس الخواتيم وما أشبه ذلك، كل ذلك لأن يرى صلاحه، فيأتمن الناس به، ويجعلوه في محل القدس والتقوى (واتخذ ستر الله) له بأن لم يظهره سبحانه على حقيقته وخداعه (ذريعة) أي وسيلة (إلى المعصية) لأنه مخادع، يريد بهذه الأعمال النيل من الدنيا والرئاسة على الناس فقد جعل مظاهر الدين وسيلة لاصطياد الدنيا .

(ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضوولة نفسه) ای صغرها، فهو انما یترک طلب الملک لا تورعاً وخوفاً من التلوث بالآثام بل لأن نفسه ضئيلة حقيرة لا ترتفع إلى معالي الأمور (وانقطاع سببه) أي لا أسباب له بها يتوصل إلى الملك من مال وقوة وعشيرة وما أشبه (فقصرته الحال) الحال يجوز فيه التذكير والتأنيث (على حاله) أي حصرته ضؤولة نفسه على حاله الذي هو فیه بدون أن يترقى ويرتفع (فتحلى) أي تزين (باسم القناعة) بأن أظهر نفسه : أنه قانع لا يريد الملك، مع أنه يعلم في قرارة نفسه أنه غير قادر (وتزين بلباس أهل الزهادة) بان أظهر نفسه زاهداً في الأمر غير راغب في الملك (و) الحال أنه (ليس من ذلك) الذي يظهره من القناعة والزهد (في مراح ولا مغدى) المراح المحل الذي تأوي إليه الماشية بالليل والمغدى المحل الذي تأوي إليه بالنهار وهذا كناية عن أنه لا محل له في وصف الزهاد، في أي وقت من الأوقات.

وَبَقِي رِجَالٌ غَضٌ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدِ نَادٌ وَخَائِفِ مَقْمَوعِ، وَسَاكِتٍ مَكْعُوم، وَدَاعِ مُخْلِصِ، وَثَكلانَ مَوجَع، قَدْ أَحْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ، وَشَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ فَهُمْ فِي بحْرٍ أَجَاجٍ،

.......................................

(وبقي رجال) ليس أولئك في صف الأقسام الأربعة السابقين (غض أبصارهم) أي غمضها (ذكر المرجع) أي المعاد، فإنَّ خوفهم من يوم القيامة أوجب أن يغمضوا أبصارهم عن شهوات الدنيا ومتعها (وأراق دموعهم) أي اسبلها (خوف المحشر) فإنَّ الإنسان إذا خاف من شيء خوفاً كثيراً بكى (فهم بين شريد) يشرد من الناس خوف أن يشترك معهم في عصيان يرتكبونه (نادٍ) هو الهارب من الجماعة إلى الوحدة (و) بين (خائف) من الله الله وهو في المجتمع (مقموع) أي مقهور قد اشتمل على ذل العبودية (و) بين (ساكت مكعوم) من [كعم البعير] إذا شد فاه لئلا يأكل أو يؤذي باسنانه، أي أن الخوف قد شد فاه فلا يتكلم خوفاً من أن يجلب إليه الكلام عصياناً وإثماً.

(و) بين (داع) يدعوا الله سبحانه أو يدعوا إليه تعالى (مخلص) لا يريد بذلك غير وجهه (وثكلان) الشكل الحزن على فقد بعض الأشياء المحبوبة (موجع) أي أنه محزون حزناً شديداً على فقد بعض المراتب منه في الآخرة لأنه يرى نفسه مقصراً أمام عظمة الله سبحانه (قد أخملتهم التقية) يقال أحمله أي أسقط ذكره، فلا ذكر له بين الناس والتقية هي إتقاء المعاصي، فإنَّ الإنسان المتقي يتجنب المجتمعات خوف الوقوع في المعاصي، فيحمل ذکره، لأن الناس لا يحتفلون إلا بمن عاشرهم (وشملتهم الذلة) أي ذلة العبودية والطاعة لله تعالى.

(فهم في بحر أجاج) أي بحر مالح وهذا كناية عن عدم انسياقهم وراء

أَفْوَاهُهُمْ ضَامِرَةٌ وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ، وقَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُوا، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُوا، فَلْتَكُن الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَةِ. وَقُرَاضَةِ الجَلَم، وَاتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَارْفُضُوهَا ذَمِيمَةً

.......................................

شهواتهم حتى يلتذون بالمعاصي كالتذاذ أهل الدنيا (أفواههم ضامزة) من [ضمر] بمعنى [سكن] أي لا تتكلم بشر ولا تتكلم كثيراً.

(وقلوبهم قرحة) أي مجروحة وهذا كناية عن تألم قلوبهم خوفاً من الآخرة، وتألمها لما يرون من الكفر والعصيان في الناس (وقد وعظوا) الناس بأمرهم بالتقوى (حتى ملوا) أي ملّهم الناس وسئموا من كلامهم - هذا إذا كان الفعل بالبناء للمفعول - أما لو كان بالبناء للفاعل، فالمعنى أنهم ملّوا من كثرة الوعظ وأخذهم السأم (وقهروا) أي قهرهم الأعداء (حتى ذلوا) فإنَّ الأعداء إذا قهرهم ،ذلوا، إذ الإنسان المقهور ذليل في نفسه (وقتلوا حتى قلوا) أي قتل منهم الأعداء حتى قلّ عددهم وهذا تحفيز للأخيار على مقارعة الأشرار وإن قهروهم وقتلوا منهم .

(فلتكن الدنيا في أعينكم) أيها الناس (أصغر من حثالة القرظ) الحثالة القشارة وما لا خير فيه كالثغل ونحوه، والقرظ: ورق السلم يدبغ به فإنَّ حثالة القرظ لا قيمة لها إطلاقاً ولا ينظر إليها أحد نظر الاعتبار (وقراضة الجلم) الجلم : هو المقراض يجز به الصوف ونحوه، وقراضته ما يسقط منه عند القرض والجز (واتعظوا) أي خذوا العبرة والوعظ (بمن كان قبلكم) من الناس الذين أسلبهم الدهر نعمهم (قبل أن يتعظ بكم من بعدكم) بأن يسلب الدهر نعمكم فتكون عبرة وموعظة للذين يأتون من بعدكم (وارفضوها) أي الدنيا (ذميمة) أي في حال كونها مذمومة فلستم ترفضون شيئاً ممدوحاً بل

فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ .

قال الشريف أقول: هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية وهي من كلام أمير المؤمنين علیه السلام الذي لا يشك وأين الذهب من الرغام والعذب من الأجاج، وقد دلّ على ذلك الدليل الخريت، ونقده الناقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ، فإنَّه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان والتبيين وذكر من نسبها إلى معاوية ثم قال : هي بكلام علي علیه السلام لا أشبه، وبمذهبه في تصنيف الناس وبالإخبار عمَّا هم عليه من القهر والإذلال ومن التقية والخوف أليق. قال : ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد ومذاهب العباد؟

.......................................

شيئاً مذموماً (فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم) أي أشد تعلقاً بالدنيا منكم فإنَّهم مع تعلقهم بالدنيا وحبهم الشديد لها لم تف الدنيا تف الدنيا بهم، وإنما أهلكتهم وأبادتهم.

وَمِنْ خُطّیَةِ لَهُ علیه السلام

عند خروجه لقتال أهل البصرة

إِنَّ اللهَ بَعَثَ مَحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَلا يَدَّعِي نُبُوَّةً، فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ،

.......................................

التوضيح :

قال عبد الله عباس دخلت على أمير المؤمنين علیه السلام بذي قار وهو يخصف نعله، فقال : لي ما قيمة هذه النعل؟ فقلت لا قيمة لها . فقال : والله لهي أحب إليّ من أمرتكم إلّا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً ثم خرج فخطب الناس فقال :

(إنّ الله بعث محمداً صلی الله علیه و آله و سلّم وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً) أي كتاباً سماوياً صحيحاً فإنَّ الكتب السماوية كانت قد حرفت، كما قال سبحانه «يُحرفون الكَلِمَ»(1)(ولا يدعي نبوة) وهذا كناية عن عدم وجود نبي مرشد بين العرب فلم يكونوا يهتدون سبيلاً، إذ الحق يظهر أما بالكتاب أو بالنبي، وقد فقدت العرب كليمها (فساق الناس) إلى الحق (حتى بوَّأهم) أي أعطاهم المحل والمنزل (محلتهم) أي منزلهم اللائق بالإنسان من الالتزام بالعقائد الحقة والفضائل والآداب والأعمال الصالحة والنظام الصحيح


1) سورة المائدة : 13

وَبَلْغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ .

أَمَا وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا : مَا عَجَزْتُ وَلاَ جبُنْتُ، وَإِنَّ مَسِيري هذَا لِمِثْلِهَا، فَلأَنْقُينَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ. مَالِي وَلِقُرَيْشٍشِ! وَاللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ،

.......................................

(وبلغهم منجاتهم) أي محل نجاتهم (فاستقامت قناتهم) القناة هي الرمح، والمعنى صاروا بعد الاعوجاج مستقيمين، والاعوجاج هو في العقيدة والشريعة وسائر العادات والملابسات (واطمأنت صفاتهم) أي أن صفاتهم كانت متزلزلة لا رسوخ ولا ثبات فيها، إذ كانت الفوضى تشملهم، فهذا صفته الوأد وذاك صفته الرحم، وكل يفتخر بما أوتي وهكذا .

(أما والله إن كنت) [إن] مخففة من الثقيلة، أي إني كنت (لفي ساقتها) وهي مؤخرة الجيش التي تسوق الجيش حتى لا يبق منه أحد لا يسير. جمع سائق (حتى تولت) أي فرت (بحذافيرها) أي بجميعها فكأن الإمام علیه السلام كان في مؤخرة جيش الكفر يسوقه نحو الإيمان أو الانهزام لئلا يبقى حداً أمام حركة الإسلام، والظاهر أن الضمائر عائدة إلى الجاهلية (ما عجزت) عن المقاومة (ولا جبنت) بأن أخاف من كثرة الأعداء (وأن مسيري هذا لمثلها) أي أن سيرى إلى قتال أهل البصرة مثل تلك المسيرة في زمان الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم لأن كلا السيرين لمكافحة الباطل (فلأنقبن الباطل) النقب هو الثقب (حتى يخرج الحق من جنبه) فكأن الباطل لباس نغشى به الحق فإذا نقب فيه خرج من جنبه الحق، حتى يظهر للناس (مالي ولقريش) يعني علیه السلام طلحة والزبير وأمثالهما من حاربوا الإمام ونصبوا له العداء، وأصل الكلمة للاستفهام ثم استعملت للإنكار والتقريع على المقابل.

(والله لقد قاتلهم) تحت راية الرسول في حال كونهم (كافرين) بالله

وَلا قَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ، وَإِنِّي لَصَاحِبهُمْ بِالأَمْسِ، كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ واليوم الآخر

........................................

(ولأ قاتلنهم) الآن في حال كونهم (مفتونين) قد فتنتهم زهرة الحياة الدنيا وزخرفها، وإن أظهروا الإسلام (وإني لصاحبهم) أي الذي حاربهم (بالأمس) في زمن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم (كما أنا صاحبهم اليوم) وهذا كناية عن عدم تغير علیه السلام عن الحالة التي كان عليها في زمان الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم.

وَمِنْ خُطّیَةِ لَهُ علیه السلام

في استنفار الناس إلى أهل الشام

.......................................

التوضيح :

روي أنه علیه السلام خطب بهذه الخطبة بعد فراغه من أمر الخوارج، وكان قد قام بالنهروان فحمد الله وأثنى عليه، وقال : أما بعد فإنَّ الله تعالى قد أحسن نصرتكم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام فقالوا له قد نفذت نبالنا وكلت سيوفنا ارجع بنا إلى مصرنا لنصلح عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا لنستعين به، فأجابهم علیه السلام يا قوم أدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم الآية. فتلكؤا عليه وقالوا : إن البرد شديد فقال علیه السلام : أنهم يجدون البرد كما تجدون، أف لكم ثم تلا قوله تعالى : قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ الآية، فقام منهم ناس واعتذروا بكثرة الجراح في الناس وطلبوا أن يرجع بهم إلى الكوفة أياماً ثم يخرج بهم فرجع بهم غير راضٍ فأنزلهم النخيلة وأمرهم أن يلزموا معسكرهم ويوطنوا على الجهاد أنفسهم ويقلوا زيارة أهلهم فلم يقبلوا وجعلوا يتسللون ويدخلون الكوفة حتى لم يبق معه إلّا القليل من إلا القليل منهم، فلما رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس وقال أيها الناس استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى الله، ودرك الوسيلة عنده قوم حيادى عن الحق لا ينصرونه موزعين بالظلم والجور لا يعدلون به وجفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان ويتبعكون في غمرة ،الضلال فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن

أُفٍّ لَكُمْ! لَقَدْ سَئِمْتُ عِنَابَكُمْ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ عِوَضاً؟ وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزَّ خَلَفاً؟ إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنَكُمْ، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَةِ وَمِنَ الذهول في سَكْرَةِ، يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ،

.......................................

رباط الخيل وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلاً، قال الراوي: فلم ينفروا فتركهم أياماً ثم خطبهم بهذه الخطبة فقال :

(أف لكم) [أف] كلمة تضجر وما يأتي بعده يظهر المراد من الضجر (لقد سئمت) السام: الملالة (عتابكم) أي أن أعاتبكم في الأمر لما أرى من انحرافكم (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً) استفهام إنكاري، كيف رضيتم أن تكون الدنيا بدلاً من الآخرة بان تركتم عمل الآخرة، للحصول على دنيا زائلة، والتنعم بملذاتها (وبالذل من العز خلفاً) أي هل رضيتم أن تذلوا تحت إمرة معاوية عوض العز الذي أنتم فيه (إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم) يعني معاوية وأتباعه (دارت أعينكم) بمعنى اضطربت من الخوف والجزع، فإنَّ الإنسان الخائف يلتفت يمينا وشمالاً ليجد مهرباً من الخوف الذي أحاط به .

(كأنكم من الموت في غمرة) غمرة الموت: شدة كربه، فإنَّ الإنسان إذا كان في حال الاحتضار، تدور عينه ليجد مخلصاً مما هو فيه، وسميت (غمرة) لأنه يغمر الإنسان ويغشاه كالماء الذي يغمر الغريق .

(و) كأنكم (من الذهول) الفزع والنسيان، فإنَّ الخائف ينسى أموره لتوجه ذهنه إلى المخوف منه (في سكرة) كالإنسان الذي شرب الخمر فسكر ولا يشعر بشيء (يرتج عليكم) يقال رتج الباب إذا غلقه (حواري) أي كلامي والمعنى يغلق فهمه عليكم (فتعمهون) من العمه وهو شدة العمى أي

وَكَأَنَّ قُلوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ، فَأَنْتُمْ لا تَعْقِلُونَ. مَا أَنتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اللَّيَالِي، وَمَا أَنْتُمْ بِرُكْنِ يمال بِكُمْ، وَلَا زَوَافِر عِنْ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ . مَا أَنْتُمْ إِلَّا كَإِبِلِ ضَلَّ رُعَاتُها، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ، لَبِئْسَ - لَعَمْرُ اللَّهِ - سَعرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ!

.......................................

تتحيرون في كلامي بماذا تجيبون؟ وهذا شأن الخائف الذي يخاف الجانبين جانب التصديق وجانب الإنكار، فإنَّهم كانوا يخافون أن يقبلوا كلام الإمام فيقعوا فى مشكلة الجهاد، ويخافون أن يردوا كلامه خوف الرعية من السلطة (وكأن قلوبكم مألوسة) من المس بمعنى اختلط بالجنون (فأنتم لا تعقلون) الأمر ولا تدركون الواقع .

(ما أنتم) أيها القوم (لي بثقة سجيس الليالي) أي ما دامت الليالي، فإنَّ سجيس بمعنى [أبداً] (وما أنتم بركن يمال بكم) أي يميل الإنسان إليكم لتحفظوه من كوارث الزمن، وإنما جيء به [باء] الجر دون [إلى] لاشراب الفعل معنى [يصول] (ولا) أنتم (زوافر عز) جمع [زافرة] وهي ركن البناء وعشيرة الرجل وأنصاره يفتقرأي يحتاج الإنسان (إليكم) لأنكم لا تنصرون من استعان بكم (ما أنتم إلّا كإبل ضل رعاتها) فإنَّ الإبل إذا ضل راعيها، تفرقت وتشتتت، وكانت عرضة لكل خطر وهكذا كان أهل الكوفة فهم مختلفون الآراء مشتتوا الأفكار.

(فكلما جمعت) تلك الإبل الضالة رعاتها (من جانب) لتنتظم تحت نظام (انتشرت من) جانب (آخر) إذ لا تنقاد إلا بالراعي دون سواه من يريد جمعها.

(لبئس - لعمر الله) أي قسماً بالله، فإنَّ [عمر] بمعنى الحياة ثم استعمل لمطلق القسم (سعر نار الحرب أنتم) أي ما توقد به الحرب وهذا كناية عن

تُكَادُونَ وَلَا تَكِيدُونَ، وَنُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلا تَمْتَعِضُونَ، لاَ يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ، غُلِبَ وَاللَّهِ الْمُتَخَاذِلُونَ! وَأَيْمُ اللهِ إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى، وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَأْسِ .

وَاللهِ إِنَّ امْرَأَ يَمَكنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ،

.......................................

استعدادهم للحرب لجبنهم وفساد رأيهم (تكادون) أي يكيد الأعداء عليكم (ولا تكيدون) لهم بالاستعداد لمحاربتهم ومقاتلتهم (وتنتقص أطرافكم) بأن يغير معاوية على أطراف بلادكم فيسلبها ويأخذها (فلا تمتعضون) الامتعاض : الغضب الكثير (لا ينام عنكم) أي أن الأعداء ساهرون على أذاكم والكيد بكم (وأنتم في غفلة) عنهم لإحباط مؤامراتهم (ساهون) كالإنسان الذي يسهو عن الأمر فلا يبالي به (غلب - والله - المتخاذلون) يعني أن الذين يخذل بعضهم بعضاً، ويترك أحدهم نصرة الآخر، يغلبون على أيدي أعدائهم (وأيم الله) حلف بالله، ويجوز في [أيم] وجوه كثيرة منها [أيمن] .

(إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى) الوغى الحرب، ومعنى حمس، : أشتد : اشتعل (واستحر الموت) أي بلغ في النفوس غاية حدته، بأن كثرت القتلى وشاع الموت في الحرب (قد انفرجتم) أي تفرقتم (عن) أطراف (ابن أبي طالب) يعني نفسه الكريمة (انفراج الرأس) أي كما ينفرج الرأس من البدن، الذي لا التئام بعده ولا حياة للإنسان بعد ذلك.

(والله إن امراً يمكن عدوه من نفسه) بأن لا يأخذ للعدو عدته بل يسهل في الأمر حتى يسيطر العدو عليه بسبب أنه ترك الحزم ولم يأت باللازم للحرب، حتى (يعرق) أي يأكل العدو (لحمه ويهشم) أي يكسر عظمه

وَيَفْرِي جِلْدَهُ ، لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ، ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ. أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فراش الهام، وَتَطيعُ السَّوَاعِدُ وَالأَقْدَامُ، وَيَفْعَلُ اللهُ بَعْدَ ذلِكَ مَا يَشَاءُ .

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّاً، وَلَكُمْ عَلَي حَقٌّ :

.......................................

ويفري) أي يشق ويقطع (جلده) وهذا كناية عن شدة تسلط العدو وحتى أنه يفعل فيه ما يشاء (لعظيم عجزه) إذ يدل ذلك على أنه عاجز كمال العجز، وإلا لم يسمح بالعدو أن يفعل به ذلك .

(ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره) جوانح جمع جانحة وهي الضلع، وتسمى بذلك لأنها كالجناح للإنسان في طرفه والمراد بـ [ما ضمت] القلب، أي أنه ضعيف القلب غير مقدام ولذا ترك عدوه حتى يسيطر عليه (أنت) أيها السامع (فكن ذاك) الإنسان العاجز (إن شئت) فلك الخيار في أن تفعل بنفسك، ما تشاء (فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك) أي أمكن العدو من نفسي حتى أعطيه ما يريد (ضرب بالمشرفية) هي السيف سمي بها نسبة إلى (المشارف) وهي بلدة كانت تصنع السيوف الجيدة (تطير منه) تذكير الضمير باعتبار السيف (فراش الهام) الهام الرأس، وفراشه العظام الرقيقة المفروشة عليه .

(وتطيح) أي تسقط (السواعد) جمع ساعد و وهو اليد (والأقدام) جمع قدم وهى الرجل (ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء) من نصرتي وعدمها وهذا من التعليمات الراقية للناس حيث يجب عليهم أن لا يسلموا للذل مهما كانت النتائج بل يقدمون بما تمكنوا من قواهم والأمر بعد ذلك بيد الله سبحانه.

(أيها الناس إن لي عليكم حقاً) بصفتي أميركم (ولكم علي حق) بصفتكم

فَأَمَّا حَقَّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرَ فَيْتِكُم عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا. وَأَمَّا حَقًّي عَلَيْكُمْ فَالوَفَاء بِالبَيْعَةِ، وَ النَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُکُم.

.......................................

رعيتي (فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم) أي أنصحكم وأرشدكم إلى سعادة الدنيا والآخرة (وتوفير) أي تكثير (فيئكم) أي الخراج ومال بيت المال (عليكم) لسد حوائجكم وتوفير الفيء باستعمال أساليب توجب زيادته، من الأمر بزراعة الأرض والتعمير وما أشبه مما يوجب زيادة الحقوق المقررة في الإسلام (وتعليمكم) الأحكام (كيلا تجهلوا) شيئاً (وتأديبكم) وهى التزكية العلمية (كيما تعلموا) فإنَّ الإنسان بالتأديب يعلم، أما بالتعليم فإنَّ صور الأشياء تنقش في ذهنه - فقط -.

ثم لا يخفى أن قوام الأمور في المجتمع الصالح هذه الأربعة، النصيحة، التعليم والتربية، والمال (وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة) بعدم نكثها وفعل ما ينافيها (والنصيحة في المشهد والمغيب) أي تعملون لي فعل الناصح سواء كنت حاضراً أو غائباً وذلك بـ [الدعاية] الحسنة - على ما هو الاصطلاح في هذا اليوم والمشهد والمغيب مصدران میمیان، بمعنى الشهود والغيبة (والإجابة) لي (حين أدعوكم) بأن تحضروا حين أريدكم لأمر (والطاعة حين أمركم) بأمر وقد جعل الإمام أربعة حقوق لهم وأربعة حقوق له، وهذه هي قوام المجتمع الصالح الذي يسعد فيه الراعي والرعية على حد سواء .

وَمِنْ خُطّیَةٍ لَهُ علیه السلام

بعد التحكيم

.......................................

التوضيح :

ومجمل القصة أن معاوية لما رأى أن جيش الإمام سينتصر على جيشه مما يسبب له الهزيمة التجأ إلى عمرو بن العاص يستشيره في الأمر فأشار عليه برفع المصاحف على الرماح، وطلب جند الإمام إلى تحكيم القرآن، وذلك لكي يستعيد جيش معاوية أنفاسه، لعل هذه المكيدة تقع في أصحاب الإمام موقعها وتمنع أصحابه أصحابها علیه السلام عن مواصلة القتال، فرفعوا المصاحف على الرماح يطلبون رد الحكم إلى كتاب الله، وكانت الحرب أكلت من الفريقين، فانخدع القرّاء وجماعة اتبعوهم من جيش عليّ علیه السلام وقالوا : دعينا إلى كتاب الله ونحن أحق بالإجابة إليه فقال لهم أمير المؤمنين علیه السلام : أنها كلمة حق يراد بها باطل أنهم ما رفعوها ليرجعوها إلى حكمها أنهم يعرفونها ولا يعملون بها، ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه ولم يبق إلّا أن يقطع دابر الذين ظلموا، وخالفوا واختلفوا فوضعت الحرب أوزارها وتكلم الناس في الصلح .

وقد قررا تحكيم حكم من جانب الإمام وحكم من جانب معاوية يحكمان بما في الكتاب فعين الإمام ابن عباس لكن القوم لم يقبلوا ابن عباس واختاروا - بدون رضا الإمام أبا موسى الأشعري وقد حذرهم الإمام مغبة الأمر لكنهم لم يسمعوا لكلامه - واختار معاوية ابن العاص وتشاور الحكمان في الأمر، ثم خدع ابن العاص الأشعري وقال له : إنا نخلع الأميرين ليرجع

الْحَمْدُ للهِ وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطب الْفَادِح وَالْحَدَثِ الْجَلِيل . وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا الله وحده لا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الحيرة،

.......................................

الأمر شورى يختار المسلمون من شاءوا، فقام الأشعري وخلع الإمام، ثم قام ابن العاص وقال لقد رأيتم - أن صاحبكم قد خلع صاحبه - يعني الإمام - لكن أنا نصبت صاحبي معاوية أمير المؤمنين، فتنازع القوم على غير جدوى، وقد صار كما أراد معاوية، فلما أن سمع الإمام بذلك امتعض امتعاضاً شديداً وخطب بهذه الخطبة :

(الحمد لله وإن أتى الدهر) أي الزمان (بالخطب) هو الأمر العظيم (الفادح) أي الثقيل، من فدحه الدين إذا أثقله، يعني إنا نحمد الله في كل حال، حتى في حال الضراء، كما وقع الآن من نتيجة أمر الحكمين، وتدبير ابن العاص لهذه المكيدة (والحدث) هو الأمر الحادث (الجليل) أي العظيم (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره) وهذه الجملة تأكيد للجملة السابقة (وأن محمداً عبده ورسوله) والظاهر أن كونه عبده يراد به الاعتراف بألوهيته تعالى في مقابل أقوال المسيحيين أن عيسى إله يعبد مع الله تعالى : صلی الله علیه و آله و سلّم جملة خبرية أريد بها الدعاء (أما بعد) أصله مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة قلبت [مهما] [أما] وحذفت الجملة باستثناء لفظة [بعد] (فإن معصية الناصح الشفيق) هو الذي يشفق على الإنسان أي يخاف عليه أن يتأذى بمؤذي (العالم المجرب) الذي جرب الأمور وعرف نتائج الأعمال (تورث الحيرة) أي توجب المعصية تحير المخالف له إذ المخالفة تؤول إلى ما لا يحمد.

وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ. وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخْرُونَ رَأْيِي، لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرِ أَمْرًا فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الجناة، وَالمَنَابِذِينَ الْعُصاةِ، حَتَّى أَرْتَابَ النّاصِحُ بِنُصْحِهِ :

.......................................

(وتعقب الندامة) أي أن يندم المخالف (وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة) أي نصب حكمين لإنهاء أمر القتال (أمري) بأنها مكيدة معاوية للفرار من الحرب والتخلص، من الانهزام الذي ظهرت بوادره لمعاوية وأصحابه (ونخلت) أي أخلصت تشبيه بما ينخل من الدقيق ونحوه لأن يظهر خالصه (لكم مخزون رأيي) أي الرأي الحصيف الذي كان مخزوناً في صدري (لو كان يطاع لقصير أمر) هذا مثل، وقصير اسم رجل، وأصل المثل أن جذيمة كان قتل أبا الزباء ملكة الجزيرة فبعثت إليه بعد حين أنها تريد أن تتزوج به - خدعة - وسألته القدوم عليها فأجابها إلى ذلك وخرج في ألف فارس وخلف باقي جنوده مع أبن أخته عمرو بن عدي وكان قصير أشار إلى جذيمة أن لا يتوجه إليها فلم يقبل رأيه فلما قرب جذيمة من الجزيرة استقبله جنود الزباء بالعدة ولم ير منهم إكراماً له، فأشار إليه قصير بالرجوع عنها وقال : إنها امرأة ومن شأن النساء الغدر فلم يقبل فلما دخل عليها غدرت به وقتلته، فعندها قال قصير لو كان يطاع لقصير أمر.

فذهبت مثلاً لكل ناصح عصاه الآخر وقد كان مصيباً في رأيه، وجواب لو محذوف أي لو كان يطاع لقصير أمر لرأى الناس عاقبة أمره الحسن (فأبيتم) أي خالفتم (عليّ) رأيي (إباء المخالفين) أي كأنكم مخالفون لي أعداء معي، لا كأنكم أنصاري وأصحابي (الجناة) جمع الجاني وهو الذي يجني على الأخر (والمنابذين) من نبذ بمعنى طرح أمر الطرف المقابل (العصاة) جمع عاصي (حتى ارتاب الناصح بنصحه) يعني أن مخالفتهم كانت بحيث شك

وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ، فَكُنْتُ وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخو هَوَازِنَ :

أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَج اللِّوى *** فَلَمْ تَسْتَبِيتُوا النُّصْحَ الأضُحَى الْغَدِ

.......................................

الناصح في أن نصيحته هل هي صحيحة أم لا؟ وهذا كناية عن شدة مخالفتهم - لا أنه علیه السلام شك في صحة نصيحته - وذلك لأن (وضن) أي بخل (الزند) وهو الحجر الذي يصك بأخر فيخرج منه النار (بقدحه) أي بإخراجه النار، وهذا كناية عن إمساكه علیه السلام بآراءه المصيبة المضيئة النافعة فإنَّ الإنسان إذا رأى عصيان الناس لرأيه لا يظهر آراءه ضناً بها أن تذهب سدى (فكنت) أنا (وإياكم كما قال) دريد بن الصمة (أخو هوازان) أي أنه من تلك القبيلة في بيان أنهم عصوه فرأوا عاقبة عصيانهم :

(أمرتكم أمري بمنعرج اللوى *** فلم تستبينوا النصح الأضحى الغذ)

(منعرج اللوى) اسم مكان أي أني أمرتكم بنصيحتي في ذلك المكان وأنتم خالفتموني، ولم تعلموا صدق كلامي إلا غداً عند الضحى حيث فات الأوان.

وَمِنْ خُطّیَةِ لَهُ علیه السلام

في تخويف أهلِ النهروان

.......................................

التوضيح :

قد روي أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم بينا هو يقسم بعض الغنيمة جاءه رجل من بني تميم يقال له (ذو الخوبصرة) فقال : اعدل يا محمد، فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : قد عدلت فقال له ثانية : اعدل يا محمد فإنَّك لم تعدل فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟ فقام عمر وقال : يا رسول الله ائذن لي في ضرب عنقه؟ فقال صلی الله علیه و آله و سلّم : دعه فسيخرج من ضيضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يخرجون على خير فرقة من الناس تحتقر صلاتكم عند صلاتهم وصومكم عند صومهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فيهم رجل أسود مخدج اليد إحدى يديه كأنها ثدي امرأة أو بضعة، قد يقتلهم أولى الفريقين بالحق، وقد كانت الخوارج من أصحاب الإمام علیه السلام، خرجوا عليه عند نهر قرب الكوفة يسمى [النهروان] وقد كان سبب خروج هؤلاء هو أنه علیه السلام لما قهره أصحابه على التحكيم وأظهروا عنه الرضا به بعد أن حذرهم ووعظهم فلم يلتفتوا إلى نصحه وإنذاره كتبوا كتاب التحكيم وأخذه الأشعث بن قيس فطاف به على أصحاب معاوية فرضوا به.

وطاف به على أصحاب علي علیه السلام فرضوا به حتى مر برايات عنزة وكان مع على علیه السلام منهم بصفين أربعة آلاف فارس فلما قرأ الكتاب عليهم قال فتيان منهم لا حكم إلّا لله ثم حملا على أصحاب معاوية فقتلا، فهما أول من حكم وهكذا خالف جماعات وقالوا لا حكم إلّا لله، فرجع الأشعث فأخبر

فَأَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَكْنَاف هذَا النَّهَرِ وَبِأَعْضَام هذَا الْغَائِطِ، عَلَى غَيْرِ بَيْنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلاَ سُلْطَانٍ مُبِينِ مَعَكُمْ :

.......................................

الإمام علیه السلام بذلك فاستصغر قدرهم، فلما بلغهم أمر الحكمين ما رأى . . . إلا والناس يتنادون من كل جانب لا حكم إلّا لله لا لك يا علي وقد كنا أخطأنا رضينا بالحكمين فرجعنا إلى الله وتبنا فارجع أنت وتب إلى الله كما تبنا وإلا برئنا منك فأبى علیه السلام الرجوع وقال : ويحكم أبعد هذا العهد نرجع؟ فما نصنع بقوله تعالى: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ»(1)وأبت الخوارج إلا تضليل التحكيم والطعن فيه فبرئوا من علي علیه السلام ثم کان اجتماعهم بـ [حروراء] فسماهم علیه السلام لذلك بالحرورية فناظرهم بها فرجع منهم ألفان ثم مضوا إلى نهروان وكان أميرهم عبد بن الكوا، وحين القتال [الرسي] فسار الإمام علیه السلام فخطبهم فلم ينفع فيهم الكلام فقاتلهم حتى أفناهم إلاّ عدة قليلة منهم فروا (فأنا لكم) أيها الخوارج (نذير) أي منذر مخوف (أن تصبحوا صرعي) جمع صريع، وهو القتيل الذي يقع مصروعاً طريحاً (بأكناف) جمع کناف بمعنی الطرف (هذا النهر) الذي كان قرب الكوفة، وكان يسمى بالنهروان (وبأهضام) جمع هضم وهو المنخفض من الوادي (هذا الغائط) الغائط ما سفل من الأرض: وإنما يسمى المدفوع بذلك لعلاقة الحال والمحل (على غیر بينه) أي دليل واضح (من ربكم) أي أن قتلكم بلا حجة في خروجكم، فهناك معاقبون على فعلكم فتخسر الدنيا والآخرة .

(ولا سلطان مبين معكم) أي دليل واضح وحجة ظاهرة منكم في


1) سورة النحل : 91 .

قَدْ طَوَّحَتْ بِكُمُ الدَّارُ، وَاحْتَبَلَكُم الْمِقْدَارُ، وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ المَنَابِذِينَ، حَتَّى صَرَفْتُ رَأْيِي إِلَى هَوَاكُمْ، وَأَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ الْهَام، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، وَلَمْ آتِ - لا أَبَا لَكُم -

.......................................

خروجكم عليّ، ولعل الثاني شامل للأدلة الظاهرية، وإن لم تكن حجة واضحة من عند الله في الواقع (قد طوحت) أي توهت وألقتكم في المتاهة والضلالة (بكم (الدار) أي دياركم فخروجكم ليس إلى الطريق حتى تهتدون سبيلاً وتصلون إلى غاية سعيدة، وإنما إلى متاهة وضلال.

(واحتبلكم) أي أوقعكم في حبالته - وهي شرك الصائد الذي يصيد به - (المقدار) أي الأمر الذي قدّر لكم، والمقدار، هو المسافة الزمنية المحدّدة يسير الناس فيها حتى يصلوا إلى زمان موتهم، فكأن القدر أحاط بهم کما تحيط الحبالة بالصيد (وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة) أي التحكيم في أمر الخلافة، فإنَّ الإمام علیه السلام كان يرى زيفها وأنها مكيدة، وهل يعيّن الحكم لفصل الأمر، في أن الحق لعلىّ علیه السلام أو لمعاوية؟ (فأبيتم عليّ) أي خالفتم كلامي ورأيي ((إباء المخالفين) أي كأنهم مخالفون لأعداء ، لا كأنكم أنصاري وأوليائي (المنابذين) من نبذ، بمعنى طرح ويسمى المعادي منابذاً، لأنه يطرح الطرف المقابل ولا يبالي به (حتى صرفت رأيي إلى هواكم) أي أجبرت لإسلاس قيادتكم (وأنتم معاشر أخفاء الهام) الهام: الرأس، وخفة الرأس كناية عن عدم وجود العقل فيه ليرشد الإنسان إلى الصلاح .

(سفهاء الأحلام) أي أن لكم عقول السفهاء والسفيه ضد الرشيد وهو الذي ليس له عقل لتدبير أموره (ولم آت - لا أباً لكم) جملة معترضة، وهذه كلمة تستعمل لكل من المدح والذم فكونها مدحاً، باعتبار أن من لا أب له

يُجْراً، وَلا أَرَدْتُ لَكُمْ ضُرّاً.

.......................................

يملك أمر نفسه فليس تحت طاعة غيره وكونها ذما باعتبار أن من لا أب له لا كافل له. وهي دعاء في صورة الخبر - (بجرا) أي شراً، أي أن أمر هذا التحكيم كان منكم ولم آن شراً، حتى تخرجون عليّ وتحاربونني.

غيري جنا وأنا المعاقب فيكم *** فكأنني سبابة المتقدم

(ولا أردت لكم ضراً) حتى تريدون الانتقام منّي وهكذا عادة الجهال دائماً، أنهم يصرون على الأمر، فإذا رأوا نتائجه السيئة ألقوا باللائمة على العاقل الذي كان يخالفهم.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

يجري مجرى الخطبة

فَقُمْتُ بالأَمر حِينَ فَشلُوا، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَنَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا، وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِينَ وَقَفُوا. وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً،

.......................................

التوضيح :

ومعنى جريه مجرى الخطبة أنه أنشأ بذلك الأسلوب وقد أشرنا سابقاً إلى أن الخطبة إنما هي في مجمع من الناس وتبتديء بالحمد وتنشأ بأتكاء صوت، وفي مرتفع وما أشبه ذلك .

(فقمت بالأمر) أي بأمر الإسلام بالجهاد في ميادين القتال والصبر والثبات (حين فشلوا) أصابهم الوهن والضعف، فإنَّ الخلفاء الذين تقدموا على الإمام وكثيراً من صناديد الأصحاب كانوا يفرون عن القتال وينهزمون في مواقع الخوف .

(وتطلعت) أي ظهرت (حين تقبعوا) التقبع هو الاختفاء، ضد التطلع والظهور ( ونطقت) أي تكلمت بالحق في محل الخوف عن إظهار الحق (حين تعتعوا) التعتعة الاضطراب في الكلام (ومضيت بنور حين وقفوا) أي أني سرت نحو الهدف من إظهار الإسلام وإعلاء كلمته حين وقف القوم، كما قال سبحانه: «وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا»(1)(وكنت أخفضهم صوتاً) وهذا كناية عن


1) سورة البقرة : 20.

وَأَعْلاهُمْ فَوْتاً، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا كَالْجَبَلِ لَا تُحَرُكُهُ الْقَوَاصِفُ ، وَلا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ فِي مَهْمَزٌ وَلَا لِقَائِلِ فِيَّ مَغمَزُ . الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ

.......................................

رباطة جأشه علیه السلام وقوة قلبه فإنَّ الخائف يرفع صوته جزعاً وهلعاً أما المطمئن الشجاع فإنَّه يتكلم بكل هدوء واطمئنان .

(وأعلاهم فوتاً) الفوت السبق ، أي ارفع مقاماً منهم من حيث السبق إلى كل فضيلة (فطرت بعنانها) هذا كناية عن سرعة سیره علیه السلام نحو الفضيلة، فالعنان زمام الفرس، ومعنى طرت أني جريت جرياً سريعاً كالطائر في السرعة، آخذاً بعنان الفضيلة (واستبددت) الاستبداد بالشيء الاختصاص به (برهانها) الرهان هو الجعل الذي يقرر لمن سبق في مضمار المسابقة، وهذا کنایة عن تقدمه علیه السلام عليهم في الفضائل، وكنت في حالة الاضطراب والخوف (كالجبل) الثابت (لا تحركه القواصف) جمع قاصفة وهي الكارثة المهلكة (ولا تزيله العواصف) جمع عاصفة وهي الريح الشديدة الهبوب، یعنی أن المخاوف والاضطرابات لم تكن تؤثر في جهادي وعملي، بل كنت لا أبالي بها مهما بلغت.

(لم يكن لأحد فيّ مهمز) المهمز الوقيعة، أي لم أكن مورداً للوقيعة، إذ لا نقص فيّ وهذا من قبيل [لا ريب فيه] يعنى أن القرآن ليس محلاً للريب وأن ارتاب فيه المبطلون.

(ولا لقائل في مغمز) الغمز : هو الإشارة بالسوء نحو أحد، وهو مصدر میمی وكذلك المهمز (الذليل عندي عزيز) أي أنزله منزلة الأعزاء (حتى آخذ الحق له) ثم أتركه وشأنه (والقوي عندي ضعيف) لا أبالي بقوته ولا أخاف

حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ. رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَا للَّهِ أَمْرَهُ. أَتَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم وَاللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ، فَلا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ . فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي،

.......................................

بطشه وسطوته (حتى آخذ الحق منه) للذي سلب حقه، وهذان كناية عن أنه لا يبالي إلّا بالحق فهو يأخذ من الغاصب ليوفره على المغصوب منه، وإن كان الأول قوياً والثاني ضعيفاً (رضينا عن الله) سبحانه (قضاءهُ) أي الذي حكم بأن نكون نحن سادةً وأمراء وجعلنا بمنزلة تكون محلاً لهجوم الأعداء يداً ولساناً (وسلمنا لله امره) فلم نرد أمره فينا والتسليم عبارة عن عدم معارضة الإنسان قلبا أو لساناً مع ما قدر الله من الأمور، قالوا وقد قال الإمام علیه السلام ذلك حينما اتهمه بعض الناس في أنباءاته الغيبية وقالوا أنه يكذب.

(أتراني أكذب على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم)؟ أي كيف أكذب عليه فيما أخبر به عنه من الأخبار الغيبية (والله لأنا أول من صدقه) فإنَّ الإنسان إنما يهون عنده نسبة الأقوال الكاذبة إلى أحد إذا كان غير معتقد بذاك الشخص غير عزيز يكون عنده عزيز فلا ينسب إليه خبراً مكذوباً حتى إذا ظهر كذبه سقطت منزلته عن القلوب (فلا أكون أول من كذب عليه) أي نسب إليه قولاً عن المستقبل، بالكذب قالوا إن الإمام علیه السلام لما قال سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها، قام إليه أنس النخعي فقال أخبرني كم في رأسي ولحيتي طاقة شعر؟ فقال والله لقد حدثني حبيبي أن على كل طاقة شعر من رأسك ملك يلعنك وأن كل طاقة شعر من لحيتك شيطاناً يغويك وأن فى بيتك سخلاً يقتل ابن رسول الله، وقد كان قاتل الحسين علیه السلام (سنان بن أنس) في ذلك الوقت طفلاً يدرج .

(فنظرت في أمري) بعد ممات الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم- وكأن هذه الجملة باعتبار

فَإِذَ طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَإِذَا المِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي .

.......................................

قوله أول مصدق به - (فإذا طاعتي) على الناس (قد سبقت بيعتي) عليهم، فإنَّ الله سبحانه أوجب على الناس طاعتي، قبل أن يأخذ الرسول منهم البيعة لي في غدير خم (وإذا الميثاق) أي العهد الأكيد (في عنقي لغيري) و هو الله سبحانه يعني أنه أخذ عليّ الميثاق بأن أقوم بأعباء الخلافة ولذا تعرضت للأمر وإلّا لم أكن أوقع نفسي في ميثاق الخلافة ومعارضتها، وقد يحتمل في الجملتين معان أخر والله العالم بمراد أوليائه.

وَمِنْ خُطّیَةِ لَهُ علیه السلام

وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشَّبْهَةُ شُبهة لأنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ : فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمَى،

.......................................

التوضيح :

(وإنما سميت الشبهة) وهو الأمر المشكل وجهه هل هو حلال أم حرام؟ (شبهة لأنها تشبه الحق) فلا يعلم أنها حق أم باطل؟ (فأما أولياء الله) أي أحباؤه إذا وقعوا في الشبهة (فضياؤهم فيها اليقين) أي يستضيؤون باليقين العام الذي لهم في الأمور، فإذا كانت الشبهة من مصاديق الباطل تركوها، وإذا كانت من مصاديق الحق اقتحموا فيها، فمثلاً الشبهة التي أثارها معاوية حول إدانة الإمام بقتل عثمان، يكون موقف أولياء الله منها : أنهم سمعوا من الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم قوله : [علي مع الحق والحق مع علي] ولذا يضربون بالشبهة عرض الحائط (ودليلهم سمت الهدى) أي طريقه فإنَّ الهدى باد العلاقة في أن الإمام على الحق ولو فرض أنه اشترك في قتل عثمان لأنه دائم المواظبة والحيطة في صغريات الأمور فكيف بكبرياتها.

(وأما أعداء الله) الذين لا يريدون اتباع الحق (فدعاؤهم فيها) أي في الشبهة (الضلال) أي إنما يدعون إلى الضلالة (ودليلهم العمى) أي أنهم كالذين يتقدمهم أعمى في القيادة حتى يوردهم موارد الهلكة لأنه لا يبصر

فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ.

.......................................

الطريق (فما ينجو من الموت من خافه) كأنه تفريح على عدم اتباع الشبهة، بغير هدى، لأن الناس عرضة للموت فلا ينبغي للإنسان أن يهدم أخرته لدنيا زائلة زائلة فالإنسان وأن خاف الموت لا بد وأن يلاقيه (ولا يعطى البقاء أحبه) أي أحباء البقاء الأبدي فكل نفس هالكة إلا وجهه، وما كان لبشر من قبلك الخلد.

وَمِنْ خُطّیَةِ لَهُ علیه السلام

مُنِيتُ بِمَنْ لا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ وَلا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، لاَ أَبَا لَكُمْ! مَا تَنتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَما دِينَ يَجْمَعُكُمْ، وَلاَ حَمِيَّةً تُحْمِشُكُمْ! أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً وَأُنَادِيكُمْ مُتَغَوْثَاً،

.......................................

التوضيح :

(منيت) أي ابتليت (بمن لا يطيع إذا أمرت) بالجهاد ونحوه (ولا يجيب إذا دعوت) إلى أمر جامع أو إقدام وإحجام (لا أبا لكم) كلمة تستعمل في المدح - باعتبار أن الذي لا أب له يملك أمر نفسه - وفي الدم - باعتبار أن من لا أب له تسوء تربيته ولا ظهر له، وهذا دعاء بالخير أو الشر وإن كانت في صورة جملة خبرية وبالقرينة يعرف المراد (ما تنتظرون بنصركم ربكم)؟ وهذا استفهام استنكاري أي ليس هناك غاية أحسن من نصر الله، فإنَّه موجب للسعادة في الدنيا والآخرة، فهل بعد ذلك انتصار آخر؟

(أما دين يجمعكم ؟) على كلمة واحدة حتى تجاهدون في سبيلها (ولا حمية) أي أنفة ورفعة ونفس (تحمشكم؟) أي تغضبكم حتى تقوموا بالانتقام من أعدائكم؟ من حمشه أي ساقه بغضب .

(أقوم فيكم مستصرخاً) أي أطلب صرختكم وانتصاركم لي، فإنَّ الناصر يصرخ للمنصور له حتى يسمع الصوت من هو بعيد فيأتي للنصرة (وأناديكم متغوثاً) أي قائلاً ،واغوثاه والغوث هو الذي يغيث الإنسان وينقذه من أيدي

فَلا تَسْمَعُونَ فِي قَوْلاً، وَلا تُطِيعُون لِي أَمْراً، حَتَّى تَكَشَّفَ الأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَساءَةِ، فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَلَا يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ، دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرٍ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الأَسَرِّ، وَتَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ الْنَضْوِ الأدْبَرِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ،

.......................................

أعدائه (فلا تسمعون لي قولاً) أي سماعاً نافعاً تعملون بحسبه (ولا تطيعون لي أمراً) فيما أمركم به (حتى تكشف الأمور) أصله تنكشف حذفت إحدى تائيه على قاعدة المضارع إذا اجتمعت في أوله تاءان (عن عواقب المساءة) أي أن الأمور في المستقبل تظهر عن العواقب التي توجب المساءة والحزن والذي يسوء (فما يدرك بكم ثار) الثار هو الدم المراق ظلماً، أي أنكم لستم أنصاراً مجدين حتى يدرك الموتور ثأره بسببكم .

(ولا يبلغ بكم مرام) المرام المقصد أي لا يبلغ الإنسان بنصركم مقصده إذ أنتم لا تنصرونه (دعوتكم إلى نصر إخوانكم) فقد خطب الإمام علیه السلام بهذه الخطبة بعد أن أغار نعمان بن بشير على عين التمر أحد أعمال الإمام علیه السلام وقد كان يستنهض همم أصحابه حتى يلاحقوا المغيرين فتثاقلوا، فعاتبهم بهذه الخطبة (فجرجرتم جرجرة الجمل الأسر) الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته والأسر صفة للبعير الذي أصيب بداء السرر وهو مرض في سرته ينشأ من الدبرة التي تصيب البعير ، وإذا مرض بذلك أظهر صوتاً رحيماً شجياً يدل على الضعف والوهن والمرض.

(وتثاقلتم) التثاقل هو التعاجز بإظهار ثقل عن الحركة (تثاقل النضو) هو المهزول من الإبل (الأدبر) هو البعير المجروح في ظهره من القتب ونحوه (ثم خرج إليّ منكم) بعد الدعوة والصرخة (جنيد) تصغير جند أي جند قليل (متذائب) كأنه الشمعة المذابة التي لا سمن لها (ضعيف).

«كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ»(1).

[قال الرضي: قوله علیه السلام متذائب أي مضطرب من قولهم تذائب الريح أي اضطراب هبوبها، ومنه سمي الذئب ذئباً لاضطراب مشيته].

(كَأَنَّما يُساقُونَ إلَى الْمَوْتِ) من الخوف والوجل (وَهُمْ يَنْظُرُونَ) فإن الذي يرى الموت بعينه يكون بطياً في الحركة أكثر ومظاهر الوجل والخوف عليه أظهر.


1) سورة الأنفال: 6.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

في الخوارج لما سمع قولهم: «لا حكم إلّا لله»

كَلِمَةً حَقٌّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ . نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلاَءِ

.......................................

التوضيح :

فقد قال الخوارج ذلك يريدون أن التحكيم في تعيين الخليفة ليس بصحيح فمن حكم فهو كافر - على أصلهم الفاسد من أن كل مرتكب ذنب فهو كافر حلال الدم - وقد كان هذا الكلام منهم خطأ، أنه إذا لم يقبل الناس حكم الله في تعيين الخليفة - كما لم يقبلوا الإمام بعد تعيين الله له - ولم يجلس أهل الحل والعقد لتعيينه، فَمَن يا ترى يقود الأمة؟ هل يبقون بلا حاكم؟ وهو موجب للفوضى والفساد أن يتركون الأمر حتى يسيطر عليه كل غاشم، وهذا أسوء وأكثر فساداً .. ثم إنا نعتقد أن الله سبحانه عين الحاكم وهو الرسول ثم الإمام ثم الفقيه الجامع للشرائط، وإذا تعدد الفقهاء كان الأمر لأعلمهم على قول المشهور، أو يعين بالاقتراع ونحوه - إلى كلام طويل ليس هنا محل ذكره - أما الانتخابات فلم تكن من الإسلام في يوم من الأيام - خصوصاً بهذه الصورة الديمقراطية الرجعية السائدة في هذا اليوم -.

(كلمة حق يراد بها باطل) يعني أن كون الحكم لله كلمة حق، إذ المشرع هو الله وحده لا الناس وإنما استعمل هذه الكلمة - الخوارج - في نفي تعيين الحاكم، وهذا غير مربوط بتلك الكلية، فإنَّ الحكم غير الحاكم، فالكلي صحيح والتطبيق باطل .

(نعم أنه لا حكم إلا لله) ومن أحسن من الله حكماً؟ «وَمَن لَّمْ يَحْكُم

يَقُولُونَ : لَا إِمْرَةَ إِلا لِلهِ، وَإِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرِ بَرْ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْنِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُو وَتَأْمُنُ بِهِ السُّبُلُ،

.......................................

بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»(1)(ولكن هؤلاء يقولون) ذلك ويريدون (لا إمرة إلا لله) أي لا حكم إلا لله، والحاكم الذي يسوس الرعية غير الحكم والشريعة فالكبرى استعمالها في هذه الصغرى من باب المغالطة (وإنه لابد للناس من أمير) يدير شؤونهم ويفصل قضاياهم (برٌ أو فاجرٍ) فالبّر يدير الشؤون حسب موازين الإسلام والتقوى، والفاجر يدير الشؤون حسب أراءه أو أراء الناس، لكنه يحفظ المجتمع في الجملة عن الانهيار والفوضى (يعمل) للآخرة (في إمرته المؤمن) أي أن المؤمن في إمارة الأمير وحكومته يعمل لأجل آخرته (ويستمتع فيها) أي في إمرة الأمير - أياً كان - (الكافر) أي أن الكفار تحت إمارة الأمير يستمتعون بما قدر لهم من أنواع الاستمتاعات في الدنيا، بدون اضطراب وفوضى (ويبلغ الله فيها) أي في إمرة الأمير (الأجل) أي ينتهي كل شيء إلى أجله الطبيعي، وذلك بخلاف ما لو عاش الناس بلا أمير فإنَّ الاضطراب ينقص الآجال (ويجمع به) أي بالأمير (الفيء) أي المال اللازم لتمشية الأمور المصالح العامة، فإنَّه لو لم يكن إجبار وإكراه قلما استعد أحد أن يعطي الحقوق المالية، و سمی المال فيئاً باعتبار أن المال لله عند الناس فإذا أخذه ولى الأمر فقد فاء أي رجع إلى الله، (ويقاتل به) أي بالأمير (العدو) إذ الأمير هو الذي يجمع الناس لمحاربة الأعداء .

(وتأمن به) أي بالأمير (السبل) جمع سبيل وهو الطريق، فإنَّ اللصوص


1) سورة المائدة : 44 .

وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ القَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بِهِ بَرِّ وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ.

وفي رواية أخرى أنه علیه السلام لما سمع تحكيمهم قال :

حُكْمَ اللهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ. وقال : أَمَّا الإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ وَأَمَّا الإِمْرَةُ الْفاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ، إِلى أَنْ تَنْقَطِعَ مَدَّتُهُ وَتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ.

.......................................

وقطاع الطرق إنما يخافون بأس الحكومات والسلطات (ويؤخذ به) أي سبب الأمير الحق (للضعيف من القوي) الذي لا يخاف إلا السلطة (حتى يستريح به) أي بالأمير (بر) إذ يعيش في كنفه في أمن وسلام (ويستراح من فاجر) يريد أذى الناس وإشاعة الفوضى في البلاد.

أي قولتهم السابقة بأنه لا حكم إلّا لله، حيث جعلوا الحاكم الله تعالى .. قال : (حكم الله أنتظر فيكم) أي أني منتظر أن يحكم اللهُ بقتلهم حسب أمره، فإني، مطبّق ما ذكروا من أنه لا حكم إلّا لله، (قال : أما الإمرة) أي الإمارة (البرة) أي الصالحة (فيعمل فيها التقي) بجميع موازين التقوى لأنه لا يخاف أحداً ولا يمنعه عن العمل مانع (وأما الإمرة الفاجرة) التي لا تعمل بموازين الإسلام (فيتمتع فيها الشقي) كما قال سبحانه «قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ»(1)، فقد قرر الله سبحانه لكل إنسان مدة امتحان ووفر عليه في تلك المدة أسباب البقاء - حسب المصالح في كثرتها وقلتها - فإمرة الفاجر توفّر هذه الوسيلة الامتحانية للإنسان، فهي امتحان للفاجر الأمير، كما أنها امتحان للشقي الذي يشقى بما وفّر له من الأسباب فلا عذر له غداً بأنه أمهل (إلى أن تنقطع مدته) المقررة لبقائه فيها (وتدركه منيته) أي موته.


1) سورة إبراهيم: 30

وَمِنْ خُطّیَةِ لَهُ علیه السلام

إِنَّ الْوَفَاء تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ، وَلا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ . وَلَقَدْ أَصْبَحْنا في زَمَانِ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً،

.......................................

التوضيح :

(إن الوفاء توأم الصدق) التوأم : هما الولدان اللذان يتكونان في الرحم معاً، فكما أنهما معاً في الرحم لا يفارق أحدهما الآخر، كذلك الوفاء والصدق، إذ الوفاء قسم من الصدق فإنَّ من يعطي عهداً ثم يفي به، كان صادقاً في إعطائه العهد، بخلاف الذي لا يفي العهد، ولا يفي إلا الإنسان الذي له ملكة الصدق، كما أنه لا يصدق إلّا الذي يفي إذا عاهد (ولا أعلم جنة أوقى منه) أي من الوقاء فإنَّه أحفظ للإنسان من سائر أقسام الجنة والوقاية، إذ الإنسان الوفي يكون كثير الأصدقاء والمدافعين، فهم يقونه من كل محذور، (ولا يغدر) بنقض العهد (من علم كيف المرجع) أي من کان عالماً بأحوال الآخرة، إذ العالم بذلك يعلم وخامة العاقبة للغادر فلا يغدر ولا ينقض العهد والوفاء.

(لقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله) الظاهر أن المراد بالأكثرية بالنسبة إلى من بيدهم العقد والحل (الغدر كيساً) أي عقلاً وسياسة ودهاء فقد كثر في زمن الإمام علیه السلام الغادرون الذين غدروا بشرائط الإيمان أو ببيعة الإمام علیه السلام.

وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْن الْحِيلَةِ. مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهِ! قَدْ يَرَى الحوّلُ القُلبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهُ مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ.

.......................................

(ونسبهم أهل الجهل) الذين يجهلون عواقب الأمور (فيه) أي في الزمان، أو في الغدر، أي الجاهلون في هذا الزمان، أو الجاهلون بعواقب الغدر (إلى حسن الحيلة) وأنه حيلة حسنة إذ الإنسان الوفي قد يرى إشتباه رأيه فوفاءه يلزم المكروه بخلاف الغادر الذي يتخلص من التبعة لما عهد بالغدر (ما لهم) يحكمون هكذا؟ (قاتلهم الله) دعاء عليهم بالهلاك، وكأنّ الاتيان بباب المفاعلة لأجل أن أصل المقاتلة من طرفين، فكل يريد قتل صاحبه .

(قد يرى الحول) أي البصير بتحويل الأمور القادر على الخروج من المشاكل (القلب) العارف بتقليب الأمور القادر على أن يقلب الأمر ليخرج من الأزمة (وجه الحلية) ويعرف طريق الخلاص (ودونه مانع من أمر الله) فهو لا يفعل شيئاً لأن الله أمره بلزوم عمله (ونهيه) فلا يغدر مثلاً لأن الله نهى عن الغدر (فيدعها) أي الحيلة (رأي عين) أي في حال كونه قد رآها رأي العين، فليس عدم عمله لجهله بالمخرج وإنما لمانع له عن ذلك (بعد القدرة عليها) أي على وجه الحيلة (وينتهز) أي يستلب ويأخذ (فرصتها) أي فرصة وجه الحيلة (من لا حريجة له في الدين) الحريجة: التحرج والتحرز من الآثام وقد كان الإمام علیه السلام كذلك فكان بإمكانه كل شيء، لكنه لم يكن يفعل لما يرى من الروادع الدينية، بخلاف غرمائه الذين كانوا يفعلون كل شيء في سبيل النيل من المال أو المنصب .

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : اتَّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا اتَّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ. أَلاَ وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَاءَ،

.......................................

التوضيح :

(أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم) أي أن أكثر الأشياء خوفاً عليكم، بأن تقعوا فيها ويوجب سلب دنياكم وأخرتكم (اثنتان) أي خصلتان الأولى : (اتباع الهوى) بأن يتبع الإنسان ميوله النفسية التي تأمره بالملذات والمشتبهات المحرمة، (و) الثانية : (طول الأمل) بأن يكون الإنسان طويل الأمل يمني نفسه بالبقاء في الدنيا طويلاً (فأما اتباع الهوى فيصد) أي يمنع (عن الحق) إذ الحق غالباً يكون ضد الهوى، فإذا كان الإنسان متبعاً لهواه منع عن العمل بالحق وذلك يوجب شقاوة الدنيا والآخرة (وأما طول الأمل فينسي الآخرة) إذ الإنسان إذا طال أمله اشتغل بأمور الدنيا وانغمس في ملذاتها وذلك يوجب نسيان الآخرة، فقد ورد أن الدنيا والآخرة ضرتان كلما أرضيت أحدهما سخطت الأخرى (ألا) فليتنبه السامع (وإن الدنيا قد ولت) أي أدبرت (حذاء) أي ماضية سريعة التصرم والانقضاء وذلك لأن دنيا كل أحد تسير سيراً سريعاً، وإن ظنها بطيئاً، ولذا لا تمر الليالي والأيام إلا وقد انقضت المدة، وتمت الأيام المؤقتة لكل أحد.

فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبَابَةً كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ اصْطَبْهَا صَابُهَا. ألاَ وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلِّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَدِ سَيُلْحَقُ بِأَمِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابٌ وَغَداً حِسَابٌ، وَلاَ عَمَلٌ.

.......................................

(فلم يبق منها) أي من الدنيا (إلا صبابة) هي البقية من الماء واللبن التي تبقى في الإناء معرضة للصب.

(كصبابة الإناء) ومهما رأى الإنسان باقي عمره طويلاً فإنَّه ينظر الواقع، ليس أكثر من صبابة الإناء (اصطبها) أي تركها (صابها) أي تاركها، وهذا لتأكيد معنى النفرة عن الدنيا، فكما أن بقية الماء لا شأن لها كذلك بقية أيام الدنيا (ألا) فليتنبه السامع (وإن الآخرة قد أقبلت) وكل آت مقبل، وكلما مضى يوم من أيام الدنيا اقتربت الآخرة بمقدار يوم (ولكل منهما) أي من الدنيا والآخرة (بنون) فبنو الدنيا من يهتمون لها وبنو الآخرة من يستعدون لأجلها (فكونوا) أيها الناس (من أبناء الآخرة) العاملين لأجلها.

(ولا تكونوا من أبناء الدنيا) بأن تصرفوا همتكم لأجلها غافلين عن الآخرة (فإن كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة) فمن كان من أبناء الدنيا يلحق بالدنيا ويلقى في جهنم ومن کان من أبناء الآخرة يلحق الآخرة ويذهب إلى الجنة (وإن اليوم عمل ولا حساب) إذ كل عامل خيراً وشراً لا يحاسب من عند الله سبحانه ولا يجازى ما يستحق من الجزاء (وغداً حساب ولا عمل) فبالموت ينقطع العمل ويحاسب كل فريق بما عمل وهذا تحريض على مبادرة الإنسان على الأعمال الصالحة قبل أن يأتي يوم لا يجد فيه مجالاً إلى العمل .

قال السيد الرضي رحمة الله [الحذاء: السريعة، ومن الناس من يرويه جذاء] أي مقطوعة خيرها، من جد بمعنى قطع.

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية

إِنَّ اسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ، إِخْلاقُ لِلشَّام، وَصَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرِ إِنْ أَرَادُوهُ. وَلكِنْ قَدْ وَقَتْ لِجَرِيرٍ وَقْتاً.

.......................................

التوضيح :

فقد كان الإمام علیه السلام أرسل جرير إلى معاوية بكتاب احتجاجي حول الخلافة، وبيان أن شقه للعصى بلا عذر، ولما كان الظاهر لدى أصحاب الإمام أن لمعاوية أطماع، لا أنه ممن يريد الحق وأشاروا على الإمام في المحاربة، قبل أن يرجع جرير بالجواب، لكن الإمام علیه السلام لم يقدم على ذلك، وقال هذا الكلام:

(إن استعدادي لحرب أهل الشام) بأن أعد العدة للمحاربة (وجرير عندهم) الواو للحال (إغلاق للشام) أي إغلاق لأبواب السلم في وجوههم (وصرف لأهله) أي أهل الشام (عن خير) في إطاعة الإمام (إن أرادوه) فإنَّ الإنسان إذا استعد لمحاربة أحد صمم الطرف المقابل على المحاربة وكان ذلك موجباً لتبعيده عن سبل الخير التي يحتمل أن يسلكها لو لم يحاربه (ولكن قد وقت لجرير وقتاً) أي حدّدت له موعداً.

لا يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلا مَخْدُوعاً أَوْ عاصِياً. وَالرَّأْيُ عِنْدِي مَعَ الأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا وَلاَ أَكْرَهُ لَكُمُ الإعْدَادَ.

وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الأَمْرِ وَعَيْنَهُ، وَقَلبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ، فَلَمْ أَرَ إِلَّا الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ

.......................................

(لا يقيم بعده) أي بعد إنتهاء ذلك الوقت (إلا مخدوعاً أو عاصياً) فاعل يقيم أي إن أقام بعد الوقت على المخالفة، لم يخل حاله عن أحد أمرين : أما أنه قد خدع وغرّ، فلا يأتي إلى الطاعة، وأما إنه عاص وفي كلا الحالتين قد أتممت الحجة، ولا غضاضة في المحاربة، بعد ذلك (والرأي عندي مع الأناة) أي أن نصبر حتى نرى العواقب رأي العين ثم نقدم في الأمر (فأرودوا) من الإرواد وهو السير برفق (ولا أكره لكم الإعداد) أي لا مانع من أن تستعدوا للحرب، ولكن لا تحاربوا حتى تظهر العاقبة.

(ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه) وهذا مثل يراد به الاستقصاء في البحث والطلب، فكما أن من يضرب عين إنسان وأنفه فقد هزمه بتغيير ملامحه وتشويهه كذلك من يستقصي في الأمر، فكأنه غلب على الأمر وهزمه، فلم يبق خاف عصياً عليه لا يدري ما هو، والمراد بهذا الأمر: أمره مع معاوية (وقلبت ظهره وبطنه) وهذا تشبيه آخر، فإنَّ الإنسان إذا أراد الاطلاع على الشيء يقلبه ظاهراً وباطناً حتى لا يبقى شيء معضلاً لا يعرفه بل يطلع على خفاياه كما اطلع على ظاهره (فلم أر إلا القتال) بأن نقاتلهم حتى أمحو الكفر عن بلاد الإسلام (أو الكفر) فإنَّهم إن بقوا قلبوا الأمة كافرين، وقد صرح بذلك معاوية في خبر ينقله [المغيرة] أنه قال : لا أجوز عن إخماد بني هاشم حتى أمحو اسم الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم. كما أن ولده يزيد قال :

لعبت هاشم بالملك فلا *** خیر جاء ولا وحي نزل

إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى النَّاسِ وَالِ أَحْدَثَ أَحْدَانَا، وَأَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالاً فَقَالُوا، ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا .

.......................................

وكذلك الوليد بعض ذويهم في قوله :

إذا ما جئت ربك يوم حشرٍ *** فقل يارب مزقني الوليد

ثم بين الإمام علیه السلام جواب عذر معاوية - في عدم البيعة - بأنه يطلب دم عثمان بقوله (أنه قد كان على الناس وال) أي عثمان (أحدث أحداثاً) أي أبدع بدعاً في الإسلام (وأوجد للناس مقالاً) أي فتح على نفسه باباً، أن يقول المسلمون فيه كل شر، فإنَّ الإنسان إذا عمل سيئاً فتح للناس على نفسه باب النقد والأقوال السيئة (فقالوا) أي قال الناس فيه ما قالوا وأخذوا يعددون بدعه وأحداثه (ثم) لما يروا منه تغييراً للمفاسد (نقموا) وغضبوا عليه (فغيروا) بأن اجتمعوا فقتلوه، فلست، أنا فاعل ذلك حتى يعتذر معاوية عن عدم بيعتي، بأنه يطلب بذلك دم عثمان، وإنما يريد هو الخلافة، ويطرقها من هذا الباب مستغلاً عواطف السذّج البسطاء.

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية، وكان قد ابتاع سَبْيَ بني ناجية من عامل أمير المؤمنين علیه السلام وأعتقهم، فلما طالبه بالمال خاس به وهرب إلى الشام

.......................................

التوضيح :

(لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية وكان قد ابتاع سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين علیه السلام وأعتقهم فلما طالبه) الإمام علیه السلام (بالمال) الذي اشترى به السبي (خاص به) أي خان بالمال (وهرب إلى الشام). وقصة ذلك أنه كان الخريت بن راشد الناجي أحد بني ناجية مع أمير المؤمنين علیه السلام في صفين ونقض عهده بعد صفين، فصار مع الخوارج ونقم عليه في التحكيم وخرج يفسد الناس ويدعوهم للخلاف فبعث إليه أمير المؤمنين علیه السلام كتيبة مع معقل بن قيس الرياحي لقتاله مع من انضم إليه من بعض المسلمين الذين ارتدوا إلى المسيحية ومن أشبههم، فأدركته الكتيبة بسيف البحر بفارس، وبعد دعوته إلى التوبة وإباءه قبولها شدت الكتيبة عليه وعلى جيشه فقتل وقتل معه كثير من قومه وسبي من أدرك في رحالهم من الرجال والنساء والصبيان فكانوا خمسمائة أسير، ولما رجع معقل بالسبي مرّ على مصقلة بن هبيرة الشيباني، وكان عاملاً لعلي علیه السلام على ارد شيرخره، فبكى إليه النساء والصبيان وتصايح الرجال يستغيثون في فكاكهم فاشتراهم هبيرة من معقل بخمسمائة ألف درهم، ثم استدعاه الإمام علیه السلام إلى الكوفة فجاء فدفع مائتي ألف وبقي عليه الباقي فخاف من طلب الإمام له، ففر إلى معاوية.

قَبَّحَ اللهُ مَصْقَلَةَ! فَعَلَ فِعْلَ السَّاداتِ، وَفَرْ فِرَارَ الْعَبِيدِا فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، وَلَا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ، وَلَو أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ، وَانْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَهُ.

.......................................

(قبح الله مصقلة) هذا دعاء عليه بأن يقبحه الله تعالى، وإن كان في قالب الجملة الخبرية (فعل فعل السادات) فإنَّ الإنسان السيد يعطف على الضعفاء ويفك الاسراء (وفر فرار العبيد) إذ العبد إذا لم يجد للعسر يسرا فر، لأنه لا علاقة له بشيء، أما السيد فإنَّه لا يفر بل يبقى ويفصل الأمر، وإن كان فيه له عسر وشدة (فما أنطق مادحه) أي أنه بفعله فعل السادات جعل الناس يمدحونه، لكنه ما أنطقهم (حتى أسكته) فإنَّ الإنسان إذا عمل سيئاً بعد عمل حسن، لم يمدحه أحد لأن السيئات تحبط الحسنات (ولا صدق واصفه) فمن كان يصفه - سابقاً - بالفضيلة كان فعله مصدقاً له (حتى بكته) التبكيت هو الإسكات بعنف وتقريع (ولو أقام) في مقامه ولم يفر (لأخذنا ميسوره) أي المال الذي كان في ميسورة متيسراً عنده (وانتظرنا بماله وفوره) أي زيادة ماله في المستقبل حتى نأخذ منه الباقي، فلم نكن نضيق عليه .

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

في يوم الفطر

الْحَمْدُ لِلهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلاَ مَخْلُو مِنْ نِعْمَتِهِ، وَلاَ مَأْيُوس مِنْ مَغْفِرَتِهِ، وَلا مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ، الَّذِي لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةً، وَلاَ تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ. وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِى لَهَا الْفَنَاءُ، وَلأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاءُ،

.......................................

التوضيح :

(الحمد لله غير مقنوط من رحمته) القنوط هو اليأس، أي لست مأيوساً من رحمته تعالى (ولا مخلوّ من نعمته) يعني أن نعمه سبحانه دائمة التهطال عليّ (ولا مأيوس من مغفرته) أي أني آمل وراج أن يغفر لي، وهذا لا ينافي عصمته علیه السلام، فإنَّ الأنبياء والأئمة علیهم السلام حيث كانوا يرون أنفسهم في محضر الله سبحانه كانوا يعدون الضروريات الجسدية خلاف الأولى، فكانوا يستغفرون منها - كما ذكرنا ذلك مفصلاً في تقريب القرآن - (ولا مستنكف عن عبادته) الاستنكاف هو الاستكبار أي لا أتكبر عن عبادته سبحانه وطاعته (الذي لا تبرح منه رحمة) أي أن رحمته دائمة لا تنقطع، من برح بمعنى زال، و[ منه] للنشر، وفي بعض النسخ [له] مكان [منه] (ولا تفقد له نعمة) فإنَّ نعمه سبحانه متواترة دائمة لا يفقدها الإنسان في وقت من الأوقات . ثم عطف علیه السلام إلى الدنيا فقال (والدنيا دار مني لها الفناء) أي قدر لها، فإنَّ الله سبحانه خلق الدنيا داراً متوسطة ينتقل منها الإنسان إلى الآخرة (ولأهلها منها الجلاء) أي

وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَقَدْ عَجِلَتْ ِللطَّالِبِ، وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ، فَارْتَحِلُوا عِنهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، وَلَا تَسْأَلُوا فيها فَوْقَ الْكَفَافِ، وَلَا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاغِ .

.......................................

الخروج، فبالموت يخرج الإنسان من هذا العالم إلى عالم آخر، وإن بقي روحه وجسده (وهي) أي الدنيا (حلوة خضرة) فمذاقها حلو، ومنظرها خضر يانع جالب (وقد عجلت للطالب) أي أسرعت إليه، فإنَّ من طلب الدنيا أسرعت الدنيا إليه - في كثير من الأحيان - أو المراد أنها عاجلة (والتبست بقلب الناظر) أي أن الدنيا اختلطت بقلب الذي ينظر إليها، فإنَّ محبتها داخلة في القلب (فارتحلوا عنها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد) أي هيئوا لأنفسكم أحسن الزاد الذي تتمكنون منه، لتنتقلوا منها في يوم انتقالكم، وقد استصحبتم أحسن الزاد، وهو الإيمان بالله والعمل الصالح (ولا تسألوا فيها فوق الكفاف) أي فوق المقدار الذي يكفيكم، حتى يكون عليكم حسابه و وباله (ولا تطلبوا منها) أي من الدنيا (أكثر من البلاغ) أي الذي يبلغكم إلى الآخرة، حتى تكونوا خزاناً لغيركم، وعليكم وبال المفاضل.

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

عند عزمه على المسير إلى الشام

اللَّهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَابَةِ المُنْقَلَبِ وَسُرِءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْل وَالمَالِ . اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ. وَأَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الأهْل،

.......................................

التوضيح :

عند عزمه على المسير إلى الشام فإن معاوية ابدى العصيان للإمام وجهز الجيش لمقاتلتها علیه السلام فسار إليه الإمام بجيشه والتقيا في أرض تسمى [صفين] وطالت الحرب مدة مديدة، انتهت بالتحكيم.

(اللهم إني أعوذ بك من وعناء السفر) اصل [اللهم] يالله، حذف حرف النداء، وعوض عنه [الميم] والوعثاء المشقة (وكآبة المنقلب) الكآبة الحزن، والمنقلب مصدر ميمي بمعنى الانقلاب، أي الرجوع، بمعنى أن لا نرجع محزونين للحوق الانهزام بنا (وسوء المنظر في الأهل والمال) بأن أرى منظراً يسوءني في أهلي أو مالي، وذلك يكون بموت بعض الأهل أو مرضهم، أو انحرافهم، ونقصان المال وما أشبه (اللهم أنت الصاحب في السفر) أي تصحب عنايتك ورعايتك المسافر فلا يصيبه أذى.

(وأنت الخليفة في الأهل) أي تبقى رعايتك خلفاً للمسافر، عند أهله لئلا

وَلاَ يَجْمَعُهُما غَيْرُكَ، لأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لا يَكُونُ مُسْتَصْحَباً، وَالمُسْتَصْحَبُ لا يَكُونُ مُسْتخْلَفاً.

.......................................

يصيبهم مكروه (ولا يجمعهما) أي الاستصحاب للمسافر والبقاء عند أهله (غيرك) فإنَّ غير الله سبحانه لا يقدر على هذا الجمع بين المتنافيين - بالنسبة إلى الأجسام - (لأن المستخلف) الذي بقى واستخلف (لا يكون مستصحباً) للمسافر الذاهب (والمستصحب) الذي مع الإنسان في السفر (لا يكون مستخلفاً) أي باقياً، فإنَّ الأجسام لا بد لها من مكان، ولا يمكن لها الكون في مكانين.

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

في ذكر الكوفة

كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الأَدِيمِ الْعُكَاظِيْ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلازِلِ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكَ جَبَّارٌ سُوءاً إِلا ابْتَلاهُ اللهُ بِشَاغِل،

.......................................

التوضيح :

(كأني بك) أصله كأني أرى بواسطتك، والشيء إذا صار على حالة رأى الإنسان تلك الحالة بواسطة ذلك الشيء (يا كوفة) ومثل هذا الخطاب، للسامعين، وإن كان موجهاً نحو شيء لا يعقل (تمدين من الأديم العكاظي) عكاظ كان سوقاً للعرب قرب الطائف يجتمعون إليه من أول شهر ذي القعدة ليتعاكضوا - أي يتفاخروا - كل بما لديه من فضيلة أو أدب فكان يباع فيه كل شيء، وكان أكثر ما يباع فيه [الأديم] وهو الجلد المدبوغ، ولذا نسب إليه، والمعنى أنه كما يمد الأديم [كالمطاط] كذلك تمدِّين أنت يا كوفة بواسطة العسف والحروب والانقلابات والثورات (تعركين بالنوازل) جمع نازلة و هی المصيبة الشديدة سميت بذلك لأنها تنزل من السماء، والعرك : الدلك (وتركبين بالزلازل) جمع زلزلة، وهي الأمر الذي يوجب الاضطراب والتحرك العنيف، أي أن الزلازل تركبك، وتكون فيك .

(وأني لأعلم أنه ما أراد بك جبار سوءاً إلا ابتلاه الله بشاغل) أي بما يشغله عنك، من مرض أو موت أو ما أشبه مما يصرفه عنك، والمراد بالجبار

وَرَمَاهُ بِقَاتِل!

.......................................

الظالم الذي يجبر الناس على ما يريد (ورماه بقاتل) أي بأمره يقتله ويهلكه وهنا لا بأس بذكر أمور ثلاثة على وجه الايجاز .

الأول - إن كل دولة قامت دفعة لا بد وأن تمحى من الحياة دفعة إذا لم يكن فيها صلاح البقاء، وإن كان فيها صلاح البقاء لا بد وأن تضطرب اضطراباً كثيراً، والدولة الإسلامية حيث قامت فجأة، وكان فيها صلاحية البقاء أصابتها اضطرابات كثيرة بعد موت الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، وفي زمن عثمان، وفي زمن الإمام علي علیه السلام، وذلك لأن ولادة الحياة الجديدة حيث تعارض الحياة السابقة توجب التعارض فإن كان في الحياة الجديدة صلاحية البقاء تقدمت على الحياة السابقة وإلا خنقت وتقدمت الحياة السابقة عليها .

وحيث أن الكوفة كانت من المراكز المهمة كانت محلاً للاضطرابات .

الثاني - أن الكوفة محترمة باحترام المسجد واحترام كونها مدفن الإمام علیه السلام ولذا ما أراد الجبارون بها سوءاً من قتل أهلها أو تشريدهم أو إيذائهم إلا كان ذلك خلافاً للحرمتين ولذا يدافع الله سبحانه عنهم .

ثالثاً - إن الكوفة كانت محلاً للاضطرابات مثل اضطراب الثوار في زمن عثمان واضطراب الخوارج في زمن الإمام علیه السلام، واضطراب [زياد] في زمن معاوية، واضطراب [ابن زياد] في زمن يزيد، ثم [المختار] ثم [مصعب] إلى غير ذلك من الاضطرابات الكثيرة التي دامت حوالي قرن، أما ابتلاؤهم فقد روى المؤرخون أن زياد رمي بالفالج وابنه عبيد الله رمي بالجذام، والحجاج أصابه داء في مقعده وتوارت الديدان الكبار في بطنه حتى أهلكته خنفساء لدغت أُسته وعمرو بن هبيرة وابنه يوسف أصابهما البرص، وخالد القسري ضرب وحبس حتى مات جوعاً ومصعب ويزيد المهلب قتلاً، وهكذا ...

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

عند المسير إلى الشام

الْحَمْدُ للهِ كُلَّما وَقَبَ لَيْلٌ وَغَسَقَ، وَالْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا لاَحَ نَجْمُ وَخَفَقَ، وَالْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الإِنْعَامِ، وَلَا مُكَافِ الإِفْضَالِ .

.......................................

التوضيح :

عند المسير إلى الشام

إن الإمام علیه السلام لما أراد الذهاب إلى صفين لمقاتلة معاوية بعث زياد بن النصر وشريح بن الهاني في اثني عشر ألف فارس مقدمةً له وأمرهم أن يلزموا شاطئ الفرات، فاخذوا شاطئها من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغوا [عانات]، - والملطاط - وهو جنب شاطئ الفرات، ثم خرج علیه السلام من الكوفة وانتهى إلى المدائن فحذرهم ووعظهم ثم سار عنهم وخلف عليهم عدي بن حاتم وتبعه ثمانمائة رجل تحت لواء عدي وخلف ابنه زيد عليهم، ثم تبعه زيد بأربعمائة آخرين ثم التحقت المقدمة بالإمام علیه السلام حتى تلاقى الجيشان في صفين.

(الحمد لله كلما وقب ليل) أي دخل الليل (وغسق) أي اشتدت ظلمته (والحمد لله كلما لاح نجم) أي ظهر في السماء (وخفق) أي غاب، أو تموج بسبب هبوب الهواء (والحمد لله غير مفقود الإنعام) أي أن نعمه لا تفقد بل تستمر وتتوالى (ولا مكافا الإفضال) أي أن الإنسان لا يتمكن أن يكافئ، فضله وإحسانه، إذ لا يملك الإنسان شيئاً ليرده على الله سبحانه في مقابل

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدَّمَتِي وَأَمَرْتُهُمْ بِلُزُومٍ هَذَا المُلْطَاطِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ إِلَى شِرْذِمَةٍ مِنْكُمْ مُوَطِّنِينَ أَكْتَافَ دَخلَةَ، فَأَنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ، وَأَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّةِ لَكُمْ.

یقول السيّد الرضي : يعني علیه السلام بالملطاط ها هنا السمت الذي أمرهم بلزومه وهو شاطئ الفرات، ويقال ذلك أيضاً لشاطئ البحر فأصله ما استوى من الأرض، ويعني بالنطفة ماء الفرات وهو من غريب العبارات وعجيبها .

.......................................

فضله ورحمته (أما بعد فقد بعثت مقدمتي) أي مقدمة جيشي - كما مر- (وأمرتهم بلزوم هذا الملطاط) هو حافة الوادي وشفيره وساحل البحر (حتى يأتيهم أمري) وأنهم ماذا يصنعون (وقد أردت أن أقطع هذه النطفة) أي الفرات لأن الإمام علیه السلام عبره إلى المدائن، والنطفة هي الماء القليل، ولذا سمي المني بالنطفة، ولعل تسميته بها توهيناً له في مقام عزم الإمام علیه السلام (إلى شرذمة منكم) أي جماعة منكم، وهم أهل المدائن (موطنين أكناف دجلة) أي الذين أخذوا الوطن في جوانب نهر دجلة، فإنَّ أكناف جمع كنف وهو الطرف .

(فأُنهضهم معكم إلى عدوكم) أي أجعلهم يتعاونون معكم لمحاربة معاوية (وأجعلهم من أمداد القوّة لكم) الإمداد: جمع مدد وهو ما يتقوى الجيش به من الرجال والسلاح.

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الأُمُورِ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلامُ الظُّهُورِ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصيرِ، فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ ترهُ تُنْكِرُهُ، وَلَا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ :

.......................................

التوضيح :

(الحمد لله الذي بطن خفيات الأمور) معنى بطن الخفيات علمها، وخفيات الأمور، ما خفي على الحواس من أعماقها، وما غاب عنها، كأعماق البحار، وكنه الإنسان والحيوان، وأبعاد السماء وما أشبه ذلك كله (ودلت عليه) تعالى (أعلام الظهور) جمع علم، وهو علامة الشيء الدالة عليه، والمراد بها الأدلة الظاهرة التي تدل عليه سبحانه من السماء والأرض والنجوم والمياه وغيرها، فإنَّ كل شيء ظاهر يدل على أن له إلهاً قادراً عالماً حكيماً (وامتنع على عين البصير) فإنَّ الإنسان المبصر لا يشاهده ولا يراه لا في الدنيا ولا في الآخرة لفقد شرائط الرؤية بالنسبة إليه كما ذكروه في علم الكلام والإتيان بلفظة [البصير] للتعميم، نحو «وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ»(1).

(فلا عين من لم تره تنكره) إذ العين إنما تنكره غير المبصر إذا لم يدل عليه دليل، وقد دلت الأدلة على وجوده تعالى (ولا قلب من أثبته يبصره) أي المثبت لوجوده تعالى لا يتمكن من رؤيته، والمراد أن غير الرائي لا يتمكن


1) سورة الأنعام: 38

سَبَقَ فِي الْعُلُو. فَلا شَيْء أَعْلَى مِنْهُ، وَقَرُبَ فِي الدُّنوْ فَلَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ. فَلاَ اسْتِعْلاؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ. لَمْ يُطْلِع الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، وَلَمْ يَحْجُبُهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلامُ الْوُجُودِ،

.......................................

من إنكاره والمثبت لا يتمكن من إبصاره (سبق في العلو) السبق بالنسبة إلى الأولية، والسبق بالنسبة إلى العظمة، فهو قبل كل عال كما أنه أعلى من كل عال رتبة .

(فلا شيء أعلى منه) فإنَّ المخلوق لا يمكن أن يكون أعلى من الخالق (وقرب في الدُّنو) إلى الأشياء دنو علم وقدرة (فلا شيء أقرب منه) حتى أنه سبحانه أعلم بالإنسان وأقدر على الإنسان، من الإنسان بالنسبة إلى نفسه.

(فلا استعلاؤه) أي علوه (باعده عن شيء من خلقه) كما هو الشأن في الأجسام فكلما علا ازداد ابتعاداً عنه (ولا قربه) تعالى إلى الأشياء (ساواهم في المكان به) إذ ليس القرب هنا بمعنى القرب الجسمي حتى يكون المتقارب إلى الشيء مساوياً له في المكان، بل كما تقدّم علوٌ معنوي وقرب بالعلم والقدرة والإحاطة (لم يطلع العقول على تحديد صفته) فإنَّ عقل الإنسان لا يتمكن من إدراك صفته سبحانه، إذ المدرك يحيط بالمدرك، والله سبحانه لا يحاط بذاته ولا أوصافه لأنها غير متناهية والشيء المتناهي لا يحيط بما لا يتناهى (ولم يحجبها عن واجب معرفته) يعني أن العقل وإن لم يطلع على كنه صفاته تعالى، ولكنه يعرف مقداراً قليلاً - مما وجب أن يدرك ويعرف - فالعقل يدري أنه تعالى عالم قادر حكيم - مثلاً - وإن لم يك يدرك حقائق هذه الأشياء .

(فهو) سبحانه (الذي تشهدله أعلام الوجود) أي أدلته والمراد بها

عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبُهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كبيراً!

.......................................

الموجودات، لأنها أعلام وأدلة على وجوده تعالى

وفي كل شيء آية *** تدل على أنه واحد

(على إقرار قلب ذي الجحود) يعني أن الإنسان الذي يجحد وينكر وجوده تعالى باللسان، فإنَّما هو مقر بالقلب، لما يعرف من أعلام الوجود والآيات الكونية، كما قال سبحانه «وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ»(1)فالشهادة إنما وصلت إلى قلب الجاحد، ولم يتمكن الجاحد، أن يدفع قلبه حتى لا يعترف، فإنّما هو مضطر إلى الإذعان .

(تعالى الله) أي ترفع (عما يقوله المشبوهون به) فهو ارفع من مزاعم الوثنيين الذين يشبهون الله بخلقه، ومزاعم الذين يظنون أن الله جسم أو له صفات الأجسام (والجاحدون) أي المنكرون (له) فإنَّه أرفع عن الإنكار، فلا يمكن إنكاره (علواً كبيراً) أي علواً زائداً.


1) سورة النمل : 14 .

وَمِنْ کَلامٍ لَهُ علیه السلام

إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوع الفتَنِ أهواء تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامُ تَبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَارجالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْر دين اللهِ. فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْس الْبَاطِل لأنْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ،

.......................................

التوضيح :

(إنما بدء وقوع الفتن) جمع فتنة، أي ابتداء وقوعها (أهواء تتبع) بأن يتبع ملقي الفتنة هواه صارفاً نظره عن الحق والدين (وأحكام تبتدع) بأن يبتدع الشخص حكماً جديداً أحدثه من نفسه، ثم يجمع له أنصاراً حتى يصطدم بالمحقين ويسبب الفتنة والاضطراب (يخالف فيها) أي في تلك الأحكام (كتاب الله) سبحانه (ويتولى عليها) أي على تلك الأهواء والأحكام (رجال رجالاً) بأن يستعين الأناس المبتدعون بأناس آخرين .

(علی غیر دین الله) يعني أن المتولي والنصرة ليس على دين الله، و انما على الهوى والبدعة (فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق) أي كونه ممازجاً ومخلوطاً بالحق، بإن كان الباطل في جانب والحق في جانب آخر (لم يخف) الباطل (على المرتادين) أي الطالبين للحقيقة والحق من أرتاد بمعنى طلب، والمراد به طالب الحق . (ولو أن الحق خلص من لبس الباطل) بأن لم يلبس على الحق لباس الباطل (لانقطعت عنه) أي عن الحق (ألسن المعاندين) فإنَّ

وَلَكِن يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِعْثٌ وَمِنْ هذَا ضِعْتُ، فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى .

.......................................

الذين يعاندون الحق إنما يمدون ألسنتهم إلى الحق، بالطعن فيه من جهة الباطل الذي صار لباساً له، بأعمال الذين يلبسون الحق بالباطل، وحاصل الفقرتين أنه لو كان الباطل معلوماً اجتنبه الناس، ولو كان الحق ظاهراً لم يلبسه الناس بالباطل لم يجد المبطلون طعناً في الحق، إذ الحق لا طعن فيه (ولكن يؤخذ من هذا) أي الحق (ضعت) أي قبضة ومقدار (ومن هذا) أي الباطل، (ضغث) والفاعل لذلك أهل الباطل، فإنَّ أهل الحق لا يأخذون إلّا الحق (فيمزجان) ويخلط أحدهما بالآخر (فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه) أي أحبائه والتابعين له، بأن يأخذون الباطل باسم الحق ويطعنون في الحق، لأنه ملبوس بالباطل (وينجو) من التردي «الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى»(1)أي الذين علم الله سبحانه أنّ لهم الصفة الحسنى، فلا يأخذون إلا بالحق .


1) سورة الأنبياء : 101

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

لما غلب أصحاب معاوية أصحابه علیه السلام على شريعة الفرات بصفين ومنعوهم من الماء

قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُوا عَلَى مَذَلَّةٍ، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ، أَوْ رَوُوا السيوفَ مِنَ الدَّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ

.......................................

التوضيح:

لما غلب أصحاب معاوية أصحابه علیه السلام على شريعة الفرات بصفين ومنعوهم من الماء وذلك أنه وقع في [صفين] ما أوجب زحزحة أصحاب الإمام علیه السلام عن النهر، فلما انزاحوا عنه استولى عليه أصحاب معاوية ومنعوا أصحاب الإمام من الماء.

(قد استطعموكم القتال) أي طلبوا منكم أن تطعموهم، وذلك لأن عملهم ذلك كان في معنى طلب القتال (فأقروا على مذلة) أي أما أن تقروا على الذل ولا تحاربوهم (وتأخير محله) أي تأخير المنزلة عن رتبة الشرف والشجاعة والدفاع عن الحقوق (أو رَدُّوا) من الارتواء بمعنى الشرب من الماء إلى أن يذهب الظمأ ويمتلئ البطن من الماء (السيوف من الدماء) بتكثير القتل فيهم (ترووا من الماء) لأنهم إذا وجدوا السيف انزاحوا عن الماء .

(فالموت في حياتكم مقهورين) أي أن الإنسان المقهور ميت، وإن كان

وَالْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ. أَلَا وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَّةٌ مِنَ الغُواةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ .

.......................................

في الظاهر حيّاً، وإنما يطلق عليه الميت، لأنه لا يظهر منه أثار الحياة التي هي حماية الوقار والشهامة والشجاعة (والحياة في موتكم قاهرين) لأن القاهر تبقى آثار الحيوية وذكره الجميل بعده، وذلك ثمرة الحياة .

(ألا) فليتنبه السامع (وإن معاوية قاد لمة من الغواة) اللّمة: الذين يجمعون من اللّم بمعنى الجمع، والغواة : جمع غاوي، بمعنى الضال (وعمس عليهم الخبر) أي أخفى الحقيقة عليهم (حتى جعلوا نحورهم أغراض المنية) نحور: جمع نحر، وأغراض : جمع غرض وهو الهدف كأنهم استعدوا لأن يموتوا في سبيل معاوية، وهذا تحريض لأصحابه علیه السلام لقتالهم وبيان مقدار صمود أولئك حتى يقدّورا موقفهم فإنَّ بيان مقدار استعداد العدو موجب للاستعداد في الطرف المقابل.

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

في التزهيد في الدنيا، ونعم الله على الخلق

أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بوَدَاع، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها وَأَدْبَرَتْ حَذَاءَ، فَهِيَ تَحْفِرُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا، وَتَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا، وَقَدْ أَمَرَّ مِنهَا مَا كَانَ حُلُوا وَكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلأَسَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الإِدَاوَةِ

.......................................

التوضيح :

(ألا) فلينتبه السامع (وإن الدنيا قد تصرمت) أي انقطعت وذهبت (وآذنت) أي أعلمت (بوداع) بأنها تذهب وتنقضي (وتنكر معروفها) أي صار المعروف قليلاً حتى أنه ينكر ولا يعرف، وهذه الجملة وأشباهها بالنسبة إلى كل زمان وأهل كل قرن، إذا انقلبت أحوالهم من حسن إلى سيئ وقد كان هكذا زمان الإمام علیه السلام حيث أن عصره بالنسبة إلى عصر الرسالة كان كذلك (و أدبرت) الدنيا (حذاء) أي مسرعة في الذهاب والرحيل (فهي تحفز) أي تدفع (بالفناء) أي نحو الموت (سكانها) الذين هم ساكنون فيها في حياة وعيش (وتحدو) الدنيا أي تسوق (بالموت جيرانها) الذين يجاورونها فالدنيا سائقة والموت عصاها و الهلاك الغاية .

(وقد أمرً) أي صار مُراً نحو أظلم بمعنى صار الظلام (منها) أي من الدنيا (ما كان حلوا) هذا كناية عن المشاكل التي حدثت فيها (وكدر منها) أي من الدنيا (ما كان صفواً) أي تغير لونه من الصفاء إلى الكدورة (فلم يبق منها إلّا سملة) هی بقية الماء في الحوض ونحوه (كسملة الإدارة) هي المطهرة التي

أَوْ جُرْعَةً كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ، لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ. فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللهِ الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ، وَلَا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الأَمَلُ، وَلا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ. فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَتْتُمْ حَنِينَ الْوَلَّهِ الْعِجَالِ، وَدَعَوْتُمْ بَهَدِيلِ الْحَمَامِ وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ،

.......................................

يتطهر بها وذكر ذلك لتأكيد الحقارة (أو جرعة) هي المقدار الذي يتجرعه الإنسان مرة واحدة (كجرعة المقلة) المقلة حصاة كان المسافرون يضعونها في الإناء ثم يصبون الماء فيه إلى أن يغمرها ويتناول كل منهم مقدار ما غمره، يفعلون ذلك لتسوية القسمة فيما شح ماؤهم (لو تمززها) التمزز : الامتصاص قليلاً قليلاً (الصديان) هو العطشان (لم ينقع) أي لم يروَ من العطش (فأزمعوا) أي اعزموا يا (عباد الله الرحيل) فإنَّ مريد السفر يخفف حمله ويهتم بالأمر، وليس كالضاعن الذي لا يبالي.

(عن هذه الدار المقدور على أهلها الزوال) أي أن الله سبحانه قدر وحكم على زوال أهلها وعدم بقائهم فيها (ولا يغلبنكم فيها) أي في الدنيا (الأمل) فتأملون البقاء الطويل، وتهتمون بها (ولا يطول عليكم الأمد) بأن إذا رأيتم أنه قد طال أمدكم ومدتكم في البقاء تركنون إليها وتنسون الآخرة (فوالله لو حننتم) التحنن: العطف والميل (حنين الولّه) جمع واله، وهي الإبل التي فقدت ولدها، كما يأتي جمع والهة أيضاً (العجال) جمع عجول وهی الإبل التي فقدت ولدها، وكان الوصفين باعتبارين أنها والهة وأنها تعجل في الأمر للحصول على ولدها .

(ودعوتم بهديل الحمام) هديله : صوته الشجي لفقد إلفه (وجأرتم) أي دفعتم أصواتكم، من الجؤار وهو الصوت المرتفع (جؤار متبتلي الرهبان)

وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ غُفْرَان سَيْئَةِ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُم مِنْ ثَوَابِهِ ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ. وَاللَّهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلوبُكُمُ المِيَانَا، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ

.......................................

المتبتّل المنقطع للعبادة، والرهبان: جمع راهب، وهو الخائف، غلب على المسيحي المنقطع عن الدنيا إلى العبادة.

(وخرجتم إلى الله) أي إلى محل تعبدونه فيه (من الأموال والأولاد) لئلا تتعلقون بعلائقها فتصرفكم عن العبادة (التماس القربة إليه) أي لأجل طلب التقرب إليه تعالى، والمراد تقرب المنزلة والمرتبة، فإنَّه سبحانه منزه عن المكان (في ارتفاع درجة عنده) بأن يتفضل عليكم برفع الدرجات في الآخرة (أو غفران سيئة أحصتها) أي أثبتتها (كتبه) جمع كتاب، وهو ما يدرج فيه أعمال الخلائق (وحفظتها رسله) وهم الملائكة، كما قال سبحانه «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»(1)(لكان قليلاً) جواب [لو] (فيما أرجو لكم من ثوابه) فإنَّ ثوابه سبحانه شيء عظيم جداً، حتى أنه لا يخطر بقلب بشر من كثرته وعظمته - كما ألمحت إلى ذلك بعض الأحاديث - (وأخاف عليكم من عقابه) إذ عقابه لا يطاق، وما كان كذلك كان اللازم أن يدأب الإنسان للفرار منه، والنيل من الثواب.

(والله لو إنماثت قلوبكم انمياثاً) انماث: بمعنى ذاب، وهذا كناية عن انکسار النفس خوفاً ووجلاً تشبيهاً للمعقول بالمحسوس (وسالت عيونكم) أي دموعها، من قبيل سال الميزاب - لعلاقة الحال والمحل - (من رغبة إليه) إلى


1) سورة ق : 18 .

أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا ما الدُّنْيَا بَاقِيَةُ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ عَنْكُمْ - وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ - أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ، وَهُدَاهُ إيَّاكُمْ لِلإِيمَانِ .

.......................................

ثوابه ورضاه تعالى.

(أو رهبة منه) أي خوفاً من نكاله وسخطه (دما) فإنَّ الإنسان إذا بكى كثيراً جف ماء عينيه ويوجب الضغط إخراج الدم من آماقه (ثم) لترتيب الكلام لا ترتيب الموضوع (عمرتم في الدنيا ما الدنيا باقية) أي إلى آخر أيام الدنيا و [ما] بمعنى [المدة] (ما جزت أعمالكم عنكم) جواب [لو] ومفعول [جزت] ما يأتي من قوله [أنعمه] يعنى أنكم لو كنتم كذلك، لم تكن تجزي أعمالكم في مقابل نعمه تعالى، فكيف إذا لم تكونوا كذلك؟.

(ولو لم تبقوا شيئاً من جهدكم) هذه الجملة معترضة بين الفعل وهو [جزت] وبين المفعول وهو [أنعمه] وإنما جيء بهذا الاعتراض لأنه من تتمة الكلام السابق، يعني أنكم لو عملتم بمنتهى طاقتكم مع ذلك لا تؤدّون حق نعم الله سبحانه (أنعمه عليكم العظام) هذا مفعول [جزت] وترتيب الكلام هكذا: لو انماثت قلوبكم ولم تبقوا شيئاً من جهدكم، ما جزت أعمالكم أنعمه العظام (وهداه إياكم للإيمان) فالهداية نعمة تشريعية، وسائر النعم نعم تكوينية، وأنّى للإنسان أن يقوم بأداء حق هذه النعم التي لا تقابل بشيء؟

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

في ذكرى يوم النحر وصفة الأضحية

وَمِنْ تَمَامِ الأضْحِيَةِ اسْتِشْرافُ أُذُنِهَا، وَسَلَامَةُ عَيْنِهَا، فَإِذَا سَلِمَتِ الأُذُنُ وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الأَضْحِبَةُ وَتَمَّتْ، وَلَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ تَجُرُ رِجْلَها إِلَى الْمَنْسَك.

قال السيد الشريف الرضي: والمنسك هنا المذبح.

.......................................

التوضيح :

(ومن تمام الأضحية) هي المنسوبة إلى الأضحى، إذا كان ذبحها وقت الضحى في اليوم العاشر من ذي الحجة، أو إلى يومين بعدها أيضاً، ومعنى [من تمامها] أن ما يذكره علیه السلام من الشروط شرائط أو آداب (استشراف أذنها) أي طولها، وذلك كناية عن عدم نقصها خلقة أو عارضاً، ويقال استشرف الرجل إذ ارتفع ( وسلامة عينها) بأن لا تكون عوراء ونحوها (فإذا سلمت الأذن والعين سلمت الأضحية وتمت) بمعنى أن الشرط المهم الذي يمكن خلافه في الأضاحي قد وجد، وهذا لا ينافي في اشتراط أمور أخر - كما ذكر في الفقه - (ولو كانت عضباء القرن) أي مكسورته (تجر رجلها إلى المنسك) وهذا كناية عن عرجتها والمنسك المذبح .

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

فَتَدَاكُوا عَلَيَّ تَداكَ الإبل الهيم يَوْمَ وِرْدِهَا، قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلي، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيْ، وَقَدْ قَلَّبَتُ هذا الأمر

.......................................

التوضيح :

وقد كان يمنع أصحابه من قتال أهل الشام - في صفين - ليبتدأ القوم بذلك، ولإتمام الحجة .

(فتداكوا) من باب التفاعل، بمعنى التزاحم، كأنه يدك بعضهم بعضاً (عليَّ تداك الإبل الهيم) جمع هائم، وهي الوالهة عطشاً (يوم وردها) أي يوم شربها الماء، فإنَّ الإبل في ذلك اليوم تزاحم بعضها بعضاً تزاحماً عجيباً (قد أرسلها) أي أطلقها على الماء (راعيها) فلا ينظم صفوفها (وخلعت مثانيها) جمع مثنى ومثناه وهو الحبل الذي يعقل به البعير، أي أن الحبال قد فكت عنها (حتى ظننت أنهم قاتليّ) ومعنى ظننت أن المحل كان محل الظن، فإنَّ شدة الازدحام يوجب أن يداس الإنسان، وأن يضيق عليه التنفس مما يوجب إزهاق الروح (أو بعضهم قاتل بعض لدي) العين السبب الذي ذكر، وكثيراً ما مات في الزحام بعض الناس - وهذه الجملة مقدمة لبيانه علیه السلام جواز قتال هؤلاء، إذ أنهم إنما يحاربون إماماً عين بهذه الكيفية من الإلحاح والإصرار .

(وقد قلبت هذا الأمر) أي قلبت وجوه الرأي في مقاتلة هؤلاء القوم

بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُني إِلا قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءني بِهِ مُحَمَّدٌ صلی الله علیه و آله و سلّم، فَكَانتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أهون عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَةِ .

.......................................

(بطنه وظهره) وهذا من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، فكما أن من يريد اختبار شيء يقلب أطرافه، كذلك من يريد الإقدام على عمل مهم يفكر في وجوهه ومحتملاته (حتى منعني النوم) أي أن الفكر منعني عن النوم (فما وجدتني) أي لم أجد نفسي (يسعني إلا قتالهم) أي لا يجوز لي ذلك، لأنهم أهل الباطل (أو الجحود) أي الإنكار (بما جاءني به محمد صلی الله علیه و آله و سلّم) فإنَّ من ترك قتال البغاة كان منكراً لأمر الرسول صلى الله عليه آله وسلم بلزوم قتالهم كما قال سبحانه «فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ»(1).

(فكانت معالجة القتال) أي أعالجه وأقاسي مشقاته (أهون) وأيسر (عليّ من معالجة العقاب) في الآخرة، الناشئ عن مخالفة الله ورسوله صلی الله علیه و آله و سلّم (وموتات الدنيا) أي أهوالها وشدائدها الشبيهة بالموت صعوبة وأذية - مما تسببها الحرب - (أهون عليّ من موتات الآخرة) التي تسببها مخالفة الله والرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، وهذا كناية عن أنه يرى قتالهم، ولكنه إنما لا يقدم لمصالح آخر، كما ذكر بعضها، فليس في تأخيره علیه السلام قتالهم تردداً وشكاً، وإنما مصلحة وحكمة .


1) سورة الحجرات : 9

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين

أَمَّا قَوْلُكُمْ : أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ المَوْتِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي ، أَدَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ . وَأَمَّا قَوْلُكُمْ شَكًا في أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلَّا وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَق بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي،

.......................................

التوضيح :

وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين فلقد كثر إلحاح أصحاب الإمام علیه السلام له بأن يأذن لهم في قتال أهل الشام فكان لا يأذن لهم، حتى زعم بعضهم أن الإمام يكره الموت المحتمل وزعم آخرون أنه شاك في جواز قتالهم فقال علیه السلام : (أما قولكم : أكل ذلك كراهية الموت؟) أي كان المنع عن القتال لأجل أن الإمام يكره الموت (فوالله) ليس كذلك إذ (ما أبالي) أي لا أهتمّ (أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ) هذا تشبيه للموت بسبع في وجاره يدخل الإنسان إليه تارة فيفترسه ويخرج هو إلى الإنسان مرة فيقتله، فإنه قد يهاجم الإنسان، فكأنه دخل إلى الموت، وقد يهاجم فكأنّ الموت دخل عليه (وأما قولكم) أن في عدم إذني (شكا في) جواز قتال (أهل الشام فـ) ليس كذلك إذ (والله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة) من أصحاب معاوية (فتهتدي بي) أي بسببي إلى الحق فإنَّ الخداع لا يلبث أن يزاح فيظهر

وَتَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي، وَذلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بآثَامِها .

.......................................

الحق (وتعشو) يقال عشا إلى النار إذا أبصرها ليلا فقصدها (إلى ضوئي) ويكون ذلك سبباً لنجاتهم من النار(وذلك) أي الصبر لعل طائفة يهتدون (أحب إليّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت) تلك الطائفة حينذاك (تبوء بآثامها) أي تحمل خطاياها فتاخيري للرفق لا لخوف الإثم.

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا : مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللُّقَم، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الألم وَجِدَاً في جِهَادِ الْعَدُوِّ. وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنا وَالآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلانِ

.......................................

التوضيح :

بين موقف أصحاب الرسول وصبرهم وثباتهم حتى تمكنوا من إعلاء كلمة الإسلام.

(ولقد كنا مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم) في بدء الإسلام (نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا) يريد بذلك أنهم كانوا مستعدين لأن يضحوا في سبيل الإسلام بأقرب أقربائهم (ما يزيدنا ذلك) القتل للأقارب (إلا إيماناً وتسليماً) فلم نكن نجد في أنفسنا غضاضة في الإسلام والإيمان، بل كنا نزيد صموداً فإنَّ الإنسان كلما فدى شيئاً بأشياء ثمينة لديه يزداد ذلك الشيء قرباً عنده ومنزلة لديه (ومضياً على اللقم) هو جادة الطريق (وصبراً على مضض الألم) أي لذعته وشدته، فكنا نزداد صبراً واستقامة بكثرة المجاهدة وتفدية الأقارب.

(وجداً في جهاد العدو) فتقوى أنفسنا على الجهاد أكثر فاكثر.

(ولقد كان الرجل منا و) الرجل (الآخر من عدونا يتصاولان) أي يطلب

تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوْنَا، وَمَرَّةً لعدوّنا مِنَّا، فلما رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُونَا الْكَبْتَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الإِسْلامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَمُتَبَوْتاً أَوْطَانَهُ. وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودُ

.......................................

كل واحد منهما إزهاق روح الآخر، فإنَّ التصاول هو أن يحمل كل قرن على قرنه يريد قتله (تصاول الفحلين) من الشاة (يتخالسان أنفسهما) أي يريد كل منهما أن يختلس روح الآخر ويسلبها عن بدنه (أيهما يسقي صاحبه كأس المنون) المنون هو الموت وقد شبه بكأس الخمر من جهة أن كلا منهما يوجب انتقال الإنسان من حال إلى حال، فالخمر توجب ذهاب العقل والموت يوجب ذهاب الروح (فمرة) يكون الغلب (لنا من عدونا) فنغلبهم (ومرة لعدونا منا) فيكون الغلب لهم (فلما رأى الله صدقنا) في الجهاد والمثابرة وأنا ماضون سواءً غلبنا أو غُلبنا (أنزل بعدونا الكبت) أي الذل والخذلان (وأنزل علينا النصر) حتى انتصرنا عليهم في نهاية المطاف.

(حتى استقر الإسلام) بأن لم يخف إزالته ومحوه عن الوجود (ملقياً جرانه) جران البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منخره، والبعير إذا نام آمناً القى جرانه على الأرض، وهذا كناية عن استقرار الإسلام وعدم الخوف عليه من الأعداء (ومتبوتاً أوطانه) يقال تبوء الدار إذا جعلها منزلاً ومأوى له، يعني أن الإسلام اتخذ لنفسه أوطاناً هي محل اجتماع المسلمين وداراً لهم (ولعمري) أي قسماً بحياتي - فإنَّ عمر بمعنى الحياة - .

(لو كنا نأتي) في سبيل الإسلام مثل (ما أتيتم) أنتم أيها المعاصرون لي من الضعف والجبن والوهن (ما قام للدين عمود) فكما أن الخباء يقوم

وَلاَ احْضَرْ لِلإِيمَانِ عُودٌ. وَأيْمُ اللهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً، وَلَتَتْبعُنَّهَا نَدَماً!

.......................................

بالعمود كذلك الدين يقوم بشعائره وأحكامه (ولا اخضر للإيمان عود) كناية عن عدم حياته، فإنَّ الشجر إذا لم يخضر عوده كان دليلاً على موته .

(وأيم الله) أيم بمعنى القسم - وفيه لغات - أي قسماً بالله سبحانه (لتحتلبنها دما) الاحتلاب إخراج ما في الضرع من اللبن بالحلب، والضمير في [لتحتلبنها] عائد إلى ما يفهم من قوله [ما أتيتم] وهو [الأعمال] أي تستنجون من أعمالكم شيئاً سيئاً كما أن من يحتلب الناقة فيأتي الدم مكان الحليب يكون وبالاً عليه ( ولتتبعنها ندماً) أي تندمون على وهنكم وضعفكم وقد كان كما ذكره الإمام علیه السلام فإن وهنهم أوجب قتل الإمام علیه السلام واستيلاء معاوية مما نكل بهم تنكيلاً ذريعاً، وتتابعت عليهم الفتن والمصائب.

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

وصف به معاوية

أَما إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُوم، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ، يَأْكُلُ مَا يَجدُ، وَيَطْلُبُ مَا لا يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ!

.......................................

التوضيح :

(أما) للتنبيه (إنه سيظهر عليكم) أي يتسلط عليكم يا أهل الكوفة، كما قال سبحانه «وإنهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ»(1)(بعدي رجل رحب البلعوم) أي واسع مجرى الحلق، وذلك كناية لكثرة أكله، وكبر لقمته (مندحق البطن) أي عظيم البطن، بارزه (يأكل ما يجد) من الملك، ومن الطعام، فإن معاوية كان كثير الأكل بعد ما دعا عليه الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم بقوله : اللهم لا تشبع بطنه، كما أنه كان حريصاً على توسيع سيطرته (ويطلب ما لا يجد) من المأكل، والأملاك، (فاقتلوه) لأنه غاصب ظالم مفسد (ولن تقتلوه) هذا إخبار عنه علیه السلام بأنهم لم يفعلوا ذلك، وإن كان مستحقاً للقتل ولو كان المسلمون قتلوه يوم وجدوه لم يجرهم إلى تلك الويلات التي يقاسي المسلمون عواقبها إلى يومنا هذا، وإلى ظهور الإمام الحجة عليه الصلاة والسلام.


1) سورة الكهف : 20.

أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي، فَأَمَّا السَّبُ فَسُئُونِي، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةً وَلَكُمْ نَجَاةٌ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فِلاَ تَتَبَرَّأَوا مِنِّي، فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ

.......................................

(ألا) فتنبهوا (وأنه سيأمركم بسبي) فقد كان معاوية لعنه الله يأمر بسب الإمام وشتمه، لإسقاط منزلته عن القلوب - ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره -.

(و) يأمركم (البراءة مني) بأن تتبرءوا مني باطناً، فإن السب لساني، والبراءة باطنية (فأما السب فسبوني) وقد أباح الإسلام إظهار السب باللسان لإنقاذ الحياة، كما ورد في قصة عمار أنه نال الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم بلسانه حينما أجبره المشركون على ذلك، فأنزل الله سبحانه «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ» (1)وقال له الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم : إن عادوا فعد (فإنه) أي السّب (لي زكاة) أي تطهير عند الله سبحانه، فإنَّ الله يرفع درجة الإمام - وذلك مشابه للتطهير - بما يناله من السب، ومضافاً إلى ذلك أنه زكاة للإمام في الدنيا، إذ المطلوب يلتف الناس حوله أكثر (ولكم نجاة) عن القتل الذي ينزله معاوية بكم إن امتنعتم عن سبي من سبي (وأما البراءة) القلبية (فلا تتبرءوا مني) ولا تقطعوا ودكم وصلتكم القلبية عني.

لا يقال كيف يمكن قطع الصلة القلبية عن الشخص مع أنه أمر قلبي ليس باختيار الإنسان إيجاده أو إفناءه، فكيف يقع ذلك مورد النهي؟ فإنَّ الجواب واضح إذ الود كسائر الأمور القلبية - غالباً - قابلة للإيجاد والإفناء بالتفكر والعناية وجمع الأدلة والشواهد، ولذا ترى الإنسان يحب إنساناً ثم إذا أراد أن يبغضه تمكن من ذلک بقطع صلاته منه أولاً ثم التجنب عنه و جمع النقد والنقص له، وهكذا بالعكس (فإني ولدت على الفطرة) أي فطرة الإسلام،


1) سورة النحل: 106 .

وَسَبَقتُ اِلی الاِیمَانِ وَ الهِجرَةِ.

.......................................

فقد ورد [أن كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه هما اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه] وهذه الجملة كمقدمة للجملة الثانية - إذ كل إنسان يولد على الفطرة أما الإنسان الذي ولد على الفطرة وراعى فطرته إلى آخر حياته فذلك خاص بمن لم يشرك .

(وسبقت) الناس (إلى الإيمان) حيث كان الإمام علیه السلام أول الناس إيماناً (والهجرة) مع الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم إلى المدينة، فلا يوجد فيّ ما يبرر البراءة مني، لأني متصل الإيمان والإطاعة .

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

كلم به الخوارج

أَصابَكُمْ حَاصِبٌ، وَلا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِر! أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللهِ. وَجهَادِي مَعَ رِسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ؟ (لَقَدْ ضَلَلْتُ إذا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ!) فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ. وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الأَعْقَابِ .

.......................................

التوضيح :

(أصابكم حاصب) هي ريح شديدة تحمل الحصباء إذا أصابت الإنسان أعطبته، والجملة دعاء عليهم بالهلاك (ولا بقي منكم آبر) أي رجل يقوم بتأبير النخل وإصلاحه، من أبر النخل إذا لقّحه، وهذا دعاء عليهم بالفناء جميعاً (أبعد إيماني بالله) الهمزة للاستفهام الإنكاري (وجهادي مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم أشهد على نفسي بالكفر) أي كيف أشهد وأنا أول مؤمن وأول مجاهد فإنَّ الكافر لا يكون مؤمناً ولا مجاهداً «قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ»(1)[إذا] أي إذا كان الأمر كذلك وهذا اقتباس من القرآن الحكيم (فأوبوا شرّ مآب) أي ارجعوا عن دينكم إلى شر مجمع وهو الكفر.

(وارجعوا على أثر الأعقاب) جمع عقب وأثرها العلائم التي تتركها على الأرض عند المشي، وذلك لتأكيد كون الرجوع في نفس المسير الذي


1) سورة الأنعام: 56 .

أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاً شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةَ.

قال الرضي رحمة الله : قوله علیه السلام ولا بقى منكم آبر يروى بالباء والراء من قولهم رجل آبر للذي يأبر النخل أي يصلحه، ويروى آثر وهو يأثر الحديث أي يرويه ويحكيه وهو أصح الوجوه عندي، كأنه علیه السلام قال : لا بقي منكم مخبر، ويروى آبز بزاي المعجمة، وهو الواثب والهالك أيضاً يقال له آبز.

.......................................

ساروا فيه، والأمر في المقامين للتهديد، وإظهار التضجر.

(أما إنكم) أيها الخوارج (ستلقون بعدي ذلاً شاملاً) أي ذلاً يشملكم فقد وضع آل أمية فيهم السيف وعمموهم بالذل بلا هوادة ولا رحمة وهذا طبيعي بالنسبة إلى من يجرؤ على أولي الأمر، فإن ولي الأمر، إذا كان منصفاً وكان معارضه وقحاً، جر ذلك إلى ذله في المستقبل لعدم تحمل كل رئيس القحة من الناس (وسيفاً قاطعاً) كناية عن قتلهم بأيدي الرؤساء من بعد الإمام علیه السلام [وأثرة] هي الاختصاص بالملك دون الخوارج بعدم إشراكهم في دور أو عمل أو مال (يتخذها الظالمون فيكم سنة) أي عادةً مستمرةً لا يحيدون عنها.

وَقَالَ علیه السلام

لما عزم على حرب الخوارج وقيل له: أنهم قد عبروا جسر النهروان

مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ، وَاللهِ لا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ.

قال الرضي رحمة الله [يعني بالنطفة ماء النهر وهو افصح كناية عن الماء وإن كان كثيراً جما] .

.......................................

التوضيح :

وذلك أن الإمام علیه السلام بشر بأن الخوارج قد ولوا وعبروا النهر فأعطوه أقفيتهم، والعدو إذا كان قفاه في طرف الإنسان كان غزوه أسهل والوقيعة فيه أيسر، لكن الإمام علیه السلام لأنه يعلم مصيرهم عرف كذب الخبر، وكان كما أخبر (مصارعهم) أي مواضع وقوعهم قتلى على وجه الأرض (دون النطفة) أي قبل الفرات والنطفة ، أصلها الماء القليل، ولذا يقال للمني [نطفة] واستعملت في الماء الكثير أما بعلاقة الضدأو باعتبار قياسه إلى ماء البحر (والله لا يفلت منهم عشرة) أي لا ينجوا من الخوارج عشرة فإنَّهم قتلوا جميعاً باستثناء تسعة منهم (ولا يهلك منكم) أصحابي (عشرة) فإنَّه قتل منهم ثمانية أشخاص فقط.

وَقَالَ علیه السلام

لما قتل الخوارج فقيل له: يا أمير المؤمنين، هلك القوم بأجمعهم!

كَلا واللهِ، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلابِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ،

.......................................

التوضيح :

(كلا والله) [كلا] للردع أي أنهم لم يهلكوا جميعاً (إنهم نطف في أصلاب الرجال) نطف جمع نطفة، وأصلاب جمع صلب، وهو فقار الظهر، سميت بذلك لصلابتها، والمني مستقر في الصلب (وقرارات النساء) أي ترائبهن وهي عظام الصدر، كما قال سبحانه «يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ» (1)وهذا كناية عن أنهم يمتدون ويخرجون من آبائهم إلى الوجود، وقد كان كما أخبر الإمام فإنَّ بعض الخوارج لم يقتلوا ثم أخذوا يكثرون بالتوالد وبإغواء الناس حتى قتلوا الإمام وافسدوا في بلاد الإسلام، وبقوا إلى يومنا هذا.

(كلما نجم) أي ظهر (منهم قرن) أي فئة، وسميت قرناً لكونها شبيهاً به في ظهروه أول ما يظهر من أجزاء الحيوان (قطع) أي استأصل، وذلك لأنهم كانوا ضد السلطات دائماً، كما عرف الإمام علیه السلام من طبيعتهم


1) سورة الطارق: 7.

حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلَابِينَ .

.......................................

(حتى يكون اخرهم) أي مآل اخرهم أن يصبحوا (لصوصاً سلابين) فإنَّهم إذا لم يتمكنوا من مواجهة السلطات علنا التجوؤا إلى الجبال والصحاري يسلبون الناس ويفسدون في الأرض.

وَقَالَ علیه السلام

لا تَقتِلُوا الْخَوَارِجَ مِنْ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ.

.......................................

التوضيح :

(لا تقتلوا الخوارج من بعدي) وإنما نهى عن قتلهم لأنه علم عدم ولاية الأمر - بعده - من يستحقه، ومن المعلوم أنه لا يجوز لغير الولي الشرعي قتل الناس - هكذا قيل-، لكن فيه نظر لما ذكره علیه السلام من التعليل بقوله (فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه) فإنَّ الخوارج كانوا قد طلبوا الحق لكنهم أخطأوه، بخلاف معاوية وأصحابه الذين أرادوا الباطل فأصابوه وهنا أسئلة :

الأول - أنه علیه السلام كيف قتلهم مع أنه نهى عن قتلهم؟

الثاني - هل أنهم كانوا على خطأ معذورين؟ .

الثالث - هل لا يجوز قتل المخطئ؟

والجواب : أما عن الأول، أنه إنما قتلهم لأنهم أثاروا الفتن وخرجوا على إمام الزمان ومثل هؤلاء يجب قتلهم في الشريعة، وإنما نهى عن قتلهم على تقدير بقائهم متفرقين لا يثيرون القلاقل والفتن، والكلام وإن كان مطلقاً لكن لا بد من حملة على ذلك جمعاً على ذلك جمعاً بين الأدلة.

.......................................

وأما عن الثاني، أنهم كانوا على خطإ لكنهم لم يكونوا معذورين لتمام الحجة عليهم، ومن المعلوم الفرق بين المخطئ الذي يريد الحق والذي يريد الباطل.

وأما عن الثالث، فإنَّه لا يجوز قتل المخطئ الذي لا تتم عليه الحجة، أما من تمت عليه الحجة فقتله جائز مباح إذا تجمعت أسباب الجواز.

قال الشريف الرضي - في معنى قوله علیه السلام كمن طلب الباطل فأدركه - [يعني معاوية وأصحابه].

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

لما خوّف من الغيلة

وَإِنْ عَلَيَّ مِنَ اللهِ جُنَّةَ حَصِينَةَ، فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمَتْنِي فَحِينَئِذٍ لا يَطِيشُ السَّهْمُ ، وَلا يَبْرَأُ الْكَلْمُ.

.......................................

التوضيح :

• لما خوف من الغيلة -

(الغيلة) القتل على غفلة من المقتول فقد كان ابن ملجم لعنه الله المح إلى أنه يريد قتل الإمام علیه السلام، وقالوا للإمام في ذلك، لكن الإمام لم يكن يبالي، بل قال في جواب الناس (وإنَّ عليّ من الله جنة حصينة) أي وقاية تحصنني عن القتل وتحفظني من الاغتيال ما دام لم يأت وقتي (فإذا جاء يومي) أي يوم موتي (انفرجت عني) أي ابتعدت الجنة عني والانفراج هو الانشقاق كني بذلك عن ابتعاد الجنة (وأسلمتني) حتى أموت (فحينئذ) أي حين الانفراج والتسليم (لا يطيش السهم) من طاش السهم بمعنى انحرف عن الغرض والمراد سهم المنية (ولا يبرأ الكلم) أي الجرح أي لا يطيب بل يفعل المقدور أثره، لا يقال لو علم الإمام علیه السلام أن ابن ملجم قاتلة كيف جاز أن يتركه وشأنه؟ إذ الجواب واضح فإنَّ القصاص قبل الجناية لا يجوز .

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

في التزهيد

أَلا وإنَّ الدُّنْيَا دَارُ لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إِلا فِيهَا، وَلَا يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا : ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً، فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ، وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوا فِيهِ،

.......................................

التوضيح :

(ألا) فليتنبه السامع (وإن الدنيا دار لا يسلم منها إلّا فيها) أي أن السلامة من عواقب الدنيا لا تكون إلا في الدنيا فإنَّ الإنسان إذا عمل صالحاً وهو في الدنيا نجى من شرورها وعواقبها، وإن لم يعمل صالحاً حال كونه فيها ابتلي بعواقبها السيئة (ولا ينجى بشيء كان لها) أي أن العمل الذي يعمل لأجل الدنيا لا يكون فيه النجاة وإنما النجاة بما يعمل للآخرة (ابتلي الناس بها) أي بالدنيا (فتنة) أي لأجل الاختبار والامتحان (فما أخذوه منها لها) أي أن الشيء الذي أخذوه من الدنيا لأجل دنياهم من المال والجاه وما أشبه (أخرجوا منه) لأن الموت إذا جاء أخرج الإنسان مما هيأه من ملاذه وشهواته (وحوسبوا عليه) فإنَّ الإنسان يحاسب على ما جمع من الدنيا.

(وما أخذوه منها لغيرها) مما قدموه لآخرتهم من الإنفاق والعمل الصالح (قدموا عليه) فإنَّ الإنسان يذهب نحو أعماله الصالحة التي أرسلها إلى أخرته في حياته (وأقاموا فيه) أي بقوا مخلدين في النعيم الذي قدموه لأنفسهم

وأَنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيءِ الظِّلِّ، بَيْنَا تَراهُ سَابِعَاً حَتَّى قَلَصَ، وَزَائِداً حَتَّى نَقَصَ.

.......................................

(وأنها) أي الدنيا (عند ذوي العقول) الذين لهم عقول سليمة لا تخالطها الشهوات ( كفيء الظل) أي الظل الذي يفيء ويرجع وهو ظل ما بعد الزوال، أو المراد الظل الذي يفيء، وهو ما قبل الزوال مما تنسخه الشمس، وهذا أقرب معنى والأول اظهر لفظاً (بينا تراه) أي ذلك الظل (سابغاً حتى قلص) أي انقبض (وزائداً حتى نقص) والدنيا هكذا لا تلبث أن تزول وتعدم كأن لم تكن شيئاً مذكوراً.

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

في الاستعداد للموت

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحْلُوا فَقَدْ جُدْ بِكُمْ وَاسْتَعِدُوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ

.......................................

التوضيح:

(فاتقوا الله) أي خافوا عقابه، وذلك بإتيان أوامره والاجتناب عن زواجره (عباد الله) هذا تذكير لهم بأنهم عبيد ويجب على العبد أن يتقي سيده ويخافه (وبادروا أجالكم بأعمالكم) أي اعملوا قبل أن يوافيكم الأجل فكأن الإنسان والأجل يتبادران فالإنسان يريد أن يعمل قبل أن يموت والموت يريد أن يأخذ الإنسان قبل أن يعمل (وابتاعوا) أي اشتروا (ما يبقى لكم) من الآخرة (بما يزول عنكم) من الدنيا، وذلك بأن يصرف الإنسان جسمه وماله في مرضاة الله حتى ينال الآخرة (وترحلوا) أي انتقلوا، والمراد به هنا لوازم الانتقال وهو تهيئة الزاد للآخرة (فقد جدّ بكم) أي حثثتم للرحيل، يقال : جدّ به السير أي أسرع في المسير (واستعدوا للموت) بتهيئة الأمور اللائقة للآخرة (فقد أظلكم) تشبيه لقربه بالشيء الذي يظل الإنسان لأنه اقترب إليه حتى أنه صار على رأسه وألقى ظلاله عليه.

(وكونوا قوماً صيح بهم) والصائح هم الأنبياء والأئمة والصلحاء حيث

فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَاتَهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثًا، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدى، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ. وَإِنَّ غَايَةَ تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُها السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةُ بِقِصَرِ الْمُدَّةِ. وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ : اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الأَوْبَةِ .

.......................................

أرادوا تنبيههم عن نومهم الذي هم فيه فقد شبه الإنسان بالنائم الذي لا يعمل صالحاً ولا يدفع شراً عن نفسه (فانتبهوا) أي تيقظوا وقاموا من النوم.

(وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار) أي دار بقاء (فاستبدلوا) أي باعوا هذه الدار واشتروا الدار الآخرة (فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثاً) أي بلا غاية و غرض حتى يهملكم (ولم يترككم سدى) أي مهملاً بلا تكليف، حتى لا يريد منكم شيئاً (وما بين أحدكم وبين الجنة) إن كان من أهلها (أو النار) إن کان من أهلها (إلا الموت أن ينزل به) فإذا مات دخل في الجنة أو في النار وهذا تحريض على العمل لقرب الغاية التي يراها الإنسان نتيجة أعماله (وإن غاية تنقصها اللحظة) المراد بالغاية المدة، فإن مدة بقاء الإنسان في الدنيا تنقصها كل لحظة من لحظات الإنسان إذ العمر مركّب من لحظات، فكلما نقصت لحظة انتقص منه جزء (وتهدمها الساعة) فإنَّ كل ساعة تهدم جزءاً من أجزاء العمر (الجدير بقصر المدة) أي حقيق بان تكون ذات مدة قصيرة (وإن غائباً) والمراد به الموت أو أمور الآخرة (يحدوه) أي يسرعه ليحضر (الجديدان) وهما (الليل والنهار) سميا بذلك لأن كلا منهما يتجدد كل يوم (الحري) أي حقيق (بسرعة الأوبة) أي الرجوع فكأن كل واحد من الليل والنهار إذا جاء ومضى سبب وصول الغائب ولذا استعار علیه السلام لذلك لفظة [يحدو] .

وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَو الشَّقْوَةِ لَمُسْتَحِقُّ لأَفْضَلِ العُدَّةِ، فَتَزَوَّدُوا مِن الدُّنْيَا، فِي الدُّنْيَا، مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً ، فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ،

.......................................

كما أن لفظة [ الأوبة] من باب التشبيه وإلا فالموت لم يكن سابقاً، حتی يطلق عليه [آب] بمعنى رجع، أو باعتبار كون الإنسان كان سابقاً جماداً فهو ميت، كما قيل في قوله تعالى «رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ»(1).

(وإن قادماً) هو الموت أو أمور الآخرة، مما يقدم على الإنسان - من باب التشبيه - (يقدم بالفوز) الأبدي وذلك إذا كان الإنسان من أهل الصلاح (أو الشقوة) إذا كان الإنسان طالحاً (لمستحق) ذلك القادم (لأفضل العدّة) أي أن يعد الإنسان له أفضل عدة حتى توجب تلك العدة أن يقدم بالفوز لا بالشقوة.

(فتزودا) أي خذوا الزائد، وهو ما يهيؤه المسافر من مأكل وسائر اللوازم، لئلا يبقى في سفره خالياً عن ما يحتاج إليه (من الدنيا) بالأعمال الصالحة، والحال أنتم (في الدنيا) فإنَّ زاد الآخرة إنما يحصل في حال كون الإنسان في الدنيا (ما تحرزون) أي تحفظون عن العذاب والسخط (به) أي بذلك الزاد (أنفسكم غداً) عند الموت وبعده - وجعله غداً باعتبار مقابلة اليوم الذي هو مجموع عمر الإنسان في الدنيا-.

(فاتقى عبد ربه) أي خاف من ربه، فلم يعص وهذا وما بعده أوامر في صورة الماضي، والنكتة في إخراج الأمر هذا المخرج كثرة شوق الآمر إلى المأمور به، حتى كأنه وقع ومضى، كما أنه قد يأتي الإخبار عن المستقبل بصورة الماضي نحو [وَنُفِخَ فِي الصُّورِ] لأجل مثل ذلك (نصح نفسه) والنصح


1) سورة غافر: 11

قَدَّمَ تَوْبَتَهُ وغَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ وَالشَّيْطَانُ مُوَكَّلْ بِهِ، يُزَيْنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا، وَيُمَنْبِهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوْفَهَا، حَتَّى تَهجم مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكونُ عَنْهَا.

.......................................

هو أن يظهر الإنسان ما يوجب سعادة الطرف، وكأن الإنسان بالعمل الصالح يكون ناصحاً للطرف، فطرف ناصح وطرف منصوح - والسر أن الإنسان يجد في نفسه ازدواجاً، ولذا يكون فيها تجاذب وتدافع، نحو كل عملٍ خيراً أو شرّاً، هذا يأمر وهذا ينهى.

(قدَّم توبته) بمعنى أنه لم يؤخر حتى يفلت الزمام من يده (وغلب شهوته) أي اشتهائه بالمعاصي والآثام وما يوجب بعده عن ساحة القرب.

(فإنَّ أجله) الذي يوجب انتقاله من الدنيا إلى الآخرة (مستور عنه) إذ لا يعلم الإنسان أنه أي وقت يموت، فاللازم أن يقدّم أمره حتى إذا جاءه الأجل بغتة لا يحسر ولا يتأسف (وأمله) الذي يترجّاه لمستقبله من الخير الدنيوي (خادع له) يخدعه فربما لا يصل إلى أمله، كما هو الكثير (والشيطان موكل به) أي كالموكّل الذي يلاحظ أموره ويوجّهه نحو الضلال (يزين له المعصية) فيبين له فوائدها، ويصرف نظره عن مضارها (ليركبها) أي يرتكبها وقد شبّه تسلط الإنسان على المعصية بالراكب المسلط على المركوب (ويمنيه التوبة) أي يبين الشيطان للإنسان أن التوبة ممكنة في المستقبل (ليسوفها) أي ليؤجّلها، من [سوف].

(حتى تهجم منيته) أي الموت، ومعنى الهجوم الورود دفعةً (عليه أغفل ما يكون) أي في حال كون الإنسان أكثر غفلة من كل وقت (عنها) أي عن المنية، وكونه أغفل باعتبار أن الإنسان إذا تمادى في العصيان، يزداد غفلةً

فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حجةً، وَأَنْ تُؤدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشَّقْوَةِ نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ وَلا تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ،

.......................................

على غفلة، حتى أنه في وقت المنية أكثر الأوقات غفلة (فيا لها حسرة) [يا] حرف نداء و[اللام] للاستغاثة و[ها] راجع إلى [الحسرة]، وإنما قدّم الضمير للتهويل فإنَّ ذكر الصريح بعد التلويح أوقع في النفس لتعطيش القلب إلى الإظهار بعد الإخفاء و[حسرة] تمييز، والمعنى، أيتها الحسرة أحضري فهذا وقتك، وهذا حكاية حال الذي تأتي إليه المنية وهو أغفل ما يكون، إذ يتحسّر أشد الحسرة، والحسرة التأسف والندامة، لما فات وقته، ولا تدارك لضرره .

(على كل ذي غفلة) أي أن هذه الحسرة الهائلة إنما هي للإنسان الغافل عن آخرته (أن يكون عمره عليه حجة) يحتج الله سبحانه بعمره بعمره عليه فيقول «أَوَلَمْ نُعَمِّرَكُم مَّا يَتَذَكَرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرُ»(1)(وأن تؤدّيه أيامه) التي جعلت له لأجل سعادته (إلى الشقوة) أي شقاء أبدي في الآخرة (نسأل الله سبحانه) منصوب على تقدير فعل محذوف، أي أسبحه سبحانه، بمعنى أنزهه تنزيهاً عن النقائص (أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة) أي لا توجب بطره وطغيانه ونسيانه الآخرة، كما قال سبحانه «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى»(2)ومعنى [يجعلنا] أن يلطف بنا الألطاف الخفية حتى نتجنب عن الطغيان (ولا تقصر به عن طاعته ربه غاية) أي أن بلوغ بعض الغايات الدنيوية


1) سورة فاطر: 37

2) سورة العلق : 6 - 7 .

وَلاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلَا كَابَةٌ.

.......................................

لا تسبب تقصيره عن طاعة ربه حتى لا يطيع، لأنه يريد الوصول إلى أمر دنيوي (ولا تحل به بعد الموت ندامة) بأن يندم على تقصيره في الدنيا وتركه أوامر ربه (ولا كآبة) وهي الحزن وانقباض النفس من الآلام والأحزان.

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

في تنزيه الله تعالى

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقُ لَهُ حَالٌ حَالاً، فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً،

.......................................

التوضيح :

(الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالاً) كأن يكون موجوداً قبل أن يكون عالماً، وأن يكون عالماً قبل أن يكون قادراً، وهكذا، كما هو صفة الخلق، أن تتقدم بعض صفاتهم على بعض صفاتهم الأخر، والسرّ في ذلك أن الله سبحانه کامل منذ الأزل لا نقص فيه، وأنه لا يطرأ عليه الزمان، حتى يكون بعض أموره المرتبطة به مقدمة على بعضها الآخر، ولذا قال علیه السلام (فيكون أولاً قبل أن يكون آخراً) فإنَّ الله سبحانه لا زمان له حتى يعتبر في بعض أحواله [أولاً] وفي بعض أحواله [آخراً] بل هو هو، لا اعتبار للأولية والآخروية فيه تعالى.

(ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً) كما هو الشأن في الأشياء فإنها ظاهرة ثم تبطن، مثلاً الشيء الكائن على وجه الأرض يحف به الغبار وما أشبه حتى يبطن، وهكذا، وهذا من باب أحد المثالين، فإنَّه تعالى ليس باطناً قبل أن يكون ظاهراً، كما هو الشأن في الأشياء فإنَّها باطنة ثم تظهر، كالأعشاب والمعادن وما إليها، ومعنى كونه تعالى ظاهراً أنه معروف لدى العقل بالآيات

كُلُّ مُسَمّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرُهُ قَلِيلٌ، وَكُلُّ عَزِيزِ غَيْرُهُ ذَلِيلٌ، وَكُلُّ قَوِيٌّ غَيْرُهُ ضَعِيفٌ، وَكُلُّ مَالِكِ غَيْرُهُ مَمْلُوكُ، وَكُلُّ عَالِم غَيْرُهُ مُتَعَلِّمْ، وَكُلُّ قَادِرٍ غَيْرُهُ يَقْدِرُ وَيَعْجَزُ،

.......................................

والأدلة، كالأشياء الظاهرة التي يراها الإنسان، ومعنى كونه سبحانه باطناً أنه مخفي الكنه لا تصل العقول إلى كنه معرفته، والحاصل أنه في حالٍ واحدٍ ظاهراً باعتبار وباطناً باعتبار، لا أنه ظاهر ثم يبطن أو بالعكس.

(كل مسمى بالوحدة) أي الأشياء المتفردة التي تطلق عليها الوحدة كالإنسان الواحد والشجرة الواحدة (غيره) تعالى (قليل) لأنه في مقابل الكثرة، بخلافه سبحانه فإنَّه وحدته أقوى من كل شيء.

(وكل عزيز غيره) سبحانه (ذليل) إذ عزته وقتية إضافية، لا عزة له بذاته، ولا دوام لعزته بخلافه تعالى فإنَّ عزته من ذاته، وهي دائمةَ لا زوال لها (وكل قوي غيره) تعالى (ضعیف) بذاته، وإن كان قوياً بالإضافة، مثلاً يقال فلان قوي، يراد أن له أهلاً أو منصباً أو مالاً أو قوة جسدية، وكل هذه الأشياء خارجة عنه طارئة عليه يمكن زوالها، فهو ضعيف بذاته، بخلافه سبحانه فإنَّ قوته من ذاته وليست مضافة، ولا محدودة بقدر، ولا مؤقتة بزمان (وكل مالك غيره مملوك) فكونه مالكاً لا يوجب سيادته بعد كونه بذاته مملوك لله تعالى، أما الله تعالى فهو المالك بقول مطلق الذي لا مالك له.

(وكل عالم غيره متعلم) قد تعلم العلم، فإنَّ الإنسان حين يأتي إلى الدنيا ليس بعالم وإنما يحصل العلم، بخلافه سبحانه فإنَّه عالم بذاته لم يتعلم العلم من أحد (وكل قادر غيره يقدر ويعجز) أي يقدر على شيء ويعجز عن شيء، ويقدر في وقت ويعجز في وقت بخلافه سبحانه فإنَّه قادر على كل شيء في

وَكُلُّ سَمِيعِ غَيْرُهُ يَصَمُ عَنْ لَطِيفِ الأَصْوَاتِ، وَيُصِمُّهُ كَبِيرُهَا وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعْدَ مِنْهَا، وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرُهُ يَعْمَى عَنْ خَفِي الْأَلْوَانِ وَلَطِيفِ الْأَجْسَامِ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرُهُ بَاطِنٌ،

.......................................

کل زمان لا حد لقدرته (وكل سميع غيره يصم) أي لا يسمع (عن لطيف الأصوات) أي الأصوات الضعيفة بخلافه سبحانه فإنَّه يسمع كل صوت وإن كان في منتهى الإخفات واللطافة (ويصمه كبيرها) فإنَّ الصوت الهائل يوجب صمم الإنسان لخرقه محل السماع (ويذهب عنه ما بعد منها) أي أن الأصوات البعيدة لا يسمعها الإنسان، وهذا بخلافه سبحانه، فإنَّ الأصوات الهائلة والخافتة والبعيدة والقريبة كلها متساوية عنده تعالى، إذ ليس سمعه بالألة والجسمية حتى يفرق الأمر عنده.

(وكل بصير غيره) سبحانه (يعمى عن خفي الألوان) أي الألوان المختلفة في خلايا الأجسام أو الألوان الضعيفة، فإنَّ العين لا تدرك إلّا الألوان الظاهرة الشديدة، ولذا نرى بالمجهرات الألوان الضعيفة بينما لا نراها بالعين المجردة، وهناك ألوان لا ترى حتى بالمجهر (ولطيف الأجسام) أي الأجسام الدقيقة، كالجراثيم الصغيرة والذرات، وقد توصل العلم إلى اختراع الميكروسكوبات ولكنها لا ترى الأدق من مدى المجهر، وهذا بخلافه سبحانه فأنه يرى كل جسم وكل لون وإن كان في غاية الدقة ونهاية اللطافة والخفاء (وكل ظاهر غيره باطن) فإنَّ الأشياء مهما كانت معروفة، فإنَّها مستورة عن كثير الناس، والظهور هو الإنكشاف بعكس البطون، وهذا واضح فإنَّ الأشياء الظاهرة حتى الشمس والقمر مخفيان عند الأعمى، بخلافه سبحانه فإنَّه ظاهر لدى الجميع بآثاره وصنايعه.

ويحتمل أن يكون المراد أن وجود الأشياء - وهو ظهروها - ليس بذواتها

وَكُلُّ بَاطِنِ غَيْرُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ. لَمْ يَخْلُقُ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا تَخَوْفِ مِنْ عَوَاقِبٍ زَمَانِ، وَلا اسْتِعَانَةِ عَلَى نِدْ مَثَاوِرٍ ، وَلا شَرِيكَ مَكَابِرٍ ، وَلاَ ضِدّ مُنَافِرِ ، وَلَكِنْ خَلائِقُ مَرْبُوبُونَ،

.......................................

فإنَّها في ذواتها باطنة - أي معدومة - وإنما ظهورها بالله سبحانه، بخلافه سبحانه فإنَّه ظاهر بذاته، لا بطون ولا عدم له منذ الأزل إلى الأبد.

(وكل باطن غيره) سبحانه (غير ظاهر) فإنَّ الشيء المخفي والشيء المعدوم غير ظاهر ولا منكشف للناس، وذلك بخلافه سبحانه فإنَّه مع كونه باطناً ظاهر بالآيات والأدلة (لم يخلق) تعالى (ما خلقه) من جميع الأكوان (لتشديد سلطان) أي لأجل أن تقوى سلطته كما هو الشأن في الناس فإنَّ سلطتهم تقوى إذا كان ما يملكون كثيراً، من غير فرق بين كون الممتلكات الجند أو المال أو الأراضي. (ولا تخوف من عواقب زمان) بأن خاف أن يدور زمانه إلى زمان سيئ فخلق ما خلق ليكون له ذخيرة في يوم حاجته وزمان فقره - كما هو الشأن في الإنسان - (ولا استعانة) أي لم يخلق ما خلق لأن يستعين به (على ند) أي أيّ مثل (مثاور) أي المحارب، من [ثار] بمعنى هاج للحرب والوثوب، فإنَّه سبحانه لا ند له ولا خوف له من أحد (ولا شريك مكابر) بأن يكون له شريك یرید أن يستعلى عليه، فخلق ما خلق، لأجل أن يحفظ مقامه من أن يعلو عليه شريكه (ولا ضد منافر) أي مغالب بأن يريد الضد أن يغلبه في الرفعة والعلو فيخلق الله ما يخلق لئلا يتمكن ذلك الضد من منافرته، يقال نافره في الحسب أي غلبه و[الند] و[الضد] متقابلان، وفرقهما مع الشريك عدم الشراكة، بخلاف هذا، فالشراكة وصف عرضي تطرأ على كل من الضدّ والندّ.

(ولكن) الأشياء (خلائق) لله (مربوبون) أي مملوكون، فإنَّه مفعول من

وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ لَمْ يَحْلُلْ فِي الأَشْيَاءِ فَيُقَالَ: هُوَ كَائِنٌ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ : هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ، لَمْ يَؤُدُهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ وَلَا تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ وَلَا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ، وَلا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شبهةً فِيمَا قَضَى وَقَدْرَ،

.......................................

[رب] والرب الحقيقي - أي المربي في جميع المراحل - هو المالك.

(وعباد داخرون) أي أذلاء، لا ضدية ولا ندية ولا شراكة لهم مع الله سبحانه (لم يحلل) الله (في الأشياء فيقال : هو) تعالى (كائن) فيها، فإنَّه سبحانه منزّه عن المكان، إذ المكان من عوارض الحادث، والله سبحانه أزلي، وقوله (فيقال هو كائن] أي كائن بهذا النحو، إذ ليس المراد نفي كونه [كائناً] بقول مطلق (ولم ينأ) أي لم يبعد الله سبحانه (عنها) أي عن الأشياء (فيقال هو منها) أي من الأشياء (بائن) أي منفصل، وليس كالجسم الذي إن حلّ في شيء كان كائناً فيه، وإن لم يحل كان بائناً، لأن الحلول والبينونة متقابلان في الأجسام كالعقل والجنون، بالنسبة إلى الإنسان والملتحي والأمرد بالنسبة إلى الرجال، أما الله سبحانه فليس بمثل ذلك حتى يلزم أن يتصف بإحدى الصفتين على سبيل منع الخلو، بل هو مقترب إلى الأشياء بالعلم والإحاطة، مبتعد بالماهية والحقيقة، (لم يؤده) أي لم يثقل عليه (خلق ما ابتدأ) يقال آده الأمر إذا أثقله وأتعبه وهذا بخلاف الناس فإنَّهم إذا عملوا عملاً ثقل الأمر عليهم بعد ذلك لما لذلك الشيء من التبعة (ولا تدبير ما ذرأ) [ذرأ] بمعنى خلق أي أن تدبير أمور المخلوقين لا يثقل عليه سبحانه، لأن قدرته وعلمه عامان لاحد لهما، حتى إذا وصل الشيء إلى مرتبة يوجب ثقلاً عليه تعالى (ولا وقف به عجز عما خلق) بأن يكون له مقدار من القدرة، حتى إذا أعملها انتهت وعجز عما سوى ذلك (ولا ولجت) أي دخلت (عليه) تعالى (شبهة فيما قضى وقدّر) كما هو صفة الإنسان إذا عمل عملاً رأى بعض

بَلْ قضَاءَ مُتَقَنِّ وَعِلْمٌ مُحْكَمْ، وَأَمْرُ مُبْرَمَ الْمَأْمُولُ مَعَ النَّقَمِ وَالْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ !

.......................................

النقائص فيه تدخله الشبهة هل كان مصيباً فيما عمل أم لا.

(بل) أمره سبحانه (قضاء متقن) لا تدخله الشبهة (وعلم محكم) لا حد له ولا وقوف ولا تزلزل (وأمر مبرم) من [أبرم] بمعنى قتل الحبل فتلاً محكماً (المأمول مع النقم) يعني أنه سبحانه وإن أنزل النقمة بعيد من عباده لا ينقطع رجاء ذلك العبد عنه تعالى، لأنه يعلم أن الإنزال لمصلحة، وليس كالناقمين الذين إذا نقموا قطعوا خيرهم وبرهم (والمرهوب مع النعم) يعني أنه تعالى مع أنه ينعم، مرهوب، إذ أعماله وفق الحكمة والصلاح، وليس كالإنسان الذي إذا أنعم على شخص كان ذلك دليلاً على أنه لا يعذّبه.

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

في تعليم أصحابه كيفية القتال، قالوا، وقد قال هذا الكلام في صفين ليلة الهرير، أو غيرها

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ : اسْتَشْعِرَوا الْخَشْيَةَ، وَتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ، وَعَضُوا عَلَى النَّوَاجِدِ،

.......................................

التوضيح :

(معاشر المسلمين) منادى محذوف منه حرف النداء، وهو جمع معشر بمعنى الجماعة (استشعروا الخشية) أي لازموها في حال الحرب، فإنَّ الإنسان الذي يخشى من الله سبحانه - بأن يفكر حتى يوجد في نفسه الخشية، الذي هو بمعنى استشعروا - يعمل بجد وإخلاص مما يقدّم الأمر الذي بيده ولا يقف لخوف من الناس أو مأرب، من مآرب الدنيا (وتجلببوا السكينة) من الجلباب، وهو الثوب الطويل الذي تلبسه المرأة فوق ثيابها لستر جميع جسدها، وذلك كناية بأن يكون الإنسان موقرا من قرنه إلى قدمه، فلا يتحر حركات غير لائقة، ولا يضحك أو يصيح أو ما أشبه مما لا يناسب السكينة والوقار، وذلك مما يوجب انشغال النفس بالأمور التافهة فلا يتركز الذهن في إنجاح الأمر بخلاف، المتجلبب بالسكينة.

(وعضّوا على النواجذ) جمع ناجذ وهو أقصى الأضراس، لكل إنسان أربعة نواجذ، وهي التي تنبت بعد البلوغ وتسمى سنّ العقل، والعض على

فَإِنَّهُ أَنبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ. وَأَكْمِلُوا اللَّامَةَ وَقَلْقِلُوا السُّيَوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلْهَا. وَالْحَظُوا الْخَزْرَ، وَاطْعُنُوا الشَّزْرَ، وَنَافِحُوا بِالطَّبَا،

.......................................

النواجذ يوجب قوة إرادة الإنسان، لازدياد الحرارة في أعصاب الرأس، والحرارة تلازم شدة البطش ، ثم ذكر علیه السلام علة جميع ما ذكر، أو علة الأمر الأخير بقوله (فإنه أنبى للسيوف عن الهام) أي موجب لإبعاد سيف العدو، والذي افهم من هذا الكلام أنه كناية عن ما يلازم تلك الصفات أو الصفة الأخيرة من قوة الإنسان، وبعض الشراح فسروه بقولهم أنه إذا عض الإنسان على ناجذه كانت هامته اصلب على مقاومة السيف، فكان أنبي عنها وأبعد عن التأثير فيها .

(وأكملوا اللأمة) هي الدروع، أو مطلق آلات الحرب، وإكمالها، الإتيان بها كاملاً، لزيادة التهيئ للحرب (وقلقلوا السيوف) أي جربوها بالإخراج والإدخال مراراً (في أغمادها) جمع غمد وهو قراب السيف (قبل سلها) أي إخراجها في حال الحرب، وإنما يفعل ذلك لئلا يعصى السيف حال الحرب فلا يخرج من غمده فيكون الغلب للعدو حيث أنه مسلح، وهذا أعزل (والحظوا الخزر) الخزر النظر، ومعنى لحظ، إلقاء النظر قوياً نظر مغضب، فإنَّ الإنسان إذا لحظ لحظاً قوياً بخزر هاج غضبه فيكون أقدر على القتال (واطعنوا الشزر) الشزر هو الطعن في الجوانب يميناً وشمالاً، والمراد بذلك تكثير الطعن بالضرب يميناً وشمالاً، حتى يحمى وطيس الحرب ويكون التسلط لهم على الأعداء، فإنَّ الإنسان المهاجم بقوة يرهب العدو مما يوجب الظفر والنصر للإنسان والانهزام للعدو.

(ونافحوا بالظبا) النفح هو الضرب، وظبا جمع ظبية وهي طرف السيف وحده، ولعلّ هذا لأجل عدم الاقتراب كثيراً من العدو حتى يوجب انشغال

وَصِلُوا السيوفَ بِالْخُطَا، وَاعْلَمُوا أَنْكُمْ بِعَينِ اللهِ، وَمَعَ ابْنِ عَمُ رَسُولِ اللهِ. فَعَاوِدُوا الْكَرْ، وَاسْتَحْبُوا مِنَ الْفَرْ، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الأَعْقَابِ وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً،

.......................................

الإنسان ولا يتمكن من إبادة العدو، بل يكون المحارب بعيداً عن عدوه بقدر ما يصل إليه طرف سيفه لا سيفه أجمع، أو المراد المحاربة بالسيف دون الرمح والنبل فإنَّ المحاربة به أوجب لإلقاء الهزيمة في العدو (وصلوا السيوف بالخطا) أي تقدموا نحو العدو بخطوات وأنتم تضربونه بالسيف فإنَّه يوجب الهزيمة في العدو لما يجد من الجرأة والجسارة، ومن عادة الناس أن يهزموا إذا رأوا التصميم والإقدام (واعلموا أنكم بعين الله) أي أنه سبحانه ينظر إليكم وإلى أعمالكم، وذلك أوجب للإقدام، والخوف من الانهزام .

(ومع ابن عم رسول الله) صلی الله علیه و آله و سلّم أي إنكم مع الحق، والإنسان الذي علم أنه مع الحق يكون أربط جأشاً وأقوى قلباً، لأنه يعلم أنه إن قَتَلَ أو قُتل كان مصيره الجنة والثواب (فعاودوا الكر) بأن كلما رأيتم طرفاً من جيش جيش الأعداء اهجموا عليهم، وهذا مما يوجب النصر، لأن الاستمرار في العمل يضمن نجاحه (واستحيوا من الفر) أي لا تفروا أمام الأعداء واخجلوا من الفرار (فأنه) أي الفرار من الزحف (عار في الأعقاب) جمع عقب، فإنَّ الأولاد والأحفاد يعيرون بفرار آباءهم (ونار يوم الحساب) كما قال سبحانه: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ» (1)(وطيبوا عن أنفسكم نفساً) أي ادفعوا هذه النفوس لتأخذوها بدلها نفساً أخرى في يوم القيامة منعمة مكرمة.


1) سورة الأنفال: 16

وَامْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً، وَعَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ، وَالرِّوَاقِ المُطَنَّبِ، فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ في كِسْرِهِ، وَقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً وَأَخَرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً. فَصَمْداً صَمْداً حَتَّى يَنْجَلِي لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ

.......................................

(وامشوا إلى الموت مشياً سجحاً) بمعنى سهلاً، وهذا تحريض لهم على اقتحام غمار الحرب غير مبالين بالموت المحتمل، ومعنى السير السهل أن لا يكون فيه تباطؤ واحجام (وعليكم) أيها الناس (بهذا السواد الأعظم) المراد به جماهير أهل الشام الذين كانوا في ركاب معاوية، وذلك كناية عن اقتحام وسط الحرب لا التناوش من أطرافها وجوانبها فإنَّ إلقاء الإنسان في وسط الحرب أقرب لهزيمة الطرف (والرواق المطنب) الرواق الفسطاط، والمطنب بمعنى المشدود بالإطناب والمراد به خيمة معاوية والواقعة في وسط الجماهير (فاضربوا ثبجه) الثبج الوسط (فإن الشيطان كامن في كسره) أي في وسط هذا الرواق، والمراد به معاوية، أو أن المراد أن الشيطان إنما يبث كيده ومكره من هناك، والمراد بالكسر الشق الأسفل، ولعل وجه التخصيص بذلك أن الأوامر تصدر من شقوق الخيمة السفلى، فهو تمثيل لطيف .

(وقد قدم) الشيطان (للوثبة يداً) حيث يريد أن يقفز للأمام إذا وجد الفرصة، (واخّر للنكوص رجلاً) أي أنه ينظر إلى المعركة فإنَّ وجد هزيمة من الطرف وثب إلى الأمام، وإن وجد صلابة ارتد إلى الخلف، فإنَّ نكص بمعنى رجع (فصمداً صمداً) أي ثبوتاً ثبوتاً وهذا تحريض لهم على الثبوت وعدم الفرار من مقابلة العدو (حتى ينجلي لكم) أي يظهر (عمود الحق) أي وسطه القوي، فإنَّ المحن توجب الريب والشك في الحق فإذا انزاحت ظهر الحق جلياً لا غبار فيه ولا شبهة تعتريه.

وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ، وَاللهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ.

.......................................

(وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم) أي لا ينقصكم شيئاً من جزائها.

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

قالوا: لما انتهت إلى أمير المؤمنين علیه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم : قال علیه السلام : ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت منا أمير ومنكم أمير، قال علیه السلام : فَهَلاً احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلّم وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَيُتَجَاوزَ عَنْ مَسِيئِهِمْ؟

.......................................

التوضيح :

(قالوا لما انتهت إلى أمير المؤمنين علیه السلام أنباء السقيفة) التي اجتمع فيها جماعة من الناس (بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم) لإختيار الخليفة عليهم خلافاً لما أمر به الرسول من نصب علىَّ خليفةً على المسلمين من بعده.

(قال علیه السلام : ما قالت الأنصار؟) فقد اختلف في السقيفة المهاجرون والأنصار، كل يريد الخلافة لنفسه.

(قالوا : قالت) الأنصار: (منا أمير ومنكم) أيها المهاجرون (أمير).

(قال علیه السلام: فهلا احتججتم عليهم) أي على الأنصار، وهذه لفظة ردع وتأنيب .

(بأن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم وصّى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؟) والظاهر أن المراد من حديث الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم التجاوز عن الإساءة التي لا توجب حكماً شرعياً من حد أو تعزير أو ما أشبه - كما لا يخفى -.

قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟

فقال علیه السلام : لَوْ كَانَتِ الإِمَامَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ. فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشُ؟

قالوا : احتجت بأنها شجرة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم.

فقال علیه السلام : احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ .

.......................................

(قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم) أي كيف يحتج بهذا على الأنصار وكيف يكون كلام الرسولصلی الله علیه و آله و سلّم موجباً لبطلان إماراتهم التي أرادوها؟

قال علیه السلام (لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم) أي أن الإمارة لو حلت لهم، وصاروا أمراء لم يكن معنى لتوصية الرسول .. فإنَّ الوصية دائماً تكون للأمير بأن يراعي سائر الناس، فلو كان الأنصار أمراء، كان اللازم أن يوصيهم الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم بأن يعطفوا على الناس لا أن يوصي الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم بأن يُعطف عليهم .

ثم قال علیه السلام (فماذا قالت قريش)؟ أي المهاجرون، في جواب كلام الأنصار .

(قالوا : احتجت) لكونها أحق بالخلافة (بأنها شجرة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم) لأنه- من عشيرته، والعشيرة بعضهم أولى ببعض في الأمور، كما قال سبحانه «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ»(1).

(قال علیه السلام : احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) فالثمرة آل البيت وعلى


1) سورة الأنفال: 75

.......................................

راسهم الامام علیه السلام، یعنی أنه لو كانت الخلافة بالقرابة، لكان الإمام أحق بها من سائر قريش، لأن المقصود بالشجرة الثمرة، فاللازم أن تكون الخلافة له علیه السلام لا لغيره - وبهذا الكلام أبطل الإمام خلافة كل من الأنصار والمهاجرين -

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

لما قلد محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل

وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةً مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَلَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لما خَلَّىَ لَهُمُ الْعَرْصَةَ، وَلا أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ،

.......................................

التوضيح :

(لما قلّد محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل)

فقد كان الإمام أمير المؤمنين أرسل محمداً إلى مصر ليكون والياً عليها، وبعث معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في ستة آلاف فارس، فاقتتل الطرفان، وانهزم محمد لما قتل عسكره، وأوى إلى خربة، فارسل إليه عمرو من وجده هناك وقتله وأدخله جوف حمار ميت وأحرقه فبلغ الخبر الإمام علیه السلام فتأثر تأثراً كبيراً، وقال هذه الكلمة .

(وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة) دون محمد بن أبي بكر، فقد كان محمد شاباً قليل الخبرة، ولذا غلبه عمرو بمكره ودهائه (ولو وليته) أي هاشم (إياها) أي مصر (لما خلّى لهم العرصة) أي عرصة مصر، وأصل العرصة فناء الدار، وكل بقعة واسعة بين الدور (ولا أنهزهم الفرصة) أي لم تأتهم فرصة الغلبة على مصر واستلابها من محمد، ولعل الإمام علیه السلام، كان ولى محمد، ولم يولّ هاشماً لمحذور كان هناك، وهذا لا ينافي علمه بالواقع، وليس هذا تأسفاً بل إخباراً وقد جعل - قبله علیه السلام- رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم، خمسين من الرماة

بِلا دَمُ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً، وَكَانَ لِي رَبِيباً.

.......................................

على الشعب بأحد، فلم يمتثلوا أمره وأوجبوا تلك المصاعب العديدة له صلی الله علیه و آله و سلّم.

(بلا ذم لمحمد بن أبي بكر) أي أن ذلك ليس ذماً لمحمد، فإنَّ الإنسان إذا خانته الأقدار والظروف ليس مذموماً بعد أن بذل جهده، فقد ساعد في هزيمة محمد دهاء عمرو بن العاص ومكره، وكثرة موالي عثمان في مصر، حتی انضموا إلى جنود الشام وأوجبوا هزيمة أهل العراق من أتباع محمد والي الإمام (ولقد كان إليّ حبيبا) أي كان محمد محبوباً لدي لكونه مطيعاً لله والرسول ولقد كان من النُسّاك والزُهّاد على حداثة سنه (وكان لي ربيباً) أي ابن زوجتي فقد كانت [أسماء] زوجة [جعفر بن أبي طالب] وولدت له [عبد الله] ثم لما قتل علیه السلام تزوجها [أبو بكر بن أبي قحافة] فأولدها [محمداً] ولما مات أبو بكر، تزوجها الإمام علیه السلام، فكان محمد ربيب الإمام أي ابن زوجته.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

يوبخ فيه أصحابه

كُمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ، وَالرِّبَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ! كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبِ تَهَنَّكَتْ مِنْ آخَرَ، أَكُلَّمَا أَطَلْ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ

.......................................

التوضيح :

(كم أداريكم) المداراة المماشاة مع الطرف بحيث لا يعاقبه الإنسان ولا يقاطعه وإن أوجب ذلك - والناس دائماً منحرفون عن أي زعيم - وبالأخص إذا كان ملازماً للعدل والحق - وإنما الفرق أن الزعيم إذا كان معاشراً لهم ظهر له من انحرافهم ما يؤلمه، وإن لم يكن معاشراً لهم لم يظهر-، ولكن الزعماء الإلهيين لا بد لهم من معاشرة الناس لتقويمهم، فتبقى توجيهاتهم عبر الأبد (كما تداري البكار) جمع بكر وهو الفتى من الإبل (العمدة) وهو الإبل الذي انفضح باطن سنامه لكن ظاهره سلم، فإنَّ الإنسان يداري هذه الإبل لئلا تكثر جراحها، وهكذا كان الإمام يداري أصحابه الذين سلمت ظواهرهم وامتلات بالنفاق بواطنهم (والثياب المتداعية) أي الخرقة التى قد انخرقت، فإنَّ الإنسان لا يقدر أن يلبسها كما يلبس البزة الجديدة، فلا مبالاة ولا مداراة .

(كلما حيصت) أي خيطت تلك الثياب (من جانب) من جوانبها المشقوقة (تهتكت) أي تخرقت (من) جانب (آخر) لتداعيها وتهالكها (أكلما أطل عليكم) أي أشرف عليكم (منسر) هو القطعة القطعة من الجيش من الجيش التي تتقدم أمام

مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَانْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ في جُحْرِهَا، وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا .

الذَلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ! وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلِ . وَإِنَّكُمْ - واللهِ - لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ،

.......................................

الجيش الكثير (من مناسر أهل الشام) فقد كان معاوية يوالي إرسال الجيوش لغزو أطراف بلاد الإمام علیه السلام الإدخال الرعب في قلوب شيعته (أغلق كل رجل منكم بابه) كناية عن تخفيه خوفاً من أن يُرى فيكلف الجهاد والذهاب لرد العادية (وانجحر) بمعنى دخل في الجحر (انجحار الضبة) هي نوع من حيوان البر شبية بالقط - نوعاً ما - (في جحرها) أي ثقبها، فإنَّها إذا رأت الإنسان خافت واختفت في دارها التي حفرتها في جوف الأرض (و) تخفي (الضبع) هو حيوان سبع (في وجارها) أي بيتها ويقال لبيت الضبع وجار .

(الذليل - والله - من نصرتموه) لأن نصرتهم كانت قليلاً تغني فكان الذي ينصروه بتلك النصرة الضئيلة ذليلاً لتغلب الأعداء عليه (ومن رمى بكم) أي من جعلكم كالسهم يرمي به أعدائه (فقد رمى بأفوق ناصل) الأفوق من السهام ما كسر فوقه أي موضع الوتر منه والناصل العاري من النصل - وهو حديدة الرمح التي ترتكز في الخشب وتدخل في الإنسان لدى رميه بالسهم - ومن المعلوم أن السهم إذا كان مكسور الفوق عارياً عن النصل لم يؤثر في الرمية - (وإنكم - والله - لكثير في الباحات) جمع باحة وهي الساحة (قليل تحت الرايات) جمع راية وهي العلم الذي يرفع للقتال أي أنكم لكثرتكم تملؤون كل ساحة أما إذا كان وقت القتال تفرون فلا يوجد منكم إلا القليل.

(وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم) الأود الاعوجاج،

وَلكِنِّي لا أَرَى إِصْلَاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي، أَضْرَعَ اللَّهُ خُدُودَكُمْ، وَأَتَعَسَ جُدُودَكُمْ! لا تَعْرِفَوْنَ الْحَقِّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِل، وَلا تُبْطِلُونَ الْبَاطِل كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ!

.......................................

و مراده علیه السلام بذلك السيف والشدة، فإنَّ الناس يعتدلون إذا رأوا الشدة من الحكام والاستبداد، كما تمكن الحَجاج من الحكم في أهل الكوفة عشرين سنة، لما كان عليه من الشدة وأخذ البريء والسقيم والإسراف في الدماء، وهكذا غيره ممن جعل الشدة لنفسه ديدنا (ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي) فإنَّ الجنوح إلى سياسة الشدة يوجب الظلم المفسد للظالم إذ يفسد عليه دنياه وآخرته فإن قلت كيف ينبغي أن يعمل الرئيس؟ قلت - العدل وإنما لم يستقم الأمر للإمام لأنه جاء عقيب فساد شامل وبعد الثورات - غالباً - لا يستقم الأمر للرؤساء.

(أضرع الله خدودكم) أي أذل وجوهكم، وهذا دعاء عليهم بالذلة والهوان وقد استجيب دعاء الإمام علیه السلام (وأتعس جدودكم) التعس : الانحطاط والهلاك، وجدود: جمع جد بمعنى الحظ، أي أحطها حتى لا يكون لكم حظ من السعادة والرفاه (لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل) وهذا كناية عن عدم اتباعهم للحق، فإنَّه لو عرف الإنسان الحق لأتبعه، أما إذا لم يتبعه كان كمن لم يعرفه (ولا تبطلون الباطل) أي لا تمحقونه وتعدمونه (كإبطالكم الحق) وقد ملأوا قلب الإمام علیه السلام هما وقيحاً من جراء أعمالهم الباطلة مما أوجب أن يدعو عليهم ويوبخهم بهذه الجمل.

وَقَالَ علیه السلام

في سحرة اليوم الذي ضرب فيه

مَلَكَثْنِي عَيْنِي وَأَنَا جَالِسٌ، فَسَنَحَ لي رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلّم، فَقُلْتُ : يَا رِسُولَ اللهِ، مَاذَا لَقيتُ مِنْ أُمَتِكَ مِنَ الأَوَدِ وَاللَّدَدِ؟

.......................................

التوضيح :

السحرة - السحر الأعلى القريب من الفجر(ملكتني عيني وأنا جالس) أي غلبني النوم في حال جلوسي - وهذا كناية لطيفة، فإنَّ الإنسان اليقظ يملك عينه إذ يديرها كيفما أراد، أما الإنسان النائم فإِنَّ عينيه تملكه إذ تسيطر عليه فلا يتمكن من فتحها وغمضها وإرسالها كيف شاء - (فسنح) أي ظهر في المنام (لي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم) وقد كان رؤيته للرسول صلی الله علیه و آله و سلّم حقيقة فإنَّ الشيطان لا يتمثل بالرسول والأئمة كما في بعض الأحاديث، وإن وردت أحاديث آخر بخلاف ذلك - كما في الوسائل - (فقلت يا رسول الله : ماذا لقيت من أمتك من الأود واللد الأود) : الاعوجاج، واللد : الخصومة، وهذا استفهام لبيان الانزعاج والاشمئزاز، وإضافة الأمة إلى الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، ليس في معرض التهوين - كما قد يقول الإنسان ذلك في معرض توهين المضاف إليه - بل في مقام التعجب عن انحراف المضاف، بأنهم كيف انحرفوا مع أن مؤهلات الاستقامة موجودة فيهم لأنهم من أمة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم .

فَقَالَ : (ادْعُ عَلَيْهِمْ) فَقُلْتُ : أَبْدَلَنِي اللهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَراً لهم مِني.

قال السيد الشريف رحمه الله يعني بالأود : الاعوجاج . . . وباللدد الخصام، وهذا من أفصح الكلام.

.......................................

(فقال) صلی الله علیه و آله و سلّم في المنام (ادع) يا علي (عليهم) جزاء لسوء أعمالهم (فقلت أبدلني الله بهم) الباء للبدل، أي عوضاً عنهم (خيراً منهم) وهذا لا يدل على وجود الخير فيهم، فإنَّ مثل هذا اللفظ كناية عن الخلاص إلى الخير، وإن كان الأصل فيه التفضيل (وأبدلهم بي) أي أعطاهم بدلاً مني (شراً لهم مني) وهذا أيضاً منسلخ فيه معنى الفضل، فلا يدل على وجود شر في الإمام علیه السلام، وقد استجاب الله سبحانه دعاء الإمام علیه السلام، حيث قتل الإمام فالتحق بالرفيق الأعلى - الذي هو خير له منهم - كما سلط عليهم معاوية الذي هو شر لهم قال سبحانه «خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيَّا»(1)وقال بالنسبة إلى أصحاب النار «شَرٌّ مَكَانًا»(2).

قال السيد الشريف رحمة لله [يعني بالأود: الاعوجاج ... وباللدد :الخصام، وهذا من أفصح الكلام] فإنَّ المعوج المخاصم من أشد البلاء .


1) سورة مريم : 73 .

2) سورة المائدة : 60 .

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

في ذم أهل العراق

أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِل، حَمَلَتْ فَلَمَّا أتَمَّتْ أَمْلَصَتْ

.......................................

التوضيح :

• في ذم أهل العراق -

لقد كان الإمام علیه السلام يبين مقدار علمه، بأنه لو ثنيت له الوسادة لحكم بين كل طائفة حسب مذهبهم، وأنه يتمكن من الجواب عن كل سؤال - ذلك لبيان منزلته التي خصها الله سبحانه به - فكان المنافقون من أصحابه يكذبونه، وفي إحدى المناسبات أنشأ هذه الخطبة .

(أما بعد) أي مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة - كما تقدم - (يا أهل العراق) ومن المعلوم أن مثل هذه المخاطبات - ذماً أو مدحاً - إنما يراد بها فئة خاصة من الناس لا كلهم، وإنما يخاطب بالعام، لأن السكوت والموافقة - غالباً - دليلان للرضا (فإنما أنتم كالمرأة الحامل) لا تدخل تاء التأنيث في الحامل والحائض لعدم الاشتراك في هذين الوصفين بين الرجل والمرأة فلا احتياج للتاء الفارقة (حملت فلما أتمت) الحمل بأن أنقضت المدة (أملصت) أي ألقت ولدها ميتاً .

وَمَاتَ قَيْمُهَا، وَطَال تأيُّمُها وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا. أَمَا وَاللهِ مَا أَتَيْتُكُمُ اخْتِيَاراً، وَلَكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً. وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونُ : عَلِيُّ يَكْذِبُ، قاتَلَکُمُ اللهُ.

.......................................

(ومات قيمها) أي القائم بأمور معيشتها وحفظها وهو الزوج، (وطال تأيمها) أي خلوها عن الزوج فإنَّ [الأيم] المرأة أو الرجل الذي لا زوج لهما، وجمعه [أيامي] كما قال سبحانه «وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ»)(1)(وورثها) حين ماتت (أبعدها أي الأباعد، إذ لا زوج لها ولا ولد، حتى يكون إرثها للقريب سبباً أو نسباً، فهي في حالتي الحياة والممات مضاعة مهانة.

ووجه الشبهة بين الطرفين أن أهل الكوفة حاربوا مع الإمام أهل صفين حتی إذا قرب النصر التجأوا إلى التحكيم الذي أوجب لهم ذلاً في المستقبل حين حياة الإمام - بغارات أهل الشام - وبعد مماته، فالإمام وهو القيّم لهم قتل، والنصر الذي كان كالولد كفيلاً بتأمين سعادة مستقبلهم وعزهم واستقلالهم وعدم ذلهم تحت لواء ،معاوية، فقدره، بسوء صنيعهم في قصة التحكيم، واغترارهم بمكيدة معاوية .

(أما والله) حرف تنبيه (ما أتيتكم) أي ما جئت إليكم يا أهل العراق - من الحجاز - (اختياراً) بأن اختار مجاورتكم على جوار الحجاز (ولكن جئت إليكم سوقاً) فلولا وقعة الجمل، وأن طلحة والزبير وعائشة جاءوا إلى العراق يفسدون أهلها، ما جاء الإمام إلى هنا (ولقد بلغني أنكم تقولون : عليّ يكذب) فيما يخبر به، وفيما يدعي أنه يعلم الغيب - بما حباه الله به سبحانه - (قاتلكم الله) هذا دعاء عليهم بالموت وإنما جيء من باب المفاعلة، لأن


1) سورة النور : 32

فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ؟ أَعَلَى اللهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ! أَمْ عَلَى نَبِيْهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ كَلاً وَاللهِ ولَكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا

.......................................

الأصل في القتل في الحرب أن يكون من الجانبين، لأن كلِّ يريد قتل الآخر، أو شبه إرادة الله موتهم، وإرادتهم عدم موتهم بالمقاتلين الذين يريد أحدهما قتل صاحبه ويريد الصاحب قتله.

(فعلى من اكذب)؟ هذا بيان لعدم الداعي على الكذب (أعلى الله) أكذب؟ (فـ) لا يمكن هذا إذ (أنا أول من آمن به) والمؤمن والمكذب طرفا نقیض (أم على نبيه) محمد صلی الله علیه و آله و سلّم؟ (فأنا أول من صدقه) والمصدق والمكذب لا يجتمعان .

وكأن المراد أن كونه علیه السلام أول مؤمن بالله ومصدق برسوله، دال على قوة إيمانه والقوي لا يهوي في مهوى الكذب، وإلا فمجرد أوليته في شيء لا يلازم عدم الكذب بعد ذلك لمصالح في نظر الكاذب، كما أن الظاهر كون المراد أن إخباراته عن الغيب وما أشبه أما عن الله أو عن الرسول فلو كان كلامه كذباً لكان افتراء على أحدهما، وهو مناف لكونه علیه السلام أول مؤمن مصدق - بالتقريب المتقدم - فلا مجال لأن يقال أن كونه كاذباً في إخباراته لا يلازم كونه كاذباً على الله أو الرسول، حتى يكون إبطاله كونه كاذباً على أحدهما إبطالاً لكونه كاذباً (كلا والله) ليس الأمر على ما زعمتم من أني كاذب (ولكنها) الضمير يعود إلى (لهجة) المتأخرة باعتبار ما يفهم من الكلام السابق: من إخباراته علیه السلام.

(لهجة غبتم عنها) أي ضرب من الكلام الذي يلهج - أي يتكلم - به، متصفة بأن السامعين غابوا عنها حين علمها الإمام من كلام الله والرسول صلی الله علیه و آله و سلّم وكل غائب عن شيء لا يدركه - وليس الشاهد كالغائب -

وَلَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا. وَيْلُمْهِ كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ، لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ، وَلَتَعْلَمُنَّ نبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ .

.......................................

(ولم تكونوا من أهلها) فإنَّ الإمام يعرف كليات الأمور ويقدر على تطبيقها على المصاديق والجزئيات أما من سواه فليس من أهل ذلك، وقد قال علیه السلام [ علمني رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ألف باب من العلم ينفتح من كل باب ألف باب].

فكأن الجملة الأولى - أي لهجة غبتم - للألف المعلّم، والجملة الثانية - أي لم تكونوا - للمليون المنفتح من ذلك الألف (ويلّمه) أصل هذه الكلمة [ويل أمة] وهو دعاء على الشخص، بأن يموت حتى تصاب أمه بمصيبة، نحو [ثكلته أمه] وكأن المراد دعاء على من يقول : بأن الإمام يكذب، بأن تصاب به أمه (كيلاً بغير ثمن) أي يكيل الكلام جزافاً، كما إذا كال شخص مالاً بغير ثمن، أو المراد أن الإمام يكيل لهم الكلام الحسن من الإخبارات الغيبية والعلوم بدون أن يأخذ منهم بدلاً وثمناً، ذلك ومع هم يكذبونه (لو كان له وعاء) أي لو كان لهذا العلم الذي أفيضه عليهم حملة يعونه ويقبلونه برحابة صدر وتصديق، وجواب لو محذوف أي لأفدتهم من العلوم كثيراً، لكن لا وعاء صالح له أو هو متعلق بـ [كيلا] أي الكيل بغير ثمن لو أجد له وعاءً (ولتعلمنّ نبأه بعد حين) أي صدق ما أقول بعد ،زمان، وكان كما قال علیه السلام، فكل إخباراته ظهر صدقها ولكن بعد فوات الأوان.

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

علم فيها الناس الصلاة على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم

اللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحَوَاتِ وَدَاعِمَ الْمَسْمُوَكَاتِ وَجَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فطْرَتهَا شَقِيْهَا وَسَعِيدِهَا.

.......................................

التوضيح :

(اللهم) أصله [يا الله] حذف حرف النداء، وعوض عنه الميم (داحي المدحوات) أي باسط الأشياء المبسوطة، والمراد منها الأرضين فإنَّها منبسطة صالحة للسكنى والزراعة وما أشبه (وداعم المسموكات) من سمك يمعنى رفع، والمراد من المسموكات السماوات التي رفعت عن الأرض في النظر، وإن كانت محيطة بالأرض في الواقع، والدعم بمعنى الحفظ والإقامة، كما قال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا»(1)، (وجابل القلوب على فطرتها) جبل بمعنى خلق، والفطرة هي كيفية الخلقة التي يسير المخلوق عليها في دور كونه في هذه النشأة، أي أنه سبحانه خلق القلوب كلّاً بفطرة خاصة وكيفية مخصوصة.

(شقيّها وسعيدها) أي سواء كانت القلوب شقية أو سعيدة فإنَّه سبحانه هو الذي خلقها وإنما الشقوة والسعادة طرأت عليها بعد أن خلقها سبحانه مختارة تقدر على اكتساب أيّ الأمرين.


1) سورة فاطر: 41

اجْعَلْ شَرَائِفِ صَلَوَاتِكَ، وَنَوَامِي بَرَكاتِكَ، عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْخَائِمِ لِما سَبَقَ، وَالْفَاتِحِ لِمَا انْفَلَقَ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بالحقِّ، وَالدَّافِع جَيْشَاتِ الأَبَاطِيل،

.......................................

(اجعل) يا الله (شرائف صلواتك) الصلاة هی العطف وتلك من الله سبحانه إنزال الرحمة، وشرائفها هي الرحمات الوسيعات، فإنَّ للرحمة أنواعاً وألواناً بعضها فوق بعض (ونوامي بركاتك) البركة هي الخير المستقر من برك الإبل إذا نام، في مقابل الخير الزائل، والنوامي جمع نامية، وهي الخير الذي ينمو ولا يبقى جامداً لا يزيد (على محمد عبدك ورسولك) وكأن تقديم العبد للاعتراف بكونه مملوكاً له ،سبحانه، زيادة في تمجيده سبحانه (الخاتم لما سبق) من النبوات ورسالات السماء، فإنّه صلی الله علیه و آله و سلّم ختمها لا نبي بعده كما قال سبحانه «وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ»(1).

(والفاتح لما انغلق) فقد كانت القلوب منغلقة بالضلال لا يدخل فيها الحق ولا يخرج منها الخير، كما أن أبواب السعادة كانت منغلقة، وإنما فتحها الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، بمناهجه وتعاليمه (والمعلن الحق بالحق) فإنَّ الشخص قد يعلن الحق بالباطل، بأن يجعل الباطل وسيلة لإظهار الحق، وقد يجعل الحق وسيلة لإظهار الحق، مثلاً قد يدعي مشتري الدار من زيد - لدى الترافع - بأنه ورثها من آبائه حتى يصل إلى حقه الذي هو ملكية الدار، وقد يقول أنه اشتراها من زيد ويقيم البرهان عليه (والدافع جيشات الأباطيل) جيشات جمع جيشة من جاش القدر إذا ارتفع غليانه، وأباطيل جمع باطل، كأن الأباطيل كانت تغلي وتفور فدفعها الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم.


1) سورة الأحزاب: 40.

وَالدَّامِعْ صَوْلاتِ الأَضَالِيلِ، كَمَا حُمْلَ فَاضْطَلَعَ، قَائِماً بِأَمْرِكَ، مُسْتَوْفِرًا فِي مَرْضَاتِكَ، غَيْرَ نَاكِل عَنْ قُدم، وَلاَ وَاهِ في عَزْمِ، وَاعِياً لِوَحْيِكَ، حَافِظاً لِعَهْدِكَ، مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْركَ حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ

.......................................

(والدامغ) من دمغه بأن ضربه على رأسه حتى بلغ دماغه (صولات الأضاليل) الصولة هي السطوة، وأضاليل جمع ضلال، فإنَّ للضلال سطوةً وهجوماً، والرسول صلی الله علیه و آله و سلّم دمغها حتى لا تتحرك ولا تبدي حياة (كما حمّل فاضطلع) أي فعل تلك الأمور السابقة من الختم والفتح والإعلان والدفع والدمغ - كما حمّل - أي كما حمّله الله سبحانه وأراد منه بغير زيادة أو نقصان، والاضطلاع النهوض بالأمر، بكل قوة وقدرة، من الضلاعة بمععنی القوة (قائماً) أي في حال كونه صلی الله علیه و آله و سلّم قائماً (بأمرك) وهذا كناية عن أداء الأمر، فإِنَّ الإنسان القائم يتمكن من العمل أكثر من الإنسان القاعد (مستوفزاً) أي مسارعاً مستعجلاً (في مرضاتك) أي رضاك، فإنَّ المرضاة مصدر ميمي (غير ناكل) الناكل الذي ينكص ويتأخر (عن قدم) القدم بمعنى المشي إلى الحرب وقد يستعمل في مطلق الإقدام تشبيهاً .

(ولا واه في عزم) الواهي الضعيف، أي لم يكن عزمه ضعيفاً حتى يتردّد في الإقدام والإحجام، أو السكوت والكلام (واعياً) أي فاهماً فهماً صحيحاً (لوحيك) فلا يكون بليداً في فهمه أو ناسياً له (حافظاً لعهدك) والمراد به الأحكام، فإنَّه سبحانه عهد إلى الرسول بتبليغ الأحكام وإرشاد الأنام (ماضياً على نفاذ أمرك) أي عاملاً لتنفيذ أمر الله وتطبيقه في الناس بلا مبالاة أو تلكّوء (حتى أورى) أي أظهر الضياء من أورى الزند بمعنى قدحه حتى خرج ناره (قبس القابس) القبس : شعلة من النار، والمقابس الذي يطلب النار، أي أن الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم. أظهر شعلة النار لمن أراد أخذها وهذا كناية عن أنه صلی الله علیه و آله و سلّم

وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ، وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ، وَأَقَامَ مُوضِحَاتِ الأَعْلامِ وَنَيْرَاتِ الأَحكام، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَخَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ،

.......................................

أظهر متطلبات الذين يريدون الحق .

(وأضاء الطريق للخابط) الخابط : هو الذي يسير ليلاً في الظلام على غير هدىّ، خارجاً عن الجادة، فقد كان الناس في الجاهلية يخبطون ولا يرون طريق الحق، فأضاء لهم الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم الطريق، حتى أخذوا يسيرون في طريق السعادة .

(و هدیت به) صلی الله علیه و آله و سلّم (القلوب) نسبة الهداية إلى القلوب لأنها مركز الهداية ومبعثها (بعد خوضات الفتن) خوضات : جمع خوضة، وهي الولوج في الشيء، كأن القلوب كانت تخوض في الفتن مرة بعد مرة، فنجت ببركة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم عن الخوض، والفتنة هي الأمر المشتبه الذي يوجب شقاء الدنيا والآخرة (وأقام) صلی الله علیه و آله و سلّم (موضحات الأعلام) أي الأعلام الموضحة للطريق، من إضافة الصفة إلى الموصوف، أعلام جمع علم هو الشيء المنصوب الذي يعرف به الطريق، أو كل شيء يدل على أمر كالراية في الحرب، واسم الشيء الذي هو علم له وهكذا (ونيّرات الأحكام) أي الأحكام النيرة بمعنى الواضحة لا كالأحكام المنحرفة التي هي مبهمة الوجه غير مطابقة الحقّ (فهو) صلی الله علیه و آله و سلّم (أمينك) اللهم (المأمون) الذي لا يخون في أداء الرسالة الملقاة على عاتقه (وخازن علمك المخزون) لقد كان علم الله سبحانه وتعالى بالشريعة وطريق السعادة مخزوناً محفوظاً لديه سبحانه، ثم حمّله تعالى سول صلی الله علیه و آله و سلّم، فصار الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم بذلك خازناً وحافظاً لهذا العلم، كخازن المال، الذي بيده خزينته أي محلّ حفظه وإيداعه.

وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيتُكَ بِالْحَقِّ، وَرَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ. اللَّهُمُ افْسَخ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلكَ، وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ. اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بَنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ،

.......................................

(وشهيدك) أي الذي تستشهد به على الناس كما قال تعالى «وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»(1)(يوم الدين) الدين بمعنى الجزاء، والمراد به يوم القيامة، إذ يستشهد بالرسول صلی الله علیه و آله و سلّم في ذلك اليوم لمن آمن وعمل صالحاً، وعلى من كفر أو عمل سيئاً (وبعيثك بالحق) أي الذي بعثته وأرسلته، إرسالاً بالحق، مقابل إرسال الظلمة رسلهم بالباطل ، (ورسولك إلى الخلق) أي الذي أرسلته إليهم لهدايتهم، والمراد بالخلق أما العام أو الإنس والجن فقط (اللهم افسح له) أي للرسول (مفسحاً) أي محلاً فسيحاً واسعاً (في ظلك) المراد به الآخرة، وهذا دعاء بأن يعطي الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم هناك أماكن رحمة وقصوراً واسعة، و[ظلك] كناية فكما أن الإنسان إذا ذهب في ظل شيء عند الهاجرة يستريح، كذلك من كان تحت لطف الله وعنايته فإنَّه يستريح من

الأتعاب والأوصاب (واجزه مضاعفات الخير) أي الخير المضاعف وهو الذي يماثل أضعاف أجر الإنسان (من فضلك) فإن إعطاء الأجر من الله سبحانه فضل، إذ لا يستحق الإنسان في مقابل عمله شيئاً، فكيف بمضاعفات الخير؟ (اللهم أعل على بناء البانين بناءه) هذا كناية على إظهار دينه على سائر الأديان حتى يكون دينه أرفع في الأنظار من أديانهم، كما أن البناء الأرفع يكون أعلى من سائر الأبنية، (وأكرم لديك منزلته) بأن تكون له منزلة ومقام كريم، يكرم صاحبها (وأتمم له نوره) أما كناية عن الارتفاع، فكما أن الأتم نوراً - من


1) سورة البقرة : 143

وَاجْزِهِ مِنِ ابْتِعَاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ، وَمَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ، ذَا مَنْطِقِ عَدْلٍ، وَخَطَّةٍ فَصْلِ،

.......................................

المصابيح - يكون أظهر وأرفع، كذلك الذي يلطف به سبحانه بجزيل لطفه، وأما حقيقة بأن يراد إعطاء النور - بمعناه اللغوي - وهذا إشارة إلى قوله تعالى «أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا»(1)والمراد بالإتمام إعطاء النور التام بالقدر اللائق بالمعطى له (واجزه من إبتعاثك له) أي أعطه جزاء بعثته، فإنَّ لرسول الشخص جزاءَ في مقابل تعبه (مقبول الشهادة) أي اجعل جزاء بعثك له: أن تقبل شهادته فيما يشهد به، وهذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي اجعل جزاءه الشهادة المقبولة.

لا يقال أن الله سبحانه يفعل ذلك بدون دعاء الداعي، فالداعي من قبيل تحصيل الحاصل؟ الأنا نقول، الظاهر أن المراد بمثل هذا الدعاء التعميم في الأمر، بأن يكون المعطى أعم وأشمل ، ولا منافاة بين إعطاءه سبحانه له صلی الله علیه و آله و سلّم أصل هذه الأمور بالاستحقاق وإعطاءه له صلی الله علیه و آله و سلّم الزائد بالدعاء، ولذا قال المحققون : أن التصلية توجب رفعة درجة الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم، فإنَّ ألطاف الله سبحانه لا آخر لها، فكلما صلى عليه مصلّ رفعت درجته (ومرضيَّ المقالة) بأن يكون قوله مرضياً عند الله يرتب عليه الأثر، وهذا إما اعم من [مقبول الشهادة] أو المراد به ما يقابل ذلك من سائر الأقوال التي لا ترتبط بالشهادة (ذا منطق عدل) أي في حال كونه صلی الله علیه و آله و سلّم ذا كلام مستقيم فليس جزاءه صلی الله علیه و آله و سلّم بـ[مقبول الشهادة ومرضي المقالة] اعتباطاً، وهذا كما يقول أحدنا للآخر:، إقبل كلام زيد فإنه صادق (وخطة فصل) أي أن طريقته في القول والعمل


1) سورة التحريم: 08

اللّهُمَّ اجْمَعُ بَيْنَنَا وبينه فِي بَرْدِ العيش وَقَرَارِ النّعمَةِ، وَمُنَى الشَّهَوَاتِ، وَأَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ، وَرَخَاءَ الدَّعَة وَمُنْتَهَى الطَّمَانِينَةِ، وَتُحَفِ الْكَرَامَةِ .

.......................................

فصل بين الحق والباطل يفصل بينهما فلا يلتبس أحدهما بالآخر، ولا يلبس الحق بالباطل .

(اللهم اجمع بيننا وبينه في برد العيش) البرد مقابل الحرب، تقول العرب عيش بارد أي لا حرب فيه، أو مقابل الحر، وحيث أن الحر يؤذي غالباً، جُعل كناية عن الأذية، والمراد بذلك الجنة إذ لا حرب فيها ولا أذى، وهذا دعاء لالتحاق الداعي بالرسول صلی الله علیه و آله و سلّم في الجنة .

(وقرار النعمة) أي النعمة القارة التي لا زوال لها (ومنى الشهوات) المنى: ، جمع أمنية، وهي ما يتمناها الإنسان من ألوان الراحة والسعادة، والشهوات ما يشتهيها الإنسان (وأهواء اللذات) فإنَّ الإنسان يهوى اللذة (ورخاء الدّعة) الدّعة: سكون النفس واطمئنانها بالخير، وفي ذلك رخاء، لاضيق ولاضنك فيه (ومنتهى الطمأنينة) أي واطمئنان واستقرار النفس، والجنة منتهى ذلك، إذ لا زوال لها ولا اضمحلال (وتحف الكرامة) جمع تحفة، وهي ما يتحف به الإنسان، من الأشياء الثمينة النادرة.

وَمِنْ کَلاَمٍ لَهُ علیه السلام

قاله لمروان بن الحكم بالبصرة

قالوا : أُخِذَ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل، فاستشفع الحسن والحسين علیهما السلام إلى أمير المؤمنين علیه السلام، فكلماه فيه، فخلى سبيله، فقالا له : يبايعك يا أمير المؤمنين؟ فقال عالم علیه السلام : أَوَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ؟ لاَ حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ! إِنَّهَا كَفْ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبْتِهِ. أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ،

.......................................

التوضيح :

(أولم يبايعني بعد قتل عثمان)؟ هذا استفهام إنكاري لبيان أن بيعته لا تنفع ولا تقف دون غدره إن أراد الغدر، فإنَّه قد بايعني بعد قتل عثمان، ومع ذلك غدر وخرج محارباً، وأية قيمة لمثل هذه البيعة الغادرة؟ . (لا حاجة لي في بيعته) فإنَّ بيعته وعدمها سواء (إنها كف يهودية) تشبيه لكف مروان بكف اليهود، حيث من طينتهم الغدر والخيانة لا يستقيمون على عهدهم (لو بايعني بكفه لغدر بسبته) السبّة: الأست، قالوا أن سفهاء أهل الجاهلية كانوا إذا بايعوا أحداً وعهدوا معه ثم أرادوا نقضه حبقوا وأشاروا إلى مقعدهم، وهذا بیان لسفالة مروان حتى أنه كأولئك لا تنفع بيعته (أما) للتنبيه (إن له إمرة) أي إمارة على المسلمين (كلعقة الكلب أنفه) هذا تصوير لقصر مدة إمارة مروان، والمراد بلعقة أنفه لحسه إياه، والتشبيه بذلك لكونه في معرض الذم، وقد ذكر

وَهُوَ أَبو الأكْبُش الأَرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَى الأُمَّةُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ!

.......................................

المؤرخون أن مراون بويع بعد يزيد بن معاوية، وكانت مدة إمرته أربعة أشهر وعشرة أيام أو ستة أشهر.

(وهو أبو الأكبش الأربعة) أكبش جمع كبش، وهو رئيس القوم، شبه بكبش الغنم الذي يتقدم عليه، فقد تولى أربعة أولاد لمروان الولايات فولي عبد الملك بن مروان الخلافة ومحمد بن مروان الجزيرة وعبد العزيز بن مروان مصر وبشر بن مروان العراق، ويمكن أن يراد بالأكبش أولاد عبد الملك بن مروان فقد كان لعبد الملك أربعة أولاد كلهم ولوا الخلافة أحدهم بعد الآخر، وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام أبناء عبد الملك بن مروان، ولم يتفق في الخلافة قبلهم وبعدهم أربعة أخوة ولوها تباعاً (وستلقى الأمة) الإسلامية (منه) أي من مروان (ومن ولده يوما أحمر) كناية عن كثرة ظلمهم وسفكهم للدماء، وقد كان كما قال الإمام علیه السلام، ويكفي أن يعرف الإنسان أن الحجاج وهو والي أحدهم على العراق قتل من المسلمين مائة وعشرين ألفاً مع قطع النظر عن سجونه المرعبة التي كانت تحتوي على ثمانين ألف إنسان .

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

لما عزموا على بيعة عثمان

لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي، وَوَاللَّهِ لأَسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةً

.......................................

التوضيح :

(لقد علمتم) الظاهر كون الخطاب موجهاً إلى أصحاب الشورى الذين رشحوا عثمان للخلافة دون الإمام علیه السلام (أني أحق الناس بها) أي الخلافة (من غيري) وذلك لنص رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم عليه، بالإضافة إلى مؤهلاته الشخصية التي لم يكن ولا بعضها في سواه (ووالله لأسلمنّ) أي أكون مسالماً في مقابل المحارب (ما سلمت أمور المسلمين) أي ما دامت أمور المسلمين تجري على ظواهر الإسلام (ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة) فإنَّ انتزاع الخلافة من الإمام علیه السلام كان له مضرات ثلاث :

الأولى - كونه جوراً على الإمام.

الثانية - كونه جوراً على المسلمين حيث حرموا من عدل الإمام وفضله.

الثالثة - ما رافقه من أقسام الجور على الأمة كضرب من لا يستحق الضرب وأخذ مال من لا يستحق أخذ ماله وهكذا .

لكن الإمام علیه السلام تنازل عن حقه الشخصي بالنسبة إلى نفسه وبالنسبة إلى

الْتِمَاساً لأجرِ ذلك وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ

.......................................

حرمان المسلمين حيث كانت ظواهر الإسلام محفوظة وحيث إنه لم يكن يقدر على النهوض إلا بإيجاد انشقاق داخلي بين المسلمين ربما أودى بالإسلام نفسه، أما ما رافق الأمر من الجور والخروج عن خطة الإسلام فكان الإمام يعارض ويحارب كما فعل في زمن معاوية، ولا يقال أن المنصب للإمام الهي فلا يصح التنازل عنه، لأن التنازل إذا كان اعتباطا كان خلافاً للشريعة أما التنازل إذا لم يجد الإمام أنصاراً كافين وكان القيام ذا خطر أكبر فالتنازل هو المتعين لترجيح أقل الضررين.

(التماساً لأجل ذلك وفضله) أي أن تسليمي إنما هو رجاء أن يعطيني الله سبحانه لهذا العمل الذي هو للإبقاء على الإسلام أجراً وفضلاً (وزهداً) أي ولأجل الزهد والنفور (فيما تنافستموه من زخرفه) تشبيه للخلافة بالذهب الذي يتنافس فيه الناس (وزبرجه) هو الزينة أي أني زاهد فيما يتنافس فيه أهل الشورى من المنصب والمال التابعين للخلافة .

وَمِنْ کَلامٍ لَهُ علیه السلام

لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان

أَوَ لَمْ يَنْهَ بَنِي أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفي؟ أَوَ مَا وَزَعَ الْجُهَّالُ سَابِقَنِي عَنْ تُهُمَتِي! وَلَمَا وَعَظَهُمُ اللهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِي .

.......................................

التوضيح :

فقد تذرع معاوية وذويه إلى اتهام الإمام بدم عثمان ليجدوا مبرراً لقتاله وخلع طاعته، طاعته طمعاً منهم في الملك والسيطرة .

(أو لم ينه بني أمية علمها بي) علمها فاعل، وأمية مفعول، والمراد بـ [أمية] بنو أمية، فإنَّ القبيلة كثيراً ما يطلق عليها اسم جدها الأعلى، والمعنى أن علم بني أمية بي لم ينههم (عن قرفي) أي عن أن يعيبوني، فإنَّ القرف بمعنى العيب، وهذا استفهام استنكاري، أي كيف يعيبني بنو أمية وهم يعلمون براءتي من دم عثمان، وتحرجي من إراقة الدماء؟ (أو ما وزع الجهال) أي منع جهال بني أمية (سابقتي) في الإسلام والتحرج عن العصيان وارتكاب المآثم وما ينافي الفضيلة [وسابقتي] فاعل [وزع] [عن تهمتي] أي اتهامي بدم عثمان، ثم الإمام عليه السلام سلّى نفسه بما يشعر بأن آل أمية لو اعرضوا عن وعظه فقد أعرضوا عن وعظ الله سبحانه بقوله : (ولما وعظهم الله به أبلغ من لساني) [اللام] في [لما] للتأكيد والقسم،

أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ، وَخَصِيمُ النَّاكِثِينَ الْمُرْتَابِينَ، وَعَلَى كِتَابِ اللهِ تُعْرَضُ الأَمْثالُ، وَبِمَا فِي الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ!

.......................................

أي أن وعظ الله سبحانه، بالاجتناب عن سوء الظن والهمز واللمز، والقول بغير علم، والاجتناب عن الغيبة خاصة، أبلغ من وعظي لهم، وقوله [أبلغ] خبر [لما] (أنا حجيج المارقين) أي خصيمهم الذي أحتج عليهم، والمارق هو الخارج والمراد به هنا الخارج عن الدين بنكث بيعة الإمام، والمخالفة له في إثارة الفتن، وخلق الاضطراب (وخصيم الناكثين المرتابين) أي الذين ارتابوا وشكوا في الأمر، والمراد بذلك إما في الآخرة، أو الأعم منها ومن الدنيا (وعلى كتاب الله تعرض الأمثال) يعني أن كل شيء يماثل شيئاً أحدهما حق والآخر باطل - كخلافة الإمام ونقض الناكثين - إنما يعرض على كتاب الله ليعرف أيهما حق وأيهما باطل وما دام الكتاب يصدق أعمال الإمام وأقواله، فمن خالفه على باطل (وبما في الصدور تجازي العباد) وهذا كناية عن أن مخالفوه يعلمون أن الإمام على حق وأنهم على باطل، وإنما تخالف أعمالهم ما في قلوبهم، كما قال سبحانه: «وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ»(1)وقال «يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ»(2).


1) سوره النمل: 14.

2) سوره الانعام : 20

وَمِنْ خُطبَةٍ لَهُ علیه السلام

رَحِمَ اللهُ امْرَأَ سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى، وَدُعِيَ إِلَى رَشَادِ فَدَنَا، وَأَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَتَجَا. رَاقَبَ رَبَّهُ، وَخَافَ ذَنْبَهُ، قَدَّمَ خَالِصاً، وَعَمِلَ صَالِحاً.

.......................................

التوضيح :

(رحم الله امرأ سمع حكماً) من أحكام الإسلام (فوعي) أي أدركه وحفظه ليعمل به، وقوله [رحم الله] دعاء بصورة الإخبار أي اللهم ارحم، وذلك للتشويق وللدعاء بالرحمة لمن كان كذلك (ودعى إلى رشاد) أي ما يوجب رشده (فدنا) أي اقترب إلى الداعي ليسترشد به ويأخذ بقوله (واخذ بحجزة هاد) الحجزة: معقد الإزار، وهذا تشبيه للمعقول بالمحسوس فكما أن الإنسان إذا أراد النجاة من المواقع المزدحمة يأخذ بحزام إنسان قوى لئلا يضلّ أو يعطّل، كذلك من أراد النجاة من مزالق الدنيا وعقوبات الآخرة يتبع الذي يهديه إلى الحق (فنجا) ولم يهلك ولم يضل .

(راقب ربه) أي لاحظ في كل عمل يعمله ربه راض عنه أم لا، كالذي يراقب السلطان لئلا يصدر عنه ما يخالفه فيقع في العقاب واللوم (وخاف ذنبه) فإنَّ الذي يخاف الذنب - سواء عمله أم لم يعمله - لا بد وأن يتجنب عنه، كالذي يخاف من الأسد فإنَّه يهرب منه ولا يقترب إليه (قدّم) إلى أخرته عملاً (خالصاً) عن الرياء والإثم (وعمل) عملاً (صالحاً) مقابل العمل الفاسد، وذلك بالملازمة العرفية يدل على عدم العمل الفاسد.

اكْتَسَبَ مَذْخُوراً، وَاجْتَنَبَ مَحْذُوراً، رَمَى غَرَضاً، وَأَحْرَزَ عِوَضاً. كَابَرَ هَوَاهُ وَكَذَّبَ مُنَاهُ : جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَانِهِ وَالتَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ. رَكِبَ الطَّريقَةَ الْغَرَّاءَ،

.......................................

(اكتسب مذخوراً) فإنَّ أجر الآخرة ودرجاتها مذخورة باقية - ليست عاجلة فانية - واكتسابها إنما هو بالعمل المحرز لها (واجتنب محذوراً) أي المحرّم الذي حذّره الله عنه (رمى غرضاً) فكأن العامل للدنيا يطيش سهمه إذ لا يصل إلى هدفه الذي هو السعادة الأبدية، بخلاف الذي يعمل للآخرة (وأحرز عوضاً) أي حصّل على عوض عمله، وهو سعادة الآخرة، ولم يذهب عمله هباءً منثوراً كأعمال أهل الدنيا .

(كابر) أي غالب (هواه) فحيث يريد الهوى به شراً غالبه فغلبه، وانصرف عن ذلك الشر (وكذّب مناه) [منى] جمع [منية] وهي ما يتوقعه الإنسان من الخير على أعماله، أو بدون أن يعمل، وإنما ينتظر الصدفة لتأتي بالأمنية، والأماني غالباً سراب خادع تمنع الإنسان عن العمل الصالح ثم لا يعرف الإنسان بعد ذلك أنه كان مخدوعاً لم يصل إلى الأمنية، وذهب عمره ضياعاً، وذلك بخلاف من يكذب مناه فإنَّه يعمل صالحاً، ومعنى التكذيب عدم الانخداع بما يتراءى له من الأماني (جعل الصبر مطية نجاته) فإنَّ الإنسان في الدنيا يلاقي مشاكل وصعوبات، فإذا جعل الصبر قرينه - كالمطية التي يركب الإنسان عليها لتسهّل له قطع المسافة - لم تمر الأيام إلا وقد انحلت المشكلة وحصلت الغاية المرجوّة، وإذا لم يصبر بأن جزع أو ترك ما بيده من العمل الصالح أو نحو ذلك فاتته الغاية المتوخاة .

(والتقوى عدة وفاته) أي الأمر الذي أعده لأخرته فإنَّ اتقاء المعاصي خير زاد للآخرة .

(ركب الطريقة الغراء) أي النيّرة الواضحة، والمراد بركوبها العمل بها،

وَلَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ. اغْتَتَمَ الْمَهَلَ، وَبَادَرَ الأَجَلَ، وَتَزَوَّدَ مِنْ العَمَلِ .

.......................................

(ولزم المحجة) أي الطريقة (البيضاء) أي الواضحة اللامعة، فإنَّ البياض واضح لا لوث فيه ولا غموض (اغتنم المهلة) أي المهلة التي أمهل فيها، والمراد به ما بقي من عمره، واغتنام العمر عبارة عن العمل فيه لأجل السعادة والآخرة (وبادر الأجل) أي سابقه، كالذي يسبق الآخر ليفوز بالجائزة، فكأن الأجل يريد اختطاف الإنسان والحيلولة بينه وبين العمل الصالح، والإنسان يعمل مبادراً لئلا يقع في مخالبه قبل إتمام عمله الذي يوجب السعادة (وتزود من العمل) أي عمل صالحاً ليكون زاده في الآخرة.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوْقُونَني تُراثَ مَحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ تَفْرِيقاً، وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ لأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللحام الْوِذَامَ الشَّرِبَةَ!

.......................................

التوضيح :

(إن بني أمية ليفوقونني) أي يعطونني من المال قليلاً قليلاً، وأصل التفويق أن يعطى الفصيل أمه لتدر ثم يمنع عنها لتحلب، فيكون ما يحصل الفصيل من حليب أمه قليلاً قليلاً، وهذا تشبيه لنفسه علیه السلام بالفصيل الذي لا يعطى الدر كاملاً (تراث محمد صلی الله علیه و آله و سلّم) المراد ما خلّفه الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم من السيطرة والحكم، ووجه التشبيه أن بني أمية وعلى رأسهم معاوية لم يسمحوا لحكم الإمام حكماً مطلقاً، وإنما أخذ الإمام منهم السيطرة شيئاً فشيئاً، فقد انضموا إلى الجمل فاسترد الإمام منهم البصرة، وما والاها ثم أوجدوا قصة صفين فأسترد الإمام منهم بعض أجزاء البلاد، وسببوا ظهور الخوارج فاسترد الإمام منهم السيطرة (تفويقاً) للمبالغة في الإعطاء قليلاً قليلاً، لأنه مصدر تأكيدي.

(والله لأن بقيت لهم) ذكر [لهم] لأن البقاء لا يستلزم التمكن، فكأنه علیه السلام قال لئن بقيت قادراً عليهم (لأنفضنّهم) النفض تحريك الشيء بعنف ليطير منه ما لصق به من تراب ونحوه (نفض اللحام) أي بائع اللحم - كالقصاب ونحوه -.

(الوذام) جمع وذمة : وهي القطعة من الكرش ونحوها (التربة) أي التي

قال السيد الرضي رحمة الله : التراب الوذمة وهو على القلب، ثم قال السيد رحمة الله : ليفوقونني أي يعطونني من المال قليلاً قليلاً كفواق الناقة وهو الحلبة الواحدة من لبنها، والوذام: جمع وذمة وهي الحزّة من الكرش أو الكبد تقع في التراب متنفض .

.......................................

أصابها التراب، فإنَّ القصاب إذا جعل الكرش والمعي على الأرض فتلطخت بالتراب نفضها نفضاً شديداً إذا أخذها ليزيل التراب والقدر الذي لصق بها من الأرض وإنما شبههم بذلك تحقيراً لهم، وتشبيهاً لما احتووها بالتراب والقذى، وقد جرت عادة القصابين، على جعل الكرش ونحوها على الأرض، ثم نفضها لدى أخذها .

قال السيد الرضي رحمة الله [التراب الوذمة وهو على القلب] من قبيل عرضت الناقة على الحوض وقول الشاعر :

فلما أن جرى سمن عليها *** كما طينت بالفدن السباعا

فإن الوذمة تتّرب . لا أن التراب يوصف بالوذمة، ثم قال السيد رحمة الله :[ليفوقونني : أي يعطونني من المال قليلاً قليلاً كفواق الناقة وهو الحلبة الواحدة من لبنها] التي تعطى له لتدر الأم، ثم إذا درت فصل عنها لتحلب [والوذام : جمع وذمة وهي الحزة من الكرش أو الكبد] الحزة: القطعة [تقع في التراب فتنفض] وقد أراد الإمام علیه السلام بذلك أنه يسلبهم ما احتووه من السلطة والمال بغير حق .

وَمن كَلِماتِ كانَ يَدْعُو بها علیه السلام

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي ، فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي، ولمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءَ عِنْدِي. اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَاني، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتَ

.......................................

التوضيح :

ومن كلمات كان يدعو بها علیه السلام

(اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به مني) لقد كان الأنبياء والأئمة علیهم السلام يرون ما يصدر عنهم من أنواع المباح، بل حتى الضروريات الجسدية، خلاف ما يليق بعظمة الله سبحانه، وإن لم تكن تلك معاصي شرعية، كما يرى الإنسان مدّ رجله أمام المجتمع خلاف اللائق الموجب للاعتذار، وإن كان مضطراً إلى ذلك لألم في الرجل أو نحو ذلك، وعلى هذا كان استغفارهم، والمراد بما أنت أعلم، الخلاف الذي يكون الله سبحانه أعلم به من العبد، فإن علم الله بالأشياء انفذ وأقوى حتى من علم نفس العامل (فإن عُدتُ) إلى ترك الأولى (فعد عليّ بالمغفرة) مصدر ميمي لمغفر، بمعنى عفى عن الذنب وستره (اللهم اغفر لي ما وأيت) أي وعدت، من وأى على وزن رمى (من نفسي ولم تجد له وفاء عندي) بأن وعدت أن أترك تلك المخافة، ثم لم أفي بذلك .

(اللهم اغفر لي ما تقرّبت به إليك بلساني ثم خالفه قلبي) كأن شكر الله بلسانه، ثم سخط على أحواله وما فيه من ضيق باطناً (اللهم اغفر لي رمزات

الأَلْحَاظِ، وَسَقِطَاتِ الأَلْفَاظِ وَشَهَوَاتِ الْجَنَانِ وَهَفَوَاتِ النِّسَانِ.

.......................................

الألحاظ) جمع رمز بمعنى الإشارة، والألحاظ لحظ وهو باطن العين، والمراد طلب الغفران من الإشارات التي تصدر عن العين خلاف مرضاته سبحانه، والمراد هنا ما كان تركاً للأولى - كما تقدم - (وسقطات الألفاظ) أي الألفاظ الساقطة عن درجة الاعتبار وطريقة الأدب، كاللغو من الألفاظ والهدر من الكلمات (وشهوات الجنان) الجنان: القلب، سمي بذلك لاختفائه، ومنه سمی الجن والجنين والمجن وما أشبه، والمراد بشهوات الجنان الميول، القلبية إلى غير الفضيلة، وإن كان مباحاً (وهفوات اللسان) جمع هفوة وهي الزلة ولعل الفرق بين هذا وبين قوله سقطات الألفاظ، أن ذاك أشبه بالعمد، وهذا أشبه بالسهو.

و من کلام له علیه السلام

قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج فقال له يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم، فقال علیه السلام :

أَتَزَعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ؟ وَتُخَوْفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الْضُّرُّ؟ فمن صَدَّق بِهِذَا

.......................................

التوضيح :

للردع عن التنبؤ عن المستقبل بعلم النجوم، ما يأتي، وعلم النجوم هو العلم بأحوال الأرض ومن عليها، من اختلاف حركات النجوم وقد كان لهذا العلم أصل، ثم اندرس، ولم يبق منه إلا أمور ناقصة تطابق الواقع أحياناً وتخالفه كثيراً، ولذا فلا يصح الإخبار بذلك، ولا الجزم، ولا ترتيب الأثر، كما ذكر في الفقه.

(أتزعم) أي هل تظن أيها المخبر عن علم النجوم (أنك تهدي) وترشد الناس (إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء) بأن لا يصيبه مكروه، لأن سیره كان في ساعة حسنة.

(و تخوف من الساعة التي من سار فيها حاق) أي أحاط وحل (به الضر) أي الضرر لأنه سار في ساعة نحسة (فمن صدق بهذا) الذي تزعم عن علمك

فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الاعانَةِ بِاللَّهِ فِي نيل الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ، وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِل بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ. لأَنَّكَ - بزَعْمِكَ -

.......................................

(فقد كذب القرآن) لأن القرآن يقول: «وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ»(1)، إن قلت فماذا هذا الذي نرى من مطابقة بعض الإخبارات للمستقبل، قلت: ذلك من باب الصدفة لا الكلية، ومن علم فليس يتمكن من القطع - إلا من باب قطع الإنسان غير العادي - إذ لا يعلم الأنسان الأسباب والمسببات من جميع وجوهها وخصوصياتها، ومن ادعى ذلك فهو جاهل أو متجاهل.

(واستغنى عن الإعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه) فإنَّ الإنسان إذا علم المستقبل بحيث لا يغير ولا يبدل كما هو مقتضى إخباره القطعي لم يك موقع ليطلب من الله سبحانه أن يتفضل عليه بما يريده من الأمور المحبوبة، أو بما يخشاه من الأمور المكروهة، وهذا خلاف ضروري الإسلام من الدعاء والرجاء والخوف وما أشبه (وتبتغي) أيها المنجم المخبر عن المستقبل (في قولك) أخباراً عن المستقبل مخاطبك (للعامل بأمرك أن يوليك الحمد) أي أن يحمدك لما كشفت له عن المستقبل المحبوب، أو المستقبل المكروه فاجتنبه لقولك، فلم يقع فيما يكره (دون ربه) تعالى لأنك أفدته أكثر من إفادته سبحانه، إذ لولا أنت لوقع في المحذور، فأنت الدافع الوحيد للمحذور.

(لأنك بزعمك) الزعم يستعمل كثيراً لما ظنه الإنسان واقعاً وليس بواقع


1) سورة لقمان : 34 .

أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ. وَأَمِنَ الضُّرَّ!!

ثم اقبل علیه السلام على الناس فقال :

أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ، إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرْ أَوْ بَحْرٍ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَة

.......................................

(أنت هديته) وأرشدته (إلى الساعة التي نال فيها النفع) فلولا أنت لم ينل النفع (وأمن الضر) ولولا أنت لوقع في الضرر.

ثم لا يخفى أن المنجم الذي أخبر الإمام علیه السلام كان على خطأ، لأن الإمام خرج إلى الخوارج وظفر عليهم فقد بدّدهم وكسر شوكتهم وانتصر عليهم.

ثم أقبل علیه السلام على الناس فقال :

(أيها الناس إياكم وتعلم النجوم) [إياكم] للتحذير، أي أحذركم من تعلم النجوم، والمراد النجوم التي توجب الإخبار عن المغيبات لا النجوم التي تعرف بها الأزمان فقد قال الإمام علیه السلام : إنما العلوم أربع علم الفقه : الحفظ الأديان، وعلم النجوم: لحفظ الأزمان، وعلم النحو : لحفظ اللسان، وعلم الطب : لحفظ الأبدان. ولذا استثنى علیه السلام عن التحذير بقوله : (إلا ما يهتدي به في بر أو بحر) فإنَّ النجوم دليل الإنسان في الليالي المظلمة إلى كيفية السير نحو المقصد، كما قاله سبحانه «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»(1)والظاهر أن هذا من باب المثال، وإلا فكل اهتداء جائز بالنجم، مثلاً أكثر الزراع يهتدون بالنجوم لأوقات الزرع ونحوه (فإنها) أي النجوم - والمراد تعلم التنجيم - (تدعو إلى الكهانة) وهي تقوية النفس تقوية خاصة للاتصال بالشياطين والأرواح غير


1) سورة النحل : 16.

وَالْمَنَجْمُ كَالْكَاهِنِ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ،

.......................................

المرئية، ثم تلقى الأخبار المستقبلة منها، فقد تصدق تلك الأخبار وقد تكذب. وإنما كانت النجوم تدعوا إلى الكهانة لأن المنجم كثيراً ما يحلوله إطلاعه عن المستقبل بواسطة النجوم - خصوصاً إذا صدقت جملة من أخباره الموجبة لعلو منزلته عند الناس - وذلك يجره إلى الاستزادة من هذا النحو من العلم مما يوجب تتبعه لمظانه، ومن مظانه الكهانة لأنها توجب الإطلاع على المستقبل أيضاً - بزعمه - (والمنجم كالكاهن) لأن كلّا منهما يخبر عن المستقبل بأدلة حدسية لكن الأول يستدل بالنجوم عليه والثاني يستدل بالأرواح غير المرئية عليه (والكاهن كالساحر) والفرق بين الكهانة والسحر، أن الأول مجرد الإطلاع عن المستقبل بواسطة الأرواح والثاني التأثير في الناس تأثيراً غريباً بواسطة الأرواح كعقد الرجل عن حليلته وما أشبه ذلك، وكلاهما من واد واحد حيث يستعين الإنسان لكشف مستقبله أو تأثيره بالأرواح غير المرئية .

(والساحر كالكافر) لأن كليهما خارج عن إطاعة الله سبحانه، فإنَّه سبحانه حرّم السحر لما يترتب عليه من الضرر، كما نهي عن الكفر، ولذا ورد في الحديث [ ساحر المسلمين يقتل]، ولو انفتح باب السحر لسبب أضراراً كثيرةً في المجتمع كما لا يخفى، وقد حدث لبعض أقربائنا أنه طرد ساحرة عن بيته، كانت تراودهم بحكم الجوار فاغتاظت الساحرة، وأرادت الإضرار برئيس البيت الطارد لها، ثم قالت أنّي لا اسحر نفس الطارد - لماله من النعمة عليّ - وإنما أضره في عينيه وأعميه، فلم تمض إلا مدة يسيرة، وإذا بالطارد رمدت عيناه وعميتا، وبقي كذلك حتى مات - رحمة الله تعالى عليه - وقد كشف العلم الحديث جانباً كبيراً من الأمور المرتبطة بالأرواح، كما تجده في كتاب [على حافة العالم

وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ! سِيرُوا عَلَى اسْم الله.

.......................................

الأثيري] لبعض الغربين (والكافر في النار) وبقياس المساواة : المنجم في النار (سيروا على اسم الله) وهكذا خرج الإمام لحرب أهل النهروان بدون الاعتناء إلى ذلك المنجم، وظفر رغماً على إخباره بأنه يخشى أنه لا يظفر بمراده.

وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ علیه السلام

بعد حرب الجمل في ذم النساء

مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الإِيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظ،

.......................................

التوضيح :

خطبها (بعد حرب الجمل في ذم النساء) وذلك لأن الرئيس في تلك الحرب كانت امرأة وهي - عائشة - فأراد علیه السلام بیان فشل رأيهن حتى لا يعتمد عليهن في مشورة خصوصاً في الأمور العظيمة، وقد ثبت في العلم الحديث ضعف أجهزة المرأة العقلية، وأنها عاطفية مما لا يمكن أن يستند إليها بالأمور العظام.

ولذا نرى العالم - وأن هرّج حولها وحول مساواتها للرجل - لم يستند إليها بمنصب رؤساء الحكومات وما أشبه بل المناصب العظام كلها مستندة إلى الرجال فهذه أمريكا، وإنكلترا، والمانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفياتي، وغيرها كل رؤساء حكوماتها رجال، وإن ملأوا العالم صياحاً بتساويها مع الرجل وهكذا في سائر المناصب المهمة كمجلس الأعيان والوكلاء.

(معاشر الناس) جمع معشر وهو الجمع، وهذا منادى محذوف عنه حرف النداء (إن النساء نواقص الإيمان) شرعاً، وذلك تبع لنقصان عقولهن كما سيأتي، والمراد بنقص الإيمان عدم إدراكهن الإيمان الكامل الذي يتمكن الرجل أن يتوصل إليه (نواقص الحظوظ) جمع حظ وهو الأمر الذي يسعد

تَوَاقِصُ الْعُقُولِ : فَأَمَّا نُقصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ فِي أَيَّامٍ حَيْضِهِنَّ وَأَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيتُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ،

.......................................

الإنسان، وهذا أيضاً شرعي تبع لنقصان عقولهن وضعف أجهزتهن خلقة.

(نواقص العقول) وهذا خلقي، فقد خلق الله تعالى المرأة لشؤون المنزل فهي بين إدارة بيتٍ وحمل وولادة، وتبعاً لذلك جعل فيه العاطفة القوية حتى نحنو على المنزل والأولاد، وبهذه النسبة من قوة العاطفة تقل القوة العقلية المتوفرة في الرجل (فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن) الحيض: دم تراه المرأة في كل شهر غالباً إذا صارت بالغة ولم تبلغ سن اليأس، وأقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، و البلوغ يتحقق فيها بدخولها في العاشرة واليأس يتحقق في القرشية والنبطية ببلوغ الستين وفي غيرهما ببلوغ الخمسين.

ولعل الحكمة في سقوط الصلاة والصيام عنهن التعويض بذلك عن مرضهن، فإنَّ الحيض مرض كما قال سبحانه: «وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى» (1)وكما قرر ذلك علم الطب، ثم لا يخفى أن هذا النقصان ليس مما نقصان أجرهن في الآخرة، لذا تكون زوجات أهل الجنة في منازل أزواجهن .

(وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال) كما قال سبحانه «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ»،(2)وهذا غالبي وإلا فربما صار


1) سورة البقرة: 222

2) سورة النساء : 11

وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْن كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، فَاتَّقُوا شِرارَ النِّسَاءِ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرِ، وَلا تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ.

.......................................

حظها مساوياً أو أكثر من الرجل والحكمة في تقليل حظها أن مؤونتها أقل، فالأم والبنت والزوجة - وهن غالب النساء - نفقاتهن على الولد والأب والزوج (وأما نقصان عقولهن) وقد استدل الإمام لذلك بدليل شرعي بقوله : (فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد) في كثير من أبواب الشهادة، كما يعرفها المطّلع على الفقه، ولو لم تكن المرأة ناقصة العقل لم تكن شهادتها كذلك.

(فاتقوا) أيها الناس (شرار النساء) ولا تملكوهن أزِمَّةَ الأمور، فإنَّ الناقص إذا كان شراً وملك أوجب الفساد والتبار ولذا قال الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم : [[ذل قوم وليتهم امرأة] (وكونوا من خيارهن على حذر) لأن الخير العملي لا يوجب تبدلاً في الخلقة، فمثلاً السفيه إذا كان خيّراً، لا يوجب كونه خيّراً، رشداً وحصافة في عقله وتصرفاته (ولا تطيعوهن في المعروف) بأن لا يكون عملكم بالمعروف صادراً عن إطاعتهن، بل صادراً عن أنفسكم وحسن المعروف الذاتي (حتى لا يطمعنَ في المنكر) فإنَّ الإنسان إذا رأى نفسه مطاعاً تدرّج من الأمر بالحسن إلى الأمر بالقبيح .

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

في تعريف الزهد في الدنيا وتعيين الزاهد

أَيُّهَا النَّاسُ، الزَّهَادَةُ قِصَرُ الأَمَلِ، وَالشُّكْرُ عِندَ النِّعَمِ، وَالوَرَعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ، فَإِنْ عَزَبَ ذلِكَ عَنْكُمْ فَلا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ،

.......................................

التوضيح :

(أيها الناس، الزهادة قصر الأمل) بأن لا يكون الإنسان طويل الأمل، ومعنى طول الأمل أن يأمل الإنسان أن يبقى في الدنيا طويلاً ويرغب في نعيم الدنيا، فإنَّ ذلك يوجب التكالب عليها مما ينسي الآخرة، فلا يعمل العمل اللائق بها (والشكر عند النعم) لأن الزاهد نظره إلى الآخرة وكلما كان نظر الإنسان إلى الآخرة يكون متوجهاً إلى الله سبحانه مما يوجب شكره لكل نعمة للالتفات الحاصل له، وذلك دون غير الزاهد الذي هو أقل التفاتا أو عديم الالتفات (والورع عند المحارم) أي الاجتناب عنها، فإنَّ الزاهد يعرف عظم خطر المحرمات فيتجنب عنها بخلاف غير الزاهد (فإن عزب ذلك) الزهد (عنكم) أي لم تكونوا زاهدين في الدنيا معرضين عنها - فإنَّ عزب بمعنى غرب وبعد - (فلا يغلب الحرام صبركم) بأن تقتحموا المحرمات حسب شهوة النفس، ولا تتمكنوا من كف النفس عن الشهوة، إذ في اقتحام المحرمات نكالاً وعقاباً.

وَلَا تَنْسَوْا عِنْدَ النَّعَمِ شُكْرَكُمْ، فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةِ، وَكُتُبِ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةِ.

.......................................

(ولا تنسوا عند النعم شكركم) بأن تتركوا الشكر إطلاقاً، فإن هناك واسطة بين الشكر المطلق ونسيان الشكر إطلاقاً، كما أن هناك واسطة بين الزهادة وبين ارتكاب المحرمات، والإمام علیه السلام يأمر باتباع الوسط إذا لم يتسنى للإنسان المرتبة الراقية من الزهد والشكر (فقد أعذر الله إليكم) يقال أعذرت إلى فلان بمعنى أقمت لنفسي عنده عذراً ومعنى أعذر الله أنه تعالى أقام العذر حتى إذا عاقب يكون قد أتم الحجة، ولم يكن عقاباً بلا بيان (بحجج مسفرة) من أسفر إذا بان وظهر (ظاهرة) تأكيد لمسفرة، والحجج: هي الأنبياء والأئمة الذين نصبهم لهداية العباد وإرشاد الناس لئلا يقول أحدكم لم أك أعلم لزوم الشكر أو خطر المحرمات (وكتب بارزة العذر) أي كون تلك الكتب السماوية ظاهرة في إتمام الحجة الموجبة لأن يكون لله عذراً في عقابكم إذا خالفتم (واضحة) ليست بغامضة، ولا بعيدة من متناول الناس.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

في صفة الدنيا

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءُ، فِي حَلالِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ . مَنِ اسْتَغَنى فِيهَا فُتِنَ، وَمَن افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ،

.......................................

التوضيح:

(ما أصف من دار أولها عناء) أي تعب ونصب و[ما] استفهامية، وكون أول الدنيا عناءً واضح فإنَّ الإنسان لا يردها إلا بصعوبة في الحمل والوضع وما أشبه ( وآخرها فناء) أي عاقبة الناس فيها الموت أو عاقبة نفس الدنيا أن تفنى عند قيام الساعة، ودار لا تبقى ينبغي أن يزهد فيها لعدم وجود قيمة حقيقية للشيء الذي يفنى ولا يدوم ( في حلالها حساب) إذ يحاسب الله سبحانه الإنسان يوم القيامة كل ما عمل الإنسان من خير أوشر والمراد بالحلال - على الظاهر - كل ما ليس بحرام، بقرينة المقابلة (وفي حرامها عقاب) ونكال (من استغنى فيها) غناء في المال أو لجاه أو ما أشبه (فتن) بمعنى أنه يعرض عن الذي يجب عليه بالنسبة إلى ما أعطاه الله تعالى، فإذا صار صاحب مالٍ بخل أو صاحب جاه لم يقض الحوائج وتكبر، أو صاحب علم لم يبذل وشمخ بأنفه وهكذا.

(ومن افتقر فيها حزن) ومن المعلوم لزوم النفرة عن شيء يوجب كلا طرفيه المشقة والإنحراف.

(ومن ساعاها) أي سعى لأجلها (فاتته) أي تفوته الدنيا، فإنَّ الدنيا لا

وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ بهَا بَصَرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ.

قال السيد الرضي رحمة الله : أقول : وإذا تأمل المتأمل قوله علیه السلام : من أبصر بها بصرته، وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد ما لا تبلغ غايته ولا يدرك غوره، ولا سيما إذا قرن إليه قوله : ومن أبصر إليها أعمته فإنَّه يجد الفرق بين أبصر بها وأبصر إليها واضحاً نيراً وعجيباً باهراً.

.......................................

تحصل بالسعي وإنما بالتقدير والنصيب كما قال الشاعر :

جرى قلم القضاء بما يكون *** فسيّان التحرك والسكون

وهذا قلم القضاء في الغالب، لا دائمي. كما أن قوله علیه السلام (من استغنى إلخ . . ) غالباً، فإنَّ هذه الجمل على نحو القضية الطبيعية لا الكلية كما لا يخفى، وقد تفسر هذه الجملة بأن فاتته بمعنى سبقته فإنَّه كلما نال الإنسان شيئاً فتحت له أبواب الآمال فيها فلا يكاد يقضي مطلوباً واحداً حتى يهتف به ألف مطلوب، والذي ذكرناه أظهر في معنى الجملة .

(ومن قعد عنها) أي عن الدنيا (واتته) أي أتته الدنيا، فليس حصولها بالسعي، وإن كان للسعي مدخلاً، ولذا نرى

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقاً

هذا الذي ترك الإنسان يذعن أن *** هناك من خلق الأشياء تدقيقاً

(ومن أبصر بها) أي جعل الدنيا آلة البصيرة ليرى بها الأشياء ويعتبر بها الأمور كيف تتصرف وتنتقل من حال إلى حال (بصَّرته) أي أرته الأمور مجاريها ومصايرها، فلا يغتر بها لمعرفته حقيقتها (ومن أبصر إليها) بأن جعل غاية نظره الدنيا يتطلّب جاهها ومالها وعزها (أعمته) وتسبب له الهلاك، فإنَّ النظر إلى الدنيا كالنظر إلى المرآة قد تكون نظرة آلية وقد تكون نظرة استقلالية.

وَمِنْ خُطْبَةِ لَهُ علیه السلام

وهي من الخطب العجيبة وتسمى [الغراء]

الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَلَا بِحَوْلِهِ، وَدَنَا بِطَوْلِهِ، مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وَفَضْلٍ،

.......................................

التوضيح :

وكونها عجيبة لاشتمالها على غرائب أحوال الإنسان في النشأتين بعبارات بليغة، وأساليب بديعة، قد بلغ الإمام علیه السلام عمق أحوال الدنيا وأحوال الآخرة .

(الحمد لله الذي علا) أي ترفع (بحوله) وقدرته، ولا يخفى أن صفات الذات إذا صيغت في قالب الفعل انسلخ الفعل بالنسبة إليها عن الزمان، فإذا قيل [علم الله] أو [علا] أو [قدر] أو ما شابه لا يراد بها أنه صار إلى تلك الصفات بعد أن لم يكن، بل المراد نسبة المصدر إلى الذات، بمعنى أنه عالم قادر عال، وهكذا، بل قد ذكر المحقق الخراساني في الكفاية أن الفعل لا وضع له للزمان، وإنما ينصرف منه ذلك انصرافاً حسب القرينة العامة، والمعنى أن قدرته العامة الموجبة لكونه سبحانه عالياً رفيعاً إذ ذو القدرة فوق مالا قدرة له.

(ودنا) أي قرب إلى الخلق قرباً معنوياً بالإطلاع والإحسان (بطوله) أي قريب بفضله وكرمه فكما أن المتفضّل قريب إلى المتنعم قرباً حسياً كذلك الله سبحانه قريب إلى الخلق قرباً معنوياً (مانح كل غنيمة وفضل) فإنَّ كل ما يغتنمه الإنسان من خير وما يأتيه من فضل وإحسان فإنَّه من الله سبحانه

وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِمَةٍ وَأَزْلٍ. أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ، وَسَوَابِعْ نِعَمِهِ، وَأُومِنُ بِهِ أَوْ بهِ أَوَّلاً بادِياً، وَأَسْتَهْدِيهِ قَريباً هَادِياً، وَأَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قادراً وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً - صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لإنْفَاذِ أَمْرِهِ،

.......................................

(وكاشف كل عظيمة) بلية عظيمة فإنَّه تعالى هو الذي يزيل المكاره، وإنما قيل [ كشف] تشبيهاً للمكاره بالغاشية التي تغشى الإنسان فإذا أزيلت فقد كشفت ( وأزل) هو الضيق والشدة (أحمده على عواطف كرمه) العطف هو الميل نحو الغير، ونسبته إلى الكرم مجاز من باب علاقة السبب والمسبب لأن الكرم لا يعطف وإنما الشخص يعطف (وسوابع نعمه) جمع سابغة وهي النعمة الشاملة من سبغ الظل إذا عم وشمل .

(وأومن به) أي بالله سبحانه (أوّلاً بادياً) أي في حال كونه تعالى أول الأشياء لا شيء قبله أو معه، وكونه بادياً أي ظاهراً لاخفاء فيه (وأستهديه) أي أطلب هدايته في حال كونه (قريباً) إلى الإنسان بالعلم والقدرة (هادياً) يهدي الناس من الظلمات إلى النور ومن الباطل إلى الحق (واستعينه قاهراً قادراً) فإنَّه يتمكن من عون الإنسان لقدرته ويتمكن لقهر الصعاب وتذليلها (وأتوكل عليه) التوكل هو تفويض الأمر إلى الله سبحانه ليتولى إنفاذه وإمضاءه .

(كافياً) يكفي من كل شيء (ناصراً) ينصر من طلب النصرة منه في أموره (وأشهد أن محمداً صلی الله علیه و آله و سلّم عبده ورسوله) وكأن الشهادة بكونه صلی الله علیه و آله و سلّم عبده لئلا يغالي محبّيه فيرفعوه فوق درجته، وإن كان هذا غير خاص به إذ كل إنسان عبد له تعالى.

(أرسله) تعالى إلى البشر ومعنى الإرسال تحميل الرسالة، وإن لم يكن هناك تحرك من محل إلى محل آخر (لإنفاذ أمره) أي إيصال أمر الله تعالى إلى

وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَتَقْدِيمِ نُذْرِهِ.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذي ضَرَبَ الأَمْثَالَ لَكُم، وَوَفَّتَ لَكُمُ الآجَال وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ، وَأَرْفغَ لَكُمُ الْمَعَاشَ، وَأَحَاطَ بِكُمُ الإحْصَاءَ، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ، وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابغ،

.......................................

المأمورين (وإنهاء عذره ) العذر هو الحجة والمعنى إبلاغ أحكام الله تعالى الذي يوجب الححة من الله على الناس حتى إذا لم يعملوا وعاقبهم كان ذلك بعد إتمام الحجة (وتقديم نذره) النذر : جمع نذير وهو التخويف، والمعنى أن يبين الرسول المخوّفات للناس، وإنما سمي تقديماً باعتبار أن ذكرها مقدم على وجودها الخارجي فالرسول يبين أن من زنا - مثلاً - فعليه كذا من العقاب، فقد قدم الإنذار على العقاب الذي يشمل الزاني.

(أوصيكم عباد الله بتقوى الله) أي اتقاءه والخوف منه (الذي ضرب لكم الأمثال) جمع مثل، وهو يذكر مما أصاب الأولين الذين عصوا وخالفوا الأوامر، أو المراد مطلق المثل الذي جيء به لتوضيح الكلام.

(ووقت لكم الآجال) جمع أجل وهو أخر مدة الإنسان، أو مدة كونه في الحياة، والمراد أن الله سبحانه جعل للبشر وقتاً محدوداً بلا زيادة أو نقصان (وألبسكم الرياش) وهو اللباس الجميل الذي يتزين به الإنسان، والمراد إما الألبسة، وإما صورة الإنسان التي بها جمال الإنسان على سائر أنواع الحيوانات (وأرفع لكم المعاش) يقال رفع عيشه رفاعة أي اتسع، أي أنه سبحانه أوسع عليكم ما تعيشون به من مال ومأكول ومسكن وما أشبه (وأحاط بكم الإحصاء) أي أنه سبحانه أحصاكم ويعلم تعدادكم، والعالم محيط بالعلوم معنى، كما أن السور محيط بالبلد خارجاً (وأرصد لك الجزاء) أي أعده لكم فكل إنسان يلقى جزاءه (وآثركم) أي اختاركم (بالنعم السوابع) جمع سابغة

وَالرِّفَدِ الرَّوَافِعْ، وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِعْ، وَأَحْصَاكُمْ عَدَداً، وَوَطَّفَ لَكُمْ مُدَداً، فِي قَرَارٍ خِبْرَةٍ، وَدَارِ عِبْرَةٍ أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا وَمُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا ، رَدِعٌ مَشْرَعُها، يُونِقُ مَنْظَرُهَا، وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا،

.......................................

وهي الواسعة، فإنَّ الله سبحانه اختار الإنسان لإعطائه أعظم النعم مما لم يفعله بالملائكة وسائر مخلوقاته.

(والرفد الروافع) الرفد جمع رفدة وهي العطية، والروافغ جمع رافع المتسعة (وأنذركم بالحجج البوالغ) جمع بالغة أي الحجة الواصلة إليكم (وأحصاكم عدداً) فهو يعلم عددكم (ووظف لكم مدداً) أي جعل لكم مدة وامتداداً في الحياة لا تتجاوزون عنها، ولعل التكرار لئلا يتوهم المبالغة في قوله [وقت لكم الآجال] [ وأحاط بكم بلإحصاء] فإنَّ الذهن يستبعد علم أحد بكل إنسان وأن تكون الأوقات المختلفة بالجعل والتوظيف فالتكرار للإثبات والتأكيد والتركيز (في قرار خبرة) أي أن الإحصاء والتوظيف في مستقر - هو الدنيا - جعل ذلك للاختبار والامتحان (ودار عبرة) فإنَّ الدنيا دار الاعتبار والاتعاظ. (أنتم مختبرون فيها) فإنَّ الله سبحانه يمتحن الإنسان في الدنيا (و محاسبون عليها) أي يحاسبكم على الدنيا، والمراد الحساب على تعاطي الإنسان الدنيا (فإن الدنيا رنق مشربها) الرئق : هو الكدر، وهذا كناية عن آلام الدنيا وهمومها، فهي مثل الماء الكدر الذي لا يهنأ شاربه وقوله [فإن] بـ [الفاء] تفريع على قوله [أوصيكم] كأنه علیه السلام قال اتركوا لذّات الدنيا فإنَّها کدر (ردغ مشرعها) المشرع المحلّ الذي يتمكن الإنسان من الوصول إلى ماء النهر ونحوه والردغ: الكثير الطين والوحل (يونق منظرها) أي يعجب منظر الدنيا، فإنَّ الإنسان إذا نظر إليها أعجبته وظن أنها بدون آلام وهموم (ويوبق) أي يهلك (مخبرها) أي الأخذ بها، فإنّ من يأخذ بالدنيا بلا احتراز وتوقي يهلك لما يصيبه من الآثام والمعاصي.

غُروُرٌ حَائِلٌ، وَظِلٍّ زَائِلٌ، وَسِنَادٌ مَائِلٌ، حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا، وَاطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا قَمَصَتْ بِأرْجُلِهَا، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا، وَأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا، وَأَعْلَقَتِالْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ قَائِدَةَ لَهُ إِلَى ضَنْكِ الْمَضْجَعِ

.......................................

(غرور حائل) أي أن الدنيا غرور يحول ويزول فلا يبقى وحمل [غرور] على الدنيا مبالغة، مثل [زيد عدل] . وحائل من حال يحول إذا زال ولم يبق (وظل زائل) أي أن الدنيا كالظل تنسخه الشمس فلا يبقى وإنما يمكث برهة (وسناد مائل) السناد : ما يستند إليه الإنسان فإنَّ كان ثابتاً قائماً استقر المستند إليه، وإن كان مائلاً مشرفاً على الوقوع كان المستند إليه في معرض السقوط (حتى إذا أنس نافرها) النافر : من الحيوان الذي لا يأنس، وأنس النافر كناية عن التعب لأجل الإيلاف، كما يتعب من يريد تذليل الحيوان الوحش ليأنس (واطمأن ناكرها) أي الذي ينكر الدنيا، وهو كناية عن الاطمئنان والاستقرار الذي يحصل للإنسان بعد جهد وجدّ، من جهة الملاذ والمكانة الاجتماعية وما أشبه.

(قمصت) الدنيا (بأرجلها) يقال قمصت الدابة إذا رفعت يديها معاً وطرحتهما، وفي ذلك طرح الراكب لأنه يميل إلى الخلف بهذا العمل (وقنصت بأحبلها) أي اصطادت بالشباك التي بسطتها لإقتناص الناس، وذلك عن طريق إيجاد المشاكل لهم، أو إماتتهم (وأقصدت بأسهمها) جمع سهم أرسلت سهامها إلى هذا الإنسان المطمئن حتى تجرحه وتؤذيه (وأعلقت المرء أوهاق المنية) الأوهاق جمع وهق وهو شيء كان يستعمله اللصوص تعمله اللصوص إذا أرادوا التسلق، فهي حبال في رأسها عصى معقوفة يطرحونها على الحائط ثم يتسلقونها وتسمى بالفارسية [ كمند] يعني أن الدنيا تطرح على المرء حبال الموت لتجره نحو الفناء والهلاك، أو بمعنى يصعد الموت إليه بسبب الوهق .

(قائدة له إلى ضنك المضجع) أي تقود الدنيا الإنسان إلى ضيق القبر،

وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ، وَمُعَايَنَةِ الْمَحَلُ وَثَوَابِ الْعَمَلِ، وَكَذلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ، لا تَقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً، وَلَا يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً، يَحْتَذُون مِثَالاً، وَيَمْضُونَ أَرْسَالاً، إِلَى غَايَةِ الإِنْتِهَاءِ، وَصَبُّورَ الْفَنَاءِ، حَتَّى إِذَا تَصَرَمَتِ الأمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ وَأَزَفَ النُّشُورُ،

.......................................

فإِنَّ الضنك بمعنى الضيق (ووحشة المرجع) فإنَّ الإنسان يستوحش من الآخرة لعدم أنسه بها (ومعاينة المحل) أي مشاهدة مكانه في الآخرة (وثواب العمل) أي جزاء ما عمله في الدنيا، فإنَّ [ثواب] بمعنى جزاء، قال تعالى «هَل ثُوبَ الْكُفَّارُ» (1)(وكذلك الخلف بعقب السلف) فإنَّه تذهب الأجيال جيلاً بعد جيل، وكلها تبتلى بالدنيا بما ذكر لها من الأوصاف (لا تقلع المنية أختراماً) أقلع عن الشيء : امتنع عنه، والإخترام: الموت، أي لا تمتنع المنية عن إهلاك الأحياء، بل الموت جاد ومستمر في إهلاك الناس. (ولا يرعوي الباقون إجتراماً) أي لا يكف الناس الباقون عن اقتراف الآثام والجرائم، فإنَّهم لا يعتبرون بموت آباءهم وأسلافهم ليكفوا عن الذنب ويفكروا في المصير.

(يحتذون مثالاً) احتذى بمعنى اقتدى والمعنى أن الباقين يقتدون في أعمالهم أثار السابقين مثلاً بمثل، بلا ارعواء ولا انقلاع (ويمضون أرسالاً) جمع رسل وهو القطيع من الخيل والإبل والغنم، أي أن الناس كالأغنام یسیر بعضهم أثر بعض (إلى غاية الإنتهاء) أي إلى غاية هي انتهاء الإنسان في الحياة (وصيّور الفناء) على وزن تنّور مشتق من صار بمعنى مصير الشيء وما يؤول إليه أمره (حتى إذا تصرمت الأمور) أي انقضت أمور هذا العالم مما قدرها الله سبحانه (وتقضت الدهور) جمع دهر وهو مدة طويلة من الزمان ومعنى تقضت: انقضت وتمت (وأزف النشور) أي اقترب يوم القيامة، ويسمى


1) سورة المطففين : 36

أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّبُورِ، وَأَوْجِرَةِ السَّبَاعِ، وَمَطَارِحَ الْمَهَالِكِ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ، رَعِيلاً صُمُوتاً، قِيَاماً صُفُوفاً، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ،

.......................................

بالنشور لنشر الناس فيه بعد الممات (أخرجهم) الله سبحانه (من ضرائح القبور) جمع ضريح وهو الشق وسط القبر، وأصله من ضرحه بمعنى دفعه، سمی بذلك لعلاقة الحال والمحل فإنَّ الميت مدفوع إلى هناك أو باعتبار أنه يدفع دون ضرح الشق (وأوكار الطيور) جمع وكر وهو مسكن الطير، فإنَّ بعض الطيور يأكل الأموات ويجمع أجزاءهم من عظام ونحوها في مساكنها (وأوجرة السباع) جمع وجار وهو مسكن السبع ونحوه فإنَّ السباع تأكل الأموات وتبقى فضلاتهم في محلاتها (ومطارح المهالك) جمع مطرح وهو محل طرح الشيء أي الأماكن التي طرحت فيها أجزاء أولئك الأموات، وهلك فيها الناس. في حال كون الناس (سراعاً إلى أمره) تعالى، أي يسرعون الحضور القيامة وسراع جمع سريعة.

(مهطعين) أي مسرعين من الهطع بمعنى أسرع (إلى معاده) أي المحل الذي قرره الله سبحانه لعود الإنسان وهو المحشر، والفرق بين الجملتين أن الأولى بالنسبة إلى أمره تعالى، والثانية بالنسبة إلى المحشر، وإن كانت النتيجة واحدة (رعيلا) أي في حال كون البشر كالرعيل، وهي القطعة من الخيل، شبهوا بها لتلاحق جماعات الناس بعضهم ببعض كما تتلاحق قطع الخيل (صموتاً) أي ساكتين لا يتكلمون لخوف الموقف، في حال كونهم (قياماً) جمع قائم فإنَّ الدهشة تمنعهم من الإستراحة والجلوس (صفوفاً) مصطفين كل صنف صف (ينفذهم البصر) والظاهر أن المراد أنه لا مخفي منهم بل كلهم في صحراء واحدة بارزون حتى أن الإنسان إذا نظر إليهم يحيط بهم بغير أن يمنع عن رؤيتهم مانع من ستر أو حجاب أو مخبأ أو ما أشبه ذلك.

وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاِسْتِكانَةِ، وَضَرَعُ الاِسْتِسْلاَم وَالذُّلَّةِ، قَدْ ضَلْتِ الْحِيَلُ، وَانْقَطَعَ الأَمَلُ، وَهَوَتِ الأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةَ، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ،

.......................................

(ويسمعهم الداعي) فإنَّ الذي يدعوهم من قبله سبحانه يسمع جميعهم فلا يخرج أحد منهم من قبضته سبحانه (عليهم لبوس الإستكانة) هي بمعنى الخضوع، واللبوس : ما يلبس، وهذا كناية عن أنهم خاضعون منتهى الخضوع حتى كأنهم لابسون لباس الخضوع من رأسهم إلى أقدامهم (وضرع الاستسلام) الضرع: الوهن والخشوع، والاستسلام: تسليم الأمر، فهم خاضعون لأمر الله تعالى، حيث لا قوة تمنعهم عن حكمه (والذلة) فهم أذلاء لا عزة لهم ولا منعة (قد ضلت الحيل) جمع حيلة وهي العلاج للتخلص من المشكلة التي يقع الإنسان فيها، أي أنهم لا حيلة لهم لدفع مكاره يوم القيامة فقد انقطعت الحيل التي كانوا يباشرونها في دار الدنيا و[ضلت] كناية عن فقدانها (وانقطع الأمل) فلا رجاء لهم في غيره سبحانه وتعالى .

(وهوت الأفئدة) جمع فؤاد، ومعنى هوت اضطربت، فإنَّ الإنسان إذا رأى مهول حس في قلبه أنه يهوى إلى الأسفل في حال كون تلك القلوب (كاظمة) قد كظمت غضبها لأنه لا منفذ للغضب هناك (وخشعت الأصوات) أي خفيت كما قال سبحانه: «وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا»(1)(مهينمة) الهينمة : الكلام الخفي، فإنَّ من طبع الإنسان أن يتكلم عند المخوف بالهمس والإخفات، وكأنه لئلا يظهر شخصه فيبتلي بما يخاف منه ويخشاه (وألجم العرق) فإنَّ الإنسان إذا عرق كثيراً جرت المياه من رأسه إلى طرف فمه فكأنه لجام على فيه، أو المراد أنهم يعرقون حتى يبلغ العرق


1) سورة طه : 108

وَعَظُمَ الشَّفَقُ، وَأُرْعِدَتِ الأَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ، وَنَكَالِ ِالِعِقَابِ، وَنَوَالِ الثَّوَابِ. عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً، وَمَضَمَّنُونَ أَجْدَانَا، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً،

.......................................

من أقدامهم إلى أفواههم فهم في بحر من عرقهم.

(وعظم الشفق) أي الخوف (وأرعدت الأسماع) أي عرتها الرعدة، فإنَّ الإنسان إذا سمع صوتاً مزعجاً يحس برعدة صوتاً مزعجاً يحس برعدة في أذنه (لزبرة الداعي) من زبرة بمعنى زجرة، والمراد بالداعي : الملك الذي يدعو الناس بشدة (إلى فصل الخطاب) أي الخطاب الفاصل بين الحق والباطل (ومقايضة الجزاء) أي قبض جزاء أعمالهم، وكأنه جيء من باب المفاعلة، لأن الإنسان يعطي العمل ويأخذ الجزاء فذلك أخذ وإعطاء (ونكال العقاب) عطف بيان لـ[نكال] أو هو أشد أنواع العقاب فمن باب إضافة الخاص إلى العام نحو [خاتم فضة] (ونوال الثواب) يقال ناله إذا وصل إليه، ومن المعلوم أن الخوف ليس من الثواب، وإنما الخوف من أنه هل يعاقب أو يثاب؟ . فالجملتان تحكيان شيئاً واحداً متعلقاً للخوف، لا أن الخوف يتعلق بكل واحد منهما استقلالاً.

(عباد مخلوقون اقتداراً) أي خلقهم الله تعالى بقدرته (ومربوبون اقتساراً) المربوب هو المملوك، والاقتسار من القسر بمعنى الجبر (ومقبوضون احتضاراً) أي يقبضهم الله سبحانه حال احتضارهم وهو حالة الموت (ومضمنون أجداثاً) جمع جدث وهو القبر، أي أن البشر لا يملك من أمره شيء فهو مخلوق بدون اختياره، ويملك ناصيته الله سبحانه في هذه الحياة فلا يملك من أمره صحةً ولا مرضاً ولا غنى ولا فقرا، ولا سائر الشؤون التكوينية، ثم إذا أراد سبحانه أن يميته أماته بدون اختياره وأقبره في المحل الذي قدره له (وكائنون رفاتاً) أي حطاماً

وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَادَاً، وَمَدِيتُونَ جَزَاءً، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً. قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ الْمَخْرَج، وَهُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَج وَعُمْرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعَتِبِ، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيَبِ،

.......................................

مهشمة مبعثرة، تتفرق أجزاؤهم، كاليابس من الحشيش (ومبعوثون أفراداً) كما قال سبحانه: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ»(1)فإنَّ كل إنسان يحشر وحده ليس معه عشيرته وأفراد أسرته.

(ومدينون جزاء) أي مجزيون بجزاء أعمالهم، فإنَّ الدين بمعنى الجزاء قال تعالى: «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ»(2)وقال الشاعر : [ولا أنت دياني فتحزوني]. (ومميزون حساباً) كل يحاسب على عمله مميزاً عما سواه فلا تزر وازرة وزر أخرى (قد أمهلوا) أمهلهم الله سبحانه في الدنيا (في طلب المخرج) أي الخروج من الذنوب والمعاصي بالتوبة والعمل الصالح (وهدوا سبيل المنهج) أي أرشدهم الله سبحانه إلى الطريق الواضح للسعادة، فإنَّ المنهج هو الطريق الواضح، والمراد بذلك الشريعة الإسلامية التي توصل سالكها إلى الجنة والسعادة .

(وعمّروا مهل المستعتب) (المستعتب) هو الذي يطلب رضاه، من استعتبه إذا استرضاه، والمعنى أن الله سبحانه أعطى الإنسان من العمر بمقدار مهلة المستعتب فإنَّك إذا استرضيت شخصاً وطلبت منه أن يرضى تفسح له في المجال.

(وكشفت عنهم سدف الريب) السدف: جمع سدفة بمعنى الظلمة، والريب : جمع ريبة وهي الشبهة أي أن ظلم الشبهات قد كشفت عن الناس ببركة الأدلة و الحجج التي أقامها الأنبياء فلا شبهة لأحد في الضلال والانحراف


1) سورة الأنعام: 94

2) سورة الفاتحة : 4

وَخُلُوا لِمضْمَارِ الْجِيَادِ، وَرَوِيَّةِ الاِرْتِيَادِ وَأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ، فِي مَدَّةِ الأَجَلِ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ. فَبَالَهَا أمثالاً صَائِبَةً وَمَوَاعِظَ شَافِيَةٌ، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً،

.......................................

(وخلوا لمضمار الجياد) أي تركوا في مجال من أعمارهم يتمكنون به من التسابق إلى الخيرات، فإنَّ المضمار هو المكان والزمان الذين يضمر فيهما الخيل، فإنَّه إذا أريد السباق، جوع الخيل ليضمر ويهزل فيتمكن من العدو ولا يمنعه السمن من الركض، والجياد جمع جواد وهو الفرس (و) خلوا لـ (روية) أي إعمال الفكر في الأمر (الارتياد) بمعنى طلب ما يراد أن يختاره الإنسان، والمعنى أنّهم أمهلوا فلم يؤخذوا سريعاً حتى لا يكون لهم مجال فكر وعمل .

(و) خلّوا لـ (أناة المقتبس المرتاد) الأناة: التوئدة مقابل العجلة، والمقتبس الذي أخذ قبساً من الضياء - كمصباح أو نحوه - والمرتاد الذي يريد شيئاً، فإنَّ الإنسان إذا طلب شيئاً في الليل وبيده مصباح يستنير به لیظفر بمطلبه تأنّى في الحركة والطلب، والمعنى أن الناس في الدنيا أمهلوا كمثل هذه المهلة وهذا كناية عن طول الأمل (في مادة الأجل) أي في امتداد الأجل المضروب للإنسان في الحياة، وهذا يتعلق بقوله [خلوا] أي أنهم أبقي عليهم في هذه المدة (ومضطرب المهل) أي مدة الاضطراب، وهو بمعنى الاختلاف مجيئاً وذهاباً (فيا لها أمثالاً صائبة) [يا] حرف نداء و [اللام] للاستغاثة و [ها] تعود إلى الأمثال، باعتبار ذكرها سابقاً، كأن المتكلم يستغيث بالأمثال لتحضر فيفهمها السامع، ويستجيب لدعوة القائل.

(ومواعظ شافية) أي أنها عظات تشفي من داء الجهل والعصيان (لو صادفت قلوباً زاكية) أي قلوباً ذات زكاة وطهارة، فإنَّ من القلوب ما لا تنفعها المواعظ لكونها كالأراضي المالحة التي لا تنبت شيئاً ومن القلوب بعكس ذلك (وأسماعاً واعية) تعي وتستوعب الحق وهذا كناية عن النفوس الواعية،

وَآرَاءَ عَائِمَةً، وَأَلْبَاباً حَازِمَةً. فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ، وأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وعُبِّر فَاعْتَبَرَ، وحُذْر فَازْدَجَرَ وَأَجَابَ فَأَنَابَ، وَرَجَعَ فَتَابَ، وَاقْنَدَى فَاحْتَذَى، وَأُرِيَ فَرَأَى،

.......................................

وإلا فالسمع آلة - كما لا يخفى - (وأراء عازمة) أي تعزم على الحق، فإنَّ بعض الناس لا ملكة لهم تسبب عزمهم على الأمور الخيرة، وبالعكس من ذلك بعض الناس الذين لهم عزم قوي وإرادة شديدة، (وألباباً حازمة) لب : وهو العقل، والحازم هو المقدّر للأمور المعطي كل شيء قدره، فلا يفوته شيء مما ينبغي الأخذ له والعمل به .

(فاتقوا الله) أي خافوه، بمعنى لا تعصوه (تقية من سمع) الموعظة (فخشع) أي خضع لله سبحانه فأطاع أوامره (واقترف فاعترف) الاقتراف تعاطي الذنب، وحيث أن الاعتراف فيه خضوع وندم، كان الاعتراف بالذنب لديه تعالى حسناً (ووجل) أي خاف الآخرة (فعمل) ما يوجب سعادته (وحاذر) أي خاف الفوت (فبادر) أي سارع إلى العمل الصالح (وأيقن) أي تیقن بصدق ما أخبره الأنبياء حول أمور الآخرة (فأحسن) في العمل (وعبّر) أي عرضت عليه أسباب العبرة (فاعتبر) أي اتعظ وإنزجر (وحُذُر) أي خوّف من العذاب والنكال (فازدجر) أي انتهى عن المعاصي والآثام.

(وأجاب) داعي الله (فأناب) أي رجع عن طريقته السابقة الضالة وإنما أخذ يتبع الداعي من قبله سبحانه .

(ورجع) عن أعماله السابقة (فتاب) إلى الله توبة نصوحاً (واقتدى) بالصالحين كالأنبياء والأئمة (فأحتذى) أي رسم خطاهم وجعل عمله طبق عملهم (وأرى) أي أراه الأنبياء طريق الهداية (فرأى) الطريق المنجي المسعد، بمعنى اتبعه، فإنَّ من أُرى فلم يعتني فكأنه لم يرى، فإنَّ البصير الذي لا يعمل

فَأَسْرَعَ طَالِباً، وَنَجَا هَارِباً، فَأَفَادَ ذَخِيرَةً، وَأَطَابَ سَرِيرَةً، وَعَمَّرَ مَعَاداً، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً، لِيَوْمٍ رَحِيلِهِ وَوَجْهِ سِبِيلِهِ وَحَالَ حَاجَتِهِ، وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ، وَقدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ . فَاتَّقُو الله عِبَادَ اللهِ جهة مَا خَلَقَكُمْ لَهُ، وَاحْذَرُوا منْهُ كُنْ مَا حَذْرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاسْتَحِقُوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ

.......................................

بمقتضى ما يبصر ، والأعمى سواء (فأسرع) نحو عمل الخير (طالباً) للنجاة (ونجا) من المهالك بحزمه (هارباً) أي في حال كونه هارباً عن المعاصي والآثام (فأفاد ذخيرة) أفاد واستفاد بمعنى واحد، أي استفاد الذخيرة الصالحة التي يدخرها لأخرته في دنياه (وأطاب سريرة) أي طيّب باطنه، فلم يكن قلبه آثماً ولا منطوياً على الرذائل (وعمّر معاداً) أي عمل ما يوجب تعمير آخرته وسعادة محشره (واستظهر زاداً) أي حمل الزاد لآخرته، تشبيهاً بالمسافر الذي يحمل زاده، يقال استظهر، بمعنى جعل الزاد فوق ظهره.

(ليوم رحيله) الذي يرحل فيه من الدنيا إلى الآخرة (ووجه سبيله) أي لطريقه الذي يسلكه إلى الآخرة، وإضافة الوجه إليه للتوضيح (وحال حاجته) وهو ما بعد المون بعد الموت الذي يحتاج الإنسان فيه إلى العمل الصالح (وموطن فاقته) أي محل فقره (وقدم) العمل الصالح (أمامه لدار مقامه) فإنَّ الإنسان يقيم في الآخرة إلى الأبد إذ لا زوال لها ولا اضمحلال، بخلاف الدنيا فإنها دار زوال وانتقال (فاتقوا الله عباد الله) منادى حذف منه حرف النداء (جهة ما خلقكم له) أي توجّهوا إلى الناحية التي خلقتم لها وهي جهة العمل الصالح . والاجتناب عن المحرمات والآثام، فكأنه قال اعملوا متقين لتلك الجهة (واحذروا منه) أي خافوا من الله سبحانه (كنه ما حذركم من نفسه) لقد حذّرنا سبحانه من معاصيه، وحيث إن كنه الشيء نهايته من جهة السر، أعير بمعنى النهاية والغاية، أي احذروا غاية الحذر.

(واستحقوا منه) أي اعملوا عملاً تستحقون بذلك العمل (ما أعَدُّ لكم)

بِالتَنجُزِ لِصِدْقِ مِيعَادِهِ وَالْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ.

ومنها : جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِي مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا، وَأَشْلَاء جَامِعَةً لأَعْضَائِهَا، مُلائِمَةً لأَحْنَائِهَا، فِي تَرْكِيبٍ صُورِهَا،

.......................................

في الآخرة من أنواع المثوبات (بالتنجز لصدق ميعاده) تنجّز الوعد : طلب وفاءه، وصدق الميعاد مطالبه الخارج للوعد، بان يفي بما وعد، والمعنى أنهم يستحقون الوفاء بالوعد الذي وعدهم سبحانه بإعطائهم الجنة والرضوان (والحذر من هول معاده) معطوف على التنجز، أي احذروا من أهوال معاده باجتناب المعاصي حتى تستحقون ما أعد لكم، وحاصل المعنى لتمام الجملة اطلبوا واحذروا لتستحقوا ما أعد لكم.

(منها) أي بعض تلك الخطبة، وقد حذف الشريف ما بين الفقرتين، كما هو دأبه حيث إنه يجمع المختار من كلامه علیه السلام، إلى كلما وصل إليه.

(جعل) الله سبحانه (لكم أسماعاً لتعي) أي تدرك (ما عناها) أي أهمها، فإنَّ الإنسان يصرف سمعه فيما يهمه لا في كل شيء (وأبصاراً لتجلو) من جلا عن المكان بمعنى فارقه (عن عشاها) العشى ظلمة تعرض للعين بالليل. أي تفارق الظلمة إلى البصيرة، وذلك كناية عن رؤية الحق .

(وأشلاء) جمع شلو وهو عضو الجسد (جامعة لأعضائها) فإنَّ لكل عضو من أعضاء الإنسان أعضاءَ، مثلاً في اليد الأصابع والكف والعضد وهكذا، فكل شلو جامع الأعضاء (ملائمة) تلك الأشلاء (الأحنائها) جمع حنو بالكسر، وهو كل ما اعوج عن البدن والمراد تناسب الأعضاء للمفاصل والمنعطفات (في تركيب صورها) أي في حال كون الأشلاء ملابساً لتركيب الصور فلكل عضو صورة خاصة وهيئة مخصوصة

وَمُدَدِ عُمُرِهَا، بِأَبْدَانِ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا، وَقُلُوبِ رَائِدَةِ لَأَرْزَاقِهَا، فِي مُجَلَّلاتِ نَعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَحَوَاجِرْ عَافِيتِهِ، وَقَدْرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ، مِنْ مَسْتَمْتَعِ خَلاقِهِمْ وَمُسْتَفْسَحٍ خَنَاقِهِمْ .

.......................................

(ومدد عمرها) فإنَّ لكل عضو عمر خاص به، فالأسنان تعمر أقل، والعين والأذن قد تعمران أقل من سائر الأعضاء، فيصيبها العمى والصمم (بأبدان) أي أن تلك الأشلاء وسائر جهات الجسم ملابسة بالبدن (قائمة بأرفاقها) جمع رفق بالكسر، والمراد بها المنافع، فإنَّ البدن قائم بمنافعه، ومعنى ذلك أن قيام البدن بسبب وصول المنافع إليه، أو أن البدن يأتي لنفسه بما ينفعه (وقلوب رائدة) أي طالبة (الأرزاقها) فإنَّ القلب يصرف همه لطلب الرزق للأشلاء (في) حال كون تلك الأبدان بما يتبعها في (مجللات نعمه) من جللّه بمعنى غطاه أي أن نعمه سبحانه تغمر الأنام، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف (وموجبات مننه) أي النعم التي هي مِنْةٌ منه سبحانه على البشر مما توجب الشكر (وحواجز عافيته) أي تحجز وتمنع الإنسان أن يصل إليه سوء. (وقدر لكم أعماراً ستر عنكم) فإنَّ الإنسان لا يعلم قدر عمره (وخلّف لكم عبراً) جمع عبرة وهي ما يوجب اعتبار الإنسان وتبصره حتى لا يقع في المحذور والمشكلة (من آثار الماضين) فإنَّ أخبار السالفين الباقية للأجيال توجب لهم تبصراً وعبرة (قبلكم، من مستمتع خلاقهم) الخلاق: النصيب، أي نصيبهم الذي أوجب استمتاعهم بالحياة، فإنَّ ما وصلنا من أخبار نعم الماضين مثلاً، موجب لأن نعتبر فلا نغتر إذا رأينا النعم مقبلة علينا (ومستفسح خناقهم) الخناق حبل يخنق به، فإذا كان فيه سعة وفسحة لم يجعل الهلاك

أَرْهَقَتْهُمُ الْمَتَايَا دُونَ الآمَالِ، وَشَلَّ بِهِمْ عَنْهَا تَخَرُمُ الآجَالِ، لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلامَةِ الأَبْدَانِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنْفِ الأَوَانِ. فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلا حَوَانيَ الْهَرَمِ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلا نَوَازِلَ السّقَم؟ وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلا آوِنَةَ الْفَنَاءِ؟ مَعَ قُرْبِ الزَّيَالِ، وأُزُوفِ الانْتِقَالِ وَعَلَيَّ الْقَلَقِ،

.......................................

بالمخنوق، وهذا كناية عما نعمله من طول مدة حياة الماضين أي أنهم كانوا ذوي أعمار طويلة، ومع ذلك لم يتوبوا، وأخذوا فأهلكوا - مثلاً.

(أرهقتهم) أي أهلكتهم وأعجلت (المنايا) جمع منية وهي الموت (دون الآمال) أي قبل أن يصلوا إلى أمانيهم (وشذ بهم عنها) أي عن الآمال، و معنی شذ بهم، بعدهم (تخرم الآجال) الخرم بمعنى القطع والشق، أي أن آجالهم التي أهلكتهم بعدتهم عن الوصول إلى أمالهم، وإضافة [تخرم] إلى [الآجال] من إضافة المصدر إلى الفاعل (لم يمهدوا) أي لم يهيئوا وسائل راحتهم في الآخرة (في) حال (سلامة الأبدان) بل صرفوا أبدانهم السليمة في اللهو واللعب (ولم يعتبروا في أنف الأوان) أنف الأوان بمعنى أوله يقال أمر أنف، أي أول لا شيء قبله وكأنه مأخوذ من الأنف الذي هو أول الجسم نتوءاً.

(فهل ينتظر) بعد أولئك، والاستفهام للإنكار (أهل بضاضة الشباب) البضاضة : امتلاء البدن وقوته ورونقه (إلا حواني الهرم) الهرم : الشيخوخة، فإنَّها موجبة للحنو، أي الميل نحو الضعف والعجز (وأهل غضارة الصحة) الغضارة: طيب العيش فإنَّ الصحيح طيب العيش (إلا نوازل السقم) جمع نازلة، فإنَّ السقم ينزل بالإنسان (وأهل مدة البقاء) أي الذين لبقائهم مدة وامتداد (إلا آونة الفناء) آونة الشيء : وقته (مع قرب الزيال) مصدر زايله، أي قرب زوال الإنسان عن الدنيا وانتقاله إلى الآخرة (وأزوف) أي اقترب من أزف بمعنى اقترب (الانتقال) من هذه الدار (وعلز القلق) العلز : كالرعدة تأخذ المريض، فإنَّ الإنسان قد يكون مطمئناً

وَأَلَم الْمَضَضِ وَعْصصِ الْجَرَضِ، وَتَلَفْتِ الاسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالأَقْرَباءِ، وَالأَعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ! فَهَلْ دَفَعَتِ الأَقَارِبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ، وَقَد غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الأَمْوَاتِ رَهِيناً، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُ جِلدَتهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ

.......................................

هادئ البال، ثم ينقلب حاله إلى القلق والاضطراب.

(وألم المضض) هو بلوغ الحزن إلى القلب، فإنَّ ذلك يؤلم الإنسان أشد الإيلام، والمراد بهذه الجملة وسابقها ولاحقها أما وقت الموت وأما وقت تبدل النعم إلى شدة وضنك نحو [حواني الهرم] (وخصص الجرض) هو الريق، وغصص جمع غصة، وهي عدم نزول الماء إلى الجوف لآفة في الحنجرة أو شبه ذلك (وتلفت الاستغاثة) فإنَّ الإنسان المحتضر يتلفت إلى من حوله مستغيثاً بهم (بنصرة الحفدة) جمع حفيد وهو الحاشية للإنسان من صديق ومعين وأولاد ونحوهما، أي يستغيث لينصره الحفيد مما به من الكرب والهم (والأقرباء) جمع قريب (والأعزة) جمع عزيز (والقرناء) جمع قرين وهو قرين الإنسان في عمره، أو عمله، أو ما شابه (فهل دفعت الأقارب) ما ينزل بالمرء من الكرب والمصائب، وهذا استفهام إنكاري، أي أنهم لا يتمكنون من الدفع.

(أو نفعت النواحب) جمع ناحبة وهي الباكية لمصيبة الإنسان (وقد غودر) أي ترك وبقي (في محلة الأموات رهيناً) أي مرهوناً محبوساً، فلا رجوع له (وفي ضيق المضجع) أي القبر، فإنَّ القبر محل ضجعة الإنسان (وحيداً) لا أحد معه إلا عمله (قد هتكت الهوام جلدته) الهوام جمع هامة، وهي الحيوان الصغير كالدود والنمل وما أشبه، أو ما له سمُّ كالحية والأفعى، فإنَّها تشق جلد الإنسان لتأكل من لحمه وتشرب من دمه (وأبلت) من البلاء مقابل الجدة (النواهك) جمع ناهكة، وهي التي تضعف الإنسان وتؤذيه

جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَحَا الْحَدَثَانِ مَعَالِمَهُ، وَصَارَتِ الأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَصَّتِهَا وَالْعِظَامُ نَخِرَةَ بَعْدَ قُوَّتِهَا ، وَالأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَل أَعْبَائِهَا، مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا ، لا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهَا، وَلاَ تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيْئ زَلَلِهَا أَوَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالآبَاءَ،

.......................................

(جدته) وهذا كناية عن تغير جسمه وتبدل طراوته (وعفت) أي محت وأذهبت (العواصف) جمع عاصفة، وهي الريح الشديدة الهبوب (آثاره) فإنَّ القبر يندرس بالعواصف (ومحا الحدثان) أي الليل والنهار (معالمه) جمع معلم، وهو ما يستدل به، والمراد أما معالم جسده، أو معالمه في الخارج.

(وصارت الأجساد) بعد الموت (شحبة) من الشحوب بمعنى الذبول (بعد بضتها) أي إمتلائها بالسمن والنضارة، يقال بض الماء إذا ترشح قليلاً قليلاً، فكأن الجسم الممتلئ يترشح بالماء (والعظام نخرة) أي بالية (بعد قوتها) وصلابتها (والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها) جمع عبء بمعنى الثقل، يعني أن الأرواح التي خرجت عن الأجساد هناك في تعب وألم لما فعلت في دار الدنيا، فهي كالرهينة التي ليست منافعها لصاحبها (موقنة بغيب أنبائها) فإنَّ الاخبار التي تقال لها في الدنيا - وقد كانت تشك فيها - صارت يقيناً هناك إذ شاهدت أحوال الآخرة خيرها وشرها (لا تستزاد من صالح عملها) أي لا يطلب منها زيادة العمل الصالح لأن محل العمل قد فات بعد الموت بخلاف حال الحياة، فإنَّ الإنسان يطلب بزيادة العمل في حال كونه في الدنيا.

(ولا تستعتب) أي لا يطلب منها تقديم العتبى أي التوبة (من سيئ زللها) أي الأعمال السيئة التي عملها في حال الحياة، والزلة هي العمل السيئ سمي بذلك لإيهام أن الإنسان يزل حين يرتكبه، لا أنه يعمله قاصداً، كما يسمى خطأ لا يهام ذلك أيضاً (أولستم) أيها السامعون (أبناء القوم والآباء) لهم، وقد

وَإِخْوَانَهُمْ وَالأَقْرِبَاءَ؟ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ، وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَتَطَرُّونَ جَادَّتَهُمْ؟ فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظْهَا، لاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا، سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا! كَأَنَّ الْمَعْنِي سِوَاهَا، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا. وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ

.......................................

ماتوا وبقيتم أنتم (وإخوانهم والأقرباء) وهذا استفهام الفاتي (تحتذون أمثلتهم) أي تفعلون مثل ما فعلوا (وتركبون قدتهم) أي تسيرون في طريقتهم التي ساروا فيها، فإنَّ القدة بمعنى الطريقة (وتطؤون جادتهم) أي تسيرون في المحل الذي ساروا فيه، والمعنى لماذا لا تعتبرون؟ وإنكم مثلهم في أن الموت يشملكم عن قريب .

(فالقلوب قاسية عن حظها) أي أنها صلبت فلا يدخلها الحظ، وهذا كناية عن عدم العمل بما يوجب إسعادها (لاهية عن رشدها) فإنَّها مشغولة باللهو ذاهلة عن الرشد (سالكة في غير مضمارها) المضمار هو المحل الذي يضمر فيه الخيل لتتهيأ للسباق، وإذا سلكت في غير تلك المضمار فاتها السبق، وهكذا الإنسان الذي لا يعمل بما يسعده (كأن المعني) أي المقصود بالأوامر والزواجر (سواها) فهي لا تهتم بما يوجب سعادتها، ويدفع الشقاء عنها (وكأن الرشد في إحراز دنياها) أي جمعها وحفظها لا في إحراز الآخرة، ولذا لا تهتم إلا بالدنيا .

(واعلموا) أيها الناس (أن مجازكم) أي محل عبوركم، من [جاز] إذا (على الصراط) وهو جسر بين المحشر وبين الجنة، تحته النار فمن عمل صالحاً جازه ومن عمل سيئاً وقع في النار.

(ومزالق دحضه) جمع مزلق، وهو الموضع الذي يقع فيه الإنسان لعدم استواء الطريق، والدحض مقابل الرفع، أي أن في الصراط محلات يزلق فيها

وَأَهَاوِيل زَلَلِهِ، وَتَارَاتِ أَهْوَالِهِ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبِّ شَغَلَ التَفَكَّرُ قَلْبَهُ، وَأَنصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ، وَأَسْهَرَ النَّهَجُدُ غِرَارَ نَوْمِهِ، وَأَظْماً الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ وَظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ، وَأَرْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ، وَقَدَّمَ الْخَوْفَ ِلأَمَانِهِ، وَتَنَكَّبُ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَح السَّبِيلِ،

.......................................

الإنسان إلى النار (وأهاويل زلله) جمع أهوال، وهو جمع هول، فإنَّ الإنسان إذا زل خاف وهاله الأمر (وتارات أهواله) جمع تارة، وهي المرة، أي أن في الصراط أهوال مكررة يتلو بعضها بعضاً (فاتقوا الله عباد الله تقية ذي لب) أي صاحب عقل يعمل عقله ليرى مستقبله (شغل التفكر قلبه) أي التفكر في مصيره وسائر أموره (وأنصب الخوف بدنه) أي أتعبه، من النصب بمعنى التعب (وأسهر التهجد غرار نومه) غرار النوم: النوم القليل الذي يتقطع بالسهر، ومعنى أسهر التهجد : أزال قيام الليل للعبادة نومه القليل المتقطع .

(وأظمأ الرجاء) أي رجاء الثواب (هواجر يومه) جمع هاجر وهي الساعة الحارة من النهار والمعنى أنه يصوم اشتياقاً إلى الثواب في الأيام الحارة (وظلف) أي منع (الزهد) في الدنيا (شهواته) فلا ينساق مع ما يشتهي (وأرجف الذكر بلسانه) أي يحرك الذكر لسانه، كأن في لسانه رجفة من كثرة ذكر الله سبحانه (وقدم الخوف) أي خاف في الدنيا مقدماً على خوف الآخرة (لأمانه) أي لأن يأمن هناك، فإنَّ الخائف في الدنيا يعمل صالحاً ليأتي آمناً یوم القيامة .

(وتنكب) أي مال عن الشيء (المخالج) جمع مخلج، وهو الطريق المتشعب عن الجادة المؤدي إلى الهلكة (عن وضح السبيل) أي السبيل الواضح، والمعنى أن المخلج عن وضح السبيل يتنكبها فلا يسلكها، بل يسلك الجادة المستقيمة التي هي الشرع.

وَسَلَكَ أَقْصَدَ الْمَسَالِكِ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ، وَلَمْ تَفْتِلُهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الأُمُورِ ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى، وَرَاحَةِ النُّعْمَى، في أنعم نَوْمِهِ، وَآمَنِ يَوْمِهِ، قَدْ عَبَرَ مغبر الْعَاجِلَةِ حَمِيداً، وَقَدَّمَ الآجِلَةِ سَعِيداً، وَبَادَرَ مِنْ وَجَلٍ،

.......................................

(وسلك أقصد المسالك) أي أعدل الطرق المؤدية (إلى النهج المطلوب) أي الشيء المطلوب، وهو الجنة والثواب (ولم تقتله) من فتله بمعنى صرفه، أي لم تصرفه عن الجادة الواضحة (فاتلات الغرور) أي الأشياء الموجبة للانصراف والتي يبعث عليها غرور الإنسان بالدنيا (ولم تعم عليه المشتبهات الأمور) أي أن الأمور المشتبهة بالحل والحرمة لا تشتبه عليه وإنما يعرف الصواب من الانحراف، ومعنى [لم تعم] لم تخف، بعلاقة أن الأعمى يخفى عليه الأمر، كما قال سبحانه «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ»(1)(ظافراً بفرحة البشرى) أي أنه فاز - بسبب تلك الأتعاب - بفرح بشارة السعادة ونيل رضى الله ودرجات الآخرة (وراحة النعمى) بمعنى سعة العيش ونعيمه الذي يناله في الآخرة فإنَّ ذلك موجب للراحة الأبدية.

(في) حال كونه بعد الفوز والراحة في (أنعم نومه) أي النوم الهنيء الذي لا مخاوف فيه ولا وساوس لديه (وآمن يومه) أي أن يومه أكثر أمناً من سائر أيامه السالفة وسائر أيام الناس (قد عبر معبر العاجلة) أي الدنيا فقد شبهت بالقنطرة لأن الإنسان يعبر منها إلى الآخرة (حميداً) أي في حال كونه محموداً غير مذموم (وقدم الآجلة) أي الآخرة (سعيداً) قد سعد ما عمله سابقاً في دار الدنيا (وبادر) أي أسرع في عمل الحسنات (من) جهة (وجل)


1) سورة القصص : 66

وَأَكْمَشَ فِي مَهَلٍ، وَرَغِبَ فِي طَلَب وَذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ، وَراقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، وَنَظَرَ قُدماً أَمَامَهُ، فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَتَوَالاً، وَكَفَى بِالنَّارِ عِقَابَاً وَوَبَالاً! وَكَفَى بِاللَّهِ مُنتَقِماً وَ نَصِيراً! وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجيجاً وَخَصِيماً! أوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الذِي أَعْذر بِمَا أَنْذَرَ، وَاحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ،

.......................................

والخوف من العذاب والنكال، فالخوف أوجب أن يبادر إلى عمل الصالحات (وأكمش) أي أسرع (في مهل) أي في وقت كونه ذا مهلة، وهو في الدنيا.

(ورغب) في الآخرة والثواب (في طلب) فلم تكن رغبته مجردة، وإنما هي مع العمل الصالح (وذهب عن هرب) أي أنصرف عن المحرمات، هرباً منها وخوفاً من تبعاتها (وراقب في يومه) وهو في الدنيا (غده) بمعنى أنه عمل لآخرته (ونظر قدماً) أي سابقاً (أمامه) الذي هو الآخرة، بمعنى أنه نظر إلى الآخرة فلم يغفل عنها (فكفى بالجنة ثواباً ونوالا) النوال : ما يناله الإنسان من خير وسعادة (وكفى بالنار عقاباً ووبالاً) الوبال: تبعة أعمال الإنسان السيئة، أي أن هذين الأمرين يكفيان في سوق الإنسان نحو الأعمال الصالحة، وردعه عن الأعمال السيئة (وكفى بالله منتقماً) لمن عصاه (ونصيراً) لمن أطاعه (وكفى بالكتاب) أي القرآن (حجيجاً) أي ما يحتج به على الإنسان، فإذا عمل شيئاً يقال له : ألم يكن القرآن نهاك عنه ؟ (وخصيماً) أي خصماً لمن خالفه.

(أوصيكم بتقوى الله الذي أعذر بما أنذر) أي أنه سبحانه حيث أنذر الناس بالعقاب لمن خالف وأتى بالمحرمات، فقد ترك مجال عذر المعتذر، فمن عصى كان عن علم وعمل، ومعنى [بما] بسبب إنذاره، فإنَّ [ما] مصدرية (واحتج بما نهج) أي احتج على العباد، بسبب ما وضَّح لهم من الأحكام

وَحَذْرَكُمْ عَدُوَانَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً، وَنَفَثَ فِي الْآذَانِ نَجِياً فَأَضَلَّ وَأَرْدَى، وَوَعَدَ فَمَنْيَ وَزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ، وَهَوْنَ مُوبِقَاتِ العَظَائِمِ، حَتَّى إذا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ، وَاسْتَغْلَقَ رَهِيئَتَهُ ، أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ، وَاستَتَعْظَمَ مَا هَوْنَ.

.......................................

والشرائع (وحذّركم) أي أخافكم (عدواً) هو الشيطان (نفذ في الصدور خفياً) فإنَّ الشيطان حيث كان جسماً لطيفاً ينفذ في داخل الإنسان، فيوسوس في القلب الذي هو في الصدر، ولذا ورد [أن الشيطان يجري من أبن آدم مجرى الدم في العروق] (ونفت) أي قال وتكلم (في الآذان نجياً) أي كلاماً خفياً من [النجوى] وهذا تشبيه للذي يناجي، لا أن الإنسان يسمع كلام الشيطان (فأضل) الإنسان عن سبيل الحق (واردى) أي أهلك من (الردى) بمعنى الهلاك.

(ووعد فمنّى) أي صور الأماني والغايات الحسنة - كذباً - كأن قال : إذا عملت هذا الحرام فزت بالمال أو المنصب أو ما شابه (وزين) أي حسّن في نظر الإنسان (سيئات الجرائم) أي المعاصي السيئة فإنَّ الزاني والشارب واللاهي - وغيرهم - يرى أن عمله حسناً (وهون) أي قال أن المعصية الفلانية هيئة لا خوف منها (موبقات العظائم) الموبقة: المعصية المهلكة، أي المعاصي العظيمة الموجبة للهلاك (حتى إذا استدرج قرينته) قرينة الشيطان هي النفس الأمارة، فإنَّ الشيطان يقترن معها، والاستدراج هو أن يجلب الشيطان الإنسان درجة من الصلاح إلى الفساد (واستغلق رهينته) أي جعل الشيء المرهون - وهو النفس التي هي رهينة بعملها - بحيث لا يمكن فكها، كالبيت المغلق الذي لا يفتح.

(أنكر ما زين) فإنَّ الشيطان لا يبقى صديقاً وفياً للعاصي، بل يعاديه ويقول«مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ»(1)(واستعظم ما هون) فيقول


1) سورة إبراهيم : 22 .

وَحَذَرَ مَا أَمْنَ.

ومنها في صفة خلق الإنسان

أَمْ هذا الَّذِي أَنشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ، وَشُغْفِ الأَسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً. وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً،

.......................................

للعاصي لماذا فعلت تلك المعصية العظيمة، بينما كان الشيطان قد هوّن العصيان في نظر العاصي قبل ذلك.

(وحذر ما أمن) أي أنه يخوف عن المعصية، بعد ما قال أنه لا خوف منها، وأنها محل الأمان، فلا يلحق الإنسان منها تبعة .

(ومنها في صفة خلق الإنسان)

(أم) بمعنى بل، للانتقال من وصف الشيطان إلى وصف الإنسان (هذا الذي أنشأه) الله سبحانه (في ظلمات الأرحام)، فإنَّ الجنين في ظلمة البطن والرحم والمشيمة والجلد (وشغف الأستار) جمع شغاف، نحو سحاب وسحب، وهو في الأصل غلاف القلب، ثم استعمل لكل غلاف، والمراد بالاستار هي التي ذكرناها مما يحتوي الجنين، في حال كونه (نطفة دهاقاً) من دهق إذا صب بقوة، فإنَّ المني يخرج من الرجل بقوة ودفق (وعلقة محاقاً) فإِنَّ المني بعد استقراره في الرحم ومضي مدة عليه ليكون كالعلقة، وهي الدودة التي تمتص الدم، ومعنى محاقاً، أنه ممحوق فيه الصورة، إذ لا صورة إنسانية له (وجنيناً) يسمى الولد بذلك مادام في الرحم لاختفائه، من جنّ إذا أظلم واختفى (وراضعاً) إذا خرج من بطن أمه فأخذ يرتضع اللبن من ثديها .

(ووليدا) بعد الرضيع (ويافعاً) وهو الغلام (ثم منحه) أي أعطاه الله سبحانه (قلباً حافظاً) يحفظ الأشياء فإنَّ الألوان والطعوم والأشكال وسائر

وَلِساناً لافِظاً لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً، حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً ، وَخَبَطَ سَادِراً، مَانِحاً فِي غَرْبٍ هَوَاهُ كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَبِهِ لا يَحْتَسِبُ رَزِيَةٌ وَلَا يَخْشَعُ تَقِيَّةً،

.......................................

الأمور إنما تحفظ بالقلب، ولذا إذا رأها الإنسان عرفها (ولساناً لافظاً) يلفظ ويتكلم (ليفهم) الإنسان الأشياء (معتبراً) بها أي أن يأخذ العبرة (ويقصر) عن الرذائل أي يمتنع منها (مزدجراً) أي ممتنعاً منها بسبب العقل (حتى إذا قام اعتداله) بمعنى اعتدل واستوى وكملت مشاعره الظاهرة والباطنة (واستوى مثاله) وهذا عبارة أخرى عن الجملة الأولى وكأن الإنسان مثالاً إذا بلغ ذلك القدر كان مستوياً غير زائد ولا ناقص، والأصل واستوى على مثاله، أو على القلب نحو [ طينت بالفدن السباعا] (نفر مستكبراً) أي تنفر عن الله سبحانه وأحكامه، لكبر فيه ونخوة في رأسه.

(وخبط سادراً) الخبط هو الخلط بين الصحيح والسقيم، والسادر: المتحير الذي يمشي بلا هداية يعني يتناول الآثام والمعاصي كالخابط السادر (ماتحا) يقال متح الماء إذا نزعه من البئر (في غرب) هو الدلو العظيمة (هواه) أي أنه يملأ دلو حياته من الملذات والمشتهيات من غير مراعاة للأحكام الشرعية (كادحاً) الكدح : شدة السعي والعمل الدائب (سعياً لدنياه) فإنَّه يخصص عمله وسعيه الدائب للدنيا بلا أن يعمل للآخرة شيئاً (في لذات طربه) الطرب خفة تعرض للإنسان حال شدة الفرح (وبدوات أربه) بدوات : جمع بدئة و هی ما بدا وظهر من الرأي، وأرب جمع اربة وهي الحاجة أي أنه يمضي فيما يبدو له من الرغائب، بدون أن يتقيد بشريعة أو دين.

(لا يحتسب رزية) الرزية: المصيبة، أي أنه لا يفكر في احتمال وقوع المعصية عليه كما هو شأن الغافلين اللاهين (ولا يخشع) أي لا يخضع (تقية)

فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً، وَعَاشَ فِي هَفُوتِهِ بِسِيراً، لَمْ يُفِدْ عِوَضاً وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً. دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُيَّرِ حِمَاحِهِ وسَنَنِ مِرَاحِهِ، فَظَلَّ سَادِراً وَبَاتَ سَاهِراً، فِي غَمَرَاتِ الآلام. وَطَوَارِقِ الأَوْجَاعِ وَالأَسْقَامِ،

.......................................

من الله وخوفاً من عقابه، من اتقى بمعنى خاف واجتنب المحذور (فمات في فتنته) أي افتتانه بالدنيا وملذاتها (غريراً) أي في حال كونه مغروراً، قد ظن بقاء الدنيا ولذاتها (وعاش في هفوته) أي خطأه وزلته (يسيراً) فإنَّ عمر الدنيا مهما

طال يسير (لم يفد) من أفاد بمعنى استفاد (عوضاً) من دنياه وأعماله، لأنه لم يصرف عمره في التجارة والثواب بل في المعصية والعقاب (ولم يقض) أي لم يأت (مفترضاً) أي فريضة فرضها الله سبحانه (دهمته) أي غشيته ووردت عليه فجأة (فجعات المنية) الفاجعة المصيبة النازلة، والمنية : هي الموت، فإنَّ الإنسان إذا مات ابتلي بعدة رزايا ومصائب إذا لم يعمل في الدنيا لآخرته، ولعل المراد بفجعات المنية المصائب المتقدمة التي تنزل بالإنسان قبل الموت .

(في غيّر جماحه) غير جمع غابر، كطلّب جمع طالب، والجماح : العتوّ والنفوذ أي أنه حيث جمح وعتى في سابق عمره أتاه الموت الموجب لمصيبته ورزيته (وسنن) أي طريق (مراحه) المرح شدة الفرح والبطر (فظل) في الدنيا، قبل أن تدهمه المنية، حال اغتراره وغفلته (سادراً) حائراً ماضياً في الشر (وبات ساهراً) ليله في ألم وتعب (في غمرات الآلام) كان الألم يغمره ويتجاوز رأسه، كالماء الذي يغمر الإنسان.

(وطوارق) جمع طارقة وهي النازلة التي تنزل بالإنسان ليلاً، على حين غفلة وغزه (الأوجاع والأسقام) الوجع: الألم، والسقم : المرض، وبينهما عموم من وجه، فمن اصطدم جسمه بشيء دون أن يحدث فيه مرضاً، فهو وَجِعٌ غير سقيم، ومن ابتلى بالسّل - مثلاً - سقيم غير وجع .

بَيْنَ أَخِ شَقِيقٍ، وَوَالِدِ شَفِيقٍ، وَدَاعِيَةِ بِالْوَيْل جَزَعاً، وَلَادِمَةِ لِلصَّدْرِ قَلَقاً، وَالمُرءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِيَةٍ، وَغَمْرَةٍ كَارِثَةٍ، وَأَنَّةٍ مُوجِعَةٍ، وَجَذْبَةٍ مُكْرِبَةِ وَسَوْقَةٍ مُتْعِبَةِ. ثُمَّ أُدْرجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً، وَجُذِبَ مُنْقَادَاً

.......................................

(بين أخ شقيق) قيل للأخ شقيق لأنه شق الإنسان، كالغصن الذي هو شق الغصن الآخر (ووالد شفيق) الشفقة : الخوف، ويقال للمحب شفيق، لأنه يخاف من تضرر الإنسان بالأضرار (وداعية) من النساء كالأم والأخوات والزوجة (بالويل جزعاً) تقول يا ويلي، من تألمها وجزعها على الرجل المريض الذي هو قريبها (ولادمة) أي ضاربة (للصدر قلقاً) فإنّ الإنسان - خصوصاً المرأة - إذا اشتدت بها المصيبة ضربت صدرها (والمرء) العاصي الذي وصف سابقاً (في سكرة) من سكرات الموت فإنَّ الموت إذا نزل غطّى على عقل الإنسان كما تغطي الخمرة (ملهية) أي تلهيه السكرة وتشغله عن الالتفات إلى أهله وأقربائه.

(وغمرة كارثة) الغمرة : ما يغمر الإنسان من الماء أو ما أشبه، والمراد هنا الشدة التي تحيط بالعقل والرأس مما يحول دون الإنسان ودون التعقل والتفهم والكارثة : المصيبة الشديدة (وأنّة موجعة) من الأنين الذي يطلقه المريض من شدة الوجع، ووصفها بموجعة لكونها من شدتها توجع وتؤلم من حول المريض (وجذبة) أي جذب الموت لروحه، أو جذبه للنفس بشدة (مكربة) أي موجبة للكرب والألم (وسوقة) أي سوق الموت له، كأنه يعجل بروحه لتخرج من جسده (متعبة) تورث تعبه ونصبه (ثم) بعد أن رأى تلك الشدائد والأهوال في حال الاحتضار و (أدرج ) أي وضع (في أكفانه) المعدة لانتقاله إلى الآخرة (مبلساً) من أبلس بمعنى يئس، فإنَّه حينذاك بينس ويندم ولا يجد مهرباً ولا مفزعاً.

(وجذب) من المغتسل يجذب جئته المشيعون، في حال كونه (منقاداً)

سَلِساً، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الأَعْوَادِ رَجِيعَ وَصَبٍ، وَنِضْوَ سَقَم، تَحْمِلُهُ حَفَدَةً الْوِلْدَانِ، وَحَشَدَةُ الإِخَوَانِ، إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ وَمُنْقَطَع زَوْرَتِهِ، حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيْعُ وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ أَقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِياً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ، وَعَثْرَةِ الامْتِحَانِ.

.......................................

لهم (سلساً) أي سهلاً لعدم قدرته على الامتناع (ثم القي على الأعواد) أي الجنازة فقد كان من المتعارف رص الأعواد وحمل الميت عليها (رجيع وصب) أي الراجع إلى الآخرة، رجوع تعب وأذية، حيث أنه لم يعمل في الدنيا ما يوجب راحته ( ونضو) بمعنى المهزول (سقم) أي أنه هزيل من الأسقام والآلام التي شاهدها عند الاحتضار وبعد الموت (تحمله حفدة الولدان) أي أحفاده من بناته وأبنائه، والحفيد ابن الابن، وأبن البنت، والمراد الأعوان، وعلى هذا فالولدان صفة الحفدة (وحشدة (الإخوان) الحشدة المسارعون في التعاون من الأقرباء والقرناء والأصدقاء يحملون جنازته (إلى دار غربته) وهي القبر، فإنَّه فيها غريب عن الأهل والأصدقاء (ومنقطع زورته) بحيث لا يزار، أي تنقطع زيارته.

(حتى إذا انصرف المشيع) الذي شيعه إلى قبره وتبعه (ورجع المتفجع) أي أهله الذين فجعوا به (أقعد في حفرته) فإنَّ نكيراً ومنكراً يقعدان الميت في القبر، والمراد إقعاد ما يتعلق بجسمه من بقايا الروح التي كانت ممدودةً بمد جسمه، لا أنه يقعد جسمه.

(نجيا) أي ليناجي، ويتكلم خفياً، لا يعرف كلامه الأحياء، ولذا شبه بالنجوى ( لبهتة السؤال) أي حيرته، فإنَّ السؤال الذي يوجّه إلى الميت موجب لتحيّره كيف يجيب؟ هل بالصدق فيعذّب، أم بالكذب فيفضح؟ (وعثرة الامتحان). فإنَّ إمتحانه هناك - هل عمل صالحاً أم لا؟ - يوجب عثرته ورسوبه.

وَأَعْظَمُ مَا هُنالِكَ بَلِيَّةٌ نُزُولُ الْحَمِيمِ وَتَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ، وَسَوْرَاتُ الزَّفِيرِ، لا فَتْرَةٌ مُرِيحَةً وَلا دَعَةٌ مُزيحَةً، وَلاَ قُوَّةً حَاجِزَةٌ، وَلا مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ ولاسِنَةٌ مُسَلِّيَةٌ بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ،

.......................................

(وأعظم ما هنالك) من المصائب والآلام (بلية نزول الحميم) هو المائ الحار، فإنَّ الإنسان إذا كان عمل الموبقات والمعاصي في الدنيا يكون شرابه هنالك من الماء الحار المغلي، فهو في عذاب ونكال من هذه الجهة، أو المراد نزوله في محل حار، فإنَّ القبر لغير الصالح حفرة من حفر النيران - كما ورد في الحديث -، (وتصلية الجحيم) من صلاها إذا وردها ووصل إليها (وفورات السعير) السعير: النار الملتهبة، وفورتها زبانيتها (وسورات الزفير) الزفير: صوت النار عند توقدها، والسورة: الصولة والشدة، فإن النار إذا زفرت كانت كالهاجم الصائل (لا) هناك (فترة مريحة) فإنَّ العذاب لا يفتر عن أهل النار حتى يستريحوا (ولا دعة) أي راحة (مزيحة) تزيح عنهم العذاب والنصب الذي يلحقهم من الألم والحرق.

(ولا قوة حاجزة) أي تحجز وتمنع العذاب من أن يصل إليهم (ولا موتة ناجزة) الناجزة الحاضرة، أي لا موت حاضر، حتى يموتوا فيستريحوا من العذاب، كما قال سبحانه: «وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ»(1)وقال «لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحيى»(2)(ولا سنة) هي أول النوم (مسلية) أي تسليهم وتلهيهم، فإن النعاس يخفف آلام الإنسان .

بل هم (بين أطوار الموتات) فإنَّ كل لون من ألوان العذاب في الشدة


1) سورة إبراهيم : 17 .

2) سورة طه : 74 .

وَعَذَابِ السَّاعَاتِ إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ! عِبَادَ اللهِ، أَيْنَ الَّذِينَ عُمْرُوا فَنَعِمُوا، وَعُلِّمُوا فَفَهمُوا، وَأُنْظِرُوا فَلَهُوا، وَسُلِّمُوا فَنَسُوا أَمْهِلُوا طَويلاً، وَمُنِحُوا جَمِيلاً، وَحُذْرُوا أَلِيماً ، وَوُعِدُوا جَسِيماً! احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ وَالْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ أُولِي الأَبْصَارِ وَالأَسْمَاعِ، وَالْعَافِيَةِ وَالْمَتَاعِ، هَلْ مِنْ مَنَاصِ أَوْ خَلاَصِ،

.......................................

والصعوبة كالموت، كما قال سبحانه «يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ» (وعذاب الساعات) فإنَّ لكل ساعة عذاباً ونكالاً (إنا بالله عائدون) أي مستجيرون من النار، ومن العاقبة السيئة.

ثم توجه الإمام علیه السلام : إلى وعظ أهل الدنيا بأسلوب آخر بقوله : (عباد الله) حذف منه حرف النداء لوضوحه (أين الذين عمّروا) أي طالت أعمارهم الدنيا (فنعموا) أي تنعموا بأنواع النعم (وعلموا) عالمهم الأنبياء خيرهم وشرهم (ففهموا) وأدركوا، فلم يكونوا جاهلين، ولكن مع ذلك انحرفوا وعصوا (وأنظروا) أي أمهلوا في الدنيا (فلهوا) أي أشتغلوا باللهو واللعب دون العمل الصالح الموجب لسعادتهم (وسلموا) من الأمراض والمخاوف (فنسوا) الآخرة، ولم ينتهزوا سلامتهم للعمل الصالح (أمهلوا طويلا) فإنَّ عمر الإنسان طويل بالنسبة إلى تمكنه من الأعمال الصالحة (ومنحوا) أي أعطوا (جميلاً) من المال والجاه وسائر نعم الدنيا (وحذروا) عذاباً (أليماً) أي مؤلماً موجعاً - إذا عصوا - (ووعدوا) بالجنة والرضوان قدراً (جسيماً) كبيراً، إذا أطاعوا.

(احذروا) أيها الناس (الذنوب المورطة) أي المهلكة التي توقع الإنسان في الهلكة (والعيوب المسخطة) أي التي توجب السخط والغضب، والمراد بالعيوب: المعاصي، يا (أولى الأبصار والأسماع) فأنتم تبصرون وتسمعون الآن (والعافية) البدنية وما أشبه (والمتاع) أي أمتعة الدنيا وأثاثها (هل من مناص) عن الموت والعقاب - لمن عصى - (أو خلاص) بأن كان الإنسان إذا

أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَاذِ ، أَوْ فِرَارِ أَوْ مَحَارٍ! أَمْ لاَ؟ (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ!) أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ! أَمْ بِمَاذَا تَغْتَرُونَ! وَإِنَّمَا حَظِّ أَحَدِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، ذَاتِ الطولِ وَالْعَرْضِ، قِيدُ قَدِّهِ مَتَعَفِّراً عَلَى خَدِّهِ! الآنَ عِبَادَ اللَّهِ وَالْخِنَاقُ مُهْمَلٌ، وَالرُّوحُ مُرْسَلٌ فِي فَيْنَةِ الإِرْشَادِ، وَرَاحَةِ الأَجْسَادِ، وَباحَةِ الاحْتِشَادِ وَمَهَل الْبَقيَّةِ، وَأَنْفِ

.......................................

وقع في الشدة الأخروية يتمكن الخلاص منها والاستفهام للإنكار (أو معاذ) يستعيذ به الإنسان (أو ملاذ) يلوذ ويلتجئ إليه (أو فرار) يتمكن من الفرار من العذاب (أو محار) أي مرجع إلى الدنيا بعد فراقها، من حار (أم لا) لا نجاة ولا خلاص، فإذا كان [لا] (فأنى تؤفكون) أي كيف تصرفون عن الحق إلى الباطل وعن الطاعة إلى المعصية، من أفك بمعنى أنصرف.

(أم أين تصرفون) في طريقكم عن الحق إلى المتاهة (أم بماذا تغترون) فلا أحد منجي ولاشيء مفيد (وإنما حظ أحدكم من الأرض ذات الطول والعرض) هذا كناية عن سعة الأرض (قيد قده) أي مقدار طوله، فإنَّ الإنسان لا ينام إلا في القبر الذي بمقدار قامة الإنسان، في حال كونه (متعفراً) العفر : التراب (على خده) فإنَّ خده يوضع على تراب أرض القبر، اعلموا (الآن) يا (عباد الله والخناق مهمل) الخناق : الحبل الذي يخنق به الإنسان والمراد بـ (مهمل) عدم شدّه على العنق (والروح مرسل) في بدن الإنسان غير مقبوض (في فينة) أي حال (الإرشاد) أي قد أرشدتم إلى العمل الصالح (وراحة الأجساد) فإنَّ أجسادكم ليست في النار والعذاب والأتعاب .

(وباحة) باحة الدار : ساحتها (الاحتشاد) أي الاجتماع على البر والتعاون على الخير والمعنى أنكم في الدنيا تتمكنون من الاجتماع والعمل الصالح بالتعاون لتمهيد آخرتكم (ومهل البقية) أي في مهلة من بقايا عمركم، وإن كان ذهب بعضه فإنَّ في باقيه كفاية (وأنف) أي المستأنف

المَشِيَّةِ وَأَنْظَارِ التَّوْبَةِ، وَانْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ، قَبْل الضَّنْكِ وَالمَضِيقِ، وَالرَّوْعِ وَالزُّهُوقِ، وَقَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ المُنتَظَرِ وَأَخْذَةِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ.

قال الرضي رحمة الله : في الخبر أنه علیه السلام لما خطب بهذه الخطبة، اقشعرت لها الجلود، وبكت العيون، ورجفت القلوب، ومن الناس من يسمي هذه الخطبة [الغراء] .

.......................................

(المشية) أي الإرادة والمعنى أنكم إن أردتم استئناف إرادتكم للعمل الصالح لتمكنتم (وإنظار التوبة) بحيث لكم وقت للتوبة عما سلف منكم من الآثام، فقد أمهلكم الله وأنظركم للتوبة (وانفساح الحوبة) الحوبة : الحالة، أي اتساع حالتكم (قبل الضنك) هو الضيق (والمضيق) مصدر ميمي أي قبل أن يضيق وقتكم فلا وقت يكفي للتوبة وعمل الخير (و) قبل (الروع) أي الخوف الذي يحيط بكم في حالة الموت وفي القبر (والزهوق) أي الاضمحلال والفناء من الدنيا (وقبل قدوم الغائب المنتظر) أي الموت (واخذة العزيز المقتدر) الاخذة، بمعنى العقاب، بعلاقة السبب والمسبب والعزيز المقتدر هو الله سبحانه.

وَمِنْ كَلامِ لَهُ علیه السلام

في ذكر عمرو بن العاص

عَجَباً لابْنِ النَّابِغَةِ يَزْعُمُ لأَهْلِ الشَّامِ أَن فِي دُعَابَةَ، وَأَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ : أَعَافِسٌ وَأَمَارِسُ : لَقَدْ قَالَ َباطِلاً، وَنَطَقَ آئِماً. أَمَا - وَشَرُ الْقَوْلِ الْكَذِبُ -

.......................................

التوضيح:

(في ذكر عمرو بن العاص) وقد كان يقول لأهل الشام إنما أخرنا علياً لأن فيه هزلاً لا جدّ فيه.

(عجباً لأبن النابغة) عجباً منصوب بفعل مقدر، أي أعجب عجباً، النابغة : هي المرأة الزانية، من نبغ إذا ظهر كأن الزانية تظهر وتشتهر بينما سائر النساء في خفاء وستر، وقد كانت أم عمرو بن العاص زانية مشهورة (يزعم) قائلاً (الأهل الشام أن فيّ دعابة) أي المزاج واللعب، وقد كان الإمام علیه السلام يمازح أحياناً - وكان مزاحه بالحق - كما كان الرسول صلی الله علیه و آله و سلّم يمازح، ويستحب المزاح للمؤمن، فإنَّه ينشط النفس، ويذهب بالكسل، ومن الغريب أن التاريخ حفظ الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم مزاحه، ولم يحفظ للإمام علیه السلام ذلك (وأني أمرء تلعابة) أي كثير اللعب (أعافس) أي أعالج الناس بالمزاح من عفس إذا مازح (وأمارس) الممارسة : المعالجة بالقرص والمصارعة ونحوهما (لقد قال باطلا) فإني بعيد عما ذكر (ونطق آثما) أي في حال كونه عاصياً لله سبحانه في نسبة الكذب إليّ (أما) فلينتبه السامع (وشر القول الكذب-) هذه الجملة

إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ، وَيَقْطَعُ الإِلَّ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وآمر هو! ما لم تأخُذِ السُّيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقِرْمَ سبْتَهُ.

.......................................

معترضة تمهيدية للجملة التالية، مدخولة [أما] (إنه) أي أبن العاص ليقول) الكلام (فيكذب) في القول، والفاء للترتيب ذكراً وإلا فقوله هو كذبه الذي يقوله.

(ويعد) بالشيء (فيخلف) ولا يفي بوعده (ويسأل) من طرفه الشيء (فيلحف) أي يلح في السؤال، وهذا من الخصال المذمومة، ولذا وصف الله سبحانه المتقين بضده بقوله: «لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا»(1)(ويسأل) أي يسأله الناس العطية والعون ( فيبخل ) أي لا يعطي السائل شيئاً (ويخون العهد) الذي يعهده في الحرب ونحوه ((ويقطع الإل) هي بمعنى القرابة، أي يقطع الرحم (فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو) أي أنه محرض للحرب وأمر وناهي (ما لم تأخذ السيوف مآخذها) أي ما لم تتحرك السيوف للقتال، وما لم تشتبك الجيوش (فإذا كان ذلك) بأن أخذت السيوف مأخذها وأشتبك القتال (كان) أجبن الناس، وهكذا شأن الجبناء فإنَّهم أهل الكلام وليسوا أهل عمل.

ولذا كان ابن العاص إذا اشتبك الحرب (أكبر مكيدته أن يمنح القرم) أي يظهر للشجاع الذي جاء لمنازلته ومقاتلته (سبته) أي أسته فقد بارز ابن العاص يوم صفين فقابله الإمام علیه السلام ولما رأى ابن العاص أنه لا مفر من ضربة الإمام


1) سورة البقرة : 273

أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَإِنَّهُ لَيَمنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الآخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعُ مُعَاوِيَة حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ آتِيَةً، وَيَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً.

.......................................

ألقى بنفسه على الأرض وأخرج عورته أمام الإمام لما كان يعلم من إعراض الإمام عن النظر فنجي بذلك، واشتهر بعتيق أسته، وقد كان مثل ذلك في أصحاب معاوية فكانوا يبدون عوراتهم إذا رأوا أن لا مفر لهم حتى قال الشاعر :

أفي كل يوم فارس تندیونه *** له عورة وسط العجاجة بادية

(أما والله إني ليمنعني من اللعب) المنسوب إليّ كذباً (ذكر الموت) فإنَّ الإنسان الذاكر للموت مشتغل بأمر الآخرة.

(وإنه) أي ابن العاص (ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة) والمراد تركه لها وعدم اعتقاده بها، ولذا يكذب (إنه) أي ابن العاص (لم يبايع معاوية) ولم یکن من أنصاره في باطلة إلا لأجل الدنيا (حتى شرط أن يؤتيه) أي يعطيه معاوية (أتية) على وزن عطية لفظاً ومعنى (ويرضخ له) الرضخ : العطية التي تعين لمن فعل شيئاً (على ترك الدين) ونقض خلافة الإمام ومحاربته (رضيخة) والمراد بذلك ولاية مصر، فقد شرط ابن العاص على معاوية إن نصره فغلب على الإمام واستولى على مصر، أن يمنحه حكومة مصر، فقبل معاوية الشرط ولما استولى على مصر وفى له أولاً - حيث كان ضعيفاً لم يجد بُداً من إظهار الوفاء - ثم لما توفي معاوية خان، كما هو مذكور في التواريخ [وما خائن إلا سیبلی بخائن].

وَمِنْ خُطْبَةِ لهُ علیه السلام

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحَدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ : الْأَوَّلُ لَا شَيْءَ قَبْلَهُ، وَالآخِرُ لاَ غَايَةَ لَهُ، لاَ تَقَعُ الأَوْهَامُ لَهُ علَى صِفَةٍ، وَلا تَقْعُدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ، وَلَا تَنَالُهُ التَّجْرْثَةُ

.......................................

التوضيح:

(وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) قد بتر أول الخطبة، حيث أن الشريف - كما ذكرنا - لا يريد إلا الذكر المختار من الخطب، لا كلها (الأول لا شيء قبله) فإنه سبحانه قبل جميع الأشياء، والأولية ليست زمانية، إذ لا زمان له تعالى كما تقرر في محله (والآخر لا غاية له) كما هو مقتضى وجوب الوجود، إذ لا يتطرق العدم في واجب الوجود إطلاقاً، وإلا كان خلفاً (لا تقع الأوهام) المراد بالأوهام: الأفكار، لا الوهم مقابل الظن (له) تعالى (على صفة) إذ كنهه سبحانه مجهول فإنا نعلم أن الله سبحان عالم - مثلاً - أما كيفية علمه فلا ندركها، كما أنا نعلم - في أضعف من ذلك - أن فلاناً عاقلاً، أما ما هو العقل فلا نعلمه، وهكذا (ولا تقعد القلوب منه على كيفية) القعود كناية عن استقرار الحكم فكما أن الشخص القاعد مستقر، كذلك العالم بالشيء مستقر النفس، والفرق بين الجملتين أن الأولى بالنسبة إلى الأوصاف والثانية بالنسبة إلى الذات، فإنَّ ذاته تعالى مجهولة لا يدركها العقل .

(ولا تناله التجزئة) فليس له تعالى أجزاء ،حسية، كأجزاء الإنسان من يد

وَالتَّبْعِيضُ، وَلاَ تُحِيطُ بِهِ الأَبْصَارُ وَالْقُلُوبُ.

ومنها : فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللهِ بالعِبَرِ النَّوَافِع، وَاعْتَبِرُوا بِالآي السَّوَاطِع، وَازْدَجِرُوا بِالنُّذْرِ البَوَالِغ، وانْتَفِعُوا بِالذَّكَرِ وَالْمَوَاعِظِ، فَكَأَنْ قدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ، وَانْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلائِقُ الأَمْنِيَّةِ، وَدَهِمتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الأُمُورِ،

.......................................

ورجل وما أشبه، ولا أجزاء عقلية كالجنس والفصل (والتبعيض) بأن يكون له أبعاض، وهذا أما عطف بيان، وإما يراد به الجزء من الشيء الواحد، كالجزء من الدم مثلاً، في مقابل التجزئة التي هي جزء من الشيء كاليد من الإنسان .

(ولا تحيط به الأبصار والقلوب) فلا يراه أحد ولا يعرفه أحد لأن الرؤية محالة في حقه، والعرفان غير ممكن إذ الإنسان محدود فلا يحيط بغير المحدود وإلا لزم الخلف .

(ومنها) : أي بعض الخطبة (فاتعظوا) يا (عباد الله بالعبر النوافع) عبر، جمع عبرة، وهي التي يشاهدها الإنسان، مما تشع الاعتبار والتذكير، ونوافع جمع نافعة، يعني التي تنفعكم في دنياكم وأخراكم (واعتبروا بالآي) جمع آية، والمراد بها آيات القرآن الحكيم، أو كل دليل (السواطع) جمع ساطعة، وهي الظاهرة اللامعة (وازدجروا) أي امتنعوا عن المحرمات (بالنذر) جمع نذير (البوالغ) جمع بالغة، يعني النواهي والإنذارات التي بلغتكم (وانتفعوا بالذكر) أي بما يذكركم (والمواعظ) التي ترشدكم إلى طريق الصلاح .

(فكان قد علقتكم) أي تعلقت بكم (مخالب) جمع مخلب وهو أظافر الطيور المفترسة (المنية) بمعنى الموت، وهذا من باب التشبيه (وانقطعت منكم علائق الأمنية) فالإنسان إذا علم بقرب موته انقطعت علائقه بالدنيا، وأمانيه فيها (ودهمتكم) أي حلت بكم حلولاً مفاجئاً (مفظعات الأمور) أي

وَالسَّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدِ المَوْرُودِ وَ«كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ»(1): سَائِقٌ يَسُوقُها إلَى مَحْشَرهَا، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا.

ومنها في صفة الجنّة : دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ، وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ، لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا، وَلا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا، وَلَا يَهْرَمُ خَالِدُهَا، وَلا يَأْسُ سَاكِنُهَا.

.......................................

شدائدها يقال أمر فظيع إذا كان شديداً مؤلماً (و) دهمتكم (السياقة إلى الورد المورود) أي سوقكم إلى الموت، فقد شبه الموت بالماء الذي يرده الإنسان ليشربه، فإنّ الورد هو الماء الذي يورد للشرب، والمورود صفة له .

(وكل نفس معها سائق) يسوقها (وشهيد) يشهد بما عملت .

(سائق يسوقها إلى محشرها) أي محل جمع الناس للمحاسبة، فإنَّه اسم مكان من حشر بمعنى جمع (وشاهد يشهد عليها بعملها) في الدنيا من خير أو شر.

((ومنها) أي من تلك الخطبة (في صفة الجنة) المعدة للمتقين (درجات متافضلات) فإنَّ بعض منازلها أعلى من بعض (ومنازل متفاوتات) في الكرامة، فبعضها أكرم من بعض (لا ينقطع نعيمها) فإنَّ النعيم أبدي، لا زوال له ولا اضمحلال (ولا يظعن) أي لا يرتحل (مقيمها) فإنَّ الإنسان فيها باق أبد الآبدين (ولا يهرم خالدها) فإنَّ أهل الجنة في حالة الشباب إلى الأبد (ولا ييأس) أي يحتاج - من البؤس - (ساكنها) إذ لا يحتاج الإنسان هناك إلى شيء إلّا وهو حاضر عنده.


1) سورة ق : 21 .

فهرس الجزء الاول

مقدمة الناشر ... 5

المقدمة ... 7

مقدمة السيد الشريف الرضي ... 9

من خطبة له علیه السلام : في ابتداء خلق السماء والأرض ... 13

من خطبة له علیه السلام : في صفة خلق آدم ... 31

من خطبة له علیه السلام : في ذكر الحج ...52

من خطبة له علیه السلام : بعد انصرافه من صفين ... 55

ومن خطبة له علیه السلام : وهي المعروفة بالشقشقية ... 65

ومن خطبة له علیه السلام : في هداية الناس وكمال يقينه ... 83

ومن خطبة له علیه السلام : لما قبض رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ... 87

ومن كلام له علیه السلام : لما أشير عليه أن لا یتبع طلحة والزبیر ... 91

ومن خطبة له علیه السلام : يذم فيها أتباع الشيطان ... 93

ومن كلام له علیه السلام : يعني به الزبير ... 95

ومن كلام علیه السلام : يصف فيه أصحاب الجمل ... 96

ومن خطبة له علیه السلام : في ذم الشيطان ووعيده لقوم ... 97

ومن كلام له علیه السلام : لابنه محمد بن الحنفية يوم الجمل ... 99

ومن كلام له علیه السلام : لما أظفره الله بأصحاب الجمل ... 101

ومن كلام له علیه السلام : في ذم أهل البصرة ... 103

ومن كلام له علیه السلام : في مثل ذلك ... 107

ومن كلام له علیه السلام : فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان ... 108

و من كلام له علیه السلام : لما بويع في المدينة ... 109

و من كلام له علیه السلام : فيمن يتصدى للحكم وليس لذلك بأهل ... 117

ومن كلام له علیه السلام : في ذم اختلاف العلماء في الفتيا ... 124

و من كلام له علیه السلام : قاله للأشعث وهو على منبر الكوفة يخطب ...129

ومن كلام له علیه السلام : في الترغيب إلى الطاعة ... 133

ومن خطبة له علیه السلام : في موعظة الناس ... 135

ومن خطبة له علیه السلام : فيمن اتهموه بقتل عثمان ... 136

ومن خطبة له علیه السلام : في وصيته بالقرابة والعشيرة ... 141

ومن خطبة له علیه السلام : في الحث على قتال الخوارج ... 149

ومن خطبة له علیه السلام : عند وصول بسر إلى اليمن ... 151

ومن خطبة له علیه السلام : في ذم من بايعه بشروط ... 157

و من خطبة له علیه السلام : في الحث على الجهاد ... 161

ومن خطبة له علیه السلام : في التحذير من الدنيا والترغيب في الآخرة ........171

ومن خطبة له علیه السلام : في دم المتخاذلين ... 175

و من كلام له علیه السلام : في معنى قتل عثمان ... 179

ومن كلام له علیه السلام : لابن عباس لما أرسله إلى الزبير قبل وقوع حرب الجمل ... 181

ومن خطبة له علیه السلام : في جور الزمان وقسم الناس إلى أقسام ... 183

ومن خطبة له علیه السلام : عند خروجه لقتال أهل البصرة ... 190

ومن خطبة له علیه السلام : في استنفار الناس إلى أهل الشام ... 193

ومن خطبة له علیه السلام : بعد التحكيم ... 199

ومن خطبة له علیه السلام : في تخويف أهل النهروان ... 203

ومن كلام له علیه السلام : يجري مجرى الخطبة ... 207

ومن خطبة له علیه السلام : في معنى الشبهة ... 211

و من خطبة له علیه السلام : في ذم المتقاعدين عن القتال ... 213

و من كلام له علیه السلام : في الخوارج لما سمع قولهم : لا حكم إلا لله ...216

ومن خطبة له علیه السلام : في الوفاء ... 219

ومن كلام له علیه السلام : في اتباع الهوى وطول الأمل ... 221

ومن كلام له علیه السلام : في الإستعداد لحرب أهل الشام ... 223

ومن كلام له علیه السلام : في هروب مصقلة بن هبيرة إلى معاوية ... 226

ومن خطبة له علیه السلام : في يوم الفطر ... 228

ومن كلام له علیه السلام : عند عزمه على المسير إلى الشام ... 230

و من كلام له علیه السلام : في ذكر الكوفة ... 232

ومن خطبة له علیه السلام : عند المسير إلى الشام ... 234

ومن خطبة له علیه السلام : في صفات الربوبية والعلم الإلهي ... 236

ومن كلام له علیه السلام : في وقوع الفتن ... 239

ومن خطبة له علیه السلام : لما غلب أصحاب معاوية على شريعة الفرات ... 241

ومن خطبة له علیه السلام : في التزهيد في الدنيا ... 243

ومن كلام له علیه السلام : في ذكر يوم النحر وصفة الأضحية ... 247

و من خطبة له علیه السلام : عند تزاحم الناس لبيعته ... 248

ومن كلام له علیه السلام : وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين ...250

ومن كلام له علیه السلام : يوم صفين حين أمر الناس بالصلح ... 253

و من كلام له علیه السلام : في وصف معاوية ... 255

و من كلام له علیه السلام : مع الخوارج ... 258

وقال علیه السلام : لما عزم على حرب الخوارج ... 260

وقال علیه السلام : لما قتل الخوارج ... 261

وقال علیه السلام : في ذكر الخوارج ... 263

و من كلام له علیه السلام : لما خوف من الغيلة ... 265

ومن كلام له علیه السلام : في التزهيد ... 266

ومن خطبة له علیه السلام : في الإستعداد للموت ... 268

ومن خطبة له علیه السلام : في تنزيه الله تعالى ... 274

و من كلام له علیه السلام : لأصحابه يوم صفين ... 280

و من كلام له علیه السلام : في الإحتجاج على الأنصار ... 285

و من كلام له علیه السلام : في محمد بن أبي بكر ... 288

ومن كلام له علیه السلام : يوبخ فيه أصحابه ... 290

وقال علیه السلام : في سحرة اليوم الذي ضرب فيه ... 293

و من خطبة له علیه السلام : في ذم أهل العراق ... 295

ومن خطبة له علیه السلام : علم فيها الناس الصلاة على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلّم ... 299

و من كلام له علیه السلام : قاله لمروان بالبصرة ... 206

ومن خطبة له علیه السلام : لما عزموا على بيعة عثمان ... 308

ومن كلام له علیه السلام : في اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان ... 310

ومن خطبة له علیه السلام : في موعظة الناس ... 312

ومن كلام له علیه السلام : في حال بنی أمية ... 315

ومن كلمات له علیه السلام : كان يدعو بها ... 317

ومن كلام له علیه السلام : قاله البعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج ... 319

ومن خطبة له علیه السلام : بعد حرب الجمل في ذم النساء ... 324

ومن كلام له علیه السلام : في تعريف الزهد وتعيين الزاهد ... 327

ومن كلام له علیه السلام : في صفة الدنيا ... 329

و من خطبة له علیه السلام : وتسمى الغراء ... 331

و من خطبة له علیه السلام : ومنها في صفة خلق الإنسان ... 354

ومن كلام له علیه السلام : في ذكر عمرو بن العاص ... 363

ومن خطبة له علیه السلام : في الموعظة والأمر بالتقوى ... 366