فی ظلال نهج البلاغة محاولة لفهم جدید المجلد 4

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

في ظلال نهج البلاغة محاولة لفهم جديد

شرح محمد جواد مغنيّة

الجزء الثاني

دار العلم للملايين

ص. ب 1085 - بيروت

الطبعة الأولى : 1973

الطبعة الثالثة

جميع الحقوق محفوظة

تشرين الأول (اکتوبر) 1979

محرّر الرقمي: محمد رادمرد

اشارة

فى ظلال نهج البلاغية

مُحاوَلَة الفِهمْ جَدِيد

شرح

محمد جواد مغنية

الجزء الرابع

دار العلم للملايين

ص. ب 1085 - بيروت

الطبعة الأولى : 1973

الطبعة الثالثة

تشرين الأول (اکتوبر) 1979

الرسالة - 42 -

الى مصقلة بن هبيرة :

بلَغَنِي عَنْكَ أَمْرُ إِنْ كُنتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطتَ إلهَكَ وَأَخضَبْتَ إمَامَكَ : أَنَّكَ تَقْسِمُ فِيء الْمُسْلِمِينَ الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولهُمْ وَارِيقَت عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ فِيمَنِ اعْتامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ. فَوَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَتَجِدَنَّ بِكَ عَلَيَّ هَوَانا وَلَتَخِفّنّ عِندِي مِيزَانَا. فَلَا تَسْتَهِنُ بِحَقِّ رَبِّكَ، وَلَا تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بمحْقِ دِينِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. أَلَا وَإِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبْلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْء سَوَاءٌ يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ.

اللغة :

اعتامك : اختارك. وقبل - بكسر القاف وفتح الباء - عند، وتأتي بمعنى

الطاقة. ويردون : يحضرون المورد. ويصدرون : يرجعون.

الإعراب :

المصدر من انك بدل من أمر، وميراثاً تمييز تمييز، ومثله أعمالاً، وسواء خبر إن.

المعنى :

كان الإمام يضع العيون على عماله يراقبون تصرفاتهم، ويتتبع هو أخبارهم. فإذا بلغه ان أحداً منهم اعتدى على بيت المال، واستغل وظيفته، أو أجحف بضعيف، ومنعه من طلبته - كتب اليه مهدده ويتوعده، وهذا ما دعا بعض العمال أن يتركوا الإمام، وينضموا الى معاوية، ومنهم من كان يطعن عليه لا لشيء إلا استثقالاً للحق.

وفي شرح الخطبة 44 نشير الى ان مصقلة بن هبيرة هرب الى معاوية لأن الإمام طالبه بحق المسلمين، وكان عاملاً له على بلدة من بلاد العجم تسمى اردشير خرة، وكان قد بلغ الإمام ان مصقلة قبل - هروبه الى معاوية - كان يحرم المسلمين من أموالهم، ويؤثر بها أرحامه، وأبناء قبيلته، فكتب اليه بذلك، وقال له من جملة ما قال : ان هذه الأموال حق للمسلمين اكتسبوها بالجد والجهاد، وأنت أجير لهم، وقائم على ما فيه حياتهم، وعليك ان لا تستهين بشيء منه، تماماً كما تحرص وتهتم بأمنهم والدفاع عنهم، وان تقسم الأموال بينهم بالحق والعدل لا بالشهوات والأهواء، فتؤثر أهلك وذويك على حساب الكادحين والمجاهدين.

(ولئن كان ذلك حقاً الخ).. لآخذنك بما أنت أهل له من العقوبة والتأديب فإن القوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، والذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، كما قال في الخطبة 37 (ولا تصلح دنياك ممحق دينك). كيف تطلب الجاه والمال من طريق البغي والجور، وتستهين بغضب الله وعذابه ؟ وأي عاقل يطلب الصحة بالسقم، والنعيم بالجحيم ؟

(ألا وان حق الخ).. المسلمين في المان تماماً كحقه المسلمين في المال تماماً كحقهم في الماء يردون عليه، ويصدرون عنه على السواء لا فرق بين كبير وصغير، وأسود وأبيض. ونظرية الإمام في المال يعرفها الجميع، وهي كما أعلنها في الخطبة 124 : «لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وانما المال مال الله ؟».

الرسالة - 43 -

الى زياد ابن أبيه :

وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُ لُبَّكَ وَيَسْتَزِلُّ غَرْبَكَ فَاحْذَرْهُ فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ يَأْتِي الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ وَيَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ. وَقَدْ كَانَ مِنْ أبي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فَلْتَةٌ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَنَزْعَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ لَا يَثْبُتُ بِهَا نَسَبُ وَلَا يُسْتَحَق بِهَا إرْتُ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهَاكَالْوَاغِلِ الْمُدَفْعِ وَالنُّوْطِ الْمُذَبْذَبِ.

اللغة :

يستزل : يحمل غيره على الزلل واقتراف الذنوب واللب : العقل. ويستفل : وغربك : نشاطك وحدتك، يقال : أخاف عليك غرب الشباب أي حدته والغرة - بكسر الغين - الغفلة والسذاجة الغفلة والسذاجة. والفلتة : ما يكون من غير روية

و تدبير. والنزعة : الدعوة والوسوسة والحركة، ولا تكون إلا بالشر والمفسدة والواغل : المتطفل. والمدفع - بتشديد الفاء - الممنوع. والنوط : ما يوضع على ظهر الدابة دون أن يُثبّت ويُشد بشيء.

المعنى :

أبداً لا يعرف معاوية البأس تماماً كالاستعمار، طمع فيمن اعتزل القتال أن يقف الى جانبه، وكتب اليه يستنجد به ضد الإمام كعبد الله بن عمرو وسعد ابن أبي وقاص، بل كتب لأشد الناس ولاء وإخلاصاً للإمام كقيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري. واذن فلا بدع اذا كتب الى زياد بن أبيه او ابن أمه سمية وأغراه بما أحب وأراد، وكان زياد آنذاك والياً على فارس أو بعض أعمالها على حد تعبير ابن أبي الحديد. ولما علم الإمام بكتاب معاوية أرسل الى زياد هذه الرسالة :

(وقد عرفت ان معاوية كتب اليك) يمنيك ويُغريك فلا تتبع خطواته انه شيطان الإنس بعينه (وقد كان من أبي سفيان الخ).. يشير الى كلمة نفث بها الشيطان على لسان أبي سفيان.. فقد تكلم زياد، وهو غلام حدث، بحضرة عمر، فأعجب الحاضرون بكلامه، وقال ابن العاص : الله أبو هذا الغلام لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان : أنا وضعته في رحم أمه .. وليس من شك ان مثل هذه النفثة الشيطانية لا يثبت بها نسب ولا سبب.

وفي شرح ابن أبي الحديد : «ان زياد هو ابن عبيد، وقال الناس : ابن أبيه الخمول عبيد، ولما استلحقه معاوية قال أكثر الناس : زياد بن أبي سفيان، لأنهم يتبعون الملوك، وليس أتباع الدين إلا كقطرة من البحر المحيط». وقول الإمام : (كالواغل المدفع، والنوط المذبذب)، معناه ان زياداً لو ألصق بأبي سفيان يصير مجهول النسب لا يعرف له أصل، ومذبذباً بين عبيد وأبي سفيان.

العقاد ودهاة العرب :

وللمرحوم العقاد كلام حول زياد والمغيرة بن شعبة وابن العاص في كتابه «معاوية» ومن المفيد أن نلخصه بما يلي

سارت الأمثال في صدر الإسلام بدهاء معاوية وهؤلاء الثلاثة، ولعلنا نستطيع القول : ان هؤلاء الثلاثة قد خدعوا معاوية وسخروه لمطالبهم، لأنهم عرفوا أن مآربهم ودنياهم توجد عند معاوية، ولا يجدونها عند غيره، ولو استطاعوا أن ينازعوه الخلافة لما سلموها له طوعاً، أما ابن العاص فقد كان يعلم ان الحق لعلي. وما وقف مع معاوية إلا طمعاً بمصر، وقد صارح معاوية بذلك بلا مواربة، وقال له : وهو يساومه : أترى اننا خالفنا علياً لفضل منا عليه ! لا والله. ان هي الا الدنيا نتكالب عليها، وايمن الحق لتقطعن لي قطعة من دنياك وإلا نابذتك.

واما المغيرة فقد رضي بولاية الكوفة، ولما استقر الأمر لمعاوية هان عليه المغيرة، وهم بعزله، ولما عرف المغيرة ذلك دبر حيلته التي أرغم بها معاوية على إبقائه في منصبه، وهي وسوسته ليزيد أن يعهد اليه أبوه بالخلافة من بعده، ولما أخبر يزيد أباه بما قال المغيرة تعجل لقاءه وابتدره سائلاً : ومن لي بهذا الذي قلته ليزيد ؟ فقال له المغيرة : الأمر سهل، أنا أكفيك الكوفة، ويكفيك زياد البصرة، والشام بيدك، وبقية الأمصار تبع فقال له معاوية : ارجع الى عملك.

وأما زياد فكان آخر المبايعين من الدهاة الثلاثة، ولم يستطع معاوية اقناعه في حياة الإمام، فقد كتب اليه، وهو وال للإمام ولكن زياداً حين قرأ كتابه قام في الناس خطيباً وقال : العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد، ورأس النفاق، يخو فني بقصده اياي وبيني وبينه ابن عم رسول الله في المهاجرين والأنصار. وبعد صلح الإمام الحسن ذهب المغيرة بأمر من معاوية الى زياد، وساومه على إلحاقه بأبي سفيان وولاية ما أحب من البلاد، فاستجاب زياد على هذا

الشرط، وتمت الصفقة بينه وبين معاوية كما تمت المغيرة وابن العاص.. وهكذا أبناء الدنيا لا يفهمون ولا يتخاطبون إلا بلغة بيع الذمم وشرائها.

وختم العقاد حديثه عن الثلاثة بقوله : ان أحداً من هؤلاء لم يغلب على رأيه بدهاء من معاوية، وانما أفادوا منه جميعاً فوق ما أفادوه، واستفاد منهم.

الرسالة - 44 -

الى عثمان بن حنيف الأنصاري.. فقرة 1 - 4 :

أما بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلَى مَأْدَبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إلَى طَعَام قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ. وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُو. فَانظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَم، فَما أَشْتَبَة عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظهُ، وَمَا أَيْقَنتَ بِطِيب وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ (1). أَلَا وإنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيء بِنُورٍ عِلْمِهِ، أَلَا وَإِنَّ إمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ. أَلَا وإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلى ذلِكَ وَلكِنْ أعِينُونِي بِوَرَعَ وَاجْتِهَادٍ، وَعِفّةٍ وسَدَادٍ. فَوَاللهِ مَا كَنَرْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلَا أَدْخَرْتُ مِنْ غَنَاهِهَا وَفراً، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي تَوْبَيَّ طِمْراً (2). بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا

فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءِ، فَشَحْت عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ. وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ. وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَغَيْرِ فَدَكٍ وَالنَّفْسُ مَظَانُّها فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا لَأَصْغَطَهَا الحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التَرَابُ المُتَرَاكِمُ، وَإنّما هِيَ نَفْسِي أَرُوضُها بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةٌ يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكبَرِ، وَتَثْبت على جوانِبِ الْمَزْلَقِ (3). وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفّى هذا الْعَسَلِ وَلْبَابِ هَذَا الْقَمْح وَنَسَائِج هذا القَزِّ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَن يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيّرِ الْأَطْعِمَةِ. وَلَعَلَّ بِالْحِجَاز أو الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَعِ، أَوْ أَبيت مبْطَانَا وَحَوْلِي بُطُونُ غَرْثَى وَأَكْبَادُ حَرَّى ؟ أَوْ أَكُونَ كَما قَالَ الْقَائِلُ :

و حَسْبُكَ دَاء أَنْ تَبِيت ببطنَة*** وَحَولَكَ أَكْبَادُ تَحِنُّ إِلَى القِدّ (4)

اللغة :

الجفان : جمع الجفنة أي القصعة. وعائلهم : فقيرهم. وتقضمه : تأكله بطرف أسنانك. والمقضم : المأكل. وطيب الوجه من المأكولات : ما كان منها حلالاً. وطمريه : ثوبيه الباليين. والتبر : فتات الذهب. والوفر : المال الكثير والجدث : القبر. والمدر : الطين. والمزلق : موضع الزلق. والجشع : الطمع وشدة الحرص. واليمامة : مدينة من اليمن، وفيها خرج مسيلمة الكذاب. والميطان :

ممتلىء البطن. وغرثى : جائعة. والبطنة : التخمة. والقد : جلد السخلة واللحم القديد، والمراد به هنا الطعام.

الإعراب :

لهي أي الدنيا، اللام للابتداء، وفائدتها التوكيد، والله مبتدأ، وجملة نعم الحكم خبر، والنفس مبتدأ أول، ومظانها مبتدأ ثان، وجدث خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وآمنة حال، وهيهات اسم فعل بمعنى بعد، ومبطاناً حال، وحسبك مصدر بمعنى كافيك، وهو مبتدأ، وداء تمييز، والمصدر من أن تبيت خبر.

المعني

عثمان بن حنيف – بضم الحاء - صحابي جليل من الأنصار الذين آووا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وفدوه بالأرواح، وهو من قبيلة الأوس. قال ابن عبد البر في : «الاستيعاب» : ذكر العلماء ان عمر بن الخطاب استشار الصحابة في رجل يوجهه الى العراق، فأجمعوا جميعاً على عثمان بن حنيف، وقالوا : ان تبعثه الى أهم من ذلك فإن له بصراً وعقلاً ومعرفة وتجربة، فأسرع عمر فولاه مساحة أرض العراق وضرب الخراج والجزية.. ثم ولاه الإمام علي بن أبي طالب البصرة حتى نزل بها طلحة والزبير قنال ابن حنيف ما زاد من فضله، وسكن الكوفة بعد استشهاد الإمام. وقال ابن أبي الحديد في شرح هذه الرسالة : انه مات بها في زمن معاوية.

كتب الإمام اليه، وهو واليه على البصرة : (أما بعد، يا ابن حنيف - الى - مدعو). الإمام يحكم باسم الله والإسلام، وإذن فلا بدع أن يحاسب عامله على أكل الطيبات من الرزق، لأنها تحل وتطيب لغير الحاكم، أما للحاكم خبيثة وقبيحة ما دام في الرعية محروم واحد، لأن الله تعالى قد فرض على حكام العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس من الرعية، كما قال الإمام في الخطبة 207.

وقال العقاد في كتابه «عبقرية الإمام»: «وقد بلغ من حساب الإمام للولاة أنه كان يحاسبهم على حضور الولائم التي لا يجمل بهم حضورها»، فكتب الى عثمان بن حنيف الأنصاري : «فقد بلغني الخ.. واستكثر على شريح قاضيه أن يبني داراً ثمانين ديناراً، وهو يرزق خمسمئة درهم، وحاسب على أقل من هذا من هو أقل من شريح أمانة في القضاء»

وقال عبد الكريم الخطيب في كتابه «علي بن أبي طالب» : «سمع الإمام ان عامله على البصرة عثمان بن حنيف قد دعي الى وليمة أعدها له أبناء البصرة، فثارت لذلك ثائرته، وأعلنها حرباً على ابن حنيف حتى انه ليكاد يمسك به من حلقومه فيقيثه ما أكل».

(فانظر الى ما تقضمه الخ).. المراد بالقضم والمقضم هنا الأكل والمأكول، وأطلق الإمام عليه هذا الوصف للتنبيه الى ان الغرض من القوت مجرد حفظ الحياة، والمعنى حتى القوت الضروري لا محل لك إلا إذا جزمت وأيقنت بأنه حلال زلال ويحرم إذا كان فيه أدنى شبهة للحرام ومن هنا قال الفقهاء : الأصل في الأموال التحريم حتى يثبت العكس، وانها لا تحل أبداً إلا من حيث أحلها الله.

(ألا وان لكل مأموم إماماً الخ).. أنت يا ابن حنيف مرعوس ومأموم، ونهتدي بهديي وأنا كما تراني وأنا رئيسك وإمامك، وعليك أن تقتدي بي استر جسمي بثوبين خلقين، وقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها (انظر شرح الخطبة 158 فقرة : مدرعة علي تنص عليه) أما قوتي فقرصان من الشعير بقشره.. وقال بعض أصحاب الإمام الخادمته : ألا تتقون الله في هذا الشيخ ؟ ألا تنخلون هذا الطعام من النخالة ؟ قالت : أمر أن لا ننخل له طعاماً.

(ألا وانكم لا تقدرون على ذلك) لأن لهذا النوع من الزهد أهلاً يأخذون من الدنيا لبطن الأرض لا لبطونهم، وللآخرة لا للأولى (ولكن أعينوني الخ). بالكف عما حرم الله، ويكبح الشهوات عما تطمح اليه.. إن لأجسامكم حقا عليكم، ما في ذلك ما في ذلك ريب، فأدوه على وجهه، فأدوه على وجهه، ولا تتجاوزوا عن حده.

(فوالله ما كنزت من دنياكم الخ).. إن لي أهلاً وأولاداً، واني على جمع المال لقادر، وهذا هو بين يدي أوزعه على المحاويج، ولا أدخر منه لنفسي وأهلي قليلاً ولا كثيراً.

وهكذا لو نظر المرء الى كل حاكم مخلص لوجده يسمو به العدل والخوف من الله ان يقدر نفسه بضعفة الناس من رعيته، فيكتفي من اللباس بطمرين، ومن الطعام بقرصين كيلا يتبيع بالفقير فقره كما قال الإمام في الخطبة 257 وفي الحديث : ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما اتخذ قميصين ولا إزارين - بل قيصاً وإزاراً - ولا زوجين من النعال.

(بلى كانت في أيدينا فدك الخ). وهي قرية في الحجاز كانت لجماعة من اليهود، فصالحوا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عليها، او على نصفها حسب اختلاف الروايات، فملكها النبي بنص الآية الأولى من سورة الأنفال، ثم وهبها لابنته سيدة النساء، وتصرفت بها في حياته، ولما انتقل الى الرفيق الأعلى أخذها أبو بكر، وقال : هي للمسلمين، فأغضى الإمام وتجاهل، ولم يثرها حرباً عملاً بمبدأه الذي أعلنه في الخطبة 72 : «والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة» وعليه يكون المراد بشحت نفوس نفس أبي بكر ومن وافقه وآزره على عمله، والمراد بسخت عنها نفوس نفس الإمام وفاطمة. وتقدم الكلام عن فدك بنحو من التفصيل في شرح الخطبة 200 على ما وعته الذاكرة.

(وما أصنع بفدك وغير فدك ؟ الخ).. وهل انتفع بالعقار والأموال وأنا محمول على الأعواد، أو في قبر موحش مظلم يتراكم من فوقي التراب أو تسدد عني الحساب حين وقوفي بين يدي الله يسألني عما جمعت وتركت وفعلت؟ وهل من شيء أقسى على الإنسان من أن يكد ويشقى في جمع الحطام، ثم يتركه الى غيره لا ينتفع به في قبره ويوم حشره..؟

(وانما هي نفسي أروضها بالتقوى الخ).. والتقوى هي دعوة الاسلام والقرآن: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ - 1 النساء». وقوله : «من نفس واحدة» يومىء الى ان التقوى عند الله أن تساوي نفسك بكل نفس، ولا ترى لها فضلاً على سواك كائناً من كان إلا بالتقوى، ومعنى ترويض النفس بالتقوى أن تطهرها من كل شائبة كالبغض والكذب والحسد، وان تحيي ضميرك يحب الخير للناس، كل الناس.

(ولو شئت لاهتديت الطريق الخ).. ان لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) معجزات شتى، وحاول بعض الباحثين أن يجعل من فقر النبي معجزة كبرى تضاف الى معجزاته الجمة لأن معنى الإعجاز في واقعه أن يفعل الإنسان ما يعجز عنه غيره.. وقد كانت أموال الجزيرة العربية تجبى لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيوزعها على الناس، ويبيت طاوياً هو وأهل بيته على التمر والماء، ولا يستطيع هذا إلا من كان رحمة مهداة للناس أجمعين.

وعليه فالإمام رحمة مهداة، لأن أموال الجزيرة وغيرها كانت تجي اليه ويوزعها على الناس، وهو في أشد الحاجة الى بعضها تماماً كما فعل الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).. هذا، وهو يرى ذلك واجباً وإلزاماً لا تفضلاً وإحساناً، ويقول : كفى بالمرء قسوة وضراوة أن يتقلب في النعيم، وحوله أكباد تحن الى لقمة العيش.. وأعظم منه لؤماً وإثماً منه لؤماً وإثماً من يعيش على حساب الآخرين يصنعون له الغنى والترف ويصنع لهم البؤس والفقر.

الشجرة البرية.. فقرة 5 - 9 :

أأقنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ أشَارِكَهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أسْوَةٌ لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ. فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أكلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ هَمَّها عَلَفُها، أوِ الْمُرْسَلَةِ شُغْلُهَا تقمّصها، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلافِها وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بَهَا. أَوْ أَتْرَكَ سُدى أو أَهْمَلَ عَابِثَاً، أَوْ أَجْرٌ حَبْلَ الضَّلالَةِ، أَوْ أَعْتَسفَ طَرِيقَ المَتَاهَةِ. وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ إذَا كَانَ هَذَا قُوتَ أَبْنِ أَبِي طَالِبٍ فقد قعد به الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ. أَلاَ وَإِنَّ الشَّجَرَةَ البريَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَائِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً، وَالنَّبَاتَاتِ

البَدَوِيَّة أقوَى وقوداً وَأَبْطأَ خُمُوداً (5). وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ كَالصِّنْوِ مِنَ الصَّنْوِ وَالذَّرَاعِ مِنَ الْعَضدِ. وَاللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلى قِتَالِي لَما وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا، وَسَأَجهَدُ فِي أَنْ أَطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخص المعكوس والجسم المَرْكُوسِ حَتَّى تَخْرُجَ المَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبُّ الْحَصِيدِ (6). إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلى غَارِبِكِ، قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مخَالِبِكِ، وَأَفَلَتُّ مِنْ حبائلك، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ في مَدَاحِضِكَ. أَيْنَ الْقُرُونَ الَّذِينَ غَرَرَتِهِمْ بَمدَاعِبِكِ. أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ. هَا هُمْ رَهَائِنُ القُبُورِ ومَضَامِينُ اللُّحُودِ. وَاللهِ لَوْ ُكنْتِ شَخصاً مَرْئياً وَقَالَباً حسّيّاً لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللهِ فِي عِبَادِ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِي وَأُمَم أَلْقَيْتِهِمْ فِي المَهَاوِي، وَمُلُوكٍ أَسْلَمتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ البلاء إذ لا وردَ وَلاَ صَدَرَ. هَيْهاتَ مَنْ وَطِىء دحضَكِ زَلِق، ومَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرقَ، وَمَن أَزْوَرّ عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ. وَالسَّالِمُ مِنْكَ لا يُبالي إنْ ضاقَ بِهِ مناخه وَالدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَان انْسِلاَخُهُ (7). أَعْزُبِي عَنِّي. فَوَاللَّهِ لَا أَذِلُّ لَكَ فَتَسْتَذِلِّينِي، وَلَا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي. وَايْمُ اللهِ يَمينا أَسْتَثْنِي فِيهَا بَمشِيئَةِ اللهِ لأروضَنّ نَفْسِي رِيَاضَةٌ تَهَشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْضِ، إِذَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ

مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بِالملح مأدوماً، وَلَأدَعَنّ مُقلَتِي كَعَيْنِ مَاء نَضَبَ معينها، مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعُهَا. أَتَمتَليء السائمة مِنْ رَعْيِهَا فَتَبرك، تشبَعُ الرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضُ وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَع ؟. قَرَّتْ إِذا عَيْنُهُ إذا أقتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ المُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ، وَالسَّائِمَةِ المَرْعِيَّةِ (8). طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا، وَعَرَكَتْ بِجَنبِهَا بُؤسَهَا. وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افتَرَشَتْ أَرْضَهَا وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ، وتَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ. وَهَمهمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُمْ وَتَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ «أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ». فَاتَّقِ اللهَ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ وَلْتَكفكَ أَقْرَاصُكَ لِيَكُونَ مِنَ النَّارِ خَلاصَكَ (9).

اللغة :

الجشوبة : الخشونة. وتقممها : تأكل القمامة أي الكناسة. وتكترش : تملأ كرشها ومعدتها. واعتسف الطريق : سار بلا هداية ودراية والمتاهة : مكان الحيرة. والوقود - بفتح الواو - المحروقات، وبضمها مصدر أي الاشتعال. والصنو : الأخ الشقيق، والصنوان : فرعان لأصل واحد. والذراع : الساعد من طرف المرفق الى طرف الاصبع الوسطى. والعضد : من المرفق الى أعلى الكتف. وتظاهرت على قتالي : تعاونت عليه. والمعكوس : المقلوب الحصيد : حب النبات المحصود، والغارب : العنق، وأعلى الظهر مما يلي العنق، وأعلى كل شيء. ومداعب : جمع مدعبة أي دعابة. والورد : الإشراف على

الماء. والصدر : الرجوع عنه. والزلق : لا تثبت فيه الأرجل. وازور الحرف. وانسلاخه : ذهابه. واعزبي : ابعدي. وأسلس : لان وهش ابتسم وارتاح. والمأدوم : ما يؤكل مع الخبز، والربيضة : الغنم المجتمعة في مرابضها مع رعاتها. وتربض : تبرك. ويهجع : يسكن. وقرت عينه : بردت. والبهيمة الهاملة : المتروكة بلا راع. وعركت بجنبها بؤسها : كناية عن الصبر على الأذى. والغمض والكرى : النوم. والهمهمة : الصوت الخفي. وتقشعت: انجلت

الإعراب :

كالبهيمة الكاف بمعنى مثل حالاً من مفعول يشغلني، ومثلها سدى وعابثاً، وعوداً تمييز ومثله جلوداً ووقوداً وخموداً، واليك عني «إليك» اسم فعل بمعنى ابعدي. ومطعوماً حال، ومثله مأدوماً، وطوبى مصدر بمعنى الطيب، مبتدأ، ولنفس خبر.

المعنى:

(أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين الخ).. يسأل الإمام كل حاكم : هل الغرض من الحكم الألقاب الفارغة، والمظاهر الكاذبة ؟ وهل أنت مقتنع بينك وبين نفسك بذلك، أو تستطيع أن تقنع به واحداً على وجه الأرض؟ وجواب الحاكم عن هذا السؤال قولاً وفعلاً هو الذي يحدد حقيقته وشخصيته، وبعد هذا السؤال حدد الإمام وظيفته ومكانته في الحكم، حددها بالوحدة الإنسانية، ومساواة الحاكم للرعية في كل شيء حتى في مكاره العيش، ومن البديهة ان هذه المساواة تضمن الحرية للجميع، والتعاون على مصلحة الجميع.

(وكأني بقائلكم يقول : اذا كان هذا قوت ابن أبي طالب الخ).. إن البطولة والشجاعة لا تقاس بنوع الطعام، وانما تقاس بالصبر والثبات، وتوطين النفس على الموت، وبقوة الجسم والعضلات، والمواقف التي سجلها التاريخ للإمام في غزوات النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحروبه - تشهد بأنه فارس الاسلام والعرب (ألا وإن

الشجرة البرية أصلب عوداً) من الشجرة الأهلية، لأن هذه تحيا بالحرث والسماد والماء السائح والتقليم والتطعيم، وتحيا تلك على الطبيعة لا أثر فيها للصنعة ويد الانسان (والروائع الخضرة) وهي الأعشاب الغضة التي تعجبك بمنظرها (أرق جلوداً) من الأعشاب (والنباتات البدوية أقوى وقوداً) لنفس العلة الموجبة لصلابة الشجرة البرية. والقصد من هذا هو التنبيه الى ان في التقشف والخشونة القوة والصلابة، وفي الترف والرفاهية الضعف واللين. ومعلوم ان معاوية كان يتقلب في النعيم كالروائع الخضرة.

(وانا من رسول الله كالصنو الخ).. النبي وعلي من طينة واحدة، وأصل واحد، وكان النبي صلب العود، وعلي سيفه وساعده. وقال المفسرون : إن كلمة (أنفسنا» في آية المباهلة أراد بها سبحانه محمداً وعلياً : «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ - 61 آل عمران». (والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها). والسر ان الإمام لا يبالي دخل الى الموت، او خرج الموت اليه كما قال في الخطبة 55، بل هو آنس به من الطفل بثدي أمه كما قال في الخطبة 5. وقال العقاد في آخر كتاب «عبقرية الإمام» : خلق على شجاعاً بالغاً في الشجاعة، والشجاع جريء لا يبالي بالحياة.

(ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت اليها) أي الى رقاب الضالين المضلين من العرب (وسأجهد في أن أطهر الأرض من هذا الشخص) وهو معاوية، ونعته بالمعكوس لانعكاس عقيدته وفسادها، وبالمركوس لارتكاسه بالشهوات والمحرمات (حتى تخرج المدرة) القطعة من الطين اليابس ونحوها (من بين حب الحصيد) أي من ثمر الزرع وناتجه كالحنطة والشعير، وغيرهما من الحبوب. ومجمل المعنى ان الإمام يريح الانسانية من شر معاوية إن استطاع إلى ذلك سبيلاً.

(إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك) لا حاجة لي فيك، فقد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، كما قال في الحكمة رقم 77 (وقد انسللت من مخالبك الخ).. لقد حررت نفسي من ملذات الدنيا وأهوائها ووقفتها على الآخرة وجزائها (أين القرون الذين غرتهم الخ).. كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام. وتقدم مثله مراراً وتكراراً (ومن وطيء دحضاك زلق) الخطاب للدنيا، ودحض الحجة إبطالها، ودحض الأرض زلقها (والسالم منك) أي من فتن الدنيا وغرورها (لا يبالي ان ضاق به مناخه الخ).. المناخ - بضم

الحاء - مبرك الإبل، والمراد به هنا العيش وغيره من شؤون الدنيا والعاقل لا يكترث بالدنيا وآلامها، لأنها الى زوال، والآخرة لأنها الى زوال، والآخرة هي دار القرار دار القرار. وسبق التفصيل مرات ومرات

الإمام في جهاد دائم :

(لا اذل لك فتستذليني). لا أطمع في شأن من شؤون الدنيا، لأن الطامع في وثاق الذل، ولا أتذلل إلا لمن كان التذلل له عزة ورفعة (ولا أسلس لك فتقوديني) مها بذلت من الثمن (لأروضن نفسي رياضة الخ).. من تجرأ على الدنيا جرأة علي بن أبي طالب، واحتقرها هذا الاحتقار فعليه أن يوطن النفس على الحرمان من متعها، ويستعد لضرباتها ولذا روض الإمام نفسه حتى قنعت وأعطت الدنيا كل ما تريد من التضحيات وما أخذت منها إلا قرص شعر بنخالته بنخالته مع ذرات من الملح تبتسم له وترحب به.

ويدلنا هذا على ان الإمام كان في صراع وجهاد دائم ومتصل : فمن الجهاد الأصغر في ميادين القتال ضد الشرك والبغي الى الجهاد الأكبر في ترويض النفس وكبحها عن الأهواء والرغبات. وفي حديث قدسي : يموت الناس مرة، ويموت من جاهد نفشه وهواه في كل يوم سبعين مرة.

ان آلام الدنيا لا حد لها ولا نهاية، وطريق الخلاص من كل المتاعب والهموم مقفل و مسدود، والعاقل يعرض عن الدنيا، ويهرب منها، ويتوجه بكله الى الله وحده، ومعنى الهروب من الدنيا أن تهرب من لهوها ولعبها، من آثامها ومفاسدها، من السلب والنهب والبغي والفساد، والدس والنفاق، ومعنى التوجه الى الله أن تتقيه في أقوالك وأعمالك، وتجاهد بنفسك وأموالك لمصلحة عباده وعياله هذه هي رياضة الإمام وفلسفته ومنهجه في حياته وخلافته.

(طوبى لنفس أدت الى ربها فرضها) وهو أن تترك أثراً ينتفع به الناس من بعده، وعلى الأقل ان تكف الأذى عن الناس، ولا تفسد في الأرض. قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «كف أذاك عن الناس، فإنه صدقة تتصدق مها على نفسك». فسلب الشر خير في دين الاسلام (وعركت بجنبها بؤسها). صبرت في الحق، وجاهدت في سبيله، وتحملت من الأشرار الكثير من البلاء والضراء

طلباً لمرضاة الرحمن وراحة الوجدان و(هجرت في الليل غمضها) خوفاً من التقصير في أداء فرضها الذي أشار اليه الإمام بقوله : «طوبى لنفس الخ».

(حتى اذا غلب الكرى عليها افترشت الخ).. هذا كناية عن قناعة النفس بما تيسر، وانها لا تتكلف ما تعسر. وفي الحديث : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كانت له حصيرة بجلس عليها في النهار، وينام عليها في الليل حتى أثرت في جنبه ولكنه كان بكره الفقر، ولا يرضى به، ويتعوذ منه. ومن دعائه : اللهم اني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة.. ومن أن أظلم او أظلم وفي حديث آخر : کاد الفقر يكون كفراً.

(وفي معشر أسهر عيونهم خوف المعاد الخ).. عاشت هذه النفس الطيبة القانعة مع أهل الله الذين «تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا - 16 السجدة» أي خوفاً من عذابه، وطمعاً في ثوابه (فاتق الله يا ابن حنيف ولتكفف أقراصك) هكذا جاء لتكفف» فيما لدي من نسخ النهج.. ولعلها خطأ من الناسخ، وان الأصل «لتكفك أقراصك» أي اكتف عن موائد الذين يدعونك بما لديك من أقراص. وبهذا وحده يكون خلاصك من النار. والله أن بالصواب، ومنه نستمد التوفيق .

وبعد فإن هذه الرسالة أوضح وأصدق بيان في تحديد نهج الإمام.

الرسالة - 45 -

الرفق بالرعية :

أما بَعْدُ فَإِنَّكَ ممَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلى إِقَامَةِ الدِّينِ وَأَقْمَعُ بِهِ نَخوَةَ الأثيمِ، وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ المَحُوفِ. فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وأخلِطِ السِّدَّةَ بِضِغْثٍ مِنَ اللَّينِ. وَارْفقُ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَق. وَاعْتَزِمَ بِالشِّدَّةِ حِينَ لا يُغْنِي عَنْكَ إِلَّا الشُّدَّةُ. وَأخْفِضْ لِلرّعيّة جناحكَ، وَالنْ لَهُمْ جَانِبكَ. وَآس بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالْإِشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاء فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَيْأْسَ الضُّعَفَاء مِنْ عَذَلِكَ. وَالسَّلام.

اللغة :

أستظهر : استعين. وأقمع : أقهر. والنخوة : الكبر. واللهاة : لحمة في سقف الحلق. والثغر : ما يهجم منه العدو. والضغث : الخلط. وآس ساو واعدل.

الإعراب :

ما كان «ما» مصدر ظرفية، وأرفق بالنصب خير كان، وفي بعض النسخ بالرفع، وهو خطأ، وآس فعل أمر، ولا ييأس عطف على لا يطمع.

المعنى :

لم يشر أحد من الشارحين الى اسم هذا العامل، ولا مصلحة دينية أو دنيوية في معرفته كي تتكلف البحث عنه ويظهر أنه من عباد الله الصالحين وذوي البأس والشجاعة لقول الإمام : (فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين الخ).. وهكذا الإمام الساهر على مصلحة الرعية يتتبع أخبار عماله، ويكافىء المحسن بالحمد والمعروف، والمسيء بالذم والوعيد.

(واخلط الشدة بضغث من اللين) اعتدل في معاملتك الناس، لا شدة ولا لين، بل بين بين، على أن الرفق أسلم، على أن الرفق أسلم من العنف لدينك ودنياك. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «الرفق يمن ما وضع على شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه». ولا تستعمل العنف إلا للقضاء على العنف، وحيث لا يغني عنه شيء. وكان بعض الملوك القدامى يجلس للناس وعلى الحائط قطعة كتب فيها تخط عريض: عندنا الشدة في غير عنف، واللين في غير ضعف، والمحسن يجازى بإحسانه والمسيء بإساءته، والأرزاق في حينها، لا حجاب عن صاحب ثغر ولا طارق اليل.

(واخفض للرعية جناحك) فإن التواضع يزيدك رفعة عند الله والناس (وآس بينهم الخ).. عليك بالمساواة بين الجميع حتى باللحظة والنظرة ليكون الضعيف على يقين بأنه في حصن حصين يحاكمه، وانك تنتصف له ممن يعتدي عليه كائناً من كان .. وفي الوقت نفسه يقف القوي عند حده ولا يطمع منك في المحاباة على حساب المستضعفين. وتقدم مثله بالحرف الواحد في أول الرسالة 26.

الرسالة - 46 -

حين ضربه ابن ملجم :

أوصيكُما بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُما، وَلَا تَأْسَفا عَلى شَيْءٍ مِنْهَا رُوِيَ عَنكُما. وَقُولَا بِالْحَقِّ. وَأَعْمَلَا لِلْأَجْرِ. وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَلِلْمَظْلُومٍ عَوْناً. أُوصِيكُما وَجَميعَ وَلَدِي وَأَهْلي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتابِي بِتَقْوَى اللهِ وَنَظْم أَمْرِكُمْ، وَصَلَاحٍ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سمِعْتُ جَدّ كما (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ : «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ»، وَاللهَ اللهَ فِي الْأَبْتَامِ فَلَا تَغِبُوا أَفْوَاهَهُمْ وَلَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ. وَالله اللهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنْهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرّثُهُمْ. وَالله اللهَ فِي الْقُرْآن لا يَسْقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ. والله الله في الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ. والله اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ لَا تُخْلُوهُ مَا بَقِيتُمْ فَإنه إن تُرِكَ لَمْ تُناظرُوا.

والله اللهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَعَلَيْكُمْ بِالتّواصلِ وَالتّبَاذُلِ. وَإِيَّاكُمْ وَالتّدَابرَ وَالتَّقَاطَعَ. لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ. يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أَلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاء الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ فِي إِلَّا قَاتِلي. أنظُرُوا إِذَا أَنَا مُتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ، وَلَا يُمثلُ بِالرَّجُلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ : «إيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ العَقُورِ».

اللغة :

لا تبغيا : لا تريدا. وزُوي : منع. وذات بينكم : حالكم، وقال ابن أبي الحديد : ولا تغبوا أفواههم: اطعموهم في كل يوم، وليس في يوم دون يوم، من أغب فلان أي زار يوماً، وترك يوماً. ولم تناظروا : لم ينظر اليكم باحترام. والتباذل : العطاء. والتقاطع والتدابر بمعنى. والمثلة : التشويه.

الإعراب :

وجميع مفعول معه لأوصيكما، ويجوز عطف جميع على ضمير التثنية المنصوب بأوصيكما، والله نصب على التحذير. وإياكم مفعول لفعل محذوف وجوباً أي إياكم احدر، واحذر التدابر على اضمار حرف الجر أي من التدابر.

المعنى :

(أوصيكما بتقوى الله). الخطاب الإمامين : الحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهذه

الوصية قالها حين اغتاله اللعين ابن ملجم، كما جاء في آخرها (وان لا تبغيا الدنيا الخ).. أي دنيا الحرام. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : من قال : قبح الله الدنيا قالت الدنيا له : قبح الله أعصانا لربه. (ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما) لأن الأسف لا يُرجع ما فات، ما فات، ولأن فوات المطلوب في بعض الأحيان يكون خيراً من نيله وإصابته، ولماذا الآلام والحسرات على ما أنت عنه في غنى؟.

(وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً) فإن كلاً من هذين فرض وحتم فعون المظلوم معروف يجب الأمر والعمل به، والظلم منكر يجب تركه والنهي عنه ومن أعان ظالماً او رضي بفعله فهو شريك له.. إن الظلم سيئة لا تقبل معه حسنة، وترك الظلم حسنة لا تضر معه سيئة بالنص الصريح عن النبي حيث قال : من أصبح لا يهم بظلم أحد غفر الله ما اجترم. رواه الكليني في «أصول الكافي». وتحدثنا مرات عن الظلم. أنظر شرح الخطبة 174 فقرة «لا اسلام مع ظلم».

(وصلاح ذات بينكم الخ) وصلاح ذات البين أن تصلح بين قوم تفاسدوا وتباعدوا، وتجعل قلوبهم واحدة، وكلمتهم متحدة و هذا العمل أفضل عند الله من جميع الصلاة والصيام وكل ما كان ويكون من ركوع وسجود، وتهليل وتكبير، لأن العبادة أمر خاص بين الانسان وخالقه، أما النزاع والخصام فأثره عام. حيث يؤدي حتماً الى المظالم والمفاسد، وضعف المجتمع وانحطاطه، وفشله وتخلفه، وتغلب الغزاة والطامعين على البلاد وتحكمهم بأرواح العباد ومقدراتهم وهل من شيء أدل على ذلك من أوضاعنا الشنيعة نحن العرب التي جرأت عدونا وعدو الانسانية أن يحتل جزءاً كبيراً من أرضنا في منطقة استراتيجية، يهدد كياننا وحاضرنا ومستقبلنا ؟.. وغريبة الغرائب أن لا يوجد في هذا العصر عربي قوي يُصلح ويجمع الشمل!. ولا سر - فيما نتصور - إلا ان مركز القيادة بيد الذين لا يستجيبون لكتاب ولا سنة ولا عقل وضمير إلا لأهوائهم وأغراضهم.

(الله الله في القرآن). تقدم في العديد من الخطب، منها الخطبة 18 و 108 و 174 وغيرها (والصلاة) تقدم في الخطبة 197 وغيرها (الله الله في بيت ربكم) تقدم في الخطبة 27 وكثير غيرها (ولا تتركوا الأمر بالمعروف الخ).. تقدم في الخطبة 154 وغيرها.

(لا تقتلن بي إلا قاتلي الخ).. قال عبد الكريم الخطيب في آخر كتابه

«علي بن أبي طالب» : «سئل الإمام في أمر ابن ملجم ؟ فقال : ان اعش فالأمر إلي، وان أصب فالأمر لكم، فإن اثر تم أن تقتصوا فضربة بضربة، وان تعفوا أقرب للتقوى.. أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه». وقال جورج جرداق : «لما قال له طبيبه اعهد يا أمير المؤمنين فإن الضربة قد بلغت أم الرأس - لم يتأفف ولم يتشكك، بل أسلم أمره الى الله، ثم أملى على الحسنين : لا تثار فتنة بسبب قتلي، ولا يهرق دم، وان تعفوا أقرب للتقوى». ومات في الأرض عظيم، وقام في الناس من تعاظموا !. فإذا هنا انسان يموت فيعلو، واذا هناك أناس يعيشون فيصغرون.

أما العقاد فقال في كتاب «عبقرية الإمام» : «ولد في الكعبة، وضرب في المسجد، فأية بداية ونهاية أشبه بالحياة بينهما من تلك البداية، وتلك النهاية» يريد ان حياة الإمام منذ النفس الأول حتى النفس الأخير هي لله وفي الله وحده.

الرسالة - 47 -

أيضاً الى معاوية :

وإنَّ البَغْيَ وَالزُّورَ يُذِيعَانِ بِالْمَرءُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيُبْدِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ. وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِك مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ. وَقَدْ رَامَ أَقْوَامُ أَمْراً بِغَيْرِ الْحَقِّ فَتَأُولُوا عَلى اللَّهِ فَأَكذَبَهُمْ. فاحْذَرْ يَوْمَا يَغْتَبِطُ فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ، وَيَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ فَلَمْ يُجَاذِبهُ. وَقَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكم القُرْآنِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ. وَلَسْنَا إِيَّاكَ أَجِبْنَا، وَلَكِنَّا أَجَبْنَا القُرْآنَ فِي حُكْمِهِ.والسلام.

اللغة :

يذيعان بالمرء : يفضحانه، وفي بعض النسخ يوتغان أي يهلكان. وتأوّلوا :

فسروا، وقال الشيخ محمد عبده : المراد هنا تطاولوا، وقال ابن أبي الحديد : حلفوا من الألية وهي اليمين. ويغتبط : يفرح.

الإعراب :

جملة يغتبط صفة ليوم، وإياك مفعول مقدم لأجبنا، والجملة خبر لسنا.

المعنى :

(وان البغي والزور الخ).. الإمام يخاطب معاوية بلغة الدين والأخلاق، والعقل والضمير، وهو لا يفهم ولا يسمع إلا لغة المنفعة والتمسك بالكرسي.. الإمام يقول له : الظلم والكذب يؤديان بك الى الفضيحة أمام الله والناس، وهو يقول : ثم ماذا ؟ اني أبحث عن الحكم لا عما يقول ويريد الله والناس.. ومعاوية يعلم أنه متى استتب له الأمر ساق الناس كالأغنام بأمواله وعطاياه.. وقد رأينا رأي العين كيف يصفق الانتهازيون والرعاع ويهتفون للطغاة.. وكلما ازداد الطاغية عتوا ازداد عدد المصفقين والهاتفين ! وقد أعلن الإمام ذلك بقوله : «همج رعاع أتباع كل ناعق».

(وقد علمت انك غير مدرك ما قضي فواته) وهو الطلب بدم عثمان، فإنه ذهب بموته، وانك تتستر به كذباً ونفاقاً (وقد رام أقوام امراً بغير الحق فتأولوا على الله فأكذبهم). الأقوام هم أصحاب الجمل، طلبوا الخلافة وتذرعوا بدم عثمان كذباً وافتراء تماماً كما فعل معاوية، وقد أكذبهم سبحانه، لأن مقاصده- تكشفت للناس، وافتضحوا عند الجميع بالعار والصغار

(فاحذر يوماً يغتبط فيه الخ)... ان لك ولكل إنسان يوماً يجزى فيه المحسن بالحسنى، والذين أساءوا بما عملوا (وقد دعوتنا الى حكم القرآن الخ). ونحن نستجيب لدعوته في كل حين وأياً كان الداعي، أما أنت فلست منه في شيء كي نستجيب لك. قال عبد الرحمن بن الجوزي في كتاب «صيد الخاطر»

ص 385 : كيف يحل لمسلم أن يظن في أمير المؤمنين علي فعل ما لا يجوز.. أنما قاتل بالدليل المضطر له الى القتال، فكان على الحق، ولا مختلف العلماء ان عليا لم يقاتل أحداً إلا والحق معه، كيف وقد قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : (اللهم أدر الحق مع علي كيفما دار».

الرسالة - 48 -

الدنيا مشغلة :

أما بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً إلا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا وَلَهجَا بِهَا، وَلَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُها بِمانقَالَ فيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغُهُ مِنْهَا. وَمِنْ وَرَاء ذَلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَنَقْصُ مَا أَبْرَمَ وَلَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظَتَ مَا بَقِيَ وَالسَّلَامُ.

اللغة :

المشغلة : ما يشغل. ولهجاً : ولعاً. ونقض : هدم وحل. وأبرم : أحكم.

المعنى :

من كانت الدنيا كل همه واهتمامه أعمته عن غيرها، وأصيب بداء الطمع والولع ها، وكلما أصاب منها شيئاً ازداد لهفة على الغائب.. وفي ذلك يقول الإمام : منهومان لا يشبعان طالب علم، وطالب مال والدليل أصحاب الملايين في هذا العصر. انهم يحاولون جاهدين أن يوجهوا كل شيء الى زيادة الأرباح، وكل ما في الدنيا

الى شركة مساهمة، ولو عم الخراب والدمار شرق الأرض وغربها، ولم تتسع الأرض لأطماعهم فصعدوا الى القمر بحثاً عن المال وتحقيق الآمال.

والنتيجة (فراق ما جمع - الطامع - ونقض ما أبرم) بالموت أو الآفات، كما قال الإمام : لكل امرىء في ماله شريكان : الوارث والحوادث. وقال : من طلب الدنيا طلبه الموت، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه منها (ولو اعتبرت بما مضى) من عمرك وأيام حياتك، وأنك الآن لا تحس بشيء مما كنت فيه (حفظت ما بقي) من أيامك القليلة وتبت الى الله، وأحسنت وأصلحت.

الرسالة - 49 -

لا سر دونكم إلا في حرب :

مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ المَسَالِح :

أما بَعْدُ فَإِنَّ حَقًّا عَلَى الْوَالِي أَنْ لَا يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ وَلَا طول خُصَّ بِهِ، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ نِعَيهِ دُنُوًّا مِنْ عِبَادِهِ وعطفاً عَلى إخْوَانِهِ. أَلَا وَإِنَّ لَكُم عِنْدِي أَنْ لَا أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرًّا إلَّا فِي حَرْبٍ، وَلَا أَطْوِيَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلَّا فِي حكم. وَلَا أُؤخّرَ لَكُمْ حَقًّا عَنْ مَحَلِّهِ، وَلَا أَقفَ بِهِ دُونَ مَقْطَعِهِ، وَأَنْ تَكُونُوا عِندِي في الحَقِّ سَوَاء، فَإِذَا فَعَلْتُ ذلِكَ وَجَبَتْ لِلهِ عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ وَلِيَ الطَّاعَةُ، وَأَنْ لَا تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ، وَلَا تُفَرِّطُوا فِي صَلَاحٍ، وَأَنْ تَخُوضُوا الغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ. فَإِنْ أَنتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا

عَلى ذلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ ممَّنِ أَعْوَجَ مِنْكُمْ، ثُمَّ أعْظِمُ لَهُ العُقُوبَةَ، وَلَا يَجِدُ فِيهَا عِندِي رُخصةً. فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ، وَأعْطُوهُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَكُمْ.

اللغة :

المسالح : مواضع السلاح أي الثغور. والطول : القدرة والغنى والفضل والعطاء. واحتجز : اكتم ومنع. ومقطع الحق : ما يقطع به الباطل. ولا تنكصوا عن دعوة : لا تتأخروا عنها. والغمرات : الشدائد.

الإعراب :

المصدر من أن لا يغيره خبر ان حقاً، ودنواً تمييز، والمصدر من أن لا أحتجز، اسم ان لكم، فإن أنتم لم تستقيموا «ان»، فإن أنتم لم تستقيموا «ان» الشرطية دخلت على فعل محذوف يفسره الفعل الموجود أي فإن لم تستقيموا أنتم لم تستقيموا.

المعنى:

كتب الإمام هذه الرسالة الى قادة الجيش وأمرائه، وابتدأها بقوله : (فإن حقاً على الوالي الخ).. الولاية تكليف لا تشريف، وخدمة لا سيادة، فإن كان للوالي من فضل فهو في إخلاصه وحسن تدبيره للرعية، وفي تقديره لنفسه بأضعف الضعفاء منها، ودفع الظلم والأذى عنها.

(وان لكم عندي ان لا أحتجز الخ).. أنتم اخواني أتعاون معكم على خير الاسلام والمسلمين، ولا أخفي عنكم أي سر إلا اذا دعت الحاجة والمصلحة الى الخفاء والكتمان كخطة الحرب والقتال خرذاً أن تتسرب الى العدو، فتتعرضوا

أنتم والبلاد للخطر والهلاك.. وهكذا فعل الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قبل أرسل أول سرية مسلحة لاعتراض قوافل قريش بقيادة عبدالله بن جحش الأسدي وكتب كتاباً سلّمه له، وأمره أن لا يفتحه إلا بعد ليلتين من بداية انطلاقه للقيام بهمته. ويدلنا هذا ان التكتم والتمويه في التخطيط والعمليات الحربية ليس من مبتكرات الغرب، وان المسلمين هم السابقون الأولون الى ذلك.

(ولا أطوي دونكم أمراً إلا في حكم) على أحد الخصمين المترافعين لدي وأيضاً يدل هذا على ان الاسلام سبق الشرائع الوضعية في حكمه بأن القاضي لا يجوز له أن يبدي رأيه في الدعوى التي ينظرها إلا بعد انتهاء المرافعة وعند إعلان الحكم، وان للطرف الآخر أن يطعن في الحاكم وحكمه اذا كان قد أبدى رأيه من قبل (ولا أؤخر لكم حقاً) مادياً كان كالراتب والعطاء، أو أدبياً كالتقدير والرتبة (ولا أقف دون مقطعه) بل أبت به بلا تأخير ومماطلة (وان تكونوا عندي في الحق سواء) بلا تفاضل ومحاباة لقوي أو قريب.

(فإذا فعلت ذلك) أي أديت لكل ذي حق حقه كاملاً ومعجلاً (وجبت لله عليكم النعمة) وأية نعمة أعظم من نعمة الحاكم العادل الذي يأمنه البريء، ويخافه المجرم، ويقوى به الضعيف المحق، ويضعف القوي المبطل ؟ (ولي عليكم الطاعة) لأن طاعة الحاكم العادل هي طاعة الله، لا لذات الحاكم وكرسي الحكم (وان لا تنكصوا عن دعوة) لأن دعوتي، والحال هذه، هي دعوة الله والحق (ولا تفرطوا في صلاح) وهو الجهاد وصيانة الحدود من العدو (وان تخوضوا الغمرات الى الحق) وهو الدفاع عن البلاد، والاستمائة في سبيلها.

(فإن أنتم لم تستقيموا الخ).. هذا تهديد ووعيد لمن يقصر ويتهاون في الجهاد وواجبات الجندية، وان الإمام يأخذه بأقسى العقوبات وأشدها، لأنه يعرض الأرواح والأموال للخطر والهلاك (خذوا هذا الخ).. وهو الحق والعدل من الإمام، وأعطوه النصيحة والطاعة، وبذلك تستقيم الأمور، ويعيش الناس في هناء وأمان.

وبعد، فإن الإمام العادل هو الذي يقهر هواه، ويحب الناس، كل الناس، ويخلص لهم، ولا يرى لنفسه وذويه أي امتياز، بل يقدرها بأضعف الضعفاء.

منهم، ويأخذ من قويهم لضعيفهم، ومن غنيهم لفقيرهم، ويساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، ولا يعاقب أحداً إلا بما ظهر منه، وثبت عليه.. ومتی توافرت هذه الخلال في الحاكم وجب على الرعية أن تسمع له وتطيع وإلا فلها بل عليها أن تتمرد وتثور أمراً بالمعروف و نهياً عن المنكر.

الرسالة - 50 -

الى أصحاب الخراج :

مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْخَرَاج:

أما بَعْدُ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ لَمْ يُقَدِّمَ لِنَفْسِهِ مَا يُخْرِزهَا. وَاَعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلِّفْتُمْ يَسِيرٌ وَأَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ. وَلَوْ لَمْ يَكُن فيما نهى اللهُ عَنْهُ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لاَ عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ. فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنفُسِكُمْ. وَأَصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ فَإِنَّكُمْ خزَّانَ الرَّعِيَّةِ وَوَكَلاَءُ الْأُمِّةِ وَسُفَرَاء الأئمة. وَلاَ تَحْسِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ، وَلَا تَحْبِسُوهُ عَنْ طِلْبَتِهِ وَلا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاج كِسْوَةَ شِتَاءِ وَلاَ صَيْفٍ، وَلَا دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا وَلَا عَبْداً، وَلَا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لَمَكَانِ دِرْهَم وَلَا تَمَسُّنّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلِّ وَلَا مُعَاهَدٍ، إلَّا أَنْ تَجِدُوا

فرساً أو سلاحاً يُعْدَى بِهِ عَلى أَهْلِ الْإِسْلامِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاء الْإِسْلامِ فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ. وَلاَ تَدَّخِرُوا أَنفُسَكُمْ نَصِيحَةً، وَلَا الْجُندَ حُسْنَ سِيرَةٍ، وَلَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً، وَلَا دِينَ اللَّهِ قُوَّةً. وَأَبْلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا اسْتَوجَبَ عَلَيْكُمْ، فإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِندَنَا وَعِندَكُمْ أَنْ تَشكُرَهُ بِجُهْدِنَا وَأَنْ نَنصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

اللغة :

يحرزها: يحفظها. والسفراء : الرسل والممثلون. وتحسموا : تمنعوا، تمنعوا، وفي بعض النسخ لا تحشموا أي لا تغضبوا. ويعتملون عليها : يضطربون في العمل عليها كبقرة الفلاحة. والشوكة : القوة. وأبلوا : أدوا.

الإعراب :

مصل ولا معاهد بدل من الناس، والمصدر من أن يدع فاعل ينبغي، والمصدر من أن نشكره مفعول اصطنع لأن المعنى انه تعالى طلب منا أن نصنع له الشكر بالجهد والكد.

المعنی:

كتب الإمام الى جباة الأموال : (أما بعد، فإن من يحذر ما هو صائر إليه الخ). من نظر بعين العقل الى عاقبة الفعل قبل أن يقدم عليه، وتدبره على حقيقته نال خيره ونجا من شره، ومن فعل بلا فكر وروية فقد عرض نفسه للمهالك (واعلموا ان ما كلفتم به يسير، وان ثوابه كثير) لأن المال به

عمارة الدنيا، وصيانة الدين وقوته.. وإذن مها عانيتم أيها الجباة من المتاعب فهما هي بشيء بالقياس الى مرضاة الله وثوابه شريطة أن تقوموا بالواجب على الوجه الأكمل.

(ولو لم يكن فيما نهى الله عنه الخ) لو افترض انه لا ذم ولا عقاب على ترك القبيح، ولكن في تركه مدح وثناء، لو افترض هذا لكان الترك أولى وأفضل، فكيف إذا كان العقاب على فعل القبيح مؤكد ومحقق ؟ وقريب من هذا قول الإمام في كلماته القصار : لو لم يتوعد الله على معصيته لكان يجب أن لا يعصى شكراً لنعمه (فإنكم خزان الرعية الخ).. تجتمع في الجباة صفات ثلاث : الأولى انهم يجمعون الأموال من الرعية لتنفق في مصالحها. الثانية انهم وكلاء من قبل الأمة. الثالثة انهم رسل الأئمة.. وكل واحدة من هذه الثلاث تستدعي الأمانة والإخلاص، ومتى انتفت الأمانة عن الجباة فسدت الأوضاع، ودب الضعف والوهن في كيان الرعية:

(ولا تحسموا أحداً عن حاجته). لكل انسان حاجة في الحياة الدنيا، ولكل حاجة سبيل، فإن كنتم السبيل الى إدراك حاجة محتاج فكونوا له عوناً على سدها وقضائها. وفي الحديث : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أكثر سروراً بقضاء حاجة المحتاج اذا وصلت اليه - من صاحب الحاجة نفسه (ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة الخ).. لا ضريبة على ما يحتاج اليه الانسان من غذاء وكساء ومسكن وأثاث وآلة وحيوان، وأيضاً لا تجوز مصادرة شيء من ذلك لوفاء ضريبة سابقة، ويمهل المعسر الى ميسرة هذا ما فهمناه من ظاهر الكلام وإطلاقه، أما فقهاء الإمامية فإنهم يوجبون على المدين للناس أن يبيع جميع ما يملك لوفاء ديونه إلا دار السكنى وقوت يوم وليلة له ولعياله، وثيابه وثيابهم وما يحتاج اليه من كتب العلم ان كان من أهله. وأدلة وجوب الوفاء عامة تشمل الدين لبيت المال وغيره، ولا بد للتخصيص من دليل.

(ولا تضربن أحداً الخ).. يجب الرفق في تحصيل المال، ولا تجوز القسوة بحال لا ضرباً ولا شتماً ولا شيء يؤذي ويسيء، والمراد بالمصلي أهل القبلة، وبالمعاهد أهل الذمة والمشرك اذا دخل بلاد الاسلام بإذن وعهد (إلا أن تجدوا فرساً أو سلاحاً يعدى به على أهل الاسلام الخ).. أجل، اذا دخل بلاد المسلمين غريب عنها وعن الاسلام، وكان معه أي شيء يستعمل في الحرب،

واشتبهتم في أمره لقيام القرائن على الريب - اذا كان هذا جاز لكم أن تصادروا ما يكون سبباً للتخريب وقوة العدو.. وعلى هذا كل الشعوب والدول قديماً وحديثاً.

(ولا تدخروا أنفسكم نصيحة الخ).. تناصحوا بالحق، وتواصوا بالتقوى أنتم والجند والرعية، وأدوا ما عليكم من واجبات لله، وأطيعوه واشكروه بالجهاد ونصرة الحق.

وبعد، فإن جباية الأموال مهمة صعبة تحتاج الى الصبر والمرونة، والإخلاص والأمانة، والعلم بالحقوق المالية الشرعية، ما هي ؟ ومنى تجب ؟ وعلى من وكيف تؤخذ ممن هي عليه اذا امتنع أو عجز ؟ وكانت هذه الأموال وجبايتها سبباً أو من الأسباب الموجبة لحروب الردة في عهد أبي بكر.

الرسالة - 51 -

أوقات الصلاة :

أَما بَعْدُ فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظُّهْرَ حَتَّى تَفِيء الشَّمْسُ مِنْ مَرْبَضِ الْعَنْزِ وصلوا بهِمُ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاء حَيَّةٌ فِي عِضْوٍ مِنَ النَّهَارِ حِينَ يُسَارُ فِيهَا فَرْسَخَانِ. وَصَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرِبَ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ وَيَدْفَعُ الْحَاج وصلُّوا بهِمُ العِشَاءِ حِينَ يَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. وَصَلُّوا بِهِمُ الغَدَاةَ وَالرَّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ. وَصَلُّوا بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ وَلَا تَكُونُوا فَتَّانِينَ.

اللغة :

تفيء : تميل الى جهة الغرب، ويُعرف ذلك إذا حدث الظل للشيء المعتدل المنصوب في أرض مسطحة. ومريض العنز : مرقدها، والمعنى إذا بلغ ظل الشيء مقدار مرقد عنز فقد دخل وقت صلاة الظهر في جميع البلدان دون استثناء، لأن في بعضها يدخل هذا الوقت قبل أن يبلغ الظل هذا المقدار، وفي بعضها الآخر لا يدخل إلا إذا بلغ الظل مقدار مرقد عنز - هكذا يقال - وبيضاء حية.

لم تصفر بعد. والمراد بعضو النهار جزء منه، ومقداره أن يسير الإنسان سرا سعتاداً ومعتدلاً فرسخين، والفرسخ 5760 متراً. والشفق : الحمرة في الأفق بعد غروب الشمس. وفتانين : مثيرين للفتنة بأسباب منها تطويل الصلاة الموجب لنفرة الناس بخاصة الضعفاء.

الإعراب :

الظهر مفعول مطلق الصلوا، لأن المعنى صلوا صلاة الظهر، وحية صفة لبيضاء.

المعنى :

(فصلوا بالناس الظهر الخ).. ابتدأ بصلاة الظهر تبعاً للآية 78 من سورة الإسراء : «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ»، والمراد بالدلوك هنا الزوال، وفي الحديث : ان الظهر أول ما فُرض من الصلاة في الإسلام، ثم رتب عليها غيرها. وأشرنا في فقرة اللغة الى المراد من مريض العنز (وصلوا بهم العصر الخ).. قبل أن تصفر الشمس تصفر الشمس، وهذا الوقت للاستحباب، لأن وقت العصر يمتد الى غسق الليل بنص الآية 78 من سورة الإسراء (وصلوا بهم المغرب الخ).. عند غروب الشمس (وصلوا بهم العشاء الخ).. بعد ذهاب الحمرة من الأفق. وأيضاً هذا للاستحباب حيث تجوز الصلاة بعد الغروب بمقدار صلاة ثلاث ركعات (وصلوا بهم الغداة الخ).. بعد طلوع الفجر. والتفصيل في كتب الفقه.

الرسالة - 52 -

عهد الأشتر.. فقرة 1 - 2 :

هُذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ في عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ : جَبَايَةَ خَراجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا واستصلاح أهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلادِهَا. أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتَّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ : مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ التي لا يسْعَدُ أحدٌ إِلَّا بِاتّبَاعِهَا، وَلَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفّل بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَيَزِعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوه إِلَّا مَا رَحِمَ اللهُ (1). ثُمَّ أَعْلَم يَا مَالِكُ أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلُ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ

فِي مِثْلِ مَا كُنتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الوِلَاةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنتَ تَقُولُ فِيهِمْ. وَإنما يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللهُ لَهُمْ عَلى أَلْسُنِ عِبَادِهِ. فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الدَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. فامْلِكُ هَوَاكَ، وَشُحٌ بِنَفْسِكَ عَما لاَ يَحِلُّ لَكَ، فَإِنَّ الشَّحَّ بِالنَّفْسِ الْأَنصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ (2).

اللغة :

يكسر نفسه: يقهرها. ووزع : منع. والجمحات : من جمح الفرس بصاحبه إذا تمرد عليه.

الإعراب :

جباية وما بعدها بدل اشتمال من مصر، والمصدر من ان ينصر الله مجرور بالباء المحذوفة أي أمره بنصر الله سبحانه.

المعنى:

هذه الرسالة تلقاها مالك الأشتر من الإمام حين ولاه على مصر، وتعرف بعهد الأشتر، وأخذ هذا العهد حظاً كبيراً من اهتمام العلماء العرب وغير العرب قدماً وحديثاً، ومنهم مستشرقون، ومنهم مستشرقون، ونقل المؤلفون وكتاب المقالات العديد من فصوله، أما الذين شرحوه باللغة العربية وغيرها فكثيرون، وذكر السيد الشهرستاني أسماء عشرة منهم في أول كتاب «الراعي والرعية»، للأستاذ الفكيكي، وما لدي من الشروح إلا الراعي والرعية بالإضافة الى ابن أبي الجديد وميثم.

وكان الأشتر من زعماء العرب وفرسانهم وأكياسهم، ومن رؤوس الشيعة الموالين لأهل البيت، وكان الإمام يعتمد عليه ويدخره للمهمات، وقال فيه من

جملة ما قال : «كان لنا ناصحاً، وعلى عدونا شديداً، وقال في الرسالة 13 : «ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته». ويكشف هذا التقريض ان الأشتر كان يجمع بين العلم والعقل والإخلاص، بالإضافة الى الشجاعة والفروسية.

وليس من قصدي أن أطيل وأفيض في شرح هذا العهد اليتيم، كما هي عادتي في كل ما كتبت خوفاً من ملل القارىء وسأمه.. ولكني أحاول جاهداً أن أبرز المعاني الأساسية والمزايا الهامة، ومدى تأثيرها في الحياة. وخير الكلام ما قل لفظه، وكثرت فوائده.

ابتدأ الإمام هذا العهد بتحديد السلطة التي أسندها للأشتر، وهي أربعة أمور: الأول : (جباية الأموال) وهي من الوظائف المالية. الثاني : (جهاد العدو) الشؤون الحربية. الثالث : (استصلاح حال المواطنين) ويشمل الأمن والثقافة والصحة ووظائف الدولة والخدمات، وما الى ذلك من الشؤون الاجتماعية الرابع : (عمارة البلاد) وتعم الزراعة والصناعة والتجارة والإسكان والمواصلات.

ثم أمره بما يجب على كل حاكم في كل العصور (أمره بتقوى الله وإيثار طاعته الخ).. العلم بلا تقوى لا يحل مشكلات الحياة، بل يزيدها تعقيداً وماذا فعل العلم بإنسان القرن العشرين ؟.. لقد غير العالم القديم، ما في ذلك ريب، وهبط بالانسان على سطح القمر.. ولكنه أودى بحياة الملايين، وروع الآمنين ونهب أقوات الضعفاء، وشرد ملايين الأطفال والنساء، وبات يهدد بأسلحته كوكبنا هذا الذي نسكنه بالخراب والدمار.. ويستحيل أن تعمر البلاد، ويسعد أهلها، وترى الانسانية شيئاً من الخير إلا بالإخلاص والتقوى.

(اني قد وجهتك الى بلاد الخ).. كل بلد رأى كل بلد رأى من حكامه شراً وخيراً : ولكن معظم الحكام والزعماء من الأشرار، وأما الأخيار فأقل من القليل (وان الناس ينظرون - الى - تقول فيهم). لا سلطان للملوك والأمراء على نوايا الناس وأرواحهم، ولا على ألسنتهم وأفكارهم.. وهم ينطقون بمظالم الحاكم وعيوبه، وبالأمس كنت يا مالك تعيب وتنتقد بعض الولاة، فاجتهد ما استطعت في أن لا تدع سبيلاً عليك للقالة والملامة.

(وإنما يستدل على الصالحين الخ).. المقياس الصحيح لعدل الحاكم رضا الضعفاء عنه الذين لا عم ولا خال إلا العدل والحق (فاملك هواك وشح بنفسك) اردعها عن الشر ان أحبته ومالت اليه، وادفعها الى الخير ان كرهته وصدت عنه، وبهذا وحده تنتصف منها، وتسلك بها طريق النجاة والأمان.

كل الناس من تراب.. فقرة 3 – 5:

وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَالطَّفَ بهم. وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبْعاً صَادِياً تَغْتَنِمُ أَكَلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِما أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإما نَظِيرُ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ العِلَلُ، ويؤتى عَلَى أَيْدِيهِمْ في العَمْدِ والخَطَا فَأعْطِيهِمْ مِنْ عفوكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ. وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ (3). وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللهِ فَإِنَّهُ لَا يَدَيْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ، وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوِ ولَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ، وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً، ولَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤمرٌ آمُرُ فَأَطَاعُ فَإِنَّ ذلِكَ إِدْهَالُ فِي الْقَلْبِ ومَنْهَكَةُ لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغَيْرِ. وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنتَ ففِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أبهَةً أَوْ مَخِيلَةٌ فَانظُرْ إِلَى عِظَمٍ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ

إلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ، وَيَفِيء إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ (4). إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللَّهِ فِي عَظَمَتِهِ وَالتَّشَبَّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَيُبينُ كُل مُختال. أنصف الله وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوَى مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تظلم، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ الله كان الله خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ لِلهِ حَرْباً حتى يَنْزِعَ وَيَتُوبَ. وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلى ظُلم، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بالمرصاد (5).

اللغة :

سبعاً ضارياً : جريئاً على الافتراس. واستكفاك : طلب منك أن تصل- تصلح شؤونهم بأمره. وتبجحن : تفرحن. والمندوحة : السعة والفسحة. والأسهة : الكبرياء. والمخيلة : العجب. ويطامن : يسكن ويخفف. وطاحك : جماحك وغربك : حدتك. ويفيء : يرجع. وعزب : غاب. والمساماة : المباراة في السمو. وجبروته : قدرته وعظمته. وأدحض : أبطل.

الإعراب :

ما أنت فيه «ما» فاعل أحدث، وأنت فيه مبتدأ وخبر، والجملة صلة «ما» وأبهة مفعول، واياك مفعول لفعل محذوف أي إياك احذر.

محبة الحاكم للرعية

(وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة الخ).. محبة الحاكم لرعيته ضرورة تماماً كالعدل، وأي حاكم يلزم نفسه بالمحبة والعدل - فإنه يجعل من رعيته أصدقاء له وأحباء حتى ولو كان على غير دينهم، وبهذا تستقيم له الأمور، ويعم الأمن والهدوء بلا جيوش وجنود، لأن كل واحد من رعية السائس العادل هو قوة له وعدة، وجندي يحافظ ويدافع. وقد أثنى سبحانه على نبيه الكريم بقوله : «عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ - 128 التوبة». وأي حاكم لا ينفذ له أمر إلا بالقوة فهو من الخاسرين دنيا وآخرة.

(فإنهم صنفان : إما أخ لك الخ).. على الانسان أن لا يعتدي ويسيء الى أخيه الانسان بشيء، وان ينصفه من نفسه، ويكون عوناً له على ظالمه سواء أكان على دينه أم على دين الشيطان. قال الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لشيعته : ردوا الأمانة الى أهلها وان كانوا مجوساً. وقال له أحد أصحابه وأتباعه : وقع لي مال عند يهودي، فكابرني عليه وحلف، ثم وقع له عندي مال فهل آخذه عوضاً عن مالي وأجحده وأحلف عليه، كما صنع ؟ فقال الإمام : اذا خانك فلا تخته، ولا تدخل فيها عبته عليه.

المسلم والدول الإسلامية :

وبهذه المناسبة نشير الى أن الأوائل من حكام المسلمين كانوا يعاملون أي مسلم يدخل بلادهم معاملة المواطن الأصيل في جميع الحقوق والواجبات بصرف النظر عن بلده وجنسه ولغته، فلا يُسأل عن الإذن والجواز، ولا يمنع من الإقامة والتجارة، فكان المسلم الهندي والتركي والعربي والفارسي بنتقل بملء إرادته حيث شاء من البلاد الإسلامية ودولها، ويتمتع بجميع الحقوق السياسية والمدنية والطبيعية.. وأيضاً عليه واجبات متساوية مع المواطن الأصيل، وللحاكم أن يجبره على حمل السلاح والدفاع عن الرعايا المسلمين ما دام في بلدهم (نظام الحكم الإسلامي المحمود حلمي).

(يفرط الزلل - الى - عفوه وصفحه). كل الناس يخطئون، ومن الذي

تخلو صحيفته من هفوة ؟ ما دام يعيش مع الناس، ويحتك بهم.. حتى الذي يعيش معتزلاً قد يخطىء ويقصر بحق خالقه، ولكنه تعالى يعفو ويصفح عمن يطلب منه العفو والصفح. قال، عز من قائل : «يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا - 53 الزمر». فجدير بالعبد أن يعفو عمن أساء اليه. والعاقل يعامل الناس كأنه لا عدو له فيهم ولا حاسد، وليس من شك ان الغلبة للحليم.

(فإنك فوقهم) كأمير (ووالي الأمر عليك فوقك) لأنه اختارك وعينك (والله فوق من ولاك) لأن الكل في قبضته، فأنا وأنت والرعية جميعاً متساوون في العبودية لله والافتقار الى رحمته وعنايته. فلماذا التكبر ؟ وعلى من ؟ (واستكفاك أمرهم وابتلاك بهم). الخلق أمانة الخالق عند الحاكم يمتحنه سبحانه ممتحنه سبحانه بهم، فإن ساسهم بالحسنى كافأه بأحسن منها، وإلا حقت عليه كلمة العذاب.

(ولا تنصين نفسك لحرب الله - الى - مندوحة). لا تحدث نفسك بمعصية الله، فيحل عليك غضبه وعذابه، ولا طاقة لك على دفعه وتحمله.. وأيضاً لا غنى لك بمال أو جاه عن عفو الله ورحمته، وان عفوت عمن أساء إليك فلا تندم على ما فعلت،، فإن العفو خير وفضل.. وأيضاً لا تفرح إذا شفيت غيظك من عدوك، واذكر قوله تعالى : «وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى - 237 البقرة» ولا تعتدي على مخلوق حتى ولو كان بمثل ما اعتدى عليك، ان لم يكن العفو تشجيعاً له على الشر والعدوان.

(ولا تقولن : إني مؤمر الخ).. أي أمير، والمراد بالإدغال الإفساد، وبالمنهكة الضعف : وبالغير - بكسر الغين - نوائب الدهر، والمعنى لا تغتر بمنصب الرئاسة، وتقول : أنا الأمير الأمر الناهي، وما على الناس إلا أن يسمعوا ويطيعوا، لأن هذا غرور يفسد القلب، ويضعف الدين، ويلقي بصاحبه الى التهلكة.

(واذا حدث لك - الى - عقلك). اذا اذا نفخ الشيطان في أنفك من الكبر، ووسوس في خيالك انك شامخ وعريض «تحكي انتفاخاً صورة الأسد»، كما قال الشاعر الساخر، اذا حدث لك شيء من هذا فاستعذ بالله من الشيطان، وتذكر عظمة الله التي لا يدانيها شيء، وانك في قبضته لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً

إلا ما شاء الله.. وعندئذ يكف الشيطان، ويذهب لشأنه لشأنه، وترجع أنت الى رشدك وعقلك.. ونكتشف من هذه الموعظة البالغة ان السبيل الوحيد الى رياضة النفس على التواضع - ان يكون عقل العبد أبداً ودائماً مع الله في قدرته وسلطانه وانه لا دواء لمرض القلوب إلا معرفة الله سبحانه في كماله وجلاله.

(اياك ومساماة الله الخ) دع التعاظم فإنه جهل وسفه.. والعظمة الله وحده، ومن تطاول اليها أذله وأخزاه، ومن وضع نفسه دون منزلتها رفعه الله والناس فوق ما يستحق (أنصف الناس من نفسك الخ).. كل من يعترف بالحق ويعمل به، له كان أم عليه فقد أنصف الناس من نفسه وأهله وأصدقائه (فإنك إلا تفعل الخ).. الله عادل، ما في ذلك شك، واذن فمن ظلم وجار فقد عاند الله بالذات، واستحق منه المقت والهوان دنيا وآخرة.

رضا الرعية.. فقرة 6 – 7:

وليَكُنْ أَحَبُّ الْأُمورِ إِلَيْكَ أوْسَطَهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمَّها فِي الْعَدْلِ وأجمعَهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخطَ العَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصةِ، وَإِنَّ سُخطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضى العَامَّة. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ على الْوَالِي مَؤونَةً فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاء، وَأَكرَة لِلْإِنصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكراً عِندَ الْإعْطَاء، وَأَبْطَأ عذراً عِنْدَ المَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْرًا عِنْدَ مُلمّاتِ الدَّهرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ، وَإنّما عِمَادُ الدِّينِ وَجَمَاعُ المُسْلِمِينَ وَالْعُدَّةُ الْأَعْدَاءِ العَامَّةُ مِنَ الأمّة، فَلْيَكُن صَغَرُكَ لهُمْ ومَيْلُكَ مَعَهُمْ (6). وَليَكُنْ أَبْعَدُ رَعِيّتِكَ منكَ وَأَشْنَؤهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبَهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الوالي أحقُّ مَنْ سَتَرَهَا. فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا فَإِنما عَلَيْكَ

تطهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ، وَاللَّهُ يَحْكُمُ عَلى مَا غَابَ عَنْكَ. فَاسْتُرِ العَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ. أَطْلِقُ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ. وَأَقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ، وَتَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لا يَضِحُ لَكَ، وَلَا تَعْجَلَنَّ إلى تَصْدِيقِ سَاعَ فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ (2).

اللغة :

الإجحاف : النقص الفاحش. والإلحاف : الإلحاح. الملمات : الشدائد وجماع المسلمين : جماعتهم. واشنأهم : أبغضهم. والوتر : الحقد. وتغاب تجاهل وتغافل. والساعي : النمام.

الإعراب :

مؤونة تمييز، ومثلها معونة وشكراً وعذراً وصبراً، ومن أهل الخاصة متعلق بأثقل، والعامة خبر عماد الدين وما عطف عليه، وتغاب فعل أمر مبني على حذف حرف العلة.

المعنى:

(وليكن أحب الأمور اليك أوسطها في الحق). المراد بالأوسط هنا المعتدل، ومعنى الاعتدال في استعمال الحق أن لا يطغى سلطان حق على سلطان حق آخر، وان يمارس الإنسان حقه في حدود المحافظة على حقوق الآخرين، فللراعي - مثلاً - حق الطاعة على الرعية، ولكن في حدود مصالحهم وما يعود عليهم بالنفع والخير، وأيضاً على الراعي أن يستجيب لمطالب الرعية، ولكن في نطاق

الاحتفاظ بهيبة الحكم وسيادته بحيث لا يكون مغلوباً على أمره. وبهذا يحصل التوازن بين الحقين في غير عنف وتعسف.

الديمقراطية :

(وأعمها في العدل) أي على الراعي قبل كل شيء أن يعمل لمصلحة الجميع بلا استثناء، فإن تعذر عليه أخذ بالأهم الأعم، وهو مصلحة الأكثرية (فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة) إذا طلبت الأقلية من الحاكم أن يغدق عليها الامتيازات التي تمكنها من رقاب الأكثرية واستغلالهم - فعليه أن يرفض ولا يستجيب، أما من الوجهة الدينية فواضح لمكان الظلم والجور، واما من الوجهة السياسية فلأن سخط العامة يهز كيان الدولة بالاضرابات والمظاهرات، وربما بالثورة المسلحة، ورضا الخاصة لا يجدي شيئاً في هذه الحال، والعنف يزيد النار اشتعالاً. أما سخط الأقلية فلا يترتب عليه أي محذور، ومن أجل هذا فهو مغفور، بل مشكور في جانب رضا العامة، وهذا ما أراده الإمام بقوله : (وان سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة).

وقال المشترع الفرنسي الشهير «مونتسكيو» في كتابه «روح الشرائع»، الذي ترك أثراً بالغاً في عالم التشريع حتى يومنا هذا، وترجم الى جميع اللغات الأوروبية، وكثير غيرها غيرها،، منها العربية، قال : تنقسم الحكومات الى أنواع : الحكومة المستبدة، وهي التي يحكمها فرد واحد بلا قانون و نظام، ويحمل الجميع على إرادته وأهوائه. والحكومة الملكية، ويحكم فيها واحد، ولكن وفق قوانين مقررة ثابتة. والحكومة الارستقراطية، ويحكم فيها فريق خاص. والحكومة الديمقراطية، ويحكمها الشعب.

وهذه الحكومة الديمقراطية تنشدها جميع الشعوب، ويؤمن بها كل فيلسوف ومشترع يهدف الى الخير والصالح العام، ويتغنى بها الأدباء والشعراء الأحرار ونصت عليها في المادة الأولى الدساتير التي وضعتها المجالس النيابية في الشرق والغرب، وهي بالذات التي عناها الإمام بقوله : (فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وان سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة). ومعنى هذا في واقعه ان الحاكم وكيل عن الجماعة لتأمين غاياتها وأهدافها، وممثل للسلطة لا مالك لها، وانه يبقى في الحكم ما دام أميناً ومخلصاً.

التسلط الطبقي :

ثم أشار الإمام الى مساوىء الخاصة، وهم الذين يتسلطون على غيرهم بالوراثة أو الجاه أو المال، وكان الناس من قبل يسمونهم أو هم يسمون أنفسهم بالأشراف والنبلاء، أشار الإمام الى مساوئهم بقوله : (وليس أحد من الرعية أثقل الخ).. أبداً لا شيء عند هذه الفئة إلا إرهاق الحاكم بمطالبهم وأطماعهم التي لا يحدها شيء، أما الرعية في نظرهم فعبيد يساقون الى مهاوي البؤس والمدلة، ليعملوا ليل نهار كي يتدفق الذهب الأسود، ويتقاسموه مع الشركات والاحتكارات التي يستمدون منها وجودهم ونفوذهم.. ولا شيء أثقل على قلوبهم من كلمة العدل والمساواة. وعندنا منهم الكثير! ودعوتهم اليوم - بلسان أذنابهم - أن يقف العرب مع! اسرائيل تحت مظلة الولايات المتحدة، لأنها هي وحدها تؤمن للعرب الأمن وتطهرهم من القوى الوطنية والعناصر الثورية.

الاسلام دين الجماهير :

ثم أشار الإمام الى محاسن الأكثرية بقوله : (وانما عماد الدين وجماع المسلمين الخ).. العنصر البشري ضرورة طبيعية لوجود الدين، لأنه من مظاهر الحياة، ولا يمكن أن يوجد او يفهم في ذاته مستقلاً عن الانسان.. هذا من جهة، ومن جهة ثانية لو انحصر الدين بالفئة المترفة لجعلوه تبعاً لأهوائهم : «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ - 71 المؤمنون». والتربة الخصبة للإسلام هي الفئة المستضعفة التي لا تستطيع الحياة إلا في ظل الحق والعدل والمساواة، ومن هنا كانت هذه المبادىء مثلها العليا وأمنيتها القصوى، والإسلام هو الضامن والكفيل لهذه الأمنية، واذن هو دينها وايمانها من حيث تريد الأكثر الأغلب في كل شعب، وبهذا نجد تفسير او لا تريد، وهذه الفئة قول الإمام : إن العامة من الأمة هي عماد الدين وجماع المسلمين.

ويحدثنا التاريخ ان الكثير من المجازر والمظالم قام بها الأشراف باسم الدين، وانهم أحرقوا الرف الرجال والنساء، وهم أحياء، وان الله بزعمهم أعطاهم مفتاح ملكوت السموات والأرض ليحلوا ما يريدون، ويربطوا ما يشاءون.. وهذا ما دعا ماركس ان يقول : «الدين أفيون الشعوب». وقال جماعة من

فلاسفة العصور الوسطى : «يجب فصل الحق عن الدين، وتجريده من كل سلطان، ليستمد الحق سلطانه من الطبيعة وحدها، ويتخلص من سلطان الدين الذي اتخذت منه الطبقة المتسلطة طغيانهم وإنفاذ حكمهم زاعمين انه مستمد من عند الله».

واذا تجرد الدين عن الحق والقيم يصبح كارثة على العالم والانسانية تماماً كالصهيونية والنازية وعدوانية أمريكا !.. ولا سر لهذا الفهم من ماركس وأمثاله إلا فظائع الخاصة الذين أشار اليهم الإمام بقوله: «وان سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة». ولو أدرك ماركس ومن اليه الاسلام كما هو في كتاب الله وما ثبت عن نبيه لقالوا : هو الدين الوحيد الذي يحقق أهداف الجماهير، ويعبر عن أمانيهم ورغباتهم، وانهم يدينون به، ويخلصون له من حيث لا يشعرون.. لقد لقد جرد الاسلام الفئات والأفراد من كل امتياز، ومن حق السيطرة والاستعلاء، وأبطل مزاعم الذين يرون لأنفسهم حقوقاً مقدسة على غيرهم، ووضع الجميع على مستوى واحد في الحقوق والواجبات. قال سبحانه لنبيه الكريم : «انما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر - 22 الغاشية».: وقال له أيضاً : «ما عليك من حسابهم من شيء – 52 الأنعام». وأيضاً : «وما جعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم عليهم بوكيل - 107 الأنعام»، واذا لم يكن لمحمد من سبيل على مخلوق فكيف بسواه ؟.

ومن الأوصاف التي نعت بها الإمام العامة - أي الأكثرية الغالبة - انهم العدة والقوة ضد الذين يريدون علوا في الأرض وفساداً.. وهذا غاية المديح.. وقد يظن ظان ان هذا الوصف يؤيد المبدأ القائل بحتمية الصراع بين الطبقات، وثورة العمال على رب العمل لينتزعوا منه ملكية أدوات الانتاج.

ونقول في جوابه : إن هذا المبدأ او هذا القول ثبت خطأه بعد أن تنازل رب العمل عن كبريائه واستجاب لمطالب العمال من زيادة الأجور وتحديد ساعات العمل والتعويض والضمان وتعطيل يومين في الأسبوع - في بعض البلاد - وما الى ذلك مما يرضي العمال ويجعل منهم حراساً لأدوات الانتاج وصاحبها.

ونعطف على قول الإمام : العامة القوة والعدة ضد الطغاة، نعطف عليه انهم العمود الفقري للأمة، ويستحيل أن تنهض وتدافع عن نفسها بغيرهم، وعليهم يقوم الانتاج والاقتصاد، وجميع شؤون الحياة، ومنهم الأدباء والفنانون والعلماء

والأطباء والموظفون.. فإهمالهم إهمال للأمة والوطن والدولة.

(وليكن أبعد رعيتك منك الخ).. الذي ينتقص الناس ويتحرى العورات والعثرات.. وهذه خلة السفهاء والأخساء، ومن يصغي اليهم فهو مثلهم (فإن الناس عيوباً الخ).. لا تبحث عنها، وان بلغك شي لا تبحث عنها، وان بلغك شيء منها فتغاب وتجاهل، بل الأولى بك أن تدفع التهمة عن المتهم بمثل «لم يثبت هذا، ولعل له مبرراً لم تطلع عليه»، والله هو الذي يحاسب ويعاقب (فإن الساعي غاش) لأنه يلقي العداوة والبغضاء بين من سعى به، ومن سعى اليه (وان تشبه بالناصحين) تصنعاً ورياء، فكم من خائن تستر بثوب أمين، وغادر تمثل بالصالحين.

كن مع الصادقين.. فقرة 8 - 9:

ولَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ، وَلَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَة بالجَوْرِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالجُبْنَ وَالحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعَهَا سُوه الظَّنِّ باللهِ. إِنَّ شَرْ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وزيراً وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الْآثامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثْمَةِ وَإخْوَانُ الظَّلَمَةِ، وَأَنتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَادِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ لِمَنْ لَمْ يُعَاوِنَ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَلَا ايما على إثمه. أُولئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَؤُّونَةً، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطفاً، وَأَقَلُّ لِغَيْركَ الفاً فَاتَّخِذْ أُولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ (8)، ثُمَّ ليَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَهُمْ يُمرّ الحَقِّ لَكَ، وَأَقَلْهُمْ مُسَاعَدَةً فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمّا كَرِةَ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ هَوَاكَ

حَيْثُ وَقَعَ، وَالصَقَ بِأَهْلِ الوَرَعَ وَالصِّدْقِ، ثُمَّ رَضُهُمْ عَلى أَنْ لَا يُطرُوكَ وَلَا يُبَجِّحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنْ كَثرَةَ الإطراء تُحدِث الزَّهوَ وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ. وَلَا يَكُونُ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِي عِندَكَ بِنَزِلَةٍ سواء، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِساءَةِ عَلى الإِسَاءَةِ. وَأَلْزِمَ كُلاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ. وَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلى مَا لَيْسَ قِبَلَهُمْ. فلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طويلاً، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ. وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ سَاءَ ظَنَّكَ به لَمَنْ سَاءَ بَلاؤُكَ عِندَهُ (9).

اللغة :

المراد بالفضل هنا النوال. والبطانة : الخاصة. والآصار والأوزار بمعنى والمؤونة : الثقل والشدة. وإلفاً : حباً. ويبجحوك : يفرحوك. والزهو : العجب. والعزة : الكبر. والترويد والترويض : التعويد. وحسن البلاء : إحسان. وسوء البلاء : ضده.

الإعراب :

خير الخلف مفعول واجد، ومؤونة تمييز، وواقعاً حال مما كره، وما ألزم «ما» في محل نصب بنزع الخافض، وبأدعى الباء زائدة، ونصباً مفعول يقطع.

المشورة :

(ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً الخ).. ليس المراد بالمشورة هنا النظا الشوري في مقابل الاستبداد والدكتاتورية، بل مجرد الاستئناس برأي من ترى منه الوعي والنصيحة.. والإمام ينهى عن الأخذ برأي الجبان والبخيل والحريص، وهذان الاثنان سواء في القبض والإمساك، ولكن الحريص أكثر جشعاً وشرهاً يكدح ليل نهار في السعي لدنياه، أما البخيل فقد يكون كسولاً، والإنسان على وجه العموم ينظر الى الأشياء ويتصورها من خلال ذاته كالنملة ترى الله شاربين كما لها على ما قيل - وكالضفدعة في بئر ترى السماء بحجم فوهة البشر، ومن هنا وخوفاً من الفقر يأمر البخيل بالإمساك، والجبان بالاستسلام حرصاً على الحياة، ويأمر الحريص بالكدح لمجرد الجمع والادخار.

وقد يظن ان العالم الباحث الذي يحلل الأشياء الطبيعية في مختبره هو الوحيد الذي ينظر الى هذه الأشياء نظرة مجردة ونزيهة.. وهذا خطأ، لأن العالم كأي إنسان يستحيل أن يتجرد عن ذاته.. وكل ما يصدر عنه من حكم وقول إنما يصدر من خلال إدراكه الذاتي وشعوره الشخصي، والفرق بينه وبين غيره ان شعوره يتولد من الحس والتجربة، أما شعور غيره كالجبان والبخيل فإنه يتولد من الوهم والخيال، أو كما قال الإمام من سوء الظن بالله الذي كتب على نفسه الرحمة، وقال : «وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ - 87 يوسف».

(ان شر وزرائك من كان للأشرار الخ).. أكثر الناس يلقون الحاكم بالرياء والتصنع، ويثنون عليه بما ليس فيه، وبالخصوص إذا كان من الطغاة والأشرار. ومن البداهة ان الشرير لا يصحبه إلا من كان من فصيلته وعلى شاكلته، ولذا حذر الإمام من أعوان الأئمة وإخوان الظلمة، وأوصى عامله أن ينظر الى ماضي أعوانه واخوانه وتاريخهم ومقاصدهم، وان يختار من حسنت سيرته وطابت سريرته.

(وأنت واجد منهم الخ).. يقول الإمام لعامله : دع أهل السوابق في المثالب والجرائم حتى ولو بلغوا الغاية من الوعي والذكاء، فإنهم يخادعون ويضللون، ويتخذون من عقولهم وذكائهم أداة للصوصية وعليك بأهل الدين والصلاح، فإنهم لا يغشون من استنصحهم، ولا يرون لهم فضلاً عليه، لأنهم يعطون كل

إنسان من أنفسهم ما يرغبون في مثله، وفيهم الكثير من أهل الرأي السليم والعقل الحكيم. وتجدر الإشارة الى أن الإمام لا ينهى عن الاستعانة بالمجرم ان كان عنده شيء من الخير والإحسان، وإنما ينهى عن الوثوق به والاطمئنان الى دينه وضميره.. وما من أحد إلا وفيه خير وشر، ولا ينبغي أن يمنعنا شره عن الانتفاع بخيره.

(ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك). الحق مر وثقيل على أهل الهوى والجهل، أما أهل العلم والعدل فالحق ضالتهم انى كان ويكون، ويجهرون به، ولا يخشون فيه لومة لائم فإذا ظفرت بواحد منهم فقر به اليك، واستمع له وارفع من شأنه (واقلهم مساعدة فيما يكون منك الخ).. أيضاً قرب إليك من لا يساعدك على باطل لمنفعة عاجلة ومسرة زائلة، ولا يُزين لك فعل ما ينبغي تركه، وترك ما ينبغي فعله (ثم رضهم) أي عودهم (على أن لا يطروك الخ).. كما يفعل الانتهازيون من أهل النفاق والرياء.. وليس من شك ان الحاكم الواعي يعلم دخيلتهم وأهدافهم، وينزلهم في المكان اللائق بهم، ولا يغتر بتصفيقهم وهتافهم إلا جاهل سخيف، أو مزيف خائن على شاكلتهم وأخلاقهم.

(ولا يكونن المحسن والمسيء - الى - نفسه). إن الله سبحانه أمر عباده بالتراحم ورحمهم، وأمرهم بالجود وجاد عليهم، وعاملهم على أساس من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً پره وأمرهم أن يقيموا العلاقات فيما بينهم على هذا المبدأ، ولا يرضى منهم إلا بمثل ما أعطاهم وعاملهم.. سبحانك ربنا ما أكرمك وأعظمك !... تعاليت وساويت.

(واعلم انه ليس شيء بأدعى الخ).. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «البر ما اطمأنت اليه النفس، واطمأن اليه القلب، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وان أفتاك الناس وأفتوك». وعلى هذا يكون الحاكم أعرف الناس بأن الرعية تحبه وتثق به، أو تكرهه ولا تركن اليه، لأن حبهم أو كراهيتهم انعكاس عن سيرته ومعاملته، فإن كان اليهم من المحسنين أحسن بهم الظن وعلم انهم يحبونه لعلمه بأن الانسان عبد الاحسان، وان كان من المسيئين أساء بهم الظن وعلم انهم يمقتونه ليقينه بأن الانسان عدو يطبعه لمن أساء اليه.

الناس طبقات.. فقرة 10 :

وَلَا تَنْقُصْ سُنَّةً صَالِحَةٌ عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الألْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ. وَلَا تُحدِثَنَّ سُنْةٌ تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ ماضِي تِلْكَ السُّنَنِ فَيَكُونَ الْأَجْرُ لَمَنْ سَنَّهَا. وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضَت مِنْهَا. وَأَكْثِرُ مُدَارَسَةَ العُلَمَاء وَمُنَافَثَةَ الْحَكَمَاء فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلَادِكَ وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ. وَأَعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ. فمنها جُنُودُ اللهِ. وَمِنْهَا كُتابُ العَامَّةِ وَالْخَاصةِ. وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ. وَمِنْهَا عُمَّالُ الْإِنصَافِ وَالرِّفْقِ. وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاج مِنْ أَهْلِ الذُّمَّةِ وَمُسْلَمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التَّجَّارُ وَأَهْلُ الصَّنَاعَاتِ. وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ وَكُلاً قَدْ سَمَّى اللَّهُ سَهْمَهُ، ووَضَعَ عَلى حَدِّهِ فَرِيضَتَهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً (10).

اللغة :

السنة : السيرة وطريقة العرف. والمدارسة : المباحثة. والمناقثة : المحادثة والمجادلة.

الإعراب :

فريضة نصب على المصدرية أي فرض ذلك فريضة، ومثلها عهداً، ومحفوظاً صفة للعهد.

العرف والعادة :

(ولا تنقض سنة صالحة الخ).. والسنة في أصل اللغة الشيء المعروف المألوف تألفه تتلقاه جماعة من الناس بالقبول. والبدعة على العكس أي ما لا تعرفه الجماعة ولا تألفه، وبتعبير السلف كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، والسنة في اصطلاح أهل الشريعة ما ثبت عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قول أو فعل أو تقرير، وبكلمة واحدة هي الحديث، والمراد بالسنة هنا العرفية لا الشرعية.

وتنقسم السنة العرفية الى نوعين : حسنة، وهي ما تعود على الناس بالخير والصلاح كحلف الفضول، وسيئة كوأد البنات. وأشار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى هذا التقسيم بقوله : «من سن سنة حسنة كان له أجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر من عمل بها». وقد حذر الإمام عاملة أن يُغير عادة فيها صلاح للناس بجهة من الجهات، والفقهاء يعبرون عن هذه العادة ببناء العقلاء، ويقولون : أينما كانت المصلحة فثم شرع الله. وقد أمر سبحانه نبيه الكريم أن يأخذ بها حيث قال له عز من قائل : «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ - 199 الأعراف». والشاهد والشاهد في كلمة العرف.

وكانت العادة - أو العرف - وما زالت قوة تسيطر في المجتمعات، ولها أبلغ الأثر عند الحقوقيين، وفي اجتهادات المحاكم والفقه الاسلامي بخاصة في إثبات الحقوق التي تستدعيها المعاملات، كالبيع والشراء والإيجار والدين والرهن والضمان والمضاربة والمزارعة والوصية والوديعة والمهر والنفقة والصلح والشركة الى غير ذلك.. وهكذا ظهرت العادة متممة للقواعد الشرعية، بل اتخذ منها الحقوقيون مصدراً للقوانين الوضعية، وحولوا الكثير منها الى نصوص تنفذ بقوة السلاح.. والاسلام يباركها بشرط واحد، وهو أن تستهدف الخير والمصلحة.

مدارسة العلماء :

(وأكثر مدارسة العلماء، ومناقثة الحكماء). ليس المراد بالعلم هنا حفظ اللغة وقواعد الصرف والنحو، ولا معرفة الفقه وأصوله، ولا الطبيعة والكم، وأيضاً ليس المراد بالحكمة دراسة الفلسفة وعلم الكلام وتدريسها، وانما المراد بالعلم والحكمة ما يخدم الحياة، ويصلح البلاد، وأحوال العباد، كما أوضح الإمام ذلك بقوله (في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك). ومعنى هذا انه لا علم ولا حكمة حقاً وحقيقة إلا ما يستهدف خير البشرية في أي جانب من جوانب الحياة.

تصنيف المجتمع :

و قبل كل شيء نشير الى ان تصنيف الناس هنا لا يمت بأية صلة الى المال أوالجاه والأنساب أو الدين والمذهب، وانما هو على هو على أساس الأعمال والوظائف الاجتماعية التي ورثتها الانسانية جيلاً عن جيل على مدى التاريخ البعيد، وتفاعل فيها الزمان والمكان والمشاعر والأفكار وهذه الوظائف يبحث عنها علم الاجتماع، والمعروف عند جماعة من الباحثين ان ابن خلدون أول من تفطن لهذا العلم وتكلم عنه 1. ولكن اخوان الصفا تحدثوا عن المجتمع الطبقي، والوظائف الاجتماعية في رسائلهم قبل ابن خلدون بأربعة قرون، وأشار الإمام اليه في عهد الأشتر قبل اخوان الصفا بحوالي أربعة قرون.. أجل، أشار اليه كشاهد أو كوصية لعامل من عماله، وتكلم عنه اخوان الصفا في مقالة أو رسالة، وتوسع فيه ابن خلدون كعلم، ثم أهمل من بعده أربعة قرون أو تزيد حتى جاء الفيلسوف الفرنسي «اوجيست كونت» فأحياه من جديد.

(واعلم ان الرعية طبقات الخ).. لا تستقيم الحياة في أي لا تستقيم الحياة في أي مجتمع بالغاً ما بلغ من التقدم أو التخلف إلا مع الترابط والتعاون على هدف واحد، ومصلحة مشتركة بين جميع الأفراد والفئات بحيث يتكون صرح المجتمع من تعاون الجميع، فكل فرد لبنة، وكل أسرة جدار، وكل فئة غرفة، وبدون هذا التعاون والتماسك تسود الفوضى ويتصدع البناء.. ولهذا التعاون صور ومظاهر، كالتعاون بين أهل

الفلاحة والصناعة، وتعاون هاتين الفئتين مع التاجر والمستهلك، ثم الجميع مع الأطباء والمهندسين، والعلماء والمعلمين، ثم مساهمة كافة المواطنين في تحمل المسؤوليات العامة كالخدمة العسكرية ودفع الضرائب، ونحو ذلك من الواجبات.

وبعد هذه الإشارة الى تلاحم الطبقات وحاجة بعضها الى بعض - حصرها الإمام أو ذكر منها تسع طبقات، وهي :

1 - (جنود الله) ونسبهم الإمام الى الله سبحانه، لأنهم يجاهدون في سبيله دفاعاً عن الدين وعن المسلمين وبلادهم.

2 - (كتاب العامة والخاصة). والمراد بكتاب العامة من يحرر الشؤون العامة كالضرائب ونحوها، والمراد بالخاصة من يحرر للقاضي والوالي وأمير الجيش، ومن إليهم السلطة

3 - (قضاة العدل). قالوا : ان جون لوك الانكليزي قسم السلطة الى تشريعية تحفظ مصالح المجتمع بوضع القوانين، وسلطة لتنفيذ هذه القوانين، ثم جاء من بعده و «مونتسكيو» الفرنسي فأضاف اليهما سلطة ثالثة، وهي القضائية، وطالب بفصلها عن السلطتين ضماناً للحرية، فارتبط مبدأ فصل السلطات الثلاث باسم : «مونتسكيو»، وأصبح «جون لوك» في خبر كان.

وتقسيم الإمام المجتمع الى فئات، منها الجنود والولاة والقضاء - يومىء الى فصل السلطة القضائية عن غيرها، واستقلالها بذاتها حماية للحقوق من الاعتساف والاعتداء، ومن المعلوم ان التشريع في الاسلام لله وحده وان الطريق الى معرفته القرآن والسنة.

4 – (عمال الانصاف والرفق) أي الولاة الذين يعينهم الخليفة لينصفوا الناس ويرفقوا بهم.

5 - (أهل الجزية.. من أهل الذمة) وهم أهل الكتاب الذين يقبلون

شروط المسلمين.

7 - (الخراج.. من مسلمة الأمة) أي الذين يدفعون الخراج، وهم المسلمون.

7 - (التجار).

8- (أهل الصناعات).

9 - (الطبقة السفلى) أي الفقراء والمساكين، وأوضح الإمام ذلك بقوله : (من ذوي الحاجة والمسكنة) وهم الأرامل والأيتام، والعاجز عن العمل، وكل عامل وفلاح وخادم وكاسب لا يسد دخله نفقته ونفقة عياله.

ولكل واحدة من هذه الفئات حكمها ونصيبها المحدد من الحق في كتاب الله أو سنة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وبعد هذا التصنيف المجمل شرع بالتفصيل فيما يلي :

الجنود حصون الرعية.. فقرة 11 :

فالجُنُودُ بِإِذْنِ اللهِ حصُونُ الرَّعِيةِ، وَزَينُ الولَاةِ، وَعِزّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الأمن، وَلَيْسَ تَقُومُ الرّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمَ. ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إلا بمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاج الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ فِي جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ. ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَالِ وَالكُتّاب لما يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ، وَيَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوَامّهَا. وَلَا قِوام لهُمْ جَميعاً إلا بالتجار وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ فِيها يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِن أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ مَا لَا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ. ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الحَاجَةِ وَالمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِق رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ. وَفِي اللهِ لِكُلِّ سَعَةٌ، وَلِكُلِّ عَلَى الْوَالِي حَق بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللهُ مِنْ ذلِكَ إِلَّا

بالاهْتِمَام وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيهَا خَفْ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ (11).

اللغة :

المعاقد : المعاملات. ومرافقهم : منافعهم. والطبقة السفلى : الشعبية ورفدهم : مساعدتهم.

الإعراب :

بإذن الله متعلق بمحذوف خبراً لمبتدأ محذوف أي هم كائنون بإذن الله، وجميعاً حال، والذين يحق صفة لأهل الحاجة.

القوة والعدالة :

في المقطع السابق بلا فاصل قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (إن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى عن بعضها ببعض، وهذا المقطع بكامله أي الذي نحن بصدده هو تفسير وبيان لتلاحم الطبقات التسع التي ذكرها في المقطع السابق واحتياج بعضها الى بعض، وشرحنا ذلك بما تقدم، ونعود اليه ثانية مع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(فالجنود بإذن الله حصون الرعية الخ).. لا تستقيم الحياة وتطيب إلا بالعدالة، وهي المساواة في جميع الحقوق والواجبات بين الجميع، فإذا اختل ميزانها ساد الظلم، وفسدت الأوضاع ومن البداهة انه لا عدالة بلا قوة، والقوة بلا عدالة استبداد، ومعنى هذا ان القوة والعدالة عنصران أساسيان للحياة الطيبة والوجود القويم، والجند هم مصدر القوة وأساسها وبهم يصان الدين والوطن، ويستتب الأمن والنظام، أما العدالة فلها مظاهر، وأهمها عدالة القضاة والولاة، ويأتي الحديث عنها وعنهم.

وتجدر الإشارة الى ان قوة الدولة كانت تقاس - فيما مضى - بالعنصر البشري

قلة وكثرة، أما اليوم وبعد أن تقدم العلم وتطورت الأسلحة - فالأثر الأهم للسلاح ونوعه كالقنابل النووية والصواريخ الموجهة والطائرات القاذفة المقاتلة، والغواصات والدبابات الحديثة، والعقل الألكتروني وغيره من أدوات الكشف والتجسس، ووسائل النقل والمواصلات براً وبحراً وجواً.

الضرائب :

(ثم لا قوام للجند للجند – الى - حاجاتهم). لا حياة للدولة، لا للجنود فقط أو لأية هيئة أو فرد إلا بالنفقة الكافية لسد الحاجات، ومن البداهة انه لا موارد للدولة إلا فرض الضرائب وجبايتها. وقرر الانكليزي الاقتصادي الشهير «آدم سمث» أربعة شروط للضرائب، وهي :

1 - «أن تفرض على الناس بنسبة قدرتهم على تحملها». وهذا الشرط

ينطبق على فريضة الخمس والزكاة والجزية في الاسلام.

2 - «أن تكون الضريبة معينة». وهذا شرط أساسي في كل شريعة، لأن عدم التعيين فوضى وعدوان.

3 - «أن تجبى بالطرق والأوقات التي تسبب أقل ازعاج ممكن للشعب». وأكد الإمام على هذا الشرط، وشدد فيه على عماله في الكثير من وصاياه ورسائله، من ذلك قوله لأحد الجباة في الرسالة 24 : قل لأهل الحي : هل في أموالكم حق فتؤدوه ؟ فإن قال قائل : لا، فلا تراجعه. وفي الرسالة 45 : اخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألين لهم جانبك. وفي الرسالة لا تبيعن للناس في الخراج كسوة.. ولا تضربن أحداً سوطاً لمكان درهم .. الى غير ذلك.

4 - «يجب أن تنظم الضرائب بحيث لا تكلف الشعب إلا ما هو ضروري الخزينة الدولة». وقال جماعة من فقهاء المسلمين : اذا لم تف الحقوق المنصوص عليها في القرآن والسنة فللخليفة أن يفرض على الأغنياء بقدر ما هو ضروري لبيت مال المسلمين، لأنها تحمي الأموال والأزواح، وتؤمن العيش لكل بائس وعاجز، وقال آخرون : يقترض الإمام على بيت المال. وفي رأينا إن هذا الفرع يدخل في باب الجهاد الذي يجب على كل قادر وجوباً كفائياً ان قام به

بعض الأغنياء سقط عن الكل وإلا نفذ الإمام حسبما تستدعيه الظروف. واتفقت المذاهب الإسلامية كلمة واحدة (على ان الضرورة تقدر بقدرها،

(ثم لا قوام لهذين الصنفين الخ) وهما الجند وأهل الخراج، وتكلمنا عنهما بما ترى، أما القضاة والعمال أي الولاة والتجار والكتاب والطبقة الدنيا - الشعبية - فسيتعرض لهم الإمام في هذا العهد، ونشرح أقواله هناك بما يناسبها ان شاء الله (وفي الله لكل سعة) لا تستقيم حياة المجتمع إلا بتعاون فئاته بكاملها، وفي نفس الوقت لا حول ولا قوة لفئة أو فرد إلا بالله، وهو تعالى يمد الجميع بلطفه وفضله (ولكل على الوالي حق الخ) الوالي مسؤول عن كل فئة وكل فرد، ويأتي الكلام عن نوع هذه المسؤولية، ولا يخرج منها ويتحرر أمام الله إلا بالجهد والصبر والإخلاص والاستعانة به تعالى.

رؤساء الجيش فقرة 12 – 14:

فَوَل مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ في نَفْسِكَ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ ولإمامك، وأنقَاهُمْ جيباً، وَأَفضَلَهُمْ حِلْما ممّن يُبْطِيء عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذرِ، ويرأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَيَنْبُو على الأقوياء. وَممَّنْ لَا يُثِيرُهُ العُنْفُ وَلَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ. ثُمَّ أَلْصِق بِذَوِي الْأَحْسَابِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الحَسَنَةِ. ثُمَّ أَهْلِ النّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخاء والسَّمَاحَةِ، فَإِنَّهُمْ جَمَاعَ مِنَ الكَرَمِ، وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ. ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ ما يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلَا يَتَفَاقَمَنّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ. وَلَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إلى بذل النصيحَةِ لَكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ. وَلَا تَدَعْ تَفَقّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِم اتّكَالاً عَلى جَسِيمِهَا فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ

بِهِ. وَلِلْجَسيمِ مَوْقِعا لا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ (12). وَلَيَكُنْ آثَرُ رُؤوس جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِما يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِهِمْ حَتَّى يَكُونَ هَمَّهُمْ هَما وَاحِداً فِي جِهَادِ العَدُوِّ. فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةٍ عَيْنِ الوُلاةِ اسْتِقَامَةُ العَدْلِ فِي الْبِلادِ، وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرّعيّةِ. وَإِنَّهُ لاَ تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ، وَلَا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلى وَلاَةِ أُمُورِهِمْ. وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ أَسْتبْطَاء أَنْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ. فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، وَوَاصِل في حسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلى ذَوُو الْبَلاء مِنْهُمْ. فَإِنْ كَثرَةَ الذكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُنزّ الشَّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاء الله (13).ثُمَّ أَعْرِف لِكُلِّ أَمْرِى مِنْهُمْ مَا أَبْلى، وَلَا تُضِيفَنّ بَلاء أَمْرِى إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا تُقَصِّرَنٌ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ، وَلَا يَدْعُونَكَ شَرَف أمْرِى إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلاَ صَنْعَةُ أَمْرِى إلى أنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ عَظيماً. وَأَرْدُدْ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمورِ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ

والرَّسُولِ». فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ الْأَخْذُ بِمحْكَم كِتَابِهِ، والرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الأخذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمَفَرّقَةِ (14).

اللغة :

أنقاهم جيباً : كناية عن الإخلاص والنزاهة. وينبو : يتجافي ويشتد. والنجدة والشجاعة بمعنى، وكذلك السخاء والسماحة. وجماع - بكسر الجيم - جامع وشعب - بضم الشين - جمع شعبة أي الطائفة من الشيء. والعرف : المعروف. وتفاقم الخطب : صار عظيماً. وآثر : أفضل. وحيطتهم : حفظهم وتعهدهم. وذوو البلاء : الذين اختبروا وعرفوا بجليل الأعمال. ويضلعك : يثقلك ويصعب عليك حله وحمله. ومحكم الكتاب : نصه الصريح. والسنة الجامعة: الثابتة بالإجماع وضدها المفرقة.

الإعراب :

جيباً تمييز، ومثله حلماً، واتكالاً مفعول من أجله لتدع، وما كان صغيراً «ما» مفعول تعظم.

قادة الجيش :

في مقطع سابق فقرة رقم 10، قال الإمام : ان الرعية طبقات لا غنى لبعضها عن بعض، وذكر منها تسعاً، وفي المقطع الذي يليه فقرة رقم 11، بين الإمام : لماذا لا يصلح بعض الطبقات إلا ببعض، وفي المقطع الذي نحن الآن بصدده تعرض الإمام لإحدى الطبقات أو الفئات، وهم الجنود وقادتهم، وذكر الشروط التي ينبغي أن تتوافر في كل قائد قال :

(فول من جنودك الخ. اختر لرئاسة الجيش الناصح لأمته ومهمته، والمخلص لدينه وضميره، والحليم الذي يملك نفسه، ويكظم غيظه، ويقبل العذر، ويرحم

الضعيف، ويشتد على القوي كي لا يطمع في جوره وتحيزه (وممن لا يثيره العنف) أي يصر على الكلمة القاسية والحركة النابية، ويتمهل حتى يتدبر العواقب فيعمل بموجبها، شأن العاقل الحكيم. (ولا يقعد به الضعف) إذا سكت لا يسكت عن عجز بل لحكمة وروية، وبكلمة يلين من غير ضعف، ويقوى من غير عنف.

وبعد، فإن قيادة الجيش عبء ثقيل وخطير للغاية، لأن مصير الأمة بكيانها وجميع مقدراتها منوط بالجيش وقائده، فأدنى خطأ منه يعود على الجميع بالخطب الفادح.. ومن أجل هذا يضحي المواطن بثمرة كده وجده طوال السنين في سبيل جيشه تماماً كما يضحي من أجل أهله وعياله، ويرضى عن طيب نفس بأضخم الميزانيات والنفقات للجيش وراحته فإذا لم تتوافر العبقرية السياسية للقائد ذهب كل شيء مع الريح وبالتالي فإن أعظم القادة على الإطلاق هو الذي يعرف متى يحجم ومتى يقدم، ولا يثير حرباً إلا لضرورة قاهرة، ولا يستعمل العنف إلا مرغماً، وللقضاء على العنف والإرهاب والجريمة، لأن الحرب والقسوة شر بطبيعتها تماماً كالكي بالنار، وهو آخر الدواء.

(ثم ألصق بذوي المروءات - الى الى العرف). قرب اليك أهل السوابق الحسنة الذين عرفهم الناس من قبل ومن بعد مكارم الأخلاق كالصدق والشجاعة والكرم.. وفي هذا العصر تعتمد الجهات الرسمية على صحيفة السوابق وخلوها من السيئات، وتطلبها كشرط للحصول على وظيفة أو سفر أو ما إلى ذلك. ومنذ سنوات كتب الاستاذ عبد الوهاب حمودة مقالاً بعنوان «الآراء الاجتماعية في نهج البلاغة» نشرته مجلة «رسالة الإسلام»، ثم أدرجته دار هذه المجلة في كتاب «دعوة التقريب» ونقل الكاتب قول الإمام : «ثم ألصق بذوي المروءات والأحساب الخ».. وعلق عليه بما يلي:

«ان نغمة البيوتات والأحساب قد تبدو شاذة، ولكن ينبغي ولكن ينبغي أن لا نرتاع لها ولنكمل استماعنا بأنشودة الإمام الحبيبة، فإن وصيته بذوي الأحساب لا تنافي الديمقراطية فهو لم يدع الى تمييزهم، وانما دعا الى الانتفاع بما عندهم، وكثيراً ما يتسق نبل الأخلاق مع نبل الدم، ثم ان الإمام أتبع ذلك بقوله : والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والسماحة. وهؤلاء يكونون من هذه الطبقة كما

يكونون من تلك دون نمييز». وعليه يكون ذكر البيوتات والأحساب وسيلة، والعدل هو الهدف والغاية.

(ثم تفقد من أمورهم الخ)... اسهر على مصلحة الجند، وأمن لهم العيش الكافي، وأشعرهم بالأفعال لا بالأقوال فقط انهم موضع عنايتك واهتمامك (ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به) ابذل كل ما تملك من طاقة لتقوية الجندي ورفع معنوياته كفرض واجب عليك، لا كمتفضل ومحسن (ولا تحقرن لطفاً تعاهدتم به الخ).. لا تزهد في معروف تسديه الى الجند وان قل.. ومقياس الخير والمعروف عند الإمام أن يكون مرضياً ومقبولاً عند الله، وفي ذلك يقول : «وكيف يقل ما يتقبل ؟».

(ولا تدع تفقد لطيف أمورهم الخ).. الجسيم والخطير بالنسبة الى الجيش السلاح والإعاشة، واللطيف اليسير كالحلوى أو الفاكهة تهدى اليهم بمناسبة الأعياد وغيرها، والإمام يوصي عامله أن يهتم بهذا وذاك، ولا يترك اليسير لوفرة الخطير، فاليسير كمال نافع، والخطير لسد حاجة لا غنى عنها والخطير لسد حاجة لا غنى عنها.. قيل لبعض المؤلفين: الى كم تكتب ؟ فقال : لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد.

(وليكن آثر رؤوس جندك الى - قلوبهم عليك). اذا أراد القائد أن يسمع له الجيش ويعطوه الولاء والطاعة فعليه أن يحسن اليهم، والى ما يعيلون، ويكفيهم جميع ما أهمهم كي ينصرفوا الى الجهاد لا يشغلهم عنه أي شاغل، وأي قائد يؤدي هذا الواجب مع جنوده فهو أهل للتعظيم والتكريم. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «خيركم خيركم لأهله»، والجند بمنزلة الولد والأهل لقائدهم.

(وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل الخ).. العدل صفة الله وإرادته و به بعث الأنبياء والمرسلين، وهو أمنية الأكثرية في كل شعب، ومن كل طائفة ودين، فأي حاكم حكم بالعدل، وساوى بين الناس في الحقوق والواجبات وأحاطهم بعنايته ورعايته فإن الرعية أي الأكثرية تخلص له وتنقاد، وتعطيه الطاعة الولاء، وان ورث السلطان عن الآباء، وأي حاكم يحابي ويجور، ويؤثر فريقاً على فريق فهو عدو الرعية تأباه وتتمرد عليه، وان انتخب بالإجماع فإرداة الرعية منوطة بالعدل، فحيثما يكون فثم إرادة الأكثرية، وحيثما يوجد الظلم والجور فثم سخط العامة والأمة.

أما الانتخابات في كثير من البلدان فإنها تجري في ظل العنف والتزوير والرشوة والخيانة، وما دمج الأحزاب أيام الاقتراع لكسب الأصوات - إلا مساومة علنية لاغتصاب السلطة وتوزيعها على المتحالفين !.. وقول الإمام : «موده الرعية وسلامة صدورهم.. وقلة استثقال دولهم - أي دول الولاة - وترك استبطاء انقطاع مدتهم، معناه ان الولاة متى عدلوا أحبهم الناس وأخلصوا لهم، ولا يستثقلون حكمهم، ويستبطئون زوال دولتهم، بل يتمنون أن تطول وتدوم.

(فافسح في آمالهم). اعمل جاهداً كي تحقق للرعية ما تبتغيه من الأمن والرخاء (وواصل الثناء عليهم) أي على من كان أهلاً للثناء (وتعديد ما أبلى ذوو البلاء الخ).. اذا رأيت من جندي بادرة شجاعة ونشاط، أو نزاهة وإخلاصاً في عمله - فأعطه من الشكر والتقدير ما ترغب لنفسك في مثله ليهتز البطل الأريحي، وعسى أن ينشط الجبان الكسول.. وهذا ما جرت عليه سنة الحكومات تمنح الأوسمة والرتب لكل جندي يقوم بعمل بطولي.

(ولا تضيفن الى غاية بلائه). و لا تحملنك مكانة الرجل على أن تنسب اليه ما ليس فيه من الحسنات، أو ترى الصغيرة منها كبيرة. وأيضاً لا تمنعنك ضعة انسان على أن تبخسه حقه وفضله. وبكلمة : أنظر الى القول لا الى القائل. والى الفعل لا الى الفاعل، واذا أحسن أكثر من جندي فاذكر كل واحد منهم بعمله على حدة، فإن ذلك أدعى لغبطته وسروره.. وهذه الملاحظة من الإمام بالغة الدقة.

(واردد الى الله ورسوله ما يضلعك الخ).. اذا اشتبه عليك حكم من الحلال والحرام فارجع الى الآيات الواضحة الصريحة في كتاب الله، وما ثبت بطريق القطع عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فإن اهتديت فذاك، وإلا فاتق الشبهات خشبة الوقوع في المحرمات.

القضاة.. فقرة 15 :

ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكم بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ ممَّنْ لا تَضِيقُ الأمور، وَلَا تُمْحِكهُ الخُصُومُ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزِّلْةِ، وَلَا

يحصر مِنَ الْفَيْء إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلى طَمَع، وَلا يكتفي بأدْنَى قَهُم دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشَّبُهَاتِ، وَأَخَذَهُمْ بالحجج، وَأَقَلْهُمْ تَبرُّماً بمرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلى تَكَشفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاح الحكم. بمنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءُ وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إغْرَاءُ. وَأُولئِكَ قَلِيلٌ، ثُمَّ أَكثر تَعَاهَدَ قَضَائِهِ، وَأَفْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ وأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بذلك أغتيال الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ. فَانظُرْ في ذلك نظراً بليغاً، فَإِنَّ هذا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً في أَيْدِي الْأَشْرَارِ يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى وتُطلبُ بِهِ الدُّنْمَا (15).

اللغة :

لا تمحكه : لا تغضبه، وأصل المحك اللجاج وأصل المحك اللجاج، وهو يؤدي الى الغضب ولا يحصر من الفيء : لا يضيق صدره من الرجوع الى الحق، كما قال الشيخ محمد عبده، وقال غيره : لا يعيا في النطق، والأول أنسب. ولا يزدهيه : من الزهو. والمراد بالاغتيال هنا الوشاية.

الإعراب :

تبرما تمييز، وليأمن منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والمصدر المنسبك متعلق بأعطه.

القضاة :

تحدث الإمام في المقطع السابق عن الجنود ؛ ويتحدث الآن في هذا المقطع عن القضاء والقضاة، وأشرنا في الفقرة العاشرة الى ان الإمام سبق (مونتسكيو) الى استقلال السلطة القضائية وفصلها عن السلطتين : التشريعية والتنفيذية، حماية لحقوق الناس من الاعتداء والاعتساف، وتنحصر مهمة القاضي في تطبيق القوانين المقررة على الوقائع والحوادث الخاصة.

ولا يحق للقاضي - في عصرنا - أن ينفذ أو يشرع، لأن لكل منها هيئته الخاصة به، بل قال بل قال كثير من الفقهاء والحقوقيين : لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه الشخصي دفعاً للتهمة. وعلى أية حال فإن المشرع قد أطلق الحرية للقاضي في البحث عن الموضوع، وأعطاه سلطة واسعة في تقدير الواقعة التي بين يديه، وبإمكان القاضي القدير أن يكيف الواقعة بما يتفق مع الحق والنص معاً بلا تمحل وتعسف. وسلام على من قال : «البر ما اطمأن اليه القلب وإن أفتاك الناس وأفتوك» ونعطف نحن القانون على الناس أخذاً بروح النص، وبتعبيرنا نحن الفقهاء «عملاً بتنقيح المناط».

(ثم اختر للحكم - أي للقضاء - بين الناس أفضل رعيتك). الغاية من القضاء فصل الخصومات والمنازعات بإعطاء كل ذي حق حقه، ولا نصل الى هذه الغاية إلا اذا تكاملت في القاضي الصفات التي أشار اليها الإمام فيما يلي :

1 - ان يختار القاضي بالتعيين لا بالانتخاب العام، وعلى هذا معظم الدول. ولا يتنافى التعيين مع استقلال القضاة عن الحاكم الذي يختارهم حيث ينصرف كل فريق بعد التعيين الى مهمته واختصاصه، ولا يتدخل في شؤون الآخر، وفي الولايات المتحدة يختارون القضاة عن طريق الانتخاب، وبهذا الأسلوب يُعين القضاة الشعبيون بالاتحاد السوفياتي، وكذلك في تشيكوسلوفاكيا، وهذه الطريقة تؤدي الى العديد من المشاكل، منها ان أكثر المواطنين يجهلون أو لا يقدرون الكفاءة العلمية والخلقية في القاضي المنتخب، ومنها ان الانتخابات تجري - غالباً - في ظل الترهيب والترغيب والخضوع للنزعات والأحزاب، ومنها ان القاضي بشر معصوم عن الميل مع من وثق به وأدلى له بصوته، والتحامل أو الانحراف عن غيره.. وما إلى ذلك من المساوىء.

2 - أن يكون القاضي (ممن لا تضيق به الأمور) أي يجب أن يكون عالماً مجتهداً يستخرج الأحكام من مصادرها، ويطبقها على مواردها.

3 - (لا تمحكه الخصوم). وفي تفسيره أقوال أرجحها أن يكون القاضي واسع الصدر، يتحمل ما يجري ويحدث عادة بين الخصوم من المهاترات، شريطة أن لا تمس هيبة القاضي والقضاة.

4 - (لا يتمادى في الزلة - أي الخطأ أي الخطأ - ولا يحصر من الفيء الى الحق اذا عرفه) اذا أخطأ، ثم عرف الصواب فعليه أن يرجع اليه، ولا يصر على خطأه، فإن الرجوع عن الخطأ فضيلة.

5 – (لا تشرف نفسه على الطمع) أن يكون عفيفاً لا يقضي بالهوى، ولا يقبل الرشى، وبقول الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أن يكون صائنا لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه.

6 – (لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه). لا يعلن الحكم النهائي إلا بعد التحري والوقوف على جهات الدعوى بأكملها، والبحث عما يتصل بالحادثة حكماً وموضوعاً . وهذه هي طريقة العلماء، فإنهم لا يتنبئون بشيء إلا بعد الاستقراء التام، والملاحظات الدقيقة والوثوق ما يقولون

7 - (أوقفهم في الشبهات). ليس المراد بالوقوف هنا الإحجام عن الحكم، لأن القاضي ملزم بفصل الخصومات والبت بإعلان الحكم النهائي المطلق عن كل قيد، وإلا انتقض الغرض من القضاء، وأيضاً ليس المراد به العمل بالاحتياط لأنه ممكن في العبادات والكفارات، أما في الخصومات فتعذر - في الغالب - التضارب الحقوق المتنازع عليها بالسلب والإيجاب.. اللهم إلا أن يبذل الجهد في الصلح، وإنما المراد بالوقوف هنا الرجوع الى أصل صحيح مع النص.

وقد حدد الحقوقيون هذا الأصل بالرجوع الى اجتهادات المحاكم العليا في نظائر الحادثة المتنازع عليها، وإلا فإلى العرف والتقاليد التي ألفها المتعاملون في بلادهم منذ سنين، فإن لم توجد عمل بمبادىء قانون الطبيعة، وقواعد العدالة، كما يراها القاضي، ويسمى هذا بالاستحسان في اصطلاح الأصوليين.

أما فقهاء المسلمين فإن لديهم قواعد وأصولاً شرعية مقررة، وهي كثيرة بكثرة الموارد، منها قاعدة درء الحدود بالشبهات، وعليها اعتمدت القوانين الحديثة حيث تقول :

يجب عند الشك تفسير القانون لصالح المتهم، لأن كل انسان بريء حتى تثبت ادانته، وان تجريم البريء أكثر فساداً من تبرئة المجرم، ومنها اليد والاستصحاب بإبقاء ما كان على ما كان حتى يثبت العكس، ومنها قاعدة الأهم والمهم، وأصالة الصحة في المعاملات والسلامة في الأعيان، والأخذ بالقدر المتيقن، والضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، ومنها القرعة وقاعدة العدل والإنصاف، وأصالة تأخر الحادث واحترام الأموال.. وما الى ذلك من الأصول والقواعد التي تحدثوا عنها في مئات الصفحات.

8 - (آخذهم بالحجج) كالإقرار والشهود واليمين والقرائن القطعية التي تنشا من السير في الدعوى وملابساتها.

9 – (أقلهم تبرماً بمراجعة الخصم) أي يفسح المجال للخصم ليدلي بكل ما لديه، ويستمع اليه القاضي بصدر رحب، وخلق كريم.

10 - (أصبرهم على تكشف الأمور) دؤوب في البحث والتتبع لا يعرف الكسل والملل.

11 - (أصر مهم عند اتضاح الحكم). متى اتضح الحق فلا أمل في غيره، ولا قضاء إلا به، ولا مضي إلا عليه مهما تكن الظروف والعواقب حتى ولو كانت قصاً للسان، وقطعاً للرأس.

12 - (لا يزدهيه الإطراء) لا يطرب للمديح إلا جاهل كفيف، وأحمق سخيف حيث لا كبير ولا صغير إلا بعد العرض على الله.

13 - (لا يستميله إغراء) أبداً.. لا يكون ولن يكون مع القوي على الضعيف، ومع الغني على الفقير، بل يأخذ لهذا من ذاك، ليستقيم ميزان الحق والعدل.

(اولئك) الذين تكاملت فيهم هذه الصفات (قليل) بلا ريب، هذا ومع فعلى الحاكم أن يتحرى ويبحث عنهم، ويقدم من هو أعرف بالشريعة وأصول المحاكمات، وأصلب في الحق، وأكثر تفطناً لأهداف الخصوم وخداعهم، (ثم أكثر تعاهد قضائه) أي قضاء القاضي، يشير بهذا الى مبدأ التفتيش العدلي، ووجوب إشعار القاضي - وإن توافرت فيه الشروط - بأنه مراقب ومحاسب على

تصرفاته وأحكامه.. وفي كل حكومة عصرية نظام للتفتيش، ودائرة خاصة به.

(افسح له في البذل). سمع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رجلاً يقول : اللهم اني أسألك الصبر. فقال له : «لقد سألت الله البلاء، فاسأله العافية». ومن العافية أن يكون لديك نفقة كافية، وكان الإمام يقول في دعائه : «اللهم ارزقني رزقاً حلالاً يكفيني.. ولا تبتلني بفقر أشقى به». وأعظم أنواع الشقاء معصية الله، والفقر يؤدي اليها، قال نبي الرحمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «كاد الفقر يكون كفراً»، أي يجر الى الكفر. وروي هذا الحديث عن كتاب «الجامع الصغير» للسيوطي.

ومن هنا أمر الإمام بتأمين وسائل الحياة الكريمة للقضاة وللجند أيضاً كما تقدم كي لا يكون لواحد منهم عذر يتعلل به، والى هذا أشار الإمام بقوله : «ما يزيل علته» : وعليه العديد من الحكومات. ويقال : ان القاضي في بعض البلدان الغربية لا يحدد راتبه، وان الحكومة تقوم بجميع تكاليفه ونفقاته بالغة ما بلغت .. ومن طلب أكثر من حاجته وحاجة عياله فإن الكون بما فيه لا يرويه ولا يكفيه.

(واعطه من المنزلة الخ).. ارفع من شأن القاضي العالم العفيف تقديراً للعلم والخلق الكريم، لا لذات الشخص ومنصبه (وليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك). إذا رأى الناس منك الاحترام والإكبار للقاضي هابوه وأطاعوه، وكفوا ألسنتهم عن السعاية ضده عندك (فإن هذا الدين قد كان أسراً في أيدي الأشرار الخ).. قال ابن أبي الحديد : «هذه إشارة الى قضاة عثمان وحكامه وانهم لم يكونوا يقضون بالحق، بل بالهوى لطلب الدنيا».

وبعد، فلا عدالة بلا قوة، والقوة بلا عدالة فساد واستبداد، والقضاة للعدل والجند للقوة، يدافع هؤلاء عن الكيان، وأولئك عن الحقوق، وكل منهما جزء متمم للآخر، ولا تستقيم الحياة الكريمة إلا بهما تستقيم الحياة الكريمة إلا بهما معاً، وأي نقص وخلل في واحد منهما فهو نقص في حياة الشعب والأمة، ولكي نتقي هذا الخلل والفساد فعلينا أن نوفر وسائل العيش الكافي الوافي لكل قاض وجندي، ولا يحق لأي مواطن أن يستمتع بالرفاهية على حساب الأمة وحياتها وقوتها.

العمال.. فقرة 16 :

ثُمَّ أنْظُرْ فِي أُمُورِ عُمالِكَ فَاسْتَعْمِلُهُمُ اخْتِبَاراً، وَلَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً، فَإِنَّهُمَا جَمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاء مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالْقَدَم في الإسلام المُتَقَدِّمَةِ، فَإنّهُمْ أَكْرَمُ أَخلاقاً، وأَصحُّ أَعْرَاضاً، وَأَقل في المطامع إشراقاً، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً. ثُمَّ أَسْبِعْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلى استصلاح أنفُسِهِمْ، وَغِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أمانتك. ثُمَّ تَفَقَدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَعَاهَدَكَ فِي السِّرِّ لأمورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلى استعمال الْأَمَانَةِ وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيةِ. وَتَحَفَّظَ مَنَ الْأَعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةِ اجْتَمَعَتْ بهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخبَارُ عُيُونِكَ أكتفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ وَأَخَذْتَهُ بِمَا أصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ المَذلَّةِ وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التهمة (16).

اللغة :

المحاباة : الاختصاص. والأثرة : الاستبداد، وكلاهما تعسف واعتباط والاعراض : ما يصونه الإنسان من نفسه، وقوم ذوو عرض - بكسر العين -

أي أشراف. وإشراقاً : تطلعاً، وفي بعض النسخ أشرافاً بالغاء، وهو غلط والأغلب في عواقب الأمور : الأكثر تجربة. وأسبغ : وسع. وثلموا : خانوا. والحدوة : الحث.

الإعراب :

اختباراً مفعول من أجله، ومثله محاباة. وأخلاقاً تمييز، وكذلك أعراضاً واشراقاً، وأحد فاعل لفعل محذوف أي فإن بسط أحد منهم وشاهداً حال.

الدولة والشخصية الاعتبارية :

الدولة منظمة أو مؤسسة بشرية تمارس السلطة باسم الشعب لحسابه ومصلحته، فهي، والحال هذه، وكيلة لا أصيلة، وممثلة لا مالكة، ولذا ولذا يسمى أفراداها مأمورين وموظفين، والنظام الذي يجمع والنظام الذي يجمع أفراد الدولة ويحدد مهمتها وأهدافها هو الذي يجعل منها شخصية اعتبارية قابلة للإلزام والالتزام، والمراد بالشخصية نفس الأشخاص الذين تتألف منهم المنظمة، أما الاعتبارية فهي الصفة القانونية لهؤلاء الأشخاص ؛ لأن القانون من حيث هو لا وجود له في ذاته ولا أثر، وإنما وجوده وأثره بوجود الأشخاص الذين يمارسونه ويعملون بموجبه، ومعنى هذا أن لكل موظف في الدولة شخصيتين : إحداهما طبيعية من حيث ذاته، والثانية قانونية من حيث الوظيفة.

وكل ذي سلطة على شعب أو ناحية من نواحيه أو مدينة من مدنه - لا بد له من عمال موظفين يستعين بهم في إدارة الشؤون، وصيانة الحقوق، وتسهيل المصالح .. وعن هؤلاء يتحدث الإمام في هذا المقطع بعد حديثه عن الجند والقضاة.)

(ثم انظر في أمور عمالك). الخطاب للأشتر الذي أسند اليه الإمام ولاية مصر، ولذا قيل : إن هذا المقطع خاص بعمال العامل وحده أي الوالي المنصوب من الإمام.. أجل، إن الخطاب خاص بظاهره، ولكن المراد به العام، لأن الكفاءة التي ذكرها كشرط للاختيار والتوظيف - تعم كل عامل وموظف دون استثناء.

فاستعملهم اختياراً، ولا تولهم محاباة وأثرة). الموظف - كما أشرنا - أجير عند الأمة، ومؤتمن على مصالحها، ومن أجل هذا أجل هذا وجب أن تختار على أساس الكفاءة لا على أساس الصداقة والقرابة وهذه الوصية من الإمام لعامله لمجرد التوكيد، أو من باب ليطمئن قلبي، أو لبيان ما يجب أن يكون عليه العامل بوجه العموم، لأن أي عامل يكون كفؤاً في واقعه فيختاره الإمام على هذا الأساس - لا بد وأن يختار هو بدوره عمالاً أمناء نصحاء تماماً كما اختير هو، وأيضاً لا بد وأن يؤدي موظفو العامل واجبهم على الوجه الأكمل لأنهم أكفاء كما هو الفرض.

وفي الخطبة 214 أشار الإمام الى ذلك بقوله : فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة. وقال ارسطو للاسكندر : «ليس أصلح للناس من أولي الأمر اذا صلحوا، ولا أفسد لهم منهم اذا فسدوا، وان الوالي من الرعية مكان الروح من الجسد، وبموضع الرأس من البدن، والإمام يُصلح من يأتم به، أما المؤتم فلا يصلح الإمام».ولو بحثنا عن السبب الموجب للتخلف وفساد الأوضاع في كل زمان ومكان - لوجدناه في فساد الحكام وإفسادهم، وضلالهم وأهوائهم

(فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة). وضمير التثنية في «انهما) يعود الى المحاباة والأثرة، وفي بعض النسخ و انهم» بالجمع وهي خطأ. وليس من شك ان المحاباة جور، لأنها تنتهب المراتب من أهلها، وتسندها الى الأذناب والمحاسيب، وأن الأثرة خيانة، لأنها من وحي الهوى ومرض القلب.. ومن البداهة عند كافة الناس ان الطريق الى معرفة الكفاءة والمؤهلات هو الاختبار والامتحان. وقديماً قيل : عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وأيضاً من البداهة ان قوام الكفاءة بالمعرفة والأمانة.

(وتوخ منهم الى المتقدمة). المراد بالتجربة المعرفة، وهي الشرط الأول للكفاءة، أما الشرط الثاني، وهو الأمانة، فأشار اليه بالحياء، لأنه يزجر صاحبه عما يشين. وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «من ولي من أمور المسلمين شيئاً فولّى رجلاً وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله». أما أهل البيوتات فهم وسيلة لا غاية، كما أشرنا عند الحديث عن الجنود، والى ذلك يشير الإمام هنا بقوله : (فإنهم أكرم أخلاقاً الخ).. هذا بيان للعلة الباعثة على اختيار

الموظفين من البيوتات، ومن البداهة ان الحكم بدور مدار علته وجوداً وعدماً، فالذي لا يتصف بالكفاءة لا يجوز اختياره، وان كان من أهل البيوتات، ومن تحلى بها جاز توظيفه وإن لم يكن من البيوتات.

الإمام ومطالب العمال :

(ثم أسبغ عليهم الأرزاق الخ).. ضمير (عليهم) يعود الى العمال، وقوله : «قوة لهم.. وغنى لهم وحجة عليهم» واضح لا يحتاج الى تفسير، والذي تجدر اليه الإشارة هو هذا الاهتمام البالغ من الإمام مطالب العمال والموظفين، وتحسين أوضاعهم في عصر كان ينظر فيه الى العمال كمخلوقات غير إنسانية، وأن الفقر والشقاء من القدر والسماء لا من الأرض والجور.

والآن نقرأ ونسمع الكثير عن إضرابات العمال والموظفين في القطاعين : الخاص والعام، في شرق الأرض وغربها يحتجون على الظلم والإجحاف، ويطالبون بزيادة الأجور وضمان الحقوق، ويتحملون نتيجة لذلك الكثير من التضحيات كالقتل والضرب وحرمان الأهلى والعيال من القوت الضروري أيام الإضراب، وفوق ذلك كله ان الإجحاف بحق العمال يولد الكراهية والصراع بين طبقات المجتمع وفئاته، ويخلق المشاكل والقلاقل للحكومة والمواطنين على السواء.

وقد تنبه الإمام الى ذلك قبل غيره بمئات السنين، وأوصى المسؤولين أن يهتموا بالعمال، ويسبغوا عليهم الأرزاق تلافياً لكل ضرر وفساد، ومن قرأ الكتب القديمة من عهد افلاطون الى القرن التاسع عشر - لا يجد كاتباً أو عالماً أوصى بالعمال والعناية بهم كما فعل الإمام. كانت فلسفة افلاطون تعبر عن طبقته !. وهكذا غيره من الفلاسفة والأدباء.. أما فلسفة الكثير من الفقهاء الأجلاء فهي التسليم الذليل لسلطان الزمان والخاقان ابن الخاقان.. وغريبة الغرائب ان هؤلاء ينسبون أنفسهم إلى الإمام، ويدعون العمل بتعاليمه، بل ويتكلمون باسمه !.

(ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون الخ).. يشير الإمام بهذا الى مبدأ التفتيش على الموظفين كما هو الشأن بالنسبة الى القضاة، وتقدم الكلام في ذلك، ونضيف ان الموظف اذا أيقن أنه مراقب وان أخباره تصل بتمامها الى رئيسه - تحفظ كل التحفظ،

وإن أساء خاف من العقوبة قبل أن تصل اليه، كما يفرح المحسن برضا رئيسه قبل أن يصله الثواب.

(وتحفظ من الأعوان الخ).. أي من الموظفين عندك أي من الموظفين عندك، والمعنى لا تركن الى واحد منهم أياً كان، وراقب الجميع بدقة حتى لا يخفى عليك إحسان من أحسن، وإساءة من أساء، ولا تترك محسناً بغير جزاء، ولا تقر مسيئاً على جناية، ومتى ثبتت عليه بإجماع المراقبين والمفتشين فخذه بها كما ترى بحكمتك، شريطة أن لا تخالف نصاً من نصوص الكتاب والسنة، وشهر به وبجريمته بين الناس وعلى الملأ، ليكون عبرة لغيره، ولا تأخذك الرأفة في دين الله.

وتجدر الإشارة الى أن عقوبة الجرائم في الشريعة الإسلامية على أنواع، منها القصاص، ومنها الحد، ومنها التعزير والحد ما نص الشرع على عقوبته، وتسمى أيضاً العقوبة المقدرة ؛ والتعزير ما لا نص فيه، ويترك تقدير العقوبة للحاكم، وتسمى أيضاً العقوبة المفوضة، ولا يكون التعزير إلا على الكبائر من من الذنوب، والشرط الأول فيه أن لا يخالف نصاً ولا إجماعاً. والعقوبة التي أشار إليها الإمام هنا من نوع التعزير حيث أوكلها الى اجتهاد الحاكم.

الخراج.. فقرة 17 :

تفقّد أَمْرَ الخراج. يُصْلِحُ أَهْلَهُ فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلاحاً لَمَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِم لأنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِمَال عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ. وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نظَرِكَ فِي اسْتِجُلابِ الْخَرَاج لأنَّ ذلِكَ لا يُدْرَك إِلَّا بِالْعِمارَةِ. وَمَنْ طلب الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةِ أَخْرَبَ البِلاَدَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِم أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلاً، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةَ أَوِ انْقِطَاعَ شِرْب أَوْ بَالَّةٍ أو إحَالَةَ أَرْضِ اعْتَمَرَهَا فَرَقُ أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَسُ خَفْفْتَ عَنْهُمْ بِما

تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ. وَلَا يَثْقُلَنْ عَلَيْكَ شَيْءٍ خَفَّفْتَ بِهِ المَؤونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذخرُ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلَادِكَ وَتَزْيِينِ وِلَايَتِكَ، مَعَ استجلابِكَ حُسْنَ تَنَائِهِمْ وَتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِندَهُمْ مِنْ إِجَمَامِكَ لهُمْ وَالثَّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّذَتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ فِي رِفْتِكَ بِهِمْ. فَربَّما حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ مَا إذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ أَحْتَمَلُوهُ طِيبَةَ أَنفُسِهِمْ بِهِ، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحتمِل مَا حَمَّلتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّما يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الوِلَاةِ عَلى الجَمْعِ، وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ أنْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَر (17).

اللغة :

المراد بالعلة هنا ما يعرض للزرع من الحشرات والأمراض. وانقطاع شرب : تعذر السقي بكل الوسائل. والبالة : ما يبل الأرض من وابل أو طل. وإحالة الأرض : تغير حالها عما كانت عليه. والمؤونة : النفقة. وتبجحك : سرورك ومعتمداً : متخذاً : واجمامك : راحتك.

الإعراب :

قليلاً صفة لمحذوف أي زمناً قليلاً، ومعتمداً حال، ومعتمداً حال، وفضل مفعول لمعتمد، والثقة عطف على فضل، فربما (رب) حرف جر و (ما) كافة عن العمل، وطيبة أنفسهم منصوبة بنزع الخافض أي عن طيبة أنفسهم.

الضرائب :

(وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله).. بعد أن تكلم الإمام عن الجنود والقضاة والعمال انتقل الى الحديث عن الخراج وأهله، والمراد بتفقد أمر الخراج أن يستوفيسه الجباة كاملاً بلا نقصان أو زيادة، لأن النقصان ظلم بالرعية والزيادة ظلم بمن يدفع الخراج، أما المراد بتفقد أهل الخراج فهو الرفق بهم، والاستماع لمطالبهم، والعمل على إصلاح شؤونهم، وعدم مصادرة شيء من أموا من أجل الخراج، ويأتي المزيد في التوضيح عند الكلام عن عمارة الأرض، أما كلمة الخراج وبيان المراد منها فيعلم مما يلي :

(فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم الخ).. أي لا طريق لصلاح المجتمع بشتى فئاته إلا بصلاح أمر الخراج ومن يدفع الخراج، ويدلنا هذا الشمول لجميع الفئات، وهذا الإطلاق في الحكم بأنه لا صلاح إلا بصلاح الخراج وأهله، كما يدلنا على ان المراد بالخراج هو كل ما يجبى لبيت المال بأي سبب من الأسباب أو اسم من الأسماء، لأن بيت المال لصالح المجتمع فئات وأفراداً حتى ما ينفق منه على الجند والقضاة لأنهم حراس الوطن والعدالة، ولذا يطلق عليه مال المسلمين ومال الله، أي لصالح الخلق، ويؤيد إطلاق الخراج على جميع الضرائب بشتى أنواعها ما جاء في (مجمع البحرين) للطريحي عن بعضهم : «إن اسم الخراج يُطلق على الضريبة والفيء والجزية والغلة، ومنه قولهم : خراج العراقين». وليس هذا ببعيد، لأن معنى الخراج في اللغة الأجر، وكل ما تأخذه الدولة هو أجرها على استقامة الحياة.

والضريبة في الاسلام على أنواع : منها الزكاة، وتسمى أيضاً الفريضة والصدقة الواجبة، ومنها الخمس، ويسمى أيضاً الغنيمة، ومنها ما يوضع على الأرض، ومنها الجزية على الرؤوس، ومنها الفيء، وهو ما أخذ من، وهو ما أخذ من غير المسلمين سلماً لا حرباً. قال العلامة الحلي - من علماء الإمامية - في كتاب «التذكرة باب الجهاد» : «الغنيمة من دار الحرب ما أخذ بالغلبة وايجاف خيل وركاب، والفيء ما حصل من غير قتال وايجاف خيل وركاب» ومثله في كتاب «الأحكام السلطانية» - للسنة - وهذه عبارته : «مال الفيء مأخوذ عفواً، ومال الغنيمة مأخوذ قهراً».

هذه هي الضرائب التي يفرضها الإسلام، أو معظمها وأهمها على سبيل الإجمال، والتفصيل في كتب الفقه، ويجمعها اسم الخراج، وان كان أظهر أفراده ضريبة الأرضين. وتجدر الإشارة الى أن الضريبة على السلع والمسافر والعقود المدنية، وعلى الدعاوي لدى القضاة - لم تكن معروفة من قبل في الدولة الإسلامية.

وكل ضريبة كانت تجي لبيت المال فهي لصالح المسلمين حتى سهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الخاص به كان يعطيه للمعوزين ويقول : ما آمن بالله من بات شبعاناً وأخوه جائع ولا يستثني إلا ما يقيم الأود، ولو احتفظ ببعضه لكان من أغنياء العرب.

(لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله). ما من غني أو فقير إلا وينتفع من الضرائب في الدولة العادلة، سواء أنفقتها على المشاريع العامة كالمدارس والمستشفيات، والعيون وشق الطرقات، أم على الجند والقضاة وسائر الموظفين حيث لا حياة ولا نظام إلا بوجود الدولة، قال (مونتسكيو في روح الشرائع : ان دخل الدولة هو جزء يدفعه المواطن من ماله لينال السلامة والمتعة بالحياة». ومعنى هذا ان الدولة عيال على الخراج، والرعية عيال على الدولة بالنظر الى حاجتها للسلامة والمتعة، والنتيجة ان كل الناس، دولة وشعباً، عيال على الخراج كما قال الإمام.

(وليكن نظرك في عمارة الأرض الخ).. لا تستقيم الحياة إلا بتبادل الثقة بين الراعي والرعية، والسبيل الى ثقة الرعية براعيها هو والسبيل الى ثقة الرعية براعيها هو أن تؤمن وتوقن بأنه بسياسة الإنتاج وزيادة الثروة، وتوفير الدخل الكافي لكل فرد - أكثر مما يهم بسياسة الضرائب وتحصيلها.. ومن البداهة ان المورد الرئيسي للثروة وزيادة الدخل هو الأرض، بخاصة في ذلك العهد حيث كان الاعتماد قبل كل شيء على الزراعة، وثروة الأرض الموجودة فيها بالقوة، ولا تظهر هذه الثروة الى عالم الوجود إلا بالعمل وتوفير الآلة. وأيضاً من البداهة ان زيادة الانتاج وحدها لا تزيد في دخل الفرد، ولا تسد حاجة كل محتاج إلا مع النظام العادل الذي يحقق المساواة بين الجميع، وبكلمة : لا: عمران إلا بمجتمع يقوم على نظام عادل، وعليه تكون وصية الإمام لعامله بعمارة الأرض مع استقامة الأمر والحياة هي وصية بمراعاة العدل والعمل لزيادة الإنتاج وتحسينه وتنظيم أسواقه، وما إلى ذلك مما يعود على الجميع بالخير والصلاح.

(ومن طلب الخراج بغير عمارة الخ) .. الضريبة لا تقاس بشهوة الراعي

وإرادته، بل بالنص مع وجوده، وإلا فبالمصلحة والحاجة الضرورية للدولة، وقدرة الرعية في نطاق العدل، ولو اهتم الراعي بسياسة الضرائب فقط، وأهمل الرعية وعمارة الأرض - لكان تاجراً مستغلاً ولعم الخراب والدمار، واذا صارت البلاد خراباً ويباباً فمن أين تتجى الأموال ؟ وهل يزيد مال الخزينة بفقر الشعب؟ وحكى لنا بعض الشيوخ ان صاحب الأرض في العهد العثماني كان يهرب منها ويتنازل عنها بلا ثمن لمن شاء فراراً من الضرائب الفادحة، وان العديد من الناس كانوا يؤثرون الفقر والبطالة على العمل في الأرض للغاية نفسها.

(فإن شكوا ثقلاً - الى - رفقك بهم). ضمير شكوا يعود الى الرعية، والمراد بالثقل ثقل الضريبة، والمعنى ان للزرع آفات، كانقطاع المطر، وتعفن البذر، والحشرات والأمراض، وما إلى ذلك، وما إلى ذلك من الأوبئة فإذا اشتكت الرعية شيئاً من ذلك الى الراعي فعليه أن يبذل كل جهد في مساعدتهم، وأن يخفف عنهم الضرائب أو يلغيها من الأساس حسبما تستدعيه المصلحة، وليس من شك ان الرعية تمنح الثقة والولاء لراعيها المخلص. والكثير من الحكومات تخصص مبلغاً من الميزانية لمثل هذه الطوارىء

(فربما حدث من الأمور الخ).. إذا أحسن الراعي إذا أحسن الراعي سيرته مع الرعية كانوا له القوة والعدة على كل أجنبي وطامع، وان أساء ثاروا عليه، وطلبوا تنحيته.. فإن كان من عشاق الكراسي استعان بالأجنبي، وتآمر معه على شعبه، كما حدث بلبنان سنة 1958، ومن البداهة ان الأجنبي لا يتدخل إلا لمصلحته وقد تنبه الإمام لذلك، فأوصى عامله أن يحرص بأعماله كل الحرص على ثقة الرعية به وحبهم له، ليستجيبوا لدعوته ساعة يشاء، ويكونوا له حصناً من الأعداء.

(فإن العمران محتمل ما حملته). المزاد بالعمران. هنا العدل والأمن والخصب ومتى توافرت هذه العناصر الثلاثة ضحى أهله بالنفس والنفيس في سبيله وسبيل راعيه وحارسه، واذا افتقدوا واحداً منها شعروا بالغربة وهم في وطنهم وقد رأينا من يتعصب لبلد غريب يعيش فيه بأمن وهناء، ويتجاهل وطنه لأنه لا يوفر له الأمن ولقمة العيش.

(وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها الخ).. الأرض وسيلة من

وسائل الإنتاج، ولكن بالعمل، وتوفير المال لشراء الآلة والبذر والسماد والدواء لمكافحة الأمراض والحشرات، فإذا احتكرت المال فئة من الفئات، وتآمر معها الحاكم - خربت الأرض، ورحل أهلها الى غيرها، أو عاش أحرارها في السجون، وغيرهم من الرعايا عبيداً للمترفين الطغاة وللأحرار ونضال الشعوب تاریخ رائع وطويل.

الكتاب.. فقرة 18 :

ثُمَّ أنْظُرْ في حال كتابِكَ فَوَلِّ عَلى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُص رَسَائِلَكَ التي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صالح الأخلاقِ، مَنْ لا تُبْطِرُهُ الكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاف لكَ بِحَضْرَةِ مَلاَءٍ، وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ الغَفْلَةُ عَنْ إِبْرَادِ مُكاتَباتِ عُّمالِكَ عليك، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِها عَلى الصَّوَابِ عَنْكَ وَفِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنكَ. وَلَا يُضْعِفُ عَقْداً أعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلَا يَعْجِزُ عَنْ إطلاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ، وَلَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ الأمور، فَإِنَّ الْجَاهِل بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ. ثُمَّ لاَ يَكُنِ اختياركَ إيَّاهُم على فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لفراسَاتِ الوُلاةِ بِتَصَنْعِهِمْ وَحُسْنِ خِدمَتِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْأَمَانَةِ شَيْءٌ، وَلَكِنِ أَخْتَبِرْهُمْ بِما وَلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ فَاعْمِدُ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي العَامَةِ أثراً، وَأَعْرَفِهِم بالأمانة وجهاً، فإنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ وَمَنْ وَلِيتَ أَمْرَهُ، وَاجْعَلْ لِرَأْسِ

كُلِّ أمرٍ مِنْ أُمورك رأساً مِنْهُمْ لا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا وَمَههَا كَانَ فِي كتابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ الزمته (18).

اللغة :

مكائدك : خططك الخفية ضد أعدائك. والفراسة - بكسر الفاء - التنبؤ بالخفايا من القرائن. والاستنامة : الركون. وألزمته : لزمك ووجب عليك.

الإعراب :

إياهم مفعول ثان لاختيارك، وشيء اسم ليس مؤخر، ووراء خبر مقدم، وكان في العامة (كان) زائدة، زائدة، ويجوز أن تكون أصلاً، واسمها ضمير مستر، وأثراً خبرها، ووجها تمييز.

شروط الوزير :

(ثم انظر في حال كتابك). سبق الكلام عن الجند والقضاة والعمال والحديث الآن عن الكتاب، وقال أكثر من شارح : إن المراد بهم الوزراء، وليس هذا ببعيد، ويوميء اليه قول الإمام «مكائدك وأسرارك»، فإن السر والكيد ضد العدو لا يُطلع الحاكم أحداً عليه إلا وزراءه وخاصته. وكان الوزير آنذاك مجرد مستشار لإسداء النصح والإرشاد، وقد يستعين به الحاكم على تنفيذ بعض رغائبه. ولم تمهد قواعد الوزارة، وتحدد مهمة الوزير إلا في الدولة العباسية، هكذا جاء في كتاب «نظام الحكم الإسلامي». وقال ابن أبي الحديد في شرحه: «الكاتب الذي يشير اليه الإمام هو الذي يسمى الآن في الاصطلاح وزيراً لتدبير حضرة الأمير، والنائب عنه في أموره».

وأشار الإمام الى الشروط التي يجب توافرها في الوزير بقوله :

1 - (فول أمورك خيرهم). فيما تقدم قال الإمام عن العمال والموظفين : فاستعملهم اختباراً، أي امتحاناً بالإضافة الى شهادة حسن السيرة والسلوك، ويظهر من كلامه هنا عن الوزير انه لا داعي لامتحانه، والمهم أن يكون خير الناس في مجتمعه، أو من خيارهم، وكل الدول في الشرق والغرب تسند الوزارة لمرضى السيرة بلا امتحان وسؤال وجواب، وهذا أحد الطرق التي يثبت بها الاجتهاد المطلق عند الإمامية. وقد عرف الإمام في كلماته القصار رقم 374، عرف المستكمل الخصال الخير بأنه الذي ينكر المنكر بيده ولسانه وقلبه أي يشعر بالأسى لكل ظلم وأذى في أي جزء من أجزاء العالم، وانه المظلومين والمنكوبين بروحه وقلبه، وانه يناضل من أجلهم بما يستطيع معنوياً ومادياً باللسان والقلم وباليد والمال : «من كل حسب طاقته». «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا - 286 البقرة».

2 - (واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك الخ).. اذا كان لديك سر هام أو خطة تكيد بها العدو، واحتجت في تنفيذها الى معين - فاختره من أهل الوعي والفطنة بحيث لا يخدع ويؤخذ من غير شعور، ومن أهل الدين والوفاء أيضاً، يفي بالعهد، يفي بالعهد، ويحافظ على الأمانة، ويقدس الواجب ولا يتهاون فيه، ويحرص على سمعته وكرامته.

3 - (ممن لا تبطره الكرامة) إذا أكرمته وجعلته لك أخاً جعلك له سيداً، فلا يطمع ويغتر بإكرامك ويتجاوز الحدود، كما هو شأن السفيه الجاهل.

4 - (ولا تقصر به الغفلة الخ) يؤدي واجبه على أكمل وجه، ولا يتهاون برسالة تأتي اليك من عامل أو من غيره، وأيضاً لا يتهاون بجوابها، ويحرص كل الحرص على حسن سيرتك وسمعتك بين الناس، ولا يعرضك للسخط والانتقاد بسوء تصرفه، كما يفعل الكثير من حواشي الرؤساء، والأكثر من أبناء المراجع والعلماء في هذا العصر (فيما يأخذ لك) أي يحتج لك بالمنطق السليم على عمالك وغيرهم ممن يعترض وينتقد (ويعطي منك) النصح للعمال والموظفين وغيرهم.

5 – (ولا يضعف عقداً اعتقده لك الخ).. إذا انتدبته الى مفاوضة خصم من خصومك، وتفاوضا ثم اتفقا بعد النقاش على أشياء معينة، بعضها لك،

وبعضها عليك، إذا كان هذا أبرم الشيء الذي لك على خصمك وأحكمه من جميع جهاته بحيث لا يدع للخصم منفذاً للنقص والتحرر منه، أما الشيء الذي عليك لخصمك فيتبعه بأوصاف وقرائن تجعلك في حل متى أردت التحرر منه تماماً كما يفعل الساسة الدهاة الآن وفي كل عصر وهذا بعض الشواهد الكثيرة التي تدمع وتكذب زعم الزاعمين بأن علياً لا يعرف السياسة.

6 - (ولا يجهل مبلغ قدر نفسه الخ).. لا يدعي ما ليس فيه، ويتوقع الخطأ في رأيه، ويتقبل الانتقاد، ويحسن الاستماع، ويمهل المتكلم حتى ينتهي من حديثه.

7 - (ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك الخ).. ليست الفراسة طريقاً علمياً أو شرعياً لمعرفة أي شيء حتى ولو كان حقيراً، فكيف بالمصالح العامة والأمور الهامة ؟ هذا، الى أن الأشرار يلقون الحكام بالرياء والتصنع لينزلوهم منزلة الأخيار.. ولكن الحاكم الذكي يدرك واقعهم ولكن الحاكم الذكي يدرك واقعهم ويعاملهم بما هم أهل له

مقياس الحقيقة :

(ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك الخ).. يختلف مقياس الحقيقة باختلاف طبيعتها، فالحقيقة الدينية تقاس بالوحي من الله، والحقيق والحقيقة الفلسفية تقاس بالفكر والعقل، والحقيقة العرفية مقياسها أفهام الناس وعاداتهم، والحقيقة العلمية تقاس بالمشاهدة والتجربة. وكذلك الرجال يعرف منهم الكفؤ بما يمارسه من الأعمال، فالطريق الى العلم بمهارة الطبيب أن يشفي المرضى، ومهارة مهندس البناء تظهر في العمارة والبناية، ولا نعرف خلق الوزير أو الموظف إلا اذا باشر مهنته حيناً كافياً من الدهر، فإن قام به كما يجب، وذكره الناس بالخير والأمانة فهو كذلك، وعلى الحاكم المخلص أن يؤثره على غيره، ويركن اليه، وقديماً قيل : ألسنة الناس أقلام الحق وقال الإمام : من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أحسن ما بينه وبين الله أحسن الله ما بينه وبين الناس.

(فإن ذلك دليل على نصيحتك الخ)... اذا اخترت الأمين المجرب لمصالح العباد فقد نصحت الله ورسوله، وأثابك بالحسنى وزيادة.

توزيع الأعمال :

(واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأساً منهم). هذا كلام مستأنف وعام يشمل كل الأعمال، ولا يختص بالرسائل وأجوبتها كما فهم ابن أبي الحديد وغيره، لأن الإمام قال : كسل أمر من أمورك، ولم يقل كل رسالة من رسائلك. والمعنى ان أعمال الدولة كثيرة ومتنوعة، وتحتاج الى الكثير من العمال الموظفين.. ولا تنتظم هذه الأعمال وتستقيم إلا اذا حصرت وصنفت الى أقسام وأصناف بلا تداخل بينها واصطدام، ثم يسند كل عمل منها الى شخص معين يقوم به ويدور في فلكه ولا يتجاوزه الى غيره، ويكون وحده المسؤول عنه، وبهذا التقسيم والتوزيع يمكن ضبط الأعمال واتقانها على الوجه المطلوب.. وقال الإمام في آخر وصيته الطويلة لولده الإمام الحسن : «واجعل لكل انسان من خدمك عملاً تأخذه به، فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك».

وقال الباحثون : ان هذا المبدأ لم تهتد اليه المدنية إلا حديثاً (ومهما كان في كتابك من عيب الخ).. يجب على الوالي أي يتحرى أخبار العمال والموظفين، ويحرص كل الحرص على معرفة أعمالهم : هل أحسنوا أم أساءوا ؟ وأن يجزي المسيء بما يستحق، فإن أهمل الوالي البحث والتفتيش، أو تغاضى عن الإساءة، كان مسؤولاً أمام الله، ومأخوذاً بأشد العقوبات.

التجار وأرباب الصناعة.. فقرة 19 :

ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتجّارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً : الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ، وَالْمُتَرَفْقِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ المَنَافِع وَأَسْبَابُ المَرَافِقِ، وَجُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالْمَطَارِح، فِي بَرِّكَ وبرك، وسَهْلِك وجبلك، وحيثُ لَا يَلْتَئمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا، وَلَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهَا. فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا تُخَافَ بَائِقَتُهُ، وَصُلْحُ لَا تُخشَى

عَائِلَتُهُ. وَتَفَقَدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِي حَوَاشِي بِلَادِكَ. وَأَعْلَمْ مَع ذلِكَ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشَاً وَشُحّاً قبيحاً، وَاحْتِكاراً لِلْمَنَافِعِ وَتَحَكُّماً في البياعَاتِ، وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ وَعَيْبُ عَلَى الْوَلَاةِ. فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِكَارِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مَنَعَ مِنْهُ لْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً، بِمَوَازِينَ عَدْلِ وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعَ. فَمَنْ قَارَفَ مُكْرَةً بَعْدَ نَهَيكَ إِيَّاهُ فَنَّكل به، وَعَاقِبُ فِي غَيْرِ إسْرَاف (19).

اللغة :

اضطرب التاجر بماله : انتقل به من بلد الى بلد. والمترفق ببدنه : المعتمد عليه في الكسب. والمرافق : المنافع. والمباعد والمطارح بمعنى واحد، أي الأماكن البعيدة. والبائقة والغائلة : الشر. وضيقاً : شديداً في معاملته والمبتاع : المشتري.

الإعراب :

مفعول استوص محذوف أي أوص نفسك، والمقيم وما بعده بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه الضمير في «بهم»، وبموازين متعلق بمحذوف خبراً ليكن وبيعاً مفعول مطلق للبيع.

الصناعة والتجارة بين القديم والجديد :

ابتدأ الكلام أول ما ابتدأ بالجند، ثم القضاة، ثم العمال والموظفين، ثم

أهل الخراج، ثم الكتاب أو الوزراء. والحديث الآن عن الفئة السادسة، وهم التجار وأهل الصناعة.. وكل علاقة بين الفرد والفرد، أو بين الفرد والجماعة، أو بين الجماعة والجماعة - فإنها لا تخلو من أحد فرضين : إما روحية لا صلة لها بالاقتصاد، كحب المؤمن لأخيه المؤمن لمحض الإيمان، وحب الصديق صديقه لمجرد الصداقة، وحب الأم لوليدها، وإما اقتصادية كعلاقة التاجر بالمنتج والمستهلك، وعلاقة كل الناس بهؤلاء الثلاثة، لأن الحياة لا تستقيم إلا بالزراعة والصناعة والتجارة، ولذا قال الفقهاء : هي فرض كفاية على الجميع.

والأوصاف التي نعت بها الإمام أهل التجارة والصناعة - تدل دلالة قاطعة على أن أكثرهم كانوا من الكادحين لا يبتغون إلا سد الحاجة والعيش بأمان، ومن أجل هذا كانوا يعرفون الدين والشريعة، والخير والشر، والعدل والظلم تماماً كالمستضعفين.. وأيضاً كانوا يشاركون بأموالهم وأنفسهم في الدفاع عن الدين والوطن، ربما بذل أحدهم معظم ما يملك في هذا السبيل، كما حدثنا التاريخ.

وليس هذا يبعيد عن طبيعة الحياة والأوضاع في ذاك العهد حيث لا آلة إلا المغازل والأنوال اليدوية، وإلى هذا أشار الإمام بقوله : (والمترفق ببدنه) أي العامل بعضلاته لا بالضغط على الأزرار.. أيضاً لم يكن آنذاك شركات تجارية احتكارية بملك أسهمها أصحاب الملايين، ويسيطرون على السياسة وأقوات العباد بل كان التاجر يعرض سلعته في حانوته على المستهلكين، وإليه أشار الإمام بقوله : (المقيم منهم) أو ينتقل بها من بلد الى بلد، وإليه الإشارة بالمضطرب، بماله.

وبكلام آخر ان الهوة لم تتسع بين فئات المجتمع - كما هي الحال الآن - إلا بعد أن تقدمت الصناعة وطغت على مظاهر الحياة، وتحكم بها وبالمصانع أصحاب الشركات الاحتكارية، وأخضعوا الانتاج وكل مجهود لأهوائهم ومكاسبهم وحولوا معظمه الى أسلحة الخراب والدمار، وفرضوا العجز والفقر على الشعوب المستضعفة، واحتكروا أقواتها ومقدراتها، وحاربوا كل ثقافة واعية، وخنقوا كل صوت للأحرار والحرية في شرق الأرض وغربها.

وفي الأسبوع الأول من كانون الثاني يناير سنة 1973 نشرت الصحف تقريراً لـ «ارنست ماير» مدير معهد الصحافة الدولي جاء فيه : «إن 26 دولة في العالم فقط من بين 132 دولة أعضاء في الأمم المتحدة تتمتع بحرية الصحافة، لأن

القوى الاقتصادية تخضع صاحب الصحيفة لإرادتها وإلا أوقفت عنه سيل الاعلانات. وان الصحفي الأمريكي فقد حريته بشكل سريع ومحزن.. وان العديد من الصحف المستقلة آثرت الاختفاء بدلاً من الوقوع في براثن الاحتكارات».

وليس من شك ان الإمام لا يتحدث عن هذا النوع من الشركات وذوي الصناعات حيث لم يكن لهم في عهده عين ولا أثر، ولأنهم وحوش كاسرة، وأوبئة مهلكة لا يعترفون بمبدأ أو قانون، ولا بشيء إلا بالنجاح والأرباح والإمام يتحدث عن التجار والصناع الذين هم أداة خير في المجتمع في المجتمع، ويعترفون بالدين والضمير، والخير والشر، والعدل والظلم، كما أشرنا.

وبهذا التمهيد يسهل علينا أن نفهم ما أراده الإمام بحديثه التالي عن التجار وذوي الصناعات.

(ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات الخ).. أولاء يصنعون الكساء والسلاح وأدوات البناء والمنزل وآلات الزراعة وما اليها، وأولئك ينقلونها الى المحتاجين والمستهلكين، وعلى الراعي أن يهتم بالفئتين معاً حيث لا غنى للمجتمع عنها، ويعمل على تحسين الصناعة بما يحقق الخير والرخاء للجميع.. وكلنا يعلم ان الصناعة اليوم هي القوة العظمى في كل ميدان، وانها المطلب الأول لكل شعب، لأن التقدم يقاس بها لا بالزراعة، بل هي المقياس لتطور الزراعة والتجارة، وزيادة الربح في هذه وغلة الأرض في تلك. فتشجيع الصناعة، اذن، تشجيع للانتاج بشتى وسائله.

وما فرضت اليابان نفسها على العالم بعد هزيمتها واستسلامها لأمريكا في الحرب العالمية الثانية إلا بثورتها الصناعية السلمية، وكذلك الألمان... وبالأمس القريب وحين ظهر العجز التجاري الأمريكي، وأعقبه أزمة الدولار،، وأعقبه أزمة الدولار، التجأت الولايات المتحدة صاغرة الى اليابان، والفضل للانتاج وصناعة السلم.. والمجتمع الأمريكي مجتمع صناعي تجاري أكثر من اليابان بالقياس الى موارده وإمكاناته، ولكن سياسة التصنيع الحربي خلقت لأمريكا وللعالم كله أزمات ومشكلات، ولا سبيل للخلاص إلا سياسة السلم في كل ميدان، وإطلاق الحرية لكل شعب وإنسان بلا تمييز بين قوي وضعيف، وغني وفقير، وأسود وأبيض.

(فإنهم مواد المنافع الخ).. ومن ومن هذه المنافع أن التجار ينقلون سلع البلاد

التي تزيد عن حاجة أهلها الى بلاد أخرى هي في أمس الحاجة اليها .. ويتعذر على البلد المنتج والمستهلك الاجتماع في مكان واحد للبيع والشراء، وهذا ما أراده الإمام بقوله : (وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها) وأيضاً ينقل التجار مع السلع عقيدتهم وثقافتهم، وعن طريقهم انتشر الإسلام في كثير من الأقطار قال العقاد في كتاب «الإسلام في القرن العشرين» : «يوجد اليوم في افريقيا مئة مليون مسلم، وقريب من هذا العدد في السومطرة وبلاد الجاوة، وقريب منه في الباكستان، وقد يكون في الصين وما جاورها عدة كهذه العدة من الملايين. وكل هؤلاء سرت فيهم عقيدة الإسلام بمعزل عن الدول والسياسة»

(فإنهم سلم لا تخاف الخ).. ان التجار والصناع من حيث المجموع - لا يثيرون الفتن، ولا يتآمرون مع أعداء الوطن، كما تفعل اليوم الرجعية للمحافظة على استغلالها وامتيازاتها.. وقول الإمام : «فإنهم سلم فإنهم سلم لا تخاف بواثقه» دليل قاطع على ان أهل التجارة والصناعة كانوا في ذلك العهد من الكادحين يعيشون بكد اليمين، كما قدمنا (وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك). تتبع أخبار القريب منهم والبعيد، وأسهر على مصلحة الجميع.

(واعلم مع ذلك ان في كثير منهم الخ).. ان التجار كسائر الفئات فيهم الكبير والصغير، والسمح والضيق، والجشع والقانع، والطيب والخبيث، وقد يحاول بعض الأثرياء من ذوي الجشع والطمع - ان يستغل عن طريق غير مشروع کالربا والغش والاحتكار والتحكم بالأسعار، فإن حدث من أحدهم شيء من هذا فاضرب على يده وعامله بما يستحق.

والاحتكار محرم نصاً وإجماعاً، ومن الكبائر أيضاً، ولا يختص بنوع معين خلافاً لجماعة من الفقهاء، بل يعم كل ما يضطر اليه الناس لتقديم المصلحة العامة على الخاصة. والحاكم يجبر المحتكر أن يعرض السلعة في الأسواق. ولا يحل التسعير عليه ولا على غيره إلا لضرورة المجتمع ومصلحته، وللوقاية من استغلال البائع وجشعه. وقال الشهيد الثاني في كتاب «المسالك» : «ان كان المضطر الى الطعام قادراً على المحتكر قاتله، فإن قتل المضطر كان مظلوماً، وان قتل صاحب الطعام قدمه هدر». وتكلمنا عن الاحتكار مفصلاً في كتاب «فقه الإمام جعفر الصادق» باب البيع.

(وليكن البيع بيعاً سمحاً) أي فيه تسهيل بالثمن (وبموازين عدل) لا ينتقص من باع، ولا يتزيد من اشترى (وأسعار لا تجحف بالفريقين) لا سلطان مطلقاً للإنسان حتى على نفسه وماله.. فكل تصرف في الحق مقيد بعدم الضرر والإجحاف بالآخرين، وبتعبير الحقوقيين لا تعسف في استعمال الحق (فمن قارف حكرة الخ).. الاحتكار ذنب كبير كما أشرنا، ومن ارتكب كبيرة من الجرائم عاقبه الحاكم بالعقوبة المنصوص عليها شرعاً، وان أعوزته النصوص عزره مما يرى شريطة أن لا يخالف نصاً في الكتاب والسنة. والى هذا الشرط أشار الإمام بقوله : (من غير إسراف).

وبعد فإن الاسلام يقيم العلاقات بين الناس وينظمها لصالح الجميع بلا استثناء، إن أمكن وإلا قدم صالح الغالبية على الأقلية، ولهذا المبدأ وغيره من المبادىء الإسلامية قال كثير من الأجانب والمستشرقين : إن الاسلام دين الحياة في كل زمان ومكان. ونقلنا طرفاً من أقوالهم في كتاب : «فلسفة التوحيد والولاية» فصل «محمد والقرآن».

الطبقة السفلى.. فقرة 20 - 21 :

ثمَّ الله الله في الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ وَالْمَسَاكِينِ والمحتاجينَ وأَهْلِ الْبُوسى والزَّمَنَى، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَائِعاً ومُعْتَرّاً. وَأَحْفَظُ لِلَّهِ مَا أَسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قسماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ وَقِسماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِي الْإِسلام في كُلِّ بَلَدٍ، فإنَّ لِلْأقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلْأدْنَى. وَكُلُّ قَدِ اسْتَرْعِيتَ حَقَّهُ فَلاَ يَشغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ، فَإِنَّكَ لا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِكَ التَّافِة لإحكامِكَ الكَثِيرَ الممهِمَّ، فَلاَ تُشخص هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لهُمْ، وتَفَقَدْ أُمُورَ مَنْ لاَ يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مَنْ تَفْتَحِمُهُ الْعُيُونُ وَتَحْقِرُهُ

الرّجالُ، فَفَرِّغ لاولئِكَ ثقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشيَةِ والتَّواضع، فَلْيَرْفَع إليْكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ أَعْمَلْ فِيهِمْ بِالإعْذَارِ الَى اللهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ، فَإِن هؤلاء مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَخْوَجُ إلَى الْإِنصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكُلُّ فَأَعْذِرُ إلى اللهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ (30). وَتَعَبدُ أَهْلَ اليُتْمِ وَذَوِي الرَّقْةِ فِي السِّنِّ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ وَلَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَة نَفْسَهُ، وَذَلِكَ عَلى الولاة ثَقِيلٌ وَالْحَقِّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ. وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنفُسَهُمْ وَوَثِقُوا بِصِدْقٍ مَوْعُودِ اللهِ لَهُمْ. وَأَجْعَلْ لِذَوِي الحاجاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عاما فَتَتَوَاضع فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ من أَحْرَاسِكَ وشُرَطَكَ، حَتَّى يُكلِّمك مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعتع، فَإِنِّي سمعتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِن : «لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفَ فِيهَا حَقَّهُ مِنَ الْقَوِي غَيْرَ مُتَتعتع». ثُمَّ أَحْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِيِّ، وَنَحِّ عَنْكَ الضّيقِ وَالْأَنفَ يَبْسُطِ اللهُ عَلَيْكَ بِذلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ، ويُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ. وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً، وَأَمْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَإعْذَارٍ (21).

اللغة :

الطبقة السفلى: الجماهير الشعبية والغالبية العظمى التي تتألف من الفقراء والمساكين كما أوضح الإمام ذلك بقوله : «من المساكين والمحتاجين». والبؤسى - بضم

الباء - شدة الفقر. والزمني - بفتح الزاي - جمع زمين أي صاحب عامة والقانع : الراضى لما تيسر من غير مسألة. والمعتر : يتعرض للعطاء. والمراد بصوافي الاسلام المال المشاع لكل مسلم. ولا تصعر خدك : دع الكبر والإعجاب. وتقتحمه العيون : تحتقزه وتزدريه. وثقتك : من تثق به. والإعذار : ما يوجب العذر. والرقة - بكسر الراء - الضعف. وتقعد عنهم جندك : تأمرهم أن لا يتعرضوا لهم. والمتتعتع : العي. وتقدس : تطهر. والمراد بالضيق هنا ضيق الصدر. والأنف - بفتح الألف والنون – الاستنكاف.

الإعراب :

الله الله احذروا أو اتقوا الله، والثانية للتوكيد، وغير متتعتع حال من متكلمهم.

فلسفة المساكين :

(ثم الله الله في الطبقة السفلى (1)من الذين لا حيلة لهم الخ).. لأنهم ليسوا من الجند والقضاة، ولا من الموظفين والصناع الذين تقدم عنهم الكلام، وإنما يتألفون من الشغيلة المأجورين في الزراعة وبعض الحرف، ومن المستخدمين في البيوت ومحلات التجارة، وسائقي السيارات، وعمال البناء والمطابع وما أشبه، ومن الشيوخ والعجزة والعاطلين عن العمل، وقد يكون لبعضهم قطعة من الأرض لا تفي بحاجته، أو تكون له زاوية يبيع فيها الفجل والكراث ونحوه، أو يكون بائعاً للصحف أو أوراق «اليانصيب»، أو ذا حرفة تافهة كمسح الأحذية أو ترقيعها، أو يكون موظفاً للحراسة والكناسة.

كل هؤلاء يشملهم قول الإمام : «الله الله في الطبقة السفلى الذين لا حيلة لهم


1) وهذه الكلمة ترادف كلمة البناء التحتي الشائعة في تعبيرات بعض الكتاب، ويعنون بها أن صلاح المجتمع لا يكون إلا بصلاح هذه الطبقة لا بالأغنياء والأقوياء، لأن البناء يبدأ بالأساس لا بالسقف، ومتى صلح الأساس صلح السقف وغيره من أجزاء البناء.

وتطلق عليهم كلمة الجماهير لأنهم الغالبية العظمى والأكثرية في كل الشعوب أو جلها، وهم القوة والعدة لكل نبي ومصلح في حل الأزمات وتقدم الحياة، ولولاهم ما كان للعلماء والعظماء اسم ولا أثر في مدنية وحضارة، أو شيء ينفع الناس، ولا كان للإنسانية هذا التراث الضخم من الصروح والسدود والترع والقلاع وما إلى ذلك مما قراه في متاحف الآثار وغيرها.

ومع هذا فهم الطبقة المستغلة المضطهدة من بين طبقات المجتمع، فالبوليس يطاردهم ويحرر بهم المخالفات، في حين لا يجرأ على غيرهم، والأغنياء لا يعطونهم من ثمن الخدمات إلا دون الكفاف، وهم يحرمون من إعانات الإغاثة - ان كانت - لتذهب الى جيوب المشرفين عليها والموظفين، وبعد هذا كله يتحملون القسط الأوفر من كل نكبة وآفة سماوية كانت كالجدب، أم أرضية كالحرب

وقد ذكرهم سبحانه في العديد من آياته، منها توجب لهم الشركة في أموال الأغنياء : «فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ - 25 المعارج». ومنها الإحسان اليهم : «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ - 36 النساء». ومنها توجب الجهاد والثورة من أجلهم : «وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ - 75 النساء». ولكن المستضعفين لم ينتظروا أحداً يثور عنهم ويقاتل من أجلهم فثاروا على الظلم بأنفسهم، وخاضوا المعارك في كل طرف من أطراف المعمورة، وانتصروا في كثير من الثورات، وبعضها الآخر في طريق النصر، وان طال، وأين المفر من التيار الواثب الغاضب ؟.

أما فلسفة المساكين التي تقول : العدل والحرية للجميع، وحياة أسعد وأفضل لكل فرد دون استثناء، أما هذه الفلسفة فهي رسالة السماء الى الأرض، ومبدأ الشرائع والقوانين، وأمنية كل شعب في شرق الأرض وغربها، والإمام لا ينطق بلسانه، ولا يعبر عن شعوره فقط، وإنما يعلن إرادة الله والطيبين من عباده حين يقول : «الله الله في الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم» لأنهم أيتام وبلا عم وخال.

(واجعل لهم قسماً من بيت مالك). مشاريع الدولة كثيرة، وكل مشروع كاف يحتاج الى تصميم ومبلغ من ميزانية الدولة. وقد أمر الإمام أن تكون النفقة

على المحتاجين ومشاريع الدولة، وأن يخصص الوالي لهم قسماً من الميزانية ليكون حقاً مضموناً تماماً كرواتب الجنود والقضاة وسائر الموظفين.. وقد يكون هذا قانوناً في دولة أو أكثر من دول القرن العشرين، أما في عهد الإمام أي منذ ألف وثلاثمئة سنة أو تزيد أما في ذلك العهد فلم تعرف هذا دولة ولا فئة أو فرد - فيما نظن - والذي عرفناه وقرأناه أن الولايات المتحدة تضطهد الهنود الحمر وغيرهم من الفقراء والملونين، وتعاملهم معاملة الحشرات والحيوانات !.. وهي أرقى وأغنى دولة في هذا العصر، ولكن غناها مسخر للشر والدمار.

(وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد). المراد بصوافي الإسلام هنا الأموال المشاع بين المسلمين كافة، ولا تختص بسه- المسلمين كافة، ولا تختص بسهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما فهم ابن أبي الحديد، وكلمة صوافي مأخوذة من استصفى المال اذا أخذه كله، أو من صوافي الملوك أي ما يختارونه لأنفسهم، والمعنى ان سهم الفقراء في ميزانية الدولة لا يحرمهم من الأموال التي هي. بين المسلمين، وان احتياجاتهم تسد من هذه وتلك (فإن للأقصى منهم الخ).. كل المحاويج سواء في مال الله، لا فرق بين أسود وأبيض، وبين نسيب وغريب، وبدوي وحضري، وصحابي وتابعي.

(فلا يشغلك عنهم بطر) واغترار بجاه أو مال (فإنك لا تعذر بتضييعك التافه الخ).. أنت مطالب ومسؤول عن كل كبيرة وصغيرة في الرعية حتى ولو كانت مثقال ذرة، وعليك أن تصلح وتهتم بالجميع، ولا تشغللك كبار الأمور عن صغارها، وتقول : أديت الأهم وما عداه لا بهم، فإن هذا منطق الكسول العاجز وقد أكد الإمام هذا المعنى في الكثير من وصاياه وأقواله، والهدف الأول والأخير هو الاهتمام بحاجة كل محتاج، وان تكن من التوافه، غرب تافه في نظر الناس هو مسألة حياة أو موت عند من يحتاج اليه، فلقمة العيش أو جرعة الماء فيها حياة نفس في كثير من الأحيان ومن أقوال الإمام و حكمه : «افعلوا الخير ولا تحقروا منه شيئاً، فإن صغيره كبير، وقليله كثير» أي من حيث الأثر والمنفعة، فإن الأمور تقاس بنتائجها وآثارها.

(فلا تشخص همك عنهم الخ).. لا تترفع عن خدمة البائسين، ولا تبخل بسعيك لحل مشاكلهم، ويجب أن يتم منك ذلك كواجب عليك لا كمحسن ومتفضل (وتفقد أمور من لا يصل اليك الخ).. ما أكثر الضعفاء من ذوي

الحاجات الذين لا يجدون عماً ولا خالاً يشكون اليه، ولا كريماً يزيح العقبات من طريق وصولهم الى الحكام وذوي الشأن !.. أبداً لا يرون إلا أعيناً تزدريهم، ولا يسمعون إلا ألسناً تهزاً بهم.. والإمام ينذر ويحذر الولاة والحكام من إهمال هذه الفئة، وانه يجر عليهم أسوأ العواقب.. ان عدد البائسين لا تحصى كثرة، ويستحيل أن يصبروا على الظلم.. ولا بد يوماً أن يحطموا القيود ويرفعوا صيحات الغضب في وجوه الحكام الطغاة وأعوانهم.. ثم نصح الإمام عامله أن يعين أشخاصاً من الأبرار المؤتمنين على مصاير الخلق، يتفرغون للبحث عن أحوال الناس من ذوي الحاجات، ويصفون لمطالبهم، ويرفعونها اليه، ليعمل على انجازها بالمعروف.

وهكذا عاش علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) العمر كله المساكين، يشعر بآلامهم ويوصي بهم، ويشاركهم في مكاره الدهر، وبهذا كان وما زال معبود الجماهير والى آخر يوم.. وقد أثنى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على الإمام لصفته هذه، وبشره بعلو المنزلة عند الله، وقال له : «يا علي ان الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب اليه منها، زينك بالزهد في الدنيا ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعاً ويرضون بك إماماً». وقال الاستاذ أحمد عباس صالح في كتاب «اليمين واليسار» : «كان علي أوسع شعبية، وان وان الجماهير كانت من وراثه».

(وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة الخ).. أوصى الإمام أولاً بكل ذي حاجة، ثمّ خص الأيتام والشيوخ العجز، لأنهم أولى بالرعاية، وبالخصوص من لا يتصدى منهم للناس بالطلب والتسول (وذلك على الولاة ثقيل) قد يهون على الوالي أن يعفو ويحتمل الكلمة الموجعة ويختار وزراءه وموظفيه من الثقات الأمناء، اما ان يتفقد الأرملة ويتيمها، والمغمورين من أمثالها، أما هذا فثقيل وصعب مستصعب على قلبه إلا إذا كان قوياً في إيمانه تهون عليه الصعاب طلباً لمرضاة الله، وحسن الثواب. ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية، كما قال الإمام :

(واجعل لذوي الحاجات منك قسماً الخ) خصص من وقتك ساعات للمحاويج، فإن ذلك رحمة من الله ساقها اليك، وذخر لك في يوم الحساب والجزاء (وتقعد عنهم جندك وأعوانك الخ).. افتح جميع أبوابك للذين لا حول لهم ولا قوة إلا بالحق والعدل، ولا تجعل بينك وبينهم حجاباً وحراساً،

لأنهم أفاع وذئاب على الفقراء والمساكين (لن تقدس أمة الخ).. أي لا تطهر من القبائح والرذائل إلا إذا كان القوي فيها ضعيفاً حتى يؤخذ الحق منه، والضعيف قوياً حتى يؤخذ الحق له. وبكلمة ثانية لا خير في أمة يخاف فيها البريئون، ويأمن المجرمون.

(ثم احتمل الحرق الخ).. لا تستوحش من كلمة قاسية تسمعها من غليظ جاف، أو حركة نابية تراها من جاهل أرعن، فإنك في مركز القوة، وهو في مركز الضعف.. هذا، الى ان الخلق الكريم يزيد صاحبه عزاً عند الله والناس (واعط ما أعطيت هيناً) بلا من وأذى (وامنع في إجمال واعذار) اذا منعت حاجة عن سائلها لسبب أو لآخر فكن لطيفاً، كما تكون كريماً في العطاء، واعتذر بحجة تخفف من وطأة المنع.

حاجات الناس وفرائض الله.. فقرة 22 - 23 :

ثمَّ أمورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتها. مِنْهَا إجَابَةُ عُمَّالِكَ بما يَعْنِى عَنْهُ كَتَابَكَ. وَمِنْهَا إصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا علَيْكَ لِما تَخْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ. وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لكُلِّ يَوْم مَا فِيهِ، وَأَجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَأَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ وَإِنْ كَانَتَ كُلَّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ وسَلَمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ. وَليَكُن في خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ للهِ دِينَكَ إقَامَهُ فَرَائِضِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةً، فَأَعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ وَلَا مَنْقُوصٍ بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغ. وَإِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ لِلنَّاسِ فَلَا تَكُونَنَّ مُنَفّراً وَلَا مُضِيِّعاً، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ العِلْةُ وَلَهُ

الحاجةُ. وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الْيَمَنِ كَيْفَ أَصَلِّي بِهِمْ فَقَالَ : صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ وَكُنْ بالمؤمِنِينَ رَحِيماً»(22). وَأَمَّا بَعْدُ فَلَا تُطَوَّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الوِلَاةِ عَنِ الرَّعِيّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضّيقِ، وَقِلَّةُ عِلم بالْأُمُورِ. وَالاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا أَحْتَجَبُوا دُونَهُ، فَيَصْغُرُ عِندَهُمُ الكَبِيرُ، ويَعْظُمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبَحُ الحَسَنُ وَيَحْسَنُ القَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سَمَاتٌ تُعْرَفُ يها ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الكَذِبِ، وَإنّما أَنتَ أَحَدُ رَجلَيْنِ : إما أمْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَدْلِ فِي الْحَقِّ فَقِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِب حَقّ تعْطِيهِ، أَوْ فِعْلِ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ، أَوْ مُبْتَلَى بِالْمَنْعِ، فَما أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيسُوا مِنْ بَذلِكَ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ لِما لَا مَؤونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاةٍ مَظْلِمَةٍ، أَوْ طَلَب إنصاف في مُعَامَلَةٍ (23)

اللغة :

يعيا : يعجز. وصدر عن الشيء : رجع، والى الشيء صار، وصدر منه الشيء : حصل وحدث. وتحرج : من الخرج وهو الضيق. وأجزل : أعظم أو أكثر. والشعبة : الطائفة، والسمات : العلامات

الإعراب :

أمور مبتدأ، والخبر محذوف أي هناك أمور، وما فيه «ما» موصول اسم إن لكل يوم و «فيه» صلة الموصول، وكاملاً حال، وغير مثلوم صفة لكامل، وبالغاً حال، وما بلغ مفعول لبالغ، وكصلاة أضعفهم الكاف بمعنى مثل صفة لمفعول مطلق محذوف أي صل صلاة مثل صلاة أضعفهم.

المعنى :

(ثم أمور من أمورك - الى - أعوانك). على الوالي مسؤوليات وأعمال هامة لا يسوغ التهاون بها، والروغان عنها، ويحتاج إنجازها الى عقل وصبر، فقد يكون الوالي في شغل شاغل بأمر مهم، وقبل إنجازه يأتيه ما هو أهم وقبل النظر فيه يرد عليه مثله أو أعظم، فماذا يصنع ؟ وهل من سبيل الا الصبر والروية ؟ ومن الأمور الهامة الرسائل ترد على الوالي من عماله ونوابه في الأقطار، ولو أوكل أمرها الى غيره كالوزراء والمديرين لضاعت الحقوق، لأن بعضهم يتضايق، وآخر يعجز، وثالث يأنف ويتأفف، ورابع يماطل ويساوم.. ولا سبيل إلا أن يباشر الوالي بنفسه أو يتعهد ويشرف بيقظة واهتمام.

(وامض لكل يوم عمله). لا ترجىء الأمور وتتوان عنها وإلا أفدحتك وتراكمت عليك، ولن تجد زماناً لمباشرتها وإنجازها، وان جاءتك مجتمعة فابدأ بالأهم (فإن لكل يوم ما فيه) من الأعمال التي تفوت بفواته التي تفوت بفواته.. وقد جربت فما وجدت حلا لمشكلة الوقت أفضل من الترتيب والتنظيم بتوزيع الأعمال على الساعات بلا تداخل وتزاحم، وسمعت الكثير يعتذرون عن الإهمال بضيق الوقت، ويلقون عليه بالمسؤولية.. والصحيح انهم يسيئون استعماله، ولا يشعرون بأنه يعمل فيهم، ولا يعملون فيه.

(واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام). والمراد بالأقسام الأوقات التي يكون العمل فيها أكثر ثواباً منه في غيرها، والمعنى ان لكل يوم من الأيام أعماله الخاصة به، بل لكل جزء من اليوم عمل لا يجوز تأخيره عنه كالصلوات الخمس، فإن لكل فريضة منها وقتاً معيناً، وهذا الوقت

منه موسع ومنه مضيق على التفصيل المذكور في كتب الفقه، وتقدمت الإشارة الى أوقات الصلاة في الرسالة 51، والإمام يوصي بأداء الفريضة في أول الوقت، لأنه أفضل وأكثر ثواباً، وفي الحديث : لكل صلاة وقتان، وأولهما أفضلها، وأحبهما الى الله.

(وان كانت كلها لله الخ).. الصلاة والصيام لله وأيضاً إغاثة الملهوف الله، وكل عمل ينفع ولا يضر أحداً فهو الله.. حتى السلبُ بكف الأذى تنزهاً لا عجزاً فهو الله. وفي الحديث : كف الأذى صدقة وفي الحديث : كف الأذى صدقة.. وكظم الغيظ طاعة.. وقضاء الحاجة رحمة وذخر الى يوم القيامة وبالنيات يدخل أهل الجنة الى الجنة، وأهل النار الى النار، وبها يخلدون.

من أقسام الحق :

(وليكن في خاصة ما تخلص به الله الخ).. للحق أقسام تختلف تبعاً لاختلاف المعنى الذي يدور عليه التقسيم، فالحق باعتبار إضافته الى الله والعبد - ينقسم الى ثلاثة أقسام : الأول متمحض الله وحده كالعبادة، واليها أشار اليها الإمام بقوله: (اقامة فرائضه - تعالى - التي هي له خاصة). الثاني متمحض للعبد كحق الخيار في الرجوع عن عقد البيع ونحوه لسبب من الأسباب الموجبة. الثالث : فيه الحقان معاً كسرقة المال، فإنها توجب الحد، وهو من حق الله، وتوجب رد المسروق الى أهله عيناً أو بدلاً، وهو حق العبد، وهو حق العبد.. ومن هذا الباب حق الرعية على الراعي، فإنه ينسب الى الله لأنه هو الذي أوجبه وأمر ب-ه، وينسب الى عباده لأن فيه خيرهم وصلاحهم.

وبعد أن أوصى الإمام عامله بالحرص على ما افترضه الله عليه لعباده - أمره أن يؤدي ما عليه من الحق الذي هو الله خاصة، وقال :

(فاعط الله من بدنك - الى - ما بلغ). الواجب من العبادات على أنواع: منها بدني محض كالصلاة والصيام، واليها أشار الإمام بكلمة «من بدنك». ومنها مالي محض كالأخماس والزكوات، ومنها ما يجمع بين الأمرين كالحج، لأنه أعمال وبذل أموال، وعلى المكلف أن يؤدي كل واجب من هذه الثلاثة على وجهه، وبكامل أجزائه وشروطه مهما بلغت، لأن الإخلال بشيء منها يجعلها

كأن لم تكن، بدنية كانت أم مالية. وانما خص الإمام البدنية بالذكر لأن حديثه عن الولاة والحكام، وهم في الغالب يتكاسلون عن الصلاة، أو يسرعون بها بحجة ان أوقاتهم أضيق من أن تتسع لها.. فحذرهم الإمام من ذلك.

وتجدر الإشارة الى ان كثير الأشغال يفكر بها، وهو في صلاته، ويكثر لذلك شكه وسهوه مهما تحفظ واحترس، ومن ذاق عرف، ومن عرف وصف.

(واذا قمت في صلاتك للناس فلا تكن منفراً) بتطويلها، وفي الحديث : «إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عباد الله الى الله، فتكونوا كالراكب المنبت لا سفراً قطع، ولا ظهراً أبقى». والمنبت المنقطع في سفره (ولا مضيعاً) بالخلل والتقصير (فإن في الناس من به العلة) المرض أو الشيخوخة (وله الحاجة) التي لا تتحمل التواني والتأجيل (صل بهم كصلاة أضعفهم الخ) تقدم بالحرف في الرسالة 51.

(فلا تطولن احتجابك - الى - الباطل). لك أن تحتجب لك أن تحتجب عن الرعية بعض الوقت، لراحتك أو إنجاز ما أهمك، اما ان تحتجب كل الوقت فهذا كبر منك وسوء خلق، وداعية للجهل بأحوال الرعية، والاعتماد في اخبارها على أصحاب المآرب والأغراض.. وأيضاً الاحتجاب تحقير وتنفير لأهل الرأي والفضل والمروءة، وتعظيم الخدمك وحجابك الذين يدخلون عليك ساعة يشاؤون.. وليس من شك ان تحقير الكبير وتعظيم الصغير هو صغار واحتقار لك بالذات، بل جريمة لا تغتفر، لأنك عاقبت من لم يسيء اليك، وأغضبت من يريد لك الرضا، وحلت بينه وبين حاجته، وهو يتلهف على قضائها.. وهل من شيء أكثر قبحاً من ذلك ؟.

(وإنما الوالي بشر الخ).. قد يكون الوالي محقاً في احتجابه، ولو بعض الحق، ولكنه في نظر الناس بشر، وليس بإله حتى يقولوا : سبحانه ما احتجب عنا عبثاً.. بل يظنون به الظنون (وليست على الحق سمات) ودلائل ظاهرة تشير الى السبب الموجب والمبرر للاحتجاب (تعرف بها ضروب الصدق من الكذب) في العذر عن الغياب وسد الباب.

(وإنما أنت أحد رجلين الخ).. ان الرجل الطيب يتمنى أن يكون له مكان من الخبر عند الله والناس، ويرى خدمة أي مخلوق نعمة أنعمها الله عليه..

على العكس من الرجل القلق المتبرم بذوي الحاجات، ومن البداهة ان الناس يقبلون على الأول، لأن المورد العذب كثير الزحام، وينفرون من الثاني تلقائياً لغلظته وجفائه. وعليه فلا موجب لأن يحتجب الوالي عن الرعية سواء أكان سخياً، أم مبتلى بالمنع.

(مع ان أكثر حاجات الناس اليك الخ).. أصحاب الحاجات يطلبون منك الحق والعدل، وأنت تملك القوة الكافية لإحقاق الحق وإنصاف المظلوم، ولا حرج عليك من وقوف الناس بين يديك، تستمع لملهوف فتغيثه، أو مظلوم فتنصفه.. وهذا فضل من الله ساقه اليك، فاشكره بخدمة عباده وعياله، وكن لهم عوناً وناصراً..

بطانة الوالي وحواشيه.. فقرة 24 – 25:

ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةٌ وَبِطَانَةٌ فِيهِمُ اسْتِثْشَارُ وَتَطَاوُلُ، وَقِلَّةُ إِنصَافِ فِي مُعَامَلَةٍ، فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولئِكَ بقطع أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ. ولا تَقْطَعَنَّ لأحدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وحَامَتِكَ قَطِيعَةً، وَلاَ يَطْمَعَنَّ مِنكَ اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بَمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ فِي شِرْب أَوْ عَمَل مُشْتَرَكَ يَحْمِلُونَ مَؤُّونَتَهُ عَلى غَيْرِهِمْ، فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وعيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَأَلْزِم الحَقِّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيب وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً محتسباً، واقعا ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وخاصّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَأَبْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ فَإِنَّ مغيَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ. وَإِنْ ظَنّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذرِكَ، وَأَعْدِلْ عَنكَ ظُنُونَهُمْ بِأَصْحَارِكَ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ رِيَاضَةٌ مِنْكَ لِنَفْسِكَ،

ورفقاً بِرَعِيْتِكَ، وَإِعْذَارًا تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْويمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ (24). وَلا تَدْفَعَنْ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلَّهِ فِيهِ رضى، فَإِنَّ فِي الصُّلْح دَعَةً لجُنُودِكَ وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ وَأَمْناً لِبِلادِكَ. وَلكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُو رُبّما قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ، فَخُذ بِالْحَزْم وَاتّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّن. وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوّكَ عُقْدَةً أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتِكَ بِالْأَمَانَةِ، وَأَجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجتماعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ وَتَشَتَّتِ آرَائِهِمْ مِنْ تَعْظِيم الوَفَاءِ بِالْعُبُودِ. وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ فِمَا بَيْنَهُمْ دُونَ المُسْلِمِينَ لَمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ. فَلَا تَعْدِرَنَّ بِذِمّتِكَ، وَلَا تخيسَنّ بِعَهْدِكَ، وَلَا تَختِلَنَّ عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لَا يَجْتَرِيء عَلى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلُ شَقِيٌّ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَبْدَهُ وَدَمْتَهُ أَمْناً أَفضَاهُ بَيْنَ العِبَادِ برَحْمَتِهِ وَحرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنعَتِهِ وَيَسْتَفِيضُونَ إِلَى جَوَارِهِ. فَلَا إدْغَالَ وَلَا مُدَالَسَةٌ وَلَا خِدَاعَ فِيهِ (25).

اللغة :

خاصة الرجل وبطانته بمعنى واحد. والتطاول : التعدي. واحسم : اقطع والقطيعة : ما يُقطع من أرض الخراج، والقطعة - بضم القاف -البقعة من الأرض، وبكسرها الحصة من الشيء. واعتقاد عقدة : امتلاك ضيعة أي الأرض ذات الغلة. والمغبة : العاقبة. والدعة - بفتح الدال - الراحة. والذمة : العهد.

والجنة : الوقاية. واستوبلوا : وجدوه وبيلا. ولا تخيسن : لا تنكثن. ولا تختلف : لا تغدرن. وأفضاه : نشره وأفشاه. ويستفيضون : يلجأون. والإدغال : الإفساد.

الإعراب :

الحذر نصب على المصدر أي احذر كل الحذر، وشيء اسم ليس، ومن فرائض الله متعلق بمحذوف حالاً مقدماً من شيء، والناس مبتدأ، وأشد خبر، والجملة خسير ليس، واجتماعاً تمييز، ودون ظرف متعلق بمحذوف حالاً من المشركين.

المعنى :

(ثم للوالي خاصة - الى - معاملة). للحاكم أذناب وأتباع يرون سلطانه سلطاناً لهم، فيشمخون ويتغطرسون زاعمين بأن لهم أن يصدروا الأوامر، وان على الناس أن تسمع وتطيع !.. وإذا كان للحاكم شخصية ضعيفة تغلبوا على أمره، واتخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً، كما قال الإمام، وملأوا قلوب الرعية عليه حقدا وكراهية، وحدث له ولهم ما حدث لعثمان وبطانته ! والإمام يحذر عامله من الذين يمتون اليه بسبب من الأسباب، ويبين له كيف ينبغي أن يعاملهم ويروضهم على العدل.

(فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال الخ).. اقلع أسباب الظلم والغطرسة في خاصتك وبطانتك، اقلعها من الجذور، وذلك بأن لا تتخذ منهم مستشاراً لك، ولا تسند اليه أو الى أحد أنصاره أي منصب، ولا تمنحه ضيعة أو قطعة أرض يسيء استعمالها بما يضر الآخرين من المزارعين والمجاورين (في شرب) أي في ماء يتغلب عليه ويحتكره لأرضه (أو عمل مشترك) كشق طريق زراعية أو قناة أو بناء حائط يدفع الضرر عن أرض المنطقة.

(يحملون مؤونته على غيرهم). الضمير في يحملون وفي غيرهم يعود الى المزارعين المجاورين، وضمير مؤونته يعود الى العمل المشترك، والمراد بالغير

الدولة أو أي محسن، والمعنى ان الطريق الزراعية أو غيرها من المنافع المشتركة قامت الدولة بنفقاتها على أن يكون النفع عاماً للجميع، وإذا وهبت أيها الوالي قطعة أرض لخاصتك وبطانتك، واحتكروا المنافع العامة لمصلحتهم دون الآخرين (فيكون مهنا ذلك لهم) أي الخاصة الوالي (دونك) أي دون الوالي الذي وهب الأرض لخاصته وبطانته.

الديمقراطية عند الإمام :

(والزم من لزمه الخ).. خذ الحق ممن ثبت عليه كائناً من كان، ولا تأخذك به لومة لائم، واذا أوذيت وتضررت في سبيل الحق ونصرته فاصبر واحتسب عند الله، فإن للصابر المحتسب حسن العاقبة دنيا وآخرة (وان ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك الخ).. صارح الرعية بكل شيء، ولا تخف عنهم شيئاً، واذا اتهموك وظنوا بك الظنون فقدم لهم الدليل على براءتك، والحجة القاطعة على أمانتك وبهذه الصراحة المخلصة تطمئن القلوب اليك وتثق بك، وبها أيضاً تروض نفسك بالتواضع للحق والعدل.

هذا هو رأي الإمام في الحاكم، انه أجبر مؤتمن، وعليه أن يخلص ويتقن العمل، واذا اتهمه المستأجر بالتقصير - والمستأجر هنا هو الرعية - وجب على الراعي الأجير أن يُبرىء نفسه بالحجة والدليل. وفي الخطبة 214 طلب الإمام من رعيته أن يجابهوه بقول الحق، وقال لهم بصراحة : «لا تتحفظوا مني.. ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي.. فلا تكفوا عن مقالة حق فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره». أبداً لا سلطان إلا للحق وحده يفرضه على الكبير والصغير والحاكم والمحكوم

هذه هي سياسة علي كحاكم، بتحمل كل التبعات الثقال وغير الثقال، وللرعية أن تحاسب وتعارض، لأن الحق لها تمارسه وتعتصم به ساعة تشاء.. ولا صورة للديمقراطية التي تحلم بها الانسانية إلا هذه الصورة المشرقة، أما الشعارات الزائفة، والانقلابات يدبرها عدو الدين والوطن، والانتخابات تنفق عليها الشركات وحملة الأسهم أما هذه فنازية وفاشية لا حرية وديمقراطية.

الشرط الأساسي في الصلح :

(ولا تدفعن صلحاً دعاك اليه عدوك، والله فيه رضا). هذا القيد : «الله فيه رضا» هو الشرط الأساسي في الصلح، لأن السارق والقائل كليهما يطالب بالصلح والسلام على شرطه ومنطقه، وهو أن يمارس مهنته بدعة وأمان بلا بأس ووجع رأس ومثل هذا الشرط - في وضوحه وبساطته - شروط الاستعمار الجديد وتتلخص بوجود حكومة عميلة، واقتصاد موجه لمصلحته، وجهاز اداري وعسكري تابع لإرادته. ويكتفي الاستعمار الجديد بذلك، ويتنازل عن كل شيء سواه. !. وأعترف بأنه لولا معرفتي بالاستعمار وشروطه ما فطنت ولا فهمت الهدف الذي رمى اليه الإمام بقوله : «لله فيه رضا».

ومن البداهة ان الصلح الذي فيه لله رضا هو بالذات الصلح الذي فيه خير للناس وصلاح، من ضمان الأمن والحرية، وصيانة الحقوق التي تقطع مادة النزاع والقتال، وتريح الجنود من الحرب، والشعب من الهم والكرب والكرب، كما أشار الإمام : (فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك). ويستحيل أن يتحقق شيء من ذلك إلا اذا كان الصلح والسلام على أساس مرضاة الله أي الحق والعدل.

(ولكن الحذر كل الحذر الخ).. لا تثق وتغير بعدوك لمجرد حصول الوفاق بينك وبينه، وان كانت الشروط صالحة ومرضية، فإن الظالم الطامع يترقب الفرص للوثوب والنكث بالعهد، فاجعل عينك عليه، واحترز مما يجوز وقوعه منه، وعامله بالتحفظ شأن الحازم الحكيم.

(وان عقدت بينك وبين عدوك عقدة الخ).. إذا سبق إذا سبق أن قطعت على نفسك عهداً فقد صار وثاقه في عنقلك، ولا مناص لك منه إلا بالوفاء) واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت). قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد» ومعنى هذا أن من ارتبط مع عبد من عباد الله - بوعد أو عهد فقد ارتبط الله بالذات، وكما يجب الجهاد بالنفس من أجل الوفاء معه تعالى كذلك يحب هذا الجهاد من أجل الوفاء مع عباد الله.

(فإنه ليس من فرائض الله شيء الخ).. الواجبات الإلهية كثيرة، وقد تهاون الناس فيها، أو في أكثرها إلا الوفاء بالوعد، فقد اتفقت العقول قديمها

وجديدها على أنه محبوب و مطلوب، وأن من يخلف به مكروه ومذموم.. اتفقت العقول على ذلك اختلافها وتفاوتها في الاستعداد والاتجاه (وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين الخ).. أي ان المشركين، وهم دون المسلمين لأنهم بلا كتاب ودين - كانوا يلتزمون الوفاء بالوعد، ويرون الخلف به قبيحاً ووبيلاً، فكيف بالمسلم الذي له نبي وشريعة ؟ ثم أكد الإمام على التزام الصدق والصراحة والوفاء حتى مع الأعداء، والابتعاد عن الكذب والخيانة والغدر والخداع لأن كل ذلك سيء وقبيح عقلاً وشرعاً وإجماعاً

لا مجتمع بلا نظام :

لا بد لكل مجتمع - بالغاً ما بلغ - أن يسير على نظام يقر به، ويدافع عنه، ويخضع لمبادئه بمحض إرادته.. وهذا النظام هو الباعث على التقارب والتعاون بين أفراد المجتمع، والدرع الواقي من البغي، وهو الذي أنشأ للانسان مدنيته وعمرانه، ولولاه لسادت الفوضى، وعاش الانسان في خوف مستمر، وبالخصوص الضعيف غذاء للقوي بلا رادع أو مستنكر.. اذا عرفت هذا اتضح لك ما حيث يصبح أراده الإمام بقوله :

(وقد جعل الله عهده وذمته أمناً.. وحريماً يسكنون الى منعه.. فلا ادغال ولا مدالسة ولا خداع فيه). إن هذه القيم الانسانية قد جعلها الله سبحانه أمناً وأماناً لحياة الناس، وكهفاً وضماناً لحقوقهم وحرياتهم، فهي الرادع للمعتدي، والملجأ للمعتدى عليه، وقد أوجب سبحانه صيانة هذه المبادىء على كل قادر وجوباً كفائياً، وهي المراد من الصراط في قوله تعالى : «وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ - 126 الأنعام».

اياك والدماء.. فقرة 26 :

وَلا تَعْقِدْ عَقْداً تَجُوزُ فِيهِ العِلَلَ، وَلَا تُعَولَنَّ عَلى لَمْن قَوْلٍ بَعْدَ التأكيدِ وَالتَّوْثِقَةِ، وَلَا يَدْعُونَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَوْمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى

طلب انفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو أَنْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ وَأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللهِ فِيهِ طِلْبَةٌ فَلَا تَسْتَقِيلَ فِيهَا دُنْيَاكَ وَلَا آخِرَتَكَ. إِيَّاكَ وَالدَّمَاء وَسَفْكَها حِلّهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ وَلَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ وَلَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَأَنْقِطَاعِ مُدَّةٍ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقَّهَا. وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِى بِالحكم بَيْنَ الْعِبَادِ فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدَّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَلَا سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَم حَرَام فَإِنَّ ذلِكَ لِما يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ بَلْ يزيلُهُ وَيَنْقُلُه. وَلَا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللهِ وَلَا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ البَدَنِ. وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإ وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدَكَ بِعُقُوبَةٍ فَإِنَّ فِي الوَكْزَةِ فَما فَوْقَهَا مَقْتَلَةٌ فَلَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَن تُؤدِّيَ إلَى أَوْلِيَاء المَقْتُولِ حَقَّهُمْ (36)

اللغة :

المراد بالعلل هنا الأسباب الموجبة التي يتشبث بها مجري العقد للخلاص منه. ولحن القول : ما يقبل التوجيه. والتبعة : المسؤولية. والطلبة - بكسر الطاء وسكون اللام - المطالبة. والقود - بفتح الواو - القصاص. وأفرط : جاوز الحد من جانب الزيادة.

الإعراب :

اياك مفعول لفعل محذوف لا يجوز إظهاره، والتقدير أحذرك، ولما حلف

الفعل انفصل الضمير، وقدر ابن هشام في (أوضح المسالك) المحذوف بما هو أطول وأشكل.

المعنى:

(ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل) اذا أجريت عقداً من أي نوع كان، فاختر للإيجاب والقبول ألفاظاً واضحة في معناها، صريحة في دلالتها، يفهم منها أهل العرف انك قصدت المعنى الظاهر، وألزمت به نفسك، وغرض الإمام من هذه الوصية الابتعاد عن أسباب النزاع والجدال (ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة) اذا أكدت قولك بيمين وما أشبه - فلا تعدل عنه متذرعاً بالتورية وإضمار غير ما أظهرت، فإن هذا رياء ونفاق، ومن ادعاه في المعاملات ترد عليه دعواه، لأن الظواهر العرفية حجة شرعية، تلغي احتمال الخلاف، او تلغي أثره إلا في الحدود، لأنها تسقط بالشبهات، لقول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم.. ولئن يخطىء الإمام في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة».

(ولا يدعونك ضيق أمر الخ).. اصدع بالحق ولا تنفر منه، وان كان مراً، فإن الاستهانة به أسوأ مغبة، وأشد تنكيلاً (وان تحيط بك من الله فيه طلبة). ضمير «فيه» يعود الى ضيق الأمر، والمعنى لا مفر لك من العقاب ان استهنت بالحق سواء ضاق عليك أم اتسع، كيف ؟ والى أين المفر والإله الطالب. (فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك) ضمير (فيها) يعود الى طلبة، أي ان الله سبحانه يسألك عن الحق، ويأخذك به، ولا يقيلك من العذاب على مخالفة الحق وإهماله لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالأولى بك - اذن - ان تصدع بالحق، وتصبر بشجاعة على طاعته مهما كانت الظروف والنتائج، وفي بعض النسخ فلا تستقبل بالباء لا بالياء، وهو خطأ.

(اياك والدماء وسفكها الخ).. ليس هذا مجرد نهي وبيان الحكم القتل عن عمد، لأن تحريمه ثابت ومعروف بمنطق الحياة والفطرة، ويستوي في معرفته العالم والجاهل، والمؤمن والكافر، ولا يحتاج بعد هذا الى توضيح وبيان.. أما النصوص

على تحريمه من السماء وأهل الأرض فهي انعكاس وتعبير عما هو كائن بالفعل، لا توجيهاً الى ما ينبغي ان يكون.

ويجوز القتل لحماية أرواح الناس ومصالحهم أي ان منطق الحياة الذي حرم القتل هو بالذات يسوغ قتل من اعتدى على الحياة، صوناً لها وحرصاً عليها : «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - 179 البقرة». وبكلام آخر لا يجوز قتل أحد من الناس إلا يحق وعدل، وذلك بأن يباشر الجاني عملء ارادته السبب الموجب لقتله بحيث يصدق عليه قوله تعالى : «وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ - 33 النحل».

ولا شيء أبغض الى الإمام من سفك الدماء إلا لضرورة قصوى، وهي استعمال العنف للقضاء على العنف، ومن هنا حذر الإمام عامله أن يأخذ الجاني بعقوبة القتل إلا بعد تقدير الجناية بميزان العدل، وانها تستوجب القتل حقناً للدماء، وصيانة للأموال، وتحقيقاً للأمن والاستقرار، وقوله : «بغير حلها» يحمل كل الشروط التي تبررالقتل وتوجيه.

(والله سبحانه مبتدىء بالحكم بين العباد الخ).. ليس في محكمة الله غدا قضاء معجل، وآخر مؤجل، ولا مضيقاً وموسعاً.. كلا، انه تعالى يكشف الخلائق وأعمالهم ويحكم عليها كلمح البصر : «إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ - 4 المائدة»، والحكم أيضاً، وعليه يكون مراد الإمام بقوله : (والله سبحانه مبتدىء) مجرد الإشارة الى الاهتمام بالدماء واحترامها، وان سفكها من أكبر الكبائر، ومثله الحديث القائل : «أول ما ينظر الله فيه من عمل العبد يوم القيامة الصلاة».

للحق سلاح لا تراه العيون :

(فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام). للوصول الى الحكم أسباب كثيرة، منها الوراثة أو النص بولاية العهد، ومنها الانتخاب، ومنها الثورة وقوة السلاح، ومنها الضغوط والمغريات والتأثير على الآراء والأفكار بأساليب تعرفها وتمارسها الأحزاب والشركات والمنظمات الاقتصادية، أما رسوخ الحكم واستمراره، وهناؤه

و ازدهاره فله سبب واحد فقط لا غير، وهو رضى الرعية عن الراعي، والمحكومين عن الحاكم، ومن البداهة انهم لا يرضخون عن رضى وطيب نفس إلا لمن يشعر بآلامهم ويجتهد في حل مشاكلهم، ويحرص، ويحرص كل الحرص على سعادتهم وحريتهم.. وأراد هتلر أن يسيطر بالذبح والنحر فانتحر، وهذا مصير كل حاكم يرتب حساباته على النار والحديد والسجن والتشريد. كل هذه المعاني ينطوي عليها قول الإمام : (فإن ذلك مما يضعفه - أي يضعف السلطان - ويوهنه، بل يزيله وينقله)..

وقد يتصرف الطاغية بما يهوى واثقاً بقوته، مستصغراً قوة الحق وشأنه ولكن الحق يملك سلاحاً لا تراه العيون، والشعوب المغلوبة تجدل من قيودها ما تقاتل به - كما قيل - بل تحقق ذلك بالفعل ورآه كل الناس في فيتنام التي رفضت أن تنحني لأعنف وأشرس وحشية عرفها التاريخ كله، وتضيق لغات الانسانية مجتمعة أن تترجم عن بشاعتها وفظاعتها.. ألا يدل حمود فيتنام على ان القوة للحق لا لطائرات «ب 52» الأمريكية، وان الايمان بالحق والاعتصام به حتى النفس الأخير - يتفوق على التفجرات النووية، والصواريخ العابرة للقارات ؟.

(ولا عذر لك عند الله، ولا عندي في قتل العمد الخ).. القتل منه عمد، ومنه خطأ محض، ومنه شبه عمد أو شبه خطأ، عبر مما شئت، وحدد الفقهاء العمد بقصد القتل منذ البداية، ويعبر عنه بالتصميم على القتل، أو قصد الفعل المؤدي عادة الى القتل، وإن لم يكن مقصوداً بالذات. وهذا النوع من القتل يوجب القصاص إلا ان يعفو أولياء المقتول. قال تعالى : «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.. فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ - 45 المائدة».

(وان ابتليت بخطأ الخ).. بعد الإشارة الى قتل العمد الموجب للقصاص أشار الى القتل الموجب للدية، وقسمه الفقهاء الى قسمين : خطأ محض، وهو ما كان فيه الفاعل مخطئاً في قصده وفعله، كما اذا رمى حيواناً فأصاب انساناً، وشبه الخطأ كما لو ضربه بما لا يوجب القتل عادة، وبلا قصد القتل فمات وكلا هذين يوجب الدية دون القصاص، والى هذا أشار الإمام بقوله : (ان تؤدي الى أولياء المقتول حقهم) وهو الدية. والتفصيل في كتب الفقه.

وتحسن الإشارة الى ان الحقوقيين يبحثون في قتل الخطأ عن السبب الموجب

للموت، وهل كان فعل الجاني سبباً تاماً له أو أنه جزء من السبب ومتمم له ؟ وهل كان المجني عليه مشرفاً على الموت لداء مميت، والجاني عجل وأجهز ؟ وفقهاء المسلمين يهملون ذلك تبعاً للنص الذي أطلق تحديد الدية من هذه القيود.

من شروط القيادة.. فقرة 27 :

وإِيَّاكَ وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ وَالثَّقَةَ بما يُعْجِبُكَ مِنْهَا وَحبَّ الإطراء فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ. وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلى رَعِيَّتِكَ بِإحْسَانِكَ، أو التَّزَيَّدَ فيها كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتَتَّبِعَ مَوْعِدَكَ بِخَلْفِكَ، فَإِنَّ المَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ، وَالتَّزَيَّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : ـكَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ». وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا، أو التّسَقَطَ فِيهَا عِندَ إمْكَانِها، أو اللْجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ، أَوِ الْوَهَنَ عَنْهَا إِذَا أَسْتَوْضَحَتْ. فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعْ كُلَّ عَمَلٍ موقعَهُ. وَإِيَّاكَ وَالِاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أَسْوَةٌ، وَالتَّغَابِيَ عَمَّا يُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ فَإِنَّهُ مَأخوذُ مِنْكَ لِغَيْرِكَ. وَعَما قليل تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَعْطِيَئَةُ الْأُمورِ وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُوم. أملِك حميَّة أنفكَ، وَسَطْرَةَ يَدكَ، وسَطوَةَ بَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ.

واحتَرِس مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ حَتى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاختيار، وَلَنْ تُحكم ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تكثر همومك بذكرِ المَعَادِ إلَى رَبِّكَ (27).

اللغة :

التزيد : الزيادة على الحقيقة. ومن عليه : عدد ما فعله له. والتسقط : التهاون. واللجاجة : التمادي في عناد. والاستثثار : الاستبداد. والتغابي : التجاهل. والحمية : الأنفة. والسورة : الحدة. وغرب اللسان : حده. وبادرة اللسان : فلتاته.

الإعراب :

مقتاً تمييز، والمصدر من أن تقولوا فاعل كبر، وعما قليل «ما» زائدة.

المعنى:

كل ما في هذا المقطع تقدم أكثر من مرة، ولذا نوجز ما أمكن (وإياك والعجب بنفسك الخ).. تعوذ من نفسك كما تتعوذ من نفسك كما تتعوذ من الشيطان، ومتى أعجبك شيء منها فاعلم انك وقعت في حبائله ومن أظهر فضله للناس مقتوه وذموه، ومن سكت وتواضع ظهر على حقيقته، واستوفى حقه كاملاً من الاحترام إن كان له أهلاً (وإياك والمن الخ).. اذا فعلت شيئاً من الخير علم به الجميع وعادت اليك ثماره... واذن فعلام الإعلان والتبجح والمن ؟. ان المن سيئة لا تنفع معه حسنة، وان اضطررت ودعتك الحاجة الى التنويه بما فعلت فقل الحق ولا تزد عليه شيئاً، لأن الزيادة الكاذبة تفسد ما أصلحت، وتهدم ما بنيت.

(وإياك والعجلة الخ).. لا تعجل فيما لا تخاف عليه الفوت، ولا تتوان فيما يفوتك أخذه إن توانيت (أو اللجاجة فيها اذا تنكرت) ضمير (فيها)

يعود الى الأمور، وكذلك الضمير المستتر في تنكرت، والمراد بتنكرت خفيت بدليل قوله بلا فاصل (أو الوهن عنها اذا استوضحت) والمعنى لا تماد في طلب ما تجهل عاقبته، ولا تتوان عما تعلم منفعته (وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة) أي سواء على الحاكم أن لا يرى نفسه سيداً، والناس عبيداً، وأن يوفر لهم ما يحتاجون اليه في حياتهم، ويساوي نفسه وأهله بأضعفهم، كما قال الإمام في الخطبة 207 فإن اتخذ لنفسه شيئاً دون الرعية فهو طاغية، وعدو لله وللانسانية.

(والتغابي عما تعنى به - الى للمظلوم) المراد بـ «عما تعنى به»، عما أنت مسؤول عنه أمام الله والناس، والمعنى ان حدثت أية مظلمة من موظف او غيره من الرعية، وعلمت بها وتجاهلت فأنت المسؤول عنها، والمأخوذ بها والمفتضح من أجلها دنيا وآخرة (املك حمية أنفك) دع الشموخ والتعالي على الناس لا لشيء إلا لأنك والي (وسورة حدك) املك نفسك عند الغضب (وسطوة يدك) كفها عن الأنى (وغرب لسانك) لا تطلقه عيناً وشمالاً على غير هدى (حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار الخ).. اهدأ بلا حراك عند الغضب ولو اندفعت معه لتغلب الهوى والجهل على عقلك، وعاقبت من لا ذنب له، وتكلمت بما يشين، وتجاوزت الحدود، وأمكنت عدوك من نفسك، وتذكر وقوفك بين يدي الله للحساب والجزاء.

القدوة الصالحة.. فقرة 28 :

وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لَمَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ، أَوْ سُنَّةِ فَاضِلَةٍ، أَوْ أَثَرِ عَنْ نَبِيِّنَا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه)ِ، أَوْ فَرِيضَةٍ في كِتَابِ اللهِ فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدتَهُ لِما عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ في أتباع مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي هَذَا وَأَسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لنفسِي عَلَيْكَ لِكَيْلَا تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسُرُّع نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا. وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ بِشَعَةِ رَحْمَتِهِ وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ عَلى إعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ أَنْ

يُوَفُقِنِي وَإِيَّاكَ لَمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِح إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي العِبَادِ وَجَمِيلِ الْأَثَرِ فِي البِلَادِ، وَتَمام النِّعْمَةِ وَتَضْعِيفَ الكَرَامَةِ، وَأَنْ يَختم لي وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاغِبُونَ. وَالسَّلَامُ عَلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً. وَالسّلامُ (28).

اللغة :

يطلق الأثر على الحديث والعادة وبقايا السلف. واستوثقت عليه : أخذت الحجة عليه. وتضعيف الكرامة : من المضاعفة لا من الضعف.

الإعراب :

المصدر من أن تتذكر خبر الواجب، والمصدر من أن يوفقني مفعول اسأل.

المعنى :

(والواجب عليك أن تتذكر الخ).. بعد أن كتب الإمام لعامله هذا العهد الذي يصلح دستوراً لكل حاكم في كل أمره أن يحرص على العمل به، وبكتاب الله وسنة نبيه، وبكل خبر وأثر ينفع الناس، وأن يسلك نهج الصالحين ممن مضى وبقي، فإن الاقتداء بالحق والخير مطلوب ومرغوب، قال سبحانه : «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ - 43 النحل». (واستوثقت به من الحجة الخ).. كتبت لك هذا العهد، وأوضحت لك فيه ما يطلب منك عمله، ليكون حجة عليك، وعذراً لي عند الله تعالى.

(وأنا أسأل الله الخ).. ختم الإمام كلامه بالابتهال اليه سبحانه، وسأله برحمته التي وسعت كل شيء، وقدرته على كل خير أن يوفقه للقيام بحقوقه تعالى

وحقوق عباده، ويكون محموداً عنده وعندهم، وأن يختم حياته بالشهادة في سبيل الله ومرضاته، وقد استجاب سبحانه لدعاء الإمام حيث استشهد بسيف الغدر، وهو في محرابه. أما جميل الذكر فلا تمر ثانية من الدهر إلا ويتردد فيها اسم علي بن أبي طالب بالتعظيم والتقديس نطقاً وكتابة منذ كان، والى آخر يوم.

وفوق ذلك كله ان الملايين من شيعته في كل عصر وجيل يتقربون الى الله بالولاء له وبالثناء عليه لقول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «حب علي براءة من النار». نقل هذا الحديث صاحب «فضائل الخمسة» عن كنوز الحقائق للمناوي ص 62 طبعة استامبول سنة 1285 ه«. وأيضاً نقل عن كتاب «الرياض النضرة» للمحب الطبري ج 2 ص 215 الطبعة الأولى بمطبعة الاتحاد بمصر : ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «حب علي يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب». وأيضاً ذكر هذا الحديث الخطيب البغدادي في ج 2 ص 194 طبعة 1349 هـ. بمصر.

وليس من شك ان المراد بالحب هنا ما يشمل المتابعة بالعمل، قال تعالى : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً 110 الكهف». وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «اعملي با فاطمة، ولا تقولي : أنا بنت محمد، فإني لا أغني عنك عند الله شيئاً». وقال الإمام : «لا تكن ممن يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين، وهو أحدهم».

الرسالة - 53 -

الى طلحة والزبير :

أما بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُما - وَإِنْ كَتَمْتما - أَنِّي لَمْ أَرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي، وَلَمْ أَبَايِعُهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي، وَإِنَّكُما لِمَنْ أَرَادَنِي وَبَايَعَنِي، وَإِنَّ الْعَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِب وَلَا لِعَرَضِ حَاضِرِ، فَإِنْ كُنتُما بَايَعْتُمانِي طَائِعَيْنَ فَارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللهِ مِنْ قَرِيبٍ، وَإِنْ كُنتُها بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنَ فَقَدْ جَعَلْها لِي عَلَيْكُما السَّبِيل بإظهار كما الطَّاعَةَ وإسراركما المَعْصِيَةَ، وَلَعَمْرِي مَا كُنتما بِأحق المهاجرين بالتقية والكتمان. وإنّ دَفْعَكُمَا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلَا فِيهِ، كَانَ أوسعَ عَلَيْكُما مِنْ خُرُوجكما مِنْهُ بَعْدَ إقراركما به. وَقَدْ زَعَمتُما أنّي قَتَلْتُ عُثمانَ، فَبَيْنِي وَبَيْنَكُما مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَعَنكُما مِنْ أَهْلِ

المدينةِ ثُمَّ يُلزم كُلُّ أَمْرِى بِقَدْرِ مَا أَحْتَمَلَ. فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْخَانِ عَنْ رَأيكما فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمُ أَمْرِكُما العَارُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمَعَ الْعَارُ والنار. والسلام.

اللغة :

السلطان الغالب : الرهبة. والعرض الحاضر : الرغبة.

الإعراب :

طائعين حال، وكذا كارهين، وبأحق الباء الزائدة.

المعنى :

قال الشريف الرضي : «ذكر أبو جعفر الإسكاني في كتاب «المقامات» ان الإمام أرسل هذه الرسالة الى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعي». والاسكاني المذكور من شيوخ المعتزلة، وله سبعون كتاباً، منها كتاب : المقامات في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكان معاصراً للجاحظ، والاسكاني نسبة الى بلده اسكاف بين النهروان والبصرة، أما عمران بن الحصين فهو من فقهاء الصحابة، أسلم عام خيبر، وتوفي بعهد معاوية، كما جاء في : الاستيعاب لابن عبد البر.

وتقدم معنا ان الناس ضاقوا بسيرة عثمان حتى الأغنياء منهم برغم ما أغدق عليهم من بيت المال، وان طلحة والزبير حرضا عليه، وانهما بايعا الإمام مع من بايع، ثم انقليا عليه فجأة، فأرسل اليها فيما أرسل يقول : (أما بعد فقد - علمتها وإن كتمتما - اني لم أرد الناس حتى أرادوني الخ).. طلب الصحابة وغيرهم من الإمام أن يتولى الخلافة بعد مقتل عثمان فرفض وقال لهم : «دعوني والتمسوا غيري»، كما جاء في الخطبة،90، ولما ألحوا قبل الإمام بشرط واحد،

وهو أن لا يستأثر دون أحد بدرهم كما قال الطبري في تاريخه ج 5 على ما نقل عنه.

وقد يبدو هذا الشرط غريباً للوهلة الأولى.. ولكن أراد به أن يفهم الزبير وطلحة انهما اذا بايعاه فلن يؤثرهما على أحد من المسلمين، لأنه هو لم يؤثر نفسه، فغيره بطريق أولى (وانكما ممن أرادني وبايعني) على شرط المساواة بين جميع المسلمين في الحقوق والواجبات «فما عدا مما بدا ؟» كما قال الإمام في الخطبة 31 (وان العامة لم تبايعني لسلطان غالب، ولا لعرض حاضر). كل الناس بايعوا الإمام عن ثقة وايمان لا رهبة من قوة، ولا رغبة في عطية. ثم احتج الإمام على طلحة والزبير بما يلي :

(فإن كنتما بايعتماني - الى - إقراركما به). لماذا أعطيتها العهد لي والبيعة بالخلافة ؟ هل كان ذلك طوعاً منكما أو كرهاً، ولا فرض ثالث، فإن كان طوعاً فلا مبرر للنكث ولا دافع إلا معصية الله، ودواؤها سهل وهو التوبة وطلب العفو (فارجعا وتوبا الى الله). وان كانت البيعة كرهاً - بزعمكما - فمن الذي أكره وضغط ؟ وبأي شيء كان الضغط ؟ وإن ادعيتها التقية في البيعة وانكما أسررتما غير ما أظهرتما فما هو الموجب لذلك ؟ وكيف انفردتما دون المسلمين جميعاً بهذا الخوف والاتقاء، وأنتما في مكان العزة والقوة ؟ وما كان أغناكما عن الحالين : البيعة والنكث ؟ أما كان الأجدر بكما أن تحجما عن البيعة منذ البداية؟.

وبعد فإن بيعتي في عنقكما بظاهر القول والفعل، ولا مقاوم لهذا الظاهر، وهو امارة شرعية وعرفية، وحجة بالغة دامغة لي عليكما.

وبالمناسبة ان نفراً تخلفوا عن بيعة الإمام كعبد الله بن عمر وابن أبي وقاص وحسان بن ثابت، وما تعرض لهم أحد بسوء، وقال عمار بن ياسر للإمام : لو دعوتهم الى بيعتك. فقال له الإمام : لا حاجة لنا فيمن لا يرغب فينا وقال الأشتر : لا حق لهم في التخلف. فقال له الإمام : دعهم يعملون برأيهم. وأذن الإمام لطلحة والزبير بالخروج من المدينة الى مكة حين سألاه الاذن، وهو على ريبة مما نوياه، وقال لها : «ما العمرة تريدان، وانما تريدان الغدرة». ولو شاء لحبسها، ولكنه لم يفعل. واذن فأين الضغط والإكراه، والموجب للتقية ؟

(وقد زعمتما اني قتلت عثمان). دافع الإمام عن دافع الإمام عن عثمان، فيما حرض عليه طلحة والزبير، ولما قتل بايعا الإمام، وقالا له : اعطنا ثمن البيعة ولاية البصرة والكوفة.

فقال : لا أداهن في ديني، ولا أطلب النصر بالجور، فخرجا ثائرين بدم هما سفکاه كما قال الإمام في الخطبة 135. وتكلمنا عن ذلك في الخطبة المذكورة والخطبة 172 والرسالة 1 (فبيني وبينكم من تخلف الخ).. خير الإمام الزبير وطلحة لالقاء الحجة عليها، خير هما بين أمرين : إما القضاء والمحاكمة عند من تخلف عنه وعنها، ولا هوى له معه ولا معهما، وإما التوبة والرجوع عن الخطأ. واذا كان في الرجوع عن الخطأ عار وشنار في الدنيا فإن عذاب الآخرة أشد وأخرى.

الرسالة - 54 -

أيضاً الى معاوية :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ الدُّنْيَا لَمَا بَعْدَهَا، وأبتَلَى فِيهَا أهْلَهَا لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. وَلَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا، وَلَا بِالسِّعْي فيتها أمرنا، وإنما وُضِعْنَا فِيهَا لِنبْتَلَى بِهَا، وَقَدِ ابْتَلَانِي اللهُ بِكَ وَابْتَلاكَ بي فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةٌ على الآخر، فَعَدَوْتَ عَلى طَلَب الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَلَا لِسَالِي، وَعَصَبْتَهُ أَنتَ وَأَهْلُ السّام بي. وَأَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ، وَقَائمُكُمْ قَاعِدَكُمْ. فَاتَّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ. ونازع الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ. وَأَصْرِف إِلَى الْآخِرَةِ وَجْهَكَ فهي طريقنَا وَطَرِيقُكَ. وَاحذَرْ أَن يُصِيبَكَ اللهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَةٍ تَمَسُّ الْأَصْلَ وَتَقْطَعُ الدَّابِرَ، فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللهِ أَلِيَّةٌ غَيْرَ فَاجِرَةٍ لَئِنْ جَمَعَتْني وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لاَ أَزَالُ بِبَاحَتِكَ، «حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ».

اللغة :

لتبتلى : لتختير، وعدوت : وثبت وتهالكت. بتأويل القرآن : بتحريفه لتشتري به ثمناً قليلاً. وعصبته : ربطته. والب : حرض ربطته. والب : حرض. والقياد : الزمام والقارعة : الداهية. والداير : الفرع التابع للأصل والألية : اليمين. والباحة : الساحة.

الإعراب :

لما بعدها متعلق بمحذوف مفعولاً ثانياً لجعل، وغير فاجرة صفة لألية مثل «اقسم قسماً باراً».

المعنى :

كتب الإمام العديد من الرسائل الى معاوية والزبير وطلحة، وموضوعها واحد، والغاية وحدة المسلمين وجمع كلمتهم، ولا تختلف تلك الرسائل إلا بالأسلوب، أو بإشارة الى مثلبة تدعو الحاجة الى ذكرها، وتقدم طرف من الرسائل الى معاوية، ويأتي بعضها. والتي نحن الآن بصددها أرسلها الإمام الى معاوية، وافتتحها بقوله : (أما بعد فإن الله سبحانه جعل الدنيا - الى - خلقنا). خلق سبحانه الانسان للبقاء والخلود في دار الآخرة، أما الدنيا فهي ممر واختبار لتظهر النوايا والأفعال التي يستحق بها الثواب والعقاب. وتقدم الكلام عن ذلك في الرسالة 30 وصية الإمام لولده الإمام الحسن، فقرة : لماذا خلق الانسان ؟.

(ولا بالسعي فيها أمرنا الخ).. أي ما أي ما أمرنا بالسعي في الدنيا للدنيا وحدها بل لها وللآخرة. قال تعالى : «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا - 77 القصص» وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «إن الله يبغض العبد البطال، ويحب المؤمن المحترف المؤمن المحترف.. ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من عمل يده». وقال الإمام : اعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً.

(وقد ابتلاني الله بك) أي بجهادك وردعك عن غيك، ولو أهملت وقصرت لكنت مسؤولاً أمام الله (وابتلاك بي) حيث أمرك بطاعتي والاستجابة لدعوتي

لك، فإنها دعوة الحق والعدل، فإن أعرضت ونأيت كنت من الهالكين (فعدوت على الدنيا بتأويل القرآن). طلب معاوية السلطان تحت راية قميص عثمان، واتخذ من كتاب الله ذريعة لغرضه، وقال : جاء في القرآن : «مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا - 33 الإسراء» وأنا ولي دم عثمان، واذن فأنا السلطان. ولما حكم معاوية وسيطر لم يأخذ واحداً من قتلة عثمان بجريرته، بل كان يقرب بعضهم ويجيزه بالمال، كما أشرنا في شرح الرسالة 36. ورفع معاوية المصاحف بصفين حيلة وغيلة لما أيقن بالهلاك، وكان من ثمار هذه الحيلة انشقاق المسلمين، ووجود الخوارج في كل عصر وجيل.

وهكذا كان تلاعب معاوية بآيات القرآن هو الوسيلة لوصوله الى الحكم واستمراره فيه..

وكان من نتيجة أطماعه توزيع المسلمين الى شيع وأحزاب !. قال العقاد في کتاب «معاوية» : «لو حاسب التاريخ معاوية حساباً صحيحاً لما وصفه بغير مفرق الجماعات.. ولو استطاع معاوية أن يجعل من كل رجل في دولته حزباً منابذا لغيره لفعل».

(فطلبتي بما لم تجن يدي ولا لساني الخ).. من دم عثمان، وتقدم في الرسالة 36 احتجاج الإمام على معاوية بقوله : فأما إكثارك اللجاج على عثمان وقتله فإنك نصرت عثمان حيث كان النصر لك، وخذلته حيث كان النصر له (والب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم) يشير الإمام بهذا الى العلماء والخطباء الذين باعوا دينهم لمعاوية كي يكيفوا له الدين والقرآن وفقاً لشهواته وأغراضه.

وفي كتاب «الصراع بين الأمويين ومبادىء الاسلام» لنوري جعفر ص 65 طبعة 1965 : «ذكر الطبري ان معاوية بذل السمرة بن جندب مئة ألف ليروي نزول الآية 204 من سورة البقرة في علي بن أبي طالب، وهي : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ». وأيضاً يروي نزول الآية 207 من سورة البقرة في ابن ملجم، وهي «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ». فرفض سمرة فضاعف له معاوية الرشوة الى أربعمئة ألف فقبضها، وروى ما أوحى به معاوية»

بهذا الافتراء وكثير من مثله على الله ورسوله - أزلفت الدنيا وزينتها لمعاوية، ومن هنا قال أبناؤها : معاوية سياسي وداهية، وعلي لا يعرف السياسة، ونحن

نقول معهم : إن علياً أبعد الناس عن سياسة الشيطان وأعداء الرحمن.. أراد معاوية الدنيا وضحى بالدين من أجلها، وأراد الإمام الآخرة ومرضاة الله وضحى بالدنيا وبنفسه، ونال كل ما أراد : «مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ - 20 الشورى :

(فاتق الله في نفسك – الى - الدابر) قال سبحانه وتعالى لإبليس وحزبه : «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ - 18 الأعراف»، فقال له ابليس : وأنا أيضاً «لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ - 119 النساء». والإمام يخوف «الشيطان»، من نار جهنم في الآخرة، ومن سوء، ومن سوء العاقبة في الدنيا بقطع الأصل والنسل.. ثم ماذا ؟.. (فإني أولي الخ).. يقسم الإمام لو أمكنته الفرصة من ابن أبي سفيان الجاهده بكل ما يملك من طاقة، أما النصر في الدنيا فييد الله وحده. وفي الرسالة 38 قال الإمام مخاطباً ابن العاص : «فإن يمكن الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتها، وان تعجزا فما أمامكما شر لكما».

الرسالة - 50 -

الى شريح بن هانی :

اتَّقِ اللهَ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءِ، وَخَفْ عَلى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ وَلَا تَأْمَنْهَا عَلى حَالٍ. وَأَعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ مخافَةَ مَكْرُوهٍ سَمَتْ بِكَ الأهْوَاء إلى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ، فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً وَلِنَزوَتِكَ عِندَ الْحَفِيظَةِ وَاقِمَا قَامِعاً.

اللغة :

النزوة : السرعة. والحفيظة : الغضب. والمراد بالقامع والواقم الرادع القاهر.

الإعراب :

مخافة مفعول من أجله لتردع، وسمت جواب إن لم تردع.

المعنى :

شریح هذا من الصحابة. قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» : «شريح بن هاني

جاهلي اسلامي، ويكنى أبا المقداد، وهو من جلة أصحاب علي». وقال ابن أبي الحديد : كان شريح من جلة أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهد معه المشاهد كلها، وعاش حتى قتل بسجستان في زمن الحجاج. وقال الشريف الرضي : أرسل الإمام شريحاً هذا على مقدمته الى أهل الشام، وأوصاه بقوله :

(اتق الله في كل صباح ومساء الخ).. الأمر بتقوى الله، والتحذير من الدنيا وغرورها هو المادة الأولى في كل مرسوم يعين به الإمام عاملاً من عماله، أو قائداً من قادة الجند (واعلم انك إن لم تردع نفسك الخ).. عالجها بالكبح عن المحرمات، وروضها بحلال الله وشريعته، ولا تركب الشهوات فتجمح بك الى المهلكات.

الرسالة - 56 -

الى أهل الكوفة :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ حَيّي هَذَا إِما ظَالِماً وَإِما مَظْلُوماً، وإما باغياً وَإِما مَبْغِيًّا عَلَيْهِ، وَإِنِّي أَذَكَّرُ اللهَ مَنْ بَلَغَهُ كِتابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إلَيَّ فَإِنْ كُنتُ مُحْسِنَا أَعَانَنِي وَإِنْ كُنتُ مُسِيئَا أَسْتَعْتَبَنِي.

اللغة :

نفر من الشيء : جزع وابتعد، والى الشيء : أسرع اليه. واستعتبني : طلب مني أن أرضيه بما يريد.

الإعراب :

هذا عطف بيان لحيي، وظالماً حال، والله مفعول ثان لأذكر، ومن بلغه مفعول أول، ولما بالتشد بمعنى يد «ألا».

المعنى :

قال الشريف الرضي : أرسل الإمام هذه الرسالة الى أهل الكوفة حين خرج

من المدينة المنورة متوجهاً الى البصرة لقتال أصحاب الجمل، والمعنى واضح، ويتلخص بأن الإمام رغب اليهم أن يسرعوا اليه ظالماً كان أم مظلوماً، فإن كان ظالماً كفوه عن الظلم، وإن كان مظلوماً أنصفوه من الظالم.

وليس هذا شكاً من الإمام في أمره.. كلا، وألف كلا، وانما هو إلقاء للحجة على الجميع حتى على من يراه ظالماً، وتذكير بقول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): انصر أخاك ظالماً أم مظلوماً.. ولما قيل له : كيف ننصره ظالماً ؟ قال : «أن تكفوه عن الظلم». ويدلنا هذا ان المجتمع لن يكون اسلامياً بحق إلا اذا كان انسانياً متماسكاً ومتعاوناً على حياة يسودها الحب والإخاء، ويغمرها الأمن والصفاء. ومن هنا صح القول : لا مجتمع اسلامي بحق اليوم في شرق الأرض ولا في غربها : «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ - 110 آل عمران».

الرسالة - 57 -

الى أهل الأمصار :

وَكَانَ بَدءُ أَمْرِنَا أَنَّا التقيْنَا وَالْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَالظَّاهِرُ أَن ربَّنَا وَاحِدٌ وَنَبِيْنَا وَاحِدٌ، وَدَعْوَتَنَا فِي الْإِسْلَام وَاحِدَةً. لَا نَستَزِيدُهُمْ في الإيمان باللهِ وَالتَّصْدِيقِ بِرَسُولِه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَلَا يَسْتَزِيدُونَنَا الْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلَّا مَا أَخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَم عُمَّانَ وَنَحْنُ مِنْهُ بَرَاء، فَقُلْنَا تعَالَوْا نُدَاوِ مَا لاَ يُدْرَكُ الْيَوْمَ بِإطْفَاءِ النَّائِرَةِ وَتَسْكِينِ العَامَّةِ، حَتَّى يَشتَدَّ الْأَمْرُ وَيَسْتَجْمِعَ، فَتَقْوَى عَلَى وَضْعِ الْحَقِّ مَوَاضِعَهُ فَقَالُوا بَلْ نُدَاوِيهِ بِالْمَكَابَرَةِ، فَأَبَوْا حَتَّى جَنْحَتِ الْحَرْبُ وَرَكَدَتْ وَوَقَدَتْ نِيرَانُهَا وَحَمِسَتْ. فَلَمَّا ضَرْسَلْنَا وَإِيَّاهُمْ، وَوَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِينَا وَفِيهِمْ، أَجَابُوا عِنْدَ ذلِكَ إلَى الَّذِي دَعَوْنَاهُمْ إِلَيْهِ، فَأَتَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا، وَسَارَعْنَاهُمْ إلَى مَا طَلَبُوا حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّة،

وأنْقَطَعَتْ مِنْهُمُ المَعْذِرَةُ. فَمَنْ ثَمَّ عَلى ذلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَمَنْ لَجٌ وَتَمَادَى فَهُوَ الرَّاكِسُ الَّذِي رَانَ اللَّهُ عَلَى قلْبِهِ، وَصَارَت دَائِرَةُ السَّوْءِ عَلى رَأْسِهِ.

اللغة :

النائرة : العداوة والشحناء، والنائرة : الضجة والشغب، ورويت بهما والمعنى متقارب. وركدت : تمكنت. ووقدت : التهبت. وحمست : اشتدت. وضرستنا : عضتنا بأضراسها. والراكس : الراسب أو المنقلب. وران : غطى. ودائرة السوء : تُري الإنسان ما يسوءه.

الإعراب :

المصدر من إنا التقينا خبر كان، والقوم عطف على «نا» في التقينا، أما القول : لا يجوز العطف على الضمير المتصل إلا تأكيده بضمير منفصل، أما هذا القول فيرده قوله تعالى : «فأنجيناه وأصحاب السفينة - 15 العنكبوت». وبإطفاء الثائرة متعلق بنداو.

المعنى :

قال الشريف الرضي : أرسل الإمام كتاباً الى الأمصار من أهل دولته يخبرهم ما حدث في صفين جاء فيه : (وكان بدء أمرنا - الى – براء) في الساعة التي التقى الجمعان كان ظاهر الحال من أهل الشام انهم مسلمون، وان الاختلاف بينهم وبين الإمام وأصحابه - ينحصر في دم عثمان لا في شيء من الدين وأصوله.. وليس من شك ان الإمام بريء من دم عثمان، وان معاوية يعلم ذلك، ولكنه يكابر لحاجة في نفسه. قال ابن أبي الحديد : قول الإمام «الظاهر» يومىء الى أنه لم يحكم حكماً قاطعاً بإسلام معاوية وأصحابه، وإنما حكم عليه بالإسلام ظاهراً لا واقعاً.

الإمام والقصاص من قتلة عثمان :

(فقلنا تعالوا الى مواضعه). قال معاوية للإمام : نريدك أن تقتص من قتلة عثمان. فقال له الإمام: إن إقامة الحد والقصاص إنما تطلب من الإمام المعترف له، وأنت تنكر بيعني وإمامتي، فكيف تطلب مني ما يُطلب من الإمام. فإن كنت صادقا في طلبك هذا ومخلصاً لعثمان ودم عثمان «فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله تعالى، واما تلك التي تريد - أي الخلافة - فإنها خدعة الصبي عن اللين في أول الفصال»، كما جاء في الرسالة 63.

هذا أولاً، وثانياً : ان القصاص من قتلة عثمان لا يدرك الآن ويستجاب ما دامت الفتنة قائمة، فهلم - يا معاوية - نعمل يداً واحدة على الأمن والاستقرار، وجمع كلمة المسلمين، وبذلك يكون الإمام في مركز القوة فيقتص من الجاني، ويقيم الحد على من يستحق، اما ان تعمل أنت وابن العاص على الشقاق وإيقاظ الفتنة ثم تطالب بالقصاص والقود - فإنك بهذا تريد للمسلمين السوء والشر.

و صادف ان الإمام تحدث في ذات يوم عن أمر القصاص من قتلة عثمان، فشهر عشرة آلاف فارس رماحهم، وقالوا : كلنا قتلة عثمان، ومن شاء القصاص منا فليأت.. وإلى ذلك أشار الإمام بقوله في الخطبة 166 : «كيف لي بقوة والقوم - أي قتلة عثمان - على شوكة يملكوننا ولا نملكهم الخ».. وأحسن من تكلم في هذا الموضوع، واعتذر عن الإمام بالمنطق القويم والحجة البالغة الدامغة هو العقاد في كتاب «عبقرية الإمام» بعنوان (سياسته).

(فقالوا : بل نداويه بالمكابرة الخ).. دعوناهم الى الوفاق والتعاون على الحق، فأبوا إلا الحرب، وأرغمونا على خوضها كارهين، ولما بلغت منهم الغاية وأنهكتهم وأنهكتنا معهم (أجابوا عند ذلك الى الذي دعوناهم اليه الخ).. أي تراجعوا عن المطالبة بدم عثمان، ورفعوا المصاحف طالبين العدل والإنصاف. ومن البداهة انه لا معنى للعدل هنا إلا ان يدخل معاوية فيما دخل فيه المسلمون،، ثم يحاكم المتهمين بدم عثمان الى الإمام، وهذه هي دعوة الإمام بالذات، ولذا أجابهم الى طلبهم، ولم يبق لهم من عذر يتعللون به.

(فمن تم على ذلك منهم) أي رضي بالحق، وأخلص له، ولم يكذب ويخادع

كما فعل معاوية وابن العاص (فهو الذي أنقذه الله من الهلكة). يخطىء كل من يطلق الحكم بالغدر والخيانة على أمة بأسرها، أو على حزب أو جيش بكامله، فإن الكثير من الأتباع يضللهم القادة والمتبوعون، ويخفون عنهم الحقائق.

ومن هنا ترك جماعة الحزب الذي آمنوا به من قبل وتعصبوا له، وتركوه وقاوموه حين ظهرت لهم خيانة القادة وعمالتهم وسوء مقاصدهم تماماً كما يترك الصديق صديقه حين لا يجد عنده الوفاء، والمريض طبيبه حين لا يجد عنده الشفاء. وعندما رفع معاوية المصاحف وجرى التحكيم اتضحت لكل واع مخلص نوايا معاوية وابن العاص، وبخاصة بعد أن اشتهرت الصفقة على مصر بين الاثنين، والتي قال الإمام عنها في الخطبة 26 : «فلا ظفرت يد البائع، وخزيت أمانة المبتاع». اتضحت نية السوء والغدر عند الاثنين، وعلم بها الواعي المخلص فتبرأ منها «وأنقذه الله من الهلكة»، كما قال الإمام.

(ومن لج وتمادى) في متابعة معاوية وابن العاص كأكثر أهل الشام، أو في الإلحاح على المضي في الحرب ونبذ التحكيم الى كتاب الله كالخوارج (فهو الراكس الخ).. في الغي والضلالة، وعليه تدور دائرة السوء في النهاية.

الرسالة - 58 -

الى الأسود بن قطيبة :

أما بَعْدُ فَإِنَّ الْوَالِيَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ فلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِندَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضُ مِنَ الْعَدْلِ. فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ، وَابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ رَاجِياً ثَوَابَهُ وَمُتَخَوّفاً عِقَابَهُ. وَأَعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَط سَاعَةً إِلا كَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ القيَامَةِ. وَأَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَكَ عَنِ الْحَقِّ شَيْءٌ أَبَداً. وَمِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حفظ نَفْسِكَ وَالاحْتِسَابُ عَلى الرّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ، فَإِنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ وَالسَّلَامُ.

اللغة :

اختلف هواه : لم يثبت على حال. ما تنكر أمثاله : لا تستحسن أمثاله من

غيرك. يتفرغ صاحبها : بطال بلا عمل. والمراد بيصل اليك الثواب على عمل الخير، والمراد بيصل بك نفس العمل المثاب عليه.

الإعراب :

كثيراً صفة لمفعول مطلق محذوف أي منعاً كثيراً، وراجياً حال، وثوابه مفعول «راجياً»، وقط هنا ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وتختص بالنفي.

العدل والمساواة والعمل :

وجه الإمام هذه الرسالة الى عامله بحلوان، وهو الأسود بن قطيبة، وقال الشيخ محمد عبده : «حلوان إيالة من إيالات فارس». والإيالة قطعة من البلاد يحكمها وال. وقال الشيخ الطريحي في مجمع البحرين : «حلوان بلد مشهور، وهو آخر مدن العراق من طرف المشرق والقادسية». وعلى أية حال فإن المهم ما في الرساله، وقد حدد الإمام فيها مهمة الحاكم بإقامة العدل والمساواة، والاجتهاد في العمل لحياة أكمل. وفيما يلي البيان :

1 - العدل، وإليه الإشارة بهذه الحكمة : (فإن الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيراً من العدل) إذا تقلبت أخلاق الوالي من حال الى حال تبعاً لأهوائه وأطماعه - ضاعت الحقوق، وسادت الفوضى والبغي والفساد واستحالت الحياة.

2 - المساواة، واليها الإشارة بهذا الأمر الذي وجهه الإمام الى عامله : (فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء الخ) ساو بين الجميع في الحقوق والواجبات بلا تفاضل وامتياز بين لون وجنس، وغنى وفقر إلا بما يقدم المرء من عمل نافع للفرد أو للمجتمع.

3 - العمل لخدمة الحياة، وهو المراد بقوله : (وابتذل نفسك الخ).. اعمل لمنفعة الناس بلا غرور وتبجح، بل توقع النقص والخلل في عملك، ورجاء التمام والكمال فيه. واعلم ان البطالة والإهمال حسرة وندامة، وانحطاط وجهالة، واياك أن تقنع من العمل النافع عند حد. ولولا العمل المتواصل ما بلغ الانسان

غاية من أهدافه، وهل من وهل من شيء أحلى مغبة من العمل في سبيل الخير؟ وهل من أحد بلغ درجة من العلى في الدنيا والآخرة إلا بالكفاح والعمل ؟.

(والاحتساب على الرعية بجهدك) أي اعمل لمصلحة الناس بكل ما تملك من طاقة. وقيل لملك زال ملكه : ما الذي أزال ملكك ؟ قال : اعجابي بقوتي، وإهمالي لرعيتي (فإن الذي يصل الخ).. اذا عملت الحياة الناس ومصالحهم فإنك تأخذ من الله ومنهم ثواباً أعظم وأجزل مما تعطيهم أضعافاً مضاعفة.. اذا زرعت الخير أكلت من زرعك بلا ريب، ولكن من يزرع حبة واحدة في أرض الله سبحانه تعود عليه بسبعمئة كما نطقت الآية 261 من سورة البقرة. وكل من عمل لوجه الله وعياله فقد زرع في أرضه.

وبعد، فإن لكل شيء غاية، والغاية من الحكم عند الإمام لا تنحصر يحفظ الأمن، واقامة العدل بوفاء الكيل والميزان، وفصل الخصومات بالحق، وإنصاف الظالم من المظلوم، وما أشبه، بل لا بد له هذا أن يعمل جاهداً لحياة أفضل وأسعد، وأن ينطلق الحاكم برعيته من جديد الى جديد أصلح وأنفع، ومن قوة الى قوة أعز وأمنع.

الرسالة - 59 -

الجيش والمواطنون :

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْسُ مِنْ جَبَاةِ الخراج وعمالِ الْبِلادِ :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِن شَاءَ الله وَقَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَفُّ الْأَذَى وَصَرْفِ الشَّذَى. وَأَنَا أَبْرَأَ إِلَيْكُمْ وَإِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ إلَّا مِنْ جُوعَةِ الْمُصْطَر لاَ يَجدُ عَنْهَا مَذهَباً إلَى شِبَعِهِ. فَنَكِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ، وَكُفُّوا أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ عنْ مُضَادَّتِهِمْ وَالتَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيهَا اسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْهُمْ. وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْشِ، فَادْفَعُوا إِلَيَّ مَظَالِمكُمْ. وَمَا عَرَاكُمْ مِما يَغْلِبُكُمْ

مِنْ أَمْرِهِمْ وَلَا تُطِيقُونَ دَفْعَهُ إِلَّا بِاللهِ وَفِي فَأَنَا أَغَيْرُهُ تَمَعُونَةِ اللهِ إن شاء الله.

اللغة :

الشذى : الأذى. والمعرة : المساءة. والجوعة : مصدر جاع.

الإعراب :

من عبدالله متعلق بمحذوف خبراً لمبتدأ محذوف أي هذا الكتاب مرسل من عبدالله، وظلماً صفة لمفعول مطلق محذوف مبين لنوع التناول أي تناولاً ظالماً، لأن التناول والأخذ يكون بالعدل وبالظلم، وليس عطف بيان كما توهم بعض الشارحين.

المعنى :

كان معظم الجيش - فيما مضى - يسير على الأقدام في انتقاله من مكان لآخر حيث لا شاحنات وقاطرات، والذين يركبون الخيل من المحاربين أقلاء.. وكان المحارب يحمل سلاحه، وما يضطر اليه على ظهره أو عاتقه، وبطبيعة الحال كان يمر الجيش في طريقه بالمواطنين. وخشي الإمام أن يفسد في الأرض بعض الأفراد من الجيش الزاحف لحرب أصحاب الجمل أو أهل الشام، ويسيء التصرف مع واحد من الناس - كما هو المعتاد - فأوصى جنوده بالعدل وحسن السيرة، لأنهم القوة الرادعة للمعتدين، فكيف يبغون ويعتدون ؟ ومن البداهة ان الاعتداء أو التقصير من أي موظف أو جندي - تقع مسؤوليته على الحاكم أمام الله والناس إلا إذا أخذ المعتدي بجريرته، وضرب يده بقوة الحق والعدل.

وأيضاً كتب الإمام الى عماله يأمرهم أن يراقبوا أفراد الجند ويردعوا ويؤدبوا

كل سفيه يحاول أن يخيف ويسيء الى إنسان حتى ولو كان يهودياً أو نصرانياً، وان عجزوا عن كبح الجاني وتأديبه أعلموه بأمره، ليأخذه بما يستحق.. وبهذا الحزم والعدل ساغ للإمام أن يتبرأ من كل ظلامة تحدث أحد من جنوده إلا من اضطر الى لقمة عيش، أو جرعة ماء غير باغ ولا عاد، فلا اثم عليه ينص الآية 173 من سورة البقرة.

الرسالة - 60 -

الى كميل بن زياد :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ تَضييع المرء مَا وُلِّيَ وَتَكَلَّفَهُ مَا كُفِيَ لَعَجْزُ حَاضِرٌ وَرَأَيْ متبّرٌ. وَإِنْ تَعَاطِيَكَ الغَارَةَ عَلى أَهْلِ فِرْقِيسِيَا وَتَعْطِيلَكَ مَسَالحَكَ التي وَلَّيْنَاكَ لَيْسَ بِهَا مَنْ يَمْنَعُهَا وَلَا يَرُدُّ الْجَيْشِ عَنْهَا لَرَأَي شَعَاعٌ. فَقَدْ صرت جسراً لمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ مِنْ أَعْدَائِكَ عَلى أَوْلِيَائِكَ، غَيْرَ شَدِيدٍ المنكِب، وَلَا مَهِيب الْجَانِبِ، وَلَا سَادٍّ ثُغْرَةً، وَلَا كَاسِرٍ شَوْكَةً وَلَا مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ، وَلاَ مُجْزِ عَنْ أَمِيرِهِ.

اللغة :

متبر : مهلك. وقرقيسيا : اسم بلد. ومسالح : أماكن السلاح. والرأي الشعاع : المتفرق الضعيف. والشوكة : القوة.

الإعراب :

لعجز خبر ان تضييع، ولرأي خبر ان تعاطيك، وغير شديد صفة لجسر أو حال من كاف الخطاب.

المعنى:

كان كميل بن زياد من خاصة الإمام، والصفوة من شيعته، ولما ولي الحجاج طلبه للقتل فهرب منه واختفى فما كان من الحجاج إلا أن منع العطاء عن قومه ولما علم كميل بذلك قال : أنا شيخ كبير، وقد نفد عمري، ولا ينبغي أن أكون سبباً لحرمان قومي من أقواتهم وسلم نفسه للحجاج، فلما رآه قال له : كنت أحب أن أجد عليك سبيلا، فقال :كميل : لا تصرف على أنيابك كالبعير، فاقض ما أنت قاض، فالموعد الله، وبعد القتل حساب وجزاء فقال الحجاج لجلاوزته : اضربوا عنقه، فضربت.

وقد ولاه الإمام على هيت، فاستضعفه معاوية، وأرسل اليه المرتزقة يقتلون وينهبون، كما هو شأنه، قال ابن أبي الحديد : «وحاول كميل أن يجبر ضعفه بالغارة على أطراف معاوية مثل قرقيسيا وغيرها، فأنكر الإمام عليه ذلك».

وبعد، فإن الانسان ابن الظروف التي تحيط به، وكميل انسان له عواطفه وانفعالاته، وأيضاً له حريته وقدرته تماماً كأبيه آدم الذي أخرجه الله من الجنة جزاء على فعلته.. وليس المهم أن لا يخطىء الانسان، وانما المهم أن لا يصر على الخطأ متى ظهر وبان، وأن يلوم نفسه ولا يعود وقد لام كميل نفسه وندم تماماً كما ندم آدم من قبل، وتاب كما تاب، وتاب كما تاب... وختم حياته بالشهادة بسيف البغي والضلال، فصبر واحتسب حرصاً على دينه وايمانه.

الرسالة - 61 -

الى أهل مصر:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحمّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَمُهَيْمِناً عَلى المُرْسَلِينَ، فَلَمّا مَضَى (عَلَيْهِ السَّلَا)مُ تَنَازَعَ المُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، فَوَاهِ مَا كَانَ يُلقَى فِي رُوعِي وَلَا يَخطُرُ ببَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ، فَا رَاعَنِي إِلَّا أَنثيالُ النَّاسِ عَلى فلَانٍ يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ يَدْعُونَ إِلَى محْقِ دِينِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله)، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْمًا تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وَلَايَتِكُمْ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ

مَتَاعُ أَيَّامٍ فَلَائِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَان كَما يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهنَة. إنِّي وَاللهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طَلَاعُ الْأَرْضِ كُلَهَا مَا بَالَيْتُ وَلَا اسْتَوحشتُ. وَإِنِّي مِنْ ضَلَالِهِم الَّذِي هُم فِيهِ، وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ، لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَيَقِينِ مِنْ رَبِّي. وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللهِ وَحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمَنتَظِرُ رَاجٍ. وَلكِنني آسى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمِّةِ سُفَهَاؤُهَا وَفُجَّارُهَا، فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللَّهِ دُولاً، وَعِبَادَهُ خَوَلاً، وَالصَّالِحِينَ حرباً، وَالْفَاسِقِينَ حزباً، فَإن مِنْهُمُ الَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ الحَرامَ، وَجلِدَ حَدًا فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلى الإِسْلَامِ الرَّضَائِخُ، فَلَوْلاَ ذلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَألِيبَكُمْ وتأنيبكُمْ، وَجَعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ، وَلَتَرَكتُكُمْ إذ أبيتُمْ وَوَنَيتُمْ. أَلَا تَرَوْنَ إلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ، وَإِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتَتِحَتْ، وَإلَى مَمَالکِكُمْ تُزْوَى، وَإِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى. أنفِرُوا رَحمَكُمُ اللهُ إلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، وَلَا تَثاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتَفِرُّوا بِالْخَسْفِ وَتَبوءوا بِالذُّل، ويَكُونَ نَصيبُكُمْ الْأَخَسَ. وَإِنَّ أَنَا الْحَرْبِ الْأَرِقِ، وَمَنْ لَامَ لَمْ يُمْ عَنْهُ والسلام.

اللغة :

مهينماً : شاهداً. والروع : القلب والعقل. والبال : الخاطر والتصور وراعني : فاجأني أو أفزعني. وراجعة الناس : المنقلبون منهم والمرتدون. وثلماً : خرقاً. وتنهنه : كف الباطل عنه بقوته ومناعته. وطلاع الشيء : ملؤه وآسى : أحزن. ودولاً : يستأثرون به، ويتداولونه فيا بينهم دون غيرهم وخولاً : عبيداً. والرضائخ : العطايا. وتأليبكم : تحريضكم. وتزوى : تقبض والخسف : الضيم. والأرق : الساهر.

الإعراب :

نذيراً حال من محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والمصدر من ان العرب فاعل يخطر، وواحداً حال، وما باليت جواب القسم، ولمنتظر خبر اني، والى لقاء الله متعلق منتظر، وذلك مبتدأ، والخير محذوف وجوباً أي لولا ذلك كائن.

المعنى :

حين أسند الإمام ولاية مصر الى مالك الأشتر أرسل الى أهلها رسالة مع غير الأشتر حيث أثنى عليه أحسن الثناء، وقال من جملة ما قال : «فقد بعثت اليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء». وتقدمت مع الشرح، ورقمها 37، وفي الرسالة 33 التي أرسلها الإمام محمد بن أبي بكر ذكر الأشتر وترحم عليه، وقال في وصفه : «كان لنا ناصحاً، وعلى عدونا شديداً«. أما الرسالة التي نحن بصددها فقد كتبها الإمام لأهل مصر، وأعطاها للأشتر نفسه، كما ذكر الشريف الرضي الذي قال : «ومن كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه امارتها». وابتدأها الإمام بقوله :

لولا عمر ما حكم أبو بكر :

(أما بعد، فإن الله سبحانه بعث - الى - يبايعونه). أرسل سبحانه نبيه

الكريم محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مبشراً من أطاع الله بالثواب، ومنذراً من عصاه بالعذاب وشاهداً برسالة من سبقه من المرسلين : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا - 45 الأحزاب». وبعد وبعد أن انتقل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى الرفيق الأعلى حدث ما حدث من الصحابة حول الخلافة، وما كان الإمام يظن ان أحداً من الصحابة يختار سواه الخلافة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولكنه فوجىء بنبأ حمل اليه : ان عمر اندفع بأبي بكر الى السقيفة، وبايعه على رغم أنوف الأنصار وغيرهم. والمراد يفلان هنا أبو بكر، وبالناس عمر ومن تابعه في عقد هذه البيعة على ان القرآن أطلق كلمة الناس على الرجل الواحد، وهو نعيم بن مسعود كما في بعض تفاسير هذه الآية : «الذين قال لهم الناس الناس - 173 آل عمران». وعلى أية حال لولا بيعة عمر ما انعقدت الخلافة لأبي بكر.

فقد جاء بكتاب المواقف وشرحه، باب الأمانة : «الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف في ثبوت الإمامة ووجوب اتباع الإمام على أهل الإسلام، لأن الصحابة اكتفوا في عقد الإمامة بعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن ابن عوف لعثمان». ومعنى هذا ان بيعة عمر هي السبب الموجب لخلافة أبي بكر، وبيعة ابن عوف الخلافة عثمان

(فأمسكت يدي) أي اعتزلت في بيتي معرضاً عن كل شيء (حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام الخ).. يشير بهذا الى طليحة بن خويلد الأسدي، واجتماع المرتدين لغزو المدينة بقيادته، كما جاء في تاريخ الطبري وابن الأثير.

وتتلخص حكاية طليحة انه ادعى النبوة في حياة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فوجه الى حربه ضرار بن الأوس، فأفلت منه، ولكن ضعف أمره.. ثم قوي بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لكثرة المرتدين، وعزم أن يغزو بهم المدينة ويحتلها. قال ابن الأثير في حوادث سنة 11 هـ : «ارتدت العرب، وتضرمت الأرض ناراً بعد وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وارتدت كل قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشاً وثقيفاً، واستغلظ أمر مسيلمة وطليحة»

ولما علم المسلمون بغزو طليحة المدينة تماسكوا واتفق الصحابة كلمة واحدة على حربه، وخرج الإمام من عزلته، ورابط بنفسه في مكان قريب من المدينة،

واقتدى به آخرون، وأغار طليحة على المدينة ليلاً، وكان المسلمون له بالمرصاد، فهزموه وفرقوا جمعه وقتلوا العديد من عسكره، ولم يصب أحد من المسلمين، ثم لحقت جيوش الإسلام بطليحة الفار، فانصرف عنه أصحابه بعد إيقانهم بكذبه، وهرب هو الى الشام، ونزل ببني كلب، وأظهر التوبة والإسلام ليسلم من القتل ولما مات أبو بكر وبويع عمر أتاه وبايعه.

(فخشيت ان لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة علي أعظم من فوت ولايتكم الخ).. الخطاب للمسلمين لا للمصريين فقط، والمعنى ان الإمام خاف على دين محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو بقي معتزلاً في بيته.. لذا شارك في حرب الردة، ودافع عن المدينة كعاصمة للمسلمين ودافع عن المدينة كعاصمة للمسلمين، وعن الخلافة كنيابة عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسكت عن حقه حرصاً على الدين ومصلحته، وتعاون مع أبي بكر للغاية نفسها، لأن الدين فوق الجميع، وفي سبيله ضحى الأنبياء بأنفسهم، وإذن فبالأولى أن يضحي الإمام بالولاية والرياسة من أجل الدين.

وقلنا فيما سبق : ان الإمام لا يقيس الخير بالمناصب وكثرة الناس من حوله، وبالغنى أو غيره من حطام الدنيا، وإنما يقيس الخير عمرضاة الله وثواب الآخرة. ومن أقواله في ذلك : «كل نعيم دون الجنة فهو محقور.. الغنى والفقر بعد العرض على الله» وعلى هذا الأساس صغر الدنيا وحقرها، وشبهها بعفطة عنز في الخطبة 3، وبورقة في فم جرادة في الخطبة 222 وبالسراب في الرسالة التي نحن بصددها.

(فنهضت في تلك الأحداث) وهي الردة وغيرها من الفتن التي كانت تهدف إلى القضاء على دولة الإسلام وبيضته (حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه (بانتشاره في شرف الأرض وغربها (واني والله لو لقيتهم واحداً ، وهم طلاع الأرض الخ) ضميرهم يعود الى مثيري الفتن والقلاقل ضد الإسلام كأهل الردة وأهل الشام وأصحاب الجمل، والمعنى: أنا حرب لمن يضمر السوء للإسلام حتى ولى ملأوا على الأرض رجالاً وسلاحاً، وأنا سلم ما سلم الإسلام، ولم يكن من حيف وجور إلا علي خاصة، كما قال في الخطبة 72

وكان الإمام يعلن في العديد من المواقف أنه أولى من أبي بكر بالخلافة، وصارحه بذلك أكثر من مرة.. ومع هذا تعاون معه على مصلحة الإسلام والمسلمين،

أما كان الأجدر بمعاوية وطلحة والزبير أن يتعاونوا مع الإمام لهذه الغاية بعد أن بايعه الصحابة والمسلمون، أو يسكتوا على الأقل حقناً للدماء وتجنباً للفتن وامتثالاً لقول الرسول : «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ؟

(واني الى لقاء الله لمنتظر الخ).. لو اجتمع أهل الأرض على حرب الإمام ما بالى ولا استوحش، كما قال، ولماذا ؟ لأمرين : الأول انه على بصيرة من نفسه، ويقين من ربه. الثاني انه يعشق الشهادة ويتمناها أجل، هناك شيء واحد يحذر منه ويحزن له وهو أن يحدث بعد موته ما أشار اليه بقوله : (ولكني اسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً الخ)..كما فعل الأمويون بعد أمير المؤمنين.. هذا هو بالذات الذي يخشاه ويأباه. أما الشهادة في نفسها فهي أمنيته

وفسر بعض الشارحين قول الإمام : (ولكني أسى ان يلي) فسره بأن الإمام أحجم عن حرب الخلفاء السابقين خوفاً أن يتولى الخلافة بنو أمية مكان أبي بكر وعمر !.. وهذا بعيد عن السياق، لأن الإمام قال بصراحة : انه تعاون مع من سبقه الى الخلافة حرصاً على وحدة الكلمة ضد أعداء الاسلام. ثم أشار الى حبه الشهادة، وقال بلا فاصل : ولكني آسي الخ.. أي على رغم حبي للشهادة فإني أخاف على الاسلام والمسلمين من بعدي أن يتحكم بهم الأشرار، فيسفكوا الدماء، وينهبوا الأموال.

(فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام الخ).. ضمير منهم الى بني أمية، والمراد بالحرام الخمر. وقال ابن أبي الحديد : «يشير الإمام الى الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان لأمه، وقد ولاه الكوفة، وكان زانياً سكيراً، شرب الخمر وصلى بالناس جماعة صلاة الصبح أربع ركعات، وقاء الخمر في محراب المسجد، وتلى في الصلاة بدلاً من القرآن : علق القلب الربابا * بعد ما شابت وشابا».

(وان منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الاسلام الرضائخ الخ)..أي العطايا، قال ابن أبي، قال ابن أبي الحديد : الحديد : (يشير الإمام الى المؤتلفة قلوبهم الذين رغبوا في الاسلام بعد أن أعطوا الجمال والشاء، وهم معروفون، ومنهم معاوية وأخوه يزيد وأبوهما أبو سفيان، وصفوان بن أمية.. وكان اسلامهم للطمع

وأغراض الدنيا، ولم يكن عن أصل ولا عن علم ويقين».

(فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم الخ).. أي تحريضكم على قتال أعداء الله ودينه كيلا يذلوكم من بعدي ويتحكموا بدمائكم وأموالكم، ولكن تثاقلتم، والآن أعيد القول مؤكداً ومردداً : (من نام لم ينم عنه) وتقدم ذلك في العديد من الخطب، منها الخطبة 27 و 91 و 100.

الرسالة - 62 -

الى أبي موسي الأشعري :

مِنْ عَبْدِ اللهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ :

أما بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلُ هُوَ لَكَ وَعَلَيْكَ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولِي عَلَيْكَ فَارْفَعْ ذَيْلَكَ، وَأَشْدُدْ مِئْزَرَكَ، وَأَخْرُجُ مِنْ حُجَرِكَ واندبْ مَنْ مَعَكَ، فَإِنْ حَقَّقْت فَانفُذ، وَإِن تَفَشّلْت فَابْعُدْ. وَايْمُ اللهِ لَتُؤْتَيَنَّ حَيْثُ أَنتَ، وَلَا تُتْرَكُ حَتَّى يُخْلَطَ زُبْدُكَ بِخَاثِرِكَ وَذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ، وَحَتَّى تُعْجَلَ عَنْ قِعْدَتِكَ، وَتَحْذَرَ مِنْ أَمَامِكَ كَعَذرِكَ مِنْ خَلْفِكَ. وَمَا هِيَ بِالهُوَيْنَى التي تَرْجُو، وَلَكِنّها الدَّاهِيَةُ الكُبْرَى، يُرْكَبُ جَمَلَهَا وَيُذَلُّ صَعْبُهَا، وَيَسْهُلُ جَبَلُهَا. فَاعْقِلْ عقلك، وأملِك أَمْرَكَ وَخُذْ نَصِيبَكَ وَحَظّكَ، فَإِنْ كَرِهْتَ فَتَنَحّ

إلَى غَيْرِ رَحْبٍ، وَلَا فِي نَجَاةٍ، فَبِالْحَرِي لَتُكْفَينَّ وَأَنتَ قَائِمٌ حَتَّى لا يُقَالَ أَيْنَ فَلَانٌ. وَاللهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقِّ وَمَا نُبَالِي مَا صَنَعَ المُلْحِدُونَ. وَالسَّلامُ.

اللغة :

جحرك : مكانك. وأندب : أدع. وحققت : عزمت. وتفشلت : جبنت و تقاعست. والحائر : اللين، والزبد خلاصته. والقعدة والقعدة - بكسر القاف - هيئة القعود. والهوينا : تصغير الهونى أي مؤنث الأهون. واعقل عقلك : اجعله ثقيلاً وكبيراً.

الإعراب :

وأيم الله مبتدأ والخبر محذوف وجوباً أي وأيم الله قسمي، وأنت مبتدأ والخبر محذوف أي من حيث أنت في مكانك، وبالهوينا الباء زائدة، والهوينا خبر هي، ما صنع الملحدون (ما) مصدرية، والمصدر المنسبك مجرور بباء محذوفة أي ما أبالي بصنعهم.

المعنى :

كان أبو موسى الأشعري والياً على الكوفة حين خرج أصحاب الجمل على الإمام، واستنفر الإمام أهل الكوفة للجهاد، كما جاء في الرسالة الأولى من رسائل النهج، فثبطهم هذا الأشعري، فكتب اليه الإمام الرسالة التالية :

(أما بعد، فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك). ذكر الشارحون في

تفسير «هو لك وعليك»، ما لا تركن اليه النفس.. والذي نراه أن الإمام يرد بقوله هذا على خطبة الأشعري في أهل الكوفة مثبطاً عن الجهاد مع الإمام بقوله: «أيها الناس ان أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه وان هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان، والقاعد خير من القائم.. فأغمدوا سيوفكم».. فقال له الإمام : ان قولك هذا «هو لك وعليك»، أي فيه حق وباطل، أما الحق فهو ان أصحاب الرسول أعلم من غيرهم بالدين، وأما الباطل فهو ان القاعد في هذه الفتنة خير من القائم، لأن الله سبحانه قد أوجب قتال مثيري الفتن بقوله : «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ - 193 البقرة». وقال : «وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ - 191 البقرة». فكيف تنهى يا أشعري عما أمر الله به ؟ وهل قولك هذا إلا رضا بالفتنة وتشجيع لها ؟ وهل نسبت قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان ؟.

(فارفع ذلك واشدد متزرك). أسرع إلي أنت ومن معك بلا تأخير (فإن حققت فانفذ) ان عزمت على الطاعة فتوكل على الله (وان فشلت فابعد) ان فترت وتراخيت فاذهب الى بيتك وشأنك (ولا تُترك حتى منخلط زيدك بخاترك الخ) أتظن انك بمنجاة ؟ كلا، ستؤخذ من مكانك، ولا تترك إلا وأنت تائه حائر لا تهتدي الى خير (وحتى تُعجل في قعدتك). المراد بالقعدة هنا الوظيفة والولاية أي تطرد منها (وتحذر من أمامك كحذرك من خلفك) هذا كناية عن الإحاطة به بلا مناص له وخلاصو

(وما هي بالهوينا - الى جبلها) ان موقفك - أيها الأشعري الأشعري - ليس بالأمر الهين كما تظن.. انه.. انه صعب وعسير عليك وعلينا، ولكنا نحن نقتحم هذا الصعب ونذلله حتى يسهل بإذن الله، وتبقى أنت في الشدة والحيرة (فاعقل عقلك) تغلب به على هواك (واملك أمرك) وأعصابك، ولا تتحرك بانفعال وعصبية وإلا كان مالك الفشل والخذلان (وخذ نصيبك وحظك) احمل نفسك على عمل الخير، وخل منه أوفر نصيب (فإن كرهت الخ).. عمل الخير فاعتزل عملنا، واذهب الى الشيطان.

(فبالحري لتكفن) انك لجدير بالإهمال والنسيان، لأنك لا تغني شيئاً

ولذا نكفيك ونعفيك (وأنت نائم حتى لا يقال : أين فلان) متى أهملناك تصبح نكرة لا تعد عند الحضور، ولا تفقد لدى الغياب (والله انه لحق الخ).. أبداً لا أكترث ما قال ويقول الجاحدون والمثبطون ما دمت على الحق، وهو يدور معي كيف اتجهت بشهادة من أنطقه الله ببيانه و قرآنه.

الرسالة - 63 -

أيضاً الى معاوية :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنتُمْ عَلى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالجَمَاعَةِ ففَرَّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنّا آمنّا وَكَفَرْتُمْ، وَالْيَوْمَ أَنَّا أَسْتَقَمْنَا فتنتُمْ. وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُم إلا كرهاً، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الْإِسْلَام كُلَّهُ للهُ لِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حِزْبًا. وَذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَشَرِّدْتُ بِعَائِشَةَ وَنَزَلْتُ بَيْنَ الْمُصْرَيْنِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَيْكَ وَلَا العُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ. وَذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ يَوْمَ أَسِرَ أخُوكَ، فَإِن كَانَ فِيكَ عَجَل فَاسْتَرْفِه، فَإِنِّي إِنْ أَزْرَكَ فَذَلِكَ جديرٌ أن يَكُونَ اللهُ إنَّما بَعَثَنِي لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ، وَإِنْ تَزُرْنِي فَكَما قَالَ أخو بني أسد :

مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ بِحَاصِبٍ بَيْنَ أَغوَارٍ وَجُلمُودِ وَعِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقامٍ وَاحِدٍ. وَإِنَّكَ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ. لَأَغْلَفُ القَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لَا لَكَ، لأنكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ، وَرَعَيْتَ غَيْرَ سَائمَتِكَ، وَطَلَبْت أَمْراً لَسْت مِنْ أَهْلِهِ وَلَا فِي مَعْدِنِهِ، فَما أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ. وَقَرِيبٌ مَا أَشبَبْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَأَخوَالٍ حَمَلَتْهُمُ السَّقَاوَةُ وَتَمَنِّي الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بمحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ، لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً، وَلَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً يوقع سُيُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغى وَلَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنَى. وَقَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثمانَ فَادْخُل فِيما دخل فِيهِ النَّاسُ ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. وَأَمَّا تِلْكَ الَّتي تُرِيدُ فَإِنَّهَا خُدعَةُ الصِّبيِّ عَنِ اللَّبَنِ في أَوَّلِ الْفِصَالِ والسلام لأهله.

اللغة :

أنف الشيء : أوله، والمراد بأنف الإسلام هنا الصحابة السابقون الأولون والمصران : الكوفة والبصرة. واسترفه : تنعم. والحاصب : رياح تحمل الحصى.

وأغوار : جمع غور أي ما انحدر واطمأن من الأرض. والجلمود : الصخر والأغلف : لا يعي «وقالوا قلوبنا غلف - 88 البقرة» والضالة : المفقودة المنشودة. والسائمة : الماشية الراعية. والوغى : الحرب. والهوينا : مؤنث الهين.

الإعراب :

امس ظرف زمان مبني على الكسر اذا أريد به اليوم الذي قبل يومك بليلة، واذا أريد به يوم من الأيام الماضية أو دخلت عليه الألف واللام أو أضيف فهو معرب بالإجماع. والمصدر من إنا آمنا فاعل فرق، وكرهاً في موضع الحال أي مكرهاً، وبجدك الباء زائدة، وجدك مفعول اعضضته، وما علمت «ما» اسم موصول خبر انك أي الذي عرفته، والأغلف والمقارب عطف بيان وتفسير الموصول الذي هو خير انك، فكأنه قال : انك الأغلف القلب الذي عرفته، وقريب خبر مقدم، والمصدر من ما أشبهت مبتدأ مؤخر أي شبهك قريب من أعمامك وأخوالك.

المعنى :

تقدم معنا حتى الآن إحدى عشرة رسالة من الإمام الى معاوية، وهذه الثانية عشرة، وتأتي ثلاث، فالمجموع 15، وهي متشابهة، لوحدة الموضوع والهدف كما قلنا في شرح الرسالة 54.. وقد دأب معاوية على تلفيق الاتهامات ضد الإمام بجسد الشيخين تارة، وبدم عثمان تارات ومرات.. لا لشيء إلا لأن الإمام ما اعطاه الشام طعمة كما جاء في الرسالة 16، والإمام يردّ على اتهاماته ومزاعمه خوفاً من تضليل بعض السلج من أهل الشام، ولا جديد في الرسالة التي نحن بصددها، ولذا نحيل على ما سبق، ونوجز ما أمكن.

(فإنا كنا نحن وأنتم الخ).. كان بين بني هاشم وأمية تباين في الطبائع والأخلاق، وتنافس على الزعامة والصدارة في الجاهلية ما في ذلك ريب.. ونافر أمية هاشماً عند الكاهن الخزاعي على خمسين ناقة والجلاء عن مكة عشر سنوات، فحكم الكاهن

لهاشم على أمية، وانتهت الخصومة عند هذا الحد بلا حرب وضرب. وتقدم قول الإمام في الرسالة 16 لمعاوية : «أما قولك : إنّا بنو عبد مناف فكذلك، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا المهاجر كالطليق الخ».. (ففرق بيننا وبينكم الخ).. الإسلام حيث كنم عليه حرباً وأعداء، وكنا له جنوداً ولواء، وتقدم مثله في الرسالة 27 (وما أسلم مسلمكم إلا كرهاً) أسلمتم خوفاً من السيف، وتقدم في الرسالة 16. قال الشيخ محمد عبده : «إنما أسلم أبو سفيان قبل فتح مكة بليلة. خوف القتل». (وبعد ان كان أنف الإسلام الخ).. أسلمتم حين أظهر الله نبيه الكريم على الشرك كله، وكنتم لذلك كارهين.

(وذكرت أني قتلت طلحة الخ).. تقدم في الرسالة 27 أن معاوية قال للإمام : حسدت الخلفاء، وان الإمام أجابه بقوله : «ان يكن ذلك كذلك فليست الجناية عليك فيكون العذر اليك.. والجواب هناك هو بالذات الجواب هنا. قال ابن أبي الحديد : «أجابه الإمام بكلام مختصر استخفافاً بشأنه، أما الجواب المفصل فهو ان طلحة والزبير قتلا نفسيهما ببغيها ونكثهما، ولو استقاما على الطريقة لسلما».. هذا مع العلم بأن طلحة قتله مروان بن الحكم أخذاً بثأر عثمان، والزبير قتله عمرو بن جرموز.

(وذكرت انك زائري في المهاجرين والأنصار) معاوية يهدد علياً بالحرب. ويتوعده بالمهاجرين والأنصار، وليس معه من الأنصار إلا اثنان فقط : النعمان ابن بشير ومسلمة بن مخلد تبعاه طمعاً في دنياه، كابن العاص. وكان مع الإمام تسعمئة من الأنصار الأنصار، ولا نعرف أحداً من المهاجرين كان مع معاوية معاوية، وكان منهم مع الإمام ثماني مئة. وكان في جيش معاوية الأمويون والمنافقون الذين حاربوا رسول الله مع أبي سفيان ابي سفيان.. وهذا شيء بديهي وطبيعي يفرضه واقع الحال، لأن الإمام امتداد لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومعاوية امتداد لأبيه أبي سفيان.

(وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك). قال ابن أبي الحديد في شرحه: هذا تكذيب لمعاوية، لأن أكثر من كان معه ممن رأى رسول الله هم أبنا الطلقاء، ومن أسلم بعد الفتح، وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : لا هجرة بعد الفتح - وإذن فأين الهجرة - وقول الإمام يوم الفتح إشارة الى تقريع معاوية وأهله بالكفر وانهم ليسوا من أهل السوابق، وقد أسر يزيد بن أبي سفيان أخو معاوية في يوم الفتح.

وكان قد خرج في نفر من قريش يحاربون رسول الله ويمنعونه من دخول مكة: فقتل منهم قوم، وأسر يزيد».

ومعاوية ومن معه يعلمون أنهم كانوا حرباً على الإسلام، وان عليا وأصحابه هم أنصار الدين والقرآن من قبل ومن بعد، ولكن معاوية يعلم أيضاً أنه لن يبلغ ما يريد إلا بالتمويه والتزييف، ولذا موه وزيف تماماً كالصحف المأجورة وغيرها من وسائل الإعلام في عصرنا وفي كل عصر.

(فإن كان فيك عجل فاسترفه) ان كنت تتعجل زيارتي حقاً فتزود من الدنيا ونعيمها مودعاً، لأنك مفارقها عن قريب (فإني ان أزرك الخ).. ان أتيتك فقد انتهى أجلك، وان أتيتني استقبلتك السيوف والرماح تماماً كما تستقبل رياح الصيف من يواجهها يحصبائها (وعندي السيف الذي اعضضته بجدك) عتبة ابن ربيعة (وخالك) الوليد بن عتبة (وأخيك) حنظلة (في مقام واحد) وهو يوم بدر حيث ساقهم الإمام بسيفه الى حتفهم زمرة واحدة. وتقدم مثله مع الشرح في الرسالة 10 و 27.

(وانك والله ما علمت إلا غلف القلب الخ) أنا أعلم بأنك من الذين ران الله على قلوبهم بما كسبوا من الحرام والآثام (والأولى أن يقال لك : انك الخ).. تجاوزت حدك، وعدوت طورك (وطلبت أمراً لست من أهله الخ).. سيطرت عليك لذة الحكم وشهوة السلطان، ومن أجلها تثير الفتن، وتستهين بدماء المسلمين وكل القيم !. وقد اعترف معاوية نفسه بذلك، ونطق ببه بكل جرأة وصلافة. قال ابن أبي الحديد في شرحه ص 6 من المجلد الرابع الطبعة القديمة : «روى أبو الحسن المدائني أن معاوية بعد صلح الحسن خطب في أهل الكوفة»، وقال : «ما قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم».

هذا هو معاوية، وهذه هي حقيقته !.. قتل وسفك دماء وتخريب وتدمير، وسخرية من الصلاة والزكاة لا لشيء إلا للسيطرة والتحكم بالرقاب !.. ومن هنا شبهه الإمام بعمته أم جميل حمالة الحطب أم جميل حمالة الحطب، وخاله الوليد وغيرهما من أرحامه

أعداء الله ورسوله.. ومع هذا يطلب خلافة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) باسم الله ورسوله.. وأي عجب ألسنا نحن في عصر النور والفضاء، والدماء تجري في فلسطين وفيتنام أنهراً باسم العدل والسلام !.

(وقد أكثرت في قتلة عثمان الخ).. تقدم الكلام عن ذلك مفصلاً أكثر من مرة، وآخرها في الرسالة 57 فقرة «الإمام والقصاص من قتلة عثمان»، ونقلنا كلام الإمام من هنا الى هناك وشرحناه بوضوح.

الرسالة - 64 -

أيضاً الى معاوية :

أمَّا بَعْدُ فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الْأُمُورِ، فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلَائِكَ بِادْعَائِكَ الْأَبَاطِيلَ، وَإِقْحَامِكَ غُرُورَ الميْنِ والأكاذيب، وبانتحالِكَ مَا قَدْ عَلَا عَنْكَ، وَابْتِرَازِكَ لِمَا اخْتُزنَ دُونَكَ، فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ وَجُحُوداً لما هُوَ أَلْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَدَمِكَ مما قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ، وَمُلِئ بِهِ صَدْرُكَ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ المبينُ، وَبَعْدَ البَيَانِ إِلَّا اللَّبْسُ فَاحْذَر الشببَةَ وَاشْتمالَهَا عَلى لُبْسَتِها، فَإِنَّ الفِتْنَةَ طَالَما أَغْدَفَتْ جَلابيبها، وَأَعشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا. وَقَدْ أتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفَانِينَ مِنَ الْقَوْلِ ضَعُفَتْ قِوَاهَا عَنِ السَّلْمِ وَأَسَاطِيرَ لَمْ يَحِكْهَا مِنْكَ عِلْمٌ وَلَا حِلْمٌ، أَصْبَحْتَ مِنْهَا كَالْخَائِضِ فِي الدَّهَاسِ وَالْخَابِطِ فِي الدَّيمَاسِ وَتَرَقِّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ المَرَامِ، نَازِحَةِ الْأَعْلَامِ

تَقْصُرُ دُونَهَا الْأُنُوقُ، وَيُحَاذَى بِهَا العَيُّوقُ. وَحَاسَ لِلهِ أَنْ تَلِي لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدِي صَدَراً أَوْ وِرْداً، أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً، فَمِنَ الآنَ فَتَدَارَكَ نَفْسَكَ وَانْظُرْ لَهَا، فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى يَنْهَدَ إلَيْكَ عِبَادُ اللهِ أُرْتجَتْ عَلَيْكَ الأمور ومنعت أمراً هُوَ مِنكَ الْيَوْمَ مَقْبُولُ وَالسّلام.

اللغة :

اللمح الباصر : كناية عن الوضوح والظهور. والمدارج : المسالك. والإقحام : الإدخال بسرعة. والمين : الكذب. والانتحال : ادعاء ما ليس فيك من صفة أو ما هو لغيرك من قول أو فعل. والابتزاز : انتهاب واستلاب. واختزن : منع. واللبس واللبسة والالتباس بمعنى واحد، وهو الإبهام والغموض والإشكال والاختلاط. وأغدفت : أرسلت. والجلابيب : نوع من الثياب. وأساطير : خرافات. والدهاس : الأرض اللينة. والديماس : المكان المظلم. والمرقبة : المكان السامي الرفيع. والنازحة : البعيدة. والانوق : من الطيور. والعيوق : نجم. وينهد : ينهض. وأُرتجت : أغلقت.

الإعراب :

المصدر من أن تنتفع فاعل آن، وفراراً مفعول من أجله لابتزازك، فماذا هنا بمعنى أي شيء، ومحلها الرفع بالابتداء، وبعد متعلق بمحذوف خبراً، والضلال بدل، وطالما فعل ماض كفته (ما) الزائدة عن العمل، وأساطير عطف على أفانين، وكلاهما مجرور بالفتحة لعدم الصرف.

الحوار مطلوب :

هذه الرسالة الثالثة عشرة من الإمام الى معاوية، وتأتي رسالتان.. والنقاش

والحوار مطلوب، بل ضرورة، ولكن كعلاج ووسيلة لحل المشكلات، وبخاصة الخطير منها، والحوار الذي دار بين الإمام ومعاوية بعيد عن هذه الغاية، لأن معاوية كان يساوم ويراوغ ويحرف بقصد البقاء في الحكم والسيطرة، والإمام يعرف ذلك منه، وما أجابه إلا ليلقي عليه الحجة، ويفضح شعاراته الكاذبة، ومقاصده الغادرة، وينير السبيل لطالب الحق والهداية، وفي الوقت نفسه يحدد مهمة الحاكم ومسؤوليته عن الرعية.. ومن هنا كانت تلك الرسالة بالغة الأهمية وأتمنى لو جمعت في كتاب واحد، وشرحت بعلم وإنصاف بلا شوائب ونزعات.

(فقد آن لك ان تنتفع باللمح الباصر). لماذا تجحد الحق وتعانده، وأنت تحسه وتراه كوضح النهار ؟ والى متى الخداع والرياء ؟ ويحدثنا التاريخ أن معاوية كان يعلم أن الخلافة حق للإمام، ولكنه يكابر ويساوم. فقد جاء في كتاب «الإمامة والسياسة» ص 95 طبعة 1957 أن معاوية كتب الى الإمام أن يبايعه شريطة أن تكون الشام ومصر جباية له. وفي ص 101 أن معاوية كتب الى الإمام يقول : «لو بايعك القوم الذين بايعوك، وأنت بريء من دم عثمان لكنت كأبي بكر وعمر». وكل الناس يعلمون أن علياً بريء من دم عثمان حتى معاوية يعلم ذلك، ولكنه يتجنى، كما قال له الإمام، كما قال له الإمام في الرسالة 6 التي ختمها بقوله : «فتجن ما بدا لك».

(فقد سلكت مدارج أسلافك الخ).. انك تماري وتخادع، وتحارب الحق و تناصر الباطل.. ولا بدع فهذه سنة آبائك وأجدادك (وبانتحالك ما قد علا عنك) تطمح الى ما هو أعلى منك وأرفع. وأبلغ من هذا قول الإمام لمعاوية في الرسالة 27 : ألا تربع أيها الانسان على ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخر حيث أخرك القدر (وابتزازك لما اختزن دونك الخ).. يشير الإمام بهذا الى جرأة معاوية وإقدامه على أخذ البيعة بالخلافة لنفسه من أهل الشام، وهو يعلم علم اليقين انها حق للإمام لأن الصحابة وجمهور المسلمين بايعوا عليا طائعين لا مكرهين.. وأيضاً يعلم معاوية ان أخذ البيعة لنفسه من أهل الشام هي السبيل لتفرق المسلمين وشتاتهم وسفك دمائهم.. ولا بأس في أكثر من ذلك عند معاوية ما دامت الغاية تبرر الواسطة.

(وجحوداً لما هو ألزم لك من لحمك ودمك) قال الشيخ محمد عبده : «الذي هو ألزم لمعاوية من لحمه ودمه البيعة لأمير المؤمنين». وقال ابن أبي الحديد :

«كان معاوية حاضراً يوم الغدير - أي حين قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حق علي : من كنت مولاه فعلي مولاه - وأيضاً كان حاضراً يوم تبوك حين قال النبي لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى.. ومعاوية يعلم ان النبي قال لعلي: «حربك حربي وسلمك سلمي، اللهم عاد من عاداه». وليس هذا بشيء وان سمعته الأذن ورأته العين ما دام القلب تائها عنه وعن الحق وأهله.

(فاحذر الشبهة واشتمالها على لبستها). المراد بالشبهة هنا إلصاق دم عثمان بالإمام كذباً وافتراء، وباشتمالها ان معاوية تبنى هذه الشبهة الكاذبة وجعلها دينه وديدنه، أما «على لبستها» فمعناها ان معاوية تبنى هذه الشبهة على علاتها وآفاتها.. وهكذا يسلك معاوية مدارج أسلافه المشركين الذين تصدوا لرسول الله وحاربوه أول ما حاربوه بالإعلام الخادع والدعاية الكاذبة، وقالوا : مجنون.. وطالب ملك.. ثم عبأوا الجيوش لحربه.. ونفخ معاوية أكاذيبه وأضاليله ضد الإمام ثم حشد جيوش الشام لحرب المسلمين والاسلام.

(فإن الفتنة طالما أغدفت جلابيبها) لبست ثوب النفاق والرياء، وظهرت بغير واقعها وحقيقتها، والجلباب في هذه الفتنة هو قميص عثمان ستر به معاوية ما هدف اليه من شتات المسلمين وسفك دمائهم، وتعدد آرائهم وأحزابهم ليتسلل من خلال ذلك الى الحكم والسيطرة.. وكلنا يعلم ان اللصوص وقطاع الطرق لا يصلون الى المناصب إلا اذا تفاقم الانشقاق، وعمت الفوضى، وساد الفساد (وأغشت الأبصار ظلمتها) كما ان الفتنة تتخذ من الرياء حجاباً فهي أيضاً تضع على العيون منظاراً أسود يحجبها عن رؤية الحقائق والوقائع.

(وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين) من الزخرف والتزويق، والغرور والأضاليل (ضعفت قواها عن السلم الخ).. الهاء في قواها يعود الى أفانين القول، والمعنى ان كتابك كله شر وجهل، وحمق وغطرسة ومع هذا تريد الولاية على الناس !. وهل يصلح الجاهل المخادع للحكم والسلطان، وكيف تطمح اليه، وأنت (كالخائض في الدهاس) أي في أرض من وطأها غارت رجلاه وخارت قواه (والخابط في الديماس) أي في الظلمات، يقال : ليل دامس أي مظلم.

(وترقيت الى مرقبة بعيدة المرام الخ).. طلب معاوية من الإمام أن ينص عليه بولاية العهد من بعده، كما نص هو على ولده يزيد، فونحه الإمام وقال له : لست هناك، فإن الذي تريد هو منك بمكان النجم في السماء، والطير في

الفضاء.. إنك أصغر وأحقر ان تلي للمسلمين (صدراً أو ورداً) أي إبراماً أو حلا (أو أجري لك على أحد منهم عقداً وعهداً). أبداً لا أدع لك سبيلاً على واحد من المسلمين كائناً من كان والغريب ان بعض الشارحين فسر العقد هنا بعقد البيع والزواج والاجارة، وفسر العهد بالبيعة واليمين والذمة !.. والصواب - على فهمنا وعهدتنا - ان المراد بالعهد والعقد معاً السبيل الذي عناه الله سبحانه بقوله : «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا - 141 النساء».

(فمن الآن فتدارك نفسك الخ).. ارجع الى رشدك ارجع الى رشدك، وتب الى الله وإلا حاربك المسلمون، وأصابك منهم ما أصاب الخوارج وأصحاب الجمل (ومنعت أمراً هو منك اليوم مقبول) إن رجعت الى الحق يقبل الله منك ويعفو عما سلف وإن عاندت وصممت على الباطل ندمت حيث لا ينفع الندم.

الرسالة - 65 -

الى عبدالله بن عباس :

أأَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ المَرْهُ لَيَفْرَحُ بالشيء الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَيَحْزَنُ على الشيء الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. فَلَا يَكُنْ أَفْضَلُ مَا نلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغَ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاء غَيْظٍ، وَلكِنْ إطْفَاءَ بَاطِلٍ أو إحياء حَقِّ. وَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بَمَا قَدَّمْتَ، وَأَسَفُكَ عَلى مَا خَلَّفت وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.

المعنى :

قال الشريف الرضي : تقدم ذكره - أي ذكر هذا الكتاب - بخلاف هذه الرواية أي برواية ثانية، والرواية الأولى هي الرسالة رقم 21 التي قال عنها عبدالله بن عباس : ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كانتفاعي بهذا الكلام . ولا فرق بين الرسالتين إلا في بعض الألفاظ أما المعنى فواحد،

قال الإمام هنا : (فإن المرء لم ليفوح بالشيء الذي لم يكن ليفوته). وقال هناك أي في الرسالة 21 : «فإن المرء قد يسره ما لم يكن ليفوته» وقال هنا : (ويحزن على الشيء الذي لم يكن ليصيبه). وقال هناك : «ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه». الى آخر الكلام هناك وهنا. وتقدم الشرح فراجع.

الرسالة - 66 -

الى قثم بن العباس :

أما بَعْدُ فَأقم لِلنَّاسِ الْحَج وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ، وَأَجلِين لهمُ الْعَصْرَينِ فَأَفْتِ المُسْتَفْتِي وَعَلّم الجَاهِلَ وَذَاكِرِ الْعَالَم. وَلَا يَكُنْ لَكَ إلَى النَّاسِ سَفِيرُ إِلَّا لِسَانَكَ، وَلَا حَاجِبُ إِلَّا وَجْهَكَ. وَلَا تَحْجُبَنَّ ذا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا، فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ ورْدِهَا، لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلى قَضَائِهَا. وَأَنْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللهِ فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَالمَجَاعَةِ مُصِيباً به مَوَاضِعَ الْفَاقَةِ وَالْخَلّاتِ، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذلِكَ فَاحْمِلُهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا. وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ لَا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِن أَجْراً فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : «سَوَاءِ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ»، فَالْعَاكِفُ الْمُقِيمُ بِهِ

والْبَادِي الَّذِي يَحْجُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ. وَفّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ لَمَحَابّه. والسلام.

اللغة :

العصر : آخر النهار، والعصران : الغداة والعشي، أي الليل والنهار، وفي مجمع البحرين للشيخ الطريحي : «جاء في الحديث: حافظ على العصرين يريد صلاة الفجر وصلاة العصر، لأن الأولى تقع في طرف النهار والثانية في طرف الليل»، أي القريبة منه. وذاكر العالم : خض معه في حديث العلم ومسائله. وقبلك - بكسر القاف - عندك وجهتك. والفاقة : الفقر. والخلات : الحاجات. ومحابه : ما يحب.

الإعراب :

سفير اسم يكن، والى الناس خبر، ولسانك بدل من سفير، ومصيباً حال من فاعل اصرفه، ومواضع مفعول «مصيباً».

المعنى:

كان قثم بن العباس والياً للإمام على مكة، كما أشرنا في أول الرسالة 32 التي أرسلها اليه الإمام، وهذه الرسالة الثانية الى قثم، ولكن موضوعها غير موضوع الأولى. (فأقم للناس الحج) حج بهم على كتاب الله وسنة نبيه، وعلمهم المناسك وما يجب فعله وتركه (وذكرهم بأيام الله) التي عاقب فيها الأمم الماضية على البغي والفساد : وخوفهم بذلك لعلهم يتقون (واجلس لهم العصرين) صباحاً ومساء، لتستمع الى مشكلاتهم، وتسعى في حلها جهدك ومقدرتك (فافت المستفتي) أجب عما تسأل عنه من حلال الله وحرامه.

(وعلم الجاهل) اقعد للتدريس في حلقة من التلاميذ، تعلمهم الدين أصولاً وفروعاً

(وذاكر العالم) تدارس معه مسائل الدين، وشؤون البلاد ومصالحها (ولا يكن لك الى الناس سفير الخ).. اختلط بهم، وقابلهم وجهاً لوجه، واسمع منهم، واسمعهم مباشرة وبلا واسطة تماماً كما فعل الأنبياء. ولماذا الحجاب وغلق الأبواب؟. وتقدم مع الشرح قول الإمام للأشتر في الرسالة 52 : ان احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور.

(فإنها ان ذيدت.. الخ) الحاجة ومنعت أولاً، ثم راجعت نفسك وقضيتها فإن صاحبها لا يحمدك، ولا يرى لك فضلاً، فالأولى أن تبادر الى قضائها مجرد عرضها عليك، فإن الله يضاعف لك الأجر، وصاحبها يضاعف لك الشكر لأن تعجيل الخير من الخير ومضاعفاته (وانظر ما اجتمع عندك من مال الله الخ). فأنفقه على المصالح العامة والمحاويج من أهل البلاد التي جمع منها المال، فإنها أولى من غيرها، فإن تبقى منه شيء فأرسله الينا لنوجهه الى وجهته.

بيوت مكة وبيعها وايجارها :

اتفقت المذاهب الاسلامية قولاً واحداً ان مواضع النسك في مكة المكرمة لا تباع ولا تؤجر كمحل السعي والرمي، واختلفوا في بيوت مكة : هل تباع وعن أحمد

وتؤجر ؟. وعن مالك وأبي حنيفة المنع، وعن الشافعي الجواز، وعن روایتان. قيل : أصحها المنع. وكما اختلف فقهاء السنة فيما بينهم اختلف كذلك فقهاء الشيعة. قال الشيخ الطوسي : لا يجوز البيع ولا الايجار تماماً كما قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشهيد الثاني في «المسالك» ما نصه بالحرف الواحد : «المشهور الجواز، وعليه العمل، وتسمية مكة مسجداً مجاز للحرمة والشرف والمجاورة».

وقال صاحب «الجواهر»، أيضاً بالنص الحرفي : «ومن هنا كان المتجه الجواز كما هو خيرة جماعة»، قال هذا بعد أن مهد له بأنه لم يقف على شيء من طرق الشيعة يدل على المنع. ورواية المنع عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سندها عبدالله بن عمرو ابن العاص.

ونحن مع الذين ذهبوا الى الجواز، وان سألنا سائل : وماذا تصنع بقول الإمام هنا لعامله : (ومر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجراً) فإنه ظاهر في المنع وعدم الجواز ؟

قلنا في جوابه : لو ان الإمام قال هذا وسكت دون أن يستدل بقوله تعالى: «سواء العاكف فيه والباد» - لكان هذا حجة متبعة يجب الأخذ بها. أما وقد استدل بالآية فلا بد من صرف الظاهر عن الحقيقة الى المجاز، وحمل الأمر على الضيافة المستحبة، لأن موضوع الكلام مختص بالمسجد الحرام، والآية نص فيه، ورد على المشركين الذين صدوا الناس عنه، والتعبد فيه، وهذه هي الآية كاملة : «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - 25 الحج».

والمسجد الحرام شيء وبيوت مكة التي هو موضوع الكلام شيء آخر، ولا صلة بين الاثنين لا موضوعاً ولا حكماً، ولا أي شيء سوى علاقة الجوار، وهي تصلح للاستحباب لا للوجوب، أي لصرف الظهور عن الحقيقة، وهي الإلزام، الى المجاز، وهو الرجحان.

الرسالة - 67 -

الى سلمان الفارسي :

أما بَعْدُ فَإنّما مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسّهَا، قَاتِلُ سُمُّهَا، فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا، وَضعُ عَنْكَ هُمُومَهَا لِمَا أَيْقَنتَ مِنْ فِراقِهَا. وَكُنْ أَنسَ مَا تَكُونُ مَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا. فَإِنَّ صَاحِبَها كُلَّمَا أَطْمَأَنَّ فِيهَا إلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ عَنْهُ إِلَى مَحْذُورٍ.

اللغة :

أشخصته : صرفته.

الإعراب :

مسها مبتدأ مؤخر، ولين خبر مقدم، واسم كن ضمير مستتر، وآنس حال منه، واحذر خبر کن.

هذه الرسالة :

بعث الإمام بها الى سلمان قبل أيام خلافته، كما قال الشريف الرضي، ولا شيء فيها سوى التحذير من الدنيا، وانها كالحية لينة المس قاتلة السم.. وخطب النهج - كما رأيت - متخمة بذم الدنيا وغدرها متخمة بذم الدنيا وغدرها، والتحذير من شرها وضرها بلا حدود وتقدم ذلك عشرات المرات بأساليب شتى، وشواهد كثيرة، وكل ما في هذه الرسالة تكرار وتوكيد خوف الذهول والإهمال.. لذا نصرف الكلام عن الشرح الى اشارة موجزة وسريعة عن سلمان، عليه أفضل التحيات، وأكمل الصلوات.

نسبه :

هو من نسل الملوك، وجد آبائه «منوجهر» مؤسس الدولة الثانية من دول الفرس القديمة، القديمة، ولكن سلمان يرفض الانتساب لغير الاسلام، وكان يقول : أنا ابن الاسلام، أعتقني الله بمحمد، ورفعني بمحمد، وأغناني بمحمد، وصلى الله على محمد وآل محمد، فهذا حسبي ونسي. وأقره محمد على هذا الحسب والنسب وقال : سلمان منا أهل البيت. وكان يقال له : سليمان المحمدي، وسلمان الخير و سلمان الحكمة والعلم، وسلمان باك أي النظيف في لغة الفرس، والطيب والطاهر، وصاحب الكتابين : القرآن والانجيل.

مكانته :

كان من رؤوس الصحابة، وأقطابهم علماً وتقى وجهاداً، وكان عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الخليل الأثير. قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» ج 2 ص 56 طبعة 1939 : «قالت عائشة : كان لسلمان مجلس من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ينفرد به في الليل حتى كان يغلبنا عليه».. وروى أبو بردة عن أبيه عن النبي انه قال : «أمرني ربي بحب أربعة، وأخبرني انه يحبهم، وهم علي وسلمان وأبو ذر والمقداد». وعن الإمام أمير المؤمنين انه قال : أنا سابق العرب، وسلمان سابق الفرس، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبش، وخباب سابق النبط.

زهده :

كان راتبه من بيت المال في العام خمسة آلاف، يتصدق بكامله، ويأكل من كد اليمين ويقول : لا أحب أن آكل إلا من عمل يدي عملاً بقول نبي الرحمة : ما أكل أحدكم طعاماً قط خيراً من عمل يده، وكانت له عباءة، يجعل بعضها غطاء، وبعضها الآخر وطاء.

زوجته وأولاده :

تزوج عربية توفيت في حياته، فتزوج عجمية ومات عنها، وله ستة أولاد : ثلاثة ذكور عبدالله وقد أعقب، ومحمد أيضاً أعقب، ومن نسله علماء وشعراء، وكثير، ولا يعرف له عقب. وثلاث بنات : واحدة كانت بأصفهان، ولها عقب، واثنتان كانتا بمصر.

وفاته :

انتقل الى ربه سنة 35ه-، ودفن في البلدة المعروفة بسلمان باك على ضفاف دجلة الشرقي، وتبعد ثلاثة فراسخ من بغداد، ويؤم قبره الشريف ألوف الزائرين من كل فج، وكنت منهم سنة 1964 م.

وكتبت عنه مطولاً في كتابي «مع علماء النجف» وأشرت اليه والى تكوينه النقابة العمالية في شرح الخطبة 160 فقرة «سلمان والنقابات». أما المصادر التي اعتمدت عليها في إشارتي هذه فهي شرح ابن أبي الحديد، والاستيعاب لابن عبد البر، وسلمان المحمدي للشيخ عبد الواحد المظفر.

الرسالة - 68 -

الى الحارث الهمداني.. فقرة 1 - 2 :

وتمسك بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَأنتصيحهُ. وَأَحِلَّ حَلالَهُ وحرَّمْ حَرَامَهُ، وَصَدَّقَ بِما سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ. وَأَعْتَبِرُ بِما مَضَى مِنَ الدُّنْيَا مَا بَقِيَ مِنْهَا فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشبِهُ بَعْضاً، وَآخِرَهَا لَاحِقُ بِأَوّلِهَا، وَكُلُّها حائل مُفَارِقٌ. وَعَظِّم أسمَ اللهِ أَنْ تَذكُرَهُ إِلا عَلى حَقٍّ، وَأَكْثِرُ ذِكْرَ المَوْتِ وَمَا بَعْدَ المَوْتِ وَلاَ تَتَمَنَّ المَوْتَ إِلا بِشَرْطِ وَثِيقٍ. وَأَحْذَرُ كل عَمَل يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ (1). وَأَحْذَرُ كلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي العَلَانِيَةِ. وَأَحْذَرْ كُلَّ عَمَل إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنكَرَهُ أَوِ اعْتَذَرَ مِنْهُ. وَلَا تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنَبَالِ القَوْلِ، وَلَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ فَكَفى بذلك

كَذِباً، وَلَا تَرُدَّ عَلى النَّاسِ كُلِّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ فَكَفَى بِذلِكَ جَهلاً. أكْظِمِ الغَيْظَ وَتَجَاوَزْ عِندَ المَقْدِرَةِ، وَأَحْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَأَصْفَح مَعَ الدَّوْلَةِ تَكُنْ لَكَ الْعَاقِبَةُ. وَأَسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْكَ. وَلَا تُضِيعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللهِ عِنْدَكَ، وَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ الله به عليك (2).

اللغة :

استنصحه : عده ناصحاً. وحائل : متغير. والعرض - بكسر العين - ما يصونه الإنسان من نفسه، والمراد بالدولة هنا السلطة والمقدرة.

الإعراب :

المصدر من أن تذكره مجرور بباء محذوفة أي عظم الله واسم الله بذكرك له على الحق، وكفى فعل ماض، والباء زائدة، وذلك فاعل وكذباً تمييز، وتكن مضارع مجزوم بجواب الطلب.

المعنى :

الحارث الهمداني من أصحاب الإمام المقربين، والصفوة من شيعته، ومن ذوي الأقوال والاجتهاد في الفقه والفتيا. وقال له الإمام، كما في سفينة البحار: «أبشرك يا حارث، إنك لتعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند الحوض». وهذا معنى قوله بمناسبة ثانية : يا حار همدان من يمت يرني. وعن الشيخ البهائي أنه قال : هو جدنا.

(وتمسك بحبل القرآن الخ).. اعمل بأحكامه، واعتبر بمواعظه، وانتفع

بأخباره عن الأمم الماضية والقرون الخالية، فمنها تقشعر الجلود، ولها تلين القلوب. وتقدم الحديث عن القرآن مرات، منها في الخطبة 181 والرسالة 46 (واعتبر ما مضى الخ) الماضي من الدنيا موت ودمار، والآتي كالحاضر والآتي كالحاضر، والحاضر کالدابر (وعظم اسم الله الخ).. بذكره كشاهد ودليل على حلاله وحرامه، وفي يمين صادقة، وعبادة مخلصة، وحسنة لوجهه الكريم، عظمه طاعة لأمره، وتقديساً لجلاله، وابتعد بذكره عن الكذب والشر إلا أن تعوذ به من كل سوء تماماً كما تلجأ اليه عند الخوف والقلق.

(ولا تموتن إلا بشرط وثيق) وهو الإسلام، والعمل به والإخلاص له وللمسلمين. قال سبحانه : «ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون - 132 البقرة». (واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه الخ).. لا تقس الخير من أفعالك بما اشتهيت وأحببت، بل بما فيه خدمة للدين والحياة، ويتفق مع الصالح العام ولا يضر بإنسان (واحذر كل عمل الخ).. يكون سبة عليك ولعنة دنيا وآخرة (ولا تحدث الناس بكل ما سمعت الخ).. أكثر ما ترى غير نافع، وجل ما تسمع كلب، فإن حدثت بكل ما رأيت وقعت في اللغو والعبث، أو بكل ما سمعت كنت من الكاذبين الا إذا أسندت القول الى قائله.

(ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به الخ).. اصبر نفسك على كلام الناس جيداً كان أو رديئاً، ولا تمتعضن منه، وإن كنت على علم به، واذا أحسست بثقله وكراهيته فتماسك، وان استطعت أن لا يظهر الكلوح والقطوب على وجهك فافعل (وتجاوز عند المقدرة الخ) .. عمن أساء، فإن العفو زكاة الظفر، وأقرب للتقوى، وأدعى للصفاء وراحة البال (واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك الخ).. بالشكر والتواضع والبذل والاخلاص، فإن الله سبحانه يحب من عبده أن يحدث له شكراً اذا أحدث له نعمة : «ثم لتسألن يومئذ عن النعيم - 8 التكاثر».

الصاحب معتبر بصاحبه.. فقرة 3 - 4 :

وَأعْلَمْ أَن أَفضَلَ المُؤمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمَ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذَحْرُهُ وَمَا تُؤخِّرْ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ. وَأَحْذَرْ صَحَابَة مَنْ يَفِيلُ رَأْيَهُ وَيُنْكَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ. أَسْكُنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جَمَاعُ المُسْلِمِينَ. وَاحْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفَلَةِ وَالْجَفَاء وَقِلَّةِ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. وَاقْصُرْ رأيك على مَا يَعْنِيكَ، وَإِيَّاكَ وَمَقاعِدَ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهَا مَحاضِرُ الشَّيْطَان وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ (3). وَأَكْثِرُ أَنْ تَنظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ. فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشَّكْرِ. وَلَا تُسَافِرُ فِي يَوْمٍ جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلَاةَ إِلَّا فَاصِلاً فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ فِي أَمرٍ تُعْذَرُ بِهِ. وَأَطِع الله في جَميع أُمُورِكَ فَإِنَّ طَاعَةَ اللهِ فَاضِلَةٌ عَلى مَا سِوَاهَا. وَخَادِعْ نفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ، وَأرفق بِهَا وَلَا تَقْهَرَهَا. وَخُذْ عَفْوَهَا وَنَشَاطَهَا إلا ما كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ الفَريضَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَتَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلَّهَا. وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ وَأَنتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا. وَإِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةَ الفُساقِ فَإِنَّ الشَّرِّ بالشرِّ مُلْحَقٌ، وَوَقِّرِ اللَّهَ وَأَحْبِبْ أحباءهُ. وَاحْذَرِ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ جُندٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنودِ إِبْلِيسَ، وَالسَّلَامُ (4).

اللغة :

التقدمة : البذل والفداء. ويفيل : يخطىء ويضعف.. ومعاريض : معراض نوع من السلاح، والمراد به هنا مجرد الضرر. وعفوها : فراغها : وآبق : هارب.

الإعراب :

تقدمة تمييز، وما تقدم (ما) شرطية تجزم فعلين، وتقدم فعل الشرط، ويبق جوابه، وإياك مفعول لفعل محذوف، والأصل أحذرك.

مقياس العظمة عند الإمام :

(واعلم ان أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة الخ).. الناس درجات متفاضلات، ومنازل متفاوتات دنيا وآخرة، ما في ذلك ريب، ولكن على أساس العمل الصالح النافع للفرد والمجتمع.. وأيضاً الطيبون الصالحون على درجات متفاوتات عالية وأعلى، والعبرة هنا بمقدار البذل والعطاء من النفس والأهل والمال، كما قال الإمام وصرح بقوله : «من نفسه وأهله وماله». ويدلنا هذا ان العظمة عند الإمام لا تقاس بمجرد الإيمان والعبادة، أو بالعلوم والفلسفات، أو بمجرد حب الخير، ولا بالبطولات والخارقات، ولا بكثرة المال والرجال، بل بالإيمان التضحية بالنفس والمال والأهل من أجل الانسان وخدمة الانسان وحياته وسعادته، وان لكل عند الله والناس بمقدار ما أعطى من جليل وجميل.

(واحذر صحابة من يفيل رأيه، وينكر عمله الخ).. الفضيلة ضد الرذيلة، وعدوها الألد، فإذا أنت صحبت الخبيث المنحط في أخلاقه، وارتاحت اليه نفسك كان معنى هذا انك عدو الخير والفضيلة، وان نفسك لا ترتاح أبداً إلا للخبائث والرذائل تماماً كحشرة القذارات «والخبيثون للخبيثات».

(واسكن الأمصار العظام الخ).. اذا سكنت المدن الكبرى رأيت منجزات الحضارة، ومقدرة الانسان على الاختراع، ورأيت التفاوت بين الناس في عيشهم وحياتهم من ثراء فاحش الى فقر قاتل، ومن مواخير للدعارة الى صروح للعبادة..

الى كثير من صور الحياة المتنافرة المتناقضة.. فتأخذ درساً نافعاً مما ترى - على الأقل - وتعلم ان وراء دنياك دنيا أعرض وأعمق... وقرأت لصحفي زار جزيرة هونغ كونغ، ومن جملة ما قال في وصفها : فيها أفخم السيارات، وفيها العربات يجرها الإنسان بدلاً عن الحيوان، وفيها الذهب الأصفر، وفيها ناس وجوههم كالذهب الأصفر من البؤس، وفيها الناطحات للسحاب، والناطحون للأرض.

(وأقصر رأيك على ما يعنيك) دع الفضول والتطفل، وانصرف لشأنك (وإياك ومقاعد الأسواق الخ).. لأن فيها سمسرات ومساومات، وغشاً وربا، وبداءات وخصومات على الحقير واليسير من متاع الدنيا (وأكثر أن تنظر الى الخ).. من هو دونك لترى نعمة الله عليك، فتشكر وتتواضع.. ولكن كثيراً من الأغنياء إذا رأوا من دونهم مالاً أخذتهم العزة بالإثم !.

التعطيل يوم الجمعة :

(ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة الخ).. لا يجب التعطيل في يوم الجمعة، بل ولا يستحب أيضاً إلا عند الصلاة فقط وبعدها يستحب العمل وطلب الرزق، وهو تماماً كالصلاة وسائر العبادات من حيث الأجر والثواب، قال تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - 10 الجمعة».

أمر سبحانه بترك العمل عند النداء للصلاة والسعي الى ذكر الله وبعد أداء الصلاة على وجهها أمر بالسعي وتحصيل الرزق وسؤال الله من فضله عن طريق العمل، ومعنى هذا ان السعي يوم الجمعة من أجل الحياة مأمور به تماماً كسائر الأيام، بل هو عبادة تماماً كالسعي الى الصلاة، لأن الأمرين معاً جاءا جنباً الى جنب في سياق واحد، وكل منهما نُسب الى الله : «فاسعوا الى ذكر الله.. وابتغوا من فضل الله». وهنا تكمن عظمة الاسلام وحقيقة الإسلام حيث أمر بالعمل للمادة والروح، لأن الإنسان انسان بهما لا بإحداهما : «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا - 46 الكهف».. بنون ومال وعبادة وسعي للحياة وللمعبد، والكل من الله والله، ولا شيء لقيصر

(وخادع نفسك في العبادة) اصرفها أو شككها فيما تهوى وتميل اليه، وأغرها بالعمل الصالح، وقل لها : هو خير لك وأبقى (وارفق بها ولا تقهرها الخ).. إلا على الفرائض، كالصلوات الخمس والصيام والحج والزكاة، واترك لها الخيار فيما عدا ذلك، وتقدم مثله في شرح الرسالة 51 و 52 (وإياك أن ينزل بلك الموت الخ) إلا بشرط وثيق، كما قال الإمام في هذه الرسالة بالذات (وإياك ومصاحبة الفساق الخ).. فإن الصاحب معتبر بصاحبه، أيضاً كما قال في هذه الرسالة نفسها (واحذر الغضب فإنه الخ).. جمرة الشيطان يوقدها في القلوب ليخرج الناس عن دينهم وعقولهم. وفي الحديث : (من كف غضبه ستر الله عورته) لأن العيوب تظهر ساعة الغضب.

الرسالة - 69 -

الى سهيل بن حنيف:

أما بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَلَا تأسف عَلى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ. فَكَفَى لهُمْ غَيًّا وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً، فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ وَإِيضَاعُهُمْ إِلَى العَمَى وَالْجَهْلِ، وَإنّما هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا وَمُهْطِعُونَ إِلَيْهَا، قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأَوْهُ وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِندَهُ في الْحَقِّ أَسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ، فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحقاً، إِنَّهُمْ وَاللهِ لَمْ يَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ وَلَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ. وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُذَلَّلَ اللهُ لَنَا صَعْبَهُ وَيُسَلَ لَنَا حَزْنَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَالسَّلامُ.

اللغة :

قبلك : عندك. ويتسلمون : يهربون. والمدد : العون. وايضاعهم : اسراعهم. ومهطعون : مسرعون. والأثرة : الاختيار والاختصاص. والبعد

والسحق : بمعنى وهو الهلاك. والحزن - بفتح الحاء وسكون الزاي - ما غلظ من الأرض.

الإعراب :

غياً وشافياً نصب على التمييز، وبعداً وسحقاً نصب على المصدرية، والمصدر من أن يذلل مجرور بفي محذوفة.

المعنى :

سهيل بن الحنيف الأنصاري هو أخو عثمان بن حنيف الذي كان والياً للإمام على البصرة حين غزاها أصحاب الجمل ونكلوا به ومثلوا، وسبق الكلام عن ذلك، وكان سهيل من أجل الصحابة المقربين، قال ابن حجر العسقلاني في كتاب «الإصابة» «كان سهيل من السابقين، شهد بدراً، وثبت يوم حين أحد انكشف الناس - أي انهزموا عن رسول الله - وبايع يومئذ على الموت، ومات بالكوفة، وصلى عليه الإمام». وفي سفينة البحار : «كان سهيل أحب الناس الى الإمام، ولما مات خرج في جنازته، وجزع عليه جزعاً شديداً».

وكان قد بلغ الإمام ان جماعة من أهل المدينة لحقوا بمعاوية طمعاً في دنياه، وكان سهيل والياً على المدينة، فأسف وتألم، فكتب اليه إمامه : (فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم الخ).. كان الأنبياء يدعون دعوة الحق، ويقيمون الأدلة والبراهين على صدقها، ويدعون الناس إلى الإيمان بها عن علم وقناعة بلا جبر وإكراه : «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ - 256 البقرة». وهذا أمر طبيعي، لأن العقيدة وممارسة الدين لا تكون ولن تكون إلا في ظل الحرية التامة، وهي حق لكل إنسان وهي حق لكل إنسان، فإذا اعتدى وأساء استعمالها تحمل وحده التبعات والمسؤولية.

هذا هو مبدأ القرآن والرسول والإمام، ولذا لم يُكره أحداً على بيعته، ولا صد أحداً ممن بايعه عن النكث والذهاب الى حيث يشاء تماماً كما لم يكره النبي الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أحداً على الاعتراف بنبوته.

(فكفى لهم غياً) لقد اختاروا لأنفسهم طريق الغي والضلال، وآثروه على الحق والهدى، وسيجزي الله الذين أساءوا بما كانوا يعملون (ولك منهم شافياً) أي كفى شفاء لغيظك منهم انهم من الهالكين، وعبر الإمام عن الهلاك بقوله: (فرارهم من الهدى والحق، وإيضاعهم الى العمى والجهل) لأن الفرار من الحق الى الباطل من أقوى أسباب العذاب.

(وإنما هم أهل الدنيا للخ).. تركونا لأنا نعدل في الرعية، ونقسم بالسوية، وذهبوا الى الدنيا والجور.. وما يضرون إلا أنفسهم وما يضرون إلا أنفسهم.. فعلام تذهب نفسك عليهم حسرات ؟ (وانا لنطمع في هذا الأمر الخ).. أي الخلافة، وهي بيد الله تعالى، ونحن لا نيأس من رحمته تعالى، وفي الوقت نفسه نرضى بقضائه، ونصبر على بلائه.

الرسالة - 70 -

الى المنذر بن الجارود :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلاحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنتَ فِيمَا رُبِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لَا تَدَعْ لِهَوَاكَ أنْقِيَاداً، وَلَا تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَادا، تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ. وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقًّا لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ. وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأهْلِ أَنْ يُسَدَّ بهِ ثَغْرُ، أَوْ يَنْفُذَ بِهِ أَمْرُ، أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرُ أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ، أَوْ يُؤمن على خِيَانَةِ فَأَقِبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هُذَا إِنْ شَاءَ اللهُ.

اللغة :

هديه : سيرته. ورقي : رفع. والعتاد : الذخيرة. وشسع النعل : ما يدخل بين اصبعين من النعل العربي.

الإعراب :

اذا فجائية، وأنت مبتدأ، وجملة لا تدع خير، وفيها رقي متعلق بتدع، ولئن اللام للتوطئة، ولجمل اللام في جواب القسم الذي دلت عليه الواو، واسم ليس ضمير مستتر يعود الى من كان وأهل خير ليس، والباء زائدة، والمصدر من أنيسد مجرور بلام محذوفة، ويؤمن على خيانة على حذف مضاف أي على دفع خيانة

المعنى :

تحدث التاريخ عن عدل الإمام، وشدته في الحفاظ على أموال الدولة.. وأيضاً تحدث هو نفسه حيث دعت الحاجة حين حاسب عامله عثمان بن حنيف على حضور وليمة، وقال، وهو يعظه ويخوفه : «إن إمامكم اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه وما أخذ من المال إلا كقوت أتان دبرة»، كما جاء في الرسالة 44. وأقام الدنيا ولم يقعدها على رأس ابنته السيدة ام كلثوم، لأنها تجملت بعقد من بيت المال كعارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام، وقال للخازن ابي رافع الذي أعارها العقد : أتخون المسلمين ؟.

واذا كان هذا دأبه نفسه وأهله فهل يتسامح مع عماله..؟ بلغه عن عامله على اذربيجان بعض الشيء فأرسل يهدده كما في الرسالة، ومثلها الرسالة 39 و 42 و 44 والرسالة التي نحن بصددها، والتي أرسلها للمنذر بن الجارود، وكان والياً للإمام على بعض الأعمال وقال له :

(فإن صلاح أبيك غرني منك) كان أبو المنذر، وهو الجارود بن خنيس، نصرانياً، فأسلم على يد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولما قبض الرسول، وارتد كثير من العرب حذر الجارود قومه من الارتداد، وقال لهم : استمسكوا بدينكم، وكان فيهم مطاعاً، فاستمعوا له، وعملوا بنصحه. ومن هذا قال الإمام لولده المندر : ان صلاح أبيك غرني منك (وظننت انك تتبع هديه الخ).. فخاب الظن، وانقطع الأمل بعد أن سمعت انك لا تملك هواك، وانك تبيع دينك بدنياك (فإن كان ما بلغني عنك حقاً لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك). ان صح ما قيل عنك فقد أفسدت دينك ونفسك، واخترت لها الذل والهوان، ولا يجديك نفعاً کرم الأجداد ومروءة الآباء.

(ومن كان بصفتك الخ).. من الخيانة، فما هو بأهل لأيسر الأمور وأحقرها (فأقبل إلي حين يصل اليك كتابي هذا) للتحقيق ونقاش الحساب وقال الشريف الرضي: والمنذر هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (انه لناظر في عطفيه مختال في برديه) أي ينظر جنبيه يميناً وشمالاً إعجاباً بنفسه وثيابه كالطاووس يتصفح ذنبه وجناحيه (تفّال في شراكه) يغسل حذاءه ببصاقه ليعتز به كما اعتز ببرديه !.. وهكذا كل سخيف مجوف يسد ما في نفسه من فراغ بحذاء يلمع، أو ثوب يخدع.

الرسالة - 71 -

أيضاً ابن عباس :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقِ أَجَلَكَ وَلَا مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ وأَعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ : يَوْمُ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ، وَأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُوَل، فَما كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلى ضَعْفِكَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَم تَدْفَعَهُ بِقُوَّتِكَ..

المعنى :

(لست بسابق أجلك الخ).. لكل أجل كتاب... لكل أجل كتاب، ما في ذلك ريب، ومع ذلك علينا أن نحترس ولا نلقي بأيدينا الى التهلكة.. وأيضاً الرزق مكتوب ولكن عن طريق العمل والتدبير، وسبق الكلام عن ذلك مرات ومرات.. وآمن الناس على نفسه أكثرهم مسالمة للناس، وأبعدهم عن الشر والأذى، وأوسعهم

غنى اقنعهم بما أوتي. وتقدم الكلام عن مثله في الخطية 112 والرسالة 21، وقال ابن أبي الحديد : «تقدم شرح مثل هذا الكلام، وهو معنى مطروق، وقال الناس فيه فأكثروا». أجل، ولكن ذم الدنيا والتحذير منها عند الإمام عبادة تماماً كالصلاة.

الرسالة - 72 -

أيضاً الى معاوية :

أَما بَعْدُ فَإِنِّي عَلى التَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ وَالاستماع إلى كِتَابِكَ لَمُوهِن رَأْيِي وَمُخطى فِرَاسَتي. وَإِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ وَتُرَاجِعُنِي السُّطُورَ كَالمُسْتَثْقِلِ النَّائِمِ تَكْذِبُهُ أَحْلَامُهُ. أَوِ الْمُتَحَيِّرِ القَائِمِ يَبهظُهُ مَقَامُهُ. لَا يَدْرِي أَلَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ. وَلَسْتَ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبِيهٌ. ووَأُقسِمُ بِاللهِ إِنَّهُ لَوْلَا بَعْضُ الاسْتِبْقَاءِ لَوَصَلَتْ إِلَيْكَ مِنِّي قَوَارِعُ تَقْرَعُ العَظمَ وَتَهْلِسُ اللَّحْمَ. وأَعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ عَنْ أَن تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمورِكَ وَتَأْذَنَ لَقَالِ نَصِيحَتِك.

اللغة :

التردد : الترداد. وتحاولني : تطالبني أو تحاول أن ألبيك. ويبهظه : يثقله. والقوارع : الشدائد. وتهلس : تضعف. وتبطك : أخرك أو منعك.

الإعراب :

رأيي مفعول موهن، وفراستي مفعول مخطىء، والسطور منصوبة بنزع الخافض أي بالسطور، وكالمستثقل خبر انك، وأله ما يأتي وأله ما يأتي، «له» خبر مقدم و «ما» مبتدأ مؤخر، وغير نصب على الاستثناء.

المعنى :

عدنا الى أجوبة الإمام عن رسائل معاوية «وعادت حاله الراكدة»، وهذه الرسالة الرابعة عشرة، ولكن لا حياة لمن تنادي، ولذا كتب اليه جواباً عن بعض ما سطر : (فإني على التردد في جوابك الخ).. لقد أكثرت من قراءة الكلام في جواب رسائلك، وأراني مشتبهاً في ذلك، لأني أخاطب جداراً بلا قلب وسمع. وبتعبير ابن أبي الحديد : «ألوم نفسي، وأستضعف رأيي حيث جعلتك نظيراً تكتب وأجيب، وتجيب وأكتب، وكان الأولى أن لا أجيبك لهوانك».

(وانك إذ تحاولني الأمور – الى الى - شبيه). المراد بالأمور هنا ولاية الشام، والنص عليه بولاية العهد، والمعنى انك يا معاوية تلف وتدور، معاوية تلف وتدور، وتكتب السطور لعلك تجد عندي أمنيتك، وقد زجرتك وحذرتك فلم تيأس، وقد زجرتك وحذرتك فلم تيأس.. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على ان شهوة السيطرة والحكم قد أعمت قلبك وحطمت أعصابك حتى صرت كالنائم نوماً عميقاً، وقد رأى في منامه انه نال ما تمنى.. حتى اذا استيقظ لم يجد شيئاً فطار صوابه، وفقد رشده، أو كالقلق التائه المضروب على رأسه يقول ويفعل، ولا يدري : هل الذي حدث منه خير أو شر، لعنة عليه أو رحمة له ؟ (ولست به غير انه بك شبيه) أي ما أنت كذلك حقيقة، ولكنك شبيه بالنائم والمتحير.

(وأقسم بالله الخ).. لو أردت لو أردت القضاء عليك لفعلت، ولدي أكثر من وسيلة لهذه الغاية، ولكن أدع الأمور تأخذ مجراها (واعلم ان الشيطان قد ثبطلك الخ).. تقمص روحك وجسمك، ولم يبق فيك أي أمل للخير والهداية. ولا تضر بذلك أحداً سواك.

الرسالة - 73 -

بين ربيعة واليمن :

هذَا مَا أَجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ : حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا، وَرَبيعَةً حاضرها وبادِيها، أَنهم عَلى كِتَابِ اللهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ وَيَأْمُرُونَ بِهِ وَيُجيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَأَمَرَ لا يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً وَلَا يَرْضَوْنَ به بَدَلاً، وَأَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةً عَلى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَتَرَكَهُ. أَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةً. لَا يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَاتِبٍ وَلَا لِغَضَبِ غَاضِبٍ، وَلَا لِاسْتِدْلَالِ قَوْمٍ قَوْمًا وَلَا لَمسَبَّةِ قَوْمٍ قَوْماً. عَلى ذلِكَ شَاهِدُهُمْ وَغَائِبُهُمْ، وَحَلِيمُهُمْ وَسَفِيهُهمْ وَعَالِمهُمْ وَجَاهِلُهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذلِكَ عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مَسْؤُولاً وَكَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

اللغة :

الحاضر : ساكن الحضر. والبادي : ساكن البادية. والمعتبة : الملامة.

الإعراب :

هذا مبتدأ، وما اجتمع خبر، والمصدر من انهم على كتاب الله بدل من (ما) وعلى كتاب الله متعلق بمحذوف خبراً لأنهم، وبعضهم مبتدأ مؤخر، وأنصار خبر مقدم، ولبعض متعلق بأنصار، وأصل الكلام بعضهم أنصار لبعض.

المعنى :

(هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها وباديها، وربيعة حاضرها وباديها الخ). كل البطون التي تنتهي الى قحطان بن عامر تسمى اليمن، والتي تنتسب الى ربيعة بن نزار تسمى ربيعة، وكان بينها حروب وأضغان في الجاهلية، فألف بينها الإسلام، وتأكدت هذه الألفة على يد الإمام، وكتب بينهم هذا العهد، ومضمونه أن يكونوا يداً واحدة في نصرة الاسلام، والدعوة اليه والعمل به، وأن يقفوا صفاً واحداً بقلوبهم وسيوفهم مع من يدعو الى الاسلام والحق ويأمر به ويدافع عنه كما قال : (ويجيبون من دعا اليه) وكأنه يعني بهذا نفسه الشريفة، لأنها أظهر وأكمل من ينطبق عليه هذا الوصف بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

(لا يشترون به ثمناً الخ).. قليلاً ولا كثيراً، ويتعاونون على الوفاء بهذا العهد، ويقدسونه قولاً وعملاً حتى ولو عتب واحد منهم على الآخر أو غضب عليه، أو ظلمه، لأن هذه الأمور تحدث بين الأرحام والأصدقاء ويتعذر الاجتناب عنها - في الغالب - ويمكن تسويتها بالحب والسلم بلا حرب

وضرب (على ذلك شاهدهم وغائبهم الخ).. هذا العهد هذا العهد يعم ويشمل الجميع بلا استثناء وليس للغائب أن يرد، وللجاهل أن يختار، وللعالم أن يتأول، وللحليم أن يتجاهل (ثم ان عليهم بذلك عهد الله وميثاقه) هذا العهد في عنقهم، وهم وحدهم المسؤولون عن الوفاء به أمام الله والناس، ولا يسمع عذر من متعلل.

الرسالة - 74 -

أيضاً الى معاوية :

مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ:

أما بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتَ إعْذَارِي فِيكُمْ وَإعْرَاضِي عَنْكُمْ حَتَّى كَانَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا دَفعَ لَهُ. وَالحَدِيث طَوِيلٌ، وَالكَلَامُ كَثِيرٌ، وَقَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ وَأَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ، فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ وَأَقْبِلَ إِلَيَّ فِي وَقَدِ مِنْ أَصْحَابِكَ.

المعنى:

هذه هي الرسالة الخامسة عشرة والأخيرة بالنسبة الى ترتيبها وتدوينها في نهج البلاغة، وقد كتبها الإمام يوم بويع بالخلافة، وابتدأها بقوله : (من عبد الله علي أمير المؤمنين الى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فقد علمت اعذاري فيكم) أيام عثمان بالنصح له أن يرجع عن أخطائه وبالدفاع عنه حين حوصر بنفسي وبولدي الحسن والحسين (واعراضي عنكم) أي عن إساءاتكم المتكررة إلي والى غيري.

(حتى كان ما لا بد منه) من قتل عثمان (ولا دافع له) من إجماع الصحابة

على مبايعتي بالخلافة ومعهم جمهور المسلمين إلا من شذ، وأنت وكل الناس يعلمون أني رفضت ومانعت، وقلت لهم فيما قلت : دعوني والتمسوا غيري فأبوا وأصروا. وتقدم مع الشرح في الخطبة 90 (والحديث طويل، والكلام كثير) فيكم وفي عثمان يا بني أمية (وقد أدبر ما أدبر) ولا جدوى من الكلام أصبح في خبر كان، فلندع حسابه الله وحده (وأقبل ما أقبل) المهم الحاضر والمستقبل، وإصلاح المسلمين والقضاء على الفتن باجتماع الشمل وتوحيد الكلمة.

وذلك بأن تبايعني، وتأخذ لي البيعة من أهل الشام كما فعلى الصحابة وجمهور المسلمين حتى نعمل يداً واحدة بما لله فيه رضى، ولهذه الأمة خير وصلاح (وأقبل إلي في وفد وفد من أصحابك) بروح صادقة لا غش فيها ولا طمع، ونية خالصة لله وعباده. قال ابن أبي الحديد : «كيف يبايع معاوية وعينه طامحة الى الملك والرياسة منذ أمره عمر على الشام ؟».

وليس من شك ان محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو كان مكان علي، ومعاوية في وضعه من أهل الشام الذين هم أطوع اليه من نعله على حد تعبير ابن أبي الحديد – لفعل نفس الشيء الذي فعله مع علي بن أبي طالب بل سبق أن فعلها هو وأبوه مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بدر وأحد والأحزاب.

الرسالة - 75 -

أيضاً لابن عباس :

سع النّاسَ بِوَجْهِكَ ومجلسكَ وحُكْمِكَ، وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طيَرَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَأَعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللَّهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ، و ما باعَدَكَ مِنَ اللهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ.

المعنى :

حين أسند الإمام ولاية البصرة الى عبدالله بن عباس أوصاه بقوله : (سع الناس بوجهك) أي ابسط لهم وجهاً رحباً لا عبوس فيه ولا قطوب (ومجلسك) تواضع جلوسك كما تتواضع في مشيك وجميع حركاتك (وحكمك) أي اعدل في حكمك (وإياك والغضب) إلا لله والحق (فإنه طيرة من الشيطان) والطيرة بكسر الطاء - الخفة وعدم الثقل والوزن، والمعنى ان الإنسان عند الغضب يصير ألعوبة بيد الشيطان يملكه ويتمكن منه، ولا يدع له قوة ولا عقلاً ولا إرادة (ان ما قربك من الله يباعدك من النار). وهذا من البداهة بمكان تماماً كقولك : كلما تقدمت في العلم بعدت عن الجهل، ولا يحتاج إثباته الى قياس مؤلف من صغرى وكبرى، كما فعل بعض الشارحين.

الرسالة - 76 -

أيضاً لابن عباس :

لا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ القُرْآنَ حَمالُ ذُو وُجُوهِ تَقُولُ وَيَقُولُونَ وَلكِنْ حَاجِجُهُمْ بِالسُّنْةِ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا محيصاً.

المعنى:

في شرح الخطبة 40 فقرة «موقف الإمام من الخوارج» تكلمنا عنهم عنهم وعن أهدافهم، وأيضاً تعرضنا لهم في شرح الخطبة 123 وغيرها. وكان الإمام يأبى قتال الخوارج إلا بعد اليأس، وآثر أن يلقاهم مجادلاً، لا مجالداً، وخرج اليهم، وقال لهم : اختاروا رجلاً يسألني وأنا أجيب، ومن لزمته الحجة في ذات يوم اعترف وتاب. فاختاروا إمامهم ابن الكواء، فكواه الإمام وألقمه حجراً، ولكنهم أصروا على العناد، وأيضاً بعث اليهم ابن عباس ليناظرهم ويأخذ عليهم بالحجة وقال له :

(لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال ذو وجوه) ظاهره أنيق، وباطنه عميق لا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، كما وصفه الإمام في الخطبة 18 وقد رأينا جماعة من شيوخ الفقه ومذاهبه يستدلون بآية من آي الذكر الحكيم على وجوب

فعل من الأفعال، وآخرين يستدلون بالآية نفسها على عدم الوجوب، كالآية السادسة من سورة المائدة الواردة في الوضوء، والآية 24 من سورة النساء الواردة في تحريم الزواج بالنسب والمصاهرة والرضاعة، الى غير هاتين من الآيات.

(ولكن حاججهم بالسنة فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً) أي مهرباً. قال ابن أبي الحديد : «أشار بهذا ليحتج عليهم بحديث علي مع الحق الحق، والحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار. وحديث : اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، ونحو ذلك من الأخبار التي سمعها الصحابة من فم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقد بقي منهم الحجة».

جماعة تثبت بهم وحديث علي مع الحق رواه الترمذي في صحيحه ج 2 ص 298 طبعة بولاق سنة 1292 هـ كما في كتاب (فضائل الخمسة وعبد الرحمن بن الجوزي في الصيد الخاطر ص 385 مطبعة السعادة دار الكتب الحديثة بمصر. أما حديث من كنت مولاه.. فهو من المتواترات عند الشيعة والسنة، ومنهم الترمذي وابن ماجة وابن حنبل والنسائي وغيرهم. أنظر كتاب «الغدير» للأميني.

الرسالة - 77 -

الى أبي موسى الأشعري :

فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَيْرَ كَثِير مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظِّهِمَ قَالُوا مَعَ الدُّنْيَا ونَطَقُوا بِالْهَوَى، وَإِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْزِلاً مُعْجِباً أَجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنفُسُهُمْ، فَإنّي أَدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَن يَكُونَ عَلَقاً، وَلَيْسَ رَجُلٌ - فَاعْلَمْ - أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةٍ محمّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَأَلْفَتِهَا مِنِّي، أَبْتَغِي بِذلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ وَكَرَمَ الْمَآبِ. وَسَأفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي، وَإِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحٍ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّقِيِّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ العَقْلِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَإِنِّي لَأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلُ بِبَاطِلٍ، وَأَنْ أَفْسِدَ أَمْراً قَدْ أصْلَحَهُ اللهُ، فَدَعْ مَا لَا تَعْرِفُ فَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ بأقاويل السُّوْءِ وَالسّلامُ.

اللغة :

معجباً : يدعو للتعجب. وقرحاً : جرحاً. وعلقاً : دماً غليظاً وفاسداً والمآب : المرجع. ووأيت : وعدت وتعهدت. وأعبد : آنف.

الإعراب :

أحرص خبر ليس، واعلم جملة معترضة، ومني متعلق بأحرص

المعنى:

رشح الإمام للتحكيم عبدالله بن عباس، فقال معاوية : كلا، ان له قرابة هذا قريبة من علي مع العلم ان ابن العاص شريك في الغنيمة معاوية، ذهب الى التحكيم وفي جيبه صك بمصر من معاوية.. ولا أدري كيف سكت أصحاب الإمام عن ذلك ؟.. اللهم إلا أن يكون بعض الرؤوس متآمرين مع معاوية ومهما يكن فقد رفض أصحاب الإمام ابن عباس، وأكرهوا إمامهم على ترشيح الأشعري الذي يريده معاوية، ولا يرضى بغيره.

ويقال : إن البعض ذكر اسم أبي الأسود الدولي للتحكيم كبدل عن ابن عباس والأشعري، ولكن تم الاتفاق على أبي موسى. وروي عن الشعبي انه قال : ما كان أعف أطراف أبي الأسود وأحضر جوابه. دخل على معاوية يوماً بعد أن استقام له الأمر، فقال له : أكنت ذكرت للحكومة ؟ قال : نعم قال : ما كنت صانعاً ؟ قال : كنت أجمع ألفاً من المهاجرين وأبنائهم، وألفاً من الأنصار وأبنائهم، ثم أقول : يا معشر من حضر أرجل من المهاجرين أحق أم رجل من الطلقاء ؟ فقال له معاوية : الحمد لله الذي كفاك.

وبعد اجتماع الأشعري وابن العاص وقبل اعلان الحكم كتب الإمام لأبي موسى الأشعري يقول : (فإن الناس قد تغير كثير منهم عن كثير من حظهم) أي من دينهم، والمراد بالناس هنا الصحابة، ومنهم الأشعري، وقول الإمام : «تغير كثير منهم» يشير الى ما رواه البخاري في الجزء التاسع من صحيحه

كتاب الفتن : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول يوم القيامة : أي ربي أصحابي فيقول له : لا تدري ما بدلوا بعدك. فيقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي.

(واني نزلت من هذا الأمر منزلاً معجباً) المراد بهذا الأمر الخلافة، ومعجباً أي يدعو للتعجب، وذلك لأنه قد (اجتمع به أقوام أعجبتهم أنفسهم (أي كان المفروض، وأنا خليفة المسلمين، اني إذا أبرمت أمراً أن يطيعوني فيه. ولكن الله سبحانه قد ابتلاني بأصحاب مغرورين لا تعجبهم إلا آراؤهم، فيعترضون كلما رأيت رأياً، كما حدث حين اخترت ابن عباس للتحكيم، فأبوا إلا أبا موسى الأشعري.

(فإني أداوي منهم قرحاً أخاف أن يكون علقاً) أنا حائر في أمر هؤلاء الأصحاب لا أدري كيف أعالجهم من غرورهم ؟ فالحسنى لا تجدي معهم نفعاً، والقوة تزيدهم فساداً وعناداً، وتشتت جمعهم.. ان حالي معهم تماماً كحال الطبيب الذي يحاول أن يعالج جرحاً، وفي الوقت نفسه يخشى إذا حرك منه ساكناً أن يتحول الى علق يسمم البدن بكامله.

(وليس رجل - الى المآب) لا استعمل القوة ومع أصحابي خوفاً من الفتنة واختلاف الكلمة بين المسلمين، وأنا حريص على الألفة والتعاون على الصالح العام طلباً لمرضاة الله وثوابه.

(وسأفي بالذي وأيت على نفسي) رضيت بك مكرهاً - يا أبا موسى - ذلك سأفي لك، ولا أغير وأبدل إلا إذا غيرت أنت وانحرفت (وان تغيرت عن صالح ما فارقني عليه) من يقظتك وحذرك من كيد ابن العاص ومكره، ووقوفك الى جانب الحق وأهله (فإن الشقي من حرم الخ).. ان خدعك ابن العاص فأنت أشقى من عليها لأنك، وهذه هي حالك، تكون بلا وعلم عقل وأضحوكة وألعوبة لابن العاص.. وقد حدث ما قاله الإمام، وأصبح أبو موسى مثلاً للبلاهة والجهالة مدى الدهر.

(واني لأعبدُ أن يقول قائل بباطل) أنا أكره الباطل من غيري، فكيف أفعله ولا أنكره من نفسي ؟ (وأن أفسد أمراً قد أصلحه الله) اذا أنت أخلصت لله، وتوخيت صلاح المسلمين - يا أبا مرسى - فأنا أول المقرين لعملك والشاكرين

لفضلك، وكيف أرفض الصلح والصلاح للمسلمين، وفيه رضى الله ورسوله (فدع ما لا تعرف) الى ما تعرف أي لا تتفوه بكلمة، أو تأتي بحركة إلا وأنت على يقين من صوابها ورضى الله بها، ومثله دع ما يريبك الى ما لا يريبك (فإن شرار الناس طائرون اليك بأقاويل السوء) المراد بشرار الناس هنا ابن العاص وأضرابه والمعنى ان هؤلاء يوسوسون في صدرك بالأكاذيب والأضاليل فاحذرهم.

الرسالة - 78 -

الى أمراء الجند :

أَما بَعْدُ فَإِنّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقِّ فَاشْتَرَوْهُ، وَأَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ.

المعنى :

يقول الإمام للقادة مخوفاً ومحدراً : ان الله سبحانه أخذ القادة الأقوياء من الأمم الماضية، أخذهم بغتة بالنكال لأمرين : الأول انهم كانوا يحولون بين الحق وصاحبه، ولا يمكنونه منه إلا إذا دفع رشوة.. حتى كأن الحق لهم، وهو يشتريه مما يفرضون عليه من الثمن.

الثاني ان القادة كانوا يفعلون المنكر ويأمرون الناس بفعله، فيستجيبون ويستسلمون، وكان عليهم أن يرفضوا ويثوروا. لذلك يضع سبحانه غداً التابع والمتبوع في مستوى واحد : «وَقَالُوا - أي التابعون أي التابعون - رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا - 68 الأحزاب». فقال سبحانه في آية ثانية : «لكل ضعف ولكن لا تعلمون - 380 الأعراف». أي كان على المستضعفين أن يثوروا ولا يستسلموا.. ولما رضوا بالقعود أذاقهم سبحانه ما كانوا يكسبون.

وهو، جلت كلمته، المسؤول أن يهدينا سواء الصراط بمحمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين.

جوامع الكلم والمعاني الكبار في الكلمات القصار

تمهيد

حقائق انسانية :

ينقسم نهج البلاغة بمجموعه الى ثلاثة أقسام : خطب، ورسائل، وحكم، وانتهى شرح القسم الأول والثاني بتوفيق الله وعونه، وبقي القسم الثالث، وهو أكثر صلة بالحياة من السابقين، لأن كلماته مرآة صافية تعكس حقيقة الانسان وتجاربه وأفعاله من حيث هو انسان بلا حد من زمان أو مكان، أو قيد محادثة وواقعة معينة، كواقعة الجمل أو صفين، وغيرهما من الوقائع التي تكرر الحديث عنها في الخطب والرسائل.. إن الحكم الآتية حقائق يتمثلها كل انسان في نفسه، ويحياها في سلوكه وأفعاله، وينفعل بها روحاً وجسماً

العلوم وهذه الحكم :

ولهذه الحكم صلة وثيقة بطائفة من العلوم، لأنها تتعلق بالانسان من حيث هو، كما أشرنا، والانسان يبحث عنه في علم التاريخ وعلم الطب ووظائف الأعضاء، وعلم النفس والأخلاق والاجتماع والأخلاق والاجتماع، والفقه والفلسفة، وغير ذلك من العلوم. وعلى سبيل المثال من هذه الحكم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «قد تكذب العيون أهلها، ولا يغش العقل من استنصحه» يشير الى سبب المعرفة، وهو من مباحث الفلسفة، وقوله : «اذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها»، يدخل في علم الفقه، وقوله : «ينظر الانسان بشحم، ويتكلم بلحم، ويسمع بعظم، ويتنفس من خرم»، يدخل في علم وظائف الأعضاء، وقوله : «امش بدائك

ما مشى بك» يدخل في علم الطب، وقوله في الغوغاء : و اذا اجتمعوا ضروا، واذا تفرقوا نفعوا يدخل في علم الاجتماع.. وكل حكمة تتعلق بالنفس والعقل تدخل في علم النفس، وكل ما يتعلق بمبدأ وقانون سلوكي يدخل في علم الأخلاق.

ثلاثة علوم :

وأكثر حكم الإمام في النهج وغيره تدخل في علوم ثلاثة : الاجتماع، والنفس والأخلاق، وتشترك هذه الثلاثة في انها علوم انسانية، ويفترق كل واحد منها عن الآخر بجهة خاصة، فعلم النفس يبحث عن غرائزها وصفاتها، وسلامتها ومرضها، وعن أسبابها : هل هي ذاتية، أو أتت اليه بالوراثة، أو من التربية والبيئة، ويبحث عن تاريخ الصفات : هل ولدت بولادة الانسان، أو بعد الولادة بسنة أو أكثر، وأيضاً يبحث آثارها ونتائجها في سلوكه وأفعاله. وبكلمة يبحث علم النفس عن عناصرها وحياتها فاعلة ومنفعلة، وعن أسباب تلك العناصر وتاريخها وآثارها.

ويبحث علم الاجتماع في أحوال المجتمعات الانسانية وأوضاعها وقوانينها، والأسباب التي نشأت عنها المعيشة الاجتماعية

أما علم الأخلاق فلا يبحث عن النفوس والطبائع، والغرائز والشمائل كعلم النفس، ولا عن المجتمعات كعلم الاجتماع، بل يضع القانون الخلقي، ويحدد المثل الأعلى الذي ينبغي أن يحتذيه الانسان في سلوكه وأفعاله تماماً كالفقه يحلل ويحرم. ومن هنا كان علم الأخلاق من العلوم المعيارية التي يقاس بها حسن الشيء وقبحه.

وبهذا يسهل علينا التمييز بين الحكم الآتية من حيث عدها واعتبارها من مسائل هذا العلم أو ذاك.

المعاني الكبار في الكلمات القصار

1 - كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللْبُونِ : لاَ ظَهْرُ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعُ فَيُحْلَبَ.

اللبون من الإبل والشاء هي ذات اللبن قل أو كثر. وابن اللبون فصيل الناقة قبل أن يقوى ظهره للركوب، أو يصلح ضرعها للحليب، وظهر بالرفع اسم «لا» العاملة عمل ليس على مذهب الحجازيين، وخبرها محذوف، والتقدير لا ظهر صالحاً للركوب، ولا ضرع صالحاً للحليب، والفعل المضارع هنا منصوب بأن مضمرة بعد الفاء لوقوعها بعد النفي المحض مثل ما أعرف دارك فأزورك أي كي أزورك.

والمراد بالفتنة هنا الباطل، والمعنى إذا رأيت باطلاً فلا تدخل فيه، واحذر من أهله أن يخدعوك ويستغلوك في أغراضهم ومآربهم.. وسكت الإمام في حكمته هذه عن الحق وأهله، وليس معنى سكوته عنه وعنهم أنه ينهى عن الدخول في شأن المحقين ومناصرتهم، وانه يساوي بينهم وبين المبطلين.. كلا، وألف كلا، لأن مثل هذا الكلام يقتصر فيه على دلالة المنطوق دون المفهوم هذا، الى أن كلمات الإمام ووصاياه بنصرة الحق وأهله تجاوزت حد الإحصاء، من ذلك قوله لولديه الحسن والحسين : (كونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً) كما جاء في الرسالة 46، وذمه للذين لم يحاربوا معه الناكثين بأنهم لم ينصروا الحق، ولم يخذلوا الباطل.

وخفي المعنى المراد من هذه الحكمة على كثير من الشارحين، وخبطوا فيه، وفهموا منه أن الإمام أمرنا بأن نسكت أيام الفتنة، ونعتزل إذا رأينا باطلاً يتبعه قوم ويعارضه آخرون، حتى ان بعض الشارحين قال : «أراد الإمام أن يكون الإنسان أيام الفتنة ضعيفاً غير مستكثر من المال» !. ولا أعرف السبب الموجب لحشر المال هنا ! وحاشا لله وللإمام الذي أوقف نفسه للحق، وضحى بها في سبيله أن يأمر بالفرار من جهاد الباطل والفساد.

وبعد، فكلنا نحن - أبناء الهيئة العلمية الدينية - نحفظ هذه الحكمة عن ظهر قلب تماماً كما نحفظ سورة الإخلاص، وقرويها ونوصي بها، ولكن ما لها في أعمالنا أو أعمال معظمنا من نصيب.. فهذا يؤيد زعيماً طاغية ويقول : أريد أن، وذاك يوقع عريضة مسمومة ملغومة إرضاء لشهوة رئيس أو متزعم، وآخر يزيف ويحرف بوحي الشركات ومكاتب الاستخبارات، ورابع إمعة يستجيب لكل ناعق وشاهق وهنا يكمن السر في أننا نسير من ضعف الى ضعف، ويكثر فينا أهل الجهل والدجل.

1 - أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشعَرَ الطَّمَع، وَرَضِي بالذل مَنْ كشفَ عَنْ ضُرِّهِ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمْرَ عَلَيْهَا لسانه.

• الطمع ضد القناعة، ولكن كثر استعماله ضد المروءة والورع حتى صار حقيقة فيه، أما حكمه فيقاس بآثاره ونتائجه، ان خيراً فخير، وان شراً فشر. وقول الإمام من استشعر الطمع معناه من اتخذه ديناً له وديدناً بحيث لا يلتزم بشيء إلا على أساس منفعته الخاصة. ومن كان كذلك فقد حقر نفسه بنفسه، لأن الإنسان يقاس بأهدافه وأمانيه. ومن كانت همته بطنه كانت قيمته ما يخرج منها كما قال الإمام.

وقد يبتلى الإنسان بمرض أو فقر أو غيرهما من الآفات. وما من شك ان المرض بلاء، والفقر مصيبة، ولكن الكشف والإعلان عنها وعن أية آفة

فضيحة. وقديماً قيل : الشكوى لغير الله ذل.. وأية جدوى من الشكوى الى الناس ما دامت لا تدفع ضراً، ولا تجلب نفعاً، وتسوء المحب، وتسر المبغض؟ وأيضاً لا جدوى من أمر المبتلى وحثه على الصبر وكتمان العلة إلا إذا كان ذا عقل رزين، لأن الصبر على قدر العقل.

والشكوى من مقولة الكلام وصفاته، ولذا عقبها الإمام بالإشارة الى اللسان، ومر الحديث عنه في شرح الخطبة 94 فقرة «السكوت»، وغيرها. وقال مجرب حكيم: يتنازع لسانك عقلك وهواك، فإن غلب الأول فهو لك، وان غلب الثاني فهو عليك، فلا تطلق لسانك حتى تعلم ان كلامه لك لا عليك.

3 - البُخْلُ عَارُ. وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حجَّتِهِ. وَالمَقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ. وَالعَجز آفة، والصبر شجَاعَةٌ. وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ.

• البخل يخطط لصاحبه منهجاً يسير عليه في تفكيره وسلوكه، ولا يحيد عنه بحال، وهذا المنهج يرفض بطبعه التعاون على الخير ومصلحة الفرد والجماعة، ويهدي الى القسوة القسوة وعدم الاكتراث بالناس ومشاكلهم ومن لا يهتم بهموم الناس فليس منهم ولا من الانسانية في شيء. ونعطف على ذلك ما جاء في الآثار من أن البخيل يعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، وانه كالخنزير لا ينتفع به إلا بعد موته حيث تنهشه الكلاب، وان البخل يفسد الرأي، ويمنع صاحبه عن رؤية الحقيقة، لأنه ينظر الى الأشياء من خلال ذاته الشحيحة الشاحبة.

واذا كان الإمساك رذيلة فالبذل والتضحية فضيلة في كل زمان ومكان ولكن إطعام الطعام قد بلغ الغاية والنهاية من التقديس عند القدامى، وبخاصة العرب الذين اعتبروه سبباً رئيسياً من أسباب السيادة والقيادة، وملأوا الدنيا في المديح والثناء نظماً ونثراً على صاحب الخوان، وكنوا عنه بجبان الكلب وكثير الرماد والنيران.. ووضع الجاحظ كتاباً في البخلاء، وأفرد الكثير من المؤلفين باباً طويلاً

في كتبهم لذم البخل والبخلاء، ومدح الجود والأجواد.

والسر العسر والمعيشة الضنكى في ذاك العصر حيث الجائعون من كل بلد بالآلاف أو بالمئات هذا، الى ان المسافرين كانوا يسيرون أياماً أو أشهراً على الأقدام أو على الحيوان، ولا مطاعم وفنادق، فلا بدع اذا كان لإطعام الطعام شأنه ووزنه، ومن هنا ساوى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بينه وبين السلام في قوله : «أفضل الأعمال إفشاء السلام، وإطعام الطعام».

حتى الماء كان لباذله أجر وفضل على قدر عطش الظمآن ولهفته، لتعذر الوصول الى مجرى الماء ومصدره.. أما الآن، وقد غير العلم الأرض ومن عليها وخطا بالبشرية خطوات يسرت لها العسر، وقربت لها البعيد، وحققت الكثير من مطالبها، أما الآن فلم يعد لإطعام الطعام ونحوه ذاك الوزن والأثر الذي كان له من قبل.. وليس معنى هذا ان الكرم قد تحول عن طبيعته ونزل عن مرتبته، وإنما يعني ان مظاهر الكرم قد تغيرت وانتقلت من التعاون الفردي الى التعاون الاجتماعي، من إطعام الرغيف الى بناء دار للأيتام، ومستشفى للمعوزين، ومدارس للمتعلمين، ومن سقي الظمآن الى ري الأراضي، وتحويل الصحراء الجرداء الى جنات وعيون، ومعنى هذا أن معنى الكرم ومعنى هذا أن معنى الكرم قد عمّ واتسع بعد أن كان ضيقاً ومحدوداً، وان اسم، وان اسم الكريم قد تطور الى اسم المصلح والمنقذ.

(والجبن منقصة) لأن الجبان يرى المنكر فيتعامى عنه، ويسمع دعوة الجهاد في سبيل الله والحق فيصد عنها، وإذا شكا اليه مظلوم أدار له ظهره، وإذا أراد أن يتكلم خاف من النقد وهكذا يسلبه الخوف ما ملك من طاقات، ويعيش حبيساً بين جدران الهواجس والأوهام بلا شخصية وإرادة ولا زهرة أو ثمرة إلا الهدير والثرثرة.. وهل علمت أو سمعت أن للجبان شأناً أو تاريخاً؟.

(والفقر يخرس الفطن عن حجته) لأن الفقر يضغط على العقل، ویسد أمامه منافذ الرؤية.. اللهم إلا إذا كان للفقير هدف أعلى يضحي بحياته من أجله، وينسى معه نفسه وبؤسه، كطلب العلم أو الحرية لوطنه، كما حدث لكثير من الفقراء المناضلين الأحرار. وتقدم الكلام عن الفقر مرات ويأتي أيضاً.

(والمقل غريب في بلدته) ومثله قول الإمام : «الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة»، لأن من شأن الوطن أن يُسهل لك العسير، ويستجيب

لحاجتك وأمنيتك، والمال قاضي الحاجات، والفقر أصل الويلات، ومن هنا كان الفقر غربة في الوطن، والغنى وطناً في الغربة.

(والعجز آفة) وكلمة العجز تعم وتشمل وباء الفقر والمرض والجهل، وهذه الأوباء الثلاثة آفة الإنسانية بكاملها، ومنها تنبع القبائح والرذائل، وبخاصة الفقر فإنه السبب القريب والبعيد لأكثر الآفات والمشكلات.

(والصبر شجاعة) وجهاد. وحين يتحدث الإمام عن الصبر وفوائده فإنه يتحدث عن علم وتجربة، فلقد رأى وشاهد صبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والصحابة على الأذى والتنكيل في سبيل الإسلام، وثباتهم عليه مستهينين بكل شيء، وهذا الصبر هو الأصل والأساس لحياة الإسلام وانتشاره، وعلى صخرته تحطم الكفر والشرك، ولولا هذا الصبر والثبات ما كانت الهجرة ولا بدر وأحد والأحزاب، وبالتالي ما كان الإسلام عين ولا أثر.

(والزهد ثروة، والورع جنة) المراد بالزهد التورع عن الحرام، وبالورع الكف عنه، وعليه يكون العطف للبيان والتفسير، والمعنى أن العفيف النزيه في غنى عن الناس، وأمان من شرهم، لأنه بعفته ونزاهته يرضى ويقنع بالميسور، ويكف أذاه عن الآخرين، والقناعة كنز، وكف الأذى حصن وصيانة. وتقدم الكلام عن ذلك مراراً وتكراراً مفصلاً ومجملاً. انظر شرح الخطبة 189 فقرة «التقوى».

4 - نِعْمَ الْقَرِينُ الرّضى. وَالْعِلْمُ وِراثَهُ كَرِيمَةٌ، وَالْآدَابُ حَلَلْ مُجَدَّدَةً. وَالْفِكْرُ مِرْآةُ صَافِيَةٌ.

• (نعم القرين الرضى) عليك أن تسعى جهدك للرزق، ولا تتكل على القدر، وإذا سعيت ونلت من الحلال دون ما أملت فارض بما تيسر ولا ترفضه وتتبرم به. وقديماً قيل لا يترك الميسور بالمعسور، كيف والحرمان أقل منه، وبعض الشر أهون من بعض ؟ خذ ما تيسر، وانتظر الفرصة الى ما هو أفضل، ولا تتعجل الشيء قبل أوانه، فإن الأمور مرهونة بأوقاتها ولا أظن مخلوقاً حقق

كل ما ينشد من سعادة إلا من روض نفسه على التسليم والرضا بما لا سبيل الى سواه، ولا يقول لشيء لم يكن : ليته كان، أو لما كان : ليته لم يكن.

والرضا بمنطق الواقع هو الذي عناه الإمام، وأثنى عليه بقوله : «نعم القرين الرضا» لأنه يحرر صاحبه من الحيرة والقلق، والتبرم والسخط بلا جدوى.

وبالاختصار ان تعاشة الإنسان قد تأتي من داخله لا من خارجه، ومن صنع يده لا من صنع القدر، لأنه يرفض الانسجام مع ظروفه الخاصة التي تمسه في الصميم، وتؤثر عليه وعلى شؤونه، ولا يجني من معاندتها إلا الآهات والحسرات.. ورأيت من الشباب الجامعي من يأنف ويحتقر بعض الأعمال، لأنها - بزعمه - عيب يمس بكرامته، ويطمح الى وظائف الأغوات وأبناء الذوات، فيبحث ويلهث وراء كل متزعم حتى اذا يئس عاد الى ما استنكف عنه من قبل، وطلبه بلهفة ولكن بعد فوات الفرصة التي لا سبيل الى مردها.. فقعد كسيحاً خاسراً، لأنه أراد القفز أكثر مما تستطيع عضلاته.

وهكذا قضت حكمة الخالق جل وعلا أن يعاقب بالحرمان من استنكف عن رزقه المكتوب.

وأيضاً رأيت كثيراً من الشباب الجامعي يستسلمون لمنطق الواقع، ولا يأنفون من وظيفة كاتب بسيط، وبعضهم من حملة الدكتوراه، ومع الصبر والأيام صار أحدهم مديراً عاماً، وآخر استاذا جامعياً، أو رئيساً لمصلحة، أو قاضياً مرموقاً.. ولا سر - فيما أعتقد - إلا الرضا والصبر الذي هو من مظاهر الحمد والشكر، فأنجز لهم سبحانه قوله ووعده : «لئن شكرتم لأزيدنكم - 7 ابراهيم». حمدا لله وشكراً.

(والعلم وراثة كريمة) قال ابن أبي الحديد في شرحه : «كل عالم يأخذ العلم من استاذه فكأنه ورث العلم عنه» وتبعه ميثم في هذا التفسير وقال : «العلم وراثة عن العلماء»، وقال شارح ثالث : «أخطأ الاثنان، والحق في التفسير ان العلم يؤخذ بلا عوض تماماً كالإرث».. ولو تنبه هؤلاء الشارحون لقول الإمام في الحكمة رقم 147 لأراحوا واستراحوا من هذا التكلف والتعسف. قال الإمام في هذه الحكمة من جملة ما قال : «العلم يكسب الانسان جميل الأحدوثة بعد وفاته» وهذا بالذات هو مراد الإمام بقوله : «والعلم وراثة كريمة»، فإن كلام

الإمام يفسر بعضه بعضاً، لأن مصدره واحد.. وكلنا يعلم ان الناس يذكرون الانسان بعد وفاته بأفعاله وصفاته، وان العلم من الصفات الجلى.

(والآداب حلل مجددة). الحلل المجددة كناية عن البهجة والزينة الدائمة، والمراد بالآداب هنا الصفات الحميدة عند العقل والعقلاء، كالبلاغة والذكاء وحسن السلوك، وما إلى ذاك من الفضائل الشخصية والاجتماعية نقول هذا مع العلم ان تحديد المفاهيم ومعاني الألفاظ من أدق الأشياء وأصعبها.. ولكن هذا ما فهمناه من سياق الكلام، أو منطق الواقع أو منطق الواقع، فإن كان هذا ما أراده الإمام من كلامه هنا فذاك، وإلا فإن الإمام لا يرفض المعنى الذي فهمناه لأنه حق في نفسه ومن حيث هو.

(والفكر مرآة صافية) المراد بالفكر هنا القوة المدركة العاقلة التي اذا أعملها الإنسان بعيداً عن الهوى والمحاكاة دلت على الحق والصواب، وكنى الإمام عن هذه الدلالة الصادقة بالمرآة الصافية التي تعكس الشيء كما هو في واقعه. وأخذنا هذا التفسير من قول الإمام في الرسالة 30 : «من تفكر أبصر» وقوله في الحكمة 113 «لا علم كالتفكير» أي ان العلم بلا تفكير أكثر خطورة من التفكير الذي لا يدعمه علم، كما قال كونفوشيوس

2 - صَدْرُ الْعَاقِلِ صُندُوقُ سِره. وَالْبَشاشَةُ حُبَالَهُ المَوَدَّةِ. وَالِاحْتِمَالُ قَبْرُ الْعُيُوبِ (أوْ) وَالمُسَالَمَةُ خِبَاءُ الْعُيُوبِ. وَمَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثرَ السَّاخِطُ عَلَيْهِ

• (صدر العاقل صندوق سره) بعض الحاجات لا يستقيم قضاؤها إلا بالكتمان،) ومن الجهل والحمق إنشاؤها وإذاعتها.. وكان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا أراد غزواً ورى. ومن ضاق بسره فلا يلومن من أفشاه. والحق خاص بصاحبه، وعلى كل إنسان أن يحترم هذا الحق ويقدسه، ويحرم التجسس عليه.. ولكن الغرب قد انتهك هذا الحق، واخترع للتجسس على الشعوب والبيوت والأفراد آلات مذهلة شديدة الدقة، وقد هددت حرية الإنسان وأصبحت حياته وأسراره مشاعاً للذين يملكون

هذه الآلات، ويبيعونها كالسلعة لمن يدفع الثمن، وفتحوا بنوكاً وحوانيت لبيعها علانية وعلى علم من السلطة التي تصون الأمن الحريات.

وهكذا حولوا العلم من العمل لصالح الإنسان وخدمته الى الإضرار به والاعتداء عليه والقضاء على حريته، وفرضوا عليه لوناً جديداً من الضغط لا نظير له حتى في عصور الجهل والتخلف.

(والبشاشة حبالة المودة) اذا خرجت الابتسامة من القلب دخلت في القلب تماماً ككلمة الصدق والإخلاص، أما ابتسامة المكر فهي وكلمة النفاق سواء، تخرج من الحناجر ولا تتجاوز الآذان.

(والاحتمال قبر العيوب) المراد بالاحتمال هنا الصبر على كلمة تافهة أو حركة نابية من زوجة أو ولد أو جار أو أي سفيه، والمراد بقير العيوب أن هذا الصبر فضيلة تشفع في بعض العيوب، أو تسترها - على الأقل - وأية جدوى من إظهارالغيظ والغضب إلا البغضاء والشحناء.

(ومن رضي عن نفسه كثر الساخط عليه). كثرة الادعاء تدل على كثرة العيوب، ومن استطال على الناس بما فيه أو بزور يدعيه فقد فتح عليه أبواب الدم والطعن والسخرية والاستهزاء والمقت والكراهية.. والعالم حقاً يتواضع ويتوقع الخطأ من نفسه، والدعي اللصيق بأهل العلم يرى نفسه مصدر الحق والصواب ولاحظت من تتبعي لأقوال العلماء وآرائهم أن العالم بحق يعرض رأيه بحذر، أما الضعيف في معرفته فيؤكد أقواله جازماً بأنها الحق الذي لا ريب فيه، وان غيرها هراء وهباء. والسر أن القوي بعلمه يعتمد على العقل، والضعيف يثق بعاطفته، ويقول بوحي منها، ويظن أنه يقول بإملاء العقل والوجدان. وهذا هو الجهل المركب.

6 - الصَّدَقَةُ دَوَاهُ مُنجح. وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ نَصْبُ أعينهم في آجليم.

• المراد بالصدقة هنا كل معونة تسد حاجة من حاجات الحياة خاصة كانت

كإغاثة الملهوف، أم عامة كبناء ميتم يأوي المشردين، أم مصنعاً بنتج الغذاء والكساء والدواء للمحتاجين. وأي دواء أكثر نفعاً من خدمة الإنسان وسد حاجاته ؟ وليست هذه الصدقة أو المعونة تجيب دعوة المضطر وكفى،، بل هي أيضاً دواء وخلاص من عذاب الحريق لمن ضحى وأعان يوم الحساب والجزاء

ويأتي قريباً قول الإمام : «من كفارة الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب». هذا إذا كان الملهوف والمكروب واحداً، فكيف بإغاثة الأجيال والألوف ؟

(واعمال العباد في عاجلهم الخ).. من عمل في دنياه لمنفعة الآخرين - يجد ثواب عمله مجسماً نصب عينيه في آخرته.

7 - اعْجَبُوا لِهَذَا الْإِنسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَيَتَكَم بِلَحْم، ويَسْمَعُ يعظم، وَيَتَنَفْسُ مِنْ خَرم.

• المراد بالشحم هنا غير اللحم كالجلد الشفاف الذي يغطي شبكة العين ونحوه، أما العظم فالمراد به الغضروف، وهو عظم طري.

أشار الإمام الى أربعة أعضاء : البصر واللسان والسمع والأنف. وللعين مهمتان الأولى انها نافذة الى القلب تتسرب اليه منها ما تراه في الخارج. المهمة الثانية انها مرآة تعكس في كثير من الأحيان ما هو مودع في القلب من حب وبغض، وفطنة وبلادة، وخير وشر، ومعنى هذا ان العين تعطي القلب وتأخذ منه، تؤثر فيه، ويُؤثر فيها. وأيضاً معنى هذا ان كل ما في العين لا بد أن يكون رقيقاً شفافاً يحكي عما وراءه، ونقياً صافياً ينعكس فيه ما تقع عليه العين، ومن البداهة أن في اللحم غلظة وكثافة، وان كان اللحم أقل كثافة من العظم والشحم أخف وأرق من اللحم، وهو أشبه بـ «النيلون»

أما اللسان فهو أكثر الأعضاء حركة وقبضاً وبسطاً.. تجري حركته بسرعة بلا تعب وكلال عند الكلام والشراب والطعام، وعند ابتلاع الريق أو قذفه، بل يتحرك عند السكوت وترك الطعام والشراب.. فاستدعى ذلك أن يكون حلماً

رطباً بلا عظم وعصب، وأن يكون في الفم بمنزلة الصدر للقلب صوناً له من العوارض الخارجية.

وأما الأذن فهي الأداة اللاقطة للصوت، والصوت يحمله الهواء، ولا يدخل الى الأذن إلا بعد انكسار حدته، فجعلها سبحانه عضواً ليناً لا لحما مسترخياً، ولا عظماً صلباً بل عظماً طرياً متماسكاً.

أما التنفس في الإنسان فيقول أهل الاختصاص أن له عضلات كثيرة، وأهمها الأنف، وبه يُستغنى عن الفم لاستنشاق الهواء، وقد جعل سبحانه تجويفه بقدر الحاجة، ولو كان أوسع مما عليه لدخل الى الجوف من الهواء أكثر من المطلوب، أو أضيق لدخل دون القدر اللازم، وأيضاً جعل التجويف مستطيلاً لينحصر فيه الهواء وتنكسر حدته قبل أن يصل الى الدماغ، وإلا صدمه بقوته وأوقفه عن الحركة.

فسبحان الذي خلق فسوى، وقدر فهدى.

8 - إذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلى أَحدٍ أَعَارَتُهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ. وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ

• المراد بإقبال الدنيا على الإنسان أن ينال منها ما يُغبط عليه أو يحسد، والمراد بإعارته محاسن غيره أن يرفع فوق منزلته، كمن ساد، وما هو بأهل للسيادة وليس من الضروري أن تنسب اليه فضائل الآخرين، كما توهم الشارحون، بل قد يكون ذلك، وقد لا يكون، والمعيار أن يقدر بأكثر من ثمنه والمراد بسلبته محاسن نفسه أن تبخس أشياؤه، ويبهظ حقه ومقامه. والأمثلة على ذلك لا تحصى كثرة، منها ان يؤلف شهير كتاباً، فيقبل عليه الناس ويشتروه بأغلى الأثمان، ويكيلوا له المديح بلا حساب، ويستشهدوا بكلماته كدليل على الحق !. ولو نُسب هذا الكتاب بالذات الى مغمور مجهول لأعرضوا عنه.. وربما سخروا منه.

وفي الخطبة 107 أوضح الإمام السبب الموجب وبينه بقوله : «فهو عبد لها - أي للدنيا - ولمن في يده شيء منها حيثما زالت زال اليها، وحيثما أقبلت أقبل

عليها». انه يقبل ويدبر بوحي من دنياه ومصلحته، وهو يظن أنه ما فعل وما ترك إلا بإملاء الحق والعدل.

9 - خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةٌ إِنْ مُتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عشتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ.

• فرق بعيد بين النفاق وحسن المعاشرة، فالنفاق أن تضمر البغض وتظهر الحب، أما حسن المعاشرة فهي أن تحسن ولا تسيء، وتحب ولا تكره، وتعين ولا تخذل.. وبهذا تكون محبوباً عند الناس يبكون عليك ان مت، ويحنون عليك ان غبت. قال سبحانه : «وقولوا للناس حسنا - 83 البقرة». وقديماً قيل: أحبب لغيرك ما تحب لنفسك.. ولا خير قيمن لا يألف ولا يؤلف. ومن أقوال الإمام : أسوأ الناس حالا من لم يثق بأحد لسوء ظنه، ولم يثق به أحد لسوء فعله. وقال : القريب من قربته الأخلاق، والغريب من لم يكن له حبيب. وتقدم ذلك في الرسالة 30.

10 - إِذَا قَدَرْتَ عَلى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ العَفْوَ عَنْهُ شُكراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

• علمتني التجربة وتكرارها أشياء، منها أن من فرّ الى الله وقرع بابه مخلصاً أغاثه وشمله بعنايته، ومنها أن من شكر القليل من فضله تعالى زاده أضعافاً، ومن رفضه وتبرم به طلبا للكثير عاقبه بالحرمان، وان من أبى إلا القصاص بيده ممن أساء اليه تركه سبحانه وشأنه يشفي غيظه من عدوه ان استطاع، وان من عفا عن حقه الخاص لوجه الله كان له ناصراً، وعوض عليه أضعافاً مضاعفة ويأتي قول الإمام : أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. وقوله : أول عوض الحليم من حلمه ان الناس انصاره على الجاهل.

11 - أَعْجَرُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيْعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ.

• قالوا في تعريف الصديق وصفاته وأكثروا. والوصف الداخل في ماهيته أو اللازم لها هو أن الصديق حقاً وواقعاً يرفض الشائعات عن صديقه حتى ولو كان على جهل مصدرها. وهذا الصديق ثروة وعدة في الدين والدنيا، قال تعالى حكاية عن أهل النار : «فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ - 101 الشعراء». وقيل لحكيم قديم : ما أفضل ما يقتنيه الإنسان ؟ فقال : «الصديق المخلص». وإذا كان الإخوان أفضل قوة وثروة يقتنيها الإنسان فمن العجز أن تعيش بلا أصدقاء، وان ضيعت واحداً منهم بعد الظفر به فأنت أخسر الفاشلين، كما قال الإمام.

وقال بعض الشارحين : للصداقة طرق وأسباب، وعد منها «الملاقاة بالبشر والطلاقة». والحق ان السبب الوحيد للصداقة هو التوافق في الطباع حتى الطيور على أشكالها تقع. واشتهر عن نبي الرحمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها التلف، وما تناكر منها اختلف. وتقدم الكلام عن الصداقة في الرسالة 30 وفيها يقول الإمام : ولا تضيعن حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه.

وبعد، فلا متعة أعذب وأطيب من حديث تنفض به عن قلبك غبار الآلام والأشجان أمام صديق يصغي اليك بروح زاكية تطمئن اليها، وعاطفة دافئة تلجأ اليها .. ومن فقد متعة الإحساس بالصداقة فقد حرمه الله أجمل ما في الحياة، وان كان بيته مترفاً ومزخرفاً.

12 - إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أطْرَافُ النعم فَلَا تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بقلة الشكر.

• المراد بأطراف النعم أوائلها أو القليل منها، وبأقصاها نموها وزيادتها، والمعنى ان الله سبحانه إذا أحدث لك نعمة فاحفظها وعظمها بالشكر والتدبير، من أي

نوع كانت وتكون، وان حقرتها وقصرت في حفظها وشكرها سلبها الله منك، وحرمك من غيرها. وتقدم في الرسالة 68 قول الإمام : «واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك، ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك».

وقد من سبحانه على المسلمين بدولة كريمة فلم يشكروها بالجهاد والإخلاص وأضاعوها بالخلافات واتباع الشهوات، فسيموا الخسف جزاء وفاقاً.

13 - مَنْ ضَيَّعَهُ الْأَقْرَبُ أَتِيحَ لَهُ الْأَبْعَدُ.

• لا تيأس إذا أصابك شر من الأقارب والأرحام فأبواب الخير والنجاح عند الله لا يبلغها الإحصاء، فإن أغلق دونك باب منها فتح الله عليك ما هو خير وأجدى.. ومن توكل عليه كفاه حتى ولو كاد له أهل السموات والأرض ومن بينهن.

14 - مَا كُلُّ مَفْتُونٍ يُعَاتَبُ.

المراد بالمفتون هنا من فعل ما لا ينبغي فعله، والمعنى اذا رأيت شذوذاً من إنسان فلا تبادر الى لومه وعتابه قبل أن تعرف السبب الموجب، فابحث وانظر، فإن كان السبب مشروعاً كمن أكل من الميئة أو سرق رغيفاً لسد الجوعة فهو معذور إذا انحصر سبب الحياة بذلك، أو كان جاهلاً بلا تقصر، وان كان لمجرد الهوى واللامبالاة بالدين والقيم فهو مأزور، وعليك أن ترشده بالحسنى.. اللهم إلا مع اليأس من صلاحه وإصلاحه كابن عمر وابن وقاص وابن مسيلمة حيث أحجموا عن بيعة الإمام، ولم ينصروا حقاً، ويخذلوا باطلاً.

15 - تَذِلُّ الْأمُورُ لِلْمَقَادِيرِ حَتَّى يَكُونَ الْخَلْفُ فِي التَّدْبِيرِ.

• يحذر الإمام بهذا من المخبات والمفاجآت التي لا تراها العيون، ولا تومىء إليها القرائن من قريب أو بعيد، يحذر كل إنسان من ذلك كي يحتاط ويحترس..

على ان الوقاية من الهلاك قد تكون هي السبب الموجب له، كالطبيب يصف نوعاً من الدواء لمريضه بقصد الشفاء، فيقضي عليه، أو يتحصن الجيش من عدوه في مكان ملغوم، أو يفر من الجهاد طلباً للسلامة فيقع فيما هو أدهى وأمر.

16 - سُئِلَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) «غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تَشبَّهُوا بِالْيَهُودِ، فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : إنّما قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه)ِ ذَلِكَ وَالدِّينُ قُلُ، فَأَمَّا الْآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ فَامْرُؤٌ وَمَا أَخْتَارَ.

• الدين قل أي لم ينتشر بين الناس ويكثر أتباعه. والنطاق : الحزام. والجران مقدم البعير يضرب به الأرض إذا استراح، وكان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد أمر الشيوخ من أصحابه أن يستروا الشيب عن العدو بالخضاب ليظهروا أمامه في هيئة الأقوياء. فقال الإمام : ذلك حيث كان الإسلام ضعيفاً بقلة أتباعه، أما اليوم وقد ظهر على الدين كله فلم يبق لهذا الحكم من موضوع، فمن شاء فليترك الخضاب، ومن شاء فليخضب. وبهذا القصد ألغى عمر سهم المؤلفة قلوبهم.

وتسأل : ألا يتنافى هذا الحديث المشهور عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : حلال محمد حلال الى يوم القيامة، وحرامه حرام الى يوم القيامة ؟.

الجواب :

ان الأحكام الشرعية الإسلامية على نوعين : الأول منهما يرتبط بطبيعة الإنسان و فطرته من حيث هو إنسان، وهذا النوع من الأحكام لا يتغير ولا يتبدل تماماً كنظام الكون والأفلاك في حركاتها الدائبة، ولو اختل شيء منه لانهار الكون بما فيه الاجتماعية . وهذا النوع هو المقصود بالحديث المشهور. والنوع الثاني يرتبط بالحياة، وهذا تتغير أحكامه تبعاً لتغير المجتمع من حال الى حال حيث يتغير موضوع الحكم وسبيه الموجب، وخضاب الشيب أو عدم خضابه من هذا النوع وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 174 فقرة : «التحليل والتحريم بين الإسلام والمسيحية».

17 - خَذَلُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَنصُرُوا الْبَاطِلَ.

• ضمير الجماعة في خذلوا ولم ينصروا يعود الى الذين لم يبايعوا الإمام، ولم يحاربوا ضده ولا معه كابن وقاص وابن عمر. قال ابن أبي الحديد : يدل هذا القول من الإمام أنه راض عنهم أما ميثم فقال : يجري هذا الكلام مجرى العذر عنهم.

أما نحن فلا نرى ذماً أوجع وأقذع من هذا.. كيف وقد تهيأت كيف وقد تهيأت لهم الأسباب الكافية الوافية لمناصرة الحق وخذلان الباطل ؟ هذا تجاهلوا وأحجموا..ومع وفي الخطبة 29 وبخ الإمام المتقاعسين عن القتال معه وقرعهم بقوله : «لا يدرك الحق إلا بالجد ومع أي إمام بعدي تقاتلون ؟». وقال سبحانه : «فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ - 9 الحجرات». وقال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : الساكت عن الحق شيطان أخرس.. الى كثير من الآيات والروايات.

18 - مَنْ جَرَى فِي عِنَانِ أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجَلِهِ.

• كل الأعمال بالآمال، ولولا الأمل لبطل العمل. والمذموم هو أن تطلق العنان لأملك في الدنيا وحطامها، وتزاحم الآخرين، وتعلن الحرب من أجلها غير مكترث بواجب أو حرام، ولا بدين وشريعة. ومن كان هذا شأنه نسي الموت وما بعده، واختطفه على حين غرة، وذهب به الى خالقه بلا زاد واستعداد.

19 - أقِيلُوا أقِيلُوا ذَوِي الْمُرُوءَاتِ عَثَرَاتِهِمْ فَمَا يَعْشُرُ مِنْهُمْ عَائِرُ إِلَّا وَيَدُ اللهِ بِيَدِهِ يَرْفَعُه.

• المراد بذوي المروءات كل من يأنف من القبيح، وينزه نفسه عما يشين، ويتغافل عن زلل الاخوان، وقال بعض السلف : رأيت المعاصي مذلة، فتركتها

مروءة. أما العثرات فالمراد بها بعض الهفوات والسقطات التي لا يخلو منها إلا من عصم ربك، والمعنى تجاهلوا هفوة من كريم.. وأي الرجال المهذب؟. ولا يقيم الحد من كان الله عليه حد، كما قال الإمام أمير المؤمنين، وقال السيد المسيح : من كان منكم بريئاً فليرمها بحجر. يريد الزانية.

(ويد الله بيده يرفعه) أي انه تعالى يتداركه برحمته، وذلك بأن يهيء له أسباب التكفير عن هفوته وعثرته بالتوبة أو بأية فضيلة من الفضائل : «إنَّ الحَسَنَات يُذهِبن السَّيِّئَات - 114 هود».

20 - قُرِنَتِ الهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ، وَالْحَيَاء بِالْحِرْمَانِ. وَالْفُرْصَةً تَمرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَانتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ.

• الخوف من الله ختم، وهو مقام الربانيين، والخوف من القول والفعل بلا علم حسن وجميل، وهو من صفات العلماء والمتقين، وكل خوف ما عدا هذين فهو جين وخور. فأقدم على ما يطمئن اليه قلبك، وان قال الناس وقالوا.. وان أحجمت خوفاً من قيلهم وقالهم عشت حياتك سلبياً فاشلاً.. على أنك لا أنك لا تسلم من السنة الناس وان حذرت منها ومنهم وأحمد الله سبحانه الذي عافاني من هذا الداء، ولو شاء لفعل. وتقدم الكلام عن ذلك في الحكمة رقم 2 عند شرح قوله : «الجبن منقصة».

(والحياء بالحرمان). الحياء من فعل ما لا يقره عقل ولا دين، وتأباه الكرامة والمروءة هو من الدين في الصميم، وسنة من سنن الأنبياء والمرسلين، وخلق من خلق الأباة والسراة، أما الحياء من الحلال، وبخاصة ما ينفع الناس فهو عجز وخوف، وخنوع واستكانة، وخلق من خلق الضعفاء والجبناء وهذا النوع من الخوف هو مراد الإمام، ومن أقواله : «تكلموا تعرفوا» ومن الأمثال العامة : «لا ينجب أولاداً من يستحي من زوجته».

وبهذه المناسبة نشير الى ما قيل في تفسير هذا الحديث : «مما ادرك الناس من كلام النبوة : إذا لم تستح فافعل ما شئت». قيل في تفسيره : إذا لم تستح

من الله والناس فافعل ما بدا لك من حلال وحرام، وحسن وقبيح. وهذا المعنى معروف بين الناس. وقيل : معناه إذا لم يكن في الفعل ما تستحي منه فافعله، ولا بأس عليك. وكل من المعنيين صحيح يتحمله لفظ الحديث.

أما فرص الخير فإنها تمر من السحاب، كما قال الإمام، واغتنامها سعادة وكرامة، وفواتها حسرة وندامة. ولا أرى مثيلاً لمن أضاع الفرصة إلا منكر الجميل. هذا أخذ ولم يشكر، وذاك رفض ما يستوجب الشكر، وكل مقصر. وتقدم الكلام عن ذلك في الرسالة 30.

21 - لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أَعْطِينَاهُ وَإِلا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَإِنْ طَالَ السُّرَى.

• الراكب اعجاز الإبل هو الرديف أي الراكب خلف الراكب. والسرى : سير الليل، والمراد به هنا طول الأمد. ولا خلاف بين أحد في ان الإمام كان يرى أنه أحق بالخلافة من جميع الصحابة دون استثناء، وانه احتج لحقه هذا بالحسنى، وأقواله في النهج وغير النهج صريحة في ذلك. وقال هنا : ان أعطي هذا الحق عن رضا وطيب نفس فذاك، وإن زاحمه عليه مزاحم صبر ولا يثير حرباً حتى ولو جاء رديفاً، بل ورابعاً، وطال الأمد سنوات وسنوات.. لا لشيء إلا حرصاً على مصلحة الاسلام والمسلمين، وخوفاً من الفتنة وانشقاق الكلمة. وهذا ما حدث بالفعل.

وقيل : يجوز أن يكون مراد الإمام انه اذا لم يحصل على حقه في الخلافة ركب الصعاب من أجله. وهذا المعنى قريب من دلالة اللفظ، وبعيد عن الواقع، لأن الإمام ما زاد شيئاً عن النقاش والجدال بالتي هي أحسن. أما تفسير الشريف الرضي بالذل فأبعد من بعيد، لأن الله ورسوله يأبى الذلة لأهل البيت.

22 - منْ أَبْطَاً بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ.

• ليست الفضيلة بالمال والأنساب، بل بالعلم والعمل. ولا فرق بين أعمى بصر

يعتمد على عصا، وأعمى بصيرة يعتمد على عظام المقابر. وصدق الله العظيم: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ - 13 الحجرات».

23 - مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ وَالتَّنْفِيسُ عَنِ الْمَكْرُوبِ.

• التنفيس عن المكروب عطف تفسير على إغاثة الملهوف. والصدقة عامة وخاصة كما أشرنا في شرح الحكمة 6 وكلام الإمام هنا عن الخاصة،، ومن أمثلة الملهوف مريض لا يملك أجرة الطبيب وثمن الدواء، وذو عيال وأطفال يعجز عن قوتهم ونفقتهم، ومدين لا سبيل له الى الوفاء، ومظلوم لا يجد المعين على ظالمه إلا الله.

ولكل واحد من هؤلاء ومن اليه - كبد حرى لاهفة تائهة لا تدري ما الحيلة والوسيلة ؟ فمن رد لهفتها، ورحم حيرتها صفح الله تعالى العظيمات من سيئاته وكان في عونه دنيا وآخرة. وفي الحديث : من لا يرحم لا يُرحم. وقال الإمام : كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد.

24 - يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبِّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ.

• تكرر هذا المعنى في كلام الإمام بأساليب شتى، وأيضاً يأتي قوله : «كم من

مستدرج بالإحسان اليه، ومغرور بالستر عليه»، ومغرور بالستر عليه.. والقصد الأول والأخير التحذير من معصية الله والركون الى الدنيا وزينتها.

وتسأل : لقد رأينا الكثير يزدادون طغياناً كلما ازدادوا مالاً وجاهاً، ومع هذا يمضون بلا مؤاخذة.. ولا يتفق هذا التخويف من العقوبة ؟.

الجواب : المراد هنا التحذير من عذاب الآخرة، وهي أشد وأخرى من آلام الدنيا وضرباتها. قال سبحانه : «إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ - 42 ابراهيم». وبكلمة : ان الله يمهل ولا يهمل

25 - مَا أَضمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ.

• للتعبير عما في النفس العديد من الوسائل، منها اللفظ والكتابة والإشارة، ومنها الرقص والرسم والألحان، ومنها نظرات العين، وابتسام الفم وصفحات الوجه والعبوس والدموع، حتى الميني جوب وشعر الخنافس بل والصمت أيضاً بعض الأحيان من وسائل التعبير.. وبالأولى فلتات اللسان.

وقال أديب شهير : يستحيل إخفاء الحقيقة، لأن قانون الفعل يقابله قانون رد الفعل، وان هذا القانون يطبق في المجال النفسي كما يطبق في المجال الميكانيكي وعليه فإن فعل الإخفاء يصطدم برد فعله، وهو الإظهار بأسلوب أو بآخر ؛ وبالتالي من وضع ستاراً على الواقع هتكه رد فعله لا محالة.

26 - إمْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ.

• اذا أحسست بفتور أو ألم فلا تسرع الى الطبيب، أو تخلد الى الفراش، بل اصبر وتجلد ما استطعت وامض في عملك، فربما كان الحادث طارئاً لا يلبث أن يزول، ومتى عجزت عن الحركة فاخلد الى الراحة وخفف الطعام، ولا تلجأ الى الطبيب إلا عند الضرورة.. ومعنى هذا ان الإمام لا يشير باستعمال الدواء إلا للمضطر الذي لا يجد وسيلة الى الشفاء إلا به، لأن الدواء ان أفاد من جهة أخر من جهة ثانية. وتقدم قوله في الرسالة 30 : «ربما كان الدواء داء». وفي مستدرك النهج، عن الإمام انه قال : لا يتداوى المرء حتى يغلب مرضه صحته. وقرأت عن المعمرين أن أكثرهم لا يعرف طبيباً ولا دواء.

وقال بعض الشارحين : أوصى الإمام في حكمته هذه بالصبر على كل مكروه ما دام الصبر ممكناً ! والرضا بمنطق الواقع حسن، ولكن بعد الجهاد وإفراغ الوسع.

27 - أَفْضَلُ الزُّهْدِ إخفاء الزُّهْدِ.

• في الخطبة 79 حدد الإمام الزهد بقوله : «الزهادة قصر الأمل، والشكر عند النعم، والتورع عن المحارم». وفي الخطبة 32 قسم الناس إلى أصناف، منهم من طلب الدنيا فنفرت منه، وبعد اليأس تحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهادة. وإذا عطفنا قوله هنا : أفضل الزهد إخفاء الزهد عطفناه على ما تقدم - نتج معنا أن الزاهد حقاً وصدقاً هو الذي أرادته الدنيا فأعرض عنها، واذا أخفى ذلك عن الناس فقد أضاف فضلاً الى فضل، وزاده الله أجراً على أجر.

أما طريق الإخفاء فهو أن يلبس للناس المألوف لأمثاله، ولا يتحدث عن زهده، وان حضر مائدة فيها ما لذ وطاب، أكل كأحد الحاضرين دون أن يشعروا أنه من الزاهدين.

28 - إِذَا كُنتَ فِي إدْبَارِ وَالْمَوْتُ فِي إِقْبَالِ فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى.

• المراد بالإدبار هنا مضي الأيام من العمر، وبإقبال الموت أنه آت في أجله لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه، والمعنى أنت مسرع الى الموت فاستعد له. وفي الرسالة 30 (من كانت مطيته الليل والنهار يسار به وان كان واقفاً، ويقطع المسافة وان كان مقيماً).

29 - الْحَذَرَ الْحَذَرَ، فَوَاللهِ لَقَدْ سَتَرَ حَتَّى كَانُهُ قَدْ غَفَرَ

• الى متى تتمادى في غيك - أيها العاصي - أتظن أنك مهمل ومغفول عنك، أو مغفور لك ؟ كلا، انه تعالى يمهل ولا يهمل، وما سكت عنك إلا امتحاناً لك، ورحمة بك عسى أن تثوب الى رشدك وعقلك. وتقدم مثله مراراً، وآخرها في الحكمة 24.

الإيمان :

30 - الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلى الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ وَالْعَدْلِ وَالْجِهَادِ. والصَّبْرُ مِنْهَا عَلى أَربع شُعَب : عَلى الشَّوْقِ وَالشَّفَقِ وَالزَّهْدِ وَالتَرَقب. فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ المُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَسْتَهَانَ بِالمُصِيبَاتِ، وَمَنِ ارتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ. وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلى أربع شُعَب: عَلى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ، وَتَأول الحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ، وَسُنَّةِ الأولِينَ. فَمَنْ تَبَصَّرَ في الفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الحِكْمَةُ عَرَفَ العِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنما كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ. والعَدْلُ مِنْهَا عَلى أَربع شُعَب : عَلى غَائِصِ الفَهْمِ وَغَوْرِ العِلم وَزُهْرَةِ الحُكم، وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ. فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكمِ، وَمَنْ حَلَمَ لَمْ يُفَرِّط فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً. وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلى أَرْبَعِ شُعَب : على الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي المَوَاطِنِ، وَشَنَآن الفَاسِقِينَ، فَمَنْ أَمَرَ بالمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نهى عَنِ الْمُنكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْمُنَافِقِينَ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ شَنِىء الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اللهُ لَهُ وَأَرْضاهُ يَوْمَ القيامة.

• كل من قال : أشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله يسمى مسلماً، وتجري عليه أحكام الاسلام، كالإرث والزواج والدية سواء أنطق بهذه الشهادة عن علم أم جهل، وعن صدق أم نفاق وفي صدر الاسلام كانت كلمتا : المؤمن والمسلم مترادفتين أو متقاربتين في المعنى، وقد أطلق القرآن كلمة المؤمنين على المسلمين، وخاطب الجميع بيا أيها الذين آمنوا في العديد من آياته.

وهناك آية تشترط في المؤمن الحق معرفة القلب، وخشوعه لذكر الله، وخوفه منه، وتوكله عليه مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهي قوله تعالى : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ - 4 الأنفال». وفي معنى هذه الآية أو قريب منه قول الإمام : الايمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.

ووجه الجمع بين هذه الآية وغيرها من الآيات التي أطلقت كلمة المؤمن على كل من نطق بالشهادتين هو ان هذا الناطق يعامل في الدنيا معاملة المسلم لمجرد النطق وكفى، وفي الآخرة يعامل على أساس القول والعمل معاً، ولا يكتفى منه بمجرد النطق. ومهما يكن فإن الإمام هنا لا يتكلم عن الايمان من حيث هو وعلى وجه العموم والشمول، بل عن ايمان خاص يأتي بعد العصمة من غير فاصل بدليل انه جعل العدل من دعائمه، وليس من شك ان الايمان أعم، والعدل أخص. وهذا الايمان الذي يتكلم عنه الإمام يقوم على أربع دعائم وهي :

1 - الصبر، وله أربع علامات : الأولى الشوق الى رحمة الله وجنته ومن البداهة أن من تطلعت نفسه الى نعيم الآخرة انصرف بجميع كيانه عن الدنيا وزينتها. الثانية الشفق أي الخوف من عذاب النار، ومن خاف من شيء ابتعد عما يؤدي اليه. العلامة الثالثة اللامبالاة بالدنيا وأشيائها، أقبلت أم أدبرت سالمت أم حاربت. الرابعة العدة والتأهب للموت بالتقوى والعمل الصالح.

2 - اليقين الصادق الثابت، وأيضاً له أربع علامات : الأولى الثقة بكل ما يصدر عنه، كما قال الإمام في الرسالة 61 : «اني لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي». وفي الخطبة 4 : «ما شككت في الحق مل أريته». الثانية معرفة

الحقائق على وجهها، كتنزيه الباري عن المادة والزمان والمكان والتشبيه والتعطيل والجهل والظلم، وكالعلم بالشريعة وأسرارها وبالبدع وآثارها. العلامة الثالثة الاتعاظ بالعبر والانتفاع بالنذر. الرابعة العمل بسنة السلف الصالح.

3 - العدل، وعلاماته أربع : الأولى (غور العلم) أي أسراره ودقائقه. الثانية (غائص الفهم) أي تطبيق العلم على موارده، ولا يكفي مجرد الحفظ والاطلاع، والقدرة على الجدل واستخدام البراهين. العلامة الثالثة (زهرة الحكم) وهي وضوحه لكل الناس في الفصل بين الحق والباطل. الرابعة (رساخة الحلم) بحيث إذا غضب العادل فلا يخرجه الغضب من الحق ولا يدخله في الباطل.

4 – الجهاد، وله أربع علامات : الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر والثبات في ميدان القتال، وكراهية الظلم والفساد

وكل هذه الدعائم التي ذكرها الإمام، والعلامات لكل دعامة - تدل دلالة قاطعة على أنه يتحدث عن الإيمان الكامل المتاخم للعصمة، كما أشرنا.

الكفر والشك :

31 - الكُفْرُ عَلى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى التَّعَمُّقِ وَالْتَنَازُعِ وَالزَّيْعَ والشَّقَاقِ، فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنب إلَى الْحَقِّ وَمَنْ كَثُرَ يَزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عماهُ عَنِ الْحَقِّ. وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِندَهُ الحَسَنَةُ وَحَسُنَتْ عِندَهُ السَّيِّئَةُ وسكر سُكْرَ الصَّلالَةِ. وَمَنْ شَاقّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طَرْقُهُ وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ. وَالشَّكُ عَلى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلى التَّمارِي وَالهَوْلِ وَالتَّرَدُّدِ والاستسلام، فَمَنْ جَعَلَ المَرَاءِ دَيْدَنَا لَمْ يُصْبحْ لَيْلُهُ. وَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ. وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي

الريب وَطِئَتَهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ. وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هلك فيها.

• للكافر عند المسلمين أصناف، منها أن يجحد الخالق من الأساس، أو يؤمن به وينكر اليوم الآخر، أو يؤمن بهما معاً وينكر نبوة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). ومنها أن يجعل مع الله إلهاً آخر، أو ينسب اليه صاحبة وولداً، ومنها أن يغالي في مخلوق وينعته بصفة من صفات الخالق، أو ينصب العداء لأهل بيت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ومنها أن ينكر ضرورة دينية ثبتت بإجماع المسلمين، كوجوب الصوم والصلاة، وتحريم القتل والسلب والنهب. وأشار الإمام الى أصناف الكافر بقوله : (الكفر على أربع دعائم) وهي.

1 - التعمق، والمراد به اقتحام السدود المضروبة دون الغيب كالبحث عن ذات الله سبحانه وكنهه، وتقدم ذلك في شرح الخطبة 89، وجاء فيها : «إن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدود المضروبة دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن کنهه رسوخاً».

2 - التنازع، أي الجدال في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، كما في الآية 8 من سورة الحج.

3 - الزيغ، وهو الانحراف عن الحق الذي يشمل الجحود بالله والنصب والمغالاة .

4 - الشقاق، أي إنكار الحق عناداً ومكابرة، ويصدق هذا فيما يصدق على منكر الضرورة.

(فمن تعمق لم يُنب الى الحق) المراد بلم ينب لم يرجع، والمعنى من بحث عن ذات الله وكنهه يبقى حائراً مدى عمره، ولا يرجع الى رشده إطلاقاً، لأن المحدود لا يدرك غير المحدود (ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق) لا شيء وراء الجدال والنقاش بالجهل إلا الحيرة والضلال، أما الجدال مع العلم بالحق وإخفائه فهو نفاق وكذب متعمد (ومن زاغ الخ).. عن طريق الهدى

رأى الخير شراً، والشر خيراً (ومن شاق الخ).. أي تمرد على الحق فقد ركب الصعب وسلك مسالك التهلكة، ولن يجد فرجاً ولا مخرجاً.

(والشك على أربع شعب) : الأولى التماري، ومعناه الجدال بلا تعمق، والمراد به هنا السفسطة واللعب بالألفاظ البراقة التي تريك المستحيل ممكناً، والممكن مستحيلاً. الثانية الهول، أي الخوف من الوقوع في الخطأ، والخائف ينفر من خياله، ويحسبه عدواً جاء لاغتياله. الثالثة التردد في العزم والنية، ومن كان هذا حاله لا يأتي بخير. الرابعة الاستسلام لكل راكب وقائد الى الهلاك والدمار

32 - فَاعِلُ الخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَفَاعِلُ الشِّرِّ شَرٌّ مِنْهُ.

• كل ما فيه جهة صلاح للناس بلا ضرر على أحد فهو خير، وكل ما فيه جهة فساد بلا نفع أو كان ضره أكثر من نفعه فهو شر. وليس من شك ان الفاعل علة للفعل، والعلة أقوى وأكمل من المعلول، لأن لها من الصفات الذاتية ما لا يظهر ولا يمكن أن يظهر في المعلول أي أن في العلة ما في المعلول وزيادة. وغير بعيد أن يكون مراد الإمام مجرد الحث على فعل الخير وترك الشر، وليس من قصده التفاضل بين الفعل وفاعله.

33 - كُن سَمْعاً وَلَا تَكُنْ مُبَذَراً. وَكُنْ مُقَدِّراً وَلَا تَكُنْ مقتراً.

• المبذر : ينفق المال فيما لا ينبغي، والمقدر : يقدر العواقب، فينفق دون ما يكسب، ويدخر الفاضل لوقت الحاجة، وعلى الأقل قدراً بقدر. والمقتر : يُضيق في النفقة على نفسه وعياله بلا ضرورة، والسمح هو السهل اللين لا يقتر ولا يبذر، ويضع كل شيء في محله، والمعنى: كن بين بين، كما نطقت الآية 29 من سورة الإسراء : «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا».

34 - أَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى.

• كل إنسان يتمنى أن تكون له زوجة صالحة وولد بار، وأن يكون عالماً عاقلاً، وسليماً معافى، وغنياً عن الناس. وهذا النوع من التمني لا يوصف بخير ولا بشر، لأنه لازم قهري لطبيعة الإنسان وفطرته، أما الذي يتمنى العفو والرحمة من الله، والخير لكل الناس، وان يمحق الله الظلم وأهله فهو من الطيبين الأخيار وليس من شك ان النبي وعلياً وصالح المؤمنين تمنوا الهداية للناس اجمعين.

وعليه فالإمام يتكلم عن التمني الذي هو بالحمق أشبه، كالطمع في غير مقبل. وعلى أية حال فإن التمني لا يجلب نفعاً، ولا يدفع ضراً. وقد يخدع الشهوات ويخدرها الى حين، كما قال المتنبي :

منى ان تكن حقاً تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا.

35 - مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ قَالُوا فِيهِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ.

• من أساء الى الآخرين ذموه بالحق وبالباطل، واتخذ منهم أعداء لنفسه، والبادي أظلم، بل من ادعى ما ليس فيه مقته الناس، وذموه بأكثر مما يستحق.

36 - مَنْ أَطَالَ الْأَمَلَ أَسَاء الْعَمَلَ.

• الأمل هو الطاقة المحركة لحياة الانسان، والقوة الدافعة له على العمل. فالتاجر يفتح حانوته أملاً بالربح، والفلاح يزرع أملاً بالحصاد، والطالب يجد ويجتهد أملاً بالنجاح. وهكذا، ومن هنا قال الإمام : طول الأمل، ولم يقل الأمل. وليس من شك أن طوله يُنسي الموت، وان الانسان في طريقه الى الرحيل، ومن نسي هذا المصير تحدى جميع القيم، وتعالى على الحق والعدل عناداً واستكباراً.

37 - واللهِ مَا يَنتَفِعُ بِهَذَا أَمَرَاؤُكُمْ. وَإِنَّكُمْ لَتَشقُونَ بِهِ عَلى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ. وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ، وَمَا أَخْسَرَ المَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ. وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الْأَمَانُ مِنَ النَّارِ.

• قال الشريف الرضي : مر الإمام في طريقه الى حرب معاوية بمكان من بلاد العراق يسمى الأنبار، ولما رآه زعماء الفلاحين نزلوا عن خيولهم، وأسرعوا بين يديه، فاستنكر ذلك وقال : ما هذا الذي صنعتموه ؟ قالوا : خلق منا نعظم به أمراءنا. فقال : وأية جدوى لكم ولأمرائكم بهذا التقليد البغيض ؟ انه تعب و نصب عليكم في الدنيا، وشقاء وإرزاء في الآخرة.

(وما أخسر المشقة وراءها عقاب). أخسر الناس صفقة من أتعب نفسه في دنیاه، وشقي في آخرته (واربح الدعة معها الأمان من النار). النعمة الكبرى آن تعيش دنياك في هدوء وطمأنينة، وأن تأمن في آخرتك من عذاب النار وغضب الجبار ..اللهم إنا في هذه النعمة لراغبون، وأنت الوسيلة اليها وحدك لا شريك لك.

38- يا بني أحفظ عَنِّي أربعاً وأربعاً لا يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنٌ : أغْنَى الغِنَى الْعَقْلُ. وَأَكْبَرُ الفَقْرِ الْحُمْقُ. وَأَوْحَسُ الوَحْشَةِ العُجْبُ. وَأَكْرَمُ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ. يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرِّكَ. وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ عَنْكَ أَخْرَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ فَإِنَّهُ يَبيعُكَ بِالتَّافِهِ. وإيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الكَذَّابِ فَإِنَّهُ كَالسَّرَاب يُقَرِّبُ إِلَيْكَ الْبَعِيدَ وَيُبْعِدُ عَلَيْكَ القريب.

• وتسأل : لماذا قال : أربعاً وأربعاً، ولم يقل : ثماني وصايا ؟

وأجاب بعض الشارحين بأن الأربع الأولى تعود الى ذات الانسان من حيث هو، والثانية من حيث سلوكه مع الناس !.. وهذا مجرد حدس وتكهن والأقرب حمل الكلام على التوكيد والتحقيق، ومهما يكن فالمعنى واحد، والوصايا الثمانية هي :

1 - العقل، وليس المراد به هنا عقل اينشتاين و ادیسون وغيرهما من العقول الرياضية، بل المراد العقل الذي يقدر العواقب، ويدفع بصاحبه الى التواضع وفعل الخيرات، ويبتعد به عن الرذائل والمهلكات كالكذب والظلم والعجب، وما الى ذلك.

2 - الحمق، وهو ضد العقل الذي أشرنا اليه، والأحمق أفقر الفقراء، لا ينتفع بعظة، ولا يستفيد من تجربة، ويتعجل الأمور بلا روية، ولا يدرك عواقبها إلا بعد الفوات.

3 - العجب، وهو جهل وصلافة، والمعجب بنفسه ثقيل على كل قلب، ولذا يعيش غريباً بين قومه. قال الإمام في الرسالة 30 : الغريب من لم يكن له حبيب.

4 - حسن الخلق، وأساسه الصبر والرفق وسعة الصدر، والبعد عما يشين الكرام وأهل المروءات.

5 - مصادقة الأحمق، لأنها تضر ولا تنفع لأنها تضر ولا تنفع.. انه ينصحك بصدق وإخلاص ولكن بلا عقل ولا علم.

6 - مصادقة البخيل، لأنه ضنين بالحق والوفاء.. يأخذ منك ولا يعطيك إلا التجاهل والخذلان.

7 - مصادقة الفاجر، لأنه لا يعرف ولا يتعرف إلا على صكوك البيع والشراء ويعقد الصفقات الشيطان على دينه ووطنه، فلا بدع اذا باع صديقه بأبخس الأثمان.

8 - مصادقة الكذاب، لأنها نفاق ورياء، وتلبيس وتضليل تريك الممكن مستحيلاً، والمستحيل ممكناً.

39 - لَا قُرْبَةَ بِالنَّوَافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالفَرَائِضِ.

النافلة يرجح فعلها ويجوز تركها، والفريضة يجب فعلها ويحرم تركها، فإن أمكن الجمع بين الاثنتين قذاك. وكلام الإمام منصرف عن هذه الحال، لأنها من الوضوح بمكان، وإن تعذر الجمع ولم تسنح الفرصة إلا لواحد دون الآخر - كما هو الفرض - فالواجب أولى وأهم، ومثال ذلك في العبادة أن يتسع الوقت للفريضة فقط فتقدم على النافلة بلا ريب، ومثاله في غير العبادة أن لا يتسع المال إلا لوفاء الدين فيقدم على الصدقة. هذه هي القاعدة كمبدأ ومنهج، وعلى المجتهد أن يفرع ويطبق. والتفصيل في كتب الفقه.

40 - لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاء لِسَانِهِ.

• اللسان ترجمان القلب وانعكاس عنه، ووظيفة المترجم أن يصغي ويعقل عن المترجم عنه، ثم يحكي ويروي ما سمع ووعى بالحرف الواحد، فإن غير وبدل فقد خان، وإن سبق ونطق قبل أن يسمع ويتدبر فهو مجنون، ويتدبر فهو مجنون، لأن الغيب لله وحده ..وهكذا يسرع الأحمق ويتعجل القول قبل أن يتدبره في عقله وقلبه، وقبل أن يعرف العواقب، أما العاقل فيخزن لسانه، ولا يقول إلا بعد الروية والتفكير والعلم بالعاقبة وانها له لا عليه. وتقدم مثله في الخطبة 174 ولكن الإمام ذكر هناك المؤمن مكان العاقل هنا، والمنافق مكان الأحمق ويومي هذا الى ان الإيمان لا يستقيم إلا مع العقل. وفي الحديث الشريف : أصل ديني العقل.

41 - جَعَلَ اللهُ مَا كَانَ مِنْ شَكْوَاكَ حَظًّا لِسَيِّئَاتِكَ، فَإِنَّ المَرَضَ لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَكِنَّهُ يَحُطُّ السِّيِّئَاتِ، وَيَحّتُهَا حَتَّ الْأَوْرَاقِ. وَإِنَّمَا الْأَجْرُ فِي الْقَوْلِ بِاللَّسَانِ وَالْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَالْأَقْدَام. وَإِنَّ

الله سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاء مِن عِبَادِهِ الْجَنَّةَ.

• المراد بالشكوى هنا المرض. وكان بعض أصحاب الإمام مريضاً فقال له : (جعل الله ما كان من شكواك الخ).. يستحق الإنسان الأجر والثواب على خير يؤديه ويفعله مختاراً، لا على ما يحدث له قهراً كالمرض، فإنه تماماً كالطول والقصر.. أجل، قد يكون المرض مع الرضا بقضاء الله سبباً للتخفيف من وطأة الذنوب أو زوال أثرها والعذاب عليها، لأن المرض ضرب من العذاب.

هذا عن الثواب الذي كتبه الله تعالى على نفسه، وجعله حقاً لفاعل الخيرات، أما الثواب تفضلاً وجوداً وكرماً فيجوز للمريض ولمن كف أذاه عن الناس، ولكل ذي نية صادقة، وغاية صالحة، ولذا استدرك الإمام وقال : (وان الله سبحانه يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنة) تفضلاً منه وكرماً، لأنه أهل العفو والمغفرة، والجود والرحمة.

42 - يرحمُ اللهُ خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً، وَهَاجَرَ طَائِعاً، وقَنِعَ بِالْكَفَافِ، وَرَضِيَ عَنِ اللَّهِ وَعَاشِ مُجَاهِداً.

• قال ابن عبد البر في الاستيعاب : اختلفوا في نسب خباب، والصحيح انه تميمي النسب، خزاعي الولاء، لحقه سباء في الجاهلية، فاشترته امرأة من خزاعة وأعتقته، وكان حداداً يعمل السيوف، وفاضلا قديم الإسلام، وممن عذب في الله، وصبر على دينه، ومن المهاجرين الأولين، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وقال ابن حجر في الإصابة : روي أنه سادس سنة، ونزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين. وقال ابن أبي الحديد: صلى عليه أمير المؤمنين (علي) ودفن في ظهر الكوفة، وشهد مع الإمام صفين و نهروان. وابنه عبد الله قتله الخوارج، فاحتج الإمام عليهم به وطالبهم بدمه.

وأثنى عليه الإمام بهذه الصفات : (أسلم راغباً) عن بصيره ويقين، وصدق وإخلاص، وأوذي بالكثير من عتاة قريش في سبيل الإسلام، من ذلك أنهم أوقدوا النار على ظهره كي يرتد عن دينه، فثبت وصبر.. ولا جهاد أعظم من الصبر على التنكيل والأذى من أجل الحق ونصرته. وجاء يوماً الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال له : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال له : قد كان من قبلكم يُؤخذ فيُحفر له، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب الى حضرموت فلا يخاف إلا الله.. ولكنكم تستعجلون.

(وهاجر طائعاً). نشأ الإسلام في مكة فتألب عليه صناديد الشرك والطغيان، وساموا أهله سوء العذاب، وهم لا يملكون أية قوة سوى الصبر والثبات، وبعد 13 سنة من صير الأحرار على البلاء - هاجر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالإسلام ليكون قوة رادعة لأهل الضلال، وحلقة جديدة من النضال والتضحية والفداء، فهاجر معه لهذه الغاية جماعة من الصحابة، منهم خباب، وأنشأوا معسكراً للدفاع عن الدين وحماية المستضعفين، وتأديب المعتدين. فصدق عليهم قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ - 218 البقرة».

(وقنع بالكفاف) رضي من الرزق بما يكفيه ويغنيه عن الناس بلا زيادة، وهذه فضيلة من أعظم الفضائل، لأنه بهذا الرضا قدم خباب خدمة كبرى للإنسانية بعامة، وللمعوزين بخاصة حيث ساواهم بنفسه، ولو أخذ الزائد عن سد حاجته، وتمتع به لكان قد حرم المحتاجين قوتهم الضروري، وصدق عليه قول الإمام في الحكمة الآتية : «فما جاع فقير إلا بما متع به غني».

(ورضي عن الله (أي فرح بجزائه وثوابه) وعاش مجاهداً) يقاتل دفاعاً عن الدين، وصيانة الأرواح المستضعفين، وضماناً لحريتهم وكرامتهم.

43 - طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ، وَعَمِلَ لِلْحِسَابِ، وَقنِعَ بِالْكَفَافِ، وَرَضِيَ عَنِ اللَّهِ.

• المراد بذكر المعاد هنا الإيمان بالبعث. ومن لم يؤمن به فلا يجديه الإيمان بالله شيئاً، لأن الإيمان بالله حقاً يدخل في مفهومه الإيمان بكل ما يليق به من صفات الكمال والجلال كالعلم والقدرة على إحياء العظام وهي رميم، ومن كفر بهذه القدرة فقد كفر بالله من حيث يريد أو لا يريد.. أما دعواه بأنه يؤمن بالله فهي خيال وسراب، لأنه يؤمن بكائن عاجز، والعاجز لا يكون إلها، بحكم البديهة. قال الإمام الصادق : ربما تو همت انك تدعو الله وأنت تدعو سواه.

(وعمل للحساب). وأيضاً مجرد الإيمان بالله والبعث معاً لا بجدي نفعاً إلا مع العمل الذي ينال عليه العامل أجراً : «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ - 30 آل عمران». وبكلمة الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الإيمان عمل كله». (وقنع بالكفاف، ورضي عن الله) تماماً كخباب الذي تحدثنا عنه قبل قليل في الحكمة 42.

44 - لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هَذَا عَلى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي، وَلَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيَا بِجَاتِها عَلَى الْمَنَافِقِ عَلى أنْ يُحبني مَا أَحَبَّني. وَذَلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَانْقَضَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَنَّهُ قَالَ : «يَا عَلى لاَ يُبْغِضُكَ مُؤمِنٌ وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقُ».

• قال ابن أبي الحديد : «الخيشوم أقصى الأنف، والجمات جمع جمة مكان يجتمع فيه الماء، ومراد الإمام إذكار الناس بحديث : «يا علي لا يبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق».

وبلغ هذا الحديث عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حد التواتر المفيد للقطع، فلقد نقل بعشرات الطرق والأسانيد في العديد من الكتب، ذكر منها صاحب كتاب: الفضائل الخمسة من الصحاح الستة ص 207 وما بعدها، ذكر من كتب ج السنة حوالي 16 كتاباً، منها صحيح مسلم طبعة بولاق سنة 1290 هـ وصحيح

الترمذي ج 2 ص 301 طبعة بولاق سنة 1292 وصحيح النسائي ج 2 ص 271 طبعة مصر سنة 1312 ومسند أحمد ج 1 ص 84 طبعة مصر سنة 1313 ومستدرك الصحيحين ج 3 ص 129 طبعة حيدر آباد سنة 1324 والاستيعاب ج 2 ص 464 طبعة حيدر آباد سنة 1336.

45 - سَيِّئَةٌ تَسُواكَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ.

• كل منا يخطىء ويسيء، والعصمة لأهلها.. والفرق ان بعض الأفراد يصر على الخطأ بعد بيانه، ويرفض النقد، بل يزداد إصراراً اذا نبه الى خطئه وإساءته.. وليس شك في انه مجنون، قال الإمام : «الحدة ضرب من الجنون، لأن صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم». وقال أيضاً : «أشد الذنوب ما استهان به صاحبه».

والمنصف العاقل يجابه الواقع بصمود وشجاعة، ويعترف بالخطأ ويصدق مع نفسه ومع الآخرين. وبهذا تصير سيئته من الحسنات، قال سبحانه عن التوابين: «فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ – 70 الفرقان». وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من رأى أنه مسيء فهو محسن» والعكس صحيح أي: من رأى انه محسن فهو مسيء، لأنه أفسد إحسانه بالعجب والتيه. ورب كلمة أفسدت الإيمان وقوضته من الأساس.

46 - قَدْرُ الرَّجُلِ عَلى قَدْرِ هِمَّتِهِ. وَصِدقُهُ عَلى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ وَشَجَاعَتُهُ عَلى قَدْرِ أَنفَتِهِ. وَعِفَّتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ.

• كثيراً ما تطلق الكلمات من غير قياس وتحديد، وبالخصوص في عالم الأخلاق والقيم، فيؤدي ذلك الى الخلط وسوء الفهم والتفاهم بين الناس.. وأشار الإمام هنا الى المقياس الصحيح الذي يجب أن يُقاس به قدر الرجل وصدقه وشجاعته وعفته :

1 - (قدر الرجل على قدر همته) وثقته بأنه يملك من الطاقات ما يُغير بها مجرى الطبيعة والحياة، وانه بالعلم والعمل يصل الى ما هو أفضل وأروع وكل من يؤمن بهذه الحقيقة، ويعمل بموجبها يجب ان يقاس بها تقديره وتكريمه أي يحترم ويعظم لعلمه وعمله الى ما هو أتم وأكمل. وكأن الإمام يومىء بهذا الى نفسه، لأنه المثل الأعلى لبعد الهمة وعلوها، فلقد كان في سن العاشرة حين قال الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أنا يا رسول الله، يوم دعا الرسول الى مائدته صناديد قريش، وقال لهم فيما قال : أيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيتي وخليفتي فيكم. قال علي : انا، وما هاب وارتاع من الرؤوس الكبار الذين ملكون الجاه والمال، واستخف بهم وبهزئهم وسخريتهم وهو لا يملك إلا همته و مواهبه. وفي كتاب «عبقرية الإمامم علق العقاد على ذلك بقوله : «فما منعته الطفولة وسن وسن العاشرة أن يعلم أنه قوة لها جوار يركن اليها المستجير».

2 - (وصدقه على قدر مروءته) ومعنى المروءة يجمع بين الإيجاب بفعل ما يستوجب المدح والثناء، وبين السلب بترك ما يستدعي اللوم والذم والذم، أما الصدق هنا فليس المراد به مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم وكفى، بل المراد به حسن السلوك الذي لا يُشاب بعيب ونقص، وهو بهذا المعنى مرادف للمروءة أو لازم لها، ولذا يُستدل على الصدق بالمروءة، وبها عليه.

3 - (وشجاعته على قدر أنفته) والشجاعة تشمل الصمود في القتال، وتحمل المسؤوليات، ومواجهة الصعاب بقلب ثابت، وأيضاً تشمل الاعتراف بالخطأ والأنفة استنكاف عن الجبن والعار، واذن الشجاعة من لوازم الأنفة، وكل واحدة منها تدل على أختها.

4 - (وعفته على قدر غيرته) والعفة تشمل نزاهة اليد واللسان، والبطن والفرج، ولكن المراد بها عفة الفرج فقط لمكان كلمة الغيرة. ويقال : غار الرجل على امرأته أي أنف أن يشاركه الغير فيها، ومن كان كذلك ينبغي له أن لا يعتدي على أعراض الآخرين، ومن هنا قيل : ما زنا غيور قط، ومعنىهذا ان الزاني لا يكون عفيفاً ولا غيوراً، وانه بحكم الديوث الذي يدخل الرجال على زوجته. ويروى ان جماعة من أهل الجاهلية تركوا الزنا لهذه الغاية.

47 - الظَّفَرُ بِالْحَزْمِ. وَالْحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّأْي. وَالرَّأيُّ بِتَحْصِينِ الأسرار.

• يشير الإمام بهذا الى أن التخطيط شرط أساسي للظفر والنجاح، وان أي عمل من غير تصميم وتخطيط يذهب سدى وتخطيط يذهب سدى، وربما كان ضرراً محضاً. وهذه الحقيقة سمة العصر الحديث في المجتمعات الاشتراكية والرأسمالية على السواء، إنهم يخططون لكل شيء، للانتاج والخدمات والمواصلات.. حتى الحمل في بطن امه يخططون له، بل الكذب في صورة دعاية، أيضاً له عندهم تخطيط ودراسة.

والشرط الأساسي في التخطيط الحزم، وفسره الإمام بإجالة الرأي أي بالدراسة العلمية على ان تبقى هذه الدراسة طي الكتمان، لا يُعلن عنها إلا بعد التجربة والنجاح التام، لأن الإعلان قبل العلم بالنتيجة حماقة وتنبؤ قبل الأوان، ومتى تمت الدراسة، ونجحت التجربة أعلنت على الجميع ليستفيد منها القاصي والداني ولا يجوز إخفاؤها بقصد الربح والاحتكار، كما هو شأن المستغلين والمستعمرين في هذا العصر وكل عصر.

48- أحْذَرُوا صَوْلَةَ الكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَاللَّيمِ إِذَا شَبِعَ.

• تتمثل كرامة الكريم في تواضعه للفقراء إذا استغنى، وتيهه على الأغنياء إذا افتقر، وفي تحمله الكلمة الموجعة من أهل الضعف والقلة وصفحه عند المقدرة، وفي ثورته وغضبه حين تمس كرامته من قريب أو بعيد، لأنها لقلبه أشد الجروح إيلاماً. أما اللثيم فعلى العكس.. إذا استغنى بطر وطغى، وربما ترفع عن رد السلام الواجب على الفقراء، وإذا افتقر ذل ووهن.. ولا يبالي بما يقال له ولا بما يفعل به «من يهن يسهل الهوان عليه ما الجرح بميت إيلام».

49 - قُلُوبُ الرّجال وَحْشِيَّةٌ فَمَنْ تَأَلَّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ.

• ومثله الحكمة الآتية : (التودد نصف العقل). وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «تحبب الى الناس يحبوك.. ثلاث يصفين ود المرء لأخيه ثلاث يُصفين ود المرء لأخيه : يلقاه بالبشر، ويوسع له في المجلس، ويدعوه بأحب الأسماء اليه» شريطة أن لا يكون ذلك نفاقاً.

5 - عَيْبُكَ مَسْئُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ.

• المراد بالجد هنا الغنى وإقبال الدنيا، وهي تستر العيوب وتغفر الذنوب عند أبنائها حيث ينظرون الى الأشياء من خلالها لا من خلال العقل، فمن كان في يده شيء منها ستر عن أعينهم هذره وجهله، وجبنه ومخله، وربما رأوا الجهل منه عقلاً، والضعف حلماً، والهذر بلاغة. وتقدم مع الشرح قول الإمام في الحكمة 8: إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره.

51 - أولَى النَّاسِ بِالْعَفُو أَقْدَرُهُمْ عَلى العُقُوبَةِ.

• تقدم مثله مراراً، آخرها في الحكمة 10 : إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكراً للقدرة عليه. ولا جديد عندنا نضيفه ونعطفه على ما قلناه هناك.

52 - السَّخَاءِ مَا كانَ ابْتِدَاء، فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاة وَتَذَمُّمٌ.

• التذمم : الفرار من الذم، والتأثم : الفرار من الإثم، والتحرج : الفرار من الحرج أي الشدة والضيق، والمعنى ان العطاء من غير سؤال كرم وسخاء بالطبع، وهو عن مسألة تكلف وتطبع لسبب أو لآخر. وفي رأينا أن كل عطاء يسد الحاجة والإعسار فهو خير عند الله طبعاً كان أم تطبعاً.

53 - لَا غِنَى كَالْعَقْلِ. وَلَا فَقْرَ كَالْجَهْلِ. وَلَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ وَلَا ظهير كالمشاورة.

لا جدوى من مال ولا سلطان بلا عقل ان العقل مصدر العلم والمال والجاهوكل خيرات الدنيا والآخرة. وقال الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : العقل ما عبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فقيل له : والذي عند معاوية ؟ قال : تلك تلك الشيطنة. ولا يعرف التاريخ ديناً كالإسلام أشادالنكراء - أي الدهاء - بالعقل، واعتمد عليه في مبادئه وتعاليمه، وقد جاء ذكر العقل والعلم ومشتقاتهما هذا في القرآن الكريم – 880 مرة للدلالة على إحقاق الحق وإبطال الباطل ما عدا الآيات المشتملة على ذكر الهدى والنور. وهنا يكمن السر في تقدم المسلمين وحضارتهم التاريخية، وإذا انحطوا وتخلفوا اليوم، فلأنهم تركوا الجهاد المقدس الذي أمرهم به الإسلام، وانقسموا على أنفسهم، فالذنب ذنبهم لا ذنب الإسلام.

(ولا فقر كالجهل) لأنه أصل كل رذيلة، وانه يلحق الإنسان بالحيوان. وفي أصول الكفي قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : يا علي لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل.. إذا رأيتم كثير الصلاه كثير الصيام فلا تباهوا به حتىتنظروا كيف عقله.

(ولا ميراث كالأدب) المراد بالميراث ما يتركه المرء من الأحدوثة، وبالأدب حسن السيرة (ولا ظهير كالمشاورة) الظهير : المعين، والمراد بالمشاورة مشاورة العاقل الناصح. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ما يمنع أحدكم إذا ورد عليه ما لا قبل له به أن يستشير عاقلاً له دين وورع. وقال الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمشورة حدود : الأول أن يكون المشير عاقلاً. الثاني أن يكون متورعاً. الثالث أنيكون صديقاً. الرابع أن تطلعه على سرك حتى يكون علمه به كعلمك بنفسك فإن كان عاقلاً انتفعت بمشورته، وان كان متورعاً جهد نفسه في النصيحة، وان كان صديقاً كتم سرك، وإذا أطلعته على سرك كملت النصيحة. وتقدم الكلام عن ذلك في الرسالة 52 فقرة «المشورة».

54- الصَّبْرُ صَبْرَانِ : صَبْرٌ عَلى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ.

• ومن أمثلة الصبر الأول : جائع لا يجد الى القوت سبيلاً، ومريض لا يملك ثمن الدواء، وسجين لا عم له ولا خال. ومن أمثلة الصبر الثاني فلاح زرع واجتهد أملاً بالحصاد، ولما استوى الزرع على سوقه أتت عليه آفة، فأصبح هشيما تذروه الرياح. والصبر ممدوح وحسن إذا كان وسيلة لغاية نبيلة كالصبر في الجهاد المقدس، وفي طلب العلم وقوت العيال، أما الصبر على الفقر مع القدرة على العمل، والصبر على الاضطهاد بلا مقاومة - فهو مذموم وقبيح شر وقبيح شرعاً وعقلاً.

وروي أنه كان في العصور الخالية أسرة في الصين عاشت في بيت واحد، وانها كانت تضم جداً وعشرات الأولاد والأحفاد ذكوراً وإناثاً، ومر عليها أمد غير قصر وما كدر صفوها كلمة ولا حركة من واحد من أبنائها وأفرادها حتى كان يضرب المثل بسعادتها وهنائها، ولما سأل امبراطور الصين الجد الأعلى عن سبب هذه السعادة كرر في جوابه كلمة الصبر مئة مرة.

55 - الغنى في الغُرْبَةِ وَطَن. وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ.

• كلمة الوطن توحي بالقوة والأهل وجمع الشمل، وبالمتعة والراحة والطمأنينة. والغني الواجد تتوافر له هذه الأوصاف، لأن المال قوة ومتعة و به تطمئن النفس وترتاح، والى صاحبه تتودد الرجال وإخوان الزمان.. أما كلمة الغربة فإنها توحي بالضعف والوحدة والوحشة، وبالألم والخوف والضياع، ومعنى هذا أن الغنى وطن بذاته سواء أكان في مكان الولادة أم في غيره وأن الفقر غربة وسجن وتشريد أينما كان ويكون حتى في مسقط الرأس، بل هو كفر أيضاً كما قال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والموت الأكبر كما قال الإمام في الحكمة الآتية، والوصف بالأكبر يومىء الى ان الفقر أقسى وأشد من الموت المعتاد. وتقدم الكلام عن ذلك في الحكمة 3.

ولا بد من الإشارة الى ان مراد الإمام بالغنى أن يملك المرء من أسباب العيش

ما فيه الكفاية له ولعياله مع الكرامة أيضاً، وليس المراد به الذهب والفضة والديباج والرياش.

56 - القناعَةُ مَالٌ لا يَنْقَدُ.

• القناعة أن ترضى بما تيسر من الحلال، وتيأس عما في أيدي الناس. ومن البداهة أن من رأى الثروة فيما تيسر له من حلال يستحيل أن تنفد ثروته، لأن المفروض ان الميسور هو الثروة بالذات، وان غير الميسور لم ينظر اليه على الاطلاق. وكان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في طعامه لا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقوداً. وفي شرح ابن أبي الحديد : إن رجلاً قال لسقراط، وهو يأكل العشب: لو خدمت الملك ما احتجت الى هذا الحشيش. فقال له سقراط : وأنت لو أكلت الحشيش ما احتجت خدمة الملك.

57 - المالُ مَادَّةُ الشَّهَوَاتِ.

• وكلمة الشهوات هنا تشمل شهوة البطن والفرج، وحب التعالي والتباهي والرغبة في الانتقام والسيطرة، وغير ذلك. وليس من شك ان المال مطية ووسيلة لإشباع هذه الرذائل والقبائح، ومتى شبعت بغت وطغت على العقل والقيم الانسانية، وأصبح الانسان مسيراً لها لا يملك من أمره شيئاً، وقد ثبت بالحس والمشاهدة ان الانسان كلما أسرف في الماديات والشهوات ازداد بعداً عن الروحيات. وعن ابن عباس انه قال : أول درهم ودينار ضربا في الأرض وضعها ابليس على عينيه وقال : قرة عيني أنتما، لا أبالي الآن أن يعبد بنو آدم صنماً ووثناً. حسبي أن يعبدوا الدرهم والدينار.

وكتب مصطفى صادق الرافعي مقالاً بعنوان «الدينار والدرهم، جاء فيه : الفقيه الذي يتعلق بالمال هو فقيه فاسد، يفسد الحقيقة التي يتكلم بها.. فلقد رأيت فقهاء يعظون الناس في الحلال والحرام ونصوص الكتاب والسنة.. وتسخر منهم

الحقيقة بذات الأسلوب الذي يسخر به لص يعظ لصاً آخر، ويقول له : إياك أن تسرق».

وبالمناسبة قال الاشتراكيون في ردهم على النظام الرأسمالي بأنه يفتح الطريق للأغنياء أن يسيطروا على رجال الدولة والحكم ويخضعوا السياسة لمصالحهم الخاصة وإلا حاربوهم بالأموال. والضحية الشعب والمستضعفون. ومن أحب التفصيل فليرجع الى كتابنا «فلسفة التوحيد والولاية»، فصل «بين الشيوعية والرأسمالية».

58 - مَنْ حَذَّرَكَ كَمَنْ بَشْرَكَ.

• المراد بالتحذير النصح بعلم وإخلاص، والتخويف من سوء العاقبة باتباع الشهوات والمراد بالبشارة الإخبار بالخير والهناء، والمعنى من حذرك من الشر فقد بشرك بالخير لو سمعت وأطعت. ومثله رحم الله من أهدى إلي عيوبي.

59 - اللَّسَانُ سَبْعُ إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَفَرَ.

• اللسان كثير الحركات والعثرات، ولا بد من مراقبته وسجنه وإلا أهلك ودمر. وتقدم الكلام عنه في الخطبة 174 و 231 والحكمة 39

60 - المَرْأَةُ عَقْرَبُ حلوةُ اللَّبْسَةِ.

• قابل بعض الشارحين : المراد باللبسة اللسعة. وقال الشيخ محمد عبده : اللبسة هنا من اللباس سوى ان المرأة تلبس دون العقرب. وهذا القول أقرب الى الآية 187 من سورة البقرة : «هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ».

والمرأة والرجل من طبيعة واحدة وطينة واحدة، والفرق ان لكل منها وظيفة تخصه .. وشبّهها الإمام بالعقرب لأنها تسرع الى الغضب على الرجل، وتجحد

معروفه لأمر تافه، وقد تؤذيه بكلمة موجعة وحركة نابية بلا سبب موجب ومعقول، فأوصاه الإمام بأن يصبر عليها، ويتحملها على علاتها، لأنها مهما تكن فهي أخف وخير من العقرب التي لا يمكن معها العيش بحال.. أقول هذا تعبيراً عن فهمي لا تفسيراً لقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

61 - الشفيع جَنَاحَ الطَّالِبِ.

• المعنى واضح، وهو أن الشفيع يوصل الطالب الى مطلبه، تماماً كالجناح بالنسبة الى الطائر.. وأعظم شفيع عند الله التوبة، والتوسل به إليه تعالى، ولا واسطة - في دين الإسلام - بين العبد وربه. وقرأت من جملة ما قرأت أن رجلاً قال لكريم : أنت الذي أحسنت إلي فيما مضى. فقال له : «مرحباً بمن توسل بنا الينا وقضى حاجته» وهكذا كل جواد كريم أما الشفيع عند ناس هذا الزمان فهو النفاق والرشوة والخيانة.

62 - أهلُ الدُّنْيَا كَرَكْب يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ.

ومثله ما جاء في الرسالة 30 : من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن واقفاً، ويقطع المسافة وان كان مقيماً وادعاً. وتقدم البيان والشرح.

63 - فَقْدُ الأحبةِ غُربة.

• الحب بين اثنين صورة من صور التعامل والتعاقد بين الأرواح على تبادل الصفاء والإخلاص، والعطف والحنان، والإنس والسرور، والرضا والاطمئنان ومن فقد هذه الثروة عاش غريباً وأعزل من كل سلاح، وتقدم مع الشرح في الرسالة 30 : الغريب من لم يكن له حبيب.

64 - فَوْتُ الحاجةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِهَا إلَى غَيْرِ أَهْلِهَا.

• مهما كان الصبر مراً وثقيلاً فإنه أخف وأحلى من اللجوء الى لئيمئئ والنفوس الطيبة الأبية تؤثر ألم العوز والصبر على منة اللثيم وتعنيفه.. انه بطبعه لا يعطي إلا الأذى والإساءة، وان أعطى، وان أعطى قليلاً عن رغبة أو رهبة عنف وتعالى، ولا يحتمل هذا منه إلا خسيس وضيع.

65 - لَا تَسْتَح مِنْ إعْطَاءِ الْقَلِيلِ فَإِنَّ الْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ.

• الوجود، وان قل خير من العدم ما في ذلك ريب هذا، الى أن الأشياء تقاس بعواقبها، ورب جرعة ماء أو لقمة عيش أحيت نفساً زكية. ويأتي قول الإمام : افعلوا الخير ولا تحقروا شيئاً منه، فإن صغيره كبير، وقليله كثير.

66 - العَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَالشَّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى

• العفاف زينة وفضيلة للفقير والغني وأيضاً للملوك.. وخص الإمام الفقر بالذكر لأنه منقصة عند الناس، والعفاف يكفر عنه. وأيضاً الشكر زينة وفضيلة من كل الناس، بل هو واجب عام، من كل حسب طاقته. وذكر الإمام الغنى بالخصوص لأنه في الغالب يبعث على الكبرياء والطغيان، فإذا شكر الغني وتواضع فمعنى هذا انه من الطيبين الأخيار. ويأتي قول الإمام : ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالاً على الله.

67 - إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُ فَلَا تُبَل مَا كُنتَ.

• فلا تُبتل أي لا تبال من المبالاة بمعنى الاكتراث، وحذفت الألف للتخفيف،

والمعنى لا تأسف على ما فات مهما كانت ظروفك وأحوالك، لأن الحزن لا ما فات، والفرح لا يبقي ما هو آت. وقال واحد من الزاهدين : «ما أصنع بدنيا ان بقيت لها لم تبق لي، وان بقيت لي لم أبقى لها ؟ یا ؟». واذن فعلام التأسف والتلهف ؟.

68 - لَا تَرَى الْجَاهِلَ إلا مُفرِطاً أَوْ مُفَرّطاً.

• مفرط : مقصر مهمل، ومفرط. مسرف متجاوز للحدود في جميع أموره لا يعرف معنى القصد، ولا يهتدي الى رشد. ومثل الجهل أو أسوأ علم بلا دين وعمل. وتقدم الكلام عن ذلك مرات، آخرها في الحكمة 53.

69 - إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقص الكلام.

• ووجه الملازمة بين تمام العقل وقلة الكلام - ان العقل من العقال، فإذا قوني وتم تغلب على اللسان وأمسكه عن اللغو والعبث، ولا يطلقه إلا فيما ينفع، فإذا نقص العقل وضعف انطلق اللسان من عقاله، وجرى على غير هدى ما بطاً وصاعداً.. وقد رأينا الجاهل يثرثر بغير حساب، ويخبر بما لا يُسأل عنه، ويحدث من لا يصدقه ويضيق به وبحديثه. وتكلم رجل أمام الأحنف فأكثر، ولما سكت قال له : يا هذا ما ستر الله منك أعظم. وتقدم مثله ويأتي أيضاً

70 - الدَّهرُ يُخلِقُ الْأَبْدَانَ، ويُجدِّدُ الآمالَ، وَيُقَرِّبُ المَنيَّةَ، وَيُبَاعِدُ الْأُمْنِيَّةَ، مَنْ ظَفِرَ بِهِ نَصِيبَ، وَمَنْ فَاتَهُ تَعِبَ.

• (الدهر يخلق الأبدان). كلما تقدمت بنا الحياة وهن العظم، واشتعل الرأس شيباً (ويجدد الآمال). اذا امتدت الحياة بالانسان في هذه الدنيا قويت العلاقة

والإلفة بينه وبينها، وازداد بالدنيا أملاً وتعلقاً، وقد شاع وذاع : «اذا شاب المرء شابت معه خصلتان : الحرص وطول الأمل». (ويقرب المنية) لأن العمر في إدبار، والموت في إقبال، كما في الحكمة 28 (ويباعد الأمنية) لقرب المنية (من ظفر به نصب، ومن فاته تعب)، الهاء في «به وفاته» تعود الى مال الدهر ومتاعه، والمعنى من نال شيئاً من مال الدهر غرق في الغرس والتعمير والتجارة والتثمير، وإن حرمه الدهر كدح واجتهد سعياً وراء المال.. واذن هو في تعب دائم معدماً ومثرياً.

والخلاصة ان الإمام يقول للشيخ العجوز : بالأمس عملت لدنياك، فتقاعد عنها الآن، واعمل لآخرتك فقد أزف الرحيل.

71 - مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأُ بِتَعْلِيم نَفْسِهِ قَبْلَ تعْلِيم غَيْره. وَليَكُن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه. وَمُعَلمُ نَفْسِهِ وَمُؤدِّبها أُحقُّ بِالْإِجَلَالِ مِنْ مُعلّم النَّاسِ و مؤدِّبهم.

• المراد بالإمام هنا المرشد والمعلم والمرشد السوء علامات، منها أن يعظ ويتصرف بعكس ما يقول، ومنها أن يطلب الدنيا بالدين، ويخالط السلطان وأهل اليسار طلباً للعزة والجاه، ومنها أن يكون الكلام أحب اليه من الاستماع الى العلم، وان نبه الى خطئه أنف وثار.. الى غير ذلك مما رأيناه وشاهدناه من كثير من المتسمين بسمة الدين وأهله .

إن الإرشاد يستهدف العمل قبل كل شيء، فإذا كان المرشد مناقضاً لنفسه ودينه تابعاً لأهوائه وميوله ذهب إرشاده مع الريح.. وربما أحدث ردة فعل عند بعض السامعين وقال : لو كان الدين كما يصفه هذا الواعظ لظهر أثره في سلوكه. وغير بعيد أن يكون الوعظ مكروهاً ممن يعلم بأن المستعين اليه على علم بفسقه وانه يعظ ولا يتعظ.. ومهما يكن فإن العقلاء يستقبحون دعوة الصلاح من الفاسد،

والإخلاص من العميل الخائن. وفي الحديث: ان الله سبحانه أوحى الى عيسى(عَلَيهِ السَّلَامُ): عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستح مني.

و بعد، فينبغي للواعظ أن يكون عالماً بالدين وأحكامه، وعاملاً بعلمه، ومخلصاً في قصده، وفصيحاً يواتيه لسانه على بيان ما يريد، وذا رؤية نافذة يضع الكلام في مواضعه، وجريئاً في الحق لا يخشى فيه لومة لائم.

72 - نَفَسُ الْمَرْهُ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ.

• كل نفس من أنفاسك يدفع بك الى حفرة موحشة مظلمة، ويعظك قائلاً بلسان الحال : أنت الآن على ظهر الأرض ضيف مؤقت، وغداً في جوفها، وهو مقرك الأخير، فانسجم مع نفسك، وتزود من دار الضيافة لدار القرار.

73 - كُلُّ مَعْدُودٍ مُنقَضِ وَكُلُّ مُتَوَقَّع آت.

• المراد بالمعدود هنا كل كائن ممكن الحدوث وهو الذي لا يحدث بنفسه، بل بسبب خارج عنها، لأن طبيعته بما هي لا تحمل السبب الكافي لوجوده، والمعنى ان كل ما عدا الله سبحانه فهو فان لا محالة (وكل متوقع آت) المراد بالمتوقع ما لا مفر من وقوعه وحدوثه في المستقبل القريب أو البعيد، كالموت والبعث والنشر، وعليه تكون كلمة «آت» لمجرد التوضيح. ومثله كل آت قريب.

74 - إنَّ الأمور إذَا اشْتَبَهتْ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا.

• الأشياء تقاس بنتائجها، فالاقتصاد والتدبير خير وحسن لأن نتيجته صيانة المال والراحة في المستقبل والاستغناء عن الناس، والتبذير والإسراف شر وقبيح لأن نتيجته الفقر وضياع الثروة.. وأيضاً البداية تدل على النهاية، والمقدمة تبشر بالنتيجة،

فالتدبير يدل على حسن العاقبة، والتبذير على سوئها. وكلام الإمام يشير الى ذلك ويقول : كل عاقل يستطيع التنبؤ بما سيحدث غداً من الوضع الحاضر، فكسل التلميذ الآن يدل على رسوبه في الامتحان، ونشاطه على نجاحه، وتخاذل العرب وضعف الثقة بأنفسهم دلالة قاطعة على هزيمتهم أمام كل غاز وطامع.

75 - يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّي، أَبِي تَعَرَّضَتِ، أَمْ إِلَيَّ تَشَوقتِ. لَا حَانَ حِينَكِ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي. لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ. قدْ طَلَّقْتُك ثَلاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا. فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرُ، وَأَمَلُكِ حَقِيرُ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ، وبُعْدِ السَّفَرِ، وَعَظيمِ الْمَوْرِدِ.

• قال الشريف الرضي والذين شرحوا النهج من بعده : ان ضرار بن ضمرة كان من أصحاب الإمام أمير المؤمنين وخاصته، وبعده دخل على معاوية فقال له : يا ضرار صف لي علياً، قال : أعفي. قال معاوية : لا اعفيك. قال ضرار : ما اصف منه، كان والله شديد القوى بعيد المدى، يتفجر العلم من جوانبه، والحكمة من أرجائه أرجائه، حسن المعاشرة، سهل المباشرة، خشن المأكل، قصير الملبس، غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا سكتنا، ونحن مع تقريبه لنا أشد ما يكون صاحب لصاحب هيبة، لا نبتدئه الكلام لعظمته، يحب المساكين، ويقرب أهل الدين، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول :

(يا دنيا يا دنيا اليك عني الخ).. هذا هو نهج علي وضعه هو لنفسه، وعاشه بعمله، واستهان بالموت من أجله.. أبداً لا دنيا تذوق منه ويذوق منها. انها محرمة عليه تحريماً أبدياً لا حل لها ولا محلل.. ومعنى لا دنيا لا شهوة وهوى، ولا متعة ولذة، ولا فردية وأنانية، ولا سعادة لحظة واحدة، بل عناء قائم

وبلاء دائم.. وهكذا كانت حياة علي لا لشيء إلا لأنه طلق الدنيا ثلاثاً، ولكنه تقبل هذه الحياة عن رضا وطيب نفس.. واذا طلق الدنيا ثلاثاً لا رجعة فيها، وهجر حلاوتها وزينتها - فكيف يمكن الجمع والتوفيق بينه وبين أهلها ومحبيها ؟ ومن الذي يجمع بين الضرة وشريكتها.؟ وهنا يكمن السر في نقمة الناقين على ابن أبي طالب، وثورة الناكثين والفاسقين والمارقين، وفي عزلة المعتزلين عن بيعته ونصرته، وفي قول من قال : علي لا يعرف السياسة.. ومن قبلهم قال المشركون لمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ - 6 الحجر».

76 - وَيْحَكَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءِ لازماً وَقَدَراً حَاتِما. وَلَوْ كَانَ كَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقابُ، وَسَقَطَ الوَعْدُ وَالْوَعِيدُ. إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخييراً، وَنَهَاهُمْ تَخذِيراً، وَكَلَّفَ يَسِيراً وَلَمْ يُكلف عسيراً، وَأَعْطَى عَلى القَلِيلِ كَثِيراً. وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مكْرِها، وَلَمْ يُرْسِلِ الْأَنْبِيَاء لَعِباً، وَلَمْ يُنْزِلِ الكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً، وَلَا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهَا بَاطِلاً «وذلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ».

• روى جماعة، منهم الكليني في : «أصول الكافي»، وأبو الحسين في كتاب «الغرر»، والشريف الرضي : إن رجلاً شامياً حارب مع الإمام في صفين و بعد منصرفه منها سأل الإمام : هل كان مسيرنا الى حرب أهل الشام بقضاء من الله وقدره.؟ فقال له : ما وطئنا موطئاً، ولا هبطنا وادياً إلا بقضاء الله وقدره. فقال السائل : عند الله أحتسب عناي ما أرى لي أجراً. فقال له الإمام : مه، لقد عظم الله أجركم في مسيركم وفي منصر فكم، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا مضطرين. فقال السائل : كيف وقد ساقنا القضاء والقدر ؟. فقال الإمام : (ويحك لعلك ظننت الخ).. وفيما يلي البيان.

القضاء والاختيار :

هناك مواضيع ثلاثة متشابهة متشابكة، الأول : القضاء والقدر. الثاني : الجبر والاختيار. والثالث : الهدى والضلال. وتكلمنا عن كل منها مفصلاً في كتاب فلسفة التوحيد والولاية». ونشير هنا بإيجاز الى معنى القضاء والقدر والاختيار بحكم الموضوع الذي نحن بصدده.

لكل من القضاء والقدر معان. وأوضح معاني القضاء انه البت والإمضاء لذي لا مرد له. وأوضح معاني القدر انه التقدير. قال الإمام الكاظم نجل الإمام الصادق : القدر هو تقدير الشيء من طوله وعرضه، والقضاء هو إمضاء لا مرد له. وقال الإمام الرضا حفيد الإمام الصادق : القدر هندسة، والقضاء إبرام.

أما مسألة الجبر والتفويض فالذي عليه الشيعة الإمامية هو «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين». ومعنى الجبر ان. ومعنى الجبر ان الانسان لا أثر له إطلاقاً في أفعاله، وانما هي بالنسبة اليه تماماً كجريان الدم في عروقه، وخروج النفس من أنفه ومعنى التفويض ان الله أمر العبد ونهاه، وأعطاه القدرة على الطاعة والمعصية، ثم فوض اليه أمر هذه القدرة يفعل بها ما يشاء، وقطع سبحانه كل علاقة بينه وبين هذه القدرة بحيث أصبح الله بالنسبة الى قدرة العبد بعيداً عنها تماماً كالبائع الذي باع سلعته للمشتري يفعل بها ما يريد بلا مزاحم ومعارض.

و معنى «أمر بين الجبر والتفويض» ان الله بعد أن أمر العبد ونهاه منحه القدرة ولم يحرمه اياها كما زعم الجبريون، ولكنه تعالى لم يعرض كلية عن هذه القدرة ويقطع العلاقة بينه وبينها كما ادعى المفوضية، بل بقيت قدرة العبد في قبضة خالقها وتحت سلطته ينزعها من العبد متى شاء، والعبد لا يستطيع أن يرفض هذه القدرة، ويقول الله : لا أريدها، وأيضاً لا يستطيع ابقاءها اذا أراد سبحانه أن ينزعها منه، وبهذا الاعتبار يكون العبد مسيراً لا يخيراً، وأيضاً بالقدرة التي منحها الله له يستطيع أن يفعل ويترك، ويكون من هذه الجهة مخيراً لا مسيراً ومعنى هذا ان العبد مسير من جهة، ومخير من جهة، هذا هو معنى بين بين، وأمر بين أمرين.

وللتوضيح نقدم هذا المثال : أب قوي مسيطر على ولده أعطاه مالاً، وقال

له : اتجر به، فأخذ الولد المال لأنه لا يستطيع رفضه بحال، وأيضاً لا يستطيع الاحتفاظ به اذا أراد الوالد نزعه منه، ولكنه قادر على الاتجار به وفقاً لارادة أبيه، وأيضاً هو قادر قادر أن محمد المال ولا يتاجر المال ولا يتاجر، ومعنى هذا انه ومعنى هذا انه مسير في رفض المال وابقائه، ومخير في التجارة وعدمها. وهكذا القدرة التي منحها الله للإنسان، انها في الانسان يفعل بها ويترك، ولكنها في الوقت نفسه في قبضة الله أيضاً تماماً كالمال الذي أعطاه الوالد لولده. ومن أراد المزيد فلير. ومن أراد المزيد فليرجع الى كتاب «فلسفة التوحيد والولاية».

وبعد هذا التمهيد المفيد إن شاء الله نشرع بإيجاز بتفسير الكلمات (ولو كان ذلك كذلك) أي لو كان الانسان مسيراً كما يقول الجبريون (لبطل الثواب والعقاب) حيث يكون الانسان، والحال هذه، تماماً كريشة في تماماً كريشة في مهب الريح، وفعله كالثمرة على الشجرة (وسقط الوعد) على الطاعة (والوعيد) على المعصية، لأن الوعد والوعيد فرع عن وجود الثواب والعقاب.

(ان الله سبحانه أمر عباده تخييراً) أي ما أمرهم أن يفعلوا إلا لأنهم قادرون ومخيترون، ولو كانوا مسيرين ما كلفهم بشيء. كيف وهو القائل : «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ 286 البقرة».

(ونهاهم تحذيراً) من غضبه وعقابه، ومن البداهة انه لا معنى من التحذير إلا مع القدرة والاختيار (وكلف يسيراً) وسهلاً يستطيع الإنسان أن يسمع ويطيع بلا عسر و حرج قال سبحانه : «مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ - 6 المائدة» (ولم يكلف عسيراً) عطف تفسير على (كلف يسيراً)، تماماً كقوله تعالى : «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ - 185 البقرة»، فإن اليسر بطبعه يستدعي نفي العسر.

(وأعطى على القليل كثيراً) أعطى الثواب الكثير على العمل اليسير الذي فعله الإنسان بملء إرادته وتمام قدرته (ولم يعص مغلوباً) إذا عصى الإنسان فليس معنى هذا ان الله عاجز عن ردعه عن المعصية.. كلا، انه على كل شيء قدير، ولكن يترك للإنسان حريته لأنه لا إنسانية بلا حرية (ولم يُطع مكرهاً) وأيضاً لو أراد أن يمنعه عن الطاعة لفعل، ولكنه لا يفعل لأنه عادل وحكيم، لا تتناقض أقواله أفعاله (ولم يرسل الأنبياء لعباً) بل ليرشدوا الخلق الى الحق (ولم

ينزل الكتاب للعباد عبثاً) عطف تفسير، لأن الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب واحدة (ولا خلق السموات والأرض وما بينها باطلاً) بل لتتجلى فيها قدرته وعلمه وجلاله وكماله.

77 - خُذِ الْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ الْمُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ الْمُؤْمِنِ.

• الحكمة عصارة أفكار العقلاء المجربين، ومن شأنها أن تهدي للتي هي أقوم. وفيما مضى كان النفاق نعتاً لمن يضمر الكفر ويظهر الإيمان، واليوم يوصف ب-ه كل من أضمر شراً، وأعلن خيراً، ومعنى قول الإمام هو ان المنافق يمارس الحياة ويجربها كغيره من المجربين والعارفين، ويستخرج الحكمة والحقيقة من تجاريه كأي عاقل، وينطق بها من حيث يريد أو لا يريد، لأن الحقيقة في حركة دائبة لا تستقر في مكان، والمراد بالمؤمن هنا من يبحث عن الحق اوجه الحق، هذا المؤمن رائده الحقيقة والحكمة يأخذها أنى كانت وتكون، حتى من الملحد والمنافق، وينتفع بها في سلوكه، أما المنافق فإنه يحسها وينطق بها، ولكن لا تنفعه في كثير أو قليل، لأنه يقول ولا يفعل، ويفعل ما لا يقول، ولا يتحرك ويتصرف إلا في الاتجاه المعاكس للحق والواقع.

والمنافقون في عصرنا لا يحصون كثرة، ومنهم الذين حولوا أق-وات الخلائق الى أسلحة الهلاك والموت بالجملة، وهم يتسترون بكلمات الدفاع عن الحرية وصيانة السلم والمدنية، ويصنعون سفن الفضاء للتجسس على الشعوب ويقولون : هي لمنفعة الإنسان وسعادته، ولقضاء شهور العسل في القمر والزهرة، وأيضاً يقتلون الأحرار باسم القصاص من العناصر التي يسمونها هدامة، ويعتدون على الشعوب دفاعاً عن الحدود الآمنة ! ولكن الحقيقة تخرق بقوتها الأسوار، وتدور في الآفاق معلنة عن نفسها، ويسمعها ويراها القريب والبعيد.

78 - لِحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِن، فَخُذِ الْحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهل النِّفَاقِ.

• الحكمة رائد كل عاقل مؤمناً كان أم ملحداً، وإنما خص المؤمن بالذكر للإشارة الى ان من طلب الحق لوجه الحق ينبغي أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر، لأن هذا الإيمان حق وعدل، والعلم يؤدي الى الحق والحقيقة، والذي يناقض هذا الإيمان هو الفسق والانحلال، والخيانة والاستغلال (ولو من أهل النفاق) ومنهم المسيطرون على وسائل الإعلام في هذا العصر. وسبق الكلام عن الحكمة في الرقم السابق بلا فاصل، وبعض الشارحين جمع بين الرقمين لوحدة الموضوع والهدف.

79 - قيمة كُلِّ أَمْرِىءٍ مَا يُحْسِنُهُ.

• يشير الإمام بهذا الى معيار التقويم للأشخاص والأفراد في المجتمع، وان الفرد لا ينبغي أن يُقدر ويعتبر لنسبه ولقبه، ولا لماله ومنصبه، ولا لفصاحته وانتصاراته في ميادين القتال والمباريات الرياضية، ولا لعلمه وما يحمل من شهادات وأوسمة؟ بل لما يحسنه أي ينتجه ويسديه لأخيه من نفع وإحسان. وعن النبي الكريم : «إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها صوم ولا صلاة ولا حج وانما يكفرها سعي الرجل على عياله» فكيف اذا سعى لعيال الله سبحانه من المحاويج والبائسين ؟. وفي حديث آخر : «إن لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة». ويومىء هذا الحديث الى الصلة الوثيقة بين الآخرة والدنيا، وان من كان في هذه أعمى فهو في تلك أعمى وأضل سبيلا.

وقد ينادي مخادع ماكر بأماني الناس، ويتلاعب بأحلامهم، فيقدمون له بعض التضحيات عن سذاجة وبراءة حتى اذا بلغ منهم ما يريد قلب لهم ظهر المجن !. وهذا من المنافقين الذين سبقت الإشارة اليهم قبل قليل.

80 - أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الْإِبِلِ لَكَانَتْ لِذلِكَ أهلاً. لَا يَرْجُونَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ. وَلَا يَسْتَحِينَّ أَحَدٌ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ. وَلَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْء أَنْ يَتَعَلَّمَهُ. وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإيمانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لَا رَأْسَ مَعَهُ، وَلَا في إيمان لا صَبْرَ مَعَهُ.

• أوصى الإمام في حكمته هذه بخمس وصايا :

1 - (لا يرجون أحد منكم إلا ربه) المراد بالوجاء هنا السؤال وطلب الحاجة، وهو بطبعه يستدعي الخضوع والمذلة. وقديماً قيل : السؤال ذل ولو أين الطريق؟ والتذلل لله سبحانه عز وإباء، ولغيره خسة ودناءة، لأنه خضوع محتاج الى محتاج وتحمل للمنة من معدم على معدم.. قال الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض مناجاته : اللهم ان وكلتني الى نفسي عجزت، وان وكلتني الى خلقك تجهموني وان ألجأتني الى قرابتي حرموني، وان أعطوا أعطوا قليلاً، وملوا طويلاً، وذموا كثيراً.

والشرط الرئيسي في الرجاء طاعة الله في السعي والعمل والثقة بالنفس مع الإيمان بأن وراءها ووراء كل شيء قوة عليا تعين وتمهد لبلوغ المطلوب.

2 - (ولا يخافن إلا ذنبه). كل ما يجري عليه حساب وعقاب فهو اثم وذنب، وما عداه لا حساب عليه ولا عقاب، وإذن فلا موضوع ومبرر للخوف من العذاب والعقاب على غير الذنوب والآثام.. أما الخوف من حدوث مكروه كالفقر والمرض وفقد حبيب أو قريب فهو طبيعة وغريزة وقصد الإمام بعيد عن ذلك، ومراده الأول التحذير من معصية الله، والتخويف من عذابه وغضبه. وتقدم مثله مراراً.

3 - (ولا يستحين أحد منكم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : لا أعلم)

ومن ترك هذا القول أصيبت مقاتله، كما قال الإمام في الحكمة الآتية. وقال لولده الإمام الحسن : ما أكثر ما تجهل، وقال سبحانه لنبيه الكريم : «وقل ربي زدني علماً - 114 طه» ومن استقل ما لديه من علم سعى واجتهد في طلب المزيد، ومن ادعى كثرة العلم تحول علمه الى جهل تحول علمه الى جهل، وقد عرفت وبلوت أشخاصاً يحسبون كل ما يخطر في قلبهم من وهم وخيال وحياً وعلماً حتى كأن علمهم عين ذاتهم، ومعنى هذا في واقعه أنهم يدعون الربوبية من حيث لا يشعرون.

4 - (ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء ان يتعلمه) ويسهر الليالي في العلم وتحصيله، ويتحمل المشقة في سبيله، ومن استخف بطلب العلم فقد استخف بنفسه وحقرها.

5 - (وعليكم بالصبر الخ).. ومن لم يحمل نفسه على الصبر فلا يتم له دين ولا عقل ولا عمل.. ان الصبر هو الأساس والركن الركين لكل خير وفضيلة لا للدين والإيمان فقط، ومن الصبر ترك الشكوى وإخفاء الضر والبلوى، وأية جدوى من الجزع والقلق إلا مضاعفة المصاب وتراكمه.؟ وبالصبر خرج يوسف من البئر وصار عزيز مصر، وبترك الصبر وعدم العزم خرج آدم من الجنة ولاقي هو وذريته من العذاب والأوصاب في الحياة الدنيا ما يفوق التصور.

81 - أنا دُونَ مَا تَقُولُ وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ.

• أفرط بعضهم في الثناء على الإمام، وكان له متهاً فقال : (أنا دون ما تقول الخ).. كان الإمام يكره الثناء ويأباه بطبعه، وهذا حتم وضرورة لمن عظم الخالق في نفسه.. وعاتب الإمام بعض أصحابه على الإطراء وقال: كرهت أن يجول بخاطر كم اني أحب الإطراء.. فلا تثنوا علي بجميل، ولا تكلموني ؟ تكلّم به الجبابرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا ب-ي التماس إعظام لنفسي.. إلى آخر ما جاء في الخطبة 214.

وفي كتاب «الحكمة الخالدة» ان الإمام قال : «احذر من يطريك بما ليس فيك، فيوشك ان يبهتك بما ليس فيك». ولا أدري ماذا قال هذا المتهم للإمام، لأن ما لدي من المصادر لم يشر الى ذلك من قريب أو بعيد. وربما

أطراه بما هو فيه أو دون ذلك، ولكن المطري كان في قلبه مرض، كما يُشعر جواب الإمام.

82 - بَقِيَّةُ السَّيْف أَبْقَى عَدَداً وَأَكثرُ وَلَداً.

• نقل ابن أبي الحديد عن شيخه أنه قال : «ليت الإمام ذكر العلة لذلك» وأرجح ما قرأت في التعليل قول الشيخ محمد عبده : «بقية السيف هم الذين يبقون بعد الذين قتلوا في حفظ شرفهم ودفع الضيم عنهم، وفضلوا الموت على الذل، فيكون الباقي شرفاء نجباء وعددهم أبقى، وولدهم أكثر بخلاف الأذلاء، فإن مصيرهم فإن مصيرهم الى المحو والفناء». ويتفق هذا التفسير تماماً مع قول الإمام في الخطبة 51 : «الموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين» وقول ولده سيد الشهداء : لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً.

83 - مَنْ تَرَكَ قَوْلَ لَا أَدْرِي أصِيبَتْ مَقاتِلُهُ.

• تقدم الكلام عن ذلك قبل قليل. أنظر الحكمة 80 وفي كتاب «الحكمة الخالدة: «تعلم قول لا أدري. فإنك ان قلت لا أدري علموك حتى تدري وإن قلت اني أدري سألوك حتى لا تدري وما أحد من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : قال سلوني إلا علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)».

84 - رأي الشيخ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الغُلامِ.

• الشيوخ المجر بون للرأي والتخطيط، والشباب للشجاعة والعمل، وليس من شك ان العمل والشجاعة بلا تخطيط فوضى ومجازفة. وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الحكمة 46 عند قول الإمام : «والحزم بإجالة الرأي».

85 - عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَمَعَهُ الْاسْتِغْفَارُ.

المراد بالقنوط هنا اليأس من عفو الله ورحمته، وبالاستغفار التوبة. ويشر الإمام بهذا الى قوله تعالى : «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - 53 الزمر».

86 - كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا فَدُونَكُمُ الآخَرَ فَتَمَسْكُوا بِهِ. أَمَّا الْأَمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم). وأما الأمَانُ الْبَاقِي فَالِاسْتِغْفَارُ قَالَ اللهُ تعالى : «وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ».

• هذه الآية الكريمة رقمها 33 في سورة الأنفال، وللمفسرين فيها تأويلات وأقوال تترك القارىء في ظلمات ليس بخارج منها، والذي نفهمه نحن ان ضمير الغائبين في ليعذبهم يعود الى أهل مكة، وان المراد بالاستغفار هنا الإسلام لأنه نجاة من عذاب الله، والمعنى ان الله لا يعذب أهل مكة ما دام فيهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إكراماً وتعظيماً لشأنه ومقامه. وأيضاً هو سبحانه لا يعذبهم من بعده شريطة أن يؤمنوا برسالته. وقول الإمام : «دونكم الآخر فتمسكوا به» معناه تمسكوا بالإسلام قولاً وفعلاً، ودافعوا عنه بكل ما تستطيعون، والذي يؤيد إرادة. هذا المعنى قوله في الخطبة 150 :«الإسلام اسم سلامة»، والسلامة والأسان كلمتان مترادفتان.

87 - مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ

النَّاسِ وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ. وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاحِظُ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظُ.

• (من أصلح ما بينه وبين الله الخ).. إذا أردت أن تكسب قلوب الناس وولاءهم نحوك فلا بد - قبل كل شيء - أن تكف أذاك عنهم بدأ ولساناً، وأن تعمل لصالحهم قدر جهدك، وأن تكون مستعداً لتقبل الصدمات منهم ومن غيرهم والصبر عليها، ومتى توافرت فيك هذه الصفات كنت مرضياً عند الله لطاعتك له، وعند الناس لجهادك من أجلهم.

(ومن أصلح أمر آخرته الخ).. ليست الآخرة مجرد نظرية كمثل أفلاطون، ولا قيمة إنسانية تهدف الى الترغيب والترهيب وكفى، كما يظن.. كلا، ان الإسلام لا يعنى أبداً بالنظريات المجردة، ولا بالقيمة في ذاتها.. انه دين علم و عمل، والآخرة عنده وفي الواقع عالم خارجي يحس ويلمس، فيه طعام وشراب، ونعيم وعذاب تماماً كعالمنا هذا، والفرق أن الدنيا يعمل فيها، والآخرة يعمل لها، والعمل الأهم في الدنيا من أجل الآخرة هو الصدق والأمانة، والإخلاص في العمل والنضال لخدمة الإنسان وحل مشاكله واستصلاح أحواله.. وكما ان العمل في هذا الميدان سبب للفوز بسعادة الآخرة فهو أيضاً سبب للنجاح والرفعة في الحياة الدنيا. قال سبحانه : قال سبحانه : «وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا - 72 الإسراء». وكل باحث منصف مسلماً كان أم غير مسلم يعترف بأن أول دين ربط بين الدنيا والآخرة، وجعل تلك مطية لهذه هو دين الإسلام.

(ومن كان له من نفسه الخ).. ان الوظيفة الأولى للعقل السليم هي وقاية صاحبه المجازفة. ومن البداهة ان من كان له هذا الحصن الحصين عاش في أمن وأمان من المهالك والمخاوف. وعبر الإمام عن هذا العقل الواقي بالواعظ من النفس والداخل. وفيه ايماء الى ان المواعظ الخارجية لا تجدي نفعاً إلا اذا تركت أثراً طيباً في النفس والعقل. وسبق الكلام عن ذلك عند قول الإمام في الحكمة 37 : «أغنى الغنى العقل».

88 - الفقيه كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلَمْ يُؤيسهُمْ مِنْ رَوْح اللهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللهِ.

• المراد بكل الفقيه، الفقيه الكامل الذي توافرت فيه صفات الهادي والمرشد، والمعنى ان الله سبحانه جنة وناراً، والمؤمن العاقل يصدر بأقواله وأفعاله عن خوف من هذه وطمع في تلك. والمرشد العارف بحقيقة الإسلام يسلك بالناس هذه السبيل، فإذا خوفهم من النار فتح لهم باب الأمل والرجاء في الجنة، واذا رغبهم في الجنة خوفهم من النار، كما هو شأن القرآن الكريم : «اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - 98 المائدة». وسبق الكلام عن ذلك بنحو من التفصيل في شرح الخطبة 158 فقرة «فلسفة الرجاء والخوف».

89 - إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَملُ كَما تَملُ الْأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَهَا طرائف الحكم.

• كل ما في الطبيعة من روعة وجمال هو من حكمة الله الخالدة التي أعطت الكون والانسان ما أعطت، ولا تنحصر الحكمة بخصوص الأمثال والكلمات القصار في مدح الزهد والتقوى كما فهم ابن أبي الحديد وغيره من الشارحين، لأن الإمام أراد بالحكم هنا ما يُذهب عن القلب الملل والسأم، وعليه فمطلع الفجر وحدائق الزهر والصفصاف على ضفاف النهر، وكل ما فيه عظمة الإعجاز الإلهي، ويرضي النفس ويوقظ فيها الحياة والأمل - فهو من الحكمة، وعلينا أن ننشده وتتمتع به كلما أحسسنا بالتعب والفتور ليعود الينا النشاط والأمل، ونستأنف الجهاد والنضال.

90 - أوضعُ العِلْمِ مَا وَقَفَ عَلى اللّسَانِ، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ في الْجَوَارِح وَالْأَرْكَانِ.

• جوارح الإنسان أعضاؤه التي يستعين بها على العمل، والعضو الرئيسي في جسد الإنسان يطلق عليه الركن. والعلم فهم ودراية، لا حفظ ورواية، ومن وثق بالكلام واكتفى به عن الوعي والعمل فهو اسطوانة وشريط مسجل والفرق ان هذا الشريط يتكلم ولا يسمع، أما الحافظ فإنه يتكلم ويسمع، وأيضاً يحب الاستماع الى صوته.. والعالم حقاً هو الذي لا يهتم بالحفظ والتفوق بالجدال على الأقران بل ينظر الى الألفاظ كوسيلة، والعمل النافع هو الغاية في نظره.

قال فيلسوف صيني : «ان حب الإنسان للكلمات هي الخطوة الأولى في طريق جهله وعدم وعيه» ذلك بأن الحقيقة لا تتخلى عن الحياة والعمل، والخرافة وحدها هي التي لا تتصل بالحياة من قريب أو بعيد. ويأتي قول الإمام : «العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه». وباختصار إن العالم الكامل هو الذي يجعل الحياة أكثر خصباً وعدلاً وأمناً.

91 - لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد إِلَّا وَهُوَ مُشْتَمِل عَلى فِتْنَةٍ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مضلّاتِ الْفِتَنِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : «وَاَعْلَمُوا أَنما أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ». وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاَدِ لبينَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ وَالرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ، وَلَكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، لانّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذَّكُورَ وَيَكْرَهُ الْإِناكَ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ المالِ ويَكْرَهُ انْثِلَامَ الْحَالِ.

• المراد بالفتنة هنا الامتحان والاختبار بالمال والجاه والبنين، والمراد بمعضلات الفتن الطغيان بسبب المال والولد وما أشبه والمعنى لا تتعوذ من الفتنة بوجه العموم،

فإن منها زينة الحياة الدنيا والطيبات من الرزق التي أحلها سبحانه لعباده، بل تعوذ من إغراء الفتنة وحبائلها، لأن الدنيا وزينتها كثيراً ما تصرف الإنسان عن دينه وضميره وقد شاهدنا الإنسان يبتعد عن الخير كلما أمعن في المادة والترف.

(ومعنى ذلك انه يختبرهم الخ).. ان الله سبحانه يعلم من عباده ما فعلوا وما سيفعلون من خير أو شر، ولكن سبق في عدله وقضائه أن لا يحاسب أحداً على ما يعلم منه، وما ينطوي عليه صدره وسره، بل يحاسبه ويجازيه على ما ظهر منه بالفعل بعد أن وهبه القدرة والعقل والإرادة، ورزقه من الخيرات والطيبات، وأمره ونهاه، فإن خالف وعصى قامت عليه الحجة واستحق المؤاخذة والعقاب.

92 - لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، ولكن الْخَيْرُ أن يكثر عامكَ وَيَعْظُمَ حِلْمُكَ، وَأَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمدْتَ اللهَ، وَإِنْ أَمَاتَ اسْتَغْفَرْت الله. وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِرَجُلَيْنِ : رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يتداركها بِالتَّوْبَةِ، وَرَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ.

• المال من حيث هو لا يحمد ولا يُدم، لأنه حجر أو ورق، وانما ينظر اليه من حيث أثره ومفعوله، إن خيراً فخير ومفعوله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر فشر، قال سبحانه كمثال على الشر : «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً - 36 الأنفال». وقال كمثال على الخير : «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ - 261 البقرة» وقال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : نعم المال الصالح للرجل الصالح، وكذلك الولد هو خير إن كان صالحاً، وشر إن كان طالحاً، والعلم خير كله ان جعل الحياة أكثر خصباً وأمناً وعدلاً، وشر إن قتل الآدميين وروع الآمنين.

وتسأل : اذا كان كل المال والولد والعلم محمد من حيث هو خير، ويدم من حيث هو شر - فلماذا نفى الإمام الخير عن المال والولد دون العلم، مع أن الجميع من فصيلة واحدة ؟

الجواب : لا يريد الإمام بقوله هنا ان يوازن بين المال والولد من جهة، والعمل من جهة ثانية، بل هدفه الرد على من يرى الخير كل الخير في الأموال والأولاد ، ولا يرى خيراً في غيره إطلاقاً علماً كان أم حلماً. ومن قبل قال المترفون : «نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ - 35 سبأ».

(وأن تباهي الناس بعبادة ربك). ليس المراد بالتباهي هنا التفاخر، بل المراد أن لا ترى نفسك شيئاً مذكوراً بالمال والولد، بل بالعلم والحلم وطاعة الله وحسن السلوك (فإن أحسنت حمدت الله) الذي هداك الى عمل الخيرات (وان أسأت استغفرت الله) من سيئاتك، وتداركتها بالتوبة والمسارعة الى الصالحات (ولا خير في الدنيا الخ) الشيء الأعظم في كل عمل في الدنيا هو ما ينفعك في الآخرة كالتوبة من الذنب، والعمل لخدمة الإنسان.

93 - لَا يَقِلُّ عَمَلُ مَعَ التَّقْوَى. وَكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ.

• التقوى أن تتقي غضب الله سبحانه، ولا تتعدى حدوده وشريعته.. وأيضاً من التقوى اتقاء الشبهات والتورع عما لا تدري أحلال هو أم حرام، والمراد بالعمل القليل هنا الاقتصار على ما وجب بلا زيادة ونقصان، ومن وفق لذلك فقد زحزح عن النار، ومن زحزح عنها فقد فاز. وكفى بهذا الفوز فضيلة وسعادة.

94 - إن أولَى النَّاسِ بِالأنبياء أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ. هُمْ تَلَا «إِنَّ أولَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النِّي وَالَّذِينَ آمَنُوا».

• المراد بأولى الناس بالأنبياء الولاية عنهم، ويعبر عنها بالخلافة وهي علاقة إلهية طبيعية بين النبي وخليفته، ولا تكون هذه الخلافة أو الولاية ولن تكون إلا لعالم برسالة النبي عامل بها ومناصر له في جميع مواقفه ويشير الإمام بهذا الى نفسه وانه أولى الناس برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأنه امتداد له علماً وأخلاقاً.

وتجدر الإشارة الى ان الاسلام يورث العبد من سيده اذا كان قد أعتقه تبرعاً ولا وارث سواه، ويسمى في اصطلاح الفقهاء الإرث بالولاء. فكيف اذا اجتمعت القرابة والولاية معاً، كما هي الحال بين محمد وعلي ؟.

95 - إِنَّ وَلِي مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَإِنْ بَعْدَتْ لُحْمَتُهُ، وَإِنَّ عَدُوٌّ محمَّدِ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَإنْ قَربَتْ قَرَابَتُهُ.

• اللحمة - بضم الحاء -القرابة، والإمام يرد بهذا على الذين احتجوا من قريش على الأنصار يوم السقيفة، وزعموا أنهم أولى بالخلافة لقرابتهم من رسول الله.. فقال الإمام : إن الله سبحانه لا يتعامل مع أحد من خلقه بمنطق قبلي أو شخصي، فالكل عنده سواء إلا من ابتغى اليه الوسيلة بالطاعة والتقوى. وأيضاً لا ولاية ولا قرابة بين محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وغيره إلا على هذا الأساس من غير فرق بين رشي وحبشي، وبهذا نطقت الآيات والروايات، قال سبحانه : «إن أكرمكم عند الله أتقاكم - 13 الحجرات»، وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : و يا فاطمة بنت محمد اني لا أغني عنك من الله شيئاً. وهذا معروف ومشهور عن دين الاسلام عند كل الأمم والطوائف. وتقدم الكلام عنه مرات.

96 - نَوْمٌ عَلَى يَقِينِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ فِي شَكٍّ.

• قال الإمام هذا حين سمع رجلاً من الخوارج يتهجد أي يصلي ويتعبد في الليل. واليقين أن تؤمن بالله كأنك تراه، ومن بلغ ايمانه الى هنا لم يقم في وجهه أي

حاجز عن العمل بمرضاة الله، ويستهين بالموت في هذه السبيل، وتاريخ الشهداء هو تاريخ هذا اليقين، وهو بنفسه عبادة، بل هو المصدر والمنبع الذي تفيض منه العبادات والصالحات، واذن فلا عجب اذا كان صاحب هذا اليقين عابداً قانتا في نومه، وكان الشاك عاصياً ضالاً في صلاته.

91 - إعْقِلُوا الخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لَا عَقْلَ رِوَايَةٍ فَإِنَّ روَاةَ العِلْم كَثِيرٌ وَرُهَانَهُ قَلِيلٌ.

• الفرق بين الرعاية والرواية كالفرق بين من بنى صرحاً بعلمه ويده، ومن رأى هذا الصرح بعينه، وأخبر عنه بلسانه على ان الإخبار عن الإعيان الخارجية لا يحتاج الى العلم والدرس، ورواية العالم لها تماماً كرواية الجاهل ما دام كل منها ثقة في النقل، أما القيم الروحية كالخير فلا تعرفها وتدركها إلا عقول الراسخين في العلم (فإن رواة العلم كثير) وهم الذين ينقلون ويروون عن العلماء. وقال قائل من الرواة : «أنا أحفظ لأهل البيت ثلاثمئة ألف حديث». وهذا الراوي وحده يعادل عشرات الرواة، ومثله كثير (ورعاته قليل) أي العلماء بحق.

98 - (وسَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)) : إِنَّا قَوْلَنَا : إِنَّا لِلَّهِ، إِقْرَارُ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالمِلْكِ وَقَوْلَنَا : وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِقْرَارُ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ.

• من أقر على نفسه بالملك حرم عليه التصرف بشيء منها إلا بترخيص المالك، ومن تصرف بلا اذن وترخيص منه تعالى فهو غاصب ظالم. وأيضاً من أقر بالموت فعليه أن ينسجم مع نفسه واعترافه، ولا يعمل عمل الخالدين.

99 - (وَمَدَحَهُ قَوْمُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ) : اللَّهُمْ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ، اللهُمَّ اجْعَلْنَا خَيْراً لِما يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لَنَا مَا لَا يَعْلَمُونَ.

• يستصغر الإمام كل شيء في جنب الله، وليس نفسه فقط، وهذه هي نظرة العارفين ولغتهم، وهذا دأبهم وطبعهم، ولذا لا يثني الإمام على نفسه إلا لضرورة كما قال يوسف : «اني حفيظ عليم 55 يوسف». وأيضاً يكره الإمام الثناء من غيره. ولذا دعا بهذا الدعاء حين سمع المديح والإطراء.. وقال قائل، وهو يشرح هذه الحكمة : «طلب الإمام من ربه المغفرة على ترك الأولى لا على فعل الذنب» . وقد صار هذا الترك مأوى العاجزين يفرون اليه لسبب وغير سبب حتى ولو قال المعصوم استغفر الله.. ونسوا ان هذه هي لغة الأنبياء والصديقين.

100 - لَا يَسْتَقِيمُ قضاء الحوائج إِلَّا بِثَلاث : بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُمَ، وباستكتامِها لِتَظْهَرَ، وَبِتَعْجِيلِهَا لِتَهْنُوّ.

• الفرق بين التعاون وقضاء الحاجة ان التعاون تكامل، والهدف منه مصلحة الجميع، أما قضاء الحاجة فهو مساعدة ثنائية من فرد لآخر، ولكنه من الفضائل ومكارم الأخلاق، لأن الساعي في حاجة أخيه يبرد كبده، ويرد لهفته، هذا إن عجل الحاجة وكتمها واستصغرها، أما اذا أجل وأعلن واستكثر فإنه يكدر صفو الحاجة، ويذهب نورها وأجرها.

والسلام في «لتظهر» للعاقبة مثل لدوا للموت وابنوا للخراب، لأن مسدي المعروف اذا تجاهله أعلن عنه المسدى اليه، وأثنى عليه أمام الناس، وهم بدورهم يتحدثون، ويتخذون منه مثلاً يحتذى.

101 - يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرِّبُ فِيهِ إِلَّا المَاحِلُ، وَلَا يُظَرِّفُ فِيهِ إِلَّا الْفَاجِرُ، وَلَا يُضَعَّفُ فِيهِ إِلَّا الْمُنْصِفُ. يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً. وَصِلَةَ الرّحِمِ مَنَّا. وَالْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةٌ عَلى النَّاسِ. فَعِنْدَ ذلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشوَرَةِ النِّسَاءِ وَإِمَارَةِ الصَّبْيَانِ وَتَدْبِيرِ الخصيان.

• أخبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن الأجيال الآتية بأفعالها وأوصافها، ودون أهل الحديث ذلك في كتبهم. ومن قرأها لا يجد أي اختلاف بينها وبين ما يجري في عصرنا، وما جرى فيما سلف، ومما أخبر به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قوله : «يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الآدمين، وقلوبهم قلوب الشياطين كالذئاب الضواري سفاكون للدماء لا يتناهون عن منكر فعلوه». وكل الناس يعرفون من هم الذين يسفكون اليوم دماء الأبرياء بالألوف، ويقيمون القواعد العسكرية في البحر والبر والجو لغزو الشعوب المستضعفة وتدميرها وتشريد أهلها. والذي أشار اليه الإمام هنا هو غيض من فيض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال ابن أبي الحديد : «هذا من الإخبار بالغيب الذي اختص بها دون الصحابة» أي ان النبي خصه بهذا العلم دون غيره.

(لا يقرب فيه إلا الماحل) أي المام الناكر، فله وحده الدرجات العلى في بيئة الضلال والفساد (ولا يُظرف فيه) لا يُعد ظريفاً لطيفاً (إلا الفاجر) وهو الخليع الفاسق (ولا يُضعف فيه) أي يهجر ويهمل (إلا المنصف) القائل العامل بالحق والعدل، وفي الحديث النبوي : «المؤمن فيما بينهم مستضعف».

(يعدون الصدقة غرماً) ضريبة جائرة (وصلة الرحم منا) إنعاماً يمنون به على المحروم، وهو حق له بنص القرآن الكريم في الآية 24 من سورة المعارج. (والعبادة استطالة على الناس) يمنون على الناس بصومهم وصلاتهم، والله يقول: «لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - 17 الحجرات».

(فعند ذلك يكون السلطان بمشورة النساء) أي يسيطرن على الحاكمين، ويطمعن

في إدارة البلاد، ويشفعن بالمجرمين ومن يهدي اليهن النفيس والثمين. ومما قاله الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن الأجيال من بعده : «بطونهم آلهتهم ونساؤهم قبلتهم، ودنياهم دينهم، وشرفهم متاعهم» (وإمارة الصبيان) يشير الى الملوك الذين يعهدون بالإمارة من بعدهم الى الأولاد والأطفال (وتدبير الخصيان (أمثال المرتزقة وأعوان الظلمة في زماننا الذين يصفقون ويهتفون للحاكمين والمتزعمين نفاقاً ورياء.

102 – (وَرُويَ عَلَيْهِ إِزَارُ خَلَقَ مَرْقُوعُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ) : يخشَعُ لَهُ الْقَلْبُ، وَتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ، وَيَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ. إِنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وسَبِيلَانِ مُختلِفَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلَّاهَا أَبْغَضَ الْآخِرَةَ وَعَادَاهَا. وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ومَاشٍ بَيْنَها، كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعْدَ مِنَ الْآخَرِ، وَهُمَا بَعْدُ ضرَّتان.

• (يخشع له القلب، وتذل به النفس) الضمير في «له» يعود الى الإزار المرقوع. وسبق في آخر الخطبة 158 قول الإمام : «لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها». وتكلمنا عن هذه المدرعة في شرح الخطبة المذكورة بعنوان «مدرعة علي تنص عليه» ولى تساوى الناس في العيش ما كان للفقر والزهد من موضوع ولا معنى، ولوجب حذف هذه الكلمة وما رادفها من قواميس اللغة، أما وقد وجد الفقر فلا بد وان تلحقه آثاره ولوازمه، ومنها حسرات المحروم وآلامه، وتعاظم المترف وطغيانه.. والإمام قادر على لبس الجديد وأكل الطيبات دون أن يطغى ويتعالى، بل يستحيل في ذلك في حقه، ولكنه وهو الإمام المعصوم يقدر نفسه بضعفة الناس كيلا يهيج بالفقير فقره فيهلك، كما قال في الخطبة 206. وقوله هنا : «يخشع له القلب، وتذل به النفس»، تقريع 206 وتوبيخ لمن يطغيه الغنى ويبطره.

(ان الدنيا والآخرة عدوان الخ).. المراد بالدنيا هنا دنيا الحرام كالعيش على حساب الآخرين، والتي تؤدي الى الحرام، كالكبرياء والسيطرة بغير الحق، أما دنيا الحلال والعيش بكد اليمين وعرق الجبين فهي خير محض، ومن ومن الآخرة

في الصميم (فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها). وكلمة «تولاها» تدل بوضوح أنه انصرف بكله الى الدنيا واتخذها ديناً ومعبوداً، وليس من شك ان من كان هذا شأنه كره الآخرة والعمل لها.

(وهما بمنزلة المشرق والمغرب) هذا دليل آخر على أن المراد بالدنيا دنيا البغي والفساد، والفجور والضلال، ولو كان بين الدنيا والآخرة هذا البعد والتضاد - ما كانت الدنيا مطية ووسيلة للآخرة (وماش بينهما كلما قرب من واحد بعد من الآخر) كل ما جاوز الحد انقلب الى الضد، وكل من أسرف في الماديات ابتعد عن الروحيات، ومن قرب من الرذائل بعد عن الفضائل.

(وهما بعد ضرتان) في بعض الحالات، وذلك بأن يكون عمل الإنسان كله لدنياه، ولا يقدم شيئاً لآخرته، أما إذا عمل لهذه وتلك فهما شقيقتان متحابتان لا ضرتان متباغضتان. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه لهذه.

13 - طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ في الدُّنْيَا الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ. أُولئِكَ قَوْمٌ الْخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطًاً، وَتُرابَهَا فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طِيباً، وَالْقُرْآنَ شعاراً، وَالدُّعَاء دِثَاراً. ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلى مِنهاج المسيح يَا نَوْفُ إِنَّ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَامَ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ إنَّهَا سَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدُ إِلا أَسْتَجِيبَ لَهُ إِلا أَن يَكُونَ عَشَاراً أوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِئًا أَوْ صَاحِبَ عَرْطبة.

كان نوف البكالي من أصحاب الإمام وشيعته والمقربين اليه. وقال نوف هذا :

رأيت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذات ليلة، وقد خرج من فراشه، فنظر في النجوم وقال : (طوبى للزاهدين في الدنيا الخ).. وهم الذين يقنعون بما تيسر.. لا يردون موجوداً، ولا يتكلفون مفقوداً، وان دعت الضرورة الى النوم على الأرض ناموا عليها غير ساخطين ولا حاسدين.

(وماءها طيباً) من الطيبات لا من الطيب الذي كان يحبه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (والقرآن شعاراً) يحرصون على تلاوته والعمل بأحكامه والدعاء دثاراً) يواظبون على الدعاء خوفاً وطمعاً. وقيل : الشعار كناية عن تلاوة القرآن سراً، لأن أصل الشعار ما يلي البدن من اللباس، والدثار كناية عن الدعاء جهراً، لأنه ما ظهر من الثياب (ثم قرضوا الدنيا قرضاً) وما خضموها خضماً، والفرق بين القرض والخضم أن القرض أكل بأطراف الأسنان، والخضم أكل بالفم كله، والمعنى ان الزاهدين أخذوا من الدنيا قوت من لا يموت.

(في مثل هذه الساعة من الليل) أي بعد نصف الليل، كما يتبادر الى الفهم من السياق، وهي ساعة عزلة وهدوء وتأمل، يستطيع الإنسان في هذا الوضع أن يتجه الى خالقه سبحانه، ويدعوه بإخلاص، وهو سبحانه يستجيب كما وعد في الآية 186 من سورة البقرة : «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي». فمتى استجاب العبد لربه وأطاعه استجاب الرب لعبده وأرضاه. وأشار الإمام الى هذا الشرط بقوله : (الا ان يكون عشاراً أو عريضاً أو شرطياً أو صاحب عرطبة). وبكلمة أن يكون مطيعاً لا عاصياً، أما ذكر العشار وما بعده فهو من باب الإشارة الى الشيء ببعض مصاديقه وأفراده، والعشار الجابي، والعريف: المراقب. والشرطي معروف، وعرطبة فسرها الشريف الرضي بالطنبور، وهو آلة موسيقية طويلة العنق ذات أوتار. وأظنها العود.

104 - إِنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْفَرَائِضَ فَلَا تُضِيعُوهَا، وَحَدٌ لَكُمْ حُدُوداً فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاء فَلاَ تنتهكُوهَا، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاء وَلَمْ يَدَعْهَا نِسيانا فلا تتكلفوها.

• الله سبحانه عادل وحكيم، لا يؤاخذ أحداً من عباده على فعل أو ترك إلا القدرة في العبد، والبيان منه تعالى أمراً أو نهياً. هذا هو حكم العقل والعقلاء والكتاب والسنة. قال تعالى : «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها - 286 البقرة». وقال نبي الرحمة : «رفع عن أمي ما لا يعلمون». وقال الإمام الصادق : إن الله احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم.. وقد آتاهم القدرة، وعرفهم ما أراد على لسان رسله، وجعل لمراده منهم حداً، وجعل على من اعتدى وتعدى ذلك الحد جداً.

وإذن لماذا البحث والسؤال عما لا نُسأل عنه يوم الحساب والجزاء، ولا جدوى لنا من بحثه في الحياة الدنيا ؟ كالبحث في حقيقة الملائكة، وشجرة آدم ولون ناقة صالح ولبنها، وطول سفينة نوح وعرضها وسمعت قائلاً يقول : قرأت في بعض الكتب تحديداً دقيقاً لذكر عوج بن عنق طولا وعرضاً.

وقول الإمام : (وسكت لكم عن أشياء الخ).. رد واضح وصريح على أهل القياس الذين يُلحقون حكم غير المنصوص عليه بحكم المنصوص لا لشيء إلا لما يخطر على قلوبهم من صورة العلة المشتركة بين الاثنين

105 - لَا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاستصلاح دُنْيَاهُمْ إلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ.

< وأوضح مثال لهذه الحكمة أو الحقيقة المسلمون في هذا العصر.. تركوا الجهاد وهو من أقدس واجبات الاسلام وأهمها، تركوه وعاشوا عزلاً من كل سلاح يرهبون به الذئاب الضارية والوحوش الكاسرة التي تحيط بهم من كل ناحية، تركوا دينهم وتاريخهم بترك الجهاد واستسلموا للترف والكسل، والكلام الفار، فأضاعوا بلادهم، ووأدوا حريتهم وكرامتهم !.«وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ - 117 هود». فالرؤوس المترفة المفسدة هي الداء، ولا علاج إلا بتحطيمها أو طردها من القيادة - على الأقل -.

106 - رُبِّ عَالِم قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ وَعِلْمُهُ مَعَهُ لا يَنْفَعُهُ.

• لهذا العالم الجاهل العديد من الصور والمظاهر، منها أن يحفظ كلمات العلماء بلا بصيرة، ومنها أن يبعث العلم في نفسه الزهو والغرور، ومنها أن يتخذ من علمه أداة للصوصية، وهذا أسوأ أثراً من الجاهل دنيا وآخرة، ومنها أن لا يحترز من علمه بعقله، ومثاله أن يستطيل بعلمه على الأكفاء، أو يشارك عالماً في حديثه ويتغلب عليه بالكلام، أو يسبق الى الجواب قبل السؤال، أو يكون غيره المسؤول، وهو يجيب عنه أو يناقش معاندا محتقره ويستخف به أو يحدث بالعلم من لا يفهمه، ولا يجب الإصغاء اليه، ويثقل على نفسه أن يرى العلم في غيره.. ونحو ذلك.

107 - لَقَدْ عُلِّقَ بنِيَاط هذَا الْإِنْسَان بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ وذلِكَ القَلْبُ. وَلَهُ مَوَادُّ مِنَ الحِكْمَةِ وَأَصْدَادُ مِنْ خِلَافِهَا. فَإِنْ سنحَ لَهُ الرَّجَاءَ أَذَلَّهُ الطَّمَعُ. وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْصُ. وإن مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ. وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ به الْغَيْظُ. وَإِنْ أَسْعَدَهُ الرّضى نَسِيَ التَّحفظ. وَإِن نَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْخَذَرُ. وَإِنِ اتَّسَعَ لَهُ الْأَمْنُ اسْتَلَبَتْهُ الْغِرَّةُ. وَإِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْفَاهُ الْغِنَى. وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْجَزَعُ. وَإِنْ عَضَّتْهُ الْفَاقَهُ شَغَلَهُ البلاء. وَإِنْ جَهَدَهُ الْجُوعُ قَعَدَ به الضَّعْفُ. وَإِنْ أَفَرَطَ بِهِ الشُّبَعُ كَظَّتُهُ البطنَةُ فَكُل تقصير بِهِ مُضِرٌ وَكُلٌّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ.

العناصر العقاية والعاطفية :

لكي يتضح المقصود من كلمات الإمام نمهد بهذه الإشارة : ان في داخل الإنسان العديد من العناصر والغرائز، وهي بمجموعها على قسمين: الأول، عقلية فكرية، وتسمى بالمنطق العقلي، وعن هذا المنطق يصدر العلم والمعرفة. والقسم الثاني عناصر قلبية عاطفية، وتسمى بالمنطق العاطفي، وعنه تصدر الشهوة والميول. وكثيراً ما يقع الصراع والتصادم بين المنطقين لاجتماعهما في جسم واحد ونفس واحدة. وفي الأعم الأغلب تنتصر العاطفة على العقل، ويصاب بالشلل، ويتعطل عن التأثير والعمل في الجهة التي غلب فيها على أمره

وأكثر أفعال الإنسان وحركاته تصدر عن العاطفة لا عن العقل، والذين يحفظون التوازن بين المنطقين دون أن يطغى أحدهما على الآخر هم أقل من القليل، لأن عملية التعادل هنا عسيرة وشائكة، ولا يُلقاها إلا ذو حظ عظيم من العقل والصبر.

ونحن مكلفون بكبح العاطفة عن الشر، والصبر عند المصيبة، ومسؤولون عن معصية الله والعقل ومعاقبون على الاندفاع مع الشهوة وحب السيطرة، وعلى الجزع الذي يتجاوز الحمد ويقود الى التهلكة،، وكلام الإمام هنا يختص بالمنطق العاطفي، وأشار الى بعض مظاهره وأفراده، وان الواحد منها قد يتولد منه ما هو أسوأ أثراً وأكثر ضرراً. قال :

(لقد علق بنياط هذا الانسان الخ).. النياط : عرق علق به القلب، والبضعة - بفتح الباء - القطعة من اللحم (وذلك القلب، وله موارد من الحكمة الخ).. ليس المراد بالحكمة هنا الفضائل كالشجاعة والجود كما فهم ابن أبي الحديد وتابعه ميثم.. كلا، بل المراد كلا، بل المراد - بدلالة السياق - الشؤون العاطفية كالرجاء والغضب والجزع، وما الى ذلك مما أشار اليه الإمام وكل ما يقابل الشؤون العقلية. وأطلق الإمام عليها كلمة الحكمة، لأن الله سبحانه ما خلقها في القلب عبثاً، بلى لحكمة بالغة.

(فإن سنح له الرجاء أذله الطمع) ان توقع معروفاً من مخلوق تذلل له وتضرع، وباعه دينه وضميره، وكذب ونافق في الثناء عليه، وصرف مساوءه الي محاسن، فجعل بلادته حلماً، وجبنه عقلاً، وهذيه بلاغة !. والمؤمن العاقل في غنى عن هذه الخسة والضعة، لأنه يتوقع قضاء حوائجه بالسعي والتعاون المتبادل

مع الناس، وبالتوكل على الله والتوفيق منه تعالى (وان هاج به الطمع أهلكه الحرص). الرجاء يولد الطمع، والطمع يولد الحرص، والحريص دائم الخوف والتعب، يخاف على ما في بده، ويكدح ليل نهار طلباً للمزيد.

(وان ملكه اليأس قتله الأسف). أسرف في الطمع وتجاوز الحد لبلوغ الأمل، فإذا خسر الصفقة وملكه اليأس قتلته الصدمة بعنفها وشدتها.. ولو اعتدل وتحفظ منذ البداية لهان عليه الأمر، وبقيت له باقية تخفف عنه (وان عرض له الغضب اشتد به الغيظ) وهو لهيب الغضب وفورانه، وقد وصف سبحانه به نار جهنم في الآية 8 من سورة الملك : «تكاد تميز من الغيظ». والغيظ مفتاح كل شر إلا من جاهده بعقل كبير، وكتمه بصبر وجلد ولا شيء أحلى وأجدى عاقبة من تجرع الغيظ وكتمانه.

(وان أسعده الرضا) ونال من الدنيا ما أراد (نسي التحفظ) وأطلق العنان الشهواته وأهوائه، وذهل من العواقب والمفاجآت (وان ناله الجنوف شغله الحذر) إذا خاف حدر من كل شيء حتى من خياله، وهذا هو الجنون والداء القاتل، لأنه يبعث على الجمود والعزلة، ويمنع عن الحركة والعمل. والحذر المحمود هو المحرك على الكفاح النافع الواقي (وان اتسع له الأمن استلبته الغيرة) أي الغفلة. والمعنى إذا أمن على نفسه وماله اطمأن كل الاطمئنان، وذهل عن المفاجآت والمخبات فهو أبداً ودائماً مسرف ومفرط، ان خاف كانت حياته كلها حذراً في حذر، وان أمن كانت جميع أيامه غفلة وذهولاً.. والعاقل يحذر عند الخوف، ولكن لا على حساب ما يملك من طاقات، وما يستطيعه من عمل، وأيضاً ترتاح نفسه عند الأمن، ومع هذه الراحة يحترس من العواقب ويحذر.

(وان أفاد مالاً أطغاه الغنى) وأخذته العزة بالإثم بدلاً من التواضع والشكر لله على إنعامه وتفضله (وان أصابته مصيبة فضحه الجزع) الذي لا يجديه نفعاً، بل يزيد النار تأججاً، ويحول أجر المصيبة الى إثم ووزر (وان عضته الفاقة شغله البلاء) ان افتقر سيطر عليه الحزن، وصرفه عن السعي والتفكير في طريق الخلاص، وحكم على نفسه بالموت وهو يعيش بين الأحياء (وان جهده الجوع قعد به الضعف) كما هو شأن من ضُربت عليه الذلة والمسكنة، أما البطل فيثور ويخلق القوة من الضعف، ويجاهد بكل كيانه حتى الموت، أو التحرر من الذل

والبؤس.. واشتهر عن الصحابي الجليل أبي ذر قوله : عجبت لمن جاع كيف لا يخرج شاهراً سيفه !.

(وان أفرط به الشبع كظته البطنة). كظته : آلمته، والبطنة : التخمة وهي داء الجسم والروح، ومن كان أسيراً لبطنه ألحق بالحيوان (فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد). التوازن والتعادل حسن في كل شيء حتى بين الميول والغرائز، فإن بغت إحداهما على الأخرى أضرت وأفسدت.

108 - نَحْنُ الثَّمْرقَةُ الوسطى بها يَلْحَقُ الّتالي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الغالي.

• وندع الكلام هنا للشيخ محمد عبده وحده الذي قال بإيجاز وإعجاز : «النمرقة - بضم فسكون فضم ففتح - الوسادة، وآل البيت أشبه بها للاستناد اليهم في أمور الدين، كما يستند الى الوسادة لراحة الظهر واطمئنان الأعضاء، ووصفها بالوسطى لاتصال سائر النمارق بها، فكأن الكل يعتمد عليها، إما مباشرة وإما بواسطة ما بجانبه، وآل البيت على الصراط الوسط العدل، يلحق بهم من قصر ويرجع اليهم من غلا وتجاوز».

وكل شرح دون هذا الشرح فضول، وكل عطف عليه نافلة.

109 - لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلا مَنْ لا يُصَانِعُ وَلَا يُضَارِعُ وَلاَ يَتَّبِعُ المَطَامِعَ.

• لا يقيم أمر الله أي لا يتولى الحكم على الناس، وأضافه الإمام الى الله سبحانه، لأنه من المصالح العامة وأهمها. ولا يصانع : لا يداري. ولا يضارع : لا يشبه المبطلين في شيء من أحكامه وأعماله. وقيل : معنى لا يضارع لا يخضع ويضرع. ومهما يكن فإن الغاية من حكم الحاكم إقامة الحق والعدل، والعمل لسعادة المحكومين

فإذا اتبع أهواءه في حكمه، أو أهواء الطامعين - عم الفساد والبغي، وانتقض الغرض من وجود الحكم والحاكم، قال سبحانه : «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ - 71 المؤمنون». وهكذا تأتي حكم الإمام عامرة بمعاني الوحي والقرآن الكريم.

110 - لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلُ لَتَهَافَتَ.

• تهافت : تساقط وتصدع. قال الشريف الرضي : توفي سهل بن حنيف بالكوفة بعد مرجعه من صفتين، وكان أحب الناس الى الإمام فقال : «لو أحبني جبل لتهافت». ثم قال الرضي ثم قال الرضي : وهذا مثل قوله :

111 - مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ البَيْت فَلْيَسْتَعِدَّ الفقر جلبابا.

• يريد الإمام من هذه الجملة والتي قبلها أن من أحب أهل البيت تراكمت عليه المصائب، وسكت عن بيان السبب لوضوحه، وهو ان الولاء لأهل البيت ولاء لله والحق، إذ لا شيء عندهم إلا العلم والإيمان، والإخلاص والجهاد في حرب الباطل وأهله، ومن سلك هذه السبيل تظاهرت عليه قوى الشر والباطل وعلى الذين يتبعونه بإحسان، وأعدت له ولهم كل ما تستطيعه من قوة، والأمثلة على ذلك من كل عصر وقطر لا تحصى كثرة، وتكفي الإشارة الى بعض ما لاقاه خاتم النبيين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقد حوصر في الشعب أمداً غير قصير، واضطر بعد رجوعه من الطائف أن يدخل مكة في جوار كافر، وهو مطعم بن عدي، ثم خرج منها خائفاً يترقب.

واشتهر عن الإمام قوله : «ما ترك الحق لي صاحباً»، وإذا عاش من عاش بلا أعداء فاعلم بأنه مغمور، أو إمعة، أو منعزل لا يساهم في شيء من حياة المجتمع ويمارسها بحلوها ومرها.

112 - لَا مَالَ أَعودُ مِنَ الْعَقْلِ. وَلَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ وَلَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ. وَلَا كَرَمَ كَالتَّقْوَى. وَلَا قَرِينَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ. وَلَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ. وَلَا قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ. وَلَا تَجَارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَلَا رِبْحَ كَالثَّوَابِ. وَلَا وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشَّبْهَةِ وَلَا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ. وَلَا عِلْمَ كَالتَفَكْرِ. وَلَا عِبَادَةَ كَادَاء الْفَرَائِضِ. وَلَا إِيمَانَ كَالْحَيَاء والصبر. وَلَا حَسَبَ كالتواضع. وَلَا شَرَفَ كَالْعِلْمٍ وَلَا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ.

• أشار الإمام هنا الى طرف من مجامع الخير وطرق النجاح دنيا وآخرة، وهي:

1 - (لا مال أعود من العقل) المراد بالمال هنا الوسيلة التي تؤدي بالانسان الى غايته. وأعود : أنفع.. وكل ذي لب عالماً كان أم جاهلاً يحس ويلمس نعمة العقل ومنافعه، يحسها في طعامه وشرابه، ومسكنه وملبسه، وفي كل خطوة من خطواته.. فمن أعطاني هذا القلم الذي أسطر به، والقرطاس الذي أكتب عليه، والكلمات التي أصوغها، ومصباح الكهرباء التي أتحرك في ضوئها الى ما لا نهاية، أما أثر العقل في الصناعة فقد تجاوز الأرض الى القمر وغيره من الكواكب.

وبالاختصار لولا العقل لم يكن الانسان انساناً، وأنى اتجه به أتاه بالخوارق والمعجزات، فأي مال وأي شيء يساوي فضل العقل وعظمته اذا استعمل في رشده، وصرف الى الخير لا الى الشر، ومن أخطأه العقل ظهرت حيوانيته، ومن انحرف به الى الشر ظهرت سمومه وقسوته.

(لا وحدة أوحش من العجب) لأن الناس عقتون المعجب بنفسه، ويتباعدون من قربه، فيصبح وحيداً غريباً. وتقدم مثله في الحكمة 30.

3 - (ولا عقل كالتدبير) ويشمل هذا التدبير صيانة المال واستثماره والرفق

في الإنفاق. وقال بعض الشيوخ : ومن التدبير أن يترك الشيخ النكاح، لأنه ينفق جوهراً ثميناً لا يحصل على مثله أبداً.

4 - (ولا كرم كالتقوى) المراد بالكرم هنا الإكرام والكرامة ضد الهوان والإهانة، مثل قوله تعالى : «إن أكرمكم عند الله أتقاكم - 13 الحجرات».وتقدم الكلام عن التقوى مرات، منها في الخطبة 189 فقرة : التقوى.

5 - (ولا قرين كحسن الخلق) المراد به أن يكون الانسان حسن السيرة والمعاملة في علاقاته الناس. وليس من الضروري أن يكون عالماً أو بطلاً أو مخترعاً، والمهم أن لا يخشى أحد من شره وغدره. وفي الحكمة 38 «أكرم الحسب حسن الخلق».

6 - (ولا ميراث كالأدب) تقدم بالحرف في الحكمة 53.

7 – (ولا قائد كالتوفيق) وهو الهداية والعناية من الله الذي لا حول ولا

قوة إلا به ومنه. واني اؤمن بالتجربة والممارسة انه لا شيء على الإطلاق إلا والله فيه تدبير، وكلما قرأت وسمعت فلسفات تناقض هذه الحقيقة ازددت بها إيماناً كإيماني بوجودي لا كإيمان العجائز الذي سدت فيه منافذ العقل. وأيضاً اؤمن بأن لهذا التوفيق أسباباً لا بد منها، وأهمها السعي وحب الخير لكل الناس بلا استثناء

8 - (ولا تجارة كالعمل الصالح) وهو أن يترك أثراً ينتفع به الانسان، وهذه هي التجارة الرابحة الناجحة دنيا وآخرة «وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ - 17 الرعد». وقال نبي الرحمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : خير وقال نبي الرحمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : خير الناس أنفع الناس للناس.

9 – (ولا ربح كالثواب) من الله تعالى، وهو لا يثيب ولا يغفر إلا لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى.

10 - (ولا ورع كالوقوف عند الشبهات). وكثير منهم يقف ويتورع في الوضوء والطهارة وتكبيرة الاحرام، ولا يتورع عن التصرف في أموال الفقراء والمساكين وتبذيرها في شهوات نسائه وأبنائه، ثم يترك ما تبقى ميراثاً للابن والزوجة والصهر والبنت.

11 - (ولا زهد كالزهد في الحرام) لأن في ترك القادر عليه طاعة الله ورضوانه، وأفضل من هذا عند الله من ترك الرزق الحلال لمن هو أحوج اليه منه، أما الزهد في الحلال بلا جدوى تعود على المعوزين فهو جائز شرعاً، ولكنه أشبه بالعبث والتعب بلا جدوى.

12 - (ولا علم كالتفكير) والعلم بلا تفكير أكثر خطراً من التفكير بلا علم، وأية جدوى من حفظ المتون وما رد عليها من أشكال والجواب في الشروح والحواشي ؟ أية جدوى من حفظ الكلام بلا وعي ومعرفة بفوائده ومدى أثره في الحياة ؟ وقال قائل : ان حفظ الأقوال وما يرد من أشكال يرهف العقل ويغذي الملكات. ونقول في جوابه : وأية جدوى من العقول والملكات إذا بقيت في عالم المغيبات ولم تعالج شأناً من شؤون الحياة ؟.. أبداً لا شيء يطلب لذاته حتى الإيمان بالله يهدف الى طاعته والعمل بمرضاته وتقدم مثله في الحكمة 90.

13 - (ولا عبادة كأداء الفرائض) اذا أديت ما عليك من واجبات فأنت من أسعد الخلق وأعبدهم، وتقدم مراراً أن من زحزح عن النار فقد فاز.

14 - (ولا إيمان كالحياء والصبر) الحياء مما لا يقره عقل ولا دين خير وفضيلة، واذا أدى الحياء الى الحرمان من طيبات الآخرة أو الدنيا فهو ضعف وجين. وتقدم الكلام عنه في الحكمة 20 وعن الصبر في الحكمة 55 و 82.

15 - (ولا حسب كالتواضع) وحده في كلمات أهل البيت «أن يعرف المرء قدر نفسه وينزلها منزلتها بقلب سليم - أي بلا تصنع - ولا يأتي الى أحد إلا بمثل ما يحب أن يؤتى اليه». ولا شك أن من يؤت هذا الخلق فقد أوتي خيراً كثيراً، وارتفع شأنه عند الله والناس.

16 - (ولا شرف كالعلم) النافع، ولا خير في علم لا ينفع، والضار جحيم وحميم.

17 - (ولا عز كالحلم) عن سفيه أو وضيع بدرت منه كلمة جارحة، أو حركة نابية، وما الى ذاك مما يترفع الكريم عن أقذاره. أما السكوت عن الذين يفسدون في الأرض فهو تشجيع وإقرار للفساد، والتشجيع والإقرار ضرب من العمل.

18 - (ولا مظاهرة أوثق من المشاورة) تقدم مثله في الحكمة 54.

113 - إِذَا أَسْتَوْلَى الصَّلَاحُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلُ الظَّنِّ رَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ خَزْيَةٌ فَقَدْ ظَلَم. وَإِذَا أَسْتَوْلَى الْفَسَادُ عَلى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ فَأَحْسَنَ رَجُلُ الظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ.

• المراد يحسن الظن هنا الثقة بالشخص والاعتماد على صدقه في أقواله وعهوده، والمراد بسوء الظن مجرد التحفظ منه والكف عن معاملته، ولا يجوز بحال الإساءة اليه بقول أو فعل حتى مع التهمة. والخزية : فعل ما يخزي ويُفضح. وغرر بنفسه : عرضها للخطر، والمعنى اذا جهلت أخلاق واحد من الناس، وشككت : هل يفي بالعهود أو يغدر ؟ فمعيار الثقة به أن يكون فرداً من مجتمع صالح صادق فيما يقول ويفعل، ومعيار التهمة وعدم الركون اليه أن يكون من مجتمع فاسد يسوده الغدر والنفاق.

الأنبياء وتطور المجتمع :

وقد أثبت علم الاجتماع ودراسة التاريخ ان الانسان ابن المجتمع الذي يعيش فيه، والظروف التي تحيط به، وانه يتغير بتغيرها شاء أم أبى.. حتى الجماد يتأثر ويتبدل بتبدل البيئة، وان الفولاذ يتحول الى بخار اذا كانت البيئة ملائمة. وقد أدرك الأنبياء والرسل هذه الحقيقة بوحي من الله سبحانه، فأرسلهم بشريعة تغير الأوضاع من جذورها، وتنتقل بهم الى الوضع الأفضل والأكمل.. وحول هذا التغير والتطور كان يدور النقاش والجدال بين الأنبياء المجددين، وبين المترفين المحافظين، وآيات القرآن صريحة في ذلك، منها قوله تعالى : «وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ - 23 الزخرف».

114 - كَيْفَ نَجِدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ):

كَيْفَ يَكُونُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ، وَيَسْقَمُ بِصِحْتِهِ، وَيُؤتى مِنْ مَأْمَنِهِ.

• لكل حادث داعية وسبب، فسبب الغدر - مثلاً - الثقة والاطمئنان. ومع التحفظ والحذر لا موضوع للغدر، وسبب الخيبة الأمل والطمع، ولا خيبة بلا أمل سابق، وسبب الموت الحياة. قيل لبعضهم : لماذا مات أخوك وهو في زهرة الشباب ؟ قال : لأنه حي (من يفنى ببقائه) أي بحياته. وسبب السقم الصحة، وهل يعرض العطب لغير السليم ؟ وسبب الأمن الخوف (ويؤتى من مأمنه) أي من حيث لا يحتسب انه يموت في الساعة التي مات فيها.

114 - كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ. وَمَفتون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ. وَمَا ابْتَلَى اللهُ أَحداً بِمِثْلِ الإمْلَاء لَهُ.

• أكثر الناس أو الكثير منهم يستجيبون لتصوراتهم وأوهامهم، ويتعاملون معها كحقيقة لا تقبل الشك والريب.. ولا يستمعون لواعظ ناصح، أو يعتبرون بحادثة من الحوادث، فإذا كذب في مدحهم منافق قالوا هذا وحي السماء، واذا ملكوا شيئاً من الحطام قالوا : هنا القوة والمنعة ومع الأيام يتبين لهم ولغيرهم ان الذي كانوا يحسبونه خيراً لهم هو شر محض، والعاقل الفطن لا يعتز وينخدع بإقبال الدنيا عليه، بل يزداد حذراً من العواقب، ويحتاط لها جهده. وتقدم مع الشرح في الخطبة 112 قول الإمام : «كم من منقوص رابح، ومزيد خاسر».

116 - هَلَكَ في رجلان يُحِبُّ قَالَ وَمُبْغِضُ قَال:

• وفسره الإمام بقوله في الخطبة 125 : «سيهلك في صنفان : محب مفرط

يذهب به الحب الى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض الى غير الحق، وخير الناس في حالاً النمط الأوسط فالزموه). واشتهر هذا المعنى في حديث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). (أنظر ج 2 ص 246).

117 - إضَاعَةُ الفُرْصَةِ غُصَّةٌ.

• وفي معناه قولهم : «الفوت أشد من الموت»، ذلك بأن المفوت والمضيع هو أساء الى نفسه، وحرمها الخير والهناء. وتقدم الكلام عن ذلك في الرسالة الذي 30 والحكمة 20.

118 - مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَينَ مَسَّهَا وَالسُّمَّ النَّاقِعُ في جوفها. يهوي إلَيْهَا الغِرُّ الْجَاهِلُ وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبُ الْعَاقِلُ.

• ذم الإمام للدنيا لا نهاية له.. فهي فناء وبلاء، ومصاب وعذاب، وحية ورزية.. الى آخر ما تقدم وتكرر. ومما قيل فيها : اذا أردت أن تعرف الدنيا فانظر عند من هي.

119 - وَسُئِلَ عَنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ : أَما بَنُو مخزُومٍ فَرَيْحَانَةُ قرَيْشٍ نُحِبُّ حَدِيث رِجَالِهِمْ وَالنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ. وَأَمَّا بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ فأبعدها رأياً وَأَمْنَعُها لَمَا وَرَاء ظُهُورِهَا. وَأَمَّا نَحْنُ فَأَبْذَلُ لِمَا فِي أيْدِينَا، وَأَسْمَحْ عِنْدَ الْمَوْتِ بِنُفُوسِنَا. وَهُمْ أَكثرُ وَامْكَرُ وَأَنكَرُ. وَلَحْنُ أَفْصَحُ وَأَنْصَحُ وَأَصْبَحُ.

• كان العرب يهتمون بالأنساب، ويتفاخرون بها ويتكاثرون، أما الذي يعرفها ويحفظ أسماء الأموات والعتاة فهو من أكثر الناس علماً وفضلاً !. ولا بدع فهذا شأن المجتمعات البدائية التي تعيش على الطبيعة والماشية، ولا تعرف إلا حياتها و أشياءها.

وقوض الإسلام بنيان هذا العلم، وقال عنه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : لا ينفع من علمه، ولا يضر من جهله. وقال سبحانه : من جهله. وقال سبحانه : «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ - 13 الحجرات»، وقال :. وقال : «فلا أنساب بينهم يومئذ - 101 المؤمنون». ومع هذا بقي من حب العلم بالأنساب رواسب وآثار، منها هذا السؤال، وأجاب عنه الإمام مماشاة السائل. وتقدم قوله مع الشرح في الحكمة 22 : «من أبطاً به نسبه لم يسرع به حسبه».

(أما بنو مخزوم الخ)... فمنهم أبو جهل الذي نزل فيه : «أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى.. أرأيت ان كذب وتولى لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة خاطئة.. العاق). ومنهم الوليد نزل فيه : «ذرني ومن خلقت وحيداً.. سأصليه صقر.. لا تبقي ولا تذر المدثر».

(وأما بنو عبد شمس الخ).. فمنهم بنو أمية فمنهم بنو أمية، وسيدهم أبو سفيان الذي جيش الجيوش وحزب الأحزاب على الإسلام ونبي الإسلام، وابنه معاوية الذي فرق أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) شيعاً شيعاً كما قال العقاد، وابنه يزيد الذي قتل الحسين، وأباح مدينة الرسول، ورمى الكعبة بالمنجنيق، وفيهم نزل : «وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ - 06 الإسراء».

(وأما نحن الخ).. فمنا محمد وعلي والحسن والحسين، وفينا نزل : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا - 33 الأحزاب» وقوله تعالى الفصل، وحكمه العدل.

وإذا ابتعدنا في الشرح عن الأصل فقد قربنا من الحق والواقع وثواب الله ورضوانه. وهو سبحانه المسؤول أن يشغل قلوبنا وألسنتنا بشكره، وبمدح أحبائه وأوليائه، وبالبراءة من أعدائهم وأعدائه.

120 - شَتَانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ : عَمَلِ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وعَمَلِ تَذْهَبُ مَرُونَتُهُ وَيَبْقَى أَحْرُهُ.

• ما من عمل إلا وفيه جانب إيجاب وجانب سلب، لذة وألم، راحة وتعب، خير وشر، والفرق بين عمل وآخر هو اختلاف النسبة بين الجانبين، فأي عمل غلب فيه جانب الخير على الشر فهو خير، وأي عمل غلب فيه جانب الشر على جانب الخير فهو شر. هذا ما يقرره العقل، وقد باركه القرآن الكريم، وضرب له مثلاً بالخمر والميسر وقال : «فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا - 219 البقرة».

وقارن الإمام في هذه الحكمة بين عملين : أحدهما فيه لذة زائلة فانية تعقبها لوعة دائمة باقية، والعمل الآخر فيه لذة دائمة باقية يسبقها تعب وجهد يذهب الأيام. والأول يغلب شره على خيره فيجب أن يترك، والثاني يغلب خيره على شره فيجب أن يتبع. وأي عاقل إذا خير بين الحياة الكريمة مع الكفاح والصبر على العوز والمشاق، وبين حياة الذل والهوان مع الراحة وامتلاء المعدة، أي عاقل يختار ويفضل شيئاً على حريته وكرامته ؟ وهل الخير كل الخير في المعدة.. حتى مع الأسر والعبودية ؟.

121 - وَتَبِعَ جَنَازَةٌ فَسَمِعَ رَجُلاً يَضْحَكَ فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلى غَيْرِنَا كَتِبَ. وَكَأَنَّ الْحَقِّ فِيهَا عَلى غَيْرِنَا وجَبَ وَكَأَنَّ الَّذِي نَرَى مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَليلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ، نُبَوِّتُهُمْ أَجْدَاتَهُمْ وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ ثُمَّ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظُ وَوَاعِظَةٍ ورمِينَا بِكُلِّ جَائِحَةٍ.

• السفر - بفتح السين وسكون الفاء - المسافرون جمع مسافر كصحب جمع صاحب. والجائحة : البلية والتهلكة (وكأن الحق على غيرنا وجب الخ).. هذا كناية وتوبيخ لعدم الشعور بالمسؤولية، ومعنى الكلام بجملته : مالك أيها الضاحك الجاهل وأنت ترى الموت وجنازته ؟ أنسيت أنك مسؤول عن واجبات كثيرة أمام الله وأمام ضميرك ومجتمعك ؟ وأن عليك أن تبصر وتعرف ما هو مطلوب منك، وتنهض به على خير وجه ممكن بلا تقصير وتفريط، وأنك إذا قصرت وتهاونت فمصيرك الى الهلاك وسوء العذاب.

(ثم قد نسينا كل واعظ وواعظة) حتى عظة الموت الذي نحسه ونؤمن به، وسبق مع الشرح في الخطبة 186 قوله «كفى واعظاً بموتى عاينتموهم حملوا الى قبورهم غير راكبين، وأنزلوا فيها غير نازلين». (ورمينا بكل جائحة) ومنها نسيان الموت الذي يردعنا ذكره وتذكره عن الاعتداء والأسواء.

122 - طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وَطَابَ كَسْبُهُ وَصَلَحَتْ سَريرَتُهُ وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ وَأَنْفَقَ الفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يُنسَبُ إلَى الْبِدْعَةِ.

• (طوبى لمن ذل في نفسه) لا يدعي ما ليس فيه، ولا يغتر ويعتز بما عنده، ويلين الجانب لمن هو دونه (وطاب كسبه) والكسب الطيب ما كان بكد اليمين وعرق الجبين. وفي الحديث ان رجلا صافح رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بيد خشنة من أثر العمل فقال : «هذه يد يحبها الله ورسوله.. هذه يد محرمة على النار».

(وصلحت سريرته) بحب الخير لكل الناس، والوقوف مع كل محق ومظلوم، وضد كل مبطل وظالم، وفي الحديث : «كف الأذى عن الناس صدقة يتصدق بها الإنسان على نفسه» ومعنى هذا أن ترك الشر خير في الإسلام.

(وحسنت خليقته) أي طبيعته، وحسنها أن يأمن الناس شره، ويرجوا

خبره، ويثقوا بأقواله (وأنفق الفضل من ماله) أدى ما فيه من حق الله وللفقراء (وأمسك الفضل من لسانه) ولا يطلقه إلا فيما ينفع. وقال الحكماء : «تعرف خساسة المرء بكثير كلامه فيما لا يجدي، وفي إخباره بما لا يُسأل عنه ولا يراد منه». ومثله أو أسوأ من اشتغل بتزويق الكلام وزخرفته، وتجاهل المعنى وفائدته (وعزل عن الناس شره) عطف تفسير على حسنت خليقته (ووسعته السنة، ولم ينتسب الى البدعة) لا يتجاوز بقول أو فعل حدود ما نص عليه كتاب الله وسنة نييه من الحلال والحرام.

ومن دعاء الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : اللهم اني أعوذ بك من كل عمل يخزيني، وصاحب يؤذيني، وأمل يلهيني، وفقر ينسيني، وغنى يطغيني.

123 - غَيْرَةُ المَرْأَةِ كُفْرٌ وَغَيْرَةُ الرَّجُل إيمان.

• المراد بالكفر هنا مجرد المعصية في مقابل الإيمان الذي يدعو الى الطاعة والمرأة تغار من ضرتها وشريكتها في الزوج بحكم الغريزة والفطرة، فإن هي صبرت وعاتبت بالحسنى بل ومنت بفضلها على الزوج دون أن تغضب الله في شيء، فلا بأس عليها ولا إثم في غيرتها وحرقتها، بل هي مأجورة ومشكورة عند الله والناس، وإن قامت ولم تقعد وتعدت حدود الله سبحانه فهي مجرمة آثمة. أما غيرة الرجل على المرأة فهي من الإيمان لأنها نهي عن المنكر أي التهتك والفجور شريطة أن لا تتعدى الغيرة حدها المعقول، وتقدم قول الإمام في الرسالة 30 : إياك والتغاير في غير موضع غيرة

12 - لأنسُبَنَّ الإِسْلامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبُهَا أَحَدٌ قَبْلِي. الْإِسْلامُ هُوَ التسلِيمُ. وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ. وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْإِقْرَارُ. وَالْإقْرَارُ هُوَ الْأَدَاء. والأداء هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ.

• المسلم عند الفقهاء من نطق بالشهادتين حيث يجرون عليه ما يجرونه على المسلمين زواجاً وميراثاً ودية وقصاصاً، أما المسلم عند الله فهو الذي يستسلم للحق، ويؤمن به، ويعلنه قولاً، ويجسده عملاً، فالإقرار باللسان شرط، لأنه جزء من العبادة.. بالإضافة الى ان اللسان ترجمان القلب، وانه أكثر الأعضاء حركة، فوجب أن يعبد الله بالذكر والإقرار كما على سائر الأعضاء أن تعبده بالركوع والسجود.

وقول الإمام : «لم ينسبها أحد قبلي» يريد به أن ما من أحد سبقه الى الفرق بين معنى المسلم الذي تجري عليه أحكام الإسلام في الحياة الدنيا ويكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وبين المسلم عند الله سبحانه الذي تجري عليه أحكام الآخرة حساباً وثواباً.

125 - عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَيَفُوتُهُ الغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ. فَيَعِيشُ في الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ. وَيُحَاسَبُ في الآخِرَةِ حِسَابَ الأغنياء، وعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبرِ الَّذِي كان بِالْأَمْسِ نطْفَةٌ وَيَكُونُ غَداً جيفَةً. وَعَجِبْتُ لَمَنْ شَكٍّ فِي اللهِ وَهُوَ يَرَى خَلْقَ الله. وَعَجِبْتُ مَنْ نَسِيَ المَوْتَ وَهُوَ يَرَى المَوْتَى. وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَنكَرَ النشأَةَ الْأُخْرَى وَهُوَ يَرَى النَّشأَةَ الْأُولَى. وَعَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ الْفَنَاءِ وتارك دَارَ الْبَقَاءِ.

• تقدم الكلام عن البخل في الحكمة 3 ويتلخص كلام الإمام عن البخيل هنا انه طلب المال ليتحرر من الفقر الذي هو الموت الأكبر، ولما حصل على المال أمسكه وأبى إلا العيش في سجن الفقر وأسره، وناقض بهذا نفسه بنفسه، وعاش في الدنيا محروماً من زرعه وغرسه، ومعذباً في الآخرة على الإمساك والحرمان، ومعنى هذا ان غير البخيل من الأغنياء يحاسب على ما أصاب من الدنيا وزينتها،

أما البخيل فيحاسب عليها مع حرمانه منها ومن لذتها، ومعناه أيضاً ان الفقر للبخيل خير من الغنى وأفضل.

(وعجبت للمتكبر الخ).. الكبر داء، ودواء المتكبر الاحتقار والازدراء ویروی أن عابداً رأى أميراً يزهو ويتبختر، فتجاهله واحتقره فقال له الأمير : أما تعرفني ؟ فقال : بلى، أو لك نطفة، وآخرك جيفة، ومررت بمجرى البول مرتين، وفوق ذلك أنت تحمل العذرة. وفي الحديث: إن الله يقبل الصلاة ممن تواضع له، ولم يتعاظم على أحد من خلقه.

(وعجبت لمن شك في الله، وهو يرى خلق الله) وآياته في كل شيء.. ونصيحتي لمن لم يقتنع بهذه الآيات أن يقرأ أدلة الجاحدين، وأنا ضامن وكفيل لإيمانه وهدايته، ومن أدلتهم هذه قول «نيتشه» : «لو كان هناك إله لكنت أنا الإله، وكيف أستطيع أن لا أكون إلها ؟.. ولهذا فليس ثمة إله». أنظر الصفحة 290 من كتاب «السلطان» للفيلسوف الانكليزي الشهير «برتراند راسل» ترجمة خيري حماد الطبعة الأولى سنة 1962.

وقال آخر : إن الانسان خلق بشكله وعقله من العفونات وتفاعل العناصر الطبيعية !.. وعرضنا الأدلة على وجود الله تعالى في العديد من المناسبات التي أشار اليها الإمام، منها في شرح الخطبة 153 ج 2 ص 395.

(وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى الموتى) أي ترك العمل والاستعداد للموت، وهو يعلم انه ملاقيه لا محالة. وأعجب منه هؤلاء الوعاظ في عصرنا محدرون من نسيان الموت ولا يحذرون، ويقولون ما لا يفعلون.

(وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى). من كفر بالله، وهو يرى خلقه وآياته فأمره عجيب، ومن آمن به لأنه رأى خلقه وآثاره كفر باليوم الآخر - فأمره أعجب وأغرب، لأن الذي بدأ الخلق قادر على أن يعيده، وهو أهون عليه : «أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا - 67 مريم». ومن أنكر البعث فقد أنكر وجود الله من حيث يريد أو لا يريد، لأن إنكار البعث معناه إنكار القدرة عليه، وهذا الإنكار إنكار الله بالذات. وتقدم الكلام عن البعث مراراً.

(وعجبت لعامر دار الخ).. أبداً لا فرق بين ظلك في المرآة ووجودك في هذه الحياة، كلاهما الى زوال، والفرق في طول المدة وقصرها، وكل آت

قريب. وقيل لحكيم : ان فلاناً في النزع. قال : (هو في النزع منذ ولد» أي ان الموت أقرب الأشياء الى الإنسان، وانه في طريقه الى دار الخلود، ولكن أكثر الناس يعملون كل شيء للممر أما المقر فلا شيء له.

13 - مَنْ تَصْرَ فِي الْعَمَلِ ابتلى بالهم، وَلَا حَاجَةَ اللهِ فِيمَنْ لَيْسَ ابْتُلِيَ لِلهِ في مَالِهِ وَنَفْسِهِ نَصِيبٌ.

• قد يصاب المرء بصحته أو ماله وأهله قضاء وقدراً، فإذا صبر واحتسب ضاعف الله له الأجر والعوض، وهان عليه ما حل به. أما من تنزل به نازلة من تقصيره وصنع يده فهو مهموم ومذموم عند الله والناس حتى ولو صبر، لأنه هو الذي أساء الى نفسه، وأوقعها في الهم والغم بسوء اختياره وإرادته.. وقد عرفت أفراداً يأنفون من بعض الأعمال، لأنها لا تليق بالذوات والشخصيات، ولكنهم لا يأنفون من العيش عبئاً على الآخرين محمولين غير حاملين حتى أنفسهم.

(ولا حاجة لله الخ) أي أنه تعالى يهملهم ويعرض عنهم، كما في الآية 67 من سورة التوبة «نسوا الله فنسيهم». ونصيب الله في المال هو حق الفقراء الذي صرحت به الآية 25 من سورة المعارج : «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ». ونصيبه تعالى في الأنفس هو الجهاد لنصرة الحق وخذلان الباطل، والمعنى ان الذين يبخلون ولا يضحون بأموالهم وأنفسهم «أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - 77 آل عمران :

127 - تَوَقَّوُا الْبَرْدَ في أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي الْأَشْجَارِ. أَوَّلُهُ يُحْرِقُ وَآخِرُهُ يُورِقُ.

• يتكيف جسم الإنسان تبعاً للجو وأحواله برودة وحرارة واعتدالاً. وهذا شأن

كل جسم حي نباتاً كان أم حيواناً. وأخبر الإمام بهذه الحقيقة، ونصح بالوقاية من أول البرد دون آخره - كأي عالم مخبر وناصح.

128 - عِظَمُ الْخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَغْرُ المَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ.

• يعجب الناس العادلون إذا فوجئوا بشيء من الطبيعة، أو من آثار العقل وإبداعه ما كانوا يعرفونه من قبل، كما عجبوا وذهلوا حين اكتشف العلماء الخلايا في جسم الإنسان والعديد من الكواكب وغيرها، وحين انتقل الإنسان من عصر الشراع الى عصر البخار، ومنه الى الكهرباء، ثم الى الى عصر الذرة والفضاء.

أما الصفوة وأهل المعرفة بالله وعظمته فإنهم لا يعجبون من أي جديد يظهر من غرائب الكون، أو يكتشفه الإنسان مهما كبر، لأنهم يعلمون بأن قدرة الله تعالى لا حد لها ولا نهاية، وان هذا الجديد وفوقه بملايين الملايين هو أقل من القليل بالقياس الى فيض القدرة الإلهية التي تقول للشيء : كن فيكون. وتقدم مع الشرح قول الإمام في الخطبة 191 : «عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم».

139 - قَالَ وَقَدْ رَجَعَ مِنْ صِفِّينَ فَأَشْرَفَ عَلَى الْقُبُورِ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ : يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ، وَالمَحَالَ الْمُقْفِرَةِ، والقُبُورِ المظلمة. يَا أَهْلَ التربة. يَا أَهْلَ الغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ أَنتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لَاحِقٌ. أما الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ، وَأَما الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ. وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ. هَذَا خَبَرُ مَا عِندَنَا فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ ؟ (ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ) : أَمَا لَوْ أذِنَ لَهُمْ فِي الكَلاَمِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.

• المحال : جمع محل، وفي بعض النسخ المجال بالجيم، وهو خطأ، ومقفرة : خالية، والفوط والفوط - بفتح الفاء والراء - المتقدم. والكلام واضح يدل بنفسه على معناه ولا يحتاج الى تفسير، ولا يتعظ به ويعتبر إلا «مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ - 33 ق».

أما قول الإمام : (لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم) فهو تماماً مثل قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لقتلى المشركين يوم بدر : «يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة ابن ربيعة يا أمية بن خلف يا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً. فقال المسلمون يا رسول الله أتنادي قوماً جيفوا ؟ قال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني».

وتسأل : ألا يتنافى هذا مع قوله تعالى : «وما أنت بمسمع من في القبور ؟».

الجواب : كلا، لأن القصد من هذه الآية توبيخ المشركين الذين لم يستجيبوا لدعوة رسول الله تماماً كما لم يستجب أهل القبور، ويدل على ذلك قوله تعالى في الآية : «وما يستوي الأحياء ولا الأموات»

وأغرب ما قرأته في هذا الباب نقلاً عن قصة «الحضارة»، الجزء الثاني من المجلد الأول ص 30 : إن السومريين والاسرائيليين يعتقدون بأن الحياة الآخرة حق لا ريب فيه، ولكن لا حساب فيها ولا عقاب، ولا أي فرق بين الأخيار والأشرار.

13 - (وَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلام) وَقَدْ سَمِعَ رَجُلاً يَذْمُّ الدُّنْيَا) : أَيُّهَا الذَّامُ لِلدُّنْيَا المغتَرُّ بِغُرُورِهَا، المَخدُوعُ بِأَباطيلها ثُمَّ تَذمُّهَا. أَتَغْتَرُّ بالدُّنْيَا ثُمَّ تَذمُّهَا. أَنتَ المُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ ؟ متى اسْتَهْوَتْكَ أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ ؟ أَبمصَارِعَ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى ؟ أمْ بمضاجع أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثّرى ؟ كَمْ عَلّلْتَ بِكَفِّيكَ. وَكَمْ مَرْضَت

بِيَدَيْكَ. تَبْغِي لَهُمُ الشَّفَاء وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الأطباء. لَمْ يَنْفَعُ أَحَدَهُم إشفَاقكَ وَلَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطَلِبَتِكَ. وَلَمْ تَدَفَعْ عَنْهُمْ بِقُوَّتِكَ. قَدْ مّثْلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ وَبِمصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ. إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنًى لمَنْ تزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ الْعَظَ بِهَا. مَسْجِدُ أَحباء الله، وَمُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحي اللهِ وَمَتجَرُ أَوْلِيَاء الله. اكْتَسَبُوا فيها الرّحمةَ، وَرَبَحُوا فِيهَا الجَنَّةَ. فَمَنْ ذَا يَذمُّهَا وَقَدْ آذَنَتَ بِبَيْنِهَا، ونَادَتْ بِفِرَاقِهَا، وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا. فَمَثّلَتْ لَهُمْ بِبَلَائِهَا الْبَلَاء وَشَوَّقتُهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ. ترْغِيباً وترهيباً، وَتَخويفاً وتحذيراً، فَذَمِّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ، وَحَمدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ذَكَّرَتْهُمُ الدُّنْيَا فَتَذَكَّرُوا، وَحَدَّثَتُهُم فَصَدَّقُوا، وَوَعَظَتُهُمْ فَاتَّعَظُوا.

• لكل إنسان دنياه، وهي أيام حياته على وجه الأرض، فإذا مات قامت قيامته، وأدبرت دنياه، وأقبلت آخرته، ولذا قيل : الموت أول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدنيا.. وكل عمل للإنسان في دنياه هو واحد من ثلاثة : عمل لا صلة له بآخرة العامل ووقوفه غداً لنقاش الحساب، کهوايته بجمع الطوابع وتنسيق الأزهار. وعمل آخر له أطيب الأثر في آخرته وسعادته، كخدمة الانسان وحل مشاكله ومشاركته في آلامه. وعمل ثالث يجر على صاحبه أسوأ الآثار في آخرته، كالفساد والعدوان على العباد.

والله سبحانه وجميع رسله وأوليائه ذموا الدنيا بالنظر الى هذا القسم الثالث ومدحها الإمام في كلامه هنا بالنظر الى القسم الثاني الذي يؤدي الى رحمة الله وجنته، وكلامه صريح في ذلك : (اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة) بإرادتهم وحسن اختيارهم «وهديناه النجدين» : طريق الطاعة والمعصية الحسنة والسيئة : «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ - 160 الأنعام». واذن فالذنب ذنبنا، ولا ذنب للدنيا، وبهذا نجد تفسير قول الإمام : (أنت المتجرم عليها أم هي : المتجرمة عليك ؟).

(أتغتر بالدنيا ثم تذمها ؟). أكثر الإمام من ذم الدنيا وهو زاهد فيها، ونذمها ونحن لها عابدون) (متى استهوتك، أم متى غرتك ؟ الخ).. أنبأ الله ورسله بمساوىء الدنيا، وحذروا منها. وأيضاً تكشفت هي عن كل ما فيها، ولم تخف شيئاً فأين الخداع والتغرير ؟ (إن الدنيا دار صدق لمن صدقها الخ). المراد بصدق الدنيا إعلان ما فيها من عبر وعظات، وقد صرح الإمام بذلك في الخطبة 221 : «ما الدنيا غرتك.. لقد كاشفتك العظات، وآذنتك على سواء» أما الذي صدقها فهو الذي انتفع بعبرها، واعتبر بمواعظها. ويأتي قول الإمام : «ما أكثر العبر - في الدنيا - وأقل الاعتبار» أي المعتبرين والمتعظين.

(ودار غنى لمن تزود منها) كل من جاهد وناضل لنصرة الضعيف وإنصافه من القوي فقد أخذ من دنياه ثروة لا حد لها ولا عد (ودار موعظة الخ).. عطف تفسير على دار صدق (وقد آذنت ببينها الخ).. أعلمت وأخبرت أهلها بلسان الحال انهم الى فناء وزوال، وما بعد هذه الجمله عطف تفسير عليها (فمثلت لهم ببلائها البلاء) تكشفت عن مساوئها حتى رأوها بالحس والعيان.

(وشوقتهم بسرورها الى سرور) رغبتهم في كل عمل ينتهي بهم الى جنة الله ورضوانه (راحت بعافية، وابتكرت بفجيعة الخ).. راحت : من الرواح أي العشي، وابتكرت : من البكرة أي الغداة. والعافية : النعمة، والفجيعة : النقمة. والمعنى ان الدنيا تمسي بخير، وتصبح بشر (ترغيباً) في طاعة الله وثوابه (وترهيباً) من معصيته وعقابه (فذمها رجال غداة الندامة) وهم الذين قصروا في العمل، وندموا عند نقاش الحساب، وكان الأولى میرسم أن يدموا أنفسهم، لأن الدنيا كشفت لهم عن عورتها بلا تضليل وحياء (وحمدها آخرون الخ).. وهم الذين أخذوا منها ما فيه الكفاية لنجاتهم يوم الفزع الأكبر.

131 - إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْم : لِدُوا لِلْمَوْتِ، وَأَجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ.

• هذه سنة الله في خلقه «ولن تجد لسنة الله تبديلا» وقد يكون المراد بالملك هنا العقل والعيان، أو طبيعة الحال وإلا فأية جدوى من صوت لا يسمع ؟.

132 - الدُّنْيَا دَارُ عَمَرٌ إِلَى دَارٍ مَقَرٌ، وَالنَّاسُ فِيها رجلان : رجُلُ بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأُوبَقَهَا، وَرَجُلُ أَبْنَاعَ نَفْسَهُ فَاعْتَقَهَا.

• الأول من الرجلين باع نفسه ودينه للشيطان بلذة زائلة، فأهلك نفسه، وخسر دينه، ولقي ولقي ربه مدموماً مخذولاً. والرجل الثاني حرر نفسه من الشيطان وحبائله واحتفظ بدينه، فعاش في الدنيا حراً كريماً، وفي الآخرة راضياً مرضياً.. وفي سائر الأحوال فلا خير في نفس ما عرفت الكفاح، ولا حملت الأثقال، ولا ذاقت مر الحياة وقسوتها.

133 - لَا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حتى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلَاثٍ في نَكْبَتِهِ وَغَيْبَتِهِ وَوَفَاتِهِ.

• قال الناس في الصداقة فأكثروا شعراً ونثراً، قديماً وحديثاً، وألف «التوحيدي» كتاباً ضخماً في الصداقة والصديق، والشرط الأساسي في الصديق الوفاء، ومعناه ان تشارك صديقك في آلامه، وتساويه بنفسك، وأن تدافع عنه في غيبته وتحفظه في أهله، وأن تذكره بالخير حياً وميتاً، وتنوب عنه في الصالحات بعد وفاته وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الرسالة 30، وعن الوفاء في شرح الخطبة 41.

134 - مَنْ أَعْطِيَ أَرْبَعًا لَمْ يُحْرَمُ أَرْبَعاً : مَنْ أَعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحرم الإجَابَةَ وَمَنْ أَعْطِيَ التّوبَةَ لَمْ يُحْرَمَ القَبُولَ، وَمَنْ أَعْطِيَ الاسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمَ الْمَغْفِرَةَ، وَمَنْ أَعْطِيَ الشَّكْرَ لَمْ يُحْرَمَ الزَّيَادَةَ وَتَصْدِيقُ ذلِكَ في كتاب الله تَعَالَى قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّعَاءِ. أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وَقَالَ فِي الاسْتِغْفَارِ «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً». وَقَالَ فِي الشكر «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم». وَقَالَ فِي التوبةِ : «إنما التوبة على الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً».

• والأربع هي :

1 - (من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة). قال سبحانه :. «أدعوني استجب لكم - 60 غافر». وأيضاً قال : «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي - 186 البقرة». وإذا عطفنا إحدى الآيتين على أختها نستخرج منهما معاً أن الله سبحانه يستجيب الدعاء ممن سمع وأطاع، ويؤخذ هذا المعنى من قوله تعالى لموسى وهرون: «قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ - 89 یونس». وتومىء هذه الآية الى أنه إذا لم يستقيما على سبيل الذين يعلمون فلا تستجاب لها دعوة، وتقدم الكلام عن الدعاء في شرح الرسالة 30. والكلمة الأخيرة : أفضل أنواع الدعاء ترك الذنوب.

2 - (ومن أعطي التوبة لم يُحرم القبول). أودع سبحانه في الإنسان ميولاً. ورغبات تقوده وتتجه به نحو المعصية واقتراف الذنوب، وهو لا يملك نفسه في

كل حين، فاقتضت حكمة الله وعدالته أن يفتح للعاصي من عباده باب التوبة، فإذا استجاب وتاب عفا عنه وأثابه من فضله، وان أصر قامت عليه الحجة واستحق العقاب. قال سبحانه : «ثم تاب عليهم ليتوبوا - 118 التوبة» أي فتح لهم باب التوبة ليدخلوا منه الى مغفرته.. وأية حجة أقوى من هذه وأبلغ؟.

و بعد، فإن المعصية داء، والتوبة دواء، وهي واجبة على الفور وبلا تأجيل إجماعاً وكتاباً وسنة، بل وجوب التوبة ثابت بضرورة الدين تماماً كوجوب الصوم والصلاة. وتقدم الكلام عن ذلك بشتى المناسبات.

3 - (ومن أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة). الام الاستغفار أعم وأشمل من التوبة، لأنه مطلق بلا قيد، أما التوبة فمن شروطها العزم على ترك الذنوب والمعصية، وعليه يكون ذكره بعد التوبة من باب ذكر العام بعد الخاص مثل قوله تعالى : «وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ - 84 آل عمران».

4 - (ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة) وكل ما رأى أن من به نعمة صغرت أم كبرت هي من الله وحده لا شريك له - فهو من الشاكرين الذاكرين. ومن النعم العافية من البلاء. قال الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من أنعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه فقد أدى شكرها». وأفضل أنواع الشكر ترك المحرمات.

135 - الصَّلاَةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِي. والحَج جَهَادُ كُلِّ ضَعِيف، وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةً، وَزَكَاةُ البَدَنِ الصِّيَامُ، وَجَهَادُ المَرْأَةِ حُسْنُ التبعل.

• إذا صلى المتقي أقبل على الله بقلبه وكيانه، لقوة شعوره بالحاجة الى الله ورحمته وإذا صلى غير المتقي فإنه يصلي لمجرد أداء الفريضة والخروج من المسؤولية وكفى.

والحج من الجهاد أو شبيه به يوم كان الحجاج يقطعون الصحراء على الدواب والجمال، ويعانون آلام البرد والحر، والجوع والعطش، والخوف على النفس والمال : أما اليوم فالحج نزهة وترفيه.

وزكاة الأموال تسد حاجة المعوزين، (وزكاة الأبدان الصيام) للثبات والصبر على الجوع والظمأ. وتقدم الكلام عن هذه العبادات في الخطبة 108 وغيرها.

(وجهاد المرأة حسن التبعل). البعل : الزوج. قال تعالى : «وبعولتهن أحق برد من - 228 البقرة». وتبعلت المرأة : صارت ذات بعل، وحسن تبعلها الطاعة والعفة، والتدبير والقناعة بالميسور، وترك المنة على الزوج ومعاتبته، وان توافقه فيما يرضي الله، ونجمل في الغيرة.. ونحو ذلك مما يسد منافذ الهموم والغموم والظنون.

136 - أَسْتَنزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ.

• يريد الإمام بهذا أن يجعل الإحسان والمساعدة عقيدة دينية يقوى بها المجتمع وتعود عليه خيراتها وثمراتها.. وليس من شك ان هذا الأسلوب من أجدى الأساليب في نجاح الدعوة الى الخير، ومن هذا الباب قوله تعالى : «الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا - 268 البقرة» والمراد بالفضل هنا الغنى في مقابل الفقر الذي وعد به الشيطان. وقال تعالى شأنه : «إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ - 17 التغابن». ومثله كثير في القرآن الكريم والسنة النبوية. وبهذه العقيدة تسد المنافذ على الوسوسة والأوهام ان البذل في سبيل الله والخير يوجب الفقر، ويستفد المال، والدليل على ان الإمام أراد المعنى الذي أشرنا اليه قوله فيما يلي.

137 - مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ.

• الخلف - بفتح الخاء واللام - البدل والعوض، والمعنى واضح والمعنى واضح، ومظاهره كثيرة، وأظهرها الرشوات التي تبذل بسخاء في عصرنا لمجرد الظن بالوصول الى المناصب العليا كالنيابة ونحوها، فكيف مع العلم واليقين ؟.

138 - تَنْزِلُ المَعُونَةُ عَلى قَدْرِ المَؤونَةِ.

• كثرة العيال تبعث على التفكير وبذل الجهد الى أقصى حد، لسد حاجة العيال والأطفال، والله سبحانه مع المعوزين المناضلين يمدهم بالعون والتوفيق، ويمهد لهم السبيل، والأمثلة كثيرة على ذلك، ومنها هذه النادرة الطريفة :

قال صاحب «الأغاني» وغيره : إن أعشى قيس كان من أعلام الشعر في الجاهلية، وأوفرهم حظاً ما مدح قوماً إلا رفعهم، وما هجا قوماً إلا وضعهم، وكان في عصره رجل مملق ومغمور، اسمه المحلق الكلابي، وله العديد من البنات، وما طلبهن أحد لفقره، فألهم الله زوجته أن تشير عليه بالتصدي للأعشى فيستضيفه ويكرمه مه، عسی أن يقول فيه أبياتاً من الشعر فيرغب الناس في بناته.

قال صاحب الأغاني : سمع المحلق هذا من زوجته قال لها : ويحك ما عندي إلا ناقتي، وعليها الحمل. قالت الله يخلفها عليك. فقال لها : وكيف بالشراب والطيب ؟ قالت : عندي منه ذخيرة. ولعلي أن أجمعه. فتعرض المحلق للأعشى، وأخذه الى خيمته، ونحر له ناقته، وكشط له عن سنامها وكبدها، وسقاه، وأحاطت به بنات المحلق يخدمنه ويمسحنه بالطيب يمسحنه بالطيب، فقال الأعشى ما هذه الجواري ؟ قال المحلق : بنات أخيك، وهن ثمان ما تزوجت منهن واحدة. ولما خرج الأعشى من عنده أنشد فيه قصيدة فسارت وشاعت، وما مضى آمد قصير حتى زوج جميع بناته.

139 - مَا أَعَالَ مَن اقتصد.

• ما أعال : ما افتقر الى الناس وان كثر عياله، واقتصد اعتدل ولم يسرف في الإنفاق، ووضع كل شيء في موضعه. ونقل عن سقراط انه قال : الجواد من أعطى من دنياه لآخرته، والبخيل لا يعطي دنياه ولا آخرته، والمسرف يعطي دنياه دون آخرته، والمقتصد يعطي كل واحدة نصيبها.

140 - قِلَّةُ الْعِبَالِ أَحَدُ الْيَسَارَينِ.

• واليسار الثاني وجود المال وكثرته، وتلتقي هذه الحقيقة وتلتقي هذه الحقيقة مع النظرة القائلة : ان سبب الجوع هو تضخم السكان، وان الناس ينتجون من الأطفال أكثر مما ينتجون من الطعام، وان تحديد النسل هو سبيل التوازن بين الإنتاجين. وكلام الإمام منصرف كلية عن تحديد النسل، وإنما هو مجرد انعكاس عن الواقع.

وفي رأينا ان الإسلام لا يكره أحداً على الزواج ولا يلزمه به إذا أمن الوقوع في الحرام، لأن الإسلام دين الحرية لا إكراه فيه ولا إرغام، وأيضاً يترك الإسلام الخيار لكل من المرء والمرأة في النسل وتقديره بأي سبب من الأسباب إلا الإجهاض واستئصال الرحم أو غيره من الأعضاء. وقال جماعة : يحرم تحديد النسل، لأن الله هو الرازق. ويقول في الجواب، وبصرف النظر عن : اعقلها وتوكل، نقول : أجل، ان الله هو الرازق، ولكن أين وجه الدلالة في الرزق على التحريم ؟ وما هي الصلة بين قدرة الله على الرزق وتحديد النسل ؟

وفي تشرين الأول اكتوبر سنة 1968 حرم بابا روما تحديد النسل !. ولا أدري هل يتفق هذا مع تحريم الزواج عليه وعلى الكبار من رجال الكنيسة ؟.

141 - التّودُّدُ نِصْفُ الْعَقْل.

• هذا حديث الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والمراد بالتودد حسن المعاملة لا التملق والتصنع. ومن هذا الحسن العفى عند المقدرة، واحتمال الكلمة المرجعة من جاهل، والإصغاء لحديث سخيف. ونصف العقل أي من العقل ممكان. وقال أحد الشارحين : المراد بنصف العقل تدبير المعاش !. ولا أدري ما هو وجه الصلة بين التودد والمعاش ؟ اللهم إلا العيش على حساب الآخرين.

142 - الهُمْ نِصْفُ الهرم.

• الهمّ آفة الأرواح والأجسام، والقلوب والعقول، والتخلي عنه متعذر مع قيام أسبابه.. أجل، بعض الهم يكون من وحي الجهل والخيال، كمراقبة الناس في شؤونهم الخاصة، والتفكير في ان زيداً الحقير غني وأنا معدم، وعمراً محترم وأنا وضيع !. وأكثر الناس هما وقلقاً من فكر في أقوال الناس. قال الإمام في الخطبة 155 : «من شغل نفسه بغيره تحير في الظلمات، وارتبك في الهلكات». ولا شك ان هذا الشغل البغيض والتفكير الأسود يمكن التخلي عنه.

143 - يَنزِلُ الصَّبْرُ عَلى قَدْر المصيبة. وَمَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلى فَخِذِهِ عِندَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ عَمَلُهُ.

• الظاهر من هذا الكلام ان الله يعطي من الصبر ما يعادل المصيبة شدة وضعفاً. ولكن هذا غير مراد - كما نظن - لأن مصدر الصبر العقل والإيمان كما قال الإمام في الحكمة 80 و 112، وانما المراد ان مرارة الصبر تكون على قدر المصيبة كما هو الواقع، وقول الإمام انعكاس عن هذا الواقع، أما قوله : «ينزل الصبر»، فمعناه ان الله سبحانه يمنح الرضا على مرارة الصبر بقدرها. قيل لحكيم: ماذا تريد ؟ قال : أريد أن لا أريد.

(وحبط عمله) أي ذهب ثوابه على مصابه حتى ولو صبر.

144 - كَمْ مِنْ صَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الظَّمَأُ. وَكَمْ مِنْ قَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرَ وَالعَنَاء. حَبَّذَا نَوْمالْأَكْياسِ وَإفْطَارُهُمْ.

• أبداً لا جدوى من صوم وصلاة و- وزكاة إلا الصدق والإخلاص في القول والعمل والشدة والصلابة في الحق ولو تظاهرت ضده جميع قوى الشر، وأي وزن لعبادة لا تردع عن منكر، ولا تبعث على معروف ؟ قال نبي الرحمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) :

«من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم»، حتى ولو صلى وصام وحج الى بيت الله الحرام. وأيضاً قال : «الدين النصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين» ومعنى هذا أن دين الإسلام لا يعرف السلبية ولا يعترف به.

(حبذا نوم الأكياس وافطارهم) والمراد بالأكياس هنا أهل العلم والعمل، والمعنى نوم العالم العامل أفضل من عبادة القاعد الجاهل. وتقدم مع الشرح قولالإمام في الحكمة 96 : «نوم على يقين خير من صلاة في شك».

145 - سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ وَادْفَعُوا أَمْوَاجَ الْبَلاء بِالدُّعَاء.

• سوسوا إيمانكم أي اعملوا بمقتضاه وانتفعوا به، والمعنى لا إيمان يجدي بلا بذل تماماً كما لا بذل ينفع بلا إيمان (وحصنوا أموالكم بالزكاة) قال ميثم في شرحه: من منع الزكاة فقد عرض أمواله للتلف، لأن الفقراء لا يسكتون عنه (توفي هذا الشارح سنة 679 هـ) أما الدعاء فقد سبق الكلام حوله منذ قليل فيالحكمة 134.

146 - (قَالَ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ : أَخَذَ بِيَدِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بْنُ أبي طَالِب (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَأَخْرَجِنِي إِلَى الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفْسَ الصَّعَدَاء ثُمَّ قَالَ) : يَا كُمَيْلُ، إِنَّ هَذِهِ القُلُوبَ أَوْعِيَةً فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا. فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ. النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَعَالِمُ رَبَّانِيُّ وَمُتَعَلَّمُ عَلَىسَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ دَعَاعُ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ ريح لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ العِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَأوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ. يَا كُمَيْلُ العلمِ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، وَالْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنتَ تَحْرُسُ المَالَ. المَالَ تَنْقُصُهُ

النِّفَقَةُ وَالعِلْمُ يَزكُو على الإنفَاقِ، وَصلِيعُ المَالِ يَزُولُ بِزوالِهِ. يَا كُمَيْلُ العِلْمُ دِينُ يُدَانُ بِهِ. بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وجميل الأحدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَالعِلْمُ حَاكِيمْ وَالمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ يَا كُمَيْلُ، هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءُ، وَالْعُلَمَاء بَأقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ. أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي القُلُوبِ مَوْجُودَةً. هَا،. إِنَّ هبنا لعلما جمّاً (وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ) لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، بَلَى أَصَبْتُ هُبُنَا لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونِ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلة الدِّينِ الدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِراً بنعم الله عَلى عِبَادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلى أَوْلِيَائِهِ، أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ، لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضِ مِنْ شُبْهة. أَلَا لَا ذَا وَلَا ذَاكَ، أَوْ مَنْهُوما بِاللّذَّةِ، سَلِيسَ الْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ، مغرماً بِالْجَمْعِ وَالإدّخَارِ لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ. أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهَا بِهَا الْأَنْعَامُ السَّائِمةُ، كَذَلِكَ يَموتُ العِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ. اللهم بَلَى، لا تخلو الأن، لاَ تَخلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ. إِمَّا ظَاهِراً مشهوراً أوْ خَائِفاً مَعْمُوراً لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ. وَكَمْ ذَا ؟ وَأَيْنَ أولئِكَ ؟ أُولئِكَ وَاللهِ الأقلُونَ عَدَداً وَالْأَعْظَمُونَ قَدْراً. يَحْفَظُ اللَّهُ بهمْ حَجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أشبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ العِلْمُ عَلى حَقِيقَهِ البَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ اليَقِينِ، وَاسْتَلانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتَرَفُونَ، وَأَنسُوا بِمَا أَسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ،

وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانِ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةُ بِالمَحَلّ الأعلى. أُولئِكَ خُلَفَاء اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ. آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ. أَنْصَرِفْ إذا شئت.

(يا كميل بن زياد) كان من أصحاب الإمام وخاصته، وسبقت اليه الإشارة في شرح الرسالة 60 (إن هذه القلوب أوعية) أي مستودع العواطف والمشاعر والنزعات (فخيرها أوعاها) وهي التي تتجه بعواطفها ومشاعرها نحو الخير والصلاح، وتبتعد عن الشر والفساد، والعكس بالعكس، والله سبحانه يأمر الإنسان بالخير، وينهاه عن الشر لتظهر مشاعره مجسمة في أفعاله التي يستحق عليها الثواب والعقاب. قال سبحانه : «وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ - 154 آل عمران». وقال : وقال : «إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا - 70 الأنفال». وقديماً قيل : على ما في القلوب المعول.

(الناس ثلاثة : فعالم رباني) وهو الذي يعرف الله وشريعته، ويعمل بموجبها (ومتعلم على سبيل نجاة). كل من جد في طلب العلم النافع، وانصرف اليه بكيانه لا يشغله عنه شاغل، وصبر على ألم التحصيل، وسهر الليالي في هذه السبيل يصير عالماً وينال شرف العلم، وإذا عمل بموجبه فاز بالخير والسعادة دنيا وآخرة.

وفي كتاب «الحكمة» لابن مسكويه : ان أفلاطون - ولد سنة 427، وتوفي 347 قبل الميلاد - قال لمعلمي الأحداث : أقيموا عليهم رئيساً منهم - أي من الطلاب - يشرف عليهم، ويجب أن يكون متفوقاً وذكياً معروفاً بحسن السيرة غنياً كان أم فقيراً، وإذا انحرف عن الجادة ينحى، ويقام غيره.. ويشبه هذا رئيس رابطة الطلاب في عصرنا، والفرق ان رئيس الرابطة اليوم ينتخبه الطلاب، وفي عهد أفلاطون يعينه الأساتذة تبعاً للتقاليد والعادات في كل زمان.

(وهمج رعاع أتباع كل ناعق الخ).. والحديث عن رذيلة الجهل وأخلاق الجهال تماماً كالحديث عن ضرر المرض وآلام المرضى، نافلة وفضول، وخير

تحديد للجاهل قول الإمام في الحكمة 70 : «لا ترى الجاهل إلا مفرطاً أو مفرّطاً»، وتقدم الشرح.

بين العلم والمال :

(العلم خير من المال الخ) المال عصب الحياة، وقاضي الحاجات من كبيرها وصغيرها، الى كل ما في الدنيا من وسائل الترف وزينة الحياة، ولكن من الذي أوجد هذه الوسائل والأدوات، وعرضها في الحوانيت والأسواق المال أو العلم ؟ واليك هذا المثل الصغير : أنت تذهب الى الصيدلية، وتشتري دواء بمبلغ بسيط لا تحس به اطلاقاً تماماً كما تشتري كيلو الطماطم وكان الملوك من قبل يتنازلون عن عروشهم من أجل الحصول عليه.. فمن أوجده ويسره دفتر الصكوك، أو عباقرة العقول التي أجرت عليه آلاف التجارب !؟ وأيضاً من أعطى القوة للشعب المتفوق في كل ميدان وعلى كل الشعوب الجاهلة المتخلفة. وامتص دماءها وأموالها، وقتل حريتها وكرامتها، وقضى على تراثها وثقافتها، من الذي أعطى هذا وأكثر للشعب المتفوق، العلم أو أي شيء ؟. وسمه ما شئت.

وهذا الذهب الأسود يتدفق بحراً في أرض الجهل، ويُستخرج بأيدي أهله الجاهلين، ويصب في أرض العلم ليصبح رأساً لأموال المحتكرين.. ومثله الذهب الأصفر والماس في افريقيا، والمطاط الطبيعي في آسيا، وقس على ذلك أمريكا اللاتينية، وسائر الدول الجاهلة «النامية»، وتقدر بأكثر من 120 دولة، وفوق ذلك هي غارقة في الديون الى الآذان للغزاة الآكلين.. والسر علم الآكل وجهل المأكول.

وبعد، فإن العلم هو المقياس الوحيد لفهم الحياة والقوة والتفوق في كل ميدان، ولكل خطوة تخطوها البشرية الى الأمام.. وغير بعيد أن يتصل العلماء غداً أو بعد غد ممخلوقات عاقلة متحضرة فيها وراء مجموعتنا الشمسية، ويعملوا معاً على تقدم الحياة، ويصبح عصرنا بالقياس الى ما يأتي تماماً كالعصر الحجري بالقياس الى هذا العصر.

وبهذا نجد تفسير قول الإمام : (والعلم حاكم، والمال محكوم عليه) والشاهد الناطق العادل بهذه الحقيقة هو نحن العرب، نملك الكنز والثروة، والغرب يملك

العلم والخبرة، فحكم وتحكم بكنوزنا وثروتنا، ونحن نتفرج كالجالسين على مقاعد السينما. قالوا بلسان العمل : ربي زدني علماً وقلنا بلسان الكسل: زدني جهلاً. ومنذ سنوات قرأت كلمة حول المال لكاتب مصري قال فيها، وهو يتظرف ويتكلف : «كان فيما مضى حكيم فقير لا يملك شيئاً من المال قال : المال خير من العلم». ولو كان لهذا المتفلسف مثقال ذرة من علم لقال : إن صاحب هذه الحكمة سبق زمانه بأكثر من ألف وثلاثمئة عام حين تنبأ بمكانة العلم وعظمته في عصرنا وفي كل عصر يأتي من بعده.

(هلك خزان الأموال وهم أحياء) أي وهم غارقون في الترف والملذات، وهلكوا لأنهم تنازلوا عن انسانيتهم لأعداء الانسانية، ونفذوا كل ما يراد منهم على حساب دينهم ووطنهم وأمتهم (والعلماء باقون الخ).. ما بقيت الأجيال تنتفع بثمار عقولهم وجهودهم دون مقابل (إن ها هنا لعلماً الخ).. تقدم الكلام عن علم الإمام وسببه عند شرح قوله : «سلوني» في الخطبة 91 ج 2 ص 55.

ثم أشار الى أن طلاب العلم في عهده أربعة أصناف، وهم بين قاصر ومقصر لا يصلح للعلم وحكمته :

1 – (بلى أصبت لقناً غير مأمون عليه) اللقن - بفتح اللام وكسر القاف - السريع الفهم، وضمير «عليه»، يعود الى العلم، والمعنى ان الذي يفهم العلم ويهضمه خائن يتخذ من علمه أداة للصوصية، ويستطيل به على الأكفاء والأولياء.

2 - (أو منقاداً لحملة الحق الخ).. أحنائه أحنائه : نواحيه، وينقدح يخرج ويظهر أي ان هذا الثاني طيب القلب ينقاد للحق وأهله، ولكنه ساذج لا خبرة له وبصيرة، تهتز عقيدته لأدنى شبهة، ويصبح ألعوبة بأيدي الأبالسة والشياطين.

3 - (أو منهوماً باللذة الخ).. إذا رأى حلاوة الدنيا وزينتها سال لعابه، وطار علمه وصوابه.

4 – (أو مغرماً بالجمع الخ).. لا أمنية له إلا المال وجمعه وادخاره فهو شغله الشاغل، لا يخفق قلبه إلا له، ولا يلهج لسانه إلا به.

(كذلك يموت العلم بموات حامليه) يريد بحامليه نفسه الزكية، ومن البداهة ان موت كل شيء يموت أهله علما كان أو جهلا، ديناً أم إلحاداً ديناً أم الحاداً.. وإذا مات أهل العلم خلفهم الأدعياء – في الأغلب - فيضللون ويفسدون، كالكثير من المتسمين به في عصرنا.

(بلى لا تخلو الأرض من قائم الخ).. هذا استدراك لقوله : «يموت العلم بموت حامليه». ويتلخص المعنى بأن الله سبحانه قضى وقدر أن الأرض لا تخلو من عالم عامل بالله وشريعته يكون حجة على الجاهل المقصر والفاسق المستهتر، وقد يكون هذا العالم ظاهراً معروفاً عند الناس حيث لا خوف عليه من شيء وقد يكون مستوراً، للخوف أو لأي سبب نجهله. وفي «فلسفة التوحيد والولاية» كتبنا بعنوان «لماذا الإمام الغائب ؟» حوالي تسع صفحات، فليرجع اليها من شاء، ومنها الأسطر التالية :

إن الإيمان بالمهدي المنتظر ايمان بالغيب، وكل ایمان بالغيب يفتقر الى النص عن المعصوم، وثبت عند الشيعة هذا النص فوجب عليهم التصديق والإيمان والشرح الرئيسي للعمل بالنص أن يثبت عند الباحث عنه والمطلع عليه، لا عند غيره أياً كان هذا الغير، وليس من شك انه لو ثبت النص على المنتظر عند المتشكك فيه لزال شكه وآمن، وأيضاً لو لم يثبت النص عند الشيعة لأنكروا وتشككوا.

(وكم ذا ؟ وأين أولئك ؟) أي كم عدد العلماء الذين هم خلفاء الله في أرضه وحججه على عباده ؟ وأين مكانهم في هذه الأرض ؟ (اولئك والله الأقلون عدداً الخ).. لا نعلم عددهم بالضبط والتحديد، وتعلم بالإجمال انهم قليلون، كما هو شأن الهداة الكرام (والأعظمون عند الله قدراً) لأنهم المطهرون من الرجس تطهيراً (يحفظ الله بهم حججه وبيناته) هم خزنة علم الله، وحفظة شريعته، والبرهان القاطع الدامع لأقوال الجاحدين والمعاندين.

(حتى يودعوها الخ).. يبشرون وينشرون العلوم پیشرون وينشرون العلوم، فينتفع بها الطيبون الراغبون في معرفة الحق لوجه الحق والعمل به (هجم به العلم الخ).. أي أنهم مصدره ومنبعه حتى كأنه هو الذي طلبهم دون أن يسعوا اليه (واستلانوا ما استوعره المترفون) استوعره : رآه وعراً، والمعنى ان الوعر الخشن من العيش عند المترفين هو ناعم ولين عند هؤلاء العلماء الزاهدين.

(وأنسوا مما استوحش منه الجاهلون). أنسوا بالحق، واستوحشوا من الباطل على عكس الجاهل. وفي الخطبة 128 : «لا يؤنسك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل». (وصحبوا الدنيا بأبدان الخ).. الجسم مع الجسم مع المخلوق

والروح مع الخالق (أولئك خلفاء الله في أرضه) ومنار لعباده، من اهتدی بهمنجا، ومن أعرض عنهم هوى.

147 - الْمَرْءُ مَحْبُوءُ تَحْتَ لِسَانِهِ.

• الأديب والفقيه والفيلسوف يعرفون بالأقوال، وعن طريقها فقط، وكذلك المحامي والفلكي ومن إليه، أما العاقل والعالم والطبيب والمهندس فإنهم يعرفون بالأقوال وبالأفعال أيضاً، بل هي أصدق في الدلالة وأقوى.. وعلى أية حال فكل انسان تترك كلماته جديداً مفيداً لأخيه الإنسان فهو عاقل وعالم وأديب وفقيه وفيلسوف، أما عباقرة اللسان الذين بلغوا القمة من فصاحة الكلام، ولم يتركوا ثراً نبيلاً فهم سفسطائيون، وان كتبوا آلاف المجلدات نثراً وشعراً.

148 - هَلَكَ أَمْرُؤٌ لَمْ يَعْرِفُ قَدْرَهُ.

• كل من يدعي ما ليس فيه فقآله الوبال والهلاك، والخيبة والخسران، لأنه يتصدى لأمور ليس لها بكفؤ، ويعيش في عالم بعيد عن واقعه. وتقدم قول الإمام في الخطبة 16 : «هلك من ادعى، وخاب من افترى، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره».

149 - لَا تَكُن ممنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ العَمَلِ، وَيُرجي التوبة بِطُولِ الْأَمَلِ. يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ. إِنْ أَعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعُ، يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ، وَيَبْتَغِي الزَّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ، يَنْهَى وَلَا يَنْتَهِي وَيَأْمُرُ ما لَا يَأْتِي. يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، وَيُبْغِضُ الْمُذْنِبِينَ وَهُوَ

أَحَدُهُمْ. يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، وَيُقِيمَ عَلى مَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ لَهُ، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِمَاً، وَإِنْ صَحَّ أَمِنَ لَاهِياً. يُعْجِبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفِيَ وَيَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَ. إنْ أَصَابَهُ بَلَاءُ دَعَا مُضْطَرًا وَإِنْ نَالَهُ رَخَاءُ اَعْتَرَضَ مُغتَرًا. تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلى مَا تَظُنُّ وَلَا يَغْلِبُها عَلى مَا يَسْتَيْقِنُ. يخافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ. وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ. إن أسْتَغْنَى بَطِرَ وَفُتِنَ، وَإِنِ افْتَقَرَ قَنطَ وَوَهَنَ. يُقَصِّرُ إذَا عَمِلَ، وَيُبالِعُ إِذَا سَأَلَ. إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ المَعْصِيَةَ وَسَوْفَ التّوبَةَ. وَإِنْ عَرَتْهُ مِحْنَةٌ انْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ المِلَّةِ. يَصِفُ الْعِبْرَةَ وَلاَ يَعْتَبِرُ، وَيُبَالِغُ فِي المَوْعِظَةِ وَلَا يَتَّعِظُ. فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌ، وَمِنَ العَمَلِ مُقِلٌ، يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى، وَيُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى. يَرَى الْغُنم مغْرَماً، وَالْغُرْمَ مَغْنمَا. يَخشَى المَوْتَ وَلَا يُبَادِرُ الْقَوْتَ. يَسْتَعْظِيمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلْ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ. وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ. فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ. الْلغوُ مَعَ الْأَغْنِيَاء أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاء. يَحْكُمُ عَلى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ، وَيُرْشِدُ غَيْرَهُ وَيُغْوِي نَفْسَهُ. فَهُوَ يُطَاعُ وَيَعْصِي، وَيَسْتَوْفِي وَلَا يُوفِي، وَيَخشَى الخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ، وَلَا يَخشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ.

• (لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل). كل خطير ونفيس يطول اليه الطريق، وتكثر في نواله المشاق.. حتى التافه الزائل من متاع الدنيا لا تصل اليه إلا بالسعي والحركة، فكيف إذا كان المطلوب «ما لا عين رأت مثله - ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» ؟ حتى الأنبياء ما دخلوا الجنة إلا بعد أن كافحوا وصبروا على الجهاد والآلام. قال الإمام : «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». وقال حفيده الصادق : الإيمان كله عمل، ولا إيمان بلا عمل.

(ويرجي التوبة بطول الأمل). يرجى - بتشديد الجيم - يؤخر ويسوف. وتقدم ان التوبة تجب على الفور.. هذا، الى أن الموت يأتي بغتة، ولا شيء معه إلا حسرة الفوت، ومرارة الندم (ويقول في الدنيا الخ).. أبدا لا صلة ولا علاقة بين أقواله وأفعاله (ان أعطي منها الخ.. مريض ب-داء النهم، ولا يجد الى الشبع سبيلاً، ولا إلى دائه دواء (يعجز عن شكر الخ).. يقول ولا يفعل، ويأكل ولا يشبع، ويطلب الكثير وما هو بأهل لأقل من القليل، بل ولا لشيء إلا الصفع على القفا

(يجب الصالحين الخ).. يستحسن الفضيلة، ويستقبح الجريمة نظرياً، أما في عمله فإنه يقترف الجرائم عن قصد وتصميم، ومعنى هذا أنه ينقاد في سلوكه لمنطق العاطفة لا لمنطق العقل، وأكثرنا نحن بني آدم على هذه الملة والمذهب.. ومن جملة ما قرأت ان بعض العلماء والعباقرة يؤمنون بالخرافة والأساطير !. والسر انهم علماء في مهنتهم يصدرون فيها عن عقل وروية، أما في غيرها فيصدرون عن التربية والعاطفة والبيئة.. وأفحش الأخطاء والأخطار أن تفسر الخرافة بالعلم والجريمة بالدين.

(يكره الموت لكثرة ذنوبه الخ).. هو يؤمن بيوم الحساب، ويعلم انه مذنب ومعاقب على ذنبه، هذا يضيف اليه ذنوباً، ولا عجب لأن العاطفة هي المحرك الرئيسي للإنسان إلا اذا تغلب عليها العقل أو الدين، أو تحول الى عاطفة، وقد أدرك أهل الاختصاص هذه الحقيقة، وقالوا : إن تهذيب الأخلاق لا يكون بالمواعظ وقراءة الكتب، بل بتربية الطفل وتنشئته على الخلق المرغوب فيه، وتوجيه عاطفته اليه قبل أن تقوى وترسخ جذورها في نفسه.

(إن سقم ظل نادماً الخ).. اذا أصابه مكروه بما كسبت يداه ندم وتحسر

وكان عليه أن ينتفع بهذا الدرس ويتعظ، ولا يعود الى فعلته الأولى، ولكنه سرعان ما ذهل وعاد الى مثلها (يعجب بنفسه اذا عوفي) ويذهل عن المخبات والمفاجآت، ويأتي قول الإمام ما قال الناس لشيء طوبى له إلا وخبأ له الدهر يوم سوء (ويقنط اذا ابتلي) مع ان الفرج كثيراً ما يأتي من بطن الضيق، ويأتي قول الإمام : عند تناهي الشدة تكون الفرجة، وعند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء.

(إن أصابه بلاء الخ).. يشير الى قوله تعالى : «فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ - 65 العنكبوت». (تغلب نفسه على ما يظن الخ) .. هو يعلم ان سلوك هذا الطريق يعود عليه بالضرر لا محالة، وفي الوقت نفسه يظن ان مع هذا الضرر الثابت ثبوتاً يقيناً شيء من النفع، فيتبع الظن ويدع العلم واليقين والسر ما أشرنا اليه منذ قليل، وهو ان مصدر العلم العقل أو الوحي، ومصدر الظن هنا العاطفة، وأكثر الناس مع العاطفة لا مع الدين والعقل.

(يخاف على غيره بأدنى من ذنبه) أي يعظ ولا يتعظ (ويرجو لنفسه بأكثر من عمله) يعمل القليل، ويطلب الأجر الكثير (ان استغنى بطر الخ) .. عطف تفسير على يعجب بنفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي (يقصر إذا عمل ويبالغ إذا سأل) لا يؤدي ما وجب عليه، ويطالب بإلحاح بما لا يستحق (إذا عرضت شهوة أسلف المعصية الخ).. أسلف : أسرع. وسوف : أهمل، والمعنى يسرع الى الحرام، ويهمل الواجب حتى كأن ما وجب حرم عليه هو الحرام، وما عليه هو الواجب، ومثله في الخطبة 101 : اذا دعي الى حرث الدنيا عمل، وإذا دعي الى حرث الآخرة كسل.

(وان عرته محنة الخ).. إذا نزلت به نازلة خرج عن دينه وعقله، وتقدم مع الشرح في الحكمة 107 : ان أصابته مصيبة فضحه الجزع (يصف العبرة ولا يعتبر) تكرار بأسلوب ثان لقوله : يخاف على غيره.. (فهو بالقول مدل الخ).. أي مستعل ومستظهر، وتقدم مثله في الحكمة 146 : مستظهراً بنعم الله على عباد الله (ينافس فيما يفنى الخ).. يباهي ويضاهي مظاهر الزينة والرفاهية، ولا يقيم وزناً للبر وآثاره (يرى الغنم مغرماً، والغرم مغنماً) الغنم : الربح

والمراد به هنا الأجر من الله والناس على العمل الصالح النافع، والغرم : الخسارة، وهي هنا العقاب منه تعالى على اتباع الشهوات وإضاعة الخيرات

(يخشى الموت الخ).. ولا يستعد له (يستعظم من معصية غيره الخ).. تكرار بأسلوب ثالث لقوله : يخاف على غيره.. (فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن) أي مصانع متساهل، ومثله ما يأتي : أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله (فهو يُطاع) أي يطلب، الطاعة من الناس لمواعظه ويوبخهم على الإعراض ، وينسى نفسه المرائية الباغية (ويستوفي ولا يوفي) عطف تفسير على يقصر إذا عمل.. (ويخشى الخلق في غير ربه) يعصي الله سبحانه خوفاً من خاق الله (ولا يخشى ربه في خلقه) لا يخاف الله في الإساءة الى خلق الله.

قال ابن أبي الحديد : «و اختلفت ألفاظ هذا الفصل والمعنى واحد، وذلك لاقتداره (عليه السلام) على العبارة، وسعة مادة النطق عنده».

150 - لِكُلِّ أَمْرِى عَاقِبَةُ حَلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ.

• المراد بالعاقبة هنا الآخرة، وهي سعادة وحلاوة للمتقين، وشقاء ومرارة للغاوين، قال سبحانه : «يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ - 105 هود». وتقدم هذا المعنى مرات، وهو من أوضح الواضحات عند من آمن بالله واليوم الآخر، أما من أنكر فجوابه ما تقدم مع الشرح في الحكمة 125 : عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى.

151 - لِكُلِّ مُقْبِلٍ إِدْبَارٌ وَمَا أَدْبَرَ كَأَنْ لَمْ يَكُن.

• كل ما أقبل عليك من هذه الحياة جاهاً كان أم مالاً أم عافية أم غير ذلك فهو ذاهب عنك، أو أنت ذاهب عنه ويستحيل أن تبقى له، ويبقى لك، إما أن يدبر ويدعك صفر اليدين تضرب كفاً بكف، وإما أن تدعه وتدبر بجلدك وكفنك الى حفرة مظلمة موحشة عفنة، لا تحمل معك اليها إلا ما كسبت يداك من خير أو شر.

152 - لَا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظُّفَرَ وَإِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ.

• أي طالب لأمر يسلك طريقه القويم، ويجد في السير، ويصبر صبر، ويصبر صبر الأحرار يظفر بما أراد، فطالب العلم ينجح اذا ثابر وصبر، والشعب الثائر من أجل جريته يتحرر اذا استمر في الثورة، وصبر على التضحية، وصبر على التضحية. وكل الناس يحفظون ويقولون : من صبر ظفر. وتقدم الكلام عن الصبر مرات.

153 - الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْم كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ في باطل إثْمانِ : إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرّضَى بِهِ.

رضا الشيطان رضانا :

رضا الله رضا المتقين، وغضبه غضبهم، وعلامة ذلك أن برضوا من أعمال الناس ما يرضي الله، ويكرهوا منها ما يكره، أما حزب الشيطان فعلى العكس يرضون لما يغضب الله، ويغضبون لما يرضيه، وان فعلوا فعل المغضوب عليهم تضاعف الوزر حيث يظهر الزيخ من القلوب ويتجسم في الفعل والسلوك.

ومن درس أحوالنا وسيرتنا نحن رجال الدين أو العلماء بالدين – رأى الكثير منا يفرحون ويطربون اذا حدث من أحدنا ما يشينه ويفتضح به أمام الله والناس ويحزنون ويألمون اذا فعل ما يزينه ويرفع من شأنه عند الله والناس !. ألا يعني هذا ان رضا الكثير منا - نحن حجج الإسلام - هو غضب الرحمن ورضا الشيطان، وإن غضبنا هو رضا الله والمؤمنين وغضب الشيطان الرجيم ؟.

154 - أَعْتَصِمُوا بِالذَّمم فِي أَوْتَادِهَا.

• اعتصموا : تحصنوا، والذمم : العهود، والمراد بالأوتاد هنا أهل الصدق

والوفاء، والمعنى صادقوا وعاهدوا الطيبين الأخيار تجدوهم عوناً لكم في البأساء والضراء. وإياكم وأهل الغدر والخيانة.

155 - عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لَا تُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِ.

• قال سبحانه : «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ - 80 النساء». ولكي نطيع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يجب أن نعلم رسالته وسنته، ولا عذر لجاهل مقصر.

156 - قَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَقَدْ هُدِيتُمْ إِن اهْتَدَيْتُمْ وَأَسْمِعْتُمْ إنِ اسْتَمَعْتُمْ.

• الجملة الثانية والثالثة عطف تفسير على الأولى، والمعنى ان الله سبحانه بين وأوضح «لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد - 37 ق»، ولم يدع لأحد من حجة وعذر. فلا تلوموه ولوموا أنفسكم.

157 - عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالإنْعَام عَلَيْهِ.

• لا بأس عليك اذا أنت أغضبت وتحملت ما تكره من صديق أو جار أو أي انسان، بل خير لك وله وللإنسانية أيضاً أن تسامحه وتحسن اليه عسى أن يخجل من نفسه، فيؤنبها ويكفر عن فعلته بما يرضيك.. هذا، الى ان المحسن يعم بإحسانه جم جميع الناس حتى من أساء اليه، والحليم يعفو ويصفح، والكريم يجود على من بخل عليه. والله يقول : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - 34 فصلت». ومن يرغب عن أمره إلا من سفه نفسه.

158 - مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التهمَةِ فَلَا يَلُومَنْ مَنْ أَسَاءَ به الظن.

• من قارب مواضع الريبة ارتاب به الناس، وأساء وأساء إلى نفسه بنفسه. وروي أن صحابياً رأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومعه امرأة، فقال له النبي : هذه زوجتي فلانة. قال : يا رسول الله أفيك يُظن ؟ قال : الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.

159 - مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ.

• كل أو جل الذين يملكون القوة يستبدون وينهبون والذي يتمنى السلطان يريده لهذه الغاية، أما الشاذ النادر فلا يقاس عليه، ومن هنا نادى الفوضويون بإلغاء الدولة والسلطة. وتكلمنا عنهم في شرح الخطبة 40 بعنوان «الفوضوية والسلطة»، ج 1 ص 254.

160 - مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرَّجَالَ شَارَكَهَا في عُقُولِها.

• الاستبداد بالرأي أن تقدم على أمر مجهول العاقبة عندك، لأنك ما جربت مثله من قبل، ولا استشرت الناصح المجرب، ولا شك ان الإقدام على مجهول مغامرة. ويأتي قول الإمام : «قد خاطر من استغنى برأيه» وإن استشرت الناصح المجرب فقد اكتسبت علماً جديداً تستعين به على مرادك. وفي مستدرك نهج البلاغة : ان رجلاً سأل الإمام عن أعلم الناس ؟ فقال : من جمع علم الناس الى علمه وقال حفيده الإمام جعفر الصادق : إذا شاورت من يصدقه قلبك فلا تخالفه،

وان كان بخلاف هواك، فإن النفس تجمح عن قبول الحق وسبق الكلام عن المشورة مرات، منها عند شرح قوله : «ولا ظهير كالمشاورة» في الحكمة 54.

161 - مَنْ كُتمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ بِيَدِهِ.

• ان شاء كتم، وان شاء أذاع، فإن أفشى كان في وثاق كلامه ولا خيار له. وتقدم الكلام عن السر في الحكمة 5 و 48.

162 - الْفَقْرُ المَوْتُ الْأَكْبَرُ.

• قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «كاد الفقر يكون كفراً»، لأنه يدفع بالإنسان الى فعل الرذائل، وفي الحكمة 318 : «الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت». وفي الحكمة 371 : «اذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير دينه بدنیاه». وتقدم مع الشرح قوله : «الفقر يخرس الفطن» في الحكمة 3. وقوله : «الفقر في الوطن غربة» في الحكمة 55.

واذا لم تخن الذاكرة فقد نقلت هناك عن كتاب «أصول الكافي»، ان الإمام جعفر الصادق قال : غداً يضرب الفقراء باب الجنة فيقول البواب : من في الباب ؟ فيقولون : نحن الفقراء. فيقول البواب : أتريدون أن تدخلوا الجنة قبل الحساب..؟ لن يكون هذا أبداً. فيقول الفقراء : وماذا أعطيتمونا حتى تحاسبونا ؟ فيقول الله جل وعز : صدقوا خلوا بينهم وبين الجنة. ادخلوها بسلام آمنين.

163 - مَنْ قَضَى حَقٌّ مَنْ لَا يُقْضَى حَقَّهُ فَقَدْ عَبَدَهُ.

• معنى العبودية ان العبد لا يملك مع سيده شيئاً، وان مراده فان بمراده، وقد اشتهر وذاع على كل لسان : العبد وما ملكت يداه في قبضة مولاه. ومعنى

هذا أن العبد لا أجر له ولا جزاء على خدمة سيده وطاعته، لأن هذه هي مهنته ووظيفته.. وعليه فمن قضى حق الغير وخدمه لذاته لا خوفاً ولا طمعاً فقد اعتبره سيداً، واعتبر نفسه عبداً، أراد ذلك أم لم يرد.

164 - لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ

• من عصى الله سبحانه كانت الحجة الله عليه حتى ولو أطاع جميع الخلائق،

ومن أطاع الله كانت الحجة له عند الله حتى ولو عصى جميع الخلائق، بل تكون الطاعة أقوى وللثواب أدعى : «أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - 13 التوبة» أي لا إيمان لمن يعصي الخالق خوفاً من المخلوق.

165 - لَا يُعَابُ المَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقَّهُ إِنما يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ.

• المجرم المذنب هو الذي يعتدي على حقوق الآخرين، أما المعتدى عليه فلا ذنب له، كيف، وهو صاحب الحق المغصوب ؟ قال الإمام في الرسالة 27 : ما على المسلم من غضاضة أن يكون مظلوماً. وأيضاً قال : إن تلق الله مظلوماً خير لك من أن تلقاه ظالماً.

166 - الْإِعْجَابُ يَمْنَعُ مِنَ الْأَزْدِيَادِ.

• المعجب بنفسه يرى أنه قد بلغ القمة، فكيف يبتغي المزيد ؟ ولا شيء يفسد العلم والعقل والدين كالعجب.. ان المعجب بنفسه لا نظير له بين الخلائق حماقة وسخفاً. وسبق الكلام عنه مراراً ومن ذلك عند شرح قول الإمام : «أوحش الوحشة العجب» في الحكمة 38.

167 - الْأَمْرُ قَرِيبٌ، وَالِاصْطِحَابُ قَلِيلٌ.

• المراد بالأمر هنا الموت، قال سبحانه : «وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ - 14 الحديد» والمراد بالاصطحاب حياة الإنسان في الدنيا وصحبته لها. وفي كل صفحة من صفحات النهج حديث وكلام عن الموت والحياة صراحة أو إشارة.

168 - قَدْ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.

• طريق الحق واضح كوضح النهار، ولا عذر لمن أعرض ونأى. ومثله في الخطبة 155 : ان الله قد أوضح لكم سبيل الحق، وأنار طريقه، فشقوة لازمة، أو سعادة دائمة. ومثله في النهج كثير.

169 - تَرْكُ الذَّنبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَة.

• لا تذنب ولا تطلب العفو، ما كان أغناك عن الحالين. وبكلمة : الوقاية خير من العلاج. وفي بعض النسخ المعونة بدل التوبة، والتوبة بالذنب أنسب.

170 - كَمْ مِنْ أَكَلَةٍ مَنَعَتْ أَكلاتٍ.

• كل إفراط مفسد، سواء أكان في الأكل أم في سواه. والمعدة بيت الداء، فمن أفرط في حشوها ابتلي بمرضها، واضطر الى الحمية، وقد تودي الأكلة بحياته.. أيضاً. ما كان أغناه عن الحالين ! وأيضاً الوقاية خير من العلاج !

171 - النَّاسُ أَعْدَاء ما جهلوا.

• الجهل من أمهات الرذائل وأكثرها خطراً، وكفى بالجهل غياً وفساداً أن الجاهل

يعادي ويعاند ما فيه خيره وصلاحه دنيا وآخرة، ولا دواء للجاهل إلا أن يعلم بأنه جاهل، وأنه لا غنى له عمن يقوده ويهديه، وأخطر الخطورة أن يرى الجاهل نفسه عالماً، وأن يرى العالم أنه دائما على صواب.

172 - مَنِ أَسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَإ.

• من تتبع آراء أهل الخبرة في أية قضية، وتدبرها على حقيقتها – استطاع أن يميز الرأي الأصوب والأرجح عن غيره، ويختاره. وهذا - كما ترى - لا يصدق إلا على العالم، لأنه هو الذي بتدبر ويميز.

11 - مَنْ أَحَدٌ سِنَانَ الْغَضَبِ لِلهِ قَوِيَ عَلى قَتْلِ أَشِدَّاءِ الْبَاطِلِ

• ليس المراد بالغضب هنا هو الانفعال الذي تحمر معه العينان وتنتفخ الأوداج.. كلا، فإن هذا مؤقت لا يلبث حتى يزول، وانما المراد به الصبر والثبات في حرب الباطل وأهله، ويومىء الى ذلك قول الإمام : «أحد سنان» : أي ان هذا الغاضب الله يحارب المبطلين بأمضى سلاح يملكه وأجداه سيفاً كان أم لساناً أم قلماً.. والباطل زهوق كما وصفه سبحانه، فمن واجهه بجنان مخلص وثابت أمده الله بعونه، وقوض الباطل من الأساس.

وقديماً قيل : إن للحق سلاحاً لا تراه العيون. وبهذا السلاح عاشت أسماء أهل الحق والخير بالتقديس والإكبار، وستعيش الى آخر يوم، وذهبت أسماء أعدائهم وخصومهم مع الريح، وان ذكرت فبالاحتقار والازدراء.

174 - إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ فَإِنَ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ.

• لا أحد يخلو من الهمّ.. اللهم إلا من عاش غير مسؤول عن شيء اطلاقاً،

وأين هو ؟ ولكن بعض الهموم تأتي من نفس المرء وصنع يده، كما لو راقب الناس : ماذا قالوا وفعلوا ؟ أو توقع نازلة بجهل مدى تأثيرها في حياته، فيقضي ليله ونهاره في قلق دائم واضطراب !. ويقول الإمام لهذا المتخوف : أقدم على ما خفت منه، ومتى وقع اضمحل. ونقل ابن أبي الحديد أبياتاً في هذا المعنى، أبلغها هذا العجز : «وأعظم مما حل ما يتوقع».

17 - آلَةُ الرِّيَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ.

• كلما برز الانسان واتسع نفوذه - كثرت حوائج الناس اليه. وفي الأمثال : الخراف تذبح حين تغدو وافرة الشحم حين تغدو وافرة الشحم، والطيور الجميلة تجتذب الصيادين ومن هنا فر بعض الناس من الرياسة فرارهم من المجذوم، وعلى عشاقها أن يستعينوا بالصبر وسعة الصدر، وبالإخلاص والمبادرة الى خدمة الآخرين.

176 أزجر المسيء، بِثَوَابِ الْمُحْسِنِ.

● للردع عن الجريمة والإساءة طرق وأساليب، منها عقاب المسيء وتأديبه «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ - 179 البقرة»، ومنها تشجيع المحسن، وجزاؤه بالحسنى، لأن ذلك بطبيعة الحال تأنيب وتقريع للمسيء على إساءته، وعبرة وعظة لأولي الأبصار، ومن هذا الباب تكريم العباقرة، ومنح الأوسمة والألقاب للمتفوقين في أعمالهم، وتشجيع الأستاذ للطالب المتقدم في دروسه الوديع في سلوكه.

177 - أَحْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ.

• هل تريد أن يعاملك الناس بالحسنى، ولا يضمروا لك ما تكره ؟ فالأمر سهل وبسيط، إن شئت وأحببت : دع الحقد والضغينة، والعجب والتعاظم

وسوء الظن والغيبة، وأضمر الخير للجميع دون استثناء، فإنهم يعاملونك بالمثل كما قال الشاعر : «وكما تراني يا جميل أراك».

وهذا صحيح بلا ريب في حق بني آدم إلا أهل الحسد والمنافسة، فالنعمة على خلق الله تسل قلوبهم، وفضيلة الفاضل تعمي، وفضيلة الفاضل تعمي عيونهم.. ويستحيل أن يكفوا عنه إلا بموته أو سلب النعمة عنه !.

178 - اللجَاجَةُ تَسُلُّ الرَّأْيَ.

• المراد باللجاجة هنا العناد والإصرار، وليس من شلك ان العناد يعمي ويصم، وأن تداول الآراء يفتح باب الرشاد.

179 - الطَّمَعُ رِقّ مؤبّد.

• الطمع من أمهات الرذائل، وعلة العلل للفساد والضلال في طول الأرض وعرضها.. فهو يخرج الانسان عن انسانيته، ويقوده الى الذل والهوان والعبودية للجبابرة الطغاة، والكذب والخيانة، والظلم والبغي.. الى ألف رذيلة ورذيلة وقد بلينا نحن بقادة لو خير الواحد منهم بين التضحية بمنصبه من أجل البلاد والعباد وبين كرسي الحكم - لما اختار عليها شيئاً.

180 - ثمرَةُ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ، وَثَمرَةُ الْحَزْمِ السَّلَامَةُ.

• التفريط : التقصير في العمل، وعاقبته مرارة الألم وطول الندم، والحزم : اغتنام الفرصة، ومراقبة العواقب بعين بصيرة، وإحكام العمل من أجلها والنتيجة الراحة والأمان.

181 - لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ مَا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بالجهل.

• على الجاهل أن يسكت عن الفتوى بالحلال والحرام، والحكم بالحق والباطل، وعلى العالم أن يفتي ويحكم بما أنزل الله، وإن سكت وأحجم فقد استنكف عن الحق وإحقاقه. قال سبحانه: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ - 187 آل عمران».

182 - مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلَالَةً.

• كل من توافرت فيه صفات المجتهد، وأتم البحث والنظر بلا تقصير في القضية التي بين يديه، ثم حلل وحرم، أو قضى بأن الحق لهذا دون ذاك، اذا كان الأمر كذلك فهو غير آثم ولا مسؤول أمام الله والناس، أصاب الواقع في علم الله أم أخطأه، لأنه - اذا أخطأ الحكم الإلهي الواقعي - فإنه مصيب للحكم الظاهري الذي قرره الله في حقه.. هذا هو سبيل المجتهد وتكليفه بحكم العقل والشرع، لأن الله لا يكلف نفساً إلا ما آتاها. وروي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): إن المجتهد اذا أصاب فله أجران، واذا أخطأ فله أجر واحد.

ومعنى هذا أن الحكم الظاهري المقرر في حق المجتهد - يتعدد ويختلف باختلاف أنظار المجتهدين، أما الحكم الواقعي المعين في علمه تعالى فهو واحد، لأن الحق عنده لا يتعدد ولا يتجزأ، ولا واقع له وظاهر، فكل سر عنده علانية، وكل غيب عنده شهادة. وقول الإمام: «كانت إحداهما ضلالة» يشير الى الدعوى في علم الله سبحانه، وطريق العلم الى هذا العلم القدسي بديهة العقل التي لا يتطرق اليها الشك، أو النص القطعي متناً وسنداً عن المعصوم. وتقدم الكلام عن ذلك مفصلاً في شرح الخطبة 85 فقرة «كل مجتهد مصيب».

183 - مَا شَكَكْتُ فِي الحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ.

• الإمام أخذ الحق من معدنه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مباشرة وبلا واسطة، ومن أخذ العلم من الحس والمشاهدة لا من النقل والحدس - فمن أين يأتيه الشك؟ وبهذا نجد تفسير قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «اللهم أدر الحق مع علي كيفما دار».. رواه الترمذي في صحيحه ج 2 ص 298 طبعة بولاق سنة 1292 هـ والفخر الرازي في آخر تفسير البسملة المطبوع بدار الطباعة العامرة، وغيرهما من كتب الحديث (فضائل الخمسة من الصحاح الستة).

184 - مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذَّبْتُ وَلَا ضَلَلْتُ وَلَا ضُل بي.

• لا يخشى الإمام إلا الله، الإمام إلا الله، ولا يبتغي مرضاة سواه، وإذن فلماذا الكذب ؟ وما هو الداعي الى التكذيب ؟ وأيضاً أخذ الهدى من كتاب الله وسنة نبيه وبهما كان يهدي ويرشد الخلق الى الحق، فمن أين يأتي الضلال والتضليل ؟ ونقل صاحب فضائل الخمسة عن تفسير الطبري المطبوع بالمطبعة الكبرى ببولاق سنة 1323 هـ وتفسير الرازي المطبوع بدار الطباعة الكبرى العامرة، وتفسير السير المسمى بالدر المنثور، المطبوع بمصر سنة 1314 وغير ذلك من كتب الحديث، نقل ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند نزول هذه الآية : «إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ - 7 الرعد». قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أنا المنذر، والهادي علي.

185 - للظالِمِ الْبَادِي غَداً بكَفْهِ عَضَّةٌ.

• «ويوم يعض الظالم على يديه 27 الفرقان». وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من أصبح وهو لا يهم بظلم أحد غفر الله ما اجترم». ومعنى هذا أن الإسلام يثيب على ترك الظلم كما يثيب على الأعمال الصالحة، وفوق ذلك يغفر للتارك ما

اقترف من ذنوب، لا لشيء إلا لأنه ما ظلم أحداً وهذه ميزة خاصة لترك الظلم دون غيره من المحرمات.

وتجدر الإشارة الى أن الشرك بالله ظلم قال سبحانه : «ان الشرك لظلم عظيم - 13 لقمان». وتقدم الكلام عن الظلم مفصلاً في شرح الخطبة 174 فقرة : «لا إسلام مع ظلم».

186 - الرَّحِيلُ وَشِيكٌ.

• أي عن الحياة الدنيا الى قبر مظلم موحش، وتكرر بالعشرات.

187 - مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ.

• في قواميس اللغة أن أصل الصفح الإعراض بصفحة الوجه، قال تعالى : «أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا - 5 الزخرف»، أي إعراضاً أو معرضين، ولكن الإمام قال : من أبدى صفحته أي أظهرها، وعليه يكون المعنى من تصدى لمعاندة الحق وحربه مستخفاً به وبأهله فقد هلك. ويأتي قول الإمام : من صارع الحق صرعه.

188 - مَنْ لَمْ يُنَجِّهِ الصَّبْرُ أَهْلَكَهُ الْجَزَعُ.

معنى هذه الحكمة واضح جداً، وهو أن الصبر مر، ما في ذلك ريب، ولكن الجزع أدهى وأمر، وهو شعار الضعاف والأطفال، ويضيف الى بلاء الدنيا البلاء بالدين، أما الصبر فهو شعار المتقين وأجره عند الله عظيم.

وعلى رغم وضوح هذه الحكمة كما أشرنا فقد خفي معناها على ابن أبي الحديد وراح يقول : ان قلت أقول، ويتكلف التأويل بلا سبب موجب موجب ! ولا أدري

كيف ذهل هذا الأديب الكبير عن هذا المعنى الواضح البين؟ وجلّ من لا تأخذه كبوة ولا غفلة.

189 - وَاعَجَبَاهُ أَتَكُونُ الخِلَافَةُ بِالصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ. وَرُوِيَ لَهُ شعر في هذا المَعْنَى :

فَإِنْ كُنتَ بِالسُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ ***فكيف هذا وَالمُشِيرُونَ غُيّب

وإن كُنتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ ***فَغَيرُكَ أولى بالنسي وَأَقْرَبُ

• ينتقل المال من القريب الى قريبه بالوراثة.. وأيضاً قد يستفيد الانسان علماً وديناً بالصحابة والرفاقة، أما الوصاية والوكالة والنيابة والوزارة، أما هذه وما اليها فلا تكون إلا بالكفاءة والأهلية، فكيف بالخلافة التي هي رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن رسول الله الذي لا ينطق إلا عن الله وبوحيه ولسانه ؟.

والإمام يردّ بهذا على من احتج يوم السقيفة بأنه أولى بخلافة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) اصحبته وقرابته، وبعد أن تمت له البيعة احتج هو أو احتجوا له بالشورى، والإمام يطعن بهذه الشورى ويقول : أين هي والمشيرون غيب عن بيعة السقيفة، وهم معظم الصحابة، والحاضرون منهم عند البيعة اختلفوا فيما بينهم، وبعضهم شهر سيفه على من بايع أبا بكر، كما جاء في الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص 9 طبعة سنة 1957. وكتب التاريخ تشهد على بيعة السقيفة وأهلها. وسبق الكلام عن ذلك.

190 - إنما المَرْءُ في الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ المَنَايَا، وَنَهْبٌ

تُبَادِرُهُ الْمَصَائِبُ. وَمَعَ كُلِّ جَرعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي كُلِّ أَكَلَةٍ غَصَصٌ ولَا يَنَالُ الْعَبْدُ نِعْمَةَ إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلَا يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عمُرِهِ إِلَّا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ. فَنَحْنُ أَعْوَانُ المَنُون، وَأَنْفُسُنَا نُصْبُ الْحُتُوفِ فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو البَقَاءِ وَهذَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً إِلَّا أَسْرَعَا الكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعَا.

• عاد الإمام الى حديث الدنيا والتحذير من أوبائها، وكل الوعاظ يحدرون منها، والفرق ان تحذير أكثرهم أو الكثير منهم مجرد كلام للاستهلاك لا علاقة له بقلوبهم ولا بأعمالهم تماماً كلسان الأحمق تماماً كلسان الأحمق، ومن أجل هذا تسمعه الآذان ولا تخشع له القلوب، أما تحذير الإمام فينبعث من واقعه وكيانه ومن لحمه ودمه، وينطلق الى القلوب ليهزها من الأعماق.

سهم

(انما المرء في الدنيا غرض تنتضل فيه الخ).. الغرض : الهدف، وتنتضل ترمي، والمعنى ان سهام الدنيا، وهي الكوارث والحوادث، تنهال على رأس الانسان سهماً بعد، وصاعقة إثر صاعقة حتى عند طعامه وشرابه، بل وفي منامه يحلم بالكثير من المزعجات، وقد تتحول الى واقع حياته، فتفقده الهدوء والراحة (ولا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى) كنعمة العزوبة والتحرر من المسؤولية، تذهب بها نعمة الزواج والمشاركة في الحياة، إن كان في هذه المشاركة حياة أو شيء من نعمة الحياة. وتقدم مثله بالحرف في الخطبة 148.

(ولا يستقبل يوماً من عمره إلا بفراق آخر) المعنى واضح وتقدم أيضاً في الخطبة 143 (فنحن أعوان المنون الخ).. أي الموت، ونعينه على أنفسنا بفناء الأعمار مع الليالي والأيام (ولم يرفعا من شيء الخ).. ضمير التثنية لليل والنهار، والمعنى ان متاع الدنيا قليل، وانها قد تحلو وتبني القصور، وتجمع الأموال ولكن لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعتها، فسرعان ما تهلك وتدمر.

191 - يَا ابْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ فَأَنتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِك.

• لو ملكت الدنيا بكاملها لم يكن لك منها إلا ما أكلت وشربت ولبست، وما عداه نترانزيت»، والإنسان مسؤول عن نفسه وأهله، وعليه أن يوفر لهم الحاجات الأساسية، ويترك لهم ما يكفون به وجوههم عن الناس ان استطاع، وما زاد ففي سبيل الله مع العلم بأن كل نفقة على نفسه وأهله هي لله وفي سبيل الله، ولا فرق إطلاقاً بينها وبين الصدقة على المحاويج من حيث الأجر والثواب. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ان حامل النفقة الى عياله كحامل الصدقة الى المحاويج.

192 - إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وإقبالاً وَإدْبَاراً فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وإقْبَالِهَا فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِي.

• للإنسان أطوار وأدوار تختلف وتتباين تبعاً لظروفه وأفكاره وتصوراته، فهو حيناً متفائل، وأحياناً متشائم، وتارة حائر بين اليأس والرجاء حتى كأن في داخله شيئاً يقلبه ذات اليمين وذات الشمال !.. فإذا أردت أن يستجيب الانسان لدعوتك فادخل الى نفسه من أبوابها وميولها، ودع الاتجاه المعاكس، وما تحفظه من الحيكم والنصائح، فإن الرياح لا ترجع عن اتجاهها وترتد الى الوراء بمجرد الكلام.. وان استطعت أن تكره أحداً بسبب الحياء أو بآخر فإنه لن ينفعك بشيء، ويعمى عن كل شيء، وإذا جذبته من إحساسه وشعوره انقاد أسيراً واستمع اليك مخلصاً، وبلغت منه ما تريد.

وبهذا نجد تفسير قوله تعالى: «لا إكراه في الدين - 256 البقرة»، لأن الدين عقيدة، لا تكون ويستحيل أن تكون بالإكراه، وأي عمل يأتيه الانسان مكرهاً أو كارها فما هو من الدين في شيء إلا اذا هو أكره نفسه عليه بحيث تبقى حريته في قبضته.

193 - مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ. أَحِينَ أَعْجِزَ عَنِ الانتقام فَيُقَالُ لِي لَوْ صَبَرْتَ، أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي لَوْ عفوت.

• الإسلام دين المحبة والإخاء والعفو والتسامح تماماً كما هو دين الحرية والمساواة قال سبحانه : «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ - 40 الشورى» وهل يبتغي الإمام شيئاً من دنياه وراء أجر الله وثوابه ؟ وهل اكتفى منها بطمريه وقرصيه، وهو خليفة المسلمين إلا ابتغاء مرضاة الله ؟ واذن فلا بدع اذا عفا الإمام عمن أساء اليه، وأوصى أهله بقاتله ابن ملجم أن يطيبوا طعامه ويلينوا فراشه، وأن يعفوا لأن العفى أقرب للتقوى.

(متى أشفي غيظي الخ).. من الشفاء يقال : تشفى من غيظه أي عوفي منه وبرىء. والمعنى اذا حاولت القصاص ممن أساء إلي خاصة فلا يخلو واقعي من أحد أمرين : إما أن أعجز، وإما أن أقدر، فإن عجزت عظم الخطب وتراكم المصاب بفشلي أمام الناس، ولومهم وقولهم : ماذا فعلت بنفسك ؟ أما كان الأجدر أن تسكت وتستر ما بك من عجز ؟ وان قدرت قالوا : كان العفو أجمل مقامك وأليق.

وبعد، فإن الإمام ما حمل ضغناً ولا حقداً على مخلوق وان أساء اليه كي يفكر في الانتقام، وانما أراد بهذا الأسلوب الحكيم مجرد الترغيب في الصبر والعفو، وانهما يمحوان الكثير من السيئات، ويزيدان في الحسنات، وأن الانتقام إن هو إلا إشباع شهوة عابرة، ورغبة زائلة.

194 - (وَقَدْ مَرَّ بِقَذَرٍ عَلى مَزْبَلَةِ) : هَذَا مَا بَخِلَ بِهِ الْبَاخِلُونَ (وَرُوِي فِي خَبَرٍ آخرَ أَنَّهُ قَالَ) : هَذَا مَا كُنتُمْ تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالْأَمْسِ.

• المعنى واضح لا يحتاج الى تفسير، ولكن قد يظن ان هذا يؤيد قول من قال بأن الانسان لا يتحرك إلا بدافع اقتصادي وسبب مادي.. وليس من شك ان المال والاقتصاد يبعث الانسان على الحرص والبخل والجري وراء الأرباح، وأيضاً يبعثه على العجب والكبرياء والتنافس والصراع وسفك الدماء، ولكنه ليس السبب الوحيد والباعث الأول والأخير على الحركة والعمل، فهناك دوافع كثيرة غير المادة والاقتصاد، كالعقيدة الدينية والوطنية، والحب المتبادل بين الآباء والأبناء، وحب المجد والشهرة وغير ذلك.

وإلا فبأي شيء نفسر موقف هذا الانسان الذي فضل وآثر أن يعيش حراً مع الجوع والفقر على أن يعيش رقاً المال والترف ؟. فمنذ مئات السنين تزوج معاوية أعرابية من بنات الصحراء، وأسكنها القصور الشامخة في عاصمته، فحنت الى خيمة الشعر وقالت :

وبيت تخفق الأرواح فيه*** أحب إلي من قصر منيف

وأيضاً لماذا يشتري الانسان بأغلى ثمن لوحة فنية ويعلقها في غرفته ؟ ثم هل استهان من استهان من العلماء بأرواحهم دفاعاً عن آرائهم أو أموالهم ؟ وهل الباعث لشهداء العقيدة على الشهادة المال والاقتصاد أو الدين والمبدأ ؟ ولماذا يتزوج الانسان وينتج العيال ويتحمل المشاق ؟ هل يفعل ذلك لكسب المال أو لإنفاقه ؟ ولماذا يحرق البوذي نفسه في فيتنام طوعاً واختياراً ؟ هل أحرقها احتجاجاً على الظلم أو طمعاً بالمال..؟.. الى ما لا نهاية.

وبعد، فإن الانسان مادة وروح، ولكل عمله وآثاره، والانسان الكامل من حفظ التوازن بين الاثنين.

195 - لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ.

• كل العقلاء يبذلون المال من أجل العلم، واذن فمن خسر جزءاً من ماله، وأخذ من هذه الخسارة درساً نافعاً، واستفاد تجربة وبصيرة - فقد ربحت تجارته، وهل العلم إلا تجربة الحياة، وموعظة الزمن، وعبرة الأيام ؟.

196 - إنّ هذه القُلُوبَ تَمَلُّ كما تمّلُ الْأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَهَا طرائف الحكمة.

• المراد بالحكمة هنا كل حلال يذهب التعب والملل عن قلبك وروحك فنياً كان أم طبيعياً.. وكل انسان في حاجة الى جديد ومتعة يشعر معها بنعمة الحياة. والدنيا العريضة زاخرة بالطيبات التي أحلها الله لعباده، فلماذا لا نعيشها ونمارسها إن تهيأت لنا الأسباب.؟ ولو في وقت الضيق. وقبح الله القلب المغلق المتزمت.

وبعد، فإن علماء النفس في عصر العلم يداوون مرضاهم بهذا الدواء الذي وصفه الإمام منذ عهد بعيد.

197 - (لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ الْخَوَارِجِ لَا حُكُم إِلَّا اللَّهِ) قَالَ: كَلِمَةً حَقٌّ يراد بها باطل.

• المراد بكلمة الحق «لا حكم إلا لله» وهي تعبير ثان عن قوله تعالى : «إن الحكم إلا لله - 67 يوسف» ولكن الخوارج استدلوا بقول الله على تبرير معصية الله الذي قال : «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ - 59 النساء» والإمام من أولي الأمر والخوارج مرقوا من الدين لأنهم عصوا الإمام وأفسدوا في الأرض. وثبت عن الرسول بالتواتر انه وصف الخوارج بقوله : «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وفي الخطبة 40 ذكر الإمام قول الخوارج، ورد عليه بمنطق الدين والعقل، وشرحنا ذلك مفصلاً، وتكلمنا عن الخوارج بما فيه الكفاية (أنظر المجلد الأول ص 252).

198 - (فِي صِفَةِ الغَوْغَاء) : هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا (وَقِيلَ بَلْ مَا قَالَ (عَلَيْهِ السَّلام)) : هُمُ

الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا تَفَعُوا (فَقِيلَ قَدْ عَرَفْنَا مضَرَّةَ أَجْتِمَاعِهِمْ فَا مَنْفَعَةُ أَفْتِرَاقِهِمْ ؟ فَقَالَ) : يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْمهَنِ إلَى مِهْنَتِهِمْ فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ، كَرْجُوعِ البَنَّاء إِلَى بِنَائِهِ، وَالنِّسَاجِ إِلَى مَنْسِجِهِ، وَالْخَبَّانِ إِلَى مَخبَرِهِ.

• في الرسالة 52 تحدث الإمام عن الفئة الأكثر عدداً، وأطلق عليهم كلمة العامة تارة، والطبقة السفلى أخرى، وأوصى بهم الولاة والموظفين، وقال من جملة ما قال : «إن سخط الخاصة يغتفر رضا العامة.. وانما عماد الدين وجماع المسلمين، والعدة للأعداء العامة من الأمة.. الله الله في الطبقة السفلى الذين لا حيلة لهم». فالجماهير في نظر الإمام هم فالجماهير في نظر الإمام هم العنصر البشري الذي يتكون منهم الوطن ويوجد، وبهم يتمثل الدين ويبرز الى عالم الخارج مجسماً ملموساً له أثره وأعماله، وأيضاً العدد والقوة ضد أعداء الدين والوطن، ومن هنا وجبت رعايتهم والعناية بهم، وتقديم مصلحتهم على مصالح كل الفئات حتى رجال العلم والدين.. وهذا غاية المديح.

هذا ما قاله الإمام عن الجماهير حين نظر اليهم من خلال مصلحة الدين والوطن، أما وصفه لهم هنا بالضرر فهو باعتبار اجتماع طائفة منهم لسبب أو لآخر واندفاعهم مع العاطفة بلا تدخل عقل وروية. وليس من شك انهم في هذه الحال اللاشعورية يضرون ولا ينفعون، ويتعصبون ولا ينصفون، بخاصة إذا كان بينهم أفراد من اللصوص السفلة والمجرمين القتلة.

(الغوغاء) وهم الناس المنحطون، أو الخليط من هنا وهناك (اذا اجتمعوا غلبوا) لأن الاجتماع قوة بنفسه، وإذا سيطر عليه الحماس وعاطفة الجهل ازدادت قوته أضعافاً. (وإذا تفرقوا لم يعرفوا) الخمول ذكرهم، وخفوت وخفوت صوتهم والجملة الثانية فسرها الإمام بأوضح بيان.

199 – (وأتِيَ بِجَانٍ وَمَعَهُ غَوْغَاء) فَقَالَ : لَا مَرْحَباً بِوُجُوهِ لَا تُرَى إِلَّا عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةٍ.

• السوأة : الخلة أو الفعلة القبيحة، ولا مرحبا نصب على المصدر. والسر في ان السواد يجتمعون عند الأسواء والمفاجآت هو حب الاطلاع فإنه غريزة في العالم الجاهل والعالم يشبع غريزته هذه بالقراءة والمطالعة والتجربة والتفكير، أما الجاهل فيشبعها بالنظر والتفرج على ما يصادفه من أحداث.

200 - إِنَّ مَعَ كُلّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ، فَإِذَا جَاءَ القَدَرُ خليّا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّ الْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ.

• الجنة - بضم الجيم - الوقاية. والحديث عن الملائكة حديث عن الغيب، وقد أثبت القرآن الكريم أن على عباد الله من الملائكة كراماً حافظين كاتبين كما في الآية 11 من سورة الانفطار : «إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ»، وكما يكون العلم بالحس والعقل يكون بالوحي، والشرط فيه أن لا يضاد العقل فيما يخير عنه، لا أن يستقل العقل بإدراكه وإلا كان الوحي لغواً وعبثاً.. والعقل لا يستوعب كل شيء، بل يعجز عن إدراك الكثير من الحقائق. والله سبحانه مصدر الوجود والعلم والحياة، وقد أخبر عن الحافظين الكاتبين من ملائكته، والعقل لا يأبى ولا يعترض، فوجب التصديق.

201 - (وَقَدْ قَالَ لَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ نُبَايِعُكَ عَلى أَنا شُرَكَاؤُكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ) فَقَالَ : لَا، وَلَكِنَّكُما شَرِيكَانِ فِي الْقُوَّةِ والاستعانة، وَعَوْنَانِ عَلَى الْعَجْزِ وَالْأَوْدِ.

• الأود : الثقل. طلب طلحة والزبير من الإمام أن تقوم خلافة المسلمين على ثلاثة أقانيم : الإمام وهما !.. وطبيعي أن يرفض الإمام لأن ذلك بدعة في الإسلام، وداعية للفساد في الأرض. وفي كتاب «الأحكام السلطانية»، «لا يجوز عقد الإمامة لاثنين» وفي «أصول الكافي» : «لا يكون في الأرض إمامان إلا واحدهما صامت» : وقال لهما الإمام : أستعين بكما على إحقاق الحق، والعمل لمصلحة الإسلام والمسلمين، وان عجزت عن القيام بواجب الخلافة كنتما لي رفداً وعوناً، فأبيا إلا السلطان. وتقدم ذلك مفصلاً في الخطبة 203.

202 - أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ، وَإِنَّ أَظْمرْتُمْ عَلِمَ. وَبَادِرُوا المَوْتَ الَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ أَدْرَكَكُمْ، وَإِنْ أقمتُمْ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ.

• (وان أضمرتم علم) لأنه سميع عليم (وبادروا الموت) استعدوا له بالتقوى والعمل الصالح (إن هر تم منه أدرككم) وان كنم في بروج مشيدة (وان نسيتموه ذكر كم) لأنه لا ينسى أحداً.

203 - لَا يُزَهْدَنكَ في المَعْرُوفِ مَنْ لَا يَشْكُرُ لَكَ، فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَسْتَمْتِعُ مِنْهُ، وَقَدْ تُدْرِكُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ أَكثَرَ يَبّما أَضَاعَ الْكَافِرُ، وَاللهُ يُحِبُّ المحسنين.

• المراد بالكافر هنا ناكر الجميل والمعروف الذي أسدي اليه، وبالشاكر من يستحسن الحسن لذاته حتى ولو صدر من عدوه، والمعنى: إصنع المعروف لأنه

معروف أو طلباً لمرضاة الله، وان أبيت إلا أن تتقاضى عليه مدحاً وثناء فإنك واجد لساقاً من الطيبين يشكرك ويذكرك حتى ولو كفر بنعمتك وفضلك من أنعمت عليه وتفضلت

204 - كُلُّ وعَاء يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وَعَاءَ العِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ.

• وعاء العلم : العقل، وهو يقوى وتتسع آفاقه بالعلم، وكلما اكتشف سراً بدت له من خلاله أسرار، وهذه بدورها تتكشف عن حقائق وأسرار.. وهكذا دواليك الى ما لا نهاية. وعلينا أن لا ننسى ان العلم الذي ينتهي بنا الى الكشف والاختراع هو المقرون بالتجربة والعمل، وليس «القول المؤلف من قضايا يلزمه لذاته قول آخر»، لأن القول لفظ وحروف، والعلم عمل، ولا علم بلا عمل أو ما يمهد له ويفتح الأسماع والأبصار والأفئدة نحوه، وسبحان الذي قال : «اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ - 105 التوبة». ولم يقل تكلموا فسيسمع الله كلامكم.

205 - أَوَّلُ عِوَض الحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ.

• إذا تجرأ سفيه عليك، وأعرضت عنه كان الناس أنصاراً وظهيراً لك عليه وفي الحديث : من لا يصبر على سفهاء الخلق لا يصل الى رضا الخالق. وسبق الكلام عن الحلم في الحكمة 112. ويأتي أيضاً.

206 - إن لَم تَكُن حَلِيماً فَتَحَلَّمْ فَإِنَّهُ قَلْ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إلا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ

• التصنع هنا والتكلف حسن وممدوح. ومع التكرار تنشأ العادة وتنمو، وهي طبيعة ثانية.

207 - مَنْ حَاسَبَ نفسَهُ ربح، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، وَمَنْ خَافَ أَمِنَ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ، وَمَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ، وَمَنْ فهم عليم.

• من لا يثق بنفسه ولا يطلق لها العنان، ويضع قاعدة لميولها ورغباتها حتى إذا غفلت أو شدّت لامها وأنبها، من فعل هذا نجح وريح، ما في ذلك ريب، ومن أطلق لها العنان فماله الى الوبال والخسران (ومن خاف أمن) من صدق يقينه بالله خاف منه، ومن خاف منه عمل بطاعته وطاعة رسوله : «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا - 71 الأحزاب».

(ومن اعتبر أبصر) من انتفع بالعبر والعظات أدرك العواقب (ومن أبصر فهم الخ).. من كان له وعي وفهم، وسمع من الأستاذ وفكر فيما سمع وقرأ استطاع أن يميز بين الخطأ والصواب، وأن يؤيد ويفند على أساس من المنطق، وله كل الحق في أن يرفض ما لا يقتنع به حتى ولو كان بأسلوب أدبي أو فلسفي، اما من يحفظ الأرقام والمعادلات عن ظهر قلب بلا فهم وعلم فهو بالاسطوانة أشبه. وقديماً قيل : العلم بلا تفكير أكثر خطورة من التفكير بلا علم.

208 - لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا. وَتَلَا عَقِيبَ ذَلِكَ، «وَنُريدُ أَنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئمةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ».

• تعطف : تميل وتلين، والشموس والشماس : النفور والتمرد، والضروس : الناقة تعض حالبها.. يقول الإمام : تنكرت الدنيا لأهل البيت، ولكنها ستقبل عليهم ولو بعد حين.. وما أشار الإمام من قريب أو بعيد الى نوع هذا الإقبال : هل هو الحكم والسلطان كما فهم الشارحون، أو شيء آخر كما فهمنا نحسن ؟

ويتلخص ما فهمناه بأن دولة الأمويين والعباسيين ستنكل وتفعل فعلها بأهل البيت، تزول وتهدأ الحال، وعندئذ يعلن الحب والولاء لأهل البيت، وينتشر مع علومهم وفضائلهم في شرق الأرض وغربها.. وليس من شك ان هذه الرفعة والوجاهة في الحياة الدنيا هي من أفضل النعم وأكملها، وقد من بها سبحانه على سيد المرسلين بقوله : «ورفعنا لك ذكرك - 4 الإنشراح». وقال : جلت كلمته، عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وجيهاً في الدنيا والآخرة - 45 آل عمران».

209 - اتقوا الله اتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ ثَمَرَ تَجريداً، وَجَدٌ تَسْمِيراً، وَكَمَّشَ فِي مَهَلٍ، وَبَادَرَ عَنْ وَجَلٍ، وَنَظَرَ فِي كَرَّةِ المَوْثِلِ وعَاقِبَةِ المَصْدَرِ وَمَغَبَّةِ المرجع.

• (من شمر) كناية عن الجد والإسراع الى مغفرة الله ورضوانه (تجريداً) أي تجر دوا للحق وحده (وجد تشميراً) عطف تفسير (وكمش في مهل) بالغ في السير الى صالح الأعمال في مهلة العمر ومدته (وبادر عن وجل) ذهب الى ربه خائفاً من عذابه برغم جده واجتهاده في طلب مرضاته (ونظر في كرة الموئل) وهو المقر الأخير، أما الكرة فالذهاب الى هذا المقر، والنظرة العمل له (وعاقبة المصدر) والمراد بالمصدر هنا العمل الصادر عن المتقي، وعاقبته الأجر والثواب (ومغبة المرجع) وهو المقر الأخير، ومغبته ما يناله جزاء على عمله.

210 - الْجُودُ حَارِسُ الْأَعْرَاضِ. والحِلْمُ فِدَامُ السَّفِيهِ. وَالعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ. وَالسُّلُوُّ عِوَضُكَ ممَّنْ غَدَرَ. وَالِاسْتَشَارَةُ عَيْنُ الْهِدَايَةِ. وَقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنى بِرَأْيِهِ. وَالصَّبْرُ يُنَاضِلُ الْحِدْثَانَ. وَالْجَزَعُ. مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ. وَأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ المَنَى. وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ

أسير تحتَ هَوى أَمِيرِ، وَمِنَ التَّوْفِيقِ حِفْظُ التَّجْرِبَةِ. وَالمَوَدَّةُ قَرَابَةُ مُسْتَفَادَه. وَلَا تَأْمَنَنَّ مَلُولاً.

• (الجود حارس الأعراض) من جاد بماله على الناس كف ألسنتهم عن ذمه ويكفي أن لا يصدق وينطبق عليه ما قيل في ذم البخيل في كتاب الله تعالى، وعلى لسان المرسلين والناس من الأولين والآخرين (والحلم فدام السفيه) القدام - بكسر الفاء - ما يُسد به الفم، ومن حلم عن السفيه فقد لجم فاه عما هو أدهى وأمر. وفي بعض النسخ العلم بدل الحلم، وهو خطأ (والعفو زكاة الظفر). ومثله في الحكمة 10 «اذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه»، ومنذ قليل تكلمنا عن العفو في الحكمة 193 (والسلو عوضك ممن غدر) تجاهل من خان أو غدر بك، واجعل السلو عنه جزاء خيانته وغدره، ولا تزعج قلبك بالتفكير في أمره وشأنه.

(والاستشارة عين الهداية) لأنها مشاركة الرجال في عقولها عقولها، كما قال في الحكمة 160 (والصبر يناضل الخدثان) بكسر الحاء أي نوائب الدهر، ولا داء لها إلا التجلد والتعقل، أما الجزع فيزيدها أضعافاً أما الجزع فيزيدها أضعافاً، وسبق الكلام عن ذلك في شرح الحكمة 188 (وأشرف الغنى ترك المنى) تقدم بالحرف الواحد في الحكمة 34.

(وكم من عقل أسير تحت هوى أمير). أمير صفة الهوى. والمفروض - بحسب الأصول - أن يكون العقل هو أن يكون العقل هو الحاكم الآن الحاكم الآسر، والهوى هو المحكوم الأسير، ولكن الآية على العكس في أكثر الناس، عقولهم أسرى لأهوائهم وأغرب ما قرأت في هذا الباب القصة التالية :

قال ابن خلكان في «وفيات الأعيان» ترجمة القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة : إن هارون الرشيد أحب جارية عيسى بن جعفر، فسأله هبتها له أو بيعها فأبى، وقال : حلفت بالطلاق والعتاق وصدقة جميع ما أملك ان بعتها أو وهبتها، فطلب الرشيد من أبي يوسف أن يوجد له حلاً شرعياً لهذه المعضلة. فقال أبو يوسف لعيسى : هبه نصفها وبعه نصفها، ولا حنث في ذلك، لأنك ما بعتها كلها ولا وهبتها كلها.

ففعل عيسى، وحملت الجارية الى الرشيد، وهو في مجلسه، فقال الرشيد لأبي يوسف بقيت واحدة. قال : وما هي ؟ قال : هي جارية ولا بد أن تستبرى بحيضة، واذا لم أبت معها ليلي هذا خرجت نفسي. قال أبو يوسف : أعتقها فتصبح حرة، واعقد عليها بعد العتق فإن الحرة لا تستبرىء، فأعتقها الرشيد، وعقد له عليها أبو يوسف، وقبض مئتي ألف.. كل ذلك حدث في ساعة واحدة، وقبل وقبل أن يقوم الرشيد من مكانه !.

وهكذا مشايخ الرياء وقلانس السوء يكيفون الدين طبقاً لأهواء من يدفع الثمن.

(ومن التوفيق حفظ التجربة) من توفيق الله وعنايته بالانسان أن ينجح في تجاربه لاكتشاف الحقيقة التي ينتفع الناس بثمارها مدى الأجيال، كالطبيب يكتشف عقاراً سحرياً للقضاء على جرثومة الداء وأسبابه، والعالم يخترع والعالم يخترع آلة تقرب البعيد وتيسر العسير.. ولا أشك ان هؤلاء من أحباء الله وأهل جهاده.. كيف وقد أجروا ألوف التجارب، وبذلوا الكثير الكثير من أرواحهم وأجسامهم ليعطوا عباد الله وعياله ما ينتفعون به ويسعدون ؟ ونصر الله سبحانه ونشر ديناً قال نبيه : خير الناس أنفع الناس للناس.

(والمودة قرابة مستفادة) القرابة مأخوذة من القرب، وهذا القرب يكون طبيعياً كالنسب، ومكتسباً كالصداقة، وهي برغم ذلك أقوى من النسب والرحم، وأية جدوى في قرابة من غير مودة ؟ وهل تحلو الحياة بلا صداقة ؟ وهل من شيء أجمل من الاخلاص والوفاء، والهمس والانفتاح ؟ (ولا تأمنن ملولاً) لأن الملل آفة الحياة لا الصداقة فقط، فالملول لا يستقر على حال من القلق، يُشرق يغرب، ويفعل ويترك، ويقترب ويبتعد بلا سبب موجب.

211 - عُجْبُ الْمَرْهُ بِنَفْسِهِ أَحَدٌ حَسَّادِ عَقْلِهِ.

• ألد أعدائك على الإطلاق هو الذي يحسدك على أي خير تصيبه، ويسعى جاهداً ليحول بينك وبينه.. والعجب يشل العقل، ويحول بينه وبين تهذيب النفس وهدايتها الى الخير والكمال، ومن هنا كان شأنه كشأن الحاسد مع المحسود..

وربما أخطأ سهم الحاسد، أما سهم العجب فلا يخطىء العقل أبداً. وفي هذا التشبيه دقة وعمق، ولا عجب.

212 - أغضِ عَلَى الْقَذَى وَالْأَلم تَرْضَ أَبَداً.

• مصائب الدنيا بلا نهاية، وسهامها متتابعة متوالية.. فإن استعظمت كل شيء من آلامها، وأقمت العزاء، ولبست الحداد لكل ألم ومصاب - قضيت العمر في حسرة وكآبة، وعشت مدى الحياة قرين الهموم والأحزان. وإن تمالكت وتجاهلت وصرت على ما لا بد منه، تماماً كما لو كان الصبر سجية فيك - هان الأمر عليك، وعشت مدى الحياة راضياً ساكناً.

213 - مَنْ لَانَ عُودُهُ كَثفَتْ أَعْصَانَهُ.

• الشجرة الغضة اللينة تكثر أغصانها وأوراقها.. وهكذا من لان جانبه تكثر أصحابه والراغبون فيه. قال سبحانه : «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ - 159 آل عمران».

214 - الخِلافُ يَهْدِمُ الرَّأْي.

• لو يهدم الرأي وكفى لهان الخطب بعض الشيء، ولكن الخلاف يهدم كيان الأمة، ويطمع فيها كل راغب وغاصب... مئة مليون عربي أو أكثر لا يغنون غناء عصفور !. والسر خلاف الزعماء والقادة، وسر خلافهم شهوة الحكم، ولذة السلطان يشترونه من عدو الله والإنسانية بالعمالة والخيانة !.. ولا بد لليل أن ينقضي ولا بد للشعب أن ينتصر.

2150 - مَنْ قَالَ أَسْتَطَالَ.

• قال ابن أبي الحديد : «يجوز أن يريد من أثرى تسلط على الناس، ويجوز أن يريد ارتفع بجوده». والتفسير الأول يلتقي مع قول من قال : ان أصحاب الأموال يجعلون من الدولة خادماً أميناً لمصالحهم، وإلا بذلوا الأموال لحربها وزوالها.. وقد تنبه لذلك الفقيه الشعراني - توفي سنة 973 هـ - حيث قال في ميزانه، باب زكاة المعدن : «للإمام أن يضع على أصحاب المعدن ما يراه خوفاً أن يكثر مالهم فيطلبوا السلطة وينفقوا على العساكر، وبذلك الفساد».

216 - في تقَلبِ الْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ.

• إذا أردت أن تعرف أي إنسان على حقيقته فانظر اليه في جميع أطواره وأدواره، راقبه عند غضبه ورضاه، وفقره وغناه، وأيام الفتن والفوضى، وموقفه من المستضعفين الذين لا عم لهم ولا خال إلا الحق والعدل.. وان كثيراً وان كثيراً من الذين عرفوا بالصلاح أصبحوا لصوصاً مجرمين حيث سنحت الفرص وأمنوا الضرر، وبعض المعروفين بسوء الأخلاق صاروا قدوة الصالحين بعد أن تحسنت أوضاعهم وأمنوا من الفقر والجور.

217 - حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ الْمَوَدَّةِ.

• الحسود يكره النعمة على خلق الله ويحب زوالها عنهم، ويشمت بالمصيبة، ويذيع الهفوات، ويختلق الزلات، والصديق يحب لصديقه ما يحب لنفسه أو أكثر، وإذن فلا سبيل للجمع بين الحسد والصداقة، وتجتمع مع الغبطة. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «المؤمن يغبط ولا تحسد، والمنافق محسد ولا يغبط» والغبطة أن لا تكره وجود النعمة على غيرك، ولكن تشتهي مثلها لنفسك، وقد تنافس صاحبها في الجد والعمل لتلحق

به، والمنافسة في الخير خير، قال سبحانه : «خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ - 26 المطففين».

218 - أکثرُ مَصَارِع الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ المَطَامِع.

• الطمع داء لا دواء له، ونهم لا يشبعه شيء حتى الكون بأرضه وسمائه، ولو ملكه الطامع لتمنى له مثيلاً، وللمثيل أمثالاً، كجهنم إذ تقول هل من مزيد. وتقدم الكلام عن ذلك في الحكمة 179 «الطمع رق مؤبد» لا يتحرر الطامع من أسره إلا بالموت.

219 - لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ الْقَضَاءُ عَلَى الثَّقَةِ بِالظَّن.

• إذا كنت على يقين من أمانة أمين، ثم لاح لك ما يوجب الشك أو الظن بأمانته فليس من الإنصاف ولا العلم أن تنقض اليقين القوي وتزيله بمجرد الشك أو الظن، بل بيقين مثله. واتفق العقل والشرع والفقهاء والعقلاء على ان الشيء اذ ثبت ثبوتاً يقينياً يبقى مستمراً حتى يثبت انقطاعه وزواله ثبوتاً يقينياً تماماً كوجوده. وأبلغ ما جاء في هذا الباب قول الإمام جعفر الصادق : لا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكن ينقض، ولكن ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين، فيبنى عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات .

220 - بِئْسَ الزَّادُ إلَى المَعَادِ العُدْوَانُ عَلى العِبَادِ.

• كل الذنوب يُرجى أن يغفرها الله إلا الظلم والشرك حتى الشرك، يغفر بالتوبة، أما الظلم فلا غفران له وإن تاب الظالم وندم إلا اذا رضي المظلوم وسامح.. ولفظاعة الظلم كان لتركه عند الله أثر ليس لسواه من ترك أي محرم من المحرمات،

فقد ثبت بالنص عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «إن من أصبح وهو لا يهم بظلم أحد غفر الله له ما اجترم». (أنظر شرح الحكمة 185).

221 - مِنْ أَشرَفِ أَعْمَالِ الكَرِيم غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ.

• للكريم حسنات، منها التواضع لمن هو دونه، والحلم عن السفيه، وأفضلها تجاهل عيوب الناس التي يجوز تجاهلها، والترفع عن ذكرها ونشرها

222 - مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاء ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ.

• الحياء من فعل ما يشين - فضيلة تشفع عند الناس لبعض الرذائل، أما الحياء من فعل ما يزين كالسؤال عن أمور الدين، والعيش بكد اليمين -، فهو مذموم وإن استحسنه أهل الجهل، وتقدم الكلام عن الحياء مرات، منها في شرح الحكمة 20

223 - بِكَثرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الهيبة، وبالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ المَوَاصِلُونَ، وَبِالْأَفضَالِ تَعْظُمُ الْأَقْدَارُ، وَبِالتَّواضع تتم النِّعْمَةُ، وَبِاحْتِمَالِ الْمُؤنِ يَحِبُّ السُّؤدَدُ، وَبِالسِّيرَةِ العَادِلةِ يُقهر الْمُنَاوِىء، وَبِالحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ تَكْثُرُ الْانصَارُ عَلَيْهِ.

• إذا جمعتك الصدف من تجهل حقيقته وكفاءته فإنك تحتاط وتتحفظ في حديثك أمامه ما دام ساكتاً خشية أن يكون من أهل الوعي والمعرفة فينتقد ويلاحظ.. حتى يتكلم فتعامله بما هو أهل. هذا مراد الإمام من الهيبة هنا، وقد تكون الهيبة بالكلام، كما لو كان المتكلم عالماً عاقلاً. ويأتي قول الإمام : تكلموا

تعرفوا (وبالنصفة يكثر المواصلون) النصفة أن لا تبخس الناس أشياءهم، ولا تنسب جريمة البريء، وان توجب لكل إنسان ما أوجبه لك. ومن كان هذا شأنه كثر اخوانه.

(وبالأفضال تعظم الأقدار) ومثله من جاد ساد، ولا ينحصر الجود والفضل يبذل المال، فكل عون يخفف الهموم والأثقال عن الناس فهو فضل وإحسان (وبالتواضع تتم النعمة) المراد بالتواضع هنا الانقياد للحق والعمل به، وهو أعلى أنواع الشكر لله، ومن شكر زاده الله من فضله (وباحتمال المؤن يجب السؤدد) من حمل عن الناس أثقالهم حملوه على رؤوسهم، ورأوه أهلاً للسيادة والقيادة أياً كان دينه ولونه ونسبه والذي لا ينتفع به الناس ينظرون اليه كأي كائن لا ينتج ويثمر، وإن ملأ الدنيا علماً وفهماً، وتسنم العروش والكراسي.. واذا قابلوه بالاحترام فبدافع العادة أو الرياء طمعاً أو خوفاً، لا بدافع الصدق والحب.

(وبالسيرة العادلة يقهر المناوى) لا سلاح أقوى وأمضى في حرب العدو من حسن السيرة واكتساب الفضائل (وبالحلم عن السفيه تكثر الأنصار عليه) تقدم شرحه منذ قليل في الحكمة 205 «أول عوض الحليم من حلمه ان الناس أنصاره على الجاهل»، أي السفيه.

224 - الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْحُسَادِ عَنْ سَلَامَةِ الْأَجْسَادِ.

• يتحاسد الناس على المال دون الصحة، وليس هذا بعجيب وغريب ما دامت الصحة متوفرة للكثرة، بل للأكثرية على عكس المال، وانما تعجب الإمام من أمر الصحيح السليم، كيف يحسد الغني على نعمة المال، وينسى نعمة الصحة عليه انها أثمن وأعز من المال، وبه يُضحى من أجلها، والغني المريض يغبط الفقير على صحته، ولو خير بين الصحة مع الفقر وبين الغنى مع المرض لأثر الصحة على الدنيا بكاملها.

225 - الطَّامِعُ فِي وَثَاقِ الذَّلِّ.

• ومثله في الحكمة 179 نالطمع رق مؤبد»، وسبق الشرح مفصلا، وأيضاً تكلمنا عن الطمع منذ قليل في الحكمة 218.

236 - الإيمانُ مَعْرِفَةُ بِالْقَلْبِ وَإِقْرَارُ بِاللَّسَانِ وَعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ.

الاسلام في اللغة الانقياد، ومنه قوله تعالى : «وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا - 83 آل عمران». وأيضاً يطلق على الاخلاص كقوله عز من قائل : «أسلمت لله وجهي - 20 آل عمران». والاسلام في اصطلاح الفقهاء أي الذي تحقن معه الدماء، وتثبت معه المواريث والمناكحات وما اليها هو شهادة أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله

أما الاسلام واقعاً وعند الله يوم يقوم الحساب فهو الذي يكون معه هذا الايمان الذي هو (معرفة بالقلب) والمراد بالمعرفة هنا الاعتقاد الجازم المطابق للواقع سواء أكان عن علم أم عن تقليد، لقوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا - 4 الأنفال» فالمطلوب من المؤمن الحق هو الخشوع لذكر الله، والتوكل عليه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وكفى، فإن كان هذا عن علم وبرهان فبها ونعمت وإلا تقبل بسبحانه من المتقين لأن العلم وسيلة لا غاية.

(وإقرار باللسان) لا بد من إظهار الايمان بالقول تماماً كالعمل، لأنه عبادة لله، ولكي يعرف المؤمن ويُعامل بما له من الحق (وعمل بالأركان) أي لا بد أن يتجسم الايمان بالعمل المحسوس، وكل عمل ثبت حكمه بضرورة الدين فهو ركن للإيمان كوجوب الجهاد والصوم والصلاة والحج والزكاة. وسبق الكلام عن الاسلام والايمان في العديد من المناسبات. (أنظر شرح الحكمة 30).

227 - مَنْ أَصْبَحَ عَلى الدُّنْيَا حَزيناً فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللهِ سَاخطاً. ومَنْ أَصْبَحَ يَشكُو مُصِيبَةٌ تَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ. وَمَنْ أَتَى غَنِيًّا فَتَوَاضَعَ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ. وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَهُوَ لِمَنْ كَانَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اللهِ هُزُوا. وَمَنْ لَهجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا التَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلَاثِ : هَمَّ لَا يُغبّهُ، وَحِرْصٍ لَا يَتْرُكُهُ، وَأَمَلٍ لَا يُدْرِكُهُ.

• (من أصبح على الدنيا الخ).. أي على فواتها، والمعنى ان من جعل الدنيا كل همه و اهتمامه فلا يسره شيء إلا ما يناله منها، ولا يحزنه شيء إلا ما يفوته من حطامها، ومعنى هذا في واقعه انه لا يرضى عن الله إلا بأجر الدنيا يقبضه سلفا فصدق عليه قوله تعالى : «فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ - 58 التوبة : (ومن أصبح يشكو الخ).. من من تحدث عن مصابه لمجرد التنفيس عن قلبه وكفى فلا إثم عليه، ومن تحدث عنه كناقم على ما حل به فهو آثم لأنه يشكو ويتظلم منه تعالى علواً كبيراً. ويأتي قول الإمام : «من شكا الحاجة الى المؤمن فكأنما شكا الى الله، ومن شكاها الى كافر فكأنما شكا الله».

(ومن قرأ القرآن فمات فدخل النار الخ).. فهو لا شك واحد من الذين قرأوه للتسول به، أو للطرب والتغني، أو للهزء والسخرية، لأن القرآن لغة العقل يؤمن به وينقاد له، ونداء القلب يخشع له ويطمئن، ونجوى الضمير ينطق عنه ويُعبر، فمن قرأه جاداً لا هازلاً، ومتدبراً لا عابثاً أثر فيه أثره، ودفع به الى طاعة الله ومرضاته، وابتعد به عن غضبه وعذابه.

(ومن لهج قلبه يحب الدنيا الخ).. التاط التاط : التصق، ولا يغبه : لا يفارقه من باب «زر غبا» والمعنى من جعل الدنيا كل همه واهتمامه تراكمت عليه مصائبها ومشكلاتها، وعاش في حزن دائم على ما فات، وشغل شاغل في الحرص على

ما نال، وأمل خادع كاذب دونه ألف حجاب. وبعد، فإن لحديث الدنيا عند الإمام شجوناً وفنوناً.

228 - كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكا، وَبِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيماً.

• الغرض من الملك اطمئنان النفس، وضمان القوت، والغنى عن الآخرين : والقناعة تكفل هذا الغرض وتحققه، وأيضاً تقود صاحبها الى الرضا بما أعطى الله والتوكل عليه في كل عمل وفيما لم يعط، والصبر على ما حدث ويحدث من المفاجآت والمخبات، أما حسن الخلق فهو نعيم في الدنيا لأنه كمال وجمال، ونعيم في الآخرة لأنه الوسيلة لمرضاة الله وثوابه.

229 - شارِكُوا الَّذِي قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ فَإِنَّهُ أَخَلَقَ الْغِنَى وَأَجْدَرُ بِاقْبَالِ الْحَظِّ عَلَيْهِ.

• ليس هذا أمراً شرعياً أو عقلياً يجب امتثاله واتباعه مثل«اتقوا الله» أو يستحب مثل «تصدقوا ولو بشق تمرة» ولا هو حكاية وانعكاس عن الواقع مثل لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً،.. كلا، وإنما هو مجرد نصيحة لا مصدر لها سوى الظن مثل «الرفيق قبل الطريق» مخافة أن تضل عنه أو تفاجأ بما تكره ولا من يعين. والمراد بالحظ التوفيق من الله سبحانه بتمهيد الطريق والهداية اليه بسبب أو بآخر.

وطريف قول بعض الشارحين : «نبه الإمام في هذه الحكمة العالية الى أصل اقتصادي كبير قد جعلته الأمم الراقية والشعوب المتقدمة في هذا العصر المشرق بالعلم والازدهار - أساساً لحياتها وبناء مجتمعاتها».

ومكان الإمام من العلم في غنى عن هذا التفلسف والتكلف الذي يشبه قول من قال : لقد سن الإسلام قانون البحار في الآية 12 من سورة فاطر : «وما

يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا».

230 - : «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» : الْعَدْلُ الْأَنْصَافُ، والإحسان التفضُلُ.

• هذا تفسير لقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى - 90 النحل». والعدل أن تنصف الناس من نفسك وتعاملهم بما تحب أن يعاملوك به، والإحسان السخاء بما ينفع الناس مالاً كان أم عملاً أم كتاباً وخطاباً.

وجاء في التفاسير أن الصحابي الجليل عثمان بن مظعون قال : أسلمت أول ما أسلمت استحياء من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وما قر الإسلام في قلبي حتى نزلت هذه الآية فآمنت بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأتيت عمه أبا طالب فأخبرته، فقال : يا آل قريش اتبعوا محمداً ترشدوا، فإنه لا يأمر إلا بمكارم الأخلاق.

231 - مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ القَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْبَدِ الطَّوِيلَةِ.

• المراد باليد القصيرة هنا عمل الإنسان وجهاده، وليس المراد بعطائه الصدقة على المعوزين وكفى، كما فهم الشريف الرضي ومن جاء بعده من الشارحين، بل المراد التضحية بالنفس والنفيس لنصرة الحق والعدل، وإزهاق الجور والباطل، أما اليد الطويلة فهي كناية عن عطاء الله سبحانه الذي وصفه بقوله : «عطاء غير مجدود - 108 هود». أي غير مقطوع. وقد أوضح، عظمت كلمته، نوع الأعمال التي يثيب العباد عليها بعطاء طويل غير مجذوذ، أوضحه وبينه بقوله : «وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ - 12 الصف».

232 - وَقَالَ لِابْنِهِ الْحَسَنِ (عَلَيْهِما السلام) : لَا تَدْعُونَ إِلَى مُبَارَزَةٍ وَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ فَإِنَّ الدَّاعِيَ بَاغِ وَالْبَاغِي مضروع.

• هذا هو دين الإسلام، وهذه شريعته : الحرب بغي وعدوان، ومن أثارها و مهد لها ولأسبابها فهو عدو الله والحياة، وحرب على الله والحق والخير !.. ومن صارع الحق صرعه ولو بعد حين «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - 21 يوسف».

وقال ابن أبي الحديد : «ما سمعنا ان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) دعا الى مبارزة قط، وإنما كان يدعى اليها باسمه، أو توجه الدعوة على وجه العموم له ولغيره كقول عمرو بن ود : هل من مبارز ؟ فبرز اليه الإمام وأرداه قتيلاً. ثم نقل ابن أبي الحديد قصة مبارزة الإمام لابن ود عن مغازي الواقدي وسيرة ابن إسحق ونقل صاحب «فضائل الخمسة من الصحاح الستة» عن مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري ج 3 ص 32 طبعة سنة 1324 هـ بحيدر آباد وعن تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 13 ص 19 طبعة سنة 1349 هـ بمصر، نقل أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «ان مبارزة علي لعمرو بن ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي الى يوم القيامة».

233 - خيَارُ خِصَالَ النِّسَاء شِرَارُ خِصال الرّجال : الزَّهرُ وَالجبْنُ وَالْبُخْلُ فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوةٌ لَم تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا وَإِذَا كَانَتْ بخيلة حفظَتْ مَالها وقالَ بَعْلها. وإذا كانت جَبَانَةٌ فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا.

• أحسن ما في المرأة عفتها، وتدبير منزلها، ومشاركتها الرجل في آلامه

والتعاون معه على زمانه.. والزهو الذي يقبح في الرجال والزهو الذي يقبح في الرجال ويذم هو ممدوح وحسن النساء، لأنه حصن لعفافها كما قال الإمام وبه أوصى القرآن الكريم في الآية 32 من سورة الأحزاب «فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ» ومثله الجبن، فإنه يردع الجبان والجبانة عما يجهلان من العواقب، أما بخل المرأة فهو كرم وسخاء على الزوج والأولاد. وكان أستاذنا طيب الله ثراه وأرضاه يقول : تستطيع المرأة الفقيرة التي لا تملك شيئاً من المال أن تعين الزوج بمالها.. قلنا له : كيف يا أستاذ ؟ وأنى لفاقد الشيء أن يعطيه ؟ قال : تصبر ولا تضايقه بكثرة الطلب، وتحرص على القليل وتشح به إلا لضرورة. ومن كفاك فقد أغناك.

234 – (وَقِيلَ لَهُ : صِف لَنَا العَاقِلَ) فَقَالَ : هُوَ الَّذِي يَضَعُ الشَّيْء مَوَاضِعَهُ (فَقِيلَ فَصِف لَنَا الْجَاهِلَ فَقَالَ) : قَدْ فَعَلْتُ (يَعْنِي أَنَّ الْجَاهِلَ هُوَ الَّذِي لاَ يَضَعُ الشَّيْء مَوَاضِعَهُ فَكَأَن تَرَكَ صِفَتِهِ صِفَةٌ لَهُ إِذْ كَانَ بِخِلَافِ وَصْفِ الْعَاقِلِ).

• ان تحديد أحد الضدين اللذين لا ثالث لهما كالعلم والجهل والليل والنهار هو تحديد للآخر بالمفهوم لا بالمنطوق، ويسميه علماء أصول الفقه بمفهوم المخالفة، وعرفوه بدلالة اللفظ على مخالفة حكم المسكوت عنه لحكم المنطوق به مثل «إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ - 173 البقرة» فالمنطوق به هنا تحريم ما ذبح على غير اسم الله، والمسكوت عنه تحليل ما ذبح على اسم الله، ولكن دل عليه اللفظ مفهوماً لا منطوقاً..

أما مفهوم الموافقة فهو دلالة اللفظ على موافقة الحكم المسكوت عنه لحكم المنطوق به بطريق أولى مثل «فلا تقل لهما أف»، فإنه يدل على تحريم الضرب بالمفهوم، وهو موافق لحكم المنطوق، ومن هنا سمي هذا بمفهوم الموافقة، وذاك بمفهوم المخالفة.

235 - وَاللهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يد مجذوم.

• قيل في معنى العراق : انه عظم بلا لحم، وقيل : هو الكرش.. ومن الذي يأكل كرش الخنزير أو عظمه من يد مشوهة بالجذام ؟ وهل في الكون كله أبشع وأشنع من هذا الطعام واليد التي تحمله ؟.. هذه هي الدنيا في نظر علي قولاً وفعلاً، وعاطفة وعقلاً، وهذا هو واقعها، وإن تحلت بالذهب، ورفلت بالديباج، وتعطرت بالعنبر، وتعطرت بالعنبر.. واذا خدعت واذا خدعت بها أنا وغيري من طلابها وكلابها فهل يخدع بها العقل السليم الذي خاطبه خالق الكون وخالقه : «ما خلقت خلقاً أحب إلي منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب» وعلي هو الذي قال عنه من لا ينطق إلا بالوحي : «يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» نقل هذا الحديث أصحاب الصحاح والسنن (أنظر كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 الباب 96 من المقصد الثاني).

236 - إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبادَهُ التجارِ، وَإن قَوْمًا عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةٌ فِتِلْكَ عِبَادَةُ العَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْرًا فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ

• لكل شيء داعية وسبب، والسبب الذي يدفع الانسان لعبادة الله لا بد أن يكون واحداً من ثلاثة : الأول الخوف من العقاب تماماً كالعبد الأسير، ومع هذا يقبل الله من الخائف ويؤمنه ويزيده من فضله، لأنه مقرّ بالله ووحدانيته وبحسابه وعقابه، وبرسله وكتبه. السبب الثاني : الطمع بالأجر والثواب تماماً كالذي يعاملك على أساس الربح، وأيضاً هذا مقبول ومأجور للغاية نفسها.

والسبب الثالث : الشكر لله على أفضاله وإنعامه، والتعظيم لكماله وتمامه بلا

قصد لدفع مضرة أو جلب مصلحة، بل لله وحده لا شريك له، وهذه هي العبادة الحقة الخالصة التي تنطق وتدل على مدى علم العابد ويقينه بالله.

علي والمرأة :

237 - المَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّها وَشَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهَا.

• قال قائل: ان عائشة حاربت علياً، لأنه أشار على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بتجاهلها واختيار غيرها في الإفك.. وأيضاً قال هذا القائل : ان رأي علي في المرأة جاء من خلال بغضه لعائشة لأنها حاربته !. وذهل هذا القائل عن موقف الإمام مع معاوية حين سقاه الماء بعد أن منعه منه، ومع ابن العاص الذي كشف عن سوأته، وعن سائر مواقفه التي تنطق بعصمة آرائه عن الأهواء والرغبات. وفي الخطبة 170 شبه اعتذار عن عائشة في خروجها حيث ألقى المسؤولية على طلحة وقال : «فخرجوا يجرون حرمة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما تجد الأمة عند شرائه.. وأبرزوا حبيس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لها ولغيرهما».

وتكلمنا عن ذلك مفصلاً في شرح الخطبة 78 اص ج 373 وأجبنا عن هذا ص القول بخمسة أجوبة، منها ان ما قاله الإمام عن المرأة أخذه عن النبي بشهادة ما جاء في صحيح البخاري الجزء الأول، كتاب الحيض، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، ونعطف على ما نقدم ان ما قاله النبي وعلي عن المرأة قاله كثيرون من الأدباء والفلاسفة من قبل ومن بعد فقد جاء في كتاب «كيف يحيا الإنسان» للفيلسوف الصيني «لين يوثانج» ان الأديب الانكليزي «أوسكار وايلد» ظل يقول : «لا يستطيع الرجل أن يعيش مع المرأة كما لا يستطيع أن يعيش بدونها». أليس هذا تعبير ثان عن قول الإمام : «المرأة شر كلها، وشر ما فيها انه لا بد منها» ؟

وأيضاً نقل صاحب كتاب «كيف يحيا الإنسان» قصة هندوكية - يرجع تاريخها الى أربعة آلاف عام، تعكس رأي الإمام تعكس رأي الإمام عن المرأة بكل وضوح، وهي: ان الله عندما خلق المرأة أخذ من الأزاهير جمالها، ومن الأمواج ضحكتها،

ومن قوس القزح ألوانه، ومن الطيور أغاريدها، ومن النسيم قبلاته، ومن الحمل وداعته، ومن الثعلب مكره، ومن زخاخ المطر تقلبه، ونسجها كلها في مخلوقة أنثى، وقدمها الى آدم لتكون زوجة له .

وسُر آدم بها، وما عاشرها اياماً حتى جاء الى ربه وقال له : ابعد عني هذه المرأة، فإني لا أستطيع العيش معها، فأخذها منه، ولكن آدم أحس بعدها بالوحشة والغربة، فعاد الى ربه وقال : اعطني حوائي فأنا لا أستطيع الحياة بدونها، فأعادها اليه.. ولم تمض ايام حتى عاد بها آدم الى ربه وقال : عجزت عن حملها ولا حاجة لي مها، خذها فأخذها عنه. ولكن عاد وطلبها بعد ايام، فقال الله له : اقسم بأن لا تغير فكرك من جديد، فأقسم ورضي نصيبه معها.

و معنى هذه القصة بطولها ان المرأة شر لا بد منه منذ آدم والى يوم يبعثون وأيضاً معنى هذا ان رأي الإمام في المرأة واحد من مئات.

238 - مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِي ضَيْعَ الْحُقُوق، وَمَنْ أَطَاعَ الوَاشِيَ ضيّع الصديق.

• تأخير المطلوب عن وقته المعين بلا عذر - تقصير وإهمال. والمقصر يستحق الذم والعقاب، لأنه فوت وضيع عن عمد.. والقضاء بعد الوقت لا يرفع المسؤولية اذا كان الوقت شرطاً في الواجب كالصوم والصلاة، ويرفعها أو يخفف من شأنها اذا كان الوقت ظرفاً للإهمال كالدين الى أجل. ومن وصايا ارسطو للاسكندر : اياك والتأخير لأمورك والتواني عنها وإلا تراكمت عليك، ثم لا تجد وقتاً لمباشرتها.

(ومن أطاع الواشي ضيع الصديق) المفروض في الصديق ان يدفع عن صديقه التهم وإن جهل مصدرها، وأن يتحمل الكثير من هفواته وزلاته، فكيف يستمع للساعي بالنميمة والوشاية ؟ واذا استمع منه وأطاع فقد وأطاع فقد هدم الصداقة من

الأساس ، وعمى الله في قوله : «وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ - 10 القلم».

239 - الحَجَرُ الغَصِيبُ فِي الدَّارِ رَهْنُ عَلَى خَرَابِهَا.

• من بنى أو اقتى أو أكل وشرب أو انتفع بأي شيء على حساب الآخرين - فمآله الخسران والوبال ولو بعد حين. وان سأل سائل : وهذه ناطحات السحاب بنيت من دماء الشعوب، وهي راسخة كالجبال ؟

قلنا في جوابه : ان بناة الناطحات سيتركونها الى قبر مظلم عفن، ويتركون معها الخلفائهم عليها ما أصاب هتلر وموسوليني، أو أية كارثة.. هذا، الى أن البناء الراسخ هو الضمير النظيف الذي يعيش بلا وخزات وأزمات.. وعلى أية حال فنحن من المؤمنين بقوله تعالى : «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ - 183 الأعراف».

240 - يَوْمُ المَظْلُومِ عَلى الظَّالِم أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلى المَظْلُوم.

• ما زال الحديث عن حجر الغصب، أو هما من باب واحد أبداً لا مفر للظالم من أخذه بظلمه أخذه بظلمه، إما بيد المظلوم وغيره من الثائرين على الظلم واما من ظالم مثله، وإما بيد الخالق، وهي أشد باساً، وأشد تنكيلاً. وتقدم الكلام عن ذلك مرات.

241 - اتَّقِ اللهَ بَعْضَ التقى وَإِنْ قَلَّ، وَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ ستراً وإن رقّ.

• لا تقطع الصلة بينك وبين الله كلية، وتظهر له العقوق والجفاء.. واهجر ما

نهاك عنه، وان غلبتك الظروف أو النفس الأمارة على بعض ما يكره سبحانه فاغلبها أنت على بعض ما يحب، فربما شملك العفو وكنت من الذين «خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ – 102 التوبة».

«ويصدق قول الإمام على عصرنا الذي كثرت فيه المغريات وإثارة الشهوات، ومن كان فيه على شيء من التقى والإيمان فهو يكفيه وينجيه ان شاء الله. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يأتي على الناس زمان الصابر على دينه مثل القابض بكفه على الجمر ..وفي حديث آخر : للعامل منهم بطاعة الله مثل أجر خمسين. فقال رجل من الصحابة : مثل أجر خمسين منا أو منهم ؟ قال : بل منكم».

242 - إِذَا أَزْدَحَمَ الْجَوَابُ خَفِي الصَّوَابُ.

• إذا سئلت عن أمر، وتصورت له العديد من الأجوبة - وقعت في حيرة بخاصة إذا كان للمسؤول عنه جهتان : احداهما للتحليل، والثانية للتحريم. وأيضاً تخفى الحقيقة إذا كثر المجيبون بأجوبة متضاربة.

243 - إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقًّا فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَصَّرَ عَنْهُ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ.

• إن الله سبحانه يحب من عبده أن يحدث له شكراً كلما أحدث له نعمة، وقد كتب سبحانه على نفسه الزيادة لمن شكر، ومن قصر عن شكر ما أُوتي فقد عرضه للخطر.. ومعنى شكر النعمة أن لا يغتر بها المنعم عليه ويطغى، وأن يحسن الإنفاق منها على نفسه وأهله، وإن بقيت بقية أغاث بها ملهوفاً، ونفس كربة عن بائس.

244 - إِذَا كَثُرَتِ الْمَقْدِرَةُ قَلْت الشَّهْوَةُ.

الشهرة : رغبة وأمنية ولهفة، ومن البداهة ان الانسان يتلهف على ما يعجز عن تحصيله وتناوله، أما القادر فيحقق ما يريد ساعة يشاء، ولا موجب للتلهف والتأسف.. ومن هذا الباب ما نراه حين ما يشاع أن سلعة من السلع كالسكر سيفقد من الأسواق، فيقبل الناس على شرائه، ويدخر منه القادر أضعاف ما يحتاج اليه لمجرد الوهم والخوف من العجز عن تحصيله، وكان سائر الأيام لا يعبأ به ويهتم، لأنه في متناول يده متى أراد.

245 - أحذَرُوا نِفَارَ النَّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ يَمَردُودٍ.

• الخطاب في احذروا للذين يملكون أسباب القوة والرخاء، وكل ما يملكه الانسان معرض للزوال مادياً كان أم معنوياً، وعلى من في يده شيء منه أن يكون على يقظة من ذلك، ولا يفرط ويقصر في أداء ما عليه من حق لله وللناس اذا أراد الاستمرار لما في بده من نعم.. وفي قصة آدم وهبوطه من الجنة الى الأرض بعد أن أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، في هذه القصة أبلغ العظات والعبر : «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا - 7الكهف». وكرر الإمام هذا المعنى بشتى الأساليب عسى أن نتذكر أو نخشى.

2 - الْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ الرَّحِم.

• من قضى حوائج المحتاجين أسر قلوبهم، وصاروا أطوع اليه من بنانه، وقديماً قيل : الإنسان عبد الإحسان، أما من يشفق ويتألم وكفى فإنه يعزي ولا يغني.. ويبادله صاحب الحاجة عاطفة بعاطفة، وكلاماً بكلام، ولا شيء وراء ذلك حتى ولو كان الشفوق قريباً أو صديقاً. وقال الشيخ محمد عبده في تعليقه على هذه الحكمة : هي من أعلى الكلام.

247 - مَنْ ظَنَّ بكَ خَيْراً فَصَدِّقَ ظَنَّهُ.

• من ظن انك منحط في أخلاقك ومعاملاتك - فكذب ظنه بالأفعال لا بالأقوال، وعندئذ يلوم نفسه ويعتذر اليك، ان كان من الطيبين، أما من يظن باث الخير وانك من أهل المروءات فصدق ظنه، واحرص على ثقته كل الحرص، أيضاً بالأفعال لا بالأقوال، فإن الثقة ثروة وقوة للتنفيذ والتأثير العميق السريع. وتقدم مثله بالحرف الواحد في الرسالة 30.

248 - أفضَلُ الأعمال ما أكرهت نَفْسَكَ عَلَيْهِ.

• المراد بالنفس هنا الرغبة والشهوة، وهي أقوى من كل سلطان يسيطر على النفس، وزمامها بيد الشيطان، ولا يقوى على مخالفتها إلا قوي عالم بالعواقب، وكلنا يعلم أن الأمور بعواقبها وخواتيمها، ومعنى هذا أن العمل بالدين والعقل أفضل وأكمل من العمل بالشهوات والأهواء. ويلتقي تفسيرنا هذا مع تفسير الشارحين بأن أفضل الأعمال أحمزها أي أشقها.

249 - عَرَفتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَحَلَّ الْعُقُودِ.

• المراد بالعقود هنا النوايا، وحلها فسخها، وعليه يكون عطفها على فسخ العزائم من باب عطف التفسير، ومثله نقض الهمم. وقال الشارحون : إن الانسان يعزم ويعقد قلبه على الشيء، ثم ينحل العزم دون أن يحدث جديد، ولا تفسير هذا إلا ان العزم بيد الله تعالى. وظاهر قول الإمام لا يأبى هذا التفسير، ولكنه لا يتفق مع ظاهر الآية 115 من سورة طه : «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» والآية 159 من سورة آل عمران : «فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» والآية 227 من سورة البقرة : «وإن عزموا الطلاق».

وغير بعيد أن يكون مراد الإمام ان القلب بغرائزه ومشاعره دليل قاطع على قدرة الله وعظمته بخاصة إدباره بعد إقباله، وإقباله بعد إدباره بلا سبب..ظاهر وعلى أية حال فإن الله في كل شيء آية تدل على انه واحد.

250 - مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ، وَحَلَاوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الآخرة.

• ومثله في الخطبة 174 «إن الجنة حفت بالمكاره، وان النار حفت بالشهوات». ويأتي قول الإمام : «إن الحق ثقيل مريء - أي هنيء - وان الباطل خفيف وبي - من الوباء وكل راحة وسراء لا بد لها من تعب وعناء، فكيف بما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ؟.

251 - فَرَضَ الله الإيمانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلَاةَ تَنزِيهاً عن الكبْرِ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ ابْتِلَاء لإخلاص الخَلْقِ، وَالْحَج تَقْرِبَةٌ لِلدِّينِ، والجهادَ عِزَّا لِلْإِسْلَام، وَالْأَمْرَ بالمَعْرُوفِ مَصْلَحَةٌ لِلْعَوام، وَالنَّهْيَ عَنِ المُنكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاء، وصلة الرَّحِمِ مَنماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصَاصَ حَقْنا لِلدُّمَاء، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ إعظاماً لِلْمَحَارِمِ وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِينَا لِلْعَقْلِ، وَمُجَانَبَةَ السِّرِقَةِ إيجاباً لِلْعِفْةِ، وَتَرَكَ الزَّنَا تَحْصيناً لِلنَّسَبِ، وَتَرْكَ الأَوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ، وَالشَّهَادَةَ استظهاراً على المجَاحَدَاتِ، وَتَرَكَ الْكَذِبِ تَشْرِيفاً

لِلصِّدْقِ، وَالسَّلاَمَ أماناً مِنَ المَخَاوِفِ، وَالْأَمَانَاتِ نِظَاماً لِلأُمِّةِ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلْإِمَامَةِ.

• المراد بالايمان هنا التوحيد المقابل للشرك بدلالة قول الإمام : «فرض الله الايمان تطهيراً للشرك». وتسمى كلمة التوحيد بكلمة التنزيه والاخلاص والتجريد، لأنها تجرد الذات الإلهية القدسية عن المادة والمثيل، وأيضاً تجرد البشرية عن صفات الألوهية وعن حق السيطرة والاستعلاء، وتبطل مزاعم الذين يرون لأنفسهم امتيازاً على غيرهم، وتضع الجميع على مستوى واحد في الحقوق والواجبات وسبق الكلام عن ذلك في العديد من المناسبات، منها في شرح الخطبة 2 ج 1 ص 74.

(والصلاة تنزيهاً عن الكبر) لأنها خضوع وخشوع وسجود وركوع (والزكاة تسبيباً للرزق) تماماً كالضمان الاجتماعي. وسبق الكلام عنها في شرح الخطبة 197 وعن الاسلام والمال في ج 2 ص 240 (والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق) حيث لا رقيب على الصائم إلا الله، ومن لا يخلص لخالقه لا يخلص لنفسه ولا لوطنه وأمته. وتقدم الكلام عن الصوم مرات، منها في الحكمة 135 (والحج تقربة للدين) أي لأهل الدين حيث يجتمعون في آن واحد، ومكان واحد، وفي زي واحد، وينشدون نشيداً واحداً. وتقدم الكلام عن الحج في الخطبة 1 والحكمة 135 وغيرها.

(والجهاد عز الإسلام) و به نما وانتشر، وأيضاً به تقدم المسلمون في كل میدان، ولما تركوه ذلوا وتخلفوا.. والكلام في هذا الموضوع أصبح مكروراً ومملولاً مع العلم بأنا تكلمنا عنه مرات ومرات (والأمر بالمعروف مصلحة للعوام) لأنه يعلمهم آداب السلوك، والحلال والحرام (والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء) لأنه يحذرهم من كآبة المنقلب وسوء المصير (وصلة الرحم منماة للعدد) أي من يصل عشيرته يجتمعوا حوله، وتكثر بهم أنصاره وأعوانه، وتقدم مع الشرح في الخطبة 22 قول الإمام : «من قبض يده عن عشيرته فإنما تقبض منه عنهم يد واحدة، وتقبض منهم عنه أيد كثيرة».

(والقصاص حقناً للدماء) كما في الآية 179 من سورة البقرة : «ولكم في القصاص حياة». (وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم الخ).. الإسلام نظام إصلاحي لنواحي الحياة، والإصلاح يستدعي العقوبة للردع عن الجرائم والفواحش، ومنها القذف والزنا والسرقة وقطع الطريق وشرب الخمر، وهذه المحرمات هي التي أشار اليها الإمام بكلمة المحارم.. هذا، الى ان الخمرة تذهب بالعقل، والسرقة خسة ودناءة، وبالزنا تضيع الأنساب، وباللواط تنقطع الذرية.

(والشهادة استظهاراً على المجاحدات) بعض الشارحين فسر الشهادة هنا بالوسيلة لإثبات الحق والحجة الدامغة لمن جحده وأنكره، أما الشيخ محمد عبده فقذ فسّر الشهادة بالاستشهاد والموت لنصرة الحق وقهر الباطل وأهله. وكل من التفسيرين صحيح في نفسه، ودلالة الكلام لا تأباه (وترك الكذب تشريفاً للصدق). الصدق فضيلة، ما في ذلك ريب، ولكن لا لذاته وبما هو بل لأن الحياة لا تقوم إلا به، ولولاه لاختل نظامها، ولذا يسوغ الكذب لردع الظالم عن الظلم، ولا صلاح ذات البين، ولتطمين المريض وتسكينه.

(والسلام أماناً من المخاوف). وفسر الشارحون السلام هنا بالتحية وردها. وهذا التفسير بعيد عن دلالة اللفظ، لأن كلمة المخاوف توحي بالحرب على مستوى أوسع منها بين اثنين. والحرب الحامية خراب ودمار، وتقتيل وتشريد، والحرب الباردة قلق وعناء، وفقر وشقاء، تحرم الشعوب من خيراتها وأقواتها، وتبذرها على القواعد العسكرية، وأسلحة الموت والفناء.. والسلام أمان من هذه الويلات وغيرها، وضمان لتمر الحياة وتقدمها.

(والأمانات نظاماً للأمة). الأمانة تماماً كالصدق لا يقوم للحياة نظام إلا بهما معا، وقد ساوى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بينهما بقوله : «لا تنظروا الى كثرة صلاتهم وصومهم..وانظروا الى صدق الحديث وأداء الأمانة الى البر والفاجر فيما قل وجل».

(والطاعة تعظيماً للإمامة) أي لأولي الأمر الذين يعلمون ويعملون بكتاب الله وسنة نبيه. قال سبحانه : «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ - 59 النساء» وطاعة الله هي العمل بكتابه، وطاعة الرسول العمل بسنته، وطاعة أولي الأمر تنحصر في تنفيذ أحكام الكتاب والسنة، والدليل القاطع الواضح

على ان المراد بأولي الأمر في الآية الكريمة - خصوص العلماء العاملين بالكتاب والسنة، الدليل على ذلك هو قوله تعالى : «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ - 83 النساء».

252 - أَحْلِفُوا الظَّالِمَ إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ حَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا حَلَمَ بِهَا كَاذِبًا عوجلَ العُقُوبَةَ، وَإِذَا خَلَفَ بِاللهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إِلَّا هُوَ لَمْ يُعَاجَل لأنهُ قَدْ وَحدَ الله تعالى.

• هذه اليمين تعرف عند الفقهاء بيمين البراءة، وقالوا : هي من أشد المحرمات والكبائر، ولا تنعقد من الأساس، وان من حلف بها يبرأ من الاسلام وإن كان صادقاً، واستدلوا بروايات عن النبي وأهل بيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وقال صاحب «الجواهر» في باب الايمان : «ولكن قد يستفاد الجواز من قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهج البلاغة : احلفوا الظالم الخ.. وأيضاً روي ان الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحلف بيمين البراءة من وشى به عند المنصور الا اني لم أجد من أفتى بذلك من الفقهاء، نعم في كتاب «الوسائل» باب جواز استحلاف الظالم بالبراءة، وظاهره الفتوى به. والاحتياط يقتضي الترك إلا في مهدور الدم».

وقد يريد الإمام بالظالم هنا من يجوز قتله لسبب أو لآخر، وبهذا يمكن الجمع بين قوله والروايات التي حرمت يمين البراءة وتفسيرها بمن يحرم قتله.

253 - يَا ابْنَ آدَمَ كُنْ وَصِي نَفْسِكَ في مَالِكَ وَأَعْمَلْ فِيهِ مَا تُؤثِرُ أنْ يُعْمَل فِيه مِنْ بَعْدِكَ.

• اعتاد الناس أن يوصوا بشطر من أموالهم على أوجه البر والإحسان بعد الموت..

ويقول الإمام لهؤلاء : لماذا بعد الموت ؟ سارعوا - ما دمتم في قيد الحياة - الى المعروف الذي أوكلتموه الى الآخرين بعد الموت، وان خفتم الفقر والحاجة عند الشيخوخة فاقرأوا قوله تعالى : «الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا - 268 البقرة».

254 - الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ لأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكُم.

• الحدة حال تثير الانسان عند غضبه، وتخرجه عن طوره اللائق به، ولا يملك معها ديناً ولا عقلاً حتى يصبح بالمجنون أشبه بالمجنون أشبه.. فإن آب الى رشده بعد الحدة وندم فجتونه عارض وإلا فأصيل لازم لذاته وماهيته. وقال حكيم قديم : أكبر الخطأ أن لا تصلح الخطأ.

255 - صحةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ.

• الحسد داء العقل والدين والجسم، ومن سلم منه سلمت صحته - على الأقل - وتقدم مع الشرح قول الإمام في الخطبة 84 : «الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب» وأيضاً يأكل الروح والجسم.

256 - يَا كُمَيْلُ مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا فِي كَسْبِ الْمَكَارِمِ وَيُدْلِجُوا فِي حَاجَةٍ مَنْ هُوَ نَائِمٌ فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلَّا وَخَلَقَ اللهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ لُطفاً

فإذا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إِلَيْهَا كالماء فِي انْحِدَارِهِ حَتى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كما تُطْرَدُ غَرِيبَةُ الْإِبِلِ.

• (ان يروحوا في كسب المكارم) يروحوا : من الرواح، وهو السير بعد الظهر، ويستعمل في مطلق الذهاب والمضي، والمكارم : المحاسن والفضائل كالصدق والوفاء، والحلم والسخاء، والعيش بكد اليمين، والوقوف مع المستضعفين، وما الى ذلك مما بُعث به نبي الرحمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي قال : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقال : امتحنوا أنفسكم بمكارم الأخلاق، فإن كانت فيكم فاحمدوا الله وإلا فتكرموا.

(ويدلجوا في حاجة من هو نائم الخ).. يُدلجوا : من الإدلاج، وهو السير في الليل، والمعنى أن يسعوا في خدمة المحاويج حتى الذين لم يطلبوا منهم ذلك، وفيه إيماء الى انه على كل قادر أن يكافح في سبيل المستضعفين، و أن ينبه البسطاء والغافلين الى أي خطر يهدد استقلالهم والاعتداء على حريتهم ومقدراتهم) (فإذا نزلت به نائبة الخ).. أي مصيبة، أي مصيبة، والمعنى: من عمل لخدمة أخيه الانسان أثابه الله في الدنيا قبل الآخرة.

(كما تطرد غريبة الإبل) وهي الناقة تدخل مرعى لغير صاحبها فيطردها منه. وعن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) : إن الله عرشاً لا يسكن تحت ظله إلا من أسدى لأخيه معروفاً، أو نفس عنه كربة، أو قضى له حاجة.

257 - إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللَّهَ بِالصَّدَقَةَ.

• من افتقر وضاقت عليه سبل الرزق فليتصدق ولو بلقمة من قرصه على معدة خاوية، فإن الصدقة مفتاح الرزق. وتقدم الكلام عن ذلك في الحكمة 6 و 136.

وقال الشيخ محمد عبده : «ها هنا سر لا يعلم»، وقد يكون السر هو مجرد التوكل على الله والانقطاع اليه بصدق وإخلاص، وعدم اليأس من فضله ورحمته، ومن توكل عليه كفاه.

258 - الْوَفَاء لِأَهْلِ الْغَدْرِ غَدْرُ عِنْدَ اللهِ، وَالْغَدْرُ بِأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاء عِندَ الله.

• التكبر رذيلة، ولكنه على المتكبرين فضيلة، لأنه نوع من تأديبهم وإشعارهم بأنهم أهل للازدراء والاحتقار.. وكذلك الغدر بمن غدر وفجر ونكث بالعهود والمواثيق، وأوضح مثال للغدر والنكث ما فعله الانكليز في الحرب العامة الأولى، أعطوا العهود للعرب أن يكونوا لهم عوناً في تحررهم وجهادهم ضد الأتراك وفي نفس الوقت أعطوا فلسطين للصهاينة أ.. وما من شك ان الغدر بهم وبكل مستعمر ومتآمر وفاء وإباء.

259 - كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالإحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونِ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ. وَمَا ابْتَلَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الْإِمْلَاء لَهُ.

• تقدم هذا بالحرف الواحد مع الشرح في الحكمة 115. وقال الشريف الرضي: «قد مضى هذا الكلام إلا ان هاهنا زيادة مفيدة» ولا عين أو أثر لهذه الزيادة المفيدة وغير المفيدة، وهذا هو النص السابق بحروفه : «كم من مستدرج بالإحسان اليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله أحداً مثل الإملاء له»فأين الزيادة ؟ وجل من لا يلهيه شيء عن شيء.

260 - أولها : فَإِذَا كَانَ ذلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِه فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ مَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ.

• قال الشريف الرضي : تذكر هنا شيئاً من اختيار غريب كلام الإمام المحتاج

الى تفسير.. ثم ذكر تسع جمل من هذا الغريب، أولها : (فإذا كان ذلك الخ).. اليعسوب : السيد العظيم، والقزع قطع من السحاب رقيقة، وفي الغالب تكون خالية من الماء. ويومىء الإمام بذلك الى ظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان.

ثانيها : هذ الخطيبُ الشَّحْشحُ.

الشحشح : الماهر في خطبته.

ثَالِثها : إِنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَاً.

• القحم : المهالك. ويأتي مع الشرح في الحكمة 298 (من بالغ الخصومة أتم الخ).

رابعها : إذَا بَلَغَ النِّسَاء نَص الْحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَولَى.

• المراد بالنص البلوغ والإدراك، وبالحقاق المخاصمة أي ان البنت متى بلغت وأدركت فلها كل الحق أن تخاصم وتدافع عن نفسها، والمراد بالعصبة قرابة الأب، والمعنى اذا بلغت البنت مبلغ الزواج فقرابة الأب مع فقده أولى من الأم وغيرها.

وبحثنا هذه المسألة مطولاً في الجزء الخامس من «فقه الإمام جعفر الصادق»- باب الولاية، وأثبتنا بالعقل والنص أنه لا ولاية لأحد في زواج البالغة الراشدة، وان لها الاستقلال التام، وأكثر العلماء والكبار على ذلك، ومنهم صاحب المسالك والجواهر، ومن جملة ما قاله في جواهره جواهره : «لا ينبغي لمن له أدنى ممارسة في الفقه وخطاباته التوقف في ذلك.. أجل، يستحب للبنت أن تقدم اختيار وليها على اختيارها». ونحن نفسر كلام الإمام هنا بالاستحباب.

خامسها : إن الإيمانَ يَبْدُو لمظةً في القَلْبِ كُلما ازداد الْإِيمَانُ أَزْدَادَتِ اللُّمْظَةُ.

• لمظة - بضم اللام وسكون الظاء - مثل النكتة أو نحوها من البياض، كما قال الشريف الرضي، ونصبت اللمظة نيابة عن المفعول المطلق أي يبدو بدو اللمظة، والمعنى ان الإيمان يبدأ ضعيفاً ثم يقوى. قال الملا صدرا : «يكون الإيمان ضعيفاً ثم يتدرج بمزاولة الأفكار والأعمال، ويشتد، ويشتد شيئاً فشيئاً حتى يصير عياناً»، أي كالعيان، ومن هذا الباب : أعبد الله كأنك تراه.

سَادِسُهَا : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدِّينُ الظُّنُون يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُزَكَّيهُ لَمَا مَضَى إِذَا قَبضَهُ.

• الدين الظنون : لا يدري صاحبه أيحصل ويعود، أم صار في خبر كان ؟ ولا تجب الزكاة إلا بشروط، منها أن يكون المال ملكاً تاماً لصاحبه، ومتمكناً من التصرف فيه الآن لا في المستقبل. والدين لا يدخل في ملك الدائن إلا بعد قبضه سواء أكان قادراً على تحصيله أم غير قادر تماماً كنفقة الزوجة لا تملكها إلا بالقبض، وان كان لها كل الحق بالمطالبة. ومن البداهة أنه لا زكاة إلا في ملك. وفي رواية عن المعصوم : لا صدقة في الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يدك.

و كلام الإمام لا صلة له بهذا الفرض، ويختص بالدين الميؤوس منه بحيث يكون حصوله وعودته رزقاً من غير احتساب. وفي كتاب (الوسائل عن المعصوم : ان الجائزة التي لها خطر فيها الخمس، ومثلها الميراث من غير احتساب. وفيه إيماء الى ان أي شيء له خطر اكتسبه المرء من حيث لا يحتسب - فعليه أن يؤدي خمسه للمستحقين.

سَابِعَهَا : (أَنَّهُ شَيْعَ جَيْشاً يُغْزِيهِ فَقَالَ : أَعْذِبُوا عن النِّسَاء مَا اسْتَطَعْتُمْ».

• أعذبوا : أعرضوا، والمعنى إذا كنتم في الجهاد فلا تفكروا أو تتحدثوا في الجنس والنساء، لأن الله ما جعل لرجل من قلبين في جوفه.

ثامنها : كَالْبَاسِرِ الفَالِج يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ.

• الياسر الفالج هو الذي حالفه التوفيق في جميع أعماله ومواقفه أو أكثرها، والقداح - بكسر القاف - جمع القدح - بكسر القاف وسكون الدال - أي السهم، والمراد بالقداح سهام القمار، والمعنى الموفق الميمون بعناية الله هو سعيد في دنياه وآخرته. واقتبسنا هذا التفسير من كلام طويل لابن أبي الحديد. وما هو بهذا الوضوح.

تاسِعُها : كُنَّا إِذَا أَحْمَرَّ الْبَاسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَلَمْ يَكُنْ مِنًا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ.

• علي يلوذ بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا حمي الوطيس، وهو القائل : والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها واني لأنس بالموت من الطفل بثدي أمه علي يتقي برسول الله إذا احمر البأس، وهو الذي أطاح برؤوس الأبطال عن أجسادها حتى استسلمت الجبابرة صاغرة ابتغاء السلامة والعافية !.. أجل، وأي عجب ! وهل في البشرية من حلق في آفاق الكمال، وكان هدى للسارين، ومناراً للعالمين - کمحمد بن عبدالله ؟

وأيضاً قال علي أمير المؤمنين : «دخلت مرة على رسول الله، فوالله ما

استطعت أن أكلمه من هيبته» وكل تلميذ تصح معرفته بعظمة استاذه مهابه ويخشاه.. وحاول أعداء الدين أن يغمزوا بمقام محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأعطوا عليا من الصفات بأسلوب أو بآخر - ما يساوي صفات محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو يزيد.. لا حباً بعلي وشيعته، بل كيداً للإسلام ونبي الإسلام.. ونعوذ بالله من هذا الدس والتدجيل، والكفر والتضليل.

261 - وَاللهِ مَا تَكْفُونِي أَنفُسَكُمْ فَكَيْفَ تَكْفُونَنِي غَيْرَكُمْ. إن كَانَتِ الرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا، وإنني اليَومَ لَأَشْكُو حَيْفَ رَعِيّتي، كأننِي المَقُودُ وَهُمُ الْقَادَةُ، أو الموزُوعُ وَهُمُ الوَزَعَةُ (فَلَمَّا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ، في كَلام طويلٍ قَدْ ذَكَرْنَا مُختَارَهُ فِي جُمْلَةِ الْخُطَبِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا : إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تُنْفِذ لَهُ). قَالَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) : وَأَيْنَ تقفَعَانِ مِمّا أُرِيدُ.

• الوزعة - بفتح الواو والزاي - جمع الوازع أي الحاكم، والموزوع: المحكوم.. قال الشريف الرضي : «بلغ الإمام ان أصحاب معاوية أغاروا على الأنبار، فخرج بنفسه ماشياً حتى النخيلة، فأدركه الناس وقالوا : يا أمير المؤمنين : نحن نكفيك فقال : والله ما تكفوني أنفسكم الخ.. والأنبار بلدة على الفرات من الجانب الشرقي، وهيت من الجانب الغربي، كما في مجمع البحرين للشيخ الطريحي».

وتقدم في الخطبة 27 قول الإمام : «فهذا أخو غامد قد وردت خبله الأنبار الخ».. ونقلنا في الشرح أن معاوية جهز سفيان بن عوف الغامدي وقال له حتى تغير على الأنبار والمدائن، وتقتل من لقيت، وتخرب كل ما تمر به، وتنهب الأموال (انظر ج 1 ص 188).

(إن كانت الرعايا قبلي لتشكو الخ).. تقدم مثله مع الشرح في الخطبة 95، وهذا نصه : «لقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي».

262 - (وَقِيلَ إِنَّ الْحَارِث بن حُوثٍ أَتَاهُ فَقَالَ : أَتَرَانِي أَظْنُّ أَصْحَابَ الْجَمَلِ كَانُوا عَلى ضَلالَةِ). فَقَالَ : يَا حَارِثُ إِنَّكَ نَظَرْت تحتكَ وَلَمْ تَنظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ. إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقِّ فَتَعْرِفَ أَهْلَهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ. فَقَالَ الْحَارِثُ : فَإِنِّي أَعْتَزِلُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ مَالِكِ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ : إِنَّ سَعِيداً وَعَبْدَ اللهِ لَمْ يَنصُرًا الْحَقِّ وَلَمْ يَخْذُلا الْبَاطِل.

• (انك تنظر تحتك الخ).. انك قاصر النظر لا ترى إلا موطىء قدميك (انك لم تعرف الحق).. نظرت الى طلحة والزبير من خلال صحبتهما لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والى عائشة من خلال حرمة رسول الله !.. والحق لا يعرف بالصحابة والقرابة، ولا بالألقاب والأنساب، ولا بالزواج وغير الزواج، وإنما يؤخذ من معدنه، مصدره من كتاب الله وسنة نبيه، ومتى عرفت الحق من مصدره قيست به المحقِّين والمبطلين.

وأصحاب الجمل نكثوا البيعة، وشقوا عصا الطاعة، وعاثوا في الأرض مفسدين وفرقوا المسلمين وجيشوا الجيوش لإراقة الدماء البريئة، وقال سبحانه : «فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ - 9 الحجرات». وقال : «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ - 193 البقرة».

هذا، الى ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وصف أهل الجمل بالناكثين، وعائشة براكبة الجمل التي تنبحها كلاب حوأب، ويُقتل حولها خلق كثير، كما جاء في كتب الحديث (أنظر فضائل الخمسة من الصحاح الستة).

(لم ينصرا الحق الخ).. تقدم مع الشرح في الحكمة 17.

263 - صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِب الأَسَدِ يُغْبَط بموقعِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بموضعه.

• راكب الأسد تهابه الناس، وتعجب من شجاعته، وهو أشد منهم هيبة ورعباً من غضب الأسد والفتك به على حين غفلة على حين غفلة.. وبالأمس القريب قرأت في الصحف ان أسد السيرك قتل سائسه ومروضه بعد صحبة طويلة.. وكم من محسود على ما هو شاك منه تماماً كمن حسن منظره، وساء مخبره.

وصاحب السلطان يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويبالغ الناس في طاعته وإظهار التقدير والاحترام له، ويغبطونه على سلطانه وسيطر ويغبطونه على سلطانه وسيطرته، وهو في خوف دائم على منصبه، وشغل شاغل بأعدائه وأصدقائه المرائين، وبالحذر من هول ما يدبرون ويكتمون.

264 - أحسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبكُمْ

• أبداً لا يذهب العرف بين الله والناس.. ومن لا يرحم لا يُرحم.. وكما تدين تدان.. هكذا قال الأنبياء والحكماء. وأيضاً قالوا : لا تشمت بأخيك فيعافيه الله ويبتليك ومن عذر ظالماً سلط الله عليه من يظلمه، والله سبحانه أحسن الخالقين، وأصدق القائلين : «وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - 129 الأنعام». واذن فلا بدع اذا خدمت الأجيال أولاد وأحفاد من خدمها. قال ابن أبي الحديد : أكثر ما في الحياة يقع على سبيل المكافأة فمن ظلم ظلم في ولده، ومن هدم دار غیره هدمت داره.

265 - إن كلام الحكماء إذا كانَ صَوَاباً كَانَ دواء، وَإِذَا كَانَ خَطَأُ كَانَ دَاء.

• يستمع الناس للحكماء والعلماء، ويتخذون من حكمهم وأقوالهم دستوراً لسلوكهم ومعاملاتهم، ودليلاً على الحق والعدل، فإن كانت الحكمة حقاً وصواباً فهي لحياة الناس رحمة ونعيم، وان تك جهلاً وضلالاً فهي نقمة وجحيم.. وكم من دماء أريقت، وحقوق هدرت باسم الرشد والحكمة، والأمن والصيانة.

266 - (وَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُعَرِّفَهُ الْإِيمَانَ) فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) إِذَا : كانَ الْغَدُ فَأْتِنِي حَتَّى أُخبِرَكَ عَلى أَسْتمَاع الناسِ، فَإِنْ نَسِيتَ مَقَالَتِي حفِظَهَا عَلَيْكَ غَيْرُكَ، فَإِنَّ الكَلَامَ كَالشَّارِدَةِ يَنقُفُهَا هَذَا وَيُخْطِتُها هذا. (وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا أَجَابَهُ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ الْإِيمَانُ عَلى أَرْبَعِ شُعَب).

• الشاردة : النافرة، وينقفها : يصيبها ضد يخطئها.. قال الشريف الرضي : «ذكرنا ما أجاب به السائل فيما تقدم من هذا الباب تقدم من هذا الباب، وهو قول الإمام: الإيمان على أربع شعب» في الحكمة 30 وشرحناه مفصلاً.

267 - يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَحْمِلْ هَمّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلى يَوْمِكَ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ، فَإِنَّهُ إنْ يَكُ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اللَّهُ فِيهِبرزقك.

• ليس هذا نهياً عن العمل من أجل المستقبل، كيف ؟ وهو القائل : «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً»، ولولا العمل المتواصل لاستحالت الحياة، وإنما أراد الإمام أن لا نحزن وتذهب أنفسنا حسرات على شيء لم يأت أوانه، ولعله لا يقع

إطلاقاً، وأن لا تتعجل الهم والغم من أجله، وأية جدوى من هم لا طائل تحته ؟ وربما أفسد علينا الحياة، وضاعف الهموم على أنفسنا، وشغلنا عن التفكير والعمل للواجبات والتحرر من المسؤوليات

268 - أحبب حَبِيبَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَن يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا وَأَبْغِضُ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يوماً ما.

• الهون : الرفق، قال تعالى : «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا - 63 الفرقان». والمعنى اعتدل في أمورك حتى في الحب والبغض، ولا جميع تسرف أحببت أم أبغضت، فربما دارت الأيام، وصار الصديق عدواً، والعدو صديقاً.. فإن حدث هذا كنت له على استعداد، ولم تندم على ما قدمت يداك.

269 - النَّاسُ لِلدُّنْيَا عَامِلَانِ : عَامِل عَمِلَ لِلدُّنْيَا قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ يَخشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ الْفَقْرَ وَيَأْمَنُهُ عَلى نَفْسِهِ فَيَفْني عُمرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ، وَعَامِلُ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لَمَا بَعْدَهَا فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلِ، فَأَحْرَزَ الْحَظِّيْنِ مَعاً، وَمَلَكَ الزَّادَيْنِ جَمِيعاً، فَأَصْبَحَ وَجيهاً عِنْدَ اللهِ لَا يَسْأَلُ اللهَ حَاجَةٌ فَيَمْنَعَهُ.

• ما من دين أو مذهب حث على العمل من أجل الحياة - كدين الاسلام : «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى - 39 النجم».. «لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ - 35 يس». فمن عمل وأكل وأنفق مما عملت يداه فقد عمل لدنياه وآخرته، وهو عند الله من المقربين، ومن أكل من عمل الآخرين،

أو عمل ولم يأكل، بل ادخر للوارث فقد عمل للدنيا فقط، وهو عند الله من الخاسرين دنيا وآخرة.

(يخشى على من يخلفه الفقر، ويأمنه على نفسه الخ).. الضمير المستتر في يخشى ويأمنه يعود الى من ادخر لغيره، والهاء في يأمنه تعود الى الفقر، والمعنى ان هذا الذي جمع وكنز قد تعب في طلب المال، ولما حصل عليه حرم نفسه منه، وتركه بكامله للوارث خوفاً عليه من الفقر، واكتفى هو بفكرة الغنى فقط وانه يملك المال، وبهذه الفكرة وحدها وهذا التصور كان في أمان من الفقر عند نفسه، ومعنى هذا في حقيقته انه يحيا في عالم غير عالمه، وانه يعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.

(وعامل عمل في الدنيا لما بعدها) أي أكل وأنفق في سبيل الله مما عملت يداه (فجاءه الذي له من الدنيا) التي عمل فيها بيده له ولآخرته (بغير عمل) للدنيا وحدها، بل يعمل للدنيا والآخرة (فأحرز الحظين معاً) حظ الدنيا وحظ الآخرة، وكلاهما مما عملت يداه (وملك الدارين جميعاً) عطف تفسير (لا يسأل الله حاجة فيمنعه) أي عمده بتوفيقه وعنايته، لأنه من المتوكلين على الله : «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ - 3 الطلاق».

270 - وَرُوِيَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي أَيَّامِهِ حَلي الكعبة وَكَثَرَتُهُ، فَقَالَ قَوْمٌ لَوْ أَخَذَتْهُ فَجَهَزْتَ بِهِ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ، وَمَا تَصْنَعُ الكَعْبَةُ بِالْحَلي ؟ فَهمَّ عُمَرُ بِذَلِكَ وسَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَام). فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : إِنَّ الْقُرْآنَ أنزلَ عَلى النبي عَلى النّبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَالْأَمْوَالُ أَربَعَةٌ : أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَها بَيْنَ الوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِضِ، وَالْفَيْء فَقَسّمَهُ عَلى مُسْتَحِقّيهِ، والخمس فَوَضَعَهُ اللهُ حَيْثُ وَضَعَهُ، وَالصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللهُ حيث

جعلها، وَكانَ عَلى الكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ، فَتَرَكَهُ اللهُ عَلى حَالِهِ وَلَمْ يتركه نسياناً، ولم يخف عَلَيْهِ مَكاناً فَأَقِرّهُ حَيْثُ أَقرَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَوْلَاكَ لَافْتَضَحْنَا، وَتَرَكَ الحَليَ بِحَالِهِ.

• الحلي : ما يتزين به، ويتلخص دليل الإمام بأن مصدر الحلال والحرام هو كتاب الله وسنة نبيه، والسنة ما ثبت عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قوله أو فعله أو تقريره أي إقراره لما رأى من أفعال الناس وعاداتهم ومعاملاتهم، ورضاه به، ولى بالسكوت وعدم النهي، وحلي الكعبة كان في عهد رسول الله وبمرأى منه، ولم ينه عنه أو يتصرف به، فوجب إبقاء ما كان على ما كان.

وتسأل : هل تلحق المساجد والعتبات المقدسة بحلي الكعبة المشرفة في الحكم فيحرم التصرف بكل ما هو زينة للمسجد وحرم المعصوم ؟.

الجواب : إن كان في الزينة خير ومصلحة دينية فحكمها حكم حلي الكعبة، لأنها في سبيل الله، وإن كان وجودها وعدمها سواء، كإيقاد الشموع في وضح النهار أو ضوء الكهرباء، كما يفعل العوام ولا رادع - فالأولى صرف ثمنها فيما يرضي الله والأنبياء وأوليائه الصالحين.

271 - (وَرُوِيَ أَنَّهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)) رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ سَرَقَا مِنْ قال اللهِ فَقَالَ : أَحدُهُمَا عَبْدُ مِنْ مَالِ اللهِ، وَالْآخَرُ مِنْ عُرُوضِ النَّاسِ. أَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. ممَالُ اللهِ أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَأَمَّا الْآخَرُ فَعَلَيْهِ الحَد فقطعَ يَدَهُ.

• (أحدهما عبد من مال الله) أي غير مملوك لأحد من الناس، بل هو جزء

من بيت مال المسلمين (والآخر من عروض الناس) أي ملك لأحد الناس تماماً كمتاعه وسلعته، والأول لا محد،، لأنه كما قال الإمام : (مال الله أكل بعضه بعضاً) أما الثاني فيحد بالشروط التي ذكرها الفقهاء من وجود المال المسروق في حرز، والسارق غير جائع ولا مضطر، ولا هو شريك في المال أو شريك وأخذ أكثر من سهمه، وأن يبلغ النصاب، وهو ما يساوي ربع دينار.

ولا جدوى اليوم من هذا البحث والكلام حيث لا عبيد ولا إماء بالمعنى المعروف عند الفقهاء.. وأيضاً لا أحرار صدق عند اللقاء.

272 - لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هَذِهِ الْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاء.

• المداحض : المزالق، والمراد بها هنا الفتن التي أثارها الناكثون والقاسطون والمارقون، والمعنى لو استقامت الأمور للإمام كما ينبغي لقلب الأوضاع الفاسدة والتقاليد الممقوتة رأساً على عقب ويشبه هذا قول السيد المسيح : «جئت لألقي على الأرض ناراً حبذا لو تضطرم». وسئل بوذا : لماذا نعيش ؟ فقال : ليس هذا سؤالاً، وانما السؤال : كيف يجب أن نعيش.؟.

أما الأشياء التي كان الإمام يغيرها لو ثبتت قدماه فهي ما أنكره وندد به فيما سبق من كلامه وما يأتي، ومنها تجمع الثراء والترف في جانب، والفاقة والبؤس في جانب آخر، كما في الخطبة 127 : «اضرب بطرفك حيث شئت فهل تبصر إلا فقراً يكابد فقراً، أو غنياً بدل نعمة الله كفواً» ومنها تعدد الفرق والانقسامات المذهبية بين المسلمين التي أشار اليها في الخطبة 111 بقوله : «إنما أنتم إخوان على دين الله ما فرق بينكم إلا خبث السرائر، وسوء الضمائر» ومنها تصدي الجهلة للفتيا والقضاء بين الناس كما في الخطبة 17 : «رجل قمش جهلاً... قد سماه الناس عالماً وليس به جلس للناس قاضياً».. الى كثير وخطير.

273 - اعْلَمُوا عِلْماً يقيناً أنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ وَإِن عَظُمَتْ حيلَتُهُ وَاشْتَدَّتْ طِلْبَتُهُ وَقَوِيتْ مَكِيدَتُهُ أَكْثَرَ مِما سَمَّى لَهُ فِي الذِّكْرِ

الحكيم، وَلَمْ يَكُل بَيْنَ الْعَبْدِ فِي صَعْفِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ ما سَمَّى لَهُ فِي الذِّكْرِ الحَكيم. وَالْعَارِفُ لِهَذَا الْعَامِلُ بِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ رَاحَةٌ فِي مَنْفَعَةٍ. وَالتَّارِكُ لَهُ السَّالةُ فِيهِ أَعْظَمُ النَّاسِ شغلا في مَضَرَّةٍ. وَرَبِّ مُنْعَم عَلَيْهِ مُسْتَدْرَج بِالنُّعْمَى، وَرُبَّ مُبْتَلَى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى. فَزِدْ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ فِي شُكْرِكَ، وَقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وقف عِندَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ.

• المراد بالذكر الحكيم القرآن، اما المراد بالذي، اما المراد بالذي سمي فيه فهو «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ - 8 الزلزلة». و «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى - 31 النجم».. الى ما في هذا المعنى من الآيات. ويتلخص المعنى بأن العبد مجزي بأعماله، وقادم على ما قدم، ان خيراً فخير، وان شراً فشر، قوياً كان في الدنيا أم ضعيفاً فلا القوة والثروة في الحياة الدنيا تقربه من الله زلفى، وتنجيه من عذاب الجحيم ان كان من الضالين، ولا الضعف والفقر يحول بينه وبين جنة النعيم ان كان من المهتدين.

(والعارف لهذا العامل به) هذا إشارة الى ما تقدم من ان اكرم الخلق عند الله أتقاهم، ومن عمل بموجب التقوى فهو في أمن وأمان، وراحة ورضوان (والتارك له الخ).. في جهنم وبئس المصير (ورب منعم عليه مستدرج بالنعمي) «فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ - 55 التوبة». (ورب مصنوع له بالبلوى) قد تكون البلوى ثواباً ورحمة، كما قد تكون النعمى بلاء وفتنة، وتقدم مثله في الخطبة 112 (فزد أيها المستمع من شكرك) الله بطاعته (وقصر من عجلتك) أي اصبر على مرارة الحق والعمل به (وقف عند منتهى رزقك) الحلال الطيب، ودع الحرام الخبيث.

21 - لَا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهلاً ويقينكُمْ شَكّا إذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وإذا تيقّنتم فأقدِمُوا.

• لا تجعل جهلك علماً بادعاء ما ليس فيك والقول على الله بغير الحق.. وأيضاً لا تجعل علمك جهلاً بترك العمل فمن علم عمل، ومن لم يعمل بعلمه فهو والجاهل سواء، بل أضل سبيلاً، ويأتي قول الإمام : العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل (ويقينكم شكاً) من كان على يقين من الحق، ولم يعمل به، وينتصر له، ويقف مع أهله فهو تماماً كالشاك فيه والمتردد، بل أسوأ وأضل (إذا علمتم فاعملوا) لتكونوا علماء بحق (وإذا تيقنتم فأقدموا) لتكونوا من المؤمنين المخلصين، ومن ترك العمل بعلمه ويقينه فقد ألغى عقله ودينه وضميره، وعاش مدة عمره في نفاق وخداع.

275 - إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ، وَضَامِنٌ غَيْرُ وَفِي، وربما شَرِقَ شَارِبُ المَاءِ قَبْلَ رِيهِ، وَكُلَّما عَظُمَ قَدْرُ الشَّيء المتنافَسِ فِيهِ عَظُمَتِ الرِّزْيَّةُ لِفَقْدِهِ. وَالْأَمَانِيُّ تُعْنِي أَعْيُنَ البَصَائِرِ. وَالْحَظِّ يَأْتِي مَنْ لَا يَأْتِيهِ.

• ورد الماء : ذهب اليه، وصدر عنه : عاد ورجع.. والطامع يركض لاهثاً وراء أطماعه فيهلك ولا يعود، لأنه طالب لا يقنع، وآكل لا يشبع (وضامن غير وفي) الطمع يعد صاحبه ويمنيه الراحة والسعادة، ولكنه مخادع كذاب (وربما شرق شارب الماء قبل ريه) خنق الماء أنفاسه، وأودى بحياته مع العلم بأن الماء سبب الحياة، وهكذا الطامع يهلك من حيث أراد النجاة. وسبق الكلام عن الطمع مرات، منها في الحكمة 179 و 225.

(وكلما عظم قدر الشيء الخ).. إذا نافست غيرك على منصب أو أي شيء،

وغلبك عليه - كان أسفك وحزنك مساوياً لما فات في قدره وقيمته، فإذا أردت الهدوء وراحة البال فلا تنافس أحداً إلا في عمل الخير (والأماني تعمي أعين البصائر) لأنها تشغل عن النظر والتفكير في العواقب (والحظ يأتي من لا يأتيه) المراد بالحظ التوفيق من الواهب الحكيم، وكل الناس يطلبون التوفيق من الله تعالى، ولكن الله أعلم حيث يجعل عنايته.

276 - اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَحْسُنَ فِي لَآمِعَةِ الْعُيُون عَلَانِيَتِي وَتَقبُحَ فِيمَا أَبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتي، محافظاً على بناء النَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَميع مَا أَنتَ مُطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنّي، فَأَبْدِي لِلنَّاسِ حسْنَ ظَاهِرِي وَأفضِي إِلَيْكَ بِسُوءٍ عَمَلي تقرّباً إلَى عِبَادِكَ، وتباعداً مِنْ مَرْضاتِكَ.

• يطلب الإمام التوفيق منه تعالى الى الصدق والإخلاص في دينه وخلقه، ويستعيذ به من النفاق والرياء في أقواله وأفعاله، وحدد الرياء بقبح السريرة وسوء المخبر، وحسن العلانية وجمال المنظر تقرباً الى الناس وتباعداً عن الله.. ولا أدري كيف يخادع الإنسان ويصانع من لا يغني عنه شيئاً عنه شيئاً، ويذهل عن خالقه ومن بيده ملكوت كل شيء، واليه المآل والمرجع ؟.

277 - لَا وَالَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي خُبْرِ لَيْلَةٍ دَهْمَاء تَكْثِرُ عَنْ يَوْمٍ أَغرَّ مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا.

أمسينا منه أي أبقانا من الأحياء الى الآن، والغبر - بكسر الغين وسكون الباء - الحقد، وبضم الغين كما هنا البقية من الشيء، والدهماء : السوداء،

وكشر وتكشر - كشف وتكشف، وأغر : أبيض. والمفهوم من هذا القسم ان الإمام ينكر مقالاً بباطل سمعه من قائل.

278 - قليل تَدُومُ عَلَيْهِ أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ.

• انتهز فرصة العمر، واعمل في كل يوم ولو يسيراً، فإن اليسير الدائم في الكثير من الأيام أنمى وأفضل من عمل كثير تأتي به في آن واحد أو آنين، ثم تمله وتسأمه، ويذهب مع الريح.

279 - إذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا.

تقدم مع الشرح في الحكمة 39.

280 - مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السِّفَرِ أَسْتَعَدَّ.

• لا سفر أبعد من الموت، ولا موقف أصعب من الوقوف لنقاش الحساب بين بدي الله، ولا نجاة إلا بالاستعداد وكثرة الزاد. وتقدم قول الإمام في الحكمة 77: آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر.

281 - لَيْسَتِ الرَّوِيَّةُ كَالْمُعَايَنَةِ مَعَ الْإِبْصَارِ فَقَدْ تَكْذِبُ الْعُيُونُ أَهْلَهَا وَلاَ يَغُشُ الْعَقْلُ مَن أَسْتَنْصَحَهُ

• للمعرفة عند الفلاسفة أكثر من مصدر، ولها عند الله سبحانه ثلاثة مصادر،

أشارت اليها الآية 8 من سورة الحج : «ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير». فالعلم إشارة الى التجربة والحس، والهدى الى العقل والاستدلال بالفكر والتأمل، والكتاب المنير هو الوحي من السماء. وليست

. الحواس أقوى هذه المصادر كما يظن، لأن الإنسان لا يدرك بالبصر بلا بصيرة، وأيضاً لا يُدررك الوحي بلا عقل، لأن الوحي رسالة السماء، وهي لا تدرك ولا تثبت إلا بالفكر والتأمل والتدبر، أما العقل فيدرك أشياء كثيرة تخرج عن نطاق الوحي والحس، ففصل العقل عنهما واضح وبلا نزاع، ولا يمكن فصلها عنه بحال، ولو افتقر اليهما في إدراكه، كما افتقرا اليه - لبقيت المعرفة وأسبابها طي الكتمان وفي عالم العدم، ومن هنا أناط الاسلام رسالته وصدقها وقوتها وتعميمها وانتشارها ودوامها، أناط ذلك كله وربطه بالعقل : «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا - 24 محمد». «كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ - 28 الروم»، الى كثير من آيات هذا الباب.

وفي الحديث : أصل ديني العقل.. لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله ولكل قوم داع، وداعي المؤمنين والعابدين العقل.. أفضل الناس أعقل الناس.. الى كثير من أحاديث هذا الباب. وهذا يفسر لنا ظهور من ظهر واشتهر من العلماء والفلاسفة والأطباء من بين المسلمين الذين هم المصدر الأول للحركة العلمية عند الغربيين.

وبعد، فلا غنى لشيء عن العقل مادياً كان أم غير مادي، ولولاه لانسد باب العلم إطلاقاً حتى في القضايا الطبيعية.. إن التجربة إن التجربة في هذه هي محك الصواب والخطأ، ما في ذلك ريب، ولكن بمعونة العقل، وبخاصة في معرفة الصلة والعلاقة بين الشيء الذي تجرى عليه التجربة وغيره.

282 - بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ المَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الْغِرَّةِ.

• المراد بالغرة هنا الغفلة والنسيان.. ونحن نؤمن بالله واليوم الآخر بلا شك، وتغلبنا وتردد .. ومع هذا ننسى الله، ونذهل عن الآخرة وحسابها وعقابها العاطفة على ما نظن ولا نغلبها على ما نستيقن، كما قال الإمام في الحكمة 149،

وقد بين سبحانه السبب الموجب لذلك بقوله : «بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ - 21 القيامة»، وكلمة تحبون تومىء الى ان في طباعنا جواذب الى المنفعة العاجلة وإن صغرت دون الآجلة وإن عظمت.

283 - جَاهِلُكُمْ مُزْدَادُ وَعَالِمُكُمْ مُسَوّف.

• الجاهل يزداد إثماً وضلالاً كلما قال أو فعل بلا علم وهدى، وتقدم مع الشرح في الخطبة 152 قوله : العامل بغير علم كالسائر على غير طريق.. وأيضاً يزداد سيخفاً وجهلاً كلما تقدمت به السن لضعف الذاكرة والاستعداد للتفهم والتعلم (وعالمكم مسوف) لأنه لا يعمل بعلمه، ولا يجتهد في طلب المزيد من العلم «وقل ربي زدني علماً».

284 - قَطَعَ العِلْمُ عُذرَ المُتَعَلِّلِينَ.

• أبداً لا عذر لعالم يتاجر بعلمه ودينه، ويتقرب الى الطغاة على حساب أمته ووطنه !. وفي الحديث : ان هذا العالم من قطاع الطريق.

285 - كُلُّ مُعَاجَلُ يَسْأَلُ الْإِنظَارَ وَكُلٌّ مُؤجَّلُ يَتَعَلَّلُ بِالتّسْوِيفِ.

• كل بالرفع والتنوين مبتدأ، ومعاجل بفتح الجيم اسم مفعول خبر كل، ومثله كل مؤجل، والمراد بالمعاجل الطاعن في السن، لأنه مظنة التعجيل الى الموت، ومع هذا يطلب البقاء، والمراد بالمؤجل الشاب المعافى، لأنه مظنة التأجيل الى عهد الشيخوخة، وهذا يؤجل التوبة ويقول : في العمر فسحة، وفي الوقت متسع، وينسى ان الموت قد يأتيه بغتة ويقطع عليه الطريق، كما ذهل الشيخ أنه يسرع

الى قبر مظلم عفن !.. والعاقل الفطن يغتنم الفرصة فيما يبقى نفعه، ويدوم أجره. وسبحان من نطمع في عفوه.

286 - مَا قَالَ الناسُ لِشَيْءٍ طُوبَى لَهُ إِلَّا وَقَدْ خَبَأ لَهُ الدَّهرُ يوم سوء.

• أجهل الناس من يظن دوام الحال، شدة كانت أم رخاء، فإذا رأى نعمة على غيره قال : هنيئاً له، وبنسى وقوع ما يجوز وقوعه، وأن هذه النعمة قد تكون فخاً وسبيلاً الى هلاك صاحبها. وتقدم معنا منذ قليل في الحكمة 273 «رب منعم عليه مستدرج بالنعمى». وضرب سبحانه مثلاً بقارون الذي قال الناس لما خرج عليهم في زينته : يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون فخسف به وبماله الأرض. وقال آخر ملوك الأمويين : لما حلا لنا الدهر خلا منا «وعند صفو الليالي يحدث الكدر»

287 - (وسُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ) : طَرِيقٌ مُظْلِمُ فَلَا تَسْلُكُوهُ وَبَجْرٌ عَمِيقٌ فَلاَ تَلِجُوهُ، وَسِرُّ اللَّهِ فَلا تَتَكَلِّفُوهُ.

• تكلم أئمتنا الأطهار وعلماؤنا الكبار في القضاء والقدر، وأطالوا ودفعوا كل ما قيل أو يمكن أن يقال حولها من شبهات، أما نهي الإمام هنا فهو موجه الخصوص أهل الجهل حتى ولو كان السائل من أعلم العلماء، فإن المقصود غيره وإلا فالعالم بحق هو الذي يكشف الظلمات، ويخوض البحار، ويعلم القضاء والقدر وغيرهما من الأسرار. وتقدم في الحكمة 76 سؤال الشامي عن القدر وجواب الإمام بما أقنعه وأقنع السامعين، وكلام الإمام ينسجم بعضه مع بعض تماماً كما ينسجم مع أفعاله.

288 - إِذَا أَرْذَلَ اللهُ عَبْدًا حَظَرَ عَلَيْهِ العِلْمَ.

• ليس المراد بالحظر هنا التحريم، لأن العلم مشاع لكل طالب وراغب، ولا القهر والإلجاء والإلجاء، لأن الله أمر بالعلم دون استثناء، وما هو بظلام للعبيد، وانما المراد الإشارة الى ان بعض الناس فيه نقص وعجز عن فهم العلم وهضمه مهما جاهد وكابد، وكلمة الأرذل تومىء الى ذلك، كما ان بعض الناس له كل الاستعداد لأن يفهم ويتعمق، بل يكتشف ويخترع بل يكتشف ويخترع.. وهذا واقع وهذا واقع لا ريب فيه، وقد شاهدناه أيام الدراسة في أكثر من واحد، وعليه يكون قول الإمام انعكاساً عن الواقع.

289 - كان لي فيما مَضَى أَخ في الله، وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلَا يَشْتَبِي مَا لا يَجِدُ، وَلَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ، وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً. فَإِنْ قَالَ بَذّ الْقَائِلِينَ وَنَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ. وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفا. فَإِنْ جاءَ الْجِدُّ فَهُوَ لَثْتُ غَابِ وَصَلُّ وَادٍ، لاَ يُدلي بِحُجْةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قاضياً. وَكَانَ لا يَلُومُ أَحَداً عَلى مَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ أَعْتِدَارَهُ، وَكَانَ لا يَشكُو وَجعاً إِلَّا عِنْدَ بُرئِهِ. وَكَانَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ وَلا يَقُولُ مَا لا يَفْعَلُ. وَكَانَ إِذَا غُلِبَ عَلى الكَلاَمِ لَمْ يُغْلَبْ على السُّكوتِ. وَكَانَ عَلى مَا يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلى أَنْ يَتَكَلَّم. وَكَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ نَظَرَ أَيُّهَا أَقْرَبُ إِلَى الْهَوَى فَخَالَفَهُ. فَعَلَيْكُمْ

بهذة الْخَلائِقِ فَالْزَمُوهَا وَتَنَافَسُوا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخذَ القَلِيل خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ.

• لا ندري : هل أراد الإمام بالأخ شخصاً معيناً، أو أراد الشخص المثالي الذي يجب أن يُحتذى.؟ ولا شيء يُرجح أحد الاحتمالين سوى الحدس، وهو لا يغني عن الحق شيئاً، وان اعتمد عليه بعض الشارحين في ترجيح الثاني على الأول وأياً كان فقد وصف الإمام هذا الشخص كمثل أعلى في دينه وخلقه، وعلمه وعقله، وصبره وزهده، وجهاده وشجاعته. وختم الوصف بقوله : فعليكم بهذه الخلائق الخ. وهي :

1 - (صغر الدنيا في عينه) والإمام نفسه أوضح السبب الموجب لهذا التصغير والتحقير في الخطبة 191 بقوله : عظم الخالق في أنفسهم صغر ما دونه في أعينهم. وفي الحكمة 128 : عظم الخالق عندك يصغر المخلوق في عينك.

2 - (كان خارجاً عن سلطان بطنه) الى سلطان دينه وعقله وسلطان المعدة قاهر لا مفر منه، ولا بد من الاستجابة له وإلا قضى على الحياة، ومراد الإمام ان هذا الأخ كان يستجيب لمعدته بمقدار الحاجة، كما قال بعض الفلاسفة : نأكل لنعيش، ولا نعيش لنأكل (فلا يشتهي ما لا يجد) لا برد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، واذا لم يجد شيئاً صبر (ولا يكثر اذا وجد) لقول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «ما ملأ آدمي من وعاء شراً من بطنه.. أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة» وقال الإمام الباقر : الانسان أبعد الخلق من الله اذا امتلأ بطنه.. هذا، الى المحافظة على الصحة والوقاية من الأمراض.

3 - (وكان أكثر دهره صامتاً) عما لا يعنيه ولا فائدة فيه.. وكثيراً ما يكون صمت العلماء للتفكر والتدبر، قال الإمام الكاظم : دليل العقل التفكر ودليل التفكر الصمت، وقال الإمام أمير المؤمنين : كل سكوت ليس فيه فكرة فهو سهو (فإن قال بذ القائلين) أي غلبهم وتفوق عليهم (ونقع غليل السائلين) نقع : روى، والغليل : شدة العطش، والمعنى: أزال حيرتهم وهداهم سواء السبيل.

4 - (كان ضعيفاً مستضعفاً) زاهداً متواضعاً، يحسبه الجاهل من أهل القلة والذلة، ولكنه (اذا جد الجد فهو ليث غاب وصل واد) يحمي حوزته، ويصون كرامته، ويسخى بنفسه في سبيل الحق والانسانية. والصل : الحية.

5 - (لا يدلي بحجته حتى يأتي قاضياً) كان على علمه وذكائه وبلاغته اذا انتقده ناقد، وعلم انه لا يقتنع - تجاهله وسكت عنه إلا اذا وجد كفءا منصفاً يفهم عنه ما يريد، فعندئذ يدلي بحجته البالغة الدامغة، ليكون الكفء حكما بين الاثنين.

6 – (لا يلوم أحداً الخ).. ولا يعيبه بشيء حتى ولا يعيبه بشيء حتى يستمع اليه، ويحاكمه على أساس أقواله، فإن كانت معقولة عذره وإلا نصحه وحذره ويأتي قول الإمام : لا تطنن بكلمة خرجت من أحد سوءاً، وأنت تجد لها في الخير سبيلاً.

7 - (لا يشكو وجعاً إلا عند برثه) لأن الشكوى الى الناس لا تجر نفعاً، ولا تدفع ضراً، بل تجلب سوءاً، لأن المشكو اليه ان كان صديقاً حزن وتألم، وان كان عدواً شمت وفرح.. ومتى برىء هذا العبد الصالح من مرضه تحدث عنه شكراً لله، وحمداً لأفضاله وإنعامه.

8 -(ويقول ما يفعل الخ).. يربأ بنفسه عن الكذب، ولا يعرضها للوم أو عتاب، ولا يقدم على ما يخاف العجز عنه.

9 - (اذا غلب على الكلام الخ).. لا يعد السكوت مغرماً، والكلام

مغنماً، كما هو شأن الذين يبدخون بألسنتهم، ويتطاولون بمنطقهم

10 - (اذا بدهه أمران ينظر أيهما الخ).. بدهه : عرض له وفاجأه، والمعنى انه يملك نفسه ولا تملكه، واذا غالبته في شهواتها غلبها وسيطر عليها، ومن لم يكن كذلك أخذ الشيطان بزمامه وقاده الى المهالك.

290 - لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اللهُ عَلى مَعْصِيَتِهِ لَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يُعْصَى شكراً لنعمه.

• يستقل العقل بوجوب طاعة الله سبحانه في أمره ونهيه شكراً على إنعامه،

ودفعاً للضرر عن النفس بعصيانه، ومعنى هذا ان طاعة الله حتم، سواء توعد سبحانه وهدد العاصي، أم سكت عن تهديده ووعيده. وأيضاً معناه ان أمر الله بالطاعة هو بيان وتوكيد لحكم العقل لا اختراع وتأسيس بالإضافة الى ان الله لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر، وان الخير يجب أن يُفعل ويتبع لأنه واجب ذاتاً لا شرعاً فقط، وان الشر يجب أن يترك لذلك.

291 - (وَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَقَدْ عَنِّى الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ عَنِ ابْنِ لَهُ :) يَا أَشْعَثُ إِنْ تَحْزَنْ عَلى أَبْنِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ ذَلِكَ مِنْكَ الرَّحِيمُ. وَإِنْ تصْبِرْ فَفِي اللَّهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ. يَا أَشْعَثُ إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ القَدَرُ وَأَنتَ مَأْجُورٌ. وَإِنْ جَزِعْت جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنتَ مَأْزُورٌ. إبْنُكَ سَرَّكَ وَهُوَ بَلَاء وَفِتْنَةٌ، وَحَزَنَكَ وَهُوَ ثَوَابٌ ورحمة.

• (فقد استحقت منك ذلك للرحم) لأنها غريزة في الحيوان والانسان.. حتى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تندت عيناه بالدموع على ولده ابراهيم وقال : إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون. (وإن تصبر ففي الله الخ).. أي في أجر الله وثوابه عوض لك عن فراق ولدك (إن صبرت جرى عليك القدر الخ).. لا مفر من الموت صبرت أم جزعت والفرق انك تشكر وتؤجر على الصبر، وتلام وتؤاخذ على الجزع.. ولا تزكو نفس حتى تتحمل المتاعب بصبر وثبات، كما لا تصلح الأرض إلا بالتعب والحرث.

(ابنك سرك) كل والد يفرح ويسر بولده، لأن حياته امتداد لحياته، ولأن البنين زينة الحياة كما جاء في الآية 46 من سورة الكهف، وقد فرح رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بولده ابراهيم، وكان يذهب ليراه عند مرضعته، وهي زوجة حداد، ويقبله ويلاعبه. وقال ابراهيم الخليل فرحاً شاكراً : «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي

عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ - 39 ابراهيم». فالفرح بوجود العزيز حسن، أو لا بأس به، والحزن على وفاته غير قبيح ما دام كل من الفرح والحزن في حدود الله وحلاله.

(وهو بلاء وفتنة الخ).. كان الولد من كان الولد من قبل بلاء على والده في تكاليف عيشه وحياته، وبعض الأولاد اليوم كارثة على الوالد والمجتمع في تحرره من قيود الدين والآداب.. فالبنت ميني جوب وسفور، والصبي خنفس وخمور، والأب المسكين بين طابقين من نار : نار الحب والعاطفة، ونار الغيظ والحزن على ولده الذي انتزعه الشيطان من يده، ولا حيلة إلا الحسرات والزفرات.. وليس من شك ان هذا الحزن والغيظ (ثواب ورحمة) كما قال الإمام، ان كان لوجه الله والحق.

292 - (وَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَلى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ و آلِهِ) سَاعَةَ دُفِنَ : إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلُ إِلَّا عَنْكَ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحُ إِلَّا عَلَيْكَ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَ بَعْدَكَ لَجَلل.

• المراد بالجلل : الهين، ويصح إطلاقه على العظيم. وليس من قصد الإمام أن يقسم كلا من الصبر والجزع الى جميل وغير جميل كما فهم الشارحون.. كلا، وانما قصد الإمام ان فقد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أحدث فراغاً لا يسده شيء، وان أهل البيت من بعده تتراكم عليهم هموم وأحزان لا يقوى عليها إلا من بلغ الغاية والنهاية في صبره وايمانه ورضاه بما يرضي الله.. وكل ما وقع وحدث وكل ما وقع وحدث لآل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من بعده دلیل صدق، وشاهد عدل على ذلك.

293 - لَا تَصْحَب المائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ وَيَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مثله.

• المائق : الأحمق، وهل يصحب الأحمق أو الحاسد إلا أحمق.؟ وما تصنع لو صحبت أحمق أو حاسداً، واصفر وجهه وغص بريقه حين يذكرك أمامه ذاكر بخير، ويبجلك مبجل لفضلك ؟ وقد شاهدت الكثير يمسكون عن مدح من هو أهل للتكريم والتقدير، يمسكون لا لشيء إلا مخافة من حاسدي فضله ومكانته.

294 – (وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسَافَةِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : مَسِيرَةُ يَوْمَ لِلشَّمْسِ.

• المراد بمسيرة الشمس سيرها بحسب رؤية العين لا بحسب الواقع، كما في الآية 86 و 90 من سورة الكهف : «حتى اذا بلغ مغرب الشمس.. حتى اذا بلغ مطلع الشمس». ولكن أحمد أمين العراقي قال في الجزء الثاني من «التكامل» : «ثبت ان الشمس تتحرك في الفضاء بمجموعتها على شكل لولبي 20 / كم في الثانية نحو نجمة تدعى النسر». ونحن في هذا العلم رواة فقط.

295 - أصْدِقَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ، وَأَعدَاؤُكَ ثَلَاثَةٌ، فَأَصْدِقَاؤُكَ صَدِيقُكَ وصدِيقُ صَدِيقِكَ وَعَدُوُّ عَدُوِّكَ. وَأَعْدَاؤُكَ عَدُوكَ وعَدُوٌّ صَدِيقِكَ وَصَدِيقُ عَدُوكَ.

• صديق الصديق ليس صديقاً على سبيل الحتم والجزم، ولا عدو العدو من الأصدقاء.. وهذا ثابت وواضح بالعيان، يدركه كل انسان من نفسه، ومن أصدقائه وأعدائه وإلا كان عدو صديقك لحسده له هو عدوك أيضاً عدوك أيضاً مع الفرض انك لا تملك شيئاً تحسد عليه.. واذن فلا بد من التوجيه والتأويل.

والذي تصورناه في التوجيه، ونحن نشرح هذه الكلمة، ان سبب التآخي والصداقة بين اثنين هو المشابهة والمشاركة في أي شيء، وان سبب العداوة والتباعد

هو المعاكسة وعدم الانسجام، كما قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن الأرواح : «ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» ومعنى هذا ان أية صفة كانت السبب الموجب للصداقة بين اثنين - فهما أيضاً صديقان لكل من كانت فيه الصفة من حيث يريدان أو لا يريدان - مثلاً - تصادق زيد وبكر لأنهما يدينان بمبادىء حزب معلوم، فكل من ينتمي الى هذا الحزب فهو صديق لها بطبيعة الحال، وان لم يعرفا عنه شيئاً.. وأية صفة كانت السبب الموجب للتباعد بين اثنين، لأن أحدهما يحبها والآخر يمقتها - فكل من اتصف بهذه الصفة فهو صديق لمن أحبها، وعدو لمن مقتها من حيث يريد أو لا يريد.

296 - (وَقَالَ لِرَجُلٍ رَآهُ يَسْعَى عَلَى عَدُوٌّ لَهُ بِمَا فِيهِ أَضْرَار بنَفْسِهِ) إنما أَنتَ كَالطَّاعِن نَفْسَهُ لِيَقْتُلَ رِدْفَهُ.

• المراد بالردف هنا الرديف، وهو الراكب خلف الراكب.. قد تستولي العقيدة الدينية على الإنسان فتدفعه الى التضحية بنفسه من أجلها والذود عنها.. وأيضاً قد يبلغ به الحقد على عدوه هذا المبلغ أو يزيد، فيقتل عدوه، ثم ينتحر عن تخطيط وتصميم. والساعي بعدوه الذي أشار اليه الإمام من هذا النوع وأسوا منه من يلقي قنبلة على جمع غفير، أو يغرق سفينة فيها عشرات الآدميين، أو يدمر طائرة هو فيها لا لشيء إلا ليقتل عدوه الألد.

وفي سائر الأحوال فإن البادىء أظلم، ولولا المسبب لم ينجح السبب، وقال عظمت كلمته : «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ - 108 الانعام».

297 - مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقلّ الاعتبار.

• الاعتبار أي المعتبرون. وكل الحياة - ما تقدم منها وما تأخر - عبر نافعة،

وعظات بالغة. ولا من يخشى ويعتبر. وسبق القول في ذلك، وان السر في قلة الاعتبار أن الانسان في الأغلب يقاد بعاطفته لا بدينه وعقله .

298 - مَنْ بَالَغ في الخُصُومَةِ أَثمَ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظُلِمَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهُ مَنْ خَاصَمَ.

• الخصومة : الجدال والنزاع الجدال والنزاع، والمبالغة فيها الحرص على الفوز بكل سبيل، والتقصير فيها سكوت الإنسان عن حقه، والمعنى من تجاوز في النزعات وقع في المحرمات، ومن تركها مع الاعتداء عليه ذهب حقه نهباً، وخير الأمور أعدلها وأوسطها (ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم) هذا أشبه بالاستدراك لما تقدم، وان على الإنسان أن يبتعد عن أسباب الخصومة مهما أمكن، لأنها مزلق خطر، تؤدي الى الأحقاد والضغائن، ومتي غلت نار الحقد في الصدور فلا يخمدها دين ولا عقل، ولا شيء إلا الثأر بكل ما يقدر عليه الحاقد حتى الإبادة.

وتجدر الإشارة إلى أن أي إنسان يتمنى موت منافسه على رئاسة دينية أو زمنية أو أي شيء آخر، ان هذا الحقود لا يؤتمن على الدين، ولا يجوز أخذه عنه، ولا الصلاة خلفه، لأن قلبه مأوى الشياطين والله سبحانه لا يضع دعوة الإسلام إلا في قلب رؤوف رحيم بجميع العالمين على السواء والمنافسين له والمتابعين.

299 - مَا أَهَمِّنِي ذَنْبٌ أُمْهِلْتُ بَعْدَهُ حَتَّى أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.

ليس هذا إغراء في فعل الذنوب مع العزم على التوبة، بل تحذيرا من المعصية خوفاً من مفاجأة الموت قبل التوبة وطلب المغفرة، وحثاً للمذنبين على الإسراع إلى الإنابة قبل فوات الأوان (واسأل الله العافية) لأن ترك الذنب أهون من طلب العفو، وقال من قال : «ما كان أغناها عن الحالين».

300 - وَسُئِلَ (كَيْفَ يُحَاسِبُ اللهُ الْخَلْقَ عَلى كَثْرَتِهِمْ) فَقَالَ : كما يَرْزُقُهُمْ عَلى كَثرَتِهِمْ، فَقِيلَ كَيْفَ يُحَاسِبُهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ. فقَالَ : كَما يَرْزُقُهُمْ وَلاَ يَرَوْنَهُ.

• الله سبحانه على كل شيء قدير، يرزق العباد في لحظة، ويحاسبهم كذلك.. يدرك الأبصار ولا تدركه رازقاً ومحاسباً، لأنه تعالى ليس مادة تحس. وفي أسفار الملا صدرا : «في قدرة الله تعالى أن يكشف الخلائق في لحظة واحدة، ويعلم جميع أعمالهم وميزان حسناتهم وسيئاتهم. ويصح هذا تفسيراً للآية 62 من سورة الانعام «ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين» والآية 50 من سورة القمر «وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر».

301 - رَسُولُكَ تَرْجَمَانُ عَقْلِكَ، وَكِتابُكَ أَبْلَغَ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ.

• ان فعل الإنسان وسلوكه أقوى في الدلالة على عقله ومشاعره من كلامه، وإرسال كتابه مع رسول يختاره يجمع بين دلالة الفعل بالاختيار، وبين دلالة القول وأسلوبه الذي ينم عن شخصية الكاتب. والملاحظ أن نقاد الأدب في هذا العصر يحللون شخصية الكاتب في ضوء أسلوبه حيث لا يمكن ضبط الأسلوب بقواعد محددة، لأنه مختلف ويتعدد بتعدد طبيعة الكاتب وبديهته.

302 - مَا الْمُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلَاءِ بِأحوج إلَى الدُّعَاءِ مِنَ المعافى الَّذِي لاَ يَأْمَنُ البَلاء.

• كل ما يجوز وقوعه من المخاطر يجب الحذر منه والاستعداد له، والمعافى في معرض السقم والبلاء، فينبغي أن يحترز هو، وندعو له نحن بدوام عافيته،

ودفع الضرر عنه تماماً كما ندعو للمبتلى بالشفاء، ومن هنا يعمل الأطباء من أجل الوقاية كما يعملون من أجل العلاج.. وعن المعصوم : «الدعاء في الرخاء يستخرج الحوائج عند البلاء.. ومن سره أن يستجاب له في الشدة فليكثر الدعاء في الرخاء. وبعد، فإن الغرض من ذلك أن لا تأمن المخبات والمفاجآت «أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ - 99 الأعراف».

303 - النَّاسُ أَبْنَاء الدُّنْيَا، وَلاَ يُلامُ الرَّجُلُ عَلى حب أمِّه.

• يلتقي هذا مع النظرية القائلة : ان الإنسان ابن الظروف المحيطة به، وان لها أعظم الأثر في تكوين مشاعره، وانه لا يتغير إلا إذا تغيرت ظروفه الاقتصادية والاجتماعية.. حتى الجماد تكيفه البيئة وتجعله ملائماً لطبيعتها، ولا تنافر أبداً بين الدين وهذه النظرية، لأن رسالة الأنبياء تحمل الدعوة الى تغيير الأوضاع والاصلاح من الجذور.

304 - إِنَّ المِسْكِينَ رَسُولُ اللهِ، فَمَنْ مَنَعَهُ فَقَدْ مَنَعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَعْطَى الله.

• المراد بالمسكين صاحب الحاجة مهما كان نوعها، والمراد برسول الله هنا أمره تعالى وطلبه، والمعنى ان من يأته صاحب حاجة يقدر على قضائها وردها ولم يقضها - فقد رد أمر الله وعصاه.. وعن المعصوم وعن المعصوم : ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أشد سروراً بقضاء حاجة المحتاج من صاحبها. وسبق الكلام عن ذلك في الرسالة 50 والحكمة 100.

305 - مَا زَنَى غَيُورٌ قط.

• من وطأ فراش غيره وطأ الناس فراشه، ومن زنی بنسائهم زنوا بنسائه

قال ابن أبي الحديد : «ولو في عقب عقبه، وقد جُرب هذا فوجد حقاً». وتقدم الكلام عن ذلك في الحكمة 251.

306 - كَفَى بِالأجل حارساً.

• «فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ - 34 الأعراف». قال الشيخ محمد عبده في تفسير المنار : ليس هناك أسباب للموت غير الأجل المقدر عند الله، فإن الوباء يعم ومع ذلك يفتك بالشاب القوي، ويترك الشيخ الهزيل، وكم من ضربة قتلت هذا دون ذاك، ولو كانت هذه أسباباً مطردة لظهر أثرها في الجميع دون استثناء.

307 - يَنَامُ الرَّجُلُ عَلى الشكلِ وَلاَ يَنَامُ عَلَى الْحَرَبِ.

• الثكل : فقد الأولاد، والحرب - بفتح الراء - سلب المال، والأول بقضاء الله وقدره، والرضا به والصبر عليه عقل وايمان، والثاني ظلم واعتداء، والسكوت عنه ذل وهوان.

308 - مَوَدَّةُ الْآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ إِلَى المَوَدَّةِ أحوج مِنَ المَوَدَّةِ إلَى القَرَابَةِ.

• للصداقة بين الآباء أثرها في الأبناء، وكذلك العداوة. وقلنا في شرح الحكمة 210: لا خير في قرابة لا مودة معها، وقال أبو فراس :

هيهات لا قربت قربى ولا رحم*** يوماً اذا أقصت الأخلاق والشيم

كانت مودة سلمان لهم رحماً ***ولم تكن بين نوح وابنه رحم

309 - اتَّقُوا ظُنُّونَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الله تعالى جعل الحق على السنتهم.

• المراد بالظنون هنا الفراسة، وهي ظن يوافق الصواب - في الغالب - وبها يوصف الأذكياء. قال الشاعر العربي :

الألمعي الذي يظن بك الظن*** كان قد رأى وقد سمعا

ولكن الإمام وصف بها المؤمنين تبعاً لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيث قال : «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» : أي بنور الحق، لأنه لا يته يتهم أحداً ويسيء به الظن إلا بالقرائن القطعية التي لا يتطرق اليها شك على العكس من غيره الذي يحكم باللمحة، ويحزم بالظنة.

وبعض الفقهاء يعتمدون على الفراسة في إثبات الحق. وألف ابن القيم كتاباً خاصاً في ذلك أسماه «الطرق الحكمية أو الفراسة المرضية» ونقل عن بعض الصحابة والعلماء القول بالاعتماد على الفراسة !. ولا أعرف أحداً من علماء الإمامية أخذ بها في إثبات الحق لقوله تعالى : «إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا - 36 يونس» فأي ظن لا يدل على اعتباره دليل قاطع من الشرع فهو والوهم سواء. أما قول النبي وعلي عن فراسة المؤمن فهو بعيد عن موضوع إثبات الحق، والمراد به مجرد ثبوت الوصف للمؤمن وكفى.

310 - لَا يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَكُونَ بِما فِي يَدِ اللهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِما في يَدِهِ.

• قال الشارحون : المراد بأوثق الوثوق بالرزق من الله. وقال الشيخ محمد عبده : المراد به الوثوق بثواب الله على عمل الخيرات ونحن مع هذا الشيخ لقول الإمام : «لا يصدق إيمان»، فإن التصديق بيوم الحساب والوثوق بالجزاء

فيه هو أصل الأصول في الإيمان، وبدونه لا إيمان بحق، وبدونه لا إيمان يحق، وسبق منا القول : ان الإيمان بالله وحده دون الإيمان باليوم الآخر لا بجدي نفعاً.

311 - وَقَالَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ وَقَدْ كَانَ بَعَثَهُ إِلَى طَلْعَةَ وَالزُّبَيْرِ لما جاءَ إِلَى الْبَصْرَةِ يُذكَرُهُمَا شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ و آله) فِيمَا يُعْنِيهُمَا فَلَوَى عَنْ ذلِكَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ : (إِنِّي أُنسِيتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ). فَقَالَ : إِن كُنتَ كَاذِبًا فضربك الله بها بيضاء لامعة لا تُوَارِيهَا العِمَامَةُ (يَعْنِي الْبَرَصَ، فَأَصَابَ أَنساً هَذَا الدَّاءُ فِيما بَعْدُ في وجْهِهِ فَكَانَ لا يُرَى إلا مبرقعاً).

• قال الشيخ محمد عبده : روي ان أنساً كان في حضرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو يقول لطلحة والزبير. «انكما تحاربان علياً، وأنتما له ظالمان». ويتفق قول الشيخ محمد عبده قول الشريف الرضي وميثم. أما ابن أبي الحديد فقال :

«المشهور ان علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ناشد الناس الله في الرحبة بالكوفة، وقال : نشدكم الله رجلا سمع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول لي، وهو منصرف من حجة الوداع : من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فقام رجال فشهدوا بذلك، فقال علي لأنس بن مالك : لقد حضرتها فما بالك ؟. فقال : يا أمير المؤمنين كبرت سني وصار ما أنساه أكثر مما أذكره فقال الإمام : إن كنت كاذباً ضربك الله بها بيضاء لا تواريها العامة. فما مات حتى أصابه الرص وقد ذكر ابن قتيبة حديث البرص والدعوة التي دعا بها أمير المؤمنين (عليه السلام) على أنس، ذكر ذلك في كتاب (المعارف) باب (البرص) من أعيان الرجال، وابن قتيبة غير متهم في حق علي على المشهور من انحرافه عنه».

وسواء أكان السبب الموجب لدعوة الإمام على أنس هو حديث حرب الجمل

أم حديث من كنت مولاه - فإن الله سبحانه قد استجاب دعوته باتفاق الرواة، ومعنى هذا ان أحد الحديثين ثابت بشهادة الله وآيته الساطعة في جبهة انس بن مالك.. هذا الى ان الحديثين ثابتان بالتواتر. (أنظر كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة، الفصل 38 و 152 من المقصد الثاني).

312 - إِنَّ لِلْقُلُوبِ إقبالاً وَإدْبَارًا فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِضِ.

• المراد بالإقبال هنا حضور القلب، وتصور الموت وسكراته، والقير ووحشته، وهول الموقف غداً وحسابه، والخوف من الله وعظمته، والهيبة من مخاطبته، والمراد بالإدبار الذهول عن ذلك والانصراف الى دنيا شاغلة لاهية.

وفي المناجاة والعبادة نكهة وحلاوة لا يحسها أحد كائناً من كان إلا مع هذا الإقبال تماماً كالطعام الطيب لا تشعر بلذته إلا مع الهوى فيه. ويقول الإمام : اذا صادفتك ساعة رحمانية، تصورت فيها مصيرك وآخرتك، وخفت من عذاب الله، ورجوت ثوابه - فاغتنم هذه الفرصة الذهبية، وأكثر من ذكر الله، وادعه وناجه، وائل من آياته، وصلَّ النوافل وعقب وسبح، ولا تقتصر. على الفريضة وحدها.. واذا كنت في مشغلة شاغلة عن الله وناره وجنته فلا تتعب نفسك بحركات جافة جامدة لا تدفع عنك ضراً، ولا تجلب لك نفعاً.. ولكن إياك والتهاون في الفريضة مقبلاً كنت أم مدبراً، لأن الله أمر بها بلا قيد الإقبال، ولا بد من الطاعة على كل حال.

ويتفق هذا مع قول الفقهاء بأن العبادة على قسمين : عبادة تؤديها على شرطها، ولكن بلا إقبال، وهذه صحيحة مجزية كافية، ولكنها غير مقبولة أي تسقط عنك التكليف وتحررك من العقاب والمسؤولية، ولكن لا تستحق الثواب عليها. وعبادة تجمع كل ما يعتبر فيها مع الإقبال التام، وهذه صحيحة ومجزية ومقبولة أيضاً أي تستحق عليها الأجر والثواب من الله تعالى.

313 - فِي الْقُرْآنِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ ما بَعْدَكُمْ وَحُكُمُ مَا بَيْنَكُمْ.

• يرينا القرآن صور الكائنات أمثالاً وأضداداً، ويخبرنا عن الأمم الماضية، والقرون الخالية، وعن مصيرنا وعاقبة أمرنا.. وأيضاً فيه تفصيل لأحكام ما نحتاجه في سلوكنا وحياتنا. وسبق الكلام عن ذلك في العديد من الموارد، منها في الخطبة 181 والرسالة 46.

314 - رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا الشَّرُّ.

• المراد بالحجر هنا الشر بدليل قوله : (فإن الشر لا يدفعه إلا الشر) والمعنى اقضوا على العنف بالعنف، قال سبحانه، قال سبحانه : «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ - 39 الأنفال» - «إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ - 73 الأنفال».

315 - قَالَ لِكاتِبِهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ رَافِعِ : أَلِق دَوَاتَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ، وَفَرْجُ بَيْنَ السُّطُورِ وَقَرْمِطَ بَيْنَ الْحُرُوفِ فَإِنَّ ذلِكَ أَجدَرُ بِصَبَاحَةِ الخطّ.

«قال الشيخ القمي في كتاب «الكنى والألقاب» : كان أبو رافع مولى لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأعتقه وقال : إن لكل نبي أميناً، وأبو رافع أميني. ولزم الإمام بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكان صاحب بيت ماله بالكوفة، وله كتاب و السنن والأحكام والقضايا»، وهو أول من جمع الحديث، وكان ابناه عبيد الله وعلي كاتبين عند الإمام.

(ألق دواتك) أي أصلح مدادها. يقال : لاق الدواة يليقها اذا أصلح

مدادها، كما في قواميس اللغة (واطل جلفة قلمك) الجلفة - بكسر الجيم - فتحة القلم التي بها يستمد المداد (وفرج بين السطور) وسع بينها (وقرمط بين الحروف) ضيق بينها، وصباحة الشيء جماله. وهكذا كان الإمام، يتفقد العمال وعمال العمال، ويراقب حركاتهم الكبيرة منها والصغيرة، وينصح ويرشد.

316 - أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ قَالَ الرَّضِي (وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَّبِعُونَنِي وَالْفُجَّارَ يَتَّبِعُونَ المَالَ كَما تَتَّبَعُ النّحْلُ يَعْسُوبَهَا وَهُوَ رَئِيسُها).

• اليعسوب : الرئيس الكبير، والمراد بيعسوب الفجار هنا معاوية الذي اشترى بالمال دين الرجال وضمائرهم.

ونقل صاحب «فضائل الخمسة من الصحاح الستة» في الجزء الثاني عن ابن حجر في اصابته ج 7 ص 167 طبعة سنة 1853 بكلكتا و «الاستيعاب» لابن عبد البر ج ص 657 طبعة سنة 1336 هـ يحيدر آباد و «أسد الغابة» لابن الأثير ج 5 ص 287 طبعة سنة 1285 هـ بمصر، نقل عنهم وعن غيرهم : ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «علي يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين». وقال ابن أبي الحديد : «هذه كلمة قالها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومعناها ان المؤمنين يتبعون أثر علي حيث سلك، ونحو ذلك قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أدر الحق معه كيف دار».

317 - (وَقَالَ لَهُ بَعْضُ اليَهُودِ : مَا دَفَنتُمْ نَبِيْكُمْ حَتَّى اخْتَلَفْتُمْ فِيه) فَقَالَ لَهُ : إِنما أَختَلَفْنَا عَنْهُ لَا فِيهِ وَلكِنّكُمْ مَا جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ الْبَحْرِ حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ «أَجْعَلْ لَنَا إلهاً كما لهُمْ آلِهةٌ قَالَ إنكُمْ قَوْمُ تَجْهَلُون».

• لا يختلف اثنان من المسلمين في ان الله واحد، وان محمداً عبده ورسوله، وان الله يبعث من في القبور، ولكن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يحدث، فيسمعه من حضر، وينتهي حديثه الى بعض من غاب دون بعض. فيقول هذا : ما بلغني ذلك، ويقول ذاك : بلغني بلغني، وإذن فالخلاف في النقل عن النبي لا في نبوته. وتقدم مع الشرح تقسيم الحديث في الخطبة 208.

أما اليهود فقد شاهدوا بأعينهم المعجزات الباهرة في انفلاق البحر بضربة من عصا موسى ، وكيف انشق فيه 12 طريقاً يبساً بعدد الأسباط، وكيف انطبق على فرعون وجنوده وبرغم ذلك كله وقبل أن تجف أقدامهم كفروا بالله عن علم، وطلبوا بكل وقاحة وصلافة من نبي الله بالذات أن يجعل لهم صنماً يعبدونه من دون الله !.. وإذن فلا عجب إذا اعتدت اسرائيل واشتكت من الاعتداء، وانتهكت قرارات الأمم المتحدة بحجة المحافظة على شعور الرأي العام، وقتلت وهدمت وشردت بزعم الحرص على السلام.

ولا أبقى الله عربياً واحداً يحيا على وجه الأرض هذه الحياة التي نحياها حتى أنا.

318 - (وَقِيلَ لَهُ بِأَيِّ شَيْءٍ غَلَبْتَ الْأَقْرَانَ ؟) فَقَالَ : مَا لَقِيتُ) رَجُلاً إِلَّا أَعَانَني عَلى نَفْسِهِ.

• الخوف يرافق الانسان ويلازمه منذ ولادته حتى يومه الأخير الأخير، فهو يخاف من الموت ومن الفقر والمرض والفشل وغير ذلك، ومتى سيطر على الإنسان الخوف من شيء أعماه عن غيره حتى لا يكاد يتصور معه شيئاً آخر وقد شاع وذاع عن الإمام أنه ما بارز بطلاً إلا وأرداه قتيلاً، ومن هنا كان البطل إذا برز للإمام وجهاً لوجه أخذ الجزع بمجامع قلبه، ولا شيء أقسى على الإنسان وأشد وطعاً من شعوره بأنه مقتول لا محالة، فكان هذا الشعور المدمر القاتل عوناً للإمام على خصمه.

319 - وَقَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ : يَا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الفَقْرَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْهُ فَإِنَّ الفَقْرَ مَنقَصَةُ الدِّين مَدهَشَةٌ لِلْعَقلِ، دَاعِيَةُ لِلْمَقت.

• انظر شرح قوله : «الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة» الحكمة 55 وقوله : «الفقر الموت الأكبر» الحكمة 162.

320 - وَقَالَ لِسَائِلِ سَأَلَهُ عَنْ مُعْضِلَةٍ : سَلْ تَفَقُها وَلَا تَسْأَلُ تَعَنتاً، فَإِنَّ الجَاهِلِ المُتَعَلَّمَ شَبِيهُ بِالْعَالِم، وَإِنْ الْعَالِم الْمُتَعَسِّفَ شَبِيهُ بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ.

• المعضلة : المشكلة، وتفقهاً : تعلماً، وتعنتاً : طلباً للغلبة وإظهار الخطأ، والمتعسف : الساعي على غير هدى ويومىء هذا الجواب من الإمام إلى أن السائل سأله ممتحناً لا مستفهماً، وفرق كبير بين من يسأل ليعلم ويعمل، وبين من يسأل ليتعاظم بالصلف والوقاحة.. ذاك ينشد طريق الهدى والنجاة، وهذا ينحرف عنه الى التيه والظلمات.

321 - (وَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يُوَافِقُ رَأْيَهُ) : لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وَأَرَى، فَإِنْ عَصَيْتُكَ فَأَطِعْني.

كان ابن عباس قد أشار على الإمام بما يأتي فأجابه بأن لك الحرية التامة بكل

ما تشير، ولي أن انظر وأرى، فإن اتفق الرأيان فذاك، وإلا فعليك الطاعة لإمامك.

قال العقاد في كتاب «عبقرية الإمام» : أشار ابن عباس وغيره على الإمام أن يقر معاوية في الشام، ويكتب لطلحة بولاية البصرة، وللزبير بولاية الكوفة. فقال الإمام : «لا أداهن في ديني، ولا أعطي الدنية من أمري». ثم أطال العقاد في الجواب عن ذلك، ويتلخص بأن الإمام كان قد أشار على عثمان أكثر من مرة بعزل معاوية، فكيف يناقض نفسه بنفسه ؟ وإذا ناقض رأيه الأول وأقر معاوية فهل يسكت عنه الذين قتلوا عثمان من أجل معاوية وأمثاله ؟.

وإذا هو أعطى العراقين : الكوفة والبصرة لطلحة والزبير - تملكا الرقاب، واستعمالا السفيه بالمال، وضربا الضعيف بالبلاء، وقويا على الإمام وانقلبا عليه أقوى مما كانا بغير ولاية.. فرأي الإمام الذي ارتضاه هو الأسلم والأصوب من رأي مخالفيه.

322 - وَرُوِيَ أَنَّهُ (عَلَيْهِ السلامُ) لا وَرَدَ الكوفة قادماً مِنْ صِفِّينَ مَرَّ بِالشَّيَامِيِّينَ فَسَمِعَ بُكَاءِ النِّسَاءِ عَلى قَتْلَ صِفِّينَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ حربُ ابْنُ شُرَحَبِيلَ السَّبَامِي وَكَانَ مِنْ وَجُوهِ قَوْمِهِ. فَقَالَ لَهُ : تغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلى مَا أَسْمَعُ، أَلَا تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هَذَا الرِّنينِ (وَأَقْبَلَ يَمْشِي مَعَهُ وَهُوَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) رَاكِب فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) لَهُ) : ارْجِعْ فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي وَمَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ.

• الشباميين : جمع شبامي، والشبام - بكسر الشين - عود يوضع في فم الجدي كيلا يرضع حليب أمه، والشباميون : حي من العرب، والمراد بالرنين هنا الصوت.

والفقهاء يجيزون البكاء على الميت حتى ولو كان الصوت، شريطة أن لا يتنافى مع الرضا بقضاء الله، بل قالوا : يستحب البكاء على الميت المؤمن، وقد

بكى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على ولده ابراهيم وعلى بعض أصحابه. وأيضاً يجوز النوح على الميت نثراً وشعراً إذا لم يكن معه كذب.

أما نهي الإمام هنا فله أسبابه الخاصة كشماتة المنافقين، أو تثبيط المجاهدين، أو عدم الرضا بقضاء الله وقدره، وما الى ذلك مما لا نعلم.. أما أمره شرحبيل بالرجوع فلأن الإمام كان يكره كل سبب من أسباب العزة إلا التقوى. ويأتي قوله : لا عز أعز من التقوى.

323 - (وَقَالَ وَقَدْ مَرَّ بِقَتْلَى الْخَوَارِج يَوْمَ النَّهْرَوَان) : بُوساً لَكُمْ، لَقَدْ ضَرْكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ (فَقِيلَ لَهُ مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ المؤمِنِينَ ؟ فَقَالَ) : الشَّيْطَانُ المُضِلَّ وَالأنفُسُ الْأَمَارَةُ بِالسُّوءِ غَرَّتُهُم بِالْأَمَانِي وَفَسَحَتْ لَهُمْ بِالمَعَاصِي، ووَعَدَتْهُمُ الْإِظْهَارَ فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النار.

• البؤسى : الفقر والشدة ضد النعمى، والمراد بالشيطان والنفس الأمارة الأهواء التي أعمت الخوارج عن الله وعن أنفسهم.. ومع هذا كانوا لا يرون صالحاً على وجه الأرض غيرهم، أما أمانيهم التي أشار اليها الإمام فهي الحكم والسيطرة (ووعدهم الاظهار) عطف تفسير على غرتهم الأماني وسبق الكلام عن الخوارج مرات (انظر ج 1 ص 251).

324 - اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ.

• كل حاكم لا بد وان يعتمد في حكمه على أمرين : نص من الشارع، وبينة من الخارج كوسيلة الى العلم بالمحق" والمبطل، والله سبحانه مصدر النص، وهو

بكل شيء عليم سراً كان أم علانية، وإذن فلا أمان من الحساب والعقاب لمن يعصي الله في الخفاء.

32 - (وَقَالَ لَما بَلَغَهُ قَتْلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ): إِنَّ حُزْتَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ، إِلا أَنهُمْ نَقَصُوا بَغِيضاً وَنَقَصْنَا حبيباً.

• إذا كان موت الأبرار يخزن المتقين فمن الطبيعي أن يسُر المنافقين. وفي الرسالة 34 أتى الإمام على محمد بن أبي بكر لما بلغه قتله، ووصفه بأنه كان ولداً ناصحاً، وعاملاً كادحاً، وسيفاً قاطعاً. وسبق الكلام عنه وعن مقتله في ج 3 ص 542.

326 - العُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ ستُّونَ سَنَةٌ.

• أبداً لا عذر لمن يتجرأ على الحرام ومعصية الله، لا بعد الستين ولا قبلها وما أراد الإمام بقوله هذا إلا توبيخ العاصي إذا بلغ الستين وان تعلل قبلها بالهوى والشباب فبماذا يتعلل بعد أن وهن العظم، واشتعل الرأس شيباً ؟ قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ان الله تعالى ينظر في وجه الشيخ صباحاً ومساء ويقول له : کبرت سنك، ودق عظمك، ورقّ جلدك، وقرب أجلك، وحان قدومك علي فاستح مني.

327 - ما ظفر مَنْ ظَفِرَ الْإِثْمُ بِهِ، وَالْغَالِبُ بِالشِّرِّ مَغْلُوبٌ.

• هذه الحكمة تحمل برهانها معها، وتدل على ذاتها بذاتها.. إثم. إثم وظفر !. وشر ونصر ! «عمرك الله كيف يجتمعان ؟».

328 - إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ في أموال الأغنياء أقوات الفُقَرَاء فما جَاعَ فَقِيرُ إلا بما مُتّعَ بِهِ غَنِيٌّ وَاللهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عن ذلك.

• وقف الاسلام في جانب الفقراء ضد الاستغلال والمستغلين، وأنصفهم من الأغنياء والمترفين، وجعل الفقير شريك الغني في أمواله : «وفي أموالهم حق للسائل والمحروم –19 الذاريات». وهذا الحق هو الذي عناه الإمام بقوله : (إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء).

وفي الحديث : «لو ان الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقي فقير» وبه نجد تفسير قول الإمام : (فما جاع فقير إلا بما متع به غني) والمعنى المحصل من الآية الكريمة، والحديث الشريف، وقول الإمام - ان الغني الذي منع الحق عن أهله هو الذي سلب لقمة الجائع، وسرق ثوب العاري، واغتصب مأوى من لا مأوى له.. وأيضاً هو السبب الموجب لكل جريمة في شرق الأرض وغربها تحدث بسبب البؤس والعوز ومن هنا كان عذاب الذين يكنزون الأموال أن تكوى بها «جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ - 35 التوبة».

وقال الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إن الله جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم، ولولا ذلك لزادهم، وانما يؤتون، وانما يؤتون - أي الفقراء مين منع من منعهم» وهم الأغنياء. وسبق الكلام عن ذلك مرات، منها في شرح الخطبة 127 والحكمة 162.

وتجدر الاشارة الى ان الإمام قال هذا حيث لا رأس مال وشركاته الاحتكارية تسيطر على شرايين الاقتصاد في شرق الأرض وغربها، ولا دولة أو دول كبرى تحميها وتنشيء لها قواعد عسكرية باسم دويلات أو حكومات تقوم على جماجم الشعوب، وتحرم البقية الباقية من أبسط حقوق الآدميين.

329 - الاسْتِغْنَاء عَنِ الْعُذْرِ أَعَزُّ مِنَ الصِّدْقِ به.

• ضمير «به»، يعود الى العذر، والمعنى تجنب فعل ما يوجب طلب المعذرة والتماسها حتى ولو كنت مخلصاً في طلبك، لأنه يشكل اعترافاً لمجلتك ونزقلك والندامة على ما سبق، وهذا ذل وهوان.

330 - أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ لِلَّهِ أَنْ لاَ تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ.

• القدرة على الفعل هبة ونعمة من الله سبحانه، فإذا ما عصيت الله بها فقد استعنت على غضبه ومعصيته بنعمته وهبته.. وهذا منتهى الغدر واللوم. وأحسب ان المقصود بهذا الكلام قبل غيره - من يتصور نفسه بنعمة الله كبيراً جداً، وباقي الناس كلهم تراب، وأيضاً من يعتدي بقوته على حقوق الناس وحريتهم.. وكان الأولى بذاك أن يتواضع، وبهذا المعتدي أن يخدم عباد الله وعياله شكراً على أفضاله وإنعامه.

331 - إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّاعَةَ غَنِيمَةَ الْأَكْيَاسِ عِنْدَ تَفْرِيطِ العجزة.

• المراد بالأكياس الذين يعرفون فوائد الفرصة، ويغتنمونها لعمل الخيرات، أما العجزة فهم الذين يهملون، ولا ينتهزون الفرصة حين تمر وتسنح، والمعنى ان تقصير المقصرين في بعض الحالات ربح وغنيمة لأصحاب الهمم العالية، ومثال ذلك أن يستعين بالمقصر ذو حاجة فيتثاقل ويتقاعس، فيبادر صاحب الهمة الى قضائها، فيكون له الثناء والكرامة، ولا شيء للمقصر إلا اللوم والندامة

332 - السُّلْطَانُ وَزَعَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ.

• الألف واللام في السلطان للعموم، ولذا صح الإخبار عنه بالجمع أي بالوزعة جمع الوازع، وهو الزاجر الرادع، والمعنى لا بد للمجتمع من سلطة عادلة أو جائرة وإلا اختل النظام وعمت الفوضى.. وقال ميثم وقال ميثم : «أراد الإمام السلطان العادل.. ولا يتفق هذا القول ما جاء في الخطبة 40 : لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي».

333 - المُؤمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ، وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ. أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً. يَكْرَهُ الرَّفْعَةَ، وَيَشْنَو السُّمْعَةَ. طَوِيلٌ غمّه بَعِيدٌ هَمَّهُ. كَثِيرٌ صَمْتُهُ. مَشْغُولُ وَقتُهُ. شَكُورٌ صَبُورٌ مَغْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ. ضَنِينٌ بِخَلّتِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَيِّنُ العَرِيكَةِ. نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ وَهُوَ أَذَلُّ مِن الْعَبْدِ.

• تقدم الكلام عن المؤمن وصفاته في العديد من المناسبات، منها في شرح الخطبة 191 والحكمة 288، ولذا نوجز في الشرح ما أمكن.

1 – (بشره في وجهه، وحزنه في قلبه) يحمل نفسه على الصبر، ويروضها على احتمال المكاره، ولا يشكو حاجته لغير الله.

2 - (أوسع شيء صدراً) يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه.

3 – (وأذل شيء نفساً) للحق والمستضعفين.

4 – (يكره الرفعة، ويشنأ السمعة) ويشنأ السمعة لا يعتز إلا بالله والتقوى.

5 – (طويل غمه) خوفاً من غضب الله.

6 – (بعيد همه) يطلب الرفعة والعلو عند الله لا عند الناس.

7 – (كثير صمته) دائم التفكير فيما عليه من واجبات، والقيام بها على الوجه الأكمل.

8 – (مشغول وقته) يعمل في الليل والنهار تماماً كما يعملان فيه.

9 – (شکور صبور) شكور عند الرخاء، صبور عند البلاء.

10 - (مغمور بفكرته) : من غمره الماء إذا غطاه، كناية عن شغلهفيما هو مسؤول عنه أمام الله والناس.

11 – (ضنين بخلته) الضنين : البخيل، والخلة : الحاجة، أي لا يظهر فقره للناس.

12 - (سهل الخليقة، لين العريكة) يألف ويؤلف، والخليقة : الطبيعة، ومثلها العريكة.

13 - (نفسه أصلب) في الحق (من الصلد) من الحجر الصلب، وفي الخطبة 191 : «ترى له قوة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين».

14 - (وهو أذل من العبد) كناية عن خشوعه وتواضعه.

334 - لَوْ رَأَى الْعَبْدُ الأَجلَ ومَصِيرَهُ لَأَبْغَضَ الْأُمَلَ وَخُرُورَهُ.

• السبب الأول للعمل في الحياة الدنيا، والاغترار بها، والتنافس عليها هو الأمل.. ومن البداهة لو ان الانسان يعلم متى يموت، وماذا يحدث له بعد الموت - لا نقطع منه الرجاء والأمل، وبالتالي فلا علم ولا عمل، ولا تجارة وشطارة، ولا غرور وخداع.. فسبحان الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً.

335 - لِكُلِّ امْرِى فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ : الْوَارِثُ وَالْحَوَادِث.

• كل الناس يحبون المال والثراء، وهم على علم اليقين بأن لهم فيه شريكين :

الوارث والحوادث، وأيضاً الإمام يعلم بأنهم على علم ويقين من ذلك، ولكنه أراد أن يلفت أنظارهم الى الشريك الثالث، وهو السائل والمحروم

336 - الدَّاعِي بِلَا عَمَلِ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ.

• الوتر : أحد أجزاء القوس، ولا يصيب السهم بدونه، ونسبة العمل الى استجابة الدعاء تماماً كنسبة الوتر الى السهم. قال سبحانه : «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي - 186 البقرة». وسبق الكلام عن الدعاء مراراً، منها في شرح الحكمة 134.

337 -الْعِلْمُ عِلْمَانِ : مَطبُوعُ وَمَسْمُوعٌ، وَلَا يَنفَعُ المَسْمُوعُ إذَا لَمْ يَكُنِ المَطْبُوعُ.

• العلم نوعان : علم بالطبع والوجدان، كعلم الانسان بأنه يفكر وانه موجود، وعلم بالبحث والنظر، كجميع العلوم بشتى أنواعها، ومن أجلها تأسست الجامعات والمختبرات. ويقول الإمام : إن البحث والنظر يذهب سدى إلا : مع الغريزة المدركة وقوتها وسلامتها وهذا عين الصواب، فكل العلماء والفلاسفة الكبار والمخترعين وأهل الفن الخالدين هم عباقرة متفوقون في القابلية والاستعداد، وفي العقل والذكاء.

338 - صَوَابُ الرَّأْي بِالنُّولِ يُقْبِلُ بِإِقْبَالِهَا وَيَذْهَبُ بِذَهَابِهَا.

• المراد بالدول هنا الأيام، والمعنى ان الناس يكتشفون من غنى المرء إقبال الدنيا عليه، ومن فقره إدبارها عنه، ولو تأملوا قليلاً لاكتشفوا إقبال الدنيا عليه من صواب رأيه وبعد نظره، واكتشفوا إدبارها عنه من جهله وكثرة أخطائه،

لأن صواب الرأي وحسن التصرف بلا مال - خير من الحمق وسوء التدبير مع الثراء والكثرة.

339 - الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَالشَّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى

• الفقر داعية للمقت، كما قال الإمام لولده محمد بن الحنفية في الحكمة 318، والعفة داعية للحب. والحسنات يذهبن السيئات وعلى الأقل - خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، أما الشكر والتواضع مع الغنى فخير على خير.

340 - يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَوْرِ عَلَى الْمَظْلُوم.

• تقدم في الحكمة 240.

341 - الْغِنَى الْأَكْبَرُ اليَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ.

• مالك وللتعرض لأوساخ الناس، وطلب الصدقات.؟ ألست إنساناً ؟ وكيف تصبر على الهوان ولا تصبر على العوز ؟ أتقول : انا فقير ؟. اكتسب ولو ثمن الرغيف من أي عمل، فالقناعة بقوت من لا يموت مع الكرامة والإباء خير الف مرة من التذلل والتسول، واليأس يغنيك عن المذلة والخسة والدناءة، وهذا هو الغنى الأكبر بشهادة الإمام. وسبق الكلام عن ذلك في شرح الحكمة 57 ويأتي قول الإمام مرة ثالثة أو أكثر : لا كنز أغنى من القناعة..

341 - الْأَقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ، وَالسَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ وَ «كُلُّ نَفْسٍ بَما كسَبَتْ رَهِينَةٌ». وَالنَّاسُ مَنْقُوصُونَ مَدْخُولُونَ إلا

السرائر

مَنْ عَصَمَ اللهُ. سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتُ، وَمُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفُ. يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَأيَا يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأيهِ الرَّضَى وَالسُّخَطُ، وَيَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنكُوهُ اللَّحْظَةُ وَتَسْتَحِيلُهُ الكَلِمَةُ الواحدة.

• (الأقاويل محفوظة) : «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ - 18 ق» يسجل للحساب والجزاء (والسرائر مبلوة) : «إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ - 9 الطارق»، حيث يتميز الخبيث منها من الطيب «كل نفس بما کسبت رهينة - 38 المدثر» أي مرهونة بعملها إن خيراً فخير وإن شراً فشر (والناس منقوصون) أصابهم النقص في العقل والدين (مدخولون) دخلت فيهم العيوب والرذائل (سائلهم متعنت) لا يسأل طلباً للعمل، بل للمصارعة والملاكمة.

(مجيبهم متكلف) يدعي من العلم ما ليس فيه، ويتعرض لما لا يعنيه (يكاد أفضلهم رأياً يرد عن فضل الرضا والسخط) العالم فيهم منحرف عن قصد السبيل يعطي لمن يرضى عنه حق الآخرين، ويبخس حق من غضب عليه (ويكاد أصلبهم عوداً تنكؤه اللحظة، وتستحيله الكلمة الواحدة). نكأ القرحة : قشرها قبل أن تبرأ، والمراد هنا عدم الثبات والاستقرار، وتستحيله الكلمة : تغيره من حال الى حال، والمعنى ان أحسن من فيهم يتقلب مع أهوائه، أو خوفاً من الناس أي لا صالح فيهم اطلاقاً.

343 - مَعَاشِرَ النَّاسِ اتَّقُوا اللهَ فَكَمْ مِنْ مُؤمل مَا لَا يَبْلُغُهُ، وبَان مَا لَا يَسْكُنُهُ، وَجَامِعَ مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ. وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جمعَهُ، وَمِنْ حَقٌّ مَنَعَهُ. أَصَابَهُ حَرَاماً، واحتمَل به آثاماً، فَتاء

بوِزرِهِ، وَقَدِمَ عَلى رَبِّهِ آسفا لاهفا قَدَه «خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ»

• كل ما جاء في هذه الحكمة تكرر مرات بلفظه أو معناه، ويتلخص بأن أكثر آمال الانسان في هذه الحياة أوهام وسراب، وأيضاً هو يكافح ويبني ويجمع من حل وحرام، ثم يذهب الى ربه لا مال حمل، ولا بناء نقل.. تاركاً كل، شيء فالمهنأ لغيره، والعبء على ظهره (أنظر الخطبة 107 و 112 والحكمة 190).

344 - مِنَ الْعِصْمَةِ تَعَذَرُ الْمَعَاصِي.

• أبداً لا فرق من حيث عدم المؤاخذة والعقاب بين من ترك القبيح والحرام عجزاً عنه مع الرغبة فيه، وبين من تركه تنزهاً عنه، وهو قادر عليه. ولكن لهذا ثواب الطاعة دون ذاك.

345 - مَاءَ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ السُّوَّالُ فَانظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ.

• المراد بماء الوجه هنا الكرامة، أي احفظ عليك كرامتك بالكف عن السؤال وطلب العون إلا من الله سبحانه.. فإن أحوجك الدهر الى مخلوق فاسأل أهل المروءات والنجدة، واياك وسؤال اللثيم فإنه لا يتعامل إلا على أساس الرغبة والرعية.

3- الثَّنَاءِ بِأكثرَ مِنَ الاسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ وَالتَّقْصِيرُ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ عِيٌّ وَحَسَدٌ.

• المراد بالملق هنا الرياء، والعي : العجز عن الكلام، والمعنى لا تخرج في المديح عن حد الاعتدال، لأنك إن أسرفت فيه فأنت مراء، وإن قصرت فأنت عاجز عن الإفصاح، أو ان الحسد قد أكل قلبك، وأخرس نطقك.

347 - أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهُ .

• كلنا يذنب ويخطىء، ومن ادعى غير ذلك فقد أقام الدليل من نفسه على ذنبه وخطئه، ومن اقترف ذنباً وقال : هذا هين وبسيط فقد أضاف ذنباً إلى ذنب. والمؤمن الحق يخاف من ذنبه، ويطلب الصفيح من ربه.

348 - مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ اسْتَغلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ. وَمَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلى مَا فَاتَهُ. وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ. وَمَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطِبَ. وَمَنِ أَفْتَحَمَ اللجَجَ فَرِقَ. وَمَنْ دخلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ أَتَّهِمَ. وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤهُ. وَمَنْ كثرَ خَطَؤُهُ قَلّ حَيَاؤُهُ. وَمَنْ قَلّ حَيَاؤُهُ قَلّ وَرَعُهُ. وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ. وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ. وَمَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ فأنكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فَذَاكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ. وَالْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِير. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ كلامه مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ.

• من عرف نفسه وعيوبها، وحاول التخلص منها - يستحيل في حقه أن يذكر عيوب غيره، ويعيره بما هو فيه، ومن تنازل عن الطمع والشره فقد أراح نفسه

من الهموم والمتاعب، ووقاها شر الرذائل والمآثم، أما الظالم فله يوم ولو بعد حين، ومن أثار الفتن والشغب والحروب - أحرقته بنارها، ومن وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن إلا نفسه

(ومن كثر كلامه كثر خطأه). سبب الخطأ الحركة، ومن لا يقول ولا يفعل لا يخطىء بطبيعة الحال، ومعنى هذا ان كثرة الخطأ في الكلام تقاس بكثرة دوران اللسان وثرثرته، وإن كثرة الخطأ في الأفعال تقاس بكثرة الحركات والاندفاعات بلا وعي (ومن كثر خطوه) اعتاد عليه، وصار له طبيعة ثانية، ومن كان كذلك (قل حياؤه) حيث لا ضمير يحاسبه على شيء (ومن قل حياؤه قل ورعه) لأن الحياء من الايمان، ولا ايمان لمن لا حياء له، والعكس بالعكس (ومن قل ورعه مات قلبه) من لا يتورع عن شيء لا يشعر بالمسؤولية، وهذا هو موت القلب بالذات.

وبعد، فقد علمتنا التجربة ان الذين يتكلمون كثيراً لا يفعلون شيئاً، وانه حيث يوجد الضعف والفراغ توجد الثرثرة والكلام الفارغ، ومن أراد شاهداً على ذلك فليستمع الى قادة العرب وأقوالهم واذاعاتهم، وما يقولون ويقررون في المؤتمرات والحفلات.

(ومن مات قلبه دخل النار) حيث لا وازع له ولا رادع عن الأسواء والأوباء (ومن نظر في عيوب الناس).. من فعل ما ينكره على غيره فقد أقام الدليل من نفسه على انه مجرم وهذا هو الجنون بعينه (والقناعة مال لا ينفد) تقدم بالحرف الواحد في الحكمة 57 وتكرر في الحكمة 228 وغيرها (ومن أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير) لأن ذكره يميت الشهوات ويحقر الدنيا (ومن علم ان كلامه الخ).. الكلام يدرك بحاسة السمع، وكل ما يدرك بإحدى الحواس الخمس فهو مادة حتى النور، واذن فلا فرق بين الكلام وبين سائر الأعمال من حيث نسبتها الى الفاعل ومن حيث الثواب والعقاب. وقال كاتب وعالم فرنسي : (إن أسلوب الانسان هو الانسان..) (إلا فيما يعنيه) أي ينفعه كما انه لا يعمل إلا ما يعود عليه بالخير والصلاح. وكل ذلك تقدم أكثر من مرة.

349 - لِلظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثُ عَلَامَاتِ : يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالمَعْصِيَةِ، وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَيُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظُّلَمَةَ.

• الظلم : وضع الشيء في غير موضعه مادياً كان أو معنوياً، ولا يختص بالضرب والسلب، ومن هنا صح إطلاق كلمة الظالم على من خالف واعتدى وافترى، فمن عصى الخالق، أو نسب الى المخلوق قولاً أو فعلاً بغير علم، أو حقر محترماً، أو قسا على ضعيف فهو ظالم والعادل الملتزم يحترم من فوقه، ويرحم من دونه، ويتعاون مع نظيره على الخير، أما الظالم المستهتر فيحتقر من فوقه، ويقسو على من دونه.. ولكنه يتعاون ولكنه يتعاون مع ظالم على شاكلته للقاسم المشترك بين الاثنين، وهو الإثم والعدوان.

350 - عِندَ تَنَاهِي الشِّدَّةِ تَكُونُ الْفُرْجَةُ. وَعِنْدَ تَضَايقِ حَلَقِ البَلاء يَكُونُ الرَّعاه.

• قال سبحانه : «فإن العسر يسراً، ان العسر يسراً - 5 الانشراح». وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «أضيق الأمر أدناه الى الفرج»، والغرض من هذه الاطلاقات أن لا نيأس عند الشدة، ونجتهد في السعي مع التوكل على الله والاعتصام به.. هذا، الى أن الفرج يأتي – في الغالب - بعد الشدة، كما هو المشاهد ولذا قيل : ضيقي تنفرجي.

351 - لَا تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغْلِكَ بِأهْلِكَ وَوَلَدِكَ، فَإِن يَكُن أَهْلُكَ وَوَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اللهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَوْلِيَاءَهُ وَإِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللهِ فَما هَمكَ وَشْغَلُكَ بِأَعْدَاء الله

• الاهتمام بالولد غريزة في الإنسان والحيوان على السواء.. حتى نوح نادى ربه حين خاف الغرق على ابنه وقال : «رب ان ابني من أهلي - 45 هود» بل يحرم شرعاً التقصير في السعي من أجل الأهل والولد، ولذا نهى الإمام عن كثرة الشغل لا عن أصله، أما قوله : (فإن يكن أهلك الخ)..فمعناه اعمل ما يجب عليك للعيال والأطفال، ودع الأمر فيما زاد على الواجب الى الحكيم المدبر

352 - أكْبَرُ العَيْب أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ.

• لا واحد منا إلا وفيه عيب.. وان كان له شبه العذر في عيبه للآخرين مما ليس فيه فأي عذر له في عيب ما فيه مثله أو أكثر ؟ ولا أعرف أحداً أحق باللوم من هذا. وتقدم مراراً.

353 – (وَهَنَّا بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ رَجُلاً بِغُلام وُلِدَ لَهُ لِيُهْنِكَ الْفَارِسُ) فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : لا تَقُلْ ذَلِكَ، وَلكِنْ قُلْ : شَكَرْتَ الوَاهِبَ وَبُورِكَ لَكَ فِي المَوْهُوبِ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ.

• بلغ أشده أي صار رجلاً، ورزقت بره أي طاعته وحسن معاملته، وهذا تعليم وإرشاد الى خلق الإسلام وآدابه، وقال ابن أبي الحديد هذه الكلمة كانت شعاراً في الجاهلية، فنهى عنها الإمام.

354 - (وَ بَنَى رَجُلٌ مِنْ عَمَالِهِ بِنَاء فَخماً) فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) : أَطلَعَتِ الْوَرِقُ رُؤُوسَهَا إِنَّ البِنَاء يَصِفُ لَكَ الْغِنَى.

• الورق - بفتح الواو وكسر الراء - الفضة أو الدراهم، والمراد بها هنا الغنى لقوله : (ان البناء يصف لك الغنى) بل أبلغ واصف، وأقوى دليل عليه، وكل من يرى بناء فخماً يقول : صاحبه من الأغنياء ويومىء قول الإمام الى ان غنى العامل كان على حساب المستضعفين.

355 - وَقِيلَ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : لَوْسُدّ عَلَى رَجُلٍ بَابُ بَيْتِهِ وَتُرِكَ فِيهِ مِنْ أَيْنَ كَانَ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ؟ فَقَالَ : مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِ أَجَلُهُ.

• كل حي يحمل معه سبب موته أينما كان ويكون، ولا يحمل الغذاء الذي فيه قوامه فكيف صح قياس ذاك على هذا؟ الجواب : يريد الإمام أن الأجل والموت يقع من حيث لا نعلم، وكذلك الرزق قد يأتي من حيث لا تحتسب فإذا أراد الله بقاء المسجون في قيد الحياة - هيأ له أسباب الرزق من كل طريق ولو كان غير مألوف ولا معروف، کنزول مائدة من السماء.. انه على كل شيء قدير : «قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ - 37 آل عمران».

356 - (وَعَزَّى قَوْماً عَنْ مَيْتِ مَاتَ لَهُمْ) فَقَالَ : إِنَّ هذا الأمْرَ لَيْسَ بِكُمْ بَدَا وَلَا إلَيْكُمْ أنتَهى. وَقَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هذَا يُسَافِرُ فَعُدُّوهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَإِلا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ

• المراد بالأمر هنا الموت، والمعنى ليس الموت بالشيء الغريب الجديد، فقد كان قبلكم، ويبقى بعدكم، وإذا لم يعد هذا الميت فأنتم عليه قادمون لا محالة.

357 - أَيُّهَا النَّاسُ لِيَرَكُمُ اللهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجَلِينَ كَما يَرَاكُمْ مِنَ النّقْمَةِ فَرِقِينَ، إِنَّهُ مَنْ وَسُعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أمِنَ مَخُوفاً. وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيِّعَ مَأْمُولاً.

• وجلين وفرقين أي خائفين، والمراد بالمأمول هنا الأجر والثواب، والمعنى ان كنتم في نعمة فاحذروا أن تزول عنكم من حيث لا تعلمون، وقولوا في أنفسكم: ربما كانت هذه النعمة عارية لمجرد الإملاء والإمهال، ومن أمن المخبات فقد أمن الغوائل، وأيضاً من كان في شدة ونكبة فعليه أن ينظر اليها كامتحان من الله : هل يصبر أو يكفر ؟ ومن كان كذلك التزم بحدود الله وقيوده، ومن جهل أو تجاهل هذا الامتحان فلا يؤجر على بلاء ومصاب.

358 - يَا أَسْرَى الرَّغْبَةِ أَقْصِرُوا فَإِنَّ الْمُعَرّجَ عَلى الدُّنْيَا لاَ يَرُوعُهُ مِنْهَا إلا صريف أنياب الْحِدْثَانِ. أَيُّهَا النَّاسُ تَوَلَّوْا مِنْ أنفُسِكُمْ تَأدِيبَهَا وَأَعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضَرَاوَةِ عَادَاتِهَا.

• اقصروا : كفوا، والمعرج : المائل، والحدثان - بكسر الحاء - المصائب، والصريف : صوت الأسنان، والضراوة : الاندفاع. والمعنى تحرروا من الأهواء، ولا تثقوا بالدنيا : واحذروا كآبة المنقلب، واملكوا أنفسكم، واردعوها عن قبيح العادات والتقاليد.. وتكررت هذه الوصايا مرات. والمهم أن نعرف سبيل التوازن والاعتدال بين الهوى والمصلحة.. وعلى أية حال فإن للوعي أثره في حفظ التوازن، والمقصود من الوصايا والمواعظ التوعية والتذكير.

359 - لَا تَظنَنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءًا وَأَنتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخير محتملاً.

• لا تتهم أحداً بسم ما دام لكل ظاهر باطن، فإذا كان ظاهر الكلام أو بسوء الفعل حسناً أو لا قبح فيه فخذ به واعتمد عليه حتى يثبت العكس،، وان كان سيئاً فاحجم ولا تأخذ بهذا الظاهر، فربما كان الواقع على خلافه إلا اذ انكشف كالشمس، ولا سبيل للتأويل. وتقدم الكلام عن ذلك في الحكمة 113.

360 - إذَا كَانَتْ لَكَ إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةُ فَابْدَأَ بِمَسْأَلَةِ الصَّلاةِ عَلى رَسُولِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه)ِ ثُمَّ سَلَ حَاجَتَكَ فَإِنَّ اللهَ أَكرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ فَيَقْضِيَ إحْدَاهُمَا وَيَمْنَعَ الْأُخْرَى.

• معنى صلاة الله على نبيه الكريم أن يرفعه الى الدرجة العليا فوق الأنبياء والملائكة، ولا شك ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في هذه الدرجة صلينا عليه أم لم نصل، والغرض من صلاتنا عليه ودعائنا له بعلو المنزلة عند الله هو مجرد الشكر لفضله علينا بالهداية، ولتعظيم ذكره تماماً كما نعبد الله شكراً وتعظيماً، وهو غني عن العالمين.

ويقول الإمام : صل على النبي، ثم سل حاجتك من الله، فإن الصلاة على نبيه محبوبة له تعالى : وأمرنا بها في الآية 56 من سورة الأحزاب : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا». وهذه الصلاة خير وسيلة لقضاء الحاجات، لأن الله - كما أشرنا - يحبها، ومن أجلها يحب ما يتبعها ويقترن بها، ولا معنى لحبه حاجاتنا إلا قضاؤها ولو بعد حين، أو يعوضنا عنها ما هو خير وأبقى.

361 - مَنْ ضَنّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعْ المِرَاء

• ضن : بخل، والعرض - بكسر العين وسكون الراء - ما يصونه الإنسان من نفسه، يقال : هو نقي العرض أي لا شيء فيه يوجب الذم، والمراد بالمراء هنا الخصومة والملاحاة، والمعنى واضح : لا تخاصم الناس ان كنت حريصاً على حسن السمعة والسيرة، فإن الخصومة تظهر العيوب. وتقدم الكلام عن الخصومة في الحكمة 3 و 297.

362 - مِنَ الْخُرْقِ المُمعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ وَالْأَتَاهُ بَعْدَ الفُرْصَةِ.

• الخرق - بضم الخاء وسكون الراء الحمق، والمعنى : الأمور مرهونة بأوقاتها، فمن تعجلها قبل الأوان، أو توانى حين تسنح الفرصة فهو أحمق. وقال حكيم خبير : الإنسان الناجح هو الذي يعرف كيف ينتهز الفرصة حين تمر واذا ذهبت فمن الصعب أن تعود.

363 - لَا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ فَفِي الَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغل.

• دع ما لا تقدر عليه الى ما تقدر عليه، ومن تكلف ما يعجز عنه فاته ما يقدر عليه، وخسر الأمرين معاً.

364 - الْفِكْرُ مِرْآةُ صَافِيَةٌ وَالِاعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ. وَكَفَى أدباً لِنَفْسِكَ تَجَنَّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ.

المراد بالفكر العقل السليم الذي ينتقل بالإنسان من معلوم الى مجهول، من

شاهد الى غائب، كالعلم بالتناسق والانسجام العجيب بين قوانين الكون، فإنه ينقلنا الى العلم بوجود المكون، وتقدم في الحكمة 280 لا يغش العقل من استنصحه، والمراد بالاعتبار الاتعاظ بحوادث الدهر ونكباته، وكفاك تثقيفاً وتهذيباً لنفسك أن ترك ما تستقبحه من غيرك. وتقدم في الرسالة 30 : «واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك».

365 - العِلْمُ مَقْرُونُ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمٌ عَمِلَ، وَالعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلا ارْتَحَلَ عَنْهُ.

• العلم تنوير الأرض بالكهرباء، وطائرات وسفن فضاء، وتحويل البحر الى عذب فرات، والصحراء الى جنات، وعمليات جراحية، وعقول الكترونية، وأنابيب يتدفق منها نفط الشرق الى الغرب أبحراً، وكل أسباب الحضارة وأدوات الإنتاج والراحة وما يهدي البها هي علم ودين وأخلاق أيضاً هذا وكل ما يرضي الله سبحانه ويقربنا اليه هو علم عند الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو الذي أراده وعناه بقوله : (العلم مقرون بالعمل الخ).. وما اهتدت العقول الى هذه الحقيقة إلا بعد التقدم العلمي المذهل، وعلى أساسها تم تصحيح الكثير الفلسفات من والنظريات القديمة.

وقبل أن يموت الرياضي الكبير أينشتين أوصى بتشريح محه ليعرف العالم كله : هل يختلف مخ العالم عن مخ الجاهل، وبعد التشريح الدقيق تبين ان مخ الأحمق تماماً كمخ العبقري المبدع، ومعنى هذا ان الفرق الأول والأخير بين الاثنين هو العمل وما يهدي اليه وتسأل : ولكن الله قال : «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ - 9 الزمر»، ولم يقل : الذين يعملون والذين لا يعملون ؟

الجواب، وأيضاً قال سبحانه : «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ - 28 فاطر». والمراد بخشية الله هنا العمل بطاعته، وعليه تكون هذه الآية بياناً وتفسيراً لآية وان المراد بالعلم فيها هو العمل بالذات.. هذا الى آيات كثيرة تدل بصراحة

ان الحساب والجزاء غداً على العمل لا على مجرد العلم، منها «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ - 30 آل عمران». «وتُوفَّى كل نفس ما عملت - 111 النحل». وقال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «والذي بعثني بالحق نبياً لا ينجي إلا عمل مع رحمة» أي مع مصلحة ومنفعة، ويدلنا هذا على ان العلم بلا عمل لا يجدي شيئاً، كما يدلنا أيضاً ان كل عمل فهو هباء إلا ما يخدم الحياة، ويجعلها أكثر خصباً وعدلاً وأمناً.

فالعلم عند الله سبحانه هو العمل النافع، وعنه أخذ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأخذ الإمام جميع معتقداته وآرائه عن رسول الله.. حتى رأيه في المرأة، وأثبتنا ذلك

في شرح الخطبة 78 فقرة (علي والمرأة) وفي شرح قوله : «المرأة شر كلها» في الحكمة 237.. وقد تبين معنا الآن، ونحن نشرح قول الإمام : (العلم مقرون بالعمل الخ).. ان مصدر هذا القول هو كتاب الله وسنة نبيه مع العلم بأنه يتفق تماماً مع قول سقراط : «من عرف الخبر يتجه الى عمله حتماً، ومن وقع في الشر فمرده الى الجهل به».. فإن كان نهج البلاغة منحولاً - كما زعم المشككون - لأن بعض ما فيه يتفق مع الفلسفة اليونانية التي عرفها المسلمون في عصر متأخر عن عهد الإمام، إن كان النهج منحولاً لهذا السبب فعلى من ارتاب فيه أن يرتاب أيضاً في كتاب الله وسنة نبيه، لأن بعض ما فيهما يتفق مع الفلسفة اليونانية، ومن ذلك ان العلم بلا عمل ليس بشيء.

366 - يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَامُ مُوبيء فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاهُ. قُلْعَتُهَا أَحْطَى مِنْ طُمَأنِينَتِها، وبلغتها أَزْكَى مِنْ ثَرْوَتِهَا. حكم عَلى مُكَثِيرِ بِهَا بِالْفَاقَةِ وَأعِينَ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَةِ. وَمَنْ رَاقَهُ زِبْرِجهَا أعقبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهَا. وَمَنِ اسْتَشعَرَ الشَّغَفَ بِهَا مَلات ضَمِيرَهُ أَشجَاناً لهُنَّ رَقص عَلى سُوَيْدَاء قَلْبِهِ هَمّ يَشْغَلُهُ وَهمّ يَحْزُنُهُ، كَذَلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بكظِمهِ فَيُلْقَى بِالْقَضَاءِ، مُنقَطِعاً أَبْهَرَاهُ هَيِّناً عَلى اللَّهِ فَنَاؤُهُ وَعَلى

الإخْوَانِ الْقَاوُهُ، وَإنّما يَنظُرُ المؤمِنُ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الأَعْتِبَارِ وَيَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْنِ الأَصْطِرَارِ، وَيَسْمَعُ فِيهَا بِأُذُنِ المَفْتِ وَالْإِبْغَاضِ إنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ أَكْدَى. وَإِنْ فُرِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ حُزنَ لَهُ بِالْفَناء. هذَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ يَوْمٌ فِيهِ يُبْلِسُونَ.

• الحطام : ما يتكسر من اليابس، وموبىء : من الوباء أي المرض العام والقلعة - بضم القاف - الرحلة، يقال : هذا منزل قلعة أي هذا منزل قلعة أي هو للرحيل لا للبقاء، وأحظى : أسعد، والبلغة : الكفاف، والمكثر : الغني، والفاقة : الفقر، وغني عنها استغنى عما زاد على الكفاف، وراقه : أعجبه، والزبرج : الزينة، والكمه : العمى منذ الولادة، والمراد بالرقص هنا الحركة، وسويداء القلب حبته وقوامه، والكظم : مخرج النفس، والأبهران : عرقان متصلان بالقلب ومنها تتشعب كل الشرايين، وإلقاؤه : طرحه في القبر، وبطن الاضطرار يعطي البطن على قدر الضرورة، وأثرى : استغنى، وأكدى : بخل في العطاء، ويبلسون : ييأسون.

عاد الإمام الى الدنيا وشرها وغدرها، وإنمها وسمها، وبطشها وفتكها، وهدف الإمام التأكيد على ان الدنيا لا تطلب لذاتها، بل كوسيلة الى الآخرة، وان الانسان خلق لهذا لا لتلك.. ولكن ما هو السبيل الذي يجعل الانسان ينظر الى الدنيا كوسيلة لا غاية ؟ ولا جواب عند الإمام إلا الواقع فهو بطبعه يدعو الانسان ويفرض عليه أن ينظر من خلاله الى كل شيء. واذا سأله مرة ثانية : وأي شيء يُلزم الانسان بذلك ؟ كرر الجواب بحروفه حيث لا شيء عند الإمام إلا الواقع، ويطلب من الناس أن يكونوا على طرازه وهم يأبون إلا العيش في عالم آخر، ولا يستجيبون لدعوته، ويصر هو عليها، ولهذا الإصرار اغتالوه غيظاً وحنقاً.

367 - إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ الثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ وَالْعِقَابَ عَلى مَعْصِيَتِهِ دَيَادَةٌ لِعِبَادِهِ عَنْ نَقْمَتِهِ وَحِيَاشَةً لَهُمْ إِلَى جَنْتِه..

• زيادة : دفعاً، وحياشة : جذباً. ان الله سبحانه وهب لعبده القدرة، والعقل، والارادة، وأمره ونهاه، ووعده بالجنة ان أطاع، وتوعده بالنار ان عصى. والعبد بالقدرة يفعل، وبالعقل يميز وبالإرادة يختار، والطمع في الجنة بجذبه الى الطاعة، والخوف من النار يدفعه عن المعصية.

368 - (وَرُوِي أَنْهُ قَلَّمَا اعْتَدَلَ بِهِ الْمِنْبَرُ إِلَّا قَالَ أَمَامَ خُطْبَتِهِ): أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ فَمَا خُلِقَ أَمْرُهُ عَبَثاً فَيَلْهُوَ، وَلَا تُرِكَ سُدّى فَيَلْغُوَ. وَمَا دُنْيَاهُ الَّتي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفِ مِنَ الْآخِرَةِ الَّتِي قَبْحَهَا سُوء النَّظَرِ عِنْدَهُ. وَمَا الْمَغْرُورُ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الدُّنْيَا بِأَعْلى هِمّتِهِ كَالْآخر الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الْآخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ.

• الله عز وجل عليم حكيم، والحكيم منزه عن اللغو والعبث.. وليس المهم ان يعرف الإنسان لماذا خلق ووجد، ولكن المهم أن يعرف ما يجب عليه من العمل لحاضره ومستقبله، ونعيم الدنيا مهما عظم فإنه ليس بشيء إذا قورن بأدنى شيء. من نعيم الآخرة، وأي إنسان يظفر بالقليل من خيرها فهو أغنى وأسعد ممن ملك الدنيا بكاملها وحرم من نعيم الآخرة، ولكن الدنيا تتحبب للمغرور فيها بالعاجلة، وتعميه عن مصدره وآخرته.

369 - لَا شَرَفَ أعلى مِنَ الإِسْلَام. وَلَا عِنْ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى وَلَا مَعْقِلَ أَحْصَنُ مِنَ الْوَرَعَ. وَلَا شَفِيعَ أَنجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ. وَلَا كَفْرَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ. وَلَا مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ الرِّضَى بِالْقُوتِ. وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلى بُلْغَةِ الكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ وَتَبَوَّا خَفْضَ الدَّعَةِ. وَالرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النِّصَبِ وَمَطيَّةُ النَّعَبِ. وَالْحِرْصُ وَالكِبْرُ وَالْحَسَدُ دَوَاعَ إلَى التَّقَحُم في الذُّنُوبِ. وَالشَّرُّ جَامِعُ مَسَاوِي الْعُيُوب.

• في الخطبة 150 حدد الإمام أمير المؤمنين الإسلام بأنه «اسم سلامة، وجماع. كرامة». والسلامة هي العيش بلا مشكلات، والكرامة هي حصانة الحرية وصيانتها من الاعتداء، ولا شرف فوق ذلك.. وأيضاً لا عز ولا ذل إلا بعد العرض على الله، وهو سبحانه لا يتقبل إلا من المتقين، ولا حصن من عذابه إلا لأهل الورع عن حرامه، ولا وسيلة للعفو عن الذنوب إلا التوبة.

(ولا كنز أغنى من القناعة) تقدم مع الشرح في الحكمة 57، والجملة بعده عطف تفسير.. والخفض من العيش هو الواسع الهنيء، والدعة - بفتح الدال مع التشديد - الراحة والاطمئنان، والمراد بالرغبة هنا الطمع، وعطف التعب على النصب للبيان والتفسير.

(والحرص والكبر والحسد دواع الى التقحم في الذنوب). الحريص يكنز المال ولا ينفقه فيما بجديه ويجدي الناس، والحاسد يفتري ويحقد على المحسود، والمتكبر يتعالى بغير الحق، وكل أولاء رذائل وآثام. قال كونفوشيوس : لا تتصور كبيراً حتى لا ترى الناس صغاراً. وبالتالي كل عيب ورذيلة تسمى شراً، ولذا كانت كلمة الشر جامعة لكل رذيلة، مانعة لكل فضيلة. وكل ما في هذه الحكمة تقدم مرات.

370 - يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمَانُ لَا يَبْقَى فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ وَمِنَ الْإِسْلَام إِلَّا اسْمُهُ. مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ البَنَى خَرَاب مِنَ الْهُدَى. سُكَّاتُهَا وَعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الْأَرْضِ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ وَالَيْهِمْ تَأْوِي الْخَطِيئَةُ يَرُدُّونَ مَنْ شَدَّ عَنْهَا فِيهَا. وَيَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : «في حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلى أُولَئِكَ فتنة»، أترك الخليمَ فِيهَا خَيْرَانَ، وَقَدْ فَعَلَ. وَنَحْنُ نَسْتَقِيلُ الله عَثْرَةَ الْغَفْلَةِ.

• (لا يبقى فيهم من القرآن إلا رسمه) كالتلاوة والطباعة الجيدة أما سلامة القلب وصلاح العمل فشيء آخر لا يهم أبدا .. ولا تدعو اليه الحاجة، وتقدم مثله في الخطبة 145 (ومن الإسلام إلا اسمه) وهو الإقرار باللسان دون العمل بالتعاليم والأركان كالجهاد من أجل الدين والوطن والحرية والكرامة !..

ان الإسلام عزة ومنعة، قال سبحانه :، قال سبحانه : «والله العزة ولرسوله وللمؤمنين - 8 المنافقون». فأي مجتمع يدعي الإسلام، ثم يعيش في الوهن والتخلف والذل والانحطاط فما هو من الإسلام في شيء. لقد كان المسلمون يبذلون المهج والأرواح في سبيل دينهم وحريتهم، ولا أعرف اليوم مجتمعاً أو بلداً مسلماً يحمل هذه الروح ان فيه الكثير من المساجد والمآذن والمراسم والعمائم. وتقدم مثله في الخطبة 101.

(وعمارها شر أهل الأرض) لأنهم يسيرون من ذل الى ذل، ومن ضعف إلى ضعف ولا يجاهدون في سبيل الحق وإعلاء كلمته، فالزعماء يتناحرون على الكراسي، ويشترونها بدينهم وأمتهم. والعلماء منهم من يتلهف على الرياسة، وآخر على وظيفة القضاء والإفتاء. وثالث يتلقى الوحي من مكاتب الاستخبارات، ويشتري بعهد الله ثمناً قليلاً. ورابع لا يشعر بالمسؤولية تاركاً جماعة المسلمين جاهلة بأهم أحكام الإسلام، غافلة عما يراد بها وبدينها ووطنها. وأتحدى أن يُذكر اسم عالم واحد في هذا العصر نهى طاغية عن منكر، وجابهه بكلمة حق.

(منهم تخرج الفتنة، واليهم تأوي الخطيئة) ضمير «منهم وإليهم»، يعود الى قادة السوء من رجال الدين والدنيا، كما هو المفهوم من قرينة السياق وطبيعة الوضع والحال، والمراد بالفتنة هنا ظهور الفساد والضلال في البر والبحر، والمعنى ان قادة السوء هم سبب البلاء، وأصل الداء (يردون من شذ عنها فيها الخ).. ينكلون بمن يأبى السير في ركابهم ويحملونه بشتى أساليب الضغط على أن يكون لهم من الأذناب والأتباع.

(يقول الله سبحانه في حلفت الخ).. المراد بالفتنة هنا العذاب، والمعنى ان الله سبحانه كتب على نفسه أن يسوم قادة الضلال والفساد سوء العذاب، ولا يجدون ولياً ولا نصيراً (وقد فعل) ذلك بالأمم الماضية وعلينا أن نتخذ منهم العبرة (ونحن نستقيل الله عثرة الغفلة) عن طاعته، لأنها سبب الأسباب لسيطرة الهوى على العقل والقلب، ولكل ضلال وانحطاط. وتقدم الكلام عن ذلك في الخطبة 101 و 145 وفي الحكمة 101.

371 - (وَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ يَا جَابِرُ) قوَامُ الدُّنْيَا بِأَرْبَعَةِ : عَالِمٍ مُسْتَعْمِل عِلْمَهُ، وَجَاهِلِ لَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يتعلّم وَجَوَادٍ لَا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ، وفَقِيرِ لَا يَبيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ فَإِذَا ضَيّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أنْ يَتَعَلَّمَ، وَإِذَا بَخِلَ الْغَني بمعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ، يَا جَابِرُ مَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ الله عَلَيْهِ كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَمَنَ قَامَ لِلهِ فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرْضَهَا لِلدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهَا بِما يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ.

• المراد بالدنيا الحياة الدنيا، وهي لا تستقيم وتنتظم إلا بعنصرين :

1 - العلم الذي يهدي الى العمل بالحق والخير والعدل، ويقي الحياة من الشرور والمشكلات، وقوام العلم بجهود العالم والمتعلم، ولا يتحقق الغرض المقصود منه

إلا إذا عمل العالم بموجب علمه، ووضعه في مكانه اللائق.. وإذا اتخذ العالم من علمه أداة للصوصية، والاعتداء والاستعلاء عمت الفوضى وانتشر الفساد، وتختلفت الأمة، واستنكف الجاهل أن يأخذ العلم من هذا الضال المضيل.

2 - المال الذي يخدم الحياة، ويسد حوائج المحتاجين، وتتداوله الأبدي في الصالح العام، أما المال الذي يمسك في البنوك والمصارف، أو ينفق على الإسراف والتبذير، أو أسلحة الخراب والدمار فهو شُر ووبال على الإنسانية ومصيرها (وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه) حيث يدفعه العوز والحرمان الى ارتكاب الجرائم.. وما وجدت الشيوعية والاشتراكية تربية أخصب من بيئة البؤس والفقر، ومن هنا يصح القول : ان المترفين الذين يسرفون أو يكنزون ولا يبذلون في سبيل الله والصالح العام، ثم يحاربون الشيوعية والاشتراكية هم السبب لوجودها وانتشارها

(من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس اليه). ان مسؤولية الانسان تقاس بطاقته ومقدرته، فمسؤولية القادة غير مسؤولية الأتباع، وواجب الأغنياء غير واجب الفقراء، ووظيفة العلماء غير وظيفة الجهلاء فعلى القادة أن يعملوا جاهدين على تحقيق ما يتطلبه المستضعفون من حياة عادلة، وعيشة راضية، وعلى الأغنياء أن يبذلوا الخدمة الحياة وتقدمها، وعلى العلماء أن ينكروا المنكر من أولاء وأولئك.

(فمن قام لله فيها الخ).. إذا عمل الراعي بالعدل والمساواة أحبته الرعية وكانت أطوع له من بنائه، ودافعت عنه وعن سلطانه دفاعها عن نفسها ومصالحها، وبهذا يثبت حكمه ويستقر، وإلا ثارت عليه واقتلعته من الجذور حين تسنح الفرصة.. وكذلك العالم يثق الناس به، ويقدسون مقامه إذا نفعهم بعلمه وإلا انصرفوا عنه، ونعتوه بكل قبيح.

372 - (وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي لَيْلَى الْفَقِيهِ - وَكَانَ لِمَنْ خَرَجَ لِقِتَالِ الْحَجاج مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ - أَنَّهُ قَالَ فِيمَا كَان يَحُضُ بِهِ النَّاسَ عَلى الجِهَادِ : إِنِّي سَمِعْتُ عَلِيًّا

(عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ يَوْمَ لَقِينَا أَهْلَ الشَّامِ) : أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِنَّهُ مَنْ رأى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ وَمُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ فَأَنكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وبرء»، وَمَنْ أَنكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أَجْرَ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ومَنْ أَنكَرَهُ بِالسِّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ هِيَ السُّفْلَى فَذلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ الْهُدَى وَقَامَ عَلى الطَّرِيقِ وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ.

• هل يوجد إنسان على وجه الأرض يرى ظلماً وعدواناً يعمل به فيقره ولا يشعر بقبحه وشناعته ؟ وقد يبدو هذا السؤال غريباً للوهلة الأولى، لأن المفروض وقوع الظلم والعدوان، والوقوع بذاته دليل قاطع على الإمكان، لأنه فرع عنه.. وغرضنا من هذا السؤال هو الإشارة إلى أن الانسان بفطرته يستنكر الظلم، فإن اقترفه فبسبب خارج عن الذات، وقول الإمام : (فقد سلم وبرىء (معناه : من عجز عن دفع المنكر بيده ولسانه، ولكن مقته وأيقن بتحريمه فهو إنسان طيب، ولا مبرر لمؤاخذته، ويأتي البيان في الحكمة التالية، لأنها أشبه بالشرح والتفصيل لهذه الحكمة، ولذا قدمها الشريف الرضي بقوله : وفي كلام آخر له يجري هذا المجرى، وهو التالي :

373 - فَمِنْهُمُ الْمُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ فَذَلِكَ المُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ الْخَيْرِ، وَمِنْهُمُ المُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَالثَّارِكُ بِيَدِهِ، فَذَلِكَ مُتَمَسكَ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَمُضَيعُ خَصْلَةٌ ومِنْهُمُ الْمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ والتاركُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ فَذَلِكَ الَّذِي ضَيّعَ أَشْرَفَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلَاثِ وَتَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ، وَمِنْهُمْ تَارِكُ لإنكَارِ المُنكَرِ

بلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ فَذَلِكَ مَيِّتُ الأحياء، وَمَا أَعْمَالُ البرّ كلها وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجيٍّ، وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنكَرِ لَا يُقَرِّبَان مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ. وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كله كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ.

• من حضر وشاهد فعلاً تتفق العقول على قبحه وتحريمه، لا بد أن يتخذ لنفسه موقفاً منه سلبياً أو إيجابياً، والمراد بالموقف السلبي أن يتجاهل ما يرى، كأنه لم يكن شيء.. أو لا علاقة له بما كان من قريب أو بعيد وليس من شك ان هذا مجرم خارج على الدين والعقل والعرف، بل لا يستحق اسم الإنسان بمعنى الكلمة، وقد نعته الإمام في هذه الحكمة بميت الأحياء. وأكثر علماء هذا العصر أو الكثير منهم يرون الباطل ولا يشعرون، والسر ما أشار اليه الإمام من أنهم موتى بين أحياء : «ما لجرح بميت إيلام».

وأسوأ من هذا وأعظم جرماً من يرضى بالمنكر ويشجعه، لأن العامل بالظلم، والمعين عليه، والراضي به - شركاء أما إذا وقف منه موقف الغاضب المنكر فينظر : هل أنكر بكل ما لديه من طاقة، أو ببعضها. واليك التفصيل :

1 – (المنكير للمنكر بيده ولسانه وقلبه، فذلك المستكمل الخصال الخير) أي أدى ما عليه كاملاً وافياً، وقام بالواجبات الثلاثة، ولم يترك واحداً منها. ولم يشر الإمام الى دفع المنكر بالمال إذا دعت اليه الحاجة، وكذلك فعل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين قال : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». والسبب الموجب لترك الإشارة الى المال في باب الأمر بالمعروف هو أن بذل المال يدخل في باب الأخماس والزكوات، وأيضاً يذكر في آيات الجهاد وأحاديثه كقوله تعالى : «انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ - 41 التوبة». وقول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «من جهز غازياً فقد غزا»، فأغنى ذكره هناك عن ذكره في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2 - (المنكر بلسانه وقلبه والتارك بيده الخ).. قام هذا بواجبين من الثلاثة، وعليهما يثاب، وأهمل الثالث وهو الإنكار باليد، فيلام عليه ويؤاخذ، حيث ترکه مع القدرة عليه، كما هو الغرض المفهوم من قول الإمام : «ومضيع خصلة»لأن معنى مضيع مقصر لا قاصر، وقادر لا عاجز.

3 - (المنكر بقلبه والتارك بيده ولسانه الخ).. أدى واجباً واحداً وأهمل اثنين وهذا هو الإيمان الضعيف، أو الأضعف، أو لا إيمان إطلاقاً بمعناه الصحيح، وإنما هو خطرات وتصورات. وسبق ان نقلنا عن أصول الكافي قول الإمام جعفر الصادق : «الإيمان عمل كله، ولا إيمان بلا عمل». أي لا أجر وثواب على إيمان مجرد عن عمل محسوس ملموس..

(ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده للخ).. وأشرنا اليه في صدر هذا الكلام (وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله الخ).. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جامع الخصال الخير بكاملها بما فيها خصلة الجهاد، ومانع من خصال الشر بأسرها إذا توافرت في صاحبه الصفات التي ذكرها الإمام جعفر الصادق بقوله : «ان صاحب الأمر بالمعروف يحتاج الى ان يكون عالماً بالحلال والحرام، فارغاً فارغاً من خاصة نفسه مما يأمر به وينهى عنه، ناصحاً للخلق، رحيماً بهم رفيقاً لهم، داعياً باللطف، صابراً على ما يصيبه منهم وبسببهم لا يكافئهم على ما يؤذونه به، بل ولا يشكو ذلك، بل ولا يشكو ذلك، ولا يستعمل الحمية، ولا يغتاظ لنفسه، مجردا نيته لله وحده، مستعيناً به، مبتغياً لوجهه، فإن خالفوه صر، وان وافقوه شكر، مفوضاً أمره الى الله، ناظراً الى عيبه».

وليس من شك ان الأمر بالمعروف مع هذه الصفات يأتي بخير الثمار، ولا يعادله شيء إلا (كلمة عدل عند إمام جائر) لأن قائلها ما أبقى عذراً لمتخوف ومتهاون بصراحته وجهره بكلمة الحق مهما كان ثمنها. وأبلغ ما قرأت عن هذه الجرأة والتضحية : ان الأديب العالم المعروف بابن السكيت كان يوماً في مجلس المتوكل المبغض المعلن بالعداء للإمام أمير المؤمنين، فقال لابن السكيت : هل ولداي : المعتز والمؤيد أحب إليك أم الحسن والحسين، فقال له : ان قنبراً خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ولديك.. فأمر المتوكل بسل لسانه من قفاه فسل، ومات في ساعته، وابن سكيت هذا هو القائل :

يصاب الفتى من عثرة بلسانه ***وليس يصاب المرء من عثرة الرجل

فعثرته في القول تودي برأسه ***وعثرته في الرجل تبرا على مهل

وهكذا تفعل العقيدة بصاحبها : لا يقف في وجهها حاجز اذا بلغت أشدها. قال غوستاف لوبون : «هؤلاء قليلون، ولو كثروا لقلبوا العالم». وتكلمنا حول الأمر بالمعروف في شرح الخطبة 154.

374 - أَوَّلُ مَا تُعْلَمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ثُمَّ بِالْسِنَتِكُم ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِف بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً وَلَمْ يُنْكِرُ مُنْكَراً قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَأَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ.

• ينطبق هذا ويصح في حق العرب والمسلمين في عصرنا انهم يغلبون على أمرهم ، ولا يجدون حيلة، ولا وسيلة للدفاع عن أنفسهم بالسلاح، أو الاحتجاج باللسان ووسائل الإعلان على المسيطرين والغالبين، وبالتالي يتبخر الإيمان من القلوب ويعيش الجميع في هاوية الوهن والهوان.

ولم يشر الإمام الى هوية الغالبين وتحديد شخصيتهم. وقال بعض الشارحين : هم المستعمرون الأجانب !.. والصحيح انهم قادة السوء الذين يسيرون في ركاب كل طامع وغاصب حرصاً على كرسي الحكم ولو بالاسم والرسم ومن البداهة ان أية جماعة لا يمكن أن تخوض معركة من المعارك إلا بقيادة أمين مخلص، ولا سبيل الى الجهاد بالقلم واللسان، لأن الطغاة هم المسيطرون على وسائل الدعاية والإعلام، ومتى ترك الجهاد يداً وبياناً لسبب أو لآخر يذهب على مدى الأيام الإيمان من القلوب، ولا يبقى لإنكار المنكر بشتى أنواعه أثر ولا عين.. تماماً كما ینسى صاحب المهنة مهنته بالترك والهجران.

375 - إِنَّ الحَقِّ ثَقِيلُ مَرِيء، وَإِنَّ الْبَاطِل خَفِيفٌ وبِيء.

مريء : هنيء، روبيء : من الوباء : من الوباء، وهو المرض العام.. وطريق الحق شائك جداً، ما في ذلك ريب، ولكنه ينتهي بسالكه الى الراحة والأمان وطريق الباطل ورد وريحان، ولكنه يؤدي بصاحبه الى الهاوية. واليك هذه الشذرات التي التقطناها من كتاب، «هذا مذهبي» لغاندي :

«طريق الحق يتطلب من التركيز أكثر مما يتطلبه السير على الحبل، فاقل هوة تهوي بالانسان الى الحضيض... ولا أحد يستطيع أن يدرك الحق إلا بالكفاح الذي لا ينقطع إن سبيل الخير ينطوي على عذاب مستمر، ويتطلب اصطباراً لا نهاية له.. إن الخير يسير بخطوات السلحفاة، والذين يريدونه ليسوا على عجلة لأنهم يعرفون ان تطعيم الناس بالخير يتطلب وقتاً طويلاً».

376 - لَا تَأْمَنَنَّ عَلى خَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَذَابَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى «فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ»، وَلَا تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ رَوْحُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى. «إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ من روح اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ».

• دوام الحال من المحال خيراً كان أم شراً. قال سبحانه : «وتلك الأيام نداولها بين الناس - 140 آل عمران» بالاضافة الى الآيتين الكريمتين اللتين استشهد بهما الإمام، وعليه فمن كان في سعة ودعة فلا يأمن الدهر وضرباته، والدولاب ودوراته، ومن كان في ضيق وشدة فلا ييأس من الفرج والخلاص وتقدم الكلام عن ذلك مرات، أنظر شرح الخطبة 130 فقرة «فلسفة الأمل»، وشرح الخطبة 158 فقرة «الرجاء والخوف».

377 - البُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي الْعُيُوبِ، وَهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إلَى كل سوء.

• البخيل في شقاء دائم، يسعى لغيره، ويُلام على بخله، ولا ينتفع هو ولا غيره بماله، هذه حاله في الدنيا، وله في الآخرة عذاب الحريق، ولا قبح وشر وسوء وراء هذا الخسران المبين. وتقدم الكلام عن البخل والبخيل في الخطب والرسائل والحكم.

حديث موضوعي عن الرزق :

378 - الرِّزْقُ رِزْقَانِ : رِزْقَ تَطْلُبُهُ وَرِزْقٌ يَطلُبُكَ فَإِن لَم تَأْتِهِ أَتَاكَ، فَلَا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلى هَمُ يَوْمِكَ، كَفَاكَ كُلَّ يَوْمٍ مَا فِيهِ فإن تَكْنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإن اللهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ، وَإِنْ لَمْ تَكْنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ مَا تَصْنَعُ بِالهُمْ يَمَا لَيْسَ لَكَ ؟ وَلَنْ يَسْبِقَكَ إلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ، وَلَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ. وَلَنْ يُبْطِي عَنْكَ مَا قَدْ قُدّرَ لَكَ.

• تكلمنا عن الرزق مرات في (التفسير الكاشف) تبعاً للآيات الكريمة، وأيضاً تحدثنا عنه مراراً فيما سبق من هذا الكتاب تبعاً لمقالة الإمام وإشارته.. وبنينا الكلام عنه هنا وهناك على ان الرزق يرتبط بالسعي عملاً بظاهر الآية 15 من سورة الملك : «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» وحين بلغت بالشرح الى قول الإمام : «الرزق رزقان : رزق

تطلبه، ورزق يطلبك، أنعمت الفكر من جديد، ولم أعطف على ما سبق، فاهتديت الطريق - بتوفيق الله وبركة الإمام وبركة الإمام - الى ما يلي :

لكل شيء داعية وسبب، رزقاً كان أم غير رزق، لأن الله سبحانه أبى إلا أن يربط الأشياء بأسبابها، والنتائج بمقدماتها، والفرق بين الرزق وغيره يعود الى أن غير الرزق قد يمكن ضبطه وتحديده من خلال العلم بأسبابه : أما الرزق فلا يمكن ضبطه وتحديده بحال حتى من خلال العلم بأسبابه. هذا هو الفرق لا ما قاله الشارحون : ان الرزق بيد الله وحده وبلا سبب وواسطة على الإطلاق.. كلا وألف كلا.. أبداً لا رزق إلا بسبب مع توفيق الله وعنايته سوى انه لا يقدر بسببه، أما غيره فيمكن تقديره بسببه الموجب له.

• مثلاً - أستطيع أن أحدد من طبيعة الموضوع ان الكتابة عنه سوف تستغرق صفحة أو صفحتين، وان لدي من المال ما يكفي لبناء غرفة أو غرفتين، أما الرزق فلا يمكن ضبطه وتحديده حتى مع مباشرة أسبابه، فالفلاح يزرع، وينتظر الحصاد، والأمر بيد الله، فقد تكون النتيجة الخصب أو الجدب، والتاجر يعرض السلعة في حانوته، وقد تكسد أو تروج، وأيضاً قد يرتفع ثمنها أو ينخفض لسبب أو لآخر.. وكذلك الحلاق وصاحب «التكسي»، وغيرهما من أرباب الصناعة - تختلف أرزاقهم من يوم الى يوم.. حتى الموظف والعامل الدائم مظنة الفصل والطرد، ولو بإفلاس رب العمل، أو انهيار الدولة من الأساس، وأيضاً رزقهما مظنة الزيادة بارتفاع الأجور والرواتب، أو بساعات إضافية، وغير ذلك مما لم يكن في الحسبان.. وأي خبير يستطيع أن يقدر ويحدد أرباح المهربين والمغامرين ؟.

وبهذا يتبين معنا التفسير الصحيح لقول الإمام : (الرزق رزقان : رزق تطلبه) وهو الذي صممت عليه، وسعيت اليه، وجعلته نصب عينيك، وبذلت في سبيله كل جهد (ورزق يطلبك) وهو الذي لم يكن في الحسبان، ولا مر بالخيال والبال، كالفلاح يفاجأ بالخصب، والتاجر بارتفاع أثمان ما يملك من السلع والوظيفة تطرق الباب بلا علم وسعي سابق. وكم من وزير ومدير ومحافظ وسفير قرأوا خبر توظيفهم في الصحف، أو سمعوه من الاذاعة فجأة وحسين اليأس والقنوط.

(ولا تحمل هم سنتك الخ).. لا تتعجل الهم والغم لرزق مقبل، فإن يومك الآتي تماماً كيومك الماضي تجد فيه ما يكفيك، ان بقيت مع الأحياء.. وإلا فما همك وشغلك بما ليس لك، ولا أنت منه في شيء.

379 - رُبِّ مُسْتَقْبِل يَوْماً لَيْسَ مُسْتَدْبِرِهِ، وَمَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ.

• قد نشاهد حياً معافى عند طلوع الشمس نشوان من روعة الحياة وبهجتها وقبل المغيب ذهب به الموت الى حفرته، فشيّع بالبكاء والعويل. فهل من يعتبر ؟.

380 الكَلَامُ في وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ به فإذا إذا تكلمت صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ، فَأَخْزَنَ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ. فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةٌ وَجَلَبَتْ نِقْمَةٌ.

• لك أن تقول ما شئت قبل أن تتكلم، فإذا تكلمت فعليك أن تنسجم مع أقوالك وإلا ناقضت نفسك، وأقمت الحجة منها عليك (فاخزن لسانك) إلا عما يجلب خيراً أو يدفع شراً (كما تخزن ذهبك وورقك) بكسر الراء أي نقودك، والمعنى : لا فرق بين الكلام والنقود، كل منها يجب أن يملأ فراغاً ويسد حاجة (فرب كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة) وهي كلمة الجهل والحمق والغضب والعجلة، يطلقها المتسرع بلا تقدير وروية الى أين تنتهي، وماذا تهدم وتدمر. وتقدم الكلام عن ذلك مرات. أنظر شرح الخطبة 94 فقرة (السكوت).

381 - لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ، بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ، فَإِنَّ اللَّهَ

فَرَضَ على جوارحك فَرَائِضَ يَحْتَجُ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ القيامة.

• العاقل - بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة - لا يقول ما يجهل وما لا يفعل، ويكتم علمه اذا لم يجد له موضعاً، فإن صيانة العلم خير من وضعه في غير موضعه.. وأيضاً العاقل لا يتحدث عن نفسه، ولا يدخل في جدال بلا جدوى، ويحاول أن يكون أقل كلاماً، وأكثر عملاً وفهماً.

(فإن الله فرض على جوارحك الخ).. لكل عضو من لكل عضو من أعضاء الانسان حد لا يتعداه، وعمل خاص يعود على العامل ومجتمعه بالنفع والصلاح، فإذا أساء وتجاوز الحد، واستغل طاقته وأعضاءه في الإيذاء والإضرار بالآخرين كان مسؤولاً أمام الله، وحقت عليه كلمة العذاب، قال سبحانه : «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا - 36 الإسراء». وقال : «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ - 18 ق».

382 - إحذَرْ أَنْ يَرَاكَ اللهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ وَيَفْقِدَكَ عِندَ طَاعَتِهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلى طَاعَةِ اللَّهِ : وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضِعُفُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

• حث الإمام على طاعة الله، وحذر من معصيته، ولا أعرف شيئاً يطاع به الله سبحانه في عصرنا أعظم من جهاد البغي وأهله، ولا شيئاً يعصى الله به أشد من التثاقل والتكاسل عن هذا الجهاد المقدس.. أبداً لا بر اليوم ولا إحسان ولا خير عند الله يعادل جهاد أعدائه وأعداء أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذين احتلوا جزءاً من أرضنا ويخططون مع قادة الاستعمار الحديث لإذلالنا واستعبادنا نحن المسلمين وهل للإسلام من عزة وكرامة إذا كان أهله أذلاء منكوبين، وضعفاء محتقرين ؟.

383 - الرُّكُونُ إلَى الدُّنْيَا مَعَ مَا تُعَايِنُ مِنْهَا جَهلُ. وَالتَّقْصِيرُ فِي حسَنِ الْعَمَلِ إِذَا وَثقتَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنُ، وَالطَّمَانِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ الِاخْتِبَارِ عَجْز.

• المراد بالركون هنا العمل للدنيا دون الآخرة، وهذا عين الجهل، لأنه عمل يزول ويفنى، وإهمال لما يدوم ويبقى ومن أيقن بالربح وأحجم عنه فهو من الخاسرين.. ومن الجهل والحمق أن تثق بإخوان العلانية، وأنت تجهل حقيقتهم. وكل ذلك تقدم مراراً

384 - مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ أَنَّهُ لَا يُعْصَى إِلَّا فِيهَا وَلَا يُنَالُ ما عِندَهُ إلا بتركها.

• كل الآثام والموبقات من الكفر والزندقة، والظلم والغش، والكذب والرياء، والحسد والحقد والفجور والفساد، كل أولاء وما اليها لا تكون ولن تكون إلا في الدنيا، ولا مقر للشيطان وحزبه في غيرها، وكفاها بذلك سوءاً وقبحاً. والمراد بتركها ترك المحرمات.

385 مَنْ طَلَبَ شَيْئاً قَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ.

من جد واجتهد في طلب شيء ممكن الوقوع والحصول بالنسبة الى طالبه - فلا بد أن يناله كله أو بعضه ان استمر في جهاده وصبر صبر الأحرار على ما يعترضه من عقبات.

386 - مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ. وَمَا شَرٌّ بِشَرٌ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ وَكُلٌّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ مَحْقُورُ، وَكُلُّ بَلاءِ دُونَ النَّارِ عافية.

• هذا هو المقياس الوحيد للخير والشر عند الإمام، فكل ما يؤدي الى جنة الله ورضوانه فهو خير، وكل ما يؤدي الى غضبه وعذابه فهو شر. وتقدم في الخطبة 188 قوله : «فإن الغاية القيامة»، ويأتي قوله : «الغني والفقر بعد العرض على الله». ومن أجل هذا وحده طلق الدنيا ثلاثاً، وأخرجها من قلبه، ولو كان في قلبه شيء منها لنعته أبناؤها بالمعلم الأول في السياسة.

387 - ألَا وَإِنَّ مِنَ الْبَلاء الفَاقَةَ. وَأَشَدُّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ البَدَن. وَأَشَدُّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْبِ. أَلَا وَإِنَّ مِنَ النِّعَمِ سَعَةَ المَمالِ، وَأَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ المَالِ صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ البَدَنِ تَقْوَى الْقَلْب.

• الفاقة : الفقر، وهو مرض، بل الموت الأكبر كما قال الإمام في الحكمة 162 ومع هذا فإن مرض البدن أشد منه آلاماً وأوجاعاً.. وأيضاً يمنع عن الحركة والعمل بخلاف الفقر فإنه يبعث على الكفاح والنضال، وربما كان خيراً في عاقبته، فأكثر العباقرة من البائسين والمعدمين وكل إنسان يؤثر الصحة مع الفقر على الغنى مع المرض، وأشد الأمراض على الإطلاق أمراض القلب، وهي كثيرة ومتنوعة كأمراض البدن، ومنها الضلال والنفاق، والحقد والكبرياء، ولكن الناس لا يحسون بأدواء القلب، لأنها مغلفة بالشهوات تماماً كالسم بالعسل. وبالقلب يناط صلاح الجسد كما في الحديث الشريف : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذ فسدت فسد الجسد كله».

وتسأل : ان الكثير من مرضى القلوب كالمجرمين أبدانهم سليمة من الأمراض، فما هو المبرر لقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : إذا صلح القلب صلح الجسد ؟.

الجواب : مراد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بصلاح الجسد أن أعضاءه لا تجترح المآئم والمحرمات كالزنا والسرقة والقتل والضرب والكذب والغيبة، وما الى ذلك مما مما تنبع أسبابه من مرض القلب وشهواته، ولذا قال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : صلح الجسد، ولم يقل صح أو سلم.

وبعد أن أشار الإمام الى النقمة ومراتبها الثلاث قال : ان مراتب النعمة أيضاً ثلاث : عليا، وهي التقوى، ودنيا وهي سعة الرزق، ووسطى وهي صحة الجسد على العكس من النقمة بشتى أقسامها

388 - لِلْمُؤْمِنِ ثَلاَثَ سَاعَاتِ : فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ وَسَاعَةٌ يَرمّ مَعَاشَهُ، وَسَاعَةٌ يُخلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذّتِها فِيما يَحِلُّ وَيَجْمُلُ. وَلَيْسَ لِلْعَاقِل أَنْ يَكُونَ شَاخصاً إلا فِي ثَلَاثِ : مَرَمَةٍ لِمَعَاشِ، أَوْ خُطُوَةٍ فِي مَعَادٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مَحْرَم.

• لا شيء أعز من العمر، ويحدد العمر بالوقت، والوقت بالساعات، وإذن فلا شيء أعز وأغلى من الساعات، ومن هنا وجب تقنينها وتنظيمها، وقسمها الإمام على الوجه التالي :

1 - (ساعة يناجي ربه) ليس المراد بالمناجاة هنا الصلوات والدعوات، كما قال الشارحون : بل المراد - على منطق الإمام - أن يتخلى الإنسان عن أهوائه وأوهامه، ويجابه الحقيقة بجرأة وشجاعة، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب، كما قال الإمام في الخطبة 88 و 220 فيذكرها بالله وأيامه، وأنها قادمة عليه، وماثلة بين يديه للحساب والجزاء، وانه لا نجاة لها إلا بتقوى الله والعمل الذي يعود على العامل وسواه بالخير والصلاح.

2 - (ساعة برم معاشه) يرمّ : يُصلح، والمعنى على الإنسان أن يعمل لمطالب الحياة وحاجاتها بالوسائل المشروعة كي تستقيم وتستمر في طريقها القويم، وقال العلماء : ان الانسان خليفة الله في أرضه لعمارتها وإصلاحها والعيش من خيراتها، قالوا هذا في تفسير الآية 30 من سورة البقرة : «اني جاعل في الأرض خليفة»

3 - (ساعة يخلي بين الخ).. هذه الساعة للتنفيس بالمتعة والراحة، وهي استجمام للقلب ونشاط وقوة منعشة للساعة الأولى والثانية.. وأنا محروم من هذه الساعة، ومالي وما لي اليها من سبيل، ولكن طبيعة عملي ولكن طبيعة عملي، وهو التأليف وبخاصة «التفسير الكاشف» و «في ظلال نهج البلاغة» قد جمع بين الساعة الأولى والثانية، وأدخل إحداهما في الأخرى، واذا كان في الشاي والتدخين راحة ومتعة تداخلت الساعات الثلاث، وأصبحت كالساعة الواحدة مناجاة وتأليفاً وترويحاً.

(وليس للعاقل أن يكون شاخصاً الخ).. أي مشتغلاً ومهتماً) (إلا في ثلاث) وهي الساعات التي سبق ذكرها : السعي من أجل الحياة الدنيا، والتزود للمعاد، والترويح عن النفس في نطاق حلال الله وحرامه.

389 - أَزْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُببَصَركَ اللهُ عَوْرَاتِهَا، وَلَا تَغْفُلُ فَلَسْتَ بمغْفُولٍ عَنكَ.

• رغبة الانسان في الشيء تعميه عن معائبه، وزهده فيه يكشفه على حقيقته وأنت اذا زهدت في الدنيا عرفت أخبارها وأوضارها، ومصيرها وتحذيرها، وإن صحبتها راغباً فيها جهلت حقيقتها وكان مالك الندم والخسران.

390 - تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ المَرْهُ مَجْبُوهُ تَحْتَ لِسَانِهِ.

• (تكلموا تعرفوا) إن كنتم من أهل الفضل والمعرفة وإلا فالسكوت خير وأفضل، وفي مستدرك نهج البلاغة ان الإمام قال : «تكلموا في العلم تُعرف

أقدار كم» وواضح ان العالم ينبغي أن يتكلم اذا وجد الراغب الفاهم وإلا «من باع دراً على الفحام ضيعه». وتقدم مع الشرح في الحكمة 147 : المرء مخبوء تحت لسانه.

91 - خُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ، وَتَوَل عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ، فَإِنْ أَنتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَب.

• الحلال الطيب كثير في هذه الحياة، فخل منه ما تيسر فهو قسمتك ونصيبك، وإن رغبت في المزيد فاسع اليه في حدود حلال الله وحرامه، ولا تعتد إن الله لا يحب المعتدين.

392 - رُبِّ قَوْلِ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ.

• ربِّ كلمة خبيثة أثارت حرباً، وأهلكت البلاد والعباد، ورب كلمة طيبة الانت القلوب، ومهدت سبل الخير والسلام. قال سبحانه : «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ..* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ - 26 ابراهیم».

393 - كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ.

• من اقتصر على ما أصاب من سعيه ورضي به فقد كفاه، لأن معنى الكفاية اطمئنان النفس والرضا بالمكتوب، فلا تتشوف النفس الى سواه، وكل من وثق بالله، وأدرك الدنيا حقيقة، وانه تاركها الى غيره لا محالة يصل الى البلغة والكفاية. ومن دعاء نبي الرحمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : اللهم ارزقني كفافاً، وارزق آل محمد كفافاً.

394 - المنيَّةُ وَلَا الدَّنِيَّةُ. والتقللُ وَلَا التَّوَسُّلُ. وَمَنْ لَمْ يُعْطَ قاعداً لَمْ يُعْطَ قائماً. والدهرُ يَوْمَانِ يَوْمَ لَكَ وَيَوم عَلَيْكَ، فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فاصبر.

• المنية : الموت، والدنية : العار، والمعنى الموت أولى من ركوب العار والتقلل : الاكتفاء بالقليل، والتوسل الى الناس التقرب اليهم بما يرضيهم والطلب منهم، وليس من شك ان القليل مع العفة والكرامة خير من الكثير مع الدناءة والمذلة (ومن لم يعط قاعداً لم يعط قائماً) المراد بالقاعد هنا هو الساعي والطالب برفق، والمراد بالقائم الساعي والطالب بعنف، والمعنى ارفق في السعي والطلب فإن لم تدرك حاجتك من هذه السبيل فإنك لن تدركها من سبيل العنف.

(والدهر يومان) لونان : شدة ولين، فإن اشتد وقسا فلا تموتن حزناً وأسفاً، وإن هان ولان فلا تنتفخ كبراً وعجباً.. وخذ من الضيق والشدة درساً وعظة تنتفع بها في حياتك، وكن عند السعة والدعة شاكراً متواضعاً، وحذراً من المخبئات والمفاجآت.

3 - مُقَارَبَةُ الناس في أخلاقيهم أَمَنْ مِنْ غَوَائِلِهِمْ.

• الغوائل : جمع الغائل أو الغائلة أي الشر والمعنى ان الناس يريدون منك ما تريده منهم، وهو كف الأذى عنهم، والجري في المعاملات على أخلاقهم وعاداتهم، ومن ألزم نفسه بذلك أمن شر الناس وغدرهم ومن البداهة أن الإمام يريد مداراة الناس وموافقتهم فيما يجيزه الشرع ولا يأباه العقل.

396 - وَقَالَ لِبَعْضٍ مُخَاطِبِيهِ (وَقَدْ تَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ يُسْتَصْغَرُ مِثْلُهُ

عَنْ قَوْل مِثْلِهَا : لَقَدْ طِرْت شَكيراً، وَهَدَرْت سَقْباً والشكيرُ هاهُنَا أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ مِنْ رِيش الطَّائِرِ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى وَيَسْتَحْصيف، والسِّقْبُ الصَّغِيرُ مِنَ الإِبِلِ، وَلَا تدِرُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَفْحِلَ).

• كان هذا المتكلم من أهل الجهل، ولكنه ظهر أمام سيد الكونين بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمظهر العلماء، فأدبه الإمام بهذه الكلمة، ولا أعرف جريمة تحمل معها العقوبة عليها إلا جريمة الدعوى بغير الحق فلقد طلب هذا المدعي الاحترام بالادعاء الكاذب، فعوقب بالازدراء والاحتقار، وأول من ادعى بالباطل إبليس فكان نصيبه اللعنة الى يوم الدين. وقال بعض الحكماء : «الادعاء رعونة لا يحتمل القلب إمساكها، فيلقيها الى ألسنة الحمقى».

397 - مَنْ أَوْماً إِلَى مُتَفَاوتِ خَذَلَتْهُ الخَيلُ.

• أوماً : أشار، ومتفاوت : متناقضات، وفي تفسير هذه الحكمة أقوال ذكرها ابن أبي الحديد، وأرجحها ما ذهب اليه ميثم والشيخ محمد عبده، ويتلخص بأن من حاول التأليف بين المتناقضات كالجمع بين رضوان الله ومعصيته، وبين الاعتداء على الآخرين والفوز بحبهم وثقتهم - فقد حاول المحال.

398 - (وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)فَقَالَ : إِنَّا لَا تَمْلِكُ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَمْلِكُ إِلَّا مَا مَلَّكَنَا فَمَتَى مَا مَلّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَا كَلَّفَنَا مِنا كلفنا، ومَتَى أَخَذَهُ منا وضعَ تكليفهُ عَنّا.

• الحول : الحركة والتصرف. ولا حول الخ.. ثلاث كلمات تحمل أضخم المعاني، وانه لا ملك إلا الله، ولا عون إلا منه، ولا حركة إلا بعنايته وعليه فإذا قال قائل : أنا أملك هذا، أو فعلته، أو أعطاني إياه فلان - كان قوله مجازاً لا حقيقة، لأن الكون بما فيه ومن فيه الله وحده.. حتى أنفسنا هي في قبضته موتاً وحياة ونفعاً وضراً، وإليه تعود، وإليه تعود.. فمن أعطى شيئاً فإنما يعطي من مال الله، ومن منع فقد منع مال الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له. «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ – 26 آل عمران».

399 - وَقَالَ لِعَمارِ بْنِ يَاسِرٍ (وَقَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كلاما) : دَعَهُ يَا عَمارُ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذُ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَارَبَهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَعَلى عَمْدٍ لَبْسَ عَلى نَفْسِهِ لِيَجْعَلَ الشبهات لسقطاته.

• لا يلتزم المغيرة بشيء من الدين إلا ما كان وسيلة لمآربه، ومن أجل هذا يختلق لنفسه الشبهات عن عمد يتعلل بها لمرامه وآثامه. وقال ابن أبي الحديد، وهو يشرح هذا الكلام عن ابن شعبة : إن جماعة من المسلمين قد فسقوا المغيرة، لأنه مالاً الفاسقين، وأعطى البطن والفرج وأعطى البطن والفرج ما سألا،، وصرف الوقت في غير طاعة الله، ولعن علياً على المنابر حتى مات.. وأيضاً نقل ابن أبي الحديد عن الأغاني لأبي الفرج : ان المغيرة ما أسلم إلا خرفاً من القتل، فقد كان مع جماعة في سفر فسقاهم حتى عملت فيهم الكأس الكأس، فقتلهم جميعاً طمعاً بأموالهم ثم ذهب الى المدينة فأسلم على يد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكان النبي لا يرد على أحد إسلامه، فاعتصم المغيرة بالإسلام من القتل.

400 - مَا أَحْسَنَ تَوَاضَعَ الْأَغْنِيَاء لِلْفُقَرَاء طَلَبَا لَما عِندَ اللهِ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفُقَرَاء عَلى الْأَغْنِيَاءِ اتَّكَادٌ عَلى الله.

• التيه : التكبر، واذا كان التواضع فضيلة لأنه خضوع وانقياد للحق فالتكبر على الباطل والطغيان أيضاً فضيلة، بحكم التلازم العقلي والواقعي هذا، الى ان لكبر الفقراء على الأغنياء ينطوي على التوكل والقناعة والرضا بما يسر الله، أما تواضع الأغنياء للفقراء فهو حسن، ما في ذلك ريب، لأن الغنى يبعث القسوة في القلوب، كما يشهد العيان وقول الله ورسوله وأهل بيته، فإذا شد غني عن هذه القاعدة فمعنى ذلك انه يسع الناس بأخلاقه، وانه تغلب على هوى القلب وميوله.. ومع هذا فإن تيه الفقراء على الأغنياء أفضل وأكمل، لما أشرنا اليه من ان هذا التيه يدل على الإباء والقناعة والتوكل على الله تعالى.

401 - مَا اسْتَوْدَعَ اللهُ أَمْرَها عَقْلاً إِلَّا أَسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْماً مَا.

• بالعقل نميز الخطأ عن الصواب، والضار عن النافع، والحق عن الباطل.. واذا ظفر الهوى بالعقل حين القدرة على الملذات والطيبات - فإن العقل ينتصر، لا محالة، حين تبرز للعيان البلية النازلة العاجلة. وإذن فالعقل منجد ومنقذ في ساعة من الساعات، وان اكتنفته الأهواء والشهوات في أكثر الأحيان.

402 - مَنْ صَارَعَ الحَقِّ صَرَعَهُ.

• ومثله في الحكمة 187 «من أبدى صفحته للحق هلك». وفي الحكمة 326 «ما ظفر من ظفر الإثم به، والغالب بالشر مغلوب» دنيا وآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا فهو مغلوب أولاً بالحجة، وثانياً انه ملعون على كل لسان حتى تقوم الساعة وشهد التاريخ مذلة الضعفاء المحقين، وجبروت

الطغاة المبطلين، ولكن سرعان ما كشف التاريخ نفسه عن عورات هؤلاء، وأخذت الحقيقة مكانها.

هذا، الى ان الباطل لا ينتصر إلا في بيئة الفساد والباطل، وإلا في مجتمع كسول متخاذل، بنام على الضيم والعدوان، ويرضخ للهون والهوان، والشاهد العدل وضع العرب مع اسرائيل.. وبالمناسبة قرأت اليوم 16-4-1973 مقالاً في بعض الصحف قال فيه كاتبه من جملة ما قال : «نحن العرب كقبائل الهنود الحمر في امريكا حيث استطاع غزاة اوروبا أن يكسبوا الى جانبهم بعض هؤلاء القبائل الأخرى من الهنود، ثم قضى الغزاة على حلفائهم، واستولوا على القارة الأمريكية كلها».

403 - الْقَلْبُ مُصْحَفُ الْبَصَرِ.

• المراد بالمصحف هنا ما يرتسم في القلب من صور الكائنات التي تدرك بالحس، والمعنى ان القلب يستقي معلوماته من مصادر شي، منها العيان والمشاهدة. وكلمة مصحف تومىء الى أن رؤية العين حق. أنظر شرح قوله في الخطبة 139 : (والحق أن تقول : رأيت).

404 - التقى رَئِيسُ الأخلاق.

• قال ابن أبي الحديد ما معناه : «المراد بالأخلاق هنا الأخلاق الدينية الشرعية لا العقلية، لأن معنى التقى طاعة الله في تكاليفه الشرعية وصفة الجود والشجاعة والحلم والعفة تكون في المتقين وفي الذين لا يؤمنون بشرع ولا دين».

ويلاحظ بأن الدين يقدس الفضائل بشتى أنواعها، وقد نص على الصدق والإيثار، والصبر والجهاد، والنجدة والتعاون.. هذا، الى ان كل ما يحكم به العقل يحكم به الشرع، وان حكم الشرع يُستكشف من حكم العقل، ونجزم

بوجوده عن هذا الطريق، وإن لم يثبت النص عن الشارع بالسماع منه مباشرة أو بواسطة النقل.

405 _ لَا تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلى مَنْ أَنطَقَكَ، وَبَلَاغَةَ قَوْلِكَ عَلى مَنْ سَدَّدَكَ.

• ذرابة اللسان : فحشه وبذاءته، وتكون للفصاحة أيضاً، والمعنى: أنت تتقلب بنعم الله تعالى، فلا تتخذ منها ذريعة الى معصيته. وتقدم مع الشرح قوله في الحكمة 329 : أقل ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معصيته.

406 - كَفَاكَ أدَبا لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ.

• من انسجم مع نفسه، وأنصف الناس منها فهو الأديب المهذب، وليس من الآداب والأخلاق في شيء أن تطلب من غيرك ما تركته أنت عن تقصير وعمد. وتكرر هذا بأساليب شتى، منها في الحكمة 452 : أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله.

407 - مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الْأَحْرَارِ وَإِلَّا سَلَا سُلُو الْأَعْمَارِ.

• الأغمار : جمع تغمر، وهو الجاهل، والمعنى كل من نزلت به نازلة فلا بد أن يسلوها وينصرف عنها مع مرور الزمن تماماً كما ينصرف الجاهل عن الشيء الذي يجهله، وما دام هذا هو الواقع فعلام الجزع والهلع.؟ أليس الأولى بمن نزلت به مصيبة أن يملك نفسه ويحملها على يقينه بأن الجزع لا يجدي نفعاً، ولا مصدر له إلا الوهم والخيال

408 - (وَقَالَ لِلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مُعَرِّياً) : إِنْ صَبَرَت صَبْرَ الْأَكَارِمِ وَإِلَّا سَلَوْتَ سُلُو الْبَهَائِمِ.

• لا تختلف هذه الكلمة عن سابقتها في المعنى، وتقدم في الحكمة 290 قوله معزياً لهذا الأشعث الأخير : ان صرت جرى عليك القدر، وأنت مأجور، وان جزعت جرى عليك القدر، وأنت مأزور.

409 - وَقَالَ فِي صِفَةِ الدُّنْيَا : تَغُرُّ وَتَضُرُّ وَتَمرُّ. إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ وَلَا عِقاباً لِأَعْدَائِهِ، وَإِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكب بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارتَحلُوا

• تمر : من المرارة، والمعنى الدنيا دار عمل وجهاد، وامتحان بالبأساء والضراء.. بل وبالنعماء أيضاً، وما هي للحساب والجزاء «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ - 31 محمد» أي حتى تظهر الأفعال التي تميز العامل من العاطل عن العمل بتقصير منه وتهاون، وأيضاً تميز الصابر عن الحق مهما كانت الظروف والصدمات، تميزه عن الذي يعطف الحق على شهواته، والدين على رغباته. ومن البداهة ان الجزاء لا يكون إلا بعد الامتحان والاختبار. وتقدم ذلك مراراً، منها في الخطبة 42 «اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل» والخطبة 109 «غرارة ضرارة أكالة غوالة»، أي الدنيا.

410 - وَقَالَ لِابْنِهِ الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : يَا بُنَى لَا تُخَلفَنَّ وَرَاءكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّكَ تُخَلَّفُهُ لِأَحَدٍ رَجُلَيْنِ : إِمَّا رَجُلٍ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ فَسَعِدَ بِما شَقِيتَ بِهِ، وَإِما رَجُلٍ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللهِ

فكنت عَوْناً لَهُ عَلى مَعْصِيَتِهِ. وَلَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ حَقيقاً أَنْ تُؤثِرَهُ على نَفْسِكَ (وَيُرْوَى هَذَا الْكَلَامُ عَلى وَجْهِ آخَرَ وَهُوَ) : أَمَّا بَعْدُ فَإنَّ الَّذِي فِي يَدِكَ مِنَ الدُّنْيَا قَدْ كان لَهُ أَهْلُ قَبْلَكَ وَهُوَ صَائِرٌ إلَى أَهْلِ بَعْدَكَ، وَإِنَّما أَنتَ جَامِعُ لِأَحَدٍ رَجُلَيْنِ : رَجُلٍ عَمِلَ فِيما جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، أَوْ رَجُلٍ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، وَلَيْسَ أَحَدُ هذين أَهْلاً أَنْ تُؤثِرَهُ عَلى نَفْسِكَ وَلَا أَنْ تَحْمِلَ لَهُ عَلى ظَهْرِكَ، فَارْجُ لِمَنْ مَضَى رَحْمَةَ اللهِ وَمَنْ بَقِيَ رزق الله.

• ينتقل المال من يد الى يد، نقداً كان أم غير نقد غير نقد.. كان هذا القصر والحديقة لزيد ، وهما الآن لعمرو، وغداً لبكر.. وهكذا كل متاع وحطام تتداوله الأيدي ثم تتركه الى غيرها، وتنتقل الى قبرها، ولا تأخذ معها شيئاً، ويقول الإمام لكل ذاهب تارك : أنت تكدح وتجمع لغيرك، وهو بدوره يتصرف فيه كما يشاء، فإن أنفقه فيما يُرضي الله كان هو الرابح المشكور عند الله والناس على شيء ما تعب فيه ولا أجهد نفسه، وكنت أنت الخائب الخاسر، لأنك زرعت وغيرك حصد، وبنيت وسواك سكن.. وان أنفقه فيما يغضب الله كنت المعين له على الإثم والعدوان.

فأنت على كل حال في شقاء وعذاب، سواء أسعد غيرك بما تركت أم شقي به، وكان الأليق بك والأجدر أن تنفق بيدك ما جمعت فيما يبقى لك خيره وأجره، وتدع غيرك الى رزق الله ورحمته. وتقدم هذا مرات، منها في الخطبة 107 «فيكون المهنا لغيره والعبء على ظهره» وفي الحكمة 120 «عمل تذهب لذته وتبقى تبعته». وأيضاً يأتي.

11 4 - وَقَالَ (لِقَائِلِ قَالَ بِحَضْرَتِهِ أَسْتَغْفِرُ اللهَ) : ثَكَلَتُكَ أُمُّكَ أَتَدْرِي مَا الِاسْتِغْفَارُ ؟ الاسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ العَلِيِّينَ، وَهُوَ أَسْم وَاقِعُ عَلى سِتَّةِ مَعَانِ : أَوْلُهَا النَّدَمُ عَلى مَا مَضَى. وَالثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ العودِ إِلَيْهِ أَبَداً. وَالثَّالِثَ أَنْ تُؤدِّيَ إِلَى المَخْلُوقينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللَّهَ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةُ. وَالرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ صَيْعْتَهَا فَتُودِّيَ حَقَّهَا. وَالْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظمِ وَيَنْشَأَ بَيْنَها لَهُمْ جَدِيدٌ. وَالسَادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَما أذقتَهُ حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللهَ.

• معنى الاستغفار طلب المغفرة.. ولكل مذنب أن يسأل الله العفو والمغفرة بلا قيد و شرط تماماً كما نقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله طائعين وعاصين الله ورسوله، بل لا مانع من العقل والشرع من العقل والشرع أن يغفر الله بعض الذنوب لسبب آخر غير التوبة وطلب المغفرة، لأن رحمته وسعت وتسع كل شيء، ولأنه تعالى أمر عباده بالعفو عمن أساء اليهم بلا طلب من المسيء، وأمر بالإحسان الى المحاويج بلا سؤال من المحتاج.. وما أمرهم بذلك إلا لأنه أهل العفو والجود.

والمعاني الستة التي ذكرها الإمام هي شروط للمستغفر الذي يطمح الى الدرجة العليا عند الله بدليل قوله : (الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان).

1 - (الندم على ما مضى) أي الشعور بالذنب، والخوف من عاقبته وآثاره، وتأنيب النفس على فعله، ويعبر عن هذا المعنى أدباء العصر بنقد الذات.

2 - (العزم على ترك العود اليه أبداً). هذا هذا هو العلاج الشائي والدواء الكافي لاستئصال الداء من الجذور، وبقية الشروط لدرجة العليين.

3 – (أن تؤدي الى المخلوقين حقوقهم الخ).. لأن على اليد ما أخذت حتى تؤدي الشيء الذي أخذته إما بعينه ان كان لا يزال قائماً، واما بمثله أو قيمته مع التلف، ولا يسقط بمجرد العزم على ترك العودة كبعض الحقوق الإلهية.

4 - (ان تعمد الى كل فريضة عليك الخ).. إذا فاتك شيء من العبادات الواجبة كالصلاة والصيام فعليك أن تقضيه كما فات، سواء تبت من ذنوبك، أم لم تتب، والفرق أنك إذا قضيت بلا توبة تعاقب على نهاونك بتأخير الفريضة عن وقتها، وأيضاً تعاقب على ترك التوبة، أما إذا قضيت مع التوبة فلا حساب عليك ولا عقاب إطلاقاً.

5 – (ان تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت الخ).. وهو المال الحرام.. ومن أكل منه حتى اشتد العظم ونبت اللحم فينبغي له أن يخفف وزنه بطريق أو بآخر حتى لا يبقى سوى جلده وعظمه فقط، أما من أكل لقمة واحدة من الحرام أو أكثر فيخفف وزنه بمقدار ما أكل من الحرام. وعن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من أكل لقمة من حرام لا تقبل منه صلاة أربعين ليلة منه صلاة أربعين ليلة، ولا تستجاب له دعوة أربعين صباحاً، وكل لحم ينبت من حرام فإلى النار، واللقمة الواحدة ينبت بها اللحم».

وإذا كان للقمة الواحدة من الحرام هذا الأثر البالغ فكيف بمن يسعى سعيه المحموم لينهب ويسيطر على أقوات العباد في شرق الأرض وغربها، كما حول معظم الانتاج الى الصناعة العسكرية للغاية نفسها ! !

6 – (أن تذيق الجسم ألم الطاعة الخ).. كفر عن سيئاتك بفعل الحسنات، وعن تقصيرك بالجد والاجتهاد في خدمة الناس، ومغالبة النفس وأهوائها الشيطانية.

412 - الحِلمُ عَشِيرَة.

• اذا حلمت عن السفيه كثر أنصارك عليه، كما قال الإمام في الحكمة 223. والأنصار عشيرة، بل لا خير في العشيرة اذا، بل لا خير في العشيرة اذا لم تؤازر وتناصر.

413 - مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ مَكْتُومُ الْأَجْلِ، مَكْنُونُ العِللِ، محفوظ العَمَلِ، تُولُهُ البَقَّةُ، وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ، وَتُنتنهُ العَرْقَةُ.

• كل كائن ممكن فيه جانبان : سلب وإيجاب، قوة وضعف، وأشار الإمام في حكمته هذه الى بعض جوانب الضعف في الانسان، وهي :

1 - انه لا يدري في أي زمان أو مكان يموت.

2 - ان علله وأمراضه النفسية والجسمية لا يحصى عديدها، والكثير منها مجهول السبب والدواء.

3 - انه مسؤول عن كل ما يفعل ومجازى عليه.

4 - إن أحقر مخلوق كالبقة تؤلمه وتمرضه، وانه بالقياس اليها ضئيل من هذه الجهة كما انها ضئيلة بالقياس الى عقله ومواهبه.

5 - إن الماء قد يخنق أنفاسه، ويودي بحياته مع العلم بأن الماء سبب الحياة. وتقدم مثله في الحكمة 275.

6 - انه اذا عرق أنتن. وهذا منتهى العجز والضعف.

وغرض الإمام من هذا البيان ان الانسان قد يأخذه الغرور ويتعالى على غيره من الكائنات لا لشيء إلا لأنه اخترق المجهول بعقله، واخترع آلة توصله الى القمر والمريخ، وثانية أطلعته على أسرار الخلائق، ورابعة ضبطت له الألوف في ثانية، وتنبأت ببعض الأحداث.. الى ما لا نهاية.. قد يتعالى الانسان ويشمخ ويرى نفسه أعظم من سائر المخلوقات لهذه الغابة، فنبهه الإمام الى ان ما من مخلوق حتى النملة والبقة إلا وفيه جهة ايجابية تجعله أشد وأقوى المخلوقات من هذه الجهة. وقديماً قيل : «إن البعوضة تدمي مقلة الأسد».

والخلاصة ان الازدواجية بين الضعف والقوة تشمل جميع الكائنات دون استثناء وهي القاسم المشترك بين الجميع.

414 – (وَرُوِيَ أَنَّهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) كَانَ جَالِسًا فِي أَصْحَابِهِ فَمَرَّتُ بِهِمُ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ فَرَمَقَهَا القَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ) فَقَالَ : إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ الفُحُولِ طَوَامِحُ، وَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هَبَابِهَا، فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى أَمْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيَلاَ مِس أَهْلَهُ فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَةٍ (فَقَالَ رَجُل مِنَ الخَوَارِج : قَاتَلَهُ اللهُ كَافِرًا مَا أَفْقَهَهُ : فَوَثَبَ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ) فَقَالَ : رُوَيْداً إِنّما هُوَ سَتْ بِسَبِّ أَوْ عَفُوٌّ عَنْ ذَنْبٍ.

• طوامح : جمع طامح، وهبابها - بفتح الهاء - هيجانها، والمعنى ان نظرة الرجل الى المرأة في بعض الأحيان قد تكون داعية الى شهوتها، والشهوة طريق الفتنة. ولذا قال سبحانه لنبيه الكريم «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ - 31 النور». واعتبر الإمام قول الخارجي لا تكفيراً، لقرينة خاصة ظهرت له من ظروف المقام وملابساته. وعفا عنه لأن العفو أقرب للتقوى.

وبهذه المناسبة نشير الى أن العقاد في كتاب «العبقريات» قال عن ثقافة الإمام فيما قال : «الكلم الجوامع التي رويت عن الإمام هي طراز لا يفوقه طراز في حكمة السلوك على أسلوب الأمثال السائرة، وقد قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل. وهذا الحديث الشريف أصدق ما يكون على الإمام في حكمته التي تقارن بحكم الأنبياء.. وتزيد عليها انها أبدع في التعبير وتزيد عليها انها أبدع في التعبير، وأوفر نصيباً من ذوق الجمال»

415 - كَفَاكَ مِنْ عَقلِكَ ما أوضح لكَ سَبِيلَ غَيْكَ مِنْ رُشْدِكَ.

• قد يملك الانسان عقلاً يخترع به أدق الآلات، كسفينة الفضاء والعقل

الألكتروني، ويتنبأ من القرائن الخفية بما سيقع من الأحداث، ويكتشف أسرار الطبيعة ويكيفها حسبما يشاء، ولكن هذا وحده لا يجعل الانسان عاقلاً بالمعنى الصحيح إلا اذا استعمل عقله وعلمه فيما ينفع ولا يضر، أما اذا استغلتها في الكذب والخداع، والتخويف واللصوصية، أما هذا العقل وهذا العلم فهما شر ووبال، وفساد وضلال.

416 - أفعَلُوا الْخَيْرَ وَلَا تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلهُ كَثِيرٌ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنَّ أَحَداً أَولَى بِفِعْلِ الخَيْرِ مِني فَيَكُونَ وَاللهِ كَذَلِكَ. إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالسِّرِّ أَهْلاً فَما تَرَكْتُمُوهُ مِنْها كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ.

• كل فعل ينتفع به فاعله ولا يضر أحداً – فهو خير، فهو خير، وأفضل أفراده ما ينفع الآخرين.. والفرق بين الحق والخير ان الخير إشباع للرغبة على أساس الحق والعدل، أما الحق فقد يوافق الرغبة، وقد يكون على ضدها. ولذا قيل الحق مر وثقيل. واذا قصد بالعمل النافع وجه الله سبحانه فهو خير على خير ولما كان الخير عظيماً بطبعه كان قليله عظماً وكثيراً. قال سبحانه : «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره - 7 الزلزلة). وتقدم قول الإمام في الحكمة 93 وكيف يقل ما يتقبل ؟.

(ولا يقولن أحدكم الخ).. أشار الإمام الى ما هو شائع بيننا من ان أحدنا قد يدعى لكشف ملمة أو قضاء حاجة، فيجيب الداعي بأن فلاناً أولى مني بهذا الفعل. قال ابن أبي الحديد بلسان حال الإمام : «فيكون والله كذلك أي ان الله سبحانه يوفق فلاناً هذا الى الخير دون المدعو اليه». وهكذا كل من يستنكف عن الخير والمعروف يسجل على نفسه انه ليس من الخير في شيء (إن للخير والشر أهلاً الخ).. بادر الى عمل الخير تكن من أهله، ودع الشر لمن غضب الله عليه، وأعد له عذاب الحريق.

417 - مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلَانِيَتَهُ. وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ كَفَاهُ اللهُ مَا بَيْنَهُ وبينَ وبين الناس.

• الانفعالات النفسية تنعكس على الأقوال والأفعال، بل وعلى الأجسام أيضاً، فمن كان لئماً حقوداً على الناس دل قوله وفعله على سوء قصده وخبث سريرته، ومن كان طيباً يحب الخير لعيال الله ظهر أثر ذلك على حركاته وتصرفاته. وتقدم مع الشرح قوله في الخطبة 154 : «فبالإيمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الإيمان»، وفي الحكمة 25 : «ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه».

(ومن عمل لدينه كفاه الله أمر دنياه) أي ان الدين لا يفقر الإنسان، ولا يعوقه عن العمل من أجل الرزق، بل ان الله سبحانه يعين المؤمن ويوفقه في عمله من أجل العيال والأطفال. وقلنا مراراً : ان كل عمل تدعو اليه الحاجة كالمأكل والملبس والمسكن فهو الله ومن الدين في الصميم. ومن أحسن فيما بينه وبين الله الخ بكف الأذى عن عباده، وبالعمل لمصلحتهم - أحبوه وأكبروه.

418 - الحِلْمُ غِطَاءُ سَائِرٌ، وَالْعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعُ، فَاسْتُرْ خَلَلَ خلْقِكَ بِحِلْمِكَ، وَقَاتِلَ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ.

• الحلم يستر بعض العيوب، وجل من لا عيب فيه، فإن لم تحلم لذات الحلم وفضله فتحلم لتستر بعض ما فيك من عيوب. وتقدم ذلك مراراً، منها في الحكمة 106. والعقل أمضى سلاح تصد به عدوك والهوى من أعدائك الألداء، فتغلب على هواك بعقلك.

419 - إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَختَصُّهُمُ اللهُ بِالنِّعَمِ لَمَنَافِعِ الْعِبَادِ فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذْلُوهَا، فَإِذَا مَنْعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ ثُمَّ حَوَّلَهَا إلَى غَيْرِهِمْ.

• قوله : (ان الله عباداً الخ).. قضية جزئية لا تشمل كل من أنعم الله عليه، لأن الموضوع نكرة في إيجاب، وعليه يكون المعنى ان حكمة الله سبحانه قضت أن يتخذ من بعض عباده وسيلة للبذل في سبيل الخير، فإن فعلوا أبقى النعمة بأيديهم وإلا نقلها الى من هو أولى وأجدر. وتقدم مع الشرح قوله في الحكمة 12 : «إذا وصلت اليكم النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر». وقوله في الحكمة 371: «فمن قام الله بما يجب في نعمه عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال والفناء».

420 - لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثقَ بِخَصْلَتَيْنِ : الْعَافِيَةِ وَالْغِنَى، بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافَى إِذْ سَقِمَ، وَبَيْنَا تَرَاهُ غَنِيًّا إِذِ أَفْتَقَرَ.

• لا تطيب الحياة الدنيا إلا بالمال والصحة، وقد يظفر الانسان بهما معاً أو بأحدهما، ومن فقدهما بعد أن وجدهما وقع في غمين، وان فقد واحداً وقع في غم واحد إلا اذا ارتقب وانتظر المفاجآت والمخبات فيهون عليه الخطب بعض الشيء، والدرس النافع من حدوث السقم بعد الصحة، والفقر بعد الغنى هو أن لا نثق إلا بالله، وأن نتوكل عليه وحده، ونستغني به عمن سواه.

421 - مَنْ شَكا الحاجة إلى مُؤْمِنٍ فَكَأَنما شَكَاهَا إِلَى اللَّهِ وَمَنْ شكَاهَا إلَى كَافِرٍ فَكَأَنما شَكا الله.

• شكوى المؤمن الى مثله لا تستدعي السخط على قضاء الله وعدم الرضا بقدره، لأن كلاً منها مؤمن بذلك.. هذا الى ان المشكو اليه يخفف عن الشاكي، ويأمره بالصبر، ويبشره بالأجر، ويدعو له بالخير، أما شكوى المؤمن الى كافر فهي تشبه الاعتراف ضمناً بكفر الكافر وتشجيعه، وكأن المؤمن يقول للكافر : أرأيت على ايماني به.؟. وأيضاً يشمت الكافر بالمؤمن ويقول له بلسان الحال ما صنع الله بي أو المقال : أرأيت الى خطأك وضاك ؟ ومن هنا كانت الشكوى للكافر شكوى على الله.

422 - وَقَالَ فِي بَعْضِ الْأَعْيَادِ : إِنما هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عيد.

هذا هو مبدأ الإمام ونهجه وقياسه : «ما خير بخير بعده النار، وما شر بشر بعده الجنة»، كما في الحكمة 386. «ولا خير في شيء من أزواد الدنيا إلا التقوى» كما في الخطبة 109. أبداً لا فرحة ولا ثروة إلا الزحزحة عن النار .

423 - إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةً رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ، فَوَرثَهُ رَجُلٌ فَأَنفَقَهُ في طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بهِ الْجَنَّةَ وَدَخَلَ الْأَوَّلُ بِهِ النَّارَ.

• كان المسكين يأنس ويفرح بما أصاب من مال الحرام، ويحزن ويجزع اذا خاب سعيه له، أو فقد شيئاً منه بعد نواله، ثم ترك كل ما أصاب منه الى وارث صالح، فأنفقه في وجهه.. ولما وقف الاثنان بين يدي الجبار للحساب والجزاء أثاب الوارث

بلا كد وتعب، وعاقب المورث على كدحه وأتعابه.. والنتيجة ان حسرة هذا توازي فرحة ذاك.

424 - إنَّ أَخسَرَ النَّاسِ صَفْقَةٌ، وَأَخيَبَهُمْ سَعْيا رَجُلٌ أَخلَقَ بَدنَهُ في طَلَب مَالِهِ وَلَمْ تُسَاعِدَهُ المَقَادِيرُ عَلى إرَادَتِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ وَقَدِمَ عَلَى الْآخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ.

• كدح في طلب المال لغاية في نفسه، وضحى من أجلها بدينه وآخرته، ولكن الأجل حال بينه وبينها، فانتقل من جسرة الى ما هو أشد، انتقل من عذاب الدنيا الى عذاب الآخرة، من تبديد الجهود بلا جدوى الى يئس المصير.. وتصدق هذه الصورة على الكثير من الفئات، يحتكر هذا التاجر ليكون في طليعة أغنياء العالم، ويخون ذاك المرتزق ليصل الى الحكم والسلطة، فيخطفه الموت بعد أن يدفع الثمن، وقبل أن يقبض المثمن ! فهل من مدكر ؟ قتل الانسان ما أكفره !.

425 - الرِّزْقُ رِزْقَان : طَالِبٌ وَمَطلُوبُ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ المَوْتُ حَتى يُخْرِجَهُ عَنْهَا، وَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِي رِزْقَهُ مِنْهَا.

• (طالب) أي رزق من غير احتساب (ومطلوب) وهو الذي صممت عليه، وسعيت اليه (فمن طلب الدنيا) لا يلوي على شيء (طلبه الموت) وأدركه قبل أن يبلغ من الدنيا حاجته، (ومن طلب الآخرة الخ).. وسعی لها سعيها نال منها ما أراد ومن قبل أخذ من دنياه ما كفاه. وتقدم مع الشرح قوله في الخطبة 97 : «وطالب للدنيا والموت يطلبه» وفي الحكمة 378 : «الرزق رزقان الخ»..

426 - إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ هُمُ الذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا، وَاشْتَغلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا فأمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ، وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ، وَرَأَوُا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا استقلالاً، وَدَرَكَهُمْ لَهَا فَوْتا. أَعْدَاء مَا سَالَمَ النَّاسُ، وَسَلَمُ مَا عَادَى النَّاسُ. بِهِمْ عَلِمَ الْكِتَابُ وَبِهِ علِمُوا. وَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا. لَا يَرَوْنَ مَرْجُوّا فَوْقَ مَا يَرْجُونَ، وَلَا مخوفاً فَوْق مَا يَخَافُونَ.

• تقدم الكلام عن الأولياء والأتقياء مكرراً في الخطب والرسائل والحكم السابقة، وعاد الإمام الى الحديث عنهم، كما هو دأب الدعاة الناصحين، عسى أن يصادفوا أذناً واعية بالتكرار والإعادة. وذكر الإمام من أوصافهم ما يلي :

1 - (هم الذين نظروا الى باطن الدنيا اذا نظر الناس الى ظاهرها) للدنيا ظاهر وباطن، ظاهر خادع كاذب من نظر اليه وحده شغل به قلبه، وانصرف عن آخرته ومصيره، ومن نظر إلى باطنها وواقعها اتخذها وسيلة الى سعادته الأبدية تماماً كما فعل أولياء الله وأحبابه.

2 - (واشتغلوا بآجلها الخ).. الهاء في آجلها تعود لفظاً الى الدنيا، ومعنى الى الآخرة، لأنها تأتي عقب الدنيا، والمعنى ان الصلحاء لا يتنافسون على الدنيا، ولا يثيرون من أجلها الحروب، بل يعملون بالمثل السائر (دع مئة زهرة تتفتح).

3 – (أماتوا منها ما خشوا أن يميتهم) كالطمع والجشع، والحقد والنفاق.

4 - (تركوا منها ما علموا انه سيتركهم) كل ما زاد عن حاجتك فأنت تاركه لغيرك لا محالة، وهو أيضاً تاركك بطبيعة الحال، لأنك لا تنفق منه شيئاً، وإذن فعلام تلهث في طلبه.؟ اللهم إلا إذا أردت به وجه الله وخدمة عياله وعباده، ليكون لك ذخراً وأجراً كريماً.

5 - (رأوا استكثار غيرهم منها استقلالاً، ودركهم لها فوتاً) عاينوا أن الإنسان - في الأغلب - كلما كثر ماله قل خيره، وكلما أدرك شيئاً من دنياه فاته الكثير من دينه. وبكلمة كلما أسرف في الماديات ازداد بعداً عن الروحيات.

6 – (أعداء ما سالم الناس الخ).. المترفون يعادون الحق، لأنه حرب على أطماعهم، والأولياء يناصرون الحق، لأنه لا نصير لهم سواه. والمترفون يناصرون الباطل والضلال، لأنه يُشبع أهواءهم ورغباتهم، والأولياء حرب عليه وعليهم.

7 – (بهم علم الكتاب و به علموا) استمدوا علمهم من كتاب الله، وأذاعوه على الناس (وبهم قام الكتاب) أي أقاموا الدليل القاطع على صدقه وحجته (وبه قاموا) أي عملوا. وبالاختصار : ان العالم حقاً وواقعاً هو الذي تعلم وعلم وعمل وهذه هي خلة المؤمن الولي، والعالم التقي.

8 - (لا يرون مرجوا الخ).. لا يرجون شيئاً إلا الصفح والرحمة من الله ولا يخافون إلا من سخطه وعذابه. وتقدم في الحكمة 80 : «لا يرجون أحدا منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه». والخوف من الله رقيب الأعمال، أما رجاء الرحمة من الله فنعم الشفيع الى رضوانه، والويل كل الويل لمن ظن بالله ظن السوء : «الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا - 6 الفتح».

427 - اذْكُرُوا انْقِطَاعَ اللَّذَّاتِ وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ

تبعة الشيء عاقبته، والمعنى ما تصنع بلدة تذهب بعد ثوان، ويبقى حسابها وعقابها.؟ وواضح ان الأمور تقاس بآثارها وما يترتب عليها من خير أو شر

428 - وَقَالَ : اخْبُرْ تَقْلِه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْوِي هَذَا لِلرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه). وَممّا يُقَوِّي أَنَّهُ مِنْ كَلام أمير

الْمُؤْمِنِينَ مَا حَكَاهُ ثَعْلَبُ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : قَالَ الْمَأْمُونُ : لَوْلَا أَنَّ عَلِيًّا قَالَ «اخْبُرْ تَقْلِه»، لَقُلْتُ : أقلة تخبر).

• اخبر بضم الباء - فعل أمر من الاختبار، وتقله - بفتح التاء وسكون القاف - من القيلي أو القلاء أي البغض والمقت، فعل مضارع مجزوم بجواب الأمر، وعلامة الجزم حذف حرف العلة من آخره، والهاء للسكت. ومعنى قول المأمون ان حقيقة الشخص تعرفها من مبغضه وعدوه لا من محبه وصديقه، لأن عين الرضا تريك السيء حسناً.. ويلاحظ بأن عين البغض أيضاً تريك الحسن سيئاً. ولا تعرف حقيقة الشخص إلا بالتجربة المجردة عن الرضا والسخط.

429 - مَا كَانَ اللهُ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدِ بَابَ الشَّكْرِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الزَّيَادَةِ. وَلَا لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدِ بَابَ الدُّعَاءِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْإِجَابَةِ. وَلَا لِيَفْتَحَ لِعَبْدِ بَابَ التَّوْبَةِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ المغفرة.

• الشكر أن ترى ما بك من نعمة فمن الله، وأن لا تعصيه في أمر ونهي وهذا الشكر سبب لزيادة النعمة، لأن الذي وهبها كتب ذلك على نفسه حيث قال : «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ - 7 ابراهيم» وقوله تعالى الصدق، ووعده الحق. والدعاء مع العمل بطاعة الله سبب للهداية الى طريق الفوز والنجاح. أما التوبة فهي أنجح الوسائل لعفو الله وكرمه. وتقدم الكلام عن ذلك كله مراراً.

430 -) (وَسُئِلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَيُّما أَفْضَلُ الْعَدْلُ أَوِ الْجُودُ فَقَالَ :

العَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا، وَالْجُودُ يُخْرِجهَا مِنْ جَهَيتهَا. وَالْعَدْلُ سَائِسُ عَامٌ، وَالْجُودُ عَارِض خاص. فَالْعَدْلُ أشرفههَا وَأَفضَلُها.

• يفترق كل من العدل والجود عن الآخر في أمرين: الأول ان العدل ضد الانحراف والإجحاف، فأي شيء وضعته في مكانه المقرر له فقد عدلت وأنصفت، فإذا انحرفت به عن موضعه فقد جرت وأجحفت، أما الجود فهو فضل وإحسان تماماً كالرحمة - مثلاً -اذا كان لك حق على آخر، واستوفيته منه بلا زيادة فهذا عدل وإنصاف، وإن سامحتم وتنازلت بلا عوض فهو جود تمدح عليه وتشكر «ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم - 158 البقرة». وقول الإمام:.. (الجود يخرجها من جهتها) أي يتجاوز بالأشياء عن مواضعها الى جهة والإحسان، لا الى جهة البغي والعدوان.

الثاني (العدل سائس عام) أي أساس ونظام للحياة بشتى جهاتها، فالقوة بلا عدل هي استبداد، والحرية بلا عدالة فوضى والعلم بلا إنصاف ضلال وفساد، وبالتالي فلا حياة بلا عدل (والجود عارض خاص) لا يشمل جميع نواحي الحياة، وهي تتم وتستقيم بلا جود.

431 - النَّاسُ أَعْدَاء مَا جَهلُوا.

• تقدم بالحرف الواحد في الحكمة 171. أنظر شرحها في الصفحة 326 من هذا المجلد.

432 - الزَّهَدُ كُلَّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْن مِنَ الْقُرْآن، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ «لِكَيْلَا لكيلا تأسوا عَلى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ»

وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَلَمْ يَفْرَحُ بِالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ.

< الزهد هو الرضا بالميسور، ومعنى الكلمتين في الآية الكريمة واضح، تقول الأولى : لا تحزنوا لمفقود، وتقول الثانية : لا تفرحوا بموجود، لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالحبرة على حد تعبير حكيم قديم. وقال آخر : لا أقول لشيء كان : ليته لم يكن، أو لشيء لم يكن : ليته كان. وتكرر فيما سبق حديث الزهد.

433 - مَا أَنقَضَ القومَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.

تقدم بالنص الحرفي في الخطبة 239. أنظر ج 3 ص 370 ويتلخص المعنى بأن للنوم منافع، منها ان الانسان قد يعزم على الشيء فإذا نام تبخر العزم.

434 - الْوِلَايَاتُ مَضَامِيرُ الرِّجَالِ.

• مضامير : جمع مضمار مضمار، وهو، وهو المكان والزمان اللذان تُضمر فيهما الخيل للسباق، وبعد المضمار يعرف الجواد من البرذون، وكذلك تعرف الرجال بعد تولي الرئاسة والسلطان.. وكم من وديع قبل أن يحكم أصبح وحشاً كاسراً حين الحكم.

435 - لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقِّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ، خَيْرُ البِلَادِ مَا حَمَلَكَ.

. ليس المهم أن تعيش في هذا البلد دون ذاك، فأي بلد تعيش فيه كإنسان،

له حريته وكرامته لا كحيوان مسخر للطغاة والمستغلين فهو بالقياس اليك خير مقر ووطن. وبكلمة، المهم كيف تعيش لا أين تعيش ؟ وتقدم مع الشرح في الحكمة 55 : الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة.

436 - وَقَالَ (وَقَدْ جَاءَهُ نَعْيُ الْأَشْتَرِ رَحِمَهُ اللهُ) : مَالِكُ وَمَا مَالِكُ ! لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنداً، لَا يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ وَلَا يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ (وَالْفِنْدُ الْمُنْفَرِدُ مِنَ الْجِبَالِ)

• الصلد : الصلب الأملس، والحافر للدابة بمنزلة القدم للانسان، ولا يرتقيه: لا يصعد عليه، ولا يوفي عليه : لا يعلو عليه، والمعنى ان الأشتر كان عظيم المنزلة في دينه وخلقه، عالي الهمة في شجاعته ومروءته، وفي جهاده وتضحيته.

437 - قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مملُولٍ مِنْهُ.

• اقرأ في كل يوم درساً واحداً بفهم وروية، وواظب عليه سنوات تصبح عالماً متمكناً من العلم الذي درسته، واذا أكثرت من الدروس وطي الأوراق اختصاراً للوقت فإنك تمل ولا تهضم شيئاً مما قرأت ودرست، وفي النهاية تتسم بسمات أهل العلم، وما أنت منهم في شيء إلا الشكل. وتقدم مع الشرح في الحكمة 277 قوله : «قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول منه».

438 إِذَا كَانَ فِي رَجُل خَلَةٌ ذَائِعَهُ فَانتَظِرُوا أَخَوَاتِهَا.

• إذا رأيت نفحة خير من إنسان فارتقب أمثالها ونظائرها، لأن تلك النفحة

ثمرة من شجرة، وفرع من أصل. وتقدم مع الشرح قوله في الخطبة 16 : «حق وباطل، ولكل أهل» وفي الحكمة 416 : «ان للخير والشر أهلاً».

439 - (وَقَالَ لِغَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَبِي الْفَرَزْدَقِ فِي كَلَام دَارَ بَيْنَها): مَا فَعَلَتْ إِبلُكَ الْكَثِيرَةُ ؟ قَالَ ذَعْذَعَتُهَا الْحُقُوق يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : ذلِكَ أَحمدُ سُبُلِها.

• ذعذعتها : فرقتها، والمراد بالحقوق هنا الزكوات والصدقات، وليس من شك ان بذل المال في هذه السبيل أفضل وأجدى من أي سبيل آخر.

وقال ابن أبي الحديد : كان غالب هذا شيخاً كبيراً يملك الكثير من الإبل، فوفد على الإمام أيام خلافته، ومعه ولده الفرزدق الشاعر الشهير، وهو غلام يومئذ فسأله الإمام عن إبله، ثم عن الغلام ؟ قال : هو ابني، وقد رويته الشعر وكلام العرب. فقال له الإمام : لو أقرأته القرآن لكان خيراً له، فكان الفرزدق يروي ذلك ويقول : ما زالت كلمة الإمام في نفسي، وقيدت رجلي بقيد ما فككته حتى حفظت القرآن.

440 - مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهِ فَقَدِ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا.

• ارتطم : وقع. والربا من كبائر المحرمات أخذاً وعطاء، ويكون في القرض وغيره، وله شروط، وفروعه كثيرة، يقع الالتباس فيها أو في الكثير منها، ولذا أمر الإمام أرباب التجارة أن يتفقهوا في مسائل البيع والدين كيلا يقعوا في الحرام. واستقصى الفقهاء كل ما يتصل بالربا من قريب وبعيد ومن أراد التوسع في معرفة الربا وفروعه فعليه بملحقات عروة الوثقى للسيد كاظم اليزدي.

441 - مَنْ عَظمَ صِغَارَ المَصَائِبِ ابْتَلَاهُ اللهُ بِكَبَارِهَا.

• ملك عظيم زال ملكه، ورأى نفسه في طرفة عين كأحد السوقة، لا يملك شيئاً حتى مقدار موطىء قدمه.. فماذا يصنع ؟ هل يبكي وينوح ؟ ولنفترض انه يكي وشكى فهل يعود ما فات ؟ ومتى كان البكاء حلال المشاكل ؟ ان الهم والغم يشل العقل والجسم، ويضاعف المصاب،، ويضاعف المصاب، ويحوله الى كارثة مهلكة.. ان آخر قياصرة الصين كان أعظم ملك على وجه الأرض، وما زال حيا يرزق، وحين ذهب ملكه تناسى كل شيء، وعمل في إحدى الحدائق بأجر زهيد، يسقي الزهور، ويقتلع الأعشاب الطفيلية بيده، وألف العديد من الكتب عن حيات-ه كعبرة وعظة لكل من ينتفع بالعظات والعبر.

وهكذا كل عاقل ينسجم مع عالمه وواقعه وإلا انفصل عن هويته، وعاش في عالم الأساطير والخرافات.

442 - مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهَوَاتُهُ.

• مقياس الكرامة عند الله والناس هو أن يملك الإنسان نفسه، ويعمل بوحي من دينه وعقله، ويصبر عند الملمات صبر الأحرار، أما من أسلس قياده للشهوات فقد أهدر كرامته بنفسه. وقيل لحكيم : ما تشتهي ؟ قال : أشتهي أن لا أشتهي.

443 - مَا مَزَحَ أَمْرُؤٌ مَزْحَةً إِلَّا مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّة.

• مج الشراب : رمى به من فمه، ويقال : هذا كلام تمجه الأسماع أي تستكرهه.. والمزاح في حدود الله وحلاله جائز، والحرام منه ما يؤدي الى الحرام. وكان رسول الله يمزح ولا يقول إلا حقاً، وفي بعض الروايات : ان اعرابياً كان يأتي لزيارته، فرآه يوماً في السوق، فجاء من ورائه وغطى عينيه وقال له :

من أنا ؟ وقال لعجوز : إن العجائز لا تدخل النار. ولما بكت قرأ قوله تعالى : «إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا - 37 الواقعة».

444 - زُهدُكَ فِي رَاغِب فِيكَ نُقْصَانُ حَظّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فيكَ ذلّ نفسٍ.

< لا تزهد في راغب، ولا ترغب في زاهد، ولا ترغب في زاهد، لأن معنى زهدك في راغب فيك انك تأبى وترفض قلباً مخلصاً لك، وإخلاص القلوب قوة وثروة ينبغي العمل من أجلها والتضحية في سبيلها، ولذا قال الإمام في الحكمة 11 : أعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان، وأعجز منه من ضيع من من ظفر به منهم به منهم.. أما رغبتك فيمن زهد فيك فهوان وصغار.

445 - الغنّى وَالْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.

• القوة والثروة والعزة كلها في مرضاة الله والقرب من رحمته، والفقر والذل والضعف كله في غضبه تعالى. هذا هو مقياس الفضل والحق والخير عند الإمام. أنظر شرح الحكمة 422.

446 - مَا لِابْنِ آدَمَ وَالْفَخْرَ، أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جيفةٌ، لا يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلَا يَدْفَعُ خَلْفَهُ.

• أشرنا فيما سبق الى انه ما من شيء إلا وفيه جانبان : سلب وايجاب، ضعف وقوة، وأشار الإمام في العديد من أقواله الى جانب الضعف في الانسان من بدايته

وفي أدوار حياته الى مصيره.. فأوله نطفة وعلقة، وآخره عظام نخرة، وجيفة قدرة، وهو في ريعان شبابه وأوج قوته لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.. وغرض الإمام من ذلك أن يعرف الانسان حده، ويقف عنده. ولا يرى نفسه كبيراً والخلائق صغاراً.

447 - (وَسُئِلَ مَنْ أَشْعَرُ الشُّعَرَاء) فَقَالَ : إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَجْرُوا في حَلْبَةٍ تُعْرَفُ الغَايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِهَا، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فالملكُ الضِّلِّيلُ (يُرِيدُ أَمْرَأَ الْقَيْسِ).

• الحلية : الدفعة من سباق الخيل، والمراد بالقصبة هنا ما تنصب في السباق، ويأخذها السابق كعلامة على انه الرابح الفائز.. وسمي امرؤ القيس بالضليل، لأنه كان إباحياً يستحل جميع المحرمات كأبي نواس.

ويقول الإمام : إن من شرط التفاضل بين شاعرين أن ينظما في موضوع واحد تماماً كفرسي الرهان يجريان في ميدان واحد، أما إذا نظم أحدهما في معنى والثاني في معنى آخر، فيصعب التفاضل بينها واذا لم ننظر الى هذا الشرط بعين الاعتبار فامرؤ القيس هو المقدم. هذا هو المعنى المفهوم من كلام الإمام.

وليس من شك ان الشرط الذي ذكره لا بد منه للتمييز بين شاعرين أو ناثرين فيما يعود الى الفكر والإبداع، والإلهام والابتكار، أما التفاضل في الأسلوب والبيان فلا يفتقر الى هذا الشرط، لأن فن الأداء والتعبير يدل بنفسه على نفسه أينما كان.. بخلاف الفكر والعلم. وبمثال للتوضيح : لا يقال : هذا في الطب أعلم من ذلك في الهندسة، ويقال : هذا أفصح بياناً وأحسن تعبيراً من ذاك حتى ولو كان أحدهما طبيباً والآخر مهندساً. وعليه يكون غرض الإمام التفاضل من حيث الفكر والإلهام لا من حيث التعبير والبيان.

448 - ألا حُرُّ يَدَعُ هذه الماعَةَ لِأهْلِهَا ؟ أَنَّهُ لَيْسَ لأَنفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا

• اللحاظة - بضم اللام - كما في مجمع البحرين للطريحي هي بقية الطعام في الفم والمراد بها هنا الدنيا، والمعنى لا تعملوا للدنيا وحدها، وتهملوا العمل للجنة، واعملوا لهما معاً، ولا تتعرضوا بمعصية الله لغضبه، واعتصموا بطاعته يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.

445 - مَنْهُومَانِ لَا يَشبَعَانِ : طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا.

• لذة العلم عند أهله تفوق لذة المال. وكان أحد العلماء يقول : أين الملوك وأبناء مما نحن ؟ أما لو فطنوا لنا لقاتلونا على العلم بالسيوف واللذة توجب العشق، والعاشق لا يشبع، وكلما استكثر ازداد تلهفاً. أما منهوم المال فقد صوره الرسول الأعظم بأبلغ صورة، وهي قوله : لو كان له جبلان من ذهب لتمنى لهما ثالثاً.. وأيضاً لو ملك الثالث لتمنى الرابع.. لا تشبعه إلا حفرة في التراب «ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر - 2 التكاثر».

450 - الإيمانُ أَنْ تُؤثِرَ الصَّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ في حَدِيثِكَ فَضْلُ عَنْ عَمَلِكَ وأَنْ تَلْقِيَ اللَّهَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِكَ.

• الصدق حسن بالذات، والكذب قبيح كذلك هذا قد يجب الكذب، ويحرم الصدق دفعاً للمفسدة وجلباً للمصلحة، كما لو رأيت سفاكاً يعدو خلف

بريء ليغتاله، وسألك السفاك : هل رأيت هذا الرجل ؟ وأيضاً يقبل الكذب في فن الحرب، ومن الطبيب ليطمئن المريض، وعليه يكون مراد الإمام بالضرر هنا ما يمكن تحمله ولا يجوز دفعه وإزالته بإضرار الآخرين، كالشهادة بالحق على الطغاة المبطلين وإن غضبوا وشتموا.

(وان لا يكون في حديثك فضل من عملك) المؤمن لا يتحدث عن نفسه، وإن دعت الحاجة فلا يختلق ويتزيد حتى ولو كان في الزيادة منفعة له. وهذا أيضاً من الصدق وإيثاره على الكلب (وان تتقي الله في حديث غيرك) لا تذكره بما يؤذيه، ولا تنسب اليه ما ليس فيه.

451 - يَغْلِبُ الْمُقْدَارُ عَلى التَّقْدِيرِ حَتَّى تَكُونَ الْآفَةُ فِي التَّدْبِير (وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا تَقَدَّمَ بِرِوَايَةٍ تُخَالِفُ هَذِهِ الألفاظ).

يشير الشريف الرضي بهذا الى الحكمة 15 «تذل الأمور للمقادير حتى يكون الحنف في التقدير». أنظر شرحها في ص 225 من هذا المجلد.

452 - الحلمُ وَالْأَناةُ تَوَأَمَانِ يُنتجهما عُلُو الهمّة.

• عالي الهمة هو الذي يزهد في الحقير، ويتطلع الى الخطير، ويتحمل المشاق في سبيله، ومن كان هذا شأنه يصبر على أذى الناس، ويسعهم بأخلاقه، ويعفو عند المقدرة.

453 - الغيبَةُ جُهْدُ الْعَاجِزِ.

• الغيبة من المحرمات، وقد نفر منها سبحانه بقوله : «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا - 12 الحجرات». وقالوا في حد الغيبة المحرمة : أن تذكر انساناً بفعل الحرام الذي تستر به ولم يقم عليه حد. وفي رأينا يجوز ذكر الغائب بكل ما فعل من المحرمات التي نهى الله عنها، وإن تستر ولم يجاهر شريطة أن يكون الذاكز منزهاً عما عاب به غيره، وأن يكون غرضه بيان الحق لوجه الحق. وفي ذلك رواية عن الإمام جعفر الصادق في كتاب «مصباح الشريعة». وقول الإمام : «جهد العاجز» يومىء الى ذلك، وان الذاكر قصد الانتقاص من الغائب، والتنكيل به بكل سبيل، ولما لم يجد إلا سبيل الغيبة التجأ اليها.

454 - رُبِّ مَفْتُونِ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ.

• المراد بالمفتون هنا المغرور، والمعنى من يهتم بثناء الناس ومديحهم فهو سخيف تافه لا يعتمد على جهده، ولا يثق بكفاءته، ويتوكأ على السراب الخادع.

455 - الدنيا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا وَلَمْ تُخلَق لِنَفْسِهَا.

• ومثله في الحكمة 132 «الدنيا دار ممر لا دار مقر» وفي الخطبة 155 «فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة» (ولم تخلق لنفسها) ولو ان الدنيا خلقت لنفسها لكانت دار الخلود.

456 - إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مُرُوداً يَجْرُونَ فِيهِ، وَلَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا بيْنَهُمْ ثُمَّ كَادَتْهُمُ الطَّباعُ لَغَلَبَتْهُم.

• المرود : من أرود إرواداً ورويداً أي تمهل، والمراد بالمرود هنا المدة التي يكون فيها الأمويون يداً واحدة، وكادتهم : مكرت بهم والضباع : جمع الضبع نوع من السباع الضعاف، يقال : ضبع الرجل أي جبن، وربما المراد بالضباع هنا أبو مسلم الخراساني وجيشه حيث كان في بداية أمره أضعف خلق الله، والمعنى ان دولة الأمويين تبقى حتى يختلفوا فيما بينهم، وعندئذ يسلبهم الملك والسلطان الذين كانوا أذلاء مستضعفين.

وقال المؤرخون : مات هشام بن عبد الملك، والأمويون قلباً واحداً، ودولتهم في أوج عظمتها، وبعده تنازعوا على الملك، وشهروا السيوف، وقتلوا أنفسهم بأيديهم، وكان الغالب ينتهب أموال المغلوب حتى أثاث البيت، ويشرد ويسجن أهله وأولاده.. وبلغت بهم

الحال ان الأحياء منهم كانوا ينبشون قبور موتاهم ويصلبونهم على الأخشاب في الأماكن العامة، كما فعلوا بجثة يزيد بن الوليد بن عبد الملك، ولما رأى الناس منهم هذا وغير هذا ثاروا عليهم، وقتلوهم تحت كل حجر ومدر.

وفي الخطبة 85 قال الإمام : ستقبل الدنيا على بني أمية، ثم مية، ثم تدور عليهم فتطحنهم بكلكلها حتى لا ترى منهم باقية.

457 - وَقَالَ (فِي مَدْحَ الْأَنْصَارِ) : هُمْ وَاللهِ رَبَّوا الْإِسْلَامَم يُرَبِّى الْفِلْوُ مَعَ غَنَائِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ السَّبَاطِ وَأَلْسِنَتِهِمُ السَّلَاطِ.

• ربوا الإسلام : قوته التي بها أزهر وأثمر : والفلو : المهر إذا بلغ سنة، ومع غنائهم : مع استغنائهم أي أسلموا لوجه الله لا يبغون جزاء ولا شكوراً والأيدي السباط : الأيدي الكريمة، والألسنة السلاط : الألسنة الفصيحة.

كان الإسلام ضعيفاً في مكة المكرمة، فوجد في الأنصار من أهل المدينة المنورة قوة رادعة، وطريقاً جديداً لنشره وسلطانه. ومن هنا أثنى الله عليهم ورسوله في العديد من آي الذكر الحكيم، وأحاديث الرسول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فمن الآيات:

«وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ - 74 الانفال ومن الأحاديث: ان الأنصار أحب الناس إلي.. اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار.

458 - العَيْنُ وكَاءُ السَّه.

• هذه الكلمة وردت أيضاً في كلام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). والوكاء : رباط القربة، والألسه : مؤخر الإنسان، والمراد بها هنا الوعاء، والمعنى ان الألسه وعاء أو كالوعاء تربطه العين كما يربط الوكاء القربة لحفظ ما فيها من الماء ونحوه.. والغرض من هذه الإشارة التنبيه الى أن العين تحفظ الإنسان وتحرسه من بين يديه ومن خلفه. هذا ما فهمناه من أقوال الشارحين والمعلقين وأهل اللغة في تفسير هذه الكلمة.. وعسى أن يكون هو المراد.

459 - وَلِيَهُمْ وَالٍ فَأَقَامَ وَاسْتَقَامَ حَتَّى ضَرَبَ الدِّينُ بِجِرَانِهِ.

• الجران : مقدم عنق البعير، والباء زائدة، يقال : ألقى البعير جرانه أي برك واستراح والضمير في وليهم يعود للمسلمين، والمراد بالوالي هنا رسول الله، كما في تعليق الشيخ محمد عبده، والمعنى ان الإسلام تمكن في الأرض، وأظهره الله على الدين كله بفضل نبي الرحمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

460 - يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعْضُّ الْمُوسِرُ فِيهِ عَلى مَا فِي يَدَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذلِكَ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ، «وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ»، تَنْهدُ فِيهِ الْأَمْرَارُ وَتُسْتَذَلُّ الْأَخْيَارُ.

وَيُبَايِعَ المضطَرُّونَ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) عن بيع المضطرين.

• عضوض : شديد، وبعض الموسر : يقبض الغني يده ويمسك أمواله، ولا تنسوا الفضل : أحسينوا كما أحسن الله اليكم، وتنهد : ترتفع، والبيع - بكسر الباء وفتح الياء - جمع بيعه أيضاً بكسر الباء للهيئة لا للمرة، والمعنى يأتي زمان على الناس قاس وشديد، يبخل فيه الغني بماله، والله يأمره بالبذل، ويسود فيه الباطل، ويسيطر الأذناب والذئاب، ينكلون بالأبرار والأحرار ويعم الفساد والضلال، وينقاد من ينقاد للحاكمين الباغين اضطراراً لا اختياراً، والإسلام لا يقر معاملة المضطر أي المكره.

وإنما فسرنا الاضطرار هنا بالإكراه، لأن الفقهاء يصححون معاملة المضطر دون المكره، ويفلسفون ذلك بأن التجارة لا بد أن تكون عن تراض، والاضطرار يجتمع مع الرضا دون الإكراه كمن باع داره عن رضا وطيب نفس بدافع العلاج وتكاليفه. وسبق الحديث عن آخر الزمان في الخطبة 101 والحكمة 101 و 367.

461- يَهْلِكُ فِي رَجُلانِ : يُحِبُّ مُفرِط وَبَاهِتٌ مُفتر (وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ (عَلَيْهِ السَّلام)) : هَلَكَ فِي رَجُلان : يُحِبُّ غَالٍ ومبغضٌ قال.

• كل من الباهت والمفتري كذاب يرمي بالباطل، ولكن الباهت صلف وقح، لأنه يرمي بالحضور، والمفتري أعم يرمي بالحضور والغياب. وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 125. انظر ج 2 ص 246 والحكمة 116.

462 - التَّوْحِيدُ أَنْ لَا تَتَوَهَّمَهُ، وَالْعَدْلُ أَنْ لَا تَتهِمَهُ.

• (لا تتوهمه) سبحانه وتعالى أي لا تتصوره في وهمك بشكل من الأشكال، لأن التصور محدود، والله لا يحده شيء، ولا يحيط به شيء، أزلي أبدي لا أول له ولا آخر. والتفكير يجب أن يكون في خلقه تعالى وآياته لا في حقيقته وذاته (لا تتهمه) بشيء يتنافى مع عظمته وحكمته «رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - 191 آل عمران». وتقدم الكلام عن ذلك مرات، منها» في الخطبة الأولى والخطبة 185 وشرحهما.

463 - لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الحلم كما أنه لَا خَيْرَ فِي القَولِ بالجمل.

. إذا كان الساكت عن الحق شيطاناً أخرس - كما قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - فالقائل بالباطل شيطان ناطق. وتقدم الكلام عن ذلك مراراً، منها في شرح الخطبة 94 فقرة (السكوت).

464 - وَقَالَ (فِي دُعَاءِ اسْتَسْقَى بِهِ) اللَّهُمْ أَسْقِنَا ذُلُلَ السَّحَابِ دُونَ صعابها.

• ذلل : جمع ذلول أي لين وسهل. قال سبحانه : «فاسلكي سبل ربك ذللاً - 69 النحل» أي منقادة.. شبه الإمام السحاب الجدب الماحل بالبعير النفور المتمرد، والسحاب المورق المثمر بالناقة الطبعة الحلوب. وتقدم شرح خطبتي الاستسقاء 113 و 141.

465 - وَقِيلَ لَهُ (لَوْ غَيّرْتَ شَيْبَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنينَ؟) فَقَالَ : الخضاب زِينَةٌ وَنَحْنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَةٍ.

• قال الشريف الرضي : يريد بالمصيبة وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وكان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يحب النظافة وحسن المظهر فيختضب ويتطيب ويستاك ويستعمل المشط والمرآة ورآه الإمام يوماً، وقد خضب لحيته بالسواد، فقال : ما أحسن هذا الخضاب یا رسول الله.! أفلا أخضب لحيني اقتداء بك ؟ فقال : لا، دعها سيبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة صالح، فيضربك على رأسك ضربة منها لحيتك، وأنت في السجود بين يدي الله. فقال الإمام : أني سلامة من ديني يا رسول الله ؟ قال : في سلامة من دينك.

466 - القَنَاعَةُ مَالُ لَا يَنْفَدُ.

• تقدم بالحرف الواحد في الحكمة 56. أنظر شرحها في ص 251 من 251 من هذا المجلد.

467 – وَقَالَ (لِزِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسَ عَلى فَارِسَ وَأَعْمَالِهَا فِي كَلَام طَوِيلٍ كَانَ بَيْنَهما نَهَاهُ فِيهِ عَنْ تَقَدَّم الْخَرَا)ج : اسْتَعْمِلِ الْعَدْلَ وَأَحذَرِ العَسْفَ وَالْخَيْفَ، فَإِنَّ العَسْفَ يَعُودُ بِالْجَلاَءِ وَالْخَيْفَ يَدْعُو إلى السيف.

• عطف الحيف على العسف من باب عطف التفسير، والمراد بالجلاء هجرة أهل البلاد عنها فراراً من البغي والجور، والمعنى لا تظلم أحدا من الرعية، لأن الظلم يدعو المواطنين الى الثورة أو ترك البلاد، وبالثورة تسفك الدماء، وبالهجرة تخرب البلاد.

468 - أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفْ بِهِ صَاحِبُهُ.

• تقدم مع الشرح في الحكمة 347، وهذا نصها بالحرف : «أشد الذنوب ما استهان به صاحبه»

469 - مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلى أَهْلِ العلم أنْ يُعَلِّمُوا.

• العلم حسن بذاته، وطلبه راجح بحكم البديهة، ولا يفتقر ذلك الى دليل من كتاب أو سنة.. وفي ذات يوم سألني سائل : ما الدليل على جواز تعليم المرأة؟ قلت له : ليس هذا سؤالاً. وإنما السؤال : هل هناك دليل على حرمة تعليمها ؟ لأن العلم بطبعه يحمل الدليل الكافي على رجحانه لكل إنسان ذكراً كان أم أنثى. مؤمناً أم غير مؤمن، بل هو لغير المؤمن ألزم وأرجح.

أما وجوب طلب العلم والإلزام به، وهل، وهل هو فرض عين أو فرض كفاية، أما هذا فيختلف بحسب الغاية المقصودة من طلبه، فإن كانت الغاية إقامة ما لا يد منه لقوام الدين والحياة الدنيا - كان طلب العلم واجباً لتحقيق ذلك. وإذا كانت الغاية تتحقق بفعل البعض دون الكل، وفعل البعض، وتحقق المطلوب - كان الفرض كفاية وإلا فهو فرض عين.. وقد يحرم طلب العلم إذا كانت الغاية منه التقتيل والتدمير، والغش واللصوصية والعهر والفجور، وما الى ذلك من المحرمات.

والإمام يتحدث هنا عن العلم الدي هو وسيلة لعمل الواجب، ومن البداهة ان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأيضاً من البداهة ان وجوب طلب العليم معناه التلازم والترابط بين وجوب التعلم والتعليم حيث لا تعليم بلا متعلم، ولا تعلم بلا معلم، فكل منها جزء متمم للآخر.. ونختم الكلام هنا عن العلم بقول الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «كن عالماً أو متعلماً أو محباً لهما، ولا تكن رابعاً فتهلك» أي جاهلاً مبغضاً للعلم وأهل العلم.

474 - شَرُّ الْإِخْوَانِ مَنْ تُكلف كلَّفَ لَهُ.

• الأخ بحق هو الذي يخفف عن أخيه الهموم والأثقال، فإن زاده هماً على هم، وحملاً على حمل فهو من إخوان الزمان وأصدقاء المصلحة يقبل عند الطمع، ويدبر عند اليأس.

471 - إذَا أَحْتَشَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ.

• المراد بالاحتشام هنا الحذر والتحفظ وعدم الأنس والانطلاق. وهو دليل قاطع على عدم الثقة والتصاني.. ولو صحت النية وتوكدت الثقة والعلاقة لسقط التحفظ، وزالت الحدود والقيود.

كان الفراغ منه في 20 ربيع الأول سنة 1393 هـ الموافق 23 نيسان سنة1973م.

وأحمد الله الذي أكرمني بنعمة الصبر والجلد على ما كتبت ونشرت، ووقاني من داء الكسل والملل، وأذاقني حلاوة القراءة والكتابة وأذاقني حلاوة القراءة والكتابة، ولم يشغلني عنهما بشاغل مع أمان من الحاجة. وقد شكرته مخلصاً على ما ألفت قبل أن أكتب فقه الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فزادني من إحسانه، وقادني بتوفيقه الى كتابة «فقه الإمام» من ألفه الى يائه عرضاً واستدلالاً.. وأيضاً شكرته على هذه النعمة الجلى، فتابع فيضه وفضله، وهداني الى «التفسير الكاشف».. وأيضاً حمدت وشكرت

فقبل سبحانه حمدي وشكري وزادني هذا الكتاب وفاء لقوله : «وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم».

والآن أذكره وأشكره، وأشهد على نفسي بالإهمال والتقصير.. قال الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «اللهم ان أحداً لا يبلغ من شكرك غاية إلا حصل عليه من إحسانك ما يلزمه شكراً» واذا وجب الشكر على الشكر للتوفيق اليه فكيف اذا كان هذا التوفيق فضل على فضل ..اللهم لا أستطيع شكرك بما أنت أهله.. فزدني من فيضاك فيضك.. انك جواد كريم، وصل على محمد وآله أشرف الخلق أجمعين من الأولين والآخرين.

الفهرس

الرسالة 42

الى مصقلة بن هبيرة...5

الرسالة 43

الى زياد ابن أبيه ...8

العقاد ودهاة العرب ...10

الرسالة 44

الى عثمان بن حنيف الأنصاري ...12

الشجرة العرية ...17

الإمام في جهاد دائم ...22

الرسالة 45

الرفق بالرعية ...24

الرسالة 46

حين ضربه ابن ملجم ...26

الرسالة 47

أيضاً الى معاوية ...30

الرسالة 48

الدنيا متشغلة ...33

الرسالة 49

لا سر دونكم في الحرب ...35

الرسالة 50

الى أصحاب الخراج ...39

الرسالة 51

أوقات الصلاة ...43

الرسالة 52

عهد الأشتر ...45

كل الناس من تراب ...48

المسلم والدول الإسلامية ...50

محبة الحاكم للرعية ...50

رضا الرعية ...52

الديمقراطية ...54

التسلط الطبقي ...55

الإسلام دين الجماهير ...55

كن مع الصادقين ...57

المشورة ...59

الناس طبقات ...61

العرف والعادة ...62

مدارسة العلماء ...63

تصنيف المجتمع ...63

الجنود حصون الرعية ...65

القوة والعدالة ...66

الضرائب ...67

قادة الجيش ...70

القضاة ...75

العمال ...79

الدولة والشخصية الاعتبارية ...80

الإمام ومطالب العمال ...82

الضرائب ...85

شروط الوزير... 89

مقياس الحقيقة ...91

توزيع الأعمال ...92

الصناعة والتجارة بين القديم والجديد ...93

الطبقة السفلى ...97

فلسفة المساكين ...98

حاجات الناس وفرائض الله ...103

من أقسام الحق ...1106

بطانة الوالي وحواشيه ...108

الديمقراطية عند الإمام ...111

الشرط الأساسي في الصلح...112

لا مجتمع بلا نظام ...113

إياك والدماء ...113

للحق سلاح لا تراه العيون ...116

من شروط القيادة ...118

القدوة الصالحة ...120

الرسالة 53

الى طلحة والزبير ...123

الرسالة 54

أيضاً الى معاوية ...127

الرسالة 55

الى شريح بن هاني ...131

الرسالة 56

الى أهل الكوفة ...133

الرسالة 57

الى أهل الأمصار ...135

الإمام والقصاص من قتلة عثمان ...137

الرسالة 58

الى الأسود بن قطيبة ...139

العدل والمساواة والعمل ...140

الرسالة 59

الجيش والمواطنون ...142

الرسالة 60

الى كميل بن زياد ...145

الرسالة 61

الى أهل مصر ...147

لولا عمر ما حكم أبو بكر ...149

الرسالة 62

الى أبي موسى الأشعري ...154

الرسالة 63

أيضاً الى معاوية ...158

الرسالة 64

أيضاً الى معاوية ...164

الرسالة 65

الى عبدالله بن عباس ...169

الرسالة 66

الى قثم بن العباس ...171

بيوت مكة وبيعها وايجارها ...173

الرسالة 67

الى سلمان الفارسي ...175

الرسالة 68

الى الحارث الهمداني ...178

الصاحب معتبر بصاحبه... 181

مقياس العظمة عند الإمام ...182

التعطيل يوم الجمعة ...183

الرسالة 69

الى سهيل بن حنيف ...185

الرسالة 70

الى المنذر بن الجارود ...188

الرسالة 71

أيضا ابن عباس ...191

الرسالة 72

أيضاً معاوية ...193

الرسالة 73

بين ربيعة واليمن ...195

الرسالة 74

أيضاً الى معاوية ...198

الرسالة 75

أيضاً لابن عباس ...200

الرسالة 76

أيضاً لابن عباس ...201

الرسالة 77

الى أبي موسى الأشعري ...203

الرسالة 78

الى امراء الجند ...207

الكلمات القصار... 213

فهرست ...487