نوادر و قصص فی شرح نهج البلاغة المجلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

نوادر وقصص

في شرح نهج البلاغة

تاليف

عبد الرسول زين الدين

الجزء الاول

مؤسسة التاريخ العربي

بيروت - لبنان

طريق المعرفة

العراق - النجف

1428ه- - 2008م

مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع

محرّر الرقمي: محمد رادمرد

نوادر وقصص

في

شرح نهج البلاغة

اشارة

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1428ه- - 2008م

مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع

THE ARABIC HISTORY

Publishing & Distributing

العنوان الجديد

بيروت - طريق المطار - خلف غولدن بلازا - هاتف 01/540000 - 01/400559 - فاكس 850717 - ص.ب. 11/7957

Beyrouth - Air port street - Golden plazza - Tel: 01/540000 - 01/455559 - Fax: 850717 - p.o.box 7957/11

نوادر وقصص

في شرح نهج البلاغة

تاليف

عبد الرسول زين الدين

الجزء الاول

مؤسسة التاريخ العربي

بيروت - لبنان

طريق المعرفة

العراق - النجف

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين المنزه عن شبهات المخلوقين الدال على خلقه بوجوده، وبفنائهم على ازليته، والصلاة على المدد المتصل بين الارض والسماء والسبب الذي به الامل والرجاء، محمد واله الاصفياء الاتقياء، منازل البركات، ومهبط الخيرات، سادات السادات وعلل الموجوات، من اول البدء حتى اخر النهايات واللعن الدائم والخزي المؤبد على اعدائهم الاسفلين حروف كتاب سجين، وظلمات الهاوية الهالكين في دركات الجحيم ابد الابدين ومن رضى بفعالهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين وبعد :

فان المعلوم لدى جميع ارباب الادب والبلاغة والتاريخ ما للاهمية العظمى التي يتحلى بها كتاب نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي من كلام سيدنا ومولانا امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى اصبح الكتاب بحق مالىء الدنيا وشاغل الناس فمن شارح ومن محقق ومن مفهرس ومن ناقض واخر مدافع، حتى تجرا البعض حيث اعمته سحب الحقد إلى ان قال انه ليس لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد كبر على امثال هذا وغيره ان يكون لامير المؤمنين منقبة لا يطرا الشك اليها او يدلي بها شياطينهم بعض لبعض شبهاتهم فيها (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).

وعلى رغم تشكيكات المشككين بقي نهج البلاغة وبقي صاحب النهج صلوات اللّه عليه وعلى اولاده الطاهرين، على مر الزمان سيد السادة وابو الغر الهداة، بطل الاسلام الفاتح العظيم وحكيم الانسانية الذي لا منازع له في الحكمة والمعرفة لانه عبد حقيقي من عبيد محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبقي البلغاء حيثما تولوا وجهه ووجوههم شطره فهو الذي عنه تنحدر العلوم ولا ترقى اليه اوهام المتوهمين (ينحدر عني عني السيل ولا يرقى الي الطير).

ولم يكن في خلد الشريف الرضي ان جمعه لهذه الكلمات سوف يحدث تلك النقلة التاريخية العضمى في مسيرة الفكر الاسلامي بل الانساني، ولو كان في خلده ذلك لاستقصى جميع كلمات امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

الا ان فيما جمع وذكر كفاية لمن عقل واراد طلب الحق والهداية والانصاف

وقد شرح النهج بشروخ عديدة جدا كان من اقدمها شرح ابن ابي الحديد المعتزلي والذي يعد على رأس قائمة كتب التاريخ والادب الاسلامي والذي امتاز بخصائص ومزايا عن سواه اهمها، تعرضه لشرح اهم النصوص في التراث الاسلامي وكذلك لاحتوائه على كم هائل من الحوادث التاريخية الاسلامية والنصوص الادبية والأقوال والخطب وكلمات البلغاء والادباء وابيات الشعراء، فهو بحق جمع من فنون الادب والتاريخ قلما جمع غيره من الكتب التي سبقته.

وان القارى لهذا الشرح ربما وجد في قراءته لذة وانتفاع لا يجدها في سواه من الكتب لانه اشبه بالروضة الممتلئة بانواع الازهار والاشجار، الاان الكتاب لا يخلوا من استطرادات مطولة ومباحث لغوية قد تجعل القارى يسرع في تقليب صفحاته الموزعة على عشرون مجلدا وذلك بحثا عن النكت التاريخية والادبية والحوادث الطريفة.

وتسهيلا للقارى الذي يبحث عن مثل هذه المميزات في شرح نهج البلاغة، وطرحا البعض الحوادث والتعليقات المجانبة للحق التي ذكرها الشارح في كتابة قمنا بقراءة شاملة لهذا الكتاب وانتخبنا منه هذا المجلد الشامل لاغلب القصص والنوادر والاشعار والطرائف والحوادث التي وردت فيه.

والتزمنا باثبات الصفحة والجزء لكل حادثة وقصة ملتقطة على طبعة محمود ابو الفضل ابراهيم لانها اشهر الطبعات المنتشرة في العالم الاسلامي حتى ينتفع القارىء لكتابنا هذا ويسهل عليه مراجعة الاصل اذا رغب في الزيادة.

نامل ان يكون هذا العمل خدمة حقيقية لنهج البلاغة الكتاب الاصل وتقربا لصاحبه صلوات اللّه عليه ونسال اللّه سبحانه وتعالى ان ينفع به القراء الكرام وان يجعله في ميزان حسناتنا ويغفر لنا مالم نستطع تلافيه من سياتنا ويصحح نياتنا بمنه وكرمه وفضله انه نعم المجيب والحمد للّه اولا واخرا وظاهرا وباطنا.

عبد الرسول زين الدين

اجمال رائع في فضائل امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال ابن أبي الحديد: أما فضائله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنها قد بلغت من العظم والجلاله والانتشار والاشتهار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الاسلام في شرق الارض وغربها، واجتهدوا بكل حيله في إطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيله، أو يرفع له ذكرا، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعه وسموا، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار ان حجبت عنه عين واحدة، أدركته عيون كثيره ! وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهى إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلي حلبتها، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى وعلى مثاله احتذى.

وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الالهى لان شرف العلم بشرف المعلوم، و معلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل، وأرباب النظر، ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه، لان كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبى هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه (عَلَيهِ السَّلَامُ). وأما الاشعرية فانهم ينتمون إلى أبى الحسن على بن إسماعيل بن أبي بشر الاشعري، وهو تلميذ أبى على الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة، فالاشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). وأما الامامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر.

ومن العلوم : علم الفقه، وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصله وأساسه، وكل فقيه في الاسلام فهو عيال عليه، ومستفيد من فقهه، أما أصحاب أبي حنيفه كأبي يوسف ومحمد وغيرهما، فأخذوا عن أبى حنيفة، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن، فيرجع فقهه إيضا إلى أبى حنيفة، وأما أحمد بن حنبل، فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقرأ جعفر على أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وينتهى الأمر إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ). وأما مالك بن أنس، فقرأ على ربيعة الرأى وقرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمه على عبد اللّه بن عباس، وقرأ عبد اللّه بن عباس على على بن أبي طالب، وإن شئت رددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك، فهؤلاء الفقهاء الاربعة. واما فقه الشيعة : فرجوعه إليه ظاهر وأيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا : عمر بن الخطاب وعبد اللّه بن عباس، وكلاهما أخذ عن على (عَلَيهِ السَّلَامُ). أما ابن عباس فظاهر، وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التى أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة، وقوله غير مرة : لو لا على لهلك عمر، وقوله : لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن. وقوله : لا يفتين أحد في المسجد وعلى حاضر، فقد عرف بهذا الوجه أيضاً انتهاء الفقه إليه. وقد روت العامة والخاصة قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أقضاكم على والقضاء هو الفقه، فهو إذا أفقههم. وروى الكل أيضاً أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا : اللهم اهد قلبه وثبت لسانه قال : فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذى أفتى في المرأة التي وضعت لسته، أشهر وهو الذى أفتى في الحامل الزانية، وهو الذى قال في المنبرية : صار ثمنها تسعا. وهذه المسأله لو فكر الفرضي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب فما ظنك بمن قاله بديهة واقتضبه ارتجالا.

ومن العلوم : علم تفسير القرآن، وعنه أخذ، ومنه فرع، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لان أكثره عنه وعن عبد اللّه بن عباس، وقد علم الناس حال ابن عباس، في ملازمته له وانقطاعه إليه، وأنه تلميذه وخريجه. وقيل له : أين علمك من علم ابن عمك ؟ فقال : كنسبة قطره من المطر إلى البحر المحيط.

ومن العلوم : علم الطريقة والحقيقة، وأحوال التصوف وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام، إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرح بذلك الشبلي، والجنيد وسري، وأبو يزيد البسطامى، وأبو محفوظ معروف الكرخي، وغيرهم. ويكفيك

دلالة على ذلك الخرقة التى هي شعارهم إلى اليوم وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومن العلوم : علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافه أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبى الاسود الدؤلى جوامعه وأصوله، من جملتها الكلام كله ثلاثة أشياء : اسم وفعل وحرف ومن جملتها : تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الاعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات، لان القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط.

وإن رجعت إلى الخصائص الخلفية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها.

وأما الشجاعة : فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحا اسم من يأتي بعده، و مقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الامثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع الذى ما فر قط، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحدا إلا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الاولى إلى ثانية، وفي الحديث كانت ضرباته وترا، ولما دعا معاوية إلى المبارزه ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، قال له عمرو : لقد أنصفك، فقال معاوية : ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم ! أ تأمرني بمبارزه أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق ! أراك طمعت في إمارة الشام بعدي ! وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قتلهم أظهر وأكثر، قالت أخت عمرو بن عبد ود ثرثيه :

لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيته أبدا ما دمت فى الابد

لكن قاتله من لا نظير له وكان يدعى أبوه بيضة البلد

وانتبه يوما معاوية، فرأى عبد اللّه بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره، فقعد، فقال له عبد اللّه يداعبه : يا أمير المؤمنين، لو شئت أن أفتك بك لفعلت، فقال : لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر، قال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب ! قال : لا جرم إنه قتلك وأباك بيسرى يديه، وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها. وجملة الأمر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي، وباسمه ينادى في مشارق الأرض ومغاربها.

وأما القوة والايد : فيه يضرب المثل فيهما، قال ابن قتيبه في (المعارف): ما صارع

أحدا قط إلا صرعه وهو الذى قلع باب خیبر، واجتمع عليه عصبه من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه، وهو الذى اقتلع هبل من أعلى الكعبة، وكان عظيما جدا، وألقاه إلى الارض. وهو الذى اقتلع الصخره العظيمة في أيام خلافته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بیده بعد عجز الجيش كله عنها، وأنبط الماء من تحتها.

وأما السخاء والجود : فحاله فيه ظاهرة، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، وفيه أنزل (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا). وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، فأنزل فيه : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً). وروى عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة، حتى مجلت يده، ويتصدق بالاجرة، ويشد على بطنه حجرا. وقال الشعبي وقد ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كان أسخى الناس، كان على الخلق الذي يحبه اللّه : السخاء والجود، ما قال : (لا) لسائل قط. وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال له : جئتك من عند أبخل الناس فقال : ويحك ! كيف تقول إنه أبخل الناس لو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن، لانفد تبره قبل تبنه. وهو الذي كان يكنس بيوت الاموال ويصلي فيها، وهو الذي قال : يا صفراء، ويا بيضاء، غري غيري. وهو الذي لم يخلف ميراثا، وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام.

وأما الحلم والصفح : فكان أحلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسئ، وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل، حيث ظفر بمروان بن الحكم وكان أعدى الناس له، وأشدهم بغضا فصفح عنه، وكان عبد اللّه بن الزبير يشتمه على رءوس الأشهاد، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : ما زال الزبير رجلا منا اهل البيت حتى شب عبد اللّه فظفر به يوم الجمل، فأخذه أسيرا، فصفح عنه، وقال : اذهب فلا أرينك، لم يزده على ذلك. وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة، وكان له عدوا فأعرض عنه ولم يقل له شيئا. وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفر بها أكرمها، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم، وقلدهن بالسيوف فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به، وتأففت وقالت : هتك سترى برجاله وجنده الذين وكلهم بي فلما وصلت المدينة

ألقى النساء عمائمهن، وقلن لها : إنما نحن نسوه وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف، وشتموه ولعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار العسكر : ألا لا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز إلى عسكر الامام فهو آمن. ولم يأخذ أثقالهم، ولا سبي ذراريهم، ولا غنم شيئا من أموالهم ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو وتقيل سنة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم فتح مكة فإنه عفا والاحقاد لم تبرد، والاساءة لم تنس. ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء، وأحاطوا بشريعة الفرات، وقالت رؤساء الشام له.

اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا، سألهم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه أن يشرعوا لهم شرب الماء، فقالوا : لا والله ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان، فلما رأى أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه، وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع، سقطت منه الرؤوس والايدي وملكوا عليهم الماء، وصار أصحاب معاوية في الفلاة، لا ماء لهم، فقال له أصحابه وشيعته : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين، كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضا بالايدي فلا حاجه لك إلى الحرب، فقال : لا والله لا أكافئهم بمثل فعلهم افسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك. فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله (عَلَيهِ السَّلَامُ)!.

وأما الجهاد في سبيل اللّه : فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين، وهل الجهاد لاحد من الناس إلا له ! وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى، قتل فيها سبعون من المشركين، قتل علي نصفهم، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر. وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الاشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك، دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما، وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه، لانه من المعلومات الضرورية، كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما

وأما الفصاحة : فهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) إمام الفصحاء وسيد البلغاء، وفي كلامه قيل : دون كلام

الخالق، وفوق كلام المخلوقين. ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة، قال عبد الحميد بن يحيى : حفظت سبعين خطبة من خطب الاصلع، ففاضت ثم فاضت. وقال ابن نباتة : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق الا سعة وكثرة حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب. ولما قال محفن بن أبى محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيا الناس، قال له : ويحك ! كيف يكون أعيا الناس ! فو اللّه ما سن الفصاحة لقريش غيره، ويكفى هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة، ولا يبارى في البلاغة وحسبك أنه لم يدون لاحد من فصحاء الصحابة العشر، ولا نصف العشر مما دون له، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب (البيان والتبيين) وفي غيره من كتبه.

وأما سجاحة الاخلاق، وبشر الوجه، وطلاقة المحيا، والتبسم : فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه، قال عمرو بن العاص لاهل الشام : أنه ذو دعابة شديدة. وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذاك : عجبا لابن النابغة ! يزعم لاهل الشام أن في دعابة، وأني امرؤ تلعابة، أعافس وأمارس! وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه : للّه أبوك لولا دعابة فيك ! إلا أن عمر اقتصر عليها، وعمرو زاد فيها وسمجها. قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : كان فينا كأحدنا، لين جانب وشدة تواضع، وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الاسير المربوط للسياف الواقف على رأسه. وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا حسن، فلقد كانهشا بشا ذا فكاهة قال قيس : نعم، كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يمزح ويبتسم إلى أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء، وتعيبه بذلك ! أما والله لقد كان تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى تلك هيبة التقوى وليس كما يهابك طعام أهل الشام.!. وقد بقى هذا الخلق متوارثا متنافلا في محبيه وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك.

وأما الزهد في الدنيا : فهو سيد الزهاد، وبدل الابدال، وإليه تشد الرحال، وعنده تنفض الاحلاس، ما شبع من طعام قط. وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا، قال عبد اللّه بن أبي رافع : دخلت إليه يوم عيد، فقدم جرابا مختوما، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا

مرضوضا، فقدم فأكل فقلت : يا أمير المؤمنين، فكيف تختمه ؟ قال : خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت. وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة، وليف أخرى، ونعلاه من ليف. وكان يلبس الكرباس الغليظ، فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة، ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الابل، ولا يأكل اللحم إلا قليلا ويقول : لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان وكان مع ذلك أشد الناس قوة وأعظمهم أيدا لا ينقض الجوع قوته، ولا يخون الاقلال منته. وهو الذي طلق الدنيا وكانت الاموال تجبى إليه من جميع بلاد الاسلام إلا من الشام فكان يفرقها ويمزقها، ثم يقول :

هذا جناي وخياره فيه***إذ كل جان يده إلى فيه

وأما العبادة : فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما، ومنه تعلم الناس صلاة الليل، وملازمة الاوراد وقيام النافلة، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير، فيصلي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يمينا وشمالا، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته ! وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده. وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه وإجلاله وما يتضمنه من الخضوع لهيبته، والخشوع لعزته والاستخذاء له عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص وفهمت من أي قلب خرجت، وعلى أي لسان جرت.. وقيل لعلي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)- وكان الغاية في العبادة : أين عبادتك من عبادة جدك ؟ قال : عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدى عند عبادة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

وأما قراءته القرآن واشتغاله به : فهو المنظور إليه في هذا الباب، اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولم يكن غيره يحفظه ثم هو أول من جمعه، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة، بل يقولون : تشاغل بجمع القرآن فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن، لانه لو كان مجموعا في حياه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون

إليه كابي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما، لانهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمى القارئ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه، وعنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التى تنتهى إليه أيضاً، مثل كثير مما سبق.

وأما الرأي والتدبير : فكان من أسد الناس رأيا، وأصحهم تدبيرا، وهو الذي أشار على عمر بن الخطاب لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار. وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها، ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث. وإنما قال أعداؤه : لا رأي له لانه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه وقد قال(عَلَيهِ السَّلَامُ) : لو لا الدين والتقى لكنت أدهى العرب وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوفقه، سواء أكان مطابقا للشرع أم لم يكن. ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لاجلها مما يرى الصلاح فيه تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب، ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتشار أقرب.

وأما السياسة : فإنه كان شديد السياسة، خشنا في ذات الله، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه إياه، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به وأحرق قوما بالنار، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد اللّه البجلي وقطع جماعة وصلب آخرين. ومن جملة سياسته في حروبه أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان وفي أقل القليل منها مقنع، فإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه و انتقامه مبلغ العشر مما فعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الحروب بيده وأعوانه.

فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الامام المتبع فعله، والرئيس المقتفى أثره.

وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة،

وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لاهل الملة،

وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها، حاملا سيفه، مشمرا لحربه،

وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها !

كان علي سيف عضد الدولة بن بويه وسيف أبيه ركن الدولة صورته،

وكان علي سيف إلب أرسلان وابنه ملكشاه صورته، كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر. وما اقول في رجل أحب كل واحد أن يتكثر به وود كل أحد أن يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه،

حتى الفتوة التى أحسن ما قيل في حدها : ألا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه، وصنفوا في ذلك كتبا، وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه وقصروه عليه وسموه سيد الفتيان، وعضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المروي، انه سمع من السماء يوم أحد : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي.

وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء، وشيخ قريش، ورئيس مكة، قالوا : قل أن يسود فقير، وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له، وكانت قريش تسميه الشيخ. وفي حديث عفيف الكندي، لما رأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يصلى في مبدأ الدعوة، ومعه غلام وامرأة، قال : فقلت للعباس أي شئ هذا ؟ قال : هذا ابن أخي يزعم أنه رسول من اللّه إلى الناس، ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام - وهو ابن أخي أيضاً - وهذه الامرأة، وهي زوجته قال : فقلت : ما الذي تقولونه أنتم ؟ قال : ننتظر ما يفعل الشيخ - يعني أبا طالب. وأبو طالب هو الذي كفل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صغيرا، وحماه وحاطه كبيرا ومنعه من مشركي قريش، ولقي لاجله عنتا عظيما وقاسى بلاء شديدا وصبر على نصره والقيام بأمره. وجاء في الخبر أنه لما توفى أبو طالب أوحى إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقيل له : اخرج منها، فقد مات ناصرك. وله مع شرف هذه الابوة أن ابن عمه محمد سید الاولين والآخرين وأخاه جعفر ذو الجناحين، الذي قال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (أشبهت خلقي وخلقي) فمر يحجل فرحا وزوجته سيدة نساء العالمين وابنيه سيدا شباب أهل الجنة فأباؤه آباء رسول الله، وأمهاته أمهات رسول اللّه وهو مسوط بلحمه ودمه لم يفارقه منذ خلق اللّه آدم إلى أن مات عبد المطلب بين الاخوين عبد اللّه وأبي طالب وأمهما واحدة، فكان منهما سيد الناس، هذا الأول وهذا التالي وهذا المنذر وهذا الهادى !.

وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى وآمن بالله، وعبده، وكل من في الأرض يعبد الحجر، ويجحد الخالق لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلا السابق إلى كل خير محمد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أول الناس اتباعا لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إيمانا به، ولم يخالف في ذلك إلا الاقلون. وقد قال هو (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنا الصديق الاكبر وأنا

الفاروق الاول، أسلمت قبل إسلام الناس، وصليت قبل صلاتهم. ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك وعلمه واضحا. وإليه ذهب الواقدي، وابن جرير الطبري، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب (الاستيعاب).

فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا بل يزيد عليه، وبالله التوفيق (1).

بدء ظهور الغلاة

أول من جهر بالغلو في أيام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عبد اللّه بن سبا قام إليه وهو يخطب فقال له : أنت أنت ! وجعل يكررها فقال له : ويلك ! من أنا ؟ فقال : أنت اللّه فأمر بأخذه وأخذ قوم كانوا معه على رأيه. وروى أبو العباس أحمد بن عبيد الله، عن عمار الثقفي، عن علی بن محمد بن سليمان النوفلي، عن ابيه، وعن غيره من مشيخته، أن عليا قال : (يهلك في رجلان : محب مطر يضعني غير موضعي ويمدحني بما ليس في، ومبغض مفتر يرميني بما أنا منه برئ). وقال أبو العباس : وهذا تأويل الحديث المروى عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيه، وهو قوله : (إن فيك مثلا من عيسى بن مريم أحبته النصارى فرفعته فوق قدره وأبغضته اليهود حتى بهتت أمه.". قال أبو العباس : وقد كان على عثر على قوم خرجوا من محبته باستحواذ الشيطان عليهم، إلى أن كفروا بربهم وجحدوا ما جاء به نبیهم، واتخذوه ربا وإلها، وقالوا : انت خالقنا ورازقنا، فاستنابهم وتوعدهم، فاقاموا على قولهم، فحفر لهم حفرا دخن عليهم فيها طمعا في رجوعهم، فأبوا، فحرقهم بالنار، وقال :

ألا ترون قد حفرت حفرا***اني إذا رأيت أمرا نى إذا رأيت أمرا منكرا

وقدت نارى ودعوت قنبرا

وروى أصحابنا في كتب المقالات أنه لما حرقهم صاحوا إليه الآن ظهر لنا ظهورا بينا أنك أنت الاله لان ابن عمك الذى أرسلته قال : (لا يعذب بالنار إلا رب النار) (2)


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 16.

2) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 5.

المغيرة بن شعبة

أصحابنا غير متفقين على السكوت على المغيرة بل أكثر البغداديين يفسقونه، ويقولون فيه ما يقال في الفاسق، ولما جاء عروة بن مسعود الثقفى إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عام الحديبية نظر إليه قائما على رأس رسول اللّه مقلدا سيفا فقيل : من هذا ؟ قيل : ابن أخيك المغيرة، قال : وأنت هاهنا يا غدر ! والله إنى إلى الان ما غسلت سوأتك (1).

زيد بن ثابت و ميله إلى عثمان

أن مروان بن الحكم لما حصر عثمان الحضر الاخير أتى زيد بن ثابت فاستصحبه إلى عائشة ليكلمها في هذا الأمر، فمضيا إليها وهى عازمة على الحج، فكلماها في أن تقيم وتذب عنه، فأقبلت على زيد بن ثابت فقالت : وما منعك يا بن ثابت ولك الاشاريف قد اقتطعكها عثمان ولك كذا وكذا، وأعطاك عثمان من بيت المال عشرة آلاف دينار ! قال زيد : فلم أرجع عليها حرفا واحدا، وأشارت إلى مروان بالقيام فقام مروان وهو يقول : حرق قيس على البلاد حتى إذا اضطرمت أجذما. فنادته عائشة وقد خرج من العتبة : يا بن الحكم، أعلى تمثل الاشعار ! قد والله سمعت ما قلت أتراني في شك من صاحبك ! والذي نفسي بيده لوددت أنه الان في غرارة من غرائري مخيط عليه، فألقيه في البحر الاخضر، قال زيد بن ثابت : فخرجنا من عندها على الياس منها. وروى أن زید بن ثابت اجتمع عليه عصابة من الانصار، وهو يدعوهم إلى نصرة عثمان فوقف عليه جبلة بن عمرو بن حبة المازني فقال له : وما يمنعك يا زيد أن تذب عنه ؟ أعطاك عشرة آلاف دينار وحدائق من نخل لم ترث عن أبيك مثل حديقة منها (2).

اخلاق الرشيد

وقال ابو البختری وهب بن وهب القاضي : كنت عند الرشيد يوما، واستدعى ماء مبردا بالثلج، فلم يوجد في الخزانة ثلج، فاعتذر إليه بذلك، واحضر إليه ماء غير مثلوج، فضرب وجه الغلام بالكوز، واستشاط غضبا، فقلت له : اقول يا امير المؤمنين وانا آمن ! فقال : قل قلت : يا امير المؤمنين قد رايت ما كان من الغير بالامس - يعنى زوال دولة


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 8.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 7.

بني امية - والدنيا غير دائمة ولا موثوق بها والحزم الا تعود نفسك الترفه والنعمة، بل تأكل اللين والجشب وتلبس الناعم والخشن، وتشرب الحار والقار، فنفحنى بيده، وقال : لا والله، لا اذهب إلى ما تذهب إليه، بل البس النعمة ما لبستني، فإذا نابت نوبة الدهر عدت إلى نصاب غير حوار (1).

آخر يوم من شوال فلتة

أن العرب تسمى آخر يوم من شوال فلتة من حيث ان كل من لم يدرك ثأره فيه فاته، لانهم كانوا إذا دخلوا في الاشهر الحرم لا يطلبون الثأر، وذو القعدة من الاشهر الحرم، فسموا ذلك اليوم فلتة لانهم إذا ادركوا فيه ثارهم، فقد أدركوا ما كان يفوتهم. فأراد عمر أن بيعة أبى بكر تداركها بعد ان كادت تفوت (2).

إن اللّه ينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم

في الحديث المرفوع : إن اللّه ينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم.

وكان الاحنف يقول أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم النار والعار.

وقال الشاعر :

وإنى لاستبقى أمرا السوء عده***لعدوه عريض من الناس

جائب أخاف كلاب الابعدين وهرشها إذا لم تجاوبها كلاب الاقارب (3).

لف عرقي بعرفة سيدا الناس جميعا محمد وعلي

ذكر أبو الحسن الصابي وابنه غرس النعمة محمد في تاريخهما أن القادر باللّه عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الموسوي وابنه أبا القاسم المرتضى وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء وأبرز إليهم أبيات الرضي أبي الحسن التي أولها :

ما مقامي على الهوان وعندي***مقول صارم وأنف حمي

وإباء محلق بي عن الضيم***كما زاغ طائر وحشي


1) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 20.

2) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 26.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 20.

أي عذر له إلى المجد إن***ذل غلام في غمده المشرفي

أحمل الضيم في بلاد الاعادي***وبمصر خليفة العلوى

من أبوه أبى ومولاه مولا***ي إذا ضامني البعيد القصي

لف عرقي بعرفة سيدا الناس***جميعا محمد وعلي

وقال القادر للنقيب أبي أحمد : قل لولدك محمد : أي هو ان قد أقام عليه عندنا ! وأى ضيم لقى من جهتنا ! وأي ذل أصابه في مملكتنا ! وما الذي يعمل معه صاحب مصر اكثر من هذا ما نظنه كان يكون لو حصل عنده الا واحدا من ابناء الطالبيين بمصر فقال النقيب ابو احمد اما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه ولا رأيناه بخطه ولا يبعد ان يكون بعض اعدائه نحله اياه وعزاه إليه فقال القادر ان كان كذلك فلتكتب الآن محضرا يتضمن القدح في انساب ولاه مصر ويكتب محمد خطه فيه فكتب محضرا بذلك شهد فيه جميع من حضر المجلس منهم النقيب ابو احمد وابنه المرتضى وحمل المحضر إلى الرضى ليكتب خطه فيه حمله ابوه واخوه فامتنع من سطر خطه وقال لا اكتب وأخاف دعاه صاحب مصر وانكر الشعر وكتب خطه واقسم فيه انه ليس بشعره وانه لا يعرفه فاجبره ابوه على ان يكتب خطه في المحضر فلم يفعل وقال اخاف دعاه المصريين وغيلتهم لى فانهم معروفون بذلك فقال ابوه یا عجباه! تخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ ولا تخاف من بينك وبينه مائه ذراع وحلف الا يكلمه وكذلك المرتضى فعلا ذلك تقيه وخوفا من القادر وتسكينا له ولما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء اضمره وبعد ذلك بايام صرفه عن النقابة وولاها محمد بن عمر النهر سابسي (1).

ينظرون اليكم نظر الثور إلى جازره

قال عمر يوما لابن عباس يا عبد اللّه انتم اهل رسول اللّه وآله وبنو عمه فما تقول منع قومكم منكم قال لا ادرى علتها والله ما اضمرنا لهم الا خيرا قال اللهم غفرا إن قومكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوة والخلافة فتذهبوا في السماء شمخا وبذخا ولعلكم تقولون إن أبا بكر اول من اخركم اما انه لم يقصد ذلك ولكن حضر امر لم يكن بحضرته احزم مما فعل ولو لا راى ابى بكر في لجعل لكم من الامر نصيبا ولو فعل ما هناكم مع


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 37.

قومكم انهم ينظرون اليكم نظر الثور إلى جازره (1).

من أرتج عليهم أو حصروا عند الكلام

روى أبو الحسن المدائني قال : صعد ابن لعدى بن ارطاة المنبر فلما رأى الناس حصر فقال : الحمد للّه الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم.

وصعد روح بن حاتم المنبر فلما راى الناس قد رشقوه بابصارهم، وصرفوا اسماعهم نحوه قال : نكسوا رؤوسكم، وغضوا أبصاركم، فان اول مركب صعب فإذا يسر الله عز وجل فتح قفل تيسر ثم نزل.

وخطب مصعب بن حيان اخو مقاتل بن حيان خطبة نكاح فحصر، فقال لقنوا موتاكم لا اله الا اللّه فقالت ام الجارية : عجل اللّه موتك، ألهذا دعوناك.

وخطب مروان بن الحكم فحصر، فقال : اللهم انا نحمدك ونستعينك ولا نشرك بك ولما حصر عبد اللّه بن عامر بن كريز على المنبر بالبصره - وكان خطيبا - شق عليه ذلك، فقال له زياد بن ابيه وكان خليفته أيها الامير لا تجزع فلو اقمت على المنبر عامه من ترى اصابهم اكثر مما اصابك فلما كانت الجمعة تأخر عبد اللّه بن عامر وقال زياد للناس : إن الامير اليوم موعوك، فقيل لرجل من وجوه امراء القبائل : قم فاصعد المنبر، فلما صعد حصر، فقال : الحمد للّه الذى يرزق هؤلاء، وبقى ساكتا، فانزلوه، واصعدوا آخر من الوجوه، فلما استوى قائما قابل بوجهه الناس فوقعت عينه على صلعه رجل، فقال : ايها الناس، إن هذا الاصلع قد منعنى الكلام، اللهم فالعن هذه الصلعه. فانزلوه وقالوا لوازع اليشكري : قم إلى المنبر فتكلم، فلما صعد وراى الناس قال : ايها الناس انى كنت اليوم كارها لحضور الجمعة، ولكن امراتي حملتني على اتيانها وانا اشهدكم انها طالق ثلاثا، فانزلوه، فقال زياد لعبد اللّه بن عامر : كيف رايت ؟ قم الان فاخطب الناس.

وقال سهل بن هارون دخل قطرب النحوي على المخلوع فقال يا أمير المؤمنين كانت عدتك ارفع من جائزتك وهو يتبسم فاغتاظ الفضل بن الربيع فقلت له : إن هذا من الحصر والضعف، وليس من الجلد والقوة اما تراه يفتل اصابعه ويرشح جبينه


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 9.

ودخل معبد بن طوق العنبري على بعض الامراء، فتكلم وهو قائم فاحسن فلما جلس تلهيع في كلامه فقال له ما أظرفك قائما، واموقك قاعدا ! قال : إنى إذا قمت جددت، وإذا قعدت هزلت فقال ما احسن ما خرجت منها.

وخطب عبد اللّه بن عامر مره فارتج عليه وكان ذلك اليوم يوم الاضحى، فقال : لا اجمع عليكم عيا ولؤما : من أخذ شاة من السوق فهى له وثمنها على (1).

المتعاقدين على قتل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

تعاقد من قريش على قتل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عبد اللّه بن شهاب الزهري وابن قميئة احد بني الحارث بن فهر وعتبة بن أبي وقاص الزهري وأبي بن خلف الجمحي، فلما أتى خالد بن الوليد من وراء المسلمين وراء المسلمين واختلطت الصفوف، ووضع المشركون السيف في المسلمين رمى عتبة بن ابي وقاص رسول اللّه (صلى عليه وسلم) بأربعة أحجار، فكسر رباعيته، وشجه في وجهه حتى غاب حلق المغفر في وجنتيه، وأدمى شفتيه (2).

حتى نخوض إليه الباطل خوضا

خطب زياد بالبصرة الخطبة الغراء المشهورة، وقال فيها : والله لأخذن البرئ بالسقيم، والبر باللئيم، والوالد بالولد، والجار بالجار، أو تستقيم إلى قناتكم. فقام أبو بلال مرداس ابن أدية يهمس، وهو حينئذ شيخ كبير، فقال : أيها الامير أنبأنا اللّه بخلاف ما قلت وحكم بغير ما حكمت، قال سبحانه : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، فقال زياد : يا أبا بلال إني لم أجهل ما علمت ولكنا لا نخلص إلى الحق منكم حتى نخوض إليه الباطل خوضا (3).

وأخذته الالسن من كل جانب

روى أن عثمان لما جاءه الشهود يشهدون على الوليد بشرب الخمر أو عدهم وتهددهم ويقال إنه ضرب بعض الشهود أيضاً أسواطا، فأتوا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فشكوا


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 13.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 3.

3) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 4.

إليه، فأتى عثمان، فقال : عطلت الحدود، وضربت قوما شهدوا على أخيك، فقلبت الحكم، وقد قال لك عمر : لا تحمل بني أمية وآل أبي معيط على رقاب الناس ! قال : فما ترى؟ قال : أرى أن تعزله ولا توليه شيئا من أمور المسلمين، وأن تسأل عن الشهود، فإن لم يكونوا أهل ظنة ولا عداوة، أقمت على صاحبك الحد. وتكلم في مثل ذلك طلحة والزبير وعائشة، وقالوا أقوالا شديدة، وأخذته الالسن من كل جانب، فحينئذ عزله، ومكن من إقامة الحد عليه.

روى أن الشهود لما شهدوا عليه في وجهه، وأراد عثمان أن يحده ألبسه جبة خز، وأدخله بيتا، فجعل إذا بعث إليه رجلا من قريش ليضربه، قال له الوليد : أنشدك اللّه أن تقطع رحمی و تغضب أمير المؤمنين ! فلما رأى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك، أخذ السوط ودخل عليه، فجلده به فأى عذر لعثمان في عزله وجلده بعد هذه الممانعة الطويلة، والمدافعة الشديدة ! (1)

تكبيرا منكرا في شوارع الكوفة

من كلام الحجاج: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الاخلاق ! أما والله لا لحونكم لحو العصا، ولا عصبنكم عصب السلم، ولاضربنكم ضرب غرائب الابل، إنى أسمع لكم تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب، ولكنه تكبير الترهيب. ألا إنها عجاجة تحتها قصف يا بنى اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الاماء ! إنما مثلى ومثلكم كما قال ابن براقة :

وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم

متى تجمع القلب الذكى وصارما وأنها حميا تجتنبك المظالم

والله لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الذاهب وكانت هذه الخطبة عقيب سماعه تكبيرا منكرا في شوارع الكوفة، فأشفق من الفتنة (2).

كنايات في الجماع وقرارات النساء

• لما قتل الخوارج فقيل له : يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم : كلا والله

1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 20.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 343.

إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، وكلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين قرارات النساء : كناية لطيفة عن الأرحام.

•

ومن الكنايات اللطيفة الجارية هذا المجرى قوله تعالى : أو لامستم النساء يعنى الجماع

•

وقوله تعالى : (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً).

•

وقوله : (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ)، يعنى الفروج.

•

وقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للحادي: (يا أنجشة رفقا بالقوارير) يعني النساء

•

من كنايات الكتاب العزيز أيضاً قوله تعالى : (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا)، كنى بذلك عن مناكح النساء.

•

ومنها قوله تعالى : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)، كنى عن مواقع النسل بمواقع الحرث.

•

من الاخبار النبوية، قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشهادة على الزنا : (حتى تشاهد الميل في المكحلة).

•

ومنها قول المرأة التي شكت إلى عائشة زوجها أنه يطمح بصره إلى غيرها : (إنى عزمت على إن أقيد الجمل)، إشارة إلى ربطه.

•

ومنها قول عمر : يا رسول اللّه هلکت قال : (وأهلكك ؟) قال : حولت رحلى، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أقبل وأدبر واتق الحيضة)، ففهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما أراد.

•

ومن الاحاديث النبوية : (من كشف قناع امرأة، وجب عليه مهرها)، كنى عن الدخول بها يكشف القناع، لانه يكشف في تلك الحاله غالبا.

•

ومن ذلك قوله تعالى : (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)، كنى بذلك عن الجماع والمخالطة. وقال النابغة الجعدي :

إذا ما الضجيع ثنى عطفها تشت فكانت عليه لباسا

• وقد كنت العرب عن المرأة بالريحان وبالسرحة، قال ابن الرقيات :

لا أشم الريحان إلا بعينى كرما إنما يشم الكلاب

أي أقنع من النساء بالنظر ولا أرتكب منهن محرما.

• وقال أعرابي، وكنى عن امرأتين :

أيا نخلتى أود إذا كان فيكما جنى فانظراً من تطعمان جناكما !

ويا نخلتى أود إذا هبت الصبا وأمسيت مقرورا ذكرت ذراكما

•

ومن الاخبار النبوية قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (من كان يؤمن باللّه واليوم اللآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره)، أراد النهى عن نكاح الحبائل، لانه إذا وطئها فقد سقى ماءه زرع غيره.

•

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لخوات بن جبير: (ما فعل جملك ياخوات) ؟ يمازحه، فقال : قيده الاسلام يا رسول اللّه لان خواتا في الجاهلية كان يغشى البيوت ويقول : شرد جملی وأنا أطلبه، وإنما يطلب النساء والخلوة بهن وخوات هذا هو صاحب ذات النحيين.

•

ومن كنايات القرآن العزيز قوله تعالى : (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ)، كنى بذلك عن الزنا لان الرجل يكون في تلك الحال بين يدى المرأة ورجليها.

•

ومنه في الحديث : (إذا قعد الرجل بين شعبها الاربع) (1).

سليمان بن صرد الخزاعي

دخل سلیمان بن صرد الخزاعي على على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مرجعه من البصرة، فعاتبه وعذله، وقال له : ارتبت وتربصت وراوغت، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي، وأسرعهم فيما أظن إلى نصرتي، فما قعد بك عن أهل بيت نبيك ؟ وما زهدك في نصرتهم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين لا تردن الامور على أعقابها، ولا تؤنبنى بما مضى منها واستبق مودتي تخلص لك نصيحتي، فقد بقيت أمور تعرف فيها عدوك من وليك. فسكت عنه، وجلس سليمان قليلا ثم نهض، فخرج إلى الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو قاعد في باب المسجد، فقال : ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت منه من التوبيخ والتبكيت ؟ فقال الحسن : إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته، فقال : لقد وثبت أمور ستشرع فيها القنا، وتنتضى فيها السيوف، ويحتاج فيها إلى اشباهي، فلا تستغشوا عتبي، ولا تتهموا نصحي. فقال الحسن : رحمك اللّه، ما أنت عندنا بظنين. ودخل عليه سعيد بن قيس الازدي،


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 14.

فسلم عليه، فقال : وعليك السلام وإن كنت من المتربصين ! قال: حاش للّه يا أمير المؤمنين ! فإنى لست من أولئك فقال : لعل اللّه فعل ذلك (1).

مذهب سقراط في تفسير القيامة وجهنم

ذهب قوم من قدماء الحكماء - ويقال انه مذهب سقراط - إلى تفسير القيامة وجهنم بما يبتنى على وضع الارض على الماء فقالوا الارض موضوعة على الماء والماء على الهواء والهواء على النار والنار في حشو الافك ولما كان العنصران الخفيفان - وهما الهواء والنار - يقتضيان صعود ما يحيطان به العنصران الثقيلان اللذان في وسطهما وهما الماء والارض يقتضيان النزول والهبوط وقعت الممانعة والمدافعة فلزم من ذلك وقوف الماء والارض في الوسط. قالوا ثم إن النار لا تزال يتزايد تأثيرها في اسخان الماء وينضاف إلى ذلك حر الشمس والكواكب إلى أن تبلغ البحار والعنصر المائى غايتهما في الغليان والفوران فيتصاعد بخار عظيم إلى الافلاك شديد السخونة وينضاف إلى ذلك حر فلك الاثير الملاصق للافلاك فتذوب الافلاك كما يذوب الرصاص وتتهافت وتتساقط وتصير كالمهل الشديد الحرارة ونفوس البشر على قسمين أحدهما ما تجوهر وصار مجردا بطريق العلوم والمعارف وقطع العلائق الجسمانية حيث كان مديرا للبدن والآخر ما بقى على جسمانيتة بطريق خلوة من اللعوم والمعارف وانغماسه في اللذات والشهوات الجسمانية فاما الاول فانه يلتحق بالنفس الكلية المجردة ويخلص من دائرة هذا العالم بالكلية واما الثاني فانه تنصب عليه تلك الاجسام الفلكية الذائبة فيحترق بالكلية ويتعذب ويلقى آلاما.شديدة قالوا هذا هو باطن ما وردت به الرواية من العذاب عليها وخراب العالم والافلاك وانهدامها. (2)

اراد في مرضه ان يرح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقا وحيطة على الاسلام

وروی ابن عباس (رضى اللّه عنه) قال : دخلت على عمر في اول خلافته وقد ألقى له صاع من تمر على خصفة فدعاني إلى الاكل، فاكلت تمرة واحدة واقبل ياكل حتى أتى عليه، ثم شرب من جر كان عنده واستلقى على مرفقة له وطفق يحمد اللّه يكرر ذلك، ثم


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 105.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 55.

قال : من اين جئت يا عبد اللّه ؟ قلت : من المسجد قال : كيف خلفت ابن عمك ؟ فظننته یعنی عبد اللّه بن جعفر قلت : خلفته يلعب مع اترابه قال : لم اعن ذلك انما عنيت عظيمكم اهل البيت قلت : خلفته يمتح بالغرب على نخيلات من فلان وهو يقرأ القرآن قال : يا عبد اللّه عليك دماء البدن إن كتمتنيها ! هل بقى في نفسه شئ من امر الخلافة ؟ قلت : نعم، قال : ايزعم ان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نص عليه ؟ قلت : نعم، وازيدك سالت ابى عما يدعيه فقال : صدق، فقال عمر : لقد كان من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في امره ذرو من قول لا يثبت حجة، ولا يقطع عذرا ولقد كان يربع في امره وقتا ما ولقد اراد في مرضه ان يصرح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقا وحيطة على الاسلام لا ورب ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش ابدا ولو وليها لانتقضت عليه العرب من اقطارها فعلم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اني علمت ما في نفسه فامسك وأبى اللّه إلا امضاء ما حتم (1).

المعروف في غير أهله

قال الشاعر:

العمرك ما المعروف في غير أهله وفي أهله إلا كبعض الودائع

فمستودع ضاع الذى كان عنده ومستودع ما عنده غير ضائع

وما الناس في شكر الصنيعة عندهم وفي كفرها إلا كبعض المزارع

فمزرعة طابت وأضعف نبتها ومزرعه أكدت على كل زارع (2).

وعد منه بالامام الغائب الذى يملك الارض

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها وتلا عقيب ذلك : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

قال ابن ابي الحديد : الامامية تزعم أن ذلك وعد منه بالامام الغائب الذي يملك الأرض في آخر الزمان وأصحابنا يقولون إنه وعد بإمام يملك الارض ويستولى على


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 20.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 24.

الممالك، ولا يلزم من ذلك إنه لا بد أن يكون موجودا، وإن كان غائبا إلى أن يظهر بل يكفى في صحة هذا الكلام أن يخلق في آخر الوقت.

وبعض اصحابنا يقول إنه إشارة إلى ملك السفاح والمنصور وابنى المنصور بعده. فإنهم الذين ازالوا ملك بني أمية، وهم بنو هاشم، وبطريقهم عطفت الدنيا على بني عبد المطلب عطف الضروس وتقول الزيدية إنه لا بد من أن يملك الارض فاطمي يتلوه جماعة من الفاطميين على مذهب زيد وإن لم يكن أحد الان موجودا (1).

ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا

روى الطبري قال : قال ابن عباس (رحمه اللّه) : لما حججت بالناس نيابة عن عثمان وهو محصور مررت بعائشة بالصلصل فقالت : يابن عباس أنشدك اللّه ! فإنك قد أعطيت لسانا وعقلا أن تخذل الناس عن طلحة، فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان وأنهجت ورفعت لهم المنار، وتحلبوا من البلدان الامر قد حم، وإن طلحة فيما بلغني قد اتخذ رجالا على بيوت الاموال وأخذ مفاتيح الخزائن وأظنه يسير إن شاء اللّه بسيرة ابن عمه أبي بكر، فقال : يا أمة لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا، فقالت : إيها عنك يا بن عباس، إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك (2).

حامى الطعن حيا وميتا

بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك كنانة، بن حی مشهور بالشجاعة منهم

علقمة بن فراس، وهو جذل الطعان ومنهم ربيعة بن مكدم بن حرثان بن جذيمة بن علقمة بن فراس الشجاع المشهور حامى الظعن حيا وميتا ولم يحم الحريم وهو ميت أحد غيره عرض له فرسان من بني سليم، ومعه ظعائن من أهله يحميهم وحده، فطاعنهم فرماه نبيشة ابن حبيب بسهم أصاب قلبه، فنصب رمحه في الارض، واعتمد عليه وهو ثابت في سرجه لم يزل ولم يمل. وأشار إلى الظعائن بالرواح، فسرن حتى بلغن بيوت الحى وبنو سليم قيام إزاءه لا يقدمون عليه ويظنونه حيا، حتى قال قائل منهم : إني لا أراه إلا ميتا ولو كان حيا لتحرك إنه والله لماثل راتب على هيئة واحدة لا


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 29.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 6.

يرفع يده، ولا يحرك رأسه. فلم يقدم أحد منهم على الدنو منه، حتى رموا فرسه بسهم، فشب من تحته فوقع وهو ميت وفاتتهم الظعائن. وقال الشاعر :

لا يتعدن ربيعة بن مكدم وسقى الغوادي قبره بذنوب

نفرت قلوصى من حجارة حرة بنيت على طلق اليدين وهوب

لا تنفري يا ناق منه فإنه شريب خمر مسعر لحروب

لو لا السفار وبعد خرق مهمه لتركتها تجثو على العرقوب

نعم الفتى أدى نبيشة بزه يوم اللقاء نبيشة بن حبيب (1).

وحولك أكباد تحن إلى القد

من أبيات منسوبة إلى حاتم بن عبد اللّه الطائى الجواد وأولها :

أيا ابنة عبد اللّه وابنة مالك ويا ابنة ذى الجدين والفرس الورد

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإني لست آكله وحدي

قصيا بعيدا أو قريبا فإننى أخاف ملمات الاحاديث من بعدى

كفى بك عارا أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحن إلى القد

وإني لعبد الضيف ما دام نازلا وما من خلالي غيرها شيمة العبد (2).

الأقوال في علم اللّه

القول الاول : قول جمهور المتكلمين، وهو أن البارئ سبحانه يعلم كل معلوم : الماضي والحاضر والمستقبل، ظاهرها وباطنها، ومحسوسها وغير محسوسها، فهو تعالى العالم بما كان وما هو حاضر، وما سيكون وما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون، كقوله تعالى : (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، فهذا علم بأمر مقدر على تقدير وقوع أصله الذي قد علم أنه لا يكون.

القول الثاني : قول من زعم أنه تعالى لا يعلم الامور المستقبلة، وشبهوه بكونه


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 341.

2) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 288.

مدركا، قالوا : كما أنه لا يدرك المستقبلات، فكذلك لا يعلم المستقبلات.

القول الثالث : قول من زعم أنه لا يعلم الامور الحاضرة، وهذا القول نقيض القول الثاني، وشبهوه بكونه قادرا، قالوا : كما أنه لا يقدر على الموجود، فكذلك لا يعلم الموجود.

القول الرابع : قول من زعم أنه تعالى لا يعلم نفسه خاصة، ويعلم كل ما عدا ذاته،

القول الخامس : قول من قال إنه تعالى لم يكن فيما لم يزل عالما بشئ أصلا، وإنما أحدث لنفسه علما علم به الاشياء، وهو قول جهم بن صفوان.

القول السادس : قول من قال إنه تعالى لا يعلم كل المعلومات على تفاصيلها، وإنما يعلم ذلك إجمالا وهؤلاء يسمون المسترسلية، لانهم يقولون : يسترسل علمه على المعلومات إجمالا لا تفصيلا، وهو مذهب الجويني من متكلمي الاشعرية.

القول السابع : قول من قال إنه تعالى يعلم المعلومات المفصلة ما لم يفض القول به إلى محال وزعموا أن القول بأنه يعلم كل شيء يفضى إلى محال، وهو أن يعلم ويعلم أنه يعلم وهلم جرا إلى ما لا نهاية له وكذلك المحال لازم إذا قيل إنه يعلم الفروع وفروع الفروع ولوازمها ولوازم لوازمها إلى ما لا نهاية له. قالوا : ومحال اجتماع كل هذه العلوم غير المتناهية في الوجود وهذا مذهب أبى البركات البغدادي صاحب المعتبر.

القول الثامن : قول من زعم أنه تعالى لا يعلم الشخصيات الجزئية، وإنما يعلم الكليات التي لا يجوز عليها التغيير، كالعلم بأن كل إنسان حيوان، ويعلم نفسه أيضاً، وهذا مذهب أرسطو وناصري قوله من الفلاسفة كابن سينا وغيره.

القول التاسع : قول من زعم أنه تعالى لا يعلم شيئا أصلا، لا كليا ولا جزئيا، وإنما وجد العالم عنه لخصوصية ذاته فقط من غير أن يعلمه، كما أن المغناطيس يجذب الحديد لقوة فيه من غير أن يعلم بالجذب، وهذا قول قوم من قدماء الفلاسفة (1).

أنا من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كالضوء من الضوء

قال : (وأنا من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كالضوء من الضوء والذراع من العضد). وذلك لان


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 218.

الضوء الأول يكون علة في الضوء الثاني ألا ترى أن الهواء المقابل للشمس يصير مضيئا من الشمس ! فهذا الضوء هو الضوء الأول. ثم إنه يقابل وجه الارض فيضئ وجه الارض منه فالضوء الذي على وجه الارض هو الضوء الثاني وما دام الضوء الأول ضعيفا فالضوء الثاني ضعيف. فإذا ازداد الجو إضاءة ازداد وجه الارض إضاءة لان المعلول يتبع العلة فشبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه بالضوء الثاني وشبه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالضوء الاول وشبه منبع الأضواء والانوار سبحانه وجلت أسماؤه بالشمس التي توجب الضوء الاول ثم الضوء الاول يوجب الضوء الثاني وها هنا نكتة وهى أن الضوء الثاني يكون أيضاً علة لضوء ثالث وذلك أن الضوء الحاصل على وجه الارض - وهو الضوء الثاني - إذا أشرق على جدار مقابل ذلك الجدار قريبا منه مكان مظلم فإن ذلك المكان يصير مضيئا بعد أن كان مظلما وإن كان لذلك المكان المظلم باب وكان داخل البيت مقابل ذلك الباب جدار كان ذلك الجدار أشد إضاءة من باقى البيت ثم ذلك الجدار إن كان فيه ثقب إلى موضع آخر كان ما يحاذي ذلك البيت أشد إضاءة مما حواليه وهكذا لا تزال الاضواء يوجب بعضها بعضا على وجه الانعكاس بطريق العلية وبشرط المقابلة ولا تزال تضعف درجة درجة إلى أن تضمحل ويعود الأمر إلى الظلمة. وهكذا عالم العلوم والحكم المأخوذة من أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تزال تضعف كما انتقلت من قوم إلى قوم إلى أن يعود الاسلام غريبا كما بدأ بموجب الخبر النبوى الوارد في الصحاح (1).

خلق القرآن قبل أن يخلق آدم

وجاء في بعض الآثار : إن اللّه تعالى خلق بعض القرآن قبل أن يخلق آدم وقرأه على الملائكة، فقالوا : طوبى لامة ينزل عليها هذا ! وطوبى لاجواف تحمل هذا ! وطوبى لالسنة تنطق بهذا ! (2)

شديد عذاب جهنم

قال الأوزاعي في مواعظه للمنصور : روى لى عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم : لو أن ثوبا من ثياب أهل النار علق بين السماء والارض الاحرق أهل الارض قاطبة فكيف بمن


1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 289.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 23.

يتقمصه ! ولو أن ذنوبا من حميم جهنم صب على ماء الارض كله لاجنه حتى لا يستطيع مخلوق شربه، فكيف بمن يتجرعه ! ولو أن حلقة من سلاسل النار وضعت على جبل لذاب كما يذوب الرصاص، فكيف بمن يسلك فيها ويرد فضلها على عاتقه !

وروى أبو هريرة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وأخرج إليهم رجل من النار فتنفس وأصابهم نفسه لاحرق المسجد ومن فيه).

وروى أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لجبرئيل : ما لى لا أرى ميكائيل ضاحكا ! قال : إن ميكائيل لم يضحك منذ خلقت النار ورآها. وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (لما أسرى بي سمعت هدة، فسألت جبريل عنها فقال : حجر أرسله اللّه من شفير جهنم فهو يهوى منذ سبعين خريفا حتى بلغ الان فيه).

وروى عن النبي (صلى اللّه عليه آله) في قوله : (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون). قال : (تتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته).

وروى عبيد بن عمير الليثى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لتزفرن جهنم زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر مرتعدة فرائصه، حتى إن إبراهيم الخليل ليجث على ركبتيه فيقول : يا رب إني لا أسالك إلا نفسي) (1).

إنما خلقكم اللّه للتفريق بين المسلمين

عن أبي عبيده قال : أمر بلال بن أبي بردة وكان قاضيا بتفريق بين رجل وامرأته، فقال الرجل : يا آل أبي موسى إنما خلقكم اللّه للتفريق بين المسلمين (2).

المتخلفين عن بيعة امير المؤمنين

كان أول من بايعه طلحة. فقال قبيصة بن ذؤيب الاسدي : تخوفت ألا يتم له أمره، لان أول يد بايعته شلاء، ثم بايعه الزبير وبايعه المسلمون بالمدينة إلا محمد بن مسلمة، وعبد اللّه بن عمر، وأسامة بن زيد، وسعد ابن أبي وقاص، وكعب بن مالك وحسان بن


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 35.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 56.

ثابت، وعبد اللّه بن سلام. فأمر بإحضار عبد اللّه بن عمر فقال له : بايع قال : لا أبايع حتى يبايع جميع الناس فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فأعطني حميلا ألا تبرح قال : ولا أعطيك حميلا، فقال الاشتر : يا أمير المؤمنين ؟ إن هذا قد أمن سوطك وسيفك، فدعني أضرب عنقه، فقال : لست أريد ذلك منه علی کره خلوا سبیله، فلما انصرف قال أمير المؤمنين : لقد كان صغيرا وهو سيئ الخلق، وهو في كبره أسوأ خلقا.

ثم أتى بسعد بن أبي وقاص، فقال له بايع، فقال : يا أبا الحسن خلنى، فإذا لم يبق غيرى بايعتك، فو اللّه لا يأتيك من قبلى أمر تكرهه أبدا، فقال : صدق، خلوا سبيله.

ثم بعث إلى محمد بن مسلمة، فلما أتاه قال له : بايع، قال : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمرنى إذا اختلف الناس وصاروا هكذا - وشبك بين أصابعه - أن أخرج بسيفي فأضرب به عرض أحد فإذا تقطع أتيت منزلي، فكنت فيه لا أبرحه حتى تأتيني يد خاطية، أو منية قاضية. فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ): فانطلق إذا، فكن كما أمرت به.

ثم بعث إلى أسامة بن زيد فلما جاء قال له : بايع، فقال : إني مولاك ولا خلاف منى عليك، وستأتيك بيعتى إذا سكن الناس. فأمره بالانصراف، ولم يبعث إلى أحد غيره. وقيل له : ألا تبعث إلى حسان بن ثابت وكعب بن مالك، وعبد بن سلام ! فقال : لا حاجة لنا فيمن لا حاجة له فينا (1).

كيف أصبحت يا ابنه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم ؟

عن عبد اللّه بن حسن بن حسن عن أمه فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قالت : لما اشتد بفاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الوجع وثقلت في علتها اجتمع عندها نساء من نساء المهاجرين والانصار فقلن لها : كيف أصبحت يا ابنه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟ قالت : والله أصبحت عائفة لدنياكم قالية لرجالكم لفظتهم بعد أن عجمتهم وشنئتهم بعد أن سبرتهم فقبحا لفلول الحد وخور القناة وخطل الرأى وبئسما قدمت لهم أنفسهم أن سخط اللّه عليهم وفي العذاب هم خالدون لاجرم ! قد قلدتهم ربقتها وشنت عليهم غارتها فجدعا وعقرا وسحقا للقوم الظالمين ! ويحهم ! أين زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوه ومهبط الروح الامين والطيبين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران ! المبين وما الذى


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 8.

نقموا من أبى حسن ! نقموا والله نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات اللّه وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لاعتلقه ولسار إليهم سيرا سجحا لا تكلم ولاورد حشاشته ولا يتعتع راكبه ولا وردهم منهلا نميرا فضفاضا يطفح ضفتاه ولا صدرهم بطانا قد تحير بهم الرأى غير متحل بطائل إلا يغمر الناهل وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات من السماء والارض وسيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبه وأن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي لجأ استندوا وبأى عروة تمسكوا ! لبئس المولى ولبئس العشير ولبئس للظالمين بدلا ! استبدلوا والله الذنابي بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) ويحهم ! (َفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) ! أما لعمر اللّه لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوها طلاع العقب دما عبيطا وذعاقا ممقرا هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الاولون ثم طيبوا عن أنفسكم نفسا واطمئنوا للفتنة جأشا وأبشروا بسيف صارم و هرج شامل وأستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا وجمعكم حصيدا فيا حسرة عليكم وأنى لكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ! والحمد للّه رب العالمين وصلاته على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين (1).

عمر والكوفة

قال عمر مرة : قد اعياني اهل الكوفة ان استعملت عليهم لينا استضعفوه وان استعملت عليهم شديدا شکوه ! ولوددت اني وجدت رجلا قويا امينا استعمله عليهم. فقال له رجل : انا ادلك يا أمير المؤمنين على الرجل القوى الامين قال : من هو ؟ قال : عبد الله بن عمر قال : قاتلك اللّه ! والله ما اردت اللّه بها لاها اللّه ! لا استعمله عليها ولا على غيرها وانت فقم فاخرج فمذ الان لا اسميك إلا المنافق. فقام الرجل وخرج. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص ان شاور طليحة بن خويلد وعمرو بن معد يكرب فإن كل صانع اعلم بصنعته ولا تولهما من امر المسلمين شيئا (2)


1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 233.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 22.

لاجردن فيكم السيف

قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاهل الرقة : جسروا لى جسرا أعبر عليه من هذا المكان إلى الشام، فأبوا، وقد كانوا ضموا السفن إليهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج، وخلف عليهم الاشتر، فقال : يا أهل هذا الحصن، إنى أقسم باللّه إن مضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم تجسروا له عند مدينتكم حتى يعبر منها، لاجردن فيكم السيف فلا قتلن مقاتلكم، ولاخربن أرضكم، ولاخذن أموالكم. فلقى بعضهم بعضا، فقالوا : إن الأشتر يفي بما حلف عليه، وإنما خلفه على عندنا ليأتينا بشر، فبعثوا إليه : إنا ناصبون لكم جسرا، فأقبلوا فأرسل الاشتر إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فجاء، ونصبوا له الجسر، فعبر الاثقال والرجال، وأمر الاشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس، حتى لم يبق من الناس أحد الا عبر ثم عبر آخر الناس رجلا وازدحمت الخيل حين عبرت فسقطت قلنسوة عبد اللّه بن أبى الحصين، فنزل فأخذها، وركب، ثم سقطت قلنسوه عبد اللّه بن الحجاج، فنزل فأخذها، ثم ركب فقال لصاحبه : فإن يك ظن الزاجرى الطير صادقا كما زعموا أقتل وشيكا وتقتل فقال عبد اللّه بن أبى الحصين : ما شئ أحب إلى مما ذكرت فقتلا معا يوم صفين (1).

الرأى قبل شجاعة الشجعان

أبو الطيب :

الرأى قبل شجاعة الشجعان هو أول وهى المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس حرة بلغت من العلياء كل مكان

ولربما طعن الفتى أقرانه بالرأى قبل تطاعن الاقران

لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الانسان

ولما تفاضلت النفوس ودبرت أيدى الكماة عوالى المران (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 211.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 43.

خصوا بتدبير الآخرة

ذكر المأمون ولد على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : خصوا بتدبير الآخرة، وحرموا تدبير الدنيا (1).

إن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مر بقرية وإذا أهلها موتى

وفي بعض الاثار إن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مر بقرية وإذا أهلها موتى في الطرق والافنية، فقال للتلامذة : إن هؤلاء ماتوا عن سخطة، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا فقالوا : يا سيدنا، وددنا إنا علمنا خبرهم، فسأل اللّه تعالى فقال له : إذا كان الليل فنادهم يجيبوك، فلما كان الليل اشرف على نشر ثم ناداهم فأجابه مجيب فقال : ما حالكم وما قصتكم ؟ فقال : بتنا في عافية وأصبحنا في الهاوية قال : وكيف ذلك ؟ قال : لحبنا الدنيا، قال : كيف كان حبكم لها ؟ قال : حب الصبي لامه، إذا أقبلت فرح بها، وإذا أدبرت حزن عليها وبكى، قال : فما بال أصحابك لم يجيبوني ؟ قال : لانهم ملجمون بلجم من نار بأيدى ملائكة غلاظ شداد قال : فكيف أجبتني أنت من بينهم ؟ قال : لانى كنت فيهم، ولم أكن منهم، فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم فأنا معلق على شفير جهنم لا أدرى أنجو منها أكبكب فيها ؟ فقال المسيح لتلامذته : لاكل خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل وسباخ الارض في حر الصيف، كثير مع العافية من عذاب الآخرة (2).

ام عمر بن الخطاب

بلغ عمر بن الخطاب أن اناسا من رواة الاشعار وحملة الآثار يعيبون الناس ويثليونهم في اسلافهم فقام على المنبر وقال اياكم وذكر العيوب والبحث عن الاصول فلو قلت لا يخرج اليوم من هذه الابواب الا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم احد فقام رجل من قريش - نكره أن نذكره - فقال إذا كنت انا وانت يا أمير المؤمنين نخرج فقال كذبت بل كان يقال لك يا قين بن قین اقعد.

قلت الرجل الذى قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي كان عمر يبغضه لبغضه اباه خالدا ولان المهاجر كان علوى الراى جدا وكان اخوه عبد الرحمن


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 43.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 51.

بخلافة شهد المهاجر صفين مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشهدها عبد الرحمن مع معاوية وكان المهاجر مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم الجمل وفقئت ذلك اليوم عينه ولان الكلام الذي بلغ عمر بلغه عن المهاجر وكان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش - وكونه يسمى ريحانة قريش ويسمى العدل ويسمى الوحيد - حدادا حدادا يصنع الدروع وغيرها بيده ذكر ذلك عنه عبد اللّه بن قتيبة في كتاب المعارف.

وروى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب امهات الخلفاء) وقال انه روى عند جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمدينة فقال لا تلمه يا بن اخي انه اشفق أن يحدج بقضية نفيل بن عبد العزى وصهاك امه الزبير بن عبد المطلب (1).

اكفني هؤلاء

قد روى كثير من المحدثين أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين سقط ثم أقيم يوم احد : اكفني هؤلاء - لجماعه قصدت نحوه - فحمل عليهم فهزمهم وقتل منهم عبد اللّه بن حميد من بني أسد بن عبد العزى، ثم حملت عليه طائفة أخرى، فقال له : اكفني هؤلاء، فحمل عليهم فانهزموا من بين يديه، وقتل منهم أميه بن أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي (2).

ما بال القصار من الناس أدهى

قيل لبعض الحكماء : ما بال القصار من الناس ادهى واحذق قال : لقرب قلوبهم من ادمغتهم.

ومن شعر الحماسة :

الا يكن عظمي طويلا فانني له***بالخصال الصالحات وصول

ولا خير في حسن الجسوم وطولها***إذا لم تزن حسن الجسوم عقول

ومن شعر الحماسة أيضاً وهو تمام البيتين المقدم ذكرهما :

فما عظم الرجال لهم بفخر***ولكن فخرهم كرم وخير


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 69.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 7.

ضعاف الطير اطولها جسوما***ولم تطل البزاه ولا الصقور

بغاث الطير اكثرها فراخا***وام الصقر مقلات نزور

لقد عظم البعير بغير لب***فلم يستغن بالعظم البعير (1)

فهلا أجزت عليه أن يطفر !

وقال بعض الاشعريين : إن سائلا سأل السكاك فقال : إذا أجزت عليه الحركة فهلا أجزت عليه أن يطفر ! فقال : لا يجوز عليه الطفر، لان الطفر إنما يكون فرارا من ضد أو اتصالا بشكل. فقال له : فالحركة أيضاً كذلك ! فلم يأت بفرق فأما القول بأنه تعالى في كل مكان، فإن المعتزلة يقولون ذلك، وتريد به أنه وإن لم يكن في مكان أصلا، فإنه عالم بما في كل مكان ومدبر لما في كل مكان وكأنه موجود في جميع الامكنة لا حاطته بالجميع (2).

في الاباء والانف من احتمال الضيم

فمن ذلك قول عمرو بن براقة الهمداني :

وكيف ينام الليل من جل ماله حسام كلون الملح أبيض صارم

كذبتم وبيت اللّه لا تأخذونها مراغمة ما دام للسيف قائم

ومن يطلب المال الممنع بالقنا يعش ماجدا أو تخترمه الخوارم

ومثله :

ومن يطلب المال الممنع بالقنا يعش ماجدا أو يؤذ فيما يمارس

وقال حرب بن مسعر :

عطفت عليه المهر عطفة باسل كمى ومن لا يظلم الناس يظلم

فأوجرته لدن الكعوب مثقفا فخر صريعا لليدين وللفم

وقال الحارث بن الأرقم :


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 22.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 231.

وما ضاق صدري يا سليمي بسخطكم ولكننى في الحادثات صليب

تروك لدار الخسف والضيم، منكر بصير بفعل المكرمات أريب

إذا سامنى السلطان ذلا أبيته ولم أعط خسفا ما أقام عسيب

وقال العباس بن مرداس السلمي :

بأبى فوارس لا يعرى صواهلها أن يقبلوا الخسف من ملك وإن عظما

لا والسيوف بأيدينا مجردة لا كان منا غداة الروع منهزما

وقال وهب بن الحارث :

لا تحسبني كأقوام عبثت بهم لن يأنفوا الذل حتى تأنف الحمر

لا تعلقني قذاة لست فاعلها واحذر شباتي فقدما ينفع الحذر

فقد علمت بأنى غير مهتضم حتى يلوح ببطن الراحة الشعر

وقال المسيب بن علس :

أبلغ ضبيعة أن البلاد فيها لذى قوة مغضب

وقد يقعد القوم في دارهم إذا لم يضاموا وإن أجدبوا

ويرتحل القوم عند الهوان عن دارهم بعد ما أخصبوا

وقال آخر :

إن الهوان حمار القوم يعرفه والحر ينكره والرسلة الاجد

ولا لا يقيم على خسف يراد به إلا الاذلان عير الحى والوتد

هذا على الخسف مشدود برمته وذا يشج فلا يأوى له أحد

فإن أقمتم على ضيم يراد بكم فإن رحلى له وال ومعتمد

وفي البلاد إذا ما خفت بادرة مكروهة عن ولاة السوء مفتقد

وقال بعض بني أسد :

إلى امرؤ من بنى خزيمة لا أطعم خسفا لناعب نعبا

لست بمعط ظلامة أبدا عجما ولا أتقى بها عربا

ووثقت بالدنيا وأنت ترى جماعتها شتات

وعزمت ويك على الحياة وطولها عزما بتاتا

يا من رأى أبويه - فيمن قد رأى - كانا فماتا

هل فيهما لك عبرة أم خلت أن لك انفلاتا !

ومن الذى طلب التقللت من منيته ففاتا !

كل تصبحه المنية أو تبيته بياتا

وله :

أرى الدنيا لمن هي في يديه عذابا، كلما كثرت لديه

تهين المكرمين لها بصغر وتكرم كل من هانت عليه

إذا استغنيت عن شئ فدعه وخذ ما أنت محتاج إليه

وله :

ألم تر ريب الدهر في كل ساعة له عارض فيه المنية تلمع

أيا باني الدنيا لغيرك تبتنى ويا جامع الدنيا لغيرك تجمع

أرى المرء وثابا على كل فرصة وللمرء يوما لا محالة مصرع

ينازل ما لا يملك الملك غيره متى تنقضي حاجات من ليس يشبع !

وأى امرئ في غاية ليس نفسه إلى غاية أخرى سواها تطلع !

وله :

سل الايام عن أمم تقضت ستخبرك المعالم والرسوم وإلا حساما

يبهر العين لمحه كصاعقة في عارض قد تبسما

قال العباس بن مرداس السلمى :

مقال امرئ يهدى إليك نصيحة إذا معشر جادوا بعرضك فابخل

وإن بوء وك منزلا غير طائل غليظا فلا تنزل به وتحول

ولا تطعمن ما يعلقونك إنهم أتوك على قرباهم بالمثمل

أراك إذا قد صرت للقوم ناضحا يقال له بالغرب أدبر وأقبل

فخذها فليست للعزيز بخطة وفيها مقام لامرئ متذلل

وله أيضا :

فحارب فإن مولاك حارد نصره ففى السيف مولى نصره لا يحارد

وقال مالك بن حريم بن حريم الهمداني :

وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم !

متى تجمع القلب الذكى وصارما وأنفا حميا تجتنبك المظالم

وقال رشيد بن رميض العنزي :

باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم

خدلج الساقين خفاق القدم قد لفها الليل بسواق حطم

لیس براعى إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم

من يلقنى يود كما أودت إرم

وقال آخر :

ولست بمبتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما

ولما رأيت الود ليس بنافعي عمدت إلى الأمر الذى كان أحزما

وقال حارثة بن بدر الغداني :

أهان وأقصى ثم ينتصحونني ومن ذا الذى يعطى نصيحته قسرا !

رأيت أكف المصلتين عليكم ملاء وكفى من عطائكم صفرا

متى تسألونى ما على وتمنعوا الذى لى، لا أستطيع في ذلكم صبرا

وقال بعض الخوارج :

تعيرني بالحرب عرسي وما درت بأنى لها في كل ما أمرت ضد

لحا اللّه قوما يقعدون وعندهم سيوف ولم يعصب بأيديهم قد

وقال الأعشى :

أبالموت خشتنى عباد وإنما رأيت منايا القوم يسعى دليلها

وما موتة إن متها غير عاجز بعار إذا ما غالت النفس ولها

وقال آخر :

فلا أسمعن فيكم بأمر هضيمة وضيم ولا تسمع به هامتي بعدى

فإن السنان يركب المرء يركب المرء حدة من الضيم أو يعدو على الاسد الورد

ومثله :

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل

ويركب حد السيف من أن تضيمه إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل

وقال آخر :

كرهوا الموت فاستبيح حماهم وأقاموا فعل اللئيم الذليل

أمن الموت تهربون فإن الموت الذليل غير جميل

وقال بشامة بن الغدير :

وإن التى سامكم قومكم هم جعلوها عليكم عدولا

أخزى الحياة وكره الممات فكلا أراه طعاما وبيلا

فإن لم يكن غير إحداهما فسيروا إلى الموت سيرا جميلا

ولا تقعدوا وبكم منة كفى بالحوادث للمرء غولا

وقال هدبة بن خشرم :

وإنى إذ ما الموت لم يك دونه قدى الشبر أحمى الانف أن أتأخرا

ولكننى أعطى الخفيظة حقها فأعرف معروفا وأنكر منكرا

وقال آخر :

إنى أنا المرء لا يغضى على تره ولا يقر على ضيم إذا غشما

ألقى المنية خوفا أن يقال فتى أمسى - وقد ثبت الصفان - منهزما.

وقال آخر :

قوض خيامك والتمس بلدا تنأى عن الغاشيك بالظلم

أو شد شدة بيهس فعسى أن يتقوك بصفحة السلم

استنصر سبيع بن الخطيم التيمي من بنى تيم اللات بن ثعلبة زيد الفوارس الضبي فنصره، فقال :

نبهت زيدا فلم أفزع إلى وكل رث السلاح ولا في الحى مغمور

سالت عليه شعاب الحى حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير

قال الحسين بن الحمام :

ولست بمبتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما

تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما

فلسنا على الاعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما

نفلق هاما من رجال أعزة علينا، وهم كانوا أعق وأظلما

أبى لابن سلمى أنه غير خالد ملاقي المنايا أي صرف تيمما

وقال الطرماح بن حكيم :

وما منعت دار ولا عز أهلها من الناس إلا بالقنا والقنابل

وقال آخر :

وإن التى حدثتها في أنوفنا وأعناقنا من الاباء كما هيا

وقال آخر :

فإن تكن الايام فينا تبدلت ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل

فما لينت منا قناة صليبة ولا ذللتنا للتي ليس تجمل

ولكن رحلناها نفوسا كريمة تحمل ما لا يستطاع فتحمل

وقال آخر :

إذا جانب أعياك فاعمد لجانب فإنك لاق في البلاد معولا

وقال أبو النشناش :

إذا المرء لم يسرح سواما ولم يرح سواما ولم تعطف عليه أقاربه

فللموت خير للفتى من قعوده عديما ومن مولى تدب عقاربه

ولم أر مثل الهم ضاجعه الفتى ولا كسواد الليل أخفق طالبه

فعش معدما أومت كريما فإنني أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه

وقال يحيى بن منصور الحنفي :

ولما نأت عنا العشيرة كلها أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر

فما أسلمتنا عند يوم كريهة ولا نحن أغضينا الجفون على وتر (1)

اثال وابنه في المعركة

نادى الاشتر في صفين يوما أصحابه، فقال : أما من رجل يشرى نفسه للّه ! فخرج أثال بن حجل بن عامر المذحجي فنادى بين العسكرين : هل من مبارز ؟ فدعا معاوية - وهو لا يعرفه - أباه حجل بن عامر المذحجي، فقال : دونك الرجل - قال : وكانا مستبصرين في رأيهما - فبرز كل واحد منهما إلى صاحبه فبدره بطعنة وطعنه الغلام، وانتسبا فإذا هو ابنه فنزلا فاعتنق كل واحد منهما صاحبه وبكيا. فقال له الاب : يا بنى هلم إلى الدنيا. فقال له الغلام : يا أبي هلم إلى الآخرة ثم قال : يا أبت والله لو كان من رأيي الانصراف إلى أهل الشام لوجب عليك أن يكون من رأيك لي أن تنهاني، وأسوأتاه ! فماذا أقول لعلى وللمؤمنين الصالحين ! كن على ما أنت عليه وأنا على ما أنا عليه. فانصرف حجل إلى صف الشام وانصرف ابنه أثال إلى أهل العراق فخبر كل واحد منهما أصحابه وقال في ذلك حجل :

إن حجل بن عامر وأثالا***أصبحا يضربان في الامثال

أقبل الفارس المدجج في النقع أثال يدعو يريد نزالي

دون أهل العراق يخطر كالفحل على ظهر هيكل ذيال

فدعاني له ابن هند ومازا***ل قليلا في صحبه أمثالى

فتناولته ببادرة الرمح وأهوى بأسمر عسال

فاطعنا وذاك من حدث الدهر عظیم فتى بشيخ بجال


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 245.

شاجرا بالقناة صدر أبيه***وعزيز على طعن أثال

لا أبالى حين اعترضت أثالا***وأثال كذاك ليس يبالي

فافترقنا على السلامة والنفس***يقبيها مؤخر الاجال

لا يراني على الهدى وأراه***من هداى على سبيل ضلال

فلما انتهى شعره إلى أهل العراق قال أثال ابنه مجيبا له :

إن طعنى وسط العجاجة حجلا***لم يكن في الذي نويت عقوقا

كنت أرجو به الثواب من اللّه وكوني مع النبي رفيقا

لم أزل أنصر العراق على الشا***م أراني بفعل ذاك حقيقا

قال أهل العراق إذ عظم الخطب ونق المبارزون نقيقا

من فتى يسلك الطريق إلى اللّه فكنت الذي سلكت الطريقا

حاسر الرأس لا أريد سوى المو***ت أرى الاعظم الجليل دقيقا

فإذا فارس تقحم في الرو***ع خدبا مثل السحوق عتيقا

فبداني حجل ببادرة الطعن وما كنت قبلها مسبوقا

فتلقيته بعالية الرمح كلانا يطاول العيوقا

أحمد اللّه ذا الجلالة والقد***رة حمدا يزيدنی توفیقا

إذ كففت السان عنه ولم أد***ن قتيلا منه ولا ثغروقا

قلت للشيخ لست أكفر نعما***ك لطيف الغذاء والتفنيقا

غير أني اخاف أن تدخل النا***ر، فلا تعصنی وکن لی رفیقا

وكذا قال لى فغرب تغريبا، وشرقت راجعا تشريقا(1).

أتبعا القرح بالقرح

وقال لى علوى في الحله يعرف بعلى بن مهنا ذكى ذو فضائل ما تظن قصد أبى بكر وعمر بمنع فاطمة فدك ؟ قلت : ما قصدا قال : أرادا ألا يظهرا لعلى - وقد اغتصباه الخلافة - رقه ولينا وخذلانا ولا يرى عندهما خورا فأتبعا القرح بالقرح (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 82.

2) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 236.

قصة القصيدة الجلجلية

كتب معاوية إلى عمرو بن العاص وهو على مصر، قد قبضها بالشرط الذي اشترط على معاوية : (أما بعد فإن سؤال أهل الحجاز وزوار أهل العراق كثروا على وليس عندي فضل عن أعطيات الحجاز، فأعنى بخراج مصر هذه السنة). فكتب عمرو إليه : معاوى إن تدركك نفس شحيحة فما مصر إلا كالهباءة في الترب وما نلتها عفوا ولكن شرطتها وقد دارت الحرب العوان على قطب ولولا دفاعي الاشعري ورهطه لالفيتها ترغو كراغية السقب. ثم كتب في ظاهر الكتاب ورأيت أنا هذه الابيات بخط أبي زكريا يحيى بن على الخطيب التبريزي (رحمه اللّه)

معاوی حظى لا تغفل وعن سنن الحق لا تعدل

أتنسى مخادعتي الاشعري وما كان في دومة الجندل ؟

ألين فيطمع في غرتي وسهمي قد خاض في المقتل

فألمظه عسلا باردا وأخبا من تحته حنظلي

وأعليته المنبر المشمخر كرجع الحسام إلى المفصل

فأضحى لصاحبه خالعا كخلع النعال من الارجل

وأثبتها فيك موروثة ثبوت الخواتم في الانمل

وهبت لغيري وزن الجبال وأعطيتني زنة الخردل

وإن عليا غدا خصمنا سيحتج باللّه والمرسل

وما دم عثمان منج لنا فليس عن الحق من مزحل

فلما بلغ الجواب إلى معاوية لم يعاوده في شئ من أمر مصر بعدها (1).

إن للّه جنودا من عسل

لما انتهى عامر بن إسماعيل - وكان صالح بن على قد أنفذه لطلب مروان - إلى بوصير مصر، هرب مروان بين يديه في نفر يسير من أهله وأصحابه، ولم يكن قد تخلف معه كثير عدد فانتهوا في غبش الصبح إلى قنطرة هناك على نهر عميق، ليس للخيل عبور


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 56.

إلا على تلك القنطرة، وعامر بن إسماعيل من ورائهم فصادف مروان على تلك القنطرة بغالا قد استقبلته تعبر القنطرة وعليها زقاق عسل، فحبسته عن العبور حتى أدركه عامر بن إسماعيل ورهقه، فلوى مروان دابته إليهم وحارب فقتل، فلما بلغ صالح بن على ذلك، قال : إن للّه جنودا من عسل (1).

وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني

عن زيد بن وهب أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) مر على جماعة من أهل الشام بصفين منهم الوليد بن عقبة وهم يشتمونه ويقصبونه، فأخبر بذلك، فوقف على ناس من أصحابه وقال : انهدوا إليهم، وعليكم السكينة والوقار وسيما الصالحين أقرب بقوم من الجهل قائدهم ومؤدبهم معاوية، وابن النابغة وابو الاعور السلمي، وابن أبي معيط شارب الحرام، والمحدود في الاسلام ! وهم اولاءء، يقصبونني ويشتمونني وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الاسلام وهم يدعونني إلى عبادة الاصنام، فالحمد للّه ولا إله إلا الله، لقديما ما عاداني الفاسقون، إن هذا لهو الخطب الجلل، إن فساقا كانوا عندنا غير مرضيين، وعلى الاسلام وأهله متخوفين أصبحوا وقد خدعوا شطر هذه الامة واشربوا في قلوبهم حب الفتنة واستمالوا أهواءهم بالافك والبهتان ونصبوا لنا الحرب وجدوا في إطفاء نور اللّه والله متم نوره ولو كره الكافرون. اللهم فانهم قد ردوا الحق فافضض جمعهم وشتت كلمتهم، وأبلسهم بخطاياهم، فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت (2).

أتهمك وأتهم كاتبي

فى رواية أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما واقف عثمان على كتابه على اهل مصر، قال عثمان : أما الخط فخط كاتبي، وأما الخاتم فعلى خاتمي، قال : فمن تتهم ؟ قال : أتهمك وأتهم كاتبي، فخرج أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مغضبا، وهو يقول : بل بأمرك، ولزم داره، وبعد عن توسط أمره حتى جرى عليه ما جرى.

وأعجب الامور قوله الامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إنى أتهمك) وتظاهره بذلك وتلقيه إياه


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 160.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 54.

في وجهه بهذا القول، مع بعده من التهمة والظنة في كل شيء، وفي أمره خاصة، فإن القوم في الدفعة الاولى أرادوا أن يعجلوا له ما أخبروه، حتى قام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأمره وتوسطه وأصلحه، وأشار عليه بأن يقاربهم ويعينهم، حتى انصرفوا عنه، وهذا فعل النصيح المشفق الحدب المتحنن ولو كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وحوشى من ذلك - متهما عليه لما كان للتهمة عليه مجال في أمر الكتاب خاصة، لان الكتاب بخط عدوه مروان، وفي يد غلام عثمان ومحمول على بعيره ومختوم بخاتمه فأى ظن تعلق بأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المكان لو لا العداوة وقلة الشكر للنعمة ! (1).

فرار هبيرة بن أبى وهب وعبد اللّه بن الزبعرى يوم الفتح

هرب هبيرة بن أبي وهب وعبد اللّه بن الزبعرى جميعا حتى انتهيا إلى نجران فلم يأمنا الخوف حتى دخلا حصن نجران فقيل : ما شأنكما قالا : أما قريش فقد قتلت ودخل محمد مكة، ونحن والله نرى أن محمدا سائر إلى حصنكم هذا، فجعلت بلحارث بن كعب يصلحون ما رث من حصنهم، وجمعوا ماشيتهم، فأرسل حسان بن ثابت إلى ابن الزبعرى :

لا تعدمن رجلا أحلك بغضه***نجران في عيش أجد ذميم

بليت قناتك في الحروب فألفيت***جوفاء ذات معايب ووصوم

غضب الاله على الزبعرى وابنه***بعذاب سوء في الحياة مقيم

فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان تهيأ للخروج فقال هبيرة بن وهب : أين تريد يا بن ؟ عم قال له : أريد والله محمدا، قال : أتريد أن تتبعه ؟ قال أي والله قال هبيرة : يا ليت أنى كنت رافقت غيرك، والله ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا، قال ابن الزبعرى : هو ذاك، فعلى أي شيء أقيم مع بني الحارث بن كعب وأترك ابن عمى وخير الناس وأبرهم، وبين قومي و داری! فانحدر ابن الزبعرى حتى جاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) وهو جالس في أصحابه، فلما نظر إليه قال : هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الاسلام، فلما وقف على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : السلام عليك يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله والحمد للّه الذي هداني للاسلام، لقد عاديتك وأجلبت


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 23.

عليك، وركبت الفرس والبعير ومشيت على قدمي في عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران، وأنا أريد ألا أقرب الاسلام أبدا، ثم أرادني اللّه منه بخير، فألقاه في قلبي، وحببه إلى، وذكرت ما كنت فيه من الضلال واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد، ويذبح له لا يدرى من عبده ومن يعبده، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الحمد للّه الذي هداك للاسلام احمد اللّه إن الاسلام يجب ما كان قبله. وأقام هبيرة بنجران، وأسلمت أم هاني فقال هبيرة حين بلغه إسلامها يوم الفتح يؤنبها شعرا من جملته :

وإن كنت قد تابعت دین محمد***وقطعت الارحام منك حبالها

فكوني على أعلى سحوق بهضبة***ململمه غبراء يبس بلالها

فأقام بنجران حتى مات مشركا (1).

اساری بدر

كان الاسارى الذين احصوا وعرفوا تسعة وأربعين ولم نجد التفصيل يلحق هذه الجملة. وروى الواقدي عن سعيد بن المسيب قال : كانت الاسارى سبعين وأن القتلى كانت زيادة على سبعين إلا أن المعروفين من الاسرى هم الذين ذكرناهم، والباقون لم يذكر المؤرخون اسماءهم (2).

وآس بينهم في اللحظه

قد اخذ الشاعر معنى قوله : وآس بينهم في اللحظه والنظره :

اقسم اللحظ بيننا أن في اللحظ***لعنوان ما تجن الصدو

أنما البر روضة فإذا ما***كان بشر فروضه وغدير (3)

فاعتزم بالشدة

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاعتزم بالشدة أي إذا جد بك الحد فدع اللين فان في حال الشده لا تغنى إلا الشدة، قال الفند الزماني :


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 7.

2) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 205.

3) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 3.

ولم يبق سوى العدوان***دناهم كما دانوا (1)

اخر شعر عبد الملك بن مروان

قال عبد الملك بن مروان فقال لبنيه وقد جمعوا عنده يوم موته :

انفوا الضغائن بينكم وعليكم***عند المغيب وفي حضور المشهد

بصلاح ذات البين طول حياتكم***إن مد في عمرى وإن لم يمدد

إن القداح إذا اجتمعن فرامها***بالكسر ذو بطش شديد أيد

عزت فلم تكسر، وإن هي بددت***فالوهن والتكسير للمتبدد (2).

في حقوق الجار

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه

وفى الحديث أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): قال من كان يؤمن باللّه واليوم الاخر فليكرم جاره

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): جار السوء في دار المقامة قاصمه الظهر

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): من جهد البلاء جار سوء معك في دار مقامه إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها وأفشاها.

ومن أدعيتهم : اللهم إني أعوذ بك من مال يكون على فتنة، ومن ولد يكون على كلا، ومن حليله تقرب الشيب، ومن جار تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيرا دفنه، وإن سمع شرا طار به.

ابن مسعود يرفعه : والذي نفسي بيده لا يسلم العبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ويأمن جاره بوائقه قالوا : ما بوائقه ؟ قال : غشمه وظلمه.

لقمان : يا بني حملت الحجارة والحديد فلم أر شيئا أثقل من جار السوء.

وانشدوا :

ألا من يشتری دارا برخص***کراهه بعض جيرتها تباع


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 4.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 7.

وقال الأصمعي : جاور أهل الشام الروم فأخذوا عنهم خصلتين : اللؤم وقلة الغيرة وجاور أهل البصرة الخزر، فأخذوا عنهم خصلتين الزنا وقله الوفاء وجاور أهل الكوفه السواد، فأخذوا عنهم خصلتين : السخاء والغيرة.

وكان يقال من تطاول على جاره حرم بركة داره وكان يقال من آذى جاره ورثه اللّه داره باع أبو الجهم العدوى داره وقال مسكين الدارمي :

ما ضر جارا لى أجاوره***ألا يكون لبابه ستر

أعمى إذا ما إذا جارتي خرجت***حتى يوارى جارتي الخد

ناری و نار الجار واحده***والبه قبلى ينزل القدر.

استعرض أبو مسلم صاحب الدولة فرسا محضيرا، فقال لاصحابه : لماذا يصلح هذا ؟ فذكروا سباق الخيل وصيد الحمر والنعام واتباع الفار من الحرب فقال : لم تصنعوا شيئا يصلح للفرار من الجار السوء.

سئل سليمان على بن خالد بن صفوان عن ابنيه : محمد وسليمان - وكانا جاريه - فقال : كيف إحمادك جوارهما ؟ فتمثل بقول يزيد بن مفرغ الحميري :

سقى اللّه دارا لى وأرضا تركتها***إلى جنب داری معقل بن یسار

أبو مالك جار لها وابن مرثد***فيالك جاری ذله وصغار !

وفي الحديث المرفوع أيضاً من روايه جابر : الجيران ثلاثه فجار له حق وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فصاحب الحق الواحد جار مشرك لا رحم له فحقه حق الجوار وصاحب الحقين جار مسلم لا رحم له، وصاحب الثلاثة جار مسلم ذو رحم، وأدنى حق الجوار ألا تؤذى جارك بقتار قدرك، إلا أن تقتدح له منها. قلت : تقتدح تغترف، والمقدحة المغرفة.

وكان يقال : الجيران خمسة : الجار الضار السئ الجوار والجار الدمس الحسن الجوار والجار اليربوعي المنافق والجار البراقشى المتلون في أفعاله والجار الحسدلي الذي عينه تراك وقلبه يرعاك.

كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يقول اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن دار البادية تتحول (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 8.

نحن ضربنا أبا حسن

وأخرج أبن ملجم من بين يدي امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يقول :

نحن ضربنا يابنة الخير إذ طغى***أبا حسن مأمومة فتفتقطرا

ونحن حللنا ملکه من نظامه***بضربة سيف إذ علا ونجبرا

ونحن كرام في الصباح أعزة***إذا المرء بالموت ارتدى وتأزر (1).

نكتة لطيفة

ذكر امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نكتة لطيفة، فقال : العادة أن الرعية تخاف ظلم الوالي، وأنا أخاف ظلم رعيتي، ومن تأمل أحواله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خلافته، علم أنه كان كالمحجور عليه، لا يتمكن من بلوغ ما في نفسه وذلك لان العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين، وكان السواد الاعظم، لا يعتقدون لا يعتقدون فيه الأمر الذى يجب اعتقاده فيه، ويرون تفضيل من تقدمه من الخلفاء عليه، ويظنون أن الافضلية إنما هي الخلافة ويقلد أخلافهم أسلافهم ويقولون : لو لا أن الاوائل علموا فضل المتقدمين عليه لما قدموهم، ولا يرونه إلا بعين التبعية لمن سبقه، وأنه كان رعية لهم، وأكثرهم إنما يحارب معه بالحمية، وبنخوة العربية لا بالدين والعقيدة، وكان مدفوعا إلى مداراتهم ومقاربتهم ولم يكن قادرا على إظهار ما عنده ألا ترى إلى كتابه إلى قضاته في الامصار ! وقوله : " فاقضوا كما كنتم تقضون حتى تكون للناس جماعة، وأموت كما مات أصحابي "، وهذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير ومعناه واضح، وهو أنه قال لهم : اتبعوا عادتكم الآن بعاجل الحال في الاحكام والقضايا التي كنتم تقضون بها إلى أن يكون للناس جماعة أي إلى أن تسفر هذه الامور والخطوب عن الاجتماع وزوال الفرقة وسكون الفتنة، وحينئذ أعرفكم ما عندي في هذه القضايا والاحكام التى قد استمررتم عليها ثم قال : " أو أموت كما مات أصحابي"، فمن قائل يقول : عنى بأصحابه الخلفاء المتقدمين، ومن قائل يقول : عنى بأصحابه شيعته كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ونحوهم ألا ترى إلى قوله على المنبر في أمهات الاولاد : كان رأيي ورأى عمر ألا يبعن وأنا أرى الآن بيعهن، فقام عليه


1) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 119.

عبيدة السلماني فقال له : رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، فما أعاد عليه حرفا، فهل يدل هذا على القوة والقهر أم على الضعف في السلطان والرخاوة ! وهل كانت المصلحة والحكمة تقتضي في ذلك الوقت غير السكوت والامساك ! ألا ترى أنه كان يقرأ في صلاة الصبح وخلفه جماعة من أصحابه، فقرأ واحد منهم رافعا صوته معارضا قراءة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (إن الحكم إلا للّه يقضى بالحق وهو خير الفاصلين). فلم يضطرب، ولم يقطع صلاته ولم يلتفت وراءه، ولكنه قرأ معارضا له على البديهة : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ). وهذا صبر عظيم وأناة عجيبة وتوفيق بين وبهذا ونحوه استدل أصحابنا المتكلمون على حسن سياسته وصحة تدبیره، لان من منى بهذه الرعية المختلفة الاهواء، وهذا الجيش العاصى له المتمرد عليه، ثم كسر بهم الاعداء، وقتل بهم الرؤساء، فليس يبلغ أحد في حسن السياسة وصحة التدبير مبلغه، ولا يقدر أحد قدره، وقد قال بعض المتكلمين من أصحابنا : إن سياسة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا تأملها المنصف متدبرا لها بالاضافة إلى أحواله التي دفع إليها مع أصحابه، جرت مجرى المعجزات لصعوبة الامر وتعذره، فإن أصحابه كانوا فرقتين : إحداهما تذهب إلى أن عثمان قتل مظلوما وتتولاه وتبرأ من أعدائه والاخرى - وهم جمهور أصحاب الحرب وأهل الغناء والبأس - يعتقدون أن عثمان قتل لاحداث أوجبت عليه القتل، وقد كان منهم من يصرح بتكفيره، وكل من هاتين الفرقتين يزعم أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) موافق لها على رأيها وتطالبه في كل وقت بأن يبدى مذهبه في عثمان، وتسأله أن يجيب بجواب واضح في أمره، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يعلم أنه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الاخرى، وأسلمته وتولت عنه وخذلته، فأخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعتمد في جوابه ويستعمل في كلامه ما يظن به كل واحدة من الفرقتين أنه يوافق رأيها ويماثل اعتقادها، فتارة يقول : اللّه قتله وأنا معه وتذهب الطائفة الموالية لعثمان إلى أنه أراد أن اللّه أمانه وسميتني كما أماته، وتذهب الطائفة الاخرى إلى أنه أراد أنه قتل عثمان مع قتل اللّه له أيضاً، وكذلك قوله تارة أخرى :" ما أمرت به ولا نهيت عنه "، وقوله : " لو أمرت به لكنت قاتلا، ولو نهيت عنه لكنت ناصرا "، وأشياء من هذا الجنس مذكورة مروية عنه، فليزل على هذه الوتيره حتى قبض، وكل من الطائفتين موالية له معتقدة أن رأيه في عثمان كرأيها، فلو لم يكن له من السياسة إلا هذا القدر - مع كثرة خوض الناس حينئذ في أمر عثمان والحاجة إلى ذكره في كل مقام - لكفاه في الدلالة على أنه أعرف الناس بها، وأحذقهم فيها،

وأعلمهم بوجوه مخارج الكلام وتدبير أحوال الرجال (1).

اقوال المشبهة

إن مذهب جمهور المتكلمين نفى التشبيه، وهذا القول يتنوع أنواعا : النوع الاول : نفى كونه تعالى جسما مركبا، أو جوهرا فردا غير مركب والمراد بالجوهر هاهنا الجرم والحجم، وهو قول المعتزلة، وأكثر محققى المتكلمين من سائر الفرق، وإليه ذهبت الفلاسفة أيضا.

وقال قوم من مستضعفى المتكلمين خلاف ذلك،

حكى عن على بن ميثم أنه كان يقول بالصورة والجسم.

وحكى عن مقاتل بن سليمان وداود الجواربي، ونعيم بن حماد المصرى، أنه في صورة الانسان، وأنه لحم ودم، وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره،

وافقهم على ذلك جماعة من العامة ومن لا نظر له.

وحكى عن داود الجواربي أنه قال : اعفوني من الفرج واللحية وسلوني عما وراء ذلك

وحكى عنه أنه قال : هو أجوف من فيه إلى صدره وما سوى ذلك مصمت.

وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم الجواليقي كان يقول : إن له وفرة سوداء. وذهب جماعة من هؤلاء إلى القول بالمؤانسة والخلوة والمجالسة والمحادثة.

وسئل بعضهم عن معنى قوله تعالى : (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)، فقال : يقعد معه على سريره ويغلفه بیده.

وقال بعضهم : سألت معاذا العنبري، فقلت : أله وجه ؟ فقال : نعم، حتى عددت جميع الاعضاء من أنف وفم وصدر وبطن، واستحييت أن أذكر الفرج، فأومأت بيدى إلى فرجی، فقال : نعم، فقلت أذكر أم أنثى ؟ فقال : ذكر.

ويقال : إن ابن خزيمة أشكل عليه القول في أنه : أذكر أم أنثى فقال له بعض


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 72.

أصحابه : إن هذا مذكور في القرآن، وهو قوله تعالى : (وليس الذكر كالانثى)، فقال : أفدت وأجدت، وأودعه كتابه.

ودخل إنسان على معاذ بن معاذ يوم عيد، وبين يديه لحم في طبيخ سكباج، فسأله عن البارئ تعالى في جملة ما سأله فقال : هو والله مثل هذا الذي بين يدى، لحم دم.

وشهد بعض المعتزلة عند معاذ بن معاذ فقال له : لقد هممت أن أسقطك، لو لا أنى سمعتك تلعن حماد بن سلمة، فقال : أما حماد فلم ألعنه ولكني ألعن من يقول : إنه سبحانه ينزل ليلة عرفة من السماء إلى الأرض على جمل أحمر في هودج من ذهب، فإن كان حماد يروى هذا أو يقوله فعليه لعنة الله. فقال : أخرجوه، فأخرج.

وقال بعضهم : خرجنا يوم عيد إلى المصلى، فإذا جماعة بين يدى أمير والطبول تضرب والاعلام تخفق فقال واحد من خلفنا : اللهم لا طبل إلا طبلك ! فقل له : لا تقل هكذا، فليس للّه تعالى طبل، فبكى وقال : أرأيتم هو يجئ وحده ولا يضرب بين يديه طبل، ولا ينصب على رأسه علم، فإذن هو دون الامير !

وروى بعضهم أنه تعالى أجرى خيلا، فخلق نفسه من مثلها.

وروى قوم منهم أنه نظر في المرآة فرأى صورة نفسه، فخلق آدم عليها.

ورووا أنه يضحك حتى تبدو نواجذه.

ورووا أنه أمرد جعد قطط في رجليه نعلان من ذهب وأنه في روضة خضراء على کرسى تحمله الملائكة.

ورووا أنه يضع رجلا على رجل ويستلقى فإنها جلسة الرب.

ورووا أنه خلق الملائكة من زغب ذراعيه، وأنه اشتكى عينه فعادته الملائكة، وأنه يتصور بصورة آدم ويحاسب الناس في القيامة، وله حجاب من الملائكة يحجبونه.

ورووا عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : (رأيت ربى في أحسن صورة، فسألته عما يختلف فيه

الملاء الاعلى فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها، فعلمت ما اختلفوا فيه).

ورووا أنه ينزل إلى السماء الدنيا في نصف شعبان وأنه جالس على العرش قد فضل منه أربع أصابع من كل جانب وأنه يأتي الناس يوم القيامة، فيقول : أنا ربكم، فيقولون : نعوذ باللّه منك، فيقول لهم : أفتعرفونه إن رأيتموه ؟ فيقولون : بيننا وبينه علامة، فيكشف

لهم عن ساقه، وقد تحول في الصورة التى يعرفونها، فيخرون له سجدا.

ورووا أنه يأتي في غمام، فوقه هواء، وتحته هواء

وذهب بعض متكلمي المجسمة إلى أن البارئ تعالى مركب من أعضاء على حروف المعجم.

وقال بعضهم : إنه ينزل على حمار في صورة غلام أمرد في رجليه نعلان من ذهب، وعلى وجهه فراش من ذهب يتطاير.

وقال بعضهم : إنه في صورة غلام أمرد صبيح الوجه عليه كساء أسود، ملتحف به.

وسمعت أنا في عصري هذا من قال قال في قوله تعالى : (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ) : إنهم قيام على رأسه بسيوفهم وأسلحتهم فقال له آخر على سبيل التهكم به: به : يحرسونه من المعتزلة أن يفتكوا به ! فغضب وقال : هذا إلحاد.

ورووا أن النار تزفر وتتغيظ تغيظا شديدا، فلا تسكن حتى يضع قدمه فيها، فتقول : قط قط، أي حسبى حسبى ويرفعون هذا الخبر مسندا.

وقد ذكر شبيه به في الصحاح وروى في الكتب الصحاح أيضا : (أن اللّه خلق آدم على صورته)،

وقيل : إن في التوراة نحو ذلك في السفر الاول واعلم أن أهل التوحيد يتأولون ما يحتمل التأويل من هذه الروايات على وجوه محتملة غير مستبعدة، وما لا يحتمل التأويل منها يقطعون ببطلانه، وبأنه موضوع (1).

النهى عن ذكر عيوب الناس

عاب رجل رجلا عند بعض الاشراف فقال له : لقد استدللت على كثره عيوبك بما تكثر فيه من عيوب الناس لان طالب العيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها.

وقال الشاعر :

وأجرأ من رأيت بظهر غيب***على عيب الرجال أولو العيوب

وقال آخر :


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 223.

يا من يعيب وعيبه متشعب***كم فيك من عيب وأنت تعيب !

وفي الخبر المرفوع : دعوا الناس بغفلاتهم يعيش بعضهم مع بعض.

قال ابن عباس الحدث حدثان : حدث من فيك، وحدث من فرجك.

وعاب رجل رجلا عند قتيبه بن مسلم فقال له قتيبه : أمسك ويحك ! فقد تلمظت بمضغة طالما لفظها الكرام.

ومر رجل بجارين له ومعه ريبة فقال أحدهما لصاحبه : أفهمت ما معه من الريبة ؟ قال : وما معه ؟ قال : كذا قال عبدي حر لوجه اللّه شكرا له تعالى إذ لم يعرفني من الشر ما عرفك.

وقال الفضيل بن عياض: إن الفاحشه لتشيع في كثير من المسلمين حتى إذا صارت إلى الصالحين كانوا لها خزانا.

وقيل لبزرجمهر : هل من أحد لا عيب فيه ؟ فقال : الذى لا عيب فيه لا يموت وقال الشاعر :

ولست بذی نیرب في الرجال***مناع خير وسباب

ولا من إذا كان في جانب***أضاع العشيرة واغتابها

ولكن أطاوع ساداتها***ولا أتعلم ألقابها

وقال آخر :

لا تلتمس من مساوى الناس ما ستروا***فيكشف اللّه سترا من مساويكا

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا***ولا تعب أحدا منهم بما فيكا

وقال آخر :

ابدأ بنفسك فانهما عن عيبها***فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى***بالقول منك ويقبل التعليم (1)


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 37.

لو ولد أبو طالب الناس كلهم لكانوا شجعانا

روى أهل الحديث أن أم هانئ كانت يوم الفتح في بيتها، فدخل عليها هبيرة ابن أبى وهب بعلها، ورجل من بني عمه ! هاربين من على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو يتبعهما وبيده السيف، فقامت أم هانئ في وجهه دونهما، وقالت : ما تريده منهما، ولم تكن رأته من ثمانى سنين، فدفع في صدرها قلم تزل عن موضعها وقالت : أتدخل يا على بيتي، وتهتك حرمتي، وتقتل بعلى، ولا تستحيى منى بعد ثماني سنين ! فقال : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أهدر دمهما، فلابد أن أقتلهما. فقبضت على يده التي فيها السيف فدخلا بيتا ثم خرجا منه إلى غيره، ففاتاه، وجاءت أم هانئ إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فوجدته يغتسل من جفنة فيها أثر العجين وفاطمة ابنته تستره بثوبها، فوقفت حتى أخذ ثوبه، فتوشح به، أخذ ثوبه، فتوشح به، ثم صلى ثمانى ركعات من الضحى، ثم انصرف، فقال : مرحبا وأهلا بأم هانئ ! ما جاء بك ؟ فأخبرته خبر بعلها وابن عمه ودخول على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيتها بالسيف، فجاء على (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يضحك، فقال له : ما صنعت بأم هانئ ؟ فقال : سلها يارسول اللّه ما صنعت بي ! والذي بعثك بالحق لقد قبضت على يدى وفيها السيف فما استطعت أن أخلصها إلا بعد لاى وفاتني الرجلان. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لو ولد أبو طالب الناس كلهم لكانوا شجعانا قد أجرنا من أجارت أم هانئ وأمنا من أمنت فلا سبيل لك عليهما (1).

يالهذم قبح اللّه أخسرنا

كان مكاتب لبنى منقر التميميين، كان قد ظلع بمكاتبته، فأتى قبر غالب بن صعصعة، فاستجار به، وأخذ منه حصيات فشدهن في عمامته، ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره وقال : إني قد قلت شعراء قال : هاته، فأنشده :

بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ما خشيت الردى

أو أن أرد على قسر بقبر امرئ يقرى المئين عظامه ولم يك إلا غالبا ميت يقري

فقال لى استقدم أمامك إنما فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر. فقال : ما اسمك ؟ فقال : لهذم قال : يالهدم حكمك مسمطا، قال : ناقة كوماء سوداء الحدقة، قال : يا جارية اطرحي لنا حبلا ثم قال : يالهذم اخرج بنا إلى المربد فألقه في عنق ما شئت من


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 78.

إبل الناس فتخير لهذم على عينه ناقة ورمى بالحبل في عنقها، وجاء صاحبها، فقال له الفرزدق : اغد على أوفك ثمنها، فجعل لهذم يقودها، والفرزدق يسوقها، حتى أخرجها من البيوت إلى الصحراء، فصاح به الفرزدق : يالهذم، قبح اللّه أخسرنا (1).

اتدرى ما تقول هذه الشجرات ؟

قال النعمان بن المنذر، ومعه عدى بن زيد في ظل شجرات مونقات يشرب فقال عدى : أبيت اللعن ! وأراد أن يعظه : أتدرى ما تقول هذه الشجرات ؟ قال : ما تقول ؟ قال :

رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال

أضحوا عصف الدهر بهم وكذاك الدهر يودى بالرجال

فتنغص النعمان يومه ذلك (2).

المتكلمين لا يتأدبون بادب امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

فان قلت فما بال المتكلمين لا يتادبون بادبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكيف يطلقون عليه تعالى الوجوب والاستحقاق.

قلت ليست وظيفة المتكلمين وظيفه امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عباراتهم هؤلاء ارباب صناعة وعلم يحتاج إلى الفاظ واصطلاح لا بد لهم من استعماله للافهام والجدل بينهم وامير المؤمنين أمام يخطب على منبره يخاطب عربا ورعية ليسوا من اهل النظر ولا مخاطبتة لهم لتعليم هذا العلم بل لاستنفارهم إلى حرب عدوه فوجب عليه بمقتضى الادب أن يتوقى كل لفظة توهم ما يستهجنه السامع في الامور الالهية وفي غيرها (3).

لنفسه نظر

أرسل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الاشتر، فقال : يا مال إن زيادا وشريحا أرسلا إلى يعلماننى أنهما لقيا أبا الاعور السلمى في جند من أهل الشام بسور الروم ونبأني الرسول أنه


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 83.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 84.

3) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 89.

تركهم متواقفين، فالنجاء النجاء إلى أصحابك، فإذا أتيتهم فأنت عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إن لم يبدءوك، والقهم واسمع منهم، ولا يجرمنك شنانهم على قتالهم قبل دعائهم والاعذار إليهم مرة بعد مرة واجعل على ميمنتك زيادا، وعلى ميسرتك شريحا، وقف من أصحابك وسطا، ولا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تتباعد عنهم تباعد من يهاب الناس حتى أقدم عليك، فإنى حثيث السير إليك إن شاء الله. قال : وكتب على إليهما - وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي - : أما بعد فإني قد أمرت عليكما مالكا فاسمعا له وأطيعا أمره، وهو ممن لا يخاف رهقه ولا سقاطه، ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل، وقد أمرته بمثل الذى أمرتكما، ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم ويدعوهم، ويعذر إليهم إن شاء الله. قال : فخرج الاشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكف عن القتال، فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء، حمل عليهم أبو الأعور فثبتوا له واضطربوا ساعة ثم إن أهل الشام انصرفوا، ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عدتها وعددها، فخرج إليهم أبو الأعور السلمى، فاقتتلوا يومهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال، وصبر بعضهم لبعض، ثم انصرفوا. وبكر عليهم الاشتر فقتل من أهل الشام عبد اللّه بن المنذر التنوخي قتله ظبيان بن عمارة التميمي، وما هو يومئذ إلا فتى حديث السن. وإن كان الشامي لفارس أهل الشام، وأخذ الاشتر يقول : ويحكم أرونى أبا الاعور ! ثم إن أبا الاعور دعا الناس، فرجعوا نحوه فوقف على تل من وراء المكان الذى كان فيه أول مرة وجاء الاشتر حتى صف أصحابه في المكان الذى كان فيه أبو الأعور أول مرة، فقال الاشتر لسنان بن مالك النخعي انطلق إلى أبو الأعور، فادعه إلى المبارزة فقال : إلى مبارزتي أم إلى مبارزتك ؟ فقال : أولو أمرتك بمبارزته فعلت ؟ قال : نعم، والذى لا إله إلا هو لو أمرتنى أن أعترض صفهم بسيفي لفعلت حتى أضربه بالسيف. فقال : يا بن أخي أطال اللّه بقاءك ! قد والله ازددت فيك رغبة لا ما أمرتك بمبارزته، إنما أمرتك أن تدعوه لمبارزاتي فإنه لا يبارز - إن كان ذلك من شأنه - إلا ذوى الاسنان والكفاءة والشرف وأنت بحمد اللّه من أهل الكفاءة والشرف، ولكنك حديث السن، وليس يبارز الاحداث فاذهب فادعه إلى مبارزتي. فأتاهم فقال : أنا رسول فأمنوني، فجاء حتى انتهى إلى أبى الاعور، قال : فقلت له : إن الاشتر يدعوك إلى المبارزة قال : فسكت عنى طويلا، ثم قال : إن خفة الإشتر وسوء

رأيه وهوانه : دعاه إلى إجلاء عمال عثمان وافترائه عليه يقبح محاسنه، ويجهل حقه، ويظهر عداوته. ومن خفة الاشتر وسوء رأيه أنه سار إلى عثمان في داره وقراره فقتله فيمن قتله، وأصبح متبعا بدمه لا حاجة لى في مبارزته. فقلت : إنك قد تكلمت فاسمع أجيبك، فقال : لا حاجة لى في جوابك ولا الاستماع منك، اذهب عنى، وصاح بی حتى أصحابه فانصرفت عنه عنه، ولو سمع لا سمعته عذر صاحبي وحجته، فرجعت إلى الاشتر فأخبرته أنه قد أبى المبارزة فقال : لنفسه نظر قال : فتواقفنا، فإذا هم قد انصرفوا. قال : وصبحنا على غدوة سائرا نحو معاوية، فإذا أبو الأعور قد سبق إلى سهولة الارض وسعة المنزل، وشريعة الماء، مكان أفيح، وكان أبو الأعور على مقدمة معاوية، واسمه سفيان بن عمرو وقد جعل على ساقته بسر بن أرطاة العامري، وعلى الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وجعل على میمنته حبيب بن مسلمة الفهرى وعلى رجالته من الميمنة يزيد بن زحر الضبى، وعلى الميسرة عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وعلى الرجالة من الميسرة حابس بن سعيد الطائي، وعلى خيل دمشق الضحاك بن قيس الفهرى وعلى رجالة أهل دمشق يزيد بن أسد بن كرز البجلي، وعلى أهل حمص ذا الكلاع وعلى أهل فلسطين مسلمة بن مخلد، وكان وصول على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى صفين لثمان بقين من المحرم من سمينة سبع وثلاثين (1).

بأى شئ كفرتم عثمان ؟

وروى عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنه قيل له : بأى شئ كفرتم عثمان ؟ فقال : بثلاث : جعل المال دولة بين الاغنياء، وجعل المهاجرين من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمنزلة من حارب اللّه ورسوله وعمل بغير كتاب اللّه (2).

بين زيد وبين جده امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته) قول زيد ابن علی (عَلَيهِ السَّلَامُ)@ لهشام بن عبد الملك انه ليس أحد وإن عظمت منزلته بفوق أن يذكر باللّه ويحذر من سطوته وليس احد وإن صغر بدون أن يذكر باللّه ويخوف من نقمته (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 212.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص93.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 51.

تطاطات لهم فركبوك

يقال إن عثمان قال يوما لجلسائه وهو محصور في الفتنة وددت أن رجلا صدوقا اخبرني عن نفسي وعن هؤلاء فقام إليه فتى فقال انى اخبرك تطاطات لهم فركبوك وما جراهم على ظلمك الا افراط حلمك قال صدقت فهل تعلم ما يشب نيران الفتن قال نعم سالت عن ذلك شيخا من تنوخ كان باقعه قد نقب في الارض وعلم علما جما فقال الفتنة يثيرها امران اثره تضغن على الملك الخاصة وحلم يجزئ عليه العامة قال فهل سألته عما يخمدها قال نعم زعم أن الذى يخمدها في ابتدائها استقاله العثرة وتعميم الخاصة بالاثرة فإذا استحكمت الفتنة اخمدها الصبر قال عثمان صدقت واني لصابر حتى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين (1).

ما صلاح الملك

إن يزدجرد بن بهرام سال حكيما ما صلاح الملك قال الرفق بالرعية واخذ الحق منها بغير عنف والتودد إليها بالعدل وامن السبل وانصاف المظلوم قال فما صلاح الملك قال وزراؤه إذا صلحوا صلح قال فما الذى يثير الفتن قال ضغائن يظهرها جراه عامة واستخفاف خاصة وانبساط الالسن بضمائر القلوب واشفاق موسر وامن معسر وغفلة مرزوق ويقظة محروم قال وما يسكنها قال اخذ العدة لما يخاف وايثار الجد حين يلتذ الهزل والعمل بالحزم وادراع الصبر والرضا بالقضاء (2).

والله لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شعيراتك

عن موسى بن أبى النعمان قال : جاء الاشعث إلى على يستأذن عليه، فرده قنبر، فأدمى الاشعث أنفه، فخرج على وهو يقول : مالى ولك يا أشعث ! أما والله لو بعبد ثقيف تمرست لا قشعرت شعيراتك ! قيل : يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف ؟ قال : غلام لهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا أدخلهم ذلا، قيل : يا أمير المؤمنين، كم يلى - أو كم يمكث ؟ قال : عشرين، إن بلغها (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 96.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 96.

3) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 117.

فيمن استشهد من المسلمين ببدر

عن عبد الله بن جعفر، قال: سألت الزهري كم استشهد من المسلمين ببدر قال : اربعة عشر سنة من المهاجرين وثمانية من المهاجرين وثمانية من الانصار. قال : فمن بنى المطلب بن عبد مناف عبيدة بن الحارث، قتله شيبة بن ربيعة.. وفي رواية الواقدي قتله عتبة، فدفنه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالصفراء. ومن بني زهرة عمير بن أبي وقاص قتله عمرو بن عبدود، فارس الاحزاب وعمير بن عبد ود ذو الشمالين حليف لبنى زهرة بن خزاعة قتله أبو أسامة الجشمى ومن بني عدي بن كعب عاقل بن أبى البكير، حليف لهم من بنى سعد بن بكر، قتله مالك بن زهير الجشمى ومهجع مولى عمر بن الخطاب قتله عامر بن الحضرمي ويقال أن مهجعا أول من قتل من المهاجرين. ومن بني الحارث بن فهر صفوان بن بيضاء، قتله طعيمة بن عدى وهؤلاء الستة من المهاجرين. ومن الانصار ثم من بني عمرو بن عوف، مبشر بن عبد المنذر قتله أبو ثور وسعد بن خيثمة قتله عمرو بن عبدود - ويقال طعيمة بن عدى - ومن بني عدي بن النجار حارثة بن سراقة رماه حبان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته، فقتله، ومن بنى مالك بن النجار، عوف ومعوذ ابنا عفراء قتلهما أبو جهل. ومن بني سلمة بن حرام عمير بن الحمام بن الجموح قتله خالد بن الاعلم العقيلي - ويقال أن عمير بن الحمام أول قتيل قتل من الانصار، وقد روى أن أول قتيل منهم حارث بن سراقة. ومن بني زريق رافع بن المعلى قتله عكرمة بن أبي جهل. ومن بني الحارث بن الخزرج يزيد بن الحارث بن قسحم قتله نوفل بن معاوية الديلي. فهؤلاء الثمانية من الانصار. قال الواقدي : وقد روى عن عكرمة عن ابن عباس أن أنسة مولى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قتل ببدر. وروى أن معاذ بن ماعص جرح ببدر فمات من جراحته بالمدينة، وأن عبيد بن السكن جرح فاشتكى جرحه، فمات منه حين قدم (1).

مما يطول تعداده جدا

فرض طاعة على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لانه قد لانه قد وعاها سمع معاوية، لا ريب ريب في ذلك، إما بالنص في أيام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما تذكره الشيعة - فقد كان معاوية حاضرا يوم الغدير لانه حج معهم حجة الوداع، وقد كان أيضاً حاضرا يوم تبوك حين قال له بمحضر من الناس كافة :


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 207.

(أنت منى بمنزلة هارون من موسى) وقد سمع غير ذلك - وإما بالبيعه كما نذكره نحن فإنه قد اتصل به خبرها و تواتر عنده وقوعها فصار وقوعها عنده معلوما بالضرورة كعلمه بأن في الدنيا بلدا اسمها مصر، وأن كان ما رآها والظاهر من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه يريد المعنى الاول ! ونحن نخرجه على وجه لا يلزم منه ما تقوله الشيعة فنقول : لنفرض أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما نص عليه بالخلافة بعده أليس يعلم معاوية وغيره من الصحابة أنه لو قال له في ألف مقام: (أنا حرب لمن حاربت وسلم لمن سالمت)، ونحو ذلك من قوله: (اللهم عاد من عاداه ووال من والاه)، وقوله : (حربك حربى وسلمك سلمى)، وقوله : (أنت مع الحق والحق معك)، وقوله : (هذا) منى وأنا منه، وقوله : (هذا أخي)، وقوله : (يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله) وقوله : (اللهم ائتنى بأحب خلقك إليك)، وقوله : (إنه ولى كل مؤمن ومؤمنه بعدى)، وقوله : في كلام قاله : (خاصف النعل)، وقوله : (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق) وقوله : (إن الجنة لتشتاق إلى أربعة)، وجعله أولهم، وقوله لعمار : (تقتلك الفئة الباغية)، وقوله : (ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بعدى)، إلى غير ذلك مما يطول تعداده جدا، ويحتاج إلى كتاب مفرد يوضع له أفما كان ينبغى لمعاوية أن يفكر في هذا ويتأمله، ويخشى اللّه ويتقيه (1)!

وكان في راس على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاث ضربات

عن القعقاع بن الابرد الطهوى قال : والله إنى لواقف قريبا من على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصفين يوم وقعة الخميس، وقد التقت مذحج - وكانوا في ميمنة على (عَلَيهِ السَّلَامُ)- وعك لخم وجذام والاشعريون وكانوا مستبصرين في قتال على، فلقد والله رأيت ذلك اليوم من قتالهم، وسمعت من وقع السيوف على الرؤوس وخبط الخيول بحوافرها في الارض وفى القتلى ما الجبال تهد ولا الصواعق تصعق، بأعظم من هؤلاء في الصدور من تلك الاصوات. ونظرت إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو قائم، فدنوت منه فأسمعه يقول : لا حول ولا قوة إلا باللّه ! اللهم إليك الشكوى وأنت المستعان ! ثم نهض حين قام قائم الظهيرة وهو يقول : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين وحمل على الناس بنفسه،


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 24.

وسیفه مجرد بیده فلا والله ما حجز بين الناس ذلك اليوم إلا اللّه رب العالمين، في قريب من

ثلث الليل الاول وقتلت يومئذ أعلام العرب وكان في راس على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاث ضربات وفى وجهه ضربتان قال نصر : وقد قيل : إن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يخرج قط، وقتل في هذا اليوم خزيمة ابن ثابت ذو الشهادتين وقتل من أهل الشام عبد الله بن ذي الكلاع الحميري، فقال معقل بن نهيك بن يساف الانصاري :

يا لهف نفسي ومن يشفى حزازتها***إذ أفلت الفاسق الضليل منطلقا

وأفلت الخيل عمرو وهي شاحبة***تحت العجاج تحث الركض والعنقا

وافت منية عبد اللّه إذ لحقت***قب الخيول به خيول به، أعجز بمن لحقا

وانساب مروان في الظلماء مستترا***تحت الدجى كلما خاف الردى أرقا

وقال مالك الاشتر :

نحن قتلنا حوشبا***لما غدا قد أعلما

و ذا الكلاع قبله***ومعبدا إذ أقدما

إن تقتلوا من أبا***اليقظان شيخا مسلما

فقد قتلنا منكم***سبعین كهلا مجرما

أضحوا بصفين وقد***لاقوا نكالا مؤثما

وقالت ضبيعة بنت خزيمة بن ثابت ذى الشهادتين ترثى أباها (رحمه الله).

عين جودى على خزيمة بالدمع***قتيل الاحزاب يوم الفرات

قتلوا ذا الشهادتين عتوا***أدرك اللّه منهم بالترات !

قتلوه في فتية غير عزل***يسرعون الركوب في الدعوات

نصروا السيد الموفق ذا العدل***ودانوا بذاك حتى الممات

لعن الله معشرا قتلوه***ورماهم بالخزى والافات (1).

إذا سئل الحاجة يشتم السائل

كان أبو عباد ثابت بن يحيى كاتب المأمون إذا سئل الحاجة يشتم السائل، ويسطو


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 41.

عليه ويخجله ويبكته ساعة ثم يأمر له بها، فيقوم وقد صارت إليه وهو يذمه ويلعنه قال على بن جبلة العكوك :

لعن اللّه أبا عباد لعنا يتوالى

يوسع السائل شتما***ثم يعطيه سؤالا

وكان الناس يقفون لابي عباد وقت ركوبة، فيتقدم الواحد منهم إليه بقصته ليناوله إياها فير كله برجله بالركاب ويضربه بسوطه، ويطير غضبا، ثم لا ينزل عن فرسه حتى يقضى حاجته، ويأمر له بطلبته، فينصرف الرجل بها وهو ذام له ساخط عليه، فقال فيه دعبل :

أولى الأمور بضيعة وفساد***ملك يدبره أبو عباد

متعمد بدواته جلساءه***فمضرج ومخضب بمداد

وكأنه من دير هزقل مفلت***حرب يجر سلاسل الاقياد

فاشدد أمير المؤمنين صفاده***بأشد منه في يد الحداد

وقال فيه بعض الشعراء :

قل للخليفة يابن عم محمد***قيد وزيرك إنه ركال

فلسوطه بين الرؤوس مسالك***ولرجله بين الصدور مجال (1).

من غرسها ؟ قيل : عمر، فقلعها وغرسها رسول اللّه

روی أن سلمان أتى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بصدقة فقال : هذه صدقه عليك وعلى أصحابك، فلم يقبلها وقال : إنه لا تحل لنا الصدقة فرفعها ثم جاء من الغد بمثلها وقال : هدية هذه، فقال لاصحابه : كلوا واشتراه من أربابه، وهم قوم یهود بدراهم، وعلى أن يغرس لهم من النخيل كذا وكذا، ويعمل فيها حتى تدرك، فغرس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك النخل كله بيده إلا نخلة واحده غرسها عمر بن الخطاب، فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من غرسها ؟ قيل : عمر فقلعها وغرسها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بیده فأطعمت (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 31.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 34.

سلمان الفارسى

سلمان، رجل من فارس من رامهرمز وقيل : بل من أصبهان من قرية يقال لها جي، وهو معدود من موالى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكنيته أبو عبد اللّه وكان إذا قيل : ابن من أنت ؟ يقول : أنا سلمان، ابن الاسلام، أنا من بنى آدم وقد روى أنه قد تداوله أرباب كثيرة، بضعة عشر ربا من واحد إلى آخر حتى أفضى إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

وكان سلمان يسف الخوص وهو أمير على المدائن ويبيعه ويأكل منه ويقول لا أحب أن آكل إلا من عمل يدى وكان قد تعلم سف الخوص من المدينة.

وأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، فقال أبو سفيان وأصحابه لما رأوه : هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.

وقد روى أن سلمان شهد بدر واحدا، وهو عبد،يومئذ والأكثر أن أول مشاهده الخندق، ولم يفته بعد ذلك مشهد.

قال : وكان سلمان خيرا، فاضلا، حبرا عالما، زاهدا متقشفا. قال :

و ذکر هشام بن حسان عن الحسن البصري، قال : كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به ويأكل من عمل يده وكانت له عباءة يفرش بعضها ويلبس بعضها.

و آخى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بينه وبين أبي الدرداء لما آخى بين المسلمين (1).

يا جامعا مانعا

قال بعضهم :

يا جامعا مانعا والدهر يرمقه مدبرا أي باب عنه يغلقه

وناسيا كيف تأتيه منيته أغاديا أم بها يسرى فتطرقه

جمعت مالا فقل لي هل جمعت له يا جامع المال أياما تفرقه

المال عندك مخزون لوارثه ما المال مالك إلا يوم تنفقه

أرفه ببال فتى يغدو على ثقه إن الذي قسم الارزاق يرزقه


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 34.

فالعرض منه مصون لا يدنسه والوجه منه جديد ليس يخلقه

إن القناعة من يحلل بساحتها لم يلق في ظلها هما يورقه (1).

ما باله عفا عن الخارجي وأنكر على الاشعث

يروى إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان جالسا في أصحابه إذ مرت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن أبصار هذه الفحول طوامح، وإن ذلك سبب هبابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس اهله فإنما هي امرأة كامرأته فقال رجل من الخوارج : قاتله الله كافرا، ما أفقهه ! قال : فوثب القوم ليقتلوه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : رويدا إنما هو سب بسب، أو عفو عن ذنب.

قال ابن أبي الحديد وسألني صديقنا على بن البطريق عن هذه القصة فقال ما باله عفا عن الخارجي وقد طعن فيه بالكفر، وأنكر على الاشعث قوله : (هذه عليك لا لك)، فقال : ما يدريك عليك لعنه اللّه ما على ممالى ! حائك ابن حائك، منافق ابن كافر ! وما واجهه به الخارجي أفظع مما واجهه الاشعث ! فقلت : لا أدرى قال : لان كل صاحب فضيلة يعظم عليه إن يطعن في فضيلته تلك، ويدعى عليه إنه فيها ناقص، وكان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيت العلم، فلما طعن فيه الاشعث طعن بانك لا تدرى ما عليك مما لك، فشق ذلك عليه وامتعض منه، وجبهه ولعنه وأما الخارجي فلم يطعن في علمه، بل أثبته له، واعترف به وتعجب منه فقال : (قاتله اللّه كافرا ما أفقهه !)، فاغتفر له لفظة (كافر) بما اعترف له به من علو طبقته في الفقه ولم يخشن عليه خشونته على الاشعث، وكان قد مرن على سماع قول الخوارج : أنت كافر، وقد كفرت يعنون التحكيم، فلم يحفل بتلك اللفظة ونهى أصحابه عن قتله محافظة ورعاية له على ما مدحه به (2).

وانما هو شعر طفح على لساني

استعمل عمر النعمان بن عدی بن نضلة على ميسان فبلغه عنه الشعر الذي قاله وهو : ومن مبلغ الحسناء ان حليلها بميسان يسقى من زجاج وحنتم !


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 55.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 63.

إذا شئت غنتني دهاقين قرية وصناجة تحدو على كل منسم

فان كنت ندماني فبالاكبر اسقنى ولا تسقنى بالاصغر المتثلم

لعل امير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم

فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم (حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) اما بعد فقد بلغني قولك : لعل امير المؤمنين يسوءه البيت وايم اللّه انه ليسوءني فاقدم فقد عزلتك، فلما قدم عليه قال : يا امير المؤمنين والله ما شربتها قط وانما هو شعر طفح على لساني وانى لشاعر. فقال عمر : اظن ذاك، ولكن لا تعمل لي على عمل ابدا (1).

بال العلقمي ورت زنادى

لما فرغ ابن ابي الحديد من تصنيف شرح نهج البلاغة أنفذه على يد أخيه موفق الدين أبى المعالى إلى الوزير ابن العلقمي، فبعث إليه بمائة دينار وخلعة سنية وفرس، فكتب إلى الوزير :

أيارب العباد رفعت ضبعى***وطلت بمنكبي وبللت ريقي

وزيع الاشعري كشفت عنى***فلم أسلك بنيات الطريق

أحب الاعتزال وناصريه***ذوى الألباب والنظر الدقيق

فاهل العدل والتوحيد أهلى***ونعم فريقهم أبدا فريقي

وشرح النهج لم أدركه إلا***بعونك بعد مجهدة وضيق

تمثل إذ بدأت به لعيني***هناك كذروة الطود السحيق

فتم بحسن عونك وهو أناى***من العيون أو بيض الانوق

بال العلقمي ورت زنادی***وقامت بين أهل الفضل سوقى

فكم ثوب أنيق نلت منهم***وتلت بهم وكم طرف عتيق

أدام اللّه دولتهم وأنحى***على أعدائهم بالخنفقيق (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 23.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 10.

كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين

خرج حجر بن عدى وعمرو بن الحمق يظهران البراءة من أهل الشام فأرسل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه، فقالا : يا أمير المؤمنين ألسنا محقین ؟ قال بلى قالا : أو ليسوا مبطلين ؟ قال : بلى قالا : فلم منعتنا من شتمهم ؟ قال : كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون وتتبرءون ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم : من سيرتهم كذا وكذا، ومن أعمالهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم : اللهم احقن دماءهم ودماءنا، وأصلح ذات بينهم وبيننا واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله، ويرعوى عن الغي والعدوان منهم من لهج به لكان أحب إلى وخيرا لكم فقالا : يا أمير المؤمنين نقبل عظتك، ونتأدب بأدبك (1).

ادخل تحت قوائم العرش، لا تظفر بك فاطمة

كان بطبرستان قاص من المشبهة يقص على الناس فقال يوما في قصصه : إن يوم القيامة تجى فاطمة بنت محمد معها قميص الحسين ابنها تلتمس القصاص من يزيد بن معاوية، فإذا رآها اللّه تعالى من بعيد دعا يزيد وهو بين يديه فقال له : ادخل تحت قوائم العرش، لا تظفر بك فاطمة فيدخل ويختبئ وتحضر فاطمة فتتظلم وتبكى فيقول سبحانه : انظري يا فاطمة إلى قدمى ويخرجها إليها وبه جرح من سهم نمرود فيقول : هذا جرح نمرود في قدمي وقد عفوت عنه أفلا تعفين أنت عن يزيد ! فتقول. هي : اشهد يا رب أني قد عفوت عنه (2).

من قتل ببدر من المشركين وأسماء قاتليهم

من قتل ببدر من المشركين وأسماء قاتليهم قال الواقدي : فمن بني عبد شمس بن

عبد مناف حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، قتله على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والحارث بن الحضرمي قتله عمار بن ياسر وعامر بن الحضرمي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح، وعمير بن أبي عمير وابنه موليان لهم، قتل سالم مولى أبي حذيفة منهم عمير بن أبى


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 180.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 226.

عمير - ولم يذكر الواقدي من قتل ابنه - وعبيدة بن سعيد بن العاص، قتله الزبير بن العوام، والعاص بن سعيد بن العاص قتله على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعقبة بن أبى معيط، قتله عاصم بن ثابت صبرا بالسيف بأمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

وروى البلاذرى أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صلبه بعد قتله، فكان أول مصلوب في الاسلام قال : وفيه يقول ضرار بن الخطاب : عين بكى لعقبة بن أبان فرع فهر وفارس الفرسان. وعتبة بن ربيعة قتله حمزة بن عبد المطلب وشيبة بن ربيعة قتله عبيدة بن الحارث وحمزة وعلى الثلاثة اشتركوا في قتله والوليد بن عتبة بن ربيعة، قتله على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعامر بن عبد اللّه حليف لهم من انمار قتله على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقيل قتله سعد بن معاذ، فهؤلاء اثنا عشر ومن بني نوفل بن عبد مناف الحارث بن نوفل قتله خبيب بن يساف، وطعيمة بن عدى ويكنى أبا الريان قتله حمزة بن عبد المطلب في رواية الواقدي وقتله على بن ابى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية محمد بن إسحاق. وروى البلاذرى روايه غريبة، أن طعيمة بن عدى أسر يوم بدر، فقتله النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صبرا على يد حمزة، فهؤلاء اثنان ومن بني أسد بن عبد العزى زمعة بن الاسود قتله أبو دجانة، وقيل قتله ثابت بن الجذع، والحارث بن زمعة بن الاسود قتله على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). وعقيل بن الاسود بن المطلب، قتله على وحمزة شركا في قتله. قال الواقدي : وحدثني أبو معشر قال : قتله على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحده، وقيل : قتله أبو داود المازني وحده. وأبو البخترى وهو العاص بن هشام قتله المجذر بن زياد وقيل قتله أبو اليسر ونوفل بن خویلد بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن العدوية قتله على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهؤلاء خمسة ومن بنی عبد الدار بن قصى النضر بن الحارث بن كلدة قتله على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) صبرا بالسيف بأمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان الذي أسره المقداد بن عمرو، فوعد المقداد - إن استنقذه - بفداء جليل فلما قدم ليقتل قال المقداد : يا رسول الله، إنى ذو عيال وأحب الدين فقال : اللهم اغن المقداد من فضلك يا على قم فاضرب عنقه وزيد بن مليص مولى عمرو بن هاشم بن عبد مناف من عبد الدار قتله على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقيل قتله بلال فهؤلاء اثنان ومن بني تيم بن مرة عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة قتله على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). وعثمان بن مالك بن عبيد سد اللّه بن عثمان، قتله صهيب، فهؤلاء اثنان - ولم يذكر البلاذرى عثمان بن مالك. ومن بني مخزوم

بن يقظة ثم من بنى المغيرة بن عبد اللّه بن عمير بن مخزوم أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة ضربة معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ وعوف ابنا عفراء، وذقف عليه عبد اللّه بن مسعود والعاص بن هاشم بن المغيرة خال عمر بن الخطاب قتله عمرو بن يزيد بن تميم التميمي حليف لهم، قتله عمار بن ياسر، وقيل قتله على (عَلَيهِ السَّلَامُ). ومن بنى الوليد بن المغيرة، أبو قيس بن الوليد بن الوليد أخو خالد بن الوليد قتله على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). ومن بني الفاكه بن المغيرة، أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قتله حمزة بن عبد المطلب وقيل قتله الحباب بن المنذر. ومن بني أمية بن المغيرة مسعود بن أبي أمية قتله على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). و من بنى عائد بن عبد اللّه بن عمير بن مخزوم ثم من بنى رفاعة أمية بن عائذ بن رفاعة بن أبي رفاعة قتله سعد بن الربيع وأبو المنذر بن أبي رفاعة، قتله معن بن عدى العجلاني وعبد اللّه بن أبي رفاعة قتله على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وزهير بن أبي رفاعة قتله أبو أسيد الساعدي والسائب بن أبى رفاعة قتله عبد الرحمن بن عوف. ومن بنى أبي السائب المخزومي - وهو صيفي بن عائذ بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم - السائب بن السائب قتله الزبير بن العوام والاسود بن عبد الاسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، قتله حمزة بن عبد المطلب. وحليف لهم من طيئ وهو عمرو بن شيبان قتله يزيد بن قيس وحليف آخر، وهو جبار بن سفيان، أخو عمرو بن سفيان المقدم ذكره، قتله أبو بردة بن نيار. ومن بني عمران بن مخزوم حاجز بن السائب بن عويمر بن عائذ، قتله على (عَلَيهِ السَّلَامُ). وروى البلاذرى أن حاجزا هذا وأخاه عويمر بن السائب بن عويمر، قتلهما على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعويمر بن عمرو بن بن عمران بن مخزوم قتله النعمان بن أبي مالك، فهؤلاء تسعة عشر. ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص، أمية بن خلف قتله حبيب بن يساف وبلال، شركا فيه قال الواقدي : وكان معاذ بن رفاعة بن رافع يقول بل قتله أبو رفاعة بن رافع وعلى بن أمية بن خلف، قتله عمار بن ياسر وأوس بن المغيرة بن لوذان، قتله على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعثمان بن مظعون، شركا فيه فهؤلاء ثلاثة. ومن بني سهم، منبه بن الحجاج، قتله على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقيل قتله أبو أسيد الساعدي ونبيه بن الحجاج قتله على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). والعاص بن منبه بن الحجاج قتله على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبو العاص بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، قتله أبو دجانة قتله أبو دجانة - قال الواقدي : وحدثني أبو معشر عن أصحابه، قالوا قتله على (عَلَيهِ السَّلَامُ)- وعاص بن أبي عوف بن صبيره بن سعيد بن سعد، قتله أبو دجانة، فهؤلاء خمسة، ومن بني عامر بن لؤى، ثم من بني مالك بن

حسل معاوية بن عبد قيس حليف لهم، قتله عكاشة بن محصن ومعبد بن وهب، حليف لهم من كلب قتله أبو دجانة فهؤلاء اثنان فجميع من قتل ببدر في رواية الواقدي من المشركين في الحرب صبرا اثنان وخمسون رجلا قتل على 22 منهم مع الذين شرك في قتلهم أربعة وعشرين رجلا. وقد كثرت الرواية أن المقتولين ببدر كانوا سبعين ولكن الذين عرفوا وحفظت اسماؤهم من ذكرناه وفي رواية الشيعة أن زمعة بن الاسود بن المطلب قتله على والاشهر في الرواية أنه قتله الحارث بن زمعة، وأن زمعة قتله أبو دجانة (1).

كيف ترى الدنيا ؟

لقى عالم من العلماء راهبا فقال : أيها الراهب، كيف ترى الدنيا ؟

قال : تخلق الابدان، وتجدد الامال، وتباعد الامنية، وتقرب المنية،

قال : فما حال أهلها ؟

قال : من ظفر بها نصب، ومن فاتته أسف

قال : فكيف الغنى عنها ؟

قال : بقطع الرجاء منها،

قال : فأى الاصحاب أبر وأوفى ؟

قال : العمل الصالح،

قال : فأيهم أضر وأنكى ؟

قال : النفس والهوى

قال : فكيف المخرج ؟

قال : في سلوك المنهج

قال : وبماذا أسلكه ؟

قال : بأن تخلع لباس الشهوات الفانية، وتعمل للدار الباقية (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 208.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 40.

ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم

في المثل وهو منسوب إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إياك وما يعتذر منه. ومنها قوله : (ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم)، قال الشاعر :

لا تستتر أبدا ما لا تقوم له***ولا تهيجن من عريسه الأسدا

إن الزنابير أن حركتها سفها***من كورها أوجعت من لسعها الجسدا

وقال :

قاله السوء إلى أهلها***أسرع من منحدر سائل

من دو دعا الناس إلى ذمه***ذمره بالحق وبالباطل (1).

ليس كل وقت يتهيأ لك إرسال الحمام

يقال : إن بعض العلوية قال في حضرة عضد الدولة ببغداد : عندنا في الكوفة نبق وزن كل نبقة مثقالان فاستطرف الملك ذلك، وكاد يكذبه الحاضرون، فلما قام ذكر ذلك لابيه فأرسل حماما كان عنده في الحال إلى الكوفة يأمر وكلاءه بإرسال مائة حمامة، في رجلى كل واحدة نبقتان من ذلك النبق فجاء النبق في بكرة الغد وحمل إلى عضد الدولة فاستحسنه وصدقه حينئذ، ثم قال له لعمري لقد صدقت، ولكن لا تحدث فيما بعد بكل ما رأيت من الغرائب، فليس كل وقت يتهيأ لك إرسال الحمام (2).

كل بيت يوازي حرب كاملة

يحكى أن جريرا قال : والله لقد قلت في بنى ثعلب بينا لو طعنوا بعدها بالرماح في أستاههم ما حكوها، وهو :

والتغلبى إذا تنحنح للقرى حك استه وتمثل الامثالا

وحكى أبو عبيدة عن يونس قال : قال عبد الملك بن مروان يوما وعنده رجال : هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر، ودوا لو انهم افتدوا منه بأموالهم ؟ فقال أسماء بن خارجة الفزاري : نحن يا أمير المؤمنين قال : وما هو ؟ قال : قول الحارث بن ظالم المرى :


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 45.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 45.

وما قومي بثعلبة بن سعد ولا بفزارة الشعر الرقابا.

فوالله يا أمير المؤمنين، إنى لا لبس العمامة الصفيقة، فيخيل لى أن شعر قفاى قد بدا منها.

وقال هانئ قبيصة النميري : يا إمير المؤمنين، قال : وما هو ؟ قال قول جرير :

فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا

كان النميري يا أمير المؤمنين، إذا قيل له : ممن أنت ؟ قال : من نمير، فصار يقول بعد هذا البيت : من عامر بن صعصعة).

و ما ما يروى أن النجاشي لما هجا بني العجلان بقوله :

إذا اللّه عادى أهل لؤم وقلة فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل

قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل

ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوراد عن كل منهل

وما سمى العجلان إلا لقوله : خذ القعب فاحلب أيها العبد اعجل

فكان الرجل منهم إذا سئل عن نسبة يقول : من بني كعب وترك أن يقول : (عجلانی).

وكان عبد الملك بن عمير القاضي يقول : والله إن التنحنح والسعال ليأخذني وأنا في الخلاء فأرده، حياء من قول القائل :

إذا ذات دل كلمته لحاجة فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل(1).

زيد بن علي

ممن تقبل مذاهب الاسلاف في إباء الضيم وكراهية الذل، واختار القتل على ذلك يموت كريما، أبو الحسين زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أمه أم ولد وكان السبب في خروجه وخلعه طاعة بنى مروان، أنه كان يخاصم عبد اللّه بن حسن بن حسن بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صدقات على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هذا يخاصم عن بني


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 28.

حسين، وهذا عن بني حسن، فتنازعا يوما عند خالد بن عبد عبد الملك بن الحارث بن الحكم أمير المدينة، فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه فسر خالد بن عبد الملك بذلك، وأعجبه سبابهما، وقال لهما حين سكنا : اغدوا على فلست بابن عبد الملك إن لم أفصل بينكما غدا فباتت المدينة تغلى كالمرجل، فمن قائل يقول : قال زيد كذا، وقائل يقول : قال عبد اللّه كذا فلما كان الغد جلس خالد في المسجد، وجمع الناس، فمن بين شامت، ومغموم، ودعا بهما وهو يحب أن يتشاتما فذهب عبد اللّه يتكلم، فقال زيد : لا تعجل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا، ثم أقبل على خالد، فقال له : أجمعت ذرية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لامر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر، فقال خالد : أما لهذا السفيه أحد يكلمه، فتكلم رجل من الانصار من آل عمرو بن حزم، فقال : يا بن أبى تراب ويا بن حسين السفيه ! أما ترى عليك لوال حقا ولا طاعة ! فقال زيد : اسكت أيها القحطاني، فإنا لا نجيب مثلك، فقال الانصاري : ولم ترغب عنى ! فو اللّه إنى لخير منك، وأبى خير من أبيك، وأمى خير من أمك ! فتضاحك زيد وقال : يا معشر قريش هذا الدين قد ذهب أفذهبت الاحساب ! فتكلم عبد اللّه بن واقد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب فقال : كذبت أيها القحطاني والله لهو خير منك نفسا وأبا وأما ومحتدا وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفا من الحصا فضرب به الارض، وقال : إنه والله ما لنا على هذا من صبر، وقام. فقام زيد أيضاً، وشخص من فوره إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له وزيد يرفع إليه القصص وكلما رفع إليه قصة كتب هشام في أسفلها : ارجع إلى أرضك، فيقول زيد : والله لا أرجع إلى ابن الحارث أبدا. ثم أذن له بعد حبس طويل وهشام في علية له فرقى زيد إليها، وقد أمر هشام خادما له أن يتبعه حيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول. فصعد زيد - وكان بادنا - فوقف في بعض الدرجة، فسمعه الخادم وهو يقول : ما أحب الحياة إلا من ذل ! فأخبر الخادم هشاما بذلك، فلما قعد زيد بين يدى هشام وحدثه حلف له على شيء، فقال هشام : لا أصدقك فقال زيد : إن اللّه لا يرفع أحدا عن أن يرضى بالله، ولم يضع أحدا عن أن يرضى بذلك منه قال له هشام : إنه بلغني أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هناك ! لانك ابن أمة، فقال زيد : إن لك جوابا، قال : تكلم، قال : إنه ليس أحد أولى بالله، ولا أرفع درجة عنده من نبى ابتعثه وهو إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن أمة قد اختاره اللّه لنبوته وأخرج منه خير البشر، فقال هشام : فما يصنع أخوك البقرة ! فغضب زيد حتى كاد

يخرج من إهابه ثم قال : سماه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الباقر وتسميه أنت البقرة ! لشد ما اختلفتما ! لتخالفنه في الآخرة، كما خالفته في الدنيا، فيرد الجنة، وترد النار. فقال هشام : خذوا بيد هذا الاحمق المائق، فأخرجوه، فأخذ الغلمان بیده فأقاموه، فقال هشام : احملوا هذا الخائن الاهوج إلى عامله فقال زيد : والله لئن حملتني إليه لا أجتمع أنا وأنت حيين، وليموتن الاعجل منا. فأخرج زيد وأشخص إلى المدينة، ومعه نفر يسيرونه حتى طردوه عن حدود الشام، فلما فارقوه عدل إلى العراق، ودخل الكوفة، وبايع لنفسه، فأعطاه البيعة أكثر أهلها والعامل عليها وعلى العراق يومئذ يوسف بن عمر الثقفى، فكان بينهما من الحرب ما هو مذكور في كتب التواريخ وخذل أهل الكوفة زيدا، وتخلف معه ممن تابعه نفر يسير، وأبلى بنفسه بلاء حسنا وجهادا عظيما، حتى أتاه سهمغرب، فأصاب جانب جبهته اليسرى، فثبت في دماغه فحين نزع منه مات (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

نصر بن حجاج

روی عبد اللّه بن بريدة قال : بينا عمر يعس ذات ليلة انتهى إلى باب متجاف وامرأة تغنى نسوة

هل من سبيل إلى خمر فاشربها ام هل سبيل إلى نصر بن حجاج

فقال عمر: اما ما عشت فلا فلما اصبح دعا نصر بن حجاج - وهو نصر بن الحجاج بن علابط البهزى السلمى - فابصره وهو من احسن الناس وجها، وأصبحهم وأملحهم حسنا فامر ان يطم شعره، فخرجت جبهته فازداد حسنا، فقال له : اذهب فاعتم فاعتم فبدت وفرته فامر بحلقها فازداد حسنا، فقال له : فتنت نساء المدينة يا بن حجاج ! لا تجاورني في بلدة انا مقيم بها ثم سيره إلى البصرة.

فروى الاصمعي قال : ابرد عمر بريدا إلى عتبة بن ابي سفيان بالبصرة فاقام بها اياما ثم نادى منادى عتبة : من اراد ان يكتب إلى اهله بالمدينة أو إلى امير المؤمنين شيئا فليكتب فان بريد المسلمين خارج فكتب الناس، ودس نصر بن حجاج كتابا فيه : لعبد اللّه عمر امير المؤمنين من نصر بن حجاج، سلام عليك اما بعد، يا امير المؤمنين :

لعمري لئن سيرتني أو حرمتنى***لمانلت من عرضى عليك حرام


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 285.

أئن غنت الذلفاء يوما بمنية***وبعض اماني النساء غرام

ظننت بی الظن الذي ليس بعده***بقاء فمالي في الندى كلام

واصبحت منفيا على غير ريبة***قد كان لي بالمكتين مقام

سیمنعنی مما تظن تكرمي***وآباء صدق سالفون كرام

ويمنعها مما تمنت صلاتها***وحال لها في دينها وصيام

فهاتان حالانا فهل انت راجع***فقد جب منی کاهل وسنام :

فقال عمر: اما ولى ولاية فلا وأقطعه ارضا بالبصرة ودارا فلما قتل عمر ركب راحلته ولحق بالمدينة (1).

أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم

روى أبو مويهبة مولى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال : ارسل إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في جوف الليل، فقال : يا ابا مويهبة انى قد أمرت أن استغفر لاهل البقيع، فانطلق معى فانطلقت معه، فلما وقف بين اظهرهم قال : السلام عليكم يا اهل المقابر ليهن لكم ما اصبحتم فيه مما اصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها اولها الاخرة شر من الأولى ثم اقبل على فقال : يا ابا مويهبة انى قد اوهبت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها والجنة، فخيرت بينها وبين الجنة فاخترت الجنة فقلت : بابی انت و امی فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها والجنة جميعا، فقال : لا يا ابا مويهبة، اخترت لقاء ربي ثم استغفر لاهل البقيع وانصرف، فبدا بوجعه الذي قبضه اللّه فيه (2).

غيرة عائشة

عن عائشة قالت : رجع رسول اللّه تلك الليله من البقيع، وجدني وانا اجد صداعا في راسي واقول : واراساه فقال : بل انا واراساه ثم قال : ما ضرك لو مت قبلی فقمت عليك فكفنتك، وصليت عليك ودفنتك فقلت : والله لكاني بك - لو كان ذلك - رجعت إلى منزلي فاعرست ببعض نسائك فتبسم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتتام به وجعه وهو مع


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 27.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 27.

ذلك يدور على نسائه حتى استعز به ; وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستاذنهن أن يمرض في بيتى فاذن له فخرج بين رجلين من اهله احدهما الفضل ابن العباس ورجل

آخر، تخط قدماه في الارض عاصبا راسه حتى دخل بيته قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبه فحدثت عبد اللّه بن العباس بهذا الحديث فقال : أتدري من الرجل الآخر قلت : لا، قال على بن ابى طالب، لكنها كانت لا تقدر أن تذكره بخير وهى تستطيع قالت : ثم غمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واشتد به الوجع فقال اهريقوا على سبع قرب من آبار شتى حتى اخرج إلى الناس، فاعهد إليهم قالت : فاقعدته في مخضب لحفصة بنت عمر وصببنا عليه الماء حتى طفق يقول بيده : حسبكم حسبكم (1).

يا بن الخطاب فضوح الدنيا اهون من فضوح الاخرة

عن الفضل بن عباس (رحمه اللّه) قال جائنى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين بدا به مرضه، فقال : اخرج فخرجت إليه فوجدته موعوكا قد عصب راسه فقال : خذ بیدی فاخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال : ناد في الناس، فصحت فيهم فاجتمعوا إليه فقال : ايها الناس أنى احمد اليكم اللّه انه قد دنا مني حقوق من بين اظهركم : فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد كنت اخذت له مالا فهذا مالى فليأخذ منه ولا يقل رجل : اني اخاف الشحناء من قبل رسول الله. الا وان الشحناء ليست من طبيعتي ولا من شاني، الا وان احبكم إلى من اخذ منى حقا إن كان له أو حللني فلقيت اللّه وانا طيب النفس، وقد اراني إن هذا غير مغن عنى حتى اقوم فيكم به مرارا " ثم نزل فصلى الظهر. ثم رجع فجلس على المنبر، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها فقام رجل فقال : يا رسول اللّه إن لى عندك ثلاثة دراهم فقال : انا لا نكذب قائلا ولا نستحلفه على يمين فيم كانت لك عندي قال : اتذكر يا رسول اللّه يوم مر بك المسكين، فأمرتني فاعطيته ثلاثة دراهم قال : اعطه يا فضل، فأمرته فجلس ثم قال : ايها الناس من كان عنده شئ فليؤده ولا يقل : فضوح الدنيا، فان فضوح الدنيا اهون من فضوح الآخرة " فقام رجل فقال : يا رسول اللّه عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل اللّه قال : ولم غللتها قال كنت محتاجا إليها،


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 27.

قال : خذها منه يا فضل ثم قال ايها الناس من خشى من نفسه شيئا فليقم ادعو له فقام رجل فقال : يارسول اللّه انى لكذاب وانى لفاحش وانى لنثوم. فقال : اللهم ارزقه صدقا وصلاحا واذهب عنه النوم إذا اراد ". ثم قام رجل، فقال : يارسول اللّه انى لكذاب واني لمنافق، وما شئ - أو قال وإن من شئ - الا وقد جئته. فقام عمر بن الخطاب فقال : فضحت نفسك ايها الرجل فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (يا بن الخطاب فضوح الدنيا اهون من فضوح الاخرة، اللهم ارزقه صدقا وايمانا وصير امره إلى خير) (1).

وما اعلم ما اقول في هذا المقام

وروی عبد اللّه بن مسعود قال نعى الينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر جمعنا بيت امنا عائشة فنظر الينا وشدد ودمعت عينه وقال مرحبا بكم حياكم اللّه رحمكم اللّه آواكم اللّه حفظكم اللّه رفعكم اللّه نفعكم اللّه وفقكم اللّه رزقكم اللّه هداكم اللّه، نصركم اللّه سلمكم الله، تقبلكم اللّه اوصيكم بتقوى اللّه واوصى اللّه بكم واستخلفه عليكم انى لكم منه نذير وبشير الا تعلوا على اللّه في عباده وبلاده فانه قال لى ولكم : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) فقلنا يا رسول اللّه فمتى اجلك قال (قد دنا الفراق والمنقلب إلى اللّه والی سدرة المنتهى والرفيق الأعلى وجنة الماوى والعيش المهنا) قلنا فمن يغسلك يا رسول اللّه قال (اهلي الادنى فالادنى) قلنا ففيم نكفنك قال في ثيابي هذه إن شئتم أو في بياض مصر، أو حله يمنية قلنا فمن يصلى عليك فقال إذا (غسلتموني وكفنتموني فضعونى على سريري في بيتى هذا، على شفير قبري، ثم اخرجوا عنى ساعة، فان اول من يصلى على جليسى وحبيبي وخليلي جبرائيل ثم ميكائيل ثم اسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده من الملائكة، ثم ادخلوا على فوجا فوجا، فصلوا على وسلموا ولا تؤذوني بتزكية ولا ضجة ولا رنة وليبدا بالصلاة على رجال اهل بيتى ثم نساؤهم، ثم انتم بعد واقرئوا انفسكم منى السلام ومن غاب من اهلي فاقرئوه منى السلام، ومن تابعكم بعدى على دينى فاقرئوه منى السلام فانى اشهدكم اني قد سلمت على من بايعني على دينى من اليوم إلى يوم القيامة) قلنا فمن يدخلك قبرك يا رسول اللّه قال (اهلي مع


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 28.

ملائكة كثيرة يرونكم ولا ترونهم) قلت العجب لهم كيف لم يقولوا له في تلك الساعة فمن یلی امورنا بعدك لان ولاية الأمر اهم من السؤال عن الدفن وعن كيفية الصلاة عليه، وما اعلم ما اقول في هذا المقام (1).

مجرى الارواح في الاجسام

وجدت بخط أبي محمد عبد اللّه بن أحمد الخشاب (رحمه اللّه) أحمد الخشاب (رحمه اللّه) في تعاليق مسودة أبياتا للعطوى، وهى :

قد رأينا الغزال والغصن والنجمين شمس الضحى وبدر التمام

فوحق البيان يعضده البرهان في مأقط شديد الخصام

ما رأينا سوى المليحة شيئا جمع الحسن كله في نظام

هي تجرى مجرى الاصالة في الرأى ومجرى الارواح في الاجسام

وقد كتب ابن الخشاب بخطه تحت (المليحة) : ما أصدقه إن أراد بالمليحة (2).

لله أبوك يابن عبد اللّه ! لقد كنت عالي الهمة

روى أحمد أحمد بن أبى طاهر في كتاب (أخبار الملوك) أن معاوية سمع المؤذن يقول (أشهد أن لا إله إلا الله)، فقالها ثلاثا، فقال : أشهد أن محمدا رسول اللّه ! فقال : للّه أبوك يابن عبد اللّه ! لقد كنت عالي الهمة ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين ! (3).

فاشتراه معاوية من اوليائه بعشرة آلاف درهم

أرسل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى معاوية : أن أبرز إلى وأعف الفريقين من القتال فأينا قتل صاحبه كان الامر له فقال عمرو : لقد أنصفك الرجل، فقال معاوية أنا أبارز الشجاع الاخرق أظنك يا عمرو طمعت فيها فلما ! لم يجب قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانفساه ! أيطاع معاوية وأعصى ! ما قاتلت أمة قط أهل بيت نبيها وهي مقره بنبيها غير هذه الامة ! ثم إن


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 29.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 97.

3) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 101.

عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمر الناس أن يحملوا على أهل الشام فحملوا فنقضوا صفوف الشام، فقال عمرو : على من هذا الرهج الساطع ؟ قالوا : على ابنيك عبد اللّه ومحمد، فقال عمرو : يا یا وردان قدم لوائی، فارسل إليه معاوية إنه ليس على ابنيك بأس فلا تنقض الصف والزم موقفك، فقال عمرو : هيهات هيهات الليث يحمى شبليه ما خيره بعد ابنيه ! ثم تقدم باللواء، فأدركه رسول معاوية فقال : إنه ليس على ابنيك بأس، فلا تحملن، فقال : قل له : إنك لم تلدهما وإنى أنا ولدتهما. وبلغ مقدم الصفوف، فقال له الناس : مكانك ! إنه لا بأس على ابنيك إنهما في مكان حريز. فقال : أسمعوني أصواتهما حتى أعلم أحيان هما أم قتيلان ! ونادى : يا وردان، قدم لواءك قيد قوس، فقدم لواءه، فأرسل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أهل الكوفة : أن احملوا وإلى أهل البصرة أن احملوا فحمل الناس من كل جانب، فاقتتلوا قتالا شديدا، وخرج رجل من أهل الشام فقال : من يبارز ؟ فبرز إليه رجل من أهل العراق، فاقتتلا ساعة وضرب العراقي الشامي على رجله، فأسقط قدمه، فقاتل ولم يسقط إلى الأرض، فضربه العراقي أخرى، فأسقط يده قرمى الشامي سيفه إلى أهل الشام، وقال : دونكم سيقى هذا، فاستعينوا به على قتال عدوكم فاشتراه معاوية من اوليائه بعشرة آلاف درهم (1).

قطع اذن عمار

روى الواقدي، عن عبد اللّه بن نافع، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمر، قال : رأيت عمارا يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف عليها يصيح : يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون ؟ أنا عمار بن ياسر هلموا إلي ! وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهى تذبذب، وهو يقاتل أشد القتال (2).

عصبية التوحيدي

ومن غريب ما وقعت عليه من العصبية القبيحة، أن أبا حيان التوحيدي قال في كتاب البصائر : إن خزيمة بن ثابت المقتول مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصفين، ليس هو خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين، بل آخر من الانصار صحابي اسمه خزيمة بن ثابت، وهذا خطأ، لان كتب


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 53.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 103.

الحديث والنسب تنطق بأنه لم يكن في الصحابة من الانصار ولا من غير الانصار خزيمة بن ثابت إلا ذو الشهادتين وإنما الهوى لا دواء له على أن الطبري صاحب التاريخ قد سبق أبا حيان بهذا القول، ومن كتابه نقل أبو حيان، والكتب الموضوعة لاسماء الصحابة تشهد بخلاف ما ذكراه، ثم أي حاجة لناصري أمير المؤمنين أن يتكثروا بخزيمة، وأبى الهيثم، وعمار وغيرهم ! لو أنصف هذا الرجل ورأوه بالعين الصحيحة، لعلموا أنه لو كان وحده، وحاربه الناس كلهم أجمعون، لكان على الحق وكانوا على الباطل (1).

مقدمتي تأتى من ورائي !

لما قطع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفرات، دعا زياد بن النضر وشريح بن هانئ فسرحهما أمامه نحو معاوية، على حالهما الذى كانا عليه حين خرجا من الكوفة، في اثنى عشر ألفا، وقد كانا حيث سرحهما من الكوفة مقدمة له أخذا على شاطئ الفرات من قبل البر، مما يلى الكوفة حتى بلغا عانات، فبلغهم أخذ على (عَلَيهِ السَّلَامُ) طريق الجزيرة، وعلما أن معاوية قد أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقباله فقالا : والله ما هذا برأى أن نسير وبيننا وبين أمير المؤمنين هذا البحر، وما لنا خير في أن نلقى جموع الشام في قلة من العدد، منقطعين عن.المدد فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهلها، وحبسوا عنهم السفن، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت، ولحقوا عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقرية دون قرقيسيا، فلما لحقوا عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عجب، وقال : مقدمتي تأتى من ورائي ! فقام له زياد وشريح وأخبراه بالرأى الذى رأيا. فقال : قد أصبتما رشدكما. فلما عبرو الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية، فلما انتهيا إلى معاوية لقيهما أبو الأعور السلمى في جنود من أهل الشام، وهو على مقدمة معاوية، فدعواه إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأبى، فبعثوا إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنا قد لقينا أبا الاعور السلمى بسور الروم في جند من أهل الشام فدعوناه وأصحابه إلى الدخول في طاعتك، فأبى علينا فمرنا بأمرك (2).

اللجاج

من كلام أفلاطون اللجاج عسر انطباع المعقولات في النفس، وذلك إما لفرط حدة


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 109.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 212.

تكون في الانسان وإما لغلظ طبع فلا ينقاد للرأى (1).

من أشرف أفعال الكريم غفلته عما يعلم.

من أشرف أفعال الكريم غفلته عما يعلم

قال أبو تمام :

ليس الغبى بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابى

وقال طاهر بن الحسين بن مصعب :

ويكفيك من قوم شواهد أمرهم فخذ صفوهم قبل امتحان الضمائر

فإن امتحان القوم يوحش منهم وما لك إلا ما ترى في الظواهر

وإنك إن كشفت لم تر مخلصا وأبدى لك التجريب خبث السرائر (2).

تعس فلا انتعش

قال : تعس عبد الدينار والدرهم تعس فلا انتعش وشيك فلا انتقش (3).

القول في الحظ

قال بعضهم : البخت على صورة رجل أعمى أصم أخرس، وبين يديه جواهر وحجارة، وهو يرمى بكلتا يديه.

وكان مالك بن أنس فقيه المدينة، وأخذ الفقه عن الليث بن سعد، وكانوا يزدحمون عليه والليث جالس لا يلتفتون إليه، فقيل لليث : إن مالكا إنما أخذ عنك فما لك خاملا وهو أنبه الناس ذكرا ! فقال : دانق بخت خير من جمل بختى حمل علما.

قال الرضى :

أسيغ الغيظ من نوب الليالى وما يحفلن بالحنق المغيظ

وأرجو الرزق من خرق دقيق يسد بسلك حرمان غليظ


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 36.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 44.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 55.

وأرجع ليس في كفى منه سوى عض اليدين على الحظوظ (1).

مثل من شجاعه على

ما سمعنا انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لي دعا إلى مبارزة قط، وإنما كان يدعى هو بعينه، أو يدعو من يبارز، فيخرج إليه فيقتله،

دعا بنو ربيعة بن عبد بن شمس بني هاشم إلى البراز يوم بدر فخرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقتل الوليد واشترك هو وحمزة (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قتل عتبة،

ودعا طلحة بن أبي طلحة إلى البراز يوم أحد، فخرج إليه فقتله،

ودعا مرحب إلى البراز يوم خيبر فخرج إليه فقتله.

فأما الخرجة التى خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبدود فإنها أجل من أن يقال جليلة، وأعظم من أن يقال عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائل : أيما أعظم منزلة عند اللّه على أم أبو بكر ؟ فقال : يا بن أخي والله لمبارزة على عمرا يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها وتربى عليها فضلا عن أبي بكر وحده.

وقد روى عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل ما هو أبلغ منه،

روى قيس بن الربيع عن أبى هارون العبدى عن ربيعة بن مالك السعدي، قال : أتيت حذيفة بن اليمان فقلت : يا أبا عبد اللّه إن الناس يتحدثون عن على بن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصيرة : إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس ؟ فقال يا ربيعة وما الذى تسألني عن على وما الذى أحدثك عنه ! والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في كفه الميزان منذ بعث اللّه تعالى محمدا إلى يوم الناس هذا ووضع عمل واحد من أعمال على في الكفة الاخرى لرجح على أعمالهم كلها فقال ربيعة : هذا المدح الذى لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل، إنى لاظنه إسرافا يا أبا عبد اللّه ! فقال حذيفة : يا لكع، وكيف لا يحمل ! وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع، ودعا


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 57.

إلى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز إليه على فقتله ! والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم اعظم أجرا من أعمال أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة.

وجاء في الحديث المرفوع : (إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال ذلك اليوم حين برز إليه : (برز الايمان كله إلى الشرك كله).

وقال أبو بكر بن عياش : لقد ضرب على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضربة ما كان في الاسلام أيمن منها ضربته عمرا يوم الخندق، ولقد ضرب على ضربة ما كان في الاسلام أشام منها - يعنى ضربة ابن ملجم لعنه الله.

وفي الحديث المرفوع أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما بارز على عمرا ما زال رافعا يديه مقمحا رأسه نحو السماء، داعيا ربه قائلا : اللهم إنك أخذت منى عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، فاحفظ على اليوم عليا (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ).

وقال جابر بن عبد اللّه الانصاري : والله ما شبهت يوم الاحزاب قتل على عمرا وتخاذل المشركين بعده إلا بما قصه اللّه تعالى من قصة طالوت وجالوت في قوله : (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ).

وروی عمرو بن أزهر عن عمرو بن عبيد عن الحسن أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قتل عمرا احتز رأسه وحمله فألقاه بين يدى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأسه، ووجه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتهلل، فقال : هذا النصر ! أو قال : هذا أول النصر.

وفي الحديث المرفوع إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال يوم قتل عمرو : (ذهبت ريحهم، ولا يغزوننا بعد اليوم، ونحن نغزوهم إن شاء الله)(1).

شبث بن الربعي في صفين

بعث على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى معاوية بشير بن عمرو بن محصن الانصاري، وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن الربعي التميمي، فقال : ائتوا هذا الرجل، فادعوه إلى اللّه عز وجل، و إلى الطاعة والجماعة، وإلى اتباع أمر اللّه سبحانه فقال له شبث : يا أمير المؤمنين، ألا تطمعه في سلطان توليه إياه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك ؟ فقال :


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 60.

ائتوه الان والقوه واجتجوا عليه، وانظروا ما رأيه في هذا. فأتوه فدخلوا عليه فحمد أبو عمرو بن محصن اللّه وأثنى عليه وقال : أما بعد يا معاوية فإن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الاخرة، وإن اللّه مجازيك بعملك ومحاسبك بما قدمت يداك، وإنني أنشدك اللّه ألا تفرق جماعة هذه الامة وألا تسفك دماءها بينها فقطع معاوية عليه الكلام وقال : فهلا أوصيت صاحبك ! فقال : سبحان اللّه ! إن صاحبي لا يوصى، إن صاحبي ليس مثلك صاحبي أحق الناس بهذا الا أحق الناس بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الاسلام والقرابة من الرسول قال معاوية : فتقول ما ذا ؟ قال : أدعوك إلى تقوى ربك، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق، فإنه أسلم لك في دينك، وخير لك في عاقبة أمرك. قال : ويطل دم عثمان ! لا والرحمن لا أفعل ذلك أبدا. فذهب سعيد بن قيس يتكلم، فبدره شبث بن الربعي فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : يا معاوية قد فهمت ما رددت علی ابن محصن إنه لا يخفى علينا ما تقر وما تطلب إنك لا تجد شيئا تستغوى به الناس ولا شيئا تستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم إلا أن قلت لهم : قتل إمامكم مظلوما، فهلموا نطلب بدمه فاستجاب لك سفهاء طغام رذال، وقد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي تطلب ورب مبتغ أمرا، وطالب له يحول الله دونه، وربما أوتى المتمنى أمنيته وربما لم يؤتها ووالله مالك في واحدة منهما خير والله لئن أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالا، ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق صلى النار، فاتق اللّه يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الامر أهله فحمد معاوية اللّه وأثنى عليه وقال : أما بعد فإن أول ما عرفت به سفهك وخفه حلمك قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه. ثم عتبت بعد فيما لا علم لك به ولقد كذبت ولؤمت أيها الاعرابي الجلف الجافي في كل ما وصفت وذكرت. انصرفوا من عندي فإنه ليس بيني وبينكم إلا السيف، وغضب فخرج القوم وشبث يقول : أعلينا تهول بالسيف ! أما والله لنجعلته إليك، فأتوا عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأخبروه بالذي كان من قوله وذلك في شهر ربيع الاخر (1)


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 14.

مذاهب المعتزلة في تفضيل امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال ابن أبي الحديد: اختلفوا في التفضيل فقال قدماء البصريين كابي عثمان عمرو بن عبيد وابى اسحاق ابراهيم بن سيار النظام، وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وابی معن ثمامه بن اشرس وابی محمد هشام بن عمرو الفوطى، وأبي يعقوب يوسف بن عبد اللّه الشحام وجماعه غيرهم : ان ابا بكر افضل من على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهؤلاء يجعلون ترتيب الاربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافه.

وقال البغداديون قاطبة، قدماؤهم ومتاخروهم، کابی سهل بشر بن المعتمر، وابي موسى عيسى بن صبيح، وابي عبد اللّه جعفر بن مبشر، وابي جعفر الاسكافي، وابى الحسين الخياط، وابى القاسم عبد اللّه بن محمود البلخى وتلامذته ان عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) افضل من ابى بكر.

وإلى هذا المذهب ذهب من البصريين أبو على محمد بن عبد الوهاب الجبائى اخيرا وكان من قبل من المتوقفين كان يميل إلى التفضيل ولا يصرح به، وإذا صنف ذهب إلى الوقف في مصنفاته. وقال في كثير من تصانيفه : ان صح خبر الطائر فعلى افضل.

ثم ان قاضي القضاه (رحمه اللّه) ذكر في شرح (المقالات) لابي القاسم البلخي ان ابا على (رحمه اللّه) ما مات حتى قال بتفضيل على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال انه نقل ذلك عنه سماعا، ولم يوجد في شئ من مصنفاته. وقال أيضا : إن ابا على (رحمه اللّه) يوم مات استدني ابنه ابا هاشم إليه وكان قد ضعف عن رفع الصوت فالقى إليه اشياء من جملتها القول بتفضيل على (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وممن ذهب من البصريين إلى تفضيله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشيخ أبو عبد اللّه الحسين بن على البصري (رضي اللّه عنه)، كان متحققا بتفضيله ومبالغا في ذلك وصنف فيه كتابا مفردا.

وممن ذهب إلى تفضيله (عَلَيهِ السَّلَامُ) من البصريين قاضي القضاه أبو الحسن عبد الجبار بن احمد (رحمه اللّه) ذكر ابن متويه عنه في كتاب (الكفايه) في علم الكلام انه كان من المتوقفين بين على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وابى بكر، ثم قطع على تفضيل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكامل المنزله.

ومن البصريين الذاهبين إلى تفضيله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبو محمد الحسن بن متويه صاحب (التذكره) نص في كتاب (الكفايه) على تفضيله (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أبي بكر، احتج لذلك، واطال في الاحتجاج. فهذان المذهبان كما عرفت.

وذهب كثير من الشيوخ إلى التوقف فيهما، وهو قول ابی حذیفه واصل بن عطاء، وابى الهذيل محمد بن الهذيل العلاف من المتقدمين وهما وان ذهبا إلى التوقف بينه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين ابي بكر وعمر قاطعان على تفضيله على عثمان.

ومن الذاهبين إلى الوقف الشيخ أبو هاشم عبد السلام بن أبي على والشيخ أبو الحسين محمد بن علی بن الطيب البصري.

واما نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون، من تفضيله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

نساء المشركين باحد

اختلفت قريش في إخراج الظعن معهم قال صفوان بن أمية : اخرجوا بالظعن فأنا أول من فعل، فإنه أقمن أن يحفظنكم ويذكرنكم قتلى بدر، فإن العهد حديث، ونحن قوم موتورون مستميتون، لا نريد أن نرجع إلى ديارنا حتى ندرك ثأرنا أو نموت دونه. فقال عكرمة بن أبي جهل أنا أول من أجاب إلى ما دعوت إليه وقال عمرو بن العاص مثل ذلك، فمشى فى ذلك نوفل بن معاوية الديلى، فقال يا معشر قریش، هذا ليس برأى أن تعرضوا حرمكم لعدوكم، ولا آمن أن تكون الدبرة لهم فتفتضحوا في نسائكم فقال صفوان لا كان غير هذا أبدا فجاء نوفل إلى أبي سفيان بن حرب، فقال له تلك المقالة، فصاحت هند بنت عتبة إنك والله سلمت يوم بدر، فرجعت إلى نسائك نعم نخرج فنشهد القتال فقد ردت القيان من الجحفة في سفرهم إلى بدر فقتلت الاحبة يومئذ فقال أبو سفيان لست أخالف قريشا أنا رجل منها ما فعلت فعلت فخرجوا بالظعن فخرج أبو سفيان بن حرب بامرأتين : هند بنت عتبة بن ربيعة وأميمة بنت سعد بن وهب بن أشيم بن كنانة، وخرج صفوان بن أمية بامرأتين : برزة بنت مسعود الثقفى وهى أم عبد اللّه الاكبر والبغوم بنت المعدل من كنانة وهى ام عبد اللّه الاصغر، وخرج طلحة بن أبي طلحة بامرأته سلافة بنت سعد بن شهيد وهى من الأوس وهى أم بنيه مسافع، والحارث، وكلاب والجلاس بنى طلحة بن أبي طلحة، وخرج عكرمة بن أبي جهل بامرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وخرج الحارث بن هشام بامرأته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج عمرو بن العاص بامرأته هند بنت منبه بن الحجاج وهى أم عبد اللّه بن عمرو بن العاص


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 7.

وقال محمد بن إسحاق : أسمها زيطة - وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بني مالك بن جسل مع ابنها أبى عزيز بن عمير أخى مصعب بن عمير من بني عبد الدار، وخرج الحارث بن سفيان بن عيد الاسد بامرأته رملة بنت طارق بن علقمة الكنانية، وخرج كنانة بن على بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بامرأته أم حكيم بنت طارق، وخرج سفيان بن عويف بامرأته قتيله بنت عمرو بن هلال، وخرج النعمان بن عمرو وجابر مسك الذئب أخوه، بأمهما الدغينة وخرج غراب بن سفیان بن عويف بامرأته عمرة بنت الحارث بن علقمة الكنانية وهي التي رفعت لواء قريش حين سقطت حتى تراجعت قريش إلى لوائها، وفيها يقول حسان ولو لا لواء الحارثية أصبحوا يباعون في الاسواق بالثمن البخس. قالوا وخرج سفيان بن عويف بعشرة من ولده، وحشدت بنو كنانة وكانت الألوية يوم خرجوا من مكة ثلاثة عقدوها في دار الندوة لواء يحمله سفيان بن عويف لبنى كنانة، ولواء الأحابيش يحمله رجل منهم، ولواء لقريش يحمله طلحة بن أبي طلحة (1).

التراويح بدعة

عن النبي أنه قال : (أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة جماعة بدعة وصلاة الضحى بدعة ألا فلا تجتمعوا ليلا في شهر رمضان في النافلة ولا تصلوا صلاة الضحى فان قليلا في سنة خير من كثير في بدعة ألا وإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها في النار).

روى : أن عمر خرج في شهر رمضان ليلا فرأى المصابيح في المسجد، فقال : ما هذا ؟ فقيل له : إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع فقال : بدعة فنعمت البدعة ! فاعترف كما ترى بأنها بدعة وقد شهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن كل بدعة ضلالة.

وقد روى أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماما يصلى بهم نافلة شهر رمضان زجرهم وعرفهم أن ذلك خلاف السنة فتركوه واجتمعوا لانفسهم وقدموا بعضهم فبعث إليهم ابنه الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فدخل عليهم المسجد ومعه الدرة فلما رأوه تبادروا الابواب وصاحوا وا عمراه (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 215.

2) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 283.

الاصبغ من ذخائر على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممن قد بايعه على الموت

لما أسرع أهل العراق في أهل الشام يوم صفين قال لهم معاوية : هذا يوم تمحيص، وإن لهذا اليوم ما بعده، وقد أسرعتم في القوم كما أسرعوا فيكم، فاصبروا وموتوا كراما وحرض على (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه فقام إليه الاصبغ بن نباتة وقال : يا أمير المؤمنين، قدمنى في البقية من الناس فإنك لا تفقد لى اليوم صبرا ولا نصرا أما أهل الشام فقد أصبنا منهم، وأما نحن ففينا بعض البقية ائذن لي فأتقدم، فقال له : تقدم على اسم الله والبركة، فتقدم وأخذ الراية ومضى بها، وهو يقول :

إن الرجاء بالقنوط يدمغ***حتى متى يرجو البقاء الأصبغ!

أما ترى أحداث دهر تنبغ***فأديغ هواك، والاديم يدبغ

والرفق فيما قد تريد أبلغ***اليوم شغل، وغدا لا تفرغ

رجع إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى على حتى خضب سيفه دما ورمحه وكان شيخا ناسكا عابدا، وكان إذا لقى القوم بعضهم بعضا يغمد سيفه وكان من ذخائر على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممن قد بايعه على الموت، وكان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يضن به عن الحرب والقتال (1).

ولكن سعدا لم يبايع أبا بكر

قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي، صحابي، يكنى أبا عبد الملك، روى عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحاديث، وكان طوالا جدا سباطا شجاعا، جوادا، وأبوه سعد رئيس الخزرج، وهو الذى حاولت الانصار إقامته في الخلافة بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولم يبايع أبا بكر حين بويع وخرج إلى حوران فمات بها قيل قتلته الجن لانه بال قائما في الصحراء ليلا، ورووا بيتين من شعر، قيل إنهما سمعا ليلة قتله، ولم ير قائلهما : نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاد. ويقول قوم : إن أمير الشام يومئذ كمن له من رماه ليلا وهو خارج إلى الصحراء بسهمين، فقتله لخروجه عن طاعة الامام وقد قال بعض المتأخرين في ذلك :

يقولون سعد شكت الجن قلبه ألا ربما صححت دينك بالغدر

وما ذنب سعد أنه بال قائما ولكن سعدا لم يبايع أبا بكر


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 82.

وقد صبرت من لذة العيش أنفس وما صبرت عن لذة النهى والامر (1).

اعرابي يسال

عن أبي زيد الانصاري، قال : وقف علينا أعرابي في حلقة يونس النحوي، فقال : الحمد للّه كما هو أهله وأعوذ باللّه أن أذكر به وأنساه خرجنا من المدينة مدينة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثلاثين رجلا ممن أخرجته الحاجة، وحمل على المكروه، ولا يمرضون مرضاهم، ولا يدفنون ميتهم ولا ينتقلون من منزل إلى منزل وإن كرهوه والله يا قوم لقد جعت حتى أكلت النوى المحرق، ولقد مشيت حتى انتعلت الدم، وحتى خرج من قدمى بخص ولحم كثير، أفلا رجل يرحم ابن سبيل وفل طريق ونضنو سفر ! فإنه لا قليل من الاجر، ولا غنى عن ثواب اللّه ولا عمل بعد الموت، وهو سبحانه يقول : من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا، ملي وفي ماجد واجد جواد لا يستقرض من عوز، ولكنه يبلو الاخيار. قال المازني : فبلغني إنه لم يبرح حتى أخذ ستين دينارا (2).

ترتيب عسكر على (عَلَيهِ السَّلَامُ)

كان ترتیب عسكر على، بموجب ما رواه لنا عمرو بن شمر عن جابر عن محمد بن علی وزید بن حسن و محمد بن عبد المطلب : أنه جعل على الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرجالة عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي، ودفع اللواء إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، وجعل على الميمنة الاشعث بن قيس، وعلى الميسرة عبد اللّه بن العباس، وجعل على رجالة الميمنة سليمان بن صرد الخزاعي وعلى رجالة الميسرة الحارث بن مرة العبدى وجعل القلب مضر الكوفة والبصرة وجعل على ميمنة القلب اليمن وعلى ميسرته ربيعة وعقد ألوية القبائل، فأعطاها قوما منهم بأعيانهم وجعلهم رؤساءهم وأمراءهم، وجعل على قريش وأسد وكنانة عبد اللّه بن عباس، وعلى كندة حجر بن عدي الكندى وعلى بكر البصرة الحصين بن المنذر الرقاشي، وعلى تميم البصرة الاحنف بن قيس، وعلى خزاعة عمرو بن الحمق وعلى بكر الكوفة نعيم بن هبيرة وعلى سعد البصرة وربابها جارية بن قدامة السعدى وعلى بجيلة رفاعة بن شداد وعلى


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 111.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 125.

ذهل الكوفة رويما الشيباني - أو يزيد بن رويم - وعلى عمرو البصرة وحنظلتها أعين بن ضبيعة، وعلى قضاعة وطيئ عدى بن حاتم الطائي، وعلى لهازم الكوفة عبد اللّه بن حجل العجلى، وعلى تميم الكوفه عمير بن عطارد، وعلى الازد واليمن جندب بن زهير وعلى ذهل البصرة خالد بن المعمر السدوسي، وعلى عمرو الكوفة وحنظلتها شبث بن ربعي وعلی همدان سعيد بن قيس، وعلى لهازم البصرة حريث ابن جابر الجعفي، وعلى سعد الكوفة وربابها الطفيل أبا صريمة وعلى مذحج الاشتر بن الحارث النخعي، وعلى عبد القيس الكوفة صعصعة بن صوحان وعلى عبد القيس البصرة عمرو بن حنظلة وعلى قيس الكوفة عبد اللّه بن الطفيل البكائي، وعلى قريش البصرة الحارث بن نوفل الهاشمي وعلى قيس البصرة قبيصة بن شداد الهلالي وعلى اللفيف من القواصي القاسم بن حنظلة الجهني، وأما معاوية فاستعمل على الخيل عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب، وعلى الرجالة مسلم بن عقبة المرى وجعل على الميمنة عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وعلى الميسرة حبیب ابن مسلمة الفهرى وأعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وجعل على أهل دمشق - وهم القلب - الضحاك بن قيس الفهرى وعلى أهل حمص - وهم الميمنة - ذا الكلاع الحميرى وعلى أهل قنسرين - وهم في الميمنة أيضاً - زفر بن الحارث الكلابي، وعلى أهل الاردن - وهم الميسرة - سفيان بن عمرو أبا الاعور السلمي وعلى أهل فلسطين - وهم في الميسرة أيضاً – مسلمة بن مخلد، وعلى رجالة أهل دمشق بسر بن أبى أرطاة العامري بن لؤي بن غالب، وعلى رجالة أهل حمص حوشبا ذا ظليم، وعلى رجالة قيس طريف بن حابس الالهاني، وعلى رجالة الاردن عبد الرحمن بن قيس القينى، وعلى رجالة أهل فلسطين الحارث بن خالد الازدي، وعلى رجالة قيس دمشق همام بن قبيصة، وعلى قضاعة حمص وإيادها بلال بن أبى هبيرة الازدي، وحاتم بن المعتمر الباهلي، وعلى رجالة الميمنة حابس بن سعيد الطائي وعلى قضاعة دمشق حسان بن بحدل الكلبي، وعلى قضاعة عباد بن يزيد الكلبى، وعلى كندة دمشق حسان بن حوى السكسكي، وعلى كندة حمص يزيد بن هبيرة السكوني، وعلى سائر اليمن يزيد بن أسد البجلي وعلى حمير وحضر موت اليمان بن غفير، وعلى قضاعة الاردن حبيش بن دلجة القيني، وعلى كنانة فلسطين شريكا الكناني، وعلى مذحج الاردن المخارق بن الحارث الزبيدى، وعلى جذام فلسطين ولحمها ناتل بن قيس الجذامي، وعلى همدان الاردن حمزة بن مالك الهمداني، وعلى الخثعم حمل بن عبد اللّه الخثعمي وعلى غسان

الاردن يزيد بن الحارث وعلى جميع القواصى القعقاع بن أبرهة الكلاعي أصيب في المبارزة أول يوم تراءت فيه الفئتان و بعث على ميمنته عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعلى ميسرته عبد اللّه بن بعث على ميمنته عبد اللّه بن بدیل بن ورقاء الخزاعي، وعلى ميسرته عبد اللّه بن العباس وعلى خيل الكوفة الاشتر، وعلى البصرة سهل بن حنيف وعلى رجالة الكوفة عمار بن ياسر وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد - كان قد أقبل من مصر إلى صفين - وجعل معه هاشم بن عتبة، وجعل مسعود بن فدكى التميمي على قراء أهل البصرة، وأما قراء أهل الكوفة فصاروا إلى عبد اللّه بن بديل وعمار بن ياسر. وأما ترتيب عسكر الشام - فيما رواه لنا عمر بن سعد، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر عن القاسم مولى يزيد بن معاوية - فإن معاوية بعث على ميمنته ذا الكلاع وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهرى وعلى مقدمته من يوم أقبل من دمشق أبا الاعور السلمى، وكان على خيل دمشق كلها عمرو بن العاص، ومعه خيول أهل الشام، بأسرها، وجعل مسلم بن عقبة المرى على رجالة دمشق، والضحاك بن قيس على سائر الرجالة بعد (1).

اطعموني ماء

خرج مغيرة بن سعيد العجلى في ثلاثين رجلا بظهر الكوفة فعطعطوا، وخالد بن عبد اللّه القسرى أمير العراق يخطب على المنبر فعرق واضطرب وتحير، وجعل يقول : اطعموني ماء، فهجاه ابن نوفل فقال :

أخالد لاجزاك اللّه خيرا***وإيرى في حرامك من أمبر

تروم الفخر في أعراب قسر***كأنك من سراة بن من سراة بني جرير

جرير من ذوى يمن أصيل***كريم الاصل ذو خطر كثير

وأمك علجة وأبوك وغد***وما الاذناب عدل للصدور !

وكنت لدى المغيرة عبد سوء***تبول من المخافة للزئير

لا علاج ثمانية وشيخ***کبير السن ليس بذي ضرير

صرخت من المخافة : أطعموني***شرابا ثم بلت على السرير


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 26.

وقال آخر يعيره بذلك :

بل المنابر من خوف ومن دهش***واستطعم الماء لماجد في الهرب (1).

زوجت يوم أحد عشرة من أصحاب محمد الحور العين

قبل ضرار بن الخطاب فارسا يجر قناة له طويلة، فيطعم عمرو بن معاذ، فأنفذه ويمشى عمرو إليه حتى غلب فوقع لوجهه قال : يقول ضرار : لا تعدمن رجلا زوجك من الحور العين، وكان يقول زوجت يوم أحد عشرة من أصحاب محمد الحور العين.

فسألت شيوخ الحديث : هل قتل عشرة قالوا : ما بلغنا إنه قتل إلا ثلاثة ولقد ضرب يومئذ عمر بن الخطاب حين جال المسلمون تلك الجولة بالقناة، وقال يا بن الخطاب إنها نعمة مشكورة ما كنت لاقتلك. قال الواقدي : وكان ضرار يحدث بعد ويذكر وقعة أحد، ويذكر الانصار فيترحم عليهم، ويذكر غناءهم في الاسلام وشجاعتهم وأقدامهم على الموت، ثم يقول لقد قتل أشراف قومي ببدر فأقول من قتل أبا الحكم فيقال ابن عفراء من قتل أمية بن خلف فيقال خبيب بن يساف من قتل عقبة بن أبي معيط فيقال عاصم بن ثابت من قتل فلان بن فلان فيسمى لى من الانصار، من أسر سهيل بن عمرو فيقال مالك بن الدخشم فلما خرجنا إلى أحد وأنا أقول إن قاموا في صياصيهم فهى منيعة لا سبيل لنا إليهم نقيم أياما ثم ننصرف وإن خرجوا إلينا من صياصيهم أصبنا منهم، فإن معنا عددا أكثر من عددهم، ونحن قوم موتورون خرجنا بالظعن يذكرننا قتلى بدر، ومعنا كراع ولا كراع معهم وسلاحنا أكثر من سلاحهم، فقضى لهم أن خرجوا، فالتقينا، فو اللّه ما قمنا لهم حتى هزمنا وانكشفنا مولين، فقلت في نفسي هذه أشد من وقعة بدر، وجعلت أقول لخالد بن الوليد : كر على القوم، فيقول وترى وجها نكر فيه حتى نظرت إلى الجبل الذى كان عليه الرماة خاليا فقلت يا أبا سليمان، أنظر وراءك، فعطف عنان فرسه، وكررنا معه فانتهينا إلى الجبل فلم نجد عليه أحدا له بال وجدنا نفيرا فأصبناهم، ثم دخلنا العسكر، والقوم غارون ينتهبون عسكرنا، فأقحمنا الخيل عليهم، فتطايروا في كل وجه ووضعنا السيوف فيهم حيث شئنا، وجعلت أطلب الاكابر من الأوس والخزرج قتلة الاحبة، فلا أرى أحدا، هربوا فما كان حلب ناقة حتى تداعت


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 110.

الانصار بينها، فاقبلت فخالطونا ونحن فرسان، فصبرنا لهم، وصبروا لنا، وبذلوا أنفسهم حتى عقروا فرسى، وترجلت فقتلت منهم عشرة، ولقيت من رجل منهم الموت الناقع، حتى وجدت ريح الدم، وهو معانقى ما يفارقنى، حتى أخذته الرماح من كل ناحية، فوقع. فالحمد للّه الذى أكرمهم بيدى، ولم يهنى بأيديهم (1).

بل أنا أقتلك عليها إن شاء اللّه تعالى

قال الواقدي : وحدثني يونس بن محمد الظفري، عن عاصم بن عمر، عن عبد اللّه بن كعب بن مالك عن أبيه قال : كان أبي بن أبيه، قال : كان أبي بن خلف قدم في فداء ابنه وكان أسر يوم بدر، فقال : يا محمد إن عندي فرسا لي أعلفها فرقا من ذرة كل يوم ذرة كل يوم لاقتلك عليها. فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : بل أنا أقتلك عليها إن شاء اللّه تعالى. ويقال : إن أبيا إنما قال ذلك بمكه فبلغ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالمدينة كلمته فقال : بل أنا أقتله عليها إن شاء الله.

وإذا بأبي يركض على فرسه وقد رأى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فعرفه، فجعل يصيح بأعلى صوته : يا محمد لا نجوت إن نجوت ! فقال القوم : يا رسول اللّه ما كنت صانعا حين يغشاك أبي ؟ فاصنع، فقد جاءك، وإن شئت عطف عليه بعضنا، فأبى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ودنا أبي، فتناول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتفض كما ينتفض البعير. قال : فتطايرنا عنه تطاير الشعارير، ولم يكن أحد يشبه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا جد الجد، ثم طعنه بالحربة في عنقه وهو على فرسه لم يسقط، إلا أنه خار كما يخور الثور، فقال له أصحابه : أنا عامر، والله ما بك بأس، ولو كان هذا الذي بك بعين ضره قال : واللات والعزى لو كان الذي بي بأهلل المجاز لماتوا كلهم أجمعون أليس قال : لاقتلنه ! فاحتملوه، وسغللهم ذلك عن طلب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحتى التحق بعظم أصحابه في الشعب (2).

ما اجتمعنا على شراب بعد ذلك اليوم

أحد ما

كان العلاء بن رافع سبط ذى الكلاع الحميرى مؤنسا لسليمان بن هشام بن عبد الملك لا يكاد يفارقه وكان أمر المسودة بخراسان قد ظهر ودنوا من العراق واشتد


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 274.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 11.

إرجاف الناس، ونطق العدو بما أحب في بني أمية وأوليائهم. قال العلاء : فإنى لمع سليمان، وهو يشرب تجاه رصافة أبيه، وذلك في آخر أيام يزيد الناقص، وعنده الحكم الوادي، وهو يغنيه بشعر العرجي :

إن الحبيب تروحت أجماله أصلا، فدمعك دائم إسباله

فاقن الحياء فقد بكيت بعولة لو كان ينفع باكيا إعواله

يا حبذا تلك الحمول وحبذا شخص هناك وحبذا أمثاله !

فأجاد ما شاء، وشرب سليمان بن هشام بالرطل، وشربنا معه حتى توسدنا أيدينا، فلم أنتبه إلا بتحريك سليمان إياى، فقمت مسرعا، وقلت : ما شأن الامير ؟ فقال : على رسلك، رأيت كأنى في مسجد دمشق، وكأن رجلا على يده حجر، وعلى رأسه تاج أرى بصيص ما فيه من الجوهر، وهو رافع صوته بهذا الشعر :

أبني أمية قد دنا تشتيتكم وذهاب ملككم وليس براجع

وينال صفوته عدو ظالم كأسا لكم بسمام موت ناقع

فقلت : أعيذ الامير باللّه وساوس الشيطان الرجيم ! هذا من أضغاث الاحلام، ومما

يقتضيه ويجلبه الفكر، وسماع الاراجيف. فقال : الامر كما قلت لك، ثم وجم ساعة، وقال يا حميري، بعيد ما يأتي به الزمان قريب ! قال العلاء : فو اللّه ما اجتمعنا على شراب بعد ذلك اليوم (1).

اشهدوا

عن رباح بن الحارث النخعي قال : كنت جالسا عند على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إذ قدم عليه قوم متلثمون، فقالوا : السلام عليك يا مولانا، فقال لهم : أو لستم قوما عربا ! قالوا : بلی ولكنا سمعنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول يوم غدير خم : (من كنت مولاه فعلی مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) قال : فلقد رأيت عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال : اشهدوا (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 133.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 208.

خطبة الاسكندر في جنده

خطب الاسكندر جنده فقال لهم بالرومية كلاما تفسيره يا عباد اللّه انما الهكم اللّه الذى في السماء الذى نصرنا بعد حين الذى يسقيكم الغيث عند الحاجه واليه مفزعكم عند الكرب والله لا يبلغني أن اللّه احب شيئا الا احببته وعملت به إلى يوم اجلى ولا يبلغني انه ابغض شيئا الا ابغضته وهجرته إلى يوم اجلى وقد انبئت أن اللّه يحب العدل في عباده ويبغض الجور فويل للظالم من سوطي وسيفي ومن ظهر منه العدل من عمالى فليتكئ في مجلسي كيف شاء وليتمن على ما شاء فلن تخطئه امنيته والله المجازى كلا بعمله (1).

ما قاتل عليا أحد إلا وعلى أولى بالحق منه

عن عبيد اللّه بن موسى قال : سمعت سفيان بن سعيد المعروف بسفيان الثوري يقول : ما أشك أن طلحة والزبير بايعا عليا، وما نقما عليه جورا في حكم ولا استثثارا بفئ، وما قاتل عليا أحد إلا وعلى أولى بالحق منه (2).

قصر الخبال، لا تنزلوا فيه

قدم على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة نزل على باب المسجد، فدخل فصلى، ثم تحول فجلس إليه الناس، فسأل عن رجل من الصحابة كان نزل الكوفة، فقال قائل : استأثر اللّه به، فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن اللّه تبارك وتعالى لا يستأثر بأحد من خلقه، إنما أراد اللّه جل ذكره بالموت إعزاز نفسه وإذلال خلقه، وقرأ : (كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم، قال نصر : فلما لحقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثقله قالوا : أننزل القصر ؟ فقال : قصر الخبال لا تنزلوا فيه (3).

انا املك الاجساد لا النيات

ورقى إلى كسرى قباذ أن في بطانة الملك قوما قد فسدت نياتهم وخبثت ضمائرهم لان احكام الملك جرت على بعضهم لبعضهم فوقع في الجواب انا املك الاجساد لا


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 98.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 102.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 105.

النيات واحكم بالعدل لا بالهوى وافحص عن الاعمال لا عن السرائر (1).

لم يصب الكوفة منه أكثر من ثلاث

وتظلم اهل الكوفة إلى المأمون من واليهم فقال ما علمت في عمالى اعدل ولا اقوم بامر الرعية ولا اعود بالرفق منه فقال له منهم واحد فلا احد اولى منك يا امير المؤمنين بالعدل والانصاف وإذا كان بهذه الصفة فمن عدل امير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق اهل كل بلد من عدله مثل ما لحقنا منه ويأخذو بقسطهم منه كما اخذ منه سواهم وإذا فعل امير المؤمنين ذلك لم يصب الكوفة منه أكثر من ثلاث سنين فضحك وعزله (2).

عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح

ويقال إن في بعض الكتب المنزلة القديمة عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ولمن قيل فيه الشر وليس فيه كيف يغضب واعجب من ذلك من احب نفسه على اليقين وابغض الناس على الظن (3).

حقد العرب الطويل على امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

واعلم أن حال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) اشهر من أن يحتاج في الدلالة عليها إلى الاسهاب والاطناب فقد رايت انتقاض العرب عليه من اقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بخمس وعشرين سنة وفي دون هذه المدة تنسى الاحقاد وتموت التراث وتبرد الاكباد الحامية وتسلو القلوب الواجدة ويعدم قرن من الناس ويوجد قرن ولا يبقى من ارباب تلك الشحناء والبغضاء الا الاقل فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو افضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من اظهار ما في النفوس وهيجان ما في القلوب حتى إن الاخلاف من قريش والاحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في اسلافهم وآبائهم فعلوا به ما لو كانت الاسلاف احياء لقصرت عن فعله وتقاعست عن بلوغ شاوه فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة وسيفه بعد


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 99.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 99.

3) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 103.

يقطر دما من مهج العرب لا سيما قريش الذين بهم كان ينبغى - لو دهمه خطب - أن يعتضد وعليهم كان يجب أن يعتمد اذن كانت تدرس اعلام المله وتنعفى رسو الشريعة وتعود الجاهلية الجهلاء على حالها ويفسد ما اصلحه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ثلاث وعشرين سنه في شهر واحد فكان من عناية اللّه تعالى بهذا الدين أن الهم الصحابة ما فعلوه والله متم نوره ولو كره المشركون (1).

سيد أهل الاباء

سيد أهل الاباء الذي علم الناس الحمية والموت تحت ظلال السيوف اختيارا له على الدنية أبو عبد اللّه الحسين بن على بن أبى طالب (عليهما السلام) عرض عليه الامان وأصحابه، فأنف من الذل، وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان إن لم يقتله، فاختار الموت على ذلك. وسمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوى البصري يقول : كان أبيات أبى تمام في محمد بن حميد الطائى ما قيلت إلا في الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

: وقد كان فوت الموت سهلا فرده إليه الحفاظ المر والخلق الوعر

ونفس تعاف الضيم حتى كأنه هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر

فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها : رجله وقال لها : من تحت أخمصك الحشر

تردى ثياب الموت حمرا فما أتى لها الليل إلا وهى من سندس خضر

لما فر أصحاب مصعب عنه، وتخلف في نفر يسير من أصحابه، كسر جفن سيفه، وأنشد :

فإن الالى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التاسيا

فعلم أصحابه أنه قد استقتل.

ومن كلام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الطف، المنقول عنه، نقله عنه زين العابدين على ابنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ألا وإن الدعى بن الدعى قد خيرنا بين اثنتين : أو الذلة وهيهات منا الذلة يأبى اللّه ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجز طهرت، وأنوف حمية ونفوس أبيه). وهذا نحو قول أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ذكرناه فيما تقدم : (إن امرأ أمكن عدوا من


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 114.

نفسه يعرق لحمه ويفرى جلده ويهشم عظمه، لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره، فكن أنت ذاك إن شئت فأما أنا فدون أن أعطى ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام وتطيح السواعد والاقدام)(1).

كلام النقيب في المفاضلة بين علي وجعفر

سالت النقيب ابا جعفر يحيى بن محمد بن ابى يزيد (رحمه اللّه) قلت له اتقول إن حمزة وجعفرا لو كانا حيين يوم مات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اكانا يبايعانه بالخلافة فقال نعم كانا اسرع إلى بيعته من النار في يبس العرفج فقلت له اظن أن جعفرا كان يبايعه ويتابعه وما اظن حمزة كذلك واراه جبارا قوى النفس شديد الشكيمة ذاهبا بنفسه شجاعا بهمة وهو العم والاعلى سنا وآثاره في الجهاد معروفة واظنه كان يطلب الخلافة لنفسه فقال الامر في اخلاقه وسجاياه كما ذكرت ولكنه كان صاحب دين متين وتصديق خالص لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولو ولو عاش لراى من احوال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما يوجب ما يوجب أن يكسر له نخوته وأن يقيم له صعره وأن يقدمه على نفسه وأن يتوخى رضا اللّه ورضا رسوله فيه وإن كان بخلاف ايثاره ثم قال اين خلق حمزة السبعى من خلق على الروحانى اللطيف الذى بینه وبين خلق حمزة فانصفت بهما نفس واحدة واين هيولانية نفس حمزة وخلوها من العلوم من نفس على القدسية التي ادركت بالفطرة لا بالقوة التعليمية ما لم تدركه نفوس مدققي الفلاسفة الالهيين لو أن حمزة حيى حتى راى من على ما رآه غيره لكان اتبع له من ظله واطوع له من ابي ذر والمقداد اما قولك هو والعم والاعلى سنا فقد كان العباس العم والاعلى سنا وقد عرفت ما بذله له وندبه إليه وكان أبو سفيان كالعم وكان اعلى سنا وقد عرفت ما عرضه عليه ثم قال ما زالت الاعمام تخدم ابناء الاخوة وتكون اتباعا لهم الست ترى داود بن على وعبد اللّه بن على وصالح بن على وسليمان بن على وعيسى بن على واسماعيل ابن على وعبد الصمد بن على خدموا ابن اخيهم - وهو عبد اللّه السفاح بن محمد بن على - وبايعوه وتابعوه وكانوا امراء جيوشه وانصاره واعوانه الست ترى حمزة والعباس اتبعا ابن اخيهما صلوات اللّه عليه واطاعاه ورضیا بریاسته وصدقا دعوته الست تعلم أن ابا طالب كان رئيس بنى هاشم وشيخهم والمطاع فيهم وكان


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 249.

محمد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتيمه ومكفوله وجاريا مجرى احد اولاده عنده ثم خضع له واعترف بصدقه ودان لامره حتى مدحه بالشعر كما يمدح الادنى الاعلى فقال فيه وابيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للارامل يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواصل وإن سرا اختص به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى اقام ابا طالب - وحاله معه حاله - مقام المادح له لسر عظيم وخاصيه شريفه وإن في هذا لمعتبر عبرة أن يكون هذا الانسان الفقير الذى لا انصار له ولا اعوان معه ولا يستطيع الدفاع عن نفسه فضلا عن أن يقهر غيره تعمل دعوته واقواله في الانفس ما تعمله الخمر في الابدان المعتدلة المزاج حتى تطيعه اعمامه ويعظمه مربيه وكافله ومن هو إلى آخر عمره القيم ينفقته وغذاء بدنه وكسوة جسده حتى يمدحه بالشعر كما يمدح الشعراء الملوك والرؤساء وهذا في باب المعجزات عند المنصف اعظم من انشقاق القمر وانقلاب العصا ومن انباء القوم بما ياكلون وما يدخرون في بيوتهم ثم قال (رحمه اللّه) كيف قلت اظن أن جعفرا كان يبايعه ويتابعه ولا اظن في حمزة ذلك إن كنت قلت ذلك لانه اخوه فانه اعلى منه سنا هو اكبر من على بعشر سنين وقد كانت له خصائص ومناقب كثيرة وقال فيه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قولا شريفا اتفق عليه المحدثون قال له لما افتخر هو وعلى وزيد بن حارثه وتحاكموا إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (اشبهت خلقي وخلقي) فخجل فرحا ثم قال لزيد (انت مولانا وصاحبنا) فخجل أيضاً ثم قال لعلى (انت اخى وخالصتي) قالوا فلم يخجل قالوا كان ترادف التعظيم له وتكرره عليه لم يجعل عنده للقول ذلك الموضع وكان غيره إذا عظم عظم نادرا فيحسن موقعه عنده واختلف الناس في أي المدحتين اعظم فقلت له قد وقفت لأبي حيان التوحيدي في كتاب البصائر) على فصل عجيب يمازج ما نحن فيه قال في الجزء الخامس من هذا الكتاب سمعت قاضي القضاة ابا سعد بشر بن الحسين - وما رأيت رجلا اقوى منه في الجدل في مناظرة جرت بينه وبين ابى عبد اللّه الطبري وقد جرى حديث جعفر بن ابی طالب وحديث اسلامه والتفاضل بينه وبين اخيه على فقال القاضي أبو سعد إذا انعم النظر علم أن اسلام جعفر كان بعد بلوغ واسلام البالغ لا يكون الا بعد استبصار وتبين ومعرفة بقبح ما يخرج منه وحسن ما يدخل فيه وإن اسلام على مختلف في حاله وذلك انه قد ظن انه كان عن تلقين لا تبيين إلى حين بلوغه واوان تعقبه ونظره وقد علم أيضاً أنهما قتلا وإن قتله جعفر شهادة بالاجمال وقتله على فيها اشد الاختلاف ثم خص اللّه جعفرا بان قبضه إلى الجنة قبل ظهور التباين واضطراب الحبل وكثرة الهرج وعلى انه لو انعقد الاجماع

وتظاهر جميع الناس على أن القتلتين شهادة لكانت الحال في الذى رفع إليها جعفر اغلظ واعظم وذلك انه قتل مقبلا غير مدبر واما على فانه اغتيل اغتيالا وقصد من حيث لا يعلم وشتان ما بين من بين من فوجئ بالموت وبين من عاين مخايل الموت وتلقاه بالنحر والصدر وعجل إلى اللّه بالايمان والصدق الا تعلم أن جعفرا قطعت يمناه فامسك اللواء بيسراه وقطعت يسراه فضم اللواء إلى حشاه ثم قاتله ظاهر الشرك باللّه وقاتل على ممن صلى إلى القبلة و شهد الشهادة واقدم عليه بتأويل وقاتل جعفر كافر بالنص الذي لا خلاف فيه اما تعلم أن جعفرا ذو الجناحين وذو الهجرتين إلى الحبشة والمدينة. قال النقيب رحمه اللّه اعلم - فداك شيخك - أن ابا حيان رجل ملحد زنديق يحب التلاعب بالدين ويخرج ما في نفسه فيعزوه إلى قوم لم يقولوه واقسم باللّه أن القاضي ابا سعد لم يقل من هذا الكلام لفظة واحدة ولكنها من موضوعات ابى حيان واكاذيبه وترهاته كما يسند إلى القاضي ابي حامد المروروذى كل منكر ويروى عنه كل فاقرة. ثم قال يا ابا حيان مقصودك أن تجعلها مساله خلاف تثير بها فتنه بين الطالبيين لتجعل باسهم بينهم وكيف تقلبت الاحوال فالفخر لهم لم يخرج عنهم. ثم ضحك (رحمه اللّه) حتى استلقى ومد رجليه وقال هذا كلام يستغنى عن الاطالة في ابطاله باجماع المسلمين فانه لا خلاف بين المسلمين في أن عليا افضل من جعفر وانما سرق أبو حيان هذا المعنى الذى اشار إليه من رسالة المنصور ابى جعفر إلى محمد بن عبد اللّه النفس الزكية قال له وكانت بنو امية يلعنون اباك في ادبار الصلوات المكتوبات كما تلعن الكفرة فعنفناهم وكفرناهم وبينا فضله واشدنا بذكره فاتخذت ذلك علينا حجة وظننت انه لما ذكرناه من فضله انا قدمناه على حمزة والعباس وجعفر اولئك مضوا سالمين مسلمين منهم وابتلى ابوك بالدماء. فقلت له (رحمه اللّه) وإذا لا اجماع في المسالة لان المنصور لم يقل بتفضيله عليهم وانت ادعيت الاجماع فقال إن الاجماع قد سبق هذا القائل وكل قول قد سبقه الاجماع لا يعتد به فلما خرجت من عند النقيب أبي جعفر بحثت في ذلك اليوم في هذا الموضوع مع احمد ابن جعفر الواسطي (رحمه اللّه) وكان ذا فضل وعقل وكان امامى المذهب فقال لى صدق النقيب فيما قال الست تعلم أن اصحابكم المعتزلة على قولين احدهما أن اكثر المسلمين ثوابا أبو بكر والآخر أن اكثرهم ثوابا على واصحابنا يقولون أن اكثر المسلمين ثوابا على وكذلك الزيدية واما الاشعرية والكرامية واهل الحديث فيقولون اكثر المسلمين ثوابا أبو بكر فقد خلص من مجموع هذه الاقوال أن ثواب حمزة وجعفر دون ثواب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) أما على قول الامامية والزيدية

والبغداديين كافة وكثير من البصريين من المعتزلة فالامر ظاهر واما الباقون فعندهم أن اكثر المسلمين ثوابا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على ولم يذهب ذاهب إلى أن ثواب حمزة وجعفر اكثر من ثواب على من جميع الفرق فقد ثبت الاجماع الذى ذكره النقيب إذا فسرنا الافضلية بالاكثرية ثوابا وهو التفسير الذى يقع الحجاج والجدال في اثباته لاحد الرجلين واما إذا فسرنا الافضلية بزيادة المناقب والخصائص وكثرة النصوص الدالة على التعظيم فمعلوم أن احدا من الناس لا يقارب عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك لا جعفر ولا حمزة ولا غيرهما (1).

يكتبون أحسن ما يسمعون

يقال : الناس يكتبون أحسن ما يسمعون،

ويحفظون أحسن ما يكتبون،

ويتحدثون بأحسن ما يحفظون،

والأصدق نوع تحت جنس الاحسن (2).

ذره في بقعة الامكان ما لم يذده قائم البرهان

قال ابن سينا إياك أن يكون تكيسك وتبرؤك العامة،

من هو أن تنبري منكرا لكل شئ، فلذلك عجز وطيش، وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بينة، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف وان أزعجك استنكار ما يوعيه سمعك مما لم يبرهن على استحالته لك، فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الامكان ما لم يذدك عنها قائم البرهان (3).

والكاظمين الغيظ

روى أن عبدا لموسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قدم إليه صحفة فيها طعام حار، فعجل فصبها على رأسه ووجهه فغضب فقال له : والكاظمين الغيظ قال : قد نظمت قال :


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 115.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 46.

3) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 46.

(والعافين عن الناس قال : قد عفوت قال (والله يحب المحسنين)، قال : أنت حر لوجه الله، وقد نحلتك ضيعتي الفلانية (1).

بخل الاصمعي

قال الرشيد الجعفر : قم بنا لنمضي إلى منزل الاصمعي فمضيا إليه خفية ومعهما خادم معه ألف دينار ليدفع ذلك إليه، فدخلا داره فوجدا كساء جرداء، وبارية سملاء، وحصيرا مقطوعا وخباء قديمة وأباريق من خزف ودواة من زجاج ودفاتر عليها التراب وحيطانا مملوءة من نسج العناكب فوجم الرشيد، وسأله مسائل غشة لم تكن من غرضه، وإنما قطع بها خجله وقال الرشيد لجعفر : ألا ترى إلى نفس هذا المهين، قد بررناه بأكثر من خمسين ألف دينار وهذه حاله، لم تظهر عليه آثار نعمتنا ! والله لا دفعت إليه شيئا، وخروج ولم يعطه (2).

القرين بالمقارن يقتدى

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): واحذر صحابة من يفيل رأيه الصحابة

قال طرفة :

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه***فإن القرين بالمقارن يقتدى (3)

خرافات صاحب الزنج

قال أبو جعفر : وذكر محمد بن الحسن أن محمد بن سمعان حدثه أن صاحب الزنج، قال في بعض أيامه : لقد عرضت على النبوة فأبيتها. فقيل له : ولم ذاك ؟ قال : إن لها أعباء خفت ألا أطيق حملها (4).

لعبد القيس ست خصال فاقت بها على العرب

لعبد القيس ست خصال فاقت بها على العرب منها :


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 46.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 47.

3) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 48.

4) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 158.

أسود العرب بيتا وأشرفهم رهطا الجارود هو وولده.

ومنها أشجع العرب حكيم بن جبلة قطعت رجله يوم الجمل، فأخذها بيده وزحف على قاتله فضربه بها حتى قتله، وهو يقول :

يا نفس لا تراعى إن قطعت كراعي إن معى ذراعي

فلا يعرف في العرب أحد صنع صنيعه.

ومنها أعبد العرب هرم بن حيان صاحب أويس القرني

ومنها أجود العرب عبد اللّه بن سواد بن همام غزا السند في أربعه آلاف، ففتحها وأطعم الجيش كله ذاهبا وقافلا فبلغه أن رجلا من الجيش مرض، فاشتهى خبيصا فأمر باتخاذ الخبيص لاربعة آلاف إنسان فأطعمهم حتى فضل، وتقدم إليهم ألا يوقد أحد منهم نارا لطعام في عسكره مع ناره.

ومنها أخطب العرب مصقلة بن رقبة به يضرب المثل فيقال : أخطب من مصقلة. ومنها أهدى العرب في الجاهلية وأبعدهم مغارا وأثرا في الارض في عدوه، وهو دعيميص الرمل كان يعرف بالنجوم هداية وكان أهدى من القطا، يدفن بيض النعام في الرمل مملوءا ماء ثم يعود إليه فيستخرجه (1).

نعلي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

روى الحارث بن حصين أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لدفع إلى جرير بن عبد اللّه نعلین نعاله وقال : احتفظ بهما فإن ذهابهما ذهاب دينك، فلما كان يوم الجمل ذهبت إحداهما، فلما أرسله على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى معاوية ذهبت الاخرى ثم فارق عليا واعتزل الحرب (2).

أصبحت هزءا لراعي الضأن أتبعه

روى أبو بكر الهذلي عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عدى بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف، قال : قام الاشعث إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : إن الناس يزعمون أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عهد إليك عهدا لم يعهده إلى غيرك فقال : إنه عهد إلى ما في قراب سيفي، لم يعهد إلى


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 56.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 75.

غير ذلك. فقال الاشعث : هذه إن قلتها فهى عليك لا لك، دعها ترحل عنك فقال له : وما علمك بما على ممالى منافق ابن،کافر حائك ابن حائك ! إني لاجد منك بنه الغزل. ثم التفت إلى عبيد اللّه بن عدى بن الخيار فقال : يا عبيد اللّه إنك لتسمع خلافا وترى عجبا، ثم أنشد:

أصبحت هزءا لراعي الضأن أتبعه***ما ذا يريبك منى راعي الضان (1)!.

يحشران يوم القيامة وإمامهما ضب

روى يحيى بن عيسى الرملي عن الاعمش : أن جريرا والاشعث خرجا إلى جبان الكوفة، فمر بهما ضب يعدو، وهما في ذم على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فنادياه : يا أبا حسل هلم يدك نبايعك بالخلافة، فبلغ عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قولهما، فقال : أما إنهما يحشران يوم القيامة وإمامهما ضب (2).

عند إحدى رجليه خمر

كان سمرة بن جندب من شرطة زياد روى عبد الملك بن حكيم عن الحسن قال : جاء رجل من أهل خراسان إلى البصرة، فترك مالا كان معه في بيت المال، وأخذ براءة ثم دخل المسجد فصلى ركعتين، فأخذه سمرة بن جندب، واتهمه برأى الخوارج، فقدمه فضرب عنقه، وهو يومئذ على شرطة زياد، فنظروا فيما معه فإذا البراءة بخط بيت المال فقال أبو بكرة: يا سمرة، أما سمعت اللّه تعالى يقول : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) فقال : أخوك أمرنى بذلك.

وروى الاعمش، عن أبي صالح قال : قيل لنا : قد قدم رجل من أصحاب رسول الله، فأتيناه فإذا هو سمرة بن جندب، وإذا عند إحدى رجليه خمر وعند الاخرى ثلج، فقلنا : ما هذا ؟ قالوا : به النقرس، وإذا قوم قد أتوه، فقالوا يا سمرة ما تقول لربك غدا ؟ تؤتى بالرجل فيقال لك : هو من الخوارج فتأمر بقتله، ثم تؤتى باخر فيقال لك : ليس الذى قتلته بخارجى ذاك فتى وجدناه ماضيا في حاجته، فشبه علينا، وإنما الخارجي هذا، فتأمر بقتل الثاني ! فقال سمرة : وأى بأس في ذلك ! إن كان من أهل


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 75.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 75.

الجنة مضى إلى الجنة، وإن كان من أهل النار مضى إلى النار (1).

حتى شهد مقتل الحسين

روى شريك قال : أخبرنا عبد اللّه بن سعد عن حجر بن عدى، قال : قدمت المدينة فجلست إلى أبي هريرة، فقال : ممن أنت ؟ قلت : من أهل البصرة، قال : ما فعل سمرة ابن جندب ؟ قلت : هو حى، قال : ما أحد أحب إلى طول حياة منه. قلت : ولم ذاك ؟ قال : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لى وله ولحذيفة بن اليمان : (آخركم موتا في النار)، فسبقنا حذيفة وأنا الآن أتمنى أن أسبقه، قال : فبقى سمرة بن جندب حتى شهد مقتل الحسين.

وروى أحمد بن بشير عن مسعر بن كدام قال : كان سمرة بن جندب أيام مسير الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة على شرطة عبيد اللّه بن زياد وكان يحرض الناس على الخروج إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتاله (2).

شاغرا برجليه، كاشفا عورته

وأما خبر عمرو في صفين واتقائه حملة على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بطرحه نفسه على الارض وإبداء سوأته : فقد ذكره كل من صنف في السير كتابا وخصوصا الكتب الموضوعة لصفين. قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن أبي عمرو، وعن عبد الرحمن بن حاطب قال كان عمرو بن العاص عدوا للحارث بن نضر الخثعمي، وكان من أصحاب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد تهيبته فرسان الشام، وملا قلوبهم بشجاعته، وامتنع كل منهم من الاقدام عليه وكان عمرو قلما جلس مجلسا إلا ذكر فيه الحارث بن نضر الخثعمي وعابه، فقال الحارث :

ليس عمرو بتارك ذكره الحا***رث بالسوء أو يلاقي عليا

واضع السيف فوق منكبه الاي***من لا يحسب الفوارس شيا

لیت عمرا يلقاه في حومه النق***ع وقد أمست السيوف عصيا

حيث يدعو للحرب حاميه القو***م إذا كان بالبراز براز مليا


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 77.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 78.

فالقه إن أردت مكرمة الده***ر أو الموت كل ذاك عليا

فشاعت هذه الابيات حتى بلغت عمرا فأقسم باللّه ليلقين عليا ولو مات ألف موتة. فلما اختلطت الصفوف لقيه فحمل عليه برمحه، فتقدم على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو مخترط سيفا معتقل محا، فلما رهقه همز فرسه ليعلو عليه فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الارض شاغرا برجليه كاشفا عورته، فانصرف عنه لافتا وجهه مستدبرا له فعد الناس ذلك من مکارمه وسؤدده وضرب بها المثل (1).

إنما كان إسلام، لفجرة وغدرة غدرها

روی صاحب کتاب الغارات عن أبي صادق عن جندب بن عبد اللّه قال : ذكر المغيرة بن شعبة عند على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجده مع معاوية قال : وما المغيرة ! إنما كان إسلامه لفجرة وغدرة غدرها بنفر من قومه فتك بهم، وركبها منهم، فهرب منهم، فأتى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كالعائذ بالاسلام، والله ما رأى أحد عليه منذ ادعى الاسلام خضوعا ولا خشوعا، ألا وإنه يكون من ثقيف فراعنة قبل يوم القيامة يجانبون الحق ويسعرون نيران الحرب ويوازرون الظالمين ألا إن ثقيفا قوم غدر لا يوفون بعهد يبغضون العرب كأنهم ليسوا منهم، ولرب صالح قد كان منهم فمنهم عروة بن مسعود وأبو عبيد بن مسعود المستشهد يوم قس الناطف. وإن الصالح في ثقيف الغريب (2).

عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد

هو عبد الرحمن بن عتاب بن اسید بن ابى العيص بن أمية بن عبد شمس ليس بصحابى ولكنه من التابعين وابوه عتاب بن اسید بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس من مسلمة الفتح ولما خرج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من مكة إلى حنين استعمله عليها فلم يزل اميرها حتى قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبقى على حاله خلافه أبي بكر الصديق ومات هو وابو بكر في يوم واحد لم يعلم احدهما بموت الآخر وعبد الرحمن هذا هو الذى قال امير المؤمنين فيه وقد مر به قتيلا يوم الجمل لهفي عليك يعسوب قريش هذا فتى الفتيان هذا اللباب المحض من بنى عبد مناف شفيت نفسي وقتلت معشرى إلى اللّه اشكو عجرى ويجرى


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 312.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 80.

فقال له قائل لشد ما الفتى يا امير المؤمنين منذ اليوم قال انه قام عنى وعنه نسوة لم يقمن عنك وعبد الرحمن هذا هو الذى احتملت العقاب كفه يوم الجمل وفيها خاتمه فالقتها باليمامة فعرفت بخاتمه وعلم أهل اليمامة بالوقعة (1).

رأى ابن ابي الحديد في كتاب نهج البلاغة

لا يخلو إما أن يكون كل نهج البلاغة مصنوعا منحولا، أو بعضه والاول باطل بالضرورة لانا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين، وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم والمؤرخون كثيرا منه وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك، والثاني يدل على ما قلناه لان من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفا من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب لابد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح وبين الفصيح والافصح، وبين الاصيل والمولد وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما الجماعة من الخطباء، أو لاثنين منهم فقط، فلا بد أن يفرق بين الكلامين، ويميز بين الطريقتين، ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام ونفسه، وطريقته ومذهبه في القريض، ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئا كثيرا، لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ولا من شعره، وكذلك غيرهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا، ونفسا واحدا، وأسلوبا واحدا كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية وكالقرآن العزيز، أوله كأوسطه، وأوسطه كآخره، وكل سورة منه، وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الايات والسور، ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا وبعضه صحيحا، لم يكن ذلك كذلك، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين. واعلم أن قائل هذا القول يطرق على نفسه مالا قبل له به، لانا متی فتحنا هذ الباب وسلطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو، لم نثق بصحة كلام


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 123.

منقول عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أبدا، وساغ لطاعن أن يطعن ويقول : هذا الخبر منحول، وهذا الكلام مصنوع، وكذلك ما نقل عن أبي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والادب وغير ذلك، وكل أمر جعله هذا الطاعن مستندا له فيما يرويه عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والائمة الراشدين والصحابة والتابعين والشعراء والمترسلين والخطباء فلناصري أمير المؤمنين أن يستندوا إلى مثله فيما يروونه عنه من نهج البلاغة وغيره وهذا واضح (1).

اجتماع أربعة حكماء

اجتمع أربعة حكماء : من الروم والفرس والهند والصين، فقال أحدهم : أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل : وقال الآخر : إذا تكلمت بالكلمة ملكتنى، ولم أملكها، وإذا لم أتكلم ملكتها ولم تملكني. وقال الآخر : عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته، وإن لم ترجع لم تنفعه وقال الرابع : أنا على رد ما لم أقل أقدر منی علی رد ما قلت (2).

أنتم المقربون

يقال : أن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مربثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الخوف من النار، قال : حق على اللّه أن يؤمن من يخافه، ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الشوق إلى الجنة، فقال : حق على اللّه أن يعطى من رجاه ثم مر إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وعلى وجوههم مثل المرائى من النور، فقال : ما الذى بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : حب اللّه عزوجل، فقال : أنتم المقربون، ثلاثا (3).

نسب فاطمه بنت اسد

فاطمه بنت اسید بن هاشم بن عبد مناف بن قصی اول هاشميه ولدت لهاشمي، كان


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 128.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 138.

3) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 156.

على (عَلَيهِ السَّلَامُ) اصغر بنيها، وجعفر اسن منه بعشر سنين، وعقيل اسن منه بعشر سنين، وطالب اسن من عقيل بعشر سنين وفاطمة بنت اسد امهم جميعا وام فاطمه بنت اسد، فاطمه بنت هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص (ابن عامر بن لؤى وامها حدية بنت) وهب بن ثعلبه بن وائلة بن عمرو بن شیبان بن محارب بن فهر. (وامها فاطمه بنت عبيد بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤى وامها سلمى بنت عامر بن ربيعه بن هلال بن أهيب بن ضبه بن الحارث بن فهر). وامها عاتكة بنت ابي همهمة - واسمه عمرو بن عبد العزى - بن عامر بن عميره بن وديعه بن الحارث بن فهر. (وامها تماضر بنت عمرو بن عبد مناف بن قصی بن کلاب بن مره بن كعب بن لؤى وامها حبيبه وهى امة اللّه بنت عبد ياليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسى وهو ثقيف وامها فلانة بنت مخزوم بن اسامه بن ضبع (5) بن وائله بن نصر بن صعصعه بن ثعلبه بن کنانه بن عمرو بن قين بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان ابن مضر. وأمها ربطه بنت يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف وأمها كلة بنت حصين بن سعد بن بكر بن هوازن وأمها حبى بنت الحارث بن النابغة بن عمیره بن عوف بن نصر بن بكر بن هوازن.

أسلمت فاطمة بنت أسد بعد عشره من المسلمين وكانت الحادى عشر، وكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يكرمها ويعظمها ويدعوها : أمي، وأوصت إليه حين حضرتها الوفاة، فقبل وصيتها، وصلى عليها ونزل في لحدها واضطجع معها فيه بعد أن ألبسها قميصه فقال له أصحابه إنا ما رأيناك صنعت با رسول اللّه بأحد ما صنعت بها، فقال إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها ضغطه القبر.

وفاطمة أول امرأة بايعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من النساء. وأم أبى طالب بن عبد المطلب فاطمه بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم وهى أم عبد اللّه والد سيدنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأم الزبير بن عبد المطلب، وسائر ولد عبد المطلب بعد الامهات شتى (1).

إننا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلة غريبة

قرات بخط محمد بن ادريس الحلى الفقيه الامامي قال حكى ابو حامد احمد بن


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 13.

محمد الاسفراييني الفقيه الشافعي قال كنت يوما عند فخر الملك ابي غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة فدخل عليه الرضى أبو الحسن فاعظمه واجله ورفع من منزلته وخلى ما كان بيده من الرقاع و القصص واقبل عليه يحادثه إلى ان انصرف ثم دخل بعد ذلك المرتضى أبو القاسم (رحمه اللّه) فلم يعظمه ذلك التعظيم ولا اكرمه ذلك الاكرام وتشاغل عنه برقاع يقرؤها وتوقيعات يوقع بها فجلس قليلا وساله امرا فقضاه ثم انصرف قال ابو حامد فتقدمت إليه وقلت له اصلح اللّه الوزير الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحدا فواحدا، فلما لم يبق إلا غلمانه وحجابه، دعا بالطعام، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر آغلمانه، ولم يبق عنده غيري، قال لخادم : هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام، وأمرتك أن تجعلهما في السفط الفلاني. فأحضرهما، فقال : هذا كتاب الرضي اتصل بي أنه قد ولد له ولد فأنفذت إليه ألف دينار، وقلت له : هذه للقابلة فقد جرت العادة أن يحمل الاصدقاء إلى أخلائهم وذوى مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال، فردها وكتب إلي : هذا الكتاب فأقرأه قال : فقرأته وهو اعتذار عن الرد، وفي جملته: إننا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلة غريبة، وإنما عجائزنا يتولين هذا الامر من نسائنا ولسن ممن يأخذن أجره، ولا يقبلن صلة. قال : فهذا هذا. وأما المرتضى فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الاملاك بیا دوریا تقسيطا نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف بنهر عيسى فأصاب ملكا للشريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهما ثمنها دينار واحد قد كتب إلي منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب، فأقرأه، فقرأته، وهو أكثر من مائة سطر، يتضمن من الخضوع والخشوع والاستمالة والهز والطلب والسؤال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه قال فخر الملك : فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل ؟ هذا العالم المتكلم الفقيه الاوحد ونفسه هذه النفس، أم ذلك الذي لم يشهر إلا بالشعر خاصة، ونفسه تلك النفس ! فقلت : وفق اللّه تعالى سيدنا الوزير فما زال موفقا والله ما وضع سيدنا الوزير الأمر إلا في موضعه ولا أحله إلا في محله وقمت فانصرفت (1).


1) شرح نهج البلاغة ج ص 39.

وتنثر حواجبهم بعمد الحديد

ثم قام عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي، فقال : يا أمير المؤمنين، إن القوم لو كانوا اللّه يريدون ولله يعملون ما خالفونا ولكن القوم إنما يقاتلوننا فرارا من الاسوة وحبا للاثرة، وضنا بسلطانهم، وكرها لفراق دنياهم التى في أيديهم، وعلى إحن في نفوسهم، وعداوة يجدونها في صدورهم لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة، قتلت فيها آباء هم وأعوانهم ثم التفت إلى الناس فقال : كيف يبايع معاوية عليا، وقد قتل أخاه حنظلة، وخاله الوليد وجده عتبة في موقف واحد والله ما أظنهم يفعلون ولن يستقيموا لكم دون أن تقصف فيهم قنا المران وتقطع على هامهم السيوف، وتنثر حواجبهم بعمد الحديد وتكون أمور جمة بين الفريقين (1).

أذيعوه أنتم عنى أيضاً ما بدا لكم

عن مجالد بن سعيد قال : غدوت يوما إلى الشعبى وأنا أريد أن أساله عن شئ بلغني عن ابن مسعود أنه كان يقوله فأتيته وهو في مسجد حيه وفي المسجد قوم ينتظرونه، فخرج فتعرفت إليه وقلت : أصلحك اللّه ! كان ابن مسعود يقول : ما كنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم الا كان لبعضهم فتنة قال : نعم، كان ابن مسعود يقول ذلك، وكان ابن عباس يقوله أيضاً - وكان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها، ويصرفها عن غيرهم - فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الازد، فجلس الينا، فاخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبي وقال : لقد كان في صدر عمر ضب على ابى بكر، فقال الازدي : والله ما رأينا ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قيادا لرجل ولا أقول فيه بالجميل من عمر في أبى بكر فأقبل على الشعبي وقال : هذا مما سألت عنه، ثم أقبل على الرجل وقال : يا اخا الازد فكيف تصنع بالفلتة التى وقى اللّه شرها ! أترى عدوا يقول في عدو يريد ان يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبى بكر، فقال الرجل : سبحان اللّه ! أنت تقول ذلك يا أبا عمرو ! فقال الشعبي : انا أقوله، قاله عمر ابن الخطاب على رؤس الاشهاد فلمه أو دع فنهض الرجل مغضبا وهو يهمهم في الكلام بشئ لم أفهمه، قال مجالد : فقلت للشعبي : ما أحسب هذا الرجل الا سينقل


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 180.

عنك هذا الكلام إلى الناس ويبثه فيهم ! قال : اذن والله لا أحفل به وشئ لم يحفل به عمر حين قام على رؤس الاشهاد من المهاجرين والأنصار أحفل به انا ! أذيعوه أنتم عنى أيضاً ما بدا لكم (1).

وهرب أبو سفيان يعدو على قدميه

كان حنظلة بن أبي عامر تزوج جميلة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول، فأدخلت عليه في الليلة التي في صبيحتها قتال أحد وكان قد استأذن رسول اللّه له أن أن ست عندها، فأذن له، فلما صلى الصبح غدا يريد النبي، فلزمته جميلة، فعاد فكان معها، فأجنب منها، ثم أراد الخروج، وقد أرسلت قبل ذلك إلى أربعة من قومها، فأشهدتهم أنه قد دخل بها، فقيل لها بعد لم أشهدت عليه قالت : رأيت كأن السماء فرجت فدخل فيها ثم أطبقت فقلت : هذه الشهادة فأشهدت عليه أنه قد دخل بي، فعلقت منه بعبد اللّه بن حنظلة. ثم تزوجها ثابت بن قيس بعد فولدت له محمد بن ثابت بن قيس. وأخذ حنظلة بن أبي عامر سلاحه فلحق برسول اللّه باحد، وهو يسوى الصفوف، فلما انكشف المشركون، إعترض حنظلة لابي سفيان بن حرب فضرب عرقوب فرسه فاکتسعت الفرس، ويقع أبو سفيان إلى الارض، فجعل يصيح : يا معشر قريش أنا أبو سفيان بن حرب ! وحنظلة يريد ذبحه بالسيف، فأسمع الصوت رجالا لا يلتفتون إليه من الهزيمة، حتى عاينه الاسود بن شعوب، فحمل على حنظلة بالرمح، فأنفذه، ومشى حنظلة إليه في الرمح فضربه ثانية فقتله وهرب أبو سفيان يعدو على قدميه فلحق ببعض قريش، فنزل عن صدر فرسه وردف وراءه أبا سفيان فذلك قول أبي سفيان يذكر صبره، ووقوفه و إنه لم يفر، وذكره محمد بن إسحاق : ولو شئت نجتنی کميت طمرة ولم أحمل النعماء لابن شعوب وما زال مهرى مزجر الكلب فيهم لدن غدوة حتى دنت لغروب (3) أقاتلهم وأدعى يال غالب وأدفعهم عنى بركن صليب فبكى ولا ترعى مقالة عادل ولا تسامى من عبرة ونحيب إياك وإخوانا لنا قد تتابعوا وحق لهم من حسرة بنصيب وسلى الذى قد كان في النفس إننى قتلت من النجار كل نجيب ومن هاشم قرما كريما ومصعبا وكان لدى الهيجاء غير هيوب ولو أننى لم أشف نفسي منهم لكانت شجا في الصدر ذات ندوب فأبوا وقد


1) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 29.

أودى الجلابيب منهم بهم كمد من واجم وكتيب أصابهم من لم يكن لدمائهم كفاء ولا في سنخهم بضريب (1).

الولد للفراش وللعاهر الحجر

يحكى أن أبا العيناء أهدى إلى أبي على البصري - وقد ولد له مولود - حجرا، يذهب في ذلك إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فاستخرج أبو على ذلك بفطنته وذكائه، ثم ولد بعد أيام لابي العيناء مولود فقال له : في أي وقت ولد لك ؟ قال : وقت السحر، فقال : اطرد قياسه وخرج في الوقت الذى يخرج فيه أمثاله – يعنى السؤال - يعرض بأن أبا العيناء شحاذ، وأن ولده خرج يشبهه (2).

هذا رجل قد أخذت عليه العهود ألا يكلمكم

ذكر أن الاحوص بن جعفر الكلابي أتاه آت من قومه فقال : إن رجلا لا نعرفه جاءنا، فلما دنا منا حيث نراه نزل عن راحلته فعلق على شجرة وطبا من لبن، ووضع في بعض أغصانها حنظلة، ووضع صرة من تراب وحزمة من شوك، ثم أثار راحلته، فاستوى عليها وذهب. وكان أيام حرب تميم وقيس عيلان فنظر الاحوص في ذلك، فعى به فقال : ارسلوا إلى قيس بن زهير فقال له : ألم تك أخبرتني أنه لا يرد عليك أمر إلا عرفت ما فيه ما لم تر نواصي الخيل ! قال : ما خبرك ؟ فأعلمه، فقال : (قد بين الصبح لذي عينين) هذا رجل قد أخذت عليه العهود ألا يكلمكم، ولا يرسل إليكم، وأنه قد جاء فأنذركم. أما الحنظلة فإنه يخبركم أنه قد أتاكم بنو حنظلة وأما الصرة من التراب، فإنه يزعم أنهم عدد كثير، وأما الشوك فيخبركم أن لهم شوكة، وأما الوطب فإنه يدلكم على قرب القوم وبعدهم فذوقوه فإن كان حلوا حليبا فالقوم قريب وإن كان قارصا فالقوم بعيد وإن كان المسيخ لا حلوا ولا حامضا، فالقوم لا قريب ولا بعيد فقاموا إلى الرطب فوجدوه حليبا، فبادروا الاستعداد وغشيتهم الخيل فوجدتهم مستعدين (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 269.

2) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 35.

3) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 35.

وجلدة بين العين والانف سالم

حكى أن قتيبة بن مسلم دخل على الحجاج وبين يديه كتاب قد ورد إليه من عبد الملك، وهو يقرؤه، ولا يعلم معناه، وهو مفكر، فقال : ما الذى أحزن الامير ؟ قال : كتاب ورد لا أعلم معناه ؟ فقال : إن رأى الامير إعلامى به ! فناوله إياه، وفيه : أما بعد فإنك سالم والسلام). فقال قتيبة : مالى إن استخرجت لك ما أراد به ؟ قال : ولاية خراسان، قال : إنه ما يسرك أيها الامير ويقر عينك إنما أراد قول الشاعر :

يديرونني عن سالم وأديرهم***وجلدة بين العين والانف سالم

أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر، فولاه خراسان (1).

بنو جمح

اعلم انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذم بني جمع فقال (وافلتتنى اعيار بني جمح) جمع عير وهو الحمار وقد كان مععائشة منهم يوم الجمل جماعة هربوا ولم يقتل منهم الا اثنان فممن هرب ونجا بنفسه عبد اللّه الطويل بن صفوان بن امية بن خلف بن وهب بن حذافة ابن جمح وكان شريفا وابن شريف وعاش حتى قتل مع ابن الزبير بمكة. ومنهم يحيى بن حكيم بن صفوان بن امية بن خلف عاش حتى استعمله عمرو بن سعيد الاشدق على مكة لما جمع له بین مكة والمدينة فاقام عمرو بالمدينة ويحيى بمكة ومنهم عامر بن مسعود بن امية بن خلف كان يسمی دحروجة الجعل لقصره وسواده وعاش حتى ولاه زیاد صدقات بكر بن وائل وولاه عبد اللّه بن الزبير بن العوام الكوفة. ومنهم أيوب بن حبيب بن علقمة بن ربيعة بن الاعور بن أهيب بن حذافة بن جمح عاش حتى قتل بقديد قتلته الخوارج. فهؤلاء الذين اعرف حضورهم الجمل مع عائشة من بني جمح وقتل من بنى جمع مع عائشة عبد الرحمن بن وهب بن اسید بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح وعبد اللّه ابن ربيعة بن دراج العنيس بن وهبان بن وهب بن حذافة بن جمح لا اعرف انه قتل من بنى جمح ذلك اليوم غيرهما (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 36.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 125.

ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد

روی عباس بن هشام الكلبي عن أبي مخنف في إسناده أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلى وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك، وكلموه فيه بكل كلام شديد، حتى أغضبوه، فخطب فقال : لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ، وإن رغمت به أنوف أقوام ! فقال له على : إذن تمنع من ذلك، ويحال بينك وبينه، فقال عمار : أشهد اللّه أن أنفى أول راغم من ذلك، فقال عثمان : أعلى يا بن ياسر تجترئ ! خذوه، فأخذ، ودخل عثمان، فدعا به فضربه حتى غشى عليه، ثم أخرج فحمل حتى أتى به منزل أم سلمة رضى اللّه تعالى عنها، فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضأ وصلى وقال : الحمد للّه ليس هذا أول يوم أوذينا في اللّه تعالى ! فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان عمار حليفا لبنی مخزوم - : يا عثمان أما على فاتقيته، وأما نحن فاجترأت علينا، وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف، أما والله لئن مات لاقتلن به رجلا من بني أمية عظيم الشان ! فقال عثمان : وإنك لها هنا يا بن القسرية، قال : فإنهما قسريتان - وكانت أم هشام وجدته قسريتين من بجيلة - فشتمه عثمان وأمر به فأخرج فإتى به أم ج، فإتى به أم سلمة رضى اللّه تعالى عنها، فإذا هي قد غضبت لعمار، وبلغ عائشة رضى اللّه تعالى عنها ما صنع بعمار، فغضبت أيضاً، وأخرجت شعرا من شعر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ونعلا من نعاله وثوبا من ثيابه وقالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد !

وروى آخرون أن السبب في ذلك أن عثمان مر بقبر جديد فسأل عنه، فقيل : عبد بن مسعود فغضب على عمار لكتمانه إياه موته إذ كان المتولي للصلاة عليه، والقيام بشأنه، فعندها وطئ عثمان عماراً حتى أصابه الفتق.

وروى آخرون أن المقداد وعمارا وطلحة والزبير وعدة من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان وخوفوه به وأعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع فأخذ عمار الكتاب فأتاه به فقرأ منه صدرا، ثم قال له : أعلى تقدم من بينهم ! فقال : لانى أنصحهم لك، قال : كذبت يا بن سمية ! فقال : أنا والله ابن سمية وابن ياسر ! فأمر عثمان غلمانا له، فمدوا بيديه ورجليه ثم ضربه عثمان برجليه - وهى في الخفين

على مذاكيره، فأصابه الفتق وكان ضعيفا كبيرا فغشى عليه (1).

فخر طويل لك يا ربيعة

عن عمرو بن شمر، قال : حدثني من أثق به من أهل العراق قال : لما التقينا بالقوم في ذلك اليوم، وجدناهم خمسة صفوف قد قيدوا أنفسهم بالعمائم فقتلنا صفا، ثم صفا، ثم خلصنا إلى الرابع ما على الارض شامی ولا عراقی یولی دبره، وأبو الاعور يقول :

إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا***صدود الخدود وازورار المناكب

صدود الخدود والقنا متشاجر***ولا تبرح الاقدام عند التضارب

والتقت في هذا اليوم همدان العراق بعك الشام، فقال قائلهم :

همدان همدان وعك وعك***ستعلم اليوم من الارك

وكانت على عك الدروع، وليس عليهم رايات فقالت : همدان : خدموا القوم أي اضربوا سوقهم - فقالت عك برك الكمل فبركوا كما يبرك الجمل ثم رموا الحجر وقالوا : لا نفر حتى يفر الحكر. واقتتل الناس من لدن اعتدال النهار إلى صلاة المغرب، ما كان صلاة القوم إلا التكبير عند مواقيت الصلاة. ثم إن أهل العراق كشفوا ميمنة أهل الشام فطاروا في سواد الليل وكشف أهل الشام ميسرة أهل العراق فاختلطوا في سواد الليل، وتبدلت الرايات بعضها ببعض، فلما أصبح الناس وجد أهل الشام لواءهم وليس حوله إلا ألف رجل فاقتلعوه وركزوه من وراء موضعه الاول وأحاطوا به، ووجد أهل العراق لواءهم مركوزا وليس حوله إلا ربيعة، وعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بينها، وهم محيطون به، وهو لا يعلم من هم ويظنهم غيرهم، فلما أذن مؤذن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفجر قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ).

يا مرحبا بالقائلين عدلا***وبالصلاه مرحبا وأهلا

ثم وقف وصلى الفجر، فلما انقتل أبصر وجوها ليست بوجوه أصحابه بالامس، وإذا مكانه الذي هو فيه ما بين الميسرة إلى القلب، فقال : من القوم ؟ قالوا : ربيعة، وإنك يا أمير المؤمنين لعندنا منذ الليلة فقال :

فخر طويل لك يا ربيعة


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 48.

ثم قال لهاشم بن عتبة : خذ اللواء : فو اللّه ما رأيت مثل هذه الليلة فخرج هاشم باللواء حتى ركزه في القلب (1).

أول من بايع أبا بكر ونقض دعوة سعد

أن أول من بايع أبا بكر بشير ابن سعد، وتزعم الخزرج أن أول من بايع أسيد بن حضير. قلت : بشير بن سعد خزرجي وأسيد بن حضير أوسى، وإنما تدافع الفريقان الروايتين تفاديا عن سعد بن عبادة وكراهية كل حي منهما أن يكون نقض أمره جاء من جهة صاحبه، فالخزرج هم أهله وقرابته لا يقرون أن بشير بن سعد هو أول من بايع أبا بكر وأبطل أمر سعد بن عبادة، ويحيلون بذلك على أسيد بن حضير لانه من الاوس أعداء الخزرج وأما الاوس فتكره أيضاً أن ينسب أسيد إلى أنه أول من نقض أمر سعد بن عبادة، كي لا يرموه بالحسد للخزرج لان سعد بن عبادة خزرجي، فيحيلون بانتقاض أمره على قبيلته - وهم الخزرج - ويقولون : أن أول من بايع أبا بكر ونقض دعوة سعد بن عبادة بشير بن سعد، وكان بشير أعور والذى ثبت عندي أن أول من بايعه عمر، ثم بشير بن سعد ثم أسيد بن حضير ثم أبو عبيدة بن الجراح، ثم سالم مولى أبي حذيفة.

وقد كان مالا أبا بكر وعمر على نقض أمر سعد وإفساد حاله رجلان من الانصار ممن شهد بدرا وهما عويم بن ساعدة ومعن بن عدى قلت : كان هذان الرجلان ذوى حب لابي بكر في حياة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، واتفق مع ذلك بغض وشحناء، كانت بينهما وبين سعد بن عبادة، ولها سبب مذكور في كتاب القبائل لابي عبيدة معمر بن المثنى فليطلب من هناك. وعويم بن ساعدة هو القائل لما نصب الانصار سعدا : يا معشر الخزرج إن كان هذا الأمر فيكم دون قريش فعرفونا ذلك، وبرهنوا حتى نبايعكم عليه، وإن كان لهم دونكم، فسلموا إليهم، فو اللّه ما هلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى عرفنا أن أبا بكر خليفة حين أمره أن يصلي بالناس فشتمه الانصار وأخرجوه، فانطلق مسرعا حتى التحق بأبي بكر، فشحذ عزمه على طلب الخلافة. ذكر هذا بعينه الزبير بن بكار في الموفقيات. وذكر المدائني والواقدى أن معن بن عدى اتفق هو وعويم بن ساعدة على تحريض أبي بكر وعمر على طلب الامر وصرفه عن الانصار قالا : وكان معن بن عدى يشخصهما


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 12.

إشخاصا ويسوقهما سوقا عنيفا إلى السقيفة مبادرة إلى الأمر قبل فواته.

فلما بويع أبو بكر، أقبلت الجماعة التي بايعته تزفه زفا إلى مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلما كان آخر النهار، افترقوا إلى منازلهم، فاجتمع قوم من الانصار وقوم من المهاجرين، فتعاتبوا فيما بينهم فقال عبد الرحمن بن عوف : يا معشر الانصار، إنكم وإن كنتم أولى فضل ونصر وسابقة ولكن ليس فيكم مثل أبى بكر ولا عمر ولا على ولا أبي عبيدة. فقال زيد بن أرقم : إنا لا ننكر فضل من ذكرت يا عبد الرحمن، وإن منا لسيد الانصار سعد بن عبادة، ومن أمر اللّه رسوله أن يقرئه السلام وأن يأخذ عنه القرآن أبي ابن كعب ومن يجى يوم القيامة إمام العلماء معاذ بن جبل، ومن أمضى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شهادته بشهادة رجلين : خزيمة بن ثابت وإنا لنعلم أن ممن سميت من قريش من لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد على بن أبي طالب. قال الزبير : فلما كان من الغد قام أبو بكر فخطب الناس، وقال : أيها الناس إلى وليت أمركم ولست بخيركم فإذا أحسنت فإعينوني وإن أسات فقوموني، أن لى شيطانا يعتريني فإياكم وإياى إذا غضبت لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف منكم قوى حتى أرد إليه حقه والقوى ضعيف حتى آخذ الحق منه إنه لا يدع قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع في قوم الفاحشة إلا عمهم البلاء، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت فلا طاعة لى عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

روی محمد بن إسحاق أن أبا بكر لما بويع افتحرت تيم بن مرة قال : وكان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الامر بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال الفضل بن العباس : يا معشر قريش وخصوصا يا بنى تيم، إنكم إنما أخذتم الخلافة بالنبوة، ونحن أهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الامر الذى نحن أهله لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسدا منهم لنا وحقدا علينا، وإنا لنعلم أن عند صاحبنا عهدا هو ينتهى إليه.

وقال بعض ولد أبى لهب بن عبد المطلب بن هاشم شعرا :

ما كنت أحسب أن الامر منصرف***عن هاشم ثم منها عن أبي حسن

أليس أول من صلى لقبلتكم***وأعلم الناس بالقرآن والسنن

وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن***جبريل عون له في الغسل والكفن

ما فيه ما فيهم لا يمترون به***وليس في القوم ما فيه من الحسن

ماذا الذي ردهم عنه فنعلمه***ها إن ذا غبننا من أعظم الغبن (1).

في الجوع وتقليل الطعام

اعلم أن تقليل المأكول لا ريب في انه نافع للنفس والاخلاق والتجربة قد دلت عليه لانا نرى المكثر من الاكل يغلبة النوم والكسل وبلادة الحواس وتتبخر المأكولات الكثيرة ابخرة كثيرة فتتصاعد إلى الدماغ فتفسد القوى النفسانية وايضا فان كثرة الماكل تزيل الرقه وتورث القساوة والسبعية والقياس أيضاً يقتضى ذلك لان كثرة المزاولات سبب لحصول الملكات فالنفس إذا توفرت على تدبير الغذاء وتصريفه كان ذلك شغلا شاغلا لها وعائقا عظيما عن انصبابها إلى الجهة الروحانية العالية ولكن ينبغى أن يكون تقليل الغذاء إلى حد وجب جوعا قليلا فان الجوع المفرط يورث ضعف الاعضاء الرئيسة واضطرابها واختلال قواها وذلك يقتضى تشويش النفس واضطراب الفكر واختلال العقل ولذلك تعرض الاخلاط السوداوية لمن أفرط عليه الجوع فاذن لا بد من اصلاح امر الغذاء بان يكون قليل الكمية كثير الكيفية فتؤثر قلة كميته في انه لا يشغل النفس بتدبير الهضم عن التوجه إلى الجهة العالية الروحانية وتؤثر كثرة كيفيته في تدارك الخلل الحاصل له من قلة الكمية ويجب أن يكون الغذاء شديد الامداد للاعضاء الرئيسة لانها هي المهمة من اعضاء البدن وما دمت باقيه على كمال حالها لا يظهر كثير خلل من ضعف غيرها من الاعضاء (2).

امثال مخترعة له لم يسبق بها

اتى عليه السلا بثلاثة امثال مخترعة له لم يسبق بها وإن كان قد سبق بمعناها وهى قوله (لا تجتمع عزيمة ووليمة) وقوله (ما انقض النوم العزئم اليوم) وقوله (وامحى الظلم لتذاكير الهمم).

فمما جاء للمحدثين من ذلك ما كتبه بعض الكتاب إلى ولده

خدمة السلطان والكاسات في ايدى الملاح


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 18.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 133.

ليس يلتامان فاطلب رفعه أو شرب راح.

ومثله قول آخر لولده

ما للمطيع هواه من الملام ملاذ

فاختر لنفسك هذا مجد وهذا التذاذ.

وقال آخر وليس فتى الفتيان من راح واغتدى لشرب صبوح أو لشرب غبوق و

لكن فتى الفتيان من راح واغتدى لضر عدو أو لنفع صديق (1).

ما زال ابن الجزار عدوا لنا أهل البيت.

روى عن عبد اللّه بن جعفر بن محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنه قال : لقد كاد عمرو بن العاص عمنا جعفرا بأرض الحبشة عند النجاشي، وعند كثير من رعيته بأنواع الكيد ردها اللّه تعالى عنه بلطفه رماه بالقتل والسرق والزنا فلم يلصق به شئ من تلك العيوب، لما شاهده القوم من طهارته وعبادته ونسكه وسيما النبوة عليه، فلما نبا معوله عن صفاته، هيأ له سما قذفه إليه في طعام، فأرسل اللّه هرا كفأ تلك الصحفة، وقد مد يده نحو ثم مات لوقته وقدأ كل منها. فتبين لجعفر كيده وغائلته فلم يأكل بعدها عنده، وما زال ابن الجزار عدوا لنا أهل البيت (2).

اخذ هذا المعنى أبو العلاء المعرى

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (تطئون في هامهم) اخذ هذا المعنى أبو العلاء المعرى

فقال خفف الوطء ما اظن اديم الارض الا من هذه الاجساد

رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الاضداد

ودفين على بقايا دفين من عهود الاباء والاجداد

صاح هذى قبورنا تملا الارض فاين القبور من عهد عاد

إن اسطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رفات العباد (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 143.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 307.

3) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 148.

قرات هذه الخطبة اكثر من ألف مرة

قال امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خطبة له : سلكوا في بطون البرزخ سبيلا سلطت الأرض عليهم فيه فاكلت من لحومهم وشربت من دمائهم فاصبحوا في فجوات قبورهم جمادا ينمون وضمارا لا يوجدون لا يفزعهم ورود الاهوال ولا يحزنهم تنكر الاحوال ولا يحفلون بالرواجف ولا ياذنون للقواصف غيبا لا ينتظرون وشهودا لا يحضرون وانما كانوا جميعا فتشتتوا والافا فافترقوا وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم عمیت اخبارهم وصمت ديارهم ولكنهم سقوا كاسا بدلتهم بالنطق خرسا وبالسمع صمما وبالحركات سكونا فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات جيران لا يتانسون واحباء لا يتزاورون بليت بينهم عرا التعارف وانقطعت منهم اسباب الاخاء فكلهم وحيد وهم جميع وبجانب الهجر وهم اخلاء لا يتعارفون لليل صباحا ولا لنهار مساء أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا شاهدوا من اخطار دارهم افظع مما خافوا وراوا من آياتها اعظم مما قدروا فكلا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فاتت مبالغ الخوف والرجاء فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ولئن عميت آثارهم وانقطعت اخبارهم لقد رجعت فيهم ابصار العبر وسمعت عنهم آذان العقول وتكلموا من غير جهات النطق فقالوا كلحت الوجوه النواضر وخوت الاجسام النواعم ولبسنا اهدام البلى وتكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة وتهدمت علينا الربوع الصموت فانمحت محاسن اجسادنا وتنكرت معارف صورنا وطالت في مساكن الوحشة اقامتنا ولم نجد من كرب فرجا ولا من ضيق متسعا فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك وقد ارتسخت اسماعهم بالهوام فاستكت واكتحلت ابصارهم بالتراب فخسفت وتقطعت الالسنة في افواههم بعد ذلاقتها وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها وسهل طرق الافة إليها مستسلمات فلا ايد تدفع ولا قلوب تجزع - لرايت اشجان قلوب واقذاء عيون لهم في كل فظاعة صفة حال لا تنتقل وغمرة لا تنجلي فكم اكلت الأرض من عزيز جسد وانيق لون كان في الدنيا غذى ترف وربيب شرف يتعلل بالسرور في ساعة حزنة ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به ظنا بغضارة عيشه وشحاحه بلهوه ولعبه فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه في ظل عيش غفول إذ وطئ الدهر به حسکه ونقضت الايام قواه ونظرت إليه الحتوف من كتب فخالطه بث لا يعرفه ونجى هم ما كان يجده

وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته ففزع إلى ما كان عوده الاطباء من تسكين الحار بالقار وتحريك البارد بالحار فلم يطفئ ببارد الا ثور حرارة ولا حرك بحار الا هیج برودة ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع الا آمد منها كل ذات داء حتى فتر معلله وذهل ممرضه وتعايا اهله بصفة دائه وخرسوا عن جواب السائلين عنه وتنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه فقائل هو لما به وممن لهم اياب عافيته ومصبر لهم على فقده يذكرهم اسى الماضين من قبله فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا وترك الاحبة إذ عرض له عارض من غصصه فتحيرت نوافذ فطنته ويبست رطوبة لسانه فكم من مهم من جوابه عرفه فعى عن رده ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصام عنه من كبير كان يعظمه أو صغير كان يرحمه وإن للموت لغمرات هي افظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول اهل الدنيا.

هذا موضع المثل (ملعا يا ظليم والا فالتخوية) من اراد أن يعظ ويخوف ويقرع صفاة القلب ويعرف الناس قدر الدنيا وتصرفها باهلها فليات بمثل هذه الموعظة في مثل هذا الكلام الفصيح والا فليمسك فان السكوت استر والعى خير من منطق يفضح صاحبه ومن تأمل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه والله ما والله ما سن الفصاحة لقريش غيره وينبغى لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس وتلى عليهم أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عدى بن الرقاع.

قلم اصاب من الدواة مدادها

فلما قيل لهم في ذلك قالوا انا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن وانى لاطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على أن طبعه مناسب لطباع الاسود والنمور وامثالهما من السباع الضارية ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا اراد الموعظة بكلام يدل على أن طبعه مشاكل لطباع الرهبان لابسى المسوح الذين لم ياكلوا لحما ولم يريقوا دما فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس الشيباني وعتيبة ابن الحارث اليربوعي وعامر بن الطفيل العامري وتارة يكون في صورة سقراط الحبر اليونانى ويوحنا المعمدان الاسرائيلي والمسيح بن مريم الالهى.

واقسم بمن تقسم الامم كلها به لقد قرات هذه الخطبة منذ خمسين سنة والى الان أكثر من ألف مرة ما مرة ما قراتها قط الا واحدثت عندي روعة وخوفا وعظة واثرت في قلبى وجيبا وفي اعضائي رعدة ولا تأملتها الا وذكرت الموتى من اهلي واقاربي وارباب ودى

وخيلت في نفسي انى انا ذلك الشخص الذي وصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاله وكم قد قال الواعظون والخطباء والفصحاء في هذا المعنى وكم وقفت على ما قالوه وتكرر وقوفي عليه فلم اجد لشئ منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي فاما أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله أو كانت نية القائل صالحة ويقينه كان ثابتا واخلاصه كان محضا خالصا فكان تأثير قوله في النفوس اعظم وسريان موعظته في القلوب ابلغ (1).

من شعر الشريف الرضي

قال الرضى الموسوي (رحمه اللّه تعالى) :

ألا للّه بادرة الطلاب وعزم لا يروع بالعتاب

وكل مشمر البردين يهوى هوى المصلتات إلى الرقاب

أعاتبه على بعد التنائي فيعذلني على قرب الاياب

رأيت العجز يخضع لليالي ويرضى عن نوائبها الغضاب

وآمل أن تطاوعني الليالى وينشب في المنى ظفري ونابى

ولو لا صولة الافدار دوني هجمت على العلا من كل باب

وقال أيضا :

لا يبذ الهموم إلا غلام يركب الهول والحسام درديف

ما يذل الزمان بالفقر حرا كيفما كان فالشريف شريف

وقال أيضاً (رحمه اللّه تعالى) :

ولست أضل في طرق المعالى ونار العز عالية الشعاع

ودون المجد رأى مستطيل وباع غير مجبوب الذراع

ويعجبنى البعاد كأن قلبي يحدث عن عدى بن الرقاع

فرد نهى العلاء بلا رقيب وشمر في الأمور بلا نزاع

ولا تغررك قعقعة الاعادي فذاك الصخر خر من اليفاع


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 150.

ونحن أحق بالدنيا ولكن تخيرت القطوف على الوساع

وقال أبو تمام :

السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح الاسود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب

والعلم في شهب الا رماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب

وقال أبو الطيب المتنبي :

حتى رجعت وأقلامي قوائل لى : المجد للسيف ليس المجد للقلم

اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به فإنما نحن للاسياف كالخدم

أسمعتني ودوائي ما أشرت به فإن غفلت فدائي قلة الفهم

من اقتضى بسوى الهندي حاجته أجاب كل سؤال عن (هل) بلم

قال عطاف بن محمد الالوسى :

أمكابد الزفرات مؤصدة تلتذ خوف القطع بالشلل

صرف همومك تنتدب همما فالسكر يعقب نشوة الثمل

ولليلة الميلاد مفرحة تنسى الحوامل أشهر الحبل

سر في البلاد تخوضها لججا فالدر ليس يصاب في الوشل

واجعل لصبوتك الظبا سكنا والدور أكوارا على الابل

والعيش والوطن الممهد في غرب الحسام وغارب الجمل

واشدد عليك وخذ إليك ودع ضعة الخمول وفترة الكسل

وارم العداة بكل صائبة ما الرمي موقوفا على ثعل

لا تحسب النكبات منقصة قد يستجاد السيف بالفلل

وقال عروة بن الورد :

لحا اللّه صعلوكا إذا جن ليله مصافي المشاش آلفا كل مجزر

يعد الغنى من نفسه كل ليلة أصاب قراها من صديق ميسر

ينام عشاء ثم يصبح ثم يصبح ناعسا يحت الحصا من جنبه المتعفر

يعين نساء الحى ما يستعنه ويمشى طليحا كالبعير المحسر

ولكن صعلوكا صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور

مطلا على أعدائه يزجرونه بساحتهم زجر المنيح المشهر

وإن قعدوا لا يأمنون اقترابه تشوف أهل الغائب المتنظر

فذلك إن يلق المنية يلقها حميدا وإن يستغن يوما فأجدر (1).

ما أحسن منظر رأيت في هذه الحرب ؟

قال يزيد بن المهلب في حرب جرجان لاخيه أبى عيينة : ما أحسن منظر رأيت في هذه الحرب ؟ قال : سيف بن أبى سيرة وبيضته، وكان عبد اللّه بن أبي سبرة حمل على غلام تركي قد أفرج الناس له وصدوا عنه لبأسه وشجاعته، فتضاربا ضربتين، فقتله ابن أبي سبرة بعد أن ضربه التركي في رأسه، فنشب سيفه في بيضة ابن أبي سبرة، فعاد إلى الصف وسيفه مصبوغ بدم التركي وسيف التركي ناشب في بيضته كجزء منها يلمع، فقال الناس : هذا كوكب الذنب، وعجبوا من منظره (2).

كذبتم وبيت اللّه نخلى محمدا

قال أبو طالب بن عبد المطلب :

لما برز على وحمزة وعبيدة (عليهم السلام) يوم بدر إلى عتبة وشبية والوليد قتل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوليد، وقتل حمزة شيبة على اختلاف في رواية ذلك : هل كان شيبة قرنه أم عتبة ؟ وتجالد عبيدة وعتبة بسيفيهما، فجرح عبيدة عتبة في رأسه وقطع عتبة ساق عبيدة فكر على وحمزة (عليهما السلام) على صاحبهما، فاستنقذاه من عتبة، وخبطاه بسيفيهما حتى قتلاه واحتملا صاحبهما، فوضعاه بين يدى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في العريش، وهو يجود بنفسه، وإن مخ ساقه ليسيل فقال : يا رسول اللّه لو كان أبو طالب حيا لعلم أني أولى منه بقوله :


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 255.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 257.

كذبتم وبيت اللّه نخلى محمدا ولما نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل

فبكى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقال : (اللهم أنجز لى ما وعدتني ؟ اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض) (1).

فما كنا فاعلين لا أم لك !

قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد : ويحك ! أقتلتم ذرية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ! فقال : عضضت بالجندل إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالاسود الضارية تحطم الفرسان يمينا وشمالا، وتلقى أنفسها على الموت لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها و بين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لاتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين لا أم لك ! (2).

اخفاء قبر امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قتل قصد بنوه أن يخفوا قبره خوفا من بني أمية أن يحدثوا في قبره حدثا، فأوهموا الناس في موضع قبره تلك الليلة - وهى ليلة دفنه - إيهامات مختلفة، فشدوا على جمل تابوتا موثقا بالحبال، يفوح منه روائح الكافور، وأخرجوه من الكوفة في سواد الليل صحبة ثقاتهم، يوهمون أنهم يحملونه إلى المدينة فيدفنونه عند فاطمة (عليها السلام)، وأخرجوا بغلا وعليه جنازة مغطاة، يوهمون أنهم يدفنونه بالحيرة، وحفروا حفائر عدة منها بالمسجد، ومنها برحبة القصر قصر الامارة ومنها في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة المخزومي، ومنها في أصل دار عبد اللّه ابن يزيد القسرى بحذاء باب الوراقين مما يلى قبلة المسجد، ومنها في الكناسة، ومنها في الثوية، فعمى على الناس موضع قبره ولم يعلم دفنه على الحقيقة إلا بنوه والخواص المخلصون من أصحابه فإنهم خرجوا به (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقت السحر في الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان فدفنوه على النجف بالموضع المعروف بالغرى، بوصاة منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليهم في ذلك، وعهد كان


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 257.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 263.

عهد به إليهم، وعمى موضع قبره على الناس، واختلفت الاراجيف في صبيحة ذلك اليوم اختلافا شديدا، وافترقت الاقوال في موضع قبره الشريف وتشعبت وادعى قوم أن جماعة من طيئ وقعوا على جمل في تلك الليلة، وقد أضله أصحابه ببلادهم، وعليه صندوق، فظنوا فيه مالا، فلما رأوا ما فيه خافوا أن يطلبوا به، فدفنوا الصندوق بما فيه ونحروا البعير وأكلوه، وشاع ذلك في بني أمية وشيعتهم، واعتقدوه حقا، فقال الوليد بن عقبة من أبيات يذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها :

فإن يك قد ضل البعير بحمله فما كان مهديا ولا كان هاديا (1).

ولم نسم نحن بعلى ولا بحسن ولا بحسين

قال إبراهيم : دخلت على جدى عيسى بن موسى مع أبي موسى فقال لى جدى : أتحب بني أمية ؟ فقال له موسى أبى : نعم إنهم أخواله فقال : والله لو رأيت جدك على ابن عبد اللّه بن العباس يضرب بالسياط ما أحببتهم ولو رأيت إبراهيم بن محمد يكره على إدخال رأسه في جراب النورة لما أحببتهم، وسأحدثك حديثا إن شاء اللّه أن ينفعك به نفعك : لما وجه سليمان بن عبد الملك ابنه أيوب بن سليمان إلى الطائف وجه معه جماعة فكنت أنا ومحمد بن على بن عبد اللّه جدى معهم، وأنا حينئذ حديث السن، وكان مع أيوب مؤدب له يؤدبه فدخلنا عليه يوما أنا وجدى، وذلك المؤدب يضربه، فلما رآنا الغلام أقبل على مؤدبه فضربه فنظر بعضنا إلى بعض، وقلنا : ما له قاتله اللّه ! حين رآنا كره أن نشمت به، ثم التفت أيوب إلينا، فقال : ألا أخبركم يا بني هاشم بأعقلكم وأعقلنا، أعقلنا من نشأ منا يبغضكم، وأعقلكم من نشأ منكم يبغضنا، وعلامة ذلك أنكم لم تسموا بمروان ولا الوليد ولا عبد الملك، ولم نسم نحن بعلى ولا بحسن ولا بحسين (2).

رأى ابن ابي الحديد في أمور وقعت من عمر

أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرمز في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لم أرد على الله، ولا على رسوله ساعة قط) إلى أمور وقعت من غيره، كما جرى يوم الحديبية عند سطر كتاب الصلح، فإن بعض الصحابة أنكر


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 81.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ج 7 ص 160.

ذلك، وقال : يا رسول اللّه ألسنا المسلمين ؟ قال : بلى قال : أو ليسوا الكافرين ؟ قال : بلى قال : فكيف نعطى الدنية في ديننا ! فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (إنما أعمل بما أومر به) فقام فقال لقوم من الصحابة : ألم يكن قد وعدنا بدخول مكة ! وها نحن قد صددنا عنها ثم ننصرف بعد أن أعطينا الدنية في ديننا والله لو أجد أعوانا لم أعط الدنية أبدا، فقال أبو بكر لهذا القائل : ويحك ! الزم غرزه فوالله إنه الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأن اللّه لا يضيعه. ثم قال له : أقال لك : إنه سيدخلها هذا العام ؟ قال : لا، قال : فسيدخلها فلما فتح النبي مكة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأخذ مفاتيح الكعبة، دعاه فقال : هذا الذي وعدتم به واعلم أن هذا الخبر صحيح لا ريب فيه، والناس كلهم رووه وليس عندي بقبيح ولا مستهجن أن يكون سؤال هذا الشخص لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عما سأله عنه على سبيل الاسترشاد والتماس الطمأنينة النفس، فقد قال اللّه تعالى لخليله إبراهيم : (أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى). وقد كانت الصحابة تراجع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الأمور، وتسأله عما يستبهم عليها وتقول له : أهذا منك أم من اللّه ؟ وقال له السعدان (رحمهما اللّه) يوم الخندق، وقد عزم على مصالحة الاحزاب ببعض تمر المدينة : تمر المدينة : أهذا من اللّه أم رأى رأيته من نفسك ؟ قال بل من نفسي، قالا : لا، والله لا نعطيهم منها تمرة واحدة وأيدينا في مقابض سيوفنا !. وقالت الانصار له يوم بدر، وقد نزل بمنزل لم يستصلحوه: أنزلت هذا المنزل عن رأى رأيت أم بوحى أوحى إليك ؟ قال : بل عن رأى رأيته، قالوا : إنه ليس لنا بمنزل، ارحل عنه فانزل بموضع كذا. وأما قول أبي بكر له : (الزم غرزه فو اللّه إنه لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) فإنما هو تأكيد وتثبيت على عقيدته التي في قلبه، ولا يدل ذلك على الشك، فقد قال اللّه تعالى لنبيه : (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا)، وكل أحد لا يستغنى عن زيادة اليقين والطمأنينة، وقد كانت وقعت من هذا القائل أمور دون هذه القصة، كقوله : دعني أضرب عنق أبي سفيان. وقوله : دعني أضرب عنق عبد اللّه بن أبي وقوله : دعني أضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة ونهى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن التسرع إلى ذلك، وجذبه ثوب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين قام على جنازة ابن سلول يصلى. وقوله : كيف تستغفر لرأس المنافقين ! وليس في ذلك جميعه ما يدل على وقوع القبيح منه، وإنما الرجل كان مطبوعا على الشدة والشراسة والخشونة، وكان يقول ما يقول على مقتضى السجية التي طبع عليها (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 180.

حكاية أبى حية النميري

كان لابي حية سيف ليس بينه وبين الخشب فرق، كان يسميه لعاب المنية فحكى عنه بعض جيرانه أنه قال : أشرفت عليه ليلة، وقد انتضاه وهو واقف بباب بيت في داره، وقد سمع فيه حسا، وهو يقول : أيها المغتر بنا المجترئ علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك ! خير قليل وسيف صقيل لعاب المنية الذى سمعت به مشهورة صولته ولا تخاف نبوته اخرج بالعفو عنك، لا أدخل بالعقوبة عليك إنى والله إن أدع قيسا، تملا الفضاء عليك خيلا ورجلا. سبحان اللّه ! ما أكثرها وأطيبها، والله ما أنت ببعيد من تابعها والرسوب في تيار لجتها ! وقال : وهبت ريح ففتحت الباب فخرج كلب يشتد فلبط بأبى حية واربد، وشعر برجليه، وتبادرت إليه نساء الحي، فقلن : يا أبا حية، لتفرخ روعتك، إنما هو كلب، فجلس وهو : يقول الحمد للّه الذي مسخك كلبا، وكفاني حربا (1).

عمر الدنيا

ذكر حمزة بن الحسن الاصفهاني في كتابه المسمى تواريخ الامم : أن اليهود تذهب إلى أن عدد السنين من ابتداء التناسل إلى سنة الهجرة لمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أربعة آلاف واثنتان وأربعون سنة وثلاثة أشهر. والنصارى تذهب إلى أن عدد ذلك خمسة آلاف وتسعمائة وتسعون سنة و ثلاثة أشهر. وأن الفرس تذهب إلى أن من عهد كيومرث والد البشر عندهم إلى هلاك يزد جرد بن شهريار الملك أربعة آلاف ومائة واثنتين وثمانين سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما ويسندون ذلك إلى كتابهم الذي جاء به زردشت، وهو الكتاب المعروف بأبستا. فأما اليهود والنصارى فيسندون ذلك إلى التوراة ويختلفون في كيفية استنباط المدة. وتزعم النصارى واليهود أن مدة الدنيا كلها سبعة آلاف سنة، قد ذهب منها ما ذهب وبقى ما بقى. وقيل : إن اليهود إنما قصرت المدة، لانهم يزعمون أن شيخهم الذي هو منتظرهم، يخرج في أول الالف السابع، فلولا تنقيصهم المدة وتقصيرهم أيامها لتعجل افتضاحهم، ولكن سيفتضحون فيما بعد عند من يأتي بعدنا من البشر. قال حمزة : وأما المنجمون فقد أتوا بما يغمز هذا كله فزعموا أنه قد مضى من الدنيا منذ أول يوم


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 109.

سارت فيه الكواكب من رأس الجمل إلى اليوم الذى خرج فيه المتوكل ابن معتصم بن الرشيد من سامراء إلى دمشق ليجعلها دار الملك، وهو أول يوم من المحرم سنة أربع وأربعين ومائتين للهجرة المحمدية أربعة آلاف ألف ألف ألف - ثلاث لفظات - وثلاثمائة ألف وعشرون ألف سنة، بسنى الشمس. قالوا : والذي مضى من الطوفان إلى صبيحة اليوم الذى خرج فيه المتوكل إلى دمشق ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وثلاثون سنة وعشرة أشهر واثنان وعشرون يوما. وذكر أبو الريحان البيرونى في كتاب الاثار الباقية عن القرون الخالية : أن الفرس والمجوس يزعمون أن عمر الدنيا اثنا عشر ألف سنة، على عدد البروج وعدد الشهور، وأن الماضي منها إلى وقت ظهور زردشت صاحب شریعتهم ثلاثة آلاف سنة، وبين ابتداء ظهور زردشت وبين أول تاريخ الاسكندر مائتان وثمان وخمسون سنة، وبين تاريخ الاسكندر وبين سنته التي كتبنا فيها شرح هذا الفصل - وهى سنة سبع وأربعين وستمائة للهجرة النبوية - ألف وخمسمائة وسبعون سنة، فعلى هذا يكون الماضي إلى يومنا هذا من أصل اثنى عشر ألف سنة أربعة آلاف وثمانمائة وثماني عشرة سنة، فيكون الباقي من الدنيا على قولهم أكثر من الماضي. وحكى أبو الريحان عن الهند في بعض كتبه أن مدة عمر الدنيا مقدار تضعيف الواحد من أول بيت في رقعة الشطرنج إلى آخر البيوت. فأما الاخباريون من المسلمين، فأكثرهم يقولون : إن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ويقولون أننا في السابع والحق أنه لا يعلم أحد هذا إلا اللّه تعالى وحده كما قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا) وقال : (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) ونقول مع ذلك كما ورد به الكتاب العزيز : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) و (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) و (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ). ولا نعلم كمية الماضي ولا كمية الباقي، ولكنا نقول كما أمرنا ونسمع ونطيع كما أدبنا، ومن الممكن أن يكون ما بقى قريبا عند اللّه وغير قريب عندنا، كما قال سبحانه : (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا* وَنَرَاهُ قَرِيبًا). وبالجملة هذا موضع غامض يجب السكوت عنه (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 196.

كلها بقى غير عنقها

أمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعض نسائه أن تقسم شاة على الفقراء فقالت : يا رسول الله، لم يبق منها غير عنقها، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كلها بقى غير عنقها. أخذ شاعر هذا المعنى فقال : يبكى على الذاهب من ما له وإنما يبقى الذى يذهب (1).

سياسة علي

سياسة علي وجريها على سياسة الرسول (عَلَيهِ السَّلَامُ) واعلم أن قوما ممن لم يعرف حقيقة فضل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، زعموا أن عمر كان أسوس منه وإن كان هو أعلم من عمر وصرح الرئيس أبو على بن سينا بذلك في (الشفاء) في الحكمة، وكان شيخنا أبو الحسين يميل إلى هذا وقد عرض به في كتاب (الغرر)، ثم زعم أعداؤه ومباغضوه أن معاوية كان أسوس منه وأصح تدبيرا، وقد سبق لنا بحث قديم في هذا الكتاب في بيان حسن سياسة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصحة تدبيره ونحن نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك مما يليق بهذا الفصل الذى نحن في شرحه. اعلم أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة إلا إذا كان يعمل برأيه، وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه، فبعيد أن يتنظم أمره، أو يستوثق حاله، وأمير المؤمنين كان مقيدا بقيود الشريعة، مدفوعا إلى اتباعها ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقا فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك، ولسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطاب، ولا ناسبين إليه ما هو منزه عنه، ولكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ويرى تخصيص عمومات النص بالاراء وبالاستنباط من أصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص، ويكيد خصمه، ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة ويؤدب بالدرة والسوط من يتغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقون به التأديب، كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤديه إليه نظره ولم يكن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى ذلك، وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعداها إلى الاجتهاد والاقيسة ويطبق أمور الدنيا على أمور الدين ويسوق الكل


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 209.

مساقا واحدا ولا يضيع ولا يرفع إلا بالكتاب والنص، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة، وكان عمر مع ذلك شديد الغلظة والسياسة، وكان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثير الحلم والصفح والتجاوز، فازدادت خلافة ذاك قوة وخلافة هذا لينا ولم يمن عمر بما منى به على (عَلَيهِ السَّلَامُ) من فتنة عثمان التى أحوجته إلى مداراة أصحابه وجنده ومقاربتهم، للاضطراب الواقع بطريق تلك الفتنة، ثم تلا ذلك فتنة الجمل، وفتنة صفين ثم فتنة النهروان وكل هذه الامور مؤثرة في اضطراب أمر الوالى وانحلال معاقد ملكه، ولم يتفق لعمر شئ من ذلك، فشتان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة وصحة تدبير الخلافة. !(1).

قد يوافي بالمنيات السحر

قال الشاعر :

وبينما المرء في الاحياء مغتبط إذ صار في اللحد تسفيه الاعاصير

وقال آخر :

لا يغرنك عشاء ساكن قد يوافي بالمنيات السحر

وقال عبيد اللّه بن طاهر :

وإذا ما أعارك الدهر شيئا فهو لا بد آخذ ما أعارا

آخر :

يغر الفتى مر الليالي سليمة وهن به عما قليل عواثر

وقال آخر

ورب غنى عظيم الثراء أمسى مقلا عديما فقيرا

وكم بات من مترف في القصور فعوض في الصبح عنها القبورا (2).

إنما هو عيد لمن قبل اللّه صيامه

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض الأعياد : إنما هو عيد لمن قبل اللّه صيامه وشكر قیامه وكل يوم لا نعصي اللّه فيه فهو يوم عيد.


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 212.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 71.

نقله بعض المحدثين إلى الغزل فقال : قالوا أتى العيد قلت أهلا إن جاء بالوصل فهو عيد من ظفرت بالمنى يداه فكل إيامه سعود.

ورأيت بعض الصوفية وقد سمع هذين البيتين من مغن حاذق فطرب وصفق وأخذهما لمعنى عنده

وقد قال بعض المحدثين في هذا المعنى ايضا :

قالوا أتى العيد والايام مشرقة وأنت تبكي وكل الناس مسرور

فقلت إن واصل الاحباب كان لنا عيدا وإلا فهذا اليوم عاشور (1).

لم يبغض الجاهل العالم

قيل لافلاطون : لم يبغض الجاهل العالم، ولا يبغض العالم الجاهل ؟ فقال : لان الجاهل يستشعر النقص في نفسه، ويظن إن العالم يحتقره ويزدريه فيبغضه، والعالم لا نقص عنده ولا يظن إن الجاهل يحتقره، فليس عنده سبب لبغض الجاهل (2).

سكرات خمس

وقال الشاعر :

سكرات خمس إذا منى المرء بها صار عرضه للزمان

سكرة المال والحداثة والعشق وسكر الشراب والسلطان

وقال آخر :

يا بن وهب والمرء في دولة السلطان أعمى ما دام يدعى أميرا

فإذا زالت الولاية عنه واستوى بالرجال عاد بصيرا

وقال البحترى :

وتاه سعيد أن أعير رياسة وقلد أمرا كان دون رجال

وضاق على حقى بعقب اتساعه فأوسعته عذرا لضيق احتمال


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 73.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 86.

فأدبر عنى عند إقبال حظه وغير حالي عنده حسن حاله

فليت أبا عثمان أمسك تيهة كأمساكه عند الحقوق بماله (1).

حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك

قالت الهند : حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك كان غذاؤك منهما وأنت جنين وكان غذاؤهما منك.

قال ابن الرومي :

وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا (2).

سيقتل نفسه بجراءته

شتم بعض سفهاء البصرة الاحنف شتما قبيحا فحلم عنه، فقيل له في ذلك فقال : دعوه فإني قد قتلته بالحلم عنه، وسيقتل نفسه بجراءته، فلما كان بعد أيام جاء ذلك السفيه فشتم زيادا، وهو أمير البصرة حينئذ، وظن إنه كالاحنف فأمر به فقطع لسانه ویده (3).

لو اقرأته القرآن فهو خير له

دخل غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعي على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيام خلافته، وغالب شيخ كبير، ومعه ابنه همام الفرزدق وهو غلام يومئذ فقال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): من الشيخ ؟ قال : أنا غالب بن صعصعة قال : ذو الابل الكثيرة ؟ قال : نعم، قال : ما فعلت أبلك ؟ قال : ذعذعتها الحقوق وأذهبتها الحملات والنوائب قال : ذاك أحمد سبلها من هذا الغلام معك ؟ قال : هذا ابني قال : ما اسمه؟ قال : همام، وقد رويته الشعر يا أمير المؤمنين وكلام العرب، ويوشك أن يكون شاعرا مجيدا، فقال : لو اقرأته القرآن فهو خير له فكان الفرزدق بعد يروى هذا الحديث ويقول ما زالت كلمته في نفسي حتى قيد نفسه بقيد والى الا يفكه حتى يحفظ القرآن، فما فكه حتى حفظه (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 88.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 92.

3) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 95.

4) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 96.

يخرج من ثقيف كذاب ومبير

قال يعلى بن حرملة : دخلت مكة بعد ما قتل عبد اللّه بن الزبير بثلاثة أيام، فإذا هو مصلوب فجاءت أمه أسماء، وكانت امرأة عجوزا طويلة مكفوفة البصر تقاد، فقالت للحجاج : أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟ فقال لها : المنافق ؟ قالت : والله ما كان منافقا، ولكنه كان صواما قواما براء قال : انصرفي فإنك عجوز قد خرفت قالت : لا والله ما خرفت وإني سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : (يخرج من ثقيف كذاب ومبير)، أما الكذاب فقد رأيناه - تعنى المختار - وأما المبير فانت(1).

علمهما الفقه

حدثني فخار بن معد العلوي الموسوي (رحمه اللّه) قال : رأى المفيد أبو عبد اللّه محمد بن النعمان الفقيه الامام في منامه كأن فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها : الحسن والحسين (عليهما السلام)، صغيرين فسلمتهما إليه، وقالت له : علمهما الفقه. فانتبه متعجبا من ذلك، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر، وحولها جواريها وبين يديها ابناها محمد الرضي وعلي المرتضى صغيرين، فقام إليها وسلم عليها، فقالت له : أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما لتعلمهما الفقه فبكى أبو عبد اللّه وقص عليها المنام، وتولى تعليمهما الفقه، وأنعم اللّه عليهما، وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا، وهو باق ما بقي الدهر (2).

اشعار في وصف القبور والموتى

اعلم أن الناس قد قالوا في حال الموتى فاكثروا فمن ذلك قول الرضى ابى الحسن (رحمه اللّه تعالى) :

أعزز على بان نزلت بمنزل متشابه الامجاد بالاوغاد

في عصبة جنبوا إلى آجالهم والدهر يعجلهم عن الارواد


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 106.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 41.

ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم من غير اطناب ولا إعماد

ركب اناخوا لا يرجى منهم قصد لاتهام ولا انجاد

كرهوا النزول فانزلتهم وقعة للدهر باركة بكل مفاد

فتهافتوا عن رحل كل مذلل وتطاوحوا عن سرج كل جواد

بادون في صور الجميع وانهم متفردون تفرد الاحاد.

قوله (بادون في صور الجميع) ماخوذ من قول امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فكلهم وحيد وهم جميع).

وقال ايضا :

ولقد حفظت له فاين حفاظه ولقد وفيت له فاين وفاؤه

اوعى الدعاء فلم يجبه قطيعة ام ضل عنه من البعاد دعاؤه

هيهات اصبح سمعه وعيانه في الترب قد حجبتهما اقذاؤه

يمسى ولين مهادة حصباؤه فيه ومؤنس ليله ظلماؤه

قد قلبت اعيانه وتنكرت اعلامه وتكسفت اضواؤه

مغف وليس للذة اغفاؤه مغض وليس لفكرة اغضاؤه

وجه كلمع البرق غاض وميضه قلب كصدر العضب فل مضاؤه

حكم البلى فيه فلو تلقى به اعداءه لرتی له اعداؤه.

وقال أبو العلاء :

استغفر اللّه ما عندي لكم خبر ومخطابي الا معشرا قبروا

اصبحتم في البلى غيرا ملابسكم من الهباء فاين البرد والقطر

كنتم على كل خطب فادح صبرا فهل شعرتم وقد جادتكم الصبر

وما درى يوم احد بالذين ثووا فيه ولا يوم بدر انهم نصروا.

وقال أبو عارم الكلابي :

ا جازعة ردينه أن اتاها نعيى ام يكون لها اصطبار

إذا ما اهل قبري ودعوني وراحوا والاكف بها غبار

وغو در اعظمي في لحد قبر تراوحه الجنائب والقطار

تهب الريح فوق محط قبري ويرعى حوله اللهق النوار

مقيم لا يكلمه صديق بقبر لا ازور ولا ازار

فذاك الناى لا الهجران حولا وحولا ثم تجتمع الديار (1).

مدينة قد ملكها سبعة املاك من بيت واحد وبادو

مر الاسكندر بمدينة قد ملكها سبعة املاك من بيت واحد وبادو فسال هل بقى من نسلهم احد قالوا بقى واحد وهو يلزم المقابر فدعا به فسأله لم تلزم المقابر قال اردت أن اميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء قال هل لك أن تلزمني حتى انيلك بغيتك قال لو علمت انك تقدر على ذلك للزمتك قال وما بغيتك قال حياة لا موت معها قال لن اقدر على ذلك قال فدعني اطلبه ممن يقدر عليه (2).

لنفسه نظر

أرسل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الاشتر، فقال : يا مال إن زيادا وشريحا أرسلا إلى يعلماننى أنهما لقيا أبا الاعور السلمى في جند من أهل الشام بسور الروم، ونبأني الرسول أنه تركهم متواقفين فالنجاء النجاء إلى أصحابك، فإذا أتيتهم فأنت عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إن لم يبدءوك، والقهم واسمع منهم، ولا يجرمنك شنانهم على قتالهم قبل دعائهم والاعذار إليهم مرة بعد مرة واجعل على ميمنتك زيادا، وعلى ميسرتك شريحا، وقف من أصحابك وسطا، ولا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تتباعد عنهم تباعد من يهاب الناس حتى أقدم عليك، فإنى حثيث السير إليك إن شاء اللّه قال : وكتب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليهما - وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي - أما بعد فإني قد

: أمرت عليكما مالكا، فاسمعا له وأطيعا أمره وهو ممن لا يخاف رهقه ولا سقاطه ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل، وقد أمرته بمثل الذى أمرتكما، ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم ويدعوهم، ويعذر إليهم إن شاء الله. قال :


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 156.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 158.

فخرج الاشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكف عن القتال، فلم يزالوا متواقفين، حتى إذا كان عند المساء، حمل عليهم أبو الأعور فثبتوا له واضطربوا ساعة. ثم إن أهل الشام انصرفوا ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عدتها وعددها، فخرج إليهم أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال وصبر بعضهم لبعض، ثم انصرفوا وبكر عليهم الاشتر فقتل من أهل الشام عبد اللّه بن المنذر التنوخي قتله ظبيان بن عمارة التميمي، وما هو يومئذ إلا فتى حديث السن. وإن كان الشامي لفارس أهل الشام، وأخذ الاشتر يقول : ويحكم أرونى أبا الاعور ! ثم إن أبا الاعور دعا الناس، فرجعوا نحوه فوقف على تل من وراء المكان الذى كان فيه أول مرة، وجاء الاشتر حتى صف أصحابه في المكان الذى كان فيه أبو الأعور أول مرة فقال الاشتر لسنان بن مالك النخعي، انطلق إلى أبو الأعور، فادعه إلى المبارزة فقال : إلى مبارزتي أم إلى مبارزتك ؟ فقال : أولو أمرتك بمبارزته فعلت ؟ قال : نعم والذى لا إله إلا هو لو أمرتنى أن أعترض صفهم بسيفي لفعلت حتى أضربه بالسيف. فقال : يا بن أخي أطال اللّه بقاءك ! قد والله ازددت فيك رغبة لا ما أمرتك بمبارزته، إنما أمرتك أن تدعوه لمبارزاتي، فإنه لا يبارز - إن كان ذلك من شأنه - إلا ذوى الاسنان والكفاءة والشرف وأنت بحمد اللّه من أهل الكفاءة والشرف، ولكنك حديث السن، وليس يبارز الاحداث، فاذهب فادعه إلى مبارزتي. فأتاهم فقال : أنا رسول فأمنوني، فجاء حتى انتهى إلى أبى الأعور، قال : فقلت له : إن الاشتر يدعوك إلى المبارزة، قال : فسكت عنى طويلا، ثم قال : إن خفة الاشتر وسوء رأيه وهوانه : دعاه إلى إجلاء عمال عثمان وافترائه عليه يقبح محاسنه، ويجهل حقه، ويظهر عداوته. ومن خفة الاشتر وسوء رأيه أنه سار إلى عثمان في داره وقراره فقتله فيمن قتله، وأصبح متبعا بدمه لا حاجة لى في مبارزته. فقلت : إنك قد تكلمت فاسمع حتى أجيبك فقال : لا حاجة لى في جوابك ولا الاستماع منك، اذهب عنى، وصاح بي أصحابه فانصرفت عنه، ولو سمع لاسمعته عذر صاحبي وحجته. فرجعت إلى الاشتر؛ فأخبرته أنه قد أبى المبارزة فقال : لنفسه نظر قال : فتواقفنا، فإذا هم قد انصرفوا. قال : وصبحنا على (عَلَيهِ السَّلَامُ) غدوة سائرا نحو معاوية، فإذا أبو الأعور قد سبق إلى سهولة الارض وسعة المنزل، وشريعة الماء، مكان أفيح، وكان أبو الأعور على مقدمة معاوية، واسمه سفيان بن عمرو وقد جعل على ساقته بسر بن أرطاة العامري، وعلى الخيل عبيد

الله بن عمر بن الخطاب ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليا بن الوليد، وجعل على میمنته حبیب بن مسلمة الفهري وعلى رجالته من الميمنة يزيد بن زجر الضبى، وعلى الميسرة عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وعلى الرجالة من الميسرة حابس بن سعيد الطائي، وعلى خيل دمشق الضحاك بن قيس الفهرى وعلى رجالة أهل دمشق يزيد بن أسد بن كرز البجلي، وعلى أهل حمص ذا الكلاع وعلى أهل فلسطين مسلمة بن مخلد، وكان وصول على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى صفين لثمان بقين من المحرم من سنة سبع و وثلاثين (1).

الأقوال في علم اللّه

القول الأول : قول جمهور المتكلمين، وهو أن البارئ سبحانه يعلم كل معلوم : الماضي والحاضر والمستقبل، ظاهرها وباطنها، ومحسوسها وغير محسوسها، فهو تعالى العالم بما كان وما هو حاضر، وما سيكون وما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون كقوله تعالى : (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، فهذا علم بأمر مقدر على تقدير وقوع أصله الذي قد علم أنه لا يكون.

القول الثاني : قول من زعم أنه تعالى لا يعلم الامور المستقبلة، وشبهوه بكونه مدركا، قالوا : كما أنه لا يدرك المستقبلات، فكذلك لا يعلم المستقبلات.

القول الثالث : قول من زعم أنه لا يعلم الامور الحاضرة، وهذا القول نقيض القول الثاني، وشبهوه بكونه قادرا، قالوا : كما أنه لا يقدر على الموجود، فكذلك لا يعلم الموجود.

القول الرابع : قول من زعم أنه تعالى لا يعلم نفسه خاصة، ويعلم كل ما عدا ذاته،

القول الخامس : قول من قال إنه تعالى لم يكن فيما لم يزل عالما بشئ أصلا، وإنما أحدث لنفسه علما علم به الاشياء، وهو قول جهم بن صفوان.

القول السادس : قول من قال إنه تعالى لا يعلم كل المعلومات على تفاصيلها، وإنما يعلم ذلك إجمالا وهؤلاء يسمون المسترسلية، لانهم يقولون : يسترسل علمه على المعلومات إجمالا لا تفصيلا، وهو مذهب الجوينى من متكلمي الاشعرية.


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 212.

القول السابع : قول من قال إنه تعالى يعلم المعلومات المفصلة ما لم يفض القول به إلى محال وزعموا أن القول بأنه يعلم كل شئ يفضي إلى محال، وهو أن يعلم ويعلم أنه يعلم، وهلم جرا إلى ما لا نهاية له وكذلك المحال لازم إذا قيل إنه يعلم الفروع وفروع الفروع ولوازمها ولوازم لوازمها إلى ما لا نهاية له. قالوا : ومحال اجتماع كل هذه العلوم غير المتناهية في الوجود، وهذا مذهب أبى البركات البغدادي صاحب المعتبر.

القول الثامن : قول من زعم أنه تعالى لا يعلم الشخصيات الجزئية، وإنما يعلم الكليات التي لا يجوز عليها التغيير، كالعلم بأن كل إنسان حيوان، ويعلم نفسه أيضاً، وهذا مذهب أرسطو وناصري قوله من الفلاسفة كابن سينا وغيره.

القول التاسع : قول من زعم أنه تعالى لا يعلم شيئا أصلا، لا كليا ولا جزئيا، وإنما وجد العالم عنه لخصوصية ذاته فقط من غير أن يعلمه كما أن المغناطيس يجذب الحديد لقوة فيه من غير أن يعلم بالجذب، وهذا قول قوم من قدماء الفلاسفة (1).

لكني لا ارجو ولا والله من المائة اثنين

وروى أبو مخنف، عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال : دخلت على على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكنت حاضرا بالمدينة يوم بويع عثمان، فإذا هو واجم كتيب، فقلت : ما اصاب قوم صرفوا هذا الأمر عنكم ! فقال صبر جميل ! فقلت : سبحان اللّه انك لصبور قال : فاصنع ماذا ؟ قلت : تقوم في الناس خطيبا فتدعو هم إلى نفسك، وتخبرهم انك اولى بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالعمل والسابقة وتسالهم النصر على هؤلاء المتظاهرين عليك، فان اجابك عشرة من مائه شددت بالعشرة على المائه، فان دانوا لك كان ما أحببت وان أبوا قاتلتهم فان ظهرت عليهم فهو سلطان اللّه آتاه نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكنت اولی به منهم إذ ذهبوا بذلك، فرده اللّه اليك وان قتلت في طلبه فقتلت شهيدا وكنت أولى بالعذر عند اللّه تعالى في الدنيا والاخرة. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أو تراه كان تابعي من كل مائه عشرة ! قلت : لارجو ذلك قال : لكني لا ارجو ولا والله من المائة اثنين وساخبرك من اين ذلك ! ان الناس انما ينظرون إلى قريش فيقولون : هم قوم محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقبيلته، وان قريشا تنظر الينا فتقول : ان لهم بالنبوة فضلا على سائر قريش وانهم اولياء هذا الامر دون قريش والناس وانهم ان ولوه


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 218.

لم يخرج هذا السلطان منهم إلى احد ابدا ومتى كان في غيرهم تداولتموه بينكم فلا والله لا تدفع قريش الينا هذا السلطان طائعة ابدا قلت : أفلا ارجع إلى المصر فاخبر الناس بمقالتك هذه وأدعو الناس إليك فقال يا جندب ليس هذا زمان ذلك فرجعت فكلما ذكرت للناس شيئا من فضل على زبرونى ونهروني حتى رفع ذلك من أمرى للوليد بن عقبة فبعث إلى فحبسني (1).

إنا أهل البيت لا نفر

قدم على المنصور قادم فقال: هرب محمد ابن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)! فقال له : كذبت ! إنا أهل البيت لا نفر (2).

فما عسى أن أقول في حسبه ! وأما بأسه فهو الشجاع المطرق

لما قدم عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص : إن اللّه قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد اللّه بن عمر، وقد رأيت أن أقيمه خطيبا يشهد على على بقتل عثمان، وينال منه فقال : الرأى ما رأيت فبعث إليه، فأتاه فقال له معاوية : يا بن أخى إن لك اسم أبيك فانظر بملء عينيك، وانطق بملء فيك، فأنت المأمون المصدق، فاصعد المنبر واشتم عليا، واشهد عليه أنه قتل عثمان. فقال : أيها الامير، أما شتمه، فإن أباه أبو طالب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما أن أقول في حسبه ! وأما بأسه فهو الشجاع المطرق، وأما أيامه فما قد عرفت ولكني ملزمه دم عثمان، فقال عمرو بن العاص : قد وأبيك إذن نكأت القرحة. فلما خرج عبيد اللّه بن عمر قال معاوية : أما والله لو لا قتله الهرمزان، ومخافته عليا على نفسه ما أتانا أبدا ألا ترى إلى تقريظه عليا ! فقال عمرو : يا معاوية إن لم تغلب فاخلب، قال : وخرج حديثهما إلى عبيد اللّه فلما قام خطيبا تكلم بحاجته، فلما انتهى إلى أمر على أمسك ولم يقل شيئا فلما نزل بعث إليه معاوية : يا بن أخي، إنك بين عى وخيانة، فبعث إليه : إنى كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان وعرفت أن الناس محتملوها عنى فتركتها. قال : فهجره معاوية واستخف به وفسقه، فقال عبيد اللّه :


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 266.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 308.

معاوى لم أحرض بخطبة خاطب ولم أك عيا في لؤى بن غالب

ولكننى زاولت نفسا أبية على قذف شيخ بالعراقين غائب

وقذفي عليا بابن عفان جهرة كذاب وما طبي سجايا المكاذب

ولكنه قد قرب القوم جهده ودبوا حواليه دبيب العقارب

فما قال : أحسنتم ولا قد أسأتم وأطرق إطراق الشجاع المواثب

فأما ابن عفان فأشهد أنه أصيب بريئا لابسا ثوب تائب

وقد كان فيها للزبير عجاجة وطلحة فيها جاهد غير لاعب

وقد أظهرا من بعد ذلك توبة فياليت شعرى ما هما في العواقب !

قال : فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه وقال : حسبی هذا منك (1).

أوصيك بما أوصى به البكري زيدا

كتب عبد الملك إلى الحجاج (أوصيك بما أوصى به البكري زيدا، والسلام). فلم يفهم الحجاج ما أراد عبد الملك فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبار العرب، فلم يعلموه، فقال : من جاءني بتفسيره فله عشره آلاف درهم، وورد رجل من أهل الحجاز يتظلم من بعض العمال، فقال له قائل : أتعلم ما أوصى به البكري زيدا ؟ قال : نعم أعلمه فقيل له : فأت الامير، فأخبره ولك عشرة آلاف درهم، فدخل عليه فسأله فقال : نعم أيها الامير إنه يعنى قوله : أقول لزيد لا تترتر فإنهم يرون المنايا دون قتلك أو قتلى فإن وضعوا حربا فضعها، وإن أبوا فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلى وإن رفعوا الحرب العوان التى ترى فشب وقود النار بالحطب الجزل فقال الحجاج : أصاب أمير المؤمنين فيما أوصاني، وأصاب البكري فيما أوصى به زيدا، وأصبت أيها الاعرابي ودفع إليه الدراهم.

وكتب إلى المهلب : إن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا، وأنا أوصيك بذلك، وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه فنظر المهلب في وصية الحارث بن كعب، فإذا فيها : يا بنى كونوا جميعا ولا تكونوا شيعا فتفرقوا، وبزوا قبل أن تبزوا.


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 100.

الموت في قوة وعز، خير من الحياة في ذل وعجز. فقال المهلب : صدق البكري وأصاب، وصدق الحارث وأصاب (1).

سمى المرقال

وهاشم بن عتبة هو المرقال سمى المرقال لانه كان يرقل في الحرب إرقالا وهو من شيعة على، (2).

ولاية قيس بن سعد على مصر ثم عزله

أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس هو الذي حرض المصريين على قتل عثمان وندبهم إليه وكان حينئذ بمصر، فلما ساروا إلى عثمان وحصروه وثب هو بمصر على عامل عثمان عليها وهو عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤى فطرده عنها وصلى بالناس فخرج ابن أبي سرح من مصر، ونزل على تخوم أرضها مما يلى فلسطين، وانتظر ما يكون من أمر عثمان، فطلع عليه راكب، فقال له : يا عبد الله، ما وراءك ؟ ما خبر الناس بالمدينة ؟ قال : قتل المسلمون عثمان، فقال ابن أبى سرح : إنا للّه وإنا إليه راجعون ! ثم صنعوا ماذا يا عبد اللّه ؟ قال : بايعوا ابن عم رسول اللّه على بن أبى طالب فقال ثانية : إنا للّه وإنا إليه راجعون ! فقال الرجل : أرى أن ولاية على عدلت عندك قتل عثمان ! قال : أجل، فنظر إليه متأملا له فعرفه فقال : أظنك عبد اللّه بن سعد بن أبي أبي سرح أمير مصر ! قال : أجل قال : إن كانت لك في الحياة حاجة فالنجاء النجاء، فإن رأي على فيك وفى أصحابك إن ظفر بكم قتلكم أو تفاكم عن بلاد المسلمين، وهذا أمير تقدم بعدى عليكم. قال : ومن الامير ؟ قال : فيس بن سعد بن عبادة. فقال ابن أبي سرح : ابن أبي حذيفة فإنه بغى على ابن عمه، وسعى عليه وقد كان كفله ورباه وأحسن إليه وأمن جواره فجهز الرجال إليه حتى قتل، ووثب على عامله وخرج ابن أبي سرح حتى قدم على معاوية بدمشق (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 37.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 56.

3) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 57.

بلغني أيها الملك أن الاسد يردها فخفته

يروى أن رجلا من خواص كسرى أحب الملك امرأته فكان يختلف إليها سرا وتختلف إليه، فعلم بذلك فهجرها وترك فراشها فأخبرت كسرى، فقال له يوما : بلغني أن لك عينا عذبة، وأنك لا تشرب منها ! فقال : بلغني أيها الملك أن الاسد يردها فخفته، فتركتها له فاستحسن ذلك منه ووصله (1).

إذا غاب عنها بعلها لا أزورها

قال حاتم : وما تشتكينى جارتي غير أننى إذا غاب عنها بعلها لا أزورها

سيبلغها خيرى ويرجع بعلها إليها ولم يسبل على ستورها

فكنى بإسبال الستر عن الفعل، لانه يقع عنده غالبا.

ويشبه قول حاتم في الكناية المقدم ذكرها قول بشار بن بشر :

وإنى لعف عن زيارة جارتي وإنى لمشنوء إلى اغتيابها

ولم أك طلابا أحاديث سرها ولا عالما من أي حوك ثيابها

إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها زء ورا ولم تنبح على كلابها

إذا سد باب عنك من دون حاجة فذرها لاخرى لين لك بابها

ومن جيد الكناية عن العفة قول عقيل بن علقة المرى :

ولست بسائل جارات بيتى أغياب رجالك أم شهود

ولا ملق لذى الودعات سوطي ألاعبه وريبته أريد

ومن جيد ذلك ومختاره قول مسكين الدارمي :

ناری و نار الجار واحدة وإليه قبلى تنزل القدر

ما ضر جارا لى أجاوره ألا يكون لبابه ستر

أعمى إذا ما جارتي برزت حتى يوارى جارتي الخدر (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 41.

2) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 41.

خذ إليك أبا الاملاك، قد سميته عليا

• وقد جاءت الرواية أن أمير المؤمنين عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما ولد لعبد اللّه لما ولد لعبد اللّه بن العباس مولود فقده وقت صلاة الظهر، فقال : ما بال ابن العباس لم يحضر ! قالوا : ولد له ولد ذكر، يا أمير المؤمنين قال : فامضوا بنا إليه فأتاه فقال له : شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب ! ما سميته ؟ فقال : يا أمير المؤمنين، أو يجوز لى أن أسميه حتى تسميه ! فقال : أخرجه إلى فأخرجه فأخذه فحنكه ودعا له ثم رده إليه، وقال : خذ إليك أبا الاملاك، قد سميته عليا وكنيته أبا الحسن قال : فلما قدم معاوية خليفة، قال لعبد اللّه بن العباس : لا أجمع لك بين الاسم والكنية قد كنيته أبا محمد، فجرت عليه.

قال ابن ابي الحديد : سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد (رحمه اللّه تعالى) فقلت له : من أي طريق عرف بنو أمية أن الامر سينتقل عنهم، وأنه سيليه بنو هاشم، وأول من يلى منهم يكون اسمه عبد اللّه ؟ ولم منعوهم عن مناكحة بني الحارث بن كعب لعلمهم أن أول من يلى الامر من بنى هاشم تكون أمه حارثية ؟ وبأي طريق عرف بنو هاشم أن الامر سيصير إليهم، ويملكه عبيد أولادهم حتى عرفوا صاحب الامر بعينه، كما قد جاء في الخبر ! فقال : أصل هذا كله محمد بن الحنفية ثم ابنه عبد اللّه المكنى أبا.هاشم قلت له : أفكان محمد بن الحنفية مخصوصا من أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعلم يستأثر به على أخويه حسن وحسين (عليهما السلام) ؟ قال : لا، ولكنهما كتما وأذاع ثم قال : قد صحت الرواية عندنا عن أسلافنا وعن غيرهم من أرباب الحديث، أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قبض أتى محمد ابنه أخويه حسنا وحسينا (عليهما السلام) فقال لهما : أعطياني ميراثي من أبى فقالا له : قد علمت أن أباك لم يترك صفراء ولا بيضاء، فقال : قد علمت ذلك، وليس ميراث المال أطلب إنما أطلب ميراث العلم. قال أبو جعفر (رحمه اللّه تعالى): فروی أبان بن عثمان عمن يروى له ذلك، عن جعفر بن محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قال : فدفعا إليه صحيفة لو أطلعاه على أكثر منها لهلك فيها ذكر دولة بني العباس. قال أبو جعفر : وقد روى أبو الحسن على بن محمد النوفلي، قال : حدثنى عيسى ابن علی بن عبد اللّه بن العباس، قال : لما أردنا الهرب من مروان بن محمد لما قبض على إبراهيم الامام جعلنا نسخة الصحيفة التى دفعها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علی ابن عبد الله بن العباس، وهى التى كان آباؤنا يسمونها صحيفة الدولة في صندوق من نحاس صغير، ثم

دفناه تحت زيتونات بالشراة لم يكن بالشراة من الزيتون غيرهن، فلما أفضى السلطان إلينا، وملكنا الامر، أرسلنا إلى ذلك الموضع فبحث وحفر، فلم يوجد فيه شيء، فأمرنا بحفر جريب من الارض في ذلك الموضع حتى بلغ الحفر الماء ولم نجد شيئا. قال أبو جعفر : وقد كان محمد بن الحنفية صرح بالامر لعبد اللّه بن العباس وعرفه تفصيله ولم يكن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد فصل لعبد اللّه بن العباس الامر، وإنما أخبره به مجملا تقوله في هذا الخبر " خذ إليك أبا الاملاك "، ونحو ذلك مما كان يعرض له به ولكن الذي كشف القناع، وأبرز المستور عليه هو محمد بن الحنفية. وكذلك أيضاً ما وصل إلى بني أمية من علم هذا الأمر، فإنه وصل من جهة محمد ابن الحنفية، وأطلعهم على السر الذي علمه، ولكن لم يكشف لهم كشفه لبنى العباس، فإن كشفه الأمر لبنى العباس كان أكمل قال أبو جعفر : فأما أبو هاشم فإنه قد كان أفضى بالامر إلى محمد بن على بن عبد اللّه ابن العباس وأطلعه عليه، وأوضحه له فلما حضرته الوفاة عقيب انصرافه من عند الوليد ابن عبد الملك مر بالشراة، وهو مريض و محمد بن علی بها، فدفع إليه كتبه وجعله وصيه وأمر الشيعة بالاختلاف إليه.

قال أبو جعفر : وحضر وفاة أبى هاشم ثلاثة نفر من بنى هاشم: محمد بن علی هذا، ومعاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب وعبد اللّه بن الحارث بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب، فلما مات خرج محمد بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر من عنده وكل واحد منهما يدعى وصايته، فأما عبد اللّه بن الحارث فلم يقل شيئا. قال أبو جعفر (رحمه اللّه تعالى): وصدق محمد بن على أنه إليه أوصى أبو هاشم، وإليه دفع كتاب الدولة، وكذب معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، لكنه قرأ الكتاب، فوجد لهم فيه ذكرا يسيرا، فادعى الوصية بذلك، فمات وخرج ابنه عبد اللّه بن معاوية يدعى وصاية أبيه، ويدعى لابيه وصاية أبي هاشم، ويظهر الانكار على بني أمية، وكان له في ذلك شيعة يقولون بإمامته سرا حتى قتل بإمامته سرا حتى قتل (1).

إنا لا نأخذ لقرى الأضياف ثمنا

لما خرج قيس بن سعد من مصر، فمر بأهل بيت من بلقين، فنزل بمائهم، فنحر له


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 150.

صاحب المنزل جزورا وأتاه بها، فلما كان الغد نحر له أخرى ثم حبستهم السماء اليوم الثالث، فنحر لهم ثالثة ثم إن السماء أقلعت فلما أراد قيس أن يرتحل، وضع عشرين ثوبا من ثياب مصر، وأربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل، وقال لها : إذا جاء صاحبك فادفعي هذه إليه، ثم رحل فما أتت عليه إلا ساعة حتى لحقه الرجل صاحب المنزل على فرس ومعه رمح والثياب والدراهم بين يديه، فقال : يا هؤلاء خذوا ثيابكم ودراهمكم. فقال قيس : انصرف أيها الرجل فإنا لم نكن لنأخذها. قال : والله لتأخذنها فقال قيس : للّه أبوك ألم تكرمنا وتحسن ضيافتنا فكافأناك ! فليس بهذا بأس. فقال الرجل : إنا لا نأخذ لقرى الأضياف ثمنا والله لا آخذها أبدا فقال قيس: أما إذ أبى ألا يأخذها فخذوه فوالله ما فضلني رجل من العرب غيره (1).

إنه خرج وهو جنب

أبو عامر الراهب على حنظلة ابنه وهو مقتول إلى جنب حمزة بن عبد المطلب، وعبد اللّه بن جحش، فقال : إن كنت لا حدرك هذا الرجل - يعنى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)- من قبل هذا المصرع، والله إن كنت لبرا بالوالد، شريف الخلق في حياتك، وإن مماتك لمع ا، أو جزى أحدا سراة أصحابك وأشرافهم إن جزى اللّه هذا القتيل - يعنى حمزة - خيرا، أو من أصحاب محمد خيرا، فليجزك ثم نادى يا معشر قريش حنظلة لا يمثل به، وإن كان خالفني وخالفكم، فلم يأل لنفسه فيما يرى خيرا، فمثل بالناس وترك حنظلة فلم يمثل به. وكانت هند بنت عتبة أول من مثل باصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأمرت النساء بالمثل وبجدع الانوف والاذان، فلم تبق امرأة إلا عليها معضدان ومسكتان و خدمتان إلا حنظلة لم يمثل به وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والارض بماء المزن في صحاف الفضة)، قال أبو أسيد الساعدي : فذهبنا فنظرنا إليه، فإذا رأسه يقطر ماء، فرجعت إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فأخبرته فارسل إلى امرأته فسألها، فأخبرته إنه خرج وهو جنب(2).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 63.

2) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 270.

قصة غزوة الخندق

خرج عمرو بن عبد ود يوم ود يوم الخندق وقد كان شهد بدرا فارتث جريحا، ولم يشهد أحدا، فحضر الخندق شاهرا سيفه معلما مدلا بشجاعته وباسه وخرج معه ضرار بن الخطاب الفهرى وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن ابى وهب ونوفل بن عبد اللّه بن المغيرة المخزوميون، فطافوا بخيولهم على الخندق اصعادا وانحدارا يطلبون موضعا ضيقا يعبرونه، حتى وقفوا على أضيق موضع فيه في المكان المعروف بالمزار، فاكرهوا خيولهم على العبور فعبرت وصاروا مع المسلمين على أرض واحدة ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جالس وأصحابه قيام على رأسه، فتقدم عمرو بن عبد ود فدعا إلى البراز مرارا، فلم يقم إليه أحد، فلما أكثر، قام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : أنا أبارزه يا رسول اللّه فأمره بالجلوس، وأعاد عمرو النداء و الناس سكوت كان على رؤوسهم الطير، فقال عمرو : أيها الناس إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار، أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة أو يقدم عدوا له إلى النار ! فلم يقم إليه أحد، فقام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) دفعة ثانية وقال أنا له يا رسول الله، فأمره بالجلوس، فجال عمرو بفرسه مقبلا ومدبرا، وجاءت عظماء الاحزاب فوقفت من وراء الخندق ومدت أعناقها تنظر، فلما رأى عمرو أن أحدا لا يجيبه قال :

ولقد بححت من الندا يجمعهم : هل من مبارز !

ووقفت مذ جبن المشيع موقف القرن المناجز

إنى كذلك لم أزل متسرعا قبل الهزاهز

إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز

فقام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا رسول اللّه إنذن لى في مبارزته، فقال : ادن، فدنا فقلده سیفه و عممه بعمامته وقال : امض لشانك، فلما انصرف قال : (اللهم اعنه عليه) فلما قرب منه قال له مجيبا إياه عن شعره : لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز ذونية وبصيرة يرجو بذاك نجاة فائز إنى لامل أن أقيم عليك نائحة الجنائز من ضربة فوهاء يبقى ذكرها عند الهزاهز فقال عمرو : من أنت ! وكان عمرو شيخا كبيرا قد جاوز الثمانين، وكان نديم أبي طالب بن عبد المطلب في الجاهلية، فانتسب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) له وقال : أنا على بن أبى طالب فقال : أجل لقد كان أبوك نديما لى وصديقا فارجع فإني لا أحب أن أقتلك

كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع والله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه، بل خوفا منه، فقد عرف قتلاه ببدر وأحد، وعلم أنه إن ناهضه قتله، فاستحيا أن يظهر الفشل فاظهر الابقاء والارعاء، وإنه لكاذب فيهما.

قالوا فقال له على (عَلَيهِ السَّلَامُ): لكنى أحب أن اقتلك فقال : يا بن أخي، إني لاكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، فارجع وراءك خير لك، فقال على : إن قريشا تتحدث عنك إنك قلت : لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا أجبت ولو إلى واحدة منها، قال : اجل، فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): فإني ادعوك إلى الاسلام قال : دع عنك هذه قال : فإني أدعوك إلى أن ترجع بمن تبعك من قريش إلى مكة قال : إذن تتحدث نساء قريش عنى أن غلاما خدعني قال : فإني أدعوك إلى البراز فحمى عمرو وقال : ما كنت اظن أن أحدا من العرب يرومها منى، ثم نزل فعقر فرسه - وقيل ضرب وجهه ففر - وتجاولا، فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون، إلى أن سمع الناس التكبير عاليا من تحت الغبرة، فعلموا أن عليا قتله وانجلت الغيرة عنهما وعلى راكب صدره يحز رأسه، وفر أصحابه ليعبروا الخندق، فظفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد اللّه فإنه قصر فرسه، فوقع في الخندق فرماه المسلمون بالحجارة فقال : يا معاشر الناس قتله أكرم من هذه، فنزل إليه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقتله، وأدرك الزبير هبيرة بن أبي وهب فضربه فقطع ثفر فرسه وسقطت درع كان حملها من ورائه، فأخذها الزبير، وألقى عكرمة رمحه وناوش عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو، فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه وقال : إنها لنعمة مشكورة، فاحفظها يا بن الخطاب، إنى كنت آليت ألا تمكنني يداي من قتل قرشي فاقتله. وانصرف ضرار راجعا إلى أصحابه، وقد كان جرى له معه مثل هذه في يوم أحد (1).

يا أعمى القلب يا أعمى البصر

أقبل قيس بن سعد حتى قدم المدينة، فجاءه حسان بن ثابت شامتا به وكان عثمانيا، فقال له : نزعك على بن أبي طالب وقد قتلت عثمان، فبقى عليك الاثم، ولم يحسن لك الشكر. فزجره قيس وقال : يا أعمى القلب يا أعمى البصر، والله لو لا ألقى بين رهطي


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 62.

ورهطك حربا لضربت عنقك ثم أخرجه من عنده (1).

خيار خصال النساء شرار خصال الرجال

خيار خصال النساء شرار خصال الرجال : الزهو والجبن والبخل، فإذا كانت المرأة مزهوة لم تمكن من نفسها، وإذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شئ يعرض لها.

أخذ هذا المعنى الطغرائي شاعر العجم فقال :

الجود والاقدام في فتيانهم والبخل في الفتيات والاشفاق

والطعن في الاحداق داب رماتهم والراميات سهاما الاحداق

وله :

قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ما بالكرائم من جبن ومن بخل.

وفي حكمة أفلاطون من أقوى الاسباب في محبة الرجل لامرأته واتفاق ما بينهما أن يكون صوتها دون صوته بالطبع وتميزها دون تميزه وقلبها اضعف من قلبه، فإذا زاد من هذا عندها شئ على ما عند الرجل تنافرا على مقداره (2).

كلام تنسبه العرب إلى الضب

قالوا اختصمت الضبع والثعلب إلى الضب، فقالت الضبع يا أبا الحسل إلى التقطت تمرة قال : طيبا جنيت قالت : وإن هذا أخذها مني قال : حظ نفسه أحرز، قالت : فإني لطمته، قال : كريم حمى حقیقته، قالت : فلطمني، قال : حر انتصر، قالت : اقض بيننا، قال : قد فعلت (3).

دعني من التأويلات الباردة

قال لي ابو جعفر الحسيني النقيب : فما يقول أصحابكم فيهما ؟ قلت : أما الذى استقر عليه رأى المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره، أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 64.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 65.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 66.

أفضل الجماعة، وأنهم تركوا الافضل لمصلحة رأوها، وأنه لم يكن هناك نص يقطع العذر، وإنما كانت إشارة وإيماء لا يتضمن شئ منها صريح النص، وإن عليا نازع ثم بايع وجمح ثم استجاب. ولو أقام علي الامتناع لم نقل بصحة البيعة ولا بلزومها، ولو جرد السيف كما جرده في آخر الأمر لقلنا بفسق كل من خالفه على الاطلاق، كائنا من كان، ولكنه رضى بالبيعة أخيرا، ودخل في الطاعة وبالجملة أصحابنا يقولون : إن الامر كان له وكان هو المستحق والمتعين فإن شاء أخذه لنفسه، وإن شاء ولاه غيره، فلما رأيناه قد وافق على ولاية غيره أتبعناه ورضينا بما رضى فقال : فبقى بينى وبينكم قليل أنا أذهب إلى النص وأنتم لا تذهبون إليه.! فقلت له : إنه لم يثبت النص عندنا بطريق يوجب العلم وما تذكرونه أنتم صريحا فأنتم تنفردون بنقله، وما عدا ذلك من الاخبار التى نشارككم فيها، فلها تأويلات معلومة. فقال لى وهو ضجر : يا فلان لو فتحنا باب من التأويلات لجاز أن يتناول قولنا : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه دعني التأويلات الباردة التى تعلم القلوب والنفوس أنها غير مرادة، وأن المتكلمين تكلفوها وتعسفوها، فإنما أنا وأنت في الدار ولا ثالث لنا، فيستحيى أحدنا من صاحبه ويخافه. فلما بلغنا إلى هذا الموضع دخل قوم ممن كان بخشاه فتركنا ذلك الاسلوب من الحديث، وخضنا في غيره (1).

أطوع الناس في قومه

كان يقال : أطوع الناس في قومه الجارود بن بشر بن المعلى لما قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فارتدت العرب، خطب قومه فقال : أيها الناس إن كان محمد قد مات فإن اللّه حتى لا يموت فاستمسكوا بدينكم ومن ذهب له في هذه الفتنة دينار أو درهم أو بقرة أو شاة فعلى مثلاه فما خالفه من عبد القيس أحد (2).

العرب تضرب بالجمل المثل في الهوان

العرب تضرب بالجمل المثل في الهوان قال :

لقد عظم البعير بغير لب***ولم يستغن بالعظم البعين


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 226.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 57.

يصرفه الصبي بكل وجه***ويحبسه على الخسف الجرير

وتضربه الوليدة بالهراوى***فلا غير لديه ولا نكير (1)

الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك

من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عبد اللّه بن العباس (رضى اللّه عنه) : أما بعد فإنك لست بسابق أجلك، ولا مرزوق ما ليس لك وأعلم بأن الدهر يومان : يوم لك، ويوم عليك، وأن الدنيا دار دول، فما كان منها لك أتاك على ضعفك وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك.

قال الشاعر :

قد يرزق العاجز الضعيف وما***شد بكور رحلا ولا قتبا

ويحرم المرء ذو الجلادة والرأى ومن لا يزال مغتربا

جيد ما قيل في هذا المعنى قول أبي يعقوب الخريمي :

هل الدهر إلا صرفه ونوائبه***وسراء عيش زائل و مصائبه

يقول الفتى ثمرت مالى وإنما***لوارثه ما ثمر المال كاسبه

يحاسب فيه نفسه في حياته***ويتركه نهبا لمن لا يحاسبه ف

كله وأطعمه وخالسه وارثا***شحيحا و دهرا تعتريك نوائبه

أرى المال والانسان للدهر نهبة***فلا البخل مبقيه ولا الجود خاربه

لکل امرئ رزق وللرزق جالب***وليس يفوت المرء ما خط كاتبه

يخيب الفتى من حيث يرزق غيره***ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه

يساق إلى ذا رزقه وهو وادع***ويحرم هذا الرزق وهو يغالبه

وإنك لا تدرى : أرزقك في الذى***تطالبه أم في الذى لا تطالبه !

تناس ذنوب الأقربين فإنه***لكل حميم راكب هو راكبه

له هفوات في الرخاء يشوبها***بنصرة يوم لا تواری کواکبه

تراه غدوا ما أمنت وتتقى***بجبهته يوم الوغى من يحاربه


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 58.

لكل امرئ إخوان بؤس ونعمة***وأعظمهم في النائيات أقاربه (1).

احلام معاوية

تشبيهه (عَلَيهِ السَّلَامُ) معاوية بالنائم ثم ذى الاحلام فإنه لو رأى في المنام في حياة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه خليفة يخاطب بإمرة المؤمنين ويحارب عليا على الخلافة، ويقوم في المسلمين مقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما طلب لذلك المنام تأويلا ولا تعبيرا ولعده من وساوس الخيال وأضغاث الاحلام، وكيف وأنى له أن يخطر هذا بباله، وهو أبعد الخلق منه ! وهذا كما يخطر للنفاط أن يكون ملكا، ولا تنظرن إلى نسبه في المناقب بل انظر إلى أن الامامة هي نبوة مختصرة، وإن الطليق المعدود من المؤلفة قلوبهم المكذب بقلبه وإن أقر بلسانه الناقص المنزلة عند المسلمين، القاعد في أخريات الصف، إذا دخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين كيف يخطر ببال أحد أنها تصير فيه ويملكها ويسمه الناس وسمها، ويكون للمؤمنين أميرا ويصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدين والفضل ! وهذا أعجب من العجب أن يجاهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قوما بسيفه ولسانه ثلاثا وعشرين سنة، ويلعنهم ويبعدهم عنه، وينزل القرآن بذمهم ولعنهم، والبراءة منهم، فلما تمهدت له الدولة وغلب الدين على الدنيا، وصارت شريعة دينية محكمة، مات فشيد دينه الصالحون من أصحابه وأوسعوا رقعة ملته وعظم قدرها في النفوس، فتسلمها منهم أولئك الاعداء الذين جاهدهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فملكوها وحكموا فيها وقتلوا الصلحاء والابرار وأقارب نبيهم الذين يظهرون طاعته، وآلت تلك الحركة الاولى وذلك الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم فليته كان يبعث فيرى معاوية الطليق وابنه، ومروان وابنه خلفاء في مقامه، يحكمون على المسلمين فوضح أن معاوية فيما يراجعه ویکاتبه به كصاحب الاحلام (2).

شعر لأبي الاسود

البس عدوك في رفق وفي دعة***طوبى لذى أربة للدهر لباس

ولا تغرنك أحقاد مزملة***قد يركب الدبر الدامي بأحلاس


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 60.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 63.

واستغن عن كل ذي قربي وذى رحم***إن الغنى الذى استغنى عن الناس (1).

قيمة ذلك أجمع ثمانية آلاف ألف دينار

نقل أن عمر بن مسعدة كاتبه مات في سنة سبع عشرة ومائتين، وخلف تركه جليلة، فبعث أخاه أبا إسحاق المعتصم وجماعة معه من الكتاب ليحصروا مبلغها، فجاء المعتصم إليه وهو في مجلس الخلافة ومعه الكتاب فقال : ما رأيتم ؟ فقال المعتصم معظما لما رآه : وجدنا عينا وصامتا وضياعا، قيمة ذلك أجمع ثمانية آلاف ألف دينار - ومد صوته فقال المأمون : إنا للّه ! والله ما كنت أرضاها لتابع من أتباعه ليوفر هذا على مخلفيه ! فخجل المعتصم حتى ظهر خجله للحاضرين (2).

بق دخن عليه فطار !

كان يزيد بن عبد الملك يشنؤ يزيد بن المهلب قبل خلافته لاسباب، فلما أفضت إليه الخلافة خلعه يزيد بن المهلب ونزع يده من طاعته، وعلم أنه إن ظفر به قتله وناله من الهوان ما القتل دونه فدخل البصرة وملكها عنوة وحبس عدي بن أرطاه عامل يزيد بن عبد الملك عليها، فسرح إليه يزيد بن عبد الملك جيشا كثيفا، ويشتمل على ثمانين ألفا من أهل الشام والجزيرة وبعث مع الجيش أخاه مسلمة بن عبد الملك، وضم إليه ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك فسار يزيد بن المهلب من البصرة، فقدم واسط فأقام بها أياما، ثم سار عنها فنزل العقر، واشتملت جريدة جيشه على مائة وعشرين ألفا، وقدم مسلمة بجيوش الشام، فلما تراءى العسكران وشبت الحرب، أمر مسلمة قائدا من قواده أن يحرق الجسور التي كان عقدها يزيد بن المهلب فأحرقها، فلما رأى أهل العراق الدخان قد علا انهزموا، فقيل ليزيد بن المهلب : قد انهزم الناس، قال : انهزموا ؟ هل كان قتال ينهزم الناس من مثله ؟ فقيل له : إن مسلمة أحرق الجسور فلم يثبتوا، فقال : قبحهم اللّه ! بق دخن عليه فطار ! ثم وقف ومعه أصحابه، فقال : اضربوا وجوه المنهزمين، ففعلوا ذلك حتى كثروا عليه وأستقبله منهم أمثال الجبال، فقال : دعوهم قبحهم اللّه ! غنم عدا في نواحيها الذئب. وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار، وقد كان


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 85.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 87.

أتاه يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفى بواسط، فقال له : فعش ملكا أو مت كريما فإن تمت وسيفك مشهور بكفك تعذر فقال : ما شعرت فقال : إن بني مروان قد باد ملكهم فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر. فقال : أما هذا فعسى فلما رأى يزيد انهزام أصحابه، نزل عن فرسه وكسر جفن سيفه واستقتل فأتاه آت فقال : إن أخاك حبيبا قد قتل، فزاده ذلك بصيرة في توطينه نفسه على القتل وقال : لا خير في العيش بعد حبيب ! والله لقد كنت أبغض الحياة بعد الهزيمة، وقد ازددت لها بغضا امضوا قدما فعلم أصحابه أنه مستميت، فتسلل عنه من يكره القتال وبقى معه جماعة خشية، فهو يتقدم كلما مر بخيل كشفها، وهو يقصد مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره، فلما دنا منه، فلما دنا منه، أدنى مسلمة فرسه ليركب، وحالت خيول أهل الشام بينهما، وعطفت على يزيد بن المهلب فجالدهم بالسيف مصلتا حتى قتل وحمل رأسه إلى مسلمة، وقتل معه أخوه محمد بن المهلب وكان أخوهما المفضل بن المهلب يقاتل أهل الشام في جهة أخرى، ولا يعلم بقتل أخويه يه يزيد ومحمد فأتاه أخوه عبد الملك بن المهلب وقال له : ما تصنع وقد قتل يزيد ومحمد، وقبلهما قتل حبيب، وقد انهزم الناس ! وقد روى أنه لم يأته بالخبر على وجهه وخاف أن يخبره بذلك فيستقتل ويقتل، فقال له : إن الامير قد انحدر إلى واسط، فاقتص أثره، فانحدر المفضل حينئذ، فلما علم بقتل إخوته حلف ألا يكلم أخاه عبد الملك أبدا : وكانت عين المفضل قد أصيبت من قبل في حرب الخوارج، فقال : فضحني عبد الملك فضحه اللّه ! ما عذرى إذا رأني الناس فقالوا : شيخ أعور مهزوم، ألا صدقني فقتلت ! ثم قال : ولا خير في طعن الصناديد بالقنا ولا في لقاء الناس بعد يزيد فلما اجتمع من بقى من آل المهلب بالبصرة بعد الكسرة، أخرجوا عدى بن أرطاة أمير البصرة من الحبس، فقتلوه وحملوا عيالهم في السفن البحرية ولجحوا في البحر، فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك بعثا عليه قائد من قواده فأدركهم في قندابيل، فحاربهم وحاربوه وتقدم بنو المهلب بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وهم : المفضل بن المهلب وزياد بن المهلب ومروان بن المهلب وعبد الملك بن المهلب ومعاوية بن يزيد بن المهلب والمنهال بن أبى عيينة بن المهلب وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة بن المهلب، وحملت رؤوسهم إلى مسلمة بن عبد الملك، وفي أذن كل واحد منهم رقعة فيها اسمه، واستؤسر الباقون في الوقعة فحملوا إلى يزيد بن عبد الملك بالشام، وهم أحد عشر رجلا، فأمر بقتلهم فقتلوا وبقى منهم صبي صغير، فقال : اقتلوني فلست بصغير فقال

يزيد بن عبد الملك : أنظروا هل أنبت ! فقال : أنا أعلم بنفسي، قد احتلمت ووطئت النساء فاقتلوني، فلا خير في العيش بعد أهلى ! فأمر به فقتل وأسماء الاسارى الذين قتلوا صبرا - وهم أحد عشر مهلبيا : المعارك وعبد اللّه والمغيرة والمفضل والمنجاب بنو يزيد بن المهلب ودريد والحجاج وغسان وشبيب والفضل، بنو المفضل بن المهلب الصلبه والفضل بن قبيصة بن المهلب قال : ولم يبق بعد هذه الوقعة الثانية لاهل المهلب باقية إلا أبو عيينة بن المهلب وعمر بن يزيد بن المهلب وعثمان بن المفضل بن المهلب فإنهم لحقوا برتبيل ثم أو منوا بعد ذلك (1).

شهدت مع مروان بن محمد أربعة عساكر كلها انهزمت

قال أبو دلامة وكان جبانا :

إني أعوذ بروح أن يقدمني***إلى القتال فتشقی بی بنو أسد

إن المهلب حب الموت أورثكم***ولم أرث رغبة في الموت عن أحد.

قال المنصور لابي دلامة في حرب إبراهيم : تقدم ويلك ! قال : يا أمير المؤمنين شهدت مع مروان بن محمد أربعة عساكر كلها انهزمت وكسرت، وإني أعيذك باللّه أن يكون عسكرك الخامس (2).

الفقر يخرس الفطن

مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): الفقر يخرس الفطن عن حاجته قول الشاعر :

سأعمل نص العيس حتى يكفنى***غنى المال يوما أو غنى الحدثان

فللموت خير من حياة يرى لها***على الحر بالاقلال وسم هوان

متى يتكلم بلغ حكم كلامه***وإن لم يقل قالوا عدیم بیان

كأن الغنى عن أهله بورك الغنى بغير لسان ناطق بلسان (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 252.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 88.

3) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 88.

المقل غريب في بلدته

مثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): والمقل غريب في بلدته قول خلف الاحمر :

لا تظنى أن الغريب هو النائي***ولكنما الغريب المقل

وكان يقال : مالك نورك، فإن أردت أن تنكسف ففرقه وأتلفه (1).

لم حفظت الفلاسفة المال مع حكمتها

قيل للاسكندر : لم حفظت الفلاسفة المال مع حكمتها ومعرفتها بالدنيا ؟ قال : لئلا تحوجهم الدنيا إلى أن يقوموا مقاما لا يستحقونه (2).

طريفة

قال ابن أبي الحديد: اعلم أني لا أتعرض في هذا الشرح للكلام فيما قد فرغ من أئمة العربية ولا لتفسير ما هو ظاهر مكشوف كما فعل القطب الراوندي، فإنه شرع أولا في تفسير قوله : (أما بعد)، ثم قال : هذا هو فصل الخطاب، ثم ذكر ما معنى الفصل وأطال فيه، وقسمه أقساما، يشرح ما قد فرع له منه، ثم شرح الشرح. وكذلك أخذ يفسر قوله : (من بلائه) وقوله : (إلى جنانه)، وقوله : (وسببا)، وقوله : (المجد)، وقوله : (الاقدم)، وهذا كله إطالة وتضييع للزمان من غير فائدة ولو أخذنا بشرح مثل ذلك لوجب أن نشرح لفظه (أما المفتوحة وأن نذكر الفصل بينها وبين (إما) المكسورة ونذكر : هل المكسورة من حروف العطف أو لا ؟ ففيه خلاف، ونذكر هل المفتوحة مركبة أو مفردة ؟ ومهملة أو عاملة ؟ ونفسر معنى قول الشاعر :

أبا خراشة أما كنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع

بالفتح ونذكر بعد لم ضمت إذا قطعت عن الاضافة ؟ ولم فتحت هاهنا حيث أضيفت ؟ ونخرج عن المعنى الذي قصدناه من موضوع الكتاب إلى فنون أخرى قد أحكمها أربابها (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 88.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 89.

3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 42.

وأكل الحديد منهم من أكل

الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الانفس وإراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح بعيدي العفو لان أكبادهم واغرة وقلوبهم ملتهبة والقوة الغضبية عندهم شديدة، وقد علمت حال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كثرة إراقة الدم وما عنده من الحلم والصفح، ومغالبة هوى النفس، وقد رأيت فعله يوم الجمل، ولقد أحسن مهيار في قوله :

حتى إذا دارت رحى بغيهم***عليهم وسبق السيف العذل

عاذوا بعفو ماجد معود***للعفو حمال لهم على العلل

فنجت البقيا عليهم من نجا***وأكل الحديد منهم من أكل

أطت بهم أرحامهم فلم يطع***ثائرة الغيظ ولم يشف الغلل (1).

هشام بن الحكم و التشبيه

ذهب هشام بن الحكم إلى أنه تعالى جسم مركب كهذه الاجسام، واختلفت الحكاية عنه، فروى عنه أنه قال : إنه يشبر نفسه سبعة أشبار. وروى عنه أنه قال : إنه على هيئة السبيكة. وروى عنه أنه قال : إنه على هيئة البلورة الصافية المستوية الاستدارة من حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة وروى عنه أيضاً قال : إنه ذو صورة وأصحابه من الشيعة يدفعون اليوم هذه الحكايات عنه، ويزعمون أنه لم يزد على قوله : إه جسم لا كالاجسام وإنه إنما أراد بإطلاق هذا اللفظ عليه إثباته وصدقوا عنه أنه كان يطلق عليه كونه نورا القول اللّه سبحانه : («اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ) وحكى عن محمد بن النعمان الاحول، المعروف بشيطان الطاق، وهشام بن سالم المعروف بالجواليقي، وأبي مالك بن الحضرمي، أنه نور على صورة الانسان وأنكروا مع ذلك أن يكون جسما (2).

أمر عمرو بن العاص مع جعفر بن أبى طالب في الحبشة

عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، زوجة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قالت : لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا اللّه لا


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 52.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 223.

نؤذى كما كنا نؤذى بمكة، ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا التمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي في أمرنا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منه الادم. فجمعوا أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا إليه هديه ثم بعثوا بذلك مع عبد اللّه بن أبي ربيعة ابن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمى وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم. ثم قدما إلى النجاشي، ونحن عنده في خير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا للبطارقة : إنه قد فر إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك أشراف قومهم لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما : نعم. ثم إنهما قربا هدايا الملك إليه فقبلها منهم، ثم كلماه فقالا له : أيها الملك قد فر إلى بلادك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، جاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا فيهم إليك أشراف قومنا من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عليهم، فهم أعلى بهم على بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاينوه منهم. قالت أم سلمة : ولم يكن شئ أبغض إلى عبد اللّه بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقة الملك وخواصه فقالت بطارقة الملك وخواصه حوله : صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم فليسلمهم الملك إليهما ليرادهم إلى بلادهم وقومهم. فغضب الملك وقال : لا ها اللّه إذا لا أسلمهم إليهما، ولا أخفر قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على سواى، حتى أدعوهم وأسألهم عما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما وورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم، وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما علمناه، وما أمرنا به نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كائنا في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم : ماهذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في دينى ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ قالت أم سلمة : وكان

الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له : أيها الملك إنا كنا قوما في جاهليه نعبد الاصنام، ونأكل الميتة ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، وبأكل القوى منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث اللّه عز وجل علينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللّه لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا عليه نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والاوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الامانة وصلة الرحم، وحسن التجاور، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن سائر الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد اللّه لا نشرك به شيئا، وبالصلاة وبالزكاة والصيام قالت فعدد عليه أمور الاسلام كلها فصدقناء وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الاصنام والأوثان عن عبادة اللّه وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك. فقال النجاشي : فهل معك مما جاء به صاحبكم عن اللّه شئ ؟ فقال جعفر : نعم. فقال اقرأه على فقرا عليه صدرا من (كهيعص) فبكى حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا لحاهم. ثم قال النجاشي : والله إن هذا والذى جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة والله لا أسلمكم إليهم. قالت أم سلمة : فلما خرج القوم من عنده قال عمرو بن العاص : والله لاعيبهم غدا عنده بما يستأصل به خضراءهم، فقال له عبد اللّه بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين : لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفوا قال : والله لاخبرنه غدا انهم يقولون في عيسى بن مريم : إنه عبد ثم غدا عليه من الغد فقال : أيها الملك إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه : فأرسل إليهم. قالت أم سلمة : فما نزل بنا مثلها واجتمع المسلمون وقال بعضهم لبعض : ما تقولون في عيسى إاذا سالكم عنه ؟ فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه والله ما قال عز وجل وما جاء به نبينا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم : ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال جعفر : نقول إنه عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول قالت : فضرب النجاشي يديه على الارض وأخذ منها عودا وقال : ما عدا عيسى بن مريم ما قال هذا العود قالت : فقد كانت بطارقته تناخرت حوله حين قال جعفر ما

قال، فقال لهم النجاشي : وإن تناخرتم ! ثم قال للمسلمين : اذهبوا فأنتم (سيوم) بأرضى أي آمنون من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ما أحب أن لى دبرا ذهبا وأنى آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة : الجبل - ردوا عليهما هدایا، هما فلا حاجة لى فيها فوالله ما أخذ اللّه منى الرشوة، حتى ردني إلى ملكي فاخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في أفأطعيهم فيه ؟ قالت : فخرج الرجلان من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار، فوالله إنا لعلى ذلك، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه. قالت أم سلمة : فوالله ما أصابنا خوف وحزن قط كان أشد من خوف وحزن نزل بنا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان يعرف منه قالت : وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل، فقال أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر ؟ فقال الزبير بن العوام : أنا وكان من أحدث المسلمين سنا، فنفخوا له قربة فجعلناها تحت صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التى بها يلتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.قالت : ودعونا اللّه للنجاشي بالظهور على عدوة والتمكين له في بلاده، فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير يسعى ويلوح بثوبه ويقول : ألا أبشروا، فقد ظهر النجاشي وأهلك اللّه عدوه قالت : فو اللّه ما أعلمنا فرحنا فرحة مثلها قط، ورجع النجاشي، وقد أهلك اللّه عدوه وتمكن ومكن له في بلاده واستوثق له أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل ودار إلى أن رجعنا إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمكة (1).

قد ترافقوا في الجنة جميعا، بعلك و ابنك، و أخوك

كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج، فلما كان يوم أحد، وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المشاهد أمثال الاسد أراد قومه أن يحبسوه وقالوا أنت رجل أعرج، ولا حرج عليك، وقد ذهب بنوك مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : بخ ! يذهبون إلى الجنة وأجلس أنا عندكم فقالت هند بنت عمرو بن حزام امرأته : كأني أنظر إليه موليا قد أخذ درقته، وهو يقول اللهم لا تردني إلى أهلى فخرج ولحقه بعض قومه يكلمونه في القعود، فأبى وجاء إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : يا رسول اللّه إن قومي يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 307.

والخروج معك، والله إنى لارجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له أما أنت فقد بعر عذرك اللّه ولا جهاد عليك فأبى فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لقومه وبنيه : لا عليكم أن تمنعوه، لعل اللّه يرزقه الشهادة، فخلوا عنه. فقتل يومئذ شهيدا وكان أبو طلحة يحدث يقول نظرت إلى عمرو بن الجموح حين انكشف المسلمون، ثم ثابوا وهو في الرعيل الأول، لكأني أنظر إلى ضلعه وهو يعرج في مشيته وهو يقول أنا والله مشتاق إلى الجنة، ثم انظر إلى إبنه يعدو في أثره، حتى قتلا جميعا قال الواقدي : وكانت عائشة خرجت في نسوة تستروح الخبر، ولم يكن قد ضرب الحجاب يومئذ حتى كانت بمنقطع الحرة وهى ها بطه من بني حارثة إلى الوادي، لقيت هندا بنت عمرو بن حزام أخت عبد اللّه بن عمرو بن حزام تسوق بعيرا لها عليه زوجها عمرو بن الجموح وابنها خلاد بن عمرو بن الجموح، وأخوها عبد اللّه بن عمرو بن حزام أبو جابر بن عبد الله، فقالت لها عائشة : عندك الخبر، فما وراءك فقالت هند : خير أما رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فصالح، وكل مصيبة بعده جلل، واتخذ اللّه من المؤمنين شهداء : (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا). قلت هكذا وردت الرواية وعندي إنها لم تقل كل ذلك، ولعلها قالت : (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ)، لا غير وإلا فكيف يواطئ كلامها آية من كلام اللّه تعالى أنزلت بعد الخندق والخندق بعد أحد هذا من البعيد جدا. قال : فقالت لها عائشة : فمن هؤلاء قالت أخى وابني وزوجي قتلى، قالت فاين تذهبين بهم قالت إلى المدينة أقبرهم بها (حل حل)، تزجر بعيرها، فبرك البعير، فقالت عائشة : لثقل ما حمل، قالت هند : ما ذاك به لربما حمل ما يحمله البعيران، ولكني أراه لغير ذلك، فزجرته فقام فلما وجهت به إلى المدينة برك، فوجهته راجعة إلى أحد فأسرع فرجعت إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأخبرته بذلك، فقال إن الجمل لمأمور، هل قال عمرو شيئا قالت : نعم، إنه لما وجه إلى أحد إستقبل القبلة، ثم قال : اللهم لا تردني إلى أهلى وارزقني الشهادة، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): فلذلك الجمل لا يمضى إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على اللّه لابره منهم عمرو بن الجموح، يا هند ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون أين يدفن ثم مكث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)في قبرهم ثم قال: يا هند، قد ترافقوا في الجنة جميعا، عمرو بن الجموح

بعلك، وخلاد ابنك، وعبد اللّه أخوك فقالت هند يا رسول الله، فادع اللّه لى عسى أن يجعلني معهم (1).

أما ترون إلى السواد قد اتصل بالسواد

• لما أشرف عبد اللّه بن على يوم الزاب في المسودة، وفي أوائلهم البنود السود تحملها الرجال على الجمال البخت وقد جعل لها بدلا من القنا خشب الصفصاف والغرب، قال مروان لمن قرب منه : أما ترون رماحهم كأنها النخل غلظا ! أما ترون أعلامهم فوق هذه الابل كأنها قطع الغمام السود ! فبينما هو ينظرها ويعجب، إذ طارت قطعة عظيمة من الغربان السود، فنزلت على أول عسكر عبد اللّه بن على واتصل سوادها بسواد تلك الرايات والبنود، و مروان ينظر فازداد تعجبه وقال: أما ترون إلى السواد قد اتصل بالسواد حتى صار الكل كالسحب السود المتكاثفة ! ثم أقبل على رجل إلى جنبه فقال : ألا تعرفني من صاحب جيشهم ؟ فقال : عبد اللّه بن على بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب قال : ويحك ! أمن ولد العباس هو ؟ قال : نعم، قال : والله لوددت أن على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) مكانه في هذا الصف قال : يا أمير المؤمنين، أتقول هذا لعلى مع شجاعته التي ملا الدنيا ذكرها ! قال : ويحك إن عليا مع شجاعته صاحب دین وإن الدين غير الملك، وإنا نروى عن قديمنا أنه لا شئ لعلى ولا لولده في هذا ثم قال : من هو من ولد العباس، فإني لا أثبت شخصه ؟ قال : هو الرجل الذي كان يخاصم بين يديك عبد اللّه بن معاوية ابن عبد اللّه بن جعفر. فقال أذكرني صورته وحليته قال : هو الرجل الاقنى الحديد العضل المعروق الوجه الخفيف اللحية الفصيح اللسان، الذى قلت لما سمعت كلامه يومئذ : يرزق اللّه البيان من يشاء، فقال : وإنه لهو ! قال : نعم، فقال : أنا للّه وإنا إليه راجعون ! أتعلم لم صيرت الامر بعدى لولدي عبد الله، وابنى محمد أكبر سنا منه ؟ قال : لا، قال : إن آباءنا أخبرونا أن الامر صائر بعدى إلى رجل اسمه عبد اللّه فوليته دونه ثم بعث مروان بعد أن حدث صاحبه بهذا الحديث إلى عبد اللّه بن علی سرا فقال : يا ابن عم إن هذا الأمر صائر إليك، فاتق اللّه واحفظنى في حرمى، فبعث إليه عبد اللّه إن الحق لنا في دمك وإن الحق علينا في حرمك. قلت : إن مروان

1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 261.

ظن أن الخلافة تكون لعبد اللّه بن على لان اسمه عبد اللّه ولم يعلم أنها تكون لآخر اسمه عبد الله، وهو، وهو أبو العباس السفاح (1).

من أي يومى من الموت أفر

كان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم صفين، إذا أراد الحملة هلل وكبر، ثم قال :

من أي يومى يومى من الموت أفر **أيوم لم يقدر أو يوم قدر !

فجعل معاوية لواءه الاعظم مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فامر على (عَلَيهِ السَّلَامُ) جارية بن قدامة السعدى أن يلقاه بأصحابه وأقبل عمرو بن العاص بعده في خيل، ومعه لواء ثان، فتقدم حتى خالط صفوف العراق فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابنه محمدا : امش نحو هذا اللواء رويدا، حتى إذا أشرعت الرماح في صدورهم فامسك يدك، حتى يأتيك أمرى. ففعل - وقد كان أعد على (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثلهم مع الاشتر - فلما اشرع محمد الرماح في صدور القوم، أمر على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاشتر أن يحمل فحمل، فأزالهم عن مواقفهم، وأصاب منهم رجالا، واقتتل الناس قتالا شديدا، فما صلى من أراد الصلاة إلا إيماء، فقال النجاشي في ذلك اليوم يذكر الاشتر :

ولما رأينا اللواء العقاب***يقحمه الشاني الاخزر

كليث العرين خلال العجاج***وأقبل في خيله الابتر

دعونا لها الكبش كبش العراق***وقد أضمر الفشل العسكر

فرد اللواء على عقبه***وفاز بحظوتها الاشتر

كما كان يفعل في مثلها***إذا ناب معصوصب منکر

فإن يدفع اللّه عن نفسه***فحظ العراق به الاوفر

إذا الاشتر الخير خلى العراق***فقد ذهب العرف والمنكر

وتلك العراق ومن عرفت***كفقع تضمنه القرقر (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 133.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 55.

عفاق الافاق

قال إبراهيم بن هلال : وقد كان زياد بن خصفة التيمي قال لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم هرب يزيد بن حجية : ابعثنى يا أمير المؤمنين في أثره أرده إليك، فبلغ قوله يزيد بن حجية، فقال في ذلك :

أبلغ زيادا أننى قد كفيته أمورى وخليت الذي هو عاتبه

وباب شدید موثق قد فتحته عليك، وقد أعيت عليك مذاهبه

هبلت أما ترجو غنائي ومشهدي إذ الخصم لم يوجد له من يجاذبه !

فأقسم لو لا أن أمك أمنا وأنك مولى ما طفقت أعاتبه

وأقسم لو أدركتني ما رددتني كلانا قد اصطفت إليه جلائبه

قال ابن هلال : وكتب إلى العراق شعرا يذم فيه عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويخبره يخبره أنه من أعدائه، فدعا عليه وقال لاصحابه عقيب الصلاة : ارفعوا أيديكم فادعوا عليه، فدعا عليه وأمن أصحابه. قال أبو الصلت التيمى : كان دعاؤه عليه : اللهم إن يزيد بن حجية هرب بمال المسلمين ولحق بالقوم الفاسقين فاكفنا مكره وكيده واجزه جزاء الظالمين. قال : ورفع القوم أيديهم يؤمنون، وكان في المسجد عفاق بن شرحبيل بن أبي رهم التيمي شيخا كبيرا، وكان يعد ممن شهد على حجر بن عدى حتى قتله معاوية، فقال عفاق : على من يدعو القوم ؟ قالوا : على يزيد بن حجية فقال : تربت أيديكم ! أعلى أشرافنا تدعون ! فقاموا إليه فضربوه حتى كاد يهلك. وقام زياد بن خصفة - وكان من شيعة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فقال : دعوا لى ابن عمى، فقال علی (عَلَيهِ السَّلَامُ): دعوا للرجل ابن عمه، فتركه الناس، فأخذ زياد بيده فأخرجه من المسجد، وجعل يمشى معه يمسح التراب عن وجهه وعفاق يقول : والله لا أحبكم ما سعيت ومشيت والله لا أحبكم ما اختلفت الدرة والجرة. وزياد يقول : ذلك أضر لك، ذلك شر لك. وقال زياد بن خصفة يذكر ضرب الناس عفاقا :

دعوت عفاقا للهدى فاستغشني وولى فريا قوله وهو مغضب

ولو لا دفاعي عن عفاق ومشهدي هوت بعفاق - عوض - عنقاء مغرب

أنبئه أن الهدى في اتباعنا فيأبى، ويضريه المراء فيشغب

فإن لا يشايعنا عفاق فإننا على الحق ما غنى الحمام المطرب

سيغنى الاله عن عفاق وسعيه إذا بعثت للناس جاواء تحرب

قبائل من حيى معد ومثلها يمانية لا تنثني حين تندب

لهم عدد مثل التراب وطاعة تود، وبأس في الوغى لا يؤنب

فقال له عفاق : لو كنت شاعرا لاجبتك، ولكني أخبركم عن ثلاث خصال كن منكم والله ما أرى أن تصيبوا بعدهن شيئا مما يسركم. أما واحدة فإنكم سرتم إلى أهل الشام حتى إذا دخلتم عليهم بلادهم قاتلتموهم، فلما ظن القوم أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف، فسخروا بكم فردوكم عنهم، فلا والله لا تدخلونها بمثل ذلك الجد والحد والعدد الذي دخلتم به أبدا. وأما الثانية، فإنكم بعثتم حكما وبعث القوم حكما، فأما حكمكم فخلعكم وأما حكمهم فأثبتهم، فرجع صاحبهم يدعى أمير المؤمنين ورجعتم متلاعنين متباغضين فو اللّه لا يزال القوم في علاء، ولا تزالون في سفال.

وأما الثالثة، فإنه خالفكم قراؤكم وفرسانكم فعدوتم عليهم فذبحتموهم بأيديكم، فو اللّه لا تزالون بعدها متضعضعين قال : وكان يمر عليهم بعد، فيقول : اللهم إنى منهم برئ، ولابن عفان ولى ! فيقولون : اللهم إنا لعلى أولياء ومن أبن عفان برآء، ومنك يا عفاق ! قال : فأخذ لا يقلع، فدعوا رجلا منهم له سجاعة كسجاعة الكهان، فقالوا : ويحك ! أما تكفينا بسجعك وخطبك هذا ! فقال : كفيتكم فمر عفاق عليهم، فقال كما كان يقول فلم يمهله أن قال : له اللهم اقتل عفاقا فأنه أسر نفاقا، وأظهر شقاقا، وبين فراقا، وتلون أخلاقا فقال عفاق : ويحكم ! من سلط على هذا ؟ قال : اللّه بعثني إليك، وسلطني عليك لاقطع لسانك، وأنصل سنامك وأطرد شيطانك. قال : فلم يك يمر عليهم بعد إنما يمر على مزينة (1).

الملائكة وأقسامهم عند المعتزلة

الملك عند المعتزلة حيوان نوري، فمنه شفاف عادم اللون كالهواء، ومنه ملون بلون الشمس والملائكة عندهم قادرون عالمون أحياء بعلوم وقدر وحياة، كالواحد منا،


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 86.

ومكلفون كالواحد منا، إلا أنهم معصومون ولهم في كيفية تكليفهم كلام لان التكليف مبني على الشهوة وفي كيفية خلق الشهوة فيهم نظر.

وقد جعلهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) أربعه أقسام :

القسم الاول : أرباب العبادة فمنهم من هو ساجد أبدا لم يقم من سجوده ليركع، ومنهم من هو راكع أبدا لم ينتصب قط، ومنهم الصافون في الصلاة بين يدي خالقهم يتزايلون ومنهم المسبحون الذين لا يملون التسبيح والتحميد له سبحانه.

والقسم الثاني : السفراء بينه تعالى وبين المكلفين من البشر بتحمل الوحي الالهي إلى الرسل والمختلفون بقضائه وأمره إلى أهل الارض.

والقسم الثالث : ضربان أحدهما حفظة العباد كالكرام الكاتبين، وكالملائكة الذين يحفظون البشر من المهالك والورطات ولو لا ذلك لكان العطب أكثر من السلامة. وثانيهما سدنة الجنان.

القسم الرابع : حمله العرش (1).

الدواب اهم شيى عنده

روى الاحنف بن قيس قال : قدمنا على عمر بفتح عظيم نبشره به فقال : أين نزلتم ؟ قلنا : في مكان كذا فقام معنا حتى انتهينا إلى مناخ ركابنا وقد اضعفها الكلال وجهدها السير، فقال هلا اتقيتم اللّه في ركابكم هذه ؟ أما علمتم ان لها عليكم حقا ! هلا أرحتموها ؟ هلا حللتم بها فأكلت من نبات الارض ؟ فقلنا : يا امير المؤمنين إنا قدمنا بفتح عظيم، فاحببنا التسرع اليك والى المسلمين بما يسرهم فانصرف راجعا ونحن معه فاتی رجل فقال یا امیر المؤمنين ان فلانا ظلمنى فاعدنی علیه فرفع في السماء درته، وضرب بها راسه وقال : تدعون عمر وهو معرض لكم حتى إذا شغل في امر المسلمين اتيتموه : أعدني أعدني ! فانصرف الرجل يتذمر فقال عمر : على بالرجل، فجئ به فألقى إليه المخفقة، فقال : اقتص، قال : بل ادعه للّه ولك قال : ليس كذلك، بل تدعه اما للّه وارادة ما عنده، وإما تدعه لي، قال : أدعه للّه (2).


1) شرح نهج البلاغة ج البلاغة ج 1 ص 91.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 19.

سوى عمرو وقته خصيتاه

• اجتمع عند معاوية في بعض ليالى صفين عمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة ومروان بن الحكم وعبد اللّه ابن عامر وابن طلحة الطلحات الخزاعي، فقال عتبة : إن أمرنا وأمر على بن أبي طالب لعجب ! ما فينا إلا موتور مجتاح أما أنا فقتل جدى عتبة بن ربيعة وأخى حنظلة وشرك في دم عمى شيبة يوم بدر وأما أنت ياوليد، فقتل أباك صبرا وأما أنت يا بن عامر، فصرع أباك وسلب عمك وأما أنت يا بن طلحة، فقتل أباك يوم الجمل، وأيتم إخوتك. وأما أنت يا مروان فكما قال الشاعر :

وأفلتهن علباء جريضا***ولو أدركنه صفر الوطاب

فقال : معاوية هذا الاقرار فأين الغير ؟ قال مروان : وأى غير تريد ؟ قال : أريد أن تشجروه بالرماح قال : والله يا معاوية ما أراك إلا هاذيا أو هازئا، وما ارانا إلا ثقلنا عليك، فقال ابن عقبة :

يقول لنا معاوية بن حرب***أما فيكم لواتركم طلوب

يشد على أبي حسن على***بأسمر لا تهجنه الكعوب

فيهتك مجمع اللبات منه***ونقع الحرب مطرد يؤوب

فقلت له: أتلعب يابن هند***كأنك بيننا رجل غريب !

أتغرينا بحية بطن واد***إذا نهشت، فليس لها طبيب

وما ضبع يدب ببطن واد***أتيح له به أسد مهيب

بأضعف حيلة منا إذا ما***لقيناه ولقياه عجيب

سوى عمرو وقته خصيتاه***وكان لقلبه منه وجيب

كان القوم لما عاينوه***خلال النقع ليس لهم قلوب

لعمر أبى معاوية بن حرب***وما ظنى ستلحقه العيوب

لقد ناداه في الهيجا على***فأسمعه ولكن لا يجيب

فغضب عمرو، وقال : إن كان الوليد صادقا فليلق عليا أو فليقف حيث يسمع صوته. وقال عمرو :

يذكرنى الوليد دعا على***ونطق المرء يملؤه الوعيد

متی تذکر مشاهده قريش***يطر من خوفه القلب السديد

فأما في اللقاء فأين منه***معاوية بن حرب والوليد!

وعيرني الوليد لقاء ليث***إذا ما شدهابته الاسود

لقيت ولست أجهله عليا***وقد بلت من العلق اللبود

فاطعنه ويطعنی خلاسا***وماذا بعد طعنته أريد !

فرمها منه يابن أبي معيط***وأنت الفارس البطل النجيد

وأقسم لوسمعت ندا على***لطار القلب وانتفخ الوريد

ولو لاقيته شقت جیوب***عليك، ولطمت فيك الخدود (1).

فما هذه العلاوة ؟

خرج النجاشي في أول يوم من شهر رمضان فمر بأبي سمال الاسدي وهو قاعد بقناء داره، فقال له : أين تريد ؟ قال : أردت الكناسة فقال : هل لك في رءوس وأليات قد وضعت في التنور من أول الليل فأصبحت قد أينعت وقد تهرأت ؟ قال : ويحك ! في أول يوم من رمضان ! قال : دعنا مما لا نعرف قال : ثم مه قال : أسقيك من شراب كالورس يطيب النفس، ويجرى في العرق، ويزيد في الطرق يهضم الطعام ويسهل للقدم الكلام، فنزل فتغديا، ثم أتاه بنبيذ فشرياه فلما كان آخر النهار علت أصواتهما، ولهما جار من شيعة على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأتاه فأخبره بقصتهما، فأرسل إليهما قوما فأحاطوا بالدار، فأما أبو سمال فوتب إلى دور بنى أسد فأفلت وأخذ النجاشي فأتى (عَلَيهِ السَّلَامُ) به، فلما أصبح أقامه في سراويل، فضربه ثمانين ثم زاده عشرين سوطا، فقال : يا أمير المؤمنين، أما الحد فقد عرفته فما هذه العلاوة ؟ قال : لجراءتك على الله، وإفطارك في شهر رمضان ثم أقامه في سراويله للناس، فجعل الصبيان يصيحون به : خرى النجاشي، خرى النجاشي ! وجعل يقول : كلا إنها يمانية وكاؤها.شعر. قال : ومر به هند بن عاصم السلولى، فطرح عليه مطرفا، فجعل الناس يمرون به ويطرحون عليه المطارف، حتى اجتمعت عليه مطارف كثيرة، فمدح بنى سلول فقال :

إذا اللّه حيا صالحا من عباده تقيا فحيا اللّه هند بن عاصم


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 312.

وكل سلولى إذا ما دعوته سريع إلى داعى العلا والمكارم

هم البيض أقداما وديباج أوجه جلوها إذا اسودت وجوه الملائم

ولا يأكل الكلب السروق نعالهم ولا يبتغى المخ الذى في الجماجم

ثم لحق معاوية، وهجا عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال :

ألا من مبلغ عنى عليا بأني قد أمنت فلا أخاف

عمدت لمستقر الحق لما رأيت أموركم فيها اختلاف(1).

ادخل تحت قوائم العرش، لا تظفر بك فاطمة

كان بطبرستان قاص من المشبهة، يقص على الناس، فقال يوما في قصصه : إن يوم القيامة تجئ فاطمة بنت محمد معها قميص الحسين ابنها تلتمس القصاص من يزيد بن معاوية فإذا رآها اللّه تعالى من بعيد دعا يزيد وهو بين يديه فقال له : ادخل تحت قوائم العرش، لا تظفر بك فاطمة فيدخل ويختبئ وتحضر فاطمة، فتتظلم وتبكي فيقول سبحانه : انظري يا فاطمة إلى قدمي ويخرجها إليها، وبه جرح من سهم نمرود، فيقول : هذا جرح نمرود في قدمى وقد عفوت عنه، أفلا تعفين أنت عن يزيد ! فتقول. هي : اشهد يا رب أنى قد عفوت عنه (2).

أول قتيل من المسلمين يوم

كان جابر بن عبد اللّه، يقول اصطبح ناس يوم أحد الخمر، منهم أبى، فقتلوا شهداء. قال الواقدي : وكان جابر يقول : أول قتيل من المسلمين يوم أحد أبي، قتله سفیان بن عبد شمس أبو الاعور السلمى، فصلى عليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل الهزيمة. قال الواقدي : وكان جابر يحدث، ويقول : استشهد أبى وجعلت عمتى تبكى فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما يبكيها ما زالت الملائكة تظل عليه بأجنحتها حتى دفن قال الواقدي : وقال عبيد اللّه بن عمرو بن حزام : رأيت في النوم قبل يوم أحد بأيام مبشر بن عبد المنذر، أحد الشهداء ببدر، يقول لى أنت قادم علينا في أيام فقلت : فأين أنت قال : في


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 88.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 226.

الجنة نسرح منها حيث نشاء فقلت له : ألم تقتل يوم بدر قال : بلى، ثم أحبيت، فذكر ذلك لرسول اللّه قال : (هذه الشهادة يا جابر). قال الواقدي : وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم أحد : ادفنوا عبد اللّه بن عمرو بن حزام وعمرو بن الجموح في قبر واحد ويقال إنهما وجدا وقد مثل بهما كل مثلة قطعت آرابهما عضوا عضوا فلا تعرف أبدانهما فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (ادفنوهما في قبر واحد) ويقال إنما أمر بدفنهما في قبر واحد، لما كان بينهما من الصفاء، فقال : ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد. وكان عبد اللّه بن عمرو بن حرام رجلا أحمر أصلع ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح طويلا، فعرفا ودخل السيل بعد عليهما، وكان قبرهما مما يلى السيل، فحفر عنهما، وعليهما نمرتان وعبد اللّه قد أصابه جرح في وجهه فيده على وجهه فأميطت يده عن جرحه، فشعب الدم فردت إلى مكانها فسكن الدم قال الواقدي : وكان جابر بن عبد اللّه يقول رأيت أبى في حفرته، وكأنه نائم وما تغير من حاله قليل ولا كثير فقيل له : أفرايت أكفانه قال : إنما كفن في نمرة خمر بها وجهه، وعلى رجليه الحرمل فوجدنا النمرة كما هي والحرمل على رجليه كهيئته، وبين ذلك وبين وقت دفنه ست وأربعون سنة، فشاورهم جابر في أن يطيبه بمسك، فأبى ذلك أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقالوا لا تحدثوا فيهم شيئا. قال : ويقال أن معاوية لما أراد أن يجرى العين التي أحدثها بالمدينة وهى كظلمة نادى مناديه بالمدينة : من كان له قتيل بأحد فليشهد. فخرج الناس إلى قتلاهم فوجدوهم رطابا يتثنون، فأصابت المسحاة رجل رجل منهم، فتعبت دما، فقال أبو سعيد الخدرى : لا ينكر بعد هذا منكر أبدا. قال : ووجد عبد اللّه بن عمرو بن حزام وعمرو بن الجموح في قبر واحد، ووجد خارجة بن زيد بن أبي زهير وسعد بن الربيع في قبر واحد، فأما قبر عبد اللّه وعمرو فحول، وذلك أن القناة كانت تمر على قبرها، وأما قبر خارجة وسعد فترك، وذلك لان مكانه كان معتزلا، وسوى عليهما التراب، ولقد كانوا يحفرون التراب، فكلما حفروا قترة من تراب فاح عليهم المسك. قال : وقالوا أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لجابر يا جابر ألا أبشرك فقال : بلى بأبي وأمى قال : فان اللّه أحيا أباك ثم كلمه كلاما فقال له تمن على ربك ما شئت فقال اتمنى أن أرجع فأقتل مع نبيك، ثم أحيا فاقتل مع نبيك، فقال إني قد قضيت أنهم لا يرجعون (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 263.

كلام للجاحظ في سياسة علي ومعاوية

فأما القول في سياسة معاوية، وأن شنأة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومبغضية زعموا أنها خير من سياسة أمير المؤمنين، فيكفينا في الكلام على ذلك ماقاله شيخنا أبو عثمان، ونحن نحكيه بألفاظه قال أبو عثمان : وربما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل والتحصيل والفهم والتمييز - وهو من العامة ويظن أنه من الخاصة - يزعم أن معاوية كان أبعد غورا وأصح فكرا وأجود روية، وأبعد غاية وأدق مسلكا وليس الامر كذلك وسأرمى إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه، والمكان الذى دخل عليه الخطا من قبله كان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يستعمل في حربه إلا ما وافق الكتاب والسنة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنة، كما يستعمل الكتاب والسنة، ويستعمل جميع المكايد، حلالها وحرامها، ويسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى وخاقان إذا لاقى رتبيل، وعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لا تبدء وهم بالقتال حتى يبدء وكم، ولا تتبعوا مديرا ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا بابا مغلقا هذه سيرته في ذى الكلاع وفى أبى الاعور السلمي، وفي عمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة، وفى جميع الرؤساء، كسيرته في الحاشية والحشو والاتباع والسفلة وأصحاب الحروب، إن قدروا على البيات بيتوا وإن قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه إلى ساعة وإن كان الحرق أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق، وإن أمكن الهدم لم يتكلفوا الحصار، ولم يدعوا أن نصبوا المجانيق، والعرادات والنقب والتسريب والدبابات والكمين، ولم يدعوا دس السموم، ولا التضريب بين الناس بالكذب وطرح الكتب في عساكرهم بالسعايات وتوهيم الأمور، وإيجاش بعض من بعض، وقتلهم بكل آله وحيلة، كيف وقع القتل، وكيف دارت بهم الحال ! فمن اقتصر حفظك اللّه - من التدبير على ما في الكتاب والسنة كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير، وما لا يتناهى من المكايد والكذب - حفظك اللّه - أكثر من الصدق، والحرام أكثر عددا من الحلال ولو سمى إنسان إنسانا باسمه لكان قد صدق وليس له اسم غيره، ولو قال : هو شيطان أو كلب أو حمار أو شاة أو بعير أو كل ما خطر على البال لكان كاذبا في ذلك وكذلك الايمان والكفر، وكذلك الطاعة والمعصية، وكذلك الحق والباطل، وكذلك السقم والصحة، وكذلك الخطأ والصواب، فعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان ملجما

بالورع عن جميع القول إلا ما هو للّه عزوجل رضا، وممنوع اليدين من من كل بطش إلا ما هو للّه رضا، ولا يرى الرضا إلا فيما يرضاه الله ويحبه ولا يرى الرضا إلا فيما دل عليه الكتاب والسنة، دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء والنكراء والمكايد والاراء، فلما أبصرت العوام كثرة نوادر معاوية في المكايد، وكثرة غرائبه في الخداع، وما اتفق له وتهياً على يده ولم يرو ذلك من على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ظنوا بقصر عقولهم، وقلة علومهم أن ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فانظر بعد هذا كله هل يعد له من الخدع إلا رفع المصاحف ! ثم انظر هل خدع بها إلا من عصى رأى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخالف أمره. ! فإن زعمت أنه قال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت وليس في هذا اختلفنا، ولا عن غرارة أصحاب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعجلتهم وتسرعهم وتنازعهم دفعنا، وإنما كان قولنا في التميز بينهما في الدهاء والنكراء وصحة العقل والرأى والبزلاء، على أنا لا نصف الصالحين بالدهاء والنكراء، لا نقول : ماكان أنكر أبا بكر بن أبي قحافة ! وما كان أنكر عمر بن الخطاب ! ولا يقول أحد عنده شيء من الخير : كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أدهى العرب والعجم وأنكر قريش وأمكر كنانة لان هذه الكلمة إنما وضعت في مديح أصحاب الارب ومن يتعمق في الرأى في توكيد أمر الدنيا وزبرجها وتشديد أركانها، فأما أصحاب الاخرة الذين يرون الناس لا يصلحون على تدبير البشر، وإنما يصلحون على تدبير خالق البشر، فإن هؤلاء لا يمدحون بالدهاء والنكراء، ولم يمنعوا هذا إلا ليعطوا أفضل منه ألا ترى أن المغيرة بن شعبة - وكان أحد الدهاة - حين رد على عمرو بن العاص قوله في عمر بن عمر بن الخطاب - وعمرو بن العاص أحد الدهاة أيضا : أأنت كنت تفعل أو توهم عمر شيئا فيلقنه عنك ! ما رأيت عمر مستخليا بأحد إلا رحمته كائنا من كان ذلك الرجل، كان عمر والله أعقل من أن يخدع وأفضل من أن يخدع ولم يذكره بالدهاء والنكراء هذا مع عجبه بإضافة الناس ذلك إليه، ولكنه قد علم أنه إذا أطلق على الأئمة الالفاظ التي لا تصلح في أهل الطهارة، كان ذلك غير مقبول منه فهذا هذا. وكذلك كان حكم قول معاوية للجميع أخرجوا إلينا قتلة عثمان، ونحن لكم سلم. فاجهد كل جهدك، واستعن بمن شايعك إلى أن تتخلص إلى صواب رأى في ذلك الوقت أضله على حتى تعلم أن معاوية خادع وأن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان المخدوع فإن قلت : فقد بلغ ما أراد، ونال ما أحب فهل رأيت كتابنا وضع إلا على أن عليا كان قد امتحن في أصحابه وفى دهره بما لم يمتحن إمام قبله من الاختلاف والمنازعة والتشاح من الرياسة والتسرع والعجلة ! وهل أتى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا من

هذا المكان ! أو لسنا قد فرغنا من هذا الأمر، وقد علمنا أن ثلاثة نفر تواطئوا على قتل ثلاثة نفر فانفرد ابن ملجم بالتماس ذلك من على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانفرد البرك الصريمي بالتماس ذلك من عمرو بن العاص، وانفرد الا. - وهو عمرو بن بكر التميمي - بالتماس ذلك من معاوية فكان من الاتفاق أو من الامتحان، أن كان علي من بينهم هو المقتول وفى قياس مذهبكم أن تزعموا أن سلامة عمرو ومعاوية إنما كانت بحزم منهما وأن قتل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما هو من تضييع منه فإذ قد تبين لكم أنه من الابتلاء والامتحان في نفسه بخلاف الذى قد شاهدتموه في عدوه، فكل شيء سوى ذلك، فإنما هو تبع للنفس (1).

قصة صالح وثمود

قال المفسرون: إن عادا لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض، وكثروا وعمروا أعمارا طوالا، حتى إن الرجل كان يبنى المسكن المحكم فينهدم في حياته، فنحتوا البيوت في الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش فعتوا على اللّه وأفسدوا في الارض وعبدوا الأوثان، فبعث اللّه إليهم صالحا وكانوا قوما عربا وصالح من أوسطهم نسبا، فما آمن به إلا قليل منهم مستضعفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية فقال : أية آية تريدون ؟ قالوا : تخرج معنا إلى عيدنا - في يوم معلوم لهم من السنة - فتدعو إلهك وندعو إلهنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب لنا اتبعتنا قال : نعم، فخرج معهم، ودعوا أوثانهم، وسألوها الاستجابة فلم تجب فقال سيدهم جندع بن عمرو - وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يسمونها الكاتبة : أخرج لنا في هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء - والمخترجة : التى شاكلت البخت فإن فعلت صدقناك وأجبناك، فأخذ عليهم المواثيق، لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدقن ؟ قالوا : نعم، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا اللّه وعظماؤهم ينظرون ثم نتجت ولدا مثلها في العظم، فآمن به جندع ورهط من قومه ومنع أعقابهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء، وكانت ترد غبا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر، فما ترفعه حتى تشرب كل ماء فيها ثم تتفجح، فيحتلبون ما


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 227.

شاءوا حتى تمثلى أوانيهم فيشربون ويذخرون فإذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه، وإذا وقع البرد تشتت ببطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم، وزينت عقرها لهم امرأتان : عنيزة أم غنم وصدفة بنت المختار، لما أضرت به من مواشيهما وكانتا كثيرتى المواشى فعقروها، عقرها قدار الاحمر، واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق سقبها حتى رقى جبلا اسمه قارة، فرغا ثلاثا، وكان صالح قال لهم : أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه، وانفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح : تصبحون غدا ووجوهكم مصفرة وبعد غد وجوهكم محمرة، واليوم الثالث وجوهكم مسودة، ثم يغشاكم العذاب. فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه اللّه سبحانه إلى أرض فلسطين، فلما كان اليوم الرابع، وارتفعت الضحوة، تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالانطاع، فأتتهم صيحة منالسماء وخسف شدید وزلزال فتقطعت قلوبهم فهلكوا. وقد جاء في الحديث أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مر بالحجر في غزوة تبوك، فقال لاصحابه : لا يدخلن أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تمروا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم (1).

مرضه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان ذات الجنب

واحتج الذاهبون إلى أن مرضه كان ذات الجنب بما روى من انتصابه وتعذر الاضطجاع والنوم عليه قال سلمان الفارسي : دخلت عليه صبيحة يوم قبل اليوم الذى مات فيه، فقال لى : يا سلمان، ألا تسأل عما كابدته الليلة من الالم والسهر أنا وعلى ! فقلت : يارسول اللّه ألا أسهر الليلة معك بدله ؟ فقال : لا هو أحق بذلك منك. وزعم آخرون أن مرضه كان أثرا لاكلة السم التي أكلها (عَلَيهِ السَّلَامُ)،

واحتجوا بقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (مازالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهرى) (2).

لا بد من أن يموت أحدنا

روى أنس بن مالك أنه قيل لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما هؤلاء الذين استثنى بهم في قوله


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 262.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 267.

تعالى : (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ؟ فقال : جبرائيل، وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، فيقول اللّه عزوجل لعزرائيل : يا ملك الموت من بقى ؟ وهو سبحانه أعلم - فيقول : سبحانك ربي ذا الجلال والاكرام ! بقى جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت - فيقول : يا ملك الموت، خذ نفس إسرافيل فيقع في صورته التي خلق عليها كأعظم ما يكون من الاطواد، ثم يقول : وهو أعلم - من بقى يا ملك الموت ؟ فيقول : سبحانك ربي يا ذا الجلال والاكرام ! جبرائيل وميكائيل وملك الموت، فيقول : خذ نفس ميكائيل، فيقع في صورته التى خلق عليها وهي أعظم ما يكون من خلق إسرافيل بأضعاف مضاعفة. ثم يقول سبحانه : يا ملك الموت من بقى ؟ فيقول : سبحانك ربى ذا الجلال والاكرام : جبرائيل وملك الموت، فيقول تعالى : يا ملك الموت مت فيموت، ويبقى جبرائيل - وهو من اللّه تعالى بالمكان الذي ذكر لكم - فيقول اللّه : يا جبرائيل، إنه لا بد من أن يموت أحدنا، فيقع جبرائيل ساجدا يخفق بجناحيه، يقول : سبحانك ربى وبحمدك ! أنت الدائم القائم الذي لا يموت وجبرائيل الهالك الميت الفاني، فيقبض اللّه روحه فيقع على ميكائيل وإسرافيل وإن فضل خلقه على خلقهما كفضل الطود العظيم على الظرب من الظراب. (1)

رأيتنى واختا لى نرعى على ابوينا ناضحا لنا

ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث ان رجلا أتى عمر يساله ويشكو إليه الفقر، فقال: هلكت يا امير المؤمنين فقال : أهلكت وانت تنث نثيث الحميت اعطوه فاعطوه ربعة من مال الصدقة تبعها.ظراها. ثم أنشا يحدث عن نفسه فقال : لقد رأيتني واختا لى نرعى على ابوينا ناضحا لنا قد ألبستنا أمنا نقبتها وزودتنا يمنتيها هبيدا فنخرج بناضحنا، فإذا طلعت الشمس القيت النقبة إلى أختى وخرجت أسعى عربان فنرجع إلى امنا، وقد جعلت لنا لفيتة من ذلك الهبيد، فيا خصباه (2).

ما منعك أن تنهاني عن مسيرى

عن ابن أبى عتيق، قال : قالت عائشة : إذا مر ابن عمر فأرونيه، فلما مر قالوا : هذا


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 95.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 20.

ابن عمر فقالت : يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهانى عن مسيري، قال: رأيت رجلا قد غلب عليك، ورأيتك لا تخالفينه - يعنى عبد اللّه بن الزبير - فقالت : أما إنك لو نهيتني ما خرجت(1).

الا تكنيني

قالت عائشة : يا رسول اللّه ألا تكنيني ؟ فقال : تكنى باسم ابن أختك عبد اللّه فكانت تكنى أم عبد اللّه (2).

يتعصب لابليس

وكان أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي الواعظ، أخو أبى حامد محمد بن محمد الغزالي الفقيه الشافعي قاصا لطيفا وواعظا مفوها، وهو من خراسان من مدينة طوس، وقدم إلى بغداد ووعظ بها وسلك في وعظه مسلكا منكرا لانه كان يتعصب لابليس ويقول : إنه سيد الموحدين،

وقال يوما على المنبر : من لم يتعلم التوحيد من إبليس فهو زنديق، أمر أن يسجد لغير سيده فأبى ولست بضارع إلا إليكم وأما غيركم حاشا وكلا.

وقال مرة أخرى لما قال له موسى : (أرنى) فقال : (لن) قال : هذا شغلك، تصطفى آدم ثم تسود وجهه، وتخرجه من الجنة وتدعوني إلى الطور، ثم تشمت بی الاعداء هذا عملك بالاحباب، فكيف تصنع بالاعداء !

وقال مرة أخرى وقد ذكر إبليس على المنبر : لم يدر ذلك المسكين أن أظافير القضاء إذا حكت أدمت وأن قسى القدر إذا رمت أصمت. ثم قال : لسان حال آدم ينشد في قصته وقصة إبليس :

وكنت وليلى في صعود من الهوى فلما توافينا ثبت وزلت

وقال مرة أخرى : التقى موسى وإبليس عند عقبة الطور، فقال موسى : يا إبليس لم لم تسجد لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ فقال : كلا، ما كنت لاسجد لبشر، كيف أوحده ثم ألتفت إلى غيره


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 107.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 109.

! ولكنك أنت يا موسى سألت رؤيته ثم نظرت إلى الجبل، فأنا أصدق منك في التوحيد.

وكان هذا النمط في كلامه ينفق على أهل بغداد وصار له بينهم صيت مشهور واسم كبير.

وحكى عنه أبو الفرج بن الجوزى في (التاريخ) أنه قال على المنبر : معاشر الناس، إنى كنت دائما أدعوكم إلى الله، وأنا اليوم احذركم منه والله ما شدت الزنانير إلا في حبه، ولا أديت الجزية إلا في عشقه.

وقال أيضا : إن رجلا يهوديا أدخل عليه ليسلم على يده، فقال له : لا تسلم، فقال له الناس : كيف تمنعه من الاسلام ؟ فقال : احملوه إلى أبي حامد يعني أخاه ليعلمه (لا) إلى المنافقين. ثم قال : ويحكم أتظنون أن قوله : لا إله إلا اللّه منشور ولايته ! ذا منشور عزله (1).

اقوال المشبهة

إن مذهب جمهور المتكلمين نفى التشبيه وهذا القول يتنوع أنواعا : النوع الاول :، نفى كونه تعالى جسما مركبا، أو جوهرا فردا غير مركب والمراد بالجوهر هاهنا الجرم والحجم. وهو قول المعتزلة، وأكثر محققى المتكلمين من سائر الفرق، وإليه ذهبت الفلاسفة أيضا.

وقال قوم من مستضعفى المتكلمين خلاف ذلك،

حكى عن على بن ميثم أنه كان يقول بالصورة والجسم.

وحكى عن مقاتل بن سليمان وداود الجواربي ونعيم بن حماد المصرى، أنه في صورة الانسان وأنه لحم ودم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع ذلك لا يشبه غيره، ولا يشبهه غيره،

وافقهم على ذلك جماعة من العامة ومن لا نظر له.

وحكى عن داود الجواربي أنه قال : اعفوني من الفرج واللحية وسلوني عما وراء ذلك


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 107.

وحكى عنه أنه قال : هو أجوف من فيه إلى صدره وما سوى ذلك مصمت.

وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم الجواليقى كان يقول : إن له وفرة سوداء.

وذهب جماعة من هؤلاء إلى القول بالمؤانسة والخلوة والمجالسة والمحادثة.

وسئل بعضهم عن معنى قوله تعالى : (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)، فقال : يقعد معه على سريره ويغلفه بیده.

وقال بعضهم : سألت معاذا العنبري فقلت : أله وجه ؟ فقال : نعم، حتى عددت جميع الاعضاء من أنف وقم وصدر وبطن، واستحييت أن أذكر الفرج، فأومأت بيدى إلى فرجی، فقال : نعم، فقلت أذكر أم أنثى ؟ فقال : ذكر.

ويقال : إن ابن خزيمة أشكل عليه القول في أنه : أذكر أم أنثى، فقال له بعض أصحابه : إن هذا مذكور في القرآن وهو قوله تعالى : (وليس الذكر كالانثى)، فقال : أفدت وأجدت، وأودعه كتابه.

ودخل إنسان على معاذ بن معاذ يوم عيد وبين يديه لحم في طبيخ سكباج، فسأله عن البارئ تعالى في جملة ما سأله فقال : هو والله مثل هذا الذي بين يدى، لحم دم.

وشهد بعض المعتزلة عند معاذ بن معاذ فقال له : لقد هممت أن أسقطك، لو لا أني سمعتك تلعن حماد بن سلمة فقال : أما حماد فلم ألعنه ولكني ألعن من يقول : إنه سبحانه ينزل ليلة عرفة من السماء إلى الارض على جمل أحمر في هودج من ذهب، فإن كان حماد يروى هذا أو يقوله فعليه لعنة الله. فقال : أخرجوه، فأخرج.

وقال بعضهم : خرجنا يوم عيد إلى المصلى، فإذا جماعة بين يدى أمير والطبول تضرب والاعلام تخفق فقال واحد من خلفنا : اللهم لا طبل إلا طبلك ! فقل له : لا تقل هكذا، فليس للّه تعالى طبل، فبكى، وقال : أرأيتم هو يجئ وحده ولا يضرب بين يديه طبل، ولا ينصب على رأسه علم، فإذن هو دون الامیر !

وروى بعضهم أنه تعالى أجرى خيلا، فخلق نفسه من مثلها.

وروى قوم منهم أنه نظر في المرآة فرأى صورة نفسه، فخلق آدم عليها.

ورووا أنه يضحك حتى تبدو نواجذه.

ورووا أنه أمرد جعد قطط، في رجليه نعلان من ذهب، وأنه في روضة خضراء على

کرسى تحمله الملائكة.

ورووا أنه يضع رجلا على رجل ويستلقى فإنها جلسة الرب.

ورووا أنه خلق الملائكة من زغب ذراعيه، وأنه اشتكى عينه فعادته الملائكة، وأنه

يتصور بصورة آدم ويحاسب الناس في القيامة، وله حجاب من الملائكة يحجبونه.

ورووا عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : (رأيت ربى في أحسن صورة، فسألته عما يختلف فيه الملاء الاعلى فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها، فعلمت ما اختلفوا فيه).

ورووا أنه ينزل إلى السماء الدنيا في نصف شعبان وأنه جالس على العرش قد فضل منه أربع أصابع من كل جانب. وأنه يأتي الناس يوم القيامة، فيقول : أنا ربكم، فيقولون : نعوذ باللّه منك فيقول لهم : أفتعرفونه إن رأيتموه ؟ فيقولون : بيننا وبينه علامة، فيكشف لهم عن ساقه، وقد تحول في الصورة التى يعرفونها، فيخرون له سجدا.

ورووا أنه يأتي في غمام، فوقه هواء، وتحته هواء.

وذهب بعض متكلمي المجسمة إلى أن البارئ تعالى مركب من أعضاء على حروف المعجم.

وقال بعضهم : إنه ينزل على حمار في صورة غلام أمرد في رجليه نعلان من ذهب

وعلى وجهه فراش من ذهب يتطاير.

وقال بعضهم : إنه في صورة غلام أمرد صبيح الوجه عليه كساء أسود ملتحف به.

وسمعت أنا في عصرى هذا من قال في قوله تعالى : (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ) : إنهم قيام على رأسه بسيوفهم وأسلحتهم فقال له آخر على سبيل التهكم به : يحرسونه من المعتزلة أن يفتكوا به ! فغضب وقال : هذا إلحاد.

ورووا أن النار تزفر وتتغيظ تغيظا شديدا، فلا تسكن حتى يضع قدمه فيها، فتقول : قط قط، أي حسبى حسبي ويرفعون هذا الخبر مسندا.

وقد ذكر شبيه به في الصحاح وروى في الكتب الصحاح أيضا : (أن اللّه خلق آدم على صورته)،

وقيل : إن في التوراة نحو ذلك في السفر الاول واعلم أن أهل التوحيد يتأولون ما يحتمل التأويل من هذه الروايات على وجوه محتملة غير مستبعدة، وما لا يحتمل التأويل

منها يقطعون ببطلانه، وبأنه موضوع (1).

إن أسير أهل القبلة لا يقتل

كان رجل من أهل الشام يقال له الاصبغ بن ضرار الازدي من مسالح معاوية وطلائعه فندب له على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاشتر فأخذه اسيرا من غير قتال، فجاء به لیلا فشده وثاقا وألقاه عند أصحابه ينتظر به الصباح، وكان الاصبغ شاعرا مفوها فأيقن بالقتل ونام أصحابه، فرفع صوته فأسمع الاشتر، وقال :

ألا ليت هذا الليل أصبح سرمدا***على الناس لا يأتيهم بنهار

یكون كذا حتى القيامة إنني***أحاذر في الاصباح يوم بوارى

فياليل أطبق إن في الليل راحة***وفي الصبح قتلى أو فكاك أسارى

ولو كنت تحت الارض ستين واديا***لمارد عنى ما أخاف حذاري

فيا نفس مهلا إن للموت غاية***فصبرا على ما ناب یا بن ضرار

أأخشى ولى في القوم رحم قريبة***أبى اللّه أن أخشى ومالك جارى

ولو أنه كان الاسير ببلدة***أطاع بها، شمرت ذيل إزاري

ولو كنت جار الاشعث الخير فكني***وقل من الأمر المخوف فراری

وجار سعيد أو عدي بن حاتم***وجار شريح الخير قرقراری

وجار المرادى الكريم وهانئ***وزحر بن قيس ما كرهت نهاري

ولو أنني كنت الاسير لبعضهم***دعوت فتى منهم ففك إسارى

أولئك قومي لا عدمت حياتهم***وعفوهم عني وستر عواری

قال : فغدا به الاشتر إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : يا أمير المؤمنين، إن هذا رجل من مسالح معاوية، أصبته أمس وبات عندنا الليل فحركنا بشعره وله رحم، فإن كان فيه القتل فاقتله، وإن ساغ لك العفو عنه فهبه لنا، فقال : هو لك يا مالك، وإذا أصبت منهم أسيرا فلا تقتله فإن أسير أهل القبلة لا يقتل. فرجع به الاشتر إلى منزله وخلى سبيله (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 223.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 100.

قسمة الفيىء

قال ابن ابي الحديد: اعلم أن هذه مسألة فقهية ورأى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبى بكر فيها واحد، وهو التسوية بين المسلمين في قسمة الفئ والصدقات، وإلى هذا ذهب الشافعي، وأما عمر فإنه لما ولى الخلافة فضل بعض الناس على بعض، ففضل السابقين على غيرهم، وفضل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين وفضل المهاجرين كافة على الانصار كافة وفضل العرب على العجم وفضل الصريح على المولى، وقد كان أشار على أبى بكر أيام خلافته بذلك، فلم يقبل، وقال : إن اللّه لم يفضل أحدا على أحد، ولكنه قال : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، ولم يخص قوما دون قوم فلما أفضت إليه الخلافة عمل بما كان أشار به أولا، وقد ذهب كثير من فقهاء المسلمين إلى قوله، والمسألة محل اجتهاد وللامام أن يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده وإن كان اتباع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندنا أولى، لا سيما إذا عضده موافقة أبى بكر على المسألة، وإن صح الخبر أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم سوى فقد صارت المسألة منصوصا عليها، لان فعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) كقوله (1).

الغلاة من الشيعة والنصيرية وغيرهم

قال ابن ابي الحديد أما الغلاة في أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهالكون كما هلك الغلاة في عیسی (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقد روى المحدثون أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال له (عَلَيهِ السَّلَامُ) : "فيك مثل من عيسى بن مريم أبغضته اليهود فبهتت أمه وأحبته النصارى فرفعته فوق قدره "،

• وقد كان أمير المؤمنين عثر على قوم من أصحابه خرجوا من حد محبته باستحواذ الشيطان عليهم ! أن كفروا بربهم وجحدوا ما جاء به نبيهم، فاتخذوه ربا وادعوه إلها، وقالوا له : أنت خالقنا ورازقنا، فاستتابهم، واستأنى وتوعدهم، فأقاموا على قولهم، فحفر لهم حفرا دخن عليهم فيها، طمعا في رجوعهم، فأبوا فحرقهم، وقال :

ألا تروني قد حفرت حفرا***إنى إذا رأيت أمرا من منکرا

أوقدت ناری و دعوت قنبرا (2)


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 111.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 119.

احضر لى خيوطا من ريح

وقال جابر بن عبد اللّه الجعفي : رأيت الشعبى يقول لخياط يمازحه : عندنا مکسور وأحب أن تخيطه، فقال الخياط : أحضر لى خيوطا من ريح لاخيطه لك(1).

هل يجوز أن يؤكل الجنى لو ظفر به

وسئل الشعبى : هل يجوز أن يؤكل الجنى لو ظفر به ؟ فقال : ليتنا نخرج منه كفافا لالنا ولا علينا (2).

ذلك نكاح ما شهدناه

مر بالشعبي حمال على ظهره دن خل فوضع الدن وقال له : ما كان اسم امرأة إبليس ؟ فقال الشعبي : ذلك نكاح ما شهدناه (3).

ابن أخت خالتك

تقدم رجلان إلى شريح في خصومة فأقر أحدهما بما ادعى عليه وهو لا يدرى، فقضی شریح عليه، فقال : أصلحك اللّه ! أتقضى على بغير بينة ؟ قال : بلى، شهد عندي ثقة. قال ومن هو ؟ قال : ابن أخت خالتك (4).

إنما أكله عن جانب العين الصحيحة

جاء في الخبر أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مر بصهيب وهو أرمد يأكل تمرا فنهاه فقال : إنما آكله عن جانب العين الصحيحة يارسول الله، فضحك منه ولم ينكر عليه (5).

إنه كان يقاتل عن ترة له وعليه

ذكر معاوية يوما صفين بعد عام الجماعة، وتسليم الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) الامر إليه، فقال


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 334.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 334.

3) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 335.

4) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 335.

5) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 335.

للوليد بن عقبة : أي بني عمك كان أفضل يوم صفين يا وليد عند وقدان الحرب واستشاطة لظاها حين قاتلت الرجال على الاحساب ؟ قال : كلهم قد وصل كنفيها عند انتشار وقعتها حتى ابتلت أثباج الرجال من الجريال بكل لدن عسال، وبكل عضب تصال، فقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد : أما والله لقد رأيتنا يوما من الايام، وقد غشينا ثعبان في مثل الطود الأرعن قد أثار قسطلا حال بيننا وبين الافق وهو على أدهم شائل الغرة - يعنى عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)- يضرب بسيفه ضرب غرائب الابل كاشرا عن نابه كشر المخدر الحرب، فقال معاوية : نعم إنه كان يقاتل عن ترة له وعليه (1).

في الاباء والانف من احتمال الضيم

فمن ذلك قول عمرو بن براقة الهمداني :

وكيف ينام الليل من جل ماله حسام كلون الملح أبيض صارم

كذبتم وبيت اللّه لا تأخذونها مراغمة ما دام للسيف قائم

ومن يطلب المال الممنع بالقنا يعش ماجدا أو تخترمه الخوارم

ومثله :

ومن يطلب المال الممنع بالقنا يعش ماجدا أو يؤذ فيما يمارس

وقال حرب بن مسعر :

عطفت عليه المهر عطفة باسل كمى ومن لا يظلم الناس يظلم

فأوجرته لدن الكعوب مثقفا فخر صريعا لليدين وللفم

وقال الحارث بن الارقم :

وما ضاق صدري يا سليمي بسخطكم ولكننى في الحادثات صليب

تروك لدار الخسف والضيم منكر بصير بفعل المكرمات أريب

إذا سامنى السلطان ذلا أبيته ولم أعط خسفا ما أقام عسيب

وقال العباس بن مرداس السلمى :


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 52.

بأبى فوارس لا يعرى صواهلها أن يقبلوا الخسف من ملك وإن عظما

لا والسيوف بأيدينا مجردة لا كان منا غداة الروع منهزما

وقال وهب بن الحارث :

لا تحسبني كأقوام عبثت بهم لن يأنفوا الذل حتى تأنف الحمر

لا تعلقني قذاة لست فاعلها واحذر شباتي فقدما ينفع الحذر

فقد علمت بأنى غير مهتضم حتى يلوح ببطن الراحة الشعر

وقال المسيب بن علس :

أبلغ ضبيعة أن البلاد فيها لذى قوة مغضب

وقد يقعد القوم في دارهم إذا لم يضاموا وإن أجدبوا

ويرتحل القوم عند الهوان عن دارهم بعد ما أخصبوا

وقال آخر :

إن الهوان حمار القوم يعرفه والحر ينكره والرسلة الاجد

ولا يقيم على خسف يراد به إلا الاذلان عير الحى

والوتد هذا على الخسف مشدود برمته وذا يشج فلا يأوى له أحد

فإن أقمتم على ضيم يراد بكم فإن رحلى له وال ومعتمد

وفي البلاد إذا ما خفت بادرة مكروهة عن ولاة السوء مفتقد

وقال بعض بني أسد :

إني امرؤ من بنى خزيمة لا أطعم خسفا لناعب نعبا

لست بمعط ظلامة أبدا عجما ولا أتقى بها عربا

ووثقت بالدنيا وأنت ترى جماعتها شتات

و عزمت ويك على الحياة وطولها عزما بتاتا

يا من رأى أبويه - فيمن قد رأى - كانا فماتا

هل فيهما لك عبرة أم خلت أن لك انفلاتا !

ومن الذى طلب التقللت من منيته ففاتا !

كل تصيحه المنية أو تبيته بياتا

وله :

أرى الدنيا لمن هي في يديه عذابا، كلما كثرت لديه

تهين المكرمين لها بصغر وتكرم كل من هانت عليه

إذا استغنيت عن شئ فدعه وخذ ما أنت محتاج إليه

وله :

ألم تر ريب الدهر في كل ساعة له عارض فيه المنية تلمع

أيا بانى الدنيا لغيرك تبتنى و يا جامع الدنيا لغيرك تجمع

أرى المرء وثابا على كل فرصة وللمرء يوما لا محالة مصرع

ينازل ما لا يملك الملك غيره متى تنقضي حاجات من ليس يشبع !

وأى امرئ في غاية ليس نفسه إلى غاية أخرى سواها تطلع !

وله :

سل الايام عن أمم تقضت ستخبرك المعالم والرسوم وإلا حساما

يبهر العين لمحه كصاعقة في عارض قد تبسما

قال العباس بن مرداس السلمى :

مقال امرئ يهدى إليك نصيحة إذا معشر جادوا بعرضك فابخل

وإن بوء وك منزلا غير طائل غليظا فلا تنزل به وتحول

ولا تطعمن ما يعلقونك إنهم أتوك على قرباهم بالمثمل

أراك إذا قد صرت للقوم ناضحا يقال له بالغرب أدبر وأقبل

فخذها فليست للعزيز بخطة وفيها مقام لامرئ متذلل

وله أيضا :

فحارب فإن مولاك حارد نصره ففى السيف مولى نصره لا يحارد

وقال مالك بن حريم الهمداني :

وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم!

متى تجمع القلب الذكى وصارما وأنها حميا تجتنبك المظالم

وقال رشيد بن رميض العنزي :

باتوا نياما وابن هند لم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم

خدلج الساقين خفاق القدم قد لفها الليل بسواق حطم

ليس براعى إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم

من يلقنى يود كما أودت إرم

وقال آخر :

ولست بمبتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما

ولما رأيت الود ليس بنافعي عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما

وقال حارثة بن بدر الغداني :

أهان وأقصى ثم ينتصحونني ومن ذا الذي يعطى نصيحته قسرا !

رأيت أكف المصلتين عليكم ملاء وكفى من عطائكم صفرا

متى تسألونى ما على وتمنعوا الذى لى لا أستطيع في ذلكم صبرا

وقال بعض الخوارج :

تعيرني بالحرب عرسي وما درت بأنى لها في كل ما أمرت ضد

لحا اللّه قوما يقعدون وعندهم سيوف ولم يعصب بأيديهم قد

وقال الأعشى :

أبالموت خشتنى عباد وإنما رأيت منايا القوم يسعى دليلها

وما موتة إن متها غير عاجز بعار إذا ما غالت النفس غولها

وقال آخر :

فلا أسمعن فيكم بأمر هضيمة وضيم ولا تسمع به هامتي بعدي

فإن السنان يركب المرء حدة من الضيم أو يعدو على الاسد الورد

ومثله :

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل

ويركب حد السيف من أن تضيمه إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل

وقال آخر :

كرهوا الموت فاستبيح حماهم وأقاموا فعل اللئيم الذليل

أمن الموت تهربون فإن الموت الذليل غير جميل

وقال بشامة بن الغدير :

وإن التى سامكم قومكم هم جعلوها عليكم عدولا

أخزى الحياة وكره الممات فكلا أراه طعاما وبيلا

فإن لم يكن غير إحداهما فسيروا إلى الموت سيرا جميلا

ولا تقعدوا وبكم منة كفى بالحوادث للمرء غولا

وقال هدبة بن خشرم :

وإنى إذ ما الموت لم يك دونه قدى الشير أحمى الانف أن أتأخرا

ولكنني أعطى الخفيظة حقها فأعرف معروفا وأنكر منكرا

وقال آخر :

إنى أنا المرء لا يغضى على تره ولا يقر على ضيم إذا غشما

ألقى المنية خوفا أن يقال فتى أمسى - وقد ثبت الصفان - منهزما

وقال آخر :

قوض خيامك والتمس بلدا تنأى عن الغاشيك بالظلم

أو شد شدة بيهس فعسى أن يتقوك بصفحة السلم

استنصر سبيع بن الخطيم التيمى من بنى تيم اللات بن ثعلبة زيد الفوارس الضبي فنصره فقال :

نبهت زيدا فلم أفزع إلى وكل رث السلاح ولا في الحى مغمور

سالت عليه شعاب الحى جين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير

قال الحسين بن الحمام :

ولست بمبتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما

تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما

فلسنا على الاعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما

نفلق هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

أبي لا بن سلمى أنه غير خالد ملاقي المنايا أي صرف تيمما

وقال الطرماح بن حكيم :

وما منعت دار ولا عز أهلها من الناس إلا بالقنا والقنابل

وقال آخر :

وإن التي حدثتها في أنوفنا وأعناقنا من الاباء كما هيا

وقال آخر :

فإن تكن الايام فينا تبدلت ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل

فما لينت منا قناة صليبة ولا ذللتنا للتي ليس تجمل

ولكن رحلناها نفوسا كريمة تحمل ما لا يستطاع فتحمل

وقال آخر :

إذا جانب أعياك فاعمد لجانب فإنك لاق في البلاد معولا

وقال أبو النشناش :

إذا المرء لم يسرح سواما ولم يرح سواما ولم تعطف عليه أقاربه

فللموت خير للفتى من قعوده عديما ومن مولى تدب عقاربه

ولم أر مثل الهم ضاجعه الفتى ولا كسواد الليل أخفق طالبه

فعش معدما أومت كريما فإنني أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه

وقال يحيى بن منصور الحنفي :

ولما نأت عنا العشيرة كلها أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر

فما أسلمتنا عند يوم كريهة ولا نحن أغضينا الجفون على وتر (1)

الحرقة بنت النعمان بن المنذر

لما فتح خالد بن الوليد عين التمر سال عن الحرقة بنت النعمان النعمان بن المنذر فدل عليها فأتاها - وكانت عمياء - فسألها عن حالها فقالت لقد طلعت علينا الشمس ما شئ يدب تحت الخورنق الا تحت ايدينا ثم غربت وقد رحمنا كل من يدور به و ما بيت دخلته حبره الا دخلته عبرة ثم قالت وبينا نسوس الناس والامر امرنا إذا نحن فيه سوقه تتنصف فاف لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب تارات بنا وتصرف فقال قائل ممن كان حول خالد قاتل اللّه عدى بن زيد لكانه ينظر إليها حين يقول إن للدهر صرعة فاحذرنها لا تبيتن قدامنت الدهورا قد يبيت الفتى معافى فيردى ولقد كان آمنا مسرورا (2).

ثمامة نابتة على قبر معاوية

دخل عبد اللّه بن العباس على عبد العباس على عبد الملك بن مروان يوم قر وهو على فرش يكاد يغيب فيها فقال يا بن عباس انى لا حسب اليوم باردا قال اجل وإن ابن هند عاش في مثل ما ترى عشرین امیرا وعشرين خليفة ثم هو ذاك على قبره ثمامة تهتز فيقال إن عبد الملك ارسل إلى قبر معاوية فوجد عليه ثمامة نابتة (3).

انما انت لعبة نلعب بك وتفركين

غضب عمر على بعض عماله فكلم امراة من نساء عمر في ان تسترضيه له فكلمته فيه فغضب وقال : وفيم انت من هذا يا عدوة اللّه ؟ انما انت لعبة نلعب بك وتفركين (4).

إنما عنيت عتبة

دخل النجاشي الشاعر على معاوية، وقد أذن للناس عامة، فقال لحاجبه : ادع


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 245.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 170.

3) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 1170.

4) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 23.

النجاشي، والنجاشي بين يديه ولكن اقتحمته عينه، فقال : هأنذا النجاشي بين يديك يا أمير المؤمنين، إن الرجال ليست بأجسامها، إنما لك من الرجل أصغراه : قلبه ولسانه قال : ويحك ! أنت القائل

ونجى ابن حرب سابح ذو علالة أجش هزيم والرماح دواني

إذا قلت أطراف الرماح تنوشه مرته به الساقان والقدمان

ثم ضرب بيده إلى ثديه فقال : ويحك ! إن مثلى لا تعدو به الخيل، فقال : يا أمير المؤمنين، إنى لم أعنك، إنما عنيت عتبة (1).

اظهروا النسك

وقال رجل من بنى هلال لبنيه : يا بنى اظهروا النسك فإن الناس إن رأوا من أحد منكم بخلا، قالوا : مقتصد لا يحب الاسراف وإن رأوا عيا، قالوا : متوق يكره الكلام، وإن رأواجبنا قالوا : متحرج يكره الاقدام على الشبهات (2).

شيخ من بنى نهشل بن دارم الجبان

كان بالبصرة شيخ من بنى نهشل بن دارم يقال له عروة بن مرثد ويكنى أبا الاعز ينزل في بنى أخت له من الأزد في سكة بنى مازن فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان وخرج النساء يصلين في مسجدهم، ولم يبق في الدار إلا إماء، فدخل كلب يتعسس فرأى بيتا مفتوحا فدخله وانصفق الباب عليه فسمع بعض الاماء الحركة، فظنوا أنه لص دخل الدار فذهبت إحداهن إلى أبى الاعز فأخبرته، فقال أبو الأعز : إلام يبتغى اللص عندنا وأخذ عصاه، وجاء حتى وقف بباب البيت وقال : إيه يا فلان ! أما والله إنى بك لعارف فهل أنت من لصوص بنى مازن ! شربت حامضا خبيثا، حتى إذا دارت في رأسك منتك نفسك الاماني، وقلت : أطرق دور بنى عمرو، والرجال خلوف والنساء يصلين في مسجدهن فأسرقهم. سوءه لك ! والله ما يفعل هذا ولد الاحرار ! وايم اللّه لتخرجن أو لاهتفن هتفة مشئومة يلتقى فيها الحيان عمرو وحنظلة، وتجي سعد


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 88.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 92.

عدد الحصى وتسيل عليك الرجال من هنا وهنا ولئن فعلت لتكونن أشام مولود ! فلما رأى أنه لا يجيبه أخذه باللين فقال : اخرج - بأبى أنت - مستورا، والله ما أراك تعرفني، ولو عرفتني لقنعت بقولى، واطمأننت إلى ابن أختى البار الوصول، أنا - فديتك - أبو الأعز النهشلي ! وأنا خال القوم، وجلدة بين أعينهم لا يعصونني، ولا تضار الليلة وأنت في ذمتي وعندي قوصرتان أهداهما إلى ابن أختى البار الوصول فخذ إحداهما، فانبذها حلالا من اللّه ورسوله. وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق، وإذا سكت أبو الأعز وثب يريد المخرج، فتهاتف أبو الأعز، ثم تضاحك وقال : يا ألام الناس وأوضعهم ! ألا أرانى لك منذ الليلة في واد وأنت لى في واد آخر أقبلت السوداء والبيضاء، فتصيح وتطرق، فإذا سكت عنك وثبت تريد الخروج ! والله لتخرجن أو لالجن عليك البيت فلما طال وقوفه جاءت إحدى الاماء فقالت : أعرابي مجنون والله ما أرى في البيت شيئا فدفعت الباب فخرج الكلب شاردا، وحاد عنه أبو أبو الأعز ساقطا على قفاه شائلة رجلاه وقال : تالله ما رأيت كالليلة هذه ! ما أراه إلا كلبا، ولو علمت بحاله لولجت عليه (1).

أتكفر برب كان يؤمن به عثمان

أن عمارا نازع الحسن بن على (عليهما السلام) في أمر عثمان فقال عمار : قتل عثمان كافرا، وقال الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): قتل مؤمنا، وتعلق بعضهما ببعض، فصارا إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : ماذا تريد من ابن أخيك ؟ فقال : إني قلت كذا، وقال كذا، فقال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أتكفر برب كان يؤمن به عثمان ! فسكت عمار، وقد ذكر الشيخ أبو الحسين الخياط أن عثمان لما نقم عليه ضربه عمارا احتج لنفسه، فقال : جاءني سعد وعمار، فأرسلا إلى أن ائتنا، فإنا نريد أن نذاكرك أشياء فعلتها، فأرسلت إليهما : إني مشغول، فانصرفا فموعدكما فموعد كما يوم كذا، فانصرف سعد كذا فانصرف سعد وأبي عمار أن ينصرف فأعدت الرسول إليه فأبى أن ينصرف، فتناوله بغير أمرى ووالله ما أمرت به ولا رضیت وها أنا، فليقتص منى. قال : وهذا من أنصف قول وأعدله (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 109.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 48.

فرحت وعطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائه

وروى سعيد بن خالد الجدلي، قال : لما قدم عبد الملك الكوفة بعد قتل مصعب دعا الناس يعرضهم على فرائضهم، فحضرنا بين يديه، فقال : من القوم ؟ قا ؟ قلنا : جديلة، فقال جديلة عدوان ؟ قلنا : نعم، فأنشده

عذير الحی من عدوان***كاننوا حية الارض

بغی بعضهم بعضا***فلم يرعوا على بعض

ومنهم كانت السادات***والموفون بالقرض

ومنهم حكم يقضى : فلا ينقض ما يقضى.

ومنهم من يجيز الناس***بالسنة والفرض

ثم أقبل على رجل منا وسيم جسيم قدمناه أمامنا، فقال : أيكم يقول هذا الشعر ؟ قال : لا أدرى فقلت أنا من خلفه : يقوله ذو الاصبع، فتركني وأقبل على ذلك الرجل الجسيم فقال : ما كان اسم ذى الاصبع ؟ قال : لا أدرى، فقلت أنا من خلفه : اسمه حرثان، فتركني وأقبل عليه فقال له : ولم سمى الاصبع ؟ قال : لا أدرى، فقلت أنا من خلفه : نهشته حية في إصبعه، فأقبل عليه وتركني، فقال : من أيكم كان ؟ فقال : لا أدرى فقلت أنا من خلفه : من بنى تاج الذين يقول الشاعر فيهم :

فأما بنو تاج فلا تذكرنهم***ولا تتبعن عيناك من كان هالكا

فأقبل على الجسيم، فقال : كم عطاؤك ؟ قال : سبعمائة درهم، فأقبل على وقال : وكم عطاؤك أنت : قلت أربعمائه فقال : يا أبا الزعيزعة، حط من عطاء هذا ثلثمائة، وزدها في عطاء هذا، فرحت وعطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائه (1).

وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة

وقلت لمتكلم من متكلمي الأمامية يعرف بعلي بن تقى من بلدة النيل : وهل كانت فدك إلا نخلا يسيرا وعقارا ليس بذلك الخطير ! فقال لى : ليس الامر كذلك بل كانت جليلة جدا وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الان من التخل وما قصد أبو بكر وعمر


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 94.

بمنع فاطمة عنها إلا ألا يتقوى على بحاصلها وغلتها على المنازعة في الخلافة ولهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعلى وسائر بني هاشم وبنى المطلب حقهم في الخمس، فإن الفقير الذى لا مال له تضعف همته ويتصاغر عند نفسه ويكون مشغولا بالاحتراف والاكتساب عن طلب الملك والرياسة ! (1).

رواه مشايخ الشيعة قبل أن يوجد جد أبى العيناء

قال المرتضى : وأخبرنا أبو عبد اللّه المرزباني : قال : حدثنى على بن هارون قال : أخبرني عبيد اللّه عبيد اللّه بن أحمد بن أبى طاهر عن أبيه قال : ذكرت لأبي الحسين زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلام فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) عند منع أبي بكر إياها فدك وقلت له : إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع وأنه من كلام أبى العيناء لان الكلام منسوق البلاغه فقال لى : رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلمونه أولادهم وقد حدثني به أبى عن جدى يبلغ به فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) على هذه الحكاية وقد رواه مشايخ الشيعة وتدارسوه قبل أن يوجد جد أبى العيناء وقد حدث الحسين بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد اللّه بن الحسن بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام. ثم قال أبو الحسن زيد : وكيف تنكرون هذا من كلام فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ويحققونه لو لا عداوتهم لنا أهل البيت (2).

غريب

روايتهم على أن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو إسرافيل والحسن ميكائيل والحسين جبرائيل وفاطمة ملك الموت وآمنة أم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليلة القدر ! فإن صدقوا ذلك أيضاً قيل لهم : فعمر بن الخطاب كيف يقدر على ضرب ملك (3).

أديان العرب في الجاهلية

فأما العرب. فقد كانوا أصنافا شتى فمنهم معطلة ومنهم غير معطلة. فأما المعطلة


1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 236.

2) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 252.

3) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 271.

منهم، فبعضهم أنكر الخالق والبعث والاعادة، وقالوا ما قال القرآن العزيز عنهم : (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) فجعلوا الجامع لهم الطبع، والمهلك لهم الدهر وبعضهم اعترف بالخالق سبحانه وانكر البعث، وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله : (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ). ومنهم من أقر بالخالق ونوع من الاعادة، وأنكروا الرسل وعبدوا الاصنام وزعموا أنها شفعاء عند اللّه في الآخرة، وحجوا لها ونحروا لها الهدى وقربوا لها القربان وحللوا وحرموا وهم جمهور العرب، وهم الذين قال اللّه تعالى عنهم : (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ). فممن نطق شعره بإنكار البعث بعضهم يرثى قتلى بدر

فماذا بالقليب قليب بدر من الفتيان والقوم الكرام !

وماذا بالقليب قليب بدر من الشيزى تكلل بالسنام !

أ يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام !

إذا ما الرأس زال بمنكبيه فقد شبع الانيس من الطعام

أيقتلني إذا ما كنت حيا ويحييني إذا رمت عظامي !

وكان من العرب من يعتقد التناسخ وتنقل الارواح في الاجساد، ومن هؤلاء أرباب الهامة، التي قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنهم : لا عدوى ولاهامه ولا صفر وقال ذو الاصبع :

يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني

وقالوا : إن ليلى الاخيلية لما سلمت على قبر توبة بن الحمير خرج إليها هامة من القبر صائحه، أفزعت ناقتها، فوقصت بها فماتت وكان ذلك تصديق قوله :

ولو أن ليلى الاخيلية سلمت على ودوني جندل وصفائح

لسلمت تسليم البشاشة أو زقى إليها صدى من جانب القير صائح

وكانوا في عبادة الاصنام مختلفين فمنهم من يجعلها مشاركة للبارئ تعالي ويطلق عليها لفظة الشريك، ومن ذلك قولهم : في التلبية : لبيك اللهم لبيك : لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ومنهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك، ويجعلها وسائل وذرائع إلى الخالق سبحانه، وهم الذين قالوا : (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).

وكان في العرب مشبهة ومجسمة، منهم امية بن أبي الصلت، وهو القائل :

من فوق عرش جالس قد حط رجليه إلى كرسيه المنصوب

وكان جمهورهم عبدة الاصنام،

فكان ود لكلب بدومة الجندل،

وسواع الهذيل،

ونسر لحمير،

ويغوث لهمدان

واللات لثقيف بالطائف،

والعزى لكنانة وقريش وبعض بنى سليم،

ومناة لغسان والأوس والخزرج،

وكان هبل لقريش خاصة على ظهر الكعبة،

وأساف ونائلة على الصفا والمروة.

وكان في العرب من يميل إلى اليهودية، منهم جماعة من التبابعة وملوك اليمن،

ومنهم نصارى كبني تغلب والعباديين رهط عدي بن زید و نصاری نجران،

ومنهم من كان يميل إلى الصابئة ويقول بالنجوم والانواء.

فأما الذين ليسوا بمعطلة من العرب فالقليل منهم وهم المتألهون أصحاب الورع

والتحرج عن القبائح كعبد الله، وعبد المطلب وابنه أبى طالب وزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة الايادي وعامر بن الظرب العدواني، وجماعة غير هؤلاء (1).

الامامية و الرجعة

الامامية يقولون بالرجعة ويزعمون أنه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أمية وغيرهم إذا ظهر إمامهم المنتظر، وأنه يقطع أيدى أقوام وأرجلهم، ويسمل عيون بعضهم، ويصلب قوما آخرين وينتقم من أعداء آل محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ) المتقدمين والمتأخرين. وأما أصحابنا فيزعمون أنه سيخلق اللّه تعالى في آخر الزمان رجلا من ولد فاطمة (عليها السلام) ليس


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 117.

موجود الآن، وأنه يملا الارض عدلا كما ملئت جورا وظلما، وينتقم من الظالمين وينكل بهم أشد النكال، وأنه لام ولد كما قد ورد في هذا الأثر وفي غيره من الآثار، وأن، اسمه محمد کاسم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنه إنما يظهر بعد أن يستولى على كثير من الاسلام ملك من أعقاب بني أمية وهو السفياني الموعود به في الخبر الصحيح من ولد أبي سفيان بن حرب بن أمية وأن الامام الفاطمي يقتله ويقتل أشياعه من بني أمية وغيرهم وحينئذ ينزل المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) من السماء، وتبدو أشراط الساعة وتظهر دابة الارض، ويبطل التكليف، ويتحقق قيام الاجساد عند نفخ الصور، كما نطق به الكتاب العزيز فإن قيل : فإنكم قلتم فيما تقدم : إن الوعد إنما هو بالسفاح وبعمه عبد اللّه بن على، والمسودة وما قلتموه الآن مختلف لذلك ! قيل : إن ذلك التفسير هو تفسير ما ذكره الرضى (رحمه اللّه تعالى) من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهج البلاغة وهذا التفسير هو تفسير الزيادة التي لم يذكرها الرضى وهى قوله بأبى ابن خيرة الاماء. وقوله : لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا، فلا مناقضة بين التفسيرين (1).

ماقيل في قريش وعبد مناف

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن اللّه تعالى لم يمسسني بسفاح في أرومتى منذ إسماعيل بن إبراهيم إلى عبد اللّه ابن عبد المطلب،

وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): سادة أهل محشر، سادة أهل الدنيا : أنا وعلى وحسن وحسين وحمزة وجعفر،

وقوله وقد سمع رجلا ينشد:

يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد الدار !

أ هكذا قال يا أبا بكر ! منكرا لما سمع، فقال أبو بكر : لا، يا رسول الله، إنه لم يقل هكذا ولكنه قال :

يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد مناف

عمرو العلى هشم الثريد لقومه ورجال مكة مستون عجاف


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 59.

فسر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك،

وقوله : " أذل اللّه من أذل قريشا قالها ثلاثا،

وكقوله : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب

وكقوله : الناس تبع لقريش برهم لبرهم وفاجرهم الفاجرهم

وكقوله : " أنا ابن الاكرمين "،

قوله لبنى هاشم : والله لا يبغضكم أحد إلا أكبه اللّه على منخريه في النار "،

وقوله : " ما بال رجال يزعمون أن قرابتي غير نافعة بلى إنها لنافعة، وإنه لا يبغض أحد أهلى إلا حرمه اللّه الجنة "(1).

لو قتل النهدي يومئذ لقتل شهيدا

أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما حد النجاشي غضبت اليمانية لذلك، وكان أخصهم به طارق بن عبد الله بن كعب النهدي فدخل عليه فقال : يا أمير المؤمنين ما كنا نرى أن أهل المعصية والطاعة، وأهل الفرقة والجماعد عند ولاة العدل ومعادن الفضل سيان في الجزاء، حتى رأينا ما كان من صنيعك بأخى الحارث، فأوغرت صدورنا وشتت أمورنا، وحملتنا على الجادة التي كنا نرى أن سبيل مركبها النار فقال على: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) يا أخا نهد وهل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله، فأقمنا عليه حدا كان كفارته ! إن اللّه تعالى يقول : (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) قال : فخرج طارق من عنده فلقيه الاشتر، فقال : يا طارق، أنت القائل لامير المؤمنين : (أوغرت صدورنا، وشتت أمورنا) ؟ قال طارق : نعم أنا قائلها قال : والله ما ذاك كما قلت إن صدورنا له السامعة وإن أمورنا له لجامعة فغضب طارق وقال : ستعلم يا أشتر أنه غير ما قلت فلما جنه الليل همس هو والنجاشي إلى معاوية فلما قدما عليه دخل آذنه فأخبره بقدومهما، وعنده وجوه أهل الشام منهم عمرو بن مرة الجهني وعمرو بن صيفي وغيرهما، فلما دخلا نظر إلى طارق، وقال : مرحبا بالمورق غصنه والمعرق أصله المسود غير المسود من رجل كانت منه


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 63.

هفوة ونبوة باتباعه صاحب الفتنة، ورأس الضلالة والشبهة الذى اغترز في ركاب الفتنة حتى استوى على رجلها، ثم

أوجف في عشوة ظلمتها وتيه ضلالتها، واتبعه رجرجة من الناس وأشبابة من الحثالة لا أفئدة لهم : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). فقام طارق، فقال : يا معاوية إلى متكلم فلا يسخطك، ثم قال : وهو متكئ على سيفه : إن المحمود على كل حال رب علا فوق عباده فهم منه بمنظر ومسمع، بعث فيهم رسولا منهم يتلو كتابا لم يكن من قبله ولا يخطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون، فعليه السلام من رسول كان بالمؤمنين برا رحيما ! أما بعد فإن ما كنا نوضع فيما أوضعنا فيه بين يدى إمام تقى عادل، مع رجال من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أتقياء مرشدين، ما زالوا منارا للهدى ومعالم للدين، خلفا عن سلف مهتدين، أهل دين لا دنیا، كل الخير فيهم، واتبعهم من الناس ملوك وأقيال، وأهل بيوتات وشرف، ليسوا بناكثين ولا قاسطين، فلم يكن رغبة من رغب عنهم وعن صحبتهم إلا لمرارة الحق حيث جرعوها، ولو عورته حيث سلكوها، وغلبت عليهم دنيا مؤثرة، وهو متبع، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا، وقد فارق الاسلام قبلنا جبلة بن الايهم فرارا من الضيم وأنفا من الذلة، فلا تفخرن يا معاوية، إن شددنا نحوك الرحال، وأوضعنا إليك الركاب أقول قولى هذا وأستغفر اللّه العظيم لى ولجميع المسلمين. فعظم على معاوية ما سمعه وغضب، لكنه أمسك وقال : يا عبد اللّه إنا لم نرد بما قلناه أن نوردك مشرع ظمأ، ولا أن نصدرك عن مكرع رى، ولكن القول قد يجرى بصاحبه إلى غير ما ينطوي عليه من الفعل ثم أجلسه معه على سريره، ودعا له بمقطعات وبرود فصبها عليه وأقبل نحوه بوجهه يحدثه حتى قام. وقام معه عمرو بن مرة وعمرو بن صيفي الجهنيان فأقبلا عليه بأشد العتاب وأمضه يلومانه في خطبته، وما واجه به معاوية. فقال طارق : والله ما قمت بما سمعتماه حتى خيل لي أن بطن الارض خير لى من ظهرها عند سماعي ما أظهر من العيب والنقص لمن هو خير منه في الدنيا والآخرة، وما زهت به نفسه وملكه عجبه وعاب أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واستنقصهم، فقمت مقاما أوجب اللّه على فيه ألا أقول إلا حقا، وأى خير فيمن لا ينظر ما يصير إليه غدا ! فبلغ عليا قوله فقال : لو قتل النهدي يومنذ لقتل شهيدا (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 93.

ارجع إلى عملك

استعمل عمر رجلا من قريش على عمل، فبلغه عنه انه قال :

اسقنى شربة تروى عظامي واسق باللّه مثلها ابن هشام

فاشخصه إليه وفطن القرشي، فضم إليه بيتا آخر، فلما مثل بين يديه قال له انت القائل : اسقنى شربة تروى عظامي قال : نعم يا أمير المؤمنين فهلا ابلغك الواشي ما بعده ؟ قال : ما الذي بعده ؟ قال : عسلا باردا بماء غمام اننى لا احب شرب المدام قال اللّه الله ! ثم قال : ارجع إلى عملك (1).

ليت الراوى لم يكن هذه الكناية، وكان يذكرها بإسمهما

كان ضمرة بن سعيد يحدث عن جدته، وكانت قد شهدت أحدا تسقى الماء، قال : سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو يقول يومئذ : لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان وكان يراها يومئذ تقاتل أشد القتال، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحا قلت ليت الراوى لم يكن هذه الكناية، وكان يذكرها بإسمهما حتى لا تترامى الظنون إلى أمور مشتبهة ومن أمانة المحدث أن يذكر الحديث على وجهه ولا يكتم منه شيئا فما باله كتم اسم هذين الرجلين (2).

عددت جراحها جرحا جرحا فوجدتها ثلاثة عشر

لما حضرت نسيبة الوفاة، كنت فيمن غسلها فعددت جراحها جرحا جرحا فوجدتها ثلاثة عشر، وكانت تقول إنى لانظر إلى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها - وكان أعظم جراحها، لقد داوته سنة - ثم نادى منادى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد انقضاء أحد : إلى حمراء الاسد فشدت عليها ثيابها فما استطاعت من نزف الدم، ولقد مكثنا ليلتنا نكمد الجراح، حتى أصبحنا، فلما رجع رسول اللّه من حمراء الاسد لم يصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد الله بن كعب المازني يسأل عنها، فرجع إليه فأخبره بسلامتها، فسر بذلك (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 24.

2) شرح نهج البلاغة ج ص 266.

3) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 266.

المغيرة بن سعيد المغالي

جاء المغيرة بن سعيد، فاستأذن على أبي جعفر محمد ابن على بن الحسين، وقال له : أخبر الناس أنى أعلم الغيب وأنا أطعمك العراق. فزجره أبو جعفر زجرا شديدا، وأسمعه ماكره فانصرف عنه فأتى أبا هاشم عبد اللّه ابن محمد بن الحنفية (رحمه الله)، فقال له مثل ذلك - وكان أبو هاشم أيدا - فوتب عليه فضربه ضربا شديدا أشفى به على الموت، فتعالج حتى برئ، ثم أتى محمد بن عبد اللّه ابن الحسن بن الحسن (رحمه اللّه) وكان محمد سكيتا فقال له كما قال للرجلين فسكت محمد فلم يجبه فخرج وقد طمع فيه بسكوته، وقال : أشهد أن هذا هو المهدى الذى بشر به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنه قائم أهل البيت وأدعى أن على بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوصى إلى محمد بن عبد اللّه بن الحسن ثم قدم المغيرة الكوفة وكان مشعبذا، فدعا الناس إلى قوله واستهواهم واستغواهم، فاتبعه خلق كثير وادعى على محمد ابن عبد اللّه أنه أذن له في خنق الناس وإسقائهم السموم، وبث أصحابه في الاسفار يفعلون ذلك بالناس، فقال له بعض الأحابه : إنا نخنق من لا نعرف، فقال : لا عليكم ! إن كان من أصحابكم عجلتموه إلى الجنة، وأن كان من عدوكم عجلتموه إلى النار، ولهذا السبب كان المنصور يسمى محمد بن عبد اللّه الخناق، وينحله ما ادعاه عليه المغيرة (1).

آثار صاحب الزنج في البصرة

استخفى من سلم من أهل البصرة من صاحب الزنج في آبار الدور، فكانوا يظهرون ليلا، فيطلبون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها، والفار والسنانير فأفنوها حتى لم يقدروا على شئ منها، فصاروا إذا مات الواحد منهم أكلوه فكان يراعى بعضهم موت بعض ومن قدر على صاحبه قتله وأكله وعدموا مع ذلك الماء، وذكر عن امرأة منهم أنها حضرت امرأة قد احتضرت وعندها أختها وقد احتوشوها ينتظرون أن تموت فيأكلوا لحمها قالت المرأة : فما ماتت حسناء حتى ابتدرناها فقطعنا لحمها فأكلناه ولقد حضرت أختها ونحن على شريعة عيسى بن حرب وهى تبكى ومعها رأس الميت، فقال لها قائل : ويحك ! مالك تبكين ! فقالت : اجتمع هؤلاء على أختى فما تركوها تموت


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 121.

حسنا حتى قطعوها، وظلموني فلم يعطونى من لحمها شيئا إلا الرأس، وإذا هي تبكى شاكية من ظلمهم لها في أختها. قال : وكان مثل هذا وأكثر منه وأضعافه، وبلغ من أمر عسكره أنه ينادى فيه على المرأة من ولد الحسن والحسين والعباس وغيرهم من أشراف قریش، فكانت الجارية تباع منهم بدرهمين وبثلاثة دراهم، وينادى عليها بنسبها : هذه ابنة فلان بن فلان، وأخذ كل زنجى منهم العشرين والثلاثين يطؤهن الزنج ويخدمن النساء الزنجيات كما تخدم الوصائف، ولقد استغاثت إلى صاحب الزنج امرأة من ولد الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانت عند بعض الزنج وسألته أن يعتقها مما هي فيه، أو ينقلها من عنده إلى غيره فقال لها : هو مولاك، وهو أولى بك (1).

شبهة قبر المغيرة

عن الحسن بن على الخلال، عن جده قال : قلت للحسين بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ): أين دفنتم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ قال : خرجنا به ليلا من منزله حتى مررنا به على منزل الاشعث بن قيس ثم خرجنا به إلى الظهر بجنب الغرى.

قال ابن ابي الحديد وهذه الرواية هي الحق وعليها العمل، وقد قلنا فيما تقدم أن أبناء الناس أعرف بقبور آبائهم من غير هم من الاجانب، وهذا القبر الذى بالغرى، هو الذي كان بنو على يزورونه قديما وحديثا، ويقولون : هذا قبر أبينا لا يشك أحد في ذلك من الشيعة، ولا من غيرهم، أعنى بنى على من ظهر الحسن والحسين وغيرهما من سلالته المتقدمين منهم والمتأخرين مازاروا ولا وقفوا إلا على هذا القبر بعينه.

وقد روى أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزى في تاريخة المعروف بالمنتظم وفاه أبى الغنائم محمد بن علی بن میمون النرسى المعروف بأبي، لجودة قراءته قال : توفى أبو الغنائم هذا في سنة عشر وخمسمائة، وكان محدثا من أهل الكوفة ثقة حافظا، وكان من قوام الليل ومن أهل السنة وكان يقول ما بالكوفة من هو على مذهب أهل السنأ وأصحاب الحديث غيرى، وكان يقول : مات بالكوفة ثلاثمائة صحابي ليس قبر أحد منهم معروفا إلا قبر أمير المؤمنين وهو هذا القبر الذى يزوره الناس الآن جاء جعفر بن محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأبوه محمد بن على بن الحسين (عليهم السلام) إليه، فزاراه ولم يكن إذ ذاك


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 150.

قبرا معروفا ظاهرا، وإنما كان به سرح عضاه حتى جاء محمد بن زيد الداعي صاحب الديلم، فاظهر القبر.

وسالت بعض من أثق به من عقلاء شيوخ أهل الكوفة عما ذكره الخطيب أبو بكر في تاریخه أن قوما يقولون : إن هذا القبر الذي تزوره الشيعة إلى جانب الغرى هو قبر المغيرة بن شعبة، فقال : غلطوا في ذلك، قبر المغيرة وقبر زياد بالثوية من أرض الكوفة، ونحن نعرفهما وننقل ذلك عن آبائنا وأجدادنا. وأنشدني قول الشاعر يرثى زيادا، وقد ذكره أبو تمام في الحماسة :

صلى اللّه على قبر وطهره***عند الثوية يسفى فوقه المور

زفت إليه قريش نعش سيدها***فالحلم والجود فيه اليوم مقبور

أبا المغيرة والدنيا مفجعة***وإن من غرت الدنيا لمغرور

قد كان عندك للمعروف معرفة***وكان عندك للمنكور تنكير

وكنت تغشى وتعطى المال من سعة***فاليوم قبرك أضحى وهو مهجور

والناس بعدك قد خفت حلومهم***كأنما كأنما نفخت فيه الاعاصير

وسألت قطب الدين نقيب الطالبيين أبا عبد اللّه الحسين بن الاقساسي (رحمه اللّه تعالى) عن ذلك، فقال : صدق من أخبرك نحن وأهلها كافة نعرف مقابر ثقيف إلى الثوية، وهى إلى اليوم معروفة، وقبر المغيرة فيها، إلا أنها لا تعرف وقد ابتلعها السبخ وزيد الارض وفورانها، فطمست واختلط بعضها ببعض. ثم قال : إن شئت أن تتحقق أن قبر المغيرة في مقابر ثقيف فانظر إلى كتاب الاغاني لابي الفرج على بن الحسين والمح ماقاله في ترجمة المغيرة وأنه مدفون في مقابر ثقيف، ويكفيك قول أبي الفرج، فإنه الناقد البصير، والطبيب الخبير فتصفحت ترجمة المغيرة في الكتاب المذكور، فوجدت الامر كما قاله النقيب (1).

هذه الابيات احسن ما قيل في الفناء

قال عدي بن زيد :

ايها الشامت المعير بالدهر اانت المبرا الموفور


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 123.

ام لديك العهد الوثيق من الايام بل انت جاهل مغرور

من رايت المنون خلدن ام من ذا عليه ذا عليه من أن يضام خفير

این کسرى كسرى الملوك انو شروان ام این قبله سابور

وبنو الاصفر الكرام ملوك الروم ولم يبق منهم مذكور

واخو الحضر إذ بناه واذ دجلة تجبى إليه والخابور

لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه قبابه مهجور

شاده مرمرا وجلله کلسا فللطير في ذراه وكور

وتبين رب الخورنق إذ اشرف يوما وللهدى تفكير

سره حاله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسدير

فارعوى قلبه وقال فما غبطه حى إلى الممات يصير

ثم بعد الفلاح والملك والامة وارتهم هناك القبور

ثم اضحو كأنهم ورق جف فالوت به الضبا والدبور

قد اتفق الناس على أن هذه الابيات احسن ما قيل من القريض في هذا المعنى وأن الشعراء كلهم اخذوا منها واحتذوا في هذا المعنى حذوها.

وقال الرضى أبو الحسن (رضى اللّه عنه) :

انظر إلى هذا الانام بعبرة لا يعجنك خلقه ورواؤه

فتراه كالورق النضير تقصفت اغصانه وتسلبت شجراؤه

انى تحاماه المنون وانما خلقت مراعى للردى خضراؤه

ام كيف تأمل فلتة اجساده من ذا الزمان وحشوها ادواؤه

لا تعجبن فما العجيب فناؤه بيد المنون بل العجيب بقاؤه

انا لنعجب كيف حم حمامة عن صحة ويغيب عنا داؤه

من طاح في سبل الردى آباؤه فليسلكن طريقهم ابناؤه

ومؤمر نزلوا به في سوقه لا شكله فيهم ولا نظراؤه

قد كان يفرق ظله أقرانه ويغض دون جلالة اكفاؤه

ومحجب ضربت عليه مهابة يعشى العيون بهاؤه وضياؤه

نادته من خلف الحجاب منية امم فكان جوابها خوباؤه

شقت إليه سيوفه ورماحه واميط عنه عبيده و اماژه

لم يغنه من كان ود لو انه قبل المنون من المنون فداؤه

حرم عليه الذل الا انه ابدا ليشهد بالجلال بناؤه

متخشع بعد الانيس جنايه متضائل بعد القطين فناؤه

عريان تطرد كل ريح تربه ويطيع اول امرها حصباؤه

ولقد مررت ببرزخ فسألته این الالى ضمتهم ارجاؤه

مثل المطى بوارکا اجداثه تسفى على جنباتها بوغاؤه

ناديته فخفي على جوابه بالقول الا ما زقت أصداؤه

من ناظر مطروفة الحاظه أو خاطر مظلولة سوداؤه

أو واجد مكظومة زفراته أو حاقد منسية شحناؤه

ومسندين على الجنوب كأنهم شرب تخاذل بالطلا اعضاؤه

تحت الصعيد لغير اشفاق إلى يوم المعاد يضمهم احشاؤه

اكلتهم الأرض التي ولدتهم اكل الضروس حلت له اكلاؤه

وقال ايضا :

وتفرق البعداء بعد تجمع صعب فكيف تفرق القرباء

وخلائق الدنيا خلائق مومس للمنع آونة وللاعطاء

طورا تبادلك الصفاء وتارة تلك تنكرها من البغضاء

وتداول الايام يبلينا كما يبلى الرشاء تطاوح الارجاء

وكان طول العمر روحة راكب قضى اللغوب وجد في الاسراء

لهفى على القوم الأولى غادرتهم وعليهم طبق من البيداء

متوسدين على الخدود كانما كرعوا على ظما من الصهباء

صور ضننت على العيون بلحظها امسيت أوقرها من البوغاء

ونواظر كحل التراب جفونها قد كنت احرسها من الاقذاء

قربت ضرائحهم على زوارها وناوا عن الطلاب أي تناء

ولبئس ما يلقى بعقر ديارهم اذن المصيخ بها وعين الرائى (1).

أفناكح في النار خير أم منكوح

قال معاوية : يا أبا يزيد ما ظنك بعمك أبي لهب ! قال : إذا دخلت النار فخذ على يسارك تجده مفترشا عمتك حمالة الحطب، أفناكح في النار خير أم منكوح ! قال : كلاهما شر، والله (2).

البصرة بلدة ما رأيت لك بها محبا

عن أبي ناجية مولى أم هانئ قال : كنت عند على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأتاه رجل عليه زى السفر. فقال : يا أمير المؤمنين إنى أتيتك من بلدة ما رأيت لك بها محبا، قال : من أين أتيت ؟ قال : من البصرة، قال : أما إنهم لو يستطيعون أن يحبوني لاحبوني، إنى وشيعتي في ميثاق اللّه لا يزاد فينا رجل لا ينقص إلى يوم القيامة (3).

ما ظننت أن اللّه ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة

قال ابن جريج، ما ظننت أن اللّه ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة، حتى كنت باليمن، فسمعت منشدا ينشد قوله :

بالله قولا له في غير معتبة ما ذا أردت بطول المكث في اليمن !

إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها فما أخذت بترك الحج من ثمن !

فحركني ذلك على ترك اليمن والخروج إلى مكة، فخرجت فحججت (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 171.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 93.

3) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 94.

4) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 125.

قبح اللّه من لا أدب

أنشد منشد بحضره الواثق هارون بن المعتصم :

أظلوم إن مصابكم رجلا***إهدى السلام تحيه ظلم.

قال شخص : رجل هو خبر إن، ووافقه على ذلك وقم وخالفه آخرون فقال الواثق : من بقى من علماء النحويين ؟ قالوا : أبو عثمان المازني بالبصرة، فأمر بإشخاصه إلى سر من رأى بعد إزاحه علته، قال أبو عثمان فأشخصت، فلما أدخلت عليه قال : ممن الرجل ؟ قلت : من مازن قال : من مازن تميم، أم من مازن ربيعة أم مازن قيس أم مازن اليمين ؟ قلت : من مازن ربيعة قال : باسمك ؟ بالباء ؟ - يريد : ما اسمك لان لغة مازن ربيعة هكذا يبدلون الميم باء والباء ميما - فقلت : مكر أي بكر، فضحك وقال : اجلس واطمئن فجلست فسألني عن البيت فأنشدته منصوبا، فقال : فأين خبر إن ؟ فقلت : ظلم قال : كيف هذا ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ألا ترى أن البيت إن لم يجعل ظلم خبر إن يكون مقطوع المعنى معدوم الفائدة ! فلما كررت القول عليه فهم وقال : قبح الله من لا أدب له، ثم قال : ألك ولد ؟ قلت : بنية، قال : فما قالت لك حين ودعتها ؟ قلت : ما قالت بنت الاعشى :

تقول ابنتى حين جد الرحيل***أرانا سواء ومن قد يتم

أبانا فلا رمت من عندنا***فإنا بخير إذا لم ترم

أبانا إذا أضمرتك البلاد***نجفى وتقطع منا الرحم.

قال : فما قلت لها ؟ قال : قلت أنشدتها بيت جرير

ثقى باللّه ليس له شريك***ومن عند الخليفة بالنجاح

فقال : ثق بالنجاح إن شاء اللّه تعالى، ثم أمر لى بألف دينار وكسوة، وردنى إلى البصرة (1).

أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما فرقى زحف قط

قيل لأبي عبد اللّه البصري أتجد في النصوص ما يدل على تفضيل على (عَلَيهِ السَّلَامُ)،


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 95.

بمعنى كثرة الثواب لا بمعنى كثرة مناقبه، فإن ذاك أمر مفروغ منه ؟ فذكر حديث الطائر المشوى، وأن المحبة من اللّه تعالى إرادة الثواب. فقيل له : قد سبقك الشيخ أبو على (رحمه اللّه تعالى) إلى هذا فهل تجد غير ذلك قال : نعم قول اللّه تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)، فإذا كان أصل المحبة لمن ثبت كثبوت البنيان المرصوص، فكل من زاد ثباته زادت المحبة له، ومعلوم أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما فرفى زحف قط، وفر غيره في غير موطن (1).

إنه ليس خلفي مدد

حاصرت الترك مدينة برذعة من أعمال أذربيجان في أيام هشام بن عبد الملك حصارا شديدا، واستضعفتها وكادت تملكها وتوجه إليها لمعاونتها سعيد الحرشى من قبل هشام بن عبد الملك في جيوش كثيفة، وعلم الترك بقربه منهم فخافوا، وأرسل سعيد واحدا من أصحابه إلى أهل برذعة سرا يعرفهم وصوله، ويأمرهم بالصبر خوفا ألا يدركهم، فسار الرجل، ولقيه قوم من الترك، فأخذوه وسألوه عن حاله، فكتمهم فعذبوه، فأخبرهم وصدقهم فقالوا : إن فعلت ما نأمرك به أطلقناك، وإلا قتلناك فقال : ما تريدون ؟ قالوا : أنت عارف بأصحابك ببرذعة وهم يعرفونك، فإذا وصلت تحت السور قنادهم : إنه ليس خلفي مدد، ولا من يكشف ما بكم، وإنما بعثت جاسوسا فأجابهم إلى ذلك، فلما صار تحت سورها، وقف حيث يسمع أهلها كلامه وقال لهم : أتعرفونني ؟ قالوا : نعم، أنت فلان ابن فلان قال : فإن سعيدا الحرشى قد وصل إلى مكان كذا في مائة ألف سيف وهو يأمركم بالصبر وحفظ البلد، وهو مصبحكم أو ممسيكم، فرفع أهل برذعة أصواتهم بالتكبير، وقتلت الترك ذلك الرجل، ورحلوا عنها ووصل سعيد فوجد أبوابها مفتوحة وأهلها سالمين (2).

أمر المهاجرين والانصار بعد بيعة أبي بكر

لما بايع بشير بن سعد أبا بكر وازدحم الناس على أبي بكر فبايعوه، مر أبو سفيان بن حرب بالبيت الذى فيه على بن ابى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فوقف وأنشد :


1) شرح نهج البلاغة ج 3 3 ص 263.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 276.

بنى هاشم لا تطمعوا الناس فيكم***ولاسيما تيم بن مرة أو عدى

كما فما الأمر إلا فيكم واليكم***وليس لها إلا أبو حسن على

أبا حسن فاشدد بها كف حازم***فإنك بالامر الذي يرتجى ملى

وأي امرئ يرمى قصيا ورأيها***منبع الحمى والناس من غالب قصى

فقال على لابي سفيان : إنك تريد أمرا لسنا من أصحابه، وقد عهد إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عهدا فإنا عليه، فتركه أبو سفيان وعدل إلى العباس بن عبد المطلب في منزله، فقال : يا أبا الفضل، أنت أحق بميراث ابن أخيك امدد يدك لا بايعك، فلا يختلف عليك الناس بعد بيعتي إياك فضحك العباس، وقال : يا أبا سفيان يدفعها على ويطلبها العباس ! فرجع أبو سفيان خائبا (1).

ومن شعر الحماسة

من شعر الحماسة :

أقول لها وقد طارت شعاعا من الابطال ويحك لا تراعى

فإنك لو سألت بقاء يوم على الاجل الذى لك لم تطاعى

فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع

ولا ثوب البقاء بثوب عز فيطوى عن أخى الخنع اليراع

سبيل الموت غاية كل حي فداعيه لاهل الارض داع

ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع

وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع (2).

كتابا حمل على جمل لعظمه وكثرته

كتب عبد الحميد بن يحيى عن مروان بن محمد إلى أبي مسلم كتابا حمل على جمل لعظمه وكثرته. وقيل : إنه لم يكن في الطول إلى هذه الغاية وقد حمل على جمل


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 17.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 277.

تعظيما لامره وقال لمروان بن محمد : إن قرأه خاليا نخب قلبه، وإن قرأه في ملا من أصحابه ثبطهم وخذلهم، فلما وصل إلى أبي مسلم أحرقه بالنار ولم يقرأه، وكتب على بياض كان على رأسه وأعاده إلى مروان :

مخا السيف أسطار البلاغة وانتحت إليك ليوث الغاب من كل جانب

فإن تقدموا نعمل سيوفا شحيذة يهون عليها العتب من كل عاتب

ويقال : إن أول الكتاب كان : لو أراد اللّه بالنملة صلاحا، لما أنبت لها جناحا. وكتب أبو مسلم إلى نصر بن سيار، وهو أول كتاب صدر عن أبي مسلم إلى نصر، وذلك حين لبس السواد، وأعلن بالدعوة في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة : أما بعد فإن اللّه جل ثناؤه ذكر أقواما فقال : (وأقسموا باللّه جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الارض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة اللّه تبديلا ولن تجد لسنة اللّه تحويلا فلما ورد الكتاب إلى نصر تعاظمه أمره، وكسر له إحدى عينيه وقال : إن لهذا الكتاب لاخوات وكتب إلى مروان يستصرخه، وإلى يزيد بن هبيرة يستنجده، فقعدا عنه حتى أفضى ذلك إلى خروج الامر عن بني عبد شمس (1).

عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص في الحبشة

كان عمارة بن الوليد بن المغيرة وعمرو بن العاص بن وائل بعد مبعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، خرجا إلى أرض الحبشة على شركهما، وكلاهما كان شاعرا عارما فاتكا وكان عمارة بن الوليد رجلا جميلا وسيما تهواه النساء صاحب محادثة لهن فركبا البحر ومع عمرو بن العاص امرأته، حتى إذا صاروا في البحر ليالى أصابا من خمر معهما، فلما انتشى عمارة قال لامرأة عمرو بن العاص : قبلینی فقال لها عمرو : قبلى ابن عمك فقبلته فهويها عمارة، وجعل يراودها عن نفسها فامتنعت منه ثم إن عمرا جلس على منجاف السفينة يبول، فدفعه عمارة في البحر فلما وقع عمر وسبح، حتى أخذ بمنجاف السفينة، فقال له عمارة : أما والله لو علمت أنك سابح ما طرحتك، ولكنني كنت أظن أنك لا تحسن السباحة، فضغن عمرو عليه في نفسه وعلم أنه كان أراد قتله، ومضيا على


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 279.

وجههما ذلك، حتى قدما أرض الحبشة. فلما نزلاها كتب عمرو إلى أبيه العاص بن وائل : أن اخلعني وتبرا من جريرتي إلى بنى المغيرة وسائر بني مخزوم، وخشي على أبيه أن يتبغ بجريرته. فلما قدم الكتاب على العاص بن وائل مشى إلى رجال بنى المغيرة وبنى مخزوم فقال : إن هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم وكلاهما فاتك صاحب شر غير مأمونين على أنفسهما، ولا أدرى ما يكون منهما، وإنى أبرأ إليكم من عمرو وجريرته، فقد خلعته فقال عند ذلك بنو المغيرة وبنو مخزوم : وأنت تخاف عمرا على عمارة ! ونحن فقد خلعنا عمارة وتبرأنا إليك من جريرته، فحل بين الرجلين قال قد فعلت، فخلعوهما وبرئ كل قوم من صاحبهم وما يجرى منه. قال : فلما اطمأنا بأرض الحبشة، لم يلبث عمارة بن الوليد أن دب لامرأة النجاشي، وكان جميلا صبيحا وسيما، فادخلته فاختلف إليها، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره، فيقول عمرو : لا أصدقك أنك قدرت على هذا إن شأن هذه المرأة أرفع من ذلك، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره - وكان عمرو قد علم صدقه وعرف أنه دخل عليها، ورأى من حاله وهيئته وما تصنع المرأة به إذا كان معها وبيتوتته عندها، حتى يأتي إليه مع السحر ما عرف به ذلك، وكانا في منزل واحد ولكنه كان يريد أن يأتيه بشئ لا يستطاع دفعه، إن هو رفع شأنه إلى النجاشي - فقال له في بعض ما يتذاكران من أمرها : إن كنت صادقا، فقل لها : قلتدهنك بدهن النجاشي الذى لا يدهن به غيره، فإني أعرفه وائتنى بشئ منه حتى أصدقك، قال : أفعل. فجاء في بعض ما يدخل إليها، فسألها ذلك، فدهنته منه وأعطته شيئا في قارورة، فلما شمه عمرو عرفه فقال : أشهد أنك قد صدقت ! لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط ونلت من امرأة الملك شيئا ما سمعنا بمثل هذا وكانوا أهل جاهلية وشبانا، وذلك في أنفسهم فضل لمن أصابه وقدر عليه ثم سكت عنه حتى اطمان، ودخل على النجاشي، فقال : أيها الملك، إن معى سفيها من سفهاء قريش وقد خشيت أن يعرني عندك أمره، وأردت أن أعلمك بشانه وألا أرفع ذلك إليك حتى أستثبت أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثر. وهذا دهنك قد أعطته وادهن به فلما شم النجاشي الدهن قال : صدقت هذا دهنى الذى لا يكون إلا عند نسائى فلما أثبت أمره دعا بعمارة ودعا نسوة أخر فجردوه من ثيابه ثم أمرهن أن ينفخن في إحليله، ثم خلى سبيله فخرج هاربا في الوحش، فلم يزل في أرض الحبشة، حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب، فخرج إليه رجال من بنى المغيرة منهم

عبد اللّه بن أبي ربيعه بن المغيرة، وكان اسم عبد اللّه قبل أن يسلم بجيرا، فلما أسلم سماه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عبد اللّه، فرصدوه على ماء بأرض الحبشة، كان يرده مع الوحش، فزعموا أنه أقبل حمر من حمر الوحش ليرد معها فلما وجد ريح الانس، هرب منه، حتى إذا أجهده العطش، ورد فشرب حتى تملا وخرجوا في طلبه. قال عبد اللّه بن أبى ربيعة : فسبقت إليه فالتزمته، فجعل يقول : أرسلني، إنى أموت إن أمسكتني. قال عبد الله : فضبطته فمات في يدى مكانه فواروه ثم انصرفوا. وكان شعره – فيما يزعمون - قد غطى كل شئ منه فقال عمرو بن العاص، يذكر ما كان صنع به وما أراد من امرأته :

تعلم عمار أن من شر سنة***على المرء أن يدعى ابن عم له ابنما

أن كنت ذا بردين أحوىی مرجلا***فلست براع لابن عمك محرما

إذا المرء لم يترك طعاما يحبه***ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما

قضى وطرا منه يسيرا وأصبحت***إذا ذكرت أمثالها تملا الفما (1).

عبد اللّه بن العباس ورجالات قريش في مجلس معاوية

روى المدائني أيضاً قال : وفد عبد اللّه بن عباس على معاوية مرة، فقال معاوية لابنه يزيد ولزياد بن سمية وعتبة بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن أم الحكم : إنه قد طال العهد بعبد اللّه بن عباس، وما كان شجر بيننا وبينه وبين ابن عمه ولقد كان نصبه للتحكيم فدفع عنه، فحركوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته، ونقف على کنه معرفته ونعرف ما صرف عنا من شبا حده، وزوى عنا من دهاء رأيه فربما وصف المرء بغير ما هو فيه، وأعطى من النعت والاسم ما لا يستحقة. ثم أرسل إلى عبد اللّه بن عباس، فلما دخل واستقر به المجلس ابتدأه ابن أبي سفيان فقال : يابن عباس ما منع عليا أن يوجه بك حكما ؟ فقال : أما والله لو فعل لقرن عمرا بصعبة من الابل يوجع كفه مراسها ولا ذهلت عقله، وأجرضته بريقه، وقدحت في سويداء قلبه فلم يبرم أمرا، ولم ينفض ترابا، إلا كنت منه بمرأى ومسمع، فإن أنكأه أدميت قواه وإن أدمه فصمت عراه، بغرب مقول لا يقل حده وأصاله رأى كمتاح الاجل لا وزر منه أصدع به أديمه وأفل به شبا


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 304.

حده وأشحذ به عزائم المتقين وأزيح به شبه الشاكين فقال عمرو بن العاص : هذا والله يا أمير المؤمنين نجوم أول الشر، وأفول آخر الخير، وفي حسمه قطع مادته فبادره بالحملة، وانتهز منه الفرصة واردع بالتنکیل به غیره و شرد به من خلفه فقال ابن عباس : يابن النابغة ضل والله عقلك وسفه حلمك، ونطق الشيطان على لسانك هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال وتكافح الابطال، وكثرت الجراح وتقصفت الرماح، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصلولا، فانكفأ نحوك بالسيف حاملا، فلما رأيت الكواشر من الموت أعددت حيلة السلامة قبل لقائه والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه، فمنحته - رجاء النجاة - عورتك، وكشفت له خوف بأسه سوأتك، حذرا أن يصطلمك بسطوته، ويلتهمك بحملته، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته، وحسنت له التعرض لمكافحته، رجاء أن تكتفى مؤنته، وتعدم صورته، فعلم غل صدرك، وما انحنت عليه من النفاق أضلعك وعرف مقر سهمك في غرضك. فاكفف غرب لسانك، واقمع عوراء لفظك، فإنك لمن أسد خادر وبحر زاخر إن تبرزت للاسد افترسك، وإن عمت في البحر قمسك. فقال مروان بن الحكم : يابن عباس إنك لتصرف أنيابك، وتورى نارك، كأنك ترجو الغلبة وتؤمل العافية، ولو لا حلم أمير المؤمنين عنكم لتناولكم بأقصر أنامله فأوردكم منهلا بعيدا صدره ولعمري لئن سطا بكم ليأخذن بعض حقه منكم ولئن عفا عن جرائركم فقديما ما نسب إلى ذلك. فقال ابن عباس : وإنك لتقول ذلك يا عدو اللّه وطريد رسول اللّه والمباح دمه والداخل بين الداخل بين عثمان ورعيته، بما حملهم على قطع أوداجه، وركوب أثباجه ! أما والله لو طلب معاوية ثأره لاخذك به، ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله وآخره. وأما قولك لى : إنك لتصرف أنيابك، وتورى (نارك)، فسل معاوية وعمرا يخبراك ليلة الهرير كيف ثباتنا للمثلات، واستخفافنا بالمعضلات وصدق جلادنا عند المصاولة وصبرنا على اللاواء والمطاولة، ومصافحتنا بجباهنا السيوف 4 المرهفة، ومباشرتنا بنحورنا حد الاسنة هل خمنا عن كرائم تلك المواقف ؟ أم لم نبذل مهجنا للمتالف ؟ وليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود ولا يوم مشهود ولا أثر معدود، وإنهما شهدا ما لو شهدت لاقلقك فاربع على ظلعك ولا تتعرض لما ليس لك، فإنك كالمغروز في صفد لا يهبط برجل، ولا يرقى بيد فقال زياد يابن عباس إنى لاعلم ما منع حسنا وحسينا من الوفود معك على أمير المؤمنين إلا ما سولت لهما أنفسهما، وغرهما به من هو عند البأساء سلمهما، وايم اللّه لو وليتهما

لادأبا في الرحلة إلى أمير المؤمنين أنفسهما، ولقل بمكانهما لبثهما فقال ابن عباس : إذن والله يقصر دونهما باعك ويضيق بهما ذراعك، ولو رمت ذلك لوجدت من دونهما فئة صدقا صبرا على البلاء، لا يخيمون عن اللقاء، فلعركوك بكلاكلهم ووطئوك بمناسمهم وأوجروك مشق رماحهم، وشفار سيوفهم ووخز أسنتهم، حتى تشهد بسوء ما أتيت، وتتبين ضياع الحزم فيما جنيت، فحذار حذار من سوء النية فتكافاً برد الامنية، وتكون سببا لفساد هذين الحيين بعد صلاحهما، وسعيا في اختلافها بعد ائتلافهما حيث لا يضرهما إيساسك ولا يغنى عنهما إيناسك. فقال عبد الرحمن بن أم الحكم : للّه در ابن ملجم ! فقد بلغ الامل، وأمن الوجل وأحد الشفرة والان المهرة وأدرك الثار ونفى العار، وفاز بالمنزلة العليا، ورقى الدرجة القصوى. فقال ابن عباس : أما والله : لقد كرع كأس حتفه بيده وعجل اللّه إلى النار بروحه، ولو أبدى لامير المؤمنين صفحته الخالطه الفحل القطم، والسيف الخذم، ولا لعقه صابا وسقاه سما، وألحقه بالوليد وعتبة وحنظلة، فكلهم كان أشد منه شكيمة، وأمضى عزيمة، ففرى بالسيف هامهم، ورملهم بدمائهم، وقرى الذئاب أشلاءهم، وفرق بينهم وبين أحبائهم : (أولئك حصب جهنم هم لها واردون)، وهل (تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، ولا غرو إن ختل، ولا وصمة إن قتل، فإنا لكما قال دريد بن الصمة :

فإنا للحم السيف غير مكره***ونلحمه طورا وليس بذى نکر

بلی يغار علينا واترين فيشتفى***بنا إن أصبنا، أو نغير على وتر

فقال المغيرة بن شعبة : أما والله لقد أشرت على على بالنصيحة فائر رأيه ومضى على غلوائه فكانت العاقبة عليه لاله وإنى لاحسب أن خلقه يقتدون بمنهجه فقال ابن عباس : كان والله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعلم بوجوه الرأى ومعاقد الحزم، وتصريف الامور من أن يقبل مشورتك، فيما نهى اللّه عنه وعنف عليه قال سبحانه : (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...) إلى آخر الآية، ولقد وقفك على ذكر مبين وآية متلوة قوله تعالى (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)، وهل كان يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين وفى المؤمنين من ليس بمأمون عنده ولا موثوق به في نفسه ؟ هيهات هيهات ! هو أعلم بفرض اللّه وسنة رسوله أن يبطن خلاف ما يظهر إلا للتقية ولات حين تقية ! مع وضوح الحق، وثبوت الجنان وكثرة الانصار، يمضى

كالسيف المصلت في أمر اللّه مؤثرا لطاعة ربه، والتقوى على آراء أهل الدنيا فقال يزيد بن معاوية يابن عباس، إنك لتنطق بلسان طلق ينبئ عن مكنون قلب حرق، فاطو ما أنت عليه كشحا، فقد محا ضوء حقنا ظلمة باطلكم. فقال ابن عباس : مهلا يزيد، فوالله ماصفت القلوب لكم منذ تكدرت بالعداوة عليكم، ولا دنت بالمحبة إليكم مذنات بالبغضاء عنكم ولا رضيت اليوم منكم ما سخطت بالامس من أفعالكم وإن تدل الايام نستقض ماسد عنا، ونسترجع ما ابتزمنا كيلا بكيل ووزنا بوزن، وإن تكن الاخرى فكفى باللّه وليا لنا، ووكيلا على المعتدين علينا. فقال معاوية : إن في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم، وأنى لخليق أن أدرك فيكم الثار، وأنفى العار، فإن دماءنا قبلكم، وظلامتنا فيكم. فقال ابن عباس : والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أسدا مخدرة، وأفاعي مطرقة لايفثؤها كثرة السلاح، ولا يعضها نكاية الجراح، يضعون أسيافهم على عواتقهم، يضربون قدما قدما من ناوأهم يهون عليهم نباح الكلاب وعواء الذئاب لا يفاتون بوتر، ولا يسبقون إلى كريم ذكر، قد وطنوا على الموت أنفسهم، و سمت بهم إلى العلياء هممهم، كما قالت الأزدية :

قوم إذا شهدوا الهياج فلا***ضرب ينههم ولا زجر

وكأنهم آساد غينة قد***غرثت وبل متونها القطر.

فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك، وكان أكبر همك سلامة حشاشة نفسك، ولولا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم، وبذلوا دونك مهجهم، حتى إذا ذاقوا وخز الشفار وأيقنوا بحلول الدمار رفعوا المصاحف مستجيرين بها وعائدين بعصمتها لكنت شلوا مطروحا بالعراء تسفى عليك رياحها ويعتورك ذبابها وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك، ولا إزالتك عن معقود نيتك، لكن الرحم التي تعطف عليك والاوامر التي توجب صرف النصيحه إليك. فقال معاوية : للّه درك يابن عباس ! ما تكشف الايام منك إلا عن سيف صقيل، ورأى أصيل ! وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم، ولو لم يكن لاهلك سواك لكان اللّه قد كثرهم. ثم نهض فقام ابن عباس وانصرف (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 298.

جزى اللّه خيرا عصبة أسلمية

• عن عبد خير قال : قاتل هاشم يوم صفين الحارث بن المنذر التنوخى، حمل عليه بعد أن أعيا وكل وقتل بيده فطعنه بالرمح فشق بطنه فسقط، وبعث إليه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو لا يعلم : أقدم بلوائك، فقال للرسول : انظر إلى بطني فإذا هو قد انشق، فجاء على (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى وقف عليه، وحوله عصابة من أسلم قد صرعوا معه، وقوم من القراء. فجزع عليه وقال :

جزى اللّه خيرا عصبة أسلمية***صباح الوجوه صرعوا حول هاشم

یزید وسعدان وبشر ومعبد***وسفيان وابنا معبد ذى المكارم

وعروة لا يبعد نشاه وذكره***إذا اخترطت يوما خفاف الصوارم

• عن أبي سلمة، أن هاشم بن عتبة استصرخ الناس عند المساء : ألا من كان له إلى اللّه حاجة ومن كان يريد الآخرة فليقبل. فأقبل إليه ناس كثير شد بهم على أهل الشام مرارا ليس من وجه يحمل عليه إلا صبروا له، فقاتل قتالا شديدا ثم قال لاصحابه : لا يهولنكم ما ترون من صبرهم فوالله ما ترون منهم إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضلال وإنكم لعلى الحق يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا، وامشوا بنا إلى عدونا على تؤده رويدا واذكروا اللّه ولا يسلمن رجل أخاه، ولا تكثروا الالتفات واصمدوا صمدهم، وجالدوهم محتسبين حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين قال أبو سلمة فبينا هو وعصابة من القراء يجالدون أهل الشام، إذ طلع عليهم فتى شاب وهو يقول :

أنا ابن أرباب ملوك غسان***والدائن اليوم بدين عثمان

أنبأنا قراؤنا بما كان***أن عليا قتل ابن عفان

ثم شد لا ينثنى حتى يضرب بسيفه، ثم جعل يلعن عليا ويشتمه ويسهب في ذمه فقال له هاشم بن عتبة : يا هذا، إن الكلام بعده الخصام وإن لعنك سيد الابرار بعده عقاب النار فاتق اللّه فإنك راجع إلى ربك فيسألك عن هذا الموقف وعن هذا المقال. قال الفتى : إذا سألني ربي قلت : قاتلت أهل العراق لان صاحبهم لا يصلى كما ذكر لى، وإنهم لا يصلون، وصاحبهم قتل خليفتنا وهم آزروه على قتله فقال له هاشم: يا بنى، وما أنت وعثمان ! إنما قتله اصحاب محمد الذين هم أولى بالنظر في أمور

المسلمين، وإن صاحبنا كان أبعد القوم عن دمه، وأما قولك : " إنه لا يصلى "، فهو أول من صلى مع رسول اللّه وأول من آمن به وأما قولك : إن أصحابه لا يصلون، فكل من ترى معه قراء الكتاب لا ينامون الليل تهجدا، فاتق اللّه واخش عقابه ولا يغررك من نفسك الاشقياء الضالون. فقال الفتى : يا عبد اللّه لقد دخل قلبى وجل من كلامك وإني لاظنك صادقا صالحا، وأظنني مخطئا آثما فهل لى من توبة ؟ قال : نعم ارجع إلى ربك وتب إليه فإنه يقبل التوبة ويعفو عن السيئات، ويحب التوابين ويحب المتطهرين. فرجع الفتى إلى صفه منكسرا نادما، فقال له قوم من أهل الشام : خدعك العراقي ! قال : لا، ولكن نصحنى العراقى

• وفى قتل هاشم وعمار تقول امرأه من أهل الشام :

لا تعلموا قوما أذاقوا ابن ياسر***شعوبا ولم يعطوكم بالخزائم

فنحن قتلنا اليثربي ابن محصن***خطيبكم وابنى بديل وهاشم

• أما اليثربي، فهو عمرو بن محصن الانصاري، وقد رثاه النجاشي شاعر اهل العراق، فقال :

لنعم فتى الحيين عمرو بن محصن***إذا صارخ الحى المصبح ثوبا

إذا الخيل جالت بينها قصد القنا***يثرن عجاجا ساطعا متنصبا

لقد فجع الانصار طرا بسيد***أخى ثقة في الصالحات مجربا

فيارب خير قد افدت وجفنة***ملات وقرن قد ترکت مسلبا

ويارب خصم قد رددت بغيظه***فآب ذليلا بعد أن كان مغضبا

وراية مجد قد حملت وغزوة***شهدت إذ النكس الجبان تهيبا

حويطا على جل العشيرة ماجدا***وما كنت في الانصار نكسا مؤنبا

طويل عماد المجد رحبا فناؤه***خصيبا إذا ما رائد الحى أجدبا

عظيم رماد النار لم يك فاحشا***ولا فشلا يوم النزال مغلبا

وكنت ربيعا ينفع الناس سيبه***وسيفا جرازا باتك الحد مقضبا

فمن يك مسرورا بقتل ابن محصن***فعاش شقيا ثم مات معذبا

وغودر منكبا لفيه ووجهه***يعالج رمحا ذا سنان وثعلبا

فإن يقتلوا الحر الكريم ابن محصن فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا وإن يقتلوا ابني بديل وهاشما فنحن تركنا منكم القرن أعضبا ونحن تركنا حميرا في صفوفكم لدى الحرب صرعی کالنخيل مشذبا وأفلتنا تحت الاسنة مرثد وكان قديما في الفرار مدربا ونحن تركنا عند مختلف القنا أخاكم عبيدالله لحما ملحما بصفين لما ارفض عنه رجالكم ووجه ابن عتاب ترکناه ملغبا وطلحة من بعد الزبير ولم ندع لضبة في الهيجا عريفا ومنكا ونحن أحطنا بالبعير وأهله ونحن سقيناكم سماما مقشبا

•

وكان ابن محصن من أعلام أصحاب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) قتل في المعركة، وجزع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقتله.

•

وفى قتل هاشم بن عتبة، يقول ابو الطفيل عامر بن وائلة الكناني، وهو من الصحابة - وقيل إنه آخر من بقى من صحب رسول اللّه صلى اللّه عليه، وشهد مع على صفين، وكان من مخلصي الشيعة :

یا هاشم الخير جزيت الجنه***قاتلت في اللّه عدو السنه

والتاركي الحق وأهل الظنه***أعظم بما فزت به من منه !

صيرني الدهر کانی شنه***وسوف تعلو حول قبري رنه

• من زوجة وحوبة وكنه (1).

فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

أبو الطيب المتنبي :

أطاعن خيلا من فوارسها الدهر وحيدا وما قولى كذا ومعى الصبر !

وأشجع منى كل يوم سلامتي وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر

تمرست بالافات حتى تركتها تقول : أمات الموت ؟ أم ذعر الذعر ؟

وأقدمت إقدام الابى كأن لى سوى مهجتي أو كان لى عندها وتر


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 34.

ذر النفس تأخذ حظها قبل بينها فمفترق جاران دارهما العمر !

ولا تحسبن المجد زقا وقينة فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتضريب هامات الملوك وأن ترى لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر (1).

خذ اللواء فغلام لغلام

أن معاوية دعا يوما بصفين مروان ابن الحكم، فقال له : إن الاشتر قد غمني وأقلقني، فأخرج بهذه الخيل في يحصب والكلاعيين فالقه، فقال مروان : ادعا لهما عمرا، فإنه شعارك دون دثارك قال : فأنت نفسي دون وريدي. قال : لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء أو ألحقته بى في الحرمان، ولكنك أعطيته ما في يدك، ومنيته ما في يد غيرك، فإن غلبت طاب له المقام، وإن غلبت خف عليه الهرب. فقال معاوية : سيغنى اللّه عنك. قال : أما إلى اليوم فلم يغن فدعا معاوية عمرا، فأمره بالخروج إلى الاشتر، فقال : أما إنى لا أقول لك ما قال مروان قال : وكيف تقوله، وقد قدمتك وأخرته، وأدخلتك وأخرجته ! قال : أما والله إن كنت فعلت لقد قدمتني كافيا، وأدخلتني ناصحا، وقد أكثر القوم عليك في أمر مصر، وإن كان لا يرضيهم إلا رجوعك فيما وثقت لى به منها فارجع فيه. ثم قام فخرج في تلك الخيل، فلقيه الاشتر أمام القوم، وقد علم أنه سيلقاه وهو يرتجز ويقول :

وقال :

ياليت شعری کكيف لي بعمرو***ذاك الذي أوجبت فيه نذري!

ذاك الذى أطلبه بوتری***ذاك الذى فيه شفاء صدري

من بائعي يوما بكل عمری***یعلی به عند اللقاء قدري

أجعله فيه طعام النسر***أو لا قربى عاذري بعذري

فلما سمع عمرو هذا الرجز فشل وجبن، واستحيا أن يرجع، وأقبل نحو الصوت

یالیت شعرى كيف لي بمالك؟***كم كاهل بسته وجارك


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 284.

وفارس قتلته وفاتك***ومقدم آب بوجه حالك

ما زلت دهري عرضة المهالك

فغشيه الاشتر بالرمح فراغ عمرو عنه، فلم يصنع الرمح شيئا، ولوى عمرو عنان فرسه، وجعل يده على وجهه وجعل يرجع راكضا نحو عسكره فنادى غلام من يحصب : يا عمرو عليك العفا ما هبت الصبا يا آل حمير إنا لكم ما كان معكم هاتوا اللواء فأخذه وتقدم، وكان غلاما حدثا، فقال :

إن يك عمرو قد علاه الاشتر***بأسمر فيه سنان أزهر

فذاك والله لعمري مفخر***یا عمرو تكفيك الطعان حمير

واليحصبي بالطعان أمهر***دون اللواء اليوم موت أحمر

فنادى الاشتر ابنه إبراهيم : خذ اللواء فغلام لغلام. وتقدم فأخذ إبراهيم اللواء وقال :

يأيها السائل عنى لا ترع***أقدم فإنى من عرانين النخع

كيف ترى طعن العراقي الجذع***أطير في يوم الوغى ولا أفع

ما ساءكم سر وما ضر نفع أعددت ذا اليوم لهول المطلع

ويحمل على الحميري فالتقاه الحميرى بلوائه ورمحه فلم يبرحا يطعن كل واحد منهما صاحبه حتى سقط الحميرى قتيلا و شمت مروان بعمرو وغضب القحطانيون على معاوية وقالوا : تولى علينا من لا يقاتل معنا ! ول رجلا منا، وإلا فلا حاجة لنا فيك. وقال شاعرهم :

معاوى إما تدعنا لعظيمة***يلبس من نكرائها الغرض بالحقب

فول علينا من يحوط ذمارنا من الحميريين الملوك على العرب

ولا تأمرنا بالتي لا نريدها***ولا تجعلنا بالهوى موضع الذنب

ولا تغضبنا والحوادث جمة **عليك فيفشو اليوم في يحصب الغضب

فإن لنا حقا عظيما وطاعة***وحبا دخيلا في المشاش وفي العصب

فقال لهم معاوية : والله لا أولى عليكم بعد هذا اليوم إلا رجلا منكم (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 79.

تبين لك الود في صدر اخيك

ثلاث تبين لك الود في صدر أخيك : تلقاه ببشرك وتبدؤه بالسلام، وتوسع له في المجلس. وقال الشاعر :

لا تدخلنك ضجرة من سائل***فلخير دهرك أن ترى مسئولا

لا تجبهن بالرد وجه مؤمل***قدرام قد رامَ غيرك أن يرى مأمولا

تلقى الكريم فتستدل ببشره***وترى العبوس على اللئيم دليلا

واعلم بأنك عن قليل صائر***خبرا فكن خبرا يروق جميلا

وقال البحتري :

لو أن كفك لم تجد لمؤمل***لكفاه عاجل بشرك المتهلل

ولو ان مجدك لم يكن متقادما***غناك آخر سؤدد عن أول

أدركت ما فات الكهول من الحجا***من عنفوان شبابك المستقبل

فإذا أمرت فما يقال لك اتئد***وإذا حكمت فما يقال لك : اعدل (1).

وأسمع رجل يزيد بن عمر بن هبيرة فأعرض عنه فقال الرجل : إياك أعنى، قال : وعنك أعرض وقال الشاعر :

إذا نطق السفيه فلا تجبه

فخير من إجابته السكوت سكت عن السفيه فظن أنى

عييت عن الجواب وما عييت (2).

من رضى عن نفسه كثر الساخط عليه

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (من رضى عن نفسه كثر الساخط عليه). قال بعض الفضلاء لرجل كان يرضى عن نفسه ويدعى التميز على الناس بالعلم : عليك بقوم تروقهم بزبرجك، وتروعهم بزخرفك، فإنك لا تعدم عزا، ولا تفقد غمرا لا يبلغ مسبارهما غورك ولا تستغرق أقدارهما طورك. وقال الشاعر :


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 98.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 99.

أرى كل كل إنسان يرى عيب غيره***ويعمى عن العيب الذي هو فيه

وما خير من تخفى عليه عيوبه***ويبدو له له العيب الذى بأخيه (1).

تزوير رسالتين من ابي بكر وعمر الى امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

(رواية أبي حامد المروروذى) وروى القاضي أبو حامد أحمد بن بشير المروروذى العامري فيما حكاه عنه أبو حيان التوحيدي، قال أبو حيان : سمرنا عند القاضي أبي حامد ليلة ببغداد بدار ابن جيشان في شارع الماذيان، فتصرف الحديث بنا كل متصرف وكان اللّه معنا مزيلا مخلطا عزيز الرواية، لطيف الدراية له في كل جو متنفس، وفى كل نار مقتبس، فجرى حديث السقيفة وتنازع القوم الخلافة فركب كل منا فنا، وقال قولا، وعرض بشئ ونزع إلى مذهب فقال أبو حامد: هل فيكم من يحفظ رسالة أبي بكر إلى على وجواب على له ومبايعته إياه عقيب تلك الرسالة ؟ فقالت الجماعة : لا والله، فقال :هي والله من درر الحقاق المصونة، ومخبآت الصناديق في الخزائن المحوطة ومنذ حفظتها ما رويتها إلا للمهلبي في وزارته، فكتبها عنى في خلوة بيده وقال : لا أعرف في الأرض رسالة أعقل منها، ولا أبين وإنها لتدل على علم وحكم، وفصاحة وفقاهة في دين ودهاء وبعد غور، وشدة غوص فقال له واحد من القوم : أيه- القاضى، فلو أتممت المنة علينا بروايتها سمعناها ورويناه عنك، فنحن أوعى لها من المهلبى، وأوجب ذماما عليك فقال : هذه الرسالة رواها عيسى بن دأب عن صالح بن كيسان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن أبي عبيدة بن الجراح. قال أبو عبيدة : لما استقامت الخلافة لابى بكر بين المهاجرين والأنصار، ولحظ بعين الوقار والهيبة - بعد هنة كاد الشيطان بها يسر فدفع اللّه شرها وأدحض عسرها، فركد كيدها ونيسر خيرها، وقصم ظهر النفاق والفسق بين أهلها - بلغ أبا بكر عن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلكؤ وشماس، وتهمهم ونفاس فكره أن يتمادى الحال وتبدو له العورة، وتنفرج ذات البين ويصير ذلك دريئة لجاهل مغرور، أو عاقل ذى دهاء، أو صاحب سلامة ضعيف القلب خوار العنان، دعاني في خلوة فحضرته وعنده عمر وحده - وكان عمر قبسا له وظهيرا


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 100.

معه، يستضئ بناره، ويستملى من لسانه - فقال لى : يا أبا عبيدة، ما أيمن ناصيتك وأبين الخير بين عارضيك ! لقد كنت من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالمكان المحوط، والمحل المغبوط، ولقد قال فيك في يوم مشهود : (أبو عبيدة أمين هذه الامة)، وطالما أعز اللّه الاسلام بك، وأصلح ثلمه على يديك، ولم تزل للدين ناصرا وللمؤمنين روحا، ولاهلك ركنا ولاخوانك مردا ! قد أردتك لامر له ما بعده خطره مخوف، وصلاحه معروف. ولئن لم يندمل جرحه بمسبارك ورفقك، ولم تجب حيته برقيتك، لقد وقع اليأس، وأعضل البأس، واحتيج بعدك إلى ما هو أمر من ذلك وأعلق وأعسر منه وأغلق، والله أسأل تمامه بك، ونظامه على يدك. فتأت له يا أبا عبيدة وتلطف فيه، وانصح للّه ولرسوله، ولهذه العصابة، غير آل جهدا، ولا قال حمدا، والله كالئك وناصرك، وهاديك ومبصرك. أمض إلى على واخفض جناحك له واغضض من صوتك عنده، واعلم إنه سلالة أبي طالب ومكانه ممن فقدناه بالامس مكانه قل له : البحر مغرقة والبر مفرقة والجو أكلف، والليل أغلف، والسماء جلواء، والارض صلعاء، والصعود متعذر، والهبوط متعسر، والحق عطوف رؤوف والباطل نسوف عصوف، والعجب مقدحة الشر، والضغن رائد البوار والتعريض شجار الفتنة والقحة مفتاح العداوة والشيطان متكئ على شماله، باسط ليمينه نافج حضنيه لاهله ينتظر الشتات والفرقة ويدب بين الامة بالشحناء العداوة، عنادا للّه ولرسوله ولدينه يوسوس بالفجور، ويدلي بالغرور ويمنى أهل الشرور، ويوحى إلى أوليائه بالباطل، دأبا له منذ كان على عهد أبينا آدم، وعادة منه منذ أهانه اللّه في سالف الدهر، لا ينجى منه إلا بعض الناجذ على الحق، وغض الطرف عن الباطل، ووطئ هامة عدو اللّه والدين بالاشد فالاشد والاجد فالاجد، وإسلام النفس للّه فيما حاز رضاه وجنب سخطه، ولا بد من قول ينفع إذ قد أضر السكوت وخيف غبه، ولقد أرشدك من أفاء ضالتك، وصافاك من أفاء ضالتك وصافاك من أحيا مودته لك بعتابك، وأراد الخير بك من آثر البقيا معك. ماهذا الذى تسول لك نفسك، ويدوي به قلبك، ويلتوى عليه رأيك، ويتخاوص دونه طرفك ويستشرى به ضغنك ويتراد معه نفسك وتكثر لاجله صعداؤك، ولا يفيض به لسانك ! اعجمة بعد إفصاح ألبسا بعد إيضاح ! أدينا غير دين اللّه ! أخلقا غير خلق القرآن ! أهديا غير هدى محمد ! أمثلى يمشى له الضراء ويدب له الخمر ! أم مثلك يغص عليه الفضاء، ويكسف في عينه القمر ! ما هذه القعقعة بالشنان والوعوعة باللسان ! إنك لجد عارف باستجابتنا للّه ولرسوله، وخروجنا من

أوطاننا وأولادنا وأحبتنا وهجرة إلى اللّه ونصرة لدينه في زمان أنت منه في كن الصبا وخدر الغرارة غافل، تشبب وتربب لا تعى مايشاد ویراد ولا تحصل ما يساق ويقاد سوى ما أنت جار عليه من أخلاق الصبيان أمثالك، وسجايا الفتيان أشكالك حتى بلغت إلى غايتك هذه التي إليها أجريت وعندها حط رحلك غير مجهول القدر ولا مجحود الفضل، ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسى ونقاسي أهوالا تشيب النواصي، خائضين غمارها، راكبين تيارها نتجرع صلبها ونشرج عيابها، ونحكم أساسها، ونبرم أمراسها والعيون تحدج بالحسد والانوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر بالغيظ والاعناق تتطاول بالفخر والاسنة تشحذ بالمكر والارض تميد بالخوف لا ننتظر عند المساء صباحا، ولا عند الصباح مساء، ولا تدفع في نحر أمر إلا بعد أن الموت دونه ولا نبلغ إلى شئ إلا بعد تجرع العذاب قبله ولا نقوم منادا إلا بعد اليأس من الحياة عنده، فأدين في كل ذلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالاب والام، والخال والعم، والمال والنشب والسيد واللبد والهلة والبلة بطيب أنفس وقرة أعين، ورحب أعطان، وثبات عزائم، وصحة عقول، وطلاقة أوجه وذلاقة ألسن هذا إلى خبيئات أسرار ومكنونات أخبار كنت عنها غافلا ولولا سنك لم تك عن شيء منها ناكلا كيف وفؤادك مشهوم وعودك معجوم، وغيبك مخبور، والخير منك كثير ! فالان قد بلغ اللّه بك، وأرهص الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، فاسمع ما أقول لك، واقبل ما يعود قبوله عليك، ودع التحبس والتعبس لمن لا يضلع لك إذا خطأ، ولا يتزحزح عنك إذا عطا، فالامر غض، وفى النفوس مض، وأنت أديم هذه الامة فلا تحلم لجاجا، وسيفها العضب فلا تنب اعوجاجا وماؤها العذب فلا تحل أجاجا والله لقد سألت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن هذا لمن هو ؟ فقال : هو لمن يرغب عنه، لا لمن يجاحش عليه ولمن يتضاءل له لا لمن يشمخ إليه، وهو لمن يقال له : هو لك، لا لمن يقول : هو لى. ولقد شاورني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الصهر، فذكر فتيانا من قريش فقلت له : أين أنت من على ! فقال : إنى لاكره لفاطمة ميعة شبابه وحدة.سنه. فقلت : متى كنفته يدك، ورعته عينك حفت بهما البركة، وأسبغت عليهما النعمة مع كلام كثير خطبت به رغبته فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا لوجاء، ولكني قلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت لك إذ ذاك خيرا منك الان لى ولئن كان عرض بك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في هذا الأمر، فقد كنى عن غيرك، وإن قال فيك، فما سكت عن سواك، وإن اختلج في

نفسك شيء، فهلم فالحكم مرضى، والصواب مسموع والحق مطاع. ولقد نقل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى ما عند اللّه وهو عن هذه العصابة راض وعليها حدب، يسره ما سرها، ويكيده ما كادها ويرضيه ما أرضاها ويسخطه ما أسخطها. ألم تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه وخلطائه وأقاربه وسجرائه إلا أبانه بفضيلة، وخصه بمزية، وأفرده بحالة لو أصفقت الامة عليه لاجلها لكان عنده إيالتها وكفالتها. أتظن أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ترك الامة سدى بددا، عدا مباهل عباهل طلاحي مفتونة بالباطل، ملوية عن الحق لا ذائد ولا رائد، ولا ضابط ولا خابط ولا رابط ولا سافى ولا واقى ولا حادى ولا هادى كلا والله ما اشتاق إلى ربه ولا سأله المصير إلى رضوانه، إلا بعد أن أقام الصوى، وأوضح الهدى، وأمن المهالك وحمى المطارح والمبارك. وإلا بعد أن شدخ يافوخ الشرك بإذن الله، وشرم وجه النفاق لوجه اللّه وجدع أنف الفتنة في دين اللّه وتفل في عين الشيطان بعون الله، وصدع بملء فيه ويده بأمر الله. وبعد، فهؤلاء المهاجرون والانصار عندك ومعك في بقعة جامعة، ودار واحدة إن استقادوا لك وأشاروا بك، فأنا واضع يدى في يدك، وصائر إلى رأيهم فيك، وإن تكن الاخرى فادخل في صالح مادخل فيه المسلمون، وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم، والمرشد لضالهم والرادع لغاويهم، فقد أمر اللّه بالتعاون على البر وأهاب إلى التناصر على الحق ودعنا نقض هذه الحياة الدنيا بصدور برئية من الغل، ونلقى اللّه بقلوب سليمة من الضغن وإنما الناس ثمامة فارفق بهم، وأحن عليهم، ولن لهم، ولا تسول لك نفسك فرقتهم، واختلاف كلمتهم، واترك ناجم الشر حصيدا، وطائر الحقد واقعا وباب الفتنة مغلقا لا قال ولا قيل ولا لوم ولا تعنيف ولا عتاب ولا تثريب والله على ما أقول وكيل وبما نحن عليه بصير. قال أبو عبيدة : فلما تهيأت للنهوض، قال لى عمر : كن على الباب هنيهة قلى معك ذرو من الكلام. فوقفت وما أدرى ما كان بعدى إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا، وقال لى : قل لعلى : الرقاد محلمة واللجاج ملحمة والهوى مقحمة وما منا أحد إلا له مقام معلوم، وحق مشاع أو مقسوم، وبناء ظاهر أو مكتوم، وإن أكيس الكيسى من منح الشارد تألفاء وقارب البعيد تلطفا ووزن كل أمر بميزانه ولم يجعل خبره كعيانه ولا قاس فتره بشبره دينا كان أو دنيا، وضلالا كان أو هدى ولا خير في علم معتمل في جهل، ولا في معرفة مشوبة بنكر، ولسنا كجلدة رفع البعير بين العجان وبين الذنب وكل صال فبناره يصلى وكل سيل فإلى قراره يجرى وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعى

وحصر ولا كلامها اليوم لفرق أو حذر، فقد جدع اللّه بمحمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنف كل متكبر، و قصم به ظهر كل جبار وسل لسان كل كذوب فماذا بعد الحق إلا الضلال ! ما هذه الخنزوانة التي في فراش رأسك ؟ وما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك، وما هذه الوحرة التى أكلت شرا سيفك والقذاة التي أعشت ناظرك ؟ وما هذا الدحس والدس اللذان يدلان على ضيق الباع وخور الطباع ! وما هذا الذى لبست بسببه جلد النمر واشتملت عليه بالشحناء والنكر ! لشدما استسعيت لها وسريت سرى ابن أنقد إليها، إن العوان لاتعلم الخمرة. ما أحوج الفرعاء إلى فالية وما أفقر الصلعاء إلى حالية، ولقد قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والامر معبد مخيس ليس لاحد فيه ملمس، لم يسير فيك قولا، ولم يستنزل لك قرآنا، ولم يجزم في شأنك حكما لسنا في كسروية كسرى، ولا قيصرية قيصر، (تأمل لاخوان فارس وأبناء الاصفر، قد جعلهم اللّه جزرا السيوفنا، ودريئة لرماحنا، ومرمى لطعاننا ! بل) نحن في نور نبوة وضياء رسالة، وثمرة حكمة وأثر رحمة، وعنوان نعمة وظل عصمة، بين أمة مهدية بالحق والصدق، مأمونة على الرتق والفتق لها من اللّه تعالى قلب أبى، وساعد قوى ويد ناصرة وعين ناظرة. أتظن ظنا أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الامة خادعا لها ومتسلطا عليها ! أتراه امتلخ أحلامها، وأزاغ أبصارها وحل عقودها وأحال عقولها، واستل من صدورها حميتها وانتكث رشاءها وانتضب ماءها، وأضلها عن هداها وساقها إلى رداها وجعل نهارها لیلا، ووزنها كيلا ويقظتها رقادا، وصلاحها فسادا ! إن كان هكذا، إن سحره لمبين، وإن كيده لمتين كلا والله بأى خيل ورجل وبأى سنان ونصل وبأى منة وقوة، وبأى مال وعدة وبأى أيد وشدة وبأى عشيرة وأسرة وبأى قدرة ومكنة، وبأى تدرع وبسطة ! لقد أصبح بما وسمته منيع الرقبة رفيع العتبة. لا والله لكن سلا عنها فولهت نحوه وتطامن لها فالتفت به، ومال عنها فمالت إليه واشماز دونها فاشتملت عليه، حبوة حباه اللّه بها وغاية بلغه اللّه إليها ونعمة سربله جمالها ويد للّه أوجب عليه شكرها، وأمة نظر اللّه به.لها. وطالما حلقت فوقه في أيام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو لا يلتفت لفتها، ولا يرتصد وقتها، والله أعلم بخلقه وأرأف بعباده يختار ما كان لهم الخيرة. وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة ومعدن الرسالة وكهف الحكمة، ولا يجحد حقك فيما آتاك ربك من العلم، ومنحك من الفقه في الدين، هذا إلى مزايا خصصت بها وفضائل اشتملت عليها ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من

منكبك، وقربى أمس من قرباك وسن أعلى من سنك وشيبة أروع من شيبتك، وسيادة معروفة في الاسلام والجاهلية ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة، ولا تذكر فيها في مقدمة ولا ساقة ولا تضرب فيها بذراع ولا اصبع ولا تعد منها ببازل ولا هبع. إن أيا بكر كان حبة قلب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و لوله و علاقة همه، وعيبة سره، ومثوى حزنه وراحة باله ومرمق طرفه، شهرته مغنية عن الدلالة عليه. ولعمري إنك لاقرب منه إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قرابة، ولكنه أقرب منك قربة والقرابة لحم ودم، والقربة روح ونفس، وهذا فرق يعرفه المؤمنون، ولذلك صاروا إليه أجمعون ومهما شككت فلا تشك في أن يد اللّه مع الجماعة، ورضوانه لاهل الطاعة فادخل فيما هو خير لك اليوم وأنفع غدا، والفظ من فيك ما هو متعلق بلهاتك، وانفث سخيمة صدرك، فإن يكن في الامد طول وفى الاجل فسحة، فستأكله مريئا أو غير مرئ، وستشر به هنيئا أو غير هني، حين لا راد لقولك إلا من كان آيسا منك، ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك حين يمض أهابك ويفرى أديمك، ويزري على هديك هناك تقرع السن من ندم وتشرب الماء ممزوجا بدم حين تأسى على ما مضى من عمرك، وانقضى وانقرض من دارج قومك، وتود أن لو سقيت بالكأس التي سقيتها غيرك، ورددت إلى الحال التي كنت تكرهها في أمسك ولله فينا وفيك أمر هو بالغه وعاقبه هو المرجو لسرائها وضرائها وهو الولى الحميد الغفور الودود. قال أبو عبيدة : فمشيت إلى على مثبطا متباطئا، كأنما أخطو على أم رأسي فرقا من الفتنة، وإشفاقا على الامة وحذرا من الفرقة حتى وصلت إليه في خلاء فابئئته بثى كله، وبرئت إليه منه، ودفعته له فلما سمعها ووعاها وسرت في أوصاله حمياها قال : حلت معلوطة، وولت مخروطة، ثم قال : أحدى لياليك فهيسى هيسى لا تنعمي الليلة بالتعريس يا أبا عبيدة أهذا كله في أنفس القوم يستبطنونه ويضطغنون عليه ! فقلت : لا جواب عندي إنما جئتك قاضيا حق الدين وراتقا فتق الاسلام، وسادا ثلمة الامة يعلم اللّه ذلك من جلجلان قلبى وقرارة نفسي. فقال : ماكان قعودي في كسر هذا البيت قصدا لخلاف ولا إنكارا لمعروف ولا زراية على مسلم بل لما وقذنى به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من فراقه، وأودعني من الحزن لفقده، فإني لم أشهد بعده مشهدا إلبا جدد على حزنا وذكرني شجنا وإن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره، وقد عكفت على عهد اللّه أنظر فيه، وأجمع ما تفرق منه، رجاء ثواب معد لمن أخلص للّه عمله وسلم لعلمه ومشيئته أمره على إني أعلم إن التظاهر على واقع ولى عن الحق الذى

سيق إلى دافع، وإذ قد أفعم الوادي لى، وحشد النادى على فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين، وفى النفس كلام لولا سابق قول وسالف عهد، لشفيت غيضي بخنصري وبنصري، وخضت لجته بأخمصى ومفرقي، ولكني ملحم إلى أن ألقى اللّه تعالى عنده أحتسب ما نزل بي وأنا غاد إن شاء اللّه إلى جماعتكم ومبايع لصاحبكم وصابر على ما ساءني وسركم ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا وكان اللّه على كل شي شهيدا، قال أبو عبيدة : فعدت إلى أبي بكر وعمر فقصصت القول على غرة، ولم أترك شيئا من حلوه ومره ذكرت غدوه إلى المسجد فلما كان صباح يومئذ وافى على فخرق الجماعة إلى أبى بكر وبايعه وقال خيرا، ووصف جميلا وجلس زميلا، واستأذن للقيام ونهض فتبعه عمر إكراما له وأجلالا لموضعه وإستنباطا لما في نفسه، وقام أبو بكر فأخذ بيده وقال : إن عصابة أنت منها يا أبا الحسن لمعصومة، وإن أمة أنت فيها المرحومة، ولقد أصبحت عزيزا علينا كريما لدينا نخاف اللّه إذا سخطت ونرجوه إذا رضيت ولولا إنى شدهت لما أجبت إلى ما دعيت إليه ولكني خفت الفرقة واستئثار الانصار بالمر على قريش وأعجلت عن حضورك ومشاورتك، ولو كنت حاضرا لبايعتك ولم أعدل بك، ولقد حط اللّه عن ظهرك ما أثقل كاهلى به وما أسعد من ينظر اللّه إليه بالكفاية ! وإنا إليك لمحتاجون وبفضلك عالمون وإلى رأيك وهديك في جميع الاحوال راغبون وعلى حمايتك وحفيظتك معولون ثم انصرف وتركه مع عمر فالتفت على إلى عمر فقال : يا أبا حفص، والله ما قعدت عن صاحبك جزعا على ما صار إليه ولا أتيته خائفا منه ولا أقول ما أقول بعلة وإنى لاعرف مسمى طرفي ومخطى قدمى ومنزع قوسى، وموقع سهمي، ولكني تخلفت إعذارا إلى اللّه وإلى من يعلم الامر الذي جعله لي رسول اللّه وأتيت فبايعت حفظا للدين، وخوفا من انتشار أمر اللّه فقال له عمر : يا: أبا الحسن كفكف من غربك، ونهنه من شرتك، ودع العصا بلحائها، والدلو برشائها، فإنا من خلفها وورائها إن قدحنا أورينا، وإن متحنا أروينا وإن قرحنا أدمينا، وقد سمعت أمثالك التي ألغزت بها صادرة عن صدر دو، وقلب جو زعمت أنك قعدت في كسر بيتك لما وقذك به فراق، أفراق رسول اللّه (صلى اللّه عليه) وقذك وحدك ولم يقذ سواك ! إن مصابه لاعز وأعظم من ذاك، وإن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بكلمة لاعصام لها، فإنك لترى الاعراب حول المدينة لو تداعت علينا في صبح يوم لم نلتقي في ممساه. وزعمت أن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره فمن الشوق

إليه نصرة دينه، وموازرة المسلمين عليه ومعاونتهم فيه. وزعمت أنك مكب على عهد اللّه تجمع ما تفرق منه فمن العكوف على عهده النصيحة لعباده والرأفة على خلقه، وأن تبذل من نفسك ما يصلحون به ويجتمعون عليه. وزعمت أن التظاهر عليك واقع أي تظاهر وقع عليك ! وأى حق استؤثر به دونك ! لقد علمت ما قالت الانصار أمس سرا وجهرا وما تقلبت عليه ظهرا وبطنا فهل ذكرتك أو أشارت بك، أو طلبت رضاها من عندك ! وهؤلاء المهاجرون، من الذى قال منهم إنك صاحب هذا الامر، أو أومأ إليك، أو همهم بك في نفسك ! أتظن أن الناس ضلوا من أجلك، أو عادوا كفارا زهدا فيك أو باعوا اللّه تعالى بهواهم بغضا لك ! ولقد جاءني قوم من الانصار، فقالوا : إن عليا ينتظر الامامة، ويزعم أنه أولى بها من أبي بكر، فأنكرت عليهم، ورددت القول في نحورهم حتى قالوا : إنه ينتظر الوحى ويتوكف مناجاة الملك ! فقلت : ذاك أمر طواه اللّه بعد محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ). ومن أعجب شأنك قولك : (لولا سابق قول لشفيت غيضي بخنصري و بنصري) ! وهل ترك الدين لاحد أن يشفى غيضه بيده أو لسانه ! تلك جاهلية استئصل اللّه شأفتها، واقتلع جرثومها، ونور ليلها وغور سيلها، وأبدل منها الروح والريحان والهدى والبرهان ! وزعمت أنك ملجم فلعمري إن من أتقى وآثر رضاه، وطلب ما عنده أمسك لسانه، وأطبق فاه، وغلب عقله ودينه على هواه وأما قولك : (إني لاعرف منزع قوسى)، فإذا عرفت منزع قوسك عرف غيرك مضرب سيفه ومطعن رمحه وأما ما تزعمه من الامر الذى جعله رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لك، فتخلفت إعذارا إلى الله، وإلى العارفة من المسلمين، فلو عرفه المسلمون لجنحوا إليه، وأصفقوا عليه، وما كان اللّه ليجمعهم على العمى ولا ليضربهم بالضلال بعد الهدى، ولو كان لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيك رأى، وعليك عزم، ثم بعثه اللّه فرأى اجتماع أمته على أبي بكر، لما سفه آراءهم، ولاضلل أحلامهم، ولا آثرك عليهم، ولا أرضاك يسخطهم، ولامرك باتباعهم، والدخول معهم فيما ارتضوه لدينهم. فقال على : مهلا أبا حفص أرشدك اللّه ! خفض عليك، ما بذلت ما بذلت وأنا أريد عنه حولا، وإن أخسر الناس صفقة عند اللّه من استبطن النفاق واحتضن الشقاق، وفى اللّه خلف عن كل فائت وعوض من كل ذاهب وسلوة عن كل حادث، وعليه التوكل في جميع الحوادث ارجع أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب مبرود الغليل فصيح اللسان، رحب الصدر، متهلل الوجه، فليس وراء ما سمعته منى إلا ما يشد الازر، ويحبط الوزر، ويضع الاصر، ويجمع الالفة ويرفع الكلفة إن شاء الله.

فانصرف عمر إلى مجلسه. قال أبو عبيدة : فلم أسمع ولم أر كلاما ولا مجلسا كان أصعب من ذلك الكلام والمجلس. قلت : الذي يغلب على ظني أن هذه المراسلات والمحاورات والكلام كله مصنوع موضوع، وأنه من كلام أبي حيان التوحيدي لانه بكلامه ومذهبه في الخطابة والبلاغة أشبه، وقد حفظنا كلام عمر ورسائله وكلام أبى بكر وخطبه فلم نجدهما يذهبان هذا المذهب ولا يسلكان هذا السبيل في كلامهما وهذا كلام عليه أثر التوليد ليس بخفي وأين أبو بكر وعمر من البديع وصناعة المحدثين ! ومن تأمل كلام أبي حيان عرف أن هذا الكلام من ذلك المعدن خرج، ويدل عليه أنه أسنده إلى القاضي أبي حامد المروروذى، وهذه عادته في كتاب البصائر يسند إلى القاضي أبي حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه أذا كان كارها لان ينسب إليه وأنما ذكرناه نحن في هذا الكتاب لانه وإن كان عندنا موضوعا منحولا، فإنه صورة ما جرت عليه حال القوم فهم وإن لم ينطقوا به بلسان المقال، فقد نطقوا به بلسان الحال ومما يوضح لك أنه مصنوع أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم من المعتزلة والشيعة والاشعرية وأصحاب الحديث، وكل من صنف في علم الكلام والامامة لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية، ولقد كان المرتضى (رحمه اللّه) يلتقط من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللفظة الشاذة والكلمة المفردة الصادرة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في معرض التألم والتظلم فيحتج بها، ويعتمد عليها نحو قوله : (مازلت مظلوما مذ قبض رسول اللّه حتى يوم الناس هذا) وقوله : (لقد ظلمت عدد الحجر والمدر). وقوله : (إن لنا حقا إن نعطه نأخذه وإن نمنعه نركب أعجاز الابل وإن طال السرى). وقوله : (فصبرت وفى الحلق شجا، وفى العين قذى). وقوله : (اللهم إنى أستعديك على قريش فإنهم ظلموني حقى وغصبوني إرثى). وكان المرتضى إذا ظفر بكلمة من هذه فكأنما ظفر بملك الدنيا ويودعها كتبه وتصانيفه، فأين كان المرتضى عن هذا الحديث ! وهلا ذكر في كتاب الشافي في الامامة كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا، وكذلك من قبله من الامامية كابن النعمان وبني نوبخت و بنی بابويه وغيرهم، وكذلك من جاء بعده من متأخرى متكلمي الشيعة وأصحاب الاخبار والحديث منهم إلى وقتنا هذا ! وأين كان أصحابنا عن كلام أبى بكر وعمر له (عَلَيهِ السَّلَامُ)! وهلا ذكره قاضي القضاة في المغنى مع احتوائه على كل ما جرى بينهم، حتى إنه يمكن أن يجمع منه تاريخ كبير مفرد في أخبار السقيفة ! وهلا ذكره من كان قبل قاضي القضاة من مشايخنا وأصحابنا ومن جاء بعده من متكلمينا ورجالنا !

وكذلك القول في متكلمي الاشعرية وأصحاب الحديث كابن الباقلانی وغیره وكان ابن الباقلاني شديدا على الشيعة، عظيم العصبية على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلو ظفر بكلمة من كلام أبى بكر وعمر في هذا الحديث لملا الكتب والتصانيف بها، وجعلها هجيراه ودأبه. والأمر في ما ذكرناه في وضع هذه القصة ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من علم البيان ومعرفة كلام الرجال ولمن عنده أدنى معرفة بعلم السير، وأقل أنس بالتواريخ ((1))

سننتم علينا القتل لا تنكرونه فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر

دخلت إحدى نساء بني أمية على سليمان بن على، وهو يقتل بني أمية بالبصرة فقالت : أيها الامير إن العدل ليمل من الاكثار منه والاسراف فيه، فكيف لا تمل أنت من الجور وقطيعة الرحم ! فأطرق ثم قال لها :

سننتم علينا القتل لا تنكرونه فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر

ثم قال : يا أمة اللّه وأول راض سنة من يسيرها. ألم تحاربوا عليا وتدفعوا حقه ؟ ألم تسموا حسنا وتنقضوا شرطه ؟ ألم تقتلوا حسينا وتسيروا رأسه ؟ ألم تقتلوا زيدا وتصلبوا جسده؟ ألم تقتلوا يحيى وتمثلوا به ؟ ألم تلعنوا عليا على منابركم ؟ ألم تضربوا أبانا على بن عبد اللّه بسياطكم ؟ ألم تخنقوا الامام بجراب النورة في حبسكم ؟ ثم قال : ألك حاجة ؟ قالت قبض عمالك أموالي فأمر برد أموالها عليها (2).

ماذا يريد إلى ذلفاء تكلى حرى

خطب الحجاج بعد قتله زجله بنت منظور بن زبان بن سيار الفزارية، وهى أم هاشم بن عبد اللّه بن الزبير فقلعت ثنيتها وردته وقالت : ماذا يريد إلى ذلفاء تكلى حرى ! وقالت :

أبعد عائذ بيت اللّه تخطبني جهلا جهلت وغب الجهل مذموم

فاذهب إليك فإنى غير ناكحة بعد ابن أسماء ما استن الدياميم

من يجعل العير مصفرا جحافله مثل الجواد وفضل اللّه مقسوم !(3).


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 271.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 150.

3) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 109.

وهلك من هلك

قال على : كنت مع الانصار لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على السمع والطاعة له في المحبوب والمكروه، فلما عز الاسلام، وكثر أهله قال : يا على، زد فيها : (على أن تمنعوا رسول اللّه وأهل بيته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم) قال : فحملها على ظهور القوم، فوفى بها من وفى وهلك من هلك (1).

تضن ابن خطاب على بجمة

وذكر المبرد محمد بن يزيد الثمالى قال : كان عمر اصلع فلما حلق وفرة نصر ابن حجاج قال نصر وكان شاعرا :

تضن ابن خطاب على بجمة إذا رجلت تهتز هز السلاسل

فصلع راسا لم يصلعه ربه يرف رفيفا بعد اسود جائل

لقد حسد الفرعان اصلع لم يكن إذا ما مشى بالفرع بالمتخايل(2).

خطبة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حجة الوداع

الحمد للّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد اللّه فلا مضل له ومن يضلل اللّه فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أوصيكم عباد اللّه بتقوى الله، وأحثكم على العمل بطاعته، وأستفتح اللّه بالذى هو خير، أما بعد، أيها الناس اسمعوا منى أبين لكم، فإني لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت اللهم اشهد من كانت عنده أمانه فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدا به ربا العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدأ به دم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 44.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 27.

قتل بالعصا والحجر فيه مائة بعير فمن ازداد فهو من الجاهلية. أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضى أن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم أيها الناس إنما النسى زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما، ويحرمونه عاما، وإن الزمان قد استدار کهیئته يوم خلق اللّه السموات والارض، وإن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات وواحد فرد : ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان ألا هل بلغت أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حقا، فعليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن بيوتكم أحدا تكرهونه إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فقد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن فإن انتهين وأطعنكم فعليكم كسوتهن ورزقهن بالمعروف، فإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لانفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة اللّه واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا اللّه في النساء واستوصوا بهن خيرا أيها الناس إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا على طيب نفس، ألا هل بلغت اللهم اشهد ألا لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب اللّه ربكم ألا هل بلغت اللهم اشهد أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم، وليس لعربي على عجمى فضل إلا بالتقوى، ألا فليبلغ الشاهد الغائب. أيها الناس إن اللّه قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فهو ملعون لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا والسلام عليكم ورحمة الله عليكم (1).

تلك الدماء معا يا رب في عنقي

قال الشاعر :

إنى أدين بما دان الوصي به يوم الخريبة من قتل المحلينا

وبالذي دان النهر دنت به وشاركت كفه كفى بصفينا


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 126.

تلك الدماء معا يا رب في عنقي ثم اسقنى مثلها آمين آمينا (1).

وبصق في الكتاب فمحاه وخرقه

روى إبراهيم بن السعيد الثقفى عن ابراهیم بن ميمون قال : حدثنا عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن علی بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه عن جده عن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : جاءت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) إلى أبي بكر وقالت : إن أبى أعطاني فدك وعلى وأم أيمن يشهدان فقال : ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق قد أعطيتكها ودعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها فخرجت فلقيت عمر فقال : من أين جئت يا فاطمة ؟ قالت : جئت من عند أبي بكر أخبرته أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأعطاني فدك وأن عليا وأم أيمن يشهدان لى بذلك فأعطانيها وكتب لى بها. فأخذ عمر منها الكتاب ثم رجع إلى أبي بكر فقال : أعطيت فاطمة فدك وكتبت بها لها ؟ قال : نعم فقال : إن عليا يجر إلى نفسه وأم أيمن أمرأة وبصق في الكتاب فمحاه وخرقه (2).

ادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه

وسألت على بن الفارقى مدرس المدرسة الغربيه ببغداد فقلت له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهى عنده صادقة ؟ فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته قال لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشئ لانه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيها تدعى كائنا ما كان من غير حاجة إلى بيئة ولا شهود (3).

ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة

عن عبد اللّه بن زيد المازني قال : جرحت جرحا في عضدي اليسرى، ضبني رجل كأنه الرقل ولم يعرج على، ومضى عنى، وجعل الدم لا يرقأ، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 132.

2) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 274.

3) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 284.

اعصب جرحك، فتقبل إمى إلى، ومعها عصائب في حقويها قد أعدتها للجراح، فربطت والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واقف ينظر، ثم قالت إنهض يا بني فضارب القوم، فجعل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة قالت : وأقبل الرجل الذي ضربني، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): هذا ضارب أبنك، فاعترضت أمي له، فضربت ساقه، فبرك، فرأيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تبسم حتى بدت نواجذه، ثم قال : استقدت يا أم عمارة ثم أقبلنا نعلوه بالسلاح حتى أتينا على نفسه، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الحمد للّه الذى ظفرك وأقر عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك (1).

هذا عبد سقط من عين اللّه

يحكى أن على بن عيسى الوزير ركب في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون من هذا من هذا فقالت امراة قائمة على السطح إلى متى تقولون من هذا من هذا هذا عبد سقط عين اللّه فابتلاه بما ترون فسمع على بن عيسى كلامها فرجع إلى منزلة ولم يزل يتوصل في الاستعفاء من الوزارة حتى اعفي وذهب إلى مكة فجاور بها (2).

اربعة مساجد بالبصرة تقوم على بغض على

وروى أبو غسان البصري قال : بنى عبيد اللّه بن زياد أربعة مساجد بالبصرة تقوم على بغض على بن أبى طالب والوقيعة فيه : مسجد بنى على ومسجد بنى مجاشع، ومسجد كان في العلاقين على فرضة البصرة، ومسجد في الازد (3).

كفر باللّه كفرة أصلع

روى عبد الرحمن بن جندب قال : قال أبو بردة لزياد: أشهد أن حجر بن عدى قد كفر باللّه كفرة أصلع قال عبد الرحمن : إنما عنى بذلك نسبة الكفر إلى على ابن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لانه كان أصلع (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 267.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 185.

3) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 94.

4) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 99.

أنت جاهل بإجماع الناس، والناس جهال بقولك وحدك

قال بعضهم : دخلت على ابن منارة وبين يديه كتاب قد صنفه، فقلت : ما هذا ؟ قال : كتاب عملته مدخلا إلى التورية فقلت : إن الناس ينكرون هذا، فلو قطعت الوقت بغيره قال : الناس جهال قلت وأنت ضدهم ؟ قال : نعم، قلت فينبغي أن يكون ضدهم جاهلا عندهم قال : كذاك، هو ! قلت : فقد بقيت أنت جاهلا بإجماع الناس، والناس جهال بقولك وحدك، ومثل هذا المعنى قول الشاعر :

إذا كنت تقضى أن عقلك كامل***وأن بني حواء غيرك جاهل

وأن مفيض العلم صدرك كله***فمن ذا الذي يدرى بأنك عاقل !(1).

ما ورد في وصاية على من الشعر

من الشعر المقول في صدر الاسلام المتضمن كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصی رسول اللّه قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث ابن عبد المطلب :

ومنا على ذاك صاحب خيبر***وصاحب بدر یوم سالت کتائبه

وصى النبي المصطفى وابن عمه***فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه !

وقال عبد الرحمن بن جعيل :

لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة على***الدين، معروف العفاف موفقا

عليا وصى المصطفى وابن عمه وأول***من صلى أخا الدين والتقى

وقال أبو الهيثم بن التيهان - وكان بدريا :

قل للزبير وقل لطلحة إننا***نحن الذين شعارنا الانصار

نحن الذين رأت قريش فعلنا***يوم القليب أولئك الكفار

کنا شعار نبينا و دثاره***يفديه منا الروح والابصار

إن الوصي إمامنا وولينا***برح الخفاء وباحت الاسرار.

وقال عمر بن حارثة الانصاري، وكان مع محمد بن الحنفية يوم الجمل، وقد لامه أبوه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أمره بالحملة، فتقاعس :


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 100.

أبا حسن أنت فصل الأمور***يبين بك الحل والمحرم

جمعت الرجال على راية***ها ابنك يوم الوغى مقحم

ولم ينكص المرء من خيفة***ولكن توالت له أسهم

فقال رويدا ولا تعجلوا***فإنى إذا رشقوا مقدم

فاعجلته والفتى مجمع***بما يكره الوجل المحجم

سمى النبي وشبه الوصي***ورايته لونها العندم

وقال رجل من الازد الازد يوم الجمل :

هذا علی وهو الوصي***آخاه يوم النجوة النبي

وقال هذا بعدى الولي***وعاه واع ونسي الشقي

وخرج يوم الجمل غلام من بنى ضبة شاب معلم من عسكر عائشة، وهو يقول :

نحن بنو ضبة أعداء على***ذاك الذي يعرف قدما بالوصي

وفارس الخيل على عهد النبي***ما أنا عن فضل على بالعمى

لكننى أنعى ابن عفان التقى***إن الولى طالب ثأر الولى

وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل وكان في عسكر على (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أية حرب أضرمت نيرانها***وكسرت يوم الوغى مرانها

قل للوصي أقبلت قحطانها***فادع بها تکفیکها همدانها

هم بنوها وهم إخوانها

وقال زياد بن لبيد الانصاري يوم الجمل، وكان من أصحاب على (عَلَيهِ السَّلَامُ):

كيف ترى الانصار في يوم الكلب***إنا أناس لا نبالي من عطب

ولا نبالي في الوصي من غضب***وإنما الانصار جدلا لعب

هذا على وابن عبد المطلب***ننصره اليوم على من قد كذب

من يكسب البغى فبئسما اكتسب

وقال حجر بن عدى الكندي في ذلك اليوم أيضا :

يا ربنا سلم لنا علیا سلم***لنا المبارك ال بارك المضينا

المؤمن الموحد التقيا***لاخطل الرأى ولا غويا

بل هاديا موفقا مهدیا***احفظه ربى واحفظ النبيا

فيه فقد كان له وليا ثم ارتضاه بعده وصيا

وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين وكان بدريا في يوم الجمل أيضا :

ليس بين الانصار في جحمة الحرب وبين العداة إلا الطعان

و قراع الكماة بالقضب البيض إذا ما تحطم المران

فادعها تستجب فليس من الخزرج والاوس يا على جبان

يا وصى النبي قد أجلت الحرب الاعادي وسارت الاظعان

و استقامت لك الامور سوى الشام وفي الشام يظهر الاذعان

حسبهم ما رأوا وحسبك منا هكذا نحن حيث كنا وكانوا

وقال خزيمة أيضاً في يوم الجمل :

أ عائش خلى عن على وعيبه بما ليس فيه إنما أنت والده

وصی رسول اللّه من دون أهله وأنت على ما كان من ذاك شاهده

وحسبك منه بعض ما تعلمينه ويكفيك لو لم تعلمي غير واحده

إذا قيل ما ذا عبت منه رميته بخذل ابن عفان وما تلك آبده

وليس سماء اللّه قاطرة دما لذاك وما الارض الفضاء بمائدة

وقال ابن بدیل بن ورقاء الخزاعي يوم الجمل أيضا :

يا قوم للخطة العظمى التي حدثت حرب الوصي وما للحرب من آسى

الفاصل الحكم بالتقوى إذا ضربت تلك القبائل أخماسا لاسداس

وقال عمرو بن أحيحة يوم الجمل في خطبة الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد خطبة عبد اللّه ابن الزبير :

حسن الخير يا شبيه أبيه قمت فينا مقام خير خطيب

قمت بالخطبة التي صدع اللّه بها عن أبيك أهل العيوب

وكشفت القناع فاتضح الامر وأصلحت فاسدات القلوب

لست كابن الزبير لجلج في القول وطاطا عنان فسل مريب

وأبى اللّه أن يقوم بما قام به ابن الوصي وابن النجيب

إن شخصا بين النبي - لك الخير - وبين الوصي غير مشوب

وقال زحر بن قيس الجعفي يوم الجمل أيضا :

أضربكم حتى تقروا لعلى خير قريش كلها بعد النبي

من زانه اللّه وسماه الوصي إن الولى حافظ ظهر الولى

كما الغوى تابع أمر الغوى

وقال زحر بن قيس الجعفي :

فصلى الاله على أحمد رسول المليك تمام النعم

رسول المليك ومن بعده خليفتنا القائم المدعم

عليا عنيت وصى النبي نجالد عنه غواة الامم

ومن الشعر المنسوب إلى الاشعث بن قيس:

أتانا الرسول رسول الانام فسر بمقدمه المسلمونا

رسول الوصي وصى النبي له السبق والفضل في المؤمنينا

ومن الشعر المنسوب إلى الاشعث أيضا :

أتانا الرسول رسول الوصي على المهذب من هاشم

وزير النبي وذو صهره وخير البرية والعالم

من شعر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفين

لا يا عجبا لقد سمعت متكرا كذبا على اللّه يشيب الشعرا

ما كان يرضى أحمد لو أخبرا أن يقرنوا وصيه والابترا

شانى الرسول واللعين الا خزرا إنى إذا الموت دنا وحضرا

شمرت ثوبي ودعوت قنبرا : قدم لوائى لا تؤخر حذرا

لا يدفع الحذار ما قد قدرا لو أن عندي يا بن حرب جعفرا

أو حمزة القرم الهمام الازهرا رأت قريش نجم ليل ظهرا

وقال جرير بن عبد اللّه البجلي كتب بهذا الشعر إلى شرحبيل بن السمط الكندي، رئيس اليمامة من أصحاب معاوية :

نصحتك يا بن السمط لا تتبع الهوى فما لك في الدنيا من الدين من بدل

ولا تك كالمجرى إلى شر غاية فقد خرق السربال واستنوق الجمل

مقال ابن هند في على عضيهة ولله في صدر ابن ابي طالب أجل

وما كان إلا لازما قعر بيته إلى أن أتى عثمان في بيته الاجل

وصى رسول اللّه من دون أهله وفارسه الحامى به يضرب المثل

وقال النعمان بن عجلان الانصاري:

كيف التفرق والوصى إمامنا لا كيف إلا حيرة وتخاذلا

لا تغبنن عقولكم، لا خير في من لم يكن عند البلابل عاقلا

وذروا معاوة الغوى وتابعوا دين الوصي لتحمدوه أجلا

وقال عبد الرحمن بن ذؤيب الاسلمي :

ألا أبلغ معاوية بن حرب فما لك لا تهش إلى الضراب ؟

فإن تسلم وتبق الدهر يوما يزرك بجحفل عدد التراب

يقودهم الوصي إليك حتى يردك عن ضلال وارتياب

وقال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب :

يا عصبة الموت صبرا لا يهولكم جيش ابن حرب فإن الحق قد ظهرا

وأيقنوا أن من أضحى يخالفكم أضحى شقيا وأمسى نفسه خسرا

فيكم وصی رسول اللّه قائدكم وصهره وكتاب اللّه قد نشرا

وقال عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب :

رصى رسول اللّه من دون أهله وفارسه إن قيل هل من منازل

فدونكه إن كنت تبغى مهاجرا أشم كنصل السيف غير حلاحل (1).

لاجاثينك غدا بين يدى اللّه عز وجل

بينا يطوف عمر في بعض سكك المدينة، إذ سمع امراة تهتف من خدرها :

هل من سبيل إلى خمر فاشربها***ام هل سبيل إلى نصر بن حجاج

الى فتى ماجد الاعراق مقتبل***سهل المحيا كريم غير ملجاج

تنميه اعراق صدق حين تنسبه***اخي قداح عن المكروب فراج

سامى النواظر من بهز له قدم***تضئ صورته في الحالك الداجي

فقال عمر : الا لا ادرى معى رجلا يهتف به العواتق في خدورهن ! على بنصر ابن حجاج فاتى به، فإذا هو احسن الناس وجها وعينا وشعرا فامر بشعره فجر فخرجت له وجنتان كانه قمر فأمره ان يعتم فاعتم ففتن النساء بعينيه، فقال عمر : لا ولله لا تساكنني بارض انابها، قال : ولم يا امير المؤمنين قال : هو ما اقول لك فسيره إلى البصرة. وخافت المراة التي سمع عمر منها ما سمع ان يبدر إليها منه شئ فدست إليه ابياتا

قل للامير الذي تخشی بوادره مالی وللخمر أو نصر بن حجاج

اني بليت ابا حفص بغيرهما شرب الحليب وطرف فاتر ساج

لا تجعل الظن حقا أو تبينه ان السبيل سبيل الخائف الراجي

ما منية قلتها عرضا بضائرة والناس من هالك قدما ومن ناج

ان الهوى رعية التقوى تقيده حتى أقر بالجام وإسراج

واتته يوما ام نصر حين اشتدت عليها غيبة ابنها فتعرضت لعمر بين الاذان والاقامة فقعدت له على الطريق فلما خرج يريد الصلاة هتفت به وقالت : يا امیر المؤمنين لاجاثينك غدا بين يدى اللّه عز وجل ولا خاصمنك إليه يبيت عاصم وعبد اللّه إلى جانبيك وبيني وبين ابني الفيافي والقفار والمفاوز والجبال ! قال : من هذه ؟ قيل : ام نصر بن حجاج فقال : يا ام نصر ان عاصما وعبد اللّه لم تهتف بهما العوائق من وراء الخدور (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 143.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 27.

بق دخن عليه فطار !

كان يزيد بن عبد الملك يشنؤ يزيد بن المهلب قبل خلافته لاسباب، فلما أفضت إليه الخلافة خلعه يزيد بن المهلب ونزع يده من طاعته وعلم أنه إن ظفر به قتله وناله من الهوان ما القتل دونه، فدخل البصرة وملكها عنوة وحبس عدى بن أرطاه عامل يزيد بن عبد الملك عليها، فسرح إليه يزيد بن عبد الملك جيشا كثيفا، ويشتمل على ثمانين ألفا من أهل الشام والجزيرة، وبعث مع الجيش أخاه مسلمة بن عبد الملك، وضم إليه ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، فسار يزيد بن المهلب من البصرة، فقدم واسط فأقام بها أياما، ثم سار عنها فنزل العقر، واشتملت جريدة جيشه على مائة وعشرين ألفا، وقدم مسلمة بجيوش الشام، فلما تراءى العسكران وشبت الحرب، أمر مسلمة قائدا من قواده أن يحرق الجسور التى كان عقدها يزيد بن المهلب فأحرقها، فلما رأى أهل العراق الدخان قد علا انهزموا، فقيل ليزيد بن المهلب : قد انهزم الناس قال : ومم انهزموا ؟ هل كان قتال ينهزم الناس من مثله ؟ فقيل له : إن مسلمة أحرق الجسور فلم يثبتوا، فقال : قبحهم اللّه ! بق دخن عليه فطار ! ثم وقف ومعه أصحابه، فقال : اضربوا وجوه المنهزمين، ففعلوا ذلك حتى كثروا عليه وأستقبله منهم أمثال الجبال، فقال : دعوهم قبحهم اللّه ! غنم عدا في نواحيها الذئب وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار، وقد كان أتاه يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفى بواسط، فقال له : فعش ملكا أو مت كريما فإن تمت وسيفك مشهور بكفك تعذر فقال : ما شعرت فقال : إن بني مروان قد باد ملكهم فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر. فقال : أما هذا فعسى فلما رأى يزيد انهزام أصحابه، نزل عن فرسه، وكسر جفن سيفه واستقتل، فأتاه آت فقال : إن أخاك حبيبا قد قتل، فزاده ذلك بصيرة في توطينه نفسه على القتل وقال : لا خير في العيش بعد حبيب ! والله لقد كنت أبغض الحياة بعد الهزيمة، وقد ازددت لها بغضا امضوا قدما فعلم أصحابه أنه مستميت فتسلل عنه من يكره القتال وبقى معه جماعة خشية، فهو يتقدم فهو يتقدم كلما مر بخيل كشفها، وهو يقصد مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره فلما دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب، وحالت خيول أهل الشام بينهما، وعطفت على يزيد بن المهلب فجالدهم بالسيف مصلتا، حتى قتل وحمل رأسه إلى مسلمة، وقتل معه أخوه محمد بن المهلب وكان أخوهما المفضل بن المهلب يقاتل أهل الشام في جهة أخرى، ولا يعلم بقتل

أخويه يزيد ومحمد، فأتاه أخوه عبد الملك بن المهلب وقال له : ما تصنع وقد قتل يزيد ومحمد، وقبلهما قتل حبيب، وقد انهزم الناس ! وقد روى أنه لم يأته بالخبر على وجهه، وخاف أن يخبره بذلك فيستقتل ويقتل، فقال له : إن الامير قد انحدر إلى واسط، فاقتص أثره، فانحدر المفضل حينئذ، فلما علم بقتل إخوته حلف ألا يكلم أخاه عبد الملك أبدا : وكانت عين المفضل قد أصيبت من قبل في حرب الخوارج، فقال : فضحني عبد الملك فضحه اللّه ! ما عذرى إذا رأني الناس فقالوا : شيخ أعور مهزوم الا صدقني فقتلت ! ثم قال : ولا خير في طعن الصناديد بالقنا ولا في لقاء الناس بعد يزيد فلما اجتمع من بقى من آل المهلب بالبصرة بعد الكسرة، أخرجوا عدى بن أرطاة أمير البصرة من الحبس فقتلوه وحملوا عيالهم في السفن البحرية ولجحوا في البحر، فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك بعثا عليه قائد من قواده فأدركهم في قندابيل، فحاربهم وحاربوه وتقدم بنو المهلب بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وهم : المفضل بن المهلب وزياد بن المهلب ومروان بن المهلب وعبد الملك بن المهلب ومعاوية بن يزيد بن المهلب والمنهال بن أبى عيينة بن المهلب وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة بن المهلب وحملت رؤوسهم إلى مسلمة بن عبد الملك، وفي أذن كل واحد منهم رقعة فيها اسمه، واستؤسر الباقون في الوقعة فحملوا إلى يزيد بن عبد الملك بالشام، وهم أحد عشر رجلا، فأمر بقتلهم فقتلوا، وبقى منهم صبي صغير فقال : اقتلوني فلست بصغير، فقال يزيد بن عبد الملك : أنظروا هل أنبت ! فقال : أنا أعلم بنفسي، قد احتلمت ووطئت النساء فاقتلوني، فلا خير في العيش بعد أهلي ! فأمر به فقتل. وأسماء الاسارى الذين قتلوا صبرا وهم أحد عشر مهلبيا : المعارك وعبد اللّه والمغيرة والمفضل والمنجاب بنو يزيد بن المهلب ودريد والحجاج وغسان وشبيب والفضل بنو المفضل بن المهلب الصلبه. والفضل بن قبيصة بن المهلب. قال : ولم يبق بعد هذه الوقعة الثانية لأهل المهلب باقية إلا أبو عيينة بن المهلب وعمر بن يزيد بن المهلب وعثمان بن المفضل بن المهلب فإنهم لحقوا برتبيل، ثم أو منوا بعد ذلك (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 252.

وكانت امرأة ثقيلة

روی مروان بن سعيد بن المعلى قال : قيل لام عمارة يا أم عمارة هل كن نساء قريش يومئذ يقاتلن مع أزواجهن فقالت : أعوذ باللّه لا والله ما رأيت امرأة منهن رمت بسهم ولا حجر، ولكن رأيت معهن الدفاف والاكبار يضربن ويذكرن القوم قتلى بدر، ومعهن مكاحل و مراود، فكلما ولى رجل أو تكعكع ناولته إحداهن مرودا ومكحلة، ويقلن إنما أنت امرأة، ولقد رأيتهن ولين منهزمات مشمرات ولها عنهن الرجال أصحاب الخيل، ونجوا على متون خيلهم، وجعلن يتبعن الرجال على أقدامهن، فجعلن يسقطن في الطريق، ولقد رأيت هندا بنت عتبة وكانت امرأة ثقيلة ولها خلق قاعدة خاشية من الخيل، ما بها مشى ومعها امرأة أخرى، حتى كثر القوم علينا، فأصابوا منا ما أصابوا، فعند اللّه نحتسب ما أصابنا يومئذ من قبل الرماة ومعصيتهم الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (1).

كان المنصور يسمى عبد اللّه بن الحسن بن الحسن أبا قحافة

لم يل الخلافة من أبوه حى إلا أبو بكر أبوه حى إلا أبو بكر، وأبو بكر عبد الكريم الطائع للّه ولى الامر وأبوه المطيع حى، خلع نفسه من الخلافة، وعهد بها إلى ابنه وكان المنصور يسمى عبد الله بن الحسن بن الحسن أبا قحافة تهكما به لان ابنه محمدا ادعى الخلافة وأبوه حي (2).

المرأة شر كلها

المرأة شر كلها وشر ما فيها إنه لا بد منها

حلف إنسان عند بعض الحكماء إنه ما دخل بابي شر قط، فقال الحكيم : فمن أين دخلت امرأتك !

وكان يقال أسباب فتنة النساء ثلاثه : عين ناظرة وصورة مستحسنة وشهوة قادرة فالحكيم من لا يردد النظرة حتى يعرف حقائق الصورة، ولو أن رجلا رأى امرأة فأعجبته ثم طالبها فامتنعت هل كان إلا تاركها ! فإن تأبى عقله عليه في مطالبتها كتابيها عليه في


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 268.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 156.

مساعفتها قدع نفسه عن لذته قدع الغيور إياه عن حرمة مسلم.

وكان يقال من أتعب نفسه أتعب نفسه في الحلال من النساء لم يتق إلى الحرام منهن كالطليح مناه أن يستريح (1).

يعرفون بالتجسس

رفع إلى كسرى أبرويز إن النصارى الذين يحضرون باب الملك يعرفون بالتجسس إلى ملك الروم، فقال : من لم يظهر له ذنب لم يظهر منا عقوبة له.

ورفع إليه أن بعض الناس ينكر إصغاء الملك إلى أصحاب الاخبار فوقع هؤلاء بمنزله مداخل الضياء إلى البيت المظلم، وليس لقطع مواد النور مع الحاجة إليه وجه عند العقلاء (2).

داران مهدومتان ودارك ثالثة

قال ابن بسام لابي على بن مقلة لما بنى داره بالزاهر ببغداد من الغصب وظلم الرعية :

بجنبك داران مهدومتان ودارك ثالثة تهدم

فليت السلامة للمنصفين دامت فكيف لمن يظلم

والداران دار أبى الحسن بن الفرات ودار محمد بن داود بن الجراح.

وقال فيه أيضا :

قل لابن مقلة مهلا لا تكن عجلا فإنما أنت في أضغاث احلام

تبنى بأنقاض دور الناس مجتهدا دارا ستنقض أيضاً بعد ايام

وكان ما تفرسه ابن بسام فيه حقا فإن داره نقضت حتى سويت بالارض في أيام الراضي بالله(3).


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 69.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 70.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 72.

وإن الالى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا

كان مصعب لما خرج إلى حرب عبد الملك سأل عن الحسين بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكيف كان قتله ؟ فجعل عروة بن المغيرة يحدث عن ذلك، فقال متمثلا بقول سليمان بن قتة :

وإن الالى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا

قال عروة : فعلمت أن مصعبا لا يفر (1).

فعلمت أن اللّه تعالى لم يستحب له

قال الطرماح بن حكيم، وكان يرى رأى الخوارج :

وإني لمقتاد جوادي فقاذف به وبنفسى اليوم إحدى المتالف

لاكسب مالا أو أأوب إلى غنى من اللّه يكفيني عداة الخلائف

فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلى بخضر المطارف

ولكن قبري بطن نسر مقيله بجو السماء في نسور عواكف

وأمسى شهيدا ثاويا في عصابة يصابون في فج من الارض خائف

فوارس أشتات يؤلف بينهم هدى اللّه نزالون عند المواقف

قال ابن شبرمة : مررت يوما في بعض شوارع الكوفة، فإذا بنعش حوله رجال وعليه مطرف خز أخضر، فسألت عنه فقيل : الطرماح، فعلمت أن اللّه تعالى لم يستحب له (2).

سال الدم بالمطر حتى دخل بيت عاتكة

لما أحاطت عساکر عیسی ابن موسى بمحمد ابن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو بالمدينة، قيل له : انج بنفسك، فإن لك خيلا مضمرة ونجائب سابقة، فاقعد عليها والتحق بمكة أو باليمن قال : إنى إذا لعبد ! وخرج إلى الحرب يباشرها بنفسه وبمواليه، فلما أمسى تلك الليلة وأيقن بالقتل أشير عليه بالاستتار، فقال : إذن يستعرض عيسى أهل المدينة بالسيف فيكون لهم يوم كيوم الحرة،


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 298.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 300.

لا والله لا أحفظ نفسى بهلاك أهل المدينة، بل أجعل دمى دون دمائهم. فبذل له عیسی الامان على نفسه وأهله وأمواله فأبى ونهد إلى الناس بسيفه لا يقاربه أحد إلا قتله لا والله ما يبقى شيئا، وإن أشبه خلق اللّه به فيما ذكر هو حمزة بن عبد المطلب ورمى بالسهام ودهمته الخيل فوقف إلى ناحية جدار وتحاماه الناس فوجد الموت، فتحامل على سيفه فكسره فالزيدية تزعم أنه كان سيف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذا الفقار. و أنه قال لاخته ذلك اليوم : إنى في هذا اليوم على قتال هؤلاء، فإن زالت الشمس، وأمطرت السماء فإنى مقتول، وإن زالت الشمس ولم تمطر السماء وهبت الريح فإنى أظفر بالقوم، فأججي التنانير، وهيئى هذه الكتب - يعنى كتب البيعة الواردة عليه من الافاق - فإن زالت الشمس، ومطرت السماء فاطرحي هذه الكتب في التنانير فإن قدرتم على بدنى فخذوه وإن لم تقدروا على رأسي فخذوا سائر بدنى فأتوا به ظلة بنى بلية على مقدار أربعة أذرع أو خمسة منها، فاحفروا لي حفيرة وادفنوني فيها. فمطرت السماء وقت الزوال، وقتل محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان عندهم مشهورا أن آية قتل النفس الزكية أن يسيل دم بالمدينة حتى يدخل بيت عاتكة فكانوا يعجبون كيف يسيل الدم حتى يدخل ذلك البيت ! فأمطرت السماء ذلك اليوم، وسال الدم بالمطر حتى دخل بيت عاتكة، وأخذ جسده، فحفر له حفيرة في الموضع الذى حده لهم، فوقعوا على صخرة فأخرجوها، فإذا فيها مكتوب : (هذا قبر الحسن بن على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ))، فقالت زينب أخت محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ): رحم الله أخى، كان أعلم حيث أوصى أن يدفن في هذا الموضع (1).

ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم

وقال ابن أبى مياس الفزاري وهو من الخوارج :

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة***کمهر قطام من غنى ومعدم

ثلاثة آلاف وعبد وقينة***وضرب على بالحسام المصمم

فلامهر أغلى من على وإن غلا***ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 307.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 125.

اختلفت دواعيه في ساعة واحدة أربع مرات

يقال أن عضد الدولة وقعت في يده قصة وهو يتصفح القصص، فأمر بصلب صاحبها ثم أتبع الخادم خادما آخر يقول له قل للمطهر - وكان وزيره - لا يصلبه، ولكن أخرجه من الحبس فاقطع يده اليمنى، ثم أتبعه خادما ثالثا فقال : بل تقول له يقطع أعصاب رجليه، ثم أتبعه خادما آخر فقال له : ينقله إلى القلعة بسيراف في قيوده فيجعله هناك، فاختلفت دواعيه في ساعة واحدة أربع مرات (1).

ما أسرع، ما أديل ليحيى من ابن مصعب

روى إن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أمنه الرشيد بعد خروجه بالديلم وصار إليه بالغ في إكرامه وبره فسعی به بعد مدة عبد اللّه بن مصعب الزبيري إلى الرشيد - وكان يبغضه - وقال له : إنه قد عاد يدعو إلى نفسه سرا، وحسن له نقض أمانه، فأحضره وجمع بينه وبين عبد اللّه بن مصعب ليناظره فيما قذفه به ورفعه عليه فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد وادعى عليه الحركة في الخروج وشق العصا، فقال يحيى : يا أمير المؤمنين أتصدق هذا على وتستنصحه، وهو ابن عبد اللّه بن الزبير. الذي أدخل أباك عبد اللّه وولده الشعب، وأضرم عليهم النار حتى أبو عبد اللّه الجدلي صاحب على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه عنوة، وهو الذى ترك الصلاة على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأربعين جمعة في خطبته، فلما التاث عليه الناس قال : إن له أهيل سوء إذا صليت عليه أو ذكرته أتلعوا اعناقهم واشر أبوا لذكره، فأكره أن أسرهم أو أقر أعينهم، وهو الذي كان يشتم أباك ويلصق به العيوب حتى ورم كبده، ولقد ذبحت بقرة يوما لابيك فوجدت كبدها سوداء قد نقبت فقال على ابنه : أما ترى كبد هذه البقرة يا أبت ! فقال : يا بنى هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لابنه على : يا بنى إذا مت فالحق بقومك من بنى عبد مناف بالشام، ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه أمره، فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد اللّه بن الزبير ووالله إن عداوة هذا يا أمير المؤمنين لنا جميعا بمنزله سواء، ولكنه قوى على بك، وضعف عنك، فتقرب بي إليك ليظفر منك بما يريد إذا لم يقدر على مثله منك وما ينبغي لك أن تسوغه ذلك


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 84.

في، فإن معاوية بن أبي سفيان وهو أبعد نسيا منك إلينا ذكر الحسن بن على يوما فسبه، فساعده عبد اللّه بن الزبير على ذلك فزجره وانتهره فقال : إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين، فقال : إن الحسن لحمى آكله ولا أوكله ومع هذا فهو الخارج مع أخي محمد على أبيك المنصور أبي جعفر، والقائل لاخى في قصيدة طويلة أولها إن الحمامة يوم الشعب من وثن هاجت فؤاد محب دائم الحزن يحرض أخى فيها على الوثوب والنهوض إلى الخلافة، ويمدحه ويقول له لا عز ركنا نزار عند سطوتها إن أسلمتك ولا ركنا ذوى يمن ألست أكرمهم عودا إذا انتسبوا يوما وأطهرهم ثوبا من الدرن ! وأعظم الناس عند الناس منزلة وأبعد الناس من عيب ومن وهن ! قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها أن الخلافة فيكم يا بنى حسن إنا لنأمل أن ترتد الفتنا بعد التدابر والبغضاء والاحن حتى يثاب على الاحسان محسننا ويأمن الخائف المأخوذ بالدمن وتنقضي دولة أحكام قادتها فينا كأحكام قوم عابدي وثن فطالما قد بروا بالجور أعظمنا برى الصناع قداح النبع بالسفن فتغير وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر وتغيظ على ابن مصعب فابتدأ ابن مصعب يحلف باللّه الذى لا إله إلا هو وبأيمان البيعة إن هذا الشعر ليس له وإنه لسديف، فقال يحيى : والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره وما حلفت كاذبا ولا صادقا باللّه قبل هذا وإن اللّه عز وجل إذا مجده العبد في يمينه فقال : والله الطالب الغالب الرحمن الرحيم إستحيا أن يعاقبه، فدعني فدعني أن أحلفه بيمين ما حلف بها احد قط كاذبا إلا عوجل قال فحلفه، قال : قل : برئت من حول الله وقوته واعتصمت بحولى وقوتى وتقلدت الحول والقوة من دون الله استكبارا على اللّه واستعلاء عليه واستغناء عنه إن كنت قلت هذا الشعر ! فامتنع عبد اللّه من الحلف بذلك فغضب الرشيد وقال للفضل بن الربيع يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقا ! هذا طيلساني على وهذه ثيابي لو حلفني بهذه اليمين إنها لي لحلفت فوكز الفضل عبد اللّه برجله و - كان له فيه هوى - وقال له احلف ويحك ! فجعل يحلف بهذه اليمين ووجهه متغير، وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه وقال : يا بن مصعب قطعت عمرك، لا تفلح بعدها أبدا ! قالوا فما برح من موضعه حتى عرض له أعراض الجذام، استدارت عيناه، وتفقا وجهه، وقام إلى بيته فتقطع وتشقق لحمه وانتثر شعره، ومات بعد ثلاثة أيام، وحضر الفضل بن الربيع جنازته، فلما جعل في القبر انخسف اللحد به حتى خرجت منه غيرة شديدة، وجعل الفضل يقول التراب التراب ! فطرح التراب وهو يهوى فلم يستطيعوا سده حتى سقف بخشب، وطم عليه، فكان

الرشيد يقول بعد ذلك للفضل أرأيت يا عباسي ما أسرع ما أديل ليحيى من ابن مصعب (1).

من حكمة أفلاطون

من حكمة أفلاطون : اكتم حسن صنيعك عن أعين البشر، فإن له ممن بيده ملكوت السماء أعينا ترمقه فتجازى عليه (2).

إذا كان أمير المؤمنين الشاهد

كان الرشيد أيام كان حسن الرأى في جعفر بن يحيى يحلف باللّه أن جعفرا أفصح من قس بن ساعدة وأشجع من عامر بن الطفيل وأكتب من عبد الحميد بن يحيى، وأسوس من عمر بن الخطاب وأحسن من مصعب بن الزبير - وكان جعفر ليس بحسن الصورة، وكان طويل الوجه جدا - وأنصح له من الحجاج لعبد الملك، وأسمح من عبد الله بن جعفر، وأعف من يوسف بن يعقوب، فلما تغير رأية فيه أنكر محاسنه الحقيقية التى لا يختلف اثنان أنها فيه نحو كياسته وسماحته، ولم يكن أحد نحو كياسته وسماحته ولم يكن أحد يجسر أن يرد على جعفر قولا ولا رأيا، فيقال : إن أول ما ظهر من تغير الرشيد له أنه كلم الفضل بن الربيع بشئ فرده عليه الفضل، ولم تجر عادته من قبل أن يفتح فاه في وجهه فأنكر سليمان بن أبي جعفر ذلك على الفضل، فغضب الرشيد لانكار سليمان وقال : ما دخولك بين أخي ومولاى ؟ كالراضي بما كان من الفضل ثم تكلم جعفر بشئ قاله للفضل، فقال الفضل : اشهد عليه يا أمير المؤمنين فقال جعفر : فض اللّه فاك يا جاهل ! إذا كان أمير المؤمنين الشاهد، فمن الحاكم المشهود عنده ؟ فضحك الرشيد، وقال : يا فضل، لا تمار جعفرا، فانك لا تقع منه موقعاً (3).

عيبك مستور ما اسعدك جدك

اعلم أنا قد وجدنا تصديق ما قاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في العلوم والفضائل والخصائص النفسانية،


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 91.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 102.

3) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 105.

دع حديث الدنيا والسلطان والرياسة، فإن المحظوظ من علم أو من فضيله تضاف إليه شوارد تلك الفضيلة وشوارد ذلك الفن، مثاله حظ على (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الشجاعة، ومن الامثال الحكمية قل أن ترى مثلا شاردا أو كلمة حكميه الا وتضيفها الناس إليه وكذلك ما يدعى العامة له من الشجاعة وقتل الابطال حتى يقال : إنه حمل على سبعين ألفا فهزمهم، وقتل الجن في البئر، وقتل الطوق في عنق خالد بن الوليد وكذلك حظ عنترة بن شداد في الشجاعة، يذكر له من الاخبار ما لم يكن، وكذلك ما اشتهر به أبو نواس في وصف الخمر، يضاف إليه من الشعر في هذا الفن ما لم يكن قاله وكذلك جود حاتم وعبد اللّه بن جعفر ونحو ذلك، وبالعكس من لاحظ له ينفى عنه ما هو حقيقة له، فقد رأينا كثيرا من الشعر الجيد ينفى عن قائله استحقارا له لانه خامل الذكر وينسب إلى غيره، بل رأينا كتبا مصنفة في فنون من العلوم خمل ذكر مصنفيها ونسبت إلى غيرهم من ذوى النباهة والصيت، وكل ذلك منسوب إلى الجد والاقبال (1).

كانت في شغل بنفسها

الزبير وعبد اللّه هو الذى صلى بالناس بالبصرة لما ظهر طلحة والزبير على عثمان بن حنيف بأمر منهما له. قال : وأعطت عائشة من بشرها بان عبد اللّه لم يقتل يوم الجمل عشرة آلاف درهم.

قلت : الذي يغلب على ظني ان ذلك كان يوم أفريقية، لانها يوم الجمل كانت في شغل بنفسها عن عبد اللّه وغيره (2).

الفراسة في الصبيان

وسئل رأس الجالوت : ما عندكم من الفراسة في الصبيان، فقال : ما عندنا فيهم شئ لانهم يخلقون خلقا من بعد خلق غير إنا نرمقهم، فإن سمعناه منهم من يقول في لعبة : من يكون معى ؟ رأيناها همه وخب صدق فيه، وإن سمعناه يقول مع من أكون ؟ كرهناها منه (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 106.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 114.

3) شرح نهج البلاغة ج 20 من 114.

فتصدق حذيفة ابنه بدمه على المسلمين

كان الشيخان حسیل بن جابر ورفاعة بن وقش شيخين كبيرين قد رفعا في الاطام مع النساء، فقال أحدهما لصاحبه : لا أبا لك ما نستبقى من أنفسنا فو اللّه ما نحن إلا هامة اليوم أو غد، وما بقى من أجلنا قدر ظم دابة، فلو أخذنا أسيافنا فلحقنا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعل اللّه يرزقنا الشهادة قال : فلحقا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فأما رفاعة فقتله المشركون، وأما حسیل بن جابر فالتفت عليه سيوف المسلمين وهم لا يعرفونه حين اختلطوا وابنه حذيفة يقول أبى أبى حتى قتل، فقال حذيفة يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين، ما صنعتم فزاد به عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خيرا، وأمر رسول اللّه بديته أن تخرج ويقال إن الذى أصابه عتبة بن مسعود فتصدق حذيفة ابنه بدمه على المسلمين (1).

ما احسن سوار ابنتكم هذه ؟

يروى ان نصر بن الحجاج لما سيره عمر إلى البصرة نزل بها على مجاشع بن مسعود السلمى وكان خليفة أبي موسى عليها وكانت له امراة شابة جميلة فهويت نصرا، وهويها فبينا الشيخ جالس ونصر عنده إذ كتب في الارض شيئا، فقرأته المرأة، فقالت : (انا والله) فقال مجاشع : ما قال لك ؟ قالت : انه قال : ما اصفى لقحتكم هذه ؟ فقال مجاشع : ان الكلمه التى قلت ليست اختا لهذا الكلام عزمت عليك لما اخبرتني قالت : انه قال : ما احسن سوار ابنتكم هذه ؟ قال : ولا هذه، فانه كتب في الارض فراى الخط فدعا باناء فوضعه عليه، ثم احضر غلاما من غلمانه، فقال : اقرا فقرأه وإذا هو : انا والله احبك، فقال : هذه لهذه اعتدى ايتها المرأة وتزوجها يا بن أخى ان اردت ثم غدا على ابى موسى فاخبره، فقال أبو موسى اقسم ما اخرجه عمر عن المدينة من خير ثم طرده إلى فارس وعليها عثمان بن أبي العاص الثقفي، فنزل على دهقانه فاعجبها، فارسلت إليه فبلغ خبرها عثمان، فبعث إليه ان اخرج عن ارض فارس، فانك لم تخرج عن المدينة والبصرة من خير فقال : والله لئن اخرجتموني لالحقن ببلاد الشرك، فكتب بذلك إلى عمر فكتب ان جزوا شعره وشمرروا قميصه والزموه المساجد (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 30.

2) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 241.

إذا طمع في جيفة نشب في الاحبولة

وقيل العقاب عزيز في مطاره لا تسمو إليه مطامع الصيادين فإذا طمع في جيفة علقت على حباله نزل من مطاره فنشب في الاحبولة (1).

لما نطق موسى بذكر الطمع

وقيل لما نطق موسى بذكر الطمع فقال (لو شئت لاتخذت عليه اجرا) قال له الخضر (هذا فراق بينى وبينك) (2).

بعينى ما يتحمل المتحملون من اجلى

وجاء في بعض الاخبار عن اللّه تعالى بعينى ما يتحمل المتحملون من اجلى (3).

ابن مسعود وعثمان

أن ابن مسعود كان يقول : ليتنى وعثمان برمل عالج يحثو على وأحثو عليه حتى يموت الاعجز منى ومنه ! ورووا أنه كان يطعن عليه فيقال له : ألا خرجت عليه ليخرج معك ! فيقول : لان أزاول جبلا راسيا أحب إلى من أن أزاول ملكا مؤجلا.

وكان يقوم كل يوم جمعة بالكوفة جاهرا معلنا : (إن أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار). وإنما كان يقول ذلك معرضا بعثمان، حتى غضب الوليد بن عقبة من استمرار تعريضه ونهاه عن خطبته هذه فأبى أن ينتهى، فكتب إلى عثمان فيه، فكتب عثمان يستقدمه عليه.

وقد روى عنه أيضاً من طرق لا تحصى كثرة أنه كان يقول : ما يزن عثمان عند اللّه جناح ذباب،

وقال لما حضره الموت: من يتقبل منى وصية أوصيه بها على ما فيها ! فسكت القوم، وعرفوا الذي يريد فأعادها فقال عمار بن ياسر (رحمه اللّه تعالى) : أنا أقبلها،


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 200.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 200.

3) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 203.

فقال ابن مسعود : ألا يصلى على عثمان قال : ذلك لك، فيقال : إنه لما دفن جاء عثمان منكرا لذلك، فقال له قائل : إن عمارا ولى الامر، فقال لعمار : ما حملك على أن تؤذنى ؟ فقال : عهد إلى ألا أوذنك، فوقف على قبره وأثنى عليه، ثم انصرف وهو يقول : رفعتم والله أيديكم عن خير من بقى، فتمثل الزبير بقول الشاعر :

لا ألفينك بعد الموت تندبنى وفي حياتي ما زودتني زادي

ولما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائدا، فقال : ما تشتكى ؟ فقال : ذنوبي قال : فما تشتهى ؟ قال : رحمه بي قال : ألا أدعو لك طبيبا ؟ قال الطبيب أمرضني، قال : أفلا آمر لك بعطائك ؟ قال : منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا مستغن عنه ! قال : يكون لولدك، قال : رزقهم على اللّه تعالى قال : استغفر لی یا أبا عبد الرحمن قال : أسأل اللّه أن يأخذ لي منك حقى.

و روى أن ابن مسعود لما استقدم المدينة، دخلها ليلة جمعة، فلما علم عثمان بدخوله قال : أيها الناس إنه قد طرقكم الليلة دويبة من تمشى على طعامه يقي ويسلح. فقال ابن مسعود : لست كذلك، ولكننى صاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم بدر، وصاحبه يوم أحد، وصاحبه يوم بيعة الرضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين. قال : وصاحت عائشة : يا عثمان ! أتقول هذا لصاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ! فقال عثمان : اسكتي، ثم قال لعبد اللّه بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن عبد العزى بن قصي : إخرجه اخراجا عنيفا فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتى جاء به باب مسجد فضرب به الارض، فكسر ضلعا من أضلاعه فقال ابن مسعود : قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان وفي رواية أخرى إن ابن زمعة الذي فعل به ما فعل كان مولى لعثمان أسود مسلما طوالا وفي رواية أخرى : إن فاعل ذلك يحموم مولى عثمان وفي رواية إنه لما احتمله ليخرجه من المسجد ناداه عبد اللّه : أنشدك اللّه ألا تخرجني من مسجد خليلي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). قال الراوى : فكأني أنظر إلى حموشة ساقى عبد اللّه بن مسعود ورجلاه تختلفان على عنق مولى عثمان حتى أخرج من المسجد، وهو الذى يقول فيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الساقا ابن أم عبد أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد)(1).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 41.

عزم قوى في المراقبة

يحكى أن ملكا كان يتحظى جارية له وكان لوزيره ميل باطن إليها فكان يسعى في مصالحها ويرجح جانبها على جانب غيرها من حظايا الملك ونسائه فاتفق أن عرض عليها الملك حجرين من الياقوت الاحمر احدهما انفس من الآخر بمحضر من وزيره فتحیرت ايهما تأخذ فاوما الوزير بعينه إلى الحجر الانفس وحانت من الملك التفاته فشاهد عين الوزير وهى مائلة إلى ذلك الجانب فبقى الوزير بعدها اربعين سنة لا سنة لا يراه الملك قط الا کاسرا عينه نحو الجانب الذى كان طرفه مائلا إليه ذلك اليوم أي كان ذلك خلقه وهذا عزم قوى في المراقبة ومثله فليكن حال من يريد الوصول (1).

نظر السلطان إلى شئ لا يكون الا عن قصد

يحكى أيضاً أن اميرا كان له غلام يقبل عليه اكثر من اقباله على غيره من مماليكه ولم یکن اکثر هم قيمة ولا احسنهم صورة فقيل له في ذلك فاحب أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره فكان يوما راكبا ومعه حشمه وبالبعد منهم جبل عليه ثلج فنظر الامير إلى الثلج واطرق فركض الغلام فرسه ولم يعلم الغلمان لما ذا ركض فلم يلبث الا قليلا حتى جاء ومعه شئ من الثلج فقال الامير ما ادراك انى اردت الثلج فقال انك نظرت إليه ونظر السلطان إلى شئ لا يكون الا عن قصد فقال الامير لغلمانه انما اختصه قباکرامی واقبالي لان لكل واحد منكم شغلا وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة احوالى (2).

فما يصلح إلا لذلك العمل

•

ويقولون في الكناية عن العفيف : ما وضعت مومسة عنده قناعا ولا رفع عن مومسة ذيلا.

•

وقد أحسن ابن طباطبا في قوله :

فطربت طربة فاسق متهتك وعففت عفة ناسك متحرج

الله يعلم كيف كانت عفتى ما بين خلخال هناك ودملج


1) شرح نهج البلاغة ج ص 204.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 204.

• ومن الكناية عن العفة قول ابن ميادة :

وما نلت منها محرما غير أننى أقبل بساما من الثغر أفلجا

وألثم فاها آخذا بقرونها وأترك حاجات النفوس تحرجا

فكنى عن الفعل نفسه بحاجات النفوس

• كما كنى أبو نواس عنه بذلك العمل في قوله :

مر بنا والعيون ترمقه تجرح منه مواضع القبل

أفرغ في قالب الجمال فما يصلح إلا لذلك العمل

وكما كنى عنه ابن المعتز بقوله :

وزارني في ظلام الليل مستترا يستعجل الخطو من خوف ومن حذ

ر ولاح ضوء هلال كاد يفضحه مثل القلامة قد قصت من الظفر

فقمت أفرش خدى في الطريق له ذلا وأسحب أذيالي على الاثر

فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر (1)

الان وثقت بعفوك

شجر بين أبى مسلم وبين صاحب مرو كلام أربى فيه صاحب مرو عليه، وأغلظ له في القول، فاحتمله أبو مسلم وندم صاحب مرو، وقام بين يدى أبى مسلم معتذرا، وكان قال له في جملة ما قال يا لقيط ! فقال أبو مسلم : مه ! لسان سبق ووهم أخطا، والغضب شيطان وأنا جرأتك على باحتمالك قديما فان كنت للذنب معتذرا، فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوبا فالعفو يسعك. فقال صاحب مرو : أيها الأمير إن عظم ذنبي يمنعنى من الهدوء فقال أبو مسلم : يا عجبا ! أقابلك بإحسان، وأنت مسئ، ثم أقابلك بإساءة وأنت محسن ! فقال : الان وثقت بعفوك (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 44.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 109.

لا كلمتك والله من راسي بعد هذا كلمة

ذكر سعد بن عبادة يوما عليا بعد يوم السقيفة، فذكر أمرا من أمره نسيه أبو الحسن، يوجب ولايته، فقال له ابنه قيس بن سعد : أنت سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول هذا الكلام في على بن أبي طالب، ثم تطلب الخلافة ويقول أصحابك منا أمير ومنكم أمير ! لا كلمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة أبدا (1).

إن المنية لو تمثل مثلت مثلى

عنف محمد بن عمر بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) زيدا لما خرج، وحذره القتل، وقال له : إن أهل العراق خذلوا أباك عليا وحسنا وحسينا (عليهم السلام)، وإنك مقتول وإنهم خاذلوك، فلم يثن ذلك عزمه وتمثل.

بكرت تخوفنى الحتوف كأنني أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل

فأجبتها إن المنية منهل لابد أن أسقى بذاك المنهل

إن المنية لو تمثل مثلت مثلى، إذا نزلوا بضيق المنزل

فاقنى حياءك لا أبالك واعلمي أنى امرؤ سأموت إن لم أقتل (2).

كثير الحطب يكفية قليل النار

عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (الخير في السيف والخير مع السيف والخير بالسيف)، كما يقال : المنية ولا الدنية والنار ولا العار والسيف ولا الحيف.

قال سيف بن ذي يزن لانوشروان حين أعانه بوهرز الديلمى ومن معه : أيها الملك، أين تقع ثلاثة آلاف من خمسين ألفا ؟ فقال : يا أعرابي كثير الحطب يكفية قليل النار (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 44.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 287.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 291.

اشنق بمعنى (شنق)

قال الرضى (رحمه اللّه تعالى) : ومما يشهد على أن أشنق بمعنى (شنق) قول عدى ابن زيد العبادي :

ولقد غمني زيارة ذى قربى صغير لقربنا مشتاق

ساءها ما لها تبين في الايدى وإشناقها إلى الاعناق

ساءها ما لها تبين في الايدى وإشناقها إلى الاعناق

ليس شئ على المنون بباق غير وجه المسبح الخلاق

فاذهبي يا أميم غير بعيد لا يؤاتى من في الوثاق

وأذهبي يا أميم إن يشأ اللّه ينفس من أزم هذا الخناق وقد كان زارته بنية له صغيرة اسمها هند وهو في الحبس، حبس النعمان، ويداه مغلولتان إلى عنقه فأنكرت ذلك، وقالت : ما هذا الذى في يدك وعنقك يا أبت ؟ وبكت، فقال : هذا الشعر (1).

فلا تفسده بجهل عامة لا خلاق لهم

عن العلاء بن صاعد بن مخلد، قال : لما حمل رأس صاحب الزنج ودخل به المعتضد إلى بغداد دخل في جيش لم ير مثله، واشتق أسواق بغداد والرأس بين يديه، فلما صرنا بباب الطاق، صاح قوم من درب من تلك الدروب : رحم اللّه معاوية وزاد ! حتى علت أصوات العامه بذلك فتغير وجه المعتضد وقال : ألا تسمع يا أبا عيسى ! ما أعجب هذا ! وما الذى اقتضى ذكر معاوية في هذا الوقت ! والله لقد بلغ ابي إلى الموت وما أفلت أنا إلا بعد مشارفته ولقينا كل جهد وبلاء، حتى أنجينا هؤلاء الكلاب من عدوهم، وحصنا حرمهم وأولادهم فتركوا أن يترحموا على العباس وعبد اللّه ابنه ومن ولد من الخلفاء، وتركوا الترحم على على بن أبي طالب وحمزة، وجعفر، والحسن والحسين، والله لا برحت أو أؤثر في تأديب هؤلاء أثرا لا يعاودون بعد هذا الفعل مثله ! ثم أمر بجمع النفاطين ليحرق الناحية فقلت له: أيها الامير أطال اللّه بقاءك ! إن هذا اليوم من أشرف أيام الاسلام، فلا تفسده بجهل عامة لا خلاق لهم. ولم أزل أداريه وأرفق به حتى سار (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 172.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 212.

جنكز خان وفتنه التتر

وهم التتار الذين خرجوا من أقاصى المشرق حتى وردت خيلهم العراق والشام وفعلوا بملوك الخطا وقفجاق ويبلاد ما وراء النهر، ويخراسان وما والاها من بلاد العجم، ما لم تحتو التواريخ منذ خلق اللّه تعالى آدم إلى عصرنا هذا على مثله، فإن بابك الخرمى لم تكن نكايته وأن طالت مدته نحو عشرين سنة إلا في إقليم واحد وهو أذربيجان، وهؤلاء دوخوا المشرق كله وتعدت نكايتهم إلى بلاد ارمينية وإلى الشام، ووردت خيلهم إلى العراق وبخت نصر الذى قتل اليهود إنما أخرب بيت المقدس، وقتل من كان بالشام من بنى إسرائيل، وأى نسبة بين من كان بالبيت المقدس من بني إسرائيل إلى البلاد والامصار التى أخربها هؤلاء وإلى الناس الذين قتلوهم من المسلمين وغيرهم.

• أصناف الترك من القفجاق واليمك، والبرلو، والتفريه، واليتبه، والروس، والخطا، والقرغز، والتركمان، ولم يمر بنا في كتاب ذكر هذه الامة سوى كتاب واحد، وهو كتاب " مروج الذهب " للمسعودي فإنه ذكرهم هكذا بهذا اللفظ " التتر "، والناس اليوم يقولون : " التتار " بألف، وهذه الامة كانت في أقاصى بلاد المشرق في جبال." طمغاج " من حدود الصين وبينهم وبين بلاد الاسلام التي ما وراء النهر ما يزيد على مسیر ستة أشهر، وقد كان خوارزمشاه وهو محمد بن تکش استولى على بلاد ما وراء النهر، وقتل ملوكها من الخطا الذين كانوا ببخاری و سمرقند و بلاد ترکستان، نحو کاشغر وبلاساغون وأفناهم، وكانوا حجابا بينه وبين هذه الأمة وشحن هذه البلاد بقواده وجنوده، وكان في ذلك غالطا لان ملوك الخطا كانوا وقاية له ومجنا من هؤلاء، فلما أفناهم، صار هو المتولي لحرب هؤلاء أو سلمهم، فأساء قواده وأمراؤه الذين بتركستان السيرة معهم، وسدوا طرق التجارة عنهم، فانتدبت منهم طائفه نحو عشرين ألفا مجتمعة كل بيت منها له رئيس مفرد فهم متساندون، وخرجوا إلى بلاد تركستان فأوقعوا بقواد خوارزمشاه وعماله هناك، وملكوا البلاد وتراجع من بقى من عسكر خوارزمشاه وسلم من سيف التتار إلى خوارزمشاه فأغضي على ذلك، ورأى أن سعه ملكه تمنعه عن مباشرة حربهم بنفسه وأن غيره من قواده لا يقوم مقامه في ذلك وترك بلاد تركستان لهم واستقر الامر على أن تركستان لهم، وما عداها من بلاد ما وراء النهر كسمرقند وبخاري وغيرهما لخوارزمشاه، فمكثوا كذلك نحو أربع سنين، ثم إن المعروف بجنكز خان - والناس

يلفظونه بالراء وذكر لى جماعة من أهل المعرفة بأحوال التتر أنه " جنكز " بالزاى المعجمة - عن له رأى في النهوض إلى بلاد تركستان، وذلك أن جنكز خان هذا هو رئيس التتار الاقصين في المشرق وابن رئيسهم، وما زال سلفه رؤساء تلك الجهة، وكان شجاعا عاقلا موفقا منصورا في الحرب، وإنما عن له هذا الرأى، لانه رأى أن طائفة من التتار - لا ملك لا ملك لهم - وإنما يقوم بكل فرقة منهم مدبر لها من أنفسها - قد نهضت مملکت بلاد ترکستان على جلالتها غار من ذلك، وأراد الرئاسة العامة لنفسه، وأحب الملك، وطمع في البلاد، فنهض بمن معه من أقاصى الصين، حتى صار إلى حدود أعمال ترکستان، فحاربه التتار الذين هناك، ومنعوه عن تطرق البلاد، فلم يكن لهم به طاقة وهزمهم وقتل كثيرا منهم وملك بلاد تركستان بأجمعها وصار كالمجاور لبلاد خوارزمشاه وإن كان بينهما مسافة بعيدة وصار بينه و بین خوارزمشاه سلم ومهادنه، إلا أنها هدنة على دخن. فمكثت الحال على ذلك يسيرا، ثم فسدت بما كان يصل إلى خوارزمشاه على ألسنة التجار من الاخبار، وأن جنكز خان على عزم النهوض إلى سمرقند وما يليها، وأنه في التأهب والاستعداد، فلو داراه لكان أولى له، لكنه شرع فسد طرق التجار القاصدين إليهم، فتعذرت عليهم الكسوات، ومنع عنهم الميرة والاقوات التي تجلب وتحمل من أعمال ما وراء النهر إلى تركستان فلوا قتنع بذلك لكان قريبا، لكنه أنهى إليه نائبه بالمدينة المعروفة بأوتران وهى آخر ولايته بما وراء النهر، أن جنكز خان قد سير جماعة من تجار التتار، ومعهم شيء عظيم من الفضة إلى سمرقند، ليشتروا له ولاهله وبنى عمه كسوة وثيابا وغير ذلك. فبعث إليه خوارزمشاه يأمره بقتل أولئك التجار، وأخذ ما معهم من الفضة وإنفاذها إليه فقتلهم وسير إليه الفضة. وكان ذلك شيئا كثيرا جدا، ففرقه خوارزمشاه على تجار سمرقند وبخاري، وأخذ ثمنه منهم لنفسه. ثم علم أنه قد أخطأ فأرسل إلى نائبه بأوتران يأمره أن ينفذ جواسيس من عنده إليهم، ليخبروه بعدتهم، فمضت الجواسيس، وسلكت مفاوز وجبالا كثيرة، وعادوا إليه بعد مدة، فأخبروه بكثرة عددهم، وأنهم لا يبلغهم الاحصاء ولا يدركهم، وأنهم من أصبر الناس على القتال : لا يعرفون الفرار ويعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم، وأن خيلهم لا تحتاج إلى الشعير بل تأكل نبات الارض وعروق المراعي، وأن عندهم من الخيل والبقر مالا يحصى، وأنهم يأكلون الميئة والكلاب والخنازير وهم أصبر خلق اللّه على الجوع والعطش والشقاء وثيابهم من أخشن الثياب مساء ومنهم من يلبس جلود

الكلاب والدواب الميتة وأنهم أشبه شئ بالوحش والسباع، فأنهى ذلك كله إلى خوارزمشاه فندم على قتل أصحابهم، وعلى خرق الحجاب بينه وبينهم، وأخذ أموالهم وغلب عليه الفكر والوجل، فأحضر الشهاب لخيوفي، وهو فقيه فاضل كبير المحل عنده يخالف ما يشير به فقال له : قد حدث أمر عظيم لابد من الفكر فيه، وإجالة الرأى فيما نفعل وذلك أنه قد تحرك إلينا خصم من الترك في عدد لا يحصى، فقال له : عساكرك كثيرة، وتكاتب الاطراف وتجمع الجنود، ويكون من ذلك نفير عام، فإنه يجب على المسلمين كافة مساعدتك بالاموال والرجال، ثم تذهب بجميع العساكر إلى جانب سيحون، وهو نهر كبير يفصل بين بلاد الترك وبين بلاد خوارزمشاه فتكون هناك، فإذا جاء العدو وقد سار مسافة بعيدة، لقيناه ونحن جامون مستريحون، وقد مسه وعساكره النصب واللغوب. فجمع خوارزمشاه أمراءه، ومن عنده من أرباب المشورة، فاستشارهم فقالوا : لا بل الرأى أن نتركهم ليعبروا سيحون إلينا ويسلكوا هذه الجبال والمضايق، فإنهم جاهلون بطرقها، ونحن عارفون بها، فتظهر عليهم ونهلكهم عن آخرهم فكانوا على ذلك حتى وصل رسول من جنكز خان ومعه جماعة يتهدد خوارزمشاه ويقول : تقتل أصحابي وتجارى وتأخذ مالى منهم ! استعد للحرب، فإني واصل إليك بجمع لا قبل لك به.

فلما أدى هذه الرسالة إلى خوارزمشاه أمر بقتل الرسول فقتل، وحلق لحي الجماعة الذين كانوا معه، وأعادهم إلى صا وأعادهم إلى صاحبهم جنكز خان ليخبروه بما فعل بالرسول، ويقولوا له : إن خوارزمشاه يقول لك : إنى سائر إليك، فلا حاجة لك أن تسير إلى، فلو كنت في آخر الدنيا لطلبتك حتى أقتلك، وأفعل بك وبأصحابك ما فعلت برسلك. وتجهز خوارزمشاه، وسار بعد نفوذ الرسول، مبادرا لسبق خبره، ويكبس التتار على غرة فقطع مسيرة أربعه أشهر في شهر واحد، ووصل إلى بيوتهم وخر كاواتهم، فلم ير فيها إلا النساء والصبيان والاثقال فأوقع بهم، وغنم الجميع، وسبى النساء والذرية. وكان سبب غيبوبة التتار عن بيوتهم أنهم ساروا إلى محاربة ملك من ملوك الترك، يقال له " كشلوخان "، فقاتلوه فهزموه وغنموا أمواله وعادوا، فلقيهم الخبر في طريقهم بما فعل خوارزمشاه بمخلفيهم، فأغذوا السير فأدركوه، وهو على الخروج من بيوتهم. بعد فراغه من الغنيمة فواقعوه وتصافوا للحرب ثلاثة أيام بلياليها لا يفترون نهارا ولا ليلا فقتل من

الفريقين ما لا يعد ولم ينهزم منهم أحد. أما المسلمون فصبروا حمية للدين وعلموا أنهم إن أنهزموا لم يبق للاسلام باقية، ثم إنهم لا ينجون بل يؤخذون ويؤسرون لبعدهم عن بلاد يمتنعون بها، وأما التتار فصيروا لاستنقاذ أموالهم وأهلهم، واشتد الخطب بين الطائفتين، حتى إن أحدهم كان ينزل عن فرسه ويقاتل قرنه راجلا، مضاربة بالسكاكين، وجرى الدم على الأرض، حتى كانت الخيل تزلق فيه لكثرته، ولم يحضر جنكز خان بنفسه هذه الوقعة، وإنما كان فيها قاآن ولده فأحصى من قتل من المسلمين فكانوا عشرين ألفا، ولم يحص عدة من قتل من التتار. فلما جاءت الليله الرابعة افترقوا فنزل بعضهم مقابل بعض، فلما أظلم الليل أوقد التتار نيرانهم، وتركوها بحالها، وساروا راجعين إلى جنكزخان ملكهم و أما المسلمون فرجعوا ومعهم محمد خوارزمشاه فلم يزالوا سائرين حتى وافوا بخارى وعلم خوارزمشاه انه لا طاقة له بجنكز خان لان طائفه من عسكره لم يلقوا خوارزمشاه بجميع عساکره بهم، فكيف إذا حشدوا وجاءوا على بكرة أبيهم، وملكهم جنكزخان بينهم فاستعد للحصار، وأرسل إلى سمرقند يأمر قواده المقيمين بها بالاستعداد للحصار وجمع الذخائر للامتناع والمقام من وراء الاسوار، وجعل في بخارى عشرين ألف فارس يحمونها وفي سمرقند خمسين ألفا، وتقدم إليهم بحفظ البلاد حتى يعبر هو إلى خوارزم وخراسان فيجمع العساكر، ويستنجد بالمسلمين والغزاة المطوعة ويعود إليهم ثم رحل إلى خراسان فعبر جيحون وكانت هذه الوقعة في سنه ست عشرة وستمائة فنزل بالقرب من بلخ، فعسكر هناك، واستنفر الناس. وأما التتار فإنهم رحلوا بعد أن استعدوا يطلبون بلاد ما وراء النهر فوصلوا إلى بخارى بعد خمسة أشهر من رحيل خوارزمشاه عنها وحصروها، فقاتلوا العسكر المرابط بها ثلاثة أيام قتالا متتابعا، فلم يكن للعسكر الخوارزمي بهم قوة ففتحوا أبواب المدينة ليلا، وخرجوا بأجمعهم عائدين إلى خراسان فاصبح أهل بخارى وليس عندهم من العسكر أحد أصلا، فضعفت نفوسهم، فأرسلوا قاضى بخارى ليطلب الامان للرعية فأعطاه التتار الامان، وقد كان بقى في قلعة بخارى خاصة طائفة من عسكر خوارزمشاه معتصمون بها. فلما رأى أهل بخارى بذلهم للامان فتحوا أبواب المدينة، وذلك في رابع ذى الحجة من سنة ست عشرة وستمائة فدخل التتار بخارى، ولم يتعرضوا لاحد من الرعية بل قالوا لهم : كل ما لخوارزمشاه عندكم من وديعة أو ذخيرة أخرجوه إلينا وساعدونا على قتال من بالقلعة ولا بأس عليكم. وأظهروا فيهم العدل وحسن السيرة ودخل جنكزخان بنفسه إلى البلد، وأحاط

بالقلعة، ونادى مناديه في البلدان : لا يتخلف أحد، ومن تخلف قتل. فحضر الناس بأسرهم، فأمرهم بطم الخندق فطموه بالاخشاب والاحطاب والتراب، ثم زحفوا نحو القلعة وكان عدة من بها من الجند الخوارزمية أربعمائة إنسان، فبذلوا جهدهم، ومنعوا القلعة عشرة أيام إلى أن وصل النقابون إلى سور القلعة فنقبوه ودخلوا القلعة فقتلوا كل من بها من الجند وغيرهم فلما فرغوا منها أمر جنكز خان أن يكتب له وجوه البلد ورؤساؤهم ففعل ذلك، فلما عرضوا عليه أمر بإحضارهم فأحضروا، فقال لهم : أريد منكم الفضة النقرة التي باعها إياكم خوارزمشاه فإنها لى ومن أصحابي أخذت فكان كل من عنده شيء منها يحضره، فلما فرغ من ذلك أمرهم بالخروج عن البلد بأنفسهم خاصة، فخرجوا مجردين عن أموالهم ليس مع كل واحد منهم إلا ثيابه التي على جسده فامر بقتلهم فقتلوا عن آخرهم، وأمر حينئذ بنهب البلد فنهب كل ما فيه، وسبيت النساء والاطفال، وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال، ثم رحلوا عنه نحو سمرقند، وقد تحققوا عجز خوارزمشاه عنهم، واستصحبوا معهم من سلم من أهل بخاري أسارى مشاة على أقبح صورة وكل من أعيا وعجز عن المشى قتلوه فلما قاربوا سمرقند، قدموا الخيالة، وتركوا الرجالة والاسارى والاثقال وراءهم حتى يلتحقوا بهم شيئا فشيئا ليرعبوا قلوب أهل البلد، فلما رأى أهل سمرقند سوادهم استعظموهم، فلما كان اليوم الثاني وصل الأسارى والرجالة والاثقال، ومع كل عشرة من الأسارى علم، فظن أهل البلد أن الجميع عسكر مقاتلة فأحاطوا بسمرقند، وفيها خمسون ألفا من الخوارزمية، وما لا يحصى كثرة من عوام البلد فأحجم العسكر الخوارزمي عن الخروج إليهم، وخرجت العامة بالسلاح، فاطمعهم التتار في أنفسهم وقهقروا عنهم وقد كمنوا لهم كمناء، فلما جاوزوا الكمين خرج عليهم من ورائهم وشد عليهم من ورائهم جمهور التتار فقتلوهم عن آخرهم فلما رأى من تخلف بالبلد ذلك ضعفت قلوبهم، وخيلت للجند الخوارزمي أنفسهم أنهم أن استأمنوا إلى التتار أبقوا عليهم للمشاركة في جنسية التركية فخرجوا بأموالهم وأهليهم إليهم مستأمنين، فأخذوا سلاحهم وخيلهم، ثم وضعوا السيف فيهم فقتلوهم كلهم، ثم نادوا في البلد : برئت الذمة ممن لم يخرج، ومن خرج فهو آمن. فخرج الناس إليهم بأجمعهم، فاختلطوا عليهم، ووضعوا فيهم السيف وعذبوا الاغنياء منهم، واستصفوا أموالهم، ودخلوا سمرقند، فأخربوها ونقضوا دورها، وكانت هذه الوقعة في المحرم سنة سبع عشرة وستمائة وكان خوارزم شاه مقيما بمنزله الأول

كلما اجتمع له جيش سيره إلى سمرقند فيرجع ولا يقدم على الوصول إليها، فلما قضوا وطرا من سمرقند سیر جنكزخان عشرين ألف فارس وقال لهم : اطلبوا خوارزمشاه این كان ولو تعلق بالسماء، حتى تدركوه وتأخذوه ! وهذه الطائفة تسميها التتار المغربة لانها سارت نحو غرب خراسان وهم الذين أو غلوا في البلاد ومقدمهم جرماغون، نسيب جنگز خان وحكى أن جنكز خان كان قد أمر على هذا الجيش ابن عم له شدید الاختصاص به يقال له متكلى نويرة وأمره بالجد وسرعه المسير فلما ودعه، عطف متكلى نويرة هذا فدخل إلى خركاة فيها امرأة له كان يهواها ليودعها، فاتصل ذلك بجنكز خان، فصرفه في تلك الساعة عن إمارة الجيش وقال : من يثنى عزمه امرأة، لا يصلح لقيادة الجيوش، ورتب مكانه جرماغون، فساروا وقصدوا من جيحون موضعا يسمى " بنج آب " أي خمس مياه وهو يمنع العبور، فلم يجدوا به سفنا، فعملوا من الخشب مثل الاحواض الكبار، ولبسوه جلود البقر، ووضعوا فيه أسلحتهم، وأقحموا خيولهم الماء، وأمسكوا بأذنابها وتلك الاحواض مشدودة إليها فكان الفرس يجذب الرجل، والرجل يجذب الحوض، فعبروا كلهم ذلك الماء دفعة واحدة، فلم يشعر خوارزمشاه بهم إلا وهم مع على أرض واحدة، وكان جيشه قد ملئ رعبا منهم فلم يقدروا على الثبات، فتفرقوا أيدى سبأ، وطلب كل فريق منهم جهة، ورحل خوارزمشاه في نفر من خواصه، لا يلوى على شيء، وقصد نيسابور فلما دخلها اجتمع عليه بعض عسكره فلم يستقر حتى وصل جرماغون إليه وكان لا يتعرض في مسيره بنهب ولا قتل بل يطوى المنازل طيا، يطلب خوارزمشاه ولا يمهله ليجمع عسكرا، فلما عرف قرب التتار منه هرب من نيسابور إلى مازندران، فدخلها ورحل جرماغون خلفه، ولم يعرج على نيسابور، بل قصد مازندران، فخرج خوارزم شاه عنها فكان كلما رحل عن منزل نزله التتار، حتى وصل إلى بحر طبرستان، فنزل هو وأصحابه في سفن ووصل التتار، فلما عرفوا نزوله البحر رجعوا وأيسوا منه. وهؤلاء الذين ملكوا عراق العجم وأذربيجان فاقاموا بناحية تبريز إلى يومنا هذا. ثم اختلف في أمر خوارزم شاه فقوم يحكون أنه أقام بقلعة له في بحر طبرستان منيعة، فتوفى بها، وقوم يحكون أنه غرق في البحر، وقوم يحكون أنه غرق ونجا عريانا، فصعد إلى قرية من قرى طبرستان، فعرفه أهلها فجاءوا وقبلوا الارض بين يديه وأعلموا عاملهم به فجاء إليه وخدمه فقال له خوارزمشاه : أحملني في مركب إلى الهند، فحمله إلى شمس الدين أنليمش ملك الهند، وهو نسيبه من جهة زوجته والدة

منكبونی بن خوارزمشاه الملك جلال الدين فإنها هندية من أهل بيت الملك، فيقال إنه وصل إلى أنليمش، وقد تغير عقله مما اعتراه من خوف التتار، أو لامر سلطه اللّه تعالى عليه فكان يهذي بالتتار بكرة وعشيه وكل وقت وكل ساعة ويقول هو ذا هم قد خرجوا من هذا الباب، قد هجموا من هذه الدرجة ويرعد ويحول لونه ويختل كلامه حركاته. وحكى لى فقيه خراساني وصل إلى بغداد يعرف بالبرهان قال كان أخي معه وكان ممن يثق خوارزم شاه به ويختصه قال لهج خوارزم شاه لما تغير عقله بكلمة كان يقولها : " قراتتر کلدی " يكررها، وتفسيرها : " التتر السود قد جاؤوا "، وفي التتر صنف سود يشبهون الزنج، لهم سيوف عريضة جدا على غير صورة هذه السيوف، يأكلون لحوم الناس فكان خوارزم شاه قد أهتر وأغرى بذكرهم وحدثني البرهان قال : رقى به شمس الدين أنليمش إلى قلعة من قلاع الهند حصينة عالية شاهقة لا يعلوها الغيم أبدا، وإنما تمطر السحب من تحتها وقال له : هذه القلعة لك وذخائرها أموالك فكن فيها وادعا آمنا إلى أن يستقيم طالعك فالملوك ما زالوا هكذا، يدبر طالعهم ثم يقبل فقال له : لا أقدر على الثبات فيها والمقام بها لان التتر سوف يطلبونني، ويقدمون إلى هاهنا ولو شاءوا لوضعوا سروج خيلهم واحدا على واحد تحت القلعة فبلغت إلى ذروتها، وصعدوا عليها، فأخذوني قبضا باليد فعلم أنليمش أن عقله قد تغير وأن اللّه تعالى قد بدل ما به من نعمة فقال : فما الذى تريد ؟ قال : أريد أن تحملني في البحر المعروف ببحر المعبر إلى كرمان، فحمله في نفر يسير من مماليكه إلى كرمان ثم خرج منها إلى أطراف بلاد فارس، فمات هناك في قرية من قرى فارس وأخفى موته لئلا يقصده التتر، وتطلب جثته وجملة الامر أن حاله مشتبهة ملتبسة لم يتحقق على يقين وبقى الناس بعد هلاكه نحو سبع سنين ينتظرونه ويذهب كثير منهم إلى أنه حى مستتر إلى أن ثبت عند الناس كافة أنه هلك.

فأما، جرماغون فانه لما يئس من الظفر بخوارزم شاه عاد من ساحل البحر إلى مازندران، فملكها في أسرع وقت مع حصانتها وصعوبة الدخول إليها وامتناع قلاعها، فإنها لم تزل ممتنعه على قديم الوقت حتى إن المسلمين لما ملكوا بلاد الاكاسرة من العراق إلى أقصى خراسان بقيت أعمال مازندران بحالها تؤدى الخراج ولا يقدر المسلمون على دخولها إلى أيام سليمان بن عبد الملك ولما ملكت التتار مازندران قتلوا

فيها ونهبوا وسلبوا، ثم سلكوا نحو الرى فصادفوا في الطريق والدة خوارزم شاه ونساءه، ومعهن أموال بیت خوارزم شاه و ذخائرهم، التى ما لا يسمع بمثلها من الاعلاق النفيسة وهن قاصدات نحو الرى، ليعتصمن ببعض القلاع المنيعة، فاستولى التتار عليهن وعلى ما معهن بأسره، وسيروه كله إلى جنكزخان بسمرقند وصمدوا صمد الرى، وقد كان أتصل بهم أن محمدا خوارزم شاه قصدها كما يتسامع الناس بالاراجيف الصحيحة والباطلة، فوصلوها على حين غفلة من أهلها، فلم يشعر بهم عسكر الرى إلا وقد ملكوها ونهبوها وسبوا الحرم واسترقوا الغلمان وفعلها كل قبيح منكر فيها، ولم يقيموا بها، ومضوا مسرعين في طلب خوارزم شاه فنهبوا في طريقهم ما مروا به من المدن والقرى، وأحرقوا وخربوا وقتلوا الذكران والاناث ولم يبقوا على شيء، وقصدوا نحو همذان، فخرج إليهم رئيسها، ومعه أموال جليلة قد جمعها من أهل همذان، عينا وعروضا وخيلا وطلب منهم الامان لاهل البلد، فأمنوهم، ولم يعرضوا لهم وساروا إلى زنجان واستباحوها، وإلى قزوين فاعتصم أهلها منهم بقصبه مدينتهم، فدخلوها بالسيف عنوة، وقاتلهم أهلها قتالا شديدا بالسكاكين وهم معتادون بقتال السكين من حروبهم مع الاسماعيلية، فقتل من الفريقين مالا يحصى. ويقال إن القتلى بلغت أربعين ألفا من أهل قزوين خاصة. ثم هجم على التتار البرد الشديد والثلج المتراكم، فساروا إلى أذربيجان فنهبوا القرى، وقتلوا من وقف بين أيديهم وأخربوا وأحرقوا، حتى وصلوا إلى تبريز، وبها صاحب أذربيجان أزبك بن البهلوان بن أيلدكر، فلم يخرج إليهم، ولا حدث نفسه بقتالهم، لاشتغاله بما كان عليه من اللهو وإدمان الشرب ليلا ونهارا. فأرسل إليهم، وصالح لهم على مال وثياب ودواب وحمل الجميع إليهم، فساروا من عنده يطلبون ساحل البحر، لانه مشتى صالح لهم والمراعي به كثيرة، فوصلوا إلى موقان، وهي المنزل الذي نزلته الخرمية في أيام المعتصم، وقد ذكره الطائيان في أشعارهما في غير موضع والناس اليوم يقولون بالغين المعجمة عوض القاف وقد كانوا تطرقوا في طريقهم بعض أعمال الكرج، فخرج إليهم منهم عشرة آلاف مقاتل فحاربوهم وهزموهم، وقتلوا أكثرهم. فلما استقروا بموقان راسلت الكرج أزبك بن البهلوان في الاتفاق على حربهم، وراسلوا موسى بن أيوب المعروف بالاشرف، وكان صاحب خلاط وأرمينية بمثل ذلك، وظنوا أنهم يصبرون إلى أيام الربيع وانحسار الثلوج، فلم يصبروا وصاروا من موقان في صميم الشتاء نحو بلاد الكرج، فخرجت إليهم الكرج، واقتتلوا قتالا شديدا، فلم يثبتوا

للتتار، وانهزموا أقبح هزيمة وقتل منهم من لا يحصى، فكانت هذه الوقعة في ذي الحجة من سنة سبع عشرة وستمائة ثم توجهوا إلى المراغة في أول سنة ثماني عشرة فملكوها في صفر، وكانت لأمرأة من بقايا ملوك المراغة تدبرها هي ووزراؤها فنصبوا عليها المجانيق، وقدموا أسارى المسلمين بين أيديهم وهذه عادتهم يتترسون بهم في الحروب، فيصيبهم حدها، ويسلمون هم من مضرتها، فملكوها عنوة، ووضعوا السيف في أهلها ونهبوا ما يصلح لهم، وأحرقوا ما لا يصلح لهم، وخذل الناس عنهم حتى كان الواحد منهم يقتل بيده مائة إنسان والسيوف في أيديهم لا يقدر أحد أن يحرك يده بسيفه نحو ذلك التترى خذلان صب على الناس وأمر سمائي اقتضاه ثم عادوا إلى همذان، فطاليوا أهلها بمثل المال الذي بذلوه لهم في الدفعة الأولى، فلم يكن في الناس فضل لذلك، لانه كان عظيما جدا، فقام إلى رئيس همذان جماعة من أهلها وأسمعوه كلاما غليظا فقالوا : أفقرتنا أولا، وتريد أن تستصفينا دفعة ثانية ! ثم لابد للتتار أن يقتلونا فدعنا نجاهدهم بالسيف، ونموت كراما. ثم وثبوا على شحنة كان للتتار بهمذان فقتلوه واعتصموا بالبلد فحصرهم التتار فيه، فقلت عليهم الميرة، وعدمت الاقوات. وأضر ذلك بأهل همذان، ولم ينل التتار مضرة من عدم القوت لانهم لا يأكلون إلا اللحم والخيل معهم كثيرة ومعهم غنم عظيمه يسوقونها حيث شاءوا وخيلهم لا تأكل الشعير ولا تأكل إلا نبات الارض تحفر بحوافرها الارض عن العروق فتأكلها فاضطر رئيس همذان وأهلها إلى الخروج إليهم فخرجوا والتحمت الحرب بينهم أياما.

وفقد رئيس همذان، هرب في سرب قد كان أعده إلى موضع اعتصم به ظاهر البلد، ولم يعلم حقيقة حاله، فتحير أهل همذان بعد فقده ودخلوا لمدينة واجتمعت كلمتهم على القتال في قصبه البلد إلى أن يموتوا. وكان التتار قد عزموا على الرحيل عنهم، لكثرة من قتل منهم فلما لم يروا أحدا يخرج إليهم من البلد طمعوا واستدلوا على ضعف أهله فقصدوهم وقاتلوهم وذلك في شهر رجب من سنة ثمان عشرة وستمائة، ودخلوا المدينة بالسيف، وقاتلهم الناس في الدروب وبطل السلاح للازدحام واقتتلوا بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى، وظهر التتار على المسلمين فأفنوهم قتلا، ولم يسلم منهم إلا من كان له نفق في الارض يستخفى فيه. ثم ألقوا النار في البلد فأحرقوها، ورحلوا إلى مدينة أردبيل وأعمال أذربيجان فملكوا أردبيل وقتلوا فيها، فأكثروا ثم ساروا إلى تبريز

وكان بها شمس الدين عثمان الطغرائي، قد جمع كلمة أهلها بعد مفارقة صاحب أذربيجان أزبك بن البهلوان للبلاد خوفا من التتار ومقامه بنقجوان فقوى الطغرائي نفوس الناس على الامتناع، وحذرهم عاقبة التخاذل وحصن البلد فلما وصل التتار، ورأوا إجتماع كلمة المسلمين وحصانة البلد، طلبوا منهم مالا وثيابا، فاستقر الامر بينهم على شئ معلوم فسيروه إليهم، فلما أخذوه رحلوا إلى بيلقان فقاتلهم أهلها فملكها التتار في شهر رمضان من هذه السنة، ووضعوا فيهم السيف حتى أفنوهم أجمعين. ثم ساروا إلى مدينة كنجة، وهى أم بلاد أران، وأهلها ذوو شجاعة وبأس وجلد لمقاومتهم الكرج، وتدربهم بالحرب، فلم يقدر التتار عليهم، وأرسلوا إليهم يطلبون مالا وثيابا فأرسلوه إليهم فساروا عنهم، فقصدوا الكرج، وقد أعدوا لهم فلما صافوهم هرب الكرج، وأخذهم السيف فلم يسلم إلا الشريد ونهبت بلادهم وأخربت ولم يوغل التتار في بلاد الكرج، لكثرة مضايقها ودربنداتها، فقصدوا دربند شروان فحصروا مدينة شماخي وصعدوا سورها في السلاليم وملكوا البلد بعد حرب شديد وقتلوا فيه فلما فرغوا أرادوا عبور الدربند، فلم يقدموا عليه، فأرسلوا إلى شروان شاه ملك الدربند، فطالبوه بإنفاذ رسول يسعى بينه وبينهم في الصلح، فأرسل إليهم عشرة من ثقاته فلما وصلوا إليهم جمعوهم، ثم قتلوا واحدا منهم بحضور الباقين وقالوا للتسعة : إن أنتم عرفتمونا طريقا نعبر فيه فلكم الامان، وإلا قتلناكم كما قتلنا صاحبكم فقالوا لهم : لا طريق في هذا الدربند ولكن نعرفكم موضعا هو أسهل المواضع لعبور الخيل وساروا بين أيديهم إليه، فعبروا الدربند وتركوه وراء ظهورهم وساروا في تلك البلاد، وهى مملوءة من طرائق مختلفه منهم اللان واللكر وأصناف من الترك، فنهبوها وقتلوا الكثير من ساكنيها، ورحلوا إلى اللان وهم أمم كثيرة وقد وصلهم خبرهم، وجمعوا وحذروا وانضاف إليهم جموع من قفجاق فقاتلوهم فلم يظفر أحد العسكرين بالآخر فأرسل التتار إلى قفجاق : أنتم إخواننا، وجنسنا واحد واللان ليسوا من جنسكم لتنصروهم ولا دينهم دينكم ونحن نعاهدكم ألا نعرض لكم، ونحمل إليكم من المال والثياب ما يستقر بيننا وبينكم، على أن تنصرفوا إلى بلادكم. فاستقر الامر بينهم على مال وثياب حملها التتار إليهم، وفارقت قفجاق اللان، قأوقع التتار باللان، فقتلوهم ونهبوا أموالهم وسبوا نساءهم فلما فرغوا منهم ساروا إلى بلاد قفجاق وهم آمنون متفرقون لما استقر بينهم وبين التتار من الصلح، فلم يشعروا بهم إلا وقد طرقوهم، ودخلوا بلادهم، فأوقعوا بهم الاول فالاول، وأخذوا منهم أضعاف ما

حملوا إليهم، وسمع ما كان بعيد الدار من قفجاق بما جرى ففروا عن غير قتال فابعدوا، فبعضهم بالغياض وبعضهم بالجبال، وبعضهم لحقوا ببلاد الروس. وأقام التتار في بلاد قفجاق، وهى أرض كثيرة المراعى في الشتاء، وفيها أيضاً أماكن باردة في الصيف، كثيرة المراعى وهى غياض على ساحل البحر. ثم سارت طائفة منهم إلى بلاد الروس، وهى بلاد كثيرة عظيمه، وأهلها نصارى وذلك في سنة عشرين وستمائة فاجتمع الروس وقفجاق عن منعهم عن البلاد، فلما قاربهم التتار، وعرفوا اجتماعهم، رجعوا القهقرى إيهاما للروس، أن ذلك عن خوف وحذر، فجدوا في اتباعهم، ولم يزل التتار راجعين وأولئك يقفون آثارهم اثنى عشر يوما. ثم رجعت التتار على الروس وقفجاق، فأثخنوا فيهم قتلا وأسرا، ولم يسلم منهم إلا القليل ومن سلم نزل في المراكب، وخرج في البحر إلى الساحل الشامي وغرق بعض المراكب. وهذه الوقائع كلها تولاها التتر المغربة، الذين قائدهم جرماغون، فأما ملكهم الاكبر جنكز خان، فإنه كان في هذه المدة بسمرقند ما وراء النهر، فقسم أصحابه أقساما فبعث قسما منهم إلى فرغانة وأعمالها، فملكوها، وبعث قسما آخر إلى ترمذ وما يليها فملكوها وبعث قسما آخر إلى بلخ وما يليها من أعمال خراسان، فأما بلخ فإنهم أمنوا أهلها ولم يتعرضوا لها بنهب ولا قتل وجعلوا فيها شحنة وكذلك فاريات وكثير من المدن إلا أنهم أخذوا أهلها، يقاتلون بهم من يمتنع عليهم حتى وصلوا إلى الطالقان وهى عدة بلاد وفيها قلعة حصينة، وبها رجال إنجاد، فأقاموا على حصارها شهورا فلم يفتحوها، فأرسلوا إلى جنكزخان يعرفونه عجزهم عنها فسار بنفسه وعبر جيحون ومعه من الخلائق مالا يحصى، فنزل على هذه القلعة، وبنى حولها شبه قلعة أخرى من طين وتراب وخشب وحطب ونصب عليها المنجنيقات ورمى القلعة بها، فلما رأى أهلها ذلك القلعة بها، فلما رأى أهلها ذلك فتحوها، وخرجوا وحملوا حملة واحدة، فقتل منهم من قتل، وسلم من سلم، وخرج السالمون فسلكوا تلك الجبال والشعاب، ناجين بأنفسهم، ودخل التتار القلعة فنهبوا الاموال والامتعة، وسبوا النساء والاطفال. ثم سير جنكز خان جيشا عظيما مع أحد أولاده إلى مدينة مرو، وبها مائتا ألف من المسلمين فكانت بين التتار وبينهم حروب عظيمة شديدة صبر فيها المسلمون ثم انهزموا ودخلوا البلد وأغلقوا أبوابه فحاصره التتار حصارا طويلا، ثم أمنوا متقدم البلد فلما خرج إليهم في الامان خلع عليه ابن جنكزخان وأكرمه، وعاهده ألا يتعرض لأحد من أهل مرو، ففتح الناس الابواب فلما تمكنوا منهم استعرضوهم بالسيف عن آخرهم

فلم يبقوا منهم باقية بعد أن استصفوا أرباب الاموال عقيب عذاب شدید عذبوهم.به ثم ساروا إلى نيسابور ففعلوا به ما فعلوا بمرو من القتل والاستئصال، ثم عمدوا إلى طوس، فنهبوها وقتلوا أهلها وأخرجوا المشهد الذي به على بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) والرشيد هارون بن المهدى، وساروا إلى هراة فحصروها ثم أمنوا أهلها، فلما فتحوها قتلوا بعضهم وجعلوا على الباقين شحنة فلما بعدوا وثب أهل هراة على الشحنة فقتلوه فعاد عليهم عسكر من التتار فاستعرضوهم بالسيف، فقتلوهم عن آخرهم. ثم عادوا إلى طالقان وبها ملكهم الاكبر جنكز خان، فسير طائفة منهم إلى خوارزم وجعل فيها مقدم أصحابه وكبراءهم لان خوارزم حينئذ كانت مدينة الملك، وبها عسكر كثير من الخوارزمية، وعوام البلد معروفون بالبأس والشجاعة فساروا ووصلوا إليها، فالتقى الفئتان واقتتلوا أشد قتال سمع به ودخل المسلمون البلد وحصرتهم التتار خمسة أشهر، وأرسل التتار إلى جنكزخان يطلبون المدد فأمدهم بجيش من جيوشه، فلما وصل قويت منتهم به وزحفوا إلى البلد زحفا متتابعا، فملكوا طرفا منه، وولجوا المدينة فقاتلهم المسلمون داخل البلد، فلم يكن لهم به طاقة فملكوه وقتلوا كل من فيه فلما فرغوا منه وقضوا وطرهم من القتل والنهب فتحوا السكر الذى يمنع ماء جيحون عن خوازرم فدخل الماء البلد فغرق كله وانهدمت الابنية، فبقى بحرا، ولم يسلم من أهل خوارزم أحد البتة، فإن غيره من البلاد كان يسلم نفر يسير من أهلها وأما خوارزم فمن وقف للسيف قتل، ومن استخفى غرقة الماء أو أهلكه الهدم، فأصبحت خوارزم يبابا. فلما فرغ التتر من هذه البلاد، سيروا جيشا إلى غزنة وبها حينئذ جلال الدين منكبرى بن محمد خوارزم شاه مالكها، وقد اجتمع إليه من سلم من عسكر أبيه وغيرهم، فكانوا نحو ستين ألفا، وكان الجيش الذي سار إليهم التتار اثنى عشر ألفا، فالتقوا في حدود غزنة، واقتتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيام ثم أنزل اللّه النصر على المسلمين، فأنهزم التتر، وقتلهم المسلمون كيف شاءوا وتحيز الناجون منهم إلى الطالقان وبها جنكز خان، وأرسل جلال الدين إليه رسولا يطلب منه أن يعين موضعا للحرب، فاتفقوا على أن يكون الحرب بكابل فأرسل جنكز خان إليها جيشا وسار جلال الدين إليها بنفسه، وتصافوا هناك، فكان الظفر للمسلمين، وهرب التتار فالتجنوا إلى الطالقان، وجنكزخان مقيم بها أيضاً، وغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة، فجرت بينهم فتنه عظيمة في الغنائم، وذلك لان أميرا من أمرائهم اسمه بغراق كان قد أبلى في حرب التتر هذه جرت بينه وبين أمير يعرف

بملك خان، نسيب خوارزم شاه، مقاولة أفضت إلى أن قتل أخ البغراق، فغضب وفارق جلال الدين في ثلاثين ألفا، فتبعه جلال الدين واسترضاه واستعطفه، فلم يرجع، فضعف جانب جلال الدين بذلك، فبينا هو كذلك وصله الخبر أن جنكز خان قد سار إليه من الطالقان بنفسه وجيوشه، فعجز عن مقاومته، وعلم أنه لا طاقة له به، فسار نحو بلاد الهند وعبر نهر السند وترك غزنة شاغرة كالفريسة للاسد، فوصل إليها جنكز خان فملكها، وقتل أهلها وسبى نساءها، وأخرب القصور، وتركها كأمس الغابر. ثم كانت لهم بعد ملك غزنة واستباحتها وقائع كثيرة مع ملوك الروم بنى قلج أرسلان، لم يوغلوا فيها في البلاد، وإنما كانوا يتطرقونها وينهبون ما تاخمهم منها، وأذعن لهم ملوك فارس وكرمان والتيز ومكران بالطاعة وحملوا إليهم الاتاوة ولم يبق في البلاد الناطقة باللسان الاعجمي بلد إلا حكم فيه سيفهم أو كتابهم فأكثر البلاد قتلوا أهلها وسبق السيف فيهم العذل والباقى أدى الاتاوة إليهم رغما وأعطى الطاعة صاغرا، ورجع جنكزخان إلى ما وراء النهر وتوفى هناك. وقام بعده ابنه قاآن مقامه، وثبت جرماغون في مکانه بأذربيجان ولم يبق لهم إلا أصبهان فإنهم نزلوا عليها مرارا في سنة سبع وعشرين وستمائة وحاربهم أهلها وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة، ولم يبلغوا منها غرضا، حتى اختلف أهل اصبهان في سنه ثلاث وثلاثين وستمائه وهم طائفتان : حنفية وشافعية وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى من يجاورهم ويتأخمهم من ممالك التتار، فقالوا لهم : اقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم، فنقل ذلك إلى قا آن بن جنکز خان بعد وفاة أبيه والملك يومئذ منوط بتدبيره فأرسل جيوشا من المدينة المستجدة التي بنوها وسموها قرا حرم فعبرت جيحون مغربة وانضم إليها قوم ممن أرسله جرماغون على هيئة المدد لهم فنزلوا على أصفهان في سنة ثلاث وثلاثين المذكورة، وحصروها فاختلف سيفا الشافعية والحنفية في المدينة، حتى قتل كثير منهم، وفتحت أبواب المدينة، فتحها الشافعية على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية فلما دخلوا البلد بدءوا بالشافعية فقتلوهم قتلا ذريعا ولم يقفوا مع العهد الذى عهدوه لهم ثم قتلوا الحنفيه ثم قتلوا سائر الناس وسبوا النساء، وشقوا بطون الحبالى ونهبوا الأموال، وصادروا الاغنياء، ثم أضرموا النار، فأحرقوا أصبهان حتى صارت تلولا من الرماد. فلما لم يبق لهم بلد من بلاد العجم إلا وقد دوخوه صمدوا نحو إربل في سنة أربع وثلاثين وستمائة وقد كانوا طرقوها مرارا وتحيفوا بعض

نواحيها فلم يوغلوا فيها والامير المرتب بها يومئذ باتكين الرومي، فنزل عليها في ذى القعدة من هذه السنة منهم نحو ثلاثين ألف فارس أرسلهم جرماغون، وعليهم مقدم كبير من رؤسائهم يعرف بجكتای فغاداها القتال ورواحها وبها عسكر جم من عساكر الاسلام، فقتل من الفريقين خلق كثير واستظهر التتار، ودخلوا المدينة وهرب الناس إلى القلعة، فاعتصموا بها وحصرهم التتار وطال الحصار حتى هلك الناس في القلعة عطشا، وطلب باتكين منهم أن يصالحوه عن المسلمين بمال يؤديه إليهم، فأظهروا الاجابة فلما أرسل إليهم ما تقرر بينهم وبينه أخذوا المال وغدروا به، وحملوا على القلعة بعد ذلك حملات عظيمة، وزحفوا إليها زحفا متتابعا، وعلقوا عليها المنجنيقات الكثيرة، وسير المستنصر باللّه الخليفة جيوشه مع مملوكه وخادم حضرته، وأخص مماليكه به شرف الدين إقبال الشرامي، فساروا إلى تكريت، فلما عرف التتر شخوصهم رحلوا عن إربل، بعد أن قتلوا منها مالا يحصى، وأخربوها وتركوها كجوف حمار، وعادوا إلى تبریز وبها مقام جرماغون، وقد جعلها دار ملكه. فلما رحلوا عن إربل، عاد العسكر البغدادي إلى بغداد وكانت للتتار بعد ذلك نهضات وسرايا كثيرة إلى بلاد الشام قتلوا ونهبوا وسبوا فيها حتى انتهت خيولهم إلى حلب فأوقعوا بها وصانعهم عنها أهلها وسلطانها، ثم عمدوا إلى بلاد كى خسرو صاحب الروم، وذلك بعد أن هلك جرماغون وقام عوضه المعروف ببابا يسيجو، وكان قد جمع لهم ملك الروم قضه وقضيضه، وجيشه ولفيفه واستكثر من الاكراد العتمرية ومن عساكر الشام وجند حلب فيقال : إنه جمع مائة ألف فارس وراجل فلقيه التتار في عشرين ألفا فجرت بينه وبينهم حروب شديدة قتلوا فيها مقدمته، وكانت المقدمة كلها أو أكثرها من رجال حلب، وهم أنجاد أبطال فقتلوا عن آخرهم، وأنكسر العسكر الرومي وهرب صاحب الروم حتى انتهى إلى قلعه له على البحر تعرف بأنطاكية، فاعتصم بها وتمزقت جموعه، وقتل منهم عدد لا يحصى، ودخلت التتار إلى المدينة المعروفة بقيسارية ففعلوا فيها أفاعيل منكرة من القتل والنهب والتحريق، وكذلك بالمدينة المعروفة بسيواس وغيرها من كبار المدن الرومية، وبخع لهم صاحب الروم بالطاعة وأرسل إليهم يسألهم قبول المال والمصانعة، فضربوا عليه ضريبة يؤديها إليهم كل سنة ورجعوا عن بلاده وأقاموا على جملة السكون والموادعة للبلاد الاسلامية كلها، إلى أن دخلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة. فاتفق أن بعض أمراء بغداد وهو سليمان بن برجم، وهو مقدم الطائفة المعروفة بالايواء وهى من التركمان قتل

شحنة من شحنهم في بعض قلاع الجبل يعرف بخليل بن بدر، فأثار قتله أن سار من تبريز عشرة آلاف غلام منهم يطوون المنازل ويسبقون خبرهم، ومقدمهم المعروف بجكتاى الصغير، فلم يشعر الناس ببغداد إلا وهم على البلد، وذلك في شهر ربيع الآخر من هذه السنة في فصل الخريف، وقد كان الخليفة المستعصم باللّه أخرج عسكره إلى ظاهر سور بغداد على سبيل الاحتياط، وكان التتر قد بلغهم ذلك إلا أن جواسيسهم غرتهم، وأوقعت في أذهانهم أنه ليس خارج السور إلا خيام مضروبة وفساطيط مضروبة، لا رجال تحتها، وأنكم متی أشرفتم عليهم ملكتم سوادهم وثقلهم ويكون قصارى أمر قوم قليلين تحتها أن ينهزموا إلى البلد ويعتصموا بجدرانه، فأقبلت التتر على هذا الظن، وسارت على هذا الوهم فلما قربوا من بغداد وشارفوا الوصول إلى المعسكر، أخرج المستعصم باللّه الخليفة مملوكه وقائد جيوشه شرف الدين إقبالا الشرابي إلى ظاهر السور، وكان خروجه في ذلك اليوم من لطف اللّه تعالى بالمسلمين فإن التتار لو وصلوا وهو بعد لم يخرج، لاضطرب العسكر، لانهم كانوا يكونون بغير قائد ولا زعيم، بل كل واحد منهم أمير نفسه، وآراؤهم مختلفة لا يجمعهم رأى واحد، ولا يحكم عليها حاكم واحد فكانوا في مظنة الاختلاف والتفرق والاضطراب والتشتت فكان خروج شرف الدين إقبال الشرابي في اليوم السادس عشر من هذا الشهر المذكور، ووصلت التتر إلى سور البلد في اليوم السابع عشر، فوقفوا بإزاء عساكر بغداد صفا واحدا وترتب العسكر البغدادي ترتيبا منتظما ورأى التتر من كثرتهم وجودة سلاحهم وعددهم وخيولهم، ما لم يكونوا يظنونه ولا يحسبونه وانكشف ذلك الوهم الذى أوهمهم جواسيسهم عن الفساد والبطلان. وكان مدبر أمر الدولة والوزارة في هذا الوقت هو الوزير مؤيد الدين محمد بن أحمد بن العلقمي، ولم يحضر الحرب، بل كان ملازما ديوان الخلافة بالحضرة، لكنه كان يمد العسكر الاسلامي من آرائه وتدبيراته بما ينتهون إليه ويقفون عنده، فحملت التتار على عسكر بغداد حملات متتابعة ظنوا أن واحدة منها تهزمهم، لانهم قد اعتادوا أنه لا يقف عسكر من العساكر بين أيديهم، وأن الرعب والخوف منهم يكفى ويغنى عن مباشرتهم الحرب بأنفسهم، فثبت لهم عسكر بغداد أحسن ثبوت ورشقوهم بالسهام، ورشقت التتار أيضاً بسهامها، وأنزل اللّه سكينته على عسكر بغداد وأنزل بعد السكينة نصره، فما زال العسكر البغدادي تظهر عليه أمارات القوة وتظهر على التتار أمارات الضعف والخذلان إلى أن حجز الليل بين الفريقين، ولم يصطدم الفيلقان، وإنما كانت مناوشات وحملات

خفيفة لا تقتضي الاتصال والممازجة ورشق بالنشاب شديد فلما أظلم الليل، أوقد التتار نيرانا عظيمة، وأوهموا أنهم مقيمون عندها وارتحلوا في الليل راجعين إلى جهة بلادهم، فاصبح العسكر البغدادي، فلم ير منهم عينا ولا أثرا، وما زالوا يطوون المنازل، ويقطعون القرى عائدين حتى دخلوا الدربند، ولحقوا ببلادهم (1).

نفي ابي ذر إلى الربذة

لما أخرج أبو ذر إلى الربذة أمر عثمان، فنودى في الناس ألا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه. وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به فخرج به وتحاماه الناس إلا على ابن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعقيلا أخاه وحسنا وحسينا (عليهما السلام) وعمارا، فإنهم خرجوا معه يشيعونه فجعل الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكلم أبا ذر، فقال له مروان : إيها يا حسن ! ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل ! فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك، فحمل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مروان فضرب بالسوط بين أذنى راحلته وقال : تنح لحاك اللّه إلى النار ! فرجع مروان مغضبا إلى عثمان : فأخبره الخبر فتلظى على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ووقف أبو ذر فودعه القوم، ومعه ذكوان مولى أم هانئ بنت أبي طالب قال ذكوان : فحفظت كلام القوم - وكان حافظا - فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا ذر، إنك غضبت للّه ! إن القوم خافوك على دنیاهم، وخفتهم على دينك فامتحنوك بالقلي، ونفوك إلى الفلا والله لو كانت السموات والارض على عبد رتقا، ثم اتقى اللّه لجعل له منها مخرجا يا أبا ذر لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل ثم قال لأصحابه : ودعوا عمكم وقال لعقيل ودع أخاك.فتكلم عقيل، فقال ما عسى أن نقول يا أبا ذر وأنت تعلم أنا نحبك، وأنت تحبنا ! فاتق الله، فإن التقوى نجاة، واصبر فإن الصبر كرم وأعلم أن استثقالك الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع ثم تكلم الحسن فقال : يا عماه، لولا أنه لا ينبغى للمودع أن يسكت وللمشيع أن ينصرف، لقصر الكلام وإن طال الاسف وقد أتى القوم إليك ما ترى فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو عنك راض. ثم تكلم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا عماه، إن اللّه تعالى قادر أن يغير ما قد ترى والله كل يوم هو في شأن وقد منعك القوم


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 218.

دنياهم ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم ! فأسال اللّه الصبر والنصر واستعذبه من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم وإن الجشع لا يقدم رزقا، وجزع لا يؤخر أجلا. ثم تكلم عمار (رحمه اللّه) مغضبا، فقال : لا أنس اللّه من أوحشك ولا آمن من أخافك أما والله لو أردت دنياهم لامنوك، ولو رضيت أعمالهم لا حبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا والجزع من الموت، مالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم، فحسروا الدنيا والاخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين ! فبكى أبو ذر (رحمه اللّه) وكان شيخا كبيرا، وقال : رحمكم اللّه يا أهل بيت الرحمة ! إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، مالى بالمدنية سكن ولا شجن غيركم إني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين، فأفسد الناس عليهما، فسيرني إلى بلد ليس لى به ناصر ولا دافع إلا الله، والله ما أريد إلا اللّه صاحبا، وما أخشى مع اللّه وحشة ورجع القوم إلى المدينة، فجاء على إلى عثمان، فقال له : ما حملك على رد رسولي وتصغير أمرى ! فقال على: أما رسولك، فأراد أن يرد وجهى فرددته وأما أمرك فلم أصغره قال : أما بلغك نهيى عن كلام أبي ذر ! قال : أوكلما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه ! قال عثمان : أقد مروان من نفسك، قال : مم ذا ؟ قال : من شتمه وجذب راحلته قال أما راحلته فراحلتي بها، وأما شتمه إياي فوالله لا يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها، لا أكذب عليك. فغضب عثمان، وقال : لم لا يشتمك ! كانك خير منه ! قال على : إي والله ومنك ! ثم قام فخرج. فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والانصار وإلى بني أمية يشكو إليهم عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال القوم : أنت الوالى عليه وإصلاحه أجمل. قال : وددت ذاك، فاتوا عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقالوا : لو اعتذرت إلى مروان وأتيته! فقال : كلا، أما مروان فلا آتيه ولا أعتذر منه ولكن إن أحب عثمان أتيته. فرجعوا لى عثمان فأخبروه فأرسل عثمان إليه، فأتاه ومعه بنو هاشم، فتكلم على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما ما وجدت على فيه من كلام أبي ذر ووداعه فو اللّه ما أردت مساءتك ولا الخلاف عليك، ولكن أردت به قضاء حقه.وأما مروان فإنه اعترض يريد ردى عن قضاء حق اللّه عزوجل فرددته رد مثلی مثله، وأما ما كان منى إليك، فإنك أغضبتني، فأخرج الغضب مني ما لم أرده، فتكلم عثمان، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما ما كان منك إلى فقد وهبته لك، وأما ما كان

منك إلى مروان، فقد عفا اللّه عنك، وأما ما حلفت عليه فأنت البر الصادق، فأدن يدك فأخذ يده فضمها إلى صدره.

فلما نهض قالت قريش وبنو أميه لمروان : أأنت رجل ! جبهك على، وضرب راحلتك، وقد تفانت وائل في ضرع ناقة وذبيان وعبس في لطمة فرس، والاوس والخزرج في نسعة ! أفتحمل لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما أتاه إليك ! فقال مروان : والله لو أردت ذلك لما قدرت عليه (1).

ثم أمر بها فقطعت

كان الناس بعد وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يأتون الشجرة التى كانت بيعة الرضوان تحتها فيصلون عندها، فقال عمر : أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى ! ألا لا أوتى منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يقتل المرتد، ثم أمر بها فقطعت (2).

لا تمسك النار أبدا

قال : وقد روى عبد الرحمن المسعودي، عن ابن عياش المنتوف، قال : رأيت أبا بردة قال لابى العادية الجهنى قاتل عمار بن ياسر : أ أنت قتلت عمار بن ياسر ؟ قال : نعم قال : ناولني يدك، فقبلها، وقال : لا تمسك النار أبدا.

عن الغضبان بن يزيد، قال : رأيت أبا بردة قال لابي العادية قاتل عمار بن ياسر : مرحبا بأخى هاهنا ! فأجلسه إلى جانبه (3).

أخبرت الامير أنك أعمى

وكان سهم بن طريف عثمانيا، وكان على بن ربيعة علويا فضرب أمير الكوفة على الناس بعثا، وضرب على سهم بن طريف معهم فقال سهم لعلى بن ربيعة : اذهب إلى الامير فكلمه في أمرى ليعفيني، فأتى على بن ربيعة الامير، فقال : أصلحك اللّه ! إن سهما أعمى فأعفه قال : قد أعفيته، فلما التقيا قال : قد أخبرت الامير أنك أعمى


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 252.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 178.

3) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 99.

وإنما عنيت عمى القلب (1).

من شعر الشريف الرضي

قال الرضى الموسوي (رحمه اللّه تعالى) :

ألا للّه بادرة الطلاب وعزم لا يروع بالعتاب

وكل مشمر البردين يهوي هوى المصلتات إلى الرقاب

أعاتبه على بعد التنائي فيعذلني على قرب الاياب

رأيت العجز يخضع لليالي ويرضى عن نوائبها الغضاب

وآمل أن تطاوعني الليالى وينشب في المنى ظفري ونابى

ولو لا صولة الافدار دوني هجمت على العلا من كل باب

وقال أيضا :

لا يبذ الهموم إلا غلام يركب الهول والحسام درديف

ما يذل الزمان بالفقر حرا كيفما كان فالشريف شريف

وقال أيضاً (رحمه اللّه تعالى) :

ولست أضل في طرق المعالى ونار العز عالية الشعاع

ودون المجد رأى مستطيل وباع غير مجبوب الذراع

ويعجبنى البعاد كأن قلبي يحدث عن عدى بن الرقاع

فرد نهى العلاء بلا رقيب وشمر في الامور بلا نزاع

ولا تغررك قعقعة الاعادي فذاك الصخر خر من اليفاع

ونحن أحق بالدنيا ولكن تخيرت القطوف على الوساع وقال أبو تمام :

السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بین الجد واللعب

بيض الصفائح لاسود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 100.

والعلم في شهب الا رماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب

وقال أبو الطيب المتنبي :

حتى رجعت وأقلامي قوائل لى : المجد للسيف ليس المجد للقلم

اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به فإنما نحن للاسياف كالخدم

أسمعتني ودوائي ما أشرت به فإن غفلت فدائي قلة الفهم

من اقتضى بسوى الهندي حاجته أجاب كل سؤال عن (هل) بلم

قال عطاف بن محمد الالوسى :

أمكابد الزفرات مؤصدة تلتذ خوف القطع بالشلل

صرف همومك تنتدب همما فالسكر يعقب نشوة الثمل

ولليلة الميلاد مفرحة تنسى الحوامل أشهر الحبل

سر في البلاد تخوضها لججا فالدر ليس يصاب في الوشل

واجعل لصبوتك الظبا سكنا والدور أكوارا على الابل

والعيش والوطن الممهد في غرب الحسام وغارب الجمل

واشدد عليك وخذ إليك ودع ضعة الخمول وفترة الكسل

وارم العداة بكل صائبة ما الرمي موقوفا على ثعل

لا تحسب النكبات منقصة قد يستجاد السيف بالفلل

وقال عروة بن الورد :

لحا اللّه صعلوكا إذا جن ليله مصافي المشاش آلفا كل مجزر

يعد الغنى من نفسه كل ليلة أصاب قراها من صديق ميسر

ينام عشاء ثم يصبح ناعسا يحت الحصا من من جنبه المتعفر

يعين نساء الحى ما يستعنه ويمسى طليحا كالبعير المحسر

ولكن صعلوكا صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور

مطلا على أعدائه يزجرونه بساحتهم زجر المنيح المشهر

وإن قعدوا لا يأمنون اقترابه تشوف أهل الغائب المتنظر

فذلك إن يلق المنية يلقها حميدا وإن يستغن يوما فأجدر (1).

ما أحسن منظر رأيت في هذه الحرب ؟

قال يزيد بن المهلب في حرب جرجان لاخيه أبي عيينة : ما أحسن منظر رأيت في هذه الحرب ؟ قال : سيف بن أبي سبرة وبيضته، وكان عبد اللّه بن أبي سبرة حمل على غلام تركي قد أفرج الناس له وصدوا عنه لباسه وشجاعته، فتضاربا ضربتين، فقتله ابن أبي سبرة بعد أن ضربه التركي في رأسه فنشب سيفه في بيضة ابن أبي سبرة، فعاد إلى الصف وسيفه مصبوغ بدم التركي وسيف التركي ناشب في بيضته كجزء منها يلمع، فقال الناس : هذا كوكب الذنب، وعجبوا من منظره (2).

كذبتم وبيت اللّه نخلى محمدا

قال أبو طالب بن عبد المطلب :

لما برز على وحمزة وعبيدة (عليهم السلام) يوم بدر إلى عتبة وشبية والوليد، قتل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوليد، وقتل حمزة شيبة على اختلاف في رواية ذلك : هل كان شيبة قرنه أم عتبة ؟ وتجالد عبيدة وعتبة بسيفيهما، فجرح عبيدة عتبة في رأسه وقطع عتبة ساق عبيدة، فكر على وحمزة (عليهما السلام) على صاحبهما، فاستنقذاه من عتبة، وخبطاه بسيفيهما حتى قتلاه واحتملا صاحبهما، فوضعاه بين يدى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في العريش، وهو يجود بنفسه، وإن مخ ساقه ليسيل فقال : يا رسول اللّه لو كان أبو طالب حيا لعلم أني أولى منه بقوله :

كذبتم وبيت اللّه نخلى محمدا ولما نطاعن دونه ونناضل

وتنصره حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل

فبكي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقال : (اللهم أنجز لى ما وعدتني ؟ اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض) (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 255.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 257.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 257.

عبد اللّه بن سبا

قال ابن أبي الحديد : ظهر عبد اللّه بن سبأ، وكان يهوديا يتستر بالاسلام بعد وفاة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأظهرها واتبعه قوم فسموا السبئية، وقالوا : إن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يمت، وإنه في السماء، والرعد صوته والبرق صوته وإذا سمعوا صوت الرعد قالوا : السلام عليك يا أمير المؤمنين ! وقالوا في رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أغلظ قول وافتروا عليه أعظم فرية، فقالوا : كتم تسعة أعشار الوحى، فنعى عليهم قولهم الحسن بن علی بن محمد بن الحنفية (رضى اللّه عنه) في رسالته التى يذكر فيها الارجاء رواها عنه سليمان بن أبي شيخ عن الهيثم بن معاوية، عن عبد العزيز بن أبان عن عبد الواحد بن أيمن المكي قال : شهدت الحسن بن على بن محمد بن الحنفية يملى هذه الرسالة فذكرها وقال فيها ومن قول هذه السبئية هدينا لوحى ضل عنه الناس، وعلم خفى عنهم وزعموا أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم كتم تسعه أعشار الوحى ولو كتم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شيئا مما أنزل اللّه عليه لكتم شأن أمرأة زيد وقوله تعالى : (تبتغى مرضات أزواجك) ثم ظهر المغيرة بن سعيد مولى بجيلة، فأراد أن يحدث لنفسه مقالة يستهوى بها قوما وينال بها ما يريد الظفر به من الدنيا، فعلا في على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال : لو شاء على لاحيا عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا (1).

الهرمزان يخدع عمر

لما أسر الهرمزان حمل إلى عمر من تستر إلى المدينة ومعه رجال من المسلمين، منهم الاحنف بن قيس، وأنس بن مالك، فأدخلوه المدينة في هيئته وتاجه وكسوته، جدوا عمر نائما في جانب المسجد، فجلسوا عنده ينتظرون انتباهه، فقال الهرمزان : وأين عمر ؟ قالوا : ها هو ذا قال أين حرسه ؟ قالوا : لا حاجب له ولا حارس قال فينبغي أن يكون هذا نبيا قالوا : إنه يعمل بعمل الانبياء واستيقظ عمر فقال الهرمز ! فقالوا نعم قال : لا أكلمه أو لا يبقى عليه من حليته شي، فرموا ما عليه وألبسوه ثوبا صفيقا، فلما كلمه عمر، أمر أبا طلحة أن ينتضى سيفه ويقوم على رأسه، ففعل. ثم قال له : ما عذرك في نقض الصلح ونكث العهد ! - وقد كان الهرمزان صالح أولا ثم نقض وغدر – فقال : أخبرك قال : قل، قال : وأنا شديد العطش ! فاسقني ثم أخبرك.


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 120.

فأحضر له ماء، فلما تناوله جعلت يده ترعد قال : ما شأنك؟ قال : أخاف أن أمد عنقي وأنا أشرب فيقتلني سيفك ؟ قال لا بأس عليك حتى تشرب، فألقى الاناء عن يده، فقال : ما بالك ؟ أعيدوا عليه الماء، ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش، قال : إنك قد أمنتني قال : كذبت ! قال : لم أكذب قال أنس : صدق يا أمير المؤمنين، قال : ويحك يا أنس ! أنا أؤمن قاتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك ! والله لتأتيني بالمخرج أو لاعاقبنك قال : أنت يا أمير المؤمنين قلت : لا بأس عليك حتى تشرب. وقال له ناس من المسلمين مثل قول أنس فقال للهرمزان : ويحك أ تخدعني ! والله لاقتلنك إلا أن تسلم، ثم أومأ إلى أبي طلحة فقال الهرمزان : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه فأمنه وأنزله المدينة (1).

نزول على بكربلاء

عن هرثمة بن سليم قال غزونا مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) صفين، فلما نزل بكربلاء صلى بنا، فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال : واها لك يا تربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب، قال : فلما رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير - وكانت من شيعة على (عَلَيهِ السَّلَامُ)- حدثها هرثمة فيما حدث، فقال لها : ألا أعجبك من صديقك أبي حسن ! قال : لما نزلنا كربلاء، وقد أخذ حفنة من تربتها فشمها وقال : (واها لك أيتها التربة ! ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب) : وما علمه بالغيب ؟ فقالت المرأة له : دعنا منك أيها الرجل، فإن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يقل إلا حقا. قال : فلما بعث عبيد اللّه بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كنت في الخيل التي بعث إليهم، فلما انتهيت إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه، عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع على، والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول الذى قاله فكرهت مسیری، فأقبلت على فرسى حتى وقفت على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسلمت عليه، وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين : أ معنا أم علينا ؟ فقلت : يا بن رسول الله، لا معك ولا عليك تركت ولدى وعيالي أخاف عليهم من ابن زياد، فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): فول هربا حتى لا ترى مقتلنا (2)، فو الذى نفس حسين بيده لا يرى اليوم مقتلنا أحد ثم لا


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 180.

يعيننا إلا دخل النار. قال : فأقبلت في الارض أشتد هربا حتى خفى على مقتلهم.

جاء عروة البارقى إلى سعد بن وهب فسأله فقال : حديث حدثتناه عن على بن أبى طالب قال : نعم بعثنى مخنف بن سليم إلى على عند توجهه إلى صفين، فأتيته بكربلاء، فوجدته يشير بيده ويقول : هاهنا هاهنا ! فقال له رجل : وما ذاك يا أمير المؤمنين فقال : ثقل لال محمد ينز هاهنا فويل لهم منكم، وويل لكم منهم ! فقال له الرجل : ما معنی هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ قال : ويل لهم منكم تقتلونهم، وويل لكم منهم يدخلكم اللّه بقتلهم النار قال نصر : وقد روى هذا الكلام على وجه آخر، أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : (فويل لكم منهم، وويل لكم عليهم)، فقال الرجل أما (ويل لنا منهم)، فقد عرفناه، فويل لنا عليهم ما معناه ! فقال : ترونهم يقتلون لا تستطيعون نصرتهم. قال نصر : وحدثنا سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن كثير، عن أبيه، أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتى كربلاء، فوقف بها، فقيل له : يا أمير المؤمنين هذه كربلاء، فقال : (ذات كرب وبلاء)، ثم أوماً بيده إلى مكان فقال : هاهنا موضع رحالهم، ومناخ ركابهم، ثم أومأ بيده إلى مكان آخر، فقال : هاهنا مراق دمائهم، ثم مضى إلى ساباط (1).

انها لصائره إليك بعد أيام

عن أبي موسى الاشعري قال: حججت مع عمر، فلما نزلنا وعظم الناس خرجت من رحلى أريده، فلقينى المغيرة بن شعبة فرافقني، ثم قال : أين تريد ؟ فقلت : أمير المؤمنين، فهل لك ؟ قال : نعم فانطلقنا نريد رحل عمر فإنا لفي طريقنا إذ ذكرنا تولى عمر وقيامه بما هو فيه، وحياطته على الاسلام ونهوضه بما قبله من ذلك، ثم خرجنا إلى ذكر أبي بكر، فقلت للمغيرة : يا لك الخير ! لقد كان أبو بكر مسددا في عمر، لكأنه ينظر إلى قيامه من بعده، وجده واجتهاده وغنائه في الاسلام فقال المغيرة : لقد كان ذلك، وان كان قوم كرهوا ولاية عمر ليزووها عنه، وما كان لهم في ذلك من حظ، فقلت له : لا أبا لك ! ومن القوم الذين كرهوا ذلك لعمر ؟ فقال المغيرة : للّه أنت ! كأنك لا تعرف هذا الحى من قريش وما خصوا به من الحسد ! فو اللّه لو كان هذا الحسد يدرك بحساب لكان القريش تسعة أعشاره، وللناس كلهم عشر، فقلت : مه يا مغيرة فإن قريشا بانت بفضلها


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 169.

على الناس فلم نزل في مثل ذلك حتى انتهينا إلى رحل عمر فلم نجده فسالنا عنه فقيل : قد خرج آنفا، فمضينا نقفو أثره، حتى دخلنا المسجد، فإذا عمر يطوف بالبيت، قطفنا معه فلما فرغ دخل بينى وبين المغيرة، فتوكاً على المغيرة وقال : من اين جئتما ؟ فقلنا : خرجنا نريدك يا أمير المؤمنين فأتينا رحلك فقيل لنا : خرج إلى المسجد، فاتبعناك. فقال : اتبعكما الخير ثم نظر المغيرة إلى وتبسم فرمقه عمر، فقال : تبسمت أيها العبد ! فقال من حديث كنت أنا وأبو موسى فيه آنفا في طريقنا اليك، قال : وما ذاك الحديث ؟ فقصصنا عليه الخبر حتى بلغنا ذكر حسد قريش وذكر من اراد صرف أبي بكر عن استخلاف عمر، فتنفس الصعداء ثم قال : ثكلتك أمك يا مغيرة ! وما تسعة أعشار الحسد ! بل وتسعة أعشار العشر، وفي الناس كلهم عشر العشر، بل وقريش شركاؤهم أيضاً فيه ! وسكت مليا وهو يتهادى بيننا ثم قال : ألا أخبركما بأحسد قريش كلها ؟ قلنا : بلى يا امير المؤمنين، قال : وعليكما ثيابكما قلنا : نعم، قال : وكيف بذلك وأنتما ملبسان ثيابكما ؟ قلنا يا أمير المؤمنين وما بال الثياب ؟ قال : خوف الاذاعة منها، قلنا له : أتخاف الاذاعة من الثياب أنت وأنت من ملبس الثياب أخوف ! وما الثياب أردت ! قال : هو ذاك، ثم انطلق وانطلقنا معه حتى انتهينا إلى رحله، فخلى أيدينا من يده، ثم قال : لا تريما، ودخل فقلت للمغيرة : لا أبا لك ! لقد أثرنا بكلامنا معه، وما كنا فيه وما نراه حبسنا إلا ليذاكرنا اياها قال فإنا لكذلك إذ أخرج إذنه إلينا، فقال : ادخلا، فدخلنا فوجدناه مستلقيا على برذعة برحل فلما رآنا تمثل بقول كعب بن زهير : لا تفش سرك الا عند ذى ثقة أولى وأفضل ما استودعت أسرارا صدرا رحيبا وقلبا واسعا قمنا ألا تخاف متى أودعت إظهارا فعلمنا أنه يريد أن نضمن له كتمان حديثه، فقلت أنا له : يا امير المؤمنين الزمنا وخصنا وصلنا قال : بما ذا يا أخا الاشعرين ؟ فقلت : بإفشاء سرك وإن تشركنا في همتك فنعم المستشاران نحن لك. قال : انكما كذلك، فاسألا عما بدا لكما، ثم قام إلى الباب ليعلقه، فإذا الاذن الذى أذن لنا عليه في الحجرة فقال : امض عنا لا أم لك : فخرج وأغلق الباب خلفه، ثم اقبل علينا، فجلس معنا، وقال : سلا تخبرا قلنا نريد أن يخبرنا أمير المؤمنين بأحسد قريش : الذي لم يأمن ثيابنا على ذكره لنا، فقال : سألتما عن معضلة، وسأخبركما فليكن عندكما في ذمة منيعة وحرز ما بقيت فإذا مت فشانكما وما شئتما من إظهار أو كتمان. قلنا : فإن لك عندنا ذلك، قال أبو موسى : وأنا اقول في نفسي : ما يريد إلا الذين كرهوا استخلاف أبى بكر

له كطلحة وغيره فإنهم قالوا لابي بكر : أتستخلف علينا فظا غليظا : وإذا هو يذهب إلى غير ما في نفسي فعاد إلى التنفس، ثم قال : من تريانه ؟ قلنا : والله ما ندرى إلا ظنا ! قال : وما تظنان ؟ قلنا : عساك تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر على صرف هذا الامر عنك قال : كلا والله ! بل كان أبو بكر أعق، وهو الذي سألتما عنه كان والله أحسد قريش كلها، ثم أطرق طويلا، فنظر المغيرة إلى ونظرت إليه، وأطرقنا مليا لاطراقه وطال السكوت منا ومنه حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدا منه، ثم قال : وا لهفاه على ضئيل بني تيم بن مرة ! لقد تقدمنى ظالما، وخرج إلي منها آثما، فقال المغيرة : أما تقدمه عليك يا أمير المؤمنين ظالما فقد عرفناه، كيف خرج إليك منها آتمالا قال : ذاك لانه لم يخرج إلى منها إلا بعد يأس منها، أما والله لو كنت أطعت يزيد بن الخطاب وأصحابه لم يتلمظ من حلاوتها بشئ أبدا، ولكني قدمت وأخرت، وصعدت وصوبت ونقضت وأبرمت، فلم أجد إلا الاغضاء على ما نشب به منها والتلهف على نفسي، وأملت إنابته ورجوعه، فو اللّه ما فعل حتى نغر بها بشما قال المغيرة : فما منعك منها يا أمير المؤمنين، وقد عرضك لها يوم السقيفة بدعائك إليها، ثم أنت الان تنقم وتتأسف قال : ثكلتك أمك يا مغيرة ! إنى كنت لاعدك من دهاه العرب، كأنك كنت غائبا عما هناك ! إن الرجل ماكرني فماكرته، وألفانى أحذر من قطاة، إنه لما رأى شغف الناس به، وإقبالهم بوجوههم عليه أيقن أنهم لا يريدون به بدلا فاحب لما راى من حرص الناس عليه، وميلهم إليه أن يعلم ما عندي وهل تنازعني نفسي إليها ! وأحب أن يبلوني باطماعي فيها والتعريض لي بها وقد علم وعلمت لو قبلت ما عرضه على لم يجب الناس إلى ذلك، فألفاني قائما على إخمصى مستوفزا حذرا ولو أجبته إلى قبولها لم يسلم الناس إلى ذلك، واختباها ضعنا على في قلبه، ولم آمن غائلته ولو بعد حين: مع ما بدا لي من كراهة الناس لي : أما سمعت نداءهم من كل ناحية عند عرضها على : لا نريد سواك يا أبا بكر، أنت لها ! فرددتها إليه عند ذلك، فلقد رأيته التمع وجهه لذلك سرورا. ولقد عاتبني مرة على كلام بلغه عنى، وذلك لما قدم عليه بالاشعث أسيرا، فمن عليه وأطلقه وزوجه أخته أم فروة فقلت للاشعث وهو قاعد بين يديه : يا عدو اللّه أكفرت بعد إسلامك، وارتددت ناكصا على عقبيك ! فنظر إلى نظرا علمت أنه يريد أن يكلمني بكلام في نفسه، ثم لقيني بعد ذلك في سكك المدينة، فقال لي : أنت صاحب الكلام يا بن الخطاب ؟ فقلت : نعم يا عدو اللّه ولك عندي شر من ذلك، فقال : بئس الجزاء هذا

لى منك ! قلت : وعلام تريد مني حسن الجزاء ؟ قال : لانفتى لك من اتباع هذا الرجل، والله ما جراني على الخلاف عليه إلا تقدمه عليك، وتخلفك عنها، ولو كنت صاحبها لما رأيت مني خلافا عليك قلت : لقد كان ذلك، فما تامر الان ؟ قال : انه ليس بوقت أمر بل وقت صبر ومضى ومضيت ولقى الاشعث الزبرقان بن بدر فذكر له ما جرى بيني وبينه، فنقل ذلك إلى أبي بكر، فأرسل إلى بعتاب مؤلم فارسلت إليه : أما والله لتكفن أو لا قولن كلمة بالغة بي وبك في الناس، تحملها الركبان حيث ساروا وإن شئت استدمنا ما نحن فيه عفوا فقال : بل نستديمه وانها لصائره إليك بعد ايام فظننت أنه لا ياتي عليه جمعة حتى يردها على فتغافل والله ما ذكرني بعد ذلك حرفا حتى هلك. ولقد مد في أمدها عاضا على نواجذه حتى حضره الموت، وأيس منها فكان منه ما رأيتما فاكتما ما قلت لكما عن الناس كافة وعن بني هاشم خاصة، وليكن منكما بحيث أمرتكما، قوما إذا شئتما على بركة اللّه فقمنا ونحن نعجب من قوله فو اللّه ما أفشينا سره حتى هلك (1).

عبد اللّه بن جعفر وعمرو بن العاص في مجلس معاوية

روى المدائني قال : بينا معاوية يوما جالسا عنده عمرو بن العاص، إذ قال الاذن : قد جاء عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب فقال عمرو : والله لاسوءنه اليوم، فقال معاوية : لا تفعل يا أبا عبد اللّه فإنك لا تنصف منه، ولعلك أن تظهر لنا من منقته ما هو خفى عنا، وما لا نحب أن نعلمه منه وغشيهم عبد اللّه بن جعفر، فأدناه معاوية وقربه، فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية فنال من على (عَلَيهِ السَّلَامُ) جهارا غير ساتر له، وثلبه ثلبا قبيحا فالتمع لون عبد اللّه بن جعفر واعتراه أفكل حتى أرعدت خصائله، ثم نزل عن السرير كالفنيق، فقال عمرو : مه يا أبا جعفر ! فقال له عبد اللّه : مه لا أم لك ! ثم قال : أظن الحلم دل على قومي وقد يتجهل الرجل الحليم ثم حسر عن ذراعيه، وقال : يا معاوية حتام نتجرع غيظك ؟ وإلى كم الصبر على مكروه قولك، وسيئ أدبك، وذميم أخلاقك ؟ هبلتك الهبول! أما يزجرك ذمام المجالسة عن القذع لجليسك، إذا لم تكن لك حرمة من دينك تنهاك عمالا يجوز لك ! أما والله لو عطفتك أواصر الارحام، أو حاميت على سهمك من الاسلام ما أرعيت بنى الاماء المتك، والعبيد الصك أعراض قومك.


1) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 30.

وما يجهل موضع الصفوة إلا أهل الجفوة، وإنك لتعرف وشائظ قريش وصبوة غرائزها، فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين، ومحارباً أمير المؤمنين إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه. فاقصد لمنهج الحق، فقد طال عمهك عن سبيل الرشد، وخبطك في بحور ظلمة الغى. فإن أبيت ألا تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك فأعفنا من سوء القالة فينا إذا ضمنا وإياك الندى، وشأنك وما تريد إذا خلوت، والله حسيبك، فوالله لولا ما جعل اللّه لنا في يديك لما أتيناك. ثم قال : إنك إن كلفتني ما لم أطق، ساءك ما سرك منى من خلق فقال معاوية : يا أبا جعفر، أقسمت عليك لتجلسن، لعن اللّه من أخرج ضب صدرك من وجاره محمول لك ما قلت، ولك عندنا ما أملت فلولم يكن محمدك ومنصبك لكان خلقك وخلقك شافعين لك إلينا، وأنت ابن ذى الجناحين وسيد بني هاشم.

فقال عبد اللّه : کلا بل سید بنی هاشم حسن وحسين، لا يناز عهما في ذلك أحد. فقال : أبا جعفر أقسمت عليك لما ذكرت حاجة لك إلا قضيتها كائنة ما كانت ولو ذهبت بجميع ما أملك فقال : أما في هذا المجلس فلا، ثم انصرف فأتبعه معاوية بصره، وقال : والله لكأنه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومشيه وخلقه وخلقه، وإنه لمن مشكاته، ولوددت أنه أخى بنفيس ما أملك. ثم التفت إلى عمرو فقال : أبا عبد اللّه ما تراه منعه من الكلام معك ؟ قال : مالا خفاء به عنك، قال : أظنك تقول إنه هاب جوابك، لا والله ولكنه ازدراك واستحقرك، ولم يرك للكلام أهلا أما رأيت إقباله على دونك ذاهبا بنفسه عنك ؟ فقال عمرو : فهل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه ؟ قال معاوية اذهب إليك أبا عبد اللّه فلات حين جواب سائر اليوم ونهض معاوية وتفرق الناس (1).

كنايات العرب

يقولون : به داء الذئب، أي الجوع.

وعهد فلان عهد الغراب يعنون إنه غادر، قالوا : لان كل طائر يألف أنثاه إلا الغراب، فإنه إذا باضت الانثى تركها وصار إلى غيرها.

ويقولون : ذهب سمع الارض وبصرها أي حيث لا يدري أين هو !


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 294.

ويقولون : القى عصاه إذا أقام واستقر، قال الشاعر :

فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالاياب المسافر

ويقال للمختلفين طارت عصاهم شققا.

ويقال : فلان منقطع القبال أي لا رأى له.

وفلان عريض البطان، أي كثير الثروة.

وفلان رخى اللب، أي في سعة.

وفلان واقع الطائر، أي ساكن.

وفلان شديد الكاهل، أي منبع الجانب.

وفلان ينظر في أعقاب نجم مغرب أي هو نادم آيس،

وسقط في يده، أي أيقن بالهلكة.

وقد رددت يده إلى فيه أي منعته من الكلام

وبنو فلان يد على بنى فلان أي مجتمعون.

وأعطاه كذا عن ظهر يد، أي ابتداء لا عن مكافأة.

ويقولون : جاء فلان ناشرا أذنيه أي جاء طامعا

ويقال هذه فرس غير محلفة أي لا تحوج صاحبها إلى أن يحلف إنها كريمة

وتقول : حلب فلان الدهر أشطره، أي مرت عليه صروبه خيره وشره.

وقرع فلان لامر ظنبوبة، أي جد فيه واجتهد.

وتقول : أبدى الشر نواجذه أي ظهر.

وقد كشفت الحرب عن ساقها، وكشرت عن نابها.

وتقول : استنوق الجمل، يقال ذلك للرجل يكون في حديث ينتقل إلى غيره يخلطه به وتقول لمن يهون بعد عز : استاتن العير.

وتقول للضعيف يقوى : استنسر البغاث.

ويقولون : شراب بأنقع أي معاود للامور (1).

جعلتني منافقا !

روى عبد الرحمن بن الاسود عن أبي داود الهمداني، قال : شهدت سعيد ابن المسيب - وأقبل عمر بن على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له سعيد : يا بن أخي ما أراك تكثر غشیان مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه) كما يفعل إخوتك وبنو أعمامك ! فقال عمر : يا بن المسيب أ كلما دخلت المسجد أجئ فأشهدك ! فقال سعيد : ما أحب أن تغضب، سمعت أباك يقول : إن لى من اللّه مقاما لهو خير لبنى عبد المطلب مما على الارض من شئ. فقال عمر : وأنا سمعت أبي يقول : ما كلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا، حتى يتكلم بها. فقال سعيد : يا بن أخي، جعلتني منافقا ! قال : هو ما أقول لك. ثم انصرف (2).

في الرضا

قال صاحب سلوان المطاع في الرضا :

يا مفزعى فيما يجئ وراحمي فيما مضى

عندي لما تقضيه ما يرضيك من حسن الرضا

ومن القطيعة استعيذ مصرحا ومعرضا

وقال ايضا :

كن من مديرك الحكيم علا وجل على وجل

وارض القضاء فانه حتم اجل وله اجل

وقال ايضا :

يا من يرى حالى وأن ليس لى في غير قربى منه اوطار

وليس لي ملتحد دونه ولا عليه لى انصار


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 212.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 101.

حاشا لذاك العز الفضل أن يهلك من انت له جار

وإن تشا هلكي فهب لى رضا بكل ما تقضى وتختار

عندي لإحكامك يا مالكى قلب كما انعمت صبار

كل عذاب منك مستعذب ما لم يكن سخطك والنار (1).

عبدا للّه لا عبدا للحية

كان ببغداد في رباط شيخ الشيوخ صوفي كبير اللحية جدا وكان مغرى ومعنى بها اكثر زمانه يدهنها ويسرحها و يجعلها ليلا عند نومه في كيس فقام بعض المريدين إليه في الليل وهو نائم فقصها من الاذن إلى الاذن فاصبحت كالصريم واصبح الصوفي شاكيا إلى شيخ الرباط فجمع الصوفية وسالهم فقال المريد انا قصصتها قال وكيف فعلت ويلك ذلك قال ايها الشيخ انها كانت صنمه وكان يعبدها من دون اللّه فانكرت ذلك بقلبي واردت أن اجعله عبدا للّه لا عبدا للحية (2).

درجات حركات العارفين

قال أبو على بن سينا : اول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الارادة وهو ما يعترى المستبصر باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الايماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد ثم انه ليحتاج إلى الرياضة والرياضة موجهه إلى ثلاثة اغراض الاول تنحيه ما دون الحق عن سنن الايثار والثانى تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للامر القدسي منصرفة من التوهمات المناسبة للامر السفلى. والثالث تلطيف السر لنفسه، فالأول يعين عليه الزهد الحقيقي والثاني يعين عليه عدة اشياء العبادة المشفوعة بالفكرة ثم الالحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام ثم نفس الكلام الواعظ من قائل ذكى بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد والثالث يعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذي تتامر


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 207.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 208.

فيه شمائل المعشوق دون سلطان الشهوة (1).

هناك قارعت أمك الهبل

سأل عمر عمرو بن معد يكرب عن السلاح فقال له : ما تقول في الرمح ؟ قال : أخوك وربما خانك، قال فالنبل ؟ قال : رسل المنايا ! تخطئ وتصيب قال فالدرع ؟ قال : مشغلة للفارس متعبة للراجل وإنها مع ذلك لحصن حصين قال فالترس ؟ قال : هو المجن، وعليه تدور الدوائر قال : فالسيف ؟ قال : هناك قارعت أمك الهبل، قال : بل أمك، قال : بل أمي، والحمى أمر عنى لك (2):

النهي عن سماع السعاية

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولا تعجلن إلى تصديق ساع

قال ذو الرياستين : قبول السعاية شر من السعاية لان السعاية دلالة والقبول إجازة وليس من دل على شئ كمن قبله وأجازه فامقت الساعي على سعايته، فإنه لو كان صادقا كان لئيما، إذ هتك العورة، وأضاع الحرمة.

وعاتب مصعب بن الزبير الاحنف على أمر بلغه عنه فأنكره فقال مصعب : أخبرني به الثقة، قال كلا أيها الأمير أن الثقة لا يبلغ.

وكان يقال : لو لم يكن من عيب الساعي إلا أنه أصدق ما يكون أضر ما يكون على الناس لكان كافيا.

كانت الاكاسرة لا تأذن لاحد أن يطبخ السكباج، وكان ذلك مما يختص به الملك، فرفع ساع إلى أنوشروان : إن فلانا دعانا ونحن جماعه إلى طعام له وفيه سكباج فوقع أنو شروان على رقعته : قد حمدنا نصيحتك وذممنا صديقك على سوء اختياره للاخوان

وقال بعض الشعراء :

العمرك ما سب الأمير عدوه***ولكنما سب الامير المبلغ

وقال آخر :


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 212.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 181.

حرمت منائى منك إن كان ذا الذى***أتاك به الواشون عشى كما قالوا

ولكنهم لما رأوك شريعة***إلى تواصوا بالنميمة واحتالوا

فقد صرت أذنا للوشاه سميعة ينالون من عرضی ولو شئت ما نالوا

قال الشاعر :

فكوني على الواشين لداء شغبة***كما أنا للواشي ألد شغوب

قال آخر :

وإذا الواشى وشى يوما بها***نفع الواشى بما ج جاء يضر

وقال العباس بن الاحنف :

ماحطك الواشوان من رتبة***عندي ولا ضرك مغتاب

كأنهم أثنوا ولم يعلموا***عليك عندي بالذي عابوا (1).

هل هو إلا خطيئة من خطاياك

أتى الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج فقال له ما تقول في الحجاج قال : وما عسيت أن أقول فيه ! هل هو إلا خطيئة من خطاياك، وشرر من نارك ؟ فلعنك اللّه ولعن الحجاج معك ! وأقبل يشتمهما، فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فقال : ما تقول في هذا ؟ قال : ما أقول فيه ! هذا رجل يشتمكم، فإما أن تشتموه كما شتمكم، وإما أن تعفوا عنه. فغضب الوليد وقال لعمر : ما أظنك إلا خارجيا ! فقال عمر : وما أظنك إلا مجنونا، وقام فخرج مغضبا ولحقه خالد بالريان صاحب شرطة الوليد، فقال له ما دعاك إلى ما كلمت به أمير المؤمنين ! لقد ضربت بيدى إلى قائم سيفى أنتظر متى يأمرني بضرب عنقك، قال أو كنت فاعلا لو أمرك قال نعم فلما استخلف عمر جاء خالد بن الريان فوقف على رأسه متقلدا سيفه، فنظر إليه وقال : يا خالد ضع سيفك فإنك مطيعنا في كل امر نأمرك به وكان بين يديه كاتب للوليد فقال له : ضع أنت قلمك فانك كنت تضر به وتنفع اللهم إنى قد وضعتهما فلا ترفعهما قال : فو اللّه ما زالا وضيعين مهينين حتى ماتا (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 39.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 43.

فلم يصل أحد إلا تكبيرا عند مواقيت الصلاة

عن شيخ من حضرموت شهد مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) نصفين، قال : كان منا رجل يعرف بهانئ بن فهد، وكان شجاعا، فخرج رجل من أهل الشام يدعو إلى البراز فلم يخرج إليه أحد، فقال هانئ : سبحان اللّه ! ما يمنعكم أن يخرج منكم رجل إلى هذا ! فوالله لولا أنى موعوك، وأنى أجد ضعفا شديدا لخرجت إليه فما رد أحد عليه، فقام وشد عليه سلاحه ليخرج، فقال له أصحابه : يا سبحان اللّه ! أنت موعوك وعكة شديدة، فكيف تخرج ! قال : والله لاخرجن ولو قتلني، فخرج فلما رآه عرفه، وإذا الرجل من قومه من حضرموت، يقال : له يعمر بن أسد الحضرمي فقال : يا هانئ، أرجع فإنه إن يخرج إلى رجل غيرك أحب إلى فإني لا أحب قتلك. قال هانئ : سبحان اللّه ! أرجع وقد خرجت لا والله لا قاتلن اليوم حتى أقتل ولا أبالى قتلتني أنت أو غيرك ! ثم مشى نحوه، وقال : اللهم في سبيلك ونصرا لابن عم رسولك واختلفا ضربتين، فقتله هانی وشد أصحاب يعمر بن أسد على هانئ فشد أصحاب هانئ عليهم، فاقتتلوا وانفرجوا عن اثنين وثلاثين قتيلا. ثم إن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أرسل إلى جميع العسكر : أن احملوا فحمل الناس كلهم على راياتهم كل منهم يحمل على من بإزائه، فتجالدوا بالسيوف، وعمد الحديد لا يسمع إلا صوت ضرب الهامات كوقع المطارق على السنادين ومرت الصلوات كلها فلم يصل أحد إلا تكبيرا عند مواقيت الصلاة حتى تفانوا ورق الناس، وخرج رجل من بين الصفين، لا يعلم من هو، فقال : أيها الناس أخرج فيكم المحلقون ؟ فقيل : لا فقال إنهم سيخرجون ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، لهم حمة كحمة الحيات. ثم غاب الرجل فلم يعلم من هو (1).

ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء، فقد أخذه الصابي فقال : وإذا لم يكن للمحسن ما يرفعه وللمسئ ما يضعه زهد المحسن في الاحسان، واستمر المسى على الطغيان، وقال أبو الطيب :

شر البلاد بلاد لا صديق بها***وشر ما يكسب الانسان ما يصم


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 56.

وشر ما قبضته راحتي قنص***شهب البزاة سواء فيه والرخم

وكان يقال : قضاء حق المحسن أدب للمسئ وعقوبة المسى جزاء للمحسن (1).

الانسان مدنى بالطبع

قالت الحكماء الانسان مدنى بالطبع، ومعناه أنه خلق خلقة لا بد معها من أن يكون منضما إلى اشخاص من بني جنسه ومتمدنا في مكان بعينه وليس المراد بالمتمدن ساكن المدينة ذات السور والسوق، بل لابد أن يقيم في موضع ما مع قوم من البشر، وذلك لان الانسان مضطر إلى ما يأكله ويشربه ليقيم صورته، ومضطر إلما يلبسه، ليدفع عنه أذى الحر والبرد، وإلى مسكن يسكنه ليرد عنه عادية غيره من الحيوانات وليكون منزلا له ليتمكن من التصرف والحركة عليه ومعلوم أن الانسان وحده لا يستقل بالامور التي عددناها، بل لابد من جماعة يحرث بعضهم لغيره الحرث، وذلك الغير يحوك للحراث الثوب، وذلك الحائك يبنى له غيره المسكن، وذلك البناء يحمل له غيره الماء، وذلك السقاء يكفيه غيره أمر تحصيل الآلة التى يطحن بها الحب ويعجن بها الدقيق ويخبز بها العجين، وذلك المحصل لهذه الاشياء يكفيه غيره الاهتمام بتحصيل الزوجه التي تدعو إليها داعية الشبق فيحصل مساعدة بعض الناس لبعض لو لا ذلك لما قامت الدنيا (2).

السيد الحميري ودولة بني العباس

لما صعد السفاح منبر الكوفة يوم بيعته وخطب الناس، قام إليه السيد الحميري، فأنشده

دونکموها یا بنی هاشم فجددوا من آيها الطامسا

دونکموها لا علا كعب من أمسى عليكم ملكها نافسا

دونکموها فالبسوا تاجها لا تعدموا منكم له لابسا

خلافة اللّه وسلطانه وعنصر كان لكم دارسا

قد ساسها من قبلكم ساسة لم يتركوا رطبا ولا يابسا


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 46.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 49.

لو خير المنبر فرسانه ما اختار إلا منكم فارسا

والملك لو شوور في سائس لما ارتضى غيركم سائسا

لم يبق عبد اللّه بالشام من آل أبي العاص امراً عاطسا

فلست من أن تملكوها إلى هبوط عيسى منكم آیسا (1).

رساله الاسكندر إلى أرسطو ورد أرسطو عليه

لما ملك الاسكندر إيران شهر وهو العراق مملكة الاكاسرة وقتل دارا بن دارا كتب إلى أرسطو وهو ببلاد اليونان : عليك أيها الحكيم منا السلام، أما بعد فإن الافلاك الدائرة، والعلل السمائية، وإن كانت أسعدتنا بالامور التي أصبح الناس لنا بها دائبين فإنا جد واجدين لمس الاضطرار إلى حكمتك، غير جاحدين لفضلك والاقرار بمنزلتك والاستنامة إلى مشورتك والاقتداء برأيك : والاعتماد لامرك ونهيك، لما بلونا من جدا ذلك علينا، وذقنا من جنا منفعته حتى صار ذلك بنجوعه فينا وترسخه في أذهاننا وعقولنا كالغذاء لنا، فما ننفك نعول عليه ونستمد منه استمداد الجداول من البحور وتعويل الفروع على الاصول وقوة الاشكال بالاشكال. وقد كان مما سبق إلينا من النصر والفلج، وأتيح لنا من الظفر، وبلغنا في العدو من النكاية والبطش ما يعجز القول عن وصفه، ويقصر شكر المنعم عن موقع الانعام به وكان من ذلك أنا جاوزنا أرض سورية والجزيرة إلى بابل وأرض فارس، فلما حللنا بعقوة أهلها وساحة بلادهم، لم يكن إلا ريثما تلقانا نفر منهم برأس ملكهم هدية إلينا وطلبا للحظوة عندنا، فأمرنا بصلب من جاء به وشهرته لسوء بلائه وقلة ارعوائه ووفائه، ثم أمرنا بجمع من كان هناك من أولاد ملوكهم وأحرارهم وذوى الشرف منهم فراينا رجالا عظيمة أجسامهم وأحلامهم، حاضرة ألبابهم وأذهانهم، رائعه مناظرهم ومناطقهم، دليلا على أن ما يظهر من روائهم و منطقهم أن وراءه من قوة أيديهم وشدة نجدتهم وبأسهم ما لم يكن ليكون لنا سبيل إلى غلبتهم وإعطائهم بأيديهم، لو لا أن القضاء أدالنا منهم، أظفرنا بهم وأظهرنا عليهم، ولم نر بعيدا من الرأى في أمرهم أن نستأصل شأفتهم، ونجتث أصلهم ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم، لتسكن القلوب بذلك الامن إلى جرائرهم وبوائقهم، فرأينا ألا نجعل بإسعاف


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 159.

بادى الرأى في قتلهم دون الاستظهار عليهم بمشورتك فيهم. فارفع إلينا رأيك فيما استشرناك فيه بعد صحته عندك، وتقليبك إياه بجلى نظرك، وسلام أهل السلام فليكن علينا وعليك.

فكتب إليه أرسطو : لملك الملوك وعظيم العظماء الاسكندر المؤيد بالنصر على الاعداء المهدى له الظفر بالملوك، من أصغر عبيده وأقل خوله أرسطو طاليس البخوع بالسجود والتذلل في السلام والاذعان في الطاعة : أما بعد، فإنه لا قوة بالمنطق وإن احتشد الناطق فيه، واجتهد في تثقيف معانيه وتأليف حروفه ومبانيه على الاحاطة بأقل ما تناله القدرة من بسطة على الملك وسمو ارتفاعه عن كل قول وإبرازه على كل وصف واغترافه بكل إطناب وقد كان تقرر عندي من مقدمات إعلام فضل الملك في صهلة سبقه، وبروزه شأوه، ويمن نقيبته مذ أدت إلى حاسة بصرى صورة شخصه واضطرب في حس سمعي صوت لفظه ووقع وهمى على تعقيب نجاح رأيه أيام كنت أؤدى إليه من تكلف تعليمي إياه ما أصبحت قاضيا على نفسي بالحاجة إلى تعلمه منه. ومهما يكن منى إليه في ذلك، فإنما هو عقل مردود إلى عقله، مستنبطه أو إليه وتواليه من علمه وحكمته. وقد جلا إلى كتاب الملك ومخاطبته إياى ومسألته لي عما لا يتخالجنى الشك في لقاح ذلك وإنتاجه من عنده فعنه صدر وعليه ورد و أنا فيما أشير به على الملك - وإن اجتهدت فيه واحتشدت له وتجاوزت حد الوسع والطاقة منى في استنظافه واستقصائه - كالعدم مع الوجود بل كما لا يتجزأ في جنب معظم الاشياء ولكني غير ممتنع من إجابة الملك إلى ما سأل، مع علمي ويقينى بعظيم غناه عنى وشدة فاقتي إليه، وأنا راد إلى الملك ما اكتسبته منه، ومشير عليه بما أخذته منه فقائل له : إن لكل تربة لا محاله قسما من الفضائل، وإن لفارس قسمها من النجدة والقوة، وإنك ان تقتل أشرافهم تخلف الوضعاء على أعقابهم، وتورث سفلتهم على منازل عليتهم وتغلب أدنياءهم على مراتب ذوى أخطارهم، ولم يبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم وأشد توهينا لسلطانهم من غلية السفله، وذل الوجوه فاحذر الحذر كله أن تمكن تلك الطبقة من الغلبة والحركة، فإنه إن نجم منهم بعد اليوم على جندك وأهل بلادك ناجم دهمهم منه ما لا روية فيه، ولا بقية معه فانصرف عن هذا الرأى إلى غيره واعمد إلى من قبلك من أولئك العظماء والاحرار، فوزع بينهم مملكتهم، وألزم اسم الملك كل من وليته منهم ناجيته، واعقد

التاج على رأسه وإن صغر ملكه، فإن المتسمى بالملك لازم لاسمه والمعقود التاج على رأسه لا يخضع لغيره فليس ينشب ذلك أن يوقع كل ملك منهم بينه وبين صاحبه تدابرا وتقاطعا وتغالبا على الملك، وتفاخرا بالمال والجند، حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك وأوتارهم فيك، ويعود حربهم لك حربا بينهم وحنقهم عليك حنقا منهم على انفسهم ثم لا يزدادون في ذلك بصيره إلا أحدثوا لك بها استقامة إن دنوت منهم دانوا لك، وإن نأيت عنهم تعززوا بك حتى يثب من ملك منهم على جاره باسمك، ويسترهبه بجندك، وفي ذلك شاغل لهم عنك، وأمان لاحداثهم بعدك، وإن كان لا أمان للدهر، ولا ثقة بالايام. قد أديت إلى الملك ما رايته لى حظا وعلى حقا من إجابتي إياه إلى ما سألني عنه، ومحضته النصيحة فيه والملك أعلى عينا وأنفذ روية وأفضل رأيا، وأبعد همة فيما استعان بی عليه، وكلفني عليه، وكلفني بتبيينه والمشورة عليه فيه. لا زال الملك متعرفا من عوائد النعم وعواقب الصنع وتوطيد الملك، وتنفيس الاجل، ودرك الامل، ما تأتى فيه قدرته على غاية قصوى ما تناله قدرة البشر ! والسلام الذى لا انقضاء له ولا انتهاء ولا غاية ولا فناء فليكن على الملك. قالوا : فعمل الملك برأيه، واستخلف على إيران شهر أبناء الملوك والعظماء من أهل فارس فهم ملوك الطوائف الذين بقوا بعده والمملكة موزعة بينهم إلى أن جاء أردشير ابن بابك فانتزع الملك منهم (1).

فما كنا فاعلين لا أم لك !

قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد : ويحك ! أقتلتم ذرية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ! فقال : عضضت بالجندل، إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالاسود الضارية تحطم الفرسان يمينا وشمالا، وتلقى أنفسها على الموت لا تقبل الامان ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها و بين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لاتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين لا أم لك ! (2).

حديث عن امرئ القيس

عن الهيثم بن عدى عن مجالد بن سعيد عن عبد الملك بن عمير قال : قدم علينا


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 55.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 263.

عمر بن هبيرة الكوفة أميرا على العراق، فأرسل إلى عشرة من وجوه أهل الكوفة أنا أحدهم، فسرنا عنده، فقال : ليحدثني كل رجل منكم أحدوثة وابدأ أنت يا أبا عمرو فقلت : أصلح اللّه الامير ! أحديث حق أم حديث باطل ؟ قال : بل حديث حق، فقلت : إن امرأ القيس كان الى ألية ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنتين، فجعل يخطب النساء، فإذا سألهن عن هذا قلن : اربعة عشر فبينا هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنة صغيرة له كأنها البدر لتمه، فأعجبته، فقال لها : يا جارية ما ثمانية، وأربعة، واثنتان، فقالت : أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة : فأخلاف الناقة وأما اثنتان فثديا المرأة فخطبها إلى أبيها فزوجه إياها وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك وعلى أن يسوق إليها مائة من الابل وعشرة أعبد وعشر وصائف وثلاثة أفراس، ففعل ذلك، ثم بعث عبدا إلى المرأة، وأهدى إليها معه نحيا من سمن ونحيا من عسل وحلة من عصب، فنزل العيد على بعض المياه، ونشر الحلة فلبسها فتعلقت بسمرة فانشقت، وفتح النحيين فاطعم أهل الماء منهما فنقصا، ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف فسألها عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها هديتها، فقالت أعلم مولاك إن أبى ذهب يقرب بعيدا، ويبعد قريبا، وإن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وإن أخى ذهب يراعى الشمس، وإن سماءكم انشقت، وإن وعاءيكم نضبا. فقدم الغلام على مولاه فأخبره فقال : أما قولها : إن أبى ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا، فإن أباها ذهب يحالف قوما على قومه وأما قولها : إن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء. وأما قولها : إن أخى ذهب يراعى الشمس، فإن أخاها في سرح له يرعاه، فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به، وأما قولها : إن سماءكم انشقت، فإن البرد الذي بعثت به انشق وأما قولها إن وعاءيكم نضبا فإن النحيين اللذين بعثت بهما نقصا فاصدقني. فقال : يا مولاى إلى نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني عن نسبي فأخبرتهم إنى ابن عمك ونشرت الحلة ولبستها وتجملت بها، فتعلقت بسمرة فانشقت وفتحت النحيين فأطعمت منهما أهل الماء، فقال : أولى لك ! ثم ساق مائة من الابل، وخرج نحوها ومعه العبد يسقى الابل فعجز فأعانه امرؤ القيس فرمى به العبد في البئر، وخرج حتى أتى إلى أهل الجارية بالابل، فأخبرهم إنه زوجها، فقيل لها : قد جاء زوجك، فقالت : والله ما أدرى أزوجى هو أم لا ! ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا فأكل ما أطعموه، فقالت : اسقوه لبنا حازرا وهو الحامض

فسقوه فشرب فقالت افرشوا له عند الفرث والدم ففرشوا له فنام فلما أصبحت أرسلت إليه : إنى أريد أن أسألك، فقال لها : سلى عما بدا لك، فقالت : هم تختلج شفتاك ؟ قال : من تقبيلي إياك، فقالت : مم يختلج كشحاك، قال : لالتزامى إياك قالت : فمم يختلج فخذاك ؟ قال : لتوركى إياك، فقالت عليكم العبد فشدوا أيديكم به، ففعلوا. قال : ومرقوم فاستخرجوا امرا القيس من البئر، فرجع إلى حيه وساق مائة من الابل وأقبل إلى امرأته فقيل لها قد جاء زوجك فقالت : والله ما أدرى أزوجى هو أم لا ! ولكن انحروا له جزورا، وأطعموه من كرشها، ذنبها، ففعلوا، فلما أتوه بذلك قال : وأين الكبد والسنام والملحاء وأبى أن يأكل فقالت : اسقوه لبنا حازرا، فأتى به، فأبى إن يشربه، وقال : فأين الضريب والرثيئة ؟ فقالت : افرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له فأبى أن ينام وقال : افرشوا لى عند التلعة الحمراء، واضربوا لى عليها خباء، ثم أرسلت إليه : هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاث، فأرسل إليها أن سلى عما شئت فقالت : مم تختلج شفتاك ؟ فقال : الشربي المشعشعات قالت : فمم يختلج كشحاك ؟ قال : للبسى الحبرات. قالت : فمم تختلج فخذاك ؟ قال : لركضي المطهمات، فقالت : هذا زوجي العمري، فعليكم به فأهديت إليه الجارية. فقال ابن هبيرة : حسبكم، فلا خير في الحديث سائر الليلة بعد حديث أبي عمرو، ولن يأتينا أحد منكم بأعجب منه، فانصرفنا وأمر لى. بجائزة (1).

ووليهم وال فأقام واستقام

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلام له : ووليهم وال فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه. هذا الوالى هو عمر بن الخطاب. وهذا الكلام من خطبة خطبها في أيام خلافته طويلة، يذكر فيها قربه من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واختصاصه له، وإفضاءه بأسراره إليه، حتى قال فيها : فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلا منهم فقارب وسدد حسب استطاعته على ضعف وحد كانا فيه، وليهم بعده وال، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، على عسف وعجرفيه كانا فيه، ثم اختلفوا ثالثا لم يكن يملك من أمر نفسه شيئا، غلب عليه أهله فقادوه إلى أهوائهم كما تقود الوليدة البعير المخطوم، فلم يزل الامر بينه وبين الناس يبعد تارة ويقرب أخرى


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 215.

حتى نزوا عليه فقتلوه ثم جاءوا بى مدب الدباء يريدون بيعتى (1).

التفضيل بين الصحابة

والقول بالتفضيل قول قديم، قد قال به كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمار، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان، وجابر بن عبد اللّه، وأبي بن كعب، وحذيفة، و بريدة، وأبو أيوب، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبو الهيثم بن التيهان، و خزيمة بن ثابت، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، والعباس بن عبد المطلب وبنوه، وبنو هاشم كافة، وبنو المطلب كافة. وكان الزبير من القائلين به في بدء الامر، ثم رجع، وكان من بني أمية قوم يقولون بذلك، منهم خالد بن سعيد بن العاص، ومنهم عمر بن عبد العزيز. ومن قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين فخلق كثير كأويس القرني وزيد بن صوحان وصعصعة أخيه وجندب الخير وعبيدة السلماني وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر إلا لمن قال بتفضيله، ولم تكن مقالة الامامية ومن نحا نحوها من الطاعنين في إمامة السلف مشهورة حينئذ على هذا النحو من الاشتهار، فكان القائلون بالتفضيل هم المسمون الشيعة (2).

لو ثبت لاخبرتك أنك من زمعات قريش

عن المفضل الضبي، أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما خرج عن مكة يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج إلى ربيعة ومعه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبو بكر، فدفعوا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر - وكان نسابة - فسلم فردوا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة، قال : أ من هامتها أم من لهازمها ؟ قالوا : من هامتها العظمى، فقال : من أي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا : من ذهل الاكبر، قال : أ فمنكم عوف الذى يقال له : لا بوادي عوف ؟ قالوا : لا، قال : أ فمنكم بسطام ذو اللواء ومنتهى الاحياء ؟ قالوا : لا، قال : أ فمنكم جساس حامى الذمار ومانع الجار؟ قالوا : لا، قال : فمنكم الحوفزان، قاتل الملوك وسالبها أنفسها ؟ قالوا : لا، قال : أ فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة ؟ قالوا : لا، قال : أ فأنتم أخوال الملوك من كندة ؟ قالوا : لا، قال : فلستم إذن


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 218.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 221.

ذهلا الا كبر، أنتم ذهل الاصغر. فقام إليه غلام قد بقل وجهه اسمه دغفل، فقال :

إن على سائلنا أن نسأله والعبء لا تعرفه أو تحمله

يا هذا، إنك قد سألتنا فأجبناك، ولم نكتمك شيئا، فممن الرجل ؟ قال : من قريش قال : بخ بخ ! أهل الشرف والرئاسة، فمن أي قريش أنت ؟ قال : من تيم بن مرة، قال : أمكنت والله الرامى من الثغرة أمنكم قصى بن كلاب الذى جمع القبائل من فهر فكان يدعى مجمعا ؟ قال : لا، قال : أ فمنكم هاشم الذى هشم لقومه الثريد ؟ قال : لا، قال : أ فمنكم شيبة الحمد، مطعم طير السماء ؟ قال : لا، قال : أ فمن المفيضين بالناس أنت ؟ قال : لا، قال : أ فمن أهل الندوة أنت؟ قال : لا، قال : أ فمن أهل الرفادة أنت قال : لا، قال : أ فمن أهل الحجابة أنت ؟ قال : لا، قال : أفمن أهل السقاية ؟ قال : لا، قال : فاجتذب أبو بكر زمام ناقته ورجع إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هاربا من الغلام، فقال دغفل :

صادف درء السيل درء يصدعه

أما والله لو ثبت لاخبرتك أنك من زمعات قریش فتبسم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابي بكر : لقد وقعت يا أبا بكر من الاعرابي على باقعة، قال : أجل إن لكل طامة طامة والبلاء موكل بالمنطق، فذهبت مثلا (1).

فألقى الناس أنفسهم في الماء

وروى أبو الفرج الأصفهاني أن حارثة لما عقدوا له الرئاسة في حرب الخوارج وسلموا إليه الراية، أمرهم بالثبات، وقال لهم : إذا فتح اللّه عليكم فللعرب زيادة فريضتين وللموالي زيادة فريضة وندب الناس، فالتقوا وليس بأحد منهم طرق قد فشت فيهم الجراحات، وما تطأ الخيل إلا على القتلى، فبيناهم كذلك، إذ أقبل جمع من الشراة من جهة اليمامة، يقول المكثر : إنهم مائتان والمقلل : إنهم أربعون فاجتمعوا وهم مريحون مع أصحابهم، فصاروا كوكبة واحدة، فلما رآهم حارثة بن بدر ركض برايته منهزما، وقال لاصحابه :


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 126.

كرنبوا ودولبوا أو حيث شئتم فاذهبوا ية

وقال :

أير الحمار فريضة لعبيدكم والخصيتان فريضة الاعراب

قال : كرنبوا، أي اطلبوا كرنبى وهى قرية قريبة من الاهواز ودولبوا : اطلبوا دولاب، وهى ضيعة بينها وبين الاهواز أربعة فراسخ قال : فتتابع الناس على أثره منهزمين وتبعتهم الخوارج، فألقى الناس أنفسهم في الماء فغرق منهم بدجيل الاهواز خلق كثير (1).

أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني

قال امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا يزالون بكم قتلا وإفناء لكم حتى لا يتركوا منكم إلا من ينفعهم إبقاؤه أو لا يضرهم ولا ينفعهم قال : حتى يكون إنتصار أحدكم منهم كانتصار العبد من مولاه، أي لا انتصار لكم منهم، لأن العبد لا ينتصر من مولاه أبدا. وقد جاء في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غير هذا الموضع تتمة هذا المعنى : إن حضر أطاعه، وإن غاب سبعه، أي ثلبه وشتمه وهذه أمارة الذل، كما قال أبو الطيب :

أبدو فيسجد من بالسوء يذكرنى ولا أعاتبه صفحا وإهوانا

وهكذا كنت في أهلى وفي وطنى إن النفيس نفيس أينما كانا (2).

الشيطان أزب

عن موسى بن ضمرة، عن أبيه قال : لما صاح الشيطان أزب العقبة، أن محمدا قد قتل لما أراد اللّه عز وجل من ذلك، سقط في أيدى المسلمين، وتفرقوا في كل وجه، وأصعدوا في الجبل، فكان أول من بشرهم يكون رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سالما كعب بن مالك. قال کعب عرفته، فجعلت أصيح هذا رسول اللّه وهو يشير إلى بإصبعه على فيه أن اسکت (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 143.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 55.

3) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 243.

كذب ابن قميئة

لما صاح الشيطان أن محمدا قد قتل، قال أبو سفيان بن حرب : يا معشر قريش، أيكم قتل محمدا قال ابن قميئة : أنا قتلته قال : نسورك كما تفعل الاعاجم بأبطالها. وجعل أبو سفيان يطوف بأبي عامر الفاسق في المعركة هل يرى محمدا بين القتلى فمر بخارجة بن زيد بن أبي زهير فقال : يا أبا سفيان هل تدرى من هذا قال : لا، قال : هذا خارجة بن زيد هذا أسيد بني الحارث بن الخزرج ومر بعباس بن عبادة بن نضلة إلى جنبه قال : أتعرفه قال : لا، قال : هذا ابن قوقل هذا الشريف في بيت الشرف، ثم مر بذكوان بن عبد قيس فقال : وهذا من ساداتهم، ثم مر بابنه حنظلة بن أبي عامر فوقف عليه، فقال أبو سفيان : من هذا قال : هذا أعز من هاهنا على هذا ابني حنظلة. قال أبو سفيان : ما نرى مصرع محمد ولو كان قتل لرأيناه كذب ابن قميئة. ولقى خالد بن الوليد فقال : هل تبين عندك قتل محمد قال : لا، رأيته أقبل في نفر من أصحابه مصعدين في الجبل، فقال أبو سفيان : هذا حق كذب ابن قميئة زعم أنه قتله (1).

مثل كتاب محمد

كعب الاحبار : قال اللّه تعالى لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): مثل كتاب محمد في الكتب مثل سقاء فيه لبن كلما مخضته استخرجت منه زبدا (2).

إن أباه كان المخدوع يوم دومة الجندل لا أبى

بعث عبد الملك روح بن زنباع وبلال بن أبي بردة بن أبي موسى إلى زفر بن الحارث الكلابي بكلام وحذرهما من كيده وخص بالتحذير روحا، فقال : يا أمير المؤمنين، إن أباه كان المخدوع يوم دومة الجندل لا أبى فعلام تخوفني الخداع والكيد ! فغضب بلال وضحك عبد الملك (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 244.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 22.

3) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 57.

نسب العمالقة

والعمالقة أولاد لاوذ إرم بن سام بن نوح كان الملك باليمن والحجاز وما تاخم ذلك من الاقاليم فمنهم عملاق بن لاوذ بن سام ومنهم طسم بن لاوذ أخوه ومنهم جديس بن لاوذ أخوهما، وكان العز والملك بعد عملاق بن لاوذ في طسم، فلما ملكهم عملاق بن طسم بغى وأكثر الفساد في الارض، حتى كان يطأ العروس ليلة إهدائها إلى بعلها، وإن كانت بكرا افتضها قبل وصولها إلى البعل ففعل ذلك بإمراه من جديس، يقال لها غفيرة بنت غفار، فخرجت إلى قومها، وهى تقول : لا أحد أذل من جديس أهكذا يفعل بالعروس.!. فغضب لها أخوها الاسود بن غفار وتابعه قومه على الفتك بعملاق بن طسم وأهل بيته فصنع الاسود طعاما، ودعا عملاق الملك إليه، ثم وثب به وبطسم، فأتى على رؤسائهم، ونجا منهم رياح بن مر، فصار إلى ذى جيشان بن تبع الحميري ملك اليمن، فاستغاث به واستنجده على جديس، فسار ذو جيشان في حمير، فأتى بلاد جو، وهى قصبة اليمامة، فاستأصل جديسا كلها وأخرب اليمامة فلم يبق لجديس باقية، ولا لطسم إلا اليسير منهم. ثم ملك بعد طسم وجديس وبار بن أميم بن لاوذ بن إرم، فسار بولده وأهله فنزل بأرض وبار، وهى المعروفة الان برمل عالج، فبغوا في الارض حينا حتى أفناهم اللّه ثم ملك الارض بعد وبار عبد ضخم بن أثيف بن لاوذ، فنزلوا بالطائف حينا، ثم بادوا (1).

من كلام المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الانجيل

من كلام المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الانجيل : (أحبوا أعداءكم وصلوا قاطعيكم وأعفوا عن ظالميكم، وباركوا على لاعينكم، لكى تكونوا أبناء أبيكم الذى في السماء، الذي تشرق شمسه على الصالحين والفجرة، وينزل مطره على المطيعين والائمة (2).

فسيرني حيث سيرت ابن عمى نصر ابن حجاج

وروى عبد اللّه بن بريدة أن عمر خرج ليلا يعس فإذا نسوة يتحدثن وإذا من يقلن : أي فتيان المدينة اصبح ؟ فقالت : امراة منهن أبو ذؤيب والله، فلما اصبح عمر سأل عنه


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 93.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 159.

فإذا هو من بني سليم، وإذا هو ابن عم نصر بن حجاج، فارسل إليه، فحضر فإذا هو اجمل الناس واملحهم، فلما نظر إليه قال : انت والله ذئبها ! يكررها ويرددها لا والذي نفسي بيده لا تجامعني بارض ابدا. فقال يا امير المؤمنين إن كنت لابد مسیرى فسيرني حيث سیرت ابن عمى نصر ابن حجاج فامر بتسييره إلى البصرة فاشخص إليها (1).

أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) علم ما فرفى زحف قط

قيل لأبي عبد اللّه البصري أتجد في النصوص ما يدل على تفضيل على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بمعنى كثرة الثواب لا بمعنى كثرة مناقبه، فإن ذاك أمر مفروغ منه ؟ فذكر حديث الطائر المشوى، وأن المحبة من اللّه تعالى إرادة الثواب. فقيل له : قد سبقك الشيخ أبو على (رحمه اللّه تعالى) إلى هذا فهل تجد غير ذلك قال : نعم قول اللّه تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)، فإذا كان أصل المحبة لمن ثبت كثبوت البنيان المرصوص، فكل من زاد ثباته زادت المحبة له ومعلوم أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما فرفى زحف قط، وفر غيره في غير موطن (2).

إنه ليس خلفي مدد

حاصرت الترك مدينة برذعة من أعمال أذربيجان في أيام هشام بن عبد الملك حصارا شديدا، واستضعفتها وكادت تملكها وتوجه إليها لمعاونتها سعيد الحرشى من قبل هشام بن عبد الملك في جيوش كثيفة، وعلم الترك بقربه منهم فخافوا، وأرسل سعيد واحدا من أصحابه إلى أهل برذعة سرا يعرفهم وصوله، ويأمرهم بالصبر خوفا ألا يدركهم، فسار الرجل، ولقيه قوم من الترك، فأخذوه وسألوه عن حاله، فكتمهم فعذبوه، فأخبرهم وصدقهم فقالوا : إن فعلت ما نأمرك به أطلقناك وإلا قتلناك فقال : ما تريدون ؟ قالوا : أنت عارف بأصحابك ببرذعة وهم يعرفونك، فإذا وصلت تحت السور فنادهم : إنه ليس خلفي مدد ولا من يكشف ما بكم، وإنما بعثت جاسوسا. فأجابهم إلى ذلك، فلما صار تحت سورها، وقف حيث يسمع أهلها كلامه وقال لهم : أتعرفونني ؟ قالوا : نعم، أنت فلان ابن فلان قال : فإن سعيدا الحرشى قد وصل إلى مكان كذا في مائة ألف سيف،


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 30.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 263.

وهو يأمركم بالصبر وحفظ البلد وهو مصبحكم أو ممسيكم، فرفع أهل بردعة أصواتهم بالتكبير وقتلت الترك ذلك الرجل، ورحلوا عنها ووصل سعيد فوجد أبوابها مفتوحة وأهلها سالمين (1).

من شعر الحماسة

ومن شعر الحماسة :

أقول لها وقد طارت شعاعا من الابطال ويحك لا تراعى

فإنك لو سألت بقاء يوم على الاجل الذى لك لم تطاعی

فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع

ولا ثوب البقاء بثوب عز فيطوى عن أخى الخنع اليراع

سبيل الموت غاية كل حي فداعيه لاهل الارض داع

ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع

وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع (2).

لا خير في أعور لا يأتي الفزع

جعل عمار بن ياسر يحرض هاشم المرقال يوم صفين على الحرب، ويقرعه بالرمح، ويقول : أقدم يا أعور »

• لا خير في أعور لا يأتي الفزع *

فيستحيى من عمار ويتقدم ويركز الراية، فإذا ركزها عاوده عمار بالقول فيتقدم أيضا. فقال عمرو بن العاص إنى لارى لصاحب الراية السوداء عملا، لئن دام على هذا لتفنين العرب اليوم ! فاقتتلوا قتالا شديدا وعمار ينادى صبرا ! والله إن الجنة تحت ظلال البيض فكان بازاء هاشم وعمار أبو الأعور السلمى، ولم يزل عمار بهاشم ينخسه وهو يزحف بالراية حتى اشتد القتال وعظم، والتقى الزحفان، واقتتلا قتالا لم يسمع


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 276.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 277.

السامعون بمثله، وكثرت القتلى في الفريقين جميعا (1).

كتابا حمل على جمل لعظمه وكثرته

كتب عبد الحميد بن يحيى عن مروان بن محمد إلى أبي مسلم كتابا حمل على جمل لعظمه وكثرته. وقيل : إنه لم يكن في الطول إلى هذه الغاية، وقد حمل على جمل تعظيما لامره وقال لمروان بن محمد : إن قرأه خاليا نخب قلبه، وإن قرأه في ملا من أصحابه ثبطهم وخذلهم، فلما وصل إلى أبي مسلم أحرقه بالنار ولم يقرأه، وكتب على بياض كان على رأسه وأعاده إلى مروان :

محا السيف أسطار البلاغة وانتحت إليك ليوث الغاب من كل جانب

فإن تقدموا نعمل سيوفا شحيذة يهون عليها العتب من كل عاتب

ويقال : إن أول الكتاب كان : لو أراد اللّه بالنملة صلاحا، لما أنبت لها جناحا. وكتب أبو مسلم إلى نصر بن سيار وهو أول كتاب صدر عن أبي مسلم إلى نصر، وذلك حين لبس السواد وأعلن بالدعوة في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة : أما بعد فإن اللّه جل ثناؤه ذكر أقواما فقال : (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) فلما ورد الكتاب إلى نصر تعاظمه أمره، وكسر له إحدى عينيه وقال : إن لهذا الكتاب لاخوات وكتب إلى مروان يستصرخه، وإلى يزيد بن هبيرة يستنجده، فقعدا عنه حتى أفضى ذلك إلى خروج الأمر عن بني عبد شمس (2).

حيث كانت اليهود تدفن موتاهم

روى المدائني في كتاب مقتل عثمان إن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام، وأن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يبايع الناس إلا بعد قتل عثمان بخمسة أيام، وأن حكيم بن حزام أحد بني أسد بن عبد العزى، وجبير بن مطعم بن الحارث بن نوفل استنجدا بعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) على دفنه، فأقعد طلحة


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 12.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 279.

لهم في الطريق ناسا بالحجارة فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحش كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم فلما صار هناك رجم سريره، وهموا بطرحه، فارسل على إلى الناس يعزم عليهم ليكفوا عنه، إلى الناس يعزم عليهم ليكفوا عنه، فكفوا، فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب (1).

زعم حلف زوجها بطلاقها إن على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) خير هذه الامة

عن ابن الكلبى قال : بينا عمر بن عبد العزيز جالسا في مجلسه، دخل حاجبه ومعه امرأة أدماء طويلة حسنة الجسم والقامة ورجلان متعلقان بها ومعهم كتاب من ميمون بن مهران أن إلى عمر، فدفعوا إليه الكتاب، فقضه فإذا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من میمون بن مهران سلام عليك ورحمه اللّه وبركاته، أما بعد فإنه ورد علينا امر ضاقت به الصدور وعجزت عنه الاوساع وهربنا بأنفسنا عنه، ووكلناه إلى عالمه لقول اللّه عز وجل : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، وهذه المرأة والرجلان أحدهما زوجها والاخر أبوها، وإن أباها يا أمير المؤمنين زعم إن زوجها حلف بطلاقها إن على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) خير هذه الامة وأولاها برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإنه يزعم أن ابنته طلقت منه، وإنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهرا، وهو يعلم إنها حرام عليه كأمه. وإن الزوج يقول له : كذبت وأثمت، لقد بر قسمي وصدقت مقالتي، وإنها امرأتي على رغم أنفك، وغيظ قلبك، فاجتمعوا إلى يختصمون في ذلك، فسألت الرجل عن يمينه، فقال : نعم، قد كان ذلك، وقد حلفت بطلاقها إن عليا خير هذه الامة وأولاها برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، عرفه من عرفه، وأنكره من أنكره فليغضب من غضب وليرض من رضى، وتسامع الناس بذلك، فاجتمعوا له وإن كانت الالسن مجتمعة فالقلوب شتى، وقد علمت يا أمير المؤمنين اختلاف الناس في أهوائهم، وتسرعهم إلى ما فيه الفتنة فأحجمنا عن الحكم لتحكم بما أراك الله، وإنهما تعلقا بها، وأقسم أبوها ألا يدعها معه، وأقسم زوجها ألا يفارقها ولو ضربت عنقها إلا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته والامتناع منه، فرفعناهم إليك يا أمير المؤمنين احسن اللّه توفيقك وأرشدك ! وكتب في أسفل الكتاب


1) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 6.

إذا ما المشكلات وردن يوما فحارت في تأملها العيون

وضاق القوم ذرعا عن نبأها فأنت لها أبا حفص أمين

لانك قد حويت العلم طرا وأحكمك التجارب والشئون

وخلفك الاله على الرعايا فحظك فيهم الحظ الثمين

قال : فجمع عمر بن عبد العزيز بنى هاشم وبني أمية وأفخاذ قريش ثم قال لابي المرأة : ما تقول أيها الشيخ ؟ قال : يا أمير المؤمنين هذا الرجل زوجته ابنتي وجهزتها إليه بأحسن ما يجهز به مثلها حتى إذا أملت خيره ورجوت صلاحه حلف بطلاقها كاذبا، ثم أراد الاقامة معها، فقال له عمر يا شيخ لعله لم يطلق امرأته فكيف حلف ؟ قال الشيخ : سبحان اللّه الذى حلف عليه لا بين حنثا وأوضح كذبا من أن يختلج في صدري منه شك، مع سنى وعلمي، لانه زعم أن عليا خير هذه الامة وإلا فامرأته طالق ثلاثا، فقال للزوج : ما تقول ؟ أهكذا حلفت ؟ قال : نعم، فقيل : إنه لما قال نعم، كاد المجلس يرتج بأهله، وبنو أمية ينظرون إليه شزرا، إلا إنهم لم ينطقوا بشئ كل ينظر إلى وجه عمر فأكب عمر مليا ينكت الارض بيده والقوم صامتون ينظرون ما يقوله، ثم رفع رأسه وقال :

إذا ولى الحكومة بين قوم أصاب الحق والتمس السداد

وما خير الامام إذا تعدى خلاف الحق واجتنب الرشادا

ثم قال للقوم : ما تقولون في يمين هذا الرجل ؟ فسكتوا، فقال : سبحان اللّه ! قولوا. فقال رجل من بني أمية : هذا حكم في فرج، ولسنا نجترئ على القول فيه، وأنت عالم بالقول، مؤتمن لهم وعليهم قل ما عندك، فإن القول ما لم يكن يحق باطلا ويبطل حقا جائز على في مجلسي. قال : لا أقول شيئا، فالتفت إلى رجل من بنى هاشم من ولد عقيل بن أبي طالب فقال له : ما تقول فيما حلف به هذا الرجل يا عقيلي ؟ فاغتنمها، فقال : يا أمير المؤمنين إن جعلت قولى حكما، أو حكمي جائزا قلت وإن لم يكن ذلك فالسكوت أوسع لى، وأبقى للمودة، قال : قل وقولك حكم، وحكمك ماض فلما سمع ذلك بنو أمية قالوا : ما أنصفتنا يا أمير المؤمنين إذ جعلت الحكم إلى غيرنا ونحن من لحمتك وأولى رحمك فقال عمر : اسكتوا إعجزا ولؤما ! عرضت ذلك عليكم آنفا فما انتدبتم له. قالوا : لانك لم تعطنا ما أعطيت العقيلي ولا حكمتنا كما حكمته، فقال

عمر : إن كان أصاب وأخطأتم وحزم وعجزتم، وأبصر وعميتم فما ذنب عمر، لا أبا لكم ! أتدرون ما مثلكم ؟ قالوا : لا ندري، قال : لكن العقيلى يدرى، ثم قال : ما تقول يا رجل، قال : نعم يا أمير المؤمنين، كما قال الاول :

دعيتم إلى أمر فلما عجزتم تناوله من لا يداخله عجز

فلما رأيتم ذاك ابدت نفوسكم نداما وهل يغنى من القدر الحذر !

فقال عمر : أحسنت وأصبت فقل ما سألتك عنه قال : يا أمير المؤمنين بر قسمه، ولم تطلق امرأته قال : وإني علمت ذاك ؟ قال : نشدتك اللّه يا أمير المؤمنين ألم تعلم إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لفاطمة (عليها السلام) وهو عندها في بيتها عائد لها : يا بنية ما علتك قالت : الوعك يا أبتاه - وكان على غائبا في بعض حوائج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)- فقال لها : أتشتهين شيئا ؟ قالت : نعم أشتهي عنبا وأنا اعلم إنه عزيز، وليس وقت عنب، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ان اللّه قادر على أن يجيئنا به، ثم قال : اللهم انتنا به مع أفضل أمتى عندك منزلة، فطرق على الباب ودخل ومعه مكتل قد ألقى عليه طرف ردائه، فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما هذا يا على ؟ قال : عنب التمسته الفاطمة فقال : اللّه أكبر اللّه أكبر، اللهم كما سررتني بأن خصصت عليا بدعوتي فاجعل فيه شفاء بنيتي، ثم قال : كلى على اسم اللّه يا بنية فأكلت وما خرج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى استقلت وبرأت فقال عمر صدقت وبررت، أشهد لقد سمعته ووعيته يا رجل خذ بيد امرأتك فإن عرض لك أبوها فاهشم أنفه. ثم قال : يا بني عبد مناف والله ما نجهل ما يعلم غيرنا ولا بنا عمى في ديننا، ولكنا كما قال الاول :

تصيدت الدنيا رجالا بفخها فلم يدركوا خيرا بل استقبحوا الشرا

وأعماهم حب الغنى واصمهم فلم يدركوا إلا الخسارة والوزرا

قيل : فكأنما القم بني أمية حجرا، ومضى الرجل بامرأته. وكتب عمر إلى ميمون بن مهران : عليك سلام فإنى أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني قد فهمت كتابك وورد الرجلان والمرأة، وقد صدق اللّه يمين الزوج وأبر قسمه، وأثبته على نكاحه فاستيقن ذلك واعمل عليه، والسلام عليك ورحمه اللّه وبركاته (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 222.

وما عليك يا بن الخطاب الا تدرى ما الاب !

خرج عمر يوما إلى المسجد، وعليه قميص في ظهره اربع رقاع، فقرأ حتى انتهى إلى قوله : (وفاكهه وأبا) فقال : ما الاب ؟ ثم قال : ان هذا لهو التكلف ! وما عليك يا بن الخطاب الا تدرى ما الاب ! (1)

اثاث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

سال ابنته عمر حفصة ما افضل ما اقتنى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في بيتك من الملبس ؟ قالت : ثوبان ممشقان كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما في الجمع، قال : فأي طعام ناله عندك ارفع ؟ قالت : خبزنا مره خبزة شعير فصبيت عليها - وهى حارة اسفلها - عكه لنا كان فيها سمن وعسل فجعلتها هشة حلوة دسمة، فاكل منها فاستطابها، قال : فأى مبسط كان يبسط عندك اوطأ ؟ قالت : كساء ثخين كنا نرقعه في الصيف فنجعله ثخينا فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه (2).

حتى يكون العفو هو الذي يصلحك

وأذنب بعض كتاب المأمون ذنبا، وتقدم إليه ليحتج لنفسه، فقال : يا هذا، قف مكانك، فإنما هو عذر أو يمين فقد وهبتهما لك، وقد تكرر منك ذلك، فلا تزال تسئ ونحسن، وتذنب ونغفر، حتى يكون العفو هو الذي يصلحك! (3).

في القضاة وما يلزمهم

قد جاء في الحديث المرفوع لا يقضى القاضي وهو غضبان

وجاء في الحديث المرفوع أيضا : من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومجلسه ومقعده.

وجاء في الخبر: لا قدست أمه لا يقضى فيها بالحق،

ومن الحديث: ليس أحد يحكم بين الناس إلا جى به يوم القيامة مغلولة يداه إلى


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 33.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 33.

3) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 109.

عنقه، فكه العدل، وأسلمه الجور.

ابو ذر (رضی اللّه عنه) : قال لى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا أبا ذر أعقل ما أقول لك، جعل يرددها على ستة أيام ثم قال لي في اليوم السابع : أوصيك بتقوى اللّه في سريرتك وعلانيتك، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألن أحدا شيئا ولو سقط سوطك، ولا تتقلدن أمانة، ولا تلين ولاية، ولا تكفلن يتيما، ولا تقضين بين اثنين (1).

وسيموت غدا فننكحهن

قال الجاحظ أن طلحة لما أنزلت آية الحجاب قال بمحضر ممن نقل عنه إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما الذي يعنيه حجابهن اليوم، وسيموت غدا فتنكحهن ! قال الجاحظ: أيضا : لو قال لعمر قائل : أنت قلت : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول الآن لطلحة أنه مات ساخطا عليك للكلمة التى قلتها - لكان قد رماه بمشاقصه ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا فكيف هذا ! (2).

رسالة إلى معاوية

عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال : سمعت عمر ابن الخطاب يقول لاهل الشورى : إنكم إن تعاونتم وتوازرتم وتناصحتم أكلتموها وأولادكم، وإن تحاسدتم وتقاعدتم وتدابرتم وتباغضتم غلبكم على هذا الامر معاوية بن أبي سفيان، وكان معاوية حينئذ أمير الشام (3).

رجز عمار في صفين

حمل عمار يوم صفين على صف أهل الشام وهو يرتجز :

كلا ورب البيت لا أبرح أجى***حتى أموت أو أرى ما أشته-ى

لا أفتا الدهر أحامي عن على***صهر الرسول ذى الأمانات الوفى

ينصرنا رب السموات العلى***يقطع الهام بحد المشرقي


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 186.

3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 186.

يمنحنا النصر على من يبتغى***ظلما علينا جاهدا ما يأتلى

قال : فضرب أهل الشام حتى اضطرهم إلى الفرار (1).

شبهات الغلاة

ومع أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد كتم ما علمه حذرا من أن يكفروا فيه برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد كفر كثير منهم، وادعوا فيه النبوة، وادعوا فيه أنه شريك الرسول في الرسالة، وادعوا فيه أنه هو كان الرسول ولكن الملك غلط فيه وادعوا أنه هو الذي بعث محمدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الناس، وادعوا فيه الحلول، وادعوا فيه الاتحاد، ولم يتركوا نوعا من أنواع الضلالة فيه إلا وقالوه واعتقدوه، وقال شاعرهم فيه من أبيات : ومن أهلك عادا وثمودا بدواهيه

ومن كلم موسى فوق طور إذ يناديه

ومن قال على المنبر يوما وهو راقيه

سلونى أيها الناس فحاروا في معانيه

وقال بعض شعرائهم :

إنما خالق الخلائق من زعزع أركان حصن خيبر جذبا

قد رضينا به إماما ومولى وسجدنا له إلها وربا (2).

عظيم أمه أم هانئ

جمع معاوية كل قرشي بالشام وقال لهم : العجب يا معشر قريش ! أنه ليس لاحد منكم في هذه الحرب فعال يطول بها لسانه غدا ما عدا عمرا، فما بالكم ! أين حمية قريش ؟ فغضب الوليد بن عقبة وقال : أي فعال تريد ؟ والله ما نعرف في أكفائنا من قريش العراق من يغنى غناءنا باللسان ولا باليد فقال معاوية : بلى إن اولئك وقوا عليا بأنفسهم. قال الوليد : كلا، بل وقاهم على بنفسه. قال : ويحكم ! أما فيكم من يقوم لقرنه منهم مبارزه و مفاخره فقال مروان : أما البراز فإن عليا لا يأذن لحسن ولا لحسين ولا لمحمد بنيه فيه ولا لابن عباس واخوته ويصلى بالحرب دونهم، فلايهم نبارز ! وأما المفاخرة، فبماذا نفاخرهم ! بالاسلام أم بالجاهلية ! فإن كان بالاسلام، فالفخر لهم


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 26.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 13.

بالنبوة، وإن كان بالجاهلية فالملك فيه لليمن، فإن قلنا قريش قالوا لنا عبد المطلب. فقال عتبه بن أبي سفيان الهوا عن هذا، فإنى لاق بالغداة جعدة بن هبيرة فقال معاوية: بخ بخ ! قومه بنو مخزوم، وأمه أم هانئ بنت أبي طالب كف كريم وكثر العتاب والخصام بين القوم، حتى أغلظوا لمروان وأغلظ لهم، فقال مروان : أما والله لو لا ما كان منى إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيام عثمان، ومشهدي بالبصرة لكان لى في على رأى يكفى امرأ ذا حسب ودين، ولكن ولعل ونابذ معاوية الوليد بن عقبة دون القوم، فأغلظ له الوليد فقال معاوية. إنك إنما تجترئ على بنسبك من عثمان ولقد ضربك الحد وعزلك عن الكوفة. ثم إنهم ما أمسوا حتى اصطلحوا وأرضاهم معاوية من نفسه، ووصلهم بأموال جليلة. وبعث معاوية إلى عتبة فقال : ما أنت صانع في جعدة ! قال : ألقاه اليوم وأقاتله غدا، وكان الجعدة في قريش شرف عظيم، وكان له لسان، وكان من أحب الناس إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فغدا عليه عتبة فنادى : أبا جعدة أبا جعدة ! فاستاذن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخروج إليه، فأذن له، واجتمع الناس، فقال عتبة : يا جعدة، والله ما أخرجك علينا إلا حب خالك وعمك عامل البحرين وإنا والله ما نزعم إن معاوية أحق بالخلافة من على لو لا أمره في عثمان ولكن معاوية أحق بالشام لرضا أهلها به فاعفوا لنا عنها فو اللّه ما بالشام رجل به طرق إلا وهو أجد من معاوية في القتال وليس بالعراق رجل له مثل جد على في الحرب، ونحن أطوع لصاحبنا منكم لصاحبكم، وما أقبح يعلى أن يكون في قلوب المسلمين أولى الناس بالناس حتى إذا أصاب سلطانا أفنى العرب. فقال جعدة : أما حبى لخالي، فلو كان لك خال مثله لنسيت أباك وأما ابن أبي سلمة فلم يصب أعظم من قدره والجهاد أحب إلى من العمل، وأما فضل على على معاوية، فهذا ما لا يختلف فيه اثنان وأما رضاكم اليوم بالشام، فقد رضيتم بها أمس فلم نقبل وأما قولك : " ليس بالشام أحد إلا وهو أجد من معاوية وليس بالعراق رجل مثل جد على : فهكذا ينبغي أن يكون مضى بعلى يقينه وقصر بمعاوية شكة، وقصد أهل الحق خير من جهد أهل الباطل. وأما قولك : نحن أطوع لمعاوية منكم لعلى فو اللّه ما نسأله أن سكت ولا نرد عليه إن قال وأما قتل العرب، فإن اللّه كتب القتل والقتال فمن قتله الحق فإلى الله. فغضب عتبة، وفحش على جعدة فلم يجبه. وأعرض عنه. فلما انصرف عنه. جمع خيله فلم يستبق منها شيئا، وجل أصحابه السكون والازد والصدف وتهيأ جعدة بما استطاع والتقوا، فصبر القوم جميعا، وباشر جعدة يومئذ القتال بنفسه، وجزع عتبة، فأسلم خيله

وأسرع هاربا إلى معاوية، فقال له : فضحك جعدة وهزمتك لا تغسل رأسك منها أبدا. فقال : والله لقد أعذرت ولكن أبى اللّه أن يديلنا منهم، فما أصنع ! وحظي جعدة بعدها عند على (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقال النجاشي فيما كان من فحش عتبة على جعدة :

إن شتم الكريم يا عتب خطب***فاعلمنه من فاعلمنه من الخطوب

عظيم أمه أم هانئ وأبوه***من معدومن لؤى صميم

ذاك منها هبيرة بن أبى وهب أقرت بفضله مخزوم

كان في حربكم يعد بألف***حين يلقى بها القروم القروم

وابنه جعدة الخليفة منه***هكذا تنبت الفروع الأروم

كل شئ تريده فهو فيه***حسب ثاقب ودين قويم

وخطيب إذا تمعرت الاو***جه یشجی به الالد الخصيم

وحليم إذا الحبى حلها الجهل وخفت من الرجال الحلوم

و شكيم الحروب قد علم النا***س إذا حل في الحروب الشكيم

وصحيح الاديم من نغل العيب إذا كان لا يصح الاديم

حامل للعظيم في طلب الحمد إذا عظم الصغير اللتيم

ما عسى أن تقول للذهب الاحمر عيبا هيهات منك النجوم !

كل هذا بحمد ربك فيه***وسوى ذاك كان وهو فطيم

وقال الاعور الشنى في ذلك، يخاطب عتبة بن أبي سفيان :

ما زلت تظهر في عطفيك أبهة***لا يرفع الطرف منك التيه والصلف

لاتحسب القوم إلا فقع قرقرة***أو شحمة بزها شاولها نطف

حتى لقيت ابن مخزوم وأى فتى***أحيا مآثر آباءله سلفوا !

إن كان رهط أبى وهب جحاجحة***في الاولين فهذا منهم خلف

أشجاك جعدة إذ نادى فوارسه حاموا عن الدين والدنيا فما وقفوا

هلا عطفت على قوم بمصرعة***فيها السكون وفيها الازد والصدف(1).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 97.

زيد بن علي

ممن تقبل مذاهب الاسلاف في إباء الضيم وكراهية الذل واختار القتل على ذلك وأن يموت كريما، أبو الحسين زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أمه أم ولد وكان السبب في خروجه وخلعه طاعة بني مروان أنه كان يخاصم عبد اللّه بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صدقات على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هذا يخاصم عن بني حسين، وهذا عن بني حسن فتنازعا يوما عند خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم أمير المدينة، فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه فسر خالد بن عبد الملك بذلك، وأعجبه سبابهما، وقال لهما حين سكنا : اغدوا على فلست بابن عبد الملك إن لم أفصل بينكما غدا، فباتت المدينة تغلى كالمرجل، فمن قائل يقول : قال زيد كذا، وقائل يقول : قال عبد اللّه كذا فلما كان الغد جلس خالد في المسجد، وجمع الناس، فمن بين شامت ومغموم، ودعا بهما وهو يحب أن يتشاتما فذهب عبد اللّه يتكلم، فقال زيد : لا تعجل يا أبا محمد أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا، ثم أقبل على خالد فقال له : أجمعت ذرية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لامر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر، فقال خالد : أما لهذا السفيه أحد يكلمه ! فتكلم رجل من الانصار من آل عمرو بن حزم، فقال : يا بن أبى تراب ويا بن حسين السفيه ! أما ترى عليك لوال حقا ولا طاعة ! فقال زيد : اسكت أيها القحطاني، فإنا لا نجيب مثلك فقال الانصاري : ولم ترغب عنى فو اللّه إنى لخير منك، وأبى خير من أبيك، وأمى خير من أمك افتضاحك زيد، وقال : يا معشر قريش هذا الدين قد ذهب أفذهبت الاحساب ! فتكلم عبد اللّه بن واقد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب فقال : كذبت أيها القحطاني والله لهو خير منك نفسا وأبا وأما ومحتدا وتناوله بكلام كثير وأخذ كفا من الحصاء فضرب به الارض، وقال : إنه والله ما لنا على هذا من صبر، وقام فقام زيد أيضاً، وشخص من فوره إلى هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له وزيد يرفع إليه القصص، وكلما رفع إليه قصة كتب هشام في أسفلها : ارجع إلى أرضك، فيقول زيد : والله لا أرجع إلى ابن الحارث أبدا. ثم أذن له بعد حبس طويل وهشام في علية له فرقى زيد إليها، وقد أمر هشام خادما له أن يتبعه حيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول. فصعد زيد - وكان بادنا - فوقف في بعض الدرجة، فسمعه الخادم، وهو يقول : ما أحب الحياة إلا من ذل ! فأخبر الخادم هشاما

بذلك، فلما قعد زيد بين يدى هشام وحدثه حلف له على شيء، فقال هشام : لا أصدقك فقال زيد : إن اللّه لا يرفع أحدا عن أن يرضى باللّه ولم يضع أحدا عن أن يرضى بذلك منه قال له هشام : إنه بلغني أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هناك ! لانك ابن أمة، فقال زيد : إن لك جوابا، قال : تكلم، قال : إنه ليس أحد أولى بالله، ولا أرفع درجة عنده من نبى ابتعثه، وهو إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن أمة قد اختاره اللّه لنبوته، وأخرج منه خير البشر، فقال هشام : فما يصنع أخوك البقرة ! فغضب زيد، حتى كاد يخرج من إهابه، ثم قال : سماه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الباقر وتسميه أنت البقرة ! لشد ما اختلفتما ! لتخالفنه في الآخرة، كما خالفته في الدنيا فيرد الجنة وترد النار فقال هشام خذوا بيد هذا الاحمق المائق، فأخرجوه، فأخذ الغلمان بيده فأقاموه فقال هشام: احملوا هذا الخائن الاهوج إلى عامله فقال زيد : والله لئن حملتني إليه لا أجتمع أنا وأنت حيين، وليموتن الاعجل منا. فأخرج زيد وأشخص إلى المدينة، ومعه نفر يسيرونه حتى طردوه عن حدود الشام، فلما فارقوه عدل إلى العراق، ودخل الكوفة، وبايع لنفسه فأعطاه البيعة أكثر أهلها والعامل عليها وعلى العراق يومئذ يوسف بن عمر الثقفى، فكان بينهما من الحرب ما هو مذكور في كتب التواريخ وخذل أهل الكوفة زيدا، وتخلف معه ممن تابعه نفر يسير وأبلى بنفسه بلاء حسنا وجهادا عظيما، حتى أتاه سهم غرب، فأصاب جانب جبهته اليسرى، فثبت في دماغه فحين نزع منه مات (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

مما قيل من الشعر في الشيب والخضاب

أنا أستملح قول الصابي فيه :

خضاب تقاسمناه بينى وبينها ولكن شأني فيه خالف شأنها

فيا قبحه إذ حل منى بمفرقى ويا حسنه إذ حل منها بنانها

وسحقا له عن لمتى حين شأنها وأهلا به في كفها حيث زانها

وقال أبو تمام :

لعب الشيب بالمفارق بل جد فأبكى تماضرا ولعوبا


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 285.

خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد دما إن رأت شواتى خضيبا

كل داء يرجى الدواء له إلا الفظيعين ميتة ومشيبا

يا نسيب الثغام ذنبك أبقى حسناتي عند الحسان ذنوبا

ولئن عين ما رأين لقد أنكرن مستنكرا وعبن معيبا

لو رأى اللّه إن في الشيب فضلا جاورته الابرار في الخلد شيبا

وقال :

فإن يكن المشيب طغى علينا وأودى بالبشاشة والشباب

فإني لست ادفعه بشئ يكون عليه أثقل من خضاب

أردت بان ذاك وذا عذاب فسلطت العذاب على العذاب

ابن الرومي :

لم أخضب الشيب للغواني أبغى به عندهم ودادا

لكن خضابي على شباب لبست من بعده حدادا

ومن مختار ما جاء من الشعر في الشيب وإن لم يكن فيه ذكر الخضاب قول أبى تمام :

نسج المشيب له لفاعا مغدفا يققا فقنع مذرويه ونصفا

نظر الزمان إليه قطع دونه نظر الشقيق تحسرا وتلهفا

ما اسود حتى ابيض كالكرم الذى لم يبد حتى جئ كيما يقطفا

ما تفوفت الخطوب سوادها ببياضها عبثت به فتفوفا

ما كان يخطر قبل ذا في فكره للبدر قبل تمامه أن يكسفا

وقال أيضا :

غدا الهم مختطا بفودى خطة طريق الردى منها إلى الموت مهيع

هو الزور يجفى و المعاشر يجتوى وذو الالف يقلى والجديد يرقع

له منظر في العين أبيض ناصع ولكنه في القلب أسود أسفع

ونحن نرجيه على الكره والرضا وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع

وقال أيضا :

شعلة في المفارق استودعتني في صميم الاحشاء لكلا صميما

ستثير الهموم ما اكتن منها صعدا وهى تستثير الهموما

غره مرة ألا إنما كنت أغر أيام كنت بهيما

دقة في الحياة تدعى جلالا مثل ما سمى اللديغ سليما

حلمتنى زعمتم وأرانى قبل هذا التحليم كنت حليما

وقال الصابي وذكر الخضاب

خضبت مشيبي للتعلق بالصبا وأوهمت من أهواه إني لم أشب

فلما ادعى منى العذار شبيبه إذا صلعى قد صاح من فوقه كذب

فكم طرة طارت ودانت ذوائب وكم وجنة حالت وماء بها نضب

شواهد بالتزوير يحوين ربها فهجرانه عند الاحبة قد وجب

البحتري :

بان الشباب فلا عين ولا أثر إلا بقية برد منه أسمال

قد كدت أخرجه عن منتهى عددي يأسا وأسقطه إذ فات من بالي

سوء العواقب يأس قبله أمل وأعضل الداء نكس بعد إبلال

والمرء طاعة أيام تنقله تنقل الظل من حال إلى حال (1).

كيلا يسمعك سفهاء الحى

شتم رجل الاحنف بن قيس وجعل يتبعه ويشتمه فلما قرب الحى وقف وقال يا فتى إن كان قد بقى في قلبك شيء فقله كيلا يسمعك سفهاء الحي فيجيبوك (2).

القيها في بئر كي لا يغر غيرى بها

كان لبعض الخياطين جار يدفع إليه ثيابا فيخيطها ويدفع إليه اجرتها دراهم زيوفا


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 230.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 218.

فيأخذها فقام يوما من حانوته واستخلف ولده فجاء الجار بالدراهم الزائفة فدفعها إلى الولد فلم يقبلها فابدلها بدراهم جيدة فلما جاء ابوه دفع إليه الدراهم فقال ويحك هل جرى بينك وبينه امر قال نعم انه احضر الدراهم زیوفا فرددتها فاحضر هذه فقال بئس ما صنعت انه منذ كذا وكذا سنه يعاملني بالزائف واصبر عليه والقيها في بئر كي لا يغر غيرى بها (1).

لم ياتني ضيف منذ سبعة ايام

رئى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوما باكيا فقيل له لم تبكى فقال لم ياتني ضيف منذ سبعة ايام اخاف أن يكون اللّه قد أهانني (2).

دق اللّه بينكما عطر منشم

قال سعد بن أبي وقاص : أنا قد وهبت حقى من الشورى لابن عمى عبد الرحمن - وذلك لانهما من بنى زهرة ولعلم سعد أن الأمر لا يتم له - فلما لم يبق إلا الثلاثة. قال عبد الرحمن لعلى وعثمان : أيكما يخرج نفسه من الخلافة، ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين ؟ فلم يتكلم منهما أحد، فقال عبد الرحمن : أشهدكم أنني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدهما، فأمسكا، فبدأ بعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال له : أبايعك على كتاب اللّه وسنة رسول اللّه وسيرة الشيخين : أبي بكر وعمر فقال : بل على كتاب اللّه وسنة رسوله واجتهاد.رأيي. فعدل عنه ألى عثمان، فعرض ذلك عليه، فقال : نعم، فعاد إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأعاد قوله، فعل ذلك عبد الرحمن ثلاثا، فلما رأى أن عليا غير راجع عما قاله، وأن عثمان ينعم له بالاجابة صفق على يد عثمان وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين فيقال : إن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له. والله ما فعلتها إلا لانك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه دق اللّه بينكما عطر منشم. قيل : ففسد بعد ذلك ذلك بين عثمان وعبد الرحمن، فلم يكلم أحدهما صاحبه حتى مات عبد الرحمن (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 220.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 223.

3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 188.

فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما

أن عمر بن الخطاب قال لما طعن : يا أصحاب محمد تناصحوا، فإنكم إن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان. قلت : إن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد أحد الامامية قال في بعض كتبه : إنما أراد عمر بهذا القول إغراء معاوية وعمرو بن العاص بطلب الخلافة وإطماعهما فيها، لأن معاوية كان عامله وأميره على الشام، وعمرو بن العاص عامله وأميره على مصر، وخاف أن يضعف عثمان عنها، وأن تصير إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما - وهما بمصر والشام - فيتغلبا على هذين الاقليمين إن أفضت إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

رمي سعد

قالوا إن رسول اللّه لما لحمه القتال وخلص إليه وذب عنه مصعب بن عمير وأبو دجانة حتى كثرت به الجراحة جعل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : (من رجل يشرى نفسه ؟) فوثب فئة من الانصار خمسة، منهم عمارة بن زياد بن السكن فقاتل حتى أثبت، وفاءت فئة من المسلمين حتى أجهضوا أعداء الله، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعمارة بن زياد : إدن منى، حتى وسده رسول الله قدمه، وإن به لاربعة عشر جرحا حتى مات، وجعل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويأمر الناس ويحضهم على القتال وكان رجال من المشركين قد أذلقوا المسلمين بالرمي : منهم حيان بن العرقة وأبو أسامة الجشمى، فجعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول السعد : (إرم فداك أبي وأمي) فرمى حيان بن العرقة بسهم فأصاب ذيل أم أيمن وكانت جاءت يومئذ تسقى الجرحى فقلبها وانكشف ذيلها عنها، فاستغرب حيان بن العرقة ضحكا، وشق ذلك على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهما لا نصل له وقال ارم به فرمى فوضع السهم في ثغرة نحر حيان فوقع مستلقيا، وبدت عورته قال سعد: فرأيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ضحك يومئذ حتى بدت نواجذه وقال : استقاد لها سعد، أجاب اللّه دعوتك، وسدد رميتك ورمى يومئذ مالك بن زهير الجشمى أخو أبي أسامة الجشمى المسلمين رميا شديدا وكان هو وريان بن العرقة قد أسرعا في أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأكثرا فيهم القتل يستتران بالصخر ويرميان فبيناهم على ذلك أبصر سعد بن


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 99.

أبي وقاص مالك بن زهير يرمى من وراء صخرة قد رمى واطلع رأسه، فيرمية سعد فأصاب السهم عينه، حتى خرج من قفاه فترى السماء قامة، ثم رجع فسقط، فقتله اللّه عز وجل(1).

لا خير في لذة من بعدها سقر

قال بعضهم :

كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني منه الحياء وخوف اللّه والحذر

وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني منه الفكاهة والتحديث والنظر

أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم وليس لى في حرام منهم وطر

كذلك الحب لا إتيان معصية لا خير في لذة من بعدها سقر.

كثير عزة :

وإني لارضى منك يا عز بالذى لو أبصره الواشى لقرت بلابله

بلا وبالا أستطيع وبالمنى وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله

وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضى أواخره لا نلتقي وأوائله

قال آخر :

فقالت بحق اللّه إلا أتيتنا إذا كان لون الليل لون الطيالس

فجئت وما في القوم يقظان غيرها وقد نام عنها كل وال وحارس

فبتنا مبيتا طيبا نستلذه جميعا ولم أمدد لها كف لامس.

قال أبو صخر الهذلى من شعر الحماسة :

لليلة منها تعود لنا من غير ما رفث ولا أثم

أشهى إلى نفسي ولو برحت مما ملكت ومن بنى سهم

آخر :

وما نلت منها محرما غير أننى أقبل بساما من الثغر أفلجا


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 248.

والثم فاها آخذا بقرونها وأترك حاجات النفوس تحرجا

وأعف من هذا الشعر قول عبد بنى الحسحاس على فسقه :

لعمر أبيها ما صبوت ولا صبت إلى وإنى من صبا لحليم

سوی قبله استغفر اللّه ذنبها ساطعم مسكينا لها وأصوم

وقال آخر :

ومجدولة جدل العناق كأنما سنا البرق في داجى الظلام ابتسامها

ضربت لها الميعاد ليست بكنة ولا جارة يخشى على ذمامها

فلما التقينا قالت الحكم فاحتكم سوى خلة هيهات منك مرامها

فقلت معاذ اللّه أن أركب التي تبيد ويبقى في المعاد أثامها

قيس بن الخطيم :

ومثلك قد أحببت ليست بكنة ولا جارة ولا حليلة صاحب

لبعضهم :

أنا زانى اللسان والطرف ألا إن قلبي يعاف ذاك ويابي

لا يرانى الاله أشرب إلا كل ما حل شربه لى وطابا

آخر :

نلهو بهن كذا من غير فاحشة لهو الصيام بتفاح البساتين

بشار بن برد :

قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم ما في التزام ولا في قبلة حرج

من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج

و قول القائل :

أبو الطيب المتنبي :

وترى الفتوة والمروة والابوة في كل مليحة ضراتها

من الثلاث المانعاتى لذتي في خلوتي لا الخوف من تبعاتها

إنى على شغفي بما في خمرها لاعف عما في سراويلاتها (1).

متعه من جوابي هواني عنده !

أكثر رجل من سب الاحنف وهو لا يجيبه، فقال الرجل : ويلى عليه ! والله ما منعه من جوابي إلا هواني عنده !

وقال لقيط بن زرارة :

فقل لبنى سعد ومالى ومالكم***ترقون متى ما استطعتم وأعتق

غركم أنى بأحسن شيمة***بصير وأنى بالفواحش أخرق !

وأنك قد ساببتنى فقهرتني***هنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق (2).

كفيتك التقوالة

روى أن أن عمرو بن العاص قال لعتبة أن أبي سفيان يوم الحكمين : أما ترى ابن عباس قد فتح عينيه ونشر أذنيه ولو قدر أن يتكلم بهما فعل، وإن غفلة أصحابه لمجبورة بفطنته وهى ساعتنا الطولى فاكفنيه. قال عتبة بجهدي. قال : فقمت فقعدت إلى جانبه، فلما أخذ القوم في الكلام أقبلت عليه بالحديث، فقرع يدى، وقال : ليست ساعة حديث قال : فأظهرت غضبا، وقلت : يابن عباس، إن ثقتك بأحلامنا أسرعت بك إلى أعراضنا، وقد والله تقدم من قبل العذر، وكثر منا الصبر، ثم أقذعته فجاش لى مرجله وارتفعت أصواتنا، فجاء القوم فأخذوا بأيدينا فنحوه عنى ونحوني عنه، فجئت فقربت من عمرو بن العاص، فرمانى بمؤخر عينيه أي : ما صنعت ؟ فقلت : كفيتك التقوالة، فحمحم كما يحمحم الفرس للشعير. قال : وفات ابن عباس أول الكلام، فكره أن يتكلم في آخره (3).

إن المشير أشار بما تقتضيه السياسة

وقال المأمون لابراهيم بن المهدى لما ظفر به : إني قد شاورت في أمرك، فأشير


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 237.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 110.

3) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 303.

على بقتلك، إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت قتلك للازم حرمتك. فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين إن المشير أشار بما تقتضيه السياسة، وتوجيه العادة، إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو، فإن قتلت فلك نظراء، وإن عفوت فلا نظير لك. قال : قد عفوت فاذهب آمنا (1).

وورثكم حلمه الاحوص

ضل الاعشى في طريقه، فأصبح بأبيات علقمة بن علاثة فقال قائده، وقد نظر إلى قباب الادم : واسوء صباحاه يا أبا بصير ! هذه والله أبيات علقمة، فخرج فتيان الحى فقبضوا على الاعشى، فأتوا به علقمه فمثل بين يديه فقال : الحمد للّه الذي أظفرني بك من غير ذمة ولا عقد قال الأعشى : أو تدرى لم ذلك جعلت فداك ! قال : نعم لانتقم اليوم منك بتقوالك على الباطل مع إحساني إليك، قال : لا والله ولكن أظفرك اللّه بی ليبلو قدر حلمك في. فأطرق علقمه، فاندفع الاعشى فقال :

أعلقم قد صيرتني الأمور إليك***وما كان منكص

كساكم علاثة أثوابه***وورثكم حلمه الاحوص

فهب لى نفسي فدتك النفوس***فلا زلت تنمى ولا تنقص.

فقال : قد فعلت أما والله لو قلت في بعض ما قلته في عامر بن عمر، لاغنيتك طول حياتك، ولو قلت في عامر بعض ما قلته في ما أذاقك برد الحياة (2).

قال معاوية لخالد بن معمر السدوسي : على ماذا أحببت عليا قال على ثلاث : حلمه إذا غضب، وصدقه إذا قال، ووفاؤه إذا وعد (3).

حلية الرجل أوداؤه

قال جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ): لكل شيء حلية وحلية الرجل أوداؤه.

وأنشد ابن الاعرابي :


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 111.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 111.

3) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 111.

لعمرك ما مال الفتى بذخيرة***ولكن إخوان الصفاء الذخائر (1).

وقال الشاعر :

أخاك أخاك إن من لا أخا له***كساع إلى الهيجا بغير سلاح

وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه***وهل ينهض البازى بغير جناح ؟

وقال آخر :

ولن تنفك تحسد أو تعادى***فأكثر ما استطعت من الصديق

وبغضك للتقى أقل ضرا***وأسلم من مودة ذى الفسوق

ومن الشعر المنسوب إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ):

إن أخاك الحق من كان معك***ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك***شتت فيك شمله ليجمعك

ومن الشعر المنسوب إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضا :

أخوك الذى إن أجرضتك ملمة***من الدهر لم يبرح لها الدهر واجما

وليس أخوك بالذي إن تشعبت***عليك أمور ظل يلحاك لائما

وقال أعشى باهله يرثى المنتشر بن وهب :

إما سلكت سبيلا كنت سالكها***فاذهب فلا يبعدنك اللّه منتشر

من ليس في خيره شرينكده***على الصديق ولا في صفوه كدر

وقال آخر يرثى صديقا له :

أخ طالما سرنى ذكره***وأصبحت أشجى لدى ذكره

وقد كنت أغدو إلى قصره***فأصبحت أغدو إلى قبره

وكنت أراني غنيا به***عن الناس لو مد في عمره

إذا جئته طالبا حاجة***فأمري يجوز على أمره (2)


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 112.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 114.

ما كنت اظن الناس يركبون الشيطان

روى أبو العالية الشامي قال : قدم عمر الجابية على جمل أورق تلوح صلعته. ليس عليه قلنسوة تصل رجلاه بین شعبتی رحله بغير ركاب وطاؤه كساء أنبجاني كثير الصوف، وهو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل وحقيبته نمرة محشوة ليفا هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل وعليه قميص من كرابيس قد دسم وتخرق جيبه فقال : ادعوا إلي رأس القرية. فدعوه له فقال : اغسلوا قميصي هذا وخيطوه وأعيروني قميصا ريثما يجف قميصي، فأتوه بقميص كتان، فعجب منه، فقال : ما هذا قالوا : كتان. قال : وما الكتان؟ فاخبروه، فلبسه ثم غسل قميصه، وأتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه، فقال له رأس القرية : أنت ملك العرب وهذه بلاد لا يصلح بها ركوب الابل فأتى ببرذون فطرحت عليه قطيفة بغير سرج فركبه فهملج تحته فقال للناس : احبسوا، فحبسوه فقال : ما كنت اظن الناس يركبون الشيطان قبل هذا ! قدموا لي جملي فجی به فنزل عن البرذون وركبه (1).

بل يئسوا وانصرفوا

روى أن فاطمة بنت الحسين (عليهما السلام) ضربت فسطاطا على قب بعلها الحسن ابن الحسن سنة، فلما انقضت السنة قوضت الفسطاط راجعة إلى بيتها فسمعت هاتفا يقول : هل بلغوا ما طلبوا ! فأجابه هاتف آخر، بل يئسوا وانصرفوا (2).

خلاصة السقيفة

وروى أبو جعفر أيضاً في التاريخ أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما قبض اجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة، وأخرجوا سعد بن عبادة، ليولوه الخلافه وكان مريضا، فخطبهم ودعاهم إلى إعطائه الرياسة والخلافة، فأجابوه، ثم ترادوا الكلام فقالوا : فإن أبى المهاجرون، وقالوا : نحن أولياؤه وعترته ! فقال قوم من الانصار : نقول منا أمير ومنكم أمير فقال سعد: فهذا أول الوهن ! وسمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفيه أبو بكر، فأرسل إليه أن اخرج إلى فأرسل إنى مشغول فأرسل إليه عمر أن اخرج، فقد


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 37.

2) شرح نهج البلاغة ج 10 ص 287.

حدث أمر لا بد أن تحضره فخرج فأعلمه الخبر فمضيا مسرعين نحوهم، ومعهما أبو عبيدة فتكلم أبو بكر، فذكر قرب المهاجرين من رسول اللّه (صلى اللّه عليه) وأنهم أولياؤه وعترته ثم قال : نحن الامراء وانتم الوزراء، لا نفتات عليكم بمشورة، ولا نقضى دونكم الأمور. فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الانصار املکوا عليكم أمركم، فان الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم. أنتم أهل العزة والمنعة، وأولو العدد والكثره، وذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير. فقال عمر : هيهات ! لا يجتمع سيفان في غمد والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولى أمرها من كانت النبوة منهم من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته ! فقال الحباب بن المنذر : يا معشر الانصار املكوا أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد، فأنتم أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، انا ابو شبل في عريسة الاسد والله إن شئتم لنعيدنها جذعة فقال عمر : إذن يقتلك الله، قال : بل إياك يقتل فقال أبو عبيدة : يا معشر الانصار، إنكم أول من نصر، فلا تكونوا أول من بدل وغير. فقام بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فقال : يا معشر الانصار ألا إن محمدا من قريش وقومه أولى به وايم اللّه لا يرانى اللّه أنازعهم هذا الامر. فقال أبو بكر : هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم فقالا : والله لا نتولى هذا الامر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه) في الصلاة، وهي أفضل الدين ابسط يدك، فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر يا بشير عققت عقاق أ نفست على ابن عمك الامارة! فقال أسيد بن حضير رئيس الاوس لاصحابه : والله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا، فقاموا فبايعوا أبا بكر فانكس على سعد بن عبادة والخزرج ما اجتمعوا عليه وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب، ثم حمل سعد بن عبادة إلى داره فبقى أياما وأرسل إليه أبو بكر ليبايع، فقال : لا والله - حتى أرميكم بما في كنا نتى، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي ما أطاعنى وأقاتلكم بأهل بيتى ومن تبعني ولو المجتمع معكم الجن والانس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي فقال عمر لا تدعه حتى يبايع

فقال بشير بن سعد : إنه قد لج، وليس بمبايع لكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل، معه أهله وطائفة من عشيرته، ولا يضركم تركه إنما هو رجل واحد، فتركوه وجاءت أسلم فبايعت فقوى بهم جانب أبي بكر، وبايعه الناس (1).

فذاك الموت نقدا غير دين

روى عن على بن محمد النوفلي عن مشيخته، أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) مر بقوم وهم يأكلون في شهر رمضان نهارا، فقال : أسفر أم مرضى ؟ قالوا : لا ولا واحدة منهما قال : فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمة والجزية ؟ قالوا : لا، قال : فما بال الاكل في نهار رمضان ؟ فقاموا إليه، فقالوا : أنت أنت ! يومون إلى ربوبيته، فنزل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن فرسه، فألصق خده بالأرض، وقال : ويلكم ! إنما عبد من عبيد الله، فاتقوا اللّه وارجعوا إلى الاسلام فأبوا فدعاهم مرارا، فأقاموا على كفرهم فنهض إليهم، وقال شدوهم وثاقا وعلى بالفعله والنار والحطب ثم أمر بحفر بئرين فحفرتا فعجل أحداهما سربا والاخرى مكشوفة، وألقى الحطب في المكشوفة، وفتح بينهما فتحا وألقى النار في الحطب فدخن عليهم، وجعل يهتف بهم ويناشدهم ليرجعوا إلى الاسلام فأبوا، فأمر بالحطب والنار فألقى عليهم، فأحرقوا فقال الشاعر :

لترم بي المنية حيث شاءت***إذا لم ترمني في الحفرتين

إذا ماحشا حطبا بنار***فذاك الموت نقدا غیر دین

قال : فلم يبرح حتى صاروا حمما (2)

نتف من أخبار عثمان بن عفان

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف كنيته أبو عمرو، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس

بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له،

أوطأ بني أمية رقاب الناس، وولاهم الولايات وأقطعهم القطائع،


1) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 37.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 119.

وافتتحت إفريقية في أيامه فأخذ الخمس كله فوهبه المروان.

وطلب منه عبد اللّه بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم.

وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، و قد سيره ثم لم يرده أبو بكر ولا عمر، وأعطاه مائة ألف درهم.

وتصدق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزور على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان بن الحكم.

وأقطع مروان فدك، وقد كانت فاطمة (عليها السلام) طلبتها بعد وفاة أبيها صلوات اللّه عليه تارة بالميراث وتارة بالنحلة فدفعت عنها.

وحمى المراعى حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية.

وأعطى عبد اللّه بن ابی سرح جميع ما أفاء اللّه عليه من فتح إفريقية بالمغرب، وهى من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين.

وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذى أمر فيه المروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوجه ابنته أم أبان فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدى عثمان وبكي، فقال عثمان : أتبكي أن وصلت رحمى! قال : لا، ولكن أبكى لانى أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل اللّه في حياة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا، فقال : ألق المفاتيح يا بن أرقم، فإنا سنجد غيرك.

وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة، فقسمها كلها في بني أمية.

وأنكح الحارث ابن الحكم ابنته عائشة فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضاً بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنه.

وانضم إلى هذه الأمور أمور أخرى نقمها عليه المسلمون كتسيير أبي ذر (رحمه الله تعالى) إلى الربذة،

وضرب عبد اللّه بن مسعود حتى كسر أضلاعه،

وما أظهر من الحجاب والعدول عن إقامة الحدود، ورد المظالم، وكف الايدي العادية والانتصاب لسياسة الرعية،

وختم ذلك ما وجدوه من كتابه إلى معاوية يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين،

واجتمع عليه كثير من أهل المدينة مع القوم الذين وصلوا من مصر لتعديد أحداثه عليه فقتلوه (1).

أى الزوانى أفره ؟ أ زوانى رامهرمز أم زوانى أرجان ؟

كان الشراة والمسلمون في حرب المهلب وقطري يتواقفون ويتساءلون بينهم عن أمر الدين وغير ذلك، على أمان وسكون لا يهيج بعضهم بعضا، فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكرى وأبو حزابة التميمي، فقال عبيدة : يا أبا حزابة إنى أسألك عن أشياء، أ فتصدقني عنها في الجواب ؟ قال : نعم، إن ضمنت لى مثل ذلك، قال : قد فعلت، قال : فسل عما بدا لك، قال : ما تقولون في أئمتكم ؟ قال : يبيحون الدم الحرام قال : ويحك ! فكيف فعلهم في المال ؟ قال : يحبونه من غير حله وينفقونه في غير وجهه، قال : فكيف فعلهم في اليتيم ؟ قال : يظلمونه ماله ويمنعونه حقه، قال : ويحك يا أبا حزابة ! أ مثل هؤلاء تتبع ! قال : قد أجبتك، فاسمع سؤالي ودع عتابي على رأيي قال : سل، قال : أي الخمر أطيب خمر السهل أم خمر الجبل ؟ قال : ويحك ! أمثلى يسأل عن هذا ! قال : قد أوجبت على نفسك أن تجيب قال : أما إذ أبيت فإن خمر الجبل أقوى وأسكر وخمر السهل أحسن وأسلس، قال : فأى الزواني أفره ؟ أ زواني رامهرمز أم زوانى أرجان ؟ قال : ويحك ! إن مثلى لا يسأل عن هذا قال : لا بد من الجواب أو تغدر. قال : أما إذ أبيت فزوانى رامهرمز أرق أبشارا، وزوانى أرجان أحسن أدانا. قال : فأى الرجلين اشعر جرير أم الفرزدق ؟ قال : عليك وعليهما لعنة الله، قال : لا بد أن تجيب قال : أيهما الذى يقول :

وطوى الطراد مع القياد بطونها طى التجار بحضرموت برودا

قال : جرير قال : فهو أشعرهما. قال أبو الفرج : وقد كان الناس تجادلوا في أمر جرير والفرزدق في عسكر المهلب حتى تواثبوا وصاروا إليه محكمين له في ذلك، فقال : أتريدون أن أحكم بين هذين الكلبين المتهارشين فيمضغاني ! ما كنت لاحكم بينهما، ولكني أدلكم على من يحكم بينهما، ثم يهون عليه سبابهما، عليكم بالشراة


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 198.

فاسألوهم إذا تواقفتم، فلما تواقفوا سأل أبو حزابة عبيدة بن هلال عن ذلك، فأجابه بهذا الجواب (1).

اكتب لكم ما لا تضلون بعدى

قال كان ابن عباس (رحمه اللّه) يوم الخميس وما يوم الخميس ثم يبكى حتى تبل دموعه الحصباء، فقلنا له وما يوم الخميس ميس قال يوم اشتد برسول اللّه اشتد برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجعه، فقال (ائتوني باللوح والدواة - أو قال بالكتف والدواة - اكتب لكم ما لا تضلون بعدى فتنازعوا، فقال اخرجوا ولا ينبغى عند نبى أن يتنازع قالوا ما شانه اهجر استفهموه، فذهبوا يعيدون عليه فقال (دعوني فما انا فيه خير مما تدعونني إليه) ثم اوصى بثلاث ; قال (اخرجوا المشركين من جزيرة العرب واجيزوا الوفد بنحو مما كنت اجيزهم)، وسكت

عن الثالثة عمدا، أو قالها ونسيتها (2).

أم الخطاب زنجيه وتعرف بباطحلى

قدم عمرو بن العاص على عمر وكان واليا لمصر فقال له : في كم سرت قال : في عشرين قال : عمر لقد سرت سیر عاشق فقال عمرو : انى والله ما تأبطتني الاماء ولا حملتني في غبرات الماكي، فقال عمر : والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه ! وإن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل، وانما تنسب البيضة إلى طرقها فقام عمرو مربد الوجه. قلت : المالى : خرق سود يحملها النوائح ويسرن بها بأيديهن عند اللطم وأراد خرق الحيص هاهنا وشبهها بتلك، وأنكر عمر فخره بالامهات وقال : إن الفخر للاب الذى إليه النسب.

قال بن ابي الحديد وسألت النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر فقال : إن عمرا فخر على عمر لان أم الخطاب زنجيه، وتعرف بباطحلى تسمى صهاك، فقلت له : وأم عمرو النابغة امة من سبايا العرب فقال : امة عربية من عنزة سبيت في بعض الغارات فليس يلحقها من النقص عندهم ما يلحق الاماء الزنجيات. فقلت له : أكان عمرو يقدم. على عمر بمثل ما قلت ؟ قال : قد يكون بلغه عنه قول قدح في نفسه فلم يحتمله له ونفث


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 169.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 30.

بما في صدره منه، وإن لم يكن جوابا مطابقا للسؤال (1).

حديث اللدود

سالت النقيب ابا جعفر يحيى بن أبي زيد البصري عن حديث اللدود، فقلت الد على بن أبي طالب ذلك اليوم فقال معاذ اللّه لو كان لد لذكرت عائشة ذلك فيما تذكره وتنعاه عليه قال وقد كانت فاطمة حاضرة في الدار وابناها معها افتراها لدت أيضاً، ولد الحسن والحسين كلا وهذا امر لم يكن وانما هو حديث ولده من ولده تقربا إلى بعض الناس، والذى كان إن اسماء بنت عميس اشارت بان بلد وقالت هذا دواء جاءنا من ارض الحبشه جاء به جعفر بن ابی طالب، وكان بعلها وساعدتها على تصويب ذلك والاشارة به ميمونة بنت الحارث، فلد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلما افاق انكره وسال عنه فذكر له كلام اسماء، وموافقة ميمونة لها، فامر أن تلد الامرأتان لا غير، فلدتا ولم يجر غير ذلك والباطل لا يكاد يخفى على مستبصر (2).

اللهم إني أعوذ بك من هيجان الحرص

ومن دعاء اميرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو من أدعية الصحيفه : اللهم إني أعوذ بك من هيجان الحرص وسورة الغضب، وغلبه الحسد وضعف الصبر، وقلة القناعة، وشكاسة الخلق، والحاح الشهوة وملكة الحمية ومتابعة الهوى ومخالفة الهدى، وسنة الغفلة وتعاطى الكلفة، وإيثار الباطل على الحق والاصرار على المأثم، والاستكثار من المعصية، والاقلال من الطاعة، ومباهاة المكثرين والازراء على المقلين، وسوء الولاية على من تحت أيدينا، وترك الشكر لمن اصطنع العارفة عندنا، وأن نعضد ظالما، أو نخذل ملهوفا، أو نروم ما ليس لنا بحق، أو نقول بغير علم ونعوذ بك أن ننطوي على غش لاحد، وأن نعجب بأموالنا وأعمالنا، وأن نمد في آمالنا ونعوذ بك من سوء السريرة واحتقار الصغيرة وأن يستحوذ علينا الشيطان، أو يشتد لنا الزمان أو يتهضمنا السلطان، ونعوذ بك من حب الاسراف وفقدان الكفاف، ومن شماتة الأعداء والفقر إلى الاصدقاء، ومن عيشة في شدة أو موت على غير عدة ونعوذ اللهم بك من الحسرة


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 39.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 32.

العظمى والمصيبة الكبرى، ومن سواء الماب وحرمان الثواب، وحلول العقاب اللهم أعذنا من كل ذلك برحمتك ومنك وجودك، إنك على كل شئ قدير (1).

انا الزاد

قال بعضهم : رأيت امرأة مستقبلة البيت في الموسم وهى في غاية الضر والنحافة رافعة يديها تدعو فقلت لها هل لك من حاجة ؟ قالت : حاجتى أن تنادى في الموقف بقولى : تزود كل الناس زادا يقيمهم وما لى زاد والسلام على نفسي. ففعلت، وإذا أنا بفتى منهوك، فقال : أنا الزاد فمضيت به إليها فما زادوا على النظر والبكاء، ثم قالت له : انصرف مصاحبا، فقلت : ما علمت إن التقاء كما يقتصر فيه على هذا فقالت : أمسك يا فتى أما علمت إن ركوب العار ودخول النار شديد (2).

الحمد للّه بكل ما حمده أدنى ملائكته إليه

ومن دعاء امير المؤمنين وتحميده، وذكره النبي، وهو من أدعية الصحيفة أيضا : الحمد للّه بكل ما حمده أدنى ملائكته إليه وأكرم خلقه عليه، وأرضى حامد يه لديه حمدا يفضل سائر الحمد كفضل ربنا جل جلاله على خلقه. ثم له الحمد مكان كل نعمة له علينا وعلى جميع عباده الماضين والباقين عدد ما أحاط به علمه، ومن جميع الاشياء أضعافا مضاعفة أبدا سرمدا إلى يوم القيامة، وإلى ما لا نهاية له من بعد القيامة حمدا لا غاية لحده ولا حساب لعده ولا مبلغ لاعداده ولا انقطاع لاماده، حمدا يكون وصلة إلى طاعته وسببا إلى رضوانه وذريعة إلى مغفرته وطريقا إلى جنته وخفيرا من نقمته، وأمنا من غضبه وظهيرا على طاعته وحاجزا عن معصيته وعونا على تأدية حقه ووظائفه حمدا نسعد به في السعداء من أوليائه، وننتظم به في نظام الشهداء بسيوف أعدائه والحمد للّه الذي من علينا بنبيه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دون الامم الماضية، والقرون السالفة لقدرته التي لا تعجز عن شيء، وإن عظم، ولا يفوتها شئ وإن لطف اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك ونجيك من خلقك، وصفيك من عبادك، إمام الرحمة وقائد الخير ومفتاح البركة، كما نصب لامرك نفسه وعرض فيك للمكروه بدنه


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 185.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 237.

وكاشف في الدعاء إليك حاسته، وحارب في رضاك أسرته، وقطع في نصرة دينك رحمه، وأقصى الادنين على عنودهم عنك، وقرب الاقصين على استجابتهم لك، ووالى فيك الابعدين، وعاند فيك الاقربين وأدأب نفسه في تبليغ رسالتك، وأتعبها في الدعاء إلى ملتك، وشغلها بالنصح لاهل دعوتك وهاجر إلى بلاد الغربة ومحل الناي عن موطن رحله وموضع رجله ومسقط رأسه ومانس نفسه إرادة منه لاعزاز دينك، واستنصارا على أهل الكفر بك، حتى استتب له ما حاول في أعدائك، واستتم له ما دبر في أوليائك، فنهد إلى المشركين بك، مستفتحا بعونك، ومتقويا على ضعفه بنصرك، فغزاهم في عقر ديارهم، وهجم عليهم في بحبوحة قرارهم حتى ظهر أمرك، وعلت كلمتك، وقد كره المشركون اللهم فارفعه - بما كدح فيك - إلى الدرجة العليا من جنتك، حتى لا يساوى في منزلة ولا يكافاً في مرتبة، ولا يوازيه لديك ملك مقرب، ولا نبي مرسل وعرفه في أمته من حسن الشفاعة أجل ما وعدته يا نافذ العدة يا وافى القول يا مبدل السيئات بأضعافها من الحسنات، إنك ذو الفضل العظيم(1).

ما قيل في الشكر

قالوا : من سعاده المرء أن يضع معروفه عند من يشكره

ومن جيد ما قيل في الشكر قول أبي نواس :

قد قلت للعباس معتذرا***من ضعف شكريه ومعترفا

أنت امرؤ حملتني نعما***أوهت قوى شکری فقد ضعفا

فإليك منى اليوم معذرة***جاءتك بالتصريح منكشفا

لا تسدين إلى عارفة***حتى أقوم بشكر ما سلفا

وقال البحترى :

فإن أنا لم اشكر لنعماك جاهدا***فلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا. وقال أيضا :

سأجهد في شكرى لنعماك إنني***أرى الكفر للنعماء ضربا من الكفر


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 185.

وقال ابن أبى طاهر :

شکرت عليا بره وبلاءه***فقصر بی شكرى وإني لجاهد

وما أنا من شكرى عليا بواحد***ولكنه في الفضل والجود واحد

وقال أبو الفتح البستي :

لا تظنن بى وبرك حى***أن شكرى وشکر غیری موات

أنا أرض وراحتاك سحاب***والايادي وبل وشكرى نبات

وقال أيضا :

وخر لما أوليت شكرى ساجدا***ومثل الذي أوليت يعبده الشكر

البحترى :

أراك بعين المكتسى ورق الغنى***بالائك اللاتي يعددها الشكر

ويعجبني فقرى إليك ولم يكن***ليعجبني لو لا محبتك الفقر

آخر :

بدأت بمعروف وثنيت بالرضا***وثلثت بالحسنى وربعت بالكرم

وباشرت أمرى واعتنيت بحاجتي***وأخرت (لا) عنى وقدمت لى (نعم)

وصدقت لى ظني وأنجزت موعدی***وطبت به نفسا ولم تتبع الندم

فإن نحن كافأنا بشكر فواجب***وإن نحن قصرنا فما الود متهم (1)

القمر على جدارها احسن

قيل لبعض العرب ما وجدت من حب فلانه قال ارى القمر على جدارها احسن منه على جدران الناس (2).

في بعض كتب النبوات القديمة

يقال انه مكتوب في بعض كتب النبوات القديمة شوقناكم فلم تشتاقوا وزمرنا لكم فلم ترقصوا وخوفناكم فلم ترهبوا ونحنا لكم فلم تحزنوا (3)


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 116.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 234.

3) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 236.

نوروزا لنا في كل يوم إن استطعتم

دعاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض من كان يانس إليه إلى حلواء عملها يوم نوروز فاكل وقال لم عملت هذا فقال لانه يوم نوروز فضحك وقال نوروزا لنا في كل يوم إن استطعتم (1).

من الادعية المأثورة عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

من الادعية المروية عن عيسى بن مريم : اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الارض لا إله فيهما غيرك، وأنت حكيم من في السماء وحكيم من في الارض لا حكيم فيهما غيرك. وأنت ملك من في السماء وملك من في الارض لا ملك فيهما غيرك، قدرتك في السماء كقدرتك في الارض، وسلطانك كسلطانك في الارض، أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم أن تفعل بي كذا وكذا (2).

ام مسلم بن عقيل

روى المدائني قال قال معاوية يوما يوما لعقيل بن ابي طالب هل من حاجة فاقضيها لك قال نعم جارية عرضت على وابي اصحابها أن يبيعوها الا باربعين الفا فاحب معاوية أن يمازحه فقال وما تصنع بجارية قيمتها اربعون الفا وانت اعمى تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهما قال ارجو أن إطاها فتلد لي غلاما إذا اغضبته يضرب عنقك بالسيف فضحك معاوية وقال مازحناك يا ابا يزيد وأمر فابتيعت له الجارية التى اولد منها مسلما فلما انت على مسلم ثماني عشرة سنة - وقد مات عقيل ابوه - قال لمعاوية يا امير المؤمنين إن لى ارضا بمكان كذا من المدينة واني اعطيت بها مائة ألف وقد احببت أن ابيعك اياها فادفع إلى ثمنها فامر معاوية بقبض الارض ودفع الثمن إليه. فبلغ ذلك الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكتب إلى معاوية اما بعد فانك غررت غلاما من بنى هاشم فابتعت منه ارضا لا يملكها فاقبض من الغلام ما دفعته إليه واردد الينا ارضنا فبعث معاوية إلى مسلم فاخبره ذلك واقراه كتاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال اردد علينا مالنا وخذ ارضك فانك بعت ما لا تملك فقال مسلم اما دون أن اضرب راسك بالسيف فلا فاستلقى معاوية ضاحكا يضرب برجليه فقال يا بنى هذا والله كلام قاله لي ابوك حين ابتعت له امك. ثم كتب إلى الحسين


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 248.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 187.

انى قد رددت عليكم الارض وسوغت مسلما ما اخذ (1).

قال قولا مخلصا ليغفرن له

روى أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) اعتمر، فرأى رجلا متعلقا بأستار الكعبة، وهو يقول : يامن لا يشغله سمع عن سمع يامن لا تقلقه المسائل، ولا يبرمه إلحاح الملحين أذقني برد عفوك، وحلاوة مغفرتك وعذوبة عافيتك، والفوز بالجنة والنجاة من النار فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): والذي نفسي بيده إن قالها وعليه مثل السموات والارض من الذنوب قولا مخلصا ليغفرن له (2).

حول الشقشقية

أما قول ابن عباس : (ما أسفت على كلام إلى آخره)، فحدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة قال : قرأت على الشيخ أبي محمد عبد اللّه بن أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة، فلما انتهيت إلى هذا الموضع، قال لي : لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له : وهل بقى في نفس ابن عمك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف ألا يكون بلغ من كلامه ما أراد ! والله ما رجع عن الاولين ولا عن الآخرين ولا بقى في نفسه أحد لم يذكره إلا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال مصدق : وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل، قال : فقلت له : أ تقول أنها منحولة ! فقال : لا والله، وإنى لاعلم أنها كلامه كما أعلم أنك مصدق. قال فقلت له : إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضى (رحمه اللّه تعالى) فقال : إنى للرضى ولغير الرضى هذا النفس وهذا الاسلوب ! قد وقفنا على رسائل الرضى وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور، وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر : ثم قال : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضى بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها، وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضى قلت : وقد وجدت أنا كثيرا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضى بمدة


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 251.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 188.

طويلة، ووجدت أيضاً كثيرا منها في كتاب أبى جعفر بن قبة أحد متكلمي الأمامية وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب (الانصاف). وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخى (رحمه اللّه تعالى) ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضى رحمة اللّه تعالى موجودا (1).

فرفع عنهم العذاب

من الاثار المنقولة : أن اللّه تعالى غضب على أمة فأنزل عليهم العذاب، وكان فيهم ثلاثه صالحون، فخرجوا وابتهلوا إلى اللّه سبحانه فقام أحدهم فقال : اللهم إنك أمرتنا أن نعتق أرقاءنا ونحن أرقاؤك فاعتقنا، ثم جلس وقام الثاني فقال : اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا، وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا ثم جلس. وقام الثالث فقال : اللهم إنا على ثقة أنك لم تخلق خلقا أوسع من مغفرتك، فاجعل لنا في سعتها نصيبا، فرفع عنهم العذاب (2).

لم يوجس موسى

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لم يوجس موسى)، هذا كلام شريف جدا، يقول : إن موسى لما أوجس الخيفة بدلالة قوله تعالى : (فأوجس في نفسه خيفة موسى) لم يكن ذلك الخوف على نفسه، وإنما خاف من الفتنة والشبهة الداخلة على المكلفين عند إلقاء السحرة عصيهم، فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وكذلك أنا لا أخاف على نفسي من الاعداء الذين نصبوا لى الحبائل، وأرصدوا لى المكائد وسعروا على نيران الحرب، وإنما أخاف أن يفتتن المكلفون بشبههم وتمويهاتهم، فتقوى دولة الضلال، وتغلب كلمة الجهال (3).

لعن اللّه يوما كنت فيه واليا لابن الخطاب

كتب عمر إلى عمرو بن العاص وهو عامله في مصر : أما بعد فقد بلغني أنه قد ظهر


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 205.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 190.

3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 211.

لك مال من ابل وغنم وخدم وغلمان ولم يكن لك قبلة مال ولا ذلك من رزقك، فأنى لك هذا ولقد كان لى من السابقين الأولين من هو خير منك، ولكني استعملتك لغنائك فإذا كان عملك لك وعلينا بم نؤثرك على أنفسنا فاكتب إلى من أين مالك وعجل. والسلام. فكتب إليه عمرو بن العاص : قرأت كتاب أمير المؤمنين ولقد صدق فأما ما ذكره من مالی، فإني قدمت بلدة : الاسعار فيها رخيصة والغزو فيها كثير فجعلت فضول ما حصل لى من ذلك فيما ذكره أمير المؤمنين والله يا أمير المؤمنين لو كانت خيانتك لنا حلالا ما خناك حيث ائتمنتنا فأقصر عنا عناك فإن لنا أحسابا إذا رجعنا إليها أغنتنا عن العمل لك وأما من كان لك من السابقين الأولين فهلا استعملتهم ! فو اللّه ما دققت لك.بابا. فكتب إليه عمر : أما بعد فإني لست من تسطيرك وتشقيقك الكلام في شئ، إنكم معشر الامراء أكلتم الاموال واخلدتم إلى الاعذار فإنما تأكلون النار وتورثون العار وقد وجهت إليك محمد بن مسلمه ليشاطرك على ما في يديك والسلام فلما قدم إليه محمد إتخذ له طعاما وقدمه إليه فأبى أن يأكل فقال : ما لك لا تأكل طعامنا ؟ قال : إنك عملت لى طعاما هو تقدمة للشر ولو كنت عملت لى طعام الضيف لاكلته فأبعد عنى طعامك، وأحضر لى مالك. فلما كان الغد وأحضر ماله جعل محمد يأخذ شطرا ويعطى عمرا شطرا فما رأى عمرو ما حاز محمد من المال قال : يا محمد أقول ؟ قال : قل ما تشاء : قال : لعن اللّه يوما كنت فيه واليا لابن الخطاب ! والله لقد رأيته ورأيت أباه وإن على كل واحد منهما عباءة قطوانية مؤتزرا بها ما تبلغ مأبض ركبتيه وعلى عنق كل واحد منهما حزمة من حطب وإن العاص إبن وائل لفى مزررات الديباج فقال : محمد إيها يا عمرو فعمر والله خير منك، وأما أبوك وأبوه ففى النار ووالله لو لا ما دخلت فيه من الاسلام لالفيت معتلفا شاة يسرك غزرها ويسوءك بكؤها. قال : صدقت فاكتم على قال : أفعل (1).

قصيدة أبي القاسم المغربي وتعصبه للانصار على قريش

لما قدم أبو القاسم على بن الحسين المغربي من مصر إلى بغداد استكتبه شرف الدولة أبو على بن بويه وهو يومئذ سلطان الحضرة، وأمير الامراء بها، والقادر خليفة ففسدت الحال بينه وبين القادر واتفق لابي القاسم المغربي أعداء سوء أو حشوا القادر


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 43.

منه، وأوهموه أنه مع شرف الدولة في القبض عليه وخلعه من الخلافة فأطلق لسانه في ذكره بالقبيح. وأوصل القول فيه والشكوى منه، ونسبه إلى الرفض وسب السلف، وإلى كفران النعمة، وأنه هرب من يد الحاكم صاحب مصر بعد إحسانه إليه. قال النقيب أبو جعفر (رحمه اللّه تعالى) : فأما الرفض فنعم، وأما إحسان الحاكم إليه فلا كان الحاكم ! قتل أباه وعمه وأخا من إخوته وأفلت منه أبو القاسم بخديعة الدين، ولو ظفر به لالحقه بهم. قال أبو جعفر : وكان أبو القاسم المغربي، ينسب في الازد، ويتعصب لقحطان على عدنان، وللانصار على قريش وكان غاليا في ذلك مع تشيعه وكان أديبا فاضلا شاعرا مترسلا، وكثير الفنون عالما، وانحدر مع شرف الدولة إلى واسط، فاتفق أن حصل بيد القادر كتاب بخطه شبه مجموع قد جمعه من خطه وشعره وكلامه مسود أتحفه به بعض كان يشنا أبا القاسم، ويريد كيده فوجد القادر في ذلك المجموع قصيدة من شعره فيها تعصب شديد للانصار على المهاجرين حتى خرج إلى نوع من الالحاد والزندقة لافراط غلوه وفيها تصريح بالرفض مع ذلك فوجدها القادر تمره الغراب، وأبرزها إلى ديوان الخلافة، فقرئ المجموع والقصيدة بمحضر من أعيان الناس من الاشراف والقضاة والمعدلين والفقهاء، ويشهد أكثرهم أنه خطه، وأنهم يعرفونه كما يعرفون وجهه وأمر بمكاتبة شرف الدولة بذلك، فإلى أن وصل الكتاب إلى شرف الدولة بما جرى اتصل الخبر بأبي القاسم قبل وصول الكتاب إلى شرف الدولة فهرب ليلا، ومعه بعض غلمانه وجارية كان يهواها ويتحظاها ومضى إلى البطيحة ثم منها إلى الموصل، ثم إلى الشام ومات في طريقه. فأوصى أن تحمل جثته إلى مشهد على فحملت في تابوت، ومعها خفراء العرب حتى دفن بالمشهد بالقرب منه (عَلَيهِ السَّلَامُ). وكنت برهة أسال النقيب أبا جعفر عن القصيدة وهو يدافعني بها حتى أملاها على بعد حين وقد أوردت هاهنا بعضها، لاني لم أستجز ولم أستحل إيرادها على وجهها، فمن جملتها - وهو يذكر في أولها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ويقول : إنه لولا الانصار لم تستقم لدعوته دعامة ولا أرست له قاعدة في أبيات فاحشة كرهنا ذكرها :

نحن الذين بنا استجار فلم يضع***فينا، وأصبح في أعز جوار

بسيوفنا أمست سخينة بركا***في بدرها كنحائر الجزار

ولنحن في أحد سمحنا دونه***بنفوسنا للموت خوف العار

فنجا بمهجته فلولا ذبنا***عنه تنشب في مخالب ضار

وحمية السعدين بل بحماية***السدين يوم الجحفل الجرار

في الخندق المشهور إذ القى بها***بید، ورام دفاعها بثمار

قالا: معاذ اللّه إن هضيمة***لم نعطها في سالف الاعصار

ما عندنا إلا السيوف وأقبلا***نحو الحتوف بهبدار بدار

ولنا بيوم حنين آثار متی***تذکر فهن كرائم الاثار

لما تصدع جمعه فغدا بنا***مستصرخا بعقيرة وجؤار

عطفت عليه كماتنا فتحصنت***منجموع هوازن بفرار

وفدته من أبناء قيلة عصبة***شروى النقيز وجنة البقار

أفنحن أولى بالخلافة بعده***أم عبد تيم حاملو الاوزار !

ما الأمر إلا أمرنا ويسعدنا***زفت عروس الملك غير نوار !

لكنما حسد النفوس وشحها***وتذكر الاذحال والاوتار

أفضى إلى هرج ومرج فانبرت***عشواء خابطة بغير نهار

وتداولتها اربع لولا أبو***حسن لقلت لؤمت من أستار

من عاجز ضرع، ومن ذى غلظة***جاف، ومن ذى لوثة خوار

ثم ارتدى المحروم فضل ردائها***فغلت مراجل إحنه ونفار

فتأكلت تلك الجذي وتلمظت***تلك الظبا، ورقى أجيج النار

تالله لو ألقوا إليه زمامها***لمشى بهم سجحا بغیر عثار

ولو انها حلت بساحة مجده***بادی بدا سكنت بدار قرار

هو كالنبي فضيلة، لكن ذا***من حظه کاس، وهذا عار

والفضل ليس بنافع أربابه***إلا بمسعدة من الاقدار

ثم امتطاها عبد شمس فاغتدت***هزؤا وبدل ربحها بخسار

وتنقلت في عصبة أموية***ليسوا بأطهار ولا أبرار

مابين مأفون إلى متزندق***ومداهن ومضاعف وحمار (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 13.

امير المؤمنين والمزاح

قال ابن ابي الحديد أما أمير المؤمنين على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإذا نظرت إلى كتب الحديث والسير لم تجد أحدا من خلق اللّه عدوا ولا صديقا روى عنه شيئا من هذا الفن، لا قولا ولا فعلا ولم يكن جد أعظم من جده، ولا وقار أتم من وقاره، وما هزل قط ولا لعب ولا فارق الحق والناموس الديني سرا ولا جهرا وكيف يكون هازلا، ومن کلامه المشهور عنه : (ما مزح امرؤ مزحا إلا ومج معها من عقله مجة) ! ولكنه خلق على سجية لطيفة وأخلاق سهلة ووجه طلق، وقول حسن وبشر ظاهر، وذلك من فضائله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، خصائصه التي منحه اللّه بشرفها واختصه بمزيتها، وإنما كانت غلظته وفظاظته فعلا لا قولا، وضربا بالسيف لا جبها بالقول وطعنا بالسنان لا عضها باللسان كما قال الشاعر :

وتسفه أيدينا ويحلم رأينا***ونشتم بالافعال، لا بالتكلم (1).

حسن الخلق ومدحه

•

قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (خصلتان لا يجتمعان في مؤمن : البخل وسوء الخلق وقال اللّه تعالى لنبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وقال أيضا : (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).

•

وقيل لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما الشؤم ؟ فقال : سوء الخلق.

•

وصحب جابر رجلا في طريق مكة فاذاه سوء خلقه، فقال جابر : إني لارحمه، نحن، نفارقة ويبقى معه سوء خلقه !

•

وقيل لعبد اللّه بن جعفر : كيف تجاور بنى زهرة وفى أخلاقهم زعارة ؟ قال : لا يكون لي قبلهم شئ إلا تركته ولا يطلبون منى شيئا إلا أعطيتهم.

•

وفي الحديث أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : (ألا أنبئكم بشر الناس) ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه قال : من نزل وحده، ومنع رفده، وضرب عبده، ثم قال : (ألا أنبئكم بشر من ذلك) ؟ قالوا بلى قال : (من لم يقل عثرة، ولا يقبل معذرة). * وقال إبراهيم بن عباس


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 337.

الصولي : لو وزنت كلمة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمحاسن الخلق كلها لرجحت قوله : (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم).

•

وفى الخبر : (حسن الخلق زمام من رحمة اللّه في أنف صاحبه والزمام بيد الملك والملك يجره إلى الخير، والخير يجره إلى الجنة، وسوء الخلق زمام من عذاب اللّه في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان والشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار). وروى الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن الرجل يدرك (إن الرجل يدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، وإنه ليكتب جبارا ولا يملك إلا أهله).

•

وروى بينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يمشى وامرأة بين يديه فقلت : الطريق لرسول اللّه (صلى اللّه عليه) ! فقالت : (الطريق معرض، إن شاء أخذ يمينا وإن شاء أخذ شمالا. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (دعوها فإنها جبارة

•

وفي الحديث: (أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن).

•

وجاء أيضا : (المؤمن هين لين كالجمل الانف إن قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ).

•

وجاء أيضا : (ألا أخبركم باحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة ؟ أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة : الثرثارون المتفيهقون).

•

وعن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم : (إذا أراد اللّه بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب رفق).

•

وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (من أعطى حظه من الرفق أعطى حظه من خير الدنيا والآخرة).

•

وعن على (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما من شئ في الميزان أثقل من خلق حسن

•

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه.

•

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرفوعا : عليكم بحسن الخلق، فإنه في الجنة، وإياكم وسوء الخلق فإنه في النار (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 337.

والله ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبى

أن أبا الاسود الدؤلى، قال : كنت أحب لقاء أبي ذر لاسأله عن سبب خروجه إلى الربذة، فجئته فقلت له : ألا تخبرني، أخرجت من المدينة طائعا، أم أخرجت كرها ؟ فقال : كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغنى عنهم، فأخرجت إلى المدينة، فقلت : دار هجرتي وأصحابي، فأخرجت من المدينة إلى ما ترى ثم قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه)، إذ مر بي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضربني برجله : وقال : لا أراك نائما في المسجد، فقلت: بأبي أنت وأمى ! غلبتني عينى فنمت فيه. قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت : إذا ألحق بالشام، فإنها أرض مقدسة، وأرض الجهاد. قال : فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟ قلت : أرجع إلى المسجد، قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت : آخذ سيفى فأضربهم.به فقال : ألا أدلك على خير من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع. فسمعت وأطعت وأنا أسمع وأطيع، والله ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبى (1).

اقتباسات من كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قول امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كل شئ مملول إلا الحياة، فهو معنى قد طرقه الناس قديما وحديثا، قال أبو الطيب :

ولذيذ الحياة أنفس في النفس وأشهى من أن يمل وأحلى

وإذا الشيخ قال أف فمامل حياة ولكن الضعف ملا

وقال أيضا :

أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه***حريصاً عليها مستهاما بها صبا

فحب الجبان النفس أورده البقا***وحب الشجاع النفس أورده الحربا

وقال أبو العلاء :

فما رغبت في الموت كدر مسيرها***إلى الورد خمسا ثم تشر بن من أجن

يصادفن صقرا كل يوم وليلة***ويلقين شرا من مخالبه الحجن


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 260.

ولا قلقات الليل باتت كأنها***من الاين والادلاج بعض القنا اللدن

ضربن مليعا بالسنابك أربعا***إلى الماء لا يقدرن منه على معن

وخوف الردى آوى إلى الكهف أهله***وكلف نوحا وابنه عمل السفن

وما استعذبته روح موسى وآدم***وقد وعدا من بعده جنتي عدن

ولى من قصيدة أخاطب رجلين فرا في حرب :

عذرتكما إن الحمام لمبغض***وإن بقاء النفس للنفس محبوب

ويكره طعم الموت والموت طالب***فكيف يلذ الموت والموت مطلوب !

وقال أبو الطيب أيضا :

طيب هذا النسيم أوقر في الانفس أن الحمام مر لمذاق

والاسى قبل فرقة الروح عجز والاسى لا يكون بعد الفراق

البحترى :

ما أطيب الايام إلا أنها***يا صاحبي إذا مضت لم ترجع

وقال آخر :

أوفى يصفق بالجناح مغلسا***ويصيح من طرب إلى الندمان

يا طيب لذة هذه الدنياكم***لو أنها بقيت على الانسان

وقال آخر :

أرى الناس يهوون البقاء سفاهة***وذلك شئ ما إليه سبيل ومن يأمن الايام

أما بلاؤها***فجم، وأما خيرها فقليل

وقال محمد بن وهيب الحميري :

ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها***وما كنت منه فهو شئ محبب

وهذا مأخوذ من قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد قيل له : ما أكثر حب الناس للدنيا ! فقال : هم أبناؤها أيلام الانسان على حب أمه.

وقال آخر :

یا موت ما أفجاك من نازل***تنزل بالمرء على رغمه

تستلب العذراء من خدرها***وتأخذ الواحد من أمه

أبو الطيب :

وهى معشوقة على الغدر لا تحفظ عهدا ولا تتمم وصلا

كل دمع يسيل منها عليها***وبفك اليدين عنها تخلي

شيم الغانيات فيها فلا أدرى لذا أنث اسمها الناس أم لا (1).

لا يستكمل الانسان حد الانسانية إلا بالموت

قالت الفلاسفة : لا يستكمل الانسان حد الانسانية إلا بالموت لان الانسان هو الحى الناطق الميت.

وقال بعضهم الصالح إذا مات استراح والطالح إذا مات استريح منه.

وقال الشاعر :

جزى الله عنا الموت خيرا فإنه***أبربنا من كل بر وأرأف

يعجل تخليص النفوس من الأذى***ويدنى من الدار التي هي أشرف

وقال آخر :

من كان يرجو أن يعيش فإنني***أصبحت أرجوا أن أموت لاعتقا

في الموت ألف فضيلة لو أنها***عرفت لكان سبيله أن يعشقا

وقال أبو العلاء :

جسمي ونفسي لما استجمعا صنعا***شرا إلى فجل الواحد الصمد !

فالجسم يعذل فيه النفس مجتهدا***وتلك تزعم أن الظالم الجسد

إذا هما بعد طول الصحبة أفترقا***فإن ذاك لاحداث الزمان يد

وقال أبو العتاهية :

المرء يأمل أن يعيش وطول عمر قد يضره

تفنى بشاشته و يبقى بعد حلو العيش مره


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 288.

وتخونه الايام حتى لا يرى شيئا يسره

كم شامت بي إن هلكت وقائل : للّه دره !

وقال ابن المعتز :

الست تری یا صاح ما أعجب الدهرا***فلما له لكن للخالق الشكراً

لقد حبب الموت البقاء الذي أرى***فيا حتندا منى لمن يسكن القبرا (1).

يا بن اللعين الابتر

من كلام لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد وقعت بينه وبين عثمان مشاجرة، فقال المغيرة ابن الاخنس لعثمان : أنا أكفيكه، فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمغيرة : يا بن اللعين الابتر والشجرة التى لا أصل لها ولا فرع أنت تكفيني ! فو اللّه ما أعز اللّه من أنت ناصره ولا قام من أنت منهضه اخرج عنا ابعد اللّه نواك، ثم ابلغ جهدك، فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت !

والمغيرة هذا هو المغيرة بن الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبى سلمة الثقفى، حليف بنى زهرة وإنما قال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : " يابن اللعين "، لان الاخنس ابن شريق كان من أكابر المنافقين، ذكره أصحاب الحديث كلهم في المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا يوم الفتح بألسنتهم دون قلوبهم، وأعطاه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مائة من الابل من غنائم حنين يتألف بها قلبه، وابنه أبو الحكم بن الاخنس قتله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم أحد كافرا في الحرب وهو أخو المغيرة.هذا. والحقد الذي في قلب المغيرة عليه من هذه الجهة. وإنما قال له : وإنما قال له : " يابن الابتر یابن الابتر "، لان من كان عقبه ضالا خبيثا، فهو كمن لا عقب له بل من لا عقب له خير خير منه (2).

ثقيف الملعونة

•

روی أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم لعن ثقيفا.

•

وروى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : " لولا عروة بن مسعود للعنت ثقيفا ".


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 292.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 301.

•

وروى الحسن البصري أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعن ثلاث بيوت : بيتان من مكة وهما بنو أمية وبنو المغيرة وبيت من الطائف وهم ثقيف.

•

وفى الخبر المشهور المرفوع وقد ذكر ثقيفا : " بئست القبيلة ! يخرج منها كذاب " (1).

أحبكما إلى الطلق البسام

جاء في الخبر أن يحيى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقى عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعيسى متبسم فقال يحيى (عَلَيهِ السَّلَامُ):مالي أراك لاهيا كأنك آمن ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): مالي أراك عابسا

كأنك آيس ؟ فقالا : لا نبرح حتى ينزل علينا الوحى، فأوحى اللّه إليهما : أحبكما إلى الطلق البسام أحسنكما ظنا بی (2).

اخرج أبعد اللّه نواك

أن عثمان لما كثرت شكايته من على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أقبل لا يدخل إليه من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحد إلا شكي إليه عليا، فقال له زيد بن ثابت الانصاري - وكان من شيعته وخاصته : أفلا أمشى إليه فأخبره بموجدتك فيما يأتي إليك ! قال : بلى، فأتاه زيد ومعه المغيرة بن الاخنس بن شريق الثقفى - وعداده في بنى زهرة وأمه عمة عثمان بن عفان - في جماعة، فدخلوا عليه فحمد زيد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن اللّه قدم لك سلفا صالحا في الاسلام، وجعلك من الرسول بالمكان الذى أنت به، فأنت للخير كل الخير أهل وأمير المؤمنين عثمان ابن عمك ووالى هذه الامة فله عليك حقان : حق الولاية وحق القرابة وقد شكا إلينا أن عليا يعرض لى، ويرد أمرى على، وقد مشينا إليك نصيحة لك، وكراهية أن يقع بينك وبين ابن عمك أمر نكرهه لكما. قال : فحمد على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الله، وأثنى عليه وصلى على رسوله، ثم قال : أما بعد فو اللّه ما أحب الاعتراض، ولا الرد عليه إلا أن يأبى حقا للّه لا يسعنى ان أقول فيه إلا بالحق، ووالله لاكفن عنه ما وسعنى الكف. فقال المغيرة بن الأخنس وكان رجلا وقاحا، وكان من شيعة عثمان وخلصائه : إنك والله لتكفن عنه أو لتكفن، فانه أقدر عليك منك عليه ! وإنما أرسل


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 302.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 332.

هؤلاء القوم من المسلمين إعزازا لتكون له الحجة عندهم عليك. فقال له على (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا بن اللعين الابتر والشجرة التى لا أصل لها ولا فرع أنت تكفني ! فو اللّه ما أعز اللّه امرأ أنت ناصره اخرج أبعد اللّه نواك، ثم اجهد جهدك، فلا أبقى اللّه عليك ولا على أصحابك إن أبقيتم فقال له زيد : إنا والله ما جئناك لنكون عليك شهودا، ولا ليكون ممشانا إليك حجة، ولكن مشينا فيما بينكما التماس الأجر أن يصلح اللّه ذات بينكما، ويجمع کلمتكما، ثم دعا له ولعثمان، وقام فقاموا معه (1).

نسب ثقيف، وطرف من أخبارهم

وإنما قال امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): والشجرة التى لا أصل لها ولا فرع، لان ثقيفا في نسبها طعن فقال قوم من النسابين : إنهم من هوازن وهو القول الذي تزعمه الثقفيون قالوا : هو ثقيف واسمه قسى بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان ابن مضر. وعلى هذا القول جمهور الناس ويزعم آخرون أن ثقيفا من إياد بن نزار بن معد بن عدنان وأن النخع أخوه لابيه وأمه، ثم افترقا، فصار أحدهما في عداد هوازن والاخر في عداد مذحج بن مالك ابن زيد بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقد روى أبو العباس المبرد في " الكامل " لاخت الاشتر مالك بن الحارث النخعي تبكيه :

أبعد الاشتر النخعي نرجو***مكاثرة ون ونقطع بطن واد

ونصحب مذحجا بإخاء صدق***وإن ننسب فنحن ذرا إياد

ثقيف عمنا وأبو أبينا***وإخوتنا نزار أولو السداد

قال أبو العباس : وهجا يحيى بن نوفل - وكان هجاء خبيث اللسان - العريان بن الهيثم بن الاسود النخعي، وقد كان العريان تزوج امرأة اسمها وهى من ولد هانئ بن قبيصة الشيباني، وكانت قبله تحت الوليد بن عبد الملك بن مروان، فطلقها، فأنكحها إياه أخ لها يقال له زياد، فقال يحيى بن نوفل :

أعريان ما يدرى امرؤ سيل عنكم***أمن مذحج تدعون أم من إياد

فإن قلتم من مذحج إن مذحجا***لبيض الوجوه غير جد جعاد


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 302.

وأنتم صغار الهام حدل كأنما***وجوهكم مطلية بمداد

وإن قلتم الحى اليمانون أصلنا***وناصرنا في كل يوم جلاد

فأطول بإير من معد ونزوة***نزت بایاد خلف دار مراد

ضللتم كما ضلت ثقيف فمالكم***ولالهم بين القبائل هادى

لعمر بني شيبان إذ ينكحونه***زیاد لقد ما قصروا بزباد

أبعد وليد أنكحوا عبد مذحج***كمنزية عيرا خلاف جواد

وأنكحها لا في كفاء ولاغنى***زياد أضل اللّه سعی زیاد(1).

ولكن أردت أن تتشرف بى في محافل العرب

وكان المغيرة بن شعبة وهو والى الكوفة صار إلى دير هند بنت النعمان بن المنذر وهى فيه عمياء مترهبة فاستأذن عليها، فقيل لها : أمير هذه المدرة بالباب قالت : قولوا له : من ولد جبلة بن الايهم أنت ؟ قال : لا، قالت : أفمن ولد المنذر بن ماء السماء أنت ؟ قال : لا، قالت : فمن أنت ؟ قال : أنا المغيرة بن شعبة الثقفي، قالت : فما حاجتك ؟ قال : جنت خاطبا، قالت : لو كنت جئتني لجمال أو حال لاطلبنك، ولكن أردت أن تتشرف بى في محافل العرب، فتقول : نكحت ابنة النعمان بن المنذر، وإلا فأى خير في اجتماع أعور وعمياء ! فبعث إليها : كيف كان أمركم ؟ قالت : سأختصر لك الجواب، أمسينا وليس في الارض عربي إلا وهو يرهبنا أو يرغب إلينا، وأصبحنا ليس في الارض عربي إلا ونحن نرهبه ونرغب إليه. قال : فما كان أبوك يقول في ثقيف ؟ قالت : أذكر : وقد اختصم إليه رجلان منهم أحدهما ينتهى إلى إياد، والآخر إلى هوازن فقضى للايادي وقال :

إن ثقيفا لم تكن هوازنا***ولم ولم تناسب عامرا أو مازنا

فقال المغيرة أما نحن فمن بكر بن هوازن فليقل أبوك ما شاء، ثم الصرف وقال قوم آخرون : إن ثقيفا من بقايا ثمود، من العرب القديمة التي بادت وانقرضت (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 303.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 303.

يزعمون أنا من بقايا ثمود

قال الحجاج على المنبر يزعمون أنا من بقايا ثمود، فقد كذبهم اللّه بقوله : (وثمود فما أبقى). وقال مره أخرى. ولئن كنا من بقايا ثمود لما نجا مع صالح إلا خيارهم (1).

اتقنى فإنى سريع الخطفة للاحمق المتهور

قال الحجاج يوما لابي العسوس الطائي: أي أقدم أنزول ثقيف الطائف، أم نزول طيئ الجبلين ؟ فقال له أبو العسوس : إن كانت ثقيف من بكر بن هوازن فنزول طيئ الجبلين قبلها وإن كانت من بقايا ثمود فهى أقدم فقال الحجاج : اتقنى فإني سريع الخطفة للاحمق المتهور، فقال أبو العسوس - قال أبو العباس، وكان أعرابيا قحا إلا أنه لطيف الطبع، وكان الحجاج يمازحه -:

يؤديني الحجاج تأديب أهله***فلو كنت من أولاد يوسف ما عدا

وإني لاخشى ضربة ثقفية***يقدبها ممن عصاه المقلدا

على أنى مما أحاذر آمن***إذا قيل يوما قد المرء واعتدى(2)

كم قد أهمل جامعوا الصحاح من الاخبار الصحيحة

• روى أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما فر معظم أصحابه عنه يوم أحد، كثرت عليه كتائب المشركين وقصدته كتيبة من بني كنانة ثم من بني عبد مناة بن كنانة فيها بنو سفيان بن عويف، وهم خالد بن سفيان، وأبو الشعثاء بن سفيان وأبو الحمراء بن سفيان وغراب بن سفيان فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يا على إكفنى هذه الكتيبة فحمل عليها وإنها لتقارب خمسين فارسا وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) راجل، فما زال يضربها بالسيف حتى تتفرق عنه ثم تجتمع عليه هكذا مرارا حتى قتل بنى سفيان بن عويف الأربعة وتمام العشرة منها، ممن لا يعرف باسمائهم فقال جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يا محمد، إن هذه المواساة، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما يمنعه وهو منى وأنا منه

فقال جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا منكما قال : وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا يرى


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 306.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 306.

شخص الصارخ به ينادى مرارا : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على فسئل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنه، فقال هذا جبرائيل. قلت وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين وهو من الاخبار المشهورة، ووقفت عليه في بعض نسخ مغازى محمد بن إسحاق، ورأيت بعضها خاليا عنه، وسألت شيخي عبد الوهاب بن سكينة (رحمه اللّه) عن هذا الخبر فقال : خبر صحيح، فقلت : فما بال الصحاح لم تشتمل عليه قال : أو كلما كان صحيحا تشتمل عليه كتب الصحاح كم قد أهمل جامعوا الصحاح من الأخبار الصحيحة (1).

احمل رأسا قد سئمت حمله

وروى أن امرأة من الخوارج كانت مع قطرى بن الفجاءة، يقال لها أم حكيم وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجها، وأحسنهم بالدين تمسكا وخطبها جماعة منهم فردتهم ولم تجبهم فأخبر من شاهدها في الحرب أنها كانت تحمل على الناس وترتجز، فتقول :

أحمل رأسا قد سئمت حمله وقد مللت دهنه وغسله.

ألا فتى يحمل عنى ثقله

والخوارج يفدونها بالاباء والامهات فما رأينا قبلها ولا بعدها مثلها (2).

ما كل مفتون يعاتب

ما كل مفتون يعاتب هذه الكلمة قالها على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد اللّه ابن عمر لما امتنعوا من الخروج معه لحرب أصحاب الجمل، ونظيرها أو قريب منها قول أبي الطيب :

فما كل فعال يجازى بفعله***ولا كل قوال لدى يجاب

ورب کلام مر فوق مسامعي***كماطن في لفح الهجير ذباب (3)


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 250.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 170.

3) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 119.

تذل الامور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير

إذا تأملت أحوال العالم وجدت مصداق هذه الكلمة ظاهرا، نذكر لمحا

فرش مروان بن محمد - وقد لقي عبد اللّه بن على - أنطاعا وبسط عليها المال وقال : من جاءني برأس فله مائة درهم، فعجزت الحفظة والحراس عن حمايته واشتغلت طائفة من الجند بنهيه وتهافت الجيش عليه لينتهبوه فغشيهم عبد اللّه بن على بعساكره فقتل منهم مالا يحصى، وهزم الباقون.

وكسر إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن جيش أبي جعفر المنصور بياخمري وأمر أصحابه باتباعهم فحال بينهم وبين أصحاب أبي جعفر ماء ضحضاح، فكره إبراهيم وجيشه خوض ذلك الماء، وكان واسعا فأمر صاحب لوائه أن يتعرج باللواء على مسناة كانت على ذلك الماء يابسة فسلكها صاحب اللواء وهى تفضى بانعراج وانعكاس إلى الارض اليبس فلما رأى عسكر أبي جعفر أن لواء القوم قد تراجع القهقرى ظنوهم منهزمین فعطفوا عليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وجاء سهم غرب فأصاب إبراهيم فقتله.

وقد دبرت من قبل قريش في حماية العير بأن نفرت على الصعب والذلول لتدفع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن اللطيمة، فكان هلاكها في تدبيرها. وكسرت الانصار يوم أحد بأن أخرجت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن المدينة ظنا منها أن الظفر والنصرة كانت بذلك، وكان سبب عطبها وظفر قريش بها ولو أقامت بين جدران المدينة لم تظفر قريش منها بشئ.

ودبر أبو مسلم الدولة الهاشمية، وقام بها حتى كان حتفه في تدبيره. وكذلك جرى لأبي عبد اللّه المحتسب مع عبد اللّه المهدى بالمغرب. ودبر أبو القاسم بن المسلمة رئيس الرؤساء في إخراج البساسيرى عن العراق حتى كان هلاكه على يده، وكذلك أيضاً انعكس عليه تدبيره في إزاله الدولة البويهية من الدولة السلجوقية ظنا منه أنه يدفع الشر، بغير الشر فدفع الشر بما هو شر منه (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 120.

فاخذ يده فعضها حتى صاح

جاءت سرية لعبيد اللّه بن عمر إلى عمر تشکوه فقالت : يا أمير المؤمنين ألا تعذرني من أبى عيسى، قال : ومن أبو عيسى قالت : ابنك عبيد اللّه قال : ويحك وقد تكنى بأبي عيسى ! ودعاه، وقال : إيها اكتنيت بأبي عيسى ! فحذر وفزع فاخذ يده فعضها حتى صاح ثم ضربه وقال : ويلك ! هل لعيسى أب أما تدرى ما كنى العرب ؟ أبو سلمه أبو حنظله أبو عرفطة أبو مرة (1).

ليقطعوا بذلك ناحية على بن أبي طالب

قال البراء بن عازب : لم أزل لبنى هاشم محبا فلما قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خفت أن تتمالا قريش على إخراج هذا الامر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الحجرة، وأتفقد وجوه قريش، فأنى كذلك إذ فقدت أبا بكر وعمر، وإذا قائل يقول : القوم في سقيفة بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر، فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبى فأنكرت عقلي، وخرجت أشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم، والباب مغلق، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا، وقلت : قد بايع الناس لابي بكر بن أبي قحافة، فقال العباس تربت أيديكم إلى آخر الدهر، أما إنى قد أمرتكم فعصيتموني. فمكثت أكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التيهان وحذيفة وعمارا، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين. وبلغ ذلك أبا بكر وعمر فأرسلا إلى أبي عبيدة وإلى المغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأى، فقال المغير الرأى، فقال المغيرة : الرأى أن تلقوا العباس فتجعلوا له ولولده في هذه الامرة نصيبا ليقطعوا بذلك ناحية على بن أبي طالب. فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتى دخلوا على العباس، وذلك في الليلة الثانية من وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فحمد أبو بكر اللّه وأثنى عليه وقال : إن اللّه ابتعث لكم محمدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نبيا، وللمؤمنين


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 44.

وليا فمن اللّه عليهم بكونه بين ظهرانيهم، حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أمورهم ليختاروا لانفسهم متفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم واليا ولامورهم راعيا فتوليت ذلك وما أخاف بعون اللّه وتسديده وهنا ولا حيرة ولا جبنا وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب وما أنفك يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامة المسلمين، يتخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع وخطبه البديع فإما دخلتم فيما دخل فيه الناس، أو صرفتموهم عما مالوا إليه، فقد جئناك، ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيبا ولمن بعدك من عقبك، إذ كنت عم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومكان أهلك ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم وعلى رسلكم بني هاشم، فإن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منا ومنكم. فاعترض كلامه عمر وخرج إلى مذهبه في الخشونة والوعيد وإتيان الامر من أصعب جهاته، فقال : أي والله وأخرى إنا لم نأتكم حاجة إليكم، ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم وبهم فانظروا لانفسكم ولعامتهم. ثم سكت. فتكلم العباس، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : إن اللّه ابتعث محمدا نبيا، كما وصفت، ووليا للمؤمنين، فمن الله به على أمته حتى اختار له ما عنده فخلى الناس على أمرهم ليختاروا لانفسهم، مصيبين للحق مائلين عن زيغ الهوى، فإن كنت برسول اللّه طلبت فحقنا أخذت وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، ما تقدمنا في أمركم فرطا، ولا حللنا وسطا، ولا نزحنا شحطا، فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين وما أبعد قولك إنهم طعنوا من قولك أنهم مالوا إليك، وأما ما بذلت لنا، فإن يكن حقك اعطيتنا، فأمسكه عليك، وإن يكن حق المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، وإن يكن حقنا لم نرض لك ببعضه دون بعض. وما أقول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه، ولكن للحجة نصيبها من البيان. وأما قولك : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منا ومنكم، فإن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من شجرة نحن أغصانها، وأنتم جيرانها، وأما قولك : يا عمر، إنك تخاف الناس علينا، فهذا الذي قدمتموه أول ذلك، وبالله المستعان (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 219.

عندي في هذه الواقعة كلام

روى الارقم بن شرحبيل قال سالت ابن عباس (رحمه اللّه) هل اوصی رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال لا قلت فكيف كان فقال إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم قال في مرضه (ابعثوا إلى على فادعوه) فقالت عائشة لو بعثت إلى ابى بكر وقالت حفصة لو بعثت إلى عمر فاجتمعوا عنده جميعا - هكذا لفظ الخبر على ما اورده الطبري في التاريخ، ولم يقل (فبعث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اليهما) - قال ابن عباس فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (انصرفوا، فان تكن لى حاجه ابعث اليكم* فانصرفوا وقيل لرسول اللّه الصلاة فقال) مروا ابا بكر أن يصلي بالناس* فقالت عائشة إن ابا بكر رجل رقيق فمر عمر فقال مروا عمر، فقال عمر : ما كنت لا تقدم وابو بكر شاهد، فتقدم أبو بكر، فوجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خفه، فخرج، فلما سمع أبو بكر حركته تأخر، فجذب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثوبه فاقامه مكانه وقعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقرا من حيث انتهى أبو بكر.

قلت : عندي في هذه الواقعة كلام ويعترضني فيها شكوك واشتباه ; إذا كان قد اراد أن يبعث إلى على ليوصي إليه، فنفست عائشة عليه، فسالت أن يحضر ابوها، ونفست حفصة عليه فسالت أن يحضر ابوها، ثم حضرا ولم يطلبا، فلا شبهة أن ابنتيهما طلبتاهما هذا هو الظاهر، وقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد اجتمعوا كلهم عنده (انصرفوا فان تكن لى حاجة بعثت اليكم) قول من عنده ضجر وغضب باطن لحضورهما، وتهمة للنساء في استدعائهما، فكيف يطابق هذا الفعل وهذا القول ما روى من أن عائشة قالت لما عين على ابيها في الصلاة إن ابى رجل رقیق فمر عمر واين ذلك الحرص من هذا الاستعفاء والاستقالة وهذا يوهم صحة ما تقوله الشيعة من أن صلاة ابى بكر كانت عن أمر عائشة وان كنت لا اقول بذلك، ولا اذهب إليه الا إن تأمل هذا الخبر ولمح مضمونه يوهم ذلك، فلعل هذا الخبر غير صحيح. وايضا ففى الخبر ما لا يجيزه اهل العدل، وهو أن يقول (مروا ابا بكر)، ثم يقول عقيبه (مروا عمر) لان هذا نسخ الشئ قبل تقضى وقت فعله (1).

إن المنية لو تمثل مثلت مثلى

عنف محمد بن عمر بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) زيدا لما خرج، وحذره القتل، وقال


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 33.

له : إن أهل العراق خذلوا أباك عليا وحسنا وحسينا (عليهم السلام)، وإنك مقتول، وإنهم خاذلوك فلم يثن ذلك عزمه وتمثل.

بكرت تخوفني الحتوف كأنني أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل

فأجبتها إن المنية منهل لابد أن أسقى بذاك المنهل

إن المنية لو تمثل مثلت مثلى، إذا نزلوا بضيق المنزل

فاقنى حياءك لا أبالك واعلمي أنى امرؤ سأموت إن لم أقتل (1).

اللهم وسع على فانه لا يسعنى الا الكثير

روى أن عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب الجواد رقت حاله في آخر عمره لان عبد الملك جفاه فراح يوما إلى الجمعه فدعا فقال اللهم انك عودتني عادة جريت عليها فان كان ذلك قد انقضى فاقبضني اليك فلم يلحق الجمعة الأخرى. وكان الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ)يدعو فيقول (اللهم وسع على فانه لا يسعنى الا الكثير) (2).

نزول علي إلى الرقة

مضى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حتى نزل بأرض الجزيرة، فاستقبله بنو تغلب والنمر بن قاسط بجزور، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليزيد بن قيس الارحبي : يا يزيد قال : لبيك يا أمير المؤمنين ! قال : هؤلاء قومك من طعامهم فاطعم، ومن شرابهم فاشرب قال : ثم سار حتى أتى الرقة - وجل أهلها عثمانية، فروا من الكوفة إلى معاوية - فأغلقوا أبوابها دونه وتحصنوا، وكان أميرهم سماك بن مخرقة الاسدي في طاعة معاوية، وقد كان فارق عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نحو من مائة رجل من بنى إسد، ثم كاتب معاوية، وأقام بالرقة حتى لحق به سبعمائة رجل روى حبة أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما نزل على الرقة نزل بموضع يقال له البليخ على جانب الفرات فنزل راهب هناك من صومعته فقال لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى بن مريم أعرضه عليك ؟ قال : نعم، فقرأ الراهب الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم. الذى قضى فيما قضى وسطر فيما كتب أنه باعث في الاميين رسولا


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 287.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 255.

منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويدلهم على سبيل اللّه لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، أمته الحمادون الذين يحمدون اللّه على كل نشر و في كل صعود وهبوط، تذل ألسنتهم بالتكبير والتهليل، والتسبيح، وينصره اللّه على من ناوأه، فإذا توفاه اللّه اختلفت أمته من بعده، ثم اجتمعت فلبثت ما شاء الله، ثم اختلفت فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضى بالحق ولا يركس الحكم الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح والموت أهون عليه من شرب الماء على الظمان يخاف اللّه في السر وينصح له في العلانية لا يخاف في اللّه لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي من أهل هذه البلاد فامن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره، فإن القتل معه شهادة. ثم قال له : أنا مصاحبك، فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك فيكى، ثم قال : الحمد للّه الذي لم أكن عنده منسيا، الحمد للّه الذي ذكرني عنده في كتب الابرار فمضى الراهب معه فكان فيما ذكروا يتغدى مع أمير المؤمنين ويتعشى، حتى أصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اطلبوه، فلما وجدوه صلى عليه ودفنه. وقال : هذا منا أهل البيت، واستغفر له مرارا (1).

شعر في الزهد

من جيد شعر أبي نواس في الزهد :

يا بنى النقص والغير وبنى الضعف والخور

وبنى البعد في الطباع على القرب في

والشكول التى تباين في الطول والقصر

اين من كان قبلكم من ذوى الباس والخطر

سائلوا عنهم المدائن واستبحثوا الخبر سبقونا إلى الرحيل وانا لبالاثر

من مضى عبرة لنا وغدا نحن معتبر إن للموت اخذه تسبق اللمح بالبصر

فکانی بكم غدا في ثياب من المدر قد نقلتم من القصور إلى ظلمة الحفر


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 204.

حيث لا تضرب القباب عليكم ولا الحجر حيث لا تطربون منه للهو ولا سمر

رحم اللّه مسلما ذكر الموت فازدجر رحم اللّه مؤمنا خاف فاستشعر الجذر

• ومن جيد شعر الرضى ابى الحسن (رحمه اللّه) في ذكر الدنيا وتقلبها باهلها :

وهل نحن الا مرامي السهام يحفزها نابل دائب

نسر إذا جازنا طائش ونجزع إن مسنا صائب

ففى يومنا قدر لا بد وعند غد قدر واثب

طرائد تطردها النائبات ولا بد أن يدرك الطالب

ارى المرء يفعل فعل وهو غدا حما لازب

عوارى من سلب الهالكين يمد يدا نحوها السالب

لنا بالردى موعد صادق ونيل المنى موعد كاذب

حبائل للدهر مبثوثه يرد إلى جذبها الهارب

وكيف نجاوز غاياتنا وقد بلغ المورد القارب

نصبح بالكاس مجدحة ذعافا ولا يعلم الشار

• وقال أيضاً وهى من محاسن شعره:

ما اقل اعتبارنا بالزمان واشد اغترارنا بالأماني

وقفات على غرور واقدام على مزلق من الحدثان

في حروب مع الردى فكانا اليوم في هدنة مع الازمان

وكفانا مذكرا بالمنايا علمنا اننا من الحيوان

كل يوم رزية بفلان ووقوع من الردى بفلان

كم تراني اضل نفسا والهو فكانى وثقت بالوجدان

قل لهذى الهوامل استوقفي السير أو استنشدي عن الاعطان

واستقيمي قد ضمك اللقم النهج وغنى وراءك الحاديان

كم محيدا عن الطريق وقد ضرح خلج البرى وجذب العران:

ننتني جازعين من عدوة الدهر ونرتاع للمنايا الرواني

جفلة السرب في الضلام وقد ذعذع روعا من عدوة الذوبان

ثم ننسى جرح الحمام وإن كان رغيبا يا قرب ذا النسيان

كل يوم تزايل من خليط بالردى أو تباعد من دان

وسواء مضى بنا القدر الجد عجولا أو ماطل العصران.

هذه القصيدة :

وايضا من قد مررنا على الديار خشوعا وراينا البنا فاين الباني

وجهلنا الرسوم ثم علمنا فذكرنا الاوطار بالاوطان

التفاتا إلى القرون الخوالي هل ترى اليوم غير قرن فان

این رب السدير فالحيرة البيضاء ام این صاحب الايوان

والسيوف الحداد من آل بدر والقنا الصم من بنى الريان

طردتهم وقائع الدهر عن لعلع طرد السفاف عن نجران

والمواضى من آل جفنة ارسى طنبا ملكهم على الجولان

يكرعون العقار في فلق الابريز كرع الظماء في الغدران

من اباة اللعن الذين يحيون بها في معاقد التيجان

تتراء اهم الوفود بعيدا ضاربين الصدور بالاذقان

في رياض من السماح حوال وجبال من الحلوم رزان

وهم الماء لذ للناهل الظمان بردا والنار للحيران

كل مستيقظ الجنان إذا اظلم ليل النوامة المبطان

يغتدى في السباب غير شجاع ويرى في النزال غير جبان

ما ثنت عنهم المنون بدا شوكاء اطرافها من المران

عطف الدهر فرعهم فرآه بعد بعد الذرا قريب المجاني

وثنتهم بعد الجماح المنايا في عنان التسليم والاذعان

عطلت منهم المقارى وباخت في حماهم مواقد النيران

ليس يبقى على الزمان جرى في اباء أو عاجز في هوان

لا شبوب من الصوار ولا اعنق يرعى منابت العلجان

لا ولا خاضب من الربد يختال بريط احم غير يمان

برتمى وجهه الرئال إذا آنس لون الاظلام والادجان

وعقاب الملاع تلحم فرخيها بازليقة زلول القنان

نائلا في مطامح الجو هاتيك وذا في مهابط الغيطان

وهذا شعر فصيح نادر معرق في العربيه ومن شعره الجيد أيضاً في ذكر الدنيا ومصائبها :

أو ما رايت وقائع الدهر افلا تسيء الظن بالعمر

بينا الفتى كالطود تكنفه هضباته والعضب ذى الاثر

يابي الدنية في عشيرته ويجاذب الايدى على الفخر

وإذا اشار إلى قبائله حشدت عليه باوجه غر

يترادفون على الرماح فهم سيل يعب وعارض يسرى

إن نهنهوا زادوا مقاربة فكانما يدعون بالزجر

عدد النجوم إذا دعى بهم يتزاحمون تزاحم الشعر

عقدوا على الجلى مازرهم سبطى الانامل طيبي النشر

زل الزمان بوطء اخمصه ومواطئ الاقدام للعثر

نزع الاباء وكان شملته واقر اقرارا على صغر

صدع الردى أعيا تلاحمه من الحم الصدفين بالقطر

جر الجياد على الوجى ومضى امما يدق السهل بالوعر

حتى التقى بالشمس معمدة في قعر منقطع من البحر

ثم انثت كف المنون به كالضغث بين الناب والظفر

لم تشتجر عنه الرماح ولا رد القضاء بماله الدثر

جمع الجنود وراءه فكانما لاقته وهو مضيع الظهر

وبنى الحصون تمنعا فكانما امسى بمضيعة وما يدرى

وبرى المعابل للعدا فكانما لحمامة كان الذي يبرى

إن التوقى فرط معجزة فدع القضاء يقد أو يفرى

وحمى المطاعم للبقا وذى الاجال ملء فروجها تجرى

لو كان حفظ النفس ينفعنا كان الطبيب احق بالعمر

الموت داء لا دواء له سيان ما يوبى وما يمرى.

وهذا من حر الكلام وفصيحة ونادرة ولا عجب فهذه الورقة من تلك الشجرة وهذا القبس من تلك النار (1).

يا فسقة، قد والله علمت أنكم تختارون الشعر على القرآن

وروى أبو الفرج، قال : كان عبيدة بن هلال إذا تكاف الناس عن الخوارج في القتال ناداهم : ليخرج إلى بعضكم فيخرج إليه فتيان من عسكر المهلب، فيقول لهم : أيما أحب إليكم ؟ أقرأ عليكم القرآن أم أنشدكم الشعر ؟ فيقولون له : أما القرآن فقد عرفناه مثل معرفتك، ولكن تنشدنا فيقول : يا فسقة قد والله علمت أنكم تختارون الشعر على القرآن ! ثم لا يزال ينشدهم ويستنشدهم حتى يملوا ويفترقوا (2).

بطش الحجاج

لم يزل المهلب ومن معه من قواده وابن مخنف في عدد قليل عند حربه للخوارج فلم يلبثوا أن ولى الحجاج العراق. فدخل الكوفة قبل البصرة، وذلك في سنة خمس وسبعين فخطبهم الخطبة المشهورة وتهددهم، ثم نزل فقال لوجوه أهلها : ما كانت الولاة تفعل بالعصاة ؟ قالوا : كانت تضرب وتحبس، فقال : ولكن ليس لهم عندي إلا السيف، إن المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون، ولو ساعت المعصية لاهلها، ما قوتل عدو، ولا جبى فئ، ولا عز دين ثم جلس لتوجيه الناس، فقال : قد


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 260.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 171.

أجلتكم ثلاثا، وأقسم باللّه لا يتخلف أحد من أصحاب ابن مخنف بعدها إلا قتلته ثم قال لصاحب حرسه ولصاحب شرطته إذا مضت ثلاثة أيام فاشحذا سيوفكما. فجاءه عمير بن ضابئ البرجمي بابنه فقال : أصلح اللّه الامير ! إن هذا أنفع لكم منى، وهو أشد بني تميم أبدانا، وأجمعهم سلاحا، وأربطهم جاشا، وأنا شيخ كبير عليل، واستشهد جلساءه، فقال له الحجاج : إن عذرك لواضح، وإن ضعفك لبين، ولكني أكره أن يجترئ بك الناس على وبعد فأنت ابن ضابئ صاحب عثمان وأمر به فقتل فاحتمل الناس. وإن أحدهم ليتبع بزاده وسلاحه، ففى ذلك يقول عبد اللّه بن الزبير الاسدي:

أقول لعبد اللّه يوم لقيته أرى الامر أمسى منصبا متشعبا

فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا، فقال : أيها الامير، إنى من الضعف على ما ترى، ولى ابن هو أقوى على الاسفار منى، فتقبله بدلا منى، فقال الحجاج : نفعل أيها الشيخ فلما ولى قال له قائل (هو عنبسة بن سعيد الاموى) : أتدرى من هذا أيها الامير ؟ قال : لا، قال : هذا عمير بن ضابئ البرجمى الذي يقول أبوه :

هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكى حلائله

ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولا فوطئ بطنه، فكسر ضلعين من أضلاعه. فقال : ردوه، فلما رد قال له الحجاج : أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان يوم الدار ! إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحا للمسلمين يا حرسي، اضرب عنقه، (1)

لارى عجاجة لا يطفئها إلا الدم

لما اجتمع المهاجرون على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان وهو يقول : أما والله إنى لارى عجاجة لا يطفئها إلا الدم ! يا لعبد مناف فيم أبو بكر من أمركم ! اين المستضعفان ؟ أين الاذلان! يعني عليا والعباس ما بال هذا الأمر في أقل حى من.قريش ثم قال لعلى : أبسط يدك أبايعك فو اللّه إن شئت لا ملانها على أبي فضيل يعنى أبا بكر خيلا ورجلا، فامتنع عليه على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما يئس منه منه قام عنه وهو ينشد شعر


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 181.

المتلمس : ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الاذلان عير الحى والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يرثى له أحد (1).

إن الناس ليغروننا عن ديننا

دخل ابن شهاب على الوليد - أو سليمان - فقال له : يابن شهاب ما حديث يرويه أهل الشام ؟ قال : ما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : إنهم يروون أن اللّه تعالى إذا استرعى عبدا رعية كتب له الحسنات، ولم يكتب عليه السيئات، فقال كذبوا يا أمير المؤمنين أيما أقرب إلى اللّه نبى أم خليفة ! قال : بل نبي قال : فإنه تعالى يقول لنبيه داود : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) فقال سليمان إن الناس ليغروننا عن ديننا (2).

فبكى أهلك لجزعك

وقال محارب بن زياد للاعمش : وليت القضاء فبكى أهلى فلما عزلت بكى أهلى فما أدرى مم ذلك ؟ قال لانك وليت القضاء وأنت تكرهه وتجزع منه فبكى أهلك لجزعك، وعزلت عنه فكرهت العزل وجزعت فبكى أهلك لجزعك. قال : صدقت (3).

قول المعتزلة في البغاة على امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال ابن أبي الحديد : القول في البغاء عليه والخوارج، فعلى ما اذكره لك :

اما اصحاب الجمل فهم عند اصحابنا هالكون كلهم الا عائشة وطلحه والزبير، فانهم تابوا، ولو لا التوبة لحكم لهم بالنار لاصرارهم على البغى.

واما عسكر الشام بصفين فانهم هالكون كلهم عند اصحابنا لا يحكم لاحد منهم الا بالنار لاصرارهم على البغى وموتهم عليه رؤساؤهم والاتباع جميعا.

واما الخوارج فانهم مرقوا عن الدين بالخبر النبوى المجمع عليه، ولا يختلف


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 221.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

3) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

اصحابنا في انهم من اهل النار.

وجملة الأمر ان اصحابنا يحكمون بالنار لكل فاسق مات على فسقه ولا ريب في ان الباغي على الامام الحق والخارج عليه بشبهه أو بغير شبهه فاسق وليس هذا مما يخصون به علیا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلو خرج قوم من المسلمين على غيره من ائمه الاسلام العدول لكان حكمهم حكم من خرج على على (صلوات اللّه عليه).

وكان شيخنا أبو القاسم البلخى إذا ذكر عنده عبد اللّه بن الزبير يقول : لا خير فيه. وقال مرة : لا يعجبنى صلاته وصومه، وليسا بنافعين له مع قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لا يبغضك الا منافق).

وقال أبو عبد اللّه البصري لما سئل عنه : ما صح عندي انه تاب من يوم الجمل ولكنه استكثر مما كان عليه (1).

عن عبد الرحمن بن عوف هو عاقد الامر لعثمان

عن عبد الرحمن بن عوف وهو عاقد الأمر لعثمان وجالبه إليه، ومصيره في يده، يقول، وقد ذكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه : عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان عبد الرحمن يسقى منها نعمه، فمنع منها، ووصى عبد الرحمن ألا يصلى عليه عثمان، فصلى عليه الزبير - أو سعد بن أبي وقاص - وقد كان حلف لما تتابعت أحداث عثمان ألا يكلمه أبدا.

وروى لما توفى أبو ذر بالربذة تذاكر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعبد الرحمن فعل عثمان، فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : هذا عملك ! فقال عبد الرحمن : فإذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفى، إنه خالف ما أعطاني (2).

أنا إلى الامس أغسل سواتك

كان المغيرة يحدث حديث إسلامه، قال : خرجت مع قوم من بني مالك ونحن على دين الجاهلية إلى المقوقس ملك مصر، فدخلنا إلى الاسكندرية وأهدينا للملك هدايا


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 9.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 28.

كانت معنا، فكنت أهون اصحابي عليه وقبض هدايا القوم وأمر لهم بجوائز، وفضل بعضهم على بعض، وقصر بي فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له وخرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لاهلهم وهم مسرورون، ولم يعرض أحد منهم على مواساة فلما خرجوا حملوا معهم خمرا، فكانوا يشربون منها، فأشرب معهم، ونفسي تابى أن تدعني معهم، وقلت ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا وما حباهم به الملك ويخبرون قومي بتقصيره بي وازدرائه إياى ! فأجمعت على قتلهم، فقلت : إني أجد صداعا، فوضعوا شرابهم ودعوني، فقلت : رأسي يصدع، ولكن اجلسوا فأسقيكم، فلم ينكروا من أمرى شيئا، فجلست أسقيهم وأشرب القدح بعد القدح، فلما دبت الكأس فيهم اشتهوا الشراب فجعلت أصرف لهم وأترع الكأس فيشربون ولا يدرون فأهمدتهم الخمر حتى ناموا، ما يعقلون، فوثبت إليهم فقتلتهم جميعا، وأخذت جميع ما كان معهم. وقدمت المدينة فوجدت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالمسجد وعنده أبو بكر - وكان بي عارفا - فلما رأني قال : ابن أخي عروة ؟ قلت : نعم قد جئت أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول الله، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الحمد للّه : فقال أبو بكر : من مصر أقبلت ؟ قلت : نعم ؟ قال : فما فعل المالكيون الذين كانوا معك ؟ قلت: كان بينى وبينهم بعض ما يكون بين العرب ونحن على دين الشرك، فقتلتهم، وأخذت أسلابهم، وجئت بها إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لیخمسها ويرى فيها رأيه فإنها غنيمة من المشركين فقال رسول اللّه : أما إسلامك فقد قبلته ولا نأخذ من أموالهم شيئا ولا نخمسها لان هذا غدر، والغدر لا خير فيه، فأخذني ما قرب وما بعد فقلت يا رسول اللّه إنما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثم أسلمت حين دخلت إليك الساعة فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الاسلام يجب ما قبله قال : وكان قتل منهم ثلاثة عشر إنسانا واحتوى ما معهم، فبلغ ذلك ثقيفا بالطائف، فتداعوا للقتال، ثم اصطلحوا على أن حمل عمى عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية. قال : فذلك معنى قول عروة يوم الحديبية : يا غدر، أنا إلى الامس أغسل سوأتك، فلا أستطيع ان أغسلها (1).

أربعة تحتاج إلى أربعة

أردشير بن بابك : أربعة تحتاج إلى أربعة : الحسب إلى الادب والسرور إلى


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 9.

الامن والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة. الاسكندر : لا تحتقر الرأى الجزيل من الحقير، فإن الدرة لا يستهان بها لهوان غائصها (1).

فلتات عمر

واعلم أن هذه اللفظة (يعني بيعة ابي بكر فلتة) من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله اللّه تعالى عليه من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة : ولا حيلة له فيها لانه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها ولا ريب عندنا أنه كان يتعاطى أن يتلطف، وأن يخرج الفاظه مخارج حسنة لطيفة فينزع به الطبع الجاسي والغريزة الغليظة إلى امثال هذه اللفظات، ولا يقصد بها سوءا، ولا يريد بها ذما ولا تخطئة كما قدمنا من قبل في اللفظة التى قالها في مرض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكاللفظات التي قالها عام الحديبية وغير ذلك (2).

أطفأ لهيب المنافسة.

قال المأمون : ما حسدت أحدا قط إلا أبا دلف على قول الشاعر فيه

إنما الدنيا أبو دلف بين بادية ومحتضرة

فإذا ولى أبو دلف ولت الدنيا على أثره.

وروى أبو الفرج الأصبهاني عن عبدوس بن أبي دلف قال : حدثني أبي، قال : قال لى المأمون : يا قاسم، أنت الذى يقول فيك على بن جبلة.

إنما الدنيا أبو دلف، فقلت مسرعا وما ينفعني ذلك يا أمير المؤمنين مع قوله في

أبا دلف يا أكذب الناس كلهم سواى فانى في مديحك اكذب

ومع قول بكر بن النطاح في أبا دلف

أن الفقير بعينه لمن يرتجى جدوى يديك ويأمله

أرى لك بابا مغلقا متمنعا إذا فتحوه عنك فالبؤس داخله


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 41.

2) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 27.

كأنك طبل هائل الصوت معجب خلى من الخيرات تعس مداخله

وأعجب شئ فيك تسليم أمره عليك على طنز وإنك قابله

قال : فلما انصرفت قال المأمون لمن حوله : للّه دره ! حفظ هجاء نفسه حتى انتفع به عندي، وأطفأ لهيب المنافسة (1).

عبيدهم خيرا منهم

قال عمرو بن العاص لمعاوية : ما بقى من لذتك ؟ فقال : ما من شئ يصيبه الناس من اللذة إلا وقد أصبته حتى مللته، فليس شيء عندي اليوم ألذ من شربه ماء بارد في يوم صائف، ونظرى إلى بني وبناتي يدرجون حولي، فما بقى من لذتك أنت ؟ فقال : أرض اغرسها وآكل ثمرتها لم يبق لى لذة غير ذلك. فالتفت معاوية إلى وردان غلام عمرو، فقال : فما بقى من لذتك يا وريد ؟ فقال : سرور أدخله قلوب الاخوان وصنائع أعتقدها في أعناق الكرام، فقال معاوية لعمرو : تبا لمجلسي ومجلسك ! لقد غلبني وغلبك هذا العبد ثم قال : يا وردان أنا أحق بهذا منك قال : قد أمكنتك فافعل (2).

خير بئر في الارض زمزم

قوله : خير بئر في الارض زمزم، وشر بئر في الارض برهوت قال ابن قتيبة : هي بئر بحضرموت يروى أن فيها ارواح الكفار. قال : وقد ذكر أبو حاتم عن الاصمعي عن رجل من أهل حضرموت قال : نجد فيها الرائحة المنتنة الفظيعة جدا، ثم نمكث حينا فيأتينا الخبر بان عظيما من عظماء الكفار قد مات فنرى إن تلك الرائحة منه، قال : وربما سمع منها مثل أصوت الحاج، فلا يستطيع أحد أن يمشى بها (3).

لا تنكحن واحده فتحيض إذا حاضت

تكلم اعرابي فقال : لا تنكحن واحده فتحيض إذا حاضت، وتمرض إذا مرضت ولا تنكحن اثنتين فتكون بين ضرتين


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 97.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 99.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 128.

ولا تنكحن ثلاثا فتكون بين أثاف

ولا تنكحن أربعا فيفلسنك ويهرمنك، وينحلتك ويجفرنك

فقيل له لقد حرمت ما أحل اللّه

فقال : سبحان اللّه ! كوزان وقرصان وطمران وعبادة الرحمن (1).

إن اللّه أنطقه بما تورع عن ذكره

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أنا قسيم النار) قال ابن قتيبة : أراد إن الناس فريقان : فريق معى فهم على هدى وفريق على فهم على ضلالة كالخوارج ولم يجسر ابن قتيبة أن يقول (وكأهل الشام) يتورع يزعم، ثم إن اللّه أنطقه بما تورع عن ذكره، فقال متمما للكلام بقوله : فأنا قسيم النار، نصف في الجنة معى ونصف في النار، قال : وقسيم في معنى مقاسم مثل جليس وأكيل وشريب قلت قد ذكر أبو عبيد الهروي هذه الكلمة في الجمع بين الغريبين قال : وقال قوم : إنه لم يرد ما ذكره، وإنما أراد : هو قسيم النار والجنة يوم القيامة حقيقة، يقسم الامة فيقول هذا للجنة، وهذا للنار (2).

ارجعوا إلى الاسلام

عن على بن محمد النوفلي عن ابيه ومشيخته ان عليا مر بهم وهم يأكلون في شهر رمضان نهارا، فقال : أسفر أم مرضى ؟ قالوا : ولا واحدة منهما قال : أفمن أهل الكتاب أنتم ؟ قالوا : لا، قال : فما بال الاكل في شهر رمضان نهارا ! قالوا : أنت أنت ! لم يزيدوه على ذلك، ففهم مرادهم، فنزل عن فرسه فالصق خده بالتراب، ثم قال ويلكم إنما أنا عبد من عبيد اللّه فاتقوا اللّه وارجعوا إلى الاسلام، فأبوا فدعاهم مرارا، فأقاموا على أمرهم فنهض عنهم، ثم قال : شدوهم وثاقا وعلى بالفعلة والنار والحطب، ثم أمر بحفر بئرين، فحفرتا فجعل أحداهما سربا والآخر مكشوفة وألقى الحطب في المكشوفة، وفتح بينهما فتحا وألقى النار في الحطب، فدخن عليهم، وجعل يهتف بهم ويناشدهم : ارجعوا إلى الاسلام فأبوا فأمر بالحطب والنار، وألقى


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 132.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 139.

عليهم، فاحترقوا، فقال الشاعر :

لترم بي المنية حيث شاءت إذا لم ترم بى في الحفرتين

إذا ما حشتا حطبا بنار فذاك الموت نقدا غير دين

قال : فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حمما (1).

كل الناس افقه من عمر

مر عمر بشاب من بشاب من الانصار وهو ظمان فاستسقاه فخاض له عسلا فرده ولم يشرب وقال اني سمعت اللّه سبحانه يقول اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فقال الفتى انها والله ليست لك فاقرا يا امير المؤمنين ما قبلها (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) افنحن منهم فشرب وقال كل الناس افقه من عمر (2).

لا تقل له يا امير المؤمنين ولكن قل له يا أبا الحسن

ارسل طلحة والزبير إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل خروجهما إلى مكة مع محمد بن طلحة وقالا لا تقل له يا امير المؤمنين ولكن قل له يا أبا الحسن " لقد فال فيك رأينا وخاب ظننا اصلحنا لك الامر ووطدنا لك الأمرة واجلبنا على عثمان حتى قتل فلما طلبك الناس لا مرهم أسرعنا اليك وبايعناك وقدنا اليك اعناق العرب ووطئ المهاجرون والانصار اعقابنا في بيعتك حتى إذا ملكت عنانك استبددت برايك عنا ورفضتنا رفض التريكة واذلتنا اذالة (الاماء وملكت امرك الاشتر وحكيم بن جبله وغيرهما من الاعراب ونزاع الامصار فكنا فيما رجوناه منك وأملناه من ناحيتك كما قال الأول فكنت كمهريق الذي في سقائه الرقراق آل فوق رابية صلد فلما جاء محمد بن طلحة ابلغه ذاك فقال اذهب اليهما فقل لهما فما الذي يرضيكما فذهب وجاءه فقال انهما يقولان ول احدنا البصرة والاخر الكوفة فقال لاها اللّه اذن يحلم الأديم ويستشرى الفساد وتنتقض على البلاد من اقطارها والله انى لا آمنهما وهما عندي بالمدينة فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين اذهب اليهما فقل ايها


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 6.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 15.

الشيخان احذرا من سطوة اللّه ونقمته ولا تبغيا للمسلمين غائلة وكيدا وقد سمعتها قول اللّه تعالى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) فقام محمد بن طلحة فأتاهما ولم يعد إليه وتاخرا عنه اياما ثم جاءاه فاستاذناه في الخروج إلى مكة للعمرة فاذن لهما بعد أن احلفهما الا ينقضا بيعته ولا يغدرا به ولا يشقا عصا المسلمين ولا يوقعا الفرقة بينهم وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا (1).

من نحر في بدر

أول من نحر لهم أبو جهل بمر الظهران عشرا، ثم أمية بن خلف بعسفان تسعا ثم سهيل بن عمرو بقديد عشرا، ثم مالوا إلى مياه من نحو البحر ضلوا الطريق فأقاموا بها يوما، فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعا، ثم اصبحوا بالابواء فنحر لهم قيس الجمحي تسعاء ثم نحر عتبة عشرا، ونحر لهم الحارث بن عمرو تسعا ثم نحر لهم أبو البخترى على ماء بدر عشرا ونحر لهم مقيس بن ضبابة على ماء بدر تسعا، ثم شغلتهم الحرب (2).

مما قيل من الشعر في التحريض على قتل بني أمية

دخل سدیف مولی آل أبي لهب على أبي العباس بالحيرة وأبو العباس جالس على سريره وبنو هاشم دونه على الكراسي وبنو أمية حوله على وسائد قد ثنيت لهم، وكانوا في أيام دولتهم يجلسونهم والخليفة منهم على الاسرة، ويجلس بنو هاشم على الكراسي، فدخل الحاجب، فقال : يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازى أسود راكب على نجيب متلثم، يستأذن ولا يخبر باسمه، ويحلف لا يحسر اللثام عن وجهه حتى يرى أمير المؤمنين ! فقال : هذا سديف مولانا أدخله، فدخل فلما نظر إلى أبي العباس وبنو أمية حوله حسر اللثام عن وجهه ثم أنشد :

أصبح الملك ثابت الأساس بالبهاليل من بني العباس

بالصدور المقدمين قديما والبحور القماقم الرؤاس


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 16.

2) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 206.

يا إمام المطهرين من الذم ويا رأس منتهى كل راس

أنت مهدى هاشم وفتاها كم أناس رجوك بعد أناس

لا تقيلن عبد شمس عثارا واقطعن كل رقلة وغراس

أنزلوها بحيث أنزلها اللّه بدار الهوان والانعاس

خوفها أظهر التودد منها وبها منكم كحر المواسي

أقصهم أيها الخليفة واحسم عنك بالسيف شأفة الارجاس

واذكرن مصرع الحسين وزيد وقتيلا بجانب المهراس

والقتيل الذى بحران أمسى ثاويا بين غربة وتناس

فلقد ساءني وساء سوائى قربهم من نمارق وكراسى

نعم كلب الهراش مولاك شبل لو نجا من حبائل الافلاس

قال : فتغير لون أبي العباس وأخذه زمع ورعدة فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى آخر فيهم كان إلى جانبه، فقال : قتلنا والله العبد ! فأقبل أبو العباس عليهم، فقال : يا بنى الزواني لا أرى قتلاكم من أهلى قد سلفوا وأنتم أحياء تتلذذون في الدنيا، خذوهم فأخذتهم الخراسانية بالكافر كوبات، فأهمدوا إلا ما كان من عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز، فإنه استجار بداود بن على وقال إن أبى لم يكن كآبائهم، وقد علمت صنيعته إليكم فأجاره واستوهبه من السفاح وقال له قد : علمت صنيع أبيه إلينا، فوهبه له وقال : لا يرينى وجهه وليكن بحيث نأمنه وكتب إلى عماله في الآفاق بقتل بني أمية.

فأما أبو العباس المبرد فإنه روى في الكامل هذا الشعر على غير هذا الوجه ولم ينسبه إلى سديف، بل إلى شبل مولى بنى هاشم. قال أبو العباس : دخل شبل بن عبد اللّه مولى بنى هاشم على عبد اللّه بن على وقد أجلس ثمانين من بني أمية على سمط الطعام، فأنشده :

أصبح الملك ثابت الأساس بالبهاليل من بني العباس

طلبوا وتر هاشم وشفوها بعد ميل من الزمان وياس

لا تقيلن عبد شمس عثارا واقطعن كل رقلة وأواسي

ذلها أظهر التودد منها وبها منكم كحز المواسي

ولقد غاظنى وغاظ سوائى قربها من نمارق وكراسي

أنزلوها بحيث أنزلها اللّه بدار الهوان والاتعاس

واذكروا مصرع الحسين وزيد وقتلا بجانب المهراس

والقتيل الذى بحران أضحى ثاويا بين غربة وتناسي

نعم شبل الهراش مولاك شبل لو نجا من حبائل الافلاس

فأمر بهم عبد اللّه فشدخوا بالعمد وبسطت البسط عليهم، وجلس عليها، ودعا بالطعام وإنه ليسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا. وقال لشبل : لولا أنك خلطت شعرك بالمسألة لا غنمتك أموالهم ولعقدت لك على جميع موالى بني هاشم.

قال أبو العباس : الرقلة النخلة الطويلة، والاواسي : جمع آسية، وهى أصل البناء كالاساس. وقتيل المهراس : حمزة (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والمهراس : ماء بأحد. وقتيل حران : إبراهيم الامام.

قال أبو العباس : فأما سديف فإنه لم يقم هذا المقام، وإنما قام مقاما آخر، دخل على أبي العباس السفاح، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقد أعطاه يده فقبلها وأدناه، فأقبل على السفاح، وقال له :

لا يغرنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داء دويا

فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا

. فقال سليمان: ما لى ولك أيها الشيخ قتلتني قتلك اللّه ! فقام أبو العباس، فدخل وإذا المنديل قد ألقى في عنق سليمان، ثم جر فقتل. فأما سليمان بن يزيد بن عبد الملك بن مروان فقتل بالبلقاء، وحمل رأسه إلى عبد اللّه ابن على(1).

أخبار متفرقة في انتقال الملك من بني أمية إلى بنى العباس

• أرسل عبد اللّه أخاه صالح بن على ومعه عامر بن إسماعيل أحد الشيعة الخراسانية إلى مصر، فلحقوا مروان ببوصير فقتلوه وقتلوا كل من كان معه من أهله وبطانته

1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 128.

و هجموا على الكنيسة التى فيها بناته ونساؤه فوجدوا خادما بيده سيف مشهور يسابقهم على الدخول فأخذوه وسألوه عن أمره، فقال : إن أمير المؤمنين أمرني إن هو قتل أن أقتل بناته ونساءه كلهن، قبل أن تصلوا إليهن فأرادوا قتله فقال : لا تقتلوني، فإنكم إن قتلتموني فقدتم ميراث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقالوا : وما هو ؟ فأخرجهم من القرية إلى كثبان من الرمل، فقال : اكشفوا هاهنا، فإذا البردة والقضيب وقعب مخضب قد دفنها مروان ضنا بها أن تصير إلى بنى هاشم فوجه به عامر بن إسماعيل إلى صالح بن على، فوجه به صالح إلى أخيه عبد اللّه فرجه به عبد اللّه إلى أبي العباس، وتداوله خلفاء بني العباس من بعد.

•

وأدخل بنات مروان وحرمه ونساؤه على صالح بن على، فتكلمت ابنة مروان الكبرى، فقالت : يا عم أمير المؤمنين حفظ اللّه لك من أمرك ما تحب حفظه، وأسعدك في أحوالك كلها، وعمك بخواص نعمه، وشملك بالعافية في الدنيا والآخرة ! نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك فليسعنا من عدلكم ما وسعنا من جوركم قال : إذا لا نستبقي منكم أحدا لانكم قد قتلتم إبراهيم الامام وزيد بن على، ويحيى بن زيد، ومسلم بن عقيل وقتلتم خير أهل الارض حسينا وإخوته وبنيه وأهل بيته وسقتم نساءه سبايا - كما يساق ذرارى الروم - على الاقتاب إلى الشام فقالت : يا عم أمير المؤمنين فليسعنا عفوكم إذا قال : أما هذا فنعم وأن أحببت زوجتك من ابني الفضل بن صالح، قالت : يا عم أمير المؤمنين، وأى ساعة عرس ترى ! بل تلحقنا بحران، فحملهن إلى حران.

•

كان عبد الرحمن بن حبيب بن مسلمة الفهرى عامل إفريقية لمروان، فلما حدثت الحادثة، هرب عبد اللّه والعاص ابنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك إليه، فاعتصما به فخاف على نفسه منهما، ورأى ميل الناس إليهما فقتلهما، وكان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك يريد أن يقصده ويلتجئ إليه، فلما علم ما جرى لابنى الوليد بن يزيد خاف منه فقطع المجاز بين : إفريقية والاندلس، وركب البحر حتى حصل بالاندلس، فالامراء الذين ولوها كانوا من ولده. ثم زال أمرهم ودولتهم على أيدى بنى هاشم أيضاً، وهم بنو حمود الحسنيون من ولد إدريس بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ).

•

لما قتل عامر بن إسماعيل مروان ببوصير واحتوى على عسكره دخل إلى الكنيسة

التي كان فيها، فقعد على فراشه وأكل من طعامه، فقالت له ابنة مروان الكبرى - وتعرف بأم مروان يا عامر، إن دهرا أنزل مروان عن فرشه حتى أقعدك عليها، تأكل من طعامه ليلة قتله محتويا على أمره، حاكما في ملكه وحرمه وأهله، لقادر أن يغير ذلك. فأنهى هذا الكلام إلى أبى العباس السفاح، فاستهجن ما فعله عامر بن إسماعيل وكتب إليه : أما كان لك في أدب اللّه ما يزجرك أن تقعد في مثل تلك الساعة على مهاد مروان، وتأكل من طعامه ! أما والله لو لا أن أمير المؤمنين أنزل ما فعلته على غير اعتقاد منك لذلك، ولا نهم على طعام لمسك من غضبه وأليم أدبه ما يكون لك زاجرا، ولغيرك واعظا. فإذا أتاك كتاب أمير المؤمنين : فتقرب إلى اللّه بصدقة تطفئ بها غضبه، وصلاة تظهر فيها الخشوع والاستكانة له، ثلاثة أيام وتب إلى اللّه من جميع ما يسخطه ويغضبه، ومر جميع أصحابك أن يصوموا مثل صيامك ولما أتى أبو العباس برأس مروان سجد فأطال، ثم رفع رأسه وقال : الحمد للّه الذى لم يبق ثأرنا قبلك وقبل رهطك، الحمد للّه الذى أظفرنا بك وأظهرنا عليك ما أبالى متى طرقني الموت، وقد قتلت بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألفا من بني أمية وأحرقت شلو هشام بابن عمى زيد بن على كما أحرقوا شلوه ! وتمثل :

لو يشربون دمى لم يرو شاربهم ولا دماؤهم جمعا ترويني

ثم حول وجهه إلى القبلة فسجد ثانية ثم جلس فتمثل : أبي قومنا أن ينصفونا فأنصفت قواطع في أيماننا تقطر الدما إذا خالطت هام الرجال تركتها كبيض نعام في الثرى قد تحطما ثم قال : أما مروان فقتلناه بأخى إبراهيم، وقتلنا سائر بني أمية بحسين، ومن قتل معه وبعده من بني عمنا أبي طالب.

• عن الهيثم بن عدى قال : حدثني عمرو بن هانئ الطائى قال : خرجت مع عبد الله بن على النبش قبور بني أمية في أيام أبى العباس السفاح، فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك، فاستخرجناه صحيحا، ما فقدنا منه إلا عرنين أنفه، فضربه عبد اللّه بن على ثمانين سوطا ثم أحرقه واستخرجنا سليمان بن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئا إلا صلبه ورأسه وأضلاعه فأحرقناه وفعلنا مثل ذلك بغيرهما من بني أمية، وكانت قبورهم بقنسرين، ثم انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك، فما وجدنا في قبره قليلا ولا كثيرا، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شئون رأسه، ثم احتفرانا عن

يزيد بن معاوية فلم نجد منه إلا عظما واحدا، ووجدنا من موضع نحره إلى قدمه خطا واحدا أسود، كأنما خط بالرماد في طول الحده وتتبعنا قبورهم في جميع البلدان، فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم قلت : قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبى زيد العلوى بن عبد اللّه سنة خمس وستمائة وقلت له : أما إحراق هشام بإحراق زيد فمفهوم، في فما معنى جلده ثمانين سوطا ؟ فقال (رحمه اللّه تعالى) : أظن عبد اللّه بن على ذهب في ذلك إلى حد القذف لانه يقال : إنه قال لزيد : يا بن الزانية، لما سب أخاه محمدا الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فسبه زید، وقال له : سماه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الباقر وتسميه أنت البقرة ! لشد ما اختلفتما ! ولتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنة وترد النار وهذا استنباط لطيف.

•

قال مروان لكاتبه عبد الحميد بن يحيى حين أيقن بزوال ملكه : قد احتجت إلى أن تصير مع عدوى وتظهر الغدر بي ! فإن إعجابهم ببلاغتك وحاجتهم إلى كتابتك، تدعوهم إلى اصطناعك وتقريبك، فإن استطعت أن تسعى لتنفعني في حياتي، وإلا فلن تعجز عن حفظ حرمی بعد وفاتي. فقال عبد الحميد : إن الذي أشرت به هو أنفع الامرين لى، وأقبحهما بي وما عندي إلا الصبر معك حتى يفتح اللّه لك أو أقتل بين يديك، ثم أنشد : أسر وفاء ثم أظهر غدرة فمن لى بعذر يوسع الناس ظاهره ! فثبت على حاله ولم يصر إلى بنى هاشم حتى قتل مروان ثم قتل هو بعده صبرا.

•

وقال إسماعيل بن عبد اللّه القسرى دعاني مروان وقد انتهت به الهزيمة إلى حران، فقال : يا أبا هاشم - وما كان يكنيني قبلها : قد ترى ما جاء من الامر، وأنت الموثوق به ولا عطر بعد عروس ما الرأى عندك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين علام أجمعت ؟ قال : أرتحل بموالي ومن تبعني حتى آتى الدرب وأميل إلى بعض مدن الروم فأنزلها، وأكاتب ملك الروم وأستوثق منه، فقد فعل ذلك جماعة من ملوك الاعاجم، وليس هذا عارا على الملوك، فلا يزال يأتيني من الاصحاب الخائف والهارب والطامع فيكثر من معى ولا أزال على ذلك حتى يكشف اللّه أمرى وينصرني على عدوى، فلما رأيت ما أجمع عليه من ذلك، وكان الرأى ورأيت آثاره في قومه من نزار وعصبيته على قومي من قحطان، غششته فقلت : أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين من هذا الرأى أن تحكم أهل الشرك في بناتك وحرمك ! وهم الروم لا وفاء لهم، ولا يدرى ما تأتى به الايام

وإن حدث عليك حدث من أرض النصرانية - ولا يحدثن اللّه عليك إلا خيرا - ضاع من بعدك ولكن اقطع الفرات، واستنفر الشام جندا جندا، فإنك في كنف وعدة، ولك في كل جند صنائع وأصحاب إلى أن تأتى مصر، فهي أكثر أرض اللّه مالا وخيلا ورجالا، والشام أمامك، وإفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، وإن كانت الاخرى مضيت إلى إفريقية، فقال : صدقت وأستخير اللّه فقطع الفرات والله ما قطعه معه من قيس إلا رجلان : ابن حديد السلمى - وكان أخاه من الرضاعة - والكوثر بن الاسود الغنوى وغدر به سائر النزارية مع تعصبه كان لهم، فلما اجتاز ببلاد قنسرين و خناصرة أوقعوا بساقته، ووثب به أهل حمص، وصار إلى دمشق، فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الحرشي ثم العقيلي ثم أتى الاردن فوتب به هاشم بن عمرو التميمي، ثم مر بفلسطين، فوثب به أهلها، وعلم مروان أن إسماعيل بن عبد اللّه قد غشه في الرأي، ولم يمحضه النصيحة وإنه فرط في مشورته إياه إذ شاور رجلا من قحطان موتورا شائنا له وإن الرأى كان الأول الذى هم به من قطع الدرب والنزول ببعض مدن الروم ومكاتبته ملكها. ولله أمر هو بالغه !

• لما نزل مروان بالزاب جرد من رجاله ممن اختاره من أهل الشام والجزيرة وغيرها مائة ألف فارس على مائة ألف قارح ثم نظر إليهم وقال : إنها لعدة ولا تنفع العدة، إذا انقضت المدة (1).

فرار حويطب بن عبد العزى يوم الفتح

هرب حويطب بن عبد العزى فدخل حائطا بمكة وجاء أبو ذر لحاجته، فدخل الحائط فرآه فهرب حويطب، فقال أبو ذر : تعال فأنت آمن، فرجع إليه فقال : أنت آمن فاذهب حيث شئت، وإن شئت أدخلتك على رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)، وإن شئت فإلى منزلك. قال : وهل من سبيل إلى منزلي ألفى فأقتل قبل أن أصل إلى منزلي أو يدخل على منزلي فأقتل قال : فأنا أبلغ معك منزلك، فبلغ معه منزله، ثم جعل ينادى على بابه : إن حويطبا آمن فلا يهيج ثم انصرف إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأخبره فقال : أو ليس قد أمنا الناس كلهم إلا من أمرت بقتله !(2)


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 130.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 8.

فيزهد على في الامر ويتركه

عن ابن عباس قال : لما دخل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) المسجد، وجاء الناس ليبايعوه خفت أن يتكلم بعض أهل الشنان لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممن قتل أباه أو أخاه أو ذا قرابته في حياة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فيزهد على في الأمر ويتركه فكنت أرصد ذلك وأتخوفه، فلم يتكلم أحد حتى بایعه الناس كلهم راضين مسلمين غير مكرهين (1).

ما أسلموا ولكنهم استسلموا

قال نصر حدثني يونس بن الارقم، عمن حدثه من شيوخ بكر بن وائل، قال : كنا مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصفين، فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح، فقال ناس : هذا لواء عقده له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلم يزالوا يتحدثون حتى وصل ذلك إلى عل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال أتدرون ما أمر هذا اللواء ! إن عدو اللّه عمرا أخرج له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هذه الشقة، فقال : من يأخذها بما فيها ؟ فقال عمرو : وما فيها يا رسول اللّه ؟ قال : فيها ألا تقاتل بها مسلما، ولا تقربها من كافر فأخذها، فقد والله قربها من المشركين، وقاتل بها اليوم المسلمين والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أسلموا ولكنهم استسلموا وأسروا الكفر، فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه (2).

هدم على دارنا مرتين

كان الاشعث بن قيس الكندى وجرير بن عبد اللّه البجلي يبغضانه وهدم على (عَلَيهِ السَّلَامُ)دار جرير بن عبد اللّه قال إسمعيل بن جرير : هدم على دارنا مرتين (3).

ابن هبيرة المخزومى لم يستطع الكلام

واعلم إن هذا الكلام قاله امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في واقعة اقتضت أن يقوله، وذلك انه امر ابن اخته جعده بن هبيرة المخزومي أن يخطب الناس يوما، فصعد المنبر، فحصر ولم يستطع الكلام، فقام امیر المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتسنم ذروه المنبر، وخطب خطبة طويلة، ذكر الرضى (رحمه اللّه) منها هذه الكلمات (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 10.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 30.

3) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 74.

4) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 13.

إن من البيان لسحرا

وكان عمرو بن الاهتم المنقرى والزبرقان بن بدر عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فسأل (عَلَيهِ السَّلَامُ)عمرا عن الزبرقان فقال : يا رسول اللّه انه لمانع لحوزته مطاع في ادانيه فقال الزبرقان : حسدني يا رسول اللّه فقال عمرو : يا رسول اللّه انه لزمر المروءة، ضيق العطن، لئيم الخال. فنظر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى وجه عمرو، فقال : يا رسول اللّه و رضيت فقلت احسن ما علمت وغضبت فقلت اقبح ما علمت وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الاخرى فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن من البيان لسحرا (1).

كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم

لما سار مروان إلى الزاب حفر خندقا، فسار إليه أبو عون عبد اللّه بن یزید الازدي، وكان قحطبة بن شبيب قد وجهه وأمده أبو سلمة الخلال بأمداد كثيرة، فكان بإزاء مروان. ثم إن أبا العباس السفاح قال لاهله وهو بالكوفة حينئذ : من يسير إلى مروان من أهل بيتى وله ولاية العهد إن قتله ؟ فقال عبد اللّه عمه : أنا، قال : سر على بركة الله، فسار فقدم على أبي عون فتحول له أبو عون عن سرادقه وخلاه له بما فيه، ثم سأل عبد اللّه عن مخاضة في الزاب فدل عليها، فأمر قائدا من قواده فعبرها في خمسة آلاف فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا وتحاجزوا ورجع القائد بأصحابه، فعبر المخاضة إلى عسكر عبد اللّه بن على، وأصبح مروان فعقد جسرا وعبر بالجيش كله إلى عبد اللّه بن على، فكان ابنه عبد اللّه بن مروان في مقدمته وعلى الميمنة الوليد ابن معاوية بن عبد الملك بن مروان وعلى الميسرة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان وعبى عبد اللّه بن على جيشه وتراءى الجمعان فقال مروان لعبد العزيز ابن عمر : انظر، فإن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال، فإنا للّه وإنا إليه راجعون ! ثم أرسل إلى عبد اللّه ابن على يسأله الكف عن القتال نهار ذلك اليوم، فقال عبد اللّه : كذب ابن زربي إنما يريد المدافعة إلى الزوال، لا والله لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. ثم حرك أصحابه للقتال، فنادى مروان في أهل الشام : لا تبدء وهم بالحرب، فلم يسمع الوليد ابن


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 13.

معاوية منه وحمل على ميسرة عبد اللّه بن على فغضب مروان وشتمه فلم يسمع له واضطرمت الحرب، فأمر عبد اللّه الرماة أن ينزلوا ونادى : الأرض الأرض ! فنزل الناس، ورمت الرماة، وأشرعت الرماح وجثوا على الركب، فاشتد القتال، فقال مروان القضاعة : انزلوا، قالوا : حتى تنزل كندة فقال لكندة انزلوا، فقالوا : حتى تنزل السكاسك، فقال لبني سليم : انزلوا، فقالوا : حتى تنزل عامر، فقال لتميم: احملوا فقالوا : حتى تحمل بنو أسد فقال لهوازن احملوا قالوا حتى تحمل غطفان، فقال لصاحب شرطته : احمل ويلك ! قال : ما كنت لاجعل نفسي غرضا، قال : أما والله لاسوأنك، قال : وددت أن أمير المؤمنين يقدر على ذلك ! فانهزم عسکر مروان وانهزم مروان معهم، وقطع الجسر، فكان من هلك غرقا أكثر ممن هلك تحت السيف واحتوى عبد اللّه بن على على عسكر مروان بما فيه وكتب إلى أبي العباس يخبره الواقعة.

ندم قوم كثير من الانصار على بيعتة أبي بكر

لما بويع أبو بكر واستقر أمره، ندم قوم كثير من الانصار على بيعته، ولام بعضهم بعضا، وذكروا على ابن أبي طالب وهتفوا باسمه، وإنه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام، وكان أشد قريش على الانصار نفر فيهم، وهم سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل المخزوميان، وهؤلاء أشراف قريش الذين حاربوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم دخلوا في الاسلام وكلهم موتور قد وتره الانصار أما سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدخشم يوم بدر، وأما الحارث بن هشام فضربه عروة بن عمرو فجرحه يوم بدر، وهو فار عن أخيه. وأما عكرمة بن أبى جهل، فقتل أباء ابنا عفراء، وسلبه درعه يوم بدر زياد بن لبيد وفي أنفسهم ذلك. فلما اعتزلت الانصار تجمع هؤلاء.

فقام سهيل بن عمرو فقال : يا معشر قريش إن هؤلاء القوم قد سماهم اللّه الانصار، وأثنى عليهم في القرآن فلهم بذلك حظ عظيم، وشأن غالب، وقد دعوا إلى أنفسهم وإلى على بن أبى طالب وعلى في بيته لو شاء لردهم، فادعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم وإلا قاتلوهم فو اللّه إنى لارجو اللّه أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم ثم قام الحارث بن هشام فقال : إن يكن الانصار تبوأت الدار والايمان من قبل، ونقلوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى دورهم من دورنا، فاووا ونصروا، ثم ما رضوا حتى

قاسمونا الاموال وكفونا العمل، فإنهم قد لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه فإنهم قد خرجوا مما وسموا به وليس بيننا وبينهم معاتبة إلا السيف وإن نزعوا عنه فقد فعلوا الاولى بهم والمظنون معهم. ثم قام عكرمة بن أبي جهل، فقال : والله لولا قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (الائمة من قريش) ما أنكرنا إمرة الانصار، ولكانوا لها أهلا ولكنه قول لا شك فيه ولاخيار، وقد عجلت الانصار علينا والله ما قبضنا عليهم الامر ولا أخرجناهم من الشورى، وإن الذي هم فيه من فلتات الأمور ونزغات الشيطان، ومالا يبلغه المني، ولا يحمله الأمل أعذروا إلى القوم، فإن أبوا فقاتلوهم، فوالله لو لم يبق من قريش كلها إلا رجل واحد لصير اللّه هذا الأمر فيه. قال : وحضر أبو سفيان بن حرب، فقال : يا معشر قريش إنه ليس للانصار أن يتفضلوا على الناس حتى يقروا بفضلنا عليهم فإن تفضلوا فحسبنا حيث انتهى بها والا فحسبهم حيث انتهى بهم، وايم اللّه لئن بطروا المعيشة، وكفروا النعمة لنضر بنهم على الاسلام كما ضربوا عليه فأما على بن أبي طالب فأهل والله أن يسود على قريش وتطيعه الانصار. فلما بلغ الانصار قول هؤلاء الرهط قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس فقال : يا معشر الانصار، إنما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش فأما إذا كان من أهل الدنيا لاسيما من أقوام كلهم موتور، فلا يكبرن عليكم، إنما الرأى

والقول مع الاخيار المهاجرين فإن تكلمت رجال قريش الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء، فعند ذلك قولوا ما أحببتم وإلا فامسكوا وقال حسان بن ثابت يذكر ذلك :

تنادی سهيل وابن حرب وحارث***وعكرمة الشانى لنا ابن أبي جهل

قتلنا أباه وانتزعنا سلاحه***فأصبح بالبطحا أذل من النعل فأما سهيل

فناحتواه ابن واه ابن دخشم***أسيرا ذليلا لا أسيرا ذليلا لا يمر ولا يحلى

وصخر بن حرب قد قتلنا رجاله***غداة لوا بدر فمرجله بغلی

وراكضنا تحت العجاجة حارث***على ظهر جرداء كباسقة النخل

يقبلها طورا وطورا يحثها***ويعدلها بالنفس والمال والاهل

أولئك رهط من قريش تبايعوا***على خطة ليست من الخطط الفضل

وأعجب منهم قابلو ذاك منهم***كأنا اشتملنا من قريش على ذحل

وكلهم ثان عن الحق عطفه***يقول اقتلوا الانصار يا بئس من فعل

نصرنا وآوينا النبي ولم نخف***صروف الليالي والبلاء على رجل

بذلنا لهم أنصاف مال أكفنا***كقسمة أيسار الجزور من الفضل

ومن بعد ذاك المال أنصاف دورنا***وكنا أناسا لا نعير بالبخل

ونحمى ذمار الحى فهر بن مالك***ونوقد نار الحرب بالحطب الجزل

فكان جزاء الفضل منا عليهم***جهالتهم حمقا وما ذاك بالعدل ف

بلغ شعر حسان قريشا، فغضبوا وأمروا ابن أبى عزة شاعرهم أن يجيبه، فقال :

معشر الانصار خافوا ربكم***واستجيروا اللّه من شر

الفتن إنني أرهب حربا لاقحا***يشرق المرضع فيها باللبن

جرها سعد وسعد فتنة***ليت سعدبن عباد لم یکن

خلف برهوت خفيا شخصه***بين بصرى ذى رعين وجدن

یس ما قدر سعد کائنا***ما جرى البحر وما دام حضن

ليس بالقاطع منا شعرة***كيف يرجى خير أمر لم يحن

ليس بالمدرك منها أبدا غير أضغاث أمانى الوسن (1).

بايهما ابدا بالدور ام بالنخل

قال ابن أبي الزناد : كنت كاتبا لعمر بن عبد العزيز، فكان يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب في المظالم فيراجعه، فكتب إليه : انه يخيل إلى انى لو كتبت اليك أن تعطى رجلا شاة لكتبت الى : أضانا ام معزا ؟ فإذا كتبت اليك باحدهما، كتبت الى : أذكرا ام انثى وإذا كتبت اليك باحدهما كتبت الى : صغيرا ام كبيرا فإذا كتبت اليك في مظلمة فلا تراجعني والسلام.

واخذ المنصور هذا فكتب إلى سلم بن قتيبة عامله بالبصره يامره بهدم دور من خرج مع ابراهيم بن عبد اللّه بن الحسن وعقر نخلهم، فكتب إليه : بايهما ابدا بالدور ام بالنخل يا امير المؤمنين فكتب إليه : لو قلت لك بالنخل لكتبت إلى بماذا ابدا بالشهريز ام بالبرنى عزله، وولی محمد بن سلیمان (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 23.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 16.

المتنبي

بین (عَلَيهِ السَّلَامُ) اختلاف آحاد الناس فقال منهم من هو تام الرواء، لكنه ناقص العقل والرواء بالهمز والمد : المنظر الجميل ومن امثال العرب : ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل. وقال الشاعر :

عقله عقل طائر وهو في خلقة الجمل.

وقال أبو الطيب :

وما الحسن في وجه الفتى شرف له إذا لم يكن في فعله والخلائق.

وقال الآخر :

وما ينفع الفتيان حسن وجوههم إذا كانت الاخلاق غير حسان

فلا يغررنك المرء راق رواؤه فما كل مصقول الغرار يماني

ومن شعر الحماسة :

القومي ارعى للعلا من عصابه من الناس يا حار بن عمرو تسودها

وانتم سماء يعجب الناس رزها بآبدة تنحى شديد وئيدها

تقطع اطناب البيوت بحاصب واكذب شئ برقها ورعودها

فويل امها خيلا بهاء وشارة إذا لاقت الاعداء لو لا صدودها

ومنه أيضا :

وكاثر بسعد إن سعدا كثيرة ولا ترج من سعد وفاء ولا نصرا

يروعك من سعد بن زيد جسومها وتزهد فيها حين تقتلها خبرا (1)

فأعلمنا كم فيه من أسطوانة ؟

أتى ابن شبرمة بقوم يشهدون على قراح نخل فشهدوا - وكانوا عدولا - فامتحنهم فقال : كم في القراح من نخله ؟ قالوا : لا نعلم فرد شهادتهم، فقال له أحدهم : أنت أيها القاضى تقضى في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة، فأعلمنا كم فيه من أسطوانة ؟ فسكت وأجازهم (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 20.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

حجة على المنجمين

قال بعض المتكلمين لبعض المنجمين : أخبرني لو فرضنا جادة مسلوكة، وطريقا يمشى فيها الناس نهارا وليلا، وفى تلك المحجة آبار متقاربة وبين بعضها وبعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمل وتوقف حتى يتخلص من السقوط في بعض تلك الآبار، هل يجوز أن تكون سلامة من يمشى بهذا الطريق من العميان كسلامة من يمشى فيه من البصراء، والمفروض أن الطريق لا يخلو طرفة عين من مشاة فيها عميان ومبصرون ؟ وهل يجوز أن يكون عطب البصراء مقاربا لعطب العميان ؟ فقال المنجم : هذا مما لا يجوز، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان فقال المتكلم : فقد بطل قولكم، لان مسألتنا نظير هذه الصورة، فإن مثال البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم، ويميزون مساعدها من مناحسها ويتوقون بهذه المعرفة مضار الوقت والحركات ويتخطونها ويعتمدون منافعها ويقصدونها، ومثال العميان كل من لا يحسن علم النجوم ولا يقومون به من أهل العلم والعامة وهم أضعاف أضعاف عدد المنجمين. ومثال الطريق الذى فيه الابار الزمان الذي مضى ومر على الخلق أجمعين ومثال آباره مصائبه ومحنه. وقد كان يجب لو صح علم أحكام النجوم أن سلامة المنجمين أكثر، ومصائبهم أقل لانهم يتوقون المحن ويتخطونها لعلمهم بها قبل كونها، وأن تكون محن المعرضين عن علم أحكام النجوم على كثرتهم أوفر وأظهر حتى تكون سلامة كل واحد منهم هي الطريقة الغريبة، والمعلوم خلاف ذلك، فإن السلامة والمحن في الجميع متقاربة متناسبة غير متفاوته (1).

عائشة وعثمان

كل من صنف في السير والاخبار قال : إن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان حتى إنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فنصبته في منزلها، وكانت تقول للداخلين إليها : هذا ثوب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يبل، وعثمان قد أبلى سنته. قالوا : أول من سمي عثمان نعثلا عائشة، والنعثل : الكثير شعر اللحية والجسد، وكانت تقول : اقتلوا نعثلا، قتل اللّه نعثلا ! وروى المدائني في كتاب الجمل قال : لما قتل عثمان كانت


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 202.

عائشة بمكة، وبلغ قتله إليها وهى بشراف، فلم تشك في أن طلحة هو صاحب الامر، وقالت : بعدا لنعثل وسحقا ! إيه ذا الاصبع ! إيه أبا شبل ! إيه يابن عم ! لكاني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع له : حثوا الابل ودعدعوها. قال : وقد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال، وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره، ثم فسد أمره، فدفعها إلى على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

•

إن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهى بمكة، أقبلت مسرعة، وهى تقول : إيه ذا الاصبع ! للّه أبوك، أما إنهم وجدوا طلحة لها كفوا. فلما انتهت إلى شراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة الليثى، فقالت له : ما عندك ؟ قال : قتل عثمان قالت : ثم ماذا ؟ قال : ثم حارت بهم الأمور إلى خير محار بايعوا عليا فقالت : لوددت أن السماء انطبقت على الأرض إن تم هذا ويحك ! انظر ما تقول ! قال : هو ما قلت لك يا أم المؤمنين فولولت، فقال لها : ما شأنك يا أم المؤمنين ! والله ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها منه ولا أحق ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته، فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال : فما ردت عليه جوابا. قال.

•

وقد روى أن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهى بمكة قالت : أبعده اللّه ! ذلك بما قدمت يداه وما اللّه بظلام للعبيد.

•

وقد روى قيس بن أبي حازم أنه حج في العام الذى قتل فيه عثمان وكان مع عائشة لما بلغها قتله، فتحمل إلى المدينة، قال : فسمعها تقول في بعض الطريق : إيه ذا الاصبع ! وإذا ذكرت عثمان قالت : أبعده اللّه ! حتى أتاها خبر بيعة على، فقالت : لوددت أن هذه وقعت على هذه، ثم أمرت برد ركائبها إلى مكة فردت معها، ورأيتها في سيرها إلى مكة تخاطب نفسها، كأنها تخاطب أحدا : قتلوا ابن عفان مظلوما ! فقلت لها : يا أم المؤمنين، ألم أسمعك آنها تقولين : أبعده اللّه وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا ! فقالت : لقد كان ذلك، ولكني نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه.

•

وروى من طرق أخرى أنها قالت لما بلغها قتله أبعده اللّه ! قتله ذنبه، وأقاده اللّه بعمله ! يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان، كما سام أحمر ثمود قومه إن أحق الناس بهذا الامر ذو الاصبع، فلما جاءت الاخبار ببيعة على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قالت : تعسوا تعسوا

! لا يردون الأمر في تيم أبدا (1).

أنا منك أشد ضحكا

قال معاوية يوما بعد استقرار الخلافة له لعمرو بن العاص : يا أبا عبد اللّه لا أراك إلا ويغلبني الضحك. قال : بماذا ؟ قال : اذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفين فأزريت نفسك فرقا من شبا سنانه، وكشفت سوأتك له : فقال عمرو : أنا منك أشد ضحكا، إني لا ذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك، وربا لسانك في فمك، وغصصت بريقك، وارتعدت فرائصك، وبدأ منك ما أكره ذكره لك : فقال معاوية : لم يكن هذا كله، وكيف يكون ودوني عك والأشعريون ! قال : إنك لتعلم أن الذي وصفت دون ما أصابك، وقد نزل ذلك بك ودونك عك والاشعريون، فكيف كانت حالك لو جمعكما مأقط الحرب ؟ فقال : يا أبا عبد اللّه خض بنا الهزل إلى الجد، إن الجبن والفرار من على لا عار على أحد فيهما (2).

مزاح رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : إنى أمزح ولا أقول إلا (حقا

•

وجاء في الخبر أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال لامرأة من الانصار : الحقى زوجك فإن في عينه بياضا)، فسعت نحوه مرعوبة، فقال لها : ما دهاك ؟ فأخبرته، فقال : نعم إن في عينى بياضا لا لسوء، فخفضي عليك. فهذا من مزاح رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

•

وأتت عجوز من الانصار إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فسألته أن يدعو اللّه تعالى لها بالجنة فقال : (إن الجنة لا تدخلها العجز)، فصاحت، فتبسم، فقال : (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا).

وفى الخبر أيضا : أن امرأة استحملته، فقال : (إنا حاملوك إن شاء اللّه تعالى على ولد الناقة)، فجعلت تقول : يارسول اللّه : وما أصنع بولد الناقة ؟ وهل يستطيع أن يحملني ! وهو يبتسم ويقول : (لا أحملك إلا عليه) حتى قال لها أخيرا : (وهل يلد الابل إلا النوق) !


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 215.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 312.

•

وفي الخبر أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مر ببلال وهو نائم فضربه برجله وقال : أنائمه أم عمرو فقال بلال مرعوبا، فضرب بيده إلى مذاكيره، فقال له : ما بالك ؟ قال : ظننت أني تحولت امرأة. قيل : فلم يمزح رسول اللّه بعد هذه.

•

وفى الخبر أيضاً أن نخرا كان لصبي من صبيان الانصار، فطار من يده، فبكى الغلام فكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يمر به فيقول : (يا أبا عمير ما فعل النغير) ؟ والغلام يبكى وكان يمازح ابني بنته مزاحا مشهورا،

•

وكان يأخذ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيجعله على بطنه وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) نائم على ظهره ويقول له : حزقة حزقة، ترق عين بقة (1).

افتراءات ابن ابي الحديد على ام سلمة

كتب طلحة والزبير إلى عائشة وهى بمكة كتابا : أن خذلى الناس عن بيعة على وأظهري الطلب بدم عثمان، وحملا الكتاب مع ابن أختها عبد اللّه بن الزبير، فلما قرأت الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان وكانت أم سلمة (رضى اللّه عنها) بمكة في ذلك العام، فلما رأت صنع عائشة قابلتها بنقيض ذلك، وأظهرت موالاة على ونصرته على (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقتضى العداوة المركوزة في طباع الصرتين (2).

بني زهرة في يوم احد

قلت : سألت النقيب أبا جعفر ما بال بني زهرة في يوم احد فعلوا الافاعيل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهم أخواله، ابن شهاب وعتبه بن أبي وقاص ! فقال : يابن أخي حركهم أبو سفيان وهاجهم على الشر لانهم رجعوا يوم بدر من الطريق إلى مكة فلم يشهدوها، فاعترض عيرهم ومنعهم عنها، وأغرى بها سفهاء أهل مكة، فعيروهم برجوعهم، ونسبوهم إلى الجبن وإلى الأدهان في أمر محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، واتفق أنه كان فيهم مثل هذين الرجلين، فوقع منهما يوم أحد ما وقع (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 330.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 216.

3) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 6.

إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر

روی محمد بن حبيب في أماليه أن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) حج خمس عشرة حجة ماشيا تقاد الجنائب معه، وخرج من ماله مرتين، وقاسم اللّه عز وجل ثلاث مرات ماله، حتى أنه كان يعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطي خفا، ويمسك خفا، وروى أبو جعفر محمد بن حبيب أيضاً أن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعطى شاعرا، فقال له رجل من جلسائه : سبحان اللّه ! أ تعطي شاعرا يعصي الرحمن، ويقول البهتان ! فقال : يا عبد الله، إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك وإن من ابتغاء الخير اتقاء الشر (1).

الشجاعة واليخل

ما رأينا شجاعا جوادا قط كان عبد اللّه بن الزبير شجاعا وكان أبخل الناس وكان الزبير أبوه شجاعا وكان شحيحا، قال له عمر : لو وليتها لظلت تلاطم الناس في البطحاء على الصاع والمد. وأراد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يحجر على عبد اللّه بن جعفر لتبذيره المال فاحتال لنفسه، فشارك الزبير في أمواله وتجاراته، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما إنه قد لاذ بملاذ، ولم يحجر عليه. وكان طلحة شجاعا وكان شحيحا، أمسك عن الانفاق حتى خلف من الاموال ما لا يأتي عليه الحصر. وكان عبد الملك شجاعا وكان شحيحا، يضرب به المثل في الشح، وسمي رشح الحجر، لبخله، وقد علمت حال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الشجاعة والسخاء، كيف هي وهذا من أعاجيبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)! (2).

الهمامة المضطربة

قالت الثنوية : أن النور الاعظم اضطربت عزائمه وإرادته في غزو الظلمة والاغارة عليها، فخرجت من ذاته قطعة وهي الهمامة المضطربة في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها، فاقتطعتها الظلمة عن النور الاعظم، وحالت بينها وبينه وخرجت همامة الظلمة غازية للنور الاعظم، فاقتطعها النور الاعظم عن الظلمة ومزجها بأجزائه، وامتزجت همامة النور بأجزاء الظلمة أيضاً، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان وتتدانيان وهما ممتزجنان بأجزاء هذا وهذا حتى أنبنى منهما هذا العالم المحسوس. ولهم في الهمامة


1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 10.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 52.

كلام مشهور وهي لفظة اصطلحوا عليها (1).

خلق الارض في التوراة

يقال : إن في التوراة في أول السفر الأول كلاما وهو أن اللّه تعالى خلق جوهراً فنظر إليه نظر الهيبة، فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ارتفع من ذلك الماء بخار كالدخان فخلق منه السموات، وظهر على وجه ذلك الماء زبد، فخلق منه الارض، ثم أرساها بالجبال (2).

الزيير اراد اغتيال امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وروى الطبري أيضاً في التاريخ قال لما بايع الناس عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد قتل عثمان جاء على إلى الزبير فاستاذن عليه قال أبو حبيبة مولى الزبير : فاعلمته به فسل السيف ووضعه تحت فراشه وقال ائذن له فاذنت له فدخل فسلم على الزبير وهو واقف ثم خرج فقال الزبير لقد دخل لامر ما قضاه قم مقامه وانظر هل ترى من السيف شيئا ! فقمت في مقامه فرايت ذباب السيف فاخبرته وقلت إن ذباب السيف ليظهر لمن قام في هذا الموضع فقال ذاك أعجل الرجل (3).

امام اخطا وامراة اصابت

خطب عمر فقال لا يبلغني أن امراة تجاوز صداقها صداق زوجات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الا ارتجعت ذلك منها فقامت إليه امراة فقالت والله ما جعل اللّه ذلك لك انه تعالى يقول (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) فقال عمر الا تعجبون من امام اخطا وامراة اصابت ناضلت امامكم فنضلته (4).

فرار عكرمة بن أبى جهل إلى اليمن يوم الفتح

هرب عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن حتى ركب البحر، قال : وجاءت زوجته أم


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 82.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 85.

3) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 17.

4) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 17.

حكيم بنت الحارث بن هشام إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في نسوة منهن هند بنت عتبة وقد كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمر بقتلها والبغوم بنت المعدل الكنانية امرأه صفوان بن أميه، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة امرأه الحارث بن هشام وهند بنت عتبة بن الحجاج أم عبد اللّه بن عمرو بن العاص، ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالابطح فاسلمن، ولما دخلن عليه دخلن وعنده زوجتاه وابنته فاطمة ونساء من نساء بنى عبد المطلب وسألن أن يبايعهن، فقال : إني لا أصافح النساء - ويقال : إنه وضع على يده ثوبا فمسحن عليه، ويقال : كان يؤتى بقدح من ماء فيدخل يده فيه ثم يرفعه إليهن، فيدخلن أيديهن فيه - فقالت أم حكيم امرأه عكرمة : يا رسول اللّه إن عكرمه هرب منك إلى اليمن خاف أن تقتله فأمنه فقال : هو آمن. فخرجت أم حكيم في طلبه ومعها غلام لها رومی فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت به على حى، فاستغاثت بهم عليه، فأوثقوه رباطا وأدركت عكرمة وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة فركب البحر، فهاج بهم فجعل نؤتى السفينة يقول له : أن أخلص قال : أي شئ أقول ؟ قال : قل لا إله إلا اللّه قال عكرمة ما هربت إلا من هذا، فجاءت أم حكيم على هذا من الامر، فجعلت تلح عليه وتقول : يا بن عم، جئتك من عند خي عند خير الناس وأوصل الناس وأبر الناس لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته فقالت : إنى قد استأمنت لك رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فأمنك قال : أنت فعلت ؟ قالت : نعم أنا كلمته فأمنك فرجع معها، فقالت : ما لقيت من غلامك الرومي ! وأخبرته خبره، فقتله عكرمة، فلما دنا من مكة قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) لاصحابه : يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذى الحى. ولا يبلغ الميت. فلما وصل عكرمة ودخل على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وثب إليه (صلى اللّه عليه واله) وليس عليه رداء فرحا به، ثم جلس فوق عكرمة بين يديه ومعه زوجته منقبة، فقال : يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني فقال : صدقت أنت آمن فقال عكرمة : فإلام تدعو ؟ فقال : إلى أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأنى رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة.. وعد خصال الاسلام، فقال عكرمة : ما دعوت إلا إلى حق، وإلى حسن جميل، ولقد كنت فينا من قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثا، وأعظمنا برا ثم قال : فإني أشهد أن لا إله إلا اللّه وإنك رسول الله، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لا تسألني اليوم شيئا أعطيه أحدا إلا أعطيتكه، قال : فإني أسألك أن تغفر لى كل عداوة عاديتكها أو مسير أوضعت فيه أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في

وجهك، أو أنت غائب عنه فقال : اللهم اغفر له كل اعداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى يريد بذلك إطفاء نورك، واغفر له ما نال منى ومن عرضي، في وجهي أو أنا غائب عنه فقال عكرمة : رضيت بذلك يا رسول اللّه ثم قال : أما والله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل اللّه إلا أنفقت ضعفها في سبيل الاسلام وفي سبيل الله، ولاجتهدن في القتال بين يديك حتى أقتل شهيدا قال : فرد عليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) امرأته بذلك النكاح الأول(1).

العاقل الحازم

بزرجمهر : العاقل الحازم إذا اشكل عليه الرأى بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها وكذلك العاقل يجمع وجوه الرأى في الامر المشكل، ثم يضرب بعضها في بعض حتى يستخلص الرأى الاصوب (2).

ان قيس طوالا أطول الناس

أن قيسا وسهل بن حنيف خرجا حتى قدما على على الكوفة فخبره قيس الخبر وما كان بمصر فصدقه وشهد مع على صفين هو وسهل بن حنيف قال إبراهيم : وكان قيس طوالا أطول الناس وأمدهم قامة وكان سناطا أصلع شيخا شجاعا مجربا مناصحا لعلى ولولده، ولم يزل على ذلك إلى أن مات (3).

فلعلك شربته ؟

قال : وروى هند بن القاسم عن عامر بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه، قال : احتجم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم دفع إلى دمه، فقال : اذهب به فواره حيث لا يراه أحد فذهبت به فشربته فلما رجعت قال : ما صنعت ؟ قلت : جعلته في مكان اظن إنه أخفى مكان عن الناس، فقال، فقال : فلعلك شربته ؟ فقلت : نعم (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 9.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 42.

3) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 64.

4) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 109.

ماقيل في التسي عند فقدان الاحبة

ومثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى صرت مسليا عمن سواك قول الشاعر :

رزئنا ابا عمر ولا حى مثله فلله در الحادثات بمن تقع

فان تك قد فارقتنا وتركتنا ذوى خلة ما في انسداد لها طمع

لقد جر نفعا فقدنا لك اننا أمنا على كل الرزايا من الجزع

وقال آخر :

اقول للموت حين نازله والموت مقدامة على البهم

اظفر بمن شئت إذ ظفرت به ما بعد يحيى للموت من الم.

ولى في هذا المعنى كتبته إلى صديق غاب عنى من جملة ابيات :

وقد كنت اخشى من خطوب غوائل فلما ناى عنى امنت من الحذر

فاعجب لجسم عاش بعد حياته واعجب لنفع حاصل جره ضرر

وقال اسحاق بن خلف يرثى بنتا له :

امست اميمة معمورا بها الرجم لقا صعيد عليها الترب مرتكم

يا شقة النفس إن النفس والهة حرى عليك وإن الدمع منسجم

قد كنت أخشى عليها أن تقدمنى إلى الحمام فيبدى وجهها العدم

فالان نمت فلا هم يؤرقني تهدأ العيون إذا ما اودت الحرم

للموت عندي اياد لست اكفرها احيا سرورا و بی مما اتى الم

وقال آخر :

فلو انها احدى يدى رزيتها ولكن يدى بانت على اثرها يدى

فاليت لا آسى على إثر هالك قدى الان من حزن على هالك قدى

وقال آخر :

أجارى ما ازداد الا صبابة عليك وما تزداد الا تنائيا

أجارى لو نفس فدت نفس ميت فديتك مسرورا بنفسي وماليا

وقد كنت ارجوا أن املاك حقبة فجال قضاء اللّه دون رجائيا

الا فليمت من شاء بعدك انما عليك من الاقدار كان حذاريا

وقال آخر :

لتغد المنايا حيث شاءت فانه محللة بعد الفتى ابن عقيل

فتى كان مولاه يحل بنجوه فحل الموالي بعده بمسيل (1).

لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة، لعلمنا أنه لم يمت

إن جماعة من أصحاب على منهم عبد اللّه بن عباس، شفعوا في عبد اللّه بن سبا خاصة، وقالوا : يا أمير المؤمنين، إنه قد تاب فاعف عنه فأطلقه بعد أن اشترط عليه ألا يقيم بالكوفة، فقال : أين أهب ؟ قال : المدائن، فنفاه إلى المدائن، فلما قتل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أظهر مقالته، وصارت له طائفة وفرقة يوصدقونه يتبعونه، وقال لما بلغه قتل على : والله لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة، لعلمنا أنه لم يمت، ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه فلما بلغ ابن عباس، ذلك قال : لو علمنا أنه يرجع لما تزوجنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه (2).

وسعوها في قريش تتسع

مر المغيرة بن شعبة بأبي بكر وعمر وهما جالسان على باب النبي حين قبض، فقال : ما يقعد كما ؟ قالا : ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه - يعنيان عليا - فقال : أتريدون أن تنظروا حبل الحبلة من أهل هذا البيت ! وسعوها في قريش تتسع. قال : فقاما إلى سقيفة بني ساعدة، أو كلاما هذا معناه (3).

مقتل حمزة بن عبد المطلب (رضى اللّه عنه)

كان وحشي عبدا لابنة الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، ويقال : كان لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، فقالت له ابنة الحارث : ان أبي قتل يوم بدر،


1) شرح نهج البلاغة ج 13ص 25.

2) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 6.

3) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 43.

فإن أنت قتلت أحد الثلاثة فانت حر : محمد وعلي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب، فإني لا أرى في القوم كفؤا لابي غيرهم فقال وحشي : أما محمد فقد علمت أنى لا أقدر عليه وإن أصحابه لن يسلموه وأما حمزه فوالله لو وجدته نائما ما أيقظته من هيبته وأما علي فألتمسه. قال وحشي : فكنت يوم أحد التسمه فبينا أنا في طلبه طلع علي، فطلع رجل حذر مرس كثير الالتفات فقلت : ما هذا بصاحبي الذى ألتمس إذ، رأيت حمزة يفري الناس فريا، فكمنت له إلى صخره وهو مكبس له كتيت فاعترض له سباع بن أم نيار وكانت أمه ختانة بمكة مولاة لشريف بن علاج بن عمرو بن وهب الثقفى، وكان سباع يكنى أبا نيار فقال له حمزة : وأنت أيضاً يا بن مقطعة البظور ممن يكثر علينا ! هلم إلى فاحتمله حتى إذا برقت قدماه رمى به فبرك عليه، فشحطه شحط الشاة، ثم أقبل علي مكبا حين رآني، فلما بلغ المسيل، وطئ على جرف فزلت قدمه، فهززت حربتى حتى رضيت منها، فأضرب بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته، وكر عليه طائفه من أصحابه فأسمعهم يقولون: أبا عمارة، فلا يجيب، فقلت : قد والله مات الرجل، وذكرت هندا وما لقيت على أبيها وعمها وأخيها وانكشف عنه أصحابه حين أيقنوا بموته، ولا يروني فأكر عليه فشققت بطنه فاستخرجت كبده، فجئت بها إلى هند بنت عتبة، فقلت ما ذا لي إن قتلت قاتل أبيك ؟ قالت : سلنى، فقلت : هذه كبد حمزة : فمضغتها ثم لفظتها، فلا أدري لم تسغها أو قدرتها، فنزعت ثيابها وحليها فأعطتنيه، ثم قالت : إذا جنت مكة فلك عشرة دنانير، ثم قالت أرني مصرعه، فأريتها مصرعه، فقطعت مذاكيره وجدعت أنفه، وقطعت، أذنيه، ثم جعلت ذلك مسكتين ومعضدين وخدمتين، حتى قدمت بذلك مكة وقدمت بكبده أيضاً معها (1).

إن الشيطان يرانا ولا نراه

دخل الحسن بن علي (عليهما السلام) على معاوية وعنده عبد اللّه بن الزبير وكان معاوية يحب أن يغرى بين قريش فقال يا ابا محمد ايهما كان اكبر سنا على ام الزبير فقال الحسن ما اقرب ما بينهما وعلى اسن من الزبير رحم اللّه عليا فقال ابن الزبير رحم اللّه الزبير وهناك أبو سعيد بن عقيل بن ابي طالب فقال يا عبد اللّه وما يهيجك من أن يترحم


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 11.

الرجل على أبيه قال وانا أيضاً ترحمت على ابى قال اتظنه ندا له وكفؤا قال وما يعدل به عن ذلك كلاهما من قريش وكلاهما دعا إلى نفسه ولم يتم له قال دع ذاك عنك يا عبد اللّه إن عليا من قريش ومن الرسول حيث تعلم ولما دعا إلى نفسه أتبع فيه وكان رأسا ودعا الزبير إلى امر وكان الرأس فيه امرأة ولما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وولى مدبرا قبل أن يظهر الحق فيأخذه أو يدحض الباطل فيتركه فادركه رجل لو قيس ببعض اعضائه لكان اصغر فضرب عنقه واخذ سلبه وجاء براسه ومضى على قدما كعادته مع ابن عمه رحم اللّه عليا فقال ابن الزبير اما لو أن غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد لعلم فقال إن الذي تعرض به يرغب عنك وكفه معاوية فسكتوا واخبرت عائشة بمقالتهم ومر أبو سعيد بفنائها فنادته يا أبا سعيد انت القائل لابن اختى كذا فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا فقال إن الشيطان يرانا ولا نراه فضحكت عائشة وقالت للّه ابوك ما اذلق لسانك (1).

ميسة بنت سخام الثقفية

قال معاوية لابن عباس ولقيه بمكة : يا عجبا من وفاة الحسن ! شرب علة بماء رومة فقضى نحبه فوجم ابن عباس فقال معاوية : لا يحزنك اللّه ولا يسوءك، فقال : لا يسوءني ما أبقاك اللّه ! فأمر له بمائة ألف درهم. وروى أبو الحسن قال : أول من نعى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبصرة عبد اللّه بن سلمة نعاه لزياد، فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي، فنعاه فبكى الناس - وأبو بكرة يومئذ مريض، فسمع الضجة فقال : ما هذا ؟ فقالت امرأته ميسة بنت سخام الثقفية : مات الحسن بن علي فالحمد للّه الذى أراح الناس منه ! فقال : اسكتي ويحك فقد أراحه اللّه من شر كثير، وفقد الناس بموته خيرا كثيرا، يرحم الله حسنا. (2).

نوادر نعيمان

• كان نعيمان وهو من أهل بدر أولع الناس بالمزاح عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكان يكثر الضحك فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (يدخل الجنة وهو يضحك. وخرج نعيمان هو وسويبط بن عبد العزى وأبو بكر، في تجارة قبل وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هو وسويبط بن عبد العزى وأبو بكر، في تجارة قبل وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعامين، وكان سويبط على الزاد

1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 19.

2) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 11.

فكان نعيمان يستطعمه فيقول : حتى يجئ أبو بكر بعامين وكان سويبط على الزاد فكان نعيمان يستطعمه فيقول : حتى يجئ أبو بكر، فمر بركب من نجران فباعه نعيمان منهم على أنه عبد له بعشر قلائص، وقال لهم : إنه دولسان ولهجة، وعساه يقول لكم : أنا حر، فقالوا : لا عليك. وجاءوا إليه فوضعوا عمامته في عنقه، وذهبوا به، فلما جاء أبو بكر أخبر بذلك، فرده وأعاد القلائص إليهم. فضحك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأصحابه من ذلك سنة.

•

وروى أن أعرابيا باع نعيمان عكة عسل، فاشتراها منه، فجاء بها إلى بيت عائشة في يومها وقال : خذوها فظن رسول اللّه لو أنه أهداها إليه، ومضى نعیمان، فنزل الأعرابي على الباب، فلما طال قعوده نادى : يا هؤلاء، إما أن تعطونا ثمن العسل أو تردوه علينا، فعلم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالقصة، وأعطى الاعرابي الثمن، وقال لنعيمان : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : رأيتك يا رسول اللّه تحب العسل ورأيت العكة مع الأعرابي، فضحك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم ينكر عليه.

•

ومر نعيمان وهو بدرى بمخرمة بن نوفل في خلافة عثمان، وقد كف بصره، فقال : ألا يقودنى رجل حتى أبول ؟ فأخذ نعيمان بيده حتى صار به إلى مؤخر المسجد، وقال : هاهنا قبل فبال فصاح به الناس فقال من قادني ؟ قيل : نعيمان قال : للّه على أن أضربه بعصاي هذه فبلغ نعيمان فأتاه فقال : بلغني أنك أقسمت لتضربن نعيمان فهل لك فيه ؟ قال : نعم، قال : قم، فقام معه حتى وافی به عثمان بن عفان وهو يصلي، فقال : دونك الرجل، فجمع محرمة يديه في العصا وضربه بها، فصاح الناس : ويلك، أمير المؤمنين ! قال : من قادني ؟ قالوا : نعيمان قال : ومالى ولنعيمان ؟ لا أعرض له (1).

الربيع بن زياد وليس العلاء بن زياد

اعلم أن الذى رويته عن الشيوخ ورايته بخط عبد اللّه بن احمد بن الخشاب (رحمه الله) أن الربيع بن زياد الحارثى اصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام فاتاه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) عائدا فقال كيف تجدك ابا عبد الرحمن قال اجدني يا امير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بى الا بذهاب بصرى لتمنيت ذهابه قال وما قيمة بصرك عندك قال لو كانت لي


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 331.

الدنيا لفديته بها قال لا جرم ليعطينك اللّه على قدر ذلك إن اللّه تعالى يعطى على قدر الالم والمصيبة وعنده تضعيف كثير قال الربيع يا امير المؤمنين الا اشكوا اليك عاصم بن زیاد اخى قال ما له قال لبس العباء وترك الملاء وغم اهله وحزن ولده فقال على ادعوا لى عاصما فلما اتاه عبس في وجهه وقال ويحك يا عاصم أ ترى اللّه اباح لك اللذات وهو يكره ما اخذت منها لانت اهون على اللّه من ذلك أو ما سمعته يقول (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) ثم يقول (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وقال (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) اما والله إن ابتذال نعم اللّه بالفعال احب إليه من ابتذالها بالمقال وقد سمعتم اللّه يقول (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) وقوله (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ إن اللّه خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) وقال (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لبعض نسائه (مالي اراك شعثاء مرهاء سلتاء). قال عاصم فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن واكل الجشب قال إن اللّه تعالى افترض على ائمة العدل أن يقدروا لانفسهم بالقوام كيلا يتبيغ بالفقير فقره فما قام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى نزع عاصم العباء ولبس ملاءه. والربيع بن زياد هو الذي افتتح بعض خراسان وفيه قال عمر دلوني على رجل إذا كان في القوم اميرا فكأنه ليس بامير وإذا كان في القوم ليس بامير فكأنه الامير بعينه وكان خيرا متواضعا وهو صاحب الوقعة مع عمر لما احضر العمال فتوحش له الربيع وتقشف واكل معه الجشب من الطعام فاقره على عمله وصرف الباقين وقد ذكرنا هذه الحكاية فيما تقدم. وكتب زياد بن ابيه إلى الربيع بن زياد وهو على قطعة من خراسان إن امير المؤمنين معاوية كتب إلى يامرك أن تحرز الصفراء والبيضاء وتقسم الخرثى وما اشبهه على اهل الحرب فقال له الربيع أني وجدت كتاب اللّه قبل کتاب امير المؤمنين ثم نادى في الناس أن اغدوا على غنائمكم فاخذ الخمس وقسم الباقي على المسلمين ثم دعا اللّه أن يميته فما جمع حتى مات وهو الربيع بن زياد بن انس بن ديان بن قطر بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن مالك بن كعب بن الحارث بن عمرو بن وعلة خالد بن مالك بن ارد. واما العلاء بن زياد الذي ذكره الرضى (رحمه اللّه) فلا اعرفه لعل غيرى يعرفه (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 35.

إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار

خطب الحجاج فشكا سوء ضاعة أهل العراق، فقام إليه جامع المحاربي، فقال : أيها الامير دع ما يباعدهم منك إلى ما يقربهم إليك والتمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك، فلو أحبوك لا طاعوك إنهم ما شنئوك بنسبك ولا لبأوك، ولكن لايقاعك بعد

، وعيدك، ووعيدك بعد وعدك. فقال الحجاج : ما أراني أرد بنى اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف، فقال جامع : أيها الامير، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار، فقال الحجاج : الخيار يومئذ لله، فقال : أجل، ولكنك لا تدرى لمن يجعله الله، فقال : يا هناه، إيها فإنك من محارب فقال جامع : وللحرب سمينا فكنا محاربا إذا ما ألقنا أمسى من الطعن أحمرا (1).

من شهد بدرا من المسلمين

من شهد بدرا من المسلمين قال الواقدي : كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا مع القوم الذين ضرب لهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بسهامهم وهم غائبون وعدتهم ثمانية. قال : وهذا هو الاغلب في الرواية، قال : ولم يشهد بدرا من المسلمين الا قرشي أو حليف لقرشي أو نصارى أو حليف لانصاري أو مولى واحد منهما، وهكذا من جانب المشركين فإنه لم يشهدها إلا قرشي أو حليف لقرشي أو مولى لهم قال : فكانت قريش ومواليها وحلفاؤها ستة وثمانين رجلا وكانت الانصار ومواليها وحلفاؤها مائتين وسبعة وعشرين رجلا (2).

اختلاف الاقوال في خلق البشر

أعلم أن الناس اختلفوا في ابتداء خلق البشر كيف كان فذهب اهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى إلى أن مبدأ البشر هو آدم الاب الاول (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأكثر، ما في القرآن العزيز من قصة آدم مطابق لما في التوراة.

أما الفلاسفة، فإنهم زعموا أنه لا أول لنوع البشر ولا لغيرهم من الانواع.

وأما الهند، ومن لم يكن منهم على رأى الفلاسفة ويقول بحدوث الاجسام لا يثبت


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 293.

2) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 212.

آدم، ويقول : إن اللّه تعالى خلق الافلاك وخلق فيها طباعا محركة لها بذاتها، فلما تحركت وحشوها أجسام لاستحالة الخلاء كانت تلك الاجسام على طبيعة واحدة، فأختلفت طبائعها بالحركة الفلكية فكان القريب من الفلك المتحرك أسخن وألطف والبعيد أبرد وأكثف. ثم اختلطت العناصر، وتكونت منها المركبات، ومنها تكون نوع البشر كما يتكون الدود في الفاكهة واللحم والبق في البطائح والمواضع العفنة، ثم تكون بعض البشر من بعض بالتوالد وصار ذلك قانونا مستمرا، ونسى التخليق الاول الذي كان بالتولد. ومن الممكن أن يكون بعض البشر في بعض الاراضي القاصية مخلوقا بالتوالد، وإنما انقطع التوالد لان الطبيعة إذا وجدت للتكون طريقا استغنت به عن طريق ثان.

وأما المجوس فلا يعرفون آدم ولا نوحا ولا ساما، ولا حاما ولا يافت وأول متكون عندهم من البشر البشرى المسمى (كيومرث)، ولقبه (كوشاه) أي ملك الجبل، لان (کو) هو الجبل بالفهلوبة، وكان هذا البشر في الجبال ومنهم من يسميه (كلشاه)، أي ملك الطين و (كل) اسم الطين لانه لم يكن حين إذن بشر ليملكهم. وقيل تفسير (کیومرث) حی ناطق میت، قالوا : وكان قد رزق من الحسن ما لا يقع عليه بصر حيوان إلا وبهت وأغمى عليه ويزعمون أن مبدأ تكونه وحدوثه أن يزدان وهو الصانع الاول عندهم أفكر في أمر أهرمن وهو الشيطان عندهم فكرة أوجبت أن عرق جبينه، فمسح العرق ورمی به فصار منه كيومرث ولهم خبط طويل في كيفية تكون (أهرمن) من فكرة (يزدان) أو من إعجابه بنفسه، أو من توحشه، وبينهم خلاف في قدم (أهرمن)، وحدوثه لا يليق شرحه بهذا الموضع ثم اختلفوا في مدة بقاء كيومرث في الوجود، فقال الاكثرون : ثلاثون سنة. وقال الاقلون : أربعون سنة. وقال قوم منهم : إن كيومرث مكث في الجنة التي في السماء ثلاثة آلاف سنة، وهى ألف الحمل، وألف الثور، وألف الجوزاء. ثم أهبط إلى الارض فكان بها آمنا مطمئنا ثلاثة آلاف سنة اخرى وهى ألف السرطان، وألف الاسد، وألف السنبلة. ثم مكث بعد ذلك ثلاثين أو أربعين سنة في حرب وخصام بينه وبين أهر من حتى هلك. واختلفوا في كيفية هلاكه مع اتفاقهم، على أنه هلك قتلا، فالاكثرون قالوا : إنه قتل ابنا لاهر من يسمى خزوره فاستغاث أهرمن منه إلى يزدان، فلم يجد بدا من أن يقاصه به حفظا للعهود التي بينه وبين أهر من فقتله بابن أهرمن. وقال قوم : بل قتله أهر من في صراع كان بينهما، قهره فيه أهر من، وعلاه وأكله، وذكروا في

كيفية ذلك الصراع أن كيومرث كان هو القاهر لاهر من في بادئ الحال وأنه ركبه وجعل يطوف به في العالم إلى أن سأله أهر من عن أي الاشياء أخوف له وأهولها عنده، فقال له : باب جهنم، فلما بلغ به أمر من إليها جمح به حتى سقط من فوقه ولم يستمسك فعلاه وسأله عن أي الجهات يبتدئ به فى الاكل، فقال : من جهة الرجل لاكون ناظرا إلى حسن العالم مدة ما فأبتدأه أهر من فأكله من عند رأسه فبلغ إلى موضع الخصى واوعية المنى من الصلب فقطر من كيومرث قطرتا نطفة على الارض فنبت منهما ريباستان في جبل بإصطخر يعرف بجبل دام داذ ثم ظهرت على تينك الريباستين الاعضاء البشرية في أول الشهر التاسع وتمت في آخره فتصور منهما بشران : ذكر وانثى، وهما (ميشي)، (وميشانه)، وهما بمنزلة آدم وحواء عند المليين. ويقال لهما أيضا : (ملهى) (وملهيانه) ويسميهما مجوس خوارزم (مرد) و (مردانه)، وزعموا أنهما مكثا خمسين سنة مستغنين عن الطعام والشراب، متنعمين غير متأذيين بشئ إلى أن ظهر لهما أهر من في صورة شيخ كبير فحملهما على التناول من فواكه الاشجار وأكل منها وهما يبصرانه شيخا، فعاد شابا فأكلا منها حينئذ فوقعا في البلايا والشرور وظهر فيهما الحرص حتى تزواجا، وولد لهما ولد فأكلاه حرصا، ثم ألقى اللّه تعالى في قلوبهما رأفة، فولد لهما بعد ذلك ستة أبطن كل بطن ذكر وأنثى، وأسماؤهم - في كتاب أيسنا وهو الكتاب الذى جاء به زرادشت - معروفة، ثم كان في البطن السابع (سياميك) و (فرواك)، فتزاوجا، فولد لهما الملك المشهور الذى لم يعرف قبله ملك وهو (أوشهنج)، وهو الذي خلف جده كيومرث، وعقد التاج وجلس على السرير وبنى مدينتي بابل والسوس. فهذا ما يذكره المجوس في مبدأ الخلق (1).

ثلاثة بواحدة

كان عمر يعس ليله فمر بدار سمع فيها صوتا فارتاب وتسور فراى رجلا عند امراة وزق خمر فقال يا عدو اللّه أ ظننت أن اللّه يسترك وانت على معصيته فقال لا تعجل يا امير المؤمنين إن كنت اخطات في واحدة فقد اخطات في ثلاث قال : اللّه تعالى : (ولا (تجسسوا وقد تجسست وقال : (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) وقد تسورت وقال : (فَإِذَا


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 103.

دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا) وما سلمت فقال : هل عندك من خير أن عفوت عنك ؟ قال : نعم، والله لا اعود فقال : اذهب فقد عفوت عنك (1).

كان عمر إذا إذا غضب على بعض أهله لم يشتف حتى يعض يده، وكان عبد اللّه بن الزبير كذلك يقال إنه لم يل ولاية من ولد عمر وال عادل (2)

كل هذا لعب

كان عمر ومن بعده من الولاة إذا أخذوا العصاة نزعوا عمائمهم وأقاموهم للناس، حتى جاء زياد فضربهم بالسياط

فجاء مصعب فحلق مع الضرب،

فجاء بشر بن مروان فكان يصلب تحت الابطين ويضرب الاكف بالمسامير فكتب إلى بعض الجند قوم من أهله يستزيرونه ويتشوقونه وقد أخرجه بشر إلى الرى فكتب إليهم :

لو لا مخافة بشر أو عقوبته أو أن يرى شانئ كفي بمسمار

إذا لعطلت ثغرى ثم زرتكم إن المحب المعنى جد زوار.

فلما جاء الحجاج قال : كل هذا لعب فقتل العصاة بالسيف (3).

كان عبد اللّه بن الزبير شديد البخل

كان عبد اللّه بن الزبير شديد البخل كان يطعم جنده تمرا ويأمرهم بالحرب، فإذا فروا من وقع السيوف لامهم وقال لهم : أكلتم تمرى، وعصيتم أمرى فقال بعضهم : ألم تر عبد اللّه - والله غالب على أمره - يبغى الخلافة بالتمر

وكسر بعض جنده خمسة أرماح في صدور أصحاب الحجاج، وكلما كسر رمحا أعطاه رمحا، فشق عليه ذلك، وقال : خمسة أرماح ! لا يحتمل بي مال المسلمين هذا.

قال : وجاءه أعرابي سائل فرده، فقال له : لقد أحرقت الرمضاء قدمى، فقال : بل عليهما ببردان (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 17.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 44.

3) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 45.

4) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 123.

خمس إفريقية

عن أم بكر بنت المسور، قالت: لما بنى مروان داره بالمدينة، دعا الناس إلى طعامه، وكان المسور ممن دعاه فقال مروان وهو يحدثهم : والله ما أنفقت في دارى هذه من مال المسلمين درهما فما فوقه فقال المسور : لو أكلت طعامك وسكت كان خيرا لك. لقد غزوت معنا إفريقية وإنك لاقلنا مالا ورقيقا وأعوانا وأخفنا ثقلا، فأعطاك ابن عمك خمس إفريقية وعملت على الصدقات، فأخذت أموال المسلمين (1).

فرار صفوان بن أميه يوم الفتح

هرب صفوان بن أميه حتى أتى الشعبة، وجعل يقول لغلامه يسار وليس معه غيره : ويحك ! انظر من ترى ! فقال : هذا عمير بن وهب قال صفوان : ما أصنع بعمير والله ما جاء إلا يريد قتلى قد ظاهر محمدا على فلحقه فقال صفوان یا عمیر، مالك ؟ ما كفاك ما صنعت حملتني دينك وعيالك ثم جئت تريد قتلى ! فقال : يا أبا وهب جعلت فداك ! جئتك من عند خير الناس وأبر الناس وأوصل الناس، وقد كان عمير قال لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا رسول اللّه سيد قومي صفوان بن أميه خرج هاربا ليقذف نفسه في البحر، خاف ألا تؤمنه فأمنه فداك أبي وأمى ! فقال : قد أمنته، فخرج في أثره فقال : إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قد أمنك صفوان : لا والله حتى تأتيني بعلامة أعرفها، فرجع إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأخبره وقال : يا رسول الله، جئته وهو يريد أن يقتل نفسه فقال : لا أرجع إلا بعلامة أعرفها فقال : خذ عمامتی، فرجع عمیر إليه بعمامة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهى البرد الذي دخل فيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكة معتجرا به برد حبرة أحمر - فخرج عمير في طلبه الثانية حتى جاءه بالبرد فقال : يا أبا وهب، جئتك من عند خير الناس وأوصل الناس وأبر الناس وأحلم الناس، مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، ابن أبيك وأمك، أذكرك اللّه في نفسك، فقال : أخاف أن أقتل، قال : فإنه دعاك إلى الاسلام فإن رضيت وإلا سيرك شهرين فهو أوفى الناس وأبرهم، وقد بعث إليك ببرده الذي دخل به معتجرا أتعرفه ؟ قال : نعم فأخرجه، فقال : نعم هو هو، فرجع صفوان حتى، انتهى إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فوجده يصلى العصر بالناس فقال : كم يصلون ؟ قالوا :


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 37.

خمس صلوات في اليوم والليلة قال : أمحمد يصلى بهم ؟ قالوا : نعم فلما سلم من صلاته صاح صفوان : يا محمد إن عمير ابن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم إليك، فإن رضيت أمرا وإلا سيرتني شهرين فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أنزل أبا وهب فقال : لا والله أو تبين لى قال : بل سر أربعة أشهر فنزل صفوان وخرج معه إلى حنين وهو كافر، وأرسل إليه يستعير أدراعه وكانت مائة درع فقال : أطوعا أم كرها ؟ فقال بل طوعا عارية مؤداة، فأعاره إياها، ثم أعادها إليه بعد انقضاء حنين والطائف، فلما كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالجعرانة يسير في غنائم هوازن ينظر إليها، فنظر صفوان إلى شعب هناك مملوء نعما وشاء ورعاء، فأدام النظر إليه ورسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يرمقه فقال : أبا وهب : يعجبك هذا الشعب ! قال : نعم، قال : هو لك وما فيه. فقال صفوان : ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله). قال الواقدي : فأما عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح فكان قد أسلم وكان يكتب لرسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) الوحى، فربما أملى عليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (سميع عليم) فيكتب (عزيز حكيم) ونحو ذلك، ويقرأ على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيقول : كذلك اللّه ويقرأ فافتتن وقال : والله ما يدرى ما يقول : إنى لاكتب له ما شئت فلا ينكر وإنه ليوحى إلى كما يوحى إلى محمد وخرج هاربا من المدينة إلى مكه مرتدا، فأهدر رسول الله دمه، وأمر بقتله يوم الفتح فلما كان يومئذ جاء إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فقال : يا أخى، إنى قد أجرتك فاحتبسني هاهنا واذهب إلى محمد فكلمه في فإن محمدا إن رأني ضرب عنقي، إن جرمى أعظم الجرم، وقد جئت تائبا، فقال عثمان : قم فاذهب معى إليه، قال : كلا والله إنه إن رأني ضرب عنقي ولم يناظرني، قد أهدر دمى وأصحابه يطلبونني في كل موضع فقال عثمان : انطلق معى فإنه لا يقتلك إن شاء اللّه فلم يرع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا بعثمان آخذا بيد عبد اللّه بن سعد واقفين بين يديه فقال عثمان : يا رسول اللّه هذا أخي من الرضاعة أن أمة كانت تحملني وتمشيه وترضعني وتفطمه وتلطفني وتتركه فهبه لى. فأعرض رسول اللّه عنه، وجعل عثمان كلما أعرض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنه استقبله بوجهه، وأعاد عليه هذا الكلام، وإنما أعرض عنه إراده لان يقوم رجل فيضرب عنقه، فلما رأى ألا يقوم أحد وعثمان قد انكب عليه يقبل رأسه ويقول : يا رسول اللّه بايعه فداك أبي وأمى على الاسلام ! فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : نعم، فبايعه قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد ذلك للمسلمين : ما منعكم أن

يقوم منكم واحد إلى هذا الكلب فيقتله - أو قال : الفاسق ! فقال عباد بن بشر : والذي بعثك بالحق، إنى لاتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلى فأضرب عنقه. ويقال : إن أبا البشير هو الذى قال هذا ويقال : بل قاله عمر بن الخطاب فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إني لا أقتل بالاشارة، وقيل : إنه قال : إن النبي لا يكون له خائنه الاعين قال الواقدي : فجعل عبد اللّه بن سعد يفر من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كلما رآه فقال له عثمان : بأبي أنت وأمى ! لو ترى ابن أم عبد يفر منك كلما رآك ! فتبسم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : أو لم أبايعه وأؤمنه ؟ قال : بلى، ولكنه يتذكر عظم جرمه في الاسلام، فقال إن الاسلام يجب ما قبله (1).

اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون

من أدعية امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو من أدعية الصحيفة أيضا : اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون، ويا من إلى إحسانه يفزع المضطرون ويا من الخيفته ينتحب الخاطئون، يا أنس كل مستوحش غريب، يا فرج كل مكروب حريب، يا عون كل مخذول فرید، یا عائذ كل محتاج طريد، أنت الذي وسعت كل شئ رحمة وعلما، وأنت الذى جعلت لكل مخلوق في نعمتك سهما، وأنت الذى عفوه أعلى من عقابه وأنت الذي رحمته أمام غضبه، وأنت الذى إعطاؤه أكبر من منعه وأنت الذى وسع الخلائق كلهم بعفوه، وأنت الذى لا يرغب في غنى من أعطاه وأنت الذي لا يفرط في عقاب من عصاه. وأنا يا سيدى عبدك الذي أمرته بالدعاء. فقال : لبيك وسعديك ! وأنا يا سيدي عبدك الذى أوقرت الخطايا ظهره، وأنا الذى أفنت الذنوب عمره وأنا الذي بجهله عصاك، ولم يكن أهلا منه لذلك، فهل أنت يا مولاى راحم من دعاك فاجتهد في الدعاء ! أم أنت غافر لمن بكى لك فأسرع في البكاء أم أنت متجاوز عمن عفر لك وجهه، متذللا ! أم أنت مغن من شكا إليك فقره متوكلا ! اللهم فلا تخيب من يجد معطيا غيرك، ولا تخذل من لا يستغنى عنك بأحد دونك. اللهم لا تعرض عنى وقد أقبلت عليك ولا تحرمني وقد رغبت إليك، ولا تجبهنى بالرد وقد انتصبت بين يديك. أنت الذى وصفت نفسك بالرحمة وأنت الذى سميت نفسك بالعفو فارحمني واعف عنى فقدتری یا سیدی فيض دموعي من خيفتك، ووجيب قلبي من خشيتك، وانتفاض


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 10.

جوارحي من هيبتك كل ذلك حياء منك بسوء عملي، وخجلا منك لكثرة ذنوبي، قد كل لساني عن مناجاتك وخمد صوتي عن الدعاء إليك ! يا إلهى فكم من عيب سترته على فلم تفضحني ! وكم من ذنب غطيت عليه فلم تشهر بي ! وكم من عائبة ألممت بها فلم تهتك عنى سترها، ولم تقلدني مكروها شنارها، ولم تبد على محرمات سوأتها. فمن يلتمس معايبي من جيرتي وحسدة نعمتك عندي، ثم لم ينهنى ذلك حتى صرت إلى أسوا ما عهدت منى ! فمن أجهل منى يا سيدى برشدك ! ومن أغفل منى عن حظه منك ! ومن أبعد منى من استصلاح نفسه حين أنفقت ما أجريت على من رزقك فيما نهيتني عنه من معصيتك ! ومن أبعد غورا في الباطل، وأشد إقداما على السوء منى حين اقف بين دعوتك ودعوة الشيطان فاتبع دعوته على غير عمى عن المعرفة به، ولا نسيان من حفظی له، وأنا حينئذ موقن أن منتهى دعوتك الجنة ومنتهى دعوته النار ! سبحانك فما أعجب ما أشهد به على نفسي، وأعدده من مكنون أمرى ! وأعجب من ذلك أناتك عنى وإبطاؤك عن معاجلتى وليس ذلك من كرمى عليك، بل تأتيا منك بي، وتفضلا منك على، لأن ارتدع عن خطئي ولان عفوك أحب إليك من عقوبتي. بل أنا يا إلهى أكثر ذنوبا، وأقبح آثارا وأشنع أفعالا وأشد في الباطل تهورا، وأضعف عند طاعتك تيقظا، وأغفل لوعيدك انتباها من أن أحصى لك عيوبي، وأقدر على تعديد ذنوبي، وإنما أوبخ بهذا نفسي طمعا في رأفتك التى بها إصلاح أمر المذنبين ورجاء لعصمتك التي بها فكاك رقاب الخاطئين. اللهم وهذه رقبتي قد أرقتها الذنوب فأعتقها بعفوك وقد أثقلتها الخطايا، فخفف عنها بمنك. اللهم إنى لوبكيت حتى تسقط أشفار عيني، وانتحبت حتى ينقطع صوتي، وقمت لك حتى تنتشر قدماي وركعت لك حتى ينجذع صلبي وسجدت لك حتى تتفقأ حدقتاي وأكلت التراب طول عمرى و شربت ماء الرماد آخر دهري وذكرتك في خلال ذلك حتى يكل لساني، ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياء منك، لما استوجبت بذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي، فإن كنت تغفر لي حين أستوجب مغفرتك، وتعفو عنى حين أستحق عفوك، فإن ذلك غير واجب لى بالاستحقاق، ولا أنا أهل له على الاستيجاب، إذ كان جزائي منك من أول ما عصيتك النار، فإن تعذبني فإنك غير ظالم إلهى فإن تغمدتني بسترك فلم تفضحني، وأمهلتني بكرمك فلم تعاجلني وحلمت عنى بتفضلك فلم تغير نعمك على، ولم تكدر معروفك عندي، فارجم طول تضرعي وشدة مسكنتي، وسوء موقفي ! اللهم صل على محمد وآل محمد، وأنقذني من

المعاصي، واستعملني بالطاعة وارزقني حسن الانابة وطهرني بالتوبة، وأيدني بالعصمة واستصلحني بالعافية، وارزقني حلاوة المغفرة واجعلني طليق عفوك واكتب لى أمانا من سخطك، وبشرني بذلك في العاجل دون الاجل بشرى أعرفها وعرفني له علامة أتبينها، أن ذلك لا يضيق عليك في وجدك، ولا يتكاء دك في قدرتك، وأنت على كل شئ قدير (1).

يئست من أن يأخذ لى بحقى منه

زيد بن أسلم عن أبيه قال : خلا عمر لبعض شأنه وقال : أمسك على الباب فطلع الزبير فكرهته حين رأيته فأراد أن يدخل فقلت هو على حاجة فلم يلتفت إلى وأهوى ليدخل فوضعت يدى في صدره فضرب أنفى فأدماه ثم رجع فدخلت على عمر فقال : ما بك ؟ قلت : الزبير.! فأرسل إلى الزبير فلما دخل جئت فقمت لانظر ما يقول له فقال : ما حملك على ما صنعت أدميتني للناس فقال الزبير : يحكيه ويمطط في كلامه (أدميتني!) أتحتجب عنا يا بن الخطاب ! فو اللّه ما احتجب منى رسول اللّه ولا أبو بكر فقال عمر : كالمعتذر إنى كنت في بعض شأني !. قال : أسلم فلما سمعته يعتذر إليه يئست من أن يأخذ لي بحقي منه. فخرج الزبير فقال عمر : إنه الزبير وآثاره ما تعلم فقلت حقى حقك (2)

لا تمضى الجمعة حتى تبايعوا إلى أو أضرب أعناقكم

جمع عبد اللّه بن الزبير محمد بن الحنفية وعبد اللّه بن عباس في سبعة عشر رجلا من بنى هاشم منهم الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحصرهم في شعب بمكة يعرف بشعب عارم وقال : لا تمضى الجمعة حتى تبايعوا إلى أو أضرب أعناقكم أو أحرقكم بالنار، ثم نهض إليهم قبل الجمعة يريد إحراقهم بالنار، فالتزمه ابن مسور بن مخرمة الزهري وناشده اللّه أن يؤخرهم إلى يوم الجمعة فلما كان الجمعة دعا

يوم محمد بن الحنفية بغسول وثياب بيض فاغتسل وتلبس وتحنط لا يشك في القتل، وقد بعث المختار بن أبي عبيد من الكوفة أبا عبد اللّه الجدلي في أربعة آلاف، فلما نزلوا ذات


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 180.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 45.

عرق، تعجل منهم سبعون على رواحلهم حتى واقوا مكة صبيحة الجمعة ينادون : يا محمد يا محمد ! وقد شهروا السلاح حتى وافر اشعب عارم فاستخلصوا محمد بن الحنفية ومن كان معه وبعث كان معه وبعث محمد بن الحنفية الحسن بن الحسن ينادي: من كان يرى إن اللّه عليه حقا فليشم سيفه، فلا حاجة لى بأمر الناس إن أعطيتها عفوا قبلتها، وإن كرهوا لم نبتزهم أمرهم. وفى شعب عارم وحصار ابن الحنفية فيه يقول كثير بن عبد الرحمن :

ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منى من الناس يعلم إنه غير ظالم

سمى النبي المصطفى وابن عمه وحمال أثقال وفكاك غارم

تخبر من لاقيت إنك عائذ بل العائذ المحبوس في سجن عارم(1).

كان يحمى الشرف لابله وكانت ألف بعير

كان عثمان يحمى الربذة والشرف والبقيع، فكان لا يدخل الحمى بعير له ولا فرس، ولا لبني أمية حتى كان آخر الزمان، فكان يحمى الشرف لابله وكانت ألف بعير، ولابل الحكم بن أبى العاص، ويحمى الربذة لابل الصدقة ويحمى البقيع لخيل المسلمين وخيله وخيل بني أمية (2).

ما استصغره اللّه ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك

روى الزبير بن بكار في كتاب الموفقيات عن عبد اللّه بن عباس قال : إني لا ماشى عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة إذ قال لى : يا بن عباس ما أرى صاحبك إلا مظلوما فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها فقلت يا أمير المؤمنين فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدى ومضى يهمهم ساعة ثم وقف فلحقته، فقال : یابن عباس ؟ ما أظنهم منعهم عنه إلا أنه استصغره ! قومه فقلت في نفسي : هذه شر من الاولى ! فقلت : والله ما استصغره اللّه ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك. فأعرض عنى وأسرع فرجعت عنه (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 123.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 39.

3) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 46.

ما لقينا من ظلم قريش ايانا وتظاهرهم علينا

روى أن ابا جعفر محمد بن على الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لبعض اصحابه يا فلان ما لقينا من ظلم قريش ايانا وتظاهرهم علينا وما لقى شيعتنا ومحبونا من الناس إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)قبض وقد اخبر انا اولى الناس بالناس فتمالات علينا قريش حتى اخرجت الأمر عن معدنه واحتجت على الانصار بحقنا وحجتنا ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت الينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ولم يزل صاحب الامر في صعود كئود حتى قتل فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به واسلم ووثب عليه اهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ونهبت عسكره وعولجت خلالیل امهات اولاده فوادع معاوية وحقن دمه ودماء اهل بيته وهم قليل حق قليل ثم بايع الحسين من اهل العراق عشرون الفا ثم غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في اعناقهم وقتلوه ثم لم نزل - اهل البيت - نستذل ونستضام ونقصي ونمتهن ونحرم ونقتل ونخاف ولا نامن على دمائنا ودماء اوليائنا ووجد الكاذبون ال- تاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى اوليائهم وقضاه السوء وعمال السوء في كل بلدة فحدثوهم بالاحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الايدى والارجل على الظنة وكان من يذكر بحبنا والانقطاع الينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتله واخذهم بكل ظنه وتهمه حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة على وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير - ولعله يكون ورعا صدوقا - يحدث باحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ولم يخلق اللّه تعالى شيئا منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب انها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع (1).

ننبش قبر أم محمد

كانت قريش لما مرت بالابواء، قالت إنكم قد خرجتم بالظعن معكم، ونحن نخاف على نسائنا، فتعالوا ننبش قبر أم محمد، فإن النساء عورة، فإن يصب من نسائكم أحدا


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 43.

قلتم هذه رمة أمك، فإن كان برا بأمه - كما يزعم - فلعمري لتفادينكم برمة أمه، وإن لم يظفر بأحد من نسائكم فلعمري ليفدين رمة أمه بمال كثير إن كان بها برا فاستشار أبو سفيان بن حرب أهل الرأى من قريش في ذلك، فقالوا : لا تذكر من هذا شيئا، فلو فعلنا نبشت بنو بكر وخزاعة موتانا (1).

ابن مسعود وعثمان

أن ابن مسعود كان يقول : ليتنى وعثمان برمل عالج يحثو على وأحثو عليه حتى يموت الاعجز منى ومنه ! ورووا أنه كان يطعن عليه فيقال له : ألا خرجت عليه ليخرج معك ! فيقول : لان أزاول جبلا راسيا أحب إلى من أن أزاول ملكا مؤجلا.

وكان يقوم كل يوم جمعة بالكوفة جاهرا معلنا : (إن أصدق القول كتاب اللّه : وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار). وإنما كان يقول ذلك معرضا بعثمان، حتى غضب الوليد بن عقبة من استمرار تعريضه ونهاه عن خطبته هذه، فأبى أن ينتهى، فكتب إلى عثمان فيه فكتب عثمان يستقدمه عليه.

وقد روى عنه أيضاً من طرق لا تحصى كثرة أنه كان يقول : ما يزن عثمان عند اللّه جناح ذباب،

وقال لما حضره الموت : من يتقبل منى وصية أوصيه بها على ما فيها ! فسكت القوم، وعرفوا الذي يريد فأعادها فقال عمار بن ياسر (رحمه اللّه تعالى) : أنا أقبلها، فقال ابن مسعود : ألا يصلى على عثمان قال : ذلك لك، فيقال : إنه لما دفن جاء عثمان منكرا لذلك فقال له قائل : إن عمارا ولى الامر فقال لعمار : ما حملك على أن تؤذنى ؟ فقال : عهد إلى ألا أوذنك فوقف على قبره وأثنى عليه، ثم انصرف وهو يقول : رفعتم والله أيديكم عن خير من بقى، فتمثل الزبير بقول الشاعر :

لا الفينك بعد الموت تندبنى وفي حياتي ما زودتني زادي

ولما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائدا، فقال : ما تشتكي ؟


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 219.

فقال : ذنوبي، قال : فما تشتهى ؟ قال : رحمه بي قال : ألا أدعو لك طبيبا ؟ قال الطبيب أمرضني، قال : أفلا آمر لك بعطائك ؟ قال : منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا مستغن عنه ! قال : يكون لولدك قال : رزقهم على اللّه تعالى، قال : استغفر لي يا أبا عبد الرحمن قال : أسأل اللّه أن يأخذ لي منك حقى

و روى أن ابن مسعود لما استقدم المدينة، دخلها ليلة جمعة، فلما علم عثمان بدخوله قال : أيها الناس إنه قد طرقكم الليلة دويبة من تمشى على طعامه يقى ويسلح. فقال ابن مسعود : لست كذلك، ولكنني صاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم بدر وصاحبه يوم أحد، وصاحبه يوم بيعة الرضوان، وصاحبه يوم الرضوان وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين. قال : وصاحت عائشة : يا عثمان ! أتقول هذا لصاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)! فقال عثمان : اسكتي، ثم قال لعبد اللّه بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن عبد العزى بن قصى : إخرجه اخراجا عنيفا فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتى جاء به باب مسجد فضرب به الارض، فكسر ضلعا من أضلاعه أضلاعه فقال ابن مسعود : قتلنى ابن زمعة الكافر بأمر عثمان وفي رواية أخرى إن ابن زمعة الذي فعل به ما فعل كان مولى لعثمان أسود مسدما طوالا. وفي رواية أخرى : إن فاعل ذلك يحموم مولى عثمان وفي رواية، إنه لما احتمله ليخرجه من المسجد ناداه عبد اللّه : أنشدك اللّه ألا تخرجني من مسجد خليلي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). قال الراوى : فكأني أنظر إلى حموشة ساقي عبد اللّه بن مسعود ورجلاه تختلفان على عنق مولى عثمان حتى أخرج من المسجد، وهو الذى يقول فيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (لساقا ابن أم عبد أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد) (1).

من يذهب إلى تصويب إبليس

كان في المسلمين ممن يرمى بالزندقة من يذهب إلى تصويب إبليس في الامتناع من السجود ويفضله على آدم وهو بشار بن برد المرعث، ومن الشعر المنسوب إليه :

النار مشرقة والارض مظلمة***والنار معبودة مذ كانت النار (2)


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 41.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 106.

شطحات

يروى عن أبي يزيد البسطامى منه كثير. ومما يتعلق بما نحن فيه ما رووه عنه من قوله :

فمن آدم في البين***ومن إبليس لولاكا !

قتنت الكل والكل***مع الفتنة يهواك (1)

فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه

اختلط أمر الناس في ليلة الهرير، وزال أهل الرايات عن مراكزهم وتفرق أصحاب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه، فأتى ربيعة ليلا فكان فيهم، وتعاظم الأمر جدا، وأقبل عدى بن حاتم يطلب عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موضعه الذى تركه فيه فلم يجده، فطاف يطلبه، فأصابه بين رماح ربيعة فقال : يا أمير المؤمنين أما إذ كنت حيا فالامر أمم ما مشيت إليك إلا على قتيل وما أبقت هذه الوقعة لهم عميدا، فقاتل حتى يفتح اللّه عليك، فإن في الناس بقية.بعد واقبل الاشعث يلهث جزعا فلما رأى عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) هلل فكبر، وقال: يا أمير المؤمنين خيل كخيل ورجال، كرجال ولنا الفضل عليهم إلى ساعتنا هذه فعد إلى مكانك الذي كنت فيه فإن الناس إنما يظنونك حيث تركوك. وارسل سعيد بن قيس الهمداني إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنا مشتغلون بأمرنا مع القوم وفينا فضل فإن أردت أن نمد أحدا أمددناه. فأقبل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ربيعة فقال : أنتم درعى ورمحي - قال : فربيعة تفخر بهذا الكلام إلى اليوم - فقال عدي بن حاتم : يا أمير المؤمنين، إن قوما أنست بهم، وكنت في هذه الجولة فيهم، لعظيم حقهم، والله إنهم لصبر عند الموت أشداء عند القتال - فدعا على بفرس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي كان يقال له المرتجز، فركبه، ثم تقدم أمام الصفوف، ثم قال : بل البغلة بل البغلة، فقدمت له بغلة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكانت شهباء، فركبها ثم تعصب بعمامه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكانت سوداء، ثم نادى : أيها الناس من يشر نفسه اللّه يربح إن هذا ليوم له ما بعده إن عدوكم قد مسه القرح كما مسكم فانتدبوا لنصرة دين اللّه فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى اثنى عشر ألفا، قد وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فشد بهم على أهل الشام، وهو يقول :


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 108.

دیوا دبيب النمل لا تفوتوا***وأصبحوا في حربكم وبيتوا

حتى تنالوا الثأر أو تموتوا***أولا فإنى طالما عصیت

قد قلتموا لو جئتنا! فجيت***ليس لكم ما شئتم وشيت

• بل ما يريد المحيى المميت *

وتبعه عدي بن حاتم بلوائه، وهو يقول :

أبعد عمار وبعد هاشم***وابن بديل فارس الملاحم

نرجو البقاء، ضل حلم الحالم***لقد عضضنا أمس بالاباهم !

فاليوم لا نقرع سن نادم***ليس امرؤ من حتفه بسالم

وحمل وحمل الاشتر بعدهما في أهل العراق كافة فلم يبق لاهل الشام صف إلا أنتقض، وأهمد أهل العراق ما أتوا عليه حتى أفضى الأمر إلى مضرب معاوية وعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يضرب الناس بسيفه قدما قدما، ويقول :

أضربهم ولا أرى معاوية***الاخزر العين العظيم الحاويه

*هوت به في النار أم هاويه *

فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه فلما وضع رجله في الركاب توقف وتلوم قليلا ثم أنشد قول عمرو بن الاطنابة :

أبت لي عفتى وأبى بلائي***وأخذ الحمد بالثمن الربيح

وإقدامى على المكروه نفسي***وضربي هامة البطل المشيح

وقولى كلما جشأت و جاشت***مكانك تحمدى أو تستريحي

لا دفع عن مآثر صالحات***وأحمي بعد عن عرض صحيح

بذى شطب كلون الملح صاف***ونفس ما تقر على القبيح

ثم قال : يا عمرو بن العاص، اليوم صبر وغدا فخر، قال صدقت، إنك وما أنت فيه، كقول القائل :

ما علتى وأنا جلد نابل***والقوس فيها وتر عنابل

تزل عن صفحتها المعابل الموت حق والحياة باطل فثنى معاوية رجله من الركاب ونزل واستصرخ بعك والاشعريين، فوقفوا دونه، وجالدوا عنه حتى كره كل من الفريقين

صاحبه، وتحاجز الناس (1).

من اللائى لم يحججن يبغين حسبة

سمع أبو حازم امرأة حاجة ترفث في كلامها فقال : يا أمة اللّه الست حاجة !) لا تتقين اللّه ! فسفرت عن وجه صبيح، ثم قالت له : أنا من اللواتي قال فيهن عمر بن أبي ربيعة :

أماطت كساء الخز عن حر وجهها***وردت على الخدين بردا مهلهلا

من اللائى لم يحججن يبغين حسبة***ولكن ليقتلن البرئ المغفلا

فقال أبو حازم: فأنا أسأل اللّه ألا يعذب هذا الوجه بالنار، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب، فقال : رحم اللّه أبا حازم ! لو كان من عباد العراق لقال لها : اعزبي يا عدوة الله ! ولكنه ظرف نساك الحجاز (2).

كتاب في اللزوم

قد صنع أبو العلاء المعرى كتابا في اللزوم من نظمه فأتى فيه بالجيد والردى، وأكثره متكلف، ومن جيده قوله :

لاتطلبن بالة لك حالة***قلم البليغ بغیر حظ مغزل

سكن السما كان السماء كلاهما***هذا له رمح وهذا أعزل (3)

حملوها يوم السقيفة أوزارا

قال شاعر من شعراء الشيعة :

حملوها يوم السقيفة أوزارا تخف الجبال وهي ثقال

ثم جاءوا من بعدها يستقيلون وهيهات عثرة لا تقال ! (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 57.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 125.

3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 135.

4) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 168.

عمر لايعلم ان رسول اللّه يموت

لما مات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وشاع بين الناس موته طاف عمر على الناس قائلا : أنه لم يمت، ولكنه غاب عنا كما غاب موسى عن قومه وليرجعن فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم، يزعمون أنه مات ؟ فجعل لا يمر بأحد يقول إنه مات إلا ويخبطه ويتوعده، حتى جاء أبو بكر، فقال : أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد رب محمد فإنه حى لم يمت، ثم تلا قوله تعالى : (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)، قالوا : فو اللّه لكأن الناس ما سمعوا هذه الآية حتى تلاها أبو بكر. وقال عمر: لما سمعته يتلوها هويت إلى الأرض، وعلمت أن رسول اللّه قد مات (1).

رافضي عن كلاله

کتاب المسترشد لمحمد بن جرير الطبري، وليس هو محمد بن جرير صاحب، التاريخ، بل هو من رجال الشيعة وأظن أن أمه من بنى جرير من مدينة آمل طبرستان وبنو جرير الامليون شيعة مستهترون بالتشيع، فنسب إلى أخواله، ويدل على ذلك شعر مروي له وهو :

بامل مولدي وبنو جرير فأخوالي***ويحكى المرء خاله

فمن يك رافضيا عن أبيه***فاني رافضي عن كلاله (2).

زعموها فلتة فاجئة

واعلم ان الشيعة لم تسلم لعمر أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، قال محمد بن هانئ المغربي : ولكن أمرا كان أبرم بينهم وإن قال قوم فلتة غير مبرم.

وقال آخر : زعموها فلتة فاجئة لا ورب البيت والركن المشيد.

انما كانت امورا نسجت بينهم اسبابها نسج البرود (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 178.

2) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 36.

3) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 37.

اكفف من غربك، واربع على ظلعك

لما أخرج ابن الزبير عبد اللّه بن عباس من مكة إلى الطائف مكة إلى الطائف مر بنعمان فنزل فصلى ركعتين، ثم رفع يديه يدعو فقال : اللهم إنك تعلم إنه لم يكن بلد أحب إلى من أن أعبدك فيه من البلد الحرام وإنني لا أحب أن تقبض روحي إلا فيه، وإن ابن الزبير أخرجني منه، ليكون الاقوى في سلطانه. اللهم فأوهن كيده واجعل دائرة السوء عليه : فلما دنا من، الطائف تلقاه أهلها فقالوا : مرحبا بابن عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه) ! أنت والله أحب إلينا وأكرم علينا ممن أخرجك هذه منازلنا تخيرها، فانزل منها حيث أحببت، فنزل منزلا، فكان يجلس إليه أهل الطائف بعد الفجر وبعد العصر، فيتكلم بينهم، كان يحمد اللّه ويذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والخلفاء بعده، ويقول ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم ولا أشباههم ولا من يدانيهم ولكن بقى أقوام يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضان تحتها قلوب الذئاب والنمور ليظن الناس إنهم من الزاهدين في الدنيا يراءون الناس بأعمالهم، ويسخطون الله بسرائرهم، فادعوا اللّه أن يقضى لهذه الامة بالخير والاحسان فيولى أمرها خيارها وأبرارها، ويهلك فجارها وأشرارها ارفعوا أيديكم إلى ربكم وسلوه ذلك، فيفعلون فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إليه : أما بعد، فقد بلغني إنك تجلس بالطائف العصرين فتفتيهم بالجهل تعيب أهل العقل والعلم، وإن حلمي عليك، واستدامتي فيئك جراك على فاكفف - لا أبا لغيرك - من غربك، وأربع على ظلعك واعقل إن كان لك معقول وأكرم نفسك فإنك إن تهنها تجدها على الناس أعظم هوانا، ألم تسمع قول الشاعر : فنفسك أكرمها فإنك إن تهن عليك فلن تلقى لها - الدهر - مكرما. وإنى أقسم باللّه لئن لم تنته عما بلغني عنك لتجدن جانبي خشنا، ولتجدننى إلى ما يردعك عنى عجلا فر رأيك، فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تلم إلا نفسك فكتب إليه ابن عباس : أما بعد فقد بلغني كتابك، قلت : إني أفتى الناس بالجهل، وإنما يفتى بالجهل من لم يعرف من العلم شيئا، وقد آنانى اللّه من العلم ما لم يؤتك. وذكرت إن حلمك عنى، واستدامتك في جرآنى عليك، ثم قلت : اكفف من غربك، واربع على ظلعك، وضربت لى الامثال أحاديث الضبع، متى رأيتني لعرامك هائبا، ومن حدك ناكلا ! وقلت : لئن لم تكفف لتجدن جانبي خشناء فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت ولا أرعى عليك إن أرعيت ! فو اللّه انتهى عن قول الحق، وصفة أهل العدل

والفضل، وذم الاخسرين اعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، والسلام (1).

لا ولكنها معقبة لك خزيا

تعرض عمرو بن العاص لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوما من أيام صفين، وظن أنه يطمع منه في غرة فيصيبه، فحمل عليه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما كاد ان يخالطه أذرى نفسه عن فرسه، ورفع ثوبه وشغر برجله فبدت عورته، فصرف (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجهه عنه وارتث وقام معفرا بالتراب هاربا على رجليه معتصما بصفوفه. فقال أهل العراق : يا أمير المؤمنين، أفلت الرجل ! فقال أتدرون من هو ؟ قالوا : لا، قال : فإنه عمرو بن العاص، تلقائي بسوءته، فصرفت وجهى عنه، ورجع عمرو إلى معاوية فقال : ما صنعت يا أبا عبد اللّه ؟ فقال : لقيني على فصر عني، قال : أحمد الله وعورتك والله إنى لاظنك لو عرفته لما أقحمت عليه، وقال معاوية في ذلك :

ألا للّه من هفوات عمرو***يعاتب لی ترکی برازی

فقد لاقى أبا حسن عليا***فآب الوائلي مآب خازی

فلولم يبد عورته لطارت***بمهجته قوادم أي بازي

فإن تكن المنية أخطأته***فقد غنى بها أهل الحجاز!

فغضب عمرو وقال : ما أشد تعظيمك عليا أبا تراب في أمرى ! هل أنا إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه ! أفترى السماء قاطرة لذلك دما ! قال : لا ولكنها معقبة لك خزيا (2).

سيرة عمر مزراة على الولاة مفسدة للرعية

أشرف عبد الملك على أصحابه وهم يتذاكرون سيرة عمر فغاظه ذلك وقال إيها عن ذكر سيرة عمر فإنها مزراة على الولاة مفسدة للرعية (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 124.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 60.

3) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 51.

وضع الاحاديث في فضائل عثمان والشيخين

قال كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برثت الذمة ممن روى شيئا من فضل ابى تراب واهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه ويقعون فيه وفي اهل بيته وكان اشد الناس بلاء حينئذ اهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لانه كان منهم ايام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقتلهم تحت كل حجر ومدر واخافهم وقطع الايدى والارجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الافاق الا يجيزوا لاحد من شيعة على واهل بيته شهادة وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه واهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم واكتبوا لى بكل ما يروى كل رجل منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتى اكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا فليس يجى احد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروى في عثمان فضيله أو منقبه الا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا. ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في ابى تراب الا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فان هذا احب إلى واقر لعيني وادحض لحجة ابی تراب وشيعته واشد عليهم من مناقب عثمان وفضله فقرئت كتبه على الناس فرويت اخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجرى هذا المجرى حتى اشادوا بذكر ذلك على المنابر والقى إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وعلمائهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا واهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة اخرى من اتهمتوه بمولاة هؤلاء القوم فنکلوا به واهدمو داره فلم يكن البلاء اشد ولا اكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى إن

الرجل من شيعة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لياتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه يدخل بيته فيلقى إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى ياخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة وكان اعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الاموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث إلى ايدى الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون انها حق ولو علموا انها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها. فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علی (عَلَيهِ السَّلَامُ) فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل الا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض. ثم تفاقم الامر بعد قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وولى عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه اهل النسك والصلاح والدين ببغض على وموالاة اعدائه وموالاة من يدعى من الناس انهم أيضاً اعداؤه فاكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم واكثروا من الغض من على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعيبه والطعن فيه والشنان(1).

أتهمك وأتهم كاتبي

في رواية أن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما واقف عثمان على كتابه على اهل مصر، قال عثمان : أما الخط فخط كاتبي، وأما الخاتم فعلى خاتمي، قال : فمن تتهم ؟ قال : أتهمك وأتهم كاتبي، فخرج أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مغضبا، وهو يقول : بل بأمرك، ولزم داره، وبعد عن توسط أمره حتى جرى عليه ما جرى.

وأعجب الامور قوله لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إنى أتهمك) وتظاهره بذلك وتلقيه إياه في وجهه بهذا القول مع بعده من التهمة والظنة في كل شيء، وفي أمره خاصة، فإن القوم في الدفعة الأولى أرادوا أن يعجلوا له ما أخبروه، حتى قام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأمره وتوسطه وأصلحه، وأشار عليه بأن يقاربهم ويعينهم، حتى انصرفوا عنه وهذا فعل النصيح المشفق الحدب المتحنن، ولو كان (عَلَيهِ السَّلَامُ)- وحوشى من ذلك - متهما عليه لما كان للتهمة عليه مجال في أمر الكتاب خاصة، لان الكتاب بخط عدوه مروان، وفي يد


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 44.

غلام عثمان، ومحمول على بعيره ومختوم بخاتمه فأى ظن تعلق بأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المكان، لو لا العداوة وقلة الشكر للنعمة ! (1).

مصادر الغلاة في غلوهم

قال أصحاب المقالات : واجتمع إلى عبد اللّه بن سبأ بالمدائن جماعة على هذا القول منهم عبد اللّه بن صبرة الهمداني وعبد اللّه بن عمرو بن حرب الكندى وآخرون غيرهما، وتفاقم أمرهم وشاع بين الناس قولهم، وصار لهم دعوة يدعون إليها، وشبهة يرجعون إليها وهى ما ظهر وشاع بين الناس من إخباره بالمغيبات حالا بعد حال فقالوا : إن ذلك لا يمكن أن يكون إلا من اللّه تعالى أو من حلت ذات الاله في جسده، ولعمري إنه لا يقدر على ذلك إلا بإقدار اللّه تعالى إياه عليه ولكن لا يلزم من إقداره إياه عليه أن يكون هو الاله أو تكون ذات الاله حالة فيه، وتعلق بعضهم بشبهة ضعيفة، نحو قول عمر وقد وقد فقأ على عين إنسان ألحد في الحرم : ما أقول في يد الله، فقأت عينا في حرم اللّه ! ونحو قول على : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، بل بقوة إلهية ونحو قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (لا إله إلا اللّه وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) والذي هزم الاحزاب هو على بن أبي طالب لانه قتل شجاعهم وفارسهم عمرا لما اقتحموا الخندق، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مفلولين من غير حرب سوى قتل فارسهم.

وقد أومأ بعض شعراء الامامية إلى هذه القالة فجعلها من فضائلة، وذلك قولة :

إذا كنتم ممن يرم لحاقه فهلا برزتم نحو عمر ومرحب

وكيف فررتم يوم أحد وخيبر ويوم حنين مهربا بعد مهرب

ألم تشهدوا يوم الاخاء وبيعه الغدير وكل حضر غير غيب

فكيف غدا صنو النفيلى ويحه أميرا على صنو النبي المرجب !

وكيف علا من لا يطا ثوب أحمد على من علا من أحمد فوق منكب

إمام هدى ردت له الشمس جهرة فصلى أداء عصره بعد مغرب


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 22.

ومن قبله أفنى سليمان خيله رجاء فلم يبلغ بها نيل مطلب

يجل عن الافهام كنه صفاته ويرجع عنها الذهن رجعة أخيب

فليس بيان القول عنه بكاشف غطاء، ولا فصل الخطاب بمعرب

وحق لقبر ضم اعضاء حيدر وغو در منه في صفيح مغيب

يكون ثراه سر قدس ممنع وحصباؤه من نور وحى محجب

وتغشاه من نور الاله غمامة تغاديه من قدس الجلال بصيب

وتنقض أسراب النجوم عواكفا على حجرتيه كوكب بعد كوكب

فلولاك لم ينج ابن متى ولاخبا سعير لابراهيم بعد تلهب

ولا فلق البحر ابن عمران بالعصا ولا فرت الاحزاب عن اهل يثرب

ولا قبلت من عابد صلواته ولا غفر الرحمن زلة مذنب

ولم يغل فيك المسلمون جهالة ولكن لسر في علاك مغيب (1).

أضر على الفجار من حريق النار

لم يلبث محمد بن أبي بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى المعتزلين الذين كان قيس بن سعد موادعا لهم، فقال : يا هؤلاء، إما أن تدخلوا في طاعتنا، وإما أن تخرجوا من بلادنا فبعثوا إليه : إنا لا نفعل فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس، فلا تعجل علينا. فأبى عليهم، فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم. ثم كانت وقعه صفين، وهم لمحمد هائبون، فلما أتاهم خبر معاوية وأهل الشام ثم صار الأمر إلى الحكومة، وأن عليا وأهل العراق قد قفلوا عن معاوية والشام إلى عراقهم اجترءوا على محمد بن أبي بكر، وأظهروا المنابذة له فلما رأى محمد ذلك بعث إليهم ابن جمهان البلوى، ومعه يزيد بن الحارث الكناني فقاتلاهم، فقتلوهما. ثم بعث إليهم رجلا من كلب فقتلوه أيضا. وخرج معاوية بن حديج من السكاسك يدعو إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه القوم وناس كثير آخرون، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ عليا توثبهم عليه، فقال : ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين : صاحبنا الذي عزلنا بالامس - يعنى قيس بن سعد بن عبادة - أو


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 7.

مالك بن الحارث الان الحارث الاشتر، وكان على حين رجع عن صفين رد الاشتر إلى عمله بالجزيرة، وقال لقيس بن سعد : أقم أنت معى على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، ثم اخرج إلى أذربيجان فكان قيس مقيما على شرطته، فلما أن انقضى أمر الحكومة كتب على إلى الاشتر وهو يومئذ بنصيبين أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الاثيم وأسد به الثغر المخوف. وقد كنت وليت محمد بن أبي بكر مصر، فخرجت عليه خوارج، وهو غلام حدث السن، ليس بذى تجربة للحروب، فأقدم على لننظر فيما ينبغى واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك. والسلام. فأقبل الاشتر إلى على واستخلف على عمله شبيب بن عامر الازدي - وهو جد الكرماني الذى كان بخراسان صاحب نصر بن سيار - فلما دخل الاشتر على على حدثه حديث مصر وخبره خبر أهلها وقال له : ليس لها غيرك، فاخرج إليها رحمك الله، فإني لا أوصيك اكتفاء برأيك واستعن باللّه على ما أهمك واخلط الشدة باللين وأرفق ما كان الرفق أبلغ واعتزم على الشدة حين لا يغنى عنك إلا الشدة. فخرج الاشتر من عنده فأتى برحله وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية الاشتر مصر، فعظم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم أن الاشتر إن قدم عليها كان أشد عليه من محمد بن ابی بكر، فبعث إلى رجل من أهل الخراج يثق به وقال له إن الاشتر قد ولى مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت حتل في هلا كه ما قدرت عليه فخرج الاشتر حتى انتهى إلى القلزم حيث تركب السفن من مصر إلى الحجاز، فأقام به، فقال له ذلك الرجل، وكان ذلك المكان مكانه : أيها الأمير هذا منزل فيه طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج فأقم واسترح، وأتاه بالطعام حتى إذ طعم سقاه شربة عسل، قد جعل فيها سما، فلما شربها مات قال إبراهيم : وقد كان أمير المؤمنين كتب على يد الاشتر كتابا إلى أهل مصر، روى ذلك الشعبي عن صعصعة بن صوحان : من عبد اللّه على أمير المؤمنين إلى من بمصر من المسلمين : سلام اللّه عليكم فإنى أحمد اللّه إليكم، الذى لا إله إلا هو. أما بعد فإني قد بعثت إليكم عبدا من عباد اللّه لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر. لا ناكل من قدم ولاواه في عزم من أشد عباد اللّه بأسا، وأكرمهم حسبا أضر على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو مالك بن الحارث الاشتر، حسام صارم لا نابى الضريبة ولا كليل الحد حليم في السلم رزين في الحرب ذو رأى أصيل وصبر جميل. فاسمعواله وأطيعوا

أمره، فإن أمركم بالنفر فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فاقيموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا.بأمرى. وقد آثرتكم به على نفسي، نصيحة لكم، وشدة شكيمة على عدوكم، عصمكم اللّه بالهدى وثبتكم بالتقوى، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة اللّه (1).

من الشعر الذى ارتجزت به هند بنت عتبة يوم أحد

علت هند يومئذ صخرة مشرفة، وصرخت بأعلى صوتها :

نحن جزیناكم بيوم بدر***والحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر***ولا أخى وعمه وبكري

شفیت نفسي وقضيت نذري***شفيت وحشي غليل صدري

فشكر وحشي علي عمرى***حتى ترم أعظمي في قبري

فأجابتها هند بنت أثاثة بن المطلب لب بن عبد مناف :

خزيت في بدر وغير بدر***یا بنت غدار عظيم الكفر

أفحمك اللّه غداة الفجر***بالهاشميين الطوال الزهر

بكل قطاع حسام يفري***حمزة ليثي وعلي صقري

إذ رام شيب يب وأبوك قهرى***فخضبا منه ضواحي النحر

ومن الشعر الذى ارتجزت به هند بنت عتبة يوم أحد:

شفيت من حمزة نفسي بأحد***حين بقرت بطنه عن الكبد

أذهب عني ذاك ما كنت أجد***من لوعة الحزن الشديد المعتمد

والحرب تعلوكم بشؤ بوب برد***نقدم إقداما علیکم کالاسد

أن عمر بن الخطاب قال لحسان: يا أبا الفريعة لو سمعت ما تقول هند ! ولو رأيت شرها قائمة على صخرة ترتجز بنا وتذكر ما صنعت بحمزة ! فقال حسان : والله إني لانظر إلى الحربه تهوى وأنا على فارع - يعنى أطمة - فقلت : والله إن هذه السلاح ليس بسلاح العرب، وإذا بها تهوى إلى حمزة ولا أدري ولكن أسمعني بعض قولها


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 73.

أكفيكموها، فأنشده عمر بعض ما قالت فقال حسان يهجوها :

أشرت لكاع وكان عادتها***لؤما إذا أشرت مع الكفر

أخرجت مرقصة إلى أحد***في القوم مقتبة على بكر

ثفال لا حراك به***لا عن معاتبه ولا زجر

أخرجت ثائرة محاربة***بأبيك وابنك بعد في بدر

وبعمك المتروك منجدلا***واخيك منعفرين في الجفر

فرجعت صاغرة بلاترة***مناظفرت بها ولا وتر

وقال أيضاً يهجوها :

لمن سواقط ولدان مطرحة***باتت تفحص في بطحاء أجياد

باتت تمخض لم تشهد قوابلها***إلا الوحوش وإلا جنة الوادي

يظل يرجمه الصبيان منعفرا***وخاله وأبوه سيدا النادى (1).

كلا لست من قتلة الملوك

قدم معاوية المدينة راجعا من حجة حجها فكثر الناس عليه في حوائجهم، فقال لصاحب إبله : قدم إبلك ليلا حتى ارتحل، ففعل ذلك، وسار ولم يعلم بأمره إلا عبد اللّه بن الزبير فإنه ركب فرسه وقفا أثره ومعاوية نائم في هودجه فجعل يسير إلى جانبه، فانتبه معاوية، وقد سمع وقع حافر الفرس، فقال : من صاحب الفرس ؟ قال : أنا أبو خبيب، لو قد قتلتك منذ الليلة يمازحه، فقال معاوية : كلا لست من قتلة الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره فقال ابن الزبير : إلى تقول هذا، وقد وقفت في الصف بازاء على بن أبي طالب، وهو من تعلم ! فقال معاوية : لا جرم ! إنه قتلك وأباك بيسري يديه، وبقيت يده اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها، فقال ابن الزبير : أما والله ما كان ذاك إلا نصر عثمان فلم نجز به فقال معاوية : خل هذا عنك، فو اللّه لو لا شدة بغضك ابن أبي طالب لجررت برجل عثمان مع الضبع، فقال ابن الزبير : افعلتها يا معاوية ! أما إنا قد أعطيناك عهدا، ونحن وافون لك به ما دمت حيا، ولكن ليعلمن من بعدك، فقال


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 13.

معاوية : أما والله ما أخافك إلا على نفسك، ولكأني بك وأنت مشدود مربوط في الانشوطة، وأنت تقول : ليت أبا عبد الرحمن كان حيا وليتني كنت حيا يومئذ، فأحلك حلا رفيقا ولبئس المطلق والمعتق والمسنون عليه أنت يومئذ ! (1).

أتكفر برب كان يؤمن به عثمان

أن عمارا نازع الحسن بن على (عليهما السلام) في أمر عثمان فقال عمار : قتل عثمان کافرا، وقال الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): قتل مؤمنا، وتعلق بعضهما ببعض، فصارا إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : ماذا تريد من ابن أخيك ؟ فقال : إني قلت كذا، وقال كذا، فقال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أتكفر برب كان يؤمن به عثمان ! فسكت عمار، وقد ذكر الشيخ أبو الحسين الخياط أن عثمان لما نقم عليه ضربه عمارا احتج لنفسه، فقال : جاءني سعد وعمار فأرسلا إلى أن ائتنا، فإنا نريد أن نذاكرك أشياء فعلتها فأرسلت إليهما : إنى مشغول فانصرفا فموعدكما يوم كذا فانصرف سعد وأبي عمار أن ينصرف، فأعدت الرسول إليه فأبى أن ينصرف، فتناوله بغير أمرى ووالله ما أمرت به ولا رضیت وها أنا، فليقتص منى. قال : وهذا من أنصف قول وأعدله (2).

ما في عثمان بحمد اللّه أشك، لكنى أشك في قاتله

وروى عن حذيفة أنه كان يقول : ما في عثمان بحمد اللّه أشك، لكنى أشك في قاتله، لا أدرى أ كافر قتل كافرا أم مؤمن خاض إليه الفتنة، حتى قتله، وهو أفضل المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إيمانا ! فأما ما رواه من منازعة الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمارا في ذلك، وترافعهما إلى أمير المؤمنين، فهو أولا غير دافع لكون عمار مكفرا له بل شاهد بذلك من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم إن كان الخبر صحيحا فالوجه فيه أن عمارا كان يعلم من لحن كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعدوله عن أن يقضى بينهما بصريح من القول أنه متمسك بالتقية، فأمسك عمار متابعة لغرضه (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 126.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 48.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 51.

أما إن ولى أمرهم حملهم على المحجة البيضاء

قال ابن عباس : كنت عند عمر فتنفس نفسا ظننت أن أضلاعه قد انفرجت فقلت ما أخرج هذا النفس منك : إلا هم شديد ! قال إى والله يابن عباس ! إنى فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الامر بعدى ! ثم قال : لعلك ترى صاحبك لها أهلا قلت : وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه ! قال صدقت ولكنه أمرؤ فيه دعابه، قلت : فأين أنت عن طلحة قال ذو البأو وبإصبعه المقطوعة ! قلت : فعبد الرحمن ؟ قال : رجل ضعيف لو صار الامر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته قلت : فالزبير ؟ قال شكس لقس بلاطم في النقيع في صاع من بر ! قلت : فسعد بن أبي وقاص ؟ قال صاحب سلاح ومقنب قلت : فعثمان ؟ قال أوه ! ثلاثا والله لئن وليها ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس ثم لتنهض العرب إليه. ثم قال : يا بن عباس إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا خصيف العقدة قليل الغرة لا تأخذه في اللّه لومة لائم ثم يكون شديدا من غير عنف لينا من غير ضعف سخيا من غير سرف ممسكا من غير وكف قال : ثم أقبل على بعد أن سكت هنيهة وقال : أجرؤهم والله إن وليها أن يحملهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم لصاحبك ! أما إن ولى أمرهم حملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم (1).

خطبة للامام على خالية من حرف الألف

وهى خطبة رواها كثير من الناس له (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاليه من حرف الالف، قالوا : تذاكر قوم من إصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أي حروف الهجاء أدخل في الكلام ؟ فأجمعوا على الالف، فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): حمدت من عظمت منته وسبغت نعمته، وسبقت غضبه رحمته، وتمت كلمته ونفذت مشيئته، وبلغت قضيته حمدته حمد مقر بربوبيته متخضع لعبوديته متنصل من خطيئته متفرد بتوحيده، مؤمل منه مغفرة تنجيه يوم يشغل عن فصيلته وبنيه. ونستعينه و نستر شده ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه وشهدت له شهود مخلص موقن، وفردته تفريد مؤمن متيقن ووحدته توحيد عبد مذعن ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولى في صنعه، جل عن مشير ووزير، وعن عون معين ونصير ونظير. علم فستر، وبطن فخبر وملك فقهر وعصى فغفر وحكم فعدل، لم يزل ولن يزول،


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 51.

(ليس كمثله شي)، وهو بعد كل شئ رب متعزز بعزته، متمكن بقوته، متقدس بعلوه، متكبر بسموه، ليس يدركه بصر، ولم يحط به نظر، قوی منیع، بصیر سميع، رءوف رحيم. عجز عن وصفه من يصفه، وضل عن نعته من يعرفه. قرب فبعد، وبعد فقرب، يجيب دعوة من يدعوه، ويرزقه ويحبوه، ذو لطف خفى، وبطش قوى، ورحمة موسعه، وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مونقة، وعقوبته جحيم ممدودة موبقة. وشهدت ببعث محمد رسوله، وعبده وصفيه، ونبيه ونجيه، وحبيبه وخليله، بعثه في خير عصر، وحين فترة وكفر، رحمة لعبيده، ومنة لمزيده، ختم به نبوته، وشید به حجته، فوعظ ونصح، وبلغ وكدح، رؤوف بكل مؤمن، رحیم سخی، رضی ولی زکی، عليه رحمة وتسليم، وبركة وتكريم، من رب غفور رحیم، قريب مجيب. وصيتكم معشر من حضرني بوصية ربكم، وذكرتكم بسنة نبيكم، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم، وخشية تذرى دموعكم، وتقيه تنجيكم قبل يوم تبليكم وتذهلكم، يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، وخف وزن سيئته، ولتكن مسألتكم وتملقكم مسألة ذل وخضوع، وشكر وخشوع، بتوبة وتورع، وندم ورجوع، وليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه، وشبيبته قبل هرمه، وسعته قبل فقره، وفرغته قبل شغله، وحضره قبل سفره، قبل تكبر وتهرم وتسقم، يمله طبيبه، ويعرض عنه حبيبه، وينقطع غمده، ويتغير عقله، ثم قيل : هو موعوك، وجسمه منهوك، ثم جد في نزع شدید، و حضره كل قريب وبعيد، فشخص بصره وطمح نظره، ورشح جبينه، وعطف عرينه، وسكن حنينه، وحزنته نفسه، وبكته عرسه، وحفر رمسه، ويتم منه ولده، وتفرق منه عدده، وقسم جمعه، وذهب بصره وسمعه، ومدد وجرد، وعرى وغسل، ونشف وسجى، وبسط له وهئ، ونشر عليه كفنه، وشد منه ذقنه، وقمص وعمم، وودع وسلم، وحمل فوق سرير، وصلى عليه بتكبير، ونقل من دور مزخرفة، وقصور مشيدة، وحجر منجدة، وجعل في ضريح ملحود وضيق مرصود، بلبن منضود، مسقف بجلمود، وهيل عليه حفره، وحتى عليه مدره، وتحقق حذره، ونسى خبره، ورجع عنه وليه وصفيه، و ندیمه ونسيبه، وتبدل به قرینه و حبيبه، فهو حشو قبر، ورهين قفر، يسعى بجسمه دود قبره، ویسیل صديده من منخره، يسحق تربة لحمه، وينشف دمه، ويرم عظمه حتى يوم حشره، فنشر من قبره حين ينفخ في صور، ويدعى بحشر و نشور فثم بعثرت قبور، وحصلت سریره صدور، وجئ بكل نبي وصديق وشهيد، وتوحد للفصل قدير بعبده خبير بصير، فكم من زفرة تضنيه وحسرة تنضيه، في موقف مهول، ومشهد جليل، بين يدى

ملك عظيم، وبكل صغير وكبير عليم، فحينئذ يلجمه عرقه ويحصره قلقه عبرته غير مرحومة، وصرخته غير مسموعة، وحجته غير مقولة زالت جريدته، ونشرت صحيفته، نظر في سوء عمله، وشهدت عليه عينه بنظره ویده ببطشه ورجله بخطوه وفرجه بلمسه، وجلده بمسه، فسلسل جيده وغلت يده وسيق فسحب وحده فورد جهنم يكرب وشدة، فظل يعذب في جحيم، ويسقى شربه من جميم، تشوى وجهه، وتسلخ جلده وتضربه زبنيه بمقمع من حديد ويعود جلده بعد نضجه كجلد جديد يستغيث فتعرض عنه خزنه جهنم، ويستصرخ فيلبث حقبة يندم. نعوذ برب قدير، من شر كل مصير ونسأله عفو من رضى عنه ومغفرة من قبله فهو ولى مسألتي، ومنجح طلبتي، فمن زحزح عن تعذيب وبه جعل في جنته بقربه وخلد في قصور مشيدة، وملك بحور عين وحفدة، وطيف عليه بكئوس، أسكن في حظيره قدوس، وتقلب في نعيم، وسقى من تسليم، وشرب من عين سلسبيل ومزج له بزنجبيل مختم بمسك وعبير مستديم للملك مستشعر للسرر يشرب من خمور، في روض مغدق ليس يصدع من شربه، وليس ينزف هذه منزلة من خشی ربه وحذر نفسه معصيته وتلك عقوبة من جحد مشيئته، وسولت له نفسه معصيته فهو قول فصل وحكم عدل وخبر قصص قص، ووعظ نص، (تنزيل من حكيم حميد) نزل به روح قدس مبين على قلب نبی مهتد رشید صلت عليه رسل سفرة، مكرمون بررة عذت برب عليم، رحيم كريم، من شر كل عدو لعين رجيم، فليتضرع منضر عكم، وليبتهل مبتهلكم، وليستغفر كل مربوب منكم لى ولكم، وحسبي ربى وحده (1).

أرفع طرفك، فقد أدال اللّه عمرا منك

عن صعصعة بن صوحان أن أبرهة بن الصباح الحمبرى قام بصفين فقال : ويحكم

يا معشر أهل اليمن ! إنى لاظن اللّه قد أذن بفنائكم ويحكم خلوا بين الرجلين فليقتتلا فأيهما قتل صاحبه ملنا معه جميعا - وكان أبرهة من رؤساء أصحاب معاوية - فبلغ قوله عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : صدق أبرهة ! والله ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشد سرورا منى بهذه الخطبة ! قال : وبلغ معاوية كلام أبرهة فتأخر آخر الصفوف وقال


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 140.

لمن حوله : إنى لاظن أبرهة مصابا في عقله فأقبل أهل الشام يقولون والله إن أبرهة لاكملنا دينا وعقلا ورأيا وبأسا ولكن الامير كره مبارزة على وسمع ما دار من الكلام أبو داود عروة ابن داود العامري - وكان من فرسان معاوية - فقال : إن كان معاوية كره مبارزة أبى حسن فأنا أبارزه ثم خرج بين الصفين فنادى : أنا أبو داود فابرز إلى يا أبا حسن، فتقدم على (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحوه، فناداه الناس : ارجع يا أمير المؤمنين عن هذا الكلب فليس لك بخطر، فقال : والله ما معاوية اليوم بأغيظ لى منه، دعوني وإياه ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين، سقطت إحداهما يمنية والأخرى شامية فارتج العسكران لهول الضربة، وصرخ ابن عم لابي داود : واسوء صباحاه ! وقبح اللّه البقاء بعد أبى داود ! وحمل على على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فطعنه فضرب الرمح فبراه، ثم قنعه ضربة فألحقه بأبي داود ومعاوية واقف على التل يبصر ويشاهد فقال : تبا لهذه الرجال وقبحا ! أما فيهم من يقتل هذا مبارزة أو غيلة، أو في اختلاط الفيلق وثوران النقع ! فقال الوليد بن عقبة : ابرز إليه أنت فإنك أولى الناس بمبارزته فقال : والله لقد دعاني إلى البراز حتى لقد استحيت من قريش وإني والله لا أبرز إليه ما جعل العسكر بين يدى الرئيس إلا وقاية له فقال عتبة بن أبي سفيان : الهوا عن هذا كأنكم لم تسمعوا نداءه فقد علمتم أنه قتل حريثا، وفضح عمرا ولا أرى أحدا يتحكك به إلا قتله. فقال معاوية لبسر بن أرطاة : أتقوم لمبارزته ؟ فقال : ما أحد أحق بها منك، أما إذ بيتموه فأنا له قال معاوية : إنك ستلقاه غدا في أول الخيل وكان عند بسر ابن عم له قدم من الحجاز يخطب ابنته فأتى بسرا، فقال له : إني سمعت أنك وعدت من نفسك أن تبارز عليا، أما تعلم أن الوالى من بعد معاوية عتبة ثم بعده محمد أخوه وكل من هؤلاء قرن على فما يدعوك إلى ما أرى ! قال : الحياء، خرج منى كلام فأنا أستحيى أن أرجع عنه. فضحك الغلام، وقال :

تنازله يا بسر إن كنت مثله***وإلا فإن الليث للشاء آكل

كأنك يا بسر بن أرطاة جاهل***بآثاره في الحرب أو متجاهل

معاوية الوالى وصنواه بعده***ليس سواء مستعار وثاكل

أولئك هم أولى به منك إنه***على فلا تقربه أمك هابل!

متى تلقه فالموت في رأس رمحه***وفي سيفه شغل لنفسك شاغل

وما بعده في آخر الخيل عاطف***ولا قبله في اول الخيل حامل

فقال بسر : هل هو إلا الموت لابد من لقاء اللّه فغدا على (عَلَيهِ السَّلَامُ) منقطعا من خيله، ويده في يد الاشتر وهما يتسايران رويدا يطلبان التل ليقفا عليه إذ برز له بسر مقنعا في الحديد لا يعرف فناداه ابرز إلى أبا حسن فانحدر إليه على تؤده غير مكترث به حتى إذا قاربه طعنه وهو دارع فألقاه إلى الارض فألقاه إلى الارض ومنع الدرع السنان أن يصل إليه، فاتقاه بسر بعورته، وقصد أن يكشفها يستدفع بأسه، فانصرف عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستديرا له فعرفه الاشتر حين سقط فقال : يا أمير المؤمنين هذا بسر بن أرطاة هذا عدو اللّه وعدوك، فقال : دعه عليه لعنة اللّه أبعد أن فعلها ! فحمل ابن عم بسر من أهل الشام شاب على على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال :

أرديت بسرا والغلام تأثره***أرديت شيخا غاب عنه ناصره

• وكلنا حام لبسر واتره *

فلم يلتفت إليه على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتلقاه الاشتر فقال :

له في كل يوم رجل شیخ شاغره***وعورة وسط العجاج ظاهره

تبرزها طعنة كف واتره***عمرو وبسر منيا بالفاقره

فطعنه الاشتر، فكسر صلبه وقام بسر من طعنة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) موليا، وفرت خيله وناداه على (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا بسر معاوية كان أحق بها منك، فرجع بسر إلى معاوية فقال له معاوية : أرفع طرفك، فقد أدال اللّه عمرا منك، وقال الشاعر في ذلك :

أفى كل يوم فارس تندبونه***دبونه له عورة تم له عورة تحت العجاجة باديه

يكف بها عنه على سنانه***ويضحك منها في الخلاء معاويه

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه***وعورة بسر مثلها حذو حاذيه

فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا***سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه

ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما***هما كانتا للنفس والله واقيه

فلولاهما لم تنجوا من سنانه***وتلك بما فيها عن العود ناهيه

متى تلقيا الخيل المغيرة صبحة***وفيها على فاتركا الخيل ناحيه

وكونا بعيدا حيث لا تبلغ القنا***إن ونار الوغى، إن التجارب كافيه

وإن كان منه بعد للنفس حاجة***فعودا إلى ما شئتما هي ماهيه

قال : فكان بسر بعد ذلك اليوم، إذا لقى الخيل التي فيها على ينتحى ناحيه، وتحامي فرسان الشام بعدها عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).

والله ليكونن ما قال

في تاريخ أحمد طاهر أن الرشيد أرسل إلى يحيى بن خالد وهو في محبسه يقرعه

بن بذنوبه، ويقول له : كيف رأيت ! ألم أخرب دارك ؟ ألم أقتل ولدك جعفرا ؟ ألم أنهب مالك ؟ فقال يحيى للرسول : قل له : أما إخرابك دارى فستخرب دارك، وأما قتلك ولدى جعفر فسيقتل ولدك محمد، وأما نهبك مالى فسينهب مالك وخزانتك. فلما عاد الرسول إليه بالجواب وجم طويلا وحزن وقال : والله ليكونن ما قال فإنه لم يقل لى شيئا قط إلا وكان كما قال فاخربت داره - وهى الخلد - في حصار بغداد، وقتل ولده محمد ونهب ماله، وخزانته نهبها طاهر بن الحسين (2).

انا لا اصدق ذلك، ولا يسكن قلبى إليه

فان قلت الرواية التي رواها الطبري في حديث الايام الثلاثة انما كانت قبل البيعة لان لفظ الخبر عن إبراهيم وانه لما قبض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لو كان أبو بكر غائبا فجاء بعد ثلاث ولم يتجرئ احد أن يكشف عن وجهه حتى اربد بطنه، فكشف عن وجهه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقبل عينيه، وقال بابی انت وامى طبت حيا وطبت ميتا ثم خرج إلى الناس، فقال من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات الحديث بطوله. قلت لعمري إن الرواية هكذا اوردها، ولكنها مستحيلة لان ابا بكر فارق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو حى، ومضى إلى منزله بالسنح في يوم الاثنين، وهو اليوم الذى مات فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لانه راه بارنا صالح الحال هكذا روى الطبري في كتابه وبين السنح وبين المدينة نصف فرسخ، بل هو طائفة من المدينة، فكيف يبقى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ميتا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء لا يعلم به أبو بكر، وبينهما غلوة ثلاثة اسهم وكيف يبقى طريحا بين اهله ثلاثة ايام لا يجترئ منهم أن يكشف عن وجهه وفيهم على بن ابى طالب وهو روحه بين جنبيه والعباس عمه القائم مقام ابيه وابنا فاطمة، وهما كولديه وفيهم فاطمة بضعة منه، افما كان في هؤلاء من


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 94.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 152.

يكشف عن وجهه، ولا من يفكر في جهازه ولا من يانف له من انتفاخ بطنه واخضرارها وينتظر بذلك حضور ابى بكر ليكشف عن وجهه انا لا اصدق ذلك، ولا يسكن قلبي إليه والصحيح إن دخول ابى بكر إليه وكشفه عن وجهه وقوله ما قال، انما كان بعد الفراغ من البيعة، وانهم كانوا مشتغلين بها كما ذكر في الرواية الاخرى (1).

بشر الكانزين بعذاب أليم

روى جميع أهل السير على اختلاف طرقهم وأسانيدهم أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم ما أعطاه وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم جعل أبو ذر يقول : بشر الكانزين بعذاب أليم، ويتلو قول اللّه تعالى : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فرفع ذلك مروان إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر نائلا مولاه : أن انته عما يبلغني عنك، فقال : أينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه وعيب من ترك أمر اللّه ! فو اللّه لان أرضى اللّه بسخط عثمان أحب إلى وخير لي من أن أسخط اللّه أسخط اللّه برضاه. فأغضب عثمان ذلك، وأحفظه فتصابر (2).

في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها

وقام خيثمة، أبو سعد بن خيثمة فقال يا رسول اللّه إن قريشا مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ومن اتبعها من أحابيشها ثم جاؤونا قد قادوا الخيل، واعتلوا الابل حتى نزلوا بساحتنا فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرجعون وافرين لم يكلموا، فيجرئهم ذلك علينا حتى يشنوا الغارات علينا، ويصيبوا أطلالنا ويضعوا العيون والارصاد علينا مع ما قد صنعوا بحروثنا، ويجترئ علينا العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم، فنذبهم عن حريمنا، وعسى اللّه أن يظفرنا بهم، فتلك عادة اللّه عندنا، أو تكون الاخرى فهى الشهادة. لقد اخطأتني وقعة بدر، وقد كنت عليها حريصا، لقد بلغ من حرصي أن ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه فرزق الشهادة وقد كنت حريصا على الشهادة وقد رأيت ابني البارحة في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 36.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 54.

الجنة وأنهارها وهو يقول الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربى حقا، وقد والله يا رسول اللّه أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة، وقد كبرت سني، ودق عظمي، وأحببت لقاء ربى فادع اللّه يا رسول اللّه أن يرزقني الشهادة، ومرافقة سعد في الجنة، فدعا له رسول اللّه بذلك، فقتل بأحد شهيدا (1).

أعور يبغى أهله محلا

لما دفع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرايه يوم صفين إلى هاشم بن عتبة قال له رجل من أصحابه من بكر بن وائل أقدم هاشم ! يكررها ثم قال : مالك يا هاشم قد انتفخ سحرك ! أعورا وجبنا ! قال : من هذا ؟ قالوا : فلان قال : أهلها وخير منها، إذا رأيتني قد صرعت فخذها ثم قال لاصحابه : شدوا شسوع نعالكم وشدوا ازركم، فإذا رأيتموني قد هززت الرايه ثلاثا، فاعلموا أن أحدا منكم لا يسبقنى إلى الحملة. ثم نظر إلى عسكر معاوية فرأى جمعا عظيما، فقال : من أولئك ؟ قيل : أصحاب ذى الكلاع، ثم نظر فرأى جندا، فقال من أولئك ؟ قيل : قريش وقوم من أهل المدينة فقال : قومي لا حاجه لى في قتالهم، من عند هذه القبة البيضاء ؟ قيل : معاوية وجنده، قال : فإني أرى دونهم أسودة، قيل : ذاك عمرو بن العاص وابناه ومواليه فأخذ الرايه فهزها، فقال رجل من أصحابه : البث قليلا ولا تعجل فقال هاشم :

قد أكثرا لومى وما أقلا***إني شريت النفس لن أعتلا

أعور يبغى أهله محلا***قد عالج الحياه حتى ملا

لابد أن يفل أو يفلا***أشلهم بذي الكعوب شلا

مع ابن عم احمد المعلى***أول من صدقه وصلى (2)

وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم

لما كاشف عبد اللّه بن الزبير بنى هاشم واظهر بغضهم وعابهم، وهم بما هم به في أمرهم، ولم يذكر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خطبه، لا يوم الجمعة ولا غيرها، عاتبه على ذلك قوم من خاصته، وتشاءموا بذلك منه، وخافوا عاقبته، فقال : والله ما تركت ذلك علانية


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 224.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 10.

إلا وأنا أقوله سرا وأكثر منه، لكنى رأيت بنى هاشم إذا سمعوا ذكره اشر أبوا وحمرت ألوانهم، وطالت رقابهم والله ما كنت لاتى لهم سرورا وأنا أقدر عليه، والله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ثم أضرمها عليهم نارا، فإنى لا أقتل منهم إلا أنما كفارا سحارا، لا أنماهم اللّه ولا بارك عليهم بيت سوء لا أول لهم ولا آخر والله ما ترك نبي اللّه فيهم خيرا استفرع نبي اللّه صدقهم فهم أكذب الناس فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال : وفقك اللّه يا أمير المؤمنين ! أنا أول من أعانك في أمرهم فقام عبد اللّه بن صفوان بن أمية الجمحي، فقال : والله ما قلت صوابا ولا هممت برشد أرهط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعيب، وإياهم تقتل والعرب حولك ! والله لو قتلت عدتهم أهل بيت من الترك مسلمين ما سوغه اللّه لك والله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم اللّه بنصره. فقال : اجلس أبا صفوان فلست بناموس. فبلغ الخبر عبد اللّه بن العباس فخرج مغضبا ومعه ابنه حتى أتى المسجد، فقصد قصد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلى على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم قال : أيها الناس إن ابن الزبير يزعم أن لا أول لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا آخر، فيا عجبا كل العجب لافترائه ولكذبه، والله إن أول من أخذ الايلاف وحمى عيرات قريش لهاشم وإن أول من سقى بمكة عذبا، وجعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب، والله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش، وإن كنا لقالتهم، إذا قالوا وخطباءهم إذا خطبوا، وما عد مجد كمجد أولنا ولا كان في قريش مجد لغيرنا، لانها في كفر ماحق ودين فاسق وضلة وضلالة، في عشواء عمياء، حتى اختار اللّه تعالى لها نورا وبعث لها سراجا، فانتجبه طيبا من طيبين لا يسبه بمسبة ولا يبغى عليه غائلة، فكان أحدنا وولدنا، وعمنا وابن عمنا. ثم إن أسبق السابقين إليه منا وابن عمنا، ثم تلاه في السبق أهلنا ولحمتنا واحدا بعد.واحد. ثم إنا لخير الناس بعده وأكرمهم أدبا، وأشرفهم حسبا، وأقربهم منه.رحما وا عجبا كل العجب لابن الزبير ! يعيب بني هاشم، وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم، أما والله إنه لمسلوب قريش ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب قيل للبغل : من أبوك يا بغل ؟ فقال : خالي الفرس. ثم نزل (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 127.

لى عليك وعلى كل المسلمين حقا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

وروى عبد اللّه بن عمر قال : كنت عند أبي يوما، وعنده نفر من الناس فجرى ذكر الشعر، فقال من أشعر العرب فقالوا : فلان وفلان فطلع عبد اللّه بن عباس فسلم وجلس فقال عمر قد جاءكم الخبير من أشعر الناس يا عبد اللّه ؟ قال : زهير ابن أبي سلمى قال فأنشدني مما تستجيده له. فقال : يا أمير المؤمنين إنه مدح قوما من غطفان، يقال لهم بنو سنان فقال

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا ق

وم أبوهم سنان حين تنسبهم طابوا وطاب من الاولاد ما ولدوا

إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا مرزءون بها ليل إذا جهدوا

محسدون على ما كان من نعم لا ينزع اللّه منهم ماله حسدوا

فقال عمر والله لقد أحسن وما أرى هذا المدح يصلح إلا لهذا البيت من هاشم القرابتهم من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال ابن عباس : وفقك اللّه يا أمير المؤمنين فلم تزل موفقا، فقال : يابن عباس أتدرى ما منع الناس منكم ؟ قال لا يا أمير المؤمنين قال لكنى أدرى قال ما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فيجخفوا جخفا فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت فقال ابن عباس : أيميط أمير المؤمنين عنى غضبه فيسمع ! قال : قل ما تشاء قال أما قول أمير المؤمنين : إن قريشا كرهت فإن اللّه تعالى قال لقوم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ). وأما قولك : (إنا كنا نجخف) فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول اللّه هلال الذى قال اللّه تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وقال له (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وأما قولك (فإن قريشا اختارت) فإن اللّه تعالى يقول : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) وقد علمت يا أمير المؤمنين أن اللّه اختار من خلقه لذلك من اختار فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفقت وأصابت قريش فقال عمر : على رسلك يا بن عباس أبت قلوبكم يا بنى هاشم إلا غشا في أمر قريش لا يزول وحقدا عليها لا يحول فقال ابن عباس : مهلا يا أمير المؤمنين ! لا تنسب هاشما إلى الغش فإن قلوبهم من قلب رسول اللّه الذي طهره اللّه وزكاه وهم أهل البيت الذين قال اللّه تعالى لهم (ِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ

تَطْهِيرًا) وأما قولك (حقدا) فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره ! فقال عمر : أما أنت يا بن عباس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي، قال : وما هو يا أمير المؤمنين أخبرني به فان يك باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإن يك حقا فإن منزلتي عندك لا تزول به قال : بلغني إنك لا تزال تقول : أخذ هذا الامر منك حسدا وظلما قال أما قولك يا أمير المؤمنين (حسدا) فقد حسد إبليس آدم فاخرجه من الجنة فنحن بنو آدم المحسود. وأما قولك ظلما فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو !. ثم قال يا أمير المؤمنين ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول اللّه واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول اللّه (صلى اللّه عيله وسلم) ! فنحن أحق برسول اللّه من سائر قريش فقال له عمر : قم الان فارجع إلى منزلك. فقام فلما ولى هتف به عمر : أيها المنصرف إنى على ما كان منك لراع حقك !. فالتفت ابن عباس فقال : إن لى عليك يا أمير المؤمنين وعلى كل المسلمين حقا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فمن حفظ فحق نفسه حفظ، ومن أضاعه فحق نفسه أضاع ثم مضى. فقال عمر لجلسائه واها لابن عباس ما رأيته لاحى أحدا قط إلا خصمه !(1).

أعمى البصر، أعمى القلب

وأثبت ذلك عندنا أبو خثيمة خرج برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وركب فرسه، فسلك به في بنى حارثة، ثم أخذ في الاموال حتى مر بحائط مربع بن قيطى وكان أعمى البصر منافقا، فلما دخل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حائطه، قام يحثى التراب في وجوه المسلمين، ويقول إن كنت رسول اللّه فلا تدخل حائطي، فلا أحله لك، قال محمد بن أسحاق : وقد ذكر أنه أخذ حفنة من تراب وقال : والله لو أعلم أنى لا أصيب غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. قال الواقدي : فضربه سعد بن زيد الاشهلى بقوس يده فشجه في رأسه، فنزل الدم فغضب له بعض بني حارثة ممن هو على مثل رأيه فقال : هي على عداوتكم يا بنى عبد الاشهل، لا تدعونها أبدا لنا فقال أسيد بن حضير : لا والله ولكن نفاقكم، والله لو لا إني لا أدرى ما يوافق النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لضربت عنقه وعنق من هو على مثل رأيه. قال : ونهاهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن الكلام فاسكتوا وقال محمد بن إسحاق : قال رسول اللّه ص(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): دعوه،


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 52.

فإنه أعمى البصر، أعمى القلب. يعنى مربع بن قيظى (1).

صفية بنت عبد المطلب تقف على ولدها

عن صفية بنت عبد المطلب قالت : كنا قد رفعنا يوم أحد في الآطام، ومعنا حسان بن ثابت، وكان من أجبن الناس، ونحن في فارع، فجاء نفر من يهود يرومون الاطم فقلت : دونك يا بن الفريعة فقال لا والله لا أستطيع القتال ويصعد يهودي إلى الاطم، فقلت شد على يدى السيف، ثم برثت، ففعل فضربت عنق اليهودي ورميت برأسه إليهم، فلما رأوه انكشفوا، قالت : وإني لفي فارع أول النهار مشرفة على الاطم، فرأيت المزراق، فقلت أ ومن سلاحهم المزاريق ! أفلا أراء هوى إلى أخي ولا أشعر ! ثم خرجت آخر النهار حتى جئت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد كنت أعرف انكشاف المسلمين وأنا على الاطم برجوع حسان إلى أقصى الاطم، فلما رأى الدولة للمسلمين اقبل حتى وقف على جدار الاطم. قال : فلما انتهيت إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومعي نسوة من الانصار لقيته وأصحابه أوزاع، فأول من لقيت علي ابن أخي فقال : ارجعي يا عمة فإن في الناس تكشفا، فقلت رسول اللّه صللى اللّه عليه آله ؟ قال : صالح قلت : أدللني عليه حتى أراه، فأشار إليه إشارة خفية، فانتهيت إليه وبه الجراحة (2).

هل تستطيع أن تزاحمه في غيره من خصائصه

روت عائشة انهم اختلفوا في غسله هل يجرد ام لا فالقى اللّه عليهم السنة حتى ما منهم رجل الا وذقنه على صدره ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدرى من هو : غسلوا النبي وعليه ثيابه فقاموا إليه فغسلوه وعليه قميصه فكانت عائشة تقول لو استقبلت من امری ما استدبرت ما غسله الا نساؤه.

قلت حضرت عند محمد بن معد العلوى في داره ببغداد وعنده حسن بن معالی الحلى المعروف بابن الباقلاوى وهما يقرآن هذا الخبر، وهذه الاحاديث من تاريخ الطبري فقال محمد بن معد لحسن بن معالى : ما تراها قصدت بهذا القول قال حسدت اباك على ما كان يفتخر به من غسل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فضحك محمد فقال هبها استطاعت أن تزاحمه


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 229.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 15.

في الغسل هل تستطيع أن تزاحمه في غيره من خصائصه (1).

أول ذل دخل على العرب

وروى أبو جعفر قال : قال ابن عباس (رحمه اللّه) : أول ذل دخل على العرب موت الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

واخترت الذى هو أفضل

فيمن فارق عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتحق بمعاويد يزيد بن حجية التيمي من بني تيم بن ثعلبة بن بكر بن وائل وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد استعمله على الرى و دستبنى فكسر الخوارج واحتجن المال لنفسه، فحبسه على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل معه سعدا مولاه فقرب يزيد ركاتبه وسعد نائم فالتحق بمعاوية وقال :

خادعت سعدا وارتمت بیرکائبی***إلى الشام واخترت الذى هو الذي هو أفضل

وغادرت سعدا نائما في عباءة***وسعد غلام مستهام مضلل

ثم خرج حتى أتى الرقة وكذلك كان يصنع من يفارق عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يبدأ بالرقة حتى يستأذن معاوية في القدوم عليه، وكانت الرقة والرها وقرقيسيا وحران من حيز معاوية، وعليها الضحاك بن قيس وكانت هيت وعانات ونصيبين و دارا وآمد وسنجار من حيز على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعليها الاشتر، وكانا يقتتلان في كل شهر.

وقال يزيد بن حجية وهو بالرقة يهجو عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

يا طول ليلى بالرقات لم أنم***من غير عشق صبت نفسي ولا سقم

لكن لذكر أمور جمة طرقت***أخشى على الاصل منها زلة القدم

أخشى عليا عليهم أن يكون لهم***مثل العقور الذي عفى على إرم

وسبقني وإياك إلى الجنة

قال الوليد بن عقبة لعقيل في مجلس معاوية : غلبك أخوك يا أبا يزيد على الثروة ! قال : نعم، وسبقني وإياك إلى الجنة قال : أما والله إن شدقيه لمضمومان من دم


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 38.

2) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 10.

عثمان، فقال : وما أنت وقريش ! والله ما أنت فينا إلا كنطيح التيس. فغضب الوليد وقال : والله لو أن أهل الارض اشتركوا في قتله لارهقوا صعودا، وإن أخاك لاشد هذه الامة عذابا، فقال : صه ! والله إنا لنرغب بعبد من عبيده عن صحبة أبيك عقبة ابن أبي معیط (1).

فلو كنت بمكة لاريتك كبر أبيك.

رویى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة قال : شهدت مسجد المديند، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فنالا منه، فتالا منه فبلغ ذلك على ابن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فجاء حتى وقف عليهما، فقال : أما أنت يا عروة فإن أبى حاكم أباك إلى الله، فحكم لابي على أبيك وأما أنت يا زهرى فلو كنت بمكة لاريتك كبر أبيك (2).

لو كنت في فم أسد لدخلت معك

وقد روى أن عروة بن الزبير كان يقول : لم يكن أحد من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه) يزهو إلا على بن أبي طالب وأسامة بن زيد.

عن يحيى بن عروة، قال : كان أبى إذا ذكر عليا نال منه وقال لى مرة يا بنى والله ما أحجم الناس عنه إلا طلبا للدنيا، لقد بعث إليه أسامة بن زيد أن ابعث إلى بعطائي، فو اللّه إنك لتعلم أنك لو كنت في فم أسد لدخلت معك. فكتب إليه : إن هذا المال لمن جاهد عليه ولكن لى مالا بالمدينة فأصب منه ما شئت قال يحيى : فكنت أعجب من وصفه إياه بما وصفه به، ومن عيبه له وانحرافه عنه (3).

فغطوا على صماخه

روى المسيب بن نجبة الفزاري قال : قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): من وجدتموه من بني أمية في ماء فغطوا على صماخه، حتى يدخل الماء في فيه (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 93.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 102.

3) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 102.

4) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 104.

فرجعت نادمة ساقطة

جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان، فقالت لها : يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقسم لنا من بيتك، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك، فقالت أم سلمة : لامر ما قلت هذه المقالة، فقالت عائشة : إن عبد اللّه أخبرني أن القوم استتابوا عثمان، فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعى الزبير وطلحة فاخرجى معنا لعل اللّه أن يصلح هذا الأمر على أيدينا بنا، فقالت أم سلمة : إنك كنت بالامس تحرضين على عثمان، وتقولين فيه أخبث القول، وما كان اسمه عندك إلا نعثلا، وإنك لتعرفين منزلة على بن أبي طالب عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أفاذ كرك ؟ قالت : نعم، قالت : أتذكرين يوم أقبل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونحن معه، حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال خلا بعلى يناجيه فأطال فأردت أن تهجمي عليهما، فنهيتك فعصيتني، فهجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكيد فقلت : ما شأنك ؟ فقلت : إني هجمت عليهما وهما يتناجيان فقلت لعلى ليس لى من رسول اللّه إلا يوم من تسعة، أيام أفما تدعني يابن أبي طالب ويومى ! فأقبل رسول اللّه ! فأقبل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على، وهو غضبان محمر الوجه، فقال : ارجعي وراءك، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الايمان فرجعت نادمة ساقطة ! قالت عائشة : نعم أذكر ذلك (1).

علي يقتل الحويرث بن معبد

وأما الحويرث بن معبد وهو من ولد قصى بن كلاب - فإنه كان يؤذى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمكة فأهدر دمه، فبينما هو في منزله يوم الفتح وقد اغلق عليه بابه جاء على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسأل عنه، فقيل له : هو في البادية، وأخبر الحويرث أنه جاء يطلبه وتنحى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن بابه فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى بيت آخر فتلقاه على (عَلَيهِ السَّلَامُ)ضرب عنقه (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 217.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 10.

تلقى من يحج من النساء

خرج شريك وهو على قضاء الكوفة يتلقى الخيزران، وقد أقبلت تريد الحج، وقد كان استقضى وهو كاره، فأتى شاهي فأقام بها ثلاثا، فلم تواف، فخف زاده وما كان معه، فجعل يبله بالماء ويأكله بالملح، فقال العلاء بن المنهال الغنوى :

فإن كان الذي قد قلت حقا***بأن قد أكرهوك على القضاء

فمالك موضعا في كل يوم***تلقى من يحج النساء

مقيما في قرى شاهي ثلاثا***بلا زاد سوی كسر وماء (1).

جد الاصمعي يتقرب ببغض امير المؤمنين

إن انسانا وقف للحجاج - ويقال انه جد الاصمعي عبد الملك بن قريب - فصاح به ايها الأمير إن اهلي عقونى فسموني عليا وانى فقير بائس وانا إلى صلة الامير محتاج فتضاحك له الحجاج وقال للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا (2).

فعجب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) من شعره واستحسنه

أن أم سلمة كتبت إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مكة : أما بعد فإن طلحة والزبير وأشياعهم أشياع الضلالة، يريدون أن يخرجوا بعائشه إلى البصرة ومعهم عبد اللّه بن عامر بن كريز، ويذكرون أن عثمان قتل مظلوما، وإنهم يطلبون بدمه والله كافيهم بحوله وقوته ولو لا مانهانا اللّه عنه من الخروج وأمرنا به من لزوم البيت لم أدع الخروج إليك، والنصرة لك، ولكني باعثه نحوك ابني، عدل نفسي عمر بن أبي سلمة، فاستوص به يا أمير المؤمنين خيرا. قال : فلما قدم عمر على على السلام أكرمه، ولم يزل مقيما معه حتى شهد مشاهده كلها ووجهه أميرا على البحرين. وقال لابن عم له : بلغني أن عمر يقول الشعر، فابعث إلى من شعره فبعث إليه بأبيات له أولها :

جزتك أمير المؤمنين قرابة***رفعت بها ذكرى جزاء موفرا

فعجب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) من شعره واستحسنه (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 46.

3) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 219.

اقاموا لكل قائم مائلا

وضعت البكرية لصاحبها احاديث في مقابلة هذه الاحاديث نحو (لو كنت متخذا خليلا) فانهم وضعوه في مقابله حديث الاخاء ونحو سد الابواب فانه كان لعلى فقلبته البكرية إلى ابى بكر ونحو (ائتونى بدواة وبياض اكتب فيه لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان) ثم قال (يابى اللّه تعالى والمسلمون الا ابا بكر) فانهم وضعوه في مقابلة الحديث المروى عنه في مرضه (ائتونى بدواة وبياض اكتب لكم ما لا تضلون بعده ابدا) فاختلفوا عنده وقال قوم منهم لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب اللّه ونحو حديث (انا راض عنك فهل انت عنى راض) ونحو ذلك فلما رات الشيعة ما قد وضعت البكرية اوسعوا في وضع الاحاديث فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا انه قتله في عنق خالد وحديث اللوح الذى زعموا انه كان في غدائر الحنفية ام محمد وحديث (لا يفعلن خالد ما آمر به) وحديث الصحيفة التي علقت عام الفتح بالكعبة وحديث الشيخ الذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر فسبق الناس إلى بيعته واحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من اكابر الصحابة والتابعين الاولين وكفرهم وعلى ادون الطبقات فيهم فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في على وفي ولديه ونسبوه تارة إلى ضعف العقل وتارة إلى ضعف السياسة وتارة إلى حب الدنيا والحرص عليها ولقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه واجترحاه ولقد كان في فضائل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثابتة الصحيحة وفضائل ابى بكر المحققة المعلومة ما يغنى عن تكلف العصبية لهما فان العصبية لهما اخرجت الفريقين من ذكر الفضائل إلى ذكر الرذائل ومن تعديد المحاسن إلى تعديد المساوئ والمقابح ونسال اللّه تعالى أن يعصمنا من الميل إلى الهوى وحب العصبية وأن يجرينا على ما عودنا من حب الحق اين وجد وحيث كان سخط ذلك من سخط ورضی به من رضی (1).

انى رجل ضخم، فلا يهولنكم مسقطي إذا سقطت

قال هاشم ابن عتبة يوم مقتله بصفين : أيها الناس إنى رجل ضخم فلا يهولنكم مسقطي إذا سقطت فإنه لا يفرغ منى أقل من نحر جزور، حتى يفرغ الجزار من جزرها. ثم حمل فصرع، فمر عليه رجل وهو صريع بين القتلى فناداه اقرأ على أمير المؤمنين


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 49.

السلام، وقل له : بركات اللّه ورحمته عليك يا أمير المؤمنين أنشدك اللّه إلا أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بارجل القتلى فإن الدبرة تصبح غدا لمن غلب على القتلى. فأخبر الرجل عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما قاله فسار في الليل بكتائبه حتى جعل القتلى خلف ظهره، فأصبح والدبرة له على أهل الشام (1).

وعرض له معه مثل ما عرض له مع عمرو بن العاص

كان بسر من الابطال الطغاة وكان مع معاوية بصفين فأمره أن يلقى عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القتال، وقال له : إني سمعتك تتمنى لقاءه، فلو أظفرك اللّه به وصرعته حصلت.

على الدنيا والآخرة، ولم يزل يشجعه ويمنيه حتى رأى عليا في الحرب، فقصده والتقيا فصرعه على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعرض له معه مثل ما عرض له مع عمرو بن العاص في كشف السوأة

فقد روي أن أن بسر بن أرطاة بارز عليا أرطاة بارز عليا يوم صفين، فطعنه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصرعه، فانكشف له، فكف عنه، كما عرض له مثل ذلك مع عمرو بن العاص قال : وللشعراء فيهما أشعار مذكورة في موضعها من ذلك الكتاب منها فيما ذكر ابن الكلبى والمدائني قول الحارث بن نضر الخثعمي، وكان عدوا لعمرو بن العاص وبسر بن أرطاة

أفى كل يوم فارس لك ينتهى***وعورته وسط العجاحة باديه

يكف لها عنه على سنانه عنه على سنانه***ويضحك منها في الخلاء معاويه

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه***وعورة بسر مثلها حذو حاذيه

فقولا لعمرو ثم بسر ألا انظرا***لنفسكما لاتلقيا الليث ثانيه

ولا تحمدا إلا الحيا خصاكما***هما كانتا والله للنفس واقيه

ولولاهما لم تنجوا من سنانه***وتلك بما وتلك بما فيها إلى العود ناهيه

متى تلقيا الخيل المغيرة صبحة***وفيها على فاتركا الخيل ناحيه

وكونا بعيدا حيث لا يبلغ القنا الفنا***نحوركما إن التجارب كافيه (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 34.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 312.

نسب ال الزبير

إن آل الزبير بن العوام من ارض مصر من القبط وليسوا من بنی اسد بن عبد العزى قال الهيثم بن عدى في كتاب (مثالب العرب) إن خويلد بن اسد بن عبد العزى كان اتى ثم انصرف منها بالعوام فتبناه فقال حسان بن ثابت يهجو آل العوام بن خويلد بنى اسد

ما باآل خويلد يحنون شوقا كل يوم إلى القبط

متى يذكروا قهقى يحنوا لذكرها وللرمث المقرون والسمك الرقط

عيون كامثال الزجاج وضيعه تخالف كعبا في لحى كثة ثط

يرى ذاك في الشبان والشيب منهم مبينا وفي الاطفال والجلة الشمط

لعمر أبى العوام إن خويلدا غداة تبناه ليوثق في الشرط (1).

درة عمر أهيب من سيف الحجاج

أول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت أبي قحافة مات أبو بكر فناح النساء عليه، وفيهن أخته أم فروة، فنهاهن عمر مرارا وهن يعاودن فأخرج أم فرورة من بينهن، وعلاها بالدرة فهربن وتفرقن.

كان يقال : درة عمر أهيب من سيف الحجاج وفي الصحيح أن نسوة كن عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد كثر لغطهن فجاء عمر فهر بن هيبة له فقال لهن : يا عديات أنفسهن ! أ تهبننى ولا تهبن رسول اللّه ! قلن : نعم، أنت أغلظ وأفظ (2).

ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ولعله لم يبل بعد

روی عباس بن هشام الكلبي عن أبي مخنف في إسناده أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلى وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك، وكلموه فيه بكل كلام شديد، حتى أغضبوه، فخطب فقال : لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ، وإن رغمت به أنوف أقوام ! فقال له على (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذن تمنع من


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 68.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 181.

ذلك، ويحال بينك وبينه فقال عمار : أشهد اللّه أن أنفى أول راغم من ذلك، فقال عثمان : أعلى يا بن ياسر تجترئ ! خذوه، فأخذ، ودخل عثمان، فدعا به فضربه حتى غشى عليه، ثم أخرج فحمل حتى أتى به منزل أم سلمة رضى اللّه تعالى عنها، فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضأ وصلى وقال : الحمد لله، ليس هذا أول يوم أوذينا في اللّه تعالى ! فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان عمار حليفا لبنی مخزوم - : يا عثمان، أما على فاتقيته وأما نحن فاجترأت علينا، وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف، أما والله لئن مات لاقتلن به رجلا من بني أمية عظيم الشان ! فقال عثمان : وإنك لها هنا يا بن القسرية، قال : فإنهما قسريتان - وكانت أم هشام وجدته قسريتين من بجيلة - فشتمه عثمان وأمر به فأخرج فإتى به أم سلمة رضى اللّه تعالى عنها، فإذا هي قد غضبت لعمار، وبلغ عائشة رضى اللّه تعالى عنها ما صنع بعمار فغضبت أيضاً، وأخرجت شعرا من شعر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ونعلا من نعاله وثوبا من ثيابه وقالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد!

وروی آخرون أن السبب في ذلك أن عثمان مر بقبر جديد فسأل عنه، فقيل : عبد الله بن مسعود، فغضب على عمار لكتمانه إياه موته، إذ كان المتولي للصلاة عليه، والقيام بشأنه، فعندها وطئ عثمان عمارا حتى أصابه الفتق.

وروى آخرون أن المقداد وعمارا وطلحة والزبير وعدة من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان وخوفوه به وأعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع فأخذ عمار الكتاب، فأتاه به. فقرأ منه صدرا، ثم قال له : أعلى تقدم من بينهم ! فقال : لانى أنصحهم لك، قال : كذبت يا بن سمية ! فقال : أنا والله ابن سمية وابن ياسر ! فأمر عثمان غلمانا له فمدوا بيديه ورجليه ثم ضربه عثمان برجليه - وهى في الخفين - على مذاكيره، فأصابه الفتق وكان ضعيفا كبيرا فغشى عليه (1).

كم بين من شك في عقيدته

وقالوا إن بكريا وشيعيا تجادلا، واحتكما إلى بعض أهل الذمة ممن لاهوى له مع أحد الرجلين في التفضيل فأنشدهما :


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 48.

كم بين من شك في عقيدته وبين من قيل انه اللّه ! (1)

ما الشئ الملفف في البجاد ؟

قال معاوية للاحنف : يا أبا بحر، ما الشي الملفف في البجاد ؟ فقال : السخينة، وإنما كنى معاوية عن رمى بنى تميم بالنهم وحب الاكل بقول القائل :

إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجئ بزاد

بخبز أو بتمر أو بسمن أو الشئ الملفف في البجاد

تراه يطوف في الآفاق حرصا ليأكل رأس لقمان بن عاد

وأراد الشاعر وطب اللبن، فقال الاحنف : هو السخينة لان قريشا كانت تعير بأكل السخينة قبل الاسلام، لان أكثر زمانها كان زمان قحط والمسخينة ما يسخن بالنار ويذر عليه دقيق، وغلب ذلك على قريش حتى سميت سخينة، قال حسان :

زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب (2).

فدع له ما في يده

كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد بعث أبا سفيان ساعيا فرجع من سعايته، وقد مات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلقيه قوم فسألهم، فقالوا : مات رسول اللّه (صلى اللّه عليه) فقال : من ولى بعده ؟ قيل : أبو بكر، قال : أبو فضيل ! قالوا : نعم، قال : فما فعل المستضعفان : على والعباس ! أما والذي نفسي بيده لا رفعن لهما من اعضادهما.

وأن أبا سفيان قال شيئا آخر لم تحفظه الرواة فلما قدم المدينة قال : إني لارى عجاجة لا يطفئها إلا الدم ! قال : فكلم عمر أبا بكر فقال : إن أبا سفيان قد قدم، وإنا لا نامن شره فدع له ما في يده، فتركه فرضى.

وروى أحمد بن عبد العزيز أن أبا سفيان قال لما بويع عثمان : كان هذا الأمر في تيم وأنى لتيم هذا الامر ! ثم صار إلى عدى فأبعد وأبعد، ثم رجعت إلى منازلها، واستقر الامر قراره فتلقفوها تلقف الكرة (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 9.

2) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 18.

3) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 44.

ما كان يحكم إلا عن نص وتوقيف

لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيرت اشياء.

لسنا نشك إنه كان يذهب في الاحكام الشرعية والقضايا إلى أشياء يخالف فيها أقوال الصحابة، نحو قطعه يد السارق من رءوس الاصابع وبيعه أمهات الاولاد، وغير ذلك، وإنما كان يمنعه من تغير أحكام من تقدمه اشتغاله بحرب البغاة والخوارج، وإلى ذلك يشير بالمداحض التي كان يؤمل استواء قدميه منها، ولهذا قال لقضاته : (اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة)، فلفظة (حتى) - هاهنا مؤذنة بأنه فسح لهم في اتباع عادتهم في القضايا والاحكام التي يعهدونها إلى أن يصير للناس جماعة، وما بعد (إلى) و (حتى) ينبغى أن يكون مخالفا لما قبلهما فأما أصحابنا فيقولون : إنه كان فيما يحاول أن يحكم بين الناس مجتهدا، ويجوز لغيره من المجتهدين مخالفته والامامية تقول : ما كان يحكم إلا عن نص وتوقيف ولا يجوز لأحد من الناس مخالفته (1).

أقنع بعيشك

وقال الشاعر :

أقنع بعيشك ترضه واترك هواك وأنت

فلرب حتف فوقه ذهب وياقوت ودر

وقال آخر :

إلى متى أنا في حل وترحال من طول سعى وإدبار وإقبال !

ونازح الدار لا أنفك مغتربا عن الاحبه لا يدرون ما حالى

بمشرق الارض طورا ثم مغربها لا يخطر الموت من حرص على بالي

ولو قنعت أثانى الرزق في دعة أن القنوع الغنى لا كثرة المال (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 161.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 163.

أربعة تحتاج إلى أربعة

أردشير بن بابك : أربعة تحتاج إلى أربعة : الحسب إلى الادب والسرور إلى الامن والقرابة إلى المودة والعقل إلى التجربة. الاسكندر : لا تحتقر الرأى الجزيل من الحقير، فإن الدرة لا يستهان بها لهوان غائصها (1).

العاقل الحازم

بزرجمهر : العاقل الحازم إذا اشكل عليه الرأى بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها وكذلك العاقل يجمع وجوه الرأى في الامر المشكل، ثم يضرب بعضها في بعض حتى يستخلص الرأى الاصوب (2).

فلعلك شربته ؟

قال : وروی هند بن القاسم، عن عامر بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال : احتجم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم دفع إلى دمه فقال : اذهب به فواره حيث لا يراه أحد، قذهبت به فشربته فلما رجعت قال : ما صنعت ؟ قلت : جعلته في مكان اظن إنه أخفى مكان عن الناس، فقال : فلعلك شربته ؟ فقلت : نعم (3).

خرج إلى الحجاج ابناه : خبيب وحمزة

عن المنذر بن الجهم الاسلمي قال : رأيت ابن الزبير، وقد خذله من معه خذلانا شديدا، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج، خرج إليه منهم نحو عشرة آلاف، وذكر إنه كان ممن فارقه، وخرج إلى الحجاج ابناه : خبيب وحمزة فأخذا من الحجاج لانفسهما أمانا (4).

كلام الجاحظ في ان الناس لا تخلوا من العيوب

قال الجاحظ ومتى يقدر الناس - حفظك اللّه - على رجل مسلم من كل ابنة ومبرأ من كل آفة في جميع آبائه وامهاته واسلافه واصهاره حتى تسلم له اخواله واعمامه وخالاته


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 41.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 42.

3) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 109.

4) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 118.

وعماته واخواته وبناته وامهات نسائه وجميع من يناسبه من قبل جداته واجداده وأصهاره واختانه ولو كان ذلك موجودا لما كان لنسب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فضيله في النقاء والتهذيب وفي التصفية والتنقيح قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (ما مسنی عرق سفاح قط وما زلت انقل من الاصلاب السليمة من الوصوم والارحام البريئة من العيوب) فلسنا نقضي لاحد بالنقاء من جميع الوجوه الا لنسب من صدقة القرآن واختاره اللّه على جميع الانام والا فلا بد من شئ يكون في نفس الرجل أو في طرفيه أو في بعض اسلافه أو في بعض اصهاره ولكنه يكون مغطى بالصلاح ومحجوبا بالفضائل ومغمورا بالمناقب (1).

محمد بن أبن بكر وذكر ولده

أم محمد بن أبي بكر، أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم، كانت تحت جعفر بن أبي طالب وهاجرت معه إلى الحبشة، فولدت له هناك عبد الله بن جعفر الجواد، ثم قتل عنها يوم مؤتة، فخلف عليها أبو بكر الصديق، فأولدها محمدا، ثم مات عنها، فخلف عليها على بن أبي طالب وكان محمد ربيبه وخريجه، وجاريا عنده مجرى أولاده، رضع الولاء والتشيع مذ زمن الصبا، فنشأ عليه فلم يكن يعرف له أبا غير على ولا يعتقد لاحد فضيله غيره، حتى قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): محمد ابني من صلب أبي بكر،

وكان محمد من نساك قريش، وكان ممن أعان على عثمان في يوم الدار واختلف : هل باشر قتل عثمان أم لا. ومن ولد محمد القاسم بن محمد بن أبي بكر فقيه الحجاز وفاضلها، ومن ولد القاسم عبد الرحمن بن القاسم بن محمد كان من فضلاء قریش ويكنى أبا محمد، ومن ولد القاسم أيضاً أم فروة تزوجها الباقر أبو جعفر محمد بن على، فأولدها الصادق أبا عبد اللّه جعفر بن محمد عليهما والسلام، وإلى أم فروة أشار الرضى أبو الحسن بقوله :

يفاخرنا قوم بمن لم نلدهم***بتيم إذا عد السوابق أو عدى

وینسون من لو قدموه لقدموا***عذار جواد في الجياد مقلد

فتی هاشم بعد النبي وباعها***لمرمى علا أو نيل مجد وسودد


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 70.

ولو لا على ما غلوا سرواتها***ولا تجعجعوا فيها بمرعى ومورد

أخذنا عليكم بالنبي وفاطم***طلاع المساعي من مقام ومقعد

وطلنا بسبطي أحمد ووصيه***رقاب الورى من متهمين ومنجد

وحزنا عتيقا وهو غاية فخركم بمولد بنت القاسم بن محمد

فجد نبی ثم جد خليفة***فأكرم بجدينا: عتيق وأحمد

وما افتخرت بعد النبي بغيره***يد صفقت يوم البياع على يد

قوله : ولو لا على ما علوا سرواتها البيت ينظر فيه إلى قول المأمون في أبيات يمدح فيها عليا، أولها :

ألام على حبى الوصي أبا الحسن***وذلك عندي من أعاجيب ذا الزمن

والبيت المنظور إليه منها قوله :

ولولاه ما عدت لهاشم إمرة***وكان مدى الأيام يعصى ويمتهن

وكان يكنى أبا القاسم في قول ابن قتيبة وقال غيره : بل كان يكنى أبا عبد الرحمن (1).

ولم نزد نحن في سر وفى علن على مقالتنا اللّه يكفينا

وقال الشاعر :

لعمرك ما يدرى الفتى كيف يتقى نوائب هذا الدهر

ام كيف يحذر يرى الشئ مما يتقى فيخافه وما لا يرى مما يقى اللّه اكثر

وقال عبد اللّه بن سليمان سليمان بن وهب

كفاية اللّه اجدى من توقينا وعاده اللّه في الاعداء تكفينا

كاد الاعادي فما ابقوا ولا تركوا عيبا وطعنا وتقبيحا وتهجينا

ولم نزد نحن في سر وفى علن على مقالتنا اللّه يكفينا

وكان ذاك ورد اللّه حاسدنا بغيظه لم ينل ماموله فينا (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 53.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 86.

حب رمان عملنا في خراجه بالعدل

وجد في خزانة بعض الاكاسرة سفط ففتح فوجد فيه حب الرمان كل حبة كالنواة الكبيرة من منوى المشمش وفي السفط رقعة فيها هذا حب رمان عملنا في خراجه بالعدل (1).

خير خلق اللّه بعد المصطفى

قلت في الارجوزة التي شرحت فيها عقيدة المعتزلة

وخير خلق اللّه بعد المصطفى اعظمهم يوم الفخار شرفا

السيد المعظم الوصي بعل البتول المرتضى على (2).

مضر مضرها اللّه في النار

قرات في كتاب غريب الحديث لابي محمد عبد اللّه بن قتيبة في حديث حذيفة بن اليمان أنه ذكر خروج عائشة فقال : تقاتل معها مضر مضرها اللّه في النار وازد عمان سلت اللّه اقدامها وإن قيسا لن تنفك تبغى دين اللّه شرا حتى يركبها اللّه بالملائكة فلا يمنعوا ذنب تلعه (3).

واكتحلت ابصارهم بالتراب

واخذ المتنبي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (واكتحلت ابصارهم بالتراب) فقال :

يدفن بعضنا بعضا ويمشى اواخرنا على هام الأوالى

وكم عين مقبلة النواحى كحيل بالجنادل والرمال

ومغض كان لا يغضى لخطب وبال كان يفكر في الهزال (4).

اشعار في وصف الموت واحوال الموتى


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 98.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 120.

3) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 121.

4) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 163.

ومما يناسب ما ذكر من حال الانسان قول الشاعر:

بينا الفتى مرح الخطا فرحا بما يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى

إذ قيل بات بليلة ما نامها إذ قيل اصبح مثقلا ما يرتجى

إذ قيل امسى شاخصا وموجها إذ قيل فارقهم وحل به الردى.

وقال أبو النجم العجلى :

والمرء كالحالم في المنام يقول اني مدرك امامى

في قابل ما فاتني في العام والمرء يدنيه إلى الحمام

مر الليالى السود والايام إن الفتى يصبح للاسقام

كالغرض المنصوب للسهام اخطا رام واصاب رام

وقال عمران بن حطان :

في كل عام مرضه ثم نقهه وينعى ولا ينعى متى ذا إلى متى

ولا بد من يوم يجئ وليلة يسوقان حتفا راح نحوك أو غدا

وقال عبده بن الطبيب - ويعجبني قوله على الحال التي كان عليها فانه كان اسود لصا من لصوص بني سعد بن زيد مناه بن تميم:

ولقد علمت بان قصرى حفرة غبراء يحملني إليها شرجع

فبكي بناتی شجوهن وزوجتي والاقربون إلى ثم تصدعوا

وتركت في غبراء يكره وردها تسفى على الريح ثم اودع

إن الحوادث يختر من وانما عمر الفنى في اهلهمستودع

ونظير هذه الابيات في رويها وعروضها قول متمم بن نويرة اليربوعي :

ولقد علمت ولا محالة اننى للحادثات فهل ترینی اجزع

اهلكن عادا ثم آل محرق فتركتهم بلدا وما قد جمعوا

ولهن كان الحارثان كلاهما ولهن كان اخو المصانع تبع

فعددت آبائي إلى عرق الثرى فدعوتهم فعلمت أن لم يسمعوا

ذهبوا فلم ادركهم ودعتهم غول اتوها والطريق المهيع

لا بد من تلف مصيب فانتظر ابارض قومك ام باخرى تصرع

ولياتين عليك يوم مرة يبكى عليك مقنعا لا تسمع (1).

قصبة على راسها رقعة

كان محمد بن عبد اللّه بن طاهر في قصره ببغداد على دجلة فإذا بحشيش على وجه الماء في وسطه قصبة على راسها رقعة فامر بها فوجد هذا تاه الاعيرج واستولى به البطر فقل لخير ما استعملته الحذر احسنت ظنك بالايام إذ حسنت ولم تخف سوء ما ياتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالى يحدث الكدر فلم ينتفع بنفسه ایاما (2).

كان عمر يفتى كثيرا بالحكم ثم ينقضه

كان عمر يفتى كثيرا بالحكم ثم ينقضه، ويفتى بضده وخلافه، قضى في الجد مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من الحكم في هذه المسألة فقال : من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه (3).

كان يحمى الشرف لابله وكانت ألف بعير

كان عثمان يحمى الربذة والشرف والبقيع، فكان لا يدخل الحمى بعير له ولا فرس ولا لبني أمية حتى كان آخر الزمان، فكان يحمى الشرف لابله وكانت ألف بعير ولابل الحكم بن أبى العاص، ويحمى الربذة لابل الصدقة ويحمى البقيع لخيل المسلمين وخيله وخيل بني أمية (4).

فهل فتحت الموضع المقفلا

ورد إن المرأة قالت للرجل القاعد منها مقعد القابلة لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وتركها.


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 168.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 171.

3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 181.

4) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 39.

وقد أخذ الصاحب بن عباد هذه اللفظة، فقال لابي العلاء الأسدي الاصفهاني، وقد دخل بزوجة له بكر :

قلبى على الجمرة يا أبا العلا فهل فتحت الموضع المقفلا !

وهل فضضت الكيس عن ختمه وهل كحلت الناظر الاحولا !

وأنشد الفرزدق في سليمان بن عبد الملك شعرا قال فيه :

دفعن إلى لم يطمئن قبلى وهن أصح من بيض النعام

فبتن بجانبی مصرعات و بت أفض أغلاق الختام.

فاستنكر سليمان ذلك وقال له : قد أقررت بالزنا، فلاجلدنك فقال : إني شاعر وإن اللّه يقول في الشعراء : (وأنهم يقولون ما لا يفعلون)، وقد قلت ما لم أفعل قال سليمان : نجوت بها (1).

حتى سمعنا صوت المساحي

قال أبو جعفر وقد روت عمرة بنت عبد الرحمن بن اسعد بن زرارة، عن عائشة قالت ما علمنا بدفن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى سمعنا صوت المساحى في جوف الليل ليلة الأربعاء

قلت وهذا أيضاً من العجائب لانه إذا مات يوم الاثنين وقت ارتفاع الضحى - كما ذكر في الرواية - ودفن ليلة الاربعاء وسط الليل فلم يمض عليه ثلاثة ايام كما ورد في تلك الرواية.

وايضا فمن العجب كون عائشة، وهو في بيتها لا تعلم بدفنه حتى سمعت صوت المساحی اتراها این كانت وقد سالت عن هذا جماعة فقالوا لعلها كانت في بيت يجاور بيتها عندها نساء كما جرت عادة اهل الميت وتكون قد اعتزلت بيتها وسكنت ذلك البيت لان بيتها مملوء بالرجال من اهل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وغيرهم من الصحابة، وهذا قريب، ويحتمل أن يكون.

قال الطبري : ونزل في قبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علی بن ابی طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والفضل بن عباس، وقثم اخوه، وشقران مولاهم. وقال اوس بن خولى لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) انشدك اللّه يا على


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 165.

وحظنا من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال له انزل فنزل مع القوم، واخذ شقران قطيفة كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يلبسها، فقذفها معه في القبر، وقال لا يلبسها احد بعده

قلت من تأمل هذه الاخبار علم أن عليها لو كان الاصل والجملة والتفصيل في امر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجهازه الا ترى أن أوس بن خولى لا يخاطب احدا من الجماعة غيره ولا يسال غيره في حضور الغسل والنزول في القبر ثم انظر إلى كرم على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسجاحة اخلاقه وطهارة شيمته كيف لم يضن بمثل هذه المقامات الشريفه : عن اوس وهو رجل غريب من الانصار، فعرف له حقه واطلبه بما طلبه فكم بين هذه السجية الشريفة، وبين قول من قال لو استقبلت من امری ما استدبرت ما غسل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الا نساؤه ولو كان في ذلك المقام غيره من اولى الطباع الخشنة وارباب الفظاظة والغلظة، وقد سال اوس ذلك - لزجر وانتهر ورجع خائبا (1).

هبار بن الاسود

وأما هبار بن الأسود، فقد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أمر أن يحرقه بالنار، ثم قال : إنما يعذب بالنار رب النار اقطعوا يديه ورجليه إن قدرتم عليه ثم اقتلوه، وكان جرمه أن نخس زينب بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما هاجرت، وضرب ظهرها بالرمح وهى حبلى فأسقطت فلم يقدر المسلمون عليه يوم الفتح فلما رجع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى المدينة طلع هبار بن الاسود قائلا : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول اللّه فقبل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إسلامه فخرجت سلمی مولاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقالت : لا أنعم اللّه بك عينا ! أنت الذى فعلت وفعلت ! فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهبار يعتذر إليه ؟ إن الاسلام محا ذلك، ونهى عن التعرض له. قال الواقدي : قال ابن عباس (رضى اللّه عنه) : رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهبار يعتذر إليه وهو يطأطئ رأسه استحياء مما يعتذر هبار ويقول له : قد عفوت عنك (2).

إن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر

كان قزمان من المنافقين، وكان قد تخلف عن أحد، فلما أصبح عيره نساء نساء بنى ظفر،


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 39.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 10.

فقلن یا قزمان، قد خرج الرجال وبقيت إستحى يا قزمان ألا تستحيى مما صنعت ما أنت إلا امرأة خرج قومك وبقيت في الدار فأحفظنه فدخل بيته، فأخرج قوسه وجعبته وسيفه - وكان يعرف بالشجاعة - وخرج يعدو، حتى إنتهى إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو يسوى صفوف المسلمين فجاء من خلف الصف حتى انتهى إلى الصف الاول، فكان فيه وكان أول من رمى بسهم من المسلمين جعل يرسل نبلا كأنها الرماح، وإنه ليكت كتيت الجمل ثم صار إلى السيف ففعل الافاعيل، حتى إذا كان آخر ذلك قتل نفسه. وكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا ذكره قال : من أهل النار. قال : فلما انكشف المسلمون، كسر جفن سيفه وجعل يقول : الموت أحسن من الفرار. يا للاوس قاتلوا على الاحساب واصنعوا مثل ما أصنع قال : فيدخل بالسيف وسط المشركين حتى يقال قد قتل، ثم يطلع فيقول أنا الغلام الظفرى حتى قتل منهم سبعة وأصابته الجراحة، وكثرت فيه، فوقع فمر به قتادة بن النعمان فقال له : أبا الغيداق قال قزمان : لبيك، قال : هنيئا لك الشهادة قال قزمان : إنى والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين ما قاتلت إلا على الحفاظ، أن تسير قريش إلينا فتطأ سعفنا، قال : فأذته الجراحة فقتل نفسه، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (إن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) (1).

لا تمضى الجمعة حتى تبايعوا إلى أو أضرب أعناقكم

جمع عبد اللّه بن الزبير محمد بن الحنفية وعبد اللّه بن عباس في سبعة عشر رجلا من بنى هاشم منهم الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحصرهم في شعب بمكة يعرف بشعب عارم وقال : لا تمضى الجمعة حتى تبايعوا إلى أو أضرب أعناقكم، أو أحرقكم بالنار، ثم نهض إليهم قبل الجمعة يريد إحراقهم بالنار، فالتزمه ابن مسور بن مخرمة الزهري، وناشده اللّه أن يؤخرهم إلى يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة دعا محمد بن الحنفية بغسول وثياب بيض فاغتسل وتلبس وتحنط لا يشك في القتل، وقد بعث المختار بن أبي عبيد من الكوفة أبا عبد اللّه الجدلي في أربعة آلاف فلما نزلوا ذات عرق، تعجل منهم سبعون على رواحلهم حتى وافوا مكة صبيحة الجمعة ينادون : يا محمد يا محمد ! وقد شهروا السلاح حتى وافو اشعب عارم، فاستخلصوا محمد بن


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 234.

الحنفية ومن كان معه وبعث محمد بن الحنفية الحسن بن الحسن ينادي : من كان يرى إن اللّه عليه حقا فليشم سيفه، فلا حاجة لى بأمر الناس إن أعطيتها عفوا قبلتها، وإن كرهوا لم نبتزهم أمرهم. وفى شعب عارم وحصار ابن الحنفية فيه يقول كثير بن عبد الرحمن :

ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منى من الناس يعلم إنه غير ظالم

سمى النبي المصطفى وابن عمه وحمال أثقال وفكاك غارم

تخبر من لاقيت إنك عائد بل العائذ المحبوس في سجن عارم (1).

خلهم يعملون

لما توفى عبد اللّه بن أبى رأس المنافقين في حياة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم جاء ابنه وأهله فسألوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم أن يصلى عليه فقام بين يدى الصف يريد ذلك فجاء عمر فجذبه من خلفه وقال ألم ينهك اللّه أن تصلى على المنافقين فقال إني خيرت فاخترت فقيل لى (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) ولو أني أعلم أنى إذا زدت على السبعين غفر له لزدت ثم صلى رسول اللّه عليه ومشى معه وقام على قبره. فعجب الناس من جرأة عمر على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلم يلبث الناس إلا أن نزل قوله تعالى : (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره..) فلم يصل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدها على احد من المنافقين. وروى أبو هريرة قال كنا قعودا حول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في نفر فقام من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقطع دوننا فقمنا وكنت أول من فزع فخرجت أبتغيه حتى أتيت حائطا للانصار لقوم من بني النجار، فلم أجد له بابا إلا ربيعا فدخلت في جوف الحائط - والربيع الجدول - فدخلت منه بعد أن احتفرته فإذا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال أبو هريرة ! قلت : نعم قال : ما شأنك؟ قلت : كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت عنا، فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا - وكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفرته كما يحتفر الثعلب والناس من ورائي فقال يا أبا هريرة اذهب بنعلى هاتين فمن لقيته وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا اللّه مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة فخرجت فكان أول من لقيت عمر فقال : ما هذان النعلان ؟ قلت : نعلا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 123.

بعثني بهما وقال : من لقيته يشهد أن لا إله إلا اللّه مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة. فضرب عمر في صدري فخررت لاستي وقال : ارجع إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). فأجهشت بالبكاء راجعا، فقال رسول اللّه : ما بالك ؟ قلت : لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب صدري ضربة خررت لاستى، وقال ارجع إلى رسول اللّه فخرج رسول اللّه فإذا عمر فقال : ما حملك يا عمر على ما فعلت فقال عمر أنت بعثت أبا هريرة بكذا قال : نعم، قال : فلا تفعل فانى أخشى أن يتكل الناس عليها فيتركوا العمل خلهم يعملون فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): خلهم يعملون(1).

إذا كان الامراء بني أمية والوزراء بني مخزوم

عن المسور بن مخرمة قال : لقى عبد الرحمن ابن عوف عمر بن الخطاب فقال : أ لم نكن نقرأ من جملة القرآن : قاتلوهم في آخر الامر كما قاتلتموهم في أوله ؟ قال : بلى، ولكن ذاك إذا كان الامراء بني أمية والوزراء بني مخزوم !(2).

هات فلندع على من ظلمنا

عن المسيب بن نجبة قال : بينا على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخطب إذ قام أعرابي فصاح وا مظلمتاه ! فاستدناه على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما دنا قال له : إنما لك مظلمة واحدة، وأنا قد ظلمت عدد المدر والوبر. قال : وفي رواية عباد بن يعقوب أنه دعاه فقال له : ويحك ! وأنا والله مظلوم أيضاً، هات فلندع على من ظلمنا (3).

الحجاج في البصرة

خرج الناس عن الكوفة، وأتى الحجاج البصرة، فكان أشد عليهم إلحاحا، وقد كان أتاهم خبره بالكوفة، فتحمل الناس قبل قدومه وأتاه رجل من بنى يشكر، وكان شيخا أعور، يجعل على عينه العوراء صوفة فكان يلقب ذا الكرسفة، فقال : أصلح اللّه الامير إن بي فتقا وقد عذرني بشر بن مروان وقد رددت العطاء، فقال : إنك عندي لصادق


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 55.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 104.

3) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 106.

ثم أمر به فضربت عنقه، ففى ذلك يقول كعب الاشقري - أو الفرزدق :

لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة تقرقر منها بطن كل عريف

ويروى عن أبي البئر، قال : إنا لنتغدى معه يوما، إذ جاءه رجل من بني سليم برجل يقوده، فقال : أصلح اللّه الامير ! إن هذا عاص فقال له الرجل : أنشدك اللّه أيها الامير في دمى ! فو اللّه ما قبضت ديوانا قط ولا شهدت عسكرا قط، وإني لحائك، أخذت من تحت الحف فقال : اضربوا عنقه. فلما أحس بالسيف سجد، فلحقه السيف وهو ساجد، فأمسكنا عن الاكل فأقبل علينا وقال : ما لي أراكم قد صفرت أيديكم، واصفرت وجوهكم وحد نظركم من قتل رجل واحد ! ألا إن العاصى يجمع خلالا يخل بمركزه ويعصى أميره ويغر المسلمين وهو أجير لهم، وإنما يأخذ الاجرة لما يعمل والوالى مخير فيه إن شاء قتل، وإن شاء عفا (1).

ضرب الحكماء مثالا لفرط الطمع

إن رجلا صاد قبره فقالت : ما تريد أن تصنع بي ؟ قال : أذبحك وآكلك قالت : والله ما أشفى من قرم، ولا أشبع من جوع، ولكني أعلمك ثلاث خصال من خير لك من أكلى، أما واحدة فأعلمك إياها وأنا في يدك، وأما الثانية فإذا صرت على الشجرة، أما الثالثة فإذا صرت على الجبل. فقال : هاتي الاولى قالت : لا تلهفن على ما فات فخلاها فلما صارت على الشجرة قال : هاتى الثانية، قالت : لا تصدقن بما لا يكون إنه،يكون، ثم طارت فصارت على الجبل فقالت يا شقى لو ذبحتني لا خرجت من حوصلتي درتين وزن كل واحدة ثلاثون مثقالا، فعض على يديه وتلهف تلهفا شديدا، وقال : هاتي الثالثة، فقالت : أنت قد انسيت الاثنتين فما تصنع بالثالثة ؟ ألم أقل لك : لا تلهفن على ما فات، وقد تلهفت وألم أقل لك لا تصدقن بما لا يكون إنه يكون. وأنا ولحمي ودمى وريشى لا يكون عشرين مثقالا، فكيف صدقت أن في حوصلتي درتين كل واحدة منهما ثلاثون مثقالا ! ثم طارت وذهبت (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 181.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 165.

فما انتفع بنفسه مدة

كان محمد بن عبد اللّه بن طاهر أمير بغداد في قصره على دجلة يوما وإذا بحشيش على وجه الماء، في وسطه قصبة عليها رقعة فأمر بأخذها، فإذا فيها :

تاه الاعيرج واستولى به البطر فقل له : خير ما استعملته الحذر

أحسنت ظنك بالايام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القد

ر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالى يحدث الكدر

فما انتفع بنفسه مدة (1).

هي المقادير تجرى في أعنتها

قال الشاعر :

فيا لنعيم ساعدتنا رقابه و خاست بنا أكفاله والروادف

إسحق بن إبراهيم الموصلي :

هي المقادير تجرى في أعنتها فاصبر فليس لها صبر على حال

يوما تريش خسيس الحال ترفعه إلى السماء ويوما تخفض العالي

إذا أدبر الامر أتى الشر من حيث كان يأتي الخير.

هانی بن مسعود :

إن كسرى أبى على الملك النعمان حتى سقاه أم الرقوب

كل ملك وأن تصعد يوما بأناس يعود للتصويب

أحيحة بن الجلاح :

وما يدرى الفقير متى غناه وما يدرى الغنى متى يعيل

وما تدرى إذا أضربت شولا أتلقح بعد ذلك أم تحيل

وما تدرى إذا أزمعت سيرا بأى الارض يدركك المقيل !

آخر :


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 178.

فما درن الدنيا بباق لاهله ولا شره الدنيا بضربه لازم

آخر :

رب قوم غيروا من عيشهم في سرور ونعيم وغدق

سكت الدهر زمانا عنهم ثم أبكاهم دما حين نطق

ومن الشعر المنسوب إلى محمد الامين بن زبيدة :

يا نفس قد حق الحذر أين الفرار من القدر

كل امرئ مما يخاف ويرتجيه على خطر

من يرتشف صفو الزمان يغص يوما بالكدر (1).

شتان بين على وسعد

روى أن طلحة حمل على على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فضربه بالسيف، فاتقاه بالدرقة، فلم يصنع شيئا، وحمل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعلى طلحة درع ومغفر، فضربه بالسيف، فقطع ساقيه، ثم أراد أن يذفف عليه فسأله طلحة بالرحم ألا يفعل فتركه ولم يذفف عليه. قال الواقدي : ويقال أن عليا دفف عليه، ويقال أن بعض المسلمين مر به في المعركة فذفف عليه. قال : فلما قتل طلحة سر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكبر تكبيرا عاليا وكبر المسلمون، ثم شد أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على كتائب المشركين فجعلوا يضربون وجوههم، حتى انتقضت صفوفهم، ولم يقتل إلا طلحة بن أبي طلحه وحده قال الواقدي : ثم حمل لواء المشركين بعد طلحة أخوه عثمان بن أبي طلحة، وهو أبو شيبة فارتجز وقال : إن على رب اللواء حقا أن تخصب الصعدة أو تندقا فتقدم باللواء، والنسوة خلفه يحرضن ويضربن بالدفوف، فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب (رحمه اللّه) فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه، حتى انتهى إلى مؤتزره فبدا سحره، ورجع فقال أنا ابن ساقى الحجيج، ثم حمل اللواء أخوهما أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص فاصاب حنجرته وكان دراعا، وعليه مغفر لا رفرف عليه وعلى رأسه بيضته فأدلع لسانه إدلاع الكلب. قال الواقدي : وقد روى أن أبا سعد لما حمل اللواء، قام النساء خلفه يقلن ضربا


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 179.

بنى عبد الدار ضربا حماة الادبار ضربا بكل بتار قال سعد بن أبي وقاص : فأحمل عليه فأقطع يده اليمنى، فأخذ اللواء باليد اليسرى، فأضربه على يده اليسرى، فقطعتها، فأخذ اللواء بذراعيه جميعا وضمه إلى صدره وحنى عليه ظهره. قال سعد: فأدخل سية القوس بين الدرع والمغفر، فاقلع المغفر، فأرمى به وراء ظهره ثم ضربته حتى قتلته، وأخذت أسلبه درعه، فنهض إلى سبيع بن عبد عوف ونفر معه فمنعوني سلبه، وكان سلبه أجود سلب رجل من المشركين درع فضفاضة ومغفر وسيف جيد، ولكن حيل بيني وبينه قال الواقدي : وهذا أثبت القولين.

قلت شتان بين على وسعد هذا يجاحش على السلب ويتأسف على فواته، وذلك يقتل عمرو بن عبدود يوم الخندق وهو فارس قريش وصنديدها و مبارزه فيعرض عن سلبه فيقال له كيف تركت سلبه وهو أنفس سلب فيقول كرهت أن أبز السبي، ثيابه فكان حبيبا عناه بقوله

إن الأسود أسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب (1).

هلكت العرب !

قال الاحنف بن قيس في صفين لاصحابه : هلكت العرب ! قالوا له : وإن غلبنا يا أبا : بحر ؟ قال : نعم، قالوا : وإن غلبنا ؟ قال : نعم، قالوا : والله ما جعلت لنا مخرجا. : فقال الاحنف : إنا إن غلبناهم لم نترك بالشام رئيسا إلا ضربنا عنقه وإن غلبونا لم يعرج بعدها رئيس عن معصية اللّه إبدا(2).

باى شئ كفرتم عثمان ؟

وروي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنه قيل له : بأى شئ كفرتم عثمان ؟ فقال : بثلاث : جعل المال دولة بين الاغنياء، وجعل المهاجرين من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)بمنزلة من حارب اللّه ورسوله وعمل بغير كتاب اللّه (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 236.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 52.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 51.

وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا

•

أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما مات وأبو ذر غائب، وقدم وقد ولى أبو بكر فقال : أصبتم قناعه، وتركتم قرابه، لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان.

•

لما توفى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وجرى في السقيفة ما جرى تمثل على :

وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا ويطغون لما غال زيدا غوائله (1).

اكفف من غربك، واربع على ظلعك

لما أخرج ابن الزبير عبد اللّه بن عباس من مكة إلى الطائف مر بنعمان، فنزل فصلی ركعتين، ثم رفع يديه يدعو، فقال : اللهم إنك تعلم إنه لم يكن بلد أحب إلى من أن أعبدك فيه من البلد الحرام، وإنني لا أحب أن تقبض روحي إلا فيه، وإن ابن الزبير أخرجنى منه، ليكون الاقوى في سلطانه. اللهم فأوهن كيده، واجعل دائرة السوء عليه : فلما دنا من الطائف تلقاه أهلها فقالوا : مرحبا بابن عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه) ! أنت والله أحب إلينا وأكرم علينا ممن أخرجك هذه منازلنا تخيرها، فانزل منها حيث أحببت، فنزل منزلا، فكان يجلس إليه أهل الطائف بعد الفجر وبعد العصر، فيتكلم بينهم كان يحمد اللّه ويذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والخلفاء بعده، ويقول ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم ولا أشباههم ولا من يدانيهم ولكن بقى أقوام يطلبون الدنيا بعمل الاخرة، ويلبسون جلود الضان تحتها قلوب الذئاب والنمور، ليظن الناس إنهم من الزاهدين في الدنيا، يراءون الناس بأعمالهم، ويسخطون اللّه بسرائرهم، فادعوا اللّه أن يقضى لهذه الامة بالخير والاحسان فيولى أمرها خيارها وأبرارها ويهلك فجارها وأشرارها ارفعوا أيديكم إلى ربكم وسلوه ذلك، فيفعلون. فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إليه : فكتب إليه : أما بعد فق- بلغني إنك تجلس بالطائف العصرين فتفتيهم بالجهل تعيب أهل العقل والعلم، وإن حلمي عليك، واستدامتي فينك جراك على فاكفف - لا أبا لغيرك - من غربك، وأربع على طلعك، وأعقل إن كان لك معقول وأكرم نفسك فإنك إن تهنها تجدها على الناس أعظم هوانا، ألم تسمع قول الشاعر : فنفسك أكرمها فإنك إن تهن عليك فلن تلقى لها - الدهر - مكرما. وإنى أقسم باللّه لئن لم تنته عما بلغني عنك لتجدن جانبي خشنا،


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 13.

ولتجدنني إلى ما يردعك عنى عجلا، فر رأيك، فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تلم إلا نفسك. فكتب إليه ابن عباس : أما بعد فقد بلغني كتابك، قلت : إني أفتى الناس بالجهل، وإنما يفتى بالجهل من لم يعرف من العلم شيئا، وقد آتانى اللّه من العلم ما لم يؤتك. وذكرت إن حلمك عنى، واستدامتك في جرآني عليك، ثم قلت : اكفف من غربك، واربع على ظلعك وضربت لى الامثال أحاديث الضبع، متى رأيتني لعرامك هائيا، ومن حدك ناكلا ! وقلت : لئن لم تكفف لتجدن جانبي خشنا، فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت ولا أرعى عليك إن أرعيت ! فو اللّه انتهى عن قول الحق، وصفة أهل العدل والفضل، وذم الاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، والسلام (1).

كتاب محمد بن أبى بكر إلى معاوية وجوابه عليه

كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية : من محمد بن أبي بكر إلى الغاوى معاوية بن صخر، سلام على أهل طاعة اللّه ممن هو سلم لاهل ولاية الله. أما بعد فإن اللّه بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته خلق خلقا بلا عبث ولا ضعف في قوته لا حاجة به إلى خلقهم، ولكنه خلقهم عبيدا، وجعل منهم شقيا وسعيدا، وغويا ورشيدا، ثم اختارهم على علمه فاصطفى وانتخب منهم محمدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فاختصه برسالته، واختاره لوحيه وائتمنه على أمره وبعثه رسولا مصدقا لما بين يديه من الكتب ودليلا على الشرائع فدعا إلى سبيل أمره بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أول من أجاب وأناب، وصدق ووافق فأسلم وسلم أخوه وابن عمه - على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فصدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم ووقاه كل هول وواساه بنفسه في كل خوف، فحارب حربه وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الازل ومقامات الروع، حتى برز سابقا لا نظير له في جهاده، ولا مقارب له في فعله، وقد رأيتك تساميه وأنت أنت وهو هو السابق المبرز في كل خير أول الناس إسلاما وأصدق الناس نية وأطيب الناس ذرية، وأفضل الناس زوجة وخير الناس ابن عم وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين اللّه الغوائل، وتجتهدان على إطفاء نور اللّه وتجمعان على ذلك الجموع


1) شرح نهج البلاغة ج 30 ص 124.

وتبذلان فيه المال، وتحالفان في ذلك القبائل، على هذا مات أبوك، وعلى ذلك خلفته، والشاهد عليك بذلك من يأوى ويلجأ إليك، من بقيه الاحزاب ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والشاهد لعلى مع فضله وسابقته القديمة أنصاره الذين ذكرهم اللّه تعالى في القرآن، ففضلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والانصار فهم معه كتائب وعصائب، يجالدون حوله بأسيافهم، ويهريقون دماءهم دونه، يرون الفضل في اتباعه، والشقاق والعصيان في خلافه، فكيف - يا لك الويل - تعدل نفسك بعلى، وهو وارث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ووصيه وأبو ولده وأول الناس له اتباعا وآخرهم به عهدا يخبره بسره ويشركه في أمره وأنت عدوه وابن عدوه فتمتع ما استطعت بباطلك، وليمددك لك ابن العاص في غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى وكيدك قد وهى، وسوف تستبين لمن تكون العاقبة العليا. واعلم أنك إنما تكايد ربك الذى قد أمنت كيده وأيست من روحه، وهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور وبالله وبأهل بيت رسوله عنك الغناء ! والسلام على من اتبع الهدى فكتب إليه معاوية : من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر. سلام على أهل طاعة الله، أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما اللّه أهله في قدرته وسلطانه وما أصفى به نبيه مع كلام ألفته ووضعته، لرأيك فيه تضعيف ولابيك فيه تعنيف ذكرت حق ابن أبي طالب وقديم سابقته، وقرابته من نبي اللّه ونصرته له، ومواساته إياه في كل خوف وهول، واحتجاجك على وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك. فاحمد إلها صرف ذلك الفضل عنك، وجعله لغيرك، فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا فلما اختار اللّه لنبيه ما عنده وأتم له ما وعده وأظهر دعوته، وأفلج حجته قبضه اللّه إليه، فكان أبوك وفاروقه، أول من ابتزه وخالفه على ذلك اتفقا واتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهما به الهموم وأرادا به العظيم فبايعهما وسلم لهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما، حتى قبضا وانقضى أمرهما، ثم أقاما بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان يهتدى بهديهما، ويسير عفان، يهتدى بهديهما، ويسير بسيرتهما، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصى من أهل المعاصي، وبطنتما وظهرتما، وكشفتما له عداوتكما وغلكما، حتى بلغتما منه مناكما، فخذ حذرك يا بن أبي بكر فسترى وبال أمرك وقس شبرك بفترك تقصر عن أن تساوى أو توازى من يزن الجبال حلمه، ولا تلين على قسر قناته ولا يدرك ذو مدى أناتة أبوك مهد له مهاده و بنى ملكه و شاده، فإن يكن ما نحن

فيه صوابا فأبوك أوله، وإن يكن جورا فأبوك أسه ونحن شركاؤه، فبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا رأينا أباك فعل ما فعل فاحتذينا مثاله واقتدينا بفعاله فعب أباك بما بدا لك، أو دع والسلام على من أناب ورجع من غوايته وناب (1).

ثمان مسائل من مسائل التوحيد

ومن خطب لامير المومنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، الأول لا شئ قبله والاخر لا غايه له، لا تقع الاوهام له على صفة ولا تعقد القلوب منه على كيفية، ولا تناله التجزئة والتبعيض، ولا تحيط به الابصار والقلوب

قال ابن ابي الحديد : في هذا الفصل على قصره ثمانی مسائل من مسائل التوحيد : الاولى، أنه الاثانى اله سبحانه في الاليهة.

والثانية، أنه قديم لا أول له. ليس يدل كلامه على القدم لانه قال : (الاول لا شئ قبله) فيوهم كونه غير قديم بأن يكون محدثا وليس قبله شئ لانه محدث عن عدم والعدم ليس بشئ. قلت : إذا كان محدثا كان له محدث فكان ذلك المحدث قبله فثبت أنه متى صدق أنه ليس شئ قبله صدق كونه قديما.

والثالثة : أنه أبدى لا انتهاء ولا انقضاء لذاته.

والرابعة : نفى الصفات عنه – أعنى المعاني.

والخامسة : نفى كونه مكيفا، لان كيف إنما يسال بها عن ذوى الهيئات والاشكال وهو منزه عنها.

والسادسة : أنه غير متبعض لانه ليس بجسم ولا عرض.

والسابعة : أنه لا يرى ولا يدرك.

والثامنة : أن ماهيته غير معلومة، وهو مذهب الحكماء وكثير من المتكلمين من أصحابنا وغيرهم (2)..


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 188.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 345.

ذم الكذب وحقارة الكذابين

•

جاء في الخبر عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (إذا كذب العبد كذبة تباعد الملك منه مسيرة ميل من نتن ما جاء به).

•

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى الفجور والفجور يهدى إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب، فيكتب عند اللّه كاذبا وعليكم بالصدق، فإن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر ليهدى إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق فيكتب عند اللّه صادقا).

أن وروى رجلا قال للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أنا يا رسول اللّه أستسر بخلال أربع : الزنا، وشرب الخمر والسرق والكذب فأيتهن شئت تركتها لك، قال : دع الكذب، فلما ولى هم بالزنا، فقال : يسألني فإن جحدت نقضت ما جعلت له، وإن أقررت حددت، ثم هم بالسرق، ثم بشرب الخمر ففكر في مثل ذلك، فرجع إليه فقال : قد أخذت على السبيل كله، فقد تركتهن أجمع.

•

ومن الحكم القديمة : إنما فضل الناطق على الاخرس بالنطق وزين المنطق الصدق، فالكاذب شر من الأخرس.

•

وجاء في بعض الاخبار : قيل له : يارسول اللّه أيكون المؤمن جبانا ؟ قال : نعم، قيل : أفيكون بخيلا ؟ قال : نعم، قيل أفيكون كاذبا ؟ قال : لا

•

وقال بعضهم : من أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون،

أخذه شاعر فقال :

ومن دعا الناس إلى ذمه***دموه بالحق وبالباطل

•

وكان يقال : خذوا عن أهل الشرف، فإنهم قلما يكذبون.

•

وجاء في الخبر المرفوع : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب

•

وقال بعض الشعراء :

لا يكذب المرء إلا من مهانته***أو عادة السوء أو من قلة الادب

لعض جيفة كلب خير رائحة***من كذبة المرء في جد وفى لعب (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 357.

ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا الموقف:

قال الواقدي : وكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) يقول يوم أحد ما فعل عمي! فخرج الحارث بن الصمة يطلبه فأبطا فخرج على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يطلبه فيقول :

يا رب إن الحارث بن الصمة***كان رفيقا وبنا ذا ذمة

قد ضل في مهامه مهمه***يلتمس الجنه فيها ثمه

حتى انتهى إلى الحارث، ووجد حمزة مقتولا، فجاء فأخبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فأقبل يمشى حتى وقف عليه فقال : ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا الموقف. فطلعت صفية، فقال یا زبیر اغن عني أمك وحمزة يحفر له، فقال الزبير : يا أمه إن في الناس تكشفا فارجعي، فقالت : ما أنا بفاعلة حتى أرى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلما رأته قالت : يا رسول اللّه أين ابن أمي حمزة ؟ فقال : هو في الناس قالت : لا أرجع حتى أنظر إليه، قال الزبير : فجعلت أطدها إلى الارض حتى دفن وقال رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لو لا أن تحزن نساؤنا لذلك لتركناه للعافية يعنى السباع والطير حتى يحشر يوم القيامة من بطونها وحواصلها (1).

ما في عثمان بحمد اللّه أشك، لكني أشك في قاتله

وروى عن حذيفة أنه كان يقول : ما في عثمان بحمد اللّه أشك، لكنى أشك في قاتله، لا أدرى أ كافر قتل كافرا أم مؤمن خاض إليه الفتنة حتى قتله، وهو أفضل المؤمنين إيمانا ! فأما ما رواه من منازعة الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمارا في ذلك، وترافعهما إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو أولا غير دافع لكون عمار مكفرا له بل شاهد بذلك من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم إن كان الخبر صحيحا فالوجه فيه أن عمارا كان يعلم من لحن كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعدوله عن أن يقضى بينهما بصريح من القول أنه متمسك بالتقية، فأمسك عمار متابعة لغرضه (2).

من الشعر الجيد في النهوض والحرب

ومن الشعر الجيد في تحسين الاباء والحمية والتحريض على النهوض والحرب


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 16.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 51.

وطلب الملك والرياسة قصيدة عمارة اليمنى شاعر المصريين في فخر الدین توران شاه بن أيوب التي يغريه فيها بالنهوض إلى اليمن والاستيلاء على ملكها، وصادفت هذه القصيدة محلا قابلا وملك توران شاه اليمن بماهزت هذه القصيدة من عطفه، وحركت من عزمه وأولها :،

العلم مذ كان محتاج إلى العلم وشفرة السيف تستغنى عن القلم

وخير خيلك إن غامرت في شرف عزم يفرق بين الساق والقدم

إن المعالى عروس غير واصلة ما لم تخلق رادءيها بنضح دم

ترى مسامع فخر الدين تسمع ما أملاه خاطر أفكارى على قلمي

فإن أصبت فلى حظ المصيب وإن أخطأت قصدك فاعذرني ولا تلم

كم تترك البيض في الاجفان ظامئة إلى الموارد في الاعناق والقمم

ومقلة المجد نحو العزم شاخصة فاترك قعودك عن إدراكها وقم

فعمك الملك المنصور سومها من الفرات إلى مصر بلا سأم

واخلق لنفسك أمرا لا تضاف به إلى سواك، وأور النار في العلم

وانه المشيرين إن لجت نصيحتهم أولا، فأنعم على العميان بالصمم

واعزم وصمم فقد طالت وقد سمحت قضية لفظتها ألسن الامم

فرب أمر يهاب الناس غايته والامر أهون فيه من يد لفم

فكيف إن نهضت فيما هممت به أسد تسير من الخطى في أجم

لا يدرك المجد إلا كل مقتحم في موج ملتطم أو فوج مضطرم

لا ينقض الخطوة الاولى بثانية ولا يفكر في العقبى من الندم

كأنما السيف أفتاه بقتلهم في فتح مكة حل القتل في الحرم

ولم يراعوا لعثمان ولا عمر ولا الحسين ذمام الاشهر الحرم

فما تروم سوى فتح صوارمه يضحكن في كل يوم عابس البهم

حتى كأن لسان السيف في يده يروى الشريعة عن عاد وعن إرم

هذا ابن تومرت قد كانت بدايته فيما يقول الورى لحما على وضم

وقد ترقى إلى أن صار طالعه من الكواكب بالانفاس والكظم

وكان أول هذا الدين من رجل سعى إلى أن دعوه سيد الامم

والبدر يبدو هلالا ثم يكشف بالانوار ما سترته شملة الظلم

والغيث فهو كما قد قيل أوله قطر وبدء خراب السد بالعرم

تنمو قوى الشئ بالتدريج إن رزقت لطفا ويقوى شرار النار بالضرم

حاسب ضميرك عن رأى أتاك وقل نصيحة وردت من غير متهم

أقسمت ما أنت ممن جل همته ما راق من نعم أورق من نعم

وإنما أنت مرجو لواحدة بنى بها الدهر مجدا غير منهدم

كأنني بالليالى وهى هاتفة قد. صم سمع رجال دونها وعمى

وبالعلا كلما لاقتك قائلة أهلا بمنشر آمالى من الرمم (1).

لا ونعمى عين بل للناس عامة

روی ابن عباس (رضى اللّه عنه) أن رجلا أتى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يذكر له ذنبا أذنبه فأنزل اللّه تعالى في أمره (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فقال يارسول اللّه لى خاصة أم للناس عامة. فضرب عمر صدره بيده وقال لا ونعمى عين بل للناس عامة فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : بل للناس عامة (2).

بشر الكانزين بعذاب أليم

روی جميع أهل السير على اختلاف طرقهم وأسانيدهم أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم ما أعطاه وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلثمائة درهم ألف وأعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم جعل أبو ذر يقول : بشر الكانزين بعذاب أليم ويتلو قول اللّه تعالى : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فرفع ذلك مروان إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر نائلا مولاه : أن انته عما يبلغني عنك، فقال : أينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه وعيب من ترك أمر اللّه ! فو


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 293.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 57.

الله لان أرضى اللّه بسخط عثمان أحب إلى وخير لي من أن أسخط اللّه برضاه. فأغضب عثمان ذلك، وأحفظه فتصابر (1).

أصبتم الخبرة وأخطأتم المعدن

عن جرير بن المغيرة أن سلمان والزبير والانصار كان هواهم أن يبايعوا عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلما بويعأبو بكر، قال سلمان : أصبتم الخبرة وأخطأتم المعدن عن حبيب بن أبي ثابت، قال : قال سلمان يومئذ : أصبتم ذا السن منكم وأخطاتم أهل بيت نبيكم لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم إثنان، (2).

أتراشونني عن ديني

لما إجتمع الناس على أبي بكر قسم قسما بين نساء المهاجرين والانصار، فبعث إلى إمرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت فقالت : ما هذا ؟ قال : قسم قسمه أبو بكر للنساء قالت : أتراشونني عن ديني ! والله لا أقبل منه شيئا ! فردته عليه (3).

والله ما ندرى أنت أمير أم عمر

جاء عيينه بن حصن والاقرع بن حابس إلى أبي بكر، فقالا : يا خليفة رسول اللّه إن عندنا أرضا سبخه ليس فيها كلا ولا منفعة فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نحرثها أو نزرعها ! ولعل اللّه أن ينفع بها بعد اليوم ! فقال أبو بكر لمن حوله من الناس المسلمين : ما ترون ؟ قالوا : لا بأس فكتب لهما بها كتابا وأشهد فيه شهودا وعمر ما كان حاضرا، فانطلقا إليه ليشهد في الكتاب، فوجداه قائما يهنأ بعيرا فقالا إن خليفة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عكتب لنا هذا الكتاب وجئناك لتشهد على ما فيه أفتقرؤه أم نقرؤه عليك ؟ قال : أعلى الحال التى تريان ! إن شئتما فاقرآه وإن شئتما فانتظرا حتى أفرغ. قالا بل نقرؤه عليك، فلما سمع ما فيه، أخذه منهما، ثم تفل فيه فمحاه، فتذامرا وقالا مقالة سيئة. فقال إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم كان يتألفكما والاسلام يومئذ ذليل وإن اللّه تعالى قد أعز


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 54.

2) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 49.

3) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 53.

الاسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما لارعى اللّه عليكما إن رعيتما !. فذهبا إلى أبي بكر وهما يتذمران، فقالا : والله ما ندرى أنت أمير أم عمر ؟ فقال : بل هو لو شاء كان. وجاء عمر وهو مغضب حتى وقف على أبي بكر فقال أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين الرجلين أهى لك خاصة أم بين المسلمين عامة ! فقال : بين المسلمين عامة قال : فما حملك على أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين قال : استشرت الذين حولي فأشاروا بذلك، فقال أفكل المسلمين أوسعتهم مشورة ورضا ! فقال أبو بكر فلقد كنت قلت لك : إنك أقوى على هذا الامر منى لكنك غلبتني لكنك غلبتني !(1)

والله ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبى

عن موسى بن ميسرة أن أبا الاسود الدؤلى، قال : كنت أحب لقاء أبي ذر لاسأله عن سبب خروجه، فنزلت الربذة فقلت له : ألا تخبرني ؟ أخرجت من المدينة طائعا أم أخرجت مكرها ؟ فقال : كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغنى عنهم، فأخرجت إلى مدينة الرسول (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقلت : أصحابي ودار هجرتى، فأخرجت منها إلى ما ترى، ثم قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول اللّه صلى اللّه عليه، فضربني برجله وقال : لا أراك نائما في المسجد، فقلت: بأبي أنت وأمى ! غلبتني عيني، فنمت فيه، فقال : كيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ فقلت : إذن ألحق بالشام، فإنها أرض مقدسة، وأرض بقية الاسلام، وأرض الجهاد فقال : فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟ فقلت : أرجع إلى المسجد، قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت : آخذ سيفى فأضرب به، فقال له : (ألا أدلك على خير من ذلك، أنسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع) فسمعت وأطعت وأنا أسمع وأطيع والله ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبى (2).

قينتان يغنيان بهجاء النبي

قال الواقدي : وأما ابن خطل فإنه خرج حتى دخل بين أستار الكعبة، فأخرجه أبو برزه الاسلمي منها، فضرب عنقه بين الركن والمقام ويقال بل قتله عمار بن ياسر، وقيل : سعد بن حريث المخزومي، وقيل : شريك بن عبده العجلاني والاثبت أنه أبو برزة -


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 58.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 57.

قال : وكان جرمه أنه أسلم وهاجر إلى المدينة وبعثه رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ساعيا، وبعث معه رجلا من خزاعة فقتله، وساق ما أخذ من مال الصدقة، ورجع إلى مكة، فقالت له قريش : ما جاء بك ؟ قال : لم أجد دينا خيرا من دينكم وكانت له قينتان إحداهما قريني، والاخرى قرينة أو أرنب وكان ابن خطل يقول الشعر يهجو به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويغنيان به ويدخل عليه المشركون بيته فيشربون عنده الخمر، ويسمعون الغناء بهجاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (1).

كذب المغيرة

قال الطبري وكان المغيرة بن شعبة يدعى انه احدث الناس عهدا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ويقول للناس اننى اخذت خاتمي فالقيته في القبر، وقلت إن خاتمي قد سقط مني وانما طرحته عمدا و لامس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فاكون آخر الناس به عهدا.

قال الطبري فروى عبد اللّه بن الحارث بن نوفل قال اعتمرت مع علی بن ابی طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في زمان عمر - أو عثمان - فنزل على اخته ام هانئ بنت ابی طالب، فلما فرغ من عمرته رجع وقد سكب له غسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من اهل العراق، فقالوا يا ابا الحسن، جئناك نسالك عن امر نحب أن تخبرنا به فقال اظن المغيرة يحدثكم انه أحدث الناس عهدا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قالوا اجل، عن ذا جئنا نسالك قال كذب احدث الناس عهدا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قشم بن العباس كان آخرنا خروجا من قبره.

قلت بحق ما عاب اصحابنا رحمهم اللّه المغيرة وذموه وانتقصوه فانه كان على طريقة غير محمودة وابى اللّه الا أن يكون كاذبا على كل حال لانه إن لم يكن احدثهم بالنبي عهدا، فقد كذب في دعواه انه احدثهم به عهدا وان كان احدثهم به عهدا كما يزعم فقد اعترف بانه كذب في قوله لهم (سقط خاتمي منى) ; وانما القاء عمدا، واين المغيرة ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليدعى القرب منه، وأنه أحدث الناس عهدا به وقد علم اللّه تعالى والمسلمون انه لو لا الحدث الذي احدث، والقوم الذين صحبهم فقتلهم غدرا، واتخذ اموالهم : ثم التجا إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليعصمه لم يسلم ولا وطئ حصا المدينة (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 10.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 39.

إذا ذات دل كلمته لحاجه

وتقدمت كلثم بنت سریع مولى عمرو بن حريث - وكانت جميلة - وأخوها الوليد بن سريع إلى عبد الملك بن عمير وهو قاض بالكوفة، فقضى لها على أخيها، فقال هذيل الاشجعي :

أتاه وليد بالشهود يسوقهم***على ما ادعى من صامت المال

والخول وجاءت إليه كلثم وكلامها***شفاء من الداء المخامر والخبل

فأدلى وليد عند ذاك بحقه***وكان وليد ذا مراء وذا جدل

فدلهت القبطى حتى قضى لها***بغير قضاء اللّه في محكم الطول

فلو كان من في القصر يعلم علمه***لما استعمل القبطى فينا على عمل

له حين يقضى للنساء تخاوص***وكان وما فيه التخاوص والحول

إذا ذات دل كلمته لحاجه***فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل

وبرق عينيه ولاك لسانه***يرى كل شئ ما خلا وصلها جلل

وكان عبد الملك بن عمير يقول لعن اللّه الاشجعي والله لربما جاءتني السعلة والنحنحة وأنا في المتوضأ فأردهما لما شاع من شعره (1).

حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسد رسوله

وروى أن صفية لما جاءت يوم احد تسال عن ولدها الحمزة حالت الانصار بينها وبين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال : دعوها فجلست عنده فجعلت إذا بكت يبكي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإذا نشجت ينشج رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)، وجعلت فاطمه (عليها السلام) تبكي، فلما بكت بكى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم قال : لن أصاب بمثل حمزة أبداء ثم قال (صلى الله عليه وآله) لصفية وفاطمة : أبشرا، أتاني جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبرني أن حمزه مكتوب في أهل السموات السبع : حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسد رسوله (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 17.

كلا لست من قتلة الملوك

قدم معاوية المدينة راجعا من حجة حجها، فكثر الناس عليه في حوائجهم، فقال لصاحب إبله : قدم إبلك ليلا حتى ارتحل، ففعل ذلك، وسار ولم يعلم بأمره إلا عبد اللّه بن الزبير فإنه ركب فرسه وقفا أثره ومعاوية نائم في هودجه، فجعل يسير إلى جانبه، فانتبه معاوية، وقد سمع وقع حافر الفرس، فقال : من صاحب الفرس ؟ قال : أنا أبو خبيب لو قد قتلتك منذ الليلة يمازحه، فقال معاوية : كلا لست من قتلة الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره فقال ابن الزبير : إلى تقول هذا، وقد وقفت في الصف بازاء على بن أبي طالب، وهو من تعلم ! فقال معاوية : لا جرم ! إنه قتلك وأباك بيسرى يديه، وبقيت يده اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها، فقال ابن الزبير : أما والله ما كان ذاك إلا في نصر عثمان فلم نجز به فقال معاوية : خل هذا عنك فو اللّه لو لا شدة بغضك ابن أبي طالب لجررت برجل عثمان مع الضبع، فقال ابن الزبير : افعلتها يا معاوية ! أما إنا قد أعطيناك عهدا ونحن وافون لك به ما دمت حيا ولكن ليعلمن من بعدك فقال معاوية : أما والله ما أخافك إلا على نفسك، ولكأني بك وأنت مشدود مربوط في الأنشوطة، وأنت تقول : ليت أبا عبد الرحمن كان حيا وليتني كنت حيا يومئذ، فأحلك حلا رفيقا ولبئس المطلق والمعتق والمسنون عليه أنت يومئذ ! (1)

إمام أخطأ وامرأة أصابت

قال : عمر مرة : لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي إلا ارتجعت ذلك منها، فقالت له امرأة : ما جعل اللّه لك ذلك، إنه تعالى قال : (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) فقال : كل النساء أفقه من عمر حتى ربات الحجال ! أ لا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت فاضلت إمامكم ففضلته ! (2).

يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا

أما مقيس بن صبابة فإن أمه سهمية، وكان يوم الفتح عند أخواله بنى سهم، فاصطبح الخمر ذلك اليوم في ندامى له وخرج ثملا يتغنى ويتمثل بأبيات منها :


1) شرح نهج البلاغة ج 20 صر ص 126.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 182.

دعيني أصطبح يا بكر إني***رأيت الموت نقب عن هشام

ونقب عن أبيك أبى يزيد***أخي القينات والشرب الكرام

يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا***وكيف حياة أصداء وهام !

إذا ما الرأس زال بمنکبیه***فقد شبع الانيس من الطعام

أتقتلني إذا ما كنت حيا***وتحييني إذا رمت عظامي !

فلقیه نميلة بن عبد اللّه الليثى وهو من رهطه فضربه بالسيف حتى قتله، فقالت أخته ترثيه :

لعمري لقد أخزى نميلة رهطه***وفجع أصناف النساء بمقيس

فلله عينا من رأى مثل مقيس***إذا النفساء أصبحت لم تخرس

وكان جرم مقيس من قبل أن أخاه هاشم بن صبابة أسلم وشهد المريسيع مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقتله رجل من رهط عبادة بن الصامت - وقيل من بني عمرو ابن عوف وهو لا يعرفه - فظنه من المشركين فقضى له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالدية على العاقلة، فقدم مقيس أخوه المدينة فأخذ ديته وأسلم، ثم عدا على قاتل أخيه، فقتله فقتله وهرب مرتدا كافرا يهجو رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالشعر، فأهدر دمه (1).

ودسوا في فيه التراب

أخذ أبو بكر بيد عمر، ويد رجل من المهاجرين - يرونه أبا عبيدة - حتى انطلقوا إلى الانصار، وقد اجتمعوا عند سعد في سقيفة بني ساعدة فقال عمر : قلت لابي بكر دعني أتكلم وخشيت جد أبي بكر. وكان ذا جد. فقال أبو بكر : لا، بل أنا أتكلم فما هو والله إلا أن انتهينا إليهم فما كان في نفسي شئ أريد أن أقوله إلا أتى أبو بكر عليه، فقال لهم : يا معشر الانصار، ما ينكر حقكم مسلم، إنا والله ما أصبنا خيرا قط إلا شر كتمونا فيه، لقد آويتم ونصرتم وآزرتم وواسيتم، ولكن قد علمتم أن العرب لاتقر ولا تطيع إلا لامرئ من قريش هم رهط النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، و أوسط العرب وشيجة رحم، وأوسط الناس دارا، وأعرب الناس ألسنا وأصبح الناس أوجها، وقد عرفتم بلاء ابن الخطاب في الاسلام وقدمه هلم فلنبايعه قال عمر : بل إياك نبايع، قال عمر : فكنت أول الناس مد


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 10.

يده إلى أبي بكر فبايعه، إلا رجلا من الانصار أدخل يده بين يدى ويد أبي بكر فبايعه قبلى ووطى الناس فراش سعد، فقيل : قتلتم سعدا. فقال عمر : قتل اللّه سعدا ! فوتب رجل من الانصار، فقال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. فأخذ ووطئ في بطنه ودسوا في فيه التراب (1).

هذا الذى كنت وعدتكم به

لما كتب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كتاب الصلح في الحديبية بينه وبين سهيل ابن عمرو كان في الكتاب أن من خرج من المسلمين إلى قريش لا يرد ومن خرج من المشركين إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يرد عليهم فغضب عمر وقال لابي بكر : ما هذا يا أبا بكر ! أيرد المسلمون إلى المشركين ! ثم جاء إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فجلس بين يديه وقال يا رسول اللّه ألست رسول اللّه حقا ! قال بلى قال : ونحن المسلمون حقا ! قال : نعم قال : وهم الكافرون حقا ! قال : نعم، قال : فعلام نعطى الدنية في ديننا فقال رسول اللّه : أنا رسول اللّه افعل ما يأمرنى به ولن يضيعني فقام عمر مغضبا وقال لو أجد أعوانا ما أعطيت الدنية أبدا وجاء إلى أبي بكر فقال له : يا أبا بكر ألم يكن وعدنا أننا سندخل مكه، فأين ما وعدنا به ؟ فقال أبو بكر : أقال لك : إنه العام يدخلها ؟ قال : لا قال : فسيدخلها فقال : فما هذه الصحيفه التي كتبت ؟ وكيف نعطى الدنية من أنفسنا ! فقال أبو بكر : يا هذا الزم غرزه فو اللّه انه الرسول اللّه وإن اللّه لا يضيعه فلما كان يوم الفتح وأخذ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مفتاح الكعبة قال : ادعوا لى عمر، فجاء فقال : هذا الذى كنت وعدتكم به (2).

حتى كأنك ضربك أحد المشركين

روى رافع، قال : أتينا من قبل أنفسنا ومعصية نبينا، واختلط المسلمون، وصاروا يقتلون ويضرب بعضهم بعضا، وما يشعرون بما يصنعون من الدهش والعجل وقد جرح يومئذ أسيد بن حضير جرحين، ضربه احدهما أبو بردة بن نيار وما يدرى، يقول خذها وأنا الغلام الانصاري، وكر أبو زعنة في حومة القتال، فضرب أبا بردة ضربتين، ما يشعر أنه هو يقول خذها وأنا أبو زعنة، حتى عرفه بعد فكان إذا لقيه قال : انظر ما صنعت


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 39.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 59.

بي، فيقول أبو زعنة : وأنت فقد ضربت أسيد بن حضير ولا تشعر ولكن هذا الجرح في سبيل اللّه فذكر ذلك الرسول الله، فقال هو، فقال هو في سبيل اللّه يا أبا بردة لك أجره حتى كأنك ضربك أحد المشركين، ومن قتل فهو شهيد (1).

سبب اختلاف الخوارج

كان المهلب يقول لبنيه : لا تبدءوا الخوارج بقتال حتى يبدءوكم، ويبغوا عليكم فإنهم إذا بغوا عليكم نصرتم عليهم. فشخص عتاب إلى الحجاج في سنة سبع وسبعين فوجهه إلى شبيب فقتله شبيب وأقام المهلب على حربهم، فلما انقضى من مقامه ثمانية عشر شهرا اختلفوا وافترقت كلمتهم. وكان سبب اختلافهم أن رجلا حدادا من الازارقة كان يعمل نصالا مسمومة فيرمى بها أصحاب المهلب فرفع ذلك إلى المهلب، فقال : أنا أكفيكموه إن شاء الله، فوجه رجلا من أصحابه بكتاب وألف درهم إلى عسكر قطرى، فقال له : ألق هذا الكتاب في العسكر والدراهم، واحذر على نفسك - وكان الحداد يقال له أبزى - فمضى الرجل. وكان في الكتاب : أما بعد فإن نصالك قد وصلت إلى، وقد وجهت إليك بألف درهم فاقبضها وزدنا من هذه النصال. فوقع الكتاب إلى قطرى، فدعا بأبزى، فقال : ما هذا الكتاب ؟ قال : لا أدرى، قال : فما هذه الدراهم ؟ قال : لا أعلم، فأمر به فقتل فجاءه عبد ربه الصغير مولى بنى قيس بن ثعلبة، فقال له : أقتلت رجلا على غير ثقة ولا تبين ! قال قطري : فما حال هذه الالف ؟ قال : يجوز أن يكون أمرها كذبا ويجوز أن يكون حقا، فقال قطرى : إن قتل رجل في صلاح الناس غير منكر، وللامام أن يحكم بما رآه صلاحا، وليس للرعية أن تعترض عليه فتنكر له عبد ربه في جماعة معه، ولم يفارقوه. وبلغ ذلك المهلب فدس إليهم رجلا نصرانيا جعل له جعلا يرغب في مثله وقال له : إذا رأيت قطريا فاسجد له، فإذا نهاك فقل : إنما سجدت لك، ففعل ذلك النصراني، فقال قطرى : إنما السجود للّه تعالى، فقال ما سجدت إلا لك، فقال رجل من الخوارج : إنه قد عبدك من دون الله، وتلا : (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) فقال قطرى : إن النصارى قد عبدوا عيسى بن مريم، فما ضر عيسى ذلك شيئا. فقام رجل من الخوارج إلى النصراني فقتله، فأنكر قطرى ذلك


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 241.

عليه، وأنكر قوم من الخوارج إنكاره وبلغ المهلب ذلك، فوجه إليهم رجلا يسألهم فأتاهم الرجل، فقال : أرأيتم رجلين خرجا مهاجرين إليكم، فمات أحدهما في الطريق وبلغ الآخر إليكم فامتحنتموه فلم يجز المحنة ما تقولون فيهما ؟ فقال بعضهم : أما الميت فمؤمن من أهل الجنة وأما الذى لم يجز المحنة فكافر حتى يجيز المحنة. وقال قوم آخرون : بل هما كافران حتى يجيز المحنة، فكثر الاختلاف وخرج قطرى إلى حدود إصطخر، فأقام شهرا، والقوم في اختلافهم. ثم أقبل فقال لهم صالح بن مخراق : يا قوم، إنكم أقررتم عين عدوكم وأطمعتموه فيكم بما يظهر من خلافكم، فعودوا إلى سلامة القلوب، واجتماع الكلمة. وخرج عمرو القنا وهو من بنى سعد بن زيد مناة بن تميم - فنادى : يا أيها المحلون هل لكم في الطراد فقد طال عهدي به ! ثم قال :

ألم تر أنا مذ ثلاثين ليلة***جديب وأعداء الكتاب على خفض

فتهايج القوم، وأسرع بعضهم إلى بعض وكانت الوقعة وأبلى يومئذ المغيرة بن المهلب، وصار في وسط الازارقة، فجعلت الرماح تحطه وترفعه واعتورت رأسه السيوف، وعليه ساعد حديد، فوضع يده على رأسه، فلم يعمل السيف فيه شيئا، واستنقذه فرسان من الازد بعد أن صرع، وكان الذي صرعه عبيدة بن هلال بن يشكر بن بكر بن وائل، وكان يقول يومئذ :

أنا ابن خیر قومه هلال***شيخ على دين أبي بلال

وذاك ديني آخر الليالي

فقال رجل للمغيرة : كنا نعجب كيف تصرع، والان نعجب كيف تنجو كيف تنجو ! وقال المهلب لبنيه : إن سرحكم لغار، ولست آمنهم عليه أفوكلتم به أحدا ؟ قالوا : لا، فلم يستتم الكلام حتى أتاه آت فقال : إن صالح بن مخراق قد أغار على السرح، فشق على المهلب، وقال : كل أمر لا إليه بنفسى فهو ضائع، وتذمر عليهم، فقال له بشر بن المغيرة : أرح نفسك فإن كنت إنما تريد مثلك فو اللّه ما يعدل خيرنا شسع نعلك فقال : خذوا عليهم الطريق، فبادر بشر بن المغيرة ومدرك والمفضل ابنا المهلب فسبق بشر إلى الطريق، فإذا رجل أسود من الازارقة يشل السرح، وهو يقول :

نحن قمعناكم بشل السرح***وقد نكأنا القرح بعد القرح

ولحقه المفضل ومدرك، فصاحا برجل من طيئ : اكفنا الاسود، فاعتوره الطائي

وبشر ابن المغيرة فقتلاه، وأسرا رجلا من الازارقة من همدان (1).

ما شممت اطيب من ريحه

وروى محمد بن حبيب في اماليه قال تولى غسل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على (عَلَيهِ السَّلَامُ) والعباس (رضى اللّه عنه). وكان على يقول بعد ذلك ما شممت اطيب من ريحه ولا رايت اضوا من وجهه حينئذ، ولم اره يعتاد فاه ما يعتاد افواه الموتى قال محمد بن حبيب فلما كشف الازار عن وجهه بعد غسله انحنى عليه فقبله مرارا وبكى طويلا وقال بابی انت وامى طبت حيا وطبت ميتا انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد سواك من النبوة والانباء واخبار السماء خصصت حتى صرت مسليا عمن سواك و وعممت حتى صارت المصيبة فيك سواء ولو لا انك امرت بالصبر ونهيت عن الجزع لا نقدنا عليك ماء الشئون ; ولكن اتى ما لا يدفع اشكو اليك كمدا وادبارا مخالفين وداء الفتنة فانها قد استعرت نارها وداؤها الداء الاعظم بابی انت وامى اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك وهمك. ثم نظر إلى قذاه في عينه فلفظها بلسانه، ثم رد الازار على وجهه (2).

لو قنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان

ورای رجل حكيما ياكل ما تساقط من البقل على راس الماء فقال له لو خدمت السلطان لم تحتج إلى اكل هذا فقال وانت لو قنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان (3).

شعر صوفي

سمع الشبلى هو ينشد :

ذكرتك لا اني نسيتك لمحة وايسر ما في الذكر ذكر لساني

فكدت بلا وجد اموت من الهوى وهام على القلب بالخفقان

فلما اراني الوجد انك حاضرى شهدتك موجودا بكل مكان

فخاطبت موجودا بغير تكلم ولاحظت معلوما بغير عيان (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 196.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 42.

3) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 200.

4) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 216.

الكلاب عندنا بالمدينة هذا شانها

سال شقيق البلخى جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الفتوه فقال ما تقول انت قال إن اعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا قال إن الكلاب عندنا بالمدينة هذا شانها ولكن قل إن اعطينا آثرنا وإن منعنا شكرنا (1).

مغنية نواحه بمكة

سارة مولاة بنى هاشم كانت مغنية نواحه بمكة وكانت قد قدمت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) المدينة تطلب أن يصلها وشكت إليه الحاجة وذلك بعد بدر وأحد فقال لها : أما كان لك فى غنائك ونياحك ما يغنيك ! قالت : يا محمد إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا استماع الغناء، فوصلها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأوقر لها بعيرا طعاما، فرجعت إلى قريش وهى على دينها، وكانت يلقى عليها هجاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فتغنى به، فامر بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يوم الفتح أن تقتل فقتلت، وأما قينتا ابن خطل فقتل يوم الفتح إحداهما، وهى أرنب أو قرينة وأما قريني فاستؤمن لها رسول الله، فأمنها وعاشت حتى ماتت في أيام عثمان (2).

قد كان بعدك أنباء وهينمة

لما أكثر في تخلف على عن البيعة واشتد أبو بكر وعمر في ذلك خرجت أم مسطح بن أثاثة، فوقفت عند قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونادته :

یا رسول اللّه قد كان بعدك أنباء وهينمة***لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنا فقدناك فقد الارض وابلها***فاختل قومك، فاشهدهم ولا تغب (3)

ولكن له اهيل سوء

قطع عبد اللّه بن الزبير في الخطبة ذكر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جمعا كثيرة، فاستعظم الناس ذلك، فقال : إنى لا أرغب عن ذكره ولكن له أهيل سوء إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم، فأنا أحب أن أكبتهم (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 217.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 16.

3) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 43.

4) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 127.

إن للزوج من المرأة مكانا ما هو لاحد

كان عبد اللّه بن جحش قبل أن تقع الحرب يوم احد قال : يارسول اللّه إن هؤلاء القوم قد نزلوا بحيث ترى فقد سألت اللّه فقلت : اللهم أقسم عليك أن تلقى العدو غذا فيقتلوني ويبقروا بطني ويمثلوا بي فتقول لي : فيم صنع بك هذا ؟ فأقول : فيك. قال : وأنا أسألك يا رسول اللّه أخرى أن تلى تركتي من بعدي فقال له : نعم، فخرج عبد اللّه فقتل ومثل به كل المثل، ودفن هو وحمزة في قبر واحد وولي تركته رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فاشتری لامه مالا بخيبر. وقد أقبلت يومئذ أخته حمنة بنت جحش فقال لها رسول اللّه : يا حمن، احتسبي، قالت : من يارسول اللّه ؟ قال : خالك حمزة، قالت : (إنا للّه وإنا إليه راجعون) غفر اللّه له ورحمه، وهنيئا له الشهادة ثم قال لها : احتسبي. قالت : من يارسول اللّه ؟ قال : أخوك عبد اللّه قالت : (إنا للّه وإنا إليه راجعون غفر اللّه له و رحمه وهنيئا له الشهادة ثم قال : احتسبي قالت : من يارسول ؟ قال : بعلك مصعب بن عمیر فقالت واحزناه ! ويقال : إنها قالت : واعقراه فصرخت وولولت : فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن للزوج من المرأة مكانا ما هو لاحد وهكذا روى ابن إسحاق أيضا. قال الواقدي : ثم قال لها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لم قلت هذا ؟ قالت ذكرت يتم بنيه فراعني فدعا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لولده أن لولده أن يحسن يحسن اللّه عليهم الخلف، فتزوجت طلحة بن عبيد الله، فولدت منه محمد بن طلحة فكان أوصل الناس لولد مصعب بن عمير (1).

في ذكر أمور غيبية، أخبر بها الامام ثم تحققت

واعلم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أقسم في هذا الفصل باللّه الذى نفسه بيده أنهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم وبين القيامة إلا أخبرهم به، وأنه ما صح من طائفة من الناس يهتدى بها مائه وتضل بها مائة إلا وهو مخبر لهم - إن سألوه - برعاتها وقائدها وسائقها ومواضع نزول ركابها وخيولها ومن يقتل منها قتلا ومن يموت منها موتا وهذه الدعوى ليست منه عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ادعاء الربوبية، ولا ادعاء النبوة، ولكنه كان يقول : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخبره بذلك، ولقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة، كإخباره عن الضربة التى يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته، وإخباره عن قتل


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 18.

الحسين ابنه (عليهما السلام) وما قاله في كربلاء حيث مر بها وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده، وإخباره عن الحجاج وعن يوسف بن عمر، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان وما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم وصلب من يصلب وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص إلى البصرة لحرب أهلها وإخباره عن عبد اللّه بن الزبير، وقوله فيه :خب ضب، يروم أمرا ولا يدركه ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بعد مصلوب قريش ". وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق وهلاكها تارة أخرى بالزنج، وهو الذى صحفه قوم فقالوا : بالريح، وكإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببنى رزيق بتقديم المهملة، وهم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين وولده وإسحاق بن إبراهيم، وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسية وكإخباره عن الائمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي وغيرهما في قوله : وإن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره اللّه إذا شاء دعاؤه حق يقوم بإذن اللّه فيدعو إلى دين اللّه "، وكأخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): " إنه يقتل عند أحجار الزيت "، وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباب حمزة : " يقتل بعد أن يظهر، ويقهر بعد أن يقهر "، وقوله فيه أيضا : " يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته فيا بؤسا للرامي شلت يده ووهن عضده "، وكإخباره عن قتلى وج، وقوله فيهم هم خير أهل الأرض ". وكإخباره عن المملكة العلوية بالغرب وتصريحه بذكر كتامة، وهم الذين نصروا أبا عبد اللّه الداعي المعلم. وكقوله وهو يشير إلى أبي عبد اللّه المهدى : وهو أولهم ثم يظهر صاحب القيروان الغض البض، ذو النسب المحض، المنتجب من سلالة ذى البداء، المسجى بالرداء، وكان عبيد اللّه المهدى أبيض مترفا مشربا بحمرة رخص البدن، تار الاطراف وذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد (عليهما السلام)، وهو المسجى بالرداء، لأن أباه أبا عبد اللّه جعفرا سجاه بردائه لما مات وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته، وتزول عنهم الشبهة في أمره. وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم : " ويخرج من ديلمان بنو الصياد "، إشارة إليهم. وكان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو وعياله بثمنه، فأخرج اللّه تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة، ونشر ذريتهم حتى ضربت الامثال بملكهم. وكقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)فيهم : " ثم يستشرى أمرهم حتى يملكوا الزوراء، ويخلعوا الخلفاء ". فقال له قائل : فكم مدتهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال :

" مائة أو تزيد قليلا ". وكقوله فيهم : و " المترف ابن الاجذم، يقتله ابن عمه على دجلة "، وهو إشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبى الحسين، وكان معز الدولة أقطع اليد قطعت يده للنكوص في الحرب، وكان ابنه عز الدولة بختيار مترفا، صاحب لهو وشرب، وقتله عضد الدولة فناخسرو ابن عمه بقصر الجص على دجلة في الحرب، وسلبه ملكه، فأما خلعهم للخلفاء فإن معز الدولة خلع المستكفى، ورتب عوضه المطيع، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع ورتب عوضه القادر، وكانت مدة ملكهم كما أخبر به (عَلَيهِ السَّلَامُ).. وكإخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبد اللّه بن العباس (رحمه اللّه تعالى) عن إنتقال الامر إلى أولاده، فإن على بن عبد اللّه لما ولد أخرجه أبوه عبد اللّه إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأخذه وتفل في فيه وحنكه بتمرة قد لاكها ودفعه إليه وقال : خذ إليك أبا الاملاك، هكذا الرواية الصحيحة وهى التي ذكرها أبو العباس المبرد في الكتاب الكامل (1).

إن عامة من معى اليوم يعصينى

جاء عدی بن حاتم يلتمس عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ما يطأ إلا على قتيل أو قدم أو ساعد فوجده تحت رايات بكر بن وائل فقال : يا أمير المؤمنين، ألا تقوم حتى نقاتل إلى أن نموت ! فقال له على (عَلَيهِ السَّلَامُ): ادن فدنا حتى وضع أذنه عند أنفه، فقال : ويحك ! إن عامة من معى اليوم يعصيني، وإن معاوية فيمن يطيعه ولا يعصيه ! قال نصر : وجاء المنذر بن أبى حميصة الوداعى - وكان شاعر همدان وفارسها – عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : يا أمير المؤمنين، إن عكا والاشعريين طلبوا إلى معاوية الفرائض والعطاء فأعطاهم، فباعو الدين بالدنيا، وإنا قد رضينا بالاخرة من الدنيا وبالعراق من الشام وبك من معاوية والله لاخرتنا خير من دنياهم، ولعراقنا خير من شامهم، ولامامنا أهدى من إمامهم، فاستفتحنا بالحرب، وثق منا بالنصر واحملنا على الموت وأنشده : إن عكا سألوا الفرائض والاشعر سالوا جوائزا بثنيه تركوا الدين للعطاء وللفرض، فكانوا بذاك شر البريه وسألنا حسن الثواب من اللّه وصبرا على الجهاد ونيه

فلكل ما سأله ونواه***كلنا يحسب الخلاف خطيه

ولاهل العراق أحسن في الحر***ب إذا ما تدانت السمهريه


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 55.

ولاهل العراق أحمل للثقل إذا عمت البلاد بليه

ليس منا من لم يكن في اللّه***وليا يا ذا الولا والوصيه

فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): حسبك اللّه يرحمك اللّه ! وأثنى عليه وعلى قومه خيرا وانتهى شعره إلى معاوية فقال : والله لاستميلن بالدنيا ثقات على، ولا قسمن فيهم الأموال حتى تغلب دنیای آخرته قال نصر : فلما أصبح الناس غدوا على مصافهم، وأصبح معاوية يدور في أحياء اليمن وقال : عبوا إلى كل فارس مذكور فيكم أتقوى به على هذا الحى من همدان فخرجت خیل عظيمة فلما رآها على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعرف أنها عيون الرجال، فنادى : يا لهمدان ! فأجابه سعيد بن قيس، فقال له على (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أحمل، فحمل حتى خالط الخيل بالخيل، واشتد القتال وحطمتهم همدان حتى ألحقتهم بمعاوية : فقال معاوية : ما لقيت من همدان ! وجزع جزعا شديدا، وأسرع القتل في فرسان الشام، وجمع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) همدان، فقال لهم يا معشر همدان، أنتم درعى ورمحي ومجني يا همدان ما نصرتم إلا الله، ولا أجبتم غيره. فقال سعيد بن قيس : أجبنا اللّه وأجبناك، ونصرنا رسول اللّه في قبره، وقاتلنا معك من ليس مثلك، فارمنا حيث شئت قال نصر : وفي هذا اليوم قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ):

ولو كنت بوابا على باب جنة***لقلت لهمدان ادخلي بسلام

فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمصاحب لواء همدان : اكفني أهل حمص فإنى لم ألق من أحد ما لقيت منهم. فتقدم وتقدمت همدان، وشدوا شدة واحدة على أهل حمص، فضربوهم ضربا شدیدا متداركا بالسيوف وعمد الحديد، حتى الجئوهم إلى قبة معاوية وارتجز من همدان رجل عداده في أرحب، فقال :

قد قتل اللّه زجال حمص***غروا بقول كذب وخرص

حرصا على المال وأى حرص !***قد نكص القوم وأى نكص !

*عن طاعة اللّه وفحوى النص *

قال نصر : فحدثنا عمر بن سعد قال : لما ردت خيول معاوية أسف فجرد سيفه وحمل في كماه أصحابه فحملت عليه فوارس همدان، فقاز منها ركضا، وانكسرت كماته ورجعت همدان إلى مراكزها، فقال حجر بن قحطان الهمداني، يخاطب سعيد ابن قيس :

ألا يا بن قيس قرت العين إذا رأتِ***فوارس همدان بن زيد بن مالك

على عارفات للقاء عوابس***طوال الهوادي مشرفات الحوارك

معودة للطعن في ثغراتها***يجلن فيحطمن الحصى بالسنابك

عباها على لابن هند وخيله***فلولم يفتها كان أول هالك

وكانت له في يومه عند ظنه***وفي كل يوم كاسف الشمس حالك

وكانت بحمد اللّه في كل كربة***حصونا وعزا للرجال الصعالك

فقل لامير المؤمنين أن ادعنا***متى شئت إنا عرضه للمهالك

ونحن حطمنا السمر في حى حمير***وكندة والحى الخفاف السكاسك

وعك ولخم سائلين سياطهم***حذار العوالي كالاماء العوارك ((1))

ولد مالك بن نويرة

فقال المهلب للامين الاخر وهو احد رسل الحجاج اليه اثناء حرب الخوارج : ينبغى أن تتوجه مع ابني حبيب في ألف رجل حتى تبيتوا عسكرهم فقال : ما تريد أيها الامير إلا أن تقتلني كما فعلت بصاحبي ! فضحك المهلب، وقال : ذاك إليك. ولم يكن للقوم خنادق، فكان كل حذرا من صاحبه غير أن الطعام والعدة مع المهلب، وهو في زهاء ثلاثين ألفا، فلما أصبح أشرف على واد فإذا هو برجل معه رمح مكسور مخضوب بالدم، وهو ينشد:

وإني لاعفى ذا الخمار وصنعتي***إذا راح أطواء بنى الاصاغر

أخادعهم عنه ليغيق دونهم***وأعلم غير الظن إني مغاور

كأنى وأبدان السلاح عشية***يمر بنا في بطن فيحان طائر

فقال له : أتميمي أنت ؟ قال : نعم، قال : أحنظلى ؟ قال : نعم قال : أ يربوعي ؟ قال : نعم، قال : أ من آل نويرة ؟ قال نعم أنا ولد مالك بن نويرة قال : قد عرفتك بالشعر. قال أبو العباس : وذو الخمار فرس مالك بن نويرة. (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 77.

2) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 210.

والله لئن ظفرت بك يوما من الدهر لاضربن عنقك

روی زیاد بن عبد اللّه البكائي عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتى عثمان بعد ما استخلف، فكلمه في عبيد اللّه ولم يكلمه أحد غيره فقال : اقتل هذا الفاسق الخبيث الذى قتل أميرا مسلما، فقال عثمان : قتلوا أباه بالامس وأقتله اليوم ! وإنما هو رجل من أهل الأرض، فلما أبى عليه مر عبيد اللّه على على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : له إيه يا فاسق ! أما والله لئن ظفرت بك يوما من الدهر لاضربن عنقك، فلذلك خرج مع معاوية عليه(1).

رزية يوم الخميس

وفي الصحيحين أيضاً خرجاه معا عن ابن عباس أنه كان يقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى فقلنا : يا بن عباس وما يوم الخميس ؟ قال : إشتد برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجعه فقال : إئتوني بكتاب أكتبه لكم لا تضلوا بعدى أبدا. فتنازعوا فقال : إنه لا ينبغي عندي تنازع فقال قائل : ما شأنه ؟ أهجر ؟ إستفهموه فذهبوا يعيدون عليه فقال : دعوني والذى إنا فيه خير من الذى أنتم فيه ثم أمر بثلاثة أشياء فقال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسئل ابن عباس عن الثالثة فقال : إما ألا يكون تكلم بها وإما أن يكون قالها فنسيت.

وفي الصحيحين أيضاً خرجاه معا عن ابن عباس (رحمه اللّه تعالى) قال : لما إحتضر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده فقال عمر : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه فاختلف القوم واختصموا فمنهم من يقول : قربوا إليه يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول : القول ما قاله عمر فلما أكثروا اللغو والاختلاف عنده (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال لهم : قوموا فقاموا فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبين أن يكتب لكم ذلك الكتاب (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 61.

2) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 54.

ما بنى هذا الدير إلا بذلك الماء

أبو سعيد التيمي المعروف بعقيصي، قال : كنا مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مسيره إلى الشام، حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس واحتاجوا إلى الماء، فانطلق بنا على (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى أتى بنا إلى صخرة ضرس في الارض، كأنها ربضة عنز، عنز، فأمرنا فاقتلعناها، فخرج لنا من تحتها ماء، فشرب الناس منه وارتووا ثم أمرنا فأكفأناها عليه. وسار الناس حتى إذا مضى قليلا، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أمنكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه ؟ قالوا : نعم يا أمير المؤمنين قال : فانطلقوا إليه، فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة فاقتصصنا الطريق إليه، حتى انتهينا إلى المكان الذى نرى أنه فيه، فطلبناه، فلم نقدر على شيء، حتى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منا، فسألناهم : أين هذا الماء الذي عندكم ؟ قالوا : ليس قربنا ماء، فقلنا : بلى إنا شر بنا منه، قالوا : أنتم شربتم منه ! قلنا : نعم، فقال صاحب الدير : والله ما بنى هذا الدير إلا بذلك الماء، وما استخرجه إلا نبي أو وصى نبى (1).

لعن اللّه الصوفية

اذن الشبلى مرة فلما انتهى إلى الشهادتين قال وحقك لو لا انك امرتني ما ذكرت معك غيرك.

وكان بعض العارفين يقول لا اله الا اللّه من داخل القلب محمد رسول اللّه من قرط الاذن (2).

ابیات

وفي ذلك انشدوا :

ايا من يعول فى المشكلات على ما رآه وما دبره

إذا اعضل الامر فافزع به إلى من يرى منه ما لم تره

تكن بين عطف يقيل الخطوب ولطف يهون ما قدره


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 304.

2) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 225.

إذا كنت تجهل عقبى الامور وما لك حول ولا مقدرة

فلم ذا العنا وعلام الاسى ومم الحذار وفي م الشره.

وانشدوا في هذا العنى :

يا رب مغتبط ومغبوط بامر فيه هلكة

ومنافس في ملك ما يشقيه في الدارين ملكه

علم العواقب دونه ستر وليس يرام هتکه

ومعارض الاقدار بالاراء سئ الحال ضنكه

فکن امرا محض اليقين وزيف الشبهات سبكة

تفويضه توحيده وعناده المقدار شركه (1).

قصة الحديدة المحماة

سال معاوية عقيلا عن قصة الحديدة المحماة المذكورة فبكى وقال انا احدثك يا معاوية عنه ثم احدثك عما سالت نزل بالحسين ابنه ضيف فاستسلف درهما اشتری به خبزا واحتاج إلى الادام فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءتهم من اليمن فاخذ منه رطلا فلما طلبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليقسمها قال يا قنبر اظن انه حدث بهذا الزق حدث فاخبره فغضب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال على بحسین فرفع عليه الدرة فقال بحق عمى جعفر - وكان إذا سئل بحق جعفر سكن - فقاله ما حملك أن اخذت منه قبل القسمة قال إن لنا فيه حقا فإذا اعطیناه رددناه قال فداك ابوك وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم اما لو لا اني رايت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقبل ثنيتك لا وجعتك ضربا ثم دفع إلى قنبر درهما كان مصرورا في ردائه وقال اشتر به خیر عسل تقدر عليه قال عقيل والله لكاني انظر إلى يدى على وهى على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه ثم شده وجعل يبكى ويقول اللهم اغفر لحسين فانه لم يعلم. فقال معاوية ذكرت من لا ينكر فضله رحم الله ابا حسن فلقد سبق من كان قبله واعجز من ياتي بعده هلم حديث الحديدة. قال نعم اقويت واصابتني مخمصة شديدة فسألته فلم تند صفاته فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 227.

والضر ظاهران عليهم فقال ائتنى عشية لا دفع اليك شيئا فجئته يقودني احد ولدي فأمره بالتنحي ثم قال ألا فدونك فاوهيت حريصا - قد غلبني الجشع اظنها صرة - فوضعت يدي على حديدة تلتهب نارا فلما قبضتها نبذتها وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره فقال لى ثكلتك امك هذا من حديدة لها نار الدنيا فكيف بك وبى غدا إن سلكنا في سلاسل جهنم ثم قرأ (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ). ثم قال ليس لك عندي فوق حقك الذى فرضه اللّه لك الا ما ترى فانصرف إلى اهلك. فجعل معاوية يتعجب ويقول هيهات هيهات عقمت النساء أن يلدن مثله (1).

الدين الذى لم يقضه داود، قضاه أبو جعفر المنصور

• قال أبو الفرج : وحدثني محمد بن معن قال : حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو ابن عثمان قال : استحلف أخى عبد اللّه بن الحسن داود بن على - وقد حج معه سنة اثنتين وثلاثين ومائة بطلاق امرأته مليكة بنت داود بن الحسن، ألا يقتل أخويه محمدا والقاسم ابني عبد اللّه بن عمرو بن عثمان قال : فكنت أختلف إليه آمنا، وهو يقتل بني أمية، وكان يكره أن يرانى أهل خراسان ولا يستطيع إلى سبيلا ليمينه، فاستدناني يوما، فدنوت منه، فقال : ما أكثر الغفلة، وأقل الحزمة ! فأخبرت بها أخي عبد اللّه ابن الحسن، فقال : يا بن أم، تغيب عن الرجل، وأقل عنه، فتغيب حتى مات قلت : إلا أن ذلك الدين الذي لم يقضه داود، قضاه أبو جعفر المنصور (2).

من اشعار ابن أبي الحديد في المناجاة

والله لا موسی ولا***عيسى المسيح ولا محمد

علموا ولا وا ولا جبريل وهو***الى محل القدس يصعد

كلا ولا النفس البسيطة***لا ولا العقل المجرد

من كنه ذاتك غير انك***واحدى الذات سرمد

وجدوا اضافات وسلبا***والحقيقة ليس توجد

وراوا وجودا واجبا يفني***الزمان وليس ينفد


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 253.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 142.

فلتخسا حكماء عن***جرم له الافلاك تسجد

من أنت یا رسطو ومن***افلاط قبلك يا مبلد

ومن ابن سينا حين***قرر ما بنیت له وشید

هل أنتم إلا الفراش***رای الش هاب وقد توقد

فدنا فاحرق نفسه***ولو اهتدى رشدا لابعد.

ومما قلته أيضاً في قصور العقل عن معرفته سبحانه وتعالى :

فيك يا اعجوبة الكون***غدا الفكر کليلا

انت حيرت ذوى***اللب وبلبلت العقولا

کلما اقدم فکرى***فيك شبرا فر میلا

ناكصا يخبط في***عمياء لا يهدى السبيلا

ولى في هذا المعنى :

فيك يا اغلوطة الفکر***تاه عقلي وانقضى عمرى

سافرت فيك العقول***فما ربحت الا اذى السفر

رجعت حسری وما***وقفت لا على عين ولا اثر

فلحي الله الالى زعموا***انك المعلوم بالنظر

كذبوا إن الذي طلبوا***خارج عن قوة البشر

وقلت أيضاً في المعنى :

أفنيت خمسين عاما معملا نظری***فیه فلم ادر ما آتي وما اذر

من كان فوق عقول القايسين فما***ذا يدرك الفكر أو ما يبلغ النظر

ولى ايضا :

حبيبي انت لا زيد وعمرو***وان حيرتني وفتنت دینی

طلبتك جاهدا خمسين عاما **فلم احصل على برد اليقين

فهل بعد الممات بك اتصال***فاعلم غامض السر المصون

نوی قذف وكم قدمات قبلی***بحسرته عليك من القرون

ومن شعري أيضاً في المعنى:

يا مدهش الالباب والفطن***ومحير التقوالة اللسن

افنيت فيك العمر انفقه***والمال مجانا بلا ثمن

اتتبع العلماء اسالهم***واجول في الافاق والمدن

واخالط الملل التي اختلفت***في الدين حتى عابد الوثن

وظننت اني بالغ غرضي***لما اجتهدت ومبرى شجني

ومطهر من كل رجس هوى***قلبی بذاك وغاسل درنى

فإذا الذى استكثرت منه هو***الجاني على عظائم المحن

فضللت في تيه بلا علم***غرقت في يم بلا سفن

ورجعت صفر الكف مكتئبا***حران ذا هم وذا حزن

ابکي وانكت في الثرى بیدی***طورا وادعم تارة ذقني

واصيح يا من ليس يعرفه***احد مدى الأحقاب والزمن

يا من له عنت الوجوه***ومن قرنت له الاعناق في قرن

آمنت يا جذر الاصم من***الاعداد بل يا فتنة الفتن

أن ليس تدركك العيون***وأن الراى ذو افن وذو غبن

والكل انت فكيف يدركه***بعض وانت السر في العلن

ومما قلته في المعنى :

ناجيته ودعوته اكشف عن عشا***قلبي وعن بصرى وانت النور

وارفع حجابا قد سدلت ستوره***دوتي وهل دون المحب ستور

فأجابني صه یا ضعیف فبعض***ذا قد رامه موسى فدك الطور

اعجبني هذا المعنى، فنقلته إلى لفظ آخر فقلت :

حبيبي انت من دون البرايا***وإن لم احظ منك بما اريد

من الوصال بكشف***حال فقيل ارجع فمطلبها بعيد

الم تسمع جواب سؤال***موسى وليس على مكانته مزيد

تعرض للذي حاولت يوما***فدك الصخر واضطرم الصعيد

ولى في هذا المعنى ايضا :

قد حار في النفس جميع الورى***والفكر فيها قد غدا ضائعا

وبرهن الكل على ما ادعوا***وليس برهانهم مانهم قاطعا

من جهل الصنعة عجزا***فما اجدره أن يجهل الصانعا

ولى أيضاً في الرد على الفلاسفة الذين عللوا حركه الفلك بانه اراد استخراج الوضع اولا ; ليتشبه بالعقل المجرد في كماله وان كل ما له بالقوة فهو خارج إلى الفعل :

تحير ارباب النهى وتعجبوا من***الفلك الاقصى لماذا تحركا

فقيل بطبع كالثقيل إذا هوى***وقيل اختيارا والمحقق شككا

فرد حديث الطبع إذ كان دائرا***وليس على سمت قویم فیسلکا

وقيل لمن قال اختيارا فما الذي***دعاه إلى أن دار ركضا فاوشكا

فقالوا لوضع حادث يستجده***يعاقب منه مطلباثم متركا

فقيل لهم هذا الجنون بعينه***ولو رامه منا امرؤ كان اعفکا

ولو أن انسانا غدا ليس قصده سوى الوضع واستخراجه عد مضحكا

ولى أيضاً في الرد على من زعم أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) راى اللّه سبحانه بالعين،

عجبت لقوم يزعمون نبيهم***رای ربه بالعين تبا لهم تبا و

هل تدرك الابصار غير مكيف***وكيف تبيح العين ما يمنع القليا

إذا كان طرف القلب عن كنهه نبا***رحسيرا فطرف العين عن كنهه انبى (1)

عجائب خلق النملة

واعلم أن شيخنا ابا عثمان قد اورد في كتاب الحيوان في باب النملة والذرة - وهى الصغيره جدا من النمل - كلاما يصلح أن يكون كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اصله ولكن ابا عثمان قد فرع عليه. قال الذرة تدخر في الصيف للشتاء، وتتقدم في حال المهلة ولا تضیع اوقات امكان الحزم، ثم يبلغ من تفقدها وصحة تمييزها، والنظر في عواقب امورها انها تخاف على الحبوب التى ادخرتها للشتاء في الصيف، أن تعفن وتسوس في بطن الارض فتخرجها إلى ظهرها لتنثرها وتعيد إليها جفوفها، ويمر بها النسيم فينفي عنها


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 50.

اللخن والفساد. ثم ربما - بل في الاكثر - تختار ذلك العمل ليلا، لأن ذلك اخفى، وفى القمر لانها فيه ابصر، فان كان مكانها نديا وخافت أن تنبت الحبه نقرت موضع القطمير من وسطها ; لعلمها انها من ذلك الموضع تنبت، وربما فلقت الحبة نصفين فاما إن كان الحب من حب الكزبرة فانها تفلقه ارباعا لان انصاف حب الكزبرة ثنبت من بين جميع الحبوب، فهى من هذا الوجه مجاوزة لفطنة جميع الحيوانات، حتى ربما كانت في ذلك احزم من كثير من الناس، ولها مع لطافة شخصها وخفة وزنها في الشم والاسترواح ما ليس لشئ فربما اكل الانسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد فيسقط من يده الواحدة أو صدر واحدة وليس بقربه ذرة ولا له عهد بالذر في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرة قاصدة إلى تلك الجرادة فترومها وتحاول نقلها وجرها إلى جحرها، فإذا اعجزتها بعد أن تبلى عذرا مضت إلى جحرها راجعه، فلا يلبث ذلك الانسان أن يجدها قد اقبلت وخلفها كالخيط الاسود الممدود، حتى يتعاون عليها فيحملنها. فاعجب من صدق الشم لما لا يشمه الانسان الجائع ثم انظر إلى بعد الهمة والجرأة على محاولة نقل شئ في وزن جسمها مائة مرة واكثر من مائة مرة بل اضعاف اضعاف المائة وليس شيء من الحيوان يحمل ما يكون اضعاف وزنه مرارا كثيرة غيرها (1).

قم وغيب على وجهك

روى أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمر بقتل وحشى يوم الفتح، فهرب إلى الطائف، فلم يزل بها مقيما حتى قدم مع وفد الطائف على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فدخل عليه فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول الله، فقال : أوحشي ؟ قال : نعم قال : اجلس وحدثني كيف قتلت حمزه ؟ فلما أخبره قال : قم وغيب عنى وجهك، فكان إذا رآه توارى عنه (2).

لو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت

عن ابي عمرو بن عدى بن أبى الحمراء، قال : سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول بعد فراغه من أمر الفتح وهو يريد الخروج من مكة : أما والله إنك لخير أرض اللّه وأحب بلاد اللّه إلى ولو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 57.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 16.

3) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 16.

قاتله وسالبه في النار

عن السدى أن رجلين بصفين اختصما في سلب عمار وفى قتله، فأتيا عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقال : ويحكما اخرجا عنى ! فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه) قال : ما لقريش ولعمار ! يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قاتله وسالبه في النار (1).

كويفة بن عمر

روى أن المسلمين لما قال عثمان : إني قد عفوت عن عبيد اللّه بن عمر قالوا : ليس لك أن تعفو عنه، قال : بلى إنه ليس لجفينة والهرمزان قرابة من أهل الاسلام وأنا ولى أمر المسلمين، وأنا أولى بهما وقد عفوت فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنه ليس كما تقول، إنما أنت في أمرهما بمنزلة أقصى المسلمين، إنه قتلهما في إمرة غيرك، وقد حكم الوالى الذى قتلا في إمارته بقتله، ولو كان قتلهما في إمارتك لم يكن لك العفو عنه، فاتق اللّه فإن اللّه سائلك عن هذا ! فلما رأى عثمان أن المسلمين قد أبوا إلا قتل عبيد اللّه أمره فارتحل إلى الكوفة وأقطعه بها دارا وأرضا وهى التى يقال لها : كويفة بن عمر، فعظم ذلك عند المسلمين وأكبروه، وكثر كلامهم فيه (2).

فلم يهو رسول اللّه ما قاله عمر

لما قتل المشركون يوم بدر أسر منهم سبعون أسيرا فاستشار رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيهم أبا بكر وعمر فقال أبو بكر يارسول اللّه هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان وأرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على المشركين وعسى أن يهديهم للّه بعد اليوم، فيكونوا لنا عذرا فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما تقول أنت يا عمر ؟ قال : أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم اللّه أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين. اقتلهم يا رسول اللّه فإنهم صناديدهم وقادتهم فلم يهو رسول اللّه ما قاله عمر. قال عمر : فجئت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فوجدته قاعدا وأبو بكر وهما يبكيان فقلت : ما يبكيكما ؟ حدثاني، فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أبكى


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 25.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 61.

لاخذ الفداء لقد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه قال عبد الله بن عمر : فكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : كدنا أن يصيبنا شر في مخالفة عمر (1).

ما غنم يوم احد

عن عمر بن الحكم، قال : ما علمنا أحدا من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذين أغاروا على النهب فأخذوا ما أخذوا من الذهب بقى معه من ذلك شئ يرجع به حيث غشينا المشركون، واختلفوا إلا رجلين أحدهما عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح، جاء بمنطقة وجدها في العسكر فيها خمسون دينارا فشدها على حقويه من تحت ثيابه، وجاء عباد بن بشر بصرة فيها ثلاثة عشر مثقالا ألقاها في جيب قميصه وفوقها الدرع وقد حزم وسطه فأتيا بذلك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلم يخمسه و نفلهما إياه (2).

فإن اللّه قتله وأنا معه

عن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه، قال : رأيت عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على منبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين قتل، وهو يقول : ما أحببت قتله ولا كرهته ولا أمرت به، ولا نهيت عنه.

وعن أبي جلدة، أنه سمع عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يقول وهو يخطب فذكر عثمان وقال : والله الذى لا إله إلا هو ما قتلته ولا مالات على قتله ولا ساءني.

وعن عبيدة السلماني، قال : سمعت عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : من كان سائلي عن دم عثمان فإن اللّه قتله وأنا معه.

و عن أبي حمزة الضبعي قال : قلت لابن عباس : إن أبى أخبرني أنه سمع عليا يقول : ألا من كان سائلي على دم عثمان، فإن اللّه قتله وأنا معه فقال : صدق أبوك، هل تدرى ما معنى قوله ! إنما عنى : اللّه قتله وأنا مع اللّه (3).

أصيبت يومئذ عين قتادة حتى وقعت على وجنته

رمی رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن قوسه يومئذ حتى صارت شظايا، فأخذها قتادة بن النعمان،


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 60.

2) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 243.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 65.

وكانت عنده وأصيبت يومئذ عين قتادة حتى وقعت على وجنته. قال قتادة : فجئت إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقلت يا رسول اللّه إن تحتي امرأة شابة جميلة أحبها وتحبني وأنا أخشى أن تقذر مكان عينى فأخذها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فردها وانصرف بها وعادت كما كانت، فلم تضرب عليه ساعة من ليل ونهار، وكان يقول بعد أن أسن هي أقوى عينى وكانت أحسنهما (1).

وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم

لما كاشف عبد اللّه بن الزبير بني هاشم واظهر بغضهم وعابهم، وهم بما هم به في أمرهم، ولم يذكر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خطبه لا يوم الجمعة ولا غيرها، عاتبه على ذلك قوم من خاصته، وتشاءموا بذلك منه، وخافوا عاقبته فقال : والله ما تركت ذلك علانية إلا وأنا أقوله سرا وأكثر منه، لكنى رأيت بنى هاشم إذا سمعوا ذكره اشر أبوا وحمرت ألوانهم، وطالت رقابهم والله ما كنت لاتى لهم سرورا وأنا أقدر عليه والله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ثم أضرمها عليهم نارا، فإنى لا أقتل منهم إلا آثما كفارا سحارا، لا أنماهم اللّه ولا بارك عليهم بيت سوء لا أول لهم ولا آخر والله ما ترك نبي اللّه فيهم خيرا، استفرع نبي اللّه صدقهم فهم أكذب الناس. فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال : وفقك اللّه يا أمير المؤمنين ! أنا أول من أعانك في أمرهم فقام عبد اللّه صفوان بن أمية الجمحي، فقال : والله ما قلت صوابا ولا هممت برشد أرهط رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعيب، وإياهم تقتل، والعرب حولك ! والله لو قتلت عدتهم أهل بيت من الترك مسلمين ما سوغه غه اللّه لك والله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم اللّه بنصره. فقال : اجلس أبا صفوان فلست بناموس فبلغ الخبر عبد اللّه بن العباس، فخرج مغضبا ومعه ابنه حتى أتى المسجد، فقصد قصد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم قال : أيها الناس إن ابن الزبير يزعم أن لا أول الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا آخر، فيا عجبا كل العجب لافترائه ولكذبه والله إن أول من أخذ الايلاف وحمى عيرات قريش لهاشم وإن أول من سقى بمكة عذبا، وجعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب، والله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش وإن كنا لقالتهم إذا قالوا وخطباءهم إذا خطبوا، وما عد مجد


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 249.

کمجد أولنا ولا كان في قريش مجد لغيرنا لانها في كفر ماحق ودين فاسق وضلة وضلالة، في عشواء عمياء حتى اختار اللّه تعالى لها نورا وبعث لها سراجا، فانتجبه طيبا من طيبين لا يسبه بمسبة ولا يبغى عليه غائلة فكان أحدنا وولدنا وعمنا وابن عمنا. ثم إن أسبق السابقين إليه منا وابن عمنا، ثم تلاه في السبق أهلنا ولحمتنا واحدا بعد واحد. ثم إنا لخير الناس بعده وأكرمهم أدبا، وأشرفهم حسبا، وأقربهم حسبا وأقربهم منه.رحما وا عجبا كل العجب لابن الزبير ! يعيب بني هاشم، وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم، أما والله إنه لمسلوب قريش ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب، قيل للبغل : من أبوك يا بغل ؟ فقال : خالي الفرس. ثم نزل (1).

ميسة بنت سخام الثقفية

قال معاوية لابن عباس، ولقيه بمكة : يا عجبا من وفاة الحسن ! شرب علة بماء رومة فقضى نحبه فوجم ابن عباس فقال معاوية : لا يحزنك اللّه ولا يسوءك، فقال : يسوءني ما أبقاك اللّه ! فأمر له بمائة ألف درهم. وروى أبو الحسن قال : أول من نعى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبصرة عبد اللّه بن سلمة نعاه لزياد، فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي، فنعاه فبكى الناس - وأبو بكرة يومئذ مريض، فسمع الضجة فقال : ما هذا ؟ فقالت امرأته ميسة بنت سخام الثقفية : مات الحسن بن علي فالحمد للّه الذي أراح الناس منه ! فقال : اسكتي ويحك فقد أراحه اللّه من شر كثير، وفقد الناس بموته خيرا كثيرا، يرحم الله حسنا (2).

وكان فظا يتعبني إذا عملت، ويضربنى إذا قصرت

حج عمر فلما كان بضجنان قال لا إله إلا اللّه العلى العظيم المعطى ما يشاء لمن يشاء أذكر وأنا أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة صوف - وكان فظا يتعبني إذا عملت، ويضربنى إذا قصرت - وقد أمسيت اليوم وليس بينى وبين اللّه أحد ثم تمثل : لا شئ مما يرى تبقى بشاشته يبقى الاله ويودى المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجرى الرياح له والانس والجن فيما


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 127.

2) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 11.

بينها يرد أين الملوك التى كانت منازلها من كل أوب إليها راكب يفد حوض هنالك مورود بلا كذب لا بد من ورده يوما كما وردوا (1).

حصار على ذرة وقد وجدت ما تشتهى

قال أبو عثمان وحدثني أبو عبيد اللّه الافوه، قال قد كنت القى من الذر والنمل في الرطب يكون عندي وفي الطعام عنتا كثيرا، وذلك لانى كنت لا استقذر النملة ولا الذرة ثم وجدت الواحدة منهما إذا وقعت في قارورة بان أو زئبق أو خيرى، فسد ذلك الدهن وزنخ، فقذرتها ونفرت منها، وقلت اخلق بطبيعتها أن تكون فاسدة خبيثة، وكنت ارى لها عضا منكرا فاقول انها من ذوات السموم ولو إن بدن النملة زيد في اجزائه حتى يلحق بیدن العقرب، ثم عضت انسانا لكانت عضتها اضر عليه من لسعة العقرب قال فاتخذت عند ذلك لطعامي منملة وقيرتها، وصببت في خندقها الماء، ووضعت سلة الطعام على راسها فخبرت ایاما اكشف رأس السلة بعد ذلك، وفيها ذر كثير، ووجدت الماء في الخندق على حاله، فقلت عسى أن يكون بعض الصبيان انزلها، وأكل مما فيها وطال مكنها في الأرض، وقد دخلها الذر ثم اعيدت على تلك الحال، وتكلمت في ذلك وتعرفت الحال فيه فعرفت البراءة في عذرهم والصدق في خبرهم، فاشتد تعجبي وذهبت بي الظنون والخواطر كل مذهب فعزمت على أن ارصدها واحرسها واتثبت في امری واتعرف شاني، فإذا هي بعد أن رامت الخندق فامتنع عليها تركته جانبا، وصعدت في الحائط، ثم مرت على جذع السقف فلما صارت محاذية للسلة ارسلت نفسها فقلت في نفسي انظر كيف اهتدت إلى هذه الحيلة ولم تعلم انها تبقى محصورة ثم قلت وما عليها أن تبقى محصورة بل أي حصار على ذرة وقد وجدت ما تشتهى (2).

إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق

عن سالم بن أبي الجعد قال : جاء رجل إلى عبد اللّه بن مسعود فقال : إن اللّه تعالى قد آمننا أن يظلمنا ولم يؤمنا أن يفتننا، أرأيت إذا أنزلت فتنة، كيف أصنع ؟ فقال : عليك كتاب اللّه تعالى قال : أفرأيت إن جاء قوم كلهم يدعو إلى كتاب اللّه


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 64.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 59.

تعالى ؟ فقال ابن مسعود : سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : (إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق)، يعنى عمارا (1).

لتقاتلن قتالا أهونه الشديد

لما انتهت عائشة في مسيرها إلى الحواب وهو ماء لبني عامر بن صعصعة نبحتها الكلاب، حتى نفرت صعاب إبلها فقال قائل من أصحابها : ألا ترون ما أكثر كلاب الحواب، وما أشد نباحها ! فأمسكت زمام بعيرها وقالت : وإنها لكلاب الحوأب ردوني ردوني فإني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه) يقول... وذكرت الخبر فقال لها قائل : مهلا يرحمك اللّه ! فقد جزئا ماء الحوأب فقالت: فهل من شاهد ؟ فلفقوا لها خمسين أعرابيا جعلوا لهم جعلا فحلفوالها إن هذا ليس بماء الحوأب، فسارت لوجهها. لما انتهت عائشة وطلحة والزبير إلى حفر أبي موسى قريبا من البصرة، أرسل عثمان بن حنيف وهو يومئذ عامل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على البصرة - إلى القوم أبا الاسود الدؤلى يعلم له علمهم، فجاء حتى دخل على عائشة فسألها عن مسيرها فقالت : أطلب بدم عثمان قال : إنه ليس بالبصرة من قتلة عثمان أحد قالت : صدقت، ولكنهم مع على بن أبى طالب بالمدينة، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم ! فقال لها : ما أنت من السوط والسيف ! إنما أنت حبيس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أمرك أن تقرى في بيتك، وتتلى كتاب ربك، وليس على النساء قتال ولا لهن الطلب بالدماء، وإن عليا لاولى بعثمان منك وأمس رحما، فإنهما ابنا عبد مناف فقالت: لست بمنصرفة حتى أمضى لما قدمت له أفتظن يا أبا الاسود أن أحدا يقدم على قتالي ! قال : أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد ثم قام فأتى الزبير.فقال يا أبا عبد اللّه عهد الناس بك، وأنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك، تقول : لا أحد أولى بهذا الامر من ابن أبي طالب وأين هذا المقام من ذاك ! فذكر له دم عثمان، قال : أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغنا ! قال : فانطلق إلى طلحة فاسمع ما يقول، فذهب إلى طلحة، فوجده سادرا في غية مصرا على الحرب والفتنة فرجع إلى عثمان بن حنيف فقال : إنها الحرب، فتاهب لها (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 98.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 225.

على لا يرضى بالعراق دون الشام

قال الحجاج : يا أمير المؤمنين - ولم يخاطب معاوية بأمير المؤمنين قبلها - إنى كنت فيمن خرج مع يزيد بن أسد القسرى مغيثا لعثمان فقدمت أنا وزفر بن الحارث فلقينا رجلا زعم أنه ممن قتل عثمان، فقتلناه، وإني أخبرك يا أمير المؤمنين أنك لتقوى على على بدون ما يقوى به عليك، لان معك قوما لا يقولون إذا قلت ولا يسألون إذا أمرت، وإن مع على قوما يقولون إذا قال ويسألون إذا أمر فقليل ممن معك خير من واعلم أنه لا يرضى على إلا بالرضا وأن رضاه سخطك، ولست وعلى كثير ممن معه. سواء، على لا يرضى بالعراق دون الشام، وأنت ترضى بالشام دون العراق (1).

كل الناس أفقه من عمر !

ومر يوما عمر بشاب من فتيان الانصار وهو ظمآن فاستسقاه، فجدح له ماء بعسل فلم يشربه، وقال : إن اللّه تعالى يقول : (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) فقال له الفتى : يا أمير المؤمنين، إنها ليست لك ولا لاحد من هذه القبيلة، اقرأ ما قبلها : (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا)، فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر (2)!

قصة ابي ذر الغفاري وعثمان

أن الذي عليه أكثر أرباب السيرة وعلماء الاخبار والنقل، أن عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام ثم استقدمه إلى المدينة لما شكا منه معاوية، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام أصل هذه الواقعة أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الاموال واختص زيد بن ثابت بشئ منها جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع : بشر الكافرين بعذاب أليم ويرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فرفع ذلك إلى عثمان مرارا وهو ساكت. ثم إنه أرسل إليه مولى من مواليه : أن انته عما بلغني عنك، فقال أبو ذر : أو ينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه تعالى وعيب من ترك


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 92.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 182.

أمر اللّه تعالى فو اللّه لان أرضى اللّه بسخط عثمان أحب إلى وخير لي من أن أسخط اللّه برضا عثمان. فأغضب عثمان ذلك وأحفظه، فتصابر وتماسك إلى أن قال عثمان يوما، والناس حوله : أيجوز للامام أن يأخذ من المال شيئا قرضا، فإذا أيسر قضى ؟ فقال كعب الاخبار : لا بأس بذلك فقال أبو ذر : يابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ! فقال عثمان : قد كثر أذاك لى وتولعك بأصحابي الحق بالشام فأخرجه إليها. فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها فبعث إليه معاوية يوما ثلثمائة دينار، فقال أبو ذر لرسوله : إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامى هذا أقبلها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وردها عليه ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذر : يا معاوية، إن كانت هذه من مال اللّه فهى الخيانة وإن كانت من مالك فهى الاسراف. وكان أبو ذر يقول بالشام والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها والله ماهى في كتاب اللّه ولا سنة نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والله إني لارى حقا يطفأ وباطلا،يحيا، وصادقا مكذبا، وأثره بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه. قال حبيب بن مسلمة الفهرى لمعاوية : إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة (1).

وأنك لهند !

روى أن هند بنت عتبة جاءت إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع نساء قريش متنكرة متنقبة لحدثها الذى كان في الاسلام وما صنعت بحمزة حين جدعته وبقرت بطنه عن كبده فهى تخاف أن يأخذها رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يحدثها ذلك، فلما دنت منه، وقال حين بايعنه على ألا يشركن باللّه شيئا قلن : نعم، قال : ولا يسرقن فقالت هند : والله أنا كنت لاصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنيهة فما أعلم أحلال ذلك أم لا فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): وأنك لهند ! قالت نعم أنا هند و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه فاعف عما سلف عفا اللّه عنك فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ولا يزنين فقالت هند : وهل تزني الحرة ! فقال : لا ولا يقتلن أولادهن، فقالت هند : قد لعمري ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا ببدر فأنت وهم أعرف فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى أسفرت نواجذه قال : ولا يأتين يبهتان يفترينه، فقالت هند : إن إتيان البهتان


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 255.

لقبيح، فقال : ولا يعصينك في معروف فقالت ما جلسنا هذه الجلسة ونحن نريد أن نعصيك (1).

اعتراه نسيان حتى كان ينسى عدد ركعات الصلاة

وروی محمد بن سيرين أن عمر في آخر أيامه اعتراه نسيان حتى كان ينسى عدد ركعات الصلاة، فجعل أمامه رجلا يلقنه فإذا أومى إليه أن يقوم أو يركع، فعل(2).

لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك

ورأى عبد اللّه بن سلام على إنسان ثوبا معصفرا فقال : لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك، فذهب الرجل فأحرق ثوبه في تنور أهله وظن أنه أراد الظاهر، ولم يرد ابن سلام ذلك، وإنما أراد : لو صرف ثمنه في دقيق يخبزه في تنور أهله (3).

لحقا بالدرهم

ما ورد أن أبا غسان المسمعى مر بأبي غفار السدوسي، فقال : يا غفار ما فعل الدرهمان ؟ فقال : لحقا بالدرهم أراد بالدرهمين قول الاخطل :

فإن تبخل سدوس بدرهميها***فإن الريح بة قبول

وأراد الآخر قول بشار :

وفي جحدر لؤم وفي آل مسمع صلاح***ولكن درهم القوم كوكب (4).

نحن أبصر بالتمر منا بالسيوف

كان محمد بن عقال المجاشعي عند يزيد بن مزيد الشيباني، وعنده سيوف تعرض عليه، فدفع سيفا منها إلى يد محمد فقال : كيف ترى هذا السيف ؟ فقال : نحن أبصر بالتمر منا بالسيوف، أراد يزيد قول جرير في الفرزدق :

بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 17.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 65.

3) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 18.

4) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 22.

ضربت به عند الامام فأرعشت يداك، وقالوا محدث غير صارم

وأراد محمد قول مروان بن أبي حفصة :

لقد أفسدت أسنان بكر بن وائل***من التمر مالو أصلحته لمارها (1)

أن القوم مصنوع لهم

إن العرب لما عبرت دجلة إلى القصر الابيض الشرقي بالمدائن عبرتها في أيام مدها، وهى كالبحر الزاخر على خيولها وبأيديها رماحها، ولا دروع عليها ولا بيض، فهربت الفرس بعد رمي شديد منها للعرب بالسهام وهم يقدمون ويحملون، ولا تهولهم السهام، فقال فلاح نبطی بیده مسحاته وهو يفتح الماء إلى زرعه الاسوار من الاساورة معروف بالبأس وجودة الرماية : ويلكم ! أمثلكم في سلاحكم يهرب من هؤلاء القوم الحاسرين ! ولذعه باللوم والتعنيف : فقال له : أقم مسحاتك، فأقامها فرماها، فخرق الحديد حتى عبر النصل إلى جانبها الآخر، ثم قال : انظر الآن ثم رمى بعض العرب المارين عليه عشرين سهما لم يصبه ولا فرسه منها بسهم وأحد وإنه لقريب منه غير بعيد ولقد كان بعض السهام يسقط بين يدى الاسوار، فقال له بالفارسية : أعلمت أن القوم مصنوع لهم ! قال : نعم (2).

إذا كان يصيد القطا

قال محمد بن عمير بن عطاء التميمي لشريك النميري وعلى يده صقر : ليس في الجوارح أحب إلى من البازي، فقال شريك : إذا كان يصيد القطا، أراد محمد قول جرير :

أنا البازى المطل على نمير***أتيح من السماء له الصبابا

وأراد شريك قول الطرماح :

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا***ولو سلکت سبل المكارم ضلت (3).


1) شرح نهج البلاغة ج ص 22.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 177.

3) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 23.

بيعتي لا تكون خفيا.

لم يكن له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخلافة رغبة ولا اربة روى الطبري في التاريخ ورواه غيره أيضاً أن الناس غشوة وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته وهو يابى ذلك ويقول دعوني والتمسوا غيرى فانا مستقبلون امرا له وجوه والوان لا تثبت عليه العقول ولا تقوم له القلوب قالوا ننشدك اللّه الا ترى الفتنة الا ترى إلى ما حدث في الاسلام الا تخاف اللّه فقال قد اجبتكم لما ارى منكم واعلموا انى إن اجبتكم ركبت بكم ما اعلم وإن تركتمونى فانما انا كاحدكم بل انا اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم إليه فقالوا ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك قال إن كان لا بد من ذلك ففى المسجد فان بيعتى لا تكون خفيا ولا تكون الا عن رضا المسلمين وفى ملا وجماعة فقام والناس حوله فدخل المسجد وانثال عليه المسلمون قبايعوه وفيهم طلحة والزبير (1).

فهل أكرهوك على أخذ الاجر

شهد رجل عند سوار القاضى فقال : ما صناعتك ؟ فقال : مؤدب، قال : أنا لا أجيز شهادتك، قال : ولم ؟ قال لانك تأخذ على تعليم القرآن أجرا، قال : وأنت أيضاً تأخذ على القضاء بين المسلمين أجراء قال : إنهم أكرهوني قال نعم أكرهوك على القضاء، فهل أكرهوك على أخذ الاجر ! قال هلم شهادتك (2).

وإن حفروا بثرى حفرت بئارهم

ودخل أبو دلامة ليشهد عند أبي ليلى فقال حين جلس بين يديه :

إذا الناس غطوني تغطيت عنهم***وان بحثوا عنى ففيهم

وإن حفروا بشرى حفرت بثارهم***ليعلم ما تخفيه تلك النبائث

فقال بل نغطيك يا أبا دلامة ولا نبحثك، وصرفه راضيا وأعطى المشهود عليه من عنده قيمه ذلك الشئ (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 9.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

3) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

اتبعه مباله وخلاك ذم

كان عامر بن الظرب العدواني حاكم العرب وقاضيها، فنزل به قوم يسيفتونه في الخنثى وميراثه، فلم يدر ما يقضى فيه، وكان له جارية اسمها خصيلة ربما لامها في الابطاء عن الرعى وفى الشئ يجده عليها، فقال لها : يا خصيلة لقد أسرع هؤلاء القوم في غنمي، وأطالوا المكث قالت : وما يكبر عليك من ذلك ؟ اتبعه مباله وخلاك ذم، فقال لها : مسى خصيل بعدها أو روحي (1).

أو ما هو خير من الحق ؟

وقال أعرابي لقوم يتنازعون : هل لكم في الحق أو ما هو خير من الحق ؟ قيل : وما الذى هو خير من الحق ؟ قال : التحاط والهضم، فإن أخذ الحق كله مر (2).

وأخرجه من الشام كى لا يفسد علينا الناس

ودخل إياس بن معاوية الشام وهو غلام، فقدم خصما إلى باب القاضى في أيام عبد الملك، فقال القاضي : أما تستحيى ! تخاصم وأنت غلام شيخا كبيرا فقال الحق أكبر منه، فقال اسكت ويحك ! قال فمن ينطق بحجتي إذا ! قال ما أظنك تقول اليوم حقا حتى تقوم، فقال : لا إله إلا اللّه فقام القاضي ودخل على عبد الملك وأخبره، فقال : اقض حاجته وأخرجه من الشام كي لا يفسد علينا الناس (3).

إنه وإن هملج إلى الباطل

واختصم أعرابي وحضرى إلى قاض فقال الأعرابي : أيها القاضى إنه وإن هملج إلى الباطل، فإنه عن الحق لعطوف (4).

كنيتني بحضرة خصمى

واستعدى رجل على على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) وعلى


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

3) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

4) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

جالس فالتفت عمر إليه، فقال : قم يا أبا الحسن فاجلس مع خصمك، فقام فجلس معه وتناظرا، ثم انصرف الرجل ورجع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى محله فتبين عمر التغير في وجهه، فقال : يا أبا الحسن ما لي أراك متغيرا ! أكرهت ما كان ؟ قال نعم قال : وما ذاك قال : كنيتني بحضرة خصمى هلا قلت : قم يا على فاجلس مع خصمك ! فاعتنق عمر عليا، وجعل يقبل وجهه وقال بأبى أنتم بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا من الظلمة إلى النور (1).

كتم حب الدنيا أربعين سنة

كان ببغداد رجل يذكر بالصلاح والزهد يقال له رويم فولى القضاء، فقال الجنيد : من أراد أن يستودع سره من لا يفشيه فعليه برويم، فإنه كتم حب الدنيا أربعين سنة إلى أن قدر عليها (2).

نوح بن دراج

قال الاشهب الكوفي :

يا أهل بغداد قد قامت قیامتکم***مذ صار قاضیکم نوح بن دراج

لو كان حيا له الحجاج ما سلمت***صحيحة يده من وسم حجاج

وكان الحجاج يسم أيدى النبط بالمشراط والنيل (3).

وقع السابح في البحر كم عسى أن يسبح !

قيل لابي قلابة وقد هرب من القضاء : لو أجبت ؟ قال : أخاف الهلاك، قيل : لو اجتهدت لم يكن عليك بأس، قال : ويحكم | إذا وقع السابح في البحر كم عسى أن يسبح (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

3) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

4) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

خذ أموال الاغنياء أسهل من أخذ أموال الايتام

دعا رجل لسليمان الشاذكوني فقال : أرانيك اللّه يا أبا أيوب على قضاء إصبهان ! قال : ويحك ! إن كان ولا بد فعلى خراجها، فان أخذ أموال الاغنياء أسهل من أخذ أموال الايتام (1).

فتن الشعبى لما رفع الطرف إليها

ارتفعت جميلة بنت عيسى بن جراد وكانت جميلة كاسمها مع خصم لها إلى الشعبى وهو قاضى عبد الملك فقضى لها فقال هذيل الاشجعي :

فتن الشعبي لما***رفع الطرف إليها

فتنة بثنایا***ها وقوسي حاجبيها

ومشت مشیا رويدا***ثم هزت منکبيها

فقضى جوراً على الخصم***لم يقض عليها

فقبض الشعبى عليه وضربه ثلاثين سوطا. قال ابن أبي ليلى : ثم انصرف الشعبي يوما من مجلس القضاء وقد شاعت الابیات و تناشدها الناس ونحن معه فمررنا بخادم تغسل الثياب، وتقول : فتن الشعبى لما، ولا تحفط تتمة البيت فوقف عليها ولقنها وقال : رفع الطرف إليها، ثم ضحك وقال : أبعده اللّه ! والله ما قضينا لها إلا بالحق (2).

ولبنى عمه الذلة

جاءت امرأة إلى قاض فقالت : مات بعلى وترك أبوين وابنا وبنى عم، فقال القاضي : لابويه الشكل، ولابنه اليتم ولك اللائمة، ولبنى عمه الذلة، واحملي المال إلينا إلى أن ترتفع الخصوم (3)!

ولا بد يا أبا عبد اللّه للناس من شرطى.

لقى سفيان الثوري شريكا بعد ما استقضى فقال له يا أبا عبد اللّه بعد الاسلام


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

3) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 61.

والفقه والصلاح تلى القضاء ! قال يا أبا عبد اللّه فهل للناس بد من قاض ! قال : ولا بد يا أبا عبد اللّه للناس من شرطى (1).

لو سرقت ما نمت هذا النوم

قال بعض الاكاسرة لعامل من عماله : كيف نومك بالليل ؟ قال : أنامه كله قال : أحسنت ! لو سرقت ما نمت هذا النوم (2).

لا يكون عمران، حيث يجور السلطان

رفع إلى أنوشروان أن عامل الاهواز قد حمل من مال الخراج ما يزيد على العادة وربما يكون ذلك قد أجحف بالرعية فوقع : يرد هذا المال على من قد استوفى منه فإن تكثير الملك ماله بأموال رعيته بمنزلة من يحصن سطوحه بما يقتلعه من قواعد بنيانه وكان على خاتم انوشروان : لا يكون عمران، حيث يجور السلطان (3).

ما دام هذا الشط بحاله ما تخرب واسط والبصره

كان ابو محمد بن خليد صاحب ديوان الخراج في أيام الناصر لدين اللّه - يقول لمن قال له : قد قيل عنك : إن واسط والبصرة قد خربت لشده العنف بأهلها في تحصيل الاموال ! فقال أبو محمد : ما دام هذا الشط بحاله والنخل نابتا في منابته بحاله ما تخرب واسط والبصره أبدا (4).

عده من جفاة الاعراب واسترح

قال ابن أبي الحديد : قال عمر : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا محرمهما، ومعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج.

وهذا الكلام وإن كان ظاهره منكرا فله عندنا مخرج وتأويل، وقد ذكره أصحابنا الفقهاء في كتبهم. وكان في أخلاق عمر أخلاق عمر وألفاظه جفاء و وألفاظه جفاء وعنجهية ظاهرة، يحسبه السامع لها


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 67.

2) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 70.

3) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 71.

4) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 73.

أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد ويتوهم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده، فمنها الكلمة التى قالها في مرض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومعاذ اللّه أن يقصد بها ظاهرها ! ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته، ولم يتحفظ منها. وكان الاحسن أن يقول : (مغمور) أو (مغلوب بالمرض)، وحاشاه أن يعنى بها غير ذلك.

ولجفاة الاعراب من هذا الفن كثير، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط :

رب العباد ما لنا وما لكا ! قد كنت تسقينا فما بدا لكا ! أنزل علينا القطر لا أبا لكا !

فقال سليمان : أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد، فأخرجه أحسن مخرج (1)

شعر عبد اللّه بن الزبعرى الذى اعتذر به إلى رسول اللّه

من جيد شعر عبد اللّه بن الزبعرى الذى اعتذر به إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) حين قدم عليه :

منع الرقاد بلابل وهموم***فاللیل ممتد الرواق بهيم

مما أتاني أن أحمد لامني***فيه، فبت كأننی محموم

یا خیر من حملت على أوصالها***عيرانة سرح اليدين سعوم *

إني لمعتذر إليك من الذي***أسديت إذ أنا في الضلال أهيم

أيان تأمرني بأغوى خطة***سهم، وتأمرني به مخزوم

وأمد أسباب الردى ويقودني***أمر الغواة وأمرهم مشئوم

فاليوم آمن بالنبي محمد***قلبى، ومخطئ هذه محروم

مضت العداوة وانقضت أسبابها***ودعت أواصر بيننا وحلوم

فاغفر فدى لك والدى كلاهما***زللي، فإنك راحم مرحوم

وعليك من علم المليك علامة***نور أغر وخاتم مختوم

أعطاك بعد محبة برهانه***شرفا وبرهان الاله عظيم.


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 182.

ولقد شهدت بأن دينك***صادق بر وشأنك في العباد جسيم

والله يشهد أن أحمد مصطفى***متقبل في الصالحين كريم

فرع علا بنیانه من هاشم***دوح تمكن في العلا وأروم (1).

وأما المتعة فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردى عوسجة

خطب ابن الزبير بمكة على المنبر وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر فقال : إن هاهنا رجلا قد أعمى اللّه قلبه كما أعمى بصره يزعم أن متعة النساء حلال من اللّه ورسوله ويفتى في القملة والنملة، وقد احتمل بيت مال البصرة بالامس وترك المسلمين بها يرتضخون النوى، وكيف ألومه في ذلك، وقد قاتل أم المؤمنين وحواري رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومن وقاه بيده ! فقال ابن عباس لقائده سعد بن جبير بن هشام مولی بنی أسد بن خزيمة، استقبل بي وجه ابن الزبير وأرفع من صدري وكان ابن عباس قد كف بصره فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير، وأقام قامته فحسر عن ذراعيه، ثم قال : يا بن الزبير قد أنصف القارة من راماها إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها حتى تصير حرضا دعواها يا بن الزبير، أما العمى فإن اللّه تعالى يقول : (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، وأما فتياى في القملة والنملة، فإن فيها حكمين لا تعلمها أنت ولا أصحابك وأما حملي المال فانه كان مالا جبيناه فأعطينا كل ذي حق حقه، وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب اللّه فأخذناها بحقنا، وأما المتعة فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردى عوسجة. وأما قتالنا أم المؤمنين فبنا سميت أم المؤمنين لا بك ولا بأبيك، فانطلق أبوك خالك إلى حجاب مده اللّه عليها فهتكاه عنها، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما فما أنصفا اللّه ولا محمدا من أنفسهما إن ابرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما. وأما قتالنا إياكم فإنا لقينا زحفا، فإن كنا كفارا فقد كفرتم بفراركم منا، وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا، وأيم اللّه لو لا مكان صفية فيكم، ومكان خديجة فينا لما تركت لبنى أسد بن عبد العزى عظما إلا كسرته. فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بردى عوسجة، فقالت ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم ! فإنهم كعم الجواب إذا بدهوا فقال : بلى، وعصيتك. فقالت یا بنی احذر هذا


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 17.

الاعمى الذي ما أطاقته الانس والجن، واعلم إن عنده اعلم إن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسم فإياك وإياه آخر الدهر، (1).

والله ما أدرى أخليفة أنا أم ملك

قال عمر يوما، والناس حوله : والله ما أدرى أخليفة أنا أم ملك ! فإن كنت ملكا، فقد ورطت في أمر عظيم فقال له قائل : يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا، وإنك إن شاء اللّه لعلى خير قال كيف قال : إن الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد اللّه كذلك، والملك يعسف الناس ويأخذ مال هذا فيعطيه هذا. فسكت عمر وقال : أرجو أن أكونه (2).

عهد سابور بن أردشير لابنه

وقد وجدت في عهد سابور بن أردشير إلى ابنه كلاما يشابه كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا العهد، وهو قوله : واعلم أن قوام أمرك بدرور الخراج، ودرور الخراج بعماره البلاد وبلوغ الغاية في ذلك استصلاح أهله بالعدل عليهم والمعونه لهم، فان بعض الامور لبعض سبب وعوام الناس لخواصهم عدة، وبكل صنف منهم إلى الاخر حاجة، فاختر لذلك أفضل من تقدر عليه من كتابك، وليكونوا من أهل البصر والعفاف والكفاية، واسترسل إلى كل امرئ منهم شخصا يضطلع به ويمكنه تعجيل الفراغ منه، فإن اطلعت على أن أحدا منهم خان أو تعدى فنكل به، وبالغ في عقوبته، واحذر أن تستعمل على الارض الكثير خراجها إلا البعيد الصوت العظيم شرف المنزلة ولا تولين أحدا من قواد جندك الذين هم عده للحرب، وجنة من الاعداء شيئا من أمر الخراج فلعلك تهجم من بعضهم على خيانة في المال أو تضييع للعمل، فإن سوغته المال، وأغضيت له على التضييع كان ذلك هلاكا وإضرارا بك وبرعيتك، وداعية إلى فساد غيره، وإن أنت كافأته فقد استفسدته، واضقت صدره، وهذا أمر توقيه حزم والاقدام عليه خرق والتقصير فيه عجز. واعلم أن من أهل الخراج من يلجئ بعض أرضه وضياعه إلى خاصة الملك وبطانته لأحد أمرين انت حرى بكراهتهما : إما لامتناع من جور العمال وظلم الولاة،


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 129.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 66.

وتلك منزله يظهر بها سوء أثر العمال وضعف الملك وإخلاله بما تحت يده، وإما للدفع عما يلزمهم من الحق والتيسر له وهذه خلة تفسد بها آداب الرعية، وتنتقص بها أموال الملك، فاحذر ذلك، وعاقب الملتجئين والملجا إليهم (1).

وحرمهم ولم يعطهم شيئا

قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (ستلقون بعدى اثرة فاصبروا حتى تقدموا على الحوض)، وهذا الخبر هو الذى يكفر كثير من أصحابنا معاوية بالاستهزاء به وذلك أن النعمان بن بشير الانصاري جاء في جماعة من الانصار إلى معاوية فشكوا إليه فقرهم، وقالوا لقد صدق رسول اللّه في قوله لنا : (ستلقون بعدى أثرة)، فقد لقيناها. قال معاوية : فماذا قال لكم ؟ قالوا : قال لنا (فاصبروا حتى تردوا على الحوض)، قال : فافعلوا ما أمركم به عساكم تلاقونه غدا عند الحوض كما أخبركم وحرمهم ولم يعطهم شيئا (2).

ناحية جلا اهلها عنها لغلبة النمل والذر عليها

حدثني بعض من اصدق خبره، قال سالت رجلا كان ينزل ببغداد في بعض الدروب التي في ناحية باب الكوفة التى جلا اهلها عنها لغلبة النمل والذر عليها، فسألته عن ذلك، فقال وما تصنع بالحديث امض معى إلى دارى التي اخرجني منها النمل. قال فدخلتها معه فبعث غلامه، فاشترى رؤوسا من الراسين ليتغذى بها فانتقلنا هربا من النمل في اكثر من عشرين مكانا، ثم دعا بطست ضخمة وصب فيها ماء صالحا ثم فرق عظام الرؤوس في الدار، ومعه غلمانه، فكان كلما اسود منها عظم لكثره النمل واجتماعه عليه - وذلك في اسرع الاوقات - اخذه الغلام ففرغه في الطست بعود ينثر به ما عليه في جوف الطست فما لبثنا مقدار ساعة من النهار حتى فاضت الطست نملا، فقال كم تظن انى فعلت مثل هذا قبل الجلاء طمعا في أن اقطع اصلها فلما رايت عددها اما زائدا، واما ثابتا، وجاءنا ما لا يصبر عليه احد ولا يمكن معه مقام، خرجت عنها (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 74.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 29.

3) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 61.

إن قراته أن ينخب قلبى.

كان في كتاب عبد الحميد إلى أبي مسلم لو اراد اللّه بالنملة صلاحا، لما اثبت لها جناحا، فيقال إن ابا مسلم لما قرا هذا الكلام في أول الكتاب لم يتم قراءته والقاه في النار، وقال اخاف إن قراته أن ينخب قلبى(1).

دليل اخذه المتكلمون عنه

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لا تجرى عليه الحركه والسكون)، هذا دليل اخذه المتكلمون عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فنظموه في كتبهم وقرروه، وهو إن الحركة والسكون معان محدثة، فلو حلت فيه لم يخل منها، وما لم يخل من المحدث فهو محدث فان قلت انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يخرج كلامه هذا المخرج، وانما قال كيف يجرى عليه ما هو اجراه وهذا نمط آخر غير ما يقرره المتكلمون. قلت بل هو هو بعينه لانه إذا ثبت انه هو الذى أجرى الحركه والسكون، أي أحدثهما لم يجز أن يجريا عليه لانهما لو جريا عليه لم يخل اما أن يجريا عليه على التعاقب، وليسا ولا واحد منهما بقديم أو يجريا عليه على أن احدهما قديم ثم تلاه الاخر والاول باطل بما يبطل به حوادث لا اول لها، والثانى باطل بكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك لانه لو كان احدهما قديما معه سبحانه لما كان اجراه لكن قد قلنا انه اجراه أي احدثه، وهذا خلف محال. وايضا فإذا كان احدهما قديما معه لم يجز أن يتلوه الآخر، لان القديم لا يزول بالمحدث (2).

سخافات ابن ابي الحديد

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): انه يريد ولا يضمر اما كونه مريدا فقد ثبت بالسمع نحو قوله تعالى (يريد اللّه بكم اليسر)، وبالعقل لاختصاص افعاله باوقات مخصوصة، وكيفيات مخصوصة جاز أن تقع على خلافها فلا بد من مخصص لها بما اختصت به وذلك كونه مریدا ,، واما كونه لا يضمر فهو اطلاق لفظي لم يأذن فيه الشرع، وفيه ايهام كونه ذا قلب لان الضمير في العرف اللغوى ما استكن في القلب والبارى ليس بجسم (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 63.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 78.

3) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 85.

تعلم سورة البقرة في اثنتى عشرة سنة

روی مالك عن نافع عن ابن عمر، أن عمر تعلم سورة البقرة في اثنتى عشرة سنة فلما ختمها نحر جزورا. وروى أنس قال : كان يطرح لعمر كل يوم صاع من تمر فيأكله حتى حشفه (1).

ذهب بها ابن أكالة الاكباد

لما عزم على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المسير إلى الشام دعا رجلا فأمره أن يتجهز ويسير إلى دمشق، فإذا دخل أناخ راحلته بباب المسجد، ولا يلقى من ثياب سفره شيئا، فإن الناس إذا رأوه عليه آثار الغربة سألوه، فليقل لهم : تركت عليا قد نهد إليكم بأهل العراق. فانظر ما يكون من أمرهم ففعل الرجل ذلك، فاجتمع الناس وسألوه، فقال لهم، فكثروا عليه يسألونه فأرسل إليه معاوية بالاعور السلمى يسأله فأناه فسأله، فقال له فأتى معاوية فأخبره، فنادى : الصلاة جامعة ثم قام فخطب الناس وقال لهم إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق، فما ترون ؟ فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم، لا يتكلمون، فقام ذو الكلاع الحميرى فقال : عليك أم رأى وعلينا أم فعال، وهى لغة حمير فنزل، ونادى في الناس بالخروج إلى معسكرهم، وعاد إلى على، فأخبره فنادى : الصلاة جامعة، ثم قام فخطب الناس، فأخبرهم أنه قدم عليه رسول كان بعثه إلى الشام، وأخبره أن معاوية قد نهد إلى العراق في أهل الشام فما الرأى ؟ قال : فاضطرب أهل المسجد هذا يقول : الرأى كذا، وهذا يقول : الرأى كذا وكثر الغط واللجب، فلم يفهم على من كلامهم شيئا ولم يدر المصيب من المخطئ، فنزل عن المنبر وهو يقول : إنا للّه وإنا إليه راجعون ! ذهب بها ابن أكالة الأكباد يعنى معاوية (2).

يأبى ذلك إطعامهم الضيف

في يوم الفتح سمى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أهل مكة الذين دخلها عليهم الطلقاء، لمنه عليهم بعد أن أظفره اللّه بهم، فصاروا أرقاء له. وقد قيل له يوم الفتح : قد أمكنك اللّه تعالى فخذ ما شئت من أقمار على غصون - يعنون النساء، فقال عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يأبى ذلك إطعامهم


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 66.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 95.

الضيف وإكرامهم البيت ووجؤهم مناخر الهدى (1).

بيت سلمان

قال : وقد ذكر ابن وهب وابن نافع أن سلمان لم يكن له بيت، إنما كان يستظل بالجدر والشجر، وإن رجلا قال له : ألا أبنى لك بيتا تسكن فيه ؟ قال : لا حاجه لى في ذلك فما زال به الرجل حتى قال له : أنا أعرف البيت الذي يوافقك، قال : فصفه لى، قال : أبنى لك بيتا إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه، وإن أنت مددت فيه رجليك أصابهما الجدار ؟ قال : نعم، فبنى له (2).

إنى منيت بشرار خلق اللّه

عن الاعمش، قال : كان أبو مريم صديقا لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فسمع بما كان فيه على (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اختلاف أصحابه عليه، فجاءه، فلم يرع عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا وهو قائم على رأسه بالعراق، فقال له : أبا مريم ما جاء بك نحرى ؟ قال : ما جاء بي غيرك، عهدي بك لو وليت أمر الامة كفيتهم، ثم سمعت بما أنت فيه من الاختلاف ! فقال : يا أبا مريم، إني منيت بشرار خلق اللّه أريدهم على الامر الذى هو الرأى، فلا يتبعونني (3).

لم يمت عمر حتى ملته قريش

روى أبو جعفر الطبري عن الشعبي قال لم يمت عمر حتى ملته قريش وقد كان حصرهم بالمدينة وسألوه أن يأذن لهم في الخروج إلى البلاد فامتنع عليهم وقال إن اخوف ما اخاف على هذه الامة انتشاركم في البلاد حتى إن الرجل كان يستاذنه في غزو الروم أو الفرس وهو ممن حبسه بالمدينة من قريش ولا سيما من المهاجرين فيقول له إن لك في غزوك مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما يكفيك ويبلغك ويحسبك فلما مات عمر وولى عثمان خلی عنهم فانتشروا في البلاد واضطربوا وانقطع إليهم الناس وخالطوهم فلذلك كان عثمان احب إلى قريش من عمر (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 18.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 36.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 96.

4) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 12.

دعنا منك يا بن عباس

لما خرج الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مكة إلى العراق ضرب عبد اللّه بن عباس بيده على منكب ابن الزبير وقال : يا لك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفری و نقرى ما شئت أن تنقري هذا الحسين سائر فأبشرى خلا الجو والله لك يا بن الزبير ! وسار الحسين إلى العراق، فقال ابن الزبير : يا بن عباس، والله ما ترون هذا الامر إلا لكم ولا ترون إلا إنكم أحق به من جميع الناس فقال ابن عباس : إنما يرى من كان في شك، شك، ونحن من ذلك على يقين ولكن أخبرني عن نفسك، بماذا تروم هذا الامر ؟ قال : بشرفي، قال : وبما ذا شرفت إن كان لك شرف ؟ فإنما هو بنا، فنحن أشرف منك، لأن شرفك منا. وعلت أصواتهما، فقال غلام من آل الزبير : دعنا منك يا بن عباس، فو اللّه لا تحبوننا يا بنی هاشم ولا نحبكم أبدا، فلطمه عبد اللّه بن الزبير بيده وقال : أتتكلم وأنا حاضر فقال ابن عباس : لم ضربت الغلام والله أحق بالضرب منه من مزق ومرق قال : ومن هو ؟ قال : أنت. قال : واعترض بينهما رجال من قريش فأسكتوهما (1).

تنصرت الاشراف من أجل لطمة

قال ابن أبي الحديد : وعمر هو الذى أغلظ على جبلة بن الايهم حتى اضطره إلى مفارقة دار الهجرة، بل مفارقة دار الاسلام كلها وعاد مرتدا داخلا في دين النصرانية، لاجل لطمة لطمها وقال جبلة بعد ارتداده متندما على ما فعل :

تنصرت الاشراف من أجل لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر !

فيا ليت أمي لم تلدني وليتني رجعت إلى القول الذي قاله عمر (2).

الحق حقهم، فمن أتاك منهم فاحث له

وروى ابن عباس قال : دخل الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) على معاوية بعد عام الجماعة وهو جالس في مجلس ضيق فجلس عند رجليه فتحدث معاوية بما شاء أن يتحدث، ثم قال : عجبا لعائشة ! تزعم أنى في غير ما أنا أهله وأن الذى أصبحت فيه ليس لي بحق


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 134.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 183.

ما لها ولهذا ! يغفر اللّه لها، إنما كان ينازعني في هذا الامر أبو هذا الجالس، وقد استاثر الله به فقال الحسن : أ وعجب ذلك يا معاوية ! قال : إي والله قال : أ فلا أخبرك بما هو أعجب من هذا ؟ قال : ما هو ؟ قال : جلوسك في صدر المجلس وأنا عند رجليك، فضحك معاوية، وقال : يا بن أخي، بلغني أن عليك دينا، قال : إن لعلي دينا، قال : كم هو ؟ قال : مائة ألف فقال : قد أمرنا لك بثلثمائة ألف مائة منها لدينك، ومائة تقسمها في أهل بيتك ومائة لخاصة نفسك، فقم مكرما، واقبض صلتك. فلما خرج الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال يزيد بن معاوية لابيه : تالله ما رأيت رجلا استقبلك بما استقبلك به ثم أمرت له بثلثمائة ألف ! قال : يا بني إن الحق حقهم، فمن أتاك منهم فاحث له (1).

فضائل سلمان

وقد روى عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من وجوه أنه قال : (لو كان الدين في الثريا لناله سلمان)، وفى روايه أخرى (لناله رجل من فارس).

و عن عائشة قالت : كان لسلمان مجلس من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ينفرد به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

و عن أبيه أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : (أمرني ربى بحب أربعه وأخبرني أنه يحبهم : على، وأبو ذر والمقداد، وسلمان).

وروى قتادة عن أبى هريرة قال : سلمان صاحب الكتابين يعنى الانجيل والقرآن.

على (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل عن سلمان فقال : علم العلم الأول، والعلم الآخر، ذاك بحر لا ينزف، وهو منا أهل البيت قال :

وفى رواية زاذان، عن على (عَلَيهِ السَّلَامُ): سلمان الفارسي كلقمان الحكيم

وقال فيه كعب الاحبار : سلمان حشى علما وحكمة (2).

وكذبا يا أبا خبيب !

دخل عبد اللّه بن الزبير على معاوية، فقال : اسمع أبياتا قلتها عاتبتك فيها قال : هات، فأنشده:


1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 12.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 36.

لعمري ما أدرى وإنى لاوجل على إينا تعدو المنية أول

وإنى أخوك الدائم العهد لم أزل إن أعياك خصم أو نبا بك منزل

أحارب من حاربت من ذى عداوة واحبس يوما إن حبست فاعقل

وإن سؤتنى يوما صفحت إلى غد ليعقب يوم منك آخر مقبل

ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني يمينك فانظر أي كف تبدل

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل

ويركب حد السيف من ان تضيمه إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل

وكنت إذا ما صاحب مل صحبتي وبدل شرا بالذي كنت أفعل

قلبت له ظهر المجن ولم أقم على الضيم إلا ريثما أتحول

وفي الناس إن رثت حبالك واصل وفي الارض عن دار القلى متحول

إذا انصرفت نفسي عن الشئ لم تكد إليه بوجه آخر الدهر تقبل.

فقال معاوية : لقد شعرت بعدى يا أبا حبيب وبينما هما في ذلك دخل معن بن أوس المزني، فقال له معاوية : إيه ! هل أحدثت بعدنا شيئا ؟ قال : نعم، قال قل، فأنشد هذه الابيات، فعجب معاوية وقال لابن الزبير : ألم تنشدها لنفسك آنفا، فقال : أنا سويت المعاني، وهو ألف الالفاظ ونظمها وهو بعد ظئرى فما قال من شئ فهو لي - وكان ابن الزبير مسترضعا في مزينه - فقال معاوية : وكذبا يا أبا خبيب ! فقام عبد اللّه فخرج (1).

انت رأس الحطم، ومفتاح الظلم

عن الحكم بن عمير الثمالي - وكانت أمه بنت أبي سفيان بن حرب قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لاصحابه ذات يوم : كيف بك يا أبا بكر إذا وليت ؟ قال : لا يكون ذلك أبدا، قال : فكيف بك يا عمر إذا وليت ؟ فقال : أكل حجرا، لقد لقيت إذن شرا، قال : فكيف بك يا عثمان إذا وليت ؟ قال : أكل وأطعم وأقسم ولا أظلم، قال : فكيف بك يا على إذا وليت ؟ قال : أكل الفوت وأحمى الجمرة، وأقسم التمرة، وأخفى الصور -


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 135.

قال : أي العورة - فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (أما إنكم كلكم سيلى، وسيرى اللّه أعمالكم)، ثم قال : يا معاوية كيف بك إذا وليت ؟ قال : اللّه ورسوله أعلم فقال : (أنت رأس الحطم ومفتاح الظلم، حصبا وحقيا تتخذ الحسن قبيحاء والسيئة حسنة، يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، أجلك يسير، وظلمك عظيم) (1).

اللهم اشدد وطأتك على الانصار

عن جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه وقف مستترا في خفية يشاهد المحامل التي حمل عليها عبد اللّه ابن الحسن وأهله في القيود والحديد من المدينة إلى العراق، فلما مروا به یکی وقال : ماوفت الانصار ولا ابناء الانصار لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، بايعهم على أن يمعنوا محمدا وأبناءه وأهله وذريته مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم وأهلهم وذراريهم فلم يفوا اللهم اشدد وطأتك على الانصار (2).

الزبير اول امر لم يكن الا علوى الرأى شديد الولاء

اما الزبير فلم يكن الا علوى الرأى شديد الولاء جاريا من الرجل مجرى نفسه ويقال انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة وما جرى فيه وكان يحمل فاطمة (عليها السلام) ليلا على حمار وابناها بين يدى الحمار، وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسوقه فيطرق بيوت الانصار وغيرهم، ويسألهم النصرة والمعونة، أجابه اربعون رجلا فبايعهم على الموت وامرهم أن يصبحوا بكرة محلقى رؤوسهم ومعهم سلاحهم فاصبح لم يوافه منهم الا اربعة الزبير والمقداد وابو ذر وسلمان ثم اتاهم من الليل فناشدهم فقالوا نصبحك غدوة فما جاءة منهم الا اربعة وكذلك في الليلة الثالثة وكان الزبير اشدهم له نصرة وانفذهم في طاعته بصيرة حلق راسه وجاء مرارا وفي عنقه سيفه وكذلك الثلاثة الباقون الا أن الزبير هو كان الراس فيهم وقد نقل الناس خبر الزبير لما هجم عليه ببيت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وكسر سيفه في صخرة ضربت به ونقلوا اختصاصه بعلی (عَلَيهِ السَّلَامُ) و خلواته به ولم يزل مواليا له متمسكا بحبه ومودته حتى نشا ابنه عبد اللّه وشب فنزع به عرق من الام ومال إلى تلك الجهة وانحرف عن هذه ومحبة الوالد للولد معروفة فانحرف الزبير لانحرافه على انه قد كانت جرت بين على (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 97.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 44.

والزبير هنات في ايام عمر كدرت القلوب بعض التكدير وكان سببها قصة موالى صفية ومنازعة على للزبير في الميراث فقضى عمر للزبير فاذعن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقضائه بحكم سلطانه لا رجوعا عما كان يذهب إليه من حكم الشرع في هذه المسالة وبقيت في نفس الزبير (1).

أحببت أن أطاطى منك

كان عمر قاعدا والدرة معه والناس حوله إذ أقبل الجارود العامري، فقال رجل : هذا سيد ربيعة، فسمعها عمر ومن حوله وسمعها الجارود، فلما دنا منه خفقه بالدرة ! فقال : ما لى ولك يا أمير المؤمنين قال ويلك ! سمعتها ! قال : وسمعتها فمه ! قال : خشيت أن تخالط القوم ويقال : هذا أمير فأحببت أن أطأطى منك (2).

لاظهر للناس مناقضة فعله لروايته

روى القطب الراوندي أن عمر لما قال لما قال : كونوا مع الثلاثة التى عبد الرحمن فيها، قال ابن عباس لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ): ذهب الامر منا الرجل يريد أن يكون الأمر في عثمان، فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): وأنا أعلم ذلك، ولكني أدخل معهم في الشورى لان عمر قد أهلني الآن للخلافة، وكان قبل ذلك يقول : إن رسول اللّه (صلى اللّه علي)ه قال : إن النبوة والامامة لا يجتمعان في بيت فأنا أدخل في ذلك لا ظهر للناس مناقضة فعله لروايته (3).

لقد ذهبت فيها عريضة

قد اختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يوم احد أم لا، مع اتفاق الرواة كافة على أن عثمان لم يثبت فالواقدي ذكر أنه لم يثبت، وأما محمد بن إسحاق والبلاذري فجعلاه مع من ثبت ولم يفر، واتفقوا كلهم على أن ضرار بن الخطاب الفهري قرع رأسه بالرمح وقال : إنها نعمة مشكورة يا بن الخطاب إلى آليت ألا أقتل رجلا من قريش وروى ذلك محمد بن إسحاق وغيره، ولم يختلفوا في ذلك وإنما اختلفوا هل قرعه بالرمح وهو فار هارب، أم مقدم ثابت ! والذين رووا أنه قرعه بالرمح وهو هارب لم يقل أحد منهم أنه


1) شرح نهج البلاغة ج 11 ص 13.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 73.

3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 189.

هرب حين هرب عثمان ولا إلى الجهة التى فر إليها عثمان وإنما هرب معتصما بالجبل اعتصموا بالجبل كلهم أصعد فيه وهذا ليس بعيب ولا ذنب لان الذين ثبتوا مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأصعدوا فيه، ولكن يبقى الفرق بين من أصعد في الجبل في آخر الامر ومن والحرب لم تضع أوزارها، فإن كان عمر أصعد فيه آخر الامر، فكل المسلمين هكذا صنعوا حتى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإن كان ذلك والحرب قائمة بعد تفرق. ولم يختلف الرواة من أهل الحديث في أن أبا بكر لم يفر يومئذ، وأنه ثبت فيمن ثبت، وإن لم يكن نقل عنه قتل أو قتال والثبوت جهاد وفيه وحده كفاية. وأما رواة الشيعة فانهم يروون أنه لم يثبت إلا علي وطلحة والزبير وأبو دجانة وسهل بن حنيف وعاصم بن ثابت ومنهم من روى أنه ثبت معه أربعة عشر رجلا من المهاجرين والانصار، ولا يعدون أبا بكر وعمر منهم روى كثير من أصحاب الحديث أن عثمان جاء بعد ثالثة إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فسأله إلى أين انتهيت ؟ فقال : إلى الاعرض، فقال : لقد ذهبت فيها عريضة واحتج من روى أن عمر فر يوم أحد بما روي أنه جاءته في أيام خلافته امرأة تطلب بردا من برود بردا من برود كانت بين يديه وجاءت معها بنت لعمر تطلب بردا أيضاً فأعطى المرأة ورد ابنته فقيل له في ذلك، فقال : إن أبا هذه ثبت يوم أحد وأبا هذه فر يوم أحد ولم أحد ولم يثبت (1).

اتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها

روی أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال في نفر من المسلمين فقالوا : ما أخذت السيوف من عنق عدو اللّه مأخذها - وأبو سفيان يسمع قولهم - فقال لهم أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها ! وأتى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأخبره فقال : يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم ! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت اللّه (2).

أضلوا الليلة برقعا

دخل عبد اللّه بن ثعلبة المحاربي على عبد الملك بن يزيد الهلالي، وهو يومئذ والى إرمينية، فقال له : ماذا لقينا الليلة من شيوخ محارب ! منعونا النوم بضوضائهم ولغطهم، فقال عبد اللّه بن ثعلبة : إنهم أصلح اللّه الامير ! أضلوا الليلة برقعا، فكانوا يطلبونه أراد


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 20.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 27.

عبد الملك قول الشاعر :

تکش بلا شئ شیوخ محارب***وما خلتها كانت تريش ولا تبرى

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت***قدل عليها حية البحر

وأراد اللّه قول القائل :

لكل هلالي من اللؤم برقع***ولابن يزيد برقع وجلال (1).

إذا أعيتكم الامور من رؤوسها فخذوها من أذنابها

رئى عبد اللّه بن الزبير في أيام معاوية واقفا بباب مية مولاة معاوية، فقيل له : يا أبا بكر، مثلك يقف بباب هذه ! فقال : إذا أعيتكم الامور من رؤوسها فخذوها من أذنابها (2).

إذا أراد أن يطلق امرأة

قال على: لقد تزوج الحسن وطلق حتى خفت أن يثير عداوة قال أبو جعفر : وكان الحسن إذا أراد أن يطلق امرأة جلس إليها، فقال : أ يسرك أن أهب لك كذا وكذا ؟ فتقول له ما شئت أو نعم، فيقول : هو لك، فإذا قام أرسل إليها بالطلاق، وبما سمى لها (3).

هذه كناية عنهما

قال ابن ابي الحديد: حضرت عند محمد بن معد العلوى الموسوي الفقيه على رأي الشيعة الامامية (رحمه اللّه) في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة ثمان وستمائة وقارئ يقرأ عنده مغازى الواقدي، فقرأ : حدثنا الواقدي قال : حدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رياح عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد قال : سمعت محمد بن مسلمة يقول : سمعت أذناي وأبصرت عيناي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول يوم أحد وقد انكشف الناس إلى الجبل وهو يدعوهم وهم لا يلوون عليه سمعته يقول : إلي يا فلان إلي يا فلان أنا


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 23.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 122.

3) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 12.

رسول اللّه، فما عرج عليه واتخذ منهما ومضيا، فأشار ابن معد إلي أن اسمع، فقلت : وما في هذا ؟ قال هذه كناية عنهما، فقلت : ويجوز ألا يكون عنهما، لعله عن غيرهما. قال : ليس في الصحابة من يحتشم ويستحيا من ذكره بالفرار وما شابهه من العيب فيضطر، القائل إلى الكناية إلا هما قلت له : هذا وهم فقال : دعنا من جدلك ومنعك، ثم حلف أنه ما عنى الواقدي غيرهما، وإنه لو كان غيرهما لذكره صريحا، وبان في وجهه التنكر من مخالفتي له (1).

دعوه فإن الغناء زاد الراكب

خرج عمر للحج فسمع غناء راكب يغني وهو محرم، فقيل : يا أمير المؤمنين ألا تنهاه عن الغناء وهو محرم فقال : دعوه فإن الغناء زاد الراكب (2).

إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق

عن سالم بن أبي الجعد قال : جاء رجل إلى عبد اللّه بن مسعود فقال : إن اللّه تعالى قد آمننا أن يظلمنا، ولم يؤمنا أن يفتننا، أرأيت إذا أنزلت فتنة، كيف أصنع ؟ فقال : عليك كتاب اللّه تعالى قال : أفرأيت إن جاء قوم كلهم يدعو إلى كتاب اللّه تعالى ؟ فقال ابن مسعود : سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : (إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق)، يعنى عمارا (3).

فإن جبريل أخبرني بذلك

عن زيد بن أرقم قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (ألا أدلكم على ما إن تساءلتم عليه لم تهلكوا ؟ إن وليكم اللّه وإن إمامكم على بن أبى طالب فناصحوه وصدقوه، فإن جبريل أخبرني بذلك) (4)


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 23.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 73.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 98.

4) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 98.

فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما

أن عمر بن الخطاب قال لما طعن : يا أصحاب محمد تناصحوا، فإنكم إن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان. قلت : إن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد أحد الامامية قال في بعض كتبه : إنما أراد عمر بهذا القول إغراء معاوية وعمرو بن العاص بطلب الخلافة وإطماعهما فيها لان معاوية كان عامله وأميره على الشام، وعمرو بن العاص عامله وأميره على مصر وخاف أن يضعف عثمان عنها، وأن تصير إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما - وهما بمصر والشام - فيتغلبا على هذين الاقليمين إن أفضت إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

فما عسى أن أقول في حسبه ! وأما باسه فهو الشجاع المطرق

لما قدم عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام، أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص : إن اللّه قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد اللّه بن عمر، وقد رأيت أن أقيمه خطيبا يشهد على على بقتل عثمان وينال منه فقال : الرأى ما رأيت فبعث إليه، فأتاه فقال له معاوية : يا بن أخى إن لك اسم أبيك فانظر بملء عينيك، وانطق بملء فيك، فأنت المأمون المصدق، فاصعد المنبر واشتم عليا، واشهد عليه أنه قتل عثمان. فقال : أيها الامير أما شتمه فإن أباه أبو طالب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في حسبه ! وأما بأسه فهو الشجاع المطرق، وأما أيامه فما قد عرفت، ولكن يملزمه، دم عثمان، فقال عمرو بن العاص : قد وأبيك إذن نكأت القرحة. فلما خرج عبيد اللّه بن عمر قال معاوية : أما والله لو لا قتله الهرمزان، ومخافته عليا على نفسه ما أتانا أبدا ألا ترى إلى تقريظه عليا ! فقال عمرو : يا معاوية إن لم تغلب فاخلب، قال : وخرج حديثهما إلى عبيد اللّه فلما قام خطيبا تكلم بحاجته، فلما انتهى إلى أمر على أمسك ولم يقل شيئا، فلما نزل بعث إليه معاوية : يا بن أخي، إنك بين عى وخيانة، فبعث إليه : إني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، وعرفت أن الناس محتملوها على فتركتها. قال : فهجره معاوية واستخف به وفسقه، فقال عبيد اللّه :

معاوى لم أحرض بخطبة خاطب ولم أك عيا في لؤى بن غالب


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 99.

ولكننى زاولت نفسا أبية على قذف شيخ بالعراقين غائب

وقذفي عليا بابن عفان جهرة كذاب وما طبي سجايا المكاذب

ولكنه قد قرب القوم جهده ودبوا حواليه دبيب العقارب

فما قال : أحسنتم ولا قد أسأتم وأطرق إطراق الشجاع الموائب

فأما ابن عفان فأشهد أنه أصيب بريئا لابسا ثوب تائب

وقد كان فيها للزبير عجاجة وطلحة فيها جاهد غير لاعب

وقد أظهرا من بعد ذلك توبة فياليت شعرى ما هما في العواقب !

قال : فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه، وقال : حسبی هذا منك (1).

اكتبوا تاريخكم منذ خرج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

دفع إلى عمر صك محلة في شعبان فقال : أي شعبان ؟ الذي مضى أم الذى نحن فيه ؟ ثم جمع أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقال : ضعوا للناس تاريخا يرجعون إليه، فقال قائل منهم : اكتبوا على تاريخ الروم، فقيل : إنه يطول وإنه مكتوب من عهد ذى القرنين. وقال قائل : بل اكتبوا على تاريخ الفرس، فقيل ان الفرس كلما قام ملك طرحوا ما كان قبله فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): اكتبوا تاريخكم منذ خرج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم من دار الشرك إلى دار النصرة وهى دار الهجرة فقال عمر : نعم ما أشرت به فكتب للهجرة، بعد مضى سنتين ونصف من خلافة عمر (2).

درة عمر أهيب من سيف الحجاج

قال المؤرخون : إن عمر أول من سن قيام رمضان في جماعة وكتب به إلى البلدان وأقام الحد في الخمر ثمانين وأحرق بيت رويشد الثقفي، وكان نباذا، وأقام في عمله بنفسه وأول من حمل الدرة وأدب بها. وقيل بعده : كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 100.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 74.

3) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 75.

إسلام سلمان

كثير من المحدثين ورووه عنه، قال : كنت ابن دهقان قرية جى من أصبهان، وبلغ من حب أبى لى أن حبسني في البيت كما تحبس الجارية، فاجتهدت في المجوسية حتى صرت قطن بيت النار فأرسلني أبي يوما إلى ضيعة له فمررت بكنيسة النصارى، فدخلت عليهم فأعجبتني صلاتهم، فقلت : دين هؤلاء خير من ديني فسألتهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام فهربت من والدى حتى قدمت الشام فدخلت على الاسقف فجعلت أخدمه وأتعلم منه، حتى حضرته الوفاة، فقلت : إلى من توصى بي فقال : قد هلك الناس وتركوا دينهم إلا رجلا بالموصل فالحق به فلما قضى نحبه لحقت بذلك الرجل فلم يلبث إلا قليلا حتى حضرته الوفاة فقلت : إلى من توصى بي ؟ فقال : ما أعلم رجلا بقى على الطريقة المستقيمة إلا رجلا بنصيبين، فلحقت بصاحب نصيبين. قالوا : وتلك الصومعة اليوم باقية وهى التى تعبد فيها سلمان قبل الاسلام قال : ثم احتضر صاحب نصيبين، فبعثني إلى رجل بعمورية من أرض الروم، فأتيته وأقمت عنده، واكتسبت بقيرات وغنيمات فلما نزل به الموت قلت له : بمن توصى بى؟ فقال : قد ترك الناس دينهم وما بقى أحد منهم على الحق، وقد أظل زمان نبی مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين لها نخل قلت : فما علامته ؟ قال : يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة، قال : ومر بي ركب من كلب، فخرجت معهم، فلما بلغوا بى وادى القرى ظلموني وباعونى من يهودي، فكنت أعمل له في زرعه ونخله، فبينا أنا عنده إذ قدم ابن عم له فابتاعنى منه وحملني إلى المدينة فو اللّه ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها وبعث اللّه محمدا بمكة ولا أعلم بشئ من أمره، فبينا أنا في رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لسيدي، فقال : قاتل اللّه بنى قيلة قد اجتمعوا على رجل بقباء قدم عليهم من مكة يزعمون أنه نبى، قال : فأخذني القر والانتفاض، ونزلت عن النخلة، وجعلت أستقصى في السؤال، فما كلمني سيدى بكلمة، بل قال : أقبل على شأنك، ودع مالا يعنيك. فلما أمسيت أخذت شيئا كان عندي من التمر وأتيت به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقلت له : بلغني أنك رجل صالح وأن لك أصحابا غرباء ذوى حاجة، وهذا شئ عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لاصحابه : كلوا وأمسك فلم يأكل، فقلت في نفسي : هذه واحدة وانصرفت فلما كان من الغد أخذت ما كان بقى

عندي وأتيته به، فقلت له : إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية فقال : كلوا وأكل معهم، فقلت إنه لهو فأكببت عليه أقبله وأبكى، فقال : مالك ؟ فقصصت عليه القصة فأعجبه، ثم قال : يا سلمان كاتب صاحبك، فكاتبته على ثلثمائة نخلة وأربعين أوقية فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للانصار : أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل حتى جمعت ثلاثمائة ودية، فوضعها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بیده فصحت كلها، وأناه مال من بعض المغازي، فأعطاني منه، وقال : أد كتابتك، فأديت وعتقت (1).

إنى أستعيذ باللّه من بيعتك

لما بني عثمان قصره طمار بالزوراء، وصنع طعاما كثيرا، ودعا الناس إليه، كان فيهم عبد الرحمن وفلما نظر للبناء والطعام قال : يا بن عفان لقد صدقنا عليك، ما كنا نكذب فيك، وإنى أستعيذ باللّه من بيعتك. فغضب عثمان وقال : أخرجه عنى يا غلام فأخرجوه وأمر الناس ألا يجالسوه، فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض. ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلمه فلم يكلمه حتى مات (2).

من وثق بماء لم يظما

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (من وثق بماء لم يظمأ)، هذا كقول أبي الطيب :

وما صبابة مشتاق على أمل***من اللقاء كمشتاق بلا أمل (3).

ماء الملام

لما قال أبو تمام :

لا تسقنى ماء الملام فإنني صب***قد استعذبت ماء بكائي

يقال : إن مخلدا الموصلي بعث إليه بقارورة يسأله أن يبعث له فيها قليلا من ماء الملام، فقال لصاحبه : قل له يبعث إلى بريشة من جناح الذل لاستخرج بها من القارورة ما أبعثه إليه (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 37.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 196.

3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 211.

4) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 216.

أنا أسن منه

قيل لابي قحافة يوم ولى الامر ابنه : قد ولى ابنك الخلافة، فقرأ (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ)، ثم قال : لم ولوه ؟ قالوا : لسنه قال أنا أسن منه (1).

خروج طارق بن شهاب لاستقبال على بن أبي طالب

خرج طارق بن شهاب الاحمسي يستقبل عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد صار بالربذة طالبا عائشة وأصحابها، وكان طارق من صحابة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشيعته، قال : فسألت عنه قبل أن القاه : ما أقدمه ؟ فقيل : خالفه طلحة والزبير وعائشة فأتوا البصرة، فقلت في نفسي : إنها الحرب ! أ فأقاتل أم المؤمنين ! وحواري رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ! إن هذا العظيم، ثم قلت : أ أدع عليا، وهو أول المؤمنين إيمانا باللّه وابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ووصيه ! هذا أعظم ! ثم أتيته فسلمت عليه، ثم جلست إليه، فقص على قصة القوم وقصته، ثم صلى بنا الظهر فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله لا أكون كالضبع تنام على اللدم حتى يدخل إليها طالبها فيعلق الحبل برجلها، ويقول لها دباب دباب، حتى يقطع عرقوبها. وذكر تمام الفصل. فكان طارق بن شهاب يبكي إذا ذكر هذا الحديث (2).

كتاب أم سلمة إلى عائشة

ومن الكلام المشهور الذي قيل : إن أم سلمة رحمها اللّه كتبت به إلى عائشة : إنك جنه بين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبين أمته، وإن الحجاب دونك لمضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه وسكن عقيراك فلا تصحريها، لو أذكرتك قولة من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعرفينها لنهشت بها نهش الرقشاء..المطرقة ما كنت قائله لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لو لقيك ناصة قلوص قعودك من منهل إلى منهل قد تركت عهيداه، وهتكت ستره، إن عمود الدين لا يقوم بالنساء، وصدعه لا يرأب بهن حماديات النساء خفض الاصوات وخفر الاعراض اجعلي قاعدة البيت قبرك حتى تلقينه وأنت على ذلك. فقالت عائشة : ما أعرفني بنصحك، وأقبلني لوعظك ! وليس الامر حيث تذهبين ما أنا بعمية عن رأيك فإن أقم


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 222.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 226.

ففى غير حرج، وإن أخرج ففى إصلاح بين فئتين من المسلمين. وقد ذكر هذا الحديث أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة في كتابه المصنف في غريب الحديث في باب أم سلمة، على ما أورده عليك، قال : لما أرادت عائشة الخروج إلى البصرة، أتتها أم سلمة، فقالت لها : إنك سدة بين محمد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبين أمته، وحجابك مضروب على حرمته، قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكن عقيراك فلا تصحريها اللّه من وراء هذه الامة، لو أراد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يعهد إليك عهدا علت علت بل قد نهاك عن الفرطة في البلاد إن عمود الاسلام لا يثاب بالنساء إن مال ولا يرأب بهن إن صدع حماديات النساء غض الأطراف وخفر الاعراض وقصر الوهازة ما كنت قائلة لو أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عارضك بعد الفلوات ناصة قلوصا من منهل إلى آخر إن بعين اللّه مهواك، وعلى رسوله تردین وقد وجهت سدافته ویروی سجافته - وتركت عهيداه لوسرت مسيرك هذا ثم قيل لى : ادخلي الفردوس لاستحييت أن القى محمدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هاتكه حجابا، وقد ضربه على اجعلي حصنك بيتك ووقاعة الستر قبرك حتى تلقينه وأنت على تلك أطوع ما تكونين للّه بالرقبة وأنصر ما تكون للدين ما حلت عنه. لو ذكرتك قولا تعرفينه لنهشت به نهش الرقشاء المطر قد فقالت عائشة : ما أقبلنى لوعظك ! وليس الامر كما تظنين ولنعم المسير مسير فزعت فيه إلى فئتان متناجزتان - أو قالت متناحرتان - إن أقعد قفى غير حرج وإن أخرج فإلى ما لابد لي من الازدياد منه (1).

ولا يزاد على ما قدر له

دخل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) المسجد، وقال لرجل : أمسك على بغلتي، فخلع لجامها، وذهب به، فخرج على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ما قضى صلاته، وبيده در همان ليدفعهما إليه مكافأة له، فوجد البغلة عطلا، فدفع إلى أحد غلمانه الدرهمين ليشترى بهما لجاما، فصادف الغلام اللجام المسروق في السوق، قد باعه الرجل بدرهمين فأخذه بالدرهمين وعاد إلى مولاه، فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر، ولا يزاد على ما قدر له (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 219.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

لو كان لنا في ملحنا هذا سعتر!

• قال أبو وائل : ذهبت أنا وصاحب لى إلى سلمان الفارسی فجلسنا عنده فقال : لولا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه) نهى عن التكلف لتكلفت لكم، ثم جاء بخبز وملح ساذج لا أبزار عليه فقال صاحبي : لو كان لنا في ملحنا هذا سعتر! فبعث سلمان بمطهرته، فرهنها على سعتر فلما أكلنا قال صاحبي : الحمد للّه الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان : لو قنعت بما رزقك لم تكن مطهرتي مرهونة !(1)

الطير أحسن ظنا منك باللّه عزوجل

قيل للحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن أبا ذر كان يقول : الفقر أحب إلى من الغنى والسقم أحب إلى من الصحة، فقال : رحم اللّه أبا ذر، أما أنا فأقول : من اتكل إلى حسن الاختيار من الله لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها اللّه له لعمري يا بن آدم الطير لا تأكل رغدا، ولا تخبأ لغد، وأنت تأكل رغدا وتخبأ لغد فالطير أحسن ظنا منك باللّه عز وجل (2).

في مدح القناعة وذم الطمع

•

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم للاخوين من الانصار : (لا تيئسا من روح اللّه ما تهزهزت رؤسكما، فإن أحدكم يولد لا قشر عليه، ثم يكسوه اللّه ويرزقه).

•

وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم ويعزى إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (القناعة كنز لا ينفد). وما يقال إنه من كلام لقمان الحكيم : (كفى بالقناعة عزا، وبطيب النفس نعيما).

•

ومن كلام عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): اتخذوا البيوت منازل والمساجد مساكن وكلوا من بقل البرية، واشربوا من الماء القراح واخرجوا من الدنيا بسلام لعمري لقد انقطعتم إلى غير اللّه فما ضيعكم، أفتحافون الضيعة إذا انقطعتم إليه !

•

وفي بعض الكتب الالهية القديمة : يقول اللّه تعالى : يا بن آدم أتخاف أن أقتلك بطاعتي هزلا، وأنت تتفتق بمعصيتي سمنا !


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

•

الخليل بن أحمد كان الناس يكتسبون الرغائب يعلمه، وهو بين أخصاص البصرة لا يلتفت إلى الدنيا ولا يطلبها..

•

يقال من جملة ما أوحى اللّه تعالى إلى موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): قل لعبادي المتسخطين لرزقي، إياكم أن أغضب فأبسط عليكم الدنيا.

•

المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنا الذى كببت الدنيا على وجهها وقدرتها بقدرها، ليس لى ولد يموت ولا بيت يخرب وسادى الحجر، وفراشي المدر وسراجى القمر.

•

أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أكل تمر دقل، ثم شرب عليه ماء، ومسح بطنه، وقال : من أدخلته بطنه النار، فأبعده الله، ثم أنشد : فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

•

في الحديث الصحيح المرفوع : (إن روح القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فأجملوا في الطلب).

•

من كلام الحكماء : من ظفر بالقناعة فقد ظفر بالكيمياء الاعظم

•

ابن مسعود رفعه : (إنه ليس أحد بأكيس من أحد قد كتب النصيب والاجل و قسمت المعيشة والعمل، والناس يجرون منهما إلى منتهى معلوم).

•

المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ): انظروا إلى طير السماء تغدو وتروح ليس معها شئ من أرزاقها، لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها فإن زعمتم أنكم أوسع بطونا من الطير، فهذه الوحوش من البقر والحمر، لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها.

•

أهدى لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) طائران، فأكل أحدهما عشية، فلما أصبح

طلب غداء، فأتته بعض أزواجه بالطائر الاخر، فقال : (ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد فإن من خلق الخد خلق رزقه).

•

وفي الحديث : (قد أفلح من رزق كفافا وقنعه اللّه بما آتاه).

•

من حكمة سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد جربنا لين العيش وشدته فوجدنا أهنأه أدناه في قوله تعالى : (فلنحيينه حياة طيبة)، قال : القناعة.

بعض حكماء الشعراء :

فلا تجزع إذا أعسرت يوما فقد أيسرت في الدهر الطويل

ولا تظنن بربك ظن سوء فإن اللّه أولى بالجميل

وإن العسر يتبعه يسار وقبل اللّه أصدق كل قيل

ولو أن العقول تجر رزقا لكان المال عند ذوى العقول

•

يقال : إن جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاء إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمفاتيح خزائن الدنيا، فقال : (لا حاجة لى فيها، بل جوعتان وشبعة).

•

وجد مكتوبا على صخرة عادية : يا بن آدم لست ببالغ أملك، ولا سابق أجلك، ولا مغلوب على رزقك ولا مرزوق ما ليس لك فعلام تقتل نفسك !

•

أوحى اللّه تعالى إلى بعض أنبيائه : أتدرى لم رزقت الاحمق ؟ قال : لا، قال : ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاحتمال قنط

•

يوسف بن يعقوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجب الجوع اعتراه فأوحى إليه : انظر إلى حائط البئر، فنظر فانفرج الحائط عن ذرة على صخرة معها طعامها، فقيل له : أتراني لا أغفل عن هذه الذرة، وأغفل عنك، وأنت نبى ابن نبي !

•

وقف بعض الملوك على سقراط وهو في المشرقة، فقال له : سل حاجتك قال : حاجتى أن تزيل أن تزيل عنى ظلك، فقد منعتني الرفق بالشمس، فأحضر له ذهبا وكسوة دياج فقال : إنه لا حاجة بسقراط إلى حجارة الارض ولعاب الدود، إنما حاجته إلى أمر يصحبه حيثما توجه (1).

•

قال الشاعر :

ولا تهلكن النفس وجدا وحسرة على الشئ أسداه لغيرك قادره

ولا تيأسن من صالح أن تناله وإن كان نهبا بين أيد تبادره

فإنك لا تعطى امرأ حظ نفسه ولا تمنع الشق الذى الغيث ناصره

• وقال بعض شعراء العجم :

غلا السعر في بغداد من بعد رخصه وإنى في الحالين باللّه واثق

فلست أخاف الضيق والله واسع غناه ولا الحرمان والله رازق


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

•

قيل لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لو سد على رجل باب بيت وترك فيه من أين كان يأتيه رزقه ؟ قال : من حيث كان يأتيه أجله.

•

قال بعض الشعراء :

صبرت النفس لا أجزع من حادثة الدهر رأيت الرزق لا يكسب بالعرف ولا النكر

ولا بالسلف الامثل أهل الفضل والذكر ولا بالسمر اللدن ولا بالخذم البستر

ولا بالعقل والدين ولا الجاه ولا القدر ولا يدرك بالطيش ولا الجهل

ولا الهذر ولكن قسم تجرى بما ندرى ولا ندرى

• منصور الفقية :

الموت أسهل عندي بين القنا والاسنه

والخيل تجرى سراعا مقطعات الاعنه

من أن يكون لنذل على فضل ومنه

• أعرابي :

أتيئس أن يقارنك النجاح فأين اللّه والقدر المتاح

•

قال رجل لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أوصني، قال : (إياك والطمع، فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس مما في أيدى الناس).

•

حكيم : أحسن الاحوال حال يغبطك بها من دونك ولا يحقرك لها من فوقك.

أبو العلاء المعري :

فإن كنت تهوى العيش فايغ توسطا فعند التناهي يقصر المتطاول

توقى البدور النقص وهى أهلة ويدركها النقصان، وهى كوامل(1).

في الدعاء

• كان موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في سجوده آخر الليل : إلهى عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك.

1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

•

عن على(عَلَيهِ السَّلَامُ) : الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والارض وقيل : أن فيما أنزله اللّه تعالى من الكتب القديمة : إن اللّه يبتلى العبد وهو يحبه، ليسمع دعاءه وتضرعه.

•

وعن على (عَلَيهِ السَّلَامُ): الداعي بغير عمل كالرامي بغير وتر.

•

وعن على (عَلَيهِ السَّلَامُ): جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شابيب رحمته، فلا يقنطنك إبطاء إجابته، فإن العطية على قدر النية، وربما أخرت عنك الاجابة، ليكون ذلك أعظم لاجر السائل، وأجزل لعطاء الامل، وربما سألت الشئ فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه أو صرف عنك بما هو لك خير. وأعلم أنه رب أمر قد طلبت فيه هلاك دينك لو أوتيته

•

وقال موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا رب إنك لتعطيني أكثر من أملى قال : لانك تكثر من قول: ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه.

•

ومن الدعاء المروى عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها. اللهم أنعشني وأجزنى وانصرني واهدنى لصالح الاعمال والاخلاق، إنه لا يهدى لصالحها، ولا يصرف عن سيئها إلا أنت اللهم إني أسألك الثبات في الامر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب).

•

وعن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (إذا سأل أحدكم ربه مسألة فتعرف الاجابة، فليقل : الحمد للّه الذي بنعمته تتم الصالحات، ومن أبطأ عنه شئ من ذاك فليقل : الحمد للّه على كل حال). ومن الاداب أن يفتتح بالذكر وألا يبتدئ بالمسألة كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل أن يدعو يقول : (سبحان ربي العلى الوهاب).

•

ومن دعاء على (عَلَيهِ السَّلَامُ): (اللهم صن وجهي باليسار، ولا تبذل جاهى بالاقتار فأسترز طالبي رزقك، وأستعطف شرار خلقك وأبتلى بحمد من أعطاني وأفتتن بذم من منعنى وأنت من وراء ذلك كله ولى الاعطاء والمنع، إنك على كل شئ قدير.

•

ومن دعاء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وفيه رائحة من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذى نحن في شرحه : اللهم إني أستغفرك لما تبت منه إليك ثم عدت فيه، وأستغفرك لما وعدتك من

نفسي ثم أخلفتك، وأستغفرك للنعم التي أنعمت بها على فتقويت على معصيتك، وأستغفرك من كل ذنب تمكنت منه بعافيتك، ونالته يدى بفضل نعمتك، وانبسطت إليه بسعة رزقك، واحتجبت فيه عن الناس بسترك واتكلت فيه على أكرم عفوك. اللهم إنى أعوذ بك أن أقول حقا ليس فيه رضاك ألتمس به أحدا سواك، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشئ يشينني عندك، وأعوذ بك أن أكون عبرة لاحد من خلقك، وأن يكون أحد من خلقك أسعد بما علمتني منى، وأعوذ بك أن أستعين بمعصية لك على ضريصيبني

• ومن دعاء على (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللهم إن تهت عن مسألتي وأعميت عن طلبتي، فدلني على مصالحي، وخذ بقلبي إلى مراشدي. اللهم احملني على عفوك ولا تحملني على عدلك (1).

طريق على عند خروجه من الكوفة لحرب معاوية

قال نصر : لما وضع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجله في ركاب دابته يوم خرج من الكوفة إلى صفين قال : بسم الله فلما جلس على ظهرها قال : (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ)، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر... إلى آخر الفصل. وزاد فيه نصر : (ومن الحيرة بعد اليقين. قال : ثم خرج أمامه الحر بن سهم بن طريف، وهو يرتجز ويقول :

یا فرسى سيرى وأمى الشاما وقطعي الحزون والاعلاما

ونابذى من خالف الاماما إنى لارجو إن لقينا العاما

جمع بني أمية الطغاما أن نقتل العاصى والهماما

وأن نزيل من رجال هاما

قال : وقال حبيببن مالك، وهو على شرطه على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو آخذ بعنان دابته : يا أمير المؤمنين، أتخر بالمسلمين فيصيبوا أجر الجهاد بالقتال، وتخلفني بالكوفة لحشر الرجال ! فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنهم لن يصيبوا من الاجر شيئا إلا كنت شريكهم فيه، وأنت هاهنا أعظم غناء عنهم منك لو كنت معهم فخرج على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حتى إذا حاذى الكوفة صلى ركعتين.


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 190.

وعن أبي الحسين زيد بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن آبائه : أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) خرج وهو يريد صفين، حتى إذا قطع النهر أمر مناديه، فنادى بالصلاة، فتقدم فصلى ركعتين، حتى إذا قضى الصلاة، أقبل على الناس بوجهه، فقال : أيها الناس ألا من كان مشيعا أو مقيما فليتم الصلاة، فإنا قوم سفر، ألا ومن صحبنا فلا يصومن المفروض. والصلاة المفروضة ركعتان، قال نصر : ثم خرج حتى نزل دير أبي موسى - وهو من الكوفة على فرسخين - فصلى به العصر، فلما انصرف من الصلاة، قال : سبحان اللّه ذى الطول والنعم ! سبحان اللّه ذى القدرة والافضال أسأل اللّه الرضا بقضائه والعمل بطاعته والانابة إلى أمره، إنه سميع الدعاء. قال نصر : ثم خرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى نزل على شاطئ نرس بین موضع حمام أبي بردة وحمام عمر فصلى بالناس المغرب فلما انصرف قال : الحمد للّه الذى يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل والحمد للّه كلما وقب ليل وغسق والحمد للّه كلما لاح نجم وخفق ثم أقام حتى صلى الغداة، ثم شخص حتى بلغ إلى قبه قبين، وفيها نخل طوال إلى جانب البيعة من وراء النهر، فلما رآها، قال : (والنخل باسقات لها طلع نضيد). ثم أقحم دابته النهر، فعبر إلى تلك البيعة فنزلها ومكث قدر الغداء. قال نصر : وحدثنا عمر بن سعد، عن محمد بن مخنف بن سليم قال : إنى لانظر إلى أبي وهو يساير عليا، وعلى يقول له : إن بابل أرض قد خسف بها فحرك دابتك لعلنا نصلى العصر خارجا منها. فحرك دابته وحرك الناس دوابهم في أثره، فلما جاز جسر الفرات، نزل فصلى بالناس العصر. قال : حدثني عمر بن عبد اللّه بن يعلى بن مره الثقفي، عن أبيه، عن عبد خير قال : كنت مع على أسير في أرض بابل، قال : وحضرت الصلاة صلاة العصر، قال : فجعلنا نأتى مكانا إلا رأيناه أفيح من الآخر، قال : حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا وقد كادت الشمس أن تغيب. قال : فنزل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فنزلت معه، قال : فدعا اللّه فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر قال : فصليت العصر، ثم غابت الشمس، ثم خرج حتى اتى دير كعب ثم خرج منه فيات بساباط فأتاه دهاقينها يعرضون عليه النزل والطعام فقال : لا، ليس ذلك لنا عليكم فلما أصبح وهو بمظلم ساباط قرأ : (أتبنون بكل ريع آية تعبثون). قال نصر : وبلغ عمرو بن العاص مسيره فقال :

لا تحسبني يا على غافل***لاوردن الكوفة القنابلا

بجمعي العام وجمعی قابلا

قال : فبلغ ذلك عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال :

لاوردن العاصي ابن العاصي***سبعين ألفا عاقدي النواصي

مستحقبين حلق الدلاص***قد جنبوا الخيل مع القلاص

أسود غيل حين لا مناص (1).

إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر

إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر أو ويكلموه. فمكث كذلك أياما، ثم أتى به فوقف بين يديه، فقال أبو ذر : ويحك يا عثمان ! أما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه، ورأيت أبا بكر وعمر ! هل هديك كهديهم ! أما إنك لتبطش بی بطش جبار. فقال عثمان : أخرج عنا من بلادنا فقال أبو ذر، ما أبغض إلى جوارك ! فإلى أين أخرج ؟ قال : حيث شئت قال : أخرج إلى الشام أرض الجهاد ؟ قال : إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها، أفأردك إليها ! قال : أفأخرج إلى العراق ؟ قال : لا، إنك إن تخرج إليها تقدم على قوم أولى شبه وطعن على الائمه والولاة قال : أفاخرج إلى مصر ؟ قال لا، قال : فإلى أين أخرج ؟ قال : إلى البادية قال أبو ذر : أصير بعد الهجرة أعرابيا ! قال : نعم قال أبو ذر : فأخرج إلى بادية نجد ؟ قال عثمان : بل إلى الشرق الابعد أقصى فأقصى، أمض على وجهك هذا فلا تعدون الربذة. فخرج إليها (2).

وارى بطرف لا يرى بسوائه

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اتخذوا الشيطان لامرهم ملاكا واتخذهم له أشراكا، فباض وفرخ في صدورهم، ودب ودرج في حجورهم فنظر بأعينهم، ونطق بألسنتهم،

قال ابو الطيب :

ما الخل إلا من أود بقلبه وأرى بطرف لا يرى بسوائه

وقال آخر :

جبلت نفسك في نفسي كما تجبل الخمرة بالماء الزلال


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 166.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 259.

فإذا مسك شئ مسنى فإذا أنت أنا فى كل حال (1).

عز سلطانك عزا لا حد له ولا منتهى لاخره

من أدعية امير المؤمنين، وهو من أدعية الصحيفة : عز سلطانك عزا لا حد له ولا منتهى لاخره واستعلى ملكك علوا سقطت الاشياء دون بلوغ أمده، ولا يبلغ أدنى ما استأثرت به من ذلك نعوت أقصى نعت الناعتين، ضلت فيك الصفات، وتفسخت دونك النعوت، وحارت في كبريائك لطائف الاوهام. كذلك أنت اللّه في أوليتك، وعلى ذلك أنت دائم لا تزول وكذلك أنت اللّه في آخريتك وكذلك أنت ثابت لا تحول وأنا العبد الضعيف عملا، الجسيم أملا خرجت من يدى أسباب الوصلات إلى رحمتك، وتقطعت عنى عصم الامال إلا ما أنا معتصم به من عفوك قل عندي ما أعتد به من طاعتك، وكثر عندي ما أبوء به من معصيتك ولن يفوتك عفو عن عبدك وإن أساء. فاعف عنى. اللهم قد أشرف على كل خطايا الاعمال علمك وانكشف كل مستور عند خبرك، فلا ينطوى عنك دقائق الأمور، ولا يعزب عنك خفايا السرائر، وقد هربت إليك من صغائر ذنوب موبقة، وكبائر أعمال مردية، فلا شفيع يشفع لى إليك، ولا خفير يؤمنني منك، ولا حصن عنك، ولا ملاذ ألجا إليه غيرك هذا مقام العائذ بك، ومحل المعترف لك فلا يحجبني يضيقن عنى فضلك، ولا يقصرن دوني عفوك، ولا أكون أخيب عبادك التائبين، ولا أقنط وفودك الاملين، واغفر لى إنك خير الغافرين. اللهم إنك أمرتنى فغفلت، ونهيتني فركبت وهذا مقام من استحيا لنفسه منك، وسخط عليها ورضى عنك وتلقاك بنفس خاشعة، وعين خاضعة، وظهر مثقل من الخطايا، واقفا بين الرغبة إليك والرهبة منك وأنت أولى من رجاه، وأحق من خشيه واتقاه فأعطني يا رب ما رجوت وأمنى ما حذرت وعد على بفضلك ورحمتك، إنك أكرم المسئولين اللهم وإذ سترتني بعفوك، وتغمد تنى بفضلك في دار الفناء، فأجرنى من فضيحات دار البقاء عند مواقف الاشهاد من الملائكة المقربين والرسل المكرمين والشهداء الصالحين من جار كنت أكاتمه سيئاتي، ومن ذى رحم كنت أحتشم منه لسريراتي لم أثق بهم في الستر على ووثقت بك في المغفرة لى، وأتت أولى من وثق به، وأعطى من رغب إليه وأرأف من استرحم، فارحمني اللهم إني أعوذ


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 228.

بك من نار تغلظت بها على من عصاك، وأوعدت بها من ضارك وناواك، وصدف عن رضاك ومن نار نورها ظلمة، وهينها صعب وقريبها. بعيد ومن نار يأكل بعضها بعضا، ويصول بعضها على بعض، ومن نار تذر العظام رميما، وتسقى أهلها حميما، ومن نار لا تبقى على من تضرع ولا ترحم من استعطفها، ولا تقدر على التخفيف عمن خشع لها، واستبتل إليها، تلقى سكانها بأحر ما لديها من إليم النكال وشديد الوبال. اللهم بك أعوذ من عقاربها الفاغرة أفواهها، وحياتها الناهشة بأنيابها وشرابها الذي يقطع الامعاء، ويذيب الاحشاء، وأستهديك لما باعد عنها، وأنقذ منها، فأجرني بفضل رحمتك، وأقلني عثرتي بحسن إقالتك ولا تخذلني يا خير المجيرين. اللهم صل على محمد وآل محمد إذا ذكر الابرار، وصل على محمد وآل محمد ما اختلف الليل والنهار، صلاة لا ينقطع مددها، ولا يحصى عددها صلاة تشحن الهواء، وتملا الارض والسماء صل اللهم عليه وعليهم حتى ترضى وصل عليه وعليهم بعد الرضا صلاة لاحد لها ولا منتهى يا أرحم الراحمين! (1).

فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية

لما بويع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتب إلى معاوية : أما بعد فإن الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة منى وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع، فإذا أتاك كتابي فبايع لى، وأوفد إلى أشراف أهل الشام قبلك. فلما قدم رسوله على معاوية، وقرأ كتابه بعث رجلا من بني عميس، وكتب معه كتابا إلى الزبير بن العوام، وفيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان : سلام عليك أما بعد فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب فدونك الكوفة والبصرة، لا يسبقك إليها ابن أبي طالب فإنه لا شئ بعد هذين المصرين، وقد بايعت لطلحة بن عبيد اللّه من بعدك، فأظهرا الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجد والتشمير، أظفر كما الله، وخذل مناوئكما ! فلما وصل هذا الكتاب إلى الزبير سر به، وأعلم به طلحة وأقرأه إياه، فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية، وأجمعا عند ذلك على خلاف على (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 230.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 230.

نبلوا سهلا فإنه سهل

يروى أن سهل بن حنيف، جعل ينضح بالنبل عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال نبلوا سهلا فإنه سهل ونظر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أبي الدرداء، والناس منهزمون في كل وجه، فقال نعم الفارس عويمر، غير أنه لم يشهد أحدا (1).

شكوت إلى وكيع سوء حفظى

قال الشاعر :

شكوت إلى وكيع سوء حفظى فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال : لان حفظ العلم فضل وفضل اللّه لا يؤتيه عاصي

وقال رجل لحكيم ما خير الاشياء لى ؟ قال : أن تكون عالما، قال : فإن لم أكن ؟ قال : أن تكون مثريا قال : فإن لم أكن ؟ قال : أن تكون شاريا، قال : فإن لم أكن ؟ قال : فأن تكون ميتا.

أخذ هذا المعنى بعض المحدثين فقال :

إذا فاتك العلم جد بالقرى وإن فاتك المال سد بالقراع

فإن فات هذا وهذا وذاك قمت فحياتك شر المتاع

وقال أيضاً في المعنى بعينه :

ولو لا الحجا والقرى والقراع لما فضل الآخر الاولا

ثلاث متى يخل منها الفتى يكن كالبهيمة أو أرذلا (2).

من هو هذا الاخ المشار إليه

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان لي فيما مضى أخ في اللّه وكان يعظمه في عينى صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه فلا يتشهى ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتا فان قال بذ القائلين ونقع غليل السائلين وكان ضعيفا مستضعفا، فإن


1) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 252.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 182.

جاء الجد فهو ليث عاد وصل واد لا يدلى بحجة حتى يأتي قاضيا، كان لا يلوم أحدا على ما لا يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا الا عند برثه، وكان يفعل ما يقول، ولا يقول ما لا يفعل، وكان أن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت وكان على أن يسمع احرص منه على أن يتكلم وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا إن أخذ القليل خير من ترك الكثير.

قد اختلف الناس في المعنى بهذا الكلام، ومن هو هذا الاخ المشار إليه ؟ فقال قوم : هو رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، واستبعده قوم لقوله : (وكان ضعيفا مستضعفا)، فإن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يقال في صفاته مثل هذه الكلمة وإن أمكن تأويلها على لين كلامه وسماحة أخلاقه إلا انها غير لائقة به (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقال قوم: هو أبو ذر الغفاري واستبعده قوم (لقوله : فإن جاء الجد فهو ليث عاد وصل واد)، فإن أبا ذر لم يكن من الموصوفين بالشجاعة والمعروفين بالبسالة. وقال قوم : هو المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الاسود وكان من شيعة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) المخلصين، وكان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة، وقد ورد في فضله حديث صحيح مرفوع. وقال قوم : إنه ليس بإشارة إلى أخ معين، ولكنه كلام خارج مخرج المثل (1).

أكثروا لابي موسى من الطعام

قال عمرو بن العاص لاصحابه يوم حكم الحكمان : أكثروا لابي موسى من الطعام الطيب فو اللّه ما بطن قوم قط إلا فقدوا عقولهم أو بعضها وما مضى عزم رجل بات بطينا. وكان يقال : أقلل طعاما تحمد مناما (2).

اسباب المادية الغلظة والفظاظة

قال ابن ابي الحديد : ونحن نذكر بعد كلاما كليا في سبب الغلظة والفظاظة، وهو الخلق المنافى للخلق الذى كان عليه أمير المؤمنين، فنقول : إنه قد يكون لامر عائد إلى المزاج الجسماني، وقد يكون لامر راجع إلى النفس : فأما الأول، فإنما يكون من غلبة


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 183.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 186.

الاخلاط السوداوية وترمدها وعدم صفاء الدم وكثرة كدرته وعكره، فإذا غلظ الدم وثخن غلظ الروح النفساني وثخن أيضاً، لانه متولد من الدم فيحدث منه نوع مما يحدث لاصحاب الفطرة من الاستيحاش والنبوة عن الناس وعدم الاستئناس والبشاشة، وصار صاحبه ذا جفاء وأخلاق غليظة ويشبه أن يكون هذا سببا ماديا، فإن الذى يقوى في نفسي أن النفوس إن صحت وثبتت مختلفة بالذات. وأما الراجع إلى النفس فأن يجتمع عندها أسقاط وأنصباء من قوى مختلفة مذمومة، نحو أن تكون القوة الغضبية عندها متوافرة وينضاف إليها تصور الكمال في ذاتها وتوهم النقصان في غيرها، فيعتقد أن حركات غيره واقعة على غير 6 الصواب وأن الصواب ما توهمه وينضاف إلى ذلك قلة أدب النفس وعدم الضبط لها واستحقارها للغير، ويقل التوقير له وينضاف إلى ذلك لجاج وضيق في النفس وحدة واستشاطة وقلة صبر عليه، فيتولد من مجموع هذه الامور خلق دنى، وهو الغلظة والفظاظة والوعورة والبادرة المكروهة وعدم حبه الناس ولقاؤهم بالاذى وقلة المراقبة لهم واستعمال القهر في جميع الامور وتناول الامر من السماء، وهو قادر على أن يتناوله من الأرض. وهذا الخلق خارج عن الاعتدال وداخل في حيز الجور، ولا ينبغى أن يسمى بأسماء المدح، وأعنى بذلك أن قوما يسمون هذا النوع من العنف والخلق الوعر رجولية وشدة وشكيمة ويذهبون به مذهب قوه النفس وشجاعتها، الذي هو بالحقيقة مدح وشتان بين الخلقين فإن صاحب هذا الخلق الذي ذممناه تصدر عنه أفعال كثيرة يجور فيها على نفسه ثم على إخوانه، على الاقرب فالاقرب من معامليه، حتى ينتهى إلى عبيده وحرمه، فيكون عليهم سوط عذاب، لا يقيلهم عثرة، ولا يرحم لهم عبرة، وإن كانوا براء الذنوب، غير مجرمين ولا مكتسبي سوء، بل يتجرم عليهم، ويهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم، حتى يبسط يده ولسانه، وهم لا يمتنعون منه، ولا يتجاسرون على رده عن أنفسهم، بل يذعنون له ويقرون بذنوب لم يقترفوها، استكفافا لعاديته وتسكينا لغضبة، وهو في ذلك يستمر على طريقتة لا يكف يدا ولا لسانا. وأصل هذا الخلق الذي ذكرناه أنه مركب من قوى مختلفة : من شدة القوة الغضبية، فهى الحاملة لصاحب هذا الخلق على ما يصدر عنه من البادرة المكروهة والجبه والقحة، وقد رأينا وشاهدنا من تشتد القوة الغضبية فيه فيتجاوز الغضب على نوع الانسان إلى البهائم التى لا تعقل وإلى الاواني التي لا تحس وربما قام إلى الحمار وإلى البرذون فضربهما ولكمهما، وربما كسر الانية لشدة غضبه، وربما عض القفل إذا تعسر

عليه، وربما كسر القلم إذا تعلقت به شعرة من الدواة واجتهد في إزالتها فلم تزل ويحكى عن بعض ملوك اليونان المتقدمين : أنه كان يغضب على البحر إذا هاج واضطرب، وتأخرت سفنه عن النفوذ فيه، فيقسم بمعبوده ليطمنه وليطرحن الجبال فيه حتى يصير أرضا، ويقف بنفسه على البحر، ويهدده بذلك، ويزجره زجرا عنيفا حتى تدر أوداجه ويشتد احمرار وجهه، ومنهم من لا يسكن غضبه حتى يصب عليه ماء بارد أو حتى يبول، ولهذا ورد في الشريعة الامر لمن اشتد غضبه أن يتوضا للصلاة ويصلى.

وكان عمر بن الخطاب إذا غضب على واحد من أهله لا يسكن غضبه، حتى بعض يده عضا شديدا حتى يدميها.

وذكر أن سرية جاءت لعبد الرحمن أو لعبيد اللّه ابن عمر بن الخطاب إلية تشكوه فقالت : يا أمير المؤمنين ألا تعذرني من أبى عيسى ؟ قال : ومن أبو عيسى ؟ قالت : ابنك عبيد اللّه قال : ويحك ! وقد تكنى بأبي عيسى ! ثم دعاه فقال : إيها اكتنيت بأبي عیسی ! فحذر وفزع وأخذ يده فعضها، ثم ضربه وقال : ويلك ! وهل لعيسى أب ؟ أتدرى ما كنى العرب ؟ أبو سلمة، أبو حنظلة، أبو عرفطة أبو مرة.

وكان عمر إذا غضب على بعض أهله لم يسكن غضبه حتى يعض يده عضا شديدا. وكان عبد اللّه بن الزبير كذلك، ولقوة هذا الخلق عنده أضمر عبد اللّه بن عباس في خلافته إبطال القول بالعول وأظهره بعده، فقيل له : هلا قلت هذا في أيام عمر! فقال : هبته، وكان أميرا مهيبا.

ولذلك قال أيضاً أبو سفيان في استلحاق زياد : أخاف من هذا العير الجالس أن يخرق على إهابي، فإذا هابه أبو سفيان وهو من بني عبد مناف في المنزلة التي تعلم وحوله بنو عبد شمس وهم جمرة قريش فما ظنك بمن هو دونه !

وقد علمت حال جبلة بن الايهم وارتداده عن الاسلام لتهدده له ووعيده إياه أن يضربه بالدرة

وفساد الحال بينه وبين خالد بن الوليد بعد أن كان وليا مصافيا، ومنحرفا عن غيره قالا

والشأن الذى كان بينه وبين طلحة حتى هم أن يوقع به، وحتى هم طلحة أن يجاهره وطلحة هو الذي قال لابي بكر عند موته : ماذا تقول لربك وقد وليت فينا فظا غليظا !

وهو القائل له : يا خليفة رسول اللّه إنا كنا لا نحتمل شراسته وأنت حى تأخذ على يديه فكيف يكون حالنا معه وأنت ميت وهو الخليفة ؟ (1).

ما قاتل عليا أحد إلا وعلى أولى بالحق منه

عن عبيد اللّه بن موسی، قال : سمعت سفيان بن سعيد المعروف بسفيان الثوري يقول : ما أشك أن طلحة والزبير بايعا عليا وما نقما عليه جورا في حكم ولا استثثارا بفئ، وما قاتل عليا أحد إلا وعلى أولى بالحق منه (2).

قصر الخبال، لا تنزلوا فيه

قدم على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة نزل على باب المسجد، فدخل فصلى ثم تحول فجلس إليه الناس، فسأل عن رجل من الصحابة كان نزل الكوفة، فقال قائل : استأثر اللّه به فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن اللّه تبارك وتعالى لا يستأثر بأحد من خلقه إنما أراد اللّه جل ذكره بالموت إعزاز نفسه، وإذلال خلقه، وقرأ : (كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)، قال نصر : فلما لحقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثقله قالوا : أننزل القصر ؟ فقال : قصر الخبال لا تنزلوا فيه (3).

سليمان بن صرد الخزاعي

دخل سليمان بن صرد الخزاعي على على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مرجعه من البصرة، فعاتبه وعذله وقال له : ارتبت وتربصت وراوغت وقد كنت من أوثق الناس في نفسي، وأسرعهم فيما أظن إلى نصرتي فما قعد بك عن أهل بيت نبيك ؟ وما زهدك في نصرتهم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين لا تردن الامور على أعقابها ولا تؤنبنى بما مضى منها، واستبق مودتي تخلص لك نصيحتي، فقد بقيت أمور تعرف فيها عدوك من وليك. فسكت عنه، وجلس سليمان قليلا ثم نهض، فخرج إلى الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو قاعد في باب المسجد، فقال : ألا أعجبك من أمير المؤمنين، وما لقيت منه من التوبيخ والتبكيت ؟ فقال


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 340.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 102.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 105.

الحسن : إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته، فقال : لقد وثبت أمور ستشرع فيها القنا، وتنتضى فيها السيوف، ويحتاج فيها إلى اشباهي فلا تستغشوا عنبى، ولا تتهموا نصحي. فقال الحسن : رحمك اللّه ما أنت عندنا بظنين ودخل عليه سعيد بن قيس الازدي فسلم عليه فقال : وعليك السلام وإن كنت من المتربصين ! قال : حاش للّه يا أمير المؤمنين ! فإنى لست من أولئك. فقال : لعل اللّه فعل ذلك (1).

فرار الخلفاء يوم احد

لما صاح إبليس : أن محمدا قد قتل، تفرق الناس فمنهم من ورد المدينة، فكان أول من وردها يخبر أن محمدا قد قتل سعد بن عثمان أبو عبادة ثم ورد بعده رجال حتى دخلوا على نسائهم حتى جعل النساء يقلن : أعن رسول اللّه تفرون ! ويقول لهم ابن أم مكتوم : أعن رسول اللّه تفرون ؟ يؤنب بهم، وقد كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خلفه بالمدينة يصلي بالناس، ثم قال دلوني على الطريق – يعنى طريق أحد - فدلوه، فجعل يستخبر كل من لقي في الطريق حتى لحق القوم، فعلم بسلامة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم رجع. وكان ممن ولى عمر وعثمان والحارث بن حاطب وثعلبه بن حاطب وسواد بن غزية وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان وخارجة بن عمر بلغ ملل وأوس بن قيظي في نفر من بني حارثة بلغوا الشقرة ولقيتهم أم أيمن تحثي في وجوههم التراب وتقول لبعضهم : هاك المغزل فاغزل به وهلم واحتج من قال بفرار عمر بما رواه الواقدي في كتاب المغازى في قصة الحديبية، قال : قال عمر يومئذ : يا رسول اللّه أ لم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرف مع المعرفين وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحر ! فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أقلت لكم في سفركم هذا ؟ قال عمر : لا، قال : أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة وأعرف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر وقال : أنسيتم يوم أحد، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم ! أنسيتم يوم الاحزاب (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر) أ نسيتم يوم كذا ! وجعل يذكرهم أمورا، أنسيتم يوم كذا ! فقال المسلمون : صدق اللّه وصدق رسوله أنت يا رسول اللّه أعلم باللّه منا، فلما


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 105.

دخل عام القضية وحلق رأسه قال : هذا الذى كنت وعدتكم به، فلما كان يوم الفتح وأخذ مفتاح الكعبة قال : ادعوا إلي عمر بن الخطاب، فجاء فقال : هذا الذي كنت قلت لكم. قالوا : فلو لم يكن فريوم أحد لما قال له : أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون. واحتج من روى أن عمر فر يوم أحد بما روي أنه جاءته في أيام خلافته امرأة تطلب بردا بين يديه، من برود كانت بين يديه وجاءت معها بنت لعمر تطلب بردا أيضاً فأعطى المرأة ورد ابنته، فقيل له في ذلك، فقال : إن أبا هذه ثبت يوم أحد وأبا هذه فر يوم أحد ولم يثبت (1).

كرديد ونكرديد

وما يذكره المحدثون من قول سلمان للمسلمين يوم السقيفة : كردید و نکردید محمول عند أصحابنا على أن المراد صنعتم شيئا وما صنعتم أي استخلفتم خليفة ونعم ما فعلتم إلا أنكم عدلتم عن أهل البيت، فلو كان الخليفة منهم كان أولى والامامية تقول : معناه : أسلمتم وما أسلمتم واللفظة المذكورة في الفارسية لا تعطى هذا المعنى، وإنما تدل على الفعل والعمل لا غير، ويدل على صحة قول أصحابنا أن سلمان عمل لعمر على المدائن فلو كان ما تنسبه الامامية إليه حقا لم يعمل له (2).

فهو عندي أحمق

وقال الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): من زعم انه لا يحب المال فهو عندي كاذب، فإن علمت صدقه فهو عندي أحمق (3).

الاحسان إلى الناس

في الخبر المرفوع : إذا وسعتم الناس ببسط الوجوه، وحسن الخلق، وحسن الجوار، فكأنما وسعتموهم بالمال.

وقال أبو الدرداء : إنا لنهش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتقليهم.


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 24.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 39.

3) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 89.

وقال محمد بن الفضل الهاشمي لابيه : لم تجلس إلى فلان وقد عرفت عداوته ؟ قال : أخبئ نارا، وأقدح عن ود.

وقال المهاجر بن عبد اللّه :

وإني لاقصى المرء من غير بغضة***وأدنى أخا البغضاء منى

على عمد ليحدث ودا بعد بغضاء أو أرى***له مصرعا يردی به اللّه من یردی

وقال عقال : بن شبة التميمي : كنت ردف أبى فلقيه جرير بن الخطفى على بغله

فحياة أبي وألطفه، فلما مضى قلت له : أبعد أن قال لنا ما قال ! يا بنى أفاوسع جرحى ! وقال محمد بن الحنفية (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد يدفع باحتمال المكروه ما هو أعظم منه. وقال الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): حسن السؤال نصف العلم ومداراة الناس نصف العقل والقصد في المعيشة نصف المؤونة.

ومدح ابن شهاب شاعرا فأعطاه، وقال : إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر.

وقال الشاعر : وأنزلني طول النوى دار غرمتى شئت لاقيت اماا لا أشاكله

أخاثقة حتى يقال سجية***ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

وفي الحديث المرفوع : للمسلم على المسلم ست : يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض ويحب له ما يحب لنفسه، ويشيع جنازته إذا مات

ووقف (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على عجوز فجعل يسألها ويتحفاها وقال : إن حسن العهد من الايمان، إنها كانت تأتينا أيام خديجة (1).

الحمد للّه الذى أبدلنا بحمار الجزيرة

لما بويعأبو العباس جاءه ابن عياش المنتوف فقبل يده وبايعه وقال : الحمد للّه الذي أبدلنا بحمار الجزيرة، وابن أمة النخع ابن عم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وابن عبد المطلب (2).


1) شرح نهج البلاغة ج ص 107.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 157.

شعر بن ابي الحديد

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه

قد أخذت أنا هذا المعنى، فقلت في قطعة لى :

إن الامانى أكساب الجهول فلا***تقنع بها واركب الاهوال والخطرا

واجعل من العقل جهلا واطرح نظرا***في الموبقات ولا تستشعر الحذرا

وإن قدرت على الاعداء منتصرا***فاشكر بعفوك عن أعدائك الظفرا (1)

مما قيل في الشيب والخضاب

فأما القول في الخضاب فقد روى قوم أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بدا شيب يسير في لحيته فغيره بالخضاب، خضب بالحناء والكتم

وقتل الحسين يوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الطف وهو مخضوب

وفي الحديث عليكم بالحناء، فإنه خضاب الاسلام إنه يصفى البصر ويذهب بالصداع، ويزيد في الباه وإياكم والسواد فإنه من سود، سود اللّه وجهه يوم القيامة.

و عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليكم بالخضاب فإنه أهيب لعدوكم وأعجب إلى نسائكم

ويقال في أبواب الكناية للمختضب هو يسود وجه النذير لان النذير الشيب، قيل في قوله تعالى : (وجاءكم النذير) : إنه الشيب.

كان انس بن مالك يخضب وينشد :

نسود أعلاها وتأبى أصولها***وليس إلى رد وليس إلى رد الشباب سبيل.

وروى أن عبد المطلب وفد على عبد المطلب وفد على سيف بن ذي يزن فقال له : لو خضبت ! فلما عاد إلى مكة خضب، فقالت له أمرأته نثيلة أم العباس وضرار : ما أحسن هذا : الخضاب لو دام ! فقال :

فلو دام لى هذا الخضاب حمدته***وكان بديلا من خليل قد انصرم

تمتعت منه والحياة قصيرة***ولابد من موت - نثيلة - أو هرم

وموت جهيز عاجل لا شوى له***أحب إلينا من مقالكم حكم


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 109.

قال : يعنى أنه صار شيخا فصار حكما بين الناس،

من قوله :

لا تغيط المرء أن يقال له***أضحى فلان لسنه حكما

وقال أسماء بن خارجة لجاريته : اخضبيني فقالت حتى متى أرفعك ! فقال :

عيرتني خلقا ابلیت جدته***بلیت جدته وهل رأيت جديدا لم يعد خلقاً.

وأما من يروى ان عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما خضب، فيحتج بقوله، وقد قيل له : لو غيرت شيبك يا امير المؤمنين فقال : الخضاب زينه ونحن في مصيبة - يعنى برسول اللّه (صلى اللّه عليه واله).

وسئل الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الخضاب، فقال : هو جزع قبيح.

وقال محمود الوراق :

ياخ-

يا خاضب الشيب الذى***في كل ثالثة يعود

إن الخضاب إذا مضى***فكأنه شيب جديد

فدع المشيب وما يريد***فلن تعود كما تريد

وقد روى قوم عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كراهية الخضاب وأنه قال : لو استقبلتم الشيب بالتواضع لكان خيرا لكم.

قال الشاعر :

و صبغت ما صبغ الزمان فلم يدم صبغي***و دامت صبغة الايام.

وقال آخر :

يأيها الرجل المغير***شیبه کیما تعد به من الشبان

أقصر فلو سودت كل حمامة***بيضاء ما عدت من الغربان

ويقولون في ديوان عرض الجيش ببغداد لمن يخضب إذا ذكروا حليته : مستعار وهي كناية لطيفة.

وأنا أستحسن قول البحترى : خضبت بالمقراض : كناية عن قص الشعر الابيض فجعل ذلك خضابه عوضا عن الصبغ، والابيات هذه :

لابس من شبيبة أم ناض***ومليح من شيبه أم راض

وإذا ما امتعضت من ولع الشيب***برأسي لم يثن ذاك امتعاضي

ليس يرضى عن الزمان امرؤ فيه***إلا عن غفلة أو تغاضي

والبواقي من الليالى وإن خالفن***شيئا شبيهة بالمواضي

وأبت تركي الغديات والا***صال حتى خضبت بالمقراض

ودواء المشيب كالبخص في عينى***فقل فيه في العيون المراض

طال حزنى على الشباب وما بيض***من لون صبغه الفضفاض

فهل الحادثات يابن عويف***تاركاتي وليس هذا البياض !(1)

لا ترونهما إلا في فتنة يقتتلان فيها

دخل الزبير وطلحة على على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاستأذناه في العمرة فقال : ما العمرة تريدان فحلفا له باللّه أنهما ما يريدان غير العمرة، فقال لهما : ما العمرة تريدان وإنما تريدان الغدرة ونكث البيعة فحلفا باللّه ما الخلاف عليه ولا نكث بيعة يريدان وما رأيهما غير العمرة قال لهما : فأعيدا البيعة لى ثانية، فأعاداها بأشد ما يكون من الايمان والمواثيق فأذن لهما، فلما خرجا من عنده قال لمن كان حاضرا : والله لا ترونهما إلا في فتنة يقتتلان فيها قالوا : يا أمير المؤمنين فمر بردهما عليك، قال : ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا (2).

وكم ثمانمائة ألف درهم ؟

روى أبو هريرة قال : قدمت على عمر من عند أبي موسى بثمانمائة ألف درهم، فقال لى : بما ذا قدمت ؟ قلت بثمانمائة ألف درهم فقال ألم أقل لك إنك يمان أحمق ويحك ! إنما قدمت بثمانين ألف درهم فقلت : يا أمير المؤمنين إنما قدمت بثمانمائة ألف درهم فجعل يعجب ويكررها، فقال : ويحك ! وكم ثمانمائة ألف درهم ؟ فعددت مائة ألف ومائة ألف حتى بلغت ثمانية، فاستعظم ذلك، وقال أطيب هو ويحك ! قلت : نعم فبات عمر ليلته تلك أرقا حتى إذا نودى لصلاة الصبح قالت له امرأته : ما نمت هذه الليلة


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 123.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 232.

قال : وكيف أنام وقد جاء الناس ما لم يأتهم مثله منذ قام الاسلام، فظنت المرأة أنها داهية، فسألته فقال : مال جم حمله أبو موسى قالت : فما بالك ؟ قال : ما يؤمننى لومت وهذا المال عندي لم أضعه في حقه ! فخرج يصلى الصبح واجتمع الناس إليه فقال لهم : قد رأيت في هذا المال رأيا فأشيروا على رأيت أن أكيله للناس بالمكيال قالوا : لا يا أمير المؤمنين قال : لا بل أبدأ برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبأهله ثم الاقرب فالاقرب فبدأ ببنى هاشم ثم بينى المطلب، ثم يعبد شمس ونوفل، ثم بسائر بطون قريش (1).

يعيدها لا لكذا ولا لكذا

ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) انه تعالى (سيفنيها بعد ايجادها) لا لضجر لحقه في تدبيرها، ولا لراحة تصله في اعدامها ولا لثقل شئ منها عليه حال وجودها ولا لملل اصابه فبعثه على اعدامها. ثم عاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال انه سبحانه سيعيدها إلى الوجود بعد الفناء، لا لحاجة إليها ولا ليستعين ببعضها على بعض ولا لانه استوحش حال عدمها فاحب أن يستانس باعادتها، ولا لانه فقد علما عند اعدامها فاراد باعادتها استجداد ذلك العلم ولا لانه صار فقيرا عند اعدامها فاحب أن يتكثر ويثرى باعادتها ولا لذل اصابه بافنائها فاراد العز باعادتها. فان قلت إذا كان يفنيها لا لكذا ولا لكذا وكان من قبل أوجدها لا لكذا ولا لكذا، ثم قلتم انه يعيدها لا لكذا ولا لكذا فلاى حال اوجدها اولا ولاى حال افناها ثانيا ولاى حال اعادها ثالثا خبرونا عن ذلك فانكم قد حكيتم عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكم ولم تحكوا عنه العلة. قلت : انما اوجدها اولا للاحسان إلى البشر ليعرفوه فانه لو لم يوجدهم لبقى مجهولا لا يعرف، ثم كلف البشر ليعرضهم للمنزلة الجليلة التى لا يمكن وصولهم إليها الا بالتكليف وهى الثواب، ثم يفنيهم لانه لا بد من انقطاع التكليف ليخلص الثواب من مشاق التكاليف : وإذا كان لا بد من انقطاعه فلا فرق بين انقطاعه بالعدم المطلق أو بتفريق الاجزاء، وانقطاعه بالعدم المطلق قد ورد به الشرع وفيه لطف زائد للمكلفين، لانه اردع واهيب في صدورهم من بقاء اجزائهم واستمرار وجودها غير معدومة. ثم انه سبحانه يبعثهم ويعيدهم ليوصل إلى كل انسان ما يستحقه من ثواب أو عقاب، ولا يمكن ايصال هذا المستحق الا بالاعادة وانما لم يذكر امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه التعليلات، لانه


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 76.

قد اشار إليها فيما تقدم من،کلامه وهي موجوده في فرش خطبه، ولان مقام الموعظة غير مقام التعليل وامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الخطبة يسلك مسلك الموعظة في ضمن تمجيد الباري سبحانه وتعظيمه، وليس ذلك بمظنة التعليل والحجاج (1).

انزل عن منبر أبى

عن الشعبي قال : قام الحسن ابن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أبي بكر وهو يخطب على المنبر فقال له : انزل عن منبر أبى، فقال أبو بكر : صدقت والله إنه لمنبر أبيك لا منبر أبي فبعث على إلى أبي بكر، إنه غلام حدث، وإنا لم نأمره فقال أبو بكر : صدقت، إنا لم نتهمك (2).

حيث يكون المعطى اعظم اجرا من المعطى

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ذاك حيث يكون المعطى اعظم اجرا من المعطى)، معناه أن اكثر من يعطى ويتصدق في ذلك الزمان يكون ماله حراما فلا اجر له في التصدق به، ثم اكثرهم يقصد الرياء والسمعة بالصدقة أو لهوى نفسه، أو الخطرة من خطراته، ولا يفعل الحسن لانه حسن ولا الواجب لوجوبه، فتكون اليد السفلى خيرا من اليد العليا، عكس ما ورد في الاثر واما المعطى فانه يكون فقيرا ذا عيال لا يلزمه أن يبحث عن المال احرام هو ام حلال ! فإذا اخذه ليسد به خلته ويصرفه في قوت عياله كان اعظم اجرا ممن اعطاه. وقد خطر لي فيه معنى آخر وهو أن صاحب المال الحرام انما يصرفه في اكثر الاحوال واغلبها في الفساد وارتكاب المحظور كما قال (من اكتسب مالا من نهاوش اذهبه اللّه في نها بر) فإذا اخذه الفقير منه على وجه الصدقة فقد فوت عليه صرفه في تلك القبائح والمحضورات التى كان بعرضته صرف ذلك القدر فيها لو لم ياخذه الفقير، فإذا قد احسن الفقير إليه بكفه عن ارتكاب القبيح، ومن العصمة الا يقدر فكان المعطى اعظم اجرا من المعطى (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 93.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 42.

3) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 96.

قصة وقعت لاحد الوعاظ ببغداد

وعلى ذكر قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (سلونی)، حدثنى من اثق به من اهل العلم حديثا، وان كان فيه بعض الكلمات العامية، الا انه يتضمن ظرفا ولطفا، ويتضمن أيضاً ادبا. قال كان ببغداد في صدر ايام الناصر لدين اللّه ابى العباس احمد بن المستضئ باللّه واعظ مشهور بالحذق ومعرفة الحديث والرجال وكان يجتمع إليه تحت منبره خلق عظيم من عوام بغداد ومن فضلائها أيضاً، وكان مشتهرا بذم اهل الكلام وخصوصا المعتزلة واهل النظر، على قاعدة الحشوية، ومبغضي ارباب العلوم العقلية وكان أيضاً منحرفا عن الشيعة برضا العامة بالميل عليهم، فاتفق قوم من رؤساء الشيعة على أن يضعوا عليه من يبكته ويساله تحت منبره ويخجله ويفضحه بين الناس في المجلس، وهذه عادة الوعاظ و يقوم إليهم قوم فيسألونهم مسائل يتكلفون الجواب عنها، وسالوا عمن ينتدب لهذا، فاشير عليهم بشخص كان ببغداد يعرف باحمد بن عبد العزيز الكزى كان له لسن، ويشتغل بشئ يسير من كلام المعتزلة، ويتشيع، وعنده قحة، وقد شدا أطرافا من الادب وقد رايت انا هذا الشخص في آخر عمره، وهو يومئذ شيخ والناس يختلفون إليه في تعبير الرؤيا، فاحضروه وطلبوا إليه أن يعتمد ذلك، فأجابهم، وجلس ذلك الواعظ في يومه الذي جرت عادته بالجلوس فيه واجتمع الناس عنده على طبقاتهم حتى امتلات الدنيا بهم، وتكلم على عادته فاطال، فلما مر في ذكر صفات البارئ سبحانه في اثناء الوعظ، قام إليه الكزى، فسأله اسئله عقلية على منهاج كلام المتكلمين من المعتزلة، فلم يكن للواعظ عنها جواب نظرى وانما دفعه بالخطابة والجدل وسجع الالفاظ ; وتردد الكلام بينهما طويلا، وقال الواعظ في آخر الكلام اعين المعتزلة حول وصوتي في مسامعهم طبول، وكلامي في افئدتهم نصول يا من بالاعتزال يصول ويحك كم تحوم وتجول حول من لا تدركه العقول ! كم اقول كم اقول ! خلوا هذا الفضول ! فارتج المجلس، وصرخ الناس، وعلت الاصوات وطاب الواعظ وظرب وخرج من هذا الفصل إلى غيره فشطح شطح الصوفية، وقال سلوني قبل أن تفقدوني وكررها ; فقام إليه الكزى، فقال يا سيدى ما سمعنا أنه قال هذه الكلمة الا على بن ابى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتمام الخبر معلوم واراد الكزى بتمام الخبر قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لا يقولها بعدى الا مدع). فقال الواعظ وهو في نشوة طربه، واراد اظهار فضله ومعرفته برجال الحديث والرواة من على بن ابی طالب ؟ اهو علی بن

ابی طالب بن المبارك النيسابوري ام على بن ابى طالب ابن اسحاق المروزى ام على بن ابی طالب بن عثمان القيرواني ام على بن أبى طالب ابن سليمان الرازي وعد سبعة أو ثمانية من اصحاب الحديث كلهم على بن ابى طالب فقام الكزى وقام من يمين المجلس آخر، ومن يسار المجلس ثالث انتدبوا له وبذلوا انفسهم للحمية ووطنوها على القتل. فقال الكزى اشا یا سیدی فلان الدین اشا صاحب هذا القول هو على بن ابى طالب زوج فاطمة سيدة نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وان كنت ما عرفته بعد بعينه، فهو الشخص الذي لما آخى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بين الاتباع والاذناب آخى بينه وبين نفسه، واسجل على انه نظيره ومماثله، فهل نقل في جهازكم انتم من هذا شئ أو نبت تحت خبكم من هذا شيء فاراد الواعظ أن يكلمه فصاح عليه القائم من الجانب الايمن، وقال یا سیدی فلان الدين محمد بن عبد اللّه كثير في الاسماء، ولكن ليس فيهم من قال له رب العزة (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وكذلك على بن ابى طالب كثير في الاسماء، ولكن ليس فيهم من قال له صاحب الشريعة (انت منى بمنزلة هرون من موسى الا انه الا انه لا نبى بعدى). وقد تلتقي الاسماء في الناس والكنى كثيرا ولكن ميزوا في الخلائق فالتفت إليه الواعظ ليكلمه فصاح عليه القائم من الجانب الايسر وقال يا سيدى فلان الدين حقك تجهله انت معذور في كونك لا تعرفه : وإذا خفيت على الغبي فعاذر الا تراني مقلة عمياء. فاضطرب المجلس وماج كما يموج البحر، وافتتن الناس، وتواثبت العامة بعضها إلى بعض، وتكشفت الرؤوس ومزقت الثياب، ونزل الواعظ واحتمل حتى ادخل دارا اغلق عليه بابها، وحضر اعوان السلطان فسكنوا الفتنة وصرفوا الناس إلى منازلهم واشغالهم وانفذ الناصر لدين اللّه في آخر نهار ذلك اليوم فاخذ احمد بن عبد العزيز الكزى والرجلين اللذين قاما معه فحبسهم اياما لتطفا نائرة الفتنة، ثم اطلقهم (1).

عمرو بن العاص ومعاوية

دخل عمرو بن العاص على معاوية يسأله حاجد، وقد كان بلغ معاوية عنه ما كرهه فكره قضاءها، وتشاغل فقال عمرو : يا معاوية إن السخاء فطنة واللؤم تغافل والجفاء


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 107.

ليس من أخلاق المؤمنين، فقال معاوية : يا عمرو : بماذا تستحق منا قضاء الحوائج العظام ؟ فغضب عمرو وقال : بأعظم حق وأوجبه، إذ كنت في بحر عجاج، فلولا عمرو لغرقت في أقل مائه وأرقه، ولكني دفعتك فيه دفعة فصرت في وسطه، ثم دفعتك فيه أخرى فصرت في أعلى المواضع منه، فمضى حكمك، ونفذ أمرك وانطلق لسانك بعد تلجلجه، وأضاء وجهك بعد ظلمته وطمست لك الشمس بالعهن المنفوش، وأظلمت لك القمر بالليلة المدلهمة. فتناوم معاوية وأطبق جفنيه مليا فخرج عمرو، فاستوى معاوية جالسا وقال لجلسائه : أرأيتم ما خرج من فم ذلك الرجل ؟ ما عليه لو عرض، ففى التعريض ما يكفى ! ولكنه جبهنى بكلامه ورماني بسموم سهامه فقال بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين : إن الحوائج لتقضى على ثلاث خصال: إما أن يكون السائل لقضاء الحاجة مستحقا فتقضى له بحقه وإما أن يكون السائل لئيما فيصون الشريف نفسه عن لسانه فيقضى حاجته، وإما أن يكون المسئول كريما فيقضيها لكرمه، صغرت أو كبرت فقال معاوية : للّه أبوك ! ما أحسن ما نطقت وبعث إلى عمرو فأخبره، وقضى حاجته ووصله بصلة جليلة، فلما أخذها ولى منصرفا فقال معاوية : (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) فسمعها عمرو فالتفت إليه مغضبا وقال : والله يا معاوية، لا أزال آخذ منك قهرا ولا أطيع لك أمرا وأحفر لك بئرا عميقا، إذا وقعت فيه لم تدرك إلا رميما فضحك معاوية، فقال : ما أريدك يا أبا عبد اللّه بالكلمة، وإنما كانت آية تلوتها من كتاب اللّه عرضت بقلبي فاصنع ما شئت (1).

هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك !

فأما الكعبة فإن الحجاج في أيام عبد الملك هدمها وكان الوليد بن يزيد يصلى إذا صلى أوقات إفاقته من السكر إلى غير القبلة فقيل له فقرا : (فأينما تولوا فثم وجه الله). وخطب الحجاج بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالمدينة، فقال : تبا لهم ! إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية ! هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ! ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 294.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 242.

امهلوا حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة

:

وقد روى الشعبي عن جابر بن عبد اللّه أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قدم من سفر، فأراد الرجال أن يطرقوا النساء ليلا فقال : امهلوا حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة، فإذا قدمتم فالكيس الكيس. قالوا : ذهب إلى طلب الولد (1).

مدح العرب لكثرة الولد

كانت العرب تفخر بكثرة الولد وتمدح الفحل القبيس، وتذم العاقر والعقيم.

وقال عامر بن الطفيل يعني نفسه :

لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا***جبانا فما عذري لدى كل محضر !

وقال علقمة بن علاثة يفخر على عامر :

آمنت وكفر، ووفيت وغدر، وولدت وعقر.

وقال الزبرقان :

فاسأل بني سعد وغيرهم***يوم الفخار فعندهم خبري

أي امرئ أنا حين يحضرني***رفد العطاء وطالب النصر

وإذا هلکت ترکت وسطهم***ولدي الكرام ونابه الذكر

وقال طرفة بن العبد :

فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد***ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد

فأصبحت ذا مال كثير وعادني***بنون كرام سادة لمسود

ومدح النابغة الذبياني ناسا فقال :

لم يحرموا طيب النساء وأمهم***طفحت عليك بناتق مذكار

وقال نهشل بن حري :

على بني يشد اللّه عظمهم***والنبع ينبت قضبانا فيكتهل

ومكث الفرزدق زمانا لا يولد له فعيرته امرأته فقال :

قالت أراء واحدا لا أخا له***يؤمله في الوارثين الاباعد


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 243.

لملك يوما أن ترينى كأنما***بني حوالي الليوث الحوارد

فإن تميما قبل أن يلد الحصا***أقام زمانا وهو في الناس واحد

وقال الآخر، وقدمات إخوته وملا حوضه ليسقي، فجاء رجل صاحب عشيرة وعترة، فأخذ بضبعه فنحاه، ثم قال لراعيه : اسق إبلك :

لو كان حوض حمار ما شربت به***إلا بإذن حمار آخر الابد

لكنه حوض من أودى بإخوته***ريب المنون فأمسى بيضة البلد

لو كان يشكى إلى الاموات ما لقي ال***أحياء بعده أحياء بعدهم من قلة العدد

ثم اشتكيت لاشكاني وأنجدني***قبر بسنجار أو قبر على فحد

وقال الاعشى وهو يذكر الكثرة :

ولست بالاكثر منهم حصی***وإنما العزة للكاثر (1).

ولكن مخنف بن مسلم وقومه لم يتخلفوا

عن محمد بن مخنف، قال: دخلت مع أبي على على (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقدمه من البصرة، وهو عام بلغت الحلم، فإذا بين يديه رجال يؤنبهم، ويقول لهم : ما أبطأ بكم عنى وأنتم أشراف قومكم ! والله إن كان من ضعف النية وتقصير البصيرة، إنكم لبور، وإن كان من شك في فضلى ومظاهرة على إنكم لعدو. فقالوا : حاش للّه يا أمير المؤمنين ! نحن سلمك وحرب عدوك. ثم اعتذر القوم فمنهم من ذكر عذرا، ومنهم من اعتل بمرض، ومنهم من ذكر غيبة فنظرت إليهم فعرفتهم، فإذا عبد اللّه المعتم العبسي، وحنظلة بن الربيع التميمي، وكلاهما كانت له صحبة، وإذا أبو بردة بن عوف الازدي، وإذا غريب بن شرحبيل الهمداني. قال : ونظر على إلى أبى، فقال : ولكن مخنف بن مسلم وقومه لم يتخلفوا ولم يكن مثلهم كمثل القوم الذين قال اللّه تعالى فيهم : (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 243.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 106.

سيان عندي قتل الزبير وضرطة عنز بذى الجحفه

لما انصرف الزبير عن حرب على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مر بوادي السباع والاحنف ابن قيس هناك في جمع من بنى تميم قد اعتزل الفريقين، فأخبر الاحنف بمرور الزبير، فقال رافعا صوته : ما أصنع بالزبير ! لف غارين من المسلمين، حتى أخذت السيوف منهما مأخذها، انسل وتركهم. أما إنه لخليق بالقتل قتله اللّه ! فاتبعه عمرو بن جرموز - وكان فاتكا - فلما قرب منه وقف الزبير وقال : ما شأنك ؟ قال : جئت لاسالك عن أمر الناس قال الزبير : إنى تركتهم قياما في الركب يضرب بعضهم وجه بعض بالسيف. فسار ابن جرموز معه وكل واحد منهما يتقى الآخر. فلما حضرت الصلاة، قال الزبير : يا هذا إنا نريد أن نصلى. فقال ابن جرموز : وأنا أريد ذلك، فقال الزبير : فتؤمني وأؤمنك ؟ قال : نعم، فثنى الزبير رجله، وأخذ وضوءه. فلما قام إلى الصلاة شد ابن رموز عليه فقتله، وأخذ رأسه وخاتمه وسيفه وحثا عليه ترابا يسيرا ورجع إلى الاحنف، فأخبره، فقال : والله ما أدرى أسأت أم أحسنت ؟ اذهب إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبره، فجاء إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال للآذن : قل له : عمرو بن جرموز بالباب ومعه رأس الزبير وسيفه، فأدخله. وفي كثير من الروايات أنه لم يأت بالرأس بل بالسيف، فقال له : أنت قتلته ؟ ! قال : نعم، قال : والله ما كان ابن صفية جبانا ولا لئيما، ولكن الحين ومصارع السوء، ثم قال : ناولني سيفه فناوله فهزه وقال : سيف طالما به الكرب عن وجه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). فقال ابن جرموز : الجائزة يا أمير المؤمنين فقال : أما إني سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : بشر قاتل ابن صفية بالنار فخرج ابن جرموز خائبا، وقال :

أتيت عليا برأس الزبير أبغى به عنده الزلفه

فبشر بالنار يوم الحساب فبئست بشارة ذى التحفه

فقلت له إن قتل الزبير لو لا رضاك من الكلفه

فإن ترض ذاك فمنك الرضا وإلا فدونك لى حلفه

ورب المحلين والمحرمين ورب الجماعة والالفه

لسيان عندي قتل الزبير وضرطة عنز بذي الجحفه

ثم خرج ابن رموز على على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مع أهل النهر، فقتله معهم فيمن قتل (1).

بطلان قول الاصمعي

من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وقد أرعدوا وأبرقوا، ومع هذين الأمرين الفشل، ولسنا نرعد حتى نوقع، ولا نسيل نمطر.

أرعد الرجل وأبرق إذا أوعد وتهدد، وكان الاصمى ينكره، ويزعم أنه لا يقال : إلا رعد وبرق، ولما احتج عليه ببيت الكميت : أرعد وأبرق يا يزيد فما وعيدك لى بضائر قال : الكميت قروى لا يحتج بقوله.

وكلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حجة دالة على بطلان قول الاصمعي (2).

وأبى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يدفنه إلا مع جده

عن هشام بن عروة قال : قال الحسن عند وفاته : ادفنوني عند قبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). إلا أن تخافوا أن يكون في ذلك شر، فلما أرادوا دفنه، قال مروان بن الحكم : لا يدفن عثمان في حش كوكب ويدفن الحسن ها هنا فاجتمع بنو هاشم وبنو أمية، وأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاءوا بالسلاح فقال أبو هريرة لمروان : أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع وقد سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " ! قال مروان : دعنا منك، لقد ضاع حديث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذ كان لا يحفظه غيرك وغير أبي سعيد الخدري ! وإنما أسلمت أيام خيبر، قال أبو هريرة : صدقت أسلمت أيام خيبر ولكنني لزمت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم أكن أفارقه، وكنت أسأله، وعنيت بذلك حتى علمت من أحب ومن أبغض، ومن قرب ومن أبعد، ومن أقر ومن نفى، ومن لعن ومن دعا له فلما رأت عائشة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشر بينهم، وتسفك الدماء، قالت : البيت بيتي ولا آذن لاحد أن يدفن فيه، وأبى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يدفنه إلا مع جده، فقال له محمد بن الحنفية : يا أخي، إنه لو أوصى أن ندفنه لدفناه أو نموت قبل ذلك، ولكنه قد استثنى وقال : إلا أن تخافوا الشر، فأي شر


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 235.

2) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 237.

يري أشد مما نحن فيه ! فدفنوه في البقيع (1).

خرجت وفى قلبى قرحة منك

عن عبد اللّه بن عبد الرحمن، أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مرض موته أمر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والانصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأمره أن يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد وأن يغزو وادى فلسطين فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مرضه يثقل ويخف، ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث حتى قال له أسامة : بأبي أنت وأمى ! أتأذن لي أن أمكث أياما حتى يشفيك اللّه تعالى ! فقال : اخرج وسر على بركة اللّه فقال : يا رسول اللّه إن أنا خرجت وأنت على هذه الحال خرجت وفي قلبي قرحة منك فقال : سر على النصر والعافية، فقال : يا رسول اللّه إني أكره أن أسال عنك الركبان، فقال : انفذ لما أمرتك به، ثم أغمى على رسول اللّه (صلي اللّه عليه وآله) وقام أسامة فتجهز للخروج، فلما أفاق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سأل عن أسامة والبعث فأخبر أنهم يتجهزون، فجعل يقول : أنفذوا بعث أسامة، لعن اللّه من تخلف عنه وكرر (1) ذلك، فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين، ومن الأنصار أسيد بن حضير وبشير بن سعد وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسول أم أيمن يقول له : ادخل فإن رسول اللّه يموت فقام من فوره فدخل المدينة واللواء معه فجاء به حتى ركزه بباب رسول اللّه ورسول اللّه قد مات في تلك الساعة قال : فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى أن ماتا إلا بالامير (2).

تعداد العلويون في عصر ابن ابي الحديد

ولد الحسن والحسين اليوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أكثر من جميع العرب الذين كانوا في الجاهلية على عصر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المسلمين منهم والكافرين، لانهم لو أحصوا لما نقص ديوانهم عن مائتي ألف إنسان (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 13.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 52.

3) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 246.

خمس إفريقية

عن أم بكر بنت المسور، قالت: لما بنى مروان داره بالمدينة، دعا الناس إلى طعامه، وكان المسور ممن دعاه، فقال مروان وهو يحدثهم : والله ما أنفقت في دارى هذه من مال المسلمین درهما فما فوقه فقال المسور : لو أكلت طعامك وسكت كان خيرا لك. لقد غزوت معنا إفريقية وإنك لاقلنا مالا ورقيقا وأعوانا، وأخفنا ثقلا، فأعطاك ابن عمك خمس إفريقية وعملت على الصدقات، فأخذت أموال المسلمين (1).

غلبة خبث طينة البصرة على الجاحظ

قال ابن ابي الحديد : قال الجاحظ: إن كان الفخر بنبل الرأي، وصواب القول، فمن مثل عباس بن عبد المطلب وعبد اللّه بن العباس ! وإن كان في الحكم والسؤدد وأصالة الرأي والغناء العظيم فمن مثل عبد المطلب، وإن كان إلى الفقه والعلم بالتأويل ومعرفة التأويل وإلى القياس السديد وإلى الالسنة الحداد والخطب الطوال، فمن مثل علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعبد اللّه بن عباس ! قالوا : خطبنا عبد اللّه بن عباس خطبة بمكة أيام حصار عثمان لو شهدها الترك والديلم لاسلموا وفي عبد اللّه بن العباس يقول حسان بن ثابت : إذا قال لم يترك مقالا لقائل بملتقطات لا ترى بينها فضلا شفى وكفى ما في النفوس فلم يدع لذي اربة في القول جدا ولا هزلا وهو البحر، وهو الحبر، وكان عمر يقول له في حداثته عند إجالة الرأي : غص يا غواص (1)، وكان يقدمه على جلة السلف.

قلت : أبي أبو عثمان إلا إعراضا عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هلا قال فيه كما قال في عبد اللّه ! فلعمري لو أراد لوجد مجالا، ولالفى قولا وسيعا وهل تعلم الناس الخطب والعهود والفصاحة إلا من كلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ! وهل أخذ عبد اللّه (رحمه اللّه) الفقه وتفسير القرآن إلا عنه ! فرحم اللّه أبا عثمان، لقد غلبت البصرة وطينتها على إصابة رأيه (2).

شجاعة بني هاشم

قال الجاحظ : وإن كان الفخر في البسالة والنجدة وقتل الاقران وجزر الفرسان فمن كحمزة بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب ! وكان الاحنف إذا ذكر حمزة قال :


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 37.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 246.

أكيس، وكان لا يرضى أن يقول : شجاع لان العرب كانت تجعل ذلك أربع طبقات فتقول : شجاع فإذا كان فوق ذلك قالت : بطل، فإذا كان فوق ذلك قالت : بهمة، فإذا كان فوق ذلك قالت : أكيس.

وقال العجاج :

أكيس عن حوبائه سخي

وهل أكثر ما يعد الناس من جرحاهما وصرعاهما إلا سادتكم وأعلامكم ! قتل حمزة وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عتبة والوليد، وقتلا شيبة أيضاً شركا عبيدة بن الحارث فيه، وقتل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حنظلة بن أبي سفيان، فأما آباء ملوككم من بني مروان فإنهم كما قال كما قال عبد اللّه بن الزبير لما أتاه خبر المصعب :

أنا والله ما نموت حبجا كما يموت آل أبي العاص والله ما قتل منهم قتيل في جاهلية ولا إسلام وما نموت إلا قتلا قعصا بالرماح وموتا تحت ظلال السيوف(1).

أعر اللّه جمجمتك

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أعر اللّه جمجمتك)، معناه ابذلها في طاعة اللّه

أخذ يزيد بن المهلب هذه اللفظة فخطب أصحابه بواسط، فقال : إني قد أسمع قول الرعاع : جاء مسلمة، وجاء العباس، وجاء أهل الشام ومن أهل الشام ! والله ما هم إلا تسعة أسياف سبعة منها معى واثنان على، وأما مسلمة فجرادة صفراء، وأما العباس فنسطوس این نسطوس أتاكم في برابرة وصقالبة وجرامقة وأقباط وأخلاط، إنما أقبل إليكم الفلاحون وأوباش كأشلاء اللحم. والله ما لقوا قط كحديدكم وعديدكم، أعيروني سواعدكم ساعة تصفقون بها خراطيمهم، فإنما هي غدوة أو روحة، حتى يحكم اللّه بيننا وبين القوم الظالمين (2).

أو كلما أراد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم كان !

روی ابن عباس قال: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته، فانفرد يوما


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 247.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 242.

يسير على بعيره فاتبعته، فقال لی: یابن عباس أشكو إليك ابن عمك، سألته أن يخرج معى فلم يفعل ولم أزل أراه واجدا فيم تظن موجدته ؟ قلت : يا أمير المؤمنين إنك لتعلم، قال أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة قلت : هو ذاك، إنه يزعم أن رسول اللّه أراد الامر له فقال : يا بن عباس وأراد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الامر له فكان ما ذا إذا لم يرد اللّه تعالى ذلك ! إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لو أراد أمراء وأراد اللّه غيره فنفذ مراد اللّه تعالى ولم ينفذ مراد رسوله أو كلما أراد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان ! إنه أراد إسلام عمه ولم يرده اللّه فلم يسلم ! (1).

حتى ضاعت النعل و وسقط الرداء

قام عدي بن حاتم الطائي إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : يا أمير المؤمنين إن عندي رجلا لا یوازی به رجل، وهو يريد أن يزور ابن عمة حابس بن سعد الطائي بالشام، فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره ويكسر أهل الشام، فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم، فأمره عدى بذلك - وكان اسم الرجل خفاف بن عبد اللّه فقدم على ابن عمه حابس بن سعد بالشام - و حابس سيد طئ بها - فحدث خفاف حابسا أنه شهد عثمان بالمدينة وسار عثمان بالمدينة، وسار مع على إلى الكوفة، وكان لخفاف لسان وهيئة وشعر فغدا حابس بخفاف إلى معاوية، فقال : إن هذا ابن عم لى قدم الكوفة مع على وشهد عثمان بالمدينة وهو ثقة. فقال له معاوية : هات حدثنا عن عثمان فقال : نعم حصره المكشوح وحكم فيه حكيم، ووليه عمار، وتجرد في أمره ثلاثة نفر : عدى بن حاتم والاشتر النخعي، وعمرو بن الحمق، وجد في أمره رجلان وطلحة والزبير وأبرأ الناس منه على قال : ثم مه، قال : ثم تهافت الناس على على بالبيعة تهافت الفراش حتى ضاعت النعل و وسقط الرداء، ووطئ الشيخ ولم يذكر عثمان ولم يذكر له، ثم تهيا للمسير، وخف معه المهاجرون والانصار، وكره القتال معه ثلاثة نفر : سعد بن مالك وعبد اللّه بن عمر ومحمد بن مسلمة، فلم يستكره أحدا، واستغنى بمن خف معه عمن ثقل. ثم سار حتى أتى جبل طئ، فأتته منا جماعة كان ضاربا بهم الناس حتى إذا كان ببعض الطريق أتاه مسیر طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، فسرح رجالا إلى الكوفة يدعونهم، فأجابوا دعوته، فسار إلى البصرة، فإذا هي


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 78.

في كفه ثم قدم الكوفة فحمل إليه الصبي، ودبت إليه العجوز، وخرجت إليه العروس فرحا به وشوقا إليه وتركته وليس له همة إلا الشام فذعر معاوية من قوله وقال حابس : أيها الأمير، لقد أسمعني شعرا غير به حالى في عثمان وعظم به عليا عندي فقال معاوية : أسمعنيه يا خفاف، فأنشده شعرا أوله :

قلت والليل ساقط الاكناف ولجنبي عن الفراش تجاف

قد مضى ما مضى ومر به الدهر كما الدهر كما مر ذاهب الاسلاف

إننى والذى يحج له الناس على لحق البطون عجاف

تتبارى مثل القسى من النبع بشعث مثل السهام نحاف

ارهب اليوم إن أتاكم على صيحة مثل صيحة الاحقاف

إنه الليث غاديا وشجاع مطرق نافث بسم زعاف

واضع السيف فوق عاتقه الايمن يفرى به شئون القحاف

سوم الخيل ثم قال لقوم بايعوه إلى الطعان خفاف

استعدوا لحرب طاغية الشام فلبوه كاليدين اللطاف

ثم قالوا أنت الجناح لك الريش القدامى ونحن منه الخوافي

فانظر اليوم قبل بادرة القوم بسلم تهم أم بخلاف

قال : فانكسر معاوية، وقال : يا حابس إني لاظن هذا عينا لعلى، أخرجه عنك لئلا يفسد علينا أهل الشام(1).

ولكنني قاتلتكم لاتأمر عليكم وعلى رقابكم

خرج على معاوية قوم من الخوارج بعد دخوله الكوفة وصلح الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) له فأرسل معاوية إلى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسأله أن يخرج فيقاتل الخوارج، فقال الحسن : سبحان اللّه ! تركت قتالك وهو لي حلال لصلاح الامة وألفتهم، أفتراني أقاتل معك ! فخطب معاوية أهل الكوفة، فقال : يا أهل الكوفة أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكنني قاتلتكم لا تأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 110.

آتاني اللّه ذلك وأنتم كارهون، ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين، ولا يصلح الناس إلا ثلاث : إخراج العطاء عند محله، وإقفال الجنود لوقتها، وغزو العدو في داره، فإنهم إن لم تغزوهم غزوكم. ثم نزل (1).

أرادك الحق ولكن أبي قومك

وحدثني الحسين بن محمد السيني، قال: قرأت على ظهر كتاب، أن عمر نزلت به نازلة فقام لها وقعد وترنح لها وتقطر وقال لمن عنده معشر الحاضرين ما تقولون في هذا الامر ؟، فقالوا : يا أمير المؤمنين انت المفزع والمنزع، فغضب وقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)، ثم قال : أما والله إني وإياكم لنعلم ابن بجدتها والخبير بها، قالوا : كأنك أردت ابن أبي طالب ! قال : وأنى يعدل بي عنه، وهل طفحت حرة مثله قالوا : فلو دعوت به يا أمير المؤمنين ! قال هيهات ! إن هناك شمخا من هاشم وأثره من علم، ولحمة من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، يؤتى ولا يأتي، فامضوا بنا إليه فانقصفوا نحوه وأفضوا إليه فألفوه في حائط له عليه تبان وهو يتركل على مسحاته، ويقرأ : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) إلى آخر السورة ودموعه تهمى على خديه، فأجهش الناس لبكائه فبكوا، ثم سكت وسكتوا فسأله عمر عن تلك الواقعة فأصدر جوابها، فقال عمر : أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبي قومك، فقال : يا أبا حفص خفض عليك من هنا ومن هنا (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) فوضع عمر إحدى يديه على الأخرى وأطرق إلى الارض، وخرج كأنما ينظر في رماد (2).

إذا شبعت نسيت الجائعين

قال عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا بنى اسرائيل لا تكثروا الاكل، فإنه من أكثر من الأكل أكثر من النوم، ومن أكثر النوم أقل الصلاة ومن أقل الصلاة كتب من الغافلين :

وقيل ليوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما لك لا تشبع وفي يديك خزائن مصر ؟ قال : إنى إذا شبعت نسيت الجائعين (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 14.

2) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 79.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 188.

ألذ من تمره تحشى بزنبور

قال الشاعر :

وأكلة أوقعت في الهلك صاحبها كحبة القمح دقت عنق عصفور

لكسرة بجريش الملح آكلها ألذ من تمره تحشى بزنبور (1).

كان إلى أموال الرعية أشره

وصف لسابور ذى الاكتاف رجل من اصطخر للقضاء، فاستقدمه، فدعاه إلى الطعام فاخذ الملك دجاجة من بين يديه فنصفها وجعل نصفها بين يدى ذلك الرجل، فأتى عليه قبل أن يفرغ الملك من أكل النصف الآخر، فصرفه إلى بلده، وقال : إن سلفنا كانوا يقولون : من شره إلى طعام الملك كان إلى أموال الرعية أشره (2).

جارتنا تشم رائحة الامانى

قال الجاحظ جلسنا في دار فجعلنا نتشهى الاطعمة فقال واحد : وأنا أشتهى سكباجا كثيرة الزعفران. وقال آخر : أنا أشتهى طباهجة ناشفة وقال آخر : أنا أشتهى هريسة كثيرة الدارصيني، وإلى جانبنا امرأة بيننا وبينها بئر الدار فضربت الحائط وقالت : أنا حامل فأعطوني ملء هذه الغضارة من طبيخكم، فقال ثمامة : جارتنا تشم رائحة الاماني (3).

من التعازى الجيدة

قول القائل :

ومن لم يزل غرضا للمنون يتركه كل يوم عميدا

فإن هن اخطأنه مرة فيوشك مخطئها أن يعودا

فيينا يحيد واخطأنه قصدن فاعجلنه أن يحيدا

وقال آخر :


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 188.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 188.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 190.

هو الدهر قد جربته وعرفته فصبوا على مكروهة وتجلدا.

وما الناس إلا سابق ثم لاحق وفائت موت سوف يلحقه غدا

وقال آخر :

أينا قدمت صروف الليالى فالذي أخرت سريع اللحاق

غدرات الايام منتزعات عنقينا من أنس هذا العناق

ابن نباتة السعدي

نعلل بالدواء إذا مرضنا وهل يشفى من الموت الدواء ! و

نختار الطبيب وهل طبيب يؤخر ما يقدمة القضاء !

وما أنفاسنا إلا حساب وما حركاتنا إلا فناء

البحترى إن الرزية في الفقيد فإن هذا جزع بلبك فالرزية فيكا

ومتى وجدت الناس إلا تاركا لحميمة في الترب أو متروكا

لو ينجلى لك ذخرها من نكبه جلل لا ضحكك الذي يبكيكا

قال شاعر في رثاء ولده :

وسميته يحيى ليحيا ولم يكن إلى رد أمر اللّه فيه سبيل

تخيرت فيه الفأل حين رزقته ولم ادر أن الفأل فيه يفيل

وقال آخر :

وهون وجدى بعد فقدك إننى إذا شئت لاقيت أمرا مات صاحبه

آخر :

وقد كنت أرجو لو تمليت عيشه عليك الليالي مرها وانتقالها

فأما وقد أصبحت في قبضة الردى فقل لليالي فلتصب من بدا لها

أخذه المتنبي فقال :

قد كنت أشفق من دمعى على بصرى فاليوم كل عزيز بعدكم هانا

ومثله لغيره

فراقك كنت أخشى فافترقنا فمن فارقت بعدك لا ابالي

وقال أبو تمام :

وقد كان يدعى لابس الصبر حازما فقد صار يدعى حازما حين يجزع

وقال أبو الطيب :

أجد الجفاء على سواك مروءة والصبر إلا في نواك جميلا

وقال أبو تمام ايضا :

الصبر أجمل غير أن تلذذا في الحب أولى أن يكون جميلا

وقالت خنساء اخت عمرو بن الشريد :

ألا يا صخر إن ابكيت عينى لقد اضحكتني دهرا طويلا

بكيتك في نساء معولات وكنت أحق من أبدى العويلا

دفعت بك الجليل وأنت حى فمن ذا يدفع الخطب الجليلا !

إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا

قول بعضهم :

قد قلت للموت حين نازلة والموت مقدامه على ألبهم

إذهب يمن شئت إذ ظفرت به ما بعد يحيى للموت من الم

وقال الشمردل اليروعى يرثى أخاه :

إذا ما أتى يوم من الدهر بيننا فحياك عنا شرقه وأصائله

أبى الصبر إن العين بعدك لم تزل يحالف جفنيها قذى ما تزايله

وكنت أعير الدمع قبلك من بكى فأنت على من مات بعدك شاغله

أعيني إذ أبكاكما الدهر فابكيا لمن نصره قد بان عنا ونائله

وكنت به أغشى القتال فعزني عليه من المقدار من لا أقاتله

العمرك إن الموت منا لمولع بمن كان يرجى نفعه وفواضله

وقال آخر يرثى رجلا اسمه جارية :

أجارى ما أزداد إلا نصبابة عليك وما تزداد إلا تنائيا

أجارى لو نفس قدت نفس ميت فديتك مسرورا بنفسي وماليا

وقد كنت أرجو أن أراك حقيقة فحال قضاء اللّه دون قضائيا

ألا فليمت من شاء بعدك إنما عليك من الاقدار كان حذاريا

ومن الشعر المنسوب إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) - ويقال : إنه قاله يوم مات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر

من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر

ومن شعر الحماسة :

سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض فحسبك منى ما تجن الجوانح

كان لم يمت حى سواك ولم تقم على أحد إلا عليك النوائح

لئن حسنت فيك المراثى بوصفها لقد حسنت من قبل فيك المدائح

فما أنا من رزء وإن جل جازع ولا بسرور بعد موتك فارح (1).

والكلاب تجرهم بأرجلهم

• عن على بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه عن عمومته أنهم حضروا سليمان بن على بالبصرة، وقد حضر جماعة من بني أمية عنده عليهم الثياب الموشاة المرتفعة - قال أحد الرواة المذكورين : فكأني أنظر إلى أحدهم وقد أسود شيب في عارضيه من الغالية - فأمر بهم فقتلوا وجروا بأرجلهم، فألقوا على الطريق، وإن عليهم السروايلات الوشى والكلاب تجرهم بأرجلهم (2).

فكان لا يرى إلا متبرقعا

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لانس بن مالك وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئا قد سمعه من رسول اللّه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في معناهما، فلوى عن ذلك فرجع إليه،


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 190.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 142.

فقال : إنى أنسيت ذلك الأمر، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن كنت كاذبا فضربك اللّه بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة قال : يعنى البرص فأصاب أنسا هذا الداء فيما بعد في وجهه، فكان لا يرى إلا متبرقعا.

المشهور أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ناشد الناس اللّه في الرحبة بالكوفة، فقال : أنشدكم اللّه رجلا سمع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول لى وهو منصرف من حجة الوداع : (من كنت مولاه فعلی مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) فقام رجال فشهدوا بذلك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لانس بن مالك : لقد حضرتها، فما بالك ! فقال : يا أمير المؤمنين كبرت سني، وصار ما أنساه أكثر مما أذكره، فقال له : إن كنت كاذبا فضربك اللّه بها بيضاء لا تواريها العمامة فما مات حتى أصابه البرص (1).

ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر

قال الشاعر :

المال أنفع للفتى من علمه والفقر أقتل للفتى من جهله

ما ضر من رفع الدراهم قدره جهل يناط إلى دناءة اصله

وقال آخر :

دعوت أخى فولى مشمئزا ولبي در همي لما دعوت

وقال آخر :

ولم أر أوفى ذمة من دراهمي وأصدق عهدا في الامور العظائم

فكم خاننى خل وثقت بعهده وكان صديقا لى زمان الدراهم

وقال آخر :

أبو الاصفر المنقوش انفع للفتى من الاصل والعلم الخطير المقدم

وما مدح العلم امرؤ ظفرت به يداه ولكن كل مقو ومعدم

وقال الشاعر :


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 217.

ولم أر بعد الدين خيرا من الغنى ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر (1)

تحامل الجاحظ على آل علي

قال الجاحظ : في آل الزبير خاصة سبعة مقتولون في نسق ولم يوجد ذلك في غيرهم، قتل عمارة وحمزة ابنا عبد اللّه بن الزبير يوم قديد في المعركة قتلهما الاباضية وقتل عبد اللّه بن الزبير في محاربة الحجاج، وقتل مصعب بن الزبير بدير الجائليق في المعركة أكرم قتل وبإزائه عبد الملك بن مروان وقتل الزبير بوادي السباع منصرفه عن وقعة الجمل، وقتل العوام بن خويلد في حرب الفجار، وقتل خويلد بن أسد بن عبد العزى في حرب خزاعة، فهؤلاء سبعه في نسق.

قلت : هذا من تحامل أبي عثمان هلا ذكر قتلى الطف وهم عشرون سيدا من بيت واحد قتلوا في ساعة واحدة ! وهذا ما لم يقع مثله في الدنيا لا في العرب ولا في العجم. ولما قتل حذيفة بن بدر يوم الهباءة وقتل معه ثلاثة أو أربعة من أهل بيته ضربت العرب بذلك الامثال واستعظموه فجاء يوم الطف جرى الوادي فطم على القري وهلا عدد القتلى من آل أبي طالب فإنهم إذا عدوا إلى أيام أبي عثمان كانوا عددا كثيرا أضعاف ما ذكره من قتلى الاسديين !(2)

كان ما يدبر أمرا إلا كان فيه خلل

كان مروان حازما، فلما ظهرت المسودة، ولقيهم كان ما يدبر أمرا إلا كان فيه خلل، ولقد وقف يوم الزاب، وأمر بالاموال فأخرجت وقال للناس : اصبروا وقاتلوا، وهذه الاموال لكم، فجعل ناس يصيبون من ذلك المال ويشتغلون به عن الحرب، فقال لابنه عبد اللّه : سر في أصحابك فامنع من يتعرض لاخذ المال فمال عبد اللّه برايته ومعه أصحابه، فتنادى الناس : الهزيمة ! الهزيمة ! فانهزموا، وركب أصحاب عبد الله بن على أكتافهم (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 228.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 248.

3) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 151.

الموازنة بين ملوك بني العباس وملوك بني أميه في العطاء

وإن أريد الموازنة بين ملوك بني العباس وملوك بني أميه في العطاء افتضح بنو أمية وناصروهم فضيحة ظاهرة، فإن نساء خلفاء بني عباس أكثر معروفا من رجال بني أمية، ولو ذكرت معروف أم جعفر وحدها لاتى ذلك على جميع صنائع بنى مروان وذلك معروف، ولو ذكر معروف الخيزران وسلسبيل لملئت الطوامير الكثيرة به، وما نظن خالصة مولاتهم إلا فوق أجواد أجوادهم، وإن شئت أن تذكر مواليهم وكتابهم فاذكر عيسى بن ماهان وابنه عليا وخالد بن برمك وابنه يحيى وابنه جعفرا والفضل وكاتبهم منصور بن زياد ومحمد بن منصور وفتى العسكر، فإنك تجد لكل واحد من هؤلاء ما يحيط بجميع صنائع بني عبد شمس فأما ملوك الاموية فليس منهم إلا من كان يبخل على الطعام وكان جعفر بن سليمان كثيرا ما يذكر ذلك وكان معاوية يبغض الرجل النهم على مائدته، وكان المنصور إذا ذكرهم يقول : كان عبد الملك جبارا لا يبالي ما صنع وكان الوليد مجنونا، وكان سليمان همه بطنه وفرجه وكان عمر أعور بين عميان وكان هشام رجل القوم، وكان لا يذكر ابن عاتكة، ولقد كان هشام مع ما استثناه به يقول : هو الاحول السراق، ما زال يدخل إعطاء الجند شهرا في شهر وشهرا في شهر، حتى أخذ لنفسه مقدار رزق سنة، وأنشده أبو النجم العجلى أرجوزته التي أولها :

• الحمد للّه الوهوب المجزل

فما زال يصفق بيديه استحسانا لها حتى صار إلى ذكر الشمس، فقال :

والشمس في الافق كعين الاحول

فأمر بوج عنقه وإخراجه، وهذا عنقه وإخراجه وهذا ضعف شديد وجهل عظيم. وقال خاله إبراهيم بن هشام المخزومي: ما رأيت من هشام خطأ قط إلا مرتين : حدا به الحادى مرة فقال :

إن عليك أيها البختي***أكرم من تمشي به المطي

فقال : صدقت. وقال مرة : والله لا شكون سليمان يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك. وهذا ضعف شديد وجهل مفرط (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 252.

مخازي عمر بن عبد العزيز

قدم المنصور على بني امية عمر بن عبد العزيز بقوله : أعور بين عميان وزعمتم أنه كان ناسكا ورعا تقيا، فكيف وقد جلد خبيب بن عبد اللّه بن الزبير مائة جلدة، وصب على رأسه جرة من ماء بارد في يوم شات حتى كز فمات فما أقر بدمه، ولا خرج إلى وليه من حقه ولا أعطى عقلا ولا قودا ولا كان خبيب ممن أتت عليه حدود اللّه وأحكامه وقصاصه فيقال كان مطيعا بإقامتها، وأنه أزهق الحد نفسه ! واحتسبوا الضرب كان أدبا وتعزيرا، فما عذره في الماء البارد في الشتاء، على أثر جلد شديد ! ولقد بلغه أن سليمان بن عبد الملك يوصي، فجاء حتى جلس على طريق من يجلس عنده أو يدخل إليه، فقال لرجاء بن حيوة في بعض من يدخل ومن يخرج : نشدتك اللّه أن تذكرني لهذا الأمر، أو تشير بي في هذا الشأن، فو اللّه ما لي عليه من طاقة ! فقال له رجاء : قاتلك الله، ما أحرصك عليها !(1).

أين يقع ابني من ابني بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

لما تقاعس محمد يوم الجمل عن الحملة، وحمل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالراية، فضعضع أركان عسكر الجمل دفع إليه الراية وقال : امح الأولى بالأخرى، وهذه الانصار معك. وضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من الانصار كثير منهم من أهل بدر، فحمل حملات كثيرة، أزال بها القوم عن مواقفهم وأبلى بلاء حسنا. فقال خزيمة بن ثابت لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما إنه لو كان غير محمد اليوم لافتضح، ولئن كنت خفت عليه الجبن وهو بينك وبين حمزة وجعفر لما خفناه عليه وإن كنت أردت ان تعلمه الطعان فطالما علمته الرجال. وقالت الانصار : يا أمير المؤمنين لو لا ما جعل اللّه تعالى للحسن والحسين لما قدمنا على محمد أحدا من العرب. فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): أين النجم من الشمس والقمر ! أما إنه قد أغنى وأبلى وله فضله ولا ينقص فضل صاحبيه عليه، وحسب صاحبكم ما انتهت به نعمة اللّه تعالى إليه، فقالوا : يا أمير المؤمنين إنا والله لا نجعله كالحسن والحسين ولا نظلمهما له ولا نظلمه - لفضلهما عليه - حقه، فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): أين يقع ابني من ابني بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ! فقال خزيمة بن ثابت فيه :


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 254.

محمد ما في عودك اليوم وصمة ولا كنت في الحرب الضروس معردا

أبوك الذي لم يركب الخيل مثله على وسماك النبي محمدا ف

لو كان حقا من أبيك خليفة لكنت، ولكن ذاك ما لا يرى بدا

وأنت بحمد اللّه أطول غالب لسانا وأنداها بما ملكت يدا

وأقربها من كل خير تريده قريش وأوفاها بما قال موعدا

وأطعنهم صدر الكمي برمحه وأكساهم للهام عضبا مهندا

سوى أخويك السيدين كلاهما إمام الورى والداعيان إلى الهدى

أبى اللّه أن يعطى عدوك مقعدا من الارض أو في الاوج مرقى ومصعدا (1).

مفارقة جرير بن عبد اللّه البجلى لعلى

لما رجع جرير إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية فاجتمع جرير والاشتر عند على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال الاشتر: أما والله يا أمير المؤمنين أن لو كنت أرسلتني إلى معاوية، لكنت خيرا لك من هذا الذى أرخى خناقة، وأقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو فتحه إلا فتحه ولا بابا يخاف أمره إلا سده فقال جرير : لو كنت والله أتيتهم لقتلوك - وخوفه بعمرو، وذى الكلاع وحوشب وقال : إنهم يزعمون أنك من قتله عثمان فقال الاشتر : والله لو أتيتهم يا جرير لم يعيني جوابها ولم يثقل على محملها ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر. قال : فائتهم إذا قال : الان وقد أفسدتهم ووقع بينهم الشر ! وروى نصر عن نمير بن وعلة عن الشعبى قال : اجتمع جرير والاشتر عند على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال الاشتر : أليس قدنهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا، وأخبرتك بعداوته وغشه ! وأقبل الاشتر يشتمه ويقول : يا أخا بجيلة، إن عثمان اشترى منك دينك بهمدان والله ما أنت بأهل أن تترك تمشى فوق الأرض، إنما أتيتهم لتتخذ عندهم يدا بمسيرك إليهم، ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم وأنت والله منهم ولا أرى سعيك إلا لهم لئن أطاعنى فيك أمير المؤمنين ليحبسنك وأشباهك في لا حبس تخرجون منه حتى تستتم هذه الأمور، ويهلك اللّه الظالمين. قال جرير : وددت


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 245.

والله أن لو كنت مكاني بعثت، إذن والله لم ترجع قال : فلما سمع جرير مثل ذلك من قوله فارق عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلحق بقرقیسیاء ولحق به ناس من قسر من قومه فلم يشهد صفين من قسر غير تسعة عشر رجلا، ولكن شهدها من أحمس سبعمائة رجل.

وقال الاشتر فيما كان من تخويف من جرير إياه بعمرو وحوشب وذى الكلاع : لعمرك يا جرير لقول عمرو وصاحبه معاوى بالشام وذى كلع وحوشب ذي ظليم أخف على من ريش النعام إذا اجتمعوا على فخل عنهم وعن باز مخالبه دوامي ولست بخائف ما خوفوني وكيف أخاف أحلام النيام ! وهمهم الذى حاموا عليه من الدنيا، وهمى ما أمامى فإن أسلم أعمهم بحرب يشيب لهولها رأس الغلام وإن أهلك فقد قدمت أمرا أفوز بفلجه يوم الخصام وقد زادوا على وأوعدوني ومن ذا مات من خوف الكلام !

ويذكر أهل السير أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) هدم دار جرير ودور قوم ممن خرج معه، حيث فارق عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، منهم أبو أراكة بن مالك بن عامر القسرى كان ختنه على ابنته، وموضع داره بالكوفة كان يعرف بدار أبى أراكة قديما، ولعله اليوم نسى ذلك الاسم (1).

لكنه لا يطلع على الكنائن

عرض على معاوية فرس وعنده عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص، فقال : كيف ترى هذا الفرس يا أبا مطرف ؟ قال : أراه أجش هزيما، قال معاوية : أجل، لكنه لا يطلع على الكنائن قال : يا أمير المؤمنين ما استوجبت منك هذا الجواب كله، قال : قد عوضتك عنه عشرين ألفا. قال أبو بكر بن دريد : أراد عبد الرحمن التعريض بمعاوية بما قاله النجاشي في أيام صفين :

ونجى ابن حرب سابح ذو علالة***أجش هزيم والرماح دوانی

إذا قلت أطراف الرماح تنوشه***مرته له الساقان والقدمان

فلم يحتمل معاوية منه هذا المزاح، وقال :

لكنه لا يطلع على الكنائن، لان عبد الرحمن كان يتهم بنساء إخوته (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 115.

2) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 24.

كان عبد اللّه بن الزبير شديد البخل

كان عبد اللّه بن الزبير شديد البخل كان يطعم جنده تمرا ويأمرهم بالحرب، فإذا فروا من وقع السيوف لامهم وقال لهم : أكلتم تمرى، وعصيتم أمرى فقال بعضهم :

ألم تر عبد اللّه - والله غالب على أمره - يبغى الخلافة بالتمر

وكسر بعض جنده خمسة أرماح في صدور أصحاب الحجاج، وكلما كسر رمحا أعطاه رمحا، فشق عليه ذلك، وقال : خمسة أرماح ! لا يحتمل بيت مال المسلمين هذا.

قال : وجاءه أعرابي سائل فرده، فقال له : لقد أحرقت الرمضاء قدمى فقال : بل عليهما يبردان (1).

مد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال

كان قيس بن سعد مع أبي بكر وعمر في سفر في حياة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكان ينفق عليهما وعلى غيرهما ويفضل فقال له أبو بكر : إن هذا لا يقوم به مال أبيك، فأمسك يدك، فلما قدموا من سفرهم، قال سعد بن عبادة لابي بكر : أردت أن تبخل ابني، إنا لقوم لا نستطيع البخل قال : وكان قيس بن سعد يقول في دعائه: اللهم ارزقني حمدا ومجدا وشكرا، فإنه لا حمد إلا بفعال ولا مجد إلا بمال اللهم وسع على فإن القليل لا يسعنى ولا أسعه (2).

تنقص عمرو بن العاص للانصار

قدم عمرو بن العاص من سفر كان فيه، فجاء إليهم فأفاضوا في ذكر يوم السقيفة وسعد ودعواه الأمر، فقال عمرو بن العاص : والله لقد دفع اللّه عنا من الانصار عظيمة، ولما دفع الله عنهم أعظم، كادوا والله أن يحلوا حبل الاسلام كما قاتلوا عليه ويخرجوا منه من أدخلوا فيه والله لئن كانوا سمعوا قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (الائمه من قريش)، ثم ادعوها، لقد هلكوا وأهلكوا، وإن كانوا لم يسمعوها فما هم كالمهاجرين ولا سعد كأبي بكر، ولا المدينة كمكة ولقد قاتلونا أمس فغلبونا على البدء ولو قاتلناهم اليوم لغلبناهم


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 123.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 65.

على العاقبة. فلم يجبه أحد، وانصرف إلى منزله وقد ظفر، فقال :

ألا قل لاوس إذا جئتها***وقل إذاما جئت للخزرج

تمنیتم الملك في يثرب***فأنزلت القدر لم تنضج

واخدجتم الامر قبل التمام***وأعجب بذا المعجل المخدج

تريدون نتج الحيال العشار***ولم تلقحوه فلم ينتج

عجبت لسعد وأصحابه ولو***لم يهيجوه لم يهتج

رجا الخزرجي رجاء السراب***وقد يخلف المرء ما ما يرتجى

فكان كمنح على كفه***بكف يقطعها أهوج

فلما بلغ الانصار مقالته وشعره بعثوا إليه لسانهم وشاعرهم النعمان بن العجلان وكان رجلا أحمر قصيرا تزدريه العيون، وكان سيدا فخما فأتى عمرا وهو في جماعة من قريش، فقال : والله يا عمرو ما كرهتم من حربنا إلا ما كرهنا من حربكم، وما كان اللّه ليخرجكم من الاسلام بمن أدخلكم فيه إن كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : (الائمة من قريش)، فقد قال : (لو سلك الناس شعبا، وسلك الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار) والله ما أخرجناكم من الأمر إذ قلنا : منا أمير ومنكم أمير. وأما من ذكرت، فأبو بكر لعمري خير من سعد، لكن سعدا في الانصار أطوع من أبى بكر في قريش، فأما المهاجرون والانصار، فلا فرق بينهم أبدا ولكنك يابن العاص، وترت بنى عبد مناف بمسيرك إلى الحبشة لقتل جعفر وأصحابه، ووترت بني مخزوم بإهلاك عمارة ابن الوليد ثم انصرف فقال :

فقل لقريش نحن أصحاب مكة***ويوم حنين والفوارس في بدر

وأصحاب أحد والنضير وخيبر***ونحن رجعنا من قريظة بالذكر

ويوم بأرض الشام أدخل جعفر***وزيد وعبد اللّه في علق يجرى

وفي كل يوم ينكر الكلب أهله***نطاعن فيه بالمثقفه السمر

ونضرب في نقع العجاجة أرؤسا***ببيض كأمثال البروق إذا تسرى

نصرنا وآوينا النبي ولم نخف***صروف الليالي والعظيم من الأمر

وقلنا لقوم هاجروا قبل: مرحبا***وأهلا وسهلا قد أمنتم من الفقر

نقاسمكم أموالنا وبيوتنا***كقسمة أيسار الجزور على الشطر

ونكفيكم الامر الذى تكرهونه***وكنا أناسا نذهب العسر باليسر

وقلتم : حرام نصب سعد و نصبكم***عتيق بن عثمان حلال أبا بكر

وأهل أبو بكر لها خير قائم***وإن عليا كان أخلق بالأمر

وكان هوانا في على وإنه على وإنه لاهل لها يا عمرو من حيث لا تدرى

فذاك بعون اللّه يدعو إلى الهدى وينهى عن الفحشاء والبغى والنكر

وصى النبي المصطفى وابن عمه***وقاتل فرسان الضلالة والكفر

وهذا بحمد اللّه يهدى من العمى***ويفتح آذانا ثقلن من الوقر

نجی رسول اللّه في الغار وحده***وصاحبه الصديق في سالف الدهر

فلو لا اتقاء اللّه لم تذهبوا بها***ولكن هذا الخير أجمع للصبر

ولم نرض إلا بالرضا ولربما***ضربنا بأيدينا إلى أسفل القدر

فلما انتهى شعر النعمان وكلامه إلى قريش، غضب كثير منها، والفى ذلك قدوم خالد ابن سعيد بن العاص من اليمن وكان رسول اللّه استعمله عليها، وكان له ولاخيه أثر قديم عظيم في الاسلام وهما من أول من أسلم من قريش ولهما عبادة وفضل. فغضب للانصار، وشتم عمرو بن العاص وقال : يا معشر قريش إن عمرا دخل في الاسلام حين لم يجد بدأ من الدخول فيه، فلما لم يستطع أن يكيده بيده كاده بلسانه وإن من كيده الاسلام تفريقه وقطعه بين المهاجرين والانصار والله ما حاربناهم للدين ولا للدنيا، لقد بذلوا دماءهم للّه تعالى فينا وما بذلنا دماءنا للّه فيهم وقاسمونا ديارهم وأموالهم، وما فعلنا مثل ذلك بهم، وآثرونا على الفقر، وحرمناهم على الغنى، ولقد وصى رسول اللّه بهم، وعزاهم عن جفوة السلطان، فاعوذ باللّه أن أكون وإياكم الخلف المضيع والسلطان الجاني. قلت : هذا خالد بن سعيد بن العاص، هو الذي امتنع من بيعة أبي بكر وقال : لا أبايع إلا عليا، وقد ذكرنا خبره فيما تقدم.

وأما قوله في الانصار : (وعزاهم عن جفوة السلطان*، فإشارة إلى قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (ستلقون بعدى أثرة فاصبروا حتى تقدموا على الحوض).

قال الزبير : وقال خالد بن سعيد بن العاص في ذلك :

تفوه عمرو بالذى لا نريده***وصرح للانصار عن شناة البغض

فإن تكن الانصار زلت فإننا***نقيل ولا تجزيهم القرض بالقرض

فلا تقطعن يا عمرو ماكان بيننا***ولا تحملن یا عمرو بعضا على بعض

اتنسى لهم يا عمرو ما كان منهم***ليالى جئناهم - من النفل والفرض

وقسمتنا الأموال كاللحم بالمدى***وقسمتنا الاوطان كل به يقضى

ليالى كل الناس بالكفر جهرة***ثقال علينا مجمعون على البغض

فساروا واووا وانتهينا إلى المنى***وقر قرارانا من الامن والخفض

قال الزبير : ثم إن رجالا من سفهاء قريش ومثيري الفتن منهم اجتمعوا إلى عمر وبن العاص، فقالوا له : إنك لسان قريش ورجلها في الجاهلية والاسلام فلا تدع الانصار وما قالت وأكثروا عليه من ذلك، فراح إلى المسجد، وفيه ناس من قريش وغيرهم، فتكلم وقال : إن الانصار ترى لنفسها ما ليس لها وايم اللّه لوددت أن اللّه خلى عنا وعنه- وعنهم، وقضى فيهم وفينا بما أحب ولنحن الذين أفسدنا على أنفسنا، أحرزناهم عن كل مكروه، وقدمناهم إلى كل محبوب حتى أمنوا المخوف، فلما جاز لهم ذلك صغروا حقنا، ولم يراعوا ما أعظمنا من حقوقهم.

ثم التفت فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب وندم على قوله للخئولة التي بين ولد عبد المطلب وبين الانصار ولان الانصار كانت تعظم عليا، وتهتف باسمه حينئذ، فقال الفضل : يا عمرو إنه ليس لنا أن نكتم ما سمعنا منك وليس لنا أن نجيبك، وأبو الحسن شاهد بالمدينة إلا أن يأمرنا فنفعل.

ثم رجع الفضل إلى على فحدثه، فغضب وشتم عمرا، وقال آذى اللّه ورسوله، ثم قام فأتى المسجد، فاجتمع إليه كثير من قريش وتكلم مغضبا فقال : يا معشر قريش، إن حب الانصار إيمان وبغضهم نفاق وقد قضوا ما عليهم وبقى ما عليكم واذكروا أن اللّه رغب لنبيكم عن مكة فنقله إلى المدينة وكره له قريشا فنقله إلى الانصار، ثم قدمنا عليهم دارهم، فقاسمونا الأموال، وكفونا العمل، فصرنا منهم بين بذل الغنى وإيثار الفقير، ثم حاربنا الناس فوقونا بأنفسهم، وقد أنزل اللّه تعالى فيهم آية من القرآن جمع لهم فيها بين خمس نعم فقال : والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو ولو كان بهم

خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون ألا وإن عمرو بن العاص قد قام مقاما آذى فيه الميت والحى ساء به الواتر وسر به الموتور فاستحق من المستمع الجواب، ومن الغائب المقت، وإنه من أحب اللّه ورسوله أحب الانصار، فليكفف عمرو عنا نفسه قال الزبير : فمشت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص، فقالوا : أيها الرجل، أما إذا غضب على فا كفف.

وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري يخاطب قريشا :

أيال قريش أصلحوا ذات بيننا***وبينكم قد طال حبل التماحك

فلا خير فيكم بعدنا فارفقوا بنا***ولا ولا خير فينا بعد فهر بن مالك

كلانا على الاعداء كف طويلة***إذا كان يوم فيه إذا كان يوم فيه جب الحوارك

فلا تذكروا ما كان منا ومنكم***ففى ذكر ما قد كان مشى التساوك

قال الزبير : وقال على للفضل : يا فضل انصر الانصار بلسانك ويدك فإنهم منك وإنك منهم، فقال الفضل :

قلت یا عمرو مقالا فاحشا***إن تعديا عمرو اللّه فلك

إنما الانصار سیف قاطع یف قاطع***من تصبه ظبة السيف هلك

وسيوف قاطع مضربها***وسهام اللّه في يوم الحلك

نصروا الدين وآووا أهله***منزل رحب ورزق مشترك

وإذا الحرب تلظت نارها***بركوا فيها إذا الموت برك

ودخل الفضل على على فأسمعه شعره ففرح به وقال : وريت بك زنادي يا فضل أنت شاعر قريش وفتاها فأظهر شعرك وابعث به إلى الانصار، فلما بلغ ذلك الانصار، قالت : لا أحد يجيب إلا حسان الحسام فبعثوا إلى حسان بن ثابت، فعرضوا عليه شعر الفضل، فقال : كيف أصنع بجوابه ! إن لم أتحر قوافيه فضحني فرويدا حتى أقفو أثره القوافى. فقال له خزيمة بن ثابت : اذكر عليا وآله يكفك عن كل شئ فقال :

جزى اللّه عنا والجزاء بكفه***أبا حسن عنا ومن كأبي حسن

سبقت قريشا بالذي أنت أهله***فصدرك مشروح وقلبك ممتحن

تمنت رجال من قريش أعزة***مكانك هيهات الهزال من السمن !

وأنت من الاسلام في كل موطن***بمنزلة الدلو البطين من الرسن

غضبت لنا إذ قام عمرو بخطبة***أمات بها التقوى وأحيا بها الاجن

فكنت المرجى من لؤي بن غالب***لما كان منهم، والذى كان لم يكن

حفظت رسول اللّه فينا وعهده***إليك ومن أولى به منك من ومن !

الست أخاه في الهدى ووصيه***وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن

فحقك مادامت بنجد وشيجة***عظيم علينا ثم بعد على اليمن

قال الزبير : وبعثت الانصار بهذا الشعر إلى على بن أبي طالب فخرج إلى المسجد، وقال لمن به من قريش وغيرهم يا معشر قريش إن اللّه جعل الانصار أنصارا، فأثنى عليهم في الكتاب، فلا خير فيكم بعدهم إنه لا يزال سفيه من سفهاء قريش وتره الاسلام ودفعه عن الحق وأطفا شرفه وفضل غيره عليه، يقوم مقاما فاحشا فيذكر الانصار، فاتقوا اللّه وارعوا حقهم فو اللّه لو زالوا لزلت معهم، لان رسول اللّه قال لهم : (أزول معكم حيثما زلتم) فقال المسلمون جميعا : رحمك اللّه يا أبا الحسن ! قلت قولا صادقا.

وترك عمرو بن العاص المدينة وخرج عنها حتى رضى عنه على والمهاجرون. قال الزبير : ثم إن الوليد بن عقبة بن أبى - معيط - وكان يبغض الانصار، لانهم أسروا أباه يوم بدر، وضربوا عنقه بين يدى رسول اللّه - قام يشتم الانصار، وذكرهم بالهجر فقال : إن الانصار لترى لها من الحق علينا ما لا نراه والله لئن كانوا آووا لقد عزوا بنا، ولئن كانوا آسوا لقد منوا علينا والله ما نستطيع مودتهم لانه لا يزال قائل منهم يذكر ذلنا بمكة وعزنا بالمدينة، ولا ينفكون يعيرون موتانا ويغيظون أحياءنا، فإن أجبناهم قالوا : غضبت قريش على غاربها ولكن قد هون على ذلك منهم حرصهم على الدين أمس، واعتذارهم من الذنب اليوم، ثم قال :

تباذخت الانصار في الناس باسمها***ونسبتها في الازد عمرو بن عامر

وقالوا : لنا حق عظيم ومنة***على كل باد من معد وحاضر

فإن يك للانصار فضل فلم تنل***بحرمته الانصار فضل المهاجر

وإن تكن الانصار آوت وقاسمت***معايشها من جاء قسمة جازر

فقد أفسدت ما كان منها بمنها***وما ذاك فعل الاكرمين الا كابر

إذا قال حسان وكعب قصيدة***بشتم قريش غنيت في المعاشر وسار

بها الركبان في كل وجهة***وأعمل فيها كل خف وحافر

فهذا لنا من كل صاحب خطبة***يقوم بها منكم ومن كل شاعر

وأهل بأن يهجو بكل قصيدة***وأهل بأن يرموا بنبل فواقر

قال : ففشا شعره في الناس، فغضبت الانصار، وغضب لها من قريش قوم منهم ضرار بن الخطاب الفهرى وزيد بن الخطاب، ويزيد بن أبي سفيان، فبعثوا إلى الوليد فجاء فتكلم زيد بن الخطاب فقال : يا بن عقبة بن أبي معيط، أما والله لو كنت من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا لاحببت الانصار، ولكنك من الجفاة في الاسلام البطاء عنه الذين دخلوا فيه بعد أن ظهر أمر اللّه وهم كارهون، إنا نعلم أنا أتيناهم ونحن فقراء، فاغنونا، ثم أصبنا الغنى فكفوا عنا ولم يرزءونا شيئا فأما ذكرهم ذلة قريش بمكة وعزها بالمدينة، فكذلك كنا، وكذلك قال اللّه تعالى : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) فنصرنا اللّه تعالى بهم وآوانا إلى مدينتهم وأما غضبك لقريش فإنا لا ننصر كافرا، ولا نواد ملحدا ولا فاسقا ولقد قلت وقالوا فقطعك الخطيب، وألجمك الشاعر. وأما ذكرك الذى كان بالامس فدع المهاجرين والانصار فإنك لست من ألسنتهم في الرضا، ولا نحن من أيديهم في الغضب. وتكلم يزيد بن أبي سفيان فقال : يا بن عقبة الانصار أحق بالغضب لقتلى أحد فاكفف لسانك، فإن من قتله الحق لا يغضب له وتكلم ضرار بن الخطاب فقال : أما والله لو لا أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال (الائمة من قريش) لقلنا : الائمة من الانصار، ولكن جاء أمر غلب الرأى، فاقمع شرتك أيها الرجل، ولا تكن أمرا سوء فإن اللّه لم يفرق بين الانصار والمهاجرين في الدنيا، وكذلك اللّه لا يفرق بينهم في الاخرة. وأقبل حسان بن ثابت مغضبا من كلام الوليد بن عقبة وشعره، فدخل المسجد وفيه قوم من قريش فقال : يا معشر قريش إن أعظم ذنبنا إليكم قتلنا كفاركم وحمايتنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإن كنتم تنقمون منا منة كأنت بالامس، فقد كفى اللّه شرها، فما لنا وما لكم والله ما يمنعنا من قتالكم الجبن، ولا من جوابكم العى إنا لحى فعال ومقال ولكنا قلنا : إنها حرب أولها عار وآخرها ذل، فاغضينا عليها عيوننا، وسحبنا ذيولنا، حتى نرى وتروا، فإن قلتم قلنا، وإن سكتم سكتنا.

فلم يجبه أحد من قريش ثم سكت كل من الفريقين عن صاحبه ورضى القوم أجمعون، وقطعوا الخلاف والعصبية (1).

أصون دراهمي وأذب عنها لعلمي إنها سيفى وترسي

قال بعض الشعراء الظرفاء، وأحسن كل الاحسان مع خلاعته

أصون دراهمي وأذب عنها لعلمي إنها سيفى وترسي

وأذخرها واجمعها بجهدي ويأخذ وارثي منها وعرسي

فيأكلها ويشربها هنيئا على النغمات من نقر وجس

ويقعد فوق قبري بعد موتى ولا يتصدقن عنى بفلس

أحب إلى من قصدي عظيما كبيرا أصله من عبد شمس

أمد إليه كفى مستميحا وأصبح عبد خدمته وأمسى

ويتركنى أجر الرجل منى وقد صارت كنفس الكلب نفسي (2).

إن من العصمة الا تجد

قال محمود البقال الفقر خير فاتسع واقتصد إن من العصمة الا تجد كم واجد اطلق وجدانه عنانه في بعض ما لم يرد ومدمن للخمر غاد على سماع عود وغناء غرد لو لم يجد خمرا ولا مسمعا يرد بالماء غليل الكبد (3).

من حق العالم

قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلام له : من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال، ولا تعنته في الجواب، ولا تضع له غامضات المسائل ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا تفش له سرا ولا تغتابن عنده أحدا ولا تنقلن إليه حديثا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره وتعظمه للّه ما دام حافظا أمر اللّه ولا تجلس أمامه، وإذا كانت له حاجة فاسبق أصحابك إلى خدمته (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 29.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 229.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 230.

4) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 232.

فليس بلاحق أخرى الليالى

وقال بعضهم :

إذا ما المرء قصر ثم مرت عليه الاربعون عن الرجال

ولم يلحق بصالحهم فدعه فليس بلاحق أخرى الليالي (1)

اخذ هذا اللفظ عبد اللّه بن الزبير

أقسم امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه يود أن معاوية صارفه بهم (أي اصحابه)، فأعطاه من أهل الشام واحدا، وأخذ منه عشرة صرف الدينار بالدراهم، أخذ هذا اللفظ عبد الله بن الزبير لما وفد إليه أهل البصرة وفيهم الاحنف فتكلم منهم أبو حاضر الاسدي، وكان خطيبا جميلا، فقال له عبد اللّه بن الزبير : اسكت فو اللّه لوددت أن لى بكل عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام صرف الدينار بالدراهم فقال : يا أمير المؤمنين، إن لنا ولك مثلا، أفتأذن في ذكره ؟ قال : نعم. قال : مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام قول الاعشى : علقتها عرضا وعلقت رجلا غيرى وعلق أخرى غيرها الرجل أحبك أهل العراق وأحببت أهل الشام وأحب أهل الشام عبد الملك فما تصنع ؟ ثم ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه منى، أي بلى منهم بثلاث واثنتين إنما لم يقل بخمس لان الثلاث إيجابية والاثنتين سلبية، فأحب أن يفرق بين الاثباب والنفى (2).

لا تنسى الشيباء أبا عذرها

كتب معاوية إلى أبي أيوب خالد بن زيد الانصاري صاحب منزل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)- وكان سيدا معظما من سادات الانصار وكان من شيعة على (عَلَيهِ السَّلَامُ)- كتابا، وكتب إلى زياد بن سمية - وكان عاملا لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بعض فارس - كتابا ثانيا. فأما كتابه إلى أبي أيوب فكان سطرا واحدا : ' حاجيتك ! لا تنسى الشيباء أبا عذرها، ولا قاتل بكرها "، فلم يدر أبو أيوب ما هو ! قال : فأتى به عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا أمير المؤمنين إن معاوية كهف المنافقين كتب إلى بكتاب لا أدرى ما هو. قال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): فأين الكتاب ؟ فدفعه


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 238.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 75.

إليه، فقرأه وقال : نعم، هذا مثل ضربه لك، يقول : لا تنسى الشيباء أبا عذرها. والشيباء : المرأة البكر ليلة افتضاضها لا تنسى بعلها الذى اقترعها أبدا، ولا تنسى قاتل بكرها، وهو أول ولدها، كذلك لا أنسى أنا قتل عثمان وأما الكتاب الذي كتبه إلى زياد، فإنه كان وعيدا وتهددا، فقال زياد : ويلى على معاوية كهف المنافقين وبقية الاحزاب ! يتهددني ويتوعدني وبيني وبينه ابن عم محمد معه سبعون ألفاء سيوفهم على عواتقهم، يطيعونه في جميع ما يأمرهم به لا يلتفت رجل منهم وراءه حتى يموت ! أما والله لو ظفر ثم خلص إلى ليجدنني أحمر ضرابا بالسيف قال نصر : أحمر أي مولى. فلما ادعاه معاوية عاد عربيا منافيا.

و أن معاوية كتب في أسفل كتابه إلى أبي أيوب :

أبلغ لديك أبا أيوب مالكة***أنا وقومك مثل الذئب والنقد

إما قتلتم أمير المؤمنين فلا***ترجوا الهوادة منا آخر الابد

إن الذي نلتموه ظالمين له***أبقت حزازته صدعا على كبدي

إني حلفت يمينا غير كاذبة***لقد قتلتم إماما غير ذى أود

لا تحسبوا أنني أنسى مصيبته***وفى البلاد من الانصار من أحد

قد أبدل اللّه منكم خير ذي كلع***واليحصبيين أهل الخوف والجند

إن العراق لنا فقع بقرقرة***أو شحمة بزها شاو ولم يكد

والشام ينزلها الابرار بلدتها***أمن وبيضتها عريسة الاسد

فلما قرئ الكتاب على على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال لشد ما شحذكم معاوية ! يا معشر الانصار أجيبوا الرجل، فقال أبو أيوب : يا أمير المؤمنين إنى ما أشاء أن أقول شيئا من الشعر يعيا به الرجال إلا قلته فقال : فأنت إذا أنت فكتب أبو أيوب إلى معاوية : أما بعد فإنك كتبت : " لا تنسى الشيباء أبا عذرها ولا قاتل بكرها "، فضربتها مثلا بقتل عثمان، وما نحن وقتل عثمان ! إن الذى تربص بعثمان وثبط يزيد بن أسد وأهل الشام عن نصرته لانت، وإن الذين قتلوه لغير الانصار، وكتب في آخر كتابه :

لا توعدنا ابن حرب إننا نفر***لا نبتغى ود ذى البغضاء من أحد

واسعوا جميعا بنى الاحزاب کلکم***لسنا نريد رضاكم آخر الأبد

نحن الذين ضربنا الناس كلهم***حتى استقاموا وكانوا عرضة الاود

والعام قصرك منا إن ثبت لنا***ضرب يزيل بين الروح والجسد

أما على فإنا لا نفارقه***ما رفرف الال في الدوية الجرد

إما تبدلت منابعدنصرتنا***دين الرسول أناسا ساكنى الجند

لا يعرفون أضل اللّه سعيهم***إلا اتباعكم يا راعي النقد

فقد بغى الحق هضما شر ذى كلع***واليحصبيون طرا بيضة البلد

قال : فلما أتى معاوية كتاب أبي أيوب كسره (1).

أن للاديان سقما وطبا وشفاء

لقد ظرف وأبدع امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله : " ونسأله المعافاة في الاديان، كما نسأله المعافاة في الابدان "، وذلك أن للاديان سقما وطبا وشفاء، كما أن للابدان سقما وطبا وشفاء قال محمود الوراق : وإذا مرضت من الذنوب فداوها بالذكر إن الذكر خير دواء والسقم في الابدان ليس بضائر والسقم في الاديان شر بلاء (2).

قول أبي الطيب

• قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): الدنيا التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها معنى حسن،

ومنه قول أبي الطيب :

كل دمع يسيل منها عليها وبفك اليدين عنها تخلى (3)

• قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): سريع إذا قام "، أي هو متأن متثبت في أحواله، فإذا نهض جد وبالغ، وهذا المعنى كثير جدا، قال أبو الطيب :

وما قلت للبدر أنت اللجين ولا قلت للشمس أنت الذهب

فيقلق منه البعيد الاناة ويغضب منه البطئ الغضب (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 43.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 81.

3) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 82.

4) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 85.

وصية آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولده عند موته

ويقال : إن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوصى ولده عند موته فقال : كل عمل تريدون أن تعملوه فتوقفوا فيه ساعة، فإني لو توقفت لم يصبنى ما أصابني (1).

في العجلة

قال بعض الاعراب يوصى ولده : إياكم والعجلة فإن أبى كان يكنيها : أم الندم. وكان يقال : من ورد عجلا صدر خجلا.

وقال ابن هانئ المغربي :

وكل أناة في المواطن سؤدد ولا كأناة من قدير محكم

ومن يتبين أن للصفح موضعا من السيف يصفح عن كثير ويحلم

وما الرأى إلا بعد طول تثبت ولا الحزم إلا بعد طول تلوم (2).

قد أرحنا واسترحنا

وقال ابن الفضل :

لا أمدح اليأس ولكنه أروح للقلب من المطمع

أفلح من أبصر روض المنى يرعى فلم يرع ولم يرتع

ومما يروى لعبد اللّه بن المبارك الزاهد :

قد أرحنا واسترحنا من غدو ورواح

واتصال بأمير ووزير ذى سماح

بعفاف وكفاف وقنوع وصلاح

وجعلنا اليأس مفتاحا لابواب النجاح (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 86.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 86.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 246.

ذهبت والله دولتنا

اجتمع بنو برمك عند يحيى بن خالد في آخر دولتهم وهم يومئذ عشرة، فأداروا بينهم الرأى في أمر فلم يصلح لهم، فقال يحيى : إنا للّه ! ذهبت والله دولتنا ! كنا في إقبالنا يبرم الواحد منا عشرة آراء مشكلة في وقت واحد، واليوم نحن عشرة في أمر غير مشكل، ولا يصح لنا فيه رأى ! اللّه نسأل حسن الخاتمة (1).

ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة

قال عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب :

وهز على بالعراقين لحية***مصيبتها جلت على كل مسلم

وقال سيأتيها من اللّه نازل اللّه نازل***ويخضبها أشقى البرية بالدم

فعاجله بالسيف شلت یمینه***لشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم

فياضربة من خاسر ضل سعيه***تبوأ منها مقعدا في جهنم

ففاز أمير المؤمنين بحظه***وإن طرقت إحدى الليالي بمعظم

ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة***حلاوتها شیبت بصاب وعلقم

ولبعض بنى عبد المطلب، يرثى عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ):

يا قبر سيدنا المجن سماحة***صلى اللّه عليك يا قبر

ماضر قبرا أنت ساكنه***ألا يحل بأرضه القطر

فلیندین سماح كفك بالثرى***وليورقن بجنبك الصخر

والله لو بك لم أجد أحدا إلا قتلت، لفاتني الوتر (2)

جدع اللّه أنف من ينقذك منها

لقي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمر، فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنشدك اللّه ! هل أستخلفك رسول اللّه ص ؟ قال : لا، قال : فكيف تصنع أنت وصاحبك ؟ قال : أما صاحبي فقد مضى لسبيله، وأما أنا فساخلعها من عنقي إلى عنقك، فقال : جدع اللّه أنف من ينقذك منها ! لا ولكن


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 254.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 125.

جعلني اللّه علما، فإذا قمت فمن خالفني ضل (1).

ما كان سبب زوال ملككم ؟

• سئل بعض شيوخ بني أمية عقيب زوال الملك عنهم : ما كان سبب زوال ملككم ؟ فقال : جار عمالنا على رعيتنا، فتمنوا الراحة منا وتحومل على أهل خراجنا فجلوا عنا وخربت ضياعنا فخلت بيوت أموالنا ووثقنا بوزرائنا فآثر و مرافقهم على منافعنا وأمضوا أمورا دوننا، أخفوا علمها عنا، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، واستدعاهم عدونا فظافروه على حربنا وطلبنا أعداءنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا، وكان استتار الاخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا (2).

أنتم الظهر والبطن والشعار دون الدثار

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عن هارون بن عمر عن محمد بن سعيد بن الفضل عن أبيه، عن الحارث بن كعب عن عبد اللّه بن أبي أوفى الخزاعي، قال : كان خالد إبن سعيد بن العاص من عمال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على اليمن فلما قبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جاء المدينة، وقد بايع الناس أبا بكر فإحتبس عن أبي بكر فلم يبايعه أياما، وقد بايع الناس وأتى بني هاشم، فقال : أنتم الظهر والبطن والشعار دون الدثار والعصا دون اللحا، فإذا رضيتم رضينا، وإذا أسخطتم سخطنا. حدثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرجل ! قالوا : نعم قال فأنا أرضى وأبايع إذا بايعتم أما والله يا بني هاشم، إنكم الطوال الشجر الطيبو الثمر. ثم إنه بايع أبا بكر، وبلغت أبا بكر فلم يحفل بها، وإضطغنها عليه عمر، فلما ولاه أبو بكر الجند الذي استنفر إلى الشام قال له عمر : أتولى خالدا وقد حبس عليك بيعته، وقال لبني هاشم ما قال ! وقد جاء بورق من اليمن وعبيد وحبشان ودروع ورماح ! ما أرى أن توليه وما آمن خلافه فانصرف عنه أبو بكر، وولى أبا عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنه (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 58.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 142.

3) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 58.

ما زال عمرو بن العاص ملحدا، وكان معاوية مثله

قال : معاوية لعمرو : يا أبا عبد اللّه إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي اللّه وشق عصا المسلمين، وقتل الخليفة وأظهر الفتنة وفرق الجماعة وقطع الرحم، فقال عمرو : من هو ؟ قال : علي قال : والله يا معاوية ما أنت وعلي بحملي بعير، ليس لك هجرته ولا سابقته، ولا صحبته ولا جهاده ولا فقهه ولا علمه ووالله إن له مع ذلك لحظا في الحرب ليس لاحد غيره ولكني قد تعودت من اللّه تعالى إحسانا وبلاء جميلا، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر ؟ قال : حكمك، فقال : مصر طعمة. فتلكأ عليه معاوية. قال نصر : وفي حديث غير عمر بن سعد : فقال له معاوية : يا أبا عبد اللّه إني أكره لك أن تتحدث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا، قال عمرو : دعني عنك، فقال معاوية : إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت، قال عمرو : لا، لعمر اللّه ما مثلي يخدع لانا أكيس من ذلك، قال معاوية : أدن مني أسارك، فدنا منه عمرو ليساره، فعض معاوية أذنه، وقال : هذه خدعة ! هل ترى في البيت أحدا ليس غيري وغيرك | قلت : قال شيخنا أبو القاسم البلخي : قول عمرو له : دعني عنك كناية عن الالحاد بل تصريح به أي دع هذا الكلام لا أصل له فإن إعتقاد الآخرة أنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات. وقال (رحمه اللّه تعالى) : وما زال عمرو بن العاص ملحدا ما تردد قط في الالحاد والزندقة، وكان معاوية مثله، ويكفي من تلاعبهما بالاسلام حديث السرار المروي، وأن معاوية عض أذن عمرو، أين هذا من سيرة عمرو ؟ وأين هذا من أخلاق علي، وشدته في ذات الله، وهما مع ذلك يعيبانه بالدعابة ! (1)

فكسر حلبة السيف وضعها لك خلخلا

قد يسير البيت في واحد، ويرى أثره عليه أبدا، كقول أبي العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة :

فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا

فكسر حلبة السيف وضعها لك خلخلا


1) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 64.

وكان عبد اللّه بن معن إذا تقلد السيف ورأى من يرمقه بان أثره عليه، فظهر الخجل منه (1).

خيزران

استحسن الرشيد قول عبد الملك بن صالح، وقد أهدى إليه باكورة فاكهة في أطباق خيزران : بعثت إلى أمير المؤمنين في أطباق قضبان تحمل من جنايا باكورة بستانه ما راج وأينع. فقال الرشيد لمن حضر : ما أحسن ما كنى عن اسم أمنا

ويقال : إن عبد الملك سبق بهذه الكناية

وإن الهادى قال لابن دأب وفى يده عصا : ما جنس هذه ؟ فقال : من أصول القنا يعنى الخيزران.

والخيزران أم الهادي والرشيد معا.

وشبيه بذلك ما يقال : إن الحسن بن سهل كان في يده ضغث من أطراف الاراك، فسأله المأمون عنه : ما هذه ؟ فقال : (محاسنك) يا أمير المؤمنين، تجنبا لان يقول : (مساويك)، وهذا لطيف (2).

فما تزود مما كان يجمعه إلا حنوطا

نهی امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الاغترار بكثرة العجب من الدنيا الدنيا، وعلل حسن هذا النهى وقبح الاغترار بما نشاهده عيانا من قلة ما يصحب مفارقيها منها.

وقال الشاعر :

فما تزود مما كان يجمعه إلا حنوطا غداة البين في خرق

وغير نفحة أعواد شببن له وقل ذلك من زاد لمنطلق (3).

أن بعض أعراقه ينزع إلى العجم

خطب إلى عقيل بن علفة المرى ابنته هشام بن اسمعيل المخزومى وكان والى


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 27.

2) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 54.

3) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 107.

المدينة، وخال هشام بن عبد الملك - فرده لانه كان أبيض شديد البياض، وكان عقيل أعرابيا جافيا غيورا مفرط الغيرة، وقال :

رددت صحيفة القرشي لما أبت أعراقه إلا احمرارا

فرده، لانه توسم فيه أن بعض أعراقه ينزع إلى العجم، لما رأى من بياض لونه وشقرته (1).

من يساجلنى

يقال إن الفرزدق مر بالفضل وهو ينشد: (من يساجلني)، فقال : أنا أساجلك ونزع ثيابه فقال الفضل : (برسول اللّه وابن عمه)، فليس الفرزدق ثيابه وقال : أعض اللّه من يساجلك بما نفت المواسى من بظر أمه (2).

لا يرى قد القميص بخصره

من الكنايات الداخلة في باب الايماء قول الشاعر :

فتى لا يرى قد القميص بخصره ولكنما يوهى القميص عواتقه

لما كان سلامة القميص من الخرق في موضع الخصر، تابعا لدقة الخصر، ووهنه في الكاهل تابعا لعظم الكاهل ذكر ما دل بهما على دقه خصر هذا الممدوح وعظم كاهله ومنه قول مسلم بن الوليد :

فرعاء في فرعها ليل على قمر على قضيب على حقف النقا الدعس

كأن قلبي وشاحاها إذا خطرت وقلبها قلبها في الصمت والخرس

تجرى محبتها في قلب عاشقها مجرى السلامة في أعضاء منتكس (3).

أيا شجر الخابور ما لك مورقا

خرج الوليد بن طريف الشيباني في أيام الرشيد بن المهدى، فأشخص إليه يزيد بن مزيد الشيباني فقتله، وحمل رأسه إلى الرشيد، وقالت أخته ترتيه وتذكر أنه كان من أهل


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 55.

2) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 55.

3) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 57.

التقى والدين على قاعدة شعراء الخوارج، ولم يكن الوليد كما زعمت :

أيا شجر الخابور ما لك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف

فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ولا المال إلا من قنا وسيوف

ولا الذخر الاكل جرداء شطبة وكل رقيق الشفرتين خفيف

فقدناك فقدان الربيع وليتنا فديناك من ساداتنا بألوف (1).

سربلت فاردده لنا سملا

من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية، وكان قد ابتاع سبى بنی ناجية من عامل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأعتقه، فلما طالبه بالمال خاص به وهرب إلى الشام، فقال : قبح اللّه مصقلة ! فعل فعل السادة وفر فرار العبيد، فما أنطق مادحه حتى أسكته، ولا صدق واصفه حتى بكته ولو أقام لاخذنا ميسوره، وانتظرنا بماله وفوره، وقد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال :

يا من مدحناه فأكذبنا بفعاله وأثابنا خجلا

بردا قشيبا من مدائحنا سربلت فاردده لنا سملا

إن التجارب تهتك المستور من أبنائها وتبهرج الرجلا (2).

ولا يزاد على ما قدر له

• دخل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) المسجد، وقال لرجل : أمسك على بغلتي، فخلع لجامها، وذهب به، فخرج على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ما قضى صلاته، وبيده در همان ليدفعهما إليه مكافأة له، فوجد البغلة عطلا، فدفع إلى أحد غلمانه الدرهمين ليشترى بهما لجاما، فصادف الغلام اللجام المسروق في السوق، قد باعه الرجل بدرهمين فأخذه بالدرهمين وعاد إلى مولاه، فقال على (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر، ولا يزاد على ما قدر له (3).

1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 73.

2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 119.

3) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

لو كان لنا في ملحنا هذا سعتر!

• قال أبو وائل : ذهبت أنا وصاحب لى إلى سلمان الفارسي فجلسنا عنده فقال : لولا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه) نهى عن التكلف لتكلفت لكم، ثم جاء بخبز وملح ساذج لا أبزار عليه فقال صاحبي : لو كان لنا في ملحنا هذا سعتر! فبعث سلمان بمطهرته فرهنها على سعتر فلما أكلنا قال صاحبي : الحمد للّه الذى قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان : لو قنعت بما رزقك لم تكن مطهرتى مرهونة !(1).

لم يكن عند عمر بن عبد العزيز أحد من هاشم يصلح للشورى

لما جاء الوليد بن عبد الملك بنعي الحجاج، قال الوليد لعمر بن عبد العزيز : مات الحجاج يا أبا حفص ؟ فقال : وهل كان الحجاج إلا رجلا منا أهل البيت ! وقال في خلافته : لو لا بيعة في أعناق الناس ليزيد بن عاتكة لجعلت هذا الامر شورى بين صاحب الاعوص إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد الاشدق وبين أحمس قريش القاسم بن محمد بن أبي بكر وبين سالم بن عبد اللّه بن عمر فما كان عليه من الضرر والحرج، وما كان عليه من الوكف والنقص أن لو قال : بين علي بن العباس وعلي بن الحسين بن علي ! وعلى أنه لم يرد التيمز ولا العدوي، وإنما دبر الامر للاموي، ولم يكن عنده أحد من هاشم يصلح للشورى، ثم دبر الامر ليبايع لاخيه أبى بكر بن عبد العزيز من بعده حتى عوجل بالسم (2).

كعب بن سور القاضى

لما انهزم أهل البصرة ركب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بغلة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الشهباء، وكانت باقية عنده،

وسار في القتلى يستعرضهم، فمر بكعب بن سور القاضي قاضي البصرة، وهو قتيل فقال : أجلسوه فأجلس، فقال له : ويلمك أمك كعب ابن سور ! لقد كان لك علم لو نفعك ! ولكن الشيطان أضلك فأزلك، فعجلك إلى النار أرسلوه ثم مر بطلحة بن عبيد اللّه قتيلا، فقال : أجلسوه، فأجلس - قال أبو مخنف في كتابه : فقال ! ويلمك أمك طلحة ! لقد كان لك قدم لو نفعك ! ولكن الشيطان أضلك فأزلك فعجلك إلى النار (3)


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 254.

3) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 248.

وذاكرنا بآداب الفرس والهند

قال الرشيد للكسائي : يا على بن حمزة قد أحللناك المحل الذى لم تكن تبلغه همتك، فرونا من الاشعار أعفها، ومن الاحاديث أجمعها لمحاسن الاخلاق وذاكرنا بآداب الفرس والهند ولا تسرع علينا الرد في ملا، ولا تترك تثقيفنا في خلاء (1).

تنبيه بطريق الاستدلال النظرى على أن الدنيا زائلة ومنصرفة

قال امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الذى هو كائن وموجود من الآخرة سيصير عن قليل - أي بعد زمان قصير أيضاً - كأنه لم يزل والزمان القصير هاهنا هو حضور القيامة، وهى وإن كانت تأتى بعد زمان طويل، إلا أن الميت لا يحس بطوله ولا فرق بين ألف ألف سنة عنده إذا عاد حيا وبين يوم واحد لان الشعور بالبطء في الزمان مشروط بالعلم بالحركة، ويدل على ذلك حال النائم. ثم قال : كل معدود منقض، وهذا تنبيه بطريق الاستدلال النظرى على أن الدنيا زائلة ومنصرفة، وقد استدل المتكلمون بهذا على أن حركات الفلك يستحيل ألا يكون لها أول فقالوا لانها داخلة تحت العدد وكل معدود يستحيل أن يكون غير متناه والكلام في هذا مذكور في كتبنا العقلية (2).

من آداب ابن المقفع

لا تكونن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك وموافقتهم فيما خالفك وتقدير الامور على أهوائهم دون هواك، فإن كنت حافظا إذا ولوك. حذرا إذا قربوك، أمينا إذا ائتمنوك، تعلمهم وكأنك تتعلم منهم، وتأدبهم وكأنك تتأدب بهم، وتشكر لهم ولا تكلفهم الشكر ذليلا إن صرموك راضيا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كل البعد والحذر منهم كل الحذر، وإن وجدت عن السلطان وصحبته غنى فاستغن عنه، فإنه من يخدم السلطان حق خدمته يخلى بينه وبين لذة الدنيا وعمل الاخرى، ومن يخدمه غير حق الخدمه فقد احتمل وزر الآخرة، وعرض نفسه للهلكة والفضيحة في الدنيا، فإذا صحبت السلطان فعليك بطول الملازمة من غير إملال، وإذا نزلت منه بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق ولا تكثر له من الدعاء، ولا تردن عليه كلاما في حفل وإن


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 76.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 106.

أخطأ، فإذا خلوت به فبصره في رفق ولا يكونن طلبك ما عنده بالمسألة، ولا تستبطئه وإن أبطأ، ولا تخبرنه أن لك عليه حقا، وأنك تعتمد عليه ببلاء، وإن استطعت ألا تنسى حقك وبلاءك بتجديد النصح والاجتهاد فافعل ولا تعطينه المجهود کله من نفسك في أول صحبتك له، وأعد موضعا للمزيد. وإذا سأل غيرك عن شئ فلا تكن المجيب. واعلم أن استلابك الكلام خفة فيك واستخفاف منك بالسائل والمسئول، فما أنت قائل إن قال لك السائل : ما إياك سألت أو قال المسئول : أجب بمجالسته ومحادثته أيها المعجب بنفسه، والمستخف بسلطانه. وقال عبد الملك بن صالح لمؤدب ولده بعد أن اختصه بمجالسته ومحادثته : يا عبد اللّه كن على التماس الحظ فيك بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام فإنهم قالوا : إذا أعجبك الكلام فاصمت وإذا أعجبك الصمت فتكلم. وأعلم أن أصعب الملوك معاملة الجبار الفطن المتفقد، فإن ابتليت بصحبته فاحترس وإن عوفيت فاشكر اللّه على السلامة، فإن السلامة أصل كل نعمه لا تساعدني على ما يقبح بي، ولا تردن على خطا في مجلس ولا تكلفني جواب التشميت والتهنئة، ودع عنك : كيف أصبح الامير وكيف أمسى ! وكلمني بقدر ما أستنطقك، وأجعل بدل التقريظ لى صواب الاستماع منى وأعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول، فإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شئ، وأنى فهمك إياه في طرفك ووجهك، فما ظنك بالملك وقد أحلك محل المعجب بما يسمعك إياه، وأحللته محل من لا يسمع منه ! وكل من هذا يحبط إحسانك، ويسقط حق حرمتك، ولا تستدع الزيادة من كلامي بما تظهر من استحسان ما يكون منى، فمن أسوأ حالا ممن يستكد الملوك بالباطل، وذلك يدل على تهاونه بقدر ما أوجب اللّه تعالى من حقهم. واعلم أنى جعلتك مؤدبا، بعد أن كنت معلما، وجعلتك جليسا مقربا بعد أن كنت مع الصبيان مباعدا، فمتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه، لم تعرف رجحان ما دخلت فيه، وقد قالوا : من لم يعرف سوء ما أولى لم يعرف حسن ما أبلى (1).

في الكتاب

يقال : للكاتب على الملك ثلاث : رفع الحجاب عنه، واتهام الوشاة عليه، وإفشاء السر إليه.


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 76.

يقال : صاحب السلطان نصفه، وكاتبه كله

وينبغى لصاحب الشرطة أن يطيل الجلوس ويديم العبوس، ويستخف بالشفاعات وكان يقال إذا كان الملك ضعيفا والوزير شرها والقاضي جائرا فرقوا الملك شعاعا وكان يقال : لا تخف صوله الامير مع رضا الكاتب ولا تثقن برضا الامير مع سخط الكاتب، وأخذ هذا المعنى أبو الفضل بن العميد فقال :

وزعمت أنك لست تفكر بعد ما***لقت يداك بذمه الامراء

هیهات قد كذبتك فكرتك التي***قد أوهمتك غنى عن الوزراء

لم تغن عن أحد سماء لم تجد***أرضا ولا أرض بغير سماء

وكان يقال : إذا لم يشرف الملك على أموره صار أغش الناس إليه وزيره

وكان يقال : ليس الحرب الغشوم بأسرع في اجتياح الملك من تضييع مراتب الكتاب حتى يصيبها أهل النذالة، ويزهد فيها أولو الفضل(1).

ما نصحت به الاوائل الوزراء

كان يقال : لا شئ أذهب بالدول من استكفاء الملك الاسرار.

وكان يقال : من سعادة جد المرء ألا يكون في الزمان المختلط وزيرا للسلطان. وكان يقال : كما أن أشجع الرجال يحتاج إلى السلاح، وأسبق الخيل يحتاج إلى السوط، وأحد الشفار يحتاج إلى المسن، كذلك أحزم الملوك وأعقلهم يحتاج إلى الوزير الصالح وكان يقال : صلاح الدنيا بصلاح الملوك، وصلاح الملوك بصلاح الوزراء وكما لا يصلح الملك إلا بمن يستحق الملك، كذلك لا تصلح الوزارة إلا بمن يستحق الوزارة.

وكان يقال : الوزير الصالح لا يرى أن صلاحه في نفسه كائن صلاحا حتى يتصل بصلاح الملك وصلاح رعيته وأن تكون عنايته فيما عطف الملك على رعيته، وفيما استعطف قلوب الرعية والعامة على الطاعه للملك، وفيما فيه قوام أمر الملك من التدبير الحسن، حتى يجمع إلى أخذ الحق تقديم عموم الأمن. وإذا طرقت الحوادث، كان للملك عدة وعتادا وللرعية كافيا محتاطا، ومن ورائها محاميا ذابا، يعنيه من صلاحها ما


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 79.

لا يعنيه من صلاح نفسه دونها.

وكان يقال : مثل الملك الصالح إذا كان وزيره فاسدا مثل الماء العذب الصافي وفيه التمساح، لا يستطيع الانسان - وإن كان سابحا الانسان - وإن كان سابحا، وإلى الماء ظامئا - دخوله، حذرا على نفسه.

قال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظى حين استخلف : لو كنت كاتبي وردءا لى على ما دفعت إليه ! قال : لا أفعل ولكني سأرشدك، أسرع الاستماع، وأبطئ يأتيك واضح البرهان ولا تعملن ثبجتك فيما تكتفى فيه بلسانك، ولا

في التصديق حتى سوطك فيما تكتفى فيه بثبجتك، ولا سيفك فيما تكتفى فيه بسوطك.

وكان يقال : النقاط الكاتب للرشا وضبط الملك لا يجتمعان (1).

يسبون ذراري الخوارج من العرب وغيرهم

كان بنو امية يسبون ذراري الخوارج من العرب وغيرهم لما قتل قريب وزحاف الخارجيان، سبی زیاد ذراريهما، فأعطى شقيق بن ثور السدوسي إحدى بناتهما، وأعطى عباد بن حصين الأخرى وسبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري وبنت لقطري بن الفجاءة المازني، فصارت هذه إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك، واسمها أم سلمة، فوطئها بملك اليمين على رأيهم، فولدت له المؤمل، ومحمدا، وإبراهيم، وأحمد، وحصينا بنى عباس بن الوليد بن عبد الملك. وسبي واصل بن عمرو القنا واسترق وسبي سعيد الصغير الحروري واسترق وأم يزيد بن عمر بن هبيرة، وكانت من سبي عمان الذين سباهم مجاعة، وكانت بنو أمية تبيع الرجل في الدين يلزمه وترى أنه يصير بذلك رقيقا. كان معن أبو عمير بن معن الكاتب حرا مولى لبني العنبر، فبيع في دين عليه، فاشتراه أبو سعيد بن زياد بن عمرو العتكي وباع الحجاج علي بن بشير بن الماحوز لكونه قتل رسول المهلب على رجل من الازد (2).

العالم من عرف قدره

قال امير الؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): العالم من عرف قدره من الامثال المشهورة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 80.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 241.

قال الناس بعده في ذلك فأكثروا، نحو قولهم : إذا جهلت قدر نفسك فأنت لقدر غيرك أجهل ونحو قولهم : من لم يعرف قدر نفسه، فالناس أعذر منه إذا لم يعرفوه، ونحو قول الشاعر أبي الطيب : ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى (1).

رجال من العرب كل منهم يلد لصلبه أكثر من مائة

ولد رجال من العرب كل منهم يلد لصلبه أكثر من مائة فصاروا بذلك مفخرا منهم عبد اللّه بن عمير الليثي، وأنس بن مالك الانصاري، وخليفة بن بر السعدي أتى على عامتهم الموت الجارف ومات جعفر بن سليمان بن علي بن عبد اللّه ابن العباس عن ثلاثة وأربعين ذكرا وخمس وثلاثين امرأة كلهم لصلبه فما ظنك بمن مات من ولده في حياته ! وليس طبقة من طبقات الاسنان الموت إليها أسرع، وفيها أعم وأفشى من سن الطفولية، وأمر جعفر بن سليمان قد عاينه عالم من الناس وعامتهم أحياء، وليس خبر جعفر كخبر غيره من الناس (2).

ومن لى بالشهادة

أن معاوية لما تم له الأمر بعد وفاة على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بعث زيادا على البصرة ونادى منادى معاوية : أمن الاسود والاحمر بأمان اللّه إلا عبد اللّه بن هاشم بن عتبة ! فمكث معاوية يطلبه أشد الطلب ولا يعرف له خبرا حتى قدم عليه رجل من أهل البصرة، فقال له : أنا أدلك على عبد اللّه ابن هاشم بن عتبة اكتب إلى زياد، فإنه عند فلانة المخزومية، فدعا كاتبه فكتب : من معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان، أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا، فاعمد إلى حي بنی مخزوم ففتشه دارا دارا، حتى تأتى إلى دار فلانة المخزومية، فاستخرج عبد اللّه بن هاشم المرقال منها، فاحلق راسه، وألبسه جبة شعر، وقيده وغل يده إلى عنقه واحمله على قتب بعير بغير وطاء ولا غطاء، وانفذ به إلى. قال المرزبانى : فأما الزبير بن بكار فإنه قال : إن معاوية قال لزياد لما بعثه إلى البصرة إن عبد اللّه بن المرقال في بنى ناجية بالبصرة عند امرأة منهم يقال لها فلانة وأنا أعزم عليك إلا حططت رحلك ببابها، ثم اقتحمت الدار واستخرجته منها، وحملته إلى.


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 108.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 245.

فلما دخل زياد إلى البصرة سأل عن بنى ناجية وعن منزل المرأة فاقتحم الدار واستخرج عبد اللّه منها فأنفذه إلى معاوية فوصل إليه يوم الجمعة وقد لاقى نضبا كثيرا، ومن الهجير ما غير جسمه وكان معاوية يأمر بطعام فيتخذ في كل جمعة لاشراف قريش ولاشراف الشام ووفود العراق، فلم يشعر معاوية إلا وعبد اللّه بين يديه وقد ذبل وسهم وجهه فعرفه ولم يعرفه عمرو بن العاص، فقال معاوية يا أبا عبد اللّه أتعرف هذا الفتى ؟ قال لا، قال : هذا ابن الذى كان يقول في صفين :

أعور يبغى أهله محلا***قد عالج الحياة حتى ملا

لابد أن يفل أو فلا

قال عمرو : وإنه لهو ! دونك الضب المضب فاشخب أوداجه، ولا ترجعه إلى العراق فإنهم أهل فتنة ونفاق وله مع ذلك هوى يرديه، وبطانة تغويه فوالذي نفسي بيده لئن أفلت من حبائلك، ليجهزن إليك جيشا تكثر صواهله لشر يوم لك. فقال عبد اللّه و لو في القيد : يابن الابتر، هلا كانت هذه الحماسة عندك يوم صفين، ونحن ندعوك إلى البراز، وتلوذ بشمائل الخيل كالامة السوداء والنعجة القوداء أما إنه إن قتلني قتل رجلا كريم المخبرة، حميد المقدرة، ليس بالجبس المنكوس ولا الثلب (3) المركوس. فقال عمرو : دع كيت وكيت فقد وقعت بين لحيي لهزم فروس للاعداء، يسعطك إسعاط الكودن الملجم. قال عبد اللّه : أكثر إكثارك، فإني أعلمك بطرا في الرخاء، جبانا في اللقاء هيابة عند كفاح الاعداء ترى أن تقى مهجتك بأن تبدى سوأتك. أنسيت صفين وأنت تدعى إلى النزال فتحيد عن القتال، خوفا أن يغمرك رجال لهم أبدان شداد، وأسنة حداد ينهبون السرح ويذلون العزيز ! قال عمرو : لقد علم معاوية أنى شهدت تلك المواطن، فكنت فيها كمدرة الشوك، ولقد رأيت أباك في بعض تلك المواطن تخفق أحشاؤه، وتنق أمعاؤه قال : أما والله لو لقيك أبى في ذلك المقام، لارتعدت منه فرائصك، ولم تسلم منه مهجتك، ولكنه قاتل غيرك فقتل دونك. فقال معاوية ألا تسكت لا أم لك ! فقال : يا بن هند أتقول لى هذا ! والله لئن شئت لا عرقن جبينك، ولا قيمنك وبين عينيك وسم يلين له أخدعاك. أبأكثر من الموت تخوفني ! فقال معاوية أو تكف يا بن أخى ! وأمر به إلى السجن. فقال عمرو : وذكر الابيات فقال عبد اللّه : وذكر الابيات أيضاً، وزاد : " فأطرق معاوية طويلا حتى ظن أنه لن يتكلم ثم قال :

أرى العفو عن عليا قريش وسيلة***إلى اللّه في اليوم العبوس القماطر

ولست أرى قتلى فتى ذا قرابة***له نسب في حي كعب وعامر

بل العفو عنه بعد ما خاب قدحه***وزلت به إحدى الجدود العواثر

وكان أبوه يوم صفين محنقا***علينا فأردته رماح يحابر

ثم قال له : أتراك فاعلا ما قال عمرو من الخروج علينا ! قال لا تسل عن عقيدات الضمائر، لا سيما إذا أرادت جهادا في طاعة اللّه قال : إذن يقتلك اللّه كما قتل أباك قال : ومن لى بالشهادة !(1).

عمر بن عبد العزيز أعظم الخلق قولا بالجبر

قدم على عمر بن عبد العزيز عبد اللّه بن حسن بن حسن فلما رأى كماله وبيانه وعرف نسبه ومركبه وموضعه وكيف ذلك من قلوب المسلمين وفي صدور المؤمنين لم يدعه يبيت بالشام ليلة واحدة وقال له : الحق بأهلك، فإنك لم تغنهم شيئا هو أنفس منك ولا أرد عليهم من حياتك. أخاف عليك طواعين الشام، وستلحقك الحوائج على ما تشتهي وتحب، وإنما كره أن يروه ويسمعوا كلامه فلعله يبذر في قلوبهم بذرا، ويغرس في صدورهم غرسا، وكان أعظم الخلق قولا بالجبر حتى يتجاوز الجهمية ويربي على كل ذي غاية صاحب شنعة وكان يصنع في ذلك الكتب، مع جهله بالكلام وقلة اختلافه إلى أهل النظر. وقال له شوذب الخارجي : لم لا تلعن رهطك وتذكر أباك إن كانوا عندك ظلمة فجرة ؟ فقال عمر : متى عهدك بلعن فرعون ! قال مالی به عهد قال : أفيسعك أن تمسك عن لعن فرعون ولا يسعنى أن أمسك عن لعن آبائي ! فرأى أنه قد خصمه وقطع حجته، وكذلك يظنه كل من قصر عن مقدار العالم وجاوز مقدار الجاهل، وأي شبه لفرعون بأل مروان وآل أبي سفيان ! هؤلاء قوم لهم حزب وشيعة، وناس كثير يدينون بتفضيلهم وقد اعتورتهم الشبه في أمرهم، وفرعون على خلاف ذلك، وضده لا شيعة له ولا حزب ولا نسل ولا موالي ولا صنائع ولا في أمره شبهة. ثم إن عمر ظنين في أمر أهله فيحتاج إلى غسل ذلك عنه بالبراءة منهم، وشوذب ليس بظنين في أمر فرعون، وليس الامساك عن لعن فرعون والبراءة منه مما يعرفه الخوارج، فكيف استويا عنده (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 32.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 254.

الامل

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): من جرى في عنان أمله عثر بأجله.

قال الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو رأيت الاجل ومسيره لنسبت الامل وغروره، ويقدر المقدرون والقضاء يضحك.

وروى أبو سعيد الخدرى أن أسامة بن زيد اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ألا تعجبون من أسامة يشترى إلى شهر ! إن أسامة لطويل الامل.

أبو عثمان النهدي : قد بلغت نحوا من ثلاثين ومائة سنة فما من شئ إلا قد عرفت فيه النقص إلا أملي فإنه كما كان.

قال الشاعر :

أراك تزيدك الايام حرصا***على الدنيا كأنك لا تموت

فهل لك غاية إن صرت يوما***إليها قلت حسبي قد رضیت !

وقال آخر :

من تمنى المنى فأغرق فيها***مات من قبل أن ينال مناه

ليس في مال من تتابع في اللذات فضل عن نفسه لسواه (1).

مما قيل في المروءه

أحسن ما قيل في المروءة قولهم : اللذة ترك المروءة والمروءة ترك اللذة.

وفي الحديث أن رجلا قام إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال : يا رسول اللّه ألست أفضل قومي ! فقال : إن كان لك عقل فلك فضل، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك تقى فلك دين.

وسئل الحسن عن المروءة فقال : جاء في الحديث المرفوع : إن اللّه تعالى يحب معالى الامور ويكره سفسافها.

وكان يقال : من مروءة الرجل جلوسه بباب داره.


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 127.

وقال الحسن : لا دين إلا بمروءة

وقيل لابن هبيرة : ما المروءة ؟ فقال : إصلاح المال، والرزانة في المجلس، والغداء والعشاء بالفناء.

وجاء أيضاً في الحديث المرفوع : حسب الرجل ماله وكرمه دينه، ومروءته خلقه. وكان يقال : ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق.

ويقال : سرعة المشى تذهب بمروءة الرجل.

وكان عروة بن الزبير يقول لبنيه : يا بنى العبوا، فإن المروءة لا تكون إلا بعد اللعب. وقيل للاحنف : ما المروءة ؟ قال : العفة والحرفة، تعف عما حرم اللّه وتحترف فيما أحل الله.

وقال محمد بن عمران التيمى لا أشد من المروءة وهى ألا تعمل في السر شيئا تستحيى منه في العلانية.

وسئل النظام عن المروءة، فانشد بيت زهير :

الستر دون الفاحشات ولا***يلقاك دون الخير من ستذ

وقال میمون بن مهران : أول المروءة طلاقة الوجه والثانى التودد إلى الناس،

والثالث قضاء الحوائج. وقال مسلمة بن عبد الملك : مروءتان ظاهرتان: الرياش والفصاحة.

وكان يقال : تعرف مروءة الرجل بكثرة ديونه.

وكان يقال : العقل يأمرك بالانفع، والمروءة تأمرك بالاجمل ((1)).

إسقاط المروءة

قال معاوية لعمرو : ما ألذ الاشياء ؟

قال : مرفتيان قريش أن يقوموا، فلما قاموا قال : إسقاط المروءة (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 128.

2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 128.

وارسلت إلى حفصة تسألها الخروج والمسير معها

لما عزمت عائشة على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعيرا أيدا يحمل هودجها فجاءهم يعلى بن أمية ببغيره المسمى عسكرا وكان عظيم الخلق شديدا، فلما رأته أعجبها، وأنشأ الجمال يحدثها بقوته وشدته ويقول في أثناء كلامه : (عسكر)، فلما سمعت هذه اللفظة استرجعت وقالت : ردوه لا حاجة لى فيه، وذكرت حيث سئلت أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لول ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه، وأمرت أن يطلب لها غيره فلم يوجد لها ما يشبهه، فغير لها بجلال غير جلاله وقيل لها : قد أصبنا لك أعظم منه خلقا، وأشد قوة، وأتيت به فرضيت قال أبو مخنف : وأرسلت إلى حفصة تسألها الخروج والمسير معها فبلغ ذلك عبد اللّه ابن عمر فأتى أخته فعزم عليها، فأقامت وحطت الرحال بعد ما همت (1).

فارضوا بقدر اللّه وقضائه

قال المسيب بن نجبة للحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما ينقضى عجبي منك ! بايعت معاوية ومعك أربعون ألفا، ولم تأخذ لنفسك وثيقة وعقدا ظاهرا، أعطاك أمرا فيما بينك وبينه، ثم قال ما قد سمعت والله ما أراد بها غيرك، قال : فما ترى ؟ قال : أرى أن ترجع إلى ما كنت عليه، فقد نقض ما كان بينه وبينك فقال : يا مسيب إني لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء ولا أثبت عند الحرب منى، ولكني أردت صلاحكم وكف بعضكم عن بعض، فارضوا بقدر اللّه وقضائه حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر (2).

لعن اللّه من يسب عليا وحسينا من سوقة وإمام

كان عمال عمر بن عبد العزيز على البلاد عماله وأصحابه والذي حسن أمره، وشبه على الاغبياء حاله، أنه قام بعقب قوم قد بدلوا عامة شرائع الدين وسنن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان الناس قبله من الظلم والجور والتهاون بالاسلام في أمر صغر في جنبه ما عاينوا منه، وألفوه عليه فجعلوه بما نقص من تلك الامور الفظيعة في عداد الائمة الراشدين


1) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 224.

2) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 15.

وحسبك من ذلك أنهم كانوا يلعنون عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على منابرهم، فلما نهى عمر عن عمر عن ذلك عد محسنا ويشهد لذلك قول كثير فيه :

ولیت فلم تشتم عليا ولم تخف***بريا ولم تتبع مقالة مجرم

علي

وهذا الشعر يدل على أن شتم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد كان لهم عادة، حتى مدح من كف عنه، ولما ولي خالد بن عبد اللّه القسرى مكة - وكان إذا خطب بها لعن عليا والحسن والحسين (عليهم السلام) - قال عبيد اللّه بن كثير السهمي :

لعن اللّه من يسب عليا***حسینا من سوقة وإمام

ب المطهرون جدودا***والكرام الاباء والاعمام

يأمن الطير والحمام ولا يأ***من آل الرسول عند المقام !

طبت بيتا وطاب أهلك أهلا***أهل بيت النبي والاسلام !

رحمة اللّه والسلام عليهم***كلما قام قائم بسلام (1).

قتل جدي جميعا الزبير وعثمان

قام عبد اللّه بن الوليد بن عثمان بن عفان - وكان عفان - وكان ممن يناله بزعمهم إلى هشام بن عبد الملك، وهو يخطب على المنبر بعرفة - فقال : يا أمير المؤمنين، هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبى تراب فقال هشام : ليس لهذا جئنا، ألا ترى أن ذلك يدل على أنه قد كان لعنه فيهم فاشيا ظاهرا وكان عبد اللّه بن الوليد هذا يلعن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقول : قتل جدي جميعا، الزبير وعثمان (2).

فقتل وأخذ الكتاب

الكتاب الذى كان معاوية ينظر فيه ويعجب منه، ويفتى به ويقضى بقضاياه وأحكامه هو عهد على (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الاشتر، فإنه نسيج وحده، ومنه تعلم الناس الاداب والقضايا والاحكام والسياسة، وهذا العهد صار إلى معاوية لما سم الاشتر ومات قبل وصوله إلى مصر، فكان ينظر فيه ويعجب منه، وحقيق من مثله أن يقتنى في خزائن الملوك. فلما بلغ


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 256.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 256.

عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية، اشتد عليه جزنا

عن عبد اللّه بن سلمة، قال : صلى بنا على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما انصرف قال :

لقد عشرت عشرة لا أعتذر***سوف أكيس بعدها وأستمر

• وأجمع الأمر الشتيت المنتشر *

فقلنا : ما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إني استعملت محمد بن أبي بكر على مصر، فكتب إلى أنه لا علم لى بالسنة فكتبت إليه كتابا فيه أدب وسنة، فقتل وأخذ الكتاب (1).

قم فالعن عليا

قال المغيرة وهو عامل معاوية يومئذ لصعصعة بن صوحان : قم فالعن عليا فقام فقال : إن أميركم هذا أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنة اللّه ! وهو يضمر المغيرة (2).

الخليفة المستضعف والخليفة المداهن والخليفة المأفون

أما عبد الملك فحسبك من جهله تبديله شرائع الدين والاسلام وهو يريد أن يلي أمور أصحابها بذلك الدين بعينه وحسبك من جهله أنه رأى من أبلغ التدبير في منع بني هاشم الخلافة أن يلعن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) علی منابره، ويرمى بالفجور في مجالسه وهذا قرة عين عدوه وعير وليه وحسبك من جهله قيامه على منبر الخلافة قائلا : إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف ولا بالخليفة المداهن ولا بالخليفة، وهؤلاء سلفه وأئمته، وبشفعتهم قام ذلك المقام، وبتقدمهم وتأسيسهم نال تلك الرئاسة، ولو لا العاده المتقدمة، والاجناد المجندة والصنائع القائمة، لكان أبعد خلق اللّه من ذلك المقام وأقربهم إلى المهلكة إن رام ذلك الشرف وعنى بالمستضعف عثمان، وبالمداهن معاوية وبالمأفون يزيد بن معاوية وهذا الكلام نقض لسلطانه وعداوة لاهله، وإفساد لقلوب شيعته، ولو لم يكن من عجز رأيه إلا أنه لم يقدر على إظهار قوته إلا بأن يظهر عجز أئمته لكفاك ذلك منه (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 72.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 257.

3) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 257.

مرأة ابوها خليفة، وجدها خليفة، وابنها خليفة واخوها خليفة، وبعلها خليفة

مرأة أبوها خليفة، وجدها خليفة، وأبنها خليفة، وأخوها خليفة، وبعلها خليفة فهؤلاء خمسة مسة، وهى عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أبوها يزيد بن معاوية خليفة، وجدها معاوية بن أبي سفيان خليفة، وابنها يزيد بن عبد الملك بن مروان خليفة وأخوها معاوية بن يزيد خليفة، وبعلها عبد الملك بن مروان خليفة (1).

الذى سن للعرب الاباء

الفقه والعلم والتفسير والتاويل لم يكن فيه مثل على بن أبى طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعبد اللّه بن العباس وزيد بن على ومحمد بن على ابني علي بن الحسين بن علي، وجعفر بن محمد الذى ملا الدنيا علمه وفقهه. ويقال : أن أبا حنيفة من تلامذته، وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب، ولذلك نسب سفيان إلى أنه زيدي المذهب وكذلك أبو حنيفة. ومن مثل على بن الحسين زين العابدين ! وقال الشافعي في الرسالة في إثبات خبر الواحد : وجدت علي بن الحسين وهو أفقه أهل المدينة يعول على أخبار الاحاد ومن مثل محمد بن الحنفية وابنه أبى هاشم الذي قرر علوم التوحيد والعدل ! وقالت المعتزلة : غلبنا الناس كلهم بأبي هاشم الأول، وأبى هاشم الثاني ! وإن ذكرتم النجدة والبسالة والشجاعة فمن مثل على بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد وقع اتفاق أوليائه وأعدائه على أنه أشجع البشر ومن مثل حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسد رسوله ! ومن مثل الحسين بن علي (عليهما السلام) ! قالوا يوم (عليهما السلام) ! قالوا يوم الطف : ما رأينا مكثورا قد أفرد من أخوته وأهله وأنصاره أشجع منه كان كالليث المحرب، يحطم الفرسان حطما. وما ظنك برجل أبت نفسه الدنية وأن بيده فقاتل حتى قتل هو وبنوه وإخوته وبنو عمه بعد بذل الامان لهم، والتوثقة بالايمان المغلظة، وهو الذى سن للعرب الاباء واقتدى بعده أبناء الزبير وبنو المهلب وغيرهم (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 266.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 274.

غرى غيرى

قال أبو الأسود الدؤلى، لما ظهر على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الجمل، دخل بيت المال بالبصرة في

ناس من المهاجرين والانصار وأنا معهم فلما رأى كثرة ما فيه قال : غرى غيرى مرارا، ثم نظر إلى المال وصعد فيه بصره وصوب، وقال : اقسموه بين أصحابي خمسمائة، فقسم بينهم فلا والذي بعث محمدا بالحق ما نقص درهما ولا زاد درهما كأنه كان يعرف مبلغه ومقداره وكان ستة آلاف ألف درهم، والناس اثنا عشر ألفا (1).

تأمر بإنزال جيفة أبي بكر فإن النساء يجزعن

وروى أبو العباس في الكامل إن عروة لما صلب عبد اللّه جاء إلى عبد الملك فوقف ببابه وقال للحاجب : أعلم أمير المؤمنين إن أبا عبد اللّه بالباب فدخل الحاجب فقال : رجل يقول قولا عظيما. قال : وما هو ؟ فتهيب فقال : قل. قال : رجل يقول : قل لامير المؤمنين : أبو عبد اللّه بالباب فقال عبد الملك : قل لعروة يدخل فدخل فقال : تأمر بإنزال جيفة أبي بكر فإن النساء يجزعن، فأمر بإنزاله. قال : وقد كان كتب لحجاج إلى عبد الملك يقول : إن خزائن عبد اللّه عند عروة فمره فليسلمها، فدفع عبد الملك إلى عروة، وظن أنه يتغير، فلم يحفل بذلك كأنه ما قرأه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج ألا يعرض لعروة (2).

أنا محبوس، والمحبوس محبوس الرأى

أرسل المنصور لما هاضه أمر إبراهيم إلى عمه عبد اللّه بن على وهو في السجن يستشيره ما يصنع ! وكان إبراهيم قد ظهر بالبصرة، فقال عبد اللّه : أنا محبوس والمحبوس محبوس الرأى، قال: له فعلى ذاك ؟ قال : يفرق الاموال كلها على الرجال ويلقاه، فإن ظفر فذاك، وإلا يتوجه إلى أبيه محمد بجرجان ويتركه يقدم على بيوت أموال فارغة، فهو خير له من أن تكون الدبرة عليه، ويقدم عدوه على بيوت أموال مملوءة (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 249.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 139.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 254.

رايتنى والأمر على مدبر

قال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن أبي مسلم صاحب شرطة الحجاج يوما لعن اللّه رجلا أجرك رسنه وخرب لك آخرته قال : يا أمير المؤمنين، رأيتني والامر عنى مدير ولو رأيتني والامر على مقبل لاستكبرت منى ما استصغرت، ولاستعظمت مني ما استحقرت (1).

في العفاف

قال عبد الصمد بن المعذل في العفاف :

ساقنى العفاف وارضى الكفاف وليس غنى النفس حوز الجزيل

ولا اتصدى لشكر الجواد ولا استعد لذم البخيل

واعلم أن بنات الرجاء تحل العزيز محل الذليل

وأن ليس مستغنيا بالكثير من ليس مستغنيا بالقليل (2).

يؤمل أن يعمر عمر نوح

وما أحسن قول القائل :

واحسرتا مات حظى من وصالكم وللحظوظ كما للناس آجال

إن مت شوقا ولم أبلغ مدى أملى كم تحت هذى القبور الخرس آمال !

وقال الشاعر :

ألم تر حوشبا بالأمس يبنى بناء نفعه لبنى نفيلة

يؤمل أن يعمر عمر نوح وأمر اللّه يطرق كل ليلة

قال الشاعر :

وذى إبل يسعى ويحسبها له أخو تعب في رعيها ودعوب

غدت وغدا رب سواه يسوقها وبدل أحجارا وجال قليب (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 254.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 259.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 255.

فرجعت وهى راضية

كان أبو ذر – (رضي اللّه عنه) جالسا بين الناس فأتته امرأته فقالت : انت جالس بين هؤلاء، ولا والله ما عندنا في البيت هفة ولا سفه، فقال : يا هذه، إن بين ايدينا عقبه كؤودا، لا ينجو منها إلا كل مخف، فرجعت وهى راضية (1).

رب كلمه تقول

رب كلمه تقول : دعني. وقالوا أصلها إن بعض ملوك الحيرة كان قد استراب ببعض خولة، فنزل يوما وهو يتصيد على تلعة ونزل أصحابه حوله فأفاضوا في حديث كثير، فقال ذلك الانسان : أترى لو أن رجلا ذبح على رأس هذه التلعة هل كان يسيل دمه إلى أول الغائط ؟ فقال الملك : هلموا فاذبحوه لننظر، فذبحوه، فقال : الملك الملك رب كلمة تقول : دعني. وقال أكثم بن صيفي : من إكرام الرجل نفسه ألا يتكلم بكل ما يعلم (2).

راي فاسد للمعتزلة بالمغفرة

قال ابن أبي الحديد : إن الذى جرأ الناس على المعصية الطمع في المغفرة والعفو العام. وقولهم : الحلم والكرم والصفح من أخلاق ذوى النباهة والفضل من الناس فكيف لا يكون من الباري سبحانه عفو عن الذنوب ! وما أحسن قول شيخنا أبي على لو لا القول بالارجاء لما عصى اللّه في الأرض (3).

في بعض كتب اللّه القديمة

يقال إن في بعض كتب اللّه القديمة : الدنيا غنيمة الاكياس وغفلة الجهال لم يعرفوها حتى خرجوا منها فسألوا الرجعة فلم يرجعوا (4).

مثل للدنيا

ضربت الحكماء مثلا للدنيا نحن نذكره هاهنا قالوا مثل الدنيا وأهلها كقوم ركبوا


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 301.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 322.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 324.

4) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 326.

سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم المقام، وخوفهم مرور السفينة واستعجالها، فتفرقوا في نواحى الجزيرة، فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة، فصادف المكان خاليا، فأخذ أوسع المواضع وألينها وأوفقها لمراده. وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة وغياضها الملتفة ونغمات طيورها الطيبة، وألحانها الموزونة الغريبة، ولحظ في تزيينها أحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الالوان ذوات الاشكال الحسنة المنظر العجيبة النقش السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجها، وعجائب صورها ثم تنبه لخطر فوات السفينة، فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا، فاستقر فيه، وبعضهم أكب فيها على تلك الاصداف والاحجار، وقد أعجبه حسنها، ولم تسمح نفسه بإهمالها وتركها، فاستصحب منها جملة فجاء إلى السفينة فلم يجد إلا مكانا ضيقا وزاده ما حمله ضيقا، وصار ثقلا عليه ووبالا، فندم على أخذه، ولم تطعه نفسه على رميه ولم يجد موضعا له، فحمله على عنقه ورأسه وجلس في المكان الضيق في السفينة، وهو متاسف على أخذه ونادم وليس ينفعه ذلك، وبعضهم تولج بتلك الانوار والغياض، ونسى السفينة وأبعد في متفرجه ومتنزهه، حتى إن نداء الملاح لم يبلغه لاشتغاله بأكل تلك الثمار، واشتمامه تلك الأنوار والتفرج بين تلك الاشجار، وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع، والسقطات والنكبات ونهش الحيات وليس ينفك عن شوك يتشبث بثيابه وغصن يجرح جسمه ومروة تدمى رجله وصوت هائل يفزع منه، وعوسج يملا طريقه، ويمنعه عن الانصراف لو أراده وكان في جماعة ممن كان معه في السفينة حالهم حاله، فلما بلغهم نداء السفينة راح بعضهم مثقلا بما معه فلم يجد في السفينة موضعا واسعا ولا ضيقا فبقى على الشط حتى مات جوعا وبعضهم بلغه النداء، فلم يعرج عليه، واستغرقته اللذة وسارت السفينة، فمنهم من افترسته السباع ومنهم من تاه وهام على وجهه حتى هلك، ومنهم من ارتطم في الأوحال، ومنهم من نهشته الحيات فتفرقوا هلكي كالجيف المنتنة. فأما من وصل إلى السفينة مثقلا بما أخذه من الازهار والفاكهة اللذيذة والاحجار المعجبة فإنها استرقته وشغله الحزن بحفظها والخوف من ذهابها عن جميع أموره، وضاق عليه بطريقها مكانه، فلم تلبث أن ذبلت تلك الازهار، وفسدت تلك الفاكهة الغضة، وكمدت ألوان الاحجار وحالت فظهر له نتن رائحتها فصارت مع كونها مضيقة عليه مؤذية له بنتنها ووحشتها، فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هربا منها وقد أثر في

مزاجه ما أكله منها، فلم ينته إلى بلده إلا بعد أن ظهرت عليه الاسقام بما أكل وما شم من تلك الروائح، فبلغ سقيما وقيذا مدبرا، وأما من كان رجع عن قريب وما فاته إلا سعة المحل، فإنه تأذى بضيق المكان مدة، ولكن لما وصل إلى الوطن استراح، وأما من رجع أولا فإنه وجد المكان الأوسع، ووصل إلى الوطن سالما طيب القلب مسرورا (1).

بهؤلاء تمنع مكة وتشرف مكة

على بن عبد اللّه بن العباس وولده كان كل واحد منهم إذا قام إلى جنب أبيه كان رأسه عند شحمه أذنه وكانوا من أطول الناس وإنك لتجد ميراث ذلك اليوم في أولادهم. ثم الذى رواه أصحاب الاخبار وحمال الاثار في عبد المطلب من التمام والقوام والجمال والبهاء، وما كان من لقب هاشم بالقمر لجماله، ولانهم يستضيئون برأيه وكما رواه الناس أن عبد المطلب ولد عشرة كان الرجل منهم يأكل في المجلس الجذعة ويشرب الفرق وترد آنفهم قبل شفاههم، وإن عامر بن مالك لما رآهم يطوفون بالبيت كأنهم جمال جون قال : بهؤلاء تمنع مكة وتشرف مكة (2). !

أصبح الناس وجها

كان الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصبح الناس وجها، كان يشبه برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكذلك عبد اللّه بن الحسن المحض (3).

ثلاثة في عصر بنو عم، كلهم يصلح للخلافة

ثلاثة في عصر بنو عم، كلهم يسمى عليا، وكلهم كان يصلح للخلافة بالفقه والنسك والمركب والرأي والتجربة والحال الرفيعة بين الناس : على بن الحسين بن على وعلى بن عبد اللّه بن العباس وعلى بن عبد اللّه بن جعفر، كل هؤلاء كان تاما كاملا بارعا جامعا. وكانت لبابة بنت عبد اللّه بن العباس عند على بن عبد اللّه بن جعفر قالت : ما رأيته ضاحكا قط ولا قاطبا ولا قال شيئا احتاج إلى أن يعتذر منه ولا ضرب


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 327.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 276.

3) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 277.

عبدا قط، ولا ملكه أكثر من سنة. قالوا : وبعد هؤلاء ثلاثة بنو عم، وهم بنو هؤلاء الثلاثة، وكلهم يسمى محمدا، كما أن كل واحد من أولئك يسمى عليا، وكلهم يصلح للخلافة، بكرم النسب وشرف الخصال : محمد بن على بن الحسين بن على، ومحمد بن على بن عبد اللّه بن العباس ومحمد بن على ابن عبد الله، بن جعفر (1).

سيد فقهاء الحجاز

قالوا : كان محمد بن علی بن الحسين لا يسمع المبتلى الاستعاذة، وكان ينهى الجارية والغلام أن يقولا للمسكين : يا سائل، وهو سيد فقهاء الحجاز، ومنه ومن ابنه جعفر تعلم الناس الفقه، وهو الملقب بالباقر باقر العلم لقبه به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم يخلق بعد وبشر به ووعد جابر بن عبد الله برؤيته وقال : ستراه طفلا، فإذا رأيته فأبلغه عني السلام فعاش جابر حتى رآه، وقال له ما وصي به (2).

رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنين

رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنين محمد بن عبد اللّه بن الحسن المحض، ولدته خديجة أم المؤمنين وأم سلمة أم المؤمنين وولدته مع ذلك فاطمة بنت الحسين بن على وفاطمة سيدة نساء العالمين ابنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفاطمة بنت أسد بن هاشم وكان يقال خير النساء الفواطم والعواتك وهن أمهاته (3).

اشداء بني هاشم

محمد بن الحنفية، روي أنه قبض على درع فاضلة، فجذبها فقطع ذيلها ما استدار منه كله. وسمعتم أيضاً حديث الايد القوى الذى أرسله ملك الروم إلى معاوية يفخر به على العرب وأن محمدا قعد له ليقيمه فلم يستطع، فكأنما يحرك جبلا، وأن الرومي قعد ليقيمه محمد فرفعه إلى فوق رأسه ثم جلد به الارض هذا مع الشجاعة المشهورة، والفقه في الدين والحلم والصبر والفصاحة والعلم بالملاحم والاخبار عن الغيوب، حتى ادعي


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 277.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 277.

3) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 279.

له أنه المهدي، وقد سمعتم أحاديث أبي إسحاق المعتصم، وأن أحمد بن أبي دواد عض ساعده بأسنانه أشد العض فلم يؤثر فيه وأنه قال : ما أظن الاسنة ولا السهام تؤثر في جسده، وسمعتم ما قيل في عبد الكريم المطيع وأنه جذب ذنب ثور فاستله من بين وركيه (1).

مذاهب اهل الامصار في عصر الدعوة العباسية

أما الكوفة وسوادها فشيعه علي وولده،

وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف وقبيل عبد اللّه المقتول يدينون بجميع الفرق، ولا يعينون أحد،

وأما الجزيرة فحرورية مارقة والخارجية فيهم فاشيه وأعراب كأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى،

وأما الشام فلا يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بنى مروان، عداوة راسخة، وجهلا متراكما،

وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر،

خراسان صدورا سليمة وقلوبا مجتمعة لم تتقسمها الاهواء، ولم تتوزعها النحل، ولم تشغلها ديانة ولا هدم فيها فساد وليس لهم همم العرب، ولا فيهم تجارب كتجارب الاتباع مع السادات ولا تحالف كتحالف القبائل، ولا عصبية كعصبية العشائر (2).

امراة يكتنفها خمسة من الخلفاء

عاتكد بنت يزيد يكتنفها خمسة من الخلفاء، ونحن نقول : لنا زبيدة بنت جعفر يكتنفها ثمانية من الخلفاء جدها المنصور خليفة، وعم أبيها السفاح خليفة وعمها المهدى خليفة، وابن عمها الهادى خليفة وبعلها الرشيد خليفة وابنها الامين خليفة وابنا بعلها المأمون والمعتصم خليفتان (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 285.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 293.

3) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 294.

الطير أحسن ظنا منك باللّه عزوجل

• قيل للحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن أبا ذر كان يقول : الفقر أحب إلى من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة فقال : رحم اللّه أبا ذر أما أنا فأقول : من الكل إلى حسن الاختيار من اللّه لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها اللّه له لعمري يا بن آدم الطير لا تأكل رغدا ولا تخبأ لغد وأنت تأكل رغدا وتخبأ لغد فالطير أحسن ظنا منك باللّه عزوجل(1).

في مدح القناعة وذم الطمع

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم لأخوين من الانصار : لا تينسا من روح الله ما تهزهزت رؤسكما، فإن أحدكم يولد لا قشر عليه، ثم يكسوه اللّه ويرزقه).

•

وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم ويعزى إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): (القناعة كنز لا ينفد). وما يقال إنه من كلام لقمان الحكيم : (كفى بالقناعة عزا، وبطيب النفس نعيما).

•

ومن كلام عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): اتخذوا البيوت منازل والمساجد مساكن وكلوا من بقل البرية، واشربوا من الماء القراح واخرجوا من الدنيا بسلام لعمري لقد انقطعتم إلى غير اللّه فما ضيعكم، أفتحافون الضيعة إذا انقطعتم إليه !

•

وفي بعض الكتب الالهية القديمة : يقول اللّه تعالى : يا بن آدم أتخاف أن أقتلك بطاعتي هزلا، وأنت تتفتق بمعصيتي سمنا !

•

الخليل بن أحمد : كان الناس يكتسبون الرغائب بعلمه، وهو بين أخصاص البصرة، لا يلتفت إلى الدنيا ولا يطلبها.

•

يقال من جملة ما أوحى اللّه تعالى إلى موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): قل لعبادي المتسخطين لرزقي، إياكم أن أغضب فأبسط عليكم الدنيا.

•

المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنا الذى كببت الدنيا على وجهها وقدرتها بقدرها، ليس لى ولد يموت، ولا بيت يخرب، وسادى الحجر، وفراشي المدر وسراجى القمر.

•

أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أكل تمر دقل، ثم شرب عليه ماء، ومسح بطنه، وقال : من


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

أدخلته بطنه النار فأبعده اللّه ثم أنشد : فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أحمعا.

•

في الحديث الصحيح المرفوع : (إن روح القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فأجملوا في الطلب).

•

من كلام الحكماء : من ظفر بالقناعة فقد ظفر بالكيمياء الاعظم

•

ابن مسعود رفعه : (إنه ليس أحد بأكيس من أحد قد كتب النصيب والاجل وقسمت المعيشة والعمل، والناس يجرون منهما إلى منتهى معلوم).

•

المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ): انظروا إلى طير السماء تغدو وتروح ليس معها شيء من أرزاقها، لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها فإن زعمتم أنكم أوسع بطونا من الطير، فهذه الوحوش من البقر والحمر، لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها.

•

أهدى لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) طائران، فأكل أحدهما عشية فلما أصبح

طلب غداء، فأتته بعض أزواجه بالطائر الاخر، فقال : (ألم أنهك أن ترفعى شيئا لغد فإن من خلق الغد خلق رزقه).

•

وفي الحديث : (قد أفلح من رزق كفافا وقنعه اللّه بما آتاه).

•

من حكمة سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد جربنا لين العيش وشدته، فوجدنا أهنأه أدناه في قوله تعالى : (فلنحيينه حياة طيبة)، قال : القناعة.

بعض حكماء الشعراء :

فلا تجزع إذا أعسرت يوما فقد أيسرت في الدهر الطويل

ولا تظنن بربك ظن سوء فإن اللّه أولى بالجميل

وإن العسر يتبعه يسار وقيل اللّه أصدق كل قيل

ولو أن العقول تجر رزقا لكان المال عند ذوى العقول

•

يقال : إن جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاء إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمفاتيح خزائن الدنيا، فقال : (لا حاجة لي فيها بل جوعتان وشبعة).

•

وجد مكتوبا على صخرة عادية يا بن آدم لست ببالغ أملك، ولا سابق أجلك ولا مغلوب على رزقك، ولا مرزوق ما ليس لك فعلام تقتل نفسك !

•

أوحى اللّه تعالى إلى بعض أنبيائه : أتدرى لم رزقت الاحمق ؟ قال : لا، قال : ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاحتمال قنط.

•

يوسف بن يعقوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجب لجوع اعتراه فأوحى إليه : انظر إلى حائط البئر، فنظر فانفرج الحائط عن ذرة على صخرة معها طعامها، فقيل له : أتراني لا أغفل عن هذه الذرة، وأغفل عنك، وأنت نبى ابن نبي !

•

وقف بعض الملوك على سقراط وهو في المشرقة فقال له : سل حاجتك، قال :

حاجتى أن تزيل عنى ظلك، فقد منعتني الرفق بالشمس، فأحضر له ذهبا وكسوة دياج فقال : إنه لا حاجة بسقراط إلى حجارة الارض ولعاب الدود، إنما حاجته إلى أمر يصحبه حيثما توجه (1).

• قال الشاعر :

ولا تهلكن النفس وجدا وحسرة على الشئ أسداه لغيرك قادره

ولا تيأسن من صالح أن تناله وإن كان نهبا بين أيد تبادره

فإنك لا تعطى امرأ حظ نفسه ولا تمنع الشق الذى الغيث ناصره

• وقال بعض شعراء العجم :

غلا السعر في بغداد من بعد رخصه وإنى في الحالين باللّه واثق

فلست أخاف الضيق والله واسع غناه ولا الحرمان والله رازق

•

قيل لعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو سد على رجل باب بيت وترك فيه من أين كان يأتيه رزقه ؟ قال : من حيث كان يأتيه أجله.

•

قال بعض الشعراء :

صبرت النفس لا أجزع من حادثة الدهر رأيت الرزق لا يكسب بالعرف ولا النكر

ولا بالسلف الا مثل أهل الفضل والذكر ولا بالسمر اللدن ولا بالخذم البستر

ولا بالعقل والدين ولا الجاه ولا القدر ولا يدرك بالطيش ولا الجهل

ولا الهذر ولكن قسم تجرى بما ندري ولا ندرى


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

• منصور الفقية :

الموت أسهل عندي بين القنا والاسنه

والخيل تجرى سراعا مقطعات الاعنه

من أن يكون لنذل على فضل ومنه

• أعرابي :

أتيئس أن يقارنك النجاح فأين اللّه والقدر المتاح

•

قال رجل لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أوصني قال : (إياك والطمع، فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس مما في أيدى الناس).

•

حكيم : أحسن الاحوال حال يغبطك بها من دونك ولا يحقرك لها من فوقك.

•

أبو العلاء المعرى :

فإن كنت تهوى العيش فايغ توسطا فعند التناهى يقصر المتطاول

توقى البدور النقص وهى أهلة ويدركها النقصان، وهى كوامل(1)

وما فعلت إلا إبقاء عليك

دخل عبيدة بن عمرو الكندي على الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)- وكان ضرب على وجهه ضربة وهو مع قيس بن سعد بن عبادة - فقال : ما الذى أرى بوجهك ؟ قال : أصابني مع قيس. فالتفت حجر بن عدي إلى الحسن فقال : لوددت أنك كنت مت قبل هذا اليوم ولم يكن ما كان إنا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبوا فتغير وجه الحسن وغمز الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حجرا فسكت، فقال الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا حجر ليس كل الناس يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك وما فعلت إلا إبقاء عليك والله كل يوم في شأن (2).

وظهر عنه شح عظيم

أظهر عبد اللّه بن الزبير الزهد في الدنيا، وملازمه العبادة، مع الحرص على الخلافة


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 153.

2) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 15.

وشبر بطنه، فقال : إنما بطني شبرا فما عسى أن يسع ذلك الشبر ! وظهر عنه شح عظيم على سائر الناس، ففى ذلك يقول أبو حمزة مولى آل الزبير :

إن الموالى أمست وهى عاتبة على الخليفة تشكوا الجوع والحربا

ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا أي الملوك على ما حولنا غلبا !

وقال فيه أيضا :

لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد أفضلت فضلا كثيرا للمساكين

ما زلت في سورة الاعراف تدرسها حتى فؤادى مثل الخز في اللين (1).

وجد عمرا عند بعض زوجاته

كان يزيد بن معاوية قد ولى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان المدينة، فسرح الوليد منها جيشا إلى مكة لحرب عبد اللّه بن الزبير عليه عمرو بن الزبير فلما تصاف القوم انهزم رجال عمرو وأسلموه، فظفر به عبد الله، فأقامه للناس بباب المسجد مجردا، ولم يزل يضربه بالسياط حتى مات. وقد رأيت في غير كتاب المسعودي، إن عبد اللّه وجد عمرا عند بعض زوجاته وله في ذلك خير لا أحب أن أذكره (2).

القرآن قد نطق بملك بني أمية

خل عليه سفيان بن أبي ليلى النهدي، فقال له : السلام عليك يا مذل المؤمنين ! فقال الحسن : اجلس يرحمك اللّه إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ورفع له ملك بني أمية، فنظر إليهم يعلون منبره واحدا فواحدا فشق ذلك عليه فأنزل اللّه تعالى في ذلك قرآنا قال له : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ). وسمعت عليا أبي (رحمه اللّه) يقول : سيلي أمر هذه الامة رجل واسع البلعوم كبير البطن، فسألته : من هو ؟ فقال : معاوية. وقال لي : إن القرآن قد نطق بملك بني أمية ومدتهم قال تعالى : (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، قال أبي : هذه ملك بني أمية (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 145.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 146.

3) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 16.

فلما صار بدير هند نظر إلى الكوفة

لما كان عام الصلح أقام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالكوفة أياما، ثم تجهز للشخوص إلى المدينة، فدخل عليه المسيب بن نجبة الفزاري وظبيان بن عمارة التيمي ليودعاه، فقال الحسن : الحمد للّه الغالب على أمره لو أجمع الخلق جميعا على ألا يكون ما هو كائن ما استطاعوا فقال أخوه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لقد كنت كارها لما كان طيب النفس على سبيل أبي حتى عزم علي أخي فأطعته وكأنما يجذ أنفي بالمواسي، فقال المسيب : إنه والله ما يكبر علينا هذا الأمر إلا أن تضاموا وتنتقصوا فإما نحن فإنهم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه فقال الحسين : يا مسیب، نحن نعلم أنك تحبنا، فقال الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : من أحب قوما كان معهم، فعرض له المسيب وظبيان بالرجوع فقال : ليس لي إلى ذلك سبيل، فلما كان من غد خرج، فلما صار بدير هند نظر إلى الكوفة، وقال

ولا عن قلى فارقت دار معاشري هم المانعون حوزتي وذماري

ثم سار إلى المدينة (1).

فغض الطرف إنك من نمير

كان سنان بن أحمس النميري يساير الأمير عمر بن هبيرة الفزاري، وهو على له، فتقدمت البغلة على فرس الامير فقال : اغضض بغلتك يا سنان فقال : أيها الامير إنها مكتوبة، فضحك الامير أراد عمر بن هبيرة قول جرير :

فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا

وأراد سنان قول ابن دارة

لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار (2).

من المشهورين برأى الخوارج

ومن المشهورين برأى الخوارج الذين تم بهم صدق قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء عكرمة مولى ابن عباس، ومالك بن أنس


1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 16.

2) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 26.

الاصبحي الفقيه يروى عنه أنه كان يذكر عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعثمان وطلحة والزبير، فيقول : والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الاعفر.

ومنهم المنذر بن الجارود العبدي، ومنهم يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج وروى أن الحجاج أتى بامرأة من الخوارج وبحضرته مولاه يزيد بن أبي مسلم وكان يستسر برأى الخوارج، فكلم الحجاج المرأة فأعرضت عنه، فقال لها يزيد الأمير ويلك يكلمك ! فقالت : بل الويل لك أيها الفاسق الردئ ! والردئ عند الخوارج هو الذى يعلم الحق من قولهم ويكتمه.

ومنهم صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق.

وممن ينسب إلى هذا الرأى من السلف جابر بن زيد

وعمرو بن دينار

و مجاهد.

وممن ينسب إليه بعد هذه الطبقة أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، يقال إنه كان يرى رأي الصفرية.

ومنهم اليمان بن رباب وكان على رأى البيهسية،

وعبد الله بن یزید

ومحمد بن حرب

ويحيى بن كامل وهؤلاء إباضية

وقد نسب إلى هذا المذهب أيضاً من قبل أبو هارون العبدى

وأبو الشعثاء،

وإسماعيل ابن سميع

وهبيرة بن بريم

وزعم ابن قتيبة أن هبيرة كان من غلاة الشيعة

ونسب أبو العباس محمد بن يزيد المبرد إلى رأى الخوارج لاطنابه في كتابه

المعروف، بالكامل، في ذكرهم وظهور الميل منه إليهم (1).

وثبت يوم أحد ووليت

كان بين عثمان أيام خلافته وبين عبد الرحمن بن عوف كلام فأرسل عبد الرحمن

إلى الوليد بن عقبة فدعاه فقال : اذهب إلى أخيك فأبلغه عنى ما أقول لك، فإني لا أعلم أحدا يبلغه غيرك. قال الوليد : أفعل. قال : قل له يقول لك عبد الرحمن، شهدت بدرا ولم تشهدها، وثبت يوم أحد ووليت وشهدت بيعه الرضوان ولم تشهدها فلما أخبره قال عثمان : صدق أخى تخلفت عن بدر على ابنة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هي مريضة فضرب لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بسهمى وأجرى، فكنت بمنزلة من حضر بدرا، ووليت يوم أحد فعفا اللّه عني في محكم كتابه، وأما بيعة الرضوان فإني خرجت إلى أهل مكة، بعثنى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال : إن عثمان في طاعة اللّه وطاعة رسوله وبايع عنى بإحدى يديه على الأخرى، فكان شمال النبي خيرا من يميني (2).

طريق على عند خروجه من الكوفة لحرب معاوية

قال نصر : لما وضع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجله في ركاب دابته يوم خرج من الكوفة إلى صفين قال : بسم الله، فلما جلس على ظهرها قال : (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ)، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر... إلى آخر الفصل. وزاد فيه نصر : (ومن الحيرة بعد اليقين). قال : ثم خرج أمامه الحر بن سهم بن طريف، وهو يرتجز ويقول :

یا فرسى سيرى وأمى الشاما وقطعي الحزون والاعلاما

ونابذى من خالف الاماما إنى لارجو إن لقينا العاما

جمع بني أمية الطغاما أن نقتل العاصى والهماما

وأن نزيل من رجال هاما

قال : وقال حبيببن مالك، وهو على شرطه على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو آخذ بعنان دابته : يا أمير


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 76.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 20.

المؤمنين، أتخر بالمسلمين فيصيبوا أجر الجهاد بالقتال، وتخلفني بالكوفة لحشر الرجال ! فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنهم لن يصيبوا من الاجر شيئا إلا كنت شريكهم فيه، وأنت هاهنا أعظم غناء عنهم منك لو كنت معهم. فخرج على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حتى إذا حاذى الكوفة صلى ركعتين.

وعن أبى الحسين زيد بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن آبائه : أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) خرج وهو يريد صفين، حتى إذا قطع النهر أمر مناديه فنادى بالصلاة، فتقدم فصلى ركعتين، حتى إذا قضى الصلاة، أقبل على الناس بوجهه فقال : أيها الناس، ألا من كان مشيعا أو مقيما فليتم الصلاة، فإنا قوم سفر، ألا ومن صحبنا فلا يصومن المفروض. والصلاة المفروضة.ركعتان قال نصر : ثم خرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى نزل دير أبي موسى - وهو من الكوفة على فرسخين – فصلى به العصر، فلما انصرف من الصلاة قال : سبحان اللّه ذى الطول والنعم ! سبحان اللّه ذى القدرة والافضال أسأل اللّه الرضا بقضائه والعمل بطاعته والانابة إلى أمره إنه سميع الدعاء. قال نصر : ثم خرج حتى نزل على شاطئ نرس بین موضع حمام أبي بردة وحمام عمر، فصلى بالناس المغرب، فلما انصرف قال : الحمد للّه الذى يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، والحمد للّه كلما وقب ليل وغسق والحمد للّه كلما لاح نجم وخفق. ثم أقام حتى صلى الغداة، ثم شخص حتى بلغ إلى قبه قبين، وفيها نخل طوال إلى جانب البيعة من وراء النهر، فلما رآها، قال : (والنخل باسقات لها طلع نضيد). ثم أقحم دابته النهر، فعبر إلى تلك البيعة فنزلها ومكث قدر الغداء. قال نصر : وحدثنا عمر بن سعد، عن محمد بن مخنف بن سليم قال : إنى لانظر إلى أبي وهو يساير عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعلى يقول له : إن بابل أرض قد خسف بها، فحرك دابتك لعلنا نصلى العصر خارجا منها. فحرك دابته وحرك الناس دوابهم في أثره فلما جاز جسر الفرات نزل فصلى بالناس العصر قال : حدثني عمر بن عبد اللّه بن يعلى بن مره الثقفى، عن أبيه عن عبد خير قال : كنت مع على أسير في أرض بابل قال : وحضرت الصلاة صلاة العصر، قال : فجعلنا نأتى مكانا إلا رأيناه أفيح من الاخر قال : حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا، وقد كادت الشمس أن تغيب. قال : فنزل على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فنزلت معه، قال : فدعا اللّه فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر. قال : فصليت العصر، ثم غابت الشمس، ثم خرج حتى اتى دير كعب ثم خرج منه فبات بساباط، فأتاه دهاقينها يعرضون عليه النزل والطعام فقال : لا، ليس ذلك لنا عليكم. فلما أصبح وهو بمظلم ساباط قرأ :

(أتبنون بكل ريع آية تعبثون). قال نصر : وبلغ عمرو بن العاص مسيره فقال :

لا تحسبني يا على غافلا***لأوردن الكوفة القنابلا

بجمعى العام وجمعى قابلا

قال : فبلغ ذلك عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال :

لاوردن العاصي ابن العاصي***سبعين ألفا عاقدي النواصي

مستحقبین حلق الدلاص***قد جنبوا الخيل مع القلاص

أسود غيل حين لا مناص (1)

ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغى له

عن أبي جعفر محمد بن علی (رضی اللّه عنهما) أن عليا حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الانصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار له فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال على: أكنت أترك رسول اللّه ميتا في بيته لا أجهزه، وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه ! وقالت فاطمة : ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغى له، وصنعوا هم ما اللّه حسبهم عليه (2).

ولا حاجة لى في الحرب

قال المسعودي : ثم إن عبد اللّه بن الزبير حبس الحسن بن الحسن بن محمد بن الحنفية في حبس مظلم، وأراد قتله فأعمل الحيلة حتى تخلص من السجن، وتعسف الطريق على الجبال، حتى أتى منى، وبها أبوه محمد بن الحنفية ثم إن عبد اللّه جمع بنى هاشم كلهم في سجن عارم، وأراد أن يحرقهم بالنار، وجعل في فم الشعب حطبا كثيرا فأرسل المختار أبا عبد اللّه الجدلي في أربعة آلاف فقال أبو عبد اللّه لاصحابه : ويحكم ! إن بلغ ابن الزبير الخبر عجل على بني هاشم فأتى عليهم فانتدب هو نفسه في ثمانمائة فارس جريدة فما شعر بهم ابن الزبير إلا والرايات تخفق بمكة، فقصد قصد الشعب،


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 166.

2) شرح نهج البلاغة ج 6 ص 5.

فأخرج الهاشميين منه ونادى بشعار محمد بن الحنفية وسماه المهدى، وهرب ابن الزبير، فلاذ بأستار الكعبة، فنهاهم محمد بن الحنفية عن طلبه وعن الحرب وقال : لا أريد الخلافة إلا أن طلبني الناس كلهم واتفقوا على كلهم ولا حاجة لى في الحرب (1).

لا تتخذو الدنيا ربا

من الكلام المأثور عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا تتخذو الدنيا ربا فتتخذكم الدنيا عبيدا، فاكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الافة، وصاحب كنز الآخرة لا يخاف عليه (2).

نبنى كما كانت اوائلنا تبنى

قال ابن الرومي

وما الحسب الموروث لا در دره بمحتسب إلا بآخر مكتسب

إذا العود لم يثمر وإن كان شعبه من الثمرات اعتده الناس في الحطب

وقال عبد اللّه بن جعفر :

لسنا - وإن أحسابنا كرمت - يوما على الاباء نتكل

نبنى كما كانت اوائلنا تبنى ونفعل مثل ما فعلوا

وقال آخر :

وما فخري بمجد قام غيرى إليه إذا رقدت الليل عنه

إلى حسب الفتى في نفسه انظر ولا تنظر هديت إلى ابن من هو

وقال آخر :

إذا فخرت بآبائى وأجدادي فقد حكمت على نفسي لاضدادی

هل نافعى أن سعى جدى لمكرمة ونمت عن أختها في جانب الوادي !

وقال آخر :

ايقنعنى كونى بمن كونى ابنه أبا لى أن أرضى لفخري بمجده


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 147.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 330.

إذا المرء لم يحو العلاء بنفسه فليس بحاو للعلاء بجده

وهل يقطع السيف الحسام بأصله إذا هو لم يقطع بصارم حده ! (1)

فإنه من أطيب الطيب

وروى أنس بن مالك قال : دخل علينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : عندنا والوقت صيف فعرق، فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت عرقه، فاستيقظ وقال : يا أم سليم ما تصنعين ؟ قالت : هذا عرقك نجعله في طيبنا فإنه من أطيب الطيب، ونرجو به بركه صبياننا، فقال : أصبت (2).

انهم يريدون أن يخلطوا

أولم المتوكل في طهر بنيه فلما كثر اللعب قال ليحيى بن أكثم انصرف أيها القاضي، قال : ولم ؟ قال : لانهم يريدون أن يخلطوا، قال : أحوج ما يكونون إلى قاض إذا خلطوا، فاستظرفه وأمر أن تغلف لحيته، ففعل، فقال يحيى : إنا للّه ضاعت الغالية كانت هذه تكفيني دهرا لو دفعت إلى فأمر له بزورق لطيف من ذهب مملوء من غاليه و درج بخور، فأخذهما وانصرف (3).

هلا قلت كما قال سيدك

عرضت مدنية لكثير فقالت له : أنت القائل :

فما روضة بالحزن طيبة الثرى يمج الندى جثجائها وعرارها

باطيب من أردان عزة موهنا وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها

لو كانت هذه الصفة لزنجية تجتلى الحلة لطابت هلا قلت كما قال سيدك

ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيب (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 332.

2) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 342.

3) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 343.

4) شرح نهج البلاغة ج 19 ص 344.

والله ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبى

عن موسى بن ميسرة أن أبا الاسود الدؤلى، قال : كنت أحب لقاء أبي ذر الاسأله عن سبب خروجه، فنزلت الربذة فقلت له : ألا تخبرني ؟ أخرجت من المدينة طائعا أم أخرجت مكرها ؟ فقال : كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغنى عنهم، فأخرجت إلى مدينة الرسول (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقلت : أصحابي ودار هجرتى فأخرجت منها إلى ما ترى ثم قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول اللّه (صلى اللّه عليه) فضربني برجله وقال : لا أراك نائما في المسجد، فقلت: بأبي أنت وأمى ! غلبتني عيني، فنمت فيه، فقال : كيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ فقلت : إذن ألحق بالشام، فإنها أرض مقدسة، وأرض بقية الاسلام، وأرض الجهاد فقال : فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟ فقلت : أرجع إلى المسجد، قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت : آخذ سيفى فأضرب به، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (ألا أدلك على خير من ذلك، أنسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع)، فسمعت وأطعت وأنا أسمع وأطيع، والله ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبى (1).

فجعل يومئ إلي بيده على فيه أي اسكت

لما صاح الشيطان لعنه اللّه : إن محمدا قد قتل يحزنهم بذلك، تفرقوا في كل وجه، وجعل الناس يمرون على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يلوى عليه أحد منهم، ورسول اللّه يدعوهم في أخراهم، حتى انتهت هزيمة قوم منهم إلى المهراس، فتوجه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يريد أصحابه في الشعب فانتهى إلى الشعب وأصحابه في الجبل أوزاع، يذكرون مقتل من قتل منهم، ويذكرون ما جاءهم عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال كعب بن مالك : فكنت أول من عرفه وعليه المغفر فجعلت أصيح وأنا في الشعب : هذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه آله) حي، فجعل يومئ إلي بيده على فيه أي اسكت ثم دعا بلامتي فلبسها ونزع لامته (2).

أجهد نفسه في العبادة حتى نحلته رياء

روى عن ابن عباس أيضاً قال : دخلت على عمر يوما فقال : يا بن العباس لقد، أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته رياء. قلت : من هو ؟ فقال : هذا اين


1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 57.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 25.

عمك - يعني عليا - قلت : وما يقصد بالرياء أمير المؤمنين ؟ قال يرشح نفسه بين الناس للخلافة، قلت : وما يصنع بالترشيح ! قد رشحه لها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فصرفت عنه قال : إنه كان شابا حدثا فاستصغرت العرب سنه، وقد كمل الآن، ألم تعلم أن اللّه تعالى لم يبعث نبيا إلا بعد الاربعين ! قلت يا أمير المؤمنين أما أهل الحجى والنهى فإنهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ رفع اللّه منار الاسلام، ولكنهم يعدونه محروما مجدودا، فقال : أما إنه سيليها بعد هياط ومياط، ثم تزل فيها قدمه ولا يقضى منها أربه، ولتكونن شاهدا ذلك يا عبد الله، ثم يتبين الصبح لذى عينين وتعلم العرب صحة رأى المهاجرين الأولين الذين صرفوها عنه بادئ بدء فليتني أراكم بعدى يا عبد اللّه ! إن الحرص محرمة، وإن دنياك كظلك كلما هممت به ازداد عنك بعدا (1).

من يأخذ هذا السيف بحقه

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يومئذ : من يأخذ هذا السيف بحقه قالوا : وما حقه يا رسول اللّه قال : يضرب به العدو، فقال عمر : أنا يا رسول اللّه فاعرض عنه، ثم عرضه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك الشرط، فقام الزبير، فقال : أنا، فأعرض عنه حتى وجد عمر والزبير في أنفسهما، ثم عرضه الثالثة، فقام أبو دجانة، وقال : أنا يا رسول اللّه آخذه بحقه، فدفعه إليه. فصدق حين لقى به العدو، وأعطى السيف حقه، فقال أحد الرجلين - أما عمر بن الخطاب أو الزبير : والله لا جعلن هذا الرجل الذى أعطاه السيف ومنعنيه من شأني، قال : فاتبعته فو اللّه ما رأيت أحدا قاتل أفضل من قتاله لقد رأيته يضرب به حتى إذا كل عليه وخاف ألا يحيك عمد به إلى الحجارة، فشحذه، ثم يضرب به العدو، حتى يرده كأنه منجل وكان حين أعطاه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) السيف مشى بين الصفين واختال في مشيته فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين رآه يمشى تلك المشيه إن هذه لمشية يبغضها اللّه تعالى إلا في مثل هذا الموطن قال : وكان أربعة من اصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعلمون في الزحوف أحدهم أبو دجانة، كان يعصب رأسه بعصابة حمراء، وكان قومه يعلمون إنه إذا اعتصب بها أحسن القتال، وكان على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم بصوفة بيضاء، وكان الزبير يعلم بعصابة صفراء، وكان حمزة يعلم بريش نعامة (2).


1) شرح نهج البلاغة ج 2 ص 80.

2) شرح نهج البلاغة ج 14 ص 257.

ما قال ابرويز لكاتبة أصلية

وقال أبرويز لكاتبه : اكتم السر واصدق الحديث، واجتهد في النصيحة، وعليك بالحذر، فإن لك على ألا أعجل عليك حتى أستأني لك ولا أقبل فيك قولا حتى أستيقن ولا أطمع فيك أحدا فتغتال واعلم أنك بمنجاه رفعة فلا تحطنها، وفي ظل مملكة فلا تستزيلنه قارب الناس مجاملة من ناس مجاملة من نفسك، وباعدهم مسامحة عن عدوك واقصد إلى الجميل از دراعا لغدك، وتنزه بالعفاف صونا لمروءتك، وتحسن عندي بما قدرت عليه. احذر لا تسر عن الالسنة عليك ولا تقبحن الأحدوثة عنك وصن نفسك صون الدرة الصافية وأخلصها إخلاص الفضة البيضاء، وعاتبها معاتبة الحذر المشفق وحصنها تحصين المدينة المنيعة لا تدعن أن ترفع إلى الصغير فإنه يدل على الكبير، ولا تكتمن عنى الكبير فإنه ليس بشاغل عن الصغير. هذب أمورك ثم القنى بها، وأحكم أمرك ثم راجعني فيه ولا تجترئن على فامتعض ولا تنقبضن منى فأتهم، ولا تمرضن ما تلقاني به ولا تخدجنه وإذا أفكرت فلا تجعل وإذا كتبت فلا تعذر، ولا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية، ولا تقصرن عن التحقيق فإنها هجنة بالمقالة، ولا تلبس كلاما بكلام ولا تبعدن معنى عن معنى. وأكرم لى كتابك عن ثلاث : خضوع،يستخفه وانتشار بهجنه ومعان تعقد.به واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول وليكن بسطة كلامك على كلام السوقة كبسطة الملك الذى تحدثه على الملوك. لا يكن ما نلته عظيما وما تتكلم به صغيرا، فإنما كلام الكاتب على مقدار الملك، فاجعله عاليا كعلوه، وفائقا كتفوقه، فإنما جماع الكلام كله خصال أربع : سؤالك الشئ، وسؤالك عن الشئ وأمرك بالشئ وخبرك عن الشيء، فهذه الخصال دعائم المقالات، إن التمس إليها خامس لم يوجد وإن نقص منها واحد لم يتم، فإذا أمرت فأحكم، وإذا سألت فأوضح وإذا طلبت فأسمح، وإذا أخبرت فحقق، فإنك إذا فعلت ذلك أخذت بجراثيم القول كله، فلم يشتبه عليك واردة، ولم تعجزك صادره. أثبت في دواوينك ما أخذت، وأحص فيها ما أخرجت وتيقظ لما تعطى، وتجرد لما تأخذ ولا يغلبنك النسيان عن الاحصاء، ولا الانأة عن التقدم، ولا تخرجن وزن قيراط في غير حق ولا تعظمن إخراج الالوف الكثيرة في الحق، وليكن ذلك كله عن مؤامرتي (1)


1) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 80.

أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال

عن جويرية بن أسماء، قال : لما مات الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أخرجوا جنازته فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): تحمل اليوم جنازته وكنت بالامس تجرعه الغيظ ؟ قال مروان : نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال (1).

لكأني أنظر إلى فلان وفلان في عرض الجبل يعدوان هاربين

إن قوما من قريش صعدوا الجبل يوم احد فعلوا على المسلمين وهم في الشعب قال : فكان رافع بن خديج يحدث فيقول : إني يومئذ إلى جنب أبي مسعود الانصاري وهو يذكر من قتل من قومه ويسأل عنهم فيخبر برجال : منهم سعد بن الربيع وخارجة بن زهير، وهو يسترجع ويترحم عليهم، وبعض المسلمين يسأل بعضا عن حميمه وذى رحمه فيهم يخبر بعضهم بعضا، فبينا هم على ذلك رد اللّه المشركين ليذهب ذلك الحزن عنهم، فإذا عدوهم فوقهم قد علوا، وإذا كتائب المشركين بالجبل، فنسوا ما كانوا يذكرون وندبنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحضنا على القتال والله لكأني أنظر إلى فلان وفلان في عرض الجبل يعدوان هاربين (2).

فليلبس ثوبا أحمر

كان بعض الاكاسرة يجلس للمظالم بنفسه، ولا يثق إلى غيره، ويقعد بحيث يسمع الصوت، فإذا سمعه أدخل المتظلم فأصيب بصمم في سمعه فنادى مناديه، أن الملك يقول : أيها الرعية إنى إن أصبت بصمم في سمعي فلم أصب في بصرى كل ذى ظلامة فليلبس ثوبا أحمر ثم جلس لهم في مستشرف له (3).

بيت القصص

كان لامير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيت سماه بيت القصص يلقى الناس فيه رقاعهم (4).


1) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 13.

2) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 26.

3) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 87.

4) شرح نهج البلاغة ج 17 ص 87.

كنت شاهدا معك بقلبي

عن حبه العرنى قسم على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيت مال البصرة على أصحابه خمسمائة خمسمائة وأخذ خمسمائة درهم كواحد منهم، فجاءه إنسان لم يحضر الوقعة، فقال : يا أمير المؤمنين كنت شاهدا معك بقلبي، وإن غاب عنك جسمي، فاعطني من الفئ شيئا. فدفع إليه الذى أخذه لنفسه وهو خمسمائة درهم، ولم يصب من الفئ شيئا (1).

حيثما زالت زال إليها

قوله(عَلَيهِ السَّلَامُ): حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها " نظر الشاعر، فقال :

ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها***فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا

يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت***يوما عليه بما لا يشتهى وثبوا (2)

شجرة النبوة

قال امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): نحن شجرة النبوة ومحط الرسالة ومختلف الملائكة، ومعادن العلم وينابيع الحكم، ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة.

قال ابن ابي الحديد هذا الكلام غير ملتصق بالاول كل الالتصاق، وهو من النمط الذي ذكرناه مرارا، لان الرضى (رحمه اللّه) يقتضب فصولا من خطبة طويلة، فيوردها إيرادا واحدا، وبعضها منقطع عن البعض قوله عليه الصلاة والسلام : " نحن شجرة النبوة "، كأنه جعل النبوة كثمرة أخرجتها شجرة بنى هاشم. ومحط الرسالة : منزلها. ومختلف الملائكة : موضع اختلافها في صعودها ونزولها، وإلى هذا المعنى نظر بعض الطالبيين، فقال : يفتخر على بنى عم له ليسوا بفاطميين : هل كان يقتعد البراق أبوكم أم كان جبريل عليه ينزل أم هل يقول له الاله مشافها بالوحى قم يا أيها المزمل وقال آخر يمدح قوما فاطميين : ويطرقه بالوحى وهنا وأنتم ضجيعان بين يدى جبريلا يعنى حسنا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحسينا (عَلَيهِ السَّلَامُ). واعلم أنه إن أراد بقوله : " نحن مختلف الملائكة " جماعة من جملتها


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 250.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 208.

رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فلا ريب في صحة القضية وصدقها، وإن أراد بها نفسه وابنيه فهى أيضاً صحيحة، ولكن مدلوله مستنبط، فقد جاء في الاخبار الصحيحة أنه قال : " يا جبريل إنه منى وأنا منه "، فقال جبريل : وأنا منكما. وروى أبو أيوب الانصاري مرفوعا : " لقد صلت الملائكة على وعلى على سبع سنين لم تصل على ثالث لنا "، وذلك قبل أن يظهر أمر الاسلام ويتسامع الناس به، وفي خطبة الحسن بن على (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قبض أبوه : " لقد فارقكم في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون ولا يدركه الآخرون، كان يبعثه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للحرب وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره.". وجاء في الحديث انه سمع يوم أحد صوت من الهواء من جهة السماء، يقول : لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا على "، وإن رسول اللّه (صلی عليه وآله) قال :" هذا صوت جبريل "(1).

فلا تكتحل عيناك منها بعبرة

قوله : واعذوذب : صار عذبا واحلولى : صار حلوا، ومن هاهنا أخذ الشاعر قوله :

ألا إنما الدنيا غضارة أيكة إذا***اخضر منها جانب جف جانب

فلا تكتحل عيناك منها بعبرة***على ذاهب منها فإنك ذاهب (2).

اقتباسات الشعراء من كلام امير المؤمنين تج

إلى معنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما جميع وهم آحاد، وجيرة وهم أبعاد متدانون لا يتزاورون وقريبون لا يتقاربون " نظر البحتري فقال : بنا أنت من مجفوة لم تؤنب ومهجورة في هجرها لم تعتب ونازحة والدار منها قريبة وما قرب ثاو في التراب مغيب ! وقد قال الشعراء والخطباء في هذا المعنى كثيرا، فمن ذلك قول الرضى أبى الحسن (رحمه اللّه) في مرثيته لابي إسحاق الصابي :

أعزز على بأن نزلت بمنزل متشابه الامجاد بالاوغاد

في عصبة جنبوا إلى آجالهم والدهر يعجلهم عن الارواد


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 218.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 230.

ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم من غير أطناب ولا أوتاد

ركب أناخوا لا يرجى منهم قصد لاتهام ولا إنجاد

كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة للدهر نازلة بكل مقاد

فتهافتوا عن رحل كل مذلل وتطاوحوا عن شرج كل جواد

بادون في صور الجميع وإنهم متفردون تفرد الآحاد

فقوله : "بادون في صور الجمع... البيت، هو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):" جمع وهم أحاد "بعينه. وقال الرضى (رحمه اللّه تعالى) أيضا :

متوسدين على الخدود كأنما كرعوا على ظما من الصهباء

صور ضننت على العيون بحسنها أمسيت أوقرها من البوغاء

ونواظر كحل التراب جفونها قد كنت أحرسها سها من الاقذاء

قربت ضرائحهم على زوارها ونأوا عن الطلاب أي تناء

قوله : قربت ضرائحهم.. البيت هو معنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): " وجيرة وهم أبعاد " بعينه ومن هذا المعنى قول بعض الاعراب :

لكل أناس مقبر في ديارهم فهم ينقصون والقبور تزيد فكائن ترى من دار حى قد اخرجت وقبر بأكناف التراب جديد هم جيرة الأحياء، أما مزارهم فدان، وأما الملتقى فيعيد (1).

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): تبكى قلوبهم وإن ضحكوا " قول الشاعر،

وإن لم يكن هذا المقصد بعينه قصد :

كم فاقة مستوره بمروءة***وضرورة قد غطيت بتجمل

ومن ابتسام تحته قلب شج***قد خامرته لوعة ما تنجلي (2)

• ومثل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما بالكم تفرحون بكذا، ولا تحزنون لكذا، ويقلقكم اليسير من الدنيا يفوتكم " من هذا قول الرضى (رحمه اللّه) :

1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 233.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 248.

نقص الجديدين من عمرى يزيد***على ما ينقصان على الايام من مالى

دهر تؤثر في جسمي نوائبه***فما اهتمامي أن أودى بسربالي (1)

• وإلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): يجمع ما لا يأكل ويبنى ما لا يسكن نظر الشاعر، فقال :

أموالنا لذوى الميراث نجمعها***ودورنا لخراب الدهر نبنيها

وقال آخر :

ألم تر حوشبا أمسى***يبنى بناء نفعه لبنی بقیله

يؤمل أن يعمر عمر نوح***وأمر اللّه يطرق كل ليله (2)

• قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا جاء يرد ولا ماض يرتد " أي يسترد ويسترجع، أخذه أبو العتاهية فقال :

فلا أنا راجع ما قد مضى***لى ولا أنا دافع ما سوف يأتي (3).

• وإلى قوله : ما أقرب الحى من الميت للحاقه به وما أبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه نظر الشاعر، فقال :

يا بعيدا عنى وليس بعيدا***من لحاقي به سميع قريب

صرت بين الوري غريبا كما***أنك تحت الثرى وحيد غريب (4)

• ونظر بعض الشعراء إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه وليس شئ بخير من الخير إلا ثوابه " فقال :

خير البضائع للانسان مكرمة***تنمى وتزكو إذا بارت بضائعه

فالخير خير وخير منه فاعله***والشر شر، وشر منه صانعه

إلا أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) استثنى العقاب والثواب والشاعر جعل مكانهما فاعل الخير والشر (5).


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 249.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 256.

3) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 256.

4) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 256.

5) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 258.

• وإلى قوله : ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا " نظر أبو الطيب، فقال، إلا أنه أخرجه في مخرج آخر :

بلاد ما اشتهيت رأيت فيها***فليس يفوتها إلا كرام

فهلا كان نقص الاهل فيها***وكان لاهلها منها التمام (1).

• وقوله : " الرجاء مع الجائى، واليأس مع الماضي"، كلام يجرى مجرى المثل، وهو تأكيد للمعنى الأول، وجعل الجائى مرجوا لانه لا يعلم غيبه قال الشاعر :

ما مضى فات والمقدر غيب***ولك الساعة التي أنت فيها (2).

• قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد خليتم وطريق النجاة عند الحرب، ودللتم عليها، وهى أن تقتحموا وتلحجوا، ولا تهنوا فإنكم متى فعلتم ذلك نجوتم، ومتى تلومتم وتثبطتم وأحجمتم هلكتم، ومن هذا المعنى قول الشاعر :

تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما

وقال قطري بن الفجاءة :

لا يركنن أحد إلى الاحجام يوم الوغى متخوفا لحمام

فلقد أرانى للرماح دريئة من عن يميني تارة وأمامي

حتى خضبت بما تحدر من دمى أكناف سرجى أو عنان الجامي

ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب جذع البصيرة قارح الاقدام

وكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد : واعلم أن عليك عيونا من اللّه ترعاك وتراك، فإذا لقيت العدو، فاحرص على الموت توهب لك الحياة، ولا تغسل الشهداء من دمائهم، فإن دم الشهيد نور له يوم القيامة، وقال أبو الطيب :

يقتل العاجز الجبان وقد***يعجز عن قطع بخنق المولود

ويوقى الفتى المخش***وقد خوض في ماء لبة الصنديد (3)


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 261.

2) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 270.

3) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 304.

رؤيا رقيقة في الجاهلية

رؤيا رقيقة في الجاهلية، وهى رقيقة بنت أبي صيفي ابن هاشم بن عبد مناف، قالت رقيقة : تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع وأرقت العظم، فبينا أنا راقدة اللهم أو مهومة ومعى صنوى، إذا أنا بهاتف صيت يصرخ بصوت صحل : يا معشر قريش ! إن هذا النبي المبعوث فيكم قد اظلتكم أيامه وهذا إبان نجومه فحيهلا بالخصب والحيا. ألا فانظروا رجلا منكم عظاما جساما أبيض بضا، أوطف الاهداب سهل الخدين أشم العرنين له سنة تهدى إليه. ألا فليخلص هو وولده وليدلف إليه من كل بطن رجل ألا فليشنوا عليهم من الماء، وليمسوا من الطيب وليطوفوا بالبيت سبعا، وليكن فيهم الطيب الطاهر لداته فليستق الرجل، وليؤمن القوم. ألا فغتتم إذا ما شئتم. قالت : فأصبحت - علم اللّه - مذعورة قد قف جلدى، ووله عقلي فاقتصصت رؤياي على الناس، فذهبت في شعاب مكة، فو الحرمة والحرم، إن بقى أبطحي إلا وقال : هذا شيبة الحمد. فتتامت رجال قريش وانقض إليه من كل بطن رجل، فشنوا عليهم ماء، ومسوا طيبا واستلموا واطوفوا، ثم ارتقوا أبا قبيس وطفق القوم يدفون حول عبد المطلب، ما إن يدرك سعيهم مهله، حتى استقروا بذروة الجبل، واستكفوا جانبيه. فقام فاعتضد ابن ابنه محمدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فرفعه على عاتقه، وهو يومئذ غلام قد أيقع أو كرب، ثم قال : اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلم ومسئول غير مبخل، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذارات حرمك، يشكو إليك سنتهم التي أذهبت الخف والظلف فاسمعن اللهم، وأمطرن علينا غيثا مغدقا مريعا سحا طبقا داركا. قالت : فورب الكعبة ما راموا حتى انفجرت السماء بمائها واكتظ الوادي تجثجه وانصرف الناس يقولون لعبد المطلب : هنيئا لك سيد البطحاء وفي رواية أبي عبيدة معمر بن المثنى قال : فسمعنا شيخان قريش وجلتها : عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية وهشام بن المغيرة، يقولون لعبد المطلب : هنيئا لك، أبا البطحاء! وفي ذلك قال شاعر من قريش وقد روى هذا الشعر لرقيقة : بشيبة الحمد أسقى اللّه بلدتنا وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاد بالماء وسمى له سبل سحا، فعاشت به الانعام والشجر (1).


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 272.

اللهم حوالينا ولا علينا

في الحديث من رواية أنس بن مالك : أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقام إليه رجل وهو يخطب يوم جمعة فقال : يا رسول اللّه هلك الشاء، هلك الزرع، ادع اللّه لنا أن يسقينا فمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) يده ودعا واستسقى، وإن السماء كمثل الزجاجة، فهاجت ريح ثم أنشأت سحابا، ثم اجتمع، ثم أرسلت عزاليها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا ودام القطر، فقام إليه الرجل في اليوم الثالث : فقال : يا رسول اللّه تهدمت البيوت ادع اللّه أن يحبسه عنا. فتبسم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم رفع يده : وقال : اللهم حوالينا ولا علينا قال أنس : فو الذي بعث محمدا بالحق، لقد نظرت إلى السحاب، وإنه لقد انجاب حول المدينة كالاكليل (1).

الحجاج ابو وذحة وتاويل بارد لابن ابي الحديد

أن الحجاج كان إذا رأى خنفساء تدب قريبة منه، يأمر غلمانه بإبعادها، ويقول : هذه وذحة من وذح الشيطان تشبيها لها بالبعرة قالوا : وكان مغرى بهذا القول، والوذح : ما يتعلق بأذناب الشاة من أبعارها فيجف ومنها أن الحجاج قال وقد رأى خنفساوات مجتمعات : واعجبا لمن يقول إن اللّه خلق هذه ! قيل : فمن خلقها أيها الام الأمير ؟ قال الشيطان، إن ربكم لاعظم شأنا أن يخلق هذه الوذح ! قالوا : فجمعها على " فعل " كبدنة وبدن فنقل قوله هذا إلى الفقهاء في عصره، فأكفروه. ومنها أن الحجاج كان مثفارا، وكان يمسك الخنفساء حية ليشفى بحركتها في الموضع حكاكه. قالوا : ولا يكون صاحب هذا الداء إلا شائنا مبغضا لاهل البيت قالوا : ولسنا نقول كل مبغض فيه هذا الداء، وإنما قلنا : كل من فيه هذا الداء فهو مبغض. قالوا : وقد روى أبو عمر الزاهد ولم يكن من رجال الشيعة - في أماليه وأحاديثه عن السياري عن أبى خزيمة الكاتب قال : ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء إلا وجدناه ناصبيا. قال أبو عمر : وأخبرني العطافي عن رجاله، قالوا : سئل جعفر بن محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن هذا الصنف من الناس، فقال رحم منكوسة يؤتى ولا يأتي، وما كانت هذه الخصلة في ولى للّه تعالى قط ولا تكون أبدا، وإنما تكون في الكفار والفساق والناصب للطاهرين. وكان أبو جهل عمرو بن هشام المخزومى من القوم


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 272.

وكان أشد الناس عداوة لرسول اللّه (صل عليه وآله)، قالوا : ولذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر : يا مصفر استه. فهذا مجموع ما ذكره المفسرون وما سمعته من أفواه الناس في هذا الموضع، ويغلب على ظني أنه أراد معنى آخر، وذلك أن عادة العرب أن تكنى الانسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنة التعظيم، كقولهم : أبو الهول، وأبو المقدام وأبو المغوار، فإذا أرادت تحقيره والغض منه كنته بما يستحقر ويستهان به، كقولهم في كنية يزيد بن معاوية : أبو زنة يعنون القرد، وكقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدث : أبو الفار، وكقولهم للطفيلي : أبو لقمة وكقولهم لعبد الملك : ابو الذبان لبخره، وكقول ابن بسام لبعض الرؤساء : فأنت لعمري أبو جعفر ولكننا نحذف الفاء منه وقال أيضا : لئيم درن الثوب نظيف القعب والقدر أبو النتن، أبو الدفر أبو البعر أبو الجعر فلما كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصي والذنوب التي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاء كناه " أبو وذحة ". ويمكن أيضاً أن يكنيه بذلك لدمامته في نفسه وحقارة منظره، وتشويه خلقته، فإنه كان قصيرا دميما نحيفا أخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين مجدور الوجه أصلع الرأس، فكناه بأحقر الاشياء، وهو البعرة. وقد روى قوم هذه اللفظة بصيغة أخرى فقالوا : " إيه أبا ودجة "، قالوا : واحدة الأوداج كناه بذلك لانه كان قتالا يقطع الأوداج بالسيف، ورواه قوم " أبا وحرة "، وهى دويبة تشبه الحرباء قصيرة الظهر، شبهه بها. وهذا وما قبله ضعيف وما ذكرناه نحن أقرب إلى الصواب (1).

شجاعة شجاعة

اعلم أن امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أقسم أن القتل أهون من الموت حتف الانف وذلك على مقتضى ما منحه اللّه تعالى من الشجاعة الخارقة لعادة البشر، وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحاول أن يحض أصحابه، ويحرضهم ليجعل طباعهم مناسبة لطباعه وإقدامهم على الحرب كما مماثلا لاقدامه على عادة الأمراء في تحريض جندهم وعسكرهم وهيهات ! إنما هو قال أبو الطيب : يكلف سيف الدولة الجيش همه وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم ويطلب عند الناس ما عند نفسه وذلك ما لا تدعيه الضراغم ليست النفوس كلها من جوهر


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 279.

واحد، ولا الطباع والامزجة كلها من نوع واحد، وهذه خاصية توجد لمن يصطفيه اللّه تعالى من عباده في الاوقات المتطاولة، والدهور المتباعدة، وما اتصل بنا نحن من بعد الطوفان، فإن التواريخ من قبل الطوفان مجهولة عندنا إن أحدا أعطى من الشجاعة والاقدام ما أعطيه هذا الرجل من جميع فرق العالم على اختلافها، من الترك والفرس والعرب والروم وغيرهم، والمعلوم من حاله أنه كان يؤثر الحرب على السلم والموت على الحياة والموت الذى كان يطلبه ويؤثره إنما هو القتل بالسيف، لا الموت على الفراش، كما قال الشاعر :

لولم يمت بين أطراف الرماح***إذا لمات إذ لم يمت من شدة الحزن

وكما قال الآخر :

يستعذبون مناياهم كأنهم***لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا (1).

أعور جبانا !

عن زيد بن وهب الجهني أن عمار بن ياسر نادى في صفين يوما قبل مقتله بيوم أو يومين : أين من يبغى رضوان اللّه عز وجل ولا يؤوب إلى مال ولا ولد ؟ فأتته عصابة من الناس فقال : أيها الناس اقصدوا بنا قصد هؤلاء القوم الذين يتبعون دم عثمان، ويزعمون أنه قتل مظلوما، والله إن كان إلا ظالما لنفسه الحاكم بغير ما أنزل اللّه ودفع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرايه إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وكان عليه ذلك اليوم درعان، فقال له على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كهيئه المازح أيا هاشم أما تخشى على نفسك ان تكون أعور جبانا ! قال : ستعلم يا أمير المؤمنين، والله لالفن بين جماجم العرب لف رجل ينوى الاخرة. فأخذ رمحا فهزه فانكسر، ثم أخذ آخر فوجده جاسيا فألقاه ثم دعا برمح لين فشد به اللواء (2).

قد أبلغناه محبته

قيل لابي مسلم الخراساني : إن في بعض الكتب المنزلة : من قتل بالسيف فبالسيف يقتل، فقال : القتل أحب إلى من اختلاف الاطباء والنظر في الماء، ومقاساة الدواء والداء، فذكر ذلك للمنصور بعد قتل أبى مسلم فقال : قد أبلغناه محبته ! (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 301.

2) شرح نهج البلاغة ج 8 ص 10.

3) شرح نهج البلاغة ج 7 ص 303.

فاقرعوا على عائشة

اتفقت الرواة كلها على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبض ما وجد في عسكر الجمل من سلاح ودابة ومملوك ومتاع وعروض فقسمه بين أصحابه، وأنهم قالوا له : اقسم بيننا أهل البصرة فاجعلهم رقيقا، فقال : لا، فقالوا : فكيف تحل لنا دماءهم وتحرم علينا سبيهم ! فقال : كيف يحل لكم ذرية ضعيفة في دار هجرة وإسلام ! أما ما أجلب به القوم في معسكرهم عليكم فهو لكم مغنم، وأما ما وارت الدور وأغلقت عليه الابواب فهو لاهله، ولا نصيب لكم في شئ منه، فلما أكثروا عليه قال : فاقرعوا على عائشة، لادفعها إلى من تصيبه القرعة ! فقالوا : نستغفر اللّه يا أمير المؤمنين ! ثم انصرفوا (1).

غير بعيد أن يستهوى من بعدى

أتى عبد الملك بن مروان برجل من الخوارج، فبحثه فرأى منه ما شاء فهما وعلما، ثم بحثه فرأى منه ما شاء أدبا وذهنا، فرغب فيه، فاستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه، فرآه مستبصرا محققا، فزاده في الاستدعاء، فقال : تغنيك الاولى عن الثانيه وقد قلت وسمعت فاسمع أقل، قال : قل، فجعل يبسط من قول الخوارج ويزين له من مذهبه بلسان طلق، وألفاظ بينة ومعان قريبة. فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته وفضله : لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة إنما خلقت لهم، وإنى أولى العباد بالجهاد معهم، ثم رجعت إلى ما ثبت اللّه على من الحجة، وقرر في قلبى من الحق، فقلت له : الدنيا والآخرة، للّه وقد سلطنا اللّه في الدنيا ومكن لنا فيها، وأراك لست تجيبنا إلى ما نقول والله لا قتلنك إن لم تطع. فأنا في ذلك، إذ دخل على بابني مروان. قال أبو العباس : وكان مروان أخا يزيد بن عبد الملك لامه أمهما عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وكان أبيا عزيز النفس، فدخل به على أبيه في هذا الوقت باكيا لضرب المؤدب إياه، فشق ذلك على عبد الملك، فأقبل عليه الخارجي وقال : له دعه يبك، فإنه أرحب لشدقه، وأصح لدماغه، وأذهب لصوته وأحرى ألا تأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة واستدعى عبرتها فأعجب ذلك من قوله عبد الملك وقال له متعجبا : أما يشغلك ما أنت فيه ويعرضك عن هذا ؟ فقال : ما ينبغى أن يشغل المؤمن عن قول الحق شيء، فأمر بحبسه، وصفح عن قتله، وقال


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 250.

بعد معتذرا إليه : لولا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك، ثم قال : عبد الملك : لقد شككني ووهمني حتى مالت بی عصمه اللّه وغير بعيد أن يستهوى من بعدى (1).

أكثر من حامى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبو دجانة وسهل بن حنيف

قال ابن ابي الحديد : سألت ابن النجار المحدث فقلت له : قصة أحد تدل على أن المسلمين كانت الدولة لهم بادئ الحال ثم صارت عليهم، وصاح الشيطان : قتل محمد فانهزم أكثرهم، ثم ثاب أكثر المنهزمين إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فحاربوا دونه حربا كثيرة طالت مدتها حتى صار آخر النهار، ثم أصعدوا في الجبل معتصمين به وأصعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) معهم، فتحاجز الفريقان حينئذ، وهذا هو الذى يدل عليه تأمل قصة أحد إلا أن بعض الروايات التي ذكرها الواقدي يقتضى غير ذلك نحو روايته في هذا الباب أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لما صاح الشيطان : إن محمدا قد قتل كان ينادى المسلمين فلا يعرجون عليه، وإنما يصعدون في الجبل، وإنه وجه نحو الجبل، فانتهى إليهم وهم أوزاع يتذاكرون بقتل من قتل منهم وهذه الرواية تدل على أنه أصعد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الجبل من أول الحرب، حيث صاح الشيطان وصياح الشيطان كان حال كون خالد بن الوليد بالجبل من وراء المسلمين لما غشيهم وهم مشتغلون بالنهب واختلط الناس، فكيف هذا ! فقال : إن الشيطان صاح : قتل محمد دفعتين : دفعة في أول الحرب، ودفعة في آخر الحرب، لما تصرم النهار وغشيت الكتائب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد قتل ناصروه وأكلتهم الحرب، فلم يبق معه إلا نفر يسير لا يبلغون عشرة، وهذه كانت أصعب وأشد من الاولى، وفيها اعتصم، وما اعتصم في صرخة الشيطان الأولى بالجبل، بل ثبت وحامي عنه أصحابه، ولقد لقي في الاولى مشقة عظيمة من ابن قميئة وعتبة بن أبي وقاص وغيرهما، ولكنه لم يفارق عرصة الحرب، وإنما فارقها وعلم أنه لم يبق له وجه مقام في صرخته الثانية. قلت له : فكان القوم مختلطين في الصرخة الثانية حتى يصرخ الشيطان : قتل محمد ! قال : نعم، المشركون قد أحاطوا بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبمن بقي معه من أصحابه، فاختلط المسلمون بهم وصاروا مغمورين بينهم، لقلتهم بالنسبة إليهم، وظن قوم من المشركين أنهم قد قتلوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لانهم فقدوا وجهه وصورته، فنادى الشيطان : قتل محمد، ولم يكن مقتل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)،


1) شرح نهج البلاغة ج 5 ص 81.

ولكن اشتبهت صورته عليهم وظنوه غيره، وأكثر من حامى عنه في تلك الحال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبو دجانة وسهل بن حنيف، وحامى هو عن نفسه، وجرح قوما بيده تاره بالسهام، وتارة بالسيف ولكن لم يعلموا بأعيانهم لاختلاط القوم وثوران النقع، وكانت قريش تظنه واحدا من المسلمين ولو عرفوه بعينه في تلك الثورة لكان الأمر صعبا جدا، ولكن اللّه تعالى عصمه منهم بأن أزاغ أبصارهم عنه، فلم يزل هؤلاء الثلاثه يجالدون دونه وهو يقرب من الجبل حتى صار في أعلى الجبل أصعد من فم الشعب إلى تدريج هناك في الجبل ورقي في ذلك التدريج صاعدا حتى صار في أعلى الجبل وتبعه النفر الثلاثة فلحقوا به. قلت له : فما بال القوم الذين صعدوا الجبل من المشركين وكيف كان إصعادهم وعودهم ؟ قال : أصعدوا لحرب المسلمين لا لطلب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لانهم ظنوا أنه قد قتل، وهذا هو كان السبب في عودهم من الجبل لانهم قالوا : قد بلغنا الغرض الاصلي وقتلنا محمدا، فما لنا والتصميم على الأوس والخزرج وغيرهم من أصحابه، مع ما في ذلك من عظم الخطر بالانفس ! قلت له : فإذا كان هذا قد خطر لهم فلماذا صعدوا في الجبل. قال : يخطر لك خاطر ويدعوك داع إلى بعض الحركات فإذا شرعت فيها خطر لك خاطر آخر يصرفك عنها، فترجع ولا تتمها ! قلت : نعم فما بالهم لم يقصدوا قصد المدينة وينهبوها ؟ قال : كان فيها عبد اللّه بن أبى في ثلثمائة مقاتل وفيها خلق كثير من الأوس والخزرج، لم يحضروا الحرب وهم مسلمون وطوائف أخر من المنافقين لم يخرجوا، وطوائف أخرى من اليهود أولو بأس وقوة، ولهم بالمدينة عيال وأهل ونساء وكل هؤلاء كانوا يحامون عن المدينة، ولم تكن قريش تأمن مع ذلك أن يأتيها رسول اللّه من ورائها بمن يجامعه من أصحابه فيحصلوا بين الاعداء من خلفهم ومن أمامهم فكان الرأي الاصوب لهم العدول عن المدينة وترك قصدها (1).

وداود بحق أراقها

عن ابن عباس قال : تبرم عمر بالخلافة في آخر أيامه وخاف العجز، وضجر من سياسة الرعية فكان لا يزال يدعو اللّه بأن يتوفاه فقال لكعب الاحبار يوما وانا عنده : إني قد أحببت أن أعهد إلى من يقوم بهذ الأمر وأظن وفاتي قد دنت، فما تقول في على ؟


1) شرح نهج البلاغة ج 15 ص 28.

أشر على في رأيك وأذكرني ما تجدونه عندكم، فإنكم تزعمون أن أمرنا هذا مسطور في كتبكم، فقال: أما من طريق الرأى فانه لا يصلح إنه رجل متين الدين لا يغضى على عورة ولا يحلم عن زلة ولا يعمل باجتهاد رأيه وليس هذا من سياسة الرعية في شئ وأما ما نجده في كتبنا فنجده لا يلى الأمر ولا ولده، وإن وليه كان هرج شدید، قال: كيف ذاك؟ قال : لانه أراق الدماء، فحرمه اللّه الملك. إن داود لما أراد أن يبنى حيطان بيت المقدس أوحى اللّه إليه إنك لا تبنيه لانك أرقت الدماء وإنما يبنيه سليمان فقال عمر أليس بحق اراقها ؟ قال كعب : وداود بحق أراقها يا أمير المؤمنين قال : فإلى من يفضى الأمر تجدونه عندكم ؟ قال : نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة والاثنين من أصحابه إلى أعدائه الذين حاربهم وحاربوه وحاربهم على الدين، فاسترجع عمر مرارا، وقال أتستمع يابن عباس ! أما والله لقد سمعت من رسول اللّه ما يشابه هذا، سمعته يقول : ليصعدن بنو أميه على منبرى، ولقد أريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة وفيهم أنزل (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) (1).

إن وراكبها

من الكلام المشهور في بخل عبد اللّه بن الزبير الكلام الذى يحكى أن أعرابيا أتاه يستحمله، فقال : قد نقب خف راحلتي فاحملني إنى قطعت الهواجر إليك عليها، فقال له: ارقعها بسبت واخصفها بهلب وانجد بها وسر بها البردين فقال : إنما اتيتك مستحملا لم آتك مستوصفا لعن اللّه ناقة حملتني إليك، قال : إن وراكبها (2).

اخذ ابن نباتة الخطيب كثيرا من الفاظها

اعلم أن هذه الخطبة من اعيان خطبه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن ناصع كلامه ونادره وفيها من صناعة البديع الرائقة المستحسنة البريئة من التكلف ما لا يخفى، وقد اخذ ابن نباتة الخطيب كثيرا من الفاظها فاودعها خطبه، مثل قوله (شدید كلبها، عال لجبها، ساطع الهبها متغيظ زفيرها، متاجج سعيرها، بعيد خمودها، ذاك وقودها، مخوف وعيدها، عم قرارها، مظلمة اقطارها، حامية قدورها، فظيعة امورها) فان هذه الالفاظ كلها اختطفها، واغار عليها واغتصبها، وسمط بها خطبه، وشذر بها كلامه. ومثل قوله (هول المطلع،


1) شرح نهج البلاغة ج 12 ص 81.

2) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 139.

وروعات الفزع واختلاف الاضلاع واستكاك الاسماع، وظلمة اللحد، وخيفة الوعد وغم الضريح وردم (الصفيح فان هذه الالفاظ أيضاً تمضى في اثناء خطبه وفى غضون مواعظه (1).

فيجعله امثال الجبال

قيل في الاخبار والحديث أن اللّه تعالى يجمع الذهب والفضة كل ماكان منه في الدنيا، فيجعله امثال الجبال ثم يقول هذا فتنة بنى آدم، ثم يسوقه إلى جهنم فيجعله مكاوى لجباه المجرمين (2).

سبب تسمية الخطبة (القاصعة)

يجوز أن تسمى هذه الخطبة (القاصعة) من قولهم قصعت الناقة بجرتها، وهو أن تردها إلى جوفها أو تخرجها من جوفها فتملا فاها، فلما كانت الزواجر والمواعظ في هذه الخطبة مردده من أولها إلى آخرها، شبهها بالناقة التي تقصع الجرة. ويجوز أن تسمى القاصعة لانها كالقاتلة لابليس واتباعه من اهل العصبية، من قولهم قصعت القملة، إذا هشمتها وقتلتها. ويجوز أن تسمى القاصعة لان المستمع لها المعتبر بها يذهب كبره ونخوته فيكون من قولهم قصع الماء عطشه، أي اذهبه وسكنه قال ذو الرمة بيتا في هذا المعنى : فانصاعت الحقب لم تقصع صرائرها وقد تشح فلارى ولا هيم (3).

القول في سنى الاخرة كم هي

فاما القول في سنى الاخرة كم هي فاعلم انه قد ورد في الكتاب العزيز آيات مختلفات : احداهن قوله (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ). والاخرى قوله (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) والثالثة قوله (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) واولى ما قيل فيها أن المراد بالاية الأولى مدة عمر الدنيا وسمى ذلك يوما، وقال إن الملائكة لا تزال تعرج إليه باعمال البشر طول هذه المدة حتى ينقضى التكليف، وينتقل الأمر إلى دار اخرى. وأما الايتان الاخيرتان فمضمونهما بيان كمية ايام الاخرة، وهو أن كل يوم منها


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 114.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 120.

3) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 128.

مثل ألف سنة من سنى الدنيا فان قلت فعلى هذا كم تكون مدة عبادة ابليس إذا كانت ستة آلاف سنة من سنى الاخرة قلت يكون ما يرتفع من ضرب احد المضروبين في الآخرة، وهو الفا ألف الف ثلاث لفظات، الاولى منهم مثناة، ومائة ألف الف لفظتان، وستون ألف الف سنة لفظتان أيضاً من سنى الدنيا ولما راى امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا المبلغ عظيما جدا علم أن اذهان السامعين لا تحتمله فلذلك ابهم القول عليهم، وقال (لا يدرى امن سنى الدنيا أم من سنى الاخرة). فان قلت فإذا كنتم قد رجحتم قول من يقول إن عمر الدنيا خمسون ألف سنة، فكم يكون عمرها إن كان اللّه تعالى اراد خمسين ألف سنة من سنى الاخرة لانه لا يؤمن أن يكون أراد ذلك إذا كانت السنة عنده عبارة عن مدة غير هذه المدة التى قد اصطلح عليها الناس قلت يكون ما يرتفع من ضرب خمسين الفا في للثمائة وستين ألف من سنى الدنيا ومبلغ ذلك ثمانية عشر ألف الف ألف سنة من سنى الدنيا ثلاث لفظات، وهذا القول قريب من القول المحكى عن الهند (1).

بلاغة بلاغة

واعلم انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما ذكر الطعن نسبه إلى العيون

ولما ذكر الحز، وهو الذبح نسبه إلى الحلوق

ولما ذكر الدق، وهو الصدم الشديد اضافة إلى المناخر،

وهذا من صناعة الخطابة التى علمه اللّه اياها بلا تعليم، وتعلمها الناس كلهم بعده منه (2).

ما بال من اوله نطفة

الذين تكبروا عن حسبهم أي جهلوا انفسهم ولم يفكروا في اصلهم من النطف المستقذرة من الطين المنتن، قال الشاعر :

ما بال من اوله نطفة***وجيفة آخره يفخر

لا يصبح لايملك تقديم***مايرجو ولا تأخير ما يحذر (3).


1) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 133.

2) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 143.

3) شرح نهج البلاغة ج 13 ص 149.

الفهرس

اجمال رائع في فضائل امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...7

بدء ظهور الغلاة...16

وقدت ناری و دعوت قنبرا...16

المغيرة بن شعبة...17

زید بن ثابت و ميله إلى عثمان...17

اخلاق الرشيد... 17

آخر يوم من شوال فلتة...18

إن اللّه ينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم...18

لف عرقي بعرفة سيدا الناس جميعا محمد وعلي... 18

ينظرون اليكم نظر الثور إلى جازره...19

من ارتج عليهم أو حصروا عند الكلام...20

المتعاقدين على قتل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...21

حتى نخوض إليه الباطل خوضا...21

وأخذته الالسن من كل جانب...21

تكبيرا منكرا في شوارع الكوفة...22

كنايات في الجماع وقرارات النساء...22

سلیمان بن صرد الخزاعي... 24

مذهب سقراط في تفسير القيامة وجهنم...25

اراد في مرضه ان يرح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقا وحيطة على الاسلام...25

المعروف في غير أهله...26

وعد منه بالامام الغائب الذى يملك الارض... 26

ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا...27

جامى الظعن حيا وميتا... 27

وحولك أكباد تحن إلى القد...28

الأقوال في علم اللّه...28

أنا من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كالضوء من الضوء...29

خلق القرآن قبل أن يخلق آدم...30

شدید عذاب جهنم...30

إنما خلقكم اللّه للتفريق بين المسلمين...31

المتخلفين عن بيعة أمير المؤمنين... 31

كيف أصبحت يا ابنه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم ؟...32

عمر والكوفة...33

لاجردن فيكم السيف...34

الرأى قبل شجاعة الشجعان...34

خصوا بتدبير الآخرة...35

إن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مر بقرية وإذا أهلها موتى...35

ام عمر بن الخطاب... 35

اكفني هؤلاء...36

ما بال القصار من الناس ادهى...36

فهلا أجزت عليه أن يطفر !...37

في الاباء والانف من احتمال الضيم...37

اثال وابنه في المعركة...43

أتبعا القرح بالفرح...44

قصة القصيدة الجلجلية...45

إن للّه جنودا من عسل...45

وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني...46

أتهمك وأتهم كاتبي...46

قرار هبيرة بن أبى وهب وعبد اللّه بن الزبعرى يوم الفتح...47

اساری بذر...48

وآس بينهم في اللحظه...48

فاعتزم بالشدة...48

اخر شعر عبد الملك بن مروان...49

في حقوق الجار...49

نحن ضربنا أبا بنا أبا حسن...51

نكتة لطيفة...51

اقوال المشبهة...53

النهى عن ذكر عيوب الناس...55

لو ولد أبو طالب الناس كلهم لكانوا شجعانا...57

يالهدم قبح اللّه أخسرنا...57

أتدرى ما تقول هذه الشجرات ؟...58

المتكلمين لا يتادبون بادب امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...58

لنفسه نظر...58

بأي شئ كفرتم عثمان ؟...60

بین زید و بین جده امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 60

تطاطات لهم فركبوك... 61

ما صلاح الملك...61

والله لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شعيراتك...61

فيمن استشهد من المسلمين ببدر...62

مما يطول تعداده جدا...62

وكان في راس على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاث ضربات...63

إذا سئل الحاجة يشتم السائل...64

سلمان الفارسي...66

يا جامعا مانعا...66

ما باله عفا عن الخارجي وأنكر على الاشعث...67

وانما هو شعر طفح على لساني...67

بال العلقمي ورت زنادى...68

كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين...69

ادخل تحت قوائم العرش، لا تظفر بك فاطمة...69

من قتل ببدر من المشركين وأسماء قاتليهم...69

كيف ترى الدنيا ؟...72

ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم...73

ليس كل وقت يتهيأ لك إرسال الحمام...73

كل بيت يوازي حرب كاملة...73

زيد بن علي...74

نصر بن حجاج...76

أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم...77

غيرة عائشة...77

يا بن الخطاب فضوح الدنيا اهون من فضوح الاخرة...78

وما اعلم ما اقول في هذا المقام...79

مجرى الارواح في الاجسام...80

لله أبوك يا بن عبد اللّه ! لقد كنت عالي الهمة...80

فاشتراه معاوية من اوليائه بعشرة آلاف درهم...81

قطع اذن عمار...81

عصبية التوحيدي...81

مقدمتي تأتى من وراثي !...82

اللجاج...82

من أشرف أفعال الكريم غفلته عما يعلم... 83

تعس فلا انتعش...83

القول في الحظ...83

مثل من شجاعه على...84

شبث بن الربعي في صفين...85

مذاهب المعتزلة في تفضيل امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...87

نساء المشركين باحد...88

التراويح بدعة...89

الاصبغ من ذخائر على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممن قد بايعه على الموت...90

ولكن سعدا لم يبايع أبا بكر...90

اعرابي يسال...91

ترتيب عسكر على (عَلَيهِ السَّلَامُ)...91

اطعموني ماء... 93

زوجت يوم أحد عشرة من أصحاب محمد الحور العين...94

بل أنا أقتلك عليها إن شاء اللّه تعالى...95

ما اجتمعنا على شراب بعد ذلك اليوم... 95

اشهدوا...96

خطبة الاسكندر في جنده... 97

ما قاتل عليا أحد إلا وعلى أولى بالحق منه...97

قصر الخيال، لا تنزلوا فيه...97

انا املك الاجساد لا النيات...97

لم يصب الكوفة منه أكثر من ثلاث...98

عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف...98

يفرح حقد العرب الطويل على امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...98

سيد أهل الاباء...99

كلام النقيب في المفاضلة بين علي وجعفر...100

يكتبون أحسن ما يسمعون...103

ذره في بقعة الامكان ما لم يذده قائم البرهان...103

والكاظمين الغيظ...103

بخل الاصمعي...104

القرين بالمقارن يقتدى... 104

خرافات صاحب الزنج... 104

لعبد القيس ست خصال فاقت بها على العرب... 104

نعلي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...105

أصبحت هزءا لراعي الضأن أتبعه...105

يحشران يوم القيامة وإمامهما ضب...106

عند إحدى رجليه خمر...106

حتى شهد مقتل الحسين...107

شاغرا برجليه، كاشفا عورته...107

إنما كان إسلامه لفجرة وغدرة غدرها...108

عبد الرحمن بن عتاب بن اسید...108

رأى ابن ابي الحديد في كتاب نهج البلاغة...109

اجتماع أربعة حكماء...110

أنتم المقربون...110

نسب فاطمه بنت اسد...110

إننا أهل بيت لا نطلع على أحوالنا قابلة غريبة...111

وتنشر حواجبهم بعمد الحديد...113

أذيعوه أنتم عنى أيضاً ما بدا لكم...113

وهرب أبو سفيان يعدو على قدميه...114

الولد للفراش وللعاهر الحجر...115

هذا رجل قد أخذت عليه العهود ألا يكلمكم...115

وجلدة بين العين والانف سالم...116

بنو جمع...116

ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد...117

فخر طويل لك يا ربيعة...118

أول من بايع أبا بكر ونقض دعوة سعد...119

في الجوع وتقليل الطعام...121

امثال مخترعة له لم يسبق بها...121

ما زال ابن الجزار عدوا لنا أهل البيت...122

اخذ هذا المعنى أبو العلاء المعرى...122

قرات هذه الخطبة اكثر من ألف مرة...123

قلم اصاب من الدواة مدادها...124

من شعر الشريف الرضي...125

ما أحسن منظر رأيت في هذه الحرب ؟...127

كذبتم وبيت اللّه نخلی محمدا...127

فما كنا فاعلين لا أم لك !...128

اخفاء قبر امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...128

ولم نسم نحن بعلى ولا بحسن ولا بحسين...129

رأى ابن ابي الحديد في أمور وقعت من عمر...129

حكاية أبي حية النميري...131

عمر الدنيا...131

كلها بقى غير عنقها...133

سياسة علي...133

قد يوافي بالمنيات السحر...134

إنما هو عيد لمن قبل اللّه صيامه...134

لم يبغض الجاهل العالم...135

سكرات خمس...136

حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك...136

سيقتل نفسه بجراءته...136

لو اقرأته القرآن فهو خير له...136

يخرج من ثقيف كذاب ومبير... 137

علمهما الفقه...137

اشعار في وصف القبور والموتى...137

مدينة قد ملكها سبعة املاك من بيت واحد وبادو... 139

لنفسه نظر...139

الأقوال في علم اللّه...141

لكنى لا ارجو ولا والله من المائة اثنين...142

إنا أهل البيت لا نفر...143

فما عسى أن أقول في حسبه ! وأما بأسه فهو الشجاع المطرق...143

أوصيك بما أوصى به البكري زيدا...144

سمى المرقال...145

ولاية قيس بن سعد على مصر ثم عزله...145

بلغني أيها الملك أن الاسد يردها فخفته... 146

إذا غاب عنها بعلها لا أزورها...146

خذ إليك أبا الاملاك، قد سميته عليا... 147

إنا لا نأخذ لقرى الأضياف ثمنا...148

إنه خرج وهو جنب...149

قصة غزوة الخندق...150

يا أعمى القلب يا أعمى البصر...151

خيار خصال النساء شرار خصال الرجال...152

کلام تنسبه العرب إلى الضب...152

دعني من التأويلات الباردة...152

أطوع الناس في قومه...153

العرب تضرب بالجمل المثل في الهوان...153

الدهر يومان : يوم لك، ويوم عليك...154

احلام معاوية...155

شعر لأبي الاسود...155

قيمة ذلك أجمع ثمانية آلاف ألف دينار...156

بق دخن عليه فطار !...156

شهدت مع مروان بن محمد أربعة عساكر كلها انهزمت...158

الفقر يخرس الفطن...158

المقل غريب في بلدته...159

لم حفظت الفلاسفة المال مع حكمتها...159

طريفة...159

وأكل الحديد منهم من أكل...159

هشام بن الحكم و التشبيه...160

أمر عمرو بن العاص مع جعفر بن أبي طالب في الحبشة...160

قد ترافقوا في الجنة جميعا، بعلك و ابنك، و أخوك...163

أما ترون إلى السواد قد اتصل بالسواد...165

من أي يومى من الموت أفر...166

عفاق الافاق...167

الملائكة وأقسامهم عند المعتزلة...168

الدواب اهم شي عنده...169

سوی عمرو وقته خصيناه...170

فما هذه العلاوة ؟...171

ادخل تحت قوائم العرش، لا تظفر بك فاطمة...172

أول قتيل من المسلمين يوم أحد...172

كلام للجاحظ في سياسة علي ومعاوية...174

قصة صالح وثمود...176

مرضه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان ذات الجنب...177

لا بد من أن يموت أحدنا...177

رأيتني واختا لى نرعى على ابوينا ناضحا لنا...178

ما منعك أن تنهائي عن مسيرى...178

الا تكنيني يتعصب لابليس... 179

وكنت وليلى في صعود من الهوى فلما توافينا ثبت وزلت...179

اقوال المشبهة...180

إن أسير أهل القبلة لا يقتل...183

قسمة الفييء...184

الغلاة من الشيعة والنصيرية وغيرهم...184

أحضر لي خيوطا من ريح...185

هل يجوز أن يؤكل الجنى لو ظفر به... 185

ذلك نكاح ما شهدناه... 185

ابن أخت خالتك... 185

إنما أكله عن جانب العين الصحيحة... 185

إنه كان يقاتل عن ترة له وعليه... 185

في الاباء والانف من احتمال الضيم... 186

الحرقة بنت النعمان بن المنذر... 192

ثمامة نابتة على قبر معاوية...192

انما انت لعبة تلعب بك وتفركين...192

إنما عنيت عتبة...192

اظهروا النسك...193

شيخ من بنى نهشل بن دارم الجبان...193

أتكفر برب كان يؤمن به عثمان... 194

فرحت وعطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائه...195

وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة...195

رواه مشايخ الشيعة قبل أن يوجد جد أبي العيناء...196

غریب...196

أديان العرب في الجاهلية...196

يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني...197

من فوق عرش جالس قد حط رجليه إلى كرسيه المنصوب... 198

الامامية و الرجعة...198

ماقيل في قريش وعبد مناف...199

لو قتل النهدي يومئذ لقتل شهيدا...200

ارجع إلى عملك...202

ليت الراوى لم يكن هذه الكناية، وكان يذكرها بإسمهما...202

عددت جراحها جرحا جرحا فوجدتها ثلاثة عشر...202

المغيرة بن سعيد المغالي...203

اثار صاحب الزنج في البصرة...203

شبهة قبر المغيرة...204

أفناكح في النار خير أم منكوح...208

البصرة بلدة ما رأيت لك بها محبا...208

ما ظننت أن اللّه ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة...208

قبح الله من لا أدب...209

أن عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما فرفى زحف قط...209

إنه ليس خلفي مدد...210

أمر المهاجرين والانصار بعد بيعة أبي بكر...210

من شعر الحماسة...211

كتابا حمل على جمل لعظمه وكثرته...211

عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص في الحبشة...212

بد اللّه بن العباس ورجالات قريش في مجلس معاوية...214

جزى اللّه خيرا عصبة أسلمية...218

فما المجد إلا السيف والفتكة البكر...220

خذ اللواء فغلام لغلام...221

تبين لك الود في صدر أخيك...223

من رضى عن نفسه كثر الساخط عليه...223

تزوير رسالتين من ابي بكر وعمر...224

الى امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...224

سنتم علينا القتل لا تنكرونه فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر...233

وهلك من هلك...234

تضن ابن خطاب على بجمة...234

خطبة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حجة الوداع...234

تلك الدماء معا يا رب في عنقي...235

وبصق في الكتاب فمحاه وخرقه...236

ادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه...236

ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة...236

هذا عبد سقط من عين الله...237

اربعة مساجد بالبصرة تقوم على بغض على...237

كفر باللّه كفرة أصلع...237

أنت جاهل بإجماع الناس والناس جهال بقولك وحدك...238

ما ورد في وصاية على من الشعر...238

لا جائينك غدا بين يدي اللّه عز وجل...243

بق دخن عليه فطار !...244

وكانت امرأة ثقيلة...246

كان المنصور يسمى عبد اللّه بن الحسن بن الحسن أبا قحافة...246

المرأة شر كلها...246

يعرفون بالتجسس...247

داران مهدومتان ودارك ثالثة...247

وإن الالى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا...248

فعلمت أن اللّه تعالى لم يستحب له...248

سال الدم بالمطر حتى دخل بيت عاتكة...248

ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم...249

اختلفت دواعيه في ساعة واحدة أربع مرات...250

ما أسرع ما أديل ليحيى من ابن مصعب...250

من حكمة أفلاطون...252

إذا كان أمير المؤمنين الشاهد...252

عيبك مستور ما اسعدك جدك...252

كانت في شغل بنفسها...253

الفراسة في الصبيان...253

فتصدق حذيفة ابنه بدمه على المسلمين... 254

ما احسن سوار ابنتكم هذه ؟...254

إذا طمع في جيفة نشب في الاحبولة...255

لما نطق موسى بذكر الطمع...255

بعينى ما يتحمل المتحملون من اجلى...255

ابن مسعود وعثمان...255

لا ألفينك بعد الموت تندبنى وفي حياتي ما زودتني زادي... 256

عزم قوى في المراقبة...257

نظر السلطان إلى شيء لا يكون الا عن قصد...257

فما يصلح إلا لذلك العمل...257

الان وثقت بعفوك...258

لا كلمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة...259

إن المنية لو تمثل مثلت مثلى...259

كثير الحطب يكفية قليل النار...259

أشنق بمعنى (شنق)...260

فلا تفسده بجهل عامة لا خلاق لهم...260

جنكز خان وفتنه التتر...261

تفي ابي ذر إلى الربذة...276

ثم أمر بها فقطعت...278

لا تمسك النار أبدا...278

أخبرت الامير أنك أعمى...278

من شعر الشريف الرضي...279

ما أحسن منظر رأيت في هذه الحرب ؟...281

كذبتم وبيت اللّه نخلی محمدا...281

عبد اللّه بن سبأ...282

الهرمزان يخدع عمر...282

نزول على بكربلاء...283

انها لصائره إليك بعد ايام...284

عبد اللّه بن جعفر وعمرو بن العاص في مجلس معاوية...287

كنايات العرب...288

جعلتني منافقا !...290

في الرضا...290

عبدا للّه لا عبدا للجية...291

درجات حركات العارفين...291

هناك قارعت أمك الهبل...292

النهي عن سماع السعاية...292

هل هو إلا خطيئة من خطاياك...293

فلم يصل أحد إلا تكبيرا عند مواقيت الصلاة...294

ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء...294

الانسان مدنى بالطبع...295

السيد الحميري ودولة بني العباس...295

رساله الاسكندر إلى أرسطو ورد أرسطو عليه...296

فما كنا فاعلين لا أم لك !...298

حدیث عن امرئ القيس...298

ووليهم وال فأقام واستقام...300

التفضيل بين الصحابة...301

لو ثبت لاخبرتك أنك من زمعات قريش...301

فألقى الناس أنفسهم في الماء...302

أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني...303

الشيطان أزب...303

كذب ابن قميئة...304

مثل كتاب محمد... 304

إن أباه كان المخدوع يوم دومة الجندل لا أبي...304

نسب العمالقة...305

من كلام المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الانجيل...305

فسيرني حيث سيرت ابن عمى نصر ابن حجاج...305

ان عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما فرفى زحف قط...306

إنه ليس خلفي مدد...306

من شعر الحماسة... 307

لا خير في أعور لا يأتي الفزع...307

كتابا حمل على جمل لعظمه وكثرته...308

حيث كانت اليهود تدفن موتاهم...308

وما عليك يا بن الخطاب الا تدرى ما الاب !...312

اثاث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...312

حتى يكون العفو هو الذى يصلحك...312

في القضاة وما يلزمهم...312

وسيموت غدا فننكحهن...313

رسالة إلى معاوية...313

رجز عمار في صفين...313

شبهات الغلاة...314

عظيم أمه أم هانئ...314

زيد بن علي...317

مما قيل من الشعر في الشيب والخضاب...318

لم ياتني ضيف منذ سبعة ايام...321

دق اللّه بينكما عطر منشم...322

فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما...323

رمي سعد...325

لا خير في لذة من بعدها سقر...323

منعه من جوابي هواني عنده !...325

کفيتك التقوالة...325

إن المشير أشار بما تقتضيه السياسة...325

وورثكم حلمه الاحوص...326

حلية الرجل أوداؤه...326

ما كنت اظن الناس يركبون الشيطان...328

بل يئسوا وانصرفوا...328

خلاصة السقيفة... 328

قذاك الموت نقدا غير دين... 330

نتف من أخبار عثمان بن عفان...330

أى الزواني أفره ؟ أ زوانى رامهرمز أم زوانی ارجان ؟...332

اكتب لكم ما لا تضلون بعدى...333

أم الخطاب زنجيه وتعرف بباطحلى... 333

حديث اللدود...334

اللهم إني أعوذ بك من هيجان الحرص...334

أنا الزاد...335

الحمد للّه بكل ما حمده أدنى ملائكته إليه...335

ما قيل في الشكر...336

من الادعية المأثورة عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)...338

ام مسلم بن عقیل...338

قال قولا مخلصا ليغفرن له...339

حول الشقشقية...339

فرفع عنهم العذاب...340

لم يوجس موسى...340

لعن اللّه يوما كنت فيه واليا لابن الخطاب...340

قصيدة أبي القاسم المغربي وتعصبه للانصار على قريش...341

امير المؤمنين والمزاح...344

حسن الخلق ومدحه...344

والله ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبى...346

اقتباسات من كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...346

لا يستكمل الانسان حد الانسانية إلا بالموت...348

يا بن اللعين الابتر...349

ثقيف الملعونة...349

أحبكما إلى الطلق البسام...350

اخرج أبعد اللّه نواك...350

نسب ثقيف، وطرف من أخبارهم...351

ولكن أردت أن تتشرف بي في محافل العرب...352

يزعمون أنا من بقايا ثمود...353

اتقنى فإني سريع الخطفة للاحمق المنهور...353

كم قد أهمل جامعوا الصحاح من الاخبار الصحيحة...353

أحمل رأسا قد سئمت حمله...354

ألا فتى يحمل عنى ثقله...354

ما كل مفتون يعاتب...354

تذل الامور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير...355

فاخذ يده فعضها حتى صاح...356

ليقطعوا بذلك ناحية على بن أبي طالب...356

عندي في هذه الواقعة كلام...358

إن المنية لو تمثل مثلت مثلى...358

نزول علي إلى الرقة...359

يا فسقة، قد والله علمت أنكم تختارون الشعر على القرآن...364

بطش الحجاج...364

أقول لعبد اللّه يوم لقيته أرى الأمر أمسى منصبا متشعبا...365

لارى عجاجة لا يطفئها إلا الدم...365

إن الناس ليغروننا عن ديننا...366

فبكى أهلك لجزعك...366

قول المعتزلة في البغاة على امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...366

عن عبد الرحمن بن عوف هو عاقد الأمر لعثمان...367

أنا إلى الامس أغسل سوأتك...367

أربعة تحتاج إلى أربعة...368

فلتات عمر...369

أطفأ لهيب المنافسة... 369

عبيدهم خيرا منهم...370

خير بئر في الارض زمزم...370

لا تنكحن واحده فتحيض إذا حاضت... 370

إن اللّه أنطقه بما تورع عن ذكره...371

ارجعوا إلى الاسلام...371

كل الناس افقه من عمر...372

لا تقل له يا امير المؤمنين ولكن قل له يا أبا الحسن...372

من نحر في بدر...373

مما قيل من الشعر في التحريض على قتل بني أمية...373

أخبار متفرقة في انتقال الملك من بني أمية إلى بني العباس...375

لو يشربون دمى لم يرو شاربهم ولا دماؤهم جمعا ترويني... 377

قرار حويطب بن عبد العزى يوم الفتح...379

فيزهد على في الأمر ويتركه...380

ما أسلموا ولكنهم استسلموا...380

هدم على دارنا مرتين...380

ابن هبيرة المخزومى لم يستطع الكلام... 380

إن من البيان لسحرا...381

كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم...381

ندم قوم كثير من الانصار على بيعتة ابي بكر...382

بايهما ابدا بالدور ام بالنخل...384

المتنبي...385

فأعلمنا كم فيه من أسطوانة ؟...385

حجة على المنجمين... 386

عائشة وعثمان...386

أنا منك أشد ضحكا...388

مزاح رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)... 388

افتراءات ابن ابي الحديد على ام سلمة...389

بني زهرة في يوم احد...389

إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر...390

الشجاعة والبخل...390

الهمامة المضطربة...390

خلق الأرض في التوراة...391

الزئير اراد اغتيال امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...391

امام اخطا وأمراة اصابت...391

فرار حكومة بن أبي جهل إلى اليمن يوم الفتح...391

العاقل الحازم...393

ان قيس طوالا أطول الناس...393

فلعلك شربته ؟...393

ماقيل في التسي عند فقدان الاحبة...394

لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة، لعلمنا أنه لم يمت...395

وسعوها في قريش تتسع...395

مقتل حمزة بن عبد المطلب (رضى اللّه عنه)...395

إن الشيطان يرانا ولا نراه...396

ميسة بنت سخام الثقفية...397

نوادر نعیمان...397

الربيع بن زياد وليس العلاء بن زياد...398

إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار...400

من شهد بدرا من المسلمين...400

اختلاف الاقوال في خلق البشر...400

ثلاثة بواحدة...402

كل هذا لعب...403

كان عبد اللّه بن الزبير شديد البخل...403

خمس إفريقية...404

فرار صفوان بن أميه يوم الفتح...404

اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون...406

يئست من أن يأخذ لي بحقى منه...408

لا تمضى الجمعة حتى تبايعوا إلى أو أضرب أعناقكم...408

كان يحمى الشرف لابله وكانت ألف بعير...409

ما استصغره اللّه ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك...409

ما لقينا من ظلم قريش ايانا وتظاهرهم علينا...410

ننبش قبر أم محمد...410

ابن مسعود وعثمان... 411

لا ألفينك بعد الموت تندبنى وفي حياتي ما زودتني زادي...411

من يذهب إلى تصويب إبليس...412

شطحات...413

فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه...413

من اللائى لم يحججن يبغين حسبة...415

كتاب في اللزوم...415

حملوها يوم السقيفة أوزارا...415

عمر لا يعلم ان رسول اللّه يموت...416

رافضي عن كلاله...416

زعموها فلتة فاجئة...416

اكفف من غربك واربع على ظلعك...417

لا ولكنها معقبة لك خزيا... 418

سيرة عمر مزراة على الولاة مفسدة للرعية...418

وضع الاحاديث في فضائل عثمان والشيخين...419

أنهمك وأنهم كاتبي...420

مصادر الغلاة في غلوهم...421

أضر على الفجار من حريق النار...422

من الشعر الذى ارتجزت به هند بنت عتبة يوم أحد...424

كلا لست من قتلة الملوك...425

أتكفر برب كان يؤمن به عثمان...426

ما في عثمان بحمد اللّه أشك، لكني أشك في قاتله...426

أما إن ولى أمرهم حملهم على المحجة البيضاء...427

خطبة للامام على خالية من حرف الألف... 427

أرفع طرفك، فقد أدال اللّه عمرا منك...429

والله ليكونن ما قال...432

انا لا اصدق ذلك، ولا يسكن قلبي إليه...432

بشر الكانزين بعذاب أليم... 433

في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها...433

أعور يبغى أهله محلا...434

وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم...434

لى عليك وعلى كل المسلمين حقا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...436

أعمى البصر أعمى القلب...437

صفية بنت عبد المطلب تقف على ولدها...438

هل تستطيع أن تزاحمه في غيره من خصائصه...438

أول ذل دخل على العرب...439

واخترت الذى هو أفضل...439

وسبقني وإياك إلى الجنة...439

فلو كنت بمكة لاريتك كبر أبيك...440

لو كنت في فم أسد لدخلت معك...440

فغطوا على صماخه...440

فرجعت نادمة ساقطة...441

علي يقتل الحويرث بن معبد...441

تلقى من يحج من النساء...442

جد الاصمعي يتقرب ببغض امير المؤمنين...442

فعجب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) من شعره واستحسنه...442

اقاموا لكل قائم مائلا...443

انی رجل ضخم فلا يهولنكم مسقطي إذا سقطت...443

وعرض له معه مثل ما عرض له مع عمرو بن العاص...444

نسب الى الزبير...445

درة عمر أهيب من سيف الحجاج...445

کم بین من شك في عقيدته...446

ما الشئ الملفف في البجاد ؟...447

فدع له ما في يده...447

ما كان يحكم إلا عن نص وتوقيف...448

أقنع بعيشك...448

أربعة تحتاج إلى أربعة... 449

العاقل الحازم...449

فلعلك شربته ؟...449

خرج إلى الحجاج ابناه : خبيب وحمزة...449

كلام الجاحظ في ان الناس لا تخلوا من العيوب...449

محمد بن أبن بكر وذكر ولده...450

ولم نزد نحن في سر وفى علن على مقالتنا اللّه يكفينا...451

حب رمان عملنا في خراجه بالعدل...452

خير خلق اللّه بعد المصطفى...452

مضر مضرها اللّه في النار...452

واكتحلت ابصارهم بالتراب...452

كان عمر يفتى كثيرا بالحكم ثم ينقضه...454

كان يحمى الشرف لابله وكانت ألف بعير... 454

فهل فتحت الموضع المقفلا...454

حتى سمعنا صوت صوت المساحي... 455

هبار بن الاسود...456

إن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر...456

لا تمضى الجمعة حتى تبايعوا إلى أو أضرب أعناقكم...457

خلهم يعملون...458

إذا كان الامراء بني أمية والوزراء بنى مخزوم...459

هات فلندع على من ظلمنا...459

الحجاج في البصرة...459

لقد ضرب الحجاج بالمصر ضرية تقرقر منها بطن كل عريف...460

ضرب الحكماء مثالا لفرط الطمع...460

فما انتفع بنفسه مدة...461

هي المقادير تجرى في أعنتها...461

شتان بين على وسعد...462

هلكت العرب !...463

بأي شئ كفرتم عثمان ؟...463

وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا...464

أكفف من غربك، واربع على ظلعك...464

كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية وجوابه عليه...465

ثمان مسائل من مسائل التوحيد...467

ذم الكذب وحقارة الكذابين...468

ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا الموقف...469

ما في عثمان بحمد اللّه أشك لكنى أشك في قاتله...469

من الشعر الجيد في النهوض والحرب...469

لا ونعمى عين بل للناس عامة...471

بشر الكانزين بعذاب أليم...471

أصبتم الخبرة وأخطأتم المعدن...472

أتراشونني عن ديني...472

والله ما ندرى أنت أمير أم عمر...472

والله ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبى...473

قینتان يغنيان بهجاء النبي...473

كذب المغيرة... 474

إذا ذات دل كلمته لحاجه...475

حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسد رسوله...475

كلا لست من قتلة الملوك...476

إمام أخطأ وامرأة أصابت...476

يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا...476

ودسوا في فيه التراب...477

هذا الذي كنت وعدتكم به...478

حتى كأنك ضربك أحد المشركين...478

سبب اختلاف الخوارج...479

ما شممت اطيب من ريحه...481

شعر صوفي...481

الكلاب عندنا بالمدينة هذا شانها...482

مغنية نواحه بمكة...482

قد كان بعدك أنباء وهينمة...482

ولكن له أهيل سوء... 482

إن اللزوج من المرأة مكانا ما هو لاحد...483

في ذكر أمور غيبية، أخبر بها الامام ثم تحققت...483

إن عامة من معى اليوم يعصيني...485

ولد مالك بن نويرة...487

والله لئن ظفرت بك يوما من الدهر لاضربن عنقك...488

رزية يوم الخميس...488

ما بنی هذا الدير إلا بذلك الماء...489

الدين الذى لم يقض داود، قضاه أبو جعفر المنصور...491

من اشعار ابن أبي الحديد في المناجاة...491

عجائب خلق النملة...494

قم وغيب عنى وجهك...495

لو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت...495

قاتله وسالبه في النار...496

كويفة بن عمر...496

فلم يهو رسول اللّه ما قاله عمر...496

ما غنم يوم احد...497

فإن اللّه قتله وأنا معه... 497

أصيبت يومئذ عين قتادة حتى وقعت على وجنته...497

وإنما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم...498

ميسة بنت سخام الثقفية...499

وكان فظا يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت...499

حصار على ذرة وقد وجدت ما تشتهى...500

إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق...500

لتقاتلن قتالا أهونه الشديد...501

على لا يرضى بالعراق دون الشام... 502

كل الناس أفقه من عمر...502

قصة ابي ذر الغفاري وعثمان...502

وأنك لهند !...503

اعتراه نسيان حتى كان ينسى عدد ركعات الصلاة... 504

لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك...504

لحقا بالدرهم...504

تحق أبصر بالتمر منا بالسيوف...504

أن القوم مصنوع لهم...505

إذا كان يصيد القطا...505

فهل أكرهوك على أخذ الاجر...506

وإن حفروا بئرى حضرت بئارهم...506

اتبعه مباله وخلاك ذم...507

أو ما هو خير من الحق ؟... 507

وأخرجه من الشام كى لا يفسد علينا الناس... 507

إنه وإن هملج إلى الباطل... 507

كنيتني بحضرة خصمى... 507

كتم حب الدنيا أربعين سنة...508

نوح بن دراج...508

وقع السابح في البحر كم عسى أن يسبح !...508

خذ أموال الاغنياء أسهل من أخذ أموال الايتام...509

فتن الشعبى لما رفع الطرف إليها...509

ولبنى عمه الذلة...509

ولا بد يا أبا عبد اللّه للناس من شرطى... 509

لو سرقت ما نمت هذا النوم...510

لا يكون عمران، حيث يجور السلطان...510

ما دام هذا الشط بحاله ما تخرب واسط والبصره...510

عده من جفاة الاعراب واسترح...510

شعر عبد اللّه بن الزبعرى الذي اعتذر به إلى رسول اللّه...511

وأما المتعة فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردى عوسجة...512

والله ما أدرى أخليفة أنا أم ملك...513

عهد سابور بن أردشير لابنه...513

وحرمهم ولم يعطهم شيئا...514

ناحية جلا اهلها عنها لغلبة النمل والذر عليها...514

إن قراته أن ينخب قلبي...515

دليل اخذه المتكلمون عنه... 515

سخافات ابن أبي الحديد...515

تعلم سورة البقرة في اثنتى عشرة سنة...516

ذهب بها ابن أكالة الاكباد...516

يأبى ذلك إطعامهم الضيف...516

بیت سلمان...517

إنى منيت بشرار خلق اللّه...517

دعنا منك يا بن عباس...518

تنصرت الاشراف من أجل لطمة...518

الحق حقهم، فمن أتاك منهم فاحث له...518

فضائل سلمان...519

وكذبا يا أبا خبيب !...519

أنت رأس الحطم، ومفتاح الظلم...520

اللهم اشدد وطأتك على الانصار...521

أحببت أن أطاطى منك...522

لاظهر للناس مناقضة فعله لروايته...522

لقد ذهبت فيها عريضة...522

أتقولون هذا الشيخ قريش وسيدها...523

أضلوا الليلة برقعا...523

إذا أعيتكم الامور من رؤوسها فخذوها من أذنابها...524

إذا أراد أن يطلق امرأة...524

هذه كناية عنهما...524

دعوه فإن الغناء زاد الراكب...525

إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق...525

فإن جبريل أخبرني بذلك...525

فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما...526

فما عسى أن أقول في حسبه ! وأما بأسه فهو الشجاع المطرق...526

اكتبوا تاريخكم منذ خرج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...527

درة عمر أهيب من سيف الحجاج...527

إسلام سلمان... 528

إنى أستعيذ باللّه من بيعتك...529

من وثق بماء لم يظمأ...529

ماء الملام...529

أنا أسن منه...530

خروج طارق بن شهاب لاستقبال على بن أبي طالب...530

کتاب أم سلمة إلى عائشة...530

ولا يزاد على ما قدر له...531

لو كان لنا في ملحنا هذا سعتر !...532

الطير أحسن ظنا منك باللّه عز وجل...532

في مدح القناعة وذم الطمع...532

في الدعاء... 535

طريق على عند خروجه من الكوفة لحرب معاوية...537

إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر...539

وأرى بطرف لا يرى بسوائه...539

عن سلطانك عزا لا حد له ولا منتهى لاخره...540

فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية...541

تبلوا سهلا فإنه سهل...542

شكوت إلى وكيع سوء حفظى...442

من هو هذا الأخر المشار إليه...542

أكثروا لابي موسى من الطعام... 543

اسباب المادية الغلظة والفظاظة...543

ما قاتل عليا أحد إلا وعلى أولى بالحق منه...546

قصر الخبال لا تنزلوا فيه...546

سلیمان بن صرد الخزاعي...546

فرار الخلفاء يوم احد...547

کردید و نکردید...548

فهو عندي أحمق...548

الاحسان إلى الناس...548

الحمد للّه الذى أبدلنا بحمار الجزيرة...549

شعر بن أبي الحديد...550

مما قيل في الشيب والخضاب... 550

لا ترونهما إلا في فتنة يقتتلان فيها...552

وكم ثمانمائة ألف درهم ؟...552

يعيدها لا لكذا ولا لكذا...553

انزل عن منبر أبى...554

حيث يكون المعطى اعظم اجرا من المعطى... 554

قصة وقعت لاحد الوعاظ ببغداد...555

عمرو بن العاص ومعاوية...556

هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك...! 557

امهلوا حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة...558

مدح العرب لكثرة الولد...559

ولكن مخنف بن مسلم وقومه لم يتخلفوا...559

سيان عندي قتل الزبير وضرطة عنز بذى الجحفه...560

بطلان قول الاصمعي...561

وأبى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يدفنه إلا مع جده...561

خرجت وفى قلبى قرحة منك...562

تعداد العلويون في عصر ابن ابي الحديد...562

خمس إفريقية...563

غلبة خبث طينة البصرة على الجاحظ...563

شجاعة بني هاشم...563

أعر اللّه جمجمتك...564

أو كلما أراد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسلم كان !...564

حتى ضاعت النعل و وسقط الرداء...565

ولكنني قاتلتكم لا تأمر عليكم وعلى رقابكم...566

أرادك الحق ولكن أبي قومك...567

إذا شبعت نسيت الجائعين ...567

ألذ من تمره تحشى بزنبور...568

كان إلى أموال الرعية أشره...568

جارتنا تشم رائحة الأماني...568

من التعازى الجيدة...568

والكلاب تجرهم بأرجلهم...571

فكان لا يرى إلا متبرقعا...571

ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر...572

تحامل الجاحظ على آل علي...573

كان ما يدبر أمرا إلا كان فيه خلل...573

الموازنة بين ملوك بني العباس وملوك بني أميه في العطاء...574

مخازي عمر بن عبد العزيز...575

أين يقع ابني من ابني بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...575

مفارقة جرير بن عبد اللّه البجلى لعلى...576

لكنه لا يطلع على الكنائن...577

كان عبد اللّه بن الزبير شديد البخل...578

مد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال... 578

تنقص عمرو بن العاص للانصار...578

أصون دراهمي وأذب عنها لعلمي إنها سيفى وترسي...585

إن من العصمة الا تجد...585

من حق العالم...585

فلیس بلاحق أخرى الليالي...586

أخذ هذا اللفظ عبد اللّه بن الزبير...586

لا تنسى الشيباء أبا عذرها...586

أن للاديان سقما وطبا وشفاء...588

قول أبي الطيب...588

وصية آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولده عند موته...589

في العجلة...589

قد أرحنا واسترحنا...589

ذهبت والله دولتنا...590

ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة...590

جدع اللّه أنف من ينقذك منها...590

ما كان سبب زوال ملككم ؟...591

أنتم الظهر والبطن والشعار دون الدثار...591

ما زال عمرو بن العاص ملحدا، وكان معاوية مثله...592

فكسر حلبة السيف وضعها لك خلخلا...592

خيزران...593

فما تزود مما كان يجمعه إلا حنوطا...593

أن بعض أعراقه ينزع إلى العجم...593

من يساجلنى...594

لا يرى قد القميص قد القميص بخصره...594

أيا شجر الخابور ما لك مورقا...594

سربلت فاردده لنا سملا...595

ولا يزاد على ما قدر له...595

لو كان لنا في ملحنا هذا سعتر !...596

لم يكن عند عمر بن عبد العزيز أحد من هاشم يصلح للشورى...596

كعب بن سور القاضى...596

وذاكرنا بآداب الفرس والهند...597

تنبيه بطريق الاستدلال النظرى على أن الدنيا زائلة ومنصرفة...597

من آداب ابن المقفع...597

في الكتاب...598

ما نصحت به الأوائل الوزراء...599

يسبون ذراري الخوارج من العرب وغيرهم...600

العالم من عرف قدره...600

رجال من العرب كل منهم يلد لصلبه أكثر من مائة...601

ومن لى بالشهادة...601

عمر بن عبد العزيز أعظم الخلق قولا بالجبر...603

الامل...604

مما قيل في المروءه...604

إسقاط المروءة...605

وأرسلت إلى حفصة تسألها الخروج والمسير معها...606

فارضوا بقدر اللّه وقضائه...606

لعن اللّه من يسب عليا وحسينا من سوقة وإمام...606

قتل جدي جميعا الزبير وعثمان...607

فقتل وأخذ الكتاب...607

قم فالعن عليا...608

الخليفة المستضعف والخليفة المداهن، والخليفة المأفون...608

مرأة أبوها خليفة، وجدها خليفة، وأبنها خليفة، وأخوها خليفة، وبعلها خليفة...609

الذى سن للعرب الاباء...609

غری غیری...610

تأمر بإنزال جيفة أبي بكر فإن النساء يجزعن...610

أنا محبوس، والمحبوس محبوس الرأى...610

رأيتنى والأمر على مدبر...611

في العفاف... 611

يؤمل أن يعمر عمر نوح...611

فرجعت وهى راضية...612

رب كلمه تقول...612

راي فاسد للمعتزلة بالمغفرة...612

في بعض كتب اللّه القديمة...612

مثل للدنيا...612

بهؤلاء تمنع مكة وتشرف مكة...614

أصبح الناس وجها...614

ثلاثة في عصر بنو عم كلهم يصلح للخلافة...614

سيد فقهاء الحجاز...615

رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنين...615

اشداء بني هاشم...615

مذاهب اهل الامصار في عصر الدعوة العباسية...616

امراة يكتنفها من الخلفاء خمسة...616

الطير أحسن ظنا منك باللّه عز وجل...617

في مدح القناعة وذم الطمع...617

وما فعلت إلا إبقاء عليك...620

وظهر عنه شح عظيم...620

وجد عمراً عند بعض زوجاته...621

القرآن قد نطق بملك بني أمية...621

فلما صار بدير هند نظر إلى الكوفة...622

فغض الطرف إنك من نمير...622

من المشهورين برأى الخوارج...622

وثبت يوم أحد ووليت...624

طريق على عند خروجه من الكوفة لحرب معاوية...624

ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغى له...626

ولا حاجة لى في الحرب...626

لا تتخذو الدنيا ربا...627

نبنى كما كانت اوائلتا تبنى...627

فإنه من أطيب الطيب...628

انهم يريدون أن يخلطوا...628

هلا قلت كما قال سيدك...628

والله ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبى...629

فجعل يومئ إلي بيده على فيه أي اسكت... 629

أجهد نفسه في العبادة حتى نحلته رياء...629

من يأخذ هذا السيف بحقه...630

ما قال أبرويز لكاتبه...631

أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال...632

لكأني أنظر إلى فلان وفلان في عرض الجبل يعدوان هاربين... 632

فليلبس ثوبا أحمر...632

بيت القصص...632

كنت شاهدا معك بقلبي...633

حيثما زالت زال إليها...633

شجرة النبوة...633

فلا تكتحل عيناك منها بعيرة...634

اقتباسات الشعراء من كلام امير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...634

رؤيا رقيقة في الجاهلية...638

اللهم حوالينا ولا علينا...639

الحجاج ابو وذحة وتاويل بارد لابن ابي الحديد...639

شجاعة شجاعة...640

أعور جبانا !... 641

قد أبلغناه محبته... 641

فاقرعوا على عائشة...642

غير بعيد أن يستهوى من بعدى...642

أكثر من حامى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبو دجانة وسهل بن حنيف...643

وداود بحق أراقها...644

إن وراكبها...645

اخذ ابن نباتة الخطيب كثيرا من الفاظها...645

فيجعله امثال الجبال...646

سبب تسمية الخطبة (القاصعة)...646

القول في سنى الآخرة كم هي...646

بلاغة بلاغة...647

ما بال من اوله نطفة...647