فی ظلال نهج البلاغة محاولة لفهم جدید المجلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

في ظلال نهج البلاغة محاولة لفهم جديد

شرح محمد جواد مغنيّة

الجزء الثاني

دار العلم للملايين

ص. ب 1085 - بيروت

الطبعة الأولى : 1972

الطبعة الثالثة

جميع الحقوق محفوظة

تشرين الأول (اکتوبر) 1979

محرّر الرقمي: محمد رادمرد

اشارة

في ظلال نهج البلاغية

مُحاولة لفهم جَدِيد

شرح محمد جواد مغنية

الجزء الثاني

دار العلم للملايين

ص. ب 1085 - بيروت

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى : 1972

الطبعة الثالثة

تشرين الأول (اکتوبر) 1979

الخطبة - 89 -

حول صفاته تعالى فقرة 1 - 4 :..

الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لاَ يَفِرُهُ المَنْعُ وَالْجُمُودُ، وَلَا يُكْدِيه الإعطاء والجُودُ. إذْ كُلُّ مُغط مُنتقص سِوَاهُ، وَكُلُّ مَانِعَ مَذْمُومُ مَا خَلَاءُ. وَهُوَ المَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ، وَعَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَالْقِسَم. عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ. ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ. وَنَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ، وَالطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ، وَلَيْسَ بِما سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَل (1). الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يكُنْ لَهُ قَبْلُ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَالْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَعْدُ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ. وَالرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْركَهُ. مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرُ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ، وَلَا كَانَ فِي مكانِ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ، وَلَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلنزّ اللجَيْنِ وَالْعِقْيَانِ، وَنُثَارَةِ

الدّرّ وَحَصِيدِ المَرْجَانِ مَا أَثْرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ، وَلَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ وَلَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ مَا لاَ تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنامِ، لأَنَّهُ الجَوَادُ الَّذِي لاَ يَغِيضُهُ سُوَّالُ السَّائِلِينَ وَلَا يُبْخِلُهُ إلْحَاحُ الملِحّينَ (2) فَانظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا ذَلكَ القُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَانتَمَّ بِهِ، وَأَسْتَضِى بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَمَا كَلْفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ لِما لَيْسَ فِي الكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، وَلَا فِي سُنَّةِ النَّبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) وَأَئمَّةِ الهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عامه إلى اللهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ ذلِكَ مُنتَهى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ (3). وَأَعْلَمْ أَنَّ الراسخينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الغُيُوبِ الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ المَحْجُوبِ، فَدَحَ اللهُ أَعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً. وَسَمَّى تَرْكَهُم التَّعَمُّقَ فيما لَمْ يُكَلِّفُهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِدِ رَسُوخاً. فَاقْتَصِرْ عَلى ذلِكَ وَلَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللهِ سُبْحَانَهُ عَلى قَدْرِ عَقلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ (4).

اللغة :

لا يفره : لا يزيده. والمراد بالجمود هنا شدة البخل. ولا يكديه : لا ينقصه بدليل قوله بلا فاصل : «إذ كل معط منتقص سواه». واناسي الأبصار : جمع إنسان البصر، وهو في وسط حدقة العين. والفلز : الجوهر النفيس واللجين : الفضة الخالصة. والعقيان : الذهب الخالص

الإعراب :

ما خلا «ما» هنا زائدة لأن معنى «ما خلاه» غيره. أي كل مانع ملموم غير الله، وقيل : هي مصدرية، واسم ليس ضمير مستتر، والباء في بأجود زائدة، وأجود خير ليس، والمجرورات كلها متعلقة بأجود، والتقدير هو أجود منه الخ. والأول خبر لمبتدأ محذوف أي هو الأول، وأناسي مفعول الرادع، والمصدر من أن تناله متعلق بالرادع، وما أثر ذلك جواب «لو» وما كلف (ما) اسم موصول مبتدأ، وجملة فكيل علمه خبر، والإقرار فاعل أغناهم وعلماً تمييز محول عن فاعل، والأصل لم يحط به علمهم، ورسوخاً مفعول ثان لسمى.

المعنى :

روي أن سائلاً سأل الإمام أن يصف له الله كأنه يراه، فصعد المنبر، وألقى هذه الخطبة التي تسمى بخطبة الأشباح أي الأشخاص، لأن فيها ذكر الأشخاص والملائكة، وقد افتتحها بقوله : «الحمد لله الذي لا يفره المنع والجمود، ولا يكديه الإعطاء والجود». وفي بعض حكمه : «المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الانفاق». ويصدق هذا في حق من يعجز عن شيء، ويقدر على شيء بأسبابه ومقدماته، أما موجد الأشياء من لا شيء فهو هو، أمسك أو أنفق (إذ كل معط منتقص سواه) لأن سواه ينفق مما هو موجود بالفعل والذي جمعه شيئاً فشيئاً، أما الواحد الأحد فإنه يقول للشيء : كن فيكون (وكل مانع مذموم ما خلاه) لأن الله سبحانه لا يمنع خوفاً من الفقر، ولا يدخر لوقت الحاجة كما هو الشأن في غيره.

(وهو المنان بفوائد النعم). كثير الإنعام والإفضال على من سأله ومن لم يسأله (وعوائد المزيد والقسم). العوائد هنا من العود، قال الإمام مخاطباً ربه : فإن عدت فعد علي بالمغفرة، والقسم من قسمة الأرزاق، والمعنى انه تعالى يعطي ويعيد العطاء، ويقدر الأرزاق، ويقسمها بين العباد (عياله الخلائق - الى - لم يسأل). الناس عيال الله لأنه هو الذي أوجدهم، وأبو العيال يطعم ويكسو الخ.. ولكنه يوجه كل واحد من أفراد العائلة الى وظيفته وعمله، ومن أهمل وتكاسل

كان مسؤولاً عن نفسه، والله سبحانه أمر بالعمل وبين الطريق الواضح اليه في العديد من آيات كتابه، وعلى لسان رسله، ومن ذلك قوله : ه فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله 11 الجمعة».. وعن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أرأيت لو أن رجلاً دخل بيته، وأغلق عليه بابه أكان يسقط عليه شيء من السماء ؟

(الأول الذي لم يكن له قبل، فيكون شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعد، فيكون شيء بعده). أي هو أول بلا ابتداء، وآخر بلا انتهاء وآخر بلا انتهاء، واليه تنتهي جميع الأسباب الممكنة، والغايات الجزئية، وإلا بقي كل شيء في طي العدم (والرادع أناسي الأبصار عن ان تناله أو تدركه). والردع هنا كناية عن ان الذات القدسية لا تدرك بحال، وان العقول تعلم بوجوده عن طريق الخلق والآثار (وما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال) حيث لا قبل له ولا بعد، ويؤثر ولا يتأثر، فمن أين تأتيه الأوضاع والأحوال.

(ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال) حيث كان قبل الزمان والمكان، وتستوي لديه جميع الأمكنة، فكيف يوصف بالانتقال من مكان الى مكان (ولو وهب - الى - مطالب الأنام). المعادن في الجبال وبطن الأرض وعلى سطحها، وفي البحار وأعماقها، والمعنى انه تعالى لو وهب كل غال وثمين كان ويكون في البر والبحر لبقيت خزائنه على ما هي لا ينقصها شيء : «مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ - 96 النحل». (لأنه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين، ولا يبخله إلحاح الملحين). نحن نغضب ونضجر عند السؤال والطلب، وإذا ألح السائل خرجنا عن الحد، لأن لنا معدة، ونعمل لنستجيب الى مطالبها، لا لنطعم الآخرين، أما هو سبحانه فإنه الواجد الغني عن كل ما سواه، والرازق كل ما عداه.

(فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به، واستضيء بنور هدايته). لا فرق بين أسمائه تعالى وصفاته لأنها عين ذاته، وبخاصة ان الاسم مأخوذ من السمة، وهي العلامة. وظاهر كلام الإمام ان أسماء الله وصفاته وقف على ما جاء في القرآن الكريم. وفي رأينا ان كل كلمة تليق بجلاله تعالى وعظمته يصح إطلاقها عليه، وإن لم يرد النص عليها. ومراد الإمام من قوله : «فما دلك عليه القرآن» هو النهي عن وصفه، جلت عظمته، بما لا يليق بتنزيهه ومكانته.

(وما كلفك الشيطان - الى حق الله عليك). المراد بالشيطان كل مضلل كائناً من كان وما كان، والمعنى: على المؤمن أن يعتقد أن الله سبحانه يتصف بكل ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه، وما عدا ذلك فمن الشيطان، أو لا يكلف به

الانسان، ولا يُسأل عنه، ومن اشتبه عليه شيء من أمر الصفات القدسية فعليه أن يسكت عما سكت الله عنه ورسوله، ويدع ذلك الى الله، كما قال الرسول الأعظم : دع ما يريبك الى ما لا يريبك. والذي لا ريب فيه هو الوقوف على النص، والذي فيه الريب التجاوز عنه الى قول الفلاسفة والمتفلسفة بلا مصدر من آية منزلة أو رواية متواترة

من هم الراسخون في العلم ؟

(ان الراسخين في العلم). كثر الكلام حول المراد من الراسخين في العلم، الأئمة المعصومون. وقال الصوفية : هم الذين أحاطوا علماً فقال قوم: هم بتفسير الرموز والإشارات.!. وكلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هنا يدل بصراحة على ان الراسخين في العلم هم الذين يعرفون ويميزون بين ما يمكن العلم به، وبين ما لا يمكن ويقفون عند هذا الغيب المحجوب، ويعترفون بجهلهم به، ولا يتكلفون معرفته ويتعسفون، وفي الوقت نفسه يحاولون جهدهم أن يعرفوا ما أنزل الله على نبيه. ومن أقوال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «سكت الله عن أشياء لم يدعنها نسياناً فلا تتكلفوها». وليس من شك انه لو كان في علم المحجوب أدنى منفعة للناس ما حجبه الله عنهم، ومن تكلف وتعسف لإدراك هذا المحجوب تذهب محاولته لغواً وعبثاً.

هو القادر.. فقرة 5 - 8:

هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا اَرْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ وَحَاوَلَ الفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ وَتَوَلَّمَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِي فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ وَغَمُضَتْ

مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلَغُهُ الصَّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمٍ ذَاتِهِ - رَدَعَهَا وَهِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلّصةٌ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، فَرَجَعَتْ إذ جيهَتْ مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ وَلَا تَخطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِهِ (5) الَّذِي ابْتَدَعَ لخَلقَ عَلى غَيْرِ مِثَالِ أَمْتَثَلَهُ وَلَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْهُودٍ كانَ قَبْلَهُ. وَأَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ، وَعَجَائِب مَا نَطَقَتْ آثَارُ حِكْمَتِهِ، وَاعْتِرَافِ الحَاجةِ مِنَ الخَلْقِ إلى أن يُقيمها بمَسَاكِ قُدْرَتِهِ مَا دَلَّنَا بِاصْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ. وَظَهَرَتْ فِي البَدَائِعِ التِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وَأَعْلَامُ حِكْمَتِهِ. فَصَارَ كُلٌّ مَا خَلَقَ حُجَّةٌ لَهُ وَدَلِيلاً عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ ناطقَةٌ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ (6)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبْهَكَ بِتَبَايُنِ أَعضَاء خَلْقِكَ، وَتَلاحم حقَاقِ مَفَاصِلِهِمْ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لم يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلى مَعْرِفَتِكَ. وَلَمْ يُبَاشِرَ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بأنه لا ندَّ لَكَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرَّأَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتَّبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ «تللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيَكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، كَذَبَ العَادِلُونَ بِكَ إذْ شَبِّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ وَنَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ. وجزءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وَقَدْرُوكَ عَلى الخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ القُوَى بِقَرَائِحٍ عُقُولهِمْ (7). وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ

فَقَدْ عَدَلَ بِكَ. وَالْعَادِلُ بِكَ كَافِرُ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ و نَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجٍ بَيِّنَاتِكَ. وَأَنكَ أنتَ اللهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاة في الْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبٌ فِكْرِهَا مُكَيّفاً وَلَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِها فَتَكُونَ تَخدُوداً مصرفاً (8)

اللغة :

ارتمى : مطاوع رمى، يقال : رماه فارتمى، والمراد بارتمت هنا أسرعت. و منقطع الشيء منتهاه. والفكر المبرأ : الخالص من الشوائب. وملكوت الله : سلطته وسلطانه. والوله : الجزع وذهاب العقل من الوجد. وغمضت: خفيت والمداخل : جمع مدخل : وهو طريق الدخول. وتجوب : تقطع. والمهاوي : المهالك. وسدف بضم السين وفتح الدال جمع سدفة، وهي الظلمة. ومتخلصة : أي هذها التمحيص والتخليص. وجبهت : خيبت، والاعتساف : الانحراف والرويات : جمع الروية، وهي التأني وإعمال الفكر. واحتذى عليه : سار على طريقه. والمساك : ما يمسك الشيء. والحقاق - بكسر الحاء - جمع حق - بضم الحاء أي رأس العظم عند المفصل. والمراد بغيب الضمير العلم واليقين. ونحلوك : أعطوك. والمراد بالحلية هنا الصفة. وكل محدود يسمى مصرفاً حيث تتصرف به العقول حسبما ترى.

الإعراب :

المصدر من أن تقع مفعول حاول، وردعها جواب اذا ارتمت، وهي تجوب الواو للحال، ومتخلصة حال ثانية من العقول، ومعترفة حال من الضمير المستتر في جبهت، والذي ابتدع صفة لجلال عزته، لأن المراد بالجلال هنا الخالق عز وجل، ويجوز أن يكون الذي خبراً لمبتدأ محذوف، أي هو الذي ابتدع، وفي

أرانا فاعل مستتر يعود اليه تعالى، و «نا» مفعول أول، وما دلتا مفعول ثان، والمصدر من أن يقيمها متعلق بالحاجة، ولم يعقب خبر ان من شبهك.

المعنى:

ذكر الإمام أربع جمل لفعل الشرط مترادفة المعنى، ومختلفة المبنى، وهي :

1 - (هو القادر الذي اذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته) أي أسرعت لتدرك الى أي مدى تبلغ قدرة الله سبحانه.

2 - (وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته). تطلع أسمى العقول، وأبعدها عن الشوائب لتعرف الغيب العميق من سلطان الله وسلطته.

3 - (وتولهت القلوب اليه لتجري في كيفية صفاته) أي ان القلوب المؤمنة اذا تحرقت شوقاً لمعرفة صفاته التي هي عين ذاته.

4 – (وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته). خفي على العقول كل طريق يؤدي الى العلم بذاته تعالى.

(ردعها، وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة اليه سبحانه) ردعها جواب اذا وما بعدها من الجمل الأربع التي جاءت أفعالاً للشرط، والمعنى ان ذاته تعالى يستحيل رؤيتها بالعين، لأن كلاً من العقل والحس يدرك المتناهي والمحدود، والله متعال عن الحصر والحد (فرجعت) العقول بعد المحاولة (اذ جبهت) خيبت (معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته). المراد بالجور هنا العدول عن الطريق السليمة وبالاعتساف سلوك الطريق الشائكة التي لا تؤدي الى خير، والمعنى ان العقول بعد أن حاولت معرفة الذات القدسية وعجزت عن ذلك اعترفت مذعنة بأنها كانت تحاول المحال، وتسلك طريقاً لا تنتهي بها الى شيء (ولا تخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير وجلال عزته). كل ما تتصوره العقول من معاني الجلال والعظمة فهو دون عزة الله ومكانته.

(الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله). أوجد سبحانه الخلائق على غير مثال سابق، ومن لا شيء، وبلا هندسة وتصميم، بل بكلمة كن وكفى.

(ولا مقدار احتذى عليه من خالق معبود كان قبله). ما كان الله مقلداً لأحد في شيء من خلقه، كيف ولا خالق الا هو ؟ (وأرانا من الى معرفته). المراد بملكوت القدرة ما أوجده سبحانه بقدرته، وبآثار الصنعة والحكمة الكون وما فيه من بديع الصنع ودقته، وضمير يقيمها يعود الى الخلق لأنه بمعنى المخلوقات، والمعنى ان هذه الكائنات بنظامها وسيرها الى غاية مقصودة هي حجة واضحة لله على من أنكر وعاند.

(فظهرت البدائع - الى قائمة). كل نظام متناسق ومستمر لا يمكن أن يحدث من غير قصد، واذا استحال القصد على الأسباب الطبيعية القريبة لهذا النظام فإنه لا بد لتفسيره من إثبات قاصد قادر في عالم الغيب، يحمل في ذاته سبب وجوده وبقائه، ويكون هو السبب الأول لسلسلة الأسباب، وإذا لم يعلن النظام وأسبابه عن وجود القاصد المدبر بلسان المقال، فقد أعلن ذلك بلسان الحال، والى هذا أشار الإمام بقوله : «وان كان خلقاً صامتاً» (فاشهد ان من شبهك الى - لا ند لك). المراد بتباين الأعضاء وتلاحم رؤوس المفاصل - أعضاء الانسان والحيوان المتباينة المتلاحمة، وقد سترها سبحانه باللحم، وأحياها بالدم، وربطها بالعروق لكي تؤدي وظائفها بيسر وسهوله، ويحفظها من الفساد والجفاف، والمعنى ان من شبه الله بشيء من خلقه فهو جاهل، لأنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

(وكأنه - أي الذي شبه الله - لم يسمع تبرؤ التابعين من المتبوعين اذ يقولون تالله ان كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين). المراد بالتابعين المشركون وبالمتبوعين الأصنام.. وفي يوم الحساب والجزاء يتبرأ أولئك من هؤلاء، ويقولون كنا في بحر من الجهالة والضلالة اذ عبدنا الأصنام ليقر بونا من الله زلفى (كذب العادلون بك) الى غيرك (إذ شبهوك بأصنامهم) التي لا تضر ولا تنفع ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم). شبهوا الله سبحانه بخلقه، وما عناه من شبهه ولا قصده من أشار اليه وتوهمه (وجزأوك - الى - عقولهم). للجسم أعضاء وأجزاء ، وفيه عناصر متعددة ومتناهية، والله سبحانه منزه عن ذلك.

(وأشهد ان من ساواك - الى - بيناتك). من نسب الى الله شيئاً من صفات المخلوق، أو نسب الى المخلوق شيئاً من صفات الخالق فهو كافر إجماعاً

وكتاباً وسنة : «إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا - 33 سبأ» (وانك أنت الخ).. مكيفاً أي على وضع خاص، ومصرفاً أي تتصوره العقول حسما ترى، والمعنى يستحيل على العقول معرفة ذات الله وكنهه حيث لا أوضاع له وأحوال، ولا بداية ونهاية، ولا زمان ومكان، واذن بأي شيء تحده ؟ ومن أية جهة تتصوره ؟.. أبداً لا سبيل إلا الخلق والآثار الناطقة بمجرد وجود القادر العليم الحكيم.

قدر ما خلق.. فقرة 9 - 12 :

قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَم تَقْدِيرَهُ، وَدَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ وَوَجْهَهُ لِوِجْهَتِهِ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَلَمْ يُقَصِّرْ دُونَ الانْتِهَاء إلَى غَايَتِهِ وَلَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذ أَمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلى إِرَادَتِهِ. وَكَيْفَ وَإِنّما صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ (9). المُنْشِي، أَصْنَافَ الْأَشْيَاء بِلا رَوِيَّةِ فِكْرِ آلَ إِلَيْهَا وَلَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضمَرَ عَلَيْهَا، وَلَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ، وَلَا شَرِيكَ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ فَتَمَّ خَلْقُهُ وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ. وَأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ وَلَمْ يَعْتَرِض دُونَهُ رَيْتُ المُبْطِيءِ، وَلاَ أناةُ المتَلَكى، فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاء أَوَدَهَا، وَنَهَجَ حُدُودَهَا، وَلَاءَمَ بقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادُّهَا، وَوَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنهَا، وَفَرَّقَهَا أَجْنَاساً مختلفات في الخُدُودِ وَالْأَقْدَارِ وَالغَرَائِزِ وَالْهَيْئَاتِ. بَدَايَا خَلَائِقَ أَحكَمَ صُنْعَهَا، وَفَطَرَهَا عَلى مَا أَرَادَ وَابْتَدَعَهَا (10). وَنَظَمَ بِلَا تَعْلِيقِ رَهَوَاتِ فرَجهَا، وَلَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا، وَوَشَجَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ

أَزْوَاجِهَا، وَذَلَّلَ لِلهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ وَالصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةً مِعْرَاجهَا، نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانُ. فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجهَا، وَفَتَقَ بَعْدَ الارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا، وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشَّهبِ الثّوَاقِبِ عَلى نِقَابِهَا، وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَن تَمُورَ فِي خَرَقِ الْهَوَاء بأَيْدِهِ (11)، وَأَمْرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةٌ لِأمْرِهِ. وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةٌ مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا، وَقَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةٌ مِنْ لَيْلِهَا، فَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا. وَقَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِج دَرَجِهما، لِيُمَيَّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ با، وَلِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَالحِسَابُ بِمَفَارِدِهِمَا. ثُمَّ عَلقَ فِي جَوّهَا فَلَكَهَا، وَنَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيهَا وَمَصابيح كَوَاكِبها، وَرَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعَ بِثَوَاقِب شُهُبِهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى إِذْلَالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا وَمَسِيرِ سَائِرِهَا وَهُبُوطِهَا وَصُعُودِهَا، وَنُحُوسِهَا وَسُعُودِهَا (12).

اللغة :

لوجهته - بكسر الواو - لجهته وغايته. ولم يستصعب : انقاد بسهولة.والغريزة : الطبيعة، وقريحتها قدرتها على الفهم. والريث : المهل. والأناة : التؤدة مع الروية. والتباطؤ : التأخير. والأود : الاعوجاج. ونهج : عين ورسم. وبدايا : جمع بدىء أي مصنوع، أو جمع بديثة أي النشأة وأول الحال. وفطرها : خلقها. ورهوات: جمع رهوة للمكان المرتفع وللمنخفض أيضاً، من الأضداد. والفرج - بضم الفاء وفتح الراء - جمع فُرجة، وهي المكان الخالي. ووشج بتشديد الشين – شبك. والأزواج : الأمثال. والحزونة : الصعوبة، والأشراج : جمع الشرج وهو المقبض والعروة. والارتتاق : الالتصاق. قال

سبحانه : «.... أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا - 30 الأنبياء»، وصوامت :، مغلقة. والرصد والراصد : المراقب. والثاقب : المضيء. والنقاب : جمع نقب وهو الطريق في الجبل. وتمور : تضطرب. وبأيده بسكون - الياء – بقدرته.والجو : الهواء. والفضاء : بين الأرض والسماء. والفلك : مدار الكوكب.

الإعراب :

فاعل يستصعب ضمير مستتر يعود الى ما خلق، فكيف محلها النصب على الحال، والعامل بها محذوف، وهو من باب حذف الثاني لدلالة الأول عليه أي على أية حال يستصعب، والمنشيء خبر لمبتدأ محذوف أي هو المنشىء وأجناساً نصب بنزع الخافض، وقيل : حال، وبدايا صفة الأجناس، أو خير أو خير المبتدأ محذوف أي هي بدايا، وحزونة مفعول ذلل، ومحل إذ الجر بإضافة بعد، وآية مفعول ثان لجعل، وممحوة صفة لآية.

المعنى:

(قدر ما خلق فأحكم تقديره). أراد سبحانه أن يوجد الخلائق على وضع معين، فوجدت كما أراد، وعلى أحسن وجه وأكمله : «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ 14 المؤمنون». وفي رواية : إن سائلاً قال للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما معنى قدر ؟ قال : تقدير الشيء من طوله وعرضه. قال السائل : ما معنى قضى ؟ قال الإمام : اذا قضى أمضاه، فذلك الذي لا مرد له.

(ودبره فألطف تدبيره). التدبير حسن التصرف، ولطفه أعلى مراتب الحسن، والمعنى ما من شيء في الكون من صغير أو كبير إلا وتشمله عناية الله ولطفه في التدبير والسير على قانون ثابت وحكيم الى غاية معينة، ومعنى هذا ان كل كائن جزئياً كان أم كلياً فهو مفتقر اليه سبحانه تماماً كما هو مفتقر اليه في أصل وجوده.

(ووجهه -الى - مشيئته). كل شيء خاضع لمشيئة الله وارادته، وهي تسير به على نظام، والى غاية، ويتجلى نظام الكواكب في بعد بعضها عن بعض

بنسب معينة، وفي مقادير ضوئها وحرارتها وضغطها .. والكائنات الحية تنتقل منطور الي طور حسب خطة مرسومة، وأخيراً الى الموت مرسومة، وأخيراً الى الموت.. أما الغاية من ذلك فهي في الفلسفة الهندية إبراز عظمة الله في قالب حي من صور الخليقة. وقال جماعة من علماء الكلام : إن المصلحة تعود الى المخلوقات بالذات.

(المنشيء أصناف - الى - أناة المتلكيء). كما ان ذاته تعالى - بما هي - سبب كاف لوجودها فهي أيضاً سبب تام للفيض والايجاد، يريد سبحانه فيوجد المراد بلا توسط شيء على الاطلاق، سواء أكان الشيء من نوع الفكر والقريحة أم من نوع التجربة والصنع، أم غير ذلك.. كيف ؟ وهل يستعد بشيء من يخلق الأشياء من لا شيء ؟ (فأقام من الأشياء أودها ونهج حدودها). أنشأ سبحانه الموجودات كاملة، وعلى مقتضى الحكمة من جلب المنافع للخلق، ودفع المفاسد عنهم.

(ولاءم بقدرته بير متصادها) كالتلاؤم بين النفس والبدن، وتأثير كل منهما في الآخر على ما بينهما من التباعد والتفاوت طبيعة وآثاراً، بل لاءم سبحانه بين الحب والبغض، والرأفة والقسوة، والحزن والفرح بالنظر الى انها صفات لموصوف واحد (ووصل أسباب قرائنها). القرائن جمع قرين ويطلق على النفس والعشير والمقارن، وقال الشيخ محمد عبده وغيره : ان المراد بالقرائن هنا النفوس، وهي من عالم النور، وقد وصل سبحانه بينها وبين الأبدان التي هي من عالم الظلمة.. والذي نراه ان المراد بها الأشباه والنظائر، والمعنى انه، جلت قدرته هو الذي أوجد المقارنة والمشابهة بين الأشياء، كما أوجد الملاءمة، كما أوجد الملاءمة بين الأضداد في جهة من الجهات.

(وفرجها أجناساً مختلفات في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات). لا عد ولا حصر للكائنات ما انقرض منها، وما بقي، وهي على أجناس وأنواع وكل جنس يختلف عن غيره شكلاً وطبيعة، وعمراً وحياة، وحركة وسكوناً، ونوراً وظلاماً (بدايا خلائق أحكم صنعها). انه تعالى يخلق النواة والبيضة والنطفة، ومن النطفة يوجد الحيوان، ومن البيضة يوجد الطير، ومن النواة يوجد الشجرة، توجد هذه وغيرها على أكمل وجه، وأبدع ما ينبغي أن تكون، ثم يمدها سبحانه بعونه حتى تؤدي الغاية المطلوبة (وفطرها على ما أراد وابتدعها) . أراد وجودها فوجدت كما قدر وأراد، وعلى غير مثال سابق

وبعد أن ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلق الكائنات على سبيل العموم والاجمال أشار الى خلق السموات بقوله : (ونظم بلا تعليق رهوات فُرجها). الكواكب قائمة في الجو بلا دعائم، وتعليق وهي منظمة تنظيماً محكماً، وكل واحد منها عبد لوظيفته، ومسخر لمهمة خاصة، وما من شلك ان السبب المباشر لذلك هو قوانين الطبيعة، ولكن من أوجد هذه القوانين، وأناط بها سير الكواكب واستمرارها في تأدية الوظيفة ؟ ولا مناص أبداً من القول : ان سلسلة الأسباب مهما تعددت حلقاتها فإنها تنتهي لا محالة إلى المبدأ الأول الذي لا سبب له وإلا بقي كل شيء في طي العدم. (ولاحم صدوع انفراجها) أي ألصق أجزاء الجرم الواحد بعضها ببعض.

(ووشج بينها وبين أزواجها) . أي جعل بين الكواكب المتشابهة تجاذباً وتماسكاً على ما بينها من البعد (وذلل للهابطين بأمره، والصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها) . قال الشيخ محمد عبده : المراد بالهابطين والصاعدين الأرواح السفلية والعلوية، وقال غيره : المراد بهم الملائكة، ومهما يكن فان الروايات عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تقول : ان الكواكب السماوية مأهولة بالسكان حتى الشمس، وسنشير الى بعضها، وإذا تعذر علينا نحن الآدميين ان نحيا هناك فليس معنى هذا ان الحياة - بشتى أنواعها - مستحيلة على الكواكب، فإن الأجسام والأرواح تتكيف بحسب الظروف والبيئات، كالسمك يحيا في الماء، والبط فيه وفي البر، وبعض الكائنات الحية في الفضاء، وأخرى في آبار النفط، ومن الحيوانات والحشرات والطيور ما يعيش في منطقة من الأرض دون أخرى.

(وناداها بعد إذ هي دخان فالتحمت عرى أشراجها). يشير بهذا الى مادة الكواكب، وانها كانت في البدء أشبه بالدخان أو البخار، وفي الآية 11 من سورة فصلت : «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًاً». ويقرب من هذا قول بعض علماء الطبيعة : ان أصل الكون مادة لطيفة كانت في الفضاء، وأسموها بالأثير تارة، و بالسديم أخرى أي الضباب الرقيق. وسبق الكلام عن ذلك في شرح الخطبة الأولى. وقوله : فالتحمت عرى أشراجها، معناه ان أجزاء الكوكب التصق بعضها ببعض، وتماسك تماماً كما تمسك عروة الإبريق بيدك.

(وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها) يشير الى الآية 30 من سورة الأنبياء : «أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا». فتق سبحانه السماء بالمطر، والأرض

بالنبات وينابيع الماء والنفط (وأقام رصداً من الشهب الثواقب على نقابها). قال الشيخ محمد عبده : «كون الرصد من الشهب في أصل تكوين الخلقة كما قال الإمام - دليل على ما أثبته العلم من ان الشهب مغذيات لبعض أجرام الكواكب ما نظمه لها من التفاتق من التفاتق، فما نقب وخرق من جرم عوض بالشهاب، وذلك أمر آخر غير ما جاء في الكتاب العزيز».

(وأمسكها ان تمور في خرق الهواء بأيده) أي بقدرته سبحانه انه خلق في الكواكب خصائص ثابتة، وبواسطتها يدور الكوكب في فلكه، ولا يتجاوز الحد المقرر له، ولولا ذلك لاضطرب وانهار. وفي الآية 71 من سورة يس أطلق سبحانه كلمة أيدينا على الأسباب الكونية : «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنعَامَاً» (وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره). كناية عن كمال قدرته ووقوع مراده (وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها). إشارة الى قوله تعالى : «وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً - 12 الإسراء» أي نيّرة تكشف كل شيء للأبصار (وقمرها آية ممحوة من ليلها) يُمحى ضوء القمر في الطرف الأول والأخير من ليالي الشهر.

(واجراهما في مناقل مجراهما، وقدر سير سيرهما في مدارج درجهما) ضمير التثنية يعود الى الشمس والقمر، وهو أقرب الأجرام السماوية الى الأرض، وتقطع الشمس فلكها أي مدارها في سنة، والقمر في شهر كانا كذلك منذ ملايين السنين، ويبقيان عليه الى ما شاء الله، وان دل هذا الضبط على شيء فإنما يدل على القصد والتصميم (ليميز بين الليل والنهار بها، وليعلم عدد السنين والحساب بمقادير هما). الشمس تعر الشمس تعرفنا باليوم فنا باليوم، والقمر بالشهر، ومتى عرفنا الشهر عرفنا السنة، وتكلمنا عن ذلك بنحو من التفصيل في ج 4 من «التفسير الكاشف»ص 39 عند تفسير الآية 36 من سورة التوبة.

(ثم علق في جوها فلكها). المراد بالتعليق هنا جذب الكواكب بعضها البعض، وبالجو الهواء والفضاء ما بين الأرض والسماء، وبالفلك المدار، والمعنى ان الله سبحانه وضع كل كوكب في مكانه اللائق به وبحركاته ليؤدي الغرض المسخر له (و ناط بها زينتها من خفيات دواريها ومصابيح كواكبها). المراد بخفيات الدراري النجوم الصغار، وبالكواكب الكبيرة المضيئة. ومن هذه وتلك يكون

النور والجمال (ورمى مسترقي السمع بثواقب شهبها) لعله كناية ان سكان الأرض لا يعرفون شيئاً عن سكان الكواكب الأخرى، كما ان هؤلاء لا يعرفون شيئا عن سكان الأرض، فقد نقل عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه قال : «من وراء شمسكم هذه أربعون شمساً فيها خلق كثير، ومن وراء قمر كم هذا أربعون قمراً فيه خلق كثيرون لا يدرون ان الله خلق آدم أم لم يخلقه، بل في القرآن ما يومىء الى ذلك، قال سبحانه : قال سبحانه : «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ 29 الشورى»، أي في السموات والأرض.

(وأجراها على اذلال تسخيرها من ثبات ثابتها ومسير سائرها) المراد بالإذلال الطريق، وبالسائر ما يدور حول كوكب آخر (1). والمعنى ان الكواكب - بشتى أنواعها - تسير على هدى من الله حيث ربطها سبحانه برابط وثيق من سنن الكون ونظامه (وهبوطها وصعودها) في رؤية العين لا في الواقع كقولنا : أشرقت الشمس، ونزلت في البحر (ونحوسها) حيث يسقط منها بعض النيازك أحياناً على الأرض، وتحدث بعض الأضرار) وسعودها) بما لها من الفوائد كالضوء ونحوه. وتقدم في الخطبة 76 ان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهى عن التنبؤ بالنحوس والسعود عن طريق النجوم.

خلائق معصومون.. فقرة 13 - 16 :

ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَماوَاتِهِ. وَعِمَارَةِ الصفيح الأعلى، مِنْ ملكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ مَلَا بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا، وَحَشَى بهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا. وَبَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ رَجَلُ المُمسَبِّحِينَ مِنْهُمْ في حَظَائِرِ القُدْسِ وَسُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَسُرَادِقَاتِ المَجْدِ. وَوَرَاءَ ذُلِكَ الرَّحِيج الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبْحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ


1) في كتاب مع الله في السماء لأحمد زكي : «الكواكب السيارة كل يوم وكل شهر وكل عام في موضع.. وسائر أجرام السماء النجوم الثوابت».

بلُوغِهَا، فَتَقِفُ خَاسِنَةٌ عَلى حُدُودِهَا (13). أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتِ. وَأَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ. أُولِي أَجْنِحَةِ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ لَا يَنتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صَنْعَتِهِ، وَلَا يَدْعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئًا مِمَّا أَنْفَرَدَ بِهِ. بَلْ عِبَادُ مُكْرَمُونَ : «لَا يَسْبقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ». جَعَلَهُمْ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلى وَحْيِهِ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغُ عَنْ سَبِيلِ مرضاتِهِ، وَأَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ المَعُونَةِ، وَأَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَواضع إخْبَاتِ السَّكِينَةِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إلَى تَمَاجِيدِهِ، وَنَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلى أَعْلَام تَوْحِيدِهِ (14). لَمْ تُثْقِلُهُمْ مُوصِرَاتُ الآثام، وَلَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيالي وَالْأَيَّامِ، وَلَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إيمَانِهِمْ، وَلَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ، وَلَا قَدَحَتْ قَادِحَةً الْإِحْنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَا سَلَبَتْهُمُ الْخَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ، وما سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَةِ جَلَالَتِهِ فِي أَثْنَاء صُدُورِهِمْ، وَلَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعُ بِرَيْنِهَا عَلى فِكْرِهِم (15). مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمامِ الدُّلحِ، وَفِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ وَفِي قَتَرَةِ الظَّلَامِ الْأَبْهَمِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى. فَهِيَ كَرَايَاتٍ بيض قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ، وَتَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ

انتهت مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ. قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ وَوَصَلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، وَقَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ (16).

اللغة :

العمارة : الآهلة بالسكان، من، من عمر المنزل بأهله. والصفيح : السماء والملكوت : السلطان. والفروج : جمع فرج، وهو الفراغ بين شيئين. والفجاج: فج الطريق الواسع الواضح بين جبلين والزجل : رفع الصوت. وحظائر القدس: أمكنة الطهر من الرجس، وحظيرة القدس الجنة. وسترات : من الستر والسرادقات : جمع السرادق، وهو الخيمة تمد فوق صحن الدار. والرجيج : الاضطراب. وتستك : تصم والمراد بسبحات النور هنا طبقاته. والإخبات : الخشوع والتواضع. والسكينة : الوقار والطمأنينة. وذللا : سهلة هيئة. وتماجيد : جمع تمجيد. والموصرات : المثقلات. ولم ترتحلهم : لم يشد عليهم الرحل للركوب كما يشد على البعير. وعقب : من تعاقب الليل والنهار. ومعاقد اليقين : إبرامه وإحكامه ضد الحل. والإحن : الضغائن والأحقاد. والمراد بما لاق ما نبت. وتقترع : من القرعة. والرين : الدنس. والدل-ح. : جمع دائح أي الثقيل بالماء من السحاب. والشمخ : جمع الشامخ. والمراد بالقترة هنا الخفاء. والأبهم : الأسود أو الأعجم. وتخوم الأرض حدودها، وكرايات : الكاف للتشبيه ورايات جمع راية. وهفافة : طيبة ساكنة. والوله : شدة الحزن والوجد.

الإعراب :

بين فجوات خبر مقدم، وزجل مبتدأ مؤخر، وراء ذلك خبر مقدم، وسبحات مبتدأ مؤخر، وفي تقف ضمير يعود الى الأبصار، وخاسئة حال منه، وأولي أجنحة حال من مفعول أنشأهم، و «فيما» خبر مقدم، وهنالك مبتدأ

مؤخر، وتواضع مفعول ثان لأشعر، ومناراً أي علامة أو أدلة ومن أجل هذا وصفها بواضحة، ومالاق «ما» اسم موصول مفعول سلبتهم، فتقترع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء.

الغيب :

تكلم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هنا وفي المقطع الآتي عن الملائكة. ولا شك ان الحديث عنهم وعن الجن حديث عن الغيب، وأيضاً لا شك ان الايمان بالغيب ينبع من القلب، ولا ممكن اقامة الدليل عليه من الحسن سلباً ولا ايجاباً، أما العقل فإنه لا يأبى الغيب ما دام ممكناً في ذاته، وإن امتنع عرفاً وعادة «فمن كفر فعليه كفره» ولا يضر الحق شيئاً.. ونحن مع كتاب الله الذي اعتبر الايمان بالغيب شرطاً أساسياً في الدين، وقوة في اليقين والثقة بالله تتحكم في عواطف الانسان ومشاعره، وفي كثير من أقواله وأفعاله. ومن البديهة ان الإمام خاطب بكلامه هذا الذين يؤمنون بالغيب، أما من كفر وجحد فقد خاطبه ممنطق الحس والعقل في الكثير من خطبه ومواقفه.

المعنى :

(ثم خلق الى ملائكته). يدل ظاهر هذا الكلام ان في السماء ملائكة تسكن في بعض الكواكب بعض الكواكب، وهذا هو مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فقد روى عنهم الشهرستاني في كتاب (الهيئة والاسلام) : «إن الله سبحانه خلق ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، وان سكان هذه الأرض، وان سكان هذه الأرض هم آخر الآدميين». وفي رواية ثانية: «إن أولئك العوالم ما عصوا الله طرفة عين قط، ولا عرفوا آدم وولد آدم». وفي ثالثة : «عددهم عددهم أكثر من عدد الجن والانس».

(وملأ مهم الى – أجوائها). هذا كناية عن كثرة عدد الملائكة (وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم) يرفعون أصواتهم بالتسبيح والتحميد (في حظائر القدس) وهي أماكن ما عصي الله فيها، ويقال للجنة : حظيرة القدس (وسترات الحجب) بين الملائكة وغيرهم من الخلائق (وسرادقات المجد)

حيث لا كفر ولا معصية، ولا ظلم وهوان، ولا فقر وجهل، ولا مرض وفساد (ووراء ذلك - الى حدودها). أي دون الملائكة نور تخطف الأبصار، وهو كناية ان الآدميين لا يرون الملائكة، ومن ادعى رؤية أحدهم فهو من الكاذبين إلا من ارتضى سبحانه من رسول.

(وأنشأهم على صور مختلفات) سواداً وبياضاً ونسوراً وآساداً.. الى ما هو أعلم (وأقدار متفاوتات) حجماً ووزناً (أولي أجنحة تسبح جلال عزته). إشارة الى قوله تعالى : «جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ - 1 فاطر». ونسبة التسبيح الى الأجنحة من باب «وان من شيء الا يسبح بحمده 44 الإسراء» (لا ينتحلون - الى - يعملون). أبداً لا رياء ولا افتراء الكذب بأنهم الخالقون الرازقون كما ينسب اليهم الجاهل والمشرك.. انهم خلائق مربوبون، ولأمر الله ممتثلون.

(جعلهم الى – نهيه). اختار سبحانه منهم رسلاً الى انبيائه كما قال: «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا 75 الحج» (وعصمهم من ريب الشبهات) لا يشكون في شيء مما أمر الله به، ونهى عنه (فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته) دائبون على طاعة الله (وأمدهم بفوائد المعونة) وهي العلم والقدرة على العمل بما يرضيه (وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة). مهد لهم سبيل الخضوع له، والثقة به (وفتح لهم أبواباً ذللاً الى تماجيده). وأيضاً فتح لهم أبواب تعظيمه والثناء عليه (ونصب لهم مناراً واضحة على اعلام توحيده). أقام لهم الأدلة الواضحة على وحدانيته وعظمته.

(لم تثقلهم موصرات الآثام). لا سبيل الى الآثام والإجرام في عالم الملائكة حيث لا مال وسلطان، ولا اهواء وشهوات.. لا شيء إلا المناجاة والصلوات (ولم ترتحلهم عقب الليالي والأيام). لا هرم ولا سقم مهما تعاقبت الدهور وكرت العصور، حيث لا طعام ولا شراب ولا جنس، فمن أين تأتي الآلام والاسقام؟ (ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم). نوازع الشكوك دوافعها، وعزيمة الإيمان الثبات عليه مهما تكن النتائج، ومعاقد اليقين إبرامه وإحكامه، والمعنى ان ايمانهم بالله قوي ومتين لا يهزه ظن ولا ريب (ولا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم). لا عداء وبغضاء. لا عداء وبغضاء، بل اخوان صدق ومحبة، وعلى أي شيء يتباغضون ؟ على ربح أو ميراث ؟.

(ولا سلبتهم - الى - فكرهم). هذا عطف تفسير على ما قبله، لأن معناه انهم ليسوا في حيرة من وجود الله وعظمته، ومن أين تأتي الحيرة ؟ وقلوبهم أصفى من الصفاء، وعقولهم نور وبهاء (ومنهم من هو في خلق الغمام الدلح) أي ان بعض الملائكة في خلقته كالسحاب الثقيل بالماء (وفي عظم الجبال الشمخ) مثل الجبال الشامخة (وفي قترة الظلام الأبهم) أي كالليل في سواده.

(ومنهم من خرقت - الى - الحدود المتناهية). أي هناك صنف من الملائكة مفرط في الطول. ولهم أقدام بيض كالأعلام يمدونها من العلو، فتهبط لا يصدها شيء حتى إذا بلغت حدود الأرض التي لا أرض تحتها - وقفت الأقدام، ومنعتها من الهبوط ريح ساكنة.. هذا ما دل عليه ظاهر الكلام، وقيل : المراد بالاقدام هنا علم الملائكة بأقطار الأرض ونهايتها!.. ولا داعي لهذا التأويل وغيره ما دام العقل لا يرفض الظاهر.

(قد استفرغتهم اشغال عبادته). تفرغوا للعبادة حيث لا زراعة ولا صناعة ولا تجارة.. أبداً لا شيء إلا الذكر، فهو وحده شغلهم الشاغل (ووصلت حقائق الإيمان بينهم وبين معرفته). وبهذه المعرفة بالله والصلة بينهم وبينه سبحانه سعادتهم وسرورهم ونعيمهم (وقطعهم الإيقان به الى الوله اليه). ان إيمانهم بالله وإخلاصهم له صرفهم عن كل شيء إلا عن التوجه الى الله لا إله إلا هو.

حلاوة المعرفة.. فقرة 17 – 20:

وَلَمْ تُجاوز رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ. قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ وَشَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَتَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاء قُلُوبِهِمْ، وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ، فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ. وَلَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ، وَلَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ ربَقَ خُشُوعِهِمْ، وَلَمْ يَتَوَهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ.

وَلَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلَالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ (17). وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلى طُولِ دُووبهِمْ وَلَمْ تَغِض رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ وَلَمْ تَخَفْ لِطُولِ المَناجاةِ أَسَلاَتُ السِنَتِهِمْ، وَلَا ملكتهُمُ الْأَشغَالُ فَتَنقَطِعَ بِهمْسِ الجُوارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ، وَلَمْ تَختلف فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ، وَلَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ. وَلَا تَعْدُو عَلى عَزيمة جدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ وَلَا تَنْتَضِلُ همَيهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ (18). قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْم فاقتِهِمْ، وَيَمّمُوهُ عِندَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى المَخْلُوقينَ بِرَغْبَتِهِمْ، لا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِمُ الاسْتِهْتَارُ بِلُزُومٍ طَاعَتِهِ، إِلَّا إلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَمَخَافَتِهِ. لَمْ تَنقَطِعَ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ، فَيَنُوا فِي جدّهِمْ، وَلَمْ تَأسِرهُمُ الْأَطْماعُ فَيُؤثِرُوا وَشِيكَ السَّعْي عَلى أَجْتِهَادِهِمْ. وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ (19). وَلَوِ اسْتَعْظَمُوا ذلِكَ لَفَسَخَ الرَّجَاءَ مِنْهُمْ شَفَقَاتُ وَجَلِهِمْ. وَلَمْ يَختَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يُفَرِّقُهُمْ سُوء التَّقاطع، وَلاَ تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ، وَلَا شَعَبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرَّيْبِ، وَلَا اقْتَسَتُهُم أخيَافُ الْهِمَمِ. فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيْمَانٍ. لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَلاَ عُدُولٌ وَلَا وَنى وَلَا فُتُورٌ. وَلَيْسَ فِي أَطبَاقِ السَّمَوَاتِ مَوْضِعُ

إهاب، إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ. يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً، وَتَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً (20).

اللغة :

الكأس الروية : المشبعة. وسويداء القلب : حبته. والوشيجة : عرق الشجرة

وأصلها. والزلفة : القربة والمنزلة. والربق - بكسر الراء وفتح الباء - جمع ربقة، وهي الحلقة من الحبل. والاستكانة : الخشوع. والدؤوب : المداومة والاستمرار. والأسلات : الأطراف. والجؤار : رفع الصوت. والمناكب : جمع منكب، وهو مجتمع رأس الكتف والعضد. وينوا : فتروا. وتشعبتهم : فرقتهم. والريب : الخوف والشك وقلق النفس. وأخياف : جمع خيف - بفتح الخاء - الهبوط. والإهاب : الجلد. والحافد : السريع.

الإعراب :

ذخيرة مفعول ثان لاتخذوا، وليوم متعلق بذخيرة، وبرغبتهم متعلق بيسموه، وينوا منصوب بأن مضمرة بعد الفاء، ومثله فيؤثر وا، وعلماً تمييز، ومثله عظماً.

المعنى:

(ولم تجاوز رغباتهم ما عنده الى ما عند غيره). ضمير رغباتهم الى يعود الملائكة، لأن الحديث ما زال عنهم، وضمير عنده يعود الى تعالى، والمعنى ان رغبة الملائكة في ثواب الله أغنتهم عن الرغبة في ثواب سواه (قد ذاقوا الى - ظهورهم). ان للعلم، أي علم، مذاقاً فريداً في طعمه وحلاوته بخاصة العلم بالله والفهم عنه، وذاق الملائكة طعم هذا العلم وحلاوته، وحلاوته، وتمكن في نفوسهم حتى أصبح جزءاً من كيانهم، ولا شك ان العلم به تعالى يبعث على حبه والخوف منه في آن واحد بالنظر الى جلاله واقتداره، وقد جسد الملائكة الحب لله والخوف منه بالذكر والطاعة.

(ولم ينفد طول الرغبة اليه مادة تضرعهم). أحبوا الله وخافوا من أليم عذابه، ورجوا نعيم ثوابه، فعبدوه وتضرعوا له، وطال أمد تضرعهم وعبادتهم، ومع هذا استمروا على هذا الحب والخوف والرجاء والتضرع بلا كلل وملل (ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم). الملائكة أقرب الخلائق الى الله تعالى، وأشدهم خوفاً منه، وأكثرهم تضرعاً له، مع ان القرب يستدعي رفع الحجاب والتكليف وهذا قد يصح في الخلائق بعضهم مع بعض، أما القرب منه عز وجل فيوجب الرهبة والتحفظ لجلال هيبته،، وعظم سطوته (ولم يتولههم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم). المعجب بعمله يستكثره ولا يتزيد منه حيث يرى فيه الكفاية وزيادة، والملائكة منزهون عن هذا النقص، قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أوحش الوحشة العجب... سيئة تسوءك خبر عند الله من حسنة تعجبك.

(ولا تركت لهم استكانة الآجال نصيباً في تعظيم حسناتهم) أي ان خضوعهم وتعظيمهم لله ما ترك سبيلاً لتعظيم سواه، ويتلخص هذا المعنى بقول الإمام في وصف المتقين : عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم (ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم). استمروا على طاعة الله وعبادته بلا فتور وكسل (ولم تغض (أي تنقص (رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم). أي فيعدلوا عن رجاء ثوابه الى اليأس (ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم) أي أطرافها، وهي لا تجف من طول الذكر، ولا تكف عنه (ولا ملكتهم الأشغال، فتنقطع بهمس الجؤار اليه أصواتهم). لا شغل لهم إلا العبادة، ورفع الأصوات بالذكر.

(ولم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم). المقاوم الصفوف، والمعنى انهم يقفون للعبادة وقفة رجل واحد، ويصطفون بمهارة فائقة لا يعلو أو ينحرف منكب عن منكب (ولم يثنوا الى راحة التقصير في أمره رقابهم). امتدت أعناقهم في طاعة الله وامتثال أوامره، وما أمالوها تقصيراً، أو طلباً للراحة (ولا تغدو على عزيمة جدهم بلادة الغفلات). لا سلطان للنسيان والذهول على جدهم في الطاعة وعبادتهم، ولا يشكون في عدد الركعات، ولا يسهون عن قول أو فعل (ولا تنتضل) أي لا ترمي (في هممهم خدائع الشهوات). لا أثر للأهواء والشهوات في نشاطهم وعلو هممهم.

(قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم) . ادخروا لنجاتهم يوم المعاد

الاخلاص لله والعمل بمرضاته (ويمموه) أي قصدوه (عند انقطاع الخلق الى المخلوقين برغبتهم). توكلوا على الله سبحانه في رغباتهم، أما غيرهم من المخلوقين فيتوكل بعضهم على بعض (لا يقطعون أمد غاية عبادته). المراد بالغاية هنا النهاية، والمعنى ان الملائكة قطعوا شوطاً طويلاً في عبادة الله ومع هذا ما بلغوا الغاية من العبادة، لأن التعبد له بما هو أهله ليس له من حدود تماماً كذاته وعظمته.

(ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلا الى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته). تطلق كلمة الاستهتار على اتباع الهوى وعدم المبالاة، وعلى الولع بالشيء، وهذا المعنى هو المراد هنا، أي ان الخوف والرجاء النابعين من القلب هما السبب المباشر لعبادة الملائكة، واستمرارهم في طاعة الله (لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا في جدهم). المراد بالشفقة هنا الخوف، وينوا يفتروا ويكسلوا، والمعنى ان جدهم في طلب مرضاته تابع لخوفهم منه تعالى، وهذا الخوف دائم لا ينقطع فكذلك الجد (ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم العمل الهين)، والاجتهاد العمل الصعب، والمعنى لا طمع للملائكة إلا في ثواب الله ومرضاته، ومن أجل هذا آثروا أصعب الأعمال على هينها، قال الإمام: أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه. أي أشقها وأحمزها.

(لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم). بل رأوها لا شيء في حق الله (ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم) يجب أن يكون الخوف مساوياً للرجاء، والتفاؤل للتشاؤم كي يستمر المكلف في العمل، فإن تغلب أحدهما على الآخر كانت النتيجة الأهمال والكسل، واستكثار الأعمال نتيجة طبيعية لتغلب الرجاء على الخوف، ومن أجل هذا تجنبه الملائكة (ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ ربهم الشيطان عليهم). كما اختلف أهل الأرض في الله ووحدانيته وصفاته (ولم يفرقهم سوء التقاطع). قلبهم واحد، وغايتهم واحدة (ولا تولاهم غل التحاسد). وعلى أي شيء يتحاسدون.؟ ولا معدة لهم ولا غرائز جنسية، ولا عمارات وسيارات، وبنوك وعقارات، وخدم وحشم.

(ولا تشعبتهم مصارف الريب). ما فرقتهم الشكوك، وسوء الظن ببعضهم البعض (ولا اقتسمتهم أخياف الهمم). إن همهم واهتمامهم واحد، وهو الجد في طاعة الله، وقد بلغوا منها أسمى المراتب (فهم أسراء - الى - فتور).

انهم على سبيل الله الواضح لا ينحرفون عنه بحال (وليس في أطباق - الى الى - حافد). هذا كناية عن هذا كناية عن كثرة عددهم (يزدادون على الطاعة بربهم علماً). كلما ازدادوا طاعة لله ازدادوا علماً بعظمته أشبه بمن يمارس مهنة خاصة، يزداد بها خبرة على طول الزمن (وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظماً) . من ازداد علما بالله زاد تعظيماً له، ما في ذلك ريب، لأن التعظيم يأتي على مقدار العلم، وقديماً قيل : الناس أعداء ما جهلوا.

الأرض.. فقرة 21 – 23:

كَبَسَ الْأَرْضِ عَلى مَوْرِ أَمْوَاجِ مُسْتَفْحِلَةِ، وَلججٍ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ. تَلْتَطِمُ أَوَاذِي أَمْوَاجِهَا، وَتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا، وَتَرْغُو زَبَداً كالفُحُولِ عِندَ هِياجها. فَخَضَعَ جَمَاحُ الماء المُتَلاطم لِثقْلِ حملها، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتَمَائِهِ إذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا، وَذَلَّ مُسْتَخذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا. فَأَصْبَحَ بَعْدَ أَصْطِخَاب أَمْوَاجِهِ سَاحِياً مقهوراً. وَفي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنقاداً أَسِيراً (21). وسَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحَوَّةٌ في لجة تَيّارِهِ، وَرَدَّت مِنْ نَخُوةِ بَأوِهِ وَاعْتِلَائِهِ وشموخ أَنفِهِ وَسُمُوّ غُلَوَائِهِ، وَكَعَمَتَهُ عَلَى كِظّةِ جريتِهِ. فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ، وَلَبِدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ. فَلَمَّا سَكَنَ هِياج الماء مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِها وَحْملِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ الشَّمَّخ الْبُذَّخِ على أكتافِهَا فَجّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عرانين أنوفها، وَفَرَّقَهَا فِي سُهُوب بيدِهَا وَأَحَادِيدِها (22) وَعَدَّلَ حَرَكَاتِها بِالرَّاسِيَاتِ مِن جَلامِيدِهَا وَذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ

صَياخِيدِهَا فَسَكَنَتْ مِنَ المَيْدَانِ لِرَسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَع أدِيمهَا، وَتَغَلغلِها مُتَسرّبَة فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِمِهَا، وَرَكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرْضِينَ وَجَرَاثِيمِهَا، وَمَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَبَيْنَهَا. وَأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَماً لِسَاكِنِها، وَأَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلى تَمامٍ مَرَافِقِهَا (23).

اللغة :

المراد بكبس الأرض هنا غمسها بالماء بدليل السياق. والمور : الاضطراب ومستفحلة : هائجة. واللجج : جمع اللج - بضم اللام - معظم الماء وزاخرة : ممتلئة. وأواذي : جمع آدي، وهو أعلى الموج أو الموج العالي، وتصطفق : تهتز والأثباج : جمع ثبج، والمراد به هنا ملاقاة الأرض للماء. ومستخدياً : منقاداً. ومَعَكَ الشيء : دلكه، وتمعكت الدابة تمرغت في التراب. والكاهل : أعلى الظهر. والصخب : ارتفاع الصوت. وساجياً : ساكناً. والحكمة - بفتح الحاء والكاف والميم - ما أحاط بحنكي الفرس من اللجام. والدحو : كالبيضة. والتيار : الموج الهائج. والنخوة : الحماسة والمروءة والفخر. والبأو : الزهو والفخر. والشموخ : العلو. والغلواء – بضم الغين - الغلو وتجاوز الحد وكعمته : منعته. والكظة : الامتلاء والتخمة. والنزق : الطيش. ولبد بالمكان : أقام فيه. والزيفان : التبختر. والأكناف : النواحي والأجناب. والعرنين: أعلى الأنف عند ملتقى الحاجبين. والسهوب : الفلوات الواسعة. والبيد : أيضاً الفلوات. والأخدود : الشق في الأرض. والجلاميد : الصخور. والشناخيب : رؤوس الجبال. والصياخيد : الصخور الصلبة. وأديمها : سطحها. والخياشيم : منافذ الأنوف الى الرأس. وجراثيمها : ما اجتمع منها والمرافق : جمع مرفق - بفتح الميم - وهو ما ينتفع به، ومنه مرافق الدار.

الإعراب :

زبداً مفعول مطلق لترغو مثل قمت وقوفاً، لأن المراد بالزبد هنا ما يعلو الماء من الرغوة والحبت، بدلیل قوله بلا فاصل : «كالفحول عند هياجها» ومستخذياً حال من الضمير المستتر في ذل، وسياجياً خبر أصبح لأنها من أخوات كان، وفي حكمة الذل منقاداً، أي وأصبح منقاداً في حكمة الذل، ومدحوة حال من الأرض، وفجر جواب «لما»، ومتسربة حال من ضمير تغلغلها، ومتنسماً حال من الهواء.

علم الطبيعة كل يوم هو في شأن :

قال علماء الطبيعة : انفصلت الأرض عن الشمس، ثم انفصل القمر عن الأرض، وبعد أن صعد الانسان إلى القمر، ودرس العلماء تربته، وما تحتوي عليه من العناصر قالوا : «ان الدراسة الدقيقة ترفض كل النظريات الشائعة عن القمر، ومنها انفصاله عن الأرض، ولا تقبل إلا تفسيراً واحداً وهو أن القمر كائن مستقل، ومصنوع صنعاً دقيقاً ومحكماً، وان الذي صنعه قوة خارقة العادة ومذهلة تملك من الطاقات ما لا يملكه أي كائن من الكائنات» (1). وأيضاً يصدق هذا على الأرض وانها كائن مستقل لم ينفصل عن الشمس.. وعلى أية حال فإن علماء الطبيعة لم يتفقوا على نظرية واحدة في أصل الكون، ولا في نشوء الشمس والقمر والأرض، ومن هنا قال اينشتاين : «ان العالم الخارجي لا يمكن معرفته بطرق مباشرة، ولا بد من توسط شيء آخر».

وبالتالي فقد اتفق الجميع على ان نتائج البحوث الطبيعية كلها نسبية، ويمكن ان تتغير مع الزمن والتقدم، لأن منهجها يقوم على مشاهدة الحواس التي لا يعنيها إلا الظواهر، وهي وحدها موضوع العلوم الطبيعية، واعتماداً عليها يقرر العلماء النتائج التي تبدو لهم، وبمتابعة الدراسة وتطور أجهزتها تظهر لهم نتائج أخرى على النقيض من الأولى الأولى، ومعنى هذا أن ما يقوله علماء الطبيعة الآن، ويسمونه - علما قد يصبح جهلاً وخرافة بعد أمد قصير أو طويل.


1) تكلمنا عن ذلك بنحو من التفصيل في المجلد السادس من الكاشف عند تفسير الآية 27 من فصلت.

ومهما يكن فإن الإمام لم يتعرض في هذه الخطبة لأصل الأرض وتكوينها، وإنما أشار الى بعض حالاتها بعد خلقها ووجودها، وفيما يلي البيان :

المعنى

(وكبس الأرض على مور أمواج مستفحلة مستفحلة، ولحج بحار زاخرة). ان الله سبحانه بعد أن خلق الأرض غمسها في بحار هائجة مائجة، وقال بعض الشارحين : المراد بكبس الأرض خلقها وتكوينها، و هذا التفسير خلاف الظاهر، قال الشيخ محمد عبده : كان حق التعبير كبس بها الموج، ولكن الإمام أقام الآلة مقام المفعول. ومراده بالآلة الأرض، وبالمفعول الموج أي ان الأرض كانت موجودة قبل الكبس (تلتطم أوادي أمواجها الخ).. تقدم في فقرة (اللغة) معنى الأواذي والأثباج ولا شيء وراء معناهما اللعوي يحتاج الى شرح وتفسير.

(فخضع جماح الماء الخ).. أي ان غمس الأرض في البحار تم بيسر وسهولة، وان ثورة البحار هدأت وهمدت بعد هذا الغمس. وعبر الإمام عن سكون البحار وهدوئها بالذل والخضوع والأسر والانقياد لأمره تعالى (وسكنت الأرض مدحوة) كالبيضة. وفي كتب اللغة «مدحى النعام : موضع بيضها». ويقول أحدث الآراء : إن الأرض ليست كرة تماماً، بل هي بيضوية الشكل. ومراد الإمام ان الأرض سكنت في لجة البحار مؤقتاً لا دائماً بدليل قوله في خطبة ثانية من خطب النهج : «وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير دعائم». ومن خطبة رواها الشيخ هادي كاشف الغطاء في (المستدرك) : «ورفع السماء بغير عمد، وبسط الأرض على الهواء بغير أركان».

(وردت من نخوة الخ) عاد الإمام الى حديث البحر، وان ثورته هدأت واستقرت بعملية الكس (فجر ينابيع العيون من عرانين أنوفها). أي أخرج سبحانه الماء ينابيع من أعالي الجبال (وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها). بعد أن تفجرت الينابيع اتخذ الماء سبيله في السهول والسواقي والأودية (وعدل حركاتها -الى - جراثيمها). تدور الأرض بسرعة محددة، وفي اتجاه معين، وعلى نظام ثابت من يوم تكونت الى ما شاء الله، وللجبال الراسيات أثرها في

هذا النظام، ولولاها لمادت الأرض بأهلها كما قال سبحانه : (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ - 15 النحل).

(وفسح بين الجو وبينها). يطلق الجو على ما بين السماء والأرض، وعلى ما اتسع بين اثنين، وهذا هو المراد هنا، والمعنى إن الله سبحانه جعل الطريق بين الجبال فسيحاً واسعاً. ويدل ظاهر الكلام على ان السعة بين الجو والجبال، ولا يصح هذا إلا على سبيل المجاز (وأعد الهواء متنسماً لساكنها). والتنسم التنفس. ومن البداهة انه لولا الهواء ما كان على ظهرها حي من الأحياء، انساناً كان أم نباتاً أم حيواناً (وأخرج اليها أهلها علي تمام مرافقها). أي انه سبحانه أوجد في الأرض كل ما يحتاج اليه أهلها على كثرتهم وتنوعهم، ولكن مع العرق وبذل المجهود.

السحاب تحيي الموات.. فقرة 24 – 25:

لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا وَلَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةٌ إِلَى بُلُوغِهَا، حَتَّى أَنشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا. أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ وَتَبَايُنِ قَرَعِهِ، حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ، وَالْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كَفَفِهِ وَلَمْ يَنمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهُورِ رَبَابِهِ وَمُتَرَاكِيم سَحَابِهِ أَرْسَلَهُ سَحا مُتَداركاً. قَدْ أَسَفْ هَيْدَبُهُ، تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَا ضِيبِهِ وَدَفَعَ شَابِيبِهِ(24).فَلَمَّا أَلْفَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بَوَانِيهَا، وَبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْء الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَات وَمِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ. فَهِيَ تَبْجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا وَتَزْدَهِي بِمَا أَلْبِسَتْهُ مِنْ

رَيْطِ أَرَاهِيرِهَا وَحِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرٍ أَنْوَارِهَا وَجَعَلَ ذلِكَ بلاغاً لِلأنام وَرِزْقاً للأنعام، وخَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا وَأَقَامَ المَنَارَ لِلسَّالِكِينَ على جَوَادٌ طرقها (25).

اللغة :

أرض جرز : لا تنبت لعدم الماء. والرابية : ما ارتفع من الأرض. ولمع - بضم اللام وفتح الميم - جمع لمعة - بسكون الميم - القطعة من النبات مالت لليبس. والقزع : قطع من صغار السحاب. وتمخضت : تحركت وتهيأت واللجة : معظم الماء. والمزن : السحاب. والكفف - بضم الكاف – طرف الشيء وجانبه. والوميض : اللمعان. وكنهور - على وزن سفرجل - العظيم من السحاب. والرباب : السحاب الأبيض. وسحا : صبا، ومتداركاً : متلاحقاً. وأسف السحاب أو الطائر : دنا من الأرض والهيدب من الرجال : العي او كثير الشعر. ومن السحاب : المتدلي. والجنوب - بفتح الجيم - الريح التي تهب من الجهة المقابلة للشمال. وتمريه : من أمرت الناقة اذا در لبنها. ودرر - بكسر الدال - من در اللبن. والأهاضيب : ما ارتفع من الأرض. والشآبيب : ما نزل من المطر بشدة. والبرك - بفتح الباء وسكون الراء - الصدر. والبواني : ما يلي الصدر من الأضلاع. وبعاع - بفتح الباء - ثقل السحاب بالماء. والأرض الهامدة : لا نبات فيها. وزعر - بضم الزاي - جمع أزعر وهو من الأرض ما لا ينبت أو قليل النبات. وريط : جمع ريطة، وهي الملاءة أو الثوب وسمطت : من السمط - بكسر السين - الخيط ما دام الخرز منتظماً فيه والأنوار : جمع نور - بفتح النون - الزهر. والفجاج : جمع فج الطريق الواسع الواضح بين جبلين. والجواد : جمع جادة.

الإعراب :

التي تقصر صفة للأرض، وأرسله جواب اذا تمخضت، وسحاً مفعول مطلق

مبين للنوع أي ارسالاً سحا، ودر مفعول تمريه، وأخرج به جواب فلما ألقت.

الماء :

الحياة باقية ما بقي الماء، وتذهب بذهابه وتذهب بذهابه، ما في ذلك ريب، بل هو مصدر الكون وعنصره الوحيد على قول، أو من عناصره ومقوماته على قول آخر .. ويغطي الماء أكثر من ثلاثة أرباع سطح الأرض، ويوجد أيضاً في جوفها، وفي الجو على هيئة سحاب وضباب، وعلى رؤوس الجبال طوال أيام السنة ثلجاً وجليداً وأيضاً يتبخر الماء من النبات والأشجار. ومن هنا تكثر الأمطار في الأرض ذات الغابات الكثيفة والأشجار الضخمة.

المعنى :

وأشار الإمام بقوله : (ثم لم يدع يدع - الى – نباتها) . أشار الى ان مياه العيون والأنهار لا تصل الى الأرض المرتفعة إلا بالمضخات ونحوها، ويتعذر ذلك على أكثر الناس، وبخاصة في العصور الأولى، فأنزل سبحانه من السماء ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرجت النبات والثمرات (الف غمامها بعد افتراق لمعه، وتباين قزعه). جمع الغمام المرتفع فوق الأرض بعد أن كانت أجزاؤه شتى هنا وهناك، ولولا هذا الجمع والتأليف ما تمخض الغمام عن قطرة ماء.

(حتى اذا تمخضت لجة المزن فيه، والتمع برقه في كففه) حتى تحرك الماء في الغمام، واحتك بعضه ببعض، وأضاء البرق في جوانبه (ولم ينم وميضه) أي لم ينقطع لمعان البرق (في كنهور ربابه) في قطع السحاب البيض المتراكمة (أرسله سحاً متداركاً) جواب اذا أي بعد أن تراكمت قطع السحاب، ولمع البرق نزل المطر على الأرض (قد أسف هيدبه) قرب الغمام من الأرض (تمريه الجنوب درر أهاضيبه). تنزل ريح الجنوب المطر من الغمام الذي ارتفع فوق الأرض كالأهاضيب أي كالتلال والجبال، ويقال : هضبت السماء أي مطرت.

(ودفع شآبيبه). دفع بضم الدال جمع دفعة أي دفقة من المطر، والشؤبوب ما ينزل من المطر بشدة، والمعنى ان ريح الجنوب تنزل الماء دفعات بدفق وقوة (فلما ألقت السحاب برك بوانيها) أي لما رمت قطع السحاب بصدرها على

الأرض، وبركت كالناقة (وبعاع ما استقلت به من العبء المحمول عليها). وألقت قطع السحاب كل ما فيها من الماء الذي كانت تنوء بثقله وحمله (أخرج به من هوامد الأرض النبات، ومن زعر الجبال الأعشاب). لما نزل المطر أخرجت الأرض النبات، وكانت من قبل جامدة هامدة، وكذلك الأعشاب نبتت في الجبال، ولم تكن من قبل تنبت إلا القليل.

(فهي تبهج - الى الى – أنوارها). تنشأ الأرض وتحيا بالمطر من جديد، فتتنفس بالربيع وتبتسم بالورود، وتصفق بالأوراق والأغصان، وتتزين بالألوان والأزاهير، ولا شيء يعكس هذا المعنى كهذه الصورة القرآنية : «وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ - 5 الحج». (وجعل ذلك بلاغاً للأنام) أي ما يبلغون به حاجاتهم، ويشبعون رغباتهم (ورزقاً للأنعام) (التي هي رزق للأنام : « وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ - 72 يس» (وخرق الفجاج في آفاقها). أي أوجد سبحانه الطرق الواسعة الواضحة بين الجبال (وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها). المراد بالمنار هنا العلامات كالجبال والنجوم ونحوها مما يهتدى به الى السبيل، والمعنى انه تعالى مهد السبل للسير، وأقام العلامات الواضحة على هذه السبل.

حول آدم.. فقرة 26 - 28 :

فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَأَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ وَجَعَلَهُ أَوَّلَ جبلَّتِهِ وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَأَرْغَدَ فِيهَا أَكَلَهُ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ. وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْأَقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ وَالْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ. فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةٌ لِسَابِقِ عِلْمِهِ (26).فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُر أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ وَلِيُقِيمَ الْحَجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ. وَلَمْ يُخلِيم بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمّا يُؤكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رَبُوبِيْنِهِ، وَيَصِلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالحجج عَلى أَلْسُنِ الْخيَرَةِ مِنْ

أنْبِيَائِهِ، وَمُتَحَمِلِي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ، قَرْنا فَقَرْنَا حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حَجَّتُهُ، وَبَلَغَ المَقْطَعَ عُذْرُهُ وَنُذُرُهُ (27). وَقَدَّرَ الْأَرْزاق فَكَثرَها وَقَلَّلَها. وَقَسْمَها على الضيق والسَّعَةِ فَعَدل فيها ليبتلي مَنْ أَرَادَ بمَيْسُورهَا وَمَعْسُورهَا. وَلِيَختبر بذلك الشكر لِيَبْتَلَى وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيهَا وفَقِيرِهَا، ثُمَّ قَرْنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا. و بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا، وَبِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا، غُصَصَ أَتْرَاحِهَا، وَخَلَقَ الأَجالَ فَأَطالَهَا وَفَصَّرَهَا، وَقَدَّمَهَا وَأَخْرَهَا، وَوَصَلَ بِالمَوْتِ أسبابها، وَجَعَلَهُ خَالِجاً لِأَسْطَانِهَا، وَقَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقرانها (38).

اللغة :

جبلته : خلقته. ورغد العيش : طاب واتسع. والقرن : مئة سنة، وزمن أمة واحدة، وأمد من الزمن. والمقطع : الخاتمة، ومقطع الكلام موضع الوقوف، و مقطع الحق، ما يقطع به الباطل. والعقابيل : الشدائد. والفاقة : الفقر والفرج: الخلاص من الشدة. والأشطان : الحبال. والمراثر : الحبال الطويلة المفتولة.

الإعراب :

خيرة حال من آدم أي خيراً أو خيراً وطيباً، وموافاة صفة لمفعول مطلق محذوف أي أقدم على المعصية إقداماً مطابقاً لسابق علم الله بأن هذا الإقدام سيكون من آدم، وقيل : موافاة نصب على المصدرية موافاة نصب على المصدرية، وقرناً نصب على الظرفية والمقطع مفعول بلغ أي بلغ العذر المقطع أي النهاية.

للمنبر - حول الإسلام والعمل :

(فلما مهد أرضه - الى بمنزلته). بعد أن أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى صفة الملائكة والأرض أشار الى قصة آدم أبي البشر، وانه الانسان الأول من نوعه وفي حقيقته، أو في عهده، وزمانه كما يومىء قول الإمام : «وجعله أول جبلته». والله سبحانه خلق آدم من تراب هذه الأرض أم الدواهي والمصائب، والموت والفناء.. ومع هذا أسكنه في جنة لا ينقطع نعيمها، ولا يطعن مقيمها.. و تشعر الآية 20 من سورة الاعراف : (وقال - أي الشيطان لآدم وحواء - مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ». تشعر هذه الآية ان آدم وحواء قد طاب لهما المقام في جنة الخلد والنعيم، وانهما خافا بوسوسة الشيطان أن لا يطول مقامها في الجنة، وان يطردا وأنه لا وسيلة للخلود والبقاء إلا أن يأكلا من الشجرة المحرمة جرة المحرمة.. مع ان النقيض هو الصحيح، وان الأكل منها هو سبب الطرد والنفي، ولكنها استجابا للشيطان وكان منهما ما كان.

وقال ماجن أو حكيم : ان آدم كان يعلم حق العلم بأنه لا يطرد من الجنة الى الأرض إلا إذا أكل من الشجرة، ومع هذا أقدم وأكل عن عمد، وبقصد أن يطرد ويُنفى الى الأرض، لأنه مل حياة الكسل والبطالة مع النعيم والخلود، وآثر عليها حياة الجد والعمل مع الآلام والمتاعب، لأن متعة العمل والانتاج تفوق كل متعة حتى متعة الخلود في النعيم، وكفى بالعمل متعة وعظمة ان الانسان لا يصل الى الكمال، ويستحيل أن يصل إليه إلا بالعمل، وإذا أردنا أن نحدد الاسلام بكلمة واحدة فلا نجد كلمة أجمع وأمنع من كلمة «العمل الصالح»، ومن أجل هذا كررها سبحانه في كتابه العزيز عشرات المرات، وأناط بهذا العمل سعادة الدنيا والآخرة، وبكلمة ثانية ان الاسلام مخطط للعمل الذي خلق الانسان من أجله، ولا شك في ان الانسان خلق للخير لا للشر، وللصلاح لا للفساد

(فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه) تعالى بأن آدم سيأكل من الشجرة برغم النهي والتحذير.

وتسأل : ان علمه تعالى لا يتخلف عن المعلوم تماماً كإرادته التي لا تتخلف عن المراد، واذا كان سبحانه يعلم مقدماً بأن الانسان سيعصي ويخالف الأمر والنهي

فعنى هذا ان إرادة الانسان مغلوبة لعلم الله، وبالتالي يكون الانسان مسيراً لا مخيراً، وإذن لماذا الحساب والعقاب ؟.

الجواب :

فرق كبير بين سابق علمه تعالى بسوء اختيار العبد لفعل الشر، وبين سابق علمه سبحانه بفعل الشر من حيث هو، وبصرف النظر عن إرادة فاعله واختياره له، فإن العلم الأول مجرد كشف عن وجود المعلوم في الحال أو الاستقبال تماماً كعلم الاستاذ بأن لهذا التلميذ النجيب النشيط مستقبلاً زاهراً، وكعلمك بأن فلاناً الذي تعرفه جيداً سيرفض لا محالة لوناً معيناً من الطعام متى قدم له. وأما العلم الثاني فليس كشفاً عن وجود الفعل، بل علة لوجوده و بكلام آخر : فرق بين قولك : علمت بأن زيداً سيسافر غداً، وبين قولك : لما علمت بأنه يسافر سافر.. وعلمه تعالى بصدور الفعل من العبد هو من النوع الأول

الأرض والانسان :

(فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله). الأرض ذرة صغيرة، ألقي بها في خضم الكون، أما نسبة الانسان الى الأرض فهي تماماً كنسبتها الى الكون العجيب، ومع هذا فإن الانسان عند نفسه هو النهاية والغاية التي وجد الكون من أجلها.. وبعد أن تقدم الانسان بعقله وعلمه شعر بضالته، بل شعر بأنه أكثر وحشية من الوحوش الكاسرة.. وعلى أية حال فنحن من الأرض ولدنا، واليها نعود، ومنها أقواتنا وحياتنا، وفيها علومنا وحضارتنا.. ويختم هذا أن نتعاون جميعاً على عمارتها وإحيائها، ونتقاسم خيراتها بالعدل على أن يسدد كل واحد حسابه بما يبذله من جهد وعمل في هذا السبيل.

(وليقيم به الحجة على عباده). ضمير به يعود الى آدم، وقوله حجة قاطعة على من سمعه مباشرة كأولاده الأقربين، أو رواية كالأولاد الأبعدين تماماً كغيره من الأنبياء _ولم يخلهم – الى - نذره). أرسل سبحانه بعد آدم كثيراً من الأنبياء مبشرين الخلائق ومنذرين ليكونوا على صلة دائمة بالله وشريعته، ولا فرق بين متقدم ومتأخر من حيث الدعوة الى الله سبحانه، بل لا فرق بين

العلماء الأتقياء وبين الأنبياء من هذه الجهة، وانما الفرق بين أولي العزم وغيرهم من الأنبياء.

وجاء في كثير من التفاسير ان أولي العزم خمسة : نوح و ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقد كان لكل واحد منهم شريعة خاصة أوجب الله العمل بها على جميع خلقه الى عهد الذي يليه من الخمسة، فتنسخ اللاحقة الشريعة السابقة.. الى شريعة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سيد المرسلين وخاتم النبيين، فإنها ناسخة غير منسوخة الى يوم القيامة، أما الأنبياء الآخرون الآخرون – غير اولي العزم - فقد كان كل واحد منهم يعمل بشريعة من سبقه من أولي العزم. وذكرنا عند الخطبه 71 السبب الموجب لختم النبوة بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والشرائع بشريعته.

(وقدر الأرزاق فكثرها وقللها، وقسمها على الضيق والسعة). هذا أمره بالعمل وبذل المجهود «فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله» ولا بد للأرض من العرق والحرث، أما تقديره تعالى فمبني على المصلحة والحكمة، وأشار الإمام الى هذه الحكمة بقوله : (فعدل الى - أتراحها). وسع مع سبحانه في الرزق على هذا، وضيق على ذاك، وهو في قسمته هذه عادل وحكيم ووجه العدل انه تعالى قرن بالغني والسعة الكثير من الشدائد كالاسقام والمتاعب، فقد تمر بالغني لحظات يكون فيها مستعداً لكي ينفق جميع ما يملك للخلاص مما هو فيه.. هذا، الى نقاش الحساب على ما جمع وأنفق، فإن صاحب الدرهم غداً أخف من صاحب الدرهمين كما قال (أبو ذر)، ومن لا يملك شيئاً أخف ممن يملك، وقال سبحانه : «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى – 7 العلق»، أما وجه الحكمة فإنه الحكمة فإنه، جلت كلمته، بختير العباد بالفقر والغنى يختبر العباد بالفقر والغنى ليتبين الساخط لرزقه والراضي، وان كان سبحانه أعلم بالانسان من نفسه، ولكن لتظهر الأفعال التي يستحق بها الثواب والعقاب على حد ما قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض حكمه.

(وخلق الآجال فأطالها وقصرها، وقدمها وأخرها). أي قدم حياة بعض وأخر حياة آخر، كما قدم حياة موسى وعيسى على حياة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). (ووصل بالموت أسبابها) أي أسباب قصر الآجال ونهايتها، كالمرض والقتل ونحوهما (وجعله خالجاً لأشطانها). الهاء في جعله للموت، وفي الأشطان للآجال، و معنى الأشطان الحبال، والخالج الجاذب، والمعنى ان الموت يجذب الآجال اليه

ويقربها منه (وقاطعاً المراثر أقرانها) أي كما ان الموت بجذب اليه حبال الآجال فهو أيضاً يقطع هذه الحبال التي كان يظن أنها قوية متينة كما يحدث لبعض الشباب المعافى.

حول علمه تعالى.. فقرة 29 - 31:

عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ، وَنَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ، وَخَوَاطِرِ رجم الظُّنُونِ، وَعَقدِ عَزِيَماتِ الْيَقِينِ، وَمَسَارِقِ إِيَماضِ الْجُفُونِ، وما ضمنتهُ أَكْنَانُ القُلُوب وَغَيَابَاتُ الغُيُوبِ، وَمَا أَصْغَتْ لِاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ، وَمَصَائِفِ الذّرّ وَمَشَاتِي الْهَوَامَ، وَرَجع الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ وَهَمْسِ الْأَقْدَامِ. ومُنفَسح الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِج خُلُفِ الأكمام، وَمُنْقَمَعِ الوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَأَوْدِيَتِهَا، وَمُخْتَبَإ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَالحِيَتِهَا (29). وَمَغْرَزِ الأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ، وَمَحَطَّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ، وَنَاشِئَةِ الْغُيُومِ ومُتَلاحِمهَا، وَدُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمهَا، وَمَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بذُيُولهَا وَتَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا. وَعَوْم نَبَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثبَانِ الرِّمَالِ، وَمُسْتَقَرّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذَرَى شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ، وَتَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الأَوْكَارِ، وَمَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ، وَحَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ البِحَارِ، وَمَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أَوْ ذَرٍّ عَلَيْهِ شَارِقُ نهار(30) . وَمَا أَعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطبَاقُ الدَّيَاجِيرِ وَسُبْحَاتُ النُّورِ، وَأَثَرَ

كُلِّ خَطوَةٍ، وَحِسٌ كُلِّ حَرَكَةٍ وَرَجع كُلِّ كَلِمَةٍ، وَتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ، وَمُسْتَقَرٌ كُلُّ نَسْمَةٍ، وَمِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ، وَهَمَاهِم كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ. وَمَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ، أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ أَوْ نُقَاعَةِ دَم وَمُضْغَةٍ، أَوْ نَاشِتَةِ خَلْقٍ وَسُلَالَةٍ (31).

الإعراب :

عالم السر خبر لمبتدأ محذوف، أي هو عالم السر، وما بعده الى آخر المقطع عطف عليه.

المعنى:

هذا القسم أو المقطع بكامله يتلخص في أن الله سبحانه بكل شيء عليم سواء أكان جزئياً أم كلياً، محسوساً أم غير محسوس، وما ذكره من الضمائر والخواطر، والذر والبعوض الى نقاعة الدم، وناشئة الخلق - كل ذلك مجرد أمثلة، ولا شيء وراءها إلا البيان والايضاح ان الله يعلم ما في السموات والأرض، ومن أجل هذا نقتصر على تفسير المفردات المشكلة كعادتنا في فقرة (اللغة).

(عالم السر من ضمائر المضمرين). كل سر عنده تعالى علانية (ونجوى المتخافتين) تخافت بكلامه خفضه وأخفاه (وخواطر رجم الظنون) أي ما لا واقع له منها ولا دليل (وعقد عزيمات اليقين) ما عقدت عليه ضميرك من غير تردد (و مسارق ايماض الجفون) نظرات تسترقها العيون في السر والخفاء، قال سبحانه : «يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ 19 غافر». (وما ضمت أكنان القلوب) ما سترته وأخفته (وغيابات العيوب) أي أعماقها وجذورها.

(وما أصغت لاستراقه مصائخ الأسماع) أي مخارق الأسماع، وهي الآذان (ومصائف الذر) محل اصطياف صغار النمل (ومشاتي الهوام) أي الحشرات،

ومشاتيها محلها في الشتاء (ورجع الحنين من المولهات). ويعلم سبحانه ما تردده كل حزينة من قول وحسرة وأنين (وهمس الأقدام) ما خفي من صوتها حين تمشي على الأرض (ومنفسح الثمرة من ولائج غلف الأكمام) يعلم بالثمرة، وهي في غلافها، وقبل أن تظهر للعيان (ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها) المنقمع : موضع الاختفاء، والغيران : جمع غار وهو الكهف.

(ومختبأ البعوض بين سوق الأشجار والحيتها). وسوق : جمع ساق، وألحية : جمع لحاء أي القشر (ومغرز الأوراق في الأفنان) أي الأغصان، ومغرز الأوراق محلها الذي نبتت وبقيت فيه الى حين سقوطها (ومحط الأمشاج) النطف (من مسارب الأصلاب) وهي ما يتسرب المني فيها عند نزوله (وناشئة الغيوم ومتلاحمها) ويعلم من أين تنشأ الغيوم ؟ وكيف تجتمع وتلتم ؟ (ودرور قطر السحاب في متراكمها) حتى قطرات المطر يعلمها على كثرها وسرعتها وتراكمها.

(وما تسفي الأعاصير بذيولها) وهو يعلم كل ما تذروه الرياح (وتعفو الأمطار بسيولها) تأتي عليه وتمحوه (وعوم نبات الأرض) أي حركة الحشرات (في كثبان الرمال) تلالها (ومستقر ذوات الأجنحة) الطيور (بذرى شناخيب الجبال) أعالي رؤوسها (وتغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار) أي ظلماتها وغرد الطائر رفع صوته بالغناء (وما أو عبته الأصداف) أي جمعته، والأصداف: جمع صدفة - بفتح الصاد والدال – (وهي غلاف اللؤلؤ ونحوه (وحضنت عليه أمواج البحار) كالعنبر ونحوه مما يتولد في البحار.

(وما غشيته سدفة ليل) أي غطته ظلمة الليل (أو ذر عليه شارق نهار) أي طلع عليه النهار (وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير). اعتقبت : تعاقبت، والأطباق : الأغطية الدياجير : الظلمات (وسبحات النور) موجات الضوء (وأثر كل خطوة) ما رسم من المشي على الأرض (وحس كل حركة) صوتها (ورجع كل كلمة) الرجيع من الكلام المردود الى صاحبه (ومثقال كل ذرة) وزنها (وهماهم كل نفس هامة) ترديد الصوت في الصدر من الهم.

(وما عليها - أي على الأرض - من ثمر شجرة، أو ساقط ورقة) كما قال سبحانه : «وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا 59 الأنعام». (أو قرار نطفة) في الأرحام (أو نقاعة دم) ما تستقر به قطرات الدم (ومضغة) الشيء

الذي يمضغ أو ما يشبهه (أو ناشئة خلق وسلالة) ناشئة الحلق ابتداؤه أو صورته والسلالة النسل أو الأصل.

لا كلفة ولا هلالة.. فقرة 32 - 33 :

لَمْ تَلْحَقْهُ فِي ذلِكَ كُلْفَةٌ، وَلَا أَعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَهُ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ، وَلَا أَعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيدِ الْأُمورِ وَتَدابير المَخْلُوقينَ مَلَالَةٌ وَلَا فَتْرَةٌ، بَلْ نَفَذَ فِيهِمْ عِلْمُهُ، وَأَحْصَاهُمْ عَدهُ، وَوَسِعَهُمْ عَدْلُهُ، وَغَمَرَهُمْ فَضْلُهُ مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ (32). اللَّهُمَّ أَنتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ وَالتَّعْدَادِ الكَثِيرِ. إِنْ تُؤْمَلَ فَخَيْرُ مُؤمِّلٍ، وَإِن تُرْجَ فَاكْرَمَ مَرْجُوِّ. اللَّهُمْ وَقَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ، وَلَا أَثْنِي بِهِ عَلى أَحَدٍ ِسوَاكَ، وَلَا أُوَجُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَمَوَاضِع الرِّيبَةِ. وَعَدَلْتُ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِنِينَ، وَالثَّنَاءِ عَلى المَرْبُوبِينَ المَخْلُوقِينَ. اللَّهُمْ وَلِكُلِّ مُثْنٍ عَلى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثْوبَةٌ مِنْ جَزَاءِ، أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءِ، وَقَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَكُنُوزِ المَغْفِرَةِ. اللَّهُمَّ وَهَذَا مَقَامُ مَنْ أَفَرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الذِي هُوَ لَكَ وَلَمْ يَرَ مُسْتَحِقًا لِهَذِهِ المَحَامِدِ وَالْممَادِح غَيْرَكَ. وَبِي فَاقَهُ إِلَيْكَ لا يَجبُرُ مَسْكَنتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ وَلَا يَنْعَسُ مِنْ خَلَّتِها إِلَّا مَنْكَ وَجُودُكَ، فَهَبْ لَنَا في هذا المقام رضاكَ، وَأَغْنِنَا عَنْ مَدَّ الْأَبْدِي إِلَى سِوَاكَ إِنَّكَ على كُلِّ شَيءٍ قدير (33).

اللغة :

الكلفة : المشقة. والعارضة : ما يمنع عن العمل. والفترة : الضعف. والحلة - بفتح الخاء وتشديد اللام مع الفتح - الفقر. والمن : الإحسان، يقال : من اليه أي أحسن.

الإعراب :

خير خبر المبتدأ محذوف أي فأنت خير مأمول، وخير مرجو، ومثوبة مبتد مؤخر، ولكل مثن ولكل متن خبر مقدم، ومن جزاء متعلق بمثوبة، ودليلاً حال من كاف رجوتك.

المعنى :

(لم يلحقه – الى – فترة). ان التعب والمشقة والضعف والملل، كل ذلك وما اليه حوادث تعرض للأجسام، والله سبحانه ليس بجسم، ولا محلاً للحوادث.. انه يؤثر ولا يتأثر، ويغير ولا يتغير، أما المعارضة، وهي التي تمنع من العمل فحال في حقه تعالى، لأنه على كل شيء قدير، وكماله ذاتي من كل وجه (بل نفذهم علمه) تعالى أي أحاط بهم علماً بلا كلفة ومشقة (وأحصاهم عده) سبحانه بلا عارضة تقف في سبيل هذا الإحصاء.

(ووسعيهم عدله) عز وجل تشريعاً وتكويناً حيث جعل كل شيء في موضعه، ورتبه في مرتبته، ودبره فأحكم تدبيره (وغمر هم بفضله) فأفاض عليهم الوجود بعد العدم، وأمدهم بالرحمة والعناية (مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله). مهما اجتهد المخلوق في طاعة الخالق، وبالغ في شكره فإنه لا يؤدي بعض ما له من حق، وما لخالقه ورازقه عليه من فضل.

(اللهم أنت أهل الوصف الجميل) الذي تعجز عن إدراكه عقول الواصفين (والتعداد الكثير) أي ان كمالاته تعالى وكلماته لا حساب لعددها ولا انقطاع لأمدها : « وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ 27 لقمان». (إن تؤمل فخير مؤمل، وان ترج

فخير مرجو). بل لا أمل ولا رجاء إلا بالله وحده، فمنه يبتدىء كل شيء واليه ينتهي.

(اللهم قد بسطت الى المخلوقين). قلتُ فيك اللهم من الثناء والمديح ما لم أقله في غيرك : وتوجهت به اليك وحدك دون المخلوقين، لأنهم يحرمون ويخيبون، وما نطقت بكلمة خالصة لوجهك إلا بفضلك وهدايتك (ولكل مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء أو عارفة من عطاء). والفرق بين الجزاء والعارفة ان الجزاء ثواب على عمل، والعارفة معروف وإحسان (وقد رجوتك دليلاً على ذخائر الرحمة وكنوز المغفرة). المراد بالدليل هنا السبب الموصل الى المطلوب، والمعنى اني التجأت اليك، وتوكلت عليك ثقة بكرمك ورغبة في عفوك ورحمتك.

(اللهم وهذا مقام من افردك بالتوحيد) الخ.. يقول الإمام لخالقه تعالى : قمت في موقفي هذا بين يديك مقاماً محموداً عندك تحبه وترضاه، وانك لتعلم حاجتي الى عطائك وسخائك، والسخاء على قدر الحاجة، فامنن علي بما يسد فقري وفاقتي، وأغنني بفضلك عمن سواك. إنك على كل شيء قدير.

الخطبة - 90 -

التمسوا غيري :

دعوني والتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ. لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَت. وَاعْلَمُوا أني إن أَجَبْتُكُم ركبتُ بكُم ما أعلمُ ولَمْ أَصْعَ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتَبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ولعلي أسمعكم وأطوعكُمْ يمن وليتُمُوهُ أَمْرَكُمْ. وَأَنا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لكم مني أميراً.

اللغة :

الآفاق : جمع أفق، وهو الناحية، والخط : الذي ينتهي عنده امتداد البصر. وأغامت : غطيت بالغيم. والمحجة : الطريق الواضح المستقيم

الإعراب :

أمراً مفعول «مستقبلون». وأنا مبتدأ وأنا مبتدأ، وخير خبر، ولكم متعلق به، ووزيراً حال، ومثله أميراً.

المعنى :

(دعوني والتمسوا - الى - قد تنكرت). نطق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا حين أراده الناس على البيعة بعد مقتل عثمان، وتقدم في شرح خطبة الشقشقية حكاية هذه البيعة مفصلاً، ونعطف عليها ما قاله كاتب مصري معروف، وهو الاستاذ عبد الكريم الخطيب له العديد من المؤلفات الاسلامية، وما قاله حول بيعة الإمام خير تفسير لهذه الخطبة، ونقتطف منه ما يلي :

قال في كتابه الكبير «علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة» ص 264 وما بعدها طبعة سنة 1967 :

«قال البلاذري في أنساب الأشراف ج 5 ص 18 : جاء الناس كلهم يهرعون الى علي، أصحاب النبي وغيرهم، وهم يقولون : ان أمير المؤمنين علي.. وقال الطبري في ج 5 ص 152 : أتاه أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقالوا له : قد قتل هذا الرجل، ولا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحق بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله. فقال فقال لهم : لا تفعلوا، فإني أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً.. وفي رواية أخرى يقول الطبري : اجتمع الأنصار والمهاجرون، وفيهم طلحة والزبير، وقالوا : يا أبا الحسن هلم نبايعك. فقال : لا حاجة لي في إمرتكم. فقالوا : والله ما نختار غيرك الله ما نختار غيرك.. وقال ابن قتيبة أكثر الناس على طلحة والزبير، واتهموهما بقتل عثمان، وقالوا لهما : أيها الرجلان قد وقعتما في أمر عثمان، فخليا عن أنفسكمها.. فقام الزبير، وحمد الله وأثنى عليه، وقال فيما قال : قد تشاورنا ورضينا علياً فبايعوه»

ثم قال الأستاذ الخطيب : «قد تردد علي قد تردد علي" أول الأمر، وحق له ذلك، فإن الأمر خطير، والعبء فادح وثقيل، لعبء فادح وثقيل.. ولكن أمر المسلمين في معرض الضياع والتلف، وإذن فهي المخاطرة في لقاء هذا الموقف، وتحمل تبعاته.. أنها معركة تقرر مصير الإسلام.. ولا يقوم بهذا الأمر إلا أولو العزم.. ولم يكن لعلي أن يتلبث أو يحجم عن خوض المعركة غير ناظر الى ما يكابده من محن، وما يصيبه من ضر حتى ولو ذهب ذلك بنفسه، وقضى على حياته، وما عمل الإمام حساباً لوجوده مع وجود الإسلام، ولا لحياته مع حياة الإسلام».

قبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) البيعة، وما استقر بعدها لحظة واحدة، ثم ختمت حياته

بالشهادة، ولكنه أنقذ من الاسلام ما يمكن إنقاذه من الاسلام ما يمكن إنقاذه.. ومن يدري : هل يبقى الإسلام من باقية لو أصر الإمام على رفض البيعة ؟.. صحيح ان الحروب في عهده قامت ولم تقعد، ولكن كان من نتائجها أن عرف الناكثون، وتميز المارقون عن غيرهم، وافتضحت الفئة الباغية بقتل عمار بن ياسر وصدق الله العظيم : «مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ - أي الذين يتظاهرون بالايمان - عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ 179 آل عمران».

وقال الشيخ محمد عبده في تعليقه : «إن الأطماع كانت قد تنبهت في كثير من الناس على عهد عثمان، بما نالوا من تفضيلهم بالعطاء، فلا يسهل عليهم فيما بعد أن يكونوا في مساواة مع غيرهم فلو تناولهم العدل انفلتوا منه وطلبوا طائشة الفتنة طمعاً في نيل رغباتهم، وأولئك هم أغلب الرؤساء في القوم، فإن أقرهم الإمام على ما كانوا عليه من الامتياز فقد أتى ظلماً، وخالف شرعاً والناقمون على عثمان قائمون على المطالبة بالنصفة، ان لم ينالوها تحرشوا للفتنة، فأين المحجة للوصول الى الحق على أمن الفتن ؟ وقد كان بعد بيعته ما تفرس به قبلها».

(واعلموا اني ان أجبتكم ركبت بكم ما أعلم) من كتاب الله وسنة نبيه، وكان الإمام مشهوراً بهذه القوة والصلابة في حق الله، وتواتر عن عمر انه قال يوم الشورى : لو وليها علي لحملكم على الجادة (ولم أصغ الى قول القائل، وعتب العاتب). أبداً لا يصغي علي إلا لدينه، وهو غني به عما سواه، أما دنياه فهي آخرته، ولا يرتجي غيرها، ولأجلها قبل البيعة، كما قال : لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ان لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم - لألقيت حبلها على غاربها.

(وان تركتموني فأنا كأحدكم). لأنهم اذا تركوه يكون بلا ناصر ومعين، وعليه يتحتم السكوت (ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم). ما شلك الإمام لحظة في ان الخلافة حق له دون غيره، ولكنه لا يحارب من أجلها إلا اذا ضاعت حقوق المسلمين، ووجد الناصر والمعين على حفظها واقامتها. ومن أقواله : «والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة«. وبهذا نجد تفسير قوله : «ولعلي أسمعكم وأطوعكم»، أي بشرط أن تسلم أمور المسلمين، وتكلمنا عن ذلك في شرح الخطبة 73 الخطبة 73. وقال وقال هيثم البحراني : «أشار

الإمام بقوله : «لعلي» الى انهم اذا ولوا أحداً يخالف أمر الله تعالى فلا يكون الإمام أطوعهم بل أعصاهم».

(وانا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً). وذلك ان الإمام يحملهم على الحق وهو صعب مستصعب، وقال بعد أن ولي الخلافة : اني لأعرف ما يصلحكم ولكني لا أفسد نفسي بصلاحكم، وقال معاوية : لولا علم عقيل بأني خير من أخيه ما تركه. فقال عقيل : أخي خير لي في ديني، وأنظر لنفسه منك، وأنت خير لي في دنياي، وانظر لي من نفسك، وقد آثرت دنياي، واسأل الله العفو

الخطبة - 91 -

اسألوني.. فقرة 1 - 2 :

أما بَعْدَ حمد الله والثناء عَلَيْهِ أَيُّهَا النَّاسُ، فَأَنَا فَقَاتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُن ليَجْراً عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا وَأَشْتَدَّ كَلَبُهَا. فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي. فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَلَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مَاتَةٌ وَتُضِلُّ مِانَةَ إِلَّا أَنبَأتُكُم بِنَاعِقِها وَقَائِدِهَا وَسَائِقِها، ومُناخ ركابها ومحط رِحَالَهَا. وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً، وَيَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتا (1). وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ وَخَوَازِبُ الخُطُوب، لأطرقَ كَثِير مِنَ السَّائِلِينَ وَفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ المَسؤولِينَ. وَذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ، وَضَاقَتْ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلَاءِ عَلَيْكُمْ حَتَّى يفتح اللهُ لِبَقِيَّةِ الأَبْرَارِ مِنكُم. إنَّ الْفِتْنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبهت، وإذا

أَدْبَرَتْ نَبِّهت. يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ. يَحْمْنَ حَوْلَ الرِّيَاحُ يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئنَ بَلَداً (2).

اللغة :

فقأ العين : قلعها. وماج : اضطرب، والمراد به هنا عم وشمل. والغيهب : الظلام. والكلب : داء يصيب الكلاب، ومن عضه كلب مصاب به جن ومات إلا مع الاسعاف والتطبيب. والمراد بالناعق هنا الداعي. وكرائه : جمع كريهة. وحوازب : جمع حازب، وهو الأمر الشديد. وقلص - بتشديد اللام - أسرع واستمر، وبتخفيفها وثب. وشبهت - بتشديد الباء - أي جعلت الفتنة شبيهة بالحق. ونبهت : أي الى الحق.

الإعراب :

ليجرأ منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والمصدر المنسبك مجرور باللام، ويتعلق بمحذوف خبراً «لتكن» واحد اسمها، وغيري صفة له، وجملة تستطيلون حال من ضمير الخطاب في «عليكم» وضمير معه يعود الى الضيق.

المعنى:

(فإني فقأت عن الفتنة الى - كلبها). استيقظت الفتن بين المسلمين بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وكان للإمام أحسن الأثر في إخمادها، أو إخماد أكثرها من ذلك :

1 - تنافس المهاجرون والأنصار على خلافة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبل أن يجرد من ثيابه، ويبرد جسده الشريف، وتجاهلوا شؤون تجهيز النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإنزاله الى قبره إلا الإمام فقد اختص دونهم بهذه الفضيلة، وقال له عمه العباس : امدد يدك أبايعك، فيقال : عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله. فأبى. وقال له أبو سفيان:

أبايعك، وأملأها عليهم خيلا ورجلاً خيلاً ورجلاً، فانتهره الإمام، وقال له : ما زلت تكيد للإسلام وأهله.

ولو قبل الإمام البيعة لبايعه آل هاشم، وكثير من المهاجرين والأنصار، ولكنه آثر مصلحة الإسلام، ووحدة المسلمين، واكتفى بالاحتجاج والانكار على أبي بكر وقال له - كما جاء في الإمامة والسياسة لابن قتيبة - : أنا عبدالله وأخو رسول الله، وأحق بهذا الأمر منكم، وأنتم أولى بالبيعة لي وأنتم أولى بالبيعة لي... نحن أهل البيت أولى بالنبي ما دام فينا الفقيه في دين الله، العالم بستن رسوله، العالم بسنن رسوله، المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنها، القاسم بينهم بالسوية، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله.

وهذه أول عين للفتنة فقأها الإمام بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

2 - اغتصبوا فدكاً من بضعة رسول الله، وحاولوا أن يحرقوا البيت عليها وعلى بعلها وأولادها، فصبر الإمام حرصاً على وحدة الكلمة.

3 - عهد أبو بكر بالخلافة من بعده الى عمر، فسكت الإمام خوفاً من إيقاظ الفتنة.

4 - صرفها عنه عمر الى عثمان تحت ستار الشورى فتحمل للغاية نفسها نكث طلحة والزبير، وأخرجا أم المؤمنين من خدرها، يغرسون بذور الفتنة، فقضى عليها الإمام وعلى الغارس والحارث

6 - مرق الخوارج من الدين، وقطعوا طريق المسلمين، يقتلون ويخربون، ذبحوا الرجال ومنهم عبدالله بن خباب، وبقروا بطن امرأته، وقتلوا النساء، ومنهم أم سنان، وقد صحبت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). فقاتلهم الإمام، وما سلم منهم إلا القليل.

الى غير ذلك من الفتن التي قطع الإمام عليها الطريق قبل ان تنمو وتثمر، ومنها الشبهات التي كانت تثار حول الاسلام، وتكاد تضلل بعض العقول والأفكار.. وهذا وما اليه دعا الإمام الى أن يقول : «اسألوني». أما قوله : «ولم يكن ليجرأ الخ».. فمعناه انه هو وحده الكفؤ للقضاء على الفتن ودفع الشبهات، ويوميء الى ذلك قوله : «وفشل كثير من المسؤولين». وذهب ابن أبي الحديد مذهباً آخر في تفسير «ليجرأ»، وتبعه من جاء بعده من الشارحين !. ولعل تفسيرنا أقرب وأرجح.

(فاسألوني - الى - موتاً). قد توجد قرائن معقولة وأسباب طبيعية تشير الى حوادث مقبلة، فيصدق التنبؤ بها ممن اطلع على تلك القرائن والأسباب، كالتنبؤ بأحوال الجو وتقلباته، وبالخسوف والكسوف والفيضان، وبالحرب بين دولتين قويتين تتنافسان على مصادر الثروة، واحتكار الأسواق.. وكل تخطيط محكم فإنه يشير الى ما يترتب عليه من نتائج عند تنفيذه وتطبيقه، واذا لم يكن هناك من قرائن ملموسة تشير الى المستقبل من قريب أو بعيد - يكون التنبؤ وهماً وخيالاً إلا اذا اعتمد على الوحي من علام الغيوب

ونص القرآن الكريم على ان الايمان بالوحي أصل أصيل للإيمان بالله ورسوله : «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - 5 البقرة». وأوحى سبحانه الى نبيه الكريم الكثير من أنباء الغيب : « ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ 44 آل عمران». «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ - 27 الجن». وكذا النبي لا يظهر على هذا الغيب أحداً إلا من ارتضى الله ورسوله من ولي، وكان رسول الله يظهر علياً على ما أظهره الله عليه من غيب.

ومن أقوال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «قد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وأنا ولد يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه - أي رائحته - ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي من أخلاقه علما في كل يوم، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة.. وقال لي : انك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى إلا أنك لست نبياً».

وقال الاستاد عبد الكريم الخطيب الأديب المصري في كتاب علي بن أبي طالب : «إذا ذهبت تستعرض جميع الذين كانوا في كنف رسول الله من زوج وولد لم تجد أحداً منهم قد كان له من طول الصحبة والمخالطة ما كان لعلي، فلقد صحب رسول الله صحبة متصلة أكثر من ثلاثين عاماً، وتلك مدة، وتلك مدة لم يظفر بها أحد من المسلمين جميعاً، فإذا اجتمع الى طول الصحبة القرابة القريبة، والألفة

المتصلة، والمخالطة في حلو الحياة ومرها أذن واعية، وقلب ذاكر وعقل حافظ كان كل ما نسب الى علي من علم قليلاً بالنسبة الى ما يرجى منه، ويؤمل فيه، وان استكثره المستكثرون المستكثرون، وشك فيه الشاكون».

فكل غيب أخبر به الإمام فهو عن رسول الله عن جبريل عن الله، كما قال : ذلك علم علمه الله نبيه فعلمنيه، ودعا بأن يعيه صدري، وتضطم عليه جوارحي.

(ولو قد فقدتموني – الى المسؤولين). اذا خلي مكاني من بينكم، ثم نزلت بكم نازلة، أو حدثت مشكلة فلا تجدون من يردها، أو نجيب سائلاً عن حكمها (وذلك اذا تقلصت حربكم). أي تمادت الحرب بينكم وبين أعدائكم (و شمرت عن ساق) كناية عن شدة الحرب (وضاقت الدنيا عليكم ضيقاً تستطيلون معه أيام البلاء عليكم). سوف يعضكم بعدي البلاء، ويشتد حتى تروا اليوم الواحد أبداً لا نهاية له، وذلك ان المعافى يقيس الزمان ما قرره علماء الفلك، أما المبتلى فتمد الثانية في إحساسه وشعوره أياماً، كما قال المتنبي: «وليل العاشقين يطول».

(حتى يفتح الله لبقية الأبرار منكم). أي انه تعالى لا يرفع الضيق والشدة عنكم إلا اذا وجد منكم. أحرار يجاهدون البغي وأهله، ويصبرون على الشدائد في سبيل الحق، ويستشهدون من أجل الحرية والكرامة : «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ - 11 الرعد». (ان الفتن اذا أقبلت شبهت) أي يلتبس أمرها على البسطاء حين تفاجئهم ويظنونها خيراً (واذا أدبرت نبهت) لا تنكشف حالها حتى تخمد ويظهر ضررها وخطرها للعيان (ينكرن مقبلات، ويعرفن مدبرات). هذا بيان وتفسير لما قبله، وقد مثل له ابن أبي الحديد بفتنة الجمل والخوارج حيث كان كثير من الناس متوقفين في بداية الأمر، ولما وضعت الحرب أوزارها استبان لهم صاحب الهداية وصاحب الضلالة. (ويحمن حوم الرياح، يصبن بلداً، ويخطئن بلداً). إن الفتن تماماً كالرياح تعصف في مكان، وتهدأ في آخر

فتنة بني أمية.. فقرة 3 - 4 :

أَلَا إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةٌ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمياء

مظلَمَةٌ عَمتْ خُطَّتُها وخَصَّتْ بَلِيتُها، وَأَصَابَ البَلاء مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا وَأَخطأَ البَلاء مَنْ عَمِيَ عَنْهَا. وَأيمُ اللهِ لَتَجِدُنٌ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَاب سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ، تَعْذِمُ بِفِيهَا وَتَخبِطُ بِيَدِهَا، وَتَزْبِنُ برجليها، وَتَمتَنَعَ دَرَّهَا. لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنكُم إلانتافِعَا لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ، وَلَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ حَتَّى لَا يَكُون انتصارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِيهِ. تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتَنتُهُمْ شُوهَاءَ مَخشِيَّة وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً. لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى، وَلَا عَلَمْ يُرَى (3) نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ. ثُمَّ يُفَرِّجهَا اللهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيج الأديم بمنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَيَسُوتُهُمْ عُنْفاً، وَيَسْقِيهِم بكأس مُصَبرَةٍ لَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ، وَلَا يُحلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْف. فَعِنْدَ ذلِكَ تَوَدُّ قُرَيْسُ بالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ يرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً وَلَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونيه (4).

اللغة :

الخطة - بضم الخاء - الأمر، يقال : تلك خطة ليست ببالي أي ذاك أمر. والضروس من النوق : ما تعض حالبها، ويقال : ضرسه الدهر أي اشتد عليه. وتعذم : تعض. وتزبن : تضرب. والدر : اللبن. والشوهاء : القبيحة والمخشية : المخوفة. والأديم : الجلد. والحسف : الذل. وكأس مصبرة :

مملوءة من ملأ الكأس الى أصبارها أي الى رأسها. وجزر الناقة وجزر الناقة : نحرها، والشا ذبحها، والنخلة صرمها، وكلمة الجزور تطلق على الناقة والشاة.

الإعراب :

ألا لافتتاح الكلام، وايم الله مبتدأ، والخبر محذوف وجوباً أي قسمي، و «بكم» متعلق بمحذوف خبراً لـ «يزالون» أي لا يزالون قائمين بكم وشوهاء حال من فتنتهم، ونحن مبتدأ، وبمنجاة خبر، ومنها متعلق به وأهل البيت نصب على الاختصاص أي أخص أهل البيت وخسفاً مفعول مطلق، ومثله عنفاً، لو يروني «لو» مصدرية بمعنى «ان» ولكن بلا نصب، ولو قدر «لو» هذه للتقليل كما قيل، وقدر نصب على الظرفية لأن معناه الوقت اللازم لذبح جزور.

المعنى:

بعد أن أشار الإمام الى الفتنة، وانه أخمدها، وانها تختفي مقبلة، وتظهر مدبرة - أشار الى الفتنة الأموية بقوله : (ألا وان أخوف الى – بليتها) المراد بعموم خطتها ان رئاسة الأمويين كانت عامة تشمل الجميع، واختصت بليتها بالأحرار والمستضعفين حيث كان الأمويون يستعبدون ويستغلون هؤلاء، وينكلون بأؤلئك قتلاً وتشريداً، وأسراً وتصفيداً (وأصاب البلاء من أبصر فيها) اشتد البلاء في هذه الدولة الطاغية - على أهل العلم والاخلاص، يصيبهم من عدوانها السهم الأوفر لصدقهم ومعارضتهم، ويشاهدون المنكر هنا وهناك، ولا يملكون من أمره وأمرهم شيئاً.

(وأخطأ البلاء من عمي عنها). أي عن الفتن والمعنى ان ما أحد يسلم من جور الأمويين إلا من يبارك أباطيلهم عن جهل وعمى، أو عن قصد وطمع (أرباب سوء بعدي كالناب الضروس) أي الناقة الشموس (تعذم بفيها) تعض (وتخبط بيدها) خبطاً شديداً (وتزبن برجلها) تضرب بها من يقرب منها (وتمنع درها) خيرها ولبنها (ولا يزالون بكم) يهلكون الحرث والنسل

(ولا يتركون منكم إلا نافعاً لهم) لا يسلم من شرهم إلا من كان عميلاً من عملائهم (أو غير ضائر بهم) . يقف على الحياد لا يساوم ولا يقاوم.

(حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار الخ..) من ربه أي من سیده، والصاحب التابع، والمستصحب المتبوع، والمعنى انهم يتلونون مع الأمويين كالخدم والعبيد، يطيعون في الظاهر، ويتميزون من الغيظ في الباطن، وقال الإمام في الخطبة 95 : «حتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سیده إذا شهد أطاعه وإذا غاب اغتابه» (ترد عليكم – الى - يرى) أي ان دولة أمية شر كلها، عدلها بعيد وجورها عتيد.

قال طه حسين في كتاب «مرآة الإسلام» ص 268 طبعة 1959 :

«جعل معاوية الخلافة ملكاً، وأورثها ابنه من بعده، واستباح أشياء حرمها القرآن ثم تتابع الخروج على الكتاب والسنة، لأن الأثم يدعو الاثم، ولأن حب الدنيا لا يقنع صاحبه، فالله قد حرم مكة في القرآن، وحرم النبي المدينة وقد استباح بنو أمية المدينة ومكة جميعاً، بدأ يزيد بن معاوية فاستباح المدينة، وأنهبها ثلاثاً، وثنى عبد الملك بن مروان فأذن للحجاج في أن يستبيح مكة.. كل ذلك لتخضع البلاد المقدسة لبني سفيان ومروان، واستباح ابن زياد عن أمر يزيد قتل الحسين وأبنائه واخوته وسبي بنات النبي.. وأصبح مال المسلمين ملكاً للخلفاء، ينفقونه كما يحبون لا كما يحب الله».

وفي ص 293 قال طه حسن : «ولست في حاجة الى أن أذكر زياداً، ذاك الذي أعلن في خطبته المشهورة انه سيأخذ البريء بالمسيء، والصحيح في دينه بالسقيم، ولا اذكر الحجاج الذي أسرف في القتل بغير الحق، فقد كان زیاد والحجاج طاغيتين أطلق خلفاء بني أمية أيديهما وأيدي غيرهما من ولاة العراق في دماء الناس وأموالهم فأفسدوا وأمعنوا في الفساد».

(نحن أهل البيت منها بمنجاة) أي من أوزار الدولة الأموية وآثامها، لا من ظلمها وعدوانها، لأن أهل البيت وشي- لأن أهل البيت وشيعتهم كان لهم من الجور الأموي الحظ الأكبر والنصيب الأوفر (ولسنا فيها بدعاة) للأشرار وأهل الفساد والضلال (ثم يفرجها الله عنكم كتفريج الأديم). قيل : إن الإمام أشار بهذا الى انقراض دولة الأمويين، وقيام دولة العباسيين، وقيل : إشارة الى صاحب الأمر (يسومهم

• الى - الخوف). وينطبق هذا تماماً على ما فعله العباسيون ببني أمية من القتل والتشريد، وهو قرينة ظاهرة على ترجيح القول الأول.

(فعند ذلك تود - الى - جزور). المراد بقريش هنا بنو أمية، وبالخصوص مروان بن محمد آخر ملوكهم، والمراد بالمقام الواحد الزاب، وهو نهر بالموصل. وملخص هذه الحكاية التي أشار الإمام اليها قبل وقوعها بأكثر من تسعين عاماً :«ان مروان بن محمد المذكور سار بجيوشه لملاقاة جيوش العباسيين حتى نزل على الزاب، عبدالله عبدالله ولما رأى راية أعدائه بقيادة عبد الله بن على بن عبد الله بن العباس - قال : وددت ان علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلاً من هذا الفتى العباسي».

قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة : والقصة مشهورة نقلها أهل السير كلهم .. وهذا الكلام من الإمام إخبار عن ظهور المسودة –أي بني العباس - وانقراض ملك بني أمية، وقد وقع الأمر بموجب إخباره صلوات الله عليه، وصدق في قوله : «تود قريش الى آخر الكلام»... ولا تفسير لهذا الصدق إلا بالوحي من الله الى رسوله، ومنه الى الإمام.

(لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونيه). رضي الإمام من الأمويين بالسكوت، لا له، ولا عليه، فأبوا وحاربوه بكل سلاح، ولما انتقل الى ربه ودوا لو حكمهم دون غيره، لأنه صاحب دين، لا طالب دنيا باعتراف الأمويين أنفسهم.

الخطبة - 92 -

قاموا بدين الله.. فقرة 1 - 2 :

فَتَبَارَكَ اللهُ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلَا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ. الْأَوَّلُ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ فَيَنتهي، وَلَا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَع، وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٌّ. تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الْأَصْلَابِ إلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ، كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفَ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّهِ خَلَفٌ. حَتَّى أَفضَتْ كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِنَا وَأَعَرُ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهَ وَأَنتَخَبَ مِنْهَا أَمَنَاءَهُ (1). عِتْرَتُهُ خَيْرُ العِتَرِ، وَأَسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسرِ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ. نَبَتَتْ فِي حَرَم وَبَسَقَتْ فِي كَرَم، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالُ وَثَمَرَةٌ لَا تُنَالُ، فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى، سِرَاجُ لَمَعَ ضَوْءُهُ، وَشِهَابٌ سَطَعَ نُوْرُهُ،

وَزَندُ بَرَقَ لَمْعُهُ. سِيرتُهُ الْقَصْدُ وَسُنَّتَهُ الرُّشْدُ. وَكَلامُهُ الْفَضْلُ. وحكْمُهُ الْعَدْلُ. أَرْسَلَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ. وَغَبَاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ. اعْمَلُوا رَحَمَكُمُ اللهُ عَلى أَعْلَام بَيِّنَةٍ. فَالطَّرِيقُ نهج يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلام. وَأَنتُمْ فِي دَارٍ مُسْتَعْتَب عَلى مَهْل وَ فَراغ. وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ. وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَالْأَلسُنُ مُطلَقَةٌ، وَالتَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ، وَالْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ (2).

اللغة :

تبارك : تقدس. وتناسختهم : تناقلتهم وأفضت : بلغت. والمنبت : موضع النبات. والمغرس : موضع الغرس. والأرومات : الأصول، وصدع بالشيء : قام به ومضى فيه، وصدع اليه : مال اليه، وعنه : كفَّ، ومنه : شق وأخرج. وانتخب: اصطفى واختار. والزند : يقتدح به النار. والقصد : الاستقامة، والفترة : الهدنة. والهفوة : الزلة. واستعتب : استرضاه، وما بعد الموت مستعتب أي استرضاء.

الإعراب :

الذي لا يبلغه اسم الموصول صفة لله أو بدل، والأول بدل أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو الأول، وكلما «ما» مصدرية ظرفية، ونصبت كل لأنها مضافة الى الظرف، ومنبتاً تمييز ومثله مغرساً، والتي صدع صفة للشجرة.

المعنى :

(فتبارك الله - الى – فينقضي). تقدم أكثر من مرة ان الذات القدسية أجل

من أن تدرك بالعقول والأوهام، وكيف يحيط المحدود بمن لا بداية له ولا نهاية ! وهل تكون الذرة الصغيرة وعاء للكون العظيم بكواكبه وعجائبه، وكل ما يستطيعه العقل بالنسبة اليه تعالى هو إدراك وجوده، وانه ليس كمثله شيء لأنه خالق كل شيء، والخالق غير المخلوق (فاستودعهم – الى خلف). يشير الإمام بهذا الى الأنبياء، وانه تعالى نقلهم من الاصلاب الطاهرة الى الأرحام المطهرة عن الزنا والفحش، ويرى الامامية ان كل نبي يجب أن يكون منزهاً عن دناءة الآباء وعهر الأمهات لأن ذلك منفر منه وهذا مجرد استحسان لا يلزم به العقل، فإن ثبت النقل القطعي متناً وسنداً عند الباحث وجب عليه الاعتقاد بذلك، وإلا فلا وجوب ولا استحباب أيضاً ان صح التعبير. وقول الإمام : «كلما مضى منهم خلف» إشارة الى ما جاء في الآية 44 من سورة «المؤمنون»: ثم أرسلنا رسلنا تترأ. أي متواترين متتابعين.

(حتى افضت - الى الى – امناءه). قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «والله أحب ان ترفعوني فوق منزلتي». والسبب الموجب لهذا النهي انه لا شيء فوق محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا الله، ومنزلة خاتم النبيين من النسب انه يتصل باسماعيل ابن خليل الله ابراهيم، والى هذا أشار الإمام بقوله : «أفضل المعادن مبتاً، وأعز الارومات مغرساً» ويجوز أن يكون المراد بالمنبت مكة محل ولادة النبي، وبالمغرس جده اسماعيل، ومنزلته من مكارم الأخلاق انه متمم لها، ومنزلته من النبوة انه سيد المرسلين وخاتم النبيين، ومنزلته من الجهاد انه منقذ الانسانية على حد ما وصفه برنارد شو. وتكلمنا عن ذلك في شرح الخطبة، رقم 1 و 86 و 88..

(عترته - الى - لا ينال) سبق الحديث عن العترة الطاهرة وفضلها في شرح الخطبة رقم 2 و 84 وغيرهما، وللتبرك نذكر ما جاء في صحيح مسلم القسم الثاني من الجزء الثاني باب فضائل أهل البيت ص 116 طبعة سنة 1349هـ : «قالت عائشة : خرج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعليه مرط مرحل - أي برد عليه تصاوير - فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.

(فهو) أي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (امام - الى لمعه) . وهذا ما نطقت به الآية 46 من سورة الأحزاب : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا

إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا». (سيرته القصد، وسنته الرشد) الاعتدال كل شيء، والكمال البشري في كل وصف، والاخلاص في القول والعمل (وكلامه الفصل، وحكمه العدل). لا محاباة ولا شهوات.

وتسأل : اشتهر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) انه قال : «انكم تختصمون إلي، وانما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن - أي أبين - بحجته من بعض فأحسب انه صادق فأقضي له، فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما اقتطع له قطعة من النار يطوق بها من سبع أرضين». ومعنى هذا انه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد يقضي بغير الواقع، فكيف يكون حكمه العدل.؟

والجواب عن هذا السؤال موجود في قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : وهو : «انما أنا بشر.. أقضي على نحو ما أسمع.. فأحسبه صادقاً». أي ان النبي حين يقضي بين اثنين لا ينزل عليه وحي من السماء بأن هذا هو الحق، وذاك باطل، وانما يعتمد في الحكم والفصل بين الناس على ما قرره سبحانه لكل قاض من الأصول كالبينات والأيمان وغيرهما مما يوجب العلم والوثوق، كما قال : «فأحسبه صادقاً». ومعنى هذا ان العدل في الحكم يرتبط بالأصول المقررة، وان العالم العادل من عرفها والتزم بها، وان من تاه عنها فهو جائر أو جاهل.

(أرسله) الضمير لمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) (على حين فترة) بينه وبين من سبقه (من الرسل). وتقدم وتقدم مثله بالنص الحرفي في أول الخطبة 87 (وهفوة عن العمل) أي انحراف الناس عن دين الله وشريعته (وغباوة من الأمم). جهل وعمساء (اعملوا رحمكم الله على أعلام بينة). المراد بالأعلام البينة هنا أئمة الهدى، أو أحكام الله سبحانه الظاهرة في كتابه وسنة نبيه، والمعنى واحد، وهو وجوب المبادرة الى العمل بعد أن قامت الحجة، وانقطعت المعذرة.

(فالطريق) إلى مرضاته تعالى (نهج) واضح (يدعو الى دار السلام) والأمان من المخاوف والمهالك المخاوف والمهالك، وطوبى لمن سلكه وطوبى لمن سلكه، والويل لمن تاه عنه، وقال بعض المتصوفة : «الطريق لله، لا اليه». ولعله أراد أن العلم بالله يكون بالاتصال المباشر لا بالواسطة،، وهذا الاتصال لا يكون إلا لمن فتح الله عليه (وأنتم في دار مستعتب على مهل وفراغ). تستطيعون في دنياكم هذه أن تطلبوا الرضا منه تعالى بطاعته والعمل بأمره ونهيه، وهو سبحانه يستجيب ويثيب، انه

رحيم كريم ما جعل عليكم في الدين من حرج.

(والصحف منشورة) ومهيأة للكتابة، وفيها تكتب كل كبيرة وصغيرة (والأقلام جارية) في محاسن أعمالكم ومساويها : «وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا - 49 الكهف».

(والأبدان صحيحة) فاستعملوها بالصالحات قبل أن تبلى بالسقم، وتفنى بالموت (والألسن مطلقة) فلا تحركوها إلا بخير، وفي الحديث : لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.

(والتوبة مسموعة) لأنه تعالى قد أمر بها، وفتح بابها فكيف يغلقه دون التائبين (والأعمال مقبولة) وإن قلت ما دامت خالصة لوجهه الكريم، ومن حكم الإمام : لا يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل ما يقبل ؟.

الخطبة - 93 -

حول بعثة النبي :

بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضَلَّالٌ في حَيْرَةٍ، وَخَابِطُونَ فِي فِتْنَةٍ. قد اسْتَهْوَتْهُم الأهواء، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاء، وَاسْتَخَفّتهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلاءُ. حَيَارَى فِي زِلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَبَلاءٍ مِنَ الْجَهْلِ. فَبَالَغَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.

اللغة :

خابطون : ضاربون : والمراد بالفتنة هنا البدعة. واستهوتهم : زينت لهم واستزلتهم : قادتهم الى الزلل أي الذنوب والآثام، واستخفتهم : أبعدتهم عن الحق والصواب.

الإعراب :

في حيرة متعلق بضلال، والجهلاء صفة مؤكدة للجاهلية، مثل ليل أليل، وحيارى حال من ضمير استخفتهم، وفي زلزال متعلق بحيارى.

المعنى:

تقدم مثل هذا أكثر من مرة، وخلاصته أن الله أرسل محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في زمان جحد الكثير من أهله بالخالق من الأساس، وأشرك آخرون بعبادة الأصنام، أو بما ابتدعوا من تحريف الكتب السماوية، والكل جحدوا بالقيم، وبالحلال والحرام فجاء محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو أمي لا يعرف القراءة والكتابة، وقال للعالم كله آنذاك : أنتم على ضلال وفساد، ورسالتي هي وحدها الهدى والصلاح، ودليلها العقول السليمة والضمائر الحية، فارجعوا اليها ان أردتم الخير لأنفسكم.. وبهذه الرسالة بنى محمد أمة، وأسس حضارات لا حضارة واحدة.

ولا زالت رسالته قائمة بعقيدتها وشريعتها، وستبقى ما بقي على ظهرها ابن آدم. لقد ذهبت معجزات الأنبياء بذهابهم، فأين هي عصى موسى، وطب عيسى، وناقة صالح، وطوفان نوح، وطوفان نوح، ونار ابراهيم ؟.. انها أضاءت، ثم همدت، وكذا غيرها من المعجزات، كلها حوادث مؤقتة، أما معجزة محمد فخالدة، لأن إعجازها في رسالته بالذات، في عقيدتها وشريعتها وجميع تعاليمها، ومن أجل هذا تفردت بالدوام دون سائر المعجزات.

الخطبة - 94 -

ألف به اخواناً :

الْحَمْدُ لِلهِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْءٍ قَبْلَهُ، وَالْآخِرِ فَلَا شَيْءٍ بَعْدَهُ، وَالظَّاهِرِ فَلَا شَيْءٍ فَوْقَهُ. وَالْبَاطِنِ فَلَا شَيْءٍ دُونَهُ. مُسْتَقَرَّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٌ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنبت. فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ، وَمَمَاهِدِ السَّلَامَةِ. قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ، وَثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ. دَفَنَ بِهِ الضَّغَائِنَ، وأطفَاً بِهِ الثَّوَائِرَ. أَلْفَ بِهِ إخواناً، وَفَرِّقَ بِهِ أَمْرَانَا. أَعَزُّ بِهِ الذُّلّةَ، وَأَذَلَّ، وَأَذَلُّ بِهِ العِزَّةَ. كَلَامُهُ بَيَانُ وَصَمْتُهُ لِسَانُ.

اللغة :

قال الشيخ محمد عبده : مماهد: جمع ممهد -بفتح الميم الأولى وسكون الثانية – أي ما يبسط فيه للفراش. وأزمة : جمع زمام أي ما يقاد به. وثنيت

اليه : اتجهت اليه. والضغائن : الأحقاد. والثواثر : جمع ثائرة أي العداوة والأقران : من قرن الشيء بالشيء أي جمع بينهما

المعنى:

(الحمد لله الأول فلا شيء قبله) أي لا ابتداء له (والآخر فلا شيء بعده) لا انتهاء له، وتقدم ذلك مرات (والظاهر فلا شيء فوقه) (الغالب بقدرته كل شيء، ولا غالب له) والباطن فلا شيء دونه (العالم بالضمائر والبواطن، ولا شيء يحول دون علمه بها، أو الظاهر بآثاره فلا شيء أظهر من وجوده تعالى، الباطن بحقيقته، ولا شيء أخفى منها.

(مستقره خير مستقر). الضمير يعود الى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والمراد بمستقره بلده مكة المكرمة (ومنبته أشرف منبت في معادن الكرامة). يجوز أن يكون المراد بالمنبت هنا مكة لأنها محل ولادته، ويجوز أن يكون المراد نسبه الشريف (ومماهد السلامة) وهي المدينة المنورة حيث عاش فيها بسلام وأمان من أذى المشركين وشرهم، وأقام فيها دولة الاسلام، وأظهره سبحانه على الدين كله.

(قد صُرفت نحوه أفئدة الأبرار) . عاش النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مجتمع تسوده الفوضى والفساد، والضلال والانحلال، ذلك كان - منذ صباه - محبوباً ومع بشمائله عند الكل، وثقة عند الجميع حتى أسموه الصادق الأمين، ولما بعث وأعلن الحرب على الشرك والفساد تنكر له الطغاة الأشرار، وتألبوا عليه، وازداد الطيبون الأبرار له حباً واخلاصاً من يومه الى يومنا هذا، والى آخر يوم، وفيهم قادة الفكر في أوروبا وأمريكا (انظر ما نقلناه عنهم في كتاب : فلسفة التوحيد والولاية، فصل محمد والقرآن).

(وثنيت له أزمة الأبصار). اتجهت الانظار الى سرته ورسالته في كل عصر ومصر، لأنها تشع بالهدى والنور (دفن به الضغائن، وأطفأ به الثواثر، ألَّف به إخواناً). ما اجتمعت للعرب كلمة في يوم من الأيام إلا على عهد محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبفضل الله وفضله، ولما هاجر الى المدينة كان بين قبيلتي الأوس والخزرج حرب دامية ومتصلة، فألغى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما كان بينها من حرب وخصومة،

وكف أيدي بعضهم عن بعض، والى هذا أشارت الآية 103 من سورة آل عمران: فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً.

(وفرق به أقراناً). فرق الإسلام بين الأب الكافر الضال، والابن الذي أسلم وآمن بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).. فقد كان عتبة بن ربيعة أول من بارز المسلمين وحاربهم يوم بدر، كان ابنه حذيفة يحارب مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وكان عبد الرحمن ابن أبي بكر مع المشركين، وأبوه مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وفي ذلك يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «كنا مع رسول الله تقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا وأعمامنا، ولا يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً». (وأعز الله به الذلة) أي ان المستضعفين أيام الشرك صاروا أقوياء أعزاء بالإسلام، كعمار بن ياسر كعمار بن ياسر، وسلمان، وبلال وغيرهم كثير (وأذل به العزة) من المشركين الطغاة.

السكوت :

(کلامه بیان) للحق والعدل : «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى - 3 النجم». (وصمته لسان) وبيان بأن هذا المقام يجب فيه الصمت، لأنه لا يتصل بالحياة من قريب أو بعيد، والانسان غير مكلف بمعرفته، أو لأن الكلام عنه سابق لأوانه، وما الى ذلك من البواعث والأسباب.

وليس من شك ان الكلام يعبر عما في الضمير، ولكن السكوت في بعض الأحيان يكون أبلغ وأبين من الكلام. والمهم أن يعرف الانسان متى يجب الكلام ومتى يجب السكوت، ومن ميز بين المقامين، والتزم بما يقتضيه كل منهما نجح في دنياه، وسليم في آخرته وللإنسان حرية التعبير عن رأيه، ولكن ليس له حرية الصمت أبداً ودائماً وفي كل مقام فعليه أن يرد التحية بمثلها أو بأحسن منها، وأن يقرأ في صلاته وعبادته، وينكر المنكر بيده ان استطاع، وإلا فبلسانه. وفي الحديث : «الساكت عن الحق شيطان أخرس.. أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر». أما قول من قال. اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، أما هذا القول فإن المراد به السكوت حيث لا يجوز الكلام، قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : رب كلمة سلبت نعمة.

وتسأل : ألا يتنافى قول الإمام : «وصمته لسان القاعدة المعروفة بين

الفقهاء : «لا ينسب الى ساكت قول» إلا مع القرينة الدالة على الرضا تقوم مقام اللفظ ؟.

الجواب :

إن كلام الفقهاء يختص بالتعاقد كالزواج، والبيع والشراء، وأن السكوت من حيث هو لا يدل في التعامل على الرضا، ومع القرينة الدالة عليه تكون هي العمدة، والدليل لا السكوت.. والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتكلم عن عظمة البي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في كلامه وسكوته، فأين هذا من ذاك ؟.

الخطبة - 95 -

التخاذل عن الحق والإسراع الى الباطل.. فقرة 1 - 3 :

وَلَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخُذُهُ. وَهُوَ لَهُ بِالْمُرْصَادِ عَلى تَجَازِ طرِيقِهِ. وَبموضع الشَّجَى مِنْ مَسَاعَ رِيقِهِ. أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنْ هولاء الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ، لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالحَقِّ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ لإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي. وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ تَخَافُ ظُلَمَ رُعَاتِهَا. وَأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي (1). اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَدَعَوْتُكُمْ سِرًّا وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا. أَشُهُودُ كَغُيَّابٍ وَعَبِيدٌ كَأَربَاب ؟ أَتْلُو عَلَيْكُمُ الحَكَمَ فَتَنفِرُونَ مِنْهَا. وَأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فتتفَرَّقُونَ عَنْهَا. وَأَحثّكُمْ عَلى جِهَادِ أَهْلِ البَغْيِ فَما آتِي عَلى آخِرِ القَوْلِ حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِي سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى تَجَالِكُمْ وَتَتَخَادَعُونَ


1)

عَنْ مَوَاعِظُكُمْ. أُقَوِّمُكُمْ عُدْوَةً وَتَرْجِعُونَ إِلَى عَشِيَّةٌ كَظَهْرِ الْحَنِيةِ، عَجَزَ الْمُقَوّمُ وَأَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ (2). أَيُّهَا الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمُ. الغَائِبَةُ عُقُولهُمْ. الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ. المُبْتَلَى بِهِمْ أَمَرَاؤُهُمْ. صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَأَنتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَم فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةٌ مِنكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ. يَا أَهْلَ الكُوفَةِ مُنِيتُ بكم بِثَلَاثٍ وَأَثْنَتَيْنِ : هُمُّ ذَوُو أستماع، وَبِكُمْ ذَوُو كلام، وَعُمْيٌ ذَوُو أبصَارِ. لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللقَاء وَلَا إخْوَانُ ثِقَةٍ عِندَ البَلاء، تربت أيديكم (3).

اللغة :

الراصد : الرقيب، والمرصاد : الطريق التي فيها ترقب وترصد. والمجاز : المسلك. والشجي والشجي : ما يعترض في الحلق. وساغ الطعام أو الشراب : سهل مدخله في الحلق، ومساغه ممره ومكانه. واستنفرتكم : طلبت منكم أن تنفروا للجهاد، قال تعالى : «إلا تنفروا يعذبكم - 39 التوبة» وموعظة بالغة : أي بلغت النهاية من العظة، وينبغي أن تؤثر تأثيراً شديداً. والمراد بتتخادعون هنا تغيبون ولا تتعظون. والحنية : القوس. وأعضل أشكل أو استصعب. ومنيت : ابتليت. وتربت افتقرت.

الإعراب :

والذي الواو للقسم، والذي مجرور به. ليظهرن اللام في جواب القسم، ويظهرن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ومثله تالله لأكيدن أصنامكم

وسراً مفعول مطلق مبين للنوع مثل قعدت القرفصاء ورجعت القهقرى، القهقرى، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال أي مسراً ومجاهراً، وأيادي سبا أصل-ه تفرق أيادي سبأ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه، وقال ابن أبي الحديد: أيادي سبأ إسمان جعلا اسماً واحداً مثل معدي كرب، وعشية نصب على الظرفية، والمقوم الأول اسم فاعل، والثاني اسم مفعول، وأبدانهم فاعل الشاهدة، وعقولهم فاعل الغائبة، وصم خبر لمبتدأ محذوف أي أنتم صم.

المعنى :

(ولئن أمهل الله الظالم الى - ريقه). إن الله سبحانه يعلم من خلقه ما يفعلون من خير أو شر، وما يسرون ويعلنون، وهو لا محالة ينتقم ممن ظلم

وأجرم، ولا يعجزه شيء في السموات والأرض (أما والذي نفسي – الى حقي). البذرة الصالحة لا تصير شجرة باسقة إلا ادا غُرست في أرض طيبة، وتعهدها الغارس بأسباب الحياة والنمو، وكذا الحق لا يدفع ضراً، ولا يجلب، نفعاً انه نظرية وكفى إلا اذا وجد أنصاراً يستجيبون لدعوته، ويكافحون من أجله، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على حق، ولكن أصحابه يسمعون منه ولا يطيعون، ومعاوية على باطل، ولكن أصحابه يد واحدة في طاعته أصحابه يد واحدة في طاعته. واذن فلا عجب اذا انتصر وانهزم أولئك بتفرقهم عن حقهم. وتقدم مثله في هؤلاء باجتماعهم على باطلهم الخطبة 25.

(ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي) كانت السياسة التقليدية للحكام على وجه العموم - أن يستغلوا ويضطهدوا المحكومين. ولا جزاء لمن يرفع صوته إلا السيف، ومن هنا كانت الرعية تعيش في خوف دائم من جور الحاكم والقائد، ولكن حال الرعية مع الإمام على النقيض من ذلك فقد كان هو الخائف من تفرقهم وتخاذلهم، لا لشيء إلا لأنه يحكم بالعدل، ويجهد نفسه ليحقق لهم الخير والنصر على أعدائهم.

والمناسبة الاشارة الى حرف الرعية من ظلم الراعي تذكر هذه الحكمة البالغة، قيل : إن كونفوشيوس مر في مكان قفر وبعيد، فرأى امرأة تبكي بحرارة الى جانب قبر، ولما سألها قالت : قتل النمر والد زوجي، ثم قتل زوجي،

ثم قتل ولدي. فقال : ولماذا سكنتم هنا ؟ فقالت : لأنه ليس هنا حكومة ظالمة. فالتفت كونفوشيوس الى أصحابه وقال : تذكروا ان الحكومة الظالمة أشد فظاعة من الوحش المفترس

(استنفرتكم - الى - فلم تقبلوا). تقدم هذا التوبيخ بأساليب شتى. وهذا الاسلوب قريب الشبه بشكوى نوح الى خالقه حيث «قال رب اني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً.. ثم اني دعوتهم جهاراً ثم اني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً.. ومكروا مكراً كباراً». (أشهود كغياب، وعبيد كأرباب) أي شهود بالأبدان، وغياب بالعقمول، وعبيد في الخمسة والدناءة، وأوباب في التيه والكبرياء (أتلو عليكم الحيكم فتنفرون منها، وأعظكم بالمواعظ البالغة فتتفرقون عنها). نفروا وتفرقوا ولم يتعظوا، لأنهم صمموا منذ البداية أن لا يستمعوا إلا إلى أهوائهم، فهي وحدها عندهم المنطق والعقل، والدين والضمير، وما عداها جهل وضلال.

(واحثكم على جهاد أهل البغي) وهم معاوية ومن حارب معه الذين اسماهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالفئة الباغية (فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيدي سبأ). قال الطبري وصاحب مجمع البيان عند تفسير قوله تعالى : «ومزقناهم كل ممزق - 19 سبأ» : ان سائلاً سأل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن سبأ ؟ فقال : كان رجلاً من العرب، له عشرة أولاد : فتيمن منهم ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تيمنوا فكندة وحمير والأزد والأشعريون ومذحج و انمار الذين منهم خثعم وبجيلة وأما الذين تشاءموا فعاملة وجذام ولحم وغسان.

(ترجعون الى مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم). كانوا يستمعون الى نصح الإمام ومواعظه، فإذا فارقوه تجاهلوا كل شيء، وعبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذا بالتخادع وهو الادبار بعد الاقبال، قال ابن أبي الحديد : يقول العرب : كان فلان يعطي ثم خدع أي أمسك وأقلع عن العطاء. وقال ابن الجوزي في صيد الخاطر : ان الانسان عند سماع الموعظة يتخلى عن أسباب الدنيا، وينصت بحضور قلبه، فإذا عاد الى شواغل الدنيا جذبته اليها.

(أقومكم غدوة) بالوعظ والإرشاد (وترجعون إلي عشية كظهر الحنية). معوجين كظهر القوس (عجز المقوم) الذي يريد تقويمكم على الحق (وأعضل)

استصعب (المقوم) الذي يراد منه القيام على الحق، وبكلمة نفر المريض من الدواء، فعجز ممرضه

(المختلفة أهواؤهم). قال عبد قال عبد الكريم الخطيب في كتاب علي بن أبي طالب ص 482 : «كان جيش علي مع غلبته على جيش معاوية - في معرض العواصف العاتية من الخلاف والتفرقة يتحركون لأقل بادرة، ويثورون لأدنى مناسبة، كل رأس يريد أن يعلو على سائر الرؤوس، وكل زعيم يعمل على أن يكون صاحب الرأي والكلمة، وقد عرفنا ان الذين انحازوا الى الإمام، وقاتلوا معه لم يكن عملكهم إلا بوازع الدين والضمير، ولهذا فهم جميعاً مطلقون من يده لا يملك من أمرهم شيئاً إذ كان أمرهم الى أنفسهم، وما يدينون به لله».

(المبتلى بهم أمراؤهم). في شرح ابن أبي الحديد : ان المتكلمين من المعتزلة قالوا : ما بلغ أحد من حسن السياسة مبلغ الإمام بدليل انه قد مبلغ الإمام بدليل انه قد مني برعية مختلفة الأهواء، وبجيش عاص متمرد ومع ذلك قتل الناكئس والمارقين، وتغلب على كثير من المصاعب (صاحبكم - أي الإمام - يطيع الله وأنتم تعصونه). لأنه استغنى بالله عنهم وعن كل شيء، ولو انه عصى الله واستجاب لأهوائهم لما فاته شيء من طاعتهم، بل كانوا أطوع اليه من بنائه.

(وصاحب أهل الشام - أي معاوية بعدي الله وه وهم يطيعونه) لأنه عصى الله، واستجاب لأهوائهم، ولو عصى، ولو عصى أهواءهم لكانوا معه كاهل العراق مع الإمام (لوددت والله ان معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم). ولو فعل هذا معاوية لكان العراقيون في الطاعة له تماماً كأهل الشام أو أطوع، وكان الشاميون مع الإمام كأهل العراق أو أكثر تمرداً وعنادا، والسر أن سياسة معاوية كانت تقوم على الرشوة وشراء الذمم وسياسة علي قامت على الحق والعدل، ولا شك ان المال مقلب القلوب، لا يملك الانتهازيون معه إلا السمع والطاعة لمن يغدق عليهم بغير حساب، قال الاستاذ الخطيب في كتاب «علي بن أبي طالب» ص 44 : «كان المال في بدء الدعوة سبيلا لتأليف القلوب التي تزعزع إيمانها، ثم ها هوذا قد أصبح المال سبيلاً لانتزاع الإيمان من القلوب، فالمال على يد علي يفسد عليه أصحابه وأنصاره، والمال في يد معاوية يؤلف له أعداءه، ويبسط له على الناس سلطاناً قائماً على الرغبة والأمل».

وفي ص 444 نقل الخطيب عن الطبري ج ص 135 : «ان الحتات بن يزيد المجاشعي وفد على معاوية في جماعة من الرؤساء، فأعطى كل واحد منهم مئة ألف، وأعطى الحنات سبعين، فلما رجعوا، وكانوا في بعض الطريق أخبر بعضهم بعضاً بالجائزة، فرجع الحتات الى معاوية يعاتبه الحتات الى معاوية يعاتبه، فقال له معاوية : اشتريت من القوم دينهم، فقال الحنات : وأنا أبيعك ديني فأمر له بتمام جائزته».

(يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث واثنتين). أما الثلاث فأولاها (صم ذوو أسماع). والثانية (بكم دوو كلام). والثالثة (عمي ذور أبصار). كل شيء لا يؤدي الى الغاية التي من أجلها وجد فهو كالعدم من هذه الحيثية، ومن أهم غايات اللسان ان ينطق بالحق، والعين ان ترى دلائله، والأذن أن تسمعه، وتنتفع بسماعه، فإذا لم تنتفع العين بما رأت والأذن بما سمعت كانا كالعدم وكذا اللسان اذا خرس عن الحق.

أما الاثنتان فأولاهما (لا أحرار صدق عند اللقاء). والثانية (ولا اخوان ثقة عند البلاء). لستم بشيء اذا جد الجد لا في الحرب،، ولا ولا في غيرها من المسلمات، والويل لمن استنجد بكم (تربت أيديكم) أي لا رأيتم خيراً. قال ابن أبي الحديد : إنما قال بثلاث واثنتين، ولم يقل بخمس، لأن الثلاث ايجابية والاثنتين سلبية، فأحب أن يفرق بين النفي والإثبات

يا أشباه الإبل.. فقرة 4 - 6 :

يَا أَشْبَاءَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جَمعَتْ مِنْ جَانِبِ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ. وَاللهِ لَكَأنّي بِكُمْ فِيمَا إخَالُ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى وَحِميَ الصِّرَابُ وَقَدِ انْفَرَجُتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ أنْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبْلِهَا. وَإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ ربي، وَمِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي. وَإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الْقُطْهُ لَقْطاً (4).

أنْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزمُوا سَمتَهُمْ وَأَتَّبِعُوا أَثْرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى، وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدّى. فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبَدُوا وَإِن تَهَضُوا فَانْهَضُوا. وَلَا تَسْبقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَلَا تَتَأَخُرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا (5). لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَما أرى أحداً يشبههم، لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبراً وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِياماً يُرَاوِحُونَ بين جَبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ وَيَقِفُونَ عَلى مِثْل الجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ. كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ المِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ. إِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ أَعْيُنَهُمْ حَتَّى تَبَل جُيُوبَهُمْ، وَمَادُوا ما يميدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيح العاصف خوفاً مِنَ الْعِقَابِ وَرَجَاءَ الثَّوَابِ (6).

اللغة :

إخال : أظن. والحمس : الاشتداد. والوغى : الحرب. والقبل - بضم القاف - ضد الدبر. والمنهاج والمنهج : الطريق الواضح. والسمت : الطريق. وشعثاً غبراً : مغبري الرؤوس، والمراد متقشفون. ومادوا : اضطربوا.

الإعراب :

أشباه الإبل منادى مضاف، ولذا وجب النصب، النصب، وبكم خبر كأني، وان لو «ان» مخففة، واسمها محذوف أي انه، والمصدر المنسبك مفعول ثان لأخالكم لأن «خال» من أخوات ظن، وشعثاً غيراً خبر يصبحون لأن «أصبح» من اخوات كان، و سجداً حال من فاعل باتوا، وركب المعزى اسم كأن، وبين خبرها مقدماً على الاسم، وخوفاً مفعول من أجله لمادوا.

المعنى :

(يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر). للراعي وظيفة، وهي ان يجمع الإبل وغيرها من الأنعام في مرعى واحد بحيث تكون بكاملها منه بمرأى، فإذا شت واحد منها عن القطيع ارجعه اليه.. فإن غاب الراعي تفرق القطيع أيدي سبأ، وصار نهباً لكل طامع وجائع.. وهذه هي بالذات حال أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأن تمردهم على أمره جعلهم كالإبل بلا راع والرعية بلا أمير، يطمع فيهم القريب والبعيد، والقوي والضعيف، وتقدم مثله في الخطبة 33.

(والله لكأني – الى - قبلها). لم يكن الإمام واثقاً بالكثير من أصحابه بالنظر لسيرتهم معه.. حتى كان يظن أو يعتقد انهم يتركونه وحيداً في الميدان إذا تجددت الحرب بينه وبين معاوية، أو يسلمونه الى عدوه وتقدم الكلام عن ذلك في الخطبة 33 (واني لعلى بينة من ربي ومنهاج من نبي) أعتمد على كتاب الله وسنة نبيه فيما أقول وأفعل، وتقدم مع الشرح قوله في الخطبة 4 : ما شككت في الحق مذ أريته (واني على الطريق الواضح ألقطه لقطاً). أي ان الإمام يستخرج الهدى من بين الأضاليل، ويميز الحق عن الأباطيل

(انظروا اهل بیت نبيكم فالزموا سمتهم، واتبعوا آثارهم). لأنهم مطهرون من الرجس بنص الآية 22 من سورة الأحزاب، وهم عدل القرآن كما نطق وصرح حديث الثقلين (فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى). وهم كيف هداة الخلق الى الحق، وخزنة العلم، وحفظة الدين (فان لبدوا فلبدوا، وان نهضوا فانهضوا) فإنهم أعلم منكم بمواقع الصبر والنهوض (ولا تسبقوهم) الى بیان الحق والشريعة (فتضلوا) على نهج السبيل (ولا تتأخروا عنهم) أي عن متابعتهم (فتهلكوا) وأنتم ظالمون. وتقدم الكلام عن ذلك مرات، آخرها في الخطبة 91.

(لقد رأيت أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الخ) من البداهة ان الجيل اللاحق امتداد للجيل السابق في كثير من العادات وأسباب الحياة ومن هذه الأسباب والعادات ما يصلح ازمان دون زمان، ومنها ما يصلح وينفع في كل زمان ومكان من غير إستثناء، وعلى العاقل أن يميز بين هذه وتلك، ويختار الأصلح، فلا يلتحم مع الماضي بكل ما فيه، ولا ينفصم عنه بالمرة، ويغلق دونه جميع النوافذ.

وقد كان لكثير من الصحابة فضائل انسانية مطلقة كالصدق والاخلاص، والزهد في الحرام، والتعبد لله، والخوف منه، والتوكل عليه وحده، والثبات في الجهاد والتضحية بالنفس في مرضاة الله ونصرة الحق وعلى الخلف أن يتحلى بهذه الخلال الفضلى، فإنها المصدر والأساس لحرية الانسان وكرامته. ومن أجل هذا حث الإمام أصحابه عليها، ووجههم اليها بما ذكر وعدد للصحابة من مناقب، وفي هذا المعنى أو قريب منه قوله تعالى : «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ - 100 التوبة».

الخطبة - 96 -

بنو أمية :

واللهِ لاَ يَزَالُونَ حَتَّى لاَ يَدَعُوا لِلهِ مُحرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُوهُ، وَلَا عُقْداً إلَّا حَلُّوهُ. وَحَتَّى لاَ يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرِ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلُهُمْ، وَنَبَا بِهِ سُوء رَعْيِهِمْ. وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ : بَاكِ يَبْكِي لِدِينِهِ وَبَاكِ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ. وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ. إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ، وَإِذَا غَابَ اعْتَابَهُ، وَحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا غَنَاء أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنًّا. فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِعَافِيَةِ فَاقْبِلُوا. وَإنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا. فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.

اللغة :

المراد بالعقد هنا المبادىء الانسانية التي تنتظم الحياة بها وتستقيم باتفاق الجميع. وبيوت المدر: ما كان منها بالطوب أو الحجر. وبيوت الوبر : الخيام. ونبا به المكان : لم يجد فيه قراراً يوافقه. والمراد برعيهم - بسكون العين - سياستهم. والعناء : التعب.

الإعراب :

لا يزالون من أخوات كان، والواو اسمها، وخيرها محذوف أي ظالمين، ولا يدعوا منصوب بأن مضمرة بعد حتى ونبا فعل ماض، وباك بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه الباكيان، والأصل باكي، فحذفت الياء للتخفيف، وأعظمكم خبر مقدم ليكون، وأحسنكم اسمها، وضمير فيها يعود الى الفتنة الأموية المفهومة من سياق الكلام، وعناء تمييز، ومثله ظناً.

المعنى:

تقدم الكلام عن جور الأمويين مرات، وأعاده الإمام هنا بما يتلخص انهم يملكون الحرث والنسل، ومحملو ما، وحلو ما حرم الله، ويحرمون ما حلل، ولا يحفظون الذمم، أو يعترفون بالقيم، ولا يسلم من شرهم حضري أو بدوي، وفي دولتهم يرحل من يرحل عن الأوطان فراراً من جورهم (اقرأ الحكاية التي نقلناها عن كونفوشيوس في شرح الخطبة السابقة لهذه بلا فاصل رقم 94). ويبكي المقيم لذهاب دينه ودنياه، وأكثر الناس تعباً وبلاء أقواهم إيماناً ويقيناً بالله كما يقول الحديث : «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم فالأمثل» أما قول الإمام : حتى تكون نصرة أحدكم فتقدم مع الشرح في الخطبة 90.

الخطبة - 97 -

كل مدة الى انتهاء.. فقرة 1 - 3 :

نَحمَدُهُ عَلى مَا كَانَ وَنَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ. وَنَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ في الأديان كما نَسْأَلُهُ المُعَافَاةَ فِي الْأَبْدَانِ. عِبَادَ اللهِ أُوصِيكُم بِالرّفض لهذه الدُّنْيَا الثَّارِكَةِ لَكُمْ وَإنْ لَمْ تُحبوا تركها. وَالْمُبْلِيَةِ لِأجْسَامِكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا. فَإِنما مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ وَأَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ (1). وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا. وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاء مَنْ لَهُ يَوْمٌ لَا يَعْدُوهُ وَطَالِبٌ حَثِيثٌ يَخدُوهُ في الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا فَلَا تَنَافَسُوا فِي عِزّ الدُّنْيَا وَفَحْرِهَا. وَلَا تُعْجَبُوا بِزِينَتِهَاوَنَعِيمهَا. وَلَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَبُؤسِهَا. فَإِنْ عِزَّهَا وَفَحْرَهَا إلَى انْقِطَاع. وَإِنَّ زِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ، وَضَرَّاءَهَا وَبُؤسَهَا إِلَى

نَفَادٍ. وَكُلٌّ مُدَّةٍ فِيهَا إلَى انْتِهَاء، وَكُلٌّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءِ (2). أَوَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرُ، وَفِي آبَائِكُمُ المَاضِينَ تَبْصِرَةٌ وَمُعْتَبَرُ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ. أَوَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وإلى الخلفِ الْبَاقِينَ لاَ يَبْقُونَ. أَوَلَمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ عَلى أَحْوَالِ شَتّى، فَسَيْتُ يُبْكَى وَآخَرُ يُعَزِّى، وَصَرِيعُ مُبْتَلى. وَعَائِدٌ يَعُودُ وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ. وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالمَوْتُ يَطْلُبُهُ. وَغَافِلُ وَلَيْسَ بمَغْفُولٍ عَنْهُ. وَعَلى أَثَرِ الماضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي. أَلَا فَاذْكُرُوا هَائِمَ اللذَّاتِ، وَمُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ، وَقَاطِعَ الْأُمْنِيَّاتِ عِندَ الْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ. وَأَسْتَعِينُوا اللهَ عَلى أَدَاءِ وَاجِب حَقِّهِ.وَمَا لاَ يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَإحْسَانِهِ (3).

اللغة :

السفر - بفتح السين وسكون الفاء - جمع سافير أي مسافر، كصحب جمع صاحب. وأمّوا : قصدوا. والمجري: من أجرى أي جعله يجري. والحثيث: السريع، يقال : ولى حثيثاً أي مسرعاً. والصريع : الطريح، يقال : صرعه أي طرحه على الأرض. وهاذم : قاطع. ومنغص : مكدر. والمساورة : المواثبة.

الإعراب :

كم للاستفهام مبتدأ، وما بعدها خبر، وعسى من، وعسى من أفعال المقاربة، والمجري اسمها، والمصدر من أن يجري مجرور بمن حذفت توسعاً عند سيبويه، والمجرور

متعلق بمحذوف خبراً لعسى أي مدركاً من الجريان اليها (أنظر الكلام عن عسى في مغني ابن هشام). وما عسى «ما». للاستفهام، ويكون تامة، والمصدر المنسبك منها ساد مسد الاسم والخبر لعسى عند ابن مالك، وله خبر مقدم، ويوم مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول، ورغماً قائم مقام الحال أني فارقها مرغماً، ولكم خبر ليس مقدم، ومزدجر اسمها مؤخر، وشتى صفة لأحوال.

المعنى :

(نحمده على ما كان) وحدث محبوباً أم مكروهاً، والحمد على المكروه معناه الرضا بالقضاء والصبر أو التصير على البلاء (ونستعينه من أمرنا على ما يكون). أيضاً محبوباً أم مكروهاً، والاستعانة بالله على المحبوب معناها طلب العون على الصر.

(ونسأله المعافاة في الأديان). والمراد بهذه المعافاة السلامة في العقيدة، والصدق في الأقوال والأفعال والإخلاص في المقاصد والأهداف (كما نسأله المعافاة في الأبدان) وهي نعمة لا تقدر إلا عند فقدها. وتجدر الإشارة إلى أنه لا محيص عن البلوى في دار البلاء والفناء، ومن جملة ما وصفها الإمام : «لم يكن امرؤ منها في حبرة إلا أعقبته منها عبرة» ومعنى هذا أنه لا منجاة من الآلام بحال، أجل ان بعض الشر أهون من بعض. وهذا هو مراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من دعائه.

(عباد الله أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا) أي لحرامها وآثامها، قال سبحانه : «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ - 157 الأعراف». وقال : «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ - 4 المائدة» - وقال الإمام لمن لبس العباءة وتخلى عن الدنيا : «يا عُديَّ نفسه.. أترى ان الله أحل لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذ منها ؟ أنت أهون على الله من ذلك». (التاركة لكم، وان لم تحبوا تركها) وان أوردتكم المهالك، ومن حكم الإمام : الناس أبناء الدنيا، ولا يلام المرء على حب أمه.

(والمبلية لأجسامكم، وان كنتم تحبون تجديدها) أي تحبون البقاء في الحياة الدنيا بحيث إذا أبلى الله منكم أجساماً بدلكم أجساماً غيرها.. وهذا بعيد المنال في هذه الدار، وهو واقع حتماً في اليوم الآخر، وفي جهنم بالذات (فإنما مثلكم

• الى – بلغوه) كل ما يقع حتماً في المستقبل القريب أو البعيد فهو بمنزلة الواقع، والموجود بالفعل، ونحن الأحياء لم نقطع المسافة الى الموت، ولم نصل بعد إلى هذه الغاية، ولكنا بحكم من قطع وبلغ، لأنا الى الموت لا محالة، لأنا الى الموت لا محالة، لذا شبهنا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمن انتهى من سفره ووصل الى غايته ونهايته.

(وكم عسىالمجري الى الغاية أن يجري اليها حتى يبلغها). كلنا يسير الى لحده، أما أمد هذا السير فهو العمر كله العمر كله.. وما أقصر وما أقصر عمر الانسان، وان عاش مئة عام (وما عسى أن يكون بقاء يوم من لا يعدوه). أنت باق ومعمر إلى أجل معدود، وإذن فما قيمة هذا العمر ما دام الى زوال وفناء ؟ اللهم إلا اذا أخذت فيه من ممرك الى مقرك (وطالب حثيث من الموت يحدوه) ويسرع به الى الحساب والجزاء (ومزعج في الدنيا عن الدنيا حتى يفارقها رغماً). الحياة الدنيا أمدها قصير، ومع ذلك نتركها على كره، وقبل أن نبلغ منها ما نشتهي ونريد.

(فلا تنافسوا - الى نعيمها). لا تتكالبوا وتتناحروا على المال والجاه، ولا تباهوا وتضاهوا في شيء من حطام الدنيا، فالكل الى زوال

(ولا تجزعوا الى فناء). لماذا يكره بعضنا بعضاً من أجل الحطام، وتذهب أنفسنا حسرات اذا فاتنا شيء منه، وقد أدركنا وأيقنا تماماً انه ظل وخيال.؟.. إن من يؤمن بالله حقاً، ويثق بعدله وجزائه، لا يفرح أو يحزن، ولا يحب أو يكره إلا لله وفي الله.. انه يعمل ويبذل غاية الجهد كي ينجح في مسعاه، ولكنه ولكنه لا يتعدى حدود الله بحال، لا ينازع الناجحين،، أو أو يشمت بالفاشلين (أوليس لكم – الى - لا يبقون). العاقل يتعظ بغيره، وكل الدنيا بما فيها عظات، فالسلف جمع وكنز، ثم ذهب الى غير رجعة، والخلف يمضي على أثره. واذن فعلام الغرور ؟ وبمن نغتر ؟ أيمن صار تراباً يداس بالأقدام أو بمن يدس غداً أو بعد غد في التراب ؟.

(أولستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتى ؟). للإنسان ميول كثيرة ومتنوعة، وللحياة الدنيا جهات لا يحصيها العد، وكل واحد ينظر الى الدنيا من زاويته وعقيدته، ورأي الإمام في الدنيا انها ممر لا مقر، وان الانسان فيها ضيف الى أجل، ثم الى دار الخلود واذن فلا بدع اذا قاسها

الإمام بما فيها من الآلام والمتاعب، أما سرورها ونعيمها فليس بشيء ما دام إلى زوال، ومعه الكثير من النكبات والمفاجآت

ومن هنا يسوغ لقائل ان يقول : إن آراء الإمام في الدنيا كلها ثورية، ويعتمد في ذلك على أقواله، ومنها (ميت يبكى) وهو لا يسعد باكياً، ولا يجيب داعياً (وآخر يعزى) بفقد قريب أو حبيب (وصريع مبتلى) بالأسقام والآلام (وعائد يعود) ويرى المشهد الحزين الأليم (وآخر بنفسه يجود) ولا شيء أعز منها عليه، ولو كان له ملء الأرض ذهباً لافتدى به (وطالب للدنيا والموت يطلبه) ولا مهرب منه (وغافل ليس بمغفول عنه) ونعوذ بالله ان يقضى علينا ونحن في غفلة معرضون.

(وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي). يتصل ما مضى من آلام الدنيا بحاضره وحاضره بمستقبله، وعلى الآلام يدور فلك الدنيا من يومها الأول الى يومها الأخير وما بعده أدهى وأمر.. اللهم فضلك وإحسانك.

(ألا فاذكروا الخ).. أذكروا الموت الذي لا يبقي ولا يذر، اذكروه حين تنزع أنفسكم وتحاول الوثبة الى الرذائل والقبائح، واستعينوا بالله على كبحها، واسألوه الهداية، والزموا طاعته قولاً وعملاً، واشكروه على نعمه التي لا تحصى، فهو وحده الذي يهدي ويعطي وينجي.

الخطبة - 98 -

راية الحق.. فقرة 1 - 2:

الحَمْدُ لِلهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ. وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ. نَحْمَدُهُ في جميع. أُمُورِهِ. وَتَسْتَعِينُهُ عَلى رِعَايَةِ حقوقِهِ. وَنَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ غَيْرُهُ وَأَنْ مُحمْداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَرسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً، وَ بِذِكْرِهِ ناطقاً. فَأَدَّى أَمِيناً وَمَضَى رَشِيداً. وَخَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الحَقِّ مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرْقَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ. وَمَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ دَلِيلُهَا مَكِيثُ الكلام. بَطِي الْقِيَام، سَرِيعُ إِذَا قَامَ (1). فَإِذَا أَنتُمْ أَلَمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَأَشَرتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعكُمْ، جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ، فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاء اللهُ حَتَّى يُطْلِعَ اللهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَيَضُمُ نَشْرَكُمْ. فَلَا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلِ، وَلَا تَيَأسُوا مِنْ مُدْبِرٍ. فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلُّ إِحْدَى فَايْمَتَيْهِ، وَتَثْبُتَ الْأُخْرَى وَتَرْجَعَا حَتَّى تَثْبُتَا

جميعاً. أَلَا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كَمَثَلِ نجوم السماء اذَا خَوَى نَجمٌ، طَلَعَ نَجمٌ فَكَانُكُمْ قَدْ تَکَامَلَتْ مِنَ اللهِ فِيكُم الصَّنَائِعُ، وَأَرَاكُمْ مَا كُنتُمْ تَأْمُلُونَ (2).

اللغة :

صدع بالأمر : مضى فيه، وبالحق : جهر به. ومرق : خرج من الدين. وزهق : هلك. ومكيت : بطيء. وإحدى قائمتيه : إحدى رجليه. وخوى : غاب، ضد طلع. والصنائع : النعم.

الإعراب :

فضله مفعول للناشر، ويده مفعول للباسط، ويده مفعول للباسط، وان لا الخ «ان» مخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف أي انه، والمصدر المنسبك مجرور بالباء المحذوفة، ولا نافية للجنس، والخبر محذوف، وغيره صفة أي لا إله موجود غسيره، وصادعاً حال، ومثله ناطقاً وأميناً ورشيداً ومثله ناطقاً وأميناً ورشيداً. فترجعا منصوب بأن مضمرة بعد الفاء.

المعنى :

(نحمده في جميع أموره). نطيعه تعالى شاكرين، وننقاد اليه في كل شيء بلا اعتراض، لا نطلب التعليلات والمبررات لثقتنا ويقيننا بأنه حكيم لا يعبث، ورحيم بعباده لا يريد لهم إلا الخير والصلاح (ونستعينه على رعاية حقوقه) أي على جهاد النفس، ومرض القلب الذي يصد عن طاعة الله والعمل بأمره الخ. أرسل سبحانه محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فبلغ الرسالة على وجهها، وحرص على بلوغ الغاية منها، وتحمل الكثير من أجلها (وخلف فينا راية الحق). وهي كتاب الله وعترة نبيه، روى مسلم في صحيحه، القسم الثاني من الجزء الثاني 109 طبعة 1348 هـ :

ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : وأنا تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، كررها ثلاثاً.

(من تقدمها) أي راية الحق (مرق) خرج من الدين (ومن تخلف عنها زهق) أي هلك (ومن لزمها لحق) برسول الله، وكان معه في جنة النعيم (دليلها) أي دليل راية الحق، ومتراد الإمام به نفسه بالذات، لأن الحق معه يدور كيفما دار بشهادة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) التي رواها كثيرون منهم الترمذي في صحيحه، باب فضائل الإمام علي، وقال ابن الجوزي : لا يختلف العلماء في ذلك (انظار صيد الخاطر ص 385).

(مكيث الكلام، بطيء القيام سريع إذا قام). بعض الناس يسرع الى الكلام لا لشيء إلا لأنه يجد فيه لذة وحلاوة، وان كان لغواً وعبثاً، وبعضهم يبادر الى الفعل بطيش وحماقة ؛ أو بدافع الهوى والغرض، أما الإمام فإنه لا يفيض بقول أو فعل إلا عن تدبر العقل ورويته، وعن الدين وشريعته، فمتى أمر الدين والعقل أقدم وأسرع وإلا أحجم وامتنع. وهذا وهذا هو شأن الأئمة الهداة الذين اختارهم سبحانه لأمره، وحججاً على عباده.

(فإذا أنتم أنتم له رقابكم، وأشرتم اليه بأصابعكم). ضمير له واليه يعود الى الإمام وقد أخبر في قوله هذا أن أصحابه الذين يخالفون الآن أمره سوف يسلسون له القياد، ويستمعون اليه، ويعرفون ويعرفون مكانته وعظمته - طبعاً ما عدا الأشعث بن قيس - ولكن متى بلغوا من الرشد هذا المبلغ (جاءه الموت فذهب به)أي قبض الله سبحانه الإمام اليه، وترك أصحابه حيارى لا يهتدون الى قصد، واتفق الرواة على ان الإمام كان لديه قبيل وفاته جيش من أربعين ألفاً يطالبون بصفين ثانية، وانه في أخريات أيامه كان يرتقب الموت في لهفة، ويقول مردداً : «متى يخضب أشقاها هذه من هذه - يشير الى لحيته وهامته - فوالله اني لعلى الحق، واني للشهادة لمحب».

(فلبثم بعده – أي بعد الإمام أي بعد الإمام - ما شاء الله حتى يطلع الله لكم من يجمعكم ويضم نشر كم). قيل : هذه إشارة الى دولة بني العباس العباس. وقيل : الى المهدي المنتظر.. وليس من الضرورة أن يكون المراد بجمع الشمل هنا الجمع سياسياً أو عسكرياً حتى نضطر الى التفسير بالمهدي المنتظر أو بدولة العباسيين.. فمن الجائز

أن يكون المراد الجمع على الحق والولاية، وقد حدث ذلك بالفعل في عهدالصادقين : الإمام محمد الباقر، وولده الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ). ويرجح هذا قول الإمام في هذه الخطبة : (إن مثل آل محمد كمثل النجوم). وقوله : (وأراكم ما كنتم تأملون) (أي من العودة الى آل بيت الأطهار، والارتواء من فيضهم وعلومهم.

(فلا تطمعوا في غير مقبل). لا تطمعوا أن يحكمكم بعدي من هو مثلي فإن هذا بعيد المنال (ولا تيأسوا من مدر) لا تيأسوا من هدايتنا نحن أهل البيت.. فإذا فإذا لم تحدوا بعدي من آل الرسول من يملك الحكم والأمر سياسياً فإنكم واجدون منهم أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون، فالزموهم وانقادوا لأمرهم (فإن المدبر الخ) أشار بالقائمتين الى السلطة الدينية، والسلطة الرمنية، وانه اذا ذهبت هذه بوفاة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تبقى تلك ببقاء أبنائه، وعلى طول الأمد تعود السلطة السياسية أيضاً، وتنضم الى السلطة الدينية (حتى تثبتا جميعاً). وقد حث الإمام على متابعة أهل البيت في هذه الخطبة وغيرها مما سبق ويأتي.

الخطبة - 99 -

كله عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).. فقرة 1 - 2 :

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلِ. وَالْآخِرُ بَعْدَ كُلِّ آخر. بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أنْ لاَ أَوَّلَ لَهُ. وَبَآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لا آخِرَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إله إلا اللهُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإعْلانَ وَالْقَلْبُ اللسان. أَيُّهَا النَّاسُ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي، وَلَا تَتَرَامَوْا بِالأَبصَارِ عِندَمَا تَسْمَعُونَهُ مِنّي. فَوَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النّي الْأُمِّيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه)ِ. مَا كَذَبَ المبلغ وَلَا جَهِلَ السَّامِعُ (1). وَلَكَاني أَنظُرُ إِلَى ضِلِّيلِ قَدْ نَعَقَ بالشام، وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي صَوَاحِي كُوفَانَ. فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَأَشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ، وَثَقُلَتْ في الأَرْضِ وَظَاتُهُ عَضَت الفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأنْيَابَهَا، وَمَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا. وَبَدَا مِنَ الْأَيَّامِ كُلُوحُهَا،

وَمِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا. فَإِذَا أَيْنَعَ زَرعُهُ، وَقَامَ عَلى يَنْعِهِ. وَهَدَرَتْ شقاشِقُهُ، وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ، عُقِدَتْ رَآيَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ، وَأَقْبَلْنَ كاليل المظلم، وَالبَحْرِ الملتظيم. هذَا وَكمْ يَخْرِقُ الكوفة مِنْ قَاصِف، وَيَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ. وَعَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُ الْقُرُونَ بِالْقُرُونِ، وَيُحْصَدُ القَائِمُ ويُخطَمُ المَحصُودُ (2).

اللغة :

لا يجرمنكم : لا يحملنكم أو لا يبعثنكم. وشقاقي : مخالفتي. وقال الشيخ محمد عبده : أي لا تشاقوني فيكسبكم الشقاق خسراناً، وهو جيد. لا تتراموا بالأبصار : لا ينظر بعضكم الى بعض. وضليل مبالغة في الضلال والإضلال. وكوفان : الكوفة. وفغر فاه : فتحه. والمراد بقاغرته فيه، أو فتنته. والمراد بالشكيمة هنا البأس. والكلوح : العبوس. والكدوح : الخدوش : العبوس. والكدوح : الخدوش. وأينع : نضج. وينعه : نضجه. وشقشق الجمل : هدر، والطير : صوت.

الإعراب :

الأول صفة لله، وان لا «ان» مخففة واسمها محذوف أي انه، وعن النبي متعلق بمحذوف خبراً لمبتدأ محذوف أي هو نبأ عن النبي، وكم خبرية ومحلها الرفع بالابتداء، وجملة يخرق خبر، ومن قاصف تمييز لكم أي كم من قاصف يحرق.

المعنى :

(الحمد لله الأول قبل كل أول) أي بلا بداية (والآخر بعد كل آخر) أي بلا نهاية، وتقدم هذا مرات، وهو في خطب الإمام أشبه بالبسملة في سور القرآن (وبأوليته) أي بوجوده الذاتي الأزلي يفيض الكل منه وينبع (وجب)

أن يكون الأول بلا أول كان قبله (وبآخريته) أي بدوامه وأبديته (وجب) أن يكون الآخر بلا آخر يكون بعده، والكل اليه يعود وبكلمة هو القديم أزلاً، والدائم أبداً. (واشهد ان لا إله) موجود بحق، وفي غنى عن غيره في وجوده وبقائه) إلا الله شهادة يوافق فيها السر الاعلان، والقلب اللسان) أي نوحده توحيداً خالصاً من كل شائبة. وقال موحد معاصر : «لو أصبحت كلمة التوحيد دستور الحياة لكانت كفيلة بتغيير هذه الحياة الى نهج أشرف وأجمل وأصدق» أي لو عمل الناس بمقتضيات هذه الكلمة وتوجيهاتها لسيطر بينهم العدل وعاشوا في سلام وهناء.» وفي الحديث : خير ما جئت به انا والنبيون من قبلي كلمة لا إله إلا الله.

(أيها الناس لا يجر منكم - الى تسمعونه مني) . كان في صحابة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) جماعة مردوا على النفاق، وكان على رأسهم عبدالله بن أبي وأيضاً كان في أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منافقون، ورأسهم الأشعث بن قيس، يثير الفتنة كلما سنحت الفرصة، وقال أرباب السير والتاريخ: كان الأشعث لعلي كما كان ابن أبي للنبي، وكان الإمام إذا أخبر بشيء من المغيبات تغامز المنافقون، وتبادلوا الهمسات والههمات فصرخ الإمام فيهم يوبخهم ويقول : لا تحملنكم عداوتي على التكذيب فيما أخبر (فو الذي فلق – الى – السامع) ان كل ما أخبرت به هو وحي من الله الى نبيه الكريم، والنبي قد خصني بعلمه، ولولاه ما علمت منه شيئاً، فهل كذب النبي على ربه، وقد وصفه بقوله : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى – 5 النجم» أو اني جهلت ما سمعت من النبي، وأخطأت فسيما نقلت عنه ؟ قاتلكم الله أنى تؤفكون.

(لكأني أنظر الى ضليل) يعم ويشمل هذا الوصف كل من (نعق بالشام، وفحص براياته - أي نصبها - في ضواحي كوفان) كمعاوية بن أبي سفيان, وعبد الملك بن مروان حيث سيطر كل منهما على العراق، واستبد بأهل الكوفة، وفعل بشيعة الإمام الأفاعيل، وفصلنا ذلك في كتاب «الشيعة والحاكمون» (فإذا فغرت فاغرته). فتح فاه يبرق ويرعد، ويهدد ويزمجر (واشتدت شكيمته) قوي على البطش والافتراس (وثقلت في الأرض وطأته) أي ضجت من عنفه وجبروته، اذا كان ذلك (عضت الفتنة أبناءها بأنيابها) وطحنتهم طحن الرحى (وماجت الحرب بأمواجها) فأغرقت البلاد بالدماء لا ترحم كبيراً أو صغيراً

(وبدا من الأيام كلوحها، ومن الليالي كدوحها). كناية عما يصيب الناس من المظالم والأهوال، وما يحل بالبلاد من الخراب والدمار وما يحل بالبلاد من الخراب والدمار (فإذا أينع - الى – عاصف) أي ان الحاكم الجائر متى استتب له النفوذ والسلطان أطلق العنان لأهوائه وتمادى في البغي والضلال، وحول جميع طاقاته الى الفتك والبطش (وعن قليل تلتف القرون بالقرون) ينشب القتال الرهيب بين الفرسان بالأيدي والسلاح الأبيض تماماً كما تتناطح الأكباش بالقرون (ويحصد القائم، ويحطم المحصود). تدمر الفتنة البناء القائم، وتجعله أثراً بعد عين، وتمحو آثار الأولين من الوجود، وان شئت فعبر : لا ترحم شيخاً ولا شاباً، ولا تدع رطباً ولا يابساً.

الخطبة – 100 -

نقاش الحساب وجزاء الأعمال :

وذلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِنقَاشِ الْحِسَابِ، وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ، خُضُوعاً قِيَاماً قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَرَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ. فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً وَلِنَفْسِهِ مُتّسَعًا، فتنٌ كَقِطَع اللَّيْلِ المظلم. لاَ تَقُومُ لَهَا قَائمَةٌ، وَلَا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ، تَأْتِيكُمْ مزمُومَةً مَرْحُولَةً، يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا وَيُجهدُهَا رَاكِبُهَا. أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ کلبُهُمْ، قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ. يُجَاهِدُهُمْ في سَبِيلِ اللهِ قَوْمُ أَذِلَّةٌ عِنْدَ المُتَكَبَرِينَ، فِي الْأَرْضِ مَجْهُولُونَ، وَفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ. فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِندَ ذلِكَ مِنْ جَيْسٌ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ لَا رَهَجَ لَهُ وَلَا حَسَّ. وسيُبتلى أَهْلُكِ بِالمَوْتِ الْأَحْمَرِ وَالجُوعِ الْأَغْبَرِ.

اللغة :

ناقشه الحساب : استقصى في حسابه. وقائمة السيف: مقبضه، والدابة : رجلها أو يدها، والمراد بها هنا أنه لا أحد يثبت لتلك الفتن. ومزمومة : معها زمامها. ومرحولة : عليها رحلها، وهو ما يجعل على ظهر البعير. ويحفزها : يحثها ويسوقها. ويجهدها : يحمل عليها فوق ما تطيق. والكتب : الشر والسلب : ما يأخذه القاتل من سلاح المقتول وثيابه. والرهج : الغبار. والحس - بكسر الحاء - الصوت الخفي، وبفتحها : الحيلة.

الإعراب :

ذلك إشارة الى يوم القيامة مبتدأ ويوم خبر خبر، وخضوعاً وقياماً مصدران في موضع الحال أي خاضعين قائمين، وحالاً تمييز، ومتسعاً مفعول لفعل محذوف أي ووجد لنفسه متسعاً، وفتن وفتن خبر لمبتدأ محذوف أي تلك فتن، ومزمومة مرحولة حال من الضمير المستر في تأتيكم، وأهلها قوم مبتدأ وخبر، وشديد صفة لقوم، وكلبهم فاعل شديد، ومثله قليل سلبهم

المعنى:

(وذلك يوم - الى – الأعمال). لكل فرد أو فئة فلسفة خاصة تركن اليها، ويعتمد الجاحدون بالبعث على ان الانسان بعد الموت يصير تراباً، ويستحيل أن يعود هذا التراب الى ما كان : «أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا- 49 الإسراء» ومن هنا جاء الرد عليهم بأن جمع الشيء بعد تفرق أجزائه أهون من ايجاده من لا شيء. وقيل : إن اعرابياً جاء الى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ومعه عظم بال، فركه بين يدي الرسول حتى صار رميماً، ثم التفت اليه، وقال : أيبعث ربك هذا الرميم ؟ فنزل قوله تعالى : « وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ - 78 يس». وقال الإمام : عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى جبت لمن أنكر النشأة الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى. وقال افلاطون : لو لم تكن للإنسان حياة ثانية لكان القرد أشرف منه. وقال الفيلسوف

الألماني «كنت» : لما كانت الحياة الدنيا لا تحقق الجزاء فلا بد في طبيعة الحال من حياة أخرى.

(خضوعاً قياماً الخ).. يحشر سبحانه الخلائق يوم القيامة للحساب والجزاء، ويساقون دفعة واحدة كالأسارى حفاة عراة خاضعين خائفس، فإذا بلغوا الموقف قاموا على الأقدام حيث لا مقاعد ولا وسائد (قد ألجمهم العرق) من الخوف والحر، أما قول الإمام (فأحسنهم حالاً من وجد لقدميه موضعاً) فهو كناية عن كثرة الخلائق وضخامة عددهم. ومن البداهة ان العذاب غداً بشتى أنواعه خاص بمن ظلم وأجرم، فأما من أحسن واتقى فله جزاء الحسنى. قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : إن الله يعاملكم بما عاملتم به عباده.. إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة.

(فتن كقطع الليل المظلم الخ).. أشار الإمام الى الفتن في الخطبة التي قبل هذه بلا فاصل رقم 99. وأيضاً أشار اليها في كثير من الخطب، ولذا نقتصر في الشرح على ما لا بد منه، وما كرر الإمام وأكد إلا للحث على جهاد أعداء الله والانسانية سداً لباب الضلال، قال تعالى : «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ 193 البقرة»، وقال : «إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ- 73 الأنفال».

للمنبر - حول راية البغي :

(يجاهدهم في سبيل الله قوم أذلة عند المتكبرين، في الأرض مجهولون، وفي السماء معروفون). ضمير يجاهدهم يعود الى أهل الراية الباغية وهم وأمثالهم من المتخمين معنيون بالمتكبرين، والإمام يشير بقوله هذا الى أن راية البغي والفساد لا تمر وتعيش في هذه الأرض تفسد على البشرية حياتها، وتعبث بكرامتها، بل يتصدى لها دفاعاً عن الحق والحرية، ويثور عليها - أعزة شرفاء عند الله وأوليائه، وان ازدرتهم أعين الأشرار وأهل الضلال.

وقد كرر الإمام هذا المعنى وأكده في العديد من أقواله من ذلك قوله : من سل سيف البغي قتل به أي أن الظالم من حيث لا يريد يغرس في نفس المظلوم بذرة الثورة عليه، ويحثه على الإستماتة دون حقه. وقد أوجب الإمام

جهاد الظلم وأهله، وحث عليه بشتى الأساليب، من ذلك قوله : الموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين.. إن أكرم الموت القتل. أي من أجل الدفاع عن الحق. ويجب هذا الجهاد في الدرجة الأولى على العلماء، لأن الله سبحانه قد أخذ العهد عليهم أن لا يقروا ظالماً على بطنته وتخمته، ولا مظلوماً على فقره وسغبه، كما جاء في الخطبة الشقشقية، وكيف يقر الدين ويسكت علماء الدين حقاً عن الذين يختلسون أقوات الكادحين، ويحرمونهم من ثمرات كدحهم وعرقهم ؟

ولاحظت، واذا أتتبع أقوال العلماء القدامى أن ما من عالم كبير أو صغير أشار الى حقوق المستضعفين ومصالحهم، ولا الى ظلم الحاكمين وجورهم، ولا الى ظلم الحاكمين وجورهم.. بل رأيت بعض كبار العلماء يمجد سلطان زمانه، ويدعو له بالعمر المديد، وتوطيد الحكم والنفوذ على المساكين والمعذبين، وإذا ألف كتاباً افتتحه بحمد الله الذي أنعم على عباده بشاهنشاه وملك الملوك.. هذا وهو يعي في نفس الكتاب بقطع يد السارق، وجهاد الظالم والخائن، ويشترط في الولاية الاخلاص والأمانة.. وكأن اللصوصية والخيانة لا تعني استغلال الملايين، وسرقة جهود الكادحين، وأنها تختص بسرقة المحفظة من الجيب، من الجيب، والمتاع من البيت والمتاع من البيت.. وان دل هذا على شيء فإنه يدل على الاعتقاد بأن الفقر، أو الاستغلال هو من السماء لا من الأرض، أو على أن هذا العالم وأمثاله كانوا يعيشون في أبراج من العاج، وان التخمة والدعة ابتعدت بهم عن المشاركة الوجدانية والإحساس بآلام المحرومين.

(فويل لك يا بصرة الخ).. قال ابن أبي الحديد قال ابن أبي الحديد : كنتى الإمام بالجيش عن جدب وطاعون يصيب أهل البصرة حتى يبيدهم، وكنى بالموت الأحمر عن الوباء، وبالجوع الأغبر عن الجدب والمحل، والجائع يرى الآفاق كأن عليها غيرة وظلاماً.

الخطبة - 101 -

كل متوقع آت فقرة 1 - 3 :

أَيُّهَا النَّاسُ أنْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا، الصَّادِقِينَ عَنْهَا فَإِنَّهَا وَاللَّهِ عَمَّا قَليلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الْآمِنَ. لا يرجع مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ، وَلَا يُدْرَى مَا هُوَ آتِ مِنْهَا فَيُنتَظَرَ. رُورُها مَشُوبُ بِالْحُزْنِ. وَجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ. فَلَا يَغُرّتُكُمْ كَثرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا، لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا. رَحِمَ اللهُ اَمْرَأَ تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ. وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ. فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنُ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلِ لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنُ مِنَ الْآخِرَةِ عَمَّا قَلِيل لَمْ يَزَل. وَكُلٌّ مَعْدُودٍ مُنْقَضِ، وَكُلُّ مُتوقع آتٍ، وَكُلٌّ آتٍ قَرِيبٌ دَانِ (1) الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ. وَكَفَى بِالمَرَء جَهْلاً أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ.

وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ لَعَبْداً وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ، جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيل. إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الْآخِرَةِ كَيلَ، كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطْ عَنَهُ (2). وَذَلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلَّا كُلُّ مُؤمِن نُوَمَةٍ، إن شَهِدَ لَمْ يُعْرَف وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ أُولئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى، وَأَعْلامُ السُّرَى. لَيْسُوا بِالمَسَابِيح وَلَا المذابيع البُذْرِ، أُولئِكَ يَفْتَحُ اللهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نقْمَتِهِ. أَيُّهَا النَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانُ يُكْفَا فِيهِ الإِسْلامُ لَا يُكفا الْإِناء بِمَا فِيهِ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَاذَ كُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ وَلَمْ يُعِذكُمْ مِنْ أَنْ يَنتَلِيَكُمْ، وَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلِ «إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات وإن كنا لَمُبْتَلِينَ» (3).

اللغة :

الصادف : المعرض. والثاوي : المقيم. والمترف : المنعم يفعل ما يشتهي والجلد : القوة. وجائراً : مائلاً. وني، فتر وضعف. ونومة – بضم النون وفتح الواو - كثير النوم. والسرى : السير في الليل. ومسابيح : جمع مسياح أي يمشي بين الناس بالفساد. ومذاييع : جمع مذياع أي يذيع الفاحشة. وبذر - بضم الباء والذال - جمع بذور وبذير، وهو النمام. وكفأ الإناء : قلبه

الإعراب :

بالمرء الباء زائدة، والمرء فاعل كفى، وجهلا تمييز وجهلا تمييز، والمصدر من ان يعرف بدل اشتمال من المرء، ولعبداً اللام للابتداء وفائدتها التوكيد، وعبداً اسم ان، ومن أبغض خبرها، وجائراً صفة ل- «عبداً» ومثله سائراً.

المعنى:

(انظروا الى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصادقين عنها). أي الزهد في حرامها، والإعراض عنه، قال الإمام : ولا زهد كالرهد في الحرام. وفي الحديث : لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. أي يمدون أكفهم الى الناس (فإنها والله تزيل الثاوي الساكن). أي المقيم المطمئن، وتوسده قبره (وتفجع المترف الآمن) حيث تسلبه ما كان يعتز به ويتباهى من جاه أو مال أو صحة، وكم للدنيا من فجائع وخدائع (لا يرجع ما تولى منها فأدبر) كالشباب والجمال (ولا يدرى ما هو آت منها) من الآفات والمفاجآت (فينتظر) مع التحفظ والوقاية منه.

(سرورها مشوب بالحزن). ومن طلب العافية بلا ابتلاء فقد طلب المحال، لأن التمام في كل شيء ما كان ولن يكون إلا لمن ليس كمثله شيء (وجلد الرجال فيها الى الضعف والوهن). ما من قوي على ظهرها إلا ونقضت الأيام قواه ، وأوهت السنون عزيمته ونشاطه (فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها) من مصارف ومصانع، وزينة وجمال (لقلة ما يصحبكم منها) وهو الكفن، على ان الانسان لو صحب معه الى لحده الغالي والثمين كما فعل الفراعنة – ما دفع عنه ضراً ولا جلب له نفعاً (رحم الله أمراً تفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر) العواقب، وأخذ الحذر لنفسه، فسلم من المهالك.

(فإن ما هو كائن - الى - لم يزل). أنت في الدنيا تلهو وتلعب، ولكن لست منها في شيء ما دمت مفارقها الى دار الخلود، ولو كانت الدنيا داراً للبقاء لكانت هي الجنة الوحيدة التي وصفها سبحانه بقوله : «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى 119 طه» فقلل من حماستك للفانية

وابذل غاية جهدك للباقية (وكل معدود منقض). تعد الحياة بالثواني والساعات، ومن هنا جاء النقص في الأعمال، قال الإمام : لا يستقبل يوماً من عمره إلا بفراق آخر من أجله (وكل متوقع آت) بخاصة الموت (وكل آت قريب دان) حتى كأنه يلتصق بك كظلك وخيالك

قيمة العلم :

(العالم من عرف قدره). ولا يعرف قدره إلا من صان العلم عن خدمة الأغنياء والوجهاء طمعاً في مالهم وجاههم، ومضى به في سد حاجات الناس، أو هدي من ضل عن قصد السبيل، ولم يتخذ منه أداة للخداع واللصوصية، ولا اخترع به أسلحة القتل والتدمير أسلحة القتل والتدمير.. وقد فعل العلم.. وقد فعل العلم في عصرنا المعجزات، وعلم الانسان ما لم يكن ليحلم به، ولكنه أفسد أكثر مما أصلح، وخلق المشاكل والأزمات للمستضعفين ومئات الملايين، وأصبح ألد أعداء الأديان والانسانية بعد ان اتجهت به قوى الشر الى الأسلحة الجهنمية، وروعت به البشرية كلها، وعانت منها ومنه الكوارث والويلات.. فلم يمض وقت طويل على فاجعة هيروشيما وناكازاكي (1)حتى تفجرت القنابل الحديثة، وتفجر معها كل شيء من انسان وجماد وزرع وضرع في كوريا، ثم في فيتنام، ثم في افريقيا، ثم في فلسطين.. الى ما لا نهاية.

(وكفى بالمرء جهلاً ألا يعرف قدره) أي يجهل ما له وما عليه من حقوق وواجبات، أو يعرفها ولكنه يهمل ويقصر (وان من أبغض الرجال الى الله تعالى لعبداً وكله الله الى نفسه) أي من حفظ جانب المخلوق، وضيع جانب الخالق - يتخلى الله عنه، ويدعه وشأنه، ويدعه وشأنه، وقد يسلط عليه من حرص على مرضاته من دون الله، فينتقم. منه. قال بعض الملوك لأصحابه لا تعص الله


1) في جريدة الأهرام عدد 31 – 3 - 1972 انه بتاريخ 1 - 7 - 45 «ألقت أميركا قتلتها الذرية على هيروشيما اليابانية فأذابت ربع مليون في لحظات مع ان اليابان عرضت الاستسلام على أميركا قبل هذه القنلة، ولكن اميركا أرادت تخويف روسيا بهذا السلاح». بل تخويف العالم كله.

بطاعتي فيسلطني عليك (جائراً عن قصد السبيل) مائلاً عن طريق الحق يقوده الهوي الى كل سوء (سائراً بغير دليل) أعمى لا يهتدي الى خير.

(أن دعي – الى - حرث ساقط عنه). العمل للدنيا واجب تماماً كالعمل من أجل الآخرة. فقد كان الأنبياء يعملون، والصحابة يتجرون، والإمام ينكر على من يعمل للدنيا منصرفاً عن غيرها، ويثير الحروب من أجلها، و بقسم الناس على أساسها ويتجاهل الانسانية وقيمها، أما من يعمل لدنياه.

ويراعي خلال الله وحرامه فهو من المجاهدين.

(وذلك زمان – الى - لم يفقد). يدل سياق الكلام على ان المراد بالزمان المشار اليه الزمان الذي يعرض الناس فيه عن الدين، ويكتفون منه بإظهار الشعائر كما يدل قول الإمام : يكفأ فيه الاسلام - وتتحرك فيه الرغبات، وتنطلق الميول والأهواء، ويكثر فيه التنافس والتباهي بأسباب الدنيا وزينتها كالسيارات والعمارات، والأثاث والرياش كالعصر الذي نعيش فيه. وليس من شك ان أحسن الناس عاقبة حينذاك هو الرجل المجهول، فهو لا ينافس أحداً، ولا أحد ينافسه ويحسده على شيء من الحطام.. انه يعمل من أجل قوته بهدوء، ويطيع ربه بلا جعجعة، ويشغله الخوف منه عن الناس وما يعبثون. وهذا هو الرجل المراد بالنومة.

(أولئك مصابيح الهدى، وأعلام السرى). لأنهم يعملون بعلمهم، ويخلصون لدينهم، ولأن سيرتهم وأعمالهم تترك أطيب الأثر في النفوس، وربما ما اهتدى بهم الكثير من التائهين والمنحرفين (ليسوا بالمسابيح) لا يسيحون ويمشون بين الناس بالفساد (ولا المذابيع البذر) لا يذيعون الفاحشة، ويبذرون النميمة والوشاية (أولئلك يفتح الله لهم أبواب رحمته) ويسكنهم فسيح جنته.

(أيها الناس سيأتي عليكم زمان يكفأ فيه الإسلام كما يكفأ الإناء بما فيه). قال ابن أبي الحديد : «يريد أنه سيأتي على الناس زمان تنقلب فيه الأمور الدينية الى أضدادها ونقائضها، وقد شهدنا ذلك عياناً». قال ابن أبي الحديد هذا حيث لا استعمار في عهده ولا صهيونية، ولا شركات نفط وأسلحة جهنمية، ولا عمائم تقبض من جهاز المخابرات، ولا حكام يعملون لأصحاب الاحتكارات ملحوظة توفي ابن ايي الحديد سنة 655 هـ (أيها الناس ان الله قد أعاذ كم من

ان يجور عليكم، ولم يعدكم من أن يبتليكم). ان الله سبحانه لا يظلم أحداً، ولكنه يبتلي بالسراء والضراء ليتميز الخبيث من الطيب، والمغريات والمزعجات هي المحك والوسيلة لإظهار كل على حقيقته، وتبرير محاسبته، وجزائه بما يستحق من ثواب أو عقاب.

الخطبة - 102 -

لأبقرنّ الباطل :

أما بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأْ كِتاباً، وَلَا يَدَّعِي نُبُوَّةٌ وَلَا وَحْياً. فَقَاتَلَبتمن أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ. يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ، وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تنزِلَ بِهِمْ، يَحْسِرُ الْحَسِيرُ وَيَقِفُ الكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غايَتَهُ إِلَّا هَالِكاً لا خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتهم، وبَوَّأهُمْ مَحَلَّتَهُم فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ، وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ. وَايْمُ اللهِ لَقَدْ كُنتُ مِنَ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا، وَأَسْتَوْسمتْ فِي قِيَادِهَا، مَا ضَعُفْتُ وَلَا جَبُنْتُ وَلَا خُنْتُ وَلَا وَهَنْتُ. وَأَيْمُ اللَّهِ لَأَبْقَرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أخرجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ.

اللغة :

بحسر : يسوق. والحسير : الضعيف. والكسر : المكسور. وبوّأ: هياً ودبر وساقتها : جمع سائق. بحذافيرها : بأسرها وجوانبها كلها. واستوسقت : اجتمعت.

الإعراب :

المصدر من أن تنزل مفعول من أجله ليبادر أي مخافة النزول، وايم مبتدأ، والخبر محذوف وجوباً أي قسمي. لأبقرن اللام في جواب القسم.

المعنى :

(أما بعد، فإن الله سبحانه بعث الى - ولا وحياً ولا وحياً). كل من بحث ودرس العصر الجاهلي العصر الجاهلي أكد ان البيئة العربية كانت بيئة أُمية. وكتاب الله صريح في ذلك : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - 2 الجمعة» والقرآن الكريم وثيقة تاريخية، وحجة قاطعة لا تقبل الجدل، وبالخصوص فيما يتصل بالعرب. وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 33.

جاهدوا

(فقاتل بمن أطاعه من عصاه). دعى الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى الحق فعارض وعاند عتاة الشرك والضلال لا للشك والارتياب في دعوة الرسول، بل حرصاً على المصالح والمكاسب، فجادلهم بالتي أحسن.. ولما أصروا على حربه استعان على جهادهم بالله وبالمؤمنين : «لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ - 88 التوبة» فأسلم من أسلم طائعاً، واستسلم من استسلم مرغماً (يسوقهم الى منجاتهم). يسير النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمن أسلم أو استسلم على طريق الهدى والنجاة (ويبادر الساعة أن تنزل بهم) يمضي النبي في تربيتهم وتنزيههم من الشرك والجهالة قبل أن يوافيهم الأجل، ويموتوا على الكفر والضلال.

(يحسر الحسير). يدفع بالضعيف الى الأمام (ويقف الكسير). يصلح المكسور (فيقيم عليه حتى يلحقه غايته). هذا تفسير وبيان لقوله : «ويقف الكسير»، وتوضيحه ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يداري ويعالج ضعيف الايمان بالرفق والتلطف تارة، وبالتأديب باللمحة والنظرة أخرى وبالتأديب باللمحة والنظرة أخرى، وبكل ما تستدعيه حال المتشكلك والمرتاب حتى يزول ما في قلبه، ويصير من المؤمنين الخلص (إلا هالكاً) يعاند الحق ويصر على الباطل (لا خير فيه) ولا أمل في هدايته، وكان النبي يحرص على ايمان هذا النوع، فقال له العليم الحكيم : «وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين 103 يوسف»، أي أكثر الناس من الذين تحرص على أن يؤمنوا بالله ونبوتك.

(حتى أراهم منجاتهم، وبوأهم محلتهم). ضمير «هم» يعود الى الذين استمعوا للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) واقتنعوا برسالته، والمعنى ان النبي أوضح لهم طريق النجاة والسلامة، ويستر عليهم سلوكه، فمضوا عليه بصدق وإخلاص (فاستدارت رحاهم) أقبل عليهم الرزق، وعاشوا في سعة منه، لأن الرحى تدور على ما تطحن (واستقامت قناتهم) قويت شوكتهم، وامتد سلطانهم في أقطار الأرض بفضل محمد والاسلام. قال المستشرق الألماني «فلهوزن» في «تاريخ الدولة العربية» ص 160 طبعة 1958 : «إن الاسلام وضع الدنيا تحت أقدام العرب، ولولاه ما كانوا ليصلوا الى المكانة التي وصلوا اليها».

(وايم الله لقد كنت من ساقتها حتى تولت بحذافيرها). كان للإمام الحظ الأوفر بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيما حققه العرب من التقدم في شتى الميادين حيث كان في طليعة المجاهدين يكافح الجاهلية حتى ذهبت بما فيها، وجاء نصر الله والفتح (واستوسقت في قيادها) أي لما ولت دعوة لجاهلية تجمعت دعوة الاسلام تحت راية كلمة التوحيد والشهادة برسالة محمد، وانتشرت في الشرق والغرب وعلى هذا فالهاء في حذافيرها تعود الى الجاهلية، وفي قيادها الى دعوة الاسلام بدليل السياق حيث لا يستقيم له معنى إلا بهذا التفسير – كما نرى.

(ما ضعفت، ولا جبنت، ولا خنت، ولا وهنت). قضى الإمام حياته كلها في جهاد متصل من أجل الإسلام، وتحمل في هذه السبيل ما يفوق التصور، ومع هذا صبر وثابر، وما زاده البلاء إلا ثباتاً وإخلاصاً (وأيم الله لأبقرن الباطل

حتى أخرج الحق من خاصرته) جاهد الإمام من أجل الحق في عهد الرسول، والخلفاء الثلاثة، وهو الآن كما كان من قبل، يشق بطن المبطلين ويخرج الحق من خاصرتهم ويرده الى أهله، قال الشيخ محمد عبده : «التمثيل في غاية اللطف». وتقدم هذا المعنى في الخطة 37، وهو قول الإمام. 37 : «الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه».

الخطبة - 103 -

لا يعجزه من طلب.. فقرة 1 - 2 :

بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) شَهِيداً وَبَشِيراً وَنَذِيراً خيْر الْبَرِيَّةِ طِفلاً، وَأَنجَبَهَا كَهْلاً، وأنجبهَا كَهْلاً. أظهَرَ الْمُطَهِّرِينَ شِيمَةً، وَأَجوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً. فَما أَحلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا وَلَا تَمَكّنتُمْ مِنْ رَضاع أخلافِهَا، إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا قلقاً وَضِينُهَا. قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ، وحلالها بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودِ. وَصَادَفَتُمُوهَا وَاللَّهِ ظِلا ممدُوداً إلَى أَجَلٍ معْدُودٍ (1). فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ، وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةُ، وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وَسيُوفَكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وسيوفهُمْ عَنكُمْ مَقْبُوضَةٌ، أَلا إِنَّ لِكُلِّ دَم ثَائِراً، وَلِكُلِّ حَقٌّ طَالِباً. وَإِنَّ الثائِرَ في دِمَائِنَا كالحاكم في حَقِّ نَفْسِهِ، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا يُعْجِرُهُ

مَنْ طَلَبَ، وَلَا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ. فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَا قَلِيل لَتَعرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ. أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ. أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذكير وقبلة (2).

اللغة :

الشيمة : الخلق. والمستمطرين : جمع مستمطر - بفتح الطاء - والمراد به هنا من يطلب منه العون. والديمة - بكسر الدال - المطر الدائم بلا برق ورعد. وأخلاف: جمع خلف - بكسر الخاء - حلمة : ضرع الناقة. والخطام : ما يوضع في أنف البعير ليقاد به. والوضين : ما يشد به الرحل على البعير. والمخضود من شجر السدر : لا شوك له. وشغرت الأرض : لم يبق فيها من يحميها.

الإعراب :

شهيداً حال من محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وخير البرية صفة له، ويجوز أن يكون حالاً، وطفلاً تمييز، ومثله شيمة وديمة، ومثله شيمة وديمة، وخطامها فاعل جائلاً، ووضينها فاعل قلقاً، بمنزلة السدر خبر صار، وحلالها بعيداً عطف على صار حرامها، ولكل حق باطلا عطف على ان لكل دم ثائراً. وعما «ما» زائدة، وقليل مجرور بعن.

المعنى :

(حتى بعث الله محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) شهيداً وبشيراً ونذيراً). يجمع سبحانه الخلائق غداً، ويشهد على كل أمة رسولها بأنه قد بلغهم رسالات ربه، وانه بشر وأنذر مباشرة او بواسطة العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين وغيرهم (خير البرية طفلاً) في هديه وسلوكه (وأنجبها كهلاً) في طيب سريرته، وحسن سيرته

(واطهر المطهرين شيمة) في جميع خصاله (وأجود المستمطرين ديمة) في كرمه وعطائه، كان يعطي ويشعر انه أخذ أكثر مما أعطى، قال أبو ذر :

«خرجت مرة مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نحو جبل أحد، فقال لي : أتبصر أحداً ؟ قلت : نعم، يا رسول الله. قال : ما أحب أن يكون لي مثله ذهباً أنفقه في سبيل الله، سبيل الله، أموت وأترك منه قيراطين». وهنا يكمن السر في ثورة أبي ذر على الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله الله. وكمال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في سائر خصاله وعناصر شخصيته تماماً مثل كماله في عطائه وكرمه، ومن هنا استحق ه-ذه الشهادة العظمى منه تعالى : «وانك لعلى خلق عظيم – 4 القلم».

(فما احلولت - الى - وضينها). الخطاب للمسلمين، والمعنى ان محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) برسالته الكاملة، وخلاله المثلى، وجهاده المتواصل هو الذي أخضع لكم الدنيا وجعلها تحت أقدامكم، ولكنها أصبحت بعده قلقة حائرة تنتظر القائد القوي الحكيم ليأخذ بزمامها، ويسير بها في طريقها القويم، ولا تجده.. فكان شأنكم مع هذه الدنيا التي تركها النبي لكم تماماً كراكب الناقة التي لا يملك زمامها، ولا يثبت رحلها من تحته.

(قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود) هذا بيان وتفسير الضياعهم، وانهم تماماً كالإبل غاب راعيها.. لأن الحرام بعد النبي أصبح سهل المثال، لا رادع عنه، ولا زاجر كالسدر بلا شوك (وحلالها بعيداً غير موجود). حرامها سهل يسير، وحلالها صعب عسير، والنتيجة الحتمية أن يتنعم في الدنيا الأشرار، ويشقى الأخبار. وفي الحديث : «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر». وهذا هو الواقع المحسوس في دولة الجور والأوضاع الفاسدة حيث يسعد فيها كل خائن وعميل، ويشقى فيها كل طيب ونبيل وغير بعيد أن يكون هذا هو المراد من الحديث المذكور.

(وصادقتموها والله ظلاً ممدوداً إلى أجل معدود). ان دنياكم حلوة بزخرفها ونعيمها، ولكنها لحظات، ومن بعدها آلام وأحزان، فاحذروا الغفلة من العواقب وبادروا بالصالحات، والفرصة سانحة، والحال هادئة والفرصة سانحة، والحال هادئة (فالأرض لكم شاغرة) خالية من الحاكم الذي يردعكم عن الحرام.. بشير بهذه إلى ما يحدث بعده

(وأيديكم فيها مبسوطة) في التصرف كما تشاءون (وأيدي القادة عنكم مكفوفة) لعجزهم عن تأديبكم (وسيوفكم عليهم مسلطة) اي لا تهابون القادة وتتمردون عليهم (وسيوفهم عنكم مقبوضة). هذا عطف تفسير وبيان على «وأيدي القادة عنكم مكفوفة».

(ولكل حق - الى - من هرب). قال ابن ابي الحديد : «يرمز الإمام بهذا الى ما سيقع من قتل الحسين وأهله، وكأنه يشاهد ذلك عياناً». وعلى هذا يكون المعنى ان ما من دم يسفك لأهل البيت الأطهار إلا والله سبحانه هو الطالب به والقاضي والخصم، لأنهم لا يقدمون ويحجمون لأنهم لا يقدمون ويحجمون إلا بأمره تعالى وسينتقم من أعدائهم : « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ - 44 فاطر».

(ماقسم بالله يا بني أمية عما قليل لتعرفتها في أيدي غيركم، وفي دار عدوكم). حسب الأمويون ان الدار قد اطمأنت بهم بعد قتل الإمام، وان الأرض قد استقرت تحت أقدامهم بعد استشهاد الحسين، ولكن سرعان ما تبين لهم ولغيرهم ان سلطان الجور لا يدوم، وان دعوة الحق لا تموت.. فتوالت الثورات على دولة الأمويين، واستمرت الحروب ضدهم حتى ذهبوا الى غير رجعة، فقد التهبت القلوب، وغلت أحقادها عليهم، وطاردهم العباسيون وغير العباسيين، وقتلوهم أحياء، وحرقوا عظامهم أمواتاً.

(ألا ان أبصر الأبصار ما نفذ في الخسر طرفه) نفذ في الخسير طرفه). ضمير طرفه يعود الى البصر النافذ، والمراد بالطرف هنا - بسكون الراء - العقل العقل، لأن البصر يرى والعقل يحكم، والمعنى ان المبصر حقاً هو الذي يميز بين الحق والباطل والخير والشر، فيجتنب هذا، ويفعل ذاك (الا ان أسمع الأسماع الا ان أسمع الأسماع ما وعى التذك- التذكير وقبله) أي إن السميع حقاً هو الذي يعمل بكل خير يسمعه، وفي معناه قوله تعالى : «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ - 18 الزمر».

أَيُّهَا النَّاسُ أَسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاح واعظٍ مُتّعِظ، وَأَمْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ. عِبَادَ اللَّهِ لَا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ، ولَا تَنْقَادُوا لِأَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهذَا الْمَنْزِلِ نَازِلُ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِع لِرَأَي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأي، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ وَيُقَرِّبَ مَا لَا يَتَقَارَبُ. فَاللَّهَ أَنْ تَشكُوا إِلَى مَنْ لَا يُشكِي شَجْوَكُمْ، وَلَا يَنْقُصُ بِرَأيهِ مَا قَدْ أُبْرِمَ لَكُمْ (3). إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا مَا حمّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ، الْإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَالْاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، وَالْإحياء لِلسُّنَّةِ، وَإِقَامَةً الحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيها، وَإِصْدَارُ السُّهمَانِ عَلَى أَهْلِهَا. فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْويحٍ نَبْتِهِ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشغَلُوا بِأَنفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارٍ العِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ. وَأَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ، فَإِنَّما أُمِرْتُمْ بالنهي بَعْدَ التّناهي (4).

اللغة :

استصبحوا : استضيئوا او أوقدوا المصباح. امتاحوا : استقوا. وشفا الشيء: طرفه. والجرف : ما تجرفه السيول. وهار : متصدع مشرف على السقوط او سقط بالفعل. والردى : الهلاك. والشجو : الحزن والحاجة. والسهمان - بضم السين - النصيب. وتصوح التبت : تجفف.

الإعراب :

الله نصب على التحذير اي احذروا الله او اتقوا الله، والمصدر من ان تشكوا مجرور بمن محذوفة، والإبلاغ وما عطف عليه بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه ما حمل.

المعنى :

(أيها الناس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متعظ الخ) يعني الإمام نفسه من مصباح الواعظ المتعظ، والعين الصافية من الكدر، وهو بهذا يحت- أصحابه على أن ينتفعوا بعلمه، ويصلحوا أنفسهم بوعظه وإرشاده، فإنه يسير بهم في طريق الحق والنجاة.

(عباد الله لا تركنوا - الى هار). احذروا الركون الى الجهل، والانقياد الى الأهواء وإلا كان مصير كم الهلاك والدمار (ينقل الردى - الى - ما لا يتقارب). يحول الجهل والهوى دون فهم الحقيقة، ومعرفة الصواب، ولا يتركان عقلا وسمعاً وبصراً، يدير صاحبها بصره وبصيرته في كل شيء، ولكنه لا يرى إلا ذاته وهواه، وإذا عدل عن رأي لآخر كان الثاني أسوأ وأكثر ضرراً. انه يرى القريب بعيداً، والبعيد قريباً، ويحاول أن يجمع بين الشيء وضده، ويفرق بينه وبين لوازمه وآثاره، وهو يحسن صنعاً،، وهو يحسن صنعاً، ويبالغ في الاحتراز من الأخطاء والأهواء.

قال بعض علماء الاجتماع : أثبتت الملاحظة أن الجاهل يخلع على الأشياء صفات متناقضة، ويعتقد ان الشيء يكون واحداً وكثيراً في آن واحد، وان الأحلام واقع مادي واستنتج بعض العلماء من هذا أن بعض المبادىء التي يراها كثيرون من البديهات هي أبعد من أن تكون فطرية تلقائية في عقل الانسان وطبيعته.

(فالله الله أن تشكوا الى من لا يشكي شجوكم). من الجهل أن يشكو المرء الى من لا يواسيه ولا يملك له نفعاً ولا ضراً (ولا ينقض برأيه ما قد أبرم لكم).

وأيضاً من الجهل أن يشكو الانسان الى من يشكو الانسان الى من لا علم له في الدين، ولا تجربة له في الحياة، لأنه لا يبطل عقيدة فاسدة، ولا فكرة خاطئة تمكنت من نفس صاحبها (انه ليس على الإمام إلا ما حمل من أمر ربه) أي لا يُسأل الراعي أمام الله عن رعيته إلا في خمس، وهي :

1 - (الابلاغ في الموعظة) أي عدم التقصير في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

2 - (والاجتهاد في النصيحة) وهي المساواة بين أفراد الرعية، وحماية مصالحهم المادية والأدبية، والسير بالجميع الى حياة أفضل.

3 – (والإحياء للسنة) أي الحكم بالمبادىء والقوانين المقررة كتاباً وسنة، لا بالهوى والغرض.

4 – (واقامة الحدود على مستحقيها) لا يدان أي شخص إلا بعد أن تثبت ادانته، فإذا ثبتت أخذ بها وحده دون غيره من صحبه وأسرته

5 - (واصدار السهمان على أهلها) في القديم كان بيت المال يقسم على الجيش والرعية، ومع الزمن أصبحت الدولة تنفقه على المصالح العامة كالزراعة والتطبيب والتعليم وما اليه من المصالح التي أنشئت لها وزارات معينة، وفي عهد الإمام كان بيت المال يقسم على الرعية، ومعنى قوله : إصدار السهمان على أهلها تقسيم الأموال على مستحقيها. وعن الطبري لما اجتمع الناس لمبايعة الإمام قال لهم: «كنت كارهاً لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألا وانه ليس لي أمر دونكم إلا ان مفاتيح مالكم معي، وانه ليس لي ان آخذ منه درهماً دونكم أرضيتم ؟ قالوا : نعم. قال : اللهم اشهد عليهم». وأشير على الإمام ان يعطي للمشاكسين والمعاكسين ليستقيموا له. فقال : أتأمروني ان أطلب النصر بالجور .. والله لو كان المال لي لسويت بينهم، كيف وانما المال مال الله ؟.

(فبادروا العلم من قبل تصويح نبته). خذوا مني العلم قبل ان أفارقكم ومثله ما جاء في بعض الخطب : سلوني قبل ان تفقدوني (ومن قبل ان تشغلوا بأنفسكم) اي بالمشاحنات والخلافات (عن مستشار العلم من عند أهله) أي عن مشورة أهل العلم، والمعنى اغتنموا فرصة وجودي بينكم قبل ان تفوتكم بموتي،

او بما يحدث بينكم من شقاق ونزاع (وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه) ولا تقولوا ما لا تفعلون (فإنما أمرتم بالنهي بعد التناهي). لقد أمركم الله سبحانه ان تعملوا بعلمكم قبل ان تذيعوه على الناس، فإن كلام العالم العامل في تأثيره كالمطر يحيي الأرض بعد موتها، وان قل علمه، أما كلام من لا يعمل فإنه أشبه بالسراب، وان كثر علمه.

الخطبة - 104 -

الإسلام.. فقرة 1 - 2 :

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلامَ فَسَهّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ، وَأَعَزّ أَركَانَهُ عَلى مَنْ غَالَبَهُ فَجَعَلَهُ أَمْناً لَمنْ عَلِقَهُ، وَسَلْماً لمَن دَخَلَهُ، وبُرْهَانَا لَمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لَمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاء بهِ، وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ، وَلُبًّا لِمَنْ تَدَبَّرَ، وَآيَةٌ لَمَنْ تَوَسّمَ، وَتَبْصِرَةً لمَنْ عَزَمَ، وَعِبْرَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ، وَثِقَةٌ لِمَنْ تَوَكَّلَ، وَرَاحَةٌ لِمَنْ فَوْضَ، وَجُنَّةٌ لِمَنْ صَبَرَ (1). فَهُوَ أَبْلَجُ المَنَاهِج، وَاضِحُ الولائج، مُشْرَفَ المَنارِ، مُشْرِقُ الْجَوَادُ، مُضِيء المَصابيح كَرِيمُ المضمارِ، رَفِيعُ الغَايَةِ، جَامِعُ الحَلْبَةِ، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ، شَرِيفٌ الْفُرْسَان. التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ، وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ، وَالمَوْتُ فَايَتُهُ وَالدُّنْيَا مِضمارهُ، وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالْجَنَّةُ سُبقَتُهُ (2).

اللغة :

علقه - بكسر اللام - تعلق به. والجنة - بضم الجيم – الوقاية. أبلج الصبح : أشرق وأضاء. ومنهاج : جمع منهج أي الطريق الواضح. والولائج : جمع الوليجة، وهي دخيلة الانسان أو خاصته وبطانته. والجواد - بتشديد الدال - جمع جادة أي الطريق. والمضمار : محل تضمير الخيل للسباق، أو السباق نفسه. والحلبة : خيل تجمع للسباق أو للنصرة. والسبقة - بتشديد السين وضمها - جزاء السابقين.

الإعراب :

أبلج ومشرف وما بعده من الأوصاف كلها أخبار لـ «فهو».

شريعة الإسلام :

(الحمد لله الذي شرع الإسلام فسهل شرائعه لمن ورده، وأعز أركانه على من غالبه). المراد بالأركان هنا أصول العقيدة، وهي الإيمان بالله، وبكل ما يليق به من کمال و جلال، وهذا الإيمان يضع الناس كلهم على مستوى واحد في الحقوق والواجبات، ولا يمنح لأحد حقاً يسيطر به ويستعلي على غيره والإيمان بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسنته، ومعنى هذا الإيمان في واقعه الالتزام بالقيم الانسانية، والعلاقات الاجتماعية على أساس العدل والمساواة، والأصل الثالث والإيمان باليوم الآخر والحساب والجزاء، وليس من شك ان الإيمان بهذا اليوم يعود بالخير الكثير على صاحبه ومجتمعه، لأن من ينكره يستغرق - غالباً - في الفردية وانتهاب الملذات، ويرى الحياة الدنيا هي الفرصة الوحيدة للانتفاع والاستمتاع، وان احترام القيم والقوانين الرادعة سخف وحماقة.

والمراد بالشرائع في كلام الإمام الأسس والمبادىء العامة للتشريع، مثل لا ضرر ولا حرج، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وكل إنسان بريء حتى تثبت إدانته، ورعاية المصلحة في تصرف الأولياء والأوصياء، والعقود تتبع القصود،

ولا يحل مال امرىء إلا بسبب مشروع ولا عبرة بالظن، والقصاص إنما هو بالمثل، والاجتهاد لا ينقض بمثله.. الى غير ذلك من المبادىء التي لا ينكرها عاقل، فكل إنسان يحب بطبعه جلب المنافع، ودرء المضار، ويبغض ما هو بخلاف ذلك. قال المستشرق الانكليزي (جب) : (ان الاسلام ليس دينا بالمعنى المجرد الذي نفهمه اليوم من هذه الكلمة، بل هو مجتمع بلغ تمام الكمال، ويشمل كل مظاهر الحياة الانسانية). وقال المستشرق الألماني «برج» : «ان فلسفة الإسلام تقوم دائماً على وضع المصلحة العامة فوق المصلحة الفردية، وان مبدأ الإخاء الانساني هو أساس فلسفة الأخلاق الاجتماعية في الإسلام». (القرآن والفلسفة لمحمد يوسف موسی ص 15 طبعة 1958). وفي الحديث الشريف : أتيتكم بالشريعة السهلة السمحة.

(فجعله أمناً لمن علقه) أي تعلق به، ومما وصف به الإمام الكتاب العزيز قوله : «العصمة للمتمسك، والنجاة للمتعلق». فمن التزم بتعاليم الإسلام قولاً وعملاً - أمن العواقب في دنياه وآخرته (وسلما لمن دخله) أي لو عمل به الناس لسلموا من عذاب الله في الآخرة، وعاشوا في الدنيا بأمن وسلام، لا حرب على الثروات، ولا صراع على الاحتكارات (وبرهاناً لمن تكلم به) لأنه حق وصدق، ومن صارع الحق صرعه ولو بالحجة والدليل.

(وشاهداً لمن خاصم عنه) أيضاً لأنه حق وصدق، وبأي منطق يرد على الاسلام أعداؤه وخصومه ؟ أمنطق العقل، والنبي يقول : أصل ديني العقل، والقرآن يقول : «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ – 22 الأنفال». او يردون عليه بمنطق العلم ؟ وما حث دين من الأديان على طلب العلم كما حث عليه الاسلام، فقد اعتبره فريضة، ورفع أهله درجات، فهل يرفع العدو من شأن عدوه ؟ فعظمة الاسلام بمبادئه وتعاليمه هي التي تذب عنه ولولاها ما استطاع محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ان يتغلب على الجاهلية وعتوها.

(ونوراً لمن استضاء به) لأنه يهدي للتي هي أقوم (وفهماً لمن عقل). المراد بالفهم هنا العلم.. وهذا هو التاريخ يشهد وينطق بالمقام الخالد المحمود لأهل العلم بحلال الاسلام وحرامه (ولباً لمن تدبر). إن الاسلام ينير العقل بأضواء العلم، شريطة ان يفهمه فهم دراية ورعاية، لا فهم حفظ ورواية (وآية لمن توسم) من أدرك الاسلام على حقيقته أرشده إلى طريق الصواب والأمان

(وتبصرة لمن عزم) من نشد الهداية حقاً فعند الاسلام ضالته وامنيته (وعبرة لمن اتعظ) ما في كتاب الله من أخبار الأمم الماضية أخبار الأمم الماضية، والقرون الخالية، وشؤون الأرض والسماء، وأحوال الدنيا والآخرة : «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ -21 الحشر».

(ونجاة لمن صدق) أي لمن آمن بالاسلام عن صدق وإخلاص (وثقة لمن توكل) لأن الله سبحانه وعد المتقين والمتوكلين عليه بالحسنى : «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ - 3 الطلاق» : (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ - 159 آل عمران). (وراحة لمن فوض) من سلّم أموره لله امتلأ قلبه أمناً وسكينة (وجنة لمن صر) أي وقاية من الآفات لمن ثبت على الحق، ولم تأخذه فيه لومة لائم (فهو أبلج المناهج) إن طريق الاسلام الى الحق أوضح الطرق، وأسلمها عاقبة (وأوضح الولائج). في الاسلام كنوز وفوائد، وكلها جلية واضحة (مشرف المنار) لا باطنية في أصول الاسلام ولا في فروعه، فهذه مدارسه و معاهده ترحب بكل طالب وراغب، وهذا كتاب الله وسنة نبيه يقرأهما من شاء وأراد.

(مشرق الجواد) هذا تفسير وبيان لأبلج المناهج (كريم المضمار) أي سبق الأديان بشريعته وتعاليمه، او من عمل به كان من أهل السبق الى الحسنات والمكرمات (رفيع الغاية) لأن تعاليمه تهدف الى هداية البشر وإسعادهم، والمساواة بين أفرادهم (جامع الحلبة) يجمع الأخيار والمجاهدين من أجل الحق تحت رايته (متنافس السبقة) يتنافس المهتدون به الى الخيرات، لا الى الثروات والاحتكارات (شريف الفرسان) كالأئمة والعلماء الأبرار (التصديق منهاجه) طريقه الايمان الخالص من كل شائبة (والصالحات مناره) لا علامة على إسلام من ادعاه إلا الأعمال الصالحة، فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الايمان كما قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(والموت غايته) أي لا إسلام ولا تكليف بعد الموت، فيه ينقطع كل شيء، فبادروا العمل ما دمتم في هذه الدار، ويدل على إرادة هذا المعنى قوله بلا فاصل: (والدنيا مضماره) أي محل العمل بالاسلام ومبادئه الدنيا لا الآخرة. ومن أقوال الإمام : اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل (والقيامة حلبته) اليوم الآخر هو المكان الذي تجتمع فيه الخلائق للحساب والجزاء، قال تعالى : «لَيَجْمَعَنَّكُمْ

إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ 87 النساء». (والجنة سبقته) انها جزاء السابقين الى دين الله والعمل بأحكامه.

واحشرنا في زمرته.. فقرة 3 :

حَتَّى أَوْرَى قَبْساً لِقَابِسِ، وَأَنَارَ عَلَمَا لِحَابِسٍ، فَهُوَ أَمِينُكَ المَأْمُونُ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وَبَعِيثُكَ نِعْمَةً، وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً. اللهم اللَّهُمْ أقسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدلِكَ، وَأَجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ. اللَّهُم أَعْلِ عَلى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ، وَشَرِّف لديكَ مَنزَلَتَهُ. وَآتِهِ الوَسِيلَةَ وَأَعْطِهِ السَّناءِ وَالْفَضيلَةَ، وَاحْشُرْنَا في زمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَادِمِينَ وَلَا نَاكِبِينَ، وَلَا نَاكِثِينَ وَلَا ضَالِّينَ، وَلَا مُضِلَّينَ، وَلَا مَفْتُونينَ (3).

اللغة :

أورى : أوقد. والقبس : الشعلة من النار. والقابس : آخذ النار من النار. و الحابس : من أحجم عن السير الجهله بالطريق. والشهيد : الشاهد. والبعيث: المبعوث. والمقسم : النصيب. والتزل – بضم النون والزين - ما هيء للضيف. والوسيلة : ما توجب القرب. والسناء : الرفعة. وخزايا : جميع خزیان من الخزي. والناكب : من عدل عن الطريق. والناكث : من نقض العهد والمفتون : كالمجنون من شدة ولهه ولهفته.

الاعراب :

المأمون صفة مؤكدة لأمينك، ونعمة مفعول من أجله لبعيثك، ومثلها رحمة وغير خزايا حال من مفعول احشرنا.

محمد وعلي :

تقدم نظير هذا الوصف في الخطبة 71، وحين يتكلم الإمام عن الرسول فإنه يقول عن حس وعيان، فلقد خالطه ولازمه حوالى ثلاثين عاماً في حله وترحاله، وسلمه وحربه.. هذا، إلى قوة دينه وإيمانه، ورسوخ تصديقه ويقينه بالله ورسوله.. نشأ علي في بيت محمد، في بيت محمد، الذي كان يسهر على تهذيبه وتربيته بروحه وشمائله، وكان الإمام يسمع له ويطيع، ويحبه، ويحبه أكثر من أمه وأبيه، وكان يحدث الغلمان في سنه عن فضل الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبل أن ينزل عليه الوحي كما جاء في كتاب «محمد رسول الحرية» لعبد الرحمن الشرقاوي، ومعنى هذا أن علياً منذ طفولته كان مولعاً برسول الله، وداعية له قبل أن يُبعث رحمة للعالمين، واذن فلا بدع اذا عدد الإمام وكرر خلال سيد الكونين ومناقبه، وبالخصوص بعد أن غير وجه الأرض، وظهرت رسالته على الدين كله على ان للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فضل الهداية على كل من اهتدى ويهتدي بنوره، ولا يتم دين المسلم إلا إذا كان في جميع أقواله وأفعاله نبيه العظيم، وقدسه في كل حين

المعنى :

(حتى أورى قبساً لقابس) أعطى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الهداية لكل من ينشدها تماماً کالقرآن الكريم الذي وصفه سبحانه بأنه «هدى للمتقين» أي لمن أراد أن يتقي الله حقاً وصدقاً، أما المكابر المعاند فلا ينتفع بواعظ وواعظة (وأنار علماً لحابس) دل التائه الحائر الى نهج السبيل (فهو أمينك المأمون) على وحيك (وشهيدك يوم الدين) على خلقك (وبعيثك نعمة) كبرى يجب شكرها على عبادك (ورسولك بالحق رحمة) للعالمين يحرص على خير الجميع وسعادتهم من غير فرق بين أوليائه وأعدائه.

(اللهم اقسم له مقسماً من عدلك). وعدل الله كائن لا محالة، ولكن غرض الإمام من هذا الدعاء مجرد التعظيم لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مع الإيماء الى أنه عظيم عند الله بموجب عدله سبحانه الذي أشار اليه بقوله، جل من قائل : «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» فكيف بمن أخرج الناس من الظلمات الى النور ؟ (واجزه مضاعفات الخير من فضلك) ضاعف اللهم الأجر لنبيك الكريم أضعافاً

مضاعفة، حتى لا يدانيه في ذلك أحد من أهل السموات والأرض (اللهم اعل على بناء البانين بناءه) ارفع شأنه فوق كل شأن دنيا وآخرة (وأكرم لديك نزله) من الكرامة التي أعددتها للصفوة النازلين في رحابك (وشرف عندك منزلة) فقد تحمل الكثير في سبيل إعلاء كلمتك (وآته الوسيلة) التي يبلغ بها الدرجات العلى (واعطه السناء والفضيلة) أي الدرجة الرفيعة في كل فضل وخير

(واحشرنا في زمرته). وكل مسلم يحشره الله في زمرة نبيه اذا عاش معه في أهدافه وأقواله وأفعاله، أما من يعلن اسمه على المنابر والمآذن، ويقيم في مولده الحفلات، ثم يبتعد وينقطع عن سنته وشريعته - فإن الله سبحانه يبعده في الآخرة عن نبيه كما ابتعد عنه في الدنيا، ونكث عهده، ونكب عن طريقه وافتتن بالأباطيل والأضاليل

لا يغضبون لله.. فقرة 4 – 5:

وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللهِ لَكُمْ مَنْزِلَةٌ تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ، وَتُوَصَلُ بها جيرانكُمْ، وَيُعظِّمُكُمْ مَنْ لا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، وَيَبَابُكُمْ مَنْ لاَ يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةٌ، وَلَا لَكُمْ عَلَيْهِ إمْرَةٌ. وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةٌ فَلَا تَغْضَبُونَ، وَأَنتُمْ لِنَقْضِ ذِمَم آبائِكُمْ تَأْتَفُونَ. وَكَانَتْ أُمُورُ اللهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ وَعَنكُمْ تَصْدُرُ وَعَلَيْكُمْ تَرْجِعُ. فَمكَّنتمُ الظلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللهِ فِي أَيْدِيهِمْ. يَعْمَلُونَ فِي الشَّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبِ لجَمَعَكُمُ اللهُ لِشَرِّ يَوْم لَهُمْ (4).

المعنى:

قال ابن أبي الحديد : «وبخ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الخطاب أصحابه الذين أسلموا مدنهم ونواحيهم الجيوش معاوية كالأنبار وغيرها». إن الله سبحانه أعز العرب بمحمد والاسلام، وأعزه بهم، فنشروا لواءه في أقطار الأرض شرقاً وغرباً و استقامت لهم الحياة صافية نقية، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يذكرهم بهذه النعمة بقوله : (وقد بلغتم من كرامة الله تعالى لكم منزلة تكرم بها إماؤكم) وكنتم من قبل أشبه بالإماء والعبيد لضعفكم وهو انكم على الناس كما أشارت الآية 27 من سورة الأنفال : «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».

(وتوصل بها جيرانكم). في كتب اللغة : ان كلمة الجار تطلق على المجاور وعلى المجير والمستجير. والمراد بالجيران هنا كل من يمت الى أهل الاسلام بصلة (ويعظمكم – الى - إمرة) أي أن الاسلام جلب لكم نصراً مؤزراً، وأضفى عليكم هيبة وجلالاً، وفرض احترامكم على الجميع حتى القوي كان يعظم كم لا من رهبة أو رغبة، بل لأنه يراكم أهلاً للتعظيم والتكريم، قال ابن أبي الحديد : إن ملوك الهند والصين وأمثالهم هابوا دولة الاسلام، وان لم يخافوا وان لم يخافوا سطوتها، لأنه شاع وذاع ان المسلمين قوم صالحون.

(وقد ترون عهود – الى - تأنفون). كانت الحرب بين علي ومعاوية حرباً بين الحق والباطل بين الدين الخالص لله، وبين دنيا الضلال والفساد، ومع هذا كان أصحاب الإمام يتثاقلون عن نصرته، فقال لهم مؤنباً ومقرعاً : تغضبون للآباء، وتتعصبون لما أبرموا من عهود ومواثيق، ولا تغضبون لعهد الله وميثاقه اذا نقض وأهمل (وكانت أمور الله عليكم ترد) بكسر الراء، والمراد بأموره تعالى هنا شريعته وحلاله وحرامه، وانهم كانوا يأخذونها من النبي، ثم من الإمام (وعنكم تصدر) أي وأنتم بدوركم تعلمونها للناس (واليكم ترجع) وكان الناس يراجعونكم في معرفتها ودفع الشبهات عنها، أو كان الناس يرجعونها اليكم بالنظر الى انهم يعلمونها أبناء كم وأحفادكم على حد تفسير ابن ابي الحديد.

(فمكنتم الظلمة – الى - أيديهم) انتقل الحكم منكم الى أعداء الله وأعدائكم وأنتم السبب حيث عزفتم وضعفتم عن قتالهم وجهادهم.. لقد جاهد المسلمون من قبل، وهم على يقين من احدى الحسنيين: أما الانتصار على الأعداء مع الأجر

العظيم دنيا وآخرة : وأما الفوز بنعمة الشهادة والحياة عند الله، فكانت لهم العزة والكرامة بهذه الروح الصادقة المجاهدة، أما أنتم فحرصم على الحياة، وجبنتم عن الجهاد، واستسلمتم للأعداء، فكان نصيبكم الذل والهوان.

(يعملون بالشبهات) ان الذين أسلمتم لهم أمور الله سبحانه يرتكبون الحرام لمجرد احتمال الحلال، ويحرفون ويزيفون (ويسيرون في الشهوات) لا يردعهم عنها دين ولا ضمير (وايم الله لو فرقو كم الخ) يومىء بهذا الى ثورة أهل العراق وغيرهم على الدولة الأموية، وان كلمتهم ستجتمع على حربها، وان الأمويين سيبذلون غاية الجهد لتفتيتهم وتشتيتهم هنا وهناك تماماً كنجوم السماء، كل نجم في فلكه، ولكن شاء الله سبحانه أن تدور الأيام على أهل الشام والأمويين في عهد مروان بن محمد، وان ينتقم منهم أهل العراق وغيرهم، كما دارت على أهل العراق، ونكل بهم الشاميون في عهد معاوية. وهذا من إخبار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن المغيبات عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن الله، عظمت كلمته

الخطبة – 105 -

يوم من أيام صفين :

وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَانْحَيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ، تَحُوزُكُمُ الجُفَاة الطَّغَامُ، وَأَعْرَابُ أهْلِ الشّام، وأنتم لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَيَافِيخُ الشَّرَفِ وَالْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ، وَالسَّنَامُ الْأعْظَمُ. وَلَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَن رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَخُوزُونَهُمْ ما حَازُوكُمْ، وَتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِيمْ کما أزالُوكُمْ. حَسًا بِالنِّضَالِ، وَشَجراً بالرماح. تَرْكَبُ أَوْلَاهُمْ أخْرَاهُمْ، كَالْإِبِلِ الهِيمِ الْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا. وَتُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا.

اللغة :

الجفاة : الغلاظ. والطغام : الأوغاد. ولهاميم : جمع لهميم - بكسر اللام -

ولهمون : جمع لهم أيضاً بكسر اللام، وهو السابق من الخيل أو الناس وافيخ : جمع يافوخ، وهو أعلى الدماغ. والسنام : حدبة في ظهر البعير، ورجل سنيم : عالي القدر. والوحاوح : جمع الوحوحة وهي صوت فيه بحة وخشونة. وحساً : قتالاً. قال تعالى : «اذ تحسونهم 152 آل عمران» أي تستأصلونهم بالقتل. والمراد بالنضال هنا الضرب بالسيوف والرمي بالنبال وشجراً : طعناً. والهيم للعطشى.

الإعراب :

المصدر من أن رأيتكم فاعل شفى، حساً نصب على المصدر أي تحسونهم حساً، ومثله شجراً ويجوز أن يكونا في موضع الحال أي مستأصلين، وطاعنين.

المعنى :

قال الرواة : انهزمت ميمنة أهل العراق في يوم من أيام صفين، ثم كرت بعد الفرار، فقال الإمام : (قد رأيت جولتكم) أي العودة بعد الهزيمة، وفي قواميس اللغة : جال القوم جولة أي انكشفوا ثم كروا (وانحيازكم عن صفوفكم) فراركم من ميدان القتال، وأفتى الفقهاء بأن الفرار من الزحف جريمة كبرى إلا إلا إذا ترك المجاهد مكانه إلى مكان أصلح، او انحاز الى نجدة فئة حاصرها العدو، وبهذا نطقت الآية 16 من سورة الأنفال : «إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ».

(تحوزكم) تعدل بكم عن مواضعكم (الجفاة الطغام - الى – السنام الأعظم) ماذا جرى لكم ؟ أتفرون أمام المتطوعين المرتزقة، وأنتم أهل الشجاعة والبطولة، والنجدة والحمية ؟ (ولقد شفى - الى - أزالوكم). ولكن أثلج صدري رجوعكم

تشنون الغارات على الأعداء بصبر وثبات، وتثأرون لأنفسكم، وتنالون منهم ما قالوه منكم (حساً بالنضال، وشجراً بالرماح) تستأصلونهم بضرب السيوف وطعن الرماح (تركب أولاهم أخراهم الخ).. سيطر الرعب على الأعداء، فأدبروا مسرعين لا يلوون على شيء تماماً كالإبل العطاش يقع بعضها على بعض حين تذاد عن الماء.

الخطبة - 106 -

أشباح بلا أرواح.. فقرة 1 - 3 :

الْحَمْدُ لِلهِ الْمُتَجَلّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ، وَالظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ، خَلَقَ الخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، إِذْ كَانَتِ الرُّويَّاتُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِذَوِي الضَّمَائِرِ وَلَيْسَ بني ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ. خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ، وَأَحَاطَ بِغُمُوضٍ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيَاء وَمِشْكَاةِ الضَّيَاء، وَذُؤابَةِ العَلْيَاء، وَسُرَّةِ البَطْحاء. ومصابيح الظلمة، وينابيع الحِكْمَةِ (1) طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحَمَى مَوَاسِمَهُ. يَضَعُ ذلكَ حيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبِ عُمي، وَآذَانِ صُمٍّ، وَأَلْسِنَةِ بكم. مُتَّبِعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الخَيْرَةِ. لَمْ يَسْتَضِيئُوا بأضواء الحِكْمَةِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ العُلُومِ الثَّاقِبَةِ. فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالأَنْعَام. السَّائِمَةِ، وَالصُّحُورِ القَاسِيَةِ، قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ،

وَوَضَحَتْ محَجَّةُ الْحَقِّ لَخَابِطِهَا، وَأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا، وَظَهَرَتِ الْعَلامَةَ لِمُتَوَسِّمِهَا (2). مَا لِي أَرَاكُمْ أَشبَاحاً بِلَا أَرْوَاحٍ، وَأَرْوَاحاً بِلَا أَسْبَاحٍ، وَنُسَّاكاً بِلَا صَلَاحٍ، وَتُجَّاراً بِلَا أَرْبَاح. وَأَيْقَاظاً نُوَّماً، وَشُهُوداً غُيِّباً، وَنَاظَرَةٌ عُمياً، وَسَامِعَةً صُمّا، وَنَاطِقَةً بُكْماً (3).

اللغة :

السترات: جمع سترة من ستر الشيء حجبه وغطاه. والمشكاة : الكوة غير النافذة يوضع فيها المصباح، وقيل : كل ما يوضع فيه أو عليه المصباح فهو مشكاة. والذؤابة : الناصية، وهي شعر في مقدم الرأس. والبطحاء : الأرض المنبسطة، والمراد بها هنا وادي مكة، وسرتها وسطها، وفي شرح ابن أبي الحديد : ان أهل البطحاء كانوا يفخرون على أهل الجبال. ومواسم : جمع ميسم، وهو المكواة. والسائمة : الراعية. وانجابت : انكشفت. والمحجة : وسط الطريق. وتوسم : تفرس، والمتوسم : المتفرس. وقطب القوم : الذي يدور عليه أمرهم.

الإعراب :

بذي الباء زائدة، وذي خبر ليس، واسمها مستر أي ليس هو ذا ضمير، وطبيب خبر لمبتدأ محذوف أي هو طبيب، أو طبيب مبتدأ لأنه نكرة موصوفة وحيث هنا ظرف مكان ومحلها النصب بيضع، والحاجة فاعل لفعل محذوف أي حيث تدعو الحاجة، أو مبتدأ والخبر محذوف أي حيث الحاجة موجبة، و متتبع خبر ثان أو خبر لمبتدأ محذوف، وما لي مبتدأ وخبر.

المعنى :

(الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه). لقد كشف سبحانه عن وجوده بالتناسق

العجيب بين قوانين الطبيعة ووحدتها، التي تسود كل كبير وصغير من الكون : «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ 88 النمل». (والظاهر لقلوبهم بحجته). ان الله سبحانه في قلب كل انسان، ولكن ربما شغله عن خالقه التقليد، أو شبهة من الشبهات، أو شأن من شؤون الحياة، فيتناسى ربه أو ينكره حتى إذا نزلت به نازلة هرع اليه يسأله العون والنجاة، ومن أجل هذا يؤكد العارفون بأن ضمير المجرم يؤنبه وينكر عليه جرأته ومعصيته، ويراه خارجاً على الحق والعدل سواء أشعر بهذا أم لم يشعر، ومثله عقل الكافر الجاحد، انه يراه مخالفاً ومعانداً للشواهد والدلائل على وجود الله، وانه قد عمي عنها لغفلة عن العقل وحكمه، وبمعنى آخر لا فرق بين من كفر وأجرم، فكل منها ناكب عن الطريق الظلمات وشبهات.

للمنبر - أين من يخلق من لا شيء ؟

(خلق الخلق من غير روية الخ).. المراد بالروية إعمال الفكر، واستخراج المجهول من المعلوم، والله سبحانه - بموجب كماله من كل وجه - عالم بالذات بلا واسطة وأداة، ولا يخفى عليه من شيء في الأرض ولا في السما.ء

وأشير بهذه المناسبة الى ان العلماء حاولوا أن يكتشفوا سر الحياة، ليتسنى لهم أن يخلقوا ما يشاؤون ! وفي وقت من الأوقات أرادت جريدة النهار البيرونية أن تملأ صفحات الملحق الذي تصدره في كل يوم من أيام الآحاد، فرغبت الى جماعة - أنا منهم -أن يجيبوا عن هذا السؤال : «إذا توصل العلم يوماً الى خلق خلية فماذا يكون مصر الله». ولعل واضع السؤال بريد مصير الإيمان بالله. وقد تطوع للإجابة كثيرون، منهم المتعلم الأصيل، ومنهم المتطفل الدخيل وما وجدت من نفسي آنذاك أية رغبة في المشاركة، وأحسست الآن بالميل الى الكلام حول هذا الموضوع، وأنا أشرح قول الإمام وأنا أشرح قول الإمام : «من غير روية» وأوجز ما أريد بيانه فيما يلي :

لقد تقدم العلم خطوات تدعونا الى الايمان به ايماناً نعجز عن وصفه وتحديده.. لأن ما من أحد في وسعه - بالغاً ما بلغ من العلم - ان يضع معادلات يتنبأ بسببها عن كل ما يصل اليه العلم من مكتشفات ومخترعات، كيف ؟ وكلما بلغ العلم

أفقاً بدت آفاق لا حد لها ولا نهاية.. انه يرى المجهول على الدوام من خلال ما يخترع ويكتشف.. واذن فمن الجائز أن يكتشف العلماء واذن فمن الجائز أن يكتشف العلماء سر الحياة، بل من الجائز أن يخترعوا في يوم من الأيام انساناً في أحسن تقويم، ولكن هذا لا يقدم ولا يؤخر في ايماننا بالله حتى ولو كان الانسان المخترع - بفتح الراء - كأرسطو في فلسفاته، واينشتاين في نظرياته، وشكسبير في شعره ومسرحياته.. ذلك لأن العلماء لا يخترعون شيئاً ولو كان تافهاً إلا بمعونة الأسباب التالية :

1 - أن يكون لهم عقول يخططون بها، وبجهدونها في التفكر والروية، لأن العقل أصل، والعلم فرع وثمرة من ثمراته.

2 - أن تتهيأ للعلماء المادة التي يحولونها الى انسان، سواء أكانت نباتاً أم جماداً أم نطفة حيوان، إذ يستحيل على العلم أن يوجد شيئاً من لا شيء، وليس من شك ان المادة التي يكيفها العلماء ويحولونها الى شيء آخر – ليست من صنعهم.

3 - أن تتوافر لديهم المختبرات والأدوات الفنية، لأنها الوسيلة لايجاد أي شيء فضلاً عن ايجاد انسان بعقله وطاقاته.

هذه الأسباب أو الشروط الثلاثة لا بد منها لكل من حاول او يحاول غزو الطبيعة وتسخيرها لحاجة من حاجاته، أو غاية من غاياته، والله الذي نؤمن به ونعبده غني عن كل شيء، وكامل من كل جهة، ولو احتاج الى شيء لا يمكن أن يستقل بإحداث شيء، بل لا بد أن يستعين بغيره، ومعنى هذا انه ناقص ومحدود ومفتقر الى شيء خارج عن ذاته يتم به ويكمل، ومن البداهة ان الفقر والناقص والمحدود يستحيل أن يكون إلهاً.. إن ذات الإله الحق الذي نؤمن به - تمنح الوجود لغيرها بطبيعتها وبما هي بلا واسطة شيء على الاطلاق بلا واسطة شيء على الاطلاق.. انها تريد فيوجد المراد بالفعل، كما شاءت وأرادت.

ان الإله الذي نؤمن به يقول للشيء كن فيكون بلا جولة فكر، ولا هندسة وتخطيط، وعلاج آلات، وأذرع وحر آلات، وأذرع وحركات، وإذن فإيمان العارفين بالله لا يزعزعه شيء إلا اذا استطاع علماء الطبيعة أن يوجدوا شيئاً من لا شيء، وبمجرد أن يريدوا إيجاده بلا روية وتفكير، وأدوات ومختبرات، وأذرع وأعين، ومتى تم لهم ذلك «فأنا أول العابدين».

وبكلام آخر : يجب قبل كل شيء أن ننظر الى نفس الإله الذي آمن به من آمن، ننظر الى حقيقته وهويته، فإن كان من جنس الطبيعة المادية المنفعلة التي

لا تستقل بإحداث شيء، أو كان عبارة عن فكرة مجردة، ونظرية ذهنية كالشرف والكرامة - مثلاً - ان كان من هذا النوع أو ذاك يكون مصير الإيمان به الى فناء وزوال لا محالة سواء اكتشف علماء الطبيعة سر الحياة، أم عجزوا عن اكتشافه، أما إذا كان الإله المعبود هو قوة فعالة، لها جميع صفات الكمال من كل الجهات وتؤثر ولا تتأثر، واليها يفتقر كل شيء، ولا تفتقر الى شيء وليس كمثلها شيء، وهي المبدأ الأول للخلق والتدبير، أما الإيمان بهذا الإله فهو أرسخ من الراسيات حتى ولو اكتشف العلم سر الحياة، واخترع ألف إنسان وإنسان : «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ - 73 الحج».

(اختاره من شجرة الأنبياء الخ).. الشجرة ابراهيم خليل الرحمن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومشكاة الضياء النفس الزكية، والذؤابة الطيبون من قريش، وسرة البطحاء أشرف الأمكنة من مكة المكرمة، والمصابيح والينابيع الأنبياء من ولد ابراهيم، ومن ليس بجد للنبي منهم فهو عم لأجداده، وتقدم الثناء على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مرات، آخرها في الخطبة 104.

(طبيب دوار بطبه). الطبيب الدوار هو القدير الذي يعرض العلاج على المرضى، وأراد الإمام بالطبيب نفسه، وانه يداوي الذين زاغت قلوبهم عن الحق والصواب (قد أحكم مراهمه) وهي حكمه ومواعظه الحسنة (وأحمى مواسمه) وهي تقريعه وتهديده بغضب الله وعذابه (يضع ذلك حيث الحاجة اليه الخ).. بر شد من ضل عن الحق، فيظهره جليا لمن عمي عنه : ويسمع صوته للأصم ويحمل الأبكم على النطق به، وهذا كله كناية عن علم الإمام ونصحه وحسن موعظته.

(متتبع بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة) ينبه الغافلين، ويهدي التائهين الذين (لم يستضيئوا بأضواء الحكمة) وهي العلم بالحق والعمل به، وبكلمة ثانية وضع الشيء في موضعه (ولم يقدحوا بزناد العلوم) لا شيء عندهم من العلم تماماً كالحيوانات والجهاد والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يهتم بإرشادهم، ويحرص على هدايتهم، ويتلطف الذين يتوسم بهم الخير، ويشتد على من كابر وعاند (وقد انجابت – الى – خابطها). ظهر الحق جلياً، وتميز عن الباطل، ولا عذر لعالم مكابر ولا لجاهل مقصر (وأسفرت الساعة عن وجهها، وظهرت العلامة لمتوسمها). قيل : المراد

بالساعة هنا وعلامتها ظهور الدولة الأموية التي أهلكت الحرث والنسل.. ويجوز أن يراد بها الموت، لأن الساعة تطلق على القيامة، ومن مات فقد قامت قيامته.

(ما لي أراكم أشباحاً بلا أرواح) تماماً كالجهاد (وأرواحاً بلا أشباح) أي بلا أجسام، ومن البداهة ان الروح بلا جسم تعجز عن الحركة والعمل، وهل من عمل بلا أذرع ؟ قال أحد الفلاسفة : هل تتطلع الروح الى الماء البارد العذب دون أن تكون في جسم، له قدمان يغرقان فيه ؟ (ونساكاً بلا صلاح) لأنهم لا يمارسون من الدين إلا الشعائر والمظاهر، أما الجهاد والعمل لوجه الله والحق فهم بمعزل عنه (وتجاراً بلا أرباح) لأنهم لا يعملون لله، بل للسمعة والرياء (وأيقاظاً نوماً) لأنهم في غفلة عما يراد منهم وبهم (وشهوداً غيباً) يسمعون الموعظة الحسنة ولا يتعظون، ويرون العبرة ولا يعتبرون، ويقولون ولا يفعلون.

غار الصدق، وفاض الكذب.. فقرة 4 - 6 :

رَايَةُ ضَلَالَةٍ قَدْ قَامَتْ عَلى قُطْبِهَا، وَتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا، وَتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا. قَائِدُهَا خَارِجُ مِنَ الْمُلَّةِ، قَائِمٌ عَلَى الضَّلَّةِ. فَلَا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلَّا ثُفَالَةٌ كَثفَالَةِ الْقِدْرِ، أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ العِكْم. تَعْرُكُكُمُ عَرَكَ الأديم، وَتَدُوسُكُمْ دَوْس الْحَصِيدِ، وَتَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ استخلاص الطَّيْرِ الْحَبَّةَ البَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبّ (4). أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ المَذَاهِبُ، وَتَتِيهُ بِكُمُ الغَيَاهِبُ، وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ. وَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ وَأَنِّى تُؤْفَكُونَ.. فَلِكُلٍّ أَجَلٍ كِتَابٌ، وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَّابُ : فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيكُمْ، وَأَحْضِرُوا قُلُوبَكُمْ، وَاسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ. وَلْيَصْدُقَ رَائِدُ

أَهْلَهُ، وَلْيَجْمَعَ شَمْلَهُ، وَلْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ. فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الْأمْرَ فَلْق الخَرَزَةِ، وَقَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْعَةِ (5). فَعِنْدَ ذلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مآخِذَهُ، وَرَكِبَ الجَهلُ مَرَاكِبَهُ، وَعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ، وَقَلْتِ الدَّاعِيَةُ، وَصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبْعِ الْعَقُودِ. وَهَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظوم. وَتَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ. وَتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ. وَتَحَابُوا عَلَى الكَذِب. وَتَبَاغَضُوا عَلى الصِّدْقِ. فَإِذَا كَانَ ذلِكَ كَانَ الوَلَدُ غَيْظاً، وَالمَطَرُ قَيْظاً، وَتَفِيضُ اللَّئامُ فَيْضاً، وَتَغِيضُ الكِرَامُ غَيْضاً. وَكَانَ أَهْلُ ذلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً، وسَلاَطِينُهُ سِبَاعاً، وَأَوْسَاطُهُ أَكَالاً، وَفُقَرَاؤُهُ أمْوَاتاً. وَغَارَ الصِّدْقُ، وَفَاضَ الكَذِبُ. وَاسْتُعْمِلَت المَوَدَّةِ باللَّسَانِ. وَتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ. وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً، وَالْعَفَافُ عَجَباً ولبِسَ الإسلام لُبْسَ الْفَرْوِ مَقلُوباً (6).

اللغة :

قطب القوم : سيدهم الذي يدور عليه أمرهم. والشعب : الفروع. وثفالة القدر: ما يبقى في قعره. والنفاضة : والنفاضة : ما يسقط بالنفض. والعكم - بكسر العين - وعاء كالسفط تضع المرأة فيه ما تدخره وتحتفظ به. والعرك : الدلك. والأديم : الجلد. والحبة البطيئة : السمينة ضد الهزيلة. والغياهب : الظلمات. والرباني : العارف بالله. والرائد : رسول القوم لينظر لهم المكان اللائق، ثم أطلق على القائد. وقرفه : قشره وكشطه. والصمغة : القرحة، وأيضاً الصمغ والصمغة شيء يسيل من الشجرة ويحمد عليها. والفنيق : الفحل والقيظ : شدة الحر.

الإعراب :

راية خبر المبتدأ محذوف اي هي راية، وقائم خبر ثان لقائدها، والحبة مفعول لاستخلاص، وأين نصب على الظرفية بتذهب، واني مفعول مطلق أي أي إفك تؤفكون، ومقلوباً حال من الفرو.

المعنى:

(راية ضلالة قد قامت على قطبها) أي يسود الضلال، ويستفحل أمره (وتفرقت شعبها) تنتشر راية الضلال والفساد، وتمتد هنا وهناك، وتسيطر على الزمان وأهله، وهذا إخبار من الإمام عما سيكون من بعده، قال ابن أبي الحديد : هذا الكلام منقطع عما قبله، لأن الشريف الرضي كان يقتطف من كلام الإمام مراعياً الأفصح، ويجمع بين المقتطفات، وقد ذكر الإمام هنا ما يحدث في آخر الزمان من الفتن.

(تكيلكم بصاعها، وتخبطكم بباعها). الكيل والخبط كناية عن وطأة الفتنة وشدتها (قائدها خارج من الملة) الاسلامية، وإن صلى وصام وحج الى بيت الله الحرام، لأن الاسلام حرب على الضلال والفساد، والراضي به شريك لفاعله، والساكت عنه شيطان أخرس، فكيف بمن فعله وقاده ونشره ؟ (قائم على الضلة). ثابت على الضلال، لا يعبأ بتهديد الله ووعيده، ومع هذا ينتحل الاسلام كذباً وزوراً، ويدعي انه حاميه وراعيه، وهو ألد أعدائه.

(فلا يبقى - الى - الحصيد) أي المحصود، والمعنى ان ضالاً مضلاً سيقود كم من بعدي، يسومكم سوء العذاب، ويجعل منكم قوماً أذلة، لا هيبة لكم ولا شأن بين الأمم، يطمع فيكم القريب والبعيد و من البداهة ان هذه نهاية كل قوم يقودهم غير الأكفاء، كما هو شأن العرب والمسلمين في هذا العصر (وتستخلص المؤمن الخ).. أي ان أشد الناس بلاء في تلك الفتنة هو المؤمن المخلص، لأن للحق ثمنه، وهو الآلام والمتاعب، بخاصة في دولة الجور والضلال.

(أين تذهب بكم المذاهب الى – تؤفكون). ما لكم تضربون في التيه، و تخدعون بالأباطيل، وتأمنون العواقب، ولا تفكرون فيما يراد بكم ؟. (فلكل أجل كتاب، ولكل غيبة اياب) أي ان ما أخبرتكم من وقوع الفتن واقع في

أجله وحينه لا محالة، وبهذا التفسير يكون الكلام مرتبطاً بما قبله، ولا وجه لظن ابن أبي الحديد ومن تبعه : انه منقطع وغير مرتبط (فاستمعوا من ربانيكم) الذي فهم عن الله، وعمل بما فهم، وبلغكم اياه بصدق وإخلاص، وقد عنى الإمام بهذا الرباني نفسه بالذات.

(واحضروه قلوبكم، واستيقظوا ان هتف بكم). الهاء في احضروه، والضمير المستر في هتف يعود الى كلام الرباني المستفاد من قوله : فاستمعوا من ربانيكم». وقيل : يعود الى الموت، وعلى أية حال فالمعنى اتعظوا بالعبر، وانتفعوا بالنذر (وليصدق رائد أهله). ولا يتهاون بأمانتهم (وليجمع شمله) بالعمل على وحدة الكلمة، والتعاون على المصلحة العامة (وليحضر ذهنه) أي ان يفكر في مصالح من يقودهم.

(فلقد فلق - الى - الصمغة). الضمير في فلق يعود الى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمعنى انه كشف لهم عن كل شيء يحتاجون اليه، ويعود عليهم بالخير والصلاح وما ترك لهم من عذر يتعللون به (فعند ذلك – الى - كظوم). بدل سياق الكلام على أن كلمة (ذلك) إشارة الى تثاقل أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أمره ونصائحه، والمعنى ما دمتم على الحال التي أنتم عليها فسيثب عليكم العدوان من وكره بعد أن كف عنكم وسكن.

(وتواخى الناس على الفجور). المؤمن أخو المؤمن أحب ذلك أم كره، وكذلك الكافر والفاجر، وقديماً قيل وقديماً قيل : شبيه الشيء منجذب اليه شبيه الشيء منجذب اليه.. ان الطيور على أشكالها تقع، وقيل أيضاً : قل لي من تعاشر أقول لك : من أنت وروي ان استاذاً خرج بتلاميذه الى الماء والخضراء، ولما تحلقوا حوله شرح هذا الحديث: «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». فالتفت أحد تلاميذه فرأى حمامة في صحبة غراب، فقال للأستاذ، فقال للأستاذ : انظر : من أين ائتلف هذان ؟ وقبل أن يغرق الأستاذ في التفكير من أجل الجواب مشى الغراب والحمامة، وإذا بهما أعرجان، فابتسم الاستاذ، وقال لتلاميذه : من ههنا اتفقا (وتهاجروا على الدين) أي من لا دين له يكره أهل الدين تماماً ككراهية الخائن للمخلص، والعاهرة الفاجرة للحرة الطاهرة. (وتحابوا على الكذب) كما تعاونوا على الإثم والعدوان (وتباغضوا على الصدق) كما اختلفوا على فعل الخير والصالح العام.

(فإذا كان ذلك كان الولد غيظاً) لوالده الكادح من أجله، والناصح له بصدق وحنان.. وليس من شك ان الجيل اللاحق يرى الأمور بغير العين التي ينظر بها الجيل السابق. ومن البداهة ان الاختلاف في الرؤية لا يستدعي بطبعه الغيظ والعقوق، ولكن اذا فسدت الأوضاع وعمت الفتن ضاعت المقاييس، ونمرد عليها من لا يرى في الوجود إلا نفسه (والمطر قيظاً). المطر ينزل من السماء في أوانه، والفصول الأربعة لا تتغير، فلا الشتاء يصير صيفاً، ولا الصيف شتاء، جار الحاكم ام عدل، فسدت الأوضاع ام صلحت، وعليه فالمراد بالمطر هنا وفي بعض الروايات - الحير والخصب، وبالقيظ المحل والجدب، والمعنى ان قوى الشر اذا حكمت وسيطرت تحتكر خيرات الأرض، وتمنعها عن أهلها، فيكون الخصب والخير شراً عليهم، وخيراً على الطغاة الغاصبين (وتفيض اللئام فيضاً، وتغيض الكرام غيضاً) اذا كانت الثروة في قبضة الأشرار أغروا بها لئام الناس، و قویت بهم دولة الضلال، وضعفت شوكة الكرام الطيبين

(وكان أهل ذلك الزمان ذئاباً). ذلك الزمان إشارة الى كل زمان تسود فيه الأنظمة الجائرة، ويتولى مركز القيادة فيه غير الأكفاء، والمراد بالأهل هنا الذين ينتفعون بتلك الأوضاع وهؤلاء القادة غير الأكفاء، والذين يستغلون الأنظمة الفاسدة المصالحهم وإلا فأي ذنب للمضطهدين والمحرومين (سلاطينه سباعاً) مفترسة يحكمون الناس بشريعة الغاب، وعقل هتلر والحجاج (وأوساطه أكتالاً). قيل: المراد بالأكال الطعام، وبالأوساط الطبقة الوسطى، وانها مأكولة للطبقة الحاكمة العليا !.. ويجوز ان يكون المراد بالأوساط هنا أعوان الظلمة، اثي السلاطين لأن الإمام ذكر الطرفين في سياق واحد، وبلا فاصل هذا، الى ان كلمة الأوساط تطلق على أرباب المناصب.

(والفقراء أمواتاً) حيث لا حول لهم ولا قوة إلا الشقاء والإدلاء بأصواتهم أيام الانتخابات للصوص والسفاحين (وغار الصدق، وفاض الكذب) أي ظهر الفساد في البر والبحر، ولا رادع ومنكر، وإنما خص الكذب بالذكر لأنه من أمهات الرذائل وأكثرها خطراً وضرراً (واستعملت المودة باللسان، وتشاحر الناس بالقلوب). ولا ينمو هذا النفاق وينتشر إلا تحت راية الظلم وكبت الحرية، ومن الذي يدفع ثمن الصراحة من نفسه وماله وأهله ؟ (وصار الفسوق نسباً) قريباً يجمع بين المنحرفين، ومثله : «وتواخى الناس على الفجور». (والعفاف

عجباً) لقلة أهله، ومثله «وتغيض الكرام».. «ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً» حيث تزيف وتحرف أحكامه وتعاليمه، ولا يبقى منها إلا الاسم والشعائر والمظاهر، كما هي حال المسلمين في عصرنا وقال أديب معروف : لا سبب لتخلف المسلمين إلا التفسير المتخلف للإسلام.

وبعد فإن كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الخطبة بدل بصراحة ووضوح أن الفقر والشقاء، وانتشار الجريمة والرذيلة في أي مجتمع إنما هو نتيجة حتمية لفساد الأوضاع، وجور الحكام، وسيطرة الخونة وغير الأكفاء على مركز القيادة، ومناصب الدولة.

الخطبة - 107 -

عظمة الله تعالى.. فقرة 1 - 2 :

كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ. غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ. وَعِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ، وَقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَمَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ. مَنْ تَكَلَّمْ سَمِيعَ نُطقَهُ، وَمَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ، وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ. وَمَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ. لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخبِرَ عَنْكَ. بَلْ كُنتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ. لَمْ تَخْلُقِ الخَلْقَ لِوَحْشَةٍ، وَلَا أَسْتَعْمَلْتُهُم لمَنْفَعَةٍ، وَلَا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ، وَلَا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ وَلَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَلَا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ، وَلَا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قضَاءَكَ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ (1) كُلٌّ سِرِّ عِنْدَكَ عَلَانِيَةٌ، وَكُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةُ. أنتَ الْأَبَدُ لَا أَمَدَ لَكَ، وَأَنتَ المُنتَهَى لَا مَحِيصَ عَنْكَ، وَأَنْتَ الْمَوْعِدُ لَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ.

بيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ، وَإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ. سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ وَمَا أَصْغَرَ عَظِيمَهُ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ، وَمَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ، وَمَا أَحْفَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنّا مِنْ سُلْطَائِكَ، وَمَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا. وَمَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الْآخِرَةِ (2).

اللغة :

مفزع : ملجأ وملاذ. لا يفلتك من أخذت : لا مناص له ولا خلاص والأبد : الدائم. وما أهول : ما أعظم، وضده ما أحقر. وما أسبخ : ما أوسع وما أتم.

الإعراب :

غنى خبر لمبتدأ محذوف اي هو غنى كل فقير، ولم ترك أصلها تراك، وحذف الألف من الفعل المضارع لمكان الجزم، وأصل يفلتك يفلت منك، ولما حذفت «من» تخفيفاً اتصلت الكاف بالفعل، وسبحانك نصب على المصدر اي أسبحك سبحاناً، وما أعظم ما اسم نكرة بمعنى شيء، ومحلها الرفع بالابتداء، وأعظم فعل ماض فيه معنى التعجب، والفاعل ضمير مستتر، والجملة خبر «ما» وما بعد أعظم مفعول، ومثله ما أصغر وما أهول وما أسبغ.

المعنى :

(كل شيء خاضع له) اي في قبضته تعالى، ومفتقر اليه وجوداً وبقاء، افتقار الممكن للواجب والمخلوق للخالق (وكل شيء قائم به) أي انه تعالى هو العلة الأولى لوجود الأشياء وبقائها، لأن الحادث الممكن لا يحمل بطبيعته سبب وجوده، واذن فلا بد له في وجوده من سبب خارج عن ذاته، وهذا السبب الخارجي ان

لم يكن موجوداً بنفسه احتاج الى سبب، وهكذا الى ما لا نهاية (وغنى كل فقير). كل من احتاج الى شيء فهو فقير حتى ولو كان هذا الشيء شربة ماء او نسمة هواء، ومعنى ذلك ان كل كائن ما عدا الله فهو فقير لا غنى له عن خلق الله ونعمه وان ملك الدنيا بكاملها، ولذا قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا نملك مع الله شيئاً إلا ما ملكنا.

(وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف) اي ان الذليل يصير عزيزاً، والضعيف قوياً اذا استقام على طريق الهدى (ومفزع كل ملهوف). الى أين يذهب المضطر اذا يئس من الأرض وأهلها ؟.. أبداً لا سبيل له - مؤمناً كان ام جاحداً - إلا واحد من إلا واحد من اثنين : الانتحار أو اللجوء الى السماء، الى الله تعالى الذي يمنح القوة والخلاص من الشدائد والآفات.. ومن هنا رأينا الجاحدين بألسنتهم يفزعون الى الله وحده عند النوائب والنوازل : «ثم اذا مسكم الضر فإليه تجأرون - 53 النحل» اي ترفعون الى الله أصواتكم بالدعاء.

(من تكلم - الى - منقلبه) انه تعالى يعلم السر وأخفى، ويقبض عمن يشاء ويبسط، واليه المصير (لم ترك العيون فتخبر عنك). الخطاب لله سبحانه، واذا امتنع بذاته عن العيون تؤمن به العقول وثبت وجوده بالخلق والآثار، وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 49 وغيرها (بل كنت قبل الواصفين من خلقك). كان الله، ولم يكن معه شيء، واذن فمن الذي بخير عن وجوده ؟ والى من ؟. وفي الحديث القدسي : «خلقت الخلق لكي أعرف» (ولم تخلق الخلق لوحشة) كيف يحتاج الى الأنيس والجليس، وهو غني بذاته عن كل شيء، وكامل من كل وجه ؟ (ولا استعملتهم لمنفعة). خلق سبحانه ما خلق ومن خلق، لا ليدفع به ضراً، او ليجلب نفعاً، كيف وهو سبحانه مصدر المنافع كلها، وما من مخلوق يستطيع الوجود لحظة واحدة إلا بفضله وعنايته، ومن يعمل عملا لوجهه تعالى يدخره عند الله ليوم فقره وفاقته.

(ولا يسبقك من طلبت) أين المفر والإله الطالب !. (ولا يفلتك من أخذت). وتسأل : كل شيء في قبضته تعالى، وآخذ بناصيته، وإذن فما معنى «من أخذت» ؟ وهل فاته شيء ثم أخذه ؟.

الجواب :

المراد من «لا يفلتك» لا يفوتك من حاول الهرب منك، وتقدم في الخطبة

102 «لا يعجزه من هرب، ولا يفوته من طلب». (ولا ينقص سلطانك من عصاك) لأن الله غني عن كل شيء، وما لشيء غنى عنه، ولو قهر سبحانه الخلائق على عبادته ما عصاه مخلوق، ولكن شاءت حكمته أن يكون الانسان حراً فيما يفعل ويترك حرصاً على إنسانيته (ولا يزيد في ملكك من أطاعك) لأن ملكه تعالى يفيض من ذاته، لا من طاعة الناس له، وتطبيلهم وتزميرهم.. (ولا يرد أمرك من سخط قضاءك) وإذن فالتسليم لأمره تعالى، والصبر عليه أولى وأفضل (ولا يستغني عنك من تولى عن أمرك) حتى من عصاك مفتقر إلى معونتك وعنايتك.

(کل سر عندك علانية، وكل غيب عندك شهادة) لأن نسبة الباطن الى علمه تعالى تماماً كنسبة الظاهر، كما ان خلق الكون بالقياس الى قدرته كخلق الذرة (وأنت الأبد) أي الدائم (لا أمد لك) حتى تنتهي بانتهائه، لأن الموجود بالذات يستحيل في حقه الفناء والزوال (وأنت المنتهى لا محيص عنك) أي عن المصير اليك (وأنت الموعد فلا منجى منك إلا اليك). لا مهرب من عذاب الله إلا بطاعته، أو برحمته ومغفرته ولا شك أنه تعالى أهل السخاء والعطاء من غير عوض لكماله من كل وجه.

(بيدك ناصية كل دابة) مالك كل شيء (وإليك مصير كل نسمة) عطف تفسر على أنت الموعد وأنت المنتهى، وتطلق النسمة على كل ذي روح (سبحانك ما أعظم الخ).. هذا تسبيح وتمجيد لكماله تعالى وعظمته على قدر الفهم مع الاعتراف بأن ما ظهر للعيون والعقول من قدرته تعالى ليس بشيء بالقياس الى ما غاب عنها، وأيضاً نعم الدنيا بكاملها ليست بشيء إذا قيست بأصغر صغيرة من الجنة.

سبحانك خااتماً ومعبوداً.. فقرة 3 - 5 :

مِنْ مَلائِكَةِ أَسْكَنتُهُمْ سَمَاوَاتِكَ وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ، هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بكَ، وَأَخْوَفُهُمْ لَكَ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ. لَمْ يَسْكُنُوا الْأَصْلَابَ، ولَمْ يُضَمَّنُوا الْأَرْحَامَ، وَلَمْ يُخلَقُوا مِنْ مَاء مَبِينٍ، وَلَمْ يَشعَبهُمْ رَيب

المنونِ. وَإِنَّهُمْ عَلى مَكَانِهِمْ مِنْكَ، وَمَنْزِلَتِهِمْ عِندَكَ، واستجماع أهْوَائِهِمْ فِيكَ، وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ، وَقِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ، لَوْ عَايَنُوا كُنهَ مَا خَفَى عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَخَفَرُوا أَعْمَاهُمْ، وَلَزَرَوْا عَلى أَنْفُسِهِمْ. وَلَعَرَفُوا أَنهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَلَمْ يُطِيعُوكَ حَقٌّ طَاعَتِكَ (3). سُبْحَانَكَ خَالِقاً ومَعْبُوداً بِحُسْنِ بَلاَئِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ. خَلَقْتَ دَاراً وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدَبَةً : مَشْرَبَاً وَمَطعماً وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً وَقُصُوراً وَأَنْهَاراً وزُرُوعاً وَثَماراً. ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا. فَلَا الدَّاعِيَ أَجَابُوا، وَلَا فِيمَا رغَّبْتَ رَغِبُوا، وَلَا إلَى مَا شَوْقتَ إِلَيْهِ أَشْتَاقُوا (4). أَقْبَلُوا على جيفة أفْتَضَحُوا بأكلها، وأَصْطَلَحُوا عَلى حُبِّهَا، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أعْشَى بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بأذن غَيْرِ سَمِيعَةٍ. قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قلْبَهُ، وَوَلهتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ. فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا، وَمَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْهَا. حيثما زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا وَحَيْثُما أَقْبَلَتْ أَقبَلَ عَلَيْهَا. وَلَا يَزْدَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ، وَلَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظُه (5).

اللغة :

المهين : الحقير لم يشعبهم : لم يفرقهم. والمراد بالريب هنا صروف الدهر، وبالمنون الدهر. وزروا : عابوا. وأعشى بصره : أعماه. وولهت : تحيّرت من شدة الوجد.

الإعراب :

جملة لو عاينوا خبر انهم على مكانتهم، وحق مفعول مطلق لأنه مضاف مصدر الفعل مثل أكرمته احسن الإكرام، وخالقاً وخالقاً ومعبوداً تمييز على معنى من خالق و معبود، او حال، ويحسن بلائك متعلق بسبحانك، وبحسن بلائك متعلق بسبحانك، ومشرباً وما بعده بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه والمبدل منه مأدبة، وفيما رغبت متعلق برغبوا، وحيثما ظرف فيه معنى الشرط، ويحتاج الى فعل الشرط وجوابه، ومحله النصب بفعل الشرط.

المعنى :

(من ملائكة - الى الى - أقربهم منك). الحديث عن الملائكة حديث عن الغيب، ولذا نجمد على ظاهر كلام الإمام عنهم. ويتلخص بأن الملائكة او أكثرهم او الكثير منهم يقيمون في السماء لا في الأرض، وهم أعلم خلق الله بالله، وأشدهم خوفاً منه، لأن الخوف من الله يقاس بالعلم به والفهم عنه، ولمكانتهم السامية من العلم به، والخوف منه والخوف منه، والطاعة له كانوا أقرب اليه سبحانه من سائر الخلائق.

(لم يسكنوا - الى – مهين) لم يتناكحوا ويتناسلوا (ولم يشعبهم ريب المنون) لا علل ولا أسقام : ولا أحزاب بينهم وخصام، وهل يمرض من لا يأكل ولا يشرب ؟ وعلى أي شيء يتخاصمون ما داموا لا يملكون ولا يحكمون ؟) وانهم على مكانتهم الخ).. الملائكة كما أشرنا الملائكة كما أشرنا أعلم الخلائق بالله ومع هذا لا يعرفون من كماله وجلاله إلا الأقل من القليل، ولو تسنى لهم أن يعرفوا من عظمته اكثر مما عرفوا ما اقاموا لعبادتهم وزناً واعتباراً

(سبحانك خالقاً ومعبوداً يحسن بلاتك عند خلقك) أنعم سبحانه على خلقه بالإيجاد، ثم زادهم من نعمه ما لا يبلغه الإحصاء، فوجب له الشكر عليهم بالطاعة والعبادة لله وحده، ومن أدى هذا الشكر على وجهه زاده أضعافاً مضاعفة، قال الإمام : من أعطي الشكر لم يحرم الزيادة. (خلقت داراً - الى - ثماراً). المراد بهذه الدار الجنة، لأن الصفات المذكورة هي من صفاتها، بالإضافة الى قوله : «أرسلت اليها داعياً» والمراد بالزرع ما يعم الشجر،

والمعنى ان الله سبحانه خلق الجنة بما فيها لمن عمل لها عملها : « وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - 43 الأعراف».

(ثم أرسلت داعياً يدعوا اليها). ضمير اليها يعود الى الجنة، والداعي هو محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي دعا الناس بالتي هي أحسن الى ما بينه سبحانه بقوله : «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ - 157 الأعراف) فلا الداعي أجابوا الخ).. ويا ليتهم وقفوا عند الإعراض وعدم الإجابة، ولم يعلنوا الحرب على من وضع عنهم الأغلال وحطم قيود الذل والتخلف !

(أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها، واصطلحوا على حبها). الجيفة جثة الميت المنتنة، والمراد بها هنا كل ما حرم الله سبحانه مالاً كان أم جاهاً أم جنساً أم غير ذلك من الملذات وجثة الميت تنهشها الكلاب فكذلك ا الحرام لا يُقبل عليه إلا أشباه الكلاب في الخسة والوضاعة، ومن أقوال الإمام : الدنيا جيفة، فمن أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب. وقال لولده الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وتكشفت لك الدنيا عن مساويها، فإنما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية يهر بعضها على بعض، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها». وعليه فالدنيا المذمومة هي دنيا المتخمين من أكل الحرام، والمنغمسين في الرذائل والآثام.

(ومن عشق شيئاً - الى - نفسه) منهج للمحب العاشق ولا قيم ولا عواقب في تصوره وتفكيره إلا المعشوق، فهو وحده عقله وسمعه وبصره. ومن روائع شوقي قوله في سكّير :

فكل شيء رآه ظنه قدحاً ***وكل شيء رآه خاله الساقي

(فهو عبد لها ولمن في يديه شيء منها الخ).. واذن فالعبادة للمال لا لصاحبه وخلقه وعلمه. ومن أقوال الإمام : «المال مادة الشهوات.. انا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الفجار». وهذا هو الفارق بين سياسة الإمام التي قامت على الحق والدين، وبين سياسة خصومه التي عاشت على الأموال والرغبات التي عاشت على الأموال والرغبات.. وكان الذي كان.

لا إقالة ولا رجعة.. فقرة 6 - 8:

وَهُوَ يَرَى الْمَأْخوذينَ عَلى الغِرَّةِ - حَيْثُ لَا إقَالَةَ وَلَا رَجعَةً - كَيْفَ نزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. فَغَيْرُ مَوْصُوفِ مَا نَزَلَ بهِمْ، أَجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطرافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ. ثُمَّ أَزْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وَلُوجاً فحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنطِقِهِ (6)، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنظُرُ بِبَصَرِهِ وَيَسْمَعُ بِاذْنِهِ، عَلى صحةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَنَاءِ مِنْ لُبّهِ. يُفَكِّرُ فِيمَ أفْنَى عُمْرُهُ، وَفِيمَ أَذهَبَ دَهْرَهُ. وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاَ جَمَعَهَا أَعْمَضَ فِي مطالبها، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرّحاتِها ومُسْتَبِهَاتِهَا. قَدْ لَزِمَتُهُ تَبِعَاتُ جمعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا وَيَتَمَتَّعُونَ بها. فَيَكُونُ المَهَا لِغَيْرِهِ، وَالْعِبْء عَلى ظَهْرِهِ (7). وَالْمَرْءُ قَد غَلِقَتْ رهونة بها. فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ. وَيَتَمَنِّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ. فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبالغ في جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ. فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلَا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ، يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ، يَرَى حرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ وَلَا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلَامِهِمْ. هُمْ أَزْدَادَ الْمَوْتُ التِيَاطاً

به. فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ. وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جيفةً بَيْنَ أَهْلِهِ، قَدْ أُوحِشُوا مِنْ جَانِبِهِ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ. لَا يُسْعِدُ بَاكِياً، وَلَا يُجِيبُ دَاعِياً. ثُمَّ حَمَلُوهُ إلَى مَخَطُّ في الْأَرْضِ، وَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ، وَأَنْقَطَعُوا عَنْ زَوَرَتِهِ (8).

اللغة :

الغرة - بكسر الغين - البغتة. وأغمض : تساهل وتجاهل. والمصرحات : الواضحات ضد المتشابهات. والتبعات : المسؤوليات. والمهنا : اللذيذ السائغ بلا تنغيص، قال تعالى : «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ - 24 الحاقة». وغلق الرهن في يد المرتهن : صار ملكه بعد ان عجز الراهن عن افتكاك المرهون. وأصحر : ظهر وانكشف. وخالط : شارك. ورجع الكلام تر دیده. والنياطاً : التصاقاً. ولا يسعد : لا يعين.

الإعراب :

حيث لا إقالة «حيث» هنا ظرف زمان في محل نصب بمأخوذين، وخير لا إقالة محذوف أي كائن لهم، وكيف مفعول مطلق على معنى أي نزول نزل بهم، وقيل : حال، أي على أي حال نزل، وغير موصوف خبر مقدم، وما نزل مبتدأ مؤخر، ولوجاً تمييز محول عن فاعل، والأصل ازداد ولوج الموت، ومثله التياطاً.

المعنى :

(وهو يرى المأخوذين على الغرة). ضمير هو يعود الى من عبد الدنيا، والمعنى ان هذا العبد شاهد الموت يختطف الناس على حين غفلة من هنا وهناك، ولا

يعودون ثانية الى هذه الحياة، ذلك لا يعتبر ولا ينزجر (كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون) من دلائل الموت وعلاماته (وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون). أسرع اليهم الموت، وهم في أمان منه أمان منه، وانه لا يباغته وانه لا يباغتهم في هذا الأوان (اجتمعت عليهم سكرة الموت) أوجاع وأحزان (وحسرة الفوت) على التقصير والإهمال.

(ففترت له أطرافهم) تراخت اليدان والرجلان، وضعف الجسم عن الحركة (وحيل بين أحدهم وبين منطقه). يدل هذا وما بعده ان النطق يقبض قبل السمع، السمع قبل البصر - في الغالب - لا دائماً لا دائماً، وعلى فراش الموت كما يدل سياق الكلام (وبقاء من لبه) عطف تفسير على صحة من عقله (فيكون المهناً لغيره، والعبء على ظهره). الأبناء يأكلون، والآباء يحاسبون ويعاقبون، ومن أقوال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما يصنع بالمال من عما قليل يسلبه، وتبقى عليه تبعته وحسابه (ويزهد فيما كان يرغب فيه ايام عمره). يزهد عجزاً، لا تعففاً (قد أو حشوا من جانبه) وكانوا من قبل يستوحشون من بعده، ويأنسون بقربه (ثم حملوه الخ).. هذا مصيرنا جميعاً هذا مصيرنا جميعاً.. موت وقبر، ونسيان وإهمال، كأن لم يكن أبناء واخوان، وحب وحنان.. والويل كل الويل لمن تجرأ على الله وأهله وعياله.

من أوصاف القيامة.. فقرة 9 - 11:

حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَالأمْرُ مَقَادِيرَهُ، وَالْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأوَّلِهِ، وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ، أَمَادَ السَّمَاءَ وَفَطَرَهَا، وَأَرَجَ الْأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا، وَقَلَعَ جِبَالَهَا وَنَسَفَها. وَدَكَّ بعضها بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلالَتِهِ ومَخُوفِ سَطْوَتِهِ. وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا. فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاقِهِمْ، وَجَمعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُ من مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الْأَعْمَالِ وَخَبَايَا الْأَفْعَالِ. وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ

أنعم على هؤلاء وأنتَقَمَ مِنْ هؤلاء (9). فَأَمَّا أَهلُ طَاعَتِهِ فَأَثَابَهُمْ بجوَارِهِ، وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ، حَيْثُ لا يَظْعَنُ النَّزَّالُ، وَلَا تَتَغَيَّرُ هِم الحالُ. وَلَا تَنُوبُهُمُ الْأَفْزَاعُ، وَلَا تناهم الْأَسْقَامُ، وَلَا تَعْرِضُ لَهُمُ الأَخْطَارُ، وَلَا تُشْخِصُهُمُ الْأَسْفَارُ. وَأَما أَهلُ المَعْصِيَةِ فَأَنزَلَهُمْ شَرّ دَارٍ، وَغَلَّ الْأَبْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ، وَقَرْنَ النّوَامِيَ بِالْأَقدام، وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ القَطِرَانِ، وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ، فِي عَذَابٍ قدِ أَشْتَدَّ حَرَّهُ، وَبَاب قَدْ أُطبق على أَهْلِهِ فِي نَارِ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ، وَلَهَبٌ سَاطِعٌ وَقَصِيفُ هَائِلٌ، لَا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا، وَلَا يُفَادَى أَسِيرُهَا وَلَا تُفْصَمُ كُبُولهَا. لاَ مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى، وَلَا أَجَلَ لِلْقَوْم فَيُقْضَى (10). قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَصَغَّرَهَا وَأَهْوَنَ بِهَا وَهَوَّنَهَا. وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً، وبَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِفَارًا. فَأَعْرَضَ عَنْهَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبُّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلاً يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً، أَوْ يَرْجُو فِيهَا مُقَاماً. بَلغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً، وَنَصَحَ لِأُمِّتِهِ مُنْذِراً، وَدَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً. نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَمَحَطُّ الرَّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ، وَمَعَادِنُ الْعِلْمِ، وَيَنَابِيعُ الحكم. نَاصِرُنَا وَيُحِبُّنَا يَنتَظِرُ الرحمةَ، وَعَدُونَا وَمُبْغِضُنَا يَنتَظِرُ السَّطْوَةَ (11)

اللغة :

المراد بالكتاب هنا الشيء المقدر والمكتوب. وأماد : حرَّك. وفطر : صدع. وأرج وأرجف بمعنى واحد. ونسفها : قلعها من الجذور. واخلاقهم - بكسر الهمزة - بلائهم ورثائتهم. لا تشخصهم : لا تزعجهم. والمقطعات - بضم الميم - الثياب القصار، وهي اسم واقع على الجنس، لا يجوز ان يفرد له والكلب - بفتح اللام - الهيجان. واللجب : الصوت. وقصف : اشتد صوته. والكبول : الأغلال. وفصمها : كسرها. والرياش : الفاخر من اللباس والأثاث.

الإعراب :

أماد جواب إذا، وجملة أنعم وانتقم بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه جملة جعلهم فريقين، أو «فريقين» بالذات لأن الجملة قد تبدل من المفرد - أي غير الجملة - على حد تعبير النحاة، وحيث ظرف مكان، ومحلها الجر لأنها بدل من داره، وفاعل حقر ضمير مستتر يعود الى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأهون بها أي استهان بها، واختياراً مصدر في موضع الحال أي زواها مختاراً، واحتقاراً مفعول لأجله أي الحقارتها، ومعذراً حال، ومثله ما بعده.

للمنبر - حول القيامة :

بعد أن صور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صورة واضحة كاملة لحال المحتضر في أوجاعه وآلامه وهواجسه ونظراته، ونطقه وسمعه، ولحال أهله وأحبائه في حرقتهم وبكائهم على الحبيب العزيز، ثم حملهم له الى مقره ووضعه في لحده، بعد هذا أشار الى قيام الساعة بخراب الكون، وقال : (حتى اذا بلغ - الى - سطوته) -. ما من شيء في هذا الوجود يسير على نظام موحد ومستقر إلا ومن ورائه قصد، وكل قصد يهدف الى غاية، ومتى تحققت الغاية من وجود الشيء تنتهي مهمته، ويذهب هو بذهابها، وإذا أدى هذا الكون الغاية التي أرادها الله منه ذهب به، وأتى باليوم الآخر، ومعنى هذا أن النشأة الأخرى تبتدىء حيث تنتهي النشأة الأولى

ونهاية هذه تماماً كنهاية العمارة والبناية، فينقلب أعلى الكون على أسفله، ويرتفع أسفله الى أعلاه، وتتطاير الجبال في الفضاء، وتهوي كواكب السماء نحو الأرض، ويصطدم بعضها ببعض، فتصير يباباً وهباء، وتندلع البحار والأنهار شرقاً وغرباً وهنا وهناك حيث لا ممسك لشيء ولا جاذب.

وتسأل : ان الجذب في المادة طبيعي وحتمي، وإذن كيف يختل التوازن ويخرب الكون مع وجود القوة الجاذبة ؟.

الجواب :

ان جاذبية المادة حق لا ريب فيه، ولكن التوازن بين الأجسام لا يعتمد على مجرد الجاذبية، بل عليها وعلى وضع كل جسم مقابل في المكان المقرر له، فإذا حاد عنه انفرط العقد، وزال النظام : ولو كانت الجاذبية بمفردها كافية وافية لكنا في غنى عن البناء والهندسة وكثير من العلوم والفنون، وقال أهل الاختصاص : لو انحرف أي كوكب عن مداره، أو سار أكثر من سرعته لاختل التوازن، وتناثرت الكواكب في كل مكان.

(وأخرج من فيها فجددهم بعد إخلاقهم). بعد عملية تدمير الكون يحيي سبحانه أهل القبور من الأولين والآخرين (وجمعهم بعد تفرقهم). فرق الموت فيما بينهم، وأيضاً فرق أجزاء كل واحد منهم : وربما كان بين الجزء والجزء مسافات، أو تحول الى تراب، والتراب الى نبات، وقد يأكل الحيوان إنساناً، ويصير جزءاً من جسمه ولحمه ودمه.. ومع هذا فإن الله سبحانه على إعادته القدير، وتعرف هذه الشبهة بشبهة الأكل والمأكول، وأجاب عنها من أجاب بأن الجسم هو الذرات الأصيلة التي تكون الجسم منها في بدايته، وهي لا تتغير ولا تتحول، وأشرنا الى هذه الشبهة في كتاب «التفسير الكاشف»، وكتاب «فلسفة التوحيد»، وفيما تقدم من هذا الشرح - كما أرجح -.

(ثم ميزهم لما يريد من مسألتهم الخ).. أخرجهم سبحانه من قبورهم دفعة واحدة، ولا يخفى عليه واحد منهم على كثرتهم، ويعلم كلاً باسمه وشخصه، وما فعل وترك، وأسر وأعلن حتى نظرة الطرف وخفقة القلب.. انه بها خبير عليم وعلى أساس هذا العلم يكون الحساب والسؤال (وجعلهم فريقين أنعم على هؤلاء، وانتقم من هؤلاء) كما قال سبحانه : «يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ

فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ - 7 الشورى».

(فأما أهل الطاعة). بعد الحشر والنشر ونقاش الحساب - يأتي الجزاء بالنعيم لمن أطاع، والجحيم لمن عصى، وأشار الإمام الى شيء من جزاء المحسنين بقوله : (فأثابهم بجواره) وجار الله آمن من كل مكروه (وخلدهم في داره). أي الجنة (حيث لا يظعن النزال) خالدون في النعيم الى ما لا نهاية (ولا تتغير بهم الحال). كل الأيام لهم، وليس يوم لهم ويوم عليهم (ولا تنوبهم الأفزاع) لا يشكون من شيء، ولا يرهبون أحداً، أو يخافون العواقب (ولا تنالهم الاسقام). ومن أين تأتي ومن أين تأتي الاسقام ؟ والغذاء طاهر مطهر، والجو صفاء ونقاء (ولا تعرض لهم الأخطار) عطف تفسير على ولا تنوبهم. الأفزاع (ولا تشخصهم الأسفار) ولماذا السفر وأتعابه ؟ وهم فيما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.

للمنبر - حول أهل المعصية :

بعد أن أشار الإمام الى نعيم المطيعين أشار الى جحيم العاصين بقوله : (وأما أهل المعصية فأنزلهم شر دار) جهنم وبئس القرار (وغل الأيدي الخ). الأغلال في الأيدي والأرجل والأعناق مع مقامع من حديد وظل من يحموم، واللباس، من نار وقطران، والطعام من زقوم وسموم والطعام من زقوم وسموم، والشراب من، والشراب من حميم يغلي في البطون، والغسل بماء يشوي الوجوه والجلود، ولماذا كل هذا ؟ فأين الرأفة والرحمة، والجود والإحسان ؟ وما كان الله لينهى عن القسوة، ثم يفعلها.

الجواب :

ان هذه الشدة والقسوة في العذاب هي للذين يعاملون عباده وعياله بكل قسوة وشدة، ولا يأخذهم حق ولا عدل : « وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا - 40 الشورى». «وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ - 8 الزلزلة». وبأي شيء يعامل سبحانه من يسوق الأبرياء والمجاهدين يسوقهم مكبلين بالأغلال الى المشانق، لا لشيء إلا لأنهم يريدون صيانة الحرية، وضمان الحقوق التي فرضها الله لكل الناس بلا تمييز بين اللون والجنس والسلالة والعقيدة ؟ وهل من عدل الله ورحمته أن يقول : أحسنت وسلمت يداك لمن ألقى ألوف الأطنان من المتفجرات على المدن والقرى،

وقتل وشرد الملايين، وأهلك بأسلحته الكيماوية وغيره-، وأهلك بأسلحته الكيماوية وغيرها الحرث والنسل، وأفنى بضربة واحدة مدينة كبرى عن فيها وما فيها ؟

وقرأت فيما قرأت نوعاً من العذاب يفوق التصور : يصب الجاني على المجني عليه الزفت والقار، ويغرس به ريش الدجاج، ويغرس به ريش الدجاج، ويربط حبلاً في عنقه بجره في الشوارع ثم يعلقه على المشنقة.. فأين من هذا شريعة الغاب ؟ ولو كان من وراء جهنم عذاب أقسى وأشد لكان قليلاً بحق هؤلاء الطغاة القساة.

(قد حقر الدنيا - الى - مقاماً). في حقر ضمير مستر يعود الى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).. ان الدنيا التي يبكي لها الباكون، ويتنافس على حرامها المتنافسون هي أحقر عند الله من جناح بعوضة، ولذا زواها سبحانه عن نبيه الكريم، وأعرض النبي عنها إلا ما سد خلة محتاج وأغاث لهفة ملهوف، أو كان وسيلة لصالح عام، وفي خطبة ثانية وصف الإمام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقوله : زويت عنه زخارف الدنيا مع عظیم زلفته، فلينظر ناظر بعقله : أكرم الله محمداً، أم أهانه أمانه.. فإن قال أهانه فقد كذب وان قال : أكرمه، فليعلم أن الله أهان غيره حيث بسط الدنيا له، وزواها عن أقرب الناس منه.

وفي كتب السيرة النبوية : كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في طعامه لا يرد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، وإذا لم يجد الطعام صبر، وكان يمر عليه الشهر لا يجد ما يخبزه، ويمر عليه شهران لا يوقد في بيته ناراً - أي لا يطبخ - ومع هذا كان يستعيذ بالله من الفقر، وفي قبضته ثروة الجزيرة العربية، ولكنه ينفق على المحتاجين كل ما يصل الى يده إيماناً منه بأن على الحاكم أن لا يشبع وفي رعيته جائع واحد.

وبهذه المناسبة أشير الى أن سيرة المعصومين وأقوالهم تدل بصراحة ووضوح أن على القائد العام دينياً كان أم زمنياً أن يعيش تماماً كما يعيش أفقر الناس في مجتمعه، وفي ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ان الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس». وكلمة «فرض» نص في الوجوب والإلزام، لا تقبل التأويل والاجتهاد إطلاقاً وبخاصة في هذا السياق، ولكن الفقهاء من السنة والشيعة - إلا القليل - تجاهلوا هذا الفرض حرصاً على الحياة الدنيا.. أما مظهر الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو قضية في واقعة، لها أسبابها الخاصة.. على أنه كان في واقع حياته أزهد الناس في الدنيا وزينتها، وأسخاهم بذلاً وعطاء.

(بلغ عن الله معذراً). أقام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الحجة الله على خلقه بما بلغ وأرشد، وما ترك عذراً لمقصر ومهمل (ونصح لأمته منذراً) من خالف بعذاب أليم (ودعا الى الجنة مبشراً) بها من سمع وأطاع (وخوف من النار محذراً) بقوله : الله في أهل بيتي، أذكر كم الله في أهل بيتي، كما في صحيح مسلم (نحن شجرة النبوة) ودليلنا سمت الهدى، ولباس التقوى (ومحط الرسالة) بسيد المرسلين، وخاتم النبيين (ومختلف الملائكة) محل نزولهم بالوحي (ومعادن العلم) عن النبي عن جبريل عن الله (وينابيع الحكم) وهذا نهج البلاغة قطرة من تلك الينابيع (ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة) من الله بشهادة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «يا علي لا يبغضك مؤمن» فكيف إذا أحبك وناصرك ؟ (وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة) من الله.. أيضاً بشهادة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «لا يحبك منافق» فكيف إذا عاداك وأبغضك وقال الإمام : «لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجمتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني». والسر أن عداوة الباطل للحق ذاتية، وما بالذات لا يتغير إلا إذا كان التغير ذاتاً للشيء وطبيعة، ولا ينطبق على هذا ما ليس بمادة وطبيعة

الله المؤلف، وعلي المخرج :

والخلاصة ان هذه الخطبة أشبه بمسرحية ترسم حياة الانسان وما يلاقيه في دنياه من حيرة ومتاعب، ويحل به وبأهله عند حضور الموت وبعده، ترسم هذه الخطبة الانسان وتصوره في جميع مراحله رسماً رائعاً من كل وجه حتى كأن الإمام هو ذلك الإنسان الذي ذاق سكرات الموت، وحمل على الأعواد، وتوسد في القبر، وخرج منه للحساب، ورأى من الجنة والنار ما رأى، ثم عاد الى الدنيا ليخبر أهلها عما حدث معه بالذات شعرت بهذا وأنا أشرح كلمات الخطبة، وتصورتها مسرحية تغزو المجهول، وتجسده للعيان في حقائقه، ووقائعه، وقلت في نفسي: لا عجب فالمؤلف خالق الانسان، والمخرج أكمل افراده بعد سيد الكونين.

كتبت هذه الكلمات في ربيع سنة 1972، وأنا على حافة جدول في بلدة «شتورا» وفي غابة من الحور يحيط بي نبات الربيع من كل جانب، منه الطويل، ومنه القصير والمتوسط، ولبعضه أزاهير تجذب اليها النحل والفراشات، والعصافير

تضرب بأجنحتها من شجرة الى شجرة، ومن غصن الى غصن، وهي تغني أغنية الربيع وبهجته، فأنساني هذا الجو الساحر ما قاسيت وأقاسيه من العواصف والقواصف، وانصرفت بكياني كله الى كلمات الإمام أفكر في معناها، وأطيل التفكير.. وقد تمثل أمام عيني الموت والقبر والحشر والحساب والجزاء، وبلا شعور رأيتني أصرخ وأبكي، وألوم نفسي على التقصير، وأصب عليها غيظي وغضبي.. فرحماك اللهم وعفوك عمن يشتغل عنك بغيرك.

الخطبة - 108 -

فرائض الإسلام.. فقرة 1 :

إنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَكَّلَ بِهِ الْمُتَوَسلُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ الْإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ والْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الإِسْلَام، وَكَلِمَةُ الإخلاص فإنها الفِطْرَةُ. وَإِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّهُ. وَإِيتَاء الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاحِبَهُ. وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ، وَحِج البيت واعْتِمَارُهُ فَإِنَّهَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ. وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةٌ في الأجل. وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ. وَصَدَقَهُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيْتَةَ السُّوْء، وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ (1).

اللغة :

الذروة - بكسر الذال - العلو . والملة - بكسر الميم – الطريقة والشريعة

والدين، وبفتحها الجمر، وبضمها خياطة الثوب والجنة - بضم الجيم - الوقاية. ويرحضان : يغسلان. والمثراة : الثروة. والمنسأة : التأخير. والمراد بالصنائع هنا الأعمال.

الإعراب :

الإيمان خبر ان، وما بعده عطف عليه بالواو، والجمل المقرونة بالفاء معترضة، والقصد التعليل.

المعنى :

(ان أفضل ما توسل به المتوسلون الى الله سبحانه). كل ما تتقرب به الى الغير يسمى توسلاً ووسيلة، وأشار الإمام في هذه الخطبة الى أفضل الوسائل لمرضاة الله وثوابه، وهي

1 – (الإيمان به) وهو أصل الأصول كلها، والإيمان النظري مجرد اعتقاد، أما الإيمان الواقعي فهو الاعتقاد العمل، وإلا يكون الإيمان شجرة بلا ثمرة قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : بالإيمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الإيمان، وفي الحديث : الإيمان إقرار باللسان، وعقد في القلب، وعمل في الأركان.

2 – (وبرسوله) والإيمان بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إيمان بالإنسانية وقيمها، قال تعالى : «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين - 107 الأنبياء». وقال في تحديد رسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ - 157 الأعراف». وقال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.

3 – (والجهاد في سبيله فإنه ذروة الإسلام) وكلمة الذروة تشير الى أنه لولا الجهاد ما ارتفع للإسلام راية، ولا كان له عين وأثر، بل الإسلام في جوهره جهاد من أجل الحرية، وثورة على الفوارق والعبودية، وعلى الاستغلال والمراباة.. قضى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مكة يدعو الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ثلاث عشرة سنة، فتألبت عليه قوى السلب والنهب، فقضى عليها بالمؤاخاة

والجهاد، ولما تفرق المسلمون أيدي سبأ، وتركوا الجهاد عادت قوى السلب تسرح وتمرح، وضعف الإسلام تبعاً لتخاذل أهله وأتباعه ولم يبق منه إلا الاسم، وشعارات ترفع من المآذن والمنابر، ومؤتمرات تعقد هنا وهناك تسطر الكلام وتنشره في الصحف، ثم يلفظ القمامة. ومن أقوال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : من ترك الجهاد رغبة عنه البسه الله ثوب الذل، وسيم الخسف، ومنع النصف.

4 – (وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة). وهذه الكلمة هي دعوة الأنبياء جميعاً من غير استثناء : « وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ - 25 الأنبياء». وليس المراد بكلمة الإخلاص النطق بلا إله إلا الله، وإنما المراد ما تمليه من التعبد له، والتوكل عليه وحده، لا على المال والجاه، ولا على الأحساب والأنساب، أو الفهم والعلم، فإن هذه وغيرها ليست بآلهة تعبد، ولا بشيء يذكر.

أما كلمة الفطرة فهي إشارة إلى أن الانسان بفطرته وطبيعته يستجيب لعقيدة التوحيد ولا يرفضها بل يستجيب لكل مبدأ من مبادىء الاسلام، وكل قيمة من قيمه، وأي عاقل يرفض العلم ومنافعه، والسلم وفوائده، ويرحب بالاستغلال والجبروت والتفرقة بين الناس ؟. وتقدم الكلام عن الفطرة مفصلاً في شرح الخطبة رقم (1).

5 – (وأقام الصلاة فإنها الملة) لأن عقيدة الإسلام تقوم على الشهادة لله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة، والصلاة مظهر للشهادتين معاً «إياك نعبد وإياك نستعين».. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وان محمداً له عبده ورسوله وكلام أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) يومىء الى أن من ثمرات الصلاة وحكمتها أن لا ينقطع المسلم عن نبيه في صباح ومساء.

6 - (وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة). ما دام في المجتمع غني وفقير فالزكاة ضريبة يفرضها التعاون والضمان الاجتماعي، ولكن البعض تحذلق وقال : ان فريضة الزكاة معناها الاعتراف بالفقر، وانه حتم لا بد منه، وكان الأجدر بالإسلام أن يقتلعه من الجذور، ويوجد مجتمعاً لا فقر فيه على الإطلاق.

ونجيب أولاً : بأن تغيير الأوضاع ومحو الفقر من الأساس لا يكون بجرة قلم، ودون أن يمر بالعديد من المراحل، وإذن فلا بد أن تخضع الواقع ونداوي

الحاضر بالحاضر حتى تسمح الظروف، وماذا نصنع بالمرضى والجائعين في مجتمع يسوده فساد الأوضاع ؟ هل ننتظر حتى تصلح الأمور، أو نشرع قانوناً يضمن الحياة الى أن تتبدل الأحوال بالجد والاجتهاد ؟

ثانياً : ان مصرف الزكاة لا ينحصر بالفقراء، بل يتعداهم الى مشروعات الخير، وما فيه للناس صلاح كما هو المفهوم من كلمة «سبيل الله» في آية الزكاة رقم (6) من سورة التوبة.

7 – (وصوم)شهر رمضان فإنه جنة من العقاب). قد يرى البعض ان الصوم ليس إلا عملاً سلبياً !.. أجل، ولكن ولكن في هذا السلب حكمة وإيجاب، وهو انتصار الانسان على نفسه، وتمرينه على كبح الشهوات والأهواء، ولو أطلق الانسان العنان لأهوائه لكانت الحياة ناراً وجحيماً.

8 - (وحج البيت الخ).. تكلم كثيرون عن منافع الحج وحكمته، ووضع البعض فيها رسالة خاصة، وأكثر ما قيل كلام مكرور ومعاد لفظاً ومحتوى، وعلى أية حال نعطف على أقوالهم هذا الخاطر الذي لاح لنا الآن : ان للحج فوائد منها انه يقول لأعداء الاسلام لا تحسبوا ان شمسه قد غربت، وأضواءه قد خبت، فها هم المسلمون يعلنون عن وجود الإسلام بالهرولة في المسعى وتبديل الملابس بالأكفان أو ما يشبهها، وبالطواف بالأقدام، والتجاذب حول الحجر الأسود، والنشيد والهتاف بالأفواه «لبيك اللهم نبيك لبيك».

ولكن هل نغيظ العدو بهذه المظاهرة، وهو يحتل من أرضنا ما أحب وأراد ويُشعل النيران في المسجد الأقصى، ويحرف كتاب الله عن معناه وعلى هواه، ويقتل الفلسطينيين بيد الرجعية والخيانة، ويذل كل عربي ومسلم في شرق الأرض وغربها.؟ وأيضاً هل نغيظ العدو بالمؤتمرات (الاسلامية والأدبية والشعرية» وبالاجتماعات الكبرى على مستوى الملوك والرؤساء، أو وزراء الخارجية، وبالخطب والقصائد ؟.. حجوا أيها المسلمون، وصلوا وصوموا فإن الله لا يتقبل منكم ولن يتقبل ما دمتم أذلاء صاغرين أمام عدوه وعدوكم.

9 – (وصلة الرحم فإنها مثراة في المال، ومنسأة في الأجل). قد يكون مراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الزيادة في المال والعمر من حيث الكم أي ان صلة الرحم تزيد في أيام العمر وعد النقود حقيقة وواقعاً، وليس هذا بمستحيل في حكم العقل،

وقد تكون الزيادة من حيث الكيف أي ان صلة الرحم تجعل الدرهم الواحد أكثر نفعاً وبركة من مئة دره درهم، واليوم الواحد من العمر - يعمل فيه المرء عملاً صالحاً - خبراً من ألف يوم يذهب سدى.

10 – (وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة) لأن حسناتها تتغلب على سيئات العديد من الخطايا والذنوب (وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء) كمن ينهار عليه نفق فيموت خنقاً، أو تلتهب فيه النيران فيهلك حرقاً، أو يغرق فتأكله الأسماك، ونحو ذلك.. ولا يصح التأويل هنا والاجتهاد لأن اللفظ لا يحمل إلا معناه.

11 – (ومصانع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان). وهذا مثل صدقة العلانية تدفع ميتة السوء، ولكنه من باب عطف العام على الخاص لأن المعروف أعم من صدقة العلانية، ونظيره قوله تعالى : «وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ - 84 آل عمران».

ذكر الله والقرآن.. فقرة 2 :

أفيضُوا فِي ذِكْرِ اللهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ. وَاَرْغَبُوا فِيهَا وَعَدَ المُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ. واقْتَدُوا بِهَدَي نَبِيكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْي. وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ. وَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ القُلُوبِ، وَاسْتَشفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ. وَأَحْسِنُوا تِلَاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْقَصَصِ، فَإِنَّ الْعَالَمَ العامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الَْائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ، بَلْ الْحَجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالْحَسْرَةُ أَلْزَمُ، وَهُوَ عِنْدَ اللهِ أَلْوَمُ (2).

اللغة :

أفيضوا : اكثروا. واستنوا : اعملوا.

الإعراب :

كالجاهل خبر ان، والحجة أعظم مبتدأ وخبر، وعليه متعلق بأعظم، ومثله ما بعده.

المعنى:

(أفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر) توسلوا اليه تعالى بالإقبال عليه، والتضرع له، ولا وزن للذكر إلا إذا ترجم عن القلب وما فيه من يقين وإخلاص، قال تعالى : «إليه يصعد الكلم الطيب 10 فاطر». وقال : « مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ - 18 ق». (وارغبوا فما وعد المتقين فإن وعده أصدق الوعد). كل من آمن بالله فهو مؤمن أيضاً بأن وعده تعالى حق وصدق وإلا كان من الجاحدين، وغرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يكون المؤمن أعمق إحساساً وأكثر عملاً (واقتدوا بهدي نبيكم الخ) ان سيرة النبي وهديه حجة الله على خلقه، أما كتب الأخلاق والقوانين، وأسفار العلوم والفلسفة، وإجماع العلماء وسيرة العقلاء فما هي بشيء إلا ما وافق منها كتاب الله وسنة نبيه الكريم، وهذا مراد الإمام من قوله «أفضل وأهدى» أي خذوا بما قال النبي وفعل، لا بما قال الناس وفعلوا.

(وتعلموا القرآن - الى – القصص). «تعلموا وتفقهوا، واستشفوا وأحسنوا» كلمات تصر وتؤكد على العلم والعمل بالقرآن، وعلى المعاني لا على الألفاظ، وعلى التدبر لا على التغني، وعلى فهم الحلال والحرام الحلال والحرام، وتمييز الحق من الباطل، والخوف من تهديد الله ووعيده.. ان الله سبحانه ما أنزل القرآن لنكون أوعية له، أو لنطبعه ونجلده، بل لنصغي الى دعوته، ونسير على نهجه.

(وان العالم العامل بغير علمه الخ).. ان مسؤولية العالم غير مسؤولية الجاهل لأن العالم اذا فعل يفعل عن قصد وعمد، أما الجاهل فاسمه يدل عليه، بل ان

وزر الجاهل على العالم إذا أهمل إرشاده، أو أرشده إلى غير الحق.. لأن مسؤولية القائد أعظم من مسؤولية المقود، ولأن القائد مخير، والمقود أشبه بالمسير.

وفي الحديث الشريف : ان أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه وقال الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى : «فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ - 94 الشعراء». قال : هم قوم وصفوا عدلاً، ثم خالفوه الى عيره. وقال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : من عرف دلته معرفته على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له، الا ان الإيمان بعضه من بعض.

الخطبة - 109 -

غرارة ضرارة.. فقرة 1 - 3 :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَحذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنْها حَلْوَةٌ خَضِرَةٌ حَفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بِالأَمالِ، وَتَزَيَّنَتْ بالْغُرُورِ. لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا، وَلَا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا. غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ. حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ. نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ، أَكَالَةٌ غَوَّالَةٌ. لاَ تَعْدُو - إِذَا تَنَاهَتْ إلَى أَمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالرّضَاء بها - أن تَكُونَ كَما قَالَ اللهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ : «كَمَا أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذَرُوهُ الرِّيَاحُ، وَكَانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً» (1). لَمْ يَكُن أَمْرُؤُّ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلَّا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةٌ، وَلَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِها بَطْنَا إِلَّا مَتَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِها ظَهْراً. وَلَمْ تَطلَّهُ فِيهَا دِيَمةُ رَخَاءِ إِلا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةٌ بَلاء. وَحَرَّى إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ

مُتَنَكَّرَة وَإِنْ جَانِبُ مِنْهَا أَعْذَوذَبَ وَاحْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبُ فَأَوْبَى. لَا يَنَالُ أَمْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً إِلَّا أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً. وَلاَيمسِي مِنْهَا فِي جَنَاحٍ أمنِ إِلَّا أَصْبَحَ عَلى قَوَادِمٍ خَوْفٍ. غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا فَانِيَةٌ فَانِ مَنْ عَلَيْهَا لاَ خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إلا التَّقْوَى (3). مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ. وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا استكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ، وَزَالَ عَمَّا قَليلٍ عَنْهُ. كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا فَجَعَتُهُ، وَذِي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ. وَذِي أَبْهَةِ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً، وَذِي نَحْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً. سُلْطَانُها دِوَلٌ، وَعَيْشُهَا رَئِقٌ، وَعَذِّبُهَا أجاج، وَحُلُوهَا صَبِرٌ، وَغِذَاؤُهَا سِمَامٌ، وَأَسْبَابُهَا رِمَامٌ. حَيُّهَا بعرَضِ مَوْتٍ، وَصَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْم. مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ، وَعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ، وَمَوْفُورُهَا مَنكُوبٌ. وَجَارُها مَحْرُوب (3).

اللغة :

حبرتها : سرورها. حائلة : متغيرة من حال الى حال. نافدة : من نفد الشيء اذا انتهى. وغوالة : مهلكة. والهشيم والمهشوم : نبت يابس متكسر والعبرة - بفتح العين - الدمعة والحزن، وسالت عبرته : دمعت عينه - وبضم العين : العظة. وتطله : من الطل، مطر خفيف وديمة : مطر يدوم بلا رعد وبرق وهتنت : انصبت. ومزنة : سحابة. واعذوذب : صار عذباً وأوبى : صار وبيئاً. والغضارة : النعمة. ورغباً : مرغوباً فيه. وأرهقته : أغشته وغطته. والقوادم : ريش في مقدم جناح الطائر. وأزواد : جمع زاد. ويوبقه : يهلكه. وفجعته : أفقدته عزيزاً. والأبهة : العظمة. ودول : مرة

لهذا، وأخرى لذاك. والرنق : الكدر. وأجاج : مالح، أو ملح. وصبر : مر. وسمام : جمع سم. ورمام : جمع رمة، وهي قطعة حبل بالية. والمنكوب : المصاب. والمحروب : مسلوب المال.

الإعراب :

غرارة وما بعدها أخبار المبتدأ محذوف أي هي غرارة الخ.. والمصدر من أن تكون مجرور بعن محذوفة متعلقاً بتعدو، وحري خبر لمبتدأ محذوف أي شأنها حري، والمصدر من أن تمسي مجرور بالباء المحذوفة متعلقاً بحري، وتعباً منصوب بنزع الخافض أي غطته وغمرته بالتعب، أو مفعول ثان لأرهقته بمعنى كلفته تعباً كثيراً، وفان خبر مقدم، ومن مبتدأ مؤخر، وكم خبرية ولذا جر تمييزها بمن، ومحلها الرفع بالابتداء، وقد فجعته خبر.

المعنى :

(فإني أحذركم الدنيا) أي من حرامها، ولن تضرك أبداً دنيا أخذتها بكد اليمين وعرق الجبين، وأديت شكرها كما أمرك الله سبحانه، وكيف تستطيع العيش فيها إلا بما يصلحك منها ؟ اللهم إلا أن تمد يد الذل والسؤال (فإنها حلوة خضرة) تستهوي ضعاف العقول بزخرفها وزينتها (حفت بالشهوات) ومن نظر إلى الأشياء بعين الهوى والشهوة عمي عن الحقيقة (وتحببت بالعاجلة) كلذة الجنس والطعام والشراب، ولا شك أن الحرام - وان طاب - ضره أكثر من نفعه، وعقابه أكثر وعقابه أكثر من لذته (وراقت بالقليل) تحلو لأبنائها بالزهيد، وبالمزيف تماماً كالطفل يلهو بالدمية الملونة، ويزهو بالثوب الجديد

(وتحلت بالآمال). العاقل لا يغتر بالظواهر، ولا يركن الى أمل.. ويحتاط للعواقب، ويعد العدة للطوارىء والمفاجآت (وتزينت بالغرور) كالحرام من الجنس ونحوه، يذهب طعمه، ويبقى إنمه (لا تدوم حبرتها، ولا تؤمن فجعتها) سرورها قليل وحزنها كثير، وكم فاجأت بالرزايا والنوائب (غرارة ضرارة -الى- مقتدراً). كل هذه الأوصاف يجمعها قوله تعالى : «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا

لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ - 20 الحديد».

وقال من لا يؤمن باليوم الآخر : إذا كانت الدنيا فانية بائدة فعلى الانسان أن يغتنم الفرصة، ويبذل قصارى الجهد للتمتع بها الى أقصى حد، لأنها الجنة الوحيدة.

وقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا الجاحد فيما قال : إن يكن الأمر كما تقول نجونا ونجوت، وان يكن الأمر كما نقول نجونا وهلكت. ونظم الشاعر هذا المعنى بقوله :

قال المنجم والطبيب كلاهما*** لا تحشر الأجسام قلت اليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر*** أو صح قولي فالخسار عليكما

وعلماء أصول الفقه يسمون هذا المنهج بدوران الأمر بين الإلزام بشيء معين، أو التخيير بينه وبين غيره ودفعاً للضرر المحتمل يتعين الأول، ومثال ذلك أن يقول لك الطبيب : اشرب العصير، ثم تشك : هل أراد عصير البرتقال فقط، أو خيرك بينه وبين عصر الجزر.. وليس من شك ان العقل وليس من شك ان العقل يحتم عليك في مثل هذه الحال أن تختار عصير البرتقال وحده، لأنه المتيقن ومأمون الضرر على كل حال، أما غيره فمشكوك، واحتمال الضرر فيه قائم، فيجب تركه.

(لم يكن امرؤ منها في حبرة - الى - خوف). هذه الجمل السبع تتفق في المحتوى، وتختلف في المبنى.. فالحيرة والغضارة والرغبة والسراء والرخاء والعذوبة والأمن والهناء كلها من باب واحد، وكذلك التنكر والعبرة والضراء والتعب والبلاء والخوف والوباء، ويتلخص المراد بأن كل هناء في الحياة فيه شيء من البلاء، وكل نعمة فيها مقرونة بضرب من الكدر، وتقدم هذا المعنى أكثر من مرة.

(غرارة غرور ما فيها) إلا اذا كان وسيلة الحياة أفضل، كمشاريع الخير والعمل النافع، أما العلم الذي يجعل مصير العالم في أكف العفاريت والأبالسة فهو إثم وشر (فانية فان من عليها) واذن فعلام الصراع والتناحر على الحطام (ولا خير في أزوادها إلا التقوى) عن الحرام فإنها نعم الزاد (من أقل منها استكثر مما يؤمنه) أي من اقتنع من دنياه بقدر حاجته فقد أمن العواقب دنيا وآخرة.

ومن حكم الإمام : من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة، وتبوأ خفض العيش. أي عاش في غنى عن الناس، واستراح وأراح.

(ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه) أي يهلكه، وفيه ايماء الى ان تراكم الثروات لا يكون إلا من حرام، لأن الله سبحانه لا يعاقب على الطيبات من الرزق بعد أن أباحها، وأنكر على من حرمها (وزال عما قليل عنه) لا بد أن يفارق المال صاحبه ولو بالموت (وكم من واثق بها قد فجعته). كمن يركن الى عافيته فيصيبه داء لا دواء له، أو الى ما له فتذهب به النكبات، أو الى عزيز فتختطفه المنية (وذي طمأنينة اليها قد صرعته) من حيث لا يشعر، ولا رزية أو وجع للقلب من مفارقة ما كان يطمئن اليه، ويعتز به.

(وذي أبهة قد جعلته حقيراً) هوت به الى الحضيض، وهو في القمة من العز (وذي نخوة قد ردته ذليلاً). انهار واستسلم صاغراً بعد برقه ورعده، وهذا وما قبله عطف تفسير على كم واثق بها فجعته، والغرض من التكرار هو التأكيد على ان يحذر الانسان من كل شيء، ولا يغتر بما يرى من الظواهر، ولا يثق بأي سبب إلا اذا أخذ به في سبيل الحق والعدل (سلطانها دول) ينتقل من يد الى يد، ما حسب لها حاسب (وعيشها رنق) لا يخلو من الكدر.

(وعذبها أجاج) يجمع بين الأمراض والأحزان في كثير من الأحيان (وحلوها صبر) مر العاقبة (وغذاؤها سمام) اذا كان من نوع الحرام (وأسبابها رمام) بالية من تمسك بها هوى (وحيها بعرض موت) «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ - 28 الرحمن» (وصحيحها بعرض سقم) وان احتاط وتحفظ من الأمراض بالحمية، واقتصد في مأكله ومشربه، وابتعد عن أسباب الهموم والأحزان.

(ملكها مسلوب) ولو بالموت، والمراد بالملك هنا مطلق الحيازة لأي شيء (وعزيزها مغلوب) ولو لزوجته أو ولده (وموفورها منكوب) عمال أو جاه أو عزيز (وجارها محروب) أي من التجأ إلى الدنيا، واستجار بها سلبت أمواله ولو بالموت.

بئست الدار لمن يتهمها.. فقرة 4 - 6:

ألَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطول أعماراً، وَأَبْقَى آثاراً وأَبْعَدَ

آمالاً، وأَعَدَّ عَدِيداً، وأكثف جنوداً. تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَي تَعَبدِ وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيثَارٍ. ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغ وَلَا ظَهْرٍ قَاطِع فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ يَعُونَةٍ أوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحبَةً، بَلْ أرهقتهُمْ بِالْقَوَادِحِ، وَأَوْهَنتُهُمْ بِالْقَوَارِع، وضَعْضَعَتُهُمْ بِالنَّوَائِبِ وَعَفْرَتُهُمْ لِلْمَنَاخِرِ، وَوَطِئَتُهُمْ بِالْمَنَاسِمِ، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ المَنُونِ (4). فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكَّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا، وَآثَرَها وأخَلَدَ لَهَا، حَتَّى ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ. وَهَلْ زَوَّدَتُهُمْ إِلَّا السِّغَبَ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ، أَوْ نَوّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظَّلمَةَ، أو أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ. أَفَهْذِهِ تُؤْثِرُونَ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ ؟ أَمْ عَلَيْهَا تَخْرِصُونَ ؟ فَبَئسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمُهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلى وَجَلٍ مِنْهَا فَاعْلَمُوا - وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ - بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا (50) واتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا : «مَنْ أَشَدُّ مِنا قُوَّةَ».. حُملُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلَا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً، وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ. فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً. وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصفيح أَجْنَانُ، وَمِنَ التَّرَابِ أَكْفَانُ، وَمِنَ الرُّفَاتِ جيرانُ، فَهُمْ حِيرَةٌ لَا يُحِيبُونَ دَاعِياً، وَلَا يَمْنَعُونَ ضيماً، وَلَا يُبَالُونَ منْدَبَةً. إن جيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا. جَميعٌ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ. مُتَدَانُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ، وَقَرِيبُونَ لا يَتَقَارَبُونَ. حلَمَاء قَدْ ذَهَبَتْ أَصْغَانُهُمْ، وَجَهَلَاء قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ.

لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ، وَلَا يُرْجَى دَفْعُهُمْ أَسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً، وبِالسَّعَةِ ضِيقاً، وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً، فَجَاؤُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا، حفاةً عُرَاةً. قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَةِ كما قَالَ سُبْحَانَهُ «کمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إنا كنا فاعلين» (9).

اللغة :

أكثف : أكثر. والظهر القاطع : ما تركبه لقطع الطريق. وأرهقتهم : غطتهم. وضعتهم : أضعفتهم. والمناسم : أخفاف الإبل ونحوها. وريب المنون : طوارق الدهر. وأخلد : ركن. والسغب : الجوع، قال تعالى : «في يوم ذي مسغبة». والضنك - بسكون النون - الضيق. والصفيح : الحجارة والأجنان القبور، والواحد منها جنن - بفتح الجيم. والرفات : العظام البالية وإن جيدوا : إن جادت السماء عليهم بالمطر.

الإعراب :

أعماراً وما بعده تمييز، وركباناً مفعول ثان ليدعون، وينوب عن المفعول الأول الواو في يدعون، ومتدانون خبر لمبتدأ محذوف أي هم متدانون، ومثله ما بعده، وحفاة عراة حال.

المعنى :

(ألستم في مساكن - الى - أكثف جنوداً). الدنيا بما فيها عظات وعبر والعاقل من نظر الى أحداثها بعين اليقظة، واتعظ بالأولين الذين هم أقوى منه عدة وعدداً، وأطول أعماراً وآجالاً (تعبدوا للدنيا الخ).. كل انسان يميل

الى الدنيا وزينتها، ولكن عليه أن يتورع عن حرامها، وينظر الى العواقب، ويقارن بين لذة العاجلة وآلام الآجلة (ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ، ولا ظهر قاطع). سافروا، ولكن بلا زاد وراحلة.

(فهل بلغكم - الى صحبة) أي ان الحطام الذي نالوه من الدنيا ما فداهم من الموت، ولا أعانهم عند سكراته، ولا أحسن صحبتهم حيث تركهم الى غير رجعة (بل أرهقتهم – الى - المنون) بل كانت الدنيا سبباً لأحزانهم وآلامهم (فقد رأيتم - الى – الأبد) ألا تتعظون بمن ركن الى الدنيا، وجعلها مثله الأعلى كيف فارقها الى غير رجعة ؟. (هل زودتهم - الى الندامة) فارقوا نعيم الدنيا الى الجوع والضيق والظلام والحسرة والكآبة.

(أفهذه تؤثرون) أتختارون الدنيا المرهقة، وتتركون جنة النعيم ؟ (فبشست الدار لمن لم يتهمها) بالغدر ويحذر من عواقبها (واتعظوا فيها بالذين قالوا : من أشد منا قوة ؟). يشير الى الآية 15 من سورة يشير الى الآية 15 من سورة فصلت : «فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً» (حملوا الى قبورهم فلا يدعون ركباناً). الميت يحمل على الأعواد الى قبره، ولكن لا يقال له راكب، لأنه كالصخرة الصماء (وانزلوا الى الأجداث فلا يدعون ضيفاناً). والواقع انهم في القصور ضيفان، أما في القبور فإلى يوم يبعثون.

(وجعل لهم من الصفيح أجنان، ومن التراب أكفان). يسكنون الأحجار، ويلبسون التراب، لا يغيرون ولا يبدلون، وهما أي الأحجار والتراب ثابتان حتى تبدل الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء (ومن الرفات جيران) عظام بالية تجاور مثلها (فهم جيرة الى - لم يقنطوا). الموسى جماد في بطن الأرض لا يشعرون بشيء مما يحدث على ظهرها من خصب أو جذب، وسلم أو حرب ولا بمن يكتب عن حسناتهم أو سيئاتهم، ولا بمن يبكيهم أو يلعنهم.

(جميع - الى الى - لا يتقاربون). قبورهم قبورهم متلاصقة، ولكن لا أحد يشعر بوجود الآخر (حلماء قد ذهبت أضغانهم). تناحروا على الدنيا حين كانوا من أهلها، ولما ارتحلوا عنها انقطعت أسباب الشحناء والبغضاء (وجهلاء - الى -ظلمة). أي ليس من شأنهم أن يحقدوا على أحد، أو يخاف منهم أحد بعد أن أصبحوا تراباً وعظاماً.

(فجاؤوها كما فارقوها حفاة عراة). اختلف الشارحون في معنى هذه الجملة مع ان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسرها بقوله بلا فاصل : (قد ظعنوا عنها بأعمالهم الى الحياة الدائمة والدار الباقية) أي دخلوا القبور، وهم لا يملكون شيئاً إلا أعمالهم كما أنهم عند الموت فارقوا جميع ما يملكون، أما الاستشهاد بالآية الكريمة فالمراد به أن المعاد حق، لأن الذي قدر على إنشاء الأولى قادر أيضاً على إنشاء الأخرى «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ - 27 الروم»

الخطبة - 110 -

حقيقة الموت :

هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً ؟، أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً ؟ بَلْ كَيْفَ يَتَوفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ. أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ جَوَارِحِهَا ؟ أم الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا ؟ أَمْ هُوَ سَاكِنُ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا ؟ كَيْفَ يَصِفُ الهَهُ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَةِ تَخلُوقٍ مِثْلِهِ.

اللغة :

الجنين : المستور من كل شيء كالمقبور والولد ما دام في رحم أمه. والجوارح : جمع الجارحة، وتطلق على السكين، والطير الكاسر كالباز، وعلى العضو من الانسان، وبخاصة اليد.

الإعراب :

دخل منزلاً أصله دخل الى منزل، فحذف الجار تخفيفاً فانتصب منزل انتصاب

المفعول، وكيف يتوفى كيف حال أي على أية حال يتوفى، أو مفعول مطلق أي أية وفاة يتوفى.

المعنى

لا يعرف حقيقة الموت إلا من عرف سر الحياة، لأنه عدمها. وقال الماديون : ان المادة هي الموجود الوحيد، والفكر أو الحياة تبع لها وعرض، فإذا انحلت لمادة وفسدت زالت الحياة تبعاً وقهراً. وقال المثاليون : بل الموجود هو الفكر وان الأشياء التي نظن انها مادية هي في الواقع كائنات لا وجود لها إلا في أفكارنا وتصورنا، وعلى هذا تكون الحياة أو الوجود على الأصح في منطقهم هو الفكر، والشيء الذي لا فكر له ليس لوجوده عين ولا أثر. ويقول الدين :

إن كلا من المادة والروح أصل، وليس أحدهما فرعاً عن الآخر، وهما معاً من صنعه تعالى.

وكما اتفق المتدينون على ان الروح والمادة من أمر الله وصنعه اتفقوا أيضاً على ان حياة المادة تكون بالاتصال بين الروح والجسم، وانه تعالى يأمر تلك بالدخول في هذا كما جاء في آخر سورة الفجر : (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي» أي في أجسامهم، وأيضاً اتفقوا ان لله ملكاً ينتزع الأرواح من الأجسام، واختلفوا : كيف ؟ وبأية وسيلة يستطيع ملك الموت أن يقبض في وقت واحد العديد من الأرواح من شرق الأرض وغربها ؟ وقال قائل : يدعوها اليه، فتأتيه مسرعة باذن الله، وهو في مكانه. وقال آخر : بل تكون الأرض بين يديه كالمائدة يتناول منها ما يشاء. وقال ثالث : إن له جنوداً من الملائكة تعاونه.. وهذا الكلام وأمثاله جهل وهراء،،، ولا سر إلا قوله تعالى : كن فيكون. وفيما يلي البيان :

لقد تساءل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلامه هذا : من الذي أحس حركة لملك الموت، أو رأى له شبحاً ؟ ثم كيف يقبض روح الجنين، وهو في رحم الجنين، وهو في رحم أمه ؟ أيدخل من أذنها أم فمها أم يدعو روحه اليه فتستجيب باذن الله : أم ماذا ؟ وغرض الإمام من هذا التساؤل أن يعلن للناس ان حقيقة الموت والحياة في علم الله وحده، وان يمسك المتفلسفون عن تمزيق الكلام في ذلك، ويكلوا الأمر اليه تعالى

والى هذا أشار الإمام بقوله : (كيف يصف الله من يعجز عن صفة مخلوق مثله) أي ذاته وأسرار خلقه للموت والحياة.

وسئل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن الروح، فلم يدر بماذا يجيب، والتجأ الى خالقه ليمن عليه بالجواب، فنزل قوله تعالى : «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا - 85 الإسراء». هذا هو الجواب الأول والأخير عن حقيقة الروح، وكيف اتصلت بالبدن، أو انفصلت عنه، ولا جواب سواه حتى عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإذن فكل التفلسفات حول هذا الموضوع أساطير وأباطيل.

الخطبة - 111 -

العمر يفنى فناء الزاد.. فقرة 1 :

وأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ، وَلَيْسَتْ بِدَار مُجْعَةٍ. قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا، وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا. دَارُ هَانَتْ عَلى رَبِّهَا، فَخَلَطَ حَلالَهَا بحرامِهَا، وَخَيْرَهَا بِشَرّهَا، وَحَيَاتَها بِمَوْتِهَا، وَحُلْوَهَا بِمُرّهَا. لَمْ يُصْفِهَا الله تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يَضِنُّ بِهَا عَلى أَعْدَائِهِ. خَيْرُهَا زَهِيدٌ، وَشَرُّهَا عَتِيدٌ. وجمعها يَنْفَدُ، وَمُلْكُها يُسْلَبُ، وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ. فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنقَضُ نَقْضَ البِنَاء، وعُمرٍ يَفْنَى فَنَاء الزَّادِ، وَمُدَّةٍ تَنْقَطِعُ أنْقِطَاعَ السَّيْرِ. أَجْعَلُوا مَا أَفْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ، وَأَسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاء حَقِّهِ مَا سَألَكُمْ (1).

اللغة :

القلعة - بضم القاف - الرحلة، يقال : فلان على قلعة أي على رحلة،

وهذا مجلس قلعة أي يقلع ساكنه غداً أو بعد غد. النجعة : طلب الكلأ، والناجع طالبه.

الإعراب :

الدنيا منصوبة بنزع الخافض أي من الدنيا الخافض أي من الدنيا، وبدار الباء زائدة، ودار خبرليست. ومن طلبكم متعلق باجعلوا، ومن اداء حقه متعلق بسالكم.

المعنى :

(أحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة). اياكم وحرامها، فأنتم عنها مقلعون وراحلون (وليست بدار نجعة) أي لا تطلبوا الدنيا لمجرد الأكل والشرب، تماماً كما يطلب الكلأ للأنعام، واعملوا لها، وليوم وليوم تذخر له الذخائر (قد تزينت بغرورها، وغرت بزينتها). حاكت شباك الصيد، واصطادت كثيرين (دار هانت - الى مرها). هانت الدنيا على الله سبحانه حتى أصبحت هذه الكلمة : «من هوان الدنيا على الله»، مثلاً يدور على كل لسان، ثم أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى بعض الأمثلة لهوان الدنيا عليه تعالى، منها أنه لم يجعل كل ما تشتهيه الأنفس في الدنيا حلالاً وحلواً وخيراً وكل حي فيها لا يذوق الموت كما هو الشأن في جنة الخلد، بل قرن الحياة بالموت، واللذة بالألم، والخير بالشر وبكلمة : ما من شيء فيها يسر إلا وألصق به ما يسوء على النقيض من الجنة التي وصفها سبحانه بقوله : «ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

(لم يصفها الله تعالى لأوليائه) بل هم أشد الناس محنة وبلاء (ولم يضن ها على أعدائه (بل صبها صباً على كثير منهم وقال : «وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ - 33 الزخرف». (خيرها - الى –السير). ضرها أكثر من نفعها، مالها الى نفاد، وعمرانها الى خراب، والعمر فيها الى فناء، وسلطانها ينتقل من يد الى بد، وأمدها بنتهي بكر الليالي والأيام.

(واجعلوا ما افترض الله عليكم من طلبكم). الحياة حقوق وواجبات، والحق

ما كان لك، والواجب ما يلزمك اداره وعليك أن تهتم بأداء ما عليك الله وللناس تماماً كما تهتم بطلب ما هو لك (واسألوه من حقه ما سألكم). اطلبوا من الله التوفيق والعون على القيام بما عليكم من واجبات كما سألكم هو أن تقوموا تحقه وحق عباده والتوفيق مأخوذ من الموافقة، وهي هنا موافقة عمل العبد لمرضاة سيده.

اسمعوا دعوة الموت.. فقرة 2 - 3 :

وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ المَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُم. إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدنيا تبكي قُلُوبُهُمْ، وَإِنْ ضَحِكُوا، وَيَشْتَدَّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا، ويكثرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإنِ اعْتُبِطُوا بَمَا رُزِقُوا. قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الْآمَالِ. فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَالْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الْآجلة، وإنما أَنتُمْ إِخْوَانُ عَلى دِينِ اللهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْثُ السَّرَائِرِ، وَسُوء الضمائِرِ. فَلَا تَوَازَرُونَ وَلَا تَناصَحُونَ، وَلَا تَبَاذَلُونَ وَلَا تَوَادُّونَ (2). مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ وَلَا يَحْزُنُكُمُ الكَثِيرُ مِنَ الْآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ، وَيُقْلِقُكُمُ اليَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا رُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ، كأَنها دَارُ مُقَامِكُمْ. وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ. وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ إِلَّا مَخَافَهُ أَن يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ. قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلى رَفْضِ الْآجِلِ وَحُبُّ الْعَاجِلِ، وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةٌ عَلى لِسَانِهِ. صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَأَحْرَزَ رِضَا سَيِّدِهِ (3).

اللغة :

لا توازرون : لا تتعاونون. لا تتباذلون : لا يعطي بعضكم بعضاً. وروي : نحي. ولعقة - بضم اللام - ما تأخذه اللعقة.

الإعراب :

ما بالكم مبتدأ وخبر، والمصدر من أن يستقبل مجرور بمن محذوفة، ومخافة فاعل يمنع، وصنيع نصب على المصدرية أي صنعتم صنيع من الخ.. أو صنيعاً مثل صنيع.

المعنى :

(واسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم). استجيبوا لداعي الموت قبل نزوله بكم، واعملوا له كأنكم الآن ترون شخصه، وتسمعون صوته وإلا أخذكم من حيث لا تشعرون، وقبل أن تعدوا له عدته (ان الزاهدين - الى - رزقوا). الكآبة سمة الخيرين، وقلما تفارقهم وان أقبلت الدنيا عليهم، ذلك أنهم يرجون من الله الرحمة، ما في ذلك ريب، ولكنهم يخافون ذنوبهم، ويتهمون أنفسهم بأنها لا تبدي نشاطاً في طاعة الله كما يجب (قد غاب - الى الآجلة) عبدتم الدنيا، واستولت على قلوبكم وعقولكم بآمالها الكاذبة، وزينتها الباطلة، وقطعت كل علاقة بينكم وبين الآخرة

المذاهب الأربعة :

(وإنما أنتم إخوان على دين الله ما فرق بينكم إلا خبث السرائر وسوء السرائر). ألستم على دين الإسلام ؟ وهو واحد لا اختلاف فيه، لأن مصدره الوحي الذي ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض : «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا - 82 النساء». وإذن فلا سبب للخصام والصراع إلا الأهواء والأغراض.

وتسأل : ان أكثر الاختلافات أو الكثير منها بين علماء المسلمين في الأمور الدينية - يرجع الى النظر والاجتهاد، فكيف حصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاختلاف بحبث السرائر وسوء الضمائر ؟.

الجواب :

ان قول الإمام : «ما فرق بينكم، معناه ما جعلكم فرقاً وشيعاً متناحرة إلا خبث السرائر، لأن الاختلاف في النظر ولمجرد الاجتهاد لا يوجب التفرقة والعداء.. والذي يؤيد إرادة الإمام لهذا المعنى قوله بلا فاصل : (فلا توازرون ولا تناصحون ولا تباذلون ولا توادون).

وبهذه المناسبة نشير الى ان جريدة الجمهورية المصرية عدد 31 - 4 - 1972 نشرت لأحد القراء هذا السؤال : «هل يجب على المسلم أن يتقيد في أعماله بواحد من المذاهب الأربعة : المالكي، والحنفي، والشافعي، والحنبلي ؟».

ومنذ سنوات سئل المرحوم الشيخ محمود شلتوت هذا السؤال، وكان آنذاك شيخاً للأزهر، فأجاب بأن التقيد بخصوص هذه المذاهب دون غيرها - ما أنزل الله به من سلطان، وان للمسلم أن يختار العمل بالمذهب الجعفري. وانتشرت فتواه هذه في جميع البلاد الاسلامية.

وبعد أن انتقل شلتوت الى ربه قال شيخ أزهري، اسمه الشيخ صالح شرف: «على المسلم أن يقلد مذهباً من هذه المذاهب الأربعة». ونشر قوله هذا في العدد الذي أشرنا إليه من جريدة «الجمهورية». وفي عدد 7 - 4 من هذه الجريدة رد عليه الشيخ محمد صالح سعدان، وقال : «إن الشيخ صالح شرف قد أوجب بفتواه ما لم يوجبه الله ورسوله، ولم يرد به کتاب ولا سنة، والله يقول : «أأَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ - 21 الشورى»، ورسولنا الكريم يقول : «من أحدث في ديننا هذا ما ليس فيه فهو رد». وقد كان الأولى بالشيخ في فتواه أن يرشد السائل الى انه لا يجب التقيد بمذهب من المذاهب الأربعة».

وفي عدد 14 -4 من «الجمهورية» نشر السيد محمد أحمد كشك - من مصر - كلمة أيد فيها الشيخ سعدان، وقال فيما قال : «إن الذين يوجبون الالتزام بالمذاهب الأربعة يحرمون حق النظر والبحث في كتاب الله وسنة رسوله، والعمل بثمرتهما، ويترتب على ذلك فتور الهمم وتوقف الفقه».

وتدل هذه المعركة ان عهد التقليد الأعمى قد ولى أو كاد، وان راية الحق لا بدأن تعلو، ولو بعد حين.. لقد اتفق المسلمون قولاً واحداً وقديماً وحديثاً على ان الجاهل عليه ان يقلد العالم المخلص في الأمور الدينية والزمنية كالطب والهندسة وإلا انسد عليه باب العمل، وليس هذا من التقليد الأعمى في شيء، لأن التقليد الباطل هو أن يقلد الجاهل جاهلاً، والعالم عالماً أما تقليد الجاهل للعالم فعلى الأصول.

واختلف الشيعة والسنة في فتح باب الاجتهاد للأكفاء من غير الأئمة الأربعة... فقال الشيعة : ان باب الاجتهاد مفتوح لكل كفؤ، وطريقه مسلوك لكل من تأهل بمؤهلاته من الأولين والآخرين. وقال السنة – على وجه العموم - کلا، ان باب الاجتهاد موصود، وطريقه مسدود بعد الأربعة.. ومن جملة ما رد الشيعة على السنة أنه على قولهم هذا يجب أن ينحصر أهل الذكر بالأئمة الأربعة في قوله تعالى : «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ - 7 الأنبياء». ولا قائل بذلك حتى من أهل السنة وبعد حين من الدهر قال كثير من علماء السنة بمقالة الشيعة، وعما قريب تجتمع كلمتهم على فتح باب الاجتهاد، وعلى طول الزمن يحيق الحق، ولا يبقى للاختلاف عين ولا أثر، ان شاء الله ان شاء الله.. وما ذلك عليه بعزيز.

(ما بالكم تفرحون - الى تحرمونه). أتكثرون الفرح والسرور بالتافه الفاني تنالونه من دنياكم، ولا تأسفون على الدائم الغالي يفوتكم من آخرتكم ؟ (ويقلقكم اليسير الخ).. لماذا تذهب نفوسكم أسى على ما فات من الحطام فتتغير ألوانكم، وتفقدون الصبر من أجله، فهل الحزن يُرجع ما قد فات ؟. قيل لبزرجمهر : ما رأيناك تأسف على ما فات، ولا تفرح بما هو آت. قال لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالحبرة اني لا أقول لشيء لم يكن ليته كان، ولا لشيء كان ليته لم يكن.

(وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلا مخافة أن يستقبله بمثله). أجل، والله هذا هو دأبنا.. لا نجابه أحداً بعيوبه مخافة أن يجامبنا بالمثل، لأن فينا ما فيه وزيادة، ولو وقف الأمر عند هذا لهان بعض الشيء. بل نشي عليه في وجهه، ونشجعه على أسوائه، ثم ننهشه في غيبته (قد تصافيتم على رفض الآجل، وحب العاجل)، هذا وما قبله شرح وبيان للعديد من آيات

ثقيلاً

جماً

القرآن الكريم، قال تعالى : «إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا - 27 الانسان». وقال : «وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا 20 الفجر». وقلنا مرات : لا بأس بحب المال كتاباً وسنة اذا جمع من حل، وأنفق في حل، والمذموم منه ما يطغى على الدين والضمير، واليه يومىء قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (وصار دين أحدكم لعقة على لسانه) أي أصبح الدين عندكم مجرد شعارات تماماً كما هو في زماننا !.. انه أذان في المآذن، وتلاوة القرآن في الاذاعة، وإقامة الحفلات للثرثرة وعرض المقدرة على الكلام، وقال سيد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون». أما قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): (صنيع قد فرغ من عمله، وأحرز رضا سيده) فمعناه ما لكم لا تفكرون في آخرتكم حتى كأنكم غير مسؤولين عن شيء، ولا تحاسبون على شيء، لأنكم أديتم الى الله جميع حقوقه، وما بقي له عليكم حجة ولا سلطان.

الخطبة - 112 -

ايمان من عاين الغيب.. فقرة 1 - 3 :

الحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ وَالنِّعَمَ بِالشَّكْرِ. نَحْمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ کما نَحْمَدُهُ عَلى بَلَائِهِ. وَنَسْتَعِينُهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ البطَاء عَمَّا أُمِرَتْ السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ. وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ وَأَحْصَاهُ كتَابُهُ : عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ. وَتُؤْمِنُ بِهِ إِيمَان مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ وَوَقَفَ عَلى الْمَوْعُودِ، إيمانا نَفَى إِخْلَاصُهُ الشِّرْكَ وَيَقِينُهُ الشَّكَ. وَنَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ محَمْداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَان الْقَوْلَ وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ. لَا يَخِفْ مِيزَانُ تُوضَعَانِ فِيهِ، وَلَا يثنْقُلُ مِيزَانُ تُرْفَعَانِ عَنْهُ (1). أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا المعادُ : زَادُ مُبَلِّغُ وَمَعَادُ مُنْجِحٌ. دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ، وَوَعَاهَا

خَيْرُ وَاعٍ. فَأَسْمَعَ دَاعِيها وَفَازَ وَاعِيها. عِبَادَ اللهِ إِن تَقْوَى اللهِ حمتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ. وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وأَظمَأتْ هَوَاجِرَهُمْ. فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ، وَالرِّي بِالظَّمَإ. وَاسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ، وَكَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلَاحَظُوا الْأَجَلَ. ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءِ وَعَنَاءِ وَغِيرِ وَعِبَرٍ فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرُ قَوْسَهُ، لَا تُخْطِي سِهَامُهُ، وَلَا تُوسَى جِرَاحَهُ. يَرْمِي الْحَيِّ بِالْمَوْتِ، وَالصَّحِيحَ بِالسُّقْمِ، وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ، آكِلٌّ لَا يَشبَعُ، وَشَارِبٌ لَا يَنْقَعُ (2). وَمِنَ العَنَاء أَنَّ الْمَرْهُ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ وَيبنِي مَا لَا يَسْكُنُ. يَخرُجُ إِلَى اللهِ لَا مَالاً حَمَلَ، وَلَا بِنَاءً نَقَلَ. وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغبُوطاً وَالْمَغْبُوطٌ مَرْحوماً لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلّ، وبُوساً نَزَلَ. وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءُ يُشْرِفُ عَلى أَمَلِهِ فَيَقْطَعُهُ حُضُورٌ أجَلِهِ. فَلَا أَمَلُ يُدْرَكَ وَلَا مُؤمل يُتْرَكُ، فَسُبْحَانَ اللهِ مَا أَغَرّ سُرُورَهَا وَأَظْمَأُ رِيهَا وَأَضْحَى فَيْئَهَا. لَا جَاء يُرَدُّ، وَلَا مَاضٍ يَرْتَدُّ. فَسُبْحَانَ اللهِ مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ للحَافِهِ بِهِ، وَأَبْعَدَ المَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لا نقِطَاعِهِ عَنْهُ (3).

اللغة :

بطاء : جمع بطيئة. وسراع : جمع سريعة. وغير مغادر : غير تارك والزاد المبلغ : الكافي بلا زيادة. ووعاها : فهمها. وهواجر : جمع هاجرة،

وهي نصف النهار في القيظ، والنصب : التعب. وغير الدهر : أحداثه وعبره : عظاته. وأوثر القوس : جعل لها وتراً. وتؤسى : تداوى. ولا ينقع عطشه : لا يسكن. والمرحوم : من ترق له. والمغبوط : من تود أن يكون حالك كحاله. زل : سقط أو مر مسرعاً

الإعراب :

الحمد الأولى مبتدأ، والله خبر، والحمد الثانية مفعول للواصل، وعلم بدل من علمه، وكتاب بدل من كتابه، وايماناً بدل من وايماناً بدل من ايمان، ويقينه عطف على إخلاصه، ومحارمه مفعول ثان لحمت أو منصوب ينزع الخافض، لأن «حمت» بمعنى منعت، ولك أن تقول : منعني حقي وعن حقي، ومخافته مفعول ثان لألزمت، وقوسه مفعول موتر، وأكل خبر لمبتدأ محذوف أي هو، ومن العناء خبر مقدم، والمصدر من ان المرء الخ مبتدأ مؤخر أي كون المرء، ومثله من غيرها، ومالاً مفعول حمل، ولا بناء مفعول نقل والجملة حال من الضمير وما أعز «ما» مبتدأ بمعنى شيء، وأعز فعل ماض، والفاعل المستتر في يخرج مستر، والجملة خبر، وسرورها مفعول، ومعنى الكلام التعجب.

المعنى :

(الحمد لله الواصل الحمد بالنعم). جعل سبحانه الحمد والشكر سبباً لنعمه على الشاكرين : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ - 7 ابراهيم» (والنعم بالشكر) وأيضاً جعل النعم سبباً لوجوب الشكر : «فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ - 17 العنكبوت» واذن فالشكر يؤثر ويتأثر : يؤثر الشكر بالنعمة لأنه من أسباب وجودها، وتؤثر النعمة به لأنها سبب لوجوبه وللشكر مظاهر، منها أن نرى النعمة من الله لا من سواه، ومنها أن نعبده بالصوم والصلاة، وأهمها أن نشرك فيها عيال الله، ولا نعصيه في شيء.

(نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه). ومعنى حمد المؤمن عند البلاء أن يصبر ولا يتذمر، ويعمل للخلاص ما استطاع ويعمل للخلاص ما استطاع، ولا ييأس من الله وان روح طال البلاء، ومن البديهي ان من عرف عظمة الله، ووثق بحكمته يرضى بقضائه

اشتدت وطأته (ونستعينه على هذه النفوس البطاء الخ) النفس تتثاقل إلا عن ملذاتها، وهو تعالى أملك بها منا، وعلينا أن نستعين به ليكف عنا فجورها وشقاها (ونستعينه مما أحاط به علمه، وأحصاه كتابه) من السيئات والهفوات (علم غير قاصر) «لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ – 3 سبأ» (وكتاب غير مغادر) « صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا - 49 الكهف».

(ونؤمن به الخ).. نؤمن بالله واليوم نؤمن بالله واليوم الآخر وبحسابه وجزائه ايمان من رأى بالعين، ولمس باليد، ولا يبلغ من العلم بالله هذا المدى إلا من أدرك آياته في خلقه، وعرف خصائص الكون في نظامه وقوانينه (شهادتين) : الأولى لله بالوحدانية، والثانية لمحمد بالرسالة (تصعدان القول، وترفعان العمل). يشير الى قوله تعالى : «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ - 1 فاطر». وليس من شك ان الشهادتين أطيب الكلام، وان العمل بدون كلمة الإخلاص ناقص أياً كان نوعه (لا يخف ميزان الخ).. إن كلمة الاخلاص تثقل الميزان، ولكن بشرطها، وهو العمل، والدليل قوله تعالى : «كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ - 3 الصف». وبكلمة : ان كلاً من العمل النافع والشهادتين جزء متمم للآخر.

(أوصيكم بتقوى الله الخ).. معنى التقوى في جوهرها الكف عن محارم الله، وبخاصة عن أذى من كف عن الناس أذاه، وثمرة هذه التقوى النجاة والسلامة دنيا وآخرة، وقد دعا اليها الأنبياء والأئمة الأطهار، وأسمعوها للأجيال، والسعيد من استمع وأطاع (ان تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، والزمت قلوبهم مخافته). من كان في قلبه شيء من تقوى الله يكف عن محارمه لا محالة لأن هذا هو معنى التقوى بالذات كما أشرنا (حتى سهرت لياليهم، واظمأت هواجرهم). لا يفارقهم الخوف من الله في ليل ولا نهار. وقيل : هذا كناية عن صلاتهم ليلا، و صومهم نهاراً، والمعنى الأول أكمل وأعم (فأخذوا الراحة بالنصب) تعبوا قليلاً، واستراحوا طويلاً (والري بالظمأ). حاولت نفوسهم أن ترد الحرام، فكفوها عنه، فكان لها عند الله ما تشتهي وتريد.

(واستقربوا الأجل، فبادروا العمل، وكذبوا الأمل فلاحظوا الأجل). كلنا يعلم أن الموت حتم لا مفر منه، ولكن لا تدري نفس متى وأين تموت ؟

فمن أطال الأمل سوف وأساء، ومن خاف بغتة الأجل أعد له عدته تماماً كمن يرى الأفعى تدب اليه، والنار تقترب من داره وثيابه (ثم ان الدنيا دار - الى - لا ينقطع). للدهر سهام، وسهامه على أنواع، فمن الكد والتعب الى الهموم والأحزان، ومن المرض والفقر الى فقد قريب أو حبيب، الى ما لا نهاية، تماماً كمن يأكل ولا يشبع، ويشرب ولا يروى.. وما أخطأ للدنيا، ولا الجرحه التئام، أما سهم الموت فلا مهرب منه.

(ومن العناء ان المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن). وتسأل : وأي بأس في هذا ؟ ان كل الناس على ذلك قديماً وحديثاً. وهل تقوم الحياة إلا به ؟ ؟ «زرعوا فأكلنا وتزرع فيأكلون».. ثم هل يجب على الانسان أن يعيش لنفسه فقط ؟.

الجواب : ان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينكر على من جمع وبنى للوارث فقط، وما اهتم بآخرته وصالح المجتمع، ولذا قال : (ثم يخرج الى الله تعالى لا مال حمل ولا بناء نقل) أي ذهب الى ربه أعزل لأنه لم يجعل الله نصيباً في عمله، ولو أنه جعل وفعل لأخذ عمله معه الى قبره ونشره، وكان له عند الله حسن الثواب.وقد اشتهر عن الإمام قوله : «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً - أي مع الأجيال الى يوم يبعثون واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»، أي اتق الله في عملك لدنياك.

(ومن غيرها - أي احداث الدنيا - انك ترى المرحوم مغبوطاً). قد يتمنى المرء منزلة غيره في ماله وجاهه، ولو اطلع على شيء من عاقبته ومصيره لتألم من أجله وقال : الحمد لله الذي عافانا من هذا : «وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا - 82 القصص» (والمغبوط مرحوماً) قد ترى مسكيناً فترق له، وله عند الله المقام المحمود (وليس ذلك إلا نعماً زل، وبؤساً نزل). ذلك إشارة الى البؤس والنعيم، والمعنى ان البؤس يحدث كمحك لجواهر الرجال و صمودهم عند الشدائد، والنعيم ينتقل من يد الى بد.

(ومن عبرها ان المرء يشرف على أمله فيقطعه حضور أجله). كل انسان يحلم ويرغب في الخروج من واقعه الى الأفضل، فالفقير يحلم بالغنى، والغني بالزيادة،

وقد يبذل المرء أقصى الجهد لنيل المرغوب حتى إذا أوشك عليه، واطمأن اليسه اغتالته المنية أو غيرها من النوائب، وقديماً قيل : إذا تم شيء بدأ نقصه (فلا أمل يدرك) دائماً وفي كل حين، بل تحول دونه الحواجز في أكثر الأحيان (ولا مؤمل يترك) ولا يجوز أن يترك، كيف ؟ وإلا بطل العمل، والمهم ان لا يرضي المرء نفسه بعمله، ويسخط الله والحق.

(ما أعز سرورها) أي ان سرور الدنيا نادر جداً.. وعلى ندرته مشوب بالكدر (واظمأ ربها) المراد بري الدنيا حطامها وزينتها، والمعنى ان اقبال الدنيا قد يكون شراً على الانسان ووبالاً، قال تعالى : «وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا - 55 التوبة» 55 التوبة». (وأضحى فينها) لا يأتي نعيمها حتى يزول تماماً كفيء الظل حين ترتفع الشمس (لاجاء يرد) كالموت (ولا ماض يرتد) كالشباب (ما أقرب الحي من الميت للحاقه به). وإذن فالحي بحكم الميت العلاقة الأول والصيرورة (وأبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه) وان دنت الدار، وقرب الجوار.

كم من مزيد خاسر.. فقرة 4 - 5 :

إنّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٌ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا عِقَابُهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ. وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ. فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ، وَمِنَ الغَيْبِ الْخَبَرُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرُ لِما نَقَصَ مِنَ الْآخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا. فَكَمْ مِنْ مَنْقُوص رابح وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ. إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوسعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ. وَمَا أحِلَّ لَكُمْ أَكثرُ مِما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ. فَذَرُوا مَا قَلْ لِما كَثرَ، وَمَا ضَاقَ لَمَا اتّسَعَ (4). قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ، فَلَا يَكُونَنَّ

المَضْمُون لَكُمْ طَلَبُهُ أُولَى بِكُمْ مِنَ المَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ، مَعَ أنه وَاللهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُ وَدَخِلَ الْيَقِينُ، حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فرِضَ عَلَيْكُمْ، وَكَانَ الَّذِي قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ. فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وَخَافُوا بَغْتَةَ الْأَجلِ، فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ ما يُرجى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ. مَا فَاتَ مِنَ الرِّزْقِ يُرجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ. وَمَا فات أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ. الرَّجَاءَ مَعَ الْجَائِي، وَالْيَأْسُ مَعَ الماضي. فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ (5).

اللغة :

اعترض الشك : صار الشك عارضاً ومانعاً. ودخل – بكسر الخاء – داخله الوهم.

الإعراب :

الضمير في انه للشأن، وكل شيء مبتدأ أول وكل شيء مبتدأ أول، وعيانه مبتدأ ثان، وأعظم خبر الثاني، والجملة خبر الأول، فكم خبرية، ومحلها الرفع بالابتداء، ورابح خبر مبتدأ محذوف أي هو رابح، والجملة خبر «كم» ومثله خاسر، وجاء رابح و خاسر في المتن مجرورين خطاً واشتباهاً، وطلبه مبتدأ وأولى خير، والجملة خير يكون، ولا يجوز أن يكون طلبه نائب فاعل لمضمون لأن المضمون نفس الرزق لا طلبه، وعمله نائب فاعل لمفروض لأن الفرض واقع على العمل.

المعنى :

(انه ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه، وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه).

كل ما دلت التجربة على انه يعود على الحياة بالتخلف والضرر فهو شر، وكل ما دلت التجربة على انه يعود بالخير والنفع فهو خير، وقد يكون الشيء الواحد ضرراً في حال دون حال، فيكون شراً في الأولى دون الثانية الأولى دون الثانية، ولذا نقول :هذا واجب لأنه نافع ، وذاك حرام لأنه ضار، ولا نقول: هذا نافع لأنه واجب وذاك ضار لأنه حرام.

وكلام الإمام يومىء الى ان الشر على نوعين، منه دنيوي، ومنه أخروي، وكذلك الخير، وان أقل القليل من شر الآخرة أعظم بكثير من شرور الدنيا مجتمعة وان أقل خير في الآخرة أعظم من خيرات الدنيا بكاملها، ومن حكم الإمام «ما خير بخير بعده النار، وما شر بشر بعده الجنة، وكل نعيم دون الجنة فهو محقور، وكل بلاء دون النار فهو عافية». ثم أوضح الإمام هذا المعنى وأكده بقوله : (وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه) لأن القول قد يغش ويخدع دون العيان، ولذا قيل : اقرأ تفرح جرب تحزن (وكل شيء في الآخرة عيانه أعظم من سماعه). كل ما في الآخرة من نعيم وجحيم يفوق التصور، وتضيق عنه الكلمات للتفاوت الهائل بين أشياء الدنيا وأشياء الآخرة هناء كانت أم شقاء، ولذا ورد في وصف الجنة : «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».

(فليكفكم من العيان السماع، ومن الغيب الخبر). عيان الآخرة ممتنع الآن، وهي أعظم من سماعها بكثير سماعها بكثير، ومعنى هذا ان سماعها حق وصدق، بل ودون الحقيقة، وهو كاف واف في التحذير والتبشير، وإقامة الحجة الله على الناس، وما دام الأمر كذلك فعلينا أن نستجيب الى هذا السماع، ونتقي عذاب جهنم ونعمل للجنة عملها.

(واعلموا إنما نقص من الدنيا الخ).. إذا كان للفعل جهتان : جهة نفع، وجهة ضرر فالعبرة دائماً بالأكثر، فما كان نفعه أكبر من ضرره فهو مرغوب فيه، وما كان ضرره أكبر من نفعه فهو مرغوب عنه، ومن البديهة ان منافع الدنيا بكاملها لا تعادل أدنى ضرر في الآخرة، ومعنى هذا ان أي عمل بجر شيئاً من ضرر الدنيا يجب تركه والإعراض عنه (فكم من منقوص) في الدنيا هو (رابح) في الآخرة (ومزيد) في الدنيا هو (خاسر) في الآخرة.

للمنبر - حول الدين والحياة :

(إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم، فذروا ما قل لما كثر، وما ضاق لما اتسع). إن الشريعة بطبيعتها - إلهية كانت، أم وضعية - لا بد أن تجاري الحياه، وتلبي الحاجات، لأن هذا هو القصد والهدف الأول منها وإلا انتفى عنها هذا الوصف.. اللهم الا أن نضيفها الى الفوضى وحياة الغاب. ولكي تحقق الشريعة الاسلامية هذه الغاية بالذات على أتمها شرعت أحكامها على أسس حياتية انسانية، وأخضعت لها جميع النصوص، ومن هذه الأسس التكليف بالمقدور :«لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ - 286 البقرة». والتيسير على الناس : والتيسير على الناس : «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ - 185 البقرة». وهدايتهم ورعاية مصالحهم : «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ - 9 الإسراء» : «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ - 104 آل عمران) : «مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا - 106 البقرة» : «وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ - 220 البقرة». الى غير ذلك من الآيات التي اعتمد عليها الفقهاء حين أجمعوا قولاً واحداً على انه حيث تكون المصلحة يكون شرع الله.

هذا الى قوله تعالى : «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ - 4 المائدة». ومن الأسس الهامة لشريعة الاسلام ان الضرورات تبيح المحظورات، حتى التلفظ بالكفر شريطة أن يكون القلب مطمئناً بالايمان : «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ - 173 البقرة»... «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ - 106 النحل».

وبهذا يتبين معنا ان في حلال الله غني عن حرامه، لأن الحلال أوسع وأكثر من الحرام، وان الله تعالى ما حرم شيئاً على الانسان إلا وعوضه خيراً منه.

(وقد تكفل لكم بالرزق وأمرتم بالعمل). أمرنا بالعمل لأن الأجر على قدر المشقة، ولأن ما من شيء يوجد إلا بعرق يصب، ومجهود يبذل، فالأرض لا تعطي إلا بعد الحرث والبذر والري، والمصنع لا يوجد ولا يدور تلقائياً، أما الذين لا يعملون ويعيشون على حساب الغير فأولئك هم المعتدون على سنن الله وشريعته (فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله)

عليكم العمل، وعليه سبحانه الرزق، ومن الجهل والحماقة أن يطالب المرء مما هو له، ولا يؤدي ما عليه.. وهنا يكمن السر في ذل العرب وهوانهم.. يطالبون اسرائيل بالانسحاب من أرضهم، ثم يغفلون ما عليهم من واجب الجهاد !.. (مع انه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين). أقسم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان حال أصحابه أو الكثير منهم تماماً كحال من لا يثق بالله ولا يؤمن بعدله، وانه تعالى مع من صدق وجاهد ولم يستسلم للهوان والمذلة.

(حتى كأن الذي ضمن لكم الخ).. أي بلغ منكم الشك وعدم الثقة بالله حداً، أصبحتم معه تعتقدون بأن الرزق في يد غيره من أرباب الجاه والسلطان، لا في يده تعالى وأمره (وكأن الذي قد فُرض عليكم) وهو العمل مع التوكل على الله والثقة به، والايمان بأن مقاليد الأمور كلها بيده (قد وضع عنكم) ولا ريب في ان الشك وعدم الثقة قرين الشرك والإلحاد.. وقال البعض في شرح هذا الكلام : «إن الجد في طلب الرزق يستند الى ضعف التوكل على الله». وهو اشتباه لأن التوكل مفتاح العمل وبذل الجهد الى أقصاه مع التفويض الى مشيئة الله، وقد تواتر عن الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : اعقل وتوكل. وقال الإمام : الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر.

وقال : (فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل). ولم يقل : بادروا الى الاتكال فإنه كاف ومغن عن الكد والجد، وصدق الله العظيم: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ 15 الملك» :«فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ - 10 الجمعة». (فإنه لا يرجى من رجعة الخ).. اذا فات الرزق يمكن تعويضه بالجد والعمل. أما الأعمار فهي مقدرة، والماضي منها ميئوس منه. وهذا يؤيد ما قلناه في تفسير ما تقدم ولا داعي للتأويل كما فعل بعض الشارحين (واتقوا الله) في أعمالكم، واطلبوا منه وحده النجاح والتوفيق، ولا تغتروا بذكائكم ومقدرتكم فإنكم وما تفعلون في يد الله وقبضته.

الخطبة - 113 -

اللهم سقيا منك.. فقرة 1 - 2 :

الهُمْ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا، وَأَغبَرَتْ أَرْضُنَا، وَهَامَتْ دَوَابنَا وتحيرَتْ فِي مَرَابِضِهَا، وَعَجَّتْ عَجِيجَ الثَّكَالَى عَلى أَوْلَادِهَا، وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا، وَالْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا. اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الآنْةِ، وحنينَ الْحَانَّةِ. اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَها فِي مَذَاهِبها، وأنينَها فِي مَوَالجِهَا. اللهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ أَعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنا مخائِلُ الْجَوْدِ. فَكُنْتَ الرَّجَاء لِلْمُبْتَئسِ، وَالْبَلَاغ لِلْمُلْتَمِس (1) نَدْعُوكَ حِينَ قَنطَ الْأَنَامُ، وَمُنِعَ الْغَمامُ، وَهَلَكَ السَّوَامُ، أَن لَا تُؤَاخِذْنَا بِأَعْمَالِنَا، وَلَا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا. وَأَنْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنبَعِقِ، وَالرَّبِيعِ المُغْدِقِ، وَالنَّبَاتِ الْمُونِقِ. سَحَّا وَابِلا تُحْيِي بِهِ

مَا قَدْ مَاتَ، وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَات. اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنكَ محيبَةً مُرْوِيَةً، تَامَّةً عَامَّةً، طَيِّبَةً مُبَارَكَةً، هَنِيئَةً مَرِيعَةً. زَاكِياً نَبْتُهَا، ثَامِراً فَرْعُهَا، نَاضِراً وَرَقُهَا، تَنْعَشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُحْيِي بها الْمَيْتَ مِنْ بِلَادِكَ (2).

اللغة :

انصاحت : تشققت أو جفت. واغيرت السماء : اشتد وقعها، واغيرت الأرض : لم تنبت. وهامت : عطشت، أو لا تدري أين تتوجه. وربضت الدابة : بركت. والمريض : موضع الربض. ورتع فلان : تنعم، ورتعت الماشية : أكلت ما شاءت، ومرتعها : موضع رتعها. والذهاب : المضي والمرور، والمذهب : موضع الذهاب. وموالجها : مداخلها. واعتكرت : تكثرت وحدابير : جمع حدبار أي الناقة الهزيلة، كنى بها عن القحط والجدب والمخايل : السحاب. والمبتئس : الحزين، ومنه قوله تعالى : (فلا تبتئس مما كانوا يفعلون - 36 هود)، أي لا تحزن. والملتمس : الطالب. والسوام : جمع سائمة، وهي الراعية من الأنعام. والسحاب المنبعق : المتدفق. والربيع المغدق : الخصب. والوابل : المطر الشديد والريع : النمو والخصب، ومريعة : مخصبة. وثامراً : مثمراً. وناضراً : جميلاً

الإعراب :

المصدر من أن لا تؤاخذنا مفعول ثان لندعوك أي نسألك عدم عقابنا، وسحاً نصب على المصدر أي تسح السحاب سح-اً، ومثله سقيا، ومحيية حال من السحاب، ومثله ما بعده، ونبتها فاعل زاكياً، وفرعها فاعل ثامراً، ومثله ما بعده.

الى الله المفزع :

هذه الخطبة أو المناجاة قد ابتهل بها الإمام الى الله في ذات سنة منعت فيها السماء برکاتها عن الأرض وأهلها حتى ضاقت عليهم بما رحبت.. واذا اشتد الفزع فإلى الله المفزع، وأفضل أنواع الدعاء ترك الذنوب، أو التوبة منها اليه تعالى، والإمام هو الثاني من الذين عناهم سبحانه بقوله : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا - 33 الأحزاب» والأول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإذن فقد استجاب الله دعاء الإمام، وأحيا الأرض بعد موتها.

وذكرنا في فقرة اللغة معاني المفردات، ولا شيء وراءها إلا النية الخالصة، والصدر النقي، ولا جدوى في شرحها إلا التكرار بأسلوب ثان، أما صلاة الاستسقاء فسنشير اليها في نهاية الخطبة.

بقي شيء، وهو أن الدعاء لا يرد البلاء، ولا يغير من سنن الطبيعة، فينزل المطر من السماء، ويجعل الريح تهب جنوباً، وهي في اتجاه الشمال اتجاه الشمال.. هذا، الى ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يتداوى ويحث على التداوي، ويقول : ما أنزل الله الداء إلا وأنزل معه الدواء.. ولا جواب لدينا عن ذلك إلا ان المعجزة وخوارق العادات ثابتة بنص القرآن الكريم، كطوفان نوح، وإحياء الموتى على يد بعض المرسلين بإذن الله، انه تعالى مسبب الأسباب وهو يقلبها كما أراد. ولا عجب إذا استجاب السيد لعبده في بعض ما يريد إذا استجاب له عبده في كل ما أراد.

وتقول : أجل، ان الله على كل شيء قدير، ولكنه لا يعامل الناس في الدنيا على أساس المحبة والتقوى، بل وفقاً لنواميس كونية ثابتة تربط المسببات بأسبابها، والنتائج بمقدماتها، أما العقيدة والتقوى فلها أبلغ الأثر، ولكن في الآخرة لا في الدنيا ؟

الجواب :

أجل، ولكن الأسباب على نوعين : منها أسباب كونية لا تفرق بين الصالح والطالح، وبها يتعامل سبحانه مع أكثر عباده، بل مع كل عباده حتى الأنبياء إلا في بعض الحالات، ومنها أسباب أمرية، وهي أن يوجد الشيء بأمر منه تعللى حين يقول له كن فيكون، ولا تفسير للمعجزة وخوارق العادات على أيدي الأنبياء إلا بهذا الأمر، وهذه الارادة المباشرة، وهذه الارادة المباشرة منه تعالى، أما الاستجابة لدعاء

الأولياء والمتقين فتكون بالعناية والتوفيق لتهيئة الأسباب المعروفة التي تدفع البلاء وتجلب السراء، وقد اشتهر على الألسنة اذا أراد الله أمراً هيا أسبابه.

وبهذه المناسبة نشير الى ما جاء في كتاب «أصول الكافي» عن الإمام الصادق : انه قال : أربعة لا تستجاب لهم دعوة : الأول من جلس في بيته وقال : اللهم ارزقني. فيقال له : لقد أمرت بالسعي. الثاني رجل دعا على امرأته. فيقال له : طلاقها بيدك. الثالث أفسد ماله، وقال : اللهم ارزقني. فيقال : لقد أمرت بالاقتصاد. والرابع أدان ماله ولم يشهد. فيقال له : لقد أمرت بالإشهاد.

أنت الولي الحميد.. فقرة 3 :

اللهُم سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نَجَادُنَا، وَتَجْرِي بِهَا وَهَادُنَا، وَيُخصب بها جنابنَا، وَتُقْبِلُ بِهَا ثمَارُنَا، وَتَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا، وَتَنْدَى بِهَا أقاصينَا، وَتَسْتَعِينُ بهَا ضَوَاحِينَا. مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ، وَعَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ عَلى بَرِيتِكَ الْمُرْمِلَةِ، وَوَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ. وَأَنْزِلَ عَلَيْنَا سَمَاء محضلة، مِدْرَاراً هَاطِلَةً. يُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنهَا الوَدْقَ، وَيَحْفِرُ الْقَطْرُ مِنْهَا القَطرَ، غَيْرَ خُلْب بَرْقُهَا، وَلَا جَهامٍ عَارِضُهَا، وَلَا قَزَع ربابها، وَلَا شَفَّانِ دَهَابُهَا، حَتَّى يُخصب لإمْرَاعِهَا الْمَجْدِبُونَ، وَيَحْيَى ببركَتِهَا الْمُسْنِتُونَ، فَإِنَّكَ تُنزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا، وَتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَأَنتَ الوَلِيُّ الْحَمِيدُ (3).

اللغة :

نجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض. ووهاد : جمع وهدة، وهي

ما انخفض من الأرض. والجناب : الناحية، والأقاصي : جمع القاصي أي البعيد. وضواحي البلد : نواحيها، وغير بعيد أن يكون المراد بالضواحي هنا البرك والأحواض بقرينة تستعين. والمرملة : الفقيرة. ومحصلة : مخصبة، والودق : المطر، وأودقت السماء : أمطرت. ويحفز : يدفع. وبرق خلب : لا مطر معه. وجهام سحاب لا ماء فيه. والعارض : ما يعرض في الأفق من السحاب. وقزع : أبطأ أو تفرق وربابها : سحابها. والشفان : الريح الباردة. والذهاب : الأمطار اللينة. وأمرع : أخصب. والمسنتون : الذين أصابتهم السنة أي الجائعون.

الإعراب :

سقيا نصب على المصدر، ومن بركاتك أي اسقنا من بركاتك، ومحصلة صفة سماء، ومدراراً حال منها، ومثلها هاطلة، و (غير» كذلك، وجملة أنت الولي حال من الضمير في تنشر.

صلاة الاستسقاء :

ذكرنا عند القسم الأول من الخطبة أنه لا شيء وراء معاني مفرداتها يحتاج الى الشرح، وأشرنا الى قول من قال : ان الدعاء لا يغير الأسباب الكونية مع جوابه، وقلنا : سنذكر عند نهاية الخطبة «صلاة الاستسقاء» وفيما يلي البيان :

ثبت تشريع هذه الصلاة كتاباً وسنة وإجماعاً، قال تعالى : «وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ - 60 البقرة».. «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا 10 - نوح» «يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا- 11 نوح» وثبت ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) صلى بأصحابه هذه الصلاة.

وسببها الجدب وقلة الأمطار، واتفقت المذاهب الاسلامية على أنه إذا تأخر السقي بعد الصلاة يُستحب تكرارها وأن يصام لها ثلاثة أيام، وأن يخرج الناس مشاة خاشعين، ومعهم النساء والأطفال والشيوخ والدواب، فإن ذلك أدعى لرحمة الله/

وتصح جماعة وفرادى بالاتفاق، ولا أذان لها ولا إقامة عند جميع المذاهب، ويستحب للإمام أن يخطب بعد الصلاة، أما كيفيتها فقد اتفق الفقهاء جميعاً على

انها ركعتان كصلاة العيد حسبما هي عند كل مذهب ما عدا المالكية والحنفية فإنهم قالوا : هي كصلاة العيد إلا انه لا يكبر فيها التكبيرات الزائدة. وقال الإمامية : يستحب ان يقنت بعد كل تكبيرة بدعاء يتضمن الاستعطاف، وسؤال الرحمة بإنزال الغيث. وقال الأئمة الأربعة : ان مثل هذا الدعاء يقوله الخطيب بعد الصلاة، في الخطبة، لا في أثناء الصلاة.

صلاة الأعرابي :

كان لاعرابي غنيمات، يرعاهن بنفسه، وفي سنة من السنين حبست السماء خيرها عن الأرض، فأجدبت وشح رزقها حتى ضاق الاعرابي بغنمه، فخاطب ربه بهذه الصلاة :

رب العباد ما لنا وما لكا*** قد كنت تسقينا فما بدا لكا

أنزل علينا الغيث لا أبا لكا

وكلمة لا أبا لك يستعملها العرب عند المسألة والطلب.

الخطبة - 114 -

نسيتم ما ذكرتم :

أرْسَلَهُ دَاعِياً إلَى الْحَقِّ وَشَاهِداً عَلى الخلق. فبلّغ رسالات رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ وَلَا مُقَصِّرٍ، وَجَاهَدَ فِي اللهِ أَعْدَاءهُ غَيْرَ وَاهِنٍ وَلَا مُعَذِّرٍ. إمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصَرُ مَنِ اهْتَدَى لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غيْبُهُ، إِذا لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصَّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَتَلْتَدِمُونَ على أنفُسِكُمْ. وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالِكُمْ لا حارس لها ولا خَالِف عَلَيْهَا، وَلهَمَّتْ كُلَّ أَمْرِى نَفْسُهُ لا يَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهَا، وَلكِنْكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذكرتُمْ، وَأَمِنْتُمْ مَا حُذِّرتُمْ، فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأيكُمْ، وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أمْرُكُمْ. وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَالحقني بمنْ هُوَ أَحَقُّ بي مِنكُمْ. قَوْمٌ وَاللهِ مَيَامِينُ الرّأي، مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ، مَقاوِيلُ بِالْحَقِّ

مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ، مَضَوْا قُدماً، عَلى الطَّرِيقَةِ وَأَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ فَظَفَرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ وَالكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ. أَمَا وَاللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غلَامُ ثَقِيف الذّيالُ المَيَّالُ يَأكُلُ خَضِرَتَكُمْ وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ إيه أباوَذَحَةَ.

اللغة :

غير وان : غير متثاقل. ولا معذر : لا يعتذر بالأباطيل. والمعدات : جمع صعيد، وهو وجه الأرض، والقبر، والطريق، وكل ما ارتفع من الأرض. وتلتدمون : تلطمون. والخالف : خليفتك من بعدك. وهمت : شغلت. وميامين : مباركين. ومراجيح : راجحين على المبالغة. ومقاويل : قائلين. متاريك : تاركين. وقدماً : سابقين والباردة : الهنية. والذيال : الطويل الذيل أي من جر ذيل ثوبه على الأرض. والميال : الظالم. والوذحة: الخنفساء.

الإعراب :

داعياً حال، وغير مثله، وإمام خبر لمبتدأ محذوف أي هو إمام، وحارس اسم «لا» و «لها» خبر، والجملة حال، والمصدر من ان الله الخ مفعول وددت، وميامين وما بعده أخبار القوم، وقدماً حال من الواو في مضوا، وايه اسم فعل بمعنى الاستزادة، وأبا منادى أي يا أبا وذحة.

المعنى :

(أرسله داعياً الخ).. الضمير في أرسله للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتقدم هذا الثناء مرات وآخرها في الخطبة 107. وعلى الإجمال فإن جوانب العظمة في رسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و شخصيته وسيرته كانت وما تزال وستظل تهدي كل جيل الى الطريق الأقوم

والحياة الأفضل، أما انحطاط المسلمين فلا أما انحطاط المسلمين فلا سبب له إلا انحرافهم يميناً أو يساراً عن الخط الذي رسمه لهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

(لو تعلمون ما أعلم مما طوي عنكم غيبه). طوي عنهم طوي عنهم ما خبأه الدهر لهم من التنكيل والهوان على أيدي الأمويين وجلاوزتهم، وما يلاقونه غداً من غضب الله وهول الحساب والجزاء (لخرجتم - الى - غيرها). لو كشف الغطاء للمجرمين عن مصيرهم لضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وخرجوا عن أهلهم وأموالهم، بل وعن أنفسهم لو استطاعوا، وانقطعوا الى ربهم منيبين مستجيرين ولكن شاءت حكمته تعالى أن يحجب علم ذلك عن عباده كي يستحقوا الثواب اختياراً لا استكراهاً.

(لكنكم نسيتم - الى – أمركم) أي ان الأهواء والأغراض تغلبت على عقولكم وأعمتكم عن الحق الذي بينه الله لكم، وعن سوء العاقبة التي حذركم منها، فاندفعتم وراء ما تشتهون لا تلوون على شيء، وأي وزن لمن يكون رقاً لشهواته ومنهوماً بملذاته ؟

(ولوددت ان الله فرق بيني وبينكم، والحقني بمن هو هو أحق بي منكم). الطيب يود صحبة الطيبين والخبيث صحبة الحبيثين وقد عاشر الإمام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حوالى ثلاثين عاماً، ثم عاشر من بعده أهل الكوفة، وابتلي بالناكثين والمارقين والقاسطين، فيحق له - وهذه هي الحال - أن يتلهف على الماضي، ويتبرم من الحاضر، ويقول - حين استشهد بسيف الغدر - مسروراً من أعماق قلبه : «فزت ورب الكعبة» ولو عاشر بعد الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قوماً من أهل الله وطاعته لهان عليه الخطب، وكان بهم سعيداً وهم به أولى وأسعد.

وكأن سائلاً يقول : ومن هم أحق بك يا أمير المؤمنين. فأجاب (قوم والله ميامين الخ).. لهم صدق في الرأي، ومضاء في العزيمة، وصبر في الحرب، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.. ولكن أين الآن ؟ لقد كانوا في القديم، ثم مضوا الى الله وكرامته (أما والله ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيّال الميال). يشير الى ظلم الحجاج وتنكيله بأهل العراق، وأصل الذيال من ذال فلان إذا تبختر وجر ذيل ثوبه على الأرض، والميال الجائر الظالم كما في شرح ابن أبي الحديد.

(يأكل الحجاج – خضرتكم) أي ينهب ثروتكم ومقدراتكم (ويذيب شحمتكم) كناية عن إذلالهم، والقضاء على قوتهم وهيبتهم (إيه أبا وذحة). قيل في تفسيره حكاية وأقوال، نقلها ابن أبي الحديد، وأرجحها ان هذا كناية عن حقارة الحجاج (روحاً وجسماً حيث قيل في وصفه : انه كان قصيراً دمياً نحيفاً أخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين مجدور الوجه أصلع الرأس حتى كأنه وذحة أي خنفساء).

الخطبة - 115 -

ابذلوا مال الله على عباده :

فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، وَلَا أَنفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا. تكرمُونَ باللهِ عَلى عِبَادِهِ، وَلَا تُكْرِمُونَ الله في عِبَادِهِ. فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَأَنْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ.

الإعراب :

أموال مفعول لفعل محذوف يفسره الفعل الموجود أي فلا بذلتم أموالاً، ومثله أنفس، والأصل ولا خاطر تم بأنفس، ثم حذف حرف الجر، وانتصبت أنفس، وتكرمون بالله - بفتح التاء - من كرم فلان أي صار كريماً وشريفاً عند الناس، وتكرمون الله - بالضم - من أكرم.

معظم الزعماء وبعض العلماء :

(فلا أموال بذلتموها للذي رزقها، ولا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها). كيف تبخلون بمال الله على عياله، وأنتم عليها وكلاء وأمناء، كما نطقت الآية 7

من سورة الحديد : (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ). وأيضاً تحجمون عن الجهاد في سبيل الله، وهو سبحانه خالقها ومودعها في أبدانكم.

(وتكرمون بالله على عباده، ولا تكرمون الله في عباده). وأعجب من ذا وذاك ان فئة من خلق الله يلبسون ثوب العلم والدين، ويطلبون من الناس التكريم والتعظيم باسم الدين، وما حققوا هدفاً حسناً، ولا تركوا أثراً طيباً، يل البعض منهم عدو مبين، وأشد ضرراً ممن أشرك والحد.. انه.. انه يحرف تعاليم الاسلام، ويتاجر به، وبدعم البيدع والخرافات، ويعمل على زيادة الهوة بين المسلمين، ويناصر الغزاة من أعدائه، ثم يقول للناس : قبلوا يدي، وأجلسوني في صدر المجالس والمحافل، وادفعوا إلى أموالكم باسم الدين والقرآن الكريم.

واعطف على هذا الضال المضل معظم الزعماء الزمنيين، ينادي أحدهم بما يريده الناس، ويقسم انه يضحي بكل عزيز من أجلهم حتى اذا أدلوا اليه بأصواتهم وصار قوياً بها - وقف مع أعدائهم يفسد عليهم حياتهم، وينهب ثرواتهم ومن استمد قوته من الدين ولا يضحي في سبيله فهو منافق دجال، ومن يقوى بالناس وثقتهم، ولا يهتم بمصالحهم فهو لص وخائن.. ولكن يستحيل عليه أن يستمر في هذه الطريق حتى النهاية، فسرعان ما تتضح الرؤية، ويفتضح المبطلون وتذهب الشعارات مع الريح.

الخطبة - 116 -

أنتم الأنصار :

أَنتُمُ الْأَنْصَارُ عَلى الحَقِّ، وَالْإخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالجَننُ يَوْمَ الْبَأْسِ، وَالْبِطَانَهُ دُونَ النَّاسِ. بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ، وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ، فَأَعِينُونِي بمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغَسُ سَلِيمَةٍ مِنَ الرِّيبِ. فَوَاللهِ إِنِّي لَأُولَى النَّاسِ بِالنَّاسِ.

اللغة :

الجنن - بضم الجيم - جمع جنة ، وهي الوقاية. والبأس : الشجاعة، والقوة، والشدة، وهي المراد هنا. وبطانة الرجل : خاصته وموضع سره.

المعنى :

خاطب الإمام أصحابه بهذا بعد فراغه من حرب الجمل، كما نقل عن المدائني والواقدي، وهذه الحرب هي الأولى من حروب الإمام في خلافته، وأبدى أصحابه فيها شجاعة وثباتاً حتى انتهت في وقعة واحدة ويوم واحد، وكان النصر فيه- للإمام على أعدائه، وإذن فلا بدع إذا أثنى عليهم، وشجعهم في بضع كلمات

ليستمروا في الجهاد والثبات، ويُرهب بهم من أعرض ونأى أعرض ونأى، ويقوي إيمان من أيقن واتقى.

(فو الله اني لأولى الناس بالناس) بصرف النظر عن نصوص الكتاب والسنة.. فإن سيرة الإمام وحدها تفرض طاعته وولايته على الناس وكفى دليلاً على ذلك انه لو واجه موقفاً كان عليه أن يختار بين التضحية بنفسه في سبيل الحق والدين، أو التمسك بكرسي الحكم - لفضل الأولى على الثانية عن رضا وطيب نفس انه لا يعمل أبداً إلا لله، ولا يهاب أحداً غير الله، أما الموت فهو آنس به من الطفل بثدي أمه، واما الفقر فالدنيا بكاملها أهون عليه من ورقة في فم جرادة تقضمها.. وهل من نص أقوى وأوضح وراء هذا الحس والعيان ؟. ان النص فرع وتبع، والأصل والأصل هو السيرة والعمل.

وبعد فبهذه البديهة وهذا الحس ينبغي أن نخاطب شباب الجيل الذين يجادلون في المعقول، ويشككون في المنقول.

الخطبة - 117 -

أمخرسون أنتم.. فقرة 1 – 2:

مَا بَالُكُمْ أَمخْرَسُونَ أَنتُمْ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِن سرْت سِرْنَا مَعَكَ، فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : مَا بَالُكُمْ : لا سدّدتُم لِرشد، وَلَا هُدِيتُمْ لِقَصْدِ، أَفِي مِثْلِ هذَا يَنبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ ؟ إنما يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِّمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَذَوِي بَاسِكُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لي أنْ أدَعَ الْجُنْدَ وَالْمِصْرَ وَبَيْتَ المَالِ وَجِبَايَةَ الْأَرْضِ وَالْقَضَاء بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالنَّظَرَ فِي حُقوقِ المُطَالِبينَ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى أَتَقَلَقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْح فِي الْجَفِيرِ الْفَارِعَ، وَإِنَّما أَنَا قُطْبُ الرَّحَى تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بمكَانِي، فَإِذَا فَارَقْتُهُ أَسْتَحَارَ مَدَارُهَا وَأَضْطَرَبَ ثفالها، هذَا لَعَمْرُ اللهِ الرَّأْيِّ السُّوء. واللهِ لَوْلا رَجَانِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَانِي الْعَدُوِّ - لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاوُهُ - لَقَرَّبْتُ رِكَابِي : ثُمَّ شَخَصْتُ

عَنْكُمْ فَلَا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَشَمَالُ. إِنَّهُ لَا غَنَاء فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجتماع قُلُوبِكُمْ. لَقَدْ حمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِح التي لاَ يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلَّا هَالِكُ، مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ.

اللغة :

لا سددتم لرشد : لا وفقتم لخير. والمصر : البلد العظيم، والمصران : الكوفة والبصرة، والجمع الأمصار. والكتيبة : القطعة من الجيش. وأتقلقل : أتحرك في اضطراب. والقدح - بكسر القاف - السهم. والجفير : الكنانة، وهي التي يوضع فيها السهام. واستحار : اضطرب ولم يستقم. والثفال : جلد يبسط تحت الرحمى. وحم : قدر. وقربت ركابي : احضرت راحلتي للركوب. و شخصت عنكم : ذهبت عنكم الى غيركم. وحيادين : منحرفين. ورواغين : متقلبين بين ذا وذاك. ولا غناء : لا جدوى.

الإعراب :

ما بالكم مبتدأ وخبر، والمصدر من أن أخرج فاعل ينبغي، ولعمر الله مبتدأ، والخبر محذوف أي قسمي والرأي عطف بيان من هذا، طعانين حال من مفعول أطلبكم، ومثله ما بعده، وقال الطريق الواضح «التي»، ولم يقل الذي لأن الطريق تذكر وتؤنث، فالواضح بالاعتبار الأول، والتي بالاعتبار الثاني.

المعنى:

حث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه على الجهاد في بعض المواقف، فلم يجيبوه بشيء، كان في آذانهم وقراً، فقال : (أمخرسون أنتم) ؟ فأجابه واحد منهم بقوله : (ان سرت سرنا معك). فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (لا سددتم لرشد، ولا هديتم

لقصد) والرشد الهداية والاستقامة، والقصد الاعتدال، وليس هذا دعاء كما توهم البعض، بل بياناً لواقع الحال في صيغة الدعاء، والقصد منه اللوم والتوبيخ (أفي مثل هذا الى - الفارغ). للقائد التدبير والتوجيه الى الطريق القويم لتحقيق الهدف المطلوب، فيجهز السرايا، ويرسل الدوريات، ويبقى هو في القاعدة يخطط للهجوم أو الدفاع أو المناورة والدعاية حسبما يقتضيه واقع الحال.. وأيضاً يدبر الأمور الداخلية ويشرف عليها، كجباية المال وإنفاقه وسير القضاء والفتيا الى غير ذلك، ولو ترك الناس ولو ترك الناس، وانتقل من بلد الى بلد لمطاردة العصاة أو حرب المعتدين لانفرط العقد، وعمت الفوضى، وطمع بالمسلمين ومقدراتهم الغزاة من الخارج، والطغاة من الداخل.

(وإنما أنا كقطب الرحى - الى - الرأي السوء). الإمام قطب الرحى في معرفة الاسلام وحقائقه، وعلومه تدل عليه بالإضافة الى حديث : أنا مدينة العلم، وعلي بابها، وحديث : علي مع الحق، ومع القرآن القرآن، وحديث الثقلين، وغير ذلك من الأحاديث التي رواها السنة في كتبهم، وقد جمعها علماء الشيعة في العديد من الكتب آخرها فيما أعلم كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة، للفيروز آبادي، وقد أشار الى رقم الصفحة، وتاريخ طبع الكتاب في آخر الجزء الثالث.. وأيضاً الإمام قطب الرحى في إدارة المملكة الإسلامية، وتدبيرها بالحكمة ومصلحة الإسلام والمسلمين.

وآخر ما قرأت عن الإمام مقالات متسلسلة في جريدة «الأخبار المصرية» العدد 6051 و 6052 و 6053 بقلم عبد الرحمن الشرقاوي مدير مجلة «روز اليوسف»، ومن جملة ما قال : «كانت لعلي عوارف على الإسلام، وكان للإسلام عليه فضل التكوين منذ بداية الوعي، فخالطت تعاليم الإسلام منه الروح والدم والأعصاب. ولهذا رفض علي أن تتحول حكومة الإسلام الى مملكة، وكان يقول دائماً : انها الإمامة لا الملك».

(والله لولا رجائي الشهادة الخ).. كان الإمام يتمنى الشهادة في سبيل الله، وينتظرها بفارغ الصبر، ولو علم انه يقتل بيد عدو من أعداء الله لترك الخلافة وطار اليه، وجاهد حتى يستشهد في طاعة الله ومرضاته، ومن أقواله : إن أكرم الموت القتل - دفاعاً عن الحق - والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة الله.

(انه لا غناء في كثرة عددكم الخ).. وأية جدوى في كثرة العدد اذا تنافرت القلوب : «بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ - 14 الحشر». نزلت هذه الآية في اليهود، وهي تصدق الآن على المسلمين، وهذا سر تخلفهم وهوانهم (لقد حملتكم على الطريق الواضح الخ).. أرشدهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى طريق الأمن، فمن سلكه حتى النهاية نجا، ومن تخلف عنه هوى، وأهلك نفسه بنفسه. وغير بعيد أن يكون المراد بهالك في قوله : (لا يهلك عليها إلا هالك (المراد به الدعي الذي يزعم الصلاح ويتظاهر به كذباً وافتراء.

الخطبة - 118 -

شرائع الدين واحدة :

تاللهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرَّسَالَاتِ، وَإِثْمَامَ الْعِدَاتِ، وَتَمَامَ الكَلِمَاتِ. وَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الحِكَم وَضِيَاءَ الْأَمْرِ. أَلَا وَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ، وَسُبُلَهُ قَاصِدَهُ، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَغَنمَ، وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَنَدِمَ. أعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ، وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ، وَمَنْ لَا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَاز بُهُ عَنْهُ أَعْجَرُ، وَغَائِبُهُ أَعْوَزُ. وَاتَّقُوا نَاراً حَرَّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ. أَلَا وَإِنَّ اللسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللهُ لِلْمَرْه فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ.

اللغة :

المراد بالرسالات شرائع الأنبياء، أو شريعة الاسلام فقط، أو شريعة الاسلام فقط، والجمع بالنظر

الى كثرة مبادئها وتعاليمها، والمراد بالعدات النصوص على ما وعد الله به المتقين وهدد به المجرمين، والمراد بالكلمات آي الذكر الحكيم. وقاصدة : مستقيمة وعازيه : غائبه، وأعجز : من العجز. وأعوز : من العوز بمعنى الفقر وعدم الوجود، يقال : فلان معوز أي فقير معدم. والصديد : القيح والدم.

الإعراب :

أبواب مبتدأ مؤخر، وعندنا خبر مقدم، وأهل نصب على الاختصاص أي أخص أهل البيت، وجملة بجعله حال من اللسان، وخير خبر إن، ومن لا يحمده «من» فاعل يورثه.

المعنى:

(لقد علمت تبليغ الرسالات، تبليغ الرسالات، وإتمام العدات، وتمام الكلمات). علمت - بالبناء للمجهول، ومعلم الإمام وأستاذه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وكلمة إتمام تشير الى ان بيان الوعد والوعيد هو إتمام لبيان العقيدة والحلال والحرام، والمعنى ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) علم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كل ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه من أصول الدين وفروعه، وما يترتب على طاعتها من الثواب، ومعصيتها من العقاب، وأيضاً علمه أسلوب الإرشاد والتبليغ الى الناس.

(وعندنا أهل البيت أبواب الحكم، وضياء الأمر). ان كانت الحاء في «الحكم» بالضم فالمراد به سياسة العباد وادارة البلاد، وإن كانت بالكسر فالمراد النصائح والمواعظ، أما ضياء الأمر فهو علم الكتاب والسنة، وأهل البيت أعرف الناس بدين الله، وأشدهم حرصاً عليه وعملاً به، ومن أجل هذا جعلهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عدل القرآن في حديث الثقلين، وأمر أمته بالتمسك بهم تماماً كما يتمسكون بكتاب الله، وتقدمت الإشارة الى هذا الحديث ومصدره أكثر من مرة.

(ألا وان شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة). أبداً لا سبب إلا الجهل والأهواء للاختلافات الدينية التي تؤدي الى الشقاق والبغضاء، ومنذ القديم حتى

الآن تلعب السياسة دورها في هذا الشقاق وزيادة الهوة بين أهل الأديان والمذاهب، وتكلمنا عن اختلاف المسلمين في شرح الخطبة 111 فقرة «المذاهب الأربعة» (من أخذ – الى - السرائر). المؤمن الصادق هو الذي يعرف الحق، ويرتاح اليه،، ويحرص عليه، ويعبر عنه بأفعاله قبل أقواله، ومن فاز بهذه الفضيلة فهو الرابح الناجح دنيا وآخرة وإلا كان من الخاسرين وإن ملك الجاه والمال.

(ومن لا ينفعه حاضر لبه الخ).. الانسان بعقله، ما في ذلك ريب، ويظهر من كلام الإمام أن العقل يحضر ويغيب، ولكنه ما أشار الى شيء يدلنا : متى يحضر، ومتى يغيب، ولذا اختلف الشارحون في ذلك على أربعة أقوال، وكلها بعيد عن الواقع. والذي عرفناه بالتجربة والملاحظة ان الانسان منفرداً غيره الجماعة.. انه يفكر ويبصر بعقله، وهو منفرد، أما مع الجماعة فيتأثر بها، بل يصبح جزءاً منها، ويغيب عقله عنه من حيث لا يشعر، وعلى هذا يكون مراد الإمام ان من لا ينتفع بعقله، وهو منفرد وبعيد عن التأثر بالتقليد وآراء الغير فبالأولى أن لا ينتفع به اذا قلد وتأثر بالآخرين.

(اتقوا ناراً الخ).. البعث والحشر حق، والجنة والنار عدل، وللإيمان بهما آثار نافعة دنيا وآخرة ومن آثاره أن من ينكر البعث والجزاء يندفع وراء أهوائه بلا حدود حيث يرى ان الحياة هي فرصته الوحيدة للانتفاع والاستمتاع، أما من يؤمن بالبعث والجزاء فيحجم ويتورع خوفاً من العقاب والعذاب، ففي الإحجام عن محارم الله مصلحة الفرد والجماعة، والمتقون في الدنيا هم الفائزون في الآخرة.

(ألا وإن اللسان الصالح الخ).. المراد باللسان الصالح الذكر الجميل، والمعنى خير للمرء أن يترك الثناء الطيب عليه بعد موته من أن يترك الثراء لوراثه. وفي شرح ابن أبي الحديد أن مخبراً جاء للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يبشره بأن عيناً خرارة قد انفجرت في أرض كانت آنذاك في حيازة الإمام، فقال للمخبر : بشر الوارث، بشر الوارث يكررها مراراً، ثم وقف الأرض والعين على الفقراء، وكتب بذلك كتاباً في تلك الساعة.

الخطبة - 119 -

هذا جزاء من ترك العقدة فقرة 1 :

وَقَدْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : نَهَيْتَنَا عَنِ الحُكُومَةِ ثُمَّ أمَرْتَنَا بِهَا فما ندري أي الْأَمْرَيْنِ أَرْشَدُ ؟ فَصَفَّقَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ : هذا جَزَاء مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ. أما والله لَوْ أَنِّي حِيْنَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلى المَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْراً، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ، وَإِن أَعْوَجَجْتُمْ قَوْمَتُكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى، وَلَكِنْ بمَنْ وَإِلَى مَنْ ؟. أرِيدُ أنْ أدَاوَى بِكُمْ وَأَنتُمْ دَائِي، كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ ضَلْعَهَا مَعَهَا (1).

اللغة :

المراد بالعقدة هنا الإصرار على حرب معاوية والخوارج معاً، ويأتي التفصيل.

و نقش الشوكة : أخرجها من العضو الذي دخلت فيه. والضلع : الميل، وفي الأمثال : لا تنقش الشوكة بالشوكة فإن ضلعها معها، أي أنها تدخل العضو وتنضم الى الأولى.

الإعراب :

اما لاستفتاح الكلام وجملة حملتكم خبر أني، وحين متعلق بأمرتكم، والمصدر من أني فاعل لفعل محذوف أي لو ثبت حملي لكم على المكروه، ولكانت الوثقى جواب القسم، وبمن والى من متعلقان بمحذوف أي بمن استعين، والى من أرجع.

المعنى :

دارت الحرب في صفين، ولما ظهر الوهن في جبهة معاوية قال له ابن العاص : ارفع المصاحف، فإن قبل علي اختلف أصحابه، وان امتنع كفروه ! وفعلها معاوية، ودب الخلاف في جيش الإمام، وقال قوم منهم : الرأي القبول فقال لهم الإمام : لا تصدقوا.. انها حيلة وخدعة انها حيلة وخدعة. فأصروا وهددوه بالقتل.. فاستجاب مكرها، وأشرنا الى ذلك في شرح الخطبة 35 وغيرها.

ولما ظهرت آثار التحكيم والحكمين ألقى الخوارج المسؤولية على الإمام، وقال له آثم منهم : نهيتنا عن الحكومة، ثم أمرتنا بها، فلم ندر أي الأمرين أرشد؟ فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (هذا جزاء من ترك العقدة). وكلمة هذا تشير هنا - بقرينة السياق - الى قول الآثم المتجرىء الى قول الآثم المتجرىء : نهيتنا ثم أمرتنا.. أما العقدة فقد بينها الإمام بقوله : (أما والله لو اني حين أمرتكم - الى - الوثقى). قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعلي : تحارب بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين، وهم الذين أصروا على وقف القتال في صفين وقبول التحكيم، ثم كفروا الإمام لأنه استجاب لهم، وكانت العقدة - أي الرأي المصيب - ان يقاتل هؤلاء المارقين قبل أن يسمع منهم ما سمع، وقبل أن يخرجوا عليه بالسيف، ويقطعوا طريق المسلمين، ويسعوا في الأرض فساداً.

(ولكن بمن والى من ؟) أي ان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو قاتل الخوارج حين رفض

التحكيم وأصروا عليه - بمن يستعين على قتالهم ؟ والى من يستند في ذلك ؟ هل يستعين بأصحابه ، وهم في شقاق ونفاق ؟ وإذن يكون تماماً (كناقش الشوكة بالشوكة) وكالمستجير من الرمضاء بالنار !.. ان السبب الأول لكل ما حدث للإمام هو عناد أصحابه ومخالفتهم عن أمره كان معاوية في أطوع جند، وكان الإمام في أخبث جند، كما قال معاوية نفسه وكان الإمام يكرر ويردد : «لا رأي لمن لا يطاع». قال العقاد في كتاب: عبقرية الإمام «أما الذين لاموا عليا لقبول التحكيم فيخيل الينا من عجلتهم الى اللوم أنهم كانوا أول من يلومه لو أنه رفض التحكيم.. ولكنه قبله بعد إحجام جنوده عن الحرب وبعد أن توعدوه بالقتل كما فعلوا بعثمان».

وبهذا يتبين معنا ان الإمام رفض أولاً التحكيم لعلمه بأنه خديعة، ثم قبله مضطراً، لأن أصحابه أحجموا عن حرب معاوية، وحرب الخوارج الذين أصروا على قبول التحكيم آنذاك، وما أقدم على حربهم إلا بعد أن شهروا السلاح وقطعوا السابلة، وقتلوا الرجال، وبقروا بطون الحبالى، وملأوا الدنيا فساداً وطغياناً. وعليه، فقول الإمام : «هذا جزاء من ترك العقدة» معناه لو أن الإمام قاتل الخوارج في صفين لما سمع الذي سمعه من ذاك المتجرىء.. ولكن ماذا يصنع ؟ وبمن يقاتلهم ؟ والى من يرجع في حربهم ؟ الى أصحابه وهم الداء وأصل البلاء.

اقبلوا النصيحة.. فقرة 2 – 3:

اللهم قَدْ مَلَّت أطباء هذا الدَّاء الدوي، وَكَلَّتِ الزَّرَعَةُ بِأَشْطَان الرَّكِي. أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْإِسْلَام فَقَبِلُوهُ، وَقَرَأوا الْقُرْآنَ فَأحْكَمُوهُ. وَهِيجُوا إِلَى الْقِتَالِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللقاح إلَى أَوْلَادِهَا، وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا. وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ زَحْفاً زَحْفا وَصَفًّا صَفًّا. بَعْضُ هَلَكَ وَبَعْضٌ نَجَا. لَا يُبَشِّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ، وَلَا

يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى. مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ البُكاء. خُمْص البُطُون مِنَ الصيام. ذُبلُ الصَّفَاءِ مِنَ الدُّعَاءِ. صُفْرُ الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ. على وجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ (2) أُولئِكَ إخْوَانِي الذَّاهِبُونَ. فَحَق لَنَا أَنْ نظماً إِلَيْهِمْ وَنَعَضَ الْأَيْدِيَ عَلى فِرَاقِهِمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طرقَهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً، وَيُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ. فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَعَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ. وَأَقْبَلُوا النَّصيحةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إلَيْكُمْ وَأَعْقِلُوهَا عَلَى أَنفُسِكُمْ (3).

اللغة :

ملت : من الملل. والدوي الصوت، والمراد به هنا الداء الشديد. ونزع الشيء من مكانه قلعه، ونزع الدلو جذبها، ونزعة ؛ جمع نازع. والأشطان: الحبال. والركي : الآبار. وولها : حنوا. واللقاح : النوق التي تحلب ومره - بضم الميم وسكون الراء - جمع أمره أي في عينه بياض ونحوه. وخمص البطون : بطونهم ضامرة. ويُسني : يسهل. والمراد بنزعات الشيطان ونفثاته، وسوسته و تزيينه. واعقلوها : احبسوها.

الإعراب :

زحفاً نصب على المصدر أي يزحفون زحفاً، ومثله صفاً، والتكرار للتأكيد، ويجوز النصب على الحال أي زاحفين وصافين، ومره خبر لمبتدأ محذوف أي هم، والمصدر من ان نظمأ فاعل حق، وعقدة نائب عن المفعول المطلق أي حل عقدة بعد عقدة.

المعنى:

(اللهم قد ملّت أطباء هذا الداء الدوي، وكلت النزعة بأشطان الركي). لكل

داء دواء إلا العمى والهوى، ولذلك مل الراشدون والناصحون وكلوا من نصح من أعمى الجهل عقولهم، وأمرضت الشهوات قلوبهم (أين القوم الخ). يأسف الإمام ويتحسر على أيامه بين الصفوة من إخوانه الذين مضوا الى وبهم، وبقي بين قوم يتنافسون على العاجلة، وينسون الآجلة على عكس إخوانه الماضين الذين (لا يُبشرون بالأحياء، ولا يعزون على الموتى) أي لا يفرحون إذا لم يستشهد واحد منهم، ولا يحزنون إذا استشهد، لأن الشهادة عندهم هي الفوز الأعظم.

أما قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مره العيون.. إلى آخر الوصف فقد نظم في أبيات من قصيدة لقطب من علماء البحرين يرثي سيد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال رضوان الله عليه :

خمص البطون طوى ذبل الشفاه ظمی*** عمش العيون بكاً ما غبها الكحل

يقال مرضى وما بالقوم من مرض*** أو خولطوا خبلاً حاشاهم الحبل

ان ينطقوا ذكروا أو يسكتوا فكروا*** أو يغضبوا غفروا أو يقطعوا وصلوا

أو يظلموا صفحوا أو يوزنوا رجحوا ***أو يسألوا سمحوا أو يحكموا عدلوا

ولا يلم بهم من ذنبهم لم*** ولا يميل بهم عن وردهم ميل

(ان الشيطان الى الفتنة). حذر سبحانه في كتابه الكريم من الشيطان وقال : انه يفسد ويضل، ويأمر بالفحشاء والمنكر، وينسي ذكر الله، ويوقع العداوة والبغضاء بين الناس، ويزين أعمال السوء، ويصد عن سبيل الحق والخير، يحرف الدين عن مواضعه، وانه عدو مبين لله وللإنسان، وبعد هذا النعت وما اليه لعنه الله وأخزاه، ومعنى هذا أن كل من كان فيه شيء من هذه الصفات فهو عدو الله والانسانية، وشيطان لعين (فاصدفوا عن نزعاته الخ) ابتعدوا عن المفسدين الغواة، واعملوا بنصائح المتقين الهداة، وانتفعوا بها، ولا تعرضوا عنها : «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ - 18 الزمر».

الخطبة - 120 -

قاتلوا الآباء والأبناء.. فقرة 1 - 2 :

أَكُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ؟ فَقَالُوا : مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قالَ : فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ، فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً، وَمَنْ لَمْ يشهَدْهَا فِرْقَةً حَتَّى أُكَلَّمَ كُلاً مِنْكُمْ بِكَلامِهِ. وَنَادَى النَّاسَ : فَقَالَ : أَمْسِكُوا عَنِ الكلام، وأَنصِتُوا لِقَوْلِي، وَأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ، فَمَنْ نشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا. ثُمَّ كَلَّمَهُمْ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِكَلَام طَوِيلٍ مِنْ جُمْلَتِهِ : أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَغِيلَةً، وَمَكْراً وَخَدِيعَةً : إخواننا وَأَهْلُ دَعْوَتِنَا، اسْتَقَالُونَا وَاسْتَرَاحُوا إِلَى كِتاب الله سُبْحَانَهُ، فَالرَّأْيُّ الْقَبُولُ مِنْهُمْ وَالتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ. فَقُلْتُ لَكُمْ : هذَا أَمْرُ ظَاهِرُهُ إِيمَانُ وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ، وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ. فأَقِيمُوا على شَائِكُمْ، وَالْزَمُوا طريقتكُمْ، وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بِنَوَاجِدِ كُمْ.

وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقِ نَعَقَ : إن أجيبَ أَضَلَّ، وَإِنْ تُرِكَ ذَلَّ. وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ، وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا (1). وَاللهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَى فَرِيضَتُهَا، وَلَا حَمَّلَنِي اللهُ ذَنْبَهَا. وَوَاللهِ إِن جئتها إنِّي للْمُحِقُ الَّذِي يُتَّبَعُ. وَإِنَّ الكِتَابَ لَمَعِيَ. مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُه.ُ فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلى الآباء والأَبْنَاء وَالْإخْوَانِ وَالْقَرَابَاتِ، فَمَا نَزْدَادُ عَلى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةٍ إِلَّا إيماناً، وَمُضِيّا عَلى الحَقِّ، وَتَسْلِيماً لِلْأَمْرِ، وَصَبراً على مَضَضِ الْجِرَاح. وَلَكِنَّا إِنما أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الْإِسْلَام عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْعَ وَالاعوجاج والشببَةِ وَالتَّأْوِيلِ. فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اللهُ بِهَا شَعَثَنَا وَنَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا وَأَمْسَكْنَا عَما سِوَاهَا (2).

اللغة :

التنفيس : التفريج. ونعق : صوت. والمضض : الألم. ولم الشعث : جمع الشمل. ونتدانی : نتقارب.

الإعراب :

حيلة مفعول من أجله لرفعهم، وما بعدها عطف عليها، والمعنى حين رفعوا المصاحف حيلة الخ، وإخواننا خبر لمبتدأ محذوف أي هم إخواننا، هم إخواننا، والجملة من

المبتدأ والخبر مفعول تقولوا، واللام في «لئن» للابتداء، وجواب القسم ما وجبت، وإيماناً تمييز.

للمنبر - حول عشاق الكراسي :

(ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف الخ).. كل من أحب السلطة، وتمسك بكرسي لحكم فإنه يحتال ويغتال، ويغدر ويمك-ر، ويغدر ويمكر، ولو واجه موقفاً يفرض عليه أن يضحي بالمنصب لمصلحة الوطن، أو يضحي بالوطن لمصلحة الكرسي لآثر هذه على تلك ومعظم زعماء العالم من هذا النوع، وسيدهم معاوية، وإذن فلا بدع أن ينشر على المنبر، حيلة ومكراً، قميص عثمان وأصابع زوجته نائلة، وان يرفع المصاحف في صفين غيلة وخديعة وان يدس السم في العسل للإمام الحسن، والأشتر، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ثم يقول : ان الله جنوداً من عسل.

وتقول : أجل، من يتمسك بالكرسي يضحي من أجلها بالملايين لها بالملايين، ولكن ما الدليل ان معاوية كذلك ؟

الجواب :

الأدلة كثيرة، ومنها على سبيل المثال :

1 - حارب معاوية عليا تحت راية قميص عثمان، والمطالبة بدمه، والقصاص قتلته، ولما حكم وسيطر لم يفكر في ذلك، ولم يلتفت اليه اطلاقاً حتى كأن عثمان لم من يقتل.. قال العقاد في كتاب (معاوية) : «معاوية أنكر على علي بيعته لأنه لم يسلمه قتلة عثمان، وآل الأمر كله بعد حين الى معاوية يصنع بهؤلاء ما يشاء ولكنه كان يلقى الرجل منهم فلا يزيد على قوله : ألست من قتلة عثمان ؟ ثم يصرفه في أمان، وقد يسكت عن سؤاله، ويصرفه مزوداً بالعطاء».

وفي كتاب «علي بن أبي طالب» لعبد الكريم الخطيب : «ان عائشة ابنة عثمان طلبت من معاوية أن يقتص من قاتلي أبيها، فقال لها : لأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس». ومعنى هذا أن المطالبة بدم عثمان ذريعة لأن يكون معاوية : «أمير المؤمنين» وقد كان وصار، وإذن لماذا المطالبة بدم عثمان ؟ وهكذا نقض معاوية بعد الخلافة ما كان قد أبرمه وحارب من أجله قبل الخلافة أجله قبل الخلافة.. ولا بأس ما دامت الغاية تبرر الواسطة.. لقد

سبق معاوية بمئات السنين ميكيافيللي» الذي قال : كل الوسائل صحيحة وخيرة ما دامت تؤدي الى بلوغ الهدف المطلوب، وتحقيق الغاية الفردية بصرف النظر عن الدين والمبادىء والقوانين.

2 -كتب معاوية الى الإمام أن يبايعه، ويسلم له الأمر شريطة أن تكون الشام ومصر طعمة له، فأبى عليه ذلك.. ذكر هذا ابن أبي الحديد المعتزلي في المجلد الأول من شرحه للنهج ص 250 الطبعة القديمة، أراد معاوية أن يمثل دور ابن العاص على أن يكون علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان ولما أخفق انضم الى شاكلته، وتلاحم التوأمان.. قال العقاد في كتاب معاوية: «قال عمرو بن العاص لمعاوية : أترى أننا خالفنا علياً لفضلنا ؟ لا والله. إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها، وايم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك وإلا نابذتك.. وعلى هذه الخطة المكشوفة بدأت المعاملة بين الرجلين». وقال «فلهوزن» في: تاريخ الدول العربية : «ان تحالف عمرو ومعاوية أشبه ما يكون بالتحالف بين الصبية الأشقياء».

3 - قال ابن الأثير في تاريخه ج 3 ص 205 طبعة 1356 : «قال سعد بن أبي وقاص لمعاوية : السلام عليك أيها الملك. فسأله معاوية : لماذا لا تقول : يا أمير المؤمنين ؟ فقال سعد : والله اني ما أحب ان وليتها بما وليتها» أي ان سعداً لا يطلب الخلافة بالغدر والمكر كما فعل معاوية.

هذه هي سياسة معاوية : انتهاب الفرص، واستغلال الظروف.. ولتطبق الدنيا على أهلها.

(فقلت لكم : هذا أمر ظاهره إيمان، وباطنه عدوان الخ).. ان تاريخ الشهداء هو تاريخ العقيدة بالذات. وهي وحدها أساس الجهاد وفلسفته، ومن أجل هذا ما حاول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قط أن يحمل أحداً على الجهاد إلا بوازع الدين والضمير، وكذلك كان الإمام : وبهذا الوازع انجاز اليه من انحاز في صفين، ومعاوية يعرف هذه الحقيقة، ولذا رفع المصاحف حيلة وغيلة ومكراً وخداعاً وأعلن الإمام ذلك لأصحابه، وقال لهم : لا تصدقوا معاوية.. انه يغدر ويفجر، وينعق بالكذب والضلال، فإذا أجبتموه أضلكم عن الهدى وسواء السبيل ولكنهم أعرضوا عن دعوة الحق واستجابوا للخداع والضلال، ولما كشفت

الدعوة الخادعة عن اسرارها قامت قيامة الخوارج، وقالوا للإمام : أخطأت فذكرهم بتحذيره، ولكن أبوا إلا هكذا كما ولكن أبوا إلا هكذا كما هو شأن المارق المعاند.

(والله لئن أبيتها - الى صحبته). الضمير في أبيتها يعود الى الحكومة، والمعنى ليست الحكومة واجبة ولا بمحرمة، ومن قبلها بجوز له العدول عنها، وإذن فللإمام ان يقبلها وأن يرفضها، بل له أن يقبلها ثم يردها، وبالعكس حسبما يقتضيه واقع الحال، ولا خلاف بين المذاهب أن تصرف الولي منوط بالمصلحة وجوداً وعدماً.. وقد روى السنة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) انه أحل المتعة، ثم حرمها، بل قال الشافعي : لا أعلم شيئاً أحله الله ثم حرمه، ثم أحله، ثم حرمه إلا المتعة نقل هذا عنه ابن قدامة في «كتاب المغني» ج 1 ص 645 ط 3.

وإذا صح هذا في المتعة صح في غيرها بطريق أولى وفي سائر الأحوال فإن الأمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو المحق، وعلى الناس أن يسمعوا ويطيعوا الحديث : علي مع الحق، والحق مع علي. ومن الذين رووه الترمذي في صحيحه، والحاكم في مستدرکه «باب فضائل الإمام»، كما في كتاب «دلائل الصدق للمظفر».

(فلقد كنا مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى - الجراح). اذا كان صاحب العقيدة يضحي بنفسه من أجلها فبالأحرى أن يضحي بولده ووالده للذب عنها هذا، الى ان الإسلام أمر بجهاد الظالم قريباً كان أم غريباً، ان التسامح والغفران جائز في كل شيء إلا في حلال الله وحرامه. وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 56.

(ولكنا انما أصبحنا الخ).. اتفقت المذاهب الاسلامية قولاً واحداً على انه إذا اقتتلت طائفتان من المسلمين فعلى الذين ليسوا طرفاً في النزاع أن يصلحوا بينها، فإن أصرت الفئة الباغية على موقفها وجب ردعها بالقوة عملاً بقوله تعالى : «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ - 9 الحجرات» ثم اختلف علماء المذاهب في ان الفئة الباغية التي أصرت على البغي ووجب قتالها للردع : هل تخرج بذلك عن دين الاسلام.؟ والصحيح ان من أصر على الباطل لشبهة دخلت عليه فهو مسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم إلا اذا نصب العداء لأهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه في ذلك يعاند القرآن في قوله الصريح : «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى - 23 الشورى» والأحاديث الكثيرة المتواترة. ولأن الحدود تدراً بالشبهات عبر الإمام عن الذين دخلت عليهم الشبهة من أهل الشام، عبر عنهم

بقوله : «إخواننا في الاسلام». وأشار الى السبب الموجب لهذه الأخوة بكلمة «الاعوجاج والشبهة والتأويل». أما الذين ينكرون الحق عناداً وبلا شبهة فلا ريب في كفرهم، وخروجهم عن دين الاسلام.

(فإذا طمعنا الخ).. أي ان الإمام يكف عن قتال من يأمل به الخير، ويرجو فيه الصلاح، والمراد بقوله : (ونتدانى بها البقية) ان البقية الباقية من إسلام الذين حاربونا هي كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ونحن نتقارب اليهم بهذه الكلمة حباً فيها لا فيهم، ونمسك عن غيرها من أفعالهم بشرط أن يتركوا البغي والعدوان، وإلا ارتفعت عنهم الحصانة، وان نطقوا بالشهادتين.

الخطبة - 121 -

اكرم الموت القتل :

وَأَيُّ أَمْرِى مِنْكُمْ أَحَسٌ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأَشِ عِنْدَ اللقَاءِ، وَرَأَى منْ أَحَدٍ مِنْ إخْوَانِهِ فَشَلاً فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فضْلَ بِهَا عَلَيْهِ کمَا يَذَبُ عَنْ نَفْسِهِ. فَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ. إِنَّ المَوْتَ طَالِبُ حَثِيثُ لَا يَفُوتُهُ المُقِيمُ وَلَا يُعْجِرُهُ الهارب. إِنَّ أَكْرَمَ المَوْتِ الْقَتْلُ. وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةِ بِالسِّيْفِ أهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِينَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ. وَكَانِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُّونَ كَشيش الصِّبَابِ. لَا تَأْخُذُونَ حَقًّا وَلَا تَمْنَعُونَ ضَيْماً. قَدْ خُلِّيتُمْ وَالطَّرِيقَ. فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِم وَالْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوِّم.

اللغة :

جاش قلبه : اضطرب. ورباطة الجأش : شدته وقوته. والنجدة : الشجاعة.

وكشيش الضباب: صوتها من احتكاك بعضها ببعض لا من فها. وتلوم في الأمر : تمكث فيه.

الإعراب :

أي امرىء «أي» شرطية، وفيها معنى العموم، ومحلها الرفع بالابتداء وفليذب جواب أي، والجملة خبرها، وقيل : الخبر فعل الشرط لا جوابه، والقتل خير «ان» والطريق مفعول معه.

المعنى:

(وأي امرىء - الى - نفسه). كونوا كونوا في الحرب كنفس واحدة وجسم واحد يعاضد بعضكم بعضاً، ويذود عنه تماماً كما يذب المرء بيده عن عينيه، فإن كان أحدكم أقوى وأشجع من أخيه، ورآه في حاجة الى نجدته فليسرع اليه ويقف الى جنبه يدفع العدو عنه، ويقصد بذلك وجه الله حيث أغناه عن معونة معين (فلو شاء الله لجعله مثله) في الحاجة الى العون (ان الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب) وما دام الأمر كذلك فلماذا الخوف والحرب من الجهاد ؟.

(ان أكرم الموت القتل). ان الشريف الحر لا يستطيع العيش في مجتمع يستعبد فيه ويستغل هو أو أخوه الانسان، ويبحث جاهداً عن طريق الحرية والخلاص من العبودية، فإن أعيته الحيل آثر الموت على الحياة، وأقدم عليه عن طيب خاطر، ولكن كيف وفي أية صورة يموت ؟ هل ينتحر كما فعل كثير في الهند الصينية وغيرها احتجاجاً على الظلم والعدوان، أو يشهر السلاح على المعتدين، ويجاهدهم حتى الموت ؟ ليس من شك ان المنتحر يفر من سيء الى أسوأ، من رق الحياة الى قتل الحياة، أما المجاهد الذي يقتل في ساحة الوغى ضد أعداء الحق والحرية فإنه يموت شهيداً، ويفر من الرذيلة الى الفضيلة، من الرق الى الدفاع عن الحرية والعدل.

(والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف) جهاداً في سبيل

الله وتحرير المستضعفين تلبية لنداء الضمير ولأمر الله تعالى في قوله : «وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ - 75 النساء» (لأهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة الله) والتي هي الجهاد والقتال في سبيل الله والمستضعفين. وهذا يدل بوضوح على ان أي انسان يؤثر السلم والدعة على جهاد الطغاة العتاة فهو مجرم وآثم يحيا في غضب الله ومعصيته، ويموت مديراً عنه، ومعانداً له. وفي الحديث : ان رجلاً سأل النبي : هل من عمل يعدل الجهاد ؟ فقال له : لا أجد هذا العمل.

(وكأني أنظر اليكم تكشون كشيش الضباب): جمع ضب، وهو حيوان يشبه الحرذون، وذنبه كثير العقد، والمعنى انكم ستحاربون قوماً لا تثبتون لهم، وتفرون من سيوفهم حتى أن بعضكم يحتلك يبعض من الهلع حين الفرار والهزيمة، ويكون لكم أو لاحتكاككم غمغمة كأصوات الضباب المجتمعة.. وغرض الإمام من هذا هو التقريع بالجبن والتخاذل، والحث على الثبات والتعاون (قد خليتم والطريق الخ).. هذه هي طريق النجاة أمامكم، ولا أحد يصدكم عنها، وهي التضحية والجهاد، فإما ان تقدموا فتسلموا، واما ان تحجموا فتهلكوا.

الخطبة - 122 -

اليوم تبلى الأخبار.. فقرة 1 - 2 :

تقَدِّمُوا الدَّارِعَ، وَأَخِّرُوا الْخَاسِرَ، وَعَضُّوا عَلَى الْأَمْرَاسِ، فَإِنَّهُ أنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ. وَالتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلْأَسِنَّةِ. وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأشِ وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ. وَأَمِيتُوا الْأَصْوَات فَإِنَّهُ أَطْرَدُ الْفَشَلِ. وَرَايَتَكُمْ فَلَا تُميلُوهَا وَلاَ تُخِلُوهَا، وَلَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ وَالمَانِعِينَ الذَّمَارَ مِنكُمْ، فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمُ الَّذِينَ يَحفُّونَ بِرَايَاتِهِمْ، وَيَكْتَنِفُونَ حفافيها : وَرَاءَهَا وَأَمَامَها. وَلَا يَتَأَخَرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا، وَلَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا (1). أجزأ أَمْرُو قِرْنَهُ، وَآسَى أَخَاهُ بنفسِهِ، وَلَمْ يَكُلْ فِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَقِرْنُ أَخِيهِ. وَايْمُ اللهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ لَا تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الْآخِرَةِ.

وأَنتُمْ لَهَامِيمُ العَرَبِ وَالسَّنَامُ الْأعْظَمُ. إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللهِ، وَالذُّلُّ اللأزمَ وَالْعَارَ الْبَاقِيَ. وَإِنَّ الْفَارْ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ وَلاَ محْجُوزٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ. الرَّائِحُ إِلَى اللهِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الماء. الْجَنَّةُ تحت أَطْرَافِ الْعَوَالِي. الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ. وَاللَّهِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ (2).

اللغة :

الدارع : لابس الدرع والحاسر : من كان بلا درع، ونبا : ارتد. والهام : جمع الهامة، وهي الرأس. والتووا : أميلوا. وأمور : أشد حركة للأسنة والجأش : الخوف واضطراب القلب. والذمار - بكسر الذال - كل ما يلزمك حفظه والذود عنه. والمراد بالحقائق هنا الوقائع والشدائد. ويكتنفونها : يصونونها، ويحيطونها. والحفاف - بكسر الحاء - الجانب، وحفافيها : مثنى أي جانبيها. واللهاميم : الأجواد. والموجدة - بكسر الجيم - الغضب. والعوالي : الرماح وتبلى : تمتحن. والأخبار : الحقائق.

الإعراب :

حفافيها منصوب بنزع الخافض، ووراءها وأمامها عطف على حفافيها أي يحيطونها من كل جانب فيسلموها نصب بأن مضمرة، وكذلك فيفردوها وأجزأ فعل ماض، والرائح مبتدأ، وكالظمآن خبر

السلاح بين القديم والجديد :

(فقدموا الدارع - الى - الفشل). هذه تعاليم حربية كان لها شأن ووزن

يوم كان السلاح درعاً وسيفاً، ورمحاً وسهماً، وملخص هذه وملخص هذه التعاليم أن يتقدم عند القتال لابس الدرع على غيره، والضارب بالسيف يعض على أضراسه عند الضرب، والطاعن بالرمح يلتوي معه حين الطعن حين الطعن، ولا ينظر هذا وذاك هنا وهناك، ولا يرفع المقاتل صوته لأن الصياح للجبان. وتقدم مثله في الخطبة 11 و 65، ولا صلة لهذه التعاليم بأسلحة هذا العصر وبا ليت العلم تخطى الأسلحة بل يا ليتها تقهقرت الى العصر الحجري.. تقدم العلم في كل مجال، ولكن تقدمه في ميدان الأسلحة ليس كمثله شيء، انها لا تتطور، بل تطفر من قتل الواحد برصاصة من مسدس أو بندقية الى قتل الملايين وتدمير الحضارات بضربة واحدة لحظة واحدة، وتزداد وتتراكم في كل آن بصورة تفوق التصور.. حتى أصبح العالم كله يعيش فوق بحر من الألغام لا يدري متى يتفجر فيه، أما ميزانية التسلح فيقول العارفون : ان نصفها يسد حاجات المعوزين في شرق الأرض وغربها.

وقرأت مقالاً في جريدة «الجمهورية المصرية» للدكتور سعاد جلال عدد 37 نیسان 1972 جاء فيه : «ان ثلاثة أرباع ميزانية العالم وأكثر تنفق على صنع النعوش وإعداد الأكفان للبشرية التي أصبح مصيرها في مصانع القنابل الذرية، وصارت - أي البشرية - تسمع كلمة الفناء المدمر الشامل كلما أصغت الى الحديث الهامس في باطن كل قنبلة أو صاروخ».

(ورايتكم - الى – فيفردوها) يجب أن تكون الراية مع الشجاع المقدام، وان يحف بها الأبطال البواسل، لأنها النظام الذي يجمع المحاربين، وعليها تدور رحى المعركة (أجزأ امرؤ قرنه). أجزاً كفى، والقرن - بكسر القاف الخصم الذي يبرز للمجاهد، والمعنى على المجاهد أن يصمد الخصمه، ولا يدعه يفلت منه (وأسى أخاه بنفسه) إن استطاع المجاهد أن يعين من يحتاج الى المعونة من اخوانه فعليه أن يؤازره ويذود عنه.

(ولم يكل قرنه الى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه) على المجاهد أن يثبت للعدو الذي يبارزه ولا يفر منه اتكالاً على من ثبت وصبر لأن هذا الفرار يؤدي الى أن ينضم خصم الذي فر الى خصم الذي ثبت، فيجتمع على المجاهد الثابت الصابر خصمان، ومعنى هذا في واقعه أن الفار قد ناصر العدو،

وأمده بالقوة من حيث يريد أو لا يريد (وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة). أتفرون من الجهاد خوف القتل ؟ وهل من الموت والجزاء مفر.؟.. انكم تفرون من موت العز والكرامة الى ميتة الذل والهوان، ومن مرضاة الله الى غضبه.

(وأنتم لهاميم العرب) سادة أجواد (والسنام الأعظم) في الجاه والانساب - ولو على زعمهم - والسنام حدبة في ظهر البعير، يقال : فلان سنام قومه كبيرهم (ان في الفرار موجدة الله) أي غضبه تعالى وسخطه (والذل اللازم) للعار ما دام حياً (والعار الباقي) في الولد والذرية (وان الفار الخ).. وأوضح من هذا قوله تعالى : «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا - 16 الأحزاب».

(الرائح الى الله كالظمآن يرد الماء) اذا كان من المجاهدين الأبرار (الجنة تحت أطراف العوالي) أي الرماح، وفي الحديث الجنة تحت ظلال السيوف. وفي القرآن : «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ - 142 آل عمران). أبداً لا ثمن للجنة إلا الفداء والصبر على البلاء (اليوم تبلى الأخبار). الجهاد هو المحك الذي يميز الخبيث من الطيب، والكذوب من الصدوق (والله لأنا أشوق إلى لقائهم منهم الى ديارهم). إن شوق الإمام الى لقاء الله سبحانه تماماً على قدر علمه به وطاعته له، وأسهل الطرق وأقربها الى هذا اللقاء هو جهاد أعداء الله ولقاؤهم في ميدان القتال، واذن فلا بدع أن يكون الإمام أشوق إلى لقاء أعداء الله بالسيف منهم الى أهلهم وديارهم.

لا دواء للعناد إلا الطعن والضرب.. فقرة 3 :

اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَافضُضْ جَمَاعَتَهُمْ، وَشَتَّتْ كَلِمَتَهُمْ، وَأَبْسِلْهُمْ بخطَايَاهُمْ، إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنٍ دِرَاكِ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِيمُ، وَضَرْب يَفْلِقُ الهَامَ، وَيُطِيحُ الْعِظَامَ، وَيُنْدِرُ السَّوَاعِدَ وَالْأَقْدَامَ، وَحَتَّى يُرْمَوْا بِالمَنَاسِرِ تَتَّبَعُهَا الْمَنَاسِرُ، وَيُرْجَمُوا بِالْكَتَائِبِ

تَقْفُوهَا الْخَلائِبُ، وَحَتَّى يَجُرُ بِبلادِهِمُ الخَمِيسُ يَتْلُوه الخَمِيسُ، وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ، وَ بِأَعْنَانِ مَسَارِيهِمْ وَمَسَارِحِهِمْ (3).

اللغة :

أبلسهم : أسلمهم للهلكة، وطعن دراك: متتابع، والهام : الرؤوس، ويندر : يسقط. والمناسر : قطع من الجيش. وحلائب وحلبات : جمع حلبة أي خيل تجتمع للسباق. والخميس : الجيش. وتدعق : تطأ. وقال الشريف الرضي : نواحر أرضهم : متقابلاتها، يقال منازل بني فلان تتناحر أي تتقابل. والأعنان : النواحي والأطراف. وسرب الماء : جرى، وسربت الماشية : توجهت للرعي. والمسارح : كل مكان يسرح فيه.

الإعراب :

دراك صفة لطعن، ويرموا نصب بأن مضمرة بعد حتى، وجملة يتلوه حال من الخميس.

المعنى :

يدعو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا على جيش الضلال إن عاندوا وأصروا على البغي، يدعو عليهم بالتفريق والهلاك، ثم قال : انهم لا يرتدعون ولا يفهمون إلا بلغة القوة، فلقنوهم هذا الدرس بحشد الجيوش تلو الجيوش، وبالطعن المتتابع والضرب المتواصل ولا تأخذكم بهم رأفة، وإن انهزموا فاتبعوهم بخيولكم حتى تطأوا أرضهم وديارهم.

الخطبة - 123 -

لا بد للقرآن من ترجمان فقرة 1 - 2 :

إنا لم نحكم الرِّجَالَ وإنما حكمْنَا الْقُرْآنَ. وَهذَا القُرْآبُ إِنما هُوَ خطُّ مَسْتُورٌ بَيْنَ الدَّفْتَيْنِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجَمَانٍ. وَإِنَّما يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ. وَلما دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ تُحَكمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ المُتولّي عَنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ». فَرَدُّهُ إلى الله أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ، وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ، فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللهِ فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ حَكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَنَحْنُ أَوْلَاهُم بِهِ (1). وَأَما قَوْلُكُمْ لَمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي التَّحْكِيمِ، فَإِنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ ويَتَثَبِّتَ الْعَالِمُ. وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ،

وَلَا تُؤخَذَ بأكظَامِهَا فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَينِ الْحَقِّ وَتَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ. إنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ - وَإِنْ نَقصَهُ وَكَرَثَهُ - مِنَ الْبَاطِل وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ (3).

اللغة :

الدفة : الجنب من كل شيء، ودفتا المصحف : جانباه، ويقال لهما جلد المصحف أو جلد الكتاب. وقال ابن أبي الحديد : كان الناس يعملون دفتي القرآن من خشب، والآن يعملونها من جلد. والمتولي : اسم فاعل أي المعرض والأكظام : جمع كظم، وهو مخرج النفس. وكرثه : اشتد عليه الغم.

الاعراب :

القرآن عطف بيان من «هذا» وبين متعلق بمستور، والمصدر من أن يصلح فاعل لفعل محذوف أي لعل الله أن يحقق الصلح

المعنى :

(إنا لم نحكم - الى الى - ينطق عنه الرجال). أنكر الخوارج على الإمام قبول التحكيم، فقال : نحن حكمنا القرآن في بيان الحق وإعلانه، وما حكمنا الرجال كمصدر للحق.. وكيف يأخذ الإمام الحق من أفواه الرجال، وهو القائل :«لا يُعرف الحق بالرجال، وانما تعرف الرجال بالحق.. إعرف الحق تعرف من أتاه، واعرف الباطل تعرف من أتاه». ان القرآن مصدر العلم بالحق، ما في ذلك ويب، ولكنه حروف جامدة ولا بد له من ترجمان أي عالم قدير بمعانيه ومقاصده. قال تعالى: «ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ - 7 آل عمران». وقال : «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ - 7 الأنبياء». ولو كانت معاني القرآن بكاملها واضحة بينة لما وقع الاختلاف في تفسير آية من آياته مع ان

هذا الاختلاف قد حدث بين الصحابة أنفسهم، وفي عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالذات، فلا بد من عالم عادل يفصل بين المختلفين.

(ولما دعانا القوم الى - أولاهم بها). دعا معاوية وأهل الشام الى تحكيم القرآن، وتذرعوا بقوله تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ - 59 النساء». وللإمام أن يرفض هذا التحكيم بالنظر الى علمه بالمكر والخديعة، وله أن يستجيب، فعسى ولعل ان تحدث الله بعد ذلك أمراً. وتقدمت الاشارة الى ذلك في الخطبة 119، وبهذه النية قبيل الإمام التحكيم بعد أن أخذ العهد أن يحكموا بالعدل، ولا يتجاوزوا حدود القرآن، ومعنى هذا أن الإمام قد استجاب للقرآن في حكمه، لا لمعاوية وجماعته، قال الإمام في رسالة بعث بها الى معاوية : «قد دعوتنا الى حكم القرآن، ولست من أهله ولسنا ايالك أجبنا، ولكن أجبنا القرآن في حكمه»، ومن البداهة ان القرآن يشهد بالولاية لأهل الحق والعدل، وينفيها عن المبطلين والظالمين، قال تعالى : «لا ينال عهدي الظالمين - 124 البقرة» والولاية من أظهر المصاديق لعهده تعالى، وهي محرمة على معاوية لأنه من الفئة الظالمة الباغية التي قتلت عمار بن ياسر.

(وأما قولكم تم جعلت الى. - يتثبت العالم). جاء في كتاب الاتفاق على التحكيم هذه الجملة «وأجل الموادعة سنة كاملة، فإن أحب الحكمان أن يعجلا الحكم عجلاه» فاعترض جماعة على الأجل، فأجابهم الإمام بأن القصد من الأجل أن يسأل الجاهل ويبحث ليظهر له المحق من المبطل، وأن يزداد العالم يقيناً وثباتاً على علمه .. هذا، الى أن هناك بارقة أمل في رجوع الباغي عن بغيه مدة الهدنة.. وإن ضعف الأمل.

(ولا تؤخذ بأكظامها) الهاء تعود الى الأمة، والمعنى أن من فوائد الهدنة أن تتنفس الأمة وترتاح بعض الشيء من القتال، وأن يفكر من أساء في أمره عسى أن يعود الى رشده (فتعجل عن تبين الحق، وتنقاد لأول البغي) أي لو ان الإمام رفض الهدنة، وتعجل في الأمر لكان معنى هذا انه قطع الطريق على من أخطأ وأساء، وضرب حوله حصاراً محكماً، ولم يعالجه بالحكمة، ويترك له فرصة يدرأ فيها السيئة بالحسنة (إن أفضل الناس عند الله الخ).. إن حبيب الله هو الذي يتبع الحق وإن خسر دنياه، وتراكمت عليه المصائب والكوارث، ولا يتبع الباطل وإن زاد في ماله وجاهه. ومثله قول الإمام : الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك.

أف لكم.. فقرة 3 :

فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ! وَمِنْ أَيْنَ أَتيتُمْ! اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لَا يُبْصِرُونَهُ، وَمُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لَا يَعْدِلُونَ بِهِ. جفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ. نُكّبِ عَنِ الطَّرِيقِ. مَا أَنتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا، وَلَا زَوَافِرِ عِزّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا. لَبِئْسَ حُمَّاسُ نَارِ الْخَرْب. أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرَحاً، يَوْمَا أَنَادِيكُمْ وَيَوْمَا أَنَا جِيكُمْ، فَلَا أَحرَارُ عِنْدَ النّدَاءِ، وَلَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ (3).

اللغة :

يناه بكم : يسار بكم الى الهلاك. وموزعين : جمع موزع - بسكون الواو - من أوزع به أي أغرى به. والزوافر : الأنصار. وحشاش – بضم بضم الحاء وتشديد الشين الأولى - جمع حاش من حش النار اذا أوقدها. والبرح : الشدة والأذى والشر. والنجاء : المناجاة.

الإعراب :

حيارى وجفاة ونكب صفات لقوم، و بوثيقة الباء زائدة، ووثيقة صفة الخير محذوف أي ما انتم عروة وثيقة، وفي بعض النسخ الراء من زوافر مفتوحة، والصحيح كسرها لأن زوافر مضافة الى عز، وأف اسم فعل بمعنى أتضجر ويوماً الأول متعلق بأناديكم، والثاني بأناجيكم.

المعنى :

(فأين يتاه بكم ؟ ومن أين أتيتم) ؟ لماذا تعمون عن الحق ؟ وما الذي

أعماكم عنه ؟ انكم تسيرون في طريق التهلكة من حيث لا تشعرون (استعدوا للمسير - الى - نكب عن الطريق). مالكم ولوساوس الشيطان وألاعيبه ؟. أجمعوا أمركم وقاتلوا أعداء الله وأعداء كم، فلقد استحوذ عليهم الشيطان، وأعماهم عن الحق، وأغراهم بالجور والباطل، ويستحيل أن يعدلوا عنه بعد أن هجروا القرآن الكريم، واتبعوا الشيطان الرجيم (وما أنتم بوثيقة يعلق بها) لستم بركن يعتمد عليه، ولا بعروة يتمسك بها وتقدم في الخطبة 119 قول الإمام : أريد أن أتداوى بكم وأنتم دائي كناقش الشوكة بالشوكة

(ولا زوافر عز يعتصم اليها) ولستم من أهل النجدة وأنصار الحق (لبئس حشاش نار الحرب أنتم) لا تغثون في الحرب شيئاً (أ لكم) ولجبنكم وتخاذلكم (لقد لقيت منكم برحاً) الشدائد (يوماً أناديكم، ويوماً أناجيكم). هذا مثل قوله في الخطبة 95 : واسمعتكم فلم تستمعوا، ودعوتكم سراً وجهراً فلم تستجيبوا (فلا أحرار صدق عند النداء) لا تستجيبون لمن يستغيث بكم (ولا إخوان ثقة عند النجاء) ولا تكتمون لأحد سراً.

الخطبة - 124 -

لا أطلب النصر بالجور

أتَأْمُرُونِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وَلَّيتُ عَلَيْهِ، وَاللَّهِ مَا أَطُورُ ما سَمَرَ سَمِيرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمُ فِي السَّمَاءِ نَجما. لَوْ كَانَ المالُ لِي لَسَوَّيْتُ بينهم فَكَيْفَ وَإِنَّما المالُ مَالُ اللَّهِ. أَلَا وَإِنَّ إعْطَاء المالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ في الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، ويُكَرِّمُهُ فِي النَّاسِ وَيُمِيتُهُ عِنْدَ اللهِ. وَلَمْ يَضَع أَمْرُو مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللهُ شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ. فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَدِينٍ، وَأَلْأمّ خَلِيلٍ.

اللغة :

الطور : القدر والحد، يقال : تجاوزه طوره أي تعدى حده : ولا أطور به : لا أقرب منه. وسمر الناس : تحدثوا ليلاً، ومن معاني السمير مدى الدهر.

وأم : قصد أو تبع. والخدين : الصديق، وأيضاً الخليل صديق، ولكن له زيادة اختصاص.

الإعراب :

المصدر من أن أطلب مجرور بالباء المحذوفة أي أتأمروني بطلب النصر الخ.. وما سمر «ما مصدرية ظرفية، وأمّ فعل ماض وألا أداة استفتاح.

المعنى :

قال ابن قتيبة في كتاب «الإمامة والسياسة» ص 153 طبعة سنة 1957 : «قال رجال من أصحاب علي : أعط هؤلاء هذه الأموال، وفضل الأشراف من العرب وقريش على الموالي ممن يتخوف خلافه وفراقه وهذا ما يصنعه معاوية فإن الناس همهم الدنيا الدنيا، وفيها يكدحون.. اعط الأشراف، فإذا استقام لك ما تريد عدت الى أحسن ما كنت عليه من القسم.. فقال لهم : أتأمروني الخ».

الإسلام والمال :

(أتأمروني أن أطلب النصر بالجور الخ).. وهل الغاية تبرر الواسطة على حساب الدين والضمير ؟ وهل أنا انتهازي ينتهب الفرص، ويستغل الظروف ؟ وبماذا أعتذر الى الله ؟ وبأي وجه أقابله ؟ أتريدون أن أملك أياماً، ثم أخلد في عذاب الحريق ؟.

(لو كان المال لي لسويت بينهم، كيف وإنما المال مال الله الخ).. المال لله، والناس عياله، والإمام خليفته في عياله، ومسؤول عن كل واحد منهم أمام الله كبيراً كان أم صغيراً، أسود ام أبيض، وإذن فكل ما نأخذ من مال هو ملك لله رب العيال.. من أين جاء أمير المؤمنين بهذا ؟ هل أخذه من ماو وغيفارا، ام قرأه في كتاب رأس المال، أم هو مجرد مشاركة وجدانية، وعاطفة إنسانية ؟ أبداً لا عاطفة وشهوة لعلي، ولا عقل وفطرة إلا الاسلام.. والإسلام

خير بكل ما فيه، ولأنه خير فهو يصدق برسالات من سبقه من الأنبياء، ويبارك من الأديان والتقاليد والأنظمة والشرائع - كل ما فيها من خير يُصلح شأناً من شؤون الحياة، ويشبع حاجة من حاجات الناس، سواء أكانت تلك الأنظمة والتقاليد قديمة أم جديدة، شرقية أم غربية.. ولا يهم الاسم والشكل، ولا الطقوس والمراسيم ما دام الجوهر محفوظاً ومصوناً.

ان قيم الاسلام لا ينكرها عالم على وجه الأرض إلا إذا كان في قلبه مرض، لأن أمر الانسانية لا يستقيم بدونها، وهي كافية وافية لسد حاجاتها المادية والروحية، والمسلمون في غنى بدينهم وشريعتهم عن استيراد الشرائع والمبادىء.. ولكن ليس معنی هذا أن الخير بشتى صوره وأنواعه وقف على دين من الأديان، أو على قوم دون قوم، فإن كثيراً من الأنظمة فيها جهة خير وجهة شر، والإسلام يلتقي معها في هذه، ويفترق عنها في تلك، وأيضاً قد يلتقي غير المسلم مع الإسلام في بعض الجهات من حيث لا يشعر ويريد.. قال الشيخ محمد عبده : قد تجد في أوروبا «مسلمين» بغير إسلام، وفي البلاد الاسلامية «إسلاماً» بغير مسلمين.

وقال الفيلسوف والشاعر الشهير محمد إقبال : «ان الإسلام يتفق ان الإسلام يتفق مع الشيوعية في أنه ضد الرأسمالية والإقطاع والملوك والقياصرة.. ولكن هذه المبادىء موجودة في القرآن، ولا حاجة للمسلمين ان يلتمسوها في كتاب آخر أنا لا أعتقد ان الروس بطبيعتهم شعب غير متدين، بل على العكس، وموقفهم من الدين حالة طارئة، ولا يمكن أن يدوم نظام ويقوم على الإلحاد أما لينين فإنه حين انتقل الى عالم الآخرة انكشف الغطاء عن عقله، عقله، وآمن بالله، واعتذر اليه بأنه قد عمي عنه تعالى لأنه عاش في عالم يستغل الضعيف، ويستعبد الشعوب، وترتفع فيه البنوك على المعابد» (1). ونسي إقبال ان الايمان في الآخرة لا يجدي شيئاً.

وبعد، فإن الدين والوطن والمال كل أولئك الله وحده ولا شيء لقيصر : «لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - 120 المائدة». واذا كان المال لله، والناس عبيد له، وعيال عليه فالمال - اذن - بينهم بالسوية إلا مالاً اكتسبه من اكتسبه بكد اليمين وعرق الجبين، أو ورثه هذا العامل لأهله وأولاده.. حتى المال الذي يكتسبه علي بكد يمينه وعرق جبينه - يقسمه بين الناس


1) من دراسة قيمة عن اقبال للأستاذ محمد عودة في جريدة الجمهورية المصرية ت 27 - 4 – 1972.

بالسوية : «لو كان المال لي لسويت بينهم، كيف وانما المال مال الله» وقدم على الإمام أخوه عقيل عقيل، فقال له : مرحباً بك، ما أقدمك يا أخي ؟ قال : الفقر والعيال وتراكم الديون، وجثتك لتصلني، وجئتك لتصلني. فقال علي : لا أملك إلا عطائي فإذا خرج فهو لك. قال عقيل : وماذا يبلغ مني عطاؤك ؟ فقال الإمام : هل تريد أن يحرقني الله بناره في صلتك بأموال المسلمين.

وحين انتقل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى خالقه ما وجد في بيته ولا في بيت المال بيضاء ولا صفراء.. هذا هذا هو الاسلام في جوهره «يفرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس»، كما قال الإمام في خطبة ثانية، وفي الحديث عن النبي انه قال : «ما أحب أن يكون لي مثل جبل أحد ذهباً أنفقه في سبيل الله، أموت وأترك منه قيراطين» من أين جاء بهذا رسول الله ؟ وهل ينطق ويفعل إلا بوحي من الله ؟.

الخطبة - 125 -

محب غال ومبغض قال فقرة 1 - 2 :

فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَن تَزْعُمُوا أني أخطَاتُ وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلُّلُونَ عَامَّةَ أُمّة مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِضَلالي، وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَإي، وَتُكَفُرُونَهُمْ بِذُنُوبِي. سُيُوفُكُمْ عَلى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَها مَوَاضِعَ البُرُه وَالسُّقْمِ وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذيب. وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) رَجَمَ الزَّانِيَ المُحْصَنَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ هُمْ وَرَثَهُ أَهْلَهُ. وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ. وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ. هُمْ قَسَمَ عَلَيْهَا مِنَ الْفَيْ، وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللهِ فِيهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُم سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلامِ، وَلَمْ يُخْرِج أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ (1). ثم أنتم شِرَارُ النَّاسِ، وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَضَرَبَ بِهِ تِيْهَهُ

وَسَيَهْلِكُ فِي صِنْفَانِ : تُحِبُّ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، و مُبْغِضُ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَخَيْرُ النَّاسِ فِي حالاً النَّمَطُ الْأَوْسَطُ، فَالْزَمُوهُ وَالْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللهِ على الجماعةِ. وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَة فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَان كما أن الشَّاذَ مِنَ الْغَنَمِ لِلذَّئب. أَلاَ مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشَّعَارِ فَاقْتُلُوهُ وَلَوْ كَانَ تَحتَ عِمَامَتِي هَذِهِ (2).

اللغة :

المحصن - بفتح الصاد -المتزوج. والفيء : الغنيمة. وضرب به في التيه : سلك به في مسالك الضياع والهلاك. والنمط الأوسط : المذهب أو النوع الأوسط. والشعار : العلامة على شيء خاص.

الإعراب :

ضمير التثنية في نكحا يعود الى السارق والزاني، ومحب ومبغض بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه صنفان. وحالاً تمييز.

المعنى:

المعروف عن مذهب الخوارج أنهم يكفرون أهل الكبائر دون الصغائر، ولكن عبارة المواقف للإيجي تدل أنهم لا يفرقون بين الذنوب الكبيرة والصغيرة، وهذا نصها : «قالت الخوارج كل معصية كفر» وكلمة «كل» تفيد العموم واستخراج الأفراد، والشيخ أبو زهرة على هذا الرأي في كتاب المذاهب الاسلامية، بل ألزم الخوارج بإشكال لا مفر لهم منه، وهو أن تكفيرهم للإمام بسبب التحكيم معناه

ان كل من يخالفهم في الرأي فهو كافر يجب قتله، وان اجتهد فأخطأ ! وهذه عبارة الشيخ في كتاب المذاهب الاسلامية : «يرى الخوارج تكفير أهل الذنوب، ولم يفرقوا بين ذنب وذنب، بل اعتبروا الخطأ في الرأي ذنباً إذا أدى الى مخالفة وجه الصواب في نظرهم، ولذا كفروا علياً بالتحكيم مع انه لم يقدم عليه مختاراً.. فلجاجهم في تكفيره دليل على انهم يرون الخطأ في الاجتهاد يخرج عن الدين» وبناء على قولهم هذا يجب حصر الاسلام بالخوارج وحدهم، وباقي الناس كلهم ضالون وملحدون، بل بناء على هذا القول يجب تخطئة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في قوله المتواتر : «اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وان اجتهد فأخطأ فله أجر واحد».

(فإن أبيتم الا أن تزعموا اني أخطأت وضللت). الخطاب للخوارج الذين كفروا الإمام بسبب التحكيم، وقوله : «أخطأت وضللت» بزعم الخوارج يؤيد ما نسبه اليهم الشيخ أبو زهرة من انهم يكفرون من خالفهم في الرأي والاجتهاد. وفي شرح ابن أبي الحديد «انهم يعتبرون دار الاسلام دار كفر لا يجوز الكف عن أحد من أهلها.. وان قوماً منهم كانوا يقتلون الأطفال حتى البهائم». وقد احتج الإمام عليهم بما يلي :

(فلم تضللون عامة أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بضلالي) لنفترض اني أخطأت كما تزعمون فأي ذنب للأبرياء حتى قطعتم عليهم الطريق، وقتلتموهم وقتلتموهم ظلماً وعدواناً : (سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب) والله سبحانه يقول : «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى - 164 الأنعام». فكيف تكفرون باسم الاسلام من نص القرآن على براءته ؟

ثم لنفترض أني عصيت كما تزعمون فإن المعصية لا تستدعي الكفر والخروج عن دين الإسلام، والدليل على ذلك أن رسول الله كان يعامل مرتكب الكبيرة معاملة المسلم، ويجري عليه جميع أحكام الاسلام.. ثم ذكر الإمام أربعة أمثلة تشهد على ان الذنب وان كبر لا يخرج المسلم به من دينه الى الكفر والالحاد.

1 - (وقد علمتم أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رجم الزاني المحصن، ثم صلى عليه، ثم ورثه أهله). اتفق المسلمون على ان المتزوج الذي يملك فرجاً يغدو عليه ويروح

متى شاء ثم زنا - يقام عليه حد الرجم، ولكنه لا يخرج بذلك عن الإسلام، وقد صلى عليه النبي، وورثه من قريبه المسلم، وهدي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هو الحجة والدليل. وكلنا يعلم ان الزنا من الكبائر .

2 - (وقتل القاتل وورث ميراثه أهله). وأيضاً ثبت عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). أنه حكم بقتل من قتل مؤمناً متعمداً، وقسم ميراثه بين أقربائه المسلمين، والقتل من أكبر الكبائر، ولو كان مستوجباً للكفر كلما ورث المسلم شيئاً من تركة القاتل لأن المسلم لا يرث الكافر عند المذاهب الأربعة، ولا عند الخوارج - كما يظهر من رد الإمام ونقضه عليهم - وإن كان المسلم يرث من الكافر «عند سعيد بن المسيب ومسروق وعبد الله بن معقل والشعبي والنخعي ومعمر وروي ذلك عن عمر ومعاذ» كما جاء في كتاب «المغني» لابن قدامة ج 6 كتاب الفرائض.

3 و 4 – (قطع السارق وجلد الزاني غير المحصن، ثم قسم عليهما من الفيء ونكحا المسلمات). وأيضاً ثبت ان رسول الله قطع يد السارق، وجلد الزاني غير المتزوج بالشروط المذكورة في كتب الفقه، ثم أجرى عليها ح-كم الاسلام من المناكحة والميراث ومشاركة المسلمين في الخراج والغنيمة، والصلاة على الجنازة والدفن في مقابر المسلمين، ومعنى هذا ان الذنب يوجب الفسق دون الكفر (فأخذهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بذنوبهم) وهي الزنا وقتل العمد والسرقة في غير سنة المجاعة (وأقام حق الله فيهم)، وهو حد القتل على القاتل عمداً، والرجم على الزاني المحصن، والجلد على غير المحصن، والقطع على السارق (ولم يمنعه- سهمهم من الاسلام، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله) بل أبقاهم على دين الاسلام، وأعطاهم كل ما للمسلمين من حق (ثم أنتم شرار الناس ومن رمى به الشيطان الخ).. يشير الى ان الخوارج من الذين يصدق عليهم قوله تعالى : «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ - 19 المجادلة».

(وسيهلك في صنفان : محب مفرط يذهب به الحب الى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض الى غير الحق، وخير الناس في حالاً النمط الأوسط). المفرط بتخفيف الراء هو المسرف الذي يتجاوز الحد، ويقال له : المغالي،

والمفرط بتشديد الراء هو المقصر المهمل، فإن أظهر العداوة والبغضاء فهو ناصبي والنمط الأوسط بينهما لا مسرف ولا مقصر، ليس بغال، ولا بقال ولا بقال، وفي كتاب (الاستيعاب) لابن عبد البر المالكي ج 3 ص 36 طبعة سنة 1939 ما نصه بالحرف : «روت طائفة من الصحابة ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لعلي : لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق.. ويهلك فيك رجلان : محب مفرط، وكذاب مفتر وتفترق فيك أمتي كما افترقت بنو اسرائيل في عيسى» يشير (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى النصارى الذين ألهوا عيسى، والى اليهود الذين قالوا : هو ابن زنا.

ونقل السيد محسن الأمين في 3 من «أعيان الشيعة»، عن مسند أحمد، وصحيح الترمذي، واستيعاب ابن عبد البر، ومستدرك الحاكم، نقل : أن بغض علي كان العلامة عند الصحابة للمنافق في دينه، وتمييزه عن المؤمن الصادق وثبت بطريق القطع أن معاوية كان يسب علياً علياً، و، ويدعو الى سبه.

الجماهير :

(الزموا السواد الأعظم) أي الجماعة بدليل قوله بلا فاصل : (فإن يد الله على الجماعة)أي معها، قال تعالى : «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ - 8 الانسان» أي مع حبه، والمراد بالجماعة الكثرة الكاثرة المعبر عنها الآن بالجماهير، كأهل الزراعة والصناعة والتجارة التي لا غنى عنها لحياة الناس، وأهل الفكر والقلم وكانت طبقة «الأشراف» تعبر من قبل عن هؤلاء بالهمل - بفتح الهاء - أي الإبل المتروكة مع العلم واليقين بأن ما من أمة تأمل في النهوض إلا بكد الجماهير و جهودهم، فهم الذين صنعوا التاريخ والحضارة، وما زالت بصماتهم الى اليوم وإلى آخر يوم على الأهرام وسد الصين وقناة السويس وألوف القلاع والصروح. وبهذا نجد التفسير الصحيح لقول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «من سره بحبوحة الجنة فليزم الجماعة.. ومن خرج قيد شبر عن الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه.. ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية» أي مجرماً سفاحاً.

(فإن الشاذ من الناس للشيطان) أي من يقيم العقبات، ويبني السدود في طريق الجماهير العاملة وتقدمها الى الأمام فهو من إخوان الشياطين والشذاذ الملاعين (ألا من دعا الى هذا الشعار - أي الوقوف في طريق الجماعة وأمانيها - فاقتلوه)

لأنه عدو الحياة والانسانية (ولو كان تحت عمامتي هذه) أي ولو كنت «انا» ذاك العدو الذي يضايق الجماهير بأساليبه وأطماعه

الحكمان... فقرة 3 :

وإنما حكم الحكمانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ وَيُمِينَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ. وإحْيَاؤُهُ الاجتماعُ عَلَيْهِ، وَإمَاتَتُهُ الاِفْتِرَاقُ عَنْهُ. فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ الَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إلَيْنَا أَتَّبَعُونَا. فَلَمْ آتِ - لَا أَبَا لَكُمْ - بجراً، وَلاَ خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِ ُكمْ وَلاَ لَبَسْتُهُ عَلَيْكُمْ، إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأَيُ مَلَاكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهمَا أَنْ لَا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْها - في الحكومة بِالْعَدْلِ والصَّمْدِ لِلْحَقِّ - سُوءَ رَأتِهَا وَجَوْرَ حُكْمِها (3).

اللغة :

البجر - بضم الباء وسكون الجيم - الشر والداهية. والختل : الخداع والملأ : الجماعة، وقيل : هم «الأشراف» الذين يملأون العين أبهة، والصدر هيبة. والصمد - بسكون الميم – القصد.

الإعراب :

الحكمان نائب فاعل لحكم، وليحييا نصب بأن مضمرة بعد اللام، وآت

مضارع مجزوم بلم، وبجراً مفعول لآت، ولا أبا لكم «لا» نافية للجنس وأب اسمها ولكم خ خير، والجملة معترضة، واستثناؤنا فاعل سبق، وسوء واستثناؤنا فاعل سبق، وسوء رأيهما مفعول.

المعنى :

(فإنما حكم - الى - أمات القرآن). إن الإمام قاتل معاوية وحزبه على تأويل القرآن كما قاتل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أبا سفيان من قبل على تنزيله، ويشهد بذلك حديث «خاصف النعل»، الذي رواه النسائي في الخصائص، وأبو نعيم في «الحلية» والحاكم في (المستدرك»، وهو ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «إن رجلاً منكم يقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» ولما سئل عن هذا المقاتل؟ قال : هو خاصف النعل، وكان علي يخصف نعل رسول الله حين نطق بهذا الحديث.. وعلى هذا الأساس، أساس العمل بالقرآن رضي الإمام بالحكمين أو سکت عنها بعد أن اشترط عليهما العمل بكتاب الله، لا بالهوى والرأي. وتقدم ذلك مفصلاً في شرح الخطبة 123 (وإحياؤه الاجتماع عليه، وإمانته الافتراق عنه). إن اجتمعت كلمة الحكمين على العمل بالقرآن فقد أحييا القرآن والأمة، وإن اجتمعا معاً على إهماله والإعراض عنه كان ذلك إماتة لها وله، ونفس الشيء إن اختلفا لأن اختلاف الحكمين يؤدي حتماً الى اختلاف الأمة وفشلها وذهاب ريحها.

(فإن جرنا القرآن اليهم اتبعناهم، وان جرهم الينا اتبعونا الينا اتبعونا - الى - ولا لبسته عليكم) إن عمل الحكمان بالقرآن حقاً وواقعاً التزمنا به، ومضينا عليه، سواء أكان لنا أم علينا. وهذا مثل ما جاء في الآية 24 من سبأ : «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ». وعلى أية حال فإن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - كما أشار - ما ترك بقبول هذا التحكيم حقاً اً، ولا فعل باطلاً، ولا سلك سبيل الخداع والتدليس.

(انما اجتمع رأي ملئكم الخ).. انتم رضيتم بالحكمين انتم رضيتم بالحكمين، وأبيتم إلا الأشعري، أما أنا فرفضته وأردت ابن عباس، وحين أبيتم علي سكت مكرها، ولكني اشترطت وأخذت العهد على الحكمين أن لا ينحرفا عن كتاب الله، وإلا فلا حكم

لهما على أحد من المسلمين، لأن من انتهك حرمة القرآن يكون الحكم عليه لا له، وقد أمات الحكمان كتاب الله، وارتكبا جناية لا كفارة لها ولا غفران ولم يعملا على اطفاء الفتنة كما هو الغرض - بل زادا من لهيبها بل زادا من لهيبها.. وإذن فلا سبيل إلا المضي في جهاد أهل البغي حتى يفيثوا الى أمر الله.

الخطبة - 126 -

ليس هو يعلم غيب. فقرة 1 - 2 :

يَا أَحْنَفُ كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارُ وَلَا لَجَبٌ، وَلَا قَعْقَعَةٌ لُجم، وَلَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ. يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنها أَقْدَامُ النَّعَامِ : وَيْلٌ لِسِكَكُمُ الْعَامِرَةِ، وَالدُّورِ المزَخْرَقَةِ التي لَهَا أَجْنِحَةُ كَأَجْنِحَةِ النَّسُورِ، وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ، مِن أُولئِكَ الَّذِينَ لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلَا يُفْتَقَدُ غَائِبُهُمْ. أَنَا كَابُ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا، وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا (1). كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وَجُوهَهُمُ الْمَجَانُ الْمُطَرَّقَةُ، يَلْبَسُونَ الشرق والديباج، وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِنَاقَ. وَيَكُونَ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلِ حَتَّى يَمْشِيَ المَجْرُوحُ عَلى المَقْتُولِ، وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأسُورٍ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أصْحَابِهِ : لَقَدْ أَعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ، فَضَحِكَ عَلَيْهِ

السَّلَامُ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ وَكَانَ كَلْبِيًّا) : يَا أَخَا كَلْبِ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْب، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ. وَإِنَّما عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا عَددَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ : «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، الآيَةَ، فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى، وَقَبيح أَوْ جَميل، وسَخِي أَوْ بَخِيلٍ، وَشَقِيّ أَوْ سَعِيدٍ، وَمَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حطبا، أوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً. فَهَذَا عِلْمُ الغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أحد إلا اللهُ، وَمَا سِوَى ذلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنِيهِ. وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي، وَتَضْطَمْ عَلَيْهِ جَوَانِحِي (2).

اللغة :

اللجب : الصياح. والقعقعة : الصوت. وحمحمة الفرس : صوته اذا طلب العلف، أو رأى الذي يأنس به. والسكك : الطرق. والمجان بفتح الميم جمع مجن - بكسرها - وهو الترس. ومطرقة : وضع بعضها فوق بعض حتى صارت طبقتين أو أكثر. والسرق : الحرير. والديباج : سداه ولحمته حرير ويعتقبون : يحتبسون. وعتاق الخيل : كرائمها. واستحرار القتل : اشتداده وتضطم : تنضم. والجوانح : الأضلاع مما يلي الصدر، والمراد به هنا القلب.

الإعراب :

ویل مبتدأ، ومعناه العذاب، ويجوز نصبه على اضمار الفعل أي أنزل الله ويلاً، وقوماً بدل من مفعول أراهم، وجملة كأن وجوههم صفة لقوم، كأن وما سوى ذلك «ما» زائدة لأن الكلام يستقيم بدونها.

المعنى :

(يا أحنف). هو الأحنف بن قيس كبير، وكان في عصر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولكنه لم يكن من الصحابة، لأن الصحابي الاصطلاح هو الذي رأى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). ويروى ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أرسل الى بني تميم يدعوهم الى الاسلام، فلم يستجيبوا فلم يستجيبوا، فقال، فقال لهم الأحنف : انه يدعوكم الى مكارم الأخلاق فأجيبوه فأسلموا وأسلم الأحنف. وكان من سادة التابعين لرجاحة عقله وحسن سيرته، ومن أشد المناصرين للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). بعث يوم الجمل الى الإمام برسالة : «إن شئت أتيتك في متني مقاتل من أهل بيتي، وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف».

فأجابه الإمام : بل كف عني أربعة آلاف سيف، وكفى بذلك نصراً وحارب معه في صفين ونصح، قال ابن قتيبة في كتاب «الإمامة والسياسة» ص 86 طبعة سنة 1957 : «قال الأحنف للإمام : والله لوددنا ان أمواتنا رجعوا الينا فاستعنا بهم على عدونا، وليس لك إلا من كان معك، ولنا من قومنا عدد، ولا نلقى بهم عدواً أعدى من معاوية» وحين اختلف الناس في التحكيم قال الأحنف للإمام من جملة ما قال : انك أولى الناس بالحق، وأحقنا بالتوفيق، ولا أرى إلا القتال.

ثورة الزنج :

(كأني به، وقد سار بالجيش). قال الشارحون : يشير الإمام بهذا الى صاحب الزنج الذي ظهر في البصرة سنة 255 هـ، وملخص الحكاية انه ظهر في هذه السنة رجل اسمه علي بن محمد، ودعا العبيد الى التمرد على ساداتهم فانضموا اليه بالمئات، ثم بالألوف، وكان يعدهم ويمنيهم ويقول لهم : أريد أن أحرركم من الرق، وأرفع من شأنكم وأرفع من شأنكم، وأملككم السادة الذين كانوا يملكونكم أموالهم وضياعهم، فتسارعوا اليه من كل حدب وصوب حتى ألف منهم جيشاً عظيماً، وكان اذا ظفر بالسادة المترفين يأمر عبيدهم أن يجلدوا كل واحد منهم 500 جلدة، وكان يأسر العربيات، ويبيع الواحدة منهن بدرهمين أو ثلاثة، ويعطي العديد منهن للزنجي للخدمة، فيخدمن الزنجيات كما تخدم الوصائف

وكل ما أخبر به الإمام من الخراب والتدمير في ثورة صاحب الزنج ذكره الطبري في تاريخه، والمسعودي في (مروج الذهب) وأطال الحديث عن ذلك ابن أبي الحديد في «شرح النهج»، ومما ذكره المسعودي : ان صاحب الزنج كان يقتل الكبير والصغير، والذكر والأنثى، ويحرق ويخرب، وأتى في وقعة واحدة بالبصرة على ثلاثمئة ألف قتيل من الناس، والذين سلموا من القتل كانوا يخرجون بالليل، فيأخذون الكلاب والفيران والسنانير ويأكلونها حتى أفنوها، وكانوا اذا حضرت الوفاة أحدهم قطعوه وأكلوا لحمه قبل أن تخرج الروح من جسده، وقيل : إن امرأة كانت في حال النزع والاحتضار، وعندها أختها تنتظر موتها لتأكلها، ولكن الجياع ابتدروها قبل أن تموت، وقطعوها وأكلوها، وما أبقوا لأختها إلا الرأس، فبكت وتظلمت ثم قال المسعودي : ومثل هذا كثير وأعظم.

وعظم أمر صاحب الزنج حتى أوشك أن يأتي على الدولة العباسية، فحشد الجيوش لحربه أبو أحمد الملقب بالموفق أخو الخليفة العباسي فقتله، بعد حرب طويلة ودامية، في شهر صفر سنة 270 هـ، وكانت أيامه 14 سنة، و 4 أشهر، وستة أيام، وتكلم الناس عنه وأكثروا، ووضعوا فيه العديد من المؤلفات في العصر العباسي وبعده وقرأت عنه كثيراً في الكتب الحديثة والقديمة وفي الصحف، ويرى بعض الباحثين ان ثورة الزنج في البلاد العربية تماماً كثورة العبيد في ايطاليا سنة 73 قبل الميلاد بقيادة «سبارتاكوس» الذي جمع حوله الآلاف من العبيد، وحارب بهم السادة المترفين للتحرر من عسفهم وطغيانهم، ثم انتهت حياته بالقتل مع 40 ألفاً من العبيد تماماً كما انتهت حياة صاحب الزنج (أنظر كتاب حروب العصيان والثورة من فجر التاريخ الى اليوم الغبريال بونه).

والثورة تحت وطأة الظلم غريزة في الأسود والأبيض، وفي الطفل الصغير، والشيخ الكبير، وأيضاً في الحيوان.. ولن تموت هذه الغريزة إلا بموت صاحبها.. أجل، قد تهدأ قليلاً وتختفي تحت الرماد الى حين.. ثم تنفجر فجأة وبلا سابق انذار.. وكل حي يعبر عنه بأسلوبه وبما يملك من طاقات، هذا يحتج بالبكاء والصياح، وذلك بالسباب والشتائم، وآخر بالوثوب والقتال، وقد يعبر عن ثورته بالانتحار.. وأنبل الثورات على الاطلاق ما كان منها في سبيل الحق والحرية. وغريبة الغرائب أن الولايات المتحدة التي ألغت نظام الرق بقيادة الانساني ابراهام لنكولن - تضطهد الزنوج الآن وفي بلدها وتذيقهم ألواناً من قسوة التفرقة

العنصرية وتوحشها.. إن الزنوج في الولايات المتحدة يؤلفون عشرة بالمائة من المواطنين، ومع هذا لا يضم مجلس الشيوخ زنجياً واحداً، أما مجلس النواب فيضم زنوج من أصل 435 كما في مجلة «المجلات» المصرية عدد آذار سنة 1958.

(كأني أراهم قوماً الخ الخ).. قال الشارحون والمعلقون هذه إشارة الى التتار وما فعله جنكيز خان وخلفاؤه في البلاد الاسلامية من التدمير والتقتيل.. والأوصاف التي ذكرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنطبق تماماً على ما نعتهم به المؤرخون. قال ابن أبي الحديد وكان معاصراً للتتار : «تغلبوا على المالك والأقطار، وكانوا من أصبر الناس على القتال، لا يعرفون الفرار، ويعملون ما يحتاجون اليه من السلاح بأيديهم وخيلهم لا تحتاج الى الشعير، بل تأكل النبات والعروق، أما التتار أنفسهم فيأكلون الميتة والكلاب والخنازير، وهم أصبر الناس على الجوع والعطش والشقاء.. وكانوا يقتلون الناس بمئات الألوف، ويحرقون المدن بما فيها بعد سلبها ونهبها، وكانوا يؤمنون الناس على أرواحهم وأموالهم حتى اذا استسلموا لهم أعملوا فيهم السيف».

وأطال ابن أبي الحديد الحديث عن ضراوتهم وفظائعهم، ونشير من هذه الفظائع الى حادثة واحدة عسى أن تكون درساً نافعاً لنا نحن المسلمين، قال في شرح هذه الخطبة : دوخ التتار بلاد العجم إلا اصفهان، فإنهم لم يبلغوا منها غرضاً حتى اختلف أهلها سنة 633 هـ، وهم طائفتان : حنفية وشافعية، وبينهم حروب وعصبية، فخرج قوم من الشافعية الى التتار، وقالوا لهم : نحن نسلم البلد اليكم على شرط ان تقتلوا الحنفية، وتعفوا عن الشافعية. وبعد أن تم الاتفاق على هذا الشرط حاصر التتار اصفهان، وفي ساعة الحصار بالذات نشبت الحرب بين الشافعية والحنفية، وقتل الكثير من الفئتين، وفتح الشافعية أبواب المدينة، وسلّموها للتتار، ولكن هؤلاء لم يفوا بالعهد للشافعية، فبدأوا أولاً بالشافعية وقتلوهم قتلاً ذريعاً، ثم قتلوا الحنفية، ثم قتلوا سائر الناس، وسبوا النساء، وشقوا بطون الحبالى، ونهبوا الأموال، وصادروا الأغنياء، ثم أضرموا النار في اصفهان حتى صارت تلالاً من الرماد.

هذه هي بالذات سياسة كل غاصب وطامع قديماً وحديثاً : مكر وخداع، ثم غدر وإبادة لمن سالم ومن قاوم، إن اتيحت له الفرصة، إبادة الجميع بقتل الأجسام أو قتل الشخصية والحرية، وتقع المسؤولية بكاملها على من خان وتآمر،

وعلى من سكت عن الخونة والمتآمرين، ولا فرق بين الفئتين فهل يتعظ بهذه الحادثة وغيرها كثير - الذين باعوا دينهم للشيطان طمعاً بحطام أو بمنصب أو تعصباً ضد منافس ومزاحم في شيء من ذلك ؟

(ليس هو بعلم غيب، وإنما هو وإنما هو تعلم من ذي علم). أي من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ورسول الله بشر بطبيعته، أبوه آدم أبوه آدم، وآدم من تراب، ولو كان النبي عالماً بالغيب لذاته وبذاته لوجب أن يكون قادراً كذلك عفوك ربي غفرانك وحدك لا شريك لك، واستمع معي أيها القارىء الى عبد الله ورسوله في قوله : «لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ - 188 الأعراف».. «سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا - 93 الإسراء». ومع هذا يروي الرواة «ان محمداً يعلم ما في الأرضين وما في السموات، وما كان فيهما ويكون الى يوم يبعثون» !. وقد ثبت عن رسول الى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ان أي نقل عنه مخالف كتاب الله فهر من الشيطان، وعلى رغم كل حق وواقع يؤمن بعض الشيوخ بالقرآن وبهذا الحديث، وبأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يعلم الغيب يؤمن بهذا التناقض ولا يشعر بوطأته وقسوته.. وإذا كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يعلم الغيب فبالأولى تلميذه وخليفته.

(وإنما علم الغيب علم الساعة) يشير الى الأمور الخمسة التي جاءت في آخر سورة لقمان : «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» والإنسان العارف يتنبأ بنزول المطر، وقد يصدق تنبؤه، ولكن بعد اطلاعه ومعرفته بعلامات المطر ودلائله، أما نزول المطر الصناعي فهو تحويل السحابة التي تحمل الماء الى مطر، لا إيجاد المطر وتكوينه، وفرق بعيد بين إيجاد الشيء مباشرة أو عن طريق أسبابه وبين تحويله من صورة الى صورة أخرى.

وأيضاً قد يعلم الانسان العارف بواسطة الأشعة ما في الرحم من ذكر أو انى ولكن الأشعة تعكس الجنين الموجود بالفعل، أما الصفات التي سوف يكون عليها في المستقبل، وبعد خروجه من بطن أمه كالطول والقصر، والسواد والبياض، والبخل والكرم والجين والشجاعة، والشقاء والسعادة، اما هذه وما اليها فعلمها عند الذي لا إله إلا هو.

(وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه). علم الغيب كله لعالم الغيب

والشهادة، ولكنه تعالى يطلع من ارتضى واجتبى من عباده على شيء من هذا الغيب بواسطة واحدة، كعلم النبي عن جبريل عن الله، أو أكثر كعلم الإمام عن النبي عن جبريل عن الله : «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ - 179 آل عمران» « عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ - 27 الجن»، (وتضطم عليه جوانحي) أي يعيه قلبي، وجاء في تفسير الرازي والمراغي عند قوله تعالى : «وتعيها اذن واعية - 12 الحاقة» أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لعلي : اني دعوت الله أن يجعلها اذنك يا علي. قال الإمام : فما سمعت شيئاً بعد هذا فنسيته، وما كان لي ان أنسى.

الخطبة - 127 –

الأغنياء والفقراء.. فقرة 1 - 2 :

عِبَادَ اللهِ، إِنَّكُمْ - وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا أَتُويَاهُ مُوْجُلُونَ. وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ. أَجَلُ مَنقُوشٌ وَعَمَلُ مَحْفُوظ. فَرُبَّ دَائِبٍ مضِيعُ، وَرَبِّ كَادِحٍ خَاسِرٌ. وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنِ لَا يَزْدَادُ الخَيْرُ فِيهِ إلَّا إدْبَاراً، وَلَا الشَّرُّ إلا إقبالاً، وَلَا الشَّيْطَانُ في هَلَاكِ النَّاسِ إلَّا طَمَعاً. فَهَذَا أَوَانُ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ، وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَأَمْكَنَتْ فريسته (1) اضرب بِطَرْفكَ حَيْثُ شِلْتَ مِنَ النَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ إلَّا اضْرِبْ فقيراً يَكَادُ فَقْراً أَوْ غَنِيًّا بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفَراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأَذْنِهِ عَنْ سَمع الْمَوَاعِظِ وقرأ. أَيْنَ خِيَارُكُمْ وَصَلَحَاؤُكُمْ ؟ وَأَيْنَ أَخْرَارُكُمْ وَسُمحَاؤُكُمْ وأَبْنَ الْمُتَوَرَعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ، وَالْمُتَنَزَّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ. أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جميعاً عَنْ هذِهِ الدُّنيا الدنية والعاجلة المُنَغّصة (3).

اللغة :

أثوياء : ضيوف، والمفرد ثوي. ومقتضون : مطالبون، يقال : اقتضاه بدين أي طالبه به، وافعل ما يقتضيه كرمك اي يطالبك به. والدائب : المداوم. والكادح : الساعي بجهد. وأمكنت : سهلت. والوقر : الثقل في الأذن.

الإعراب :

أجل خبر لمبتدأ محذوف أي أجلكم أجل منقوص، ومثله عمل محفوظ، ورب حرف جر، وتدخل على النكرة، ولا يتعلق مجرورها بشيء لأنها بحكم الزائدة، واذا دخلت «ما» عليها كفتها عن العمل، وحينئذ تدخل على الفعل والمعرفة مثل ربما قام زيد، وربما زيد قائم ومضيع خبر لمبتدأ محذوف أي هو مضيع والجملة صفة دائب، وادباراً تمييز، والهاء في عدته ومكيدته للشيطان، وحيث ظرف مبني على الضم، ومحله النصب باضرب.

المعنى:

(انكم وما تأملون من هذه الدنيا أثوياء مؤجلون). كل ما كل ما في الدنيا الى

روال إلا ما ينفع الناس، فإن أجره باق ما بقي الدهر : «وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض - 17 الرعد». (ومدينون مقتضون) أي مسؤولون ومطالبون بالالتزام والعمل بشريعة العدل والرحمة التي تقول : «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ -183 الشعراء» (وأجل منقوص) تنقص الأعمار بتعاقب الليل والنهار (وعمل محفوظ) مع الجزاء، إن خيراً فخير وإن شراً فشر (فرب دائب مضيع، ورب كادح خاسر). ليست العبرة بالكثرة ولا بالمواظبة، وانما بالتقوى، بالعقيدة الصحيحة، والعمل الصالح والنافع فكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير ان يكثر علمك، ويعظم حلمك - كما قال الإمام.

(وقد أصبحتم في زمن - الى – فريسته). كل زمان او مكان ينتشر فيه الفساد، ويخذل فيه المظلوم، ويركن الى الظالم فهو زمان الشيطان ومكانه، وليس لله فيه نصيب، وعن ابن عباس : انه تلا هذه الآية : انه تلا هذه الآية : (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار 113 هود» وقال : اذا كان هذا هو حال من لم يصدر عنه إلا مجرد ركون، ولم يشترك في قول او فعل فالويل كل الويل لمن أطرى وشارك !. إن المسؤولية تلاحق الانسان وتطارده منذ رشده وإدراكه، فيسأل عن عدم العمل كما يسأل عن العمل، ويُسأل عن السكوت كما يسأل عن الكلام واذن فالشر يزداد وينتشر بفاعله وبالسكوت عنه.

(اضرب بطرفك حيث شئت - الى -وقرأ). كان سائلاً يسأل ويقول : بأي شيء ازداد الشر وانتشر، وأصبح الناس فريسة للشيطان ؟.

فأجاب الإمام بأن الشر ازداد وانتشر بانتشار الفقر.. انه يعرض المؤمن للفتنة في دينه، ويقوده الى كل سوء. ومن حيكم الإمام : «اذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه». وقرأت قصة تقول : إن رجلا صينياً أنهكه الجوع والمرض، وكان يعول زوجة وأطفالاً، ولا يملك من حطام الدنيا شيئاً، ولما تراكمت عليه الديون وضايقه أربابها أجر زوجته لاقطاعي بدريهمات بعد أن أيقن بهلاك الجميع.. فهل يبقى مع فهل يبقى مع الفقر ضمير وأخلاق ؟ وقال كونفوشيوس : لا يدخل الشيطان بيتاً فيه قمح. وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 124 فقرة «الإسلام والمال».

والخلاصة ان نمط الحياة له أبلغ الأثر في الأفكار والأقوال والأفعال ومن الذي يصغي لصوت الضمير، وأطفاله من حوله يصرخون من الجوع ؟ وحين دعا سبحانه العباد الى طاعته وعبادته ذكرهم بنعمه عليهم وآلائه تماماً كما نبههم الى خلق السموات والأرض. قال عز من قائل : «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» «ووجدك عائلاً فأغنى – 8 الضحى».

(وأين المتورعون في مكاسبهم ؟). الورع في المكاسب أن تأكل من عمل يدك، وتعيش على حساب جهودك لا على حساب الآخرين، وفي رواية أفضل الناس من يعمل بيده، ويأكل من كسبه. وفي ثانية : أفضل العبادة طلب الحلال (والمتنزهون في مذاهبهم) جمع مذهب، ويطلق على العقيدة والطريقة

ويصح إرادة المعنيين معاً من الكلام، والنزاهة في العقيدة صحتها وصوابها، وفي الطريقة الاستقامة على الحق والعدل (أليس قد ظعنوا الخ) الى روح وريحان وجنة نعيم.

الله لا يخدع.. فقوة 3 :

ووَهَلْ خُلِقْتُمْ إِلَّا فِي حُثَالَةٍ لَا تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ، اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ، وذَهَابًا عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَإِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلَا منكر مُغَيّرُ، وَلَا زَاجِرٌ مُزْدَجِرُ. أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ، وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ ؟ هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَلَا تُنَالُ مَرْضاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ. لَعَنَ اللهُ الْآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ (3).

اللغة :

حثالة الدهن : رديئه، وحثالة الناس : أراذلهم.

الإعراب :

استصغاراً مفعول من أجله لتلتقي، وهيهات اسم فعل بمعنى بعد.

المعنى :

(وهل خلقتم الا في حثالة) ؟. لقد وجدتم في زمان لا خير في أهله، اللازم للحق منهم ذليل وغريب، والعامل بالباطل عزيز وقريب (لا تلتقي بذمهم

الشفتان الخ) ينزه المرء الكريم لسانه عن النطق باسمهم احتقاراً لأهدافهم وأفعالهم.. انهم يفسدون ويبغون، وأنتم غير مبالين، لا تجابهونهم بقول، ولا تقومون ضدهم بأي عمل (أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله الخ).. في نعيم لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهو سبحانه القائل : «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ - 142 آل عمران» أي الصابرين على ألم الجهاد ووطأته.

(هيهات ! لا يخدع الله عن جنته) وثمنها محدود لا مساومة فيه ولا شفاعة: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ - 111 التوبة» (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به). هذه اللعنة لا تختص بمن أمر ولم يأتمر ونهى دون ان ينتهي، بل تعم وتشمل كل واحد لا تنسجم أقواله وأفعاله مع دينه وعقيدته، فمن آمن برسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دون ان ينسجم معها في سلوكه فهو ملعون، وان أحجم وسكت عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

الخطبة – 128 -

الغضب الله :

يا أبا ذر، إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لهُ. إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلى دُنْيَاهُمْ وَخِفْتَهُمْ عَلى دِينِكَ، فَاتْرُكَ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، وَأَهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ. فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنْعُوكَ. وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً، وَالْأَكْثَرُ حُسّداً. وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدِ رَتْقًا ثُمَّ اتَّقَى اللَّهُ لَجَعَلَ الله لَهُ مِنْهَا مَخرَجاً، وَلاَ يُونِسَنَّكَ إلا الحَقُّ، وَلاَ يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْبَاطِلُ. فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لَأحَبُّوكَ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَأَمِنُوكَ.

اللغة :

الرتق : ضد الفتق وهو الالتئام. وقرضت : أخذت.

الإعراب :

ما أحوجهم للتعجب، و «ما» نكرة تامة بمعنى شيء، ومحلها الرفع بالابتداء، وأحوج فعل ماض، وضمير الجمع مفعول، والفاعل مستتر والفاعل مستتر، والجملة خير، ومثله ما أغناك، وحسداً نمييز، والمصدر من أن السموات الخ فاعل لفعل محذوف أي لو ثبت.

أبو ذر :

ما كان أبو ذر نبياً من الأنبياء، ولا قائداً من قادة الحرب، ولا من الرؤساء والأمراء، أو المؤلفين والشعراء، أو من أصحاب الأموال والأطيان.. فكل ما حازه في دنياه كان كوزاً وعكازاً.. ولكنه كان جريئاً في الحق، ومخلصاً له، يجهر به بعزم وصلابة، ولا يسكته عنه خوف أو سيف، ولا يساوم عليه بثمن بالغاً ما بلغ. وبكلمة كان صادق الايمان وكفى وقد يقال : انه نموذج أعلى للإيمان، لا لمجرد نوعه وحقيقته فحسب. ونحن لا نشك في ذلك، ومع هذا نقول : ان الايمان لا يتجزأ، وان من، وان من أطاع الله في بعض، وعصاه في بعض فقد أشرك الشيطان في طاعة الله ولو ان قلبه عمر بالتقوى والايمان كلما وجد الشيطان اليه سبيلاً.

وسر العظمة في أبي ذر يكمن في انه ما قصد شيئاً من مواقفه كلها إلا وجه الله، ولو انه قصد سواه في موقف واحد فقط ما كان وجيهاً عند الله والناس، بل كان واحداً منهم كسائر الآحاد وبهذا يتبين معنا ان الشمول والعموم في طاعة الله هو من قوام الايمان، وان من تعدى حداً واحداً من حدود الله فقد ضل ضلالاً مبيناً «إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ - 70 الفرقان».

أما اهتمام أبي ذر بالناحية الاقتصادية وثورته على الأغنياء والمترفين فسببها واضح ومعلوم عند الجميع، وهو ان عثمان الحرف عن سنة الرسول، وخالف شريعة الاسلام، واستأثر هو وذووه بأموال المسلمين، فامتلكوا بها القصور والمزارع، والرياش والخيول والرياش والخيول، والعبيد والإماء والعبيد والإماء، ومن حولهم ملايين الجياع

والمعدمين. واذن فثورة أبي ذر على الأغنياء كانت بدافع من حب العدل والصلاح، وباعث من دينه وايمانه بسنة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتعاليم الاسلام، وبقصد الحرص والمحافظة على حقوق المستضعفين وتقسيم الفيء بالسوية على الجميع، لا بدافع من ايمانه بالاشتراكية وإلغاء الملكية، وقد جاهر بذلك عمار بن ياسر كما جاهر أبو ذر، ثم الصحابة وعامة المسلمين، ثم تراكم الاستياء الذي أدى الى مقتل عثمان، ولكن أبا ذر أوذي في سبيل ذلك ايذاء كثيراً حتى نفاه عثمان الى الشام، ثم الى صحراء الربلة، ولو كان أبو ذر اشتراكياً لثار على عمر بن الخطاب الذي قسم الأموال بالتفاوت، وميز بين الفئات والأفراد.

كان أبو ذر يأمر بالمعروف، ويقول : أوصاني خليلي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن أقول الحق ولو كان مراً، ولا أخشى في الله لومة لائم، وأعوذ بالله من الجبن.. يا معشر الأغنياء اجعلوا في أموالكم حقاً للسائل والمحروم يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء، ولا تكتزوا الذهب والفضة فتمسكم النار.. يا معشر الأغنياء قال رسول الله : ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، حسبه لقيمات يقيم بها صلبه وهذه هي دعوة القرآن بالذات: «فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ - 19 الذاريات».. « وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - 34 التوبة».

وكان يخاطب الفقراء بقوله : اجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضباً الله إذا عصي في الأرض، ولا ترضوا الولاة بسخط الله إن أسخطوا الله، فجانبوهم وازروا، عليهم فإن الله أكبر وأعلى.. وهذه دعوة الاسلام والقرآن، قال تعالى : «فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا - 44 المائدة».

فقال له عثمان : انته عن هذا يا أبا ذر. قال : أتنهاني عن قراءة كتاب الله ؟ والله لأن أرضي الله بسخطك أحب إلي من أن اسخطه برضاك فنفاه عثمان الى الشام، ولما دخل دمشق ورأى الخضراء، قصر معاوية الجديد، وقف ذاهلاً عن كل شيء إلا عن أمر الله وطاعته، فاستأنف سيرته الأولى وقال : هذه هي الخيانة أو الإسراف. فقال له معاوية : ما الذي أغضبك علينا يا أبا ذر ؟ قال انك أغنيت الأغنياء، وأفقرت الفقراء. فحاول معاوية أن يشتري أبا ذر بالمال كما حاول عثمان من قبل !.. ولكن ما لأبي ذر بد من طاعة الله، والعمل

بوصية رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فاستمر في ثورته، وشعارها العودة الى سيرة النبي وسنته، وتعاليم القرآن ومبادئه، فاهتزت الأرض من تحت معاوية، وكادت الثورة تأتي أكلها، وتعمل السيوف في معاوية عملها قبل أن تصل الى عثمان لولا ان معاوية أسرع وعمل على ارجاع أبي ذر الى عثمان..

وطار صواب عثمان حين رأى أبا ذر منتصباً أمام عينيه، وقد كان يظن أنه قد تخلص منه واستراح.. فاشتد به الغيظ وقال : لا أنعم الله بك عيناً. فقال أبو ذر : والله ما نقمت مني الا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فغضب عثمان وقال : اشيروا علي في هذا الكذاب !. النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول : ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر، وعثمان يقول : هذا الكذاب! فأنهما الكاذب ؟.

ثم دعا عثمان مروان بن الحكم، وأمره أن يخرج بأبي ذر الى صحراء الربذة ونهى الناس أن يصحبوه أو يشيعوه.. ولكن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيعه هو وولداه الحسن والحسين وأخوه عقيل وابن أخيه عبدالله بن جعفر وعمار بن ياسر، ولما ودعه الإمام قال له : (يا أبا ذر انك غضبت الله الخ).. فقال أبو ذر للإمام والذين معه بأبي وأمي هذه الوجوه أني اذا رأيتكم ذكرت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وما لي بالمدينة شجن ولا سكن غيركم ومات أبو ذر غريباً بفلاة من الأرض لا يملك حتى الكفن ولولا بعض المارة يكفنه برداء من ملابسه لدفن من غير كفن.. وكثير من الصحابة يملكون الملايين، وفي طليعتهم عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير أعضاء مجلس الشورى الذين رشحهم الخليفة الثاني لاختيار عثمان خليفة على المسلمين.

والخلاصة ان أبا ذر لم يكن يعمل باسم الانتاج ووسائله وباسم الملكية وإلغائها، أو بأي دافع غير القرآن والاسلام وان سيرة أبي ذر لهي من أثمن ما في التراث الانساني والاسلامي، وعلى جميع المسلمين أن يدرسوها وينشروها بكل الوسائل، أنها دليل قاطع على ان الاسلام ثورة على الفقر والظلم، وانه يرفض الخنوع والتردد ومهادنة الطغاة المستغلين، لأنها تمكن لفسادهم في الأرض وعدوانهم.. ولا أدري لماذا نتجاهل هذه الثورة الأسلامية، وهي السبيل لمرضاة الله، ثم نهتم بالقشور والمظاهر ؟

ونختم هذه الإشارة الى أبي ذر بكلمة أبنه فيها واحد من التفر الذين حضروا وفاته ودفنه ونقول معه : «اللهم هذا أبو ذر صاحب رسول الله عبدك وجاهد فيك، ولم يبدل ولم يبدل، ولكنه رأى منكراً فغيره بلسانه حتى نفي وحرم، ثم مات وحيداً غريباً، اللهم فانتقم ممن حرمه ونفاه من حرم رسول الله».

الخطبة - 129 -

متى يأمن المظلوم :

أَيَّتُهَا النَّفُوسُ المُختلِفَةُ والقُلُوبُ المُتَشَتَّتَةُ. الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولهُمْ، أَظأرُكُمْ عَلى الحَقِّ وَأَنتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى منْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ، هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ العَدْلِ، أَوْ أُقِيمَ أعوِجَاجَ الْحَقِّ. اللَّهُمْ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ وَلاَ الْتمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرُدّ المَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَتُظهِرَ الإصلاح في بلادِكَ. فَيَامَنَ المَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ. اللهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ وَسَمِعَ وأَجَابَ، لَمْ يَسْبقني إلا رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بِالصَّلاةِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الوَالِيَ عَلى الفُرُوجِ وَالدَّمَاء

وَالمَغَائِمِ وَالْأَحْكامِ وَإمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ البخيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ، ولَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ، وَلَا الْجَانِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ، وَلَا الْخَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْم، وَلَا الْمُرْتَشِي فِي الحكم فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِع، وَلَا الْمُعَطِّلُ السُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الأمة.

اللغة :

أظأركم : أستدر عطفكم والوعوعة : الصياح. وسرار العدل : مكانه. ونهمته : شهوته. والجافي : من الجفاء أي الغلظة. والحائف : من الحيف والجور والمقاطع : جمع مقطع أي ما يقطع به الباطل، ويفصل بينه وبين الحق.

الإعراب :

أبدانهم فاعل للشاهدة وأظأر فعل مضارع، وسرار مفعول لأطلع، ويأمن نصب بأن مضمرة بعد الفاء، ونهمته اسم تكون تكون، ودون ظرف متعلق بيقف.

المعنى :

(أيتها النفوس الى - عقولهم). أخاطبكم، ولا جدوى من خطابكم تماماً كما قال سبحانه : « وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ - 4 المنافقون». ومثله في الخطبة 27 : يا أشباه الرجال ولا رجال، وفي الخطبة 95 : يا أيها القوم الشاهدة أبدانهم الغائبة عنهم عقولهم المختلفة أهواؤهم (أظأركم على الحق). أستدر عطفكم عليه، وأرغبكم فيه

بكل الوسائل ولكن ماذا أصنع ؟ (وأنتم تنفرون عنه) مدبرين (نفور المعزى من وعوعة الأسد) أي من صوته. وأغرب من ذا ان نلتمس الباطل تحت شعار الحق، ونحارب الحق بحجة انه باطل.

(هيهات ان أطلع بكم سرار العدل). المراد بأطلع هنا أبلغ، وسرار العدل مكانه كما أشرنا في فقرة «اللغة» والمعنى لستم بأهل لنصرة الحق، وإن يبلغ بكم القائد المكان الأفضل من العدل (او أقيم اعوجاج الحق) اي من اعوج عن الحق ، لأن الحق لا اعوجاج فيه، اوأحبي بكم الحق بعد إماتته بالإعراض عنه.

(اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منا) في حرب الجمل وصفين (منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام) حاشا لعلي ان ينجرف مع الأهواء وحب المناصب والأموال.. كلا وألف كلا، انها في نظره من النوافل والتوافه .. حتى الدنيا بكاملها عنده كعفطة عنز، او ورقة في فم جرادة تقضمها الا ان يقيم حقاً او يدفع باطلاً.. إن الخلافة عند علي وسيلة لا غاية، وأداة لتحقيق ما أشار اليه بقوله :

1 - (لنرد المعالم من دينك). انه يقبل الخلافة ليسترد الاسلام سيرته الأولى التي رسمها وسار عليها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

2 – (وتظهر الاصلاح في بلادك) والاصلاح في نظر الإمام هو أن يأمن المظلوم (على نفسه وحريته وماله ومكاسبه، ولا يخشى الطغاة والمستغلين (وتقام المعطلة من حدودك). ولا تختص حدود الله سبحانه بجلد الزاني وقطع السارق، بل تشمل كل محظور، وأكبر المحظورات السيطرة على العباد، وإشاعة الفساد، والتحكم بالأموال والمقدرات، وترويع الآمنين، واستغلال المعدمين، وتضليل البسطاء بالتمويه والدعايات الكاذبة، واتهام واتهام الأحرار زوراً وبهتاناً.

(اللهم اني أول من أناب) اليك، وآمن بك مخلصاً، ودعا الى سبيلك، وجاهد فيك (وسمع وأجاب) دعوة الحق وعمل بها (لم يسبقني إلا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالصلاة). لا يختلف اثنان من المسلمين ان علياً وخديجة هما أول من أسلم وآمن برسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وان تلاعب بالألفاظ من لعب الشيطان بعقله وقلبه، وقال

بلسانه : أول من أسلم من الصبيان علي !. وكم من صبي هو أرشد وأعقل من مئات الشيوخ، وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 37.

شروط الوالي :

(وقد علمتم انه لا ينبغي أن يكنون الوالي الخ).. تكون الولاية على الفروج بإقامة الحد على الراني، وصيانة الأنساب، وإجراء الزواج وإيقاع الطلاق على الوجه الشرعي والولاية على الدماء يحفظ النفوس من الاعتداء عليها، والقود من المعتدي، والولاية على المغانم بحراستها، وتقسيمها على المستحقين، وعلى الأحكام يحفظها وبثها وحمل الناس عليها، ولا تكون هذه الولاية إلا لمن توافرت فيه الشروط التالية :

1 - أن لا يكون بخيلاً (فتكون أموالهم نهمته). الضمير في أموالهم للرعية، وفي نهمته للوالي، والمعنى لو كان الوالي بخيلاً لكان شرها على المال والحياة الدنيا، يطلبها من كل سبيل، ويمنع الحق عن أهله، وبهذا نجد تفسير الحديث الشريف : «لا يجتمع الشح والايمان في قلب العبد أبداً».

2 - (ولا الجاهل فيضلهم بجهله) عن طريق الحق والصواب. وهذا الشرط تفرضه البديهة وتتفق عليه البشرية جمعاء، ومن حكم الإمام : لا ترى الجاهل إلا مفرطاً او مفرطاً.

3 – (ولا الجافي فيقطعهم بجفائه). اذا كان الوالي فظاً تجافى الناس عنه، وهم في أشد الحاجة الى عدله العلم بأن مهمته تفرض عليه التواضع ولين الجانب، والصبر لذوي الحاجات والاستماع لشكوى المظلومين.

4 – (ولا الحائف) اي الجائر (للدول) بضم الدال، وهو المال المتداول به، والجور في المال ان يكتسبه على حساب الآخرين، ويحبسه عن، ويحبسه عن المستحقين (فيتخذ قوماً دون قوم) أي يؤثر المبطل على المحق، والقوي على الضعيف.

5 – (ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق) الى غير أهلها، والرشوة محرمة في كل دين وشريعة. وفي الحديث : لعن الله الراشي والمرتشي والساعي بينها (ويقف بها دون المقاطع) جمع مقطع، ومقطع الحق ما يقطع به دابر الباطل و يميزه عن الحق، وليس من شك ان الرشوة تحول دون ذلك.

6 - ولا المعطل للسنة (أي قول الرسول وفعله وتقريره (فيُهلك الأمة) بجهله وخيانته. وعلى الإجمال فإن البخيل لا يركن اليه، والجاهل لا يستر شد به، والفظ تنفر منه الطباع، والجائر يبخس الناس أشياءهم، والمرتشي مزور محتال، وبتعطيل الأحكام والقوانين تسود الفوضى، ويختل النظام، ومعنى هذا ان من اتصف بشيء من ذلك فلا يصلح للحكم والولاية

الخطبة - 130 -

عاقبة المترفين.. فقرة 1 - 2 :

نَحْمَدُهُ عَلى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى، وَعَلى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى. الْبَاطِنُ لِكُلِّ خفِيّة. الْخَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ. الْعَالِمُ بِمَا تُكِنُ الصُّدُورُ وَمَا تَخُونُ العُيُونُ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُهُ وَبَعِينُهُ شَهَادَةٌ يُوافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلَانَ وَالْقَلْبُ السَانَ فَإنَّهُ وَاللَّهِ الْجِدُّ لَا اللعِبُ، وَالْحَق لَا الْكَذِبُ. وَمَا هُوَ إِلَّا الْمَوْتُ أَسَمَعَ دَاعِيهِ وَأَعْجَلَ حَادِيهِ. فَلَا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنْ جمعَ الْمَالَ. وَحَذِرَ الْإِقْلَالَ وَأَمِنَ الْعَوَاقِبَ، طُولَ أَمَلٍ وَأَسْنِبْعَادَ أَجَلٍ كَيْفَ نَزَلَ بِهِ المَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ محمولاً عَلى أَعْوَادِ المَنَايَا، يَتَعَاطَى بِهِ الرَّجَالُ الرِّجالَ، حَمْلاً على المَنَاكِبِ وَإمْسَاكاً بالأنامل (1). أمَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً

وَيَبْنُونَ مَشِيداً وَيَجْمَعُونَ كَثِيراً، أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً، وَمَا جَمَعَوا بُوراً. وَصَارَتْ أَمْوَالُهُمْ لِلْوَارِثِينَ، وَأَزْوَاجُهُمْ لِقَومِ آخَرِينَ، لَا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ، وَلَا مِنْ سَيِّئَةٍ يُسْتَعْتُبُونَ. فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قلْبَهُ بَرَّزَ مَبْلَهُ وَفَارَ عَمَلُهُ. فَاهْتَبِلُوا هَبْلَهَا، وَاعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا. فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخلَقَ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ تَجَازاً لِتَزَوْدُوا مِنْهَا الأعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. فَكُونُوا مِنْهَا عَلى أَوْفَازِ. وَقَرِّبُوا الظهور للزيال (2).

اللغة :

أبلى : أعطى خيراً. وابتلى : امتحن. ونجيبه : من النجابة والاختيار وبعيثه : مبعوثه. والبور : الكساد والهلاك، وبرز - بتشديد الراء - فاق والمهل - بفتح الهاء التقدم في الخير واهتبلوا - بصيغة الأمر - اغتنموا وأوفاز : تمع وفز أي العجلة. والزيال : الرحيل.

الإعراب :

الباطن خبر لمبتدأ محذوف أي هو الباطن، وأسمع فعل ماض، وقال بعض الشارحين : يجوز ان يكون «أسمع» اسم للتفضيل مثل أحسن وأكمل !.. ويرده ان التفضيل لا بد له من طرفين، ومحمولاً حال، وحملا نصب على المصدر أي يحملونه حملاً، ومثله إمساكاً، وبعيداً صفة لمحذوف أي أملاً بعيداً، ومثله مشيداً وكثيراً أي بناء مشيداً، ومالاً كثيراً، وبوراً خبر أصبح المحذوفة اي وأصبح الذي جمعوه بوراً.

المعنى:

(نحمده تعالى على ما أخذ وأعطى، وعلى ما أبلى وابتلى). أعطى وأبلى عظف تفسير، لأن الإبلاء إحسان، وأيضاً أخذ وابتلى عطف تفسير، لأن الابتلاء امتحان، والحمد على النعمة يعبر عن شكر المنعم، أما الحمد على الابتلاء فهو دليل الرضا بقضائه تعالى، والصبر على بلائه (الباطن – الى - العيون) المراد بالباطن العالم، يقال : بطن الأمر اي، يقال : بطن الأمر اي علمه، والحاضر الشاهد، وعطف بعض هذه الجمل على بعض من باب عطف التفسير، ومعناها مجتمعة ومفترقة ان الله يعلم السر وأخفى.

(وان محمداً نجيبه وبعيثه) أي خيرته من خلقه، وسفيره اليهم (شهادة يوافق فيها السر الإعلان، والقلب اللسان). انسجام والتحام بين النية والقول والفعل في الشهادة بالتوحيد ورسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومعنى الانسجام بين هذه الأمور الثلاثة ان النية من شؤون القلب والروح، و «الروحانيات» بكاملها ليست بشيء إلا اذا تحولت الى قوى مادية تحس وتلمس، أما الكلام فهو حروف ميتة وحياته أن يتجسد في الأعمال، واذن فالنية الصادقة،، واذن فالنية الصادقة، والأقوال المخلصة لا تفترق عن العمل بحال.

فلسفة الأمل

(فإنه والله الجد – الى – حاديه). الضمير في انه يعود الى الإنذار والتحذير المفهوم من سياق الكلام، والذي حذر الإمام من عدم العمل له واقع لا محالة وهو الموت وما بعده، وأي حي ينجو من الموت حتى ينكره بصرف النظر عن داعيه وحاديه.؟ ولكنا نأمل أن تمتد بنا الحياة لرغبتنا فيها، ولما نراه من كثرة الأحياء، فتحدث هذه الرؤيا في نفوسنا الأمل في البقاء أمداً طويلاً.. ولكنه أمل خادع وكاذب، ولذا حذر منه الإمام بقوله : (فلا يغرنك سواد الناس من نفسك). وسواد الناس كثرة الأحياء، أي احذر من نفسك التي تخدعك وتمنيك بطول، العمر وتقول لك : انظر الى هؤلاء الأحياء وكثرتهم، وأنت واحد منهم، والى فلان كم عاش، وسوف تعيش أكثر منه.

ولا أعرف أحداً تكلم عن الأمل في العيش وفلسفه بهذه الدقة، وهذا العمق – غير

الإمام، ولا سر إلا علم الإمام بحقيقة الدنيا، وأنها مطية الآخرة، وأن أي عمل لا يترك أثراً طيباً في آخرة الانسان فهو هباء، مع العلم بأن الأثر الطيب هو التجرد عن الأنانية والتضحيات لخير الانسانية.

(وقد رأيت من كان - الى - الأنامل) عجباً من الانسان يغتر ويأمل في الحياة الدنيا، وهو يرى رأي العين مصير من جمع وحرص وأمن العواقب : كيف حمل على النعش جثة هامدة ينتقل من يد الى يد، ومن كتف الى آخر ومع هذا لا يتعظ ولا يعتبر ؟ (أما رأيتم الذين– الى - آخرين) السابقون بنوا واقتنوا، وتزوجوا ونسلوا، وطالت منهم وطالت منهم الآمال ولكن ما استقرت بهم الدار حتى رحلوا من القصور الى القبور، ومن العمار الى الدمار والأموال التي جمعوها تقاسمها الأقارب، أما الأزواج فمن نصيب الأباعد. وفي بعض كلامه : أما الدور فقد سكنت، واما الأزواج فقد نكحت، واما الأموال فقد قسمت.

(لا من حسنة يزيدون، ولا من سيئة يستعتبون). من مات فات.. إذ لا عمل بعد الموت يزيد في الحسنات، ولا توبة تمحو السيئات (فمن أشعر التقوى قلبه برز مهله). أشعر هنا من الشعار لا من الشعور، والمعنى أن من ألبس قلبه ثوب التقوى فقد سبق الى الخيرات، ونجا من المهلكات (فاهتبلوا هبلها). الهاء في هبلها للفرصة المستفادة من سياق الكلام أي بادروا في حياتكم الى صالح الأعمال، فهي وحدها الطريق الى جنة النعيم.

(فإن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام الخ).. ومثله في بعض حكمه : الدنيا دار ممر لا دار مقر.. اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل (فكونوا منها على أوفاز) أي استعجال (وقربوا الظهور) المطابا (للزيال) للرحيل من دار الفناء الى دار البقاء.

والخلاصة ان الإمام يزهد بكلامه هذا في كل عمل لا يترك أثراً طيباً في الحياة، ويُرغب في العمل النافع الذي يترك أثراً ينتفع به الجميع، لا فرد دون فرد، أو فئة دون فئة.

الخطبة - 131 -

الله ومحمد والقرآن.. فقرة 1 - 2 :

وأنقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ بِأَزِمّتِهَا، وَقَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ مَقَالِيدَهَا، وَسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ الْأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ. وَقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضَبَانِهَا النِّيرَانَ الْمُضِيئَةَ، وَأَنتَ أُكُلَها بِكَلِمَاتِهِ الثِّارَ الْيَانِعَةَ وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقَ لاَ يَعْيِي لِسَانُهُ، وَبَنتُ لاَ تُهدَمُ أَرْكَانُهُ، وَعِزُّ لاَ تُهْزَمُ أَعْوَانَهُ أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَتَنَازُع مِنَ الْأَلْسُنِ، فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ، وَخَتَمَ بِهِ الوَحْيَ، فَجَاهَدَ فِي اللهِ المدبرينَ عَنْهُ وَالْعَادِلِينَ بِهِ وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الْأَعْمَى، لاَ يُبْصِرُ يما وَرَاءَهَا شَيْئاً، وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرَهُ وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا. فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخص، وَالْأَعْمَى إِلَيْهَا شاخص. وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوَّدُ، وَالْأعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدُ (1). وَأَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَيَكَادُ صَاحِبُهُ

يشبع مِنْهُ وَيَملُّهُ إِلَّا الْحَيَاةَ فَإنَّهُ لاَ يَجِدُ لَهُ فِي المَوْتِ رَاحَةً. وَإِنَّما ذلِكَ بمنزِلَةِ الحِكْمَةِ التي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ المَيِّتِ، وَبَصَرُ لِلعَيْنِ العمياء، وَسَمَعْ لِلْأُذُنِ الصَّماءِ، وَرِيٌّ لِلظَّمْآنِ وَفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَالسَّلامَةُ. كِتابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ به، و تَسْمَعُونَ بهِ، وينطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ويَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْض. لا يختلف في الله، وَلاَ يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ. قَدِ أَصْطَلَعْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فيمَا بَيْنَكُمْ و نبتَ المَرْعَى عَلى دِمَنِكُمْ. وَنَصَافَيْتُمْ عَلى حِبُّ الْآمَالِ، وَتَعَادَبْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ. لَقَدِ اسْتَهَانَ بِكُمُ الْخَبِيثُ، وَتَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ، واللهُ المُسْتَعَانُ عَلى نَفْسِي وَأَنفُسِكُمْ (2).

اللغة :

أزمة : جمع زمام، أي حبل او لجام تقاد به الدابة. ومقاليد : جمع مقلاد، وهو المفتاح. والناضرة : الجميلة الحسنة. واليانعة : الناضجة. وبين وبين أظهركم أو ظهريكم أو ظهرانيكم - بفتح النون - أي بينكم. ويطلق الشاخص على المسافر، وهو المراد من الشاخص الأول، وأيضاً يطلق على الناظر، وهو المراد من الشاخص الثاني. والدمن : جمع الدمنة وهي المزبلة.

الإعراب :

أكلها مفعول آتت، والثمار بدل منه، وفيما لدي من الطبعات جاءت الضمة على راء الثمار، وهو خطأ، والصواب الفتحة علامة للنصب، وبين أظهر كم متعلق بمحذوف خبراً لكتاب الله، وناطق خير ثان أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو ناطق، والضمير في «انه ليس» للشأن.

المعنى :

(وانقادت له الدنيا - الى - مقاليدها). ان حكمه تعالى نافذ في الكونين والنشأتين : الدنيا والآخرة، وإليه يرجع، وإليه يرجع الأمر كله، فتبارك الله رب العالمين (وسجدت له بالغدو والآصال الأشجار الناضرة). المراد بالسجود هنا الخضوع والانقياد، وبالغدو والآصال الصباح والمساء أي في كل حين، ويشير الإمام بهذا الى قوله تعالى : (والله يسجد ما في السموات وما في الأرض - 49 النحل). (وقدحت له من قضبانها النيران المضيئة). إشارة الى قوله تعالى : «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا – 80 يس». وأنت اكلها بكلماته - أي بقدرته - الثمار اليانعة) أعطتنا الأشجار بقدرته تعالى ما يؤكل منها أي الفاكهة الناضجة : فهل من شاكر ذاكر ؟

(وكتاب الله الخ).. ان القرآن يدعو الى حياة أفضل، وهذه الدعوة قائمة منذ نزوله الى قيام الساعة، وهي بينة واضحة، ومن استجاب لها، وواصل السير على طريقها فهو في حصن حصين من الأضرار والأخطار : أما تأخر المسلمين فتقع المسؤولية في ذلك عليهم لا على القرآن

(أرسله على حين فترة من الرسل). أرسل سبحانه محمداً بالحق الى الخلق بعد أمد غير قصير بينه وبين من تقدمه من المرسلين، وتقدم بالحرف الواحد في الخطبة 87 و 92 (وتنازع من الألسن) حين أرسل سبحانه نبيه الكريم كان النزاع في الدين قائماً بين عبدة الأصنام وأهل الكتاب، وبين العرب بعضهم مع بعض، وكلمة الألسن تشير الى ان هذا النزاع كان مجرد كلام لا شيء وراءه إلا الشحناء وإثارة الحروب (فقفی به الرسل) اتبعهم به قال تعالى : (ثم قضينا على آثارهم برسلنا - 27 الحديد).

(وختم به الوحي) تقدم بيان السبب الموجب لذلك في شرح الخطبة 71 و 85. وقال الشاعر الفيلسوف محمد إقبال : «لا بد أن يكون محمد خاتم، الأنبياء ورسالته آخر الرسالات، لأنه جاء ليدعو الى تحكيم العقل فيما يعرض للناس من مشکلات، وفيه، وفيه مع ما جاء به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الكفاية». (والعادلين به) أي الجاعلين له عديلاً ومثيلاً.

(وانما الدنيا منتهى بصر الأعمى الخ).. الأعمى قد يؤمن بالله واليوم الآخر كأنه يراهما، وإذن فهو بصير بالنسبة اليهما، وان كان أعمى بالنسبة الى الشمس،

ومن جحد بالله واليوم الآخر فهو أعمى بالقياس اليها، وان كانت عيناه كعدسة التلسكوب، ومن كانت الدنيا كل همه واهتمامه، ولم يفعل شيئاً لآخرته فهو في عمى عنها سواء آمن بها نظرياً، أم جحدها من الأساس (والبصير ينفذها بصره، ويعلم ان الدار وراءها). الهاء في ينفذها للدنيا، والمعنى ان العالم يمند نظره الى ما وراء الدنيا ويدرك أن هناك كوناً آخر، ونشأة ثانية بعد نشأتنا هذه، والذي لاحظناه وعرفناه أن أكثر الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم ومشاكلهم ينكرون البعث والنشر، ويقولون : ما دامت الدنيا هي الجنة فعلينا أن نتمتع بهما الى أقصى الحدود.

(فالبصير منها شاخص) أي مسافر الى الآخرة، فهي هدفه ومثله الأعلى، ولذا يعمل لها عملها (والأعمى اليها شاخص) أي يتطلع الى الدنيا وحدها، ويعمى عن الآخرة (والبصير منها متزود) بما يترك من أثر طيب ينتفع به الناس (والأعمى لها متزود) ومشغول بنفسه عمن حوله (واعلموا انه ليس من شيء إلا ويكاد صاحبه يشبع منه الى - راحة). الانسان يحب الحياة على علاتها وتراكم آلامها، ويكره الموت حتى الذين استعدوا له يلاقونه على كره، ومن الذي يحب أن تفارق روحه بدنه إلا اذا كان بعمله ويقينه كعلي بن أبي طالب الذي قال حين استشهد : فزت ورب الكعبة. أما غيره فيخشي أن يكون ما بعد الموت أدهى وأمر. وقال قائل يؤمن بالله واليوم الآخر : : «ولو إنا اذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل ح»ي.

(وانما ذلك بمنزلة الحكمة). اختلف الشارحون فيما هو المراد من ذلك وفي رأينا انه حب الدنيا المفهوم من سياق الكلام والمعنى ان في حب الحياة مصلحة وحكمة، وهي البعث على الجد والاجتهاد «ولولا الأمل لبطل العمل». وعن النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) انه قال : «الأمل رحمة، ولولا الأمل ما أرضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجراً». والمذموم هو طول الأمل طول الأمل، لا أصل الأمل، أو الأمل الذي يؤدي الى أذى الناس والإضرار بمصالحهم، ثم أشار الإمام الى الحكمة بوجه العموم وقال : (هي حياة للقلب الخ) الحكمة في حقيقتها هي العلم الصحيح والتدبير المحكم بوضع الشيء في موضعه، وليس من شك ان الذي يدبر الأمور بعقل وعلم لا بد أن يكون سليم القلب والسمع والبصر، وأن يصل الى غايته تماماً كالظمآن يرتوي من عذب الماء

(كتاب الله تبصرون به) الحق، قال سبحانه : «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ - 1 الإسراء. (وتنطقون به) يمدكم بالعلم والمعرفة، والحجج الدامغة المفخمة لكل جاحد ومعاند، وقال الإمام في الخطبة 104 يصف الاسلام بأنه برهان لمن تكلم به، وشاهد لمن خاصم عنه (وتسمعون به) يجذبكم الى الاستماع اليه من حيث لا تشعرون لما فيه من إعجاز في الحكمة والبلاغة، وكان المشركون - على عدائهم لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - لا يستطيعون أن يكتموا إعجابهم بالقرآن، ويقول بعضهم لبعض : هذا سحر مبين، يفرق بين المرء وزوجه.. وأي انسان تقع على أذنيه عبارة القرآن، ولا يعجب ويذهل ولا يعجب ويذهل، وإن كان من الكافرين !.

(وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض) أي يفسر بعضه بعضاً لأن مصدره واحد، ومثال ذلك قوله تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى» - 178 البقرة» : فإن المفهوم من هذه الآية ان النفس بالنفس حتى ولو كان القتل خطأ، ولكن الآية 92 من سورة النساء أخرجت قتل الخطأ من القصاص، وحصرته يقتل العمد « وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ» (ولا يختلف في الله). ليس في كتاب الله آية تثبت وجوده تعالى، وثانية تنفيه، لأن الحق لا يناقض بعضه بعضاً، ولا يتغير ويتبدل (ولا يخالف بصاحبه عن الله). ما ضل من ما ضل من تمسك بالقرآن، وما خاب من التجأ اليه.

(قد اصطلحتم على الغل الخ).. ظاهر كم مشرق، وباطنكم مظلم تماماً كخضرة الدمن !.. لين وزهد وتعاطف في الظاهر، أما الباطن فغش وحقد وتناحر على الحرام، استحوذ عليكم الشيطان، فتماديتم في الغي، واستسلمتم الى التهلكة.

الخطبة - 132 -

وَقَدْ تَوَكَّلَ اللهُ لأهل هذا الدِّينِ بِأَعْزَازِ الْحَوْزَةِ، وَسَتْرِ الْعَورَةِ وَالَّذِي نَصَرَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَنتَصِرُونَ، وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَمتَنِعُونَ: حَيٌّ لَا يَمُوتُ. إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إلى هذا العَدُوِّ بِنَفْسِكَ فَتَلْقَهُمْ بِشَخْصِكَ فَتَنْكَبْ لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَائِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ. لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعُ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ. فَابْعَثُ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً، وَأَحْفِرْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلَاءِ وَالنَّصِيحَةِ، فَإِنْ أَظهَرَ اللهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ، وَإن تَكُنِ الأُخرَى كُنتَ رِدْءًا لِلنَّاسِ وَمَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ

اللغة :

توكل الله : ضمن الله. وحوز المملكة : ما بين تخومها، وحوز الإسلام حدوده ونواحيه، وحوزة الإمام ما في تصرفه. وتنكب : تصاب بنكبة ونكسة

وكانفة : عاصمة مانعة. وأحفز : دفع وأرسل. وردءاً : درعاً وملجأ. ومثابة : من ثاب، أي رجع.

الإعراب :

حي خبر للذين نصرهم، فتنكب عطف على تسر، ولا تكن (لا) نافية وتكن محروم بمتی والأصل لا تكون، وكانفة اسم تكن، وكانفة اسم تكن، وبعدك خبر مقدم لليس، فذاك ما تحب مبتدأ وخبر.

المعنى :

جاء في الجزء الثاني من تاريخ ابن الأثير بعنوان «ذكر فتح بيت المقدس وهو ايلياء» ان أبا عبيدة حاصر بيت المقدس سنة 15، فطلب أهله أن يصالحهم بشرط أن يكون المتولي لعقد الصلح الخليفة عمر بن الخطاب، فكتب أبو عبيدة بذلك الى عمر، فقال له الإمام علي : أين تخرج بنفسك ! ولكنه سار الى بيت المقدس، وصالح أهله على الجزية.. وذكر ابن الأثير في هذه الحادثة أن قائلاً قال لعمر : لو تركت في بيت المال مبلغاً لأمر يحدث. فقال له عمر : هذه كلمة ألقاها الشيطان على لسانك، وقاني الله شرها،، وهي فتنة بعدي، بل اني أعد لهمما أعد الله ورسوله، طاعة الله ورسوله، انهما عدتنا التي انتهينا منها الى ما ترون فإذا كان المال دين أحدكم هلكتم وصدق عمر حيث هلك في عهد عثمان المشتري والبائع.

(وقد توكل الله هذا الدين بإعزاز الحوزة وستر العورة). المراد بالحوزة ما حازه المسلمون من النواحي، وبالعورة الخلل في الثغور الذي ينفذ منه العدو، والمعنى ان الله سبحانه قد ضمن النصر لأمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من بعده، وأن يصونهم من العدو بالتأكيد والتسديد، وبستر ما فيهم من ضعف عن العدو حرصاً على هيبتهم في نفسه، ضمن سبحانه لهم ذلك على أن يمضوا بعد نبيهم في دعوة الحق، وينشروها في الشرق والغرب، ويرابطوا ويجاهدوا في سبيلها تماماً كما فعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والصحابة في عهده.

(والذي نصرهم الى - لا تموت). ان الله الذي جعل من هؤلاء العرب الذين كانوا قبل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أقلاء أذلاء، جعل منهم أمة مسلمة لها شأنها وعظمتها هو حي وقادر أن ينصركم الآن كما فعل من قبل : « وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - 123 آل عمران».

(انك متى تسر الخ).. الخطاب للخليفة الخطاب للخليفة عمر، والكلام واضح، وملخصه لا تذهب بنفسك الى العدو، لأنك الرأس والقائد، فإن قتلت أو هزمت عمت المصيبة جميع المسلمين، والرأي ان تبقى في مكانك، وترسل جيشاً مخلصاً ومدرباً بقيادة كفؤ تختاره، فإن كان النصر فهو المطلوب وإلا بقي المسلمون على مكانتهم في حصن حصين بوجودك، ورأيت رأيك فيما ينبغي.

الخطبة - 133 -

أبعد الله نواك :

يَا ابْنَ اللَّعِينَ الْأَبْتَرِ، وَالشَّجَرَةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا وَلَا فَرْعَ، أَنتَ تكفيني ؟ واللهِ مَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَنتَ نَاصِرُهُ، وَلَا قَامَ مَنْ أَنتَ مُنْهِضُهُ. اخْرُجْ عَنا أَبْعَدَ اللهُ نَوَاكَ، ثُمَّ أَبْلِغْ جَهْدَكَ فَلَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِن أَبْقَيْتَ.

اللغة :

الأبتر : من لا عقب له، أو القصر، أو الخبيث الذي لا خير فيه. وأبعد الله فواك : أبعد سفرك او دارك. والجهد – بفتح الجيم – الغاية.

الإعراب :

والشجرة عطف على اللعين أي ويا ابن الشجرة، ولا فرع يجوز فتح «فرع»

لتركيبه مع (لا) العاملة عمل (ان) ويجوز نصبه عطفاً على محل اسم «لا» الأولى، ويجوز رفعه بالابتداء والخبر محذوف أي ولا فرع لها.

المعنى:

في تعليق الشيخ محمد عبده ما نصه : «قالوا : كان نزاع بين أمير المؤمنين - أي علي - وبين عثمان وبين عثمان، فقال المغيرة بن الأخنس لعثمان : أنا أكفيكه. فقال علي : يا ابن اللعين الخ وإنما قال ذلك لأن أباه الأخنس كان من رؤوس المنافقين».

وفي شرح ابن أبي الحديد : «كان الأخنس ابو المغيرة من أكابر المنافقين ذكره أصحاب الحديث كلهم في المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا يوم الفتح بألسنتهم دون قلوبهم.. وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد قتل يوم أحد في الحرب أبا الحكم بن الأخنس، وهو أخو المغيرة، والحقد الذي في قلبه على الإمام من هذه الجهة، وإنما قال الإمام يا ابن الأبتر، لأن من كان عقبه ضالاً خبيثاً فهو كمن لا عقب له، بل من لا عقب له خير منه».

قتل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخا المغيرة بن الأخنس على الكفر، أما أبو المغيرة فهو من رؤوس المنافقين وأكابرهم كما أشرنا، وكل منافق فهو بطبعه عدو الإيمان والمؤمنين، فإذا عطفنا على نفاق الأب كفر الأخ الذي قتله الإمام تراكمت الأحقاد على أمير المؤمنين في قلب المغيرة.. ولكن لا أثر ولكن لا أثر لأحقاد الجاهلية إلا على حاملها.

قال الشريف الرضي والشيخ محمد عبده : كان نزاع بين علي وعثمان. وقال أصحاب السير والتاريخ في سبب هذا النزاع : ان علياً وغيره من الصحابة نقموا على عثمان لأنه أباح لأقاربه وعماله وأنصاره ما ليس بمباح. وقال العقاد في عبقرية الإمام : «ان جاءت صيحة الاصلاح والتغيير عن طريق الدين فعلي كان إمام العلم والقراءة، وأحق من يتكلم يتفقيه وتفسير، وان كانت الصيحة من الفقراء أو من تهافت الولاة على المال فعلي يبغض هذا التهافت عن زهد في المال لا عن قلة الوسائل اليه، فما شكا شاك قط إلا وعلي شريكه في شكواه».

(والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع). المراد بالأصل هنا ثقيف، لأن

المغيرة بن الأخنس الأخنس ثقفي،، أما الفرع فما بين كافر كأخي المغيرة ومنافق كأبيه قال ابن أبي الحديد: ان ثقيفاً في نسبها طعن، وفي رواية عن رسول الله : أنه لعن ثلاثة بيوت : بني أمية، وبني المغيرة، وثقيفاً، وفي ثانية : لولا عروة ابن مسعود للعنت ثقيفاً (ما أعز الله من أنت ناصره) من كان ناصره المغيرة ابن الأخنس فهو ذليل حتى ولو كان خليفة المسلمين (ثم أبلغ جهدك) افعل ما بدا لك الى غايتك (فلا أبقى الله عليك ان أبقيت) أي ان أبقيتني حياً، أو استطعت أن تفعل بي مكروهاً ولم تفعل.

الخطبة - 134 -

بيعة الإمام :

لَمْ تَكُنْ يَبْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً. إِنِّي أريدكم لِلهِ وَأَنتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنفُسِكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُونِي عَلى أنفُسِكُمْ، وَايْمُ اللهِ لأنصِفَنَّ المظلُومَ مِنْ ظَالِلِهِ، وَلَأقودَنَّ الظَّالِم بِخِزَامَتِهِ، حَتَّى أَوردَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِها.

اللغة :

الفلتة : من فلت الأمر اذا كان من غير إحكام وتدبير. والخزامة - بكسر الحاء -من خزم البعير - بتشديد الزاي - إذا جعل في جانب منخره الحزام أو الخزامة، وهي حلقة يشد فيها الزمام.

الإعراب :

إياي أصلها لي، ثم حذفت اللام فانتصب الضمير بنزع الخافض. وايم الله مبتدأ والخبر محذوف حتما اي قسمي.

بيعة أبي بكر فلتة :

(لم تكن بيعتكم أياي فلتة). في الخطبة 3 و 90 ذكرنا ان الصحابة وغيرهم من المسلمين بايعوا الإمام بعد تردد منه وامتناع، وقال في الخطبة التالية : «قبضت كفي فبسطتموها، ونازعتكم يدي فجاذبتموها». وقال في رسالة من رسائله : «لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى بايعوني، وان العامة لم تبايعني لسلطان غالب، ولا لعرض حاضر» أي لا بالقهر والغلبة ولا لطمع في مال.

أما كلمة (فلتة) فقال الشارحون : أنها تعريض بخلافة أبي بكر.. وليس هذا ببعيد ومهما يكن فقد مثلت هذه الكلمة دوراً كبيراً في بحث الإمامة والخلافة عند المسلمين، وكتب فيها السنة والشيعة صفحات طوالاً عراضاً، ومجمل الحكاية ان الخليفة الثاني خطب في ذات يوم وقال : «أيها الناس ان بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد الى مثلها فاقتلوه». وفهم الناس آنذاك ان هذا طعن في خلافة أبي بكر، وكان الشعبي يحدث الناس ويقول : كان في صدر عمر خب على أبي بكر ولما أنكر عليه بعض من سمع هذا منه قال له الشعبي : كيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها.؟ أيقول عدو في عدوه أكثر من ذلك ؟ (انظر شرح ابن أبي الحديد على النهج ج 1 ص 124 الطبعة القديمة).

وذكر الشيعة في كتبهم مآخذ على بيعة أبي بكر، منها قول عمر : «كانت فلتة»، وأجاب بعض الشيوخ القدامى بأن عمر أراد ان بيعة أبي بكر كانت بادرة طيبة، وفرصة حسنة لاجتماع كلمة المسلمين اغتنمها ابو بكر او من مهد له قبل أن تفوت، أما قول عمر : وقى الله شرها، فمعناه أن الله تعالى دفع بها شر الاختلاف بين المسلمين، والمراد بمن عاد الى مثلها فاقتلوه - أن من تولى الخلافة بلا مشورة المسلمين، ولا عدد كاف منهم كما فعل أبو بكر - فاقتلوه، وليس له أن يقيس على بيعة أبي بكر لأن لهذه البيعة مبرراً واضحاً وهو جمع كلمة المسلمين، وصونهم من الاختلاف.

وقال الشيعة : لو أن عمر قال : كانت فلتة وسكت لأمكن الأخذ بتفسير الفلتة بالفرصة والبغتة، ولكن قوله بلا فاصل : وقى الله شرها، ومن عاد الى، مثلها فاقتلوه - يأبى هذا التعسف والتكلف.

هذا تلخيص سريع للنقاش بين السنة والشيعة حول هذه الفلتة، ومن أراد

التوسع فليرجع الى كتاب «المغني» للقاضي عبد الجبار، والشافي للشريف المرتضى والجزء الأول من شرح النهج لابن أبي الحديد ص 123 الطبعة القديمة.

(وليس أمري وأمركم واحداً) وذلك (اني أريدكم الله، وأنتم تريدوني لأنفسكم) تماماً كالوالد الرؤوف يريد ولده للعلم والدرس، ويأبى الولد إلا اللهو واللعب، وقال العقاد في كتاب «عبقرية الإمام» : فرق بين الملك والخليفة، فلن يكون الحاكم ملكاً بأدوات خليفة، ولا خليفة بأدوات ملك، وعلي بن أبي طالب خليفة، وليس ملكاً، ومن أصحاب المبادىء البارزين في الاصلاح لا من أصحاب المنافع البارزين في دوام المنفعة.

(أيها الناس أعينوني على أنفسكم) بترويضها على قبول الحق، وفي رسالة بعثها الى بعض عماله : أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد (وأيم الله لأنصفن المظلوم الخ) وإنصاف المظلوم، وإغاثة الملهوف تماماً كصيحة الحرية يطلقها من يؤمن بالعدالة، وينبض قلبه بشيء من معنى الانسانية، ولا فرق بين الظالم ومن رضي بالظلم، كلاهما وحش كاسر.

الخطبة - 135 -

يطلبون دماً سفكوه.. فقرة 1 - 2 :

واللهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَى مُنْكَراً، وَلَا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفا. وَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ حَقًّاهُمْ تَرَكُوهُ، وَدَمَا هُمْ سَفَكُوهُ. فَإِن كُنتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَما الطَّلِبَةُ إِلا قِبَلَهُمْ. وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ الْحُكُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ. إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ وَلَا لُبِسَ عَلَى. وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الحَما وَالحَمَةُ، وَالشَّبْهَةُ الْمُغْدِقَةُ وَإِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحٌ. وَقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ، وَأَنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغَبِهِ، وَايْمُ اللهِ لَأَفْرِطَنَّ لَهُمْ حَيْضاً أَنَا مَاتِحَهُ لاَ يُصْدِرُونَ عَنْهُ بِرِي، وَلَا يَعْبُونَ بَعْدَهُ في حسي (1). فأقبلم إلى إقبال العُوذِ المَطَافِيلِ عَلى أَوْلاَدِهَا، تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ البَيْعَةَ. قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا اللهُم إنّها قَطَعَالِي وَظَلَمَالِي، وَنَكثَا

بيعتي، وَألَبًا النَّاسَ عَلَى. فَاحْلُلْ ما عَقَدَا، وَلَا تُحْكِيمْ لَهُما مَا أَبْرَمَا وَأَرِهِمَا المَسَاءَةَ فِيما أَمْلاً وَعَمِلا. وَلَقَدِ اسْتَثَبْتُهما قَبْلَ الْقِتَالِ، وَاسْتَأْنَيْتُ بهما أمَامَ الوِقاع، فَغَمَطَا النِّعْمَةَ وَرَدًا الْعَافِيةَ (2).

اللغة :

النصف - بكسر النون الانصاف، يقال : اعط الناس النصف من نفسك أي انصفهم منها، والطلبة - بكسر اللام - التبعة. وقبلهم - بكسر القاف - عندهم، قال الإمام عن أصحاب الجمل في الخطبة : «فما التبعة إلا عندهم». والحما بلا همزة : أبو الزوج، والمراد به هنا كل قريب. وحمة العقرب : سمها كما في ابن أبي الحديد. والمغدفة : عليها ستر وغطاء. والنصاب : الأصل والشغب : إثارة الشر. وأفرط الحوض : ملأه وحديث : أنا فرطكم - بفتح الراء - على الحوض اي ساقيكم. والماتح : النازع. وصدر عنه : رجع وانصرف. ويعبون : يشربون. والحسي : ماء يستخرج بالحفر، والحسوة : جرعة من من الشراب. والعوذ - بضم العين - جمع عائدة،، وهي كل أنثى قريبة العهد بالولادة. ومطافيل : جمع مطفل أي ذات الطفل. واستثبتها : طلبت اليها الرجوع الى البيعة، من ثاب أي رجع. والوقاع : الحرب. والغمط : الجحود

الإعراب :

فما الطلبة «ما» نافية، وقبلهم ظرف بمعنى عند، وللحكم اللام للابتداء، و دخلت على خبر ان بقصد التوكيد، وأفرطن فعل مضارع، والبيعة الأولى مفعول لفعل محذوف أي نريد البيعة، والثانية توكيد للأولى.

المعنى:

(والله ما أنكروا علي - الى - هم سفكوه). كان الزبير وطلحة وعائشة

وراء ما حدث لعثمان، وعليهم تقع التبعة في دمه، هذا رموا به الإمام علياً إثماً وبهتاناً، ولذا قال : الحجة في دم عثمان عليهم لا علي. قال المستشرق الألماني «فلهوزن» في كتاب «تاريخ الدول العربية»، ص 52 طبعة 1958 : «لم يأل طلحة والزبير جهداً في الكيد لعثمان.. وبعد أن بايعا علياً خرجا عليه خروج المنافسين، وانهماه بدم عثمان.. واشتركت عائشة اشتراكاً قوياً في الثورة على عثمان.. ثم انسحبت منها، وتستطيع أن تكيف موقفها بحسب ما يؤول اليه أمر الفتنة، وكانت تبغض علياً، فلما سمعت ببيعته لم تتردد في تقديس عثمان ونادت الى الأخذ بالثأر له من الخليفة الجديد، وقد التف حولها عدد من الهراب».

وقال العقاد في كتاب «العبقريات الاسلامية»، ص 893 : «ثار طلحة وأصحابه على الإمام علي ليطلبوه بدم عثمان، وهم لم يدفعوا عنه في حياته بعض ما دفع عنه علي، وقد كان عثمان كثيراً ما يقول : ويلي من طلحة أعطيه كذا وكذا ذهباً، وهو يروم دمي».. وقال العقاد في 897 : «جميع الطامعين في الولاية والأموال، وعلى رأسهم طلحة والزبير، حشدوا جموعهم بالبصرة.. وخرجت عائشة مع المطالبين بدم عثمان عثمان.. وكانت من قبل تشكك الناس فيه». وتقدم الكلام عن ذلك مرات، منها في شرح الخطبة 22.

(فإن كنت شريكهم فيه الى - قبلهم). قتلوا عثمان أو حرضوا أو رضوا أو سكتوا، ثم طالبوا علياً بدمه، فإن كان الإمام علي فعل مثل ما فعلوا - وفرض المحال ليس بمحال - فعلام يشهرون عليه السيوف، وهم فيه شركاء ؟ وإن لم يشاركهم في شيء من ذلك فالحجة عليهم، ولهم ألزم. وتقدم مثله في الخطبة 22 (إن أول عدلهم للحكم على أنفسهم). ينكثون البيعة والعهد، ويقومون على الظلم، ويستهينون بحق الله والناس، ومع هذا يطالبون بالعدل هذا يطالبون بالعدل، ويدعون انهم دعاة الأمر بالمعروف، ولكنهم لا ينصفون الناس من أنفسهم، ولا يحكمون عليها بما كسبت أيديهم !.

(ان معي لبصيرتي) التي أبصر بها الحق والهداية، وأفضح الباطل والضلالة (ما لبستُ ولا لبس علي) ما دلست على أحد، ولا استطاع أحد أن يدلس علي، وتقدم مثله في الخطبة 10 (وانها الفئة الباغية فيها الحما والحمة). قال الشيخ محمد عبده : «كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد أخبر عليا انه ستبغي عليه فئة، فيها بعض احمائه واحدى زوجاته، والحما كناية عن الزبير لأنه ابن عمة النبي».

وبهذا الحديث الذي أثبته الشيخ محمد عبده يكون أصحاب الجمل من أهل البغي تماماً كأصحاب صفين (والشبهة المغدفة) أي تخفي الحق وتستره، والمراد بالشبهة هنا التدليس والنفاق بالمطالبة بدم عثمان.

(وان الأمر لواضح) وهو تدليس أصحاب الجمل ونفاقهم، وفي كتاب العبقريات الاسلامية للعقاد ص 893 : «كان طلحة يقود بعض الثائرين على عثمان الى الدور المجاورة ليهبطوا منها الى دار عثمان». وفي شرح ابن أبي الحديد : «كان طلحة متقنعاً بثوب قد استتر به عن أعين الناس، يرمي دار عثمان بالسهام». وسواء أصح هذا، أم لم يصح فإنه يومىء الى يد طلحة الملطخة بدماء عثمان (وقد زاح الباطل عن نصابه)عن اصله، وتبين ان قول اصحاب الجمل لا أصل له ولا أساس. وتقدم مثله في الخطبة 22 (وانقطع لسانه عن شغبه) خرس الباطل وكف عن إثارة الشر والفتن بقتل أصحاب الجمل.

(وايم الله لأفرطن لأملأن (لهم حوضا) المراد به المنية (أنا ماتحه) نازع مائه ومخرجه، وتقدم بالحرف في الخطبة 11 (لا يصدرون عنه بري) لا يرجعون الى الارتواء، بل يموتون عند الحوض (ولا يعبون) لا يشربون (بعده في حسي) الماء الزلال.

(فأقبلتم إلى إقبال – الى - البيعة). أسرعتم إلي تريدوني للمبايعة اسراع النوق التي ولذت حديثاً، الى أولادها. وفي الخطبة 3. «فما راعني إلا والناس حولي كعرف الضبع الي ينثالون علي من كل جانب». وتقدم الكلام عن ذلك بنحو من التفصيل في الخطبة 90 (قبضت كفي فبسطتموها، ونازعتكم بدي فجاذبتموها). ما كان لواحد من الصحابة وغيرهم هوى في بيعة الزبير وطلحة بعد مقتل عثمان، لأنهما كما قال العقاد وغيره : «كانا يشبهان عثمان في كثير مما أخذه عليه المحتاطون في الدين، وتمرد له الفقراء المحرومون، فلقد خاضا في المال» فاتجهت الأنظار كلها الى الإمام، وفي طليعتهم المهاجرون والأنصار يلحون عليه، واذن لم يكن للإمام أي منافس، ومع هذا امتنع وتردد حتى بقي الناس بلا خليفة خمسة ايام، وقيل ثمانية، وأيضاً قيل : إن الذين قتلوا عثمان هددوا الإمام بالقتل ان أصر على الرفض. واشتهر عن «الأشتر» انه قال للإمام : والله لتمدن يدك نبايعك، او لتعصرن عينيك عليها ثالثة. يشير الى ما كان يوم السقيفة، وهي الأولى، وما كان بوم الشورى، وهي الثانية.

(اللهم انهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعني وألبا الناس علي). ضمير التثنية للزبير وطلحة الناكثين بيعة الإمام الباغيين عليه بإعلان الحرب وتأليب الناس عليه) فاحلل ما عقدا، ولا تحكم لهما ما أبرما). دعا الله سبحانه أن لا يحقق شيئاً مما يريدانه من الفتنة والغدر (وأرهما المساءة فيما أملا وعملا) لغير وجهك الكريم ومصلحة المسلمين (ولقد استثبتها قبل القتال) طلبت اليهما الرجوع الى الحق لا الى السيف (واستأنيت بهما أمام الوقاع). صبرت وانتظرت طويلاً قبل الحرب وفاوضت حتى يئست (فغمطا النعمة) جحدا الفضل، وبدلا مكان الحسنة السيئة (وردّا العافية) وهي اجتماع كلمة المسلمين، والتعاون على صالح والتعاون على صالح الجميع، وأبيا إلا الشقاق والفساد في الأرض.

الخطبة - 136 -

الهدى والهوى فقرة 1 - 2:

يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنَ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْي. حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بكُمْ عَلى سَاقٍ بَادِياً نوَاجِدُهَا، مَمْلُوءة أخلاقها، حُلُوا رَضاعها، عَلْقاً عَاقِبَتُهَا. أَلَا وَفِي غَدٍ - وَسَيَأْتِي عَدْ بَمَا لَا تَعْرِفُونَ - يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِها عُمالَهَا عَلى مَسَاوِى أَعْمَالِهَا. وَتُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِينَ كَبِدِهَا، وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا. فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدلُ السِّيرَةِ ويُحْيِي مَيْتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (1). كَأَنّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَفَحَصَ برايَاتِهِ فِي صَوَاحِي كُوفَانَ، فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ، وَفَرَسَ الْأَرْضَ بِالرُّؤوسِ. قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطَأَتُهُ. بَعِيدُ الجَوْلةِ، عَظِيمُ الصَّوْلَةِ. وَاللهِ لَيُشَرِّ دَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ

حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا قَلِيلٌ كَالكُحْلِ فِي العَيْنِ، فَلَا تَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَوُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلَامِهَا. فَالْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَة وَالْآثَارَ الْبَيِّنَةَ وَالْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ. وَأَعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إنما يُسَنِّي لَكُمْ طَرقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ (2).

اللغة :

النواجذ : الأسنان التي تبدو عند الضحك، كما في مجمع البحرين للطريحي ويوميء اليه قول الإمام «باديا». والأخلاف : جمع الخلف - بكسر الحاء - وهو حلمة ضرع الناقة. والفلذة - بكسر الفاء - القطعة من أي شيء كان، وقيل : من الكبد فقط، وقيل : من الذهب والفضة، والجمع أفلاذ وجمع الجمع أفاليذ. وفحص براياته : أسرع بها، وقيل : نحتى الناس بها. وكوفان: الكوفة. والضروس : الناقة السيئة الخلق. وفغرت فاغرته : انفتح فمه. والعوازب : الغائبات. والمراد بأحلامها عقولها. ويسني : يسهل. لتتبعوا عقبه - بفتح العين - لتمشوا في أثره.

الإعراب :

بادياً حال من الحرب، ونواجذها فاعل «بادياً»، ومثله ما بعده، وفي غد متعلق بيأخذ الوالي، وسلماً مفعول من أجله، ويجوز حالا بمعنى مستسلمة، وبعيد الجولة بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي هو بعيد، وبالنصب حال، ومثله عظيم الصولة، والعهد عطف على السنن، والذي صفة للعهد، وعليه خبر مقدم، وباقي مبتدأ مؤخر.

المعنى :

(يعطف الهوى - الى - على الرأي). المراد بالهدى هنا العقل الذي يستحسن

كل شيء يعود بالنفع على الحياة، ويستقبح كل ما يضر بها في جهة من الجهات وقال كثيرون : ان الإمام يشير بقوله هذا إلى المهدي المنتظر الذي وردت فيه أحاديث كثيرة عن طريق السنة والشيعة، وليس من شك ان المقصود بهذا الوصف رباني عظيم، لأنه لا يعمل بالرأي والقياس، ولا يزن الأشياء بالمكاسب والمنافع الخاصة، والمقياس عنده في كل المجالات هو القرآن الكريم والعقل السليم الذي أشرنا اليه، ولو أن الناس كل الناس، أجمعوا على أمر لا يعتمد على أحد هذين فهو عنده بدعة وضلالة.

(حتى تقوم الحرب بكم على ساق بادياً نواجذها). يخبر الإمام بأن حرباً تكون بعده لا تد تدع شيئاً إلا تأتي عليه، وكنى عن قسوتها بقيامها على ساق، وبالتكشير عن أنبابها كالأسد الغضوب، والعرب يكنون عن الشدائد بالقيام على ساق وبالكشف عنه أيضاً قال تعالى مشيراً الى هول الحساب : «يوم يكشف عن ساق - 42 القلم» (مملوءة أخلاقها، حلو ارضاعها، حلو ارضاعها، علقماً عاقبتها). حين تعلن الحرب، يصفق لها أهل الجهالة، ويعلقون عليها آمالاً خادعة حتى إذا وقعت عم الخراب والدمار للقريب والبعيد الخراب والدمار للقريب والبعيد، ولا ينجو من شرها غالب ولا مغلوب، ولا طيب وخبيث : «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً - 25الأنفال» وينطبق هذا الوصف على كل حرب وقعت أو تقع.

الدولة الانسانية :

في آثار أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) روايات كثيرة تقول : سيأتي زمان تعيش فيه البشرية كلها في شعب واحد، وتحت راية واحدة، تدير شؤونها دولة واحدة تحقق العدل والأمن والمساواة للناس أجمعين، أما الرغد والرخاء فلا يختص بفئة دون فئة، ولا بفرد دون فرد، بل يعم الجميع على السواء، ومن أجل هذا يسود الحب والصفاء بين الناس، ويختفي الحسد والتنافس والأحقاد. وتؤكد تلك الروايات ان هذه الدولة والوحدة ليست حلماً أو خيالاً، بل هي حق لا ريب فيه، واليها ينتهي العالم بأكمله لا محالة. وقد بذل علماء الشيعة جهوداً صادقة في تتبع كل خبر وأثر عن أهل البيت يتحدث عن هذا الفردوس، ودونوه في كتبها كتبهم، منها كتاب «الشجرة المباركة» للشيخ علي اليزدي، والمجلد الثاني عشر من «بحار

الأنوار»، والقسم الثالث من الجزء الرابع من «أعيان الشيعة» للسيد محسن الأمين. وذكرت طرفاً من تلك الروايات في كتاب «علي والقرآن»، وأعيد طبعه مرات ثم طبع مع كتاب «إمامة علي والعقل» باسم إمامة علي بين العقل والقرآن.

وأشار الإمام الى هذه الدولة الانسانية بقوله : (ألا وفي غد، وسيأتي غد بما لا تعرفون، يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوىء أعمالها). المراد بالوالي رئيس الدولة الانسانية، وضمير غيرها يعود الى الحرب، ولا شيء غير الحرب إلا الأمن والدعة، أما ضمير أما ضمير أعمالها فيعود الى العمال على معنى جماعتهم، والمراد من هذا الكلام بجملته ان رئيس الدولة الانسانية يحاسب الموظفين فيها على كل كبيرة وصغيرة، ويأخذ المسيء بأعماله، ويعاقبه بما يستحق من غير هوادة، وفي كتب السنة والشيعة عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ان القائم بالأمر يومذاك يملأ الأرض قسطاً وعدلا بعدما ملئت ظلما وجوراً (وتخرج له الأرض أفاليذ كبدها). كناية عن ان الأرض تجود في عهده بخيراتها الظاهر منها والباطن، وفي الأخبار ان سلطان الحاكم يبلغ المشرق والمغرب ولا يبقى في الأرض خراب إلا ويعمره وتظهر له الكنوز، وتلقي الأرض أفلاذ أكبادها ولما سئل راوي هذا الخبر عن معنى أفلاذ أكبادها قال : ما فيها من المعادن.

(وتلقي اليه سلماً مقاليدها). الكل سامع له ومطيع، فلا ثائر ولا غاضب،

وفي بعض الروايات عن أهل البيت : لا يظلم في هذه الدولة أحد أحداً، ولا يخاف شيء من شيء، ولا براق محجمة دم (فيريكم كيف عدل السيرة) بإحقاق الحق، وإزهاق الباطل، وفي رواية : إن عهد القائم بالأمر تختفي فيه الأشرار، وتظهر الأخيار (ويحيي ميت الكتاب والسنة) يحمل الناس على هدي القرآن وسنة الرسول، وكانوا من قبل يفترون ويعتدون.

(كاني به نعق بالشام. وفحص براياته في ضواحي كوفان). لا ندري من هو المقصود بهذا.. ولكن ابن أبي الحديد وغيره قالوا : هو عبد الملك ابن مروان. وليس هذا ببعيد، لأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبر أهل العراق أن رجلاً سيظهر في الشام، ويغزو بلادهم، ويصل براياته الى الكوفة وضواحيها، وقد ظهر عبد الملك بالشام، وغزا العراق بجيشه، وقتل مصعب بن الزبير في ضواحي الكوفة، وأيضاً قتل عبد الرحمن بن الأشعث وكثيراً من المسلمين (وعطف عليها) أي مال على الكوفة بعد أن فعل ما فعل في ضواحيها (عطف الضروس) كناية

عن ظلم عبد الملك وجوره (وفرش الأرض) غطاها (بالرؤوس قد فغرت فاغرته) انفتح فوه للنهش والافتراس (وثقلت في الأرض وطأته) أي تمكن فيها أمره، واشتد جوره (بعيد الجولة) بخيله ورجله (عظيم الصولة) في حربه وقتاله.

(والله ليشردنكم - الى – العين). يقتل ويأسر ويسجن ويشرد، ولا يسلم من جوره إلا القلة تماماً كذرات الكحل في العين (فلا تزالون كذلك) منكوبين مشردين (حتى تؤوب الى العرب عوازب أحلامها). لا وسيلة لتحرير كم أبها العرب من الظلم والتنكيل إلا أن ترجعوا الى رشدكم وعقولكم، وتجمعوا كلمتكم، وتعملوا كرجل واحد، وبكل الوسائل للإطاحة بحاكم الجور وأعوانه، وتقيموا دولة ترتضونها لأنفسكم (فالزموا السنن القائمة) وهي سنة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وشريعة القرآن (والآثار البيئة) التي مضى عليها الصالحون من الصحابة، والذين اتبعوهم بإحسان.

(والعهد القريب الذي عليه باقي النبوة) أي والزموا هذا العهد الباقي من النبوة، وبقية النبوة هو الإمام علي، فقد روى البخاري في صحيحه ج 5 باب مناقب علي بن أبي طالب : ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : يا علي أنت مني، وأنا منك. أي ان وجود علي امتداد لوجود النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وأيضاً روى البخاري في في هذا الباب ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لعلي : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى»، وهرون وزير أخيه موسى وشريكه في أمره بشهادة الآية 30 من سورة طه : «واجعل لي وزيراً من أهلي هرون أخي أشدد به أزري واشركه في أمري». (واعلموا ان الشيطان أنما يُسني) يُسهل (لكم طرقه لتتبعوا عقبه) أي لتسيروا على أثره، وتتبعوا خطواته : «وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ - 21 النور».

الخطبة - 137 -

الشورى :

لَمْ يُسْرِعُ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَعَائِدَةِ كَرَم فَاسْمَعُوا قَوْلِي، وَعُوا مَنطِقِي. عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأمْرَ مِنْ بَعْدِ هذَا الْيَوْمِ تُنتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَتَخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أئمة لأهْلِ الضَّلَالَةِ، وَشِيعَةَ لِأهْلِ الْجَهَالَةِ.

أَئِمَّةٌ

اللغة :

العائدة : الفضيلة أو المعروف. وتنتضى : تُسل.

الإعراب :

المصدر من أن تروا اسم عسى، وهو مغن عن الخبر، لأن الكلام تام ومفيد بدونه.

المعنى:

اختار عمر بن الخطاب ستة من الصحابة : لينتخبوا واحداً منهم لخلافة المسلمين من

بعده، وتكلم الناس كثيراً حول هذا الاختيار، وقد عرف باسم الشورى، وألف البعض فيه كتاباً بهذا الاسم. وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 3 المعروفة بالشقشقية.. ولا يخالجنا شك في ان الدافع على هذه الشورى مع الشرط الذي ذكره عمر هو سياسي محض، أضفى عليه عمر الصبغة الدينية بقوله : «إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبض وهو راض عن هؤلاء» كما ان اختيار ابن عوف لعثمان كان بدافع الصهر والقرابة، وقد أشار الإمام الى ذلك بقوله : «ومال آخر لصهره».. وإلا فبأي شيء نفسر قول عمر : «إن اختلفوا فكونوا إن اختلفوا فكونوا في الجانب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف». ولماذا هذه الدكتاتورية لابن عوف ؟ وهل من تفسير لها إلا إبعاد علي عن الخلافة، وتيسيرها الى عثمان عن طريق مصاهرته لابن عوف ؟ وهل ابن عرف أفضل من علي (أنظر فصل : علي وقريش، من كتابنا : الشيعة والحاكمون).

وقال الأستاذ أحمد عباس صالح في مجلة (الكاتب» المصرية عدد شباط سنة 1965: «ليس هناك شك في ان كلاً من أعضاء مجلس الشورى كان يعتقد انه أقل جدارة بالمنصب من علي، ولكن منطق الحوادث، ومركز علي في الاسلام وميل غالبية المسلمين اليه، كل هذا قد يجعلهم يترددون كثيراً أو قليلا في التفكير في منافسة على بن أبي طالب في قيادة المسلمين».

(لن يسرع أحد قبلي الى دعوة الحق، وصلة رحم، وعائدة كرم). قال الإمام هذا وما بعده لأهل الشورى، يذكرهم فيه بمصلحة الأمة، ويحذرهم من اتباع الهوى والنتائج المترتبة عليه، ويلوح لهم بأنه أحق الناس بالخلافة لسبقه الى الاسلام وجهاده في سبيله، بالاضافة الى سائر فضائله، ومنها الكرم وصلة الرحم.

(عسى أن تروا الخ).. أنتم الآن على مفترق طريقين : طريق الاخلاص والنصح للاسلام والمسلمين، وطريق الغش والخيانة له ولهم، فإذا صرفتم الحق عن أهله، ومال أحدكم لصهره، وآخر لحقده، وثالت لطمعه – طمح الى الخلافة غير أهلها وقامت الحروب بين المسلمين، وافترقت أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى مذاهب وشيع، وتصدى بعضكم للإمامة، وتبعه الأجلاف والسفلة، وتحدث فتنة يبقى أثرها مدى الدهر.

وجاء في كتاب : «العقد الفريد» ج 5 ص 31 طبعة سنة 1953 : ان معاوية قال : لم يشتت أمر المسلمين، ولا فرق أهواءهم، ولا خالف بينهم إلا الشورى التي

جعلها عمر الى ستة نفر.. فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلعت الى ذلك نفسه».

وفي شرح النهج لابن أبي الحديد ج 2 ص 390 وما بعدها الطبعة القديمة : «ان أهل الشورى بايعوا عثمان إلا علياً فإنه لم يبايع.. وبقي في داره وعنده نفر من أهل بيته، وليس يدخل اليه أحد مخافة عثمان.. ثم ذهب اليه جماعة، وقالوا له : قم فبايع عثمان. قال لهم : فإن لم أفعل ؟ قالوا : نجاهدك. فمشى الى عثمان حتى بايعه، وهو يقول : صدق الله ورسوله». يشير الى ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان قد أخبره عن موقفه هذا، وأمره بأن لا يحرك ساكنا.

الخطبة - 138 -

يعيب ما فيه مثله.. فقرة 1 - 2 :

وَإِنّما يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ وَالمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلَامَةِ أَن يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالمَعْصِيَةِ، وَيَكُونَ الشَّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ وَالْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ، فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخاً وَعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ. أَمَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ لِما هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنبِ الَّذِي عَابَهُ وَكَيْفَ يَذْمُهُ بِذَنْب قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُن رَكِبَ ذلِك الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ لِما هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ (1) وَايْمُ اللهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ جُرْأَتُهُ عَلى عَيْبٍ النَّاسِ أَكْبَرُ. يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلَا تَأْمَنْ عَلى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعَذِّبُ عَلَيْهِ. فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ، وَلْيَكُنِ الشَّكْرُ شاغلاً لَهُ عَلى مُعَافَاتِهِ لِمَا ابْتَلَى بِهِ غَيْرُهُ (2).

اللغة :

المصنوع : من الصنيعة، وهي الإحسان، يقال : هذا صنيعي بذا صنيعي أو صنيعتي أي أنا ربيته وخرجته.

الإعراب :

المصدر من أن يرحموا فاعل ينبغي، وهو الغالب «هو» ضمير الفصل، ولا محل له من الإعراب، وبالعائب الماء زائدة، والعائب مبتدأ، وكيف خبر وأما ذكر «أما» للتحضيض مثل هلا، وكيف يذمه «كيف»، في محل نصب على الحال، ومما هو أعظم «من» بيان لما في قوله : «فيما سواه» ولما يعلم المفعول محذوف أي يعلمه.

المعنى :

(وانما ينبغي لأهل العصمة والمصنوع اليهم في السلامة). المراد بأهل العصمة المتقون، وبالمصنوع اليهم الذين وفقهم الله سبحانه الى طاعته والبعد عن معصيته، وعلى هذا يكون عطف المصنوع اليهم على أهل العصمة من باب عطف التفسير وتقع على المتقين مسؤوليتان :

1 - (أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية). ومعنى رحمة العاصي والمذنب أن تحاول ما استطعت هدايته، وانقاذه من التهلكة بالموعظة الحسنة أي بالرفق واللين، لا بالشدة والقسوة، لأنها تحدث ردة في الفعل، وتنتج نقيض المطلوب، قال تعالى : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ – 96 المؤمنون». وكثيراً ما تكون الرحمة والرفق بالمذنب دفعاً بالتي هي أحسن. وفي الحديث : «الرفق يمن، والخرق شؤم، من أعطي الرفق أعطي الخير». وفي بعض الأحيان يكون الصمت أبلغ من الكلام واني لأرحم الغليظ الفظ في إرشاده ودعوته الى الله، وهو يحسب انه يقدم للدين بذلك خدمات جلي.

2 - (أن يكون الشكر هو الغالب عليهم) أي علامة تميزهم عن الجاحدين أن يشكروا الله على الهداية، ويروها أجل النعم وأعظمها (والحاجز لهم عنهم)

الضمير في «لهم» للمتقين، وفي «عنهم»، للمذنبين، والمعنى ان للمتقين وجداناً حياً، وديناً صادقاً يُشغلهم بأنفسهم عن عيوب الناس : ولا يعيرن أحداً بذنبه، قال رسول الله وحبيبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «والله اني لأستغفر الله، وأتوب اليه في اليوم سبعين مرة». وما أراد بقوله هذا إلا أن يلقن أمته درساً في التواضع، والبعد عن الزهو والعجب بالطاعة والعبادة، ومن حكم الإمام : «أوحش الوحشة العجب» ويستحيل أن يصغي المذنب لمن أعجبته نفسه، وزها بعمله كائناً من كان.

وبعد، فإن الانسان معرض للخطيئة، ومن أجل هذا فتح سبحانه له باب التوبة، فيصحح ويستدرك، قال النبي الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : كل بني آدم خطاء، وخير الخاطئين التوابون.

للمنبر - حول التعيير بالذنب :

(فكيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيره ببلواه). اذا وجب على من اتقى وأطاع أن لا يعير العاصي بذنبه ومعصيته فبالأولى أن لا يعير المجرم من هو على شاكلته، قال الإمام : أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله. وقال بعض العارفين : تعييرك أخاك أكبر إنما من ذنبه، لأن في تعييرك هذا تنزيهاً لنفسك من العيوب (أما ذكر - الى الى - أعظم منه) تذنب ونعصي الله في الخفاء، ثم نتظاهر بالصلاح والتقوى، فيستر سبحانه ولا يفضح، بل يمهل ويعطي الفرصة لنتوب ونستغفر، ولكن هذا الستر والإمهال يُغرينا بالمزيد من الخطايا، فنوغل فيها غير مبالين.. وفوق ذلك وفوق ذلك نُشهر بعيوب الآخرين، ونتلذذ بها : ونتجاهل أن العيوب التي سترها الله علينا هي أكثر وأكبر.

(وايم الله لئن لم يكن عصاه في الكبير، وعصاه في الصغير لجرأته على عيب الناس أكبر). لنفترض أن أحدنا ما اقترف كبيرة على الاطلاق، وأنه قد ألم بالذنب الصغير فقط - وأي عبد الله ما ألماً - فان حرصه على أن يحفظ عيوب الناس، ويذيعها على الملأ هو أكبر الكبائر.. إن الانحراف يصيب الكل إلا من عصم ربك. والانحراف الكبير أن تراه في غيرك، ولا تراه في نفسك، قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الأشرار يتبعون مساوي الناس، ويتركون محاسنهم، كما يتبع الذباب المواضع الفاسدة من الجسد، ويترك الصحيح». ونفهم من هذا أن

خيار الناس ينفرون بطبعهم من القذارة دون أن يتوقعوا منفعة تصيبهم، أو ضرراً يحيق بهم، وانهم يشعرون بالضيق والاشمئزاز لمجرد تصور القذارة والعيوب فضلاً عن ارتكابها أو التفوه بها.

(يا عبد الله لا تعجل - الى - الى - معذب عليه). مالك ولعيوب الناس ؟ هل عليك حسابهم ؟ وهل أطلعك سبحانه على علمه بالشقي منهم وبالسعيد حتى حكمت و جزمت بأن هذا للجنة، وذاك للسعير ؟ أما سمعت خطاب الله لنبيه الكريم : «وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ - 107 الأنعام» «مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ - 52 الأنعام» وما يدريك أن هذا الذي تعيبه وتزدريه هو خير من ألف صائم وقائم ؟ قال عارف بالله : لا تعير أخاك بذنبه، فلعل الله سقاه هذا الذنب دواء استخرج به داء قائلاً، وهو فيك وما تشعر ؟ (فليكفف من علم الخ).. ان كان فيك شيء من العيوب فاجتهد للخلاص منه، وان كنت مبرءاً من كل عيب فاشكر الله على هذه النعمة التي ليس كمثلها.

وكلمة أخيرة : على المرء أن ينسجم مع نفسه، ولا ينفصم عنها وإلا عاش غريباً عن واقعه ودنياه.. ولعلي ولعلي أنا هذا الغريب ولا أشعر.. وشفيعي الى الله تعالى اني أتهم نفسي، وأتوب اليه تعالى من حسن ظني بها.

الخطبة - 139 -

أربع أصابع :

أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينِ وَسَدَادَ طَرِيقٍ فَلَا يَسْمَعَنَّ فيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ. أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي وَتُخْطِيء السَّهَامُ وَيَحِيلُ الكلامُ، وَبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ وَاللهُ سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ. أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلا أَرْبَعُ أَصابعَ (فَسُئِلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ هذَا، فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ وَوَضَعَهَا بَيْنَ أُذُنِهِ وَعَيْنِهِ هُمْ قَالَ) : الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ وَالْحَقِّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ.

اللغة :

وثيقة دين : الأمانة على الدين. وسداد الطريق : استقامته. ويحيل الكلام يكون محالاً، لا حقيقة لمعناه ولا أساس. ويبور : يزهق ويزول، أو يكسد ويهمل.

الإعراب :

من عرف «من» مبتدأ، والخبر جملة فلا يسمعن، وأما انه «أما» بمعنى «حقاً» على قول، أو للاستفتاح والضمير في أنه للشأن.

المعنى :

(من عرف من أخيه - الى - أقاويل الرجال). لا تسرع الى تصديق الشائعات مدحاً كانت أم قدحاً، فقد يُراد بالثناء مجرد الدعاية والرواج لغاية تجارية تماماً كالإعلان عن البضائع والسلع وأيضاً قد يراد بالدم الكيد والمضارة لأهداف سياسية وتجدر الاشارة الى ان عدم الركون الى الشائعات حسن بذاته سواء أكانت الاذاعة والاشاعة في الذين آمنوا، أم في الذين تجهلهم ولا تعرف عنهم شيئاً، وإنما خص الإمام بالذكر من تثق بدينه ورشده لأن الأجدر بك أن تدافع عنه بالنظر الى ما عهدت منه، وأن لا تنقض هذا العهد إلا بالقطع واليقين.

(أما انه قد يرمي الرامي، وتخطىء السهام). وكذلك الظن، فقد تنظر الى رجل نظرة الازدراء والاحتقار، لأن ظاهره يوحي بذلك، وهو في واقعه أهل للتقدير والاحترام، وقد تظن به الصدق والوفاء، ويخيب به أملك عند التجربة والامتحان.. وكم من شاعر وناثر نظم أو كتب عن مرارته، وخيبة أمله بأصدقائه وأقربائه.. وأعترف بأني وقعت فريسة لمظاهر خادعة أكثر من مرة، وكان علي أن أحفظ الدرس من الأولى، ولكني، ولكني لم أفعل، ولا أدري : هل هذا سذاجة في وبلاهة، أو طيبة وسماحة ؟ (ويحيل الكلام، وباطل ذلك يبور). وأيضاً قد يسمع الانسان كلاماً فيصدقه، ويؤمن بأنه من الدين في الصميم، وهو في واقعه بدعة وضلالة، أو يظن انه علم ونور، وهو جهل وظلام، وما أكثر الكذب على الدين والعلم.

(أما انه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع) وفسر الإمام هذا بقوله : الباطل ان تقول سمعت، والحق ان تقول رأيت. ويدل هذا التفسير بظاهره ان كل ما تسمعه فهو باطل، وكل ما تراه فهو حق، وما من شك ان الإمام لا

يريد هذا الظاهر، كيف، وهو القائل : «قد تكذب العيون أهلها، ولا يغش العقل من استنصحه». ولا أحد يشك ان القول المسموع يحتمل الصدق والكذب ومراد الإمام - كما يدل السياق - أن لا نرتب الأثر على ما نسمعه من الأقاويل في حق أي انسان كان، وبصورة أخص اذا كنا على ثقة من دينه، لا نرتب الأثر إلا بعد الرؤية والتثبت.

الخطبة - 140 -

صانع المعروف :

وَلَيْسَ لِوَاضِعِ المَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَعِندَ غَيْرِ أَهْلِهِ مِنَ الْحَظِّ فيما أتى إِلَّا مَحْمَدَةُ اللّئامِ، وَثَنَاءُ الْأَشْرَارِ، وَمَقَالَةُ الْجُبَّالِ، مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ. مَا أَجْوَدَ يَدَهُ وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ بَخِيلُ !. فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنُ مِنْهُ الضَّيَافَةَ، وَلْيَفُكَّ بِهِ الْأَسِيرَ وَالْعَاني، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ، وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلى الحُقوقِ وَالنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ، فَإِنَّ فَوْزاً بِهْذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا وَدَرَكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ إِن شَاءَ اللهُ.

اللغة :

عن ذات الله : العمل لله. والعاني : الأسير، والعطف عليه للتفسير. والغارم : المديون. والدرك : الإصابة.

الإعراب :

محمدة اسم ليس، ليس، ولواضع ولواضع المعروف خبر مقدم، وما أجود «ما» مبتدأ والفاعل ضمير مستتر، والجملة من الفعل وأجود فعل ماض، ويده مفعول والفاعل خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر مفعول مقالة، وابتغاء الثواب مفعول من أجله ليصبر.

المعنى:

(وليس لواضع المعروف - الى ما أجود يده). المال وسيلة لسد الحاجات وحل المشكلات، لا للتضاهي والتباهي، والسيطرة والشهرة،، والسيطرة والشهرة، فأي مال أغاث ملهوفاً، أو سد حاجة محتاج فهو خير، وما عداه فليس بشيء، وربما كان شراً ووبالاً على صاحبه كالذي ينفق أمواله على اللثام والأشرار يبتغي بذلك الشهرة والسمعة، وهم يثنون عليه، وهم يثنون عليه، ويقولون : «ما أجود يده ما دام منعماً عليهم» فإذا منع عنهم ذواله اله وعطاءه نعتوه بأقبح الصفات، وهكذا ينهار كل بناء أسس بأيدي اللئام والأشرار.

(وهو عن ذات الله بخيل) يتلهف على الوجاهة، وان تك زائفة، ويبذل الكثير من أجلها : وفي الوقت نفسه يقبض يده عن البذل في سبيل البر وما يعود عليه وعلى مجتمعه بالصلاح، ثم ذكر الإمام أمثلة من هذه السبيل :

1 - (فمن آتاه الله مالاً فليصل به القرابة) ان كانوا في حاجة الى المال، لأن الأقربين أولى بالمعروف، والجار بمنزلة الرحم.

2 - (وليحسن منه الضيافة). كان المسافر من قبل في حاجة اليها لطول الطريق ووعثاء السفر، وندرة المطاعم والفنادق، أما اليوم فالمسافرون في غنى عن الضيافات والحسنات، وعلى أية حال فالعبرة بسد الحاجة.

3 - (وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم). المراد بالأسير المسجون، وعطف العاني عليه للتفسير، كما أشرنا، والغارم المديون، ومحصل الكلام بجملته ان يعين صاحب المال من يحتاج الى المعونة أياً كانت صفته.

(فليصبر نفسه) أي يحملها على الصبر فيما تكره، لأنها تأبى العطاء إلا في فعها الخاصة (على الحقوق) وهي الأخماس والزكوات التي أشار اليها سبحانه له : « وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ - 24 المعارج»، (والنوائب) كالضرائب والحوادث، قال الإمام : لكل امرىء في ماله شريكان: ارث والحوادث (ابتغاء الثواب الخ).. إن البذل لا يكون فضيلة ومحموداً عند وكرام الناس إلا اذا كان لوجه الله، وطلباً لثوابه ومرضاته.

الخطبة - 141 -

التمحيص بالبلاء فقرة 1 - 2 :

أَلَا وَإِنَّ الْأَرْضَ التي تَحْمِلُكُمْ وَالسَّمَاء التي تُظِلُّكُمْ مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ، وَمَا أَصْبَحَنَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهمَا تَوَجعاً لَكُمْ وَلَا زُلْفَةٌ إلَيْكُمْ وَلَا لخَيْرٍ تَرْجُوانِهِ مِنْكُمْ، وَلكِنْ أَمِرَنَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَنَا، وَأَقِيمَتَا عَلى حدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا (1). إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِندَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بنقص الثَّمَرَاتِ وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِغْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تائبٌ وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكَّرُ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ الاسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الخَلْقِ فَقَالَ : «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ويُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ»، فَرَحِمَ اللهُ أَمْرَهَا اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَبَادَرَ مَنتَهُ (2).

اللغة :

تقلكم : تحملكم. وتظلكم : تعلوكم. والزلفة : القربة. ويقلع : يكف ومدراراً : غزيراً أو متدفقاً.

الإعراب :

ألا لاستفتاح الكلام، وتوجعا مفعول من أجله لتجودان، ومدراراً حال من السماء.

المعنى :

هذه الخطبة من خطب الاستسقاء، لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «اللهم فاسقنا غيثك» ونظيرها الخطبة 113، وتقدم شرحها مع الاشارة الى كيفية صلاة الاستسقاء.

(ألا وان الأرض التي تقلكم) تحملكم (والسماء التي تظلكم) تعلو كم (مطيعتان لربكم) مسخرتان لأمره تعالى (وما أصبحتا تجودان - الى - فقامتا). في الطبيعة منافع وخيرات، كما فيها حكمة وإبداع، كما فيها حكمة وإبداع، ولكن لا قصد لها ولا هدف لأنها بلا شعور وإدراك.. أجل، انها تدل على القصد لنظامها المتناسق والمستقر، والقصد يدل على الهدف، واذن، فقول الإمام : «ما أصبحتا تجودان ولا زلفة الخ» هو من باب سلب العدم عن الوجود المعروف عند علماء الكلام بتقابل السلب والايجاب، وغرض الإمام هو التنبيه الى ان الله سبحانه بنى هذا الكون، وقدره تقديراً يتفق كل الاتفاق معه حياة الانسان ومطالبها أشبه بالدار مهندسها حسب مصالحك وحاجاتك.

(إن الله تعالى يبتلي - الى - مزدجر). انه عز وجلن انه عز وجل لا يتعامل مع عباده في الحياة الدنيا على أساس سلوكهم السيء أو الحسن كلا، وانما يتعامل معهم على أساس التعليم والإرشاد بالأمر والنهي، ويسير الكون على نظام كامل ومطرد، وسنن طبيعية ثابتة تعم أحكامها وآثارها الصالح والطالح، فإذا حدث زلزال - مثلاً - فإن الله سبحانه لا يأمره ان يترك بيت المؤمن العابد، ويهدم بيت الكافر الفاجر فقط، بل ان المؤمن الطاهر يعاني أشد المحن وأقساها أكثر من

غير المؤمن، كما في الحديث الشريف : (البلاء موكل بالمؤمن.. إن أشد الناس كما بلاء الأنبياء، ثم الذين بلونهم الأمثل فالأمثل». أجل، ان الله سبحانه ق-د يغير مجرى الطبيعة في حادث معين، ولحكمة أوجبتها الظروف، كإظهار المعجزة الخارقة على يد نبي من الأنبياء.. وهذا نادر جداً وهذا نادر جداً مؤقت سرعان ما يزول إلا معجزة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وهي القرآن الباقي ببقاء الله سبحانه.

وتسأل : انك قلت : إن الله سبحانه يتعامل مع عباده في الدنيا بالإرشاد لا بالجزاء، ولا يتفق هذا قول الإمام : «إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات الخ».. لأنه بدل بظاهره انه تعالى يعاقب المسيء، ويؤدبه في الحياة الدنيا بالحرمان والفاقة.

الجواب :

أولاً : الذي شاهدناه بالعيان ان الدنيا جنة الأشرار مالاً وسلطاناً : «وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً - أي على الكفر - لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ - 33 الزخرف». وكلام الإمام لا يفسر بغير الواقع.

ثانياً : ليس المراد بالابتلاء هنا العقاب والجزاء، لأن اليوم عمل ولا حساب، انما المراد به الامتحان والاختبار لتظهر الأفعال التي بها يستحق الانسان الثواب والعقاب.

ثالثاً : إن قول الإمام : «لله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة» ليس معناه انه تعالى لا يبتلي عباده عند الأعمال الحسنة كلا، فإن البلاء ينزل بمن أساء وأحسن، وهو ينطوي على حكمة بالغة، لأنه يميز الخبيث من الطيب، والدخيل من الأصيل.. ولولا التضحية والصبر في الجهاد وعلى الاستشهاد ما عرف الناس أهل المبادىء والعقائد الذين غيروا وجه العالم، ولا تقدمت الحياة خطوة واحدة الى الأمام، وأيضاً قد يحرك البلاء المسيء الى التوبة والإقلاع عن إساءته، والى هذا يشير الإمام بقوله : «ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر».

(وقد جعل الله سبحانه الاستغفار الخ).. ليس من شك ان الاستغفار سبب لرضوان الله وغفرانه بنص الكتاب والسنة، أما الرزق فلا بد له من زرع وضرع وكد وعرق : «فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ - 15 الملك».. أجل،

ان الاستغفار والتوكل على الله مفتاح التوفيق الى العمل الذي يدر الرزق، كما ان الصدق والاخلاص مفتاح الهداية الى الصراط المستقيم وقد يكون الاستغفار سبباً للمطر في بعض الأحيان كصلاة الاستسقاء، ولكن هذا شيء، وكون الاستغفار سبباً مطرداً للرزق شيء آخر.

أما قول نوح لقومه : «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ - 12 نوح» فهو تذكير لهم بنعمة الله عليهم، وانه يزيدهم من فضله إن عبدوا واستغفروا تماماً كقوله تعالى : «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ». (فرحم الله امرءاً استقبل توبته) واجهها ورحب بها (واستقال خطيئته) طلب من الله أن يصفح عنها ويقياه منها (وبادر منيته) عاجلها وسبق الى صالح الأعمال قبل ان تنزل به.

فاسقنا غيثك.. فقرة 3 - 4 :

اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتارِ وَالْأَكْنَانِ، وَبَعْدَ عَجِيج الْبَهَائِم وَالوِلْدَانِ، رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ، وَرَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ، وَخَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَنِقْمَتِكَ. اللَّهُمْ فَاسْقِنَا غَيْتَكَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، وَلَا تُهْلِكُنَا بِالسِّنِينَ. وَلَا تُؤاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ تَشكُو إِلَيْكَ مَا لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ حِينَ التجأتْنَا المَضَايِقُ الْوَعْرَةُ، وَأَجَاءتُنَا المَقَاحِطُ الْمجْدِيةُ، وَأَعْيَتْنَا المَطَالِبُ المتعسّرَةُ، وَتَلَاَحَمَتِ الْفِتَنُ الْمُسْتَصْعَبَةُ (3). اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أن لا تَرُدْنَا خَائِبِينَ، وَلَا تَقْلِبْنَا وَاجِمِينَ. وَلَا تُخَاطِبْنَا بِذُنُوبِنَا، وَلَا تُقَايِسْنَا بِأَعْمَالِنَا. اللَّهُمْ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ، وَبَرَكَتكَ، وَرِزْقَكَ وَرَحْمَتَكَ. وَأَسْقِنَا سُقْيَاً نَافِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ، وَتُحْيِي بِهَا مَا قَدْ

مات. نَافِعَةَ الْحَيَا، كَثِيرَةَ المُجْتَنَى تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ، وَتَسِيلُ الْبُطْنَانَ. وَتَسْتَوْرقُ الْأَسْجَارَ، وَتُرْخِصُ الْأَسْعَارَ أَنْكَ عَلى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ (4).

اللغة :

الأستار والأكنان بمعنى واحد، والمراد بها هنا البيوت. والسنين : جمع سنة أي القحط والجدب. وأجاءتنا : أتتنا. والمقاحط : جمع مقحط، وهو مكان القحط أو زمانه. واجمين : عابسين كثيبين. لا تخاطبنا بذنوبنا : لا تعاملنا ها، أو لا تكلمنا كمذنبين. والحيا : المطر والخصب. والقيعان : جمع قاع أي الأرض. والبطنان : الوديان.

الإعراب :

راغبين حال من الضمير في خرجنا، ومثله جملة نشكو، والمصدر من من أن لا تردنا مفعول ثان لنسألك، وراجمين حال.

المعنى :

ليس في هذا المقطع من الخطبة إلا الدعاء والإلحاح على الله سبحانه في دفع البلاء.. ومتى اشتد الفزع فإلى الله المفزع، وهو وحده سلاح المتقين.

(اللهم خرجنا اليك). يدل هذا ان الإمام صلى صلاة الاستسقاء في الفضاء وقال علماء الشريعة الاسلامية : يستحب أن تكون صلاة الاستسقاء في الصحراء إلا أهل مكة فإنهم يستسقون في المسجد الحرام (ولا تجعلنا من القانطين) «وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ - 56 الحجر». ومن أقوال الإمام : عجبت لمن. يقنط ومعه الاستغفار (ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا). هذا استرحام وابتهال مع الأمل في إدراك المطلوب، أما قول أما قول موسى : «أتهلكنا بما فعل السفهاء منا» فهو من سورات غضبه المقدس الذي حركه الى تحطيم الألواح بعد أن رأى بني اسرائيل يتركون عبادة الله الى عبادة العجل (نشكوا اليك ما لا يخفى عليك).

وعن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن الله يعلم حاجتك وما تريد، ولكنه يحب أن تبث اليه الحوائج (وأعيتنا المطالب المتعسرة) وعندك الحل والفرج، وما من أحد يدعو الله بهذا القصد إلا فتح الله عليه باباً من رحمته ولو في الصبر والثبات العظائم.

(ولا تقايسنا بأعمالنا). إن الله يستجيب لعبده اذا العبد استجاب لربه كما في الآية 186 من سورة البقرة : ـوَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ». وعن الإمام الصادق : «من سره أن تستجاب له دعوة فليطب كسبه» أي يأكل من كد اليمين، وعرق الجبين.. ولكن الإمام يسأل الله أن لا يأخذ العباد بهذا المبدأ العادل، وأن يعاملهم بفضله وكرمه.

(وترخص الأسعار). ليس من شك ان كثرة الانتاج تستدعي رخص الأسعار.. هذا، اذا لم يحول الانتاج الى الحرب وأدواتها، أو تحتكره الشركات وأرباب المطامع.. ومن جملة ما قرأت ان افريقيا تملك 90 بالمئة من مناجم الماس العالمي، و 70 بالمئة من مناجم الذهب، وتنتج ثلثي ما يشتريه العالم من زيت النخيل والكاكاو، ومع هذا يعاني الافريقيون آلام البؤس والفقر، ولا سر إلا الاستعمار والاحتكار.. وأيضاً قرأت ان ثماني دول اسيوية، وهي اندونيسيا، وماليزيا، وسيلان، وبورما، وكمبوديا، ولاوس، وتايلاند، وفيتنام الجنوبية تساهم بـ 85 بالمئة من انتاج المطاط الطبيعي ومع هذا تعد هذه الدول من الدول النامية المتأخرة.. وأيضاً السبب الاستعمار والاحتكار، وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على انه لا خير في غيث ولا خصب إلا مع العدالة والمساواة.

الخطبة - 142 -

حجة الله على خلقه.. فقرة 1 - 2 :

بعث اللهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ، وَجَعَلَهُمْ حُجَّةٌ لَهُ عَلى خَلْقِهِ، لِئَلاَ تَجبَ الحُجَّةُ لَهُمْ بترك الإعذَارِ إِلَيْهِمْ. فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ. أَلَا إِنَّ اللهَ قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةٌ، لا أَنَّهُ جَبِلَ مَا أَخْفَوهُ مِنْ مَصُونَ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاء وَالْعِقَابُ بَوَاءَ (1). أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنهُمُ الرَّاسِحُونَ فِي العِلْمِ دُونَنَا، كَذِباً وَبَغْياً عَلَيْنَا أَنْ رَفَعَنَا الله ووَضَعَهُمْ، وَأعْطَانَا وَحَرَمَهُمْ، وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ بِنَا يُسْتَعْطَى الهُدَى وَيُسْتَجلَى العَمَى. إنَّ الْأَئمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِم. لا تَصْلُحُ عَلى سِوَاهُمْ، وَلَا تَصْلُحُ الوَلَاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ (2).

اللغة :

كشف الخلق كشفة : أظهر هم اظهاراً. والبواء : القصاص، يقال : دم بواء دم أي مساو له.

الإعراب :

المصدر من لا أنه جهل منصوب بنزع الخافض أي لا لأنه وكذباً حال، وهو مصدر في مكان اسم الفاعل أي كاذبين الفاعل أي كاذبين، ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً مبيناً للنوع أي زعماً كاذباً، والمصدر من أن رفعنا مفعول من أجله لـ «بغيا».

المعنى :

(بعث الله رسله - الى - سبيل الحق). الأنبياء سفراء الله الى خلقه يهدونهم الى حياة أفضل، ولذا وصف سبحانه نبيه الكريم بقوله : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ - 107 الأنبياء». وكل من يدعو الناس الى حياة أفضل، ويعمل لهذه الدعوة بصدق وإخلاص، ويخوض من أجلها الغمرات والشدائد فهو رحمة للناس أجمعين، لأنها هي بالذات دعوة الله ورسوله، قال تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ - 24 الأنفال». ولا تلتئم الحياة، وتنحسم شرورها من الجذور إلا بالحب والإخاء، والعدل والمساواة وتعاون الجميع على سد حاجات الجميع، وكل من نادى بهذه الدعوة فهو حجة الله على خلقه وبخاصة الأنبياء المرسلين، فإن حجة الله بهم على الناس أقوى وأبلغ.

(ألا ان الله تعالى كشف الخلق كشفة – الى - بواء). ان الله سبحانه أعلم بعباده من أنفسهم، ولكنه تعالى لا يعاقب على ما يكون في القلب فقط، بل على ما يبرز الى الوجود من قول أو فعل، ويسمى هذا بالركن المادي في اصطلاح الجدد من فقهاء القانون الجنائي، وقال فقهاء الشريعة الاسلامية : لا ينعقد شيء ويتم بمجرد النية، فمن نوى القتل أو السرقة لا يصبح قاتلاً أو سارقاً، ومن قصد الوقف أو الطلاق لا يصر واقفاً أو مطلقاً، وفي الحديث : «ان الله تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم..

من هم بحسنة ولم يفعلها كتبت له، ومن هم بسيئة ولم يفعلها لم تكتب عليه. إن الله سبحانه يمتحن عباده بالأمر والنهي على لسان أنبيائه وخلفائهم، لتظهر الأفعال التي بها يستحقون الثواب والعقاب.

للمنبر - حول أهل البيت :

(أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً). حتى أعداء الإمام يعترفون برسوخه في العلم، ولو وجدوا وسيلة للإنكار ما تورعوا عنه وحديث : أنا مدينة العلم وعلي بابها، رواه الشيعة والسنة، ومنهم الترمذي في صحيحه، وأحمد في مسنده، وأحمد في مسنده، أما كلمة (سلوني قبل أن تفقدوني)، فما تجرأ على التفوه بها أحد قبل الإمام ولا بعده، وقوله : «أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا» هو تحد صريح لكل مدع وزاعم انه يداني أهل البيت في العلم، وقد كان الإمام المرجع الأول بعد الرسول للخلفاء وغيرهم، وفي الجزء الأول من كتاب «أخبار القضاة» لوكيع - من علماء السنة في القرن الثالث الهجري - ص 89 طبعة 1947 : إن عمر بن الخطاب قال لرحل : «اجعل بيني وبينك من كنا أمرنا اذا اختلفنا في شيء أن نحكمه يعني عليا». وفي ص 88 : «إن رسول الله مسح على صدر علي وقال : اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، واعطه فهم ما يخاصم فيه».

(رفعنا الله ووضعهم). إن رفعة الانسان أو ضعته لا تقاس بالكراسي والمناصب، ولا بالانتصارات أو الهزائم في المعارك، ولا بالعبقرية أو البلادة، وانما تقاس رفعته وعظمته بما يترك من أثر مفيد ينتفع به أخوه الانسان، أما النصوص والأقوال فهي والأقوال فهي فرع لا أصل، لأنها تعبير وحكاية عما هو كائن وواقع.. وهي حجة إن تك انعكاساً عن الواقع وإلا فهي وهم وخيال.. ومن تتبع سيرة أهل البيت يجد ان مبادئهم تقرير لحق الانسان، وتعاليمهم إعلان لهذا الحق، وأعمالهم تضحيات بالنفس والأهل من أجل الانسان وخيره وهدايته، قال أمير المؤمنين لولده الإمام الحسن : «خير القول ما نفع، ولا خير في علم لا ينفع.. وخض الغمرات للحق حيث كان، وجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذك فيه لومة لائم». أبداً لا خير في الفصاحة والبلاغة، ولا في العلوم والفلسفة، ولا

في الفنون والآداب في مذهب أهل البيت إلا ما يستهدف منها خير الانسان، وتقدمه في حياته، ويحقق أمانيه وآماله بكل الوسائل، وأفضلها جميعاً الكفاح والجهاد، وخوض الغمرات والشدائد بهذا وحده رفع الله سبحانه مكانة أهل البيت الى أعلى الدرجات، وأنزلهم منازل العز والكرامة، وأعطاهم ما يرضون ويحبون.

(إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم). ليس هذا من عند الإمام، انه من عند الله ورسوله، فلقد روى البخاري في صحيحه ج 9 كتاب الأحكام : إن رسول الله قال : «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان». وروى مسلم في صحيحه ج 2 كتاب الفضائل عن النبي : إن الله اصطفى كنانة من اسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». ومعنى هذا ان بني هاشم هم صفوة قريش، وان محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هو صفوة الصفوة، واذا كانت النبوة لصفوة الصفوة فالولاية، اذن، للصفوة من بعد الرسول أي للأئمة، من نسله، أما سر الاصطفاء فيكمن في طيب السيرة والسريرة: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ - 124 الأنعام.

(ولا تصلح على سواهم) لأن الله سبحانه ظهر أهل البيت ونزههم عن الخطأ والخطيئة بنص الآية 33 من سورة الأحزاب : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا».

أين العقول والقلوب.. فقرة 3 - 4 :

آثَرُوا عَاجِلاً وَأَخَّرُوا آجلاً، وَتَرَكُوا صَافِياً وَشَرِبُوا آجنا. كأني أنظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَقَدْ صَحِبَ المُنكَرَ فَألِفَهُ، وَبَسِيء بِهِ وَوَافَقَهُ، حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ، وَصُبغَتْ بِهِ خَلَائِقُهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ مُزبداً كَالنَّارِ لَا يُبَالِي مَا فَرَّقَ. أَوْ كَوَقَعَ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لَا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ (3). أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحَ الْهُدَى، وَالْأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى. أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ وَعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ.

ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وَتَشَاحُوا عَلى الحَرَامِ. وَرُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وَجُوهَهُمْ، وَأَقْبَلُوا إلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ دعاهم ربهم فَتَفَرُوا وَوَلَّوْا، وَدَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَأَقْبَلُوا (4).

اللغة :

أجن الماء فهو آجن : تغير لونه وطعمه. وبسىء به : ألفه. والخلائق هنا : جمع الحليقة، وهي الطبيعة والتيار : الموج. والهشيم : اليابس المتكسر وتحطم : تكسر، والحطام : الفتات.

الإعراب :

مزبداً حال من الضمير المستتر بأقبل، وكالتيار الكاف بمعنى مثل صفة لمفعول مطلق محذوف أي إقبالاً مثل إقبال التيار، ولا يبالي ما غرق «ما» منصوبة بنزع الخافض أي لا يبالي بما غرق، ومثله لا يحفل ما حرق.

المعنى :

(آثروا عاجلاً، وأخروا آجلاً، وتركوا صافياً، وشربوا آجنا). يشير الإمام بهذا الى أجيال الخلف، وانهم يقبلون على الدنيا، ويُعرضون عن الآخرة، ويتهاونون الكثير منهم بالدين والقيم، ويكثر فيهم الفسق والالحاد.. حتى رجال المعابد يتلاعب بالدين، ويتحايلون على الناس باسمه، ويقبضون الثمن من الخارجين عليه وعلى الانسانية.. ولا نملك سلاحاً يكافح هؤلاء غير التشهيد بهم وإظهار حقيقتهم، ولكن أية جدوى من مقال في جريدة تقبرأ، ثم تُرمى، أو كلمة تسمع ثم تنسى ، ولا سبيل لبلوغ الهدف إلا التنظيم والمثابرة.

(كأني أنظر الى فاسقهم - الى - ما حرق). المراد بالفاسق هنا فاسق الحلف، والمعنى ان هذا الفاسق اعتاد القبيح والمنكر حتى هرم عليه، وصار

طبيعة له، يندفع وراءه ماضياً في سبيله بلا وعي تماماً كلجة البحر أو النار لا تبالي عصر ما يصادف طريقها (أين العقول – الى - طاعة الله) أي لا دين يمنع عن الحرام خوفاً من الله، ولا عقل يردع عنه حياء من الناس، لأن الهوى غطى على العقول والقلوب (ازدحموا على الحطام، وتشاحوا على الحرام). لا بأس أن تطلب لذة الدنيا من الطريق المباح، ولكن المحنة عليك وعلى مجتمعك أن تطلب الحرام، ولا تملك نفسك عنه و تخاصم غيرك عليه (ورفع لهم علم الجنة والنار). المراد بعلم الجنة كل ما يهدي الى نهج أقوم، وحياة أفضل وكلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هنا يفسر بعضه بعضاً، فقوله : دعاهم ربهم فنفروا تفسير لصرفوا عن الجنة وجوههم، وقوله : دعاهم الشيطان فاستجابوا تفسير لأقبلوا الى النار بأعمالهم.

الخطبة - 143 -

مع كل جرعة شرق :

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنما أَنتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ المَنَايَا، مَعَ كُلِّ جَرعَةٍ شَرَقٌ، وَفي كُلِّ أَكَلَةٍ غَصَصٌ. لاَ تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةٌ إلا بِفِراقِ أُخرَى، وَلَا يُعَمِّرُ مُعَمَّرُ مِنْكُمْ يَوْمًا مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بهدم آخر مِنْ أَجَلِهِ. وَلَا تُجَدِّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكِلِهِ إِلَّا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِن رزْقِهِ. وَلَا يُحْيِي لَهُ أَثَرُ إِلا مَاتَ لَهُ أَثَرُ وَلَا يَتَجَدِّدُ لَهُ جديد إلا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ. وَلَا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إلا وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَخصُودَةً. وَقَدْ مَضَتْ أُصُولُ نَحْنُ فُرُوعُهَا فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أصْلِهِ وَمَا أَحدِثَتْ بِدْعَةُ إِلا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ. فَاتَّقُوا البِدَعَ وَالزَمُوا الَميعَ. إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورٍ أَفْضَلُهَا. وَإِنْ مُحْدَقَاتِهَا شِرَارُهَا.

اللغة :

الغرض : البغية والحاجة والهدف الذي يرمى اليه، وهذا هو المراد هنا. ونضل فلان فلاناً : غلبه في النضال، غلبه في النضال، وانتضل القوم وانتضل القوم أو تناضلوا : تباروا في النضال، وتراموا للسبق. وشرق بريقه أو بالماء غص ومن حكم الإمام : ربما شرق شارب الماء قبل ريه. ويخلق - بسكون الخاء وفتح اللام - يبلى والمهيع : الطريق الواسع الواضح. وعوازم الأمور : ما تقادم منها.

الإعراب :

مع كل جرعة خبر مقدم، وشرق مبتدأ مؤخر، وما بقاء نوع «ما» استفهام ومعناها النفي، ومحلها الرفع بالابتداء ومحلها الرفع بالابتداء، وبقاء خبر، وبعد متعلق ببقاء لأنه بمعنى الفعل أي لا يبقى الأصل بعد الفرع.

المعنى:

(انما أنتم في هذه الدنيا - الى - غصص). كل ما يحيط بالانسان فيه جهة ايجاب وجهة سلب، حتى طعامه وشرابه قد يذهبان بحياته.. ومن الذي يضمن نفسه أن لا يشرق بجرعة ماء، أو لا يغص بلقمة عيش تكون فيها القاضية، واذن فالانسان عرضة لسهام البلايا والمنايا.

وتسأل : ولم كل هذا التشاؤم عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟.

الجواب :

هذا هو الواقع سواء أسميته تشاؤماً أم تفاؤلاً، وأكد الإمام على إعلانه لمجرد التحذير من المخبآت والمفاجآت.. فآدم سجد له الملائكة كلهم أجمعون، وبعد قليل أخرج من جنة النعيم، والعاقل من اتعظ بغيره، وبخاصة اذا كان هذا الغير أصلاً له وأباً.

(لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى). انك تأنس وتفرح بسيارتك الجديدة، وتنسى همومك في السياحة والأسفار الممتعة، ولكن بعد أن تدفع الثمن غالياً. وقيل في تفسير هذه الجملة : إن الانسان لا يستطيع الجمع في آن واحد

بين لذتين أو أكثر كالطعام والشراب والجنس، بل لا بد من الاقتصار على واحدة. ويلاحظ بأن في مقدوره أن يجمع بين لذة الحكم والسلطان والثراء والطعام في آن واحد وبين التمتع بمناظر الطبيعة والألعاب والاستماع الى الموسيقى أو حديث الأصدقاء، وبين التزلج على الثلج والنظر الى الأطفال يتراشقون به.

(ولا يعمر معمر منكم يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله) الساعة الفائتة تذهب من عمرك ولا يمكن إعادتها بحال، والتي أنت فيها في طريقها الى الزوال، والتي بعدها في كف القدر، فإن سمح بها فهي على سبيل ما قد مضى.. وفي النهاية ينقضي العمر مع الساعات (ولا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه). الانسان يأكل ما قدر له من الرزق على دفعات، ولا مكان للوجبة الثانية إلا بعد خروج الأولى من بطنه، أو في طريقها الى الخروج (ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر). للطفولة بهجتها ومرحها، وللشباب نشاطه ووثباته، وللشيخوخة جلالها وتجاربها.. ولكن لا طفولة مع الشباب، ولا شباب مع الشيخوخة، وما هي إلا مراحل يمر بها الإنسان.. والرجل مسؤول عن طفله حتى يأنس منه الرشد، فإذا تخطى هذا المسؤول الكهولة الى الشيخوخة كان محلاً لعناية الأبناء والأحفاد.

(ولا يتجدد له جديد إلا بعد أن تخلق له جديد) هذا العطف تفسير للمعطوف عليه، أو من باب عطف العام على الخاص مثل «وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ - 48 آل عمران».

(ولا تقوم له نابتة إلا وسقط منه محصودة). يأتي الأبناء فيذهب الآباء تماماً كالشجرة تنمو وتثمر، ثم تتحول النواة من ثمرها الى شجرة، فإذا أثمرت هذه ذبلت تلك، وانتهى عمرها، وهكذا دواليك تستمر الحياة (وقد مضت أصول) وهم الآباء (نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله) نحن أيضاً ذاهبون على أثر الآباء والأجداد، لأن الفرع لا يزيد على الأصل في الاستعداد للبقاء ومدته، والغرض من بيان ما تقدم هو التنبيه الى أن حياة الانسان تذهب مع الزمن، وان عليه ان يحرص كل الحرص على انتهاز فرص الخير والعمل الصالح قبل فوات الأوان.

(وما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنة). كل تحليل أو تحريم لا دليل عليه من الشرع فهو بدعة، وإذن فمن ابتدع فقد ترك السنة، ومن أخذ بالسنة فقد

ترك البدعة (فاتقوا البدع والزموا المهيع) وهو الطريق الذي أرشد اليه كتاب الله وسنة نبيه (ان عوازم الأمور أفضلها، وان محدثاتها شرارها) ما ثبت على عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أصح وأقوى مما ثبت بعده إذا لم تدعُ الحاجة اليه، وإلا كان اقراره تماماً كالذي أقره النبي بالخصوص إذ لا فرق بين العام والخاص من حيث الحجة ووجوب العمل، ولا يختلف عالمان من المسلمين ان الشريعة الاسلامية تقوم على مصالح العباد في المعاش والمعاد.

الخطبة - 144 -

العرب كثيرون بالاسلام.. فقرة 1 - 2 :

إِنَّ هذا الأمرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلا خذلانه بكثرةٍ وَلَا فِلْةٍ. وَهُوَ دینُ اللهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُندُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ، حَتى بَلَغَ مَا بَلَغَ وطلَعَ حَيْثُ طَلَعَ. وَنَحْنُ عَلى مَوْعُودٍ مِنَ اللهِ. وَاللهُ مُنْجِرٌ وَعْدَهُ وَنَاصِرٌ جُندَهُ. وَمَكَانُ الْقَيمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ. فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ وَذَهَبَ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِعَذَا فِيرِهِ أَبَداً (1) وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلاً فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلَامِ وَعَزِيرُونَ بِالاجتماعِ : فَكُنْ قُطْباً، وَأَسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ. وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ العَوْرَاتِ أَهُمْ إِلَيْكَ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ (3).

اللغة :

النظام : السلك يتظم فيه الخرز «يجمعه ويضمه» كما قال الإمام. وحذافيره : نواحيه وجوانبه أي بأسره، والواحد حذفار. وقطب القوم : سيدهم، وعليه تدور أمورهم. وشخصت : خرجت والعورات : جمع عورة أي الخلل في ثغور البلاد.

الاعراب :

حيث طلع «حيث» في محل جر بمن محذوفة، أي من حيث طلع، وجملة يجمعه حال من النظام، وأبداً نصب على الظرف، وهو يؤكد المستقبل نفياً أو اثباتاً، ولا دلالة فيه على الدوام الى ما لا نهاية، وناراً منصوبة بنزع الخافض أي أحرقهم بنار. وبين متعلق بمحذوف خبراً لمبتدأ محذوف أي مما هو كائن بين يديك.

لا نصر إلا بالإخلاص والتماسك :

استشار عمر في أمر القادسية أو نهاوند على اختلاف الرواة، فأشار عليه البعض أن يخرج بنفسه، فنهاه الإمام وحذره بقوله : (ان هذا الأمر - الى - حيث طلع) كتب النبي العربي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو لا يملك من الأرض موطىء قدميه، ولا من المال أبيض أو أصفر، ولا من السلاح ما يرعب به دويلة صغرى، كتب الى كل من كسرى وقيصر «أسلم تسلم» أي اتبعني وأطعني أيها الملك المتغطرس، ولك الأمان إن فعلت واستجبت، وان أبيت وتوليت حاقى الهلاك والدمار بك وبقومك، ولا يمنعك مني ما أنت فيه من جيش وسلاح ومال وسلطان.. وضحك كسرى وضحك كسرى غاضباً، وأمر من يأتيه بالعربي المتجري حياً أو، ميتاً أما الملأ من قوم قيصر فسخروا وقالوا : أيحسبنا هذا العربي قبيلة من قبائل البادية ؟.

ولم تمض الأيام حتى تحققت نبوءة رسول الرحمة، وانتصرت أمته على سلطان

الروم وفارس، وداس رعاة الإبل على تاج كسرى بأقدامهم وعجب العالم لهذه الظاهرة الخارقة !.. عرب البادية، وأهون الخلق شأناً يحطمون عروش الأكاسرة والقياصرة في بضع سنين !.. وما لهذا من نظير في تاريخ الدول من قبل ومن بعد.. وقيل وقيل في تفسيره أقاويل، منها أن خشونة البادية غلبت ترف الحضارة، ومنها ان المسلم كان يلقي بنفسه الى القتل رغبة في احدى الحسنيين : الجنة أو الغنيمة أو هما معاً، وما كانت هذه العقيدة لجيوش الروم أو الفرس.. أما الإمام فلا يرى لهذا الانتصار من تفسير إلا أن الله سبحانه « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ - 33 التوبة». والى هذا أشار الإمام بقوله : (نحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده).

أنجز سبحانه وعده للمسلمين وفقاً للنظام الطبيعي، وبالوسائل الكفيلة بالنصر أشار اليها سبحانه في الآية 29 من سورة الفتح : « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وكفى بالله شهيداً، «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» وإذن فسبب النصر عادي ومألوف، لا خوارق فيه ومعجزات وهو الاخلاص والتعاطف والتماسك بين المحقين مع العزم على حرب المعتدي بقيادة المناضل الناصح أما كثرة العدد والسلاح فلا تجدي نفعاً بدون الإخلاص والتماسك.

(ومكان القيم - الى بحذافيره). القائد هو الرابطة التي تربط بين أفراد المواطنين، وتجمع شملهم في كيان واحد، وتحت راية واحدة، ولا غنى عنه بحال وبخاصة في أوقات الحرب والأزمات، وأي ضرر يلحق به بهز بناء المجتمع من أساسه (والعرب اليوم وان كانوا قليلاً) في عددهم وعدتهم بالقياس الى الفرس وغيرهم (فهم كثيرون بالإسلام) ما داموا مستمسكين بعروته مجاهدين في سبيله (عزيزون بالاجتماع) فإذا تفرقت كلمتهم، وتنافرت قلوبهم عاشوا أذلاء صاغرين، وان كانوا أشد الناس غنى، وأكثرهم عدداً، فعرب اليوم يملكون طاقة كبرى من الجنود والثروة الطبيعية (1). ومع هذا يسو مهم عسفاً


1) يدخل إلى الخزائن الاميركية وحدها من بترول العرب بليون ونصف البليون من الدولارات في كل سنة.

ويطردهم من ديارهم عنفاً «أعور اسرائيل».

(فكن قطباً الخ).. الخطاب للخليفة أي أبقى في مكانك، وابعث الجيش الى عدوك، وان ذهبت اليه بنفسك انفرط العقد، ونقض العهد الذين في قلوبهم مرض، وانكشفت الثغور لا ترد غازياً، ولا تصد طامعاً (حتى يكون ما تدع وراءك من العورات) وهي التي يخشى معها الثورة من الداخل، والغزو من الخارج، وليس من شك أن تلافي ذلك ببقائك (اهم اليك) والى جميع المسلمين (مما بين يديك) أي من المشكلة التي تعالجها الآن، وهي الانتصار على الأعاجم.

لا نقاتل بالكثرة.. فقرة 3 :

إنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غداً يَقُولُوا هذا أَصلُ العَرَبِ فَإِذَا قَطَعْتُمُوهُ أَسْتَرَحْتُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلبِهِمْ عَلَيْكَ وَطَمَعِهِمْ فِيكَ. فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أكْرَهُ لَمسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلى تَغييرِ مَا يَكْرَهُ. وَأَمَّا مَا ذكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّما كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ (2).

المعنى:

(ان الأعاجم - الى - طمعهم فيك) أنت قائد العرب، والقائد بمنزلة الرأس من الجسد، ولا حياة لجسد لا رأس معه، فإذا رآك الأعداء قال بعضهم لبعض : هذا هو الرأس فاقطعوه، واستماتوا في سبيل ذلك، واستماتوا في سبيل ذلك، لأنه أقصى ما يطمحون اليه (فأما ما ذكرت من مسيرة القوم الخ) انك تريد غزو العدو قبل أن يغزوك، وتكره أن يُغزى المسلمون في عقر دارهم خشية الذل والعار..

والله سبحانه أشد منك كرهاً لذلك، وهو قادر على نصرة المسلمين بقيادة من تختار لخوض المعركة، وأنت جالس في مكانك.

(وأما ما ذكرت من عددهم الخ).. لا تخش من كثرة العدو وقلة المسلمين ما دام الله معهم... حتى النبي الكريم ما كان له أن ينتصر لولا الامداد والعون من الله سبحانه، فوجه الرجال الى العدو، فوجه الرجال الى العدو، وتوكل على الله، وكفى بربك نصيراً. وتقدم مثل هذه الخطبة رقم 131.

الخطبة - 145 -

نبذ الكتاب حملته.. فقرة 1 - 3 :

فَبَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ، بِقُرْآن قَدْ بَيْنَهُ وَأَحْكَمهُ، لِيَعْلَمَ العِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهلُوهُ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ. فَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَكَيْفَ محق مَنْ محقَ بِالمُثلَاتِ، وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالْنقِمَاتِ (1). وَإِنَّهُ سَيَأتي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ وَلَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ. وَلَيْسَ عِندَ أَهْل ذلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةُ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقٌّ تَلَاوَتِهِ، وَلَا أَنْفَقُ مِنْهُ إذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَلَا فِي الْبِلَادِ شَيْءٌ أَنكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ،

وَلَا أَعْرَفُ مِنَ المُنكَر. فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ، وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ (2). فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ مَنْفِيَّانِ طَرِيدَانِ، وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَان في طرِيقِ وَاحِدٍ لَا يُؤوِيهمَا مُووٍ. فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ، وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ، لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَإِنِ اجْتَمَعَا. فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ. وَأَفْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ. كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الكِتَابُ إمَامَهُمْ. فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا اسمهُ، وَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَزَبُرَهُ. وَمِنْ قَبْلُ مَا مَثْلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ، وَسَمَّوا صِدْقَهُمْ عَلى اللَّهِ فِرْيَةٍ، وَجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ (3).

اللغة :

محق: أهلك. والمثلات : جمع المثلة، وهي التنكيل والعقوبة، والأمثولة : ما يتمثل به. وأبور : أكسد. وأنفق : أروج. وزيره - بسكون الباء - كتابته. ومثلوا : نكلوا.

الإعراب :

ليخرج مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام يبعث، والمصدر المنسبك متعلق ومثله ما بعده، وكيف محق «كيف» حال، وضمير انه للشأن ما مثلوا «ما» مصدرية، والمصدر المنسبك مبتدأ مؤخر، ومن قبل - بالضم - خبر مقدم أي وتمثيلهم كائن من قبل. وعلى الله متعلق بفرية، أو بشيء محذوف حالاً من فرية، وجاز أن يكون صاحب الحال نكرة لأنه متأخر.

المعنى:

(فبعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليخرج عباده من عبادة الأوثان). حطم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الأصنام والزعامات الجائرة أيضاً، ودعا إلى الإيمان بإله واحد و(بقرآن قد بينه وأحكمه ليعلم العباد ربهم الخ) ..والعلم بالله يدخل في مفهومه العلم بعدله ورحمته وحكمته، أما علم الانسان بالقرآن فمعناه أن يعلم ما له، وما عليه، فلا يهمل ويفرط في شيء من واجباته، أو في حق من حقوقه، ومن هنا كان القرآن نهج الحياة السليم، وصراطها المستقيم.

وحسب القرآن عظمة أن يتخصص بمعرفته غير المسلمين من علماء الغرب، فيكتبوا عن تاريخه، ومذاهب تفسير ومذاهب تفسيره، ويستلهموا منه العلم بما وراء الطبيعة، وصلة الانسان بالله، ومعرفة الخير والشر، والجبر والاختيار، والكثير عن الأرض والسماء، وبعض أخبار الأمم الماضية ودياناتهم وعاداتهم، الى غير ذلك. وأعظم صفة للقرآن عند الغربيين تميزه عن كتب الأديان الأخرى - انه لا يتعارض مع العقل والعلم، ولا يدعو الى الجمود، وأن تعاليمه تعكس ارادة الملايين.

(وانه سيأتي عليكم من بعدي الى ولا أعرف من المنكر). قال ابن أبي الحديد : «أخبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه سيأتي على الناس زمان من صفته كذا وكذا، وقد رأيناه وقد رأيناه، ورآه من كان قبلنا» وأيضاً راه كل من جاء بعد ابن أبي الحديد – توفي سنة 655 هـ - وسيراه ويشكو منه كل آت حتى يأتي الله بأمره.. والسر ان الانسان دائماً يطمح الى الأفضل مما هو فيه حتى اذا بلغه نظر الى الأعلى، وهكذا الى خلود الذكر بعد الموت، الى ما لا نهاية .. ومن هنا قال فرعون : أنا ربكم الأعلى، وتواضع مسيلمة في دعوته النبوة.. وفي هذا العصر وكل عصر ألف فرعون وألف مسيلمة لو وجد من يؤمن ويصدق.

أما الكذب على الله ورسله فهو من خصائص الأديان التي لا مصدر لها ولا أساس، أو لها مصدر وأساس، ولكن دنستها يد البدعة بالتحريف والتزييف.. وفي كتاب «صيد الخاطر» لابن الجوزي: روي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سبع مئة ألف حديث.. وعن ابن عقدة انه قال : احفظ لأهل البيت ثلاث مئة ألف حديث.. وعن الدارقطني : «ما الحديث الصحيح في الحديث إلا الشعرة البيضاء في الثور الأسود» وليس من شك ان أخطر الأكاذيب هي الافتراء على الله ورسوله (فقد

نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته) حيث تلاعبوا بتأويل آياته، وتحايلوا على التزاماته واتخذوا من الدين مطية لبلوغ المآرب والغايات

(فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان) لأن الناس أو الكثير أو الكثير منهم أعرضوا عن كتاب الله وشريعته، واعتنقوا مذاهب إلحادية، وفلسفات مادية تهدف الى المكاسب والأرباح (وصاحبان مصطحبان). أهل الحق مع القرآن، والقرآن معهم يسيران (في طريق واحد) يؤدي بسالكه الى الأمان من المهالك (لا يؤويهما مؤو). العدو يحارب عدوه، وينكل به، فكيف يقبله ويؤويه ؟ (فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس، وليسا فيهم). هما في الناس دلالة لا أثراً، وفي قيام الحجة، وقطع المعذرة، أما من حيث العمل فلا مكان لهما عند أعداء الله والانسانية.

(لأن الضلالة لا توافق الهدى) ولو توافقا لانتفى التعدد، وكان الناس أمة واحدة على الهدى، أو في ضلال مبين (وان اجتمعا) في مكان واحد فكالخصمين يجتمعان في مجلس القضاء (فاجتمع القوم على الفرقة). اتفقوا على أن لا يتفقوا (وافترقوا عن الجماعة). تفرقوا على أن لا يجتمعوا. وبكلمة ان الإمام بحث على الوفاق والالفة، وينكر الفرقة والاختلاف تماماً كقوله تعالى، « وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ - 105 آل عمران». وقيل في معناه غير ذلك، وهو خلاف الظاهر، أما البينات التي جاءت المسلمين فهي القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم، ولذا قال الإمام : (كأنهم أئمة الكتاب، وليس الكتاب إمامهم). في القرآن كل ما يحتاج اليه المسلمون من أمور دينهم، والسنة شرح له وبيان، وإذن، فالقرآن أصل الأصول، والإمام المتبع والإمام المتبع، ومن أخذ برأيه واجتهاده دون القرآن فقد جعل من نفسه إماماً، والقرآن مؤتماً به، أراد ذلك، أم لم يرد.

وتسأل : وهل يوجد في المسلمين من يتعمد مخالفة القرآن في شيء ؟

الجواب :

لا فرق من حيث المسؤولية والمؤاخذة بين من يخالف القرآن عن قصد، قصد، وبين من يخالفه من غير قصد إذا كان هذا جاهلاً، أو لا يملك من العلم ما يستخرج

به الأحكام من القرآن، أو كان مقلداً لغير المجتهد العادل مع التقصير في السؤال والبحث.

(فلم يبق عندهم منه إلا اسمه) ومن كلام آخر للإمام : لا يبقى فيهم من القرآن إلا رسمه، ومن الاسلام إلا اسمه (ولا يعرفون إلا خطه وزبره) أي كتابته وتسطيره، وقد يعلقونه حرزاً في الرقاب، أو يربطونه في السواعد، وما عدا ذلك فليس بمهم.. اللهم إلا التلاوة من الاذاعة وفي المآتم (ومن قبل) أن يهملوا القرآن إلا الاسم والخط (مثلوا في الصالحين) نكلوا بهم شر تنكيل (وسموا صدقهم). الضمير للصالحين (على الله فرية، وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة). الصدق عندهم كذب وافتراء، والحسنة سيئة وجريمة.. ولا عجب فإن «من تكن نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئاً جميلاً».

جار الله آمن فقرة 4 – 5:

وَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَتَغَيّبِ أَجَالِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بهِمُ المَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ المَعْذِرَهُ، وَتُرْفَعُ عَنْهُ التّوبَةُ، وَتَحَل مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَالنِّقْمَةُ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللَّهَ وُفِّقَ، وَمَنِ اتخذ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقومُ. فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنُ، وَعَدُوهُ خَائِفٌ. وَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللهِ أَن يَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ، وَسَلاَمَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ (4). فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ، وَالْبَارِي مِنْ ذِي السُّقْمِ. وَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ، وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الذِي

نقَضَهُ، وَلَنْ تَمَسْكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ. فَالْتَمِسُوا ذلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَيْسُ العِلْمِ وَمَوْتُ الجَهْلِ. هُمُ الَّذِينَ يُخبرُكم حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَصمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ. لا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقُ وَصَامِت نَاطِقُ (5).

اللغة :

المراد بالموعود هنا الموت. والقارعة : ما يقرع القلوب بالأهوال. والباري هنا من البراءة من العيب او المرض بدليل مقابلته للسقم.

الإعراب :

ضمير انه للشأن : وما عظمته «ما» للاستفهام، ومحلها الرفع بالابتداء، وعظمته خبر لـ «ما» أو لمبتدأ محذوف، والجملة من المبتدأ الثاني المحذوف وخبره خبر المبتدأ الأول والتقدير أي شيء هي عظمته.

المعنى :

(وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم، وتغيب آجالهم). المراد بطول الأمل الثقة بطول الأجل وامتداد العمر ولا شيء أخيب وأكذب من هذا الأمل، وعلى أي شيء اعتمد صاحبه، وهو يرى المأخوذين على الغرة شباباً وأطفالاً سالمين من الاسقام والآفات ؟ والمراد بتغيب الأجل الجهل بزمن الموت مع الغفلة عنه وعدم الاحتياط له، ولا شك ان من وثق ما لا يركن اليه، وغفل عما لا يغفل عنه فإنه يسير في طريق المهالك (حتى نزل بهم الموعود

الذي ترد عنه المعذرة) أي لا تقبل المعذرة فيه محال، وهل للموت وهل للموت آذان تسمع الأعذار ؟ (وترفع عنه التوبة) لأن التوبة تصلح ما أفسد، وتبني ما هدم، ومنى تعذر الاصلاح والبناء لم يبق للتوبة من موضوع (وتحل معه القارعة والنقمة). إذا جاء الموت فلا توبة ولا أوبة، بل أهوال وشدائد.

(أيها الناس من استنصح الله) سمع منه وأطاع (وفق) الى طريق النجاة، وفاز يعلو الدرجات : « وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا – 71 الأحزاب». (ومن اتخذ قوله دليلاً هدي للتي هي أقوم). كل دليل يحتمل العكس، ولذا رأينا العالم الأصيل يرتاب برأيه، ويرحب بالنقد العلمي، بل يتوخاه ويتمناه، ولا يستعمل في كلامه كلمة هذا حق، وغيره جهل وضلال إلا إذا اعتمد على الدليل القاطع من كل وجه، كنص الوحي الصريح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبهذا تميز القرآ وبهذا تميز القرآن عن سائر الأدلة (فان جار الله آمن) أي من استجار بالله، أو من عمل عملاً يقربه من الله فقد أمن العواقب والغوائل.

(وانه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم). إن عظمة الله سبحانه في قلوب المؤمنين لا سبب لها إلا معرفتهم بهذه العظمة، ومن عرف عظمته تعالى لا يرى في الوجود شيئاً عظيماً. ومن خطبة ثانية للإمام : «عظم الخالق في أنفسهم - أي أنفس المؤمنين - فصغر ما دونه في أعينهم». (فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له). العظيم هو الذي يخضع للحق لا من يعانده ويتعاظم عليه، قال بعض العارفين : «الخفض ثابت للعبد بالإصالة، والرفعة تثبت له بالعرض». أي ان الانسان بنفسه ليس بشيء، وانما يقاس بأعماله و آثاره الصالحة النافعة.

(وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له) حيث يعلمون انه لا حول لهم ولا قوة مع : قدرته تعالى إلا الاستسلام : «فقال لها - أي للسماء - وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ - 11 فصلت» (فلا تنفروا من الحق الخ). ينفر الناس من الحق لأنه ثقيل يفتقر الى الصبر وجهاد النفس، ويجر المتاعب لصاحبه، ويتخذه الأشرار عدواً يحاربونه بكل سلاح، ولكن العاقبة للمحقين والمتقين، قال الإمام : «الحق ثقيل مريء - أي حميد العاقبة -

والباطل خفيف وبيء» أي وخيم العاقبة. ولو تعايش الناس بالباطل في كل شيء ما قامت الحضارات، ولا تأسست المدن والمجتمعات.

(واعلموا انكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه). المراد بالرشد الحق. وتسأل : إن ظاهر هذا الكلام غير مستقيم، لأنه يربط معرفة الرشد معرفة التارك له والعكس هو الصحيح، فكيف نعرف فاعل الرشد والتارك له اذا كنا نجهل معنى الرشد ؟ وهل يميز القاضي بين المحق والمبطل، وهو يجهل معنى الحق ؟. قال الإمام للحارث الهمداني : «إن دين الله لا يعرف بالرجال، فاعرف الحق تعرف أهله»

الجواب :

لا يريد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله هذا أن يحدد معنى الرشد، ولا هو بصدد ذلك، وانما يريد أن ينبه الأذهان الى ان المؤمن عليه أن يتبرأ ويكافح أهل الفساد والضلال، وان على المخلص أن يحارب الخائنين والمعتدين، ولا يجوز أن يعتزل ويقول : ما لي وللناس ؟ بل عليه أن يجاهد وينتصر للحق وأهله، قال سبحانه لنبيه الكريم : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ - 73 التوبة». و بكلام آخر : ان الاسلام في مفهوم الإمام إيجابي لا سلبي، فهو يحرم الظلم وفي نفس الوقت يوجب محاربة الظالمين.

(ولن تأخذوا بميثاق الكتاب) لن تعملوا به (حتى تعرفوا الذي نقضه) ونقاوموه وتشهروا به وتنفروا الناس منه (ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه) عطف تفسر على ما قبله (فالتمسوا ذلك) أي التمسك بالقرآن (عند أهله) وأهل القرآن هم أهل البيت بشهادة جدهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي، قال : تركت فيكم الثقلين : كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض. رواه مسلم والترمذي وابن ماجة وأبو داوود، وغيره وغيرهم كثير (انظر كتاب حديث الثقلين للشيخ محمد قوام الدين القمي).

(فإنهم عيش العلم) أي حياته، بقرينة قوله : (وموت الجهل). وبالعلم يفترق الجنس البشري عن سائر المخلوقات : ولولا العلم لكانت النملة بغرائزها أكثر إثارة للدهشة من الانسان (هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم). المراد بالحكم هنا كل ما تركوه من آثار في الشريعة وغيرها، وحكمهم في باب القضاء

غيض من فيض (وصمتهم عن منطقهم) أنهم لا يصمتون – ان صمتوا - جهلاً وعجزاً عن الكلام.. كلا، بل لأنهم يعرفون متى يتكلمون ومتى يسكتون (وظاهرهم عن باطنهم). والمراد بالظاهر هنا العمل والسيرة (ولا يخالفون الدين) ويحتالون عليه لمآرب أخرى) (ولا يختلفون فيه) لأنهم منزهون عن التعصب والأخطاء (فهو بينهم شاهد صدق) بدلالته الواضحة على مكانتهم وعلو منزلتهم عند الله تعالى (صامت) لا صوت له ومع هذا فهو (ناطق) في العديد من آياته بوجوب الرجوع الى أهل الذكر والعلم. وتقدم الكلام عن أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدة مرات.

الخطبة - 146 -

لكل ضلة علة :

كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الْأَمْرَ لَهُ وَيَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ، لاَ يَمتَّانِ إلَى اللهِ بِحَبْلٍ، وَلَا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ. كُل وَاحِدٍ مِنْهَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ. وَعَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ. وَاللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الذي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا، وَلَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلى هذا. قَدْ قامَت الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ. فَقَدْ سُنّت لَهُمُ السُّنَنُ وَقَدَّمَ لهُم الخَبَرُ. وَلِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ، وَلِكُلِّ نَاكِث شُبْهَةٌ. وَاللهِ لاَ أَكونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدَم يَسْمَعُ النَّاعِيَ وَيَحْضُرُ البَاكِي ثُمَّ لَا يَعْتَبِرُ.

اللغة :

يعطفه عليه : يعكف أو يتلهف عليه. لا يمتان: لا يتقربان. والمراد بالضب هنا الحقد والمحتسبون : الذين يفعلون أو يتركون لوجه الله. والضلة : الضلالة. واللدم : الضرب على الصدر أو الوجه.

الإعراب :

عما قليل (ما) زائدة أي عن قليل.

مشكلة الخلافة والفتن :

كانت رئاسة المسلمين الدينية والزمنية في عهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مرتبطة بشخصه مباشرة واختلف الصحابة على الرئاسة في اللحظة التي انتقل فيها النبي الى الرفيق الأعلى، وقبل أن يبرد جسده الشريف، ويدرج في كفنه الطاهر، في هذه اللحظة برزت مشكلة الخلافة : لمن تكون بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟ قال الأنصار : نحن أولى بالنبي، فقد آوينا ونصرنا وخضنا المعارك من أجله وأجل الاسلام. وقال المهاجرون القرشيون : نحن من شجرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسبقنا الى الاسلام والهجرة، فالخلافة لنا من دون الناس.. ولا أدري ولا أدري : هل يرتبط حديث «الخلافة في قريش» بهذه الدعوى ؟

وعلى كل فقد اشتد الصراع بين الصحابة على الخلافة، ولكن ما فكر واحد من الذين طمحوا اليها أن يشهر السيف من أجلها محقاً أم مبطلاً، ولا حدثته نفسه بذلك خوفاً من الفتنة وآثارها السيئة على الاسلام والمسلمين. وذكرنا فيما سبق ان أبا سفيان قال للإمام : امدد يدك حتى أبايعك، والله لأملأنها عليهم خيلاً ورجلاً، وان الإمام زجره وقال له : طالما غششت للإسلام وأهله. وأيضاً سبق في الخطبة 73 قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة». وهذه يد عظمى أسداها الإمام للإسلام لا ينكرها إلا جاهل أو عدو لدين الله ونبيه.

كان الصحابة بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يتنافسون على الرئاسة، ثم يتفقون على أحدهم في جو غير ودي، بل ومشبع بالجفاء، ولكن من غير حرب وقتال حرصاً على مصلحة الإسلام، ووحدة المسلمين حتى ثار أصحاب الجمل طلباً للرئاسة لا لدم عثمان، فكانت هذه الحرب أول لقاء بالسيوف بين الصحابة من أجل الخلافة، ومن ذلك الحين فتح باب الفتن للطامعين، وانحصر الطريق الى الخلافة بالسيف أو الوراثة.. ولولا الجمل ما كانت صفين، وعلى الأقل مهد أصحاب الجمل الطريق أمام معاوية، وجر أوه على أن يشهر السيف في وجه ألفين وثمانمئة من

الصحابة كلهم كانوا مع الإمام في صفين، وفي طليعتهم عمار بن ياسر وأبو ايوب الأنصاري.

وفي الخطبة التي نحن بصددها أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى الزبير وطلحة بقوله : (كل واحد منهما يرجو الأمر له، ويعطفه عليه دون صاحبه). المراد بالأمر هنا الحكم والسلطان، وكان كل من طلحة والزبير يرى نفسه أجل وأعظم من الآخر، يطلب الرئاسة ليفرض سلطانه على صاحبه وغيره من الناس : أما هذا النمط من التعايش السلمي بين الاثنين، واجتماع كلمتها على حرب الإمام فقد فرضه عليهما فرضاً النكث ببيعة الإمام التي أجمع عليها الصحابة والمسلمون من دونهما، على ان الخلاف ظهر بين الاثنين، وهما مجتمعان الحرب الإمام، قال ابن أبي الحديد : «ذكر أرباب السير أن طلحة طلب من عائشة ان يسلم الناس عليه بالإمرة، وطلب الزبير أن يكون ذلك له دون طلحة، وأصلحت هي بين الاثنين، وأمرت الناس ان يسلموا بالإمرة عليهما معاً. وأيضاً اختلفا في تولي القتال فطلبه كل منهما، ثم نكل عنه، واختلفا أيضاً في إمامة الصلاة، فنحتها عائشة، وأمرت أن يصلي بالناس محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير، هذا يوماً، وهذا يوماً».

وقال ابن الأثير في تاريخه : ان عائشة أمرت أن يصلي بالناس ابن اختها عبدالله بن الزبير، وأيضاً قال ابن الأثير : «لما خرجت عائشة لقتال علي تبعتها أمهات المؤمنين يبكين على الاسلام، فلم ير يوم أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم حتى سمي يوم النحيب.. وأقبل جارية بن قدامة السعدي وقال لها : يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون. وقال لها رجل من أخوالها بني ليث يقال له عبيد بن أبي سلمة : والله ان أول ما أمال حرف عثمان لأنت، ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر».

(ولا يمتان الى الله بحبل، ولا عمدان اليه بسبب) وعطف الجملة الأولى على الثانية من باب عطف التفسير، والمعنى لم يخرج طلحة والزبير لوجه الله، بل طلباً للدنيا (كل واحد منها حامل ضب لصاحبه) أي حاقد عليه للتنافس على المجد والسلطان (وعما قليل يكشف قناعه به). الهاء في قناعه و «به» يعود الى كل واحد منها، والمعنى ان كلا من طلحة والزبير سيفضح الآخر يفعله من حيث يريد أو لا يريد. وقد حدث هذا بالفعل، لأن الزبير ترك

القتال نادماً، وبقي طلحة في ساحة القتال ينادي ويقول : عباد الله الصبر الصبر، فإن بعد الصبر النصر والأجر - كما في شرح ابن أبي الحديد - ومعنى هذا أن كلا منهما كان يزري بصاحبه : هذا مما فعل، وذاك مما ترك

(والله لئن أصابوا - الى الى - على هذا). لو ان الرئاسة الحصرت بواحد من الاثنين بلا تعيين لقامت الحرب بينها ولم تقعد، وصمم كل منهما على قتل صاحبه لا يرده يرده عنه شيء (قد قامت الفئة الباغية) وهي الناكثون وأتباعهم (فأين المحتسبون ؟) الراغبون في مرضاة الله يجاهدون هذه الفئة الناكثة للعهد (فقد سنت لهم السنن، وقدم لهم الخبر). الضمير في «لهم» للمحتسبين أي من أراد ثواب الله فهذا طريقه، وهو جهاد أصحاب الجمل البغاة، والخبر اشارة الى قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) للإمام : تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين (ولكل ضلة علة) يتعلل بها الضال، ويبرر ضلاله وإفساده، وقد تعلل أصحاب الجمل وصفين بدم عثمان وسبق في الخطبة 135 قول الإمام : «انهم ليطلبون حقاً هم تركوه، ودماً هم سفكوه» (ولكل ناكث شبهة) ولكن أصحاب الجمل نكثوا بلا شبهة لأن حق الإمام لا يقبل الشك، ومع التسليم - جدلاً - بأنهم اشتبهوا فإن الدماء تحقن بالشبهات، وقد أباح أصحاب الجمل دماء المسلمين، وأثاروا الفتن الى قيام يوم الدين.

(والله لا أكون الخ).. جاء في تاريخ ابن الأثير : «إن عائشة والزبير وطلحة قدموا الى البصرة خارجين على علي، وقاتلوا عامله عليها، وهو عثمان بن حنيف، وأكثروا القتل في أصحابه، ومنهم حكيم بن جبلة العبدي، وأسروا عثمان، واستشاروا عائشة في أمره، فقالت : اقتلوه. فناشدتها امرأة، وقالت : الله في دم عثمان وصحبته لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأمرت بحبسه، فقال مجاشع بن مسعود : اضربوه وانتفوا لحيته وأشفار عينيه. فضربوه أربعين سوطاً، ونتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه على مرأى من أم المؤمنين».

ولما أخبر الإمام بذلك قال : (والله لا أكون كمستمع اللدم يسمع الناعي ويحضر الباكي، ثم لا يعتبر). كيف أسكت عن أصحاب الجمل، وقد مثلوا ونكلوا بعاملي، وقتلوا العديد من المسلمين ظلماً وعدواناً، ولو سكت ورهنت لكنت كمن يسمع صوت الناعي ينعى المقتولين ظلماً، ويرى البكاء واللطم عليهم ثم لا يحرك ساكناً.! وأي عذر لي عند الله ان تجاهلت وأهملت.

وقال أهل السير : حاول الإمام جهده أن يتجنب قتال أهل الجمل، ولكنهم أصروا، وعندئذ رفع مصحفاً بيده وقال : من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم اليه، وله الجنة، فقام غلام شاب، اسمه مسلم، وقال : أنا، فنظر اليه الإمام وقال : يا فتى ان أخذته فإن يدك اليمنى تقطع، فتأخذه بيدك اليسرى فتقطع ثم تضرب بالسيف حتى تقتل. فقال : لا صبر لي على ذلك. فنادى الإمام ثانية فقام الغلام المذكور، وأعاد الإمام عليه القول، فيرجع الغلام حتى تكرر ذلك مرات. قال الغلام : أنا آخذه على الذي ذكرت، وهو قليل في الله فأخذ القرآن بيمينه ونادى القوم، فقطعوا يده اليمنى، فتناول القرآن باليسرى و ناداهم، فقطعوها، فاحتضنه، فانهالوا عليه بالسيوف حتى قتل.

الخطبة - 147 -

الانسان في الريح :

أيُّهَا النَّاسُ كُلُّ أَمْرِى، لاَقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ. وَالْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ، وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ. كم أَطْرَدَتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هُذَا الْأَمْرِ فَأَبَى الله إلا إخْفَاءَهُ. هَيْهَاتَ. عِلْمٌ مَخزُونٌ. أَمَا وَصِيَّتِي : قائلة لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَمُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهُ وَآلِهِ) فَلَا تُضَيّعُوا سُنتَهُ، أَقِيمُوا هذينِ الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ المِصْبَاحَينَ. وَخَلَاكُمْ ذَمُّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا. حَمَلَ كُلُّ أَمْرِى مِنْكُم مَجهودَهُ. وَخَفّفَ عَنِ الْجَهلَةِ. رَبُّ رَحِيمٌ، وَدِينٌ قَوِيمٌ، وَإمَامٌ عَلِيمٌ. أنا بِالْأمْسِ صَاحِبُكُمْ. وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ. وَغَداً مُفَارِقُكُمْ. غَفَرَ اللهُ لي لكُمْ (1). إِنْ تَثْبَتِ الْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ. وَإِنْ تَدْحَضِ القَدَمُ فَإِنَّمَا كُنَّا فِي أَفْيَاء أَغْصَانٍ، وَمَهَبِّ رِيَاحٍ. وَتَحْتَ ظِلُّ غَمامٍ

أضمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفْقُهَا، وَعَفَا فِي الْأَرْضِ مَخَطَّهَا. وَإنّما كُنتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً، وَسَتَعْقَبُونَ مِني جُثّةٌ خَلَاء : سَاكِنَةٌ بَعْدَ حَرَاكٍ، وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْلْقٍ. لِيَعِظُكُمْ هُدُوي، وَخُفُوتُ إطرَاقي، وَسُكُونُ أطرافِي، فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ المَنْطِقِ الْبَلَيعَ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوع. وَدَاعِيكُمْ وَدَاعُ أَمْرِى مُرْضِدٍ لِلتّلاقِي، غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي، وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَخُلُو مَكَانِي وَقِيَامٍ غَيْرِي مَقَامِي (2).

اللغة :

موافاته : اتيانه اليك. واطردت الأيام : تتبعتها يوماً يوماً، وما شذ عني منها يوم واحد، والقرينة على ارادة هذا المعنى قوله «ابحثها». وخلاكم ذم : برشم منه. وتشردوا : تنفروا. والمزلة : الزلق والسقوط. وتدحض القدم : يغلبها الزلق ولم تثبت له. والأفياء : جمع فيء. ومهب الريح : المكان الذي تهب فيه. ومتلفقها: ما تجمع منها منظماً بعضه الى بعض. والمراد بالمخط هنا الأثر لأنه فاعل لـ «عفا». والأطراف : الرأس واليدان والرجلان وستعقبون: ستجدون عقيب فقدي أو بعد فقدي. ومرصد : منتظر.

الإعراب :

هيهات اسم فعل بمعنى بعد، وعلم مخزون خبر لمبتدأ محذوف أي ذلك علم فالله مفعول لفعل محذوف أي احذر الله أو أطيعوا الله، ومحمداً معطوف على الله، وشيئاً مفعول مطلق أي شيئاً من الشرك من أي نوع كان، و «العمودين» عطف بيان أو بدل من هذين، وحمل كل امرىء مبتدأ حمل كل امرى مبتدأ، ومجهوده خبر، ورب خبر لمبتدأ محذوف أي ربكم رب كريم، ومثله دين قويم أي دينكم دين

قويم، وإمامكم إمام عليم، فذاك مبتدأ والخبر محذوف أي فذاك ما تريدون، وجثة مفعول تعقبون.

المعنى :

(كل امرىء لاق الى موافاته). أبداً لا أبداً لا مهرب من الموت، فهو ملاقينا مشرقين أو مغربين، مسافرين أو مقيمين (كما اطردت الأيام أبحثها عن مکنون هذا الأمر فأبى الله إلا إخفاءه).. هذا إشارة الى ان الإمام يموت شهيداً. والمعنى ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أخبره وبشره بالشهادة، وانه سأل النبي : متى يكون ذلك ؟ فما أنبأه به، لأن الله سبحانه قضى وقدر ان لا تدري نفس بأي مكان أو زمان تموت، ولكن الإمام كان ينتظر الشهادة فارغ الصبر، يودع يوماً بلا جدوى، ويستقبل آخر عسى ولعل (هيهات علم مخزون) أي كيف أعرف وقت منيتي وقد حجب الله سبحانه هذا العلم عن عباده.؟.

قال الإمام هذا وما بعده حين ضربه اللعين ابن ملجم، وكلامه هنا واضح الدلالة على انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كان يعلم بالتفصيل أوان مقتله وشهادته، ولكنه كان على علم بأن الشهادة آتية لا ريب فيها لقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) له :«ان اشقى الآخرين من يضربك ههنا - مشيراً الى رأسه - فيخضب هذه» أي لحيتة الشريفة.

(أما وصيتي - الى - ما لم تشردوا). أصل الأصول للإسلام شيئان : الاخلاص لله وحده في الأقوال والأفعال، والالتزام بما جاء به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في السلوك لا بمجرد النية والقول والمظهر والشعائر التي لا تحل أية مشكلة من مشکلات الانسان وحياته، أما قوله : «ما لم تشردوا»، فمعناه ما لم تنحرفوا عن خط الاخلاص لله والعمل بسنة رسول الله، وفي هذا المعنى قوله تعالى : «الا من تاب وآمن» أي واستمر على إيمانه وعمل بموجب توبته.

(وحمل كل امرىء منكم مجهوده). ان تكليف انسان يكون بحسب طاقته ومؤهلاته، فمسؤولية القائد أخطر وأثقل من مسؤولية التابع، وواجب العالم غير واجب الجاهل، وحساب الأغنياء شديد وعسير على العكس من حساب الفقراء: « رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ

وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا وبيلا - 68 الأحزاب». وهناك نوع ثالث وهناك نوع ثالث غير الاتباع والقادة، وهم الأحرار الذين يرفضون البغي والفساد، ويجاهدون المفسدين الطغاة (وخفف عن الجهلة). الجهل عن قصور وعدم استعداد عذر شرعي وعقلي، لأن القاصر أشبه بالحيوان، أما الجهل عن إهمال وتقصير فليس بعذر، فالمقصر تماماً كالمتعمد، لأنه استطاع العلم ولم يتعلم، وفي الحديث : يقال للجاهل غداً : هلا تعلمت ؟.

(رب رحيم) (رأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) امرأة تضم رضيعها في حنان، وتلقمه ثديها في غبطة، فقال لأصحابه : أترون هذه طارحة طفلها في النار ؟ قالوا : لا والله. فقال : إن الله أرحم بعباده من هذه بولدها (ودين قويم) يهدي للتي في أقوم، فيحل الطيبات ويحرم الخبائث، ويريد بالناس اليسر، ولا يكلف نفساً إلا وسعها (وإمام عليم) بكتاب الله وسنة نبيه، وبكل ما يصلحكم ويفسد كم.. وأراد به نفسه) وأراد به نفسه (أنا بالأمس صاحبكم) أدافع عنكم، وأدبر شؤونكم بكفاءة وإخلاص (وأنا اليوم عبرة لكم) ملقى على فراشي لا أستطيع حراكاً كما ترون.

(ان تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك). إن سلمت وعوفيت من ضربة ابن ملجم فذاك الذي تبغون (وان تدحض القدم) أي كان أجلي بهذه الضربة (فإنا كنا - الى مخطها) أي ان العمر يفنى كالظل، ويذهب كالريح ويندرس كالأثر (وانما كنت جاراً الى - القول المسموع). الأجسام تحيا ما دام فيها الروح، فإذا خرجت منها صارت جثة هامدة بلا حراك وإحساس ونطق.. ولكن لسان حالها ينطق بأبلغ العظات. قال أحد رجال الاسكندر حين نظر الى جثته : «لقد حركنا بسكونه». ومن لا يتعظ بغيره فهو من الجاهلين الهالكين.

(وداعيكم وداع امرىء مرصد للتلاقي) مع الله من أجل الحساب والجزاء، وفي كتاب «إحياء العلوم» للغزالي : ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ظهر أنينه حين النزع وارتفع حنينه، وتغير لونه، وعرق جبينه، واضطربت في الانقباض والاقبساط شماله ويمينه (وغداً ترون أيامي الخ).. تعرفون فضلي بعد أن يخلو مقامي من بينكم، وتجربون غيري «وبضدها تتبين الأشياء» وما ظهر أعداء الإمام وحساده على حقيقتهم إلا بعد أن اختاره الله الى جواره، وما عرف أصحابه

مكانته وعظمته إلا بعد أن حكمهم الفجار والأشرار.

قال الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أتيت أبي في الليلة التي ضرب في صبيحتها، فقال : أرقت الليلة، ثم ملكني عيني، فسنح لي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقلت له : يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللد أي العوج والخصومة ؟ فقال : ادع عليهم. فقلت : اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شراً مني.

الخطبة - 148 -

لا تستبطئوا ما يجيء به الغد.. فقرة 1 - 2 :

وَأَخَذُوا يَميناً وَشِمَالاً طَعْناً في مَسَالِكِ الْغَيِّ، وَتَرَكاً لَمَذَاهِبِ الرَّشْدِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنُ مُرْصَدٌ. وَلَا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ. فَكُمْ مِنْ مُسْتَعْجِل يَما إنْ أَدْرَكَهُ وَدْ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ. وَمَا أَقْرَبَ اليَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ. يَا قَوْمٍ هَذَا إِيَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، وَدُنُوٌّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ (1). أَلَا وَمَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسرَاج. منير، ويَخذُو فِيهَا عَلى مِثَالِ الصَّالِحِينَ لِيَحلَّ فِيهَا رِيقاً، وَيُعْتِقَ رِقًا، يصدَعَ شَعْباً، وَيَشعَبَ صَدْعاً، فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ لَا يُبْصِرُ الْقَاتِفُ أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ. ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْنَ الْقَيْنِ النَّصْلَ تُجلَى بِالتَّنْدِيلِ أَبْصَارُهُمْ. وَيُرْمَى بِالتَّفسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ وَيُغْبَقُونَ كَأَسَ الحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبوح (2).

اللغة :

طعناً : سيراً. ومرصد : محفوظ لا يفوت شيء منه. والتباشير : أوائل كل شيء. وإبان الشيء : وقته ودنوه. والربقة : العروة في الحبل. والريق : الحبل فيه عدة عُرى. ويصدع شعباً : يفرق ما اجتمع من الباطل. ويشعب صدعاً : يجمع ما تفرق من الحق. ويشحذن : من شحذ السكين إذا حددها والقين : الحداد. والنصل : حديدة السيف والرمح والسهم والسكين، وربما سمي السيف نصلاً. ويُغبقون : يُسقون، والغبوق - بفتح الغين - ما يشرب في العشي. والصبوح - بفتح الصاد - ما يشرب أو يؤكل في الصباح.

الإعراب :

يميناً وشمالاً نصب على الظرف أي أخذوا في جهة اليمين وجهة الشمال، وظعنا وتركاً مصدر في موضع الحال أي ظاعنين وتاركين، فكم خبرية للتكثير، ومحلها الرفع بالابتداء و «بما» الباء زائدة في مفعول مستعجل، مثل «ومن يرد فيه بإلحاد» أي الحاداً،، و «ما» بمعنى شيء أو أمر، وجملة أن إدركه الخ خبر «كم». وفي سترة متعلق بمحذوف حالا من فاعل يشعب أي فاعلاً ذلك في سترة.

المعنى :

(وأخذوا يميناً وشمالاً - الى - الرشد). يشير الإمام بهذا الى فئة أو فرقة ضلت عن سبيل الهدى، وانحرفت الى طريق الضلال، وهو الإفراط بتجاوز الحد الى جانب الزيادة كالغلو المسمى في لغة العصر باليمين المتطرف، أو التفريط بالتجاوز الى جانب النقصان، ويقال له : اليسار المتطرف (فلا تستعجلوا ما هو کائن مرصد). لماذا التسرع والاستعجال الى أمر هو آت لا محالة ؟ وفي خطبة ثانية : «لا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم» خيراً كان أم شراً (ولا تستبطئوا ما يجيء به الغد) فكل آت قريب.

حول السرعة :

(فكم من مستعجل بما ان أدركه ود انه لم يدركه). بالصبر والروية يبلغ الانسان ما يريد، ويضع الأشياء في موضعها الصحيح.. وكم من سرعة جلبت منية كسائق العربة : يسرع ليوفر بعض الوقت فيهلك ويهلك.. والاعتدال حسن في كل شيء حتى في الصلاة وذكر الموت، فإن الإكثار منها قد يفسد الحياة والغلو في الحقائق يحيلها الى أباطيل، وقديماً قيل : اذا تجاوز الشيء عن حده انعكس الى ضده، وقال سيد النبيين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أما والله اني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكن أصوم وأفطر ولكن أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني.

وفي كتاب «كيف يحيا الانسان»، للفيلسوف الصيني «لين يوثانج» : «إن خيرة المحاربين لا يظهرون غضبهم الجامح، وان أعظم الفاتحين انتصاراً يكتسبون الانتصارات دون أن يخوضوا المعارك، كما ان أفضل الناس استخداماً للآخرين يتظاهرون بأنهم دونهم، فهذا هو السلطان الذي يتحقق دون نزاع».

(وما أقرب اليوم من تباشير غد). وكلما قرب الغد بعد الذي قبله، بل يصير عدماً بلا تاريخ إلا الأثر الطيب، وقد يبقى هذا التاريخ والأثر ببقاء الله، كيوم مولد محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي جاء ايذاناً بالتحول الخطير الكبير في حياة العالم كله، وصدق فيه قول الشاعر : «ولد الهدى فالكائنات ضياء». (يا قوم هذا إبان الى - ما لا تعرفون). يشير بهذا الى ما يحدث بعده من الفتن تمهيداً لقوله : (ألا وان من أدركها - الى – الصالحين). ستقع فتن كثيرة ومتنوعة بعد الإمام في كل زمان، وفي الشرق والغرب، ومنها ما يحدث في عصر الأئمة الأطهار من آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأي منهم أدرك شيئاً من ذلك فإنه يعالجه بما تستدعيه الحكمة، ويهدي اليه العقل السليم، ودين الله القويم كما يفعل الأنبياء والأوصياء.

(ليحل فيها ربقاً) يدفع الشبهات، ويحل المشكلات (ويعتق رقاً) من الجهل والضلال، أي يهتدي الكثير بنوره الى نهج السبيل (ويصدع شعباً) يفصل الأخيار الطيبين عن المزيفين الذين يتظاهرون بالخير والصلاح كذباً ورياء (ويشعب صدعاً) يجمع المؤمنين الطيبين، ويوحد كلمتهم تحت لوائه بعد أن كانوا موزعين مشتتين (في سترة - الى - نظره) أي ان الإمام يفعل ذلك لوجه الله وبلا طنطنات ودعايات حباً بالسمعة والشهرة، وطمعاً في الثناء والمديح.

(ثم ليشحذن فيها قوم الخ).. يتخرج من مدرسة إمام ذلك العصر علماء بحلال الله وحرامه، وبكتابه وسنة نبيه، ويتركون للإسلام والمسلمين أحسن الآثار وأنفعها للإنسان وحياة الانسان، ويصدق هذا الوصف الذي ذكره على تلاميذ حفيده الإمام جعفر الصادق، فقد بلغ عددهم ما يربو على أربعة آلاف وألف العديد منهم أربعمائة كتاب فيما أملاه من العلوم وأجوبة المسائل، وتسمى هذه الكتب بالأصول، لأنها الحجر الأساسي لتآليف الشيعة في العقيدة والفقه والحديث والأخلاق وغيرها

حملوا بصائرهم على أسيافهم فقرة 3 - 4:

وَطَالَ الْأَمَدُ بهمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ، وَيَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ، حَتَّى إِذَا أخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ، وَاسْتَرَاحَ قَوْمُ إِلَى الْفِتَنِ، وَأَشَالُوا عَنْ لَقَاح حربهِمْ. وَلَمْ يَمَنّوا عَلَى اللهِ بِالصَّبْرِ. وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ. حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ البَلَاء حَمَلُوا بَصَائِرَة عَلى أَسْيَافِهِمْ، وَدَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرٍ وَاعِظِهِمْ (3). حَتَّى إِذَا قَبَضَ الله رَسُولَهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) رَجَعَ قَوْمٌ عَلى الْأَعْقَابِ. وَغَالَتُهُمُ السُّبُلُ، وَأَتَّكَلُوا عَلى الوَلَائِج وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ، وَهَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أَمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ، وَنَقَلُوا الْبِنَاءِ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ، فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ. قَدْ مَارُوا فِي الْخَيْرَةِ، وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ : مِنْ مُنقَطِع إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنِ، أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِن (4).

اللغة :

الغير - بكسر الغين - أحداث الدهر ونوائبه. واخلولق الأجل : قرب، وأوشك أن ينتهي. وأشالوا : من شالت الناقة ذنبها اذا رفعته. ولقحت الحرب أي هاجت. والولائج : جمع الوليجة الوليجة، وهي بطانة الرجل وخاصته، وتطلق على نيته ودخيلته. والمراد بالغمرة هنا - بفتح الغين - الشدة. وماروا : اضطربوا.

الإعراب :

معادن خبر لمبتدأ محذوف أي هم معادن، وعلى سنة آل فرعون متعلق بمحذوف حالاً من واو الجماعة في ذهلوا أي سائرين على سنة آل فرعون، من منقطع بدل من آل فرعون

المعنى :

(وطال الأمد بهم ليستكملوا الخزي، ويستوجبوا الغير). الضمير في «بهم» يعود الى غير مذكورين في الكلام، وقال الشيخ محمد عبده : يعود الى أهل الجاهلية.. ولا تهمنا معرفة المقصودين بالذات، إذ لا جدوى من هذه المعرفة، والمهم أن نعرف مكان العظة والعبرة لكي نتعظ ونعتبر، ومثل هذا كثير في كتاب الله : «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ - 21 الأنفال». «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ - 19 الحشر» «وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا - 92 النحل». ومعنى قول الإمام : ولا تكونوا كالذين غضب الله عليهم، ولم يؤاخذهم بما كسبوا، ويعاجلهم بالنقمة والعقوبة على ما أفسدوا وأثاروا من الفتن، لتكون الحجة عليهم أقوى وأبلغ حيث يتمادون في الغي ويبدلون نعمة الله كفراً. قال سبحانه: «إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا - 178 آل عمران».

(حتى اذا اخلولق الأجل). أوشك أن ينتهي أمد الإمهال والإملاء (واستراح قوم الى الفتن). تمادى أولئك في الفساد والإفساد، وسكت عنهم قوم آخرون دون أن يحركوا ساكناً (وأشالوا لقاح حربهم) أي ان هؤلاء القوم هادنوا أولئك المفسدين الذين طال بهم الأمد ولم يشنوا الحرب عليهم حباً بالدعة والسلامة وتهاوناً بواجب النهي عن المنكر.

(لم يمنوا على الله بالصبر). لا يستة يستقيم هذا الكلام إلا بتقدير جملة محذوفة ويكون السياق هكذا : بعد أن سكت قوم عن الذين أفسدوا نهض جماعة من المؤمنين لجهاد المفسدين، وصبروا على جهادهم، ولم يمن المؤمنون المجاهدون على الله بالصبر والجهاد (ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق) بل رأوه واجباً عليهم وأمانة في عنقهم.

(حتى اذا وافق وارد القضاء انقضاء مدة البلاء) أي ان البلاء بأهل البغي والفتن استمر أمده حتى قضى الله وقدر نهايته، وعندئذ حمل المؤمنون (بصائرهم على أسيافهم). المراد بالبصائر الايمان والعقيدة، والمعنى ان المؤمنين أعلنوا عقيدتهم، ودافعوا عنها وناصروها بأسلحتهم، واستماتوا دونها (ودانوا لربهم) بطاعتهم له، وجهادهم في سبيله (بأمر واعظهم) أي مرشدهم، وهو الذي قادهم في هذا الجهاد المقدس.

(حتى إذا قبض الله وسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رجع القوم على الأعقاب) يشير بهذا الى قوله تعالى : «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا - 144 آل عمران». وفي الجزء التاسع من صحيح البخاري، كتاب الفتن : «ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول بهم القيامة أي ربي أصحابي.. فيقول له : لا تدري ما أحدثوا بعدك.. وفي حديث ثان من أحاديث البخاري : انك لا تدري ما بدلوا بعدك.. فأقول : سحقا سحقاً لمن بدل بعدي». وليس من شك ان المراد بهذا التبديل الإعراض عن سنة الرسول ووصيته، لا مجرد الشك أو الارتداد مع العلم بأن الصحابة بكاملهم بقوا على الشهادتين بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

(وغالتهم السبل) المراد بغالتهم أهلكتهم والمعنى سلكوا طرق الضلال فقادتهم الى المهالك (واتكلوا على الولائج) اعتمدوا لسلطانهم وجاههم في الدنيا على ترويج بطانة السوء واخوان الرخاء الانتهازيين (ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته). المراد بالرحم والسبب هنا أهل البيت بقرينة قوله : «الذي أمروا بعمودته» والآمر هذه المودة هو الله سبحانه في قوله عز من قائل : «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى - 23 الشورى» وقال ابن أبي الحديد : : «إذا أطلقت كلمة الرحم أطلقت كلمة الرحم كان المراد منها رحم الرسول تماماً كما تقول أهل البيت، فإن المفهوم عند المسلمين أهل بيت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). أما

السبب في كلام الإمام فهو إشارة الى قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : خلفت فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي حبلان ممدودان من السماء الى الأرض لا يفترقان حتى بردا علي الحوض، والسبب في اللغة الحبل».

(ونقلوا البناء عن رص أساسه، فبنوه في غير موضعه) المراد بالبناء هنا ما بينه الله في كتابه الكريم من حقوق أهل البيت وصفاتهم في آية التطهير 33 من سورة الأحزاب، وآية المودة 23 من سورة الشورى وغيرهما. وجاء على لسان الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حديث الثقلين وغيره، والمعنى ان الذين ارتدوا على أعقابهم بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خالفوا نصوص الكتاب والسنة على حق أهل البيت، اغتصبوا هذا الحق.. ولا بدع اذا فعلوا ذلك فهم (معادن كل خطيئة الخ). والموغلون في كل فتنة، والتائهون بلا قائد، والمنتشون من سكرة الجهل والغرور والسائرون على سنة فرعون وآله من الاستهتار والإفساد.

الخطبة - 189-

يتكالبون على جيفة.. فقرة 1 - 2 :

وَأَحمدُ اللهَ وَأَسْتَعِينُهُ عَلى مَدَاخِرِ الشَّيْطَانِ وَمَزَاجِرِهِ، وَالِاعْتِصَامِ مِنْ حَبائِلِهِ وَمَخَاتِلِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَنَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ. لَا يُوَازَى فَضْلُهُ، وَلَا يُجْبَرُ فَقْدُهُ. أَضَاءَتْ به البِلادُ بَعْدَ الضَّلَالَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَالْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ، وَالْجَفْوَةِ الْجَافِية وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُونَ الْحَرِيمَ، وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيم. يَحْيَونَ عَلَى فَتْرَةٍ ويَمُوتُونَ عَلى كَفْرَةٍ (1). ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَعْرَاضُ بَلَايَا قَدِ أقْتَرَبَتْ. فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ، وَأَحْذَرُوا بَوَائِقَ النّقْمَةِ وَتَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعَشْوَةِ، وَأَعْوَجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا، وَظُهور كَمِينِهَا، وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا وَمَدَارِ رَحَاهَا. تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ وتؤولُ إِلَى فَطَاعَةِ جَلِيَّةٍ. شِبَابَهَا كَشَبَابِ الْغُلَامِ وَآثَارُهَا كَآثَارِ

السّلام. تَتَوَارَثُهَا الظُّلَمَةُ بِالْعُبُودِ. أَوَّلهُمْ قَائِدٌ لآخرِهِمْ وَآخِرُهُمْ مُقتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ. يَتَنَافَسُون في دُنْيَا دَنِيَّةٍ. وَيَتَكَالبُونَ عَلى جيفة مُرِيحةٍ. عَنْ قَلِيل يَتبرَّأ التَّابِعُ مِنَ الْمَتَّبُوعِ، وَالْقَائِدُ مِنَ المَقُودِ. فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ، وَيَتَلَاعَنُونَ عِنْدَ الْلّقَاءِ (2).

اللغة :

مداحر الشيطان : ما يُدخر بها ويطرد. ومزاجره : ما يُزجر بها ويبعد ومخاتله : خدائعه. والفترة : الهدنة والفاصل بين شيئين. والمراد بالكفرة هنا الكفر. والبواثق : الشرور والنوائب. والقتام : الغبار. والعشوة : ركوب الأمر على غير هدى. والمدارج : المسالك. والسلام - بكسر السين وتشديدها - جمع سلمة - بكسر السين مع التخفيف - الحجارة. ومريحة : منتنة. ويتزايلون يتفارقون.

الإعراب :

معاشر العرب منادى على حذف حرف النداء أي يا معاشر العرب، ومدارج مجرور بالفتحة لأنه على وزن مفاعل، وخفية صفة لمدارج.

المعنى:

(واحمد الله واستعينه – الى - حبائله ومخاتله). الشيطان يصد بني آدم السبيل، ويزين لهم كل قبيح.. ويتضرع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لخالقه أن يعصمه من نزعات الشيطان، ويقطع أثره عنه، وليس من شك ان الله سبحانه إذا علم من عبده صدق النية يشمله بعنايته، وهديه الى سبيله ومرضاته : «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ - 23 الأنفال». (لا يوازى فضله) أي فضل رسول

الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). كيف وهو الذي أخرج الناس من الظلمات الى النور (ولا يجبر فقده) لأنه رحمة مهداة للعالم كله، وقد حدد رسالته بقوله : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وقال : إن مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلاً والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله به الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا.

(أضاءت البلاد بعد الضلالة الخ).. ما كان عند العرب إلا الجهل والخزي والعار حتى جاء محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالاسلام والقرآن، فصاروا شيئاً مذكوراً، قال سبحانه : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - 2 الجمعة». والضلال المبين جامع لمساوىء العيوب، أما الحكمة فيدخل في مفهومها كل خير وصلاح (والناس قبل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يستحلون الحريم) يبيحون المحرمات (ويستذلون الحكيم) يحتقرونه ولا يهتدون بهديه (يحيون على فترة) من غياب الرسل والمرشدين (ويموتون على كفرة) أي الكفر والضلال.. وما زالت رسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قائمة الى اليوم، والى آخر يوم تدعو الى المحبة والإخاء، والعدل والمساواة، وتبارك كل ما فيه صلاح للناس بجهة من الجها.ت

(ثم انكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت، فاتقوا سكرات النعمة). كل الناس يتعرضون للبلايا والمحن، ولا عافية من غير بلاء، وأشد المحن أن يفرح المرء بما لديه من جاه أو مال، ويذهل عن مصيره وعاقبته، وقد حذر الإمام من عقبى الغفلة بقوله : (واحذروا بواثق النقمة). اذا كنت معافى فاحذر المرض، واذا كنت غنياً فلا تنس غوائل الدهر، واذا كنت قوياً فترقب الضعف، وكل شيء الى زوال (وتثبتوا في قتام العشوة) أحجموا عن الشبهات، ولا تقدموا على شيء إلا بعد الروية والنظر في العواقب، فأكثر الناس ندماً من بادر من غير تثبت (واعوجاج الفتنة - الى - مدار رحاها) اذا ظهرت الفتنة، واستفحل أمرها فقفوا منها موقف الحكيم، وعالجوها بعد البحث والدرس والتخطيط السليم.

(تبدأ في مدارج خفية، وتؤول الى فظاعة جلية). لا تظهر الفتنة على حقيقتها في البداية، بل تتقنع بثوب الصلاح والاصلاح، ثم تتكشف مع الأيام عن أفدح

الأضرار وأخطرها (وشبابها كشباب الغلام) بكسر الشين، والمراد به الوثوب والطفرة أي قد ترى الفتنة هادئة، ولكن سرعان ما تنشط وتثب كما يقفز ويطفر الغلام المعافى (وآثارها كآثار السلام) بكسر السين، وهي الحجارة، والمعنى ان الفتنة تترك أثراً سيئاً في المجتمع تماماً كما تفعل الأحجار التي ترجم بها الأبدان.

(يتوارثها الظلمة بالعهود، أولهم قائد لآخر هم وآخر وهم مقتد بأولهم). الفتنة على أنواع منها أن يظهر المفسد مظهر المصلح، ويلبس الجاهل ثوب العالم، وأشد أنواعها ضرراً ان يغتصب مركز القيادة جاهل أو مستهتر، ثم يعهد به من بعده الى قريب من الأولاد أو الأرحام، ويسير السابق على سنة اللاحق (يتنافسون على دنيا دنية، ويتكالبون على جيفة مريحة) يتناحرون حتى على اضطهاد المستضعفين واستغلالهم وعلى التضليل والدعايات الكاذبة كتنافس الشركات ودولها على الاستغلال والاحتكار (وعما قليل يتبرأ - الى - عند اللقاء). يشير بهذا الى يوم القيامة، وان فيه ينكشف الغطاء، ويتبرأ المغتر ممن غرر به، ويلعن المخدوع من خدعه، قال تعالى : «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا - 25 العنكبوت».

لا تدخلوا بطونكم الحرام.. فقرة 3 - 5 :

ثمَّ يَأْتي بَعْدَ ذلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ، وَالْقَاصِمَةِ الرَّحُوفِ فَتَزِيعُ قُلُوبُ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ، وَتَضِلُّ رِجَالُ بَعْدَ سَلَامَةٍ، وَتَخْتَلِفُ الأَهْوَاء عِنْدَ هُجُومِهَا، وَتَلْتَبسُ الآراء عِنْدَ نُجومِهَا. مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتَهُ وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ. يَتَكَادُمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ في الْعَانَةِ (3). قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَعَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ. تَغِيضُ فيها الحِكْمَةُ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ وَتَدْقُ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمسْحَلِهَا، وَتَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا. يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوَحْدَانُ، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ.

تَردُ بمرّ القَضَاءِ. وَتَحْلُبُ عَبِيطَ الدَّمَاء. وَتَعْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ، وَتَنقُضُ عَقْدَ اليَقِين. تَهْرُبُ مِنْهَا الأكْيَاسُ، وَتُدَبِّرُهَا الْأَرْجاسُ. مِرْعَادٌ مبْرَاقٌ، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ. تُقَطَّعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلاَمُ. بَرِيُّهَا سَقِيمٌ، وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ (4). بَيْنَ قَتِيلِ مَطلُولٍ وَخَائِف مُسْتَجِيرٍ. يَحْتَلُونَ بِعَقْدِ الْأَيْمَانِ وَبِغُرُورِ الْإِيمَانِ. فَلَا تَكُونُوا أَنْصَابَ الفِتَنِ وَأَعْلَامَ الْبِدَعِ. وَالزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَيُنِيتُ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ. وَأَقْدَمُوا عَلى اللَّهِ مَظْلُومِينَ وَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ. وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ وَمَهَابِطَ العُدْوَانِ. وَلَا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لعَقَ الْحَرَامِ فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِبَةَ، وَسَهْلَ لَكُمْ سَبِيلَ الطَّاعَةِ (5).

اللغة :

الزحوف مبالغة في الزحف. والقاصمة : المهلكة، وقاصم الجبارين مهلكهم. والزحوف : مبالغة في الزاحف. والكدم : العض، والكدوم : العضوض والعانة : القطيع من حمر الوحش. وتغيض : تغور. والمسحل : آلة النحت أو النشر. والكلكل : الصدر. والوحدان : جمع الواحد، والوحداني والوحيد المنفرد بنفسه، والوحدانية : التوحيد. ودم عبيط : خالص طري. وقتيل مطلول : مهدور الدم. والأنصاب والأعلام بمعنى واحد، لأن النصب هو العلم المنصوب. واللعق - بضم اللام - ما يؤخذ في الملعقة أو في الاصبع.

الإعراب :

مرعاد خبر لمبتدأ محذوف أي هي مرعاد، وبين قتيل متعلق بمحذوف خبراً

لمبتدأ محذوف أي والناس كائنون بين قتيل، ومطلول صفة لقتيل، وخائف عطف على قتيل لا على مطلول. ومظلومين حال من واو أقدموا، ومثله «ظالمين».

المعنى :

أشرنا في المقطع السابق من هذه الخطبة أن الفتنة على أنواع، وأكثرها ضرراً أن يعهد الحاكم بالرئاسة الى أولاده ويجعلها وراثة فيما بينهم يتنافسون عليها، وقول الإمام هنا : (ثم يأتي بعد ذلك طالع للفتنة الرجوف والقاصمة الزحوف) هو عطف على قوله : «يتوارثها الظلمة بالعهود الخ».. أي ثم تظهر فتنة تقضي على سلطان العائلات المالكة، وبعد ذلك تميل على الناس والشعوب بالقتل والسلب، والتنكيل والتشريد، كفتنة التتار الذين فعلوا بالمسلمين وديارهم الأفاعيل، وقول الإمام : «الفتنة الرجوف، والقاصمة الزحوف» ينطبق على فظائع التتار كل الانطباق.

(فتزيغ قلوب بعد استقامة، ويضل رجال بعد سلامة) أي ان المسلمين في هذه الفتنة لا يعملون بوحي من دينهم كتوحيد الكلمة والجهاد صفاً واحداً في حرب عدو الله وعدوهم، ولا يحس أحدهم بآلام أخيه، بل يتركه وشأنه حتى كأنه لا صلة بينهما من دين وانسانية (وتختلف الأهواء عند هجومها). اذا حدث أمر هام اختلفت حوله أهواؤهم، وعلت ضوضاؤهم (وتلتبس الآراء عند نجومها) أي عند ظهورها، والمعنى ان آراءهم تكثر وتتعدد، فيختلط السليم منها بالسقيم (من أشرف لها قصمته) أي من تصادم مع تلك الفتنة ووقف منفرداً في طريقها أهلكته (ومن سعى فيها) أي في اطفائها وتسكينها حطمته.

(يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة) الفتنة تطحنهم جميعاً، ومع هذا يتطاحنون ويتصارعون فيما بينهم تماماً كشأن عرب اليوم مع فتنة اسرائيل (قد اضطرب معقود الحبل) اختل النظام، وسادت الفوضى (وعمي وجه الأمر). خفي الصواب للأهواء المختلفة، والآراء المتباينة (تغيض فيها الحكمة) إما لسكوت الحكيم بائساً أو خائفاً، وإما لعمى القلوب عنها وصمم الأسماع (وتنطق فيها الظلمة) لأنهم أصحاب الزمان والسلطان (وتدق أهل البدو بمسحلها). تفعل الطغاة بأهل البادية ما يفعل المنشار في الخشب (وترضهم بكلكلها) تنيخ الفتنة

عليهم بصدرها، وتطأهم بسنابكها (ويضيع في غبارها الوحدان، ويهلك في طريقها الركبان). لا ينجو واحد من شرها أياً كان (ترد بمر القضاء) تأتي الخراب والدمار، وأطلق الإمام كلمة القضاء على الهلاك لمجرد التعبير عن الحدوث والوقوع بصرف النظر عن قضاء الله وقدره (وتحلب عبيط الدماء) كناية عن شدة الحرب، وسفك الدماء ظلماً وعدواناً.

(وتثلم منار الدين) بتجاوز حدوده، وتجاهل أحكامه (وتنقض عقد اليقين) أي ان أرباب الفتنة ينقضون عهد الله، ويقطعون ما أمر أن يوصل (يهرب منها الأكياس) وهم العقلاء، وضمير «منها» للفتنة (ويدبرها الأرجاس) الذين يعيثون في الأرض مفسدين (مرعادة مراقة) ترعد الفتنة وتبرق (كاشفة عن ساق) كناية عن الشدة والمشقة (تقطع فيها الأرحام) وتكثر الآثام (ويفارق عليها الاسلام) من أثار هذه الفتنة أو ساندها فقد فارق الاسلام، بل وخرج عليه أيضاً (بريها سقيم) قد يرى البعض انه بريء من هذه الفتنة، وهو في واقعه مسؤول عنها لأمر أو لآخر (وظاعنها مقيم) حتى الذي يعتزم البعد عنها يصيبه رذاذ من تيارها.

(بين قتيل مطلول، وخائف مستجير). هذا وما بعده لا صلة له بما قبله، ويدل على ذلك قول الشريف الرضي «منها» وعلى أية حال فإن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصف حال المنكوبين، وانهم بين قتيل ظلماً لا يقاد من قاتله، وبين خائف ينشد الأمان ولا يجده (يختلون - - أي يخدعون - بعقد الأيمان، وبغرور الإيمان). الطغاة بخدعون الناس بالمواعيد الكاذبة، ويغررون بهم ما يظهرونه من الإيمان والتدين (فلا تكونوا أنصاب الفتن، وأعلام البدع) لا تخوضوا في الفتن متبوعين ولا تابعين، واعتصموا بدينكم وعقولكم منها ومن أهلها (والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة) وهو الذي يوحد كلمتهم، وتستقيم به أمورهم، ويحقق لهم ما يبتغون من العيش في أمان.

(وبنيت عليه أركان الطاعة) أي والزموا كتاب الله وسنة نبيه، ولا تعصوهما في شيء، فإنهما الركن والأساس لطاعة الله ورضوانه (واقدموا على الله مظلومين، ولا تقدموا عليه ظالمين) أي لا تظلموا أحداً.. وإلا فإن على المظلوم أن يكافح ويناضل عن حقه، ومن حقه، ومن سكت عن ظالمه فقد أعانه على الظلم، ومن رضي

بالظلم فهو شريك للظالم، ولو خاف الظالم من ثورة المظلوم لتحاماه (واتقوا مدارج الشيطان) لا تتبعوا مسالكه فإنه لكم عدو مبين (ومهابط العدوان) أي مكانه ومحل هبوطه (ولا تدخلوا بطونكم الحرام الخ).. وأوضح تفسير لهذه الجملة وما بعدها قول الإمام في الخطبة 112 : «إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهينم عنه، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم، فذروا ما قل لما كثر وما ضاق لما اتسع».

الخطبة - 150 -

صفات الله تعالى.. فقرة 1 - 2 :

الْحَمْدُ للهِ الدَّالُ عَلى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ. وَبمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلى أَزَلِيَّتِهِ وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلى أَنْ لَا شَبَة لَهُ. لَا تَسْتَلِمُهُ المَشاعِرُ، وَلَا تَحْجُبُهُ السَّوَائِرُ، لافْتِرَاقِ الصَّائِعِ وَالمَصْنُوعِ، وَالْحَادِّ وَالمَحدُودِ، وَالرَّبِّ وَالمَرْبُوب. الأحدِ لَا بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ، وَالْخَالِقِ لَا بمَعْنَى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ، وَالسَّمِيع لا بأداة، وَالْبَصيرِ لَا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ، وَالشَّاهِدِ لَا بممَاسةٍ وَالبَائِنِ لَا بتَرَاخِي مَسَافَةٍ (1)، وَالظَّاهِرِ لَا بِرُويَةٍ، وَالبَاطِنِ لَا بِلَطَافَةٍ. بَانَ مِنَ الأشياء بِالقَهْرِ لَهَا وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا. وَبَانَتِ الْأَشْيَاء مِنْهُ بِالخُضُوع لَهُ والرجوع إِلَيْهِ، مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قَالَ كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ قَالَ

أينَ فَقَدْ حَيَّرَهُ. وَعَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومٌ. وَرَبُّ إذْ لَا مَرْبُوبٌ. وَقَادِرٌ إذْ لَا مَقْدُورٌ (2).

اللغة :

لا تستلمه : لا تلمسه والمشاعر : الحواس التي يشعر ويدرك بسببها والنصب : التعب. والبائن : البعيد. والحيز - بتشديد الياء - الجهة والمكان.

الإعراب:

أن لا شبه «أن» مخففة، واسمها ضمير محذوف أي انه، والمصدر المنسبك متعلق بالدال أي والدال باشتباههم على عدم الشبه له، وأحد صفة للرب، وكيف خبر لمبتدأ محذوف أي كيف هو، وكذا أين وكذا أين، وعالم أي الله عالم.

المعنى :

(الحمد لله الدال على وجوده بخلقه). كل شيء في الكون يسير طبقاً لنظام لا يحيد عنه ويعمل لغاية تترتب عليه، والغاية تدل على القصد، والقصد يدل على التدبير، ولا بد أن يكون المدير هو المبدأ الأول، وعلة العلل ضرورة الانتهاء الى علة أولى وإلا بقي كل شيء طي الكتمان، وانتفى الوجود من الأساس، وللتوضيح أذكر هذا المثال : لو لم ينته تاريخ الكهرباء الى المخترع الأول الذي اكتشفها لبقيت في عالم العدم، وهكذا كل حادث لا يحمل في ذاته السبب الكافي لوجوده.

(وبمحدث خلقه على أزليته). يتألف الكون من عناصر، اكتشف منها علماء الطبيعة مئة وعنصرين، وكل مادة عرفها الانسان لا تخلو من عنصر أو أكثر من هذه العناصر، وأيضاً اكتشف العلماء أن جميع هذه العناصر في طريقها

الى الزوال، ومعنى هذا ان طبيعنها تقبل العدم والوجود، وكل ما كان كذلك لا بد لوجوده من سبب خارج عن ذاته، ولو وجد بغير هذا السبب لكان واجب الوجود، وهو خلاف الفرض.

(و باشتباههم على ان لا شبه له). لو سأل سائل، وقال : ما الدليل على ان الله ليس كمثله شيء لقلت : انه تعالى واجب الوجود، وغيره ممكن ورشحة من قدرته وعظمته. أما الإمام فأجاب بأسلوب آخر، وتوضيحه : ان أشياء الطبيعة متباينة من حركة وسكون، وحرارة وبرودة، ونور وظلمة.. الى غير ذلك، ولكل واحد منها وظيفة خاصة، وغاية معينة، ولا بد أن يكون وراء هذا التباين قوة مخالفة في طبيعتها وصفاتها لكل ما في الطبيعة، وهذه القوة هي التي أحدثت هذا التباين وإلا كانت أشياء الطبيعة كلها على نسق واحد لا فرق بين مادة ومادة، وكان الجماد كالنبات، والنبات كالحيوان، والحيوان كالانسان ما دام الكل طبيعياً، وأيضاً لو كانت تلك القوة مماثلة للطبيعة لصح فيها ما صح على الأشياء الطبيعية، واستحال وجود الفرق بين الكائنات وهو خلاف المشاهد والمحسوس.

(لا تستلمه المشاعر). تستلمه من الاستلام، والمراد به هنا اللمس والمس، ومشاعر الانسان حواسه التي يدرك بها، مادية كانت كالعين واليد، أم معنوية كالعقل، والله سبحانه ليس بجسم كي يُرى بالعين، أما العقل فيدرك وجوده وعظمته يخلقه وآثاره لا بكنهه وحقيقته (ولا تحجبه السواتر). والستر والحجاب الملموس من صفات المادة، وهو تعالى منزه عنها، والجهل حجاب ما في ذلك ريب، ولكنه ليس بجسم.

(لافتراق الصانع – الى - المربوب). وكأن سائلاً يقول : لماذا نستدل بالخلق على الخالق، وبالحدوث على الدوام، وبتشابه الكائنات على نفي الشبيه والنظير للمكون ؟ فأجاب الإمام بأن الباني غير البناء الإمام بأن الباني غير البناء، والعلة غير المعلول، لأن الشيء الواحد لا يكون مؤثراً ومتأثراً من جهة واحدة بحكم البديهة

(الأحد بلا تأويل عدد) أي لا يشكل مع غيره جمعاً أو تثنية، لأنه تعالى لا ثاني له (والحالق لا بمعنى حركة ونصب) لأن الحركة والإعياء من لوازم

الجسم، والله سبحانه منزه عنه، وإرادته وحدها هي التي توجد الأشياء (السميع لا بأداة) لأنه عالم بالذات (والبصير لا بتفريق آلة) أيضاً لأن علمه عين ذاته قال الشيخ محمد عبده : «المراد بتفريق : تفريق الأجفان وفتح بعضها عن بعض». يريد ان الانسان اذا أطبق جفنه الأعلى على الأسفل فلا يرى، وان فرقها رأى، وليس الله سبحانه كذلك». وهذا المعنى غير بعيد عن دلالة كلمة التفريق.

(والشاهد لا بمماسة) المراد بالشاهد الحاضر، وبالماسة الجسم، والله مع كل شيء بعلمه وقدرته لا بالمس أو الحلول أو وحدة الوجود الشاملة لكل موجود (والبائن لا بتراخي مسافة). قد انفصل عن خلقه بالذات والصفات لا بالمكان والجهة، ولكن في الصوفيين من يزعم انه اتحسد بالله عن طريق الرياضة !.. (والظاهر لا برؤية) الذات بل بظهور الخلق والآثار (والباطن لا بلطافة) بحيث بلغ من الرقة حداً لا يُرى بالعين المجردة ولا بالمكبر، ولا يحجب غيره من الرؤية كأمواج الراديو التي تحمل الصوت.. كلا، ان ذاته القدسية فوق التصور والأوهام فضلاً عن المراصد والمكبرات (بان من الأشياء - الى - الرجوع اليه). هذا عطف تفسير على قوله : «لافتراق الصانع والمصنوع». ويتلخص معناه بأنه تعالى فوق كل شيء، وفي قبضته كل شيء.

(من وصفه) بشيء من صفات المخلوقين (فقد حده) أي جعل له حداً ينتهي اليه، ولا يتجاوزه (ومن حده فقد عده) أي أحصاه وأحاط به، وهو سبحانه محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء (ومن عده فقد أبطل أزله). من زعم أن الأوهام تحيط علماً بذات الله فقد جعله محدوداً، ولكل محدود بداية ونهاية، والله سبحانه هو الأول بلا أول كان قبله والآخر بلا آخر يكون بعده (ومن قال كيف فقد استوصفه) أي اعطاه صفات المخلوقين، لأن كيف يُسأل بها عن الأحوال كالطول والعرض، والقيام والقعود (ومن قال أبن فقد حيزه) أي جعل له مكاناً وجهة، لأن أين يُسأل بها عن ذلك، ولو كان لله جهة ومكان لافتقر اليه، وهو الغني عن كل شيء، ولا غنى لشيء عنه (عالم إذ لا معلوم). يعلم الأشياء قبل وجودها ومتى توجد، وعلمه بذلك هو هو من قبل ومن بعد (ورب إذ لا مربوب) هو رب كل شيء قبل وجود الأشياء، لأنه هو الموجد لها في مكانها وزمانها (وقادر إذ لا مقدور) لأن قدرته ذاتية

توجد الأشياء من لا شيء متى يشاء. وتكلمنا عن صفاته تعالى في شرح الخطبة الأولى فقرة «نفي الصفات».

الأئمة قوام الله على خلقه.. فقرة 3 - 4:

قدْ طَلَعَ طَالِعُ وَلَمَعَ لَامِعٌ، وَلَاحَ لَائِحٌ وَأَعْتَدَلَ مَائِلٌ. وَاسْتَبْدَلَ الله بِقَوْمٍ قَوْماً، وَبِيَوْمٍ يَوْماً، وَانتَظَرْنَا الْغَيْرَ انْتِظَارَ الْمَجْدِب المَطَرَ. وَإِنَّمَا الْأَيَّةُ قُوَّامُ اللهِ عَلى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أأَنْكَرَهُمْ وَأَنكَرُوهُ (3). إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالإِسْلَام وَاسْتَخَصَّكُمْ لَهُ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَسْمُ سَلَامَةٍ وَجَمَاعُ كَرَامَةٍ، أَصْطَفَى اللهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ وبَينَ حُجَجَهُ مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ وَبَاطِنِ حكم. لَا تَفْنَى غَرَائِبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ. فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ، وَمَصَابِيحُ الظُّلَم. لَا تُفْتَحُ الخَيْرَاتُ إِلَّا بمَفَاتِيحِهِ، وَلَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتِ إِلَّا بَمصابيحه. قَدْ أَحمَى حَمَاهُ وَأَرْعَى مَرْعَاهُ. فِيهِ شِفَاء المشتَفِي، وَكِفَايَةُ المكتَفِي (4).

اللغة :

غير الدهر - بكسر الغين - أحداثه والمجدب المطر : الذي انقطع عنه المطر فيبست أرضه. والعرفاء : جمع عريف، وهو القائم بأمر القوم. والمرابيع :

الأمطار أول الربيع، وقيل : هو جمع المرباع، أي الأرف المرباع، أي الأرض الذي يظهر نباتها في أول الربيع.

الإعراب :

المطر مفعول لانتظار، وذلك فاعل لفعل محذوف أي وفعل ذلك، أو مبتدأ، والمصدر المنسبك من (لأنه الخ) متعلق بمحذوف خبراً له.

المعنى :

قال الشارحون : إن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب بهذا الكلام بعد مقتل عثمان.. وليس هذا ببعيد عن ظاهر السياق (قد طلع طالع - الى بيوم يوماً). حدث الانقلاب بمقتل عثمان، وظهرت بوادر وبشائر بتغير الأوضاع والأحوال بعد أن ولى سلطان مروان بن الحكم مستشار الخليفة، والصدر الأعظم في ذاك الزمان (وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر) أي انتظر المسلمون تبدل الأوضاع والأحوال، لأن أزمة الثقة بالخليفة كانت عامة لا خاصة، ثم تحولت الأزمة الى نقمة، وكان من أمرها ما أشرنا اليه أكثر من مرة، وقد حذر الإمام الخليفة الثالث من سوء العاقبة، وقال له فيما قال : أنشدك الله أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإنه كان يقال : يقتل في هذه الأمة إمام يجر عليها القتل والقتال الى يوم القيامة.

(وانما الأئمة قوام الله على خلقه) وخلفاؤه في أرضه أرضه، ورحمة مهداة منه تعالى اليهم، وهم (عرفاؤه على عباده) أي القائمون على تدبير شؤونهم ومصالحهم على أساس الرحمة والمساواة، لأنهم رحمة مهداة منه تعالى الى عباده، ومن أجل هذا وصل حبله تعالى بحبلهم، وافترض طاعتهم على جميع الناس شريطة أن يهدوا الناس بأمر الله ووحيه، ويفعلوا الخيرات، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويعبدوا الله حقاً وصدقاً ويعملوا له وحده لا للجاه والمال، كما جاء في الآية 73 من سورة الأنبياء : «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ».

(ولا يدخل الجنة إلا من عرفهم) وأطاع أمرهم، قال تعالى : «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ - 71 الإسراء». (وعرفوه) أي كانوا معه بهدايتهم وإرشادهم، أو شهدوا له عند الله بالإيمان والاستقامة (ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه) هذا كناية عن الجاهل بالحق وأهله، أو العالم به وبهم ولكنه خالف وعاند.

للمنبر - الاسلام سلامة وكرامة :

(إن الله تعالى خصكم بالاسلام واستخلصكم له). الخطاب موجه من الإمام لأصحابه، ويصاح لكل مسلم، لأن الغرض منه التذكير بفضل الاسلام والحث على التمسك بعروته، وانه نعمة كبرى من الله سبحانه على كل من اهتدى بهديه (وذلك لأنه اسم سلامة وجماع كرامة). وحد الاسلام بهاتين الكلمتين هو الحد السليم والتعريف المستقيم على كتاب الله وسنة نبيه، لأنه من مصدر الاسلام ومعدنه، من نفس الباب الذي أمرنا الله أن ندخل منه الى مدينة علمه وعلم رسوله..کلمتان فقط هو الاسلام : سلامة وكرامة، وما عداهما بدعة وضلالة.

ويدخل في مفهوم السلامة العيش بلا مشكلات أي بلا تخاصم وتصادم، بل مع التعاون والتراحم، وبلا فوضى وفساد، بل مع الصلاح والنظام، وبلا عصبية وتفرقة، بل مع العدالة والمساواة والمساواة. ولا غش ورياء، ولا خيانة وأهواء.. ولا أية مشكلة تكدر صفو الحياة.

أما الكرامة فكلمة جامعة تصدق على كل خير، على مبدأ المساواة بين الناس فلا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى، وعلى ان للانسان حريته وما يختاره لنفسه غنياً كان أم فقيراً، وصيانة هذه الحرية وحصانتها من اعتداء الآخرين، لأن الانسان ما هو انسان من أي دين كان – في حرم محرم إلا ان ينتهك هو حرمة نفسه بالخروج على القانون والنظام، وعندئذ يكون السلطان عليه للحق والعدل .. وأيضاً تصدق الكرامة على الكسب بكد اليمين وعرق الجبين، والثبات على الحق والجهر به والصبر على دفع ثمنه، وتصدق الكرامة على الانسجام بين الأقوال والأفعال، والوحدة بين السلوك والعقيدة.. الى غير ذلك من أنواع

الفضيلة، والقيم الأصيلة التي لخصها الإمام بجماع الكرامة.

ومن الحماقة أن يرى الانسان الكرامة لنفسه يطالب بها، ثم لا يلتزم بما عليه من واجب، ويستخف بكرامة الآخرين، ولا يردعه عن الظلم والاعتداء إلا القوة، ومن أجل هذا أمر سبحانه أن نخاطبه بلغة القوة : «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - 42 الشورى».

ولا نعرف عصراً أهدرت فيه سلامة الانسان وكرامته كالقرن العشرين فأي عصر من العصور بلغت فيه النفقات العسكرية والأسلحة السرية والعلنية لكل دول الأرض نصف انتاج العالم كله ؟.. وهل القصد من ذلك الحرص على سلامة البشرية وكرامتها، أو الترويع والتهديد بإفنائها وإبادتها إذا هي لم تخضع وتستسلم الجور الطغاة المستبدين، واستغلال الشركات والمستعمرين ؟.

(اصطفى الله تعالى منهجه) أي انه تعالى اختار الاسلام طريقاً الى مرضاته (وبين حججه) وهي الأدلة على حلال الله وحرامه، وأشار اليها الإمام بقوله : (من ظاهر علم) نطق به الكتاب والسنة (وباطن حكم) دل عليها العقل الذي ينتقل بنا من معلوم محسوس الى واقعة تترتب عليه حتماً ولا تنفك عنه (لا تفنى ولا تنقضي عجائبه). وضمير الغائب للقرآن بدليل ما جاء في الخطبة 18 : «ان القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه : ولا تنقضي غرائبه». لا فناء ولا انقضاء لعظمة القرآن لأن شريعته بمبادئها تصلح لكل زمان ومكان، ومن أجل هذا كان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خاتم الرسل والأنبياء، والإسلام خاتم الرسالات السماوية.

(فيه مرابع النعم) أي ان الأمة التي تسير في ضوء القرآن وتعاليمه تحيا حياة طيبة وكريمة، والشاهد أنه رفع العرب من الحضيض الى ساسة ممالك وأرباب عروش ولما أهملوه أفل نجمهم وذهب ريحهم (ومصابيح الظلم) تهدي الى سواء السبيل (لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه) لا تستقيم الحياة إلا بتعاليم القرآن (ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه لا حل لمشكلات الحياة إلا بما أرشد اليه القرآن من الجهاد والعمل في كل مجال من مجالات الخير، والأخذ بأيدي الذين يجعلون الحياة أكثر راحة وجمالاً وخصباً.

(قد أحمى حماه) أي انه تعالى حرم كل ما يعوق مسيرة التقدم (وأرعى مرعاه) وأباح كل ما يطمح اليه الانسان من الدعة والأمان (فيه شفاء المشتفي) من أراد الشفاء من الجهل والضلال فعليه بالقرآن (وكفاية المكتفي) فيه غنى لمن يقنعه الحق، ويرضيه العدل، ومن أقوال الإمام : ليس لأحد بعد القرآن من فاقة.

الخطبة - 151 -

البصير من سمع وتفكر.. فقرة 1 - 3 :

وَهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللهِ يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ، وَيَعْدُو مَعَ المذنبِينَ. بِلاَ سبيل قَاصِدٍ، وَلَا إِمَامٍ قَائِدٍ. حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاء مَعْصِيَتِهِمْ. وَأَسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ غَفْلَتِهِمْ، أَسْتَقْبَلُوا مُدْبراً وَأَسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً. فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِما أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ، وَلَا بما قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ (1). إِنِّي أَحذِّرُكُمْ وَنَفْسِي هَذِهِ المَنْزِلَةَ. فَلْيَلْتَفِع أَمْرُؤٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً واضحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي المَهَاوِي وَالضَّلالَ فِي المَغَاوِي. وَلَا يُعِينُ عَلى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّف فِي حَقٌّ أَوْ تَحْرِيفِ فِي نُطْقٍ، أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ (2). فَأَفِق أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سكرتِكَ، وَاسْتَيْقِظ مِنْ غَفْلَتِكَ وَأَخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتكَ، وَأَنعِم

الفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ممَّا لا بُدَّ مِنْهُ وَلَا مَحِيصَ عَنْهُ، وَخَالِف مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، وَدَعْهُ وَمَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ. وَضَعْ فَخَرَكَ وَأَحْطُط كِبْرَكَ، وَاذْكُرْ قبْرَكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ، وَكَما تدين تُدَانُ. وَكَما تَزْرَعُ تَحْصُدُ. وَمَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقدَمُ عَلَيْهِ غَداً، فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ وَقَدَّمْ لِيَوْمِكَ. فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ. وَالْجِد الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ «وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير» (3).

اللغة :

جلابيب : جمع جلباب، وهو الثوب والستر. والوطر : الحاجة. والجد - بفتح الجيم - أبو الأب أو الأم، وبكسرها الاجتهاد، وبضمها الحظ، والجدد - بفتح الجيم والدال - الأرض المستوية، ويطلق على الطريق الواضح وأنعم الفكر في كذا : حقق النظر فيه وبالغ في ذلك.

الإعراب :

و نفسي مفعول لأحذركم، وكما الكاف بمعنى مثل صفة لمفعول مطلق محذوف، و «ما» مصدرية، وفي الكلام تقديم وتأخير أي: تدان أنت إدانة مثل الإدانة التي فعلتها بغيرك، والحذر نُصب على المصدر أي احذر، ومثله الجد أي جد واجتهد.

المعنى :

(وهو في مهلة مهلة - الى - إمام قائد). ضمير «هو» يعود الى كل ضال

والسبيل القاصد طريق الأمان التي تنتهي بصاحبها الى ما يريده لنفسه من الخير، والمعنى من غفل عن سبيل الهدى وسلك سبيل الضلال فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير.

(حتى اذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم) أي كشف الله للعصاة عن جزاء أعمالهم (واستخرجهم من جلابيب غفلتهم). كانوا يلهون ويلعبون غافلين عن الموت الذي لا يغنمل عنهم حتى اذا رأوا دلائله وعلاماته انتبهوا من سباتهم وتملكهم الذعر (واستقبلوا مدبراً) أي رأوا أهوالاً كانوا عنها غافلين مدبرين (واستدبروا مقبلاً) فارقوا الأموال والأولاد (فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم، ولا بما قضوا من وطرهم). نالوا الكثير من الدنيا وزينتها، وتمتعوا بنعيمها وحلاوتها، وحين جاءت ساعة الحق ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون وبه يتمتعون، بل كان عليهم وبالاً وعذاباً

(اني أحذركم ونفسي هذه المنزلة) أي الغفلة عن العواقب، وأشرك نفسه معهم في التحذير ليحرك شعورهم، ويؤثر كلامه في قلوبهم، ومن قبله قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) للمشركين : «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - 24 سبأ» (فلينتفع امرؤ بنفسه) أي بعقله، والعقل آلة التفكير والنظر فيما يراه العاقل ويسمعه، ثم يختار النافع والصالح، والى هذا أشارت الآية 18 من سورة الزمر : «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» وعلى هذا الأساس حدد الإمام مفهوم العاقل البصير بقوله : (البصير من سمع فتفكر، ونظر فأبصر) سمع ورأى بعقل وروية لا بالهوى والغرض (وانتفع بالعبر) أي وعمل بكل خير يسمعه ويراه.

(ثم سلك جدداً واضحاً يتجنب فيه الصرعة في المهاوي والضلال في المغاوي). الجدد الطريق، والصرعة الهلكة، والمهاوي المهالك، والمغاوي الأشياء التي تغوي وتضلل، والمعنى ان الذي يدرك الأشياء على حقيقتها، وينتفع بالعبر والعظات، يهتدي الى طريق النجاة لا محالة، ويسلكه وهو على ثقة من ان العاقبة له لا عليه (ولا يعين - الى - صدق). الغواة هم الذين لا يرعوون عن الغي، وهو خلاف الرشد، والتعسف في الحق الاحتيال عليه كالذين يحللون ما حرم الله بالخيل الشرعية، والتحريف في النطق الكذب والافتراء، والتخوف من الصدق السكوت

عن الحق خوفاً من غضب المبطلين وسطوتهم وهذه الرذائل باب للمطاعن والمآخذ، وبالأخص من الغواة الذين يتخذون من التشهير مبرراً لعيوبهم.

(واختصر من عجلتك) قال بعض الشارحين : «أي لا تكن عجلتك كثيرة». وهذا قريب من دلالة اللفظ، ولكنه بعيد عن الحكمة، والأولى أن يُفسر بلا تعجل في أمر حتى تعلم حقيقته وعواقبه (وانعم الفكر فيما جاءك على لسان النبي الأمي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مما لا بد منه ولا محيص عنه). على المسلم أن يعرف أصول الإسلام، وأحكام العبادة وما يمارسه من الأفعال والمعاملات، والسبيل الى هذه المعرفة كتاب الله وسنة نبيه يرجع العالم المجتهد اليها مباشرة، والجاهل بتوسط المجتهد، وقيل في معناه : فكر فيما قاله الرسول عن الموت الذي لا بد منه !.. ولا حكمة في ذلك بالإضافة الى انه خلاف الظاهر (وخالف من خالف ودعه وما رضي لنفسه). دع سواك من المتمردين، وأد ما عليك : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ - 105 المائدة».

(وضع فخرك). وما لابن آدم والفخر وما لابن آدم والفخر، أوله نطفة وآخره جيفة، ولا يرزق نفسه ولا يدفع حتفه، كما قال الإمام (واحطط كبرك) التكبر ينم على صاحبه بالجهل والصغار، ولذا نرى الصغير متكبراً، والكبير متواضعاً، وفي بعض الروايات : يحشر المتكبرون على هيئة الذر يطأهم الناس بأقدامهم جزاء وفاقاً على تعاليهم (واذكر قبرك فإن عليه ممرك). انك سائر الى القبر لا محالة،

ومنه الى الوقوف بين يدي الله، فتزود لهذا وذاك بالتقوى وصالح الأعمال.

(وكما تدين – الى- عليه غداً). هذه الأمثال يحفظها العالم والجاهل والصغير والكبير، لأنها من وحي العيان والقرآن، قال تعالى : « هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ - 60 الرحمن». وقال : «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا - 40 الشورى». وإذا قال قائل : لقد رأينا الكثير من المخادعين أصابوا النجاح والأرباح قلنا في جوابه : الكسب بالكذب والغش ليس نجاحاً بل عدواناً وجريمة.. ولو مثل هذا المخادع أمام القضاء العادل لجرده من كل شيء، وحكم عليه بأشد العقوبات. فأين النجاح ؟

(فامهد لقدملك). اعمل لمصيرك وعاقبتك (فالحذر الحذر) من الغفلة والتقصير (ولا ينبئك مثل خبير) بمساوىء الدنيا ومحاسنها، ومن تتبع كلام

الإمام في نهج البلاغة وغيره يرى أن أن ما من أحد على الاطلاق تحدث عن الدنيا كما تحدث عنها الإمام، تكلم عنها كثيراً ورسم لها صورة شاملة وافية من شتى الجهات مع التحليل والتفسير والتوجيه.

سيئات لا تنفع معها الحسنات.. فقرة 4 :

إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ الَّتِي عَلَيْهَا يُثيبُ وَيُعَاقِبُ وَلَهَا يرضى ويَسْخَطُ، أَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْداً - وَإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَأَخْلَصَ فعْلَهُ - أَنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لَاقِيَا رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا: أَنْ أَنْ يُشْرِكَ بِاللهِ فِيهَا أَفْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ، أَوْ يَشفِيَ غيْظَهُ بِهَلَاكِ نَفْسٍ، أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَسْتَنجِحَ حَاجَةً إلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ، أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِيَ فيهِمْ بِلِسَانَيْنِ. أَعْقِل ذلِكَ فَإِنَّ المُثلَ دَلِيلٌ عَلى شِبْهِهِ. إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمَّهَا بُطُونُهَا. وَإِنَّ الرِّبَاعَ هَمَّهَا العُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا. وَإِنَّ النِّسَاءِ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْفَسَادُ فِيهَا. إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ. إِنَّ المُؤْمِنِينَ مُسْفِقُونَ. إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ (4).

اللغة :

عزائم الله : أحكامه الثابتة بضرورة الدين. والخصلة - بفتح الخاء - الصفة ويعرّ : يعيب. ويستنجح : يطلب النجاح. ومستكينون : خاضعون..

الإعراب :

المصدر من انه لا ينفع الخ اسم إن من عزائم الله أي ان عدم نفع عبد الخ، والمصدر من ان يخرج فاعل لا ينفع، ولاقياً حال من الضمير المستتر بيخرج، وغيره مفعول يعر، وفاعله ضمير مستتر يعود الى «عبداً».

المعنى :

(ان من عزائم الله الخ).. يشتمل القرآن على دلالات قطعية وظنية، والدلالة القطعية تثبت الحكم بنصر لا يحتمل الخلاف، ولا يقبل التخصيص والتأويل بحال، مثل «وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه» والدلالة الظنية تثبت الحكم بظاهر يحتمل الخلاف ويقبل التخصيص والتأويل، مثل «لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ - 236 البقرة». فالمس بظاهره يشمل الوقاع وغيره وفي الوقت نفسه يجوز تخصيصه بالوقاع وحده كما في الآية الكريمة.

وليس من شك ان من أطاع الله في أي حكم أطاع الله في أي حكم من أحكامه تعالى فقد فاز، ومن عصاه فقد خاب سواء أوجب هذا الحكم بنص لا يحتمل الخلاف، أم بظاهر يحتمله مع عدم قيام مع عدم قيام الدليل على إرادة الشيء المحتمل، وأيضاً ليس من شك في ان العبد اذا أطاع الله في شيء وعصاه في شيء - كان لكل حسابه وجزاؤه، ولكن قول الإمام : «لا ينفع عبداً وان أجهد نفسه وأخلص فعله الخ».. يدل بظاهره على أن هناك ذنوباً لا تجدي معها أية حسنة من الحسنات، وان سيئات تلك الذنوب تمحو وتتغلب على حسنات أي فعل من أفعال الخير، وأشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى خمسة منها :

1 - (ان لا يشرك بالله فما افترض عليه من عبادته) أي ان يرائي بصومه وصلاته، وحجه وزكاته، لأنه تعالى شرع العبادة لتكون خالصة لوجهه الكريم، ومن تقرب بها الى غيره فقد صرفها عن الغرض المقصود منها، وفي الوقت نفسه جعل لله شريكاً ونظيراً يرجوه ويخافه من حيث لا يشعر، ولذا وصف الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الرياء بالشرك الخفي، والله سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ولا يقبل ممن يرجو سواه : «فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا - 110 الكهف».

2 – (أو يشفي غيظه بهلاك نفس). فسّر الشارحون الهلاك هنا بقتل النفس وإزهاقها، واستدل البعض واستدل البعض منهم بقوله تعالى : « وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا - 93 النساء». وليس هذا ببعيد عن ظاهر اللفظ، ولكن الأولى تفسير الهلاك مما يشمل التعدي على حياة الانسان مباشرة وبالواسطة كسلب الأقوات وما فيه قوام الحياة، ومنذ القديم اشتهر على كل لسان: قطع الأرزاق كقطع الأعناق.

3 - (أو يعر بأمر فعله غيره). يفعل المنكر، ويقذف به غيره : «وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا مبيناً - 112 النساء».

4 - (أو يستنجح حاجة الى الناس بإظهار بدعة في دينه) يحلل ما حرم الله، ويحرم ما حلل طلباً للدنيا.. وهذا هو المستأكل بدينه، وقطاع الطريق خير منه.

5 - (أو يلقى الناس بوجهين، أو يمشي فيهم بلسانين). ذو الوجهين يثني في المشهد المشهد، وينهش في المغيب، وهذا منافق ومغتاب في آن واحد، وذو اللسانين ينقل كلام كل من المتعادين الى الآخر، وهذا مفسد ومفتن والنمام دونه شراً وقبحاً، لأنه ينقل من جانب واحد، أما الذي يخاطب كل انسان بما يشتهي فهو ذو ألسن لا لسانين، والكل شر على أنفسهم ومجتمعهم وفي الحديث : «من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نار في الآخرة». (فإن المثل دليل على شبهه). إن الأشياء تلحق بنظائرها في الحكم شريطة أن تكون العلة واحدة بحكم النص، أو بديهة العقل التي لا يختلف في حكمها اثنان.

المرأة وزينة الحياة :

(إن النساء همهن زينة الحياة والفساد فيها). كان المجتمع القديم يحرم على المرأة أن تساهم مع الرجل في الكثير من شؤون الحياة، ويفرض عليها ألواناً، من التحريمات ويسمح لها بما يتلاءم مع طبعها كالزينة وجر الذيول، ولكن في بيتها وساحة منزلها.. ومضت الأيام، وتغير الزمان، وقنصت المرأة «حقوقها» من الرجل.. وتطورت الزينة مع الزمن حتى صارت علماً، فخبراء لأزياء الملابس وكعوب الأحذية، وآخرون لصف الشعور، ورجال للتدليك والماكياج، وتمرينات

من أجل الرشاقة ونحافة الخصور !.. وهكذا ظهرت المرأة - في عصر النور الحرية - على طبيعتها من الاهتمام بزينة الحياة الدنيا، وتجاوزت من أجلها كل حد، والى هذا التجاوز أشار الإمام بكلمة الفساد.. أما قوله : (إن المؤمنين مستكينون مشفقون.. خائفون) فلا يصدق على نساء هذا العصر، لأنهن لا يخضعن ولا يخفن من كبير وخطير.

الخطبة - 152 -

العامل بغير علم.. فقرة 1 - 2 :

وَنَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيب بهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ، وَيَعْرِفُ غَوْرَهُ وَنَجدَهُ. دَاع دعا، وَرَاعٍ رَعَى، فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي وَاتَّبِعُوا الرَّاعِيَ. قَدْ خاضوا بحَارَ الْفِتَنِ، وَأَخَذُوا بِالْبِدَعْ دُونَ السُّنَنِ. وَأَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ. وَنَطَقَ الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ. نَحْنُ الشَّعَارُ وَالْأَصْحَابُ وَالْخَزَنَةُ وَالْأَبْوَابُ. لا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلَّا مِنْ أَبْوَابِهَا فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً (1)، فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ، وَهُمْ كُنُوزُ الرَّحْمنِ. إن نَطَقُوا صَدَقُوا، وَإِنْ مَمَدُّوا لَمْ يُسْبَقُوا. فَلْيَصْدق رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيُحْضِرْ عقْلَهُ، وَليَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ. فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ العَامِلُ بِالْبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَأَ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَعَمَلُهُ عَلَيْهِ

أمْ لَهُ. فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ. فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلى غَيْرِ طَرِيق. فَلا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَّا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ. وَالْعَامِلَ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلى الطَّرِيقِ الواضح، فَلْيَنْظُرْ نَافِرُ أَسَائِرُ هُوَ أَمْ رَاجِع (2).

اللغة :

الغور : القعر من كل شيء، والمراد به هنا الباطن. والنجد : ما أشرف وارتفع من الأرض، والمراد به هذا الظاهر. وأرز المؤمنون - بفتح الراء – أمسكوا وامتنعوا. والشعار : ما يُلبس على شعر البدن، والمراد به هنا بطانة الرسول الصادق (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وكرائم القرآن : آياته الكريمة. وكنوز الرحمن : خزنة علمه. والرائد : من يتقدم القوم يرتاد لهم المكان المناسب.

الإعراب : :

ناظر مبتدأ، وجملة يبصر خبر، وداع مبتدأ محذوف الخبر أي هنا داع أو فاعل لفعل محذوف أي جاءكم داع، فليصدق اللام للأمر، والناظر مبتدأ، والعامل صفة له، وجملة يكون خير المبتدأ المبتدأ، والمصدر من أن يعلم أن يعلم خبر يكون، وسائر خبر مقدم، وهو مبتدأ مؤخر.

المعنى :

(وناظر قلب اللبيب به يبصر أمده). ناظر القلب ما يبصر به تماماً كإنسان العين أي النقطة السوداء منها، والمعنى ليس العاقل من حفظ الحقائق عن ظهر قلب، وأجاد في بيانها تفاصيلها، وانما العاقل من استفاد من التجارب، وانتفع بكل ما يرى ويسمع ويعرف الى أين ينتهي به الطريق الذي يسلكه. وبكلمة انه

يملك القدرة على التمييز والعمل بما يعلم (ويعرف غوره ونجده). يعرف السرائر والبواطن، ولا تخدعه المظاهر والكواذب.

(داع دعا، وراع رعى، فاستجيبوا للداعي واتبعوا الراعي). المراد بالداعي كتاب الله وسنة نبيه، وبالراعي من يحرس الدين ويرعاه.. واذا قامت دعوة الحق بقيادة الراعي المخلص وجب اتباعه والإسراع اليه تلبية لنداء الحق.. ولا سبب لتخلف المجتمع – أي مجتمع - عن ركب الحياة إلا واحداً من اثنين : قيادة ضالة مضللة، أو التمرد على القيادة الصالحة المخلصة.

(قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا البدع دون السنن). يشير بهذا الى قوم اتبعوا خطوات الشيطان فأنساهم ذكر الله وصدهم عن السبيل (وأرز المؤمنون). أحجموا عن الكلام، وصبروا على العزلة خوفاً من شرار الخلق بعد أن سادت الفتنة وعمّ الفساد) ونطق الضالون المكذبون) وفعلوا ما يشتهون في دولة التضليل والخيانة.

(نحن الشعار) أي ان أهل البيت أخص الناس بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأولاهم به، ونحن (الأصحاب) السابقون الى تصديقه والمجاهدون في سبيل رسالته (والخزنة) العلومه (والأبواب) الى معرفة دينه وحلاله وحرامه (ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها الخ).. المراد بالبيوت هنا ما جاء به الرسول الصادق (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبالأبواب أهل بيته، وهذا الكلام مأخوذ من حديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» وحديث «الثقلين»، وحديث «الحق مع علي».

ومن شك في شيء من ذلك فليرجع الى كتب الحديث وما قاله النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أهل بيته، وبالأخص في حق الإمام علي، ثم يحكم بوحي من فهمه وضميره. قال ابن أبي الحديد، وهو يشرح هذه الجملة : «اذكر هنا من مناقب الإمام أمير المؤمنين أخباراً غير التى يحتج بها الإمامية كخير الغدير والمنزلة وقصة براءة والمناجاة وقصة خيبر وخير الدار بمكة في ابتداء الدعوة، ونحو ذلك، بل اذكر الأخبار الخاصة التي رواها في فضل الإمام علي أئمة الحديث التي لم يحصل منها أقل القليل لغيره، وأنا أذكر من ذلك شيئاً يسيراً مما رواه علماء الحديث الذين لا يتهمون في علي، وجلهم قائلون بتفضيل غيره عليه، فروايتهم فضائله توجب سكون القلب ما لا يوجبه رواية غيرهم».

ثم ذكر 24 حديثاً في ذلك نكتفي منها بحديث واحد، لأنه يعكس السبب

الموجب لكل مؤامرة دبرت ضد الإمام كما يعكس مكانته وعظمته روی ابن أبي الحديد عن مسند الإمام أحمد بن حنبل : ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دعا علياً في غزوة الطائف، وأطال نجواه حتى كره قوم من الصحابة ذلك، وقال قائل منهم : لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه، ولما بلغه ذلك جمع منهم قوماً وقال : ان قائلاً قال : أطال نجوى ابن عمه، أما اني ما انتجيته، انتجيته، ولكن الله انتجاه ثم قال ابن أبي الحديد : «إنما ذكرنا هذه الأخبار ههنا، لأن كثيراً من المنحرفين عن الإمام إذا مروا على كلامه في نهج البلاغة وغيره المتضمن التحدث بنعمة الله من اختصاصه برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتمييزه إياه عن غيره - ينسبونه الى التيه والزهو والفخر، ولقد سبقهم الى ذلك قوم من الصحابة».

(فيهم). الضمير لأهل البيت (كرائم القرآن) أي نزلت آياته الكريمة بفضلهم وعظمتهم (وهم كنوز الرحمن) خزنة علمه (ان نطقوا صدقوا) لأنهم لا ينطقون عن الهوى (وان صمتوا لم يسبقوا). قال الشيخ محمد عبده : يهاب الناس سكوتهم، فلا يجرأ أحد على الكلام عما سكتوا عنه (فليصدق رائد أهله). على الهادي والراعي أن ينصح ويخلص، وتقدم بالحرف في الخطبة 107 (وليكن من أبناء الآخرة) أي يعمل لها (فإنه منها قدم) أي خلق من أجلها، كما قال الإمام في مكان آخر : فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة، ولا يستقيم المعنى إلا اذا فسرنا «قدم» بخلق (واليها ينقلب). لا شك انا الى ربنا منقلبون.

(فالناظر بالقلب - الى - وقف عنه). للعاقل علامات، وأهمها انه لا يقدم على أي شيء إلا بعد دراسته وتدبره على أساس سليم، فإن كان خيراً لا شر فيه، أو خيره أكثر من شره - أقدم عليه، وإن كان شراً كله أو شره أكثر من خيره أحجم عنه. والأساس السليم ما يراه العقلاء والأكفاء سليماً (فإن العامل بغير علم الخ).. كان العلم وما زال مقياساً لكل خطوة من خطوات البشرية الى الأمام في كل ميدان من ميادين الحياة، وكان الجهل وما زال خطراً أعظم من أي خطر على البشرية وحياتها.

و کفی شاهدا على ذلك أن نلاحظ العصر الذي نعيش فيه، ونقارن بين الدول والشعوب المتقدمة و «النامية» أي الفقيرة المتخلفة، ونبحث عن السبب الموجب للتخلف، والتقدم.. فبالعلم تقدمت الشعوب، وعاشت في غنى غيرها، وحمت نفسها، وحافظت على كرامتها، بل وسيطرت على غيرها، بل وسيطرت على غيرها، وكلما طال بها أمد

العلم ازدهرت وازدادت قوة وتقدماً.. على النقيض من الشعوب الجاهلة، فإنها تعيش في الفقر والمذلة والهوان، وكلما طال بها الزمن على جهلها ازدادت ضعفاً وتخلفاً (فلينظر ناظر أسائر هو) في طريق العلم الذي يوصله إلى أهدافه (أم راجع) الى الوراء ومترد في الحضيض ؟ ومتى نظر الانسان الى ما هو فيه ورأى نفسه تسير القهقرى بحث عن طريق السلامة وإلا فمصيره الهلاك والدمار.

ما طاب سقيه طاب غرسه.. فقرة 3 :

وَأعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً على مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ. وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ، وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُحِبُّ الْعَمَلَ ويُبْغِضُ بَدَلَهُ، وَأَعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَباتاً. وَكُلُّ نَبَاتٍ لَا غِنَى بِهِ عَنِ الماء، وَالْميَاهُ مُختلِفَةٌ. فَمَا طَابَ سَقيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتَ ثَمَرَتُهُ.

اللغة :

أمرت : صارت مرة.

المعنى:

(ان لكل ظاهر - الى - خبث باطنه) أي ان أفعال الانسان هي انعكاس عن دخيلته. ومن حكم الإمام : «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته». ان على الانسان الانسان لا يكشف عن شيء من نفسيته وأخلاقه، لأن العلم يقرر حقيقة واقعة منفصلة عن ذات الانسان، ذات الانسان، أجل انه يكشف عن مدى اطلاعه ومعرفته بالحقائق، والطريق الوحيد المعرفة باطن الانسان ودخيلته هو سلوكه وتصرفه،

لأنه من املاء الذات وميولها وارادتها، فالعمل لمنفعة الناس وصلاحهم يكشف عن طيب الذات وصفائها، والعمل على مضرتهم وإثارة الفتنة والخلاف فيما بينهم يدل على خبثها ولؤمها، لأن العلاقة بين الذات والسلوك هي علاقة الأثر بالمؤثر، والدال بالمدلول، وقد يكون للظروف التي تحيط بك ضرب من التأثير، ولكن هناك أشخاصاً يسيئون اليك. لا لشيء إلا حباً بالإساءة وإذا كان الانسان ابن الأرض فإن منها الطيب والخبيث : «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا - 58 الأعراف».

(قال الرسول الصادق (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ان الله يحب العبد ويبغض عمله، ويحب العمل ويبغص بدنه). بعد أن ذكر الإمام أن الظاهر يكشف عن الباطن عقب على ذلك بأن الطيب قد يسيء «ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها» والا كان معصوماً، وان الخبيث قد يحسن، والله سبحانه يحب كل عمل فيه خير وصلاح للناس، حتى ولو صدر من الكافر الذي يكره منه الكفر، وهو سبحانه يكره مضرة الناس، وان كانت ممن يؤمن بالله واليوم الآخر.

(واعلم ان لكل عمل نباتاً الخ).. ان علاقة الأعمال بالنيات أشبه بعلاقة الزرع بالماء من حيث الحياة والنمو، ومن حيث الطعم والمذاق، فالشجرة التي تسقى بماء علب فرات يلذ ثمرها ويطيب، والتي تسقى بماء آجن يفسد ثمرها ونحبت كذلك الأعمال، قوامها النية، وبها توزن وتقاس «إنما يتقبل الله من المتقين 27 المائدة». وفي الحديث : فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه».

الخطبة - 153 -

لم تبلغه العقول... فقرة 1 :

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي الْحَسَرَتِ الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَسَاعَاً إِلَى بُلُوغ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ. هُوَ اللهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ أحَقُّ وَأَبينُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ، لَمْ تَبْلُغُهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُون مشَبَّهَا. وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ ممَثّلاً، خَلَقَ الْخَلْقَ عَلى غَيْرِ تَمْثِيلٍ وَلَا مَشُورَةِ مُشِيرٍ، وَلَا مَعُونَةِ مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقَهُ بِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لطَاعَتِهِ، فَأَجَابَ وَلَمْ يُدَافَعَ، وَأَنْقَادَ وَلَمْ يُنَازَعَ (1).

اللغة :

انحسرت : انقطعت، قال تعالى : «فتقعد ملوماً محسوراً - 29 الإسراء» أي منقطعاً عن النفقة. مساغاً : طريقاً. والملكوت : العزة والسلطان والمملكة العظيمة.

الإعراب :

أحق بدل من الحق.

المعنى :

(الحمد لله الذي انحسرت الخ).. تعرف الأجسام وتدرك بأوصافها وأوضاعها التي تحس كاللون والحجم، والله سبحانه ليس بجسم.. وغير الأجسام تدرك بشيء مساو لها في الكنه أو الصفات، والله سبحانه لا يساويه شيء، وليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته (فلم تجد العقول مساغاً – الى - بلوغ غاية ملكوته) حيث لا بداية ولا نهاية لعزته وجلاله، وهو القاهر فوق عباده.

(هو الله الحق المبين، أحق وأبين مما ترى العيون) لأنها لا ترى كل شيء، وقد تبصر الشيء على غير حقيقته، وما من شيء في الأرض والسماء إلا يدل على عظمته، ويسبح بحمده حتى الجاحد الملحد تهزه عظمة الكون، وتبهره قوانين الطبيعة (لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبهاً) تدرك العقول الأشياء التي لها حدود تنتهي اليها وتقف عندها، ولا حد لذات الله وصفاته، وهو مبدأ الوجود لكل شيء سواه، واليه بنتهي كل موجود، ولو أدركته العقول ولو أدركته العقول لكان محدوداً كغيره من الموجودات في بدايتها ونهايتها.

(ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثلاً). الأوهام : جمع وهم، وهو الظن، وأقصى ما يبلغ اليه الظن أن بصوره تعالى ويقدره بشيء محدود ومتناه كسائر الأشياء، ومعنى هذا ان الظن لو أدرك ذاته تعالى لكان له شبيه ومثيل : والله سبحانه ليس كمثله شيء (خلق الخلق على غير تمثيل) سابق حيث كان سبحانه، ولم يكن معه شيء شيء (ولا مشورة مشير) لأنه في غنى عن كل شيء، ولا غنى لشيء عنه، ونفس الشيء يقال في تفسير (ولا معونة معين) كيف ومنه كل قوة ومعونة ؟ (فتم خلقه بأمره). خلق كل شيء على أتم وجه وأكمله بكلمة «كن». (وأذعن لطاعته) ما من شيء في السموات والأرض إلا وهو مسخر لإرادته (فأجاب ولم يدافع الخ) عطف تفسير. وبأي شيء تدفع من له جنود السموات والأرض ؟.

الخفافيش.. فقرة 2 - 4:

وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ في هذهِ الخَفَافِيش التي يَقْبِضُهَا الضّياءُ البَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ. وَيَبْسُطُها الظَّلامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ. وَكَيْفَ عَشِيتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدٌ مِنَ الشَّمْسِ الْمَضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ في مَذَاهِبهَا، وَتَتَّصِلَ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفهَا. وَرَدَعَهَا بِتَلَالُو ضِيَانِها عَنِ المُضِي في سُبحاتِ إِشْرَاقِهَا، وَأَكَنهَا فِي مَكَامِنهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بَلَجِ ائْتِلَاقِهَا (2)، فَهِيَ مُسَدِلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلى أَحْدَاقِهَا. وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجًا تَسْتَدِلّ بِهِ فِي الْتِماسِ أَرْزَاقِهَا. فَلَا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ. وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ المُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ. فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا، وَبَدَتْ أوضاحُ نَهَارِهَا، وَدَخَلَ مِنْ إِسْرَاقِ نُورِهَا عَلى الصِّبَابِ فِي وِجَارِهَا أطبَقَتِ الْأَجْفَانِ عَلى مَاقِيهَا وَتَبَلَغَتْ بَمَا اكْتَسَبَتْ مِنْ فَيْ لَيَالِيهَا (3). فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشاً. وَالنَّهَارَ سَكَناً وقراراً. وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِندَ الْحَاجَةِ إلَى الطَّيَرَانِ كَأَنَّهَا شَطَايَا الْآذَانِ، غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ وَلَا قَصَب. إِلَّا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيْنَةٌ أَعْلَاماً. لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقًا فَيَنشَقًا وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلَا تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لَاصِقٌ بِهَا لَاجِى إِلَيْهَا يَقَعُ إذَا

وَقَعَتْ. وَيُرْتَفِعُ إِذَا اَرْتَفَعَتْ. لَا يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانَهُ وَيَحْمِلَهُ لِلنَّهُوضِ جَنَاحَهُ. وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ وَمَصَالِحَ نَفْسِهِ.فَسُبْحَانَ الْبَارِي لِكُلِّ شَيْءٍ عَلى غَيْرِ مِثَالِ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ (4).

اللغة :

الخفافيش : جمع خفاش، وهو الوطواط طائر صغير يطير ليلاً لا نهاراً ويقبضها : يمسكها عن الطيران. ويبسطها : يطلقها. وعشيت أعينها : ضعفت عن الرؤية. وسبحات الإشراق : أماكنه. وأكنها : سترها. والبلج : الإشراق. والائتلاق : اللمعان. ومسدلة : مرسلة. وأسدف الليل : أظلم. والدجنة : الظلمة. والوجار : الجحر. ومآقيها : أطراف عيونها والشظايا : القطع والأعلام. جمع علم، وهو الرسم والرقم

الإعراب :

من لطائف خبر مقدم، وما أرانا مبتدأ مؤخر، وكيف في موضع الحال، و جاعلة عطف على مسدلة، وغير ذوات حال من الهاء في «كأنها».

الأدلة على وجوده تعالى :

إن كثيراً من الفلاسفة يرجعون الأدلة على وجوده تعالى الى خمسة : الاستدلال بمفهوم الواجب والممكن، والعلة الفاعلة، والحركة، الحركة، والكمال المطلق، والتدبير، وقال آخرون، ومنهم الفارابي وابن سينا والملاصدرا، قالوا : إن الأدلة على وجوده تعالى ترجع الى دليلين :

الأول : النظر في نفس الوجود بما هو من دون اعتبار للكون وما فيه من حركة وتغير، وصنع ونظام وصنع ونظام.. إن النظر في الوجود وحده يؤدي حتماً ومباشرة

الى الاعتراف بوجود الله، والى هذا أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مناجاته : «يا من دل على ذاته بذاته». وقال ولده الإمام سيد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «متى غبت حتى تكون الآثار هي التي توصل اليك». وبهذا فسر العارفون بالله قوله تعالى : «أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - 53 فصلت».

ويرجع هذا الدليل الى مفهوم الواجب والممكن، وبيانه ان الفكرة لا تكون صحيحة إلا اذا استندت الى الأوليات والبديهيات مباشرة أو انتهت اليها بواسطة أو أكثر، وأول البديهيات ان النقيضين لا يجتمعان في وقت معاً، فالشيء الواحد لا يكون حقاً وباطلاً، وموجوداً ومعدوماً في وقت واحد ومن جهة واحدة.

ووجه الملازمة : لقد شاهدنا بالعيان أشياء تفتقر في وجودها الى غيرها، ولا تحمل في طبيعتها طبيعتها سبب وجودها، واذن فلا بد من وجود علة أولى تحمل في طبيعتها السبب الموجب لوجودها، ولا تحتاج الى غيرها، ومن أنكر هذه العلة التي لا علة لها فقد أنكر وجود الأشياء التي يراها بالعيان، ومعنى هذا في واقعه انه آمن باجتماع النقيضين، وقال : ان الشيء الواحد موجود ومعدوم في آن واحد من حيث يريد أو لا يريد، وبكلام آخر انه في حال عدم وجود علة غير معلولة لشيء ينتفي الوجود من الأساس بشتى صوره وأشكاله تماماً كما لو نفينا وجود مخترع الكهرباء والسيارة.. فإن معناه انه لا كهرباء ولا سيارة، أو أنهما وجدا من غير قصد وفاعل، وهو خلاف الواقع.

ومرة ثانية نشير الى ان هذا الدليل يجب أن يفهم في نطاق الوجود بما هو وجود، وانه بنفسه يشهد بوجود الله بصرف النظر عن الخلق والآثار ونظام الكون وجلاله.

الدليل الثاني على وجوده تعالى يرجع الى ضرورة العلة الفاعلة بأسلوب آخر، وهو الاستدلال بالخلق والآثار على وجوده تعالى، فننتقل من المعلول الى العلة، من الفاعل الى الفعل على العكس من الدليل السابق الذي ينقلنا من العلة الى المعلول، ومن الفاعل الى الفعل، قال ابن سينا : «ان اعتبرت عالم الخلق فأنت صاعد، وان اعتبرت عالم الوجود المحض فأنت نازل» أي من العلة العليا الى المعلول الأدنى، أما الصعود فمن المعلول الأدنى الى العلة العليا، ويسمى هذا الدليل بالدليل الكوني.

وقد أشار سبحانه الى هذا الدليل بقوله : «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ - 53 فصلت». نرى أنقاض مدينة مندرسة فنقول : كانت آهلة بالأمم الماضية. والأجيال الخالية و وهكذا نستدل ببدائع الكون على وجود المبدع، وبنظامه على وجود المنظم، وإلا فمن الذي أوجد الكون وما فيه من خصائص ؟ هل أوجد نفسه بنفسه، أو أوجدته الطبيعة الصماء، أو الصدفة ؟ ولماذا لا نترك نحن أمورنا للصدفة ما دام لها هذا الكون العجيب؟ وإذن فلا بد من وجود قوة عليا مغايرة لكل ما في الكون هي التي خلقت ونظمت. وقد استدل الإمام لإثبات هذه القوة بأضعف المخلوقات، وهي الخفافيش، فقال :

(ومن لطائف خلقه، وعجائب صنعه الخ).. للخفاش عين تبصر وترى كغيره من الطيور والحيوانات، ولكن عين الخفاش لا تؤدي وظيفتها إلا عند غياب الشمس، وإذا حاولنا البحث عن التعليل والحكمة هذا فلا نصل الى شيء، لأن حكمته تعالى لا تعرف الحدود حتى الإمام يعترف صراحة بأن ذلك من غوامض حكمه، عز جل عز جل.. ولو ولو قرأنا أو سمعنا ان طائراً لا يبصر إلا بعد ذهاب النهار لقلنا اسطورة وخرافة اولا الحس والعيان.. وان دل هذا الفرق بين الخفاش وغيره على شيء فإنه يدل على ان وراءه قوة باعدت بين المتقاربين وقاربت بين المتباعدين وإلا فلا يسع العتمل أن يفرق بين عين وعين : «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ - 4 الرعد».

(وجعل لها أجنحة من لحمها الخ) كل الطيور تطير بجناحين من ريش إلا الخفاش فإنه يطير بجناحين من لحم مرن كالكوتشوك فما هو السر ؟ ولماذا لا تكون الأجنحة كلها من نوع واحد لحماً أو ريشاً أو هما معاً ؟ وهل القصد مجرد إظهار القدرة الدالة على وجوده تعالى وعظمته ؟.. الله أعلم ربنا ما خلقت هذا باطلاً (تطير وولدها لاصق بها الخ).. في كتاب الحيوان للجاحظ : «انها تحبل وتلد وتحيض وترضع.. ويبلغ من ضن أنثى الخفافيش بولدها ومن خوفها عليه انها تحمله تحت جناحها، وربما قبضت عليه بفمها، وربما أرضعته، وهي تطير». وفي كتاب أضواء على الأرض والفضاء : يوجد في القارة الجنوبية

نوع من الطيور يسمى «البانجوين» تضع الأنثى بيضها في أشهر الشتاء حيث تتلبد الثلوج في الأرض، تضعه في جيب جلدي في رجلها، وتبقى الصغار فيه حتى تقوى وتشتد. وفي خلقه تعالى عجائب لا تدركها العقول. (فسبحان الباري لكل شيء على غير مثال خلا من غيره). أظهر لطائف صنعه، وعجائب حكمته من غير مثال سبق، كيف وهو الأول والأزل ؟ خلق كل شيء، ولم يكن مذكوراً.

الخطبة - 154 -

الأمر بالمعروف.. فقرة 1 - 3 :

فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِندَ ذلِكَ أَن يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَفْعَلْ. فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِن شَاءَ اللهُ عَلى سَبِيلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَةٍ شَدِيدَةٍ وَمَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ. وَأَمَّا فَلانَهُ فَأَدْرَكَهَا رَأي النِّسَاءِ، وَضغْنُ غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ القَيْنِ، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الْأُولَى وَالْحِسَابُ عَلى اللَّهِ تعالى (1). سَبِيلُ أَبْلَجُ المنهاج أنورُ السِّرَاج. فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلى الصَّالِحَاتِ. وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ. وَبِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ العِلْمُ. وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ المَوْتُ، وَبِالمَوْتِ تُختم الدُّنْيَا. وَبِالدُّنْيَا تُخْرَزُ الْآخِرَةُ. وَإنَّ الخَلْقَ لاَ مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ. مُرْقِلِينَ فِي مضمارهَا إلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى (2). قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرٌ الْأَجْدَاثِ، وَصَارُوا إِلَى مَصَائِرِ

الْغَايَاتِ. لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا، لاَ يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَلَا يُنْقَلُونَ عَنْهَا وَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ لَخلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. وَإِنَّهَا لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ وَلَا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ. وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ الْحَبْلُ المتينُ وَالنُّورُ المبينُ. وَالشَّفَاء النَّافِعُ، وَالرَّيُّ النَّاقِعُ، وَالْعِصْمَةُ لِلْتَمَسّك وَالنَّجَاةُ لِلْمُتعلّقِ. لاَ يَعْوَجُ فَيُقَامَ وَلَا يَزِيعُ فَيُسْتَعْتَبَ. وَلَا تُخْلِفُهُ كَثْرَةُ الرَّدُ وَوُلُوجُ السَّمْعِ. مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ (3).

اللغة :

يعتقل نفسه عن كذا : تمسكها عنه وعلى كذا : بحبسها عليه دون سواه والضغن : الحقد. والمرجل : القدر. والقين : الحداد والأبلج : المشرق المضيء. والمنهاج : الطريق الواضح، وتزلف : تقرب. وللغاوين : للضالين. ولا مقصر - بسكون القاف - لا مفر، وقيل : لا مستقر. ومرقلين : مسرعين. والأجداث : القبور. ونقع الماء العطش : سكنه وقطعه، لا يزيغ : لا يميل. فيستعتب : يطلب الرضا، يقال : استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني.

الإعراب :

المصدر من أن يعتقل مفعول استطاع، ولم تفعل جواب لو دعيت، ولها بعد حرمتها «لها» خبر مقدم، وحرمتها مبتدأ مؤخر، وبعد متعلق بما تعلق الخبر، والأصل بعد ذلك، وسبيل خبر لمبتدأ محذوف دل عليه سياق الكلام أي الإيمان سبيل أبلج، وعليكم بكتاب الله «عليكم» اسم فعل أي استمسكوا بكتاب الله.

المعنى :

(فمن استطاع - الى فا يفعل). يدل السياق على ان الإمام كان يتحدث عما سيكون من الفتن، ثم أوصى من يدركها أن يكف ويحترز عن الخطأ والخطيئة ما أمكن (فان اطعتموني – الى - مريرة). على المرشد أن يهدي قومه سبيل النجاة : وعليهم أن يسمعوا له ويطيعوا، ومن قصر في مهمته أخذ بجرمه وجريرته هادياً كان أم مقصوداً بالهداية، وفي الغالب يكون التقصير من الثاني، لأن الحق صعب وثقيل، وقد ضمن الإمام حسن العاقبة لمن سمع منه وأطاع.

(واما فلانة الى القين). المراد بفلانة عائشة، وبالضغن الحقد وتكلم الناس قديماً وحديثاً عما كانت تكنه عائشة لعلي من الكراهية، تكلموا وأطالوا الكلام، وذكر ابن أبي الحديد الكثير من أسباب هذا الضغن نقلها - وهو يشرح هذه الخطبة - عن الشيخ أبي يعقوب يوسف اللمعاني، ولم يكن هذا الشيخ يتشيع على حد ما قاله ابن أبي الحديد. وأهم هذه الأسباب، أو من أهمها أن نسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من علي وفاطمة لا من عائشة، وأنها كانت تأمل أن تكون الخلافة بعد مقتل عثمان لابن عمها طلحة لا لعلي، وان النبي قال في ابنته فاطمة : انها سيدة نساء العالمين وعديلة مريم، ولم يقل ذلك في عائشة، بل قال لنسائه : أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، يقتل حولها خلق كثير، وان النبي سد باب أبيها الى المسجد، وفتح باب علي، وبعث أباها ببراءة الى مكة، ثم عزله بعلي.

أما قول الإمام : «أدركها رأي النساء» فهو يومىء الى قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : في حديث طويل : «يا معشر النساء ما رأيت ناقصات عقل ودين من احداكن» وذكر هذا الحديث البخاري في صحيحه ج 1 «كتاب الحيض» باب ترك الحائض الصوم (ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل) أي ان الباعث على خروجها لحرب الإمام كان شخصياً لا دينياً.. وهل يشك عارف في ان طلحة لو تولى الخلافة بعد مقتل عثمان لقرت في بيتها ؟ هذا، عثمان لقرت في بيتها.؟ هذا، إذا لم تخرج لحرب من طالب بدم عثمان.. وقال أكثر من واحد : انها ندمت وثابت (ولها بعد حرمتها الأولى) لأنها زوجة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولأجل عين ألف تكرم (وحسابها على الله) وفي صفحات التاريخ عشرات الأمثلة من هذا النوع، والعصمة لأهلها. وبعض

الناس يناقش ويجادل في توبة عائشة وطلحة والزبير، وهذا لغو وعبث لأن الاعتراف بالتوبة يشكل الاعتراف بالذنب.

لا ايمان بلا عمل:

(سبيل أبلج المنهاج، أنور السراج). الايمان بالله وكتبه ورسله حق ونور، ما في ذلك ريب، ولكن اذا كان هو الطاقة الدافعة الى العمل بموجبه وإلا كان سراباً وضباباً بحكم العقل والنقل، وأشار الإمام الى دليل العقل بقوله : (فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الايمان). ولا يمكن التسليم بهذا الاستدلال إلا على أساس الملازمة الحتمية بين وجود الايمان ووجود العمل بموجبه بحيث يكون أحدهما علة للآخر، أو يكونان معلولين لعلة ثالثة، وعندها ينقلنا العلم بوجود أحدهما الى العلم بوجود الآخر.

أما النقل الدال على انه لا ايمان بلا عمل فكثير وصريح، ومنه قوله تعالى : «وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - 54 يس» « إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ – 7 التحريم». وهذا الحصر يؤكد ان الايمان المجرد عن العمل لا ثواب عليه، واذن فهو هواء وهباء، وتواتر عن النبي وأهل بيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ان المرء مرهون بعمله، وان عمله يدفن ويحشر معه، وانه لا يسأل إلا عنه.. حتى ذهب بعض العلماء الى ان الله سبحانه سيخلق غداً أعمال الانسان في صورة مجسمة تحس وتلمس، واستدل بقوله تعالى : «يريهم الله أعمالهم - 167 البقرة». وقوله : «وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا - 23 الفرقان». وقوله : «والعمل الصالح يرفعه - 10 فاطر». ونحن لا نشك في ان المراد بالعمل هنا جزاؤه لا نفسه، وأيضاً لا نشك ان ما في الجنة من ثمار وأنهار، وقصور ورياش، وحور وولدان، وما في جهنم من حريق ولهيب، وصديد وقطران، وزقوم وأشجان، لا نشك أبداً ان كل أولاء حصيد وثمار للأعمال. أجل ثبت ان للنوايا الخيرة جزاء كريماً عند الله. ولعل السبب انها من الخلق الحسن.

(وبالايمان يعمر العلم). المراد بعمران العلم عموم منفعته وخلودها، وعليه يكون المعنى ان من آمن بالله حقاً وصدقاً يستعمل العلم في البناء والتعمير الذي ينفع الناس جيلاً بعد جيل، ولا يستعمله في الهدم والفساد واختراع الأسلحة الجهنمية

(وبالعلم يرهب الموت). العالم الأصيل هو الذي يحس ويشعر بأنه يسير بخطى واسعة وسريعة الى حضرته، وان وجوده في هذه الحياة إن هو إلا آثار أقدام على رمال، وانه لا بقاء لشيء إلا لما يتركه الانسان لمجتمعه من نفع وعون.. ومن ودع شبابه كما ودعته أنا فقد اختبر الموت وعاناه، ولكن الانسان ينسى حتى الأشياء التي جربها بنفسه.

(وبالموت تختم الحياة) لأن من مات قامت قيامته (وبالدنيا تحرز الآخرة) لأن تلك مطية لهذه، والعمل الصالح وسيلة لسعادة الغد وتقدم مع الشرح المفصل في الخطبة 29 (وبالقيامة تزلف الجنة، وتبرز الجحيم للغاوين). لا سعادة للإنسان ولا شقاء في هذه الحياة، لأنها أحلام وظلال، فإذا مات انتبه وانكشف الغطاء، وانه يحيا الى الأبد إما في نعيم وهناء، وإما في وإما في جحيم وشقاء (وان الخلق لا مقصر الخ).. لا مفر من لا مفر من الحساب والجزاء، فإنه الغاية والمصر، واليه نسرع ونسير، شعرنا بذلك أم لم نشعر شعرنا بذلك أم لم نشعر، والعاقبة لمن نفع وأحسن.

(وقد شخصوا من مستقر الأجداث.). خرجوا أو ذهبوا من القبور (وصاروا الى مصائر الغايات) وهي القيامة. ومن خطبة للإمام : أعدوا للموت قبل نزوله، فإن الغابة القيامة (لكل دار) من الجنة والنار اللتين تقدم ذكرهما في قوله : (وبالقيامة تزلف الجنة الخ).. (أهلها لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها). من سبق الى الجنة فإلى الأبد، ملك دائم، ونعيم قائم ومن أدخل النار فهي مثواه ولا منقذ إلا ما شاء الله.

(وان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله). الأمر بالمعروف هداية ورحمة، ونصيحة ومحبة، ولذا كان من خلق الله وأنبيائه وأوليائه ولا شك ان الأمر بالمعروف جائز حتى ولو أدى الى القتل بدليل قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - 21 آل عمران» حيث دلت الآية على ان من قتل من أجل الأمر بالمعروف فهو على سبيل النبيين. ولكن هل يجب الأمر بالمعروف مطلقاً حتى حتى مع خوف الضرر، أو ينتفي الوجوب مع هذا الخوف ؟ قال أكثر الفقهاء : لا يجب مع الخوف على النفس أو المال والأهل. وقال آخرون : يجب على كل حال وبلا شرط.

وفي رأينا ان حكم الأمر بالمعروف يختلف باختلاف الموارد، فإن كان الأمر بالمعروف من أجل سلامة الدين أو الوطن على وجه العموم - وجب بلا قيد، لأنه في مثل هذه الحال يكون من الجهاد الواجب وإلا فلا يجب مع خوف الضرر كالنهي عن أكل الميتة، وشرب المتنجس. أما قول الإمام : (وانهما لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق) فهو تعريض بمن يشايع الطغاة، ويسكن عن حكام الجور رغبة في منفعة، أو خوفاً من مضرة، وفي الحديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر.

(وعليكم بكتاب الله). كل كتاب ينسب الى الله فهو رواية فلان عن نبي من الأنبياء تماماً كالأحاديث النبوية عندنا إلا القرآن فهو من عند الله من ألفه الى يائه، وإعجازه شاهد حق وعدل، وقد أشار الإمام فيما يلي الى بعض أوصاف القرآن :

1 – (انه الحبل المتين) لا يهلك من تمسك به.

2 – (والنور المبين) تستنير به القلوب والعقول.

3 - (والشفاء) النافع من داء الجهالة والضلالة

4 – (والري الناقع) لغلة المتشكك والمتحير.

5 – (والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق) عطف تفسير على الحبل المتين.

6 – (لا يعوج فيقام) كما قال سبحانه : « أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا - 1 الكهف).».

7 - (ولا يزيغ فيستعتب) لا يميل عن الحق كي يطلب منه الرجوع اليه.

8 - (ولا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع) بل كلما تكررت آياته وقعت موقع السحر في القلوب وعلى الآذان. وهذا من خصائص القرآن التي لا يشاركه فيها أي تركيب وكلام.

9 – (من قال به صدق) لأنه لا ينطق عن هوى وجهل

10 – (ومن عمل به سبق) لأنه صراط الله المستقيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وبالمناسبة ان أهل السير والتاريخ قالوا : كان أبو جهل وأبو سفيان والأخنس ابن شريك ألد أعداء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومع هذا كانوا يتسللون في الليل فرادى الى

جدار بالقرب من بيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليستمعوا اليه وهو يتلو القرآن. وكان كل منهم يظن انه وحده يأتي ويستمع.. وفي ذات ليلة حدثت المفاجأة، والتقى الثلاثة وجهاً لوجه، وتم القبض بالجرم المشهود، وتبادلوا الإتهام.. ثم اتفقوا على الكتمان ، وان لا يعودوا مرة ثانية، لأن سماع القرآن يؤدي بهم الى الإيمان به وبحمد. وهذا ما يأبونه ويقاومونه.

أين الفتنة والردة.. فقرة 4 - 5 :

لَمَّا أَنزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ (الم أحبيبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بَيْنَ أَظهرنَا. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتي أخْبَرَكَ اللهُ تَعَالَى بِهَا، فَقَالَ : «يَا عَلى إِنْ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِ»ي. فقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ : أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ فِي يَوْمَ أحمد حيث أستفيد أَسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ وَحِينَت عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتَ لي : «أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ»، فَقَالَ لي : «إِنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ فكَيْفَ صَبْرُكَ إِذا» (4) فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشَّكْرِ. فَقَالَ : «يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَيُنونَ بِدينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَته، وَيَأْمَنُونَ سَطوَتَهُ. وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ وَالْأَهْوَاء السَّاهِيَةِ. فَيَسْتَحِلُونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيدِ، وَالسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ. وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ : بِأَيِّ الْمَنَازِلِ أَنْزِلهُمْ عِنْدَ ذلِكَ ؟ أتمنزِلَةِ رِدّةٍ أَمْ يَمَنزِلَةِ فِتْنَةِ ؟ فَقَالَ : بمَنزِلَةِ فِتْنَةٍ» (5).

اللغة :

حيزت عني : أميلت عني : قال تعالى : «أو متحيزاً الى فئة - 16 الأنفال» أي مائلاً اليها.

الإعراب :

حسب تحتاج الى مفعولين، والمصدر من أن يتركوا ساد مسدهما، والمصدر من أن يقولوا بدل من مصدر أن يتركوا. وجمله علمت خبر انه. وكيف في موضع الحال.

المعنى :

قال الشريف الرضي قال رجل لأمير المؤمنين : أخبرنا عن الفتنة وهل سألت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عنها ؟ فقال : (انه لما أنزل الله سبحانه قوله : أحسب الناس ان يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون). ومعنى الآية أن من يدعي الاسلام ويحمل هويته فهو مسلم بالاسم إلا إذا اهتم بأمور الناس،، وشاركهم في السراء والضراء ويدل على ارادة هذا المعنى قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم.. الدين النصيحة الدين النصيحة.. قالوا قالوا : لمن يا رسول الله ؟. قال : لله ولرسوله ولأمة المسلمين وعامتهم» وليس من شك ان سنة الرسول شرح وبيان لكتاب الله. والمراد بالمسلمين هنا الناس على وجه العموم، وإنما خص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) المسلمين بالذكر لأنهم المخاطبون بالحديث، ولأن الاسلام كان آنذاك هو الغالب في المجتمعات.

(علمت ان الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين أظهرنا). وقد استوحى الإمام علمه بذلك من إخبار الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأن الدنيا من بعده ستقبل على أمته، ويغرقون في زينتها الى الآذان، ومن جملة ما قاله النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في ذلك ما نقله الإمام عنه في هذه الخطبة بالذات، وهو قوله : «يا علي ان القوم سيفتنون بأموالهم». وليس من شك ان الانسان كلما أسرف في الماديات ازداد بعداً عن عن الروحيات : « إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى - 6 العلق». (فقلت

يا رسول الله ما هذه الفتنة - الى من بعدي) أي ان الله سبحانه يفتح عليهم أبواب المال والسلطان، فيتمتعون ويتلهون عن ذكر الله وطاعته، قال سبحانه: «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ - 28 الأنفال» وقال الإمام في تفسير هذه الآية : ان الله يختبرهم بالأموال والأولاد لتظهر الأفعال التي يستحق بها الثواب والعقاب.

_فقلت : يا رسول الله أوليس - الى – ورائك) كان الإمام يتمنى الشهادة في سبيل الله، ويبتهل اليه تعالى أن يعجلها له، فبشره بها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولما طال أمدها طالب الرسول بالوعد. فقال له : وعدتك الشهادة، ولم أحدد الوقت ولا بد أن تضرب على هذه فتخضب هذه (فكيف صبرك إذن)؟فأجابه الإمام بقوله : (ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر). ان حب الحياة وكراهية الموت طبيعة وغريزة في الانسان والحيوان. ومن أجل هذا فكر بعض الحمقى أن يخترع دواء يميت به الموت ويلغيه من الوجود.. كما دفع حب الحياة بآخرين الى إنكار وجود الموت من الأساس ومن هؤلاء أبيقور.. وصدق من قال : الحب يعمي ويصم معنی الأشياء التي يدركها الأعمى والأصم، ان صح هذا التعبير.

والحياة عند الإمام وسيلة لا غاية، والغاية العظمى التي تقصر الإفهام عن إدراك قيمتها، وتبذل الحياة من أجلها هي مرضاة الله فقط لا غير، ومن فاز بها فله أن يفرح ويبتهج، وعليه أن يشكرها ويحمد الله عليها (يا علي ان القوم سيفتنون بأموالهم) فتنسيهم ذكر الله وجميع القيم والموت، ولا يرون جمالاً وكمالاً ولا ذوقاً وعاطفة، ولا أي شيء إلا الأرباح والمكاسب (ويمنون بدينهم على ربهم) ذلك بأنهم لا دين لهم، والمال هو معبودهم الوحيد، ولكن الشيطان جعلهم يتصورون ويتخيلون أنهم أصحاب دين، ثم وسوس لهم وزين أن يمنوا على الله بنفس الشيء الذي عصوه فيه !.. نعوذ بالله من الغفلة والغواية.

(ويتمنون رحمته) وهنا موضع الغرابة !.. يطيعون الشيطان، ويعصون الرحمن هذا يطلبون منه الأجر والثواب.. ولكن لا عجب فإن كلمة الغرور تدل بطبعها وبجميع مشتقاتها على التناقض في الفكر والقول والفعل (ويأمنون سطوته) «فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ - 99 الأعراف». (ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة)، والأهواء الساهية (يؤولون المحظورات حسب أهوائهم ورغباتهم فيستحلون الخمر بالنبيذ). الخمر الخمر في اصطلاح الشرع وأهله هو المسكر، سواء

أصدق عليه اسم الخمر، أم أي اسم من الأسماء. قال الإمام جعفر الصادق(عَلَيهِ السَّلَامُ): لم يحرم الله الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو حرام.

(والسحت بالهدية). والمراد بالسحت المال الحرام، ومنه الرشوة، وتسميتها بالهدية لا يغير شيئاً من حقيقتها (والربا بالبيع). والأمثلة كثيرة على هذا الاحتيال، ومنها ان يبيع المرابي سلعة لآخر بمئة وعشرين الى أجل معلوم، ثم يشتريها منه بمئة يدفعها له حالاً ومعجلاً، ولا غرض لأحدهما إلا الربا ! وليس من شك ان النية هي القوام والأساس، وبصحتها يصح البيع، ويفسد بفسادها، والله سبحانه ليس بطفل يحتال عليه : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ - 142 النساء». ومن أراد التوم. ومن أراد التوسع في هذا فليرجع الى الجزء الثالث من «أعلام الموقعين» لابن القيم الجوزية.

(أبمنزلة ردة، أم بمنزلة فتنة ؟ قال : بمنزلة فتنة). والفرق بين الفتنة والارتداد هو عين الفرق بين الفسق والكفر. فكل من قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله يجري عليه حكم الاسلام من المواريث والمناكحات وجميع المعاملات حتى ولو كان فاسقاً أو منافقاً في واقعه إلا أن يعلن إنكاره لما ثبت بضرورة الدين کو جوب الصوم والصلاة، وتحريم الزنا وقتل النفس. وتكلمنا عن ذلك مفصلاً في كتاب «فلسفة التوحيد والولاية) بعنوان : أصول الدين.

الخطبة - 155 -

الفاجر ذليل.. فقرة 1 - 3 :

الْحَمْدُ لِلهِ أَذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مفتاحاً لِذِكْرِهِ. وَسَبَا لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ ودايلاً على آلاتِهِ وَعَظَمَتِهِ. عِبَادَ اللهِ إِنَّ الدَّهر يجري بالباقِينَ

يَجْرِي كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ. لَا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَلَا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ. آخرُ فِعَالِهِ كَأَوَّلِهِ. مُتَسَابِقَةٌ أُمُورَهُ، مُتَظَاهِرَةُ أَعْلَامُهُ. فَكَأَنكُمْ بالسَّاعَةِ تَحدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاحِرِ بِثَوْلِهِ. فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تحير في الظُّلُمَاتِ، وَاَرْتَبَكَ في التهلكات. ومَدَّت بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وزيَّنَتْ لَهُ سَى أَعْمَالِهِ، فَالجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ. وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ (1). أَعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزِ. وَالْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ لَا يَمْنَعُ أَهْلَهُ وَلَا يُخْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ. أَلَا وَبِالتَّقْوَى تقطع حَمَةُ الْخَطَايَا. وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكَ الْغَايَةُ القُصْوَى. عِبَادَ اللهِ،

الله الله في أَعَزّ الأنفُسِ عَلَيْكُمْ، وَأحبها إلَيْكُمْ. فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوضَحَ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ. فَشِقْوَةٌ لَازَمَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ، فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامٍ الْفَنَاءِ لأيَّامِ البَقَاءِ. فَقَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ وَأُمِرْتُمْ بالطَّعْنِ. وحثثتُمْ عَلى المسير. فَإِنما أَنتُمْ كَرَكَب وقُوفٍ لَا يَدْرُونَ متى يُؤْمَرُونَ بالمسير (2).أَلَا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلْآخِرَةِ وَمَا يَصْنَعُ بِالمَالِ مَنْ عَا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَحِسَابُهُ. عِبَادَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَمَا وَعَدَ اللهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكَ، وَلَا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ مِنَ الشَّرِّ مَرَغَبُ. عِبَادَ اللهِ، اَحْذَرُوا يَوْمًا تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ. وَيَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ. وَتَشِيبُ فِيهِ الْأَطْفَالُ (3).

اللغة :

سرمداً : دائماً. والمراد بشوله هنا النوق. وارتبك في الهلكات : وقع فيها. ولا يحرز : لا يحفظ. والحمة - بتخفيف الميم - السم، وتطلق على ابرة العقرب لعلاقة المجاورة. والتبعة : آثار العمل.

الإعراب :

ما فيه «ما» فاعل يبقى و فيه متعلق محذوف صلة «ما»، وسرمداً ظرف أو بمعنى الظرف وهو منصوب بيبقى أي لا يبقى في كل وقت، ومتشابهة خبر مقدم، وأموره مبتدأ مؤخر، ويجوز أن تكون «متشابهة خبر ثان لأن وأموره فاعل المتشابهة، ويكون الكلام هكذا ان الدهر متشابهة أموره، وكلمة الله الأولى نصب على التحذير، والثانية تأكيد، وشقوة خبر المبتدأ محذوف أي

فمصير كم شقاء أو سعادة، ويوماً مفعول به لا حذروا أو منصوب بنزع الخافض أي احذروا من يوم، ولا يجوز أن يكون مفعولاً فيه، لأن الخوف الآن منه لا فيه.

المعنى :

(الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره)، الحمد هو الثناء والشكر والوصف بالجميل بدافع التعظيم والتبجيل، وقد افتتح الله بحمده العديد من سور الذكر الحكيم، كالفاتحة والأنعام وسبأ وفاطر (وسبباً للمزيد من فضله) أي من أجر الآخرة وثوابها (ودليلاً على آلائه وعظمته) كقولنا : الحمد لله المنعم المفضل، أو الحمد لله العلي العظيم، فالحمد الأول على النعمة، والثاني من أجل العظمة، فإن الوصف يشعر بالعلية على حد ما قال علماء أصول الفقه.. والحمد لله في السراء والضراء.

(عباد الله ان الدهر الى - ما فيه). اللاحق كالسابق يلبي دعوة الموت الذي لا مفر منه لكبير أو صغير، لكبير أو صغير، ولا لنبي أو شقي، ومن مات لن يعود، والباقي الى حين (آخر أفعاله كأوله متشابهة أموره) في الأيام الخالية أهلك ملوكاً واستخلف آخرين، وهو الآن على شيمته، والى آخر يوم وهذا دليل قاطع على ان مراد الإمام بالدهر رب الدهر.. وما كلمة الدهر إلا تعبير عن مرور الزمن وعدد الأيام التي لا تحس ولا تحس، واذا صح حديث «لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله) فالمراد ان قول الناس : فعل الدهر وترك الدهر، أو فعلت الدنيا وتركت - هو على حذف المضاف اليه أي رب الدهر وإلا فإن كلمة الدهر لا تستعمل في ذاته تعالى ولا في صفاته.

والغريب ان عبد الرحمن بن الجوزي قال في كتاب «صيد الخاطر» : إن الذين يسبون الدهر كفار «بل هم شر من الكفار لا أصلح الله لهم شأناً ولا هداهم ارشاد»! ونسي هذا الشيخ ان الحدود تدرأ بالشبهات.. ولماذا لا أصلحهم الله ولا هداهم ؟ الأنهم أشد على الرحمن عتياً من الذين سأل نبي الرحمة لهم الصلاح والهداية ؟.

(متظاهرة أعلامه) أي ان الدلائل على تغير الدنيا بأهلها من حال الى حال

كتيرة ومتضافرة بعضد بعضها بعضاً (فكأنكم بالساعة تحدوكم حدو الزاجر بشموله). تسوقكم القيامة اليها تماماً كما يسوق النوق زاجرها وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 22 (من شغل نفسه بخير نفسه - الى -سيء أعماله). ما لك وللناس والقيل والقال ؟ أتشتغل بغيرك، وتلهو عن نفسك. ارفق بها وتلطف، وراقبها وحاسبها وإلا استحودت عليك الشهوات والأهواء، وأردتك في المهالك المهالك. ومن أقوال الإمام. طوبى لمن كان من نفسه في شغل والناس. في راحة : ونصيحتي لمن يريد النجاح أن لا يكترث بنقد، ولا يحصر همه واهتمامه بتتبع العيوب، وأعرف واحداً فقط من هذا النوع. فإن لم يجد عيباً بإنسان افتراه.. وما عرفه انسان ووثق به. وأمن له.. أصلحه الله وهداه وايانا.

(فالجنة غاية السابقين). انها انها مصير من شعر بواجبه أمام ربه وضميره، وأمام المجتمع الذي يعيش فيه. وبادر لأداء هذا الواجب على الوجه الأكمل (والنار غاية المفرطين) اللامبالين في حق الله والناس، والتفريط في الحق، ونهاية الخائن الى الهاوية لا محالة.

(واعلموا عباد الله ان التقوى - الى - من لجأ اليه). للصادق المخاص هيبة ومكانة عند الله والناس. ومكانته هذه حصن حصير من تهم المفترين، ونيل المجرمين، أما الخائن الكذوب فحصنه أوهن من بيت العنكبوت (وبالتقوى يقطع حمة الخطايا (لا سبيل الى الوقاية من سوء العاقبة إلا باتباع الهدى والحق : «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى - 123 طه». وباليقين تدرك الغاية القصوى. إذا تم علم الانسان خاف من الغفلات والهفوات، ومن خاف أعد العدة، وعمل جاهداً وعمل جاهداً حتى يبلغ غايته.

(الله الله في أعز الأنفس عليكم الخ).. قال قائل : ان أعز هنا للتفضيل، وان للإنسان أنفساً عديدة : أمارة ولوامة وعاقلة وغضبية وشهوانية !.. وهدا التقسيم مجرد خيال لأن تعدد الصفات والحالات لا تستدعي تعدد الموصوف - وعلى الأقل - هو بعيد عن إفهام المخاطبين، والصواب ان المراد بكلام الإمام هنا عين المراد بقوله تعالى : «فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ - 24 البقرة». (فإن الله قد أوضح لكم سبيل الحق) في كتابه وسنة نبيه (فشقوة لارمة) للمجرمين في الآخرة (أو سعادة دائمة) للمتقين (فتزودوا - الى -يؤمرون

بالسير). نحن ضيوف في هذه الدار، وفي غد الى نعيم أو جحيم، والسعيد من وفق الى عمل ينجيه من عذاب الحريق

(فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة الخ).. خلق الانسان ليعمل في دنياه الفانية لآخرته الباقية، فإن أصاب مالاً من حل، وأنفقه في حل فقد تحرر من التبعات، وأمن من العثرات، وان أخذه من حرام أو أنفقه في حرام فهو عليه نار وجحيم، وان ادخر وكنز ما يزيد عن حاجته فلاوارث لذته، وعلى الموروث ائمه وتبعته.

(ليس لما وعد الله من الخير مترك الخير مترك، ولا فيما نهى عنه من الشر مرغب). يجاهد الانسان ويناضل ليجلب الخير الى نفسه، ويدافع ويكافح ليتقي من الشر، والله سبحانه معه في ذلك، وهو أرحم به من الأم بوليدها به من الأم بوليدها، ولذا منحه العقل والقدرة، وأوضح له سبيل الخير والشر، فكيف يرغب في هذا، ويترك ذاك ؟ اللهم إلا إذا كان عدو نفسه، أو أساء الظن بخالقه (احذروا يوماً الخ). ومن أنكر هذا اليوم وكان منه على شك فهل يشك في ان الحق أحق أن يتبع، وان المحبة والمساواة خير من الحقد والمعاداة وان الاخلاص والاستقامة أفضل من الانحراف والخيانة ؟.. أن الاستقامة هي طريق السعادة والنجاة عند الله، وان الخيانة هي السبيل الى الزلزال والأهوال عنده تعالى، وإذن فالشك في وجود الجنة والنار شك في وجود الاستقامة والخيانة، وفي وجود الخير والشر.

نفسك تشهد عليك.. فقرة 4 - 5 :

أعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنفُسِكُمْ، وَعُيُونَا مِنْ جَوَارِحكُمْ، وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ. وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ. لاَ تَستُرُكُمْ مِنْهُمْ ظلُمَةٌ لَيْلٍ دَاجٍ، وَلَا يُكِنكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ، وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قريب (4). يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِما فِيهِ، وَيَجيء الْغَدُ لاحقاً بِهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ أَمْرِى مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ، وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ.

فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ، وَمَنزِل وَحْشَةِ، وَمُفْرَدِ غُرْبَةٍ. وكأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتكُمْ، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ، وَبَرَزَتُمْ لِفَصْلِ القَضَاءِ. قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الأبَاطِيلُ. وَأَضْحَلَّتْ عَنْكُمُ العِلَلُ. وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقَ، وَصَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا. فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ، وأعْتَبِرُوا بِالْغَيْرِ، وَأَنتَفِعُوا بِالنَّدْرِ (5).

اللغة :

رصدا: جمع راصد، وهو الرقيب. وليل داج : شديد الظلام. وأرتج الباب : أغلقه إغلاقاً محكماً.

الإعراب :

داج صفة مؤكدة لليل، ومن اليوم متعلق بقريب، ولاحقاً حال من الغد، و يا له «یا» لمجرد التنبيه، وقيل : للنداء والمنادى محذوف أي يا قو قوم، واللام للتعجب، وبيت تمييز مجرور بمن المبينة مع مجرورها للمراد بالضمير المجرور باللام.

المعنى :

(ان عليكم رصداً من أنفسكم الخ).. لا عصمة للإنسان، ولذا نقول كل فكرة يجور عليها الخطأ والصواب، وكل قول يحتمل الصدق والكذب، وليس من شك ان من أخطأ بلا قصد وتقصير فلا سبيل عليه، وإنما السبيل على من قصر وتهاون، أو تعمد الذنب والخطيئة، وأكثر الناس جرماً وعقاباً من أصر على الذنب ورفض التوبة، وأشد منه عقاباً من خادع الناس، وارتدى ثوب الصالحين، وليس منهم.

وقد يصيب الزائغ المخادع بعض ما يريد، ولكنه لن يسلم من العقاب في

الدنيا والآخرة، أما في هذه فلأن الله لا تخفى عليه خافية سواء أحدثت في ليل أم من وراء حجاب بالإضافة إلى ما أشار اليه الإمام، وصرحت به الآية الكريمة : «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - 24 النور». أما حسابه في الدنيا فعلى الناس وضميره هو بالذات، فإن الناس قد يخدعون بعض الوقت، ولكنهم ان يخدعوا طول الوقت، وحين تتكشف لديهم الحقائق يكون رد الفعل قاسياً وقوياً. أما حساب الضمير فيكون بالتأنيب والتوبيخ.

الضمير :

وتسأل : ان كلمة الضمير تدور كثيراً على ألسنة الناس، ويقذفونها في محاوراتهم قذف المسلمات حتى كأنها أوضح من البديهيات مع انها غامضة، أو ليست بهذه المكانة من الوضوح، فما هو تحديد الضمير والمراد منه ؟.

الجواب :

الضمير شعور من الداخل تواق لكل خير يبتسم له ويستريح، وعزوف عن كل شر يعبس له، وينفر منه.

الضمير إحساس من الأعماق يسألك ويحاسبك حين تهدأ منك الأعصاب، ويثوب اليك الرشد، وتغيب عنك كل نزوة وكل فكرة تقلقك وتزعجك يأتيك هذا الضمير في خلواتك وأنت تستلقي على الفراش في عتمة الليل، أو تجلس وحيداً على شاطىء بحر أو مجرى نهر، أو بين الأعشاب وتحت الأشجار.

يأتيك لكي يسألك ويحاسبك عن سوء ما قلت أو فعلت بالأمس أو منذ سنوات ويقول : ما جرى لك حتى كان منك ما كان ؟ هل كنت مجنوناً، أو ماذا ؟

وهناك سؤال يطرح نفسه، وهو من أين جاء هذا الضمير ؟ وما هو المصدر لرؤيته ؟ هل هذه الرؤية ذاتية تماماً كتمييز العين بين الألوان، أو هي انعکاس عن التربية أو الدين أو تقاليد المجتمع ومقاييسه ؟ وبكلمة واحدة هل الضمير حاسة فطرية أم مكتسبة ؟.

الجواب :

إن الضمير على نوعين : فطري ومكتسب، فما كل شعور بالتأنيب هو فطري على الاطلاق، ولا هو ولا هو مكتسب على الاطلاق، ومن البداهة ان الضمير لا يؤنب

على أي فعل إلا اذا اعتقد فاعله بتحرمه، وعندئذ ننظر الى مصدر هذا الاعتقاد، فإن كان وليد التربية أو الدين أو المجتمع فهو مكتسب لا محالة، وان لم يستند الى شيء من ذلك بشكل من الأشكال فهو فطري وذاتي بحكم البديهة - مثلاً - اذا أكل الهندوكي من لحم البقرة، ثم أنبه ضميره على أكله فهذا الضمير انعكاس عن الدين والمجتمع، وكذلك المسلم اذا أكل لحم الخنزير أو الميتة، واذا أساء واحد من الناس عن قصد وعمد لمن أحسن اليه لا لشيء إلا لأنه أحسن اليه، ثم ندم وأحس بالذنب والخطيئة فهذا المؤنب المؤدب هو الضمير الفطري، لأنه من الداخل لا من الخارج أما تحريم تحريم الدين والمجتمع لهذه الإساءة فلا مصدر له إلا الضمير المشترك بين جميع الناس الناس أي ان تحريم الدين والمجتمع لهذه الإساءة هو فرع وتبع لحكم الفطرة والضمير.

والى هذه الفطرة أو الضمير أشار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقوله : «البر ما اطمأنت اليه النفس، واطمأن اليه القلب. والأئم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وان أفتاك الناس وأفتوك» وعلى هذا الأساس كان سقراط يحاول ويجادل الناس، وهو يطوف في الشوارع والأسواق.

هذا، الى ان أكثر الزامات الدين والمجتمع تتخذ منطلقها من الضمير الفطري وأي إلزام لا يستند الى الفطرة مباشرة أو ينتهي اليها فما هو بشيء... لو نفينا هذا الوازع الذاتي عن الانسان الجردناه من إنسانيته، وكان هو والحيوان سواء في القياس، وكان قولنا : هذه الفكرة خطأ وتلك صواب، وهذا خير وذاك شر - لغواً وهراء.

(يذهب اليوم بما فيه الخ).. الأيام تسرع حتى كأنه لا فرق بين السابق منها واللاحق، ولا بين الطويل والقصير، ولا معنى لسرعة الأيام إلا فناء العمر وذهابه، واننا في هذه الحياة ضيوف مؤقتون.. وعلى هذا وعلى هذا جرت سنته تعالى في الأولين والآخرين، وإذا كنا ضيوف هذه الدار بشهادة العيان فهل هناك حياة ثانية ننتقل اليها بعد الموت، أو ان من مات فات ؟ وأجبنا عن هذا السؤال بأساليب شتى فيما تقدم، ويتلخص بعضها بأن من لا يؤمن بالله وعدله فلا يحق له ان يطلب الدليل على ثبوت اليوم الآخر، وله كل الحق أن يطلب الدليل على وجود الله، أما من يؤمن بالله وعدله فيتحتم عليه أيضاً أن يؤمن باليوم الآخر، والتفكيك محال، لأن الإيمان بالعدل الإلهي لا يستقيم إلا مع الإيان بأن مصير

الفاجر غير مصير البر، وان المسيء لا يفلت من العقاب، وان المحسن وان المحسن لا يحرم من الثواب، وإذا لم يتحقق شيء من هذا في دار الدنيا فلا بد إذن من دار ثانية ينتصف فيها للمظلوم من الظالم، ويحاسب كل على عمله، ان خيراً فخير، وإن شراً فشر.

وحث الإمام على العمل لهذا اليوم، وحذر من عذابه،، وحذر من عذابه، وذكر بوحشة القبر وغربته، وهول الحساب، وأمر بالاتعاظ والانتفاع بالنذر، ومنها كتاب الله وسنة نبيه، والوعاظ والمبلغون، والموت والنكبات وإذا كان في كل شيء آية تدل على وحدانية الله فإن كل ما في الدنيا نذير ودليل على زوال الدنيا وفنائها. وسبق هذا المعنى مرات ومرات.

الخطبة -156-

سينتقم الله ممن ظلم.. فقرة 1 - 2 :

أَرْسَلَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَأنْتِقَاضِ مِنَ الْمُبْرَم. فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالنُّورِ المُقتَدَى بِهِ. ذلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ وَلَكِنْ أَخْبِرُكُمْ عَنْهُ. أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالْحَدِيثَ عَنِ المَاضِي، وَدَواء دَائِكُمْ، وَنَظمَ مَا بَيْنَكُمْ (1). فَعِنْدَ ذلِكَ لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا وَأَدْخَلَهُ الظُّلَمَةُ تَرْحَةً، وَأَوْلجُوا فِيهِ نِقْمَةً، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَبْقَى لَكُمْ في السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ نَاصِرُ. أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ. وَسَيَنْتَقِمُ اللهُ يمنْ ظَلَمَ مَأكَلاً تأكل وَمَشْرَبَا بِمَشْرَبٍ، مِنْ مَطَاعِمٍ العَلْقَمِ وَمَشَارِبِ الصَّبِرِ وَالمَقِرِ. وَلِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ وَدِثَارِ السَّيْفِ. وإنما هُمْ مَطَايَا الخطينَاتِ وَرَوَامِلُ الْآقام. فَأقِسمُ ثُمَّ أُقِسمُ

لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي مَا تُلْقَظُ النَّخَامَةُ ثُمَّ لَا تَذُوقُهَا وَلَا تَتَطَعمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً مَا كَرَّ الْجَدِيدَان (2).

اللغة :

الفترة : الهدنة، والفاصل بين شيئين. والنقض : الهدم والإبرام الإحكام والمدر: الطين. والوبر للإبل كالصوف للغنم، والمدر للحضري، والوبر للبدوي. والمقر - بكسر القاف - الصبر أو السم. والدثار : اللباس. والزوامل : جمع الزاملة،، وهي الناقة أو الجمل يحمل عليه المتاع. وتنخم : أخرج النخامة من أنفه أو صدره. والجديدان والأجدان : الليل والنهار، ولا يفردان، فلا تقول : الجديد أو الأجد للواحد منهما

الإعراب :

أدخله، الأصل أدخل فيه، ثم حذفت «في» للتخفيف فاتصل الضمير بالفعل، وترحة مفعول أدخله، ونقمة مفعول أولوا، وعند ذلك متعلق بلا يبقى، ومأكلاً و مشرباً أي يأكلون مأكلاً، ويشربون مشرباً.

المعنى :

(أرسله على حين فترة - الى - الأمم). تقدم بالنص الحرني بالخطبة 88 (وانتقاض من المبرم - الى الى – القرآن) جاء كل من موسى وعيسى بشريعة إلهية، عمل بها أهل الكتاب حيناً من الدهر، ثم نقضوها من الأساس، فبعث الله محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالقرآن مصدقاً لما بين يديه من توراة موسى وانجيل عيسى (فاستنطقوه - أي القرآن - ولن ينطق ولكن أخبركم عنه). ارجعوا الى القرآن وتدبروا معانيه وأسراره ومراميه ولكن معرفته على وجهه وحقيقته لا تكون إلا بتوسط من عنده علم الكتاب، وهو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال الإمام في مقام آخر ما نزلت آية من القرآن على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلا وأملاها علي، فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها.

من إعجاز القرآن :

(إن فيه علم ما يأتي). أخبر القرآن عن أشياء كثيرة قبل وقوعها وحدوثها، ولم يكن هناك أية قرينة تشير اليها من قريب أو بعيد، ومع هذا وقعت كما أخبر وتنبأ القرآن، فحدث انقلاب، فحدث انقلاب في عقيدة الكثير من المشركين، وخسر المبطلون، وازداد المؤمنون إيماناً، وليس من، وليس من شك او أن شيئاً من تلك التنبؤات لم يتحقق لارتد من كان قد أسلم وبالتالي لم يكن للإسلام عين ولا أثر.. ولكن الله سبحانه شاء أن تظل معجزة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى آخر يوم.

ومن تلك التنبؤات أو المعجزات وعده تعالى بنصر المسلمين على المشركين في وقعة بدر : «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ - 7 الأنفال» «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ 45 القمر» ومنها الوعد بدخول مكة المكرمة : «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ - 27 الفتح». وغير ذلك كثير مما يعلم تأويله الراسخون في العلم.

(والحديث عن الماضي). وأيضاً تحدث القرآن بلسان محمد الأمي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن الأمم الماضية، والقرون الخالية في زمن لا يعرف أحد عنها شيئاً، ولا مصدر للعلم بها إلا الوحي، وهذا دليل ثان على الإعجاز السماوي والذين أنكروا إعجاز القرآن من حيث الفصاحة والبلاغة تهاووا أمام إخباره بالغيب وأمام شريعته وتعاليمه التي خاطبت القلوب والعقول، وناجت الضمائر والأرواح.. ومن أراد أن يحتج بإعجاز القرآن فعليه أن ينطلق أولاً من محتواه، من شريعته وتعاليمه الانسانية، وإخباره بالغيب، ثم يدعم المحتوى بالشكل والاسلوب.

(ودواء دائكم، ونظم ما بينكم). المراد بالداء الجهل والضلال، وبالنظم إعطاء كل فرد حياة أفضل وأحسن، وبالدواء الشافي ما جاء في القرآن من أصول العقيدة، ومبادىء الشريعة، وقيم الأخلاق.

(فعند ذلك لا يبقى بيت - الى - ناصر). يشير بهذا الى دولة الأمويين وطغياتها وإفسادها في الأرض. قال البخاري في ج 9 «كتاب الفتن» : قال في رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «هلكة أمتي على يد أغيلمة من قريش». وفسر أهل الحديث «الأغيلمة» بالأمويين، وفي شرح ابن أبي الحديد لهذه الخطبة : «الأخبار الشائعة المستفيضة في كتب الحديث ان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أخبر عن دولة بني أمية وذمهم.. وفي كتب التفسير ان الفتنة والشجرة الملعونة في الآية 60 من سورة

الإسراء هم بنو أمية». ثم أطال في نقل الأحاديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) التي تعزز هذا التفسير.

(أصفيتم بالأمر غير أهله، وأوردتموه غير مورده). الخطاب لمن رضي بدولة أمية، وأصفيتم خصصتم، وأوردتم أنزلتم، والمراد بالأمر الخلافة، وبأهله أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً (وسينتقم الله ممن ظلم الخ).. ستدور الدائرة على الأمويين، ويذهب ملكهم الى غير رجعة، ويُسقون كأساً كان مزاجها سماً زعافاً وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 92.

الخطبة - 157 -

أحسنت جواركم :

وَلَقَدْ أَحْسَلْتُ جَوَارِكُمْ، وَأَحَطتُ بِجُدِي مِنْ وَرَائِكُمْ، وَأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ، وَحَلَقِ الضَّيم، شكرا مِني للبرِّ القليل، وإطرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ وَشَهِدَهُ الْبَدَنُ مِنَ الْمُنكَرِ الكَثِيرِ.

اللغة :

الجهد - بضم الجيم - الطاقة. والربق : جمع ربقة، وهي حبل فيه عرى. وحلق : جمع حلقة - بسكون اللام - وكل شيء استدار فهو حلقة. وأطرق : سكت ولم يتكلم

الإعراب :

ولقد الواو للقسم أي والله لقد، وشكراً مفعول من أجله لما تقدم من الأفعال.

المعنى :

(ولقد أحسنت جواركم). الخطاب لأهل الكوفة، ومن حسن الجوار أن

لا تحسد الجار، ولا تذيع عنه ما تراه من عيب، وأن تكف عن إزعاجه، وتصبر عليه ما أمكن (وأحطت بجهدي من ورائكم) حميتكم ودافعت عنكم (وأعتقتكم من ربق الذل وحلق الضيم). كان الوالي من قبل يسومهم الخسف فحكمهم الإمام بالحق والعدل (شكراً للبر القليل) وهو بعض أعمالهم الصالحة (وإطراقاً عما أدركه البصر، وشهده البدن من المنكر الكثير). شهده البدن عطف تفسير على ما أراه البصر أي الحس والعيان، والمعنى انه تجاهل الكثير مما عاناه منهم وقاساه.

وقال ابن أبي الحديد : «إن قلت : كيف جاز للإمام أن يغض الطرف عن المنكر.؟ قلت : يجوز له ذلك اذا غلب على ظنه أنهم لا يرتدعون». وتبعه في هذا الجواب من جاء بعده من الشارحين ! والذي نفهمه نحن ان الإمام تجاهل عن حقه الخاص لا عن غيره من المنكر، ويدل على إرادة هذا المعنى قول الإمام في الخطبة 73 : لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة التماساً لأجر ذلك وفضله..

الخطبة - 158 -

عظمته تعالى.. فقرة 1 - 3 :

أَمْرُهُ قَضَاهُ وَحِكْمَةٌ، وَرِضَاهُ أَمَانٌ وَرَحْمَةٌ. يَقْضِي بِعِلْمٍ، وَيَعْفُو يحلم. اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِي، وَعَلَى مَا تُعَافِي وَتَبْتَلِي: حمداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ، وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ. حَمْداً يَملأ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ. حَمْداً لَا يُعْجَبُ عَنْكَ وَلَا يَقْصُرُ دُونَكَ. حَمْداً لَا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ، وَلَا يَفْنَى مَدَدُهُ (1) فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنة عَظَمَتِكَ، إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنكَ حَيٌّ قَيُّومُ لَا تَأْخُذْكَ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ. لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرُ، وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرُ، أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ، وَأَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ، وَأَخَذْتَ بالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَام. وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمٍ سُلْطَائِكَ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنْا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانتَهَتْ

عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَت سَوَاتِرُ الغُيُوب بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ (2). فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَات خلقك، وَكَيْفَ عَلَّقت في الهَوَاء سَمواتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلى مَوْرِ خَلْقَكَ الماء أرضكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَبييراً، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً، وسَمْعُهُ والها، وفكرهُ حائِراً (3).

اللغة :

ذرأ : خلق، حسراً : متعباً يضعف عن الرؤية. مبهوراً : مغلوباً. والهاً : بلا شعور. حائراً : حيران في أمره.

الإعراب :

حمداً نصب على انه مفعول مطلق للحمد المتقدم، وكيف حال، وحسيراً حال، ومثله ما بعده.

المعنى :

(أمره قضاء وحكمة). المراد بأمره تعالى إرادته التشريعية والتكوينية، والأولى أمره تعالى ونهيه، والثانية قوله للشيء : كن فيكون ومعنى قضاء التشريع إبرامه ووجوب طاعته وتنفيذه بلا اعتراض أو تعديل، والمراد بحكمته سبحانه أن العبث يستحيل في حقه : «ربنا ما خلقت هذا باطلاً آل عمران». (ورضاه أمان ورحمة). وأقرب السبل الى الله رضوانه ورحمته، والأمان من غضبه وعذابه العمل للصالح العام، قال سبحانه : «والعمل الصالح يرفعه - 10 فاطر» أبداً ليست البطولات ولا الانتصارات ولا العبقريات بشيء عند الله إلا إذا ترك الانسان شيئاً جديداً ومفيداً لأخيه الانسان (يقضي بعلم)

أي الشيء الذي يقضي به هو حق وخير، لأنه يعلم حقيقتها ومواردهما (ويعفو بحلم) ولا يخشى من العواقب إذا أدب وعذب.

معنى الحمد الدائم :

(اللهم لك الحمد على ما تأخذ الخ).. والتسبيح والتحميد والتهليل - شكر وعبادة بلا شك، ولكن هناك شكراً أفضل وأروع، وهو دم حر زكي يراق من أجل الدين والوطن. وعرق طاهر نقي يصب من أجل العيال والأطفال، وقول صريح وجريء تكافح به الطغاة المعتدين، وتناصر الهداة المجاهدين، وهذا المعنى هو الذي أراده الإمام وعناه بقوله : (حمداً لا ينقطع عدده، ولا يفنى مدده). إن الحمد بالأقوال يذهب مع الريح، والذي لا ينقطع عدده ينقطع عدده، ولا يفنى أمده هو الأثر النبيل الصالح والعمل النافع : «وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ - 17 الرعد».

(فلسنا نعلم كنه عظمتك). نحن لا نملك من أدوات المعرفة إلا الحواس الظاهرة والعقل، والحواس تدرك الأشياء المادية كالملموسات والمرئيات والمسموعات والروائح والمذاقات.. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.. أما العقل فإنه يدرك المحدود والمتناهي، ولا حد ونهاية لذات الله وعظمته (نعلم انك حي قيوم). لأنه مصدر الحياة، وانه قادر وعالم ومريد، والله قائم بذاته مقيم الله حي لغيره، لأنه واجب الوجود، لا يفتقر الى شيء، ويفتقر اليه كل شيء (لا تأخذه سنة ولا نوم) لأن النوم من صفات الأجسام، والله منزه عنها.. هذا الى ان النوم ضرب من الموت (لم ينته اليك نظر ولم يدركك بصر) لأن البصر يدرك الطبيعة، والله فوقها وخالقها

(أدركت الأبصار، وأحصيت الأعمال). يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وبما يفعلون عليم (وأخذت بالنواصي والأقدام). لا فوت. الكل في قبضته (وما الذي نرى من خلقك - الى - أعظم). نحن نعلم بوجوده تعالى، وانه ليس كمثله شيء، لأن الآثار هي التي أرشدتنا الى ذلك، أما العلم بالذات وبجميع ما لها من أوصاف- فلا سبيل اليه، لأن ما من شيء نحاول الانطلاق منه الى العلم بهذه العظمة إلا وهي فوقه، واذن كيف السبيل ؟ وأين هو ؟.

و للتقريب والتوضيح نضرب هذا المثال : من ضوء الشمس نعلم أنها موجودة، أما العلم بحقيقة الشمس وعناصرها فيحتاج الى وسيلة أخرى غير الضوء، فإن وجدناها فذاك وإلا انسد باب العلم وهذه آثاره تدل على وجوده تعالى، فأين الدلائل على كنه ذاته، ومدى عظمته ؟.

(فمن فرغ قلبه، وأعمل فكره الخ)،.. العقل يدرك القوانين العامة التي تربط بين الأحداث المتكررة المتشابهة، ويفهم ان هناك صلة وثيقة فيما بينها - مثلا -اذا رأى العالم التفاحة تسقط من الشجرة، ورأي غيرها من الأجسام يهوي من علو الى الأرض، أدرك بعقله ان وراء هذه الأحداث المتشابهة قوة تربط بينها، وهي قانون الجاذبية، ولكن العقل لا يدرك حقيقة القدرة الأولى التي أوجدت هذه الأحداث، ولا متى وجد الكون الذي تقع فيه هذه الأحداث ؟ أو كيف وجد ؟ وقد أجهد العلماء أفكارهم في البحث عن ذلك، وكل ما قالوه مجرد حدس وتخمين، ومن أجل هذا لم يتفقوا على الكلمة الأخيرة، وتكلمنا عن ذلك مفصلاً في شرح الخطبة 1 فقرة «حول الكون».

يدعي انه يرجو الله.. فقرة 4 - 5 :

يَدَّعِي بِرَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ. كَذَبَ وَالْعَظِيمِ، مَا بَالُهُ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجًا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ. وَكُلُّ رَجاءِ إلَّا رَجَاءَ اللهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ مَدْخُولُ، وَكُلُّ خَوف يُحَقِّقُ إِلَّا خَوْفٌ الله فَإِنَّهُ مَعْلُولُ يَرْجُو اللَّهَ فِي الكَبِيرِ، وَيَرْجُو العِبَادَ في الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي العبد مَا لَا يُعْطِي الرَّبِّ (4). فَمَا بَالُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقصِّرُ بِهِ عَمَّا يَصْنَعُ لِعِبَادِهِ ؟ أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً ؟ أَوْ تَكُونَ لَا تَرَاهُ للرجاء مَوْضِعاً ؟ وَكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَخَوْفَهُ مِنْ

خَالِقِهم خماراً وَوَعْداً. وَكَذلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا فِي قَلْبِهِ أَمْرَهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى فَانقَطَعَ إِلَيْهَا وَصَارَ عَبْداً لَهَا (5).

اللغة :

مدخول : مغشوش أو مشكوك. ومحقق : ثابت. ومعلول : غير سليم. ونقداً : حالاً ومعجلاً. والضمار : الوعد التسويف

الإعراب :

ما باله مبتدأ وخير، والمصدر من ان تكون مجرور ممن محذوفة، وكذلك خبر لمبتدأ محذوف أي والشأن أو الأمر كذلك، وان هو أي وان خاف هو.

فلسفة الخوف والرجاء :

الرجاء رغبة، والخوف رهبة، وهما المحرك الأساسي لإرادة الانسان، فما من شيء يفعله أو بتركه بإرادته واختياره إلا بدافع من هذين، وهذه نتيجة طبيعية، لأن الانسان بغريزته يريد العيش والتمتع بالحياة جهد طاقته وقد يعلم الانسان عاقبة الفعل أو الترك، فيعمل بموجب علمه بلا كلام وفلسفات، واذا جهل العاقبة فعليه أن يحفظ التوازن بين الخوف والرجاء، ولا يدع أحدهما يتغلب على الآخر، لأن الخوف بلا أمل أو بأمل ضعيف - هلع ويأس، واليأس موت، كما ان الأمل بلا خوف تهور ورعونة، والتهور انتحار، وقديماً قيل: لا حياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة.

وفي القرآن الكريم : « وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ - 87 يوسف».. «أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ - 99 الأعراف». وفي بعض الروايات : وفي بعض الروايات : «خف الله خيفة لو جئته بیر الثقلين لعذبك، وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين

لرحمك». وأسلوب هذه الرواية من أبلغ أساليب التخويف والتحذير من معصيته تعالى وإلا فإن الله سبحانه قد كتب على نفسه الرحمة بالمتقين، وأمنهم بقوله : «فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - 62 البقرة». أجل، ان دأب المتقين أن يعادلوا بين الخوف والرجاء حتى ولو جاءوا ببر الثقلين، وقال في وصفهم عالم شاعر :

تعادل الخوف فيهم والرجاء فلم*** يفرط بهم طمع يوماً ولا وجل

والغرض الأول والأخير من هذا التوازن والتعادل هو وجود المحرك والباعث على الجد والعمل لجلب المنفعة ودفع المضرة.. ولا ريب في هذا من الوجهة النظرية ورسم الخطوط العريضة، ولكن صحة النظرية في نفسها لا تكفل النتيجة، وكثيراً ما تصطدم بالملابسات والظروف عند التطبيق بخاصة اذا كان وضع الانسان أبعد ما يكون عن الاتزان والاعتدال الاتزان والاعتدال.. وعلى أية حال فإذا جاز لواحد من الناس أن ييأس على حساب نفسه، فلا يجوز له اطلاقاً أن ييأس على حساب شعبه ووطنه، ومن ثبط وخوف من مكافحة الخونة والمعتدين فهو خائن أثيم أياً كانت ظروفه وأوضاعه.

المعنى :

(يدعي بزعمه انه يرجو الى عمله). وخير تفسير لهذه الجملة ما روي عن الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فقد سئل عن قوم يعملون بالمعاصي، ويقولون : نرجو.. فقال : كذبوا، ان من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه (وكل رجاء إلا رجاء الله تعالى فإنه مدخول). في الكلام تقديم وتأخير، وأصله : كل رجاء فإنه مدخول إلا رجاء الله، ومعناه : ان أي عبد رجا عبداً مثله فرجاؤه هذا ليس بشيء، أو شيء لا خير فيه، لأن الله وحده هو محل الأمل والرجاء (وكل خوف محقق - أي موجود - الا خوف الله فإنه معلول أيضاً في الكلام تقديم وتأخير، والأصل : كل خوف محقق فإنه معلول إلا خوف الله، ومعناه : ان من خاف غير الله فخوفه موجود بالبديهة، ولكن هذا الخوف مجرد وهم، وفي غير وفي غير محله لأن غير الله أحقر من أن تخاف منه، والذي يجب

الخوف منه حقاً هو الله وحده : «قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا -11 الفتح».

(يرجو الله في الكبير – الى - الرب). يرجو الله ويطلب منه الجنة التي جاء في وصفها : مسالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. يطلب من الله هذا النعيم الثمين، ولا يعمل له أو يعمل القليل !. ومن حيكم الإمام «الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر». والغريب ان العبد إذا رجا مثله، وطلب منه القليل الحقير جد واجتهد، وبالغ في العمل له، وعلى النقيض اذا طلب من الله !. وهكذا يشتري الزهيد بأغلى الأثمان، ويبتغي شراء الثمين بالزهيد التافه. فأين الانسجام.؟ وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على ضعف الايمان وعدم الثقة بالله.

(فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع به لعباده). ما بال الله أي ما بال حق الله، والمراد بما يصنع به - بالبناء للمجهول - الشيء المصنوع، وهو معروف الله وإحسانه، والمعنى لماذا تتهاونون بحق الله سبحانه، وتقصرون عن شكر ما صنعه لكم من المعروف والإحسان ؟ هذا ما عندنا في تفسير هذه الجملة الغامضة، وقد تجاوز عن توضيحها بعض الشارحين، وفسرها آخر مما زادها تعقيداً وغموضاً

(أتخاف أن تكون في رجائك له كاذباً ؟). لماذا لا تعمل لله اذا رجوته، وتعمل كثيراً لغيره اذا رجوت منه القليل ؟ هل معنى هذا في مفهومك ان من كان مثلك في حقارته لا ينبغي أن يسأل من الله شيئاً، لأنه تعالى لا يفيض الخير إلا على من هو أجلّ وأعظم : فإن كان الأمر على هذا فأنت مخطىء في ظنك: لأن رحمة الله وسعت كل شيء، وما أغلق بابه دون الراغب أياً كان، وما على الراجي إلا أن يقف ويقرع. ولقد جربت والله ففتح لي بابه الكريم على مصراعيه. احمده تعالى ولا أحمد أحداً غيره (أو تكون لا تراه للرجاء موضعاً؟). أنت لا ترجو الله بدافع الجد لأنك لا تراه أهلاً للرجاء، وإذن فقد أسأت الظن بالله. وهذا هو الكفر بالذات

(وكذلك ان هو خاف - الى - ضماراً ووعداً) أي انه يخاف عبداً مثله أكثر مما يخاف الله. والحق ان أكثر الناس يحبون العاجلة، ويذرون الآخرة

ويخافون العقاب المؤجل أكثر بكثير من العقاب المؤجل، وقوله تعالى : «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ - 179 البقرة». يومىء الى ذلك.. اللهم إلا من آمن بالله كأنه براه. وعلى أية حال فإن الذي عناه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأراده أن حب الدنيا والاندفاع وراء الشهوات لا يجتمع بحال مع الخوف من الله حقاً وصدقاً.

ومن أجل هذا قال بلا فاصل : (وكذلك من عظمت الدنيا في عينيه الخ).. شيئان متلازمان كالظل لصاحبه : من عظمت الدنيا في عينه اختارها على طاعة الخالق لا محالة، ومن عظم الخالق في نفسه اختار طاعته على الدنيا وما فيها وإلى هذا أشار الإمام في بعض حكمه : «الدنيا والآخرة عدوان متباعدان، وسبيلان مختلفان، فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها». وأشرنافيما تقدم ان الدنيا المذموم دنيا الحرام لا مطلق الدنيا.

محمد وموسى و داود و عیسی فقرة 6 - 9 :

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كَافٍ لَكَ فِي الْأَسْوَةِ. وَدَليلُ لَكَ عَلى ذَمّ الدُّنْيَا وَعَيبها، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطرافها، وَوَكُلَلَتْ لِغَيْرِهِ أثنافُها، وَقُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفَهَا (6). وَإِنْ شِئْتَ تَنْيْتُ بُمُوسَى كَلِيمِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِذْ يَقُولُ «رَبِّ إِنِّي لَما أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، وَاللَّهِ مَا سَأَلَهُ إلا خبزاً يَأْكُلُهُ لأنهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقَلَةَ الْأَرْضِ. وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ البَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفٍ صِفَاقٍ بَطْنِهِ، وَالِهِ وَتَشَذَّبِ لَحْمِهِ. وَإِنْ شئتَ ثَلَّثتُ بِدَاوُدَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ صَاحِب المَزَامِيرِ وَقَارِى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخَوْص بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجَلَسَانِهِ أَنكُمْ يكفيني بَيْعَهَا. وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا (8). وَإِن شِئْتَ

قلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَلَقَدْ كان يَتَوَسِّدُ الحَجَرَ وَيَلْبَسُ الْخَشِينَ وَيَأْكُلُ الجشيب. وَكَانَ إدَامُهُ الجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ. وَظِلَالُهُ فِي الشَّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِم. وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلَا وَلَدٌ يخزنه، وَلاَ مَال يَلْفِتُهُ، وَلاَ طَمَعُ يُذِلُّهُ. دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ (9).

اللغة :

الأسوة : القدوة. والأكناف : الجوانب. وزوي : انقبض. والزخرف : الزينة، وزخرف القول باطله. والبقل : النبات ينبت في بزره لا في جذوره والشفيف : الرقيق. وصفاق البطن : الجلد الأسفل إذا انشق كان منه الفتق و تشذب لحمه : تفرق وتشقق، والمزامير : جمع المزمار، أي آلة التزمير والخوص : ورق النخل. وأسف الخوص : نسجه. وسفائفه : منسوجاته. والجشب : الغليظ. والإدام : ما يؤكل مع الخبز. والمراد بالظلال هنا المأوى.

الإعراب :

في رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أي في سيرة رسول الله، وكاف اسم كان، ودليل عطف عليه، وصاحب المزامير صفة لداود

المعنى:

(ولقد كان في رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الخ).. الغرض الأول من حث الإمام على الزهد، وضرب الأمثال من حياة الزاهدين هو ان يبين حقيقة الدنيا، وانها

تطلب بالجد والتعاون كوسيلة لتأمين الحياة وتوافر أسبابها للجميع، وان عبادة المال من دون الله والحق تؤدي حتماً إلى سيطرة الشر والفساد، وإشاعة الأحقاد والأضغان. وأشار الى سيرة أربعة من النبيين مع الدنيا كدليل على عيوبها ومخازيها ومساويها، وبالأصح على عيوب من تهالك على الدنيا وزينتها وشهواتها،، وأول الأربعة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).) إذ قبضت عنه أطرافها الخ (محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هو الذي قبض يده عن الدنيا وأطرافها، وفطم نفسه عن رضاعها، فقد كانت أموال الجزيرة العربية في قبضته وطوع ارادته، وكان يأتيه منها بمئات الألوف، فيؤثر مها الناس على نفسه، ويعيش كما تعيش الأسر الفقيرة.. وبعد قليل يعود الإمام في هذه الخطبة مرة ثانية الى سيرة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ونعود معه الى الشرح والتفصيل.

(وإن شئت ثنيت بموسى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الخ).. خرج موسى من مصر خائفاً يترقب أن تلحق به جلاوزة فرعون، وسار ثمانية أيام في صحراء ممتدة الأطراف بلا زاد وراحلة، وكان يأكل من نبات الأرض، فأنهكه التعب والجوع حتى دق عظمه ورق جلده، وتشقق لحمه، وكان الناظر اليه يرى خضرة النبات في جوفه من شدة ضعفه وهزاله، ولما بلغ الى هذه الحال سأل ربه رغيفاً يدفع به خطر الموت جوعا.. والعبرة أو الشاهد في سؤاله هذا ان الدنيا تطلب لسد الحاجة من المأكل والملبس والمسكن، ولا تطلب لتكديس الثروات والتضاهي والتباهي، ولو خلقها الله لهذه الغاية لما زواها عن رسله وأنبيائه.

(وإن شئت ثلثت بداود الخ).. تقول التوراة التي بين أيدينا : إن داود ارتكب خطايا يندى لها الجبين خجلاً، أما القرآن الكريم فقد أوصى محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يكون أواباً وصابراً على أعداء الله كداود : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ - أي القوة - إِنَّهُ أَوَّابٌ – 17 ص». وفي كتب الحديث : إن داود كان كثير البكاء خوفاً من الله، وانه كان يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يأكل إلا من كسب يده هذا، وهو ملك وقد دام ملكه أربعين عاماً ..ومحل الشاهد في سيرته ان الدنيا كانت في قبضته، قبضته، ولكنه أبى أن يأكل إلا من كد اليمين وعرق الجبين، لأن الله سبحانه لا يقول للعبد غداً : من أين لك هذا إلا اذا أخذه بلا كد وجهد.

(وإن شئت قلت في عيسى الخ).. قال العقاد في حياة المسيح : «إن اسلوبه

هو أسلوب الآداب والمثل العليا، وليس بأسلوب النصوص والقوانين، وأسلوب الانسانية يرجع الأمر فيها الى الضمير : ولا يرجع الى القاضي». وقال غير العقاد : «إن الناس في عصر المسيح أسرفوا في الماديات فدعت الضرورة الى مرشد يغرق في الروحيات». وليس من شلك ان السيد المسيح جاء بأسمى القيم الانسانية، وعاش بنفسه هذه القيم ليكون لعصره وغير عصره نموذجاً يحتذى وحجة على الذين يتنافسون على الثراء والسيطرة.. وما أبعد المسافة بين حياة المسيح وتعاليمه، وبين المسيحيين اليوم !.. لقد كان الحجر وسادته، والخشن لباسه والجوع إدامه، والقمر سراجه، والفضاء مسكنه، وخادمه يداه، ودابته رجلاه، كما قال الإمام.. ومع هذا يدعي الذين لا يؤمنون إلا بالربح والاحتكار ويسلكون كل طريق لكي يحولوا العالم كله الى شركة مساهمة يملك أسهمها أصحاب الملايين يدعي هؤلاء أنهم على دين المسيح وسيرته وسنته.

الدنيا ومحمد.. فقرة فقرة 10 - 13 :

فَتَاسَ بِنَبِيِّكَ الأطيب الْأَظهَرِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَإِنَّ فِيهِ أَسْوَةٌ منْ تَأْسى، وَعَزَاءَ لِمَنْ تَعَزَّى. وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسّي بِنَبِيِّهِ وَالمُقْتَصُّ لأثَرِهِ. قَضَمَ الدُّنْيَا قَضما، وَلَمْ يُعِرُها طَرْفاً. أَهْضَمُ أهل الدُّنْيا كشحاً، وأَخمَصُهُمْ مِنَ الدُّنيا بَطْناً. عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنيا فأبى أَنْ يَقْبَلَهَا. وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئًا فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَرَ شَيْئًا فَحَقَرَهُ، وَصَغَرَ شَيْئًا فَصَغَّرَهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللهُ وَرَسُولُهُ لَكَفَى بِهِ شقاقاً لِلَّهِ وَمُحَادَّةٌ عَنْ أَمْرِ اللهِ (1). وَلَقَدْ كَانَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَجْلِسُ جَلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ،

وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ. وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ يَا فُلانَةٌ - لإحْدَى أَزْوَاجِهِ - غَيْبِيهِ عَنِّي فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا. فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أن تغيب زينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رياشاً، وَلاَ يَعْتَقِدَهَا قراراً وَلا يَرْجُو فِيهَا مُقَاماً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وَأَشْخَصَها عن القلب، وَغَيَّبَها عَنِ الْبَصَرِ. وَكَذَا مَنْ أَبْغَضَ شَيْئًا أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ (11). وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ) مَا يَدُلُّكَ عَلى مَسَاوِي الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا. إذ جَاعَ فِيهَا مَعَ خاصتِهِ، وَزُويَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمٍ زُلْفَتِهِ. فَلْيَنظُرْ نَاظِر بِعَقْلِهِ أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ ؟ فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ فَقَدْ كَذَبَ وَالْعَظِيمِ، وَإِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَب النَّاسِ مِنْهُ. فَتَأَسَى مُتَأسٍّ بِنَبِيِّهِ وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَوَلَجَ مَوْلجَهُ، وَإِلا فَلَا يَأْمَنِ الهَلَكَة (12). فَإِنَّ الله جعَلَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَلَماً لِلسَّاعَةِ، وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ وَمُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ. خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً، وَوَرَدَ الْآخِرَةَ سَلِيماً. لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ. فَمَا أَعْظَمَ مِنْةَ اللهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وَقَائِداً نَطَأ

عقِبَهُ. وَاللَّهِ لَقَدْ رَقَعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى أَسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَافِعِهَا وَلَقَدْ قَالَ لي قَائِلُ أَلَا تَنْبُذُهَا ؟ فَقُلْتُ أَغْرُبُ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى (13).

اللغة :

العزاء : الصبر، ومعنى تعز بعزاء الله : امتثل أمره بالصبر. وقضم الدنيا قضماً : لم يملأ منها فمه. على العكس من الخضم، كما قال الإمام عن الأمويين: يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، ومنه البحر الخصم. وأخمصهم : أكثرهم ضموراً. ويخصف النعل : يحرزها، والرياش : اللباس الفاخر. وأشخصها : أبعدها ومع خاصته :مع منزلته الخاصة عند الله وعظيم زلفته وخميصاً : ضامراً. نطأ عقبه : نقتفي أثره. والسرى : السير ليلا. والمدرعة : ثوب من الصوف.

الإعراب :

بطناً تمييز، ومثله شقاقاً، ومثله شقاقاً، وخميصاً حال، ومثله سليماً،، وما أعظم (ما) مبتدأ، وأعظم فعل ماض وفيه ضمير مستر يعود على «ما» ومنة الله مفعول وسلفاً حال، ومثله قائداً

المعنى:

وفي العديد من الخطب المتقدمة تكلم الإمام عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كمنقذ للإنسانية من التخلف في كل ميدان، وأنه حقق الغاية من رسالة الله سبحانه التي أشار اليها بقوله : «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ - 9 الحديد». وقوله : «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ - 28 الفتح».

وفي الخطبة التي نحن بصددها تكلم الإمام عن حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) العادية، وتصرفاته مع نفسه وفي بيته كقوله : (قضم الدنيا قضماً) أي ما أصاب منها إلا بقدر الحاجة والضرورة، وقوله : (يخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه الخ) وما هذا التحقير للدنيا والزهد فيها إلا تواضع لله نابع من ذات النبي وشخصيته، وطبعه وطابعه بلا تصادم ميول وزواجر، وتغلب العقل على المشاعر.

وتسأل : إذا كان زهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الدنيا نابعاً من ذاته فكيف يأمر الإمام بالتأسي والاقتداء به ؟ وهل نفوس الناس كنفوس الانبياء في طهرها وصفائها ؟ ومن الذي يقدر ويستطيع أن يغير ذاته وطبعه ؟.

الجواب :

مراد الإمام بالتأسي هنا أن لا نتهالك ونتكالب على الدنيا، ونثير من أجلها الحروب، ونفتح أبواب الفساد والجلاد.. هذا، الى ان الانسان يستطيع الصبر على جهاد نفسه وكبحها إذا مالت الى ما يضر بدينه أو دنياه.

(وعلم ان الله سبحانه أبغض – الى - فصغره) استجاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأمر الله وأطاعه بفطرته وسجيته بلا تكلف وتثاقل (ولو لم يكن فينا - الى - أمر الله) كيف تدعي الإيمان بالله ورسوله، وأنت تكره ما يحبان، وتحب ما بكرهان ؟ أليس هذا صدوداً وعنادا لله ورسول الله ؟ (ولقد كان يأكل على الأرض الخ).. وأيضاً في كتب السيرة وأيضاً في كتب السرة : انه كان في طعامه لا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقوداً، وانه كان يشد على بطنه حجراً من المجاعة، وكان قدحه من خشب غليظ يشرب فيه، ويسقي أصحابه مبتدئاً بالذي على يمينه كائنا من كان على يساره، وكان يحب النظافة وحسن المظهر (ولا يعتقدها قراراً) بل يعامل الدنيا كما هي في واقعها من انها دار ممر لا دار مقر.

(فلينظر ناظر بعقله - الى - الهلكة). ان مكانة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند الله سبحانه لا تقاس بها أية مكانة، فقد اصطفاه ليكون خاتم النبيين، وأثنى عليه عالم ينن به على سواه، فقال: «وانك لعلى خلق عظيم – 4 القلم». وأقسم بحياته، ولم يقسم بحياة غيره كما في الآية 72 من سورة الحجر «لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون» ومع هذا كان يمر عليه الشهر لا يجد ما يخبزه، ولو كانت الدنيا جزاء وثواباً من الله للمتقين لأكرم بها الله للمتقين لأكرم بها محمداً حبيبه وصفوته، ولكان

الأنبياء أحرص الناس على الدنيا ومن أجل هو انها عليه تعالى أبعدها عنهم وأبعدهم عنها.

(فإن الله جعل محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) علماً للساعة، ومبشراً بالجنة، ومنذراً بالعقوبة). قال الشيخ محمد عبده : «أي أن بعثة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دليل على قرب الساعة حيث لا نبي بعده» !. وهذا بعيد عن الواقع وعن دلالة الكلام، لأنه لا يشير من قريب أو بعيد الى ختم النبوة والأنبياء. والأقرب ان المراد بالعلم - بفتح العين - العلامة، وبالساعة القيامة، واللام الداخلة عليها للتعليلى، والمعنى ان الله سبحانه أرسل محمداً لكي يبلغ الناس بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وان الجنة للمتقين، والنار للغاوين.

مدرعة الإمام تنص عليه :

(والله لقد وقعت مدرعتي هذه الخ).. استدل الشيعة على خلافة الإمام بالنص كتاباً وسنة، وذهلوا عن المدرعة، وذهلوا عن المدرعة، وهي وما اليها أصرح وأوضح من جميع النصوص، لأن النص فرع لا أصل، وانعكاس عما هو واقع وكائن بكل ما فيه، والمدرعة شيء محسوس وملموس تنطق بالحق عن صاحبه، وتشهد بصدقه فيما قال : «أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى !.. أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش !.». (من كتاب له الى عامله عثمان بن حنيف الأنصاري).

وهل يريد المؤمنون أميراً يلهو عنهم بنفسه وذويه، ولا يشاركهم في مكاره الدهر.؟ وهل يكون أميراً حقاً وصدقاً من لا يرى إلا همومه ومشاكله ؟ ومن أراد هذا الأمير، ورضي بإمرته على المسلمين فهل هو عند الله من المؤمنين والمسلمين ؟.. ومن درس تاريخ المسلمين بعد رسول الله بتأمل وإمعان يرى ان قلوب الجماهير كانت مع علي لأنه الناطق بلسانهم، والمعبر عن آمالهم، والثائر من أجلهم في كل كلمة من كلماته، وكل خطوة من خطواته. هذا هو المنطق المعقول الذي يفرضه مقتضى الحال، ويدل عليه قرص علي ومدرعته، وهما ذنبه الوحيد عند من أبغضه وثار عليه.

وبعد فإن نظرية الإمام أو عقيدته في الخليفة والحاكم يحددها قوله لعاصم بن زياد : «إن الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس». مشاركته فعلاً لا قولاً فقط للمعوزين في مكاره العيش.. وهذه هي أمنية عباد الله وعياله «والله رؤوف بالعباد».

الخطبة - 160 -

رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).. فقرة 1 :

بَعَثَهُ بِالنُورِ المضيء وَالْبُرْهَانِ الْجَلِي، وَالْمنهاج الْبَادِي وَالْكِتَابِ الهَادِي. أَسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ. أَغْصَانها مُعْتَدِلَةٌ وَثمارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ. مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ. عَلَا بِهَا ذِكرُهُ وَامْتَدَّ بِهَا صَوْتُهُ. أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كافيةٍ، وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ، وَدَعْوَةٍ مُتَلافِية. أظهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ المَجْهُولَةَ، وَقَعَ بِهِ البِدَعَ المَدْخُولة، وَبَيْنَ بِهِ الْأَحْكامَ المَفْصُولَةَ. فَمَنْ يَتَّبِعْ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً تَتَحَقَّقُ شِفُوتُهُ، وَتَنفَهِمْ عُرْوَتُهُ، وَتَعْظُمُ كَبُوتُهُ. وَيَكُونُ مَابَهُ إلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ وَالْعَذَابِ الوَبيل. وَأَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلَ الْإِنابَةِ إِلَيْهِ. وَأَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ الْمُؤدِّيَ إِلَى جَنَّتِهِ، الْقَاصِدَةَ إِلَى تَحَلٌ رَغْبَتِهِ (1).

اللغة :

البادي : الظاهر. وتهدلت أغصان الشجرة : تدلت ثمارها وسهل قطافها وطيبة : المدينة المنورة، ومن أسمائها يثرب. وتلافي الشيء : تداركه. والمفصولة الواضحة. وكبا الجواد : عثر.

المعنى :

(ابتعثه بالنور المضيء الخ) ساد الجهل والظلم، والفوضى والكفر قبل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فبعثه الله بالعلم والعدل ليخرج الناس من الظلمات الى النور، وأي-ده بالبينات والدلائل على صدقه وأمانته (أسرته خير الأسر) لأن منها اسماعيل وهاشماً وعبد المطلب (وشجرته خير شجرة) وهي أهل بيته، بدليل قوله : (أغصانها معتدلة، وثمارها متهدلة) كناية عن العلم والهداية، والخلق والاستقامة (مولده بمكة) المكرمة، يوم الاثنين 12 ربيع الأول أو 17 منه عام الفيل الموافق 29 آب أغسطس سنة 580 ميلادية - كما قيل - (وهجرته بطيبة) وهي المدينة المنورة، وكان اسمها يثرب، فسماها رسول الله طيبة، فسماها رسول الله طيبة، وسماها يزيد بن معاوية (خبيثة) عناداً لنبي الرحمة والانسانية (علا بها ذكره – أي ذكر النبي – وامتد منها صوته) فتحت له أبواباً جديدة لانتشار دعوته، فأسلم أهلها، ومنها امتد الاسلام الى سائر الأقطار شرقاً وغرباً.

(أرسله بحجة كافية، وموعظة شافية)، وهي القرآن وحجته إعجازه شكلاً ومحتوى، وموعظته هدايته للتي وموعظته هدايته للتي هي أقوم (ودعوة متلافية) لما أصاب الانسانية من الفساد والتخلف : «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ - 157 الأعراف». (وأظهر به الشرائع المجهولة) وهي أحكام التوراة والانجيل التي حرفها الكهنة والملوك من أهل الكتاب، وكان الأمبراطور المسيحي يمثل الحبر الأعظم، ويحكم باسم الله (وقمع به البدع المدخولة) كالوثنية والرهبانية، وكانت الوثنية آنذاك عبادة الأحجار والأخشاب، أما وثنية القرن العشرين فعبادة الأموال والاحتكار التي تسببت في الحروب والمذابح، والخراب والدمار.. وألف تحية على عبادة الأحجار والأبقار (وبين به الأحكام المفصولة) الواضحة التي نسخ بها الكثير من الأحكام السابقة.

كل من استسلم للحق فهو مسلم :

(ومن يبتغ غير الاسلام ديناً الخ).. أبداً لن يقبل الله إلا الاسلام كما نطقت الآية 85 من سورة آل عمران ولماذا لا يقبل الله ولن يقبل إلا هذا الدين ؟. الجواب : لأن الاسلام يؤمن بقيمة الانسان وكرامته «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ – الإسراء» ويحرره من الرق والعبودية لغير الله والحق «لا إله إلا الله» ومن الجهل والخرافة «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ - 22 الأنفال» ومن التعصب والأهواء « «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ- 23 الجاثية» وبكلمة : إن الاسلام هو الاستسلام للحق، فكل من اعتقد أو قال أو فعل بالحق فهو مسلم أو يلتقي مع الاسلام فيما اعتقده أو قاله أو فعله سواء سمي مسلماً أم غير مسلم، وهذا المعنى هو الذي أشار اليه الإمام، وعناه الله سبحانه بقوله : «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ - 85 آل عمران». ومن عرف المراد من هذه الآية الكريمة على التحقيق يؤمن بها ويستسلم مهما كانت ملته ونحلته.

اغلب نفسك.. فقرة 2 - 3 :

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً وَالمَنْجَاةُ أَبَداً. رَهْبَ فَأبْلَغَ، وَرَغَبَ فَاسْبَعَ، وَوَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَهَا، وَزَوَالَها وانتِقَالَهَا. فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا. أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللهِ. فَغُضُّوا عَنْكُمْ - عِبَادَ اللَّهِ - غُمُومَهَا وَأَشْغَالَهَا لِمَا قَدْ أَيْقَنَتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَتَصَرُّفِ حالاتِهَا. فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِح والمجد الكادح (3). وَأَعْتَبِرُوا بمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِع الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ. قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالهُمْ، وَزَالَتْ أبصَارُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ، وَأَنْقَطَعَ سُرُورُهُمْ

وَنَعِيمُهُمْ. فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلاَدِ فَقَدَهَا. وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفارقتها. لاَ يَتَفَاخَرُونَ، وَلاَ يَتَنَاسَلُونَ، وَلَا يَتَزَاوَرُونَ، وَلاَ يَتَجَاوَرُونَ. فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ، المَانِعِ لِشَهْوَتِهِ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ. فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحُ، وَالْعَلَمَ قَائِمٌ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ، وَالسَّبِيلَ قَصْدُ (3).

اللغة :

أسبغ : أتم وأحاط. والناصح : النقي من الغش، يقال : ناصح الجيب أي نقي القلب لا غش فيه. وتزايلت : تفرقت. والأوصال : المفاصل. والجدد : المستوي السلوك. والقصد : القويم.

الإعراب :

الضمير المستتر في رغب ورهب لله سبحانه، وأقرب دار خبر لمبتدأ محذوف أي الدنيا أقرب دار، وقبلكم متعلق بمصارع.

المعنى :

(أوصيكم الخ).. أمر الإمام بتقوى الله لأن فيها النجاة من غضبه وعذابه (ورهب فأبلغ) خوف سبحانه من معصيته فأبلغ في التخويف (ورغب) في طاعته (فأسبغ) أتم الترغيب بما لا مزيد عليه (ووصف لكم الدنيا الخ). من ذلك قوله تعالى : «متاع الدنيا قليل - 77 النساء» وقوله : وقوله : «وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور - 185 آل عمران»، (فأعرضوا عما يعجبكم فيهت) من المحرمات (لقلة ما يصحبكم) منها قد تذهب الى الله سبحانه بحسنة أو أكثر، وقد تأتي أيضاً بسيئة واحدة تحيط بكل حسناتك «بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ - 81 البقرة».

(أقرب دار من سخط الله الخ).. لما فيها من الشهوات والمغريات (فغضوا عنكم عباد الله عمومها وأشغالها). لماذا الغم والهم من أجل الدنيا، والشغل الشاغل بها عن غيرها، وأنتم على يقين من فراقها وتقلب أحوالها ! وهذا هو المراد من قوله : (لما قد أيقنتم الخ) (فاحذروها حذر الشفيق الناصح، والمجد الكادح) يخاف المشفق على عزيز له ممن يغشه ويغرر به وأيضاً يخشى الكادح ان يخيب كدحه فيحترس ويحتاط جهد طاقته : وإذن فلماذا لا تحذرون أنتم من الدنيا وتقلبها ؟ راقبوا أنفسكم ما استطعتم، واحذروا من الغوائل كما يحذر المشفق والكادح.

(واعتبروا بما قد رأيتم الخ).. اعتبروا بالذين استبدلوا بالقصور القبور، وبالوطن غربة، وبالأهل وحشة، وبالبصر عمى، وبالعز هواناً، وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 109 وغيرها (فاحذروا عباد الله حذر الغالب لنفسه الخ).. احذر هواك، والجمه بعقلك، وخذ أنت بزمامه وإلا أخذ هو بزمامك، وقادك الى كل سوء (فإن الأمر واضح الخ) هذه حقيقة لا شبهة فيها، فوقائعها حسية نشهدها بالعيان، وطريق النجاة أمامنا، وما علينا إلا أن نختار.

الخطبة – 160 -

حاول القوم اطفاء نور الله.. فقرة 1 - 2 :

يا أَخَا بَنِي أَسَدٍ إِنَّكَ لَفَلِقُ الْوَضِينِ تُرْسِلُ فِي سَدَدٍ، وَلَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وَحَقُّ المَسْأَلَةِ، وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ. أَما الاسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهذَا المَقَامِ وَنَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً، وَالْأَشَدُّونَ بِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نَوْطاً، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَهُ شَحْتُ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، و سختْ عَنْهَا نُفُوسُ آخرِينَ. والحكم، الله وَالمَعُودُ إلَيْهِ القِيَامَةُ ودَعْ عنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ (1). وَهَلُمَّ الخَطبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيان، فَلَقَدْ أَضحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ. وَلَا غَرْوَ وَاللَّهِ خَطباً. يَسْتَفْرِغ الْعَجَبَ، وَيُكْثِرُ الْأَوَدَ. حَاوَلَ الْقَوْمُ إطفاء نُورِ اللهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ وَسَدَّ فَوَارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ، وَجَدَحُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً. فَإِنْ

تَرْتَفِعُ عَنا وَعَنْهُمْ محَنُ الْبَلوى أَحْمِلُهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلى مَحْضِهِ، وَإِنْ تكُن الأخرى. «فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ» (2)

اللغة :

الوضين : ما يشد به الرحل والهودج على البعير والسرج للفرس. والسدد : ما كان سديداً ورشيداً. وأشد نوطاً : أقوى علاقة. والأثرة - بفتح الثاء والراء - حب النفس المفرط أو الاغتصاب لحق الغير. وسخا عن الشيء : تركه. والمعود اليه : المصير. وهلم هنا بمعنى هات أي هات ذكر الخطب، وهو الأمر المكروه والحادث العظيم الأليم. والأود - بفتح الواو - الاعوجاج. وجدحوا : خلطوا. والشرب - بكسر الشين النصيب من الماء. ومحضه : خالصه.

الإعراب :

لقلق أي لرجل قلق، ونسباً تمييز، ومثله نوطاً، وهلم اسم فعل بمعنى هات، وغرو اسم لا، وخبرها محذوف أي في ذلك، فيا له «یا» حرف نداء، و «له» اللام للتعجب وخطبا تمييز مبين لضمير «له».

المعنى :

قال للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض أصحابه، وكان أسدياً : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام - يشير الى الخلافة - وأنتم وأنتم به أحق ؟ فقال الإمام : (يا أخا بني أسد انك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد). ومن البداهة ان قول الأسدي نابع من ايمانه بأن الخلافة حق للإمام، وجواب الإمام يومىء الى ان الأسدي تعجل السؤال، لأنه هام ويحتاج جوابه الى الشرح والتفصيل، ولا يتسع المقام لذلك،

ولو ان السائل أرجأ سؤاله للمقام المناسب لكان أولى، ولذا قال له الإمام انك ترسل الكلام دون أن تلاحظ المقام.

ثم أرفق به وتلطف، وأجابه بجواب سريع حسبما يقتضيه الحال، وقال له : (ولك بعد ذمامة الصهر). الدمامة : الحق والحرمة، والصهر : قرابة بسبب الزواج، وكانت زينب بنت جحش زوجة رسول الله أسدية، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي والإمام (وحق المسألة وقد استعلمت) وعلى العالم ان يُعلّم، ويجيب عما يُسأل كما قال الإمام في مقام آخر : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.

(وأما الاستبداد علينا الخ).. أهل البيت أحق بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأولى ما دام فيهم عالم يسير على هدي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسنته، ولكن هذا الحق كغيره من الحقوق يصطدم بالميول والأهواء - مثلاً - العالم كله يدين المستعمرين، ويشجب الحرب العدوانية من الوجهة النظرية، ولكن النظرية لا تردع المعتدين، وتصطدم عند التطبيق والتجربة بالكثير من العقبات، ومن أهمها الإفراط في حب النفس الذي أشار اليه الإمام بكلمة «اثرة». (وسخت عنها نفوس آخرين) وهم أهل البيت، فقد تركوا الخلافة للذين حرصوا وتنافسوا عليها، تركوا لأن الكثير من الأقوياء يهتمون بمصالحهم أكثر من اهتمامهم بالاسلام ومصالحه (والحكم الله) «هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ - 25 السجدة».

(ودع عنك نهباً صيح في حجراته). هذا صدر بيت من قصيدة لامرىء القيس، والنهب الغنيمة، وصيح الصياح للغارة، والحجرات النواحي، ومراد الإمام من الاستشهاد ان أمر الذين سبقوه الى الخلافة يهون اذا قيس بخطب ابن أبي سفيان، وروي عن الإمام انه قال في حرقة وألم حرقة وألم : قالوا : علي وفلان وفلان حتى قيل : علي ومعاوية !..

(فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه). ضحك الإمام حسين احتجت قريش على الأنصار بشجرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال : احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة. (انظر الخطبة 66) وبكى حين فوجيء بأن من قاد الحروب على الإسلام هو وأبوه - يطمح الى خلافة نبي الإسلام ومنصبه.

(ولا غرو) ما عشت أراك الدهر عجباً من تقلباته ومفاجآته (فيا له خطباً

يستفرغ العجب). لقد تجاوز العجب عن حده حتى انقلب الى ضده، «يئست من الغنى حتى كأني أغنى الناس.. وعجبت حتى كدت أن لا أعجبا». وحاول القوم) وهم أصحاب الجمل وصفين الذين طلبوا الخلافة، وتسلحوا بقميص عثمان ليزهقوا الحق، ويحيوا الباطل (وحدجوا بيني وبينهم شرباً وبيئاً) أعلنوا علي الحرب لا لشيء إلا بقصد الضغط والشغب وإثارة الفتنة، ليشك ويرتاب في إمرتي وخلافتي السدج وأهل الجهالة، وألبسوا هذا القصد الخبيث قميص عثمان، فكان تماماً كالسم يدس في العسل، وكالماء يختلط بالأقذار والأوباء.

(فإن ترتفع عنا الخ) نحن الآن في صراع مع البغي وأهله، وسنواصل الجهاد بلا هوادة، فإن تكن لنا الغلبه على الباغين فما لهم عندنا إلا الحق، والعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وإلا فحسابهم على الله، وقد خاب من افترى، ولا جدوى من الحسرات والآهات.

سلمان الفارسي والنقابات :

وبعد، فلا يختلف اثنان من المسلمين في عظمة الإمام علماً وإخلاصاً وجهاداً، ومن عاب سياسته قال : انه يتشدد في الحق، ولا يهادن الباطل وهذا ما لا يتحمله التجار والأغنياء، وأهل الأنساب والوجاهة، لأنه يضر بمصالحهم، والدليل على ذلك - كما قال الناقد لسياسة الإمام - ان سلمان الفارسي كان عاملاً لعمر على المدائن، فكون نقابات للعمال وأرباب الصناعة ترعى مصالحهم، فغضب التجار والأغنياء، وشكوه الى عمر : وعلى الفور عزله، ولم يوله منصباً رسمياً بعد ذلك/

وعلق أحمد عباس صالح على هذه الواقعة في كتاب اليمين واليسار في الاسلام، علق بقوله : «من المؤكد ان هذا العزل أثار جدلاً عنيفاً بين المسلمين.. ومن الغريب اننا سنجد ولاية سلمان وعزله قليلة الورود في كتب المؤرخين، ولن نجدها إلا في متفرقات قليلة، وكأن هذا التجاهل قد حدث عن عمد وتدبير» (1).


1) من مصادر الأستاذ أحمد صالح كتاب سلمان الفارسي لـ«ماسينيون» ترجمة عبد الرحمن بدوي.

ونحن لا نشك في ان الغرض الأول من هذا التجاهل أن لا تقوم هذه النقابات بين المسلمين !. وفي التراث الاسلامي الكثير من هذه الانتفاضات، ولكن اغلقوا دونها النوافذ حرصاً على مصالح التجار، ومكاسب الأشراف والسراة، وكلنا يعلم ان التراث الاسلامي دون في عصر متأخر، وفي ظل السلطان الجائر، وان السلطة الحاكمة كانت تفرض على كل عالم أن يكيف الاسلام طبقاً لأهوائها، وكان الكثير من العلماء بارعين كل البراعة في التحريف والتزييف، بل كان بعضهم يتحمس له ويبالغ فيه.

الخطبة - 161 -

لا يقاله متى ؟.. فقرة 1 - 2 :

الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ، وَسَاطِحِ الْمَهَادِ، وَمُسِيلِ الْوِهَادِ، وَمُخْصِب النِّجَادِ. لَيْسَ لِأَزلِيَّتِهِ ابْتِدَاهُ، وَلاَ لِأَزَلِيَّتِهِ أَنْقِضَاهُ. هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يزل، وَالْبَاقِي بِلَا أَجَلٍ. خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ، وَوَجَدَتْهُ الشَّفَاهُ، حَدَّ الأشيَاء عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إبَانَةٌ لَهُ مِنْ شَبيهَا. لا تُقَدِّرُهُ الأوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَالْحَرَكَاتِ، وَلَا بِالْجَوَارِح وَالْأَدَوَاتِ، لَا يُقَالُ لَهُ مَتَى، وَلاَ يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى. الظَّاهِرُ لاَ يُقَالُ مِمَّا، وَالْبَاطِنُ لَا يُقَالُ فِيما. لا شَبَحُ فَيَتَقَصى، وَلَا محجُوبٌ فَيُحوَى. لَمْ يَقْرُبُ مِنَ الأشياء بِالْتِصَاقِ، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقِ. لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوص لحْظَةٍ، وَلَا كُرُورُ لَفَظَةٍ، وَلَا أَزْدِلاَفُ رَبْوَةٍ، وَلَا انبسَاطُ خُطْوَةٍ في لَيْلٍ دَاجٍ، وَلَا غَسَقٍ سَاجٍ، لاَ يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ المنيرُ، وَتَعْقُبُهُ

الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الْأُفُولِ وَالكُرُورِ، وَتَقَلُّبِ الْأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورٍ. مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلِ وَإِدْبَارِ نَارٍ مُدْبِرٍ. قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةٍ، وَكُلٌّ إِحْصَاءِ وَعِدَّةٍ. تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَار، وَنِهَايَاتِ الْأَقْطَارِ، وَتَأثلِ الْمَسَاكِنِ، وَتَمكُّنِ الْأَمَاكِنِ. فَالْحَد لخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وَإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ (2).

اللغة :

ساطح : باسط. والمهاد. الفراش، والمراد به هنا الأرض. موضع والمسيل السيل. والو هاد - بكسر الواو جمع وهدة بفتحها، وهي الأرض المنخفضة. والمخصب : خالق الخصب. والنجاد - بكسر النون - جمع نجد يفتحها، وهو ما ارتفع من الأرض. وابانة له : مغايرة له. وجوارح الانسان: أعضاؤه. وشخص عينيه : فتحها دون أن يحركها. وكرور لفظة : كررها وفي الافول والكرور : فراً وكراً. والازدلاف : الاقتراب. داج : مظلم. والغسق : الليل. وساج : ساكن. وينحله : ينسبه. والاقدار : الأبعاد طولاً وعرضاً وعمقاً. وتأثل : تأصل، والمراد هنا أقام أو سكن أو رسخ.

الإعراب :

ابانة مفعول من أجله. وقبل كل غاية متعلق بمحذوف خيراً لمبتدأ محذوف أي هو كائن قبل الخ.

المعنى :

(الحمد لله خالق - الى - أجل). هو وحده، جلت عظمته، واجب

الوجود ومبدأ كل كائن، ومن وجب وجوده بالذات فهو موجود أزلاً وأبداً لا بداية له ولا نهاية، ولو سبقه العدم لم يكن أزلياً، ولو انتهى وجوده لم يكن أبدياً ودائماً، وبالتالي لا يكون واجب الوجود، وهو خلاف الواقع (حد الأشياء عند خلقه لها ابانة له من شبهها). جعل للمخلوقات بداية ونهاية، وحجما ولوناً، وطولاً وعرضاً وطعماً ورائحة. وحرارة وبرودة، وحركة وسكوناً، وما الى ذلك من صفات الحادث وحالاته، وهذا دليل قاطع على ان الأشياء مباينة لخالقها، لأن الصانع غير المصنوع، والحاد غير المحدود، كما قال الإمام في الخطبة 151.

(لا تقدره الأوهام بالحدود والحركات، ولا بالجوارح والأدوات). كل ما تتخيله في وهمك، وتتصوره في ذهنك مثالاً لله تعالى فهو مردود عليك، لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، وتقدم مثله في الخطبة 1 و84 و 154 (لا يقال له متى ؟ ولا يُضرب له أمد بحتى) انه تعالى ليس زمانياً كي يسأل عنه بمنى، أو يحدد يحتى.. انه الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء (الظاهر)يخلقه وآثاره (لا يقال مما) لأن من للابتداء المسبوق بالعدم (والباطن) في ذاته وحقيقته (لا يقال فيم) لأن في الظرف الزمان والمكان. والله سبحانه منزه عنها. ويومىء الى الرد على من قال بوحدة الوجود وانه تعالى علواً كبيراً يستقر في جميع الكائنات، ويتحد معها اتحاداً كلياً بحيث لا يمكن التمييز بينه وبينها.

(لا شبح فيتقصى). الشبح يمكن النظر اليه، والتقصي تتبع الأخبار والحالات بالنظر ونحوه، قال تعالى : «وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ - 11: القصص». وهذا محال وهذا محال في حقه تعالى (ولا محجوب) بحجاب مادي (فيحوى) لا تحويه أرض ولا سماء لأنه ليس بجسم، وقال الإمام في مقام ثان : لا يحويه مكان.. ولا تحجبه السواتر (لم يقرب من الأشياء بالتصاق) لأن الالتصاق من لوازم الأجسام، والله منزه عنها، والله منزه عنها، وإنما يقر وإنما يقرب من الأشياء بتدبيره لها، وعنايته بها (ولم يبتعد عنها بافتراق) في المكان، بل ، بل في الذات والصفات

(ولا يخفى عليه) شيء في أي مكان أو رمان كان ويكون (يتفيأ عليه القمر المنير). تفيؤ القمر : غيابه وطلوعه هلالاً وبدراً، وضمير عليه يعود

الى الغسق أي الليل، والمعنى ان القمر يأتي على ظلام الليل فينسخه تماماً كما تأتي الشمس على الظل فتزيله (وتعقبه الشمس) أي تأتي بعد القمر) وتقلب الأزمنة الخ).. تتقلب الأيام، ويتعاقب الليل والنهار بحركة الأرض ودورانها وقال أهل الاختصاص : كان يوم الأرض أربع ساعات، فصار أربعاً وعشرين (قبل كل غاية ومدة). كان الله، كان الله، ولم يكن شيء.

ابن تيمية والاسرائيليات :

(تعالى الله عما ينحله الملحدون الخ) ليس الله يد أو فم، ولا مسكن أو ملبس، ولا شيء يتصف أو يمكن أن يتصف به غيره مما يحس. وخالف ابن تيمية ذلك في «رسالة العقيدة الواسطية» المطبوعة مع غيرها من الرسائل بعنوان «الرسائل العملية التسع» طبعة سنة 1957 ص 135 وما بعدها، قال ما نصه بالحرف : «إن الله ينزل الى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، ويقول : من يدعوني أستجب له.. وانه يفرح بتوبة العبد كما يفرح أحدكم براحلته براحلته.. وانه يضحك الى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة.. وانه يضع رجله في جهنم فينزوي بعضها الى بعض».

واذن فالله عند ابن تيمية جسم له فم يضحك، ورجل يضعها في جهنم وفوق ذلك كله يتنقل من سماء الى سماء !.. ولا أدري هل أخذ ابن تيمية هذا القول من الاسرائيليات ؟ كيف ؟ وقد حذر منها ومن بدع الأحبار والرهبان.

و بالمناسبة جاء في كتاب «بين العلم والدين» تأليف «اندرو ديكسون وايت» ترجمة اسماعيل مظهر ص 60 طبعة 1930 : «في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي الإصحاح الأول : ان الله متسربل بثوبين الى الرجلين، متمنطق عند ثدييه بمنطقة من ذهب، رأسه أبيض كالثلج، وعيناه كلهيب النار، ورجلاه شبه النحاس المحمي في أتون، وصوته كخرير المياه، في يده اليمنى سبعة كواكب، وفي فمه سيف ذو حدين، وجهه كالشمس».

وأي فرق بين هذا الرب، وبين الرب الذي تحدث عنه ابن تيمية ؟ لكل منهما رجل أو رجلان، ومن كانت له رجل فله يد وفم وسيف ومنطقة وسربال.

أيها المخلوق السوي.. فقرة 3 - 4 :

لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاء مِنْ أُصُولِ أَزَلِيَّةٍ، وَلَا أَوَائِلَ أَبَدِيَّةِ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ، لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ أمْتِنَاعٌ، وَلَا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعُ. عِلْمُهُ بِالْأمْوَاتِ المَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ، وَعِلْمُهُ بِما فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى (3). أَيُّهَا المَخلُوقُ السَّوِيُّ، وَالْمُنْشَأُ المَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ، وَمُضَاعَفَات الْأَسْتارِ. بُدِلْتَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، وَوُضِعتَ فِي قَرَارٍ مَكين، إلَى قَدَرٍ مَعْلُوم. وأَجَلٍ مَقْسُومٍ، تَمُورُ فِي بَطْنِ أمِّكَ جَنِيناً لَا تُحِيرُ دُعَاءَ وَلَا تَسْمَعُ نِدَاءٌ. ثُمَّ أَخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشهَدهَا، وَلَمْ تَعْرِف سُبُلَ مَنَافِعِهَا. فَمَنْ هَدَاكَ لِاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْي أمكَ، وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإِرَادَتِكَ. هيهات، إِنَّ مِنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَالْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَرُ. وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ المَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ (4).

اللغة :

الأزلي : القديم لا بدء له. والأبدي : الدائم لا نهاية له. والسرمدي : لا أول له ولا آخر. والسوي: مستوي الخلقة. والمرعي : من الرعاية والعناية. وتمور : تتحرك. لا تحير دعاء : لا تجيب دعوة من دعاك

الإعراب :

جنيناً حال من الضمير في تمور، وهيهات اسم فعل بمعنى بعد.

المعنى :

(لم يخلق الأشياء إلى صورته). قال قائل : وجد الكون بأرضه وسمائه من مادة لطيفة كانت تملأ الفضاء، وأطلق عليها اسم الأثير أو الغاز أو السديم اصطلاحاً.. ولا أدري هل أراد هذا القائل أن يحرك لسانه وقلمه لأن الحركة خير من السكون، وان كانت بلا جدوى والا فالسؤال ما زال قائماً : من أي شيء وجد الأثير أو الغاز ؟ ومن الذي أوجده ؟

ويتلخص مراد الإمام بأن الله سبحانه لم يخلق الأشياء من شيء كان منذ الأزل ويدوم الى الأبد، كلا، بل أوجد الأشياء أولاً من لا شيء، تم صنع منها ما صنع فأتقن صنعه وتدبيره : «صنع الله الذي أتقن كل شيء 88 النمل» ومن تأمل هذا الاتقان وأمعن النظر في سره آمن بالله وعظمته تلقائياً من حيث لا يشعر (ليس لشيء منه امتناع) بل كل شيء في قبضته (ولا له بطاعة انتفاع). لا تضره معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه (علمه بالأحياء - الى - السفلى). المراد بالأحياء والأموات والأرضين والسمرات - مجرد العموم والشمول، والمعنى ان الله سبحانه قد أحاط بكل شيء علماً، وان علمه بالأشياء قبل وجودها هو علمه بها عند وجودها وبعده، لأنه يعلم بذاته لا بتوسط شيء زائداً عن الذات.

(أيها المخلوق السوي الخ).. الخطاب للإنسان، والظلمات والمضاعفات إشارة الى ما جاء في الآية الكريمة 6 من سورة الزمر «يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ» بعضها فوق بعض، وهي ظلمة البطن والرحم، والمشيمة والمراد بالسوي انه تام جسماً وروحاً، ومتقن واقعاً وشكلاً (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ -4 التين»«وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ - 64 غافر». والمراد بالمر والمراد بالمرعي ان الانسان منذ نشأته وتكوينه في بطن أمه الى آخر لحظة، يخضع لعناية الله وتدبيره ولو بطريق غير مباشر.

(بدئت من سلالة الخ).. قال سبحانه : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ - الى قوله تعالى - فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ - 15 المؤمنون». (فمن هداك في ساعة ولادتك - لاجترار الغذاء من ثدي أمك ؟). ما أن يسقط الجنين من بطن أمه حتى يلتمس الثدي، ولا تنشق البيضة عن الفرخ حتى يلتمس الحب بمنقاره، وما رأى أحداً وما رأى أحداً من قبل حتى يحاكيه !.. انها غريزة، ما في ذلك شلك، ما في ذلك شك، ولكن من الذي أودعها فيه ؟ «فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - 83 يس»

الكون والنظام :

ومن نظر وتأمل هذا الكون بجد انه مسخر للقانون والنظام في جميع أوضاعه وأطواره، فكل كوكب يبعد عن الآخر بمقدار، ويسير بحساب، وكذلك الضوء والحرارة والبرودة.. لكل شيء حد لا يعدوه، ولو تجاوزه لاختل نظام الكون، وكان مصيره الخراب والدمار : «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا - 2 الفرقان» وقال أكثر الفلاسفة بوحدة الكون على تباين أشيائه ومحتوياته، وانه شخص كثير الأعضاء والأجزاء، وأسماه بعضهم بالانسان الكبير، وأسمى الانسان بالكون الصغير، ومرادهم بوحدة الكون وحدة القوانين التي تربط بين كواكبه وأركانه

هذا ما يعود الى الكون بوجه عام، أما أشياؤه واحداثه فإن منها - كما شاهدنا بالعيان -ما يقوم بوظيفة خاصة، ويهدف الى غرض معين، وتبدو هذه الحقيقة واضحة في أعضاء الانسان والحيوان، ومن قرأ شيئاً من علم وظائف الأعضاء رأى عجباً !.. وما انا من أهل هذا الفن في شيء، ولكني قرأت بعض ما قاله أهل الاختصاص، فشعرت بأنه لا شيء في هذا الكون إلا وهو مدهش وعجيب تماماً كالكون في عظمته، وما وجدت تفسيراً لذلك إلا بقوة عليا تقدر وتدبر من وراء الطبيعة، وقد اتهمت نفسي في البداية، وقلت : ربما كان شعوري هذا انعكاساً عن عقيدتي وإيماني حتى قرأت كتاب : الانسان.. ذلك المجهول، للطبيب الفرنسي الشهير «الكسيس كاريل». وقد حصل هذا العالم - بالإضافة الى إجازة الطب على إجازة في العلوم، وجائزة نوبل، ودرس في الولايات المتحدة

أكثر من 20 عاماً، وطبع كتابه المذكور عدة مرات، وترجم الى كثير من اللغات.

وجاء فيه : «ان كل عضو من أعضاء الجسم يكيف نفسه سائر الأعضاء وهي أيضاً تكيف نفسها معه.. وما من أحد ينكر وجود الغاية من هذه الأعضاء حتى كأن لكل عضو معرفة يعمل في ضوئها.. فالجسم بما فيه يدرك ويعرف القريب والبعيد من أعماله، والحاضر والمستقبل.. وحينما يقترب الجنين من الاكتمال يمهد ويُعبد له طريق المرور والخروج من بطن أمه، وذلك بأن تصبح أنسجة الفرج مرنة ناعمة تمتد بسهولة، ويتسع الفرج بحجم الجنين». ثم قال : ولا ممكن تفسير هذه الحقائق الأولية بآرائنا الميكانيكية - أي بالعلل المادية أو الحيوية الساذجة أي بقول من قال : ان الحياة تأخذ مجراها بطبيعتها، وتكيف بنفسها نفسها، وبدون سبب خارج عنها. وعلق الفيلسوف الصيني «لين يوتانج» في كتابه «كيف تحيا الانسان» علق على ذلك بقوله : «لقد قبل كاريل النظرية الغيبية في الحياة بالرغم من سعة أفقه، ونحن نتفق معه على ان هناك أشياء غير قابلة للتفسير».

وإذا لم تقبل التفسير بالمادة فإنها تقبل التفسير بما وراء المادة، وفي مجلة «عالم الفكر الكويتية» ج 2 ع 2 مقال مطول عن اينشتين جاء فيه : قال اينشتين : ان التجارب لا يمكن أن تصنع علماً حقيقياً بدون تدخل الروح. وقال الفيلسوف راسل في كتاب «الفلسفة بنظرة علمية» الفصل السادس : «أنا أعتقد ان ثمة حقائق لا يوصل اليها إلا بالتأمل الباطني، بل أذهب الى أبعد من ذلك وأقول : ان علم الفيزياء لا بد له من هذه الحقائق التي لا يوصل اليها إلا بالتأمل الباطني».

وبعد أن اتفق الكل على ان الكون بما فيه مسخر لسلطان النظام والقدر في طبعه وحجمه ووضعه وحركته اختلفوا في مصدر هذا النظام : أي شيء هو ؟ ونلخص الأقوال في ذلك بما يلي :

1 - لا مصدر إلا الصدفة العشوائية !.. والجواب لا مصدر لهذا القول إلا العجز والتهرب من حكم العقل والواقع، وفي كتاب، وفي كتاب «ملقى السبيل» لاسماعيل مظهر ان داروین قال : «كلمة الصدفة خطأ محض بدل على الاعتراف بالجهل والقصور عن معرفة السبب». ذلك أن الصدفة لا تطرد كنظرية محددة ذات نتائج علمية أو فلسفية أو دينية تناط بظاهرة من الظواهر أو حادثة من الحوادث.

2 – لا سبب إلا المادة، فهي وحدها، وبما وحدها، وبما تملك من طاقة واستعداد ذاتي ترتب وتنظم !.. وقد دحض العلماء هذا القول دحضاً قاطعاً بما يتلخص ان النظام يحتاج الى قصد، والمادة مما هي لا إرادة لها ولا شعور وإلا كانت على نسق واحد، لا فرق بين مادة ومادة في الصفات والخصائص، وهو خلاف الواقع.. وأيضاً اذا كانت المادة في غنى بذاتها عن الغير تكون، والحال هذه، واجبة الوجود أزلية أبدية، لا تجري عليها، لا تجري عليها حركة ولا حرارة أو برودة، ولا تركيب و نقصان، ومتاعب وآلام.. وأيضاً كيف أنشأت المادة لنفسها عقلاً وسمعاً وبصراً، وهي بطبيعتها صماء عمياء ؟ بل كيف انتقلت بانتظام من وضع الى وضع لتؤدي غاية معقولة ؟ واذا كان في المادة طاقة تولد الحياة والنظام تلقائياً فمن الذي أودع فيها هذه الطاقة ؟ وعلى حد ما قال شوقي : الطبيعة من طبعها ؟».

وان قال تماثل : وإلهكم من أللّهه ؟ وواجب الوجود من أوجبه ؟ قلنا في جوابه : إن الذي نؤلهه ونعيده لا تراه عين، ولا تلمسه يد كما هو شأن المادة

التي تقضم بالأنياب بالأنياب، وتدخل المعدة وتخرج منها، وتلبس على الأجسام وتداس بالأقدام... إن إلهنا قوة عليا فوق المادة ومنزهة عنها، قوة فعالة ومؤثرة، وحكيمة مديرة، وعادلة تسمع الشكوى وتعنى بالآلام، وتحاسب وتعاقب، وعليمة بكل جليل وحقير، وقاهرة يخضع لها كل شيء، ولا تخضع لشيء.. انها الكمال المطلق في ذاتها وصفاتها.. واذن فأين القاسم المشترك والقدر الجامع ؟ وما هو المبرر للشبه والقياس ؟.

3 - الاعتراف بوجود قوة سرمدية عالمة قادرة ليس كمثلها شيء في الجلال والكمال، وانها تدبر الكون مما فيه، واسمها الله الأحد الفرد الصمد، ولكن هذا الإله العظيم غير منفصل عن الطبيعة ولا مستقل عنها، بل يتحد معها ومع جميع أشيائها اتحاداً كلياً يشبه اتحاد الروح مع الجسم بحيث لا يمكن التمييز بينه وبين الطبيعة.. وبكلمة، ان الله موجود بلا ريب، ولكن في نفس الطبيعة، وليس وراءها كما يقول المشاءون والمؤمنون وهذا الدين أو هذه الفلسفة تعرف بوحدة الوجود.

والجواب عن هذه الوحدة أنها مجرد حدس وتخمين، وانها تخلط بين العلة والمعلول، والفعل وفاعله، وتجعل الكون إلهاً خالقاً، والإله كونا مخلوقاً.

4 - واذا بطلت الأقوال الثلاثة تحتم الأخذ بالقول الرابع، وهو أن وراء

الكون خالقاً حكيماً يدبر وينظم، ولا شيء يشبهه من الكائنات، ولا هو يشبهها في شيء.. وتقدم ذلك مرات ومرات.

ومن جملة ما قرأت في الصحف اليومية كلمة بعنوان «أجمل ما في الحياة» وهي تمثل الايمان الصادق مع سلامة المنطق وبداهته، فاحتفظت بها - على عادتي - في ملف خاص بقصاصات الجرائد ومن المفيد أن أختم شرحي لهذه الخطبة بأجمل ما جاء في تلك الكلمة، قال كاتبها، أحسن الله اليه وأرضاه : «إن أجمل ما في الحياة هو المجهول، وأجمل ما في المجهول محاولة معرفته، وأجمل من هذه المحاولة العجز عن معرفة التفاصيل مع الرجوع بالتالي الى الايمان بالقوة العظمى المسيطرة على الكون، ومن ملك هذا الاعمان فلا مهاب أحداً غير الله».

الخطبة - 162 -

شر الناس امام جائر.. فقرة 1 - 3 :

إنَّ النَّاسَ وَرَائي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ وَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ ؟ مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلَا أَدُلُّكَ عَلى أَمْرٍ تَعْرِفُهُ. إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ. مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَتُخَبِرَكَ عَنْهُ، وَلَا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَتُبْلِغَكَهُ. وَقَدْ رَأيت كما رأينا، وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كَما صَحِبْنَا. وَمَا أَبْنُ أَبي قُحَافَةَ وَلَا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الحَقِّ مِنْكَ، وَأَنتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهَا. وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِبْرِهِ مَا لَمْ يَنَالَا (1). فالله اللهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَاللهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمِّى وَلَا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ، وَإِنَّ الطَّرْقَ لَوَاضِحَةُ، وَإِنَّ أَعْلَامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ. فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِي وَهَدَى،

فأقامَ سُنَةً مَعْلُومَةً، وَأَمَاتَ بدعة بجهولة. وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيرَةُ لَهَا أَعْلَامُ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةُ لَهَا أَعْلَامُ. وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ إمام جائِرٌ ضَلَّ وَضَلَّ بهِ، فَأَمَاتَ سُنْةٌ مَأْخُودَةٌ، وَأَحْبَى بدعةً مَتْرُوكَةٌ. وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ : «يُؤتى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرُ وَلَا عَاذِرٌ فَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَما تَدُورُ الرَّحَى ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا (2). وَإِنِّي أَنْشِدُكَ اللهَ أَنْ لَا تَكُونَ إمَامَ هَذِهِ الْأُمْةِ المَفْتُولَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ : يُقْتَلُ في هذِهِ الْأُمَّةِ إمَامُ يَفْتَحُ عَلَيْهَا القَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيَبُثُ الْفِتَنَ عَلَيْهَا، فَلَا يُبْصِرُونَ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ. يَموجُونَ فِيهَا مَوْجاً، ويمرجُونَ فِيهَا مَرْجاً. فَلَا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سيِّقةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاء بَعْدَ جَلَالِ السِّنِّ وَتَقَضى العُمُرِ، فَقَالُ لَهُ عُثمانُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) : «كَلَّم النّاسَ فِي أَن يُوجّلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ، فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : مَا كَانَ بِالمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ (3).

اللغة :

استسفروني : جعلوني سفيراً ووسيطاً. والوشيجة : الاشتباك وعروق الشجرة والسيقة : الدابة تساق، وقد فسرها الإمام بقوله : «يسوقك» مروان والمرج : الاضطراب والالتباس والفساد. وجلال السن : علوه وطوله.

الأعراب :

ما أدري ما أقول «ما»، الأولى نافية، والثانية استفهام مبتدأ، وكما رأينا الكاف بمعنى مثل مفعول مطلق لرأيت، و «ما» مصدرية، وبأولى الباء زائدة، وأولى خير ابن، ووشيجة تمييز، والله الله نُصب على التحذير أي أحذرك الله أو اخش الله، وما غاب (ما) اسم موصول مبتدأ أول، فأجله مبتدأ ثان ووصول خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.

المعنى :

(إن الناس وراثي وقد استسفروني الخ) كانت خلافة عثمان انقلاباً جرئياً على ما عرفه المسلمون من سنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسيرة الشيخين، فالأموال والأمصار كلها لأمية ومن شايعها وتابعها، ولأبي ذر وأمثاله الأمرين بالمعروف الناهين عن المنكر - الجوع والتشريد، ومنهم الصحابي عبدالله بن مسعود خازن بيت المال، طرده عثمان وشتمه وضربه حتى كسر ضلعاً من أضلاعه ومنهم عمار بن ياسر ابن أول شهيد وأول شهيدة في الاسلام، ضربه عثمان حتى غشي عليه، وداس بطنه بقدمه حتى أصابه بفتق، ومع هذا يقول عثمان : الخلافة قميص الله البسنيه وكان الإمام ينصحه وينهاه.. وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة «الشقشقية وغيرها». والخطبة التي نحن بصددها واضحة، ولذا نوجز في الشرح إلا اذا اقتضى الكلام التنبيه الى ما تحسن اليه الإشارة.

(ما أعرف شيئاً تجهله الخ).. أي مما يجب على الراعي نحو الرعية، وقد يعذر الجاهل بحكم من الأحكام اذا كان خفياً غامضاً وانسد باب العلم به، أما البديهيات التي يشترك في معرفتها العالم والجاهل فلا سبيل الى الاعتذار بجهلها. ومن الذي يجهل ان الظلم محرم وقبيح، وان على الحاكم أن يرعى مصالح الناس، ويرفع المظالم عن كواهلهم ؟ فكيف اذا سامهم الخسف، وأرهقهم الفوادح ؟.

هذا الى ان لعثمان مع رسول الله صحبة وقرابة، وهو زوج ابنته رقية، أما القرابة فإن نسبه يلتقي مع نسب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في عبد مناف، فمحمد هو ابن عبدالله

ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وعثمان هو ابن عفان بن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ومن البداهة ان القريب من قربته الأخلاق، قال تعالى : «فلا أنساب بينهم يو مثل - 101 المؤمنون» وقال الإمام : «ان ولي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من أطاع الله، وإن بعدت لحمته، وان عدو محمد من عصى الله، وان قربت قرابته».

(ان أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى) أي هدي الى أن يعيش للناس لا لنفسه وذويه، وهدى الناس الى سبيل العلم والمحبة والإخاء (فأقام سنّة معلومة) وهي سنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعثمان يعلم أن الله سبحانه فتح على نبيه الكريم بلاد الحجاز واليمن وجزيرة العرب بكاملها، وان غنائمها وجزيتها وصدقاتها قد جلبت اليه، وما استأثر بشيء منها هو ولا أحد من أهل بيته (وأمات بدعة مجهولة) لا يعرفها الناس عن النبي ولا عن إمام عادل (وان البدع لظاهرة) وأظهرها على الإطلاق استباحة القهر والقمع والضرب والنفي والاستثار بالأموال. ومن قارن بين الوضع في عهد عثمان وما قبل عثمان يجد الفرق بينها تماماً كالفرق بين الدولة المحمدية والدولة القيصرية.

(وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضل به) يتخذ هو وسفهاؤه مال الله دولاً، وعباده خولاً، والعمالحين حرباً، والفاسقين حزباً كما قال الإمام في مقام آخر (واني انشدك الله أن لا تكون إمام هذه الأمة المقتول). وفي هذا إيماء الى ان الإمام سمع من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ان المقتول هو عثمان وعن الطبري : «ان علياً كان يكلم عثمان وينصحه، ويغلظ له في القول من أجل مروان وذويه، وكان هؤلاء يوغرون صدر عثمان على الإمام، ويقولون له : انظر كيف يستقبلك، فما ظنك ما غاب عنك منه».

وكان معاوية أيضاً يسوق عثمان كيف يشاء. كتب علي الدالي مقالاً مطولاً بعنوان «فى الفتيان» في جريدة الجمهورية المصرية تاريخ 25 تشرين الثاني سنة 1970 جاء فيه : «كان معاوية يفرض رأيه على عثمان.. قال المؤرخون : كان الحاكم الحقيقي في عهد عثمان.. وكان يريد أن يجعل الخلافة كسروية إرثاً لأولاده، ومن خلال أطماعه خرجت فكرة القضاء على آل البيت من الذكور في عهد ولده يزيد».

وقال أحمد عباس صالح الأديب المصري في كتاب «اليمين واليسار في الإسلام» :«استنام عثمان لقرابته، وتصدر السلطة في كل أنحاء الأمة الاسلامية قوم من الأمويين، ومن الذين كانوا أكثر الناس عداء للإسلام، وأشدهم ضراوة قبل أن ينتصر الإسلام.. فعبدالله بن سعد بن أبي سرح مشكوك في إسلامه، وكان يسخر من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومع هذا ولاه عثمان مصر، والوليد بن عقبة بن أبي معيط مشكوك في إسلامه، وولاه عثمان الكوفة».

الخطبة - 163 -

الخلق العجيب.. فقرة 1 - 2 :

ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ، وَسَاكِن وَذِي حَرَكَاتٍ. فَأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ مَا أَنْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرفَةٌ بِهِ وَمُسَلَّمَةٌ لَهُ. وَنَعَقَتْ في أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلى وحدانِيَّتِهِ، وَمَا ذَرَأَ مِنْ مُختلف صُوَرِ الْأَطيَارِ الَّتِي أَسْكَنَها أَخَادِيدَ الْأَرْضِ وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا، وَرَوَاسِيَ أَعْلامِهَا. مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَة مُختلِفَةٍ، وَهَيْئَاتِ مُتَبَايِنَةٍ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ، وَمُرَفْرِقَةٍ بأجنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنفَسِح، وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِج (1). كَوْنَهَا بَعْدَ أَن لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ محتجبةٍ. ومَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةٍ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُو فِي السَّمَاءِ خُفُوفاً، وَجَعَلَهُ يَدُفُّ دَفِيفاً. وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلاَفِهَا فِي الْأَصَابِعَ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ

وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ. فَمِنْهَا مَغْمُوسُ في قَالِب لَوْنٍ لاَ يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا عُمِسَ فِيهِ. وَمِنْهَا مَغْمُوس فِي لَوْنِ صِبْعَ قَدْ طُوقَ بِخِلَافِ مَا صُبغَ به (2).

اللغة :

نعق الغراب : صاح، ونعب : أنذر بالبين. وذراً : خلق. وأخاديد : جمع أخدود، أي شق مستطيل في الأرض. وفجاج - بكسر الفاء - جمع فج، وهو الطريق الواسع الواضح بين جبلين. ورواسي أعلامها : الرواسي الثوابت، والأعلام الجبال، والهاء تعود الى الأرض. والحقاق - بكسر الحاء - جمع حق بضمها أي مجتمع المفصلين والعبالة : الضخامة. والحفوف : سرعة الحركة. ودفيف الطائر : مروره فوق الأرض، أو تحريك جناحيه، والأصابيغ: الألوان. والمغموس الأول : ذو اللون الواحد. والمغموس الثاني : ذو اللونين.

الإعراب :

خلقاً مفعول مطلق لابتدعهم، مثل قمت وقوفاً مثل قمت وقوفاً، ما انقادت «ما» مفعول به لأقام، ومعترفة حال من العقول، والمصدر من أن يسمو مجرور بمن محذوفة، وخفوفاً في موضع الحال من الضمير المستتر بيسمو أي يسمو مسر مسرعاً.

المعنى:

(ابتدعهم - أي الكائنات خلقاً عجيباً الخ).. الغرض الغرض الأول من هذه الخطبة هو الاستدلال على وجوده تعالى ووجوب الایمان به. ومن البداهة ان الشرط الأول والأساسي في الاستدلال أن تكون مادته واضحة ومعصومة عن الخطا، ومتى تعرضت لاحتمال الخطأ تكون محلاً للشك والريب، ومن هنا اشتهر على السنة القدامى : اذا طراً الاحتمال بطل الاستدلال.. اللهم إلا اذا كان الاحتمال

موهوناً لا تعبأ به العقلاء، كالذي يمتنع عن الأكل والشرب خوفاً من غصة تميته، أو شرقة تهلكه.

والمادة التي اعتمدها الإمام هنا كدليل على وجود الله هي الكائنات واختلافها طبيعة وشكلاً.. فهذا جامد لا حياة فيه، وذاك نام لا حسن له، وآخر بحس ويدرك، وأيضاً «فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ - 45 النور» هذا، الى اختلاف في الألوان واللغات، وتنافر في الطباع والصفات والصفات.. إلى ما لا نهاية.. أما وجه الدلالة وجه الدلالة في هذا التباين والتنافر على وجوده تعالى فهو ان المادة بما هي وبلا توسط سبب خارج عنها - لا يمكن أن تستقل بإحداث شيء كما نرى بالحس والوجدان، وتقدم التفصيل في شرح الخطبة 161 فقرة «الكون والنظام».

كل ما في الكون عجيب :

(وما ذراً من مختلف صور الأطيار الخ) كل شيء في الكون عجيب ومدهش يحير العقول ويبهرها تماماً كالكون بأرضه وسمائه.. وأشار الإمام هنا الى الطيور، وان بعضها يسكن شقاً أو حفرة من الأرض، وبعضها في أعالي الجبال والأشجار، وان منها الضخم الذي يعجز عن السمو في الهواء، ومنها الذي يعلو آلاف الأمتار

وألف عالم من علماء الطيور ذائع الصيت العديد من الكتب في الطيور، وهو «روبرت لمن». ومنها كتاب كل شيء عن الطيور، ترجمة الدكتور مصطفى بدران، وفيه : «يُظن ان في الدنيا بأكملها حوالي مئة بليون طائر.. وأكبر الطيور حجما النعامة، ويبلغ علوها قرابة مترين ونصف المتر، ووزنها 150 كيلوغراماً.. وأصغر الطيور الطنان، طوله خمسة سنتيمترات، يطير بسرعة فائقة، فيضرب بجناحيه من خمسين الى مئتي ضربة في الثانية، في الثانية، وتبلغ و تبلغ سرعة طيرانه في الساعة 80 أو 90 كيلومتراً ويستطيع الطيران جانباً والقهقرى، وتصويباً وتصعيداً، وأيضاً ممكنه الوقوف طويلاً في الهواء.

وبعض أنواع الطيور تزيد خطوته على ستة أمتار، ويمشي على رجليه 80 كيلومتراً في الساعة، ويقال له التدرج.. ومن الطيور ما يستطيع الارتفاع الى ستة آلاف

متر كاللقالق والكراري، ومنها يغوص في الماء الى عمق 18 متراً واسمه أطيش ومنها يمضي معظم أوقاته في الترحال على المحيطين : الهادىء والأطلنطي، ومنها يعوم في الماء، وهو ابن يوم أو يومين كالبط، ومنها لريشه أكثر من عشرة ألوان، ومناقير بعض الطيور أزهى من قوس قزح».. الى ما لا يبلغه الإحصاء.

وأغرب ما في الطيور من غرائز غريزة هي الخوف والحذر، فهي تقدر لكل لحظة من اللحظات، تراقب وتقلب عيونها في كل جهة : أثناء الأكل، وحين الطيران استعداداً للهرب من خطر مفاجيء، تلتقط حبة أو حبتين بسرعة، ثم تطير فجأة وبحالة عصبية الى شجرة أو حائط أو ما أشبه، ثم تعود الى الحب، فالشجرة، وهكذا دواليك، وهي أيضاً تحلق بعيونها في السماء حين الطيران، تهبط الى الأرض فجأة خوفاً من باشق أو صقر وهنا يكمن سر الحكاية المعروفة من ان عصفوراً قال لابنه، وهو يعلمه ويوصيه : يا بني اذا رأيت این آدم ينحني نحو الأرض فاحذر منه.. انه يريد أن يتناول حجراً يرميك به فقال الابن لأبيه : وربما كان الحجر في كمه. فقال له الأب : اذهب حيث شئت فلا خوف عليك.

فمن الذي باين بين الطيور عرضاً وطولاً، وصورة وشكلاً، وبطأ وسرعة ؟ هل البيئة والاقليم مع العلم بأن هذا التباين والتلون ثابت بين أبناء الوطن الواحد، و تأكل من طعام واحد، وتسقى من ماء واحد ؟ وأيضاً من الذي أودع فيها غريزة الحذر ؟ هل الصدفة العشواء، أو المادة العمياء ؟. فسبحان الذي خلق فسوى، وقدر فهدى.

جناح الطاووس وذنبه.. فقرة 2 :

وَمِنْ أَعْجَبَهَا خَلْقَا الطَّاوُوسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَم تَعْدِيلِ، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنضِيدٍ، بِجَنَاحٌ أَشْرَجَ قَصَبَهُ، وَذَنبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنثَى نَشَرَهُ مِنْ عَلَيْهِ، وَسما بِهِ مُطِلاً عَلى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٌّ عَنَجَهُ نُوتِيَهُ. يَختَالُ بِأَلْوَانِهِ، وَيَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ (3).

اللغة :

نضد : رتب ونظم. واشرج : جمع ولاءم. وقصبه : عظامه، عظامه، وقصبة الاصبع : انملتها، وقصبة المريء : مجرى الطعام وقصبة المريء : مجرى الطعام، وقصبة الأنف : عظمه، وقصبة الرئة مجرى النفس. والقلع : شراع السفينة. والمراد بالداري والنوتي الملاح. وعنجه : عطفة. ويميس : يتبختر. وزيفانه : حركانه.

الإعراب :

من أعجبها خبر مقدم، والطاووس مبتدأ مؤخر، وخلقاً تمييز، وخلقاً تمييز، ومطلاً حال.

المعنى :

قلت في شرح الخطبة 108 : الله تعالى يؤلف : الله تعالى يؤلف، وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخرج، وها هو يعرض ويخرج رواية خلق الطاووس بأبدع صورة وأروعها، والغرض بيان قدرته تعالى وعظمته في خلقه.. ولا عجب إذا أبدع الإمام في العرض والإخراج، فإنه من الراسخين في العلم بالله وعظمته، وأكثر الخلق تأملاً في الكون، وفهماً لأسراره، ومن هنا جاء وصفه لأي كائن تجسيداً لحقيقة الطاووس وواقعه تماماً كما خلقه الله وأوجده وبهذه المناسبة أشير إلى ما ذكره الفيلسوف الانكليزي العالمي «برتراند راسل» في كتاب «السلطان» ص 165 طبعة سنة 1962 ترجمة خيري حماد. قال، وهو يتكلم عن سبب انتصار المسلمين : «لقد حافظ علي صهر النبي على حيوية الحماسة الأصيلة في نفوس شطر من المؤمنين» أي الذين يسيطر عليهم سلطان العقيدة. ويدفعهم الى التضحية بأنفسهم من أجلها.

(ومن أعجبها - أي المخلوقات خلقاً الطاووس الخ) كل مخلوق ممتاز بصفة تخصه دون غيره من الكائنات، فالانسان بمتاز بالعقل والعلم، والأسد بقوة العضلات، والكلب بحاسة الشم والوفاء، والحمار والثور بالصبر، والنسر بحدة البصر، والعندليب برقة الصوت وعذوبته، وامتاز الطاووس بالشكل الجميل والذيل الطويل.

(بجناح أشرج قصبه). جمع عظام الأجنحة وعروقها جمع عظام الأجنحة وعروقها، ورتبها ونظمها ولاءم فيما بينها بدقة وإحكام فائق يستطيع معه أن يتصرف حسب مصلحته، وكما يشاء متى يشاء. وفي كتاب «كل شيء عن الطيور» : «ان أجنحتها تؤدي وظائف كثيرة ومذهلة، الى جانب الطيران.. ولولا ما فيها من عضلات لتعذر وثمة ذلك.. وجه شبه بين جناح الطير ومروحة الطائرة.. ولا شك ان دراسة طيران الطيور قد أسهمت في اختراع الطائرة».

(وذنب طال مسحيه) وجره على الأرض كالغانيات قبل عصر «المنيجوب». قال مؤلف كتاب «كل شيء عن الطيور» : «يساعد الذيل الطائر على الطيران والتوقف والدوران، فهو للطائر كالدفة للطائرة، والزعنفة الذنبية للسمكة وبعض الطيور تتكى على ذيولها».

(واذا درج الى الأنثى نشره من طيه). كل ذكر من أي نوع كان يتضاهى ويتباهى أمام أنثاه. وبالخصوص حين يهتف به نداء الجنس، ويقول علماء الطيور: ان الذي يغني من الطيور هو الذكر، أما الأناث فتكاد لا تغني على الاطلاق ومن جملة الأسباب أن يغري الأنثى بغنائه.. وكل طائر يطوي وينشر ذيله متى شاء تماماً كما يفعل الانسان بأنامله سوى ان ذيل الطاووس أجمل الذيول وأطولها وأعرضها بحيث يستطيع أن يجعل منه مظلة على رأسه (كأنه قلع الخ).. القلع شراع السفينة والداري الملاح الذي يتولى الشراع، ويقال : «ما في الدار داري» أي أحد، ومثله النوتي، وانما كرره الإمام بكلمة مرادفة لمجرد الخطابة وقال بعض الشارحين : المراد بالداري هنا جالب العطر من دارين !.. وهو بعيد عن سياق الكلام، وعنجه عطفه (يختال بألوانه) يعجب بها (ويميس) يتبختر (بزيفانه) بتمايله وحركاته. هذه نظرة سريعة الى دقائق هذا الكائن العجيب، والى النظرات الباقية.

الطاووس والجنس.. فقرة 3 :

يَفْضِي كَإفضاء الديكَةِ، وَيَؤرٌ بمُلاقحة أرَّ الفُحول المغتلمة في الضّراب. أحِيلُكَ مِنْ ذلِكَ عَلى مُعَايَنَةٍ، لَا كَمَنْ يُحِيلُ عَلى صَعِيفِ إِسْنَادِهِ.

وَلَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُها مَدَامِعُهُ، فَتَقِفُ في ضفتي جُفُونِهِ وَأَنَّ أَنثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَبِيضُ لَا مِنْ لَقَاح فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنبَجِسِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ (4).

اللغة :

يفضي ويؤر : كناية عن الجنس. وملاقحة : من التلقيح بالمني، وقيل : المراد به الأعضاء التناسلية، والقصد واحد. والغلمة : الشبق. والضراب : الجماع. وتسفحها : ترسلها. وضفة النهر : جانبه. وضفة البحر : ساحله وتطعم : تذوق. والمنبجس : النابع.

المعنى :

(يفضي كإفضاء الديكة الخ).. قيل : الطاووس قيل : الطاووس لا يعرف الجنس إطلاقاً، ومن البداهة ان تكوين البيضة لا يحتاج الى الفحل ومنيه، وإن كان ولا بد من التلقيح فإنه يتم بين الطاووس والطاووسة بأسلوب آخر، وهو أن تدمع عين الذكر فتقف الدمعة في طرف جفنه، وعندئذ تتناولها الأنثى بمنقارها، وتشربها.. وأيضاً الغراب لا يعرف الجنس - كما زعم - ويتم اللقاح بالزق أي بوضع منقار كل من الذكر والأنثى بمنقار الآخر، وبهذا تنتقل نقطة من الماء الذي في قانصة الذكر الى جوف الأنثى، وأشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى هذا التطاعم المزعوم بقوله : «مطاعمة الغراب».

وقد نفى هذا الزعم صراحة بالنسبة الى الطاووس، وقال : انه يؤدي عمل الجنس تماماً كالديك، والشاهد هو الحس والعيان الذي أحال عليه الإمام بقوله: (أحيلك من ذلك على معاينة لا كمن يحيل على ضعف إسناده) أي لا أحيلك على ما تسمع بل على ما يمكنك أن تراه رأي العين، العين، ثم لو سلمنا - جدلاً -

بأن اللقاح عند الطاووس بالدمعة لا بالفحل والجنس كما هو الشأن عند الغراب على ما قيل - لكان أوضح في الدلالة على قدرة الله وعظمته.

وفي شرح ابن أبي الحديد : ان أمير المؤمنين وصف الطاووس، وهو في الكوفة، وقد رآه هناك «حيث كانت الكوفة يومئذ تجى اليها نمرات كل شيء وتأتي اليها هدايا الملوك من الآفاق».

كل الألوان في الطاووس.. فقرة 4 - 9:

تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ وَمَا أنبتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبٍ دَارَتِهِ وَشُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ وَفَلَدَ الزَّبَرْجِدِ. فَإِنْ شَبَّيْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ قلت : جَنِي جُنِي مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبيع. وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالملابس فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْخُلَلِ، أَوْ مُوْنِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ. وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحَلِي فَهُوَ كَفَصُوصِ ذَاتِ أَلْوَانِ قَدْ نُطْقَتْ بِاللُّجَيْنِ المكلل. يَمْشِي مَشْيَ المرح المختالِ وَيَتَصَفْحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَيْهِ فَيُقَهْقه ضاحكا لجمال سرباله وأصَابِيغ وِشَاحِهِ، فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَاً مُعولاً بِصَوْتِ يكادُ يُبينُ عَن اسْتِغَاثَتِهِ، وَيَشْهَدُ بصَادِق تَوَجُّعِهِ، لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حمّش كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الخلَاسِيَّةِ وَقَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَّةٌ خَفِيَّةٌ (1). وَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قنزُعَةٌ خَضْرَاء مُوَشَّاةٌ، وَمَخْرَج عُنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ. وَمَغْرَزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْتُهُ كَصِبْعُ الوَسَمَةِ اليَمَانِيَّةِ أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرءاة ذَاتَ صِقَالٍ وَكَأَنَّهُ مُتَلَفِّعٌ بِمعْجَرٍ أَسْحَمَ. إلَّا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزجَةٌ

به. وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خط كَمُسْتَدَق القلم في لَوْنِ الأقحوان أَبيض يَقِيقُ. فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ. وَقَلَّ صِبْغٌ إِلَّا وَقَدْ أخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ، وَعَلَاهُ بِكَثرَةِ مِقاله وبريقه وبصيص ديباجه وَرَوْنَقِهِ. فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ المَبْثُوثَةِ لَمْ تَرُبّهَا أَمْطَارُ رَبِيعِ وَلَا شُمُوسُ قيظ. وَقَدْ يَتَحَسَّرُ مِنْ رِيشِهِ (7)، وَيَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ، فَيَسْقُطُ تَتْرَى، وينبُتُ تباعاً، فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ، ثُمَّ يتلاحَقُ نَامِيَا حَتَّى يَعُودَ كَهَيْلَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ. لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ، وَلَا يَقَعُ لَوْنُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ. وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً، وَتَارَةً خُضْرَةً زَبرجديَّةً، وَأَحياناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّة. فَكَيْفَ تَصِلُ إلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ، أَوْ تَبْلُغُهُ فَرَائِحُ الْعُقُولِ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ (8). وَأَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ، وَالْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقِ جلّاهُ لِلْعُيُونِ فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مكوّناً، وَمُؤلّفاً مُلَوّناً. وَأَعْجَزَ الألسُنَ عَنْ تلخيص صِفَتِهِ، وَقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ (9). وَسُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ وَالهَمَجَةِ إِلَى ما فوقهما مِنْ خَلْقِ الحِيتَانِ وَالْأَفْيِلَةِ. وَوَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لا يَضْطَرِبَ شبَحٌ ممّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ إِلا وَجَعَلَ الحِمامَ مَوْعِدَهُ، وَالفَناء غايته (10).

اللغة :

قيل : المراد بقصبه هنا عظام أجنحته، وقيل : بل عمود الريش، وهو الأرجح، والمداري : جمع المدرى، وهو كالمشط بسرح به الشعر. والعقيان : الذهب الخالص. وفلذ - بكسر الفاء - جمع فلذة أي القطعة. والزبرجد : حجر كريم. وجني : جمع أو قطف. والوشي : النقش. والأناقة : الحسن. والعصب - بسكون الصاد - نوع من الثياب. والفصوص : الحجارة الكريمة ونُطقت : من النطاق. واللجين : الفضة. والسربال : كل لباس. والوشاح : ضرب من اللباس يوضع على العاتق، وزقا : صاح. ومعولاً : رفع صوته بالبكاء، وحمش : جمع أحمش أي دقيق. والخلاسية : نوع من الدجاج ونجمت : نبتت. والظنبوب : عظم حرف الساق. والصيصة : شوكة في رجل الديك. والقنزعة : خصلة من الشعر تترك في وسط الرأس والمغرز مكان الغرز. والوسمة : نبات يخضب به. و متلفع : متلحف. والمعجر : ضرب من الثياب. والأسحم : الأسود. والمراد بمائه هنا رونقه ونضارته. يقق : شديد البياض. يأتلق : يلمع. والبصيص : اللمعان. وينحسر : يتكشف. وتترى : على مهل. وينحت : يسقط وعسجدية : ذهبية والهمجة : الذبابة ووأى : وعد.

الإعراب :

خالص مفعول ثان لتخال، وضاحكا حال مؤكدة من الضمير في يقهقه ومثله معولاً، ومرآة مفعول ملبسة، ومرآة مفعول ملبسة، وأبيض صفة للخط ومحدوداً حال من الهاء في أدركته.

المعنى :

(تخال قصبته مداري من فضة). ينبت ريش الطيور - على وجه العموم - من حفرة صغيرة تحت الجلد، وتترك على سطحه أثراً كالنقطة البيضاء، وتبدو الريشة أول ما تبدو زغباً طرياً كأي نبات، ثم تنمو شيئاً فشيئاً حتى تكتمل

علی الشكل المعروف أي شعرات على قلم محوري، وهو الذى أشار اليه الإمام بكلمة القصب. والمراد بالمداري ان الشعرات التي على القلم منسقة كأسنان مشط من فضة) وما أنبت عليها من عجيب دارته وشموسه خالص العقيان وفلذ الزبرجد) أي ان على الريش رسماً له هالات تماماً كهالات القمر، ومستدير كالشمس، وفيه خطوط صفراء كالذهب، وأخرى خضراء كالزبرجد.

(فإن شبهته بما أنبتت الأرض قلت : جني جني من زهرة كل ربيع). المراد بالجني ما قطف ثمره من ساعته، وزهر الربيع مختلف الأنواع والألوان ويقال : يوجد في الفلبين وحدها عشرة آلاف نوع من الزهر، ولو جمعت الأزاهير بشتى أنواعها وألوانها في مزهرية واحدة، ونسقت تنسيقاً فنياً - لكانت شبيهة بالطاووس، أو الطاووس شبيهاً بها (وان ضاهيته بالملابس فهو كموشي الحلل، أو كمونق عصب اليمن). الحلل جمع حلة، وهو الثوب، ووشيه نقشه وزخرفته، والعصب نوع من الثياب، والموثق منها ما يعجبك ويسرك (وان شاكلته بالحلي فهو كفصوص ذات ألوان قد نُطقت باللجين المكلل). الحلي تحلت من به المرأة إذا لبست حلياً من الذهب والفضة، والفصوص أحجار كريمة كاللؤلؤ والماس، ونطقت باللجين جعلت الفضة لها نطاقاً مزيناً بالجواهر

(ويمشي مشي - الى –وشاحه)، يزهو الطاووس ويفاخر بجماله، ويقهقه معجباً بسر باله، وكأنه هذا وذاك يشكر الله سبحانه، ويتحدث بأنعمه، ولكن ما بال ذياك الوزير أو المدير أو صاحب الجاه والمال، ما باله يشمخ بأنفه وينظر الى الناس من فوق ؟ هل أضفت عليه الوظيفة أو الثروة جمالاً كجمال الطاووس، أو جعلته من العباقرة الخالدين ؟ (فإذا رمى ببصره - الى - خفية). قهقه الطاووس معجباً بجماله، ولما نظر الى ساقه الرفيع وعرقوبه وشوكته شكي وبكى، وهكذا كل شيء فيه جهة سلب وجهة إيجاب.

(وله في موضع العرف - الى -يأتلق.). كل أشياء الطاووس جميلة ورائعة إلا الساق والصيصة، فالتاج على رأسه يضاهي كل تيجان الملوك، فهو - الى جانب جماله - منحة منه تعالى تماماً كالسمع والبصر، وفي الطاووس شيء من مكان العنق الى البطن - بشبه حريرة تلمع كالمرآة المصقولة، وملحفة سوداء ولكن الرائي لكثرة رونق الملحفة ونضارتها يظنها خضراء مزجت بالسواد، وفي

الطاووس أيضاً خط عند أذنه دقيق وناصع البياض، والى جنبه سواد زاده جمالاً وتألقاً.

(وقل صبغ - الى الى - قيظ). ما من لون في الدنيا إلا وللطاووس منه نصيب، وفاقه جمالاً ورونقاً، فهو كالأزاهير المتفرقة المتنوعة إلا ان الأزاهي تحيا بالماء والشمس، وريش الطاووس في غنى عن ذلك (وقد ينحسر من ريشه - الى -عسجدية). قد يقف نمو الريش ونموت لانسداد الشرايين أو لأي سبب من الأسباب، فيتهلهل ويسقط، ثم ينبت له ريش جديد مكان الأول، كما يلقي أحدنا ثوبه البالي، ويلبس جديداً، والفرق ان جديد الطائر يأتي كقديمه تماماً كماً وكيفاً بلا تقليم وتطعيم. وفي كتاب «كل شيء عن الطيور : (قد يبلغ عدد ريش الطائر ثلاثة أو أربعة آلاف.. وقد تكون الريشة الجديدة على درجة بسيطة من الاختلاف عن السابقة لها في المكان عينه، بسبب نمو الطائر أو تغيير الريش في الربيع تارة، تارة، وفي الخريف أخرى».

(وكيف تصل الى صفة الخ).. كائن صغير تحمله بيدك، تعجز العقول أن تدرك السر لأقل جزء من أجزائه كقلم الريشة !.. انه لا يبلغ في الوزن شيئاً، ولذا جعلت الريشة بمجموعها مثلاً في الخفة، ومع هذا ترى ترى قلم الريشة كالفولاذ في صلابته !.. قال صاحب كتاب «كل شيء عن الطيور» : عندما تشق قلم الريشة تجده ممتلئاً بشبكة من الألياف الشديدة الصلابة، ولا يفصل بينها سوى الهواء،، وقد تكون هذه الشبكة في تركيبها وتنسيقها أدق الأنظمة التي توجب القوة والصلابة مع أنها أخف شيء وزناً في العالم.

من أين جاء هذا التنسيق المحكم بين الألياف في قلم الريشة حتى جعله بهذه القوة والصلابة على خفته ؟ هل من الصدفة الهوجاء، أو الطبيعة الصماء ؟ (فسبحان العقول الذي بهذ العقول) وأعجزها عن كشف السر لأحقر مخلوق من خلقه تعالى، و (سبحان من أدمج قوائم الذرة الخ).. كل شيء في الكون متقن ومحكم من ساق النملة الصغيرة الى الفيل، ومنه الى المجرات، الى الكون العجيب (وأوى على نفسه الخ).. كتب سبحانه عليها ان كل حي الى زوال خطيراً كان أم حقيراً، وهو وحده الحي القيوم.

ونقل ابن أبي الحديد عن الحكماء على حد وصفه : ان الطاووس يعيش 25

عاماً، ولا يتجاوزها، ويبيض في السنة الثالثة من عمره وفيها يتم ربشه وألوانها، ويبيض في السنة 12 بيضة في 3 أيام، ويحضنها 30 يوماً.

الجنة.. فقرة 11 - 12 :

فلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بدائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهَلْت بِالْفِكْرِ فِي أَصْطِفَاقِ أَشْجَارِ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثبَانِ الْمُسْكِ عَلى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللؤلؤو الرَّطب فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِها، وطُلُوعِ تِلْكَ الثّمارِ مُختلِفَةً فِي غُلْفِ أَكْمَامِهَا. تُحْنى مِنْ غَيْرِ تَكلُّفٍ فَتَأْتي عَلى مُنْيَةِ مُجْتَنِيها (11). وَيُطَافُ عَلى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بالْأعْسَالِ الْمُصَفْقَةِ، وَالْخُمُورِ الْمُرَوْقَةِ. قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الكَرَامَةُ تَتَمادَى حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ، وَأَمِنُوا نُقلَةَ الْأَسْفَار. فَلَوْ شَغَلْت قَلْبَكَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ بِالْوصول إلى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ المَناظِرِ المونقة لزَهَقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إلَيْهَا، وَلَتَحمَّلْتَ مِن مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ القُبُورِ اسْتِعْجَالاً بهَا. جَعَلْنَا الله وَإِيَّاكُمْ ممن سَعَى بِقَلْبِهِ إلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ (12).

اللغة :

المراد ببصر القلب التفكر والتأمل. وعزفت : كرهت وزهدت. والزخارف : جمع زخرف، وهو الذهب، وكل مموه. وتصافقت الأشجار : تضاربت أوراقها

كأنها تصفق. وكثبان جمع كثيب أي التل. وكبائس : جمع كباسة أي العذق، وهو من النخل كالعنقود. وعساليج : جمع عسلوج أي ما لان من قضبان الشجر. وطلوع : جمع طلع، وهو أول ما يخرج من النخلة في أكمامها والمصفقة : المصفاة. ومثلها المروقة. والمونقة : المعجبة.

الإعراب :

ببصرك الباء زائدة، وبصرك مفعول رميت، وقوم خبر لمبتدأ محذوف أي هم قوم، وشوقاً مفعول من أجله لزهقت، وبرحمته متعلق بجعلنا.

المعنى :

خلق سبحانه الجنة ثواباً لمن استجاب له وأطاع، وثواب الكريم على قدر طاقته، ولا حد لقدرته تعالى، وإذن فنعيم الجنة لا حد له إلا ما كان منه مادياً كالطعام والشراب، أما التنعم برضوان الله ورحمته وجواره فإنه فوق التصور والأوهام وقد وصف سبحانه في كتابه العزيز جانبا من نعيم الجنة المادي في العديد من الآيات، وجمع بينه وبين النعيم الأدبي في الآية 15 من سورة آل عمران: « لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ». وقول الإمام هنا عن الجنة شرح وبيان لبعض آي الذكر الحكيم. قال :

(فلو رميت يبصر قلبك الخ).. في الدنيا في الدنيا متع وملذات، وترف وسلطان، و مباهج ومناظر، وحلاوة وسعادة.. ولكن أين هذه مجتمعة الى جانب نظرة في شجرة ضربت عروقها في تلال من مسك على ضفة نهر من عسل أما الورود والأنهار والأشجار فينسجم كل ما فيها مع القلب والعين، أما الثمار فعلى أنواع نكهة ولوناً (تجنى من غير تكلف، فتأتي على منية مجتنيها) بل وفوق ما تمنى وأراد. وفي الحديث : ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

(ويطاف على نزالها - الى - دار القرار). إشارة الى قوله تعالى: «يُطَافُ

عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ - 71 الزخرف». وقوله : «وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى- 15 محمد» (وأمنوا نقلة الأسفار) ولا تنالهم الأسقام، أو تعرض لهم الأخطار، وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 108 (فلو شغلت قلبك الخ). لو عرفت نعيم الجنة كما هو لذهبت نفسك شوقاً اليها، فأول شيء يستقبلك فيها التحية والترحاب من الله، ويقول لك، ويقول لك : أنت في داري وجواري، اسأل ولا تستح، واطلب ولا تحتشم، فلا أقبض عنك شيئاً، وقول الإمام : (مجاورة أهل القبور استعجالاً بها) معناه لتعجلت الموت رغبة في لقاء الله ونعيمه.

وبعد فإن نعيم الجنة لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا إلا في الاسم.. ولو لم يكن في الجنة إلا الحياة بلا خوف وقلق لكفى، وهل في الكون كله أروع وأعظم من الحياة بلا خوف (عَلَيهِم السَّلَامُ) جعلنا الله تعالى من العاملين عملها. انه أرحم الراحمين بمحمد وآله الطاهرين، سلام الله عليهم أجمعين.

الخطبة - 164 -

اعقلوا عن الله.. فقرة 1 - 2 :

لِيَتَأْسّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ، وَلْيَرْأَفُ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ. وَلاَ تَكُونُوا كَجْفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ لا في الدِّين يَتَفَقَّهُونَ، وَلَا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ. كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ يَكُونُ كَسَرهَا وِزْراً. وَيُخْرِجُ حِضَانُها شَرًّا (1). أفتَرَقُوا بَعْدَ أَلْفَتِهِمْ، وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ. فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُضَنٍ أَيْنما مَالَ مَالَ مَعَهُ. عَلى أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لبَني أُمَيَّةَ كما تجتمعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ يُؤلِّفُ اللهُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ ركاماً كَرُكَام السَّحَابِ. ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ، حَيْثُ لَمْ تَسْلَمَ عَلَيْهِ قَارَةٌ، وَلَمْ تَثبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَهُ وَلَمْ يَرُدُّ سَلَتَهُ رَصّ طودٍ، وَلاَ حِدَابُ أَرْضٍ. يُرْعَزِعُهُمُ اللهُ في

بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ، ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ، وَيُمَكنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ. وَأَيْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ ما في أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَالتَّمْكِين كما تَدُوبُ الْأَلْيَةُ عَلى النَّارِ (2).

اللغة :

قيض بيض : كسرها، وفي كتب اللغة : قيض البيضة قشرها الأعلى وأداحي : جمع ادحية، وهي المكان الذي تبيض فيه النعامة. وقزع : قطع متفرقة من السحاب. الركام : التراكم. ويزعزعهم : يفرقهم.

الإعراب :

كجفاة الكاف لمعنى مثل خبر لا تكونوا، كقيض بيض بدل من كجفاة الجاهلية وركاماً في موضع الحال من ضمير الجمع في يجمعهم أي متراكمين، وينابيع منصوب بنزع الخافض أي في ينابيع.

المعنى :

(ليتأسّ صغير كم بكبير كم) في الروية والورع والحرص على الاسلام وتعاليمه، وما عدا ذلك فلا حرج على الأبناء، لأن عصرهم عصر الانقلابات في العلوم والقيم والعادات وعن الإمام : لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم، وقال الإمام الصادق: خير لباس كل زمان لباس أهله (وليرأف كبير كم بصغير كم). ارفقوا بأبنائكم، وربوهم تربية تساعدهم على التوافق والتكيف مع الحاجات الضرورية لحياتهم في عصر التغيرات المفاجئة، والتطورات السريعة (ولا تكونوا كجفاة الجاهلية). كان أهل الجاهلية يتعايشون بالقوة والفوضى، فلا علم ولا شريعة ولا أخلاق حتى جاء الإسلام فأقام العلاقات بين الناس على

أساس الأخوة والعدل والسلام، ومن انحرف عن هذا الأساس فقد سار على سنة الأولين الذين (لا في الدين يتفقهون، ولا عن الله يعقلون).

(كقيض بيض في أداح. يكون كسرها وزراً ويخرج حضانها شراً). ان وجود الجاهل السفيه سوء وشر وقتله وزر واثم، أما الأول فواضح، واما الثاني فلأن القتل محرم إلا أن يكون حداً أو قصاصاً، وكثير من الأشرار يرتكبون كل قبيح إلا الأسباب الموجبة للقتل وإذن يكون قتلهم محرماً ووجودهم شرا .. أما وجه الشبه بين كسر البيض وبين الشرير الذي يضر وجوده. ويحرم قتله - فيمكن تقريره وتوضيحه بأن العاقل اذا رأى بيضاً في مكان ما فلن يتعرض له إطلاقاً، لا بكسر ولا يحضان للفقس، لأن الكسر بلا مبرر كقتل السفيه الجاهل بلا سبب وجب. اما الحضان لافقمس فربما يكون البيض لأفعى، فينتج الحضان شراً كوجود الجاهل السفيه

(افترقوا بعد الفتهم، وتشتتوا بعد أصلهم). يشير هذا الى حال المسلمين وانهم كانوا على قول واحد في عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم افترقوا بعده شيعاً وأحزاباً ، وما تمسك بالثقلين : كتاب الله، وعترة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - كما أوصى - أمته إلا قليل، وقد أشار الإمام الى هذا القليل بقوله : (فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه) فالمراد بالغصن الثقلان، وبالميل معه التمسك بهما (على ان الله تعالى سيجمعهم لشر يوم لبني أمية) يخبر الإمام بهذا ان المسلمين بعد تفرقهم سيجتمعون يداً واحدة للقضاء على سلطة أمية الطاغية الباغية (كما تجتمع قزع الخريف) أي يجتمع المسلمون ضد الأمويبر كاجتماع قطع السحاب المتفرقة في فصل الخريف يتراكم بعضها فوق بعص. والى هذا التراكم أشار الإمام بقوله : (ركاماً كركام السحاب).

(ثم يفتح لهم أبواباً يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين) بعد أن علم سبحانه صدق النية من المسلمين على حرب الضلال والثورة على الظلم، مهد لهم السبيل وفتح عليهم أبواب النصر. فانطلقوا من مكان ثورتهم كسيل العرم الذي سلطه سبحانه على جنتي سبأ، وقد أشار. عظمت كلمته، الى هذا السيل بقوله : «لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ – 16 سبأ».

(حيث لم تسلم عليه قارة). ضمير عليه للسيل، والمراد بالقارة هذا الجبل

الصغير، وقد غمره السيل (ولم تثبت عليه أكمة) أي التل، أيضاً أخذه السيل (ولم يرد سننه رص طود) مضى السيل في جريه وتدفقه لا تمنعه عظمة الجبال وانضمامها وتلاصقها (ولا حداب أرض) وهي الروابي (يزعزعهم الله - الى - حقوق قوم) ضمير الجمع في يزعزعهم يعود للأمويين، والمعنى ان الله سبحانه يشتتهم في أطراف الأرض يحاولون الهرب والاختفاء من الناس، ولكن الله سبحانه يظهرهم للعيان كما يظهر المياه من ينابيعها، فيتخطفهم الناس، ويأخذونهم بالدماء التي سفكوها، والأموال التي نهبوها.

(ويمكن القوم في ديار قيم). يهلك الله الأمويين، ويستخلف العباسيين (وايم الله ليذوبن الخ).. يذوب ملك أمية تماماً كما تذوب الشحمة على النار.. وهذه نهاية كل طاغ وباغ «عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا - 6 الفتح».

يطمع فيكم من ليس مثلكم.. فقرة 3 :

أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ، وَلَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ. لَمْ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ، وَلَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ. لكِنَّكُمْ تهتمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ النِّيهُ مِنْ بعْدِي أَضعَافاً بِما خَلَّفْتُمُ الحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَقَطَعَمُ الْأَدْنَى وَوَصَلْتُمُ الأَبْعَدَ. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ، وَكُفِيتُمْ مَؤونَةَ الِاعْتِسَافِ، وَتَبَدْتُمُ الثّقْلَ الفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ (3).

المعنى

(لكنكم تهتم - أي ضللتم متاه بني اسرائيل) الذين ارتدوا عن دين موسى وحرفوا التوراة، وجعلوا شعبهم المختار إلها لكل الشعوب، واتخذوا من تلمودهم

حاكماً حتى على الله الذي يطلب الرضا والبركة من الحاخامات، كما جاء في التلمود المقدس (ولعمري ليضعفن لكم التيه - الى - الأبعد) ستزدادون على مدى الأيام ذلاً وضلالاً، لأنكم تخذلون الحق وأهله، وتناصرون الباطل وشياطينه (واعلموا انكم ان اتبعتم الداعي لكم) الى الحق والعدل، والإمام يعني نفسه (سلك بكم منهاج الرسول). وليس من شك ان الإمام امتداد لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في كل شيء ما عدا النبوة ونزول الوحي (وكفيتم مؤونة الاعتساف) أي الضلال والضياع (ونبذتم الثقل الفادح) وهو ارتكاب المحرمات، والوقوع في الشبهات.

الحائط الواطىء :

ولمناسبة هذه الخطبة نتساءل : لماذا نحن كالحائط الواطىء يقفز عليه حتى الأقزام ؟. هزائم متوالية، وحدود مفتوحة لكل طامع، وقتلى ومشردون.. الى شتى ألوان الخسف والتخلف.. أليسنا عباقرة الكلام ؟ ومن الذي يجيد ويحسن الصراخ والعويل أكثر مما نجيده ونحسنه ؟.

أجل، نحن العرب عباقرة في الصياح والمناح، ولكن هذه العبقرية لا تطير طائرة، ولا تصنع باخرة، ولا تسكت مدفعاً.

وقال قائل : نحن نستصرخ الضمير العالمي، ونعلن عليه ظلامتنا لكي يتأكد أننا على حق، وعدونا على باطل.

ونجيب أولاً : ثم ماذا ؟ وهل تفهم قوى الشر إلا بلغة القوة ؟ ثانياً : لا ندري أي ضمير يعني هذا القائل ؟ هل أراد ضمير العالم الرأسمالي أو العالم الاشتراكي، أو العالم الثالث (النامي) ؟ والأول منه الداء والبلاء، والثاني يخشى من حرب ثالثة تأتي على متاعبه مكاسبه التي حققها بعد الحرب الثانية، ومن أجلها تبنى المفاوضات لا المواجهات، والتعايش السلمى الذي وجدت فيه الرأسمالية الطاغية مناخاً حصباً لحرية النهب والسلب، وأثارت الحرب الباردة بل والساخنة ولكن في نطاق الشعوب المستضعفة، وأجرت عليها فلسفة هتلر ونيتشه اللهم إلا أن يأتي الفرج من التطور العالمي الذي يسير «بعقارب الساعة» الى الأمام.. وتسأله تعالى أن يعجل فرجه، ويسهل مخرجه.

وقال آخر : يجب إيجاد دولة إسلامية تشخص اليها الأبصار، فهي وحدها

تحل المشكلات. وبها تتدفق الخيرات !.. وهذا القائل يتحدث عن الأحلام والقيم في إطارها التصوري، أما عناصر التطبيق والعمل فما هي بالشيء المهم عند جنابه.

وبعد فلا سبيل لقوة الإسلام والمسلمين إلا أن ينطلقوا من النقطة التي انطلق منها و ابتدأ بها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).. فقد بدأ الإسلام ضعيفاً.. فقد بدأ الإسلام ضعيفاً وغريباً تحيط به الأعداء من كل جانب، وقبل أن يحرك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ساكناً آخى بين أصحابه وألف بين قلوبهم، وجعلهم يداً واحدة يتعاونون على نصرة الحق والعدل، وبعد هذا دفع مبهم الى المعركة ومواجهة العدو، فكان من أمر الإسلام وأمرهم ما كان، فإذا أراد المسلمون أن لا يطمع فيهم من ليس مثلهم ليس مثلهم، ولا يقوى من قوي عليهم فليتاستوا بنبيهم، ويبدأوا بتوحيد الصفوف كما بدأ، وبعد هذا تكون لهم دولة إسلامية تشخص اليها الأبصار كما كان لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإلا لبسوا الذل جلباباً الى أن يشاء الله. وأشار الإمام الى ذلك في الخطبة 168 بقوله : «والله لتفعلُنَّ أو لينقلن الله عنكم سلطان الإسلام : ثم لا ينقله اليكم أبدا».

الخطبة - 165 -

حرمة المسلم

إنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كِتاباً هَادِياً بَيْنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. فَخُذُوا نهج الْخَيْرِ تَهْتَدُوا، وَأصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا. الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ، أَدُّوهَا إِلَى اللهِ تُؤَدُّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ. إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُول، وَأَحَلَّ حَلاَلاً غَيْرَ مَذْخُول، وَفَضَّلَ حُرْمَةَ المُسْلم عَلى الحُرَمِ كُلَّهَا، وَشَدَّ بِالإخلاَصِ وَالتَّوْحِيدِ حقوق المُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا. فَالمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إِلَّا بِالْحَقِّ. وَلَا يَحِلُّ أذَى المسلم إلا بما يَجِبُ. بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَهُوَ المَوْتُ، فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكم مِنْ خَلْفِكُمْ، تَخَفَّفُوا تَلْحَفُوا، فَإِنَّما يُنتَظَرُ بِأَوْلِكُمْ آخِرُكُمْ.

اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِم، أطِيعُوا اللهَ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ الشِّرَّ فَأَعْرضُوا عَنْهُ.

اللغة :

اصدفوا : أعرضوا. والسمت : الجهة. وغير مدخول : لا ضرر فيه أو فساد يوجب تحريمه والنهي عنه. وشد : ربط وأوثق. ومعاقد : جمع معقد، وهو موضع العقد المبرم. والبقاع : جمع بقعة أي القطعة من الأرض

الإعراب :

الفرائض الأولى مفعول لفعل محذوف أي أدوا الفرائض، والثانية توكيد، وغير مجهول صفة ل- «حراماً» وامامكم ظرف زمان متعلق بمحذوف خبراً لأن أي مضوا قبلكم.

المعنى :

(ان الله تعالى أنزل كتاباً هادياً الخ).. منح سبحانه الانسان العقل والقدرة والإرادة، وأنزل شريعة تهدي الى حلاله وحرامه بينها على لسان نبيه كتاباً وسنة ولم يدع عذراً لمعتذر (فخذوا نهج الخير تهتدوا) الى حياة لا صعاب فيها ولا مشكلات، لأن كل ما فيه صلاح للناس فهو خير عند الله، وكل ما فيه فساد وضرر فهو شر عنده تعالى (واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا) أي تستقيموا على الطريقة المثلى.

وتجدر الإشارة إلى أن القرآن الكريم يهدف أولاً وقبل كل شيء الى غرس الإيمان في القلوب ونموه لأنه الدافع والمحرك الى فعل الخير وترك الشر، ومن

أجل التعليم وتربية النفوس على الإيمان الآمر الزاهر - أكثر سبحانه في كتابه من ضرب الأمثال : «وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ - 47 الزمر».

(الفرائض الفرائض الخ) و تشمل كل ما وجب، ولا تختص بالعبادات إلا في اصطلاح الفقهاء. قال تعالى : «وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا - 7 النساء».. هذا، الى ان العبادة لا تؤدي بأحد الى الجنة اذا لم ينته معها عن الفحشاء والمنكر، وأقصى ما هنالك انه لا يحاسب عليها إن جاء بها على الوجه الأكمل.

(إن الله حرم حراماً غير مجهول) أي بين لا شبهة فيه، فيجب تركه، أما المشتبه فيترك من باب التقوى، لأن الوقوع فيما يريب يجر الى الوقوع فيما يعيب. قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» أي دع ما يلقي الشك والقلق في نفسك الى ما يوجب راحتها واطمئنانها (وأحل حلالاً غير مدخول) أي لا ضرر في فعله ولا في تركه وفيه انماء الى ان الفعل لا يجب أو يحرم لأن سلطة عليا أرادت ذلك، وان علينا أن نسمع لها ونطيع على كل حال حتى ولو كان ضرراً محضاً.. كلا کلا، بل نحن نطيع السلطة العليا التي ثبت لدينا بالدليل القاطع انها لا تأمر إلا بالطيبات، ولا تنهى إلا عن الخبائث : «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ - 157 الأعراف». ومن هنا أجمع الفقهاء على انه حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله.

كرامة الانسان :

(وفضل - الله حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها). المراد بالاخلاص والتوحيد الاسلام.. ولكل انسان حقوق تجب مراعاتها على كل الناس أياً كان دينه ومذهبه ورأيه، كحقه في الحياة، وحماية مصالحه، وإنصافه، واعتباره بريئاً حتى تثبت ادانته.. ولأهل كل ملة ودين حقوق على بعضهم البعض يحددها دينهم وشريعتهم. ومن الحقوق التي فرضها الاسلام على كل مسلم أن يدافع جهد طاقته عن أي بلد مسلم يعتدي

عليه عدو الدين والانسانية اذا عجز هذا البلد عن صد العدو وردعه، ومنها ان للمسلم المعسر حقاً معلوماً في أموال المسلم الموسر.. الى غير ذلك من الحقوق الواجبة والمندوبة.

(فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق) هذا حديث عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). والمراد بالمسلمين هنا كل الناس، وإنما خص المسلمين بالذكر لأن الحديث صدر في بيئة إسلامية، ويدل على إرادة العموم قوله تعالى : «ولقد كرمنا بني آدم - 70 الإسراء» هذا، الى جانب الأحاديث الكثيرة الآمرة بكف الأذى عن الناس إطلاقاً، وان مجرد الكف صدقة يثاب عليها بالرغم ان عدم كف الأذى سلب وعدم، ومن أقوال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «شر الناس من تخاف الناس من شره» وقال الإمام في هذه الخطبة نفسها : «اتقوا الله في عباده و بلاده». وكل الخلق عباده.

(ولا يحل أذى المسلم) ولا غير المسلم، كما أشرنا (إلا بما يجب) لأن الإنسان، أي انسان، في حمى محرم حتى ينتهك هو حرمة نفسه، وينتزعها بیده، ذلك بأن يعتدي على غيره، وعندئذ ترتفع عنه الحصانة، ويقتص منه القانون بقدر جنايته ردعاً للعدوان، ودفاعاً عن حقوق الانسان : «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - 179 البقرة».

(بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم، وهو الموت) ضمير هو يعود الى أمر العامة والخاصة، والمعنى بادروا الى العمل الصالح قبل أن يأخذكم الموت الذي أحداً منكم نبياً كان أم شقياً. وقال الشيخ محمد عبده : «أي عاجلوا لا يدع أمر العامة بالإصلاح.. وفي تقديم الإمام أمر العامة على أمر الخاصة دليل على ان الأول أهم. ولا يتم الثاني إلا به، وهذا ما تضافرت عليه الأدلة الشرعية» وقول الشيخ صحيح في نفسه، ولكنه بعيد عن سياق الكلام وظاهره لأن الإمام فسّر مراده صراحة من أمر العامة والخاصة، وقال : «وهو الموت» وعليه يكون تفسير الشيح اجتهاداً في قبال النص.

(فإن الناس أمامكم) سبقوكم الى الموت (وان الساعة تحدوكم) القيامة تسوقكم الى الحساب والجزاء (تخففوا) من الذنوب (تلحقوا) الأبرار في عليين، و تقدم مثله مرات، وبالنص الحرفي (اتقوا الله في عباده وبلاده الخ).. وكل البلاد بلاد الله، وكل الناس عيال الله، وكل البهائم من خلق الله، وحقها

فرض من الله، ونحن مسؤولون عنها وعن آلامها أمام الله، فكيف بآلام العباد والبلاد ؟

إن الله سبحانه خلق الحيوان لمنفعة الانسان، لا لكي يظلمه في طعامه وشرابه أو يحمله فوق طاقته، فكيف بالذين يمارسون أعنف المعارك بأحدث الأسلحة المدمرة ضد الشعوب المستضعفة. بل أنشأوا علماً خاصاً لنهب العباد والبلاد، علماً له خطوطه وقواعده وأسلحته وأساطيله، وليس لهذا العلم اسم يدل عليه، ولكن له دولة ورجالاً، ورجاله أصحاب الشركات الاحتكارية، وكل دولة نساندهم هي دولة هذا العلم الجاهل القاتل.

الخطبة - 166 -

أمسك الأمر ما استمسك :

يا إخوتَاهُ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَلكِن كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَالْقَوْمُ الْمَجْلِبُونَ عَلى حَدٌ شَوْكَتِهِمْ، يَمْلِكُونَنَا وَلاَ نَمْلِكُهُمْ. وَهَاهُمْ هؤلاء قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عُبْدَانُكُمْ، وَالتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ، وَهُمْ خِلالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاوُا. وَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلى شَيْءٍ تُرِيدُونَهُ. إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةِ. وَإِنَّ هؤلاء الْقَوْمِ مَادَّةٌ. إِنَّ النَّاسَ مِنْ هذَا الْأَمْرِ - إِذَا حُرِّكَ - عَلى أُمورِ : فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ ترَى مَا لاَ تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ لاَ تَرَى هَذَا وَلاَ ذَاكَ، فَاصْبِرُوا حَتَّى يهْدَأَ النَّاسُ، وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وَتُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمحَةً، فَاهْدَلُوا عَنِّي، وَأَنْظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي. وَلاَ تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً، وَتُسقِطُ مُنَّةً، وَتُورث وهنا وَذِلّة. وسأمسِكُ الأمر مَا اسْتَمْسَكَ، وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدًّا فَآخِرُ الدَّوَاءِ الكَي.

اللغة :

المجلبون : المؤلبون أو المجتمعون. وشوكتهم : قوتهم وبأسهم. وخلالكم: فيما بينكم. ويسومونكم : يكلفونكم. ومسمحة : سهلة ومنقادة. والمنة - بضم الميم - القدرة. والمراد بالكي هنا القتل.

الإعراب :

يا إخوتاه «يا» حرف نداء، والألف بدل عن ياء الإضافة والأصل يا إخوتي، والهاء للسكت، وكيف خبر مقدم، وقوة مبتدأ مؤخر، والباء زائدة، ولي متعلق بمحذوف حالاً من القوة، وها هم «ها» للتنبيه، وهم خلالكم «هم» مبتدأ، وخلالكم متعلق بمحذوف خبراً، وجملة يسومونكم حال، وقال بعض الشارحين : يسومونكم خبر، وخلالكم حال، وهو اشتباه، ومسمحة حال من الحقوق، وما استمسك «ما» مصدرية ظرفية.

المعنى :

قال للإمام بعض أصحابه : هلا عاقبت قوماً ممن أجلبوا على عثمان ؟ فأجاب بهذه الخطبة، وهي واضحة لا تحتاج الى طول شرح، وتتلخص بأن الذين ثاروا على عثمان ليسوا عشرة أو عشرين، وانما هم ألوف تجمعوا من هنا وهناك هذا، الى جانب الوضع الذي نحن فيه مع أصحاب الجمل وصفين، وقوة الثائرين على عثمان، فاصبروا حتى تهدأ الثائرة، وتستقيم الأمور، وعندئذ ننظر في أمر من ثار واشترك في الفتنة.

قال أحمد عباس صالح المصري في كتاب «اليمين واليسار في الاسلام» : «تكاتف أهل الكوفة وأهل مصر، ومن المؤكد ان كثيرين من أهل المدينة تكاتبوا والمصريين، فجاءت الوفود من مصر والكوفة والبصرة». ويدل هذا على الكثرة الكثيرة الثائرة على عثمان.

وقال عبد الكريم الخطيب المصري في كتاب «علي بن أبي طالب» ص 216 وما بعدها : «روى ابن سعد في طبقاته، والطبري في تاريخه : إن المصريين

الذين حاصروا عثمان كانوا ستمئة». وقال في ص 237 : «كان مع الأشتر ألف رجل من الكوفة وتضاعفت هذه الأعداد الى تلك الجموع التي أجلب بها الثائرون من قبل في دفعات متتابعة، وتلاقت هذه الجموع، عند بيت عثمان حتى سدت الطرق والمسالك»

واذا عطفنا على هذه الألوف أصحاب الجمل وصفين وغيرهم كان على الإمام أن يحارب في آن واحد أصحاب الجمل وصفين، وأهل مصر والكوفة، والأعراب والعبيد.. وهل هذا سائغ في شرع أو عقل ؟ وهل هو تكليف بمقدور؟ والمنطق الصحيح السليم ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه حيث قال : «ثار معاوية وأهل الشام على الإمام مطالبين بدم عثمان، ونقض طلحة والزبير البيعة، ونهبا أموال المسلمين في البصرة، وقتلا الصالحين من أهلها، ومع هذا يطلبون من الإمام أن يقتص لعثمان، وكان على معاوية والزبير وطلحة وورثة عثمان أن يدخلوا أولاً في طاعة الإمام، ثم يحاكموا اليه المتهمين بدم عثمان، فإن حكم بالحق استديمت إمامته، وإن حكم بالجور تعين خلعه وهذا ما طلبه الإمام من معاوية حيث قال له : أدخل في الطاعة، وحاكم القوم إلي أحملك واياهم على كتاب الله وسنة نبيه».

ولو كان معاوية يطالب حقاً بدم عثمان وبحكم الكتاب والسنة لاقتص من قاتليه بعد ما تم له الأمر، ولكنه سالمهم، وقرب اليه البعض منهم، وأغدق عليهم الأموال، كما قال المؤرخون، أما طلحة والزبير فقد حرضا على عثمان، ثم طالبا بدمه، كما هو شأن الانتهازيين من قديم الزمان. وتقدم الكلام عنها وعن معاوية مفصلاً ومطولاً.

الخطبة - 167 -

سلطان الإسلام :

إِنَّ اللهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَأَمْرٍ قَائِمٍ، لَا يَهْلِكُ عَنْهُ إلَّا هَالِكُ. وَإِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَّبهَاتِ هُنَّ المُهْلِكَاتُ إِلَّا مَا حَفِظَ الله منْهَا. وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللهِ عِصْمَةٌ لِأَمْرِكُمْ. فَأعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ ملَوَّمَةٍ وَلَا مُسْتَكْرَةٍ بِهَا. وَاللهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقَلَنَّ الله عَنكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ إِنَّ هؤلاء قَدْ تَمالَكُوا عَلى سَخَطَةِ إِمَارَتِي، وَسَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلى جَمَاعَتِكُمْ. فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلى فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْي أنْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَإنّما طَلَبُوا هذهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللهُ عَلَيْهِ، فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلى أَدْبَارِهَا. وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسِيرَةِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ وَالنَّعْسُ لِسُنّتِهِ

اللغة :

المراد بالقائم هنا المستقيم، وبالهالك من لا يرتدع عن سبيل التهلكة، والمبتدعات المشبهات : السيئات ألبست ثوب الحسنات. ويأرز: يرجع. وتمالأوا : اجتمعوا وتعاونوا. وفيالة الرأي صعفه. والنعش والنعش : الرفع.

الإعراب :

غير ملومة حال من طاعتكم، ويأرز مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، وما لم أخف «ما» مصدرية ظرفية، وحسداً مفعول من أجله لطلبوا.

المعنى :

(إن الله بعث رسولاً هادياً الخ).. يشير بهذا الى انه لا سبيل لنجاح المسلمين وتقدمهم إلا التمسك والعمل بكتاب الله وسنة نبيه والتاريخ يشهد بأن المسلمين كانوا خير أمة أخرجت للناس حين كان الاسلام مادة للتعليم في مدارسهم، ومصدراً للأحكام في محاكمهم، وأساساً للعلاقات والمعاملات مع الغير ومع بعضهم البعض.

(وان المبتدعات المشبهات من المهلكات). إن هذه البدع التي ألبست ثوب الاجتهاد في الدين هي السبب الموجب لانقسام المسلمين وتخلفهم، والله سبحانه سيعاقب غداً أهل البدع بما يستحقون (إلا ما حفظ الله منها) أي وقي شر البدع بالتوبة والانابة (وان في سلطان الله عصمة لأمركم). أن التمسك بشريعة الله هو الأساس لكيان المسلمين وسلطانهم وهيبتهم (فأعطوه طاعتكم غير ملومة، ولا مستكره ها). أطيعوا الله عن طيب خاطر، وبلا رياء تستحقون عليه اللوم والعذاب.

(والله لتفعلن، أو لينقلن الله عنكم سلطان الإسلام، ثم لا ينقله اليكم أبداً). ربط الإمام بين الطاعة الخالصة لله وبين سلطان الإسلام بحيث لا سلطان إطلاقاً إلا بهذه الطاعة، وأكد ذلك بالقسم مع العلم بأن سلطان الاسلام ثبت من بعد

الإمام للامويين، ثم للعباسيين، ولمن بعدهم ولمن بعدهم، واستمر مئات السنين بلا طاعة لله من الحاكمين ولا المحكومين. فما هو الجواب عن ذلك ؟

وأجاب الشارحون بأجوبة أنهاها البعض منهم الى خمسة، ولا شيء منها تركن اليه النفس، أو يدل عليه سياق الكلام وظاهره. والذي نراه في الجواب ان مراد الإمام بالطاعة هنا تسليم الخلافة لأهل البيت، وبسلطان الإسلام تطبيق أحكامه وتنفيذها على الوجه الأكمل، وأضاف الإمام سلطان الإسلام الى المسلمين بالنظر الى ان الإسلام للجميع لا لفئة دون فئة، أو فرد دون فرد، وعليه يكون المعنى ان سلطان الإسلام هو الآن للمسلمين جميعاً، وسيظل كذلك ما دام الإمام هو الخليفة، فإذا ذهب الى ربه وانتقات الخلافة لأهل البيت استمر سلطان الإسلام للمسلمين : وإلا تداولته الأبالسة فيما بينهم، ولن يعود الى من يجعل سلطانه للجميع على السواء.

(ان هؤلاء قد تمالأوا - الى - المسلمين). هؤلاء إشارة الى الذين قلبوا الأمور للإمام يبتغون الفتنة كطلحة والزبير ومعاوية، والإمام - بكلامه هذا يحدد موقفه منهم بأنه يتجاهلهم ولا يتعرض لهم بسوء، شريطة أن لا يلحق الغين بالجماعة والحقوق العامة، أما إذا مضوا على الغي وضعف الرأي فإنه لن يسكت عنهم بحال محال، وفي هذا المعنى قوله : لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين

ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة.

(وانما طلبوا هذه الدنيا حسداً الخ).. ثاروا على الإمام لغل الحسد على منصب الخلافة التي أرجعها الله الى أهلها (فأرادوا ردّ الأمور على ادبارها) حاولوا انتزاع الخلافة من الإمام، وإرجاعها الى غيره، كما كانوا يفعلون من قبل (ولكم علينا الخ).. الضمير في حقه الضمير في حقمه وسنته يعود الى رسول الله، والمراد بالنعش رفع الشأن وإعلاء الكلمة، والمعنى ان لله وللمسلمين علي حقاً أنا قائم به : وهو العمل بكتاب الله وسنة نبيه، وإعلاء كلمة الرسول ورسالته.

وبعد، فهما لأحد من الصحابة شيء من الاحترام والقداسة خليفة كان، أم خليفة ورحماً كان للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أم غير رحم إلا بالتقوى والعمل بسنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من ألفها الى يائها، ومرادنا بسنة الرسول الأعظم ادنا بسنة الرسول الأعظم ما أتى به على جهة الوجوب، ومن أمسك عن غيره مما فعله النبي - وسعته السنة، ولا تجوز نسبته

الى البدعة، أما قوله : «من رغب عن سنتي فليس مني» فالمقصود منه السنة الواجبة دون المستحبة، نقول هذا مع العلم بأن بعض الروايات أطلقت كلمة السنة على المستحب، وكذلك أكثر الفقهاء أو الكثير منهم يقولون : هذا سنة، وهم يريدون الندب ولكن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «فليس مني» دليل على إرادة الوجوب من السنة فقط.

الخطبة - 168-

الرائد لا يكذب أهله :

أرأيتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعْثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْث فرجعت إلَيْهِمْ وَأَخْبَرَتَهُمْ عَنِ الكَلَا وَالمَاءِ فَخَالَفُوا إلى المَعَاطِش والمَجَادِبِ مَا كُنتَ صَانِعاً ؟ قَالَ كُنتُ تَارِكَهُمْ وَمُخَالِفهُمْ إلى الكلا والماء. فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَام) : فَامْدُدْ إذَا يَدَكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ فَوَاللهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَبعَ عِنْدَ قِيام الحجَّةِ عَلَى، فَبَايَعْتُهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ). وَالرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكَليب الْجَرْمِي.

اللغة :

الرائد : رسول القوم ينظر لهم مكاناً للنزول. والكلأ : الربيع. والمعاطش : مواضع العطش. والمجادب : مواضع الجدب والمحل

الإعراب :

المصدر من ان الذين فاعل لفعل محذوف أي لو ثبت كون الذين الخ، ورائداً حال، وما كنت «ما» للاستفهام مبتدأ، وجملة ما بعدها خير. والمجموع جواب لو.

المعنى :

قال الشريف الرضي : ان قوماً من أهل البصرة أرسلوا رجلاً الى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ليعلم لهم حاله مع أصحاب الجمل، ولما اجتمع الرجل بالإمام وسأله وسمع منه، اقتنع بأنه على حق، وخصومه على باطل وعندها قال له الإمام : بايعني إذن. فقال للرجل : اني رسول قوم، ولا أحدث حدثاً حتى أرجع اليهم.

فقال له الإمام : (أرأيت لو ان الذين الخ) أرسلوك لتبحث عن مكان الأمن والخصب، وترشدهم اليه، وقد بحثت واهتديت وأرشدتهم الى ما يبتغون، فلو خالفوك وذهبوا الى مكان الجدب والخوف، فهل تذهب معهم، أو الى مكان الخصب والأمن الذي شاهدته بنفسك ؟ فقال الرجل : بل أتركهم وأذهب الى ما رأيت وشاهدت. فقال له الإمام : اذن فامدد يدك وبايع. فاستجاب وقال : فوالله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة. وهكذا كل من طلب الحق لوجه الحق، يؤمن بسهولة وتلقائياً ادا قام البرهان، أما صاحب الميول والأهواء فيقع في التيه والضلال مدة حياته.

الخطبة - 169 -

دعاء :

اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ المَرْفُوعِ، وَالْجُو المَكْفُوفِ، الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغيضاً للَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمَجْرَى لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، ومختلفا النجوم السيارة، وجَعَلْتَ سُكَّانَهُ سبطاً مِنْ مَلائِكَتِكَ لا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ. وَرَبَّ هذِهِ الْأَرْضِ التي جَعَلْتَها قَرَاراً لِلْأَنامِ وَمَدْرَجاً لِلْهَوَامُ وَالْأَنْعَامِ وما لا يخصى مما يُرى ومما لاَ يُرى. وَرَبِّ الجبال الرواسي التي جَعَلْتَها لِلْأَرْضِ أَوْتَادًا، وَلِلْخَلْقِ اعتماداً، إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُونَا فَجَنِّبْنَا البَغْيَ وَسَدَّدْنَا لِلْحَقِّ، وَإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ وَأَعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ، أَيْنَ المانِعَ لِلذَّمَارِ وَالْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الحفاظ. العَارُ وَرَاءَكُمْ وَالجَنَّةُ أَمَامَكُمْ.

اللغة :

الجو : الفضاء بين جرمين أو أكثر. والمغيض : مجتمع الشجر في الماء والهوام : الحشرات والأفاعي. والذمار : ما تلزم حمايته والدفاع عنه. والغائر : من يغار على نسائه. والحفاظ : الوفاء ورعاية الذمم.

المعنى :

(اللهم رب السقف المرفوع) أي رب السموات، وهي سقف بالنظر الى العلو، وفي رؤية البصر لا في الواقع، تماماً كما نرى الشمس تدور من المشرق الى المغرب، والأرض ساكنة مستريحة مع أنها تدور بنا، والذي نراه فوقنا كان قبل ساعات تحت أقدامنا، والذي على يميننا كان قبل قليل على يسارنا كما جاء في كتاب «مع الله في السماء، لأحمد زكي، الفصل الثالث ما السماء» ؟

(والجو المكفوف الذي جعلته مغيضاً لليل والنهار). بين الشمس والأرض فضاء، وهذا الفضاء يسمى جواً، أما الليل والنهار فها وصفان أو أثران لدوران الأرض في محورها مرة واحدة في اليوم الواحد وبهذا يتعاقب على أطرافها النور الذي نسميه نهاراً، والظلام الذي نسميه ليلاً، وإذن فالليل والنهار تابعان لا مستقلان، يحدث الأول في الجو المحاذي لطرف الأرض غير المقابل للشمس، ويحدث الثاني في الجو المحاذي لطرفها المقابل للشمس.

وبهذا يتبين معنا ان الليل والنهار موجودان في الأرض في آن واحد، ولكن كلا منهما في طرف منها، وكل الناس يعرفون ان ليل الشرق نهار في الغرب، وبالعكس، وقد عبر الإمام عن مجمع الليل والنهار في زمان واحد، عبر عنه بالمغيض من باب الاستعارة من المكان الى الزمان (انظر معنى مغيض في فقرة اللغة (أما كلمة مكفوف فإنها تشير الى ان الكواكب الموجودة في الفضاء مكفوفة وممنوعة عن الفوضى والسقوط، وانه تعالى قد أمسكها بتوسط الجاذبية «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ - 41 فاطر».

(ومجرى للشمس والقمر ومختلفاً للنجوم السيارة). الشمس تدور حول نفسها،

والأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، والقمر يدور حول نفسه وحول الأرض، والجو هو السبيل الذي عهد لدوران الشمس والقمر والأرض وغيرها من الكواكب والأجرام، ولولاه لتعذرت الحركة بشتى أنواعها، أما الكواكب السيارة فمنها عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل وغيرها و تسمى هذه بالمجموعة الشمسية.

وبعد، فإن المدير الأعظم سبحانه خلق الكون وأودع فيه القوانين تفعل فعلها، وتحدث أثرها المطلوب بدقة وعناية، وفي كل آن ولحظة واذا كان هذا من غير قصد وهدف لم يبق أي فرق بين الفوضى والنظام، وبين ما تجمعه الرياح من قلول الرمال في الصحراء، وبين المدن، وبين المدن والعواصم.

(وجعلت سكانه سبطاً من ملائكتك الخ).. و هم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول، وبأمره يعملون وبأمره يعملون.. هذا ما نؤمن به، هذا ما نؤمن به، ولا خبره لنا حقيقة الملائكة وحياتهم، ولا نقول عن جهل، أما تفسير الكلمات التي جاءت في وصفهم فتقدم في شرح الخطبة 1 و 90 (ورب هذه الأرض الخ).. نحن والحيوانات والطيور والحشرات، وما نعرف ولا نعرف من المخلوقات الأرضية، الكل من تربة هذه الأرض تسيطر على حركاتهم وسكناتهم، ثم تطويهم في جوفها الى أن يبدل الله الأرض (ورب الجبال الرواسي الخ) للجبال منافع، منها ان الانسان با يعتصم من السيول والغارات، وانها تفجر العيون كما سبق في الخطبة 90، وأهم منافعها اطلاقاً ان الأرض لولا الجبال ارادت جاذبية الشمس لها وتناثرت بما فيها في الفضاء أشلاء وهباء «وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ – 15 النحل».

(إن أظهرتنا على عدونا الخ) مهتد الإمام أولاً بالتضرع الى الله سبحانه، وأثنى عليه، ثم سأله مخلصاً أن يجنبه البغي، ويسدده لإقامة الحق ونصرة العدل إن كتب له الغلبة على أعدائه، وإن كان قد قضى لهم بالنصر دونه فليمن عليه بالشهادة في طاعته، والعصمة عن معصيته، وهذا الابتهال والسؤال، وهذا الابتهال والسؤال يوحي بما يلي :

1 - شعور الإمام بجلال الله وعظمته. وثقته بعدله ورحمت وثقته بعدله ورحمته، وخوفه من غضبه وعذابه.

2 - اعراض الإمام عن الدنيا وزهده في الحكم والسلطان، بل والتفوق على الأعداء، وتفويض أمره الى الله في كل شيء، ولا يطلب منه شيئاً حتى النصر على الأعداء إلا شيئاً واحداً، وهو الرضا، وبالخصوص ساعة الموت ولأن

الشهادة أفضل الطاعات على الإطلاق ولذا طلب من ربه أن يجعلها خاتمة حياته.

3 - ان كان الله سبحانه قد كتب له النصر على أعدائه فليكن النصر التوفيق لإقامة الحق والعدل، والانتصاف للمظلوم من الظالم هذا هو الفرق بين علي وبين الناس، كل شيء عنده وسيلة لطاعة الله ومرضاته : الجاه المال، السلطان النصر على الأعداء، الحياة، أما الناس فكل شيء عندهم حتى الدين - وسيلة الى التفاخر والتكاثر والتشفي والانتقام.

وجملة القول انه لا فرق أبداً عند الإمام بين أن ينتصر أو ينهزم في هذه الحياة، ومثله الأعلى مرضاة الله، ومن أجل هذا لا يقبل علي بن أبي طالب النصر على أعدائه إلا بشرط التوفيق لإحقاق الحق، وإبطال الباط.

(أين المانع للذمار الخ).. هذا حث منه لأصحابه على الجد في الجهاد وان جزاءهم عند الله الفوز والنجاح دنيا وآخرة ان استجابوا طائعين، وإلا عاشوا في الحياة الدنيا أذلاء صاغرين، ولهم في الآخرة عذاب أليم.

الخطبة - 170 -

الإمام وقريش.. فقرة 1:

ااَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءٌ وَلَا أَرْضِ أَرْضاً. وَقَالَ قَائِل : اِنَّكَ عَلى هُذَ الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِب لَحَرِيصٌ، فَقُلْتُ بَلْ أَنتُمْ وَاللهِ لأخرَضُ وَأَبْعَدُ، وَأَنَا أَخَصُ وَأَقْرَبُ، وإنما طَلَبْتُ حَقًّا لِي وَأَنتُم تَكُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ. فَلَمَّا قَرَعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلَا الْحَاضِرِينَ هَبَّ لَا يَدْرِي مَا يُجيني به. اللهم إني أستعينك على قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَصَغَرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وأَجْمَعُوا عَلى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لي. ثُمَّ قَالُوا أَلَا أَنَّ فِي الحَقِّ أَن تأخذَهُ وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتركه (1).

اللغة :

لا تواري : لا تحجب. قرعته : من القرع بالعصا. هب : هاج وثار بهت : أخذ : أخذ بغتة.

الإعراب :

لحريص خبر انك، وعلى هذا الأمر متعلق به، والمصدر من أن تأخذه اسم ان، وفي الحق «في» معناها السببية أي لك أخذ هذا الأمر بسبب الحق.

المعنى :

(الحمد لله الذي لا تواري الخ) لو تراكمت الكواكب بكاملها الواحد منها فوق الآخر لكان علمه تعالى بالأدنى المحجوب تماماً كعلمه بالأعلى المكشوف والقصد ان الله سبحانه محيط بكل شيء. ولا يحجب علمه شيء.

(وقد قال قائل – الى - ما يجيبني به). نقل نقل ميثم وهو يشرح هذا المقطع من الخطبة عبارة ابن أبي الحديد بالحرف، واستوعبت أكثر من صفحة دون أن يشير الى المصدر، كما هو شأن الأولين أو أكثرهم... وروى ابن أبي الحديد: إن الذي قال للإمام : انك لحريص على الخلافة هو سعد بن أبي وقاص، وان هذا الكلام جرى منه يوم الشورى وقيل : بل الذي قال هذا للإمام هو أبو عبيدة بن الجراح، وانه خاطب به عليا يوم السقيفة.. وأياً كان القائل فقد أجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن الخلافة حق لي، ولا يعاب المرء بالحرص على حقه، وانما يعاب من أخذ ما ليس له، كما فعل أصحاب هذا القائل، فأفحم واهتزت أعصابه لا يدري ما يقول.

ويدلنا هذا الحوار ان الصحابة كانوا يختلفون ويتناقضون في الرأي، ولكن اختلافهم كان يقف عند حد النقاش والحوار وقرع الحجة بالحجة، ولا يتجاوزه الى سفك الدماء والاحتكام الى السيف حتى كان من طلحة والزبير ومعاوية ما كان حيث حولوا سيف الاسلام وبأسه من أعدائه الى أوليائه، وفتحوا باب الحرب بين أهل القبلة.

(اللهم اني أستعينك على قريش – الى- هو لي). تألبت قريش على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتفننت في أذاه والتنكيل بمن صدقه وآمن به فأسمت النبي مجنوناً و كاهناً وطالب ملك، ثم شردته من موطنه، ثم جمعت لحربه في بدر وأحد والأحزاب وأخيراً استسلم طغاتها للقوة، وما أسلموا، بل نافقوا وارجفوا، وبعد أن انتقل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الى الرفيق الأعلى، وسنحت الفرصة لقريش مثلت

نفس الدور مع حبيبه ووصيه، حبيبه ووصيه، أجمعت على منازعته في الخلافة، وتناقلتها من يد الى يد، ولما عادت الى علي أعلن عليه الحرب من أعلن من قريش، ونافق منها من نافق تماماً كما فعلت مع سيد الكونين من قبل.

(ثم قالوا - أي قريش - ألا ان في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه). ويصدق هذا على أصحاب الجمل الذين خرجوا بجرون زوجة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما تأتي الإشارة بلا فاصل، يصدق هذا عليهم لأنهم بايعوا الإمام ثم نكثوا البيعة، فحجتهم بأن بيعتهم له تشكل اعترافاً منهم بأن الخلافة حق من حقوقه، لا ينبغي لأحد أن ينازعه فيها، وثورتهم عليه بالبصرة تشكل اعترافاً بأن الإمام لا حق له في الخلافة، وان عليه أن يتنازل عنها !.. وهذا هو التهافت والتناقض بعينه.

أصحاب الجمل.. فقرة 2 :

فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرمَةَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كما تُجرُّ الأمة عِنْدَ شِرَائِها، مُتَوَحِهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهِ فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَخزَّانِ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا. فقتلُوا طَائِفَةٌ صَبْراً، وطَائِفَةً قَدْراً. فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلا رجلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ بِلَا جُرْم جَرَّهُ، لَحَل لي قَتْلُ ذلِكَ الْجَيْشِ كَلَّهِ إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانِ وَلَا يَدٍ. دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ المسلمِينَ مِثْلَ العِدَّةِ التي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ (2).

اللغة :

المراد بحرمة رسول الله، وحبيس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) زوجته والأصل في معنى الصبر الحبس، والقتل صراً : القتل بعد الحبس. والغدر : الخيانة والعدة - بضم العين - الاستعداد، وبكسرها العدد والجماعة.

الإعراب :

طائعاً حال من الضمير في سمح، وغير مكره صفة مؤكدة لطائع، وصيراً وغدراً مفعول مطلق لقتلوا مبيناً للنوع مثل جلست القرفصاء، ورجلاً مفعول يصيبوا، ومعتمدين حال من واو يصيبوا. ودع ما أنهم (ما) زائدة.

المعنى :

(فخرجوا يجرون - الى - البصرة). أخرج طلحة والزبير أم المؤمنين عائشة من خدرها، وأركباها الجمل ليؤدي مهمة قميص عثمان الذي نشره معاوية في بلاد الشام لكسب الأصوات، وعلى الأصح لكسب السيوف والرماح ضد جماعة المسلمين، وكانت هذه أول بدعة في الإسلام وتليها الشهادة بأن الكلاب الناتجة على الجمل ليست كلاب حواب.

(وحبسا نساء هما - الى - لغيرهما). ضمير التثنية للزبير وطلحة اللذين تجرءا على إخراج عائشة من خدرها : وأظهراها للملأ. وأبقى كل منهما زوجته في الخدر !. ووصف الإمام عائشة بالحبيس لقوله تعالى : «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى - 33 الأحزاب» أو لأنها محبوسة عن الرجال بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

(في جيش – الى - عذراً). كل أصحاب الجمل كان قد بايع الإمام أو رضي ببيعته، القائد منهم والمقود، ثم نكثوا وأعلنوا عليه الحرب، وأسروا عامله على البصرة عثمان بن حنيف ونكلوا به ومثلوا، وقتلوا من المسلمين خلقاً كثيراً على حد ما قال ابن أبي الحديد، قتلوا بعضهم صبراً، وبعضهم غدراً والأول القتل بعد الحبس أو الأسر، والثاني القتل خيانة للدين والضمير.

(فوالله لو لم يصيبوا - الى - كله). يقسم الإمام بأن جيش الجمل بأكمله يستحق القتل لو قتلوا عن قصد رجلاً واحداً، وعلل ذلك بقوله : (اذ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا بيد). وتساءل الشارحون وغيرهم حول هذا التعليل وقالوا : هل يجوز قتل من لم ينكر المنكر مع تمكنه من الانكار.

وأجاب البعض بأنه يجوز شرعاً قتل الساكت عن إنكار المنكر القدرة عليه. وقال آخر : مراد الإمام أن من اعتقد جواز القتل بغير الحق فقد أنكر ضرورة دينية. ومن البداهة ان هذا مرتد، والمرتد مباح الدم.. وفي كل من الجوابين نظر، لأنه ما من عاقل يحبذ ويحلل القتل بلا جريمة، وأيضاً الفقهاء لا يستحلون دم الساكت عن المنكر، وان استطاع الانكار.. والأولى في الجواب أن يقال ان الإمام يتحدث عن الذين شقوا عصا الطاعة بخروجهم على إمام الزمان ظلماً وعدواناً، وقطعوا الطريق للإفساد في الأرض، فإذا قتل بعض هؤلاء مسلماً بريئاً، ورضي بعضهم الآخر ولم يدفع مع قدرته على الدفع، فقد حل قتل الجميع بلا استثناء.

وإن قال قائل : من خرج على إمام زمانه يحل قتله على كل حال، أفسد في الأرض، أم لم يفسد. قلنا في جوابه : كلا، لأن لأن مفهوم الخروج على إمام أما مجرد عدم السمع والطاعة فهو الزمان لا يتحقق شرعاً ولا عرفاً إلا بالإفساد، ذنب، ولكنه ليس بخروج، ولا تجري عليه أحكامه.

(دع ما أنهم قتلوا من المسلمين الخ (من المسلمين الخ).. إن أصحاب الجمل إن أصحاب الجمل لم يكتفوا بقتل واحد، بل قتلوا ما يضاهي عددهم أو يزيد. وتقدم الكلام عن أصحاب الجمل مرات، وفي شرح خطب كثيرة ومن أراد التفصيل من الوجهة التاريخية فعليه بشرح ابن أبي الحديد، فقد أطنب هنا وأطال.

الخطبة - 171 -

أقاتل رجلين.. فقرة 1 - 2 :

أمِينُ وَحْيِهِ، وَخَاتَمُ رُسُلِهِ، وَ بَشِيرُ رَحْمَتِهِ، وَنَذِيرُ نِقْمَتِهِ. أَيُّها النَّاسُ إِنْ أَحَقِّ النَّاسِ بهذا الأمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ فِيهِ. فَإِن شَغَبَ شَاغِبُ اسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ كانَتِ الْإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ فَا إِلَى ذلِكَ سَبِيل، وَلَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ وَلَا لِلْغَائِب أَنْ يَختَارَ. أَلَا وَإِنِّي أَقَاتِلُ رَجلَيْن : رَجُلاً اَدَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ (1). أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّها خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ، وَخَيْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللهِ. وَقَدْ فُتِحَ باب الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَلَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ وَالْعِلْمِ بَمَوَاضِعِ الحَقِّ. فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ به،

وقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ. وَلَا تَعْجِلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا، فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَرا (2).

اللغة :

شغب : أثار الشر وهيجه، واستعتب : طلب منه أن يرضى بالحق، واستعتب : طلب هو الرضا عن غيره. وغير - بكسر الغين وفتح الياء - الأحداث، والمراد به هنا التغيير.

الإعراب :

أمين وحيه خبر لمبتدأ محذوف أي محمد أمين وحيه، والمصدر من أن يرجع اسم ليس ورجلاً وآخر بدل مفصل من مجمل والمبدل منه (رجلين»، وغيراً اسم ان مؤخر، ولنا خبر مقدم.

المعنى:

(أمين وحيه الخ).. الأمين البشير النذير الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل هو رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والضمير في رحمته ونقمته لله سبحانه، وقد أدى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمانة الله، كما أراد صاحبها، وهي الدعوة الى الحق والعدل، والى الحرية والمساواة، وكانت هذه الدعوة وما زالت تلقى المقاومة من المستغلين الطغاة، فحاولوا أن يثنوا رسول الله عنها بالمال والملك، ولما صمد لجأوا الى ايذائه بكل ألوان الإيذاء، فصر ايماناً منه بأن الحق لا بأن الحق لا بد أن ينتصر، وان الباطل لا بد أن يندثر وقد نصر الله من نصره، وخسر هنالك المبطلون.

من هو الخليفة ؟

(إن أحق الناس الخ).. قلنا فيما سبق ونعيد الآن : إن النص أداة تحكي

وتخير عما هو كائن وموجود بالفعل، وانه لا ينشيء ويؤسس، واذن فهو فرع لا أصل، وتابع لا متبوع متبوع، ومن أجل هذا ومن أجل هذا لم يقل الإمام: إن أحق الناس بهذا الأمر من ورد النص في حقه، وانما أشار الى الأصل والأساس وقال : إن أحق الناس بالحكم والسلطان من اجتمع فيه شرطان :

1 - أن يكون أقوى الناس لا بالمكر والخداع، والتلون حسب الظروف والمقتضيات، ولا بتوطيد سلطانه على أساس الظلم والجور بل يكون أقوى الناس في إقامة الحق والعدل، لا تأخذه في ذلك مغريات الشياطين، ولومة اللائمين.

2 - أن يكون أعلم الناس فيما يعود الى منصبه واختصاصه وهذا الشرط الأخير يرجع الى الأول لأن الجهل عجز، والعلم شرط أساسي للتنفيذ والعمل، وبدونه يستحيل أن يصل الانسان الى شيء معقول، له وزنه وقيمته.. وما عرف التاريخ أقوى وأصلب في الحق من علي، ولذا قال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : يدور الحق مع علي كيفما دار، رواه الترمذي في صحيحه ج 2 ص 298 بمطبعة بولاق سنة 1298هـ. أما علمه فهو عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تلقاه منه مباشرة بأذن وأعية، وقلب ذاكر، وعقل حافظ، واستمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يغذيه من علمه وأخلاقه ليله ونهاره مدة تنوف على ثلاثين عاماً، وبعد أن اطمأن الى علمه أجازه بهذه الشهادة : «أنا مدينة العلم، وعلي بابها» رواه الحاكم الحافظ في «مستدرك الصحيحين» ج 3 ص 136 بمطبعة منيمنة بمصر سنة 1313 هـ كتاب «فضائل الخمسة».

(فإن شغب شاغب استعتب). إذا تمت البيعة للإمام القوي العالم العادل، ثم شق العصا فاسد شرير، وخرج على الجماعة يعرض عليه أن يفيء الى أمر الله بالحسنى فإن فاء فذاك، وإلا فآخر الدواء الكي كما قال سبحانه : «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ - 9 الحجرات».

(ولعمري لئن كانت الإمامة - الى - أن يختار). أثبتها فيما تقدم أن الإمام تسلم الخلافة من جمهور المسلمين، وفي طليعتهم المهاجرون والأنصار ومنهم طلحة والزبير اللدان بايعا، ثم نكثا، وكان معاوية في الشام، وابن العاص

في فلسطين حين عقد المسلمون البيعة الإمام (ولا للغائب أن يختار) غير الذي اختاره المسلمون تجنباً للفتنة، ولأن مصالح الجميع مشتركة، والأهداف واحدة، والمهم تحقيقها، أما البيعة فوسيلة لا غاية.. هذا، الى أن ابن العاص ومعاوية اعترفا بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وكل الناس يعلمون ان البيعة تمت للأول باثنين : عمر وأبي عبيدة، وللثاني بواحد، وهو أبو بكر، وهو أبو بكر، وللثالث بأربعة أو خمسة، وهم أهل الشورى ما عدا المختار للخلافة، وحضور الأمة بكاملها للبيعة متعذر ومستحيل.

وفي كتاب «المواقف» للإيجي ج للإيجي ج 8 ص 352 طبعة سنة 1907 : ان البيعة بالخلافة تتم بالرجل الواحد والاثنين وفي كتاب «المغني» لابن قدامة ج 8 قتال أهل البغي : «ان عبد الملك خرج على ابن الزبير، فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعاً وكرها، فصار إماماً يحرم فصار إماماً يحرم الخروج عليه». وفي کتاب «فلسفة التوحيد والولاية» أثبتنا بالنقل عن الكتب الرئيسية عند السنة انهم يبررون كل ما يقع ويعتبرونه شرعياً، والعبارة التي نقلناها هنا عن كتاب «المغني» - وهو من المراجع المعتبرة عندهم - تؤيد ذلك، وقد مهد لها صاحب الكتاب بقوله : «ولو خرج رجل على الإمام، فقهره وغلب عليه بسيفه حتى أقروا له وأذعنوا بطاعته صار إماماً يحرم قتاله والخروج عليه».

ومجمل القول ان غرض الإمام من قوله «لئن كانت الإمامة لا تتعقد» هو مجرد الاحتجاج على معاوية وابن العاص وأمثالهما بصرف النظر عن تحديد معنى الخلافة، ووسائل ثبوتها وإثباتها

(ألا واني أقاتل رجلين الخ).. الخلافة حق شرعي الإمام باتفاق المسلمين ومع هذا صرح الإمام بأنه لا يتعرض بسوء لمن يرفض خلافته وينكر حقه فيها شريطة أن لا يرتكب جريمة السلب والنهب، أو جريمة التمرد والامتناع عن أداء الحق.

(وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة). عاش المسلمون بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بسلام فيما بينهم حتى تم الحلف الثلاثي لحرب علي من امرأة ورجلين : ولولا عبدالله بن عمر لكان رباعياً من امرأتين ورجلين : طلحة والزبير، وعائشة وحفصة، وهكذا فتحت أول جبهة للحرب بين المسلمين، وجرت وراءها جبهات

مزقت كل ممزق، ولاقوا من آثارها كل ذل وهوان.. الى اليوم، والى آخر يوم.. إلا أن يشاء الله.

(ولا يحمل هذا العلم - بفتح اللام - إلا أهل البصر والصبر) على الجهاد وقد تكلم الفقهاء عن حكم من شق عصا المسلمين، وأفردوا لهم في كتبهم بابا مستقلاً بعنوان «قتال أهل البغي» واتفقوا على وجوب قتالهم حسنى يفيئوا الى أمر الله، لقوله تعالى : «فقاتلوا التي تبغي الخ».. وقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من خرج على أمتي وهم جمع فاضربوا عبقه كائناً من كان.

وقال الإمام : لا يجوز قتالهم إلا لأهل «العلم بمواضع الحق» لأن الباغي يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن قالها قدمه وماله وعرضه حرام إلا بمبرر قاطع، وهى دفع الضرر الأشد بالضرر الأخف، وقديماً قيل : «وفي الشر منجاة حيث لا ينجيك إحسان» وفي قوله تعالى : «إلا ما اضطررتم اليه» غنى عن كل قول كل قول. ومن البداهة ان تحديد الشر، وتحديد الإحسان الذي يمكن أن يدفع به الشر، ثم الموازنة بين الشر الأشد، والأخف، كل ذلك يحتاج الى العلم والمقدرة على التمييز والتنفيذ.

والإمام أعرف الناس بذلك، وبالدين وشريعته بعد سيد الكونين. ونقل المؤرخون ان الإمام كان يسأل الثائرين عليه،، ويقول لهم : ماذا تنقمون ؟. فإن ذكروا شبهة نظر فيها بصدق وإخلاص، وإن ذكروا علة أزاحها. ونقل عن الشافعي أنه قال : لولا علي ما عرفنا أحكام أهل البغي. وبعد أن استفرع الإمام كل وسيلة لرجوع أهل البغي عن بغيهم، ويأسه منهم، قال لأصحابه : (فامضوا لما تؤمرون به) من القتال (وقفوا عندما تنهون عنه) من قتل المدبر والإجهاز على الجريح، وإزعاج النساء والأطفال (ولا تعجلوا في أمر الخ) لا تعملوا بالرأي والاجتهاد، فقد يكون الرشد في خلاف ما ترون، وإن رأى أحدكم رأياً في شيء من الحرب وتوابعها، فليعرضه علي، فإن لي كل الحق أن أغير وأعدل من آرائكم على أساس الشرع والمصلحة.

الدنيا.. فقرة 3 - 4 :

أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا ألَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّونَهَا وَتَرْغَبُونَ فِيهَا، وَأَصْبَحَتْ تُغْضِيكُمْ وَتُرْضِيكُمْ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَلَا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَلَا الَّذِي دُعِيمُ إِلَيْهِ. أَلَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَلَا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا. وَهِيَ وَإِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَرَتُكُمْ شَرَّهَا. فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا، وَأَطَماعَهَا لِتَحْوِيفِهَا. وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا وَأَنْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا (3) وَلَا يَخننْ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُويَ عَنْهُ مِنْهَا. وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم بِالصَّبْرِ على طاعة الله وَالْمُحَافَظَةِ عَلى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ. أَلَا وَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمْ تَضييع شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَة دِينِكُمْ. أَلَا وَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تضييع دِينِكُمْ شَيْءٌ حَافَظَتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ دُنْيَاكُمْ. أَخَذَ اللهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إلى الحق، وألهمنا وإيَّاكُمُ الصَّبْرَ (4).

اللغة :

الخنين : البكاء مع إخراج الصوت من الأنف. وزوي : قبض. وقائمة الدين : أركانه، أو القيام بأمره ونهيه.

الإعراب :

جملة ليست بداركم خبر ان هذه الدار، وليست بباقية الباء زائدة، وحفظكم من إضافة المصدر الى فاعله، وقائمة مفعول حفظكم.

المعنى :

(ليست - الدنيا بداركم، ولا منزلكم الذي خلقتم له). هل وجد الانسان بعقله وجميع طاقاته ليقيم في هذه الأرض أمداً قصيراً، ثم يذهب بلا رجعة تماماً كما يدخل مطعماً أو مقهى ؟. وقد أجاب عن هذا السؤال خالق الانسان بقوله، عز من قائل : «وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ – 36 البقرة». «إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ - 39 غافر». واذن فالانسان خلق لدار الخلود والبقاء لا لدار الزوال والفناء. (وسابقوا فيها الى الدار التي دعيتم اليها). ما دامت الدنيا ممراً لا مقراً فعلام هذا التكالب والتهالك على ملذاتها وشهواتها ؟ أليس الأجدر بكم أن تعملوا لدار السلامة والإقامة ؟.

(ولا يختن أحدكم الخ).. ارضوا من الدنيا بما تيسر، ولا تبكوا على فاتكم من حطامها بكاء سوداء على سوار أو محبس ضاع منها (واستتموا نعمة الله عليكم الخ).. انه تعالى أغدق عليكم الكثير من نعمه فاتقوه استماماً لإنعامه (وانه لا يضركم تضييع شيء الخ).. من احتفظ بدينه لا يضره شيء يفرته من مال وجاه، أو صحة وولد أو صحة وولد، ومن خسر دينه فقد خسر كل شيء، وإن ملك الدنيا بكاملها : «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا - 103 الكهف» ؟. وبكلمة الإمام : «الغنى والفقر بعد العرض على الله» لا الآن، ولا بالثروات وإشباع الشهوات.

وتكرر الحديث عن الدنيا فيما سبق من الخطب، ولذا أسرعنا وأوجزنا على ان من لم يكن لنفسه واعظاً فلا ينفعه واعظ ولا واعظة.

الخطبة - 172 -

تهديد الإمام بالحرب :

قدْ كُنتُ وَمَا أَهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلَا أَرَهَبُ بِالضَّرْب. وَأَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ. وَاللهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَب بدَم عُثمان إلَّا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ لأَنَّهُ مَظِينّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصَ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيُلْبِسَ الْأَمْرَ وَيَقَعَ الشَّكُ. وَوَاللهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثمانَ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلاثٍ : لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِما - كما كان يَزْعُمُ - لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَازِرَ قَاتِلِيهِ أَوْ يُنَا بِذَ نَاصِرِيهِ. وَلَئِن كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَنَهْنِهِينَ عَنْهُ، وَالْمُعَذرِينَ فِيهِ. وَلَئِن كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الخصْلَتَيْنِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَيَرْكُدَ جَانِباً وَيَدَعَ النَّاسَ معَهُ، فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةٌ مِنَ الثَّلَاثِ، وَجَاءَ بِأَمْرِ لَمْ يُعْرَف بَابُهُ، وَلَمْ تسلم معاذيره.

اللغة :

تجرد للأمر : تفرغ له، وجد فيه. وقال الشيخ محمد عبده : كأنه سيف و تجرد من غمده. والمظنة : موضع الظن موضع الظن وأجلب وأجلب : ألب. واللبس : الشبهة والإشكال، ولكن المراد به هنا الدلس والمكر والخداع. يؤازر قاتليه : ينصر من قتله. ينابذ ناصريه : يحارب من نصره، والمتهنهين عنه : الزاجرين عنه و المعذرين فيه : المعتذرين عن فعله. ويركد : يسكن لا يتحرك سلباً ولا إيجاباً. ومعاذير جمع معذرة.

الإعراب :

كنت كان تامة، والتاء فاعل، ومتجرداً حال من فاعل استعجل، وخوفاً مفعول من أجله لاستعجل، والمصدر من، والمصدر من أن يكون فاعل ينبغي، وجانباً منصوب على الظرفية.

المعنى :

أرسل طلحة إلى الإمام تهديداً وإنذاراً بالحرب.. فقال الإمام : «قد كنت وما أهدد بالحرب، ولا أرهب بالضرب». علي هو قاتل مرحب، سيد فرسان اليهود وابن ود الذي كان يُعد بألف، على هذا يهاب الحرب والضرب ؟ وهل أدبر علي من مناجز، أو ناجزه فارس فسلم ؟.. اللهم إلا ابن العاص، وابن أرطاة ! ودع قوة علي وبطولته، واستمع اليه في هذه الأمنية أو «الأغنية» : «والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه». ولأنسه وسعادته بالموت في مرضاة الله بات على فراش رسول الله ليلة الهجرة، والسيوف تلمع فوق رأسه، وكأنها قوارير من عطر، أما الفراش فمن الورد والريحان.

(وأنا على ما قد وعدني ربي من النصر). كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد أخبر الإمام بخير الجمل وأصحابه، وان الله سبحانه كتب له النصر عليهم وأيضاً روت عائشة ان النبي قال لأزواجه : أيتكن صاحبة الجمل، وإذا كان الإمام على يقين من وعد الله بالنصر فكيف يخاف التهديد والوعيد !

طلحة وعثمان :

(والله ما استعجل متجرداً بدم عثمان الخ).. المقصود بهذا طلحة...وكل ما قرأته من القديم والحديث يؤكد ان طلحة ألهب الثورة على عثمان الثورة على عثمان، وان قسوته عليه تجاوزت كل حد حتى أرسل رجاله يرمون جنازة عثمان بالحجارة، كما أصر على دفنه في مقبرة اليهود !.. واتفق علماء المسلمين كافة على استحباب دفن المسلم في مقبرة يكثر فيها الصالحون، أما علماء الشيعة فقالوا : لا يدفن المسلم إلا في مقابر المسلمين، ولا يدفن فيها غير المسلم بحال.

وشرح ابن أبي الجديد قول الإمام : (خوفاً من أن يطالب - طلحة -بدمه) شرحه بأقوال الطبري والواقدي والمدائني، وتتلخص هذه الأقوال مجتمعة بأن عثمان عندما حوصر دخل الإمام علي دار طلحة، فوجدها رحاماً من الثوار، فلام صاحبها على ذلك، وقال: ما هذا الأمر الذي وقعت فيه يا طلحة ؟ فقال طلحة : لقد بلغ الحزام الطبيين. فتركه الإمام، وذهب الى بيت المال، وأخرج ما فيه، وأعطاه للناس، وبهذه الضربة المحكمة فوت الفرصة على طلحة، فقد تفرق الذين تجمعوا حوله، وبقي وحيداً. وقد شكر عثمان هذه اليد لعلي. وبعد أن قتل عثمان أبى الثوار أن يسمحوا بدفنه، فعزم عليهم الإمام أن يكفوا عن جثمان القتيل فاستجابوا وكفوا، ولما حملت الجنازة الى مقرها الأخير أرسل طلحة جلاوزته يرمونها بالحجارة، ويصيحون : نعثل نعثل ! وقال طلحة : ادفنوه بدير سلع يعني مقابر اليهود.

فعل طلحة هذا بعثمان حياً وميتاً، ثم طالب بدمه !.. ولماذا طالب به ؟ لأنه (أراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلبس الأمر ويقع الشك) في جريم الشلك (في جريمته ومسؤوليته عن دم عثمان خوفاً أن يؤخذ به ولكن سهم مروان حفر لطلحة حفرته كما حضر هو حفرة عثمان.. ونقل عبد الكريم الخطيب في كتاب علي بن أبي طالب عن تاريخ ابن أعثم: إن مروان قال يوم الجمل : اني لأعجب من طلحة لم يكن أشد منه على عثمان، واليوم جاء يطلب ثأره.!. ثم أخرج سهماً مسموماً من كنانته، فرماه به، فشك قدمه الى ركابه.

(والله ما صنع - طلحة - في أمر في أمر عثمان واحدة من ثلاث الخ.. سؤال واضح وبسيط يوجهه الإمام لطلحة الذي جمع لحربه ثائراً لدم عثمان : هل يعتقد طلحة ان عثمان يستحق القتل لأنه استبد وجار - كما كان يزعم - طلحة وإذن

فلماذا يطالب بدمه ؟ بل عليه أن ينصر أو يسالم - على الأقل - من قتل عثمان، وأن يخذل من نصره ودافع عنه كمروان مع انه تحالف معه للطلب بدم عثمان، أو ان طلحة يعتقد أن عثمان قتل مظلوماً، وإذن كان عليه أن يذب عنه ويمنع، ولا يحرض الناس على قتله - كما كان يفعل - أو ان طلحة في لبس وشك من أمر عثمان لا يدري هل هو محق أو مبطل، وإذن كان عليه أن يعتزل جانباً ولا يحرك ساكنا، ولكنه (ما فعل واحدة من الثلاث، وجاء بأمر) وهو نكث البيعة والطلب بدم عثمان (ولم يُعرف بابه) أي وجهه وسببه (ولم تسلم معاذيره) من التدليس والتضليل.

الخطبة - 173 -

أيها الغافلون :

أَيُّهَا الغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ المَأخوذُ مِنْهُمْ، مَالِي أَرَاكُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ، وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ. كَأَنَّكُمْ نَعَمْ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إلى مَرْعَى وَبِي وَمَشْرَب دَوِيّ. إنّما هِيَ كَالَمَعْلُوقَةٍ لِلْمُدَى لَا تَعْرِفُ مَاذَا يُرَادُ بِهَا، إِذَا أُحسِينَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَها دَهْرَهَا، وَشِبعَها أَمْرَهَا. وَاللَّهِ لَوْ شِيْتُ أَنْ أُخبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجهِ وَجَميع شانِهِ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِي بِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ9. أَلَا وَإِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصة مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَأَصطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً. وَقَدْ عَهِدَ إِليَّ بِذلِكَ كلهُ، وَيَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَمَالِ هَذَا الْأَمْرِ. وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمَرُّ عَلى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ فِي أَذْنِي وَأَفضَى بِهِ إِلَيَّ.

أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللهِ مَا أَحَتُكُمْ عَلى طَاعَة إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا.

اللغة :

نعم - بفتح النون والعين وسكون الميم - حرف جواب، وبفتحها فعل ماض تقول : نعم فلان بولده، واذا أعربت وحركت الميم بحسب ما قبلها كما هنا فهي جمع للإبل والبقر والغنم، ولا واحد له من لفظه، ويذكر ويؤنث، وجمع الجمع أنعام. وراح بها : ذهب بها. والسائق : الراعي، وفي بعض النسخ «سائم» من سائمة أي الراعية. والوبي : الرديء. والدوي: الفاسد العليل والمدى - بضم الميم - جمع المدية بكسرها، وهي السكين. والمولج : المدخل ومفضيه : مخبر به، وموصله الى الخواص المأمونين.

الإعراب :

غير صفة للناس، وما لي مبتدأ وخبر، وذاهبين مفعول ثان الأراكم، وعن الله متعلق بذاهبين، ونفعلت جواب لو شئت، وصادقاً حال من الضمير في أنطق.

المعنى :

(أيها الناس غير المغفول عنهم). الغافل هو الذي ينقاد الى هواه، ويجري الأمور على ميوله، ويهمل العواقب وليس من شك ان مآل هذا الى الفشل والهلاك. وقال الشارحون : إن الذي لا يغفل عنا هو الله سبحانه، فإنه يعلم ما نخفي وما نعلن، ويسألنا عن كل كبيرة وصغيرة، وهذا صحيح لا ريب فيه، ولكن هناك أيضاً ظروف وأحداث تفعل فينا فعلها، وتؤثر أثرها، ومن ذهل عنها فقد استهان بنفسه ومستقبله، وبالخصوص في هذا العصر، عصر التطورات والمفاجات .. وهل من سر لهزائم العرب والمسلمين وفشلهم إلا الذهول واللامبالاة

بالعواقب.؟ وهل من أمة أخذت طريقها الى الحياة إلا بعد إعداد العدة للطوارىء والمخاطر ؟

(والتاركون المأخوذ منهم). الأيام تمر بسرعة، وتأخذ منا الأنفاس ومع هذا يستطيع الانسان أن يغتنم الفرصة، والأعمار، ويستحيل أن تعود، ويصنع من أيامه أمة، لها تاريخ، كما صنع محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو يترك أثراً نبيلاً يدل عليه، ويذكر به، ولو الى حين، ومهذا يأخذ الانسان من أيامه أيامه غالياً كما أخذت منه غالياً، ومن ترك وأهمل فقد غين نفسه حيث أخدت منه الأيام أغلى شيء دون أن يأخذ منها شيئاً (ما لي أراكم عن الله ذاهبين، والى غيره راغبين). المراد بالذهاب عنه تعالى الى غيره - الانقياد للأهواء الانقياد للأهواء، والغفلة عن العواقب والحساب والجزاء.

(كأنكم نعم الخ).. لعل أبرز الفروق بين الانسان والحيوان، هو الطموح والنظر الى المستقبل، فنشاط الحيوان لا يتجاوز الحدود الضرورية لبقائه كالطعام والشراب والدفاع عن نفسه، فلا مجتمع ومستقبل، ولا شهرة وشخصية.. أبداً لا شيء إلا إشباع الحاجة العضوية، وكفى، ويقال : ان نو وكفى، ويقال : ان نوعاً من الأفاعي ينام فور شبعه، ولا يفيق من سباته إلا عند حاجته للأكل، فإذا أكل عاد الى النوم. أما الإنسان فإنه دائماً أمام هدف يتوخاه ويعمل من أجله، وأياً كان نوع الهدف فهو المقياس الوحيد لشخصية الانسان وحقيقته ومن كان هدفه مجرد الطعام والشراب فلا فرق بينه وبين الحيوان إلا بالشكل والهيئة، وهذا هو مراد الإمام بقوله : (كأنكم نعم) لا هم لها إلا العلف (وتحسب يومها دهرها) تعيش بالحاضر، ولا يمتد نظرها الى المستقبل (وشبعها أمرها) أي لا هدف لها على الإطلاق إلا الشبع.

(والله لو شئت ان أخبر الخ).. ظاهر هذا الكلام يدل على ان الإمام يعلم بعض الغيب، وانه لا يخبر به خوفاً أن يقال فيه من الغلو ما يوجب الكفر بالله ورسوله، ثم قال : ان مصدر علمه هذا هو رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (وقد عهد إلي بذلك كله.. وما أبقى شيئاً يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني أذني، وأفضى به إلي). ويتفق هذا مع صريح الآية 26 من سورة الجن : «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ» وأيضاً الرسول لا يظهر على هذا الغيب أحداً إلا من ارتضى من إمام، والإمام لا يظهر عليه إلا من ارتضى

من خواص المؤمنين، والى هذا أشار بقوله : «واني مفضيه الى الخا الخاصة ممن يؤمن ذلك منه» أي لا يخشى عليه الشك والريب والخروج عن الدين.

وتسأل : ان هذا ممكن بالنسبة الى العلم بالكليات، أما إحصاء الجزئيات وحصرها فلخالق الكائنات وحده ؟

وقد أجيب عن ذلك بأن الله يلقي الى نبيه أصولاً كلية يستخرج منها حوادث جزئية، والنبي بدوره يلقي بهذه الأصول الى الإمام.

(اني والله ما أحشكم الخ).. هذه الحقيقة يشهد بها الأعداء قبل الأصدقاء، ولو تخلى الإمام عن بعض مثالياته لكسب الجولة يوم الشورى حين قال له ابن عوف : أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين.. فأبى إلا على الكتاب والسنة ومبلغ علمه بهما، ولو خادع آنذاك لم يكن لوقعة الجمل وصفين والنهروان ولا للأشعث بن قيس من أثر ولكن هل يكون ابن أبي طالب إمام لحق والعدل إذا لم تنسجم أقواله مع أفعاله..؟

الخطبة - 174 -

النار والشهوات.. فقرة 1 - 2 :

أنتَفِعُوا بِبَيَانِ اللهِ، وَأَنْعِظُوا تَمَوَاعِظ اللهِ، وَأَقْبَلُوا نصيحة الله. فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعْذَرَ إلَيْكُمْ بِالجَلِيةِ. وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الحَجَّةَ. وَبَيَّنَ لَكُمْ محَابَّتَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَتَجْتَنِبُوا هَذِهِ، فَإِنَّ رسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالمَكَارِهِ وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بالشَّهَوَاتِ (1) وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْءٌ إلا يَأْتِي فِي كُره. وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيْءٍ إِلَّا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ. فَرَحمَ الله رجلاً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ. وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً. وَإِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزَعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوَى. وَأَعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أنَّ المُؤمِنَ لاَ يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَنَفْسُهُ ظَنُونُ عِنْدَهُ فلاَ يَزَالَ زَارِياً عَلَيْهَا وَمُسْتَزِيداً لَهَا. فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ

والماضِينَ أَمَامَكُمْ قَوْضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ، وطووها طي المنازل (3).

اللغة :

أعذر اليكم : رفع عنه اللوم، أو لم يبق لكم من عذر. وجلية : واضحة ونزع عن كذا رجع و وأقلع عنه. ومتزعاً : رجوعاً عن الباطلوالظنون : من يسيء الظن، وإذا أخبر بشيء فلا يوثق بخيره. وزارياً : عائباً. ومستزيداً : طالباً المزيد. والمراد بقوضوا هنا ذهبوا ورحلوا.

الإعراب:

بالجلية صفة لموصوف محذوف أي بالأعذار الجلية، ومنزعاً تمييز.

المعنى :

(انتفعوا ببيان الله). المراد بالانتفاع هذا العمل، وكل ما يحكي كل ما يحكي ويعبر عن الحق والواقع فهو حجة وبيان من الله حساً كان أم عقلاً أم نقلاً، وإذا قال قائل : النقل تقليد قلنا في جوابه : التقليد للحق عمل بالحق والصواب، ولذا قلد العلماء الكبار في شتى العلوم، فأخذوا نظرية الجاذبية عن نيوتن، والنسبية عن اينشتين، ودوران الأرض عن جاليليو.. الى ما لا يبلغه الإحصاء حتى الفقهاء الذين حرموا التقليد يقلد بعضهم بعضاً في كثير من الأحكام من حيث لا يشعرون، وكفى بقول الله شاهداً على جواز التقليد في الهدى ودين الحق : «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ - 104 المائدة» ومعنى هذا ان تقليدهم الآباء حق وصواب لو كانوا على الهدى والعلم.

(واتعظوا بمواعظ الله، واقبلوا نصيحة الله). الدنيا كلها مواعظ ونصائح من الله، ولكن لا نمد اليها البصر، أو نرى ولا تعتبر، ونسمع النصح ولا

ننتصح (فإن الله قد أعذر اليكم - الى وتجنبوا هذه). إن الله سبحانه منحنا العقل والقدرة والإرادة، وبين لنا الأسباب ونتائجها، لكيلا يكون للناس عليه من حجة، ولا لديهم من عذر اذا أخذهم بما كانوا يعملون.

القرآن وفن الإعلان :

(إن الجنة حفت بالمكاره، وان النار حفت بالشهوات). لو كانت الجنة بالصلاة والصيام، والحج الى بيت الله الحرام، لكان الطريق اليها سهلاً يسيراً مخاصة في عصرنا هذا، فإن السفر فيه الى مكة المكرمة والمدينة المنورة رحلة للترفيه والنزهة بأقل التكاليف، ان الطريق الى الجنة أو ثمنها يحدده صاحب الجنة وخالقها تماماً كما يحدد البائع بالذات ثمن سلعته وبضاعته.

أما فن الإعلان عن البضاعة، وبث الدعاية لها لإقناع الناس بها، وإقبالهم عليها أما هذا الفن بأصوله وقواعده - فغير بعيد أن يكون مصدره الأول هو القرآن الكريم الذي شوق ورغب في جنة الخلد بما لا عين، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.. وبهذه المناسبة قيل لمليونير من تجار أمريكا : لو خسرت كل ما تملك، ولم يبق لديك إلا ألف دولار، ماذا تصنع بها ؟ قال : أستأنف التجارة من جديد، وأجعل مئة لرأس المال وتسعاً للدعاية والإعلان.

وقد أوضح سبحانه ثمن الجنة في العديد من آياته، منها الآية 111 من سورة التوبة : «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ.. فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» ومنها الآية 142 من سورة آل عمران : «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ»... الى غير ذلك من الآيات التى أناطت الجنة بالجهاد والتضحية بالنفس والمال، والصبر على المشاق والآلام.. وهذا ما أراده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بقوله : «الجنة حفت بالمكاره».

أما النار فطريقها الملذات والأهواء، والترف والثراء قال، عز من قائل : «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ - 35 التوبة».

وقال سبحانه : « قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ - 30 ابراهيم». ومثل ذلك كثير في كتاب الله.

(واعلموا انه ما من طاعة الله شيء إلا يأتي في کره). لأن طاعته تازم بالحق، والطريق اليه شائك ومرهق تكتنفه الصعوبات والعراقيل، وقال بعض المفكرين : «الحق هو الانتصار على جاذبية الأرض، والتحرر من ثقل الجسد» أي من الأهواء والشهوات (وما من معصية الله شيء إلا يأتي في شهوة) تتفق تماماً مع الرذيلة على عكس الفضيلة ولو اتفقت الفضيلة مع الشهوة أيضاً لما كان وكان الناس كلهم سواء لا خبيث فيهم للقيم والأخلاق والشرائع عين ولا أثر ولا لئيم.

(وقمع هوى نفسه - الى معصية في هوى). الضمير في أنها يعود الى النفس وهي تشاكس وتعاكس، ولا تقلع عن ملذاتها بالحسنى، لا بد من جهادها وإعداد العدة لكبحها. وقد يقال: ان هذا الكلام بظاهره يؤيد ويدعم أصحاب نظرية الخطيئة، وان الانسان مجرم بالفطرة، ورجس بالطبيعة !.. ولكن كلام الإمام بعيد عن التعريف بطبيعة الإنسان وتحديدها من حيث هي وإنما يتكلم عن ميول الانسان ورغباته التي تدفعه الى الحركة بصرف النظر عن طبيعته وحقيقته، وهذه الميول والرغبات قد تتولد من الخارج لا من الداخل، ومن المحيط والبيئة لا من الفطرة والطبيعة.

والذي نراه أن الانسان يخلق صحيفة بيضاء لا طاهراً بطبعه ولا دنساً، ولكن فيه الاستعداد التام، والمؤهلات الوافية للوصفين معاً، والمحيط هو الذي يقرر حياته ومصيره تماماً كالصفحة البيضاء ترسم فيها ما شئت من صواب أو خطأ، وهذا ما عناه بعض الفلاسفة بقوله : «الانسان مشروع وجود».. أجل، ان الانسان ناطق بطبعه أي عاقل ومدرك كما عرّفه الفلاسفة القدامى، والهدف الأول من العقل أن يقيك من شر المخاطر، فمن استعمل عقله لهذه الغاية فهو إنسان شكلاً ومحتوى، وإلا فهو إنسان بالاسم والجسم فقط.

(ان المؤمن لا يصبح ولا يمسي الخ).. كل عاقل – مؤمناً كان أم غير مؤمن - يتهم نفسه، ويعيب عليها التقصير، ويطلب منها ولها المزيد من الكمال، والتحرر من الرذائل والعيوب. ومن أكبر العيوب أن يبرىء الانسان نفسه من

العيب والخطأ .. ولا مصدر لهذا الغرور إلا الجهل المركب، فإن الانسان كلما ازداد علما ازداد توقعاً للخطأ وقبولاً للنقد (فكونوا كالسابقين قبلكم) من أهل الخير والصلاح (والماضين أمامكم) عطف تفسير (قوضوا من الدنيا تقويض الراحل) الذي لا ينوي العودة الى مكانه الأول (وطووها) أي حياتهم في الدنيا (طي المنازل) وهي مراحل السفر ومسافاته.

القرآن.. فقرة 3 - 4 :

وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ، وَالْهَادِي وَالْهَادِي الَّذِي لاَ يُضِلُّ، وَالمَحَدِّثُ الَّذِي لاَ يَكْذِبُ. وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآن أحدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ : زِيَادَةٍ فِي هُدًى، أَوْ نُقصانٍ فِي عَمًى. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَلاَ لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنَى فَاسْتَشفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَأَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأَوَائِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاء مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالغَيُّ وَالضَّلَالُ. فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلَا تَسْأَلُوا به خَلْقَهُ إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِهِ (3). وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، و قَائِلٌ مُصَدَّقُ. وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيه، مَنْ حَمَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : «أَلَا إِنَّ كُلَّ حَارِث مُبْتَلَى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرْثَةِ الْقُرْآنِ»، فَكُونُوا مِنْ حَرَثتِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَاسْتَدِلُّوهُ عَلى رَبِّكُمْ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَأَتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَ كُمْ، وَأَسْتَغِشُّوا فِيهِ

أهْوَاءَ كُم. الْعَمَلَ الْعَمَلَ، ثُمَّ النِّهَايَةَ النّهَايَةَ، وَالِاسْتِقَامَةَ الِاسْتِقَامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ. إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ. وَإِنَّ لَكُمْ عَلَمَا فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ، وَإِنَّ لِلْإِسْلامِ غَايَةٌ فانتهوا إلَى غَايَتِهِ. وَأَخْرَجُوا إِلَى اللهِ بِما أَفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ، أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وَحَجِيجُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ (4).

اللغة :

لأوائكم : شدائدكم. ومشفع : مقبول الشفاعة. ومحل به : أضربه. والعلم بفتح اللام - ما يهتدى به. وحجيج عنكم : أدافع عنكم بالحجة أي محامي عنكم.

الإعراب :

هو الناصح «هو» ضمير الفصل، والناصح خبر ان، ومشفع صفة لشافع وغير صفة لمبتلي، والعمل العمل مفعول لفعل محذوف أي الزموا العمل، ومثله ما بعده.

المعنى:

(واعلموا ان هذا القرآن الخ).. ان كل إنسان يريد أن يعرف ما ينبغي له أن يفعل، وما ينبغي له أن يترك لكي يحيا حياة طيبة. وسواء أوجد هذه المعرفة عند العقل والتجربة، أم عند النمطرة والغريزة فإن الله قد أضاء بالقرآن الطريق لحياة أصلح وأنفع باعتراف العقل والفطرة.. على ان التجربة أقوى برهان، وهذا التاريخ يشهد للذين سلكوه بأنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس، وإذا خسر المسلمون اليوم كل شيء فلأنهم انحرفوا عن طريق القرآن وتجاهلوه، وإذن فالعيب، فيهم وليس في دينهم وكتابهم، وقول الإمام : «ما جالس هذا القرآن

أحد الخ».. يريد بالأحد من كان له قلب يطيع من يهديه، ويعصي من يرديه. (واعلموا انه ليس على أحد الخ) من تفهم القرآن وعمل به فهو في غنى عن كل هاد ومرشد، ومن جهله أو أعرض عنه فلا ينتفع بالهداة مجتمعين، ومثله من لم يكن له واعظ من نفسه فلا تنفعه المواعط (فاستشفوه من ادواتكم) العقلية كالجهل والتقليد والخرافة، والخلقية كالكذب والخيانة وغيرها من الأسواء والأدواء.

(واستعينوا به على لأوائكم) وهي المشكلات الاجتماعية، والأوضاع الفاسدة، وقد رأينا بعض البلاد المتحضرة تضع حلولاً لبعض ما تعانيه من مشكلات تلتقي مع أحكام القرآن ومبادئه، وآخر 10 قرأت في هذا الباب خبر نشرته جريدة الجمهورية المصرية تاريخ 21 تموز سنة 1972 : ان مئات من أهل الاختصاص المانيا الديمقراطية عقدوا مؤتمراً لعلاج بعض المشكلات، وانتهوا الى جواز الطلاق على رأي الدين الإسلامي، وتحريم الربا، وافتتاح أول بنك غير ربوي.

(فإن فيه شفاء من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق والغي والضلال). هذا تفسير وبيان لقوله : «فاستشفوه من أدوائكم». إن القرآن كتاب دين وهداية وحقوق وواجبات توجه الانسان في سلوكه مع نفسه وخالقه ومجتمعه على أسس سليمة تهدف الى تنزيه العقل والعقيدة من الجهل والخرافة، والى إصلاح الفرد والمجتمع، وليس القرآن كتاباً في الطب كي يستشفى به من الأمراض والأسقام، ومع هذا فإن بعض المسلمين يتداوون بتلاوته أو بحمله كمحرز يخفف عنهم الأوجاع أو يقيهم الكوارث والأخطار.

(فاسألوا الله به). اذا كنتم تخافون حقاً من غضب الله وعذابه، وتطلبون منه العفو والرحمة فعليكم أن تعملوا بكتابه مخلصين له الدين (وتوجهوا اليه بحبه) أي برعاية أحكامه وتعاليمه (ولا تسألوا به خلقه) لا تتخذوا من تلاوته مهنة للكسب والرزق (انه شافع - الى - شُفَع فيه). القرآن يشفع عند الله، والله يقبل شفاعته، وأيضاً يقبل سبحانه الشفاعة ممن شفع له القرآن، والمراد بشفاعة القرآن انه يشهد بلسان الحال ان هذا المؤمن قد ائتمر بأمره وانتهى بنهيه (ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه). المراد بمحل به أضر به، والمعنى ان القرآن تقبل شهادته على الطغاة الأشرار تماماً كما تقبل للمتقين الأخبار

(فإنه ينادي مناد يومالقيامة الخ).. المراد بالحارث العامل المراد بالحارث العامل، وبمبتلى في حرثه - بسكون الراء - المسؤول عن عمله، والمراد بحرثة القرآن - بفتح الراء والثاء - العاملون به، والمعنى ان أهل المحشر يسمعون منادياً يقول : كل انسان مسؤول عن عمله ومحاسب عليه وعلى عواقبه وآثاره، فيعم الفزع والهلع الناس أجمعين من هذا النداء إلا العاملين بالقرآن فإنهم في أمن وأمان (فكونوا من حرثته وأتباعه) العاملين بهديه وأحكامه (واستدلوه على ربكم) اتخذوه رائداً ودليلا الى مرضاة الله وثوابه (واستنصحوه على أنفسكم) لا تقبلوا النصح إلا منه ومن الراسخين فيه علماً وعملاً (واتهموا عليه آراء كم، واستغشوا فيه أهواء كم). كل ما خالف القرآن فهى جهل وضلال لا يوثق به ولا يركن اليه.

وبعد، فإن غرض الإمام من حديثه هذا حول القرآن هو بيان منزلته، وتأثيره في توجيه الانسان الى الغاية التي وجد من أجلها وهي من غير شك العلم من أجل العمل الصالح : « الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» - 2 الملك» ولذا قال الإمام مكرراً ومؤكداً :

(العمل العمل) الصالح فإنه السبيل الوحيد للنجاة دنيا وآخرة (ثم النهاية النهاية). لكل عمل عاقبة حلوة أو مرة، وقد أضاء سبحانه طريق هذه وتلك وقال للإنسان : اختر لنفسك، اختر لنفسك، والإمام يحذره من عاقبة السوء (والاستقامة الاستقامة) على سبيل الحق والعدل والمساواة (ثم الصبر الصبر) على مر الجهاد والنضال من أجل الحرية والحياة بأمان واستقرار (ان لكم نهاية الخ).. المراد بالعلم - بفتح اللام - الكتاب والسنة، وبنهاية الناس أن يختموا حياتهم بالخير والصلاح، وبغاية الاسلام العلم النافع والعمل الصالح، و بوظائفه تعالى أحكامه وتعاليمه وبحقه الطاعة والعمل بهذه التعاليم والأحكام.

(وأنا شاهد لكم) عند الله بالاستقامة على الهدى ودين الحق (حجيج يوم القيامة عنكم). قال الشيخ محمد عبده : «الإمام كرم الله وجهه بعلو منزلته من الله يشهد للمحسنين، ويقوم بالحجة عن المخلصين». والشيخ يشير بهذا الى الآية 71 من سورة الإسراء : «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ».

اللسان والاستقامة.. فقرة 5 - 6 :

أَلَا وَإِنَّ الْقَدَرَا قَدْ وَقَعَ، وَالْقَضَاءَ المَاضِيَ قَدْ تَوَرَّدَ. وَإِنِّي متكلّم بِعِدَةِ اللهِ وَحجَّتِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا ربنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ أتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ»، وَقَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اللهُ، فَاسْتَقِيمُوا على كِتَابِهِ وَعَلى مِنهاج أَمْرِهِ، وَعَلى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ. لَا تَمْرُقُوا مِنْهَا وَلَا تَبْتَدِعُوا فِيهَا وَلَا تُخَالِفُوا عَنْهَا. فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعْ بِهِمْ عِندَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (5). ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الْأَخْلَاقِ وَتَصْرِيفَهَا. وَاجْعَلُوا اللَّسَانَ وَاحِداً. وَلْيَخْرُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ. فَإِنَّ هَذَا اللَّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ. وَاللَّهِ مَا أَرى عَبْداً يتقي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْتَزِنَ لِسَانَهُ. وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ. لأنَّ المُؤمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم بكلام تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًا وَارَاهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلى لِسَانِهِ لَا يَدْرِي مَاذَا لَهُ وَمَاذَا عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : «لَا يَسْتَقِيمُ إيمَانُ عَبْدِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ. وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ». فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى الله تَعَالَى وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاء المُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، سَلِيمُ اللَّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ (6).

اللغة :

تورد : من الورود أي ورد شيئاً بعد شيء. والعدة - بكسر العين وفتح الدال - الوعد، وبكسر العين وتشديد الدال الجماعة، وبضم العين وتشديد الدال الاستعداد. والمنهاج : الطريق الواضح. والتهزيع : التكسير. والتصريف : التقلب. والراحة : الكف. والأعراض : جمع عرض بكسر العين، وهو ما يصونه الانسان من نفسه وأهله.

الإعراب :

تورد مضارع لأن الأصل تتورد، وألا تخافوا «ألا» كلمتان : أن ولا، وقال ابن أبي الحديد : يجوز أن تكون «أن» مفسرة بمعنى أي، وان تكرن مخففة من الثقيلة وليس هذا ببعيد، ولكن يجوز وجه ثالث، وهو أن تكون مصدرية، والمصدر المنسبك مجرور بباء محذوفة، ويكون تقدير الكلام هكذا تتنزل عليهم الملائكة بعدم الخوف أي بالبشرى، ومثله : «وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى - 69 هود». واياكم الأصل أحذركم ثم حذف الفعل وانفصل الضمير، وتهزيع مفعول أحذركم، أما الواو فقيل : انها عوض عن الفعل المحذوف.

المعنى :

(ألا وان القدر السابق قد وقع، والقضاء الماضي قد تورد). قيل في تفسيره : إن القدر السابق.. إشارة الى بيعة الإمام، وان الماضي إشارة الى الفتن التي حدثت بعد البيعة ومهما يكن فإن الأسباب المؤثرة هي بمشيئة الله سبحانه، لأنه أبى إلا ان يجري الأمور على أسبابها، وأشار، جلت كلمته، الى ذلك في العديد من الآيات، منها، منها «ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ - 13 المؤمنون» مع العلم بأن الذي جعل النطفة في الرحم مباشرة هو الأب، ومنها «أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ - 45 الفرقان» حتى الأسباب الاجتماعية أسندها اليه تعالى : «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ - 31 الفرقان». أما

المبرر لهذا الإسناد فهو انه تعالى خالق الكون بما فيه، واليه ينتهي كل شي. (واني متكلم بعدة الله – الى - يوم القيامة). يشير الإمام الى ما وعد الله به المؤمنين في الآية 30 من سورة فصلت، ومعناها ان من آمن بالله، وانسجمت أفعاله مع إيمانه - فإن له من الله الجنة، ومن الملائكة البشرى بها عند الموت، وفي القبر، وساعة الحشر، وإذن فالمستقيم حقاً وصدقاً عند الله هو المؤمن الملتزم قولاً وفعلاً بموجب إيمانه، ومن آمن بالله نظرياً دون أن يلتزم وينسجم عملياً مع إيمانه فهو منحرف عن الصراط المستقيم، ولذا قال الإمام لأهل التوحيد : «وقد قلم ربنا الله فاستقيموا على كتابه» والجمل المعطوفة على هذه الجملة بيان لها و تفسير.

(ثم اياكم وتهزيع الأخلاق وتصريفها). هذا نهي عن التلون في السلوك، والانتقال من حال الى ضدها مع المنافع والأغراض وهذه الصفة يشترك فيها العالم والجاهل وهي مشكلة المشكلات، ولا سبيل الى حلها إلا بسد الحاجات، وتيسير العيش لكل فرد.. وفي أسوأ الحالات يقل عدد المنافقين والخائنين.

(واجعلوا اللسان واحداً) في الحضور والغيبة، ومن كان له لسان، في الأمام، وآخر في الخلف فهو ماقق، ويحشر يوم القيامة، وله لسانان من نار من بين يديه ومن خلفه (وليخزن الرجل لسانه) عن الفحش والكذب، والتقعر في الكلام والفضول في السؤال، والتطويل بلا طائل (فإن هذا اللسان جموع بصاحبه) يقوده الى المهالك، وفي الحديث : «من يتكفل لي بما بين لحييه ورجلیه أتكفل له بالجنة». وفيه إيماء الى ان الداء يكون في الأعلى كما يكون في الأسفل.

بين العقل واللسان :

(والله ما أرى عبداً يتقي تقوى تنفعه حتى يخزن لسانه). قد يصوم المرء ويصلي ويحج ويزكي، وربما جاهد بالنفس والمال، ومع هذا لا يسلم من غضب الله وعذابه، لكلمة يناصر بها ظالماً، أو تخذل مظلوماً،، أو تتهم بريئاً (وان لسان المؤمن من وراء قلبه الخ). هل بين اللسان والقلب صلة وعلاقة ؟ وفي حال وجود الصلة بينهما فمن أي نوع هي ؟

وأجاب الإمام بأن الحال تختلف باختلاف الأشخاص، فبين لسان المؤمن العاقل و قلبه علاقة قوية حداً وهي من نوع العلية والسبية، وذلك أن المؤمن العاقل بزن کلامه، ويفكر طويلاً قبل أن ينطق به : هل هو له أو عليه، خوفاً من سوء العاقبة. وبعد التثبت من صدقه ومرضاة دينه ووجدانه يلقيه على السامعين، وهذا يكون لسانه تابعاً ونابعاً من قلبه وعقله ودينه. أما المنافق فلا يشعر بالمسؤولية، ولا يخشى دائرة السوء، ولذا يلقي ولذا يلقي الكلام جزافاً من غير تفكير وروية في أنه له أو عليه، حتى إذا داق وبال كلامه أفاق من كبوته، وشعر بالمسؤولية.. ولكن بعد فوات الأوان، ومعنى هذا ان كلامه سابق لشعوره وتفكيره.

(قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه». ويدل هذا الحديث بظاهره على ان سلامة الايمان تنبع من سلامة القلب، وهذا حق لا ريب فيه، وأيضاً يدل الحديث على ان سلامة القلب تبع من سلامة اللسان !.. والذي يبدو ان العكس هو الصحيح وان سلامة اللسان من سلامة القلب.

ويمكن الجواب بأنه لا محل للايمان إلا القلب، ويستحيل وجوده بدونه، أما الكلام فقد ينبع من القلب كما هو الشأن في كلام المؤمن وقد يكون كذباً ورياء كما هي حال المنافق ومراد الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قوله : «لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» ان الايمان لا يتم إلا اذا انسجم القلب مع اللسان، وبدون ذلك فلا ايمان، بصرف النظر عن نوع الصلة والعلاقة.

(فمن استطاع منكم أن يلقى الله الخ).. هذا الكلام هذا الكلام أسلوب من أساليب الوعظ والإرشاد. وليس تحديداً لحكم الدماء والأموال وشروطه كي يُقال : إن الاستطاعة من الشروط لجميع الأحكام والتكاليف، وليس لتحريم الدماء والأموال والغيبة فقط.

الحلال ما أحل الله.. فقرة 7 - 9 :

وأعلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ العَامَ مَا اسْتَحَل عَاماً أَوَّلَ، وَيُحَرِّمُ الْعَالَمَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ.. وَإِنَّ مَا أَحدَثَ النَّاسُ لَا يُحِلُّ لَكُمْ

شَيْئاً لِما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ الحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللهُ وَالحَرَامَ مَا حَرَّمَ الله. فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمُورَ وَضَرَّسْتُمُوهَا، وَوُعِظْتُمْ بِمَن كَانَ قَبْلَكُمْ وَضُرِبَتِ الأمْثَالُ لَكُمْ وَدُعِيتُمْ إلَى الْأَمْرِ الْوَاضِح. فَلَا يَصَمُّ عَنْ ذلِكَ إِلَّا أَصمُّ، وَلَا يَعْمَى عَنْ ذلِكَ إِلَّا أَعْمَى وَمَنْ لَمْ يَنْفَعُهُ اللهُ بِالبَلاء وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ. وَأَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أمَامِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ، وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ. وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ : مُتَّبِعُ شِرْعَةً، وَمُبْتَدِعُ بِدْعَةٌ لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَلَا ضِيَاءُ حُجَّةٍ (7). وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظُ أَحداً بمثل هذَا الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَسَبَبُهُ الأمِينُ، وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ وَيَنَابِيعُ العِلمِ، وَمَا لِلْقَلْبِ جَلَاءُ غَيْرُهُ. مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكَّرُونَ وَبَقِيَ النَّاسُونَ وَالْمُتَنَاسُونَ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْرًا فَأَعِينُوا عَلَيْهِ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَرًا فَاذْهَبُوا عَنْهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كَانَ يَقُولُ : «يَا ابْنَ آدَمَ أَعْمَلِ الْخَيْرَ وَدَع الشِّرِّ فَإِذَا أَنتَ جَوَادُ قَاصِدُ» (8).

اللغة :

ضر ستموها : جربتموها تجربة محكمة. والأصم : الصلب المتين، والأطرش، وهو المقصود هنا. والقاصد : المعتدل لا إفراط ولا تفريط.

الإعراب :

أول صفة لعام، وممنوع من الصرف للوصف ووزن الفعل، ومتبع ومبتدع

بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه رجلان، وشرعة مفعول متبع، مفعول مبتدع وبدعة، وجلاء غيره مبتدأ وخبر، وللقلب متعلق بجلاء.

التحليل والتحريم بين الاسلام والمسيحية :

(إن المؤمن يستحل العام – الى - ما حرم الله). كل ما ثبت وجوبه أو تحرمه بنص الكتاب والسنة ثبوتاً مطلقاً من غير تقييد بزمان أو مكان فهو كذلك أبداً ودائماً، لأن سلطة التحليل والتحريم عند المسلمين الله وحده، وليس لأحد منها شيء حتى ولو كان نبياً مرسلاً، أو ملكاً مقرباً، أو حاكماً عادلاً، أو برلماناً منتخباً، قال سبحانه : «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - 44 المائدة أما حديث : « حلال محمد حلال الى يوم القيامة، وحرامه حرام الى يوم القيامة» فالمراد منه ما نزل الوحي بهما على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ومن أحل حرامه تعالى، أو حرم حلاله فليس من الله في شيء. وتجدر الإشارة الى أمرين :

الأول : لا وجوب ولا تحريم من غير نص، وما سكت عنه فهو عفو ومباح عند الله : «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا - 29 البقرة»، أجل اذا اتفق العقلاء جميعاً حتى الملحدين منهم على وجوب شيء أو تحريمه، وجب الإلتزام بهذا الاتفاق الذي لم تنه عنه الشريعة.

الأمر الثاني : للكنيسة في الدين المسيحي أن تحلل وتحرم كما ترى، لأن السيد المسيح هو الذي منحها سلطة التشريع والتحليل والتحريم، كما جاء في الإصحاح الآية 18 من انجيل متى، وهذا نصها :«ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء». وفي الآية 19 : «إن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماء»، والخطاب في الآيتين موجه الى تلامذة السيد المسيح.

وأشارت الى ذلك الآية 31 من سورة التوبة في القرآن الكريم : «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله». وقال عدي بن حاتم - وكان مسيحياً - الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أنهم لم يعبدوهم ! فقال له الرسول : بلى، أنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم اياهم.

(فقد جربتم الأمور الخ).. أنتم تعلمون علم اليقين ان نصوص الاسلام واضحة، وان النص لا ينقض بالرأي والإجتهاد، وأيضاً تعلمون ماذا أصاب الذين حرفوا دينهم من قبل كاليهود، وقد ضرب الله لكم الأمثال بهم وبغيرهم كي تعتبروا، فلماذا لا تتعظون ؟ (فلا يصم عن ذلك إلا أصم، ولا يعمى عن ذلك إلا أعمى) أي من هو جدير بهذا الوصف، وقد دلتنا الأحداث أن هذا العمي والصمم يأتي - في الغالب - من الترف والتخمة. وقال الإمام لأحد المترفين : انك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه وبلغ فيك أمله، وجرى منك مجرى الروح والدم.

(ومن لم ينفعه الله بالبلاء والتجارب لم ينتفع بشيء من العظة). البلاء والتجارب لا ينفصلان عن المعل، والفعل لا ينفصل عمن فعله وأصابه، ومن لا

يتعظ وينتفع بما أصابه وحدث له بالذات فهل يتعظ وينتفع بما يحدث لغيره ؟. وبالأولى أن لا ينتفع بالذكر الحكيم، والكتاب المبين. إن العاقل ينتقد نفسه في ضوء بلائه وتجاربه. ويأخذ منها درساً نافعاً لا ينساه، ومن لم تحدث له أية خبرة علمية أو صفة خلقية من تجاربه فهو واحد من اثنين : اما قاصر لا استعداد فيه على الإطلاق، واما مقصر استحوذ عليه الشيطان فأعماه حتى عن نفسه وما مرت به من أطوار وأحداث.

(وأتاه التقصير من أمامه حتى يعرف ما أنكر، وينكر ما عرف). ما من مفرط ومهمل إلا وتجاهه الأيام بأسوائه وأخطائه، وتستقبله بها وجها لوجه وحينذاك ينكشف النقاب ويقول : يا ليتني آست بما كفرت، وكفرت بما آمنت !.. ولكن بعد أن فات ما فات. (وإنما الناس رجلان الخ).. الشرعة ما يعتمد على حجة واضحة من كتاب الله، أو سنة ثابتة عن رسول الله، وما عدا ذلك فبدعة، ولذا قيل في تعريفها : إحداث في الدين. وقال آخر : هي كذب على الله ورسوله، والمعنى واحد. وسئل الإمام عن السنة والبدعة والفرقة والجماعة فقال : السنة سنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والبدعة ما خالفها، والفرقة أهل الباطل، وان كثروا، والجماعة أهل الحق وان قلوا.

وتجدر الإشارة الى أن الأحكام الشرعية على نوعين : الأول أحكام أساسية مطلقة من قيد الزمان والمكان، وإنما شرعت لحياة الانسان مما هو إنسان بصرف

النظر عن اسلوب الحياة وما يحيط بها، مثل كل إنسان بريء حتى تثبت ادانته، والضرر الأشد يرال بالضرر الأخف حيث لا مندوحة إلا بتحمل الضرر الأخف، ومثل الضرورات تبيح المحظورات والمرء مؤاخذ بإقراره ومسؤول عن عمله، ومثل رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ وهذا النوع يستحيل أن يتبدل أو يتعدل، لأنه منوط بطبيعة الانسان من حيث هي.

والنوع الثاني : احكام تابعة للأوضاع ولأسلوب الحياة عند صدور التشريع بحيث يكون الحكم وثيق الصلة بتلك الأوضاع، مثل حد الطريق سبعة أذرع حيث لا سيارات وشاحنات : ولا مدن تغص بالملايين، ومثل قول الفقهاء القدامى : من أتلف كتاب غيره فعليه قيمته لا مثله، لأن المثل متعذر آنذاك حيث لا مطابع و تصوير،، أما اليوم فالكتاب المطبوع أو المصورفهو مثلي لا قيمي. وسئل الإمام عن قول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ؟ فقال : ذلك والدين قل. أما اليوم وقد اتسع وضرب بحرانه فامرؤ وما اختار.

وفي سائر الأحوال فإن غاية الشريعة الاسلامية أن تجعل الحياة أفضل، وان تقوم بين الناس علاقات منتزعة من مصالحهم بالتساوي، فأينما كانت الحياة الفضلى فثم دين الله، وشريعة رسول الله.

(وان الله سبحانه لم يعظ أحداً مثل هذا القرآن) في أسلوبه وأمثاله، وحرامه وحلاله (فإنه حبل الله المتين) من تمسك به نجا (وسببه الأمين) من التهلكة (وفيه ربيع القلوب) أي صحتها وسلامتها من الأوباء (وينابيع) العلم بالله وصفاته، وبكثير من الكائنات وأسرار الحياة، وبالأمم الماضية والقرون الخالية، وبقواعد السلوك التي لا ينكرها عاقل على وجه الأرض، وغير ذلك من الكنوز التي يعرفها الراسخون في تأويله.

(وما للقلب جيلاء غيره) الا إذا كان مستمداً منه، أو يلتقي معه في مبادئه وتعاليمه، لأنه كتاب الحياة الذي يطلق العقول ويحطم قيود الجهل والتخلف ويسير مع عجلة التقدم، بل ويدفع بها الى الأمام، ولذا عاش ويبقى حياً الى الأبد (مع انه قد ذهب المتذكرون) أي ان القرآن عاش على الرغم من ذهاب الذين عملوا به (وبقي الناسون) وهم الذين لا يعرفون شيئاً من أحكامه (أو المتناسون) وهم الذين يعلمون ولا يعملون.

(فإذا رأيتم خيراً فأعينوا عليه) بتشجيع فاعله ومناصرته والذب عنه (وإذا رأيتم شراً فاذهبوا عنه) واتقوه وإلا سرت اليكم العدوى منه من حيث تريدون أو لا تريدون (فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يقول : اعمل الخير ودع الشر، فإذا أنت جواد قاصد) أي سائر على الصراط القويم لا تنحرف عنه يميناً أو شمالاً. وقد يظن ان مثل هذه الموعظة أي «افعل الخير ودع الشر» نافلة لا حاجة اليها!. ولكن قد تكون الموعظة لقيام الحجة على فاعل الشر وتأكيدها، كما تكون لكشف النقاب أو الترغيب والترهيب.

الظلم ثلاثة. فقرة 9:

أَلَا وَإِنَّ الظُّلَمَ ثَلاثَةٌ : فَظْلَمُ لاَ يُغْفَرُ، وَظُلْمُ لاَ يُتْرَكَ، وَظُلْمُ مَغْفُورُ لا يُطْلَبُ. فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لاَ يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : «إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَأَما الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظْلَمُ الْعَبْدِ نفْسَهُ عِنْدَ بَعْض الهنات. وأَما الظُّلْمُ الَّذِي لاَ يُتْرَك فَظْلَمُ العِبَادِ بعضِهِمْ بَعْضاً. الْقِصَاصِ هُنَاكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جُرْحاً بِالمدَى وَلاَ ضَرْباً بِالسَّيَاطِ، وَلَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ. فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلون في دين اللهِ، فَإِنَّ جَمَاعَةٌ فِيها تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ. وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً ممِّنْ مَضَى وَلَا مِمّنْ بَقِيَ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، وَطُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ، وَأَكَلَ قُوتَهُ، وَاشْتَعَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، وَ بَكَى عَلى خَطِيئَتِهِ، فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغلٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي راحة (9).

اللغة :

القصاص - بكسر القاف - الجزاء على الذنب بالمثل. والمدى - بضم الميم - جمع مدية، وهي السكين. وطوبي : من طاب، وهي تأنيث الأطيب. والمراد بطوبى هنا الخير.

الإعراب :

أما حرف تفصيل، ويجب أن يربط جوابها بالفاء، جوابها بالفاء، وظلم العباد «الظلم» مبتدأ، وخيره محذوف دل عليه الموجود أي لا يترك، وبعضهم بدل من العباد، وبعضاً مفعول الظلم. والقصاص مبتدأ، وخبره شديد، وهناك متعلق بمحذوف حالا من القصاص. وممن مضى متعلق بمحذوف صفة الأحد.

لا اسلام مع ظلم :

لا أكشف جديداً اذا قلت : كل القوانين قديمها وحديثها تحرم الظلم، لسبب واحد، وهو ان الحياة لا تستقيم وتستقر مع البغي والاعتداء. وأيضاً لا أغالي اذا قلت : إن من يتربص بعباد الله شراً، تم يدعي الايمان بالله فهو كاذب في دعواه، وان ايمانه مجرد خيال وصورة وهمية لا واقع لها ولا أساس إلا في ذات صاحبها.. وأي عاقل يصدق من يقول له : أنا محب مخلص، وفي الوقت نفسه يفعل الأفاعيل بأبنائه وعياله..؟

أنا لست من القائلين بأن من يرتكب كبيرة فهو كافر، لأني لست خارجياً، ولا من القائلين بأنه في منزلة بين الكفر والإيمان لأني لست من المعتزلة بل من الإمامية، ومع هذا فإني أعتقد جازماً بان ظلم العباد بالخصوص أفحش من الشرك والالحاد، وان الظالم كافر بالله والناس، ومعتد عليهم أما من كفر، ولم يعتد على أحد فهو كافر بالله فقط، ومن البداهة ان جريمة واحدة أيسر من اثنتين.

أما الدليل على ذلك فهو أن الله سبحانه قد ساوى بين الظالم والكافر، ووصف

كلا منهما بالآخر قال، عر من قائل : «وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ - 254 البقره». وقال : «وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ - 33 الأنعام» ومعنى الآيتين معطوفة احداهما على الثانية أن كل كافر ظالم، وكل ظالم کافر بآيات الله، وان اعترف بلسانه، والتأويل يفتقر الى الدليل. وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «من أعان ظالاً، وهو يعلم انه ظالم فقد برىء من الاسلام». والبراء من الإسلام كفر والحاد، وإذا كان هذا حال من أعان فكيف يحال المباشر والفاعل ؟

ومن تتبع أي الذكر الحكيم التي حثت على قتال المشركين وجهادهم - يجد أن الكثير منها يحمل السبب الموجب للقتال، وانه الردع وانه الردع عن البغي والدفاع عن المستضعفين، وضمان حريتهم وأقواتهم، لا لمجرد الشرك والإلحاد. قال تعالى : «وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ - 75 النساء». «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا - 39 الحج». «فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ - 91 البقرة». وغير ذلك كثير.

ان الأنظمة والقوانين بكاملها تحاسب وتعاقب المعتدين - كما أشرنا - ولكنها تترك حرية العقيدة للناس، ولا تتعرض لأحد بسوء من أجل عقيدته ان عزل شره عن غيره، ولم يتعرض لعقيدة الآخرين.. هذا، الى ان الدين اعتقاد و تصديق، ولا مكان له إلا القلب، ولا سلطان على اعماقه إلا لحالقه. وإذاكان الإكراه محالاً فالتكليف به تكليف بالمحال، وإذن فلا يأمر الله به وبالقتالمن أجله، وقلنا في «التفسير الكاشف»: ان الأمر بالإيمان أمر بوجود أسبابه التي بينها سبحانه في كتابه من التفكير في الأنفس، وفي خلق السموات والأرض وان النهي عن الكفر نهي عن ترتيب آثاره، واذا وجب القتال على البغي دون الكفر فمعنى هذا ان جريمة الاعتداء أعظم من جريمة الكمر والشرك.. أجل، من ظلم وهو ينطق بالشهادتين يعامل معاملة المسلم في الدنيا من حيث الزواج والإرث ونحوه، وفي الآخرة عليه ما على المشركين والملحدين. وفي «أصول الكافي» عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما أكثر من يشهد له المؤمنون بالإيمان، ويجري عليه أحكام المؤمنين، وهو عند الله كافر، وهو عند الله كافر، وقد أصاب من أجرى عليه أحكام الإيمان بظاهر قوله وعمله».

المعنى:

(ألا وان الظلم ثلاثة) :

1 - (الظلم الذي لا يغفر الشرك بالله)، قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ - 48 النساء). وبين هذه الآية الكريمة وآية 53 من سورة الزمر وآية 82 من سورة طه - صلة وثقى بحيث لا يجوز الأخذ بظاهر واحدة إطلاقاً إلا بعد الجمع بين الثلاث، وعطف بعضها على بعض، ثم استخراج المعنى من الثلاث، وتقول آية الزمر : «يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا». فقد دلت هذه الآية ان الله يغفر كل ذنب حتى الشرك سواء أتاب المشرك أم لم يتب، ولكن آية (ان الله لا يغفر أن يشرك به) خصصت آية الزمر، واستثنت المشرك منها، وتقول آية طه : «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا» فخصصت هذه الآية قوله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به) واستثنت التائب منها تماماً كما أخرجت هي المشرك من آية الزمر آية الزمر، وبكلمة : ان آية لا يغفر مخصصة (بالكسر) بالقياس الى آية الزمر، ومخصصة (بالفتح) بالقياس الى آية طه.

2 – (الظلم الذي لا يترك) وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً، وجزاء الظالم عند الله غداً عذاب الحريق، وليس من شك انه آلم وأوجع من ضرب السياط والسيوف، وأثبتنا في صدر البحث ان الظالم كافر، ويعذب بعذابه

3 – (الظلم الذي يغفر) وهو ظلم الانسان نفسه إما بالشح عليها والتقتير مع اليسر، وإما بالإلمام بذنوب صغار «لا ينفك عنها انسان، ولا تحتاج الى توبة» كما قال صاحب الجواهر، وقال سبحانه : «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ - 32 النجم». وقال : «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ - 31 النساء» وقال النبي الرحيم: «ان تغفر اللهم تغفر جما، وأي عبد لك لا ألمّا».

وللفقهاء آراء متضاربة في تحديد الذنب الكبير والصغير. وفي رأينا ان كل محرم لا ضرر فيه على النفس ولا على الغير فهو من الصغائر كليس الحرير للرجال، والأكل أو الشرب من آنية الذهب والفضة، وتناول جرعة من متنجس، والغناء

غير الخليع بناء على تحريمه، وسقطات اللسان، بل والزهو والغرور، كل ذلك بشرط عدم الإضرار، كما أشرنا.

الوحدة الوطنية :

(فإياكم والتلون في دين الله). وكلمة التلون في الدين تومىء الى النفاق بإخفاء الكفر، وإظهار الإيمان، ولكن المراد بها هنا الفرقة وشتات الكلمة، لأن الخلاف والصراع لا يستدعي إخفاء البغض والكراهية، وإظهار الود والمحبة، وهو لون من النفاق (فإن جماعة فيها تكرهون من الحق خير من فرقة فيما تحبون من الباطل) يشير بهذا الى ما يسمى اليوم بالوحدة الوطنية أو القومية، أو بالجبهة الداخلية، والمعنى ان وحدة الصفوف، ودفن الخلافات مهما تنوعت، وتعاون الجميع بلا اعتبار لدين أو لون لتحقيق الهدف المشترك هو سبيل التقدم، ومفتاح النصر على العدو الخارجي، وإذا كان للخلافات في وجهة النظر حول بعض القضايا، إذا كان لها ما يبررها في الظروف العادية فليس لها أي مبرر في ظروف مواجهة العدو، أو أية مصلحة من المصالح الكبرى بل هي ضرر محض لا يستفيد منها إلا من يتربص بالوطن شراً، والوطن للجميع لا لفئة دون فئة. وقد رأينا الدول والشعوب تتعاون وتعقد الأحلاف لحل مشكلاتها المشتركة على ما بينها من تباعد وتباين في اللغة والدين والتراث والنظام فكيف بأبنساء الوطن الواحد، والدين والدين الواحد، واللغة الواحدة ؟.

(وان الله سبحانه لم يعط أحداً بفرقة خيراً ممن مضى يعط أحداً بفرقة خيراً ممن مضى، ولا ممن بقي). أبداً ما من قوم من الأمم الخالية أو الباقية أنجزوا شيئاً يعود عليهم بالنفع، وهم شتى قلوباً وأهدافاً، يسيرون يسيرون، ولكن بلا هدف موحد، ويتحركون، ولكن بلا قاسم مشترك.

(طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس). الخير كل الخير لمن نظر إلى نفسه وذاته، وانتقدها في ضوء ميولها وأهوائها، وكف لسانه عن أذى الناس، والبحث عن عيوبهم وذنوبهم. وتقدم مثله في شرح الخطبة 138 (وطوبى لمن لزم بيته) مع عجزه عن الإصلاح، ولم يجد أمره معروف ولا نهي منه عن منكر (وأكل قوته بكد اليمين وعرق الجبين (واشتغل بطاعة ربه) لا بطاعة

من يدفع ثمن الذمم والضمائر (وبكى على خطيئته) نادماً على تقصيره وإهماله (فكان من نفسه في شغل) عن الحرام والقيل والقال (والناس منه في راحة). وشر الناس من تخاف الناس من شره، وقال الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأبي ذر : «كف أذاك عن الناس، فإنه صدقة تتصدق بها على نفسك» فسلب الشر عند الله سبحانه إيجاب للخير يثاب عليه.

الخطبة - 175-

مهزلة الحكمين :

فَأَجَمَعَ رَأْيُ مَلَئكُمْ عَلى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ فَأَخَذْنَا عَلَيْهمَا أَنْ يُجَعْجِعًا عِندَ القُرْآنِ، وَلاَ يُجَاوِزَاهُ، وَتَكُونَ أَلْسِنَتهما مَعَهُ وَقُلُوبُها تَبَعَهُ. فَتَاهَا عَنْهُ وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُما يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا، وَالاعْوِجَاجُ دَابَهمَا. وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهمَا فِي الحُكم بِالْعَدْلِ والْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رأيهما وجورَ حُكْمِهِما، وَالثَّقَةُ فِي أَيْدِينَا لأَنفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الحَقِّ، وَأَتيا بما لَا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوس الحكم.

اللغة :

ان يجعجعا عند القرآن : أن يقيما عنده، ويحبسا نفسيهما علي-ه، كما فسره الإمام بقوله : «ولا يتجاوزاه» والمراد بالثقة هنا الحجة. ومعكوس الحكم : عكس الحق وضده.

و للحال، واستثناؤنا فاعل سبق، وسوء رأيهما مفعول.

الإمام إلى مهزلة الحكمين، وتقدم مثله في الخطبة 35 و 36 و 120 و 125، ما لا مزيد لدينا، وأشرنا الى قصة الحكمين في العديد من المناسبات، بل في هذه المهزلة ان معاوية حين أيقن بالخسارة والهزيمة في صفين، الحيلة والخداع برفع المصاحف، فحذر الإمام أصحابه، وقال لهم : وغيلة، وان القرآن معي ما فارقته منذ صحبته، فنا بذوه وأصروا على فقال : لو يطاع لقصير أمر.

معاوية ابن العاص حكماً، واختار الإمام ابن عباس لمقابلته، فأبى الأشعري فأخذ الإمام على الحكمين أن يعملا بالقرآن، وإلا فلا حكم لفاه جهاراً !.. فمن هو المسؤول ؟ الإمام الذي نصح وأنذر من شر عواقبه، أم الذين رفضوا النصيحة والإنذار ؟.

الفهرس

الخطبة 89 ...5

حول صفات الله تعالى... 5

من هم الراسخون في العلم ...9

هو القادر ...9

قدر ما خلق ...14

خلائق معصومون ...20

الغيب ...23

حلاوة المعرفة ...25

الأرض ...30

علم الطبيعة كل يوم هو في شأن ...32

السحاب تحيي الموات ...34

الماء ...36

حول آدم ...37

حول الاسلام والعمل ...39

الأرض والإنسان ...40

حول علمه تعالى ...42

لا كلفة ولا ملالة ...45

الخطبة 90 ...48

التمسوا غيري ...48

خطبة 91 ...52

أسألوني ...52

بنو أمية ...56

الخطبة 92 ...61

قاموا بدين الله ...61

الخطبة 93 ...66

حول بعثة النبي ...66

الخطبة 94 ...68

ألف به إخواناً ...68

السكوت ...70

الخطبة 95 ...72

التخاذل عن الحق ...72

يا أشباه الإبل ...77

الخطبة 96 ...81

بنو أمية ...81

الخطبة 97 ...83

كل مدة الى انتهاء ...83

الخطبة 98 ...88

راية الحق ...88

الخطبة 99 ...92

كله عن النبي ...92

الخطبة 100 ...96

نقاش الحساب وجزاء الأعمال... 96

حول راية البغي ...98

الخطبة 101 ...100

كل متوقع آت ...100

قيمة العلم ...103

الخطبة 102 ...106

لأبقرن الباطل ...106

الخطبة 103 ...110

لا يعجزه من طلب ...110

وظيفة الإمام ...114

الخطبة 104 ...118

الإسلام... 118

شريعة الإسلام ...119

واحشرنا في زمرته...122

محمد وعلي ...123

لا يغضبون لله...124

الخطبة 105 ...127

يوم من أيام صفين ...127

الخطبة 106 ...130

أشباح بلا أرواح ...130

أين من يخلق من لا شيء ؟ ...132

غار الصدق وفار الكذب ...135

الخطبة 107 ...141

سبحانك خالقاً ومعبوداً ...144

لا إقالة ولا رجعة ...148

من أوصاف القيامة... 150

حول القيامة ...151

حول أهل المعصية ...154

الله المؤلف وعلي المخرج ...156

الخطبة 108 ...158

فرائض الاسلام ...158

ذكر الله والقرآن ...162

الخطبة 109 ...165

غرارة ضرارة ...165

بست الدار لمن يتهمها ...169

الخطبة 110 ...174

حقيقة الموت... 174

الخطبة 111 ...177

العمر يفنى فناء الزاد ...177

اسمعوا دعوة الموت ...179

المذاهب الأربعة الخطبة 112 ...184

ایمان من عاين الغيب ...184

كم من مزيد خاسر ...189

حول الدين والحياة ...192

الخطبة 113 ...194

اللهم سقياً منك ...194

الى الله المفزع ...196

أنت الولي الحميد ...197

صلاة الاستسقاء ...198

صلاة الأعرابي ...199

الخطبة 114 ...200

نسيتم ما ذكرتم ...200

الخطبة 115 ...204

ابذلوا مال الله ...204

معظم الزعماء وبعض العلماء ...204

الخطبة 116 ...206

أنتم الأنصار ...206

الخطبة 117 ...208

أفخرسون أنتم ؟ ...208

الخطبة 118 ...212

شرائع الدين واحدة ...212

الخطبة 119 ...215

هذا جزاء من ترك العقدة ...215

اقبلوا النصيحة ...217

الخطبة 120 ...220

قاتلوا الآباء والأبناء ...220

حول عشاق الكراسي ...222

الخطبة 121 ...226

أكرم الموت القتل ...226

الخطبة 122 ...229

اليوم تبلى الأخبار ...229

السلاح بين القديم والجديد... 230

لا دواء للعناد إلا الطعن والضرب ...232

الخطبة 123 ...234

لا بد للقرآن من ترجمان ...234

أف لكم ...237

الخطبة 124 ...239

لا أطلب النصر بالجور ...239

الاسلام والمال ...240

الخطبة 125 ...243

محب غال ومبغض قال ...243

الجماهير ...247

الحكمان ...248

الخطبة 126 ...251

ليس هو بعلم غيب ...251

ثورة الزنوج ...253

الخطبة 127 ...258

الأغنياء والفقراء... 258

الله لا يخدع ...261

الخطبة 128... 263

أبو ذر ...264

الخطبة 129 ...268

متى يأمن المظلوم ؟ ...268

شروط الوالي ...271

الخطبة 130 ...273

عاقبة المترفين ...273

فلسفة الأمل ...275

الخطبة 131 ...277

الله ومحمد والقرآن ...277

الخطبة 132 ...282

إعزاز الحوزة ...282

الخطبة 133 ...285

أبعد الله نواك ...285

الخطبة 134 ...288

بيعة الإمام ...288

بيعة أبي بكر فلتة ...289

الخطبة 135 ...291

يطلبون دماً هم سفكوه ...291

الخطبة 136 ...296

الهدى والهوى ...296

الدولة الانسانية ...298

الخطبة 137 ...301

الشورى ...301

الخطبة 138 ...304

يعيب ما فيه مثله ...304

التعيير بالذنب ...306

الخطبة 139 ...308

أربع أصابع ...308

الخطبة 140 ...311

صانع المعروف ...311

الخطبة 141 ...314

التمحيص بالبلاء ...314

اللهم فاسقنا غيثك ...317

الخطبة 142 ...320

حجة الله على خلقه... 320

حول أهل البيت ...322

أين العقول والقلوب... 323

الخطبة 143 ...326

مع كل جرعة شرق ...326

الخطبة 144 ...330

العرب كثيرون بالاسلام ...330

لا نصر إلا بالإخلاص والتماسك ...331

لا نقاتل بالكثرة ...333

الخطبة 145 ...335

نبذ الكتاب حملته ...335

جار الله آمن ...339

الخطبة 146 ...344

لكل ضلة علة ...344

مشكلة الخلافة ...345

الخطبة 147 ...349

الانسان في مهب الريح ...349

الخطبة 148 ...354

لا تستبطئوا ما يجيء به الغد ...354

حول السرعة ...3356

حملوا بصائرهم على أسيافهم ...357

الخطبة 149 ...361

يتكالبون على جيفة ...361

لا تدخلوا بطونكم الحرام... 364

الخطبة 150 ...369

صفات الله تعالى ...369

الأئمة قوام الله على خلقه ...373

الاسلام سلام وكرامة ...375

الخطبة 151 ...378

البصير من سمع وتفكر ...378

سيئات لا تنفع معها حسنات ...382

المرأة وزينة الحياة ...384

الخطبة 152 ...386

العامل بغير علم ...386

ما طاب سقيه طاب غرسه ...390

الخطبة 153 ...392

لم تبلغه العقول ...392

الخفافيش ...394

الأدلة على وجوده تعالى ...395

الخطبة 154 ...399

الأمر بالمعروف ...399

أين الفتنة والردة ؟ ...405

الخطبة 155 ...409

الفاجر ذليل ...409

نفسك تشهد عليك ...413

الضمير ...415

الخطبة 156 ...418

سينتقم الله ممن ظلم ...418

من إعجاز القرآن ...420

الخطبة 157 ...422

أحسنت جواركم ...422

الخطبة 158 ...424

عظمته تعالى ...424

معنى الحمد الدائم ...426

يدعي انه يرجو اللّه...327

فلسفة الخوف والرجاء... 428

محمد و موسی و داوود وعيسى ...431

الدنيا ومحمد ...434

مدرعة علي تنص عليه ...438

الخطبة 159 ...440

رسول الله ...440

كل من استسلم للحق فهو مسلم ...442

الخطبة 160 ... 445

سلمان الفارسي والنقابات...448

الخطبة 161 ...450

لا يقال متى ...450

ابن تيمية والاسرائيليات ...453

أنها المخلوق السوي ...454

الكون والنظام ...456

الخطبة 162 ...460

شر الناس إمام جائر ...469

الخطبة 163 ...465

الخلق العجيب ...465

كل ما في الكون عجيب ...467

جناح الطاووس ...468

الطاووس ...470

كل الألوان في الطاووس ...472

الجنة ...477

الخطبة 164 ...480

اعقلوا عن الله ...480

يطمع فيكم من ليس مثلكم ...483

الحائط الواطىء ...484

الخطبة 165 ...486

حرمة المسلم ...486

كرامة الانسان... 488

الخطبة 166 ...491

امسك ما استمسك ...491

الخطبة 167 ...494

سلطان الاسلام ...494

الخطبة 168 ...498

الرائد لا يكذب أهله ...498

الخطبة 169 ...500

دعاء ...500

الخطبة 170 ...504

الإمام وقريش ...504

أصحاب الجمل ...506

الخطبة 171 ...509

من هو الخليفة ؟ ...510

الدنيا ...514

الخطبة 172 ...516

تهديد الإمام بالحرب ...516

طلحة وعثمان ...518

الخطبة 173 ...520

أنها الغافلون ...520

الخطبة 174 ...524

القرآن وفن الإعلان ...526

القرآن ...528

اللسان والاستقامة ...532

بين العقل واللسان... 534

الحلال ما أحل الله... 535

التحليل والتحريم بين الاسلام والمسيحية ...537

الظلم ثلاثة ...540

لا إسلام مع ظلم ...541

الخطبة 175 ...546

مهزلة الحكمين ...546