ghaemiyeh.com
في ظلال نهج البلاغة
محاولة لفهم جديد
شرح
محمد جواد مغنیه
الجزء الثالث
دار العلم للملايين
ص. ب 1085 - بيروت
محرر الرقمي: مرتضی حاتمي فرد
فى ظلال نهج البلاغة
محاولة لفهم جديد
شرح
محمد جواد مغنیه
الجزء الثالث
دار العلم للملايين
ص. ب 1085 - بيروت
الطبعة الأولى : 1973
الطبعة الثالثة
تشرين الأول (اکتوبر) 1979
لا يَشغَلُهُ شَأْنُ. وَلَا يُغَيْرُهُ زَمَانٌ، وَلَا يحويه مَكَانُ. وَلَا يَصِفُهُ لِسَانُ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الماءِ، وَلَا نُجومِ السَّمَاءِ، وَلَا سَوَا فِي الرِّيح في الهواء، وَلَا دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا، وَلَا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظّلمَاء. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ وَخَفِي طَرْفِ الْأَحْدَاقِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ، وَلَا مَشكُوكٍ فِيهِ، وَلَا مكْفُورٍ دِينُهُ وَلَا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ. شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيِّتُهُ وَصَفَتْ دِخَلَتُهُ، وَخَلَصَ يَقِينُهُ، وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُجْتَبَى مِنْ خَلَائِقِهِ، وَالْمُعْتَامُ لِشَرْح حَقَائِقِهِ وَالْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ. وَالْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالَاتِهِ. وَالْمُوَضحَةُ به أَشْرَاطُ الهُدَى. والمَجْلُو بِهِ غَرْبِيبُ الْعَمَى(1).
اللغة :
لا يعزب: لا يغيب ولا يخفى. وسوافي : جمع سافية من سفت الريح التراب اذا أذرته. والدبيب : المشي البطيء. والمقيل : الاستراحة وان لم يكن نوم. والطرف : - بسكون الراء - الحركة، وطرف العين : تحريك جفنها والأحداق : العيون. وتكوينه : خقله ودخلته : - بكسر الدال وضمها - باطنه. والمعتام : المختار. والعقائل : الكوائم، والعقيلة من النساء المخدرة. وأشراط : علامات علامات. والغر والغربيب : الأسود الحالك، والمراد بغربيب العمى الضلال.
الإعراب :
غير معدول حال من كلمة الجلالة، وأشراط نائب فاعل للموضحة، وغربيب نائب فاعل للمجلو به.
المعنى:
(لا يشغله شأن). إن قدرته وعلمه تعالى يسعان كل شيء تماماً كرحمته، ونسبة الأشياء اليه واحدة، فلا قريب وبعيد، وخطير وحقير، واذن فلا يصح القول في حقه تعالى : انه يشغل عن هذا دون ذاك : «رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا - 7 غافر». (ولا يغيره زمان) لأنه واجب الوجود، لا قبل له ولا بعد (ولا يحويه مكان) لأنه ليس بجسم (ولا يصفه لسان) للجهل بذاته التي لا يشبهها شيء، ولا يشاركها شيء في الماهية والصفات، وإثبات وجودها بالخلق والآثار لا يستدعي العلم بحقيقتها، فنحن نعرف ان (اديسون) كان موجوداً من الكهرباء، ولا نعرف عن نسبه شيئاً (ولا يعزب عنه الخ) يشير الى قوله تعالى : «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ - 59 الأنعام».
(غير معدول به) ليس كمثله شيء (ولا مشكوك فيه) كيف وفي كل
شيء له آية ؟ (ولا مكفور دينه) ومن كفر فقد ضل سواء السبيل (ولا مجحود تكوينه) لأن الكون الذي خلقه تعالى ثابت بالحس والعيان (شهادة من صدقت نيته الخ).. أي يوافق فيها السر الإعلان، والقلب اللسان كما جاء في الخطبة 99 (ورسوله المجتبى من خلقه) اصطفى سبحانه محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأنه خيرة الخلق أجمعين (والمعتام لشرح حقائقه) المختار لبيان الحقائق الإلهية (والمختص بعقائل كراماته) وهي الفضائل والمناقب (والمصطفى لكرائم رسالاته) اختاره الله بلاغاً لرسالاته الكريمة (والموضحة به أشراط الهدى) برسول الله عرفت دلائل الحق والعدل (والمجلو به غرییب العمی) به انكشفت الظلمات، واهتدت الأجيال الى سواء السبيل
أيُّها النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُ المُؤمّلَ لَهَا وَالْمُخْلِدَ إِلَيْهَا، وَلاَ تَنْفَس بمَنْ نَافَسَ فِيهَا، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا. وَأَيمُ اللهِ مَا كَانَ قَوْمُ قطّ فِي غَضّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلا بِذُنُوبِ أَجْتَرَحُوهَا، لأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلام لِلْعَبِيدِ. وَلَوْ أَنَّ النَّاسِ حِينَ تَنْزِلُ تنزل بهم النقم تَزُولُ عَنْهُمُ النّعَمُ فَرْعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَاتِهِمْ وَوَلَدٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ. وَإِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ. وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا ميْلَةٌ كُنتُمْ فِيهَا عِندِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَلَئن رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إنکم لَسُعَدَاء. وَمَا عَلَى إِلا الْجُهْدُ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ عفا اللهُ عَمَّا صَلَفَ (2).
اللغة :
أخلد الى الشيء : مال اليه وركن. ونفس به، بكسر الفاء - بخل به وحرص عليه، ونافس فيه : بارى وزايد. واجترحوها : اقترفوها وارتكبوها.
الإعراب :
تستعمل قط بمعنى حسب مثل قطي وقطك، أي حسبي وحسبك، واسم فعل مثل قطني أي يكفيني، وقط ظرف زمان لاستغراق الماضي، وتختص بالنفي، مثل ما فعلته قط أي فيما مضى، وجملة فزعوا خبر ان الناس، ولرد عليهم جواب لو.
المعنى:
(أيها الناس ان الدنيا تغر المؤمل لها والمخلد اليها). قد يغتر المرء ويركن الى جامه وماله، أو الى علمه وذكائه، ويظن انه في غنى بذلك عن كل شيء ! وهذا هو الجهل والغباء، فإن الدنيا كالسراب يحسبه الظمآن ماء، ولا يركن اليها من عرف أمرها وغورها (ولا تنفس بمن نافس فيها) احرص على الدنيا ما شئت، أما هي فلا تهتم بك على الإطلاق (وتغلب من غلب عليها) لا تفرح إذا فزت منصب أو ربح نافسلك فيه من نافس، فرما دارت عليك الدوائر، وشمت بك من شفيت غيظك منه بالأمس.
(فوالله ما كان قوم - الى - اجترحوها). ظن بعض الشارحين أن الإمام يتكلم هنا عن كل ذي نعمة فرداً كان أم جماعة، وان النعمة تزول بالذنوب أيا كان نوعها !. وأوقعهم هذا الظن في إشكال، وهو ان كثيراً من الناس يغرقون في الترف والخطايا معاً، ومع هذا تنمو ثروتهم وتزداد هذا تنمو ثروتهم وتزداد.. وأجاب عن هذا الإشكال من أجاب بأن كلام الإمام محمول على الأغلب لا على العموم، أو ان الله إذا أنعم من جهة انتقم من جهة ثانية.
والأرجح ان الإمام يتكلم عن الجماعة دون الأفراد، كما هو الظاهر من كلمة «قوم» وان مراده من النعمة الحياة الكريمة بالخصوص، ومن الذنوب الفرقة والشتات، وعليه يكون المعنى ان أي قوم أنعم الله عليهم بدولة كريمة تصونهم من الاعتداء، وتحقق وتحقق لهم الطمأنينة والاستقرار، ثم تشاحنوا وتباغضوا - تزول عنهم هذه النعمة، ويصبحون لقمة سائغة لكل طامع وتفسيرنا هذا يتفق مع الواقع، ومع قوله تعالى : «وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ - 46 الأنفال». وصرح الإمام بذلك في الخطبة 27 حيث قال لأصحابه : شن عليكم أهل الشام الغارات، وغزوكم في عقر داركم، لأنهم اجتمعوا على باطلهم، وتفرقتم عن حقكم.
(ولو ان الناس حين تنزل بهم النقم)..إذا مر بالمؤمن لحظات من المخاوف يلجأ الى الله، ويطلب منه العون والفرج، والله يسمع ويجيب دعوة الداعي شريطة أن يستجيب هو بدوره الى الله كما جاء في الآية 186 من سورة البقرة : «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» وليست الاستجابة له تعالى بالكلمات والابتهالات، ولا بمجرد الصوم والصلاة، بل بالعمل والأخذ بأسبابه سبحانه وسننه في جميع خلقه «ولن تجد لسنة الله تحويلاً - 43 فاطر». أبداً لا تبديل ولا تحويل في سننه، جلت حكمته، وهي ان لكل شيء سبباً طبيعياً كان، أم اجتماعياً، والبطالة ليست بسبب لشيء من الأشياء إلا الهم والغم، والتخلف والانحطاط : «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ - 30 الشورى». وقال الإمام : من قصر في العمل ابتلي بالهم.. والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر.
(واني لأخشى أن تكونوا في فترة) من الاستقرار يعقبها خوف واضطراب (وقد كانت أمور مضت - الى - غير محمودين). ما صرح الإمام بتلك الأمور، ولا دليل عليها من غيره، وقال بعض الشارحين : يشير الإمام بالأمور الى تقديم عثمان عثمان يوم الشورى، وقال آخر : يشير الى ما سبق الشورى... وكلا القولين حدس بلا أساس.. وأية علاقة للمخاطبين بالشورى والسقيفة، ويكفي لصحة الخطاب أن يكون المخاطب على علم بمراد المتكلم.
(ولئن رد عليكم أمركم) من جمع صفوف، ووحدة الكلمة (انكم لسعداء)
بحياة الاستقرار وحقن الدماء (ولو أشاء أن أقول لقلت) ما حدث منكم، وأسكت عنها لا عن نسيان، بل (عفا الله عما سلف). والعفو أقرب للتقوى. وقال في مكان آخر : متى أشفي غيظي اذا غضبت..؟. أحين أعجز عن الانتقام فيقال لي لو صبرت..؟ أم حين أقدر عليه فيقال لي لو عفوت ؟
فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : أَفَأَعْبُدُ ما لا أرى ؟ فَقَالَ : وَكَيْفَ تَرَاهُ ؟ فَقَالَ : لا تَرَاهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعَيَانِ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ القُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ. قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاء غَيْرَ مُلاَمِسٍ. بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُباين. مُتَكَلَّمُ لاَ بِرَوِيَّةٍ، مُرِيدُ لا بهمّة. صانع لا بجارحة. لَطِيفٌ لاَ يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ. كَبِيرُ لاَ يُوصَفُ بِالْجَفَاء. بَصِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ. رَحِيمٌ لاَ يُوصَفُ بِالرُّقْةِ، تَعْنُو الوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَتَجِبُ القُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ.
اللغة :
الهمة : الاهتمام وشدة العناية جلباً لنفع أو دفعاً لضرر. والجارحة : العضو واللطيف : غير المحسوس. وتعنو : تخضع. وتجب : تضطرب.
الإعراب :
لا تدركه الضمير لله سبحانه. وقريب وما بعده من الأوصاف أخبار المبتدأ محذوف أي هو، وغير حال.
المعنى :
قال قائل للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هل رأيت ربك ؟ فقال له : أفأعبد ما لا أرى : قال السائل : وكيف تراه ؟ قال الإمام : (لا تدركه العيون الخ) المعرفة .. على أنواع : منها حسية، وتقوم على موضوعات من مرئيات، ومسموعات، وروائح، ومذاقات، وملموسات، وهذه كلها إحساسات مادية، والله منزه عن المادية، وإذن فالطريق الى معرفة وجوده لا يقف عند الحس وحده.
ومنها عقلية، وهي أن ينتقل بنا العقل من معلوم الى مجهول، من شاهد محسوس الى واقعة تترتب عليه، ولا تنفك عنه محال، من شاهد الى غائب، مهما شئت فعبر. وقد شاهدنا الكون بقوانينه الثابتة العامة الشاملة لكل ركن من أركانه، شاهدنا ذلك بالحس، فانتقل العقل بنا الى وجود سلطة خالقة مدبرة تماماً كما انتقل عقل «نيوتن» من مشاهدة التفاحة تسقط من الشجرة على الأرض انتقل من ذلك الى حقيقة قانون الجاذبية، وامتلأ قلبه إيماناً بهذه الحقيقة، وقلده كل العلماء ثقة بصدقه.
لقد رأت العيون الخلق، وحكم العقل وجزم بوجود الخالق، واعتقد القلب وآمن. وهذا ما عناه الإمام بقوله : (تدركه القلوب بحقائق الإيمان). أي آمن القلب حقاً واقعاً لأنه رأى بعين الحس والعقل (قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين) هو قريب من الأشياء، لأنها في قبضته وعلمه وتدبيره، وهو غير ملامس، لأنه ليس بجسم فيلمس، وهو بعيد عن الأشياء بذاته وصفاته وآثاره، وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 49.
(متكلم لا بروية) وجولة فكر في معنى الكلام وإنشائه، بل يخلق الكلام كما يخلق الأعيان، لإفهام قصده ومراده وبيان أمره ونهيه (مريد لا بمهمة). اذا أراد الانسان شيئاً فلا يوجد هذا الشيء بمجرد أن يريد، بل بل لا بد من الاهتمام بالأسباب الموجبة، والسعي والعمل، ومع هذا الاهتمام والسعي قد يوجد المراد،
وقد تعترض طريقه الصعوبات والعراقيل هذا بالنسبة الى المخلوق، أما إرادة الخالق فهي لا تنفك عن المراد، ويوجد بمجرد وجودها، بل هي هو ما شاء الله، وإن لم يشأ لم يكن». وبكلمة : مراد الإنسان إمكان، ومراده تعالى وجوب أي بلا بلا سبب إلا الإرادة وحدها.. هذا، الى ان الإنسان يعلم بالمصلحة فيريد، ثم يصمم ويعزم في قلبه على الفعل بجوارحه. وأين هذا ممن يقول للشيء كن فيكون !.
(صانع لا بجارحة) أي عضو، بل بكلمة «کن». (لطيف لا يوصف بالخفاء). المراد باللطيف هنا غير المحسوس. ولكيلا يقول قائل : ان الجسم الذي بلغ الغاية من الصغر هو أيضاً خفي لا يحس، وعليه يكون الله شبيه ونظير من هذه الجهة قال الإمام : «لا يوصف بالخفاء»، أي احتجب الجسم الصغير عن العيون لصغره ودقته ورقته، والله سبحانه احتجب عنها، لأنه ليس بجسم، ومع هذا فهو ظاهر بخلقه وآثاره (كبير لا يوصف بالجفاء). انه تعالى كبير وأكبر ذاتاً ووصفاً وأثراً، لا غلظة وجفاء (بصير لا يوصف بالحاسة) أي بالعين بل بالعلم (رحيم لا يوصف بالرقة) بل بالإحسان والإفضال، والرقة انفعال وتأثر، والله منزه عنه (تعنو الخ).. كل الخلق خاضع لعظمته، وخائف من سطوته.
أَحْمَدُ اللَّهَ عَلى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَقَدْرَ مِنْ فِعْلٍ، وَعَلى ابتلائي : أَيُّهَا الفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ، وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ. إِنْ أَمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ، وَإِنْ حُورِبتُمْ خُرَّتُمْ. وَإِنْ أَجْتَمَعَ النَّاسُ عَلى إِمَامٍ. طَعَنْتُمْ، وَإِنْ أجِئتُمْ إِلَى مُشَاقَةٍ نَكَصْتُمْ. لَا أَبَا لِغَيْرِكُمْ. مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَالْجِهَادِ عَلى حَقَّكُمْ ؟ المَوْتَ أَو الذُّلِّ لَكُمْ. فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ يَوْمِي - وَلَيَأْتِيني - لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَال، وَبِكُمْ غَيْرُ كَثِير (1). لِلهِ أَنتُمْ. أما دين يَجْمَعُكُمْ ؟ وَلَا حَيَّةٌ تَشْحَذكُمْ؟ أَوَلَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّعَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَلَا عَطَاءٍ. وَأَنَا أَدْعُوكُمْ - وَأَنتُمْ تَرِيكَةُ الْإِسْلَام وَبَقِيَّةُ النَّاس - إلَى الْمَعُونَةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ فَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ
إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضَى فَتَرْضَوْنَهُ، وَلَا سُخَطُ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَحَبٌ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ. قَدْ دَارَسْتُكُمْ الْكِتَابَ وَفَاتَحتُكُمُ الْحِجَاجَ، وَعَرّفتُكُمْ مَا أَنكَرْتُمْ، وَسَوْفْتُكُمْ مَا مَجَجْتُم، لَوْ كانَ الْأَعْمَى يَلْحَظُ، أو النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ. وَأَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ باللهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةٌ، وَمُؤدِّبُهُمْ ابْنُ النَّابِغَة (3)،
اللغة :
أمهلم : أرفق بكم. وخضتم : دخلتم في الباطل. ومحرتم : ضعفتم وجبتم. وأجتم : الجتم، أوجيء بكم. والمشاقة - بضم الميم – المخاصمة، والمراد بها هنا الحرب، ونكصتم : رجعتم القهقرى أو أحجمتم. وقال : كاره. وتشحذ كم : تحرككم، من شحذ السكين اذا سنها وحددها. وتريكة الإسلام: خلف لمن جاهد في سبيل الإسلام. وفاتحتكم : حاكمتكم وقاضيتكم
الإعراب :
لا أبا «لا» نافية للجنس، وأب اسمها، ولما أشبعت فتحة الباء صارت ألفاً، ولغير كم خبر. وبكم متعلق بكثير، وغير خبر لمبتدأ محذوف أي وانا غير كثير بكم، أما حرف طلب وتحضيض مثل ألا على مذهب و المالقي الأندسي، ودين فاعل لفعل محذوف أي أما يجمعكم دين، ويجوز أن يكون دين مبتدأ والخبر محلوف أي أما لكم دين يجمعكم، والجملة من هذا الفعل والفاعل صفة لدين، وأقرب بقوم اللفظ لفظ الأمر، والمعنى خبر مع التعجب، والباء زائدة، وقوم فاعل أقرب.
المعنى :
(أحمد الله على ما قضى - الى - لم تجب). كانت مهمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع
أصحابه عسيرة أشد العسر، أرادهم للدفاع عن أنفسهم وعن الإسلام الذي بدأت شمسه تميل الى الغروب.. فآثروا حياة الدعة الذل والهوان على الكرامة مع الجهاد والتضحية، فشكى الإمام وتألم، وحدّرهم من سوء العاقبة، وقر وقرعه العديد من خطبه وأقواله.. ولكن بلا جدوى حتى كأنه كان يطلب النصر منهم المصلحته، لا لمصلحة الإسلام والمسلمين، فصبر على الخطب، بل حمد الله عليه تماماً كما محمده على السراء.
(ان أمهلم - الى - نكصم). الخطاب للرؤساء وأصحاب النفوذ، والمعنى لا أدري ماذا يصلحكم ؟ إن تلطفت بكم وأرفقت تماديتم في الباطل، وإن ألجأتكم الى الحرب تخاذلتم وضعفتم، وان رأيتم قلوب المسلمين معي شاغبتم و تآمرتم. (لا أبا لغيركم). تستعمل العرب هذه الكلمة عند المسألة والطلب، وهي تومىء الى الدعاء بفقد الأب، أو التعيير بجهله، ولكن الإمام تلطف في الأسلوب حيث وجه الدعاء أو الدم الى غيرهم في الظاهر، وهم القصد حقيقة وواقعاً.
(ما تنتظرون بنصركم والجهاد على حقكم) ؟ العدو يستفزكم، ويتغلغل في أرضكم، ويعتدي على كرامتكم، وأنتم لا تحركون ساكناً ! هل تنتظرون قوة تنزل من السماء لنصرتكم أو قوة أجنبية تأتي من أقصى المعمورة تدافع عنكم ؟ (الموت أو الذل لكم).. أبداً لا شيء يليق بكم إلا واحد من اثنين : الذل والهوان ما دمتم على هذه الحال، أو الموت يفنيكم عن آخر كم، فهو خير خير لكم والإنسانية من حياتكم. قال ابن أبي الحديد : قال ابن أبي الحديد : «هذا دعاء من الإمام عليهم. وقد استجاب الله دعاءه، فإن شيعته أيام الأمويين ذلوا كفقع قرقر». والفقع أو الفقاقيع نفاخات تعلو الماء، وأراد بالقرقر - كما نظن - لعاب الجمل حين يهدر ويجرجر.
(فوالله لئن جاء يومي - الى – كثير). سأفارقكم بالموت لا محالة، ولكن عن بغض وكراهية لكم واصحبتكم، لأني ما كنت بكم قوياً على الباطل وأهله.. ومن أجل هذا نطق الإمام بكلمة السرور والفرحة حين ضربه اللعين ابن ملجم : فزت ورب الكعبة (أما دين يجمعكم، ولا حمية تشحذكم).؟. أتدعون الإسلام، و الخلافات تستنزف منكم الدين وكل ما تملكون من طاقات ؟. وإذا لم يكن لكم دين فلتكن لكم حمية وأنفة تبعثكم على الدفاع عن أرضكم وكرامتكم.
(أوليس عجباً ان معاوية - الى فتجتمعون عليه). الطغام - بفتح الطاء - الأراذل، والمراد بالعطاء الراتب المعين لكل فرد، والمعونة العلاوة تعطى للمحارب لإصلاح سلاحه أو علف دابته، كالعلاوة التي تُعطى الآن للموظف من أجل مرض أو نحوه، وكان بيت المال آنذاك يوزع على الجند وغيرهم من المعوزين، وما كانت وزارة للأشغال، وثانية للصحة، وثالثة للتربية الخ. وكان الإمام يقسم المال بالسوية لا يحرم أحدا من حقه، ولا يرضي الأقوياء على حساب الضعفاء ويقول : لو كان المال لي لسويت بينهم كيف والمال مال الله ؟.
أما معاوية فكان يعطي من أجله، لا من أجل الله وسد حاجة المعوزين فيأخذ أموال الجند، وسهم الفقراء، ويغري بمال الله وبالمناصب أرباب الجاه والنفوذ، ويبيح لهم كل حرام دعماً لحكمه وسلطانه دعماً لحكمه وسلطانه.. ومن أجل هذا وحده اتبعوه، وكانوا أطوع له من بنانه، ولو ان معاوية عدل وساوى في العطاء والمعونة لكان المتبوعون معه كما كان أمثالهم مع الإمام. قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة : «كان الرؤساء يحقدون على الإمام، لأنه يساوي بينهم وبين الأتباع، فيخذلونه باطناً، وإن أظهروا له النصر، واذا أحس الأتباع بتخاذل الرؤساء تواكلوا أيضاً وتخاذلوا، لأن انتصار التابع مع تخاذل الرئيس المتبوع لا لا يتصور وقوعه».
وهنا يصدق قول القائل : «أريد حياته، ويريد قتلي». وقف الإمام مع الأتباع المستضعفين، وانتصر لهم من الأقوياء المستغلين، فتركه الأتباع، وانضموا الى أعداء الله وأعدائهم ضد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).. حدث هذا حدث هذا من قبل، ويحدث الآن: تقوم الثورة في الشرق أو في الغرب لتحرر الكادحين من الطغاة، وتدور الحرب بين الأحرار والفئة الطاغية الباغية على الضعفاء، فينتقض جماعة من هؤلاء على ثورتهم، وينضمون الى الثورة المضادة لهم والحياتهم جهلاً أو خيانة، وينتحرون بأيديهم من حيث لا يشعرون.
(وان أحب ما أنا لاق إلي الموت) حيث لا سبيل الى الخلاص مما هو فيه إلا الموت. قيل لفيلسوف. هل من مصيبة أعظم من الموت ؟ فقال : المصيبة التي تتمنى معها الموت (قد دارستكم الكتاب) أي درستكم وبينت لكم ما فيه، وبخاصة آيات الوحدة والاخوة، والجهاد لإحقاق الحق، وإقامة العدل (وفاتحتكم الحجاج) حاكمتكم الى العقل ووسائل الاقناع التي يحتج بها الله غداً على عباده.
(وعرفتكم ما انكرتم). أنكر الرؤساء على الإمام ان يساوي بينهم وبين الاتباع في المعونة والعطاء، فعرفهم أن هذا هو حكم الله ورسوله، وما هو إلا منفذ لا مشرع، ووكيل لا أصيل.
(وسوغتكم ما مججتم). ساغ الشراب سهل مدخله في الحلق، ومجه رمى به من فمه، والمعنى والمعنى بذلت كل ما أملك من جهد لإرشادكم وهدايتكم ولكنكم تماماً كالأعمى والميت لا تحسون ولا تبصرون : «لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا - 179 الأعراف). (أقرب بقوم من الجهل بالله الخ). المراد بالقوم هنا أهل الشام، والمعنى لا أحد أقرب الى الجهل بالله ودينه من قوم يتصرف بهم معاويه وابن العاص، ويلعبان بعقولهم كيف شاءا وأرادا. والحق ان المال هو الذي تصرف بالعقول والقلوب، وكنى الإمام عنه بمعاوية لأنه اشترى العقول والضمائر ودفع الثمن كاملاً، أما ابن العاص فله دور الوسيط بين البائع والمشتري.
ونختم هذا الشرح بكلمة لأحمد عباس صالح، قال في كتاب «اليمين واليسار في الإسلام»: «أبى علي أن يفعل شيئاً من هذا الذي يفعله معاوية، لأن انتصاره عندئذ يكون انتصاراً ناقصاً خيراً منه الهزيمة».
بُعْداً لَهُمْ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ. أَمَّا لَوْ أَشْرِعَتِ الْأَسِنةُ إِلَيْهِمْ، وَصُبَّتْ السُّيُوفُ عَلى هَامَاتِهِمْ. لَقَدْ نَدِمُوا عَلى مَا كَانَ مِنْهُمْ. إِنَّ الشَّيْطَانَ اليَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ، وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّىءٌ مِنْهُمْ وَمُتَخَلَّ عَنْهُمْ. فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الهُدَى، وَأَرْتَكَاسِهِمْ فِي الضَّلَالِ وَالْعَمَى، وَصَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَجَمَاعِهِمْ فِي التِّيهِ.
اللغة :
بعداً لهم : دعاء عليهم بالهلاك. وأشرعت : امتدت وصوبت. وهاماتهم : رؤوسهم. وتقلل وانفل القوم : انكسروا وانهزموا، واستفلهم الشيطان دعاهم للانشقاق والانهزام عن الجماعة. وارتكس : انتكس وانقلب. وتاه : ضل وجماحهم : إسراعهم.
الإعراب :
بعداً نصب على المصدرية، وأما تكون حرف استفتاح، وتكون بمعنى حقاً أو أحقاً على خلاف في ذلك، كما في مغني ابن هشام، وهي هنا بالمعنى الثاني بقرينة السياق، ولقد ندموا جواب لو، وحسبهم بخروجهم «حسب» مصدر مبتدأ، والباء زائدة، وخروجهم خبر، أي كفايتهم خروجهم عن الجماعة، مثل عذرهم جهلهم.
كان الخريت بن راشد من بني ناجية، وشهد صفين ناجية، وشهد صفين مع الإمام، وقال له في ذات يوم : أنا لا أطيع أمرك، ولا أصلي خلفك، واني غداً لمفارقك فقال له الإمام : أذكر لي كل ما يدور في ذهنك حولي من الشبهات، وعلي أن أزيلها وأدفعها بالحق فقال : آتيك غداً. قال له الإمام : ان استر شدتني لأهدينك سبيل الرشاد، ثم نهاه أن يتعرض لأحد بسوء وإلا أدبه واقتص منه.
فقال رجل للإمام : تم لا تأخذه الآن قبل ان يخرج، ويفسد في الأرض ؟. فقال الإمام : لو فعلنا هذا بكل من يتهم لملأنا السجون، ولا يسعني أن أعاقب أحداً حتى يظهر الخلاف. وانتظر الإمام عودة الخريت في الغد، ولكنه لم يأت، وكان معه 30 رجلاً، فأرسل الإمام أحد أصحابه يعلم له أحوالهم، فلما عاد الرسول قال له : أأمن القوم فقطنوا - أي أقاموا - أم جبنوا فطعنوا أي رحلوا : قال : بل ظعنوا يا أمير المؤمنين. فقال : بعداً لهم الخ.
خرج الخريت في جماعته، وقطعوا طريق الآمنين.. لقوا رجلاً يقال له زادان فروخ. فقالوا له : أمسلم أنت أم كافر ؟ قال : بل مسلم. قالوا : ما تقول في علي ؟ قال : أقول خيراً، انه أمير المؤمنين وسيد البشر، ووصي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). قالوا له : كفرت. وقطعوه بأسيافهم. ثم رأوا رجلاً آخر، فقالوا له: أمسلم أنت أم كافر ؟ قال : أنا يهودي. قالوا : خلوا سبيله ولما علم الإمام أرسل الى حربهم زياد بن أبي حفصة في 130 رجلاً فقتل نفراً منهم، وفر الخريت يجمع حوله العلوج والأكراد ومن اليهم، فندب الإمام ألفين من أهل الكوفة، وأرسلهم لقتال الخريت بقيادة معقل بن قيس الرياحي.
فسار معقل بجيشه يسأل عن مكان الحريت فقيل له : انه في أسياف البحر بفارس، فقصده، ولما سمع الخريت بمسير معقل تأهب للحرب، ودارت المعركة على أشدها، فقتل الخريت، ومئة وسبعون من أصحابه، وذهب الباقون في في الأرض يميناً وشمالاً، وكانت منية الخريت بيد النعمان بن صهيان الراسي من أصحاب معقل.
هذه خلاصة لقصة الخريت، ومن أراد التفصيل فليرجع الى شرح ابن أبي الحديد للخطبة 44 ص 264 من المجلد الأول الطبعة القديمة، وقد استغرقت حوالي عشرين صفحة بقطع هذا الكتاب.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ، وَعَوَاقِبُ الْأَمْرِ. نَحْمَدُهُ عَلى عظيم إحْسَانِهِ وَنَيّرِ بُرْهَانِهِ، وَتَوَامِي فَضْلِهِ وَأَمْتِنَانِهِ، حَمْداً يَكُونُ لحَقِّهِ قَضَاء وَلِشكرِهِ أَدَاء، وإلى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَلحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً. وَنَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجِ لِفَضْلِهِ، مُؤمِلٍ لِنَفْعِهِ، وَاثقٍ بِدَفْعِه، مُعْتَرِف لَهُ بِالطَّولِ، مُذعِنِ لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ. وَنُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ منْ رَجَاهُ مُوقِناً : وَأَنَابَ إِلَيْهِ مُؤمِناً، وَخَنَعَ لَهُ مُذْعِنَا، وَأَخلَصَ (1) له موحداً، وَعَظَمَهُ مُمجّداً، وَلَاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهدا (1). لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزَّ مُشَارَكاً. وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثَا هَالِكاً. ولَمْ يَتَقَدَّمَهُ وَقتُ وَلَا زَمَانٌ. وَلَمْ يَتَعَاوَرَهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانُ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتَقَنِ وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ. فَمِنْ
شوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ مُوَطَّدَاتِ بِلَا عَمَدٍ، قَائماتِ بِلَا سَنَدٍ. دَعَاهُنَّ فَأَجَبْن طَائِعَات مُذعِنَات، غَيْرَ مُتَلَكئات وَلَا مُبْطِئَات وَلَوْلَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ لَما جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لعَرْشِهِ، وَلَا مَسْكَنَا لِمَلَائِكَتِهِ، وَلَا مَصْعَداً للكلم الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ (2). جَعَلَ نُجُومَها أَعْلَاماً يَسْتَدِلُ بِهَا الْخَيْرَانُ فِي مُختلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ. لَمْ يَمْنَعْ ضوءَ نُورِها أَدْلِهمَامُ سِجَفِ اللَّيْلِ الْمُظلمِ. وَلَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْخَنَادِسِ أَنْ تَرُدُّ مَا شَاعَ فِي السَّمَوَاتِ مِنْ تَلَالُؤ نُورِ الْقَمَرِ. فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ وَلَا لَيْلٍ سَاجٍ فِي بِقَاعِ الْأَرَضِينَ المُتَطَأطِئَاتِ، وَلَا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ المُتجَاوِرَاتِ. وَمَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ في أفق السَّمَاءِ وَمَا تَلَاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الغَمَامِ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُرِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْأَنْوَاءِ وَأَنْبِطَالُ السَّمَاءِ وَيَعْلَمُ مَسْقَطَ القَطْرَةِ وَمَقَرَّهَا، مسْحَبَ الذُّرِّةِ ومَجَرَّهَا، وَمَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِها، ومَا تَحْمِلُ الأنثى في بطنها (3).
اللغة :
النوامي : الزوائد. والامتنان : الإنعام. والطول : الفضل. وخنع : خضع وموطدات : مثبتات في مدارها. ومتلكئات : مبطئات كما فسرها الإمام بالعطف عليها. والطواعية : الطاعة. والأعلام : العلامات. والفجاج : الطرق بين الجبال. والادلهمام : الظلمة الشديدة. والسجف : الستر. والجلابيب : الثياب.
والحنادس : الليالي المظلمة. والداجي : المظلم. والساجي : الساكن. واليفاع : كل ما ارتفع من الأرض، وغلام يافع : ناهز البلوغ. والشفع : الجبال والجلجلة، صوت الرعد. وتلاشت : اضمحلت. والمسحب والمجر : مكان السحب والجر.
الإعراب :
الذي صفة لله، واليه خبر مقدم واليه خبر مقدم، ومصائر الخلق مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول، ولشكره أداء أي ويكون الحمد أداء لشكره، ومثله ما بعده، ومؤمل صفة لراج، ومثله ما بعده، وموقناً حال، وكذلك ما بعده من المنصوبات، وموطدات وقائمات وطائعات أحوال، وادلهام فاعل يمنع، وضوء مفعول، والمصدر من أن ترد مفعول استطاعت.
المعنى :
(الحمد لله الذي اليه مصائر – الى - مزيده موجباً). أسبغ سبحانه على عياده نعماً لا يحيط بها الإحصاء، وأعادهم اليه ليجزي الذين أحسنوا بالحسنى، والدين أساءوا بما عملوا، ومن حسنات العبد عند الله شكر المنعم وحمده على فضله وإحسانه، مع العلم بأن شكر المنعم دين يجب الوفاء به بحكم العقل، ويشير الى ذلك قول الإمام : (قضاء وأداء) ولكن تقدست أسماؤه، يثيب عليه كأنه ندب وإحسان، وكذلك التوبة من الذنب حتم وإلزام، ومع هذا يثيب عليها سبحانه كأنها إحسان لا إلزام. والسر انه تعالى حليم كريم. وتجدر الإشارة الى ان من عرف النعمة بقلبه فقد شكرها، ولكن الشكر الكامل لا يكون إلا بالفعل والتضحية : «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ - 92 آل عمران»
ونستعين به الخ يريد الإمام بقوله : مؤمل وواثق، ومؤمن وتائب، وراغب ومجتهد، وما الى ذلك من الأوصاف، يريد مها ان الاستعانة بالله حقاً هي أن لا نخاف الله شيئاً، ولا نرجو أحداً، وأن نطيعه بإخلاص قولاً وعملاً، ونرجع اليه وحده في كل شيء فهو المصدر والغاية، وما عداه طريق
ووسيلة : «أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ - 52 ابراهيم». ومعنى هذا ان من قال الله في صلاته : «اياك نعبد واياك نستعين»، فهو كاذب في دعواه اذا خضع وخنع لعبد مثله متوسلاً به في حاجة له، مؤمناً بأنه السبيل الوحيد لقضائها ونجاحها.
(لم يولد الخ).. او كان لله أب لكان مخلوقاً لا خالقاً، وممكناً لا واجباً وكان أبوه مفضلاً عليه، وشريكاً له في العظمة والجلال، وأيضاً لو كان الله ولد لكانت له صاحبة، وكان شأنه شأن الآباء يشيخ ويهرم، ثم يموت ويورث الأولاد والأحفاد !.. وتجدر الإشارة الى ان اليونان كانوا يعبدون جماعة من الآلهة تحب وتعشق وتعالج وتنكح، وتلد العديد من الآلهة غير الشرعيين.. وأيضاً كانت تكذب وتخدع وتحسد وتحقد، وتصطاد وتحارب، وتركب عربات الترفيه والنزهة ..ومع هذا فهي تخلق وترزق، وترسل الصواعق فتصيب بها من تشاء.
(ولم يتقدمه وقت ولا زمان) وإلا كان حادثاً يفتقر وجوده الى علة فاعلة، وقيل : (الوقت جزء من الزمان، والزمان أعم منه). هذا،. ومع يجوز أن يكون المراد بهما واحداً، والعطف للتفسير (ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان) والا كان متغيراً ومحلا للحوادث (بل ظهر للعقول الخ).. بخلق الكون ونظامه المحكم الثابت (فمن شواهد خلقه خلق السموات بلا عمد) خلق الكواكب وأودع فيها قوانين تفعل فعلها، وتؤثر أثرها، ومنها قانون الجاذبية فيها وفي جميع الأجسام (قائمات بلا سند) عطف تفسير، وتقدم مثله مع الشرح المفصل في الخطبة 1.
(دعاهن فأجبن طائعات). خلق سبحانه أجرام السماء على وضع خاص حجماً وهيئة، ووضعها في أماكنها على وفق الحكمة والهندسة الكونية، لتؤدي الغرض المنشود كما أراده الله سبحانه، وكنى الإمام عن تماسك الكواكب، وما يترتب عليها من الآثار المنشودة، كنى عن ذلك بالطائعات المذعنات تبعاً للآية 11 من سورة فصلت : «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ».
(ولولا إقرارهن - الى – لعرشه) لو لم تكن السموات في قدرته وقبضته لكانت خارجة عن أمره وملكاً لغيره (ومسكناً لملائكته) لأن الله سبحانه لا
يسكن عباده في غير ملكه، وفيه إيماء إلى أن على بعض الكواكب حياة وخلائق (ولا مصعداً للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه) يدل هذا ان الله خلقاً يسجلون أقوال العباد وأفعالهم، ويصعدون بها الى السماء، قال تعالى : «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ - 12 الانفطار). ومن أنكر ذلك فقد أنكر ما يجهل.
(جعل نجومها اعلاماً الخ) بعض الكواكب لا يصل نورها الى الأرض، لأنها تبعد عن الأرض مئات الملايين من السنين الضوئية، وسرعة الضوء 186000 ميل في الثانية، وبعض الكواكب يصل نورها الى الأرض دون أن تراها العين المجردة، ونوع منها يصل نوره الى الأرض، وتراه العين، ويقول علماء الفلك : ان عدد النجوم التي تراها من موضع واحد من الأرض - يبلغ ما بين 2500 و 3000 نجم، أما التي تراها المناظير الحديثة فيزيد عددها عن ألف مليون، والمناظير الحديثة ترى على بعد 500 مليون سنة ضوئية، وربما تطورت الى ألف مليون أو أكثر.
وفي النهار يطغى نور الشمس على ضوء النجوم فتخفيه وتضيء النجوم بأوضح رؤية في ليلة ليلاء مع صفاء الجو، وإذن فالليل المظلم لا يمنع ضوء النجوم والقمر بل على العكس يزيده تلألؤاً، وإلى هذا أشار الإمام بقوله : (لم يمنع ضوء فورها الطام الخ).. أما قوله : (اعلاماً يستدل بها الحيران الخ).. فيشير إلى الآية 16 من سورة النحل : (وبالنجم هم يهتدون). (فسبحان من لا يخفى عليه الخ).. تقدم هذا مرات، ولا غرض من، ولا غرض من الاعادة ومن مسحب الدرة ومسقط القطرة إلا التأكيد بأن الله قد أحاط بكل شيء علماً كي يستشعر الانسان الخوف من ربه.
الْحَمْدُ للهِ الكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيُّ أَوْ عَرْشِ، أَوْ سَمَاء أَوْ أَرض أَوْ جَان أَوْ إِنس. لا يُدْرَكُ بِوَهُم، وَلَا يُقَدِّرُ بِفَهُم. وَلاَ يَشغَلُهُ سَائِلٌ، وَلَا يَنْقُصُهُ نَائِلُ. وَلَا يُبْصِرُ بِعَيْنٍ. وَلَا يُحَدُّ بِأَيْنٍ.
وَلَا يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ، وَلَا يَخْلُقُ بِعِلاج. وَلَا يُدْرَكُ بِالحَوَاس. وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ. الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكلِيماً، وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً. بلاَ جَوَارِحَ وَلَا أَدَوَاتٍ، وَلَا نُطْقٍ وَلَا لَهَوَاتٍ. بَلْ إِن كُنتَ صَادِقاً أَيُّها المُتَكَلِّفُ لوصف رَبِّكَ فَصِف جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَجُنُودَ الملائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ القُدْسِ مُرجَحِينَ، مُتَوَلّهةً عُقُولهُم أَن يَحدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ. فَإِنما يُدْرَكُ بِالصَّفَاتِ ذُوُو الْهَيْئَاتِ وَالْأَدَوَاتِ، وَمَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَضَاء بِنُورِهِ كُل ظَلام، وَأَظْلَمَ بِظُلمتِهِ كُل نُورٍ (4). أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي الْبَسَكُمُ الرِّيَاسُ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ المَعَاشَ. فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إلى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ إِلَى دَفْعِ المَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمانَ بْنَ دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) الَّذِي سُخَّرَ لَهُ مُلْكُ الجِنِّ وَالْإِنسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيم الظُّلْفَةِ. فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قسِي الفَناء بنبَالِ المَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةٌ، وَالمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً. أَيْنَ الْعَمالِقَةُ وَأَبْنَاءِ الْعَمالِقَةِ. أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءَ الفَرَاعِنَةِ. أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسُ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وَأَطْفَأوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ. وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ. وَأَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَهَزَمُوا الْألوف، وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَمَدَّنُوا المَدَائِنَ (5).
اللغة :
کرسيه تعالى : علمه، والمراد به هنا الشيء المعلوم له. وعرشه : ملكه وتدبيره. والنوال : العطاء. والأزواج : الأمثال. والجوارح : الأعضاء. ولهوات : جمع لهاة، وهي لحمة في أقصى سقف الفم. وحجرات :. جمع حجرة أي غرفة. ومرجحنين : جمع مرجحن أي مسائل أو خاضع. متولهة من الوله، وهو الوجد والحزن والحيرة والخوف والرياش : اللباس الفاخر. وأسبغ : أتم. وطعمته : مأكله.
الإعراب :
لفظ «أين» يسأل به عن المكان المكان، فإن أردت مكاناً خاصاً بنيته على الفتح، وان أردت أي مكان أعربت. والذي كلم صفة الله، أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو الذي كلم، ومرجحنين حال، وكذا متولهة، وعقولهم فاعل متولهة، والمصدر من أن يحدوا منصوب بنزع الخافض أي حارت عقولهم في حده تعالى أو خافت من ذلك، وذوو نائب فاعل ليدرك.
المعنى
(الحمد لله الكائن - الى - إنس). لا شي. لا شيء في الأزل إلا الله، لأن كل ما عداه فيض منه، ومتأخر عنه بما في ذلك عرشه أي ملكه، وكرسيه أي الأشياء المعلومة له، كما قلنا في فقرة اللغة، وليس من الضروري أن يكون المعلوم والمملوك الله سبحانه موجوداً في الأزل بوجوده، لأنه علة لمشيئته التي تعلقت بوجود الشيء في حينه المتأخر عن الذات لا المقارن لها (لا يدرك بوهم، ولا يقدر بفهم). الوهم تصور، وكذلك الفهم، والفرق بينهما ان الوهم تصور بلا ضابط وقياس، والفهم تصور بمقاييس وضوابط، وتقدم أكثر من مرة ان الذات القدسية لا تدرك بكنهها بل بأفعالها وآثارها، وانها فوق التصور وهما كان أم فهماً، وهذا معنى قول الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كل ما ميزتم الله بأوهامكم فهو مردود اليكم.
(ولا يشغله سائل) لأن ذاته بما هي تحيط بكل شيء علماً وقدرة، وتقدم مثله في الخطبة 176 (ولا ينقصه نائل). انه يعطي بلا حساب، وخزائنه على ما هي، لا فرق أنفق أو لم ينفق لأنها تستمد من قوة لا حد لها ولا نهاية، والخزائن التي تنقص بالإنفاق تمتلىء بالكسب والجمع من هنا وهناك (ولا ينظر بعين – الى - الناس). انه تعالى قوة عليا فوق الطبيعة، عالمة قادرة، لا يقع عليها حس، ولا تدخل في دائرة المشاهدة، لأنها ليست بمادة كي تنظر وتلمس، وتفتقر الى حيز ومكان، واذا عجزت العقول عن إدراكها فكيف تدركها الحواس، وتقاس بالناس !. انها تخلق بكلمة «كن» لا بآلة ومزاولة، وتدبر بقوانين تودعها في الكائنات لا بجوارح وأدوات.
(الذي كلَّم موسى الخ).. أي خلق الكلام في الشجرة فسمعه موسى كما في الآية 30 من سورة القصص : «نُودي من شاطيء الوادي الأيمن في البقعة من الشجرة» فمن الشجرة متعلق بنودي، فالشجرة بالنسبة الى موسى کالاسطوانة بالنسبة الينا مع الفرق البعيد، لأن الذي نسمعه من الاسطوانة خارج من فم، ومسجل بآلة، والكلام الذي سمعه موسى حل في الشجرة بمجرد الإرادة القدسية (بل إن كنت صادقاً - الى الخالقين). لا تحاول المحال بوصف الله وتحديد ذاته.. وان أبيت إلا الفضول والتمحل فنحن نهون عليك، ونكتفي منك أن تصف جبريل أو غيره من الملائكة الذين عجزوا عن وصفه تعالى، وهم أقرب اليه منك وأعلم، وإذا عجزت عن وصف المخلوق فأنت عن وصف الخالق أعجز
(فإنما يدرك بالصفات الخ).. الغرض واحد من اثنين : إما أن تكون له أعضاء وهيئة من الهيئات فتحده بها، وإما أن يكون له يكون له أجل ينتهي بنهايته فتعرفه به، والله سبحانه لا حد له ولا نهاية، ولا شكل وهيئة (فلا إله إلا هو أضاء بنوره كل ظلام) أي ان العلم والعمل بدين الله وحلاله وحرامه هدى ونور لا تضر معه أية صفة يراها الناس نقصاً وظلاماً كالفقر وقلة الرجال والأنصار (وأظلم بظلمته كل نور). المراد بظلمته تعالى حجاب الجهل والمعصية بين الله وعبده، والمعنى ان الجهل بدين الله أو العلم به بلا عمل ضلال وظلم لا يجدي معه أي وصف يراه الناس نوراً وكمالاً كالجاه والمال، ومن أجل هذا قال الإمام: الغنى والفقر بعد العرض على الله.
(أوصيكم عباد الله الخ).. أعطانا الله نعماً لا يبلغها الإحصاء، ومنها اللباس الفاخر، والطعام والشراب، فعلينا أن نعطيه من أنفسنا ما أحب، وان كرهت. (فلو ان أحداً يجد الخ) جمع الله لسلمان بن داود الملك والنبوة، وسخر له الربح والطير والانس والجن، فبنوا له ما أراد من هياكل وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات.. وما انقضت أيامه حتى لف بحرقة ودفن في حفرة، وذهب سلطانه مع الريح التي كان يمتطيها في غدوه ورواحه.
(أين العمالقة ؟). قال أصحاب التواريخ قال أصحاب التواريخ : ان العمالقة ينسبون الى عملاق ابن ارم بن سام بن نوح، وانه كان لهم سلطان في اليمن والحجاز وما تاخم ذلك من أقاليم، وقد أخى عليهم الذي أخني على هتلر وموسوليني. قال المسعودي : «بغوا في الأرض فسلط الله عليهم ملوك الأرض». وأيضاً سلط الله على هؤلاء الملوك من أفناهم، وكذلك يسلط سبحانه على خلفاء هتلر وموسوليني، وعلى كل باغية وطاغية «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ – 43 فاطر».
(أين أصحاب مدائن الرس الخ) قيل : الرس اسم بئر، وان أصحابه اذا جاءهم نبي ألقوه فيها. فأرسل الله عليهم ريحاً عاصفة ملتهبة سلقت أبدانهم، وان الأرض قذفتهم بمواد كبريتية متقدة فذابت أجسامهم، ودمرت مدائنهم
قدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا. وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَالمَعْرِفَةِ بِهَا وَالتَّفَرُّعَ لَهَا، وَهِيَ عِندَ نَفْسِهِ ضالته التي يطلبها، وحاجَتُهُ التي يَسْأَلُ عَنْهَا. فَهُوَ مُغْتَرِبُ إِذَا اعْتَرَبَ الْإِسْلاَمُ، وَضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ، وَأَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ. بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ (ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)) أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ المَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الأنبياء بِهَا أممَهُمْ. وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ
الْأَوْصِيَاء إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا. وَحَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْثِقُوا. لِلَّهِ أَنتُمْ ! أَتَتَوَكَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، وَيُرْشِدُكُمُ السِّبِيلَ (6) ؟
اللغة :
الجنة - بضم الجيم - الوقاية. والعسيب، عظم الذنب. والجران من البعير : مقدم عنقه، يقال : ألفى البعير جرانه، أي برك. فلم تستوثقوا : لم تجتمعوا.
الإعراب :
بجرانه الباء زائدة، وجرائه مفعول ألصق، وبقية خبر المبتدأ محلوف أي هو، ويجوز أن تكون خبراً ثانياً لهو مغترب، ولله أنتم اللام للتعجب.
المعنى:
(قد لبس للحكمة جنتها). يريد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الوصف المؤمن العارف، ولا يريد إماماً غائباً أو ولياً حاضراً، والمراد بالحكمة هنا مخافة الله، كما جاء في الحديث : «رأس الحكمة مخافة الله». أما جنة المحكمة فقد فسرها الإمام بقوله : (وأخذها بجميع أدبها الخ).. أي عمل بموجبها، وذلك بأن يخلص الخائف لله، ويتكل عليه وحده، ويفوض الأمر اليه كله، ويعمل بكل ما أمر به، به، وينتهي عن كل ما نهي عنه (والمعرفة بها) أي بأحكامها ومواردها (والتفرغ لها) الانصراف عن الفضول والخوض فيما لا طائل تحته.
(فهي عند نفسه ضالته الخ) ..الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أين وجدها، ومن أقوال الإمام : ان الحكمة تكون في صدر المنافق فتتلجلج - أي تتحرك -
في صدره حتى تخرج، فتسكن الى صواحبها في صدر المؤمن (فهو مغترب إذا اغترب الإسلام). إذا كان الإسلام غريباً بين القوم الفاسقين فالمؤمن أيضاً يكون غريباً بينهم، كما هو الشأن في عصرنا حيث يسخر أكثر أبنائه من المحافظين على دين الآباء والأجداد.
(وضرب بعسيب ذنبه، وألصق الأرض بجرانه) أي ان المسلم المخلص يكون بين القوم الفاسقين كالبعير الذي ألصق نحره في الأرض وضربها بذنبه ولا يستطيع التصرف في شيء سوى ذلك) (بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه). الضمير في حجته وأنبيائه الله تعالى، والمعنى ان ذاك المسلم المغترب هو بقية الذين يحتج بهم سبحانه على خلقه، وامتداد لأنبياء الله ورسله.
(أيها الناس قد بثثت لكم المواعظ الخ).. وعظ الإمام أصحابه بمواعظ الله وأنبيائه بأسلوب العليم الحكيم، ووعظهم وبالغ في النصيحة لا لمنفعة شخصية، ولا حباً بالكلام، أو إظهاراً للمقدرة، أو لأن الوعظ مجرد وظيفة كخطبة الجمعة في المسجد، أو خطبة الأحد في الكنيسة، بل لشعوره بأنه مسؤول عنهم أمام ربه و ضميره ومع هذا صموا الآذان، ونفضوا الأيدي، وهم على يقين من نصح الواعظ، وثقة بعلمه ودينه.
ولا عجب! فقد وعظ نوح قومه فقالوا له : لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين، وأيضاً وعظ ابراهيم قومه فقالوا : حرقوه. وحاول بنو اسرائيل صلب السيد المسيح، وحاولت قريش قتل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). والذين قتلهم قومهم من الأنبياء لا يعلم عدتهم إلا الله.. والذئب الوحيد هو الوعظ والإرشاد.
وآمن النصارى بعيسى، وقالوا : دينهم هو دين الانسانية والمحبة، ثم ظهرت هذه المحبة من قبل في جرائم محاكم التفتيش، وفي المذابح الصليبية، وظهرت من بعد في هيروشيما وكوريا وافريقيا والهند الصينية واليهود آمنوا بموسى وانه بعث لمحاربة البغي في شخص فرعون الذي كان يستعبد رجالهم ونساءهم، ويذبح أطفالهم.. وتمثل ايمان اليهود برسالة موسى في فظائع اسرائيل بفلسطين.. وأيضاً آمن المسلمون بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وانه الخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل، وان الإسلام
هو دين القوة والحياة، ودين العلم والحضارة، والتعاون على البر والخير، وظهر كل ذلك جلياً في تناحر المسلمين وجهلهم وانحطاطهم وذلهم وهوانهم.. حتى على الأذل الأحقر
والسر ان الدين شيء، وممارسته شيء آخر، انه مجرد فكرة ونظرية عند المنتسبين اليه، أو شعائر وكلمات جوفاء لا تعني شيئاً، أو عادة وتقليد، أو تسلية وترفيه، أو ما شئت من التعبير على أن تدع كلمة التجاوب والتفاعل بين الدين والمنتسبين اليه.. حتى الذين يعلو صراخهم من أجل الدين، ويتباكون عليه، تشهد عليهم أفعالهم، أو على أكثرهم، أو الكثير منهم بأنهم بلا دين.
ألا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبلاً، وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مدبراً، وَأَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللهِ الْأَخْيَارُ، وَبَاعُوا قَلِيلاً مِنَ الدُّنْيَا لا يَبْقَى بِكَثِيرِ مِنَ الْآخِرَةَ لاَ يَفْنَى. مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ بِصِفِّينَ أَنْ لَا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاء ؟ يُسِيغُونَ الغُصَصَ وَيَشْرَبُونَ الرِّيقَ. قَدْ وَاللهِ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلُّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ. أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ وَمَضَوْا عَلى الحَقِّ ؟ أَيْنَ عَمَّارُ؟ وَأَيْنَ اَبْنُ التِّيْهَانِ ؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْن ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلى المَنِيةِ، وَأَبْرِدَ بِرُؤوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ. (قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الكَرِيمَةِ فَأَطَالَ الْبُكَاءَ، ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلامُ)) : أَوْهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أحيوا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا البِدْعَةَ.
دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ (ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ) : الجتهادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللهِ. أَلَا وَإِنِّي مُعَسْكِرْ فِي يَوْمِي هَذَا فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللهِ فَلْيَخْرُجُ (7).
اللغة :
أزمع : عزم، والرنق : الكدر.
الإعراب :
قليلاً صفة لمفعول محذوف أي باعوا متاعاً قليلاً، ما ضر «ما» استفهام للإنكار، ومحلها الرفع بالابتداء، واخواننا مفعول ضر، والمصدر من أن لا يكونوا فاعل، واوه اسم فعل بمعنى أتوجع.
المعنى :
(قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلاً، وأقبل منها ما كان مدبراً). أدبر الضلال والجاهلية، وأقبل الهدى والنور في عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولما حكم معاوية الشام، وصار له رجال وأتباع أدبر الهدى والرشاد، وأقبل الضلال والفساد قال ابن أبي الحديد : روى أبو عبد الله البصري في كتابه «نقض السفيانية» على الجاحظ أخباراً كثيرة تدل على أن معاوية مطعون في دينه، وروى أحمد بن أبي طاهر في كتاب «أخبار الملوك» : ان معاوية سمع المؤذن يقول : أشهد ان لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله فقال : لله أبوك يا ابن عبدالله لقد كنت عالي الهمة، وما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين». قاس معاوية نفس رسول الرحمة على نفسه فخاطبه مما يهتز له العرش.
(وأزمع الترحال عباد الله الأخيار - الى - لا تفنى) يشير بهذا الى اخوان له في الدين، وانهم ذهبوا الى ربهم راضين مرضين، وكنى عن انقضاء أجلهم
بالعزم على الرحيل الى الله، لأنهم آثروا الآجلة على العاجلة، والباقية على الفانية، وبعد قليل يذكر أسماء بعضهم (ما ضر اخواننا – الى - بعد خوفهم) استشهد بعض إخوان الإمام بصفين في سبيل الله فقال : هنيئاً لهم، لقد استراحوا من المأزق الحرج الذي أعانيه من تفرق الكلمة وشتات الرأي انهم الآن في جوار ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله جاورت أعدائي وجاور ربه «شتان بين جواره وجواري».
(أين إخواني الذين ركبوا الطريق) القويم ؟ (ومضوا على الحق) أي قاتلوا من أجل الحق، وقتلوا في سبيله، ومهما شككت فإني لا أشك أبداً في أن ما من أحد يموت ويمضي على الحق إلا إذا جاهد الطغاة أو كان على نيسة جهادهم.. وليس من الضروري أن يجاهد بالسيف، فجهاد كل بحسبه، فالتشهير بالظالم وإذاعة أهدافه واسوائه جهاد، وكذلك الوقوف بجانب المجاهدين، والتحسس بأنهم على حق، ومن الجهاد أيضاً الإعراض عمن طغى وبغى، والكف عن تأييده وانتخابه لمنصب من المناصب. قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية» وهذا الحديث يحمل في ثناياه الدليل على صحته، ويعززه قوله، عز من قائل : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ - 15 الحجرات». وكلمة (إنما) حصرت الإيمان بهذه الأركان، ومنها الجهاد بالنفس والمال، فهو تماماً كالإيمان بالله ورسوله. ولا بد من الإشارة الى أن الكدح في سبيل الأهل والعيال، والدفاع عن المال الحلال، وبذل الجهد في طلب العلم، وكيح النفس عن الحرام، كل أولئك جهاد في سبيل الله، وأفضل أنواع الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر، أما الحج فقد كان جهاد كل ضعيف في عصر الجمل والدواب لا في عصر الطيارة والسيارة.
(أين عمار) بن ياسر، أسلم هو وأبوه وأمه، وكان المشركون يخرجونهم الى مسيل ماء فيه الحصى، ويسمى الأبطح، فإذا حميت الرمضاء عذبوهم، بحرها، ومر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذات يوم، وهم يُعذَّبون. فقال صبراً آل ياسر : فإن موعدكم الجنة، فمات ياسر في العذاب، فمات ياسر في العذاب، وهو أول شهيد في الإسلام، وطعن
أبو جهل أم عمار في المكان الحساس، وقيل وكله برجله حتى ماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، أما عمار فعذبوه بالتغريق في الماء تارة، وبوضع صخرة على صدره أخرى.. ولكن الله أرجأ قتله الى يوم صفين، ليميز بقتله الفئة الباغية عن الفئة المؤمنة العادلة.
(وأين ابن التيهان) ؟ واسمه مالك، وهو صحابي جليل، وله العديد من السوابق والمناقب، منها أنه أول من بايع رسول الله من الأنصار ليلة العقبة وقبل الهجرة، كما جاء في كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البر، ومنها انه كان أحد النقباء الذين اختارهم الأنصار ليلة العقبة (1). ومنها انه شهد بدراً وغيرها مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وفي كتاب «الاستيعاب» وغيره : أنه استشهد بصفين مع الإمام.
(وأين ذو الشهادتين ؟) هو خزيمة بن ثابت الأنصاري من الأوس، وفي الاستيعاب لابن عبد البر : «شهد خزيمة بدراً وما بعدها من المشاهد، وكان مع علي في حرب الجمل وصفين، فلما قتل عمار قال : سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : تقتل عماراً الفئة الباغية، ثم سل سيفه فقاتل حتى قتل». وجعل رسول الله شهادته بشهادتين، وقد غلب عليه هذا الاسم، وقيل في سبب ذلك : ان اعرابياً باع فرساً لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم ندم، وأنكر البيع، وقال للرسول : أين شاهدك على البيع ؟ فشهد خزيمة بأن الاعرابي باع فرسه للنبي فقال له النبي أكنت حاضراً عند البيع يا خزيمة ؟ فقال : لا يا رسول الله، ولكن هل أصدقك بما جئت به عن الله، ولا أصدقك على هذا الأعرابي الخبيث؟. فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : شهادتك شهادة رجلين.
(أين نظائرهم الخ).. كان مع الإمام في صفين 2800 من الصحابة، منهم 87 من البدريين و 900 ممن شهد بيعة الرضوان التي أشارت اليها الآية 18 من سورة الفتح، وكان الصحابة قد تعاهدوا على الموت مع الإمام، وقتل منهم غير قليل، وأرسلت رؤوسهم مع البريد الى الأشرار والفجار (أوه على إخواني الخ)..
1) كان النبي يعرض نفسه على القبائل، وفي احد المواسم التقى بستة من الخزرج ولما كلمهم أسلموا، فجاءوه في العام التالي ومعهم مثلهم، وبايع الاثنا عشر النبي عند العقبة، وتسمى هذه بيعة العقبة الصغرى، وعادوا في العام الذي يليه مع آخرين، وبلغ الجميع سبعين، وبايعوا النبي عند العقبة ايضا على السمع والطاعة في اليسر والعسر، وتسمى هذه بيعة العقبة الكبرى.
يتأوه الإمام ويتوجع على الصفوة من الصحابة الأخيار الذين عملوا بكتاب الله، واستنوا بسنة رسول الله، واستشهدوا بصفين في سبيل الله.
(وثقوا بالقائد فاتبعوه) وافتدوه بأرواحهم مغتبطين مسرورين، لأنهم رأوا في قائدهم أمير المؤمنين علم رسول الله وأمانته، وهديه وسيرته. قال أحمد عباس صالح في كتاب (اليمين واليسار في الإسلام) : كان علي واسع الشعبية، لأنه امتداد لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وان كان معاوية استطاع أن يختار من بين أنصار علي من لديه قابلية الخيانة بحكم الوضع الطبقي، والمصلحة الطبقية
(الجهاد الجهاد الخ).. روي ان هذه الخطبة آخر خطب الإمام، وانه كان قد صمم على العودة الى صفين لحرب معاوية مهما كلفه الأمر، فحث أصحابه على الجهاد، وأخبرهم بعزمه، وقال لهم : (فمن أراد الرواح الى الله فليخرج) فاستجاب له من استجاب، ولكن شاء الله سبحانه أن يريحه من هموم الناس وشقاقهم ونفاقهم، فاختاره اليه قبل أن يستأنف الحرب.
الحَمْدُ لِلهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤيَةٍ، وَالْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ. خَلَقَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَاسْتَعْبَدَ الْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وَسَادَ العُظَمَاء بِجُودِهِ. وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَ بَعَثَ إِلَى الْجِنَّ وَالْإِنسِ رُسُلَهُ ليكشفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّف مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلالِهَا وَحَرَامِها. وَمَا أَعَدَّ اللهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ وَكَرَامَةٍ وَهَوَانٍ. أَحَمدُهُ إِلَى نَفْسِيهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إلَى خَلْقِهِ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، وَلِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كتاباً (1). فَالْقُرْآنُ آمِر زاجر، وَصَامِت نَاطِقٌ. حُجَّةُ اللهِ عَلى خَلْقِهِ، أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثَاقَهُ. وَارْتَهنَ عَلَيْهِ أَنفُسَهُمْ. أَتمَّ نُورَهُ،
وأَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ، وَقَبَضَ نَبِيِّهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَقَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحكام الهُدَى بِهِ. فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَمَ مِنْ نَفْسِهِ. فَإِنَّهُ لَمْ يُخفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ. وَلَم يَتْرُكُ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إلَّا وَجَعَلَ لَهُ عَلَمَا بَادِياً وَآيَةً مُحْكَمَةً تَرْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إلَيْهِ. فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ، وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ (3). وَأَعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَلَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْءٍ رَضِيَهُ لِمَنْ كَان قَبْلَكُمْ، وَإِنما تَسِيرُونَ فِي أَثَرِ بَيِّن، وَتَتَكَلَّمُونَ بِرَجع قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ. قَدْ كَفَاكُمْ مَؤُونَةٌ دُنْيَاكُمْ، وَحَثّكُمْ عَلى الشَّكْرِ، وَأَفْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ. وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى وَجَعَلَهَا مُنتَهَى رِضَاهُ وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُمْ بِعَيْنِهِ وَنَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ، وَتَقَلْبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ وَإِنْ أَسْرَرتُمْ عَلَمَهُ، وَإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ. قَدْ وَكُلَ بِذَلِكَ حَفَظَةٌ كِرَاما لا يُسْقِطُونَ حَقًّا، وَلَا يُثْبِتُونَ بَاطِلاً (3).
اللغة :
منصبة : من النصب، وهو التعب. وهجم عليه : انتهى اليه بغتة. ومعتبر : من الاعتبار بمعنى الاتعاظ والتصرف : الانتقال من حال الى حال. والمصح : من الصحة ضد السقم والمرض. واستحمد : طلب الحمد.
الإعراب : :
المصدر من «ان» المضمرة بعد اللام المضمرة بعد اللام في ليكشفوا متعلق ببعث، وكذلك ليحذروا وليضربوا الخ. وآمر وزاجر وصامت ناطق كلها أخبار عن القرآن.
المعنى :
(الحمد لله المعروف) بآياته لا بداته) من غير رؤية (البصر وإلا كان محسوساً (والخالق من غير منصبة).. أبداً لا جهد وإرهاق، بل ولا جولة فكر، لا شيء إلا الإرادة وحدها (خلق الخلائق بقدرته) ولا تفسير لهذه القدرة إلا بما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، كما هو شأن الكمال المطلق (واستعبد الأرباب بعزته) قهر بسلطانه كل عزيز وعنيد (وساد العظماء بجوده) أي لا يثلمه العطاء وإلا فلا عظماء بالنسبة اليه تعالى ولا رؤساء (وهو الذي أسكن - الى -عيوبها). خلق العباد وأسكنهم في ملكه، وأرسل اليهم معلمين ومرشدين يأمرونهم الى الصالحات وفعل الخيرات.
(وليهجموا عليه معتبر من تصرف مصاحها واسقاسها، وحلالها وحرامها). المراد بالهجوم هنا البيان بأسلوب تقشعر منه الجلود، وتلين له القلوب، وذلك بأن يكشف الأنبياء للناس عن حقيقة الدنيا وأطوارها، وعاقبة من ركن اليها، وأن يضربوا لهم الأمثال من حياة الأمم الماضية والقرون الخالية، ويبينوا لهم أن الله سبحانه يختبرهم بحلاله وحرامه، وأيضاً يبينوا لهم (ما أعد الله للمطيعين منهم والعصاة الخ) کل امریء بما كسب رهين، ان خيراً فخير، وإن شراً فشر (أحمده الى نفسه كما استحمد الى خلقه). الإمام يحمد الله حمداً يكون به عند الله مرضياً ومحموداً، لأنه على وفق ما أحب سبحانه وأراد.
(وجعل لكل شيء قدراً). المراد بالقدر هنا إيجاد الشيء على وضع خاص كماً وكيفاً، والمعنى ان ما من شيء كبر أم صغر يصدر عن الله عبثاً أو سهواً، بل عن علم وإرادة، وعلى مقتضى الحكمة والمصلحة : «إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا - 3 الطلاق، الطلاق». (ولكل قدر أجلاً) لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه «مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ - 5 الحجر». (ولكل أجل كتاباً) أي ان كل أجل الى انتهاء «كل من عليها فان ويبقى وجه ربك
ذو الجلال والإكرام». ومن أقوال الإمام : «ان لكل أجل وقتاً لا يعدوه» فقد جعل لغاية الوقت وقتاً.
(فالقرآن آمر زاجر). يأمر بالخير والصلاح، ويزجر عن الشر والفساد (وصامت ناطق). يكون التعبير باللفظ والكتابة والإشارة، وبالرسم والرقص والموسيقى والنحت، وبالآثار والأفعال،، وهي أسبق من اللفظ، واللفظ أسبق من الكتابة، فالطفل يتكلم قبل أن يكتب، والقرآن صامت حيث لا صوت له يقرع الأسماع، وهو ناطق، لأن لغته هي نفس اللغة الملفوظة، وقد دونت على نظام وأصول يعرفها كل قارىء تماماً كما لو سمعها بأذنيه (حجة الله على خلقه). يحتج سبحانه بالقرآن على عباده، لأنه يحمل في ثناياه البرهان على ان كل ما فيه حق وصدق
(أخذ عليه ميثاقه). الضمير المستتر في أخذ الله تعالى، وضمير (عليه) للخلق، وضمير ميثاقه للقرآن، والمعنى ان الله سبحانه أخذ على عباده بواسطة نبيه الكريم أن يعملوا بالقرآن (وارتهن عليهم أنفسهم). أرواح العباد كلها في قبضة الله رهينة على الوفاء بحقه تعالى وطاعته، فمن أدى هذا الحق كاملاً سلم ونجا من غضب الله وعذابه، ومن قصر وأهمل فهو من الهالكين (أتم نوره، وأكمل دينه). أتم وأكمل عطف تفسير، وكذلك نوره ودينه، والمعنى ان في القرآن الكريم تبيان كل شيء يُصلح البشرية، ويحل مشكلاتها.
(وقبض نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الخ).. بعث محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الى البشرية جمعاء بالهدى ودين الحق، وبعد أن أنهى مهمته هذه على وجهها اختاره الله الى جواره ورضوانه (فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه) كالإيمان بعدله ورحمته، وتنزيهه عن الشرك والظلم، وانه على كل شيء قدير، وغني وخبير وغني وخبير.. الى ما جاء في كتابه تعالى من صفات الكمال والجلال (فإنه لم يخف عنكم - الى - تدعو اليه). بين بين، جلت حكمته، في كتابه وعلى لسان نبيه جميع ما يحب وما يكره، ونهى عن هذا، وأمر بذاك (فرضاه فيما بقي واحد، وسخطه فيما بقي واحد). المراد بما بقي ما لا نص فيه، وحكمه لا يتغير، فهو حلال برضى الله يفعله إن لم يكن فيه ضرر وفساد بجهة من الجهات، وإلا فهو محرم يسخط الله على فاعله ويغضب.
(واعلموا انه لن يرضى - الى – قبلكم) ما كان حراماً في عهد رسول الله فهو حرام الآن والى آخر يوم، وكذلك الحلال، وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 174 (وانما تسيرون في اثر الخ).. الأحكام واحدة، الأحكام واحدة، وأدلتها واحدة، وعلى الخلف أن يسير فتوى ودليلاً على سيرة السلف الصالح من العلماء. وإن قال قائل : ولماذا كل هذا الضغط علينا من السلف والدوران في فلكهم ؟ قلنا في جوابه : الضغط هنا للدين والحق لا للسلف، والدوران انما هو في فلكه لا في فلكهم، وإن انحرفوا عن الدين والحق ملنا عنهم، وقد روى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن جلدهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن ما خالف كتاب الله فهو زخرف.. وانه لا قول بلا عمل، ولا عمل بلا نية، ولا نية إلا بإصابة الكتاب والسنة.
(قد كفاكم مؤونة دنياكم) أي مهد لكم الطريق الى الرزق، ودلكم عليه بالحث على العمل بشتى الأساليب، منها قوله :، منها قوله : «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ - 10 الجمعة». «فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ - 15 الملك». (وحثكم على الشكر الخ).. أنعم سبحانه على عباده، وأراد منهم أن يستشعر نعمه وعطاءه بقلوبهم، ويشكروه عليها بألسنتهم، ويخضعوا بالركوع والسجود بين يديه، وأن يطيعوه في كل ما يفعلون ويتركون، والغرض الأول والأخير من ذلك كله هو التربية والتنشئة على الخضوع لله وحده، لا لأحد من الناس، والاعتصام به تعالى لا بغيره، وأخذ الحق من كتاب الله وسنة نبيه.
(ونواصيكم بيده الخ).. لا أحد يملك الله شيئاً حتى نفسه، فهو وحده تعالى المالك القاهر لكل شيء العالم بكل شيء.. ونحن نعلم ذلك بلا ريب، وأيضاً نعلم ان الله شرعاً نافذاً، وانه تعالى يحاسب ويعاقب، ومع هذا نقتحم حماه، ونتجاوز حدوده، وصدق الله العظيم : «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا - 72 الأحزاب».
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ الْفِتَنِ وَنُوراً مِنَ الظُّلَم،
وَيُخَلَّدُهُ فيما أَشتَهَتْ نَفْسُهُ، وَيُنزِلُهُ مَنْزِلَ الكَرَامَةِ عِندَهُ. فِي دَارٍ أصْطَنَعَها لِنَفْسِهِ، ظِلُّهَا عَرْتُهُ. وَنُورُها بَهْجَتُهُ. وَزَوَّارُهَا مَلَائِكَتُهُ. ورفقَاؤُهَا رُسُلُهُ. فَبَادِرُوا المَعَادَ. وَسَابقُوا الْآجال. فَإنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَن يَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ، ويرهقهُمُ الْأَجَلُ، وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التّوبَةِ. فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. وَأَنتُمْ بَنُو سَبِيلٍ عَلى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَقَدْ أُوذِنتُمْ مِنْهَا بِالارْتِحَالِ، وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ (4). وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرُ عَلى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرِّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا. أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالعَثْرَةِ تُدْمِيهِ. وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ وَقَرِينَ شَيْطَانٍ. أَعَلِمتُمْ أَنَّ مَالِكاً إذا غضِبَ عَلى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثْبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ. أَيُّهَا الْيَفَنُ الكَبِيرُ الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ القتيرُ، كَيْفَ أَنتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ ! و نَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ. فَاللَّهُ اللَّهَ مَعْشَرَ العِبَادِ وَأَنتُمْ سَالِمُونَ فِي الصَّحْةِ قَبْلَ السُّقْمِ. وَفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضَّيق فَاسْعَوْا فِي فِكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَعْلَقَ رَهَائِتُهَا. أَسْبِرُوا عُيُونَكُمْ، وَأَصْمرُوا بُطُونَكُمْ وَأَسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ (6)، وَأَنفِقُوا أَمْوَالَكُمْ، وَخُذُوا
مِنْ أَجْسَادِكُمَ وَجُودُوا بِهَا عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ : «إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ»، وقالَ تَعَالَى : «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ». فَلَمْ يَسْتَنصِركُمْ مِنْ ذُل، وَلَمْ يَسْتَقْرِضُكُمْ مِنْ قُلٍّ، أَسْتَنْصَرَكُمْ وَلَهُ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَاسْتَقْرَضَكُمْ وَلَهُ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الغَنِيُّ الْحَمِيدُ. أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جيرانِ اللهِ فِي دَارِهِ. رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ، وَأَزَارَهُمْ مَلَائِكَتَهُ، وَأَكْرَمَ أسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبداً، وَصَانَ أَجْسَادَهُمْ أنْ تلقى لغوباً ونصباً «وذلك فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْل العظيم»، أقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلى نَفْسِي وَأَنفُسِكُمْ، وَهُوَ حَسْبي ونعم الوكيل (7).
اللغة :
اليفن - بفتح الياء والفاء - المسن الذي بلغ من عمره أقصاه. ولهز : خالط والقتير : الشيب. وغلق الرهن : عجز الراهن عن افتكاكه في الأجل المضروب. والحسيس : الصوت الخفي، والنصب : التعب، واللغب أشده، واللغب أشده، وتطلق عليه كلمة الإعياء.
الإعراب :
جزعاً مفعول من أجله لتوثبت. والله الله نصب على التحذير أي أحذركم أو خافوا الله، وعملاً في قوله (أحسن عملاً) تمييز، وتكونوا مجزوم لأنه جواب بادروا، وأبداً نصب على الظرفية، والمصدر من أن تلقى مجرور بمن محذوفة أي صان أجسامهم من لقاء التعب والإعياء.
المعنى :
(من يتق الله يجعل له مخرجاً من الفتن). من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، يبتعد تلقائياً عن المزالق والمهالك، ومنها الفتن وأسبابها (ونوراً من الظلم) الهوى يكسف نور الدين والعقل، والورع يكبح الهوى، ويردعه عن تجاوز الحدود، وعندئذ ينتفع المتورع والمتقي بنور عقله وايمانه (ويخلده فيما اشتهت - الى - رسله). المراد من «ظلها عرشه» حياة الأمان والاستقرار، ومن «نورها بهجته» الفرح والمسرة، والمعنى: إن من يتق الله يأمن في الدنيا من شر الفتن، وله في الآخرة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين في صحبة الأنبياء والصالحين والملائكة المقربين.
(فبادروا المعاد - الى – التوبة). الأيام تمر كالريح، وتأخذ معها أعماركم وأعز الأشياء عليكم، فلا تضيعوا منها ثانية باللهو والأباطيل،، وبادروا اللحظات بالتوبة والعمل الصالح، فإن الله لا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً (فقد أصبحتم في مثل ما سأل اليه الرجعة من كان قبلكم). أنتم الآن في فسحة من العمر يمكنكم أن تعملوا ليوم الفزع الأكبر، وإن لم تبادروا الفرصة ذهبت كما ذهب أمس من العمر، وندمتم حيث لا ينفع الندم، وأصابكم ما أصاب الذي قال - من قبل - لما جاءه الموت :«قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا - 100 المؤمنون». (وأنتم بنو سبيل – الى - الزاد). ومثله تماماً ما جاء في الخطبة 201 : إنما الدنيا دار مجاز، والآخرة دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم.
(واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار الخ).. لا تكاد تمر خطبة من خطب النهج إلا وتقرأ فيها واحداً من ثلاثة، أو اثنين، أو هي مجتمعة : ذكر الله سبحانه بالحمد وتعظيمه بأسمائه الحسنى، وصفات الكمال، وذكر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والثناء عليه بالمقام المحمود عند الله، وبما أسداه للإنسانية من نور وهداية، والثالث الحديث عن الدنيا وغرورها، والموت وسكرته، والقبر ووحشته، والحشر وأهواله، والحساب ونقاشه، والعذاب وشدته.. فأي موضوع يتحدث عنه ينتقل منه - في الغالب - الى التحذير والتخويف من الدنيا والآخرة معاً.
شرحت أول خطبة تضمنت هذا الموضوع، شرحت وفسرت بما تهيأ لي من صياغة وتركيب، وجاءت الثانية، وفيها نفس الموضوع بأسلوب آخر، فشرحتها بأسلوب آخر، ثم الثالثة والرابعة ثم الثالثة والرابعة.. الى عشرات، فوقفت حائراً : هل أكرر ما سبق، كما فعل غيري من الشارحين، أو أحيل على ما تقدم، أو أشرح بأسلوب عاشر أو حادي عشر ؟ ومن أين ؟ (فأفنيت علاتي فماذا أقول ؟ وقد اكرر مع التلخيص أو أحيل، أو أتكلف وأتعسف.
ان في كتاب الله العديد من الموضوعات، ومنها الدنيا وزخرفها، والجنة ونعيمها، والنار وجحيمها، وكذلك نهج الإمام، كما أشرت في المقدمة، ولكن التخويف من عذاب الله هو أعلى الأصوات في خطب النهج، وأكثرها قسوة وحماساً، وما التخويف والتحذير من الدنيا إلا وسيلة لاتقاء عذاب الله.. إن صوت النهج وهو يتحدث عن هذا العذاب يهزك من الأعماق، وتحس معه كأنك في قلب الجحيم، والسر ان الإمام يشارك الناس، كل الناس، في آلامهم، ويشفق عليهم من نار الله، وهو أعلم بها وبحقيقتها حتى كأنه يقاسيها ويعانيها، وهو في الحياة الدنيا.
بهذا وحده نجد التفسير الصحيح لكلمات الإمام اللاهبة، وهو يتحدث عن غضب الله وعذابه.. انه يشفق على هذا الجسم الضعيف، والجلد الرقيق، تدميه العثرة، وتؤلمه الشوكة، وتحرقه حرارة الشمس، فكيف يكون حاله اذا أوقدت النار من فوقه ومن تحته.؟ يسخرها مالك الموكل بها، ويزجرها بغضبه فترمي
بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر.. وهو الى هذا ضجيع أحجار من الكبريت وقرين الشياطين الإنس والجن.. نار وأحجار نار وأحجار، وشياطين.. الى ما يفوق التصور. ولماذا كل ذلك ؟ الجواب : انه قليل ويسير، وينبغي أن يضاعف أضعافاً كثيرة لمن أفسد على الناس حياتهم، ونهب أقواتهم، وألقى بقنابله على الآمنين، ولوث الجو ودم الانسان والحيوان بقنابله النووية وتفجيرها.. حتى الزرع والأشجار والصخور والأحجار تأثرت بهذه السموم، واختل التوازن الطبيعي بين الكائنات في كثير من المناطق، وقال أهل الاختصاص : ستعم الكارثة العالم بكامله، إن تكررت هذه الجريمة واستمرت.
(أيها اليفن الكبير الخ).. خص الإمام الشيح الفاني بالسؤال عن حاله حين تحاصره النار من كل جانب تشوي لحمه، وتحرق عظمه، خصه بهذا السؤال لقيام الحجة عليه من نفسه، وتراكم علله وأوجاعه (فالله الله معشر العباد - الى - لا تبخلوا بها عنها). اذا كانت عاقبة التسويف والإهمال هي النار فعلى كل عاقل أن يسعى في تحريره وفكاك رقبته من العذاب بعفة بطنه وفرجه عن الحرام، وبالسعي والجهاد في سبيل الصالح العام، ومن يجاهد من أجل الحق والعدالة يأخذ من الله والناس أكثر مما يعطي.
«قال سبحانه: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ - 7 محمد» أي ان جاهدتم يداً واحدة، وصبرتم صبر الأحرار ينصركم الله على عدوه وعدوكم : ويثبت أقدامكم في جهاده وقتاله، أما إذا تنازعتم ونكصتم عن الجهاد فإن الله يخذلكم ويُذهب ريحكم.. وأيضاً إن عملتم في الحقل أو المصنع أو المتجر أو المكتب يرزقكم من فضله، وهكذا كل من سار على سبيل انتهت به الى غايتها، وحين سار المسلمون على طريق الشهادة كتب الله لهم السعادة، ولما ساروا على طريق الجبن والشتات كتب عليهم الذل والانحطاط.
وقال سبحانه : «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً - 245 البقرة». لا غنى إلا من الله وبالله، فهو سبحانه مصدر الجود والفيض، يعطي من سأله ومن لم يسأله تفضلاً منه وكرماً، ولكن يشترط على من أعطاه أن ينفق من مال الله على المعوزين من عيال الله لمجرد الامتحان والاختبار تماماً كما وهب الانسان القدرة والحرية لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب : «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ
بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى- 10 الليل».
(فبادروا بأعمالكم الخ).. هذا تفسير وتأكيد لما تقدم في نفس الخطبة وهو قوله : «من يتق الله يجعل له مخرجاً... ومخلده ويخلده فيما اشتهت نفسه.. فاسعوا في فكاك رقابكم الخ) وخلاصته : لن تنالوا الفوز بجوار الله ورسله، وزيارة ملائكته، وسلامة الروح والبدن من العذاب والأتعاب إلا بالسير على الطريق السوي، والعمل الشريف، وكف الأذى عن الناس، والوقوف عند حدود الله وحرامه.
وتسأل : انك أشرت قبل لحظة الى أن أعلى صوت في نهج البلاغة هو التحذير من الدنيا، ولا شك في ذلك، ولكن الإنسان ابن الأرض وجزء من الطبيعة، وهي تفرض عليه أشياءها وأغراضها، ولا مفر إلا أن يتأثر بها، ويسمع لها ويطيع.. حتى النبات والحيوان والجماد تتأثر بالطبيعة، وتتفاعل معها، وتأخذ منها اللون والحجم والحركة والسكون، وأي كائن يستطيع الخروج من عالمه وواقعه مهما كانت طاقته وقدرته، والإمام أعرف الناس بهذه الحقيقة، وقد أشار اليها في الكثير من أقواله أقواله، ومن ذلك قوله : «الناس أبناء الدنيا، ولا يلام المرء على حب أمه». واذن فبأي شيء تجمع بين قوله هذا وقوله : «أحذركم الدنيا فإنها غرارة ضرارة، أكالة غوالة.. تميد بأهلها ميدان السفينة تقصفها العواصف في لحج البحار» ؟ وأمثال هذا في كلام الإمام طويل وكثير.
الجواب :
أولاً : إن قوله : «لا يلام» ليس معناه لا يُكلف، وانما هو مجرد بيان لسبب الحب.
ثانياً : أجل، لا مفر من مطالب الحياة إلا بالموت.. وعلى الإنسان أن يسعى لها سعيها، ومن قصر وأهمل فهو مسؤول عن تقصيره، وممقوت عند الله والناس وقد اشتهر عن الإمام قوله : «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً». ومن آيات الله سبحانه : «ولا تنس نصيبك من الدنيا - 77 القصص». وقال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (ليس خيركم من ترك الحياة وطيباتها لغيره). ولا يختلف
اثنان من علماء المسلمين في وجوب السعي للرزق وسد الحاجة.. والحرام هو الكسب غير المشروع، والعيش على حساب الآخرين، وبهذا يتبين معنا ان الدنيا التي ذمها الإمام وحذر منها الدنيا الحرام، هي الروح العدوانية. وقد أوضحنا ذلك فيما سبق أكثر من مرة.
ختم ابن أبي الحديد شرحه لهذه الخطبة بكلام طويل، ومن المفيد أن نلخصه بما يلي :
قال قوم أعمت العصبية أعينهم : ان كثيراً من نهج البلاغة منحول، بعضه يُعزى الى فصحاء الشيعة، وبعضه الآخر الى الشريف الرضي، ومن تأمل النهج وجده كله ماء واحداً، ونفساً واحدة وأسلوباً واحداً كالقرآن الكريم أوله كأوسطه، وأوسطه كآخره، وكل سورة منه وكل آية مماثلة لغيرها في المأخذ والمذهب والفن، ونهج البلاغة كذلك، ولو كان بعضه منحولاً وبعضه صحيحاً لم يكن كذلك.. ولو فتحنا هذا الباب لم نثق بقول منقول عن رسول الله، أو عن أبي بكر وعمر، ولا عن أحد من الأئمة، ولوجب الشك في جميع الكتب والدواوين والخطب والرسائل.
أسكت قبعَكَ اللهُ يَا أَثْرَمُ، فَوَاللهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَق الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيه ضئيلاً شَخْصُكَ. خَفِيًا صَوْتُكَ، حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قُرْنِ الماعز.
اللغة :
الأثرم : من كسرت سنه من أصلها. وضئيلاً : حقيراً صاغراً. ونعر : صاح وصوت. ونجم : ظهر وطلع.
الأعراب :
شخصك فاعل (ضئيلاً). وصوتك فاعل (خفياً).
المعنى:
كان البرج بن مسهر شاعراً خارجياً، وفي ذات يوم سمعه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول :
لا حكم إلا لله، فقال له : (اسكت قبحك الله يا أثرم). اتخذ أصحاب الجمل وصفين قميص عثمان راية لبغيهم، أما الخوارج فاتخذوا قول : (لا حكم إلا الله)، شعاراً لمروقهم، وفي الخطبة 40 أوضح الإمام أن الله التشريع، وان على الأمير التنفيذ، وشرحنا ذلك مفصلاً. ولا جواب لهذا السفيه إلا لعنة الله واللاعنين.
(فوالله لقد ظهر الحق فكنت فيه ضئيلاً الخ).. إن للحق أهلاً لا يشغلهم عنه شاغل، وللباطل أهلاً يهتف بهم فيستجيبون، وما ظهر لهذا السفيه الأثرم أي أثر للحق في قول أو فعل.. حتى اذا ارتفع صوت الباطل لبي وظهر على المسرح.. وهكذا لا تظهر أسماء الرعاع والصعاليك إلا حين يختل النظام، وتسود الفتن والمظالم، وينتشر القتل والسلب.
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلَا تَحويهِ المَشَاهِدُ، وَلَا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ، وَلَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، الدَّالٌ عَلى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ وبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلى وُجُودِهِ، وَبِاسْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شِبْهَ لَهُ. الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ، وَأَرْتَفَعَ عَنْ ظُلَم عِبَادِهِ. وَقَامَ بِالْقِسْطِ في خلقه وعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ. مُسْتَشهدُ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاء عَلى أَزَلِيَّتِهِ، وَبِما وسمها بهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلى قُدْرَتِهِ، وَبَمَا أَضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوامِهِ. وَاحِدٌ لا بِعَدَدٍ، وَدَائِمٌ لاَ بِأمَدٍ، وَقَائِمُ لاَ بِعَمَدٍ. تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لاَ مُشَاعَرَةِ (1). وَتَشْهَدُ لَهُ المَرَائِي لاَ بمحَاضَرَةٍ. لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأوْهامُ، بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا، وَبِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا، وإليها حاكمها. لَيْسَ بِذِي كِبَرِ أَمْتَدَّتْ بِهِ النَّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً، وَلَا بِذِي عِظَمٍ
تناهَتْ بِهِ الغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجسِيداً. بَلْ كَبُرَ شَأنَا، وَعَظُمَ سُلْطَاناً. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّفِيُّ، وَأَمِينُهُ الرَّضِيُّ، (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ). أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ، وَظُهُورِ الْفَلَج وإيضاح المنهج، فَبَلَّغَ الرَّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا. وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَبَّةِ دَالّا عَلَيْهَا. وَأَقَامَ أَعْلَامَ الِاهْتِدَاء وَمَنَارَ الضّياء. وَجَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلَام مَتِينَةًوَعُرَى الْإِيمَانِ وَثِيقَةٌ (2).
اللغة :
الميعاد : وقت الوعد أو موضعه. والمراد بالأمد هنا الغاية. والمرائي : المرئيات والمنظورات والفلج : الظفر. والمنهج : الطريق الواضح. وصادعاً : مبلغاً. والمحجة : جادة الطريق أي وسطه. وأمراس : حبال. وعروة الشيء: مقبضه.
الإعراب :
على ان لا شبه «ان» مخففة، واسمها ضمير الشأن أي انه لا شبه له، ومستشهد خبراً المبتدأ محذوف أي هو مستشهد، وشأناً تمييز، ومثله «سلطاناً».
المعنى :
(الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد) أي الحواس (ولا تحويه المشاهد) وهي الأماكن (ولا تراه النواظر) أي العيون، وعطفها على الشواهد من باب عطف الخاص على العام مثل «مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ - 98 البقرة». (ولا تحجبه السواتر) جمع ساتر، والسر أن الشواهد والمشاهد
والسواتر - من لوازم المرئيات والمسموعات والروائح والمذاقات والملموسات، والله منزه عن ذلك كله.
(الدال على قدمه بحدوث خلقه الخ).. الحادث لا يحمل في طبيعته السبب الكافي لوجوده والا كان واجب الوجود، وهو خلاف الفرض، وإذن فلا بد لوجوده من سبب خارج عن ذاته، كما هو الشأن في كل حادث، وإذا لم يكن السبب الموجب موجوداً بنفسه احتاج الى غيره.. ولا مفر ولا مفر من الانتهاء الى سبب ضروري الوجود يكون سبب الأسباب وإلا بقي كل شيء طي الكتمان. وتقدم ذلك في شرح الخطبة 150 (وباشتباههم على ان لا شبه له). كل المخلوقات يجمعها قاسم مشترك، وهو أنها لم تكن من قبل ثم حدثت وكانت حدثت وكانت، ويستحيل أن يكون مبدعها من نوعها وشكلها وإلا لزم أن يكون الشيء علة لنفسه. وتقدمت هذه الجملة بحروفها في الخطبة 150.
(الذي صدق في ميعاده) لأنه لا يخلف الميعاد الحكم العقل بقبح الكذب والخلف (وارتفع عن ظلم عباده) لحكم العقل بقبح الظلم (وعدل عليهم بحكمه). أمضى حكمه على جميع خلقه بالعدل ايجاداً وتكليفاً وثواباً وعقاباً (مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته) كقوله: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - 190 آل عمران». وأشرنا الى وجه الاستدلال في شرح قوله : «الدال على قدمه بحدوث خلقه».
(وبما وسمها به من العجز على قدرته الخ).. ما من كائن في السماوات والأرض - غير الله - إلا وفيه جهة نقص، فالجهاد تنقصه الحياة، والنبات ينقصه الشعور، والحيوان ينقصه العقل والإنسان يفنى. ويزول.. بالإضافة الى ان كل ممكن يفتقر الى سبب موجب لتكوينه ووجوده، وبقائه واستمراره، ويستحيل أن يكون السبب الأول للإيجاد والاستمرار ناقصاً في جهة من الجهات، بل لا بد أن يكون كاملاً من كل وجه، وان يكون كماله ذاتياً لا مكتسباً وإلا كان السبب من نوع المسبب، ومن البداهة أن الشيء لا يكون علة وسبباً لنفسه.
ويومىء هذا الى مذهب الفيلسوف الفرنسي ديكارت الذي استنتج من إدراكه
لنفسه أنه ناقص ومحدود، ومعنى هذا - عند ديكارت - أن في ذهنه فكرة سابقة عن الكامل المطلق القائم بذاته، ولولا هذه الفكرة لاستحال عليه أن يتصور الناقص،، لأن الأشياء تتميز بأضدادها، والفكرة عن الكامل لم تحدث جزافاً وبلا سبب، والانسان لم يوجدها في ذهنه، وإذن فالذي أوجدها هو الكامل بذاته من كل وجه، أي الله الأزلي الأبدي العليم بكل شيء القادر على كل شيء.
(واحد لا بعدد). للوحدة أقسام، منها الوحدة بالجنس والنوع، ومنها الوحدة بالزمان والمكان، والله منزه عن ذلك كله، فهو واحد بوجوده ذاتاً في الأزل والأبد، وواحد في كماله المطلق من كل وجه، ليس كمثله شيء، أما صفاته فهي بكاملها موجودة بوجود واحد (ودائم لا بأمد). لا أمد ولا نهاية لوجوده، ومن هنا يصح التعبير عنه باللامتناهي (وقائم لا بعمد) أي لا سبب لوجوده خارج عن ذاته.
(تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة). المراد بالمشاعرة هنا الإدراك المباشر، والمعنى ان العقل يدرك وجود الله بآثاره وتوسط مبدأ العلية - مثلاً - إذا رأيت إنساناً يكتب فإن عقلك يحكم بوجود الكاتب معتمداً في حكمه هذا على رؤية البصر وحدها بلا توسط مبدأ العلية أو غيره، وتسمى هذه المعرفة بديهية ووجدانية وتجريبية، وهذه المعرفة لا يمكن تصورها في حقه تعالى.
أما إذا رأيت كتابة ولم تر الكاتب فإن عقلك يحكم بوجود الكاتب معتمداً على رؤية البصر للكتابة، وعلى مبدأ العلية معاً، وليس على رؤية البصر وحدها كما لو رأيت الكاتب بالذات ومثله حكم العقل بوجوده تعالى، ترى العين الخلق والآثار فيحكم العقل بوجود الخالق والمؤثر استناداً الى مبدأ العلية. ومن أنكر وجود الله لا يعترف بهذا المبدأ، ويزعم ان تتابع الحوادث لا يدل على ان السابق علة للأحق.. وجوابنا وجوابنا أن العلماء كانوا وما زالوا يلاحظون الحوادث ويستنتجون من تكرار وجود اللاحق مع السابق والترابط بينهما في الوجود، يستنتجون من ذلك قواعد كلية ينتقلون من العلم بها الى معرفة ما كانوا يجهلون، ولولا مبدأ العلية لكان هذا الاستنتاج جهلاً وضلالاً.
(وتشهد له المرائي لا بمحاضرة). المراد بالمرائي الأشياء المرئية، وبالمحاضرة الحضور والحلول، والمعنى ان ما نراه من الكائنات يدل على وجود الله، ولكن
وجوده تعالى غير متحد مع وجود الكائنات، كما يقول أصحاب وحدة الوجود، بل مستقل عنها، وأسمى منها وأرفع (ولم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها) إن الله سبحانه لا يتجلى للعقول بذاته، بل بآثاره، فضمير (لها) يعود للأوهام أي العقول يعود لها لفظاً ومعنى اما ضمير (بها) فإنه يعود للآثار معنى، وللأوهام لفظاً لوجود العلاقة بين الأثر والمؤثر.
(وبها امتنع منها). إن العقول نفسها هي التي حكمت وجزمت بأن ذاته تعالى لا تتجلى للعقول، وان الذي يتجلى هو الآثار (واليها حاكمها). وان زعم ذو عقل سقيم بأن ذاته، تباركت أسماؤه، تتجلى للعقول - حاكمه الى ذي عقل سليم (ليس بلي كبر الخ).. الله سبحانه كبير وعظيم شأناً وجلالاً، وسلطاناً وكمالاً، لا طولاً وعرضاً، وعمقاً وشكلاً.
(وأشهد أن محمداً الخ).. اختاره الله لنفسه، وارتضاه أميناً على وحيه (أرسله بوجوب الحجج) أي ان العقل يلزم بكل ما جاء به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأنه لخير الانسان جمعاء : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ - 107 الأنبياء» وقال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : جئت لأتمم مكارم الأخلاق (وظهور الفلج) أرسل الله محمداً لإعلاء كلمة الحق (وإيضاح المنهج) وهو الطريق القويم السليم (فبلغ الرسالة صادعاً بها) ودياً لها على أكمل وجه وحمل على المحجة دالا عليها شهد التاريخ أن المسلمين نجحوا في علوم شتى، وان الحضارة الحديثة ثمرة من ثمار علوم المسلمين، والفضل الأول لمحمد ورسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). (وأقام اعلام الاهتداء، ومنار الضياء) عطف تفسير على «حمل المحجة دالا عليها». (وجعل أمراس الإسلام الخ).. أقام محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دينه على أمتن الأصول وأقوى الأركان، واذا تخلف المسلمون كأكثر ما يكون التخلف فإن العيب فيهم، وليس في دينهم.
وَلَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَجَييم النَّعْمَةِ لرجعوا إلَى الطَّرِيقِ وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ وَلَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ.
ألاَ تَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَم خَلْقَهُ، وَأَتْقَنَ تَركيبه، وَفَلَقَ لَهُ السِّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَسَوَّى لَهُ الْعَظَمَ وَالْبَشَرَ. أنظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثّتِهَا وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلَا بمُسْتَدْرَكِ الْفِكْرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلى أَرْضِهَا، وَصَبَتْ عَلَى رِزْقِهَا تَنْقُلُ الحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرَّهَا. تَجْمَعُ في حَرَّهَا لبَرْدِهَا، وَفي وُرُودِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولَةٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ فقيها. لا يُغْفِلُها المَنَّانُ، وَلَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ وَلَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ (3). وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي تَجَارِي أَكلها فِي عُلُوهَا وَسُفْلِها ومَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطنِهَا، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأَذُنِها لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَلَقِيتَ مِنْ وَصفها تعباً. فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلى قَوَائِميهَا، وَبَنَاهَا عَلى دَعَائِميهَا، لَمْ يَشْرَكَهُ فِي فِطرَتِها فاطر، وَلَمْ يُعِنْهُ فِي خَلْقِهَا قَادِرٌ. وَلَوْ ضَرَبَتَ فِي مَذَاهِب فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ فَايَاتِهِ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلالَةُ إِلا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ، ومَا الْجَليلُ وَاللَّطِيفُ والتَّقِيلُ والخفيفُ وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إلا سواء (4).
اللغة :
البصائر مدخولة : طرأ عليها خلل. والبشر : جمع بشرة، وهي ظاهر
الجلد. والصدر - يفتح الدال - الرجوع بعد الورود. والوفق - بكسر الواو - ما يوافق ويلائم. والصفا : الأملس. والجامس : الجامد. والشراسيف : جمع شرسوف - بضم الشين - طرف الضلع اللين المشرف على البطن.
الإعراب :
كيف دبت «كيف» في موضع الحال، ومكفول بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي هي ، وبالنصب حال، وعجباً مفعول من أجله لقضيت، وتعباً مفعول به للقيت، وسواء خبر الجليل وما بعده
المعنى :
(ولو فكروا في عظيم - الى – الحريق). اذا حركت عقلك نحو الكون العجيب، ونظرت ما فيه من إحكام وتدبير فإنك، لا محالة، تفهم وتدرك من قدرة الخالق ما يدلك على عظمته، ويملأ نفسك هيبة ورهبة من سطوته وحسابه وجزائه (ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة) لا ترى إلا لذة عاجلة، ونشوة عابرة.
(ألا ينظرون الى صغير ما خلق الخ).. ما من شيء في الكون كبر أم صغر ألا وهو آية تدل على وجود الله وعظمته، وانه واحد لا شريك له في خلقه وصفاته، وقد ضرب الإمام مثلاً على عظمته تعالى بأصغر مخلوق يدب على الأرض، وهو النملة التي توجد في غرفتي وغرفتك، وفي رؤوس الجبال، والحديقة والصحراء وغيرها، وتذهب الى رزقها المكفول لها بالسعي، وتهتدي الى مكانه الذي أودعه الله فيه تماماً كما مهتدي الانسان الى محل طعامه وشرابه، تهتدي النملة الى رزقها ببصرها وبصيرتها أو بغريزتها أو بالإلهام، كما نقول نحن. كل ذلك بهداية بصير قدير.
ومن جملة ما قرأت أن في بعض الفصول يكثر طعام الأسماك في جانب خاص من المحيط الأطلسي، وان الأسماك في هذا الموسم تأتيه من كل جانب، وتقطع مئات الأميال، وان الفيران تلقي بنفسها في البحر طلباً لهذا الرزق !. وفي كتاب
(الظاهرة القرآنية) لمالك بن نبي : ان النمل الأمريكي يغادر مساكنه قبل اندلاع الحريق فيها بليلة، وان في جنوب قسنطينة نوع من الحيوانات القارضة تبرح أمكنتها قبل الكوارث الطبيعية، فهل هذا من باب الصدفة أو ان حكمة الله سبحانه أعطت لهذه المخلوقات وغيرها ما أعطت للإنسان ؟ (وما الجليل واللطيف - أي الكبير والصغير - والثقيل والخفيف، والقوي والضعيف إلا سواء) في القوانين الثابتة الراسخة التي تشمل وتعم جميع الخلائق على تباينها واختلافها حجماً وطبيعة وشكلاً، وهل من تفسير معقول لهذه الوحدة إلا بإرادة حكيمة واحدة، وقدرة واحدة، وان خالق النملة هو خالق النخلة، كما قال الإمام ؟
وكتب أهل الاختصاص كثيراً عن النمل وتدبيرها وادخارها وتعاونها ونظامها المحكم في الاقتصاد والاجتماع، وكلها تبعث الدهشة، وتدل بوضوح على إرادة حکم قدير، وأعجب ما في النمل على الاطلاق ما حكاه سبحانه عن نملة سلمان في الآية 18 من سورة النمل: «قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» ومكان العجب أن تشفق هذه الذرة على قومها من بأس الجنود الذين جاسوا خلال الديار.. وأن لا يشعر إنسان عاقل بآلام قومه، وان يبيعهم بثمن بخس لعدوه وعدوهم يمتص دماءهم ويسلب أقواتهم ويهلك الحرث والنسل !.
وفي بداية الخمسينات من هذا القرن اضطر الاستعمار بضغط من حركات التحرر أن يخرج بجنوده من مستعمراته، ولكنه بحث عن نوع جديد من الاستعمار يكون أكثر أمناً، وأقل كلفة، واهتدى الى الخونة من أبناء البلاد، فأقام منهم قواعد لسيطرته واستغلاله.. وشهد هؤلاء المارقون على أنفسه وشهد هؤلاء المارقون على أنفسهم - بهذه الصفقة الغادرة - أنهم أصغر من النملة وأحقر.
وكذلِكَ السَّمَاءِ وَالهَوَاء وَالرِّيَاحُ وَالْمَاء. فَانظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ والنبَاتِ وَالشَّجَرِ وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ وَاخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَفَجرِ هذِهِ البِحَارِ، وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ، وَطُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَتَفَرُّقِ
هذه اللغَاتِ، وَالْأَلسُن المُختلِفَاتِ. فَالْوَيْلُ لمَنْ جَحَدَ المُقَدِّرَ وأنْكَرَ الْمُدَبِّرَ. زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعُ، وَلَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ. وَلَمْ يَلْجَأوا إِلَى حُجَّةٍ فيما ادعوا، وَلَا تَحْقِيقِ لِمَا أوعوا. وَهَلْ يَكُونُ بِنَاهُ مِنْ غَيْرِ بَانٍ، أَوْ جَنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جان (5). وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي الْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ. وأسْرَجَ لَهَا حدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ. وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الخَفِي، وَفَتَحَ لهَا الفَمَ السِّوِيِّ، وَجَعَلَ لَهَا الحِسَّ القَوِيُّ، وَنَابَيْنِ بِها تَقْرِضُ وَمِنْجَلَيْنِ بِهَا تَقْبِضُ، يَرْهَبُهَا الزَّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ذبها. وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ، حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا، وَتَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا. وَخَلْقُهَا كُلَّهُ لَا يَكُونُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَةً (6). فَتَبَارَكَ. الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً، وَيَعْنُو لَهُ خَدا وَوَجْهاً، وَيُلْقِي إِلَيْهِ بالطَّاعَةِ سِلْماً، وَيُعْطِي لَهُ القِيَادَ رَهْبَةٌ وَخَوْفاً. فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأمْرِهِ. أَحْصَى عَدَدَ الرِّيش مِنْهَا وَالنَّفَسِ، وَأَرْسَى قَوَائِمَها عَلى النَّدَى وَاليَبْس. وَقَدْرَ أَقْوَاتَهَا، وَأَحْصَى أجناسها. فَهَذَا غُرَابُ وَهَذَا عُقَابٌ. وَهذَا حَمَامٌ وَهذَا نَعَامٌ. دَعا كل طائر باسمهِ، وَكَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ. وَأنشأ السَّحَابَ الثّقَالَ فَأَهْطَلَ ديمها وعددَ قِسَمَهَا، فَبَلَ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا، وَأَخْرَجَ نَبْتَها بَعْدَ جدويها (7).
اللغة :
القلال : جمع القلة - بضم القاف -الجبل وأعلى كل شيء. وأوعوا : من الوعي، وهو الحفظ والتدبر. وقمراوين : مضيئين. والسوي : الكامل لا عيب فيه. والمنجل : آلة من حديد يحصد بها الزرع، والمراد بمنجلين هنا رجلا الجرادة لاعوجاجها كالمنجل. والنزوات : الوثبات. والديم : جمع الدعة، وهي مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق. والجدوب والجديب والمجداب : الماحل، والجدب والمحل والفقر بمعنى.
الإعراب :
كذلك خبر مقدم، والسماء مبتدأ مؤخر، والقلال عطف بيان من هذه، والويل مبتدأ، وما بعده خبر، ويكون تامة، وبناء فاعل، ومن غير بان صفة لبناء، وطوعاً في موضع الحال أي طائعاً، ومثله سلماً أي مسالماً، ورهبة مفعول من أجله.
المعنى :
(وكذلك السماء والهواء الخ).. كل ذي بصر وبصيرة اذا نظر الى أية ظاهرة من ظواهر الكون خشع وآمن بعظمة المبدع والمصور، إما ايماناً كإيمان العجائز لا يفلسف ولا يسأل إلا قلبه الذي يشع بالنور، ويسخر من الفيلسوف والمتفلسف في هذا الباب.. وألف طوبى لمن يملك هذا القلب، وإما ايماناً قائماً على ان العقل لا يمكن أن يتصور هذا الكون العجيب بأرضه وسمائه، وقانونه ونظامه، دون أن يكون وراءه حي قيوم خلق فسوى، وقدر فهدى.. ان المادة صماء عمياء لا روح فيها ولا شعور، ولا أغراض لها ولا غايات، ويستحيل أن تتحرك من غير محرك، فكيف ينسب اليها الخلق والإبداع والتنظيم والتدبير ؟.
(زعموا انهم كالنبات الخ).. على المزابل والقذارات، وأنها هي خلقت الانسان في أحسن تقويم، وجعلت له السمع والبصر والفؤاد، وكل الطاقات التي
صعدت به الى القمر، وفعل بها المعجزات.!. ولا أدري : هل اعتمد هؤلاء الزاعمون على التجربة والمشاهدة، أو على حقائق العقل ونظرياته ؟ ورد سبحانه عليهم بقوله : «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ - 36 الطور». وما من أحد ادعى انه خلق من غير شيء، أو قال : أنا خلقت نفسي والكون، ولكن لا فرق بين من زعم انه كالنبات، وبين من قال : انه خلق من غير إرادة قادرة ومدبرة، وانه هو خلق نفسه والكون بما فيه.
(وان شئت قلت في الجرادة الخ) ضرب الإمام مثلاً على عظمة الله سبحانه بأصغر مخلوق من دنيا الحيوانات أو الحشرات التي تدب على الأرض وهي النملة، ثم ضرب مثلاً بأصغر مخلوق من دنيا ما بطير، وهو الجرادة التي تحير الألباب بسمعها وبصرها وفيها ونابيها ورجليها وإلهامها، وكيف يخافها الزارعون على زرعهم وحقولهم مع ان حجمها لا يبلغ الاصبع الصغيرة الدقيقة.. ولو خرجنا من دنيا ما يدب على الأرض، وما يطير في الهواء - الى دنيا ما يسبح في الماء وما فيه من عجائب، ومنه الى دنيا النبات والحشائش وحجمها وأوراقها وورودها وريحها وطعمها، ومنها الى غيرها مما لا يبلغه الاحصاء - لو فعلنا ذلك لامتد الحديث عنها سنوات دون أن نبلغ الغاية ونصل الى النهاية : «وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - 27 لقمان».
فمن الذي خلق فسوى، وقدر فهدى ؟ المادة العمياء، أو الصدفة الهوجاء، أو النشوء والارتقاء. وان قلت : الأسباب الطبيعية، قلنا : ان الله أودع هذه الأسباب في الطبيعة، وتقدم ذلك مفصلاً.
(فتبارك الله الذي يسجد له من في السموات والأرض الخ).. المراد بالسجود وتعفير الحدود هنا الخضوع، وبالطوع والكره والسلم والخوف انقياد الأشياء كلها الأمر الله في شتى الأحوال لا في حال دون حال، وقوله : أحصى عدد الريش والأجناس أي أحاط بكل شيء علماً، وقوله : أرسى القوائم، وقدر الأقوات، وأنشأ السحاب وعدد قسمها - كناية عن قدرته تعالى وعلمه وحكمته، أما ذكر الغراب والعقاب - طائر من الكواسر - والحمام والنعام – فإنه لمجرد
التمثيل والاستشهاد على القدرة والحكمة الإلهية، والقصد الأول والأخير هو ان نعلم ونؤمن بأنه لا إله إلا الله العزيز الحكيم، والقدير العليم.
وقلنا فيما سبق ونكرر ان مجرد العلم والإيمان بالله لا يجدي شيئاً إلا مع العمل الصالح، قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الإيمان عمل كله، ولا يثبت للإنسان إيمان إلا بالعمل.
ما وحده مَن كَيْفَهُ، وَلَا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثْلَهُ. وَلَا إِيَّاهُ عَلَى مَنْ شَبهُ. وَلَا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهُمَهُ. كُلُّ مَعْرُوفِ بِنَفْسِهِ مَصْنُوع. وَكُلٌّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ. فَاعِل لَا بِاضْطِرَابِ آلَةٍ مُقَدِّرُ لَا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ. غَنِيٌّ لَا بِاسْتِفَادَةِ. لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ، وَلَا تَرْفُدُهُ الْأَدَوَاتُ، سَبَقَ الْأوقات كَوْنُهُ. وَالْعَدَمَ وجود وَالابْتِدَاء أَزَلُهُ. بِتَشعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ. وَبمُقَارنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاء عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ. صَادٌ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَالوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ، وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ (1). مُؤلِّفُ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُقارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا مُقَرِّبُ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا. مُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا
لَا يُسْمَلُ بِحَدٍّ، وَلَا يُحْسَبُ بِعَدٍّ، وَإِنَّا تَحدُّ الْأَدَوَاتُ أَنفُسَهَا وَتُشِيرُ الْآلَةُ إلَى نَظَائِرِهَا. مَنَعَتُها مُنْذُ القِدَمِيةَ، وَحَمَتْهَا الْأَزَلِيةَ وجنبتها لَوْلَا التَّكْمِلَةَ. بَهَا تَجَلَّى صَانِعُها لِلْعُقُولِ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ. لَا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالْحَرَكَهُ. وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجرَاهُ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَيَحدُثُ فِيهِ مَا أَحْدَثَهُ. إذا لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ، وَلَتَجَزّأ كُنْبُهُ، وَلَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاء إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ، وَلَالَتَمَسَ التّمام إذْ لَزمَهُ النَّقْصَانُ. وَإِذا لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ، وَلَتَحَوّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَن كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ. وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الامتناع مِنْ أَنْ فِيهِ مَا يُوثُرُ فِي غَيْرِهِ (2) الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ. وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً، وَلَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً. جَلَّ عَنِ اتّخَاذِ الْأَبْنَاءِ، وَطَهُرَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّساءِ. لَا تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فتُقَدِّرَهُ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ. وَلَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُ فَتَحُسّهُ ولا تَلْمِسُهُ الْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ. لَا يَتَغَيَّرُ بِجَالٍ، وَلَا يَتَبَدَّلُ بِالْأَحْوَالِ وَلَا تبْلِيهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، وَلَا يُغَيْرُهُ الصِّيَاءُ وَالظَّلَامُ. وَلَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ، وَلَا بِالْجَوَارِح وَالْأَعْضَاءِ. وَلَا بِعَرَضَ مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَلَا بِالْغَيْرِيَّةِ وَالْأَبْعَاضِ. وَلَا يُقَالُ لَهُ حَدُّ وَلَا يهايَةٌ، وَلَا أَنْقِطَاعُ وَلَا غَايَةٌ، وَلَا أَنَّ الأشياء تحريهِ، فَتَقِلّهُ أوْ
تهويه أوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدَّ لَهُ (3). لَيْسَ في الأَشْيَاء بِوَالِج، وَلَا عَنْهَا بِخَارِج. يُخبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَلَهَوَاتٍ، وَيَسْمَعُ لا بِخُرُوقٍ وَأَدَوَاتٍ. يَقُولُ وَلَا يَلْفِظُ، وَيَحفَظُ وَلَا يَتَحَفْظُ ويُرِيدُ وَلَا يُضمرُ. يُحِبُّ وَيَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقّةٍ، وَيُبْغِضُ وَيَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَةٍ، يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ. لَا بِصَوْتِ يَقْرَعُ، وَلَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ، وَإِنَّما كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلُ مِنْهُ أَنْشَأَهُ. وَمِثْلُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إلها ثانياً. لَا يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصَّفَاتُ المُحْدَثَاتُ، ولا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَضْلُ، وَلَا لَهُ عَلَيْها فَضْلُ، فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ والمَصْنُوعُ، وَيَتَكَافَا الْمُبْتَدِى وَالبَدِيعُ (4).
اللغة :
صمده : قصده. وتوهمه وتوهمه : تمثله. وترفده : تعينه. والمشاعر : الحواس، وتشعيرها جعلها تشعر وتنفعل. والحرور - بضم الحاء - الريح الحارة. والصرد : البرد، والمتعاديات المتضادات. والمتدانيات : المتماثلات. ولهوات : جمع لهاة وهي لحمة في سقف أقصى الفم.
الإعراب :
فاعل خبر لمبتدأ محذوف أي هو فاعل، ومثله مؤلف، وأن لا مشعر أي أنه لا مشعر، ومنذ لابتداء الزمان، وقد للتقريب، ولولا لامتناع شيء عند
وجود غيره، وكل كلمة من هذه الثلاث فاعل للفعل الذي قبله على الحكاية ودليلاً منصوب بنزع الخافض أي لتحول الى دليل
المعنى :
كل ما ذكره الإمام هنا من صفات الله سبحانه، تقدم مراراً بالحرف أو بالمعنى، ولذا نوجز في الشرح ما أمكن (ما وحده من كيفه). اذا قلت : كيف فلان ؟ فإنك لا تسأل عن ذاته، بل عما يعرض لها من الأحوال كالعسر واليسر، والصحة والسقم، ومعنى هذا أن الذات المسؤول عنها محل للأحداث، وانها تتغير وتتبدل من حال الى حال.. والله سبحانه واحد وكامل من كل وجه يستحيل في حقه التغيير والتحويل، لأنه فوق الأشياء، وخالق الأحوال والأحداث، قال الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الكيف مخلوق، والله لا يوصف تخلقه، وقال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : من نظر الى الله كيف هو فقد هلك.
(ولا حقيقته أصاب من مثله). كل صورة ترسمها في خيالك فهي صورة لجسم يرى ويحس وإلا استحال الرسم والتشخيص، وهل يوجد ظل وشبح لغير المادة ؟ والله سبحانه منزه عن ذلك. قال الملاصدرا : إن كان ما تصورته لذات الله مطابقاً للواقع يلزم أن يكون الله جسماً محدوداً، وهو محال، وإن لم يطابق فهو كذب و سراب (ولا اياه عنى من شبهه). لأنه لا شبيه له ولا ضد (ولا صمده من أشار اليه وتوهمه). كل الإشارات بشتى أنواعها لا تكون إلا للمحسوسات، والله فوقها ومنزه عنها، وفي كلمات أهل البيت : إن أوهام العقول أدق من أبصار العيون، أبصار العيون، وأوهام العقول لا تدرك الله فكيف بأبصار العيون ؟
(وكل معروف بنفسه مصنوع). المراد بالمعروف بنفسه المعلوم بذاته وحقيقته لا بأفعاله وآثاره، ومن البداهة أن معرفة الشيء بكنهه وحقيقته تتوقف على معرفة العناصر التي تكون منها، ومعنى هذا ان المعروف بالذات والكنه مركب، والمركب مفتقر الى أجزائه والى من يؤلف بينها أيضاً، فيكون والحال هذه، ممكن الوجود (وكل قائم في سواه معلول). اذا كان الشيء لا يحمل في طبيعته سبب وجوده فهو مفتقر الى علة لأصل وجوده وحدوثه، ولبقائه واستمراره (فاعل
لا باضطراب آلة) بل بكلمة «كن» هذا، الى انه خالق الآلات، والخالق لا يوصف بخلقه (مقدر لا بجولة فكر) هذا من باب السالبة بانتفاء الموضوع كما يقول أهل المنطق، حيث لا فكر من الأساس كي يتأمل ويفكر في النظريات والتطبيقات : «وكان أمر الله قدراً مقدوراً».
(غني لا باستفادة) بل بذاته، كما هو الشأن في واجب الوجود (لا تصحبه الأوقات) لأن الزمان يزول ويتغير، والصاحب معتبر بصاحبه (ولا ترفده الأدوات) لأنه غني بالذات، وخالق الأدوات، والخالق لا يوصف بخلقه (سبق الأوقات كونه). لأنه قبل كل شيء بالأزلية، ومنه كل شيء بالافتقار والعلية (والعدم وجوده، والابتداء أزله). الله هو الأول بالوجوب والقدم، واذن فهو منزه عن العدم من قبل ومن بعد (وبتشعيره المشاعر عرف ان لا مشعر له). خالق الانفعال لا ينفعل، لأن الخالق لا يوصف بخلقه (وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له). كل من له ضد ينازعه ويزاحمه فهو مخلوق ناقص يفتقر الى خالق كامل لا يضاده ويزاحمه شيء وإلا كان مخلوقاً (وبمقارنته بين الأشياء عرف ان لا قرين له). وأيضاً من كان له مساو ونظير في شيء فهو لا يمتاز عن شريكه في ذلك الشيء، ومعنى هذا انهما يستمدان هذا التشابه من مصدر واحد لا شبيه له وقرين. وبكلمة ثانية : إن الذي خلق الأشباه والأضداد لا شبه له ولا ضد، لأن الخالق لا يوصف مخلقه.
(ضاد النور الى - متدانياتها) هذه أمثلة للمتضادات والمتشابهات، وانه تعالى قد جمع وألّف بين الأضداد، وفرق وباعد بين الأشباه، ذاك الاتصال، وهذا الانفصال، وهما يدلان على قدرته تعالى وعظمته، وانه فوق الأضداد والأشباه، وإن قال قائل : إن حركة المادة هي التي فصلت الشبيه عن مثله، وجمعت الضد الى ضده قلنا في جوابه : إن الله سبحانه هو الذي خلق المادة، وأودع فيها الحركة التي توصل وتفصل : «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا - 2 الفرقان». (لا يشمل بحد) أي لا يكشف عن ذاته وحقيقته تعالى أي تعريف بالغاً ما بلغ من التطويل والتفصيل، لأن من شروط الحد والتعريف أن يكون مساوياً للمحدود والمعرف، وذاته تعالى لا أول لها ولا آخر، فكيف تحد وتعرف بالمحدود والمباين ؟.
(ولا يحسب بعد) ان الله واحد لا بقسمة وكثرة، بل بعدم المثيل والنظير
«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ - 11 الشورى». (وانما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات الى نظائرها). الأدوات والآلات شيء واحد، والمراد بأنفسها أجناسها وأنواعها، والمعنى ان الحواس تكون طريقاً لمعرفة الشيء المحسوس، أما غير المحسوس فلا طريق للعلم بوجوده إلا العقل بسبب الآثار ومبدأ العلية (منعتها منذ القدمية، وحمتها قد الأزلية، وجنبتها لولا التكملة) هاء التأنيث في الأفعال الثلاثة للأدوات والآلات، أو لجميع المخلوقات بقرينة السياق، والمعنى ان كل حادث يقال في حقه : وجد منذ كذا، وقد كان بعد أن لم يكن ولولا الحدوث ما ساغ وجود «منذ وقد»، كما ان وجودهما يمنع من القدم والأزلية، وأيضاً وجود (لولا) يمنع من الكمال والتمام. وبالتالي فلا تجري في حقه تعالى كلمة (منذ ولولا وقد) بالمعنى الذي أشرنا اليه.
(وبها تجلى صانعها للعقول) أي بالأدوات والحواس، أو بالخلق والآثار تدرك العقول وجود الله بضميمة مبدأ العلية (وبها امتنع عن نظر العيون) ضمير «بها» يعود الى العقول التي حكمت وجزمت بأنه تعالى لا يدرك بالحس، وسبق الكلام عن ذلك في العديد من الخطب، وآخرها الخطبة 183 عند قول الإمام: «تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة» وقوله : «وبها امتنع منها».
(ولا يجري عليه السكون والحركة). لا يتصف سبحانه بالسكون والحركة لأمور :
1 – (وكيف يجري عليه ما هو أجراه). انه تعالى خالق الحركة والسكون، والخالق لا يتصف بخلقه بحكم البديهة.. وقوله : يعود.. ويحدث عطف تفسیر على قوله : يجري عليه.
2 – (واذن لتفاوتت ذاته) لو جرى عليه تعالى السكون والحركة لكانت ذاته متغيرة ساكنة تارة، وطوراً متحركة، ولا تارات واطواراً لله سبحانه.
3 - (ولتجزأ كنهه) أي لو اتصف بالحركة والسكون لكانت حقيقته تعالى كبة منها والمركب مفتقر لأجزائه، ولفاعل يؤلف بينها، والله غني بالذات، وغيره مفتقر اليه.
4 – (ولامتنع من الأزل معناه). الله قديم أزلا، دائم أبداً، والمركب حادث وجوداً، والى أجل.
5 – (ولكان له وراء إذ وجد له إمام). المتحرك ينتقل من وضع حاضر الى مستقبل، والحاضر يصير ماضياً والماضي يدبر فيكون وراء، والمستقبل يقتحم فيكون أماماً، والله منزه عن الاقبال والادبار، والتغير من حال الى حال، وعن الجهات والأوقات.
6 - (ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان). السكون نقص لأنه موت وعدم، والحركة الناس للكمال، والله كامل بالذات، وكماله مطلق من كل وجه (وإذن لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه) أي ان السكون والحركة هما من العلامات الدالة على وجود الصانع والمؤثر حر كة وسكوناً، ولو اتصف بهما خالقها وموجدهما لانعكس الأمر، وصار المؤثر أثراً، والخالق مخلوقاً، والمدلول عليه بالآثار دليلاً (وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره). الله أجل وأرفع من أن يؤثر فيه، ويفعل به غيره ما فعل هو بغيره، كيف ؟ وهل يخلق الفعل فاعله، والبناء من بناه ؟
(الذي لا يحول ولا يزول ولا يجوز عليه الأفول). انه تعالى منزه عن قبول التغيرات.. أبداً لا يحدث فيه شيء كان معدوماً، ولا يعدم منه شيء كان موجوداً.. انه يحي الأموات، ويميت الأحياء وهو حي دائم لا يموت (لم يلد فيكون مولوداً، ولم يولد فيصير محدوداً). لو جاز أن يكون سبحانه والداً لجاز أيضاً أن يكون ولداً، وان قال قائل : ان آدم والد لغيره، وليس ولداً لأحد قلنا في جوابه : ان آدم تولد من الأرض بقدرة الله، وان لم يتولد بالتناسل المعروف.. هذا، الى أن آدم محدود بداية ونهاية. تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً. وتقدم مثله مع الشرح مفصلاً في الخطبة 180 (جل عن اتخاذ الأبناء الخ).. والنساء، والنساء، لأنه غني بذاته عن كل شيء.
(لا تناله الأوهام - الى - ما يعد له). ذات الله لا تدرك بحس ولا بعقل ويُدرك وجوده تعالى بمنطق الحس والعقل معاً : فالأول يرى الخلق والآثار، والثاني يحكم بوجود المؤثر مستنداً لمبدأ العلية، وذاته جل وعلا هي قوة عليا وراء الطبيعة، وليست من جنسها في شيء، انها دائمة سرمدية لا بداية لها ولا نهاية، لا يحويها أو يحملها شيء، بل هي فوق الأشياء، ولو حملها أو حواها شيء لمالت بحركاته يمنة ويسرة، وعلواً وانخفاضاً، وأيضاً هي قوة عالمة وحكيمة،
وقادرة عادلة، تفعل وتشرع، وتثيب وتعاقب، وتسمع الشكوى، وتكشفها ان شاءت
(ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج). انه تعالى الأشياء، وغير بعيد عنها، لأنه خالقها ومديرها وعالم بأحوالها، ولأنها تفتقر الى رحمته وعنايته، ولو تخلى عنها لحظة لم تكن شيئاً مذكوراً، وهو سبحانه بعيد عن الأشياء بذاته الغنية عن كل شيء، وصفاته التي ليس كمثلها شيء (يخبر لا بلسان ولهوات). غير الله يتكلم بلسان، أما هو، جل وعز، فيخلق الكلام في لسان من ارتضى من رسول، أو ما شاء من خلقه، فالكلام بالنسبة اليه تعالى كالرزق من الصفات الإضافية لا الذاتية. قال الشيخ محمد عبده : «كلام الله حادث عند جميع الفرق ما خلا جماعة من الحنابلة» فإنهم قالوا : كلام الله صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم. وتقدم مثله في الخطبة 180.
(ويسمع لا بخروق وأدوات) لأنه ليس بجسم، ومعنى سمعه تعالى علمه بالمسموعات : «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ - 18 ق». (يقول ولا يلفظ) بل يخلق الكلام، كما أشرنا (ويحفظ) أي يراقب ويدبر (ولا بتحفظ) لا يحتاط ويحترس، لأن الحراسة والتحفظ مصدرهما الخوف.. ولا أمن و سلام إلا بالله ومن الله، وقد وصف سبحانه نفسه بـ «السلام المؤمن – الحشر». (يريد ولا يضمر). ولماذا الإضمار والإسرار ما دام يقول للشيء كن فيكون (يحب ويرضى الخ). ومن البداهة أن حبه تعالى ورضاه هو إنعامه ورحمته، وإن بغضه وغضبه هو عذابه ونقمته، أما الرقة والمشقة فمن صفات الممكن الحادث، لا من صفات الواجب القديم
(يقول لمن أراد كونه الخ).. يشير بهذا الى الآية 82 من سورة يس : «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» أن يقول له كن فيكون).. «وأنما كلامه فعل منه الخ».. أشرنا الى انه تعالى يخلق الكلام كما يخلق سائر الأشياء، ولو كان كلامه صفة ذاتية له لكان قديماً مثله، ويلزم من ذلك تعدد الآلهة (لا يقال كان الخ).. في كان ضمير مستتر يعود اليه تعالى، لا الى كلامه، والمعنى ان الله هو الأول بالقدم والأزلية، والآخر بالأبدية والسرمدية، ولو كان له أول لكان هو والمخلوق سواء، لا ممتاز عنه بفضيلة، ولا له عليه من فضل، ونكرر القول : إن الخالق لا يوصف بخلقه.
وتسأل : كيف لا يوصف الخالق بخلقه مع العلم بأن الله يوصف بالوجود وكذلك جميع الكائنات، وأيضاً يوصف بالحياة، وبها يوصف كل ذي روح، ويوصف سبحانه بالعلم، وكثيراً غيره ؟
الجواب :
ان صفاته تعالى تخالف صفات المحدثات من وجوه : أولها ان صفاته أصل، وصفاتها فرع ورشحة من فيضه. ثانيها ان صفاته ضرورية الثبوت، وممتنعة الزوال، وصفاتها ممكنه تحدث وتزول. ثالثها ان جميع صفاته تعالى موجودة بوجود واحد، وصفاتها يتعدد وجودها ويكثر بعددها وكثرتها. رابعها ان صفاته لا حد لها ولا نهاية، وصفاتها تتناهى وتقف عند حد لا تتجاوزه، وبكلمة ان صفات غيره عدم بالنسبة الى صفاته تعالى، ولا جامع بين الاثنين إلا أداة التعبير عن الأصل وفروعه.
خَلَقَ الخَلائِقَ عَلى غَيْرِ مِثَالِ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلى خَلْقِهَا بأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ. وأنشأ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالِ وأرسسَاهَا عَلى غَيْرِ قَرَارٍ. وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ، وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ. وَحَصَّنَهَا مِنَ الْأَوْدِ وَالاعْوِجَاج. وَمَنْعَهَا مِنَ التَّهَافْتِ وَالانْفِرَاج. أرسى أَوْتَادَهَا، وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا، وَاسْتَفَاضَ عُيُونَهَا وَخَدَّ أَوْدِيَتَهَا. قلَم يَهن مَا بَنَاهُ، وَلَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ. هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَائِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْعَالِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ منها بِجَلالِهِ وَعِزَّتِهِ، لاَ يُعْجِرُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَلاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، وَلَا يَفُوتُهُ السّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْقَهُ، وَلَا يَحتاجُ إلَى ذِي مَالِ
فَيَرْزُقَهُ. خَضَعَتِ الْأَشْيَاء لَهُ، وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةٌ لِعَظَمَتِهِ، لَا تَسْتَطِيعُ الهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَضَرِّهِ، وَلَا كُفْوَّ لَهُ فيكافِئَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ. هُوَ المَفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجودِهَا، حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا (5). وَلَيْسَ فَنَاءِ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا. وَكَيْفَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا من طيرها وبنهايميها، ومَا كَانَ مِنْ مُرَاحِها وسائمها، وأصناف أسْنَاخهَا وَأَجْنَاسِهَا، وَمُتَبَلِّدَةِ أُتِهَا وَأَكْيَاسِهَا عَلى إحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قدَرَتْ عَلى إحْدَاثِهَا، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا. وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمٍ ذَلِكَ وَتَاهَتْ، وَعَجَزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ، وَرَجَعَتْ خَاسِنَةٌ حَسِيرَةً عَارِفَةٌ بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ، مُفِرَّةٌ بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَانِهَا، مُدْعِنَةً بالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِها (6). وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحدَهُ لا شَيْءٍ مَعَهُ. مَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا كَذلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَاتِهَا بِلَا وَقْتِ وَلَا مَكَانٍ، وَلَا حِينٍ وَلَا زَمَانٍ. عُدِمَتْ عِنْدَ ذلِكَ الاجالُ وَالْأَوْقَاتُ، وَزَالَت السُّنُونَ وَالسَّاعَاتُ. فَلَا شَيْءٍ إِلا الْوَاحِدُ القَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَميعِ الْأُمُورِ. بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاء خلقها، وَبِغَيْرِ امْتِنَاعِ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا. وَلَوْ قَدَرَتْ عَلى الاِمْتِنَاعِ دَامَ بَقَاوُهَا. لَمْ يَتَكَاءدهُ صُنعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، وَلَمْ يَودَهُ
مِنْهَا خَلْقَ مَا خَلَقَهُ وَبَرَأَهُ. وَلَمْ يُكَوِّنها لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلاَ خَوْفِ مِنْ زَوَالِ وَنُقْصَانِ، وَلَا لِلاِسْتِعانة بها على ندّ مكائر، ولا للأخيرَانِ بِهَا مِنْ ضِدّ مُشَاوِرٍ. وَلَا لِلاِزْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، وَلَا لمكَاثَرَةِ شَرِيكَ فِي شِرْكِهِ. وَلَا لِوَحْشَةِ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إلَيْهَا (7). ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكوينها لا لِسَأمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا، وَلَا لِوَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ. وَلَا لِثقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ. لَمْ يُملهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوهُ إلَى سُرْعَةِ إِفْنَائهَا. لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دبرها بِلُطْفِهِ، وَأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الفناء مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَلَا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَلَا لانصِرَافِ مِنْ حَالٍ وَحْشةٍ إلى حالِ اسْتِئْنَاسِ، وَلَا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وعَمِّى إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَالْمَاسِ. وَلَا مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ إِلَى غِنِّى وَكَثرَةٍ. ولا مِنْ ذُلِّ وَضَعَةٍ إِلَى عِزّ وَقَدْرَةٍ(8).
اللغة :
الأود : الاعوجاج. وتهافت : تساقط. والفرج : انفتح. وأسداد : جمع سد. وخد : شق. والمراح - بفتح الميم - موضع الرواح، وبضمها : مأوى الإبل والبقر والغنم والماعز، وهو المراد هنا. وسائمها : راعيها. ومتبلدة : غبية. وأكياس : جمع كيس – بتشديد الياء - وهو العاقل الحاذق. وخاسئة : ذليلة. وحسيرة : كليلة. وتكاد وتكاعد الأمر : شق عليه. وآده يؤوده : ثقل ويثقل. وبرأه : خلقه. ومثاور : من ثاوره أي واثبه وهاجمه.
الإعراب :
تمتنع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء، ويصير بأن مضمرة بعد حتى، وكمفقودها الكاف بمعنى مثل خبراً ليصير، وبأعجب الباء زائدة، وأعجب خبر ليس، وما قدرت جواب لو، والسبيل مبتدأ مؤخر، وكيف خبر مقدم، وخاسئة حال، ومثلها حسرة وعارفة، ووحده حال، وجملة لا شيء معه بدل من وحده، حيث أجاز ابن هشام وغيره أن تبدل الجملة من المفرد
المعنى :
(خلق الخلائق – الى - خلقه). المثال هو الشبيه والنظر، وكان الله ولم يكن معه شيء، ومن ارادته وحدها نبع الكون بمادته وصورته، وإذا لم يكن في الوجود من شيء غير الله فمن أين تأتي العدوى والمحاكاة ؟ (وأنشأ الأرض – الى - الانفراج). خلق الله الكون، وجعل له قوانين دائمة ثابتة تعمل فيه عملها وتؤثر أثرها، ومنها قانون الجاذبية الذي اكتشفه اسحق نيوتن، وبهذا القانون تثبت الأرض في فلكها من غير دعائم وقوائم، و به تدور حول نفسها وحول الشمس، ولو انحرفت عن مكانها المقرر وأسرعت أكثر مما ينبغي لتطايرت أجزاؤها في الهواء، ولو أبطأت في حركتها عن المعدل لهلك الناس من حر أو برد، كما قال أهل الاختصاص وتقدم مثله في الخطبة 89.
(أرسى أوتادها) قال سبحانه : «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا - 7 النبأ». (وضرب أسدادها)، جمع سد، وهو الحاجز والحد بين شيئين وغير بعيد أن يكون هذا إشارة الى الحدود والعلامات بين القارات (واستفاض عيونها، وخد أوديتها). فجر الأرض عيوناً، فسلك الماء في الجداول والقنوات وتقدم مثله في الخطبة 89 (فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه). خلق كل شيء تاماً في عالمه، لا خلل فيه ولا فتور : «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ – 88 النمل». (الظاهر عليها بسلطانه وعظمته). كل شيء في قبضته (وهو الباطن لها يعلمه ومعرفته). أحاط علماً بظاهرها وباطنها (والعالي على كل شيء بجلاله وعزته). لا يدانيه شيء كمالاً وجلالاً، لأنه خالق كل شيء
(لا يعجزه شيء - الى - ضره). هو القوي ذاتاً، ولا حول ولا قوة إلا به ومنه، وكل شيء خاضع خاضع له، فكيف يفوته ويمتنع عنه ما طلب، يطلب المعونة من معين ؟ (ولا كف له الخ).. لو كان في الوجود إلهان، وعجز كل منهما عن القضاء على صاحبه ولو بحسب الإمكان - لانتفت صفة الألوهية عنها معاً، لمكان العجز، وإن قدر كل منهما على الآخر تناحرا وانتهى الأمر، وكان وجودهما سبباً لعدمها، على حد ما قال صاحب «الأسفار» (هو المضني لها الخ).. يوجدها ثم يفنيها، ولا يبقى إلا وجهه الكريم. ومن البداهة ان الإفناء أيسر من الإيجاد، والهدم أهون من البناء.. ويصلح هذا رداً على من قال : إن المادة أزلية أبدية لا بداية لها ولا نهاية
(وكيف ولو اجتمع - الى - إنشائها). كيف ينكر الدهريون والماديون فناء الكون، وهم يعلمون انه لو اجتمعت الكائنات الحية بشتى أنواعها، من يعقل منها، وما لا يعقل، وحاولت جاهدة أن توجد بعوضة على تفاهتها لعجزت خاسئة معترفة بعجزها، وإذن فإحداث الشيء وإيجاده أصعب من إفنائه و اعدامه، قال تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ - 73 الحج». (مدعنة بالضعف عن افنائها) أي عن إفناء جنس البعوض من الوجود، أو إفناء بعوضة امتنعت بالهرب، واختفت عن الأعين. وتجدر الإشارة الى أن القرآن الكريم أخبر منذ ألف وأربعمئة سنة بأن الناس لا يستطيعون خلق ذبابة، وقد عجز العلم وقد عجز العلم والعلماء عن ذلك، وهذا إخبار بالغيب، فكيف أتيح لمحمد العلم به إذا لم يكن وحياً من الله ؟.
(وان الله سبحانه يعود - الى - فنائها). كان الله ولم يكن معه شيء، ويبقى بعد فناء كل شيء (بلا وقت ولا مكان الخ).. المكان جسم أو وضع خاص للجسم، والزمان المعروف بالسنين والشهور والأيام والساعات والثواني هو عبارة عن دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، وبعد فناء كل شيء لا أرض ولا شمس، ولا أجسام واحداث فمن أين يأتي الزمان والمكان والفوق والتحت واليمين والشمال والماضي والحاضر ؟ (فلا شيء إلا الواحد القهار الذي اليه مصير جميع الأمور) منه تبتدىء، واليه تنتهي (بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها الخ).. هذا رد على من قال : ان الأشياء وجدت أول ما وجدت من
مادة لطيفة كانت تملأ الكون، وأسماها بعضهم بالأثير، وآخر بالسديم، وثالث بسحب الغاز (ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها) تماماً كالإنسان أتى الى الحياة الدنيا مرغماً، وخرج منها مكرهاً.
(لم يتكاءده صنع شيء الخ).. الكون بكامله وجناح البعوضة بمنزلة سواء عند الله، يخلق هذا وذاك بكلمة «كن» فمن أين يأتي التعب واللغب، والكلفة والمشقة ؟ (ولم يكونها لتشديد سلطان الخ).. لأنه غني بذاته عمن سواه، وما خلاه مفتقر اليه افتقار الممكن للواجب، والمخلوق للخالق (ولا للاستعانة بها على ند مكاثر) لأنه لا ند له، والند هو المثيل، والمكاثر المفاخر بكثرة المال والرجال (ولا للاحتراز بها من ضد مثاور) لأنه لا ضد له، والضد هو الخصم والمخالف، والمثاور المهاجم والمواثب (ولا للازدياد بها في ملكه) لأن ملكه تعالى تام ولا موجب الى الزيادة، وهو أمره للشيء كن فيكون، أو لأنه تعالى مالك الملك، وكل ما يقال له «ملك» فهو له وحده، وعليه يستحيل تصور الزيادة في ملكه (ولا لمكاثرة شريك في شركه) لأنه لا شريك له، والمراد بشركه هنا النصيب والملك (ولا لوحشة كانت الخ).. المستوحش يطلب الجليس والأنيس الحاج اليه، والله غني بذاته عن كل شيء. وتقدم مثله في الخطبة 1 و 107.
دنم
(ثم هو يفنيها بعد تكوينها الخ).. ضمير التأنيث في تكوينها وفي الكليات السابقة، يعود الى الدنيا. لقد خلق سبحانه الدنيا بقدرته، وأتقن كل شيء بحكمته، ودبره بلطفه، لا لحاجة منه اليه، بل إظهاراً لعظمته وكماله، أو لذلك ولأشياء أخر هو بها أدرى وأعلم، ثم يفني الدنيا لا لسأم وملل، بل لأن الهدف المقصود من وجودها قد حصل وتحقق، ثم يعيد الخلق من جديد ليجزي الذين أحسنوا بالحسنى، والذين أساءوا بما عملوا.
وتسأل : لقد أطال الإمام في نفي صفات المخلوق عن-ه تعالى، كالإيحاش والاستيناس، والتعب والراحة والفقر والجهل الخ.. مع ان الأمر واضح لا يحتاج الى تطويل وتفصيل، ويكفي القول : الخالق لا يوصف بخلقه.. والعقل لا يدرك إلا المحدود والمخلوق.
الجواب :
لا يحق لأحد أن يفسر أي قول أو فعل بمعزل عن أوضاع القائل والفاعل،
وعن الظروف التي كانت تحيط به، وتدفعه الى القول والفعل. ومن الجائز ان بعض من خاطبهم الإمام بكلامه هذا كان يوسوس لهم الشيطان بهذه الخطرات، فدعت الحاجة الى التكرار والتأكيد، والتنزيه عما تناله الأوهام. وفي كتاب الكافي ان رجلاً قال للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : من الناس من يقول : إن الله جسم، ومنهم من يقول : انه صورة.
أَلَا بِأَبِي وَأُمِّي هُم مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ، وَفِي الْأَرْضِ مجهولةٌ، أَلَا فَتَوَقّعُوا مَا يَكُونُ مِنَ إدْبَارِ أُمُورِكُمْ، وَأَنْقِطَاع وَصلِكُمْ، وَاسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ. ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ على الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدَّرْهَم مِنْ حِلِّهِ. ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي. ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَالنَّعِيمِ، وَتَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ أَصْطِرَارٍ، وَتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إحراجٍ. ذلِكَ إِذَا عَضَكُمُ الْبَلَاءِ كَمَا يَعَضُّ القَتَبُ غَارِبَ البعير. مَا أَطوَلَ هَذَا العَنَاء وأَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ. أَيُّهَا النَّاسُ أَلْقُوا هذِهِ الْأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ، وَلَا تَصَدَّعُوا عَلى سُلْطَائِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ. وَلَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ
فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ. وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَنهَا، وَخَلُوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا. فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهبِهَا الْمُؤْمِنُ وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ المُسلم. إنّما مَثَلِي بَيْنَكُمْ مَثَلُ السَّرَاج فِي الظُّلْمَةِ يَسْتَضِيء بِهِ مَنْ وَلجَهَا. فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَعُوا، وأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا.
اللغة :
العدة - بكسر العين الجماعة، وبضمها الاستعداد. والصغار : لا دين لهم ولا شأن. والقتب : ما يوضع على ظهر الجمل كالسرج. والغارب : ما بين العنق والسنام. والأزمة : جمع زمام، وهو المقود. والغب - بكسر الغين - العاقبة. وفور النار : لهبها. وأميطوا : تنحوا. وعن سننها : عن طريقها : ولجها : دخلها.
الإعراب :
بأبي متعلق بمحذوف أي أفدي بأبي وأمي، وهم مبتدأ أول، وأسماؤهم مبتدأ ثان، ومعروفة مجهولة خبر الثاني، والجملة خبر الأول، واشتبه من قال : بأبي خبر مقدم وهم مبتدأ مؤخر، لأن «هم» وما بعدها كلام مستأنف، كان سائلاً قال : من هم الذين تفديهم ؟ فأجاب : «هم الخ». وما أطول «ما» مبتدأ بمعنى شيء، وأطول فعل ماض للتعجب وفاعله مستر، وهذا مفعول، والعناء عطف بيان من هذا، والجملة، خبر، وفيها معنى التعجب.
المعنى:
(ألا بأبي وأمي الخ).. يشير بهذا الى زمرة من أهل الله يأتون من بعده، لهم درجات عند ربهم ومغفرة، أما عند الناس فهم من المنسيين لا لشيء إلا
أما
الأخذ، لأنهم يتقون الله، وبأمره يعملون (ألا فتوقعوا ما يكون من إدبار أموركم، وانقطاع وصلكم، واستعمال صغاركم)، واستعمال صغاركم). أنتم الآن في ظل حاكم يسوسكم بالحق والعدل، ويحمل همومكم وآلامكم، ويؤثر كم على نفسه وذويه، وسوف يتولى أمركم من بعده ظلوم غشوم، لا يرى إلا همومه ونفسه، والا إذلالكم واستعبادكم.
(ذاك حيث تكون ضربة الخ).. تنسد أبواب الرزق ومسالكه إلا على الخونة والقراصنة، ولا يجد الحر الأمين وسيلة للعيش : ويكون ضربه بالسيوف وطعنه بالرماح أهون عليه وأيسر من الحصول على لقمة الحلال (ذاك حيث يكون المعطى - اسم مفعول - أعظم أجراً من المعطي، اسم فاعل) أي يأتي زمان يكون المؤمن المخلص الذي يأخذ الصدقة أفضل عند الله من معطيها.. وأطال الشارحون في تأويل هذا الكلام وتوجيهه بما يتفق مع ما هو معروف من «ان اليد العليا خير من اليد السفلى» ولكنهم لم يأتوا بشيء - كما نظن – والذي نراه ان كل من يجد العمل السائغ ولا يعمل، ويعيش عالة على غيره فهو من الذين لا شأن لهم عند الله والناس، والنملة الكادحة خير منه. أما من يأنف من ويأبى بطبعه أن يكون كلا على غيره، وفي الوقت نفسه يتورع عن الحرام بشتى أنواعه، ويبحث جاهداً عن الحلال والعيش بكد اليمين، ولكن لا يجد السبيل اليه، فيضطر مكرهاً لأخذ الصدقات لا مختاراً - أما هذا الشريف المتعفف فهو أعظم أجراً عند الله ممن يتصدق، لأن الظروف أرغمته على تقبل الذل والعيش على أوساخ الناس، فيعوضه الله سبحانه عن ذلك بالأجر العظيم.
(ذاك حيث تسكرون من غير شراب، بل من النعمة والنعيم). يريد بهذا المترفين ورجال المال، وحكام الجور وأذنابهم بدليل كلمة (النعمة والنعيم). (وتحلفون من غير اضطرار الخ).. قد يجوز الكذب مع التورية لدفع الضرر.. حتى اليمين الكاذبة تسوغ وتحل لنجاة نفس محترمة من الهلاك، وخلاصها من طاغية شريطة أن ينحصر سبيل نجاته بهذه اليمين.. أما الكذب تملقاً ورياء لا لشيء إلا للربح وجلب المنفعة فهو من أكبر الكبائر (ذاك اذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير)، قيل : ان هذه الجملة لا صلة لها بما قبلها، وان الرضي الشريف اقتطعها من كلام آخر، وحشرها هنا، كما هي عادته.. وليس هذا ببعيد، وعلى أية حال فالمعني الظاهر منها أن شيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سوف يلاقون بعده الشدائد، ولا يعرفون وجه الخلاص، وقد حدث ذلك بالفعل
(ما أطول هذا العناء، وأبعد هذا الرجاء). يشير بالعناء الى فساد الأوضاع من بعده، وانها تنتقل من سيء الى أسوأ (أيها الناس ألقوا هذه الأزمة - الى - سلطانكم). المراد بالأزمة هنا الآراء الفاسدة، والضمير في ظهورها يعود الى الأزمة، ومن أيديكم متعلق بألقوا، والمعنى ان الآراء الفاسدة تحمل الكثير من الذنوب والخطايا، وتترك أسوأ الأثر، فيجب تركها وعدم العمل بها، ثم أمر أصحابه بوحدة الصفوف، وطاعة السلطان، ويعني به نفسه (فتلموا غب فعالكم) أي اذا اتبعتم الآراء الفاسدة، وتفرقتم عن إمامكم - ظهر عليكم عدوكم، وكانت العاقبة له عليكم (ولا تقتحموا ما استقبلتم الخ).. ابتعدوا عن الخلافات والمشاحنات، فإنها تكوي بنارها الأخيار، ولا يستفيد منها إلا الانتهازيون الأشرار.
(إنما مثلي بينكم الخ).. المراد بالظلمة الفساد والضلال المراد بالظلمة الفساد والضلال، وبالسراج الهدى والصلاح، والإمام علم الهدى والحق، ومنار الخير والعدل، من استرشد به فهو المهتدي، ومن ضل عن سبيله فهو من الخاسرين.
أوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللهِ وَكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلَائِهِ إِلَيْكُمْ، وَنَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ، وَبَلائِهِ لَدَيْكُمْ. فَكُمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ، وَتَدَارکَكُمْ بِرَحْمَةٍ : أَعْوَرَتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ، وَتَعَرَّضُمْ لِأخذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ، وَأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ المَوْتِ وَإِقْلَالِ الغَفْلَةِ عَنْهُ. وَكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وَطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ. فَكَفَى وَاعِظاً بَمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ، حُملُوا إلى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ، وَأَنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ. فَكَأَنهُمْ لَمْ يَكُونُوا للدُّنْيَا عُماراً، وَكَانَ الآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً. أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ، وَأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ. وَاشْتَغلُوا بِمَا فَارَقُوا، وَأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ أَنْتَقَلُوا. لاَ عَنْ قَبِيحٍ يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالاً، وَلَا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ اَزْدِيَاداً. أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتُهُمْ، وَوَثقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ.
فَسَابِقُوا - رَحَمكُمُ اللهُ - إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا، وَالَّتي رغبْتُمْ فِيهَا وَدُعِيتُمْ إِلَيْهَا. وَاسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلى طَاعَتِهِ، و المجانبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي اليَوْمِ، وَأَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ.
اللغة :
البلاء : الاختبار بالخير والشر، قال تعالى : «وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ - 168 الاعراف». والمراد به هنا البلاء بالخير. وأعورتم : أظهرتم عوراتكم: أي عيوبكم. وأوحشوا المكان : هجروه. وأوطنوه : سكنوه واتخذوه وطناً.
الإعراب :
كم خبرية، وتمييزها محلوف أي كم مرة، ومحلها الرفع بالابتداء، وجملة خصكم خبر، وطمعكم عطف على غفلتكم، وكفى فعل ماض، ووعظاً تمييز، وموتى فاعل، والباء زائدة، وغير راكبين حال من فاعل حملوا، ومثله غير نازلين، ومن اليوم متعلق بقريب/
المعنى:
(أوصيكم أيها الناس الى - امهلكم). أطيعوا الله واحمدوه، لأنه أحسن وأكرم، لقد عصيتموه في الخفاء فستر وأمهل رحمة منه وتفضلاً، فتداركوا ذنوبكم بالتوبة، كما تدارككم هو بالرحمة (وأوصيكم بذكر الموت) لأن من ذكره وارتقبه سارع الى الخيرات قبل فوات الأوان (وكيف غفلتكم الخ).. لا مفر من الموت، وأيضاً لا تعجيل أو تأجيل لأمده، فكيف تغفلون عنه، ولا تعدون له عدته ؟
(فكفى بموتى عاينتموهم) ان مصير كم هو مصير من رأيتم من الأموات والعاقل من اتعظ بغيره قبل أن يوعظ به (حملوا الى قبورهم الخ).. أركبوا الأعواد، ولم يركبوها مختارين، وأنزلوا في القبور، ولم ينزلوا مريدين (فكأنهم لم يكونوا للدنيا – الى - صرعتهم). انصرفوا الى الدنيا بكل ما لديهم من طاقة، فبنوا وشيدوا، وزرعوا وأتقنوا، أما الآخرة فكأنها لم تكن، وسرعان ما انتقلوا من تلك العامرة الى هذه الخراب اليباب خالدين فيها لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلاً.
(فسابقوا رحمكم الله الخ) اعملوا للآخرة فإنها خير وأبقى (والتي رغبتم فيها). رغبوا في الجنة، ولكن بلا عمل، وطلبوا المغفرة، ولكن بلا توبة (واستتموا نعم الله الخ).. وتمام النعم بدوامها، ولا تدوم إلا بالشكر والصبر على طاعة الله، والبعد عن المعصية.. والجزاء آت لا محالة، و، وكل آت قریب، وان طال الزمن، لأن الساعة جزء من اليوم، واليوم جزء من الشهر، والشهر جزء من السنة، وهي جزء من السنين. قال الشيخ محمد عبده : «ابتدأ الإمام بالصغير الذي ينتهي سريعاً، وانتهاؤه يستوجب انتهاء الكبير، وهكذا حتى يكون انتهاء الأكبر لازماً.. وهو كلام بالغ الغاية في الموعظة».
منَ الْإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرًا فِي القُلُوبِ. وَمِنْهُ مَا يَكُون عَوَارِيَ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَالصُّدُورِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ برَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ المَوْتُ، فَعِندَ ذلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ. وَالهِجْرَةُ قَائمَةٌ عَلى حَدَّهَا الْأَوْلِ. مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسَرِّ الْإِمَةِ وَمُعْلَيْهَا. لَا يَقَعُ اسْمُ الهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلا بَمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرُ. وَلَا يقع اسم الاسْتِطَعَافِ عَلى مَنْ بَلَغَتْهُ الحجة فَسَمِعَتها أذنُهُ وَوَقاهَا قَلْبُهُ. إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبُ مُسْتَصْعَبٌ، لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا عَبْدُ مُؤمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَلَا يَعِي حَدِيثَنَا إِلَّا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وَأَحْلَامٌ رَزِينَةٌ أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلَانَا بِطُرُقِ السَّمَاء أَعْلَمُ مِنّي
بِطُرُقِ الْأَرْضِ، قَبْلَ أَن تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا وَتَذْهَبُ بِأَحْلَام قَوْمِهَا.
اللغة :
عواري : جمع عارية. فقفوه : أوقفوا الحكم عليه. ومستسر : من استسر الأمر إذا كتمه. والإمة - بكسر الهمزة - الحالة. والمراد بالأحلام هنا العقول. و شعر برجله : رفعها. والخطام - بكسر الخاء - مقود البعير، والخطم : الأنف وما يليه.
الإعراب :
من الإيمان خبر مقدم، وما يكون مبتدأ مؤخر، وما يكون مبتدأ مؤخر، ومستقراً صفة مؤكدة لـ «ثابتاً، وحاجة اسم كان، ومن مستسر (من» بيانية، ويجوز أن تكون زائدة لوقوعها بعد النفي، ومستسر ومعلن بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه أهل الأرض.
يطلق القرآن كلمة الإيمان على مجرد التصديق بأي شيء، قال تعالى حكاية عن اخوة يوسف : «وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ - 17 يوسف»، أي بمصدق لنا، وأيضاً يطلقها القرآن على من نطق بكلمتي الشهادة، كما في الآية 92 من سورة النساء : «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» وأوضح من هذه الآية قوله تعالى : «وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا - 94 النساء». قال المفسرون : نزلت هذه الآية في بعض الصحابة الذين قتلوا رجلا نطق بكلمة الإسلام ظناً منهم انه قالها لينجو من القتل.. ولكن الغرض الأول من إطلاق
كلمة الإيمان على هذا وأمثاله هو مجرد البيان بأن أحكام الإيمان تجري عليه، كصيانة دمه، وتزويجه وتوريثه.
أما الإيمان حقاً وواقعاً فلا بد فيه من العمل، كما في الآية 4 من سورة الأنفال : «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا». وقال الإمام الصادق : الإيمان عمل كله.
ومن تتبع كتب التاريخ والفقه والأخلاق وعلم الكلام - يجد أن كلمة مؤمن رت بأطوار عديدة.. كانت تطلق في صدر الإسلام على كل مسلم، وبصورة خاصة في قبال المنافق، ولا يرى الخوارج فرقاً بين الإسلام والإيمان حيث قالوا : من از تكب ذنباً صغيراً كان أم كبيراً فهو كافر، لا يعد مسلماً ولا مؤمناً وقال المعتزلة : مرتكب الكبيرة لبس بمؤمن، وان كان مسلماً مخلداً في النار !. ولفقهاء الشيعة الإمامية بالخصوص اصطلاح في المؤمن الذي يُعطي الزكاة، وتصح الصلاة خلفه جماعة حيث اشترطوا أن يكون موالياً لأهل البيت
وقال الأشاعرة : الإيمان هو مجرد التصديق بما جاء به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وليس العمل بشرط.. وقال الكرامية : بل هو مجرد النطق بكلمتي الشهادة، وليس التصديق بشرط فضلاً عن العمل (المواقف للإيجي ج 8).
أما الإيمان الذي عناه الإمام في هذه الخطبة فهو ما كان طريقاً وسبباً لرضوان الله وجناته.. وليس من شك ان الفوز بجنة الخلد لا يكون إلا بالعمل الصالح قال تعالى : «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا - 63 مریم» وقال : «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ - 142 آل عمران». ثم قسم الإمام هذا الإيمان الى قسمين : منه الأصيل الراسخ حتى النفس الأخير، ومنه العارية المتزلزل الذي يفارق صاحبه قبل الموت. ومن أجل هذا أوصى الإمام أصحابه بقوله :
(فإذا كانت لكم براءة الخ).. ان رأيتم منكراً من أي انسان فلا تعجلوا في الحكم عليه بما ظهر لكم منه، وتقولوا : اللهم إنا نبرأ اليك اللهم إنا نبرأ اليك من هذا المجرم الأثيم، بل عليكم بالصبر والتريث حتى يدركه الموت.. فربما كفر عن سيئاته بالتوبة، ومحاها بالحسنات.
الهجرة :
(والهجرة قائمة على حدها الأول). كانت الهجرة واجبة في عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما زالت على حكمها اليوم والى آخر يوم وان صح حديث «لا هجرة بعد الفتح» فهو محمول على الهجرة من مكة المكرمة الى المدينة المنورة (ما كان لله في أهل الأرض الخ).. الله غني عن العالمين، وعن معصية من عصاه، وطاعة من أطاعه سواء أعلن طاعته في دار الإسلام، أم أسرها خوفاً وتقية في بلاد الكفر.
(لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض) وفي بعض طبعات النهج سقطت «الا» ولا يستقيم الكلام إلا بها. والمراد بالحجة في الأرض من يحتج الله به غداعلى المقصرين في معرفة الدين أصولاً وفروعاً معصوماً كان، أم عالماً تقياً، أما سبب الهجرة فهو واحد من اثنين :
الأول : أن يكون المسلم عارفاً بأحكام دينه، ولكنه لا يستطيع ممارستها والقيام بها لأنه يقيم في بلد كافر، ولا حرية فيه للأديان، وقد أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جماعة من أصحابه بالهجرة الأولى الى الحبشة فراراً من الاضطهاد، وخوفاً ان يرتد بعض المسلمين عن دينهم بسبب الضغط والتعذيب، وتطلق على هؤلاء كلمة المستضعفين، وأيضاً أمر النبي آخرين من الصحابة بالهجرة الثانية الى المدينة المنورة، فهاجروا، ولحق هو بهم بعد ذلك توقعاً لحياة أفضل للإسلام والمسلمين.
السبب الثاني : أن يكون المسلم جاهلاً بالدين وأحكامه، ولا يجد من يرشده في البلد الذي يقيم فيه، فيجب عليه، والحال هذه أن بهاجر لطلب المعرفة ما هو مكلف به من أصول الدين وفروعه، ان استطاع إلى ذلك سبيلاً.
وعليه فمن عرف العالم بدين الله، وأخذه عنه مباشرة أو بالواسطة، واستطاع أن يمارسه، ويقوم بأحكامه كاملة - فلا تجب الهجرة عليه، بل له أجر من هاجر في سبيل الدين وإن كان مقيماً، وهذا هو المراد من قول الإمام : (فمن
عرفها وأقر بها فهو مهاجر) أي عرف الحجة، وهي العالم بدين الله، والمعنى من عرف هذا العالم، وتعلم منه وعمل فله أجر المهاج- منه وعمل فله أجر المهاجر، وإن كان في بيته (ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة الخ).. عطف بيان وتفسير على من عرف وأقر.
بقي قسم ثالث، وهو ان العالم بالدين وأحكامه يجب عليه كفاية أن مهاجر للإرشاد والتعليم الحد الأماكن الاسلامية التي لا يوجد فيها مرشد، ويأتي الكلام عن ذلك مفصلاً ان شاء الله عند قول الإمام : «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا»، باب الحكم رقم 478.
(إن أمرنا صعب مستصعب). ليس لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أمر إلا أمر الاسلام، ولا هدف إلا إعلاء كلمته، وإحياء آثاره ومعالمه.. انه نزل في بيتهم، وعلى قلب جدهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهم له بكل ما يملكون، وهو معهم نصاً وروحاً، ومن أجله ضحوا بكل شيء، وتحملوا ما يطاق وما لا يطاق، وما لا يطاق، وبهذا يتضح تفسير قول الإمام : (لا يحمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان) أي ان المسلم حقاً وواقعاً هو من يغضب الله، ويجاهد في سبيله، ويستهين بالمصيبات من أجل الحفاظ على دينه (أنظر رقم 30 من حكم الإمام في آخر النهج) وقوله : «الإيمان على أربع دعائم الخ».. وفي بعض الروايات انه لما اشتد البلاء على المستضعفين من الصحابة شكوا الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : إن من كان قبلكم نشروا بالمناشير فصبروا، ولم يرتدوا عن دينهم.
هذا هو المراد بالأمر الصعب المستصعب، أما قول من قال : «المراد به الإشراقات والمغيبات، والمعجونات بما فوق السموات»، ونحو ذلك فهو جرأة على الغيب الذي لا يثبت إلا بنص مقطوع به متناً وسنداً) ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة الخ).. لأن حديث أهل البيت هو قول الله وسنة رسوله، ولا تعيها إلا أذن واعية وقلوب صاغية. قال الإمام الصادق : من خالف كتاب الله وسنة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد كفر. وقال حفيده الإمام الرضا : إنا عن الله وعن رسوله
نحدث.. إن لكلامنا حقيقة، وإن عليه لنوراً، فما لا حقيقة له، ولا نور عليه فذاك قول الشيطان.
(أيها الناس سلوني - الى - الأرض). المراد بطرق السماء العلوم الإلهية، وبطرق الأرض العلوم الزمنية كالصناعة والزراعة، وتقدم مثله مع الشرح مفصلاً في الخطبة 91 (وقبل أن تشغر برجلها) أي سلوني قبل أن تفقدوني، وقبل أن تبتلوا بمعضلات الفتن وأوبائها. وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 91.
أحمدُهُ شُكراً لإنْعَامِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلى وظائف حُقُوقِهِ. عَزِيزَ الْجُنْدِ عَظِيمَ المَجْدِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءهُ جهاداً عَلى دِينِهِ. لَا يَثْنِيهِ عَنْ ذلِكَ اجتماع على تكْذِيبِهِ وَالْبَاسُ لِإِطْفَاءِ نُورِهِ (1). فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ لَهَا حبْلاً وَثِيقاً عُرُوتُهُ، وَمَعْقِلاً منيعاً ذِرْوَتُهُ. وَبَادِرُوا المَوْتَ فِي غَمَرَاتِهِ. وَامَهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ. فَإِنَّ الغاية القِيَامَةُ. وَكَفَى بِذلِكَ واعظاً مَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَرًا لِمَنْ جَهِلَ. و قَبْلَ بُلُوعَ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الْأَرْمَاسِ، وَشِدَّةِ الْإِبْلَاسِ. وَهَوْلِ المُطْلَعِ، وَرَوَقاتِ الفَزَع. وَاخْتِلَافِ الْأَصْلَاح وَاسْتِكَاك
الْأَسْمَاعِ، وَظُلْمَةِ اللحْدِ، وَخِيفَةِ الْوَعْدِ. وَغَمّ الضريح، وَرَدْم الصفيح (2). فالله اللهَ عِبَادَ اللهِ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنِ وَأَنتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَنِ. وَكَأَنها قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلى صِرَاطِهَا. وَكَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا، وأناخَتْ بِكَلا كلها. وانْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا، وَأَخْرَجَتُهُمْ مِنْ حضْنِهَا. فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى أَوْ شَهْرٍ أَنْقَضَى. وَصَارَ جَدِيدُهَا رثّاً، وسَمِينُها غَنَّا. فِي مَوْقِف ضَنْكِ المَقامِ، وَأُمُورٍ مُشتبهة عِظَام. وَنَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا، عَالٍ لَجَبْهَا، سَاطِع هَبَهَا، مُتَغَيِّظٍ زَفِيرُهَا مُتأجّج سَعِيرُها، بَعِيدٍ خُمُودُهَا، ذَاكِ وَقُودُهَا مُخيف وَعِيدُهَا، غمّ قَرَارُهَا، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا. حَامِيَةِ قُدُورُهَا، فَظِيعة أمورها (3).
اللغة :
المعقل : الملجأ. وذروة كل شيء : أعلاه. ومبادرة الموت : الاستعداد له. والغمرات: الشدائد. والأرماس : القبور. والإبلاس - بكسر الهمزة - الحزن واليأس والانكسار. والمطلع : موضع الاطلاع والروعات : الأفزاع، والإضافة من باب إضافة الموصوف الى صفته كليل أليل. واختلاف الأضلاع : تداخلها واستكاك الأسماع : صممها. والغم : الغطاء. والصفيح : الحجر. والسنن - بفتح السين - الطريق. والقرن : الاقتران. والأشراط والأفراط : العلامات والدلائل. والكلاكل : الصدور. والكلب - بفتح اللام - الأكل بلا شبع واللجب : الصياح.
الإعراب :
شكراً مفعول مطلق لأحمده، مثل قمت وقوفاً مثل قمت وقوفاً، وعزيز الجند حال، ومثله عظيم المجد، وأيضاً جهاداً في موضع الحال أي مجاهداً، وقبل بلوغ خبر مقدم، وما تعلمون مبتدأ مؤخر، فالله نصب على التحذير، وكلبها فاعل شديد ومثله ما بعده.
المعنى :
(أحمده شكراً لإنعامه). ومن شكر الله شكره الله : «وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا - 147 النساء». أي يثيب الشاكر أي يثيب الشاكر، ويزيده من فضله : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ - 7 ابراهيم». وكل شكر يسمى جزاء ووفاء (وأستعينه على وظائف حقوقه) وهي السمع والطاعة والإخلاص. وأيضاً طلب العون منه على طاعته وأداء حقوقه، حق له، لأنه (عزيز الجند) لا مثيل لجنده قوة ومنعة (عظيم المجد) الواحد الأحد في ملكه وسلطانه.
(وأشهد أن محمداً الخ).. بلغ رسالة ربه، ودافع عنها، وعن الانسان وكرامته، وقاتل الطغاة المعتدين، وحطم أوثانهم وسلطانهم حتى أصبحت كلمة الاسلام هي العليا، وكلمة، وكلمة الظلم هي السفلى، وعاش المسلمون بنور الدين والإيمان بلا ضعف ووهن، وبلا مذلة وهوان.
(فاعتصموا بتقوى الله الخ).. في القصاص والعقوبات حياة وردع عن الجرائم، كما قال القرآن الكريم، وأثبتت التجارب الطويلة، ولكن التقوى حارس وشرطي من الداخل لا يغفل ويغيب ولا يحابي ويرتشي، والعقوبات شرطي من الخارج يغفل ويغيب ويحابي ويرتشي، (وبادروا الموت الخ). بالموت تحتم الحياة، ومن قصر وأهمل فهو من القوم الخاسرين (وكفى بذلك واعظاً الخ) وزاجراً عن الجرائم والاعتداءات (وقبل بلوغ الغاية الخ) وهي القيامة، والدنيا طريق اليها ووسيلة، والمعنى أنتم تعلمون علم اليقين بأن مصير كم الى اللحد والطم وكسر الأضلاع وصمم الأسماع، ومن ذلك الى ما هو أشد، ومع هذا لا تبالون وتتورعون
(فإن الدنيا ماضية بكم على سنن) على طريق من قد مضى قبلكم من الهلاك والدمار (وأنتم والساعة في قرن) أي مقرونان، لأنها آتية لا ريب فيها، والآتي بحكم الحاضر، لعلاقة الأول (وكأنها قد جاءت بأشراطها) بعلاماتها.. ومن مات فقد قامت قيامته (وأزفت بإفراطها) عطف تفسير (وأناخت بكلا كلها) كناية عن الأهوال والأثقال، وتقدم مثله الشرح في الخطبة 107 (وأخرجتهم من حضنها) «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ - 7 القمر». (وصار جديدها رثاً، وسمينها غناً). يبلى الجديد، ويهزل السمين (في موقف ضنك المقام) وأي موقف أشد هولاً من الوقوف بين يدي الله للعرض والحساب، ومنه الى العقاب والعذاب ؟ (وأمور مشتبهة عظام). كل شيء يوم القيامة عظيم وغريب عن العقول والأوهام يبعث الدهشة والحيرة، والفزع والهلع.
(ونار شديد كلبها). اشارة الى قوله تعالى : «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ - 30 ق». (عال لجبها) «إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ - 7 الملك» (غم قرارها) (ي أرضها، وهي مستورة ومغطاة بالناس والحجارة واللهيب والدخان (مظلمة أقطارها) سوداء ليلاء ترهب وترعب. وتقدم مثله في الخطبة 107.
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً، قَدْ أمِنَ العَذَابُ، وأنْقَطَعَ الْعِتابُ. وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَأَطْمَأَنَتْ بِهِمُ الدَّارُ، ورَضُوا المَثْوَى وَالْقَرَارَ. الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَاهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةٌ وأَعْيُتُهُمْ بَاكِيةٌ، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تخشُّعاً واسْتِغْفَاراً. وَكَانَ نَهارُهُمْ لَيْلاً تَوحشاً وأنقِطَاعاً. فَجَعَلَ الله لهم الجنة ماباً، وَالْجَزَاء ثَوَاباً. وَكَانُوا أَحَقِّ بِهَا وَأَهْلَهَا. في مُلْكِ دَائِمٍ، وَنَعِيم
قائم (4). فَارْعَوْا عِبَادَ اللهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُورُ فَائِزُكُمْ. وَبِإضاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ. وَبَادِرُوا أَجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ. فَإِنَّكُمْ مُرْتَهنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ. وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ المَحُوفُ. فَلاَ رجعَةٌ تَنالُونَ، وَلَا عَفْرَةٌ تُقَالُونَ، أَسْتَعْمَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَعَفَا عَنا وَعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ. الْزَمُوا الْأَرْضَ، وَأَصْبِرُوا عَلى البَلاء. وَلَا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَسَيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَلَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلُهُ اللَّهُ لَكُمْ. فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلى مَعْرِفَةِ حَقٌّ رَبِّهِ وَحَقٌّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ، وَاسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صالِحٍ عَمَلِهِ. وَقَامَتِ النِّيةُ مَقَامَ إصْلاتِهِ لِسَيْفِهِ. وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مدة وأجلاً (6).
اللغة :
زمر : جمع زمرة أي الجماعة. والمثوى : المنزل.
الإعراب :
زمراً حال من الذين اتقوا، والذين كانت أعمالهم بدل من واو الجماعة في رضوا، وتخشعاً واستغفاراً نصب على المصدرية أي مخشعون ويستغفرون، أو في موضع الحال أي خاشعين ومستغفرين، ومثله توحشاً وانقطاعاً، وما برعيته «ما»
موصول مفعولاً لارعوا، وكأن قد نزل أي كأنه قد نزل، ورجعة مفعول مقدم لتنالون، ومثله ما بعده، وشهيداً حال.
المعنى
«وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا - 73 الزمر». ذلك جزاء المحسنين (الذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية). والعمل الصالح والزاكي هو الذي يحل مشكلة من مشكلات الحياة، ويسير بها الى الأمام (وأعينهم باكية) لا على المال والجاه، بل خوفاً من الله، وألماً من الجور وفساد الأوضاع (وكان ليلهم في دنياهم نهاراً) لا لتدبير الدسائس والمؤامرات، بل للتفكير في خلاص أنفسهم من غضب الله وعذابه، وخلاص المعذبين في الأرض بأيدي الطغاة والمستغلين (وكان نهارهم ليلاً توحشاً وانقطاعاً) عن المفاسد والمظالم (... وكانوا أحق بها وأهلها). وفيه تقديم وتأخير، والأصل وكانوا هم أهل الجنة وأحق بها، لأنهم عملوا لها عملها (في ملك دائم، ونعيم قائم) ومثله في الخطبة 83 : لا ينقطع نعيمها - أي الجنة ولا يطعن مقيمها، ولا يهرم خالدها، ولا ييأس ساكنها.
(فارعوا عباد الله ما برعايته الخ) .. دعوا المشاحنات والمعارك الكلامية، والبحث فيما لا يجدي نفعاً، وفكروا في ضعفكم وتخلفكم، والأخطار التي دهمتكم وأحاطت بكم، وابنوا حياتكم على العلم والعمل المنتج، لتكونوا شيئاً مذكوراً مع لأمم المتقدمة، لا من البلدان «النامية».. هذا الوصف الذي ستر به الغرب عواركم وشناركم (وبادروا آجالكم). استعدوا للموت حيث لا إقالة ولا رجعة، واتركوا وراءكم من الأعمال ما تذكرون به عند الله والناس.
(الزموا الأرض الخ).. المراد بلزوم المراد بلزوم الأرض السكون والإغضاء، وبهوى الألسن هفوات اللسان، كالكذب والغيبة، وكان في أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المؤمن المخلص كالأشتر وحجر بن عدي، وفيهم الخائن المنافق كالأشعث بن قيس وغيره من عملاء معاوية عملاء معاوية.. وربما اصطدم في حين من الأحيان بعض المؤمنين مع المنافقين، وكاشفوهم بما يضمرون ويعملون، فخاف الإمام أن تنشأ الخلافات بين جنده والفرقة التي لا اجتماع معها ولا رجاء في خير، فأمر المؤمنين من أصحابه بالسكون والصبر على المنافقين (ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم) انه تعالى ما
أمركم بحساب من خان ونافق، فلا تتكلفوه وتتعرضوا له.
(فإنه من مات منكم على فراشه الخ).. الخطاب للمخلصين الخطاب للمخلصين من أصحابه، والمعنى عليكم بأنفسكم، لا يضركم من ضل اذا اهتديتم، وأي انسان يموت على الإيمان بالله وطاعته، والولاية لرسول الله وأهل بيته، وعلى نية الجهاد في سبيل الله والحق، فهو مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.
الحَمْدُ لِلَّهِ الْفَاشِي حَمْدُهُ، وَالغَالِبِ جُنْدُهُ، وَالْمُتَعَالِي جَدَّهُ. أَحْمَدُهُ على نِعَمِهِ التَّوَّامِ، وَآلَائِهِ العِظَامِ. الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا، وَعَدَلَ في كُلِّ مَا قَضَى، وَعَلِمَ مَا يَمْضِي وَمَا مَضَى. مُبْتَدِعِ الْخَلَائِقِ علْمِهِ، وَمُنْشِئهِمْ بِحِكَمِهِ، بِلَا اقْتِدَاء وَلَا تَعْلِيم، وَلَا احْتِذَاءِ لِمِيقَالِ صانع حكيم. وَلَا إصَابَةِ خَطَا وَلَا حَضْرَةِ مَلَإٍ. وَأَشْهَدُ أَنَّ محمداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اَبْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ، وَيَمُوجُونَ فِي حَيْرَةِ. قَدْ قادتهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ، وَاسْتَغْلَقَتْ عَلى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرّين (1). أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَالْمُوحِبَةُ عَلى اللَّهِ حَقَّكُمْ. وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ وَتَسْتَعِينُوا بِهَا على اللهِ. فَإِنَّ التَّقْوَى فِي اليَوْمِ الحِرْزُ وَالْجَنَّةُ، وَفِي غَدِ الطَّرِيقُ إلى
الْجَنَّةِ. مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، ووَسَالِكُها رَابِحُ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ. لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةٌ نَفْسَهَا عَلى الأُمَمِ المَاضِينَ وَالغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غدا إذَا أَعَادَ اللهُ مَا أَبْدَى، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى، وَسَأَلَ مَا أَسْدَى ما أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا وَحَمَلَهَا حَقٌّ حَملها. أُولئِكَ الأقلُّونَ عدداً. وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ : «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشكور» (2). فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وَكُفُّوا بِجَدَّكُمْ عَلَيْهَا. وَأَعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفِ خَلَفاً، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِفِ مُوَافِقاً. أَيْقِضُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، وَأَقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ. وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَأَرْحَضُوا بِمَا ذُنُوبَكُمْ وَدَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمامَ، وَاعْتَبِرُوا بمِنْ أَضَاعَهَا وَلا يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا. أَلاَ فَصُونُوهَا وَتَصَوْنُوا بِهَا، وَكُونُوا عن الدُّنيا نزّاها، وإلى الآخرة ولّاها. وَلاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتُهُ التّقْوَى، وَلاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتُهُ الدُّنْيَا، وَلَا تَشِيمُوا بارقها، وَلاَ تَسْتَمِعُوا نَاطِقَهَا، وَلَا تُجِيبُوا بَاعِقَهَا. وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَلَا تفتنوا بأغلاقها (3).
اللغة :
توائم وتؤام : جمع توأم، وهو المولود مع غيره في حمل واحد. والآلاء: النعم، وبحكمه : بحكمته. ويضربون في غمرة : يمضون في شدة. والحين
الإعراب :
المصدر من أن تستعينوا مجرور بالباء المحذوفة، والمجرور معطوف على ما قبله أي وأوصيكم بالاستعانة الخ. وما أقل من أفعال التعجب، و (ما) بمعنى شيء ومحلها الرفع بالابتداء، وأقل فعل ماض، وفاعلها مستتر، والجملة خبر، ومن قبلها مفعول به، وحق حملها مفعول مطلق.
المعنى :
(الحمد لله الفاشي في الخلق حمده).كل الخلائق تسبح بحمد الله بلسان المقال أو بلسان الحال. وكتب بعض الشارحين في تفسير الحمد الفاشي 15 صفحة، نقلها من هنا وهناك، ولا أدري لمن كتب ؟ وخلاصتها ما أشرنا اليه، وكانت أوقات القدامى تتسع للشروح والتعليقات وملحقاتها، وللنقاش الفارغ (والغالب جنده) ان حزب الله هم الغالبون بالحجة والبرهان في الحياة الدنيا، وبالقوة والسلطان في الدار الآخرة.
(والمتعالي جده) أي كماله وجلاله (أحمده على نعمه التؤام وآلائه العظام) بكثرتها وتتابعها، والرزق والصحة من النعم، ما في ذلك ريب، ولكن النعمة العظمى عند الإمام هي الهداية والقدرة على الخير وصالح الأعمال (الذي عظم حلمه الخ).. يقضي بعدل، ويرحم بعلم، ويغفر بحلم حتى كأنه لم يُعص (مبتدع الخلائق الخ).. خلق الكون بعلمه وحكمته اختراعاً لا محاكاة لأحد أو مشورته أو حضوره كان الله ولم يكن معه شيء.
(واشهد ان محمداً عبده ورسوله ابتعثه الخ).. رحمة للعالمين، فأنقذهم من الجهالة والضلالة، وقادهم الى النور والهداية.. وتقدم مثله مراراً، وأخيرها في الخطبة السابقة بلا فاصل 188.
التقوى :
(عباد الله أوصيكم بتقوى الله). لا معنى لتقوى الله إلا طاعته، كما يومىء قول الإمام : (فإنها حق الله عليكم). وهي فرض وحتم على العبد، وه-و تعالى يثيب عليها سواء أكان سببها والباعث عليها الرهبة من عذابه، أم الرغبة في ثوابه، أم شكراً لإنعامه وتعظيماً لكماله، وان كانت الطاعة بهذا الباعث أفضل وأكمل. وبهذه المناسبة نشير الى قول الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : والله ما شيعتنا إلا من اتقى الله. وقال حفيده الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل، فيهم من هو أورع منه.
(والموجبة على الله حقكم). الطاعة حق لله على عبده، والثواب عليها حق للعبد على ربه، والفرق ان طاعة العبد الله فرض بحكم العقل أما الثواب على الطاعة منه تعالى فقد فرضها هو على نفسه : «كتب ربكم على نفسه الرحمة - 54 الانعام» كتبها على نفسه لأن سنته الإفضال، وعادته الإحسان، وسبيله العفو، كما قال الإمام زين العابدين : «سبحانك ما أبين كرمك في معاملة من
أطاعك أو عصاك، تشكر للمطيع ما أنت توليته له، وتملي للعاصي فيما تملك معاجلته فيه، أعطيت كلاً منها ما لم يجب له وتفضلت على كل منهما بما يقصر عمله عنه».
(وان تستعينوا عليها بالله). إن كنت تريد طاعة الله حقاً فاطلب العون عليها منه تعالى، وقل صادقاً : «وما توفيقي إلا بالله»، فإن هذا الطلب من الطاعة أيضاً (وتستعينوا بها على الله) أي على العافية والخلاص من عذاب الله حيث لا سبيل الى النجاة منه إلا بالطاعة (فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة، وفي غد الطريق الى الجنة). المراد باليوم الدنيا، وبالغد الآخرة، والجنة - بضم الجيم - الوقاية، وعطفها على الحرز للتفسير، والمعنى ان للتقوى أثرها البالغ دنيا وآخرة، أما في الدنيا فلأنها تبتعد بصاحبها عن الشر والأذى والفتن
والجرائم. ومن البداهة ان هذا المتقي أعظم الناس راحة واستقراراً، وله في الآخرة مساكن طيبة، وأجر كريم.
(مسلكها واضح). وهو الاستقامة، الاستقامة، والعلم والعمل النافع للأفراد والجماعة (وسالكها رابح). وأي شيء أكثر ربحاً للمرء من أثر نبيل ينتفع به الناس ؟ (ومستودعها حافظ) من يتقي الله فقد جعل تقواه وديعة عند الله، وهو سبحانه يحفظها له، ويكافئه عليها بأحسن منها (لم تبرح عارضة نفسها الخ) ما من أحد إلا وهو يستطيع وهو يستطيع أن يتقي الله سواء أكان من القرون الخالية، أم الحاضرة أم الآتية.. اللهم إلا إذا كان وحشاً كاسراً.. وأيضاً ما من أحد إلا وهو في حاجة الى التقوى يوم القيامة، لأنها السبيل الوحيد للنجاة. وفي الحديث: كف الأذى عن الناس صدقة.
(اذا أعاد الله ما أبدى) أي ان الانسان في أشد الحاجة الى التقوى في يوم القيامة، وقوله : «أعاد.. وأبدى» إشارة الى قوله تعالى : «كما بدأنا أول خلق نعيده - 104 الأنبياء». (وأخذ وأعطى). الله يحيي ويميت (وسأل عما أسدى) لتسألن يومئذ عن النعيم (فما أقل من قبلها) لأن الكرام قليل (فأهطعوا بأسماعكم الخ).. استجيبوا لدعوة التقوى، واعملوا بها، واجعلوها نعم الخلف لما سلف من الذنوب (ومن كل مخالف موافقاً) من أسلف المعصية وخالف التقوى فليستدرك الآن، ويعمل بموجبها وعلى وفقها قبل الفوات.
(أيقظوا بها نومكم). للغفلة عثرات، والتقوى درع حصين من الغفلات والعثرات (واقطعوا بها يومكم). اشغلوا يومكم بالطاعات لا بالمحرمات (واشعروها قلوبكم). اجعلوا قلوبكم تحس وتشعر بالتقوى، فإنها ربيع القلوب (وارحضوا بها الخ).. التقوى للنفس طهور، ولأدوائها دواء، ولموتها عدة وقوة (واعتبروا بمن أضاعها، ولا يعتبرن بكم من أطاعها). نبذ غير كم التقوى فأخذه الله بالعذاب، فاعتبروا به، ولا تكونوا عبرة لمن سمع وأطاع.
(فصونوها وتصونوا بها). لا تدنسوا التقوى بالتأويلات، واتخذوا منها حرزاً رادعاً عن المحرمات (وكونوا عن الدنيا نزاها) بعد أن حث على التقوى وبين محاسنها، حذر من الدنيا ومساوئها، والمعنى : نزهوا أنفسكم بحلال الله عن حرامه (والى الآخرة ولاها) أي اعملوا لها عملاً (ولا تضعوا من رفعته التقوى). إن أكرمكم عند الله أتقاكم فلا يكن الكريم عنده حقيراً عندكم (ولا ترفعوا من
رفعته الدنيا) لمال أو سلطان، فإن الفقر والغنى بعد العرض على الله (ولا تشيموا بارقها) لا تنظروا الى زينة الدنيا وزخرفها، وازهدوا في حرامها وحطامها (ولا تسمعوا الخ).. الى من يوسوس ويزين لكم القبائح والهيئات، ويضفي عليها أثواب النعم والخيرات.
فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ وَنُطقَها كَاذِبٌ. وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ، وَأَعْلَاقَها مَسْلُوبَةٌ. أَلَا وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ، وَالْجَامِحَةُ الْحَرُونُ، وَالْمَائِنَةُ الخَؤونُ. وَالْجَعُودُ الكَنُودُ، وَالْعَنُودُ الصَّدُودُ، وَالْجَيُودُ المَيُودُ. حالها انتِقَالُ، وَوَطَأَتُهَا زِلْزَالَ، وَعِزْهَا ذُلٌ، وَجدُّها هَزْلُ، وَعُلُوهَا سُفْلُ. دَارُ حَرَب وَسَلْبٍ، وَنَهْبٍ وَعَطَب. أَهْلُهَا عَلى سَاقٍ وَسِيَاقٍ، ولحاقٍ وَفِرَاقٍ. قَدْ تَحَيّرَتْ مَذَاهِبُهَا، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا، وَخَابَتْ مطالبتها (4). فَأَسْلَمَتُهُمُ الْمَعَاقِلُ، وَلَفَظَتْهُمُ الْمَنَازِلُ، وَأَعْيَتُهُمُ الْمَحَاوِلُ. فمن تاج مَعْقُورٍ، وَلَم مَجْزُورٍ، وَشِلو مَذْبُوحٍ، وَدَم مَسْفُوح. وعاضٌّ عَلَى يَدَيْهِ، وَصَافِقٍ بِكَفِّيْهِ، وَمُرْتَفِقٍ بِخَدِّيْهِ، وَزَارٍ عَلى رأيِهِ، وَرَاجِع عَنْ عَزمِهِ. وَقَدْ أَدْبَرَتِ الحِيلَةُ وَأَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ، ولات حِينَ مَنَاص. وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ وَذَهَبَ مَا ذَهَبَ، وَمَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا، «فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ» (5).
اللغة :
خالب : خادع. ومحروبة ومسلوبة بمعنى واحد. والمتصدية : المتعرضة والعنون : من عن الشيء إذا ظهر. وفرس جامح وجموح : يركب رأسه لا يثنيه شيء. والحرون : الممتنعة الممتنعة عن السير والماثنة : الكاذبة. والخؤون : مبالغة في الخيانة. والجحود والكنود بمعنى واحد. والعنود : مبالغة في العناد والصدود : مبالغة في الصد والهجر. والحيود : من حاد ومال عن الطريق والميود : من ماد اذا تحرك واضطرب. وحرب. وحرب - بفتح الراء - السلب والمحاول : جمع محالة : وهي القدرة على التصرف : ومعقور : مجروح ومجزور : منحور أو مسلوخ والشلو : ولد الناقة والعضو. ومسفوح : مسفوك. والغيلة : الشر. والبال : القلب والخاطر
الإعراب :
دار حرب خبر لمبتدأ محذوف أي هي دار، فمن ناج متعلق بمحذوف خيراً لمبتدأ محذوف أي هم بين ناج الخ.. ولات حين «لا» تعمل عمل ليس ترفع الاسم وتنصب الخبر، والتاء زائدة مثل تاء ربة، وقال ابن هشام : (وعملها واجب، وله شرطان : كون معموليها اسمي زمان، وحذف أحدهما، والغالب كونه المرفوع - أي الاسم - نحو ولات حين مناص أي لات الحين حين مناص) أو ليس الحين حين مناص، فالحين الأول اسمها، والحين الثاني خبرها، وهيهات اسم فعل بمعنى بعد.
المعنى :
(فإن برقها خالب).. ذكرنا معاني المفردات في فقرة اللغة، ولا شيء وراءها غير ذم الدنيا، وهي في نظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كارثة ومأساة، ولا حد ونهاية لما فيها من سوء وشر، والطامع فيها خاسر إلا ما كان منها وسيلة للخير والعمل النافع، وتقدم ذلك مرات ومرات، ونعود الآن الى هذا الموضوع بأسلوب آخر، ونتساءل بوحي من كلام الإمام في هذه الخطبة :
هل من حال واحدة من حالات الدنيا يمكن الركون اليها والاعتماد عليها ؟ وما هي هذه الحال ؟ هل هي الشباب أو الصحة؟ ولا أحد أكثر قلقاً واهتزازاً من شباب هذا العصر وهل ينجي الشباب من الموت، والصحة والسقم ؟ واذا تجاوزنا الشباب والصحة الى المال والثراء، والنفوذ والسلطان فهل يدوم شيء من ذلك، أو يسلم من الآفات والمفاجآت ؟ وقد رأينا وقرأنا ألواناً من الحادثات حلت بأهل الجاه والمال، ورأيناهم معها يتمنون لو كانوا نسياً منسياً.. وبالأمس القريب انتحر هتلر ومن الذي لم يفقد عزيزاً، أو يقع في أزمة خانقة ؟
والآن هل فهمت حقيقة الدنيا ؟ وهل تعيد النظر في موقفك منها، وتراها - كما رآها الإمام - وسيلة، والهدف هو العمل لبناء مجتمع صالح، كما أراده الله ورسوله الذي قال : «لا تؤمنوا حتى تحابوا.. أفشوا السلام بينكم» ولا حب وسلام ما وجد على ظهرها شائبة للظلم والعدوان.
(أهلها على ساق سياق) كناية عن حالة النزع والاحتضار حيث تلتوي إحدى ساقي المحتضر على الأخرى من شدة الهول. قال سبحانه : «وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ - 29 القيامة». (ولحاق وفراق) هم السابقون، ونحن اللاحقون (وقد تحيرت مذاهبها).. أي تحير الناس فيها (ومرتفق بخديه). المرفق هو الموصل بين الساعد والعضد، والمعنى واضع خديه في كفيه، ومرفقيه على ركبتيه، والمراد انه حزين كتيب (ومضت الدنيا لحال بالها). مضت لشأنها وفي طريقها لا تلوي على شيء، ولا تكترث بمن كان يعبدها ويحرص عليها.
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالكِبْرِيَاء وَأَخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وجعلها حمى وحرماً على غَيْرِهِ، وَأَصْطَفَاهُمَا لجَلالِهِ، وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهَا مِنْ عِبَادِهِ. ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ ليَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ العَالِمُ بمُضْمَرَاتِ القُلُوبِ، وَمَحجُوبَاتِ الْغُيُوبِ : «إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاحِدِينَ فَسَجَدَ المَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إبْلِيسَ»، اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخْرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْفِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأصْلِهِ. فَعَدُو اللهِ إمَامُ المُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفٌ المُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضعَ أَسَاسَ العَصَبِيَّةِ، وَنَازَعَ اللَّهَ رِدَاء الْجَبَريَّة. وَأَدْرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَذَلُّلِ. أَلاَ تَرَوْنَ كَيْفَ
صَغَّرَهُ اللهُ بِتَكَبَرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ. فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَأَعدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ سَعِيراً (1). وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَيَبْهرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنفَاسَ عَرْفهُ لَفَعَلَ. وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةٌ، وَلَخَفَّت الْبَلْوَى فيهِ عَلى المَلائِكَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضٍ مَا يَجْهَلُونَ أصْلَهُ تَميِيزاً بِالاخْتِبَارِ لَهُمْ، وَنَفْاً لِلاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَإبعاداً لِلْخَيلاء نهُمْ. فَاعْتَبِرُوا بَمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطويل وجَهْدَهُ الجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ الأَفِ سَنَةٍ لَا يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ سِنِي الْآخِرَةِ عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَمَنْ ذَا بَعْدَ إبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلى اللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهُ ؟ كَلا، مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً. إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاء وَأَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ. وَمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إبَاحَةِ حَى حَرَّمَهُ عَلَى الْعالَمينَ (2).
اللغة :
الحرم - بفتح الحاء والراء - ما يحميه الانسان ويدافع عنه. والحمية الأنفة. والجبرية : العلو والعظمة. والرواء : حسن المنظر. والعرف - بفتح العين - الرائحة. والهوادة : الرخصة واللين.
الإعراب :
ساجدين حال من فاعل فقعوا، وتمييزاً مفعول من أجله ليبتلي، فمن ذا مبتدأ وخبر، وبعد متعلن بيسلم وعلى الله (على) بمعنى من، قال تعالى : «الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ - 2 المطففين». وكلا حرف ردع وزجر.
المعنى :
(الحمد لله الذي لبس الخ).. المتكبر هو الذي يرى غيره حقيراً بالإضافة اليه، فإن كانت هذه الرؤية صادقة، ومن القوي في كل شيء، والكامل من كل وجه كان التكبر مدحاً لازماً، وان كانت الرؤبة من ضعيف لا حول ولا قوة له إلا بالله ومن الله - كانت الرؤية كاذبة، والتكبر قبيحاً ومذموماً ومن البداهة أن الله سبحانه هو وحده الكامل من كل جهة، والقاهر فوق عباده، وان كل شيء سواه في قبضته وفيض من رحمته، وعليه تكون كبرياؤه وتكبره تعالى حقاً ومدحاً، وكل متكبر غيره فهو مفتر كذاب، ولذا جاء في الحديث القدسي : «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري فمن نازعني فيها قصمته». وقال سبحانه : «أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ - 60 الزمر».
(ثم اختبر بذلك ملائكته الخ).. ذلك إشارة الى الكبرياء أو المنازعة فيها، والمراد بالاختبار هنا مجرد التمييز والإظهار، لأن الله يعلم السر وأخفى، والمعنى انه تعالى أراد أن يظهر لملائكته وغيرهم، من عصى وتكبر على أمره، ويميزه عمن أطاع وتواضع، فأمر الملائكة أن يسجدوا لآدم الذي خلقه من تراب، يداس بالأقدام، ولا شيء أهون منه، فاستجابوا لأمره طائعين، بل ومغتبطين ايضاً بحلاوة الطاعة ولذتها، ورفض إبليس بصلافة، واحتج على الأمر واعتبره إهانة له، ومساً بكرامته تماماً كما يفعل بعض أرباب المناصب الذين يقولون : «لا نسمح ولا نرضى بهذا» إذا سمعوا كلمة حق ونصيحة.
رفض إبليس وتفلسف، وأظهر ما كان يبطن من الترفع والتكبر، وقال الله بشموخ : المثلي يقال هذا ؟ وكيف أسجد لمن هو دوني ؟ أنا خير منه، هو
من تراب، والتراب أرض وظلام، وأنا من نار، والنار تعلو وتشرق !.. وكل من يرى نفسه شيئاً فما هو بشيء عند الله، قال سبحانه : «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ - 54 الروم» وقال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللهم اليك أشكو ضعفي وقلة حيلتي.
وبعد، فلا رذيلة أثقل وأسمج من التكبر، وبالخصوص إذا كان سببه التعصب للأصل والعرق (الا ترون كيف صغ- الله الخ).. الضمير لإبليس.. استعظم نفسه، واستصغر غيره، فصغره الله وحقره.. وكل من يأنف من المساواة معمخلوق، ويستأثر عليه بغير حق فهو أحقر كائن.. أن الخلق كلهم عباد الله، والكبرياء والعظمة الله وحده. وتقدم الكلام عن قصة إبليس مع آدم في الخطبة 1 فقرة «آدم وإبليس».
(ولو أراد الله أن يخلق آدم الخ) لماذا خلق الله آدم من مادة لا وزن لها ولا ثمن، ولم يخلقه من أعز الأشياء وأثمنها ؟ وأجاب الإمام بأن الملائكة يشاركون الانسان في حب الذات والأنانية، وان كانت طبيعتهم وظروفهم غير طبيعة الانسان وظروفه.. فالإنسان يحابي نفسه، ويعطيها فضائل ليست فيها، وقد يملكه الغرور بصفة كالعلم، فيأنف بسببها من المساواة الآخرين والتواضع لمن هو دونه علماً ومكانة.. وما إلى ذلك من لوازم وما إلى ذلك من لوازم حب الذات وآثارها، ولا بد من وجود هذه الأنانية في الملائكة، وبها يكون لهم الاختبار والحرية وإلا بطل تكليفهم، ولم يكن لهم من فضل في أي شيء، وكانوا تماماً كالثمرة على الشجرة، والريشة في مهب الريح.. وبكلمة ان الأنانية في الملائكة كغريزة الجنس في الانسان حيث يستطيع كبحها والصبر عليها.
وبعد أن خلق سبحانه حب الذات في الملائكة بالمعنى الذي أشرنا اليه وأعطاهم الحرية الكاملة - أراد أن يظهر كلاً منهم على حقيقته بالفعل الذي يستحق به المدح أو الذم، فخلق آدم من طين، وأمرهم بالسجود له (تميزاً بالاختبار لهم، ونفياً للاستكبار عنهم، وإبعاداً للخيلاء منهم) فمن سمع وأطاع فهو من المقربين، ومن أعرض ونأى فهو مطرود من رحمته تعالى كإبليس. ولو ان الله
خلق آدم «من نور يخطف الأبصار.. وطيب يأخذ الأنفاس» وطيب يأخذ الأنفاس ثم أمرهم بالسجود فامتثلوا وسجدوا - لو كان الأمر كذلك لم يكن للملائكة من فضل، لأنه لا يتعارض مع الأنانية وحب الذات. ويأتي في هذه الخطبة ان الله سبحانه اختبر عباده بأحجار لا تبصر ولا تسمع، وانه لهذه الغاية جعلها بأوعر بقاع الأرض.
(فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس الخ) ..في القرآن الكريم كلمات يستوي في معرفتها العالم والجاهل مثل الأعين والآذان، وكلمات يعرفها أهل اللغة مثل كلمة الطلح - الموز - وكلمة شطأ الزرعُ أي ما يتفرع عنه من أغصان وثمر وفيه كلمات يجب الرجوع في فهمها والمراد منها الى القرآن نفسه، أو الى النص من المعصوم، ومن هذا النوع كلمتا إبليس والشيطان حيث لا نعرف كائناً يقال له : إبليس أو شيطان.
وقد رأينا الذكر الحكيم يطلق كلمة الشيطان على الشيطان الإنسي، والشيطان الجني، وعلى الوسوسة والخواطر السوداء. قال تعالى : «شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا - 112 الأنعام» وقال تعالى فيما يعود الى الوسوسة ونحوها : «إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ - 201 الأعراف». وأوضح من هذه الآية قوله تعالى حكاية لقول يوسف : «مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي - 100 يوسف». وما نزع بين يوسف وبين اخوته إلا عداوة الحسد.
أما إبليس فهو كائن حسي يدرك ويعقل، ويفعل ويترك بإرادته واختياره، ولذا خاطبه سبحانه وقال له : «مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ - 12 الأعراف» و طرده ولعنه، واحتج هو بأصله، وهدد وتوعد بكيده وضلالته، وقد أجابه، جلت كلمته : «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ - 85 ص». وإذن فتأويل كلمة إبليس بغير الحسي - جهل وتضليل، أما كلمة الشيطان فيصح تأويلها بما يوسوس ويزين حسياً كان أو معنوياً.
(إذ أحبط عمله الطويل - الى - ساعة واحدة). هذا شاهد آخر على ان إبليس كائن حسبي لا معنوي، وانه عبد الله دهراً طويلاً، ثم ارتد ونكص
على عقبيه حيث تمرد على أمره تعالى فكان من الخاسرين، أما التحديد بستة آلاف. أو دونها أو أكثر منها كما في بعض الروايات فهو كناية عن طول أمد العبادة، وانها لم تجده نفعاً معصية لحظة، كما قال الإمام : (فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته) أي معصبة إبليس والطرد من رحمة الله وإحباط العبادة التي امتدت أمداً غير قصير، ومهما كان المراد بتحديد أمد عبادة إبليس فنحن غير مسؤولين عن معرفته يوم القيامة، ولا يمت الى حياتنا بسبب قريب أو بعيد.
(كلا، ما كان الله ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به ملكا) بفتح اللام، والمراد به هنا إبليس، والمعنى ان الله طرد إبليس من رحمته لمعصية واحدة، فكيف يرجو رحمته تعالى من عصاه في كثير من الذنوب ؟ كلا : «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ - 56 الأعراف». (ان حكمه في أهل السماء الخ).. ليس لله صداقة وعلاقة أحد من خلقه، فكل عباده عنده سواء يتعامل معهم على أساس العمل : «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ - 46 فصلت» سواء أكانوا من أهل الأرض أم من أهل السماء.
وتسأل : كيف عد الإمام إبليس من الملائكة مع ان الآية 50 من سورة الكهف تقول : «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» ؟
الجواب :
ان الإمام عد إبليس من الملائكة تبعاً لهذه الآية حيث اعتبرت إبليس من الملائكة، ثم أخرجته من بينهم بعد أن فسق وتمرد... وهو من الجن ما في ذلك ريب، لنص الآية، ولكن الله سبحانه أجرى عليه حكم الملائكة، وأمره بالسجود كما أمرهم، لأنه كان يشاركهم في العبادة ويزيد، ولما كان منه ما كان أخرج من بينهم وطرد وعليه فكان من الملائكة حكماً، وهو من الجن موضوعاً نجيب بهذا لمجرد التوجيه. والله أعلم بغيبه.
فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ، وَأَنْ
يُجلب عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ. فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوْقَ لَكُمْ سَهُمَ الْوَعِيدِ، وَأَغْرَقَ لَكُمْ بِالنّزْعِ الشَّدِيدِ، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَانِ قَرِيبٍ. وَقَالَ «رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَزَيَّنَنٌ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ»، قَذفاً بِغَيْب بَعِيدٍ، وَرَجُما بِطَنٌ مُصِيبٍ. صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاء الْحَمِيةِ، وَإِخْوَانُ العَصَبِيَّةِ، وَفُرْسَانُ الكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ. حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيةُ مِنْهُ فِيكُمْ، فَتَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّر الْخَفِي إِلَى الْأمْرِ الْجَلِي، أَسْتَفْعَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَدَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحوَكُمْ. فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ، وَأَحَلُوكُمْ وَرَطَاتِ القَتْلِ وَأَوْطَأُوكُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَةِ طَعْنَا فِي عُيُونِكُمْ، وَحَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ، وَدَقًا لَمَنَاخِرِكُمْ، وَقَصْداً لمقَاتِلِكُمْ، وَسَوْقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ إِلَى النَّارِ المُعَدَّةِ (3). فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ في دِينِكُمْ جَرْحاً، وَأَوْرَى في دُنْيَاكُمْ قَدْحاً مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ وَعَلَيْهِمْ مُتَألبِينَ. فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حدَّكُمْ، وَلَهُ جدَّكُمْ، فَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَوَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ، وَدَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَصَدَ بِرَحيلِهِ سَبِيلَكُمْ. يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَيَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلِّ بَنَانِ. لَا تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ، وَلَا تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ. فِي حَوْمَةِ ذُلُّ. وحَلْقَةٍ ضِيقٍ، وَعَرْصَةِ مَوْتِ. وَجَوْلَة بَلَاءِ. فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ وَأَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّما تِلْكَ الْحَمِيَّةُ
تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَتَخَوَاتِهِ، وَنَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ (4). وَأَعْتَمِدُوا وَضعَ التَّذَلَّلِ عَلى رُؤوسِكُمْ، وَإِلْقَاءِ التَّعَرُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَخَلَعَ التكبرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَاتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَعَةٌ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ عَدُوِّكُمْ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُودًا وَأَعْوَانَا ورَجُلاً وَفُرْساناً. وَلَا تَكُونُوا كَالمَتَكَبْرِ عَلى أَبْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلِ جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ سِوَى مَا الْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ، وَ قَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ، وَنَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنفِهِ من ريح الكبرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ الله بِهِ النَّدامَةَ، وَأَلْرَمَهُ آثَامَ القَائِلِينَ إلَى يَوْمِ القِيامَةِ (5).
اللغة :
الرجل - بفتح الراء وسكون الجيم - جمع راجل أي يمشي على رجليه وفوق السهم : وضعه في الوتر. وأغرق الأمر : بالغ فيه. ونزع بالسهم : رمی به، وبالدلو : جذبها. والجموح من الرجال : العنود. والطماعية : الطمع. ونجمت : ظهرت. و دلف : مشی. وورطات : جمع ورطة - بفتح الواو -وهي الأمر الشاق. وخزائم : جمع خزام أو خزيمة، وهي حلقة يشد فيها الزمام. وأورى الزند : أخرج ناره. ومناصبين : مجاهرين بالعداوة. ومتألبين: مجتمعين ومحتشدين. وأجلب : صاح. والمسلحة: القوم المسلحون أو المكان الذي يرابطون فيه.
الإعراب :
المصدر من أن يعد يكم منصوب بنزع الخافض أي احذروا من عدواه لكم،
وقذفاً نصب على المصدرية أي يقذف قذفاً أو في موضع الحال أي قاذفاً، ومثله رجماً وطعناً وما بعده، وفي حومة متعلق بمحذوف حالاً من كاف الخطاب في يقتنصونكم.
المعنى :
(فاحذروا عباد الله - الى - النزع الشديد). المراد بعدو الله إبليس، وبندائه وخيله ورجله وسهمه - المغريات والشهوات، وانه بها يصطاد ويضلل أبناء آدم عدوه اللدود، وروي عن إبليس انه قال : مهما تورع ابن آدم واحتاط الدينه فإني موقعه، لا محالة، بجريمة من ثلاث : أن يأخذ المال من غير حل، أو يمنعه من غير حق، أو ينفقه في غير وجهه.. فالدرهم والدينار هما المحك الوحيد أخذاً وعطاء، والحد الفاصل بين الإخلاص والخيانة، وبهما يمتحن المؤمن لا بصلاته وصيامه، ولا بتواضعه، أو بأية فضيلة من الفضائل.
(ورما كم من مكان بعيد وقال : «رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - 29 الحجر). الشيطان لا يعتدي على أحد).، انه يزين ويحسن، ويغري ويكذب في المواعيد، وخيار الانسان بيده، فإن تنازل عنه للشيطان، وأسلم له القياد - فعل به ما يشاء، ورماه من قريب حيث يجري منه مجرى الدم.. وقال بعض العارفين وقال بعض العارفين : إن الشيطان مهذب، يقرع الباب، ويتوارى خلفه، فإن فتحت له دخل وإلا تركك ومضى في سبيله.
(قذفاً بغيب بعيد، ورجماً بظن مصيب). وفي بعض النسخ «غير مصيب» بزيادة «غير» وهو خطأ بدليل قول الإمام بلا فاصل : (صدقه به أبناء الحمية) وقوله تعالى : «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ - 20 سبأ»، أي أصاب في ظنه بهم، ولم يخطىء ولم يخطىء، واذن فكلمة (غير حشو، والمعنى ان إبليس قال : لأغوين بني آدم، ولم يكن عند قوله هذا آدمي على وجه الأرض، وانما قال ذلك ظناً ورجماً بالغيب.. ومع هذا صدق في ظنه، لأن الناس كلهم من حزبه إلا قليلاً.
(صدقه به أبناء الحمية الخ).. الهاء في صدقه لإبليس، وفي (به) لظنه
في قوله : «ولأغوينهم أجمعين»، والمعنى لقد صدق ظن إبليس على أهل المعصية والكبرياء والجاهلية، وتسرب الى نفوسهم من طريق تعصبهم لأصلهم، وسفههم وحبهم للتعاظم والشهرة الزائفة (حتى اذا انقادت له الجامحة منكم الخ).. المراد بالجامحة النفوس التي لم يقرع الشيطان بابها بعد، ولكنها على تمام الاستعداد لأن تفتح له، وتنقاد اليه، والمعنى ان نفوسكم طاهرة في الظاهر، وخبيثة في الباطن، ولما حركها الشيطان ظهرت على حقيقتها، وتبين للجميع انكم من جند الشيطان وأنصاره.
(استفحل سلطانه عليكم - الى النار المعدة لكم). واو الجماعة في أقحموكم وما بعده من الأفعال هي لجنود إبليس، والمعنى استحوذ عليكم الشيطان، واحتل نفوسكم بجنوده فأوردها موارد الذل والهلكة في الدنيا، وساقها في الآخرة الى النار وغضب الجبار فأصبح أعظم في دينكم جرحاً الخ.. وفي بعض النسخ «حرجاً» وهو خطاً ، والضمير المستتر في أصبح يعود للشيطان، والمعنى ان وساوس الشيطان وألاعيبه أشد ضرراً عليكم دنيا وديناً من اخوانكم في الانسانية الذين تجاهر ونهم بالعداء وتتألبون على حربهم ومنابلتهم.
(فاجعلوا عليه حدكم، وله جدكم). الضمير في «عليه وله» للشيطان، والمراد بالحد الغضب والحدة، وبالجد - بكسر الجيم - الجهد والطاقة، والمعنى حاربوا الشيطان بكل ما تملكون من طاقة وحول وقوة (فلعمر الله لقد فخر الخ).. المراد بالأصل والنسب هنا آدم، والمعنى ان إبليس از درى أباكم آدم، ورماكم بنبال الهوى، وداسكم بأقدام الشهوات، وضربكم بسيوف المغريات حتى أذلكم، وأوقعكم في البلاء والشدة، ولم يبق لكم من باقية. وهذا تكرار وتوكيد لما تقدم من قوله : (دلف بجنوده نحوكم الخ).
(فأطفئوا ما كمن في قلوبكم - الى - نزغاته ونفثاته). المسلم الحق هو الانسان المتفتح الذي يحب ويسع الناس جميعاً، أما الذي يتعصب لعرق أو لون أو فئة فنا هو بمسلم بمسلم، بل هو من أتباع الشيطان، وعلى سنة الجاهلية وأهلها، وسيتكلم الإمام عن العصبية مطولاً في هذه الخطبة، فإلى هناك (واعتمدوا وضع التذلل - الى - جنوده). دعوا الترفع والتكبر، فإنه ينم على صاحبه بالصغار، وتواضعوا للحق، وانقادوا له، واسمعوا منه، فإنه الدرع الواقي من إبليس وجنوده.
(فإن له - أي لإبليس - من كل أمة جنوداً وأعواناً). وما كان إبليس في يوم من الأيام أقوى سلطاناً، وأعز نفراً منه في هذا العصر، فجنوده في الغرب يصنعون ويخترعون أسلحة الخراب والدمار، أما الشرق فقد أصبح وكراً للخونة وعملاء الغرب وعلى دوي القنابل، واغنيات العملاء، وبكاء المنكوبين وأنين الجائعين يرقص الشيطان ويطرب، وبخاصة بعد أن تعهد زعماء الاشتراكية أن لا يصطدموا مع زعماء الامبريالية !.. لقد كان اختلافهما رحمة ومناعة للضعيف، فصار اتفاقهما طعنة ونقمة.
(ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه الخ) .. قيل : هذا إشارة الى ما حدث بين قابيل وهابيل، وان نار الغضب وعداوة الحسد في قلب الأول طفنا على القربى وصلة الدم، والسبب غواية الشيطان وفتنته (الكبر الذي أعقبه الله به الندامة الخ) قتل قابيل أخاه هابيل، ثم ندم تماماً كما ندمت أمه حواء من قبل، وباء بإثمه وإثم أخيه، وكان من أصحاب الجحيم. ذلك جزاء من اقتص أثر الشيطان وترسم خطاه.
أأَلَا وَقَدْ أَمْعَتُمْ فِي البَغْيِ، وَأَفْسَدَتُمْ فِي الْأَرْضِ مُصَارَحَةٌ لِلهِ بِالْمَنَاصَبَةِ، وَمُبَارَزَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالمحاربة. فالله الله في كثير الحمية وَفَخرِ الْجَاهِلِيَّةِ. فَإِنَّهُ مَلاَقِعُ الشَّنَآنِ وَمَنَافِخُ الشَّيْطَانِ التي خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ المَاضِيَةَ، وَالْقُرُونَ الْخَالِيَةَ. حَتَّى أَعْتَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ، ومهاوِي ضلالَتِهِ، ذُلُلاً عَلى سِيَاقِهِ، سُلُساً في قِيَادِهِ. أَمْراً تَشَابَهَت القُلُوبُ فِيهِ، وَتَتَابَعَت القُرُونُ عَلَيْهِ. وَكِبْراً تَضَايَقَت الصُّدُورُ (2) أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمُ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقُوا الهَجِينَةَ عَلى رَبِّهِمْ،
وجاحدوا اللهَ مَا صَنَعَ ِبهِمْ. مُكَابَرَةٌ لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةٌ لِآلآئِهِ، فإنهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ. وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ أَعْتِرَاء الْجَاهِلِيَّةِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَصْدَاداً، وَلَا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسّاداً، ولَا تُطِيعُوا الأَدْعِيَاء الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفُوكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَطَمْ بِصِحْتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أَسَاسَ الفُسُوقِ وَأَحْلاَسُ العُقُوقِ. اتَّخَذَهُمْ إبْلِيسُ مَطَايَا ضَلَالٍ، وجنداً بهِمْ يَصُولُ عَلى النَّاسِ. وَتَرَاجِمَةٌ يَنْطِقُ عَلى أَلْسِنَتِهِمْ. أَسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُم ودخولاً في عُيُونِكُمْ، وَنَفْثَاً فِي أَسْمَاعِكُمْ. فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ، وَمَوْطِى، قَدَمِهِ، وَمَأْخَذَ يَدِهِ (7). فَاعْتَبِرُوا بِما أَصَابَ الْأُمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ الله وصولاتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثلاتِه، وأتّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ، وَمَصَارِع جُنُوبِهِمْ، وَاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ لَوَاقِعِ الكَبْرِ كَما تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهرِ. فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الكَبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرخَّصَ فِيهِ لِخَاصةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ. وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّةَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ. فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التَّرَابِ وُجُوهَهُمْ. وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا أَقْوَاماً مُسْتَضْعَفِينَ. وَقَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بِالمَخْمَصَةِ، وَابْتَلاهُمْ بِالمَجْهَدَةِ، وَأَمْتَحَنَهُمْ بِالمَخَاوِفِ، وَمَخَضَهُمْ بِالمَكَارِهِ. فَلَا تَعْتَبِرُوا الرّضا والسُّخَطَ بِالمالِ والوَلَدِ جَهلاً بمواقع الفِتْنَةِ وَالِاخْتِبَارِ
في مواضِعَ الْغِنَى وَالِاقْتِدَارِ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : «أَيَحْسَبُونَ أَنما يُمدَّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ». فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَختَبِرُ عِبَادَهُ المُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِين فِي أَعْيُنِهِمْ (8).
اللغة :
أمعنم : أبعدتم وبالغتم. والمصارحة : المجاهرة أو المظاهرة. والمناصبة : العداوة والمقاومة. والملاقح : من اللقاح أي علوق الأنثى من الذكر. وأعنفوا : غابوا. وحنادس : جمع حندس، وهو الظلام الشديد. وسياقه : من ساق الماشية. والهجينة : القبيحة، والاعتزاء : الانتساب والانتماء. وأحلاس : جمع جلس : كل ما يوضع على ظهر الدابة تحت السرج. والعقوق : العصيان ومثاوي : منازل. وخدودهم : حفرهم، وفي بعض النسخ بالحاء، وهو والمخمصة : الجوع. والمجهدة : المشقة.
الإعراب :
مصارحة مفعول من أجله لأفسدتم أي أفسدتم عداوة ومقاومة الله، أو في موضع الحال أي ناصبين العداء الله، وذللاً حال من واو وأعنقوا، ومثله سلساً وأمراً مفعول لفعل محذوف أي اعتمدوا أمراً، ومكابرة مفعول من أجله الجاحدوا ومثله استراقاً ويجوز أن يكون في موضع الحال أي مسترقاً، وجهلاً مفعول من أجله لتعتبروا.
المعنى :
(ألا وقد امعنتم في البغي الخ).. كل بغي وفساد في الأرض هو حرب
على الله ومقاومة له بالذات، وكل غضب وحرب على الظلم والضلال هو انتصار لله سبحانه.. فالارتباط بين العمل لوجه الله والعمل لخدمة الانسان - وثيق ومتين، ويستحيل ان يفترق أحدهما عن الآخر.. وأية جدوى من الإيمان بالله وحبه إذا لم يكن دافعاً على عمل يرضيه، وعاصماً من الانحراف عن سبيله ووحياً من خلق محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق ؟
(فالله الله في كبر الحمية، وفخر الجاهلية). أبداً.. لا حدود لطموح الانسان ورغباته، وقد صور الفيلسوف «راسل» هذا الطموح في كتاب «السلطان» بقوله : «كل إنسان يود أن يكون إلها، وقليلون هم الذين يرون ذلك مستحيلاً وصعب المثال». هذا صحيح ولكن الذين يتمنون التأليه ولا ينالوه - يشبعون رغبتهم من التعاظم، أو الفخر بعظام الأموات، أو المناصب، أو الاعلان عنهم في الصحف وغير ذلك من الوسائل والدعايات المزيفة (فإنه ملاقح الشنآن). ان الفخر والكبر يمان عن الحمق والصغار، ويحدثان ردة فعل على صاحبها حيث يكرهه الناس، ويتباعدون عن قربه (ومنافخ الشيطان الخ).. أي نفخ الشيطان في أنوف الرؤساء من روحه التي تمردت على أمر الله وطاعته، وبهذه النفخات أملك الأمم الماضية، ويهلك الأمم الآتية. وغرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يشجب رذيلة الكبرياء، ويبين انها أصل البلاء
(ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم). حذر الإمام من الذين يعشقون المناصب والرياسة لا لشيء إلا للذة الحكم وشهوة السلطان، وأيضاً حذر من الذين يتعشقون الكراسي كوسيلة تمكنهم من الوصول الى غاياتهم ومآربهم، أما من يطلب الحكم لإقامة العدل وإحقاق الحق، وللقضاء على الشر والفساد - أما هذا فواجب الطاعة والمؤازرة. قيل : ان الشيطان عرض على السيد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممالك الأرض اذا سجد له فأبى، ولو كانت له مآرب أخرى لسجد وركع، وتطوع للخيانة والعمالة كأكثر أمراء عصره وهذا العصر وحكامه.
(الذين تكبروا عن حسبهم، وترفعوا عن نسبهم) أي احذروا السادات الذين يتنابزون بالألقاب، ويتفاخرون بالمناصب. وفي الحديث الشريف : «حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله». (وألقوا الهجنية على ربهم). ما زال الحديث عن الزعماء، والمعنى انهم يتعاظمون على الناس، لأن الله هو
الذي ألبسهم قميص العظمة، وحرم غيرهم منه، كما يزعمون، وهذه جرأة وفرية على الله الذي قال : ان أكرمكم عند الله أتقاكم (وجاحدوا الله ما صنع بهم الخ).. ان الزعماء يستظهرون بنعمة الله على عباد الله ويعاندون أمره بالشكر والتواضع، ويجحدون آلاءه
(فإنهم قواعد الخ) المراد بالعصبية التعصب لغير الحق، وبالفتنة الفرقة والفساد، وبالاعتزاء الانتساب. والقصد هو مجرد الذم، وان الزعماء تمرداً وعناداً هم أصل الداء والبلاء (فاتقوا الله ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا). النعمة تستوجب الشكر والتواضع. والكبر ضد التواضع، والكفران ضد الشكر. والقصد النهي عن رذيلة الكفران والكبر (ولا لفضله عندكم حساداً). المراد بالحساد هنا الأعداء، والمعنى لا تعملوا ما يستوجب زوال النعمة عنكم، وإلا يكون شأنكم مع أنفسكم شأن العدو الذي يتمنى زوال النعمة عن عدوه. وبكلمة لا تكونوا أعداء أنفسكم.
(ولا تطيعوا الأدعياء - الى العقوق). الدعي هو الذي ينتسب الى غير أبيه، ومثله النذل الخسيس حيث يدعي الشرف والمكانة والمعنى أنتم ودعاء وأبرياء، لأنكم لا تهدفون الى شيء سوى العيش في أمان واستقرار وبكد اليمين وعرق الجبين، أما الرؤساء الخبثاء فهم سفلة ولصوص قد تخصصوا بأساليب الخداع، وتفننوا في طرق السلب والاستغلال، وعليكم أن تكافحوهم، ولا تركنوا اليهم، ومن تحالف معهم عن وعي وعلم، ومن أجل الربح والكسب فهو مجرم وخائن، ومن ركن إليهم عن غفلة وجهل أخذوا منه دينه وضميره الصافي النقي، وبره لوطنه وأمته، وأعطوه الكدر والمرض والباطل.. وقد يُعذر المنعزل والساكت عن الأمر بالمعروف اذا أيقن بعدم الجدوى من وعظه وإرشاده.. وعلى أية حال فإن لكل ظروفه الخاصة، شريطة أن لا يحرف ويزيف بالتأويل والتضليل.
(اتخذهم إبليس مطايا الخ).. إن الزعماء المنحرفين يفعلون بوحي من الشيطان، وينطقون بلسانه، وينظرون بعينه، وبأذنه يسمعون، بل هم في قبضته وتحت قدمه. وتقدم مثله أكثر من مرة في هذه الخطبة بالذات.
(فاعتبروا بما أصاب - الى - مثلاته). المراد بالأمم المستكبرين الجبابرة من
سادة الأمم كفرعون موسى ونمرود ابراهيم، وغيرهما من طغاة الأكاسرة والقياصرة، أما الكثرة العاملة فكانت تصنع للكبار القصور والأهرامات، وتبني الحصون والسدود، وحفر الترع والأنهار.. وقد أخل سبحانه بصواعقه وعواصفه المستكبرين والتابعين لهم من المستضعفين، أخذ أولئك بظلمهم أخذ أولئك بظلمهم، وهؤلاء بنومهم على الضيم والظلم ويقول الإمام للمستضعفين : اتعظوا بمن سبق، وكافحوا العدوان قبل أن ينزل عليكم العذاب بغتة، ويعم الظالم والساكت عنه.
(واتعظوا بمثاوي خدودهم، ومصارع جنوبهم). وفي بعض النسخ حدودهم، وهو خطأ والمعنى العظوا بالقبور التي أكلت الحدود، وأبلت الجنوب) واستعيذوا بالله من لواقح الكبر، كما تستعيدونه من طوارق الدهر). ما من عاقل إلا ويخشى المخبات والمفاجآت، ولكن المتكبر لا يخشى، بل لا يتصور إطلاقاً عاقبة التعالي والكبرياء وإلا تواضع وتنازل عن شموخه، واذا سلم المتكبر من طوارق الدهر فهل يسلم من سكرات الموت وظلمة القبر.
(فلو رخص الله في الكبر لأحد لرخص فيه الخاصة أنبيائه الخ).. بل نهاهم عنه، وقال الخاتمهم وسيدهم : «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ – 88 الحجر». وفي الحديث : من تواضع رفعه الله، ومن تكبر خفضه الله، وقد امتحن سبحانه أنبياءه بأنواع من المكاره فصبروا ورضوا بما قضى وأحب.. وأوذي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سبيل الله أشد الإيذاء، فما تظلم أو تبرم، بل تطلع الى خالقه، وشكا اليه ضعفه وهوائه على الناس وخاف أن يكون قد غضب الله عليه، فلاذ به، وقال : أعوذ بنور وجهك أن تنزل بي غضبك، أو تحل على سخطك.. لك العتبى حتى ترضى.. إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي. أما قول الإمام عن الأنبياء والأولياء : (فألصقوا بالأرض خدودهم الخ) فهو كناية عن شدة خضوعهم وتواضعهم لله جل وعز.
(فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال الخ).. لو كان رضاه تعالى يعتبر بالمال لكان أصحاب الملايين في (وول ستريت) وأرباب الشركات والاحتكارات، في أعلى عليين عند الله، وكان المعذبون في الأرض الذين لا عم لهم ولا خال - في الدرك الأسفل من النار حاشا لله.. ولكنه يختبر عباده بالمال والسلطان كما يختبرهم بالمخمصة والمجهدة، لتظهر الأفعال التي يستحق بها الثواب والعقاب..
هذا، الى ان الدنيا دار زوال وفناء، ولا تعادل عند الله جناح بعوضة، وقد جعلها للمرور والتزود من الصالحات الى دار الخلد والبقاء، فكيف يكون الحقير الزائل جزاء من أحسن وتورع ؟
وتسأل : هل لنا أن نفهم من اختباره تعالى عباده بالمال أو الحرمان أنهما بقضائه وقدره، وان العبد لا أثر له في شيء من ذلك ؟.
الجواب :
لقد جرت سنة الله في خلقه ان من عمل واجتهد رزقه الله، ومن أهمل وتكاسل حرمه الله، وان من اقتصد ودبر عاش حميداً ميسوراً، ومن بذر وأسرف قعد ملوماً محسوراً مؤمناً كان أم كافراً، براً أم فاجراً.. ولن تجد لستة الله تبديلاً. واذن فللإنسان حريته وأثره، والاختبار منه تعالى انما يكون بعد الجد والعمل، فمن أفاد مالاً من عمل مشروع، وأنفقه في وجهه فهو من الطائعين، وان أفاده من حرام، وأنفقه في غير حل فهو من العصاة.. وان فشل في عمله، وذهب جهده سدی، ومع هذا صبر وقال : ما فعل الله إلا خيراً، فهو مشكوو ومأجور، وان سخط على الله وقضائه، وخرج عن الحدود يميناً وشمالاً فهو من الذين باءوا بغضب من الله وعذابه.
ولَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ (عَلَيْهمَا السَّلَامُ) عَلَى فرْعَوْنَ وَعَلَيْهمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وَبِأَيْدِيهمَا الْعِصِيُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بقاء مُلْكِهِ وَدَوَامَ عِزْهِ فَقَالَ : «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَان لي دَوَامَ العِزْ وَبَقَاءِ الْمُلْكِ وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الفَقْرِ وَالذُّلِّ فَهَلا ألْقِيَ عَلَيْهمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَب»ٍ، إعظاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، واحتقاراً لِلصُّوفِ وَلُبسه (9)، وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ
يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذُّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ العِقْيَانِ، وَمَغَارِسَ الْجِنان، وأَنْ يَخشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَوُحُوش الْأَرْضِ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقط البلاء، وبَطَلَ الْجَزَاء، وأضمَحَلَّتِ الْأَنْبَاء. وَلَمَا وَجَبَ الْقَابِلِينَ أُجُورُ المُبْتَلِينَ، وَلَا اسْتَحَقُّ الْمُؤمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا لَوْمَتِ الْأَسْمَاءِ مَعَانِيهَا. وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رَسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَاهِيهِمْ، وَضَعَفَةٌ فِيما تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَة تَمْلَأُ القُلُوبَ وَالعُيُونَ عَنِّى، وَخَصَاصَةٍ تَمَلَأُ الْأَبْصَارَ وَالْأَسْمَاعَ أَذًى (10). وَلَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاء أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ وَعِزَّةٍ لَا تُضَامُ، وَمُلْكِ تَمْتَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لَكَانَ ذلِكَ أهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الاعْتِبَارِ وَأَبْعَدَ لَهُمْ في الاستكبار ولآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةِ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ، فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشتَرَكَةً وَالحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً. وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ وَالِاسْتِكانَهُ لأمْرِهِ وَالِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خَاصَّةٌ لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شائبة. وَكَلَّمَا كَانَتِ البَلْوَى وَالاخْتِبارُ أَعْظَمَ كَانَتْ المَثُوبَةُ وَالجَزَاء أجزل (11).
اللغة :
أساورة : جمع سوار. والذهبان : جمع ذهب. والعقيان - بكسر العين -
الذهب الخالص. والخصاصة : الفقر. وتشوبها من غيرها : تختلط من غيرها، قال تعالى : «لشوباً من حميم 67 الصافات»، أي لخلطاً من حميم.
الإعراب :
هلا للطلب والتحضيض، وإعظاماً مفعول من أجله، لقال، ولفعل جواب لو أراد الله، وغنى تمييز، ومثله أذى، وأموراً خبر يكون الاتباع، وخاصة صفة لأمور، وله متعلق بخاصة أي أموراً مختصة به أو له
(ولقد دخل موسى - الى - لبسه). انطلق موسی و هرون الى فرعون بأمر الله، ودخلا عليه، وهما يلبسان مدارع الصوف، وبيدهما العصي، ودعواه الى الله، وشرطا له بقاء ملكه ودوام عزه إن أسلم وأطاع.. وسخير فرعون ممن يشترط له هذا، ولا جاه له ولا مال.. فقال له موسى : (أو لو جئتك بشيء مبين) ؟ ولكن الشيء المبين والحق اليقين عند فرعون وأمثاله هو الذهب والملك.. ولذا قال فرعون : يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟. قال لموسى : (لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين).
وأقر «نيتشه» هذه الفلسفة، واستدل عليها بقوله على لسان زرادشت : «إذا كان هناك إله فكيف أستطيع أن لا أكون إلهاً، ولهذا فليس ثم من إله»، أبداً.. ليس للكون إله، والدليل ان نيتشه أو زرادشت ليس بإله وأيضاً ليس للفقير من حق، ويستحيل أن يكون الفقير محقاً، والدليل انه بلا مال وجاه.. ولا عجب فهذا هو المنطق السائد عملياً في كل عصر، وان كان باطلاً باتفاق الجميع من الوجهة النظرية.
(ولو أراد الله سبحانه لأنبيائه - الى - لفعل). لا واسطة بين الله وعباده إلا التبليغ عنه على لسان أنبيائه بهدف الإيمان به والعمل بشريعته عن قناعة لا عن رغبة أو رهبة.. وإذا كان هذا وإذا كان هذا هو الغرض من بعثة الأنبياء فلا موجب – إذن - لأن يزودهم سبحانه بكنوز الدنيا وحدائقها وطيورها ووحوشها (ولو فعل) أي
لو زود سبحانه الأنبياء بمتاع الحياة الدنيا (لسقط البلاء) والاختبار والامتحان، لأن الناس عبيد للدنيا، ولمن في يده شيء منها، وعليه يكون إيمانهم بالأنبياء الأغنياء إيماناً بالمال لا برسالة الله وأنبيائه.
(وبطل الجزاء) لأنه لغير الله (واضمحلت الأنباء) والأحاديث عن الأنبياء وسيرتهم وعظمتهم وشريعتهم حيث يكون الحديث عنهم، والحال هذه، حديثاً عن الدنيا التي يملكونها، لا حديثاً عن الله وحلاله وحرامه (ولما وجب للقابلين اجور المبتلين) لأن المراد بالمبتلى من أظهره التمحيص على حقيقته ولن يكون هذا إلا في الضراء وساعة العسرة (ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين) لأن أهل الإحسان يعطون ولا يطمعون في الربح (ولا لزمت الأسماء معانيها) لكل كلمة معنى تدل عليه، ولكل اسم مسمى بفهم منه، ومعنى الإيمان بالله ورسله، هو التصديق به وبهم ولو أسمينا من آمن طمعاً أسميناه مؤمناً - لوضعنا الكلمة في غير مدلولها، والاسم في غير مسماه.
(ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة الخ).. أولياء الله أهون الناس شأناً عند الطغاة وأهل الدنيا، لفقرهم، لفقرهم وقلة يدهم ولكنهم أغنياء بالصدق والأمانة، وبالهداية والتقوى، بل هم أقوى وأغنى من خلق الله ويخلق على الإطلاق، لا تهزمهم الملوك والجبابرة عن عزمهم ولا تثنيهم الشهوات والأموال عن دينهم وضمائرهم (ولو كانت الأنبياء أهل قوة الخ).. بماذا تبرهن على تجردك للحق ؟. أبانقيادك له رغبة أو رهبة، أو بإيمانك به لوجه الحق وثباتك عليه حتى ولو دفعت الثمن غالياً من نفسك وأهلك ومالك ؟ والجواب واضح وبسيط، فمن آمن خوفاً أو طمعاً فهو تاجر، ومن آمن لوجه الحق وحده مهما تكن النتائج والعواقب فهو المؤمن حقاً وواقعاً، وعلى هذا لو كانت الدنيا مع الأنبياء لآمن من في الأرض جميعاً، واختلط الحابل بالنابل، والمؤمن بالفاجر.
(فكانت النيات مشتركة، والحسنات مقتسمة) لو ان الدنيا الأنبياء وآمن بهم من آمن لكان ايمانه مشوباً بحب الدنيا، وهذا هو معنى الاشتراك، وأيضاً كان عمله بأمر من الأنبياء موزعاً بين حب الله وحب الدنيا، وهذا هو المراد بالتقسيم (ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع - الى الى - شائبة). جرد سبحانه أنبياءه من زينة الدنيا ليكون الإيمان خالصاً لوجهه الكريم، قال تعالى :
«وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ - 5 البيئة). وقال نبيه العظيم : انما الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى كانت هجرته الى الله ومن ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر اليه.
(وكلما كانت البلوى أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل). ولذا قيل : الأجر على قدر المشقة. وعن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن عظيم البلاء بكافاً به عظيم الجزاء.
والخلاصة لا شيء عند الأنبياء إلا الله والحق، ولا يعتزون إلا به، ولا يخافون إلا منه، ومن ادعى الإيمان بالله ورسله، ثم اعتز بغير الله، وخاف من سواه فهو كاذب في دعواه.
ألَا تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ إلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا العَالَم بِأَحْجَارٍ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ. فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً.ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَرًا، وَأَقَلَّ نَتَائِقِ الْأَرْضِ مَدَراً. وَأَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً. بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٌ، وَرِمَالِ دَمِثَةٍ. وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ، وَقُرًى مُنْقَطِعَةٍ. لَا يَزْكُو بِهَا حُفٌ، وَلَا حَافِرٌ وَلَا ظِلْف (13). ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحوَهُ. فَصَارَ مَثَابَةً لِلْمُنتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةٌ لِمَلْقَى رِحَالِهِمْ. تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِز قِفَارٍ سَحِيقَةٍ وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائِرِ
بحارٍ مُنقَطِعَةٍ، حَتَّى يَهزّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً يُهلونَ لِلهِ حَوْلَهُ. وَيَرْمُلُونَ عَلى أَقْدَامِهِمْ شُعَثَا غُبْراً لَهُ. قَدْ نَبَدُوا السَّرَائِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وشوَّهوا بِإعْفَاء الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمْ، أَبْتِلاءَ عَظِيماً وَامْتِحَانَا شَدِيداً وأختباراً مبيناً. وتمحيصاً بليغاً جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً لِرَحمَتِهِ، وَوَصْلَةً إِلَى جَنَّتهِ (13). وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ، وسَهْلٍ وَقَرَارٍ، جَمَّ الْأَشْجَارِ، دَانِي الثمَارِ، ملتفِّ البُنَا، مُتصِلِ القُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاء، وَرَوضَةٍ خَضْرَاء وأَرْيَافِ مُحْدِقَةٍ، وَعِرَاصِ مُغْدِقَةٍ، وَرِيَاضٍ نَاضِرَةٍ، وَطُرقٍ عَامِرَةٍ، لكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاء عَلى حَسَب ضَعْفِ الْبَلَاءِ. وَلَوْ كَانَ الْإِساسُ المَحْمُولُ عَلَيْهَا، وَالْأَحْجَارُ المَرْفُوعَ بِهَا بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاء، ويأقُوتَةٍ خَمْرَاء وَنُورِ وَضِيَاء لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُسَارَعَةَ الشَّكُ فِي الصُّدُورِ ولَوَضعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ القُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلِجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الصَّدَائِدِ، وَيَتَعَبدُهُمْ بِأَنْوَاعِ المَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ المَكَارِهِ إخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وإِسْكَانَا لِلتَّذَلَّلِ فِي نُفُوسِهِمْ. وَلِيَجْعَلَ ذلِكَ أَبْوَاباً فتحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ (14).
اللغة :
نتائق : جمع نتيقة أي الأرض المرتفعة ولو نسبياً. والمدر : قطع من الطين اليابس. والقطر - بفتح القاف – المطر، - وبكسرها - ضرب من النحاس، وبضمها - كما هنا - الاقليم والناحية. ودمثة : سهلة لينة. ووشلة : قليلة ولا يزكو : لا ينمو. والخف : للجمل. والحافر : للفرس ونحوه. والظلف: للبقر والغنم. والمثابة : مجتمع الناس، أو اسم لمكان الرجوع، والمثوبة : الثواب والجزاء. والمنتجع - بفتح الجيم - المكان يقصده الناس طلباً للمنفعة والمراد بالرحال هنا ما يصحبه المسافر. وتهوي : تسرع أو تحن. والمراد بثمار الأفئدة أمانيها. ومهاوي : جمع مهوى أي الجو وفجاج : الطريق بين جبلين وير ملون : يهرولون. والأشعث : المنتشر الشعر. والسرابيل : كل ما يلبس. والشعائر : الدلائل، والمشاعر أمكنتها. والبرة : الحنطة، والسمراء أجودها. وأرياف : جمع ريف أي أرض فيها زرع وخصب. ومحدقة : من أحدقت الروضة إذا صارت حديقة. وعراص : جمع عرصة، وهي الساحة. ومغدقة : فيها ماء. وناضرة : حسنة وجميلة. والإساس وجميلة. والإساس - بكسر الهمزة - جمع اس وأساس أي أصل البناء. والاعتلاج : الالتطام والاختلاط.
الإعراب :
حجراً تمييز، ومثله مدراً وقطراً، وذللاً حال لأنه جمع ذليل، ومثله شعثاً وغيراً، وابتلاء نصب على المصدرية أي ابتلوا ابتلاء، ومثله امتحاناً واختباراً، ولكان قد صغر جواب لو أراد سبحانه، والخفف جواب لو كان الاساس، وإخراجاً مفعول من أجله ليبتليهم.
المعنى :
(ألا ترون ان الله سبحانه اختبر الأولين الخ).. بنى سبحانه البيت الحرام من حجر وطين تماماً كالبيوت التي نسكنها، وألزم بزيارته وحجه من استطاع اليه سبيلاً.. يخضع ويتذلل، ويستغيث ويستجير، وهذا الإلزام والوجوب كان
من زمن سحيق يبتدىء بآدم، والی آخر يوم، وابراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعاد ما بدأه السابقون. وكان البيت الحرام وما زال في واد غير ذي زرع، لا ثمر ولا مطر، أما طريقه فكان بحاراً وجبالاً، والحج اليه متاعب ومصاعب تزيد المؤمن ثواباً، و تميزه عمن عصى و تمرد كانوا ممشون أو يركبون الدواب الى شاطىء البحر، ثم يركبون البحر الى الصحراء، يقطعونها على الجمال، ويعانون التعب والخوف من القتل أو السلب، ويقاسون الجوع والعطش، والحر والبرد.
أما اليوم وبعد السيارة والطيارة فالحج نزهة وسياحة، ولا شيء فيه للثواب والتمييز والاختبار إلا النية الخالصة، والتلبية لدعوة الله وحدها، والشعور بالتوجه والانقطاع اليه تعالى عسى أن يتوب ويغفر. وروي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أشار الى ذلك بقوله : (يأتي زمان على الناس يخرج أغنياؤهم الى بيت الله للسياحة، وفقراؤهم للتجارة، وعلماؤهم للسمعة، وقلة منهم تخرج لوجه الله والمراد بالفقراء هنا كل من يتخذ الحج وسيلة للربح والاتجار كالمعرفين الذين يقودون جماعة من الحجاج بأجر معلوم، أما العلماء فالمراد بهم أصحاب العمائم الذين ترسلهم الحكومات باسم البعثة لا لشيء إلا للسمعة كما في الحديث.
ان بيت الله الحرام أحجار لا تضر ولا تنفع كما قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من قبل وقال الإمام وغير الإمام من بعد، ولكن هذه الأحجار رمز للإجماع على توحيد الله وعبادته، وشعار لتقديسه وتعظيمه : «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ - 32 الحج». وليس الإسلام بدعاً في ذلك، فكل الأمم والطوائف من بني آدم لها رموز و شعائر مطهرة مقدسة. (انظر ما نقلناه في كتاب :«من هنا وهناك» بعنوان زيارة القبور).
(ثم أمر آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه) أي ان يحجوا الى بيت الله الحرام، وقيل : انه كان خيمة يطوف حولها آدم، ثم بناها ابنه شيث بالحجر والطين (فصار مثابة لمنتجع أسفارهم) إشارة الى قوله تعالى في الآية 125 من سورة البقرة : «وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا». ومنتجع إشارة الى المنافع التي ذكرها سبحانه في الآية 28 من سورة الحج : «ليشهدوا منافع لهم». (تهوي اليهم ثمار الأفئدة) إشارة الى الآية 37 من سورة ابراهيم : «فاجعل أفئدة من الناس نهوي اليهم». (من مفاوز قفار) «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ - 27 الحج».
(حتى يهزوا مناكبهم - الى محاسن خلقهم). على الحاج قبل كل شيء أن يلبس ثوبي الاحرام، وهما إزاران يلف أحدهما حول وسطه، والثاني على الظهر والصدر والكتفين، ولا خيط يشبك أحدهما بالآخر، والى هذا أشار الإمام بقوله : «قد نبذوا السرابيل الخ».. أما إعفاء الشعور فهو إشارة الى ان المحرم بكسر الراء - يترك شعره بلا قص وحلق ونتف، ثم يرفع صوته بالتلبية والتهليل والتكبير، ثم يطوف ويسعى، ويصلي ويستغفر.
(ابتلاء عظيماً، وامتحاناً شديداً الخ).. لماذا نبل السرابيل، وتشويه المحاسن، والهرولة ذهاباً وإياباً، والطواف حول الأحجار بتذلل وتضرع ؟.. لا تسل.. انك عبد مأمور انك عبد مأمور.. ولمولاك حق التمحيص والاختبار بالأمر والنهي، وما عليك إلا أن تطيع، وعلى قدر طاعتك يعرف مقدار حبك لله، وجزاؤك عنده.
(ولو أراد الله سبحانه أن يضع بيته الحرام الخ).. الله على كل شيء قدير، وأيضاً هو عليم حكيم، يعلم انه لو أعطى الدنيا لأنبيائه لأمن الناس بدنياهم لا بنبوتهم ورسالتهم.. وأيضاً لو جعل بيته الحرام في حدائق وأنهار لكان مقهى و ملهى، ومسرحاً و (بلاجاً) للشياطين لا مهبطاً للملائكة المقربين، و مسجداً للعاكفين : «وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ - 125 البقرة»
وقيل : ان موقع مكة في الخريطه الجغرافية كموقع القلب من الجسد، لأنها وسط بين الشمال والجنوب، وان نسبة بلاد الغرب اليها قرباً وبعداً كنسبة بلاد الشرق .. ومهما يكن فإن رحلة المسلم الى مكة هي رحلة حب لله ورسوله، انهيحن ويهرع الى مكة، ويقبل الحجر الأسود، وهو يرجو أن تمس شفتاه نفس المكان الذي قبله محمد، ويطوف حول البيت، وهو يأمل أن تقع قدماه في نفس المكان الذي وطأه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
(ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد الخ).. تقدم مثله الشرح مفصلاً في الخطبة 141 وفي هذا المعنى قوله تعالى : «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ - 155 البقرة».
فالله الله في عَاجِلِ البَغْيِ، وَآجِلِ وَخَامَةِ الظلم، وَسُوه عاقِبَةِ الكبْرِ فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إبْلِيسَ العُظمى، وَمَكِيدَتُهُ الكُبْرَى الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ. فَمَا تُكْدِي أبداً، وَلَا تُشْوِي أَحَداً لا عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَلَا مُقِلاً فِي طِمْرِهِ. وَعَنْ ذلِكَ مَا حرسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصيام في الْأَيَّامِ المَفْرُوصَاتِ تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ، وَتَخشيعاً لِأَبْصَارِهِمْ، وتذليلاً لِنُفُوسِهِمْ، وَتَخفيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَاذْهَاباً لِنخَيلَاء عَنْهُمْ لِمَا فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِناقِ الوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَالتصَاقِ كرَائِم الْجَوَارِح بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً، ولحوقِ البُطُونِ بِالمُتونِ مِنَ الصيام تذللاً. مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ (15). أنْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ قمْع نَوَاجِمِ الْفَخرِ، وقَدْع طَوَالِع الكبر. وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وجدتُ أَحَداً مِنَ الْعَالِمينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْء مِنَ الأشياء إلا عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تموية الجهلاء، أَوْ حُجَّةِ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاء غَيْرَكُمْ. فإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأمْرٍ لا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلاَ عِلَّةٌ. أما إبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأصْلِهِ. وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ فَقَالَ : أَنَا نَارِيُّ وَأَنتَ طِيني. وَأَمَّا الْأَغْنِيَاء مِنْ مُتْرَفَةِ الْأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِع
النعم. فَقَالُوا : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَولاداً وَمَا نَحْنُ بمُعَذِّبِينَ (16). فَإِن كَانَ لا بُدَّ مِنَ العَصَبِيَّةِ فَلْيَكُن تَعَصُّبكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصال، وَمَحَامِدِ الْأَفعالِ، وَمَحَاسِنِ الْأمور التي تفاضلتْ فيها المُجَدَاء والنُّجدا مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ وَيَعَاسِيبِ الْقَبَائِلِ بِالْأَخْلاقِ الرَّغِيبَةِ، وَالْأَحْلام العَظِيمَةِ، وَالْأَخْطَارِ الْجَلِيلَةِ، وَالْآثَارِ المَحْمُودَةِ. فَتَعَصَّبُوا لِخِلالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَالوَفَاء بِالذِّمَامِ، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، والمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَالْأَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالْكَفّ عَنِ الْبَغْيِ، وَالْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ، وَالْأَنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَالعَظمِ لِلْغَيْظِ، وَاجْتِنَاب الفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَاحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ المُلاَتِ بِسُوه الْأَفْعَالِ وَذَمِيمِ الْأَعْمَالِ. فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ والشَّرِّ أَحوَالَهُمْ. وَأَحْذَرُوا أن تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ (17).
اللغة :
التساور : التواثب والتقاتل. ولا تكدي : لا تمتنع عن القتال. ولا تشوي: لا تخطىء في ضرباتها. والطمر - بكسر الطاء - الثوب البالي. والخشوع للقلب لا للبصر، ولكنه هنا كناية عن الذل والهوان. والخيلاء : الكبرياء. والنواجم : جمع النجم، وهو ما برز وظهر. والقدع : المنع. وتليط : تلصق. والمراد بالجوار هنا الأمان والعهد، ومثله الدمام. والمثلات : العقوبات.
الإعراب :
الله نصب على التحدير، لا عالماً ولا مقلاً بدل مفصل من مجمل، والمبدل
منه (أحداً)، وما حرس «ما مصدرية» والمصدر المنسبك مبتدأ، وعن ذلك متعلق بمحذوف خبراً مقدماً أي وحراسة الله حاصلة لعباده المؤمنين، وتسكينا مفعول من أجله المجاهدة أو لحرس، وتواضعاً مفعول من أجله لتعفير، وتصاغراً لالتصاق، وتذللاً للحوق، وغير كم نصب على الاستثناء من أحد، والمعنى فما وجدت أحداً إلا إياكم، وأموالا تمييز، والمصدر من أن تكون مجرور بمن محذوفة أي من كونكم أمثالهم.
المعنى :
(فالله الله في عاجل البغي الخ).. البغي والظلم والجور بمعنى واحد، والكبر ان تضع نفسك فوق موضعها.. وللظلم والكبر أسوأ الآثار دنيا وآخرة. وتقدم الكلام عن رذيلة الظلم في شرح الخطبة 174، وعن الكير في هذه الخطبة، وسئل الإمام الصادق عن الإلحاد ؟ فقال : ان الكبر أدناه. ونسب الإمام رذيلة الظلم والكبر إلى إبليس، لأنه أول من ظلم وتكبر، وانه يوسوس للعالم والجاهل وللغني والفقير، فيقول للعالم : أنت بعلمك فوق الناس أجمعين. وللجاهل : أنت بذكائك غني عن التعلم والسؤال. وللغني، أنت مالك الملك تؤتي الملك من تشاء. وللفقير : ليس الله عليك من فضل. وبالمناسبة نقل صاحب «الكافي» عن الإمام الصادق : ان الفقراء يتوجهون غداً الى الجنة تلقائياً الجنة تلقائياً، وقبل أن يحاسبوا. فيقول خازن الجنان : كيف أقبلكم قبل الحساب ؟ فيقولون : ما أعطيتمونا شيئاً تحاسبوننا عليه ؟ فيقول الله : صدقوا افتحوا لهم الأبواب.
(وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات). الصلاة تواضع، والتواضع ضد الكبر، وإذن فالصلاة تصون المصلي من هذه الرذيلة ثم ان الصلاة عهد الله على عبده أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر وإذا كانت الصلاة تروّض النفس والأعضاء بالحركات فإن الزكاة تروضها بالمال وبذله، ولا شيء أثقل عليها من ذلك (ومجاهدة الصيام الخ).. ومن جرب وجده الجهاد الأكبر، وهل للنفس من جهاد وترويض أكثر من الصبر على الجوع والعطش وعن الشاي والدخان ؟.
(تسكيناً لأطرافهم) وهي الأيدي والأرجل والعضو المعلوم، والمراد بتسكينها
كفها عن الحرام (وتخشيعاً لأبصارهم الخ).. كناية عن التواضع والتذلل لله (ولما في ذلك من تعفير الخ).. كأن سائلاً يقول : لماذا كانت العبادة سبباً للمنع عن المحرمات وذل النفوس والقلوب ؟ فأجاب الإمام بأن الصلاة ركوع وسجود، والصيام جوع وعطش، وكل ذلك يستوجب التذلل والانكسار هذا، الى ان الزكاة تسد حاجة المعوزين، وتربط رب المال لمجتمعه.
(انظروا الى هذه الأفعال الخ) إشارة الى الصلاة والصيام والزكاة، وأنها تطهر النفس من رذيلة الكبر والفخر (ولقد نظرت فما وجدت الخ).. يقول الإمام لأصحابه ما رأيت أحداً يتعصب لشيء إلا ويبرره بسبب حقاً كان أم باطلاً، وان المبطل قد يتغلب بالتمويه على عقل سفيه أو جاهل، أو يعرض أفكاره للبلبلة والاهتزاز - على الأقل - إلا أنتم (فإنكم تتعصبون لأمر ما يعرف له سبب ولا علة) صحيحة ولا فاسدة كالعلة التي تذرّع بها إبليس حين تعصب على آدم وقال : «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ - 12 الأعراف».
(وأما الأغنياء من مترفة الأمم الخ).. قال أهل اللغة : ترف الرجل اذا تنعم، وأترفه المال أبطره وأفسده. ولا شيء أدل على فسادهم وإفسادهم من انهم لا يفكرون إلا من خلال المال، ولا يستمعون إلا للكسب والربح، أما الحق والعقل، والدين والعدل فحديث خرافة، والذي يملك المال هو السيد المحق : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين – 35 سبأ 30 سبا». وأنكر مترفو قريش نبوة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا لشيء إلا لأنه لا يملك كنزاً ولا جنة يأكل منها : «أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا – 8 الفرقان».
(فإن كان لا بد من العصبية الخ).. التعصب للحق والدفاع عنه فضيلة أما التعصب للعرق أو اللون أو الأفراد والفئات، وما الى ذلك فهو رذيلة. هذا ملخص ما أراده الإمام، أما الوفاء والنجدة والبر والإنصاف وكظم الغيظ واجتناب الفساد فهي مجرد أمثلة، وقد شهد التريب قبل البعيد انه لا عصبية ولا قبلية في
الاسلام، وان أساس الفضل هو التقوى، وان خير الناس أنفع الناس للناس، كما قال الرسول الأعظم.
وقال الفيلسوف الانكليزي الشهير «برتراند راسل» في كتاب «السلطان»، ترجمة خيري حماد - الطبعة الأولى - آذار 1962 ص 165 : «وقد أظهر المسلمون في بداية عهدهم تسامحاً في التعامل مع المسيحيين الذين أخضعوهم، ولا ريب في ان الفضل في سهولة فتوحاتهم واستقرار امبراطوريتهم يعود الى هذا التسامح الذي يبدو بارزاً اذا ما قورن بالحماسة التعسفية والاضطهادية التي عرفت بها الكنيسة الكاثوليكية».
(واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم الخ).. تقدم هذا مراراً، ومن ذلك قوله المتقدم في هذه الخطبة : (فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم الخ)
فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَوْمَتِ الْعِزَّةُ به شأنهُمْ، وَزَاحَتِ الْأَعْدَاء لَهُ عَنْهُمْ، وَمُدَّتِ العَافِيَةُ فِيهِ عَلَيْهِمْ، وانْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ، وَوَصَلَتِ الكَرَامَهُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ مِنَ الاجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ، وَاللُّزُومِ لِلْألْفَةِ، وَالتَّحَاضَ عَلَيْهَا وَالتَّوَاصِي بِهَا، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ، وَأَوْهَنَ مُنتَهُمْ، مِنْ تَضَاعنِ الْقُلُوبِ، وَتَشَاحُنِ الصُّدُورِ، وَتَدَابُرِ النَّفُوسِ، وَتَخَاذُلِ الْأَيْدِي (18)، وتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ وَالْبَلَاء. أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاء، وَأَجْهَدَ العِبَادِ بلاء، وَأَضيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالاً. اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوء العَذَابِ، وَجَرَّعُوهُمُ المُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحَ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلُّ الهَلَكَةِ
وقهر الغَلَبَةِ. لَا يَجِدُونَ حِيلَةٌ فِي أَمْتِنَاعِ، وَلَا سَبِيلاً إلَى دِفَاعِ. حتى إذا رأى الله جدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ، وَالاحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ جَعَلَ لَّهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً، فَأَبْدَلَهُمْ العزّ مكانَ الذُّلّ، وَالأمَنَ مَكَانَ الْخَوْفِ فَصَارُوا مُلُوكاً حكاماً.. وَأَئمَّةً أَعْلَاماً، وَبَلَغَتِ الكَرَامَةَ مِنَ اللهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَبْلُغ الآمال إلَيْهِ بهم (19). فَانظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الْأَمْلاء مُجْتَمعَةً، والأهواء مُتَّفِقَةً، وَالقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً، وَالْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً، وَالسُّيُوفُ متناصِرَةٌ، وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً، وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةً. أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً في أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ، وَمُلُوكاً عَلى رِقَابِ الْعَالَمِينَ. فَانظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَتَشَتَّتَتِ الْأَلْفَهُ واخْتَلَفَتِ الكَلِمَةُ وَالْأَفْئِدَةُ، وَتَشَعّبُوا مُختَلِفِينَ، وَتَفَرَّقُوا مُتَحَازِبِينَ قدْ خَلَعَ اللهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وَسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ. وَبَقِيَ قَصَصَ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ (20).
اللغة :
حاليهم - بفتح اللام - مثنى حال أي صفة الشيء وهيئته، ويستوي فيه التذكير والتأنيث، والمراد بالحالين هنا السعادة والشقاء. وتحاض القوم : حث بعضهم بعضاً. والفقرة : الخرزة من خرزات الظهر. وأوهن : أضعف والمئة - بضم الميم - القوة. والمرار : شجر مر. والأسلاء - بفتح الهمزة - جمع ملأ أي القوم والجماعة. والأرباب : السادات. ومتحازبين : شيعاً وأحزاباً.
الإعراب :
شأنهم مفعول لزمت، وكيف كانوا (كيف) خبر مقدم لكانوا، وعبراً حال من قصص.
المعنى :
(فإذا تفكرتم في تفاوت الخ).. المراد بالأمر هنا السبب الموجب للقوة والعزة، والمعنى اذا رجعتم الى تاريخ الأمم وجدتم أمة ضعيفة متخلفة، وأخرى قوة متحضرة، فادرسوا مواطن الضعف واستقصوا أسباب التخلف في تلك، ومواطن القوة والتقدم وموجباته في هذه، واعتبروا بما قد رأيتم من خير وشر، فإن الاعتبار منذر ناصح، والعاقل من انتفع بالنذر، واعتبر بالغير.
وكرر القرآن الكريم هذه النصيحة في العديد من آياته، من ذلك قوله : «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا - 46 الحج». وأهملنا نحن هذه النصيحة، وتلقفها الغرب، فأنشأ مراكز لدراسة القومية من كل أمة، ودينها وتقاليدها وأوضاعها وتراثها وفئاتها، واقتصادها وما تستهلكه من السلع كماً وكيفاً، يدرس الغرب كل ذلك بهدف نهب المقدرات، وتصدير رأس المال واحتكار الأسواق، وشن الحرب النفسية عندما تدعو الحاجة.
هذا وشبابنا يتلهون بأفلام الجنس والجريمة، والرؤساء بالمشاحنات والخطابات، أما نصف العمائم والقلانس أو أكثر فإنها في شغل شاغل بالشعوذة والتخطيط المنظم للحصول على المال من كل طريق حتى من أعداء الدين والانسانية والمدهش أنه كلما تكرر العدوان على العرب، وزادت حدته عانوا مزيداً من التفكك والانقسام، كما حدث بعد حرب 1948 أو حرب 1967 اسرائیل مئة مليون عربي يذلهم مليونان ونصف يهودي !.. فهل حدث مثل هذا في التاريخ ؟ وان قال قائل : انها أمريكا لا اسرائيل. قلنا في جوابه : بل الخلاف والشقاق. فلقد أذلت فيتنام أمريكا، وجعلتها تضرب في غمرة، وتموج في حيرة لا تدري أين السبيل ؟.
(وزاحت الأعداء له عنهم الى التواصي بها). ضمير «له و به وعليه»
يعود للأمر في قوله : «فالزموا كل أمر». وضمير «عنهم وعليهم ومعهم وحبلهم»، يعود للأمة العزيزة في كيانها ومكانتها، والمعنى عليكم أن تأخذوا درساً نافعاً من تاريخ الأمم، وتسلكوا كل طريق جعل منها أمة قوية ترهبها الأعداء، وغنية فيما تملكه من طاقة وثراء، وتبتعدوا عن طريق الضعف والتخلف، وليس من شك ان وحدة الصفوف عامل من عوامل القوة والرقي، فالزموا الالفة، واجتنبوا الفرقة، وحثوا عليها، وتواصوا بها (واجتنبوا كل أمر كسير الخ).. مالكم وللضغينة والشحناء ؟ انها وهن للقوة، ومنافرة للقلوب، وشل للأيدي وتحطيم للسيوف.
(وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم الخ).. المراد بالمؤمنين هنا المستضعفون، وبالفراعنة الجبابرة الطغاة، والمراد بالصبر على الأذى في محبة الله - الإخلاص والثبات على الحق، والمعنى كان فيما مضى مجموعة من المجانين يقول بعضهم : أنا الله، انا ربكم الأعلى، وآخر يقول : لست إلها، ولكني مرسوم من قبل الله، وكل من هذا وذاك يطارد الضعفاء وينكل بهم، وهم لا يملكون حولاً ولا قوة إلا الهداية وتحابب القلوب وثباتها على الإخلاص والإيمان ولما علم الله فيهم خيراً جعل لهم فتحاً ومخرجاً، ومن عليهم بالكرامة والسلطان، والأمن والاستقرار، وبالعلم ومعرفة الحقائق، فعاشوا حياة ما كانوا يحلمون بها من قبل.
(فانظر كيف كانوا حيث كانت الخ).. الجمل في هذه الأسطر مختلفة المبنى متحدة المعنى، والقصد منها التأكيد على انه لا حياة لقوم إلا بوحدة الكلمة، وانه متى تحققت هذه الوحدة والالفة اتجهت الجهود والعقول كلها الى العمل لحياة أفضل وانه لا شيء وراء الشتات إلا المذلة والهوان، والشاهد على ذلك العيان ووقائع التاريخ.
وبالمناسبة قالت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية : ان في الشرق الأوسط فراغاً يجب أن يملأ، وقالت الصهيونية : ان فلسطين يجب أن تكون وطناً قومياً لليهود على الرغم من أنوف العرب وإرادة الشعوب العربية ! وملأت أمريكا الفراغ بدولة اسرائيل.. ولولا انقسام العرب بعضهم على بعض ما كان للفراغ والاستعمار والصهيونية عين ولا أثر.
وبعد، فلا قومية عربية أو غير عربية إلا بوحدة الكلمة والنضال، ولا إسلام ومسلمين وحق ومحقين إلا بالتعاون والتضامن بالتعاون والتضامن، ولا اتفاق وتعاون إلا بحاكم عادل، ونظام لا تفاضل فيه ومحاباة فئة على فئة وامتياز فرد على غيره إلا بالعمل الصالح النافع.
النعمة برسول الله.. فقرة 21 – 23:
فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاق وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (عَلَيْهِمُ السَّلامُ) فما أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ. تَأْمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشتُّتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ لَيَالِيَ كَانَتِ الْأَكاسِيرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرباباً لَهُمْ، يَجْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الْآفَاقِ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ الشيح، وَمَهَا فِي الرِّيحِ، وَنَكَدِ المَعَاشِ. فَتَرَكُوهُمْ عَالَةٌ مَسَاكِينَ إخْوَانَ دَبَرٍ وَوَبَرٍ، أَذَلَّ الأمم دَاراً، وَأَجْدَبهُمْ قَرَاراً. لا يَأْوُونَ إلى جناح دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بهَا، وَلاَ إلَى ظِلٍّ الفَةٍ يَعْتَمِدُون عَلى عزّها. فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَالْأَيْدِي مُختلِفَةٌ، وَالكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ. في بلاء أَزْلٍ، وَإِطْبَاقٍ جَهْلٍ! مِنْ بَنَاتِ مَوْءودَةٍ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وأَرحام مَقْطُوعَةٍ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَة (21). فَانظُرُوا إِلَى مَوَاقِع نغم اللهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَجَمعَ على دَعْوَتِهِ ألْفَتْهُمْ. كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، وَالتَفْتِ الملَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا.
فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا فَرِقِينَ، وَعَنْ خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ. قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ، فِي ظِلٍّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ وَآوَتهُمُ الْحَالُ إلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ، وَتَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ. فَهُمْ حُكّام على الْعَالِمِينَ، وَمُلُوكٌ في أَطرَافِ الْأَرَضِينَ. يَمْلِكُونَ الأُمُورَ عَلى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ. وَيُمْضُونَ الْأَحْكامَ فِيمَنْ كَانَ يُمضِيهَا فِيهِمْ. لاَ تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَلاَ تُفْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ (22). ألاَ وَإنّكُمْ قَدْ نَفَضْتمُ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمتُمْ حِصْنَ اللهِ المَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بأحكام الْجَاهِلِيَّةِ. فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلى جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هُذِهِ الْأُلْفَةِ التي يَنْتَقِلُونَ في ظلّها، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً لأَنها أَرْجُحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَأَجَلٌ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صرتُمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَبَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحزاباً. مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الإسلام إلا بِاسْمِهِ. وَلاَ تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلا رَسْمَهُ (23).
اللغة :
يجتازونهم : يقبضونهم. والريف : أرض الزرع والخصب. والآفاق : جمع أفق أي الناحية. وبحر العراق : دجلة والفرات. والشيح : نوع من النبات وعالة : فقراء. ودبر - بفتح الباء - القرحة في ظهر الدابة.. ووبر : شعر الجمل. والجناح : الملاذ. والمراد بالأزل هنا الشدة. وفكهين : راضين.
وتربعت : أقامت واطمأنت. وتُغمز تختبر. والقناة : الرمح. والصفاة : الحجر والصخرة. والثلمة : الخلل. وثلمتم : خرقم. وكلفها : حصنها.
الإعراب :
ما أشد اعتدال «ما» و مبتدأ، وأشد فعل ماض، والفاعل مستتر، والفاعل مستتر، والجملة خير، واعتدال مفعول أشد، وعالة حال، واخوان مثله أي مصاحبين، وكذلك أذل أي أذلاء، وداراً تمييز، ومثله قراراً، وفي بلاء أزل متعلق بمحذوف حالا من الكثرة أي كائنة في بلاء.
(فاعتبروا بحال ولد اسماعيل وبني إسحق الخ) اسماعیل ابن ابراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) من هاجر، وإسحق ابنه من سارة، وإسرائيل هو يعقوب بن اسحق ابن ابراهيم أما سبب تسمية يعقوب بإسرائيل فقد أوضحته التوراة في سفر التكوين، الإصحاح 32، وهو أن الله دخل في ذات ليلة على يعقوب، وتصارع معه حتى الفجر، فما استطاع أحدهما أن يغلب الآخر، وعندئذ منيح الله يعقوب لقب اسرائيل اعترافاً بمقدرته، لأن اسرائيل في اللغة العبرية يعني «مصارع الله».
ولإسرائيل هذا 12 ولداً، وهم : شمعون وراؤبين ولاوي ويهوذا ويساكر وزبولون وجاد وأشير ودان ونفتالي وبنيامين ويوسف الصديق. وهؤلاء وأولادهم وأحفادهم كلهم ما عدا يوسف مجرمون وقتلة الأنبياء بشهادة التوراة والانجيل و القرآن.. وبدأ إجرامهم أول ما بدأ بمحاولة لقتل أخيهم يوسف، لأنه طاهر ونبيل، ثم حاولوا قتل عيسى ومحمد، وما بين المحاولتين قتلوا ورجموا الكثرة الكاثرة من الأنبياء والمرسلين (انظر انجيل لوقا الإصحاح 13 وآيات القرآن الكريم).
والمدهش أنهم كانوا يقتلون أنبياء الله تقرباً الى الله انه بزعم هو الذي أمرهم بقتل الناس حتى النساء والأطفال، وبحرق المدن والقرى وتدميرها ما عدا الذهب والنحاس (انظر التوراة سفر يشوع الإصحاح 6 وغيره). قال الاستاذ علي
الدالي في مقال نشرته جريدة الجمهورية المصرية تاريخ 18 مايو أيار 1972 : «ان اليهودي في القرن العشرين الذي بقر بطون الحبالى في دير ياسين هو نفس اليهودي الذي كان قبل المسيح ينشر عدوه بالمنشار نصفين من شعر رأسه إلى أسفله، وهو نفس اليهودي الذي فتح بطون الأبرياء المسيحيين في قبرص أيام الرومان، وتحزم بامعائهم ليفاخر العالم بقوته، ويثبت تفوقه في الانتقام المروع».
ثم استشهد «الدالي» بنص نقله عن كتاب التلمود : «نحن شعب الله المختار.. نحن البشر على الصورة التي تركزت في مخيلة الله وغيرنا لا يبصر إلا موضع قدميه.. وقد شاءت الطبيعة أن نسود العالم ونسيطر عليه بأسره.. فيجب أن تكون مطامعنا واسعة، وحماستنا خارقة، وظمأنا للانتقام حاراً ومستعراً».
أما دين محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيقول : «أيها الناس ان ربكم واحد، وان أباكم واحد، كلكم من آدم، وآدم من تراب، وان أكرمكم وآدم من تراب، وان أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل، ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى».
ان العنصرية الإجرامية هي دين اليهود ومبدأهم وشعارهم بنص التوراة والتلمود أي الكتابين المقدسين عند اليهود.. وما من ريب ان هذه الروح الصهيونية تحمل في طبيعتها السبب الكافي للقضاء عليها.. وبهذا نطق القرآن والتوراة، فلقد جاء في سفر التثنية من التوراة الاصحاح 28 ما نصه بالحرف الواحد : «يجعلك الرب - الخطاب لشعب اسرائيل - منهزماً أمام أعدائك، تخرج عليهم من طريق واحد، وفي سبع طرق أمامهم، وتكون قلقاً في جميع ممالك الأرض، وتكون جثتك طعاماً الجميع طيور السماء ووحوش الأرض».
أما دولة اسرائيل والاعتراف بها كأمر واقع فهي في علم الله الذي قال : «فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ - 5 غافر».
(فما أشد اعتدال الأحوال، وأقرب اشتباه الأمثال). المراد بالاعتدال التناسب، وبالاشتباه المشابهة، والمعنى ان أحوال المسلمين اليوم تشبه أحوال بني اسرائيل من قبل من حيث التشتت والتفرق، والذل ونكد العيش، وتسلط البعيد وتحكمه في المقدرات والمصير.. وقول الإمام : «الأكاسرة والقياصرة»
يشير الى الذين حكموا اليهود وفعلوا بهم الأفاعيل كبختنصر والفرس والرومان.. وحذر الإمام أن يصيب المسلمين ما أصاب بني اسرائيل، ومن قبله وعظ وحذر رسول الله والقرآن.. وما أفاد الوعظ والتحذير.
(فالأحوال مضطربة - الى مشنونة). الكلام مستأنف، والمراد به العرب، فالأحوال أحوالهم، والأيدي أيديهم، والكثرة كثرتهم بدليل قوله : «بنات موءودة، وأصنام معبودة.. وغارات مشنونة». والقصد المقارنة والمشابهة من حيث الذم والقبح بين جاهلية العرب وعنصرية اليهود.
(فانظروا الى مواقع النعم عليهم الخ).. ضمير «عليهم» يعود للعرب، والمراد بالرسول محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي دعا دعوة العدل والمساواة، فسخر منه ومن دعوته الطواغيت لا لشيء إلا لأنه جعل الآلهة إلها واحداً.. ولكنه صمد وأصر على كلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» فحاولوا أن يثنوه بالحسنى، فعرضوا عليه المال والسلطان، فسخر منهم ومضى في دعوته، فاضطهدوه ونكلوا به، فما زاده ذلك إلا ثباتاً وايماناً، وعندئذ حاصروه وأحكموا الحصار عليه وعلى أسرته ثلاث سنوات، فلم يعبأ.. ولما أعينهم الحيل تآمروا على اغتياله، فأعمى الله أبصارهم عنه، وهاجر من بينهم الى المدينة، فتبعوه بعدتهم وعددهم فانتصر عليهم بإذن الله.
وباسمه قضى المسلمون على ملك كسرى، وحرروا المستعمرات من حكم قيصر ووصلوا الى حدود الهند والصين وجنوب فرنسا، وبفضله أعطوا شرق الأرض وغربها فيضاً من العلوم والحضارة.. ثم انقسمت الخلافة، وتعددت الممالك الاسلامية، هذا بقي للمسلمين شأن وكيان مدة ألف عام أو تزيد، ولا أدري هل يعود المسلمون كما كانوا خير أمة أخرجت للناس تؤمن بالله ورسوله قولاً وعملاً ؟
أكتب هذه الكلمات في سبتمبر (ايلول) سنة 1972، والمؤتمر الاسلامي السابع ينعقد في القاهرة.. واذا عطفنا هذه (السبعة) على اخوتها في السعودية وليبيا والمغرب
لرأينا نمواً مستمراً وسريعاً في هذا الميدان.. لكن - يا للأسف - اذا التمسنا
الثمرات والنتائج العملية لهذه التحركات مجتمعة - لوجدناها تماماً كضم صفر الى صفر، لا يخرج منه أي شيء ايجابي يفيد المسلمين
والنتيجة العملية التي يترقبها كل عربي ومسلم من هذا المؤتمر وأمثاله هي أن يرى بادرة خير، وبارقة أمل في أن أمنه وزمامه في يد جيشه وحكومته، لا في يد اسرائيل والصهيونية، وان مصيره ومستقبله في إرادة شعبه وأمته، لا في إرادة موسكو وواشنطن، أو مجلس الأمن والأربعة الكبار.. إن العدو يستهتر بجيوشنا ودولنا ويقابلها بازدراء وخشونة.. فهل يرضى علماء المسلمين أن تستهتر اسرائيل بهم أيضاً، وتسخر منهم ومن تجمعاتهم وقراراتهم ؟
إن الأيدي الخفية حركت بعض المؤتمرات التي حملت عنوان التعايش بين الأديان.. ونحن نبرىء وننزه المؤتمر الاسلامي عن ذلك، ولكن نتساءل : لماذا لا يصدر علماء المؤتمر نداء يحرمون فيه البضائع والسلع الأمريكية شراء واستعمالاً، كما فعل غاندي من قبل في مقاطعته السلبية ضد الانكليز.؟ وهل صاحب العنزة أكثر إخلاصاً لوطنه وأمته من علماء المسلمين لدينهم ووطنهم ؟ وهل يجهل علماء المؤتمر ان الولايات المتحدة أساس هي الداء والبلاء.. وان نداءهم هذا له وزنه وأثره، وبخاصة اذا بذلوا وسعهم لكي يوقع النداء أيضاً كل عالم في كل قطر وتطوعوا لتنفيذه والعمل به زرافات ووحدانا.؟.
ومما يُوجع ويُفجع أن اسرائيل تشدد وتكرر عدوانها على سوريا ولبنان، وتقتل الأبرياء والنساء والأطفال في نفس الوقت الذي يعقد فيه المؤتمر السابع لعلماء المسلمين ببلدة قناة السويس وبالقرب من جيوش العدو المرابط على ضفة القناة.
هذا، وعلماء المؤتمر في شغل شاغل «بالبحث عن المجتمع المثالي في الإسلام، وعن جدل القرآن، وكيف يتكون المسلم في ظل المناهج، وعن التأمينات وشهادة الاستثمار، وودائع صندوق الادخار، وودائع صندوق الادخار..» الى آخر ما جاء في جريدة الأخبار المصرية تاريخ 8 - 9 – 1972.
أبهذا يا أصحاب الفضيلة تغيظون اسرائيل ؟ وتنتقمون من الولايات المتحدة، وتنقذوننا من اليأس والقنوط، والذل والهوان ؟ وهل هذا هو واجب العلماء الوحيد الآن فقط لا غير يا حملة القرآن ؟
وكنت قد أرسلت برقية للمؤتمر الرابع أو الخامس – والتردد من ضعف الذاكرة - ناشدت فيها الرئيس والأعضاء أن يتدارسوا المقاطعة السلبية للسلع الأمريكية، ولكنهم غضوا الأبصار، وختموا على الآذان.. اللهم رد علينا غربتنا، وعرفنا بمن يسمع ويبصر من علمائنا، ويزهر ويثمر من زعمائنا. انك حميد منان.
(ألا وانكم قد نفضتم - الى - الجاهلية). المراد بحصن الله الإسلام الذي أمر بالألفة والتعاون على الخير والصالح العام والمراد بأحكام الجاهلية الفرقة وانتهاك الحرمات، والمعنى أن الله سبحانه قد تفضل عليكم بنور الإسلام، فأبيتم إلا ظلمات الجاهلية وأرجاسها (ان الله سبحانه قد امتن على جماعة هذه الأمة الخ).. أي على المسلمين، والمراد بالعقد بينهم الالفة التي تدعو الى التعاون المتكامل على أساس الإيمان والعقيدة، ويقول الإمام : ان هذا التعاون هو (أرجح من كل ثمن، وأجل من كل خطر) أي جليل، لأن التعاون بهذا المفهوم يكون الخدمة الجميع لا لصالح فئة على حساب فئة أخرى. قال سبحانه : «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ - 2 المائدة». ومن البداهة ان البر للجميع، أما الاختصاص بفرد أو بفئة فإثم وعداون.
(واعلموا انكم صرتم بعد الهجرة أعراباً) لا أثر للإسلام في قلوبكم وأعمالكم إلا قول : «لا إله إلا الله محمد رسول الله». (وبعد الموالاة أحزاباً). يشير بالموالاة الى قوله تعالى : «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ – 71 التوبة» أي انهم كانوا كذلك في عهد رسول الله وهجرته، ثم صاروا أعداء متخاصمين (ما تتعلقون من الاسلام الخ).. إن الاسلام إن الاسلام أبعد الأديان عن المظاهر والشكليات.. انه يقين، ويقين المسلم انما انه يقين، ويقين المسلم انما هو في عمله الخالص لوجه الله لا في قوله ومظهره. وتقدم مثله في الخطبة 150 وغيرها.
تَقُولُونَ النَّارَ وَلَا الْعَارَ، كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِفُوا الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ، انتهاكاً لِحَرِيمهِ، وَنَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ لَكُمْ حَرَما
فِي أَرْضِهِ وَأَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ. وَإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَّكُمْ أَهْلُ الكُفْرِ، ثُمَّ لَا جَبْرَائِيلُ وَلَا مِيكَائِيلُ وَلَا مُهَاجِرُونَ وَلَا أَنْصَارُ يَنصُرُونَكُمْ إِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسِّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ. وَإِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَقَوَارِعِهِ، وَأَيَّامِهِ وَوَقَائِعِهِ. فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بِأَخْذِهِ، وَتَهَاوُنَا بِبَطْشهِ، وَيَأْساً مِنْ بَأْسِهِ. فَإِن اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلَّا لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَلَعَنَ اللهُ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي، وَالحَلَمَاء لِتَرْكِ التناهي (24). أَلَا وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الإِسْلَام وَعَطّلَمْ.. حدُودَهُ وَأَمتُمْ أَحْكامَهُ، أَلاَ وَقَدْ أَمَرَنِي اللهُ بِقِتالِ أَهْلِ البَغي والنكث وَالفَسَادِ في الْأَرْضِ فَأَما النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وَأَما القَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ. وَأَمَّا المَارِقَةُ فَقَدْ دَوَّختُ. وَأَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَرَجَّةُ صَدْرِهِ. وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ البَغْيِ. وَلَئِنْ أَذِنَ اللهُ فِي الكَرْةِ عَلَيْهِمْ لأديلَنّ مِنْهُمْ إلا مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلادِ تَشَذراً (25).
اللغة :
كفأ واكتفاً الإناء : أماله وقلبه. والميثاق. العهد. ونكثه : نقضه. والقاسطون : الجائرون عن الحق. والمارقة : الذين خرجوا من الدين. والردهة - بفتح الراء - النقرة يجتمع فيها ماء السماء. وصعق : غشي عليه وذهب
عقله. ووجب القلب : اضطرب. ورجّ الصدر : اهتز. وأديلن منهم : : أنتصر منهم. ويتشذر : يتفرق.
الإعراب :
النار والعار منصوبان بمحذوف أي ندخل النار ولا نتحمل العار، وانتهاكا مفعول من أجله لتكفؤا، لا جبرائيل بالفتحة اسم «لا» تشبيهاً بالنكرة مثل معضلة ولا أنا حسن لها، وجهلاً مفعول لأجله، وتشذراً مفعول مطلق
المعنى :
(تقولون النار ولا العار). هذا تفريع على قوله : «ما تتعلقون من الاسلام إلا باسمه»، والمعنى انكم تقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم.. صحيح انكم تنطقون بكلمة الشهادتين، ولكنكم لا تعملون بموجبها، وأيضاً تقولون : النار ولا العار، هذا لا تصونون حقاً، ولا تمنعون ضيماً (كأنكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه الخ).. هذا كناية عن معاكستهم لدين الله، وانهم تنكبوا عن طريقه الى طريق المتاهة والضلالة وتقدم مثله في الخطبة 101 و 106.
(الذي وضعه الله لكم - الى - بيتكم). ضمير وضعه يعود الى الإسلام، والمعنى ان الله سبحانه شرع لكم من الدين ما هو من الدين ما هو أمن وخير دنيا وآخرة، فإن عاكستم وخالفتم عشتم في خوف وحرب مع أهل الكفر والبغي، ولا تجدون ولياً ولا نصيراً إلا ما شاء الله (وان عندكم الأمثال من بأس الله الخ).. المراد بالأمثال الآيات والأحاديث عما أصاب الطغاة من السابقين الذين جعلهم سبحانه عبرة وعظة اللاحقين، لعلهم يتقون، والمراد ببأس الله وقواعده وأيامه ووقائعه واحد، وهو العذاب، والانتقام، والمعنى : لماذا تتهاونون بأمر الله ونهيه، وأنتم تعلمون بطشه و انتقامه، وتهديده ووعيده ؟ هل استبطأتم ذلك، وتقولون مثل ما قال الأولون : ائتنا بما تعدنا ؟ انه تعالى يمهل ولا يهمل.
ثم بين الإمام السبب الموجب لغضب الله ولعنته على من أدبر وتولى، بقوله : بینه (إلا لتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) ومعنى هذا ان دين
الله ايجابي لا سلبي، فهو لا يرضى منك أن تترك المنكر وكفى، بل عليك أيضاً أن تنهى عنه، وتجاهد من أصر عليه بما تملك من طاقة (فلعن الله السفهاء) وهم الشباب من أهل الجهل والطيش، لعنهم سبحانه (لركوب المعاصي) كالفجور والخمر والميسر، وأيضاً لعن (الحلماء) أي الشيوخ المتقدمين في السن (لترك التناهي). لا ينهى بعضهم بعضاً عن الفتن والدسائس والمؤامرات.
(ألا وقد قطعتم قيد الإسلام). ان الإسلام قيد ولجام يكبح ويمنع عن الجرائم والموبقات تماماً كالعقل يكبح الشهوات (وعطلتم حدوده) وهي حلال الله وحرامه (وأمتم احكامه) عطف تفسير (ألا وقد أمرني الله بقتال اهل البغي الخ).. يشير الى الناكثين أصحاب الجمل، والقاسطين أهل صفين، والمارقين الخوارج، وان الله قد أمره بقتالهم فسمع وأطاع. وعن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ان علياً يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. نقل هذا الحديث الحافظ النيسابوري في «مستدرك الصحيحين»، ج 3 ص 139 طبعة حيدر آباد سنة 1324 هـ وابن الأثير في ـأسد الغابة» ج 4 ص 32 طبعة مصر سنة 1285 هـ، 32، والمتقي الهندي في «كنز العمال»، ج 6 ص 82 طبعة حيدر آباد سنة 1312 هـ. (نقلنا رقم الجزء والصفحة وتاريخ الطبع عن كتاب «فضائل الخمسة من الصحاح الستة»).
(أما شيطان الردهة الخ). وهو حرقوص بن زهير، وكان أسود منتن الريح، وله عضد وليس له ذراع، وعلى رأس العضد مثل ثدي المرأة، ومن أجل هذا لقب بذي الثدية وبالمخدج أي الناقص، وبذي الخويصرة، وكان من رؤوس الخوارج. وفي صحيح مسلم كتاب (الزكاة) وأبي داود باب قتال الخوارج : ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أشار الى هذا الشيطان بقوله : يخرج قوم – أي الخوارج - من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم الى قراءتهم بشيء.. يمرقون في الإسلام كما يمرق السهم من الرمية من الرمية.. وان فيهم رجلاً له عضد، وليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي. وروى البخاري هذا الحديث في ج 4 باب علامات النبوة في الإسلام : وان هذا الشيطان أتى النبي، وهو يقسم قسماً، فقال : يا رسول اعدل، فقال له : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟
وروى أهل التاريخ أن الإمام بعد أن انتهى من قتل الخوارج قال : اطلبوا ذا الثدية بين القتلى، فبحثوا عنه فلم يجدوه. فقال الإمام : لقد أخبرني رسول
الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقتله، والله ما كذبت ولا كذبت. اطلبوا الرجل وانه مع القتلى، فبحثوا عنه حتى وجدوه في حفرة، فنسب اليها (وبقيت بقية من أهل البغي الخ)..، وهم معاوية وأصحابه ان تمكن منهم الإمام قضى عليهم وعلى دولتهم، ولا يبقي إلا مشمراً وهارباً.
أنا وَضَعْتُ فِي الصَّغَرِ بِكَلاكِلِ الْعَرَبِ، وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُون ربيعَةَ وَمُضَرَ. وَقَدْ عَامِتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِالقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالمَنْزِلَةِ التخصيصةِ. وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكنفنِي إِلَى فِرَاشِهِ، وَيُمسني جَسَدَهُ وَيُشِمِنِي عَرْفَهُ. وَكَانَ يَمضُعُ التّيء ثم يُلْقِمُنِيهِ. وَمَا وَجَدَ لِي كَذَّبَةً فِي قَوْلٍ، وَلاَ خَطْلَةٌ فِي فِعْلٍ. وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَالِهِ) مِنْ لَدُنْ
أَنْ كَانَ فَظِيماً أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ (36). وَلَقَدْ كُنتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاقِهِ عَلَمَا وَيَأْمُرُنِي بالاقتداء بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاء فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غيري. وَلَمْ يَجْمَعَ بَيْتُ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ في الإسلام غَيْرَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثهمُا. أَرَى نُورَ الوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَبِّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ عَلَيْهِ
(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الرَّنْةُ ؟ فَقَالَ هذَا الشَّيْطَان أَيسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى ما أرى إلا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَي. وَلَكِنَّكَ وَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خير (27).
اللغة :
الكلاكل : الصدور، والمراد بها هنا كبار العرب. ونواجم القرون : ما برز منها، والمراد بها هنا سادات القبائل. وعرفه : رائحته الذكية. وخطلة : الخطأ. والفصيل : ولد الناقة. وحراء - بكسر الحاء - جبل من جبال مكة المكرمة.
الإعراب :
بكلاكل الباء زائدة، والفتحة على ربيعة ومضر علامة الجر، لأنهما ممنوعان من الصرف للعلمية والتأنيث، وقال الشيخ محمد عبده : هما بدل من قرون والأظهر جرهما بالإضافة.
(أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب الخ).. من من درس تاريخ الاسلام رأى ان الدعوة الاسلامية مرت في العديد من المراحل، والأساسية منها ثلاث : المرحلة الأولى : إعلان الدعوة وبثها بلا عنف، والثبات عليها مهما تكن الظروف والمصاعب، وتحمل العذاب والتنكيل بلا محاولة الدفاع والمقاومة، لأن المقاومة مع العجز انتحار.. وقد تحمل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والصحابة الكثير في هذه المرحلة، واستشهدت منهم أم عمار وأبوه ياسر، واستمرت هذه المرحلة 13 سنة في مكة.
ولك أن تسميها بمرحلة المقاومة السلبية، وبمثلها أو قريب منها حرر غاندي الهند من الاستعمار. ومن أقواله : (اذا كنا صادقين فإن القمع لن يثبط همتنا، ولن يدفعنا الى المبادرة الغاضبة بمجابهة العنف بالعنف، ذلك ان العنف انتحار) أي لمن لا يملك القوة الرادعة.
المرحلة الثانية : الدفاع بعد إكمال العدة والعدد لردع العدوان مع توطين النفس على الفداء والتضحية، ومن هذه المرحلة حرب بدر وأحد وغيرهما من الغزوات.
المرحلة الثالثة : الهجوم على العدو وتطويقه، وأخذ المبادرة قبل أن يثب و يباغت بهجومه وعدوانه.. وأيضاً لا بد لهذا الهجوم الرادع من إكمال العدة والعزم على الفداء والتضحية، وما بلغت الدعوة هذه القوة إلا بعد غزوة الأحزاب وتشتيتها حيث هتف النبي يقول : لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ولا شيء بعده.. الآن نغزوهم ولا يغزوننا، وفي هذه المرحلة كان فتح مكة.
ورافق علي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مراحله كلها، وسبق الناس الى الإيمان بدعوته، والتمسك بعروته، ودافع عنه وعنها بنفسه لا يرجو إلا رضا الله ومودة الرسول، بل كان علي يبث الدعوة لمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل البعثة، ويحدث الغلمان من أترابه عن خلق محمد وعظمته، قال الاستاذ عبد الرحمن الشرقاوي في كتاب «محمد رسول الحرية» الطبعة الأولى ص 65 : «كان علي، وهو في الثامنة يحدث الغلمان في مثل سنه عن ابن عمه ويقول : ان محمداً ألغى في بيته كلمة العبيد والجواري، وأحل مكانهما كلمة فتاي وفتاتي، وهو يصبر على الخدم، فما يقول لواحد منهم «أف» مهما يخطىء».
وكان عتاة قريش يُغرون الصبيان برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيصحب معه علياً يذبهم عنه. ومن جهاده في المرحلة الأولى مبيته على فراش رسول الله ليلة الهجرة. وهنا أدع الحديث لغيري تجنباً لمواضع التهم.. فقد نشرت جريدة الأخبار المصرية تاريخ 8 - 12 - 1967 كلمة بعنوان (مشاهدات فدائية في تاريخ الإسلام) جاء فيها :
«ان تاريخ الإسلام حافل بضروب باسلة من أمثلة الفدائية النبيلة.. وأظهر من نعرف من فدائي العصر النبوي علي بن أبي طالب، ومواقفه الفدائية أكثر
من ان تحصر، ولعل أولها في تاريخ الدعوة مبيته ليلة الهجرة على فراش ابن عمه متوقعاً ما سيحيق به من الموت المباغت إذ أحاط به الأعداء من كل صوب فهانت عليه نفسه وراء ما ينشد من تفدية صاحب الدعوة، ومكث الليل الطويل ينتظر الموت ما بين لحظة وأخرى، وقد برقت الأسنة، ولمعت السيوف.. ان مخاطرات على الفدائية تغلغلت في أعماقه حتى غدت احدى وسائل النصر في بطولاته، وحسبك أن تعلم انه في طليعة المتقدمين في ميدان المبارزة الحربية، وانه بطل الإسلام».
أما الكاتب الإسلامي المصري الاستاذ عبد الكريم الخطيب فقد استوحى من المبيت معنى دقيقاً ما سبقه اليه عالم وباحث، قال في كتاب علي بن أبي طالب ص 105 وما بعدها طبعة 1967 :
«هذا الذي كان من علي في ليلة الهجرة.. لم يكن أمراً عارضاً، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقباتها، فلنا أن نسأل : أكان لإلباس الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شخصيته لعلي أكثر من جامعة القرابة القريبة بينها.؟ وهل لنا أن تستشف من ذلك - أي من ان الرسول ألبس شخصيته لعلي - انه اذا غاب شخص الرسول كان علي هو الشخصية الشخصية المهيأة لأن يخلفه، ويمثل شخصيته، ويقوم مقامه ؟.. وأحسب اننا لم نتعسف كثيراً حين نظرنا الى علي، وهو في برد الرسول، وفي مثوى منامه الذي اعتاد أن ينام فيه - فقلنا : هذا خلف الرسول والقائم مقامه».
وبحق قال الأستاذ الخطيب : إن شيعة علي لا يقيمون شاهداً من هذه الواقعة يشهد لعلي انه أولى الناس برسول الله على حين نراهم يتعلقون بكل شيء يرفع علياً الى تلك المنزلة أي الخلافة. ولي أن أجيب عن الشيعة بأنهم لا يستدلون بشيء على خلافة إمامهم إلا بأقوال السنة، وعلى هذا جرت عادتهم منذ القديم تجنباً لمواطن التهم وما رأوا أحداً قبل الأستاذ الخطيب استدل بهذه الواقعة على أولية علي بالخلافة، ولما أنطقه الله به أخذوه عنه، كما فعلت أنا. ثم قال الخطيب الكريم :
«إن علياً خدع قريشاً بمبيته على فراش رسول الله، ومكر بها عن محمد حتى أفلت من بين أيديها، وسلم من القتل، وقد صفعها علي بفعلته هذه صفعة مذلة ومهينة، فأضمرت قريش لعلي السوء، وأرهقته وتجنت عليه بعد أن دخلت
الاسلام.. إن هذا الذي كان من علي ليلة الهجرة في تحديه لقريش، هذا التحدي السافر، وفي و في استخفافه بها، ان ذلك لا تنساه قريش لعلي أبداً، ولولا انها وجدت في قتل علي يومئذ إثارة فتنة تمزق وحدتها لشفت ما بصدرها منه، ولكنها تركته، وانتظرت الأيام لتسوي حسابها معه ولحق النبي بالرفيق الأعلى، وترك علياً وراءه يصطدم بالأحداث، ويكابد الشدائد حتى يلحق بالرسول.. ألا يبدو لنا من هذه الموافقات ما نستشف منه ان لعلي شأناً في رسالة الرسول، ودوراً في دعوة الاسلام ليس لأحد غيره من صحابة الرسول».
وبعد، فإن الاستاذ عبد الكريم الخطيب لا يمت الى الشيعة بأم ولا أب، ولا بتربية وبيئة، وإنما نطق بوحي من ضميره ودراسته مجرداً عن كل غاية، فالتقى شيعة علي من حيث لا يريد.. ثم تنبه للعواقب، وخاف من تهمة التشيع، وثورة المتعصبين من الشيوخ، فاتقاهم بقوله : (وبعد فهذه خطرات لا نحسبها على تلك القضية، ولا نأخذ بها فيها». ولكن أسلوبك في التعبير أيها الأستاذ الكريم - ينم عن شعور قلبك وإيمانه، لا عن خطرات خيالك ووساوسه، ان هذه الخطرات والوساوس تتجلى في اعتذارك بقولك» لا نأخذ بها فيها ان هذا الاسلوب ان دل على شيء فإنه يدل على الشك والحيرة والارتباك. وعلى أية حال فأنت معذور لقوله تعالى : «إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ - 28 آل عمران».
قدمنا ان الدعوة الإسلامية مرت بثلاث مراحل أساسية : الأولى مجرد الإيمان والإعلان مع الثبات والصبر على الأذى. والثانية ردع العدوان. والثالث-ة الهجوم الرادع، وأشرنا الى جهاد الإمام في المرحلة الأولى. ومن جهاده ومن جهاده في المرحلة الثانية بلاؤه يوم بدر، وبعد أن تحدث عبد الكريم الخطيب عن هذا اليوم في کتاب (علي بن أبي طالب) قال: «فأنت ترى كيف كان ابن أبي طالب سيفاً بتاراً يضرب أئمة الكفر من قريش».
وقال عن يوم أحد : «وكان لعلي يوم أحد ما كان له يوم بدر من الإطاحة برؤوس أئمة الكفر من قريش.. ومن قتلى علي في هذا اليوم طلحة ابن أبي طلحة صاحب راية المشركين في تلك الوقعة، فغير منكور إذن تلك اليد الضاربة، وهذا السيف لعلي في معركة الإسلام وأيضاً غير منكور الترات التي كانت للمشركين عند علي، والتي لم يخل منها بيت من بيوت قريش».
وقال عن وقعة الأحزاب : «قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حسين برز علي لابن ود يوم الخندق : الآن برز الإسلام للشرك كله وقال حذيفة بن اليمان : لو قسمت فضيلة علي بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين أجمعهم لوسعتهم. وقال ابن عباس في قوله تعالى : «وكفى الله المؤمنين القتال» بعلي. والحق ان مكان علي في معارك الاسلام أكبر من أن تخفى وراء التعصب في مواقف الخصومة والملاحاة، ولو ان بطولة علي كانت موضع شك لما سار الحديث عنها مسير المثل، فكان مما قيل لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار. إن علياً أكثر المسلمين شدة على مشركي قريش، وإفجاعاً لهم في الأبناء والآباء والأعمام والأخوال، وهذه الإحن على علي، وتلك الترات في نفوس قريش المشركة ظلت جية بعد أن دخلت في الاسلام... وبعد موت النبي تناولت قريش بسيوفها شيب بني هاشم وشبابها وصبيانها وشردت عقائلها وحراثرها، وكأنما تثأر بهذا لقتلاها في بدر وأحد، وحسبنا أن تذكر هنا مصرع الحسين وآل بيته في كربلاء، وما تلا ذلك من وقائع».
ومن جهاد الإمام في المرحلة الثالثة بلاؤه يوم خيبر وقتله مرحبا، ويوم حنين، وفي حصار الطائف، وما الى ذلك مما ذكره أهل السير والتاريخ.
(وضعني في حجره، وأنا ولد الخ).. إن المعيار الصحيح للموازنة والمفاضلة بين صحابة رسول الله وغيرهم هي النصح للاسلام، والجهاد في سبيله، والعلم والعمل به وأحكامه، أما السبق الى الاسلام فقد كان في أول البعثة أعظم الفضائل وأهم أنواع الجهاد على الاطلاق حيث لا قوة للإسلام، ولا جماعة للمسلمين، وحيث يعاني النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من السفهاء شراً وعنتاً، ولا ذاب ومعين، ومن أجل هذا يعتبر المسلم آنذاك من المؤسسين أو في حكمهم، قال سبحانه : «الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ - 117 التوبة». وقال :. وقال : «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - 10 الواقعة» أي السابقون عند البعثة، أما بعد الهجرة ووجود العدة والعدد فلا فضل لسابق على لاحق إلا بما أشرنا اليه.
وكان لعلي فضيلة السبق الى التصديق بالاسلام ونبيه يوم لا مسلم إلا محمد وخديجة وهو ثالثهما، كما قال بالإضافة الى الخلال الفضلى، والى قرابة قريبة من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تجعله، مجتمعة فيه - أولى الناس برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ - 6 الأحزاب».
(ولم يجمع بيت واحد يومئذ الخ).. في سيرة ابن هشام عن ابن اسحق: «كان أول ذكر أسلم وصلى علي بن أبي طالب، والثاني زيد بن حارثة» ومثله في كتاب «وحي القلم» لمصطفى صادق الرافعي ج 2 ص 18 الطبعة الثانية، و کتاب «اليمين واليسار في الاسلام» لأحمد عباس صالح ص 50 طبعة سنة 1972 و كتاب «محمد رسول الحرية» لعبد الرحمن الشرقاوي ص 69 الطبعة الأولى. ونقل الفيروزآبادي في كتاب «فضائل الخمسة من الصحاح الستة» ج 1 المقصد الثاني، الفصل التاسع والعاشر، نقل عن أكثر من عشرين مصدراً قديماً : إن علياً أول من أسلم وآمن، وذكر صاحب «الفضائل» رقم الجزء والصفحة وزمان الطبع ومكانه.
(ولكنك وزير). جاء في الرياض النضرة ج جاء في «الرياض النضرة ج 2 ص 163 الطبعة الأولى ممطبعة الاتحاد المصري، والدر المنثور للسيوطي عند تفسير قوله تعالى : (رب اشرح لي صدري) : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «اللهم اني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري، وأن تيسر لي أمري، وأن تحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أخي، أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً، انك كنت بنا بصيراً».
وقال مسلم في صحيحه ج ص 108 طبعة سنة 1348 هـ : إن رسول الله قال لعلى : اما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى.
وَلَقَدْ كُنتُ مَعَهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ ادْعَيْت عَظِيا لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ، وَنَحْنُ نَسْألُكَ أمراً إنْ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ عَلِمْنَا أنَّكَ نَبِي وَرَسُولُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ. فَقَالَ
(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : وَمَا تَسْأَلُونَ؟ قَالُوا تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حتى تنقلِعَ بِعُرُوقِهَا وَتَقِف بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإِن فَعَلَ اللهُ لَكُم ذَلِكَ أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ ؟ قَالُوا نَعَمْ (28). قَالَ : فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلَبُونَ، وَإنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيئُونَ إلَى خَيْرٍ، وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ، وَمَنْ يُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ. ثُمَّ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَا أَيْتُهَا الشَّجَرَةُ إِن كُنتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَا نقلَعَتْ بِعُرُوقِهَا وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ وَقَصْفٌ كقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، مُرَفْرِفَةٌ، وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الأعلى عَلى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَبِبَعْضٍ أَعْصَانِهَا عَلى مَنْكِبي، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) (29). فَلَمَّا نَظَرَ القَوْمُ إلى ذلِكَ قَالُوا - عُلُوا وَاسْتِكْبَاراً - : فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَى نِصْفُهَا فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَب إقْبَالِ وَأَشَدِّهِ دَوِيا، فَكَادَتْ تَلْتَف بِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَقَالُوا - كُفْراً وَعُنُوا - فَمُرْ هذا النصف فَلْيَرْجع إلى نصفه ما كَانَ فَأَمَرَهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَرَجَعَ.
فقُلْتُ أَنا : لا إلهَ إِلَّا اللهُ فَإِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَوَّلُ مَنْ أَقرَّ بأنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى تصديقاً بِنُبُوتِكَ وَإجلالاً لِكَلِمَتِكَ (30). فَقَالَ القَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكُ إِلَّا مِثْلُ هذا (يَعْنُونِي) وَإِنِّي لَمَنْ قَوْمٍ لَا تَأْخُذْهُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِم سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ، وَكَلَامُهُمْ كَلَامُ الْأَبْرَارِ. عُمارُ اللَّيْلِ وَمَنَارُ النَّهَارِ. مُتَمَسّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ. يُحْيُونَ سُنَنَ اللَّهِ وَسُنَنَ رَسُولِهِ. لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَلَا يَعْلُونَ، وَلَا يَغُلُّونَ وَلَا يُفْسِدُونَ. قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ وَأَجْسَادُهُمْ فِي العَمَلِ (31).
اللغة :
لا تفيئون : لا ترجعون. والقليب : البئر. وقصف الرعد : اشتد صوته؛ وقصف البعير : هدر في الشقشقة
الإعراب :
مرفرفة حال من الضمير المستتر في وقفت، وعلواً مفعول من أجله لقالوا ودوياً تمييز، وتصديقاً مفعول من أجله، وساحر خبر لمبتدأ محذوف أي هو ساحر، وعمار الليل أي هم عمار الليل.
هذا الحديث عن الشجرة واضح لا يحتاج الى تفسير، وقديماً قيل : توضيح الواضحات من أشكل المشكلات.. ومن المفيد أن نشير بهذه المناسبة الى من ينكر الخوارق والمعجزات، انما ينكرها لسبب واحد، وهو أنها خرق لسنن الطبيعة، وهذا ما بر فضه العلم بمعناه الحديث.
الجواب :
أولاً : إن خرق العادة ليس بعزيز. وما أكثر ما روى الرواة من ذلك على مر العصور.. وفي هذه السنة 1972 التي نحن فيها نشرت الصحف طرفاً من هذا الباب، ومنه ما جاء في جريدة «أخبار اليوم» المصرية تاريخ 22-7-1972 : إن رجلاً مشهوراً في أمريكا (برويك) اذا تصور جسماً انعكست صورته في عينيه، وقد تضايق من كثرة تردد العلماء عليه، يأتيه أحدهم ومعه الكاميرا، ويطلب منه أن يتصور الأهرام أو الأهرام أو برج ايفل - مثلا - ثم يجعل عدسة الكاميرا في مواجهة عيني برويك وبعد أن يأخذ صورة العينين يفحصها ويطبعها مراراً، فتأخذه الدهشة حين لا يرى في الصورة إلا الشيء الذي طلبه.. وأحدث تجربة قام بها «برويك» هي انه طلب الى ثلاثة من المصورين أن يقفوا أمامه في وقت واحد، ثم نظر الى العدسات الثلاث الواحدة تلو الأخرى، فالتقطت كل عدسة من عينيه صورة لمبنى الأمم المتحدة من أربع جهات مختلفة.
وأيضاً يوجد الآن في هولندا رجل عجيب اسمه «سريوس» يستطيع أن يحرك أي شيء خفيف الوزن كالقلم بمجرد النظر اليه إذا شاء وتحير العلماء في تفسير هذه الظاهرة وتلك، وبحثوا، وأطالوا البحث الدقيق في عيني سريوس ودماغ برويك، ولكنهم لم يصلوا الى شيء فهل يجب علينا أن ننكر الشيء الذي رأيناه بالعين ولمسناه باليد - لا لشيء إلا لأن العلم الحديث عجز عن تفسيره ؟ ان العلم يفسر الأشياء التي تسير على مبدأ النظام، ولا نظام للشذوذ. ولذا قيل : الشاذ لا يقاس عليه، وهذه الظواهر التي أشرنا اليها كلها شاذة، ولكنها ممكنة الوقوع.
ثانياً : يجب أن نفرق بين مرتبة الإمكان وجواز حدوث الشيء عقلاً، وبين
وقوعه بالفعل، ولا نخلط بينهما، فإذا أردنا أن نثبت أو تنفي حادثة ما - تعين علينا أن نبدأ أولاً من مرحلة الإمكان والجواز، فإن كانت الحادثة جائزة الوقوع في ذاتها انتقلنا الى مرتبة الوقوع، ونظرنا : هل وقعت أم لا، كالصعود للقمر، أما إذا كانت الحادثة ممتنعة الوقوع عقلاً وذاتاً فيجب نفيها بلا توقف وبحث، لأن ما امتنع إمكانه امتنع وقوعه حتماً، مثل دخول الجمل بطوله وعرضه في سم الخياط على ضيقه. والمعجزة بشتى أنواعها ممكنة الوقوع، فإذا نقلت الينا بطريق صحيح وجب التصديق.
وبكلام آخر ان عالم الإمكان متقدم على عالم الوجود في الخارج بحكم البديهة.. والعقل هو الذي يفسر لنا أن هذا الشيء يمكن أن يوجد، أو يستحيل وجوده في ذاته.. وإذن فمسألة الإمكان والامتناع نظرية عقلية بحتة، فإذا حكم العقل بإمكان وقوع الشيء كالصعود للقمر والمريخ - بحثنا عنه في عالم الوجود، ولكن لا يصح بحال أن ننفيه أو نثبته إلا بالملاحظة والمشاهدة مباشرة، أو بالرواية الصادقة عمن شاهد وعاين، ولا ميدان للعقل ونظرياته في عالم الوقوع نفياً وإثباتاً إلا إذا كان بين الشيء الذي رأيناه بالفعل وبين ما غابت عنا رؤيته - ملازمة عقلية كالملازمة بين الأثر والمؤثر والعلة والمعلول.
والذي أنكر المعجزات ونفاها من عالم الوجود لم يعتمد في انكاره هذا على الملاحظة والمشاهدة، كما يجب، وإنما اعتمد على العقل ونظرياته، وهذا عين الخطأ والخلط بين عالم الإمكان الذي هو من شأن العقل ووظيفته، وبين عالم الوقوع الذي هو من شأن الملاحظة والمشاهدة.
وعلى هذا يكون الاستدلال بالعقل على نفي المعجزة من الوجود تماماً كالاستدلال به على نفي القمح من دكان القصاب لا لشيء إلا لأنه يبيع اللحم.
وتسأل : ان الصعود للقمر الذي جعلته مثلاً قد حصل بوسائل طبيعية معروفة، أما المعجزة فليس لها من سبب معلوم.
الجواب :
قلنا : إن المعجزة لا بد أن تكون ممكنة الوقوع، لا من النوع المستحيل عقلاً، وهذا هو المهم، أما كون سبب وجود المعجزة غير طبيعي فليس
بالشيء المهم، لأن خالق الطبيعة عنده أسباب كثيرة، ومن الجائز أن يكون من جملتها دعوة النبي أو غيرها مما نجهل.. وبكلمة : إن العقل حكم بإمكان المعجزة، وقد ثبت وجودها بالدليل فوجب التصديق والايمان تماماً كما آمن العلماء بأن صور الأشياء تنعكس في عيني «برويك» بمجرد تصوره لها مع جهلهم بالسبب.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأنَّهُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةٌ مَنْ عَصَاهُ وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ. فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مواضعَهُمْ. فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ. مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسَهُمُ الاِقْتِصَادُ، وَمَشيُهُمُ التَّوَاضِعُ. غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلى العِلْمِ النَّافِع لَهُمْ (1). نُزِّلَتْ أَنفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي البَلاء كَالَّتِي نُزِّلَت فِي الرَّحَاءِ. وَلَوْلاَ الْأَجَلُ الَّذِي كُتِبَ لَهُمْ لَمْ تَسْتَقِرٌ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وخوفاً مِنَ الْعِقَابِ. عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ
كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذِبُونَ. قُلُوبُهُمْ محزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نحيفةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنفُسُهُمْ عَقِيفَةٌ (2). صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً. تِجَارَةٌ مُربحَةٌ يَشرَهَا لَهُمْ. ربهم أرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا. وَأَسَرَتُهُمْ فَقَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا. أَما اللَّيْلُ فَصَافُونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاء الْقُرْآنِ يُرَتُلُونَهُ تَرْتِيلاً. يُحزنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاء دَائِهِمْ. فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقُ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا نصْبُ أَعْيُنِهِمْ (3). وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَظَنُّوا أَنْ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَها فِي اصول آذانهم. فَهُمْ حَانُونَ عَلى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَابِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبهِمْ وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلِبُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ، وَأَما النَّهَارُ فَحلَمَاء علماء، أَبْرَارُ أنقياء. قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرَيَ الْقِدَاحِ (4).
اللغة :
الاقتصاد : الاعتدال في الانفاق بلا تقتير أو تبذير. ويحزنون به أنفسهم : يجلبون لها الحزن. ويستثيرون به دواء دائهم : يوجدون الدواء للداء. والزفير والشهيق : من صفات الصوت. وحانون على أوساطهم : راكعون. ومفترشون الجباهم : ساجدون. والقداح : السهام. وبريها : نحتها.
الإعراب :
غنياً حال، ومثله آمناً، وكالتي الكاف بمعنى مثل صفة المفعول مطلق محذوف
أي (نزلت نزولاً مثل نزول الخ).. وشوقاً مفعول من أجله لتستقر، وفاعل أعقبتهم ضمير مستتر يعود الى الأيام، وتجارة مربحة خبر لمبتدأ محذوف، أي تلك أو تجارتهم مربحة، وطمعاً مفعول من أجله، ومثله شوقاً.
المعنى :
قال الشريف الرضي : ان صاحباً لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقال له همام وكان عابداً - سأل الإمام في ذات يوم أن يصف له المتقين كأنه ينظر اليهم. فتثاقل، ثم قال : با همام اتق الله وأحسن. فلم يقتنع همام وألح، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : «أما بعد فإن الله خلق الخلق حين خلقهم الخ».. انه تعالى واجب الوجود بذاته وصفاته، فهو - إذن - غني عن كل شيء، واليه يفتقر كل شيء وجوداً وبقاء، وتقدم ذلك مراراً.
(فقسم بينهم معايشهم الخ).. ان الله تعالى لا يسير الكون عبثاً وجزافاً، بل على نظام كامل ومطرد، وأيضاً لا يتعامل مع الناس إلا عن طريق العمل، ومن أجل هذا جهز الإنسان بأدوات العمل كالعقل والقدرة والإرادة، وحدده له على لسان أنبيائه ورسله، فمن سمع وأطاع ضمين سبحانه له الصلاح والفلاح دنيا وآخرة، ومن أعرض وآثر البطالة فما له عند الله إلا الحرمان والخذلان : «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ - 117 هود». وتقدم الكلام عن ذلك في الخطبة 23 وغيرها (منطقهم الصواب) لا يقولون ما لا يعتقدون ولا يفعلون (وملبسهم الاقتصاد) يلبسون ثوباً واحداً أو ثوبين - على الأكثر - بلا مضاهاة ومباهاة. (ومشيهم التواضع (يمشون على فطرتهم وطبيعتهم بلا خيلاء وتصنع.
(غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم) كناية عن عفة النفس، وصونها عما يشين (وقفوا أنفسهم على العلم النافع لهم). لا يقدسون إلا الحق والحكمة، ولا يهتمون إلا بالعلم المنتج، إذ لا دين بلا علم، والعامل بغير علم يفسد أكثر مما يصلح (نزلت أنفسهم منهم في البلاء الخ).. يرجون رحمة الله عند الشدة، ويخافون بأسه عند النعمة. قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لا يكون العبد مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجوه.
وهذا شأن العاقل مؤمناً كان أم كافراً، لا ييأس ويستسلم مهما كانت المصاعب وأيضاً يحتاط، ويحذر العواقب، وان أقبلت الدنيا عليه بكاملها.
(ولولا الأجل الذي كتب عليهم الخ).. انهم في قلق دائم، يتنازعهم عاملان : رجاء الثواب، والخوف من العقاب، وتعادلت قوة هذا مع قوة ذاك، واذا توازنت القوى بين المتصارعين كان لكل أثره البالغ، ومن أجل هذا لم تستقر أرواح المتقين وأجسادهم طرفة عين، ومن أبن يأتيها الاستقرار، وهي ساحة وميدان لهذه الحرب الشعواء ؟ ولولا الأجل المكتوب لذهبت أنفسهم ضحية الخوف والقلق.
(عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم). أبداً لا تنفك المسببات عن أسبانها، والنتائج عن مقدماتها. فالضعيف ينهزم أمام القوي، والجهل أمام العلم، والعقيدة تحطم الحواجز، والإخلاص يبعث على التضحية، وكذلك من أيقن بالله وجلاله، وقدرته وكماله فإنه يرى كل من عداه وما عداه هباء وسراباً، ولذا لا يبحث إلا عن مرضاة الله، ولا يصدر في أعماله إلا عن قصد التعظ التعظيم الله، والرغبة في ثوابه، والرهبة من غضبه وعذابه.
(فهم والجنة كمن قد رآها الخ) هذا تصوير ليقينهم وإيمانهم بالله، وانهم قد بلغوا الذروة منه عن علم وبصيرة لا عن تقليد ومحاكاة. وقال سبحانه حكاية عن الجاحدين : «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ - 84 غافر» أما صفوة المتقين فقد رأوا بأس الله وعذابه، وهم في دار الدنيا، رأوه بنور العلم والايمان بلا شبهة ووسوسة شيطان، وأشفقوا منه و ابتعدوا عن طريقه.
(قلوبهم محزونة) مخافة التقصير في جنب الله والحق. وكفى المرء نقصاً أن يرى نفسه كاملاً (وشرورهم مأمونة). قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : شر الناس من تخاف الناس من شره. وقال الإمام : طوبى لمن عزل شره عن الناس. أسوأ الناس من لم يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسوء فعله (وأجسادهم نحيفة) من السهر والعمل فيما يرضي الله (وحاجاتهم خفيفة) لا يطلبون من الدنيا إلا سد الحاجة (وأنفسهم عفيفة) استغنت بحلال الله عن حرامه.
(صبروا أياماً قصيرة - الى - ربهم). ما من أحد إلا ويحتاج الى شيء من
متاع الدنيا، ويسعى اليه جاهداً.. وقد تكون حاجته في يد ظالم لا ينالها صاحبها إلا بكرامته والتلون في دينه وضميره، أو يقف دونها غير ذلك من الحواجز التي لا يتخطاها الانسان إلا بالدخول فيما لا يليق ومن صبر عن حاجته، وضحى بها في سبيل دينه وكرامته - أبدله الله عنها ما هو خير وأبقى) (أرادتهم الدنيا فلم يريدوها) كان في مقدورهم أن يبلغوا من الدنيا ما يريدون لو تنازلوا عن دينهم وكرامتهم، ولكنهم أبوا إلا مرضاة الله.
(وأسرتهم فقدوا أنفسهم منها). حاولت الدنيا أن تمتلكهم وتستعبدهم بالمال والجاه، فحرروا أنفسهم منها بالصبر عن الملذات والشهوات، وعاشوا أحراراً لا سلطان عليهم إلا لله وحده (أما الليل فصافون الخ).. التزموا طريق الله وحده قياماً وصياماً، وتسبيحاً وتهليلاً، وعملاً وجهاداً.. يتلون القرآن لا للتغني والتلهي،، بل للاهتداء بنوره، والاعتصام بحبله، والوقوف عند حدوده. هذا ملخص لمعنى هذه الجمل العديدة من قوله :. «أما الليل.. الى بري الأقداح» وهو توكيد وتوضيح لما تقدم، وبماذا نفسر ونشرح كلمات كلها أو جلها للتبجيل والتكريم..؟
يَنظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضِ وَيَقُولُ قَدْ خُولِطُوا. وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ. لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ القليل. وَلَا يَسْتَكْثِرُونَ الكَثِيرَ. فَهُمْ لأَنفُسِهِمْ مُتّهِمُونَ. وَمِنْ أعمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا رُكَّيَ أَحَدُهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ : أنا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي. اللَّهُمْ لَا تُؤَاخِذْنِي بما يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَأَغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ (5). فَمَنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينِ، وَحَزْماً فِي لِينٍ،
وإيماناً فِي يَقين. وحرصاً فِي عِلم، وَعِلْماً في حلم، وقصداً في غِنًى، وَخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ، وَتَجَمّلاً في فَاقَةٍ، وَصَبراً في شدة وطلباً في حَلالٍ، وَنَشَاطاً في هُدًى، وَتَخَرَّجا عَنْ طَمَع. يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلى وَجَلٍ. يُمْسِي وَهَمُّهُ الشكرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمّهُ الذِّكْرُ. يَبِيتُ حَذِراً وَيُصْبِحُ فَرِحاً. حَذِراً لِما تُحذِرَ مِنَ الغَفْلَةِ. وَفَرِحاً بما أَصَابَ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ (6). إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيها تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤلهَا فِيهَا تُحِبُّ. قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ. وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى. يمزِجُ الحِلْمَ بِالْعِلْم. والقَوْلَ بِالْعَمَلِ. تَرَاهُ قريباً أَمَلُهُ. قَلِيلاً زَلَلُهُ. خَاشِعاً قَلْبُهُ. قَانِعَةٌ نَفْسُهُ. مَنْزُوراً أَكْلُهُ. سَهْلاً أَمْرُهُ. حَرِيراً دِينَهُ. مَيْتَةً شَهْوَتُهُ. مَکْظُوماً غَيْظُهُ. الْخَيْرُ مِنْهُ مأمولُ، وَالشِّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ. إن كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ. وَإنْ كانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكتب مِنَ الغَافِلِينَ. يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ. بَعِيداً فَحْشُهُ. لَيْناً قَوْلُهُ. غائباً مُنْكَرُهُ. حَاضِراً مَعْرُوفُهُ. مُقْبِلاً خَيْرُهُ. مدبراً شَرَّه (7).فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ، وَفِي المَكَارِهِ صَبُورٌ. وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ. لا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ. وَلَا يَأْثمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ. لَا يَضِيعُ مَا اسْتَحْفِظَ. وَلَا يَنْسَى مَا ذُكْرَ. وَلَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ. وَلَا يُضَارُّ بِالْجَارِ. وَلَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائبِ. وَلَا
يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ. وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ. إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمُهُ صَمْتُهُ وإنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ. وَإِنْ يُغِي عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ. نَفْسُهُ فِي عَنَاء. وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ. بَعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدُ وَنَزَاهَةٌ. وَدَنُوهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينْ وَرَحْمَةٌ. لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكَبرٍ وعَظَمَةٍ، وَلَا دُنُوهُ بمكرٍ وخَدِيعَة (8).
اللغة :
خولطوا : فسدت عقولهم. مشفقون : خائفون. قصداً في غنى : معتدلون في سعيهم لطلب المال. وتحرج : تجنب الحرج أي الإثم. وحريزاً : حصيناً. ولا يحيف : لا يظلم. ولا ينابز : لا يعيب.
الإعراب :
المصدر من انك الخ مبتدأ مؤخر، ومن علامة خير مقدم، وحذراً الثانية تأكيد للأولى، وأمله فاعل «قريباً»، ومثله ما بعده.
المعنى :
(ينظر اليهم الناظر فيحسبهم الخ) كبرت نفوسهم، وزكت قلوبهم على حساب أجسامهم، فقد هزلت وضعفت حتى تكاد تتهالك إعياء، وحتى ظن الرائي انهم مرضى أو من أهل البله.! كلا، انها الهمة والنفوس العالية :
واذا كانت النفوس كباراً ***تعبت في مرادها الأجسام
(لا يرضون من أعمالهم بالقليل) لأنهم خلقوا للنضال والعمل، لا للبطالة والكسل، وفي الوقت نفسه لا يغالون في قدراتهم، ولا يخدعون أنفسهم بالغرور والمباهاة، بل يخافون من الخطأ والتقصير (اذا زكي أحد أحد منهم خاف) من قول الزور وحبائل الغرور (فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري). للانسان حياتان : باطنية وظاهرية، والظاهر للناس، أما الباطن فلله ولصاحبه فهو وحده من بين الخلائق يستطيع أن بتأمل دخيلته ويعرفها، ولا سبيل الى معرفة الآخرين بها إلا عن طريقه. قال تعالى : «يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ - 14 القيامة». وقال الفيلسوف الانكليزي «راسل» في كتاب «الفلسفة بنظرة علمية» : «إن معرفة بعض الحقائق عن الانسان مستحيلة إلا عن طريقه ولما كان هو أداة المعرفة لنفسه وجب دراسته كأداة للمعرفة».
(اللهم لا تؤاخذني بما يقولون) يدعو الله ويعوذ به أن يدخل العجب والغرور الى نفسه من الإطراء، فيكون من الخاسرين (واجعلني أفضل مما يظنون) في من الخير والحسنات (واغفر لي ما لا يعلمون) من الهفوات والسيئات.
(فمن علامة أحدهم - الى - عن طمع). إن الدليل القاطع على التقوى حقاً وصدقاً هو الاستقامة والمسلك السليم النابع عن الوعي واليقين، والحزم والثبات، والحلم والاعتدال، والتواضع والتجمل عند الحاجة، والنشاط والاجتهاد في الأعمال الصالحة النافعة القناعة والكف عن المحرمات، والتعبد الله وحده، والتوكل عليه دون سواه (يعمل – أي المتقي - الأعمال الصالحة على وجل). العالم المتورع يتوقع الخطأ في أقواله وأفعاله، ويخشى النقص والخلل، ولذا يحترس ويحتاط جهد المستطاع، والذي يرى عمله كاملاً من كل وجه فهو جاهل مرکب.
(يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر).. هو شاكر ذاكر لله تعالى في جميع حالاته وأوقاته.. وتفلسف بعض الشارحين، وأطال في الفرق بين الشكر مساء، والذكر صباحاً معتمداً على وهمه وفهمه (ببيت حذراً الخ).. يتهم نفسه بالخطأ والتقصير فيخاف، وأيضاً يرجو الصواب بتوفيق الله وفضله فيطمئن. وهذه هي سمة العلماء المتقين، وقال قائل منهم : إن أصبت فمن الله وعنايته، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان (إن استعصت عليه نفسه الخ) للمتقي ميول
وأهواء تريد منه، وتلح عليه، وهو لا يستطيع أن يتحرر منها، ويقتلعها من الجذور، ولكنه لا يستجيب لها، ولا تحيد به عن الطريق القويم،.. انها تناديه وتصرخ به، وهو يتجاهل ويعرض.
(قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى). تريده الأهواء للدنيا، ويأبى هو إلا الآخرة (يمزج الحلم بالعلم) حلمه عن وعي وحكمة لا عن ضعف ومسكنة،، وهو تكرار لقوله : «علماً في حلم:. (والقول بالعمل). يفعل ما يقول، ولا يقول ما لا يفعل (تراه قريباً أمله الخ).. لا ييأس من روح الله، وإن زلت به القدم يوماً تاب وأناب، يكبح شهوته، ويكظم غيظه خاشع قانع بأكل ليعيش، ولا يعيش ليأكل.
(الخير منه مأمول : والشر منه مأمون) لأنه انسان يعيش على حساب نفسه وأتعابه، ووحش الغاب هو الذي يعتدي ويفترس (ان كان في الغافلين كتب مع الذاكرين). لا يخوض مع الخائضين، ولا يتأثر بجار السوء وبيئة الفساد انه على صلاحه، ولو امتلأت الدنيا فساداً. (وان كان في الذاكرين لم يُكتب من الغافلين) وان عاشر أقواماً ميامين انسجم معهم، وطاب نفساً وعملاً (يعفو عمن ظلمه) أي يدفعه بالحسنى والكلمة الطيبة، فإن عاد الى صوابه وإلا جاهده بكل ما يملك، لأن السكوت عن المعتدي اغراء له وتشجيع على الظلم والعدوان.
(ويصل من قطعه) ان كان المقاطع إنساناً شاكراً لا وحشاً كاسراً (بعيداً فحشه) عفيف اللسان (غائباً منكره الخ).. تكرار لقوله : «الخير منه مأمول، والشر منه مأمون». (لا يحيف على من يبغض الخ) إذا رضي يدخل في باطل، وإذا غضب لا يخرج عن الحق (يعترف بالحق قبل أن يُشهد عليه). لا يبخس الناس أشياءهم، ولا يتعمد التهويش والمغالطة، لأنه صادق معنفسه وغيره (لا يضيع ما استحفظ). هذا الوصف يختص بأهل العلم بالله وشريعته، لأنه تعالى التمنهم عليها، وأمرهم بتبليغها بلا تحريف ولا تزييف، قال عز من قائل : «بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا - 44 المائدة».
(ولا ينابز بالألقاب). لا يصف أحداً بلقب يكرهه (ولا يشمت بالمصائب)
لأن الشماتة تنم عن اللؤم والصغار.. ومن يحذر العواقب لا يشمت. وبحكمة قيل: لا تشمت بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك (ولا يدخل في الباطل الخ).. ألزم نفسه أن يقوم بما عليه من واجب، ويتساهل بما له من حق خاص، وان يناصر المحقين، ويجاهد المبطلين، وان لا يحزن لفوات كلمة تبرزه، وتومىء الى مكانته، وان لا يسيء الى مخلوق، ولا يتكل إلا على نفسه بعد الله، وان يتأدب بآداب الشرع والدين بلا تحجر وتزمت، ولا رياء ونفاق.
قال الشريف الرضي : فما أتم الإمام كلامه حتى صعق همام صعقة كانت نفسه فيها. عليه رحمة الله ورضوانه. قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لقد كنت أخافها عليه.. هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها فقال قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ان لكل أجل وقتاً لا يعدوه، وسبباً لا يتجاوزه فمهلا ! لا تعد لمثلها، فإنما نفث الشيطان على لسانك.
ان الانسان ابن الأرض، وبها يشبه، وإذا قارنا بين هذا القائل وقسوته، وبين همام ورحمته - ظهر أن التفاوت بينهما تماماً كالتفاوت بين البلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه، والبلد الخبيث الذي لا يخرج أبداً، أو يخرج نكدا.
وقال قائل : إن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصف في هذه الخطبة قوماً في الخيال لا في عالم الوجود، أو هو يصف نفسه، أو أمنيته كما ينبغي أن يكون الانسان، لا كما هو كائن بالفعل.. ان للإنسان جسماً وعواطف ورغبات، فكيف ينفصل عنها ؟ وهل ينفصل الشيء عن نفسه وطبيعته ؟
الجواب :
أولاً : ان هذه الخطبة دعوة ودعاية الى التقوى وحسن السلوك، ویومی الى ذلك اتباع الكلام أسلوباً يكثر فيه التكرار والترديد، ومن شرط الأمر بالشيء والدعوة اليه ان يكون ممكناً لا يستعصي على قدرة المكلف وإرادته، وان يكون فيه جهة خير وصلاح، وما من صفة ذكرها الإمام إلا وفيها خير كثير، وتتناولها إرادة المكلف وقدرته، وإذن تصح الدعوة الى التحلي بهذه الصفات ويجوز العقاب على المخالفة والمعصية.
ثانياً : ان الغاية من الدعوة الى سبيل الله والاستقامة أن يكبح الانسان أهواءه وميوله، وان يحكمها ولا تتحكم به، ولولاها لكان روحاً بلا جسد، وملاكاً
من السماء لا ابن الأرض، وكان التكليف بالنسبة اليه لغواً وعبثاً، لأنه بلا معنى وموضوع.. أجل، ان المشكلة هي مشكلة البيئة والعيش في مجتمع الضلال والفساد، والعبقري هو الذي يصمد أمام التقاليد، وليس كل الناس أبا ذر.. ومن هنا كان عقاب المذنب في بيئة التقى والصلاح أشد منه في بيئة الضلال، وثواب المتقي في هذه أعظم منه في تلك حيث يكون القابض على دينه في بيئة الفسق والفجور كالقابض على الجمر. والإمام يدعو الى الاستقامة والثبات عليهما مهما كانت الظروف.
نحمده على مَا وَفْقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَذَادَ عَنْهُ مِنَ المَعْصِيَةِ. وَنَسْأَلُهُ لِمِنَتِهِ تماماً وَبِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً. وَنَفَهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَاضِ إلى رِضْوَانِ اللهِ كُلِّ غَمْرَةٍ، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلِّ غُصْةٍ، وَقَدْ تَلُونَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ. وَخَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَب أعنتها، وَضَرَبَتْ لِمُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا، حَتَّى أَنزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ وَأَسْحَقِ المَزَارِ. أَوْصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ. وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ فَإِنَّهُمُ الضَّالُونَ الْمَضِلُونَ، وَالزَّالُونَ الْمُزِلُّونَ. يَتَلوَّنُونَ ألواناً، وَيَفْتَنُّونَ أفْتِناناً، وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ، وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ. قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ، وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ. يَمْشُونَ الخفاء. وَيَدِبُّونَ الضَّرَاء، وَصفُهُمْ دَوَاهُ، وَقَوْلهُمْ شِفَاهِ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاء
العياء. حَسَدَةُ الرّخَاءِ، وَمُؤكِّدُو البَلاءِ، وَمُقَنِّطُو الرَّجاء. لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ، وَإِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ، وَلِكُلِّ شَجْرٍ دُمُوعٌ. يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءِ، وَيَتَرَاقِبُونَ الْجَزَاء. إنْ سَأَلُوا أَلخَفُوا، وَإِنْ عَدَلُوا كشفُوا، وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا. قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٌّ بَاطِلاً، ولِكُل قَائِم مَائِلاً، وَلِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلاً، وَلِكُلِّ بَابٍ مِفتاحاً وَلِكُلِّ لَيْلِ مِصْبَاحاً. يَتَوَكَّلُونَ إلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ، وَيُنَفَقُوا بِهِ أَعْلاقَهُمْ. يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ، وَيَصِفُون فَيُمَوِّهُونَ. قَدْ هَوِّلُوا الطَّرِيقَ، وَأَضْلَعُوا المضيق. فَهُمْ لُمَّةُ الشَّيْطَانِ وحمة النيران «أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخاسِرُونَ».
اللغة :
الغمرة : الشدة. وتلون : تنكر. وأبعد وأسحق وأقصى بمعنى واحد ويفتنون : يتفننون ويسلكون أساليب متنوعة. ويعمدونكم : يدعمونكم بالأكاذيب لدفع التهمة عنهم. ودوية : من الداء، وهو المرض. وصفاحهم : وجوههم. والداء العياء : أعبى الأطباء. والحفوا : ألحوا. والأعلاق : جمع علق، وهو الشيء النفيس. وأضلعوا المضيق : جعلوه ضيقاً واللمة - بفتح الميم - مع التخفيف - الجماعة. وحمة - بالتخفيف - إبرة العقرب.
الإعراب :
على ما وفق له (ما) اسم موصول بمعنى الذي، والهاء في «له» يعود الى
«ما». وتماماً مفعول نسأله أي نسأله التمام والاعتصام، والخفاء منصوب بنزع الخافض أي في الخفاء، ومثله الضراء، ويجوز أن يكون نائباً عن المفعول المطلق أي يمشون المشي الخفي، ويدبون الدبيب المضر.
المعنى
(نحمده على ما وفق له الخ).. المؤمن يعلم حق العلم أن التوفيق الى الخير بشتى أنواعه هو من الله، ولذا محمده ويقول : «وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ - 88 هود». وليس من شك ان من يستنصح الله ويخلص له يشمله تعالى بتوفيقه وعنايته (ونسأله لمنته تماماً، وبحبله اعتصاماً) منته تعالى نعمته، وحبله دينه وشريعته.. وهو سبحانه المسؤول أن يمن علينا بالسلامة في الدين والبصيرة.
(ونشهد أن محمداً الخ (الخ).. كانت أسرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل البعثة قوية وغنية، ولما أرسله الله رحمة لهم وللعالمين ثارت عليه ثائرتهم، ولقي منهم ومن غيرهم أشد الإيذاء، وقالوا عنه من جملة ما قالوا : ساحر وشاعر، وأبتر ومجنون ! وهل من شيء أدل على جنونه – بزعمهم - من رفضه لما عرضوه عليه من المال والسلطان ؟.. وكان أشدهم عليه أبو جهل وأبو سفيان وأبو لهب. وكان يصبر ويستهين بكل شيء في سبيل دعوته ورسالته.. أخرجه أهل الطائف طرداً من بلدهم، وسلطوا عليه سفهاءهم يرمونه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه. فقال : فقال : اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون
النفاق :
للذنب أنواع ودرجات، فمنه ما يكون مع الله تعالى، ومنه مع المذنب نفسه، ومنه مع الناس، ومنه ما يجمع هذه الجرائم الثلاث كالنفاق. وليس من شك ان الاحتيال على الله غير ممكن، لأنه يعلم السر وأخفى، ولكن الاحتيال على عباد الله ذنب لا يغتفر.. وأيضاً لا يتصور النفاق ممن يعيش في عزلة عن الناس لأنه لم يلتق ويحتك بواحد منهم - كما هو الفرض - ومعنى هذا ان النفاق داء
اجتماعي، وجد مع المجتمعات التي تضم القوي والضعيف، والخاضع والمسيطر، وانه يتطور معها جنباً الى جنب في جميع المراحل، وانه يتعقد أكثر فأكثر كلما زادت حياة الجماعة نمواً في التعقيد.
وبهذا نجد التفسير الصحيح لشيوع النفاق وتفاقمه في هذا العصر «المتقدم» على كل صعيد !.. يغزون البلاد الآمنة باسم حماية الأقليات، ويقيمون القواعد العسكرية للعدوان بعنوان المحافظة على السلم، ويلقون ألوف الأطنان من القنابل على المنشآت والنساء والرجال والأطفال بزعم القضاء على العنف والعدوان، وينهبون الأقوات والقدرات باسم التجارة والتعاون، وينتشرون للتجسس في شرق الأرض وغربها تحت راية التبشير في الدين، وينشئون المكاتب لتدبير المؤامرات وتحطيم إرادة الشعوب بعنوان نوادي الثقافة، ومكاتب الأنباء ومكاتب الأنباء، ويتجمع العملاء والخونة تحت راية الجمعيات الخيرية والمجالس المذهبية والحفلات الدينية !. أما التجارب النووية والأسلحة الكيماوية التي تهدد العالم بكارثة شاملة، أما هذه فالقصد منها تطوير العلوم الخير الانسان، ومصلحة الحضارة.. الى غير ذلك من الجرائم التي ترتكب باسم العلم والدين والانسانية.
ومن هنا شاع القلق والتشاؤم في هذا العصر بين جميع الفئات، واهتزت القيم والمبادىء، وضاعت الثقة في كل شيء حتى في رجال الدين، والمنظمات الخيرية فضلاً عن السياسيين، وعن الصحافة صاحبة الجلالة الملعونة على حد ما قال بعض الصحفيين، وساد الايمان بأن ما من أحد إلا ويعمل لمصالحه ومطامعه، وان المصلح مخادع، والمخلص مدلس.
ومن غريب الصدف أني بعد ما كتبت هذه الأسطر قرأت في مجلة «الحوادث البيروتية» تاريخ 22 تاریخ 22 - 9 - 1972 ما نصه بالحرف : «في الفترة بين كانون الثاني وحزيران ألقت الطائرات الأمريكية على لاوس وكمبوديا وفيتنام الشمالية والجنوبية ما زنته 112 طن، ومع هذا أعلنت الولايات المتحدة أنها ليست في حالة حرب مع أية دولة من هذه الدول».
وبعد، فهل نطالب بالدليل إذا قلنا : ان النفاق من أمهات الرذائل الاجتماعية التي لا تحد ولا تعد، وانه مزيج من الخيانة والغدر والكذب والمكر، والضلال والفساد، والظلم والاستبداد، وانه أفسد المدنية الحديثة ؟ وقال بعض العلماء :
قل للذي قال «ليس بعد الكفر ذنب» : ماذا أبقيت للنفاق ؟ أليس سبحانه هو القائل : «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ - 145 النساء».؟ وهل وراء الأسفل وراء.؟ ونجيب بأن النفاق زيادة في الكفر، أو كفر وزيادة.
وبعد هذه الإشارة نعود الى شرح الكلمات، ونوجز ما أمكن، لأنها واضحة بخاصة بعد أن مهدنا بما تقدم (فإنهم الضالون المضلون) تماماً كوباء الكوليرا، فاسد ومفسد (والزالون المزلون) عطف تفسير (يتلونون ألواناً) لهم ألف وجه ولسان (ويفتنون افتناناً) يتفننون في أساليب المكر والخداع (ويعمدونكم بكل عماد) اذا أسأتم بهم الظن حاولوا اقناعكم بشتى الأساليب انهم على خير (ويرصدونكم بكل مرصاد) يضعون ضدكم خطط الفتن والشقاق.
(قلوبهم دوية) إشارة الى قوله تعالى : «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا - 10 البقرة». (وصفاحهم نقية) إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم «وان يقولوا تسمع لقولهم - 4 المنافقون» (يمشون الخفاء، ويدبون الضراء) کجرثومة السرطان تفسد اللحم والدم دون أن تظهر بنفسها (وقولهم شفاء، وفعلهم الداء العياء) «وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ - 119 آل عمران». (حسدة الرخاء) يحسدون كل ذي نعمة، ويسخطون على الله، لأنه أنعم بها عليه (ومؤكدو البلاء) إذا رأوا ضعيفاً مبتلى از دروه، وسخروا منه، بل واعتدوا عليه سفها ولؤماً (ومقنطو الرجاء) إذا نزلت بإنسان نازلة حملوه على اليأس والقنوط من رحمة الله.
(لهم بكل طريق صريع) يغررون بالسذج البسطاء، ويوقعونهم في الهلكات (والى كل قلب شفيع). يستميلون القلوب بالملق والتواضع الكاذب (ولكل شجو دموع) الشجو الحزن، والمعنى يسكبون دموع التماسيح أمام الحزين المصاب لمآرب شخصية (يتقارضون الثناء ويتراقبون الجزاء). بطري بعضهم بعضاً بقصد المقايضة والمبادلة في النفاق (ان سألوا ألحقوا) ان طلبوا حاجة ألحوا وبالغوا (وان عذلوا كشفوا) ان سخطوا أشاعوا وأذاعوا بالحق وبالباطل. (وأن حكموا أسرفوا) في الجور والفساد والضلال.
(قد أعدوا لكل حق باطلاً الخ). يمثلون جميع الأدوار في مسرح النفاق الكبير، ويجيدون التمثيل في صنع المقالب والاحتيال، وإثارة الشبهات حول الطيبين، وإيقاظ الفتن، وفساد كل مشروع فيه خير وصلاح (يتوصلون الى
الطبع باليأس الخ).. يتوسلون الى الحياة الدنيا وزينتها بإظهار الزهد فيها، واليأس منها، والرغبة في الآخرة وحدها كذباً ورياء (يقولون فيشبهون) أي ان أقوالهم تثير الشكوك والشبهات حول الحقائق والنوايا الطيبة (ويصفون فيموهون). يلبسون الحق بالباطل، وهم يعلمون.
(قد هونوا الطريق) قربوا البعيد، وبعدوا القريب (وأضلعوا المضيق). إذا وقع إنسان في مشكلة، وضاق عليه المخرج لا يساعدونه على الخلاص، بل يزيدونه ضيقاً على ضيق، وتعقيداً على تعقيد (فهم لمة الشيطان) حزبه وجنوده (وحمة النيران) حطب جهنم يصلونها فبئس المصير.
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَظهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَجَلالِ كَبْرِيَائِهِ مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُيُونِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ، وَرَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النَّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ شَهَادَةَ إِيمَانِ وَإِيقَانِ وإخلاص وَإِذْعَانِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وَأَعْلامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ، وَمَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةً. فَصَدَعَ بِالْحَقِّ، وَنَصَحَ لِلْخَلْقِ. وَهَدَى إِلَى الرُّشْدِ، وَأَمَرَ بِالْقَصْدِ. (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ* (1). وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنه لم يخلقكُمْ عَبَثاً. وَلَم يُرْسِلُكُمْ هَمَلاً. عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمهِ عَلَيْكُمْ، وَأَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ. فَاسْتَفْتِحُوهُ وَاسْتَنجِحُوهُ، وَأَطْلُبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَمْنِحُوهُ. فَما قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ، وَلَا أغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ، وَإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ حينٍ وَأَوَانٍ، وَمَعَ كُلِّ إنس
وَجَانٍّ. لا يَثْلِمُهُ العَطَاءِ، وَلاَ يُنقصُهُ الْحِبَاء وَلاَ يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ، وَلاَ يَسْتَقْصِيهُ نَائِلُ. وَلَا يَلْوِيهِ شَخص عَنْ شَخْصِ، وَلَا يُلهمِيهِ صَوْتُ عَنْ صَوْتِ. وَلَا تَحْجُرُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْب. وَلاَ يَشغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ. وَلاَ تُولِههُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابٍ. وَلاَ يُجِنُّهُ البُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ. وَلاَ يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ البُطُونِ. قَرُبَ فَنَأَى، وَعَلَا فَدَنَا وَظَهرَ فَبَطَنَ، وَبَطَنَ فَعَلَنَ. وَدَان وَلَمْ يُدَنَ. لَمْ يَذْرَا الخَلْقَ بِاحْتِيَالِ، وَلاَ أَسْتَعانَ بِهِمْ لِكَلالِ (2). أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ فإنَّهَا الزَّمَامُ وَالْقُوَامُ. فَتَمَسْكُوا بوثَائِقِهَا، وَأَعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا تَقُولُ بِكُمْ إلَى أَكْنَانِ الدَّعَةِ، وَأَوْطَانِ السَّعَةِ، وَمَعَاقِلِ الْحِرْزِ وَمَنَازِلِ الْعِزَّ فِي يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، وتُظْلِمُ لَهُ الْأَقْطَارُ. وَيُعَطِّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ. وَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ، وَتَبْكُم كُل لهجةٍ، وَتُدَكُ الشّم الصَّوَامِحُ، وَالصُّمُ الرَّوَاسِحُ. فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقَا، وَمَعْهدُهَا قَاعاً سَمْلَقا. فَلاَ شَفِيعُ يَشْفَعُ وَلاَ حَمِيمٌ يَدْفَعُ، وَلَا مَعْذِرَةٌ تَنْفَعُ (3).
اللغة :
مقل العيون : جمع مقلة، وهي شحمة العين، والمراد بالمقل هنا البصائر لا الأبصار. والهمهمة : صوت يُسمع ولا يُفهم منه شيء، والمراد بهماهم النفوس هنا الأفكار. وطامسة : دارسة. وصدع الشيء: شقه، وصدع بالحق : تكلم به جهاراً. وهملا: سدى. استفتحوه : اطلبوا منه النصر والفتح. واستنجحوه :
سألوه النجاح والصلاح واستمنحوه : ادعوه أن يمنحكم من فضله ولا يستنفده : لا تنفد خزائنه. لا يثلمه : لا ينقصه. لا يلويه : لا يميله. لا تولهه : لا تذهله. لا يجنه : لا يستره. لا يقطعه : لا يفصله. ولم يذرأ. لم يخلق. وكل : تعب. والزمام : المقود. والقوام - بفتح القاف - الاعتدال، وبكسرها العماد والنظام، وبضمها الداء. والدعة - بتشديد الدال مع الفتح - السكينة والراحة وسعة العيش. وصروم : قطع من الإبل. والعشار : نوع من النوق. والشم: جمع أشم. والشوامخ : جمع شامخ، والمعنى واحد أي عال ورفيع. والصم : جمع أصم أي الصلب، ومثله الصلد، ولكنه أملس. وسملقاً مستوياً.
الإعراب :
ما خير «ما» اسم موصول مفعولاً لأظهر، واعلام الواو للحال، وعبثاً مفعول لأجله، أو في موضع الحال أي عابثاً.
المعنى :
لا جديد في هذه الخطبة، فهي تكرار لما تقدم مضموناً ومحتوى، وسبق الكثير منها بالنص الحرفي، ولذا نوجز في الشرح، ونحيل اللاحق على السابق مع الإشارة الى رقم الخطبة (الحمد لله الذي أظهر الخ).. كل ما في الكون فيه قدرة وإبداع وحكمة تدل على الحكيم المبدع، وآمن العديد من الفلاسفة والعلماء بوجود هذا الحكيم إيمانهم بأنفسهم، ولكن عجزت عقولهم عن إدراك ذاته تعالى وحقيقته، لأن العقل محدود، والمحدود لا يدرك من لا حد له. هذا هو الواقع فمن رضي وأقر فقد نجا وفاز، ومن أبى قلنا له : (إنك ميت وانهم ميتون». وتقدم مرات، منها في الخطبة 1 والخطبة 89 والخطبة 180.
(واشهد أن لا إله إلا الله شهادة إيمان الخ).. لا يتطرق اليه الشك، وتقدم مثله في الخطبة 2 و 99 و 176 (واشهد ان محمداً عبده الخ).. أرسل سبحانه قبل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) العديد من الرسل الرسول بعد الرسول ومعه شريعة الله وتعاليمه : وبمرور الزمن صارت نسيا منسياً، فبعث الله محمداً لإحيائها، وبما
يجعل رسالته آخر الرسالات، ونبوته خاتمة النبوات، فأدى محمد أمانة الله كما أراد، وسد بها كل فراغ.
(انه لم يخلقكم عبئاً الخ).. الحكيم لا يعبث، والقوي العادل لا يحابي، وإذن فالتكليف عام، والمسؤولية تشمل الجميع. وتقدم مثله في الخطبة 63 و 84 (و علم مبلغ نعمه عليكم) فمن شكرها فهو عند الله من المحسنين، ومن كفر بها فهو من الخاسرين (فاستفتحوه الخ).. أطيعوه والتجئوا اليه تعالى، وحده، فيزيدكم من فضله وروي ان كريماً قضى حاجة لسائل، وبعد أيام جاء اليه وقال : أنا الذي قضيت حاجته يوم كذا. فقال له : مرحباً لمن توسل الينا بنا.
(فما قطعكم عنه حجاب الخ).. باب الله مفتوح لداعيه، وحجابه مرفوع الراجيه، والطريق اليه سهل يسير : الاخلاص في الدعاء، والصدق في الرجاء. وأقسم اني طرقته، فنلتُ أكثر مما أملت (وانه لبكل مكان) بعلمه وعنايته وتقدم مرات، منها في الخطبة 176 (وفي كل حين وآن) لأنه سرمدي دائم (ومع كل إنس وجان) هو معكم أينما كنتم بعلمه وعنايته، وعليه فهو عطف تفسير على ما قبله (لا يثلمه العطاء) لا تنقص خزائنه بالنوال (ولا ينقصه الحباء) عطف تفسير (ولا يستنفده سائل). لو أعطى السائلين أضعاف ما سألوا ما أثر ذلك في ملكه وكرمه، وتقدم في الخطبة 89.
(ولا يستقصيه نائل). لا حد ولا نهاية الجوده، واذن فمن يستوعبه ويستقصيه ؟ (ولا يلويه شخص الخ).. لا يذهله ويصرفه شيء عن شيء، لأنه محيط بكل شيء. وتقدم في الخطبة 176 و 180 (ولا تحجزه هبة عن سلب). ارتبك الشارحون في تفسير هذه الجملة، والذي نفهمه منها انه تعالى قد يعطي نعمة الدنيا لمن يكره، وتمنعها عمن نعها عمن يحب، فلا الكراهة تمنعها، ولا الحب يوجبها ما دامت الحكمة هي الموجب والمقياس، واستوحينا هذا المعنى من الجملة التالية بلا فاصل وهي (ولا يشغله غضب عن رحمة) أي قد يرحم من غضب عليه، ويعفيه في الدنيا من البلوى، وفي الوقت نفسه يبتلي من رضي عنه بأشد النوائب على حسب الحكمة.
(ولا توطه رحمة عن عقاب). الله كريم، ما في ذلك ريب، فإذا منع العطاء عن عبد من عبيده فلا ينتفي عنه وصف الكرم، لأن المنع كان لسبب
موجب، وأيضاً الله رحيم، واذا عاقب فلا ينتفي عنه وصف الرحمة، لأن العقاب كان لسبب موجب (ولا يجنه البطون عن الظهور، ولا يقطعه الظهور عن البطون). لا يجنه أي لا يستره، والمعنى هو الباطن بذاته، الظاهر بآثاره (قرب) من كل شيء بعلمه وعنايته (فنأى) عن كل شيء بذاته وصفاته. ليس كمثله شيء وسبق في الخطبة 49 و 64 وجاء في الخطبة 81 (علا بحوله)، أي بسلطانه وقوته «ودنا بطوله» أي بفضله وإحسانه (ودان ولم يدن). «لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ -23 الأنبياء».
(لم يذرأ الخلق باحتيال). المراد بالاحتيال هنا المهارة ودقة النظر، ومن ذلك قولهم : فلان حسن الحيلة. والله يقول للشيء كن فيكون (ولا استعان بهم لكلال). ضمير «بهم» الى الخلق، والكلال التعب، والله يعين ولا يعان، والتعب للعاجز. وتقدم في الخطبة 184 (فإنها الزمام والقوام). تقود التقوى الى كل خير، وهي العماد الذي يرتكز عليه نظام الحياة (فتمسكوا بوثائقها الخ). من أخذ بالتقوى فقد فاز دنيا وآخرة. وتقدم الكلام عن ذلك بالتفصيل في الخطبة 189 فقرة «التقوى» (في يوم تشخص الخ).. يشير الى يوم القيامة وأهواله. وتقدم في الخطبة 07) (فلا شفيع الخ). ولا شيء يجدي يوم الدين إلا التقوى، ولا يقل معها عمل، وكيف يقل ما يقبل ؟ كما قال الإمام.
وبعد، فإن الإيمان بالله يدخل في مفهومه الإيمان بعدله، ولا يستقيم مع العدل الإلهي أن يستوي البر والفاجر، ويفلت المسيء من العقاب، ويحرم المحسن من الثواب «أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ - 18 السجدة».
بعثه حِينَ لا عَلَمٌ قَائِمٌ. وَلَا مَنَارٌ سَاطِعْ. وَلَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ أوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى الله.. وَأحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوص، ومحَلَّة تَنْغيص. ساكِنُها ظَاعِنُ. وَقَاطِنُها بَائِنٌ. يَميدُ بِأَهْلِهَا ميدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَج البِحَارِ. فمنهُمُ الغَرِقُ الوَبِقُ. وَمِنْهُمُ النَّاجِي عَلى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ تَحْفِزُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا وَتَحْمِلُهُ عَلى أَهْوَالِهَا. فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بُمُسْتَدْرَك، وَمَا نَجَا مِنْهَا فإلى مهلك. عِبَادَ اللهِ الآنَ فَاعْلَمُوا وَالأَلسُنُ مُطلَقَةٌ، وَالْأَبْدَانُ صحيحَةٌ، وَالْأَعْضَاء لَدْنَةٌ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحُ، وَالْمَجَالُ عَرِيض، قبْلَ إِرْهَاقِ الفَوْتِ، وَحُلُولِ الْمَوْتِ، فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ، وَلَا تَنتَظِرُوا قُدومَهُ.
اللغة :
دار شخوص : فراق وانتقال. والتنغيص : التكدير. وظاعن : راحل وقاطن : مقيم. وبائن : مفارق. وتميد : تضطرب. ولجج : جمع لجة أي معظم الماء. والوبق : الهالك. ولدنة : لينة. والمراد بالإرهاق هنا اقتراب الأوان.
الإعراب :
فما غرق (ما) اسم موصول مبتدأ، وجملة فليس بمستدرك خبر، وقبل إرهاق متعلق بإعملوا.
المعنى :
(بعثه حين لا علم قائم الخ).. الضمير في بعثه لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعلم - بفتح اللام - والمراد منه ومن المنار واحد والمراد منه ومن المنار واحد، والمنهج الطريق. وكل دعوة للصلاح والإصلاح هي نتيجة لوجود الفساد، فالدعوة الى التوحيد نتيجة لوجود الشرك، والدعوة الى العلم نتيجة لانتشار الجهل. وبعث سبحانه محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث ساد الضلال والجاهلية، ولا آمر وزاجر.
(وأحذركم الدنيا الخ). لعمر الانسان في الحياة الدنيا نهاية، والآخرة هي دار الخلود، ومن حصر طموحه في ملذات الدنيا وكفى فقد آثر الزائل على الدائم، ولذة ساعة على سعادة الأبد.. هذا، الى ان ما من سرور في الدنيا إلا وهو مشوب بحزن وكدر (تميد بأهلها الخ). كل بني آدم هدف للرزايا، والخطوب لا يسلم منها واحد، ومن تخطاه الكدر في يومه فلن يفلت منه في غده تماماً كقوم في سفينة أصابها إعصار فاختل توازنها، وذهب تماسكها، وتناثر ما فيها ومن فيها.. واذا أسعف القدر، ونجا واحد الى البر بطريق أو آخر فأمامه ما يلحقه بالرفاق.
(الآن فاعلموا الخ).. وفي بعض النسخ فاعملوا، وهو أنسب بالسياق
(والألسن مطلقة الخ).. بادروا العمل، وأنتم في سلامة من عقلكم وصحة من أجسامكم (والمنقلب فسيح الخ).. الفرصة مؤاتية، والتسويف يفوت المقصود، والعاقل يأخذ بالحزم، وينتهز الفرص، والأمل فيما مع القدرة بعد الآن - تقصير وحمق (فحققوا عليكم نزوله). اعملوا كأنكم ترون الموت مجسماً أمام أعينكم، وانه لا يمهلكم إلا بمقدار ما تعملون وتتزودون لآخرتكم (ولا تنتظروا قدومه) لأنه يأتيكم على غفلة.
وَلَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَنِّي لَمْ أَردَّ عَلى اللَّهِ وَلَا عَلى رَسُولِهِ سَاعَةٌ قَطُّ. وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ، وَتَتَأَخَرُ فِيهَا الْأَقْدَامُ نجدَةً أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا. وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي. وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفّي فَأَمْرَرْتُها على وَجْهِي. وَلَقَدْ وَلِيتُ غُسَلَهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَالْمَلَائِكَةُ أَعْرَابِي، فَضَجِّتِ الدَّارُ وَالْأَغْنِيَةُ مَلَا يَهْبِطُ وَمَلَا يَعْرُجُ وَمَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ. يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ. فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيًّا وَمَيِّتاً ؟ فَأَنفُذُوا عَلى بَصَائِرِكُمْ، وَلْتَصْدُقٍ نِيَّاتِكُمْ
في جِهَادِ عَدُوِّكُمْ. فَوَالَّذِي لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَذَلَّةِ البَاطِلِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لي ولَكُمْ.
اللغة :
المستحفظون : مستودعو الأمانة. وواسيته وآسيته بمعنى واحد أي عاونته والنجدة : الشجاعة. وأفنية : جمع فناء بكسر الفاء - ما اتسع أمام الدار أي ساحته. والهينمة : الصوت الخفي. والمزلة : موضع الزلل.
الإعراب :
لجدة نصب على المصدرية أي نجدت نجدة، فمن ذا (من) استفهام فيه معنى الإنكار ، ومحلها الرفع بالابتداء، وذا مبتدأ ثان، وأحق خبره، والجملة خبر ويجوز أن تكون (من ذا) كلمة واحدة بمعنى أي انسان، وتكون كلمة أحق خبراً لمن ذا، وحياً حال من الضمير في (به).
الأول
المعنى :
(ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الخ) هم علماء الصحابة الذين أمرهم الله تعالى أن يحفظوا شريعته، ويبلغوها للتابعين كما سمعوها من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بلا تحريف وتزييف. ويستشهد الإمام بهؤلاء الحفظة على أنه كان أطوع ارسول الله من بنانه، وانه ما ردّ ولا تردد في شيء من أمره حتى كأنهما نفس واحدة. وليس الإمام بحاجة الى الشهادة والشاهد بعد ان شهد الحاكم نفسه، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعلي بصراحة : «أنت مني، وأنا منك».
نقل هذا الحديث صاحب كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة، نقله عن
صحيح البخاري باب الصلح طبعة مصر سنة 1320هـ. وعن صحيح الترمذي ج 2 ص 229 طبعة بولاق سنة 1292 هـ. وعن مسند أحمد ج 1 ص 108 طبعة مصر سنة 1313و
(وقد واسيته بنفسي الخ) في كتاب الرياض النضرة عن الإمام أحمد والطبري والمتقي ج 2 ص 172 الطبعة الأولى بمطبعة الاتحاد المصري : «أن علياً لما قتل أصحاب الألوية يوم أحد قال جبريل : يا رسول الله : ان هذه لهي المساواة. فقال النبي : ان علياً مني وأنا سنه. فقال جبريل: وانا منكما يا رسول الله. وتقدم الكلام في هذا الموضوع بالتفصيل في شرح الخطية 190 فقرة : النبي وعلي».
(ولقد قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وان رأسه لعلى صدري). نقل صاحب «فضائل الخمسة من الصحاح الستة (عن طبقات ابن سعد ج 2 القسم 2 ص 51 طبعة ليدن سنة 1322 هـ. وعن (مجمع الزوائد) للهيتمي ج ص 293 طبعة سنة 1352هـ الناشر مكتبة المقدسي، نقل عن هذين وغيرهما : «إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبض، ورأسه في حجر علي».
(ولقد سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي). المراد بنفسه دمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). والنفس في اللغة تطلق على الدم، يقال : دفق نفسه أي دمه دمه. وقال الشيخ محمد عبده : «روي ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قاء في مرضه دماً يسيراً، فتلقى دمه أمير المؤمنين في يده، ومسح به وجهه» (ولقد وليت غسله) روى ذلك كثير من أهل السير والتاريخ، منهم الإمام ابن حنبل في مسنده، وابو نعيم في حليته، وابن سعد في طبقاته. (أنظر كتاب فضائل الخمسة).
والملائكة أعواني الخ).. قال ابن أبي الحديد : «أما حديث الهينمة وسماع الصوت فقد رواه خلق كثير من المحدثين». وقال الغزالي في «إحياء العلوم : إن الملائكة بأجمعها دخلت على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد موته، وصلت عليه».
(فمن ذا أحق به مني حياً وميتاً.؟.). نشأ الإمام في حجر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكفاه الكثير من أموره قبل البعثة، وبعد نزول الوحي كان أول من آمن بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وصلى معه من الذكور، وأول من فداه بنفسه فداه بنفسه - أنظر أنظر شرح الخطبة 190 - وضرب بين يديه بالسيف، وهو في مقتبل العمر، وقتل أبطال الشرك والضلال وفرج هموم النبي النبي، وواساه بنفسه في كل موطن، وكان له شرف خدمته
وتمريضه وملازمته عند الاحتضار، ثم شرف غسله وتجهيزه، وغيره من الصحابة في سقيفة بني ساعدة يتصارعون على الخلافة وسلطان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. وكان الإمام بعلمه وأخلاقه امتداداً لشخصية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبهذا الامتداد المحمدي وهذه الروح النبوية «حافظ على حيوية الحماسة الأصلية في نفوس شطر من المؤمنين» على حد ما قال الفيلسوف الانكليزي الشهير نبرتراند رسل» في كتاب السلطان ص 65 طبعة آذار 1962. ألا تنطق هذه الخلال والكثير من أمثالها بأن الإمام أولى الناس بحب النبي حياً وبخلافته ميتاً ؟
(فانفذوا على بصائركم) يخاطب الإمام بهذا أصحابه ويقول لهم : امضوا الى قتال عدوكم، فأنتم على بصيرة من أمركم، وما عليكم إلا الصدق في النية، والثبات على عزم الجهاد (فوالذي لا إله إلا هو) ان الجهاد مع الإمام كالجهاد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وان الجهاد مع الناكثين والقاسطين والمارقين كالجهاد مع سفيان في بدر وأحد والأحزاب. قال المستشرق الألماني «فلهوزن» في كتاب «تاريخ الدول العربية» ص 76 طبعة 1958 : «ان رجالاً اقتحموا الموت من أجل علي هم أقوى دليل على انه الحق، ونذكر منهم عبدالله بن بديل، وهاشم بن عتبة، وخصوصاً عمار بن ياسر الصحابي المسن الذي قال النبي فيه : ستقتله الفئة الباغية» (انظر شرح الخطبة 171 فقرة : «من هو الخليفة ؟»). وقال ابن الجوزي في كتاب وقال ابن الجوزي في كتاب «صيد الخاطر»، ص 385 : «لا يختلف العلماء ان علياً لم يقاتل أحداً إلا والحق معه لقول النبي : اللهم أدر معه الحق كيفما دار».
وبعد، فقد شرحت كلمات هذه الخطبة مما جاء في كتب الثقات من أهل السنة، لأن العلم يستمد قوته - في موضوعنا - من فلسفة الذي يخاطبه، لا من عقيدة المتكلم وكفى. وأنا أكتب لكل راغب أياً كان دينه ومذهبه. وقد شرح صاحب «منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة» هذه الخطبة بستين صفحة ملأها بروايات من البحار والصافي وزهر الربيع والكافي، ولا أدري هل يجد قارئاً لها ؟ والقارىء الشيعي لا يحتاج الى هذا الإسراف، ولا يهتم إلا بفهم المعنى المراد، وغير الشيعي لا يقتنع إلا بمنطقه وفلسفته.
يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الفَلَوَاتِ، وَمَعَاصِيَ العِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ وَ اخْتِلافَ النِّينَانِ فِي البِحارِ العَامِرَاتِ، وَتَلاطم الماء بِالرِّيَاحِ العَاصِفَاتِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نجيبُ اللهِ وسَفِيرُ وَحْيِهِ وَرَسُولُ رَحمَتِهِ. أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلَقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ، وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنتَهى رَغْبَتِكُمْ، وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَبيلِكُمْ، وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ (1). فَإِنْ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاء دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَلَى أَفْئِدَتِكُمْ، وَشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ، وَصَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وَطَهُورُ أَنفُسِكُمْ، وَجَلاَءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ وَأَمْنُ فَزَعِ جَاشِكُمْ، وَضِيَاء سَوَادِ ظُلمتِكُمْ. فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ، وَدَخِيلاً دُونَ شِعَارِكُمْ، ولطيفاً بَيْنَ أَضْلاعِكُمْ وَأمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ، وَمَنْهَلاً لِحِينِ
وُرُودِكُمْ، وَشَفيعاً لِبَرَكَ طَلِبَتِكُمْ وَجُنَّةً لِيَوْمٍ فَزَعِكُمْ، وَمَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ، وَسَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُم، وَنَفَساً لِكُرَبِ مَوَاطِنكُمْ (3). فَإِنَّ طَاعَةَ اللهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنَفَةٍ، وَمَخَاوِفَ مُتَوَقِّعَةٍ، وَأَوَارِ نِيرَانِ مُوقَدَةٍ. فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّها، وَأَحْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا، وَانْفَرَجتْ عَنْهُ الأمْواجُ بَعْدَ تَرَاكمهَا، وَأَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إنصابها و هَطَلَتْ عَلَيْهِ الكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا، وَتَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نفُورِهَا، وَتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا، وَوَبَلَتْ عَلَيْهِ البَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا. فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ، وَوَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ، وَامْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ، فَعَبْدُوا أَنفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ، وَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَق طَاعَتِهِ (3).
اللغة :
العجيج : رفع الصوت والنينان : جمع نون أي الحوت. والغامرات : المياه تغمر الأشياء وتغطيها. والنجيب : المختار. والسفير : الرسول يمثل من أرسله. والمفزع : الملجأ. وجأش قلبه : اضطرب من حزن أو خوف. والشعار: الثوب الداخلي يلصق بالبدن والدثار فوق الشعار. والدرك : اللحاق والإدراك. والجنة - بضم الجيم - الوقاية. والأوار : حرارة النار. وعزبت : غابت. والإنصاب : الإتعاب. وتحديت : عطفت. ونصب الماء : غار. والارذاذ : مطر خفيف
الإعراب :
وإليه خبر مقدم ليكون معادكم، وبه نجاح أي ويكون به نجاح، ومثله ما بعده، ودخيلاً وما بعده من المنصوبات عطف على (شعاراً) وأوار عطف على متالف، وعبدوا فعل أمر.
المعنى :
تكلم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الخطبة عن التقوى والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والإسلام والقرآن، وهذه الموضوعات - كما ترى - متماثلة متشابكة، فالحديث عن واحد منها حديث عن الجميع بخاصة القرآن والإسلام.. هذا، الى أن الإمام تكلم عن ذلك بأسلوب خطابي لغرض الإقناع بإعداد النفوس وإثارتها وتشويقها. ومن شروط الأسلوب الخطابي الفصاحة والتوكيد والترديد وضرب الأمثال مع الحماسة وحسن الأداء والإيقاع، وكل ما له صلة بالوصول الى الغرض المطلوب، وهو تحريك الجماهير التي لا تعرف التعقل والتبصر. ومن البداهة ان مجال التفسير والتعليل هو للقضايا العقلية والفلسفية لا الخطابات الحماسية، ومن أجل هذا نكتفي من الكلام بما يشبه التعليق، كما فعل ابن أبي الحديد على خلاف عادته في شرح سائر الخطب.
(يعلم عجيج الوحوش الخ) هذا تعظيم وتمجيد الله تعالى، لأن كل من آمن بالله يعلم بأنه خبير عليم وقد يكون الغرض النهي عن الخيانة في السر، لأن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (وأشهد أن محمداً الخ).. أمين الله على وحيه، وصفية من خلقه، وقائد الخير ومفتاح البركة (أوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأ خلقكم) هو سبحانه بدأ الخلق ثم يعيده (وبه نجاح طلبتكم) اليه وحده ترفع الحاجات، وعنده نيل الطلبات (واليه منتهى رغبتكم) هو المقصود بالرغبة دون سواه (ونحوه قصد سبيلكم). اقصدوا الله فيما أهمكم (واليه مرامي مفزعكم) الجأوا اليه، ولوذوا به (فإن التقوى دواء داء قلوبكم) تشفيها من الآثام كالحقد واللؤم والنفاق.
(وبصر عمي أفئدتكم). ويتفق هذا بظاهره مع قول الصوفية : إن تحرير النفس من قيود الجسم ومطالبه - طريق للمعرفة.. ولكن مراد الإمام ان الهوى
يُعمي ويُصم عن الحق والواقع (وشفاء مرض أجسادكم). لأن التقوى تلزم بتعاليم الإسلام أياً كان نوعها، والاسلام ينهى عن التخمة لأنها رأس كل داء، ويأمر بالحمية لأنها أصل كل دواء (وصلاح فساد الى – أبصاركم) عطف تفسير على دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم (وأمن فزع جأشكم). التقوى أمان من غضب الله وعذابه.
(وضياء سواد ظلمتكم). المتقي ينظر الى نفسه بعين الصدق والواقع لا بعين الغرور والجهل المركب ويلوم نفسه قبل أن يلوم الآخرين، ويرى منهم أحسن الصفات، ومن نفسه أصغر السيئات، ويعترف بأخطائه ويحاول تفاديها، وينسى ويغفر، ولا يهرب من الواقع بالمكر والخداع (فاجعلوا طاعة الله شعاراً - الى – أضلاعكم) الدثار ظاهر، والمراد بالشعار والدخيل واللطيف بين الأضلاع - الخفي المستور، والمعنى اجعلوا طاعة الله في السرائر لا في المظاهر، وفي الأفعال لا في الأقوال.
(وأميراً فوق أموركم). اصدروا في أفعالكم عن طاعة الله ومرضاته لا عن المصالح والمطالب الشخصية (ومنهلاً لحين ورود كم). طاعة الله المنهل العذب يوم القيامة أي تؤدي اليه (وشفيعاً لدرك طلبتكم). أبداً لا شفاعة عند الله إلا التقوى والطاعة (وجنة ليوم فزعكم) طاعة الله وقاية من عذابه يوم القيامة (ومصابيح لبطون قبوركم). العبد الصالح يستضيء في قبره بنور عمله (وسكنا لطول وحشتكم). المراد بالسكن هنا ما تطمئن به النفس، وتأنس به، قال تعالى : «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا - 21 الروم» وكذلك طاعة الله تؤنس الميت في لحده.
(ونفساً لكرب مواطنكم). نفساً - بفتح الفاء وهو التيسير والتسهيل، والمعنى ان طاعة الله سبحانه تسهل وتمهد للنجاة والأمان (فإن طاعة الله حرز الخ).. من المهالك (ومن أخذ بالتقوى عزبت عنه الخ).. النقمة، ونزلت عليه الرحمة (فاتقوا الله الذي الخ).. هداكم سبيل الرشاد، وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة (فعبدوا أنفسكم). عبد الطريق : مهده ويسره السير، وعبد النفس : ذللها وجعلها سلسة القياد (لعبادته) المخلص يعبد الله بلا تأفف وتبرم على عكس المنافقين الذين إذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى.
وبعد، فإن الانسان يستوي مع الحيوان في غريزة الجنس والطعام والشراب ويفترق عنه من وجوه، من وجوه، وأظهرها ان في الانسان الاستعداد التام وقابلية العمل ليومه وغده، ولا أثر لذلك في الحيوان، ولا شيء عنده إلا الساعة التي هو فيها، وإذن فمن الضروري ان نستغل هذه القابلية، ونعمل للعاجلة والآجلة معاً، ولا نهتم بالأولى فحسب، فإن حلاوة العاجلة تذهب مع الريح، وتستحيل الى أسى ومرارة إلا من اتقى وأصلح.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِينُ اللهِ الَّذِي أَصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَاصْطَنَعَهُ عَلى عَيْنِهِ، وَأَصْفَاهُ خِيرَةَ خَلْقِهِ، وَأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ. أَذَلَّ الْأَدْيَانَ بعِزّتِهِ، وَوَضَعَ الْمُلَلَ بِرَفْعِهِ، وَأَهَانَ أَعْدَاءهُ بِكَرَامَتِهِ، وَخَذَلَ محاديهِ بِنَصْرِهِ، وَهَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلَالَةِ بِرُكْنِهِ. وَسَقَى مَنْ عَطِش مِنْ حِياضه، وأفاق الخياض بِمَوَاتِحهِ (4). ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انفِصَامَ لِعُرُونِهِ، وَلَا فَكَّ لِخَلْقَتِهِ، وَلَا انْدَامَ لِأَسَاسِهِ، وَلَا زَوَالَ لِدَعَائمِهِ، ولَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ، وَلَا انقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ، وَلَا عَفَاء لِشَرَائِعِهِ وَلا جَذّ لِفُرُوعِهِ، وَلَا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ، وَلَا وُعُوثَةٌ لِسُهُولَتِهِ، وَلَا سَوادَ لِوَصَحِهِ، وَلَا عِوَجَ لانتصابهِ، وَلَا عَصَلَ فِي عُودِهِ. وَلَا وعَثَ لِفَجِّهِ، وَلَا انْطِفَاء لِمِصْبَاحِهِ، وَلَا مَرَارَةَ حَلَاوَتِهِ، فَهُوَ دعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا، وَثَبّتَ لَمَا أَسَاسَهَا وَيَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُها، وَمَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا، وَمَنَارٌ أَقْتَدَى بِهَا سُفّارُهَا، وَأَعْلَام
قصِدَ بِهَا فِجَاجَهَا، وَمَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وَرّادُهَا (5) جَعَلَ فِيهِ مُنتَهى رضوانِهِ، وَذِرْوَةً دَعَائِمهِ، وَسَنَامَ طَاعَتِهِ. فَهُوَ عِنْدَ اللهِ وَثِيقُ الْأَرْكَانِ، رَفِيعُ الْبُنْيَانِ، مُنِيرُ البُرْهَانَ، مُضِيءُ النِّيرَانِ، عَزِيزُ السُّلْطَانِ، مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْودُ المَثَارِ، فَشَرِّفُوهُ وَاتَّبِعُوهُ، وَأَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ، وَضَعُوهُ مَواضِعَهُ. ثُمَّ إِنَّ اللهَ بَعَثُ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) بالحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنيا الانْقِطَاعُ، وَأَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الإطْلَاعُ، وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُها بَعْدَ إِشْرَاقٍ، وَقَامَتْ بِأهْلِهَا عَلى سَاقٍ. وخشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ، وَأَزِفَ مِنْهَا قِيَادُ. فِي انْقِطَاعِ مِنْ مُدَّتِها، وَاقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَتَصَرُّم مِنْ أَهْلِهَا، وَانْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا، و انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا، وَعَفَاءِ مِنْ أَعْلَامِهَا، وَتَكَشفِ مِنْ عَوْرَاتِهَا، وقصَرٍ مِنْ طُولِهَا. جَعَلَهُ الله بلاغا لِوِسَالَتِهِ، وَكَرَامَةٌ لِأُمِّتِهِ وَرَبيعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ، وَرِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ، وَشَرَفًا لِأَنْصَارِهِ (6).
اللغة :
اصطنعه على عينه : شرعه على علمه. وأصفاه خيرة خلقه : آثره به ومحاديه : مخالفيه. وأتأق الحياض : ملأها. وبمواتحه : بدلائه، ومتح بها : سقى بها. ولا انفصام : لا انكسار. والعفاء : ذهاب الأثر. والجد : القطع والوعوثة : الصعوبة. والوضح : البياض. والعصل : الاعوجاج. والفج : الطريق الواسع بين جبلين وأساخ هذا في هذا : أدخله فيه. وأسناخها : أصولها وسعوز المثار : تعجز العقول عن الإحاطة بأسراره.
الإعراب :
المفعول الثاني لجعله محذوف أي ثم جعله قوياً لا انفصام الخ.
(ثم ان هذا الاسلام دين الله الخ) يفترق الاسلام عن سائر الأديان بأن سلطة التشريع الله وحده، وان خالق الطبيعة هو واضع الشريعة، وان النبي ليس له منها إلا التبليغ.. وفي كتب أصول الفقه للسنة بحث خاص في ان النبي هل له أن
يجتهد ويحكم بما يرى ؟ فأجاز ذلك جماعة، ومنعه آخرون. وقال الشيعة بكلمة واحدة : إن النبي لا يجتهد إطلاقاً، ولا ينطق بحكم من الأحكام إلا عن الوحي بدليل ما رواه السنة والشيعة أن المسلمين كانوا يسألون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في كثير من الأحيان عن بعض أمورهم، فيقول : ما عندي بهذا علم من الله، ثم ينزل القرآن بالحكم، فينبئهم النبي به. وكان يقول ويكرر : «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ - 15 يونس».
ونعطف على ذلك ان القول بجواز الاجتهاد على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - يفتح لأعداء الاسلام الطعن والشلك فيه، وان بعضه من ظن الرسول واستحسانه !. وعليه يفلت الزمام، ويهبط الاسلام من السماء الى الأرض.. كلا، إن الاسلام واحد لا يتجزأ، انه رسالة السماء من ألفه الى يائه، ولا شائبة فيه للأرض وأهل الأرض : «إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى - 6 النجم».
والاسلام حين يجرد البشرية كلها من حق التشريع يجرد في الوقت نفسه كل انسان من حق السيطرة والاستعلاء على غيره، ويضع الجميع على مستوى واحد أمام الله، ولا يبقي لأحد فضلاً وامتيازاً على آخر إلا بما يقدم من عمل صالح، وبالتالي يبطل مزاعم الذين يرون لأنفسهم حقوقاً مقدسة. ومن بحث عن أسباب الآلام التي عانتها وتعانيها الآن الانسانية، وجدها أو وجد أكثرها يعود الى القوانين التي شرعها الانسان لمصلحته كفرد، أو لمصلحة مجموعة من الأفراد يرتبط بهم المشرع بسبب من الأسباب.
:
أما الديانة المسيحية فإنها ربطت الدين بأصوله وفروعه، ودعائمه وأحكامه، ربطته بإرادة الكنيسة ورجالها الذين خاطبهم انجيل متى الاصحاح 18 فقرة 18، وقال لهم: «كل ما تربطونه في الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء». فالكنيسة هي تحلل وتحرم، ثم تنسخ منى تشاء ما حللت وحرمت !. ومن هنا جاء تجريد السيد المسيح من طبيعة می الناسوت، والغفران والحرمان، وبيع أذرع في السماء والجنة، وتحريم زواج الاكليروس، ولكن الكنيسة الانكليزية التي حرمت الزواج على رجال الدين أباحت اللواط، كما ان بابا روسا برا اليهود من دم السيد المسيح، وضرب بعرض الجدار النص الذي جاء في انجيل متى.. الى الكثير الكثير وكله حق من عند الله !. ولا أدري كيف ينسب «دين» الى الله، وهو من أوهام الناس ؟
وكان من نتيجة هذه السلطة ثورة الملوك والأقوياء في اوروبا على الكنيسة لتدخلها في شؤونهم، وانفصال السياسة عن الدين، ولكن الثورة انتقلت من الحاكمين الى داخل الاكليروس أنفسهم، فمنذ بضع سنوات ثار جماعة منهم في هولندا على سلطة البابا. ومن مطالبهم الرئيسية السماح بالزواج لرجال الدين، وقامت ثورة مماثلة في فرنسا وايطاليا وألمانيا. ويستحيل أن يحدث هذا بين المسلمين لاتفاق مذاهبهم على ان التشريع لله وحده : «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - 44 المائدة».
(أذل الأديان بعزته الخ).. وذلك بإظهاره على الدين كله أمداً غير قصير ثم بصموده مئات السنين، وانتشاره شرقاً وغرباً على رغم تظاهر الأديان عليه، ومحاربة أهلها له بكل سلاح.. والآن، وفي القرن العشرين تقوم المساجد في ألمانيا و فرنسا وانكلترا وأمريكا ويرتفع صوت المؤذن من على المآذن بالشهادة الله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة. ويبلغ عدد المسلمين اليوم أكثر من 700 مليون.
وقرأت في جريدة «أخبار اليوم» المصرية تاريخ 31 – 12 - 1966 نقلاً عن كتاب «الإسلام في التاريخ الحديث» لصاحبه «ويلفريد سميت» ما نصه بالحرف : ان الإسلام نتيجة لتميزه بالقوة الروحية صمد للأحداث بعد انهيار الدولة العربية في بغداد عام 1256م. وأرغم الفاتحين من المغول والتتار الذين قضوا على الدولة الإسلامية، أرغمهم الإسلام على اعتناقه، مما أدى الى
تجدد الدولة الإسلامية بعد انتقال الحكم فيها من العرب الى الأتراك العثمانيين وإلى اتساع الرقعة الجغرافية للإسلام على أيدي الأتراك، ولا شك في ان هذه القوة الروحية هي التي مكنت الإسلام من الصمود أمام السيطرة الغربية في السنوات الأخيرة».
(وسقى من عطش من حياضه) أي من هدايته وعلمه (وأتأق الحياض بموائحه). هذا العلم الغزير في الإسلام هو من الله، ومن فهمه فقد فهم عنه تعالى (ثم جعله لا انفصام لعروته الخ).. الإسلام قوي ومتين بأصوله ومبادئه. ومها تأخر المسلمون اليوم فإن العيب فيهم لا في الإسلام تماماً كالذي يأمر بالمعروف ولا يجد من يسمع، ودين السيد المسيح دين الحب والسلام وأكثر أتباعه وحوش كاسرة يمتصون دماء الشعب بلؤم وقسوة.
قال «راسل» في كتاب «السلطان» فصل العقائد منابع السلطان : «لا ريب في ان الديانة التي جاء بها محمد كانت عنصراً أساسياً في النجاح الذي حققته بلاده وحققه قومه وقد أظهر المسلمون منذ بداية عهدهم تسامحاً في التعامل مع المسيحيين الذين أخضعوهم، ولا ريب ان الفضل في سهولة فتوحاتهم واستقرار امبراطوريتهم يعود الى هذا التسامح الذي يبدو بارزاً إذا ما قورن بالحماسة التعسفية والاضطهادية التي عرفت بها الكنيسة الكاثوليكية».
(ولا انقلاع لشجرته، ولا انقطاع لمدته الخ).. يومىء الى ان الاسلام يصلح لكل عصر، فلا يتعارض مع العقل والعلم، ولا يدعو الى الجمود، ولا يضر بأحد، ولا يتسبب في التخلف، بل ان الصيحة لنهضة المسلمين وانقاذهم من الضعف والتخلف كانت وما زالت مقرونة بالدعوة الى الحرص على الاسلام والعمل به، وان أخوف ما يخافه أعداء المسلمين أن يرجعوا الى كتاب ربهم وسنة نبيهم، ومن هنا كان تحديهم الرهيب للإسلام وشريعته وأهدافه.. ولا أدري متى يتحرك المسلمون، ويبعث فيهم هذا التحدي السافر روح اليقظة والنهضة ؟.
(ولا وعوثة لسهولته). الاسلام رحمة للعالمين، قال الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «بعثت بالحنفية السهلة السمحة». وقال تعالى : «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ - 185 البقرة» (ولا سواد لوضحه) خالص من كل شائبة تعوق الحياة عن التقدم والانطلاق (ولا عوج لانتصابه الخ).. لا ينقضه طعن، ولا تثنيه
شبهة، ويهزه افتراء، لأنه الحق المبين والصراط القويم (فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها) وثيق الأركان، رفيع البنيان، كما يأتي بعد قليل (وينابيع غزرت عيونها) أي كثرت علوم الاسلام وفوائده (ومصابيح شبت نيرانها) واضح الدلالة لا غموض فيه ولا تعقيد (ومناراً اقتدى بها سفارها) أي المسافرون والمراد بهم العلماء، وان الاسلام يهديهم للتي هي أقوم، ليهدوا بدورهم غيرهم (وأعلام قصد بها فجاجها) أي طرقها، والأعلام تدل عليها، واذا سار المسافرون على هذه الطرق انتهت بهم الى مقاصدهم.
(ومناهل روي ها واردها) من نهل من معين الاسلام فلا يظمأ (جعل الله فيه منتهى رضوانه) «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا - 3 المائدة» (وذروة دعائمه) يعلى الاسلام، ولا يعلى عليه (وسنام طاعته) من عمل بالاسلام بلغ من الطاعة أقصاها (فهو عند الله وثيق الأركان الخ).. عطف تفسير على أساخ في الحق أسناخها وثبت لها أساسها (منير البرهان، مضيء النيران) عطف تفسير على مصابيح شبت نيرانها (عزيز السلطان) عطف تفسير على لا انهدام لأساسه، ولا زوال لدعائمه (معوز المثار) لا يُدرك غباره ولا يُلحق مضماره (فشر فوه) عظموه وأحيوه بالعمل، لا بالمظاهر (وضعوه في مواضعه) لا تتاجروا بالدين وتأكلوا به كما تأكل الفاجرة بلحمها. (انظر شرح الخطبة 32، فقرة «المرائي والمومس»).
(ثم ان الله سبحانه بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالحق حين دنا من الدنيا الانقطاع).المراد بالدنيا هنا دنيا أهل ذاك الزمان الذي بعث فيه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحياتهم والمراد بالانقطاع نهايتهم وهلاكهم بسبب الفساد والضلال (وأقبل من الآخرة الاطلاع). المراد بالآخرة نهاية أهل ذاك الزمان المظلم، وبإقبال الاطلاع قرب هذه النهاية. وتقدم مثله في الخطبة 28 و 52.
(وأظلمت بهجتها بعد إشراق). رسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حلقة من سلسلة الرسالات السابقة التي أشرقت الدنيا بها كرسالة ابراهيم وعيسى وغيرهما من الأنبياء، ثم أظلمت الدنيا من بعدهم برهة من الزمن حتى ولد الهدى والنور بمولد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (وقامت بأهلها على ساق). كناية عن عصر الجاهلية الجهلاء، وجرائمه وآثامه (وأزف منها قياد الخ).. أوشكت الجاهلية المجرمة أن تقود أهلها الى الهلاك (واقترب من اشراطها) أي اقتربت علامات النهاية. وتقدم مثله مرات، منها في الخطبة 87.
وبالإيجاز ان العالم قبل رسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان في ضلال مبين، فجاءت رسالته إيذاناً بالتحول الخطير في حياة الأمة العربية، وحياة العالم كله من أقصاه إلى أقصاه.
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ نُوراً لاَ تُطْفَأْ مَصَابِيحُهُ، وَسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقْدُهُ، وَبَجْراً لاَ يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وَمِنْهَاجاً لاَ يُضِلُّ نَهْجُهُ، وَشُعَاعاً لاَ يُظْلِمُ ضَوْءَهُ، وَفُرْقَانَا لا يَخْمُدُ بُرْهَانُهُ، وَتِبياناً لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ. وَشِفَاء لا تُخْشَى أَسْقَامُهُ، وَعِذًا لاَ تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ، وَحَقًّا لا تُخَذَلُ أَعْوَاهُ. فَهُوَ مَعَدِنُ الْإِيمَانِ وَبُحْبُوحَتُهُ، وَيَنَايِيعُ العِلْمِ وَبحُورُهُ، وَرِيَاضُ العَدْلِ وَغُدْرَانُهُ، وَأَتَافِيُّ الإسلام وبُنْيَانُهُ، وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ. وَبَحْرٌ لاَ يَنْزِفُهُ المُسْتَنْزِفُونَ، وَعُيُونُ لا يُنْضِبُها الماتِحُونَ، وَمَنَاهِلُ لا يُغِيضُها الْوَارِدُونَ، وَمَنَازِلُ لَا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ (7). وَأَعْلامُ لاَ يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ وَآكَامْ لاَ يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ. جَعَلَهُ اللهُ رِيا لِعَطَشِ الْعُلَمَاء، وَرَبيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ، وَمَحَاجَ لِطُرُقِ الصَّلَحَاءِ، وَدَوَاء لَيْسَ بَعْدَهُ دَاهُ، وَنُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ، وَحَبْلاً وثيقاً عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلاً مَنِيعاً ذِروتُهُ، وَعِزّا لَمَنْ تَوَلَّاهُ، وَسَلْماً لَمَنْ دَخَلَهُ، وَهُدَى لِمَن ائتمّ بِهِ، وَعُذراً يَمَن أنتَحلَهُ، وَبُرْهَانَا لِمَنْ تَكلّم بِهِ، وَشَاهِداً لَمَنْ خَاصَمَ به، وَفَلْجاً لَمَنْ حَاجَ بِهِ، وَحامِلاً لَمَنْ حَمَلَهُ، وَنَطِيَّةٌ لِمَنْ أَعْمَلَهُ، وَآيَةٌ لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَجُنَّةً لِمَنْ اسْتَلامَ. وَعِلْمًا لَمَنْ وَعَى، وَحَدِيثاً لَمَنْ رَوَى، وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى (8).
اللغة :
لا يخبو : لا يحمد. والمنهاج : الطريق. ونهج الأمر : أوضحه، والثوب: أخلاقه، والطريق سلكه. وبحبوحة الدار : وسطها وسعتها. والأثافي : يوضع عليها القدر. وغيطان : أراض مطمئنة. لا ينزف : لا ينضب. والمانحون : مستخرجو الماء. وآكام : أراض مرتفعة. والفلج : الظفر. وتوسم : تفرس.
الإعراب :
نوراً حال من الكتاب أي منيراً، وجملة لا تطفأ صفة للنور.
المعنى :
قبل أن نبدأ بشرح هذه الخطبة قلنا : ان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تكلم فيها عن التقوى والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والإسلام والقرآن، وان هذه الموضوعات الأربعة متماثلة متشابكة وبالخصوص الإسلام والقرآن، فإنهما شيء واحد.
ولذا وصف الإمام القرآن بنفس الصفات التي وصف بها الإسلام، وعلى سبيل التمثيل ان قوله عن القرآن : (نور لا تطفأ مصابيحه) مثل قوله السابق عن الإسلام : «لا انطفاء المصابيحه» وقوله هنا : (بحراً لا يدرك قعره) كقوله هناك : «ينابيع غزرت عيونها» أي عيون دعائم الإسلام. وقوله : (لا ينضبها الماتحون) نظير «أتأق الحياض بمواتحه» الى قوله هنا : (لعطش العلماء) وهناك : «سقى من عطش».. وهكذا، بالإضافة الى أن التعبير هنا أوضح منه هناك، وان الكلام عن القرآن تقدم في الخطبة 108 و 181. وإذن فها الغاية من الشرح والإعادة ؟
وبعد، فإن وصف الله لكتابه يغني عن كل وصف : : «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا– 9 الإسراء». أما الذي نزل القرآن على قلبه فوصفه بقوله :«من قرأ القرآن - أو من حفظ القرآن - فقد استدرج فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه»أي قرأ وفهم وعمل حيث أنزله النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منزلة الأنبياء بلا وحي.
ونقل حسين هيكل في كتاب هيكل في كتاب «حياة محمد» أقوالاً عن المستشرقين المسيحيين في صدق القرآن، منها ما قاله «وليم موير» في كتابه حياة محمد ما نصه بالحرف : «ان كل مسا في القرآن صورة صادقة كاملة لما أوحي به الى محمد ونستطيع أن نؤكد استناداً الى أقوى الأدلة ان كل آية من القرآن دقيقة في ضبطها تماماً كما تلاها محمد». انظر ص 31 من كتاب «هيكل»، عن محمد الطبعة التاسعة.. وحتى الآن ما عرفت البشرية كتاباً من نوع القرآن. والقول الفصل :«فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - 38 یونس».
تَعاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاةِ وَحافِظُوا عَلَيْها، واسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وَتَقَرَّبُوا بِهَا، فَإِنهَا كَانَتْ عَلى المُؤمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتَا. أَلا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ ِحينَ سُئِلُوا : «مَا سَلَعَكُمْ فِي سَفَرَ ؟ قَالُوا لَمْ تَكُ مِنَ المضلينَ»، وَإِنَّهَا لَتَحْتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الوَرَقِ، وَتُطْلِقُها إطلاق الرِّبَقِ وشبهها رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلى باب الرَّجُلِ فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ (1). وَقَدْ عَرَفَ حَفْهَا رِجَالُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ وَلَا قُرَّةُ عَيْنِ مِنْ وَلَدٍ وَلَا مَالٍ. يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ، رِجَالُ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وإقام الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ»، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نصيباً بِالصَّلاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا، فَكَانَ يَأمُرُ أَهْلَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ (3). ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاةِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلامِ فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةً، وَمِنَ النَّارِ حِجَارًا وَوَقَايَةً. فَلَا يُشبِعَنّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ، وَلَا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهْفَهُ. فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طيِّب النَّفْسِ بِهَا يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِل بالسُّنَّةِ مَغْبُونُ الْأَجْرِ. ضَالُ الْعَمَلِ. طَوِيلُ النَّدَم (3). ثُمَّ أَدَاء الْأَمَانَةِ، فقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. إنها عُرِضَتْ عَلى السَّمَوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ، وَالْأَرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ، وَالْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ المَنْصُوبَةِ، فَلَا أَطول وَلَا أَعْرَضَ وَلَا أَعْلى وَلَا أَعْظَمَ مِنْهَا. وَلَوِ امْتَنَعَ شَيْءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزّ لَامْتَنَعْنَ، وَلكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَعَقَلْنَ ما تجيلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَهُوَ الْإِنْسَانُ «إِنَّهُ كَانَ ظَلُوما جهولاً». إنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا العِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ. لَطُفَ بِهِ خُبْراً، وَأَحَاطَ بِهِ عِلْماً، أعضاؤكُمْ شُهُودُهُ، وَجوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ، وَضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ، وَخَلَوَاتُكُمْ عِيانُهُ (4).
اللغة :
حت الورق عن الشجر : أسقطه، وجت الشيء عن الثوب : حكه وأزاله. والربق : حبل فيه عرى. والحمة - بفتح الحاء وتشديد الميم - عين معدنية يستشفى بها. ونصباً : تعباً. ومقترفون : مكتسبون. وخبراً : علماً
الإعراب :
فما عسى (ما) للاستفهام، والمعنى أي شيء الخ واشتبه من قال هي نافية، وعسى تامة، لا تحتاج الى خبر، وفاعل يبقى ضمير مستتر يعود الى (ما) وطيب النفس حال، ومثله غير طيب النفس، واداء الأمانة نصب على المصدرية أي أدوا الأمانة، وخيراً تمييز، ومثله «علما».
الصلاة :
تكلم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الخطبة عن الصلاة والزكاة والأمانة، وفي الخطبة 108 و 190 تكلمنا عن الصلاة والزكاة تبعاً لإشارة الإمام اليها في هاتين الخطبتين، والآن نتناول منها بعض الجهات التي لم نتعرض لها فيما سبق، من ذلك ما أشار اليه الإمام بقوله :
(وانها لتحت الذنوب - الى - فما عسى أن يبقى عليه من الدرن). يدل هذا الكلام بظاهره على ان الصلاة حسنة لا تضر معها سيئة، وان الله يغفر سيئات المصلي مهما تضاعفت وتنوعت.! وليس من شك ان هذا الظاهر يصطدم مع حكم العقل والبديهة، ومع قوله تعالى : «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ - آخر الزلزلة» فا هو وجه الجمع ؟
الجواب :
لا أحد يجرأ على الزعم والادعاء أنه منزه عن التقصير والخطأ إلا جاهل مغرور حاشا الانبياء والخطيئة أنواع، ولكل نوع درجات، فهناك حق الله وحق الناس، وهناك الكبيرة والصغيرة وبعض الخطايا تقبل المغفرة والتسامح، ويختصر
فيها على اللوم والعتاب أو التوبيخ، وبعضها يوجب العقاب الخفيف، وثالثة العقاب الوسط، ورابعة العذاب الأكبر. وتقدمت الإشارة الى الذنب الكبير والصغير في شرح الخطبة 174 فقرة «ألا وان الظلم ثلاثة». وأفحش الخطايا على الاطلاق الشرك بالله، والاعتداء على حريات الناس بكم الأفواه، وتعذيب الأرواح والأجسام، ونهب الثروات، واغتصاب الأرض والمقدرات.. وما الى ذلك من الجرائم التي يرتكبها الأقوياء ضد الضعفاء الذين لا قدرة لهم، ولا حيلة ووسيلة. وهذا النوع من الذنوب لا يغفر إطلاقاً، وإن صلى المذنب الظالم وصام، وحج الى بيت الله الحرام.
وما عدا هذا النوع من الذنوب يقبل الغفران، شريطة أن لا يكون فيه شائبة اعتداء على الآخرين، وإن كانت مثقال ذرة. ومن الأمثلة التي تقبل التسامح والمغفرة سقطات اللسان مع عدم الإضرار بالآخرين وأكل الخبائث أو شربها بلا ضرورة، وصناعة التماثيل والنظرة الآئمة والعصبية اذا لم يترتب عليها فساد، بل وحلق اللحية والإسراف في الأموال على القول بالتحريم.
وغير بعيد أن يكون المراد بالذنوب التي تحتها الصلاة وتطهر المصلي منها هذا النوع بالخصوص.. ومن الجائز أيضاً أن يكون القصد من حت الذنوب أن الصلاة بطبيعتها تحث المصلي على التوبة التي تطهره من الذنوب. ويومىء الى ذلك ويؤيده قوله تعالى : «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ - 45 العنكبوت»، أي تنهى المصلي عنهما بمجرد الدعوة والارشاد، ولا تدفعه عنها قسراً، أو تخلق في نفسه النفور منها قهراً آ.. لأن هذا لأن هذا لم يحدث بشهادة العيان محدث بشهادة العيان. وليس من شك أن إهمال التوبة من المنكرات، فيشمله نهي الصلاة عن المنكر.
(وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الخ).. الذين وجدوا حلاوة الإيمان بالله، وبرد اليقين، وجلال القرب منه، وعقلوا أسرار الصلاة وأهدافها وان الله سبحانه يكتب لهم من ثوابها على قدر محافظتهم عليها، واهتمامهم بها، وإذن فلا عجب إذا أعطوها عن طيب نفس كل همهم واهتمامهم، وجعلوها شغلهم الشاغل حتى عن الولد والمال.
ونحن نعرف الكثير من عظمة الصلاة عند الله، وانها عمود الدين وقربان كل تقى.. وأيضاً تتحدث عن فضلها ونكتبه ونذيعه، ولكن صلاتنا - ويا لسوء العمل - أشبه بحركة آلية أو تلقائية.. أبداً لا شيء فيها من الحضور والخشوع..
نحن نصلي والله بقصد القربة لله.. ولكن بماذا نفكر أثناء الصلاة ؟.. بالتافهات وزينة الحياة قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ان خير أعمالكم الصلاة. وتقول نفسنا الأمارة : لا، ان خير أعمالكم الشهرة والسمعة، والجمع للوارث التارك للصلاة ! اللهم هدايتك وغفرانك.
ونختم هذه الإشارة بهذه الفضيلة الرائعة من فضائل الصلاة ومنافعها، وأول من كشف عنها - فيما نعلم - الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي ان الأمم الماضية نسوا أنبياءهم بمرور الزمن وطول العهد، فألزم سبحانه أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالصلوات الخمس لفوائد، منها أن يكون المسلم مع نبيه مدى حياته، فيذكره ليل نهار فرضاً وندباً، ولا ينساه أبداً مهما امتد الزمن، وأن يقرن اسمه باسم الله في الأذان والإقامة، وفي التشهد والتسليم، وأيضاً في الركوع والسجود على وجه الاستحباب. ومن ترك الصلاة فقد ترك الله ومحمداً رسول الله الذي قال : بين الرجل والكفر ترك الصلاة.. الصلاة هي العهد بيننا وبينكم، فمن تركها فقد كفرک
(وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نصباً بالصلاة) أي يتعب بها نفسه، ويجهدها في عبادة لله حتى تورمت قدماه، واصفر لونه، وحتى عاتبه سبحانه على ذلك بقوله : «طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى» أي لتشق على نفسك، وتحملها المشقة والعناء.
الزكاة :
(ثم ان الزكاة جعلت مع الصلاة قرباناً الخ).. أي يتقرب بها الى الله سبحانه .. حث الاسلام على الزكاة تماماً كما حث على الصلاة، لأنه يحرص كل الحرص على الأخوة والتعاون بين الناس، وأقام هذا التعاون على أسس قوية وثابتة، منها أو من أهمها العمل لصالح الأغلبية العظمى التي تتكون من الفقراء والمستضعفين، وتقديمه على صالح الأفراد، والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات. ومن البداهة ان الزكاة ضرب من التعاون وأساس له، ولذا أطلق عليها في عصرنا اسم العدل الاجتماعي أو العدالة الاجتماعية. وكثير من الفقهاء يتجاوزون النسبة المئوية المحددة في الزكاة ويوجبون في أموال الأغنياء كل ما يحتاجه الفقراء
وقد اشتهر القول عن ابن حزم : «ان للسلطان أن بحر الأغنياء على أن
يقوموا بحاجة الفقراء إن لم تقم الزكاة بهم ، فإذا رفض الأغنياء أجبرهم السلطان، وحاربهم واذا رفض السلطان ذلك حاربهم الفقراء أنفسهم، وكانوا أصحاب حق، وكان السلطان والأغنياء الفئة الباغية». ومعنى هذا ان للفقراء حق الثورة على الأغنياء، وأخذ ما يحتاجون اليه من أموالهم بالقهر والغلبة وبلا ضمان وعوض أيضاً. وليس هذا ببعيد عن روح الاسلام الذي قال : ما آمن بالله من بات شبعاناً وأخوه جائع. وقال : «وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ - 75 النساء». وتكلمنا عن الزكاة في الخطبة 108 و 190.
(ثم أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها، أنها عرضت على السموات الخ).. تطلق الأمانة على الوديعة كالمال والمصاغ والصلك ونحو ذلك مما يتركه المرء عند غيره، ويسأله المحافظة عليه، وهذه الأمانة يجب الوفاء بها للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، ولا تحل خيانتها عقلاً وعرفاً وشرعاً، قال الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «والذي بعث محمداً بالحق لو ان قاتل أبي الحسين التمني على السيف الذي قتله به لأديته اليه. وأيضاً تطلق الأمانة على الوفاء بمعناه العام الذي يشمل الوفاء للدين والوطن، والأهل والأصدقاء، والمبدأ والانسانية جمعاء. والوفاء خلق كريم عند أهل السماء والأرض، والخيانة لؤم وغدر.
واستشهاد الإمام بالآية يومىء الى انه يريد من الأمانة المعنى العام، وهو الوفاء، لأن المراد من الأمانة فيها دين الله والمسؤولية عنه. وإذن فمن الأفضل أن نشير الى معنى الآية، ومتى عرفناه اتضح مراد الإمام، أو ازداد وضوحاً قال تعالى : «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًاً - 72 الأحزاب». وخلاصة المعنى أن الله سبحانه منح الإنسان القدرة والعقل والإرادة، وميزه بذلك عن جميع الكائنات التي نعرفها، وأهله بهذه النعمة لتحمل المسؤولية عن دين الله الذي بينه على لسان أنبيائه.
وعليه فمعنى حمل الإنسان للأمانة أن فيه كل الشروط والصفات التي تؤهله للخطاب بالدين، والتكليف بالحلال والحرام، واستحقاق العقاب ان قصر وأهمل،
لأن الله سبحانه لم يترك له من عذر يتعلل به، ومعنى رفض السموات والأرض والجبال للأمانة أو للدين، معناه أنها تفقد هذه الشروط والمؤهلات، وهي القدرة والعقل والإرادة، وبالتالي فلا يصح تكليفها بحال. وقديماً قيل : اذا أخذ ما أوهب سقط ما أوجب. ومن أقوال الإمام : متى ملكنا الله كلفنا، ومتى أخذه منا وضع عنا تكليفه لنا عنا تكليفه لنا. وبكلمة أبلغ وأجمع وبكلمة أبلغ وأجمع : «لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها - 7 الطلاق».
(لطف به خبراً). الضمير في «به» يعود الى «ما» في قوله : (لا يخفى عليه ما العباد مقترفون). ويشير الإمام بقوله : الإمام بقوله : «لطف به خبراً» الى الآية 103 من سورة الانعام : «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ». والخبير والعليم بمعنى واحد، واللطيف هو العالم بدقائق الأمور وغوامضها (وأحاط به علما) عطف تفسير (وضمائر كم عيونه) أي ان ذات الصدور تشهد على العصاة تماماً كما تشهد عليهم أعضاؤهم (وخلواتكم عيونه) كل سر عنده علانية، وكل غيب عنده شهادة.
والله مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنّي وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ. وَلَوْلاَ كَرَاهِيَةً الغَدْرِ لَكُنتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِن كُلُّ غُدَرَةٍ فَجَرَةٌ، وَكُلُّ فجَرَةٍ كَفَرَةٌ. وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاللهِ مَا أسْتَغْفَلُ بِالمكيدَةِ، وَلَا أَسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ.
اللغة :
غدرة وفُجَرة وكفرة - بضم الحرف الأول وفتح الثاني - للمبالغة أي غدور وفجور وكفور. وما أستغفل بالمكيدة : لا تجوز المكيدة علي كما تجوز على الغافلين. ولا أستغمز للشديدة : لا أضعف للخطوب وإن اشتدت.
الإعراب :
بأدهى خبر، والباء زائدة، ومني متعلق بأدهى.
المعنى:
(والله ما معاوية بأدهى مني الخ).. ما كان لمعاوية من هدف إلا المجد والسلطان، وكل الوسائل حق وعدل عنده ما دامت تؤدي بنجاح الى بلوغ هذا الهدف، ولا غاية لعلي إلا الدين وإحقاق الحق، وفي سبيله تجب التضحية بكل عزيز وثمين. هذا هو الفرق بين الاثنين، أما نجاح معاوية فيعود الى شيء واحد، وهو أن الظروف في المجتمع الفاسد تعاكس المحق، وتواتي المبطل بخاصة إذا كان بارعاً في الكذب والاحتيال. ولقد برع معاوية ونجح في الغدر والمكر، وصفت له الأيام في بيئة الضلال، واستشهد الإمام غدراً واغتيالاً.. ولكن التاريخ أنصف، وكشف كلاً على حقيقته، فكل الأجيال تصف معاوية بالمواربة والانتهازية، وتعترف للإمام بالإخلاص والتضحية، والصلابة في الحق مهما تكن الخسائر.
وتقدم مضمون هذه الخطبة ومحتواها في الخطبة 41، وشرحناه بضرب من التفصيل، واستشهدنا هناك بما قاله الإمام هنا (انظر المجلد الأول ص 257 فقرة «علي والسياسة»). وتجدر الإشارة الى ان ابن أبي الحديد المعتزلي كتب في شرح هذه الخطبة حوالى عشرين صفحة بالقطع الكبير، فمن أراد التوسع فليرجع اليه والى كتاب «النصائح الكافية، لمن يتولى معاوية» تأليف ابن عقيل.
أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى مَائِدَةٍ شِبَعُها قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنما يَجْمَعُ النَّاسَ الرّضَاء وَالسُّخَطُ. وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللهُ بِالْعَذَابِ لما عمُّوهُ بِالرّضَا فَقَالَ سُبْحَانَهُ : «فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ»، فَمَا كَانَ إِلا أَن خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ حُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ. أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الماء، وَمَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التّيهِ.
اللغة :
الخوار : الصوت، قال سبحانه : «عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ - 148 الأعراف». والسكة : حديدة المحراث.
الإعراب :
كان ناقصة، واسمها محذوف، وتسبك ان وما بعدها بمصدر خيراً لكان، والتقدير لما كان عذابهم إلا خوار أرضهم.
(أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله). كل ما يجلب النفع، ويدفع الضر عن الفرد والجماعة في حدود حلال الله وحرامه فهو خير وصلاح، وكل ما يضر بالناس بجهة من الجهات فهو شر وضلال، ومن آمن واقتنع بطريق أو بآخر ان هذا خير وصلاح، وذاك شر وفساد فعليه أن يتصرف بوحي من ايمانه وقناعته، ولا يقيم وزناً لأقوال الناس وآرائهم، فإنهم لا يصدرون عن عقل وعلم، ولا عن دين وضمير ويندفعون بمحض الرغبة والعاطفة الهوجاء، والتقاليد الموروثة، بخاصة في هذا العصر الذي أفسدته المدنية الحديثة، وأجهزت الدعايات الكاذبة على كل ما يسمى هدى وانسانية.
قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «استفت قلبك.. البر ما اطمأنت اليه النفس، واطمأن اليه القلب، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك». وقالى الإمام وقالى الإمام : «لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة» وتقدم في الخطبة 128 قوله لأبي ذر : لا يؤنسك إلا الحق، ولا يوحشك إلا الباطل.
وكلنا يعلم ان الذين صنعوا التاريخ، وتقدمت الحياة بجهودهم كانوا حمقى ومجانين عند قومهم، لأنهم تمردوا على مقاييسهم، ورفضوا التنازل عما يؤمنون به ويعتقدون، وساروا وحدهم على طريق الهدى بوحي من عقولهم وصفاء قلوبهم، وكان من الطبيعي أن يصطدموا بالكثير من العقبات، ويعانوا النكبات ويعانوا النكبات، ولكنهم ثبتوا وضحوا فكانوا من الهداة الخالدين، ولو خافوا من قوة الدولة ومنطق الجماعة الخسروا أنفسهم، وما تركوا خيراً لإنسان.
(اجتمعوا على مائدة شبعها قصير، وجوعها طويل). المراد بالمائدة الدنيا، وقد يشبع الإنسان منها، ولكن الى أمد ينتهي بزواله الى اللحد حيث لا طعام
ولا شراب ولا شيء إلا العمل (إنما يجمع الناس الرضا والسخط). قسم الشيوعيون الناس على أساس اقتصادي، وبعضهم على أساس عنصري أو جغرافي و آخرون على أساس ثقافي، أما القرآن فإنه يقسم الناس على أساس التقوى والعمل الصالح، والى هذا يرجع كلام الإمام حيث جعل الناس فريقين : فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير، والفريق الأول هم العاملون بالخير، ومن رضي عنه وعنهم، ومن هنا كان للنوايا الطيبة وزنها وثوابها عند الله، والفريق الثاني هم الساخطون على الخير وأهله.. فقد جمع الرضا بين أولئك في جنة الخلد، وجمع السخط بين هؤلاء في عذاب الحريق.
وعن النبي وأهل بيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به شركاء ثلاثتهم.. من رضي أمراً فقد دخل فيه، ومن سخطه فقد خرج منه.. من غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهده وأناه.. ولو أن رجلاً قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي شريك القاتل».
أبداً لا يحق لأحد أن يدعي الإسلام الحق، أو انه انسان طيب، وهو يقيم مع الظالم علاقات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية حتى ولو ملأ الدنيا بسبه ولعنه، لأن أية علاقة مع الظالم هي عون له وحياة ومن أجل هذا أسمح لنفسي أن أسمي الاتفاق الجديد بين الاشتراكية والامبريالية، أسميه بالانتهازية العلنية.. ولا تبعد كثيراً تسميتي هذه عن تسمية الاشتراكيين والامبرياليين لاتفاقيتهم بالتجارية».
(وانما عقر ناقة ثمود رجل واحد الخ).. ثمود قبيلة من العرب، سميت باسم جدها نمود بن عامر، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام، فأرسل الله صالحاً لهدايتهم، وهو أشرفهم نسباً، وأوسعهم حلماً، فطلبوا منه أن يأتيهم بآية تصدق رسالته، فقال لهم : هذه ناقة الله لا مثيل لها في تاريخ النوق، قرماها شقي بسهم فخرت على الأرض، وما أنكر هذه الجريمة منكر من نمود، فأخذهم الله بغتة، وهم لا يشعرون.
(فما كان إلا أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السكة المحماة في الأرض).
خارت الأرض لانت وارتخت بحيث يغور فيها ما على ظهرها من الأثقال كما تغور حديدة المحراث الحامية في الأرض اللينة. والمعنى ان الأرض ابتلعت نمود، لأن بعضهم فعل المنكر، والبعض الآخر رضي به وسكت عنه (من سلك الطريق الواضح ورد الماء) أي نال ما يبتغيه (ومن خالف وقع في التيه) حيرة وضلالة : «كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ - 34 غافر».
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي وَعَن ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جَوَارِكَ وَالسَّرِيعَةِ اللحَاقِ بِكَ. قُلْ يَا رَسُولَ اللهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقٌ عَنْهَا تَجَلَّدِي. إِلَّا أَنَّ لِي فِي التَّأْسِي بِعَظِيمٍ فُرْقَتِكَ، وَفَادِحٍ مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزُّ. فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ. إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَلَقَدِ اسْتَرْجَعَتِ الوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ. أما حُزْنِي فَسَرْمَدُ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهّدُ إلَى أَنْ يَختارَ اللهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنتَ يا مُقِيمٌ. وسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمِّتِكَ عَلى هَضْمِهَا فَأَحْفِهَا السُّوَّالَ وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ. هذا وَلَمْ يَطْلِ العَهْدُ. وَلَمْ يَخلُ مِنْكَ الذُّكْرُ. وَالسّلامُ عَلَيْها سَلَامَ مُوَدِّع
لَا قَالِ وَلَا سَيْم. فَإِنْ أَنصَرِف فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ. وَإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءٍ ظَنْ بَمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِينَ.
اللغة :
رق : ضعف. وتجلد فلان : تكلف الجلد والصبر. والتأسي : التعزية. وملحودة : مشقوقة ومحفورة. ومسهد ومسهد : قليل النوم. فأحفها السؤال : استقص في مسألتها .
الإعراب :
في التأسي خبر ان مقدماً على اسمها وهو موضع تعز، والحال منصوب بنزع الخافض أي استخبرها عن الحال. وهذا فاعل لفعل محذوف أي حدث هذا، وعن ملالة متعلق بفعل محذوف أي فلا أنصرف عن ملالة.
أبوها خاتم الأنبياء وسيد الكونين، وأمها خديجة بنت خويلد أول انسان آمن وصدق برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشاركه في حياته، ومنها ذريته، وزوج فاطمة علي أخو رسول الله أول من آمن به وصلى معه وفداه بنفسه من الذكور ولكن أولادها منه ينسبون الى علي لغة، والى النبي شرعاً لقوله : «كل ولد آدم فإن عصبتهم لأبيهم خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم».
ولدت فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمكة يوم الجمعة 20 جمادى الآخرة بعد النبوة مخمس سنين، وسميت فاطمة لأن الله فطمها وذريتها عن النار يوم القيامة، كما في کتاب «ذخائر العقبى» عن رسول الله. وكانت أشبه الناس سمتاً ودلاً وهدياً وقياماً وقعوداً بأبيها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كما في «صحيح الترمذي» عن عائشة. وتوقيت بالمدينة 3 جمادى الآخرة سنة 11 هـ، وعمرها الشريف 18 سنة، وعاشت بعد أبيها 95 يوماً.
وفي «حلية الأولياء» لأبي نعيم ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لها : يا بنية أما ترضين انك سيدة نساء العالمين ؟ قالت : يا أبت فأين مريم بنت عمران ؟ قال : تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، أما والله زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة.
وقرأت في جريدة «الأخبار» المصرية تاريخ 21 – 5 - 1970 كلمة للأستاذ محسن محمد، تحدث فيها عن كتاب جديد في أهل البيت بلغ أكثر من 600 صفحة لمؤلفه توفيق أبو علم وكيل وزارة العدل بمصر. وقال الكاتب فيما قال، وهو يعرض نماذج من هذا الكتاب الجديد :
«هؤلاء هم أهل البيت : فاطمة الزهراء، وزوجها علي، وأولادهما الحسن والحسين وأحفادهما. ولقد زرت مكة والمدينة، ووقفت بكربلاء، وعبرت الطريق الى النجف والكوفة، وتمثلت لي في لحظة مواقفهم.. بطولاتهم.. استشهادهم».
«والسيدة فاطمة أصغر بنات الرسول وأحبهن اليه، وأمها خديجة التي ردت السكينة والأمن لرسول الله، وتعلمت منها فاطمة أعظم الدروس، فكانت تضمد جراح أبيها في غزوة أحد، وتقوم وحدها بعمل البيت لا يعينها أحد، عاشت على الكفاف لا تكذب ولا تشكو، وتردد دائماً قول أبيها : طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به. أعرضت عن طيب الدنيا أعرضت عن طيب الدنيا، واستوى عندها الغنى والفقر، والراحة والعناء، والموت والحياة.. وعلمت ولدها الحسن دعاء يردده : الحمد الذي لا ينسى من ذكره، ولا يخيب من دعاه، ولا يقطع رجاء من رجاه».
وإذن يحق للإمام أن تذهب نفسه أسى على بضعة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويندبها بهذه الكلمة النائحة : : «السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك». روى البخاري في صحيحه باب علامات النبوة في الإسلام : ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعا فاطمة في شكواه الذي قبض فيه فبكت، ولما أسر اليها بشيء ضحكت، فسألتها عائشة عن بكائها ثم ضحكها ؟ فقالت : سارني انه يقبض في مرضه هذا فبكيت، ثم سارني اني أول أهل بيته أتبعه فضحكت.
(قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورق عنها تجلدي). قوله :
«صفيتك» يشير الى مكانتها عند الله ورسوله، قال الخطيب في تاريخ بغداد ج 1 ص 259 طبعة 1349هـ بمصر : « قال رسول الله : علي حبيب الله، والحسن والحسين صفوة الله، وفاطمة خيرة الله». (عن كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة).
(إلا أن في التأسي الخ).. المصاب بفقد السيدة بضعة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عظيم وأليم على قلب الإمام، ولكنه جلل اذا قيس بفقد رسول الله، وقد صبر الإمام على هذا في الأولى ان يصبر على ذاك. ومن أقواله : ان صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وان جزعت جرى عليك القدر، وأنت مأزور وأنت مأزور (فلقد وسدتك في ملحودة) قبرك كأن الإمام يقول بهذا لرسول الله : انه معه في عقله وروحه وجسمه بعد أن انتقل الى الرفيق الأعلى تماماً كما كان معه في حيات (وفاضت بين نحري وصدري نفسك). تقدم في الخطبة 195.
(فلقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة). المراد بالوديعة والرهينة السيدة أم الحسنين، وكانت عند الإمام عوضاً عن رؤية رسول الله كما تكون الرهينة عوضاً عن الأمر الذي أخذت عليه على حد ما قال ابن أبي الحديد (أما حزني فسرمد) دائم (وأما ليلي فمسهد) كناية عن شدة الآلام والاتراح التي تمنع من النوم.
(وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها الخ). يشير هذا الى قصة فدك، ولفدك في التاريخ الاسلامي أدوار وأخبار، وتتلخص بأن فدكا قرية في الحجاز، وكانت ملكاً لليهود، فصالحوا رسول الله عليها، ولما انتقلت اليه وهبها لابنته فاطمة. وعن كتاب «الدر المنثور» للسيوطي عند تفسير قوله تعالى : «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ - 26 الإسراء» ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعا فاطمة، وأعطاها فدكاً ولما قبض النبي انتزعها أبو بكر من فاطمة، ولم يردها عمر في عهده لبضعة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولما جاء عثمان وهبها لمروان بن الحكم، وحين تولى عمر بن عبد العزيز ردها الى أولاد فاطمة، وبعده انتزعها منهم يزيد بن عبد الملك. ثم ردها السفاح العباسي الى الفاطميين، ثم أخذها منهم المنصور الدوانيقي وأرجعها اليهم المأمون، وانتزعها منهم المتوكل، وانتهى عهد الفاطميين بفدك.
(سلام مودع) لا قال ولا مبغض (ولا سئم) لا ملول (وان أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين) إن اخترت المقام عند قبرك يا رسول الله فأقيم
عنده وأنا صابر وراض بقضاء الله طلباً لثواب الصابرين، لا جازع ولا متبرم. وقريب من هذا قول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عند موت ولده ابراهيم : تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا ابراهيم لمحزونون». وروي ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بكى عند موت صاحبه عثمان بن مظعون.
وقال كاتب انكليزي: «نجد كثيراً من القصص تدل على دمائة محمد وحساسيته. فقد بكى على ابن عمه جعفر، وأيضاً بكى حين رأى ابنة زيد بن حارثة تبكي على أبيها الذي قتل مع جعفر، وفي ذات يوم رأى طفلاً حزيناً، فسأله عن السبب فأجاب الطفل بأن بلبله قد مات. فبذل محمد كل جهده لتعزيته».
أَيُّهَا النَّاسُ إِنما الدُّنْيَا دَارُ تَجَازِ وَالْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِنْ ممرُّكُمْ لمقَرِّكُمْ. وَلَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ. وَأَخرجوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ. فَفِيهَا اخْتُبِرتُمْ، وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ. إِنَّ المَرْءُ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ مَا تَرَكَ وَقَالَتِ المَلائِكَةُ مَا قَدَّمَ. لِلهِ آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً وَلَا تُخَلَّفُوا كُلَّا فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ.
اللغة :
المجاز : الممر. والقرار : البقاء.
الإعراب :
لله آباؤكم «لله» خبر مقدم، وآباؤكم مبتدأ مؤخر، واللام الجارة تفيد التعجب، ويكن على الجزم بجواب الأمر، فيكون على النصب بأن مضمرة بعد الفا.
المعنى :
(انما الدنيا دار مجاز) هي طريق، والغاية القيامة (والآخرة دار قرار) وخلود، لا موت فيها، ولا انتقال منها (فخذوا من ممركم) أي اعملوا في دنياكم (لمقركم). سئل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن أفضل الأعمال فقال : بذل السلام للعالم. وقال الإمام : بئس الزاد الى المعاد العدوان على العباد. ومن فضل الله ورحمته انه جعل مجرد حب الخير للناس وكف الأذى عنهم وسيلة لمرضاته وثوابه، قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأبي ذر : كف أذاك عن الناس، فإنه صدقة تتصدق بها على نفسك (ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم). اذا عملتم خير السر فلا تنطقوا به وتعلنوه أمام الناس، فإن الله يعلمه منكم، ويثيب عليه. وقيل : معناه لا تتجاهروا بالمعصية !. وهو بعيد عن دلالة اللفظ.
(وأخرجوا من الدنيا قلوبكم الخ).. أي من حرامها : «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ - 33 الأعراف». (ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقم) خلق الانسان للبقاء والخلود في الآخرة، أما الدنيا فهي لمجرد الاختبار والتمييز بين من يستحق النعيم ومن يستحق الجحيم في دار الحساب والجزاء (إن المرء اذا ملك قال الناس : ما ترك) من حطام الدنيا وهذا شيء طبيعي، لأنهم أبناء الدنيا، وهي همهم وشغلهم (وقالت الملائكة: ما قدم) وهذا طبيعي أيضاً : لأنهم من أهل الآخرة، ولا يمتون الى الدنيا بسبب.
(لله آباؤكم). الآباء غير مقصودين على الاطلاق، والقصد مجرد التعجب من انصراف المخاطبين عن الآجلة الباقية الى العاجلة الفانية (فقدموا بعضاً) من عمل الخير (يكن لكم قرضاً) أي ديناً تستوفونه يوم لا ينفع مال ولا بنون وفيه إيماء الى قوله تعالى : «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ - 245 البقرة». (ولا تخلفوا كلا) لا تتركوا للوارث كل أموالكم دون أن تنفقوا منها شيئاً في سبيل الله (فتكون فرضاً عليكم) ان أنفقتم كان الدين لكم، وان أمسكتم كان الدين عليكم، تحاسبون عليه يوم القيامة، ولا تستطيعون الوفاء.
تَجَهّزُوا وَحَمَكُمُ اللهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرّحِيلِ، وَأَقِلُوا العُرْجَةَ على الدُّنْيَا. وَأَنْقَلِبُوا بِصَالِحٍ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةٌ كَرُوداً، وَمَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً لَا بُدَّ مِنَ الوُرُودِ عَلَيْهَا وَالوُقُوفِ عِندَهَا. وَأَعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ. وَكَانُكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ، وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُفْظعَاتُ الأمور ومُعْضلات المَحْذُورٍ، فَقَطّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا، وَاسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى.
اللغة :
العرجة - بضم العين - الإقامة. وانقلبوا : انصرفوا. وكؤود : شاقة. ودائبة : جادة. والمخالب : الأظفار. ونشبت : علقت. والمفظعات والمعضلات : الخطوب والشدائد. وعلائق : جمع علاقة أي التعلق والارتباط. واستظهروا : استعينوا.
الإعراب :
نحوكم نصب على الظرفية، لأن النحو هنا بمعنى الجهة، ويجوز التصب بنزع الخافض أي الى نحوكم.
المعنى :
هذه الخطبة في معنى التي قبلها بلا فاصل: التزهيد في الدنيا، والترغيب في عمل الآخرة، وتكرر ذلك بالعشرات، ولذا نمر بهذة الخطبة مسرعين (فقد نودي فيكم بالرحيل). الأصوات ملء الأسماع بأن الرحيل من هذه الحياة الى الآخرة - وشيك، فاستعدوا لها (واقلوا العرجة على الدنيا) لا تحبسوا أعمالكم على الدنيا وحدها، وتنسوا نصيبكم من الآخرة (وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد). المراد بحضرتكم القدرة والاستطاعة، والمعنى ما دمتم قادرين الآن على العمل فتزودوا بالأعمال الصالحات ليوم فاقتكم.
(فإن أمامكم عقبة الخ).. وهي الموت وسكراته، والقبر ووحشته، والقيامة وأهوالها : «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - 71 مریم» (واعلموا أن ملاحظ المنية نحوكم الخ).. لا نجاة من الموت، انه لكم بالمرصاد، وكأن اظفاره قد علقت بأجسامكم وقلوبكم (فقطعوا علائق الدنيا) ازيلوا حيها من قلوبكم وانظروا اليها كوسيلة لا كفاية (واستظهروا بزاد التقوى). استعينوا على عذاب الله بتقواه، فلا مهرب منه إلا اليه.
لَقَدْ نَقِمْتُها يَسِيرًا وَأَرْجَأتُها كَثِيراً. ألا تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْءٍ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعَتُکما عَنْهُ، وَأَيُّ قَسْم اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُما بِهِ، أَمْ أَيُّ حَقٌّ رَفَعَهُ إلَى أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ، أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ، وَاللهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلافَةِ رَغْبَةٌ، وَلَا فِي الوِلَايَةِ إِرْبَةٌ، وَلَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا. فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ الله وَمَا وَضَعَ لَنَا وَأَمَرَنَا بِالخُلمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَا اسْتَسَنَّ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فَاقْتَدَيْتُهُ. فَلَمْ أَحتج فِي ذلِكَ إلَى رَأيها وَلاَ رأي غَيْرِهما، وَلَا وَقَعَ حُكُمْ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَ ما وَإِخْوَانِي الْمُسْلِمِينَ ولو كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبُ عَنْها وَلَا عَنْ غَيْرِ کما (1). وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُما مِنْ أَمْرِ الْأسْوَةِ فَإِنَّ ذلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أنَا فِيهِ بِرَأْيِي وَلَا وَلِيتُهُ
هوى مِني. بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَأَنتُها مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قَدْ فُرِعَ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُما فِيمَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ وَأَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ. فَلَيْسَ لَكُما وَاللهِ عِنْدِي وَلَا لِغَيْر كما في هذا عُتْبَى. أَخَذَ اللهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إلَى الحَقِّ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ. (ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلامُ)) رَحِمَ اللهُ أَمْرَهَا رَأَى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ وَكَانَ عَوْنَا بِالْحَقِّ عَلى صَاحِبِهِ (2).
اللغة :
اربة : حاجة وغاية. وأفضت : صارت، والأسوة : القدوة، ومراد الإمام اتباع سنة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويجوز أن يريد التسوية في قسمة الأموال. والعتبى : الرجوع عن الإساءة وطلب الرضا ممن أسأت اليه.
الإعراب :
أي شيء مبتدأ، وجملة دفعتكما خبر، وجملة دفعتكما خبر، ولكما فيه حق مبتدأ وخبر، والجملة صفة شيء. وفي بعض النسخ كان لكما فيه حق، وعليه فإن في «كان» ضميراً مستتراً اسماً لكان، وجملة لكما فيه حق خير، والجملة من كان واسمها وخبرها صفة شيء، وأنا تأكيد، وهوى مفعول من أجله لوليته.
المعنى:
(لقد نقمتها يسيراً، وأرجأتما كثيراً). الخطاب لطلحة والزبير، والمراد باليسير الذي غضبا من أجله المصلحة الخاصة، وبالكثير الذي تجاهلاه مصلحة الإسلام والمسلمين، والمعنى ان طلحة والزبير أثارا الفتن، وسفكا الدماء، وأضاعا
هيئة الإسلام، وقوة المسلمين، وقوة المسلمين، كل ذلك لأن الإمام لم يعط البصرة لطلحة، والكوفة للزبير، وساوى بينها وبين المسلمين في الحقوق.
وفيما سبق أشرنا أن الصحابة كانوا يختلفون فيما بينهم، ولكن ما من واحد منهم حدث نفسه أن يخرج على الجماعة ويشهر السيف حرصاً على مصلحة الإسلام.. فقد كان الإمام وحزبه يرون انه أحق الناس بالخلافة، وعارضوا من سبقه من الخلفاء، ولكن بهدوء، وبالحجة لا بالسيف خوفاً من الفتنة وعواقبها، قال سبحانه : «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً - 25 الأنفال». وفي صحيح البخاري كتاب الفتن عن رسول الله : «لا ترتدوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض من خرج من السلطان مات ميتة جاهلية». ولكن أصحاب الجمل وصفين يريدون الحكم والاستثثار ولو على دين الجاهلية.
(ألا تخبراني أي الخ) أي حق استهنت به خاصاً كان أم عاماً ؟ صحيح اني ملكت دونكما وقسمت، ولكن هل استأثرت بشيء أو آثرت أحداً من أهلي دون الناس ؟ ألا تريان اني أقدر نفسي وأهلي بضعفة الرعية، أو ترياني جاهلاً بدين الله، أو حرفته استجابة للأهواء والأغراض ؟
:
وقد أجاب التاريخ عن هذه التساؤلات. قال الكاتب المصري أحمد عباس صالح في كتاب اليمين واليسار ص 118 طبعة سنة 1972: «ان طلحة والزبير لم يظهرا حقيقة مقصدهما من خلع البيعة لعلي، فهما قد خلعاها لأمرين : الأول لطمعهما في الخلافة. الثاني لإبقاء الأوضاع الاجتماعية القائمة» أي في عهد عثمان. وقال في ص 117 : «ثار طلحة والزبير بعلي لطمعهما في الخلافة، وانهما يكرهان أيضاً ما يتصوران أنه مغالاة في تطبيق المبادىء الاسلامية».
(والله ما كانت لي في الخلافة رغبة الخ) أراد المسلمون علياً بعد مقتل عثمان، وقصدوه بالبيعة فتوقف، وقال : انا لكم وزيراً خير مني أميراً وظلت الخلافة شاغرة 5 أيام وقيل 8. وبعد إلحاح وإصرار المهاجرين والأنصار ومن حضر من غيرهم - استجاب الإمام. وتقدم الكلام عن ذلك مفصلاً في شرح الخطبة 90 ج 2 ص 49. (فلما أفضت إلي نظرت الى كتاب الله الخ).. كان الإمام هو الصراط القويم للعلم بكتاب الله وسنة نبيه بشهادة العديد من الأحاديث النبوية، من ذلك :
1 -«أنا مدينة العلم، وعلي بابها» روى هذا الحديث الحاكم في مستدرك الصحيحين ج 3 ص 126 طبعة حيدر آباد سنة 1324 هـ والخطيب في تاريخ بغداد ج 3 ص 127 طبعة مصر سنة 1349 ه«، وابن حجر في تهذيب التهذيب ج 6 ص 230 طبعة حيدر آباد سنة 1325، والحافظ في الرياض النضرة الطبعة الأولى بمصر. وغير ذلك من الكتب (انظر ج 2 فضائل الخمسة من الصحاح الستة).
2 - «علي مع القرآن، والقرآن مع علي». رواه ابن حجر في صواعقه المحرقة ص 75 طبعة مصر سنة 1312 ه-، والحاكم في المستدرك ج 3 ص 124.
3 - جاء في تاريخ بغداد ج 4 ص 158 أنه قيل : يا رسول الله عمن نأخذ العالم ؟ فقال عن علي وسلمان. (الجزء الثاني من فضائل الخمسة).
وقد شاع واشتهر ان الصحابة كانوا بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يرجعون الى الإمام في مهمات الشريعة. وعلى سبيل المثال ان أبا بكر سئل عن حكم المأبون، فرجع فيه الى الصحابة، وما وجد الجواب إلا عند الإمام، فعمل به. نقل هذا صاحب «فضائل الخمسة» عن كنز العمال ج ص 99. واشتهر عن الخليفة الثاني قوله : لولا علي لهلك عمر.. أعوذ بالله أن أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن، وجاء في موطأ مالك : ان عثمان أخذ بقول علي في طلاق المريض، وفي أقل مدة الحمل.. حتى معاوية كان يسأل الإمام عن أحكام الشريعة. روى هذا صاحب «فضائل الخمسة» عن موطأ مالك، وفي كتاب الاستيعاب لابن عبد البر : إن معاوية لما بلغه قتل الإمام قال : ذهب العلم والفقه بموت ابن أبي طالب. فقال له أخوه عتبة : لا يسمع منك هذا أهل الشام. فقال له : دعني عنك.
واذا كان الإمام هو المرجع الأول في العلم بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. حتى لمعاوية - فهل يحتاج الى مشورة طلحة والزبير.؟ وقد اشتهر عنه قوله : «سلوني قبل أن تفقدوني». وما تجرأ على مثلها أحد من الصحابة، ولولا إجماع الكلمة على علمه لسكت عنها تجنباً للريب والتهمة.
(وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة الخ).. ساوى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في العطاء بين المسلمين، ومثله فعل أبو بكر من بعده، وخالفهما عمر وعثمان وعثمان، ولما انتهت الخلافة الى الإمام عاد الى سيرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فعارض طلحة والزبير وأصحاب المراكز الممتازة، عارضوا لا من وجهة اقتصادية وكفى، بل كرهاً لمبدأ المساواة،
لأن التقسيم بالسوية معناه ان علياً ينفذ سنة النبي في تساوي البشر في جميع الحقوق، فلا فضل لعربي، ولا لقرشي، ولا لصحابي إلا بالتقوى وإلا يوم القيامة حيث الحساب والجزاء، لا في الدنيا وهذا هو الهدم والتهديد لنفوذ طلحة والزبير وغيرهما من «الشامخين» وكان عمر قد خوفهم وحذرهم من ولاية علي بقوله : «إن وليها الأجلح ليحملنكم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم». وفي كتاب «اليمين واليسار في الاسلام» : «كان علي يطلب من كل مسلم أن يكون على طراز رسول الله، أو على طرازه هو حتى يتحقق الاسلام في صورته المثلى»
(فليس لكما والله عندي، ولا لغير كما في هذا عتبي). هذا إشارة الى العدل والمساواة، والعتبى الرضا، والمعنى ان الإمام على بصيرة من دينه يمضي ويصر عليه، ولا يسخط الله برضا الناس مهما كانت الظروف والنتائج (رحم الله رجلاً رأى حقاً الخ).. لا خير فيمن لا يقاوم الفساد والجور، ولا يناصر الحق والعدل. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : من رأى منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان».
وتسأل : إن تقديم اليد على اللسان يتنافى مع هو معروف شرعاً وعقلاً وعرفاً من تقديم اللسان على اليد حيث يجب أولاً النهي عن المنكر، فإن لم يجد فالحرب ؟
الجواب :
فرق بعيد بين تغيير المنكر، وبين النهي عنه، فإن النهي في الغالب يكون قبل الوقوع، فهو أشبه بالوقاية، أما تغيير المنكر فيكون بعد وقوعه، وموضوع الحديث الشريف تغيير ما وقع بالفعل من المنكر، لا النهي عن ارتكابه قبل الوقوع.
إنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبابِينَ، وَلَكِنكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالهُمْ وَذَكَرْتُمْ حَالهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَأَبْلَغَ فِي الْعُذرِ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ : اللهم أحقِنُ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَأَهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقِّ مَنْ جَهِلَهُ وَيَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالعُدْوَانِ مَنْ لهجَ بِهِ.
اللغة :
ذات الشيء نفسه، وذات الصدور بواطنها، وذات الشمال جهتها، وذات البين الحال، وهذا المعنى هو المراد هنا أي أصلح حالنا وحالهم، ويرعوي عن الشيء : ينصرف عنه ويرجع ويرجع، ولهج به : ولع به.
الإعراب :
سبكم من اضافة المصدر الى فاعله، وإياهم مفعول سبكم وإياهم مفعول سبكم، وذات مفعول به
لأصلح لأنها بمعنى الحال كما أشرنا، وبيننا مجرور بالإضافة، ويعرف منصوب بأن مضمرة بعد حتى.
المعنى :
قال الشريف الرضي : سمع الإمام قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين فقال : (اني أكره لكم أن تكونوا سبابين). قال أكثر العلماء : لا يحل لأحد أن يذكر آخر بجرعة اقترفها إلا إذا أعلنها المجرم ، وجاهر بها غير مكترث بما قيل ويقال. وعن الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة». أما السب واللعن فهو محرم بالذات، ومن أكبر الكبائر بخاصة على الطيبين الأخيار.. ولا يحل على أحد بحال إلا بالإذن والترخيص من صاحب الدين والشرع، وقد أذن بذلك في موارد، منها :
1 - اللعنة على إبليس، قال تعالى : «وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ - 35 الحجر».
2 - كل من يكتم الحق، أو يحرفه عن قصد، قال سبحانه : «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - 159 البقرة».
3 - كل منافق دجال، قال عز من قائل : «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ - الى- مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا - 61 الأحزاب».
4 - المفسدون، قال عظمت كلمته : «وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ - 25 الرعد». وبخاصة إذا كان الفساد بالظلم حيث خص سبحانه الظالمين باللعن صراحة : «أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ - 18 هود».
وليس من شك ان أهل صفين ظلموا وأفسدوا في الأرض، وقد نعتهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالفئة الباغية، ولذا جاز قتالهم، فيجوز سبهم بطريق أولى. وعلى هذا فنهي الإمام هنا محمول على ان الترك أولى، وان غير السب أفضل وأجدى، وهو ما أشار اليه بقوله : (ولكنكم لو وصفنم أعمالهم الخ).. وهذا الذي ذكره الإمام بالغ الأهمية والأثر، وهو من أحدث أساليب الحرب في العصر الحديث، ويسمى بالحرب الدعائية، وهي اقناع الرأي العام بأن الخصم هو الباغي والمعتدي،
وانه لا يقيم وزناً للقوانين الدولية، ولا للقيم الانسانية وقد ضرب المستعمرون والصهاينة الرقم القياسي في الدعايات الكاذبة، وتلاعبوا بالألفاظ والعقول والحقائق.. انهم يعتدون ويقولون : نحن المعتدى عليهم، ويقتلون بالجملة ويقولون : نحن أنصار السلم والعدل.
وقد أثبتت التجارب ان أية قضية مهما كانت حقاً وعدلاً فإنها تحتاج الى الدعاية والدعاة، لأن التأثير النفسي من قوى التنفيذ للحق وإبطال الباطل، وهذا ما أراده الإمام بقوله : (وأبلغ في العذر) أما قوله : (كان أصوب في القول) فإنه يشير الى وجوب الأخذ بالعدل والإنصاف حتى أعدى الأعداء، وانه لا يحل الافتراء عليه بما هو بريء منه عملاً بقوله تعالى : «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى - 8 المائدة».
(اللهم احقن دماءنا ودماءهم الخ).. المؤمن المخلص يكظم غيظه، ولا يشفيه بالانتقام من عدوه، والتنكيل به، ويسأل الله سبحانه أن يصلح الحال، ويزيل ما في نفس العدو من أوهام وأضغان، وأن يهديه سبيل الخبر والرشاد كما قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. وأيضاً هذا الدعاء من الدعاية الحكيمة العادلة ضد العدو والخصم.
املكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلاَمَ لاَ يَهْدَّنِي، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ (يَعْنِي الْحَسَنَ وَالحُسَيْنَ (عَلَيْهُمَا السَّلاَمُ)) عَلى المَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ).
اللغة :
املكوا عني : خذوا عني. وأنفس بهذين : أبخل بهما.
الإعراب :
لا يهدني - بفتح الدال - على نصب المضارع، لأن الأصل لئلا يهدني.
المعنى :
قال الشريف الرضي: في بعض أيام صفين رأى الإمام ولده الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسرع الى
الحرب فقال لأصحابه : (املكوا عني هذا الغلام الخ).. الحسن والحسين هما ابنا رسول الله شرعاً لا عرفاً، لقوله تعالى : «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ - 61 آل عمران»، وما دعا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحداً من الأبناء غير الحسن والحسين، ومن النساء غير فاطمة، وما كان من الأنفس إلا هو والإمام باتفاق المفسرين، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «كل ولد آدم فإن عصبتهم ذلك لأبيهم خلا ولد فاطمة، فإني أنا أبوهم وعصبتهم». وتقدم الكلام عن في شرح الخطبة 200 فقرة : فاطمة.
وتسأل : إن الإمام الحسن ولد في شهر رمضان المبارك سنة ثلاث من الهجرة ووقعة صفين كانت سنة 36 فيكون عمره الشريف 33 فكيف أطلق الإمام عليه كلمة غلام ؟
الجواب :
جاء في قواميس اللغة ان كلمة غلام للكبير والصغير، وان العرب يطلقونها على الذكر ساعة ولادته، ويقولون : رزق فلان غلاماً، وعلى من طر شاربه وعلى الكهل.
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلى مَا أَحِبُّ حَتَّى نَهكتَكُمْ الحَرْبُ، وَقَدْ وَاللهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَتَرَكَتْ، وَهِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنهك. لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً فَأَصْبَحْتُ اليَوْمَ مَأْمُوراً. وَكُنتُ أَمْسِ نَاهِياً فَأَصْبَحْتُ اليَوْمَ مَنْهِيًّا. وَقَدْ أَحْبَبْتُمُ البَقَاءِ وَلَيْسَ لِي أَنْ أَحلَكُمْ عَلى ما تكرهون.
المعنى :
في كتاب «الإمامة والسياسة» لابن قتيبة ص 118 طبعة 1957 ما نصه بالحرف: «لما عظم الأمر - أي في صفين - واستحر القتال قال للإمام رأس من أهل العراق : أن هذه الحرب قد أكلتنا، وأذهبت الرجال، والرأي الموادعة، وقال بعضهم : لا، بل نقاتلهم اليوم على ما قاتلناهم بالأمس، وكانت الجماعة قد رضيت، وجنحت الى الصلح والمسالمة، فقام علي خطيباً فقال الخ وذكر ابن قتيبة هذه الخطبة كما هي في نهج البلاغة بلا تقليم أو تطعيم».
(أيها الناس انه لم يزل أمري معكم على ما أحب). كنم صفاً واحداً على حرب أهل الشام، كما أحببت وأردت، ومضيتم في قتالهم على هدى وبصيرة مختارين لا مكرهين، ولما اشتدت نار الحرب وهنم وتخاذلتم، وتفرقت كلمتكم.. أبهذا تكيدون عدو الله وعدوكم ؟ (وقد والله أخذت منكم وتركت). أجل لقد استشهد منكم في هذه الحرب من استشهد كأية حرب من الحروب، ولكن بقي منكم ما فيه الكفاية وزيادة، فامضوا في الجهاد قدماً حتى النصر، وما هو منكم ببعيد (وهي لعدوكم أنهك) أي نالت الحرب منه أكثر مما نالت منكم.
(لقد كنت أمس أميراً) تسمعون لي وتطيعون قبل حرب صفين (فأصبحت اليوم - أي بعد الحرب - مأموراً الخ).. كان الإمام ينصح أصحابه، ويرشدهم سواء السبيل، ويدع الخيار لهم فيما يرون، وقد نهاهم عن قبول التحكيم، وبين لهم ان رفع المصاحف حيلة وغيلة، فأصروا على الضلال، وسكت هو دفعاً للضرر الأشد بالضرر الأخف. وسبق الكلام عن ذلك مراراً، منها في الخطبة 120.
(وقد أحببتم البقاء) وما أحب الحياة قوم إلا ذلوا (وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون) لأن الجهاد فريضة كالصلاة وعلى الانسان أن يؤديها عمل إرادته. بالإضافة الى ان القتال بلا ايمان وقناعة لا يحقق الغرض المطلوب، وربما أدى الى عكسه. وهذه هي سيرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في جميع حروبه، ينادي مناديه بالحرب، فمن استجاب لها فقد استجاب الله ورسوله، ومن تخلف عنها وأعرض فحسابه على ربه : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ - 64 الأنفال».
مَا كُنتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا وَأَنتَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كُنتَ أَحْوَجَ، وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةِ تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ وَتَصِلُ فِيهَا الرّحِمَ، وَتُطَّلِعُ مِنْهَا الْحُقوق مَطَالِعَهَا، فَإِذا أَنتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ. يَا مُدَيَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ، أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ. أَتَرَى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأخُذَهَا ؟ أنتَ أَهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِنْ ذلِكَ. وَيْحَكَ إِنِّي لَسْتُ كَأَنتَ، إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى أَئمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلَا يَتَبَيّغ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ.
اللغة :
تطلع : تظهر أو تؤدي. ومطالعها : مواضعها. ويقدر : يقيس أو يشبه. ويتبيغ : يهیج به.
الإعراب :
ما للاستفهام مبتدأ، وكنت زائدة، وجملة تصنع خبر المبتدأ، وويحك كلمة ترحم، ونصبت بفعل محذوف أي ألزمك الله ويحاً أي رحمة، وتستعمل للتوجع والتعجب، وكأنت الكاف بمعنى مثل خبراً لليس أي لست مثلك.
قال الشريف الرضي : كان الإمام بالبصرة، فدخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده، وهو من أصحابه، فلما رأى سعة داره قال : (ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا الخ).. الانسان يحب الحياة والمال بطبعه، والاسلام لا ينهى عن الثراء المشروع، ولا يكره الرفاهية والطيبات من الرزق : «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ - 32 الأعراف»، شريطة أن يكون هذا الثراء عوناً على الحق، ووسيلة لمرضاة الله وثوابه، لا للطغيان والمضاهاة والمباهاة. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من طلب الدنيا مكاثراً مفاخراً لقي الله، وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافاً وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة، ووجهه كالقمر ليلة البدر. وقال رجل للإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) :: اني أحب الدنيا. قال : تصنع بها ماذا ؟ قال : أتزوج منها وأحج وأنفق على عيالي وأنيل اخواني وأتصدق. قال الإمام : ليس هذا من الدنيا هذا من الآخرة. وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 97.
وأيضاً يأمر الإسلام بالعلم والعمل، وممارسة الحياة بحلوها ومرها، ومشاركة المجتمع في سرائه وضرائه، والتعاون من أجل حياة أفضل، وإقامة العلاقات على هذا الأساس، ومقاومة الفساد والمنكر، قال تعالى : «وأن ليس للإنسان إلا ما سعی» والسعي حركة لا جمود، ونضال لا اعتزال من أجل العبادة، بل تعاون من أجل الصالح العام، ومساهمة في تحمل المسؤولية. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً». وقال : «الدين النصيحة لله ورسوله ولعامة المسلمين.. من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم». بهذه التعاليم وغيرها كان للمسلمين تاريخ وحضارة.
قال العلاء : يا أمير المؤمنين أشكو اليك أخي عاصم. قال : وماله ؟ قال لبس العباءة وتخلى عن الدنيا. قال علي به. فلما جاء قال الإمام : (يا عدي نفسه) بضم العين تصغير عدو (لقد استهام بك الخبيث) أزلك الشيطان، وجعلك هائما لا تهتدي الى رشد (اما رحمت أهلك وولدك الخ) ؟ كيف تقعد عن السعي والعمل، وأنت مسؤول أمام الله عن أسرتك ومجتمعك ؟ وهل منحلك سبحانه القدرة والعقل : وأودع فيك ما أودع من الطاقات لمجرد أن تلبس العباءة ونقيم الصلاة ؟ وهل تستقيم الأمور، وتمتلىء البطون، وتسكن النفوس بهذا الجمود، وهذه السلبية ؟ وهل تدفع منكراً، وتنشر معروفاً بهذا الحمول والانزواء ؟
قال عاصم : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك قال الإمام : (ويحك، اني لست كانت الخ)... على القائد أعباء قاسية وجسيمة، وأولها إقامة العدل والمساواة بين الناس في السراء والضراء على أن يبدأ القائد بنفسه وأهله.. وان وجد فقير واحد في رعيته عمل لدفع المضرة عنه، وان عجز شاركه في مكاره العيش لئلا يزداد ألماً على ألم، أو يعيبه ويعيره ببلواه عائب ومعير ما دامت هذه هي حال الخليفة ودنياه.
وإذن فخشونة الإمام في عيشه جزء من جهاده وعمله من أجل الفقراء والمستضعفين وفضيلة من فضائل القادة والحاكمين، أما خشونة عاصم وأمثال عاصم فجمود وانهزام.
وتجدر الإشارة الى أن صاحب «منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة»، كتب حول هذه الخطبة 365 صفحة بقياس كتابي هذا ! وكان الأجدر أن يفردها في كتاب مستقل عن الصوفية.
إنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقًّا وَبَاطِلاً. وَصِدقاً وَكَذِباً. وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً وعَامًا وَخاصًا. وَمُحْكَماً وَمُتَشَابهِاً. وَحِفْظاً وَوَهُما. وَلَقَدْ كُذِبَ على رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ : «مَنْ كَذَبَ عَلَى مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وإنما أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَال لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ : رَجُلٌ مُنَافِقُ مُظهِرُ لِلْإِيمَانِ، مُتَصَنِّعُ بِالْإِسْلَامِ لَا يَتَأثّمُ وَلَا يَتَحَرِّجُ، يَكْذِبُ عَلى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ منَافِقُ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، وَلَكِنْهُمْ قَالُوا صصَاحِبُ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) رَأَى وَسَمِعَ مِنْهُ وَلَقِفَ عَنْهُ فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ
ووصفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ السلامُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَيْمَةِ الضَّلَالَةِ وَالدُّعَاةِ إلَى النَّارِ بِالنُّورِ وَالبُهْتَانِ، فَوَلوهُمْ الأعمال وجعَلُوهُمْ حكاماً على رقاب النَّاسِ، وَأَكلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا. وإنما النَّاسُ مَعَ وَالدُّنْيَا الملوك والدنيا إلا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ فَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ (3) وَرَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئاً لَمْ يَحفَظُهُ عَلَى وَجْهِهِ فَوَهِمَ فِيهِ،، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَيَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيَقُولُ أَنا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ. وَرَجُلٌ ثَالِثُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) شَيْئًا يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَمَرْ بِهِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، فَحَفِظَ المَنْسُوحَ وَلَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَوَفَضَهُ، وَلَوْ عَلِمَ المسلِمُونَ إِذْ سَيَعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوحٌ لَرَفَضَهُ (3). وَآخَرُ رَابِعٌ لَمْ يكذب على اللهِ وَلَا عَلى رَسُولِهِ، مُبْغِضُ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللهِ وَتَعْظِياً لِرَسُولِ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَلَمْ يَهِمْ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ على وجهِهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلى مَا سَمِعَهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنقُصُ مِنْهُ، فَحَفِظَ التَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وَحَفِظَ المَنْسُوحَ فَجَنَّبَ عَنْهُ، وَعَرَفَ الخاص والعَامَّ فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ، وَعَرَفَ الْمُتَشَابِة ومحكمه (4).
اللغة :
لا يتأثم ولا يتحرج : لا يتجنب الإثم والحرج. ولقف : تناول بسرعة. ولم يهم : من الوهم لا اليهم أي الجنون. والمحكم الواضح. والمتشابه : المشكل.
الإعراب :
خطيباً حال، ومثله متعمداً، ورجل وما بعده من الرجال الى الرابع بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه أربعة، ومبغض صفة لرابع، وخوفاً مفعول من أجله للفعل المنفي، وهو لم يكذب.
المعنى
(إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً الخ).. اتفق السنة والشيعة ان أحاديثهم المروية عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - فيها الضعيف والصحيح، ومن هنا وضعوا عشرات الكتب في علم الرجال، وهو يبحث عن حال كل واحد من رواة الحديث على حدة، وانه هل هو ثقة في النقل أو غير ثقة ؟ وأيضاً وضعوا كتباً في علم الدراية، ويبحث هذا العلم عن صفة الحديث من حيث المتن والسند والتواتر وعدمه، والإرسال وغيره.. الى غير ذلك مما هو مذكور في كتب الدراية.
(وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابها) ذكرنا تحديد معاني هذه الكلمات في شرح الخطبة الأولى 1 ص 65 (وحفظاً ووهماً). والمراد ج بالحفظ ضبط الحديث كما هو عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعدم الخطأ فيه والذهول، والوهم ضده (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار). لا ريب في هذا الحديث باتفاق المذاهب. وكان النفاق والكذب على الله وملائكته ورسله، وعلى الناس بل وعلى نفس الكاذب، كان قبل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعده.. والى آخر يوم. وقال قائل : «إن الانسان هو الحيوان الذي يستطيع أن يكذب».
ثم قسم الإمام رواة الحديث الى أربعة أقسام :
1 - «رجل منافق مظهر للإيمان متصنع بالاسلام الخ). والمتصنع هو الذي
يُظهر من نفسه ما ليس فيه، وكان المنافقون يكفرون بالله ورسوله، ويستخفون بكفرهم هذا، ويقولون بألسنتهم : لا إله إلا الله محمد رسول الله، ليعصموا دماءهم وأموالهم، وقد أنزل الله فيهم سورة خاصة في كتابه العزيز، واستمروا بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على النفاق، وكان المسلمون يعاملونهم كسائر الصحابة المؤمنين جهلاً بدخيلتهم، ويرجعون اليهم في الكثير من أمور دينهم، ومن ارتاب بواحد منهم يسكت ولا يجرأ على الطعن فيه، لأنه يتحصن بصحبة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبقيت هذه الحصانة لجميع الصحابة عند السنة الى يومنا هذا. قال الغزالي في المستصفى : «ان عدالة الصحابة معلومة» وتكررت هذه الجملة في العديد من كتب أصول الفقه للسنة.
(فتقربوا الى أئمة الضلالة). كان المنافقون وما زالوا يكيفون الدين وأحكامه وفقاً لأهواء الأقوياء والحاكمين، ويقبضون الثمن وظيفة في الدولة، أو دراهم معدودات.
2 - (ورجل سمع من رسول الله شيئاً لم يحفظه على وجهه الخ).. قال علماء المسلمين : يشترط في راوي الحديث من جملة ما يشترط أن يكون من الذين يحسنون ضبط ما يسمعون ويؤدونه على وجهه، ولا ثقة بقول من لا يحسن الضبط وان لم يكن فاسقاً.
3 - (ورجل ثالث سمع من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شيئاً يأمر به، ثم انه نهى عنه الخ).. كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يبلغ بعض الأحكام، فيسمعه من كان حاضراً ، وقد يكون الحاضر السامع صادقاً واعياً لما سمع، ولكن الرسول قد ينهى عما كان قد أمر به من قبل لأن المصلحة التي أوجبت العمل قد انتهت وذهبت بذهاب وقتها، فيسمع النهي من حضر غير الذي سمع الأمر، فينقل عن النبي النهي من سمعه، وينقل الأمر من سمعه أيضاً، والإحاطة بجميع أحاديث الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمر عسير.
4 - (وآخر رابع لم يكذب على الله الخ).. هذا الرابع عالم قدير كما هو راو ثقة وخبير، يميز بين موارد الحقيقة والمجاز، وبين الحديث الواضح الذي تجوز تأويله بحال، والمشكل الذي يمكن تأويله بما يتفق مع العقل ومقاصد الشريعة، ويعرف العمومات والمطلقات، وما يعارض المعنى الظاهر من المخصصات
والمطلقات، ويجمع بينها بما يقتضيه الفن والصناعة، وأيضاً يعرف زمن الناسخ وزمن المنسوخ، ولا يخلط بين المتقدم والمتأخر، ويضع كل شيء في موضعه.
ولا يجوز الأخذ والعمل برواية الأول والثاني اطلاقاً، وأما الثالث فيؤخذ بروايته نظرياً إذا كان صادقاً ضابطاً، ولا يجوز الأخذ بها عملياً إلا بعد التتبع والبحث عما يعارض الرواية من الأدلة والقرائن، فإن لم نجد المعارض عملنا بها كما هي، وإلا قارنا بينها وبين المعارض، وعملنا بما تستدعيه الأصول والقواعد، والرابع كالثالث، ولا أثر للعلم وكثرته في صحة الحديث وقوته
وقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) الكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ : فَكَلامٌ خَاصٌ وَكَلامٌ عَامٌّ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لا يَعْرِفُ مَا عَلَى اللَّهُ بِهِ وَلَا مَا عَلَى رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَيُوَجهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَمَا قُصِدَ بِهِ وَمَا خَرَجَ منْ أَجْلِهِ. وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَنْ كان يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ حَتى أَنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجيء الْأَعْرَابِي وَالطَّارِى فَيَسْأَلَهُ (عَلَيْهِ السَّلامُ) حَتَّى يَسْمَعُوا. وَكَانَ لَا يَمَرُّ بِي مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ إِلا سَأَلْتُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ. فَهْذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسَ فِي اخْتِلافِهِمْ وَعَلَيهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ (5).
الإعراب :
قد كان يكون «كان زائدة، و «يكون» تامة والكلام فاعلها، ومن الرسول متعلق بمحذوف حالاً من الكلام، ويجوز أن تكون ناقصة، والكلام اسمها، ومن الرسول خبرها، وله وجهان مبتدأ وخبر، والجملة صفة الكلام وحتى إن كانوا (إن) مخففة مهملة، واللام بعدها للفرق بينها وبين إن النافية.
المعنى :
(وقد كان يكون من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الكلام له جهان الخ).. ربما يكون بل كثيراً ما يكون للجسم الطبيعي جهتان تختلف إحداهما عن الأخرى أشد الاختلاف حتى لو أخذت لكل جهة صورة على حدة، ثم عرضتها على أي انسان اتوهم انهما صورتان لكاثنين مختلفين، وما هما في الواقع إلا لكائن واحد من جهتين.
ومن الكلام ما هو قطعي الدلالة مثل لا إله إلا الله.. وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه. وليس لهذا النوع إلا وجه واحد ومن الكلام ما هو ظني الدلالة، وهذا النوع يمكن أن يكون له وجهان أو أكثر كقوله تعالى : «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ - 6 المائدة» فقد عطف السنة الأرجل على الوجوه فأوجبوا غسلها وعطفها الشيعة على الرؤوس فأوجبوا مسحها. ولكل دليله، وعرضنا الدليلين في كتاب فقه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وفي كلام الله ورسوله الكثير من هذا النوع (فيحمله السامع، ويوجهه على غير معرفة معناه) يسمع الكلام من المعصوم، ولا يفطن لمراده، لأن له وجهين، فيفسره بغير الوجه المراد، وكان عليه أن يتهم نفسه، ويسأل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عما أراد من قوله، ولكن (ليس كل أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من كان يسأله) هيبة لعظمته، أو حرصاً على راحته (حتى ان كانوا ليحبون أن يجي الأعرابي والطارىء فيسأله حتى يسمعوا). انهم يشعرون بالحاجة الى تعلم العلم من النبي، ولكنهم يكفون بعض الأحيان عن سؤاله لما أشرنا، ويتمنون أن يأتي من يفتح لهم الباب.
على العكس من الإمام فإنه كما قال : (وكان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألته عنه وحفظته). قال الطبري في تفسيره ج 29 ص 35 طبعة بولاق عصر سنة 1323 هـ : «إن رسول الله قال : يا علي ان الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك وأن تعي، وحق على الله أن تعي». فنزلت هذه الآية : «وتعيها اذن واعية».
وَكَانَ مِنَ اقْتِدَارٍ جَبَرُوتِهِ وَبَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءٍ البَحْرِ الزَّاخِرِ الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ يَبسَاً جَامِداً. ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أطباقاً ففتقها سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ، وَقَامَتْ على حَدِّهِ. وَأَرْسَى أَرْضاً يَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ الْمُثْعَنْجَرُ وَالْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ. قَدْ ذَلّ لِأمْرِهِ، وَاذْعَنَ هَيْبَتِهِ، وَوَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لَخَشْيَتِهِ. وَجَبَلَ جلامِيدَها وَنُشُوزَ مُتُونِها وَأَطْوَادِهَا. فَأَرْساهَا فِي مَرَاسِيهَا. وَأَلْزَمَها قرارتَهَا فَمَضَتْ رُؤُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ، وَرَسَتْ أصولها في الماء. فَأَنهَدَ جبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا، وَأَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا وَمَوَاضِع أنصابها. فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا، وَأَطَالَ أَنشَازَهَا. وَجَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً، وَأَرْزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً فَسَكَنَتْ عَلى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا أَوْ تَسِيخَ
بحملها أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا. فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَها بَعْدَ مَوْجَانِ مِيَاهِهَا، وَأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا. فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً، وَبَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً فَوْقَ بَحْرٍ لُجيٍّ رَاكِدٍ لَا يَجْرِي، وَقَائِمٍ لَا يَسْرِي تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ العَوَاصِفُ. وَتَمْخُضُهُ الغمَامُ الذَّوَارِفُ. إن في ذلِكَ لَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى».
اللغة :
الزاخر : الملآن. والتقاصف : تزاحم الأمواج يقصف بعضها بعضاً. واليبس : اليابس. وفطر : خلق. والأطباق : الطبقات. والرتق : ضد الفتق. والمثعنجر : الماء الكثير. والقمقام : البحر. وجبل : خلق والجلاميد : الصخور والنشوز : الارتفع. وأنهد : رفع. وأساخ : أدخل. والأنصاب : جمع نصب، وهو المنتصب. وأشهق : جعلها شاهقة. وقلال : جمع قلة، وقلة الجبل أعلاه. وارزها : ثبتها. وتميد : تضطرب وأكنافها : جوانبها أو أقطارها. والمهاد : الفرش. وتكركره : تحركه وتردده والدوارف : من ذرف الدمع اذا سال.
الإعراب :
المصدر من أن جعل اسم مؤخر لكان، ومن اقتدار خبر مقدم، وأوتاداً حال من هاء أرزها.
المعنى :
أشار الإمام في هذه الخطبة الى خلق الكون، وتقدمت هذه الإشارة منه أكثر من مرة، والغرض مجرد التنبيه الى قدرة الله وعظمته، كما هو دأب القرآن
الكريم.. ولست من علماء الفلك والطبيعة كي أشرح وأجري المعادلات كما يفعل المتخصصون، واذا ذكرت شيئاً من ذلك فإنما ألتقطه من أقوالهم وأنقله عنهم للقارىء. وفعلت ذلك في شرح الخطبة الأولى وغيرها. ولذا أختصر هنا ما أمكن.
(وكان من اقتدار جبروته، و بديع لطائف صنعته) الجبروت القدرة والسلطة، والبديع المبتدع والمخترع، ولطائف الصنعة جودتها ودقتها التي تدل على قدرة صانعها وعظمته (ان جعل ماء البحر الزخر الخ) .. يشير بهذا الى ان الكون خلق من الماء. وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة الأولى فقرة «حول الكون» (يحملها الأخضر المثعنجر) أي البحر، وهو أخضر في رؤية العين (والقمقام المسخر) سخر سبحانه البحر لمنفعة الناس وغيرهم من الخلق.
(ووقف الجاري منه لخشيته) الكون بكل ما فيه من بحار وظواهر حية وجامدة يسير على مبدأ النظام الذي أودعه الله فيه، وقد مرت ألوف السنين أو ملايينها، والكون على نظامه هذا، وتمر أيضاً ملايين أخرى، وهو على ما كان من ضبط ودقة وثبات، ومن هنا استطاع العلماء أن يستخرجوا من ظواهر الطبيعة قوانين راسخة ثابتة إذ لا قانون بلا نظام ثابت (وجبل جلاميدها الخ).. خلق سبحانه الصخور والجبال، وجعل أصولها راسخة، وأعاليها شامخة لتكون أوتاداً للأرض تمنعها من الانهيار والاضطراب. وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 89.
(فجعلها لخلقه مهاداً، وبسطها لهم فراشاً فوق بحر لجي الخ).. قال أحمد زكي في كتاب «مع الله في السماء» ما يتلخص بأن في الأرض صخراً، يغمر أكثره طبقة من ماء، وفوق الصخر والماء طبقة من هواء، ونحن بني الانسان والحيوان والنبات نعيش في أعماق هذه الأشياء الثلاثة، فمن الهواء نستمد أنفاسنا، ويبني النبات جسمه، ونحن نأكل النبات والحيوان الذي يأكل النبات، ومن كليهما نبني أجسامنا.. نحن مقيدون بالأرض، ولصالح الانسان كان هذا القيد، ان الانسان لو ذهب في الأرض سفلاً لطمره الصخر، أو ذهب في البحر نزولاً أغرقه الماء، أو صعد في الهواء علواً تعذر عليه التنفس. فعن حكمة إذن كان ربط الانسان بهذه الأرض (ان في ذلك لعبرة لمن يخشى) الله وسطوته.
وبعد، فلا شيء لدي أقوله هنا إلا ان أكرر مع القرآن الكريم ونهج البلاغة : ان هذا النظام الدقيق الذي يجري عليه الكون من مجراته الى الدرة، ومنذ وجوده الى نهايته، والذي يعلّم الانسان ما والذي يعلم الانسان ما ينبغي أن يتعلم، ان هذا النظام العليم الحكيم ينطق بصراحة، ويقول بوضوح لكل ذي قلب وسمع : سبح - معي - اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى.
اللَّهُمَّ أَيُّما عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَائِرَةِ، وَالْمُصْلِحَةَ في الدِّينِ وَالدُّنْيَا غَيْرَ المُفْسِدَةِ فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النكوص عَنْ نُصْرَتِكَ، وَالْإِبْطَاء عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ بِأَكْبَرِ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةٌ، وَنَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَنْ أَسْكَنتَهُ أَرْضَكَ وَسَمَوَاتِكَ، ثُمَّ أَنتَ بَعْدُ المُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ وَالْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ
الإعراب :
أيما «ما» زائدة، وأي مبتدأ، وجملة، وجملة سمع صفة لعبد، وأبى عطف على سمع، وجملة فإنا خبر أي، وبعد ظرف بمعنى الآن، وهو مبني على الضم والمغني خبر أنت.
المعنى :
(اللهم أيما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة الخ) وهذه المقالة هي الدعوة
الى الحرب والضرب لا الى وليمة، ولكلّ أهل، دعوة الى تحطيم الشر والفساد، واقتلاعه من الجذور.. ولكن من يسمع، وهل يداوى الداء بالداء، وتستخرج الشوكة بالشوكة على حد ما قال الإمام في الخطبة 119 ؟
قضی رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الشرك والخرافات والتقاليد الفاسدة، وحطم زعامات البغي والضلال، ولكن بمعونة الحواريين الذين وصفهم سبحانه بقوله : «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ - 29 الفتح».. أبداً لا علاقة لهم إلا مع الله، ولا يحبون ويبغضون إلا فيه ومن أجله.. لا يحملون ضعثاً على مؤمن ولا يشهرون في وجهه سيفاً ودعا الإمام دعوة النبي الى تحطيم قيادات البغي والفساد في الأرض، وهو في مستوى الدعوة والنهوض بأعبائها، ولكن المسلمين في عهده كانوا يتناحرون على السلطان، ويقتل بعضهم بعضاً من أجله، وما نجحت دعوة في التاريخ البشري كله إلا إذا اتفقت كلمة الأنصار وأحاطوها بقاربهم ودافعوا عنها بدمائهم. وكان أصحاب الإمام كما خاطبهم في الخطبة 95 : «يا أشباه الإبل غاب عنها راعيها، كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر».
(فإنا نستشهدك عليه بأكبر الشاهدين شهادة). ضمير عليه يعود الى من نكص عن دعوة الإمام، وقال الشيخ محمد عبده : «أكبر الشاهدين هو النبي والقرآن». : والحق انه الله تعالى لقوله : «قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ - 19 الانعام».
ثم أنت بعد المغني عن نصره). ان شئت ان تنصرنا فعلت، وان نكص من
نكص لأنك القائل : «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ – 249 البقرة». (والآخذ له بذنبه) تعاقبه على التخلف عن نصرة الحق.
الْحَمْدُ لِلهِ الْعَلِي عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقينَ، الْغَالِبِ لمقَالِ الْوَاصِفِينَ الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ لِلنَّاظِرِينَ، الْبَاطِنِ بِجَلالِ عِزَّتِهِ عَنْ فكْرِ الْمُتوَهِّمِينَ. العَالِمِ بِلا اكْتِسَابِ وَلَا أَزْدِيَادِ وَلَا عِلم مُسْتَفَادِ، الْمُقَدْرِ لجَمِيعِ الْأُمُورِ بِلا رَوِيَّةٍ وَلَا ضمير. الَّذِي لَا تَغْشَارُ الظُّلَمُ وَلَا يَسْتَضِيءُ بِالْأَنْوَارِ، وَلَا يَرْهَقُهُ لَيْلٌ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارُ. لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالْأَبْصَارِ وَلَا عِلْمُهُ بِالْأَخْبَارِ أَرْسَلَهُ بِالصَّيَاء وَقَدَّمَهُ فِي الأَصْطِفَاء فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ، وَسَاوَرَ بِهِ المُغَالِبَ. وَذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ، وَسَلَ بِهِ الْخُرُونَةَ حَتَّى سَرَّحَ الضَّلَالَ عن يمين وشمال.
اللغة :
لا يرهقه ليل : لا يدركه. والرتق : ضد الفتق. وساور به : غلب به والحزونة : الخشونة. وسرح : ابعد.
الإعراب :
عن شبه به متعلق بالعلي، ولمقال اللام زائدة لمجرد التوكيد، ومقال مفعول الغالب.
المعنى
(الحمد لله العلي) أي العالي بذاته وصفاته (عن شبه المخلوقين) لأن المخلوق حادث وممكن ومحدود بداية ونهاية، والله واجب أزلي أبدي (والغالب لمقال الواصفين) لا ترقى الافهام الى الإحاطة بذاته وصفاته، جداً لأن الافهام حداً تنتهي عنده، والمحدود لا يدرك المطلق الذي لا أول لأوله ولا آخر لآخره، وانما يدرك وجوده من خلال آثاره.
(الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين). الأفهام لا تدرك ذات الله سبحانه كما أشرنا، ولكنها تدرك انه قادر حكيم من خلال عظمة الكون، ونظامه المحكم الذي يسير عليه منذ القديم والى أن يشاء الله، وأيضاً تدرك الأفهام ان الله رحمن، وجواد كريم من خلال النعم التي نتقلب فيها، ونعيش عليها (والباطن رحیم بجلال عزته عن فكر المترهمين) كما عجزت الألسن عن وصف الذات عجزت الأفكار أيضاً عن إدراكها والإحاطة بها وحسب هذه ان تستشعر قدرة الله ورحمته وحكمته وحكمته، وحسب، وحسب تلك أن تسبح بحمده ومجده.
(العالم بلا اكتساب الخ).. بلا دراسة نهاراً، ومطالعة ليلاً، وبلا روى فلان عن فلان.
وتسأل : إن الإمام يطيل ويكرر في هذا الموضوع، كقوله في هذه الخطبة: «بلا روية ولا ضمير.. ولا إبصار وإخبار» وقوله في الخطبة 150 : «بلا أداة»
وفي الخطبة 184 «لا يجول فكرة».. الى أمثال ذلك ان الأمر في غاية الوضوح، ويكفي القول : انه تعالى عالم بذاته، أو بلا اكتساب ؟.
الجواب :
كان الناس في عهد الإمام جديدي عهد بالإسلام، وكان البعض منهم يقيس صفات الخالق بصفات المخلوق.. حتى اليوم يوجد هذا النوع. وروي عن بعض الأعراب انه نادى الله بقوله : يا أبيض الوجه، وناداه آخر : يا أبا المكارم. فدعت الحاجة الى التكرار والتوكيد.
(أرسله بالضياء الخ).. اصطفى الله محمداً اصطفى الله محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لحمل الأمانة، وأداء الرسالة، فقام بها على أكمل وجه، جمع شمل المتفرقين، وقضى على الشرك والمشركين، ورفع راية الأمن والعدل، وحرر الناس من العبودية والجهل، وجعلهم «سواسية كأسنان المشط».
وَأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدل وحكم فَصَلَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَسَيّدُ عِبَادِهِ كَلَّمَا نَسَخَ الله الخلق فرقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِما. لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرُ وَلَا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ. أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أهلاً. وَلِلْحَقِّ دَعَائِمَ، وَلِلطَّاعَةِ عِصَماً وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَة عوناً مِنَ اللهِ يَقُولُ عَلى الأَلْسِنَةِ وَيُثَبِّتُ الْأَفْئِدَةَ. فِيهِ كَفَاهُ لمكتف وَشِفَاء لِمُشْتَفٍ (1). وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللهِ المُسْتَحْفِظِينَ عِلْمَهُ يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ. يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَةِ. وَيَتَلَاقُوْنَ بالْمَحَبَّةِ. وَيَتَسَاقُونَ بِكَأْس رَوِيَّةٍ، وَيَصْدُرُونَ بِرِيَّةٍ، لَا تَشُوبُهُم الرِّيبَةُ، وَلَا تُسْرِعُ فِيهِمُ الغِيبَةُ. عَلى ذلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ. فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ. فَكَانُوا كَتَفَاصُلِ الْبَذْرِ يُنتَقَى
فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُلْقَى. قَدْ مَيَّزَهُ التخليص، وَهَذَّبَهُ التمحيص (3). فَلْيَقْبَلِ أَمْرُؤٌ كَرَامَةٌ بِقَبُولِهَا. وَلْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا. وَلْيَنظُر أمْرُؤٌ فِي قَصِيرِ أَيَّامِهِ، وَقَلِيلِ مُقَامِهِ فِي مَنْزِلٍ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً فَلْيَصْنَعْ لِمتَحَوَّلِهِ وَمَعَارِفِ مُنتقلِهِ. فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ، وَتَجَنبَ مَنْ يُرْدِيهِ، وَأَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ وَطَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ. وَبَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ وَتُقْطَعَ أَسْبَابُهُ. وَاسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ وَأَمَاطَ الحوبة. فقد أقيم على الطَّرِيقِ وَهُدِيَ نهج السَّبِيلِ (3).
اللغة :
نسخ الخلق : تقلهم بالتناسل من فريق الى فريقين، أو كما قال ابن أبي الحديد قسم الأب الواحد الى ابنين والعاهر: الزاني، ومثله الفاجر. والعصم - بكسر العين وفتح الصاد - عصمة، وهي الحصانة والوقاية من الذنوب. والكفاء: الكفاية. والمراد بالولاية هذا الأخوة الصادقة. والرية - بكسر الراء - من زوال العطش. والقارعة : المصيبة والقيامة. وطوبى : الهناء والخير. والحوبة : الإثم جميع
الإعراب :
انه عدل الضمير للقضاء والقدر، وكلما نصب على الظرفية، لأن «ما» مصدرية ظرفية، والمصدر المنسبك مجرور بإضافة كل أي في كل زمان نسخ أو
ينسخ الخ وعوناً اسم ان، وعلمه مفعول المستحفظين، ونهج السبيل منصوب بنزع الخافض أي الى نهج السبيل.
المعنى :
(وأشهد انه عدل). ما من شيء إلا وراءه قضاء وتدبير، وهذا هو الدليل «إن هو - أي القرآن أي القرآن - إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين - آخر صورة التكوير». وكل قضاء الله عدل، ثم أكد الإمام ذلك بصيغة الفعل الماضي وقال : «عدل» لا شائبة في قضائه للظلم (وحكم فصل) بين الحق والباطل
(وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وسيد عباده) جاء في كتاب «الصواعق المحرقة» وغيره : إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال مشيراً الى علي : هذا سيد العرب فقالت له عائشة : ألست أنت سيد العرب ؟ قال : أنا سيد العالمين، وهو سيد العرب (كلما نسخ الله الخلق فريقين الخ).. اذا تشعب الناس الى فرق وقبائل قبل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان هو في خيرها وأفضلها أماً وأباً، وقد جاء في الصحاح، ومنها صحيح مسلم كتاب الفضائل، باب : فضل نسب النبي، أنه قال : إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم (لم يسهم فيه عاهر الخ). هو خير أهل الأرض طراً حسباً ونسباً انتقل من أصلاب طاهرة الى أرحام مطهرة هذه هي عقيدة الشيعة الإمامية في جميع الأنبياء دون استثناء. وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 92.
(ألا وإن الله سبحانه قد جعل للخير أهلاً) وهم موجودون في كل عصر وجيل، ومن علامة أحدهم انه يحب الخير لكل الناس، ولا يضمر شراً لمخلوق ولا يعيش على حساب الآخرين، بل من كد اليمين وعرق الجبين (وللحق دعائم) وهم العلماء الذين يبينون حكم الله للناس ولا يشترون به ثمناً قليلاً (وللطاعة عصما) من أراد الإدمان على طاعة الله في كل شيء، ولا يعصيه، ولا يعصيه في شيء فالطريق الى ذلك سهل يسير، وهو كتاب الله، قال سبحانه : «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ - 187 البقرة».
(وان لكم عند كل طاعة عوناً الخ).. لكل عمل جزاء غداً عند الله وأيضاً لكل عمل أثره في الحياة الدنيا فمن فتح قلبه للشيطان في الذنب الصغير اتخذه مقراً له وموطناً ما دام حياً، ومن أقبل على الله في طاعة ولو مقدار ذرة كان الله في عونه إلى غيرها، ودفع به الى ما هو خير وأبقى : «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى - 17 محمد». (يقول على الألسنة) أي ان ما جاء على ألسنة الأنبياء هو عون للعبد على طاعة الله (ويثبت الأفئدة). انه تعالى يثبت الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما وعدهم من فضله وإحسانه.
(واعلموا ان عباد الله المستحفظين علمه). المراد بعلمه سبحانه هنا دينه، وبالمستحفظين العلماء بالدين، لأن من علم بدين الله كان الدين وديعة الله عنده يجب عليه أن يحفظها ويحرص عليها (يصونون مصونه) أي يصونون دين الله من التحريف والتزييف (ويفجرون عيونه) ينشرون الدين بين الناس (يتواصلون بالولاية الخ).. تآخوا في الله، وتعاونوا على الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر على تحمل المشاق من أجله) لا تشوبهم الريبة (لأنهم على بصيرة من دينهم (ولا تسرع فيهم الغيبة) لأنها ثم عن الصغار، وتقود الى النار.
(عند خلقهم وأخلاقهم) هم أبناء الإنسان ظاهراً وواقعاً أبناء الإنسان ظاهراً وواقعاً، وخلفاً وشماً بكل ما في الانسانية من فضائل، وغيرهم حيوان في شكل إنسان (فعليه يتحابون، و به يتواصلون) أي على عقد الأخلاق الرضية وبه يتبادلون الإخلاص والثقة، والبر والرحمة (فكانوا كتفاضل البذر الخ).. التمحيص والتخليص التمحيص والتخليص : الغربلة والتمييز بين الجيد والرديء، والمعنى ان الأخيار يمتازون عن سائر الناس كما يمتاز البذر الصالح للزرع عن البذر الفاسد الذي لا يصلح إلا للطرح مع القمامة.
(فليقبل امرؤ كرامة بقبولها). يأخذ نصيحتي مجاناً ومن غير ثمن إلا أن يقبلها ويعمل بها، وسيرى أنها تعود عليه بكل خير (وليحذر قارعة الخ).. وليتأهب ويستعد للموت قبل أن يأتيه بغتة (فليصنع لمتحوله ومعارف منقلبه) أي يعمل لآخرته فإنه يتحول وينقلب اليها عما قريب (فطوبى لذي قلب سلم الخ).. يستمع القول فيتبع أحسنه أياً كان قائله، لأن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها ولو من منافق، كما قال الإمام :
(وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه) دونكم بالعجز أو الموت، وأبواب الهدى
هي أبوابه تعالى، والله لا يغلقها أبداً، ولا يصد أحداً عنها. ولكن العبد يعرض وينصرف، أو يرغب بعد فوات الأوان (وأماط الحوبة) يندم على ما فرط وقصر، ويتضرع الى الله أن يغفر ويرحم (فقد أقيم على الطريق الخ).. الأدلة قائمة على سبيل الرشد والهداية، ومن نكب عنها قامت عليه الحجة، وحقت عليه كلمة العذاب.
الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَمْ يُصْبِحُ فِي مَيِّتاً وَلا سَقِيماً، وَلا مَضْرُوباً على عُرُوقِي بِسُوء، وَلاَ مَأْخوذاً بِأَسْوَا عَمَلي، وَلاَ مَقْطُوعاً دابري ولا مرتداً عَنْ دِينِي، وَلاَ منكراً لِرَبِّي، وَلا مُسْتَوْحشاً مِنْ إيماني، وَلاَ مُلْتَبِسا عقلي، وَلا مُعَذَّباً بِعَذَابِ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِي. أَصْبَحْتُ عَبْداً مملُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي، لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَلاَ حُجَّةَ لي. لا أَسْتَطِيعُ أن أخذ إلا مَا أَعْطَيْتَنِي، وَلَا أَنفي إلا ما وقيتني. اللهم إني أعوذُ بِكَ أن أفتَقِرَ فِي غِنَاكَ، أَوْ أَضِلَّ فِي هُدَاكَ، أَوْ أضَامَ فِي سُلْطَانِكَ، أَوْ اضْطَبَدَ وَالْأَمْرُ لَكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تنتزعهَا مِنْ كَرَائِمي، وَأَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُها مِنْ وَدَائِعَ نِعَمِكَ
عِندِي. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ تَذهَبَ عَنْ قَوْلِكَ، أَوْ نَفْتَتنَ عَنْ دِينِكَ. أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عندك.
اللغة :
عروقي : أعضائي. ودابري: نسلي. وملتبساً : مختلطاً. والتتابع - بالياء - التهافت في الشر واللجاجة، وفي بعض النسخ تتابع بالباء لا بالياء.
الإعراب :
يصبح تامة، وميتاً حال من ياء المتكلم، والمصدر من أن أفتقر وان نذهب مجرور بمن محذوفة.
المعنى :
(الحمد لله الذي لم يصبح بي ميتا الخ).. يحمد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خالقه تعالى على نعمه التي لا تحصى، ومنها انه أصبح سليماً معافى في بدنه وصحته. ومن أقواله : نعمتان مجهولتان : الصحة والأمان (ولا مضروباً على عروقي بسوء) أي سليم الأعضاء.
(ولا مأخوذاً بأسوا أعمالي). حقر الإمام الدنيا وصغرها، وقومها بعفطة عنز، أو ورقة في فم جرادة، ونعتها بالأفعى وبكل سوء ورذيلة، ولذا قطع معها العلاقات والصلات، ومع هذا يتهم نفسه بسوء العمل ويحمد الله الذي لم يأخذه من مأمنه !.. وليس هذا مجرد تواضع، ولا هو درس وتعليم للآخرين
ومهما شككت فإني لا أشك إطلاقاً ان من أكبر الكبائر أن يمتلىء قلب المرء رعباً من المخلوق ولا يخاف الخالق في شيء، وان من كان هذا شأنه يُعامل في الآخرة معاملة الكافر الملحد إلا ان يشاء الله. وأنا أعرف من يعترف بلسانه الله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة، ولكن لا أثر في تصرفاته للخوف من الله في كثير أو قليل انها تصدر عن مصلحته، ولا شيء وراءها، فكيف أصدق انه من الله في شيء؟ حتى ولو طلب العون منه لقضاء مصلحة من مصالح دنياه أبداً لا دليل على الإيمان الصادق إلا الخوف من الله عملياً لا نظرياً فقط.
(أصبحت عبداً مملوكاً ظالماً لنفسي الخ).. فرق بعيد بين الطاغية والإمام العادل، فالأول بريد السيطرة كفاية، والتحكم بدماء الناس ومقدراتهم، ويعمل جاهداً لتثبيت السلطان ودوامه في يده وفي نسله، أو فيمن يشاء من بعده، والوسيلة الوحيدة التي تضمن له هذه السيطرة ودوامها - كما يفكر ويعتقد - أن عملأ القلوب رعباً وهلعاً من بطشه وهيبته، ومن أجل هذا يعتبر القوة هي النظام الحكيم لسيادته ورئاسته.
أما الإمام العادل فإنه ينظر الى الحكم على أنه تحمل تبعات ومسؤوليات بتأمين الدعة والأمن للرعية، وإقامة العدل والمساواة بين الجميع، وانه لو وجد مظلوم واحد في رعيته فهو المسؤول الأول عن ظلامته. ومن أجل هذا الشعور بالمسؤولية، وانه أجبر مؤتمن - يرى أنه قد ظلم نفسه بالتصدي للحكم وقبول السلطان، ولذا ترك بوذا الملك، وولى هارباً.. ولى أحجم الإمام عن الخلافة في مثل الظروف التي كان عليها المسلمون آنذاك، والأحداث التي قتل فيها عثمان ما اخضر للإسلام عود، ولكن الإمام تحمل المسؤولية على ضخامتها، وظلم نفسه، لا لشيء إلا لأنه عبد مملوك - كما قال - لله وللإسلام وصالح المسلمين.
(اللهم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي الخ).. أراد بالكرائم عقله وسمعه وبصره، وكل شيء فيه يعينه على التصرف والحركة، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتوسل الى الله أن يبقيه سالماً من الآفات، ويقبضه اليه قبل أن يرد الى أرذل العمر، فيعيش قعيداً لا يقوى على شيء، فيضجر منه القريب، وينفر البعيد
والإمام أخذ هذا الدعاء من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد سمع منه أكثر من مرة (أو تتابع بنا الأهواء الخ) أي نعوذ بالله أن تنحرف بنا الأهواء عن الهدى الى الضلال.
وبعد، فإن الدعاء ضرب من العبادة، ما في ذلك ريب، فقد حث عليه الله ورسوله والأئمة الأطهار، ولكن أفضل الدعاء ترك الذنوب.
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ الله لي عَلَيْكُمْ حَقًّا بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَى مِنَ الحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لي عَلَيْكُمْ. فالحق أوسع الأشياء في التواصفِ، وَأَضيقها فِي التَّناصُفِ. لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلا جَرَى عَلَيْهِ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلا جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لأحدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ لكانَ ذلِكَ خَالِصاً للهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَلِعَدْلِهِ في كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلى العِبَادِ أن يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضْلاً مِنْهُ وَتَوَسُّعاً بما هُوَ مِنَ المَزِيدِ أَهْلُهُ (1). ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقوقِهِ حقوقاً أفتَرَضهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَا فِي وُجُوهِهَا وَيُوجِبُ بعْضُهَا بَعْضاً. وَلَا يُسْتَوْجِبُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْضٍ. وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ
سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحَقُوقِ حَقٌّ الوَالِي عَلى الرَّعِيَّةِ وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلى الوالي. فَرِيضَةً فَرَضَها اللهُ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ عَلى كُلِّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لألفَتِهِمْ وَعِرًّا لِدِينِهِمْ. فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرّعِيَّةُ إلا بصلاح الوَلَاةِ، وَلَا تَصْلُحُ الوِلَاةَ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّة (2).
اللغة :
التواصف : تفاعل يكون بين اثنين أو أكثر، وذلك بأن أصف لك شيئاً ثم تصفه أنت لي بما ترى. والتناصف : ان انصفك من نفسي، وتنصفني من نفسك.
الإعراب :
تفضلاً مفعول من أجله لجعل، ومن المزيد متعلق بـ «توسعاً» وفريضة بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي هي فريضة.
المعنى:
(أما بعد فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقاً بولاية أمركم) أي بصفتي ممثلاً للسلطة، لا بصفتي الشخصية، أو بأية صفة أخرى أو بأية صفة أخرى.. وقد أتى على الناس حين من الدهر لم يعرفوا فيه حاكماً ولا محكوماً، ولا شيئاً من الحقوق العامة، وبعد أن انتقل الانسان من حياة العزلة والانفراد الى حياة الجماعة، وخضع الفرد لشعورها آمن بضرورة الخضوع للرئيس والحاكم وتعظيمه وتقديسه دون أي مقابل.. وهكذا خضع أهل الصين للأباطرة أبناء السماء، وأهل مصر للفراعنة أبناء الشمس الخ. وبمرور الزمن عرفت الجماعات الحقوق العامة والمتبادلة بين الحاكم والمحكوم، وأصبح لها مؤلفات وعلماء وكليات. وأشار الإمام في بداية هذه الخطبة
الى ان الله سبحانه شرع أحكاماً حدد فيها حق الراعي على الرعية، وحقها عليه، وذكر طرفاً من ذلك في الخطبة 34. ثم قال :
(فالحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف). الحق ميدان واسع للوصف والقول، والناس يصولون فيه ويجولون خطابة وكتابة ومحاضرات ولكنهم يضيقون به صدراً إذا جاء دور التطبيق والعمل (ولا يجري لأحد إلا جرى عليه الخ).. هذه قسمة عادلة متوازنة : لك مثل الذي عليك، وعليك مثل الذي لك، وان كنت لا ترى حقاً عليك لغيرك فعليك أن لا ترى حقاً لك عليه، وقديماً قيل : أحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها.. هذا هو مبدأ العدل والانصاف، وقانون الطبيعة أيضاً، ولا أحد فوق الطبيعة إلا خالق الطبيعة.. ومن هنا تفجر الصراع الرهيب بين الأقوياء الذين ينكرون التوازن العادل ويصرون على الامتياز الظالم، وبين الضعفاء الذين يرفضون الاستبداد والعدوان على حقوقهم وحرياتهم، أما تحديد الحق فهو وليد الروابط بين الناس، ويختلف بحسبها.
(ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه). لا حق متبادل بين الخالق والمخلوق، والواجب والممكن، وهل يقاس النقص بالكمال، والضعف بالاقتدار ؟ إن الأمر كله لله، وعلينا أن نسمع ونطيع، وهو يثيبنا على الشكر والطاعة لا لشيء إلا لأنه تعالى كتب على نفسه الرحمة، كما قال في الآية 12 من سورة الأنعام، وكرر هذا القول في الآية 54 من السورة نفسها، واذن فلا ثمرة وراء النزاع في ان ثواب المطيع الله تعالى هل هو لزوم واستحقاق لمبدأ العدالة الإلهية، كما قال المعتزلة، أو هو كرم وتفضل، كما قال الأشاعرة، والطاعة من العبد مجرد وفاء لأنعم الله ؟ لا جدوى من هذا النزاع ما دام سبحانه قد كتب على نفسه أنه لا جزاء الإحسان إلا الإحسان.
«وقول الإمام : (جعل جزاءهم عليه الخ).... يومىء الى أن الثواب حتم بإرادة الله لا يجعل جاعل سواه، وعلى هذا يحمل قوله تعالى في الآية 173 من سورة النساء : «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ»، أي التي كتبها هو على نفسه.
(ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً الخ).. لله على عباده حقوق هي له وحده لا صلة لها بغيره على الإطلاق بغيره على الإطلاق، منها الإيمان به وبكتبه وملائكته ورسله، والتعبد له دون غيره : «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ - 23 الإسراء».
ومنها حقوق للناس، ولكن لا على سبيل الانفراد والاستقلال، بل على سبيل التكافؤ والتضامن بين الناس بعضهم مع بعض بحيث يكون أحد الواجبين بالنسبة للآخر كالجزء المتمم له، أي بجبان معاً ويسقطان معاً ومن هذا النوع النوع التعاون على البر والصالح العام الذي يتجاوز مساعدات الفرد بسد حاجة من حاجاته الخاصة، فإن هذا عظم عند الله، ما في ذلك ريب، ولكنه عون من جانب واحد، والتعاون مشاركة بين اثنين أو أكثر. وأيضاً من هذا النوع الحقوق الزوجية التي أشار سبحانه اليها بقوله : «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ - 228 البقرة».
وأيضاً من هذا النوع قول الإمام : (حق الوالي على الرعية) وهو الولاء للسلطة المشروعة في شخص الوالي العادل لا الولاء لشخصه بالذات، لأنه وكيل لا أصيل (وحق الرعية على الوالي) وهو تأمين حاجات الرعية وتحقيق أهدافها، وهذه الحقوق الانسانية المتكافئة المتبادلة بين الراعي والرعية هي (فريضة فرضها الله) ولأنه هو أصلها ومصدرها صح القول فيها : أنها حقوق الله وحقوق الناس في آن واحد (فجعلها نظاماً لإلفتهم وعزاً لدينهم) أي بهذا التضامن والترابط بين الحاكم والمحكوم تستقيم الأمور، ويعيش الجميع اخواناً متحابين، ومن أجل هذا جعله سبحانه دستور الحكم وأساسه. والانحراف عنه فساد وضلال يؤول بالمجتمع الى الهلاك والوبال.
(فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة). أبداً لا تصلح الأوضاع، ويتم الاستقرار إلا إذا كان الوالي كفؤا للقيام بأعباء الحكم : ومخلصاً يساوي نفسه وأهله بأضعف ضعيف من رعيته (ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية) وهذه الاستقامة معناها الولاء للسلطة القوية العادلة والتعاون معها على أساس مصلحة الجميع وتأمين حقوقهم.
فإذا أنتِ الرَّعِيةُ إلَى الوَالِي حَقَّهُ، وأدى الوالي إلَيْهَا حَقَّهَا، عَزّ الحق بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ، مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ على أذلالِهَا السُّنَنُ فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطمعَ فِي بَقَاء الدولة، ويَئسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاء. وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيةُ واليها، وأَجْحَفَ الوالي بِرَعِيَّتِهِ اختَلَفَتْ هُنَالِكَ الكَلِمَةُ. وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ. وَكَثُرَ الإِدْغَالُ فِي الدِّينِ وَتُرِكَتْ تَحَاجُ السُّنَنِ. فَعَمِلَ بِالْهَوَى. وَعُطِّلَتِ الأحكامُ. وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ. فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظيم حقٍّ عُطّل. ولَا لِعَظِيمٍ بَاطِلٍ فَعِلَ، فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تبعَاتُ اللهِ عِندَ الْعِبَادِ (3). فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ علَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عَلى رضاء الله حرْصُهُ وَطَالَ فِي العَمَلِ اجتهادُهُ بِبَالِغ حقيقة ما اللهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ. وَلكِن من واجِبِ حُقُوقِ اللهِ عَلى العِبَادِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغَ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إقامة الحَقِّ بَيْنَهُمْ. وَلَيْسَ أَمْرُو وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وتَقَدَّمَتْ في الدِّينِ فَضِيلَتُهُ بِفَوْقِ أَنْ يُعَاوِنَ عَلى مَا حَمَّلَهُ اللهُ مِنْ حَقِّهِ، وَلَا أَمْرُو وَإِن صَغْرَتْهُ النَّفُوسُ وَأَقْتَحَمَتَهُ العُيُونُ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلى ذلِكَ أَوْ يُعانَ عَلَيْهِ (4).
اللغة :
مناهج الدين : طرقه الواضحة. ومعالم : جمع معلم أي ما يستدل به على الطريق. وأذلال بفتح الهمزة جميع ذل - بكسر الذال - أي التعبيد، أي التعبيد، وأذلال السنن كثرة العمل بها أو العمل بها على وجهها وحقيقتها. والإدغال في الأمر: أن يدخل فيه ما يفسده. واقتحمته العيون : احتقرته.
الإعراب :
فصلح بذلك جواب اذا أدت، فهنالك إشارة الى الزمان البعيدة ومحله النصب على الظرفية أي في ذلك الزمان، وببالغ اسم ليس والباء زائدة، ومثله بفوق.
المعنى :
(فإذا أدت الرعية الى الموالي حتمه،، وأدى الوالي الخ).. مها مها اجتهدت القيادة وأخلصت في عملها ومقاصدها فإنها لا تأتي بخير إلا بمعونة الجماعة، تلك تخطط، وهذه تنفذ، ومتى تم التعاون بين الطرفين تحققت الأهداف (وقامت مناهج الدين) أي استقام الناس على الطريق القويم (واعتدلت معالم العدل) ومعنى اعتدالها العمل بموجبها (وجرت على أذلالها السنن) جمع سنة، وهي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، والمعنى اذا أدى كل من الراعي والرعية ما عليه سارت سنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مجراها الطبيعي بلا تحريف وتزييف من أرباب الأهواء والأغراض.
(فصلح بذلك الزمان) ذلك إشارة الى صيانة الحق المتبادل بين الراعي والرعية. ومن البداهة أن صلاح الزمان بصلاح أهله (وطمع في بقاء الدولة) أي ثبتت واستمرت، لأنها تقوم على الحق والعدل (واذا غلبت الرعية واليها وأجحف الوالي الخ).. ان تجاوز الراعي حقه المتمرر انتهى الى الاستبداد، وان تجاوزت الرعية الحدود عمت الفوضى، وانشقت الصفوف، وأميتت السنة، وكثرت البدع، ولا زاجر عن منكر وآمر بمعروف (فهنالك تذل الأبرار و شعر
الأشرار) تبعاً للأوضاع القائمة، والبيئة التي يعيشون فيها (وتعظم تبعات الله سبحانه عند العباد). المراد بالتبعات المسؤوليات أو العقاب، ولا شك في وجود الترابط بين الجرائم والعقاب كما وكيفاً.
(فعليكم بالتناصح في ذلك، وحسن التعاون عليه). أشار الإمام أولاً الى ان أمور المجتمع لا تستقيم، ولا تصلح فيه الأوضاع إلا إذا أدى كل من الراعي والرعية ما عليه، فإن قصر أحدهما أو كلاهما ظهر الجور، وسادت البدع، وتعطلت الأحكام، ثم أشار الإمام الى الطريق السليم لعلاج الأوضاع الفاسدة، وهو التناصح والتعاون بين العقلاء وأولي الشأن، وذلك بأن يبحثوا عن السبب والمصدر، فإن كان التقصير من الحاكم نصحوه وقوموه، فإن استقام وإلا عزلوه، وان كان من بعض الرعية وفئاتها تعاونوا مع الحاكم على إصلاحها، فإن فاءت وإلا قاتلوها حتى تفيء الى أمر الله.
(فليس احد وان اشتد على رضا الله حرصه الخ). أبداً ما من أحد بالغاً ما بلغ من العلم والعمل إلا وهو في حاجة الى النصيحة والتعاون، لأنه إنسان غير معصوم، وهذا الانسان لا يعرف اخطاءه وعيوب نفسه، لأنها تخدعه عن حقيقتها.. وغيره أعرف منه بها، وإذن فعليه أن يتعاون معه لمعرفتها.. ومن الذي لا يحابي نفسه، وينحاز اليها، ويحاول بشتى الوسائل أن يبرهن عن صفائها وصوابها ؟ ولا علاج لهذا الداء الا أن نعرف رأي الآخرين فينا الذين ينصفون ولا يبنون أقوالهم على الهوى والجهل.
(وليس امرؤ وان عظمت في الحق منزلته الخ).. لنفترض حقيقة لا جدلاً - ان انساناً يحتاط لدينه، ويحترس من الأخطاء جهد طاقته فهل يجوز لنا أن نفترض - أيضاً حقيقة لا جدلاً - انه لا يخطىء في قول أو فعل مع العلم بأنه غير معصوم.؟ واذن هو دائماً في حاجة الى العون والمساعدة (ولا امرؤ وإن صغرته النفوس الخ) وأيضاً ما من أحد - وإن ازدرته الأعين - إلا وفيه جهة ايجابية ينتفع بها الآخرون مع العلم بأن فيه كثيراً من الجهات السلبية، وانه في أمس الحاجة الى النصيحة والمساعدة من أجلها.
والخلاصة ان الانسان، أي انسان، أي انسان، لا يستطيع أن يصنع نفسه بنفسه، وانه بحاجة الى معونة الآخرين من أبناء نوعه حتى ولى كانوا دونه بمراتب، والسر ان
طبيعة الناس واحدة تعلو على كل الفوارق، وتضم تحت لوائها كل من يمشي على رجلين، والشيء الواحد لا ينفصل عن نفسه، وان تلونت فروعه، وتنوعت في شكلها ولونها.
إن مِنْ حَقٌّ مَنْ عَظُمَ جَلالُ اللهِ فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ. وَإِنْ أَحَقُّ مَنْ كَان كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، وَلَطْفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ. فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمُ نِعْمَةُ اللهِ عَلى أَحَدٍ إِلا أَزْدَادَ حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً، وَإِنَّ مِنْ أسْخَف حَالَاتِ الوْلاَةِ عِنْدَ صَالِحٍ النَّاسِ أَنَّ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الفَخْرِ وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلى الكَبِيرِ. وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنّكُمْ أنِّي أَحِبُّ الإطرَاء وَاسْتماعَ الثَّنَاءِ. وَلَسْتُ بِحَمْدِ اللهِ كَذَلِكَ (5). وَلَوْ كُنتُ أَحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحطَاطَاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَناول مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاه. وربما اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءِ بَعْدَ الْبَلاءِ. فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاء لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللهِ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقيَّةِ فِي حُقوقِ لَمْ أَفَرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إمْضَائِهَا، فلَا تُكَلِّمُونِي بِما تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلَا تَتَحفَّظوا مِنِّي بِمَا يُتَحفَّظ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ البَادِرَةِ، وَلاَ تُخالِطُولِي بِالمُصَانَعَةِ. وَلاَ تَظُنُّوا بي
استثقالاً في حَقٌّ قِيلَ لي ولا التماس إعْظَام لِنَفْسِي (6). فَإنهُ مَنِ اسْتَنْقَلَ الْحَقِّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَو العَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بها أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلَا تَكَفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أخطىء، وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلي إلا أن يَكْفِي اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِني. فَإِنّما أَنَا وَأَنتُمْ عَبِيدُ مملُوكُونَ لِرَبِّ لَا رَبِّ غَيْرُهُ. يَمْلِكُ مِناً مَا لَا تَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا ممَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحَنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى (7).
اللغة :
السخف : ضعف العقل. والمراد من التقية هنا الخروج من المسؤولية الملقاة على عاتقه والقيام بما يجب. والبادرة : الحدة. والمصانعة : المداراة.
الإعراب :
من حق متعلق بمحذوف خبراً مقدماً لـ «ان» والمصدر من أن يصغر اسمها، ولمن اللام للتأكيد، ومن خبر ان أحق، والمصدر من ان يظن اسم ان من أسخف، وان يكون جال يكون زائدة، والمصدر من اني أحب فاعل جال، وانحطاطاً مفعول من أجله لتركته، فإنه الضمير للشأن، والمصدر من أن يقال بدل اشتمال من الحق، والمصدر من ان يعرض بدل اشتمال من العدل.
المعنى:
قال الشريف الرضي : فأجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجل من أصحابه بكلام طويل
يكثر فيه الثناء عليه، ويذكر سمعه وطاعته. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (ان من حق من عظم جلال الله سبحانه في نفسه الخ).. نحن نقرأ ونسمع مبهورين عن العقول الالكترونية، وصعود الانسان على القمر، وغير ذلك من ابتكار العلم أما الذي تمكنت في نفسه عظمة الخالق وجلاله فإنه لا يرى ذلك ولا العقل الذي هو مصدر العلم والابتكار ولا الكون بما فيه - لا يرى كل أولاء شيئا مذكوراً الى جانب ذرة من عظمه الله وجلاله، بل يزداد إيمانا بالله وفهماً لعظمته لأنه هو المبدأ الأول لكل شيء. وتقدم في الخطبة 191 قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف المؤمنين : «عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم». والإمام سيد العارفين بالله وكماله وجلاله، وأعلم العلماء بأن معرفته هذه هي من أعظم نعم الله عليه، وانه أحق الناس أن يشكره عليها، ومن شكره وتواضعه الله أن يرى كل ما سواه حتى نفسه ليس بشيء، وإذن كيف يسمح ويسمع للمديح والإطراء.
(وان أحق من كان كذلك) أي ان من صغر وحقر كل ما سوى الله هو الذي (عظمت نعمة الله عليه، ولطف إحسانه اليه) والإمام يشعر من الأعماق بعظيم نعم الله عليه، ولطيف إحسانه إليه، وذلك بأنه أول من آمن برسول الله من الذكور، وجاهد بين يديه، وفداه بنفسه، وأخذ العلم عنه حتى قال واثقاً : سلوني قبل أن تفقدوني. وما دامت نعم الله عليه كثيرة وعظيمة فحقوقه عليه كذلك (فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظماً). وقديماً قيل : «وكما تراني يا جميل أراك»، نقول هذا، ونحن نعلم بأن أحداً لا يبلغ من شكره تعالى بعض ما تستوجبه نعمة واحدة، فكيف بما لا يبلغها العد والإحصاء !.
(وان من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس الخ).. العقلاء يسخرون من الحاكم الذي هو مظنة الكبر والفخر، ويرونه سخيفاً وحقيراً في نفسه وواقعه، قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «آفة الحسب الافتخار.. حسب المرء دينه وأدبه». والحسب في اللغة كل ما يعد من المفاخر في مفهوم العامة (وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم الخ). كيف تظنون بي حب الثناء، وأنا أكره- وأنا أكرهه، وأكره من يحبه ومن يظن اني أحبه، وأحمد الله على هذه الكراهية (ولو كنت أحب - الى – الكبرياء) الإمام يكره المديح، ولو افترض أن حدثته به نفسه از جرها تأدباً مع الله ورسوله، فإنهما أحق منه بذلك وأولى.
(وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء) أي بعد أن أجهدوا أنفسهم في العمل
وأحسنوا فيه، وليس ذلك بمحرم عليهم ما داموا بعيدين عن الرياء، فما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر له الخير أمام الناس إلا صفوة الصفوة كالإمام الذي قال لأصحابه : (فلا تثنوا علي بجميل ثناء) لخير عملته، وجهد بذلته، لأني ما عملت واجتهدت للثناء والإطراء بل (لإخراجي نفسي الى الله سبحانه واليكم من التقية في حقوق الخ).. أي انما فعلت الذي فعلت لأحرر نفسي من المسؤولية التي تحملتها بولايتي عليكم، وأصبح علي بموجبها حقوق وفرائض الله ولكم، وأعمل جاهداً للوفاء بها، وما زلت مقصراً في هذا الميدان هذا الميدان.. واذن فعلام المديح !.. وهكذا العظيم يستقل من نفسه كل خير يفعله، وكل نوال يبذله مهما غزر وكثر.
(فلا تكلموني بما تُكلّم به الجبابرة) الذين يعانون من سرطان العظمة والكبرياء. قال الفيلسوف الصيني «لين يوتانج» : كلما زاد عدد الدجالين والمنافقين ازداد المصفقين والهاتفين (ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة) وهم الأقوياء الذين اذا خوطبوا بغير ما يشتهون من التفخيم ثاروا وهددوا، والمعنى : خاطبوني بما يخاطب به بعضكم بعضاً، فإني واحد منكم. فإني واحد منكم.. هذا هو الاسلام بروحه وجوهره يحطم التمييز بين الناس مهما كانت الأنساب والمناصب. دخل على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أعرابي غريب، فارتجف من هيبته. فقال له : هون عليك، فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة.
(ولا تخالطوني بالمصانعة) أي بالنفاق والرياء، بل بصراحة وعلى سجيتكم (ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي الخ).. انا الله وللحق ومع الحق، وقد ملك علي عقلي وقلبي، واختلط حبه بلحمي ودمي فكيف أتبرم به، وأنفر منه ؟ (فإنه من استثقل الحق أن يقال له الخ).. هذا من الواضحات التي لا مختلف فيها عالمان ولا جاهلان، ويسميه علماء الأصول بمفهوم الموافقة، وهو إعطاء حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق أولى، ومن أمثلته «ولا تقل لهما أف» فالمنطوق به التأفيف، وحكمه التحريم، فيثبت الحكم للضرب بطريق أولى، لأن علة التحريم الإساءة للوالدين، وهي في الضرب أشد وأقوى. وأوضح مثال أو درس على الخضوع لكلمة الحق هذه الرائعة : قال أعرابي لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا محمد هذا المال مال الله أو مال أبيك ؟ فشهر صحابي عليه سيفه. فقال له نبي الرحمة : دعه، ان لصاحب الحق مقالاً.
(فإني لست في نفسي يفوق أن اخطىء الخ).. أبداً لا ترى عظيماً، ولن
تراه إلا وهو متهم لنفسه حتى ولو كان نبياً، فقد شهد شاهد من أهلها ببراءة يوسف، هذا قال : «وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي - 53 يوسف»، حتى الإيمان بالله يحتاج الى عونه وتوفيقه : «فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ - 30 الدهر» أي الا ان يوفق ويعين (فإنما أنا وأنتم عبيد الخ)... والعبد لا يملك شيئاً مع سيده (وأخرجنا مما كنا فيه الخ).. الله هدانا بعنايته الى الاسلام، وأخرجنا من الظلمات الى النور : «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ - 52 الشورى».
اللَّهُم إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلى قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِي، وَأَكْفَأوا إنَانِي، وَأَجَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقًّا كُنتُ أَولَى بِهِ مِنْ غَيْرِي، وَقَالُوا أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأخُذَهُ وَفِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ، فَاصْبِرْ مَغْمُوماً أو مت متأسِّفاً، فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَلَا دَابٌ وَلَا مُسَاعِدٌ إِلَّا أهلَ بَيْتِي، فَضنتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ فَأَغْضَيْتُ عَلى القَذَى، وَجَرَعْتُ رِيقي عَلى الشجَى، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظم الغَيْظِ عَلى أَمَرّ مِنَ الْعَلْقَمِ وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ حَزِّ الشَّفَارِ.
اللغة :
أستعديك : أستعينك. اكفأوا إنائي : قلبوه. والرافد : المعين. والذاب : المدافع. وضننت : بخلت. وأغضيت : صبرت. والقدى : ما يقع في العين أو في الشراب من تبنة ونحوها. والشجى : ما أعترض في الحلق من عظم ونحوه. والشفار : جمع شفرة أي حد السيف ونحوه.
الإعراب :
حقاً منصوب بنزع الخافض أي منازعتي في حق، ومغموماً حال، ومثله متأسفاً.
المعنى :
قال الشريف الرضي : «مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة إلا اني ذكرته هنا لاختلاف الروايتين». والخطبة المتقدمة التي أشار اليها الشريف هي الخطبة رقم (26) والخطبة رقم (170) وأيضاً تظلّم الإمام من قريش في الخطبة رقم (33).
وبالإيجاز قامت قيامة قريش على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحاول عتاتها جاهدين أن بطمسوا رسالته، وقالوا عنه : انه مجنون وكاهن وشاعر وطالب ملك.. وأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون وبعد أن انتقل النبي الى الرفيق الأعلى اقتصوا منه بشخص أهل بيته. قال الكاتب المصري الاسلامي عبد الكريم الخطيب في كتاب (علي بن أبي طالب) ص 146 طبعة سنة 1967 : «إن علياً كان أكثر المسلمين شدة على مشركي قريش، وأكثرهم تنكيلاً وإفجاعاً في الأبناء والآباء والأعمام والأخوال - الى أن قال - : وسنرى آثار ذلك وشواهده حين تقف قريش في وجه بني هاشم وحين تذودهم عن الخلافة، ثم تنالهم بسيوفها، فتقتل شيبها وشبابها وصبيانها وتشرد بعقائلها وحرائرها، وكأنما تثأر بهذا لقتلاها في بدر وأحد». وأشرنا الى ذلك في شرح الخطبة 190.
فَقَدِمُوا عَلى عُمَّالِي وَخَزَانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدِي، وَعَلى أَهْلِ مضر في طَاعَتِي وَعَلى بَيعَتِي، فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ، وَأَفْسَدُوا عَلَى جَمَاعَتَهُمْ. وَوَثَبُوا عَلى شِيعَتِي فَقَتَلُوا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَدْراً، وَطَائِفَةٌ عَضُّوا عَلى أَسْيَافِهِمْ فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اللَّهَ صَادِقِينَ.
المعنى :
عضوا على السيوف كناية عن الصبر والثبات في الحرب. دخل عسكر الجمل البصرة، وأمن قادة الجمل وعسكره أهلها على أنفسهم وأموالهم وسرعان ما غدروا وقتلوا ونهبوا، ونكلوا ومثلوا، ووقف لهم جماعة من، ووقف لهم جماعة من أصحاب الإمام وشيعته، وقاتلوهم حتى استشهدوا واليهم أشار الإمام بقوله : (وطائفة عضوا على أسيافهم، فضار بوا بها حتى لقوا الله صادقين) وتقدم الكلام عن ذلك في الخطبة 170.
وقال المستشرق الألماني «فلهوزن» في «تاريخ الدول العربية»، ترجمة أبو ريدة ص 51 وما بعدها طبعة سنة 1958 : «كانت لعلي مكانة أكبر من
مكانة طلحة والزبير، وحين حوصر عثمان كان الإمام يصلي بالناس، وكان في نظر كافة أهل المدينة خصوصاً الأنصار هو الخليفة الطبيعي لعثمان، وقد تلقى البيعة العامة في المسجد.. وانقلب عليه طلحة والزبير انقلاباً مخزياً، لأنه بتلقيه البيعة نال دونهما نجاحاً قانونياً.. وكانا في حياة عثمان لم يألوا جهداً في الكيد له، وكان يبدو أن ذلك من أجل علي، فقد قدماه على نفسيهما، ولكنهما الآن خرجا عليه خروج المنافسين، وانهماه بأنه هو الذي دبر مقتل عثمان».
لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَذَا المَكَانِ غَرِيباً. أما واللهِ لَقَدْ كُنتُ أكْرَهُ أن تَكُونَ قُرَيْسُ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الكَوَاكِب. أَدْرَكْتُ وَتَرِي مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ وَأَفْلَتَنِي أَعْيَانُ بَنِي جمَح، لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أمْرٍ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَهُ فَوْقِصُوا دُونَهُ.
اللغة :
الوتر : الثأر، والمراد به هنا القصاص الشرعي. واتلعوا : رفعوا أو مدوا. فوقصوا : اندقت أعناقهم أو كسرت.
الإعراب :
أفلتي، الأصل أفلت مني، ولما حذفت (من) تخفيفاً اتصلت الياء بالفعل.
المعنى :
قال الشريف الرضي : لما مر الإمام بطلحة وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، وهما قتيلان يوم الجمل قال : (لقد أصبح أبو محمد بهذا المكان الخ)..
وأبو محمد هو طلحة بن عبد الله أو عبيد الله، وكان من الصحابة المعروفين ولكنه أول من حارب الصحابة، وشهر عليهم السيف هو والزبير وأم المؤمنين وكان طلحة من بني تيم بن مرة، وينتسب هو والزبير بالأم الى عبد مناف، كما قال ميثم البحراني، والذي قتل طلحة مروان بن الحكم، وكانا معاً من أصحاب الجمل يقاتلان الإمام، كما أسلفنا.
أما عبد الرحمن بن عتاب فلم يكن صحابياً بل تابعياً وأموياً من بني عبد مناف، وحارب الإمام في عسكر الجمل، وقتل، وبنو جمح ينتسبون الى لؤي بن غالب، وكان منهم جماعة الجمل، فقتل بعضهم، وهرب آخرون. والإمام يكره القتل والقتلى من قريش وغير قريش، وإنما خصهم بالذكر، لأنهم أسرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأسرته، ويتمنى لو كانوا أنصاراً للإسلام لا أعداء له، يقتلون على تنزيل القرآن تارة، وعلى تأويله تارة أخرى. ومراد الإمام بقوله : (أدركت وتري) أنه اقتص بحكم القرآن لقتلى من قتل أصحاب الجمل من شيعته ورعيته ظلما وعدواناً.
قدْ أحْيَا عَقْلَهُ وَأَمَاتَ نَفْسَهُ، حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ، وَلَطُفَ غَلِيظُهُ وبَرَقَ لَهُ لَامِعُ كَثِيرُ الْبَرْقِ فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ وَسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ وتَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ إلَى بَابِ السَّلَامَةِ وَدَارِ الْإِقَامَةِ، وَثَبَتَتْ رِجْلَاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الْأَمْنِ والرَّاحَةِ بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وَأَرْضَى رَبِّهُ.
المعنى:
يطلب الإمام أن يكون كل مسلم صورة مثلى للاسلام على طراز هذا المسلم الذي وصفه بقوله : (قد أحيا قلبه) بمعرفة الله ودينه وشريعته (وأمات نفسه) بكيحها عن الشهوات والمحرمات (حتى دق جليله) نحل جسمه، لأنه يأكل ليعيش، ولا يعيش ليأكل (و لطف غليظه) لا غلاظة ولا فظاظة في أخلاقه.
(وبرق له لامع كثير البرق الخ).. أطال الشارحون الكلام حول هذه الجملة، وفسروها بأقوال الصوفية في مجاهدة النفس وترويضها !. والذي نفهمه نحن ان الذي يجمع بين العلم والتقوى تتكشف له مسالك الهدى الى الحق والعدل، وتظهر وتظهر أمامه
بوضوح بلا شبهات ولا عثرات، وقد صرح القرآن بهذا في أكثر من آية : «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى - 17 محمد». «إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى- 13 الكهف» والعكس بالعكس : «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا - 10 البقرة». «فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ- 5 الصف».
(وتدافعته الأبواب الخ).. قال الشارحون : المراد أبواب الرياضة وتطويع النفس الأمارة، والانتقال من مقام الى مقام حسبما حدده الصوفية !.. والصحيح - على فهمنا - ان كل الأبواب التي يدخل منها هذا العالم المتقي هي أبواب الهدى والحكمة والسلامة.. أبداً لا سفه ولا جهل ولا ضلال في أي شيء من أفعاله وتصرفاته، هذا هو المراد من أبواب المتقي، وقد انتهت به الى قرار مكين وأمين.
يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ، وَزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ، وَخَطَراً مَا أَفْظَعَهُ. لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيْ مُدَّكَرٍ، وَتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، أَفَبِمَصَارِع آبائِهِمْ يَفْخَرُونَ، أَمْ بِعَدِيدِ الهَلْكَى يَتَكَاثرُونَ ؟ يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوتْ، وحركات سكنت. وَلَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً، وَلَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ. لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ العُشْوَةِ. وَضَرَبُوا في غَمْرَةِ جَهَالَةٍ. وَلَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الخَاوِيَةِ وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ لَقَالَتْ ذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ ظُلّالاً، وَذَهَبْتُمْ في أَعْقَابِهِمْ جَهّالاً. تَطَأُّونَ فِي هَامِهِمْ، وَتَسْتَثْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ، وتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا، وَتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا، وَإِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ بَوَادٍ وَنَوَائِحُ عَلَيْكُمْ (1). أُولئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ، وَفُرّاطُ مَنَاهِلِكُمُ الَّذِينَ كانتْ لَهُمْ مَقاوِمُ العِزَّ وَحَلَبَاتُ الْفَجْرِ مُلُوكاً وَسُوقاً. سَلَكُوا فِي بُطُونِ البَرْزَحْ سَبِيلاً سُلِّطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ. فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جماداً لَا يَنْمُونَ، وَضِمَاراً لا يُوجَدُونَ. لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ، وَلَا يَحْزُنهُمْ تَنَكَّرُ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفٍ، وَلَا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ. غُيِّباً لَا يُنتَظَرُونَ، وَشُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ. وَإِنَّما كَانُوا جميعاً فَتَشَتَّتُوا، وآلافاً فَافْتَرَقُوا. وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَلَا بُعْدِ مَحَلَّهُمْ عَمِيَتْ أَخبَارُهُمْ وَصَمّتْ دِيَارُهُمْ، وَلَكِنْهُمْ سُقُوا كَأساً بَدَّلَتُهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً، وَبِالسِّمْعِ صمَماً، وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُونَا. فَكَأَنَّهُمْ فِي ارتجال الصِّفَةِ صَرْعَى سُبات (2)و
اللغة :
المرام : المراد. والزور - بفتح الزاي - للزائر مفرداً أو جمعاً أو مثنى. وما أفظعه
: ما أشنعه. واستخلوا منهم : وجدوا الديار خالية منهم. ومدكر : من الإدكار بمعنى الاعتبار. وتناوشوهم : تناولوهم. ويتكاثرون : يتغالبون في كثرة المال والرجال. وخوت : سقطت أو خلت. وأحجى : أقرب للصواب. والعشوة : ضعف البصر. والغمرة : الحيرة. قال تعالى : «بل قلوبهم في غمرة - 63 المؤمنون» أي في حيرة. وهامهم : رؤوسهم أو أعلاها. ولفظوا : تركوا. وفراط وفارطون : جمع فارط فارط، وهو الذي يتقدم القوم الى الماء أو
الكلاً. ومناهل : جمع منهل أي مورد. وحلبات : جمع حلبة - بفتح الحاء - الدفعة من الخيل. والبرزخ : ما بين الدنيا والآخرة، والحاجز بين شيئين كالقبر ونحوه. وفجرات: جمع فجوة كالشق ونحوه. والضمار - بكسر الضاد - غيبة بلا رجعة. ويأذنون : يستمعون. ورعد قاصف : شديد الصوت. وآلاف : جمع أليف. وارتجال الصفة : الوصف على البديهة. والسبات - بضم السين - النوم.
الإعراب :
يا له مراماً «يا» للنداء، وقيل لمجرد التنبيه، ومراماً تمييز، وهو بيان للضمير في «له» واللام للتعجب، ما أبعده (ما) مبتدأ، وأبعده فعل ماض، والهاء مفعول، والجملة خبر، وأي مدكر حال من ضمير (منهم) أي كاملين في الاعتبار، مثل : مررت بزيد أي رجل، أي كاملاً، ولأن يكونوا اللام للابتداء، والمصدر من أن يكونوا مبتدأ، والخبر أحق أي كونهم عبراً أحق من كونهم مفتخراً، وضلالاً حال، ومثله جهال.
المعنى :
قال الشريف الرضي تلا الإمام قوله تعالى : «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ» وقال : (يا له ما أبعده مراماً). أتريدون أن تثبتوا الفضائل والمكارم لأنفسكم بكثرة الأموال والرجال حيث يقول بعضكم لبعض : رهطي أكثر أموالاً، وأعز نفراً ؟.. هيهات، إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. ان الغنى والفقر، والعز والذل بعض العرض على الله (وزورا ما أغفله) يشير بهذا الى قوله تعالى : «حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ»، والمعنى عجباً من غفلتكم ! أنتم في الطريق الى زيارة المقابر، هذا تتلهون بالترهات، وتباهون بعظام الأموات (وخطراً ما أفظعه) ان الذي تنتهون اليه شيء فظيع وخطير، وهو الموت والقبر والحساب والجزاء مالكم أفلا تبصرون ؟
(لقد استخلوا منهم). تمادى الأحياء في الافتخار والاعتزاز بالموتى من الأجداد والآباء.. وحين زار الخلف المكاثر الأجداث ما وجد فيها أحداً من
السلف الدابر (أي مدّكر) ان هذه موعظة وذكرى للعالمين (وتناوشو هم من مكان بعيد) أي ذكروا الماضين بالعز والمجد، وبين الفريقين أبعد ما بين الخافقين (أفبمصارع آبائهم الخ).. أتفخرون بالأجسام الفانية، والعظام البالية ؟ (ولأن يكونوا عبراً الخ).. جدير بالعاقل أن يتعظ بالموتى لا أن يفخر)(ولأن يهبطوا بهم الخ).. وأيضاً جدير به أن يذل ويخشع لا ان يتعالى ويشمخ.
(لقد نظروا اليهم بأبصار العشوة الخ).. نظروا الى الموتى بعيون غير سليمة، فخاضوا من ذكرهم في بحر من الجهالة (ولو استنطقوا عنهم - الى - أعقابهم جهالاً). لو أن الأحياء سألوا المقابر عن أجدادهم وآبائهم - لأجابتهم بلسان الحال : انهم في الضلالة والهاوية، وأنتم في الجهالة والغواية، ولاحقون بهم الى أسفل سافلين (تطأون في هاماتهم). قال ابن أبي الحديد : أخذ هذا المعنى أبو العلاء المعري فقال :
خفف الوطء ما أظن أديم الأر***ض إلا من هذه الأجساد
(وتستثبتون في أجسادهم). تستحيل أجسادهم الى تراب، فتغرسون فيها الأشجار ونحوها (وترتعون فيما لفظوا) تتقلبون في الذي تركوا من حطام الدنيا ومتاعها (وتسكنون فيما خربوا) أي فيما تركوا، تقول : خربت الديار إذا باد أهلها، لأنها بهم تحيا وتثمر (وإنما الأيام بينكم الخ).. بكت الأيام أو الديار على الآباء وناحت، وعما قريب تبكي عليكم وتنوح (أولئك سلف غايتكم) المراد بالسلف من مضى وبالغاية الموت، والمعنى هم السابقون الى المقابر، وأنتم اللاحقون.
(وفراط مناهلكم الخ).. مضى من كان قبلكم من الأجيال ملوكاً ومملوكين، وكان لهم في العز دعائم، وفي الفخر سباق، وأنتم على آثارهم تهرعون، فلماذا تعمهون ؟ وقال الإمام مخاطباً أهل القبور : يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة، أنتم لنا فرط سابق، ونحن لكم تبع لاحق (سلكوا في بطون البرزخ) القبور (سبيلاً سلطت الأرض عليهم الخ).. فما أبقت. فما أبقت لهم جلداً لا لحماً، ولا دماً ولا عظماً.. أبداً لا شيء في القبر على الإطلاق إلا الظلمات والآفات.. وأنباء القبر عند الإمام كثيرة وكثيرة، ولا يمل من تكرارها، وقد مرت هذه الصفات في الخطبة 109 و 195 «والحبل على الجرار».
وقال ميثم البحراني ما معناه : ان قول الإمام : «أصبحوا جماداً.. لا يفزعهم.. لا يحزنهم» أن هذا يُشعر بأنه لا حساب ولا عذاب في القبر. وأجاب البحراني بأن مراد الإمام ان الموتى جماد بالنسبة الى الحياة الدنيا، أما بالنسبة الى الآخرة فإنهم يحسون ويشعرون.
وبعد، فإن غرض الإمام من كلامه عن القبور وأهلها هو التنبيه الى ان العاقل اذا تأمل وتدبر بداية االإنسان ونهايته - ينتهي لا محالة إلى الإيمان بأنه مغلوب لقوة قاهرة تتصرف فيه كيف تشاء، ولا راد لما تريد، وانه لا نجاة من غضبها إلا بالسمع والطاعة لأمرها ونهيها.
جيرانٌ لا يَتَأَنسُونَ، وَأَحِبَّاءُ لاَ يَتَزَاوَرُونَ. بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَی التعارفِ وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الإخاء. فَكُلهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جميع. وَبجَانِبِ الهَجْرِ وَهُمْ أَخلاء. لا يَتَعَارَفُونَ لِليْلِ صَبَاحاً وَلَا لِنَهَارٍ مَسَاء. أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً. شَاهَدُوا مِنْ أَخطَارِ دَارِهِمْ أَفظَعَ مِمَّا خَافُوا، وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ لِما قَدَرُوا. فكلْنَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إلَى مَبَاءَةِ فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاء. فلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا. وَلَئنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ (3). لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَر، و سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولُ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جَهَاتِ النُّطْقِ. فَقَالُوا كلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ وَخَوَتِ الْأَجْسَادُ النَّوَاعِمُ. وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ
البلى. وَتَكَادَنَا ضِيقُ المضجع. وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ. وَتَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الربُوعُ الصَّمُوتُ فَالْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وطالَتْ في مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إقَامَتُنَا. وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً، وَلَا مِنْ ضِيقٍ مُتّسَعاً. فَلَوْ مَثّلَتَهُمْ بِعَقلِكَ أَوْ كثيف عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الغِطَاء لكَ وَقَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالهَوَامْ فَاسْتَكّتْ، وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتَرَابِ فَخَسَفَتْ، وَتَقَطَّعَتِ الْأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا (4). وهمَدَتِ القُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقْظتِهَا. وَعَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جديد إلى سمَّجها، وسهَّل طرق الآفةِ إِلَيْهَا، مُسْتَسْلَمَات فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ، وَلَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبِ، وَأَقْذَاءَ عُيُونِ لهم في في كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةٌ حالِ لَا تَنْتَقِلُ، وَغَمْرَةٌ لَا تَنجَلي (5).
اللغة :
العرى : جمع عروة أي مقبض الكوز ونحوه. والجديدان : الليل والنهار والسرمد : الدائم لا أول له ولا آخر. والمباءة : مكان النزول والاستقرار والعسير: الأحوال التي تتعظ بها. وكلحت الوجوه : عبست وكثرت وخوت الأجسام : تهدمت، ومثلها تهكمت. والهوام : الحشرات. وعاث : أفسد وسمجها : قبحها وشوهها. وأقذاء العيون: ما يقع فيها فيؤذيها.
الإعراب :
جيران خبر لمبتدأ محذوف أي هم جيران، ولئن الواو للقسم، واللام للتوطئة
وجواب القسم لقد رجعت، وهو ساد مسد جواب إن الشرطية، فلو مثلتهم «لو» حرف امتناع لامتناع كما يقول المعربون، أو حرف شرط، ومثلتهم فعله، ولرأيت جوابه، ومستسلمات حال من الضمير في «اليها».
المعنى :
(جيران لا يتأنسون الخ).. لا علاقات ولا مواصلات بين أهل القبور تماماً كما هوالشأن هو بين الأحياء والأموات (فكلهم وحيد) في أعماق قبر مظلم وموحش (وهم جمع) قبوراً لا أرواحاً (أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمداً). أي هنا بمعنى أحد، والجديدان هما الليل والنهار حيث يتجددان ويتعاقبان باستمرار، وضمير (فيه) يعود الى «أي» والمعنى ان الميت لا يعرف ليلاً ولا نهاراً سواء أفارق الحياة الدنيا في ذا أم ذاك، لأن حاله واحدة دائمة لا تحول ولا تزول من حيث القتام والظلام.
(شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا الخ).. كانوا، وهم أحياء، مخافون من وحشة القير، ولدى العيان رأوا من الفظاعة فوق ما تصوروا (فكلتا الغايتين الخ).. وهما جنة وهما جنة المتقين، وجحيم الغاوين، والمعنى ان المتقين وجدوا عند ربهم أفضل مما وعدهم به من الثواب، وكذلك الغاوون وجدوا من العذاب فوق ما كانوا يتصورون (فلو كانوا ينطقون بها - أي بمبالغ الخوف والرجاء - لعيوا بصفة ما شاهدوا). كل فريق من المتقين الذين رجوا الثواب، والغاوين الذين خافوا العذاب - يعجز عن وصف ما هو فيه لو أسعفه النطق.
(ولئن عميت آثارهم - الى - من ضيق متسعاً). تكاء دنا تکاء دنا : شق علينا و صعب، وتنكرت: تغيرت، وتنكرت : تغيرت، والمعنى ان الموتى لا يعبرون عن أحوالهم واختباراتهم بلسان المقال، ولكنهم نطقوا بلسان الحال، وسمعناهم نحن بآذان العقول يتحدثون ويقولون : الوجوه منا قد تشوهت، والأجسام قد تهدمت، والأرواح في شدة وضيق، ووحدة ووحشة، وقد طال علينا الأمد، وانقطع منا الأمل.. وبكلمة أجمع وأبلغ قالها الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه». وهل من صدمة أفظع وأعنف من الدس في التراب حيث لا عدة ولا قوة ؟.
(فلو مثلتهم بعقلك - الى - أقذاء عيون). لو استطعت أن تتصور الموتى على حقيقتهم، أو تكشف لك الغطاء عنها - لرأيت عجباً، فالأسماع للحشرات، والأبصار للتراب، والألسن للبلى، والقلو والقلوب جمود و همود، وما من عضو فيهم إلا وأفسدته الآفات وأي شيء أكثر للقلب شجي، وللعين قذى من ذلك ؟.
وبعد. فإن ما ذكره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أحوال الموتى ليس بالشيء الجديد، فإن الروح متى خرجت من الجسم صار جيفة مخيفة، سواء أكان الجسم لانسان، أم الحيوان، أما شقاء الروح أو هناؤها فيرتبط بالأعمال لا بالأبدان «وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ - 91 الشعراء»
وَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ وَأَنِيقِ لَوْنِ كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ وَرَبِيبَ شَرَف. يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ، وَيَفْزَعُ إلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، ضَنَاً بِغَضَارَةِ عَبْدِهِ وَشَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَلَعِبهِ. فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إلى الدُّنْيَا وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظَلَّ عَيْش غَفُولٍ إِذ وَطَىء الدَّهرُ بِهِ حَسَكَهُ، وَنَقَضَتِ الْأَيَّامُ قُوَاهُ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الخُتُوفُ مِنْ كَتَب. فَخَالَطَهُ بَثٌّ لَا يَعْرِفُهُ، وَنَجِي همّ مَا كَانَ يَجِدُهُ. وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ أَنَسَ مَا كَانَ بِصِحْتِهِ. فَفَزِعَ إلى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْأَطباء مِنْ تَسْكِينِ الْحَارٌ بِالْقَار، وَتَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالحَار، فَلَمْ يُطْفِي بِبَارِدِ إِلَّا ثَوْرَ حَرَارَةٌ، وَلَا حَرَّكَ بِجَارٌ إلا
هَيْجَ بُرُودَةٌ، وَلَا أَعْتَدَلَ يُمازج لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاء حَتَّى فَتَرَ مُعَلَّلَهُ، وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وَتَعَايَا أَهْلُهُ بصِفَةِ دَائِهِ (6)، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ. وَتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيٌّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ، فَقَائِلُ يَقُولُ هُوَ لَمَا بِهِ، وَمُمَنّ هُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ، وَمُصَبر لهمْ عَلى فَقْدِهِ، يُذَكُرُهُمْ أَسَى المَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلى جَنَاحَ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا وَتَرْكِ الْأَحِبَّةِ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِض مِنْ غَصَصِهِ فَتَحَبَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ، وَيَبِسَتْ رُطُوبَةٌ لِسَانِهِ. فَكَمْ منْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ، وَدُعَاءِ مُؤلِمٍ لِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ مِنْ كَبِيرٍ كانَ يُعَظُّمُهُ أَوْ صَغِيرِ كَانَ يَرْحَمُهُ. وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَقْطَعُ مِنْ أَن تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلى قُلُوب أهل الدنيا (7).
اللغة :
يتعلل : يظهر العلة، أو يشغل نفسه بالأباطيل، وهذا هو المراد هنا ويفزع : يلجأ، والسلوة : ما يسليك وينسيك عما يزعجك. وضنا : نخلاً وغضارة العيش : سعته وعيش غفول : يوجب الغفلة والطغيان. والحسك : نبات شائك. والحتوف : الموت الطبيعي أو المهلكات. والكتب : القرب. والبث : النشر والحال وأشد الحزن، وهو المراد هنا. والنجي : المناجي وفترات : من الضعف والفتور لا من الفترة بمعنى الهدنة. والقار : البارد ومعلله : من يسليه أو يطببه. وممرضه : من يخدمه في مرضه. وتعايا أهله :
أظهروا العي عند السؤال. والأسى : ما يتأسى به : ما يتأسى به. والغمرات : الشدائد والأهوال.
الإعراب :
كم خبرية، ومحلها النصب مفعولاً لأكلت، ومن عزيز تمييز «كم» والتقدير كم من عزيز جسد أكلت الأرض، وضناً مفعول من أجله ليفزع، وإذ فجائية لوقوعها بعد بينا، وآنس حال من ضمير «فيه»، وما بمعنى شيء، وكان زائدة، وبصحبته متعلق بمحذوف خبراً لمبتدأ محذوف أي آنس شيء هو بصحته مثل مررت برجل هو شيء من الأشياء.
المعنى:
(فكم أكلت الأرض الخ). من أجسادنا نحن الآدميين كباراً وصغاراً حتى من تقلب في النعيم، وعاش على الطيبات طوته الأرض في بطنها، وما زالت ضامرة تطلب المزيد تماماً كجهنم (يتعلل بالسرور الخ).. الضمير المستتر في يتعلل يعود الى المترف الذي كان اذا نزلت به نازلة انصرف عنها الى العود والكأس، وعبث الحياة ولهوها (فبينا هو يضحك - الى صحته) اغتاله الدهر بغوائله، وهو آمن نشوان من سكرات الفراغ والجيدة، فتحطم وذهبت قواه مع الريح دون إشعار وسابق إنذار :
وقد يسلم الانسان من حيث يتقي*** ويؤتى الفتى من أمنه وهو وهو غافل
(ففزع الى ما كان - الى - برودة). كان الأطباء القدامى يقيسون صحة الجسم بتوازن اليبوسة الرطوبة، والحرارة والحرارة مع البرودة البرودة، فإذا اختل التوازن وزاد أحد العنصرين المتقابلين على الآخر اعتل الجسم و كان العلاج في نظرهم هو العمل لإعادة التوازن والتعديل، فإذا ارتفعت الحرارة أطفأوا حدتها بالبارد، واذا طغت البرودة قهروها بالحار، ولكن تطبيب ذاك المريض المترف الغافل بهذا
العلاج - جاء على العكس.. فالبارد يرفع من حرارته، والحار يزيد في برودته ! وهل لداء الموت طب أو علاج ؟.
(ولا اعتدل بمازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء). كلما بذلت الجهود والعناية في اتقان الدواء وتركيبه، وعولج به هذا المريض المترف لكي يعتدل مزاجه - تراكمت أسقامه، واحتدمت آلامه، تماماً كمن يلقي في النار ما يزيدها اشتعالاً (حتى فتر معلله) يأساً من شفائه (وذهل ممرضه) عنه وعن أوجاعه (وتعايا أهله الخ) وحاروا في جواب السائلين عن عليلهم ماذا يقولون ؟ (وتنازعوا دونه وتنازعوا دونه شجي خبر يكتمونه). واو الجماعة يعود الى أهل المريض، وشجي خبر أي خبر مؤلم عن ذي حزن وألم، وهو المريض، والمعنى ان أهل المريض تناجوا في شأنه، وحاولوا جهدهم أن يخفوا عنه ما يتشاورون فيه من أمره حرصاً منهم على راحته.
(فقائل يقول : هو لما به) أي مأيوس منه، أو مجهول المصير (وممن لهم) أي جعلهم يتمنون ويأملون (إياب عافيته) ورجوع صحته الى سابق عهدها (ومصبر لهم على فقده) ويقول، إن هو إلا كأجداده وآبائه، وكلنا على الأثر (فبينا هو كذلك الى لسانه). إنه ذاهب الى غير رجعة، ولكنه قبل الوداع الأخير فوجىء بغصة وحشرجة في أنفاسه، قبضت لسانه وأطارت صوابه (فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده) يسأله السائل، وهو في حاله تلك، عن أشياء تهمه وتهم الوارث، فيفهم السؤال، ويعرف الجواب، ولكنه يعجز عن النطق به.
(ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصام عنه). المراد بالدعاء النداء أي ان بعض أحبائه يناديه باسمه، فيسمع النداء ومع هذا يتجاهل عجزاً عن الجواب (من كبير كان يعظمه) كوالده الحنون (أو صغير كان يرحمه) كطفله وفلذة كبده (وان للموت لغمرات ألخ).. وسكرات يعجز الوصف عن استيعابها أو ان الوصف يحيط بحقيقة الموت وأهواله كما لو كان بعلم الإمام وبلاغته، ولكن العقول لا تهضم ولا تصدق، لأنه فوق ما تدرك وتتصور.
وبعد، فإن الإنسان يمتلك من الطاقات ما ارتفعت به الى القمر كخطوة أولى الى غيره من الكواكب.. ومع هذا يعجز العلماء يعجز العلماء مجتمعين أن يردوا الروح الى
مكانها بعد أن تنطلق منه، أو يمنعوها من الانطلاق، ويحبسوها حيث هي وقد تحدى سبحانه بذلك كل جاحد ومعاند حيث قال في آخر سورة الواقعة «فلولا إذا بلغت الحلقوم ترجعونها ان كنتم صادقين» بأنه لا بارىء ولا خالق.. تأمل في هذا التحدي بلا جهل وعناد .. فإنه حجة دامغة كما هو موعظة بالغة.
إنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الذَّكَرَ جَلَاءِ الْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ المُعانَدَةِ. وَمَا بَرحَ لِلَّهِ - عَزَّتْ آلَاؤُهُ - فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ عِبَادُ ناجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ، وَكَلمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقْظَةٍ فِي الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ. يُذكرُونَ بِأيَّام الله، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الفَلَوَاتِ. مَنْ أَخَذَ القَصْدَ حَمِدُوا إلَيْهِ طَرِيقَهُ وَبَشِّرُوهُ بِالنَّجَاةِ. وَمَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَشِمَالاً ذَمُّوا إِلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَحَذَرُوهُ مِنَ الهَلَكَةِ، وَكَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ وَأَدِلَّةَ تِلْكَ الشَّبُهَاتِ (1). وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلاً
فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ تَحَادِمِ اللهِ فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ. وَيَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَيَأتَمرُونَ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيَتَنَاهُونَ عَنْهُ. فَكَأَنما قَطَعُوا الدُّنْيا إِلَى الْآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَكأنما أَطلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَحَ فِي طُولِ الْإِقَامَةِ فِيهِ، وَحَقَّقَتِ القِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عداتها. فَكَشَفُوا غِطَاء ذَلِكَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ، وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ (2).
اللغة :
الوقرة : ثقل السمع. والعشوة : ضعف البصر. والبرهمة : المدة الطويلة
والفترات : جمع الفترة أي الهدنة. والقصد : الاعتدال. والبرزخ : الحاجز وما بين الموت والبعث.
الإعراب :
ما برح من اخوات كان ترفع الاسم وتنصب الخبر، والله اسمها، وعباد خبرها، ومصابيح بدل من كذلك، وبدلاً حال وبدلاً حال من الهاء في أخذوه، والأيام مفعول به ليقطعون، لأنها مثل قطعت الخيط.
المعنى :
تلا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله تعالى : «يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ - 37 النور» وقال : (ان الله سبحانه وتعالى
جعل الذكر - الى - الى - المعائدة). قيل المراد بالذكر هنا القرآن، لقوله تعالى مشيراً اليه : «وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ - 51 الأنبياء». وهذا بعيد عن سياق الكلام الظاهر في كل ذكر يكون جلاء للقلوب، ويقظة للأسماع والابصار وليس من شك ان أفضل الذكر النضال في سبيل الحق، وجهاد المعتدين عليه، وليس هذا راجحاً فحسب، بل هو فرض لا يغني عنه صوم ولا صلاة ولا حج وزكاة.
(وما برح الله – الى - الأفئدة). قوله : «عزت آلاؤه» أي عظمت و کرمت نعمه ؛ وقوله : «في أزمان الفترات» أي الأزمنة الخالية من وجود الأنبياء، والمعنى ان الأرض قد تخلو من رسول ونبي حيناً من الدهر ولكنها لا تخلو إطلاقاً من العارفين بالله العاملين بخير، وهم الذين رأوا بحواسهم اليقظة، وأدركوا بعقولهم النيرة ان هذا الكون هو من صنع الله سبحانه، واستوحوا منه حكمته وعظمته، فخافوه واتقوا بطشه وغضبه. وأسند الإمام هذا الإدراك المصبب الى الله، لأنه مستوحى من الكون، وهو من خلق الله وآثاره، واليه وحده تنتهي سلسلة الأسباب مهما تعددت وتنوعت حتى الصورة التي يستوحيها الشاعر والرسام من أشياء الطبيعة وجمالها هي وحي من الله بالاعتبار الذي أشرنا اليه.
(يذكرون بأيام الله الخ).. أي بعدا به الذي صبه على من طغى في البلاد فأكثر فيها الفساد، والمعنى ان العارفين يذكرون ويهدون الخلق الى طريق الحق، والذكرى تنفع الضمائر الحية تماماً كما تنفع علامات الطريق السليم في الصحارى والنفار (من أخذ القصد حمدوا اليه طريقه الخ) من سلك طريق الهداية شجعوه وأثنوا عليه، وبشروه برضوان الله وثوابه، ومن انحرف بمنة ويسرة قموه، وأنذروه بعذاب يخزيه ويرديه (وكانوا كذلك الخ).. أئمة مهدون الى الحق، وبه يعملون، والمراد بالظلمات والشبهات الشرك وعبادة الأصنام ونحوها من التقاليد التي سادت في عصر المتقين القلائل.
(وان للذكر لأهلاً) وهم الذين وصفهم الإمام بيقظة الحواس والأفئدة و بالأدلة في الفلوات (أخذوه من الدنيا بدلاً الخ)... أدركوا ان الدنيا الى زوال، وان الآخرة خير لمن قدمت يداه من الخير، فسعوا له، لا سعيه، لا تلهيهم عنه تجارة ولا بيع، أو قيل وقال (يقطعون به أيام الحياة) لا يقتلون الوقت باللغو
والأباطيل، لأن الأيام تأخذ من الانسان أثمن ما يملك، فعليه أن يأخذ منها أغلى الأثمان وأعلاها. قال الإمام : ليس لأنفسكم ثمن إلا بالجنة، فلا تبيعوها إلا بها. وقال : لبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً، ومما لك عند الله عوضاً.
(ويهتفون بالزواجر – الى - يتناهون). يأمرون بالمعروف ويأتمرون به، وينهون عن المنكر، ويتناهون عنه، كما هو شأن المؤمنين حقاً لا شأن من يتاجر بالدين (فكأنما قطعوا الدنيا الى الآخرة هم في الدنيا وهم فيها الخ).. بأجسامهم، وفي الآخرة بأرواحهم وأهدافهم، نظروا الى هذه على انها دار البقاء والخلود، فأسسوا لها وبنوا، ونظروا الى تلك نظرة المسافر العابر، فتركوها لمن شاءها وأرادها لا ينافسونه في شيء من حطامها (فكأنما اطلعوا غيوب - الى - هداتها). البرزخ عالم ما بين الموت ويوم القيامة، والمعنى ان العارفين بالله ينظرون بعين البقين والإيمان الى عالم البرزخ فيرون كل ما وعد الله به من ثواب الأخيار، وعذاب الأشرار، ومن أصدق من الله حديثاً ؟.
(فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا). أخبروهم بما يحدث لهم بعد الموت لعلهم يتقون (حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون) يتحدث العارفون بالله عن عالم البرزخ كأنهم فيه بجميع حواسهم وشعورهم بصراً وسمعاً وعقلا وقلباً، أما أهل الدنيا فهم مع الآخرة بالسمع لا بالعيان ولا بشيء من الشعور والاتعاظ.. وقال ابن أبي الحديد : كأن الإمام يشرح هنا ما قاله في مكان آخر : «لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً».
فَلَوْ مثَّلتُهُمْ لِعَقلِك فِي مَقاوِمِهِمْ المَحْمُودَةِ، وَمَجَالِسِهِمُ المشهودَةِ وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ، وَفَرَغُوا لِلْحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَنْ كُلِّ صَغِيرَةِ وكبيرَةٍ أَمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيهَا، وَحَمْلُوا ثِقَلَ أَوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ فَضَعُفُوا عَنِ الاستقلال بِها فَنَسْجُوا نشيجا
وَتَجَاوَبُوا تجيبا. يَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَاوِم نَدَم وَاعْتِرَافِ لَرَأَيْتَ أعلَامَ هُدَى، وَمَصَابِيحَ دُجى. قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَأَعِدَّتْ لَهُمْ مَقاعِدُ الكرامَاتِ فِي مَقام أَطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ يَتَنَسمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ. رَمَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ. جَرَحَ طُولُ الأَسَى قُلُوبَهُمْ، وَطُولُ البُكَاءِ عُيُونَهُمْ. لكل بَابِ رَغْبَةٍ إلى اللهِ مِنْهُمْ يَد قَارِعَةٌ يَسْأَلُونَ مَنْ لَا تَضِيقُ لَدَيْهِ المَنَادِحُ وَلَا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ. فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنفُسِ لَهَا حَسِيبُ غَيْرُكَ (3).
اللغة :
مقاوم : جمع مقام. ويتنسمون : يتنفسون أو يشمون. والمنادح : المندوحة أي السعة والفسحة/
الإعراب :
نجياً مفعول مطلق لتجاوبوا من غير لفظه، ولرأيت جواب لو مثلتهم، ورهائن خبر مبتدأ محذوف أي هم رهائن، ولكل باب خبر مقدم، ويد مبتدأ مؤخر.
المعنى :
(فلو تمثلتهم لعقلك - الى - لرأيت أعلام هدى). لأهل الله مجالس
وخلوات يحاسبون فيها أنفسهم : هل تركت واجباً، أو ارتكبت محرماً ؟. ويشهدون عليها بالكسل والتقصير في جنب الله والحق، الله والحق، ويصنفونها بكل جارح ومؤلم.. وما أخدت المسكينة من الدنيا شيئاً، ولكن مطامح الاتقياء الى الفوز برضوانه تعالى ليس لها حد محدود، ومن أجل هذا يستجيرون بكرم الله أن يرحم ويغفر، ولا شك ان هذا الطموح والحساب الدقيق مصدره الخوف من سواد الوجه عند الله، ولا مصدر لهذا الخوف إلا العلم بالله وعظمته.
ولعلمهم بالله وخوفهم منه (قد حفت بهم الملائكة). هذا كناية عن عظيم منزلتهم عند الله وملائكته ورسله وخالص المؤمنين (تنزلت عليهم السكينة الخ)... المراد بالسكينة هنا الاطمئنان والرحمة والكرامة والنعمة، وبكلمة واحدة : السعادة كما هي عند الله، والمعنى ان من يعيش ويحيا في الإيمان بالله وحده، ويلتزم هذا الإيمان في جميع أقواله وأفعاله كهؤلاء العارفين، ان من كان كذلك لا بد أن ينتهي الى السكينة بالمعنى الذي أشرنا اليه (فرضي) الله (سعيهم) لأنه خالص لوجهه الكريم (يتنسمون بدءاله روح التجاوز) عن تقصيرهم فيما كانوا يطمحون اليه من طاعة الله ومرضاته.
(رهائن فاقة الى فضله) أي يشعرون بالحاجة الى رحمة الله تعالى مهما عملء واجتهدوا (وأسارى ذلة لعظمته) لا يرون لهم حولاً ولا قوة إلا بالله وحده (جرح طول الأسى الخ).. يحزنون ويبكون خوفاً من الحساب والجزاء لكل باب الخ (يقرعون كل باب، ويسلكون كل سبيل يوصلهم إلى الله سبحانه (يسألون من لا تضيق عليه الخ).. يسألون من عنده خزائن الأرض والسموات. ونيل المطالب والحاجات، ويستغنى به، ولا يستغنى عنه عنه. وتقدم مثله في الخطبة 89.
(فحاسب نفسك لنفسك، فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك). ما لك ولعيوب الناس وأخطائهم ؟ وهل أنت في عصمة من الخطأ والخطيئة أو أنت وكيل على غيرك وحسيب لا والله سبحانه يقول لسيد الكونين : «وَمَا
جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ - 17 الأنعام». عليك أن تراقب وتحاسب نفسك بنفسك، لتقف بين يدي الله طاهرة من دنس الذنوب والآثام، وأن تكون لها قائداً لا مقوداً، ومدرباً لا مستعبداً، ولا تتغافل عنها أدنى تغافل.. وإلا جمحت بك من حيث لا تشعر. وتقدم مثله في الخطبة 138.
أدحَضُ مَسؤول حجَّةً، وَأَقْطَعُ مُغْتَرّ مَعْذِرَةً. لقد أبرح جهالة أَبْرَحَ جَهَالَةً بنَفْسِهِ. يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا جَرَّأَكَ على ذَنْبِكَ، وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ومَا آنَسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ. أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولُ. أَمْ لَيْسَ مِن نومتِكَ يَقظَةٌ. أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ. فَربّما تَرَى الصَّاحِيَ لِحِرِّ الشَّمْسِ فَتَظِلُّهُ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِألَم يمض جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ، فَا صَبْرَكَ عَلى دَائِكَ، وَجَلدَكَ عَلى مُصابك وعَذَاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلى نَفْسِكَ، وَهِيَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكَ، وَكَيْفَ لا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نقْمَةٍ وَقَدْ تَوَرّطت بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَواتِهِ. فَتَدَاوَ مِنْ دَاء الْفَتْرَةِ في قَلْبِكَ بِعَزِيمةٍ، وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بيقظة (1). وَكُنْ لِلَّهِ مُطيعاً، وَبِذِكْرِهِ آنسا. وتمثل في حال تولّيك
عَنْهُ إقْبَالَهُ عَلَيْكَ يَدْعُوكَ إلى عَفْوِهِ وَيَتَعَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ وَأَنتَ مُتَوَلٍّ عنه إلى غَيْرِهِ. فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٌّ مَا أَكْرَمَهُ، وَتَوَاضَعَتَ مِنْ ضَعِيف مَا أَجْرَاكَ عَلى مَعْصِيَتِهِ وَأَنتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ، وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ متقلّب. فَلَمْ يَمَنَعَكَ فَضْلَهُ وَلَمْ يَهْتِكَ عَنْكَ سِتْرَهُ، بَلْ لَمْ تَخلُ مِنْ لطفِهِ مَطْرَفَ عَيْنِ، فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ، أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ. أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُها عَنكَ. فَمَا ظَنَّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ ؟ وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هذِهِ الصَّفَةَ كَانَتْ فِي مُتفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ، مُتَوَازِبَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ لَكُنتَ أَوَّلَ حَاكِم عَلى نَفْسِكَ بِذَمِيمٍ الْأَخْلَاقِ وَمَسَاوِي الْأَعْمَالِ (3).
اللغة :
أدحض : أشد دحضاً أي بطلاناً. وأقطع : أشد قطعاً أي بعداً وإبانة وأبرح : أعجب أو أشد. وانسك : ضد أوحشك. والبلول : الشفاء من المرض. والضاحي : من أصابته الشمس. ويمض : يؤلم ويوجع. وجلدك : صبرك أي جعلك صابراً. وتورطت : وقعت فيما لا خلاص لك منه. والكرى : النعاس، وليس النوم كما ظن بعض المعلقين. والكنف : الظل والجانب.
الإعراب :
أدحض خبر لمبتدأ محذوف أي الانسان أو هو أدحض، وحجة تمييز، ومثلها معذرة وجهالة. وما جرأك «ما» للاستفهام مع الإنكار، ومحلها الرفع بالابتداء وجملة ما بعدها خبر، فلربما اللام زائدة، و (ما) كافة، ورحمة مفعول من أجله لتبكي، وكيف حال أي على أي حال لا يوقظك خوف، ومطرف نصب على الظرفية، لأن الأصل قدر مطرف.
تلا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله تعالى : «يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم»، وقال : (أدحض مسؤول - الى نفسه). أبداً لا حجة ولا عذر لك أيها المتجرىء على معصية الله، وما أنت إلا جاهل مغرور وقال قائل : إن الذي أغراه بالمعصية قوله سبحانه : «ما غرك بربك الكريم» حيث ألهمه الجواب وعلمه أن يقول غداً اذا سئل عن ذنبه : غرني حلمك وكرمك!... وهذا خطأ، لأن الله سبحانه لا ينهى عن المعصية، ثم يغري بها.
أما الإمام فإنه يفسر الكرم في الآية بالحلم والإمهال، وانه تعالى يمهل ولا يهمل أي لا يعجل العقوبة، وإلا ما ترك على ظهرها من دابة.. انه بعد.. انه يمد للعاصي، وينعم عليه، عسى أن يؤوب الى رشده، ويرجع عن غيه، وعليه يكون معنى الآية : لا تغتر أيها الانسان يحلم الله وسكوته عنك، فإن هذا تأنيب لك واختبار. وأجل ما قرأت في هذا الباب مناجاة للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال فيها من جملة ما قال :
«سبحانك ما أعجب ما أشهد به على نفسي، وأعدده من مكتوم أمري، وأعجب من ذلك أناتك عني، وإبطاؤك عن معالجتي، وليس ذلك من كرمي عليك، بل تأنيباً منك لي، وتفضلاً منك علي، لأن أرتدع عن معصيتك المسخطة، وأقلع عن سيئاتي المخلفة، لأن عفوك عني أحب اليك من عقوبتي».
(يا أيها الانسان ما جرأك – الى - هلكة نفسك). الإمام يشعر بآلام الناس، ويتوجع لها ولهم، حتى عذابهم في الآخرة يشفق عليهم منه، بل توجعه لهم من أجل هذا أشد وأعظم لأنه أقسى وآلم.. ومن أجل هذا خاطب من من يستهين بمعصية الله، خاطبه بلسان الشفيق الناصح، ونهاه بأسلوب السؤال والاستفهام : كيف أعرض عن خالقه، وصرف وجهه عن دعوته، وطلب النوال من غيره ؟ وما الذي جرأه على هذا الضلال والاستسلام للتهلكة ؟.
(أما لدائك بلول الخ).. الى الى متى هذا التمادي في الغي ؟ ألا تفيق من نشوتك ؟ (أما ترحم نفسك - الى - أعز الأنفس عليك). عجباً منك !. ترى غريقاً فتسعفه، أو متألماً من لفحة الهجير فتظلله، ثم لا تقي تقي نفسك من عذاب الحريق، وأنت تملك القدرة على خلاصها وسلامتها ؟ ما شأنك ؟ هل
ران على بصرك وبصيرتك، أم أنت في غنى عن نفسك ؟ ولو كنت على شيء من الوعي لبكيت عليها دماً (وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة) ومن الذي يعصمك من الله إن أراد يك سوءاً ؟ وهل أخذت منه عهداً وأماناً ؟ : «وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ - 4 الأعراف». (وقد تورطت بمعاصيه الخ) أي تصديت لغضب الله وعذابه، فادفعه عنك إن كنت ذا قوة وطول.
(فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة الخ).. المراد بالفترة هنا الفتور وعدم العزم والنشاط بقرينة قوله «بعزيمة» والمعنى كن يقظاً ونشيطاً، ولا تكسل في طاعة الله، وتستوحش من ذكره (وتمثل في حال توليك عنه إقباله عليك). أنت تعرض عن الله لاهياً بملذاتك وشهواتك، وهو يُقبل عليك بفضله وإحسانه.. تضور حالك ووضعك هذا بينك وبين نفسك عسى أن تكف وتهتدي (يدعوك الى عفوه) أي الى التوبة وطلب العفو، لأن عفوه تعالى عن ذنبك أحب اليه من عذابك: «مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ - 147 النساء».
(ويتغمدك بفضله، وأنت متول عنه الى غيره). أهذا جزاء من غمرك بالإحسان : تأكل رزقه، وتعبد غيره.؟ فأين الوفاء والحياء ؟ (فتعالى – الله - من قوي ما اكرمه) !. نقصر في طاعته عمداً، وننتهك حرماته قصداً، ومع هذا يحلم ولا يعاجل.. سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (وتواضعت من ضعيف – الى - يصرفها عنك) الخطاب للإنسان، وتواضعت : من الضعة والحقارة، والمعنى من أنت أيها الجاهل الوضيع حتى تجرأ على الله، وتخالفه في أمره ونهيه ؟ فكم من نعمة أسداها اليك، وخزي ستره عليك، ومكروه دفعه عنك، كل هذا، وأنت متماد في الغي والضلال (فما ظنك به لو أطعته) وطلبت منه الرضوان والأمان، فإنه يعطيك ما أملت، ويزيدك من فضله.. انه واسع انه واسع رحيم.
(ولو ان هذه الصفة) وهي الإساءة للمحسن (كانت في متفقين الخ.. قوة وقدرة، لكنت أول حاكم على نفسك بذميم الأخلاق، ومساوىء الأعمال) لأنك أسأت لمن أحسن اليك، فكيف والذي أحسن اليك خالقك وخالق الكائنات ؟. وقيل : ان القدرة أشد وأعظم من القوة، ولذا جاء في القرآن الكريم : ان الله على كل شيء قدير. وليس فيه على كل شيء قوي وفيه ان الله قوي عزيز.
وبعد، فهذا هو اسلوب أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التربية والتعليم، ومكافحة الضلال والفساد.. انهم يخلقون الشعور بالمسؤولية في نفس الإنسان ليكون له رادع من الداخل لا من الخارج فقط، وكلنا يعلم ان المسؤولية هي التي تدفعنا الى العلم والعمل، وبناء الحضارة والمدنية، والخضوع لصالح الجماعة، والتعاون على الخير ودفع الشر، وصيانة الحقوق واحترامها، ومن أقوال الإمام : «من كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ» أي من الفوضى ومجاوزة الحدود وقد اختلف العلماء والفلاسفة في تعريف الانسان وتحديد هويته، وفي رأينا انه الحيوان الوحيد الذي يشعر بالمسؤولية، أو الذي ينبغي أن يشعر بها.
وحَقًّا أَقُولُ مَا الدُّنْيَا غَرَّتُكَ وَلكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ. وَلَقَدْ كَاشِفَتَكَ العِظَاتُ وَآذَنَتْكَ عَلى سَوَاء. وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ البَلَاءِ بِجسْمِكَ والنقص في قُوَّتِكَ أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ أَوْ تَغُرَّكَ. وَلَوُبٌ ناصح لَهَا عِندَكَ مُتَّهم، وصَادِقٍ مِنْ خَبَرهَا مُكَذَّبُ. وَلَئِنْ تَعَرَّفْتَها فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ وَبَلَاغ موعظتِكَ بَمحلةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ وَالشَّحِيح بِكَ. وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يرضَ بِهَا دَاراً، وَمَحَل مَنْ لَمْ يُوطّنها محلاً. وَإِنَّ السُّعَدَاء بِالدُّنيا غداً هم الهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ (3). إِذَا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ. وَحَقَّتْ بِجَلَائِلها الْقِيَامَةُ. ولحق بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ، وَبِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ، وَبِكُل مُطَاعِ أَهْلُ طَاعَتِهِ، فَلَمْ يُجْزَ فِي عَدْلِهِ وَقِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي
الهَوَاءِ، وَلَا هَمْسُ قَدَمَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَكُمْ حَبَّةٍ يَوْمَ ذاك دَاحِضَةٍ، وَعَلَائِقِ عُذْرٍ مُنقَطِعَةٍ. فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ، وتثبتُ بهِ حُجَّتُكَ. وَخُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِما لَا تَبْقَى لَهُ. وَتَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ. وَشِمْ بَرْقَ النَّجَاةِ. وَارْحَلْ مَطَايَا التَّشْمِيرِ (4).
اللغة :
آذنتك على سواء : أعلمتك على عدل. وتعرفتها : طلبت معرفتها. ويوطنها : يتخذها وطناً. والراجفة : النفخة التي تموت منها الخلائق. وحقت : وقعت و جلائلها : عظائمها. ومنسك : موضع النسك أي العبادة. والعلائق : جمع العلاقة. وتحر : البحث واطلب ما هو أحرى بك. وشم : من شام البرق اذا نظر اليه. وأرحل المطايا : إذا شد على ظهرها للرحيل. والتشمير : الجد.
الإعراب :
حقاً صفة لمفعول مطلق محذوف أي أقول قولاً حقاً، والعظات بالرفع فاعل كاشفتك، وبالنصب على حذف الخافض أي بالعظات، والفاعل ضمير مستتر يعود الى الدنيا، ولرب اللام للتوكيد، ومحلاً مفعول ثان ليوطنها، لأن الفعل متضمن معنى يتخذها، وقيل محلاً تمييز ومثلها دارا، وقيل محلا تمييز ومثلها دارا، و كم خبرية، ومحلها الرفع بالابتداء، وداحضة خبر، ويوم ذاك متعلق بداحضة.
المعنى :
(ما الدنيا غرتك الخ).. لأن كل ما فيها عظات وعبر، ولا عمر، ولا يعمى عنها إلا أعمى، ولا يغتر بها إلا ضال عن الهدى (وآذنتك على سواء) أي اعلمتك حقيقتها صدقا وعدلاً، وهذا من الأساليب القرآنية، قال تعالى : «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ - 109 الأنبياء» أي أديت ما علي بأمانة، وما تركت
لكم من عذر (ولهي بما تعدك – الى - تغرك). كل ما أصابك ويصيبك من مرض وفقر ونكبات فقد أنبأتك الدنيا به سلفاً بما رأيت وسمعت مما حدث لغيرك من العبر، ولكنك لم تعتبر، وأخذتك العزة بالإثم، وظننت انك قوي لا يُضام.
(ولرب ناصح لها عندك متهم). المراد بالناصح هنا ما يحدث في الحياة الدنيا من عبر وعظات، وضمير لها يعود للدنيا، واللام في الها للاختصاص مثل هذا الشعر لفلان، والمراد بالتهمة الاعراض عن النصيحة، والمعنى ان الدنيا تنصح وأنت لا تسمع. ومن أقوال الإمام : الاعتبار منذر ناصح، أي ما يحدث لغيرك هو خير مرشد لك (وصادق من خبرها مكذب) عطف تفسير، لأن المعنى لا تصدق من صدقك (ولئن تعرفتها - الى - الشحيح بك). لو درست أحوال الماضين بإمعان، واتعظت بما أصابهم - لوجدت الدنيا أشفق عليك من أمك وأبيك ما ألقت عليك من دروس نافعة لو كنت من الذين يعقلون
(ولنعم دار من لم يرض بها داراً) أي نعم الدار غيرها، وهي الآخرة، أما الدنيا فبئست الدار هي (ومحل من لم يوطنها محلاً) عطف تفسير (وان السعداء بالدنيا غداً هم الهاربون منها) أي العاملون للآخرة لا للدنيا فقط (اذا رجفت الراجفة - الى - بحقه). قوله : «فلم يجز» جواب إذا رجفت، والمراد بخرق البصر وهمس القدم أن ما من شيء له أثر في الحياة الدنيا إلا ويجري عليه الحساب والجزاء عند الله حتى ولو كان طرفة عين أو وطء قدم، والمعنى إذا قامت القيامة بأهوالها، ولحق كل عابد بمعبوده، وكل تابع بمتبوعه - فلا يسوغ إلا الحق، ولا يجري إلا العدل : «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ - 8 الزلزلة».
(فكم حجة يومذاك داحضة) كما قال سبحانه : «فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ - 57 الروم» لأنهم ظلموا وأفسدوا بعد قيام الحجة عليهم بالبيان والنهي عن الفساد والإفساد (وعلائق عذر منقطعة). العذر هنا بمعنى الحجة، وانقطاع العلاقة بينه وبين أفعال الغاوين معناه إبطال عذرهم ودحضه، وعليه يكون العطف للبيان والتفسير.
(فتحر من أمرك الخ).. عليك أن تنسجم في أقوالك وأفعالك مع الصدق والعدل، لتكون الحجة لك لا عليك فيما تقول وتفعل (وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له). الباقي الدار الآخرة، والفاني الحياة الدنيا، فخذ من هذه ما ينفعك
في تلك. ومثله في الخطبة 201 : خذوا من ممركم لمقركم (وتيسر لسفرك) هيء له الأسباب بصالح الأعمال (وشيم برق النجاة). استضيء بنور الهداية لتبلغ دار السلام (وارحل مطايا التشمير). تزود للرحيل بالإخلاص لله، والنصح لعباده.
ومرة ثانية نقول : ان غرض الإمام من هذه الخطبة وأمثالها - أن يكون للإنسان من نفسه على نفسه حسيب ورقيب فيما يفعل أو يدع، لأن هذا الرقيب أو هذا الشعور بالمسؤولية هو شعلة مباركة تهدي للتي هي أسلم وأقوم.
وَاللهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلى حَسَكِ السِّعْدَانِ مُسَهّداً، وَأجَرّ فِي الْأَعْلَالِ مُصَفّداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ العِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ. وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسِ يُسْرِعُ إلى البِلَى قُفُولُهَا، وَيَطُولُ في الثَّرَى حُلُولها. وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَهْلَقَ حَتَّى اسْتمَاحَنِي مِنْ بُرّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُور غُيْرَ الْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنما سُودَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِم وَعَاوَدَنِي مُؤكّداً وَكَرَّرَ عَلَى الْقَوْلَ مُرَدّداً فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي فَظَنَّ أني أبيعُهُ دِينِي وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طريقي، فَأَحَميْتُ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أذنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا فَضَجَّ صَحِيحَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلمهَا، وَكَادَ
أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا. فَقَلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ الثّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ، أَتَئن مِنْ حَدِيدَةٍ أَحَماهَا إِنْسَانُهَا لِلْعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ. أَتَئنْ مِنَ الْأَذَى وَلَا أَئنّ مِنْ لَظَى (1). وَأَعْجَبُ مِنْ ذُلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بممَلْفُوقَةٍ فِي وَعَائِها، ومَعْجُونَةٍ شَنئتُهَا كَأَنما عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّة أَوْ قَيْئِهَا، فَقُلْتُ أَصِلَةُ أَمْ زَكاةً أَمْ صَدَقَةٌ فَذَلِكَ مُحَرِّمُ عَلَيْنَا أَهْلَ البَيْتِ. فَقَالَ لَا ذَا وَلَا ذَاكَ، وَلكِنْها هَدِيَّةٌ. فَقُلْتُ هَبِلَتْكَ الهَبُولُ أَعَنْ دِينِ اللهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي، أَمُختبِط أنتَ أمْ ذُو جِهّةٍ أَمْ تَهْجُرُ. وَاللهِ لَوْ أَعْطِيتُ الأقالِيمَ السَّبْعَةَ بما تحت أفلاكها على أنْ أعْصِيَ الله في نملَةٍ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُ وَإِنْ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِن وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا، مَا لِعَلِي وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُبَاتِ العَقْلِ وَقُبْح الزَّلَلِ وَ بِهِ نَسْتَعِينُ (3).
اللغة :
السعدان : نبت له شوك. ومسهداً : ساهراً أرقاً. ومصفداً : مقيداً وقفولها : رجوعها أو فناؤها. وأملق : افتقر. واستماحني : طلب مني منحة وشعث الشعور : شعورهم متلبدة بالأوساخ. والعظلم : صبغة النيل. والقياد : حبل يقاد به. والدنف : المرض. والميسم - بكسر الميم وسكون الياء وفتح السين – المكواة وثكلتك : فقدتك. والثواكل والثاكلات : النساء. وشنئتها : كرهتها. والصلة العطية أو الرشوة. وهبلتك : ثكلتك. والهبول : الثاكلة. ومختبط : تتصرف
بغير هدى. وتهجر. : تهدو، وجلب الشعيرة : قشرتها. وتقصمها : تكسره بأسنانها.
الإعراب :
المصدر من أن أبيت مبتدأ، وأحب خير، وظالماً حال، ومثله شعث الشعور، لأن رأيت هنا بصرية لا تتعدى الى مفعولين، وكذا غير الألوان ومؤكداً ومردداً ومفارقاً، وصلة خبر لمبتدأ محذوف أي أهذه صلة، وما لعلي ؟ مبتدأ وخبر.
المعنى :
(والله لأن أبيت الخ).. كل انسان اذا خير بين التقلب على الأشواك والجر في الحبال والأغلال، وبين عذاب الحريق - يختار الحال الأولى لأنها أهون الشرين، سواء أكان المخير علياً أم معاوية والفرق أن علياً لو خير بين المبيت على الأشواك مع الجر بالأغلال والأصفاد الجر بالأغلال والأصفاد، وبين أن يملك الكون بأرم بأرضه وسمائه، ورجاله ونسائه على أن يظلم نملة في قشرة شعيرة - لفضل عذاب الدنيا ومرها على ظلم النملة فما دونها، وما ذاك إلا لعلمه بالله، وايمانه بالعدل، وزهده في الدنيا، وخوفه من عاقبة الظلم.
أما معاوية فحب الدنيا والسيطرة جزء من طبيعته وكيانه، من طبيعته وكيانه، والناس كلهم قطيع لعظمته وسلطانه، ولا شيء لمن يعترض ويقاوم إلا السيف أو السم في العسل أما حديث الآجلة فخرافة، أو لا يهم ما دامت العاجلة تاج وعرش.. وبكلمة ان معاوية لا يرى في الوجود إلا معاوية وابنه يزيد، ومن رأى غير هذين فله الموت، وحكاية «ان مات هذا فهذا، ومن أبى فهذا»، أشهر من تذكر، والإشارة الأولى الى معاوية، والثانية الى يزيد، والأخيرة الى السيف (1).
1) في العقد المريدج. ص 112 طبعة سنة 1953 : خطب يزيد بن المقفع في حضور معاوية وقال : أمير المؤمنين هذا، وأشار الى معاوية، فان هلك فهذا، وأشار الى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار الى السيف. فقال له معاوية : أنت سيد الخطباء.
وقد يكون معاوية مهذباً مع الآخرين الآخرين، بل وسخياً، ولكن على شرطه وهو أن تتفق أعمالهم مع أهدافه، أو لا تتصادم معها - على الأقل - قال العقادفي كتاب «معاوية» ص 57 طبعة 1966 : «كل دهاء يذكر لمعاوية فإنما يذكر الى جانبه رفد أو عطاء وولاية يستفيد منها من ينصره ولا ينخدع عنها في مبادلة النفع بينه وبينه، ولا جرم كان العطاء عماد هذا الدهاء، وكان نقش الخاتم الذي تختم به بعد ولايته : «لكل عمل ثواب». وتقدم الكلام عن سياسته في شرح الخطبة 120 فقرة : عشاق الكراسي.
(والله لقد رأيت عقيلاً - الى - لظى). قصة الإمام مع أخيه عقيل يعرفها القاصي والداني، وقد حكاها الإمام هنا بوضوح، والمفردات التي تحتاج الى تفسير ذكرناها في فقرة : اللغة. واذن فلا داعي للتطويل بلا طائل، وأكثر الذين كتبوا عن الإمام، أو الكثير منهم استشهدوا على صلابته في الحق بموقفه مع عقيل وآخر من ذكر هذا الموقف وأشاد به من المؤلفين الكاتب المصري الأستاذ عبد الكريم الخطيب - فيما نعلم - قال في كتاب «علي بن أبي طالب» ص 439 وما بعدها، الطبعة الأولى سنة 1967 :
«في موقف علي من أخيه عقيل ما يغني عن كل مثل يورد، وعن كل قول يقال، فعقيل هو شقيق علي الأكبر وبينها أخوة صادقة خالصة، لا تشوبها شائبة كدر أو جفوة، وبتلك الاخرة وبحقها جاء عقيل الى أخيه يسأله بعض المال الذي اقتضته الحياة منه، وقصرت يده عنه.. فقال له : مرحباً بك وأهلاً. ما أقدمك علينا.؟ قال: ركبنا دين عظيم، فجئت لتصلني. فقال له علي : والله ما لي مما ترى شيئاً إلا عطائي، فإذا خرج فهو لك.
فقال عقيل : أترى شخوصي اليك من أجل عطائك ؟.
فقال الإمام : أتريد أن يحرقني الله بنار جهنم في صلتك بأموال المسلمين ؟.. ثم أشار الخطيب الى قصة الحديدة.. فقال عقيل : والله لأخرجن الى رجل هو أوصل لي منك يريد معاوية. فقال له الإمام : راشداً مهدياً».
«ولما قدم عقيل على معاوية وصله بثلاثمئة ألف درهم.. وقال له : أنا أحسن
أم أخوك ؟ قال عقيل : أنت خير لي في دنياي، وأخي لي في ديني.. هذه بعض أمثلة الموقف علي من رجاله وأنصاره.. وقد تحول كثير وقد تحول كثير منهم الى جبهة معاوية بفعل هذه السياسة».
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم ان أصحابه من أهل الدنيا لن يستطيعوا معه صبراً وانهم تاركوه الى معاوية.. ولعل هذا من جملة الأسباب التي دعت الإمام أن يحقر الدنيا ويطلب في بيان مساويها، ويحذر الراغبين فيها من سوء المنقلب وكابته.. ومهما كان فإن الإمام لم يستكره أحداً على البقاء معه، أحداً على البقاء معه، أو يرضيه ويحابيه على حساب دينه وحساب المسلمين وكان يتوجه الى العقول والقلوب، ويخاطبها بمنطق الدين والضمير، ويبالغ في الوعظ والنصيحة، ويندر ويحذر من عذاب الله وغضبه، كما رأينا في خطبه، ثم يدع الناس وما يختارونه لأنفسهم، وهذه هي طريقة الرسول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والقرآن الكريم : «قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ - 105 الأنعام».
وعلى هذا الطريق سار الإمام مع أهله وجيشه وأنصاره، لا يمارس ضغطاً ولا يرشي ضميراً، ولا يتنازل عن حق أياً كانت الظروف والنتائج قيل له : إن جماعة من أصحابه أو رعيته الحقوا بمعاوية، فما زاد على قوله : «والله لم ينفروا من جور، ولم يلحقوا بعدل، ولم يلحقوا بعدل». هذا هو الإمام لا يبتغي من دنياه شيئاً، ولا يقيم علاقة قريب أو بعيد إلا على أساس العدل والحق أساس العدل والحق.. ولو ان أهل الأرض كانوا في جانب، والحق في جانب، لكان وحده مع الحق غير خائف ولا مستوحش، وبهذا سطر الإمام صفحات جليلة في تاريخ الاسلام والمسلمين، وصدق من قال : «لو لم يسر علي سيرته المثالية أكانت تبقى تلك الجذوة مشتعلة و كامنة في النفوس ؟ إن علياً لعب دوره الجليل كأعظم ما يلعب الانسان الفائق دوره في التاريخ».
(واعجب من ذلك طارق) وهو الأشعث بن قيس رأس المنافقين في أصحاب الإمام تماماً كعبد الله بن أبي بن سلول في أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). (طرقنا بملفوفة)
من الحلوى (في وعائها وضعت في وعاء مغطى، كما هو المعتاد (ومعجونة شنئتها) المعجونة هي الملفوفة، وشنئتها كرهتها (كأنما عجنت بريق حية أو قيثها). هذا بيان لشدة الكراهية والنفرة من حلوى الأشعث، وانها تماماً كالسم الناقع في جوف الأفعى.
(فقلت : أصلة) ورشوة تتوصل بها الى غاية دنيئة وخبيثة من غاياتك (أم زكاة) مفروضة عليك (أم صدقة فذلك محرم علينا أهل البيت). الرشوة عطاؤها وأخذها إطلاقاً على أهل البيت وغيرهم، والزكاة حرام على كل هاشمي إلا إذا كانت من هاشمي مثله، والمراد بالصدقة هنا ما كان ندباً لا فرضاً بدليل مقارنتها مع الزكاة المفروضة. وللفقهاء في هذه الصدقة قولان : الأول : أنها تجل لكل هاشمي سواء أكان من أهل البيت، أم من غيرهم. القول الثاني تحرم على أهل البيت فقط، وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أما غيرهم من الهاشميين فلا تحرم عليهم صدقة الندب. وظاهر قول الإمام هنا يعزز هذا الرأي ويؤيده. وعلى أية حال فلا جدوى من النقاش في هذا الموضوع، لأن أهل البيت الآن عند الرفيق الأعلى.
(فقال : لا ذا ولا ذالك، ولكنها هدية) وهي حلال لجميع الناس (فقلت : هبلتك الهبول) ثكلتك أمك (أعن دين الله أتيتني لتخدعني) فيه إيماء الى أن الأشعث كان قد طلب من الإمام أمراً لا يحل له، وانه حاول أن يستميله بحلواه، فزجره الإمام ووبخه بقوله : (أمختبط أنت). تخبط خبط عشواء أي تتصرف على غير بصيرة (أم ذو جنة) بك مس من الجنون (أم تهجر) تقول بلا خيرة، وتهرف مما لا تعرف.
(والله لو أعطيت الأقاليم السبعة الخ).. يزهد الإمام في الكون بجميع أقاليمه طلباً لما هو أكثر وأعظم، ورغبة في ثواب الله ورضوانه، ويدل على ذلك بوضوح قوله : (على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت (لأن الكون بما فيه غضب الله ما هو بشيء، والمبيت على حسك السعدان والجر بالأغلال مع مرضاته تعالى هو كل شيء.
أليس هذا عين الطموح والرغبة فيما هو أجل وأعظم من الأقاليم السبعة ؟ وهل تقدر مرضاة الله بشيء ؟.. أبداً لا وزن لشيء عند الإمام، ولا يصدع رأسه
في التفكير بشيء إلا برضا الله، فهو وحده المثل الأعلى، والغرض الأسمى، وفيه وحده راحته وهناؤه وسعادته وما أبعد ما بين فلسفة الإمام هذه، والفلسفة البرجماتية الأمريكية التي تقول : لا حق ولا خير ولا جمال في الوجود، ولا مجتمع ومجتمعات، وانسان و انسانيات.. أبداً لا شيء على الإطلاق إلا ما يحقق لك النفح والنجاح بزيادة الدخل في هذه الحياة.
اللهُم صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَلَا تَبْذُل جَاهِي بِالْإِقْتَارِ فَأَسْتَرْزِقَ طَالِي رزْقِكَ، وَأَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ، وَأَبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي، وَأَفتَتَنَ بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي، وَأَنتَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الْإعْطَاء والمنع «إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
اللغة :
صن : احفظ واستر. واليسار : الغنى. والإقتار : الفقر. واسترزق : أطلب الرزق. وافتتن : ابتلى.
الإعراب :
استرزق منصوب بأن مضمرة بعد الفاء، ونُصب الفعل الذي بعده للعطف، عليه، وولي خبر أنت، ومن وراء متعلق به.
المعنى :
(اللهم اللهم صن وجهي باليسار، ولا تبذل جاهي بالإقتار). صيانة الوجه حفظه من التعرض للسؤال، وقديماً قيل : السؤال ذل ولو أين الطريق. وبذل الجاه السقوط عن درجة الاعتبار والاحترام. وليس من شك ان الفقر سبب للمزيد من هذا السقوط والانهيار. وفي الحديث : الفقر الموت الأحمر. وقال الإمام : الفقر يخرس الفطين عن حجته، والمقل غريب في بلدته.. الفقر في الوطن غربة.. الفقر الموت الأكبر لأكثر.. الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت وقال الإمام جعفر الصادق : ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال : رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب في مروءته.. ولذا كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يكرر القول في دعائه : اللهم ارزق محمداً و آل محمد الكفاف والعفاف.
وإنما كان الفقر رقة ومنقصة في الدين لأن النفس اذا احتاجت تعرضت لما لا يجوز، ودخلت مداخل الشر والسوء، واذا أحرزت قوتها سكنت واطمأنت. ومن هنا كان السعي للرزق ديناً، والتدبير عقلاً. وتقدم الكلام عن ادواء الفقر وأثره في المجتمع في شرح الخطبة 124 و 127.
(فاسترزق طالبي الخ).. الإمام لا يسترزق ولا يستعطف مخلوقاً على الاطلاق، ومهما كانت الظروف وتكون، ولا يمدح من لا يستحق المدح، وان أعطاه الدنيا بكاملها، ولا يذم من هو أهل للمدح، وان أساء لشخصه.. ولكنه أراد التعريض بمن يمدح ويقدح على أساس المنفعة والمصلحة الخاصة.
والجدير بالإشارة ان هذا الدعاء ورد بالحرف الواحد في الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين حفيد الإمام أمير المؤمنين، وهو قطعة من الدعاء المعروف بمكارم الأخلاق.
وبعد، فإن الاسلام يرى الفقر موتاً وكفراً، وبؤرة لكل رذيلة وجريمة، ولذا أعلن الثورة عليه وعلى الاحتكار، وعلى كل نظام أو عمل يؤدي الى الاستغلال والإفقار.
دَارُ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ. لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلَا تَسْلَمُ نُزَّالُها أَحوَالُ مُخْتَلِفَةٌ، وَتَارَاتٌ مَتَصَرَّفَةٌ. العَيْسُ فِيهَا مَذْمُومٌ وَالْأَمَانُ فِيهَا مَعْدُومٌ. وَإِنّما أَهْلُهَا فِيهَا أَعْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ تَرْمِيهِمْ بسِهَامِهَا وَتُفْنِيهِمْ بِحمَامِهَا. وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنكُمْ وَمَا أَنتُمْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ ممَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَارا وَأَعْمَرَ دِيَاراً، وَأَبْعَدَ آثاراً. أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً. فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ المُشَيَّدَةِ وَالنَّمَارِقِ المُمَهَّدَةِ الصُّخُورَ وَالْأَحْجَارَ المُسَنَدَةَ والقُبُورَ اللَّاطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ. ألَّتِي قَدْ بُنِي بِالْخَرَابِ فِنَاؤُهَا، وَشِيد بِالْتَرَابِ بِنَاؤُهَا. فَمَحَلُها مُقْتَرِبُ وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِب. بَيْنَ أَهْلِ محَلَّةٍ
موحشِينَ وَأَهْلِ فَرَاغِ مُتَشَاغِلِينَ لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْأَوْطَانِ، وَلَا يتواصلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ عَلى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْب الجَوَارِ وَذُنُو الدَّارِ. وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ وقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلكَلِهِ البِلى، وَأَكَلَتهم الْجَنَادِلُ والثَّرَى. وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إلى مَا صَادُوا إِلَيْهِ، وَارْتَهنَكُمْ ذلكَ المَضْجَعُ، وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ، فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بكم الأمور، وَبُعَثرَتِ القُبُورُ «هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إلى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَصَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ».
اللغة :
تارات : جمع تارة، وهي الحين والمرة. والمارق : الوسائد يستند اليها، وتعلق النمرقة على البساط. واللاطئة : اللاصقة، واللاطئة : اللاصقة، والملحدة : جعلوا في القبور لحوداً. وفناؤها - بكسر الفاء - ساحتها. والكلكل : صدر البعير. والجنادل : الصخور.
الإعراب :
دار خبر لمبتدأ محذوف أي هي دار، وأحوال أي هي أحوال، وعلى سبيل خبر انكم، وأعماراً تمييز، ومثله دياراً وآثاراً، وموحشين صفة لأهل محلة، وكان مخففة، واسمها محذوف أي كانكم، وكيف بكم «كيف» خبر مقدم والباء زائدة و«كم» مبتدأ لأنها قائمة مقام أنتم، واشتبه بعض الشارحين في قوله : إن المبتدأ محذوف.
المعنى:
(دار بالبلاء محفوظة الخ).. كل ما في هذه الخطبة هو تكرار وإعادة لما
جاء في الخطب السابقة من ذم الدنيا وبيان كوارثها ومآسيها.. ولا نهاية لكلام الإمام عن الدنيا ما دام حبها والتعلق بها علة العلل للويلات والمشكلات.. وأيضاً لا ينتهي حب الناس للدنيا وتمسكهم بعروتها إلا من شد أياً كان الناهي والزاجر. فقد نهى القرآن الكريم عن الغش والنفاق والفتنة والبغي، وأمر المؤمنين بالاتحاد والاعتصام بالله جميعاً، وقال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، ومع هذا يغش المسلمون بعضهم بعضاً، وقد ضرب بعضهم رقاب بعض بالأمس البعيد والقريب، والآن تقوم الحرب والمذابح بينهم في باكستان والأردن واليمن.. ولكن هذا لا يمنع من النهي عن الفساد في الأرض، القيام الحجة من جهة، وعسى أن يفيء الباغي الى رشده من جهة، وإن ضعف الأمل.
هذا فيما يعود الى تكرار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما فيما يعود إلي شخصياً كشارح ومفسر فلا جديد لدي أشرح به هذه الخطبة بعد الذي قلته فيما سبق اللهم إلا أن ألخص ما جاء في بعض الشروح بما يلي :
ذكر الإمام في هذه الخطبة العديد من مساوىء الدنيا : أولها ان البلاء يحف
بها من كل جانب. وثانيها : أنها معروفة بالغدر. وثالثها : إن أحوالها متقلبة ورابعها : إن أهلها يموتون. وخامسها : انها تتغير من حال لآخر. وسادسها : ان عيشها مذموم. وسابعها : انه لا أمان فيها. وثامنها : إن أهلها هدف للبلايا والرزايا.. الى غير ذلك. ويمكن تلخيص هذا التلخيص بكلمة واحدة : «وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور».
(وكيف بكم لو تناهت الخ).. قال أهل العلم بالله وعدالته : إن للانسان قيامتين : صغرى وكبرى، والأولى عالم البرزخ، ويبتدىء بالموت، وينتهي بالبعث، وفي هذا العالم نوع من الثواب والعقاب، ولكن لا على سبيل التوفية الكاملة والحكم النهائي المبرم، أما القيامة الكبرى فتبتدىء حيث تنتهي القيامة الصغرى أي من البعث الذي يرد الله فيه الأرواح الى الأجساد، ويبعثها الى جنة أو الى نار، وهذا البعث أو المعاد هو دار القرار، وفيها يتم الحساب وتوفية الثواب أو العقاب، وينتهي كل شيء... قال سبحانه : «وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - 180 آل عمران» أي انكم في البرزخ وغرفة الانتظار تعاملون بما كنتم تعملون الدنيا، ولكن كعربون أو بشارة.. أما التوفية الكاملة، والجزاء أما التوفية الكاملة، والجزاء التام فيوم القيامة
وقد حث الإمام في هذه الخطبة على العمل والاستعداد للقيامة الكبرى التي توفى فيها كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون لا يظلمون.. وتساءل الإمام وتساءل الإمام : ماذا تصنعون آنذاك إذا كنم عزلاً من كل سلاح.. أنتم الآن على مفترق الطرق، وعليكم أن تختاروا لأنفسكم السلامة والنجاة. وتقدم قوله في الخطبة 118 : اعملوا ليوم تذخر فيه الذخائر، وتبلى فيه السرائر، واتقوا ناراً حرها شديد، وقعرها بعيد، وحليتها حديد، و شرابها صديد.. ونختم هذه الكلمة بقول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «ان الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وان الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة».
اللهُمَّ إِنَّكَ أَنَسُ الْآنسِينَ لِأوْلِيَائِكَ. وَأَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكَّلِينَ عَلَيْكَ. تُشاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ، وَتَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ وَتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ. فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ. إنْ أَوْحَشَتُهُمُ الغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ، وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمُ المَصَائِبُ لجأوا إلى الاسْتِجَارَةِ بِكَ، عِلْماً بِأَنَّ أَزْمِّةَ الْأُمُورِ بِيَدِكَ، وَمَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ. اللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتِي، أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتِي فَدُلَّنِي عَلى مَصَالِحِي، وَخُذْ بِقَلْبي إِلَى مَرَاشِدِي، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُكْرٍ مِن هِدَايَاتِكَ وَلَا يبدع مِنْ كِفَايَاتِكَ. اللَّهُمَّ أَحْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ وَلَا تحملني على عذلك.
اللغة :
آنس: أشد انساً. وتلهف عليه : حزن وتحسر، و به استغاث، واليه اشتاق. وفههت : عييت وعجزت عن البيان.
الإعراب :
علما مفعول من أجله للجأوا، والمصدر المنسبك من ان أزمة الخ مجرور بالباء، ومتعلق بـ«علما» ونكر خبر ليس، والباء زائدة.
المعنى :
(اللهم انك انس الآنسين لأوليائك). ان أولياء الله سبحانه يرتاحون ويأنسون بطاعته تعالى ومناجاته، وهو أيضاً يزيدهم أنساً بذلك : «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى - 17 محمد» (وأحضرهم بالكفاية للمتوكلين عليك) وأيضاً يُغني ويكفي من توكل عليه، لأنه خير من كفى وأغنى. (تشاهدهم - الى - مكشوفة). هو سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ولما رآهم أصفياء أنقياء شملهم ببره وإحسانه (وقلوبهم اليك ملهوفة). وإذا التهفت القلوب وأخلصت أذعنت الجوارح وخلصت الأعمال من الشوائب، لأن القلوب هي المصدر والمنبع، ومن هنا أسند سبحانه طاعته وتعظيم شعائره الى تقوى القلوب حيث قال : عز من قائل، في الآية 32 من سورة الحج : «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ».
(ان أوحشتهم الغربة الى - قضائك). انهم يعلمون ويؤمنون بأن كل شيء في الكون من الذرة الصغيرة إلى المجرات الكبيرة - تسير على أساس وقانون، وان المسببات تناط بأسبابها، والنتائج بمقدماتها، ولكنهم الى جانب هذا العلم والإيمان المادي يؤمنون بأن الله هو المبدأ لكل شيء، واليه ينتهي كل شيء، وانه خلق الكون وأودع فيه الطاقات والأسباب.. ولذا يلتجئون اليه، وبه يتوسلون في المهمات وعند الملمات (اللهم إن فههت الخ).. أنت أعلم مني بحالي، وقد عجزت عن بيان حاجتي اليك، فاختر لي ما فيه خير وصلاح لدنياي وآخرتي (فليس ذلك بنكر من هدايتك) كيف وأنت خير مرجو، وأكرم مدعو ؟
(ولا يبدع من كفايتك) بعد أن تتابع برك، واتصل خيرك، وعظم فضلك.
(اللهم احملني على عفوك، ولا تحملني على عدلك). اذا كان الإمام يسأل الله العفو، ولا يطيق العدل فكيف بغيره ؟ وما من شك ان الله غني عن العالمين يعفو ويرحم إلا الوحش الكاسر الذي يظلم عباد الله، ويقسو عليهم بلا رحمة، وفي الحديث : من لا يترحم لا يُرحم. وقيل للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ان الحسن البصري يقول : ليس العجب ممن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا. فقال الإمام : أما أنا فأقول : ليس العجب ممن نجا كيف نجا، وإنما العجب ممن هلك كيف هلك مع رحمة الله التي وسعت كل شيء.
لله بلاء فَلَانٍ فَقَدْ قَوْمَ الْأَوَّدَ وَدَاوَى العَمَدَ. خَلَفَ الفِتْنَةَ وَأَقامَ السُّنَّةَ. ذَهَبَ نَفِي الثّوبِ، قَلِيلَ العَيْب. أَصَابَ خَيْرَهَا وَسَبَقَ شَرَّهَا. أدَّى إلى الله طَاعَتَهُ وَاتَّقَاهُ بِحَقِّهِ. رَحلَ وَتَرَكَهُمْ فِي طُرُقِ مُتَشَعّبَةِ لا يَهْتَدِي فِيهَا الضَّالُ وَلَا يَسْتَيْقِنُ المُهْتَدِي.
اللغة :
الأود : الاعوجاج : والعمد - بفتح العين والميم - المرض. وخلف الفتنة : مات قبل حدوثها. واتقاه بحقه : أدى الحق لصاحبه وقاية لمطالبته، وتركهم في طرق متشعبة : مختلفين، ولا يستيقن المهتدي : يجهل مصيره لكثرة الاختلاف.
الإعراب :
لله خبر مقدم، وبلاء أو بلاد مبتدأ مؤخر، والقصد المدح.
المعنى :
(لله بلاء - أو بلاد - فلان الخ).. قيل : المراد بفلان أبي بكر وقيل : عمر، وهو الأشهر، وأياً كان فإن الناس كانوا سعداء مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما سد فراغه أبو بكر ولا عمر، ولكن عهدهما كان أفضل من عهد عثمان الذي فتح على أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) باب «القتل والقتال الى يوم القيامة». فلا فتنة في عهد الشيخين، ولا خلافة موروثة، ولا كسروية وقيصرية، ولا طاغية يتخذ مال الله دولاً، وعباده خولاً.
وأي مسلم يفضل عهد الأمويين والعباسيين وأمثالهم على عهد الشيخين ؟ فلق-د استطاعا بسيرتهما في الخلافة أن يحظيا عبر التاريخ بالرضا من أكثر المسلمين، ولا يختلف اثنان في ان الإمام كان يرى انه الأولى والأحق منها بالخلافة، وأيضاً اختلاف في أنه كان يراهما أفضل من عثمان، وقد صارحه بذلك حين قال له - كما في الخطبة 162 - : «وما ابن أبي قحافة وابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك». وإذن فأية غرابة في قول الإمام : «لله فلان» : : وكتب ابن أبي الحديد حول هذه الخطبة 87 صفحة بالقياس الكبير.. واختصر شارح آخر مكتفياً بأربعين صفحة.
وبعد، فإن المهم في منطقي ومنطق أمثالي، ليس لأحد أن يحكم مع وجود الإمام... والأهم في منطق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يرضى الناس عن الحاكم، ولا يشكو منه فقير أو ضعيف، وقد أعلن ذلك بقوله : والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يك فيها جور إلا علي خاصة.
وبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُها، ومَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُها، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَى تداكّ الإبل الهيم عَلى حِيَاضِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ وسَقَطَتِ الرِّدَاء وَوُطِىء الضَّعِيفُ وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أن ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ وَهَدَجَ إِلَيْهَا الكَبِيرُ وَتَحَامَلَ نَحوَها العَلِيلُ وَحسَرَتْ إِلَيْهَا الكَعَاب.
اللغة :
تداككتم : تزاحمتم. والهيم: العطاش. وهدج : مشى مشياً ضعيفاً لكبر سنه. وتحامل : تكلف على مشقة وإعياء. والعليل : المريض. وحسرت : كشفت عن وجهها. والكعاب والكاعب : الجارية الناهد، قال سبحانه : «وكواعب أتراباً - 73 النبأ».
الإعراب :
فاعل بلغ محذوف، ومن سرور بيان له أي بلغ الحال من سرور الخ، والمصدر من ان ابتهج مجرور بمحذوف أي الى ابتهاج الصغير.
المعنى :
(وبسطم يدي فكففتها الخ).. قال الشريف الرضي.. قال الشريف الرضي : تقدم مثله بألفاظ مختلفة يشير الى ما جاء في خطبة الشقشقية والخطبة 90 وغيرهما. وفي شرح هاتين الخطبتين عرضت بالتفصيل ما أشار اليه الإمام هنا، ولا جديد لدي أعطفه على ما سبق سوى اني قرأت اليوم كلمة مطولة بعنوان «شرخ في خلافة المسلمين» بقلم الأستاذ سامي محمود نشرها في جريدة «أخبار اليوم» : المصرية تاريخ 21 - 10 - 1972، وفيها ما يناسب المقام، وهو قوله :
«عندما تولى عثمان أسرف على الناس وعلى أهله من بني أمية الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، فانتشر التذمر، وشاعت الفتنة فانتشر التذمر، وشاعت الفتنة، وقتل عثمان، أما علي هو وأبناؤه أحفاد رسول الله، فكان طريقهم معروفاً واضحاً مستقيماً لم يترددوا فيه، ولم يفكروا لحظة واحدة في دنيا يصيبونها، أو امرأة يتزوجونها، وانما كانت هجرتهم الى الله ورسوله.. أما معاوية فقد تكالب على الملك، وجعله في ذريته من بعده، وخالف أحكاماً كثيرة من تعاليم الاسلام، ولم يبال معاوية وبنوه من بعده بقتل حفيد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واستباحة مكة والكعبة، وإحلال المدينة المنورة لجنودهم ثلاثة أيام».
فَإِن تَقْوَى اللهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ، وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ. وَعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ، وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ. بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ، وَيَنجُو الهَارِبُ، وَتُنَالُ الرِّغَائِبُ. فَاعْمَلُوا وَالعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، وَالدُّعَاهُ يُسْمَعُ. والحَالُ هَادِئَةٌ، وَالْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ. وبادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً ناكساً، ومَرَضاً حابساً أَوْ مَوْتاً خَالِساً. فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ. ذَائِرُ غَيْرُ مَحْبُوبٍ، وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوب، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَطلوب. قَدْ أَعْلَقَتُكُمْ حَبَائِلُهُ وَتَكَنّفَتكُمْ غَوَائِلُهُ، وَأَقْصَدَتُكُمْ مَعَابِلُهُ. وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطُوتُهُ وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وَقَلَّت عَنْكُمْ نَبُوتُهُ. فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظللهِ، وَاحْتِدَامُ عِلَلِهِ. وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ، وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ
وَأَلِيمٌ إِزْهَاتِهِ، وَدجُوُّ اطباقِهِ، وَجُشُوبَةُ مَذَاقِهِ. فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسكَتَ نَجِيكُمْ، وَفَرَّقَ تَدِيّكُمْ، وَعَفَّى آثَارَكُمْ، وَعَطَّلَ دِيَارَكُمْ، وَبَعَث ورائكُمْ يَقْتَسِمُونَ وُرَاثَكُمْ بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصٍّ لَمْ يَنْفَعُ، وَقَرِيبٍ مَحْزُونِ لَمْ يَمَنَعْ، وَآخَرَ شَامِت لَمْ يَجْزَعْ (1).
اللغة :
المراد بالملكة هنا الرق بقرينة قوله : «عتق». وناكساً : راجعاً الى أرذل العمر لا إدراك ولا حراك تماماً كالطفل في المهد. وحابساً : مانعاً عن العمل وخالساً : خاطفاً. وطياتكم : منازل سفركم، وقيل : نياتكم ومقاصدكم والقرن - بكسر القاف - الكفؤ. والواتر : الجاني، والموتور من وقعت عليه الجناية. وتكنفتكم : أحاطتكم. وغوائله : مصائبه. ومعابله : جمع معبلة أي حديدة السهم والرمح وعدوته : عدوانه. وظلله : سحائبه وغيومه. والاحتدام : الاشتداد. والحنادس : الظلمات. وغمراته : شدائده. والغواشي : الطامات الغامرات. والإزهاق : الهلاك. والإرهاق : حمل ما لا يطاق. والدجو : الظلام. والجشوبة : الغلظة. والنجي: من تناجيه. والندي: المكان يجتمع فيه القوم.
الإعراب :
فكأن مخففة، وأصلها فكأنه، وبغتة مصدر في موضع الحال أي مباغتاً وآخر لا ينصرف، ولذا جر بالفتحة.
المعنى :
(فإن تقوى الله مفتاح سداد) وهو الصواب في القول والعمل (وذخيرة معاد) حيث الحساب والجزاء (وعتق من كل ملكة). تحرير من رق الشهوات
و (بها ينجح الطالب) ويفوز بثواب الله ومرضاته (وينجو الهارب) من العذاب والعقاب (وتنال الرغائب) عطف تفسير على ينجح الطالب. وتقدم الكلام عن التقوى مرات، وتحدثنا عنها بشيء من التفصيل في شرح الخطبة 189 فقرة «التقوى».
(والعمل يُرفع) الى الله سبحانه، فيقبله ويثيب عليه : «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ - 10 فاطر». (والتوبة تنفع) لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وتقدم الكلام عن التوبة في الخطبة 92 و 181 وغيرهما. (والدعاء يسمع) ما دمتم أحياء فتستطيعون أن تتضرعوا الله وتسألوه الرحمة (والحال هادئة) أي أنتم في حال تمكنكم من العمل لآخرتكم (والأقلام جارية) تكتب لكم ثواب ما تعملون من الصالحات.
(وبادروا بالأعمال الخ).. استبقوا الخيرات قبل أن تهرموا وتردوا الى أرذل العمر، أو يمنعكم المرض من الحركة أو يخطفكم الموت بغتة، ويحول بينكم وبين ما تقصدون. وقال فيلسوف : ان الانسان يدفن أجزاء نفسه باستمرار منذ ولادته الى يومه الأخير، لأن كل يوم يمر فهو في عالم الأموات، ومعنى هذا ان الانسان يشرع بالموت بمجرد ما يولد، وان الفترة التي يحياها إنما هي المدة التي تستغرق عملية الوفاة. وقال آخر : ان وجود الإنسان كآثار أقدام فوق الرمال. وسئل حكيم عن أخيه ؟ فقال : مات. قيل له : وما سبب موته ؟ فقال حياته. أي ان الانسان لا يموت لأنه يمرض أو هرم، بل لأنه حي فسبحان الحي الذي لا يموت.
(وقلت عنكم نبوته). الهاء في نبوته تعود الى الموت. ونبا السيف : لم يقطع، والمعنى ان دلائل الموت إذا ظهرت على الإنسان فإنها لا تخطىء إلا قليلاً ولكن سرعان ما يصحح الموت خطأه، وبكلمة الإمام ان الموت غالب غير مغلوب، وواتر غير مطلوب أي ان الموت يقتل دون أن يطالب بدية أو قصاص.
(فيوشك أن تغشاكم الخ).. إن سيف الموت مصلت فوق رقابكم يهددكم به في كل لحظة (فكأن قد أتاكم بغتة الخ).. وجعلكم جثثا هامدة باردة لا تصلح إلا للدفن والطمر، وبعده تخلو الديار، وتقسم الأموال الأموال.. وقائل يقول : رحمه الله، وآخر يقول : أبعده الله !. هذه هي لعبة الموت الانسان وطوبى لمن أعد له عدته.
وبعد، فإن كل واحد منا يتنازعه أمران : لذة الحياة الدنيا وروعتها، وهول
الموت وما بعده من ظلمات وآفات. ومن يحرص على سعادته في الحال والاستقبال فعليه أن يُدخل فكرة الموت في حياته كيلا يطغى ويتجاوز الحدود، وأيضاً يُدخل فكرة الحياة بعد موته كي يستعد لها ويقبل عليها آمناً مطمئناً. ولذا قال الإمام: «فعليكم بالجد والاجتهاد والتأهب والاستعداد».. الى آخر المقطع الآتي :
ولمناسبة الحديث عن الموت أشير إلى أمر لا يحسن السكوت عليه بحال، وهو أن الصهيونية تعمل جاهدة على التشكيك بالقيم الانسانية، وبكل دعوة تقوم على الصدق والعدل، وتنكر الزور والبغي، وتساوي بين الناس في الحقوق والواجبات. ذلك بأن لليهود - بوجه العموم - عقيدة عنصرية تعتبر انهم شعب الله المختار، وان غيرهم من الناس مسخر لخدمتهم ومصالحهم، وان لليهودي كل الحق أن يمتلك أي انسان في الشرق والغرب، ويفعل به ما يشاء تماماً كما يمتلك الحيوان.. وعلى هذا نصت التوراة بوضوح وصراحة في سفر التثنية الإصحاح السابع، وسفر العدد الإصحاح 31.
أما كتاب التلمود فيقول : «نحن شعب الله المختار نحتاج الى نوعين من الحيوان : نوع أعجم كالدواب والأنعام والطير، ونوع الحيوان الانساني، وهم سائر الأمم من أهل الشرق والغرب».
ولما كان القرآن والانجيل حرباً على هذه الوحشية الكاسرة، وعلى كل عنصرية قرر اليهود قتل عيسى ومحمد.. ولما عجزوا عن اغتيال رسول الله بالسم والقضاء على رسالته دسوا الأحاديث المكذوبة على لسانه، ثم طبعوا ألوف النسخ من القرآن بعد أن حرفوا الكثير من آياته حرفوا الكثير من آياته، واشتروا بعض المزيفين من أرباب العمائم للتشويه والتضليل باسم الدين.
وحين ظهر أمرهم وافتضح مكرهم سلكوا سبيلاً آخر أدهى وأحكم، اكتشفته، وأنا أقرأ جريدة «أخبار اليوم» المصرية تاريخ 21 - 10 - 1972،» 1972، وأحسب ان أحداً من القراء لم ينتبه اليه.. وهو أن اليهود - بحكم ما لهم من سيطرة ونفوذ على أجهزة الاعلام - نشروا في الصحف الغربية أن الكلاب في جزيرة «باربادوس» اذا قاربت الوفاة تذهب الى مقبرة خاصة لتموت فيها.. حتى كلاب الجزر الأخرى المجاورة تسبح المحيط وتتجه الى هذه المقدرة دون معرفة
سابقة بها، وتموت هناك كما أحبت وأرادت.
وأيضاً ان القطط في جزيرة «أوزيل» حين تشعر بدنو الأجل تسرع الى مقبرة معينة لتموت فيها بهدوء، وان القطط في هذه المقبرة تتعايش مع فيرانها بأمن وسلام، لأن القطط في شغل بالتفكير في الموت وأهواله عن الفئران !.
تنشر الصهيونية هذه الأباطيل والأضاليل في صحف غربية، وبلغة أجنبية ابعاداً للشبهة، وإحكاماً للخطة، ثم تصل هذه الصحف بطريق أو بآخر الى الكاتبين ومحرري الصحف في مصر وغير مصر، ويتلقفها بعضهم ويترجمها وينشرها عن قصد أو غير قصد، وهذا ما تريده الصهيونية وتهدف اليه عسى أن يصدق جاهل أو ذاهل فيشكك فيما نطق به القرآن وأكده بقوله : «وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ - 24 لقمان».
ونسأل : لماذا اختصت بهذه المنقبة والفضيلة كلاب باربادوس وقطط اوزيل دون غيرها من القطط والكلاب، ودون العالم كله منذ وجد الى اليوم ؟. وقال أهل الاختصاص والعارفون بطبائع الحيوانات : انها لا تخاف الموت إطلاقاً لأنها لا تشعر به، وان الانسان هو الحيوان الوحيد الذي يعرف انه سيموت، أما غيره من الحيوانات فإنه يشعر بذاته كموجود وكفى.
وبعد، فهل نحن في حاجة الى الحديث عن قطط اوزيل وكلاب باربادوس، أو الحديث عن توحيد الكلمة وإعداد العدة لتحرير أرضنا المحتلة.
فَعَلَيْكُمْ بِالْجِدٌ وَالاجْتِهَادِ، وَالتَّأهبِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَالتَّزَودِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ. وَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ المَاضِيَةِ والقُرُونِ الْخَالِيَةِ الَّذِينَ اخْتَلَبُوا دِرّتَهَا، وَأَصَابُوا فِرْتَها، وَأَفَنَوْا عدتها، وَأَخلَقُوا جدّتها. أَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجداثاً، وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً. لَا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَلَا يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ، وَلَا يُجيبُونَ
مَنْ دَعَاهُمْ. فَاحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ، غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ. لَا يَدُومُ رَخَاؤُهَا، وَلَا يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا، وَلَا يركُدُ بَلَاوُهَا. كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا. عَمِلُوا فِيهَا بما يُبْصِرُونَ، وبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ. تَقَلَّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانّي أَهْلِ الْآخِرَةِ، يَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعْظِمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ إعْظَامًا لَمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَاتِهِمَ (2).
اللغة :
الدرة - بكسر الدال - اللبن والغرة - بكسر الغين - الغفلة. والأجداث : القبور. وظهرانيهم : وسطهم.
الإعراب :
عليكم بالجد «عليكم» اسم فعل أي الزموا. وفيها خبر كانوا، وكمن ليس منها الكاف بمعنى مماثلين حالاً من الواو في «كانوا» أي كانوا موجودين في الدنيا مماثلين للذين ليسوا من الدنيا، وإعظاماً تمييز.
المعنى :
(فعليكم بالجد الخ).. بعد أن أشار الى الموت قال بعد أن أشار الى الموت قال : أعدوا له عدته (ولا تغرنكم الحياة الدنيا الخ) كيف تركنون اليها، وقد رأيتم مكرها وغدرها بالسابقين واللاحقين (وأصابوا غرتها) ذهلت الدنيا عنهم، أو هادنتهم بعض الوقت انتهبوا فيه الملذات وأشبعوا الشهوات (وأفنوا عدتها) أي متاعها من طعام وشراب وجنس، والمراد بالإفناء مجرد الاستعمال والانتفاع (وأخلقوا جدتها)
كثوب جديد، أو سيارة من طراز حديث (وأصبحت مساكنهم الخ). تركوا ما جمعوا للوارث، وذهبوا الى القبور لا يحملون معهم إلا السيئات والمهلكات.
(معطية منوع) تعطي الخسيس، وتمنع الشريف، وكثيراً ما يكون الغنى سبباً للفساد في الأرض، فعن السيد المسيح : ليحذر من يستبطىء الله في الرزق أن يغضب عليه فيفتح الدنيا عليه (ملبسة نزوع) قد تعطي صحة أو مالاً أو جاهاً، ولكن سرعان ما تنزعه ولو بالموت (ولا يركد بلاؤها) أي لا يهادن، وإن جانب منها اعذوذب فاحلولى أمر منها جانب فأوبى كما قال الإمام. وتقدم ذم الدنيا مرات، ومن أبلغ الخطب في هذا الموضوع الخطبة 109.
(كانوا - أي الزاهدون والمتقون - قوماً من أهل الخ) هم في الدنيا يأكلون ويعملون ويلتذون، ولكنهم أدركوا بصفاء عقولهم ان أحق اللذات بالطلب ما كان خيراً وأبقى، فأنفقوا العمر في اللذة الباقية بقاء الأبد، وبهذا افترقوا عن غيرهم من أبناء الدنيا، وكانوا معهم بالأبدان وفي الآخرة بالأعمال والأرواح.
(ويرون أهل الدنيا الخ).. المراد بيعظمون يستعظمون، وضمير (هم) يعود الى أهل الآخرة، والمعنى ان المهم عند أهل الدنيا هو الجسم وملذاته، أما العقل والقلب فحديث خرافة، ولذا يرون موت الجسم أو حرمانه من الملذات أمراً فظيعاً، أما أهل الآخرة فعلى النقيض يرون موت العقل والقلب بالجهل والضلالة هو الغريب الفظيع، أما موت الشهوات أو كبحها فليس بغريب ولا بفظيع.
فَصَدَعَ بِمَا أَمِرَ بِهِ، وَبَلْغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ فَلَمَّ اللَّهُ بِهِ الصَّدْعَ. وَرَتَقَ الفتق. وأَلْفَ بِهِ ذَوِي الْأَرْحَامِ بَعْدَ العَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَالضَّغَائِنِ الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ.
اللغة :
صدع بالحق : تكلم به جهاراً. والصدع : الشق. والرئق - بفتح الراء - ضد الفتق - بفتح الفاء - والواغرة : المتوقدة، من أوغر صدره غيظاً، ومثلها القادحة. والضغائن : الأحقاد.
المعنى :
قال الشريف الرضي : خطبها بذي قار، وهو متوجه الى البصرة، وذكرها الواقدي في كتاب «الجمل». وذو قار موضع قريب من البصرة، (فصدع بما أمر به، وبلغ رسالات ربه). الضمير لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وامتد تبليغه الرسالة
الإلهية مدى 23 سنة، وهي مدة نبوته حيث نزل عليه الوحي، وهو في الأربعين من عمره الشريف، وانتقل الى الرفيق الأعلى، وهو في سن الثالثة والستين، منها 13 سنة ممكة، وفيها نزل 82 سورة من القرآن، ومنها 10 سنوات بالمدينة وفيها نزل باقي القرآن الكريم.
(فلم الله به الصدع). ألف الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بين القلوب القاسية المتنافرة، وهداها الى الحق والخير بالموعظة الحسنة، والسياسة الحكيمة، والشريعة السهلة السمحة. وحسن الموعظة أن تكون بالرفق واللين، وحكمة السياسة أن تخاطب العقل والضمير، أما سماحة الشريعة الاسلامية وسهولة العقيدة فندع الكلام عنها للفرنسي الشهير جوستاف لوبون الذي قال في كتابه (حضارة العرب) «للإسلام وحده كل الفخار في انه أول دين أدخل التوحيد الخالص الى العالم وسهولة الاسلام العظيمة تشتق من التوحيد الخالص. وهذا هو السر في قوة الاسلام». وتقدم الكلام حول الرسول ورسالته مرات، منها في الخطبة 1 و 103 و 183.
إنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ وَإنما هُوَ فَيه لِلْمُسْلِمِينَ وَجلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكتُهُمْ فِي حَرْبِهِمْ كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلَّا فَجَنَاهُ أَيْدِيهِمْ لَا تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ.
اللغة
الفيء في اللغة الرجوع، وعند الفقهاء الخراج.
الإعراب :
وجلب عطف على الفيء، وجناة مبتدأ، وجملة لا يكون خبر.
المعنى :
قال الشريف الرضي : كلم الإمام بهذا عبدالله بن زمعة، وهو من شيعته،
وذلك انه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (ان هذا المال ليس لي الخ).. كان في سالف الأزمان للمسلمين دولة وسلطان استولت بالحسنى حيناً، وبالسيف أحياناً على كثير من البلدان يوم كان للإسلام سيوف ورجال ثم قدّر لأمة الإسلام ما قدر لغيرها من الأمم المتحضرة : شباب، ثم كهولة، ثم شيخوخة فهرم. وبكلمة : ابتلعت الحضارة الإسلامية من كان قبلها فابتلعها ما جاء بعدها من الحضارات.
و المال الذي أشار اليه الإمام هنا هو مال الغنيمة الذي حازه المسلمون بالجهاد، وأوجفوا عليه بخيل وركاب، وقوله : (جلب أسيافهم فإن شركتهم في حربهم) واضح وصريح في ذلك.. والمسلمون الآن في طور الهرم والمسلمون الآن في طور الهرم، يأخذ منهم الأقوياء والطامعون كل شيء، وهم لا يأخذون شيئاً وإذن فالحديث عن مال الغنيمة تماماً كالحديث عن حكم العبيد والإماء لا جدوى منه. ومن أراد معرفة التراث والمعالم الأثرية فليرجع الى كتب الفقه للمذاهب الاسلامية.
أما سياسة الإمام في المال - بوجه العموم - فهي أشهر من أن تذكر، ومع هذا تحدثنا عنها مراراً، منها في شرح الخطبة 222، والخطبة 124 التي قال فيها الإمام : «لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وانما المال مال الله» ؟.
أَلَا إِنَّ اللَّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنسَانِ فَلَا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ وَلَا يمهله النطق إذَا اتَّسَعَ. وإنا لأمراء الكلام، وَفِينا تَنَشبَتْ عُرُقُهُ وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ. وَأَعْلَمُوا رَحَمَكُمُ اللهُ أَنكُمْ فِي زَمَانِ الْقَائِلُ فيه بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَاللَّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَليل، واللازم لِلْحَقِّ ذليل. أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ. مُصْطَلِحُونَ عَلَى الْإِدْهَانِ. فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَشَائِبُهُمْ آثِمٌ، وَعَالمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَقَارِئُهُمْ مُمَاذِق. لاَ يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلَا يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ.
اللغة :
البضعة : القطعة. وتنشبت عروق الشيء : علقت وتمكنت. وتهدلت :
تدلت. والعارم : الشرس المعاكس. ولبن مذق : ممزوج بالماء، وفلان مماذق أو مدق : لا يخلص في وده.
الإعراب :
من الإنسان متعلق بمحذوف صفة لبضعة، واللام في الأمراء للتأكيد، وباصطلاح النحاة للابتداء، وعن الصدق متعلق بكليل.
المعنى :
قالوا : هذا الكلام جزء من خطبة طويلة، قالها الإمام لمناسبة وهي أنه أمر ابن أخته ام هاني جعدة بن هبيرة المخزومي القرشي، أمره أن يخطب بالناس ولما صعد المنبر أرتج عليه، فصعد أمير المؤمنين المنبر وقال : (الا وان اللسان بضعة من الانسان). للتعبير صور عديدة، منها التصوير والتمثيل والخط والإشارة والحركة، وأهمها وأوسعها جميعاً الصورة الكلامية، لأنها تعبر نثراً وشعراً عن الله وصفاته، وعن الكون وعجائبه، وعن الإنسان وحقيقته، وعما كان ويكون.. بالإضافة الى أنها صلة الوصل بين أفراد المجتمع، ولذا امتن سبحانه على الإنسان بموهبة البيان حيث قال، عز من قائل : «خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ - 4 الرحمن»
ولهذه الصورة الكلامية أركان لا بد من توافرها : الأول : اللسان الثاني : معرفة اللغة. الثالث : حضور المعاني في الذهن، لأن الانسان يستطيع التفكير بلا تعبير، ولا يستطيع التعبير بلا تفكير اللهم إلا اذا كان مجنوناً. الرابع : عدم المانع والصارف عن الكلام، فإن لم تحضر المعاني في ذهن الانسان، أو حضرت ولم يرغب في الكلام، أو رغب ولكن وجد المانع، إن كان شيء من ذلك سكن اللسان وحمد، والى هذا أشار الإمام بقوله : (فلا يسعده القول اذا امتنع) أي ان اللسان أو الانسان يعجز أو يمتنع عليه الكلام اذا غابت عنه المعاني، أو حضرت ولا مقتض لبيانها، أو وجد المقتضي مقارناً لوجود المانع، واذن فليس من الضروري أن يكون الصمت عجزاً عن الكلام، بل قد يكون
لأمر عارض وخارج عن الذابت.. وفي هذا ايماء الى الاعتذار عما أصاب جعدة من الحصر.
(ولا يمهله النطق اذا اتسع). اذا حضرت المعاني، ووجد المقتضي بلا مانع اتسع المجال أمام اللسان، وتحرك بسرعة، وانطلق بسهولة وانطلق بسهولة، حيث تتراكم المعاني وتتدافع للخروج والانطلاق في صورة كلامية (وإنا لأمراء الكلام) وجعدة ابن اختنا، وفيه من شمائلنا، وروي أن جعدة أبدى شجاعة وثباتاً في حرب صفين، فقال له قائل : هذه الشجاعة من خالك. فقال له جعدة : لو كان خالك كخالي لنسيت أباك. وتقدم الكلام حول الناس في شرح الخطبة 76 و 174.
(وفينا تنشبت عروقه، وعلينا تهدلت غصونه) والشاهد الحسي على ذلك السنة النبوية، ونهج البلاغة، والصحيفة السجادية وغيرها. قيل لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما رأينا أفصح منك. فقال : وما يمنعني من ذلك، وبلساني نزل القرآن ؟. وقال : «أنا أفصح من نطق بالضاد.. وقد اختصر لي الكلام.. وأوتيت جوامع الكلم»، أي المعاني الكبار في كلمات قصار يحتاج شرحها الى مجلدات.
(واعلموا رحمكم الله انكم في زمان القائل فيه بالحق قليل). لا يختص هذا بزمان دون زمان، ذلك بأن الحق ثقيل والباطل خفيف، كما قال الإمام في كلماته القصار، وقال غاندي : ان طريق الحقيقة ضيق مثلما هو مستقيم (واللسان عن الصدق كليل) أي قاصر وضعيف، لأن الكذب والنفاق هو السائد والمسيطر (واللازم للحق ذليل) وهل يكون المحق عزيزاً في بيئة الباطل والفساد (أهله معتكفون الخ) الضمير في أهله يعود الى الزمان الذي يعاني الفقير فيه من استغلال الغني، والمحكوم من جور الحاكم، والضعيف من طمع القوي.
(مصطلحون على الإدهان) وهو الرياء والمراوغة (فتاهم عارم) شرس معاكس، وجاهل تستخفه صور الانحلال (والتقاليع) تحوكها الصهيونية لتسيطر على عقله كما تريد ان تسيطر (وشائبهم آثم) لا يردعه عقل ولا دين (وعالمهم منافق) الدين عنده صكوك بيع وشراء (وقارئهم مماذق) يتلو القرآن، والقرآن يلعنه، لكذبه وريائه.
(ولا يعول غنيهم فقيرهم). ان الله سبحانه جعل للفقراء حقا معلوماً.
ومحدوداً في أموال الأغنياء، واعتبرهم فيه شركاء، ولا فرق أبداً في نظر الإسلام بين أن يمسك الغني هذا الحق عن الفقير، وبين أن يسلبه ثوبه أو قوته وقوت عياله.. هذا، إذا كان الغني قد اكتسب أمواله من حل. أما اذا اكتسبها من حرام فعليه أن يرد كل مال حرام الى أهله ان عرفهم بالذات، وان تعذر عليه ذلك كان المال الحرام بكامله للفقراء، وفي سبيل الله من المصالح العامة، ولا شيء منه لمن هو في يده.
إِنما فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِى طِينِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخ أَرْضٍ وَعذبَهَا، وَحَزْنِ تُرْبَةٍ وَسَهْلِهَا. فَهُمْ عَلَى حَسَب قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ، وَعَلى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا يَتَفَاوَتُونَ. فَتَامُ الرُّوَاءِ ناقِصُ الْعَقْلِ، وَمَادُ الْقَامَةِ قَصِيرُ الهِمّةِ، وَزَاكِي العَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ، وَقَرِيبُ القَعْرِ بَعِيدُ السِّبْرِ، وَمَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْحَلِيبَةِ، وَتَائِهُ الْقَلْب متفرّق الب، وطليقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنانِ.
اللغة :
طينهم : جمع طينة، والفلقة - بكسر الفاء - القطعة. وسبخ : أرض ذات نز وملح. والحزن : ضد السهل. والرواء - بضم الراء - حسن المنظر. وماد
القامة : طويلها. وقريب القعر : قصرها، والضريبة : الطبيعة والسجية، يقال : هذه ضريبته التي ضُرب عليها أي طبيعته التي طبع عليها. والجليبة : التصنع أي يستجلب لنفسه ما ليس فيها، واللب : العقل. والجنان - بفتح الجيم – القلب.
الإعراب :
المصدر من أنهم كانوا خبر ذلك، أي ذلك كونهم، ويجوز جره بباء محذوفة، والمجرور خبر، ومن سبخ متعلق بمحذوف صفة لفلقة.
المعنى :
قالوا : حضر جماعة في مجلس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانتهى بهم الحديث الى اختلاف الناس في طبائعهم وغرائزهم. فقال : (انما فرق بينهم مبادىء طينهم الخ).. وهذا الكلام يدل بظاهره على ان الناس يتفاوتون نقصاً وكمالاً في عقولهم وغرائزهم على حسب الطينة التي خلقوا منها خبثاً وطيبة.. وأيضاً على حسب الشكل والصورة قبحاً وجمالاً، وطولاً وقصراً، فالطويل قصير في طموحه، والقصير طويل في همته والجميل ناقص في إدراكه، والقبيح زار في عمله. وليس من شك ان الإمام لا يقرر هذا كقاعدة تعم وتطرد على كل قصير وطويل، وكل قبيح وجميل في شكله وهيئته، لأن الواقع على خلاف ذلك، على خلاف ذلك، بل ذكره على سبيل الأعم الأغلب، وانه لو ترك على سجيته لترتب عليه الأثر المذكور، و ولكن التربية والبيئة والإيحاءات تهذب الكثير من مشاعره وغرائزه تماماً كالحيوان الأليف يتكيف بالرياضة والتدريب.
وعلى أية حال فما أنا من أهل هذا الفن في شيء، ولذا رجعت الى كثير من المصادر التي تبحث عن الانسان وأصله وطبيعته.. حتى ما يزعم منها اننا وبحثت أحفاد القرد.. ونقبت لعلي أرتضي شيئاً أشرح به كلمات هذه الخطبة، أو أجد ما يناسبها، فرأيت أكثر الآراء أو الكثير ها مجرد خيالات لا تقوم على أساس، و احتمالات لا تركن اليها النفس، ويقتنع بها العقل أجل،
قرأت في بعض المصادر الشهيرة ما يتفق مع بعض كلمات الإمام في هذه الخطبة.
وأعني ببعض المصادر كتاب «الإنسان ذلك المجهول» الذي بلغ ذروة الشهرة والانتشار، وترجم الى العديد من اللغات، وطبعت منه ملايين النسخ، ومؤلفه العالم الفرنسي الدكتور «ألكسيس كاريل» الحاصل على إجازة الطب، وإجازة العلوم. وقد ترجم الكتاب الى العربية شفيق أسعد فريد وجاء في ص 79 طبعة سنة 1961 ما نصه بالحرف.
«ان طبائع الانسان خاضعة لشكله، وطريقته في شد قامته، وشكل وجهه» ويتفق هذا قول الإمام : (فتام الرواء.. وقبيح المنظر الخ) يتفق هذا مع قول الإمام في إناطة الطبيعة بالشكل وخضوعها له وأيضاً جاء في نفس الصفحة : «العباقرة ليسوا طوالاً فقد كان نابليون قصيراً». وهذا عين قول الإمام : «وماد القامة قصير الهمة.. وقريب القعر بعيد السبر) أي الغور والاختبار. وفي ص 80 من الكتاب المذكور : «ان طوال القامة أكثر استعداداً للإصابة بالجنون المطبق في حين ان قصار القامة أكثر استعداداً للجنون الأدواري».
وإذا أثبت العلم ما قاله الإمام فيما يعود الى الشكل وأثره في السلوك - فمن الجائز أن يُثبت في يوم من الأيام - ولو بعد ملايين السنين - ان أفراد الإنسان يختلفون على حسب طينهم وأرضهم تماماً كما قال الإمام. وما يدرينا أن بعض العلماء في هذا العصر قد أدرك وقرر ذلك، ولم يصل الينا قوله بعد. ومهما يكن فإن كل ما في الإنسان ينطق ويسبح بحمد خالقه وخالق الأكوان : «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ - 3 التغابن».
(و معروف الضريبة منكر الجليبة). ان الذي يعرفه الناس بطبيعة خاصة يتصنع ويتكلف بغير ما تعرفه من طبعه، ويظهر ذلك عليه، ويستنكر منه (وتائه القلب متفرق اللب) من ضُرب قلبه يتشتت عقله في أجواء لا تمت الى حياته بسبب (وطليق اللسان حديد الجنان) وذو الحدة في ذكائه أو غضبه ينطلق لسانه بسرعة البرق
وبعد، فإن الانسان يبحث عنه في علم التاريخ لما يترك من آثار، وفي علم
الطبيعة لأنه كائن طبيعي، وفي علم الحيوان لأنه من صنوفه، وعلم وعلم الاجتماع باعتباره عضواً من المجتمع، وعلم النفس لما فيه من غرائز وملكات، وعلم الأخلاق بالنظر الى سلوكه بعقل وإرادة، وعلم الطب وعلم وظائف الأعضاء باعتباره كائناً حياً وعضوياً، وعلم الفقه بالنظر الى ما وعلم الفقه بالنظر الى ما يحل له ويحرم عليه من الأفعال والتروك، وعلم الفلسفة لإدراكه ونظرياته وكونه أداة لمعرفة نفسه بنفسه وغير ذلك. ويكفي القول : إن الانسان هو مصدر العلوم، وليس للعلوم حد ولا عد.
بأبي أنت وأُمِّي لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنقَطِعْ يَمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْأَنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ. خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ عَمّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءٌ. وَلَوْلَا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ ونَهَيْتَ عَنِ الْجَزَع لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاء الشؤونِ، وَلَكَانَ الدَّاءُ ممَاطِلا والکمدُ مُخالِفاً وقَلّالَكَ، وَلَكِنَّهُ مَا لَا يُمْلَكُ رَدُّهُ وَلَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ. بأبي أنت وأمي أذكرْنَا عِندَ رَبِّكَ وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ.
اللغة :
الشؤون : عروق الدمع. والمماطل : المسوف. والمحالف : الملازم.
الإعراب :
أنت مبتدأ، وبأبي متعلق بمحذوف خبراً، وأمي عطف على أبي، والمصدر من أنك أمرت مبتدأ أي لولا ثبوت أمرك.
المعنى :
قال الشريف الرضي: ان الإمام قال : وهو يلي غسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتجهيزه : (بأبي أنت وأمي يا رسول الله الخ).. كل الناس يحزنون ويتألمون لفقد عزيز أو قريب، شيء كأن لم يكن ويسكبون الدموع أياما، تم ينتهي. إلا اذا كان للفقيد صلة وثقى بالثاكل، أو كان عظيم الخطر في نفسه، فحزن الولد على الوالد - مثلاً - يكون على قدر عطفه عليه، وبره به، وفائدته منه، فإذا كان لهذا الوالد البار شأن وخطر تضاعف الحزن وتراكم.
وكان الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أباً لعلي ولزوجته وأبنائه، وفي الوقت نفسه كان أخاً له بالمؤاخاة.. وأيضاً كان استاذه طوال 30 عاماً حتى انت النبوة أكلها في نفس الإمام علماً وخلقاً، ومن هنا كان لعلي خصائص لم تكن لأحد سواه، واذا عطفنا على ذلك خطر الرسول، وانه سيد الأولين والآخرين - أدركنا الى أي مدى بلغ الشجن والأسى في نفس الإمام لفقد سيد الكائنات.
(لقد انقطع بموتك الخ) يشير الى ان النبوة ختمت برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وانه لا خبر بعده من السماء، لأن الله سبحانه قد بين كل ما أراد أن يقوله، بینه كاملاً وواضحاً على لسان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والى هذا أشار خاتم النبيين بقوله : «انما مثلي في الأنبياء كمثل رجل بنى داراً، فأكملها وحسنها إلا موضع لبنة فكان من دخل فيها ونظر اليها قال : ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء».
(خصصت حتى صرت الخ).. الخطاب لرسول الخطاب لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). قال الشيخ محمد عبده : «النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خص أقاربه وأهل بيته حتى كان فيه الغنى والسلوة لهم عن جميع من سواه، وهو برسالته عام للخلق، فالناس بالنسبة الى دينه سواء». (ولولا انك أمرت – الى - الشؤون) أنت يا رسول الله أمرت بالصبر، وقلت عند موت ولدك ابراهيم : «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب» ونحن على سنتك يا رسول الله وطوع إرادتك. وقد رؤي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أكثر من مرة يبكي لميت، ولحزين بائس، وخوفاً من الله، وعلى أمته، وعند سماع القرآن.
(ولكان الداء مماطلا) أي لا تبرح الكآبة من القلب بحال تماماً كالمدين المماطل،
انه يسوف ويؤجل، ولا يفي بما عليه و (الكمد مخالفاً) عطف تفسير و (قلا لك) قل فعل ماض والألف ضمير التثنية، يعود الى مماطلة الداء ومخالفة الكمد والمعنى ان هذين قليلان لفقدك يا رسول الله (ولكنه ما لا يملك رده الخ). ضمير الغائب للموت، ويملك مبني للمجهول، والمعنى ان الموت حتم، والجزع لا يُرجع ما فات وإذن فالصبر أولى وأجدى. ومن حكم الإمام : ان صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وان جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور.
فَجَعَلْتُ أَتَّبِعُ مَأَخَذَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَأَطَأُ ذِكرَهُ حتى انتهيت إلى العرج.
المعنى:
(فجعلت اتبع مأخذ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأطأ ذكره حتى انتهيت الى العرج) بفتح العين والراء، وهو موضع بين مكة والمدينة. قيل : ان هذا من كلام ذكر فيه الإمام خروجه من مكة الى المدينة لاحقاً بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد أن بات على فراشه وسلّم ودائعه الى أهله كما أمره رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وقال الشريف الرضي: «فأطأ ذكره» من الكلام الذي رمي به الى غايتي الإنجاز والفصاحة، أراد أني كنت أعطى خبره من بدء خروجي الى ان انتهيت الى العرج.
وتقدم الكلام عن الهجرة وقصة المبيت على الفراش في شرح الخطبة 189 فقرة «الإمام علي» وفي شرح الخطبة 229 أشرنا الى مدة النبوة، وكم قضى منها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مكة والمدينة، والى عمره الشريف. ونعطف على ما أسلفنا قول المستشرق الفرنسي «جان بروا» في كتابه «محمد نابليون السماء» ترجمة محمد صالح البنداق طبعة سنة 1947.
قال حول الهجرة في ص 44 : «حين وصل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الى المدينة أراد كل واحد من الزعماء أن يزداد منزلة بضيافته والنبي ذو الخلق الكبير ترك القياد للناقة كي يساوي بين الجميع، وما زالت الناقة تقطع طرقات المدينة حتى أناخت أمام دار أبي أيوب الأنصاري». وفي ص 46 : «أفلت النبي من مؤامرة قريش الفتاكة، وترك على فراشه نهباً لسيوف المؤامرة البطل المضحي والمؤمن الشاب ابن عمه وربيبه علي بن أبي طالب».
فَاعْمَلُوا وَأَنتُمْ فِي نَفَسٍ البَقَاءِ وَالصَّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالتَوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ وَالْمُدْبِرُ يُدْعَى، وَالْمُسِيء يُرجى. قَبْلَ أَنْ يَخْمُدَ العَمَلُ، وَيَنْقَطِعَ الْمَهَلُ، وَيَنْقَضِيَ الْأَجَلُ، وَيُسَدَّ بَابُ التَّوْبَةِ وَتَصْعَدَ الْمَلَائِكَةُ. فَأَخَذَ امْرُوٌّ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ. وَأَخَذَ مِنْ حَيٍّ يَمِيتِ، وَمِنْ فَانٍ لباقٍ، وَمِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ. أَمْرُهُ خَافَ اللَّهَ وَهُوَ مُعَمِّرُ إِلَى أَجَلِهِ، وَمَنْظُورُ إِلَى عَمَلِهِ، أَمْرُو أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِها وَزَمّهَا بِزِمَامِهَا، فَأَمْسَكَها بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَقَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللهِ.
اللغة :
في نفس البقاء - بفتح الفاء - أي في سعته وفسحته. والمهل : من الإمهال ومعمر الى أجله : عاش إلى أجله. وزمها بزمامها : قادها بقيادها.
الإعراب :
فاعملوا الفاء لترتيب الكلام عليها، وأنتم الواو للحال، فأخذ امرؤ أمر في «فأخذ امرؤ» ويجوز صيغة الماضي، وامرؤ خاف بدل من امرىء في قوله : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف أي الناجي امرؤ خاف، ومثله امرؤ ألجم نفسه.
(فاعملوا وأنتم في نفس البقاء). الإنسان أعضاء وملكات، وفيه قوى وطاقات : مادية كالسمع والبصر واليدين والرجلين، وروحية كالإدراك والحب والكراهية، وهي بمجموعها تشكل مصنعاً هائلاً يعمل وينتج، وقد يبدع ويبتكر بمجرد أن يوطن النفس على الجد والكفاح، ومن أهمل وآثر الراحة والبطالة على العمل فهو تماماً كمن أقفل مصنعاً ينتج الخير وينفع صاحبه والناس هذا الى ان البطالة سرطان يقتل الروح والجسم، ويسلب الإنسان إنسانيته، ويجعل الحيوان خيراً.منه. وأفضل، لأنه يعمل وينتج. حتى الحجر قد ينتفع به، أما البطال فموته خير من حياته، وعدمه خير من وجوده.
ويقول الإمام : بادروا العمل النافع الصالح ما دمتم مزودين بأدوات القدرة وآلاتها، واغتنموا الفرصة قبل فوات الأوان، واعتبروا من أضاعها، وعما قريب يجري القدر عليها وعليكم، ويذهب كل شيء، فتتحسرون وتندمون حيث لا تجدي الحسرات والآهات (والصحف منشورة) تسطر ما فعلتم بتلك الثروة والطاقة التي أنعم الله بها عليكم بها عليكم : هل أسأتم استعمالها، أو وضعتم كل شيء منها في موضعه، وحققتم الهدف الذي وجد من أجله.
(والتوبة مبسوطة). فمن أخطأ واعترف بخطيئته، وطلب العفو من الله يقبل منه ويصفح عنه لأنه صدق الله والناس ومع نفسه أيضاً، ورفض الكذب والخداع، وفي الحديث : من تاب من الذنب كمن لا ذنب له (والمدبر) عن الحق (يُدعى) اليه بالحكمة والموعظة الحسنة (والمسيء يُرجى) منه أن يقلع عن إساءته (قبل أن يخمد العمل الخ).. هذه الجملة وما بعدها تفسير وبيان لقوله في أول الخطبة : «فاعملوا وأنتم في نفس البقاء»، وتقدم الشرح.
(فأخذ امرؤ من نفسه لنفسه) على الانسان أن يجد ويجتهد، ويضحي ويصبر من أجل مصيره ومستقبله وحريته وكرامته. وتقدم قول الإمام في الخطبة 191 وهو يصف المتقين : «صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة» (وأخذ من حي لميت الخ).. كل انسان يعرف انه سيموت، لا محالة، ولكن عليه أن يعرف على أي شيء يموت؟ وماذا يترك بعد موته لنفسه وأمته ووطنه، وليس لأبنائه ووارثه وكفى؟ وقد يعيش واحد من الناس فكرة لا أحد يعبأ به، أو يعرف عنه شيئاً، ولكنه يجعل من موته تاريخاً ومجداً له ولوطنه، كما لو مات موتاً شجاعاً يصنع الانتصار على الطغاة والمعتدين، وقد يموت أغنى الأغنياء وأقوى الرؤساء، ويختفي أثره بسرعة تماماً كموت الحشرات والحيوانات.
ويقول الإمام لكل حي : انك ستموت على أية حال، وفي مقدورك أن تجعل من موتك حياة لك وللآخرين، فلا تحرم نفسك وغيرك من حياة لا ذل فيها وهوان، ولا خوف و آلام (امرؤ خاف الله الخ).. فسيطر على أهوائه وتغلب على أطماعه، وحررها من كل شائبة، وبذلها أو بذل منها فيما افترض عليه لربه ووطنه ومجتمعه.
جُفَاةٌ طَغَامٌ، وَعَبِيدُ أَقْزَامٌ. جمعُوا مِنْ كُلِّ أَوبِ، وَتُلْقُطُوا مِنْ كُلِّ شَوْب ممَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّةَ وَيُؤدِّبَ، وَيُعَلِّمَ وَيُدَرِّبَ، وَيُوَلَّى عَلَيْهِ وَيُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ. لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَا مِنَ الَّذِينَ تبوأوا الدَّارَ. أَلَا وَإِنَّ الْقَوْمَ اخْتَارُوا لِأَنفُسِهِمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مما تَكْرَهُونَ، وَإِنَّما عَهْدُكُمْ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ بِالْأَمْسِ يَقُولُ : «إنها فِتْنَةٌ فَقَطْعُوا أَوْتَارَكُمْ وَشِيمُوا سُيُوفَكُمْ»، فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخطَاً بمسيرهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَةٍ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ لَرَمَتْهُ التهمة. فَادْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِعَبْدِ اللهِ ابْنِ الْعَبَّاسِ، وَخُذُوا مَهَلَ الْأَيَّام وَحُوطُوا قَوَامِيَ الْإِسْلامِ. أَلَا تَرَوْنَ إِلَى بِلادِكُمْ تُغْرَى، وَإِلَى صَفَاتِكُمْ تُرمى.
اللغة :
جفاة : غلاظ في العشرة. وطغام : أوغاد في الدناءة والحقارة. وأقزام : أراذل في اللؤم والخساسة. والأوب : الناحية. والشوب : الخلط. وتبوأوا الدار : سكنوها، والإيمان : ثبتوا عليه. وشيموا : أغمدوا. والقواصي : الأطراف. والمراد بصفاتكم هنا قوتكم.
الإعراب :
جفاة خبر المبتدأ محذوف أي هم جفاة، والمصدر من أن يفقه فاعل ينبغي أي ينبغي تفقيهه وتأديبه.
المعنى :
(جفاة طغام الخ).. المقصود بالذم جيش معاوية، فقد كانوا أو باشاً رعاعاً تجمعوا خليطاً من ههنا وهنا، ما فيهم من له بالدين علم، ولا بالجهاد سابقة، ولا من الخلق نصيب (ممن ينبغي أن يفقه ويؤدب) يحتاج الواحد منهم الى من يعلمه الضرورات من أحكام الدين، وآداب الإسلام (ويولى عليه) يحجر عليه لسفهه (ويؤخذ على يديه) يمنع من التصرف في أمواله، ويقام عليه قيم يدبر شؤونه (ولا من الذين تبوأوا الدار) أي مدينة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التي كانت آنذاك عاصمة الإسلام وعلومه (والإيمان) أي ما عمر قلبه بالإيمان، ولا تمسك بعروته .. هكذا كان جيش معاوية، ولو كان على شيء من الدين والوعي لما حارب الصحابة الأبرار.. أما الإمام فقد كان في جيشه ألفان وثمانون من المهاجرين والأنصار ، منهم ثمانون بدرياً. (أعيان الشيعة ج 3 عن المسعودي).
(ألا وان القرم اختاروا لأنفسهم أقرب القوم مما يحبون). المراد بالقوم هنا جيش معاوية، والتكرار للتوكيد، والذين اختاروه للتحكيم هو ابن العاص، والشيء الذي يحبون هو الانتصار على أهل العراق، وقد حقق لهم عمرو ما يبتغون بمكره وألاعيبه وخداعه للأشعري المغفل (وانكم اخترتم لأنفسكم أقرب القوم مما تكرهون)
الخطاب لأهل العراق، والمراد بالقوم هنا عامة الناس والمراد بالقوم هنا عامة الناس، والشيء الذي يكرهونه خذلانهم وانكسارهم الذي حدث بالفعل.
(وانما عهدكم بعبد الله بن قيس) وهو أبو موسى الأشعري (بالأمس) أي في وقعة الجمل وكان أبو موسى آنذاك والياً على الكوفة، وقد نهى أهلها عن المسير الى الحرب مع الإمام، وقال من جملة ما قال : (انها فتنة فقطعوا أو تاركم، وشيموا سيوفكم) أي لا تطلقوا في هذه الحرب سهماً، ولا تشهروا سيفاً.
(فإن كان صادقاً الى - التهمة). كيف تختارون الأشعري للتحكيم وقد أقام الدليل من نفسه على نفسه انه لا يصلح لشيء، ولا يوثق به في شيء فبالأمس القريب نهى عن السير مع الإمام، ثم سار معه مختاراً وعن طيب نفس وأظهر الحب والإخلاص للإمام وجيش الإمام، ولذا أصر أهل العراق على اختياره.. فإن كان مؤمناً مما نهى عنه من قبل فقد خالف ايمانه ويقينه عن إرادة وقصد، وان كان كاذباً فيما نهى عنه، وعالماً بأنه ينهى عن المعروف لا عن المنكر فهو مجرم فاسق.. وفي الحالين لا يجوز الوثوق به والركون اليه.
وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب»، وهو يترجم لأبي موسى الأشعري ما نصه بالحرف : «روي فيه كلام كرهت ذكره، والله يغفر له». . وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح هذه الخطبة : «روى أبو موسی الأشعري عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) انه قال : «كان في بني اسرائيل حكتمان ضالان، وسيكون في أمتي حكمان ضالان، وضال من اتبعها». فقيل له : احذر أن تكون أحدهما. فقال : كلا. فلما بلي به قيل فيه : البلاء موكل بالمنطق
(فادفعوا في صدر الخ).. قال الكاتب الإسلامي المصري عبد الكريم الخطيب في كتابه «علي بن أبي طالب»، ص 497 وما بعدها : «كان الإمام قد أعد ابن عباس ليلقى عمرو بن العاص : ولكن أصحاب الإمام اختلفوا عليه، وكان الأشعث بن قيس رأس الجماعة التي نازعت في اختيار ابن عباس، والأشعث هو الذي مهد للتحكيم، وأكره هو وقومه علياً على قبوله ولا شك ان الصلة كانت قد توثقت بين معاوية والأشعث». وهذا الذي سجله الخطيب يتفق تماماً ما نقلناه عن كتابه «علي وبنوه» لطه حسين في شرح الخطبة 19 ج 1 ص 152 : من أن الأشعث وابن العاص قد دبرا رفع المصاحف، واختارا الحكمين سلفاً.
ثم قال عبد الكريم : «كان ابن العاص صاحب مصلحة محققة في خير يصيبه معاوية من التحكيم، لأن الصك بملك مصر في يده في يده.. وليس لابن عباس شيء ان خلصت الخلافة لعلي، وهل لأحد مع علي مطمع ؟. ان كل الدين يعملون مع علي يعملون الله لا له، فليس لهم عنده يد يرجون المثوبة عليها إلا من الله الله, , فماذا يخشى القوم من ابن عباس إذن ؟ أنهم لا يخشون إلا ان يدفع ابن العاص عن كيد مدبر لا يفطن اليه إلا رجل أوتي مثل ما أوتي ابن عباس من ألمعية وذكاء».
(وخذوا مهل الأيام). لقد بذلت لكم النصح فاقبلوه قبل أن تفوت الفرصة، وتقولوا : يا ليتنا سمعنا وأطعنا.. وبالفعل ندموا على ما فرطوا حيث لا ينفع الندم (وحوطوا قواصي الإسلام) احفظوا أطراف المملكة الإسلامية ونواحيها من غارات أعداء الإسلام (ألا ترون الى بلادكم تغزى) ؟ ولا بد من الإشارة أن الغزو كان من معاوية، وزبانيته بعد التحكيم لا قبله، وعليه فهذا الفصل ملحق هذه الخطبة، وليس منها والمعروف عن الشريف الرضي أنه كان يختار من خطب الإمام فصولاً، ويجمعها في كلام واحد (والى صفاتكم ترمى) المراد بصفاتهم هنا قوتهم، لأن أصل الصفاة الحجر الصلد، والمعنى ان العدو اتخذ قوتكم مرمى لسهامه، وغرضاً لهجومه.
هُمْ عَيْشُ العِلْمِ وَمَوْتُ الْجَهْلِ. يُخيرُكُمْ حلمهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وصمتهم عَنْ ِحكَم مَنْطِقِهِمْ. لا يُخَالِفُونَ الْحَقِّ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. هُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلامِ وَوَلَائِجُ الاِعْتِصَام، بهِمْ عَادَ الْحَق في نصابه، ووَأَنْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ، وَأَنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ. عَقَلُوا الدِّينَ عَفْلَ وِعَايَةٍ وَرَعَايَةٍ، لَا عَقْلَ سَمَاع وَرِوَايَةٍ. فَإِنَّ رُوَاةَ العِلْمِ كَثِيرٌ ورعاتُهُ قَلِيل.
اللغة :
عيش العلم :. حياته.. وولائج : جمع وليجة، وهي الموضع الذي يعتصم به. وعاد الى نصابه : الى أصله ومستقره. والمراد بانقطاع اللسان هنا انقطاع
الحجة. وعقل الوعاية : حفظ في فهم. وعقل الرعاية : دعم الدين ودفع الشبهات عنه بمنطق العقل والبديهة.
الإعراب :
عقل وعاية مفعول مطلق، لأن المعنى أدركوا إدراك وعاية، لا عقل سماع «لا» حرف عطف مثل: هذا زيد لا عمرو.
المعنى:
(هم عيش العلم - الى - لا يختلفون فيه). ضمير. ضمير (هم) لأهل البيت، وتقدم الثناء عليهم في العديد من الخطب، والصفات التي ذكرها الإمام هنا هي تكرار لما جاء في آخر الخطبة 145. وشرحناها في ج 2 ص 342 (وهم دعائم الاسلام) أي قوته وسلاحه، وحجته ولسانه، فولاؤهم والإخلاص لهم ولاء وإخلاص للاسلام بالذات، ومن هذا قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «من صلى صلاة لم يصل فيها علي، ولا على أهل بيتي لم تقبل منه» (رواه الدارقطني في سننه ص 136 مطبعة الأنصاري بدلهي عاصمة الهند. عن فضائل الخمسة). واذا عطفنا هذا الحديث على حديث «الصلاة عمود الدين» كانت النتيجة ان الصلاة على أهل البيت عمود الدين. اللهم صل على محمد وآل محمد وسلم.
وفي «الصواعق المحرقة» لابن حجر وغيرها ان الشافعي قال :
يا أهل بيت رسول الله حبكم*** فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الفخر انكم ***من لا يصلي عليكم لا صلاة له
(وولائج الاعتصام) لمن أراد معرفة الإسلام على حقيقته أصولاً وفروعاً (بهم عاد الحق الى نصابه) أي اذا تولوا الشؤون العامة يصان لكل ذي حق
حقه، ويجوز أن يكون المراد بالحق هنا الدين، وأن أهل البيت يأخذونه من منبعه ومصدره لا من الشيوخ والرواة. وهذا المعنى أقرب الى السياق، وأنسب يقول الإمام : (عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية) فهموه وعملوا به وأرشدوا إليه كما هو عند الله (فإن رواة العلم كثير، ورعاته قليل (تماماً كعمائم الفاشلين المرتزقة في عصرنا.. كلب وتزوير، وتكوير بلا تفكير.
يا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلاً ناصحاً بِالْغَرْبِ أَقْبِلُ وَأَدْبِرُ، بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدَمَ، ثُمَّ هُوَ الآنَ يَبْعَثُ إِلَى أَنْ أَخْرُجَ. واللهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أكون آثما.
اللغة :
الناضح : البعير يحمل عليه لسقي الزرع. والغزب : الدلو العظيمة.
الإعراب :
المصدر من أن يجعلني مفعول يريد، وأن أخرج «أن» مفسرة بمعنى أي، ومثلها أن أقدم.
المعنى :
قال الشريف الرضي : قال الإمام هذا لابن عباس، وقد جاءه برسالة من عثمان، وهو محصور يسأله فيها الخروج الى ماليه بينبع ليقل هتف الناس باسمه للخلافة بعد أن سأله مثل ذلك من قبل. وقال الشيخ محمد عبده : «كان الناس يهتفون باسم أمير المؤمنين للخلافة، وينادون به، وعثمان محصور، فأرسل اليه عثمان يأمره أن يخرج الى ينبع، وكان فيها رزق لأمير المؤمنين، فخرج ثم استدعاه لينصره فحضر، ثم عاود الأمر بالخروج مرة ثانية» فقال الإمام : (ما يريد عثمان إلا أن يجعلني الخ).
ينبع - بفتح الياء وسكون النون وضم الباء - هي أرض من خراج المدينة. قالوا : إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قسم الأنفال، فكانت هذه من نصيب الإمام، فاحتفر بها عيناً فخرج ماء ينبع كنعق البعير، فسماها الإمام ينبع، ثم أوقفها على الفقراء والمساكين.
و تلخيص الحكاية أن الثورة اشتعلت على عثمان في كل نفس بعد أن كان منه ما كان، وتلاقت جموع المسلمين بالمدينة، وتراكمت حتى سدت الطرق والمسالك، وهي تطالب بعزل عثمان أو برأسه، ودافع الإمام عنه بلسانه ويده وسوطه، وكان يرسل الماء في القرب الى عثمان وأهله، وطلحة يمنع وصوله اليهم.. وكان الثوار يهتفون باسم الإمام للخلافة، وعثمان يسمع ويغضب، ويرسل إلى الإمام ان يخرج من المدينة، فيستجيب ولكن الثورة تزداد غضباً ولهباً، فيرسل عثمان الى الإمام أن أقدم ودافع، فيأتي ويحاول جهده أن يفرق الحشد بالسوط تارة، وبالتقريع أخرى حتى خشي أن يكون آثماً في ذلك، كما قال، لأنه ربما ضرب بسوطه من الجموع المحتشدة من لا يستحق الضرب، وأهان من لا يستحق الإهانة.. وأخيراً جرى المقدر الذي يعرفه القريب والبعيد. وأشرنا اليه فيما سبق.
وفي كتاب «عبقرية الإسلام» للعقاد فصل البيعة : كانت حيرة علي بين التقريب والإبعاد أشد من حيرته بين الخليفة والثوار، فكان يؤمر تارة بمبارحة المدينة ليكف الناس عن الهتاف باسمه، ويُستدعى اليها تارة ليردع الناس عن مهاجمة الخليفة.
وَاللهُ مُسْتَادِيكُمْ شُكْرَهُ وَمُورِثُكُمْ أَمَرَهُ، وممهلُكُمْ في مضمارٍ مَحدُودٍ لتتنازعُوا سَبَقَهُ. فَشُدُّوا عُقَدَ المَازِرِ، وَأَطُوُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ، وَلاَ تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ. مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْم، وَأَمحَى الظُّلَمَ لتذاكِيرِ الْهِمَمِ. وَصَلَّى اللهُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ النِّبيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ مَصابيح الدجى والعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَسَلَّمَ تَسْلِياً كَثِيراً.
اللغة :
مستأديكم : يطلب منكم الأداء. وأمره : أرضه وسلطانه. والمضمار : السباق والمجال، والمراد به هنا المدة والفسحة.. لتتنازعوا : لتتنافسوا في الخيرات. والعقد - بضم العين - جمع العقدة. والمآزر : جمع المئزر، وشد العقد هنا كناية عن الجد. وفضول الخواصر: ما يتدلى من الثوب واللباس على القدمين. والعزيمة : من العزم والصبر والثبات. والوليمة : لمد «الصحون» وامتلاء البطون. والظلم - بفتح اللام - جمع ظلمة. والتذاكير : جمع ظلمة. والتذاكير : جمع التذكرة، وهي التي تذكرك بالشيء.
الإعراب :
شكره مفعول مستأديكم، وأمره مفعول مورثكم، والمصدر من لتتنازعوا متعلق بممهلكم، وما انقض (ما) بمعنى شيء مبتدأ وانقض فعل ماض، والفاعل مستتر يعود الى ما، والجملة خير.
المعنى:
(والله مستأديكم شكره). يطلب سبحانه منكم أن تشكروه، والمراد بالشكر الطاعة، وأفضل الطاعات على الإطلاق الجهاد والتعاون لردع الطغاة عن البغي (ومورثكم أمره). المراد بالأمر هنا أرض الله وسلطانه، والمعنى ليس لكم - بمشيئة الله وإرادته - شيء من الدنيا والآخرة إلا بالعمل والكفاح ومن البداهة ان القوة شرط أساسي لكل جهاد ونضال.. وأيضاً من البداهة انه لا قوة إلا بتوحيد الصفوف والتضامن فيما بينها، وهل قام للإسلام والمسلمين دولة وكيان إلا بالوحدة والتوحيد.؟ وهل ذهبت الأندلس من قبل، وفلسطين من بعد إلا من تفريق الكلمة وتصديع الصفوف ؟.)
(وممهلكم في مضمار محدود) أو ممدود كما في بعض النسخ، والمعنى لا تيأسوا وتسدوا كل النوافذ وتقولوا فات الأوان.. كلا كلا، فإن الطريق أمامكم، والأمد يتسع لحل ما تعانون من مشكلات، ولا ينقصكم شيء إلا الإخلاص وصدق النية والعزم على التضحيات (فشدوا عقد المآزر، واطووا فضول الخواصر) هذا هو الزاوية : لا نصر بلا جهاد وصير على آثاره المريرة وخسائره القاسية (ولا تجتمع عزيمة ووليمة). هيهات أن تجمع بين الكرامة وحب الحياة ! أبداً لا حياة لقوم لا يستقبلون الموت في سبيل حريتهم بثغر باسم، كما قال السيد الأفغاني.
(ما انقض النوم لعزائم اليوم). قال الشارحون في تفسيره : قد يعزم الانسان، وهو في ساعة من ساعات النهار أن يعمل في الليل كيت وكيت حتى اذا جاء الليل آثر النوم، وتبخر العزم.. وهكذا همم النهار يمحوها الليل، وقالوا : ان غرض الإمام أن يبقى الانسان على عزمه، ولا يخلد للراحة والكسل
وظاهر الكلام يتحمل هذا المعنى، ولكن خير منه أن الإنسان في حياته يواجه الكثير من المتاعب والمصائب التي لا صبر له عليها، فينتهي به العجز الى العزم على الخلاص منها بالهرب والفرار، أو بارتكاب رذيلة كانتحار ونحوه.. فإذا نام وأخذ قسطاً من الراحة هدأت نفسه، وخفت أثقاله، وعدل عزمه وما مضى من أفكاره. قال الفيلسوف الفرنسي «فولتير» : «ان السماء أرادت أن تعوض عما بلينا به من محن الحياة، فمنحتنا الأمل من جهة، والنوم من جهة ثانية». وقال الكاتب الانكليزي الشهير : «ه. ج. ويلز» : «ان النوم نعمة لا تقدّر». وفي بدر خاف الصحابة من كثر المشركين، فعالج سبحانه خوفهم بالنوم وما استيقظوا إلا وأنفسهم تغمرها السكينة : «اذ يغشيكم النعاس أمنة 11 الأنفال» أي انه تعالى ألقى النوم عليهم ليحل الأمن في نفوسهم مكان الخوف.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله مصابيح الدجى والعروة الوثقى، وسلم تسليماً كثيراً.
والمراد بها ما يشمل الوصايا
بسم اللّه الرحمن الرحيم
مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أَهل الكوفة جبهة الأنصار وَسَنَامِ الْعَرَبِ. أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَخبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثمانَ حَتَّى يَكُونَ سمْعُهُ كَعِيَانِهِ. إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ، فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أكْثِرُ اسْتِعْتَابَهُ وَأقِلّ عِتَابَهُ، وَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجيفُ، وَأَرْفَقُ حِدَاثِهمَا العَنيفُ، وَكَانَ مِنْ عَائِشَةَ فِيهِ فَلْتَةُ غَضَبٍ فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ، وَبَايَعَنِي النَّاسُ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ وَلاَ مجْبَرِينَ بَلْ طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ دَارَ الهِجْرَةِ قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا وقَلَعُوا بِهَا، وَجَاشَتِ جَيْسَ الْمرْجَلِ وَقَامَتِ الْفِتْنَةُ عَلى القُطب فأسرعوا إلى أميركُمْ وَبَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُمْ إِنْ شَاء الله.
اللغة :
جبهة الأنصار : جماعتهم، والمراد بالأنصار هنا الأعوان، لا الصحابة الأنصار. والمراد بالسنام الرفعة. واستعتابه : استرضاؤه. والوجيف : العدو بسرعة. والفلتة : الهفوة والبغتة. وأتيح له : قدر له. ودار الهجرة : المدينة. وقلعت بهم الدار : أخرجتهم. وقلعوا بها : خرجوا منها. وجاشت: غلت. والمرجل: القدر. والقطب : الذي عليه المدار.
الإعراب :
من عبد الله متعلق بمحذوف خبراً لمبتدأ محذوف، أي: هذه الرسالة كائنة أو تأتيكم من عبدالله، والرسالة عطف بيان من هذه. كعيانه الكاف بمعنى مثل خبر يكون، وأهون مبتدأ، والوجيف خبر، والجملة خبر كان.
المعنى:
خرج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المدينة لحرب الناكثين والقاسطين بعد أربعة أشهر من خلافته، ولما انتهى الى الربذة - مكان بين مكة والكوفة - كتب الى أهلها هذه الرسالة، وكان أبو موسى الأشعري واليها، وشريح الكندي قاضيها من قبل عثمان، فثبط الأشعري الناس، وحثهم شريح على المسير مع الإمام، وقال من جملة ما قال : «والله لو لم يستنصر بنا لنصرناه سمعاً وطاعة». وفي تاريخ ابن الأثير حوادث سنة 36 : «ان عدد الذين استجابوا للإمام من أهل الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل». ونقل ابن الأثير عن أبي الطفيل انه قال: «سمعت علياً يقول : يأتيكم من أهل الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل، فأحصيتهم، فما زادوا رجلاً، ولا نقصوا رجلاً». وأيضاً نقل هذا بالحرف عبد الكريم الخطيب في كتابه : «علي بن أبي طالب» عن الطبري ج ص 199.
(إن الناس طعنوا عليه الخ).. أي على عثمان، وذكرنا طرفاً من هذه
المطاعن في شرح الخطبة 3، ونعطف على ما سبق هذه الحكاية رواها ابن الأثير في حوادث سنة 35، واستغرقت أكثر من صفحتين بالقطع الكبير، وملخصها ان عثمان حين أيقن بالقتل ذهب الى بيت الإمام وقال له : يا ابن عم، قد جاء من القوم ما ترى، ولك عندهم قدر، فردهم عني. فقال الإمام : وعلى أي شيء أردهم عنك ؟ قال : على ان أعمل بما تشير. قال الإمام : كلمتك المرة بعد المرة، وتعد وترجع وتعمل برأي مروان وغيره. قال عثمان : أنا أعصيهم وأطيعك. فركب علي ومعه ثلاثون من المهاجرين والأنصار، وردوا الناس عن عثمان. ولكن سرعان ما جاء مروان وأصحابه وأفسدوا ما أصلح الإمام، فغضبت نائلة زوجة عثمان وأسمعت مروان ما يكره، فرد عليها بما هو آلم وأوجع.
(وكان طلحة والزبير الخ) نقل الشيخ محمد عبده في تعليقه على هذه الجملة : «إن أم المؤمنين عائشة أخرجت نعلي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقميصه من تحت ستارها، وعثمان يخطب على المنبر، وقالت له : هذان نعلا رسول الله وقميصه لم تبل، ولقد بدلت من دينه، وغيرت من سنته وغيرت من سنته. وجرى بينهما كلام المخاشنة. فقالت عائشة : اقتلوا نعثلا تشبهه برجل معروف، «فأتيح له أي قدر له قوم فقتلوه»، أي ان القوم استجابوا بقصد أو غير قصد لأمر أم المؤمنين بقتل عثمان وتقدم الكلام عما كان منها ومن طلحة والزبير ضد عثمان في شرح الخطبة 22 و 135.
(وبايعني الناس غير مستكرهين الخ).. تقدم مع الشرح في الخطب والخطبة 90 (واعلموا ان دار الهجرة الخ) خرج الإمام من المدينة متوجهاً الى العراق، ومعه الكثير من أهل المدينة، وفيهم العديد من المهاجرين والأنصار (وقامت الفتنة) التي أثارها الزبير وطلحة وأم المؤمنين (على القطب) أي بلغت الفتنة أشدها.
ومن المفيد أن نشير هنا الى ما قاله ابن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة، ويتلخص بأن أصحابه المعتزلة حكموا بهلاك أهل الجمل بكاملهم إلا من تاب، وان عائشة تابت واعترفت للإمام بخطئها، وسألته المعذرة، وانها قالت : ليتني مت قبل الجمل، ووددت ان لي من رسول الله عشرة بنين ثكلتهم كلهم ولم يكن الجمل. أما الزبير فقد رجع عن الحرب تائباً، واما طلحة فإنه قبل أن تخرج الروح منه مر به فارس، فقال له طلحة : من أي الفريقين أنت ؟
قال من أصحاب علي أمير المؤمنين. فقال له طلحة فقال له طلحة : امدد يدك أبايعك لعلي أمير المؤمنين، فمدها وبايعه.
ونحن لا نناقش هذه الرواية، لأنها اعتراف صريح بالخطأ، وأيضاً لا نناقش هذه التوبة ونردها بقوله تعالى : «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ - 18 النساء». لا نرد ولا نناقش بعد الاعتراف بالخطأ.
وَجَزَاكُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَحْسَنَ مَا يَجْزِي العَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ وَالشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ، فَقَدْ سَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَدُعِيتُمْ فأجَبتُم.
المعنى:
(وجزاكم الله من أهل مصر الخ).. الخطاب لأهل الكوفة، ما في ذلك ريب، لأنه جاء بعد الانتهاء من حرب الجمل وفتح البصرة. قال الشريف الرضي: «من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) اليهم بعد فتح البصرة». وضمير «اليهم»، الى أهل الكوفة، لأنه ذكر بعد الرسالة اليهم بلا فاصل، ولا سبيل الى التوهم بأنه يعود لأهل البصرة. أولاً : لأنهم أعلنوا عليه الحرب، وانضموا مع خصومه، فكيف يقول لهم : (جزاكم الله أحسن ما يجزي العاملين بطاعته، والشاكرين لنعمته) ؟.
ثانياً : إن الشريف الرضي نفسه قال عند الخطبة 13 : «بعد وقعة الجمل
قال الإمام لأهل البصرة : كنتم جند المرأة، وأتباع البهيمة :، رغا فأجبت وعقر فهربتم الخ». وقال المسعودي في «مروج الذهب»: دخل الإمام البصرة بعد وقعة الجمل، وقد خطب خطبة طويلة، وقد خطب خطبة طويلة، قال فيها : المؤتفكة.. يا أهل السبخة، يا أهل يا جند المرأة الخ. ثم قال المسعودي : وذم الإمام أهل البصرة بعد هذا الموقف مراراً كثيرة.
بلغني أَنَّكَ ابْنَعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً وَكَتَبْتَ كِتاباً وأَشْهَدْتَ فِيهِ شهوداً، فَقَالَ شُرَيْحٌ : قَدْ كَانَ ذلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ فَنَظَرَ إلَيْهِ نَظَرَ مُغْضَب ثُمَّ قَالَ لَهُ : يَا شُرَيْحُ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لَا يَنظُرُ فِي كِتَابِكَ، وَلَا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخصاً وَيُسْلمَكَ إلى قَبْرِكَ خَالِصاً. فَانظُرْ يَا شُرَيْحُ لَا تَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلَالِكَ فَإِذا أَنتَ قدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الْآخِرَةِ. أما إنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي عِندَ شرائِكَ مَا اشْتَرَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتاباً عَلى هَذِهِ الْمُسْخَةِ فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاء هَذِهِ الدَّارِ بِدِرْهُم فَمَا فَوْقَ، وَالنَّسْخَةُ : «هَذَا مَا اشْتَرَى عبد ذَلِيلٌ مِنْ عَبْدٍ قَدْ أزْعِجَ لِلرَّحِيلِ، أَشْتَرَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ
الْغُرُورِ مِنْ جَانِبِ الفَانِينَ، وَخِطَّةِ المَالِكِينَ، وَيَجْمَعُ هَذِهِ الدَّارَ حدُودُ أَرْبَعَةُ : الحد الأوّلُ يَنتهي إلى دَوَاعِي الْآفَاتِ، وَالْحَد الثاني يَنتَهِي إِلَى دَوَاعِي المُصِيبَاتِ، وَالْحَدُّ الثَّالِثُ يَنتَهِي إِلَى الْهَوَى الْمُرْدِي، والحد الرابع ينتهي إلَى الشَّيْطَانِ المُغْوِي، وَفِيهِ يُشْرَعَ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ أشْتَرَى هَذَا الْمُعْتَرُّ بِالْأَمَلِ مِنْ هَذَا المُزعج بِالْأَجَلِ هَذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوج مِنْ عِنْ القَنَاعَةِ وَالدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ وَالضَّرَاعَةِ، فَمَا أَدْرَكَ هذَا الْمُشْتَرِي فِيمَا أَشْتَرَى مِنْ دَرَكِ فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ الْمُلُوكِ، وسَالِبِ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ، وَمُزِيلِ مُلْكِ الْفَرَاعِنَةِ، مِثْلِ كِسْرَى وقيصَرَ، وَتُبّعَ وَحَميرَ، وَمَنْ جَمَعَ المَالَ على المَالِ فَأَكْثَرَ، وَبَنَى وَشَيَّدَ وَزَخْرَفَ، وَنَجّدَ وَأَدّخَرَ، وَاعْتَقَدَ وَنَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ - إشخَاصُهُمْ جَمِيعاً إلى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَمَوْضِعِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. إِذَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِفَصْلِ القَضَاءِ، «وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ»، شهِدَ عَلى ذلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى وَسَلَّمَ من علائق الدنيا».
اللغة :
ابتعت : اشتريت. وشاخصاً : ذاهباً. وخالصاً : مجرداً. وأزعج : سيق. والخطة : الشأن أو تخطيط الأرض المعدة للبناء والضراعة : الذلة. ودرك - بفتح الراء - التبعة. ومبليل الأجسام : المثير والمهيج لأدوائها وأسقامها. وتبع وحمير : من ملوك اليمن.
الإعراب :
أما للتنبيه وافتتاح الكلام، وشاخصاً حال من كاف الخطاب، ومثله خالصاً فما أدرك «ما» شرطية بدليل دخول الفاء على جوابها وهو «فعلى مبلبل الخ»، وفيها اشترى (ما) اسم موصول و «منه: اسم موصول و «منه» الضمير يعود على «ما» ومن درك «من» بيان لاسم الموصول أي من ضمان الذي اشتراه، وعلى مبلبل خبر مقدم، وإشخاصهم مبتدأ مؤخر، وجميعاً حال من الضمير في إشخاصهم، والى موقف متعلق بإشخاصهم.
المعنى:
شريح تابعي، وليس بصحابي، أدرك عصر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما رآه، واستعمله الخليفة الثاني قاضياً على الكوفة، واستمر في هذا المنصب أكثر من ستين سنة حيث عاش مئة أو تزيد ستاً، ومات في خلافة عبد الملك، وكان ذا بديهة وذكاء، تخاصم لديه رجلان، فتكلم المدعى عليه بما يشكل اعترافاً بدعوى خصمه من حيث لا يشعر، فأدانه شريح، ولما سأله : من الذي شهد عليه قال له شريح : شهد عليك ابن أخت خالتك.. وجاءته امرأة تبكي وتتظلم، فما رق لها، ولما عوتب قال : إن اخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون.
وفي «الأغاني» ج 16 ص 36 الطبعة القديمة : إن الإمام فقد درعاً، ثم رآها مع يهودي، فقال له : هذه درعي سقطت مني كذا وكذا. فقال يوم اليهودي : ما أدري ما تقول، وبيني وبينك قاضي المسلمين، فانطلق معه الإمام الى قاضيه شريح، ولما رآه قام له من مجلسه، فقال له الإمام : مكانك، فجلس وقال لليهودي : ما تقول ؟ قال : درعي في يدي، فطلب القاضي البيئة من الإمام، فاستشهد بولده الحسن ومولاه قنبر. فقبل شريح شهادة المولى لسيده، ورد شهادة الولد لوالده. قال له الإمام : أما سمعت حديث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ؟». قال شريح : اللهم نعم. وبالرغم من ذلك تنازل الإمام عن الدرع تنفيذاً لحكم قاضيه.
فأكبر اليهودي ما رأى وقال : أمير المؤمنين مشى معي الى قاضيه، فقضى
غليه ورضي، ثم قال اليهودي للإمام : صدقت، انها درعك، سقطت منك في اليوم الذي ذكرت عن جمل أورق - أي رمادي اللون فالتقطتها، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله. فسر الإمام بإسلامه وقال : الدرع لك ومعها هذا الفرس، وقد فرضت لك 900 درهم. ولم يزل الإمام حتى قتل يوم صفين.. وقد كفانا اليهودي المسلم عن الكلام حول هذه المنقبة والفضيلة.
وقال الشريف الرضي : إن شريحاً قاضي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً، فبلغه ذلك فاستدعاه وقال : (بلغني انك ابتعت داراً الخ). كان الإمام شديداً على عماله وقضاته، وعلى كل من يأتمنه على عمل، وكانت مواعظه اللافحة تلهب قلوبهم وأرواحهم خشية الخيانة أو التقصير.. ومن هنا قال من لا يفهم إلا بلغة صكوك البيع والشراء، قال : علي لا يحسن السياسة.. أجل، انه لا يحسن، بل لا يستطيع إطلاقاً أن يخون أمانة الله وعيال الله. ويأتي قوله لبعض عماله : ان عملك ليس لك بطعمة، ولكنه أمانة في عنقك
(فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك الخ).. لا بأس عليك أبداً أن تشتري أو تبتني بكد اليمين اما أن تسكن أو تأكل أو تلبس على حساب الآخرين فإنك تلهو به قليلاً، وفي النهاية وبال عليك وخسران (اما انك لو كنت انيتني الخ).. وهذه الحدود التي ذكرها الإمام هي حدود حقيقية للدنيا لا لدار شريح وكفى، وقد أخذها الإمام من القرآن الكريم الذي قال عن الحياة الدنيا : أنها لعب ولهو وزينة وتفاخر وزخرف وفناء ومتاع الغرور، وان الآخرة هي دار البقاء، وان الناجح الرابح من فاز بها لا من فرح يسيراً، وحزن طويلا.
(فما أدرك هذا المشتري الخ).. المبلبل والسالب والمزيل هو ملك الموت، ونجد : من التنجيد أي النقش والتزيين، والمراد بالاعتقاد هنا ادخار المال لمجرد الكنز والتكديس، ونظر للولد أي جمع له ليحيا من بعده براحة وهناء، والمعنى ان كل من بنى جداراً من حرام، واكتسب درهماً من غير حل فقد أقام حجاباً بينه وبين الله، تم يجرده الموت من كل شيء، ويسوقه عرياناً الى العرض على الله للحساب والجزاء تماماً كما فعل من قبل ويفعل من بعد بالجبابرة والقياصرة.
(إذا وقع الأمر بفصل القضاء الخ).. المراد بالأمر أمر الله تعالى، وبفصل القضاء حكمه الذي لا يرد، وعندئذ يربح ويفوز الأمين المخلص، ويخسر ويهلك الخائن المنافق (شهد على ذلك العقل الخ).. لحكمه بالعدل الإلهي الذي لا يستوي عنده مصير البر والفاجر، والمؤمن والكافر وهل من عاقل على وجه الأرض يشك في هذا المبدأ : «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» ؟.
فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلُّ الطَّاعَةِ فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ تَوَافَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشَّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ فَانهَدْ يَمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ، وَأَسْتَغْنِ بمن أنقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ فَإِنَّ المتكارة مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ شُهُودِهِ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ.
اللغة :
توافت : أدت، وقيل : تتابعت وتمت، والأول أنسب بالسياق. وانهد : انهض. وتقاعس : أبطأ والمتكاره : الكاره، وقيل : المتثاقل، والمعنى قريب من الأول.
المعنى :
وصل أصحاب الجمل الى البصرة، وعليها عامل الإمام عثمان بن حنيف، فكتب اليه بخبرهم، فأجابه بقوله : (فان عادوا الى ظل الطاعة الخ).. «وان
جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ - 61 الأنفال (وان توافت الأمور الخ). فإن أبوا إلا العنف والفتنة فاقض عليها بالجهاد، ولا تكره عليه (فإن المتكاره مغيبه خير من شهوده) ذلك ان الجهاد الحق لا يكون ولن يكون إلا بالإيم-ان والعقيدة، فقوة الإيمان وحدها تسوق الانسان الى الجهاد والاستشهاد.. وهل تاريخ الشهداء إلا تاريخ العقيدة ؟ أما الجهاد المشكك والمتثاقل فإنه يفرق الآراء ويصدع الصفوف، والنتيجة الفشل والخسران واذن فعدم الكاره أو المتقاعس خير من وجوده، وغيابه خير من حضوره.
وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَلَكِنَّهُ في عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنتَ مُسْتَرْعى لمَنْ فَوْقَكَ. لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ في رَعِيَّةٍ وَلَا تُخَاطِرَ إِلَّا بِوَثِيقَةٍ وفي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلَّمَهُ إِلَيَّ، وَلَعَلِّي أَنْ لاَ أَكُونَ شَرَّ وَلَاتِكَ لَكَ وَالسَّلامُ.
اللغة :
الطعمة : المأكلة والارتزاق. وتفتات : تستبد. ولا تخاطر : لا تقدم.
الإعراب :
بطعمة خير ليس، والباء زائدة واسمها ضمير مستتر يعود الى عملك و «لك» متعلق بطعمة، والمصدر من أن تفتات اسم ليس الثانية، وخبرها «لك»، ولعلي ألا أكون «ألا» كلمتان «ان» و «لا» والمصدر المنسبك خير لعل.
المعنى :
كان الأشعث بن قيس عاملاً على اذربيجان من قبل عثمان، ولما تولى الإمام الخلافة كتب اليه يطالبه بما في يده من أموال المسلمين، وقال له من جملة ما قال : (وان عملك ليس لك بطعمة الخ).. أنت موظف، والوظيفة أمانة في عنقك لله والمسلمين، وليست مزرعة لك ومتجراً (وأنت مسترعى لمن فوقك). إن عليك الحسيباً ورقيباً، وهو الخليفة، يحصي عليك جميع أعمالك، ويأخذك بها ان خنت وخالفت (ليس لك ان تفتات في رعية) أي تستبد وتستغل الرعية التي أنت لها خادم وأجير.
(ولا تخاطر إلا بوثيقة). لا تقدم على أي عمل إلا وأنت على يقين مسن مكانه وصحته وفائدته، ولديك الحجة الكافية الوافية على ذلك (وفي يديك ما من مال الله) والناس عيال الله، وإذن فالمال لهم ولسد حاجاتهم، وليس لك ولا للخليفة الذي هو عليك حسيب ورقيب (ولعلي الا اكون الخ).. لقد أثنيت على عثمان الذي ولاك، وأرجو أن تثني علي أيضاً.. وفيه إيماء الى انه على الأشعث أن يستقيم على الطريقة وإلا رأى من الإمام ما يكره. وتكلمنا عن هذا الأشعث في شرح الخطبة 19.
إنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثمانَ عَلى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدُّ، وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إمَاماً كَان ذلِكَ لِلهِ رِضْي، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَمْرِهِمْ خَارِجَ بِطَعْنِ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتَّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ووَلاهُ اللهُ مَا تَوَلَّى. وَلَعَمْرِي يَا مُعَاوِيَةُ لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنَ دَم عُثْمَان، وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إلَّا أَنْ تَتَجَنِّى فَتُجِنَّ مَا بَدَا لَكَ وَالسَّلَامُ.
اللغة :
تتجنى : تفتري.
الإعراب :
انه الضمير للشأن، ولعمري اللام للابتداء، وعمري مبتدأ، والخبر محذوف وجوباً أي قسمي، ولئن السلام توطئة للقسم، ولتجدني اللام في جواب القسم الساد مسد جواب الشرط.
المعنى :
بعد أن تمت البيعة للإمام كتب لمعاوية رسالة مع جرير بن عبدالله البجلي، ومنها (انه بايعني القوم الخ) في شرح الخطبة 3 والخطبة 90 نقلنا عن المؤرخين، ومنهم الطبري، ان المهاجرين والأنصار وكثيراً غيرهم بايعوا الإمام بعد امتناعه وقوله : «أنا لكم وزيراً خير مني أميراً، وانه ما مد يده الى البيعة إلا بعد إلحاح الجماعة، والصحابة في الطليعة، ومعهم الزبير وطلحة، وما كتب الإمام لمعاوية إلا تجنباً للفتنة.
قال عبد الكريم الخطيب في كتابه «علي بن أبي طالب» ص 375 و 377 : «لم يكن من طبيعة علي أن يبدأ أحداً بالقتال قبل أن يبدأه، ولم يكن يلجأ الى القتال إلا بعد أن ينذر ويعذر.. كان يقاتل تحت هذا الشرط الذي أخذ به نفسه.. أما مقاتلوه فإنما الحرب عندهم يطلب فيها الغلب والنصر بكل أسلوب ممكن، وبكل وسيلة مسعفة، قال ابن حزم : «في ايام علي كانت وقعة الجمل وصفين وعلم الناس منه كيف كان قتال أهل البغي».
(فلم يكن للشاهد أن يختار) اذا تمت البيعة من أكثرية الصحابة، وحضرها غيرهم - فقد لزمته وليس له أن يرفض ويعترض (ولا للغائب أن يرد) بيعة الإمام الذي بايعه الصحابة. وهذه الحجة تدمع معاوية وأصحاب الجمل، وتلقمهم حجراً.. انهم يعترفون بخلافة الثلاثة لأنها تمت ببيعة المهاجرين والأنصار، وكذلك بيعة الإمام.. فكيف نقضوا هنا ما أبرموه هناك.؟. وقال كثير من أرباب التاريخ والسير : إن بيعة أبي بكر لم يجمع الصحابة عليها، فسعد بن عبادة لم يبايع ولا واحد منأهله، وكذلك بنو هاشم وأنصارهم، وما توقف معاوية وأضرابه عن تصحيح بيعة أبي بكر لامتناع من امتنع عنها. (أنظر ما كتبناه حول التسنن والتشيع في كتاب : فلسفة التوحيد والولاية).
(فإن خرج عن أمرهم خارج الخ).. الضمير في أمرهم للصحابة الذين بايعوا الإمام ومن قبله، والخارج بطعن معاوية، والخارج يبدعة أصحاب الجمل الناكثون، وولاه ما تولى إشارة الى قوله تعالى : «وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا - 115 النساء» أي من ترك الحق واتبع الباطل أو كله سبحانه اليه وعامله بما يستحق.
(ولعمري يا معاوية لئن نظرت الخ) أنت تعلم براءتي من دم عثمان وبدفاعي عنه، ولكنك تكذب نفسك، وتفتري علي لمآرب شيطانية، ولو كنت من المتقين لمنعتك التقوى من أساليب المكر والخداع.. فافعل ما شاء لك الهوى فإن الله بالمرصاد لكل ظالم وآثم.
وقال العقاد في «عبقرية الإمام» فصل «البيعة» : كان معاوية أقدر من الإمام على الدفاع عن عثمان، لأنه كان والياً على الشام عزيز الجند، يستطيع أن يرسله اليه ليحميه من الشدة اللازمة حتى ولو أبى عثمان ذلك.. أما أما علي فقد كان فقد كان موقفه أصعب موقف يتخيله العقل في تلك الأزمة المحفوفة بالمصاعب من كل جانب كان الثوار يحسبونه أول مسؤول عن السعي في الإصلاح، وكان الخليفة يحسبه أول مسؤول عن كف الثوار، ولم يكن في العالم الاسلامي كله رجل آخر يعاني مثل هذه المعضلة التي تلقاه من جانبيه كلما حاول الخلاص منها ولا خلاص».
ثم قال العقاد : «ومع هذا صنع الإمام غاية ما يصنعه رجل متعلق بالنقيضين.. جاءه الثوار وعرضوا عليه البيعة، فلقيهم أسوأ لقاء، وأنذرهم ان عادوا ليكونن جزاؤهم عنده جزاء المفسدين في الأرض». ومعاوية يعرف ذلك أكثر مما يعرفه العقاد، ولكنه يأبى إلا التجني والافتراء على الإمام.
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْني مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصلَةٌ، وَرَسَالَةٌ مُخَبَّرَةُ نَفتَها بضلالِكَ، وَأَمْضَيْتَها بِسُوءٍ رَأيِكَ، وَكِتَابُ أَمْرِى لَيْسَ لَهُ بَصَرُ يَهْدِيهِ وَلَا قَائِدُ يُرْشِدُهُ، قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ، وَقَادَهُ الضَّلَالُ فَاتَّبَعَهُ فَهَجَرَ لَاغِطاً وَضَلَّ خَابِطاً. لأَنها بَيْعَةٌ وَاحِدَةً لَا يُثَنى فِيهَا النَّظَرُ وَلَا يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْخِيَارُ. الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنُ، وَالْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِن.
اللغة :
موصولة : مجموعة من كل واد عصا. ومحيرة : مزينة. وأمضيتها : أجزتها وأنفذتها. وهجر : هذى. ولاغطاً : مصوتاً. وخابطاً : سائراً بغير هدى. والمروي : المفكر. والمداهن : المصانع.
الإعراب :
لاغطاً حال من الضمير المستتر في هجر، الضمير المستتر في هجر، ومثله ضل خابطاً، والهاء في «لأنها» للقصة، وبيعة خبر (أن) وبيان وتفسير للهاء
المعنى:
(أما بعد فقد أتتني منك موعظة الخ).. اتفق الشارحون على ان الخطاب لمعاوية، وانه جواب عن رسالة بعث بها الى الإمام، كما هو صریح قوله : «أتتني منك» واختلفوا في تحديد الرسالة التي أجاب عنها الإمام بهذا الجواب، لأن معاوية بعث الى الإمام أكثر من رسالة.. وأنا كشارح لا أكترث وأهتم إلا ببيان ما قصد الإمام وأراد من كلماته، ويتلخص مراده هنا ان معاوية تعسف وتكلف، وحاول أن يقلد أهل البلاغة والفصاحة في رسائلهم، فجاء كلامه مزيجاً من أقوال شتى، ومعبراً عن غيه وضلاله.
(لأنها بيعة واحدة) لا تتجزأ بطبيعتها الى رضا الصحابة بها، ورفض من عداهم لها (ولا يُثنى فيها النظر) لا تقبل الشك والمراجعة، لأنها محكمة مبرمة (ولا يُستأنف فيها الخيار) لأنها تأباه بطبعها تماماً كالوفاء بالعهد، والصدق في في الشهادة، فما لأحد أن يقول : لي الخيار في أن أفي بما علي، وأشهد بما أريد (الخارج منها طاعن) من رفض ما عقده الصحابة من البيعة فقد عصى وتمرد على الحق، وطعن على أهله (والمروي فيها مداهن) ومن تردد وأبطأ عن البيعة التي عقدها الصحابة فقد داهن ونافق، وما قصد إلا التشويش والتخريب.
أما بَعْدُ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلى الفَصْلِ، وَخُذهُ بِالأمْرِ الجَزمِ ثُمَّ خَيِّرَهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجلِيَةٍ أَوْ سِلْم مُخْزِيَةٍ فَإِن أَختَارَ الْحَرْبَ فَانبذ إِلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَارَ السّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ وَالسّلامُ.
اللغة :
الفصل : الحكم القاطع لكل قول. وحرب مجلية : تجلي العدو عن موقفه، وتلجثه الى العدول عنه. وسلم مخزية : تفرض عليه شروط العدل فيستسلم لها مرغماً. فانبذ اليه : ارم اليه عهد السلم والأمان وأعلن عليه الحرب.
الإعراب :
والسلام مبتدأ والخبر محذوف أي عليك.
المعنى :
في شرح الرسالة السادسة قلنا : إن الإمام أرسلها لمعاوية مع جرير بن عبدالله
البجلي، وأيضاً تقدم في الخطبة 43 : إن أصحاب الإمام أشاروا عليه بالاستعداد لحرب معاوية بعد إرساله جريراً الى الشام، وانه أجاب بقوله : «إن استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم إغلاق للشام.. ولكن وقت لجرير وقتاً لا يقيم بعده إلا مخدوعاً أو عاصياً». ولما مضى الأمد المضروب كتب الإمام الى جرير هذه الرسالة، وملخصها : لا موجب للتأخير والتطويل، وعليك أن تنهي الأمر مع معاوية بكلمة واحدة : البيعة أو الحرب.
فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا وَاجْتِيَاحَ أَصْلِنَا، وَهَمُّوا بِنَا الهُمُومَ وَفَعَلُوا بنَا الْأَفَاعِيلَ، وَمَنَعُونَا الْعَذَبَ، وَأَحْلَسُونَا الْخَوْفَ، وَاصْطَرُونَا إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ، وَأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ، فَعَزَمَ اللهُ لَنَا عَلَى الذَّب عَنْ حَوْزَتِهِ، وَالرَّمي مِنْ وَرَاءِ حُرمتِهِ، مُؤمِنُنَا يَبْغِي بِذلِكَ الْأَجْرَ، وَكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الْأَصْلِ. وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ خِلوٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِحِلْفٍ يَمْنَعُهُ أَوْ عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ، فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بمَكَانِ أَمْنٍ. وكانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) إِذَا أَحْمَرَّ البَاسُ وَأَحْجَمَ النَّاسُ قَدَّمَ أهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ السُّيوف والأسنةِ. فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أَحدٍ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُوته وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ أَسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ
ولكن آجالهُمْ عُجلَتْ وَمَنيْتُهُ أُجِّلَتْ. فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتي التي لا يُدلي أَحَدٌ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَدْعِيَ مُدْع مَا لا أَعرِفُهُ، وَلَا أَظُنُّ اللهَ يَعْرِفُهُ والْحَمْدُ لِلهِ عَلى كُلِّ حَالٍ وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةِ عُثمانَ إِلَيْكَ فإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَلَا إلَى غيرِكَ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعُ عَنْ غَيِّكَ وَشِقَاقِكَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيل يَطْلُبُونَكَ، لا يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ وَلَا جَبَلٍ وَلاَ سَهْل، إلَّا أَنه طَلَب يَسُواك وجدانهُ، وَزَوْرٌ لا يَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ وَالسَّلامُ لِأَهْلِهِ.
اللغة :
قومنا : قريش. والاجتياح : الاستئصال. وهموا : قصدوا. والهموم الأحزان. والأفاعيل : الإساءات. وأحلسونا : ألزمونا. وعزم : أراد وحوزة الله.. دينه وشريعته، وحوزة النبي : جانبه ومكانته. واحمر البأس : اشتد القتال. ومؤتة : مكان في الشام. وسابقتي: فضيلتي. ويدلي : يتوسل. وتنزع : تنتهي. والشقاق : الخلاف. والزور : الزائرون. واللقيان : اللقاء.
الإعراب :
العلب صفة لمفعول محذوف أي العيش العذب، وخلو خبر من أسلم، ومثل الذي مفعول أراد، فيا عجباً أي يا عجبي احضر، وضمير انه للشأن وضمير لقيانه للزور، وأفراده باعتبار اللفظ دون المعنى.
المعنى :
(فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا الخ).. كانت قريش - قبيلة النبي وعلي - تعيش بمكة، وتستأثر بكل وتستأثر بكل الحقوق، وما لأحد معها شيء، ونشأ محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيها يتيم، الأم والأب فكفله جده عبد المطلب سبع سنين، ثم عمه أبو طالب، ولما بلغ الأربعين من عمره اختاره الله لأمره فأنفذه في نفسه وزوجته خديجة وابن عمه علي وغلامه زيد، ثم في نفر قليل.
ثم انتشر ذكر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في بلاد العرب، فأوجست قريش خيفة من رسالته، ونظرت اليها كثورة تجتاح سيطرتها، وتستأصل امتيازها من الجذور وإذن فلا بدع أن تحاول قريش قتل النبي، وتعتبره العدو الألد، وتعتبره العدو الألد، وانه المعتدي والبادىء. وماذا ترقب وتنتظر من قريش وغير قريش، بل مني ومنك أيضاً إذا حاول مريد أن يسلبك كرسي الحكم ومالك من أمر ونهي - ان كان لك شيء منهما ويساوي بينك وبين من تستعبده وتستغله، يساويك به في جميع الحقوق والواجبات.؟. أما الحق والعدل وصالح الجماعة والإنسانية والمسؤولية، أما هذه القيم وأمثالها فكلام فارغ في مفهوم أهل القوة والثروة.
هذا، الى ان قبيلة النبي أرادت العيش معه بسلام، فعرضت عليه المال والسلطان على أن يتنازل عن دعوة المساواة بين الناس، وإنصاف الضعيف من القوي، فرفض وقال : ما جئتكم لأطلب أموالكم والملك عليكم.. إنما أنا رحمة مهداة.. كلكم من آدم وآدم من تراب.. وكلمة لا إله إلا الله لا تنفصل عن كلمة الناس كلهم إخوة وعيال الله ولا يعبدون أحداً سواه.. وافعلوا ما شتم فسأصبر على أذا كم حتى يحكم الله بيني وبينكم.
ولما استيأسوا منه عمدوا الى إيذائه بالقول وبالفعل، فشنوا عليه وعلى رسالته حرب الدعايات الكاذبة والأضاليل، ومن أراد التفصيل فليرجع الى كتب السيرة والتاريخ.. وليس النقل من دأبي إلا لضرورة، أنا أقدرها.. آذوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونكلوا بالكثير من أصحابه، ولكن لم يبلغوا منه ما أرادوا، فأزمعوا على الخلاص منه، وخططوا لقتله بأن يضربوه مجتمعين ضربة رجل واحد، ويذهب دمه هدراً.. فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وبعد، فإن أهل القوة والثروة فعلوا الأفاعيل ضد رسول الله، ما في ذلك ريب، ونحن نلعنهم بعنف، ونتقرب الى الله بلعنهم والبراءة منهم دون ان نحاسب أنفسنا وننظر الى سلوكنا وهل من واحد منا - إذا كان له امتياز واستعلاء - يضمن نفسه أن لا يفعل مع المصلحين ما فعله عتاة قريش مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ وأي فرق بين أبي جهل، وبين من يبيع دينه للشيطان ولا يقيم وزناً إلا لصكوك البيع والشراء ؟ وهل يحق لأحد أن يدعي الدين والانسانية، وهو لا يشعر بآلام من حوله وما حوله ؟ والطامة الكبرى أن لا ترى إلا همك وفريستك، وفي الوقت نفسه تجهل دخيلتك وصفاتك. وبالتالي فنحن وحوش كاسرة، ولكن في صورة إنسان.
(ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه الخ.).. كانت قريش بطوناً وفروعاً، وفي كل فرع منها فقراء ومستضعفون، فإن أسلم واحد منهم كان في أمن وأمان من أذى الطغاة بعشيرته أو حلفائها وأنصارها، أما آل البيت فقد تظاهرت عليهم قوى الشر حتى من العشيرة والأحلاف، وفي طليعتهم عمه أبو لهب الذي نزل فيه وفي امرأته سورة خاصة، ولولا أن يدفع الله عن نبيه بعمه أبي طالب لقضي على الاسلام، وهو في المهد، وهو في المهد، وقال أهل السير والتاريخ : إن أبا طالب عانى الكثير الكثير في سبيل الاسلام ونبيه، وانه كان يستنجد بأخيه أبي لهب، ويستثير فيه النخوة والحمية شعراً ونثراً ليدفع عن ابن أخيه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيرفض، بل وساهم بقسط وافر في أذى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والكيد له، والتأليب عليه، والسبب الأول زوجته أم جميل أخت أبي سفيان التي وصفها القرآن بحمالة الخطب، لأنها توقد نار الفتنة والبغضاء ضد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
(وكان رسول الله اذا احمر البأس الخ).. كانت بدر المعركة الأولى للمسلمين المشركين، واليها أشار سبحانه بقوله : «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ - 123 آل عمران»، وفيها قتل ابن عم النبي عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وفي ج 2 من «أعيان الشيعة» : «قتل الإمام في يوم بدر على اتفاق الروايات خمسة وثلاثين رجلاً من المشركين». وقال عبد الكريم الخطيب في كتاب «علي ابن أبي طالب» ص 131 وما بعدها : «حين نتفرس في وجوه القتلى الذين
أضيفوا الى علي نرى انهم كان وجوه قريش، وأهل العزة والقوة فيها، كما أنهم كانوا رؤوساً في الكفر، والمحادة الله ورسوله، وانه قل أن يكون بيت من بيوت قريش لم ينله سيف علي في معركة أحد تلك الوقعة.. انه بطلها وفارسها».
و قتل عم النبي حمزة في معر، والبها أشار سبحانه بقوله : «إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ - 153 آل عمران». وقال الخطيب في ص 137 : «لقد كان لعلي في يوم أحد من الإطاحة برؤوس أئمة الكفر من قريش ما كان له في يوم بدر». واستشهد ابن عم النبي جعفر بن أبي طالب بمؤتة، وكان حامل الراية، قطعت يداه، وما فر من المعركة، وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن الله أبدله بهما جناحين يطير بهما في الجنة.
(وأراد من لو شئت ذكرت اسمه الخ).. يشير الإمام الى نفسه، وان-ه تمنى الشهادة، وتلهف عليها تماماً كما يتلهف معاوية على الحكم والسلطان، وفي الخطبة 155 : «فقلت: يا رسول الله، فقلت: يا رسول الله، أليس قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين، وحيزت عني الشهادة، فشق ذلك، فشق ذلك علي، فقلت لي : أبشر فإن الشهادة من ورائك فقال لي : ان ذلك لكذلك فكيف صبرك إذن؟ فقلت : يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر».
(فيا عجباً للدهر ! إذ صرت يقرن الخ).. لقد بلغ من فعل الأيام وعجائبها ان يقال : علي ومعاوية !. «هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور» ؟ قال ابن أبي الحديد : «يشير الإمام الى معاوية في الظاهر، والى من تقدم من الخلفاء في الباطن بدليل قوله : لا يدلي أحد بمثلها». وفي الخطبة 3 قال الإمام بصراحة : «متى اعترض الريب في مع الأول حتى صرت أقرن الى هذه النظائر» ؟ وهذا هو الشأن في كل وضع فاسد (الا ان يدعي مدع) كذبا وزوراً بأن له مثل الإمام فضيلة وجهاداً (ولا أظن الله يعرفه) حيث لا عين له ولا أثر، وعلى حد ما قال ابن أبي الحديد : هذا من باب العلم بالسلب لا سلب العلم.
(واما ما سألت من دفع قتلة عثمان اليك الخ).. معاوية لا يعترف بولاية الإمام على المسلمين، ومع هذا يلزمه بواجبات الوالي من رد المظالم والأخذ على أيدي الظالمين تماماً كمن يقول لك : أنا لا أعترف بمعرفتك بالفقه، ومع هذا
عليك أن تفقه الناس !. وقد نبهه الإمام الى هذا التناقض في بعض ما أرسله اليه، وقال : «قد اكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس،، ثم حاكم القوم إلي، أحملك وإياهم على كتاب الله، أما تلك التي تريد فإنها خدعة الصبي عن اللبن في أول الفصال».
هذا، الى ان جماهير المسلمين هي التي قتلت عثمان لأحداث نقموها عليه، بعد أن استعتبوه وأصر.. وهل في مقدور أحد على وجه الأرض أن يحاكم الجماهير ويقتص منها ؟ ومعاوية يعرف ذلك، ولكنه يكذب على نفسه.. وعلى أية حال فإن الجماهير التي يصر معاوية على القصاص منها ستأتيه بنفسها، وتدور عليه دائرة السوء، إن لم يرتدع عن غيه وضلاله.
وأشرنا فيما سبق الى ان معاوية تجاهل دم أن عثمان بعد له الحكم والأمر حتى كأنه لم يحارب علياً تحت راية قميص عثمان ! قال العقاد في عبقرية الإمام: «علل معاوية ثورته على الإمام باتهامه بدم عثمان، فماذا صنع بقاتليه حين صار الملك اليه، ووجب عليه أن ينفذ العقاب الذي من أجله ثار واستباح القتال ؟. انه تبع علياً فيما صنع بقاتلي عثمان عثمان.. وقد ذكره بعض الناس بدم الخليفة، وألحوا في تذكيره فما زاده ذلك إلا إصراراً على الإغضاء والإعفاء».
وَكَيْفَ أَنتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلَابِيبُ مَا أَنتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهجَتْ بِزِينَتِهَا وَخَدَعَتْ بِلَذّتِها. دَعَتُكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتكَ فاتبعتها، وَأَمَرتكَ فَأَطَعْتها، وَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِف عَلى مَا لَا يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنٌّ. فَأَقْعَس عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَخُذْ أَهْبَةَ الْحِسَابِ، وشمّرْ لِما قَدْ نَزَلَ بِكَ، وَلَا تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ، وَإِلَّا تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوح والدم. وَمَتَى كُنتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ وَوَلَاةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ ؟ بِغَيْرِ قَدَم سَابِقٍ وَلَا شَرَفٍ بَاسِقٍ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ الشقاء وَأحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً فِي غِرَّةِ الْأُمْنِيَّةِ مُختلِفَ العَلَانِيَةِ وَالسَّرِيرَةِ.
وقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ فَدَعِ النَّاسَ جَانِبا وَأَخْرُجْ إِلَيَّ وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ لِيُعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينَ عَلَى قَلْبِهِ وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ، فأنا أبو حَسَن قَاتِلُ جَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ السيف مَعِي، وَبِذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلَا اسْتَحدَثْتُ نَبِيًّا. وَإِنِّي لَعَلَى الْمُنْهَاج الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ وَدَخَلْتُمْ فيهِ مُكْرَهِين. وَزَعَمْتَ أَنكَ جِئْتَ ثَائِراً بِعُثمانَ. وَلَقَدْ عَلِمْتَ حيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمَانَ فَاطْلُبُهُ مِنْ هُنَاكَ إِن كُنت طالباً، فَكَانّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضّتكَ ضَجِيجَ الْجَمَالِ بِالْأَثْقَالِ وَكَأني بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي - جَزَعا مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِع وَالْقَضَاءِ الْوَاقِع و مصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ - إلَى كِتَابِ اللهِ، وَهِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ، أوْ مُبايعة حَائِدَة.
اللغة :
جلابيب : جمع جلباب، ضرب من اللباس. وتبهجت : صارت ذات مهجة وحسن. ويقفك : يُطلعك أو يحبسك. والمجن : الترس. وأقعس : تأخر. والأهبة : العدة. وشمر : اجتهد. والمترف : المتنعم. والسابق : الغالب. والباسق : العالي. ومتمادياً : مضى قدماً لا يلوي على شيء. والغرة بكسر الغين الغفلة، وبضمها البياض في الجبهة. والمرين على قلبه : من طغت الذنوب على قلبه. وشدخاً : كسراً. واستحدث : ابتدع. والمنهاج : الطريق الواضح. والمراد بالحائدة هنا الناكثة.
الإعراب :
انه الضمير للشأن، وواقف اسم يوشك، والمصدر المنسبك من أن يقفك خبرها، وفاعل يقفك ضمير مستر يعود على الواقف المتأخر لفظاً والمتقدم رتبة، لأن الأصل يوشك واقف أن يقفك، وألا كلمتان : «ان» الشرطية و «لا» النافية، وجانباً نصب على الظرفية، ومكرهين حال، وكذا ثائراً، وجزعاً مفعول من أجله لتدعوني وليس تمييزاً كما توهم بعض الشارحين، والى كتاب الله متعلق بتدعوني.
المعنى :
كتب الإمام الى معاوية من جملة ما كتب : (وكيف أنت صانع الخ).. لا تخدعنك ما أنت فيه من شهوات وملذات، فإن الموت أمامك، وما بعده أدهى وأمر، فبادر العمل قبل الأجل إن كنت حقاً من المؤمنين، ولا تصغ لمن يغريك بما يرديك.. والإمام يعلم ان معاوية وهب حياته لدنياه، وانه لا يردعه عنها أي رادع، ولكن يقيم عليه الحجة وكفى، عليه الحجة وكفى، والدليل على معرفة الإمام محقيقة معاوية ويأسه منه قوله : (فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه، وبلغ فيك مأمله، وجرى منك مجرى الروح والدم). وكلمة (مترف) تشير الى ان المرء كلما أسرف في الملذات ازداد بعداً عن الروحيات، وتحكمت فيه الأهواء والشهوات، وكفى شاهداً على ذلك قوله تعالى : «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى - 6 العلق».
(ومتى كنم يا معاوية ساسة الخ).. لا ريب أن أبا سفيان كان زعيماً، ولكنه كان زعيم الشرك والجاهلية الجهلاء، ورئيس البغي والعدوان.. قاد الجيوش ضد الاسلام وضد نبي الرحمة، وضد كل عدل وخير، ولما قهره الاسلام استسلم للقوة.. وفي ذات يوم نظر أبو سفيان الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نظرة حائرة، وقال في نفسه : ليت شعري بأي شيء غلبني محمد.!. فأدرك الرسول ما يحاك في صدره، وضرب بكفه بين كتفيه وقال له : بالله غلبتك يا أبا سفيان.
ولما قامت دولة الأمويين باسم الاسلام، وسنحت الفرصة عادوا الى طبيعتهم وجاهليتهم الأولى. وبناء على هذا يكون مراد الإمام من السيادة وففيها عن أمية
I
السيادة الحقة العادلة لا سيادة البغي والعدوان، ويومىء الى ذلك قوله : (ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشقاء) أي سوابق الأسواء كزعامة أمية التي هي شر وبلاء. واذن فعلى معاوية أن يخجل من زعامة أبيه لا أن يفخر بها ويعتز، وهل في حرب الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فخر ومجد ؟.
(واحدر أن تكون الخ).. زعامتك يا معاوية كزعامة أبيك فساداً وضلالاً مع فارق واحد، وهو ان أباك كان حرباً على الاسلام جهرة وبلا رياء، وأنت حرب على الاسلام في الواقع، وسلم له في الظاهر.
(وقد دعوت الى الحرب فدع الناس الخ).. في كتاب «الإمامة والسياسة» لابن قتيبة ص 106 وما بعدها طبعة 1957 ما نصه : «قال علي لمعاوية : علام يقتتل الناس ؟.. أبرز إلي ودع الناس، فيكون الأمر لمن غلب. قال ابن العاص لمعاوية : أنصفك الرجل. فقال معاوية : أنصفك الرجل. فقال معاوية : طمعت فيها يا عمرو قال ابن العاص : أتجبن عن علي وتتهمني.؟ والله لأبارزن علياً ولو مت ألف موتة. فبارزه عمرو، وطعنه علي فصرعه، فاتقاه عمرو بعورته، فانصرف عنه علي حياء وتكرماً وتنزها».
(فأنا أبو حسن قاتل جدك) وهو عتبة بن ربيعة أبو هند أم معاوية، برز اليه يوم بدر عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، واشترك الإمام في قتله (وأخيك) وهو حنظلة بن أبي سفيان، برز اليه حمزة، واشترك الإمام في قتله (وخالك) هو الوليد بن عتبة بن ربيعة قتله الإمام (شدخاً) كسرت رؤوسهم، وفصلتها عن أجسامهم (وذلك السيف معي). أنا من تعلم يا معاوية ما غيرت ولا بدلت إيماناً وعزماً وجهاداً (واني لعلى المنهاج الذي تركتموه الخ).. قال الشيخ محمد عبده : «المنهاج هو طريق الدين الحق لم يدخل فيه أبو سفيان ومعاوية إلا بعد الفتح كرهاً». وقال طه حسين في كتاب «مرآة الإسلام»: «عند الفتح قال أبو سفيان : لا إله إلا الله، وأظهر التردد في الشهادة بأن محمداً رسول الله، ولكنه اضطر آخر الأمر أن يعلنها».
(وزعمت أنك جئت ثائراً بدم عثمان الخ).. وكل الناس يعرفون انك ما حملت قميص عثمان، وحاربت تحت رايته إلا لحاجة في نفسك، وأنت جعلت هذا القميص مثلاً لكل مكر وخداع على مدى الأيام، ولو كنت حقاً تطلب بدم عثمان لطلبته من أصحاب الجمل، ومن نفسك أيضاً، لأنك خذلته، وأنت
قادر على نصرته.
وقرأت كلمة في جريدة «الجمهورية المصرية» تاریخ 25 - 11 – 1970 لكاتب مصري، اسمه علي الدالي، تكلم بوحي التاريخ وبعيداً عن كل ميل وتعصب، ومما جاء في هذه الكلمة : «بدأ معاوية بتعكير الماء في عهد عثمان حتى يحقق أغراضه، فتقوم الفوضى في البلاد، ولا تجتمع كلمة المسلمين، وبذلك يقفز الى السلطة.. ويقضي على الشورى، ويجعل الخلافة كسروية إرثاً لأولاده، ولبني أمية السادة».
(فكأني قد رأيتك تضج من الحرب الخ).. يشير الإمام بهذا الى ما سيحدث لمعاوية وجيشه في صفين من الضعف واللجوء الى المكر والخديعة برفع المصاحف. قال الشيخ محمد عبده : «تفرس الإمام فيما سيكون من معاوية وجنده، وكان الأمر كما تفرس». وقال ابن أبي الحديد : «إما أن يكون قوله هذا فراسة نبوية صادقة، وهو عظيم، وإما أن يكون إخباراً عن غيب مفصل، وهو أعظم وأعجب».
(وهي كافرة جاحدة الخ).. هي تعود الى جماعة معاوية، والمعنى ان منهم من يضمر الكفر ويظهر الاسلام، ومنهم من بايع الإمام ونكث وحارب مع أهل الجمل بالبصرة، ثم مع معاوية بصفين، وكلا الفريقين لا يؤمن بالقرآن ولا يعمل به، ولكن يتخذ منه وسيلة وأداة لأغراضه ومآربه.
فَإِذَا تَزَلْتُمْ بِعَدُوٍّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبَيْلِ الْأَعْرَافِ أوْ سِفّاح الجبَالِ، أَوْ أثناء الأنهار كَما يَكُونَ لَكُمْ رِدَءا وَدُونَكُمْ مَرَدًا. وَلْتَكُنْ مُقاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجِدٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ. وَاجْعَلُوا لَكُمْ رقَبَاءَ فِي صَيَامِي الْجِبَالِ وَمَنَاكِبِ الْهِضَابِ لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُو مِنْ مكانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ. وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوْمِ عُيُونهم، وَعُيُونُ المَقَدِّمَةِ طَلَائعُهُمْ. وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفَرُّقَ، فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَميعاً، وَإِذَا أرتَحلَتُمْ فَارتَحِلُوا جميعاً، وَإِذَا غَشِيكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كفّة، وَلَا تَذُوقُوا النوْمَ إِلَّا غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً.
اللغة :
المعسكر : موضع العسكر. والأشراف : الأماكن العالية. وقبلها : ما استقبلك
منها. وسفاح الجبال - بكسر السين - أسافلها. وأثناء الأنهار : ما انعطف منها. والردء - بكسر الراء - العون. والمرد : من الرد والدفع والصياصي : الأعالي. والمناكب : المرتفعات والهضاب : الجبال. والكفة - بكسر الكاف - المستديرة وغراراً : قليلاً أو خفيفاً. ونوم المضمضة : أن تنام ثم تستيقظ ثم تنام، تماماً كما تأخذ الماء بفمك ثم ترميه.
الإعراب :
إياكم والتفرق إياكم مفعول لفعل محذوف وجوباً أي إياكم احدر، وجميعاً حال، وغراراً صفة لمفعول مطلق محذوف أي ذوقاً غراراً.
المعنى :
ليست الحرب مجرد رجال وسلاح.. انها عدة وعدد، وتخطيط ودهاء، وتحصين وتمويه، وهجوم وانسحاب، ومناورات واستنزاف طاقات.. الى غير ذلك من الأسباب التي لا بد منها للانتصار وكسب المعركة، وقد أشار الإمام في وصيته هذه لبعض جنوده، أشار الى طرف من هذه الأسباب :
1 - أن ينزلوا في مكان حصن يأمنون فيه مباغتة العدو، وإليه أشار بقوله : (فليكن معسكر كم في قبيل الأشراف) أي في مكان مرتفع يحمي ظهوركم وتشرفون منه على العدو (أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار) أو في مكان منخفض كسفح جبل، أو ما يجري مجرى الخنادق بحيث لا يراكم العدو، ولا تصل سهامه اليكم وضرباته لكم عن بعد.
2 - ان يقاتلوا العدو كفرقة واحدة أو فرقتين على الأكثر حسبما تستدعيه الظروف، لأن لأن توزيع القوة يعرضها للخطر، وتوحيدها أدعى للنصر. وأشار الإمام الى ذلك بقوله : (ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين).
3 - ان يتابعوا أخبار العدو، ويتجسسوا على قوته وتحركاته، لأن عمليات الاستطلاع هي التي تقرر نتيجة الحرب، والذي لا يعرف شيئاً عن عدوه يقاتله، وهو مغمض العينين. والى هذا أشار بقوله : (واجعلوا لكم رقباء الخ).
4 - ان يكونوا في آرائهم وأفعالهم، وفي حلهم وترحالهم كرجل واحد، فإن ذلك يبعث الهيبة والرعب في نفس العدو، ويجنب العسكر الكثير من المخاطر. وهذا ما أراده بقوله : (وإياكم والتفرق)
5 - أن يقيموا عليهم في الليل حراساً، وان يكون سلاحهم معداً ومهيئاً، وأن لا يناموا إلا بقدر الحاجة والضرورة كيلا يهاجمهم العدو بغتة، وهم لا يشعرون. واليه أوما بقوله : (وإذا غشيكم الليل).
وبعد فإن هذه الوصايا أو التعليمات أفضل ما يمكن أن يوجهه قائد لرجاله وجنوده في العصر القديم والحديث.
إتق اللهَ الَّذِي لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ وَلَا مُنتَهى لَكَ دُونَهُ. وَلَا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ. وَسِي الْبَرْدَينِ. وَغَوِّرُ بِالنَّاسِ. وَرَفة بالسَّيْرِ. وَلَا تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَهُ سَكَناً وَقَدّرَهُ مُقَاماً لا ظَعْنَاً. فَأرِحُ فِيهِ بَدَنَكَ وَرَوْحْ ظَهْرَكَ، فَإِذَا وَقَفت حين يَنْبَطِحُ السِّحَرُ أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الفَجْرُ فَسِرْ عَلى بَرَكَةِ اللهِ. فَإِذَا لَقِيتَ العَدُوِّ فَقِف مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً، وَلَا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ، وَلَا تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعَدَ مَنْ يَهَابُ الْبَاسَ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ عَلى قِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ والإعذار اليهم.
اللغة :
البردين : الغداة والعشي حيث يكون الوقت بارداً. وغور بالناس : انزل بهم في الغائرة أي في نصف النهار وقت شدة الحر. ورقه : خفف وهون والظعن : السفر. وروح الإبل : ردها الى المراح. وينبطح : ينبسط. والشنان البغضاء. والإعذار : رفع الملامة.
الإعراب :
لا تقاتلن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ومحله الجزم بلا الناهية، والبردين نصب على الظرفية : ولا طعناً (لا) عاطفة، وسطاً صف المحذوف أي موقفاً وسطاً، وقبل متعلق بقتالهم.
المعنى :
(ولا تقاتلن إلا من قاتلك) الخطاب لقائد المحاربين، وهو معقل بن قيس الرياحي وكان الإمام قد أنفذه الى الشام في ثلاثة آلاف مقاتل.. وهذا هو الإسلام، لا عدوان إلا على من اعتدى، فلكل إنسان - كائناً من كان - حرمته المحرومة حتى ينتهك هو حرمته بيده بعدوانه على حرمة غيره (وسر البردين الخ).. لا تسر في الهاجرة، ولا تسرع الخطو وقت المسير، ولا تسافر في الليل لأنه للراحة، ولا تتعب نفسك وجندك ودوابك. والغرض الرفق بالإنسان والحيوان (فإذا وقفت) أي تهيأت للسفر فسر (حين ينبطح السحر) أي ينبسط ويمتد ، والسحر قبيل الفجر (أو حين ينفجر الفجر) يطلع وينشق
(فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك وسطاً) اذا دارت رحى الحرب فكن في قلب الجيش لا في المقدمة ولا في المؤخرة حيث يكون المقاتلون جميعاً بالنسبة اليك على سواء، يمكنك أن تلقي اليهم الأوامر، ويمكنهم مراجعتك فيما أهمهم (ولا تدن من القوم) أي جيش العدو (دنو من يريد أن ينشب الحرب) على كل حال (ولا تباعد عنهم) الى حيث يشعرون بأنك خائف منهم..
وتجدر الإشارة الى أن هذه التعاليم الحربية تتفق مع أيام زمان حيث لا صواريخ وألغام برية وبحرية.
(ولا يحملنكم شنآنهم الخ).. لا يجوز البطش وابتداء القتال إطلاقاً، ومهما تكن الأسباب إلا بعد التفاوض، واليأس من السلم العادل، لأن الإسلام دين السلم لا دين الحرب والعدوان، ودين الاخوة والمساواة لا دين عبيد وسادات.
وَقَدْ أَمَرْتُ عَلَيْكُما وَعَلى مَنْ فِي حَيِّزکما ما مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فاسمعا لَهُ وَأَطِيعًا، واجْعَلاهُ دِرْعاً وَمِجَنّاً، فَإِنَّهُ ممّنْ لا يُخَافُ وَهَنهُ وَلَا سَقْطَتُهُ وَلَا بُطُؤهُ عَمَّا الْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ، وَلَا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا البطء عَنْهُ أَمْثَلُ.
اللغة :
في حيز كما : في إمرتكما. والمجن : الترس. والوهن : الضعف. والسقطة : الغلطة. واحزم : أولى، والحازم : العاقل المجرب. والأمثل : الأفضل.
المعنى :
قالوا : إن الإمام بعث اثني عشر ألف مقاتل كمقدمة الى أهل الشام، وأمر عليهم زياد بن النضر وشريح بن هاني، ثم دعت الأسباب الى أن يرسل مالك
الأشتر أميراً على هذا الجند، فكتب الى زياد وشريح: (وقد أمرت عليكم الخ). قال ابن أبي الحديد : «الأشتر هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث.. وكان فارساً شجاعاً، ومن عظماء الشيعة، شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين ونصره» ثم ذكر ابن أبي الحديد طرفاً من فضائل الأشتر، وقال : روى المحدثون حديثاً يدل على فضيلة عظيمة للأشتر، وهي شهادة قاطعة من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأنه مؤمن، وروى هذا الحديث ابن عبد البر في كتاب «الاستيعاب»، حرف الجيم باب : جندب. ثم ذكر ابن أبي الحديد الحديث بكامله، ورجعت الى (الاستيعاب) فوجدت الحديث بالحروف التي ذكرها ابن أبي الحديد، والخصه فيما يلي مع الحرص والمحافظة على المعنى.
ثقلت الهموم والأسقام على أبي ذر في منفاه بالربذة، وظهرت على وجهه دلائل الموت، فبكت أم ذر، فناشدها أن تستودعه الله، وتبصر الطريق، وتخير من يمر ليساعدها على تجهيزه ودفنه، وتبصر أم ذر نفراً من المسلمين، فسألتهم العون، وأسرعوا، وهم يفدون أبا ذر بآبائهم وأمهاتهم، ولما دخلوا عليه قال لهم : أبشروا فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول لنفر أنا فيهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين. وليس من أولئك إلا وقد هلك في قرية وجماعة، والله ما كذبت ولا كذبت. ولو كان عندي ثوب يسعني كفناً لي ولامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها، واني أنشدكم الله أن لا يكفي رجل منكم كان أميراً.. فكفنه رجل من الأنصار.
وقال صاحب الاستيعاب : كان الأشتر وحجر بن الأبرد مع الذين جهزوا أبا ذر ودفنوه، والذين وصفهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالمؤمنين. وقال ابن أبي الحديد: حجر بن الأبرد هو حجر بن عدني الذي قتله معاوية، وكان من أعلام الشيعة وعظمائها
تكلمت عن أبي ذر في 2 ص ج 264 شرح الخطبة 128، والآن أعطف على ما سبق: ان أديباً جاء الى بيتي في يومي هذا 19 - 11 - 1972 وقال : ما الدليل على أن أبا ذر هو الذي بذر التشيع في جبل عامل ؟ قلت : لا شيء لدي سوى الشهرة والإشاعة. قال : أريدك أن تفكر في ذلك، وتسجل ما
تنتهي اليه من رأي. وبعد انصرافه رأيتني أفكر فيما قال من غير قصد، وانتهيت الى ما يلي :
من الواقع الثابت باتفاق المؤرخين وأرباب السير أن أبا ذر كان يتشيع لعلي أمير المؤمنين، ويجتهد في الدعوة اليه سراً وجهراً، وانه نفي الى دمشق، وان الجماهير أقبلت عليه أيما إقبال، وترددت أصداء كلماته وعظاته في جميع بلاد الشام، وكان يزداد عدد الذين يحضرون مجلسه يوماً بعد يوم، وكان يغرس في نفوسهم الثورة على الطغاة، وحب آل الرسول منار العلم والعدل حتى أحس معاوية ان الأرض تميد من تحته.
وكان أهل جبل عامل يقصدون دمشق في أكثر أيامهم، يبيعون فيها ما عندهم من ناتج، ويشترون منها حاجاتهم، لقربها من جبلهم، ولأنها مركز الحكم وعاصمة الإقليم، وكان خبر أبي ذر قد انتشر في كل ناحية من نواحي الشام، وتقصده الناس زرافات ووحداناً : فمن الجائز القريب جداً أن جماعة من العامليين الذين كانوا يكثرون التردد على دمشق قد اجتمعوا اليه، واستمعوا منه، وآمنوا بكلماته وعظاته، وبشروا بها بعد أن عادوا الى بلادهم عادوا الى بلادهم، فانتشر فيها التشيع عن هذا الطريق.
وإذن فليس من الضروري - في إسناد التشيع بجبل عامل الى أبي ذر - أن يذهب هو بنفسه الى هذا الجبل، فإن أكثر الرسالات والأفكار تنتشر عن طريق النقباء والسفراء، كما انتشر الاسلام وغير الاسلام. ثم تفرع عن النواة التي غرسها أبو ذر، أو عن شجرتها بطريق أو بآخر اثنا عشر فرعاً أي إماماً وليس ذلك من قصدنا في هذا المقام، وانما الغرض الأول والأخير هو أن نثبت إمكان نسبة التشيع من حيث هو في جبل عامل الى هذا الصحابي العظيم.
لَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ على حجة، وترَكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ. فَإِذَا كَانَتِ الهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اللهِ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلَا تُصِيبُوا مُغوراً، وَلَا تُجهزوا على جريح. وَلَا تَهِيجُوا النِّسَاءِ بِأَذًى وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَسَبَيْنَ أَمَرَاءكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالْأَنفُسِ وَالْعُقُولِ. إنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمَشْرِكَاتٌ. وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ليَتَنَاوَلُ المرأة في الجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
اللغة :
معوراً : عاجزاً عن الدفاع يستطيع قتله كل إنسان. ولا تجهزوا : لا تقتلوا.
ولا تهيجوا : لا تثروا. والفهر : الحجر. والهراوة : العصا.
الإعراب :
حجة أخرى خبر لترككم، وان كان «ان» مخففة، ومهملة عن العمل، واللام في لنؤمر فارقة بينها وبين «ان» النافية، ومثلها وان كان الرجل.
المعنى :
(لا تقاتلوهم حتى يبدأوكم) تقدم مثله قبل قليل في الرسالة 12. وفي شرح ابن أبي الحديد عن الإمام أنه قال : ما نُصرت على الاقران الذين قتلتهم إلا لأني ما ابتدأت أحداً بقتال ومبارزة (فإنكم بحمد الله على حجة) وهي الآية 9 من سورة الحجرات : «فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ»، (وترككم إياهم حتى يبدأو كم حجة أخرى) لأن البادىء هو الظالم. قال الإمام : «للظالم غداً بكفه غصة، كناية عن الندم، وإشارة الى قوله تعالى : «يوم بعض الظالم على يديه - 27 الفرقان».
(فإذا كانت الهزيمة الخ).. من العذو فدعوا من هرب وشأنه، ولا تتعرضوا له بسوء وأيضاً لا تتعرضوا للعاجز الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا تقتلوا جريحاً، وإياكم والنساء وإن أسأن اليكم بالقول وهذه هي تعاليم الإسلام. ولذا أسندها الإمام الى نبي الرحمة بقوله : (وان كنا لتؤمر - أي كان رسول الله يأمرنا - بالكف عنهن وانهن المشركات). وعلق الشيخ محمد عبده على ذلك بقوله : «هذا حكم الشريعة الإسلامية، لا ما يتوهمه جاهلوها من إباحة التعرض لأعراض الأعداء نعوذ بالله». وقال الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : نهى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يلقى السم في بلاد المشركين وعن قتل النساء والولدان في دار الحرب.. وعن الأعمى والشيخ الفاني.. وما بيت عدواً قط في ليل.
وبالمناسبة كانت الطائرات الأمريكية في فيتنام تحلق فوق الغيوم والسحب الماطرة، وتبذر فيها المواد السامة قبل أن ينزل منها الماء حتى اذا جاء الأوان أمطرت سماً
قاتلاً.. وبهذه العملية ونحوها أتلفت مليوني هكتار من الغابات بما فيها عدا الحقول والبساتين.. قال، عز من قائل : «وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ - الحج». وعليه يحق لنا أن نسمي هذه الحرب حرباً على الله وعدله وحكمته.
اللهُمَّ إِلَيْكَ أَفضَتِ القُلُوبُ. وَمُدَّتِ الْأَعْنَاقُ. وَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ، وَنُقِلَتِ الْأَقْدَامُ، وَأَنْضِيَتِ الْأَبْدَانُ، اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْتُومُ الشَّنَآنِ. وَجَاشَتْ مَرَاجِلُ الْأَصْغَانِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا. وَكَثرَةَ عَدُوِّنَا، وَتَشَتَّتَ أَهْوَائِنَا. «رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين». لَا تَشْتَدَّنْ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةً وَلَا جُولَةٌ بَعْدَهَا حَمَلَةٌ، وَأَعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقها. وَوَطِّئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا وَأَذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلى الطِّعْنِ الدَّعْسِيِّ وَالضَرب الطَّلَحْفي وأَمِيتُوا الْأَصْوَات فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلفَشل. فَوَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأ النَّسَمَةَ مَا أَسْلَمُوا وَلَكِنِ اسْتَسْلَمُوا وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَلَمَّا وجدوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ.
اللغة :
أفضت : وصلت. وشخصت : ارتفعت. وأنضيت : هزلت. وصرح : انكشف. وجاشت : غلت. والمراجل : القدور. والأضغان : الأحقاد. ولا تشتدن : من الشدة والصعوبة. والمراد بالجولة هذا الهزيمة لقوله : «بعدها حملة» تماماً مثل «فرة بعدلها كرة». واذمروا : حرضوا. والدعسي : يدعس قلوب الأعداء. والطلحفى : الشديد. والنسمة : الخلق.
الإعراب :
بعدها خبر مقدم، وكرة مبتدأ مؤخر، ومثلها بعدها حملة، وقال ميثم :الياء في الطلحفى للمبالغة، وما أسلموا جواب القسم، وهو فوالذي فلق الحبة.
المعنى :
قال الشريف الرضي كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول اذا لقي العدو محارباً : (اللهم اليك افضت - الى – الأبدان). أبداً لا هدف للإمام من الحرب إلا وجه الله وحده، فلا نية ولا خطوة ولا كلمة ولا شيء من وراء القتال إلا رضوان الله سبحانه، وغيظ من كفر بالله وعصاه : «وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ - 120 التوبة»
ثم بين الإمام السبب الموجب لقتاله، بينه بقوله : (اللهم قد صرح مكنون الشنان) لك وفارت أحقاد الجاهلية في صدور المنافقين على نبيك الكريم، فأعلنوا الحرب من بعده على أهل بيته (اللهم إنا نشكو اليك غيبة نبينا وكثرة عدونا الخ). وفيه ايماء الى ان المنافقين من قريش لم يجرأوا في عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على إظهار أحقادهم على رسول الله ورسالته، فأضمروها حتى أتيحت لهم الفرصة بموت الرسول الأعظم، فاقتصوا منه بشخص أحب الخلق الى قلبه، وهم أهل البيت.
وفيما سبق أشرنا إلى ما جاء في كتاب «علي بن أبي طالب» لعبد الكريم الخطيب ص 146، وهو ما نصه بالحرف : «حين يمتحن المسلمون بتلك الفتن التي أطلت برأسها بعد وفاة النبي، وحين تقف قريش في وجه بني هاشم، وحين تذودهم
عن الخلافة، ثم تنالهم بسيوفها، فتقتل شيبهم وشبابهم وصبيانهم، وتشرد بعقائلهم و حرائرهم، وكأنها انما تثأر بهذا لقتلاها في بدر وأحد».
وقال الشريف الرضي : وكان الإمام يقول لأصحابه عند الحرب : (لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة). فيه ايماء الى ان بعض أصحابه فروا من ميدان القتال ثم ضعب ذلك عليهم، فخفف عنهم الإمام وقال : لا بأس بالفرار إن دعت اليه الضرورة على أن يعود الفار الى مكانه في الميدان، والمهم أن يكون على نية الجهاد والتضحية.. وقد فر وقد فر الصحابة عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أحد حتى خلص اليه المشركون، وجرحوا وجهه الشريف، وكسروا رباعيته، وهشموا البيضة على رأسه، وأيضاً فروا عنه يوم حنين حتى قال أبو سفيان شامتاً : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر.
(ولا جولة بعدها حملة) عطف تفسير على ما قبلها (واعطوا السيوف حقوقها) من الضرب في هام المعتدين (ووطئوا للجنوب مضارعها) أي هيئوا يضرباتكم المحكمة أماكن لسقوط الأعداء صرعى (واذمروا أنفسكم على الطعن الدعسي، والضرب الطلحفى) حرّضوا أنفسكم على الجهاد والعزم ان تطعنوا الطعن القاتل، وتضربوا الضرب المميت (وأميتوا أصواتكم) لا ترفعوها، وتقدم مثل هذا والذي قبله مع الشرح في الخطبة 122.
(فوالذي فلق الحبة الخ).. قال المعتزلي ابن أبي الحديد : (أقسم الإمام ان معاوية وابن العاص، ومن والاهما من قريش ما أسلموا، ولكن استسلموا خوفاً من السيف ونافقوا، فلما قدروا على إظهار ما في أنفسهم أظهروه). واتفق المسلمون كلمة واحدة على انه كان بين الصحابة منافقون، لأن الله سبحانه أنزل فيهم سورة خاصة. وقال المفسرون : ان جماعة من المنافقين الذين كانوا يصلون خلف النبي ويحاربون معه - اتفقوا على اغتياله والفتك به، فأخبره الله عنهم فاحترز منهم، ونزل فيهم : «وهموا بما لم ينالوا - 74 التوبة» لا
فَأَما طَلَبُكَ إِلَيَّ السَّامَ فَإِنِّي لَمْ أكُنْ لِأُعْطِيكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ. وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلَّا حُشَاشَاتِ أَنفُسِ بَقِيَتْ أَلَا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النَّارِ. وأَما اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلى الشَّكُ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ. وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ. وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافِ فَكَذَلِكَ نَحْنُ. وَلَكِنْ لَيْسَ أُمَيَّه كَهَاشِمٍ، وَلَا حَرْبُ كَعَبْدِ الْمُطَّلِب. وَلَا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ. وَلَا الْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ، وَلَا الصَّرِيحُ كَاللّصِيقِ، وَلَا الْمُحِقُ كَالْمُبْطِلِ، ولَا الْمُؤْمِنُ كَالمُدْغِلِ. وَلَبِئْسَ الْخَلَفُ خَلَفٌ يَتبَعُ سَلَفاً هَوَى في نَارِ جَهَنَّمَ. وَفِي أَيْدِينَا بَعَد فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أذللنا بِهَا العَزِيزَ وَنَعَشنَا
بها الذليل. وَلَمَّا أَدْخَلَ اللهُ الْعَرَبَ في دِينِهِ أَفْوَاجاً وَأَسْلَمَتْ لَهُ هذِهِ الْأُمَّةُ طَوْعاً وَكَرْهاً كُنتُمْ مِمنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ إِمَّا رَغْبَةً وَإِما رَهْبَةٌ عَلى حِينِ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ، وَذَهَبَ الْمُهَاجِرُونَ الأولُونَ بِفَضْلِهِمْ. فَلَا تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً، وَلا عَلى نَفْسِكَ سبيلاً.
اللغة :
حشاشات أنفس : بقايا أنفس. والطليق : من أطلق بعد أسر وإذلال واللصيق : الدعي. والمدخل : المفتن المفسد. ونعشنا : رفعنا. وأفواجاً : جماعات.
الإعراب :
خلف مبتدأ، وهو المراد من الدم، وخبره جملة بئس الخلف، ويجوز أن يكون خيراً لمبتدأ محذوف أي هو خلف، وجملة يتبع صفة، وأفواجاً حال، وطوعاً وكرها مصدران في موضع الحال أي طائعين وكارهين.
المعنى :
(فأما طلبك إلى الشام). كتب معاوية الى الإمام، وقال فيما قال : كنت سألتك الشام فأبيت، وأنا أدعوك اليوم الى ما دعوتك اليه أمس. فقال الإمام: (فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس). قال الشيخ محمد عبده معلقاً على هذا : «كتب معاوية الى علي يطلب منه أن يترك له الشام.. فأجابه أمير المؤمنين مما ترى». وقال ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة» ص 95 طبعة سنة 1957: «طلب معاوية من علي أن يجعل له الشام ومصر جباية، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده بيعة في عنق معاوية». ونقل ذلك بعض الشارحين
عن «مروج الذهب» للمسعودي، وكتاب «صفين» لنصر بن مزاحم، وكتاب «قيس الكوفي».
ولا عجب أن يطلب معاوية الشام طعمة، ولا يحتاج طلبه هذا الى سند وإثبات، لأنه بطبعه يحمل الدليل على صحته.. فإن الذي يعطي مصر طعمة وجباية لابن العاص يطلب الشام وأكثر من الشام لنفسه طعمة وجباية. وأيضاً لا عجب أن يرفض الإمام هذا الطلب، لأن من حرم أموال المسلمين على نفسه فبالأحرى ان يحرمها على غيره. وتقدم في الخطبة 124 قوله : (أتأمرونني أن أطلب النصر.. بالجور لو كان هذا المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله».
وأيضاً قال معاوية في كتابه الإمام : رقت الأجناد، وذهبت الرجال، وأكلت الحرب العرب إلا حشاشات أنفس. فقال الإمام : (ومن أكله الحق فإلى الجنة، ومن أكله الباطل فإلى النار). نحن سلم لمن سالم الحق والعدل، وحرب على من حاربهما وعائدهما، ولا نساوم أبداً على دين الله، ولا نستسلم للباطل وأهله مهما كانت الظروف، ونستميت دون الحق، ومن مات، ومن مات في نصرته فهو مع أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، ومن مات في نصرة البغي فمصيره الى النار وبئس القرار.
وقال معاوية في كتابه المذكور : أنا وأنت في الحرب والرجال سواء. يشير بهذا إلى أنه يفاوض الإمام، ويساومه على الشام من مكان القوة، لا من مكان الضعف. فقال الإمام : (فلست بأمضى على الشك مني على اليقين الخ).. أما قولك عندك رجال ومحاربون فصحيح، وأما قولك نحن في الحرب سواء فبعيد عن الصواب، لمكان الفرق بين من يحارب وهو على بينة من أمره، ويقين من حقه، وبين من يحارب وهو على يقين بأنه كاذب ومخادع في حربه، أو يشك أو يشك - على الأقل - فالأول ينطلق من موقع العقيدة والايمان، ويصنع الانتصارات بجرأته وتضحياته، كأهل العراق الذين يحاربون طلباً لمرضاة الله وثوابه في دار الخلود، والثاني ينطلق من موقع الشك،، وقلبه مفعم بالرعب، كأهل الشام الذين يحاربون معك طمعاً بحطام الدنيا.. واذن فلا مبرر للمقارنة والمعادلة. والى مثل هذا أشار سبحانه بقوله: «وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ - 105 النساء». وضمير المخاطب في الآية للمؤمنين، وضمير الغائب لأعدائهم الكافرين.
وأيضاً قال معاوية للإمام في كتابه : نحن بنو عبد مناف، وليس لبعضنا فضل
على بعض. فقال الإمام : (فكذلك نحن). تنقسم قريش الى بطون : منها بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، والإمام هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ومعاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف (ولكن ليس أمية كهاشم الخ). قال الشيخ محمد عبده في تعليقه : صفات الخير كلها لبني هاشم، وصفات الشر لبني أمية.
وقال العقاد في كتاب «أبو الشهداء» : «الهاشميون والأمويون من أرومة واحدة ترتفع الى عبد مناف، ولكن الأسرتين تختلفان في الأخلاق، فبنو هاشم في الأغلب أريحيون، ولا سيما أبناء فاطمة الزهراء، وبنو أمية في الأغلب نفعيون ولا سيما الأصلاء منهم.. كان الهاشميون سراعاً الى النجدة ونصرة الحق والتعاون عليه، ولم يكن بنو أمية كذلك».
وقال أحمد عباس صالح في كتاب «اليمين واليسار» ص 122 طبعة سنة 1972 : «لقد تربى معاوية في حجر أبي سفيان رأس القوى الرجعية في مكة، وتربى علي في حجر النبي بكل ما تحمله النبوة من فداء وتضحية وايجابية للخير المطلق.. إن معاوية هو القطب الأزلي الكامن في الكون، قلب السلب المطلق - أي الشر وقد تصادم القطبان - أي علي ومعاوية - السالب والموجب بقدر ما تتيح الامكانية البشرية أن تكون سلباً مطلقاً، أو ايجاباً مطلقاً»
(ولا المهاجر) الى الله ورسوله وهو الإمام (كالطليق) ابن الطليق وهو معاوية (ولا الصريح) الواضح النسب (كاللصيق) بغير أبيه. قال العقاد في كتاب «أبو الشهداء» : «في نسل أمية شبهة نشير اليها ولا نريد، فهي محل الإشارة والمراجعة في هذا المقام. دخل دغفل النسابة على معاوية فقال له : من رأيت من علية قريش ؟ قال : رأيت عبد المطلب بن هاشم، ورأيت أمية بن عبد شمس. فقال له معاوية : صفها لي. قال : كان عبد المطلب أبيض مديد القامة، حسن الوجه، في جبينه نور النبوة وعز الملك ورأيت أمية شيخاً قصيراً نحيف الجسم ضريراً يقوده عبده ذكوان. قال معاوية : ذاك ابنه. قال دغفل : ذاك شيء أحدثتموه، وأما الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به».
(ولبئس الخلف الخ).. أنت معاوية، تفخر بآبائك وأجدادك، وهم وقود النار (وفي أيدينا بعد فضل النبوة الخ).. أما الإمام فإنه يعتز بالله وبالإسلام
الذي أذل الطغاة، ورفع من شأن المستضعفين، وأنصفهم من الأقوياء المعتدين (ولما أدخل الله العرب في دينه الخ).. كنتم يا معاوية ألد أعداء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أطلقتم حوله الشائعات والدعايات، وجمعتم لحربه الجيوش لا لشيء إلا لأنه كان مع الضعيف ضد القوي، ومع الفقير ضد الغني، ولما انتشر الإسلام في الجزيرة العربية وخاب منكم الأمل استسلمتم للقوة، وقلتم : عسى أن يكون الإسلام تجارة رائحة في الحياة الدنيا.. وقد ظهرت أحقادكم على الرسول والرسالة في مقاصدك وأفعالك بعد أن اختار الله نبيه الى جواره.
وتسأل : ان بعض الناس يثنون على معاوية فما هو السر ؟.
الجواب :
جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل : انه سأل أباه عن ومعاوية ؟ فقال : اعلم ان علياً كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيباً فلم يجدوه، فجاءوا الى رجل قد حاربه وقاتله فاطروه كيداً منهم لعلي. وبعد أن نقل العقاد هذا الخبر في كتاب معاوية قال : «هذه دخيلة من دخائل النفس الصغيرة لا تصدر الثناء عن حب للمثنى عليه، بل حقداً على غيره، وكثير من هذا الحقد تبعثه الفضائل، ولا تبعثه العيوب. ان تاريخ معاوية لا يحتاج الى مزيد من تفصيل، وإنما يحتاج الى تصحيح الموازين التي تؤتى من قبلها احكام الناس على الحوادث والرجال».
أعْلَمْ أَنَّ البَصْرَة مَهْبِطُ إبْلِيسَ وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ، فَحَادِتْ أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ ليْهِمْ، وَاحْلُلْ عُقْدَةَ الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ. وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تميمٍ وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ بَنِي تميم لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجم الأ طَلَعَ لهم آخَرُ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا يَوَهُم فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسلام. وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً وَقَرَابَةٌ خَاصَّةٌ نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا وَمَأْزُورُونَ عَلى قَطِيعَتِهَا. فَارْبَعَ أَبَا الْعَبَّاسِ رَحِمَكَ الله فيما جرى على لسانك ويدك وَيَدِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٌ فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذلِكَ، وَكُنْ عِندَ صَالِحٍ ظَني بك، وَلَا يَفِيلَنَّ رَأْيِي فِيكَ. وَالسّلامُ.
اللغة :
حادث : فعل أمر، عامل أو تعهد. والتنمر : التنكر. والوغم : الحرب والحقد. وماسة : قريبة. ومأزورون: آئمون. اربع : ارفق او قف. ويفيل : يضعف.
الإعراب :
المصدر من ان البصرة ساد مسد مفعولي اعلم، وأبا العباس أي يا أبا العباس، والسلام مبتدأ والخبر محذوف أي والسلام عليك.
المعنى:
قال الشريف الرضي : كان ابن عباس عاملاً للإمام على البصرة، فأرسل اليه كتاباً قال فيه : (ان البصرة مهبط إبليس، ومغرس الفتن). كناية عن كثرة ما يحدث فيها من فتن وضلال، وانها ملجأ لمن يفسد في الأرض، ويخرج على النظام.. وفيها حدثت أول فتنة كبرى في الإسلام حيث استقبلت الجمل وأصحابه، وحاربت تحت لوائه، وجرأت أهل الشام على شق العصا (فحاد أهلها بالإحسان اليهم). ارفق بهم، وقربهم منك بالمعروف منك بالمعروف، عسى أن يسكنوا اليك فيسمعوا ويطيعوا : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - 34 فصلت».
(واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم). كان أهل البصرة جنود الجمل وحماته، ولما انعقرت قوائمه ذلوا واستسلموا، وخافوا أن يعاملهم الإمام بما يستحقون، فأوصى عامله عليهم أن يعاملهم بالحسنى، ويبدلهم من يعد خوفهم أمناً (وقد بلغني تنمرك لبني تميم الخ).. لأنهم أو الكثير منهم كانوا الركن الركين للجمل و هودجه (وان بني تميم لم يغب لهم نجم الخ).. وان مات منهم سيد قام سيد.
(وانهم لم يسبقوا بوغم الخ).. لم يهدر لهم دم لشجاعتهم وبأسهم على حد تفسير ابن أبي الحديد، ونقل هذا الشارح الكثير من مآثر بني تميم وخصالهم التي «ملأت السهل والجبل». وكان في سابق الأزمان كل من يحفظ المناقب والمثالب أو يدونها - يُعد من العلماء الأعلام. والعالم الطيب اليوم في مفهوم الواعين الطيبين هو الذي يخدم الحياة ويطورها، ويجعلها أكثر خصباً وعدلاً وأمناً.
(وان لهم بنا رحماً ماسة). يشير الى أن بني هاشم يلتقون بالنسب مع بني تميم في إلياس بن مضر.. ولكن الإمام قال : القريب من قربته الأخلاق.. ورب قريب أبعد من بعيد، ورب بعيد أقرب من قريب ورب بعيد أقرب من قريب.. ولكن هذا لا يمنع من الإحسان لمن أساء. ومن أقواله : عاتب أخاك بالإحسان اليه، واردد شره بالإنعام عليه (ومأزورون على قطيعتها) المراد بالوزر هنا ترك الأولى والأرجح.
(فاربع أبا العباس الخ).. أنت موظف مسؤول أنت موظف مسؤول عن الرعية، ولا يحق لأي موظف أن يصدر عن ذاته وميوله لأن صفة الوظيفة تمحو الصفة الشخصية، ومن هنا رأينا الأنبياء والمصلحين لا يدخلون في حسابهم المنافع الشخصية (فإنا شريكان في ذلك). أنت مسؤول عمن لديك أمام الله والناس، وأنا مسؤول عنك أيضاً أمام الله والناس، لأني مهدت لك السبيل. وبكلمة قصيرة كلانا مسؤول على أساس المهمة والوظيفة.. ولكن أولاد الحرام رؤساء ومرؤوسين يتخذون من الوظيفة متجراً ومكسباً على حساب الكادحين والمستضعفين. وتكلمنا حول هذا الموضوع في شرح الخطبة 120 فقرة : حول عشاق الكراسي.
أَما بَعْدُ فَإِنَّ دَهَاقِينَ أهل بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً، وَاحْتِفَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أهلاً لأنْ يُدْنَوا لِشِرْكِهِمْ وَلَا أَنْ يُقْصَوْا ويجفوا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسَ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللَّينِ تَشُوبُهُ بِطَرفٍ مِنَ الصَّدْةِ، وَدَاوِل لَهُمْ بَيْنَ القَسْوَةِ وَالرَّافَةِ، وَأَمْزجُ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيب وَالْإِبْعَادِ وَالْإِقْصَاءِ إِنْ شَاء الله.
اللغة :
دها قين: زعماء. والجلباب : ضرب من اللباس. وداول. فسره الإمام بقوله : بين القسوة والرأفة وبين الإدناء والإقصاء.
الإعراب :
دهاقین : جمع دهقان معرب أي اسم نكرة تلقته العرب من العجم، وعليه يكون مصروفاً.
المعنى:
(أما بعد، فإن دهاقين أهل بلدك الخ).. الخطاب من الإمام لبعض عماله ولم يشر الشريف الرضي وابن أبي الحديد وميثم الى اسم هذا العامل. ويرى بعض الشارحين انه عمر بن أبي سلمة، وأمه أم سلمة زوجة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وان-ه كان أميراً على فارس، وأهلها كانوا آنذاك على الشرك... ومهما يكن فإن ظاهر الكلام يدل على ان نفراً من رؤوس المشركين كان بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق شكوا الى الإمام غلظة عامله وقسوته، فكتب اليه أن لا يسيء اليهم لمكان العهد، ولا يدنيهم منه لمكان الشرك، ويسلك معهم منهجاً وسطاً، ومعنى هذا أن يدعهم وشأنهم.
وتسأل : كيف نهى الإمام عن إدناء المشركين، والله سبحانه يقول : «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ - 8 الممتحنة» ؟.
الجواب :
الإدناء شيء والبر والعدل شيء آخر، فليس من الضروري اذا أحسنت وعدلت مع انسان أن تقربه اليك، وترفع من شأنه.
وَإنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَا صَادِقاً لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ كُنْتَ مِنْ فَي الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً لأشُدَّنُ عَلَيْكَ شَدَّةٌ تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ ثَقِيلَ الظَّهْرِ صَئِيلَ الْأَمْرِ. وَالسَّلَامُ.
اللغة :
الشدة - بفتح الشين - الحملة. والوفر : المال. وثقيل الظهر : من عجز عن نفقة عياله. والضئيل : الحقير.
المعنى :
قال الشريف الرضي: كان عبدالله بن عباس عاملاً للإمام على البصرة والاهواز. و فارس، فاستعان بزياد ابن أبيه في تدبير البصرة نيابة عنه، ولما علم الإمام بذلك.
كتب الى زياد : (واني أقسم بالله قسماً صادقاً لئن بلغني انك خنت الخ).. ويدل هذا بظاهره أن زياداً ما خان، ولكن ولكن الإمام الإمام خاف من خيانته فهدده وحذره من سوء العاقبة ان فعلها، وانه لا يفلت من العقوبة، وأدناها أن ينتزع ما في يده من مال، ويتركه فقيراً حقيراً.
فدَعِ الإِسْرَافَ مُقْتَصِداً، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْم غَداً، وَأَمْسِكَ مِنَ المالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ. أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِرِينَ. وَتَطْمَعُ - وَأَنتَ مُتَمَرِّغٌ فِي النَّعِيم تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ وَالْأَرْمَلَةَ - أن يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ المُتَصَدِّقِينَ. وَإِنّما المَرَءُ تَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفَ، وَقَادِمٌ عَلى مَا قَدَّمَ. وَالسّلامُ.
اللغة :
مقتصداً : معتدلاً، والفضل ما زاد عن الاعتدال. ومتمرغ في النعيم : متقلب فيه.
الإعراب :
مقتصداً حال من فاعل «دع» وهو أنت، وغداً مفعول به لاذكر، لأن الذكر حاصل اليوم لا في الغد، والمصدر من أن يوجب مجرور بجار محذوف أي في وجوب الثواب، والمجرور متعلق بتطمع.
المعنى :
(فدع الإسراف الخ).. المال وسيلة لسد حاجات المعوزين، لا للتبذير والإسراف، والتضاهي والتباهي، وما زاد عن حاجة المحتاجين ينفق في مشروع عام، أو يدخر للشدائد كالحرب وردع العدوان.
(أترجو أن يعطيك الله الخ).. لكل عمل جزاؤه الخاص، فالحسنى لمن أحسن، والسوأى لمن أساء، والعكس أو المساواة هنا محال في العدل الإلهي والمتكبر يغريه المال ويطغيه، ويبذره على ملذاته وشهواته، ويمنعه عن المحرومين الذين لا عم لهم ولا خال وجزاء هذا من عند الله عذاب الحريق. والمتواضع يرى نفسه مقصراً ومضيعاً في طاعة الله، وان أقبلت الدنيا عليه بذلها في سبيل الله، وازداد له شكراً، ومنه خوفاً، ولعباده تواضعاً. وله عند الله مثوبة وحسن مآب. وهذا ما أراده الإمام بقوله : (المرء مجزي بما أسلف).
أما بَعْدُ فَإِنَّ المَرْء قَدْ يَسُرُّهُ دَرَكَ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، وَيَسُوءهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ. فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ. وَلْيَكُن أسفك على مَا فَاتَكَ مِنْهَا. وَمَا يَلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلَا تُكْثِرُ فِيهِ فَرَحاً وما فاتكَ مِنْهَا فَلَا تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً. وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ المَوْتِ.
اللغة :
الدرك - بفتح الراء - اللحاق. ولا تأس : لا تحزن.
الإعراب :
أما - بفتح الهمزة وتشديد الميم - قيل : هي حرف شرط بمعنى مهما يكن من شيء، وفي منظومة ابن مالك : «أما كمها يك من شيء وفا لتاو تلوها وجوباً ألفا». وقال ابن هشام في المغني: تأتي أيضاً للتفصيل والتوكيد. ويجوز أن تكون «أما» للشرط ويكون المعنى هكذا مهما يكن من شيء فإن المرء الخ..
ويجوز أن تكون للتوكيد، والمعنى أؤكد بعد حمد الله ان المرء الخ. والوجه الأول أرجح لكسر همزة (إن). وفرحاً تمييز. وجزعاً مفعول مطلق لتأس.
المعنى :
أرسل الإمام كتاباً لابن عباس جاء فيه : (أما بعد، فإن المرء قد يسره الخ). ونقل الشريف الرضي عن ابن عباس انه قال : ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانتفاعي بهذا الكلام. ويتلخص بأنه من العبث أن تفرح بما هو آت لا محالة، وأن تحزن على ما فات، لأن الفائت لا يرجع بالحزن، والآتي لا يستدام بالفرح، والذي ينفعك بالآخرة والذي ينفعك بالآخرة، ويبقى ببقاء الله هو الأثر الطيب الذي تتركه لأخيك الانسان.
واذن (فليكن سرورك مما ثلت من آخرتك) وهو الذي أشرنا اليه من العمل لخدمة الحياة، والإخلاص لله وعباده وعياله (وما نلت من دنياك) كمنصب وعقار وعمار (فلا تكثر به فرحاً) لأنه يعود عليك بالشر والوبال، وبالأخص اذا كان من حرام. وتقدم مثله في الخطبة 112 وغيرها، ويأتي أيضاً.
وصيتي لَكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا. وَمُحَمَّدٌ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ. أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ وَخَلَاکُمْ ذَمٌّ. أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةً لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ. إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ أَفَنَ فَالْفَنَاهُ مِيعَادِي. وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْو لي قُرْبَةٌ وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ، فَاعْفُوا «ألا تُحبونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ». والله ما فَجِئَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدُ كَرِهْتُهُ، وَلَا طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ. وَمَا كُنتُ إلا كَقَارِب وَرَدَ وَطَالِب وَجَدَ : «وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ».
اللغة :
القارب : طالب الماء ليلاً، والسفينة الصغيرة.
الإعراب :
المصدر من ان لا تشركوا خبر وصيتي أي وصيني لكم التوحيد، ومحمد مبتدأ، وجملة لا تضيعوا خبر، وعبرة خبر لمبتدأ محذوف أي وأنا اليوم عبرة، وكذا مفارقكم.
المعنى:
قال الشريف الرضي : أورد الإمام هذا على سبيل الوصية لما ضربه ابن ملجم، وقد مضى بعضه. يشير الرضي الى ما جاء في الخطبة 147 ويأتي الحديث مفصلاً عن استشهاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرسالة 46 (وصيتي لكم أن لا تشركوا بالله شيئاً). وكلمة شيء هنا تفيد العموم والشمول، لأنها نكرة في سياق النفي. والمعنى لتكن جميع أقوالكم وأفعالكم خالصة لوجه الله، ولا تخافوا أو ترجوا أحداً إلا الله، ولا تستمسكوا إلا بحبله وحده لا شريك له.
(ومحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلا تضيعوا سنته الخ).. وسنة محمد عمل وجهاد لا تصوف ورهبانية، واخوة وتعاون لا طوائف ومذاهب، وحرية وكرامة لا عبودية واستسلام. (وخلاكم ذم) لا بأس عليكم ولا لوم اذا قمتم بواجب التوحيد وسنة الرسول وقال ابن أبي الحديد : «يرد الإمام بهذا على الذين كلفوا أنفسهم أموراً من النوافل شاقة جداً.. وهم يتلون قوله تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا بريد بكم العسر. وقول الرسول الكريم : بعثت بالحنفية السهلة السمحة». ونعطف على ذلك هذه الرواية : «دخل رسول الله يوماً إلى المسجد فرأى رجلاً يتعبد الأوقات كلها ! فقال له : من يسعى عليك ؟ قال : أخي. فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أخوك أعبد منك».
(أنا بالأمس صاحبكم) أدافع عنكم، وأدبر أموركم، وأهديكم سبيل الرشاد (واليوم عبرة لكم) ملقى على فراش الموت لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً (وغداً مفارقكم) بلا رجعة الى دار الفناء. وتقدم هذا والمعطوف عليه بالحرف الواحد في الخطبة 147 (ان أبق فأنا الخ).. ان سلمت من هذه الضربة رأيت رأيي في صاحبها : اما عفواً واما قصاصاً، وإلا فالموت غاية الأحياء إلا وجهه الكريم.
(وهو - أي العفو - لكم حسنة، حسنة، فاعفوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) علي يأمر بالعفو عن قاتله، وفي رواية انه قال : أطيبوا طعامه، والينوا فراشه.. فهل هذه أريحية وجود، أو رحمة ورأفة ؟ كلا، أنها رغبة في الجزاء الأكبر والثواب الأوفر الأوفر، لأن العفو أقرب للتقوى، والتقوى مثل الإمام الأعلى، ولذا قال، وهو فرح باستشهاده بين يدي الله : فزت ورب الكعبة. ومن قبل عاتب الإمام وطالب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بوعده له يوم أحد بالشهادة، كما في الخطبة 154 ومن أقواله : أكرم الموت القتل، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون من ميتة على فراش. واذن فلا بدع أن يعفر الإمام عن قاتله، وإن بدا هذا العفو كأنه عطاء ورحمة.
(والله ما فجثني من الموت الخ).. كان الإمام يتطلع الى الشهادة شوقاً ويعلم انها آتية لا ريب فيها، لأن الصادق الأمين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعده بها، وما لوعده مترك، وكان ينتظرها بفارغ الصبر، ويقول : ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا، كما في «الاستيعاب» لابن عبد البر، باب (علي). وقال أكثر من مرة : والله ليخضبنها من فوقها. وبهذا نجد تفسير قوله : «ما فجئني من الموت الخ». أومأ الى السبب الموجب لحبه الموت بقوله تعالى : «وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ - 198 آل عمران»، وعلي صفوة الأبرار وإمام الأخيار. ولنا عودة الى حديث شهادته في الرسالة 46.
هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي مَالِهِ ابْتِغَاء وَجْهِ الله ليُوجهُ بِهِ الْجَنَّةَ وَيُعْطِيَهُ بِهِ الأمْنَةَ. وَإِنَّهُ يَقُومُ بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِي يَأْكُلُ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ وَيُنفِقُ فِي المَعْرُوفِ، فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَنِ حَدَث حسَيْنُ حَيٌّ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَأَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ. وَإِنَّ لِابْنِي فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقَةِ عَلي مِثْلَ الَّذِي لِبَنِي عَلِي، وَإِنِّي إِنما جَعَلْتُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ إلى أبي فَاطِمَةَ ابْتِغَاء وَجْهِ اللهِ وَقُرْبَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَتَكْرِيما لحرمتِهِ وَتَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ. وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ المالَ عَلى أُصولِهِ، وَيُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِيَ لَهُ، وَأَنْ لا يَبِيعَ مِنْ أَوْلاَدِ تَخْلِ هَذِهِ القُرَى وَدِيَّةٌ حَتَّى تُشكِلَ أَرْضَهَا غِرَاساً. وَمَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِي اللاتي أَطُوفُ عَلَيْهِنٌ لها وَلَدٌ أَوْ هِيَ حَامِل
فَتُمْسِكُ عَلى وَلَدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظِّهِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَهي حيَّةٌ وَهي عَتِيقَةٌ قَدْ أَفْرِجَ عَنْهَا الرَّقُ وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ.
اللغة :
يولجه : يدخله. الأمنة : الأمن. والمراد بالحدث هنا الموت، وبالوصلة القرابة والودية : النخلة الصغيرة تنبت على جذر النخلة الكبيرة. وتشكل : تمتلىء. ومن حظه : من نصيبه.
الإعراب :
ابتغاء مفعول من أجله، وغراساً تمييز.
كان الصحابة في عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يمارسون الحياة ويكافحون كسائر الناس فكان منهم التاجر والفلاح والعامل والراعي والحطاب وصاحب الصنعة، وما كانوا يعتمدون على الفيء وكفى. وكان الإمام قبل الخلافة وبعدها يحي الأرض الموات بكد اليمين وعرق الجبين، ويستعمرها بالحرث والزرع والغرس والسقي بيده الشريفة. قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الوصية : «قد علم كل أحد أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) استخرج عيوناً بكد يده في المدينة وينبع وسويعة، وأحيا بها مواتاً كثيراً، ثم أخرجها عن ملکه، وتصدق بها على المسلمين، ولم يمت وشيء منها في ملكه». وفي كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البر : «قتل علي، ولا مال احتجبه، ولا دنيا أصبابها».
لقد عمل علي في الأرض من أجل الجائعين تماماً كما جاهد بالسيف في سبي-ل الله والدين. واذا كان شعار الاشتراكيين المطرقة والمنجل فإن شعار علي السيف، والمعول هذا للمعوزين، وذاك للمعتدين على أقوات العباد وأرزاقهم، وكلاهما
بمنزلة سواء عند الله وفي منطق الحياة وتقدمها وغريبة الغرائب أن شيعة علي يكثرون الكلام والتأليف في فضائله ومناقبه، ويجهلون أو يتجاهلون عمله ونضاله في الأرض من أجل الانتاج ومنافع الناس، ويركزون همهم واهتمامهم على النصوص والأقوال.. ولا سر - فيما نعتقد - إلا لأنهم أو الكثير منهم يستهلكون ولا ينتجون، وفي الوقت نفسه يتطلعون بشوق الى المديح والثناء مكافأة على الكسل والاسترخاء.
(هذا ما أمر به عبد الله علي بن أبي طالب الخ).. جعل الإمام في وصيته الولاية على صدقاته التي أنشأها بیده - للإمام الحسن، ومن بعده للإمام الحسين واشترط على الولي شرطين : الأول أن (يأكل منه بالمعروف) أي بمقدار الحاجة والضرورة كأي إنسان يتولى الصدقات أو أموال الأيتام هذا إذا كان في حاجة ماسة، قال تعالى : «وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ - 6 النساء». وفي الحديث : ان رجلاً سأل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن يتيم في حجره : هل يأكل من ماله ؟ قال له : كل بالمعروف. الشرط الثاني أن (ينفق منه بالمعروف) أي على ذوي الحاجات بما يسدها من غير تجاوز.
(وان لابني فاطمة من صدقة علي الخ).. يحق لأولاد الإمام أن يأكلوا بالمعروف من ثمار ما تصدق وأوقف، سواء أكانوا من سيدة النساء أم من غيرها. وكانوا - على رواية الشيخ المفيد - 27 ذكراناً واناثاً : أربعة من سيدة النساء، والباقون من أمهات شتى (ويشترط على الخ).. الولي ان لا يتصرف في أصول الوقف كالشجر وما ينبت على جذوره، لا يتصرف ببيع ولا هبة، أو بأي نحو يضر بالأعيان، وله التصرف في الثمار على وجهها.. وهذا الشرط حتم حتى ولو سكت عنه، لأنه من طبيعة آثار العقد تماماً كالاستمتاع بين الزوجين بالنسبة الى عقد الزواج.
أما الحديث عن العبيد والإماء في عصرنا فمضيعة للوقت، وتكثير كلام بلا جدوى.
انْطَلِقُ عَلى تَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وَلَا تُرَوِّعَنّ مُسْلِماً وَلا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِها، وَلاَ تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِي مالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلى الحَيُّ فَانْزِلَ بمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثُمَّ أمْضِ إلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلَّم عَلَيْهِمْ، وَلاَ تُخدِج بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ، ثُمَّ تَقُولُ : عِبَادَ اللهِ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللهِ وَخَلِيفَتُهُ لأخذَ مِنْكُم حقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ لِلَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٌّ فَتُؤدُّوهُ إِلَى وَلِيْهِ ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَا، فَلَا تُرَاجِعُهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمُ، فَانْطَلِقَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ، فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. فَإِنْ كَانَ
لَهُ مَاشِيَةٌ أو إبل فَلَا تَدْخُلُها إلا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلَا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلَّط عَلَيْهِ وَلَا عَنيف بهِ، ولا تُنفَّرَن بَهِيمَةٌ وَلَا تُفْزِعَنْهَا وَلَا تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا، وَأَصْدَعِ المالَ صَدَعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرهُ، فَإِذَا أَختَارَ فَلَا تَعَرَّضَنَّ لِمَا أَخْتارَهُ، ثُمَّ أَصْدَعِ الباقي صدعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرهُ، فَإِذَا أَختَارَ فَلَا تَعَرَّضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ. فَلَا قوال كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاهُ لَحَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ فَاقْبِضْ حَقٌّ تَزَالُ الله مِنْهُ. فَإِنِ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ ثُمَّ أخلطها ثُمَّ أَصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْت أَوْلاً حَتّى تَأخُذَ حَقٌّ اللهِ فِي مَالِهِ. وَلَا تَأْخُذَنَّ عَوداً وَلاَ هَرَمَةً وَلَا مَكْسُورَةً وَلَا مَهْلُوسَةً وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ رَافِقاً بِمَالِ المُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصلَهُ إلَى وَلِيهِمْ فَيَقْسِمَهُ بيْنَهُمْ، وَلَا تُوَكُلْ بِهَا إِلَّا نَاصِحاً شفيقاً وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعْنِف ولا مجْحِفِ، وَلَا مُلْعِبٍ وَلَا مُتعِبٍ، ثُمَّ أَحدِرُ إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِندَكَ نُصَيّرَهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ بهِ. فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِز إلَيْهِ ألا تحولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا وَلَا يُمصِّرَ لَبَنَها فَيَضُرٌ ذلِكَ بِوَلَدِهَا، وَلَا يَجْهَدَها رُكُوباً. وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وَبَيْنَهَا وَلْيُرَفِّهُ على اللاعب، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِب وَالطَّالِع. وَلْيُوردُهَا مَا تَمرُّ بِهِ مِنَ الْغُدْرِ وَلَا يَعْدِلُ بِهَا عَنْ نَبْتِ الْأَرْضِ إِلَى جَوَادٌ الطَّرِيقِ
وليروحهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْها عِندَ النِّطَافِ وَالْأَعْشَابِ حَتّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللهِ بُدْنا مُنْقِيَاتٍ غَيْرَ مُتعَبَاتٍ وَلَا مَجْهُودَاتٍ، لِنَفْسِمَها عَلى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لِأجْرِكَ وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ.
اللغة :
لا تروع : لا تفزع. لا تجتاز : لا تمر. لا تخدج : لا تبخل. وأنعم : قال نعم. والعسف : الجور. والرهق : تكليف ما لا يطاق وصدعين : نصفين. والعود : المسن. والهرم : أسن. والمهلوسة : الضعيفة أو المريضة والعوار : العيب. والملغب والمتعب بمعنى. واحدر : أسرع. والفصيل : ولد الناقة. ولا يمصر لبنها : لا يحلب كل ما في الضرع. والنقب : ما نقب خفه. والظالع : الأعرج أو البطيء في مشيه. والغدر : جمع غدير. والنطاف : الماء القليل. وبدناً : سماناً، لأن البدين سمين.
الإعراب :
على تقوى الله متعلق بالطلق، و «على» هنا بمعنى مع مثل : ويطعمون الطعام على حبه، وحده حال من كلمة الجلالة، و كارها حال من ضمير عليه، وأكثر صفة لمفعول محذوف أي لا تأخذ منه شيئاً أكثر من حق الله، وركوباً تمييز، وبدنا حال
المعنى :
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يزود كل واحد من الجباة والسعاة في أموال الصدقة يزوده بالتعليمات التالية :
أن يكون أميناً مخلصاً، لا يستبيح للدولة والرعية حقاً من حقوقها وعبر الإمام عن ذلك بتقوى الله، لأنها الأساس لكل خلق كريم بخاصة الأمانة والإخلاص.
2 - أن يكون مع الذي في ماله الحق هيناً ليناً لأن الدولة للجميع ورعايتهم وتوفير الأمن والعدل لكل فرد والعامل فيها أجير مؤتمن يتحمل التبعات، ويؤاخذ اذا أساء استعمال المهنة والوظيفة. وهذا ما أراده الإمام بقوله : (ولا تر وعن مسلماً الخ)..
3 - أن لا يأخذ أكثر من الحق المفروض، لأن التجاوز بغي وعدوان.
4 - أن لا ينزل ضيفاً على أحد، فليس كل الناس يملكون أسباب الضيافة، أو يسعهم أن يطردوا الضيف ويصارحوه بعجزهم.
5 - أن لا يدع مجالاً للنقد والملاحظة عليه بقول أو فعل، وان يكون في تحيته وجميع حركاته مبشراً لا منفراً.
(فإن قال قائل : لا) حق الله في مال (فلا تراجعه) لأن الزكاة في الإسلام عبادة تماماً كالصوم والصلاة، ولا واسطة بين الله وعباده، ولا يجوز لمخلوق أن يتكلم باسم الخالق، ويقيم نفسه وكيلاً عنه فيما يعود الى عبادته تعالى والإخلاص له (وان أنعم الخ).. صاحب المال وقال، صاحب المال وقال، علي لله حق فيما وهب وأعطى، فاذهب معه الى أمواله التي فيها الحق، وعامله كأخ متواضع، لا کمتسلط أو نظير، لأنه هو الشريك الأكبر والذي كدح وناضل. وتجدر الإشارة إلى أن الإمام لا يوصي الجابي بذلك حرصاً على تحصيل المال، بل لأن موظف الدولة يجب أن يكون وديعاً ورقيقاً أصحاب العلاقات، تماماً كما يجب أن يكون أميناً ونزيهاً، فإن تقاعس عن خدمة الناس، وأضفى من وظيفته على نفسه هيبة وهالة وجب أن يعاقب عما هو أهل له.
(واصدع المال صدعين الخ).. إقسم المال الذي فيه حق الله نصفين، واجعل الخيار لصاحبه في أحدهما، ثم اقسم النصف الذي تركه شطرين، وافعل ما فعلت في المرة الأولى، وهكذا حتى يبقى مقدار ما في ماله من الحق، فاقبضه وهلم به الينا وان شاء أن يستأنف ويعيد القسمة من جديد فاستجب لمشيئته شريطة أن لا يقع النقص والاجحاف في حق الله، فيختص المالك بالسليم، ويعطيك السقيم.
(ولا توكل بها إلا ناصحاً شفيقاً الخ).. ضمير «بها» ضمير بها يعود ماشية الصدقات والإمام يوصي بها وبالرفق في الحيوان على وجه العموم، فلا يُرهقه في المسير ولا الحمل والركون، ولا يحرم الصغير من لبن أمه، وتجب مراعاة الهزيل والمريض بما يستدعيه ضعفه ومرضه، ولا يجار عليه إذا تلكأ في السير. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : للدابة على صاحبها خصال ست : أن يبدأ بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مر به، ولا يضرب وجهها، ولا يقف على ظهرها إلا في سبيل الله، ولا يحملها فوق طاقتها، ولا يكلفها من المشي إلا ما تطيق.
آمُرُهُ بِتَقْوَى اللهِ فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ، حَيْثُ لَا شَبِيدَ غَيْرُهُ وَلَا وَكيل دُونَهُ. وَآمُرُهُ أَنْ لَا يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ الله فيما ظَهَرَ فَيُخَالِف إلى غيره فيما أَسَرَّ، وَمَنْ لَمْ يَخْتلِف سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتُهُ فَقَدْ أَدَّى الأمَانَةَ وَأَخْلَص العِبَادَةَ. وَآمُرُهُ أن لا يَجْبهَهُمْ وَلَا يَعْضَهَهُمْ، وَلَا يُرْقَبَ عَنْهُمْ نَفَضْلاً بِالْإِمَارَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمُ الْإخْوَانُ فِي الدِّينِ وَالْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ. وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَحَقًا مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاء ذَوِي فَاقَةٍ، وَإِنَّا مُوَفُوكَ حَقَّكَ فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلَّا تَفْعَلَ فَإِنَّكَ مِنْ أكثرِ النَّاسِ حُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبُوساً يَمَنْ
خَصْمُهُ عِنْدَ اللهِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ وَالْغَارِمُ وَابْنُ السَّبِيلِ، وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ وَرَتَعَ فِي الْحَيَانَةِ وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا الخِزْيَ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْزَى. وَإِنْ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الْأُمَّةِ، وَأَفْضَعَ الْغِش غِش الأئمة والسّلام.
اللغة :
يجبههم : يستقبلهم - ويفاجئهم. ويعضههم : لمرميهم بالزور والبهتان. والبؤس : الفقر والشدة. والغارمون : العاجزون عن وفاء ديونهم.
الإعراب :
آمره فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر يعود الى الإمام أي ان الإمام عبّر عن نفسه بضمير الغائب، وهذا كثير في لغة العرب، والهاء تعود على العامل والمصدر من أن لا يعمل مجرور بالباء المحذوفة، ومثله أن لا بجبههم، وشركاء عطف على «نصيباً» أي وان لك في هذه الصدقة شركاء، وأهل مسكنة صفة لشركام ، ولا يجوز جعل أهل بدلاً بحال، لأن بدل الكل يستغنى به عن المبدل منه مثل جاء زيد أخوك، وهنا لا يستغنى من حيث المعنى عن كلمة شركاء وخصوماً تمييز، وبؤساً عطف عليه
المعنى:
(أمره بتقوى الله - الى - دونه). يستطيع الانسان أن يخون ويغدر دون أن يشعر به مخلوق. وفي مثل هذه الحال لا رادع ولا زاجر إلا من الداخل،
وهو الإيمان بالله والخوف من حسابه وعذابه، والإمام يحذر عماله من الخيانة ومعصية الله في الخفاء، لأنه بكل شيء عليم. وفي الحديث : خف الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك (أمره ألا يعمل بشيء الخ).. لا تطع الله في الظاهر دون الباطن، بل أطعه فيهما معاً، وكل ظاهر مخالف باطناً فهو تلبيس وتضليل (ومن لم يختلف سره – الى - العبادة). كل من تنسجم أقواله وأفعاله مع حقيقته وواقعه فهو مخلص وأمين، بل ومثل أعلى يجب أن يحتذى في ذلك كائناً من كان.
(وأمره أن لا يجبههم الخ).. على موظف الدولة أن لا يستقبل أحداً من الرعية بما يكره، ويستعلي عليه بالمنصب والمركز، ويلقي اليه الأوامر في عنجهية وعجرفة كتيوس الموظفين، لأنه أجبر لا أمير.. والرعية هي السيد والأصل والعمود الفقري للدولة وخزينتها (وان لك في هذه الصدقة - الى - ذوي الفاقة) يشير الى الآية 60 من سورة التوبة : «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ» والعاملون الجباة، والفقراء والمساكين الذين أشار اليهم الإمام بقوله : «أهل مسكنة وضعفاء ذوي فاقة»، والمؤلفة قلوبهم يستعان بهم للذب عن الاسلام، والغارمون العاجزون عن وفاء ديونهم، وفي الرقاب تحرير العبيد، وابن السبيل الغريب بلا نفقة، وفي سبيل الله ووجوه البر والإحسان.
(وإنا موفوك حقلك فوفهم حقوقهم). أبداً لا أدع أحداً يعتدي على سهمك من الصدقات، ويغتصبه منك، فحقيق بك - اذن - أن تحرص على حقوق الآخرين ين، ولا تخونهم في شيء (وإلا تفعل الخ).. فجزاؤك عندنا التأديب، وعند الله عذاب الحريق حيث يخاصمك لديه تعالى سائر الشركاء الذين ذكرتهم الآية 60 من سورة التوبة (فقد أحل بنفسه الذل والخزي الخ).. لأن كل نفس بما كسبت رهينة.
(وان أعظم الخيانة خيانة الأمة). وقد تكون خيانة الأمة بدرهم مختلسه موظف من مال الدولة، أو رشوة يقبضها من مزور كاذب، أو محتكر غاصب، وهذه من أعظم الخيانات أعظم الخيانات، وفساد كبير، وفساد كبير، ما في ذلك ريب. وأعظم منها ومن كل الجرائم مجتمعة التآمر على كيان الأمة وتقويضها من الأساس بالعمالة لسفاحي
الشعوب وأعداء الله والانسانية. وما أكثر العملاء في الشرق، وبالخصوص في بلاد المسلمين، وبالأخص عندنا نحن العرب.. وهل من دليل على ذلك أقوى وأدل من وجود «السيدة اسرائيل» التي تنقض ليل نهار بطائراتها ودباباتها علينا تقتل وتدمر، وتحتل وتشرد على مسمع ومرأى من قادة العرب والعروبة.. وما زادهم هذا وذاك إلا تناحراً وتثليماً !.
فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لهُمْ جَانِبَكَ، وَأَبْسُطُ لهُمْ وَجْهَكَ وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاء فِي حَيْفِكَ لهُمْ وَلا يَيْأَسَ الضُّعَفَاء مِنْ عَدْلِكَ بِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنتُمْ أَظْلَمُ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ (1). وَاعْلَمُوا عِبَادَ الله أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ، فَشَارَكوا أهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُشَارِكُهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ. سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا بِأَفضَلِ مَا أُكِلَتْ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بَمَا حَظِيَ بِهِ المُتْرَفُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابرة المُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ أَنْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبلغ وَالْمَتْجَرِ الرَّابح.
أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَتَيَقنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللَّهِ غَداً في آخِرَتِهِمْ. لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَلَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ (2).
اللغة :
آس : من المؤاساة بمعنى المساواة. وحاف عليه : جار عليه، وحاف له جار على الغير من أجله، كمن يبني لأولاده من أموال الأرامل والأيتام. وحظوا : نالوا.
الإعراب :
اس فعل أمر، ومعشر عباده أي يا معشر عباده، وما سكنت «ما» مصدرية أي سكناها، وبما حظي أي ممثل الذي حظي، ومثله ما أخذه.
المعنى :
قال الشريف الرضي وغيره : حين قلد الإمام محمد بن أبي بكر الولاية كتب اليه : (فاخفض لهم جناحك – الى - النظرة). روي أن رجلاً نادى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا. فقال : لا يستهوينكم الشيطان.. أنا محمد بن عبدالله عبده ورسوله... والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي. وكان أصحابه اذا رأوه قادماً عليهم لم يقوموا له، لأنهم يعرفون كراهيته لقيامهم وكان يكره أن يمشي أصحابه وراءه، واذا فعل ذلك أحدهم أخذ بيده ودفعه الى جانبه
وعن كتاب «الوفا بأحوال المصطفى» لعبد الرحمن بن الجوزي ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «كان يحب لأمته أن تنتقد، لأمته أن تنتقد، وأن تطالب بحقها، وأن تعترض وأن تعترض، وأن تبدي رأيها فيما ينفعها وما يريبها من سلوك الأمراء».
(حتى لا (يطمع العظماء الخ).. أنهم تماماً كالشيطان انهم تماماً كالشيطان، من جعل له سبيلاً
الى نفسه قاده الى الهاوية. وفي الحديث : «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الشفاء»، ويصح هنا القياس، وعليه فلك أن تقول : الضعف والهزيمة أمام الطغاة بيت الداء، وقوة الإصرار على الصمود في حربهم ومجابهتهم رأس الشفاء (ولا ييأس الضعفاء من عدلك). الضعفاء هم المقياس الصحيح لعدل الحاكم وجوره، فإن خافوا على أنفسهم من شر الأقوياء كان معنى هذا ان الحاكم ظلوم لا يهمه من أمر الرعية إلا السيطرة والاستعلاء، وإلا السلب والنهب، واذا أمن الضعفاء من شر الأقوياء فمعنى ذلك ان الحاكم يشعر بتبعات الحكم الملقاة على عاتقه، وانه لله واللغدل، لا لأهوائه وأبنائه.
(إن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا) حيث تمتعوا بنسائها على كتاب الله وسنة نبيه، وأكلوا من طيباتها بكد اليمين وعرق الجبين، وأيضاً سعدوا وابتهجوا بمناظر الطبيعة، وعاطفة الأبوة والبنوة، وبلذة العلم والمعرفة، وراحة الضمير والحديث الى الأصدقاء، ورجاء الثواب والرضا من الله، وما الى ذلك من نعمه تعالى التي لا تعد ولا تحصى، وتقدم في الخطبة 112 قول الإمام : وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم (وآجل الآخرة) وأيضاً فاز المتقون بجنة عرضها السموات والأرض.
(فشاركوا أهل الدنيا الخ).. في الملذات التي أشرنا اليها،، وجمعوا بينها وبين الجنة. أما الطغاة العتاة فتمتعوا قليلاً، ثم الى عذاب الجحيم. وتقدم مرات انه لا صراع ولا اصطدام بين طيبات الدنيا وجنات الآخرة، وانما التضاد والصراع بين الحرام ومرضاة الله وثوابه. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لقوم حرموا الطيبات على أنفسهم : «إنما أنا أعلمكم بالله، وأخشاكم له، ولكني وأخشاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، ومن رغب عني فليس مني».
(سكنوا الدنيا بأفضل الخ).. المتقون سكنوا في بيوت متواضعة، وسكن المترفون
قصوراً شامخة، ولكن الكوخ مع ولكن الكوخ مع الأمانة والتقوى خير ألف مرة من القصر المنيف مع الخيانة والفساد، ونفس الشيء يقال في المآكل والملابس (فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون الخ).. من حيث سد الحاجات واستمرار الحياة، لا من
حيث المظاهر الفارغة، وزادوا عليهم براحة الضمير وصفاء النفس والاطمئنان الى المصير. سمع امبراطور الصين القديم عن أسرة صينية فقيرة، ولكنها أسعد أهل الصين إطلاقاً.. عاشت عشرات السنين تحت سقف واحد بلا إزعاج، وما يكدر صفو الحياة. فبعث الأمبراطور رسوله يسأل رب الأسرة العجوز عن سر هذه السعادة. فبعث اليه العجوز برسالة طولها متران، وحين فتحها الأمبراطور وجدها منقوشة بكلمة واحدة من أولها الى آخرها، وهي كلمة الصبر.
(أصابوا لذة زهد الدنيا) المراد بلذة الزهد هنا الرضا بالميسور. وسئل الحكيم الصيني بوذا عن السعادة ؟ فقال : القناعة. وسئل عن أكثر شيء إيلاماً للنفس ؟ فقال : تأنيب الضمير. ومن صفات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) انه كان في طعامه لا يرد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً (انهم جيران الله) أي ان المتقين قريبون من رحمة الله وكرامته (ولا ترد لهم دعوة) في طلب العفو وحسن المآب (ولا ينتقص لهم نصيب من لذة) نالوا من الدنيا ما فيه الكفاية ولهم في الآخرة أجر عظيم.
فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ الْمَوْتَ وَقُرْبَهُ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإنه يأتي بأمر عظيم وخطب تجليل، بِخَيرٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً، أَوْ شَرِّ لا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرُ أَبَداً. فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلَهَا ؟ وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلَهَا ؟ وَأَنتُمْ طَرَدَاء الْمَوْتِ إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ. وَإِنْ فَرَرتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلّكُمْ. الْمَوْتُ مَعْقُودُ بِنَوَاصِيكُمْ وَالدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ (3). فَاحْذَرُوا تاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وحَرَّهَا شَدِيدٌ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ. دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، وَلَا تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ، وَلَا تُفَرِّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ. وَإِنِ
اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللهِ وَأَنْ يَحْسُنَ ظَلَكُم بِهِ فَاجْمَعُوا بَيْنَها، فإنَّ العَبْدَ إِنما يَكُونُ حسَنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ عَلى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنْ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنَّا بِاللَّهِ أَشَدَّهُمْ خَوْفًا لِلهِ (4). وَأَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ بْنَ بَكْرٍ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ، فَأَنْتَ محقُوقُ أَنْ تُخَالِفَ عَلى نَفْسِكَ، وَأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُن لكَ إِلَّا سَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ، وَلَا تُسْخِطِ الله برضا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ فِي اللهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ مِنَ اللهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ (5). صَلَّ الصلاةَ لِوَقْتِهَا الْمُوَقِّتِ لَهَا، وَلَا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغِ، وَلَا تُؤخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لِاشْتِغَالِ. وَأَعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعْ لِصَلاتِكَ. فَإِنَّهُ لَا سَوَاءُ إِمَامُ الْهُدَى وَإمَامُ الرَّدَى، وَوَليُّ النَّبِيِّ وَعَدُو النبي وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ). إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أمتي مُؤمِناً وَلَا مُشْرِكاً. أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللهُ بِإِيمَانِهِ، وَأَمَّا المُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللهُ بِشِرْكِهِ، وَلكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ عَالِمِ اللِّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ (6).
اللغة :
طرداء : جمع طريد أو مطارد. ومحقوق : مطالب بالحق. وتنافح: تدافع. ويقمعه : يقهره. والجنان - بفتح الجيم – القلب.
الإعراب :
دار أي هي دار، وظناً تمييز دار، وظناً تمييز، ومثله خوفاً، وأهل مصر بدل من أعظم اجنادي، والمصدر من تخالف مجرور بالباء المحذوفة.
المعنى :
(فاحذروا عباد الله الموت الخ).. استعدوا له واعملوا لما وراءه من حساب وجزاء. وتقدم الكلام عن الموت مرات ومرات.. بالإضافة الى وضوح الكلام هنا وصراحته (بخير لا يكون معه شر أبداً، أو شر لا يكون معه خير أبداً) يدل هذا بظاهره ان الانسان يعامل غداً كمسيء بحت لا يثاب على حسنة أبداً أياً كان نوعها، أو كمحسن محض لا يعاقب على سيئة أبداً مهما تكن، ولا ثالث خلط عملاً صالحاً، وآخر سيئاً.. وليس من شك أن هذا يتنافى مع العدالة الإلهية، ومع الكثير من النصوص القرآنية التي قالت بوضوح : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا - 40 النساء : «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ - 60 الرحمن» ؟ وهل تكون الحسنة عند الله سيئة أو هباء..؟
الجواب :
قال سبحانه في الآية 24 من سورة الصافات : «وقفوهم أنهم مسؤولون». وقال في الآية 39 من سورة الرحمن : «فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ» وقد وفق المفسرون وجمعوا بين الآيتين بأن في القيامة مواقف يجرى في بعضها الحساب والسؤال، وفي بعضها لا سؤال ولا حساب.. وعلى هذا يحمل كلام الإمام، أو يجوز أن يحمل عليه، ويقال هكذا : من أحسن وأساء في عمله اليوم يعامل غداً في بعض المواقف بالحسنى فقط، وفي موقف يعامل كمسيء فقط.. وفي النهاية هو الى الجنة إن تغلبت الحسنات، أو الى النار إن تغلبت السيئات.
(فمن أقرب الى الجنة الخ).. قد تأتي قد تأتي الآفات على ما تزرع، والزلازل على ما تبني، ويذهب جهدك مع الريح، وقد تخسر في تجارتك ويذهب رأس المال
بعضه أو كله، أما طاعتك لله فإنها تؤدي بك حتماً الى جنته، وأيضاً معصيتك له تقودك الى ناره لا محالة إنجازاً لو عده تعالى، وقضاء لأمره إلا أن يشاء، ولا يشاء إلا لحكمة.
(والدنيا تطوى من خلفكم) لأنكم تطوون الليل والنهار (وان استطعتم الخ).. أن تجمعوا بين الخوف من الله الذي يزجر كم عن الحرام، ويدعوكم الى التخلي عن العيوب والتوبة من الذنوب، أن تجمعوا بين ذلك وبين الرجاء والأمل بثوابه الذي يبعثكم على الصالحات والسباق الى الخيرات (فاجمعوا بينها) ومن وفق الى الجمع فقد فاز.
(فإن العبد انما يكون حسن ظنه الخ).. المراد بحسن الظن هنا الثقة بثواب الله على طاعته، والمعنى ان الخوف من عذاب الله على السيئة بلا رجاء الثواب منه على الحسنة، ورجاء الثواب منه على الحسنة بلا خوف من عذابه على السيئة كلاهما لا ينسجم مع العدالة الإلهية التي تجزي كل نفس بما تسعى، ولا يستوي لديها المحسن والمسيء.. ولذا جعل الإمام رجاء الثواب ملازماً للخوف من العقاب وجوداً وعدماً وشدة وضعفاً، لأن مصدرهما واحد، وهو العلم بعدالته تعالى
وقال الإمام زين العابدين حفيد الإمام أمير المؤمنين : «لو أنزل الله عز وجل كتاباً انه معذب رجلاً واحداً لخفت أن أكونه، أو انه راحم رجلاً واحداً لرجوت أن اكونه، او انه معلبي لا محالة ما ازددت إلا اجتهاداً، لئلا ارجع الى نفسي بلائمة». ومعنى هذا انه لا يقنط أبداً من رحمة الله حتى ولو قضى وقدر أن يعذبه لا محالة.. سلام الله عليك يا مولاي لقد خففت عني - والله -رجر أتني أن ألح وألح على الله ملتمساً قيراه.. لا أحول ولن أزول عن بابه وان نهرني، وأقول له بوقاحة وصلافة : أبداً لن أنصرف، والى أين ؟ والخير كله بيدك، وما جدواك منه، وأنا اليه أحوج ؟ ولا ينقصك عطاء.. فهات ولا أمل في سواك.
وتقدم الكلام عن فلسفة الخوف والرجاء في شرح الخطبة 158. (واعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر).
المراد بالأجناد هنا الأقاليم والأطراف، ويدل كلام الإمام أنه كان يحب أهل مصر، ولعل السبب لهذا الحب ثورة المصريين على عاملهم الطاغية عبدالله بن أبي الشرح الذي أفسد بين المصريين والخليفة الثالث عثمان (فأنت محقوق أن تخالف على نفسك). المراد بالنفس هنا الهوى، والمعنى انك مطالب أو جدير بك أن تقمع هواك، أو لا تستجيب لدعوته على الأقل. وبكلام أعم ان في كل واحد منا عدواً لا يراه يوسوس ويلبس، وعلينا أن نزجره ولا نستمع اليه وإلا سيطر وتحكم
(وان تنافح عن دينك) ولا تدع لشياطين الإنس والجن عليك سبيلاً (ولو لم يكن إلا ساعة من الدهر) بحيث لا تبقى بعدها ثانية، فاغتنم هذه الساعة في إصلاح دينك ونفسك
(ولا تسخط الله برضا أحد من خلقه الخ).. لأنه لا شي خلقه الخ).. لأنه لا شيء يغني عن مرضاته تعالى. وهل يبيع المؤمن بالله دينه للشيطان بثمن.؟ أجل، لقد فعلها علانية الكثير من المنتسبين الى الأديان والمذاهب في هذا الزمان، وعقدوا المؤتمرات «الدينية» بوحي من الاستعمار والصهيونية، وأصدر بعض هذه المؤتمرات قراراً براءة اليهود من دم السيد المسيح خلافاً لنص كتابهم، الإنجيل، وبعضها أصدر قراراً بالفرق بين اليهودية والصهيونية، وفي المؤتمرين «عمائم» مع العلم بأن توراة اليهود الحاضرة تنص صراحة على انهم شعب الله المختار دون سائر الشعوب، وإن الله قد أحل لهم أن يسخروا كل الآدميين تماماً كما يسخرون الحيوان الأعجم.. فإله اسرائيل كما تتحدث عنه التوراة والتلمود وكتب اليهود ليس هى الله الذي تفهمه البشرية، وإنما هو إله خاص لا يعنيه من أمر العالم شيء سوى اليهود وحدهم.. وهذه هي الصهيونية بالذات.. والذي يستوقف النظر حقاً ان ما من مؤتمر ديني - حتى الاسلامي - أشار بكلمة واحدة الى أمريكا حليفة الصهيونية، وقائدة الاستعمار الجديد.
وهذه ظاهرة تبدو على تحركات الكثير من المنتسبين الى الدين، وليست سراً، واني لأشعر بالمسؤولية عن حربهم، ولكن أين وسائل القمع والردع ؟.
(صل الصلاة الخ).. تقدم الحديث عنها في الخطبة 197 (فإنه لا سواء
أمام الهدى وأمام الردى الخ).. قال الشارحون : أراد الإمام بإمام الهدى وولي النبي نفسه، وبإمام الردى وعدو الله والمنافق معاوية. وقال ابن أبي الحديد : «معاوية عدو الله والنبي، لأنه عدو لعلي، وثبت عن رسول الله انه قال لعلي : وليك وليتي وولي الله، وعدوك عدوي وعدو الله). وقال ميثم : هذا الخبر مشهور. وعلينا نحن أن نشير الى مصدر هذا الحديث وما في معناه. وقد جاء في كتاب «الخصائص» للنسائي ص 4 طبعة 1348هـ. بمطبعة التقدم بمصر، و ذخائر العقبى ص 65، و «أسد الغابة» لابن الأثير ج 2 ص 154 طبعة سنة 1285 ه. بمطبعة الوهبية بمصر، وكتب أخرى كثيرة ذكرها صاحب كتاب («فضائل الخمسة من الصحاح الستة».
فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبَّنَا وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا. لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمَ عِزّنَا وَلَا عَادِي طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا فَنَكَحْنَا وَأَنكَحْنَا فِعْلَ الْأَكْفَاء وَلَسْتُمْ هُنَاكَ. وَأَنِّى يَكُونُ ذلِكَ كَذلِكَ وَمِنا النبي وَمِنْكُمُ الْمَكَذِّبُ، وَمِنًا أَسَدُ اللهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الْأَخْلافِ، وَمِنّا سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ وَمِنا خَيْرُ نِسَاء الْعَالَمِينَ وَمِنكُمْ حَمالَةُ الْخَطَبِ فِي كَثِيرٍ مِما لَنَا وَعَلَيْكُمْ (4). فَإِسْلامنَا قَدْ سُمِعَ، وَجَاهِلِيتُنَا لاَ تُدْفَعُ، وَكِتَابُ اللهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَدَّ عَنا وَهُوَ قَوْلُهُ «وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ». وَقَوْلُهُ تَعَالَى : «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ اللذينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النّبي والَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ»، فَنَحْنُ مَرَّةً أَولَى بِالْقَرَابَةِ، وَتَارَةً أَولَى بِالطَاعَةِ. وَلَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُون على الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ برسول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَلَجُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ يَكُنِ الفَلَجُ بِهِ فَالحَق لَنَا دُونَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فالْأَنْصَارُ عَلى دَعْوَاهُمْ. وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الخُلَفَاء حَسَدْتُ وَعَلى كلِّهِمْ بَغَيْتُ، فَإِنْ يَكُنْ ذلِكَ كَذلِكَ فَلَيْسَ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ فَيَكُونَ
الْعُذْرُ إِلَيْكَ، وَتِلْكَ شَكَاة ظَاهِرُ عَنْكَ عَارُها (5). وَقُلْتَ إِنِّي كنتُ أَقَادُ كَما يُقادُ الْجَمَلُ المَخشُوشُ حَتَّى أَبَابِعَ. وَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَدُمّ فَمدَحتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ. وَمَا عَلى المُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُن شَاكاً فِي دِينِهِ وَلاَ مرْتَاباً بِيَقِينِهِ. وَهَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا، وَلكِنِّي أَطْلَقْتُ لكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا. ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرٍ عُثمانَ فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ فَأَننَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وأهدى إلَى مَقَاتِلِهِ. أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ، أمن أَسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاحَى عَنْهُ وبَثَّ المَمنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ كَلَّا واللهِ لَقَدْ عَلِمَ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلاً. وَمَا كُنتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثَاً، فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ فَرُبِّ مَلُومٍ لاَ ذَنْبَ لَهُ. وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظَّنَّةُ المُتَنَصِّحُ، وَمَا أَرَدْتُ إلا الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ (6). وَذَكَرْتَ أَنْهُ لَيْسَ لِي وَلِأَصْحَابِي إِلَّا السَّيْفُ. فَلَقَدْ أَصْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ، مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الْأَعْدَاء نَاكِلِينَ،
وَ بِالسُّيُوفِ مُخَوِّفِينَ، لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الهَيْجَا حَمَلَ، فَسَيَطلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِل نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ المَوْتِ، أَحَبُّ اللقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاء ربِّهِمْ، قَدْ صَحِبَتُهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفٌ هَاشِميةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالَهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ، «وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ» (7).
اللغة :
الرمية : الصيد يُرمى والصنائع: من الصنيعة أي الحسنة. وعادي : قديم. والطول : الفضل الفضل. وفلجوا : ظفروا. والمراد بالشكاة هنا العيب، وبالظاهر الزائل. والجمل المخشوش : في أنفه خشبة صغيرة يقاد بها. والمعوقين : المثبطين والمانعين من النصرة. والظنة : التهمة. والمتنصح : المبالغ في النصيحة والاستعبار : البكاء. وتاكلين : متأخرين. ولبث : من اللبث أي المكث والهيجاء : الحرب. وحمل : اسم رجل من قشير. ومرقل : مسرع والجحفل : الجيش العظيم. وساطع : منتشر والقتام : الغبار الأسود. ومتسريلين : لابسين.
الإعراب :
روي قديم عزنا بنصب قديم على نزع الخافض أي على قديم، وعليه يكون ضمير «نا» فاعل، وروي برفع قديم على أنه فاعل و نا مفعول، والمصدر
من خلطناكم مجرور بمن محذوفة، وقيل : المصدر من ان خلطناكم فاعل يمنع، وفعل الاكفاء بالنصب على المصدر أي فعلنا فعل الاكفاء، واني خبر مقدم ليكون، وذلك اسمها، ومنا النبي مبتدأ وخبر، وفي كثير متعلق بمحذوف خيراً المبتدأ محذوف أي هذا قليل من كثير الخ، ومرة نصب علي الظرفية أي فعلة واحدة من مرور الزمن، وتارة عطف على مرة، وتلك مبتدأ أول، وشكاة مبتدأ ثان، وظاهر خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، وعارها فاعل ظاهر، وعلى المسلم خبر مقدم خبر مقدم، وغضاضة مبتدأ مؤخر، ومن زائدة، ولك خبر مقدم والمصدر من أن تجاب مبتدأ مؤخر، ولبث فعل أمر، وقليلاً صفة لمفعول مطلق محذوف أي لبناً قليلاً، والهيجا مفعول يلحق، وحمل فاعل، ومتسربلين حال، و سرابیل مفعول متسربلين.
المعنى :
(فدع عنك من مالت به الرمية). لا تسمع من المضللين الذين يزينون لك سوء أعمالك، ويغرونك بحربنا وعداوتنا (فانا صنائع ربنا، والناس بعد صنائعنا). ان الله سبحانه من علينا نحن الهاشميين بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و به ختم النبوة والنبيين، وإذن فنحن أهل الفضل على الناس برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي أخرجهم من الظلمات الى النور، ولا فضل لأحد علينا سوى الله، فهو وحده مصدر هدايتنا، أما غيرنا من المسلمين فهدايته بنا، فالفضل لنا بمحمد على أمة الإسلام، ولها بمحمد وأهل بيته الفضل على سائر الأمم.
(لم يمنعنا قديم عزنا الخ).. نحن يا معاوية أجل منكم وأعلى، وأنتم أقل وأدنى، وليس معنى هذا أن لا نعاملكم معاملة الأكفاء في الزواج كي تحتج به، فإن الكفؤ قد يتزوج ويزوج غير الكفؤ الكفؤ.. وتجدر الإشارة إلى أن الإمام أبعد الناس عن الفخر، ولكن موقف معاوية قد اضطره الى ذلك. وقال حفيده الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يجوز للإنسان أن يزكي نفسه عند الضرورة كما فعل يوسف حين قال لملك مصر : «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ- 55يوسف».
وقال ابن أبي الحديد : نذكر بهذه المناسبة مناكحات بني هاشم وعبد شمس،
فقد زوج النبي ابنتيه رقية وأم كلثوم من عثمان، وزوج ابنته زينب من أبي العاص ابن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس في الجاهلية، وتزوج أبو لهب بن عبد المطلب أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، وتزوج رسول الله أم حبيبة بنت أبي سفيان.
(ومنا النبي ومنكم المكذب) أبو سفيان. وقال بعض الشارحين: أبو جهل. ولكن أبا جهل مخزومي، وليس بأموي، ينتهي نسبه الى مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، كما في سيرة ابن هشام (ومنا أسد الله) حمزة بن عبد المطلب (ومنكم أسد الأحلاف) الخ.. قال الشيخ محمد عبده : «لأسد الأحلاف أبو سفيان، لأنه حزب الأحزاب وحالفهم على قتال النبي في غزوة الخندق، وسيد شباب أهل الجنة : الحسن والحسين بنص قول الرسول».
(ومنكم صبية النار) وهم طغاة الجور من الحكام الأمويين (ومناخير نساء العالمين) فاطمة الزهراء (عَلَيهِ السَّلَامُ). (ومنكم حمالة الحطب) أم جميل عمة معاوية التي اشتهرت بعدائها لرسول الله (في كثير مما لنا) من الفضائل (وعليكم) من الرذائل.
ولمناسبة ذكر سيدة النساء أشير الى صدور كتاب جديد، اسمه (أهل البيت) لمؤلفه توفيق أبو علم، ولم أر الكتاب، ولم أجده في مكاتب بيروت، وانما قرأت عنه في جريدة «الأخبار» : المصرية تاريخ 24 – 11 – 1972، ومما جاء في الجريدة : «قالوا يحق : إن فاطمة الزهراء نداء الملايين، وشهاب النبوة، وانها في القمة. وكل ذلك مرآة تعكس جزءاً ضئيلاً مما هي عليه. أليست بنت النبوة وربيبة الوحي ؟ ومثال المرأة التي يريدها الله، وقطعة من الاسلام المجسد في رسول الله، وقدوة للمرأة وللانسان المؤمن في كل زمان ومكان ؟».
(فإسلامنا قد سمع وجاهليتنا لا تدفع). نحن بني هاشم مشهورون بالصدق والأمانة ومكارم الأخلاق في الجاهلية والإسلام، قال العقاد في كتاب «عبقرية محمد» : «كان بنو هاشم أصحاب عقيدة وأريحية ووسامة، أصحاب عقيدة وأريحية ووسامة، وكان بنو أمية أصحاب عمل وحيل ومظهر مشنوء ومهما تجد من ندين متناظرين في هاشم وأمية إلا وجدت بينهما هذا الفارق على نحو من الأنحاء».
(وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا الله - الى - أولى بالطاعة). يجمع :يوجب، وشد : أبعد، والمعنى لا فوضى وعشوائية في الواقع ولا في الإسلام فالله اختار محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للسفارة بينه وبين عباده، لأنه «أعلم حيث يجعل رسالته» وكذلك الخلافة لا بد لها من سبب موجب، ولا يخلو السبب الموجب لتولي الخلافة من أحد فرضين : إما الرحم والقرابة من النبي المختار أخذا بظاهر الآية 75 من سورة الأنفال : «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ». وإما التبعية والطاعة لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما في الآية 68 من سورة آل عمران : «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا». وليس من شك ان أهل البيت هم أقرب الناس الى رب البيت وصاحبه، وأعلمهم بسنته، وأول من آمن به وناصره ودافع عنه.
وهذه الحجة العقلية النقلية التي أدلى بها الإمام - تثبت انه أولى بالخلافة من السابق واللاحق دون أن يجد فيها معاوية أي مغمز يتشبث به ويحتج عند أهل الشام.
(ولما احتج المهاجرون - الى - دعواهم). تنازع المهاجرون والأنصار على الخلافة. فقال هؤلاء : نحن آوينا النبي وناصر ناه. وقال أولئك : نحن شجرته و قرابته. وبالتالي تغلب المهاجرون.. فإن كان للقرابة أثرها كما زعم المهاجرون فالإمام أقرب من كل قريب وإلا فحجة الأنصار قائمة، ولا تبطل بقول المهاجرين. وفي سائر الأحوال فأنت يا معاوية طليق لا مهاجر ولا مناصر. وبكلمة قصيرة الإمام طرف أصيل في مسألة الخلافة، لأنه أقرب الأرحام وهاجر وناصر أما معاوية فدعي دخيل و سبقت الإشارة الى (السقيفة، في الخطبة 3 والخطبة 66. (وزعمت اني لكل الخلفاء حسدت الخ).. لنفترض صحة ما تقول، وفرض المحال ليس بمحال، فهل حسدتك يا معاوية كي أعتذر اليك ؟ وهل لك من فضل في شيء تحسد عليه، أو تغبط ؟ (وقلت : اني كنت أقاد الخ). ثم ماذا ؟ وهل في ذلك نقص من ديني وخلقي، أو علمي ومكاني عند خالقي (لقد أردت أن تذم فمدحت) ذلك بأن الذي يذم حقاً ذلك بأن الذي يذم حقاً هو الظالم الغاصب من
أمثالك يا معاوية، أما المظلوم فالله وليه ونصيره. وعلى منطقك هذا ينبغي أن تمدح أباك، وتذم الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - استغفر الله - لأنه عانى الكثير من أبيك أبي سفيان جيش الجيوش، وحزب الأحزاب، وعقد الأحوال أحد على حرب نبي الله، وحاول قتله بكل سبيل وحاول قتله بكل سبيل، وكسر جيش أبيك يوم أنف النبي ورباعيته، وشجه في وجهه وأيضاً ينبغي أن تثني على أمك هند، لأنها أكلت كبد حمزة سيد الشهداء، وتبارك عمتك أم جميل حمالة الحطب، لأنها جمعت الأشواك، ونثرتها في طريق رسول الرحمة.. حقاً لقد أردت أن تفضح فافتضحت من حيث لا تشعر.. فأين دهاؤك وذكاؤك ؟.
(وهذه حجتي الى غيرك قصدها الخ).. قال الشيخ محمد عبده : يحتج الإمام على حقه لمن هو مظنة الاستحقاق للخلافة لا لمعاوية، لأنه منقط لأنه منقطع عن جرثومة الأمر فلا حاجة للاحتجاج عليه (ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان الخ).. وأنا أجيبك لقرابتك منه، وإلا فأنت أحقر من أتوجه اليه بقول.
(فأينا كان أعدى له الخ).. قال العقاد في كتاب «معاوية»، ص 148الطبعة الثالثة سنة 1966 : ان أثبت ما ثبت من نفعية - أي انتهازية - معاوية هو طلبه من عثمان ان تكون له ولاية الدم بعد مقتله، وهذا الطلب بمثابة طلب ولاية العهد !.. ومعناه في الواقع ان معاوية كان يتمنى قتل عثمان ليتولى الخلافة من بعده !. ثم نقل العقاد في ص 149 عن تاريخ الخلفاء للسيوطي : ان معاوية بعد أن تم له الأمر قال للصحابي أبي الطفيل عامر بن نائلة : ألست من قتلة عثمان ؟ قال أبو الطفيل : لا، ولكني لم أنصره. قال معاوية : وما منعك من نصره ؟ قال : لم ينصره المهاجرون والأنصار. قال معاوية : كان حقاً واجباً عليهم أن ينصروه. قال له أبو الطفيل : وما منعك أن تنصره ومعك أهل الشام ؟ قال معاوية : أما طلبي بدمه فنصرة له. فضحك أبو الطفيل وقال : أنت وعثمان كما قال الشاعر :
لا ألفينك بعد الموت تندبني*** وفي حياتي ما زودتني زادا
وقال العقاد في ص 150 : آل الأمر الى معاوية بعد حين، وما أخذ أحداً،
أو حاسب واحداً من قتلة عثمان، وكان يلقى الرجل منهم فيسكت عنه أو يسأله : الست من قتلة عثمان، ثم يصرفه مزوداً بالعطاء. وسبق الحديث عن ذلك أكثر من مرة.
(ما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه احداثاً الخ).. قال الشيخ محمد عبده : «انقم عليه أي أعيب عليه، والاحداث البدع» وعلى هذا يكون المعنى لا اعتذر من أني كشفت لعثمان عن دخوله في الباطل وخروجه من الحق (وما أردت إلا الاصلاح ما استطعت) ولكن عثمان ومروان كانا يتهماني في النصح (قرب ملوم لا ذنب له) عند الله، وكفى به ولياً ونصيراً.
معاوية يهدد
(وذكرت انه ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف الخ) الإمام بالحرب، وهو يعلم مكانه فيها، ويعلم ان معه سيوف الهاشميين والصحابة والتابعين، وكلهم يتقربون الى الله في حرب معاوية.. ولا أعرف أحداً صور شجاعة الإمام وثقته بنفسه كما صورها العقاد في كتاب «عبقرية الإسلام»، قال : «كان الإمام وهو في طفولته، وقبل أن يبلغ مبلغ الرجال - يعلم أنه شيء في هذه الدنيا، وانه قوة لها جوار يركن اليها المستجير والدليل على ذلك ان صناديد قريش أحاطوا بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ينذرونه وينكرونه، والنبي يقلب طرفه في الوجوه ويسأل عن النصير ولا نصير إلا علي بن أبي طالب، وهو في العاشرة أو نحوها دون أن يهاب الرؤوس الكبار والشيوخ الذين رفعتهم الوجاهة.. وعلي في الخمسين أو الستين هو علي يوم كان في تلك السن».
وما ترك العقاد بعد هذا قولاً لقائل !. ابن العاشرة يقف متفرداً لأكبر الرؤوس، وأصحاب السيوف والجيوش غير هيتاب ولا مكترث، ويقول للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أنا يا رسول الله لهؤلاء الطغاة، ولن يصلوا اليك ما دمت حياً.. يقول هذا دون أن يعتمد على دولة أو عشيرة أو شيء سوى الثقة بنفسه والاتكال على الله والنبي يقبل منه، ويثق به، ويقول له : أجل، أنت أخي ونصيري ووزيري. وصدق الإمام القول بالفعل، وكان عند ظن الرسول، بات على فراشه ليلة الهجرة، وفوت الفرصة على قريش، وأطاح رؤوس الكبار منها عن أجسادها
في بدر وأحد والأحزاب.. حتى استسلمت صاغرة ابتغاء السلامة والعافية.
(وقد عرفت مواقع نصالنا في أخيك) حنظلة (وخالك) الوليد بن عتبة (وجدك) عتبة بن ربيعة في يوم بدر (وأهلك) أتباع أبيك. وتقدم مثله مع الشرح في الرسالة 10. وكتب بعض الشارحين حول هذه الرسالة أكثر من 350 صفحة.
أما بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابَكَ تَذكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللهِ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِدِينِهِ وَتَأييدِهِ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَقَدْ خَبَّاً لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً إِذ طَفِقَت تُخبرنا ببلاء الله عِندَنَا وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا، فَكُنْتَ فِي ذلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ أَوْ دَاعِي مُسَدّدِهِ إلَى النِّضَالِ. وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفضَلَ النَّاسِ فِي الْإِسْلَام فَلَانُ وَفُلَانٌ، فَذَكَرْتَ أَمراً إنْ تمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ، وَإِنْ نَقَصَ لَمْ تَلْحَفْكَ ثلْمَتَهُ. وَمَا أَنتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ. وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ ؟ وَمَا لِلطَّلَقاء وَأَبْنَاءِ الطَّلَقَاءِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَتَرْتِيبِ دَرَجَاتِهِمْ و تَعْرِيفِ طَبَقَاتِهِمْ. هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا، وَطَفِقَ يَحْكُم فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الحُكُمُ لَهَا. أَلَا تَرْبَعُ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى ظَلَعِكَ وَتَعْرِفُ
قُصُورَ ذَرْعِكَ ؟ وَتَتَأخُرُ حَيْثُ أَخَرَكَ القَدَرُ، فَما عَلَيْكَ غَلَبَةُ المَغْلُوبِ وَلَا لَكَ ظَفَرُ الظَّافِرِ (2). وَإِنَّكَ لَذَهابُ فِي التِّيهِ رَواغٌ عنِ الْقَصْدِ. أَلَا تَرَى - غَيْرُ مُخبرٍ لَكَ وَلَكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أُحَدِّثُ - أَنْ قَوْماً أَسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلِكُلِّ فَضْلٌ، حَتَّى إذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ سَيِّدُ الشُّهَدَاء، وخَصَّهُ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ علَيْهِ وآلِهِ) بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِندَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ. أَوَ لَا تَرَى أَنْ قَوْماً قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَلِكُلِّ فَضْلٌ - حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ قِيلَ الطَّيِّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ، وَلَوْلَا مَا نهى اللهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ المَرْء نَفْسَهُ لَذَكَرَ ذَاكِرْ فَضَائِلَ جَمَّةً تَعْرِفُهَا قلُوبُ المُؤمِنِينَ وَلَا تَمجُّهَا آذَانُ السّامِعِينَ (3).
اللغة :
طفقت : ابتدأت والمراد ببلاء الله هنا إحسانه وهجر (الهفوف) : مدينة بالبحرين كثيرة النخيل. والنضال : المراماة. ومسدده : معلمه. واعتزلك : لا شي لك منه، وثلمته : عيبه وخلله. والطلقاء : الذين أسروا في الحرب وأطلقوا وحن : صوت. والقدح - بكسر القاف - السهم. واربع على ظلعك : قف عند حدك. والدرع - بسكون الراء - بسط اليد، ويقال : ضاق بالأمر ذرعاً أي لم يقدر عليه. والتيه : الضلال. ورواغ : كثير المكر والخداع. والقصد : الاعتدال.
الإعراب :
أنت مبتدأ مؤخر، و «ما» خبر مقدم، وهي للاستفهام على الإنكار
والفاضل بالنصب مفعول معه، لأن المعنى ما تصنع مع، لأن المعنى ما تصنع مع الفاضل، والتمييز مفعول معه للطلقاء. وهيهات اسم فعل بمعنى بعد. وما غلبة مبتدأ وخبر، وعليك متعلق بغلبة، ورواغ خبر بعد خبر لأنك، وغير مخبر خبر لمبتدأ محذوف أي أنا غير مخبر لك، والمصدر من ان قوماً مفعول ترى، وسيد الشهداء خبر لمبتدأ محذوف ومثله الطيار، وما نهى «ما» مصدرية والمصدر المنسبك مبتدأ، والخبر محذوف وجوباً أي لولا نهي الله كائن، وجمة صفة لفضائل.
المعنى :
(أما بعد فقد أتاني كتابك الخ). الخطاب لمعاوية، وكان قد كتب للإمام رسالة تدل على ان دماءه وذكاءه ينحصر بصكوك البيع والشراء، وإن عقله لا يصلح إلا للتجارة وعقد الصفقات تجار من أمثاله، كابن العاص أخذ منه مصر وحارب معه معاوية، والمغيرة بن شعبة اشترى منه الكوفة بتمهيد البيعة ليزيد، أما زياد ابن أبيه فكان رقاً لمعاوية، والثمن الصاقه بأبي سفيان.. ومن رفض عقد الصفقات التجارية مع معاوية دس اليه السم بالعسل.. هذه هي سياسة معاوية، وهذا دهاؤه وذكاؤه : شراء الدين والذمم، والموت لمن أبى إن استطاع اليه سبيلاً، واذا حاد معاوية عن هذا الخط فلا ذكاء عنده ولا دهاء، والدليل هذا الكتاب الذي أجاب عنه الإمام بما فضحه وأخزاه، ورد كيده الى نحره واليك البيان :
روى ابن أبي الحديد عن استاذه النقيب أبي جعفر أن معاوية كان يتلهف على كلمة من فم الإمام يغمز بها الشيخين، ليجعلها حجة عند أهل الشام، ولما عجز أرسل الى الإمام الكتاب تلو الكتاب والرسالة بعد الرسالة يذكر فيها فضل أبي بكر وعمر، لينفث الإمام بعض مآخذ عليها، فيتخذ منها معاوية ما اتخذ من قميص عثمان، ومن رسائله في ذلك الرسالة التي نحن بصدد جوابها. هذا ما قاله النقيب لتلميذه الشارح، وجواب الإمام يشهد بصحته كما يشهد بأن الإمام أدرك هدف معاوية، ففوت عليه الفرصة، وكشف له عن سوء طويته حيث قال له فيما قال : وأردت أن تفضح فافتضحت.
(فلقد خبأ لنا الدهر منك عجباً الخ).. وأي شيء أعجب من هذا ؟
معاوية يحدث علياً عن فضل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)! غريب متطفل يُخبر أهل البيت بما في خزائنهم !. عدو أبيك اللدود ينبئك عن فضله وعظمته !. ولا أدري : هل هذا دهاء أو نكتة ؟. وقد تواضع الإمام حين شبه معاوية بالتلميذ يدعو استاذه الى المسابقة والمباراة (وزعمت ان أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان الخ) هذا هو بيت القصيد في رسالة معاوية، أثنى على الشيخين ليطعن الإمام عليهما، فيبلغ منه معاوية ما أراد، ولكن الإمام وجه الى قلب معاوية طعنة نجلاء حين قال له : ما أنت وأهل السياسة والفضل، والهجرة والنصر ؟. إنك طليق وابن طليق، حاربت أنت وأبوك الإسلام ونبي الإسلام، ثم استسلمتها كرهاً لا طوعاً.
(فما عليك غلبة المغلوبين الخ).. لا تقحم نفسك بيني وبين الشيخين غالباً كنت أو مغلوباً، فتقدمها علي ليس انتصاراً لك، ولا تقدمي عليها إلا يزيدك خزياً، لأنك الطلقاء لا السابقين الأولين (ألا ترى غير مخبر لك) لأن مثلي لا يقصد مثلك بالحديث (ولكن بنعمة الله احدث) يشير الى قوله تعالى : «واما بنعمة ربك فحدث 11 الضحى». (ان قوماً استشهدوا في سبيل الله الخ).. وفضلهم كبير وجليل لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون.
(حتى اذا استشهد شهيدنا الخ).. لكل شهيد فضل يشكر، ولكن لشهيد أهل البيت أفضلية على سائر الشهداء لا ينكرها مسلم، والدليل أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سمى حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء، وكبر عليه سبعين تكبيرة، وما فعل هذا بشهيد من الأنصار والمهاجرين، إذ كان لا يزيد عن سبع تكبيرات، ولا يعطي الشهيد أي لقب. وقال ابن أبي الحديد : ان حمزة سيد الشهداء في حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقط، لأن الإمام هو سيد لكل شهيد ومسلم بعد رسول الله.
(ان قوماً قطعت أيديهم في سبيل الله، ولكل فضل حتى إذا فعل بواحدنا الخ).. يشير الى أخيه جعفر واستشهاده في مؤتة. وتقدم الكلام عنه وعن حمزة في الرسالة 9) (ولولا ما نهى الله الخ).. أشار الإمام الى حمزة وجعفر، وسكت عن نفسه تأدباً بقوله تعالى : «فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى - 32 النجم».
وَقَدْ كَانَ مِنَ انْتِشارِ حَبْلِكُمْ وَشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبُوا عَنْهُ، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ، وَرَفَعْتُ السَّيْف عَنْ مُدْبرِكُمْ، وَقَبلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ. فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ المُرْدِيَةُ، وَسَفَهُ الآراء الجائرة إلَى مُنَابَذَتِي وَخِلافِي فَمَا أَنَا ذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي وَرَحَلْتُ رِكَابِي، وَلَئِنْ الْجَأتُمُونِي إلى المسيرِ إِلَيْكُمْ لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقعَةٌ لاَ يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلا كَلْعْقَةِ لَاعِقٍ، مَعَ أَنِّي عَارِفُ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ وَلِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ، غَيْرَ مُتَجَاوِزِ مُتَهَا إِلَى بَرِيء، وَلَا نَاكِثاً إلى وفي.
اللغة :
انتشار حبلكم : تفرقكم. وشقاقكم : عداوتكم وخلافكم. وتغبوا : تغفلوا.
والمردية : المهلكة وسفه الآراء : ضعفها. والجائرة : الماثلة عن الحق والمنابذة : المخالفة المخالفة. واللعقة واللعقة : اللحسة.
الإعراب :
ما لم تغبوا (ما) اسم كان، وغير متجاوز بالنصب حال، وبالرفع خبر ثان لأني، ومتهماً مفعول متجاوز.
المعنى :
(وقد كان من انتشار حبلكم - الى - مقبلكم). الخطاب لأهل البصرة، وكانوا قد أعطوا الإمام طاعتهم وولاءهم، فولى عليهم عثمان بن حيف، وما ان دخلت أم المؤمنين البصرة بجملها مع طلحة والزبير حتى نكث أكثر أهلها بيعة الإمام، وأعلنوا عليه الحرب، ولما انتصر عليهم عفا عنهم، وعادت المياه الى مجاريها.. ولكن المعاوية لا يريد أن تهدأ العاصفة من حول علي، فأرسل الى البصرة من يحرضها على الفتنة تارة ونقض العهد تارة أخرى.
فأرسل اليهم الإمام هذا الكتاب يذكرهم بما كان منه، ويهددهم ان عادوا لمثلها بقوله : (فإن خطت بكم الأمور الخ).. ان عدتم ثانية الى الفساد في الأرض فأنا لكم بالمرصاد، وملأتها عليكم خيلاً ورجالاً، وعاملتكم كمن آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر ثم ازداد كفراً، وجعلتكم عبرة (لا يكون الجمل) بالنسبة اليها (الا كلعقة لاعق). أخذتكم في وقعة الجمل بالرأفة واللين، ولكن ان عدتم الى مثلها فما لكم عندي إلا الشدة والنكال.. وغرض الإمام من هذا التهديد والوعيد مجرد التخويف والوقاية عسى يكفوا عن الفتنة والفساد.
(مع اني عارف لذي الطاعة منكم الخ).. الشكر والحسنى لمن الشكر والحسنى لمن أطاع منكم، والعصا لمن عصى، ولا تظلمون فتيلاً. قال ابن أبي الحديد :. «يقول الإمام لأهل البصرة : لا آخذ البريء بالسقيم، والوفي بالناكث. وبعد الإمام قال زياد ابن أبيه لأهل البصرة : والله لأخذن البريء بالسقيم، والبر باللئيم، والوالد
بالولد، والجار بالجار».. حكمة بالغة أرادها الله في عباده لا يدركها إلا ذو عقل ودين : رفض أهل البصرة العدل وأهله، فسلط سبحانه عليهم الجور وعتاته.. وهكذا من رفض الرزق الكفاف تكابراً وتعالياً يحرمه الخالق الرازق حتى من اليسير. سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.
فَاتَّقِ اللهَ فِيمَا لَدَيْكَ، وَأنظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ، وَأَرْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ ما لاَ تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ، فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلاماً وَاضِحَةً، وَسُبُلاً نَيِّرَةً، ومحَجَّةً نَهْجَةً وَغَايَةً مَطْلُوبَةً يَرِدُهَا الْأَكْيَاسُ وَيُخَالِفُهَا الْأَنْكَاسُ. مَنْ نَكَّبَ عَنْهَا جَارَ عَن الْحَقِّ وَخَبَطَ في التِّيهِ، وَغَيْرَ اللهُ نِعْمَتَهُ، وَأَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ. فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ لَكَ سَبِيلَكَ. وَحَيْثُ تناهت بك أمورك فقد أجريت إِلَى غَايَة خُسْرٍ وَمحَلَّةِ كُفْرٍ، وَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتكَ شَرًا، وَأَقحَمَتُكَ غَيًا، وَأَوْرَدَتكَ المَهَالِك وَأَوْعَرَتْ عَلَيْكَ المسالك.
اللغة :
أعلاماً : علامات ودلائل. والمحجة الطريق الواضحة، ونهجة واضحة
ومطلبة - بتشديد الطاء وفتحها - مطلوبة. والأكياس : العقلاء. والانكاس : ضد العقلاء، وهم الذين تكثر منهم الأخطاء والأسواء. ونكب : عدل وخيط : سار بغير هدى. والتيه الضلال. وتناهت الأمور : بلغت غايتها. وأولجتك : أدخلتك. وأقحمتك : رميت بنفسك بلا روية. وأوعرت : صعبت وضيقت.
الإعراب :
نفسك نصب على التحذير أي احذر نفسك، وحيث في محل نصب بفعل محذوف أي قف مكانك.
(فاتق الله فيما لديك الخ).. يا معاوية من أموال المسلمين، وفيما أنت متسلط عليه من شؤونهم ومصالحهم، وهذا حق واجب عليك الله وللأمة (وارجع الى معرفة ما لا تعذر بجهالته). المراد بالمعرفة هنا الطاعة، من باب إطلاق المعرفة على الشيء المعروف، والمعنى دع عنك العمل لتفريق الجماعة، وارجع الى الطاعة، وأنت تعلم ان إيقاظ الفتن من أكبر الكبائر أكبر الكبائر، والله سبحانه لا يقبل منك الاعتذار بالجهل، لأنك كاذب فيه. قال العقاد في كتاب «معاوية» : انه فرق الأمة شيعاً، فلا تعرف كيف تتفق ولو حاسبه التاريخ حسابه الصحيح لما وصفه بغير مفرق الجماعة.
(فإن للطاعة أعلاماً واضحة الخ).. وهي العمل لجمع الشمل، والتعاون مع الجميع على مصلحة الاسلام والمسلمين.. ولكن هذا يصدر عن الإخلاص وحب الخير، ولا يتوخاه إلا أهل الوعي والإيمان، وليس معاوية منهم في شيء لأنه ناكب عن الحق، ضارب في الضلال (فقد بين الله لك سبيلك) حرصت على الدنيا وعاجلها، وانصرفت عن الله بعد أن بين لك حلاله وحرامه، وأرشدك الى سواء السبيل (فقد أجريت الى غاية خسر، ومحلة كفر). مضيت
في طريق ينتهي بك الى الخسران المبين والكفر المشين.
وبعد، فإن إصرار الإمام على موعظة معاوية لا يخلو من أحد فرضين : إما من باب إلقاء الحجة على معاوية، وإما للتشهير به وإعلان حقيقته لكل جيل، كما يفعل اليوم من يملكون وسائل الدعاية والنشر وإلا فإن الإمام يعلم بأن عظاته لمعاوية لا تزيده إلا فراراً واستكباراً.
مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ. الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ، الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ، الْمُسْتَسْلِم لِلدَّهْرِ. الذّامّ لِلدُّنْيَا، السّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى. وَالظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً. إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤْمِّلِ مَا لَا يُدْرَكُ، السّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَرَهِينَةِ الْأَيَّامِ. وَرَمِيَّةِ المَصَائِبِ. وَعَبْدِ الدُّنْيَا. وَتَاجِرٍ الْغُرُورِ. وَغَرِيمِ الْمَنَايَا، وَأَسِيرِ الْمَوْتِ، وَحَلِيفِ الْهُمُوم. وَقَرِينِ الْأَحْزَانِ. وَنُصْبِ الْآفَاتِ. وَصَرِيع الشَّهَوَاتِ، وَخَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ (1). أما بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيِّنْتُ مِنْ إدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي وَجُمُوحٍ الدَّهْرِ عَلَيَّ وإقبالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ مَا يَزَعْنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ، والاهتمام بما وَرَائِي، غير أني حيث تَفَرَّدَ بي دون هموم النَّاسِ هَم نَفْسِي، فَصَدَفَنِي رَأْيِي وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرْحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي فَأَفضَى
بي إلى جد لا يَكُون فِيهِ لَعِبٌ، وَصِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ. وَوَجَدتُكَ بَعْضي بَلْ وَجدتُكَ كُلِّي حَتَّى كَانَ شَيْئًا لَوْ أَصَابَكَ أصَابَنِي، وَكَانَ المَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ نَفْسِي فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ (3).
اللغة :
الرمية : الهدف. ونصب - بضم النون والصاد - أشراك منصوبة للصيد والجموح : العصيان. ويزعني : يمنعني. وصدقني : صرفي. ومستظهراً : مستعيناً.
الإعراب :
من الوالد متعلق بمحذوف خبراً لمبتدأ محذوف أي هذه وصية من الوالد، والى المولود متعلق بهذه الوصية، والفاني وما بعده صفة للوالد، والمؤمل وما بعده صفة للمولود، وما يزعني «ما» مفعول تبينت، غير اني نصب على الاستثناء، و مستظهراً حال من فاعل كتبت.
قال الشريف الرضي : كتب أمير المؤمنين هذه الوصية لولده الإمام الحسن بحاضرين عند انصرافه من صفين. وحاضرين اسم بلدة في نواحي صفين.
والإمام الحسن هو السبط الأول لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والمولود البكر الأمير المؤمنين، والإمام الثاني من أئمة أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورابع أصحاب الكساء، وأحد ريحاني النبي، وسيدي شباب أهل الجنة. ولد ليلة النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وسماه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حسناً، وهو أول من سمي بهذا الاسم
وفي صحيح البخاري ومسلم : ان رسول الله قال : الله اني أحب الحسن فأحببه واحبب من يحبه. وتولى الخلافة بعد أبيه أشهراً، ثم جرى الصلح بينه وبين معاوية.
وتكلم الناس وأطالوا حول هذا الصلح قديماً وحديثاً، ومنهم من صوب، ومنهم من خطأ بخاصة أن معاوية نقض الشروط التي أبرمها على نفسه للإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)... روى ابن أبي الحديد، في أول شرحه لهذه الوصية، عن المدائني ان معاوية بعد الصلح خطب أهل الكوفة، وقال لهم فيما قال : «أترون أني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت انكم تصلون وتزكون وتحجون ولكني قاتلتكم لأنتمر عليكم وعلى رقابكم.. ألا ان كل شرط أشترطه فتحت قدمي هاتين».
وتكلمنا عن هذا الصلح بنحو من التفصيل في كتاب «الشيعة والحاكمون.. ومجمل القول : إن الذين خطأوا الإمام الحسن في هذا الصلح نظروا الى ما ينبغي أن يكون، وتجاهلوا الظروف والأحداث التي أحاطت بالحسن وفرضت نفسها عليه.. اعتمدوا على اللمحة العابرة، أو النظرية المجردة عن الزمان والمكان، وصرفوا النظر عما يعترض تطبيقها من العقبات.
أما قول من قال : كان على الحسن أن يستشهد كما استشهد أخوه الحسين، فإنما يصح لو أدى استشهاد الحسن الى نفس النتيجة التي أدت اليها تضحية الحسين من إحياء الدين وإعلان حقيقة الأمويين، أما مع اختلاف النتيجة لاختلاف الظروف والمؤثرات فلا مبرر للقياس. قال العقاد في كتاب «معاوية» : «آلت خلافة الإمام الى ابنه الحسن في معسكر مضطرب بين الخوارج والشيعة والموالي والأتباع الذين لا يعملون عمل الأتباع طائعين، ولا يعملون عمل الرؤساء مقتدرين مضطلعين، وورث الحسن معسكراً لم يطل عليه عهد الولاء لأحد قط ليناضل به معسكراً لم يقع فيه خلاف قط». ومعنى هذا في واقعه ان الحسن لو لم يصالح لقتل بسيوف معسكره لا بسيوف أعدائه، كما أوضحنا في كتاب «الشيعة والحاكمون».
والخلاصة أن الحسن أخو الحسين، وروح أبيه وأخيه بين جنبيه،، وقد استشهد الحسين لخير الإسلام والمسلمين،، وصالح الحسن للغاية نفسها، ودفعاً للضرر الأشد بالضرر الأخف، لا رهبة من الموت، ولا رغبة في الحياة.
المعنى:
(المقر للزمان) بقسوته وشدته (والمستسلم للدنيا) أي الصابر على آفاتها وضرباتها (الى المولود المؤمل الخ).. المراد بالمولود هنا كل ولد من حيث انسان بصرف النظر عن الحسن وغيره من الأفراد، والقصد النهي عن طول الأمل لأنه ينسي الآخرة (وعبد الدنيا) خاضع لمنطق الحياة، والغرائز الحيوانية (وغريم المنايا) مديون للموت الذي يطلب الرحيل من كل حي تماماً كما يطلب الغريم الوفاء بماله من المديون (ونصب الآفات) مصيدة للنكبات والعثرات.
(فإن فيما تبينت من إدبار - الى - وراثي). ذهب العمر أو أكثره، ولاقيت من دهري ما لاقيت، وجاءني الموت مسرعاً، وهذا بطبيعة الحال يدعوني الى الاهتمام بآخرتي ومصيري، والانصراف عما عداه (غير اني حيث تفرد الخ).. وعلى الرغم من اني في هذه اللحظة أهتم بنفسي دون غيرها فقد رأيت رأياً لا هوى فيه ولا شائبة، وهو أني (وجدتك بعضي، بل وجدتك كلي) وإذن فالاهتمام بلك اهتمام بنفسي ذاتها (حتى كأن شيئاً لو أصابك أصابني الخ)... وهكذا كل والد يرى وجود ولده امتداداً وتكراراً لوجوده، وقرة عين له ما كان ليحظى بها لو لم يوجد.
هذه هي عاطفة الأبوين نحو الولد.. وهي أشبه بالصرعة والجنون - فيما أرى - ولكنها غريزة حيوانية نعوذ بالله من آثامها، وفي الحديث الشريف : الأولاد يجبنون ويبخلون. وهذه حقيقة يشعر بها كل والد ووالدة، أما عاطفة الولد نحو أبويه فالباعث عليها - في الأغلب مجرد المصلحة، مخاصة أولاد هذا الزمان. قال سبحانه : «إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ - 14 التغابن». وما قال : ان من آبائكم وأمهاتكم عدواً لكم فاحذروهم.
فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَيْ بُنَيَّ وَلُزُومِ أَمْرِهِ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، والِاعْتِصَامِ بِخَبْلِهِ. وَأَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ إِنْ
أنتَ أَخَذْتَ بهِ. أخي قَلْبَكَ بِالمَوْعِظَةِ، وَأمِتهُ بِالرِّهَادَةِ، وَقَوه باليقين، وَنَوْرهُ بِالْحِكْمَةِ. وذللهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَناء وَبَصْرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَحَذَرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ الليالي وَالأَيَّامِ، وَأَعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِما أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ فَانظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَعَمَّا أنتَقلُوا وَأَيْنَ حَلُوا وَنَزَلُوا، فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ وحَلُّوا دِيَارَ الغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قليل قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ(3). فأَصْلِحْ مَثْوَاكَ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ. وَدَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَالْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلِّفُ. وَأَمْسِكَ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ صَلالَتَهُ فَإِنَّ الكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ. وأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ وباين مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ. وَجَاهِدْ فِي اللهِ حَقَّ جَهَادِهِ وَلَا تَأْخُذَكَ في اللهِ لَوْمَةُ لَائِم (4). وَخُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَعَوَّدْ نَفْسَكَ النَّصَبرَ عَلى المَكْرُوهِ وَنِعْمَ الخُلُقُ التّصَبُرُ وَأَخِي نَفْسَكَ فِي الْأُمُورِ كُلَّها إلى إلهكَ فَإنَّكَ تُلْجئتُها إلى كَهْف حَرِيزٍ، وَمَانِعَ عَزِيزٍ. وَأَخْلِص فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاء والحرمَانَ، وَأَكْثِرِ الِاسْتِحَارَةَ وَتَفَهِّمْ وَصِيِّتِي وَلَا تَذْهَبَنَّ عَنْهَا صَفْحاً
فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ، وَأَعْلَمُ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَلَا يُنتَفَعُ بِعِلم لا يحق تعلمه (5).
اللغة :
قرره : أطلب منه الإقرار. وبصره : اجعله بصيراً : والفحش : القبح ومثواك : محل اقامتك. وباين : باعد. لا يحق - بكسر الحاء -ليس من الحق في شيء.
الإعراب :
أي بني يا بني، ان أنت أي ان أخذت أنت أخذت به، وتكن مجزوم بجواب الأمر، والتصير مبتدأ، والتصبر مبتدأ، وجملة نعم الخلق خبر.
المعنى :
كل مضامين هذه الوصية القيمة الخالدة أو جلها، تكرر مراراً في الخطب السابقة، ومع هذا نشرح مراد الإمام من كل جملة وحكمة تقديراً لها وتبركاً بها وتيسيراً على القارىء، ولكن نوجز ولا نطنب، وقد نتجاوز الواضحات والمكرورات إلا اذا اهتدينا الجديد نضيفه اليها، أو يزيدها ايضاحاً.
(فإني اوصيك - الى - سبب بينك وبين الله). ولا يتحقق السبب بين الله وعبده إلا بثلاثة : الأول : الشعور بوجوده، وانه ينفع ويضر، وينعم وينتقم. الثاني : التوكل عليه والثقة به. الثالث : أن يكون مع الإيمان والتوكل عمل يرضاه أي ينفع ولا يضر، وهذه الثلاثة متكافئة متشابكة، فمن آمن ولم يتوكل أو توكل ولم يعمل انقطع السبب بينه وبين خالقه.
(أحي قلبك بالموعظة) وليس المراد بالموعظة مجرد الوصايا العشر وأمثالها، بل المراد الاتعاظ بالعبر والانتفاع بالتجارب (وأمته بالزهادة) أي بالإعراض عن
الحرام، كما قال في مكان آخر : ولا زهد كالزهد في الحرام (وقوه باليقين) وهو أن تعبد الله كأنك تراه، وتؤمن بالآخرة كأنك فيها.. وأول ما ينشأ هذا اليقين من التفكير في خلق السموات والأرض، أو من التربية والبيئة، ثم ينمو ويقوى بالعمل على مقتضاه (ونوره بالحكمة) فإنها ضالة المؤمن.
(وذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء). لأن نسيان الموت والفناء يؤدي الى العمى والطغيان.. بل أدى ببعض الغافلين الى ادعاء الربوبية، كالذي قال لابراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أنا أحبي وأميت»، وذهل انه عما قريب ينزل الى قبره جثة هامدة) وبصره فجائع الدنيا الخ).. تكرر هذا مراراً فيما سبق، ويتلخص بأن على العاقل أن لا يغتر بالدنيا وسلطانها وزينتها ومالها، فالأوائل أصابوا الكثير من لذاتها، ثم فارقتهم وفارقوها (فأصلح مثواك) بادخار الحسنات لوقت الحاجة وإلا لحقتك الحسرة والندامة.
(ولا تبع آخر تك بدنياك). عليك أن تستهين بالنفع العاجل إن كانت مغبته الى سوء، والتبعة عليه قاسية وشديدة، فإن خير الأمور ما أمنت من عاقبته، ومن هنا يصح القول : إن أعلم الناس أعلمهم بالعواقب، وأعقلهم من نظر اليها، وعمل بموجبها (ودع القول فيما لا تعرف). أبداً لا فرق بين من يحارب بلا سلاح، ومن يتكلم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. أما حرية التعبير عن الرأي فهي مضمونة لأهل العلم والرأي لا لمن يهرف بما لا يعرف، ويبادر الى الكلام على ما خطر في قلبه من غير تأمل وتفكير.. حتى العالم يكون سكوته أبلغ وأفضل من كلامه في بعض الأحيان. وتكلمنا عن ذلك في ج 2 شرح الخطبة 70 فقرة : السكوت.
(والخطاب فيما لم تكلف) اذا كان غيرك المسؤول فدع التطفل والفضول حتى ولو كنت أهلاً للإجابة، وأعلم ممن سئل.. وكيف بك اذا قال لك السائل : ما اياك سألت، أو قال لك المسؤول : ما اياك أعني ؟. (وامسك عن طريق اذا خفت ضلاله الخ).. لا تدخل في شيء اذا كنت لا تدخل في شيء اذا كنت منه على شك، واستشعر الخشية من المجهول، ولا تقل أو تفعل إلا مع اليقين بإصابة الموضع، فإن أخطأت، والحال هذه، كنت على عذرك عند الله والناس.. وعلى أية حال إن لم يكن من شيء تكسبه في إحجامك فليس ثمة ما تخسره.
(ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات للحق حيث كان). أبداً لا هوادة، ولا تعايش سلمي مع الطغاة الذين مارسوا ويمارسون في ظل هذا التعايش أعنف المعارك ضد المستضعفين، ولا رادع لهم وزاجر فعال ومؤثر من أية قوة في عصرنا.. اللهم إلا أن يستميت المظلوم في سبيل حقه.. وهل من الضروري أن يعيش الضعيف في صراع دائم مع القوي الطامع ؟ واذن فأين حماة الحق، وأنصار العدل.؟ وسلام الله على من قال : خض الغمرات للحق حيث كان في روسيا والصين، أو في روديسيا وفلسطين.. في بيتك أو في بيوت الآخرين.
(وعود نفسك التصبر على المكروه الخ).. لا تستسلم للباطل وأهله، ودافع عن الحق وأهله جهد المستطيع، واصبر على الجهاد مهما كانت الظروف (وألجيء نفسك في أمورك الخ) ثق بربك، وتوكل عليه بقلب خاضع، وعمل صالح، فإن فعلت كان نصر الله معك أينما كنت (واكثر الاستخارة) ادع الله سبحانه بإخلاص أن يختار لك ما فيه صلاح دينك ودنياك (فإن خير القول ما نفع) ولا خير في شيء لا يترك أثراً ينتفع به الإنسان علماً كان أو عملاً أو عقيدة.
(ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه). العلم بطبعه لا يأمر ولا ينهى، ولا يعنيه شيء من أمر السلوك وأحكامه، وإنما يكشف عن الشيء ومدى تأثيره وعلاقته مع غيره، أما احكام السلوك فموكولة الى الدين والأخلاق، والإسلام يحرم استعمال العلم للإضرار بالآخر، وطلبه للتماري والتباهي، ويوجب تعليمه ونشره لخدمة الحياة وأمنها والقضاء على الشر والبؤس. أما طلبه لمجرد صقل العقول وجلائها - كما كان يقال - فلا يأمر به ولا ينهى عنه، لأنه يكون، والحال هذه، تماماً كالنظرة العابرة الى زهرة أو شجرة.
أي بُنَيَّ إني لما رأيتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّا، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهُنا بَادَرْتُ بوصِيّتي إِلَيْكَ، وَأَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجلي دُونَ
أن أَفْضِيَ إِلَيْكَ بِما فِي نَفْسِي، وَأَنْ أَنقُصَ فِي رَأيِي كَما نَقَصْتُ فِي جسْمِي، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ الصَّعْبِ النَّفُورِ. وَإِنّما قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ. فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَفْسُوَ قَلْبُكَ وَيَشتغل لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدٌ رَأيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بينَهُ وَتَجْرِبَتَهُ، فَتَكُونَ قَدْ كُفيت مَؤُّونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلاج التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبِّما ربّما أَظْلَم أَظلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ (6). أي بنّي إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمرَ من كَانَ قَبْلِي فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ. بَلْ كَأَنِّي بِمَا أَنتَهى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، و تَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جمِيلَهُ، وَصَرَفتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ وَأَجَمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ وَأَنتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَمُقْتَبِلُ الدَّهْرِ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَأَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيم كِتَابِ اللهِ وَتَأْوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ الْإِسْلَام وَأَحْكامِهِ، وحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إلَى غَيْرِهِ. ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ
يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الذِي التَبَسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إحْكَامُ ذلِكَ عَلى مَا كَرِهْتَ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الهَلَكَةَ. وَرَجَوْتُ أن يُوَفِّقَكَ اللهُ فِيهِ لِرُشدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وصيَّتي هذه (7).
اللغة :
بادرتك : عاجلتك : والمؤونة : الثقل والشدة. ونخيله : صفوته. وأجمعت : عزمت و صممت. وأشفقت : خفت.
الإعراب :
وهنا تمييز، ونصبت «فتكون كالصعب»، للعطف على ان انقص، و «فتكون قد كفيت»، عطف على لتستقبل، وما قد كفاك و ما و مفعول تستقبل، والمصدر من أن يكون ذلك مفعول رأيت حيث الخ، والمصدر من أن يلتبس مجرور من محذوفة.
المعنى:
(لما رأيتني) أي رأيت نفسي (قد بلغت سناً). كتب هذه الوصية بعد أن تجاوز الستين (وأوردت خصالاً منها الخ).. أي من الوصية، وا والمعنى ان الإمام عجل بهذه الوصية قبل بغتة الأجل ونهايته (أو نقص في رأيي الخ) ليس المراد بنقصان الرأي هنا فساد العقل، بل كل ما يحول بين المرء والتعبير عن رأيه (أو يسبقني اليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا). الإمام لا يغلبه
الهوى، ولا تفتنه الدنيا، وقد طلقها ثلاثاً قولاً وعملاً.. ولكن هذه هي لغة الأولياء والقديسين، ومن قبله قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - 24 سبأ» وقال نوح : «وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ - 47 هود».
(فتكون كالصعب النفور) أي البعير الصعب الذي ينفر ولا يمكن أحداً من ظهره (وانما قلب الحدث كالأرض الخ).. قال الإمام في أول هذه الوصية: من الوالد.. الى المولود. وقلنا : المراد بالمولود الولد من حيث هو انسان بصرف النظر عن الحسن وغيره من الأفراد، وقول الإمام : «كالصعب النفور.. وقلب الحدث» قرينة قاطعة على ما قلناه في تفسير المولود، لأن سن الحسن كانت أكثر من ثلاثين سنة حين أوصى أبوه بهذه الوصية، ولأن الحسن أحد الذين عنهم الآية 33 من سورة الأحزاب - بالتطهير من الرجس، وأيضاً هو أحد الذين أرادهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بحديث الثقلين. وسبق الكلام عن هذا الحديث، وآية التطهير أكثر من مرة.. هذا، الى ان الإمام أثنى في العديد من خطبه على أهل البيت، وأمر باتباعهم، ومن ذلك قوله في الخطبة الثانية : «عيبة علم الله - أي وعاؤه - وموئل حكمه، وكهوف كتبه» وقوله في الخطبة 95 : «اتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى»، الى كثير من ذلك.
وأقوال الإمام ينسجم بعضها مع بعض كما تنسجم بمجموعها مع علمه ودينه وأفعاله، واذا كان قلب الحدث «كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته» كما قال الإمام فإن الحسن كان، وهو طفل، في حجر جده رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يحضر مجلسه ويسمع منه ويحفظ، وقد روى عن جده بعض الأحاديث تناقلها العلماء ودونوها في كتبهم، منهم الترمذي في صحيحه، والدارمي في سننه، وأبو نعيم في حليته، وابن الأثير في أسد الغابة.
(لتستقبل جد رأيك). جد - بكسر الجيم - أي المحقق، تقول : فلان عالم جد عالم أي متناه في العلم (ما قد كفاك أهل التجارب الخ).. أي ان الإمام يزوده بالمعلومات الكافية لاعتداله وكماله في آرائه وأفعاله، وتغنيه عن التجارب وأتعابها (وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي الخ).. المعرفة لا تقاس بالموهبة وحدها، ولا بالعمر المديد، وإنما تقاس بالرؤية والخبرة، وكثرة الممارسة، وقد امتدت الحياة بالذين سبقوا الإمام أكثر منه بكثير، ولكن الإمام جرب
ورأى أكثر مما جربوا ورأوا، هذا الى أنه سبر أحوال الماضين حتى كأنه عاش معهم من يومهم الأول الى آخر يوم.
(فعرفت صفو ذلك - الى جميله) انتهيت من تجاربي الى معرفة الحياة خيرها وشرها، واني أقدم لك صفوتها خالصة من كل شائبة (وصرفت عنك مجهوله) أي المشتبه الذي أشار اليه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله : «دع ما يريبك الى ما لا يريبك». (ورأيت حيث عناني الخ)..هذا دليل آخر نعطفه على الأدلة السابقة الناطقة بأن المراد بالمولود المخاطب هو الولد من حيث هو إنسان، لأن معنى هذه الجملة أردت أن أعلمك القرآن وتفسيره وحلاله وحرامه، ثم عدلت خشية يخفى عليك مكان الصواب في المذاهب والآراء لحداثة سنك، فاكتفيت بهذه الوصية التي تحتوي على الإيمان بالله وآداب السلوك.
ومنذ قليل أشرنا أن سن الحسن كانت عند هذه الوصية أكثر من ثلاثين عاماً. وإذا كان الإمام الحسن لا يعرف أسرار القرآن وأحكام الشريعة فمن الذي يعرفها ؟ ثم ان الإمام أمير المؤمنين حث على التمسك بالقرآن، والعمل بأمره ونهيه في العديد من خطبه وكلامه، وفي الخطبة 108 نص صراحة على تعليم القرآن وتعلمه، وقال : «وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب».
والخلاصة ان الإمام بوصي بوجه عام أن يلقن الطفل أولاً أصول الإسلام الضرورية، ويمرن على السلوك الشرعي حتى إذا تقدمت به السن تعلم القرآن والشريعة.
وأَعْلَم يَا بُنَيَّ أَنّ أَحَبَّ مَا أَنتَ آخِذُ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ والاقتصارُ عَلى مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْكَ، وَالْأَخذُ بمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ، وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّهُمْ لم يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لأنفُسِهِمْ كَما أَنتَ نَاظِرُ، وَفَكَّرُوا كما أَنتَ مُفَكِّرُ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذلِكَ إلَى الْأَخْذِ بِما عَرَفُوا وَالْإمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلِّفُوا. فَإِنْ أَبَت
نَفْسَكَ أن تقبل ذلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَم كما علموا فَلْيَكُن طَلَبكَ ذلِكَ بتفهم وَتَعَلم، لاَ بتَوَرُّط الشُّبُهَاتِ وَعُلُو الْخُصُومَاتِ. وَأَبْداَ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذلِكَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِإلهِكَ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتكَ فِي شُبهةٍ، أَوْ أَسْلَمَتُكَ إِلَى صَلالَةٍ. فَإِذَا أَيْقَنتَ أَن قدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَتَمَّ رَأَيْكَ فَاجْتَمَعَ، وَكَانَ هَمكَ فِي ذلِكَ همّاً وَاحِداً فَانظُرْ فِيمَا فَسَرْتُ لَكَ. وَإِنْ أَنتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ، وَفَرَاغ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّما تَخْبِطُ العَشوَاء، وَتَتَوَدَّطُ الظُلُمَاء. وَلَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ، وَالْإِمْسَاك عَنْ ذلِكَ أَمْثَلُ (8). فَتَفَهُمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي، وَأَعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ المَوْتِ هو مَالِكُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ المعيتُ، وَأَنَّ المُفْنِيَ هُوَ المَعِيدُ، وَأَنَّ المبتلي هُوَ الْمعَافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرٌ إِلا عَلى مَا جعلها الله عَلَيْهِ مِنْ النّعماء، والابتلاء، والجزاء في المَعَادِ أَوْ مَا شَاء ممّا لاَ نَعْلَمُ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلُهُ عَلى جَهَالَتِكَ بِهِ فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلا ثُمَّ عَلِمْتَ. وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ وَيَتَحَيرُ فِيهِ رَأْيُكَ وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ. فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَاكَ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبدُكَ وَإِلَيْهِ رَهْبَتُكَ وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ (9). وأعلَم يَا بُنَيَّ أَنْ أَحَداً لَمْ يُنْبِي
عن الله كما أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَارْضَ بِهِ رَائِداً، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً، فَإِنِّي لَمْ أَلُكَ نَصِيحَةً. وَإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ - وإنِ اجْتَهَدْت - مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ (10).
اللغة :
شائبة : من الشوب أي الخلط. وأولجتك : أدخلتك. وناقة عشواء : ضعيفة البصر. وتتورط : تقع في مكروه. والأمثل : الأفضل. وشفقتك : خوفك. ورائد القوم : يرشدهم الى ما يبتغون.
الإعراب :
أن قد صفا الأصل أنه قد صفا، وما خلقت (ما) مصدرية، وجاهلاً حال، ومثله رائداً، ونصيحة تمييز.
المعنى :
ألف العقاد كتاب (عبقرية الإمام) تحدث فيه عن حياته وأوصافه، واعتمد في تحديد إسلامه على مقطع من هذه الوصية، وهو قوله : «واعلم يا بني ان احب ما أنت آخذ به من وصيتي تقوى الله الى قوله - فانظر فيا فسرت لك» وبعد أن نقل العقاد هذا قال : يكفي هذا للتعريف بإسلام علي كما ارتضاه لنفسه وأتباعه وهو إسلام الرجل أتيح له أن يتتلمذ لربه، ويتربى في حجر نبيه، ويصبح إماماً للمقتدين من بعده.
ومعنى الكلام الذي اختاره العقاد : عليك أيها المسلم أو أيها الإنسان أن تنظر وتبحث أولاً وقبل كل شيء عما أنت مسؤول عنه ومكلف به، فإذا عرفت ما عليك من مصدره، ومارسته بجدارة، وأديته بأمانة - فقد حررت نفسك من التبعة والمسؤولية، وما زاد فهو تفضل منك وإحسان ان كان ممدوحاً ومشكوراً
وإلا فهو تطفل وفضول، أو هو أثم وجريمة ان أضر بغيرك أو بما عليك من واجبات حيث لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض كما قال الإمام.
ومراد الإمام بالأولين من آباء الإمام الحسن والصالحين من أهل بيت -ه النبي وعلي وعبد المطلب وأبو طالب، أما قوله : «فإن أبت نفسك الخ».. فمعناه عليك أن تكون امتداداً وتكراراً للسلف الصالح، ولا بأس في أن تنظر وتدرس مناهجهم ومفاهيمهم لتكون على بصيرة من أمرك، شريطة أن تقف من ذلك موقف العالم المخلص للحق المستعين بالله في جميع أموره، فهو يميز بين السليم والسقيم، والشبهة والحقيقة، بلا تعصب وتعسف.
(وان لم يجتمع لك ما تحب من نفسك الخ) لك ما تحب من نفسك الخ).. إذا توافر لك التجرد للحق والكفاءة العلمية جاز لك الحكم على الأشياء وأن تصوب وتخطىء وإلا (فاعلم انك تخبط العشواء) تقول وتتصرف على غير هدى وبصيرة (وليس لطالب الدين) ولا لغيره أن يقول بالجهل (والإمساك عن ذلك أمثل) بل واجب شرعاً وعقلا.
(واعلم ان مالك الموت الخ)... الله سبحانه هو المحيي والمميت، والمبدىء والمعيد، والمنعم والمنتقم (وان الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله الخ).. ليست الدنيا خيراً كلها أو شراً كلها، وكل شيء فيها له جهة سلب، وجهة إيجاب، هكذا قضت حكمته تعالى، أو هذه هي طبيعة المادة، كالماء فيه حياة وغرق، والنار تحرق الثوب وتنضج الطعام، والشمس تضيء، وقد تضرب الإنسان بحرارتها.. والى هذا تشير كلمة (لتستقر). ولا يجوز لأحد أن يركز على جانب دون جانب، ولا بد من النظر اليهما معاً، فما كان خيره أكثر من شره كالشمس والنار فهو خير لا يجوز تركه بحال، قال الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أن ترك الخير الكثير لشر قليل فيه شر كثير. وتكلمنا عن ذلك بنحو من التفصيل في كتاب «فلسفة التوحيد والولاية».
(والجزاء في المعاد) أي انه تعالى جعل الدنيا داراً للعمل، والآخرة داراً للجزاء. قال الإمام : اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل (أو ما شاء الله مما لا تعلم) يشير الى أن الحكمة الإلهية قد تقتضي الجزاء في الدنيا بنوع من الأنواع، فقد أغرق سبحانه قوم نوح وفرعون، وأهلك قوم هود وصالح،
ورب صدقة صغيرة دفعت شراً كبيراً (فإن أشكل عليك شيء من ذلك) وخفي عليك وجه الحكمة في السراء والضراء، والجزاء في المعاد (فاحمله على جهالتك الخ).. لا تنكر ما تجهل، وأي مخلوق أحاط بكل شيء علماً ؟ ولو قيس ما خفي عن أعلم العلماء الى ما ظهر له - لكانت النسبة بينهما كنسبة النقطة الى مياه البحار، وحبة الرمل الى جميع الرمال. وقل ربي زدني علماً.
(ان أحداً لم ينبيء عن الله سبحانه الخ الله سبحانه الخ).. لا يعرف التاريخ البشري رسالة كرسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في شمولها وعمومها لكل ناحية من حياة الإنسان، ولكل فرد من أفراده، فقد خاطبت كل آدمي على أساس الإنسانية العامة، وانه المسؤول المحاسب عن العدل والاخوة بين الجميع.. فنبوة بني إسرائيل أو رسالة بني اسرائيل مقصورة على أنهم شعب الله المختار، وان الدنيا والمستقبل لهم وحدهم، وباقي الناس كلهم تراب، وجدوا وخلقوا لخدمتهم ومصالحهم ورسالة المسيح أو رسالة المسيحيين اقتصرت على الروح، وفكرة المخلّص من الذنوب والفداء والتكفير عن سيئات البشرية جمعاء.. أما رسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد خاطبت العقل، واعتبر الفاعل العاقل هو المسؤول وحده عن أفعاله وأقواله، ونواياه واهدافه.
وأَعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكَ لَا تَنتَ رُسُلُهُ، وَلَرَأَيْتَ آثار مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ إِلهُ وَاحِدٌ كما وصف نَفْسَهُ. لاَ يُضَادُّهُ في مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَلاَ يَزُولُ أَبَداً ولَمْ يَزَلْ أَوَّلَ قَبْلَ الْأَشْيَاء بِلَا أَوْلِيَّةِ، وَآخِرَ بَعْدَ الْأَشْيَاء بِلَا نِهَايَة. عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثبُتَ رَبُوبِيتُهُ بِإحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ. فَإِذَا عَرَفْتَ ذلِكَ فَافْعَلْ كَما يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ، وَقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ، وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ، وَعَظِيمٍ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي طَلَب طَاعَتِهِ،
(11)
والرَّهْبَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، والشَّفَقَةِ مِنْ سُخَطِهِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرُكَ إِلا بِحَسَنِ وَلَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبيح (11). يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنبَأتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا وَزَوَالِهَا وانتقالها، وأَنْبَأتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فيهَا، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهَا الْأَمْثَالَ لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَتَحْذُو عَلَيْهَا. إنما مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلُ جَدِيبٌ فَأَمُوا منزلاً خصيباً وجناباً مريعاً، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ وَفِرَاقَ الصِّدِيقِ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَمِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ أَلَمَا، وَلَا يَرَوْنَ نفَقَةٌ مَغْرَماً، وَلا شَيْءٍ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِّمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلهِمْ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلّهِمْ. وَمَثَلُ مَنِ أَغْتَر بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلِ خَصِيبٍ فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَة إِلَيْهِمْ وَلَا أَفظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُونَ إلَيْهِ (12).
اللغة :
سفر - بفتح السين وسكون الفاء - مسافرون. وجديب : ماحل. وأموا: قصدوا. والوعثاء : العسر والمشقة. والجشوبة : الغلظة والخشونة. وهجموا عليه : انتهوا اليه بغتة.
الإعراب :
سفر صفة لقوم، وليأتوا منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والمصدر المنسباك متعلق باحتملوا.
المعنى :
تقدم الكلام عن شريك الباري والأدلة على امتناعه، وأشار الإمام هنا الى دليلين :
1 - (لو كان لربك شريك لأتتك رسله) مع العلم بأن جميع الأنبياء والمرسلين دعوا الى إله واحد لا ضد له ولا ند.
2 - (ولرأیت آثار ملكه وسلطانه الخ).. والآثار كلها تدل على ان المؤثر واحد، وهي أو منها هذه القوانين الطبيعية الدقيقة التي تحكم أجزاء الطبيعة وظواهرها، وتجمعها في مجموعة واحدة شاملة تدل على وحدة التدبير والمدبر الواحد.
(ولكنه إله واحد كما وصف نفسه الخ).. في العديد من الآيات، ثم في سورة خاصة هي سورة الإخلاص وذكر الملاصدرا في شرح «أصول الكافي» لهذه السورة عشرين اسماً، وقال : إن لها خاصة وامتيازاً على سائر آيات التوحيد، ومما قاله في تفسيرها : إن كلمة «الله»، تدل بذاتها على الأحدية بلا حاجة الى أية قرينة، وانما جيء بكلمة «الأحد» لمجرد التوضيح بأن الله واحد من كل وجه، وانه منزه عن الحدوث والمادة والكيفات والافتقار الى الغير، وانه قادر وعالم، وأبدي أزلي، والمبدىء الأول لكل موجود، والمبدىء الأول لكل موجود، وبكلمة ان الأحدية منبع الكمال التام من شتى الوجوه.
(فإذا عرفت الخ).. عظمة الله سبحانه فعليك أن تطيعه بما يليق بجلاله وكماله، وأن تجعل طاعته أساساً لجميع أعمالك، وبهذه الطاعة تكون شيئاً مذكوراً وبدونها لست شيئاً على الإطلاق، لأنه تعالى لا يأمر إلا بما يعود عليك وعلى غيرك بالخير والصلاح، ولا ينهاك إلا عما يضرك أو يضر بغيرك، وعلى هذا الأصل الذي ذكره الإمام يصح القول : ان كل أمر فيه خير وصلاح للناس
بجهة من الجهات فهو أمر الله بصرف النظر عن قائله ومن وصايا الإمام وحكمه : أنظر الى القول لا الى من قال. الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق.
(لتعتبر ها، وتحذو عليها). ضمير بها وعليها يعود للأمثال، وتعتبر تتعظ، وتحذو تقتدي أي تسمع وتعمل، والمعنى كشفت لك عن حقيقة الدنيا والآخرة لتؤثر هذه على تلك، لأن مع الآخرة تعباً قليلاً، وسروراً كثيراً ودائماً، أما الدنيا فمعها سرور قليل، وعذاب كثير ودائم، ثم ضرب مثلين لكل من أبناء الآخرة وأبناء الدنيا :
(كمثل قوم سفر الخ).. هذا مثل لأبناء الآخرة، ويتلخص بأنهم أشبه بقوم كانوا في سفر، وكان طريق العودة متعباً وشاقاً، ولكن منازلهم فيها جميع أسباب الراحة والسكينة، ويسودها جو من السعادة والهناء الذي لا يكدر صفوه شيء.. المناظر رائعة، والمعيشة واسعة، والقلوب واحدة، والأخلاق منسجمة... صبروا قليلاً على مشقة الطريق وقسوته أعقبتها راحة لا عناء بعدها أبداً.. وهكذا أبناء الآخوة زهدوا في الدنيا وتحملوا مرارتها صابرين، وسرعان ما انتهى كل شيء، وانتقلوا الى ملك دائم، ونعيم قائم.
2 - (ومثل من اغتر بها كمثل قوم الخ).. هذا مثل لأبناء الدنيا، وهم على العكس تماماً من أبناء الآخرة، ينتقلون من نعيم الى جحيم : «مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ - 197 آل عمران».
يَا بُنَيَّ أَجْعَلْ مِيزَانَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَأكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلَا تَظْلِم كَما لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَأَحْسِن كَما تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ. وَأَسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَأَرْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ. وَلَا تَقُلْ
ما لَا تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ. وَأَعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدَّ الصَّوَابِ وَآفَةُ الْأَلْبَابِ. فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ ولَا تَكُنْ خَازِنَا لِغَيْرِكَ. وَإِذَا أَنتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ (13). وَأَعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ شَدِيدَةٍ. وَأَنَّهُ لَا غِنَى لَكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الِارْتِيَادِ. قَدِّر بلاغك مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ. فَلَا تَحْمِلَنّ عَلى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ فَيَكُونَ ثِقلُ ذلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ. وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَيمه وتحملُهُ إِيَّاهُ. وَأَكْثِرُ مِنْ تَزويدِهِ وَأَنتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ. وَأَنتُمْ مَنِ اسْتَفْرَضكَ فِي حَالِ غِناكَ لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمٍ عُسْرَتِكَ. وَأَعْلَمُ أَنْ أُمَامَكَ عَقَبَةٌ كَوُوداً، المُخف فيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِنَ الْمُثْقِلِ، وَالْمُبْطِيء عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ الْمُسْرِعِ، وَأَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لَا مَحالَةَ عَلَى جَنَّةِ أَوْ عَلى نَارٍ. فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ وَوَطَّى المَنْزلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مستَعْتتُ، وَلَا إلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفُ (14).
اللغة :
الآفة : المرض. والألباب : العقول. وقصدك : رشدك. والارتياد : الطلب.
وبلاغك : كفايتك. والوبال : الهلاك. والكؤود : الصعب. والمخف : خفيف الحمل. ومستعتب : استرضاء.
الإعراب :
فاغتنمه جواب اذا وجدت. وحالاً تمييز. وفي بعض النسخ إما على جنة أو على نار، وفي بعضها على جنة بدون «إما» وهي الصواب لأن «إما» في هذا المورد يجب تكرارها، وان يقال : إما وإما، ولا يجوز إما و «أو».
المعنى:
(فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك الخ).. هذه الموعظة أو الوصية شائعة وقديمة، يرجع تاريخها الى ما قبل الميلاد بقرون، وتجدها بعبارات شتى في الأديان ما عدا اليهودية - فيما أعلم - وروي ان أحد تلامذة كونفوشيوس - ولد عام 551 - وجه اليه هذا السؤال : هل من كلمة واحدة تكون قاعدة لعمل الانسان طيلة حياته ؟ فقال : «لا تصنع بالآخرين ما لا تريدهم أن يصنعوا بك». وهذا تعبير ثان عن «أحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها».
ولا تعرف أول من نطق بهذه الكلمة الذهبية.. وأياً كان فهي لجميع الناس، لأن الحب معناه الأخوة والانسانية والتكافل والتضامن والقوة والنجاح، وبالحب تستقيم الحياة، ولا معنى لحياة بلا حب وأيضاً لا معنى للكراهية إلا الحرب والشقاق والفشل والتخلف، وصدق من قال : الحب مصدر الخير والفضائل، ولولاه ما انتظمت حياة الأسرة، ولا قام للمجتمع بناء. وقال آخر : إن الله خلقنا لمنحب. وقال برتراند راسل : ألخص مذهبي في الأخلاق بهذه الكلمة :«الحياة الخيرية يوحي بها الحب، وتهديها المعرفة» : ومعنى هذا ان كل واجب أو محرم من أفعال الانسان وسلوكه، يرتكز على نظرية الحب، وان الذي يعتدي على حقوق الناس، ويعاملهم بما يكرهه لنفسه هو وحش كاسر وعدو الانسانية اللدود.
(ولا تقل ما لا تعلم) تقدم مثله مع الشرح في الفقرة 3 من هذه الوصية بالذات (وان قل ما تعلم) أي حتى ولو قيل عنك : لا علم له، أو هو قليل الحفظ من العلم (واعلم ان الإعجاب ضد الصواب الخ).. أبداً لا فرق بين السكران والمعجب بنفسه، فالخمر يذهب بالعقول والألباب، وكذلك الإعجاب والعاقل يفر منها كما يفر من المجنون (فاسع في كدحك) إعمل وناضل، ولا تعش كلاً على غيرك فالبطالة آفة الحياة، ولا قيمة للإنسان إلا بعمله وخير الناس من عاش حاملاً لا محمولاً، ولولا السير المتواصل في مراحل العمل لبقي الإنسان الى يومه الأخير كوحش الغاب.
(ولا تكن خازناً لغيرك) اذا زاد ما تنتج عما تستهلك فأغيث به ملهوفاً، وسد به حاجة محتاج (وإذا أنت هديت لقصدك الخ).. اذا أُتيحت لك الفرد للكدح والسعي فاشكر الله على ذلك، واستقم في أقوالك وأفعالك أقوالك وأفعالك، لأن التحرر من البطالة نعمة كبرى يجب أن تقابلها بالشكر والإخلاص (ان أمامك طريقاً ذا مسافة الخ). المراد بالطريق هنا الدنيا لأنها دار ممر، أما بعد الطريق ومشقتها فكناية عن صعوبة الوقاية من أوباء الدنيا وأوزارها، والمعنى لا غنى لمن يعيش في الحياة الدنيا عن الصبر على البلوى، والتزود بالتقوى (مع خفة الظهر) من الذنوب (فلا تحملن على ظهرك) أثقالاً ترديك وتخزيك.
(وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك الخ).. ان الزاد الذي يقيك عذاب الحريق يوم القيامة - ليس من نوع العلم والبلاغة، ولا من التسبيح والتهليل، أو من نوع المال والجمال، والجاه والأنساب.. كلا، انه شيء آخر لا يحمله المسافر الى الله بنفسه، بل يحمله لغيره، فيتمتع به حامله في الحياة الدنيا، ويفتدي به صاحبه غداً من غضب الله وعقابه. قال الإمام : بئس الزاد الى المعاد العدوان على العباد. ولك أن تعطف عليه : نعم الزاد الى المعاد الإحسان الى العباد.
(واغتم من استقرضك الخ).. يأخذ منك الفقير في الدنيا ما أنت في غنى عنه، ويرده الله اليك أضعافاً يوم القيامة، وأنت في أشد الحاجة الى بعضه وروى ابن أبي الحديد هنا أن قوماً قالوا لحاتم الأصم : اقرأ لنا شيئاً من القرآن. فقرأ : ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون
الصلاة ومما رزقناهم يكنزون. فقالوا : أيها الشيخ ما أنزل هكذا. قال : صدقتم ولكن هكذا أنتم.
(ان أمامك عقبة الخ).. والمراد بها الأعمال الصالحة، لأنها تحتاج الى جهد وصير، والمراد بالمخف من لا يحمل الأوزار والأقذار، وبالمبطىء من يتباطأ عن عمل الخيرات، والمراد بالأقبح مجرد القبح من غير تفاضل حيث لا قبح اطلاقاً في الإسراع الى مرضاة الله ومغفرته (وان مهبطك بها لا محالة على جنة) ان حملت لها عملها (أو على نار) ان اعتديت وعصيت (فارتد لنفسك الخ).. اختر لها سبيل النجاة (ووطى المنزل الخ).. هيء لراحتك وهنائك (فليس بعد الموت مستعتب) لا سبيل بعد الموت الى طلب الرضاء والعفو (ولا الى الدنيا منصرف) كي تعمل وتستدرك.
والخلاصة أن الإنسان لا يصيب الهدف إلا بالجهاد والصبر والتضحية، وانه لا قرابة ولا علاقة بين الله وبين أحد من خلقه إلا العمل الصالح النافع.
وَأَعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاء وَتَكَفَّلَ لَكَ بِالإِجَابَةِ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْصِيَكَ وَتَسْتَرْحِمَهُ ليرحمكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْكَ، وَلَمْ يُلْجِنكَ إلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إنْ أَسَاتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلكَ بالنِّقْمَةِ، وَلَمْ يُعَيّرُكَ بِالْإِنَابَةِ وَلَمْ يَفْضَحكَ حَيْثُ الفَضِيحَةُ بكَ أَوْلَى وَلَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الْإِنَابَةِ، وَلَمْ يُنَاقِشَكَ بِالْجَريَمةِ، وَلَمْ يُؤيسْكَ مِنَ الرَّحمَةِ. بَلْ جَعَلَ تُرُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةٌ، وَحَسَبَ سبلَتَكَ وَاحِدَةً، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً، وفَتَحَ لَكَ بَابَ المَتابِ.
فإذا ناديته سمع نداءكَ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ علم نجواك (10). فَأَنضَيْتَ نَادَيْنَهُ إلَيْهِ بِحَاجَتِكَ، وَأَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ، وَاسْتَعَنْتُهُ عَلى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزائِنِ رَحمَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلى إعْطَائِهِ غَيْرُهُ مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَارِ وَصِحَّةِ الْأَبْدَانِ وَسَعَةِ الْأَرْزَاقِ. ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ منْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاء أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ، وَاسْتَمْطَرْتَ شآبيب رَحْمَتِهِ. فَلَا يُقَنطَنَّكَ إِبْطَاءِ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ العَطِيَّةَ عَلى قَدْرِ النِّيَّةِ. وَرَبَّما أَخَرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ وأجزَلَ لِعَطَاءِ الآمل. وربما سألت الشَّيء فَلَا تُؤْتَاهُ وَأُتيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أو آجلاً، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ فَلَربِّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ. فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فيها يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ ويُنفى عَنكَ وبَالُهُ. فَالمالُ لاَ يَبْقَى لَكَ وَلاَ تبْقَى لَهُ (16).
اللغة :
الإنابة : الرجوع، ومثلها النزوع. والنجوى : حديث السر، وأفضيت : ألقيت. وأبثت : كاشفت. وشآبيب : دفعات من المطر. والقنوط : اليأس.
الإعراب :
المصدر من أن تسأله مجرور بالباء المحذوفة، وعاجلاً أو آجلاً نصب على ظرف المكان بمعنى في الدنيا أو في الآخرة، أو ظرف الزمان بمعنى الآن أو الغد.
(قد أذن لك في الدعاء وتكفل الخ.. أمر سبحانه عباده أن يدعوه ويسألوه، وهو يستجيب لطلب التوبة والمغفرة مع الإخلاص، ما في ذلك ريب، وأيضاً يستجيب لغيرها، ولكن على شرطه هو لا على شرط الداعي والسائل.. ومن يدري ان طلبه تعالى الدعاء من عباده قد يكون لمجرد الاختبار والامتحان لإيمانهم، وانهم هل يستمرون ويثبتون على الثقة بخالقهم اذا فاتهم ما طلبوا وأبطأ عليهم ما سألوا ؟. الله أعلم. وعلى أية حال فإن أفضل الدعاء على الاطلاق «ترك الذنوب».
(ولم يلجئك الى من يشفع لك اليه). هذا هو الاسلام : يضع الانسان أمام خالقه دون حجاب وترجمان، ووساطات روحية أو مادية.. أبداً لا بيع أذرع في الجنة، ولا صكوك غفران، وبراءة وحرمان (ولم يمنعك إن أسأت من التوبة). لا يطرد أحداً عن بابه مسيئاً كان أم محسناً (ولم يعاجلك بالنقمة) عسى أن تعود الى رشدك (ولم يعيرك بالإنابة) ويقول لك : عدت إلي صاغراً ليريك انه أعلى منك وأرفع.. حاشا.
(ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى) لأنك اقترفتها متعمداً. وقال عارف بالله : لقد ستر حتى كأنه قد غفر (ولم يشدد عليك في قبول الإنابة الخ).. لا يحاسب المذنب التائب على ما سلف، ويُقرعه ويعدد له السيئات، ويذكره بإنعامه عليه وأفضاله، كما نفعل نحن.. كلا، إن من تاب من الذنب كمن لا ذنب له عند الله (وحسب سيئتك واحدة) ويستحيل أن يزيد عليها شيئاً لعدله، ويجوز أن يعفو لكرمه (وجعل حسنتك عشراً) تفضلاً وإحساناً.
(وفتح لك باب المتاب). لأن الانسان قابل للخطأ بطبعه، والتوبة تنقذه من الإصرار على الرذيلة، واذن فرفض التوبة ظلم وجور. وبكلام آخر ان الله
سبحانه خلق العبد وأمره ونهاه، فوجب بمنطق العدل، والحال هذه، أن يقبل منه الإنابة اذا أذنب وأخطأ.
(ثم جعل في يديك مفتاح خزائنه الخ).. يدل هذا بظاهره على ان الدعاء يحقق للداعي ما يشاء من الرزق.. وأهل العلم يأخذون بظاهر الكلام حتى تقوم القرينة على عكسه. وقد نطق الإمام بهذه القرينة المعاكسة، وذلك حيث قال بلا فاصل: (فلا يقنطنك إبطاء إجابته، فإن العطية على قدر النية) أي انه قد لا يستجيب لأن الداعي ليس أهلاً لذلك، لأمر الله به أعلم (وربما أخرت عنك الإجابة الخ).. أو ان الداعي أهل ومحل، ولكن المصلحة توجب التأخير فعليه أن يصير ولا ييأس، بل ويزداد من الدعاء. وبكلمة، ان الله يستجيب ويحقق في الوقت الذي يراه هو، جلت حكمته، لا في الوقت الذي يريده العبد لنفسه.
(وربما سألت الشيء فلا تؤتاه الخ).. قد يرى الانسان أن هذا الشيء في خيره ومصلحته، فيدعو الله، ويطلبه منه، وهو في واقعه شر محض، والله أعلم من الإنسان بما يصلحه ويفسده، فيصرف عنه ما سأل، ويعطيه خيراً منه أفضل.. وقد حدث معي هذا بالذات.. كنت رئيساً للمحكمة العليا سنوات، ثم ثار علي الزعماء والقادة، ونحوني عن الرئاسة، ونحتوني عن الرئاسة، لأني رفضت النزول على أهوائهم. فكان الخير لي كل الخير في ذلك حيث أنتجت ما أنتجت. ولله الحمد نظرت اليه تعالى حين أغضبت الكبار من المخلوقين، فنظر إلي سبحانه بما يخطر لي في بال.. ولا أدري كيف ؟ وبماذا أشكره ؟ ومنه وحده أطلب العفو عن التقصير في كل شيء.
وَأَعْلَمْ أَنَّكَ إنما خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا، وَلِلْفَناء لا للبَقاء،
وَلِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ، وَأَنكَ في مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَدَارٍ بُلْغَةٍ، وطريق إلى الآخِرَةِ، وَأَنَّكَ طَرِيدُ المَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ، وَلَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلى حَذَرٍ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنتَ عَلى حَالٍ سَيِّئَةٍ قَدْ كُنتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتّوبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ (17). يَا بُنَيَّ أَكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذَتْ مِنْهُ حِذْرَكَ، وَشَدَدْت لَهُ أَزْرَكَ، وَلَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهرَكَ. وإِيَّاكَ أَنْ تَغتر بما تَرَى مِنْ إخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا، وَتَكَالبِهِمْ عَلَيْهَا، فَقَدْ نَبّاكَ اللهُ عَنْهَا، وَنَعَتْ لَكَ نَفْسَها، وَتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيها، فإنما أهلها كلابٌ عَاوِيَةٌ، وَسَبَاعٌ صَادِيَةٌ، يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَيَأْكُلُ عَزِيرُهَا ذَلِيلَهَا، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا نعم معَقِّلَةٌ، وَأَخرَى مُهْمَلَةٌ قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا وَرَكبَتْ مَجْبُوهَا سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ. لَيْسَ لَمَا رَاعٍ يُقِيمُها، وَلَا مُقِيمٌ يُسِيمها. سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ العَمَى، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، وَاتَّخَذُوهَا رَبَّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ ولَعِبُوا بِهَا وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا (18).
اللغة :
القلعة : الرحلة. والبلغة : الكفاية. والأزر : القوة «اشدد به أزري - 31 طه). ويبهرك : يدهشك ويجيرك. ويهر : يكره ويمقت. ومعقلة : مقيدة. سُروح عاهة : يسرحون في الفساد والضلال. والمسيم : الراعي.
الإعراب :
المصدر من أنه مدركه مجرور من محذوفة أي لابد من إدراكه، فإذا أنت و (اذا) فجائية، ونعم خبر مبتدأ محذوف أي هم أو أهل الدنيا نعم، وكذا سروح.
(واعلم يا بني انك خلقت للآخرة لا للدنيا الخ).. كل الناس أو جلهم، وبخاصة الذين يعانون آلام الحياة - يتساءلون : لماذا خلق الانسان ؟ وقال قائل : ان الله خلقنا للحب. وقال آخر : بل لنركع له ونسجد. وقال ثالث : لنعمل في الأرض، ونتقن العمل. وقال الإمام : خلق الله الإنسان ليعمل في دنياه عملاً صالحاً ينتفع به في آخرته. فالدنيا وسيلة، والآخرة هي الغاية. ويتفق هذا مع القرآن الكريم : «وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ - 40 غافر». أما قوله تعالى : «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ - 56 الذاريات». فإن المراد العمل الصالح النافع، لأنه أفضل من عامة الصلاة والصيام، كما في الحديث الشريف. وقال سبحانه: «وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ - 17 الرعد». وتقدم الكلام عن ذلك مراراً.
(فكن منه) أي من الموت (على حذر) لأنه اذا جاء لا يؤخرك ثانية، فاستعد له من الآن، وقبل أن تحمل الى قبر ساكن مظلم (يا بني أكثر من ذكر الموت الخ).. فإن ذكرت وتصورت انك ميت لا محالة أخذ الخشوع
بمجامع قلبك، ودفع بك الى الاعتصام بخالقك، والعمل لآخرتك (واياك تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا اليها الخ).. مالك وللدنيا وأبنائها ؟ انها جيفة وأهلها كلاب (فقد أنبأك الله عنها) بقوله : «إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ - 24 يونس».
(ونعت لك نفسها، وتكشفت لك عن مساويها) بموت السابقين من أهلها بلا رجعة، وأنت حلقة من هذه السلسلة، وكذلك من يأتي بعدك حتى النهاية، وما الى الفرار من سبيل. وقال الإمام لمن ذم الدنيا : متى غرتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ (وانما أهلها كلاب عاوية الخ).. وهنا مكان العجب، الموت يتخطف أهل الدنيا من كل جانب، وهم على يقين بأنهم ميتون لا محالة، ومع هذا نراهم في تناحر وصراع دائم على الحطام والحرام.
(ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها). كل الأقوياء جبارون مستغلون لا يعرفون الحب والخير والعدل، ولا يقرون بشيء من الحق إلا من شذ.. وما الضعيف عندهم إلا حشرة أو بعوضة !.. ولا علاج لهذا الداء إلا بأحد فرضين : الأول المساواة بين جميع الناس ذكوراً واناثاً ورجالاً وأطفالاً، وتكافؤهم في كل شيء حتى في قوة العضلات قوة العضلات.. وهذا ممتنع وتأباه سنن الكون والطبيعة.
الثاني : القوة الرادعة العادلة، وهذا ممكن ومعقول ولكن مركز القيادة - في الغالب - يحتكره أرباب القوة والثروة قديماً وحديثاً من العرف القبلي الى النظام الجمهوري، وهنا يكمن السر في تقسيم المجتمعات الى فئة عليا تملك كل شيء، وفئة مضطهدة ليس لها من الأمر شيء.. والى هذا التقسيم أشار الإمام بقوله : «يأكل عزيزها ذليلها : ويقهر كبيرها صغيرها». ومثله ما جاء في الخطبة 127 : «اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيراً يكابد فقراً، أو غنياً بدل نعمة الله كفراً».
(نعم معقلة) أي أنعام مقيدة مكبلة، والمراد بها الضعفاء، كما قال الشيخ محمد عبده، وهم لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً إلا سبيل الاستماتة من أجل تحريرهم وحياتهم، وهل من الضروري لمن يريد الحياة أن يكون دائم الجهاد ضد الطغاة متفرغاً لحربهم ونضالهم ؟ (وأخرى مهملة قد أضلت عقولها، وركبت مجهولها) وهي الفئة القوية الثرية تسرح في الفساد والضلال (سلكت بهم الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها وغرقوا في نعيمها، واتخذوها رباً، فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها). وينطبق هذا تماماً على الذين يسيطرون ويتحكمون بالثروات ووسائل الإعلام ينشرون الفساد بين الأجيال، وينتجون أسلحة الدمار للاعتداء على الشعوب الآمنة ينتهبون ويقتلون ويشردون.
وبالمناسبة قرأت في جريدة «الأهرام المصرية» تاریخ 1 - 12 - 1972 : «إن الكونجرس الأمريكي أقر اعتماداً بـ 105 مليارات من الدولارات، لبناء غواصات وقاذفات نووية جديدة» ! لمن هذا السلاح المدمر ؟ النصرة الحق والعدل، وإنصاف الضعيف من القوي، وردع الوحوش الكاسرة، أم للاعتداء على المستضعفين، ودعم الصهاينة في فلسطين، ولكل عميل وخائن في شرق الأرض وغربها ؟ ولماذا لا تنفق هذه المليارات على خدمة الحياة وسد حاجاتها ؟ ولكن أربابها لا يريدون أن تنخفض الأسعار، فيبتسم لها وللأمن المعذبون في الأرض.. أبداً لا هدف لساسة التخويف بالحرب، وتحويل الصناعة اليها الا ان يتحكموا بالأقوات والأسواق، وان يخيم الرعب والبأس على كل قلب ومهد كي يخضع الأمر هم صاغراً، ولا يسألهم سائل عما يفعلون ويفسدون.. وكأن الإمام ينظر اليهم : ويعنيهم بقوله : (أتخذوها ربا، فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها) أي ما وراء دنيا الطغاة العتاة من خراب ودمار وحساب وعقاب «ان ربك لبالمرصاد» للذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها القبور والدموع والشكل واليتم والبؤس والتشريد.
رويداً يُسْفِرُ الظُّلامُ. كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَظْعَانُ. يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ
أَنْ يَلْحَقَ : وَأَعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ به وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً، وَيَقْطَعُ المَسَاقَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً، وَأَعْلَمْ يقيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَلَنْ تَعْدُو أَجَلَكَ، وَأَنكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ. فَخَفّض فِي الطَّلَبِ، وَأجمل في المكتَسَب فَإِنَّهُ رَبِّ طَلَب قَدْ جرّ إِلَى حَرَب. فَلَيْسَ كُلُّ طَالِب بمَرْزُوقٍ، وَلَا كُلُّ مُجمل بمحْرُوم، وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بَمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ خَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّا. وَمَا خَيْرُ خَيْرِ لا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٌ وَيُسْرٍ لاَ يُنَالُ إلَّا بعسرٍ (19). وَإِيَّاكَ أنْ تُوجفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَع فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الهَلَكَةِ. وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الله ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ. فَإِنَّكَ مُدْرِكَ قِسْمَكَ وَآخِذُ سَهْمَكَ. وَإِنَّ اليسيرَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِن كَانَ كُل مِنْهُ. وَتَلَا فِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ، وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاء بِشَدِّ الوِكَاء. وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ. وَمَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ. وَالحِرْفَةُ مَعَ الْعِفّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ. وَالمَرْءُ أَحفَظُ لِسِرِّهِ. وَرَبِّ سَاعِ فِيمَا يَضُرُّهُ. مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ. وَمَنْ تفكر أبصر (20).
اللغة :
رويداً : مهلاً. ويسفر : يكشف. والأظعان : جمع الظعينة أي الهودج. ووادعاً : ساكناً. وحرب - بفتح الحاء والراء - سلب المال. وتوجف تسرع. وتلافيك : تداركك. وفرط : ذهب وفات. والوكاء : الرباط والمراد بالحرفة هنا الحرمان أو الضيق في الرزق. وأهجر : تكلم بالهذيان.
الإعراب :
لرويد أربعة أوجه : الأول اسم فعل مثل رويد زيداً أي أمهل زيداً، الثاني صفة مثل سار القوم سيراً رويداً أي خفيفاً أو بطيئاً، الثالث حال إذا وقع بعد المعرفة مثل سار القوم رويداً، والرابع النصب على المصدر مثل رويداً، ورويد زيد بالإضافة، وكان قد مخففة أي كأنه قد، ويقيناً مفعول مطلق من غير لفظه، ورب حرف جر، ولا يتعلق مجرورها بشيء لأنها زائدة في الإعراب دون المعني على حد تعبير النحاة، وطلب في محل رفع بالابتداء، وإياك مفعول لفعل محذوف، والأصل احذرك، ولما حذف الفعل انفصل الضمير.
المعنى :
(رويداً يسفر الظلام الخ).. لا شيء أقرب الى الانسان من الموت، ومن تخطاه الآن أتاه غداً أو بعد غد، وحينذاك تنكشف الحقيقة للغافلين، وتتملكهم الحسرة والندامة (ان من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به الخ).. كل إنسان مسافر الى قبر ساكن مظلم، والدنيا طريقه اليه، والدنيا طريقه اليه، والليل والنهار مطيته، ومعنى هذا أنه سائر وان كان نائماً على فراشه، ومعناه أيضاً ان الموت يأخذ من عمره يوماً فيوماً منذ ولادته حتى النفس الأخير، ومما قرأته في هذا الباب : «الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما».
(واعلم يقيناً انك لن تبلغ أملك الخ).. لأنه لا حد لنهم الإنسان وآماله الجائعة، ولو ملك الكون بكامله لتمنى كوناً ثانياً وثالثاً الى ما لا نهاية (فخفض
في الطلب الخ).. اطلب الرزق واسع اليه على أن تحفظ التوازن الواجب بين آخرتك ودنياك، كما قال سبحانه : «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا - 46 الكهف». (رب طلب قد جر الى حرب). قد لا ترضى بما يكفيك من الرزق، وهو بين يديك، فتكدح طلباً للمزيد والادخار.. وتأتي النتيجة بعكس ما أردت حيث تخسر ما كنت تملك من طعام وغذاء، وتقعد مذموماً مخذولاً.
(فليس كل طالب بمرزوق). لا ينزل الغذاء من السماء.. انه في بطن الأرض، وعلينا أن نشقها بالجهد والعرق على أن نتوكل على الله، ونسأله التوفيق، لأن الكون ما فيه في قبضته،، يهب ويمنع حتى مع الكد والعرق إن شاء، ولا يشاء إلا لحكمة) ولا كل مجمل بمحروم). المراد بالمجمل المعتدل، والمعنى قد يكون الغنى بالاعتدال في السعي بلا إفراط وتفريط، وقد يكون الفقر بالإفراط بالكد والسعي، والسر هو أن نعلم بأن وراء كل شيء قضاء وتدبيراً، وان السعي وحده ليس بالسبب التام، ولا التوكل هو المؤثر دون غيره، وان كلا منهما جزء متمم الآخر.
(وأكرم نفسك - الى قوله – عوضاً) لا تطلب المال من كل سبيل، وتقف من أجله مواقف الهوان فإن الكرامة لا تباع بثمن، ومن خسر كرامته فقد خسر نفسه.. ولكن كثيراً من الناس لا يرون الكرامة إلا في المال حتى ولو حصل بطريق العهر والخيانة (ولا تكن عبد غيرك، وقد جعلك الله حراً) هذا تفسير وبيان لقوله : (أكرم نفسك) لأن الكرامة والحرية شيء واحد، ينبع من ذات الانسان، وما هو بهبة من مخلوق، أو كسب بكد اليمين.. وعلى المرء أن يستميت من أجل حريته وكرامته.
وتجدر الإشارة الى ان الحرية التي عناها الإمام ليس معناها أن يعمل الانسان ما يشتهي وما يريد دون أن ينظر الى الظروف المحيطة به والمجتمع الذي يعيش فيه، وانما أراد حرية الناس مجتمعين يعيشون ويعملون يداً واحدة لصالح الجميع، وعلى كل فرد أن يمارس حريته في هذا النطاق، فإن تعداه فقد استهان حريته بملء إرادته، وجعل السبيل عليه للقوة الرادعة العادلة.
(وما خير خير لا ينال إلا بشر). «ما» هنا استفهام «ما» هنا استفهام لفظاً، وإنكار
محتوى، والمعنى كل شيء يحرم فعله فالآثار المترتبة عليه حرام - مثلاً - لا مهر لعاهر لأن الزنا حرام، ولا نيابة المزور لأن التزوير حرام، ولا حكم لمرتش لأن الرشوة حرام. وبكلمة، إن الغاية لا تبرر الواسطة إلا ضمن القانون والنظام (ويسر لا ينال إلا بعسر) - مثلاً مثلاً - الغنى يسر، والفقر عسر، ولكن لا يزال هذا العسر بما أشد منه عسراً وقبحاً كالسرقة والخيانة، والمذلة والمهانة.
(وإياك أن توجف بك مطايا الطمع الخ).. انه شره ونهم، وعاقبته الوبال والخسران. وفي بعض الروايات : الطمع خمر الشيطان لا يصحو شاربه إلا في نار جهنم (وان استطعت أن لا يكون الخ).. من الخير أن تتعاون مع أخيك الانسان على المصلحة المتبادلة بينكما على أساس العدل والمساواة، أما أن يكون هو الغني عنك، وأنت الفقير اليه فالأفضل أن تتركه وشأنه، وتسعى جهدك متوكلاً على الله، فإن المؤمن الحق لا يطلب العون إلا من خالقه، ولا يقبل إلا فضله وإحسانه، ولا ينظر الى ما في أيدي الناس.
(فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك) من خالقك، بلا نقصان وواسطة مخلوق مثلك، واذن فمن السخافة أن تقبل الهوان من غيرك لأجل الرزق.. بل خير لك وأفضل أن تصبر وتتجرع المرارة على أن تتحمل المنة من غير رازق العباد (وان اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه). أجل والله ان قليله عظيم وكثير بخيراته وبركاته، وكثير غيره وكثير بخيراته وبركاته، وكثير غيره صغير وحقير بالقياس الى يسره تعالى، وإن كان الكون بما فيه لله ومن الله، ولكن لوساطة العبد منعصات لا يطيقها أبي كريم. وقال الشيخ محمد عبده «ليس أفعل في النفس من هذا الكلام الذي يكاد من قوته وإصابته الحق يقطع القارىء المؤمن لفوره عن الدنيا».
(وتلافيك ما فرط من صمتك الخ) لا غمس ولا عيب عليك فما فاتك من.. الكلام، لأن الساكت يمكنه أن يستدرك، ويقضي ما فات كما فات، أما زلل اللسان فيصعب تلافيه كالماء يراق من الإناء على الأرض يتعذر رده ويستحيل (وحفظ ما في يدك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك) ان ترقيع الثوب الخلق، والقناعة بالكفاف أفضل من الاستقراض وأخذ أوساخ الناس (ومرارة اليأس الخ).. القناعة كنز وغنى، واليأس مما في أيدي المخلوقين عزة وكرامة،
وجرأة في قول الحق وإعلانه، ومن التجأ الى الله يائساً من سواه أكرمه وأعطاه. أقولها بجزم ويقين، وعن تجربة ووجدان. ومن أقوال الإمام : الغنى الأكبر اليأس مما في أيدي الناس.
(والحرفة العفة خير من الغنى مع الفجور). العسر مع النزاهة والإباء خير من اليسر مع الحرام والخساسة (والمرء أحفظ لسره) ومن ضاق بسره ذرعاً فلا يلومن من أطلقه وأفشاه. قال الإمام : من كتم سره كانت الخيرة بيده (ورب سابع فيما يضره). ورب هنا للتكثير لا للتقليل اذا أردنا بالضرر ما يشمل حساب الآخرة وعقابها. وقال الحكماء : لا خير في ظفر يصاب بضرر. (من أكثر أهجر). للقول ساعات ومقدار معين، فمن تعداه وقع في اللغو والخطأ : قال الإمام : من كثر كلامه كثر خطأه (ومن تفكز أبصر) وخرج من ظلمات الجهل الى نور المعرفة، ومن عمل وأقدم بلا تفكير خبط في التيه.
قَارِن أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ. وَبَايِن أَهلَ الشِّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ. بئس الطَّعَامُ الْحَرَامُ. وَظُلْمُ الضَّعِيفُ أَفْحَسُ الظُّلْمِ. إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كانَ الْخُرْقُ رِفقاً. ربّما كَانَ الدَّوَاء دَاء وَالدَّاء دَواء. وربما نَصَحَ غَيْرُ النّاصِحِ وَغَش المُسْتَنصَحُ. وَإِيَّاكَ وأتّكَالَكَ عَلى المَنّى فَإنَّها بَضَائِعُ المَوْتَى، والعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِب. وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وعظَكَ (21). بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً. لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ، وَلَا كُلٌّ غَائِبِ يَؤُوبُ. وَمِنَ الفَسَادِ إضَاعَةُ الزَّادِ وَمَفْسَدَةً المَعَادِ. وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةُ. سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدْرَ لَكَ. التاجرُ مُخاطِرٌ، وَرَبِّ يَسِيرٍ أَنمَى مِنْ كَثِيرٍ. لا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ،
وَلَا فِي صَدِيقٍ ظَنِينِ. سَاهِلِ الدَّهرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ. وَلاَ تُخَاطِرْ بِشَيْءٍ رَجَاء أَكْثَرَ مِنْهُ. وَإِيَّاكَ أنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللجاج (22).
اللغة :
الخرق - بفتح الخاء - الثقب، وبكسرها الفتى الظريف الكريم، ويضمها - كما هنا - العنف والشدة، وأيضاً الجهل والحمق. والمستنصح بالفتح المطلوب منه أن ينصح. وظنين : متهم. وقعود : من الإبل. واللجاج : التمادي في الخصومة.
الإعراب :
تكن مجزوم بجواب الأمر، وإياك مفعول لفعل محذوف، والأصل أحذرك : وما ذل «ما» مصدرية، ورجاء مفعول من أجله لتخاطر، وأكثر لا ينصرف للصفة ووزن الفعل.
المعنى :
(قارن أهل الخير) ابذل من نفسك ومالك لنصرة الحق، وإبطال الباطل كما فعل ويفعل المناضلون الأحرار (تكن منهم) قولاً وعملاً (وباين أهل الشر) بإعلان الثورة عليهم وجهادهم بكل ما تستطيع (تبن عنهم). أما أن تعتزل إيثاراً للسلامة، وطلباً للراحة، وتعتكف في المحراب، أما إن فعلت هذا - فأنت شيطان أخرس، كما قال الرسول الأعظم، وأيضاً قال : من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. (وبئس الطعام الحرام) وأي شيء أكثر جرماً وأعظم إثماً من الحياة على حساب المستضعفين، وخبز الأرامل والأيتام ؟.
(وظلم الضعيف أفحش الظلم) وأفحش منه ومن الفحش نفسه أن تضع يدك على فمه، وتمنعه من الصراخ من ألمه والاحتجاج على ظالمه، ولو قيل لي : ما
تعريف الانسان بمعنى الكلمة لقلت : هو الثورة على الظلم وضد الظالم. وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 74) (واذا كان الرفق خرقاً كان الخرق رفقاً). مهادنة الأشرار شر محض، لأنها تشجعهم عليه، وتغريهم به، والعدل أن يردعوا بالعنف اذا لم يجد يجد الجدال بالتي هي أحسن. قال الإمام : الوفاء لأهل الغدر غدر والغدر بأهل الغدر وفاء.
(ربما كان الدواء داء) قد يخطىء الطبيب في تشخيص المرض، فيصف دواء ظاهره الرحمة، وباطنه من قبله العذاب (والداء دواء) كالطبيب يقطع العضو السقيم الذي لا يمكن علاجه كيلا يفسد بقية الأعضاء السليمة، ويسمى هذا بدفع الضرر الأشد بالضرر الأخف (وربما نصح الخ)... استمع للخائن والأمين، وحاكم ما تسمع من الاثنين بعقل رزين، واختر ما تركن اليه نفسك. قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : استفت قلبك، البر ما اطمأنت اليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وإن أفتاك الناس وأفتوك.
(وإياك والاتكال على المنى الخ).. أبداً لا فرق بين التأوه على ما فات، وتمني الخيرات، كلاهما سخف وضعف.. ولا راحة إلا بالكد والتعب والتعب، وقال قائل : لا يزال المرء مقروناً بالتواني ما دام مقيماً على وعد الأماني (والعقل حفظ التجارب). التحربة عند الإمام مصدر من مصادر المعرفة، ولكن ليست أقواها، فهناك الوحي والعقل الذي يفكر ويستنتج يفكر ويستنتج. ومن أقواله : ليست الروية كالمعاينة مع الإبصار، فقد تكذب العيون أهلها، ولا يغش العقل من استنصحه (وخير ما جربت ما وعظك) أي ما نفعك، بل أنفع المعارف كلها ما أسرع بك الى عمل الخير، وأقصاك عن ارتكاب الشر.
(بادر الفرصة الخ).. فإنها تمر فإنها تمر مر السحاب وإلا لحقتك الندامة والحسرة (ليس كل طالب يصيب) لا غبن عليك أن تطلب الشيء فلا تجده، لأن هذا شائع ومألوف، والمهم أن لا تبخع نفسك على أثره (ولا كل غائب يؤوب) كالميت (ومن الفساد إضاعة الزاد الخ.. بالتهاون فيه وعدم ادخاره لوقت الحاجة (ولكل أمر عاقبة) حلوة أو مُرة، والعاقل يراقب ويحترس، ولا يقدم إلا بعد البحث والتأمل (سوف يأتيك ما قدر لك) من الرزق بعد السعي والعمل، وإياك والمني كما قال الإمام (التاجر مخاطر) برأس المال، فإن ربح
قال الناس عنه : سعيد الطالع، وإن خسر قالوا : لا حظ له. والواقع ان الحظ والطالع هنا هو دقة المراقبة وحسن التقدير للعواقب والتوفيق. والتجارة في أيامنا فن من فنون اللصوصية، وعلم بأساليب الغش والاحتيال على الشعوب الضعيفة ونهب أقواتها ومقدراتها.
(ورب يسير) وضع في محله (أنمى من كثير) وضع في غير موضعه. وقد رأينا الكثير من أصحاب الملايين آل أمرهم الى البؤس والعوز من تصرفهم (لا خير في معين مهين) يفسد معروفه بكلمة أو حركة نابية. قال سبحانه : «لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى - 264 البقرة». ولا في صديق طنين (يرائي ويراوغ) ساهل الدهر ما ذل لك قعوده) امش بدائك ما مشى بك كما قال الإمام (ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه) إلا مظنة النجاح. وقال قائل : من طلب الفضل حرم الأصل (وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج). التعصب والعناد جهل وفساد، والتمادي في الخصومة يسل العقل والدين. قال الإمام : لا يستطيع أن يتقي الله من يخاصم.
احمل نَفْسَكَ مِنْ أخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلى الصِّلَةِ، وَعِنْدَ صُدُودِهِ على اللطف وَالْمُقَارَبَةِ، وَعِندَ جُمودِهِ عَلى البَذْلِ، وَعِندَ تَبَاعُدِهِ عَلى الدُّنْوِّ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلى اللَّينِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ حَتَّى كَأَنَّكَ لهُ عَبْدُ وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذلِكَ فِي غَيْر مَوْضِعِهِ أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ. لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوٌّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ. وَأَمحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً وَتَجرَّع الغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أو جُرْعَةً أَحلَى مِنْهَا عَاقِبَةً وَلَا الذ مَغْبةً (33). ولن لِمَنْ خَالَفكَ فَإنّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ. وَخَذَ عَلى عَدُوكَ
بِالْفَضْلِ فَإنه أحلَى الظُّفَرَينِ. وَإِنْ أَرَدَت قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةٌ تَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا. وَمَنْ ظَنَّ بكَ خَيْراً فَصَدِّقَ ظَنَّهُ. وَلَا تُضِيعَنَّ حَقٌّ أَخِيكَ اتكالاً على ما بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأخ مَنْ أَضَعْتَ حَقهُ. وَلَا يَكُن أهْلَكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ. وَلَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ. وَلَا يَكُونَنَّ أخوكَ أقْوَى عَلى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلى صِلَتِهِ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلى الإساءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ، وَلَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظلمكَ فَإنّهُ يَسْعَى فِي مَضَرِّتِهِ وَنَفْعِكَ. وَلَيْسَ جَزَاء مَنْ سَرَّكَ أَنْ تسوءه (24).
اللغة :
صرمه - بفتح الصاد وسكون الراء - قطيعته. وصدوده : بعده. والمراد بالجمود هنا البخل.
الإعراب :
عاقبة تمييز، ومثلها مغبة، ويوماً ما «يوم» ظرف منصوب ببدا، واتكالا مفعول من أجله لتضيعن.
حق الصديق :
أشار الإمام في هذا المقطع الى حق الصديق على صديقه. وقبل الشرح نشير
بإيجاز الى تعريف الصداقة وسببها، ويمكن تلخيصها بالمودة والوفاء والثقة، أما سببها فالمطابقة والانسجام. قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «الأرواح جنود مجندة، فها تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». ومنع الحياة لا يبلغها الإحصاء، وتفوقها جميعاً متعة الصداقة، وتبلغ الغاية القصوى حين يفضي الصديق الى صديقه بأسراره وهمومه حيث يشعر من أعماقه انسه ينفض عن كاهله أثقاله وأغلاله وأقوى شيء في الدلالة على الوفاء والثقة أن تدافع عن أخيك، وتبرئه من شائعة السوء بمجرد سماعها، وقبل البحث وقيام البينة.
وبعد تجربة عشرات السنين أستطيع القول : إن الصداقة بمعنى الحقيقة لهذه الكلمة لا تكون ولن تكون إلا اذا وجد في كل واحد من الاثنين صفة أو صفات يقدرها الآخر أياً كان نوعها، فالشرط أن يكون للصفة وزنها عند الصديق لا في ذاتها وواقعها. ويرجع هذا الى قول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما تعارف منها ائتلف.
(احمل نفسك من أخيك الخ).. قد يظن بك الصديق التقصير في حق من حقوقه، فيعاتبك بالصد والهجران أن وينبغي تتجاهل ذلك، ولا تعامله بالمثل وإلا أنهيت الصداقة بنفسك، ووضعت لها حدا بيدك.. حتى ولو كان هو البادىء، ما دام التلافي ممكناً فإنك إن تجاهلت، وبقيت على عادتك معه من اللطف والمداراة يذهب ما في النفس مع الأيام، وتعود المياه إلى مجراها (وعند جموده على البذل الخ)..واسه بنفسك حتى ولو كان البخل من طبعه.
(وعند جرمه على العذر) تغاض عن هفوته واحتملها منه.. وإن طلبت صديقاً لا تعاتبه عشت بلا صديق مدى الحياة أي الرجال المهذب ؟ وهل من العدل والإنصاف أن تطلب العصمة من خطأ لا ترىء نفسك من مثله ؟ (حتى كأنك له عبد) هذا كناية عن حسن المعاملة والتسامح مع الاخوان، لأن الصداقة اخوة لا عبودية، ووفاء لا إلجاء (وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه) تسامح وتواضع مع الذين يقدسون النبل والخلق الكريم، لا مع من يرى التواضع منك ضعفاً وافتقاراً. قال أعرابي لصديق له : كن لي ببعضك حتى أكون بكلي لك.
(ولا تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك). والجمع بينهما تماماً
كالجمع بين الماء والنار الماء والنار. قال رجل للإمام : اني احبك وأحب معاوية فقال الإمام : أنت أعور الآن، ونهايتك العمى او الشفاء من العور (ومحض أخاك النصيحة حسنة كانت او قبيحة) أي ثقيلة على من تنصحه، كما لو كان معجباً بنفسه يدعي العلم، وما هو من أهله، او كان كذوباً او حسوداً فصارحته ونهيته، وبكلمة : إنصح بالحق وإن غضب المقصود بالنصيحة، ولا يهمك ما دمت مخلصاً ومجتهداً فيها عند نفسك.
(وتجرع الغيظ الخ).. قد يستفزك سفيه بكلمة نابية، أو حركة مزعجة فتثور أعصابك، وعليك أن تماسك إن حدث شيء من ذلك، ولا تستجيب لغضيك وأعصابك، ولو استسلمت للغصب لانتهيت الى أسوأ العواقب. وبالإيجاز من لم يصبر على كلمة سمع كلمات (ولن لمن غالظك الخ).. إن ظننت به رجوت ان يرجع عن جفوته، ويؤوب الى رشده، وهذا تعبير ثان عما سبق من قول الإمام : (وإياك ان تضع ذلك في غير موضعه).
(وخل على عدوك بالفضل فإنه أحلى الظفرين) وهما : ظفر القصاص والانتقام، وظفر العفو والإحسان. وهذا هو الجدير بالعظماء والأولياء. وليس من شك ان العفو بضاعف الحسنات. السيئات. قال تعالى : «وإن تعفوا أقرب للتقوى - 237 البقرة»، وقال الإمام وقات الإمام : متى أشفي غيظي ؟ أحبن أعجز عن الانتقام فيقال لي : لو صبرت ؟ أم حين أقدر عليه فيقال لي: لو عفوت.
(وإن أردت قطيعة أخيك الخ).. وبأسلوب آخر هو للإمام أيضاً : «احبب حبيبك هوناً ما عسى ان يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما عسى ان يكون حبيبك يوماً ما».
وكثيراً ما تحدث القطيعة بين الصديقين، ثم تستأنف الصداقة بحبل أقوى وأوثق اذا كان الهجر عقل (ومن ظن بك خيراً فصدق ظنه) من وثق بنبلك فكن عند ثقته، فإنها قوة لك وثروة. والعكس صحيح أي من ظن بك شراً فكذب ظنه بعمل الخير.
(ولا تضيعن حق أخيك الخ).. إن للصداقة حرمتها، وللصديق حقوق
فإن قصرت في شيء من حلقه فقد انتهكت حرمة الصداقة والاخوه، وجعلت على نفسك بنفسك سبيلاً للمؤاخذة والملامة. فال بعض السلف : ما تحاب اثنان فرّق بينهما إلا ذنب يحدثه أحدهما (ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك). من شقي به اهله فهو أشقى الناس على الإطلاق، لأن من يبغي على القريب ييأس الناس من خيره ويخافون من شره، ومن يسعد به القريب يرجوه البعيد العمل الخير. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». هذا، الى ان لرب الأسرة وسيرته معها التأثير البالغ في صلاحها وفسادها، ونعيم البيت او جحيمه.
(ولا ترغبن فيمن زهد فيك). تجاهل من أدبر عنك كأنه لم يكن حتى ولو كانت الدنيا في قبضته.. إن الاستعانة بغير الله ذل وهوان (ولا يكونن أخوك أقوى الخ).. اذا كان هو اقوى منك على القطيعة والإساءة فكن أنت أقوى منه على الصلة والإحسان، شريطة ان يكون في صلتك له شيء من الخير والصلاح وإلا فالسلو أفضل (ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك) عند الله، لأن يوم العدل على الظالم أشد من يوم الحور على المظلوم، كما قال الإمام في مقام آخر.. وليس معنى هذا ان تستسلم للظلم.. كلا، فان جهاده فرض، ومن قصر فيه فهو شريك الظالم، ولو علم الظالم ان المظلوم يستميت دون حريته وكرامته لتحاماه.
(وليس جزاء من سرك أن تسوءه). هذا كلام مستأنف لا صلة له بما قبله كما توهم بعض الشارحين وقال في تفسيره : ليس جزاء من أساء اليك ان تقابله بالإساءة، لأنه قد زاد في أجرك عند الله !.. ونسي هذا الشارح وجوب الجهاد، ضد البغي وإن من مات دون عقال من ماله مات شهيداً، وانه لا معنى للعدل إلا الضرب على أيدي المعتدين، وان السكوت عنهم هو تشجيع للفساد في الأرض.
وَأَعْلَم يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ : رِزْقُ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطلُبُكَ فَإِنْ أنتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ. مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِندَ الْحَاجَةِ وَالْجَفَاء عِندَ الْغِنَى؟ إنَّ لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بهِ مَثْوَاكَ. وَإِن جزعت على ما تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ، فَاجْزَع عَلى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ. اسْتَدِلُّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِما قَدْ كَانَ. فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهُ. وَلَا تَكُونَنَّ ممَّنْ لا تنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِي إيلامِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالْآداب والْبَهَائِمُ لاَ تَنْعِظُ إِلَّا بِالضَّرْب (25). اطرح عَنْكَ وَارِدَاتِ الهُمومبعزائم الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ. مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ، وَالصَّاحِبُ مُنَاسَبَ. وَالصِّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ. وَالهَوَى شَرِيكَ العَنَاءِ. رُبِّ قرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ، وَرُبِّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيب. وَالْغَرِيب مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبُ. مَنْ تَعَدَّى الْحَقِّ صَاقَ مَذْهَبُهُ. وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ. وَأَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ. وَمَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ. قَدْ يَكُونُ اليَأْسُ إدْرَاكَاً إذا كَانَ الطَّمَعُ مَلاكاً. لَيْسَ كُل عَوْرَةٍ تَظْهَرُ وَلَا كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ وَربَّما أَخطأَ البَصِيرُ قَصْدَهُ وَأَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ (26).
اللغة :
مثواك : منزلك. وما تفلت : ما فات. وهزائم الصبر : قوة الإرادة والقصد : الإعتدال. والمناسب : الموافق والقريب. ولم يبالك : لم يكترث بك. والعورة : الخلل.
الإعراب :
رزق تطلبه ورزق يطلبك (رزق) بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه رزقان وما أقبح الخضوع «ما» مبتدأ بمعنى شيء، وأقبح فعل ماض، والفاعل مستتر يعود الى «ما» والجملة خبر، والخضوع مفعول.
المعنى:
(إن الرزق رزقان : رزق تطلبه) بتجارة او صناعة او فلاحة او خدمة وهذا الرزق وراءه قضاء وتدبير كأي شيء يحدث في الكون حيث أبى الله سبحانه إلا ان يربط الأسباب بمسبباتها، والنتائج بمقدماتها حتى نعيم الآخرة او جحيمها هو نتيجة الأعمال في الحياة الدنيا.. هذا العلم بأن سلسلة الأسباب تنتهي اليه تعالى طالت أم قصرت (ورزق يطلبك) بإرث أو هدية او صيد غال وثمين لا يكلفك سوى خطوات.. ومهما يكن فإن كلام الإمام هنا عن الرزق مجرد تعبير عن واقع الحال بصرف النظر عن فلسفة الرزق. وتقدم الكلام عنها في شرح الخطبة 23.
(ما أقبح الخضوع عند الحاجة). لا شيء أدل على ضعة النفس وخساستها، ولؤمها ودناءتها - من التنمر في اليسر، والتذلل في العسر والنفس الكريمة سواء في الحالين، بل هي مع العسر أعز وأكثر إباء.. ومما يزيد الفاقة شدة الاستكانة لمن لا يجبرها. وقال الإمام : ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله، وأحسن وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء الكالاً على الله (انما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك). أبداً لا فرق بين من يملك الملايين ومن يملك
العشرات ما دام وعاء البطن لا يقبل المزيد من الطعام، ومساحة الجسم لا تتجاوز المقرر من اللباس.. والعمر الى أجل، والى التفريق والشتات ما جمع المرء وما
کسب.. واذن فعلام التناحر على الحطام ؟.
(وإن كنت جازعاً على ما تفلت من يديك الخ) حكمة بالغة دامغة فما تغني النذر : ثروة الكون لا حد لها، أما حاجتك فلها حد، وأنت تطلب المزيد، وتحزن اذا لم تبلغ ما تريد، وعلى منطقك هذا ينبغي ان تبكي وتندب لأنك لا تملك الكون بأرضه وسمائه.. وأي فرق من حيث النتيجة بين ما ذهب من مالك، وبين ما لم تنل منذ البداية ؟. (استدل على ما لم يكن الخ).. تصفح أحوال الذين جمعوا او حرصوا : ماذا حدث لأموالهم بعد الموت، وقس عليها ما في يدك الآن من مال وحطام.
(ولا تكن ممن لا تنفعه العظة الخ).. اعتبر بالغير، واتعظ بالعبر إن كنت انساناً يدرك الأمور وعواقبها لا حيواناً يقرع بالعصا (اطرح عنك واردات الهموم الخ).. لا مفر من المصائب والنوائب في هذه الحياة ومع هذا عليك الوقاية ما أمكن والعلاج إن ابتليت، فإن استعصى الداء عليك وعلى أهل الاختصاص - فوض الأمر الى الله، وامض في عملك، واد ما عليك، وسوف وان شغلت نفسك بالتفكير فيما أصابك صدك الخوف ترى الأمر على ما يرام.. عن عملك، وتراكمت عليك الأحزان بلا جدوى.
ومن جملة ما قرأت ان رجلاً أحس بضعف والحراف في صحته، ولما عرض نفسه على الطبيب قال له : انه مريض بسرطان الدم مريض بسرطان الدم، وانه يموت بعد قليل فلم ينزعج وتحدى المرض، وقال في نفسه : لا فرق بين أموت مفاجأة او بإنذار سابق، ومضى في عمله كأن لم يكن شيء، واستمر فيه حتى الآن، ولو انه استسلم للوساوس الخارت قواه، وأمسى طريح الفراش ينتظر الموت في كل لحظة. ومعنى هذا انه يموت في اليوم مرات. ولما قيل له : كيف تعمل وأنت على هذه الحال قال : أجرب الحكمة القائلة : خير الدواء العمل. وقال الإمام: إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور.
(من ترك القصد جار) من أسرف تعدى الحدود، ومن أمسك قصر عنها والطريق الوسطى سبيل الخير والنجاة (والصاحب المناسب) ولا صحبة بلا موافقة
ومناسبة (والصديق من صدقت غيبته) شر الناس من صادقك من غير صدق يكيل لك المدح في المحضر، ويذيع السيئات في المغيب، وإن سمعها أقرها بسكوته علمه بأنها زور وافتراء (والهوى شريك العمى) ذا غلب الهوى عمي العقل (ورب بعيد أقرب من قريب) لتقارب الأخلاق وتوافقها وأيضاً كل من أحسن اليك فهو قريب الى نفسك، وإن بعدت لحمته (وقريب أبعد من بعيد) لتباعد الأخلاق وتنافرها، او لنزاع على ميراث او جاه.
(والغريب من لم يكن له حبيب) للؤمه وحسده، او لتعاظمه وخيلائه، او لظلمه واعتدائه (ومن تعدى الحق ذاق مذهبه) اي طريقه، والمعنى من تسلح بغير الحق فهو أعزل من كل حجة ودليل، وفضيلة ومكرمة، ولا دواء له إلا الازدراء والقسوة اذا لم يرتدع إلا بها (ومن اقتصر على قدره كان أبقى له) اذا لم لم تدع بما ليس فيك أحبك الناس، وأنزلوك فيما أنت أهل له وجدير به، وإن تجاوزت طورك يخسوا حقك، وارتابوا في كل قول أو فعلى من أقوالك وأفعالك، وإن كنت فيه من الصادقين (وأوثق سبب أخذت به الخ).. والسبب الذي بين الله والعبد هو العلم بأحكامه تعالى والعمل بها.
(ومن لم يبالك فهو عدوك). قال ابن أبي الحديد، ونحن معه فيما قال : المراد بهذه الوصية خصوص الولاة، لأن عدم المبالاة بهم معناه الاستهانة بالقوة الرادعة عن الباطل، أما سائر الناس فغير مقصودين بهذه الوصية، لأن اللامبالاة من حيث هي لا تستدعي العداء والبغضاء (قد يكون اليأس إدراكاً اذا كان الطمع هلاكاً) المراد باليأس هنا الحرمان، وبالإدراك نيل المراد، والمعنى ربما يتمنى المرء لنفسه شراً من حيث يظن انه خير محض، ولا ينكشف ذلك إلا بعد أن يناله ويمارسه، ومثاله أن يتمنى الزواج من امرأة أعجبته من أول نظرة، حتى اذا تم ما أراد، وباشر وعاشر قال : يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً.
(ليس كل عورة تظهر) فتحت الثياب أفاع وذئاب، والقلوب صندوق العيوب (ولا كل فرصة تصاب). ما من انسان على وجه الأرض إلا وهو يملك جزءاً من الوقت يستمع فيه الى حكمة، او يقرأ ما ينفعه، او يفكر في آخرته و مصره، او يكتب او بغرس أو يذكر الله أو غير ذلك مما يتناسب مع
أوضاعه.. وللوقت وزن وثمن، ومن ذهل عنه او لم يكترث به فقد مات، وهر حي (وربما أخطأ البصير قصده، البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده) تبعاً للظروف والأحداث التي تشذ عن القواعد، ولا سبيل الى التنبؤ بها القواعد، ولا سبيل الى التنبؤ بها.. وقد رفعت هذه الشواذ أفراداً لا دور لهم في شيء، ووضعت آخرين كان لهم أحسن الأثر في خدمة الحياة وتقدمها.
أخر الشَّرِّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ. وَقَطِيعَةُ الْجَاهِل تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ. مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ. لَيْسَ كُلُّ مَنْ رمى أصاب. إِذَا تَغَيْرَ السُّلْطَانُ تَغَيْرَ الزَّمَانُ. سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ. إِيَّاكَ أَنْ تَذكَرَ فِي الكَلَام مَا يَكُونُ مُضْحِكاً وَإِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْركَ (27). وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأتِهِنَّ إِلَى أَفَنِ وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ. وَاكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ، وَلَيْسَ خُرُوجَهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إدْخالِكَ مَنْ لا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ. وَلَا تُمَلكِ المَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا فَإِنَّ المَرْأَةَ رَيْحَانَهُ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ، وَلَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا، وَلَا تُطْمِعهَا فِي أَنْ تَشفَعَ بِغَيْرِهَا. وَإِيَّاكَ وَالتَّغَابُرَ فِي غَيْرِ موضع غَيْرَةٍ، فَإِنَّ ذلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السُّقْمِ وَالْبَرِيئَةَ إِلَى الريب. وَأَجْعَلْ لِكُلِّ إِنسَانِ مِنْ خَدَمَكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ فَإِنَّهُ أَحْرَى
أنْ لاَ يَتَوَاكُلُوا فِي خِدمَتِكَ. وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ فَإنهُمْ جناحك الذي بِهِ تطِيرُ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ، وَبَدكَ اللَّي بِهَا تَصُولُ. أَسْتَوْدِعُ الله دِينَكَ وَدُنْيَاكَ. وَأَسْأَلُهُ خَيْرَ الْقَضَاء لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالسّلام (28).
اللغة :
الأفن والوهن : الضعف. قهرمانة : وكيلة في التصرف. والتغاير : إظهار الغيرة. يتواكلوا : يتكل بعضهم على بعض.
الإعراب :
إياك أحذرك، والباء في أشد وقهرمانة زائدة.
المعنى:
(أخر الشر الخ).. كل انسان على وجه الأرض يقدر على الشر والخبر ولو بحب الخير وفاعله، ولكن الشر أوسع مجالاً، وأكثر أنواعاً وأفراداً يستطيعه أضعف الضعفاء متى شاء وأراد، ولا تفوته الفرصة منه وإن أبطأ وتلكأ أما عمل الخير ووضعه في موضعه فله قيوده وظروفه، ولا تسمح به الفرصة في كل حين.. وقول الإمام : «أخر الشر» من باب : لا تستعجل الهلاك، أي ابتعد عنه.
(وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل) لأن العاقل لا يقول ويفعل إلا بعد تقدير العواقب، والتثبت والأناة، ولا يحقد على من عابه بشيء هو فيه، أما الجاهل فيتصرف باللمحة، ويحكم بالظنة، ولا يعرف للروية معنى، ولا يقيم للعاقبة وزناً
(من أمن الزمان خانه) اذا أقبلت الدنيا عليك فاحذر المخبات والمفاجات، فإن الدنيا يجوز عليها كل شيء (ومن أعظمه أهانه) أي من أعظم الطاغية من أبناء الزمان، لأن الزمان ليس بجسم يحس" كي لا يحقر أو يقدر لا يحقر أو يقدر، وليس من شك ان تعظيم الطاغية رياء ونفاق، وذل وهوان.
(ليس كل من رمى أصاب) الهدف وإن كان حاذقاً. والقصد من هذا هو التنبيه الى ان العاقل يتوقع الخطأ من نفسه ويتقبل النقد، نفسه ويتقبل النقد، وان المعجب برأيه يرى انه لا ينطق إلا بالصواب، وهو جاهل مغرور (اذا تغير السلطان تغير الزمان) إن خيراً فخير، وإن شراً فشر بخاصة في عصرنا الذي بلغت فيه الأسلحة المدمرة حدا يفوق التصور، ويسيطر الحاكم او الهيئة الحاكمة على جميع المقدرات ونواحي الحياة.. فإذا كانت مصالح العباد في أيد أمينة ونزيهة عاشوا في ظل الراعي عيشة طيبة راضية، وإن كانت في أيدي اللصوص والقراصنة قادوا الرعية الى الهاوية، ومنذ القديم شاع وذاع ان الرعية تصلح بصلاح الراعي، وتفسد بفساده وتقدم الكلام عن ذلك في الخطبة 214، ويأتي أيضاً في «عهد الإمام» للأشتر.
(سل عن الرفيق قبل الطريق). السفر يسفر عن الأخلاق، فإذا صحبت جاهلاً في سفرك ظهرت معالم صفاته وغرائزه، وأزعجك وجنى عليك. قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (إن صحبت الجاهل عناك، وإن اعتزلته شتمك وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اذا سافر يقول : من كان يسيء الى جاره فلا يصحبنا، لأن الجار رفيق ملازم. وقديماً قيل : الجار قبل الدار (وإياك ان تذكر من الكلام ما يكون مضحكاً) إلا للمطايبة في حدود الشرع والآداب.
(وإياك ومشاورة النساء الخ).. لأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : شاوروهن وخالفوهن. وفي (صحيح) البخاري كتاب «الحيض» : إن النبي قال : يا معشر النساء ما رأيت ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل من إحداكن وكل ما قاله الإمام عن المرأة فهو عن الله ورسوله بلا تقليم وتطعيم في الشكل
والأسلوب. وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 78 فقرة «علي والمرأة». وأيضاً يأتي عند قول الإمام : «المرأة شر»، في الحكمة 238.
وبعد، فأي انسان في مشورته بين الوعي والإخلاص يصح الأخذ بها والاعتماد عليها رجلاً كان أم امرأة ومتى انتفى هذان سقطت المشورة عن الاعتبار وإن كان المشير رجلاً، أما نهي النبي وعلي عن مشورة النساء فيحمل على مشورة الجاهلية، وكان أكثر النساء آنذاك في معزل عن العلم وتجارب الحياة، ولا ذنب للمرأة في ذلك اذا قصر الرجل في توبيتها مع العلم بأنها من طينة الرجل، وطبيعتها واحدة، ويشتركان في المسؤولية على قدم المساواة.
(واكفف عليهن من أبصارهن الخ) يشير الى الآية 31 من سورة النور : «وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن» (وليس خروجهن بأشد الخ).. لا فرق بين أن يُطلق لهن السراح في الخروج حيث أردن وبين أن يدخل عليهن عاهر فاجر (ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها الخ).. اتفقت المذاهب الاسلامية قولاً واحداً على ان المرأة لا يجوز أن تتولى الإمارة والسلطان، وفي الحديث : «ما أفلح قوم ولوا عليهم امرأة» واختلفوا في توليها القضاء : قال أبو حنيفة : يجوز أن تتولى المرأة القضاء في حقوق الناس دون حقوق الله أي الحقوق العامة. وقال غيره : لا يجوز إطلاقاً.
(فإن المرأة ريحانة) للرقة والحنان، والدعة والاطمئنان (وليست بقهرمانة) تتصرف فيما يخص الرجل نيابة عنه (ولا تعدو بكرامتها نفسها الخ).. كرامة المرأة أن تبقى امرأة، وأن تضع نفسها حيث وضعتها الطبيعة، ولا تتطفل على وظائف الرجل. وقال الشيخ محمد عبده : «أين هذه الوصية من حال الذين يصرفون النساء في مصالح الأمة». (وإياك والتغاير في غير موضعه الخ).. لك أن تغار على المرأة بصيانتها من التبرج ومخالطة المشبوهين، أما الغيرة برجم الظنون فإنها تشجع المرأة السقيمة على الخيانة، وتغزي البريئة بها، وتقول في نفسها : كنت أحرص على ثقته بأمانتي وعفافي، أما وقد أصبحت عنده في مكان الريب فلم يبق ما أحرص عليه.
(واجعل لكل انسان من خدمك الخ) يشير بهذا الى ان الأعمال ينبغي أن توزع على الموظفين والمستخدمين، وان يحدد لكل واحد منهم عمل خاص به يكون هو المسؤول عنه وإلا عمت الفوضى، وضاعت المسؤولية بين الجميع،
وأحال كل واحد التقصير والإهمال على الآخر، وهذا التصنيف والتوزيع للأعمال هو المبدأ الذي لم تعرفه المدنية إلا حديثاً. ويأتي التوضيح في عهد الأشتر فقرة 18.
(وأكرم عشيرتك الخ).. تقدم مع الشرح في الخطبة 23 (واستودع الله دينك ودنياك الخ).. أخلص في عبادتك لله، وفي معاملتك مع الناس، واسأل التوفيق منه تعالى لما فيه الله رضى، ولك خير وصلاح دنيا وآخرة. وأفضل الصلوات على محمد وآله الأطهار.
وَأَرْدَيْتَ جيلاً مِنَ النَّاسِ كَثِيراً خَدَعْتَهُمْ بِغَيْكَ، وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجٍ بَحْرِكَ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ وَتَتَلاطَمُ بِهِمُ الشَّبُهَاتُ، فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَنَكَصُوا عَلى أَعْقَابِهِمْ، وَتَوَلَّوْا عَلى أَدْبَارِهِمْ، وَعَوَّلُوا عَلى أَحْسَابِهِمْ إِلَّا مَنْ فَاء مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ، وَهَرَبُوا إلى اللهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْب وَعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ. فَاتَّقِ اللهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ وَجَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ وَالْآخِرَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ. وَالسّلام..
اللغة :
أرديت : أهلكت. وجيلاً : قبيلاً او صنفاً. والوجهة - بكسر الواو. القصد. ونكصوا : رجعوا. وعولوا : اعتمدوا. وأحسابهم : جمع حسب اي شرف الآباء. وفاء : رجع. وموازرتك : معاونتك. والقياد : ما تقاد به الدابة.
الإعراب :
كثيراً صفة للجيل، وإذ ظرف ومحله النصب بهربوا.
المعنى:
كتب الإمام الى معاوية رسالة جاء فيها : (وأرديت جيلاً من الناس كثيراً الخ).. الناس يحبون المال، ومنه الكثير في يد معاوية يبذله لكل من يبيع دينه بدنياه، فراجت سوق معاوية، وكثر فيها العرض والطلب. وروينا فيما سبق بعض الأمثلة على ذلك، منها عن الطبري : إن الحنات المجاشعي وفد على معاوية جماعة من الرؤساء، فأمر لكل واحد بمئة ألف، وللحتات بسبعين.. ولما عاتبه الحتات قال له معاوية : اشترينا من القوم دينهم. فقال الحتات: وأنا اشتر مني ديني. فأكملها معاوية على المئة، وتمت الصفقة.
(وعولوا على أحسابهم). ما حارب واحد مع معاوية إلا لمال او وظيفة، او بدافع من العصبية الجاهلية (إلا من فاء من أهل البصائر). موه معاوية على بعض المؤمنين في بداية الأمر، ثم تكشفت لهم الحقائق حين حاول ان يحملهم على الإثم ومعصية الله ورسوله (وجاذب الشيطان قيادك). المراد بالشيطان الهوى، والمعنى لقد تُغلب هواك على عقلك ودينك، فحرر نفسك منه (فإن الدنيا منقطعة عنك) وأنت مفارقها لا محالة (والآخرة قريبة منك) وفيها حسابك وجزاؤك.
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَيْنِي بِالمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعَلمِنِي أَنْهُ وجهَ عَلَى الْمَوْسِيم أناس من أهل الشام العُمي القُلُوبِ، الصُّمُ الْأَسْمَاعِ، الكُمْةِ الْأَبْصَارِ، الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَيُطِيعُونَ المَخلُوق في مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ، وَيَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ وَالْمُتَّقِينَ. وَلَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عَامِلُهُ، وَلَا يُجْزَى جزاء الشَّرِّ إِلا فَاعِلُهُ. فَأقِمْ عَلى مَا فِي يَدَيْكَ قِيامَ الْحَازِم الصَّلِيبِ والناصح اللبيب، والتابع لِسُلْطَانِهِ المطيع لإمَامِهِ. وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ. وَلاَ تَكُنْ عِندَ النَّعْمَاء بطراً، وَلاَ عِنْدَ الْبَاسَاء فَشِلاً. والسلام.
اللغة :
العين : الجاسوس. والمراد بالمغرب هنا بلاد الشام لأنها من الأقاليم الغربية، كما قال ابن أبي الحديد. والموسم : الأيام التي يقام فيها الحج. والكمه : جمع اكمه اي ولد أعمى. والدر : اللبن. والصليب : الشديد. والبطر : الطغيان بسبب الغنى والترف.
الإعراب :
أناس نائب فاعل لوجه، والعمي الصم الكمه صفات لأهل الشام، ودرها بدل اشتمال من الدنيا.
المعنى :
قثم أخو عبدالله بن عباس بن عبد المطلب جد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكان الإمام قد ولاه مكة المكرمة، وبقي عليها حتى استشهد الإمام. واستشهد قثم بسمرقند في زمن معاوية، وكان للإمام عيون وجواسيس على معاوية، فكتب اليه أحدهم ان معاوية أرسل دعاته في السر الى مكة ايام الحج لينفثوا السموم والأكاذيب ضد الحق وأهله. فكتب الإمام الى قثم هذا الكتاب ليحتاط للأمر، ويسد الطريق على العدو :
(أما بعد، فإن عيني الخ) يخبر الإمام عامله على مكة بأن معاوية بعث اليها جماعة من أهل الشام أضلهم الشيطان، ليفتروا على الله الكذب، وهم يعلمون دائبين في مرضاة معاوية بغياً وعدوانا لله ورسوله (ولن يفوز بالخير إلا عامله، ولا يجزى جزاء الشر إلا فاعله). والخير في مفهوم الإمام يقاس بجزائه وثوابه غداً عند الله، لا بالنعيم والترف في الحياة الدنيا. والشر يقاس بغضب الله وعذابه. ومن أقواله في ذلك «كل نعيم دون الجنة فهو محقور، وكل بلاء دون النار عافية». وكل شهداء الإيمان بالله يقيسون الخير والشر بهذا المبدأ ولولا حلاوته ما أقدموا على الموت بقلوب مطمئنة، وأوجه مبتسمة.
(فاقم على ما في بدك الخ).. من السلطة والولاية على مكة وما يتبعها، ودافع عنها بكل سبيل وبجد وإخلاص، وبهذا تؤدي حق الله ورسوله وحق إمامك وحق الرعية (ولا تكن عند النعماء بطراً) بل شاكراً متواضعاً (ولا عند البأساء فشلاً) اي ضعيفاً منكسراً عند الشدائد.
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحَ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ. وَإِنِّي لَمْ أَفْعَلَ ذلِكَ اسْتِبْطَاء لَكَ فِي الجُهْدِ وَلَا أَزْدِيَاداً فِي الْجِدّ. وَلَوْ نَزَعْتُ ما تَحتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ. لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةٌ و أَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلَايَةٌ. إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ لَنَا رَجُلاً نَاصِحاً وعَلى عَدُونَا شَدِيداً ناقماً. فَرَحِمَهُ اللهُ فَلَقَدِ اسْتَكْمَل أَيَّامَهُ وَلَاقَى حَمَامَهُ وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ. أَوْلاهُ اللهُ رِضْوَانَهُ وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ، فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ. وَأَمْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ، وَشمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ، وَادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ، وَأَكْثِرِ الِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمِّكَ وَيُعِنكَ عَلى مَا نَزَلَ بك إنْ شَاءَ الله.
اللغة :
موجدتك : غضبك. والجهد - بفتح الجيم - التعب والمشقة، وأيضاً الوسع والطاقة، وبضمها الطاقة والقليل من الرزق. والجيد - بكسر الجيم - الاجتهاد. وحمامه : موته. واصحر : أبرز.
الإعراب :
استبطاء مفعول من أجله لأفعل ومؤونة تمييز ومثلها ولاية، وناصحاً صفة لرجل، ولنا متعلق بناصح.
المعنى :
ولد محمد بن أبي بكر قبل وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ببضعة شهور، وامه أسماء بنت عميس الخثعمية، تزوجها جعفر بن أبي طاب، فرزق منها أولاداً، منهم عبدالله الشهير بكرمه، ثم تزوجها من بعده أبو بكر، فولدت له محمداً، ومن بعد أبي بكر تزوجها الإمام، فولدت يحيى. فمحمد هو ابن أبي بكر وربيب الإمام، وكان يحبه ويثني عليه، وولاه مصر.. ثم رأى أن يستبدل به الأشتر، ليكون حصناً منيعاً لمصر من معاوية وابن العاص، فكتب له العهد المشهور، ولما علم محمد بن أبي بكر بذلك عتب وتألم ودس معاوية للأشتر السم بالعسل قبل ان يصل الى مصر، فبقي محمد والياً عليها، وكتب الإمام له هذه الرسالة :
(أما بعد، فقد بلغني موجدتك الخ).. لماذا صعب عليك اختياري للأشتر ؟ أتظن أنه أعز علي منك، أو اني اتهمك بالتقصير في عملك.. كلا، ولكن الحكمة والمصلحة قضت بذلك.. هذا، الى اني ما أردت طردك وعزلك، وإنما أردت نقلك الى بلد آخر يسرك ويعجبك، ولا يجر عليك المتاعب والمصاعب كمصر القريبة من معاوية والتي جعلها طعمة لابن العاص. فهون عليك.
(ان الرجل الذي كنت وليته أمر مصر الخ).. وهو الأشتر، كان مخلصاً لله ولنا، وأنت كذلك يا محمد، ولكن معاوية كان بهاب الأشتر ويتحاماه حيث
فعل به الأفاعيل في صفين، ولولا رفع المصاحف لقضى عليه الأشتر، وما اغتاله معاوية إلا خوفاً من بأسه وصلابته (فرحمه الله.. وضاعف الثواب له). قال ابن أبي الحديد: لا أشك في ان الله يغفر للأشتر ذنوبه، ويدخله الجنة بهذه الدعوة، لأنها كدعوة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و یا طوبى لمن حصل على بعضها من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
(فأصحر لعدوك الخ).. استعد لحربه، واحذر من كيده، واثبت على دينك وإيمانك، وحرض على الجهاد، واستعن بالله، فإنه ناصرك وكافيك ان شاء الله.
أمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتتِحَتْ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللهُ قَدِ أَسْتُشهد. فَعِنْدَ اللهِ نَحْتَسِبُهُ ولدا ناصحاً، وعاملاً كَادِحاً وسَيْفاً قاطعاً وَرُكناً دَافِعاً. وَقَدْ كُنتُ حَمَّلْتُ النَّاسَ عَلى لَحَافِهِ وَأَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ الوَقْعَةِ، وَدَعَوْتُهُمْ سِرًا وَجَهْواً وَعَوْداً و بدءا، فَمِنْهُمُ الآتي كَارِها، وَمِنْهُمُ المُغْتَلُّ كَاذِباً، وَمِنْهُمْ الْقَاعِدُ خَاذِلاً، أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عاجلاً. فَوَاللهِ لَوْلاً طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوّي فِي الشَّهَادَةِ وتوطيني نَفْسي عَلى المَنِيَّةِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ لا أَبْقَى مَعَ هؤلاء يَوْماً وَاحِداً وَلاَ أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً.
اللغة :
نحتسبه : نسأل الله الأجر على الرزية فيه. وبدءاً - بفتح الباء - أول الحال. وعود - بفتح العين - الرجوع الى الحال السابقة.
الإعراب :
ولداً حال أي مولوداً، ويجوز إعرابه بدلاً من الهاء في نحتسبه، وناصحاً وما بعده صفة لولد، وسراً مفعول مطلق أي دعوتهم دعوة السر، حيث كانت الدعوة بالقول، والسر والجهر من صفاته، وكارهاً حال، ومثله ما بعده، وطمعي مبتدأ والخبر محذوف أي طمعي كائن.
المعنى :
قال المسعودي في «مروج الذهب» : في سنة 38.هـ. وجه معاوية عمرو بن العاص الى مصر في أربعة آلاف، منهم معاوية بن خديج وأبو الأعور السلمي فالتقوا هم ومحمد بن أبي بكر بالموضع المعروف بالمسناة، فاقتتلوا وانهزم محمد بعد أن فر أصحابه عنه وأسلموه لأعدائه، وصار الى موضع بمصر واختفى فيه، وأحيط به فخرج اليهم، وقاتلهم حتى قتل، فأخذه معاوية بن خديج وعمرو بن العاص وغيرهما وجعلوه في جلد حمار، وأضرموه بالنار. وقيل : فعل به ذلك، وفيه شيء من الحياة .
وحزن عليه علي، وسُر معاوية، وقال الإمام : جزعنا عليه على قدر سرورهم. كان لي ربيباً، وكنت أعده ولداً، وكان بي براً. فكتب الإمام هذه الرسالة لابن عباس يخبره فيها بمقتل محمد بن أبي بكر، وكان ابن عباس آنذاك عاملاً للإمام على البصرة.
(أما بعد، فإن مصر قد افتتحت الخ).. يتألم الإمام على فقد محمد بن أبي بكر، ويطلب له من الله الرحمة والمغفرة، ولنفسه الأجر والثواب على رزيته فيه، ويؤبنه مثنياً على ايمانه وإخلاصه، وشجاعته وجهاده (وقد كنت حثثت
الناس الخ).. بكل سبيل على نصرة محمد والجهاد معه، فتثاقلوا وتعللوا بالأباطيل والأضاليل.
(أسأل الله أن يجعل لي فرجاً عاجلاً) واو بالموت لأستريح من تخاذل أهل العراق ونفاقهم (ولولا طمعي الخ).. كان الإمام يتعجل الشهادة وينتظرها بفارغ الصبر، ولا سبيل اليها إلا بجهاد الفئة الباغية وقائدها معاوية، وأقرب مكان اليه العراق، ومن أجل هذا أقام فيه الإمام، وصبر على أخلاق أهله، ولولا رغبته في الشهادة ما بقي معهم يوماً واحداً، ولا اجتمع بهم أبداً.
فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كثيفاً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَلَما بَلَغَهُ ذَلِكَ شَمَّرَ هارباً ونَكَصَ نَادِمَا، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَقَدْ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِيَابِ فاقْتَتَلُوا شَيْئًا كَلَا وَلَا، فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً بَعْدَمَا أَخذَ مِنْهُ بِالمخنّقِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ الرَّمَقِ. فَلَأيا بلأي مَا نَجا. فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْساً وَتَرْكَاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ، وَتَجْوَا لَهُمْ فِي الشَّقَاقِ، وجماحَهُمْ فِي التِّيهِ. فَإِنْهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلى حَرْبِي كَإجَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) قَبْلِي، فَجَزَتْ قُرَيْشًا عَنِّي الْجَوَازِي، فَقَدْ قَطَعُوا رَحِي، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أمي. وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْيِي فِي الْقِتَالِ فَإِنَّ رَأْيِي فِي قِتَالِ الْمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ لَا يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةٌ، وَلَا تَفَرَّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً، وَلَا تَحْسَبَنَّ
ابْنَ أَبِيكَ - وَلَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ - مُتَضَرْعاً مُتَخَشِّعاً، وَلَا مُقِرا لِلضّيمِ وَاهِناً. وَلَا سَلسَ الزَّمَامِ لِلْقَائِدِ، وَلَا وَطَى الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ المُتَقَعْدِ، وَلَكِنَّهُ كَما قَالَ أَخُو بَنِي سُلَيْم :
فَإِنْ تَسْألِينِي كَيْفَ أَنتَ فَإِنَّنِي*** صبُورٌ عَلى رَيْبِ الزَّمَانِ صَليب
يَعِزُّ عَلَى أَنْ تُرَى لِي كَآبَة*** فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاء حَبِيبُ
اللغة :
طفلت الشمس - بتشديد الفاء - دنت للغروب. وآبت الشمس : غابت. والجريض : الحزين. والمخنق - بضم الميم وتشديد النون - موضع الحنق والرمق : بقية النفس. ولأياً : من لأى يلأى الشدة والمحنة. والتركاض مبالغة في الركض والتجوال مبالغة في الجولان. والشقاق : الخلاف. وجماحهم : اسراعهم. وأجمعوا : عزموا وصمموا. والجوازي : المكافآت. والمحلين : ناقضي العهد. والسلس : السهل. والمتقعد : من اقتعد الدابة اذا اتخذها مركباً.
الإعراب :
هارباً حال، ومثله نادماً، وشيئاً مفعول مطلق لاقتتلوا، لأن معناه اقتتلوا قتالاً، وكلا ولا الكاف للتشبيه معنى مثل، ومحلها النصب صفة لشيء، ولا ولا (يكنى بها عن السرعة والقلة ومحلها الجر بإضافة الكاف التي هي بمعنى مثل كما قلنا، ولأياً نصب على المصدرية، وما نجا (ما) مصدرية أي عسرت نجاته، والجوازي فاعل جزت، وعزة تمييز ومتضرعاً مفعول ثان لتحسين.
المعنى :
كان معاوية يشن الغارات بشياطينه على أطراف دولة الإمام، يفسدون في
الأرض بالقتل والتشريد والنهب والسلب. فكتب عقيل بن أبي طالب كتاباً الى الإمام حول بعض المغيرين وفظائعهم. فأجابه الإمام بقوله : (فسرحت اليه جيشاً الخ).. ضمير اليه يعود الى المخرب الذي أغار وأفسد، ولم يصرح الإمام باسمه، ولا ذكره الشارحون والشريف الرضي، وتومىء عبارة ابن أبي الحديد الى انه بسر بن أرطاة، ونقل عن الراوندي ان هذا الهارب الخائب هو معاوية، وسخر ابن أبي الحديد من ذلك، وقال انه عجيب ومضحك ! وبعد أن نقل عنه تفسير الجوازي وقال : «قد كان يجب أن يحجر على هذا الرجل، ويمنع من تفسير النهج».. ومهما يكن فالمعنى واضح، ويتلخص بأن الإمام أرسل للمخرب جماعة من المجاهدين، فقاتلوه قليلاً، ثم ولى مذموماً مخدولاً.
(فدع عنك قريشاً الخ).. فقد أبوا إلا الضلال والعدوان، وإعلان الحرب علي منذ يومي الأول تماماً كشأنهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 33 و 170 و 215 (وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال الخ). فإني مصمم بحول الله على جهاد من نكث العهد، ومن مرق من الدين، ومن بغى على الخلق، وعاث في الأرض فساداً، ولن أتراجع مهما كانت الظروف والعواقب.
(لا يزيدني كثرة الناس حولي الخ).. مالي وللناس كثروا أم قلوا، أقبلوا أم أدبروا ؟ فإني، ما حييت، لا أصانع إلا وجهاً واحداً، ولا أكترث بسواه ما رضي عني ولم يغضب علي.. فبالخالق غنى عن الخلق، ولا غنى بغيره عنه.. هذا هو الدين اليقين، وبه نطق القرآن والسنة النبوية، قال تعالى : «أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين - 13 التوبة» أي لا ايمان لمن يؤثر الخوف من الله. وفي الآية 44 من سورة المائدة : «فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا». ولكن الكثير من أرباب العمائم والقلانس عكسوا الآية وقالت لهم أهواؤهم : لا تخشوا الله واخشوا الناس واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً. فاستجابوا لها وأطاعوا.. وصلى الله على محمد وآله الذي خاطب ربه بقوله : إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي.
(ولا تحسين ابن أبيك الخ).. حريصاً على حياته. كيف وقد طلق الدنيا ثلاثاً.؟ انه يحرص على شيء واحد فقط، هو جهاد الباطل، والموت على الحق.. بهذه الروح وحدها تتقدم الانسانية، ويعيش الناس حياة أفضل. وأية جدوى من المصانع اذا أسست على الاستغلال والضلال، وبنيت على البغي والعدوان ؟. إن مصانع الأسلحة في القرن العشرين استنزفت خيرات الأرض والسماء، وابتلعت أقوات العباد في شرق الأرض وغربها، وحولت أصحابها الى كائنات أشد ضراوة من الحيوان المفترس، وأكثر خبثاً في الشر والفساد، وأعظم تخريباً وتقتيلاً وتشريداً للآمنين.
فَسُبْحَانَ اللهِ مَا أَشَدَّ لُرُومَكَ لِلْأهْوَاء المُبْتَدَعَةِ وَالْخَيْرَةِ المُتعِبَةِ، مَعَ تضييع الْحَقَائِقِ وَاطْرَاحَ الوَثَائِقِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ طِلْبَةٌ، وَعَلى عِبَادِهِ مُحجَّةٌ. فَأَما إكْثَارُكَ الْحِجَاجَ فِي عُثْمَانَ وَقَتَلَتِهِ فَإِنَّكَ إِنما نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيْث كانَ النَّصْرُ لَكَ، وَخَذَلْتَهُ حَيْثُ كانَ النَّصْرُ لَهُ، وَالسّلام.
اللغة :
الطلبة : المطلوبة. والحجاج : الجدال.
المعنى:
(فسبحان الله ما أشد لزومك للأهواء الخ).. الخطاب لمعاوية. وفيما سبق نقلنا عن المؤرخين والباحثين القدامى والجدد - ان معاوية خذل عثمان في حياته، وطلب منه أن يجعله ولي دمه، وانه بعد أن تم له الأمر تجاهل عثمان ودم عثمان،
وانه كان يستقبل قتلته ويجيزهم بالأموال (أنظر كتاب معاوية للعقاد ص 150 الطبعة الثالثة سنة 1966).
وقد جابه الإمام معاوية بهذه الحقيقة، وقال له صراحة : (انما نصرت عثمان حيث كان النصر لك، وخذلته حيث كان النصر له). وفسر الشيخ محمد عبده هذا بقوله : ان معاوية اتخذ من الانتصار لعثمان بعد موته ذريعة لجمع الناس الى غرضه، وخذل عثمان حين كان النصر يفيده.
ونقل ابن أبي الحديد في شرح هذه الرسالة عن البلاذري ما نصه بالحرف : «لما أرسل عثمان الى معاوية يستمده بحث معاوية يزيد بن أسد القسري، وقال له : اذا أتيت ذا خشب فأقم بها، ولا تتجاوزها، ولا تقل : الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فإنني أنا الشاهد وأنت الغائب. فأقام يزيد بذي خشب حتى قتل عثمان، فاستقدمه حينئذ معاوية، فعاد الى الشام بالجيش الذي كان أرسله معاوية معه، وانما صنع ذلك ليقتل عثمان فيدعو الى نفسه». وكل الشواهد من سيرة معاوية تنطق بصحة هذه الرواية.
مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا لِلَّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ وَذُهِبَ بِحَقِّهِ، فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ والْمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ، فَلَا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ، وَلَا مُنْكَرُ يُتَنَاهَى عَنْهُ. أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللهِ لَا يَنَامُ أَيَّامَ الخوفِ، وَلَا يَنْكُلُ عَنِ الْأَعْدَاء سَاعَاتِ الرَّوْعِ. أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِج، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ الْحَقِّ فَإِنَّهُ سَيفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ لاَ كَلِيلُ الظَّبَةِ وَلَا نَايِي الضّرِيبَةِ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَاغْفِرُوا، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا، فَإِنَّهُ لاَ يُقْدِمُ وَلاَ يُحْجِمُ وَلاَ يُؤخرُ وَلاَ يُقَدِّمُ إِلَّا عَنْ أَمْرِي، وَقَدْ آثَرَتُكُمْ بِهِ عَلى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلى عَدُوِّكُمْ .
اللغة :
السرادق : الخيمة. والمراد بيستراح اليه هنا يعمل به. ولا ينكل : لا يرجع. والروع : الخوف. والظبة : حد السيف. ونبا السيف : لم يؤثر في المضروب والضريبة : المضروب. والمراد بالشكيمة هنا شدة البأس.
الإعراب :
أشد صفة لعبد، وأخو مذحج بدل من مالك.
المعنى :
كان عبدالله بن سعد بن أبي السرح أخاً لعثمان من الرضاعة، وممن كتب الوحي لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكان يحاول أن يحرف ما يملى عليه، ولكن الله سبحانه فضحه وكشف أمره، وأنزل فيه، كما في تفسير الطبري وغيره : «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا - 93 الانعام». فارتد مشركاً، ولما كان يوم الفتح أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقتله وقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة.
فغيب عثمان أخاه من الرضاعة، ثم طلب له الأمان من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأعرض عنه، عنه، فكرر عثمان الطلب ثلاث مرات. فقال النبي : نعم. وكان ابن أبي السرح حاضراً مع عثمان. فلما انصرف عثمان قال النبي لمن حوله : ما سكت «أولاً وثانياً»، إلا ليقوم اليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار : هلا أومأت إلي يا رسول الله ؟ فقال : ان النبي لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين (انظر السيرة لابن هشام والاستيعاب لابن عبد البر).
وحين انتهت الخلافة العثمان ولى ابن أبي السرح مصر فأفسد وظلم، فثار جماعة من المصريين، وطالبوا أن يستبدله بأمين على العدل والدين وحقوق المسلمين وبهذا نجد تفسير قول الإمام عن أهل مصر : (الذين غضبوا الله حين عصي في أرضه الخ).. والمراد بالعاصي المقيم على المنكر والظاعن عن المعروف ه-و عامل عثمان أي ابن أبي السرح الذي كان السبب في ثورة المصريين على الخليفة المقتول.
(فقد بعثت اليكم - يا أهل مصر عبداً من عباد الله الخ).. وهو مالك الأشتر المعروف بحزمه وشجاعته، وقوته في دينه وايمانه، وإخلاصه في أقواله وأفعاله، ورجاحة عقله وحسن تدبيره (فاسمعوا له : وأطيعوا أمره فيما طابق الحق، فإنه سيف من سيوف الله الخ).. قال ابن أبي الحديد : «هذا لقب خالد بن الوليد، واختلف في الذي لقبه به، فقيل فقيل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). والصحيح ان أبا بكر هو الذي لقبه بذلك لقتاله أهل الردة». ويؤيد ما صححه ابن أبي الحديد قول المؤرخين، ومنهم ابن الأثير في المجلد الثاني من (الكامل) : إن خالداً لما قتل مالك بن نويرة وتزوج امرأته غضب عمر، وقال لخالد : قتلت مسلماً، ثم نزوت على امرأته ! والله لأرجمنك. وألح على أبي بكر أن يقيد خالداً بمالك. فقال أبو بكر : تأول خالد فأخطاً، ولا أغمد سيفاً سلّه الله على الكافرين. واذن فسبب التسمية قتاله لأهل الردة بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
فَإِنَّكَ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبَعاً لِدُنْيَا أَمْرِى ظَاهِرٍ غَيُّهُ مَهْتُوكِ سِترُهُ، يَشِينُ الكَرِيمَ بمَجْلِسِهِ وَيُسَفِّهُ الحَلِيمَ بِخلْطَتِهِ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضّرْغَامِ يَلُوذُ إِلَى مَخَالِبِهِ وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ، فَأَذهَبْتَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ، وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذَتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ. فَإِنْ يُمَكنّي اللهُ مِنْكَ وَمِنَ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُما بَمَا قَدَّمْتُها، وَإِنْ تُعَجِزَا وَتَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُما شَرُّ لَكُما.
اللغة :
يشين : يعيب. ويسفه : ينسبه الى السفه. وبخلطته : بلغوه. والضرغام: الأسد. والمخالب : الأظفار.
الإعراب :
فيه فاعل ظاهر، وستره نائب فاعل لمهتوك، واتباع مفعول مطلق لا تبعت.
المعنى:
(فإنك قد جعلت دينك تبعاً لدنيا امرىء ظاهر غيه، مهتوك ستره). الخطاب لابن العاص الذي باع دينه بولاية مصر، والمرء الذي ظهر ضلاله، وافتضحت أحواله هو معاوية.. وروى العقاد في آخر كتاب عثمان : ان أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت اليه الخلافة، وقال له : «قد صارت اليك بعد تیم وعدي - أي بعد أبي بكر وعمر - فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، ولا أدري ما جنة ولا نار».
وأخذ معاوية بمبدأ أبيه «إنما هو الملك» وفي ذلك يقول العقاد في آخر كتاب معاوية : أراد معاوية الملك له ولبنيه.. وعرف الناس في زمانه الفرق بين الوالي الذي يتخذ الحكم خدمة للرعية، وأمانة للخلق والخالق، وبين الحكم الذي يحاط بالأبهة، ويجري على المساومة، ويحقق لصاحبه البذخ والمتعة.. وكان الناصح المخلص من المسلمين يسلم عليه بالملك، ولا يسلم عليه بالخلافة انكاراً لفعله فيقول : نعم أنا أول ملك أنا أول ملك.. وتحولت الخلافة الى الهرقلية والكسروية، وتبعه من جاء من بعده.
(يشين الكريم الخ).. ومن ذلك إعلانه سب الإمام وجعله سُنةٌ ينشأ عليها الصغير، ويشيب الكبير (فأذهبت دنياك وآخرتك). المراد بدنياك ما قدر الله سبحانه لابن العاص من رزقه الحلال، ولكنه رفض هذا الرزق الطيب، وآثر عليه رزق معاوية الخبيث المحرم، فخسر دنيا الحلال، والنجاة في الآخرة (ولو بالحق أخذت أدركت ما طلبت). انك تطلب العزة والمكانة، وهي في متناول يدك، وما عليك إلا أن تتقي الله، وتناصر الحق وتعمل به و تناصر الحق وتعمل به. ومن اعتز بغير الحق فهو ذليل، ولا عز أعز من التقوى، ولا كنز أغنى من القناعة : «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ - 8 المنافقون». أو يعلمون ولكنهم آثروا طاعة الشيطان، واتخذوه من دون الله ولياً.
(فإن يمكني الله منك ومن ابن أبي سفيان الخ).. قال ابن أبي الحديد : «وفي غالب ظني ان الإمام لو ظفر بهما لم يقتلها، لأنه كريم حليم، ولكن يحبسها حسماً لمادة الفساد». وليس من شك ان الإمام يعفو ويصفح عن حقه المختص به أياً كان، فلقد أوصى بقاتله خيراً، وقال لأهله : أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، وان تعفوا أقرب للتقوى. أما حق الله والناس فلا هوادة فيه لأحد عند الإمام ولا شفيع (وان تعجزاني) أي ان عجزت عنكما فإن مصير كما الى النار، وعدها الله لكل فاجر كافر.
أمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرُ إِن كُنتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطتَ رَبِّكَ وعَصَيْتَ إِمَامَكَ وَأَخَزَيْتَ أَمَانَتكَ. بَلَغَنِي أَنكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ فأَخَذْتَ مَا تحت قدميكَ وَأَكَلْتَ مَا تَحتَ يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَأَعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ الناسِ.
المعنى:
لم يذكر بعض الشارحين هذه الرسالة، أو بشر اليها، والشريف الرضي قال : الى بعض عماله، وابن أبي الحديد اكتفى بنقل طرف من الأقوال والنوادر عن الولاة والقضاة، منها ان رجلاً أهدى سراجاً للمغيرة بن شعبة وأهداه آخر بغلاً، ثم ترافعا لديه في خصومة، فجعل صاحب السراج يقول : ان حقي أوضح من ضوء السراج، فلما أكثر قال له المغيرة : ان البغل يرمح السراج فيكسره.
وقال الشيخ محمد عبده : ان العامل المقصود بهذه الرسالة هو نفس العامل الذي عناه الإمام بالرسالة التالية بلا فاصل أي عبد الله بن عباس كما يأتي (وأخزيت أمانتك) أي أفسدتها، والمعنى كنت عندنا أميناً، وصرت الآن خائناً لا نأتمنك على شيء (بلغني انك جردت الأرض) جعلتها خالية جرداء بعد أن أخذت ما في بيت المال، أو أكلت خيراتها وجعلتها خراباً يباباً تماماً كما يفعل الجراد.
أَما بَعْدُ فَإِنِّي كُنتُ أَشْرَكْتُكَ في أَمَانَتِي، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي وَبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي لِمُوَاسَاتِي وَمُوازَرَتِي وأداءِ الْأَمَانَةِ إِلَيَّ. فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلى أَبْنِ عَمْكَ قَدْ كَلبَ، وَالْعَدُوِّ قَدْ حَرِبَ، وَأَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ، وَهَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فَنَكَتْ وَشَغَرَتْ قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمجَنّ فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ، وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ، وَخنتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ. فَلَا ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ، وَلَا الْأَمَانَةَ أَدّيت (1). وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اللَّهَ تُرِيدُ بِعِبَادِكَ. وَكَأَنكَ لَمْ تَكُنْ عَلى بَيْنَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَكَأَنَّكَ إِنما كُنتَ تَكِيدُ هَذِهِ الأمةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ وَتَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْهِمْ. فَلَمَّا أَمْكَنَتكَ الشّدَّةُ
في خِيَانَةِ الْأُمِّةِ أَسْرَعَتَ الكَرْةَ، وَعَاجَلْتَ الوَثْبَةَ، وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَأَبْنَامِهِمُ اخْتِطَافَ الذَّئْبِ الأزل دَامِيَةَ الْمُعْوَى الكَسِيرَةِ، فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ غَيْرَ مُتَأثّم مِنْ أَخْذِهِ كَأَنَّكَ - لا أبا لِغَيْرِك - حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِك تراثاً مِنْ أبيكَ وَأُمِّكَ. فَسُبْحَانَ اللهِ : أَمَا تُؤْمِنُ بِالمَعَادِ ؟ أَوْ مَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ (2) ؟
اللغة :
الشعار : الثوب الملتصق بالجسم. وبطانتي : خاصتي. والمواساة : التسوية بالنفس. والمؤازرة : المناصرة. وكلب الزمان : اشتد. وحرب العدو - بكسر الراء - استأسد. وفنكت : كذبت. و شغرت : خليت. والمجن : الترس و آسیت : ساعدت. وغرتهم : غفلتهم. والشدة : القدرة والذئب الأزل : سريع العدو. والكسيرة : مكسورة القائمة يدها أو رجلها. وغير متأثم : غير مبال باقتراف الذنوب والآثام. وحدرت : أسرعت.
الإعراب :
ابن عملك مفعول آسیت، ورحيب حال من تاء المخاطب في حملته، وكذلك غير متأثم، ولا أبا (لا) نافية للجنس، وأبا اسمها، أشبعت الفتحة فصارت ألفاً، ولغيرك خبر، ويقال هذا للتوبيخ مع التحامي من الدعاء على المخاطب.
المعنى :
أكثر الباحثين أو الكثير منهم قالوا : أن هذه الرسالة كتبها الإمام لابن عمه
عبدالله بن عباس، وكان قد اختاره لولاية البصرة، ولما اغتصب معاوية مصر وقتل عاملها محمد بن أبي بكر خشي ابن عباس كما نتصور أن يطمع معاوية في البصرة، ويمثل فيها نفس الدور الذي مثله في مصر ويكون مصير عاملها كمصير ابن أبي بكر.. فأخذ ما في بيت المال وتوجه الى مكة وقال سلامات يا رأس ويومىء الى ذلك قول الإمام : (فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدو قد حرب قلبت لابن عمك ظهر المجن). وهذه الكلمة تقال لمن كان سلماً لأخيه ثم صار حرباً عليه.
وابن عباس حبر وبحر علماً وفهماً، ما في ذلك ريب، ولكنه غير معصوم، وجياة العامل للإمام هي حياة الزهد والحرمان من أكل المال بالباطل، والحساب العسير على الدرهم فما دونه فما دونه.. ولا يطيق هذا إلا معصوم أو شبيه بالمعصوم بخاصة ان عمال معاوية غارقون الى الآذان في الترف والنعيم.. وكلنا يعلم أن ابن عباس قطع شوطاً بعيداً مع الإمام، وجاهد بين يديه جهاداً عظيماً، وان له مواقف في نصرة الحق وأهله ومحاربة الباطل وأنصاره - يشكرها له الله ورسوله، بل ان الله سبحانه قد استخلصه هو ونفر في عصره لا يتجاوزون عدد الأصابع استخلصهم لإعلان الحق على الملأ، وإذاعته والدعوة سراً وجهراً لحماة الدين وعصمة المؤمنين لا يبتغون جزاء ولا شكوراً إلا الوسيلة الى الله ورحمته والنجاة من من غضبه وعذابه.
(أما بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي الخ).. ان الله سبحانه جعلني أميناً على مصالح عباده، واخترتك شريكاً ومساعداً لي على اداء هذه الأمانة حين جعلتك والياً على البصرة (ولم يكن رجل من أهلي الخ) وثقت بك دون الأقارب والأرحام، لأنك كنت لي سنداً وعضداً وفياً بعهدي وأميناً على سري (فلما رأيت الزمان - الى - أديت). كنت بي باراً ولي مطيعاً، ثم عصيت وجفوت لما جفاني الدهر، فهل تريد أن تكون له عوناً على أقرب الناس اليك، وأكثرهم رأفة ورحمة بك ؟.
(وكأنك لم تكن - الى - الكسيرة). ان عملك يشبه عمل الجاهلين بدين الله، أو عمل المرائين الذين يرتقبون الفرصة حتى إذا سنحت وثبوا وغدروا تماماً كما يثب الذئب على فريسة لا خلاص لها منه ولا فرار (فحملته الى الحجاز الخ)..
أخذت مال المسلمين تتنعم به في بلدك أنت وأهلك كأنك جنيته بكد يمينك، أو ورثته من قريبك !. فأين خوفك من الله وحسابه يوم العذاب الأكبر.
أيُّهَا المَعْدُودُ كَانَ عِنْدَنَا مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَطَعَاماً وَأَنتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأكُلُ حَرَاماً وَتَشْرَبُ حَرَاماً ؟ وَتَبْتَاعُ الْإِمَاء وَتَنْكِحُ النِّسَاء مِنْ مَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ الَّذِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ وَأَخْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ الْبِلَادَ. فَاتَّقِ اللهَ وَارْدُدْ إلَى هُؤلاء الْقَوْمِ أَمْوَالهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَني اللهُ مِنْكَ لَأَعْذِرَنَّ إِلَى اللهِ فِيكَ، وَلَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ أحدا إلا دَخَلَ النَّارَ (3). وَوَاللهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ وَلَا ظَفِرًا مِنِّي بِإِرَادَةٍ حَتَّى أخَذَ الْحَقَّ مِنْهُما وَأَزِيحَ الْبَاطِلَ مِنْ مَظلَمَتِيهَا. وَأُقْسِمُ بِاللهِ رَبِّ العَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذَتَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلَالُ فِي أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لمن بَعْدِي. فَضَحِّ رُوَيْداً فَكَأَنكَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى وَدُفنت تحت الثَّرَى وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالمَحَلَّ الذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى المُضَيِّعُ الرَّجعَةَ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ (4).
اللغة :
تسيغ شراعاً : تبلعه ويسهل عليك شربه. وأفاء المال عليه : جعله غنيمة له
والهوادة : الملين والرفق. وضح : من ضحى الغنم إذا رعاها في الضحى، والمراد الأمر بالأناة. والمدى : الغاية. والمناص: المفر.
الإعراب :
كان عندنا (كان) زائدة دلت على الزمان الماضي وكفى، وكيف تسيغ كيف : خال، والمصدر من أن الحسن والحسين فاعل لفعل محذوف أي لو ثبت كون الحسن والحسين، ومثل مفعول مطلق أو صفة لمفعول مطلق محذوف أي فعلاً مثل الذي فعلت، وحين اسم لات، وخبرها محذوف أي ولات حين مناص كائن.
المعنى:
(أيها المعدود كان عندنا من أولي الألباب). هذا تعبير ثان عن قوله المتقدم : ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي (كيف تسيخ شراباً - الى - البلاد).. أن المال الذي انتهبته ليس لك ولأبيك «انه للأرامل والأيتام والفقراء والمساكين، والمجاهدين من أجل الإسلام»، والمرابطين في ثغور المسلمين يدافعون عنها بسلاحهم وأرواحهم، فكيف تتصرف به، وتنفقه على طعامك وشرابك وخدمك ونسائك (فاتق الله واردد الخ).. الأموال الى أهلها وإلا أدبتك بما تستحق (ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار) لأني لا أشهره إلا على من أشرك وبغى، ولا أضرب به إلا من أفسد وطغى.
(ووالله لو أن الحسن والحسين الخ).. أبداً لا فرق في الحق بين قريب وبعيد وسيد ومسود، فهذا سيد الكونين وخاتم النبيين حين أحس بدنو أجله قام خطيباً وقال : «أيها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني». وقال : لو سرقت فاطمة لقطعت يدها. وليس هذا تواضعاً وكفى، وإنما هو خلق الإسلام ، وشريعة القرآن، وبه وحده نجد تفسير صلابة الإمام في الحق، والتزامه به، وحمله أهله وعماله عليه.
(واقسم بالله رب العالمين ما يسرني - الى الى - بعدي). كان الإيشار أبرز صفات الإمام، ينفق على المحاويج معظم ما يملك حتى الذي يجنيه بكد اليمين ولا يُبقي لنفسه وأهله إلا دون الكفاف عملاً بسنة رسول الله الذي قال : «ما أحب أن يكون لي مثل أحد ذهباً أنفقه في سبيل الله، أموت وأترك منه قيراطين». هذا وهو حلال طيب حلال طيب، فكيف به إذا كان ناراً وجحياً، كالمال الذي أخذه هذا العامل يتنعم به ويترك ما تبقى ميراثاً لأبنائه ؟ (فضح رويداً الخ).. تمهل وانتظر فأمامك قبر ساكن مظلم، والحساب صعب عسير، وما للظالمين من فرار وأنصار.
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ النعْمانَ بْنَ عَجَلَانَ الزُّرَقِي عَلى البَحْرَيْنِ، وَتَزَعْتُ يَدَكَ بِلَا ذَمٍّ لَكَ وَلَا تَثْرِيبَ عَلَيْكَ. فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الوِلَايَةَ وَأَدَّيْتَ الأَمَانَةَ. فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينٍ وَلَا مَلُومٍ وَلَا مُتَّهمٍ وَلَا مَأْثومٍ. فَقَدْ أَرَدْتُ المَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ السَّامِ وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي فَإِنَّكَ ممّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلى جِهَادِ الْعَدُوِّ وَإِقَامَةِ عَمُودِ الدِّينِ إِنْ شَاء الله.
اللغة :
لا تثريب : لا لوم. والظنين : المتهم. والمأثوم : المذنب. وأستظهر : أستعين.
الإعراب :
غير حال من فاعل اقبل، والمصدر من أن تشهد مفعول أحببت.
المعنى :
هذه الرسالة لا تحتاج الى شرح وتفسير بخاصة بعد أن ذكزنا مفرداتها في فقرة اللغة، وهي رسالة شخصية لا شيء فيها من المبادىء العامة، وتتلخص بأن عمر ابن أبي سلمة كان والياً للإمام على البحرين، فاستبدله بنعمان بن عجلان لحاجته اليه في حرب معاوية، لأنه يعتمد عليه في نصرة الحق والدين. بقي أن نشير إلى التعريف بعمر ونعمان، والأول هو ربيب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث تزوج بأمه بعد موت أبيه أبي سلمة. وقد ولد في الحبشة السنة الثانية من الهجرة، ومات في خلافة عبد الملك بن مروان، والثاني من الأنصار، وقبيلته بنو زريق، وكان من الشعراء، ومن خاصة علي وشيعته، وصرح بذلك في شعره، ومنه :
وان هوانا في علي وانه ***لأهل لها من حيث يدري ولا يدري
وضمير لها يعود الى الخلافة، وقوله : من حيث يدري ولا يدري معناه نحن نحب علياً ونهواه، ولا يهمنا أن يعرف هو ذلك ما دامت محبتنا له خالصة لوجه الله.
الخطبة 176
الله ومحمد... 5 - الدنيا...7.
الخطبة 177
من صفاته تعالى... 11.
الخطبة 178
اما دين يجمعكم... 14
الخطبة 179
بعداً لهم... 19 - الخريت بن راشد... 20
الخطبة... 180
يلد ولم يولد... 22 - كان ولم يكن كان ولم يكن معه شيء... 26 - لبس للحكمة جنتها... 30 - الدين تسلية ورفاهية... 32 اخوان الإمام... 33 - لا يموت على الحق إلا المجاهدون... 35
الخطبة 181
الله والقرآن... 38 - بين طابقين من نار... 42 - أعلى الأصوات في نهج البلاغة... 46 - الانسان ابن الدنيا... 48 - هل نهج البلاغة منحول ؟ 49.
الخطبة 182
الأثرم ...50
الله ومحمد... 52 - مذهب ديكارت... 54 من تفكر أبصر... 56 - لا بناء بلا بان... 59
الخطبة 184
في صفاته تعالى... 64 - انشاء الدنيا وفناؤها... 72
الخطبة 185
حكم الصغار... 79.
الخطبة 186
كفى بالموت واعظاً... 83
الخطبة 187
في الإيمان والهجرة... 86 - الإيمان... 87 - سبب الهجرة... 89 - أمر أهل البيت... 90
الخطبة 188
ظلمة القبر... 92 - بادروا الآجال بالأعمال... 95
الخطبة 189
لا تضعوا من رفعته التقوى... 99 - التقوى... 102 - دار حرب وسلب... 104
الخطبة 190
ما بين الله وأحد هوادة وصداقة... 107 - الملائكة والأنانية... 110 - الفرق بين الشيطان وإبليس... 111 - في كل أمة جنود لإبليس... 112 - لا تطيعوا الأعداء... 117 - موسى وفرعون... 123 – لا حق ولا إنسانية إلا عند الأغنياء... 125 - بيت الله الحرام... 127 - العبادة رياضة نفسية... 132 - الإسلام والتسامح... 135 - الأذى في سبيل الحق ... 136 - النعمة برسول الله... 140 - اسرائيل... 142 - غاندي وعلماء المسلمين... 144 - الإسلام أمن وأمان... 146 - النبي وعلي... 150 - الإمام علي... 151 - النبي والشجرة... 156 - الخوارق والمعجزات... 159.
الخطبة 191
همام وصفات المتقين... 162 - قوة في دين... 166
الخطبة 192
المنافقون... 173 - النفاق... 175
الخطبة 193
باب الله مفتوح للجميع... 179
الخطبة 194
بادروا الفوت... 184
الخطبة 195
مواساة علي للنبي... 187
الخطبة 196
التقوى دواء... 191 - الاسلام... 195 - من هو المشرع... 197 - القرآن... 201
الخطبة 197
الصلاة... 206 - الزكاة... 208 - الأمانة...209
الخطبة 198
معاوية يغدر ويفجر... 211.
الخطبة 199
يجمع الناس الرضا والسخط... 213 - لا تخش لومة لائم... 214
الخطبة 200
عند دفن بضعة الرسول... 217
الخطبة 201
الدنيا والآخرة... 222
الخطبة 202
تجهزوا للرحيل... 224
الخطبة 203
طلحة والزبير... 226.
الخطبة 204
لا تكونوا سبابين... 231.
الخطبة 205
نسل رسول الله... 234
الخطبة 206
كنت أميراً فأصبحت مأموراً... 236
الخطبة 207
العلاء وأخوه عاصم... 238 - لا سلبية في الاسلام... 239
الخطبة 208
الأحاديث... 241 - كلام ذو وجهين... 245
الخطبة 209
حول الكون... 248
الخطبة 210
المقالة العادلة... 252
الخطبة 211
تعظيم الله تعالى... 254
الخطبة 212
ان للخير أهلاً... 257
الخطبة 213
الله الحجة... 262 - لا إيمان بلا خوف من الله... 263.
الخطبة 214
الراعي والرعية... 266 - الثواب تفضل لا استحقاق... 268 - النصيحة بمبلغ الجهد... 270 - كراهية الإطراء... 273
الخطبة 215
قریش... 278
الخطبة 216
فظائع... 280.
الخطبة 217
قتلى قريش... 282.
الخطبة 218
صاحب التقوى... 284.
الخطبة 219
التكاثر... 286 - انقطعت الأسباب... 290 للموت غمرات... 293.
الخطبة 220
ذكر الله سبحانه... 298 - حاسب نفسك... 301
الخطبة 221
ما غرك بربك الكريم... 305 - الله يمهل ولا يهمل... 307 - اسلوب أهل البيت في التربية... 309 - رب ناصح متهم... 309.
الخطبة 222
الإمام وأخوه عقيل... 313 - الإمام والوافدون على معاوية... 317
الخطبة 223
أعوذ بالله من الفقر... 320
الخطبة 224
الدنيا... 322
الخطبة 225
الأنس بالحبيب... 326
الخطبة 226
الله فلان... 329
الخطبة 227
حول بيعة الإمام... 331
الخطبة 228
العمل يرفع... 333 ما تدري نفس متى وأين تموت... 336
الجد والاجتهاد... 337
الخطبة 229
الرسول... 340.
الخطبة 230
حول المال... 342
الخطبة 231
حول اللسان... 344
الخطبة 232
الطويل والقصير... 348 - الانسان والعلوم... 350
الخطبة 233
تأبين الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)... 352.
الخطبة 234
حول الهجرة... 355
الخطبة 235
خذ من نفسك لنفسك... 357 حول العمل والبطالة... 358
الخطبة 236
حول الحكمين... 360
الخطبة 237
أهل البيت... 364
الخطبة 238
ما يريد عثمان إلا أن أكون جملاً... 367
الخطبة 239
حول الجهاد... 369
الرسالة 1
أهل الكوفة... 375
الرسالة 2
أيضاً أهل الكوفة... 379
الرسالة 3
شريح والدار... 381.
الرسالة 4
جهاد أهل البغي... 386
الرسالة :
الوظيفة أمانة لا طعمة... 388
الرسالة 6
البيعة لأهل الحل والعقد... 390
الرسالة 7
جواب الإمام لمعاوية... 393
الرسالة 8
الى جرير البجلي... 395.
الرسالة 9
النبي وقريش... 397 - نحن وحوش ...400
الرسالة 10
الدنيا ومعاوية... 403.
الرسالة 11
فن الحرب... 408
الرسالة 12
لا تقاتلن إلا من قاتلك... 411
الرسالة 13
حول مالك الأشتر... 414 أبو ذر وشيعة جبل عامل... 415
الرسالة 14
لا تقتلوا مدبراً... 417
الرسالة 15
ما أسلموا ولكن استسلموا... 420.
الرسالة 16
معاوية يساوم علياً... 423.
الرسالة 17
البصرة مهبط إبليس... 428 من هو العالم ؟... 429 - الموظف... 430.
الرسالة 18
المعاهدون... 431.
الرسالة 19
تهديد زياد ابن أبيه... 433
الرسالة 20
موعظة زياد ابن أبيه... 435
الرسالة 21
حول السرور والأسف... 437.
الرسالة 22
وصية الإمام بابن ملجم... 439 - الإمام يوصي بقاتله... 441
الرسالة 23
وصية الإمام في أمواله... 442 شعار علي سيف ومعول... 443
الرسالة 24
العمال... 445
الرسالة 25
أعظم الخيانة خيانة الأمة... 450
الرسالة 26
الى محمد بن أبي بكر... 454 - الضير مصدر السعادة... 456 - لا تسخط الخالق برضا المخلوق... 457 - لا تدع الإلحاح على
الله... 460 - باعوا دينهم للشيطان... 461
الرسالة 27
الى معاوية... 463 - لستم هناك... 467 - لستم هناك... 467 - أولى الناس بالنبي... 472 - شجاعة الإمام... 474
الرسالة 28
الى أهل البصرة... 476
الرسالة 29
الى معاوية غاية الخسر... 479.
الرسالة 30
وصية الإمام للحسن... 482 - صلح الحسن واستشهاد الحسين... 483 - لا خير في علم لا ينفع... 485 - خض الغمرات للحق حيث كان... 489 -
قلب الحدث... 489 - ما أكثر ما نجهل... 493 لا يأمر الله إلا بحسن، ولا ينهي إلا عن قبيح... 497 - الحب... 500 - الدعاء... 504 - لماذا الدعاء... 506 - هل الدعاء مفتاح الررق ؟... 507 - خلقت للآخرة لا للدنيا... 507 - لماذا خلق الانسان ؟... 509 - الإمام يقسم الناس الى قوي وضعيف... 510 - أكرم نفسك... 511 - ربما كان الدواء داء... 516 - الصداقة والصديق... 519 - حق الصديق... 520 - الرزق... 524 - السلطان والزمان... 528 - المرأة والمشورة... 530
الرسالة 31
الى معاوية... 533
الرسالة 32
الى قثم بن العباس... 535
الرسالة 33
الى محمد بن أبي بكر... 538
الرسالة 34
الى عبدالله بن عباس... 541
الرسالة 35
إلى أخيه عقيل... 544 الإمام والناس... 546
الرسالة 36
الى معاوية... 548
الرسالة 37
الى مالك الأشتر... 550
الرسالة 38
الى ابن العاص... 553
الرسالة 39
الى بعض عماله... 556
الرسالة 40
قلبت لابن عمك ظهر المجن... 552 ينادي الظالم بالحسرة... 561
الرسالة 41
الى عمر المخزومي... 564