شرح نهج البلاغة ابن أبی الحدید المجلد 9

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

شرح

نهج البلاغة

ابن أبي الجديد

18-17

محرر الرقمي: صديقة الحسني

اشارة

شرح نهج البلاغة

ابن أبی الحدید

تحقیق

محمد ابراهیم

المجلد التاسع

اشارة

18-17

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »

46 - ومن كتاب له علیه السلام إلى بعض عماله

الأصل: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الْأَلِيمِ، وَأَسُدُ بِهِ لَهَاءَ النهر المَخُوفِ.

فَاسْتَعِنْ بِالله عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْثٍ مِنَ الدِّينِ ؛ وَارْفُقُ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ، وَاعْتَزِمْ بِالشَّدِةِ حِينَ لا تُغْنِي عَنْكَ إِلا الشَّدَّةُ .

والخفِض لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ ،وَجْهَكَ، وَالِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالْإِشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ، حَتَّى لا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ، وَلا يَيْنس الضُّعَفَاءُ مِنْ عَذَلِكَ . والسلام.


الشرح: قد اخذ الشاعر معنى قوله : «وآس بينهم في اللحظة والنّظرة»، فقال:

اقسم اللحظّ بيننا إنّ في اللّح*** الَعنوانُ ما تُجن الصدورُ

إنّما البرّ روضةً فإذا ما*** كان بشرٌ فروضةٌ وغديرُ

قوله : «وآس بينهم في اللحظة» أي اجعلهم أسوة وروي:« وساوِ بينهم في اللحظة» ؛ والمعنى واحد .

واستظهر به اجعله كالظهر والنخوة الكبرياء والأثيم المخطىء المذنب. وقوله: وأسُدّ به لَهاة الثّغر» استعارة حسنة.

والضّغث في الأصل: قبضة حشيش مختلط يابُسها بشيء من الرّطب، ومنه «أضغاث الأحلام» للرؤيا المختلطة التي لا يصحّ تأويلها، فاستعار اللفظة ها هنا ؛ والمراد: امزُج الشدة بشيء من اللين فاجعلهما كالضَّغث وقال تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِعْنَا (1).)قوله : «فاعتزم بالشدّة» أي إذا جدّ بك الجدّ فدع اللّين، فإنّ في حال الشدّة لا تُغنِي إلاّ الشدّة، قال الفِنْد الزَّمَّانِيّ :فلمّا صرّح الشرُّ فامسَي وهو عُريانُ


1) سورة ص ، الآية : 44 .

ولم يبقَ سِوَى العدوا*** نِ دِنّاهم (1كما دانُوا)قوله : «حتى لا يطمَع العظماء في حَيفك»، أي حتَّى لا يطمع العظماء في أن تمالتهم على حَیف(2الضعفاء، وقد تقدّم مثل هذا فيما سبق .)### 47 - ومن وصية له علیه السلام للحسن والحسين علیه السلاملما ضربه ابن ملجم لعنه اللهالأصل: أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى الله، وَأَلا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا ، وَلَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنكُمَا ، وَقُولا بِالْحَقِّ، وَاعْمَلاَ لِلْأَجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً ، وَلِلْمَظْلُومِ هَوْناً .أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّه وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلَاحِ ذَاتِ بيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ : صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ.الله الله فِي الْأَيْتَامِ، فَلَا تُغِبُوا أَفْوَاهَهُمْ، وَلَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ.والله الله في جِيرَانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ، مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُورٌتُهُمْ.والله الله فِي الْقُرْآنِ لاَ يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ.والله الله في الصَّلاَةِ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ .وَالله الله فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لاَ تُخَلُوهُ مَا بَقِيتُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُناظَرُوا .والله الله فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِتَتِكُمْ فِي سَبِيلِ الله.وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتّبَاذْلِ ؛ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطع، لا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنكَرِ ؛ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُون فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ .ثم قال : يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً ، تَقُولُونَ: قُتِلَ . أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلا لا تَقْتُلُنَّ بِي إِلا قَاتِلِي انْظُرُوا إِذَا أَنَا مُتُ مِنْ ضَرْبَتِهِ


1) دَانَهُ دَيناً أي: جازاه. لسان العرب مادة (دين).

2) أي : ظلمهم والجور عليهم القاموس المحيط ، مادة (حيفك ) .

هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةٌ بِضَرْبَةٍ، وَلَا تُمَتِّلُوا بِالرَّجُلِ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ : «إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ »(1.)****الشرح: روي : «واعملا للآخرة» ، وروي : «فلا تغيّروا أفواهكم» ؛ يقول : لا تطلبا الدّنيا وإن طلبتكما ؛ فإذا كان مَنْ تطلبه الدنيا منهيًّا عن طلبها فمن لا تطلبه يكون منهيَّا عن طلبها بالطريق الأولى.ثم قال: ولا تأسفا على شيء منها زُوِي عنكما، أي قبض ؛ قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: زُوِيتْ ليَ الدُّنيا فأريت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ مُلك أمتي ما زُوِي لي منها »(2.)وروي: «ولا تأسيَا» ؛ وكلاهما بمعنى واحد أي لا تحزنا وهذا من قوله تعالى: (لِكَيْلَا تأسوا على ما فاتكم (3).)قوله:« صلاح ذات البين» أخذ هذه اللفظة عبد الملك بن مروان فقال لبنيه وقد جُمعوا عنده يوم موته :انفُوا الضّغائن بينكم وعليكمُ عند المغيب وفي حضور المشهدبصلاح ذات البين طول حياتكم إن مُدّ في عمري وإن لم يُمْدَدِإنّ القِداحَ إذا اجتمعن فرامَها بالكسر ذو بطش شديد أيِّدِعزّت فلم تُكسَر، وإن هي بُدّدت فالوهنُ واللتكسير للمتبدّدِوذاتها هنا زائدة مقحمة .قوله : «فلا تُغبّوا أفواههم»، أي لا تجيعوهم بأن تطعموهم غِبَّا، ومَنْ روى: «فلا تغيّروا أفواههم»، فذاك لأن الجائع يتغيّر فمُه ، قال علیه السلام: «الخَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (4.)


1) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (249/6) ، والطبراني في «الكبير» (168) ، وابن حجر في «الدراية» (119/3).

2) أخرجه مسلم في كتاب الفتن باب هلاك هذه الأمة بعضها ببعض (2889)، وأبو داود في کتاب: الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها (4252)، والترمذي في كتاب الفتن وباب ما جاء في سؤال النبي صلی الله علیه وآله وسلم (217) ، وابن ماجه في كتاب الفتن باب ما يكون من الفتن (3952).

3) سورة الحديد، الآية : 23 .

4) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب فضل الصوم (1894) ، ومسلم في كتاب الصيام :باب فضل الصيام (1151)، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في فضل الصوم (764) ، والنسائي في كتاب الصيام، باب فضل الصوم (2211).

قال: «ولا يضيعوا بحضرتكم» أي لا تضيّعوهم، فالنهي في الظاهر للأيتام وفي المعنى للأوصياء والأولياء، والظاهر أنه لا يعني الأيتام لهم مال تحت أيدي أوصيائهم؛ لأنّ أولئك الأوصياء محرّم عليهم أن يصيبوا من أموال اليتامى إلاّ القَدْر النزر جدَّا عند الضرورة ثم يقضونه مع التمكّن ، ومَنْ هذه حالُه لا يحسن أن يقال له: لا تغيّروا أفواه أيتامكم، وإنما الأظهرُ أنّه الذين مات آباؤهم وهم فقراء يتعيّن مواساتهم ويقبح القعود عنهم، كما قال تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حَيْهِ مِسكينًا وَبَقِيماً وَأَسِيرًا (1)، واليُتم في النّاس من قِبَل الأبِ، وفي البهائم من قِبَل الأمّ؛ لأن الآباء من البهائم لا عناية لهم بالأولاد، بل العناية للأمّ لأنها المرضعة المشفقة ؛ وأمّا النّاس فإنّ الأب هو الكافل القيم بنفقة الولد ؛ فإذا مات وصل الضرر إليه لفقد كافله والأم بمعزل عن ذلك. وجمع يتيم على أيتام، كما قالوا : شريف وأشراف، وحكى أبو عَلِيَّ في التَّكملة: «كمي وأكماء»، ولا يسمى الصبيّ يتيماً إلا إذا كان دون البلوغ وإذا بلغ زالَ اسم اليتيم عنه. واليتامى أحد الأصناف الّذين عيّنوا في الخُمْس بنصّ الكتاب العزيز .)### بعض ما ورد في حقوق الجارثم أوصى بالجيران واللفظ الذي ذكره علیه السلام قد ورد مرفوعاً في رواية عبد الله الله بن عمر مر لما ذبح شاة، فقال : أهديتم لجارنا اليهوديّ؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه »(2.)وفي الحديث أنه صلی الله علیه واله وسلم قال: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرِم جاره» (3.)وعنه علیه السلام :«جار السوء في دار المقامة قاصمة الظهر» (4.)وعنه علیه السلام : «مِن جهد البلاءِ جارُ سُوء معك في دار مُقامة إن رأى حسنةً دفنَها، وإن رأى سيئة أذاعها وأفشاها»(5.)ومن أدعيتهم: اللهمّ إنِّي أعوذ بك من مال يكون عليّ فتنة، ومن ولد يكون عليّ كَلاً، ومِنْ


1) سورة الإنسان، الآية : 8.

2) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب الوصاة بالجار (6014) ومسلم، كتاب البر والصلة، باب الوصية بالجار (2625) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة باب ما جاء في حق الجوار، وأبو داود في كتاب الأدب (5152).

3) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (6019) ، ومسلم في كتاب الإيمان باب الحث على إكرام الجار (47)، وأحمد في كتاب : أول مسند المدنيين (15939).

4) أخرجه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (183/10) ، والطبري في «الأوسط» (6180).

5) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (1880) ، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (183/10).

حَليلة تقرّب الشيب، ومن جار تراني عيناه وترعاني ،أذناء، إن رأى خيراً ،دفنه، وإن سمع شرًاطار به.ابن مسعود يرفعه : «والذي نفسي بيده لا يُسلِم العبد حتى يَسلم قلبُه ولسانه، ويأمن جارُه بوائقَه»، قالوا: ما بواثقه؟ قال : غَشمه وظلمه »(1.)لُقمان :يا بنيّ، حملتُ الحجارة والحديد فلم أر شيئاً أثقلَ من جار السوء.وأنشدوا :ألا مَنْ يشتري داراً برُخصٍ*** كراهة بَعضِ جيرتِها تباعُوقال الأصمعيّ : جاور أهلُ الشام الرّومَ فأخذوا عنهم خصلتين : اللوم وقلّة الغَيرة، وجاور أهل البصرة الخَزَر، فأخذوا عنهم خصلتين : الزنى وقلّة الوفاء، وجاور أهلُ الكوفة السوادَ (2فأخذوا عنهم خصلتين : السخاء والغَيرة.)وكان يقال : مَنْ تطاول على جاره حُرِم بركة داره.وكان يقال : مَنْ آذى جاره ورثه الله دارَه.باع أبو الجهم العدويّ داره وكان في جوار سعيد بن العاص بمائة ألف درهم، فلما أحضرها المشتري قال له : هذا ثمن الدار فأعطني ثمن الجوار قال أيّ جوار؟ قال : جوار سعيد بن العاص، قال : وهل أشترى أحدٌ جِواراً قطّ ! رُدّ عليّ داري، وخذ مالك، لا أدع جوار رجل؛ إن قعدتُ سأل عنّي، وإن رآني رحّب بي، وإن غبت عنه حفظني، وإن شهدت عنده قرّبني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني ، وإن نابتني نائبة فرّج عني . فبلغ ذلك سعيداً فبعث إليه مائة ألف درهم، وقال: هذا ثمن دارك ودارُك لك .الحسن: ليس حسن الجوار كفُّ الأذى، ولكنّ حسنَ الجوار الصَّبر على الأذى.جاءت امرأة إلى الحسن فشكت إليه الخَلّة (3، وقالت : أنا جارتك، قال: كم بيني وبينك؟ قالت: سبع ،أدوُرٍ، فنظر الحسن فإذا تحت فراشه سبعة دراهم، فأعطاها إياها، وقال: كدناتهْلِك .)وكان كعب بن مامة إذا جاوره رجل قام له بما يُضلحه وحماه ممّن يقصده، وإن هلك له شيء أخلفه عليه، وإن مات وداه (4لأهله، فجاوره أبو دُوَاد الإياديّ؛ فزاره على العادة، فبالغ في إكرامه . وكانت العرب إذا حمدت جاراً قالت : جار كجار أبي دُواد قال قيس بن زهير :)


1) أخرجه أحمد في كتاب : المكثرين من الصحابة، باب : مسند عبد الله بن مسعود (3663).

2) السَّوَاد ما حوالي الكوفة من القرى والرساتيق لسان العرب مادة (يسود).

3) الخَلَّة : الحاجة والفقر والخصاصة القاموس المحيط مادة (خلل).

4) وَدَاه : أعطى دينه . القاموس المحيط مادة (ودي).

أطوّف ما أطوِّف ثم آوِي*** إلى جار كجار أبي دُوادِثم تعلّم منه أبو دواد، وكان يفعل لجاره فِعل كعبٍ به .وقال مسكين الدارِميّ :ما ضرّ جاراً لي أجاورُهُ*** الاّ يكونَ لِبابهِ سِتْرُاعمى إذا ما إذا جارتي خرجت حتّى يواريَ جارتي الخذرُنارِي ونارُ السجار واحدةٌ واليه قَبلِي يُنزل القِدْرُاستعرض أبو مسلم صاحب الدولة فرساً مِحْضيراً، فقال لأصحابه : لماذا يصلح هذا؟ فذكروا سباق الخيل، وصيد الحُمر والنّعام، واتباع الفارّ من الحرب، فقال : لم تصنعوا شيئاً يصلح للفرار من الجار السوء.سأل سليمان عليّ بن خالد بن صفوان عن ابنيه : محمد وسليمان - وكانا جارَيه - فقال :كيف إحمادك جوارهما ؟ فتمثّل بقول يزيد بن مفرّغ الحميريّ :سقى الله داراً لي وأرضاً تركتُها إلى جنب دارَي معقِل بن يَسَارِأبو مَالِكِ جارٌ لها وابن مَرثِد فيالك جاري ذلّة وصَغارِ!وفي الحديث المرفوع أيضاً من رواية جابر: «الجيران ثلاثة : فجارٌ له حقّ، وجار له حقَّان، وجارٌ له ثلاثة حقوق ؛ فصاحب الحقّ الواحد جارٌ مشرِك لا رحم له، فحقّه حقَّ الجوار، وصاحب الحقَّين جار مسلم لا رَحِم له، وصاحب الثلاثة جار مسلم ذو رَحم، وأدْنَى حق الجوار ألا تؤذي جارَك بقتار قِدْرِك ، إلاّ أن تقتدح له منها»(1.)قلت: تقتدح ،تغترف والمقدحة المغرفة .وكان يقال : الجيران خمسة : الجار الضارّ السَّيّىء الجوار، والجار الدّمِس الحسن الجوار، والجار اليربُوعيّ المنافق، والجار البَراقشيّ المتلوّن في أفعاله والجار الحسدليّ الذي عينه تراك وقلبه يرعاك.وروى أبو هريرة، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :«اللهمّ إني أعوذ بك من جار السوء في دار المُقامة، فإنّ دار البادية تتحوّل»(2.)****


1) أخرجه البيهقي في «الشعب» (9560) ، وأبو نعيم في «الحلية» (2075) وابن عدي في «الكامل» (1327).

2) أخرجه النسائي في كتاب: الاستعاذة (5502)، وأحمد في كتاب : باقي مسند المكثرين (8348).

قوله علیه السلام : «الله الله في القرآن» أمرهما بالمسارعة إلى العمل به ونهاهما أن يسبقهما لالي غيرُهما إلى ذلك، ثم أمرهما بالصلاة والحجّ.وشدّد الوَصاة في الحجّ، فقال: «فإنه إن تُرِك لم تناظروا أي يتعجَّل الانتقام منكم .فأما المُثلة فمنهي عنها ، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يمثّل بهبّار بن الأسود لأنه روِّع زينب حتىأجهضت، ثم نهى عن ذلك، وقال: لا مُثلة، المُثلة حرام (1.)### 48 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاويةالأصل: فَإِنَّ الْبَغْيَ وَالزُّورَ يُوتِغَانِ الْمَرْءَ فِي دِينِهِ، وَدُنْيَاهُ ، وَيُبْلِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِك مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ، وَقَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً بِغَيْرِ الْحَق فَتَأَلَّوْا عَلَى الله فَأَكْذَبَهُمْ، فَاحْذَرْ يَوْماً يُغْتَبطُ فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ، وَيَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ فَلَمْ يُجَاذِبُهُ، وَقَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَسْنَا إِيَّاكَ أَجَبْنَا ، وَلَكِنَّا أَجَبْنَا الْقُرْآنَ فِيحُكمِهِ، والسلام.الشرح :يُوتغان: يَهْلِكان؛ والونغ بالتحريك : الهلاك ؛ وقد وتغ يَوْنَع وتَغاً، أي أثم وهلك، وأوتغه الله : أهلكه الله، وأوتغ فلان دينه بالإثم.قوله : «فتألّوا على الله»، أي حلفوا من الأليّة وهي اليمين، وفي الحديث: «من تألّى على الله أكذبه الله» (2، ومعناه : مَنْ أقسم تجبّراً واقتداراً : لأفعلنّ كذا، أكذبه الله ولم يبلغ أمله .)وقد روي : «تأوّلوا على الله أي حَرَّفُوا الكلم عن مواضعه، وتعلّقوا بشبهة في تأويل القرآن انتصاراً لمذاهبهم وآرائهم، فأكذبهم الله بأن أظهر للعقلاء فساد تأويلاتهم. والأوّل أصحّ.ويغتبط فيه : يفرح ويُسرّ، والغِبطة : السرور ، روي «يغبط فيه» أي يتمنّى مثل حاله هذه.قوله : «ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه الياء التي هي حرف المضارعة عائدة على المكلف الذي أمكن الشيطان من قياده. يقول : إذا لم يجاذب الشيطان من قياده فإنه يندم؛ فأما مَنْ جاذبه قياده فقد قام بما عليه .


1) أخرجه البخاري في كتاب: المظالم والغصب، باب النهي بغير أذن صاحبه (2474)، والنسائي، في كتاب: تحريم الدم، باب: النهي عن المثلة (4047) ، وأبو داود في كتاب: الجهاد باب النهي عن المثلة (2667).

2) أخرجه الطبراني في «الكبير» (7898) ، والهيثمي في «مجمع الزوائده» (271/3).

ومثله قوله : «ولسنا إياك أجَبْنا» قوله : «والله ما حكّمت مخلوقاً وإنما حكّمت القرآن» ومعنى مخلوقاً»: بشراً لا محدثاً .### 49 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية أيضاًالأصل: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا ، وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا ، وَلَهَجاً (1بِهَا ، وَلَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغُهُ مِنْهَا ،وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَنَقْضُ مَا أَبْرَمَ (2)، وَلَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِي؛ والسلامُ.)الشرح هذا كما قيل في المثل : صاحب الدنيا كشارب ماء البحر؛ كلّما ازداد شرباً ازداد عطشاً، والأصل في هذا قول الله تعالى : «لو كانَ لا بن آدم واديان من ذهب لا بتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ عين ابن آدم إلّا التراب»(3، وهذا من القرآن الذي رُفع ونسخت تلاوتُه .)وقد ذكر نصر بن مزاحم هذا الكتاب وقال :إنّ أمير المؤمنين علیه السلام كتبه إلى عمرو بن العاص، وزاد فيه زيادةً لم يذكرها الرضيّ: أمّا بعد؛ فإنّ الدنيا مشغلة عن الآخرة، وصاحبها منهوم عليها ، لم يصب شيئاً منها قطّ إلاّ فتَحت عليه حرصاً، وأدخلت عليه مؤنة تزيده رغبةً فيها ؛ ولن يستغني صاحبُها بما نال عمّا لم يدرك، ومن وراء ذلك فراق ما جَمَع؛ والسعيد مَنْ وُعِظ بغيره، فلا تُخبط أجرك أبا عبد الله ولا تشرك معاوية في باطله ؛ فإن معاوية غمصَ الناس، وسفّه الحق. والسلام.قال :نصر وهذا أوّل كتاب كتبه عليّ علیه السلام إلى عمرو بن العاص، فكتب إليه عمرو جوابه :


1) لَهِجَ بالأمر لَهَجاً أولع واعتاده ويقال فلان مُلْهَج بهذا الأمر أي مولع به لسان العرب مادة (لهج).

2) أبْرَمَ الأمر أحكمه، والأصل فيه إبرام الحبل فيه إبرام الحبل إذا كان طاقين. لسان العرب مادة (برم) .

3) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال (6438) ، ومسلم في كتاب : الزكاة، باب : لو أن لابن آدم واديين لا بتغى ثالثاً (1048) ، والترمذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء لو كان لابن آدم واديان من مال (2337)، وأحمد في كتاب: باقي مسند المكثرين (12306) .

أمّا بعد فإنّ الذي فيه صلاحنا، وألفة ذات بيننا، أن تُنِيب إلى الحق، وأن تجيب إلى ما ندعوكم إليه من الشورى ؛ فصبَر الرجل منّا نفسَه على الحق، وعذره النّاس بالمحاجزة (1، والسلام(2).)قال نصر : فكتب علىُّ علیه السلام إلى عمرو بن العاص بعد ذلك كتاباً غليظاً .وهو الذي ضرب مَثَله فيه بالكلب يتبع الرجل، وهو مذكور في «نهج البلاغة» والَّلهَج: الحرص .ومعنى قوله علیه السلام : «لو اعتبرت بما مضى حَفِظْتَ ما بقي»، أي لو اعتبرتَ بما مضَى من عمرك لحفظت باقيَه أن تنفقه في الضّلال وطلب الدنيا وتضيّعه .*### 50 - ومن كتاب له علیه السلام إلى أمرائه على الجيوشالأصل: من عبد الله عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين رفعة إلى أصحاب المسالح :أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ حَقًّا عَلَى الْوَالِي الأَ يُغَيْرَهُ عَلَى رَهِبْتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ، وَلَا طَوْلٌ خُصَّ بِهِ، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوا مِنْ عِبَادِهِ، وَعَطفاً عَلَى الحَوَانِهِ.أَلاَ وَإِنْ لَكُمْ عِنْدِي الأَ أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرًّا إِلا فِي حَرْبٍ، وَلَا أَظُويَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلَّا فِي حكم، وَلَا أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقًّا عَنْ مَحَلِّهِ، وَلَا أَقِفَ بِهِ دُونَ مَقْعَعِهِ، وَأَنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ وَجَبَتْ الله عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ وَلي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ، وَأَلا تَنْكِصُوا مَنْ دَعْوَةٍ، وَلاَ تُفَرِّطُوا فِي صَلاَحٍ، وَأَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ، فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنِ اهْوَجٌ مِنْكُمْ، ثُمَّ أَعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ، وَلا يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُحْصَةٌ.فَخُذُوا هَذَا مِنْ أَمَرَائِكُمْ وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ الله بِهِ أَمْرَكُمْ، وَالسّلامُ .الشرح: أصحابُ المسَالح : جماعات تكون بالثّغر يحمون البَيضة، والمسلَحة هي كالمرغبة، وفي الحديث : «كان أدنى مسالح فارس إلى العَرب العُلَيْب» (3؛ قال :)


1) المحاجزة : الممانعة وتحاجزا تمانعا . القاموس المحيط ، مادة (حجز ) .

2) أخرجه العلامة المجلسي البحار 402/32 ، وأخرجه ابن مزاحم المنقري في وقعة صفين: 111 .

3) أخرجه ابن منظور في لسان العرب : 487/2 .

یجب على الوالي الأَّ يتطاول على الرعيّة بولايته، وما خُصّ به عليهم من الطَّلول وهو الفضل؛ وأن تكون تلك الزيادة التي أعطيها سبباً لزيادة دنوّه من الرعيّة وحنوّه عليهم.ثم قال : «الكم عندي الأَّ أحتجز دونكم بسرِّ»، أي لا استتر. قال: «إلاَّ في حرب»، وذلك لأن الحرب يحمَد فيها طيّ الأسرار، والحرب خُدعة.ثم قال : «ولا أطوي دونكم أمراً إلاَّ في حُكْم»، أي أظهركم على كلِّ ما في نفسي مما يحسن أن أظهرَكم عليه ؛ فأمّا أحكام الشريعة والقضاء على أحَد الخَضمين فإنّي لا أعلمكم قبل وقوعه ؛ كيلا تفسد القضيّة بأن يحتال ذلك الشخص لصرف الحكم عنه .ثم ذكر أنّه لا يؤخّر لهم حقًَّا عن محلّه - يعني العطاء - وأنّه لا يقف دون مقطعه، والحق ها هنا غير العطاء، بل الحكم، قال زُهير :فإنّ الحقّ مقطعُه ثلاثٌ*** يمينٌ أو نفارٌ أو جِلاَءأي متى تعيّن الحكم حكَمتُ به وقطعت ولا أقف، ولا أتحبَّس.ولمّا استوفى ما شرط لهم قال : فإذا أنا وَفّيت بما شرطت على نفسي وجبت الله عليكم النّعمة ولي عليكم الطاعة .ثم أخذ في الاشتراط عليهم كما شرط لهم ، فقال : ولي عليكم الأّ تنكصوا عن دعوة، أي لا تتقاعسُوا عن الجهاد إذا دعوتكم إليه، ولا تفرّطوا في صلاح ؛ أي إذا أمكنتكم فرصة، أو رأيتم مصلحة في حرب العدوّ أو حماية التّغر، فلا تفرّطوا فيها فتفوت . وأن تخوضوا الغمرات إلى الحقّ؛ أي تكابدوا المشاقّ العظيمة ؛ ولا يهولنكم خوضُها إلى الحقّ.ثم توعّدهم إن لم يفعلوا ذلك، ثم قال : فخذوا هذا من أمرائكم ؛ ليس يعني به أن على هؤلاء أصحاب المسالح أمراء من قِبَله علیه السلام كالواسطة بينهم وبينه، بل من أمرائكم؛ يعني منّي وممّن يقوم من الخلافة مقامي بعدي، لأنه لو كان الغرض هو الأوّل لما كان محلهم عنده أن يقول: «ألا أحتجز دونكم بسرِّ ولا أطوي دونكم أمراً». لأن محلّ من كان بتلك الصفة دون هذا .****### 51 - ومن كتاب له علیه السلام إلى عماله على الخراجالأصل من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج:أَمَّا بَعْدًا فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ سَائِرٌ إِلَيْهِ، لَمْ يُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا (1.)


1) الجرز: الموضع الحصين وحَرَزَهُ صانه. القاموس المحيط مادة (حرز).

وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلْفْتُمْ يَسِيرٌ ، وَأَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا نَهَى الله عَنْهُ مِنَ الْبَغي وَالْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ، لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لاَ عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ، فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنَ أَنْفُسِكُمْ، وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ، فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّهِيَّةِ، وَوَكَلاهُ الْأُمَّةِ، وَسُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ، وَلاَ تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ، وَلَا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ، وَلا تَبِيعُنَّ النَّاسَ فِي الْخَرَاجِ كُسْوَةَ شِتَاءِ وَلاَ صَيْفِ، وَلاَ دَابَّةٌ يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا ، وَلا عَبْداً ، وَلا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكَانَ دِرْهَمٍ، وَلاَ تَمَسَّنَّ مَالَ اَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلِّ وَلاَ مُعَاهَدٍ إِلا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلاحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَيَكُونَ شَوْكَةً عليه.وَلا تَدْخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةٌ، وَلا الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةِ، وَلا الرّعِيَّةَ مَعُونَةٌ، وَلا دِينَ الله قُوَةً.وَأَبْلُوهُ فِي سَبِيلِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا ، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوتنا ، وَلاَ قُوَّةَ إِلا بالله الْعَلِي الْعَظِيم.الشرح: يقول : لو قدّرنا أنّ القبائح العقليّة كالظلم والبغي لا عقاب على فعلها بل في تركها ثواب فقط؛ لم يكن الإنسان معذوراً إذا فرّط في ذلك الترك؛ لأنه يكون قد حرم نفسَه نفعاً هو قادر على إيصاله إليها .قوله : «ولا تُحشموا أحداً »؛ أي لا تغضبوا طالب حاجة فتقطعوه عن طلبها، أحشمتُ زيداً، وجاء «حَشَمْته»، وهو أن يجلس إليك فتغضبه وتؤذيه . وقال ابن الأعرابيّ : حشمتُه : أخجلته، وأحشمته أغضبته، والاسم الحِشمة، وهي الاستحياء والغضب.ثم نهاهم أن يبيعوا لأرباب الخراج ما هو من ضروريّاتهم كثياب أبدانهم وكدَابةٍ يعتَمِلون عليها، نحو بقر الفلاحة، وكعبدٍ لا بدّ للإنسان منه يخدُمه، ويسعى بين يديه.ثم نهاهم عن ضرب الأبشار لاستيفاء الخراج.وكتب عديّ بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز يستأذنه في عذاب العمّال، فكتب إليه : كأنّي لك جُنّة من عذاب الله، وكأن رضاي ينجيك من سَخط الله ! من قامت عليه بيّنة، أو أقرّ بما لم يكن مضطهداً مضطراً إلى الإقرار به، فخُذه بأدائه ؛ فإن كان قادراً عليه فاستاد، وإن أبى فاحبسه، وإن لم يقدر فخلّ سبيله ؛ بعد أن تُحلّفه بالله أنّه لا يقدر على شيء، فلأن يلقوا الله بجناياتهم أحبُّ إليَّ من أن ألقاه بدمائهم .

ثم نهاهم أن يعرضُوا مال أحدٍ من المسلمين أو من المعاهَدِين؛ المعاهد ها هنا : هو الذّميّ أو مَنْ يدخل دار الإسلام من بلاد الشرك على عهد إما لأداء رسالة، أو لتجارة ونحو ذلك، ثم يعود إلى بلاده.ثم نهاهم عن الظّلم وأخذ أموال الناس على طريق المصادرة والتأويل الباطل ؛ قال: إلا أن تخافوا غائلةَ المعاهدِين، بأن تجدوا عندهم خيولاً أو سلاحاً، وتظنّوا منهم وثبة على بلدٍ من بلاد المسلمين، فإنه لا يجوز الإغضاء (1عن ذلك حينئذٍ . قوله: «وأبلوا في سبيل الله»، أي اصطنعوا من المعروف في سبيل الله ما استوجب عليكم، يقال : هو يبلوه معروفاً، أي يصنعه إليه، قال زهير :)جَزَى الله بالإحسانِ ما فَعَلاً بِكُمْ ***وأبلاهما خيرَ البلاء الّذي يَبْلوقوله علیه السلام: «قد اصطنعا عندنا وعندكم أن نشكره»، أي لأن نشكره ،بلام التعليل وحذفها، أي أحسن إلينا لنشكره، وحذفها أكثر نحو قوله تعالى :( لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سخط الله عليهم (2).)### 52 - ومن كتاب له علیه السلام إلى أمراء البلاد في معنى الصلاةالأصل: أمَّا بَعْدُ فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظهرَ حَتَّى نَفِي الشَّمْسُ مِثْلَ مَريض الْعَنْزِ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضاءُ حَيَّةٌ في عِضْوِ مِن النَّهارِ حِينَ يُسارُ فِيها فَرْسَخان (3، وَصَلُّوا بهم المغربَ حِينَ يُقْطِرُ الصَّادِمُ، وَيَدْفَعُ الحَاجُ إِلَى مِنِّي ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْعِشَاءَ حِينَ يَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلُّوا بِهِمُ الْغَدَاةَ والرّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صاحِبِهِ، وَصَلُّوا بِهِمْ صَلاةَ أَضْعَفِهمْ، وَلاَ تكونوا فَتّانين .)### اختلاف الفقهاء في أوقات الصلاةالشرح: قد اختلف الفقهاء في أوقات الصلاة، فقال أبو حنيفة : أوّل وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني ؛ وهو المعترض في الأفق، وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس. وأوّل وقت الظهر


1) الإغْضَاء: إذناء الجفون، واغْضَيتُ : سَكَتْ. لسان العرب مادة (غضي).

2) سورة المائدة، الآية : 80.

3) الفَرسَخُ : ثلاثة أميال هاشمية، أو اثنا عشر ألف ذراع، أو عشرة آلاف .القاموس المحيط، مادة(فرسخ).

إذا زالت الشمس، وآخر وقتها إذا صار ظلّ كلّ شيء مثليه سوى الزوال. وقال أبو يوسف ومحمّد : آخر وقتها إذا صار الظلّ مثله .قال أبو حنيفة : وأوّل وقت العصر إذا خرج وقتُ الظهر ؛ وهذا على القولين، وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس، وأوّل وقت المغرب إذا غربت الشمس، وآخر وقتها ما لم يغب الشّفق ؛ وهو البياض الّذي في الأفُق بعد الحمرة. وقال أبو يوسف ومحمد : هو الحمرة.قال أبو حنيفة : وأوّل وقت العشاء إذا غاب الشفق، وهذا على القولين، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر .وقال الشافعيّ: أوّل وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني، ولا يزال وقتها المختار باقياً إلى أن يسفر، ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس .وقال أبو سعيد الإصطخريّ من الشافعية: لا يبقي وقت الجواز، بل يخرج وقتها بعد الإسفار ويصلّى قضاء؛ ولم يتابعه على هذا القول أحدٌ. قال الشافعيّ: وأوّل وقت الظُّهر إذا زالت الشمس. وحكى أبو الطيّب الطبري من الشافعية أن من الناس من قال : لا تجوز الصلاة حتى يصير الفيء بعد الزَّوال مثل الشِّراك .وقال مالك : أحبّ أن يؤخر الظّهر بعد الزوال بقدر ما يصير الظلّ ذراعاً ؛ وهذا مطابق لما قاله أمير المؤمنين علیه السلام حين تفيء الشمس كمريض العنز أي كموضع تربض العنز، وذلك نحو ذراع أو أكثر بزيادة يسيرة .قال الشافعيّ: وآخر وقت الظهر إذا صار ظلّ كلّ شيء مثله، ويعتبر المثل من حدّ الزّيادة على الظلّ الذي كان عند الزوال، وبهذا القول قال أبو يوسف ومحمد ؛ وقد حكيناه من قبلُ، وبه أيضاً قال الثوريّ وأحمد، وهو رواية الحسن بن زياد اللؤلؤي عن أبي حنيفة، فأمّا الرواية المشهورة عنه - وهي التي رواها أبو يوسف - فهو أن آخر وقت الظهر صيرورة الظلّ مثليه،وقد حكيناه عنه فيما تقدم.وقال ابن المنذِر : تفرّد أبو حَنيفة بهذا القول ؛ وعن أبي حنيفة رواية ثالثة أنه إذا صار ظلّ كل شيء مثله خرج وقت الظهر ؛ ولم يدخل وقت العصر إلى أن يصير ظلّ كلّ شيء مثليه .وقال أبو ثور ومحمد بن جرير الطبريّ: قدر أربع ركعات بين المثل والمثلين يكون مشتركاً بين الظهر والعصر .وحكي عن مالك أنه قال : إذا صار ظلّ كل شيء مثله، فهو آخر وقت الظهر وأوّل وقت العصر، فإذا زاد على المثل زيادة بيّنة خرج وقت الظهر واختصّ الوقت بالعصر .وحكى ابن الصّبّاغ من الشافعية، عن مالك، أن وقت الظهر إلى أن يصير ظلّ كلّ شيء مثله

وقتاً مختاراً، فأمّا وقت الجواز والأداء فآخره إلى أن يبقى إلى غروب الشمس قَدر أربع ركعات ؛ وهذا القول مطابقٌ لمذهب الإماميبَة .وقال ابن جَريج وعطاء: لا يكون مفرّطاً بتأخيرها حتى تكون في الشمس صُفرة .وعن طاوس: لا يفوت حتى الليل.فأمّا العصر : فإن الشافعيّ يقول : إذا زاد على المِثل أدنى زيادة، فقد دخل وقت العصر ؛ والخلاف في ذلك بينه وبين أبي حنيفة لأنّه يقول : أوّل وقت العصر إذا صار ظلّ كلّ مثليه، وزاد عليه أدنى زيادة. وقد حكيناه عنه فيما تقدّم .وكلام أمير المؤمنين علیه السلام في العصر مطابق لمذهب أبي حنيفة، لأنّ بعد صيرورة الظلّلام مثليه، هو الوقت الذي تكون فيه الشمس حَيَّة بيضاء في عضو من النهار، حين يُسار فيه ،فرسخان وأما قبل ذلك فإنّه فوق ذلك يُسار من الفراسخ أكثر من ذلك، ولا يزال وقت الاختيار عند الشافعيّ للعصر باقياً حتى يصير ظلّ كلّ شيء مثليه ؛ ثم يبقى وقت الجواز إلى غروب الشمس.وقال أبو سعيد الإصطخريّ من أصحابه : يصير قضاء بمجاوزة المثلين ؛ فأمَّا وقت المغرب فإذا غَرَبت الشمس وغروبها سقوط القرص.وقال أبو الحسن عليّ بن حبيب الماروديِّ من الشافعية: لا بدَّ أن يسقط القُرْص ويغيب حاجب الشمس، وهو الضياء المستعلي عليها كالمتصل بها، ولم يذكر ذلك الشافعية أحدغيره.وذكر الشّاشي في كتاب «حلية العلماء» (1أن الشيعة قالت : أوّل وقت المغرب إذا اشتبكت .النجوم. قال قد حكي هذا عنهم. ولا يساوي الحكاية ولم تذهب الشيعة إلى هذا، وسنذكر قولهم فيما بعد(2).)وكلام أمير المؤمنين علیه السلام في المغرب لا ينصّ على وقت معين لأنّه عرف ذلك بكونه وقت الإفطار، ووقت ما يدفع الحاجّ، وكلا الأمرين يحتاج إلى تعريف كما يحتاج وقت الصلاة، اللهمّ إلّا أن يكون قد عرّف أمراء البلاد الّذين يصلُّون بالناس من قبل هذا الكتاب متى هذا


1) «حلية الأولياء» في الحديث : لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة ( 430ه) «كشف الظنون» (689/1).

2) ذكره جملة من الحفاظ كالنسائي والطبراني أن عبد الله بن عمر لم يصل عند غروب الشمس بل انتظر حتى اشتبكت النجوم، أنظر مسند الشاميين للطبراني رقم 1531 ، والسنن الكبرى للنسائي : ج 1564 ، والمعجم الأوسط : 67/4.

الوقت الذي يُفطر فيه الصائم، ثم يدفع فيه الحاجّ بعينه، ثم يحيلهم في هذا الكتاب على ذلك التعريف المخصوصقال الشافعيّ : وللمغرب وقت واحد وهو قول مالك.وحكى أبو ثَور عن الشافعيّ أن لها وقتين وآخر وقتها إذا غابَ الشّفق. وليس بمشهور عنه والمشهور القول الأول، وقد ذكرنا قول أبي حنيفة فيما تقدّم، وهو امتداد وقتها إلى أن يغيب الشّفق، وبه قال أحمد وداود .واختلَف أصحابُ الشافعيّ في مقدار الوقت الواحد فمنهم من قال : هو مقدّر بقدر الطهارة وستر العَورة والأذان والإقامة وفعل ثلاث ركعات ومنهم مَنْ قدره بغير ذلك.وقال أبو إسحاق الشيرازيّ منهم : التضييق إنّما هو في الشّروع، فأمّا الاستدامة فتجوز إلى مغيب الشفق .فأما وقت العشاء، فقال الشافعيّ : هو أن يغيب الشفق وهو الحمرة، وهو قول مالك وأحمد وداود وأبي يوسف ومحمد، وقد حكينا مذهب أبي حنيفة فيما تقدّم وهو أن يغيب الشفق الذي هو البياض، وبه قال زُفَر والمزني .قال الشافعي : وآخر وقتها المختار إلى نصف الليل، هذا هو قوله القديم، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال في الجديد إلى ثلث الليل. ويجب أن يحمل قولُ أمير المؤمنين في العشاء أنّها إلى ثلث الليل على وقت الاختيار، ليكون مطابقاً لهذا القول، وبه قال مالك، وإحدى الروایتین عن أحمد ثم يذهب وقت الاختيار ؛ ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني .وقال أبو سعيد الإصطخريّ : لا يبقى وقت الجواز بعد نصف الليل، بل يصير قضاء.****فقد ذكرنا مذهبي أبي حنيفة والشافعي في الأوقات، وهما الإمامان المعتبران في الفقه ،ودخل في ضمن حكاية مذهب الشافعي ما يقوله مالك وأحمد وغيرهما من الفقهاء .فأما مذهب الإماميّة من الشيعة، فنحن نذكره نقلاً عن كتاب أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله المعروف بالمقيد «بالرسالة المقنّعة» قال : وقتُ الظهر من بعد زوال الشمس إلى أن يرجع الفيء سُبْعَي الشخص، وعلامة الزوال رجوعُ الفيء بعد انتهائه إلى النّقصان وطريق معرفة ذلك بالإصطرلاب (1أو ميزان الشمس(2)، وهو معروف عند كثير من الناس أو)


1) الإسطرلاب جهاز استعمله المتقدمون في تعيين ارتفاعات الأجرام السماوية ومعرفة الوقت والجهات الأصلية. المعجم الوسيط، مادة (إسطرلاب) (1/17).

2) هي بمعنى للأسطرلاب .

بالعمود المنصوب في الدائرة الهندية أيضاً، فمن لم يعرف حقيقة العمل بذلك، أو لم يجد آلته قلينصب عوداً من خشب أو غيره في أرض مستوية السّطح، ويكون أصلُ العود غليظاً ورأسه دقيقاً شبه المذري الذي ينسَج به التّكك (1أو المسلّة التي تُخاط بها الأحمال، فإن ظلّ هذا العود يكون بلا شك في أول النهار أطول من العود، وكلّما ارتفعت الشمس نقص من طوله حتى يقف القُرْص في وسط السماء، فيقف الفيء حينئذ، فإذا زال القرص عن الوسط إلى جهة المغرب رَجَع الفيء إلى الزيادة فليعتبر مَن أراد الوقوف على وقت الزوال ذلك بخطط وعلامات يجعلها على رأس ظلّ العود عند وضعه في صدر النهار وكلّما نقص في الظلّ شيء علَّم عليه، فإذا رجع إلى الزيادة على موضع العلامة عرف حينئذ برجوعه أن الشمس قد زالت .)وبذلك تُعرف أيضاً القبلة، فإنّ قُرص الشمس يقف فيها وسَط النهار، ويصير عن يسارها ويمين المتوجّه إليها بعد وقوفها وزوالها عن القُطب ، فإذا صارت مما يلي حاجبه الأيمن من بين عينيه عُلم أنها قد زالت وعرف أن القبلة تلقاء وجهه ؛ ومن سبقت معرفته بجهة القبلة فهو يعرف زوال الشمس إذا توجّه إليها ، فرأى عينَ الشمس مما يلي حاجبه الأيمن ؛ إلا أن ذلك لا يبين إلا بعد زوالها ،بزمان ويبيّن الزوال من أوّل وقته بما ذكرناه من الإصطرلاب وميزان الشمس والدائرة الهندية والعمود الذي وصفناه، ومَنْ لم يحصل له معرفة ذلك، أو فقد الآلة توجّه إلى القبلة فاعتبر صيرورة الشمس على طرف حاجبه الأيمن وقت العصر من بعد الفراغ من الظهر، إذا صليت الظهر في أوّل أوقاتها - أعني بعد زوال الشمس بلا فصل – ويمتدّ إلى أن يتغيّر لون الشمس باصفرارها للغروب، وللمضطر والناسي إلى مغيبها بسقوط القُرْص عما تبلغه أبصارنا من السماء، وأوّل وقت المغرب مغيب الشمس، وعلامة مغيبها عدم الحُمْرة في المشرق المقابل للمغرب في السماء ؛ وذلك أن المشرق في السماء مُطلِّ على المغرب، فما دامت الشمس ظاهرة فوق أرضنا فهي تلقي ضوءها على المشرق في السماء، فيرى حُمْرتها فيه، فإذا ذهبت الحمرة منه علم أن القُرْص قد سقط وغاب. وآخره أول وقت العشاء الآخرة، وأوّل وقتها مغيب الشمس وهو الحمرة في المغرب، وآخره مضي الثلث الأول من الليل، وأول وقت الغداة اعتراض الفجر، وهو البياض في المشرق يعقبه الحمرة في مكانه ؛ ويكون مقدمة لطلوع الشمس على الأرض من السماء؛ وذلك أن الفجر الأول، وهو البياض الظاهر في المشرق يطلع ثم ينعكس بعد مدة عرضاً ثم يحمر الأفق بعده للشمس.ولا ينبغي للإنسان أن يصلّيَ فريضة الغداة حتى يعترض البياض، وينتشر صُعُداً في السماء كما ذكرنا ، وآخر وقت الغداة طلوع الشمس .هذا ما تقوله الفقهاء في مواقيت الصلاة .


1) التَّكَكُ: جمع، مفرده تكُة : وهي رباط السراويل القاموس المحيط مادة (تكك) .

فأما قوله علیه السلام : «والرجل يعرف وجه صاحبه» فمعناه الإسفار ، وقد ذكرناه .وقوله علیه السلام: «وصلُّوا بهم صلاة أضعفِهم»؛ أي لا تطيلوا بالقراءة الكثيرة والدعوات الطويلة .ثم قال: «ولا تكونوا فتّانين»، أي لا تفتنوا الناس بإتعابهم وإدخال المشقّة عليهم بإطالة الصلاة وإفساد صلاة المأمومين بما يفعلونه من أفعال ،مخصوصة، نحو أن يُحدِث الإمام فيستخلف فيصلّي الناس خلف خليفته، فإن ذلك لا يجوز على أحد قولي الشافعيّ ؛ ونحو أن يُطيل الإمام الركوع والسجود، فيظنّ المأمومون أنّه قد رفع فيرفعون أو يسبقونه بأركان كثيرة؛ ونحو ذلك من مسائل يذكرها الفقهاء في كتبهم .واعلم أنّ أمير المؤمنين علیه االسلام إنما بدأ بصلاة الظهر، لأنها أوّل فريضة افترضت على المكلفين من الصلاة على ما كان يذهب إليه علیه السلام وإلى ذلك تذهب الإماميّة، وينصر قولَهم تسميتها بالأولى؛ ولهذا بدأ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بذكرها قبل غيرها ؛ فأمّا مَنْ عدا هؤلاء فأول الصلاة المفروضة عندهم الصبح ؛ وهي أول النهار.وأيضاً يتفرع على هذا البحث القول في الصلاة الوسطى، ما هي؟ فذهب جمهور الناس إلى أنها العصر، لأنها بين صلاتي نهار وصلاتَي ليل ؛ وقد رووا أيضاً في ذلك روايات بعضها في الصحاح، وقياس مذهب الإمامية أنها المغرب؛ لأنّ الظهر إذا كانت الأولى كانت المغرب الوسطى؛ إلا أنّهم يروون عن أئمتهم علیه السلام أنها الظهر، ويفسرون الوسطى بمعنى الفُضلي؛ لأنّ الوسط في اللغة هو خيار كل شيء، ومنه قوله تعالى : (جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطا(1)، وقد ذهب إلى أنّها المغرب قوم من الفقهاء أيضاً .)وقال كثير من الناس :إنّها الصبح ، لأنها أيضاً بين صلاتي ليل وصلاتي نهار، ورووا أيضاً فيها روايات وهو مذهب الشافعي ومن الناس من قال : إنها الظهر كقول الإمامية ولم يسمع عن أحد معتبراً أنها العشاء إلا قولاً شاذَّا ذكره بعضهم.وقال: لأنها بين صلاتين لا تُقْصَرَان .


1) سورة البقرة، الآية : 143 .

### 53 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه للأشتر النخعي رحمه اللهلما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرهامحمد بن أبي بكر وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسنالأصل: هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّه عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلأَهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا ، وَاسْتِصْلاحَ أَهْلِهَا ، وَعِمَارَةَ بِلادِهَا .أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّه وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتَّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ الَّتِي لَا يُسْعَدُ أَحَدٌ إِلا بِاتِّبَاعِهَا، وَلاَ يَشْقَى إِلا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا ، وَأَنْ يَنْصُرَ الله سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَإِهْزَازِ مَنْ أَعْزَّهُ.وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ، وَيَنْزعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلا مَا رَحِمَ الله .ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ، أَنّي قَدْ وَجَهْتُكَ إِلَى بِلادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْل مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِيكَ ما كُنتَ تَقُولُهُ فِيهِمْ وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي الله لَهُمْ عَلَى الْسُنِ عِبَادِهِ فَلْيَكُن . أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فَامْلِكُ هَوَاكَ، وَشُحٌ بِنَفْسِكَ عَمَّا لا يَحِلُّ لَكَ،. فَإِنَّ الشَّحَ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ .****الشرح: نصرة الله باليد : الجهاد بالسيف، وبالقلب الاعتقاد للحقّ وباللسان قولُ الحقّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تكفَّل الله بنُصرة من نَصَره، لأنه تعالى قال : (وليَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ (1).)والجمحَات: منازعة النَّفس إلى شهواتها ومآربها، ونزعها يكفّها .ثم قال له : قد كنت تسمع أخبار الولاة، وتعيب قوماً وتمدح قوماً، وسيقول الناس في إمارتك الآن نحو ما كنت تقول في الأمراء ؛ فاحذر أن تعاب وتذمّ كما كنت تعيب وتذمّ مَنْ يستحقّ الذم .


1) سورة الحج، الآية : 40 .

ثم قال : إنما يستدلّ على الصالحين بما يكثر سماعه من ألسنة النّاس بمدحهم والثناء عليهم ؛ وكذلك يستدلّ على الفاسقين بمثل ذلك.وكان يقال : ألسنة الرعيّة أقلام الحق سبحانه إلى الملوك.ثم أمره أن يشحّ بنفسه، وفسّر له الشحّ ما هو ؟ فقال : أن تنتصف منها فيما أحبّت وكرهت، أي لا تمكنها من الاسترسال في الشهوات وكُن أميراً عليها، ومسيطراً وقامعاً لها من التهوّر والانهماك .فإن قلت : هذا معنى قوله : «فيما أحبّت»، فما معنى قوله : «وكرهت»؟قلت : لأنها تكره الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات الشرعية ومن الواجبات العقلية وكما يجب أن يكون الإنسان مهيمناً عليها في طرف الفعل يجب أن يكون مهيمناً عليها في طرف التَّرك.الأصل: وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ؛ وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبْعاً ضَارِباً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ؛ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ؛ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطِلٍ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ، مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَالله فَوْقَ مَنْ وَلأَكَ ، وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ، وَابْتَلَاكَ بِهِمْ.وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْب الله، فَإِنَّهُ لا يَدَيْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ، وَلا غِنى بِكَ عَنْ عَفُوهِ وَرَحْمَتِهِ.وَلا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْو، وَلا تَبَحَ بِعُقُوبَةٍ، وَلا تُسْرِعَنْ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ عَنْهَا مَنْدُوحَةٌ .وَلاَ تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمِّرٌ آمُرُ نَأْطَاعُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالَ فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الخير.وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أَبَهَةً أَوْ مَخِيلَةً، فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهُ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لاَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طَمَاحِكَ، وَيَكُف عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ ، وَيَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ .إيَّاكَ وَمُسَامَاةَ الله فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُه بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ الله يُدِل كُلّ جَبَّارٍ ، وَيُهِينُ كُل مُخْتَالٍ (1!)


1) خَتَله خدعه وتخاتلوا : تخادعوا القاموس المحيط مادة (ختل) .

الشرح: أشعِر قلبَك الرحمة، أي اجعلها كالشِّعار له، وهو الثوب الملاصق للجسد ؛ قال: لأنّ الرعيّة؛ إمّا أخوك في الدّين، أو إنسان مثلك تقتضي رقّة الجنسيّة وطبع البشريّة الرحمةَ له .قوله : «ويؤتَى على أيديهم»، مثل قولك : «ويؤخذ على أيديهم»؛ أي يهذّبون ويثقّفون، يقال : خذ على يد هذا السّفيه، وقد حجرَ الحاكم على فلان، وأخذ على يده.ثم قال : فيِسبتُهم إليك كنسبتك إلى الله تعالى، وكما تحبّ أن يصفح الله عنك ينبغي أن تصفح أنت عنهم .قوله : «لا تنصبنّ نفسك لحزب الله؛ أي لا تبارزه بالمعاصي. فإنه لا يدي لك بنقمته ؛ اللام مُقحمة، والمراد الإضافة، ونحوه قولهم : لا أبا لك.قوله : «ولا تقولنّ إني مُؤَمّر» ؛ أي لا تقل : إني أمير ووالٍ آمرُ بالشيء فأطاع .والإدغال الإفساد ومنهكة للدين : ضعف وسقم.ثم أمره عند حدوث الأبهة والعظمة عنده لأجل الرئاسة والإمرَة أن يذكر عظمةَ الله تعالى وقدرتَه على إعدامه وإيجاده، وإمانته وإحيائه ؛ فإنّ تذكر ذلك يطامن من غُلَوائه، أي يغضّ من تعظمه وتكبّره، ويطأطيء منه .والغَرْب: حدّ السيف، ويستعار للسطوة والسرعة في البطش والفتك .قوله: (ويُفي؛ أي يرجع إليك بما بعد عنك من عقلك، وحرّف المضارعة مضموم لأنّه من «أفاء»)و مساماة الله تعالى : مباراته في السموّ وهو العلوّ .****الأصل: أَنْصِفِ الله وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ هَوَى فِيهِ مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلا تَفْعَلْ تَظْلِمُ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ الله كَانَ اللَّهَ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ الله أَدْحَضَ حُجَّتَهُ ، وَكَانَ الله حَرباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ .وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْهَى إِلَى تَغْبِيرِ نِعْمَةِ اللَّه وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ دَعْوَةَ المُضْطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ .وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضًا الرَّعِيَّةِ ، فَإِنَّ سُخَطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضًا الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخَطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضًا الْعَامَّةِ.

وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّحِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَتُونَةٌ فِي الرَّحَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةٌ لَهُ فِي الْبَلاءِ، وَأَكْرَة لِلْإِنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكراً عِنْدَ الإفطاء، وَأَبْطَأَ عُدْراً عِنْدَ المَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ (1الدَّهْرِ، مِنْ أَهْلِ الخَاصَّةِ ؛ وَإِنَّمَا عَمُودُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ)المُسْلِمِينَ، وَالمُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ العَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ، فَلْيَكُن صعوك لَهُمْ، وَمَيْلكَ مَعَهُمْ .الشرح: قال له : انصف الله، أي قُم له بما فَرَض عليك من العبادة والواجبات العقليّة والسمعيّة.ثمّ قال : وأنصِفِ الناس من نفسك ومن ولدك وخاصة أهلك ومن تحبّه وتميل إليه من رعيّتك، فمتى لم تفعل ذلك كنتَ ظالماً .ثمّ نهاه عن الظّلم ، وأكّد الوصاية عليه في ذلك .ثمّ عرّفه أن قانون الإمارة الاجتهاد في رضا العامة، فإنّه لا مبالاة بسُخط خاصّة الأمير مع رضا العامّة، فأمّا إذا سخِطَت العامّة لم ينفعه رضا الخاصّة، وذلك مثل أن يكون في البلد عشرةً أو عشرون من أغنيائه وذوي الثّروة من أهله، يلازمون الواليَ ويخدمُونه ويسامرونه، وقد صار كالصَّديق لهم، فإن هؤلاء ومن ضارَعَهم من حواشي الوالي وأرباب الشفاعات والقُربات عنده لا يُغنون عنه شيئاً عند تنكّر العامة له، وكذاك لا يضرّ سُخط هؤلاء إذا رضيت العامة، وذلك لأن هؤلاء عنهم غنّى ولهم ،بدل والعامة لا غنى عنهم ولا بدل منهم، ولأنّهم إذا شَغَبوا عليه کانوا كالبحر إذا هاج واضطرب، فلا يقاومه أحد، وليس الخاصة كذلك.ثم قال علیه السلم - ونِعْمَ ما قال - : ليس شيءٌ أقل نفعاً، ولا أكثر ضرراً على الوالي من علام خواصّه أيام الولاية، لأنهم يثقلون عليه بالحاجات، والمسائل والشّفاعات، فإذا عُزِل هَجَروه ورَفَضُوه حتى لو لقوه في الطريق لم يسلّموا عليه .والصغر بالكسر والفتح والصغا :مقصور الميل.الأصل: وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وَأَشْتَاهُمْ عِنْدَكَ ، أَظْلَبُهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوياً الْوَانِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا ، فَلاَ تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ ، وَالله يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ ؛ يَسْتُرِ اللهِ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ.


1) المُلِمَّة : النازلة الشديدة من شدائد الدهر ونوازل الدنيا . لسان العرب مادة (المم).

أظلِقُ عَن النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدِ، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِثرٍ، وَتَقَابَ مَنْ كُلِّ مَا لا يَضِحُ لَكَ ، وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ، فَإِنَّ السَّاعِيَ فَاسُ وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ .وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَن الْفَضْلِ، وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ، وَلَا جَبَاناً يُضَعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلاَ حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَةَ بِالْجَوْرِ ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّلنَ بالله .الشرح: أشنَاهم عندك ، أبغَضَهم إليك : وتَغابَ : تغافَل ، يقال : تَغابي فلانٌ عن كذا . ويضح: يَظهرَ، والماضي وَضَح .### بعض ما ورد في النهي عن ذكر عيوب الناسعاب رجلٌ رجلاً عند بعض الأشراف فقال له : لقد استدللتَ على كثرة عيوبك بما تُكثِر فيه من عُيوب الناس، لأنّ طالبَ العُيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها .وقال الشاعر:وأجرأ من رأيتَ بظهر غيبٍ*** على عَيب الرجال أولُو العيوبِوقال آخر :يا مَنْ يعيب وعيبه مُتَشَعبٌ*** كَمْ فيك من عيب وأنت تعيبُ!وفي الخبر المرفوع : «دعُوا الناس بغَفَلاتهم يعيش بعضُهم مع بعض »(1.)وقال الوليد بن عتبة بن أبي سُفيان : كنت أسايرُ أبي ورجل معنا يقع في رجل، فالتفت أبي إلي فقال : يا بُنيّ ؛ نَزّه سمعَك عن أستماع الخنا (2 كما تُنزّه لسانك عن الكلام به ، فإنّ المستمعَ (2)شريك القائل، إنما نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرَغَه في وعائك، ولو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادّها كما شِقَي قائلُها.)وقال ابن عباس، الحَدَث حدثان : حَدَث مِنْ فيك، وحَدَث من فَرْجك.وعاب رجلٌ رجلاً عند قتيبة بن مسلم ؛ فقال له قتيبة : أميك ويحك ! فقد تلمّظت بمُضغةٍ طالما لفظها الكرام .ومرّ رجل بجارين له ومعه ريبة، فقال أحدهما لصاحبه أفهمتَ ما معه من الرّيبة؟ قال :وما معه؟ قال : كذا قال عبدي حرّ لوجه الله شكراً له تعالى إذ لم يعرّفني من الشرّ ما عرّفك.


1) لأبي الأسود الدؤلي في خزانة الأدب : 617/3 .

2) الخَنَا : من قبيح الكلام والفحش والخنا من الكلام أفحشه لسان العرب، مادة (خنو).

وقال الفُضَيل بن عياض: إن الفاحشة لَتَشيع في كثير من المسلمين حتّى إذا صارت إلى الصالحين كانوا لها خُزّاناً .وقيل لبزُرْجُمهر : هل من أحد لا عيب فيه ؟ فقال : الذي لا عيب فيه لا يموت. وقال الشاعر :ولستُ بذي نَيْرَبٍ(1في الرّجا*** ل مَناعَ خيرٍ وسَبّابها)ولا مَنْ إذا كان في جانب أضاع العشيرة وأغتابَهاولكن أطاوعُ ساداتها ولا أتَعَلَّم القابَهاوقال آخر :لا تَلتَمس من مسَاوِي الناس ما سَتَرُوا ***فيكشف الله سِتْراً من مَساوِيكَاوأذكر محاسن ما فيهم إذا ذُكِروا ***ولا تَعِب أحداً منهم بما فيكاوقال آخر :ابدأ بنفسك فأنهها عن عَيْبها فإذا انتهت عنه، فأنت حَكيمُفهناك تُعذر إن وعظت ويقتدى بالقول منك، ويُقبَل التَّعليمُفأمّا قوله : «أطلق عن الناس عقدة كل حقد»، فقد استوفَى هذا المعنى زيادٌ في خطبته البتراء فقال : وقد كانت بيني وبين أقوام إحن، وقد جعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسناً فليزدَدْ إحساناً، ومن كان منكم مسيئاً فلينزع عن إساءته، إنّي لو علمتُ أنّ أحدكم قد قتله السُّلال من بغضي لم أكشف عنه قناعاً، ولم أهتِك له ستراً، حتى يبديَ لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره، ألا فليشمل كل امرى منكم على ما في صدره، ولا يكوننَّ لسانُه شفرةً تجري على وَدَجه .فأما قوله علیه السلام : «ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع»، فقد ورد في هذا المعنى كلامٌ حَسَن، قال ذو الرّياستين: قبول السِّعاية شرّ من السعاية لأنّ السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس مَنْ دلّ على شيء كمن قبله وأجازه فامقت الساعيَ على سِعايته فإنه لو كان صادقاً كان لئيماً ؛ إذ هتك العورة، وأضاع الحُرمة .


1) النَّيْرَب : الشَّرّ، والنميمة. القاموس المحيط مادة (نيرب).

وعاتب مصعبُ بنُ الزبير الأحنفَ على أمر بلغه عنه فأنكره، فقال مُصعب : أخبرَني به الثّقة، قال: كلاً أيها الأمير، إن الثقة لا يبلّغ .وكان يقال : لو لم يكن من عَيْب الساعي إلّا أنه أصدق ما يكون أضرّ ما يكون على الناس، لكان كافياً. كانت الأكاسرة لا تأذن لأحد أن يطبخ السكباج (1، وكان ذلك ممّا يختصّ به المِلك ، فرفع ساع إلى أنوشروان : إنّ فلاناً دعانا ونحن جماعة إلى طعام له وفيه سِكباج، فوقِّع أنوشروان على رقعته : قد حمدنا نصيحتَك، وذممنا صديقك على سوء اختياره للإخوان.)جاء رجلٌ إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة عبد الملك على دِمَشق ، فقال : أيُّها الأمير إنّ عندي نصيحة قال اذكرها قال جارٌ لي رجع من بعثه سرًا ، فقال : أما أنت فقد أخبرتنا أنك جار سَوْء، فإن شئت أرسلنا معك فإن كنت كاذباً ،عاقبناك، وإن كنت صادقاً مقتناك، وإن تركتنا تركناك، قال: بل أتركك أيها الأمير. قال: فانصرف .ومثلُ هذا يُحكى عن عبد الملك أنّ إنساناً سأله الخَلوة، فقال لجلسائه : إذا شئتم! فانصرفوا ، فلما تهيّأ الرجل للكلام قال له : اسمع ما أقول إيّاك أن تمدَحَني فأنا أعرف بنفسي منك، أو تكذبني فإنّه لا رأي لمكذوب، أو تسعى بأحد إليّ فإني لا أحب السعاية ؛ قال : أفياذنُ أمير المؤمنين بالانصراف! قال : إذا شئت.وقال بعض الشعراء:لَعَمرُك ما سبّ الأميرَ عدوّه ولكنّما سبَّ الأميرَ المبلِّغُوقال آخر :حُرمتُ مُنائي منك إن كان ذا الذي أتاكَ به الواسون عنّي كما قالواولكنّهم لما رأوك شريعة*** إليّ تواصَوا بالنميمةِ واحتالوافقد صِرتَ أُذناً للوُشاة سميعةٌ*** ينالون مِنْ عِرْضِي ولو شئتَ ما نالواوقال عبد الملك بنُ صالح لجعفر بن يحيى وقد خرج يودعه لمّا شخص إلى خُراسان : أيّها الأمير، أحِبّ أن تكون لي كما قال الشاعر :فكوني على الواشين لَدّاءَ شَغْبة (2*** كما أنا للواشي الدُّ شَغُوبُ)قال : بل أكون كما قال القائل :وإذا الواشي وَشَى يوماً بها ***نفع الواشِي بما جاء يضُرّ


1) السَّكْبَاج: طعام يعمل من اللحم والخلّ مع توابل وأفاويه. المعجم الوسيط، مادة (سكج).

2) الشَّغْبُ : تهييج الشَّر القاموس المحيط مادة (شعب).

وقال العباس بن الأحنف:ما حَطّك الواشُون من رُتبةٍ ***عندي ولا ضَرّك مُغتابُكأنهم أثنَوا ولم يعلموا ***عليكَ عندي بالذي عابُواقوله علیه السلام: «ولا تُدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفَضْل، ويعدك الفقر»، ماخوذٌ من قول الله تعالى : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضَلاً (1)قال المفسّرون: الفَحْشاءها هنا البُخْل ؛ ومعنى «يعدكم الفقر»، يخيل إليكم أنكمإن سمحتم بأموالكم افتقرتم فيخوّفكم فتخافون فتبخلون.)قوله علیه السلام: «فإنّ البخلَ والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظن بالله» كلامٌ لي شريف عالٍ على كلام الحكماء، يقول: إن بينها قَدْراً مشتركاً وإن كانت غرائز وطبائع مختلفة، وذلك القدر المشترك هو سوء الظنّ بالله، لأنّ الجبان يقول في نفسه : إن أقدمتُ قُتِلت والبخيلَ يقول : إن سمحتُ وأنفقتُ افتقرتُ والحريصَ يقول : إن لم أجدبَ واجتهد وأدأب فاتني ما أروم؛ وكلّ هذه الأمور ترجع إلى سوء الظنّ بالله، ولو أحسن الظنّ الإنسان بالله وكانَ يقينه صادقاً لعلم أن الأجل مقدّر، وأنّ الرزق مقدَّر ، وأنّ الغنى والفقر مقدَّران، وأنّه لا يكون من ذلك إلاّ ما قَضَى الله تعالى كونه .الأصل: شَرٌّ وُزَرَاتِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ لِلْأَشْرَارِ وَزِيراً ، وَمَنْ شَرَكَهُمْ فِي الْآثَامِ، فَلاَ يَكُونُنَّ لَكَ بِطَانَةٌ، فَإِنَّهُمْ أَهْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظُّلَلَمَةِ وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُم خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مثلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِم، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُمَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَلَا أَيْماً عَلَى إِثْمِهِ ؛ أَوَلَئِكَ أَخَفْ عَلَيْكَ مَؤُونَةٌ ، وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةٌ ، وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَظفاً ، وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً .فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةٌ لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ، ثُمَّ لِيَكُنْ أَثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ ، وَأَقَلُّهُمْ مُسَاعَدَةٌ فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ الله لِأَوْلِيَائِهِ، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ .الشرح: نهاه علیه السلام أن يتّخذ بطانة قد كانوا من قبلُ بطانةٌ للظَّلمة، وذلك لأنّ الظلم وتحسينه قد صار مَلكةٌ ثابتة في أنفسهم، فبعيد أن يمكنهم الخلوّ منها إذ صارت كالخُلُق الغريزيّ


1) سورة البقرة، الآية : 268 .

اللاَّزم لتكرارها وصيرورتها عادَةً، فقد جاءت النصوص في الكتاب والسنّة بتحريم معاونة الظلمة ومساعدتهم، وتحريم الاستعانة بهم، فإن من استعان بهم كان معيناً لهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلَّينَ عَضُدا(1)، وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ الله ورسوله ) (2).)وجاء في الخبر المرفوع : «يُنادَى يوم القيامة : أين من بَرَى لهم - أي الظالمين - قَلَماً»(3أتِی الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج، فقال له : ما تقول في الحجّاج؟ قال: وما عَسِيت أن أقول فيه ! هل هو إلا خطيئة من خطاياك، وشَرَر من نارك؟ قلعنك الله ولعن الحجّاج معك ! وأقبل يشتُمهما ، فالتفت الوليد إلى عمرَ بن عبد العزيز فقال : ما تقول في هذا؟ قال: ما أقول فيه ! هذا رجل يشتِمُكم، فإما أن تَشْتِمُوه كما شتمكم، وإمّا أن تَعفُوا ، عنه. فغضب الوليدُ وقال)عنه لعُمَر : ما أظنك إلا خارجيَّا ! فقال عمر : وما أظنك إلا مجنوناً ؛ وقام فخرج مغضباً، ولحقه خالدُ بنُ الرّيان صاحب شُرطة الوليد، فقال له ما دعاك إلى ما كلَّمتَ به أمير المؤمنين ! لقد ضربت بيدي إلى قائم سَيفي أنتظر متى يأمرني بضرب عنقك ؛ قال : أو كنت فاعلاً لو أمرك ؟ قال : نعم. فلمّا استخلف عمر جاء خالد بن الرّيان فوقف على رأسه متقلّداً سيفه، فنظر إليه وقال : يا خالد ضَع سيفك فإنك مطيعنا في كلّ أمرٍ نأمرك به - وكان بين يديه كاتب للوليد . فقال له : ضع أنت قلمك ، فإنك كنت تضر به وتنفع اللهم إني قد وضعتهما فلا ترفَعهما، قال» فوالله ما زالا وضيعَين مَهينَين حتى ماتا .وروي الغزاليّ في كتاب« إحياء علوم الدين» (4، قال لما خالط الزّهري السّلطان كتب أخٌ له في الدين إليه : عافانا الله وإيَّاك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعوَ الله لك ويرحمك، فقد أصبحت شيخاً كبيراً، وقد أثقلتك نعم الله عليك بما فهمك من كتابه، وعلمك من سنّة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاقَ على العلماء، فإنه تعالى قال: (لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ )(5). واعلم أن أيسرَ ما ارتكيت، وأخفّ ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغيّ بدنوّك إلى مَنْ لم يؤد حقاً، ولم يترك باطلاً حين أدناك، اتخذوك أبا بكر قُطّباً تدور عليه رَحًا ظُلمهم، وجِسراً يعبرون عليه إلى بلائهم ومعاصيهم، وسُلَّما يَصعدون فيه إلى ضلالتهم، يُدخلون بك الشّكّ على العلماء، ويقتادون بك قلوبَ الجهلاء، فما)


1) سورة الكهف، الآية : 51 .

2) سورة المجادلة، الآية : 22 .

3) ذكره القرطبي في «تفسيره» (263/13) .

4) «لإحياء علوم الدين »: للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي المتوفى سنة ( 505ه-)، وهو من أجل كتب المواعظ وأعظمها. «كشف الظنون» (23/1).

5) سورة آل عمران الآية : 187 .

أيسر ما عَمّروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك من جَنب ما أفسدوا من حالك ودينك ! وما يؤمِّنك أن تكون ممّن قال الله تعالى فيهم ( فخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا (1)يا أبا بكر، إنّك تُعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل فدار دينك فقد دخله سَقَم، وهيّىء زادَك فقد حضر سَفر بعيد ؛ (وما يخفى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ )(2)، والسلام .)الأصل: والصَقَ بأهْل الْوَرَع والصِّدْقِ ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلا يُظرُوكَ ولا يُبَحُوكَ بِباطِل لَمْتَفْعَلْهُ ، فإن كَثْرَةَ الإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ، وتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ .ولا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ والمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ ؛ فإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأهْلِ الإحْسانِ في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءةِ عَلَى الإساءة، وأَلْزِمْ كُلاً منهم ما أَلْزَمَ نَفْسَهُ .الشرح: قوله : «والصَق بأهل الورع»، كلمةٌ فصيحة ، يقول : اجعلهم خاصّتك وخُلصاءك .قال : ثمّ رُضهم على الأ يُطرُوك، أي عوّدهم ألاّ يمدحوك في وجهك. ولا يبجّحوك بباطل : لا يجعلوك ممن يبجَح أي يفخر بباطل لم يفعله كما يُبجِّح أصحاب الأمراء الأمراء بأن يقولوا لهم ما رأينا أعدل منكم ولا أسمحَ ، ولا حَمَى هذا الثغر أمير أشدَّ باساً منكم ونحو ذلك، وقد جاء في الخبر «احثُوا في وجوه المدّاحين التراب» (3.)وقال عبد الملك لمن قام يسارّه : ما تريد! أتريد أن تمدَحَني وتَصِفني، أنا أعلم بنفسي منك.وقام خالد بنُ عبدِ الله القسري إلى عمر بن عبد العزيز يوم بَيعته فقال : يا أمير المؤمنين، مَنْ كانت الخلافة زائِنَتَه فقد زيّنتها ، ومَنْ كانت شرفته فقد شرّفتها، فإنّك لكما قال القائل :وإذا الدُّرُ زانَ حُسْنَ وُجُوهُ*** كان للدّرّ حُسنُ وجهك زَيْنَافقال عمرُ بن عبد العزيز : لقد أعطِي صاحبُكم هذا مِقْوَلاً ، وحُرِم معقولاً . وأمَرَه أن يجلس.


1) سورة مريم، الآية : 59 .

2) سورة إبراهيم، الآية : 38.

3) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط (3002)، والترمذي في الزهد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (2393)، وأبو داود في الآداب (4804) وأحمد في «مسنده» واللفظ له (23312).

ولما عَقدَ معاوية البيعة لابنه يزيد قام النّاس يخطبون، فقال معاوية لعمرو بنِ سعيد الأشدّق : قم فاخطب يا أبا أميّة، فقام فقال : أمّا بعد فإنّ يزيدَ ابنَ أمير المؤمنين أملٌ تأمُلونه ، وأجلٌ تأمَنونه، إن افتقرتم إلى حلمه وَسِعَكم، وإن احتَجتم إلى رأيه أرشَدَكم، وإن اجتَدَيتم ذاتَ يده أغناكم ، وشَمِلكم؛ جِذْعٌ قارح ؛ سُويق فَسَبق ، ومُوجِدَ فُمجد، وقُورع فَقَرع، وهو خلَف أمير المؤمنين، ولا خَلَف منه . فقال معاوية : أوْسَعتَ يا أبا أمية فاجلس، فإنّما أردنا بعضَ هذا (1.)وأثنَى رجلٌ على عليّ علیه السلام في وجهه ثناءً أوسَع فيه - وكان عنده متهماً - فقال له : أنا دونَ ما تقول، وفوق ما في نفسك (2.)وقال ابن عبّاس لعُتبة بن أبي سُفيان وقد أثنَى عليه فأكثر : رويداً فقد أمهَيْتَ يا أبا الوليد_ يعني بالغتَ يقال أمهَى حافرُ البشر، إذا استقصَى حفرَها .فأما قوله علیه السلام : «ولا يكوننّ المحسن والمسيءُ عندَك بمنزلة سواء»، فقد أخذه الصَّابي فقال: «وإذا لم يكن للمُحسِن ما يرفعه وللمسيء ما يَضَعُه، زَهِد المحسن في الإحسان، واستمرّ المسيء على الطغّيان»، وقال أبو الطيّب:شرّ البلاد بلادٌ لا صديقَ بها*** وشرّ ما يكسب الإنسان ما يصمُوشرّ ما قبضته راحتي قَنَصٌ شُهْبُ البزاة سواءٌ فيه والرَّحَمُوكان يقال : قضاء حقّ المحسن أدبٌ للمسِيء، وعقوبة المسيء جزاءٍ للمحسِن .*الأصل: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْهَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ وَالٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ المَؤونَاتِ عَلَيْهِمْ ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهم . فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنَ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّن يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلاً ، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلاؤُكَ عَنْدَهُ.وَلاَ تَنْقُض سُنَّةٌ صَالِحَةٌ عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأَلْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ.وَلاَ تُحْدِثَنَّ سُنَّةٌ تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا ، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا .


1) في ديوانه : 373/3 .

2) أخرجه العلامة المجلسي البحار : 103/46 خ : 92 .

وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ، وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ، في تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلادِكَ، وَإِقَامَةِ ما اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ.****الشرح :خلاصةُ صدرِ هذا الفصل، أنّ مَنْ أحسن إليك حَسُن ظنُّه فيك، ومَنْ أساء إليك استَوْحش منك، وذلك لأنَّك إذا أحسنتَ إلى إنسان وتكرّر منك ذلك الإحسان تبع ذلك اعتقادُك أنّه قد أحبّك ، ثم يتبع ذلك الاعتقادَ أمرٌ آخر، وهو أنّك تحبّه ؛ لأنّ الإنسان مجبول على أن يحبّ من يحبُّه، وإذا أحببتَه سكنتَ إليه وحَسُن ظنّك فيه، وبالعكس من ذلك إذا أسأتَ إلى زيد، لأنّك إذا أسأت إليه وتكرّرت الإساءة تَبع ذلك اعتقادُك أنّه قد أبغضك، ثم يتبع ذلك الاعتقاد أمرٌ آخر، وهو أن تُبغضه أنت، وإذا أبغضتَه انقبضتَ منه واستوحشت، وساءَ ظنّك به.قال المنصور للرّبيع : سَلْني لنفسك ؛ قال : يا أمير المؤمنين، ملاتَ يدي فَلم يبقَ عندي موضعٌ للمسألة ؛ قال : فسَلْني لوَلَدك ، قال : أسألك أن تحبّه، فقال المنصور : يا ربيع، إنّ الحبَّ لا يُسأل، وإنّما هو أمرٌ تقتضيه الأسباب قال: يا أمير المؤمنين، وإنّما أسألك أن تزيد مِنْ إحسانك، فإذا تكرّر أحبّك، وإذا أحبك أحببتَه. فاستحسن المنصورُ ذلك، ثم نهاه عن نقض السنن الصالحة التي قد عمل بها من قبله من صالحي الأمّة، فيكون الوزر عليه بما نَقَض، والأجر لأولئك بما أسّسوا ، ثم أمره بمطارحة العلماء والحكماء في مَصالح عمله، فإنّ المشورة بركة، ومن استشار فقد أضاف عَقْلاً إلى عقله. وممّا جاء في معنى الأوّل:قال رجلٌ لإياس بن معاوية : مَن أحبُّ الناسِ إليك؟ قال : الذين يُعطوني، قال: ثم من؟ قال : الّذين أعطيهم.وقال رجل لهشام بن عبد الملك : إن الله جعل العطاء محبّة، والمنع مبغضَة، فأعِنِّي على حُبّك، ولا تُعِنّي في بُغضك .الأصل: وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ ،طبقات، لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلا بِبَعْضٍ، وَلَا فِنِّى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، فَمِنْهَا جُنُودُ الله ، وَمِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةَ الْعَدْلِ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التَّجَارُ وَأَهْلُ الصَّنَاعَاتِ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى الله لَهُ سَهْمَهُ، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وَفَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَمَحْفُوظاً .

فَالْجُنُودُ بإذن الله حُصُونُ الرَّحِيَّةِ ، وَزَيْنُ الْوُلاةِ، وَعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الْأَمْنِ ؛ وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِهِمْ، ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلا بِمَا يُخْرِجُ الله لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ، ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصَّنْفَيْنِ إِلاّ بِالصِّنفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضاة وَالْعُمَّالِ وَالْكُتّابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ ، وَيَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصُ الْأُمُورِ وَعَوَامُهَا ؛ وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلا بِالتَّجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ ، وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَرَقْقِ بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا لا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ.ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ، الَّذِينَ يَحقُ رِقدُهُمْ وَمَعَونَتُهُم .وفي الله لِكُلِّ سَعَةٌ، وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ.وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِيَ مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ الله تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، إِلا بِالاهْتِمَامِ وَالاِسْتِعَانَةِ بالله ؛ وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفْ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ .****الشرح: قالت الحكماء : الإنسانُ مَدَني بالطبع ؛ ومعناه أنه خُلِق خِلْقةً لا بدَّ معها من أن يكون منضماً إلى أشخاصِ من بني جنسه ومتمدّناً في مكان بعينه، وليس المراد بالمتمدّن ساكنَ المدينة ذات السّور والسّوق، بل لا بدّ أن يقيم في موضع ما مع قوم من البَشَر؛ وذلك لأنّ الإنسان مضطّر إلى ما يأكله ويشرَبُه ليقيَم صورتَه، ومضطرّ إلى ما يلبسه، ليدفع عنه أذى الحرّ والبَرْد، وإلى مَسكَن يسكُنه ليرد عنه عادِيَة غيره من الحيوانات، وليكون مَنزِلاً له ليتمكّن من التصرّف والحركة عليه، ومعلومٌ أن الإنسان وحدَه لا يستقلّ بالأمور الّتي عددناها بل لا بدٌّ من جماعة يَحرُث بعضهم لغيره الحرث، وذلك الغير يَحُوك للحرّاث الثوب، وذلك الحائك يَبني له غيره المَسْكَن، وذلك البنَّاء يحمل له غيرُه الماء، وذلك السّقاء يكفيه غيرُه أمرَ تحصيل الآلة الّتي يطحن بها الحبّ ويعجن بها الدقيق، ويَخبز بها العجين، وذلك المحصّل لهذه الأشياء يكفيه غيرُه الاهتمام بتحصيل الزوجة الّتي تدعو إليها داعية الشَّبَق، فيَحصُل مساعدة بعض الناس لبعض، لولا ذلك لما قامت الدنيا ، فلهذا معنى قوله علیه السلام: «إنّهم طبقات لا يصلُح بعضُها إلاّ ببعض، ولا غَناء ببعضها عن بعض ».ثم فصّلهم وقسّمهم فقال : منهم الجند، ومنهم الكتاب، ومنهم القُضاة، ومنهم العمّال، ومنهم أرباب الجزية من أهل الذمة، ومنهم أرباب الخراج من المسلمين، ومنهم التّجار، ومنهم أرباب الصناعات ومنهم ذوو الحاجات والمسكنة، وهم أدوّن الطبقات.

ثم ذكر أعمال هذه الطبقات فقال : الجند للحماية، والخراجُ يُصرّف إلى الجند والقُضاة والعمّال والكتّاب لما يحكمونه من المعاقد، ويجمعونه من المنافع، ولا بدّ لهؤلاء جميعاً من التجار لأجل البَيع والشّراء الّذي لا غَناءَ عنه، ولا بدّ لكلِّ من أرباب الصناعات كالحدّاد والنجّار والبنّاء وأمثالهم. ثم تلي هؤلاء الطبقة السفلى، وهم أهل الفقر والحاجة الذين تجب معونتُهم والإحسانُ إليهم.وإنّما قسّمهم في هذا الفصل هذا التقسيم تمهيداً لما يذكره فيما بعد، فإنّه قد شرع بعد هذا ،الفصل، فذَكَر طبقةً طبقةً وصنفاً صنفاً ، وأوصاه في كل طبقة وفي كلّ صنفٍ منهم بما يليق بحاله، وكأنّه مَهّد هذا التمهيد، كالفِهِرست لما يأتي بعده من التفصيل.****الأصل: فَوَل مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ الله وَلِرَسُولِهِ وَلِإِمَامِكَ، وَأَظْهَرَهُمْ جَيْباً، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً ، مِمَّنْ يُبْغِى عَنِ الْغَضَبِ ؛ وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الْأَقويَاءِ؛ وَمِمَّنْ لاَ يُشِيرُهُ الْعُنْفُ، وَلاَ يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ .ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالْأَحْسَابِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ، ثُمَّ أَهْل النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّحَاءِ وَالسَّمَاحَةِ؛ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ؛ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ.ثُم تَفَقَدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا ؛ وَلاَ يَتَفَاقَمَنْ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوْيْتَهُمْ بِهِ. وَلَا تُحَقِّرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ؛ فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ.وَلاَ تَدَعْ تَفَقَّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمْ اتَّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا ؛ فَإِنَّ لِلْيَسِير منْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ؛ وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ ؛ وَلْيَكُنْ أَثَرُ رُؤوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ، بِمَا يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ، حَتَّى يَكُونَ عَنْهُمْ هَمَّا وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ، فَإِنْ عَظفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفْ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ. وَلَا تَصِحُ نَصِيحَتُهُمْ إلا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاةِ أُمُورِهِمْ، وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ. فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، وَوَاصِلْ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ فَعَالِهِمْ تَهُنَّ الشَّجَاعَ، وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ؛ إنْ شَاءَ الله .ثُمَّ اعْرِف لِكُلِّ امْرِى مِنْهُمْ مَا أَبْلَى وَلَا تَضُمِّنَّ بَلاءَ امْرِى إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ. وَلَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِى إِلَى أَنْ تُعَظْمَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً، وَلَا ضَعَةُ

امْرِى إِلَى أَنْ تَسْتَصْفِرَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً ، وَارْدُدْ إِلَى اللَّهُ وَرَسُولِهِ مَا يُظْلِمُكَ مِنَ الخطوبِ، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ ، فَقَدْ قَالَ الله سُبْحَانَهُ لِقَوْمٍ أَحَبُّ إِرْشَادَهُمْ : (تَأَيُّهَا الَّذِينَ ما منوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر مِنكُمْ فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (1)، فَالرَّدُ إِلَى الله الأخذُ بِمُحْكَم كِتَابِهِ، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُول الأَخذُ بِسُنّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ .)الشرح: هذا الفصل مختصٌّ بالوصاة فيما يتعلّق بأمراء الجيش، أمَرَه أن يولِّيَ أمر الجيش من جنودِه مَن كان أنصَحَهم الله في ظنّه ، وأظهرَهم جَيْباً، أي عفيفاً أميناً ؛ ويُكنَى عن العفّة والأمانة بطهارة الجَيب، لأنّ الذي يسرق يجعل المسروق في جَيبه.فإن قلت : وأيّ تعلّق لهذا بولاة الجيش؟ إنَّما ينبغي أن تكون هذه الوصيّة في وُلاة الخراج !قلت: لا بدّ منها في أمراء الجيش لأجل الغنائم .ثم وصف ذلك الأمير فقال : «ممّن يبطىء عن الغضب، ويستريح إلى العُذر»، أي: يقبَل أذني عذر، ويستريحُ إليه ، ويَسكُن عنده. ويَرُؤف على الضعفاء، يرفق بهم ويَرحمُهم، والرأفة : الرحمة. ويَنبو عن الأقوياء: يتَجافى عنهم ويبعد أي لا يُمكِّنهم من الظّلم والتعدّي على الضعفاء. ولا يثيره العُنف: لا يهيج غضِبَه عُنف وقسوة. ولا يَقعد به الضّعف، أي ليس عاجزاً .ثم أمره أن يَلصق بذوي الأحساب وأهلِ البيوتات، أي يكرمهم ويَجعل معوّله في ذلك عليهم ولا يتعدّاهم إلى غيرهم وكان يقال : عليكم بذوِي الأحساب؛ فإن هم لم يتكرّموا استحيوا .ثم ذكر بعدهم أهلَ الشجاعة والسّخاء، ثم قال: «إنها جِمَاع من الكرم، وشُعَب من العرف» «من» ها هنا زائدة؛ وإن كانت في الإيجاب على مذهب أبي الحسن الأخفش أي جماع الكرم، أي يجمعه كقول النبي صلی الله علیه وآله وسلم: «الخمر جِمَاع الإثم» (2. والعُرف : المعروف.)وكذلك «من» في قوله : «وشُعَب من العُرْف» أي وشُعب العُرْف، أي هي أقسامه وأجزاؤه، ويجوز أن تكون «من» على حقيقتها للتبعيض، أي هذه الخلال جملة من الكرم وأقسام المعروف ؛ وذلك لأنّ غيرها أيضاً من الكرم والمعروف، ونحو العدل والعفّة.


1) سورة النساء، الآية : 59 .

2) أخرجه الشهاب القضاعي في «مسنده» (56) ، والعجلوني في «كشف الخفاء» (1225). والزيلعي في«نصب الراية» (36/2) .

قوله : «ثم تفقُّد من أمورهم» الضمير ها هنا يرجع إلى الأجناد لا إلى الأمراء لما سنذكره؛ مما يدلّ الكلام عليه.فإن قلت : إنه لم يَجْرِِ للأجناد ذِكْرٌ فيما سبق ؛ وإنما المذكور الأمراء!قلت كلا بل سبق ذكر الأجناد، وهو قوله : «الضعفاء والأقوياء».وأمره علیه السلام أن يتفقّد من أمور الجيش ما يتفقّد الوالدان من حال الوَلد ؛ وأمره ألا يعظّم عنده ما يقوّيهم به وإن عظم، وألاّ يستحقِير شيئاً تعهّدهم به وإن قلّ، والاً يمنعه تفقّدُ جسیم أمورهم عن تفقد صغيرها. وأمره أن يكون آثر رؤوس جنوده عنده وأحظاهم عنده وأقربهم إليه مَنْ وأساهم في معونته ؛ هذا هو الضمير الدالّ على أن الضمير المذكور أولاً للجُند لا لأمراء الجند؛ لولا ذلك لما انتظم الكلام.قوله : «من خُلُوف أهليهم»، أي ممن يخلفونه من أولادهم وأهليهم.ثم قال : لا يصحّ نصيحة الجند لك إلا يحيطتهم على ولايتهم؛ أي بتعطفهم عليهم ،وتحنُّتهم، وهي الحِيطَة على وزن الشّيمة، مصدر حاطه يحوطه حَوْطاً وحياطاً، وحِيِطة، أي كلاه ورعاه، وأكثر الناس يروونها «إلاَّ بحيِّطتهم» بتشديد الياء وكسرها، والصحيح ما ذكرناه .قوله : «وقلّه استثقال دُولَهم»؛ أي لا تصحّ نصيحة الجُند لك إلاَّ إذا أحبُِوا أمراءهم ثم لم يستثقلوا دُولهم؛ ولم يتمنّوا زوالَها.ثم أمره أن يذكر في المجالس والمحافل بلاءَ ذوي البلاء منهم ؛ فإنّ ذلك مما يُرهِف عَزْم الشُّجَاع ويحرّك الجبان.قوله : «ولا تضمَّنَّ بلاءَ امرىءٍ إلى غيره»، أي اذكر كلَّ من أبلى منهم مفرَداً غير مضموم ذكرُبلائه إلى غيره كي لا يكون مغموراً في جَنب ذكر غيره.ثم قال له : لا تعظّم بلاء ذوي الشرف لأجل شرفهم، ولا تحقِر بلاء ذَوِي الضّعَة لضعة أنسابهم، بل اذكر الأمورَ على حقائقها .ثم أمره أن يردّ إلى الله ورسوله ما يُضلعه من الخطوب؛ أي ما يؤوده ويُميله لثقلَه، وهذه الرواية أصحّ من رواية من رواها بالظّاء؛ وإن كان لتلك وجه.### رسالة الإسكندر إلى أرسطو وجواب أرسطو لهوينبغي أن نذكر في هذا الموضع رسالة أرسطو إلى الإسكندر في معنى المحافظة على أهل البيوتات وذوي الأحساب، وأن يخصّهم بالرياسة والإمرة؛ ولا يعدل عنهم إلى العامة والسِّفلة ، فإن في ذلك تشييداً لكلام أمير المؤمنين علیه السلام ، ووصيّته .

لما ملك الإسكندر إيران شَهر - وهو العراق مملكة الأكاسرة - وقتلَ دارَا بن دارا كتب إلى أرسطو وهو ببلاد اليونان :عليك أيّها الحكيم منّا السلام، أما بعد فإن الأفلاك الدائرة والعلل السمائيّة؛ وإن كانت أسعدتنا بالأمور التي أصبح الناس لنا بها دائبين، فإنَّا جدُّ واجِدِين لمسّ الاضطرار إلى حكمتك، غير جاحدين لفضلك والإقرار بمنزلتك ، والاستنامَة إلى مشورتك والاقتداء برأيك ؛ والاعتماد لأمرك ونهيك، لِمَا بلوْنًا من جدا ذلك علينا، وذقنا من جَنَا منفعته حتى صار ذلك بنجوعه فينا وترسُّخه في أذهاننا وعقولنا كالغذاء لنا، فما ننفكّ نعوّل عليه، ونستمدّ منه استمدادَ الجداول من البحور وتعويل الفروع على الأصول، وقوّة الأشكال بالأشكال. وقد كان مما سيق إلينا من النّصر والفَلْج (1، وأتيح لنا من الظَّفَر، وبلغنا في العدوّ من النّكاية والبطش ما يعجز القول عن وصفه، ويقصِّر شكر المنعم عن موقع الإنعام به ، وكان من ذلك أنّا جاوزنا أرض سورِيَة والجزيرة إلى بابل وأرض فارس، فلما حللنا بعقوَة أهلها وساحة بلادهم لم يكن إلا ريثما تلقّانا نفرّ منهم برأس ملكهم هديَّة إلينا، وطلباً للحظوة عندنا ، فأمرنا بصلب مَن جاء به وشهرته السوء بلائه، وقلة ارعوائه ووفائه ؛ ثم أمرنا بجمع مَنْ كان هناك من أولاد ملوكهم واحرارهم وذوي الشرف منهم ؛ فرأينا رجالاً عظيمةً أجسامهم وأحلامهم، حاضرة ألبابهم وأذهانهم، رائعة مناظرهم ومناطقهم، دَليلاً على أن ما يظهر من رُوائهم ومنطقهم أنّ وراءه من قوّة أيديهم، وشدّة نجدتهم وبأسهم ما لم يكن ليكون لنا سبيل إلى غلَبتهم وإعطائهم بأيديهم، لولا أن القضاء أدالنا (2منهم، وأظفرنا بهم ،وأظهرنا عليهم ولم نر بعيداً من الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم، ونجتثّ أصلهم، ونلحقهم بمَنْ مضى من أسلافهم، لتسكن القلوب بذلك الأمن إلى جرائرهم وبوائقهم ؛ فرأينا ألاّ نعجل بإسعاف بادىء الرأي في قتلهم دون الاستظهار عليهم بمشورتك فيهم. فارفع إلينا رأيك فيما استشرناك فيه بعد صحّته عندك، وتقليبك إياه بجليّ نظرك وسلام أهل السلام، فليكن علينا وعليك.)فكتب إليه أرسطو :لملك الملوك، وعظيم العظماء، الإسكندر المؤيّد بالنصر على الأعداء المهدى له الظفر بالملوك، من أصغر عبيده وأقل خَوَلِه ؛ أرسطو طاليس البَخُوع (3بالسُّجود والتذلل في السلام، والإذعان في الطاعة :


1) الفَلْجُ : الظفر والفوز. القاموس المحيط، مادة (فلج).)

2) الإدالة : الغلبة . القاموس المحيط مادة (دول) .

3) بَخَعْتُ له : تَذَلَّلت وأطعت وأقررت ، وبَخَعَ له نصحه أخلصه وبالغ. لسان العرب والقاموس المحيط، مادة (نجع).)

أما بعد فإنه لا قوَّة بالمنطق وإن احتشد الناطق فيه، واجتهد في تثقيف معانيه، وتأليف حروفه ومبانيه على الإحاطة بأقلّ ما تناله القدرة من بَسْطِة علوّ الملك وسموّ ارتفاعه عن كلّ قولٍ، وإبرازه على كلّ وصف واغترافه بكلّ إطناب. وقد كان تقرّر عندي من مقدّمات إعلام فضل الملك في صَهْلة سبقه، وبروز شأوه، ويُمن نقيبته مذ أدّت إلي حاسةُ بصرِي صورة شخصه، واضطرب في حسّ سمعي صوتُ لفظه، ووقع وهمي على تعقيب نجاح رأيه، أيّام كنت أؤدي إليه من تكلّف تعليمي إيَّاه ما أصبحتُ قاضياً على نفسي بالحاجة إلى تعلّمه عنه. ومهما يَكُنْ منّي إليه في ذلك، فإنما هو عقل مردود إلى عقله، مستنبطة أواليه وتواليه من علمه وحكمته. وقد جلا إليّ كتاب الملك ومخاطبته إياي ومسألته لي عمّا لا يتخالجني الشك في لقاح ذلك وإنتاجه من عنده، فعنه صَدّر وعليه ورَد؛ وأنا فيما أشير به على الملك - وإن اجتهدت فيه واحتشدت ،له وتجاوزت حدّ الوسع والطاقة منّي في استنظافه واستقصائه كالعدم مع الوجود، بل كما لا يتجزأ في جنب معظم الأشياء، ولكنّي غير ممتنع من إجابة الملك إلى ما سأل، مع علمي ويقيني بعظيم غناه عني، وشدّة فاقتي إليه، وأنا رادٌّ إلى الملك ما اكتسبته منه ومشير عليه بما أخذته منه فقائل له :إنّ لكل تربة لا محالة قَسماً من الفضائل، وإن لفارس من الفضائل، وإن لفارس قسمها من النَّجدة والقوّة، وإنّك إن تقتل أشرافهم تُخلف الوضعاء على أعقابهم، وتورث سِفلتهم على منازل عِلْيَتهم، وتغلِّب أدنياءهم على مراتب ذوي أخطارهم ؛ ولم يبتلَ الملوك قطّ ببلاء هو أعظمس عليهم وأشدّ توهيناً السلطانهم من غلبة السِّفْلة، وذلّ الوجوه، فاحذر الحذر كله أن تمكّن تلك الطبقة من الغَلَبة والحركة، فإنه إن نجم منهم بعد اليوم على جندك وأهل بلادك ناجمٌ دهمهم منه ما لا رقيّة فيه، ولا بقيّة معه ؛ فانصرف عن هذا الرأي إلى غيره واعمد إلى مَنْ قبلك من أولئك العظماء والأحرار، فوزّع بينهم مملكتهم، وألزم اسم الملك كلّ مَنْ ولّيته منهم ناحيته، واعقد التاج على رأسه وإن صغر ملكه، فإن المتسمّى بالملك لازم لاسمه، والمعقود التاج على رأسه لا يخضع لغيره، فليس ينشب ذلك أن يوقع كل ملك منهم بينه وبين صاحبه تدابراً وتقاطعاً وتغالباً على الملك، وتفاخراً بالمال والجند؛ حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليه وأوتارهم فيك، ويعود حربهم لك حرباً بينهم وحَنقهم عليك حنَقاً منهم على أنفسهم، ثم لا يزدادون في ذلك بصيرة إلا أحدثوا لك بها استقامة؛ إن دنوت منهم دانوا لك، وإن نايتَ عنهم تعززوا بك، حتى يثب مَنْ ملك منهم على جاره باسمك، ويسترهبَه بجندك، وفي ذلكغا7ع8 شاغلٌ لهم عنك ، وأمانٌ لإحداثهم بعدك، وإن كان لا أمانَ للدهر، ولا ثقة بالأيام.قد أدّيتُ إلى الملك ما رأيتهُ لي حظَّا ، وعليّ حقَّا، من إجابتي إيّاه إلى ما سألني عنه، ومحّضتهُ النصيحة فيه والملكُ أعلى عيناً، وأنفذُ رَوِيَّةٌ، وأفضل رأياً، وأبعد همة فيما استعان،V39

بی عليه ؛ وكلّفني بتبيينه والمشورة عليه فيه لا زال الملك متعرّفاً من عوائد النّعم وعواقب الصنع، وتوطيد الملك، وتنفيس الأجل، ودَرك الأمل، ما تأتي فيه قدرته على غاية قصوى ما تناله قدرة البشر !والسلام الذي لا انقضاء له ولا انتهاء ولا غاية ولا فناء فليكن على الملك .قالوا : فعمِل الملك برأيه واستخلف على إيران شهر أبناء الملوك والعظماء من أهل فارس فهم ملوك الطوائف الذين بقوا بعده؛ والمملكة موزعة بينهم إلى أن جاء أردشير بن بابك فانتزع الملك منهم .الأصل: ثُمَّ الخَتَرْ لِلْحُكُم بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تَمْحَكُهُ الْخُصُومُ، وَلاَ يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع ، وَلا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهُم دُونَ أَقْصَاهُ. وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَأَخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ انْضَاحِ الْحُكْمِ مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِخْرَاءٌ، وَأُولئِكَ قَلِيلٌ .ثُمَّ أَكْثِرُ تَعَاهُدَ فَضَائِهِ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي الْبَدْلِ مَا يُزِيحُ عِلْتَهُ، وَنَقِل مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ القِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ : عِندَكَ. فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظراً بليغاً ، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا .الشرح : تمحَكه الخصوم: تجعله ،ماحكاً، أي لجوجاً محك الرّجل، أي لجّ، وماحك زيد عمراً؛ أي لاجّه.قوله : «ولا يتمادى في الزّلّة»، أي إن زل رجع وأناب والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.قوله : «ولا يحصَر من الفيء »هو المعنى الأول بعينه والفيء: الرجوع، إلا أن ها هنا زيادة وهو أنه لا يحصَر، أي لا يعيا في المنطق، لأنّ من النّاس من إذا زلّ حصِر عن أن يرجع وأصابه كالفهامة والعي خجلاً .قوله : «ولا تُشرف نفسه»، أي لا تشفق .. والإشراف : الإشفاق والخوف، وأنشد الليث :

ومِنْ مُضَر الحمراء إشراف أنفسٍ*** علينا وحيّاها علينا تمضّراوقال عروة بن أذَينة :لقد عَلِمْتُ وما الإشراف من خُلقي ***أن الذي هو رزقي سوفَ يأتينيوالمعنى» ولا تشفق نفسه، وتخاف من فوت المنافع والمرافق.ثم قال :« ولا يكتفي بأدنى فهم »، أي لا يكون قانعاً بما يخطر له بادىء الرأي من أمر الخصوم، بل يستقصي ويبحث أشدّ البحث .قوله : «وأقلهم تبرُّماً بمراجعة الخصم»، أي تضجُّراً، وهذه الخصلة من محاسن ما شرطه علیه السلام، فإنّ القلق والضجر والتبرُّم قبيح، وأقبح ما يكون من القاضي.قوله: «وأصر مهم»، أي أقطعهم وأمضاهم. وازدهاه كذا، أي استخفّه والإطراء: المدح. والإغراء التحريض.ثم أمره أن يتطلّع على أحكامه وأقضيته، وأن يفرض له عطاء واسعاً يملأ عينه، ويتعفّف به عن المرافق والرَّشوات، وأن يكون قريب المكان منه كثير الاختصاص به ليمنع قربه من سعاية الرجال به وتقبيحهم ذكره عنده .ثم قال: «إنّ هذا الدّين قد كان أسيراً»، هذه إشارة إلى قضاة عثمان وحكامه، وأنّهم لم يكونوا يقضون بالحقّ عنده، بل بالهوى لطلب الدنيا .وأما أصحابنا فيقولون: رحم الله عثمان فإنه كان ضعيفاً، واستولى عليه أهله، قطعوا الأمور دونه ، فإنمهم عليهم وعثمان بريء منهم .### بعض ما ورد في القضاة ونوادرهمقد جاء في الحديث المرفوع: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (1. وجاء في الحديث المرفوع أيضاً : «من ابتُلِيَ بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومجلسه ومقعده» (2).)


1) أخرجه ابن ماجه في الأحكام، باب: لا يحكم الحاكم وهو غضبان (2316)، وأحمد في : «مسنده» (19876) واللفظ لهما، ونحوه البخاري في الأحكام، باب هل يقضي القاضي أورلفتي وهو غضبان (7158) ، مسلم في الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان (1717) والترمذي في الأحكام، باب ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان (1334).

2) أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى»» (135/10) ، وابن راهويه في «مسنده» (32)، والطبراني في (الكبير) (23/(386) ، وابن حجر في «التلخيص الحبير» (73/4) .

دخل ابن شهاب على الوليد - أو سليمان - فقال له: يابنَ شهاب، ما حديث يرويه أهل الشام؟ قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال : إنهم يروون أن الله تعالى إذا استرعى عبداً رعيّة كتب له الحسنات، ولم يكتب عليه السيئات، فقال: كذبوا يا أمير المؤمنين، أيّما أقرب إلى الله؛ نبيّ أم خليفة! قال: بل نبيُّ ؛ قال : فإنه تعالى يقول لنبيه داود:«يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ »(1. فقال سليمان: إن الناس لَيُغْرُوننا عن ديننا .)وقال بكر بن عبد الله العَدَوِيّ لابن أرطاة - وأراد أن يستقضيَه - : والله ما أحسِن القضاء، فإن كنتُ صادقاً لم يحلَّ لك أن تستقضِيَ مَنْ لا يحسن، وإن كنت كاذباً فقد فسقت والله لا يحلّ أن تستقضِيَ الفاسق .وقال الزُّهريّ : ثلاث إذا كنّ في القاضي فليس بقاض أنْ يَكْرَة اللائمة، ويحبّ المحمدة، ويخاف العَزل .وقال محارب بن زياد للأعمش : وليتُ القضاءَ فبكى أهلي، فلمّا عُزلت بكى أهْلِي، فما أدري متمّ ذلك؟ قال : لأنك وليتَ القضاء وأنت تكرمه وتجزعُ منه، فبكى أهلك لجزعك، وعزلت عنه فكرهت العزل وجزعت فبكى أهلك لجزعك . قال : صدقت.أتِيَ ابنُ شُبرمة بقوم يشهدون على قَراحِ نخل، فشهدوا - وكانوا عدولاً – فامتحنهم فقال : کم في القَراح من نخلة؟ قالوا: لا نعلم، فرد شهادتهم، فقال له أحدهم : أنت أيّها القاضي تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنةً، فأَعْلِمُنا كم فيه من أسطوانة؟ فسكت وأجازهم.خرج شريك وهو على قضاء الكوفة يتلقّى الخيزران، وقد أقبلت تريد الحجّ، وقد كان استقضي وهو كاره فأتى شاهي، فأقام بها ثلاثاً ، فلم ،توافٍ فخت زاده وما كان معه، فجعل يبله ويأكله بالملح، فقال العلاء بن المنهال الغَنَويّ:فإنَ كان الذي قد قلتَ حقَّا*** بأن قد أكرَهوكَ على القضاءِفمالكَ مُوضِعاً في كلّ يوم*** تلقَّى مَنْ يَحُجّ من النّساءِمُقيماً في قُرى شاهي ثلاثاً*** بلا زادٍ سوى كسر وماء!وتقدّمتْ كَلْتَم بنت سریع مولى عمرو بن حريث - وكانت جميلة - وأخوها الوليد بن سريع إلى عبد الملك بن عُمير ؛ وهو قاض بالكوفة ، فقَضَى لها على أخيها ، فقال هُذَيل الأشجعي :أتاه ولیدٌ بالشهودِ يسوقُهم*** على ما ادَّعى من صامتِ المالِ والخَوَل (2)


1) سورة ص ، الآية: 26 .

2) الخَوَل: ما أعطاك الله من النَّعَم والعبيد والإماء، وغيرهم من الحاشية القاموس المحيط، مادة (خول).

وجاءت إليه كَلثمٌ وكَلامُها شفاءٌ من الدّاء المخامِر (1والخَبَلْ)فأدلى وليدٌ عند ذاكَ بحقّه وكان وليدُ ذَا مِراء وذا جَدَلفدلّهت القبطي حتى قضى لها*** بغیر قضاء الله في مُحكَم الطولفلو كان مَنْ في القصر يَعلَم علمَه*** لما استعمل القِبطيَّ فينا على عمَلله حين يقضي للنّساء تخاوُصٌ*** وكان وما فيه النّخاوُصُ والحَوَلإذا ذاتُ دَل كلمته لحاجةٍ*** فهمّ بأن يَقضِي تَنحْنَحَ أو سَعَلْوبرقّ عينيه نيه وَلاك لسانَهُ يرى كلّ شيء ما خلا وَصْلِها جَلَلوكان عبدُ الملك بن عمير يقول : لعن الله الأشجعيّ ، والله لرّبما جاءتني السّعلة والتّخنحة وأنا في المتوضّأ فأردّهما لما شاعَ من شعره.كتب عمر بنُ الخطّاب إلى معاوية: أمّا بعد، فقد كتبتُ إليك في القضاء بكتاب لم الُكَ ونفسِي فيه خيراً ؛ الزَم خمسَ خِصال يسلم لك دينُك، وتأخذ بأفضل حظّك : إذا تقدّم إليك الخصمان فعليك بالبيّئة العادلة أو اليمين القاطعة، وأذن الضّعيف حتّى يشتدّ قلبه وينبسطَ لسانُه، وتعمّد الغريبَ فإنّك إن لم تتعهده تَركَ حقّه ورجع إلى أهله ؛ وإنّما ضَيّع حقه من لم يُرفَق ،به وآس بين الخصوم في لحظك ولَفظك، وعليك بالصّلح بين الناس ما لم يَسْتَبن لك فصل القضاء.وكتب عمر إلى شُريح: لا تسارِر ولا تُضارِرُ ولا تَبع ولا تَبتَع في مجلس القضاء، ولا تَقض وأنتَ غضبانُ، ولا شديدُ الجوع، ولا مشغولُ القلب.شهد رجل عند سوّار القاضي، فقال : ما صناعتُك ؟ فقال : مؤدَّب ؛ قال : أنا لا أجيز شهادتَك ؛ قال : ولم؟ قال: لأنّك تأخذ على تعليم القرآن أجراً ، قال : وأنت أيضاً تأخذ على القضاء بين المسلمين أجراً، قال: إنّهم أكرَهوني ؛ قال : نعم أكر هوك على القضاء، فهل أكرهوك على أخذ الأجر! قال: هلمّ شهادتَك .ودخل أبو دُلامَة ليشهدَ عند أبي ليلَى، فقال حين جلس بين يديه :إذا الناسُ غطّوني تغطّيتُ عنهمُ وإن بحثوا عنّي ففيهم مَباحِثُوإن حَفَروا بشري حفرْتُ بثارَهم*** ليعلم ما تُخفيِه تلك النّباتبُفقال : بل نغطيك يا أبا دلامة ولا نبحثك ؛ وصَرَفَه راضياً، وأعطى المشهود عليه من عنده قيمةَ ذلك الشيء .


1) المخامرة : الإقامة ولزوم المكان القاموس المحيط مادة (خمر).

كان عامرُ بنُ الطَّرِب العدوانيّ حاكمَ العرب وقاضيَها، فنزل به قوم يستفتوته في الخنثى وميراثه ؛ فلم يدرِ يَقضِي فيه، وكان له جارية اسمُها خصيلة، ربّما لامها في الإبطاء عن الرَّعي وفي الشيء يجدُه عليها، فقال لها يا خُصَيلة، لقد اسرَعَ هؤلاء القومُ في غنمي، وأطالوا المكث ؛ قالت : وما يَكبرُ عليك من ذلك؟ اتبعه مَبالَه وخلاك ذمّ، فقال لها : «مَسِّي خُصَيلُبعدها أو رُوحي».وقال أعرابيّ لقوم يتنازعون : هل لكم في الحق أو ما هو خير من الحق؟ قيل : وما الّذي هو خيرٌ من الحق ؟ قال : التحاطّ والهَضم ؛ فإن أخذ الحقّ كلّه مرّ .وعزل عمرُ بنُ عبد العزيز بعضَ قُضاتِه ، فقال : لم عزلتَني ؟ فقال : بلغني أنّ كلامك أكثرُ من كلام الخصمين إذا تَحاكَمًا إليك.ودخل إياسُ بنُ معاويةَ الشام وهو غلام، فقدّم خَصْماً إلى باب القاضي في أيّام عبد الملك، فقال القاضي : أما تَستَحيي ! تُخاصم وأنت غلامٌ شيخاً كبيراً ؟ فقال : الحقّ أكبرُ منه ، فقال : اسكتْ وَيُحَك! قال: فمن ينطق بحجّتي إذاً ! قال: ما أظنّك تقول اليوم حقَّا حتى تقوم؛ فقال : لا إله إلا الله . فقام القاضي ودخل على عبد الملك وأخبره، فقال: اقض حاجته وأخرجه من الشام كي لا يُفسِد علينا الناس.واختصم أعرابيّ وحَضَرِيّ إلى قاضٍ، فقال الأعرابيّ : أيّها القاضي، إنه وإن هَمْلَج (1إلى الباطل، فإنه عن الحق لَعطوف.)وردّ رجلٌ جاريةٌ على رَجل اشتراها منه بالحُمْق، فترافعا إلى إياس بن معاوية، فقال لها إياس : أيّ رِجليِك أطوَل؟ فقالت هذه، فقال: أتذكرين ليلَة ولدتك أمّك؟ قالت : نعم، فقال إياس : ردّ ردّ!وجاء في الخبر المرفوع من رواية عبد الله بن عمر :«لا قدّستْ أُمَّةٌ لا يُقضى فيها بالحقّ» (2؛ ومن الحديث المرفوع من رواية أبي هريرة : «ليس أحدٌ يَحكُم بين الناس إلا جيءَ به يومَ القيامة مغلولةٌ يداه إلى عُنقِه، فكّه العدل، وأسلَمه الجور »(3).)واستعدى رجلٌ على عليّ بن أبي طالب علیه السلام عمرَ بنَ الخطّاب رضي الله عنه وعليٌّ(1)


1) هَمْلَج : انقَادَ. لسان العرب، مادة (هملج).

2) أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (315) ، وفي «المعجم الكبير » (385/19) ، وأبو نعيم في «الحلية»(128/6).

3) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنف» (6 / 420) ، نحوه الدارمي، كتاب السنن، باب في التشديد في الإمارة (2515).

جالس فالتفت عمرُ إليه، فقال: قم يا أبا الحسن فاجلس مع خَصمك ، فقام فجلس معه وتناظرا؛ ثم انصرف الرّجل ورجع عليّ علیه السلام إلى محَلّه، فتبيِّن عمر التغيِّر في وجهه، فقال: يا أبا الحسن مالي أراك متغيّراً! أكرهت ما كان؟ قال نعم قال : وما ذاك؟ قال: كنّيتني بحضرة خَضمي، هلاّ قلتَ : قم يا عليّ فاجلس مع خَصمك! فاعتنق عمرُ عليَّا، وجعل يقبّل وجهَه، وقال بأبي أنتم! بِكم هدانا الله ، وبِكم أخرجَنَا من الظُّلمة إلى النور (1.)أبان بنُ عبد الحميد الّلاحقيّ في سوّار بن عبد الله القاضي :لا تَقدَح الظَّنَّةُ في حُكْمِهِ*** شيمتهُ عدلِّ وإنصافُيَمضِي إذا لم تلقَهُ شُبهةً** وفي اعتراض الشكَّ وقّافُكان ببغداد رجلُ يُذكر بالصّلاح والزهد يقال له رُويم، فوَلِّيَ القضاءَ، فقال الجُنيد : مَنْ أراد أن يستَودع سرَّه من لا يفشيه فعليه برُويم، فإنّه كتم حبّ الدنيا أربعين سنة إلى أن قدر عليها .الأشهب الكوفيّ :يا أهلَ بغدَاد قد قامت قیامتُكم مذصار قاضِيكُمُ نوحَ بن دَرّاجلو كان حَيَّا له الحجّاجُ ما سلِمت صحيحةً يده من رسم حَجّاجٍِوكان الحجّاج يِسم أيدي النبطّ بالمِشراط والنِّيل .لمّا وقعت فتنة ابن الزبير اهتزل شُريحٌ القضاءَ وقال : لا أقضِي في الفتنة ؛ فبقي لا يَقضِي تسعَ سنين، ثم عاد إلى القضاء وقد كبِرت سنه ، فاعترضه رجل وقد انصرف من مجلس القضاء، فقال له : أما حان لك أن تخاَف الله! اكبرتْ ،سنّك وفسَدَ ذِهنُك، وصارت الأمورُ تجوز عليك، فقال: والله لا يقولُها بعدَك لي أحدٌ. فلزم بيتهَ حتى مات.قيل لأبي قِلابة وقد هَرَب من القضاء : لو أجبتَ ؟ قال : أخاف الهَلَاك، قيل : لو اجتهدتَ لم يكن عليكَ بأسٌ ؛ قال : ويُحكم! إذا وقع السابح في البحر كم عسى أن يَسْبَح !دعا رجلٌ لسليمان الشّاذكونيّ، فقال : أرانيكَ الله يا أبا أيوبَ على قضاء إِصبَهان! قال :وَيْحك ! إنّ كان ولا بدّ فعَلى خَراجها ، فإن أخذَ أموال الأغنياء أسهلُ مِن أخِذ أموال الأيتام.ارتفعت جميلةُ بنتُ عيسى بن جراد - وكانت جميلةٌ كاسمها - مع خصم لها إلى الشَّعبيّ وهو قاضي عبد الملك - فقضَى لها، فقال هُذَيل الأشجعيّ :فتِنَ الشعبیُّ لمّا*** رَفَع الطَّرفَ إلیهافتَنته بثَنایا***ها وقَوْسَيْ حاجِبَیها


1) أخرجه الخوارز في المناقب: 98 ح 99 .

ومَشَتْ مشياً رويداً ثم هزّت منکِبَیهافقَضَى جَوْراً على الخَص م ولم یَقضِ علیهَافقبض الشّعبيّ عليه وضرَبَه ثلاثين سوطاً .قال ابنُ أبي ليلَى : ثم انصرف الشعبيّ يوماً من مجلس القضاء وقد شاعت الأبيات وتَنا شَدها الناسُ، ونحن معه فمررنا بخادم تغَسل الثياب، وتقول:فُتِن الشعبيُّ لمّاولا تحَفط تتمّة البيت، فوقف عليها ولقّنها، وقال:رفَع الطَّرْف إليهاثمّ ضحك وقال : أبعده الله! والله ما قضينا لها إلاّ بالحقّ.جاءت امرأة إلى قاضٍ فقالت : مات بَعْلي وترَك أبوين وابناً وبني عمّ، فقال القاضي : لأبَويه الشُكل، ولابنه اليُتم، ولك اللّائمة، ولبني عمّه الذلّة، واحملي المال إلينا إلى أن تَرتفِع الخصوم!لقي سُفْيان الثوريُّ شريكاً بعد ما استقُضِيَ فقال له يا أبا عبد الله، بعد الإسلام والفِقه والصلاح تَلِي القضاء ! قال: يا أبا عبد الله، فهل للنّاس بدٌّ من قاض! قال : ولا بدّ يا أبا عبد للنّاس من شُرَطِيّ.وكان الحسنُ بنُ صالح بن حيّ يقول لمّا ولي شَريك القضاء : أيَّ شَيْخ أفسَدوا !قال أبو ذَرّ رضي الله عنه : قال لي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «يا أبا ذَرّ اعقِل ما أقولُ لك»؛ جَعلَ يرددها علي ستّة أيام، ثم قال لي في اليوم السابع : «أوصيك بتقوى الله في سَريرَتك وعلانِيتَك، وإذا أسأتَ فأحسن، ولا تسألنّ أحداً شيئاً ولو سَقَط سوطك، ولا تتقلدنّ أمانةٌ، ولا تلِيَنّ وِلاية، ولا تكفلنّ يتيماً، ولا تقضين بين اثنين» (1.)أراد عثمانُ بنُ عفّانَ أن يستقضيَ عبد الله بن عمر فقال له : ألستَ قد سمعت النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم يقول: «من استعاذ بالله فقد عاذَ بمعَاذ! »(2، قال: بلى، قال : فإنّي أعوذ بالله منك أن تستقضِينَي .)وقد ذكر الفقهاءُ في آداب القاضي أموراً ، قالوا : لا يجوز أن يقبَل هدّيةً في أيّام القضاء إلاّ ممّن كانت له عادة يهدي إليه قبل أيام القضاء، ولا يجوز قبولها في أيّام القضاء ممّن له حكومة


1) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (93/3) وأحمد في «المسند» (21063).

2) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (477) ، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (2005) وابن الحجر فی «التلخيص الحبيرة» (185/4) .

وخصومة، وإن كان ممّن له غادة قديمة، وكذلك إن كانت الهدّية أنفَسَ وارفَعَ ممّا كانت قبل أيّام القضاء لا يجوز قبولُها . ويجوز أن يحضر القاضي الولائِمَ، ولا يحضر عند قوم دون قوم؛ لأنّ التخصيصَ يشعِر بالمَيْل، ويجوز أن يَعودَ المُرْضَى، ويَشهدَ الجنائز، ويأتي مقدم الغائب . ويكره له مباشرة البيع والشراء. ولا يجوز أن يَقضيَ وهو غضبان ولا جائع ولا عَطشان، ولا في حال الحُزن الشديد ولا الفرح الشديد، ولا يقضي والنّعاس يغلبه، والمرض يقلقه، ولا وهو يدافع الأخبَثَين، ولا في حَرَّ مُزعِج، ولا في بَرْدٍ مزعج. وينبغي أن يجلس للحكم في موضع بارز يصل إليه كل أحد ولا يحتجب إلا لعذر. ويُستحب أن يكون مجلسُه فسيحاً لا يتأذى بذلك هو أيضاً. ويكره الجلوس في المساجد للقضاء، فإن احتاج إلى وكلاء جاز أن يتخذهم ويوصيهم بالرفق بالخصوم. ويستحبّ أن يكون له حَبس، وأن يتخذ كاتباً إن احتاج إليه ؛ ومن شرط كاتبه أن يكون عارفاً بما يَكتُب به عن القضاء.واختُلف في جواز كونه ذِمِّيَّا ؛ والأظهر أنه لا يجوز. ولا يجوز أن يكون كاتبه فاسقاً، ولا يجوز أن يكون الشهود عنده قوماً معيّنين بل الشهادة عامّة فيمن استَكمل شروطَها .الأصل: ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَاسْتَعْمِلْهُمْ الختياراً ، وَلا تُوَلِّهِمْ مُحَابًا وَآثَرَة، فَإِنَّهُمَا جمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الجَوْرِ وَالخِيَانَةِ وَتَوَحُ مِنْهُمْ أَهْلِ التَّجْرِبَةِ وَالحَياءِ مِنْ أَهْل الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالْقَدَم فِي الْإِسْلاَمِ الْمُقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ الحلاقاً ، وَأَصَحُ أَعْرَاضاً ، وأقل في المطامع إشْرَافاً ، وَأَبْلَغُ فِي مَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً.ثُمَّ أَسْبِعْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةً لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاح أَنْفُسِهِمْ، وَغِنِّى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ، أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ . ثُمَّ تَفَقَدْ أَعْمَالَهُمْ ، وَابْعَثِ الْعُبُونَ مِنْ أَهْلِ الصَّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَعَامُدَكَ في السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى استعمَالِ الْأَمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ. وَتَحَفَّظ مِنَ الْأَهْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً ، فَبَسَطتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَار التّهَمَةِ.الشرح: لمّا فرغ علیه السلام من أمر القضاء شرع في أمر العمّال، وهم عمّال السواد والصَّدَقات والوقوف والمصالح وغيرها، فأمَرَه أن يستعملهم بعد اختبارهم وتجرِبَتهم، والاً يولّيهم محاباة لهم، ولمن يشفع فيهم، ولا أثرة ولا إنعاماً عليهم.

كان أبو الحسن بنُ الفُرات يقول : الأعمال للكُفاةِ من أصحابنا، وقَضاءُ الحقوق على خواصّ أموالنا .وكان يحيى بن خالد يقول : مَنْ تَسبّب إلينا بشفاعة في عمل، فقد حلّ عندنا محلّ مَنْ ينهض بغيره ومَنْ لم ينهض بنفسه لم يكن للعمل أهلاً .ووقّع جعفر بن يحيى في رُقعِة متحرّم به : هذا فتّى له حُرمة الأمل، فامتحنه بالعمل؛ فإن كان كافياً فالسلطان له دوننا، وإن لم يكن كافياً فنحن له دون السلطان.ثم قال علیه السلام : «فإنهما - يعني استعمالهم للمحاباة والأثَرة - جماع من شُعَب الجور والخيانة». وقد تقدّم شرح مثل هذه اللفظة، والمعنى أن ذلك يجمع ضروباً من الجور والخيانة. أما الجور فإنه يكون قد عدل عن المستحق إلى غير المستحقّ ففي ذلك جور على المستحقّ، وأمّا الخيانة فلانّ الأمانة تقتضي تقليدَ الأعمال الأكفاء؛ فمن لم يعتمد ذلك فقد خان مَنْ ولأًه.ثم أمره بتخيّر من قد جرّب؛ ومَنْ هو من أهل البيوتات والأشراف لشدّة الحرص على الشيء والخوف من فواته.ثم أمره بإسباغ الأرزاق عليهم ؛ فإنّ الجائع لا أمانَةَ له ؛ ولأنّ الحجّة تكون لازمةً لهم إن خانوا، لأنهم قد كُفُوا مؤنة أنفسهم وأهليهم بما فرض لهم من الأرزاق.ثم أمره بالتطلّع عليهم وإذكاء العيون والأرصاد على حركاتهم.وحدوة باعث يقال: حداني هذا الأمر حَدْوةً على كذا؛ وأصله سَوق الإبل، ويقال للشّمال حَدواء؛ لأنَّها تسوق السحاب.ثم أمره بمؤاخذة من ثبتت خيانته واستعادة المال منه ؛ وقد صنع عمر كثيراً من ذلك؛ وذكرناه فيما تقدّم.قال بعض الأكاسرة لعامل من عمّاله : كيف نومُك بالليل ؟ قال : أنامُه كلّه ، قال : أحسنت! لو سرقت ما نمت هذا النوم .****الأصل: وَتَفَقَدْ أَمْرَ الْخَرَاج بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وَصَلَاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ ،ولا صلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بِهِمْ؛ لأنَّ النَّاسَ كُلّهُمْ عِمَال عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ .وَليَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَة الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِعْلابِ الْخَراجِ ؛ لِأَنَّ ذلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلا بِالْعِمَارَةِ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةِ أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلا قَلِيلاً ؛ فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ مِلَّةَ أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ، أَوْ بَالَّةٍ، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضِ افْتَمَرَهَا فَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشَ خَفَّفَتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ.

وَلاَ يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفِّفْتَ بِهِ الْمَؤونَةَ عَنْهُمْ؛ فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلايَتِكَ ؛ مَعَ اسْتِجْلاَبِكَ حُسْنَ تَنَائِهِمْ، وَتَبَجُحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ؛ مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَاعِكَ لَهُمْ؛ وَالثَّقَةِ مِنْهُمْ بِمَا عَوْدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ؛ فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ مَا إِذَا حَوْلتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلُ مَا حَمَّلْتَهُ؛ وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا ، وَإِنَّمَا يُعْوِذُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْعِ ؛ وَسُوءِ ظَنْهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بالعِبَرِ.****الشرح: انتقل علیه السلام من ذكر العمّال إلى ذكر أرباب الخراج ودَعَاقين (1السواد، فقال: تفقّد امرَهم، فإنّ النّاس عيال عليهم ؛ وكان يقال : استوصُوا بأهل الخراج ؛ فإنّكم لا تزالون سماناً ما سَمِنُوا .)ورُفع إلى أنوشِروان أن عامل الأهواز قد حمل من مال الخراج ما يزيد على العادة؛ وربما يكون ذلك قد أجحف بالرّعية، فوقّع : يُرَدّ هذا المال على من قد استوفي منه ؛ فإنّ تكثيرَ المَلِك ماله بأموال رعيّته بمنزلة مَنْ يحضن سطوحه بما يقتلعه من قواعد بنيانه .وكان على خاتَم أنوشِروان : لا يكون عُمرانٌ، حيث يجور السلطان.وروي:«استحلاب الخراج» بالحاء .ثم قال : «فإن شكرًا يُقْلاً»، أي: ثقل طَسق (2الخراج المضروب عليهم، أو ثقل وطأة العامل .)قال: «أو علّة»، نحو أن يصيب الغلّة آفة كالجراد والبرق أو البرد.قال: «أو انقطاع شرب»، بأن يَنقُص الماء في النهر ، أو تتعلق أرض الشّرب عنه لفقد الحَفر.قال: «أو بالَة»، يعني المطر.


1) الدهاقين: جمع مفرده دهقان وهو : القوي على التصرف مع جِدَّة، والتاجر، وزعيم فلاحي العجم، ورئيس الإقليم. القاموس المحيط مادة (دهقن).

2) الطّسق: ما يوضع من الوظيفة على الجرُبان من الخراج المقرر على الأرض، أو شبه ضريبة معلومة لسان العرب والقاموس المحيط مادة (طسق).

قال : «أو إحالة أرض اغتمرها غرق »، يعني أو كون الأرض قد حالت ولم يحصل منها ارتفاع؛ لأنَّ الغرق غمرها وأفسد زَرعها .قال: «أو أجحف بها عطش »أي أتلفها .فإن قلت : فهذا هو انقطاع الشّرب؟قلت: لا، قد يكون الشِّرب غير منقطع، ومع ذلك يُجحِف بها العطش، بأن لا يكفيها الماء الموجود في الشِّرب.ثم أمره أن يخفّف عنهم مَتَى لحقهم شيء من ذلك؛ فإنّ التخفيف يُضلح أمورهم، وهو وإن كان يُدْخِل على المال نقصاً في العاجل إلاّ أنه يقتضي توفير زيادة في الأجل؛ فهو بمنزلة التجارة التي لا بدّ فيها من إخراج رأس المال وانتظار عوده وعود ربحه .قال : «ومع ذلك فإنه يفضي إلى تزيين بلادك بعمارتها، وإلى أنّكَ تَبجح بين الولاة بإفاضة العدل في رعيّتك معتمداً فَضْلَ قوّتهم»؛ و«معتمداً»، منصوب على الحال من الضّمير في «خفّفت »الأولى، أي خَفَّفت عنهم معتمداً بالتخفيف فضل قوّتهم.والإجمام الترفيه.ثم قال علیه السلام : وربما احتجتَ فيما بعد إلى تكلّفهم بحادث يحدُث عندك المساعدة بمالٍ يقسطونه عليهم قرضاً أو معونة محضة ؛ فإذا كانت لهم ثروة نهضوا بمثل ذلك ، طيّبة قلوبُهم به .ثم قال علیه السلام : فإن العمران محتمل ما حمّلته .سمعت أبا محمد بن خُليد - وكان صاحب ديوان الخراج في أيام الناصر لدين الله - يقول لمن قال له : قد قيل عنك : إنّ واسط والبَصْرة قد خربت لشدّة العُنف بأهلها في تحصيل الأموال ! فقال أبو محمد ما دام هذا الشّطّ بحاله ،والنَّخْل نابتاً في منابته بحاله ما تخرب واسط والبصرة أبداً.ثم قال : «إنما تُؤْتَى الأرض»، أي إنما تُذْهَى من إعواز أهلها، أي من فقرهم.قال : والموجب لإعوازهم طمعُ ولاتهم في الجباية وجمع الأموال لأنفسهم ولسلطانهم وسوء ظنّهم بالبقاء يحتمل أن يريد به أنهم يظنّون طول البقاء وينسون الموتَ والزوال.ويحتمل أن يريد به أنهم يتخيلون العزّل والصرف، فينتهزون الفرص، ويقتطعون الأموال،ولا ينظرون في عمارة البلاد.### بعض ما جاء في عهد سابور بن أردشير إلى ابنهوقد وجدت في عهد سابور بن أردشير إلى ابنه كلاماً يشابه كلام أمير المؤمنين علیه السلام في هذا العهد ؛ وهو قوله :

واعلم أنّ قوام أمرك بدُرور الخراج (1، ودُرور الخراج بعمارة البلاد، وبلوغ الغاية في ذلك استصلاح أهله بالعدل عليهم، والمعونة لهم ؛ فإنّ بعض الأمور لبعض سبب، وعوامّ الناس لخواصّهم عدّة، وبكلّ صنف منهم إلى الآخر حاجة، فاختر لذلك أفضلَ مَنْ تقدر عليه من كُتّابك، وليكونوا من أهل البَصَر والعفاف والكفاية، واسترسل إلى كلّ امرىء منهم شخصاً يضطلع به ويمكنه تعجيلُ الفراغ منه ؛ فإن إطّلعت على أن أحداً منهم خان أو تعدّى فنكِّل به، وبالغ في عقوبته ؛ واحذر أن تستعمل على الأرض الكثير خراجها إلا البعيد الصوت، العظيم شرف المنزلة. ولا توليّن أحداً من قواد جندك الذين هم عُدّة للحرب، وجُنَّة من الأعداء، شيئاً من ؛ أمر الخراج فلعلك تُهجم من بعضهم على خيانة في المال، أو تضييع للعمل ؛ فإن سوّغتَه المال، وأغضيت له على التّضييع، كان ذلك هلاكاً وإضراراً بك وبرعيّتك، وداعيةً إلى فساد غيره ؛ وإن أنت كافأته فقد استفسدته، وأضفت صدره، وهذا أمر توقيّه حزم والإقدام عليه خُرْق(2)، والتقصير فيه عَجْز.)واعلم أن من أهل الخراج مَنْ يلجيء بعض أرضه وضياعه إلى خاصَّة الملك وبطانته ؛ لأحد أمرين؛ أنت حريّ بكَراهتهما : إمّا لامتناع من جَوْر العمال وظلم الولاة؛ وتلك منزلة يظهر بها سوء أثر العمال وضعف الملك وإخلاله بما تحت يده، وإما للدفع عمّا يلزمهم من الحق والتيّسر له ، وهذه خَلَّة تَفسُد بها آداب الرعيّة، وتُنتقص بها أموال الملك، فاحذر ذلك، وعاقب الملتجئين والملجأ إليهم.ركب زياد يوماً بالسُّوس يطوف بالضياع والزروع، فرأى عمارة حسنة، فتعجّب منها ، فخاف أهلها أن يزيد في خراجهم، فلما نزل دعا وجوه البلد وقال: بارك الله عليكم، فقد أحسنتم ،العمارة، وقد وضعت عنكم مائة ألف درهم. ثم قال: ما توفّر عليّ من تهالك غيرهم على العمارة وأمنهم جَوْري أضعاف ما وضعت عن هؤلاء الآن؛ والذي وضعته بقدر ما يحصل من ذاك، وثواب عموم العمارة وأمن الرعيّة أفضل رِبح.الأصل: ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ ، فَوَل عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَالحَصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَابِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِح الأخلاقِ مِمَّنْ لا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَة،


1) دَرَّ الخراج: كَثُرَ إتاؤُهُ . القاموس المحيط، مادة (درر).

2) الخُرْق : ضد الرفق وأن لا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور، والحمق القاموس المحيط مادة (خرق) .

فَيَجْتَرِى بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَا. وَلَا تُقَصِّرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِبْرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارٍ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ، وَفِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلا يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلا يَعْجِرُ عَنْ إطلاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ، وَلا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرٍ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ خَيْرِهِ أَجْهَلَ .ثُمَّ لاَ يَكُن اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ واسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّلَنَّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يتعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنْعِهِمْ وَحُسْنِ حَدِيثِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْأَمَانَةِ شَيْءٌ، وَلَكِنِ الخَتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدُ لِأَحْسَيْهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً ، وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهَا ، فَإِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ الله، وَلِمَنْ وُلّيتَ أَمْرَهُ.وَاجْعَلْ لِرَأسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ لا يَظْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلَا يَتَشَبِّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا ؛ وَمَهُمَا كَانَ فِي كُتتَابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أَلْزِمْتَهُ.****الشرح لما فرغ من أمر الخراج، شَرع في أمر الكتاب الذين يلون أمر الحضرة، ويترسّلون عنه إلى عمَّاله وأمرائه، وإليهم مَعاقد التدبير وأمرُ الديوان، فأمَرَه أن يتخيّر الصالح منهم، ومَنْ يوثق على الاطلاع على الأسرار والمكائد والحيل والتدبيرات، ومن لا يُبطِره الإكرام والتقريب، فيطمعَ فيجترى على مخالفته في ملأ من الناس والردّ عليه، ففي ذلك من الوَهَن للأمير وسوء الأدب الذي انكشف الكاتب عنه ما لا خفاءَ به.قال الرشيد للكِسائيّ : يا عليّ بن حمزة، قد أحللَناك المحلّ الذي لم تكن تبلغه همّتك، فروّنا من الأشعار أعفَّها، ومن الأحاديث أجمعها لمحاسن الأخلاق، وذاكرنا بآداب الفُرس والهند، ولا تُسرع علينا الردّ في ملأ ، ولا تترك تثقيفنا في خلاء.وفي آداب ابن المقفّع : لا تكوننّ صحبتك للسلطان إلاّ بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك وموافقتهم فيما خالفك، وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك فإن كنتَ حافظاً إذا ولوك، حذراً إذا قرّبوك، أميناً إذا انتمنوك ، تعلمهم وكأنّك تتعلّم منهم، وتأدّبهم وكأنك تتأذب بهم ، وتَشكُر لهم ولا تكلّفهم الشكر ؛ ذليلاً إن صَرَموك (1، راضياً إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كل البعد، والحذَر منهم كلّ الحذر. وإن وجدتَ عن السلطان وصحبته غنىً فاستغن عنه، فإنه من يخدُم السلطانَ حقّ خدمته يخلّي بينه وبين لذة الدنيا وعمل)


1) الصَّرْم: الهجران في موضعه لسان العرب مادة (صرم).

الأخرى، ومَنْ يخدمه غير حق الخدمة فقد احتمل وزر الآخرة، وعرّض نفسه للهلكة والفضيحة في الدنيا . فإذا صحبتَ السلطان فعليك بطول الملازمة من غير إملال، وإذا نزلتَ منه بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام المَلَق، ولا تُكثِر له من الدعاء، ولا تردّنّ عليه كلاماً في حفل وإن أخطأ، فإذا خلوتَ به فبصّره في رفق، ولا يكوننّ طلبك ما عنده بالمسألة ولا تستبطئه وإن أبطأ، ولا تخبرنَّهُ أن لك عليه حقَّا، وأنّك تعتمد عليه ببلاء، وإن استطعت الآّ تنسى حقّك وبلاءك بتجديد النصح والاجتهاد فافعل ولا تعطينه المجهود كلَّه من نفسك في أوّل صحبتك له، وأعدّ موضعاً للمزيد. وإذا سأل غيرَك عن شيء فلا تكن المجيبَ .واعلم أنَّ استلابك الكلامَ خفّة فيك واستخفافٌ منك بالسائل والمسؤول، فما أنت قائل إن قال لك السائل : ما إيَّاك سألتُ ؛ أو قال المسؤول : أجب بمجالسته ومحادثته أيّها المعجب ،بنفسه والمستخفّ بسلطانه .وقال عبدُ الملك بنُ صالح لمؤدّب ولده بعد أن اختصّه بمجالسته ومحادثته : يا عبدَ الله، كُن على التماس الحظ فيك بالسّكوت أحرصَ منك على التماسه بالكلام، فإنّهم قالوا : إذا أعجبك الكلامُ فاصمُت، وإذا أعجبك الصّمتُ فتكلّم. واعلم أن أصعب الملوك معاملة الجبّارُ الفَطِن المتفقَد، فإنّ ابتليت بصحبته فاحترس وإن عُوفيت فاشكر الله على السّلامة، فإنّ السلامة أصل كل نعمة. لا تساعدني على ما يقبُح بي، ولا تردّنّ عليّ خطأ في مجلس، ولا تكلّفني جوابَ التشميت والتهنئة ، ودع عنك : كيف أصبح الأمير، وكيف أمسَى! وكلّمني بقدر ما أستنطِقك، واجعل بدَل التقريظ لي صواب الاستماع منّي . واعلم أنّ صواب الاستماع أحسنُ من صواب القول، فإذا سمعتني أتحدّث فلا يفوتنك منه شيء، وأرني فهمك إيَّاه في طرفك ووجهك، فما ظنّك بالمَلِك وقد أحلّك محلّ المعجب بما يسمعك إياه، وأحللتَه محلّ من لا يسمع منه ! وكلِّ من هذا يُحيط إحسانك، ويُسقط حق حُرمتك، ولا تستدع الزيادة من كلامي بما تُظهر من استحسان ما يكون منّي ، فمن أسوأ حالاً ممن يستكد الملوك بالباطل، وذلك يدل على تهاونه بقدر ما أوجب الله تعالى من حقهم. واعلم أني جعلتك مؤدباً، بعد أن كنت معلماً، وجعلتك جليساً مقرباً بعد أن كنت مع الصبيان مباعداً، فمتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه ، لم تعرف رُجحان ما دخلت فيه ، وقد قالوا : من لم يعرف سوء ما أولى، لم يُعرف حُسن ما أَبْلَى .****ثم قال علیه السلام : وليكن كاتبِك غيرَ مقصّر عن عرض مكتوبات عمّالك عليك، والإجابة عنها حسن الوَكالة والنيابة عنك فيما يحتجّ به لك عليهم من مكتوباتهم، وما يُصدِره عنك إليهم من الأجوبة، فإن عَقَد لك عقداً قواه وأحكمه، وإن عقد عليك عقداً اجتهد في نقضه وحله. قال: وأن يكون عارفاً بنفسه، فمن لم يعرف قدر نفسه لم يعرف قدر غيره

ثمَّ نهاه أن يكون مستَنَد اختيارِه لهؤلاء فِراستُه فيهم، وغلبةُ ظنّه بأحوالهم، فإن التَّدليس ينمّ في ذلك كثيراً، وما زال الكتاب يتصَّنعون للأمراء بحُسن الظاهر، وليس وراء ذلك كثير طائل في النصيحة والمعرفة ولكن ينبغي أن يرجع في ذلك إلى ما حكمت به التجربةُ لهم، وما ولوه من قبل، فإن كانت ولايتُهم وكتابتُهم حسنةٌ مشكورةً فهم ،هم وإلا فلا، ويتعرّفون لفراسات الوُلاة، يجعلون أنفسهم بحيث يعرف بضُروب من التصنّع، وروي: «يتعرضون» .ثم أمَرَه أن يقسم فنونَ الكتابة وضروبها بينهم نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الأطراف والأعداء، والآخر لأجوبة عمّال السواد والآخر بحضرة الأمير في خاصته وداره، وحاشيته وثقاته .ثم ذكر له أنّه مأخوذ مع الله تعالى بما يتغابَى عنه، ويتغافل من عيوب كتابه، فإن الدين لا بیبح الإغضاء والغفلة عن الأعوان والخَوَل، ويوجب التطلّع عليهم.### في آداب الكتابواعلم أنّ الكاتب الذي يشير أمير المؤمنين علیه السلام إليه هو الذي يسمى الآن في الاصطلاح العُرْفيّ وزيراً، لأنه صاحب تدبير حضرة الأمير، والنائب عنه في أموره، وإليه تصل مكتوباتُ العمّال وعنه تصدر الأجوبة، وإليه العَرْض على الأمير، وهو المستدرك على العمّال والمهيمن عليهم، وهو على الحقيقة كاتُب الكتاب، ولهذا يسمّونه : الكاتب المطلَق .وكان يقال : للكاتب على الملك ثلاث: رفعُ الحجاب عنه، واتهام الوُشاة عليه، وإفشاء السرّ إليه .وكان يقال : صاحبُ السلطان نصفُه، وكاتبه كُلُّه. وينبغي لصاحب الشرطة أن يطيل الجلوس ويديمَ العُبوس، ويستخفّ بالشفاعات.وكان يقال: إذا كان الملك ضعيفاً، والوزيرُ شَرِها، والقاضي جائراً، فرّقوا المُلك شَعاعاً .وكان يقال : لا تخَف صولةَ الأمير مع رضا الكاتب ولا تثقنّ برضا الأمير مع سُخط الكاتب، وأخذ هذا المعنى أبو الفضل بنُ العميد فقال :وزعمتَ أنّك لست تُفكر بعدما*** علقت يداك بذمة الأمراءهيهات قد كذبَتْك فكرتك الّتي*** قد أوهمتك غنّى عن الوزراءلم تُغْنِ عن أحدٍ سماءٌ لم تجد أرضاً ولا أرض بغير سماءوكان يقال: إذا لم يُشْرِف المَلِك على أموره، صار أغشّ الناس إليه وزيرُه .

### بعض ما ورد من نصائح للوزراءوكان يقال : ليس الحرب الغشومُ(1بأسرعَ في اجتِياح المُلْك من تضييع مراتب الكتّاب حتى يصيبها أهل النّذالة، ويزهدَ فيها أولُو الفَضْل .)وكان يقال : لا شيء أذهبُ بالدّول من استكفاء المَلِك الأسرار.وكان يقال : مِن سعادة جِدّ المرء ألاّ يكون في الزّمان المختلط وزيراً للسلطان.وكان يقال : كما أن أشجع الرجال يحتاج إلى السلاح، وأسبَقَ الخيل يحتاج إلى السّوط، وأحدَّ الشِّفار يحتاج إلى المِسَنّ، كذلك أحزم الملوك وأعقَلُهم يحتاج إلى الوزير الصالح.وكان يقال : صِلاحُ الدنيا بصلاح الملوك، وصلاح الملوك بصلاح الوزراء، وكما لا يَصلُح الملك إلاّ بمن يستحقّ الملك ، كذلك لا تَصلُح الوزارة إلا بمن يستحقّ الوزارة.وكان يقال : الوزير الصالح لا يرى أنّ صلاحه في نفسه كائن صلاحاً حتى يتّصل بصلاح الملك وصلاح رعيّته، وأن تكون عنايته فيما عطف الملك على رعيّته، وفيما استعطف قلوب الرعيّة والعامة على الطاعة للملك، وفيما فيه قوام أمر الملك من التدبير الحسن، حتى يجمع إلى أخذ الحق تقديم عموم الأمن. وإذا طرقت الحوادث، كان للملك عُدّةً وعتاداً، وللرعيّةكافياً محتاطاً، ومن ورائها محامياً ذابا ، يعنيه من صلاحها ما لا يعنيه من صلاح نفسه دونَها .وكان يقال : مَثَل الملك الصالح إذا كان وزيره فاسداً مَثلُ الماء العذب الصافي وفيه التمساح، لا يستطيع الإنسان - وإن كان سابحاً، وإلى الماء ظامئاً - دخوله، حذراً على نفسه .قال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القُرَظيّ حين استُخلِف : لو كنتَ كاتبي وردها لي على ما دفعت إليه! قال: لا أفعل، ولكني سأرشدك ؛ أسرع الاستماع، وأبطىء في التصديق حتى يأتيك واضحُ البرهان ولا تعملن ثبجتك فيما تكتفي فيه بلسانك، ولا سوطك فيما تكتفي فيه بتبجتك، ولا سيفك فيما تكتفي فيه بسوطك.وكان يقال : النقاط الكاتب للرّشا وضبطُ الملك لا يجتمعان .وقال أبرويز لكاتبه : اكتُم السرّ، واصدُق الحديث، واجتهد في النصيحة، وعليك بالحَذَر؛ فإنّ لك علي الا أعجل عليك حتى أستأني لك، ولا أقبل فيك قولاً حتى استيقن، ولا أطمِعُ فيك أحداً فتغتال ؛ واعلم أنّك بمنجاة رفعة فلا تحطّنّها، وفي ظل مملكة فلا تستَزِيلنّه . قارب الناس مجاملة من نفسك، وباعدهم مسامحةً عن عدوّك، واقصد إلى الجميل ازدراعاً (2لغَدِك ،)


1) الغَشْمُ : الظلم والغصب والحرب غشوم لأنها تنال غير الجاني. لسان العرب مادة (غشم).

2) المُزْدَرِعُ : الذي يزدرع زرعاً يتخصص به لنفسه والمُزدَرَع: الشيء المزروع. القاموس المحيط ولسان العرب مادة (زرع).

وتنزّه بالعفاف صَوْناً لمروءُتك، وتحسن عندي بما قدرت عليه. احذر لا تُسرِعَن الألسنةَ عليك، ولا تقبَّحنّ الأحدوثة عنك، وصُن نفسك صونَ الدُّرّة الصافية، وأخلصها إخلاصَ الفِضّة البيضاء، وعاتبها معاتبة الحَذِر المُشفِق، وحصِّنها تحصينَ المدينة المنبعة. لا تدعنّ أن ترفع إليّ الصغيرَ فإنَّه يدل على الكبير، ولا تكتمنّ عنّي الكبير فإنه ليس بشاغل عن الصغير.هذِّب أمورَك ثم القني بها ، وأحكم أمرَك ثم راجعني فيه، ولا تجترئنّ عليّ فأمتعض، ولا تنقبضنّ منّي فأتّهم ولا تُمرضنّ ما تلقاني به ولا تخدجنّه ؛ وإذا أفكرتَ فلا تعجل، وإذا كتبتَ فلا تُغذِر ولا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية، ولا تقصرنّ عن التحقيق فإنها هجنة بالمقالة، ولا تلبس كلاماً ،بكلام ولا تبعدن معنى عن معنى. وأكرم لي كتابك عن ثلاث : خضوع يستخفّه، وانتشار بهجّنه ومعان تعقّد به. واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول وليكن بسطة كلامك على كلام السُّوقة كبسطة الملك الذي تحدثه على الملوك. لا يكن ما نلته عظيماً، ولا تتكلم به صغيراً ، فإنما كلام الكاتب على مقدار الملك، فاجعله عالياً كعلّوه، وفائقاً كتفوقه، فإنما جماع الكلام كله خصال أربع : سؤالك الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرُك بالشيء، وخَبرُك عن الشيء؛ فهذه الخصال دعائم المقالات، إن التُمِس إليها خامس لم يوجَد ، وإن نَقَص منها واحد لم يتمّ ؛ فإذا أمرت فأحكم، وإذا سألت فأوضح، وإذا طلبتَ فأسمح ، وإذا أخبرت فحقّق، فإنك إذا فعلت ذلك أخذت بجراثيم القول كله، فلم يشتبه عليك واردة، ولم تُعجزك صادرة. أثبت في دواوينك ما أخذت، وأخص فيها ما أخرجت، وتيقّظ لما تُعطي، وتجرد لما تأخذ، ولا يغلبنّك النِّسيان عن الإحصاء، ولا الأناةُ عن التقدّم ، ولا تخرجنّ وزن قيراط في غير حقّ ؛ ولا تعظّمنّ إخراج الألوف الكثيرة في الحق ؛ وليكن ذلك كله عن مؤامرتي .****الأصل: ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتَّجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً، الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ ، وَالْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ؛ فَإِنَّهُمْ مَوَادُ الْمَنَافِعِ ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ، وَجُلابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالْمَطَارِح؛ فِي بَركَ وَيَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لا يَلْتَيمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا ، وَلَا يَجْتَرِلُونَ عَلَيْهَا ؛ فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لاَ تُخَافُ بِائِقَتُهُ، وَصُلْحُ لا تُخْشَى فَائِلَتُهُ .وَتَفَقَدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ، وَفِي حَوَاشِي بِلادِكَ. وَاعْلَمْ - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضيفاً فَاحِشَاً ، وَشُما قبيحاً ، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ ، وَتَحَكُما فِي الْبِيَاهَاتِ، وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّة لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلاةِ، فَامْنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ مِنْهُ . وَلْيَكُنَ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ، وَأَسْمَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتاع ؛ فَمَنْ قَارَكَ حُكْرَةٌ بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكُلْ بِهِ، وَعَاقِبَهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ .

الشرح: خرج علیه السلام إلى ذكر التّجار وذوي الصناعات ؛ وأمَرَه بأن يعمل معهم الخير، وأن يُوصِيَ غيره من أمرائه وعماله أن يعملوا معهم الخير. واستوص بمعنى «أوص» نحو قَرَّ في المكان واستقرّ، وعلا قِرنَه واستعلاه.وقوله : «استوص بالتجّار خيراً»، أي أوص نفسك بذلك، ومنه قول النبي صلی الله علیه وآله وسلم :«استوصوا بالنساء خيراً »(1ومفعولا «استوص وأوص» ها هنا محذوفان للعلم بهما، ويجوز أن يكون «استوصِ» أي اقبل الوصية مني بهم ، وأوص بهم أنتَ غيرك)ثم قسّم علیه السلام الموصّى بهم ثلاثة أقسام اثنان منها للتجّار، وهما المقيم والمضطرب يعني المسافر. والضّرب : السير في الأرض ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبِّكُمْ فِي الْأَرْضِ الأَرْضِ (2)، وواحد لأرباب الصناعات وهو قوله : والمترفّق ببدنه ، ورُوِي «بيديه»، تثنية يد والمَطارح: الأماكن البعيدة.)وحيث لا يلتئم الناس : لا يجتمعون، ورُوِي «حيث لا يلتئم»»؛ بحذف الواو.ثم قال: «فإنّهم أولو سِلم»، يعني التجار والصناع استعطفه عليهم، واستماله إليهم.وقال : ليسوا كعمال الخراج وأمراء الأجناد، فجانبهم ينبغي أن يراعي، وحالُهم يجب أن يُحاط ويُحمّى، إذ لا يتخوّف منهم بائقة لا في مال يخونون فيه، ولا في دَولة يُفسدونها . وحواشي البلاد أطرافها.ثم قال له : قد يكون في كثير منهم نوع من الشخ والبُخْل فيدعوهم ذلك إلى الاحتكار في الأقوات، والحيف في البياعات والاحتكار ابتياع الغلاّت في أيام رخصها، وادّخارها في المخازن إلى أيام الغلاء والقَحْط والحَيْف تطفيفٌ في الوزن والكيل، وزيادةٌ في السعر، وهو الذي عبّر عنه بالتحكّم، وقد نهى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عن الاحتكار (3؛ وأما التطفيف وزيادة التسعير فمنهي عنهما في نص الكتاب (4).


1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (3331)، ومسلم في الرضاع باب : الوصية بالنساء (1468) ، والترمذي في الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها (1163) . وابن ماجه في النكاح باب حق المرأة على الزوج (1851).

2) سورة النساء، الآية : 101 .

3) الحديث أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات باب الحكرة والجلب (2153)، والدارمي في كتاب البيوع، باب النهي من الاحتكار (2544) بلفظ :« الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ».

4) قال تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا الْقَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ الله وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَزَنُوهُمْ يُخسِرُونَ ال)[المطففين: 1-3].

وقارَفَ حُكْرة: واقعها والحاء مضمومة، وأمره أن يؤدب فاعل ذلك من غير إسراف، وذلك أنّه دون المعاصي التي توجب الحدود فغاية أمره من التعزير الإهانة والمنع .الأصل: ثُمَّ الله الله فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ؛ مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمُحْنَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُوسَى وَالزَّمْنَى ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَائِعاً وَمُعْتَراً .وَاحْفَظ الله مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسْماً مِنْ هَلَاتِ صَوَافِي الْإِسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ، فَإِنَّ لِلْأَقصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلْأدْنَى : وَكُلٌّ قَدِ اسْتَرْعِيتَحَقَّهُ.وَلَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ، فَإِنَّكَ لا تُعْذَرُ بِتَضييع التَّافِهِ لِإِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمْ؛ فَلاَ تُشْخص هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلا تُصَعُرْ خَدَّكَ لَهُمْ. وَتَفَقَدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ، مِمَّنْ تَفْتَحِمُهُ الْعُيُونُ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ : فَفَرِّعُ لِأُولئِكَ يُقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُعِ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ .ثُمَّ اعْمَلْ بِالْأَعْدَارِ إِلَى الله سُبْحَانَهُ يَوْمَ تَلْقَاهُ؟ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَخْرَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِم؛ وَكُلُّ فَأَعْذِرُ إِلَى الله فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ.وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُثْمِ، وَذَوِي الرّقَةِ فِي السِّنِّ، مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ، وَلَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ ، وذلِكَ عَلَى الْوُلةِ ثَقِيل ، وَالْحَقُّ كُلُهُ ثَقِيلٌ ، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ الله عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقٍ مَوْعُودِ الله لَهُمْ .الشرح: انتقل من التجّار وأرباب الصّناعات إلى ذكر فقراء الرعية ومغموريها، فقال: وأهل البؤسَى، وهي البؤس كالنُّعمى للنعيم، والزَّمنى أولو الزَّمانة.والقانع : السائل ؛ والمعتر الذي يعرض لك ولا يسألك، وهما من ألفاظ الكتاب العزيز . وأمره أن يعطيهم من بيت مال المسلمين لأنّهم من الأصناف المذكورين في قول تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَيْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لله خمسه وللرسول ولذى القرني واليتمى والمسكين وابن القُرْبَى السبيل (1)، وأن يُعطيهم من غلات صوافي الإسلام - وهي الأرضون التي لم يُوجَف عليها)


1) سورة الأنفال، الآية : 41 .

بخيل ولا ركاب - وكانت صافية لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فلمّا قُبض صارت لفقراء المسلمين، ولما يراه الإمام من مصالح الإسلام .ثم قال له : «فإنّ للأقصى منهم مثل الّذي للأدنى»، أي كلّ فقراء المسلمين سواء في سهامهم، ليس فيها أقصى وأدنى، أي لا تُؤثر مَنْ هو قريب إليك أو إلى أحد من خاصّتك على مَنْ هو بعيد ليس له سببٌ إليك ولا علقة بينه وبينك. ويمكن أن يريد به: لا تصرف غلات ما كان من الصّوافي في بعض البلاد إلى مساكين ذلك البلد خاصة؛ فإن حق البعيد عن ذلك البلد فيها كمثل حق المقيم في ذلك البلد.والتافه : الحقير. وأشخصتُ زيداً من موضع كذا ؛ أخرجتُه عنه. وفلان يصعِّر خدَّه للناس، أي يتكبّر عليهم.وتقتَحمه :العيون: تزدَريه وتحتقِرُه والإعذار إلى الله : الاجتهاد والمبالغة في تأدية حقّه والقيام بفرائضه .كان بعض الأكاسرة يجلس للمظالم بنفسه ولا يثق إلى غيره ويقعد بحيث يَسمع الصوت، فإذا سمعه أدخلَ المتظلّم، فأصيب بصَمَم في سَمْعه فنادى مناديه ، إنَّ الملك يقول : أيها الرعيَّة، إنّي إن أُصبتُ بصَمَم في سمعي فلم أصب في بصري؛ كلّ ذي ظلامة فليلبس ثوباً أحمر، ثم جلس لهم في مستشرَف له .وكان لأمير المؤمنين علیه السلام بيتٌ سمّاه بيت القِصَص، يُلقِي الناسُ فيه رقاعَهُم، وكذلك كان فعل المهديّ محمد بن هارون المواثق من خلفاء بني العبّاس .****الأصل: وَاجْعَلْ لِذَوِي الحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامَّا ؛ فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ الله الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَهْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ؛ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُنغيع ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ : لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُؤْخَذُ ِللضَّعِيفِ فِيهَا حَقَّهُ مِنَ الْقَوِيِّ؛ غَيْرَ مُتَنيع (1.)ثُمَّ احْتَمِلُ الخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِي، وَنَحْ عَنْهُمُ الضَّيقَ وَالْأَنْفَ ، يَبْسُطِ الله عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَات رَحْمَتِهِ، وَيُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ. وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً ، وَامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَإِعْذَارٍ .ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَيْهَا مِنهَا إِجَابَةُ عُمالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُنَّابُكَ،


1) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد) (197/4) وقال : رواه الطبراني في المعجم الكبير) (20) (313) و«الأوسط» (5850).

وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ عِنْدَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَخْرُجُ بِهِ صُدُورُ أَهْوَانِكَ. وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ .الشرح :هذا الفصل من تتمّة ما قبله وقد رُوي «حتى يكلمك مكلِّمهم»، فاعل من «كلّم» والرواية الأولى أحسن .وغير متتعتع غير مزعج ولا مقلق. والمتتعتع في الخبر النبويَّ : المتردِّد المضطرب في کلامه عيا من خوف لحقه، وهو راجع إلى المعنى الأوّل.والحرق : الجهل. ورُوِي: «ثمَّ احتمل الخُرق منهم والغيَّ». والغيّ وهو الجهل أيضاً، والرواية الأولى أحسن .ثم بيّن علیه السلام أنه لا بدبَ له من هذا المجلس لأمر آخر غير ما قدَّمه علیه السلام ، وذلك لأنّه لا بدَّ من أن يكون في حاجات الناس ما يضيق به صدور أعوانه، والنُّوّاب عنه، فيتعيَّن عليه أن يباشرها بنفسه ؛ ولا بد من أن يكون في كتب عماله الواردة عليه ما يعيا كتابه عن جوابه، فيجيب عنه بعلمه. ويدخل في ذلك أن يكون فيها ما لا يجوز في حُكْم السياسة ومصلحة الولاية أن يطلع الكتاب عليه، فيجيب أيضاً عن ذلك بعلمه .ثم قال له : لا تُدخِلْ عمل يومٍ في عمل يومٍ آخر فيُتعبك ويُكَدِّرك ؛ فإنّ لكلّ يومٍ ما فيه من العمل.الأصل: وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الله تَعَالَى أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتَ، وَأَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا اللَّه ؛ إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النَّيةُ، وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ.وَلْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ اللهِ دِينَكَ إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّة، فَأَعْطِ الله مِنَ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ ، وَوَفٌ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللهُ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَعْلُوم وَلاَ مَنْقُوصٍ، بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ . وَإِذَا قُمْتَ فِي صَلاتِكَ لِلنَّاسِ فَلاَ تَكُونَنَّ مُنَفّراً وَلاَ مُضَيَّعاً ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ، وَلَهُ الْحَاجَةُ، وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ حِينَ وَجْهَني إلَى الْيَمَنِ: كَيْف أَصَلِّي بِهِمْ؟ فَقَالَ : صَلِّ بِهِمْ كَصَلاَةِ أَضْعَفِهِمْ ، وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً» (1.)


1) أخرجه الطبراني في (الكبير) (8377) ، ومسند أبي عوانة (1556) ، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 134) ، كلهم من حديث عثمان بن أبي العاص بلفظ: «صل بهم لصلاة أضعفهم».

الشرح: لمّا فرغ علیه السلام من وصيّته بأمور رعيته، شَرَع في وصيته بأداء الفرائض التي افترضها الله عليه من عبادته، ولقد أحسن علیه السلام في قوله : «وإن كانت كلها الله» ، أي أن النظر في أمور الرعيّة مع صحّة النيّة وسلامة الناس من الظلم من جملة العبادات والفرائض أيضاً .ثم قال له : «كاملاً غير مثلوم»، أي لا يحملتّك شُغل السلطان على أن تختصر الصلاة اختصاراً ،بل صلاها بفرائضها وسننها وشعائرها في نهارك وليلك ؛ وإن أتعبك ذلك ونال من بدَنَك وقوتك .ثمّ أمَرَه إذا صلَّى بالناس جماعة الأ يطيل فينفرهم عنها، وألا يخدج الصّلاة وينقصها فيضيعها .ثم رَوَى خبراً عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، وهو قوله علیه السلام له : «صلّ بهم كصلاة أضعفهم »(1، وقوله : «وكن بالمؤمنين رحيماً» (2)يحتمل أن يكون من تتمّة الخبر النبويّ، ويحتمل أن يكون من كلام أمير المؤمنين علیه السلام ، والظاهر أنه من كلام أمير المؤمنين من الوصيّة للأشتر؛ لأن اللفظة الأولى عند أرباب الحديث هي المشهور في الخبر.)****الأصل: وَأَمَّا بَعْدَ هَذَا ؛ فَلاَ تُطَوّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شعبةٌ مِنَ الطينِ، وَقِلَهُ عِلْمِ بِالْأُمُورِ. وَالاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دونَهُ ، فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِل ؛ وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لاَ يَعْرِك مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ؛ وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَدْلِ فِي الْحَقِّ، فَقِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٌّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيها أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ ، فَمَا أَسَرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ، إِذَا أَيسُوا مِنْ بَلْلِكَ، مَعَ أَنْ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مَا لَا مَرُونَةٌ فِيهِ عَلَيْكَ مِنْ شَكَاة مَظْلِمَةٍ، أَوْ طَلَب إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلةٍ .الشرح :نهاء عن الاحتجاب؛ فإنّه مَظنّة انطواء الأمور عنه، وإذا رُفِع الحجاب دخل عليه كلُّ أحد فعَرَف الأخبار ، ولم يَخْف عليه شيء من أحوال عَمله .


1) أخرجه العلامة المجلسي البحار : 609/33 ، وأخرجه ابن شعبة الحراني في تحف العقول : 144 .

2) أخرجه العلامة المجلسي البحار : 60933 ، وابن شعبة الحراني في تحف العقول: 144 .

ثم قال : لم تحتجب ، فإنّ أكثر الناس يحتجبون كيلا يُطلَب منهم الرِّفد !وأنت فإن كنتَ جواداً سَمْحاً لم يكن لك إلى الحجاب داعٍ، وإن كنتَ مُمسِكاً فسيعلم الناسُ ذلك منك، فلا يسألك أحدٌ شيئاًثم قال : عَلَى أنْ أكثر ما يسأل منك ما لا مؤونة عليه في ماله ؛ كرةّ ظُلاَمة أو إنصاف من خصم.### بعض ما ورد في الحجاب نثراً وشعراًوالقول في الحجاب كثير :حضر بابَ عمر جماعةٌ من الأشراف: منهم سُهَيل بن عمرو وعُيينة بن حِصن والأقرع بن حابس، فحجبوا ، ثم خرج الآذن فنادى: أين عمار؟ أين سلمان؟ أين صُهَيب؟ فأدخلهم فتمقرت وجوه القوم، فقال سهيل بن عمرو : لم تتمعّر وجوهكما دعوا ودُعِينا فأسرَعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمرَ اليوم لأنتم غداً لهم أحسد .واستأذن أبو سُفيانَ على عثمان فحجَبه، فقيل له : حَجَبك فقال : لا عدمتُ من أهلي مَنْ إذا شاء حجبني .وَحَجَب معاوية أبا الدرداء؟ فقيل لأبي الدرداء : حَجَبَك معاوية ! فقال : مَنْ يَغْش أبواب الملوك يُهَنْ ويُكْرَم ، ومَن صادف باباً مُغلَقاً عليه وجد إلى جانبه باباً مفتوحاً، إن سأل أعطي وإن دعا أجيب، وإن يكن معاوية قد احتجب فربُّ معاويةَ لم يحتجب.وقال أبرويز لحاجبه : لا تَضَعنّ شريفاً بصعوبة حجاب، ولا ترفَعنّ وضيعاً بسهولته ؛ ضع الرجالَ مواضعَ أخطارهم، فمن كان قديماً شرفه ثم ازدرعه ولم يهدمه بعد آبائه فقدمه على شرفه الأوّل، وحسِّن رأيه الآخر، ومَنْ كان له شرف متقدّم ولم يَصُن ذلك حياطة له، ولم يزدرعه تثمير المُغارَسة فألحق بآبائه من رفعة حاله ما يقتضيه سابق شرفهم، وألحق به في خاصّته ما الحق بنفسه، ولا تأذن له إلاّ دبريَّا وإلا سراراً ؛ ولا تلحقه بطبقة الأولين. وإذا ورد كتابُ عامل من عمّالي فلا تحبسه عنّي طرفة عين إلا أن أكون على حالٍ لا تستطيع الوصول إلي فيها ، وإذا أتاك مَنْ يدعي النصيحة لنا فلتكتبها سرًّا ثمّ أدخله بعد أن تستأذن له، حتى إذا كان مني بحيث أراه فادفع إلي كتابه، فإن أحمدت قبلت، وإن كرهت رفضت وإن أتاك عالم مشتهر بالعلم والفضل يستأذن، فأذن له، فإنّ العلم شريف وشريف صاحبه، ولا تحجبن عني أحداً من أفناء الناس إذا أخذتُ مجلسي مجلس العامة، فإنّ الملك لا يُحْجَب إلا عن ثلاث : عي يكره أن يُطلع عليه منه، أو بخل يكره أن يدخل عليه من يسأل أو ريبة هو مصرّ عليها فيشفق من ال إبدائها، ووقوف الناس عليها، ولا بد أن يحيطوا بها عِلْماً، وإن اجتهد في سترها . وقد أخذ هذا المعنى الأخير محمود الوراق فقال :

إذا اعتصمَ الوالي بإغلاق بابه*** وردّ ذوي الحاجات دونَ حجابهِظننت به إحدى ثلاثٍ وربَّما*** َجَمْتُ بظن واقع بصوابهأقول به مَس من العِيّ ظاهرٌ*** ففي إذنه للناس إظهارُ ما بهفإن لم يكن عي اللسان فغالب*** من البُخْل يحمي ماله ماله عن طلابهوإن لم يكن لا ذا ولا ذا فرِيبَةٌ*** يُكتمها مستورةٌ بثيابهِأقام عبد العزيز بن زُرارة الكلابيّ على باب معاوية سنةٌ في شملة (1من صوف لا يأذن له ؛ ثمّ أذن له وقرّبه وأدناه ولَطُف محلّه عنده حتّى ولاه مصر، فكان يقال : استأذن أقوام لعبد العزيز بن زرارة، ثمّ صار يستأذن لهم، وقال في ذلك :)دخلتُ على معاوية بن حرب*** ولكن بعد يأس من دخولوما نلتُ الدخولَ عليه حتّى*** حللت مَحَلة الرجل الذّليلوأغضيتُ الجفون على قَذاها ولم أنظر إلى قال وقيلوأدركتُ الّذي أمّلت منه وحرمانُ المُنَى زادُ العَجولويقال : إنه قال له لمّا دخل عليه أميرُ المؤمنين : دخلت إليك بالأمل، واحتملت جفوَتك بالصبر، ورأيتُ ببابك أقواماً قدمهم الحظّ، وآخرين أخّرهم ،الحرمان، فليس ينبغي للمقدم أن يأمن عواقب الأيام، ولا للمؤخّر أن يَبْسَ من عطف الزّمان.وأوّل المعرفة الاختبار، فابلُ واختبر إن رأيت. وكان يقال : لم يلزم باب السلطان أحدٌ قصبر على ذلّ الحجاب وكلام البوّاب وألقى الأنف، وحمل الظَّيم، وأدام الملازمة، إلاّ وصل إلى حاجته أو إلى معظمها .قال عبد الملك لحاجبه : إنك عينٌ أنظرُ بها ، وجُنّة (2أستلئم بها، وقد وليتك ما وراء بابي فماذا تراك صانعاً برعيّتي ؟ قال : أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك ، وأضَعُهم في إبطائهم عن بابك ولزوم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتبهم حيث وضعهم ترتيبك، وأحسن إبلاغهم عنك وإبلاغك عنهم . قال : لقد وفّيت بما عليك، ولكن إن صدقت ذلك بفعلك . وقال دِعْيل وقد حُجب عن باب مالك بن طَوق :)لَعَمرِي لئن حجبثني العبيدُ لما حجبت دونَكَ القافيةسأرمي بها من وراء الحجابِ شنعاء تأتيكَ بالدَّاهِيَة


1) الشَّمْلَة : كساء دون القطيفة يشتمل به لسان العرب مادة (شمل).

2) الجُنَّةُ : بالضم ما واراك من السلاح واستترت به منه والجنة: السترة. لسان العرب مادة (جنن).

تُصِمّ السميع، وتُعْمي البصيرَ*** ويُسأل من مثلها العافيةوقال آخر :سأتركُ هذا الباب ما دام إذنُه*** على ما أرى حتى يلينَ قليلافما خاب من لم يأته مترفِّعاً*** ولا فاز من قد رام فیه دُخولاإذا لم نجد للإذن عندك موضعاً*** وَجَدْنا إلى ترك المجيء سبيلاوكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف الكاتب وقد حجبه :وإن عدتُ بعد اليوم إنّي لظالمٌ*** سأصرف وجهي حيث تُبغى المكارِمُمتى يُفلح الغادي إليك لحاجة ونصفك محجوب، ونصفك نائمُ !يعني ليله ونهاره .استاذن رجلان على معاوية، فأذن لأحدهما - وكان أشرف منزلة من الآخر - ثم أذن للآخر ، فدخل، فجلس فوق الأوّل، فقال معاوية : إن الله قد الزمنا تأديبكم كما الزمنا رعايتكم، وإنّا لم نأذن له قبلك، ونحن نريد أن يكون مجلسه دونك ، فقم لا أقام الله لك وزناً. وقال بشار :تأبى خلائقُ خالدٍ وَفَعَالُه إلاّ تجنب كل أمر عالبِوإذا أتينا الباب وقت غَدَائه أدنى الغَدَاءَ لنا برغم الحاجبوقال آخر يهجو:يا أميراً على جريب(1من الأر ضِ له تسعةٌ من الحجاب)قاعد في الخراب يحجبُ عَنّا** ماسَمعنا بحاجب في خرابوكتب بعضهم إلى جعفر بن محمد بن القاسم بن عُبيد الله بن سليمان بن وهب :أبا جعفر إن الولاية إنَّ تكن ***منبلة قوصاً فأنت لها نَبْلُفلا ترتفع عنا لأمر وَليتَه كمالم يصغِّر عندنا شأنك العَزْلُومن جيد ما مدح به بشر بن مروان قول القائل :بعيد مراد الطرف ما ردّ طَرْفه حذار الغواشي (2باب دارٍ ولا سِتْرُ)


1) الجريب المزرعة، والوادي، والحصى الذي فيه تراب القاموس المحيط ولسان العرب، مادة (جرب).

2) الغاشية: السُّؤالُ يأتونك، والزوار، والأصدقاء ينتابونك القاموس المحيط مادة (غشي).

ولو شاء بثرٌ كان من دون بابه*** طماطمٌ (1سُودٌ أو صقالبة (2)حُمرُ)ولكن بشراً يَستر الباب للَّتي*** يكون لها في غِبّها الحمدُ والأجروقال بشَّار :خليليَّ من كعب أعينَا أخاكما*** على دهره إنَّ الكريم يعينُولا تَبخَلا بخل ابن قزعة إنَّه **مخافة أن يرجَى نَداه حَزينُإذا جئته للعُرف أغلق بابَه فلم تلقَه إلا وأنت كمينُفقل لأبي يحيى متى تُدرك العلا وفي كل معروف عليك يمينُ!وقال إبراهيم بن هَرمة :هَشٌّ إذا نَزَل الوفودُ ببابه سهلُ الحجاب مؤدّب الخدّاموإذا رأيت صديقَه وشقيقَه لم تدر أيّهما ذوي الأرحاموقال آخر :وإنّي لأستحيي الكريم إذا أتى على طمع عند اللئيم يُطالبةوأرثي له من مجلس عند بابه كمرثيتي للطرف والعِلجُ راكبةوقال عبد الله بن محمد بن عُيينة :أتيتُك زائراً لقضاء حقّ فحال الستر دونك والحجابُورأيي مذهب عن کلِّ ناء يجانبه إذا عز الذهابُولست بساقط في قدر قوم ***وإن كرهوا كما يقع الذّبابُوقال آخر :ما ضاقت الأرضُ على راغب ***تطلب الرزقَ ولا راهببل ضاقت الأرض على شاعر ***أصبح يشكو جفوةَ الحاجبد شتم الحاجب في شعره ***وإنما يقصد للصّاحب


1) الطماطم : هم الأعاجم الذين لا يفصحون لسان العرب مادة (طمم).

2) الصَّقَالبة : جيل حمر الألوان صهب الشعور تتاخم بلادهم بلاد الخزر وبعض جبال الروم. لسان العرب مادة (صقلب).

الأصل: ثُمَّ إِنَّ لِلوَالِي خَاصَّةً وَبِطَانَةٌ فِيهِمْ اسْتَنَارٌ وَتَطَاوُلٌ ، وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ ، فَاحْسِمْ مَؤونة أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابٍ تِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَلا تَقْطَعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَحَامَّتِكَ قَطِيعَةٌ، وَلَا يَطْمَعَنْ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ بَلِيهَا مِنَ النَّاسِ فِي شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَك ، يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَيَكُونَ مَهْنَا ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.وَأَلْزِمِ الْحَقِّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَوَاصْكَ حَيْثُ وَقَعَ ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَنْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ؛ فَإِنَّ مَغَيَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ.وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً ، فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذرِكَ ، وَاهْدِل عَنْكَ ظُنُّونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ؛ فَإِنَّفي ذَلِكَ إِعْدَاراً تَبْلُعُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقويمهِمْ عَلَى الْحَقِّ .****الشرح: نهاه علیه السلام عن أن يَحمل أقاربه وحاشيته وخواصَّه على رقاب الناس، وأن يمكنهم من الاستثار عليهم والتطاول والإذلال ونهاه من أن يقطع أحداً منهم قطيعةٌ، أو يملكه ضيعة تضر بمن يجاورها من السادة والدهاقين في شرب يتغلبون على الماء منه، أو ضياع يُضيفونها إلى ما ملكهم إياه، وإعفاء لهم من مونة، أو حفر وغيره، فيعفيهم الولاة منه مراقبةً لهم، فيكون مؤنة ذلك الواجب عليهم قد أسقطت عنهم، وحمل ثقلها على غيرهم.ثم قال علیه السلام : لأنّ منفعة ذلك في الدنيا تكون لهم دونَك، والوِِزْر في الآخرة عليك، والعيب والذمّ في الدنيا أيضاً لاحقان بك.ثم قال له : إن اتّهمتك الرعيّة بحيف عليهم، أو ظنّتْ بك جَوْراً، فاذكر لهم عذرك في ذلك، وما عندك ظاهراً غير مستور، فإنه الأولى والأقرب إلى استقامتهم لك على الحق.وأصحرتُ بكذا ، أي كشفته؛ مأخوذ من الإصحار، وهو الخروج إلى الصّحراء.وحامّة الرجل : أقاربُه وبطانته. واعتقدت عقدة، أي ادّخرت ذخيرة. والمهنا مصدر هناه كذا ومغبة الشيء : عاقبتُه .واعدل عنك ظنونهم : نحها . والأعذار : إقامة العُذر.### في ما روي حول نزاهة الخليفة عمر بن عبد العزيزردّ عمرُ بنُ عبد العزيز المظالم التي احتقبها (1بنو مروان فأبغضوه وذمّوه ؛ وقيل : إنّهم سمُّوه فمات.)


1) احتقبه : ادَّخره، والحقبة من الدهر مدة لا وقت لها القاموس المحيط مادة (حقب).

وروى الزبير بن بكار في «الموفقّيات» أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه یوماً وهو في قائلته، فأيقَظَه وقال له : ما يؤمنك أن تؤتَى في منامك وقد رُفِعت إليك مظالم لم تقض الله فيها! فقال : يا بنيّ إن نفسي مطيّتي إن لم أرفق بها لم تبلغني، إنّي لو أتعبتُ نفسي وأعواني لم يكن ذلك إلا قليلاً حتى أسقط ويسقطوا، وإنّي لأحتسب في نومتي من الأجر مثل الذي أحتسب في يقظتي، إن الله جل ثناؤه لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله، ولكنّه أنزل الآية والآيتين حتى استكثر الإيمان في قلوبهم.ثم قال : يا بنيّ ممّا أنا فيه أمرٌ هو أهم إلى أهل بيتك هم أهل العدّة والعَدشد، وقبلهم ما قبلهم، فلو جمعتُ ذلك في يوم واحد خشيت انتشارهم عليّ، ولكنّي أنصف من الرجل والاثنين، فيبلغ ذلك من وراءهما ، فيكون أنجع له، فإنّ يُرد الله إتمام هذا الأمر أتمّه، وإن تكن الأخرى فحسب عبد أن يعلم الله منه أنّه يحبّ أن ينصف جميع رعيّته.وروى جُويرية بن أسماء، عن إسماعيل بن أبي حكيم قال كنّا عند عمر بن عبد العزيز فلما تفرّقنا نادى مناديه : الصّلاة جامعة فجئتُ المسجدَ، فإذا عمرُ على المنبر، فَحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن هؤلاء - يعني خلفاء بني أميّة قبله - قد كانوا أعطونا عَطَايَا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها منهم وما كان ينبغي لهم أن يُعطوناها، وإنّي قد رأيتُ الآن أنه ليس عليّ في ذلك دونَ الله حسيب، وقد بدأتُ بنفسي والأقربين من أهل بيتي، اقرأ يا مزاحمُ . فجعل مُزاحمٌ يقرأ كتاباً فيه الإقطاعات بالضياع والنواحي، ثم يأخذه عمُر بيده فيقصّه بالجلَم، لم يزل كذلك حتى نوديَ بالظهر.وروى الفراتُ بنُ السائب ؛ قال : كان عند فاطمةَ بنت عبد الملك بن مَروان جوهر جليل، وهَبَها أبوها ، ولم يكن لأحد مثله، وكانت تحت عمر بن عبد العزيز، فلمّا ولي الخلافةَ قال لها اختاري؛ إما أن تردّي جوهرك وحليّك إلى بيت مال المسلمين، وإمّا أن تأذني لي في فراقك، فإنّي أكره أن اجتمع أنا وأنتِ وهو في بيت واحد. فقالت: بل أختارك عليه وعلى أضعافه لو كان لي ؛ وأمرت به فحيل إلى بيت المال فلمّا هلك عمر واستُخلِف يزيد بن عبد الملك قال لفاطمة أخته : إن شئتِ رددته عليك ؛ قالت: فإني لا أشاء ذلك، طبتُ عنه نفساً في حياة عمر، وأرجع فيه بعد موتها لا والله أبداً. فلما رأى يزيدُ ذلك قَسَمه بين ولدِه وأهلِه.وروى سهيل بن يحيى المَرْوَزِيّ عن أبيه، عن عبد العزيز عن عمرَ بن عبد العزيز، قال: لمّا دفن سليمانُ صَعِد عمرُ على المنبر فقال : إنّي قد خلعتُ ما في رقبتي من بيعتكم. فصاح الناسُ صيحةً واحدة: قد اخترناك، فنزل ودخل وأمَر بالستّور فهنكت والثياب الّتي كانت تُبسَط للخلفاء فحُمِلَت إلى بيت المال، ثم خرج ونادى مناديه : مَنْ كانت له مظلمةٌ من بعيد أو قريب من أمير المؤمنين فليحَضُر ؛ فقام رجل ذِمّي من أهلِ حِمْصَ أبيض الرأس واللِّحية، فقال:

اسألك كتابَ الله قال : ما شأنك؟ قال : العبّاسُ بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني ضيعتي - والعبّاس جالس - فقال عمر : ما تقول يا عبّاس ؟ قال : أقطَعنيها أميرُ المؤمنين الوليد، وكتب لي بها سجلاً .فقال عمر: ما تقول أنت أيها الأمي؟ قال : يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله ! فقال عمر : إيهاً لعمري إن كتاب الله لأحقُّ أن يُتَّبع من كتاب الوليد، اردُد عليه يا عَبّاس ضَيْعتَه ؛ فجعل لا يَدَع شيئاً مما كان في أيدي أهل بيته من المظالم إلاّ ردّها مَظلِمة مَظلِمة .وروی میمونُ بن مهرانَ، قال: بعث إلي عمر بن عبد العزيز وإلى مكحول وأبي قلابة فقال : ما ترَون في هذه الأموال التي أخذها أهلي من الناس ظُلماً؟ فقال مكحول قولاً ضعيفاً كَرِهه ،عمر فقال : أرى أن تستأنف وتدع ما مضى فنظر إلي عمر كالمستغيث بي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أحضر ولدك عبد الملك لننظر ما يقول فحضر فقال: ما تقول يا عبد الملك؟ فقال : ماذا أقول؟ ألستَ تَعرف مواضعها ! قال: بلى والله قال فاردُدُها ، فإن لم تفعل كنتَ شريكاً لمن أخذها .ورَوَى ابن درستوَنه عن يعقوب بن سفيان، عن جويرية بن أسماء، قال: كان بيد عمرَ بن عبد العزيز قبل الخلافة ضيعته المعروفة بالسهلة وكانت باليمامة وكانت أمراً عظيماً لها غلّة عظيمة كثيرة، إنّما عيشه وعيش أهله منها ، فلمّا ولي الخلافة قال لمزاحم مولاه - وكان فاضلاً - : إني قد عزمت أن أرد السهلة إلى بيت مال المسلمين فقال مزاحم أتدري كم ولدك ؟ إنهم كذا وكذا ، قال : فذرفت عيناه، فجعل يستدمع ويمسح الدمعة بأصبعه الوسطي، ويقول: أكِلُّهم إلى الله ، أكلهم إلى الله ! فمضى مزاحم فدخل على عبد الملك بن عمر، فقال له : ألا تعلم ما قد عزم عليه أبوك ! إنه يريد أن يرد السهلة قال: فما قلت له؟ قال : ذكرتُ له ولده فجعل يستدمع ويقول : أكلهم إلى الله. فقال عبد الملك : بئس وزير الدين أنتَ ا ثم وثب وانطلق إلى أبيه فقال للآذن : استأذن لي عليه فقال : إنّه قد وضع رأسه الساعة للقائلة، فقال: استأذن لي عليه ؛ فقال: أما ترحمونه! ليس له من اللّيل والنهار إلاّ هذه الساعة. قال: استأذن لي عليه لا أمَّ لك ! فَسَمِع عمرُ كلامَهما ، فقال : ائذن لعبد الملك، فدخل فقال : على ماذا عزمتَ؟ قال: أردّ السَّهْلَة قال : فلا تؤخّر ذلك قم الآن. قال: فجعل عمرُ يرفع يديه ويقول : الحمد لله الذي جعل لي من ذريتي مَنْ يعينني على أمر ديني. قال: نعم يا بنيّ أصلّي الظهر، ثمّ أصعد المنبر فأردّها علانية على رؤوس الناس ، قال : ومَنْ لك أن تعيش إلى الظهرا ثم مَنْ لك أن تسلّم نيّتك إلى الظهر إن عشت إليها ! فقام عمر فصعد المنبر ، فخطب الناس ورد السّهلة .****قال : وكتب عمرُ بنُ الوليد بن عبد الملك إلى عمرَ بن عبد العزيز لما أخذ بني مروان بردّ المظالم كتاباً أغلظ له فيه من جملته: إنّكَ أَزْرَيْت على كلّ مَنْ كان قبلك من الخلفاء وعبتهم،

وسرتَ بغير سيرتهم بُغضاً لهم وشَنآناً(1لمن بعدَهم من أولادهم، وقطعتَ ما أمر الله به أن يُوصَل، وعَمَدْتَ إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها بيت المال جَوْراً وعُدواناً، فاتّق الله يابن عبد العزيز وراقبه ، فإنّك خصصت أهل بيتك بالظلم والجور. ووالّذي خَصَّ محمداً صلی الله علیه وآله وسلم خصّه به لقد ازددت من الله بُعداً بولايتك هذه التي زعمت أنها عليك بلاء. فأقصِر عن بعض ما صنعتَ ،واعلم أنّك بعين جبّار عزيز وفي قبضته، ولن يتركك على ما أنت عليه .)قالوا : فكتب عمرُ جوابَه: أمّا بعد، فقد قرأتُ كتابك، وسوف أجيبُك بنحو منه، أمّا أوّل أمرك يابنَ الوليد فإنّ أمّك نُباتة أُمَة السَّكون، كانت تطوف في أسواق حمص، وتدخُل حوانيتها، ثم الله أعلم بها ؛ اشتراها ذُبيان بن ذبيان من فَيْء المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك فبئس الحاملُ وبئس المحمول | ثم نشأت فكنتَ جباراً عنيداً، وتزعم أنّي الظالمين لأني حرمتك وأهل بيتك في الله الذي هو حق القرابة والمساكين والأرامل وإنّ أظلم مني وأترك لعهد الله من استعملك صبيَّا سفيهاً على جند المسلمين تَحكُم فيهم برأيك، ولم يكن ذاك نيّة إلا حبّ الوالد ولده فويل لك وويل لأبيك ما أكثر خصماء كما يوم القيامة !وإن أظلَم منّي وأترك لعهد الله من استعمل الحجاج بن يوسف على خُمْسَيِ العرب، يسفك الدم الحرام، ويأخذ المال الحرام. وإن أظلم منّي وأترك لعهد الله من استعمل قُرّة بن شَرِيك ، أعرابيّاً جافياً على مصر، وأذن له في المعازف والخمر والشرب واللهو. وإن أظَلم منّي واترك من استعمل عثمان بن حيان على الحجاز، فينشد الأشعار على منبر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ومَنْ جعل للعالية البربرية سهماً في الخمس ؛ فرويداً يابن نباتة، ولو التقت حَلْقَتا البطان وردّ الفيء إلى أهله لتفرّغتُ لك ولأهل بيتك فوضعتكم على المحجّة البيضاء، فطالما تركتم الحق، وأخذتم في بُنَيَّاتِ (2الطريق ومن وراء هذا من الفضل ما أرجو أن أعمله ؛ بيع رقبتك ، وقسم ثمنك بين الأرامل واليتامى والمساكين، فإنّ لكلّ فيك حقا، والسلام علينا، ولا ينال سَلامُ الله الظالمين.)****ورَوَى الأوزاعيّ قال : لما قطع عمرُ بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان مَن قَبْله يُجرونه عليهم من أرزاق الخاصة، فتكلّم في ذلك عَنبسة بن سعيد فقال يا أمير المؤمنين، إنّ لنا قرابةٌ ، فقال : مالي إن يتسع لكم، وأما هذا المال فحقكم فيه كحق رجل بأقصى بَرْك الغِماد (3،)


1) الشنان البغض. القاموس المحيط مادة (شنا) .

2) بُنيَّات الطريق: التُرِّهات. القاموس المحيط مادة (بني).

3) بَرْك الغماد : مثلثة الفين موضع أو هو أقصى معمور الأرض القاموس المحيط مادة (غمد).

ولا يمنعه من أخذه إلا بعدُ مكانه. والله إني لأرى أن الأمور لو استحالت حتى يُصبح أهلُ الأرض يرون مثل رأيكم لنزلت بهم بائقة من عذاب الله .ورَوَى الأوزاعيّ أيضاً، قال: قال عمر بنُ عبد العزيز يوماً وقد بلغه عن بني أميّة كلامٌ أغضبه : إن الله في بني أميّة يوماً - أو قال : ذبحاً - وايمُ الله لئن كان ذلك الذبح - أو قال ذلك اليوم - على يدي لأعِذرنَّ الله فيهم . قال : فلما بلغهم ذلك كفّوا وكانوا يَعلَمون صَرامتَه، وأنه إذا وقع في أمر مَضَى فيه .ورَوَى إسماعيل بن أبي حكيم ، قال : قال عمرُ بن عبد العزيز يوماً لحاجبه : لا تُدخِلنّ عليّ اليوم إلا مَرْوانيَّا . فلمّا اجتمعوا قال: يا بَني مَروان، إنَّكم قد أعطيتم حظَّا وشَرَفاً وأموالاً، إنّي لأحسب شطر أموال هذه الأمة أو ثلثيها في أيديكم، فسَكَتوا، فقال : ألا تُجيبوني ؟ فقال رجل منهم : فما بالك؟ قال: إني أريد أن أنتَزِعها منكم، فأردَّها إلى بيت مال المسلمين. فقال رجل منهم: والله لا يكون ذلك حتى يحال بين رؤوسنا وأجسادنا، والله لا تُكفّر أسلافنا ، ولا نُفقِر أولادنا . فقال عمر : والله لولا أن تستعينوا عليّ بمن أطلب هذا الحق له لأضرعتُ خُدودكم! قوموا عنّي.وروَى مالك بن أنس قال : ذكر عمر بن عبد العزيز مَنْ كان قبله من المروانيّة فعابهم، وعنده هشامُ بنُ عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين إنّا والله نكره أن تعيب آباءنا، وتضع شرَفَنا ؛ فقال عمر وأي عيب أعيبُ ممّا عابَه القرآن !ورَوَى نَوْفل بنُ الفرات قال شكا بنو مَرْوانَ إلى عاتكة بنت مروان بن الحَكَم عمرَ، فقالوا : إنَّه يعيب أسلافَنا ، ويأخذ أموالَنا . فذكرت ذلك له - وكانت عظيمة عند بني مَرْوان - فقال لها : يا عمّة، إن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قُبِض وترك الناس على نهر ،مؤرود فولي ذلك النهرَ مَوْرود بعده رجلان لم يستخصًا أنفسهما وأهلهما منه بشيء، ثم وليه ثالثٌ فكرى منه ساقية، ثم لم تزل الناس يُكرون منه السواقي حتى تركوه يابساً لا قطرة فيه وايم الله لئن أبقاني الله لأسكُرنّ تلك السواقي حتى أعيد النهر إلى مجراه الأوّل ؛ قالت: فلا يُسبّون إذا عندك! قال : ومَنْ يسبّهم ! إنّما يُرفع الرجل مظلمته فأردّها عليه .ورَوَى عبدُ الله بن محمد التيميّ، قال : كان بنو أميّة يُنزلون عاتكة بنت مروان بن الحكم على أبواب قصورهم، وكانت جليلة الموضع عندهم ، فلمّا ولي عمرُ قال : لا يلي إنزالَها أحدٌ غيري فأدخلوها على دابتها إلى باب ،قبته فأنزلها ، ثم طبّق لها وسادتَين إحداهما على الأخرى، ثم أنشأ يُمازِحها - ولم يكن من شأنه ولا من شأنها المزاح - فقال: أما رأيت الحرس الذين على الباب؟ فقالت: بلى، وربما رأيتهم عند من هو خير منك! فلمّا رأى الغضب لا يتحلّل عنها ترك المزاح وسألها أن تذكر حاجتها ، فقالت : إن قرابتك يشكونك، ويزعمون

أنّك أخذتَ منهم خير غيرك، قال: ما منعتُهم شيئاً هوَ لهم، ولا أخذتُ منهم حقَّا يستحقّونه ! قالت: إنّي أخاف أن يُهيجوا عليك يوماً عصيباً، وقال: كلِّ يوم أخافه – دون يوم القيامة - فلا وقاني الله شرّه. ثم دعا بدينار ومَجمَرة وجلد فألقى الدّينار في النّار، وجعل يَنفُخ حتى احمرٌ ثم تناوله بشيء فأخرجه فوضعه على الجلد فنَشٌ وفَتَر فقال يا عمة أما تأوين لابن أخيك، من مثل هذا، فقامت فخرجت إلى بني مروان فقالت : تزوّجون في آل عمر بن الخطّاب، فإذا نَزَعوا إلى الشِّبه جزعتم! اصبروا له .وروى وُهَيب بن الورد، قال : اجتمع بنو مروانَ على باب عمر بن عبد العزيز فقالوا لولد له : قل لأبيك يأذَن لنا، فإن لم يأذن فأبلغ إليه عنّا رسالة، فلم يأذن لهم، وقال: فليقولوا : فقالوا : قل له : إن من كان قبلك من الخلفاء كان يعطينا، ويَعرِف لنا مواضعنا ، وإنّ أباك قد حَرمنا ما في يديه . فَدَّخل إلى أبيه فأبلغه عنهم ، فقال : اخرج فقل لهم : إني أخاف إن عصيتُربّي عذاب يوم عظيم.وروى سعيدُ بنُ عمّار، عن أسماء بنت عبيد قال : دخل عنبسة بنُ سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ مَنْ كان قَبْلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عَطايا منعتنَاها، ولي عيال وضَيعة، فأذن لي أخرج إلى ضيعتي، وما يُصلح عيالي! فقال عمر: إن أحبّكم إلينا من كفانا مؤونته فخرج ،عنبسة، فلما صار إلى الباب ناداه أبا خالد! أبا خالد! فرجع فقال : أكثر ذكر الموت فإن كنتَ في ضيق من العيش وسَّعَه عليك، وإن كنتَ في سعة من العيش ضَيَّقه عليك .وروى عمرُ بن عليّ بن مقدّم قال : قال ابنٌ صغيرٌ السليمان بن عبد الملك لمزاحم : إنّ لي حاجةً إلى أمير المؤمنين عمر ؛ قال : فاستأذنت له فأدخله فقال يا أمير المؤمنين، لِمَ أخذت قطيعتي؟ قال: معاذ الله أن آخذ قطيعةً ثبتت في الإسلام! قال: فهذا كتابي بها - وأخرَج كتاباً عمر وقال : لمن كانت هذه الأرض؟ قال : كانت للمسلمين، قال: فالمسلمون كمه - فقرأه عمر أولى بها . قال : فاردُد عليّ كتابي ؛ قال : إنّك لو لم تأتني به لم أسألكَه، فأمّا إذ جئتَني به فلستُ أدعك تطلب به ما ليس لك بحق. فبكى ابن سليمان فقال مُزاحم يا أمير المؤمنين ابنُ سليمانَ تَصنّع به هذا - قال: وذلك لأن سليمان عهد إلى عمرَ، وقدّمه على إخوته - فقال عمر : وَيحك يا مزاحم ! إنّي لأجد له من اللّوط (1ما أجِد لوَلدي، ولكنّها نفسي أجادلُ عنها .)ورَوَى الأوزاعيّ، قال: قال هشام بنُ عبدِ الملك، وسعيد بن خالد بن عمر بن عثمان بن عفّان لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين استأنف العمل برأيك فيما تحتَ يدك، وخلِّ بين مَن سبقك وبين ما ولّوه عليهم كان أو لهم، فإنّك مستكف أن تدخل في خير ذلك وشرّه .


1) اللَّوْط : الرجل الخفيف المتصرف، والرداء القاموس المحيط ، مادة (لوط).

قال : أَنشُدُكما الله الذي إليه ،تعودان لو أنّ رجلاً هلك وترك بنينَ أصاغرَ وأكابرَ ، فغر الأكابرُ الأصاغرُ بقوّتهم، فأكلُوا أموالهم، ثم بلغ الأصاغرُ الحُلُم فجاؤوكما بهم وبما صنعوا في أموالهم ما كنتما صانعين؟ قالا : كنا نردّ عليهم حقوقهم حتى يستوفوها. قال: فإنّي وجدتُ كثيراً ممن كان قبلي من الولاة غرّ الناس بسلطانه وقوته، وآثر بأموالهم أتباعه وأهله ورَهطَه ،وخاصّته، فلمّا وليت أتوني بذلك، فلم يسعني إلاَّ الردّ على الضعيف من القوي، وعلى الدنيء من الشريف. فقالا : يوفق الله أمير المؤمنين .الأصل: وَلا تَدْفَمَنْ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوكَ الله فيهِ رِضاً ، فإنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةٌ لِجُنُودِكَ ؛ وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لِبِلادِكَ، وَلكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوِّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ. فَخُذْ بِالْحَزْمِ ، وَاتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ . وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوٌّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةٌ ، نَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ يَمَتَكَ بِالْأَمَانَةِ .وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةٌ دُونَ مَا أَعْطَيْتَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ الله شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشَتَّتِ آرَائِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ؛ وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ.فَلا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ، وَلا تَخْتِلَنَّ عَدُوّكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجْتَرِيءُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ، وَقَدْ جَعَلَ الله عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ ، وَيَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ، فَلاَ إِدْغَالَ وَلَا مُدَالَسَةَ وَلَا خِدَاعَ فِيهِ.ولا تَعْقِده عَقْداً تُجَوّرُ فيهِ الْعِلَلَ ولا تُعَولَنَّ عَلَى لَحْنِ الْقَوْلِ بَعْدَ التَّأكِيدِ والتَّوْثِقَةِ، ولا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزَمَكَ فيهِ عَهْدُ اللهِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الحَقِّ، فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وفَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخافُ تَبِعَتَهُ، وأَنْ تُحِيطَ بكَ مِنَ الله طِلْبَةٌ لا تَسْتَقِيلُ فيها دُنْياكَ ولا آخِرَتَكَ.الشرح: امَره أن يقبل السِّلم والصلح إذا دُعِي إليه، لما فيه من دَعَة الجنود، والراحة من الهمّ، والأمن للبلاد، ولكن ينبغي أن يحذر بعد الصّلح من غائلة (1العدوّ وكيده، فإنه ربما)


1) الغوائل: الدواهي، وغائلة الحوض ما انخرق وأتى غولاً غائلة أمراً داهياً منكراً. القاموس المحيط، (غول).

قارب بالصلح ليتغفّل، أي يطلب غفلتك، فخذ بالحزم، واتّهم حُسْنَ ظنك، لا تثق ولا تسكن إلى حُسنِِ ظنك بالمعدوّ وكن كالطائر الحَذِر.ثمّ أمره بالوفاء بالعهود ؛ قال : واجعل نفسك جُنّةً دون ما أعطيت، أي ولو ذهبت نفسُك فلا تَغدِر.وقال الراونديّ: الناس مبتدأ، وأشدّ مبتدأ ثان ومن تعظيم الوفاء خبرُه، وهذا المبتدأ الثاني مع خبره خبرُ المبتدأ الأول، ومحلّ الجملة نَصب لأنها خبرُ ليس، ومحلّ ليس مع اسمه وخبره رَفع، لأنه خبر فإنه وشيء اسمُ ليس ومن فرائض الله حال، ولو تأخّر لكان صِفةٌ لشيء. والصواب أنّ «شيء» اسم ليس ، وجاز ذلك وإن كان نَكرةً لاعتماده على النفي، ولأن الجار والمجرور قبله في موضع الحال كالصفة، فتخصّص بذلك وقَرُب من المعرفة والناسُ : مبتدأ، وأشدّ : خبرُه ، وهذه الجملة المركبة من مبتدأ وخبر في موضع رفع لأنّها صفةُ «شيء» وأما خبر المبتدأ الذي هو شيء فمحذوف، وتقديره «في الوجود» كما حذف الخبر في قولنا : لا إله إلا الله، أي في الوجود وليس يصح ما قال الراوندي من أن «أشدّ» مبتدأ ثان، و«من تعظيم الوفاء» خبره، لأن حرف الجرّ إذا كان خبراً لمبتدأ تعلق بمحذوف، وها هنا متعلق باشد نفسه، فكيف يكون خبراً عنها وأيضاً فإنّه لا يجوز أن يكون أشدّ من تعظيم الوفاء خبراً عن الناس، كما زعم الراوندي، لأن ذلك كلام غير مفيد ألا ترى أنّك إذا أردت أن تُخبر بهذا الكلام عن المبتدأ الذي هو «الناس» لم يَقُم من ذلك صورةٌ محصّلة تفيدك شيئاً، بل يكون كلاماً مضطرباً !ويمكن أيضاً أن يكون «من فرائض الله» في موضع رَفع، لأنه خبر المبتدأ، وقد قدّم عليه، ويكون موضع «الناس» وما بعده رفعٌ، لأنه خبر المبتدأ الذي هو «شيء» كما قلناه أوّلاً ، وليس يمتنع أيضاً أن يكون :«من فرائض الله» منصوب الموضع ، لأنه حال، ويكون موضع «الناس أشدّه» ،رفعاً ، لأنه خبر المبتدأ، الذي هو «شيء» .ثم قال له علیه السلام : وقد لزم المشركون مع شِركهم الوفاء بالعهود، وصار ذلك لهم شريعة وبینهم سنّة، فالإسلام أولى باللزوم والوفاء.واستَوْبلوا وجدوه وَبِيلاً، أي ثقيلاً، استوبلتُ البلد، أيّ استَوْخَمته واستثقلته، ولم يوافق مزاجك .ولا تخيسنّ بعهدك، أي لا تَغدِرنّ خاسَ فلانٌ بذمته، أي غَدَر ونَكَثَ .قوله : «ولا تختلنّ عدوّك»، أي لا تمكرن به ختلته، أي خدعتُه .وقوله : «أفضاء بين عباده»، جعله مشتركاً بينهم لا يختص به فريق دون فريق .

قال: «ويستفيضون إلى جواره»، أي ينتشرون في طلب حاجاتهم ومآربهم، ساكنين إلى جواره، فإلى ها هنا متعلقة بمحذوف مقدّر، كقوله تعالى :( في يَسْع وَايَةٍ إِلَى فِرْعَوْنَ (1)، أي مرسلاً. قال: «فلا إدغال»، أي لا إفساد، والدَّغَل: الفساد. ولا مُدالسة، أي لا خديعة يقال فلان لا يوالس ولا يُدالس أي لا يخادع ولا يخون وأصل الدّلس الظلمة، والتدليس)البيع : كتمانُ عيب السِّلعة عن المشتري .ثم نهاه عن أن يعقد عقداً يمكن فيه التأويلات والعلل وطلب المخارج. ونهاه إذا عقد العقد بينه وبين العدوّ أن ينقضه معوّلاً على تأويل خفيّ أو فحوى قول، أو يقول : إنما عنيت كذا ؛ ولم أعن ظاهر اللفظة؛ فإن العقود إنما تُعقد على ما هو ظاهر في الاستعمال متداول في الاصطلاح والعُرْف لا على ما في الباطن.وروي «انفساحه» بالحاء المهملة، أي سعته.### بعض ما جاء في الحذر من كيد العدو والنهي عن الغدرقد جاء في الحذر من كيد العدو والنهي عن التفريط في الرأي السكون إلى ظاهر السلم أشياءُ كثيرة، وكذا في النهي عن الغدر والنهي عن طلب تأويلات العهود وفسخها بغير الحقّ.فرّط عبد الله بن طاهر في أيام أبيه في أمر أشرف فيه على العطب، ونجا بعد لأي فكتب إليه أبوه: أتاني يا بُنيّ من خبر تفريطك ما كان أكبر عندي من نعيك لو وَرَدَ، لأني لم أرجُ قط الأ تموت، وقد كنتُ أرجو ألا تفتضح بترك الحزم والتيقظ .وروى ابنُ الكلبيّ أن قيسَ بن زهير لمّا قَتَل حذيفة بنَ بدر ومن معه بجفر الهباءة، خرج حتى لحق بالنَّمر بنِ قاسط وقال : لا تنظُرُ في وجهي غَطفانيّةٌ بعد اليوم ؛ فقال : يا معاشرَ النَّمِر ، أنا قيس بنُ زهير غریبٌ حَریب (2طريد شريد ،موتور، فانظروا لي امرأةً قد أدّبها الغِنَى وأذلّها الفقر، فزوّجوه بامرأة منهم، فقال لهم : إنّي لا أقيم فيكم حتى أخبرَكم بأخلاقي، أنا فخور غَيور أنِف، ولستُ أفخر حتى أبتلى، ولا أغارُ حتّى أرَى ، ولا أنف حتى أَظلَم. فرضُوا أخلاقه، فأقام فيهم حتى وُلد له، ثم أراد أن يتحوّل عنهم ، فقال : يا معشر النَّمِر، إن لكم حقَّا عليّ في مُصاهَرتي فيكم، ومُقامي بين أظهرُكم، وإنّي موصيكم بخصال آمركم بها ، وأنهاكم عن خصال عليكم بالأناة فإنّ بها تُدرك الحاجة، وتُنال الفُرصة، وتسويد من لا تُعابُون بتسويده، والوفاء بالعهود فإنّ به يعيشُ الناس، وإعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع ما تريدون)


1) سورة النمل الآية : 12 .

2) الحَريب من أخذ ماله كله، فهو رجل حرب أي نزل به الحرب. لسان العرب، مادة (حرب).

منعَه قبل الإنعام، وإجارة الجار على الدّهر، وتنفيس البيوت عن منازل الأيامى، وخَلْط الضَّيف بالعيال. وأنهاكُم عن الغدر، فإنه عارُ الدهر، وعن الرِّهان فإنّ به تَكِلْتُ مالكاً أخي، وعن البَغْي فإنّ به صُرع زهيرٌ أبي، وعن السَّرَف في الدماء؛ فإن قتلي أهل الهباءة أورثني العار. ولا تُعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وأنكحوا الأيامى الأكفاء فإن لم تصيبوا بهنّ الأكفاءَ فخيرُ بيوتهنّ القبور. واعلموا أني أصبحتُ ظالماً ومظلوماً، ظلمني بنو بذر بقتلهم مالكاً، وظلمتهم بقتلي مَنْ لا ذنب له. ثم رحل عنهم إلى غمار فتنصر بها، وعَفٌ عن المآكل حتّى أكل الحَنْظَل إلى أن مات .الأصل: إِيَّاكَ والدَّمَاءَ وسَفَكَها بِغَيْرِ حِلْها ، فإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ ادْهَى لِنِقْمَةٍ ؛ ولا أعْظَمَ لِتَبعَةٍ، وَلاَ أخرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ ؛ وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَفْهَا ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِى بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدَّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَا تُقَرِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنْهُ ، بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ .ولا عذرَ لَكَ عِنْدَ الله وَلاَ عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، لأنّ فِيهِ فَوَدَ الْبَدَنِ، وَإِن ابْتُلِيتَ بِخَطأ، وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ، فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةٌ، فَلَا تَطْمَحَنٌ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ.الشرح: قد ذكرنا في وصيّة قيس بن زهير آنفاً النّهي عن الإسراف في الدّماء، وتلك وصيَّة مبنيةٌ على شريعة الجاهلية مع حميتها ونهالُكها على القتل والقتال، ووصيَّة أمير المؤمنين علیه السلام مبنيّةٌ على الشريعة الإسلاميّة، والنّهي عن القتل والعُدْوانِ الَّذي لا يُسيغه الدِّين، وقد ورد في الخبر المرفوع : «إنّ أوّل ما يقضي الله به يوم القيامة بين العباد أمرُ الدّماء»(1. قال : إنّه ليس شيء ادعى إلى حلول النِّقم، وزوال النَّعَم، وانتقال الدُّول، من سَفك الدم الحرام، وإنك إن)ظننت أنك تُقوّي سلطانك بذلك، فليس الأمر كما ظننت، بل تضعفه، بل تُعِدمه بالكليّة.ثمَّ عرفه أن قتل العمد يوجب القَوَد وقال له : «قَوَد البَدَن» أي يجب عليك هدم صورتك كما هدمتَ صورة المقتول، والمراد إرهابه بهذه اللّفظة أنَّها أبلغَ من أن يقول له : «فإنَّ فيه القَوَد».


1) أخرجه البخاري في الديات، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤمِنا ) (6864) ، ومسلفي القسامة والمحاربين باب المجازاة بالدماء في الآخرة (1678)، والترمذي في الديات :باب الحكم في الدماء (1396)، والنسائي في تحريم الدم، باب : تعظيم الدم (3991) .

ثم قال : إن قتلتَ خطأ أو شِبه عَمْدٍ كالضَّرب بالسوط فعليك الدِّية. وقد اختلف الفقهاءُ في هذه المسألة، فقال أبو حنيفة وأصحابُه : القتل على خمسة أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما أُجرِيَ مَجرَى الخطأ، وقتل بسبب.فالعَمْد : ما تعمّد به ضرب الإنسان بسلاح أو ما يجري مجرى السلاح، كالمحدّد من الخشب وليطة القعصَب، والمَرْوة المحدّدة، والنار ؛ وموجب ذلك المأتم والقود إلاّ أن يعفو الأولياء، ولا كفَّارة فيه .وشبه العمد أن يتعمّد الضرب بما ليس بسلاح، ولا أجرِيَ مَجْرى السّلاح، كالحَجَر العظيم، والخَشَبة العظيمة، وموجب ذلك المأثم والكفّارة، ولا قود فيه، وفيه الدية مغلظة على العاقلة .والخطأ على وجهين: خطأ في القصد، وهو أن يَرْمِيَ شخصاً يظنّه صَيْداً، فإذا هو آدمي. وخطأ في الفِعل، وهو أن يَرمِي غَرَضاً فيصيب آدميا ، وموجب النوعين جميعاً الكفارة والدية على العاقلة، ولا مأثم فيه .وما أجري مجرى الخطأ مثل النائم يتقلّب على رَجل فيقتله، فحُكمه حكمُ الخطأ .وأمّا القتل بسبب، فحافر البئرِ وواضعُ الحَجَر في غير ملكه، وموجبه إذا تلف فيه إنسانٌ الدّيَة على العاقلة، ولا كفَّارة فيه .فهذا قولُ أبي حنيفة ومَن تابَعه ؛ وقد خالَفه صاحباه أبو يوسف ومحمد في شبه العَمد، وقالا : إذا ضَرَبه بحجر عظيم أو خشبة غليظة فهو عمد ؛ قال : وشبه العمد أن يتعمّد ضربه بما لا يقتل به غالباً، كالعصا الصغيرة والسّوط ؛ وبهذا القول قال الشافعيّ .وكلام أمير المؤمنين علیه السلام يدلّ على أنّ المؤدّب من الوُلاء إذا تلف تحت يده إنسان في التأديب فعليه الدّية، وقال لي قوم من فقهاء الإماميّة : إن مذهبنا أن لا ديةَ عليه، وهو خلاف ما يقتضيه كلام أمير المؤمنين علیه السلام.****الأصل: وَإِيَّاكَ وَالْإعْجَابَ بنَفْسِكَ، وَالثَّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا ، وَحُبِّ الْإِطْرَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلكَ مِنْ أَوْثَقِ قُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ، لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ.وإِيَّاكَ وَالْمَنْ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإحْسَانِكَ ؛ أَوِ التَّزَيَّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ نَعِدَهُمْ، فَتَّبَعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْقِكَ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ، وَالتَّزَيَّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالخُلفَ يُوجِبُ

الْمَقْتَ عِنْدَ الله وَالنَّاسِ، قَالَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تفعلون (1).)وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بالأمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا ، أَوِ النِّسَاقُطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا ، أَوِ التَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنكَّرَتْ ، أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ، فَضَعْ كُلِّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعُ كُلِّ عَمَلٍ مَوْقِعَهُ .وَإِيَّاكَ وَالاسْتِكْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أَسْوَةٌ، وَالنَّغَابِي عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُون، فَإِنَّهُ مَأخُوذُ مِنْكَ لِغَيْرِكَ ، وَعَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ ، وَيُتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ.امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ، وَسَوْرَةَ حَدِّكَ، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ، وَاحْتَرِسَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ، فَتَمْلِك الالختيار.وَلَنْ تَحْكُمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ. وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ ما مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ، مِنْ حُكُومَةٍ هَادِلَةٍ، أَوْ سُنةٍ فَاضِلَةٍ، أَوْ أَثَرِ عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ الله، فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا ، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ في اتِّباع مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي هَذَا، وَاسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لنفسي عَلَيْكَ ، لِكَيْلاً تَكُونَ لَكَ عِلةٌ عِنْدَ تَسَرُّع نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا .****الشرح: قد اشتمل هذا الفصل على وصايا نحنُ شارحوها، منها قولُه علیه السلام : «إياك وما يُعجبك من نفسك، والثقة بما يُعجبك منها» ؛ قد ورد في الخبر: «ثلاثٌ مهلِكات : شُح مُطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه »(2؛ وفي الخبر أيضاً : «الا وَحشةَ أشدّ من العُجب» (3)،وفی الخبر : «الناسُ لآدم وآدم من تراب، فما لابن آدم والفخر والعجب ! »(4). وفي الخبر : «الجار ثويه ! خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة »(5) ، وفي الخبر - وقد رأى أبا دُجانة يتبختر: «إنَّها لمشيةٌ يُبغضها)


1) سورة الصف، الآية : 3.

2) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد »(1/90) ، وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب (324) والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (72) ، والديلمي في «مسند الفردوس »(2475).

3) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (283/10) ، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (2688)، والبيهقي في «شب الإيمان (8032).

4) أخرجه ابن جرير الطبري، بما معناه : 181/26 . (5) أخرجه البخاري في اللباس، باب من جر إزاره من غير خيلاء (5784)، ومسلم في اللباس والزينة ،(2085)، والترمذي في اللباس باب» ما جاء في كراهية جر الإزار (1730).

الله إلاَّ بين الصفّين »(1.)ومنها قوله : «وحُبّ الإطراء»، نَاظرَ المأمونُ محمد بنَ القاسم النُّوشَجاني المتكلّم، فجعل يصدقه ويُطريه ويستحسن قوله، فقال المأمون: يا محمّد أراك تنقادُ إلى ما تظنّ أنّه يسرّني قبل وجوب الحجّة لي عليك، وتُطرِيني بما لستُ أحب أن أطرى به ، وتَستخذِي لي في المقام الّذي ينبغي أن تكون فيه مقاوماً لي، ومحتجاً علي، ولو شئت أن أقسر الأمورَ بفَضْل ،بيان، وطُولِ لسان، وأغتصب الحجّة بقوّة الخلافة، وأبهة الرئاسة لصدّقت وإن كنت كاذباً ، وعَدلتُ وإن كنت جائراً، وصُوِّبتُ وإن كنتُ مخطئاً، لكني لا أرضَى إلاّ بغَلَبة الحجّة، ودفع الشّبهة، وإنّ أنقَصَ الملوك عَقْلاً، وأسخَفَهم رأياً ، مَنْ رضي بقولهم : صدق الأمير .وأثنى رجلٌ على رجل ، فقال : الحمد لله الذي سترني عنك. وكان بعضُ الصّالحين يقول إذا أطراه :إنسان ليسألك الله عن حُسن ظنّك .ومنها قولُه : «وإياك والمَنّ»، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنِ والأذى (2). وكان يقال : المَنْ محبّة للنفس، مَفسَدة للصّنع .)ومنها نهيُه إياه عن التزيّد في فعله ، قال علیه السلام : إنّه يَذهَب بنُور الحقّ، وذلك لأنّه محض الكذب، مثل أن يسدي ثلاثة أجزاء من الجميل فيدّعي في المجالس والمحافل أنّه أسدى عشرةً، وإذا خالط الحقُّ الكذبَ أذهب نوره .ومنها نهيُه إيَّاه عن خُلف الوَعد، قد مدح الله نبيَّا من الأنبياء وهو إسماعيل بن إبراهيم علیه السلام بصِدق الوعد. وكان يقال : وعدُ الكريم نقد وتعجيل، ووعدُ اللتيم مَطل وتَعطيل . وكتب بعض الكتّاب :وحقّ لمن أزهر ،بقول، أن يُشير بفعل. وقال أبو مقاتل الضَّرير : قلتُ لأعرابيّ : قد أكثر الناسُ في المواعيد ؛ فما قولُك فيها؟ فقال: بئس الشيءُ! الوعدَ مشغلة للقلب الفارغ، متعبةٌ للبدن الخافض خيره غائب، وشرّه حاضر . وفي الحديث المرفوع: «عِدة المؤمن كأخذ باليد»(3، فأما أمير المؤمنين علیه السلام فقال : «إنّه يوجب المقت»، واستشهد عليه بالآية والمقت : البُغض .)ومنها نهيُه عن العَجَلة؛ وكان يقال : أصاب متثبّت أو كاد، وأخطأ عَجِل أو كاد. وفي المَثَل :(ربَّ عَجَلةٍ تَهَب رَيْتاً (4)، وذمّها الله تعالى فقال : (خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَل) (5).)


1) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائده» (109/6) وأخرجه الطبراني في الكبير (6508) .

2) سورة البقرة، الآية : 264 .

3) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (4112) ، وذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (74/2) .

4) أخرجه ابن منظور في لسان العرب : 304/10 ، أخرجه الجوهري في الصحاح : 1541/4 .

5) سورة الأنبياء، الآية: 37 .

ومنها نهيُه عن التّساقط في الشيء الممكن عند حضوره وهذا عبارةٌ عن النهي عن الحِرص والجَشَع ، قال الشَّنْفَرَى :وإن مُدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجَلِهم إذ أجْشَعُ القوم أَعْجَلُومنها نهيه عن اللجاجة في الحاجة إذا تعذّرت؛ كان يقال: من لاجّ الله فقد جعَلَه خصماً، و من كان الله خصمَه فهو مخصوم قال الغزّي:دعها سماوّية تجري على قَدَرٍ لا تُفْسِدَنْها برأي منك مَعكوسومنها نهيهُ له عن الوَهْن فيها إذا استوضحت أي وَضَحتْ وانكشفت، ويُروى: «واستُوضِحَتْ »فِعل ما لم يسم فاعله والوَهْن فيها إهمالُها وتركُ انتهاز الفرصة فيها، قال الشاعر :فإذا أمكنت فبادر إليها ***حَذَراً من تعذر الإمكانِومنها نهيهُ عن الاستثار، وهذا هو الخُلُق النبويّ، غيم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم غنائمَ خَيْبر، وكانت ملء الأرض نعماً ، فلما ركب راحلته وسار تَبِعه الناس يطلبون الغنائم وقَسْمَها ، وهو ساكتٌ لا يكلمهم، وقد أكثروا عليه إلحاحاً وسؤالاً ، فمرّ بشجرة فخطفت رداءه، فالتفت فقال : ردّوا عليّ ردائي، فلو ملكت بعدد رَمْل تهامةَ مَعْنَماً لقسمتُه بينكم عن آخره ثم لا تجدونني بخيلاً ولا جباناً ، ونَزلَ وقسم ذلك المال عن آخره عليهم كله، لم يأخذ لنفسه منه وبرَةٌ .ومنها نهيُه له عن التّغابي وصورة ذلك أنّ الأمير يُومَى إليه أن فلاناً من خاصتّه يفعل كذا ، ويَفعل كذا من الأمور مور المنكرة ويرتكبُها سرًا ، فيتغابى عنه ويَتغافل، نهاه علیه السلام عن ذلك وقال : إنَّك مأخوذٌ منك لغيرك، أي معاقَب؛ تقول : اللَّهم خذ لي من فلان بحقي ، أي اللهم انتقم لي منه.ومنها نهيُه إيّاه عن الغضب، وعن الحُكم بما تقتضيه قوّته الغضبيّة حتّى يسكن غضبُه، قد جاء في الخبر المرفوع : «لا يقضي القاضي وهو غَضبان» (1، فإذا كان قد نُهِيَ أن يقضيَ القاضي وهو غَضبان على غير صاحبِ الخصومة، فبالأولى أن يُنهى الأمير عن أن يَسطوَ على إنسان وهو غَضبانُ عليه .)وكان لكسرى أنو شروان صاحبٌ قد رتّبه ونَصّبه لهذا المعنى يقف على رأس المَلِك يومَ جلوسه، فإذا غَضِب على إنسان وأمر به قَرَع سلسلة تاجِه بقضيب في يده وقال له : إنّما أنت بَشَر ، فارحم مَن في الأرض يَرْحَمْكَ مَنْ في السماء.


1) أخرجه ابن ماجه في الأحكام) باب : لا يحكم الحاكم وهو غضبان (2316). واللفظ له. والبخاري نحوه في «الأحكام»، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان (7158).

الأصل: ومن هذا العهد وهو آخره : وَأَنَا أَسْأَلُ الله بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ، مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْمُشْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، من حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ، وَجَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبِلادِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ، وَتَضْعِيفُ الْكَرَامَةِ؛ وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ؛ إِنَّا إِلَى الله رَاغِبُونَ، وَالسّلامُ عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.****الشرح: رُوِيَ : «كلّ رَغِيبة»، والرغيبةُ ما يُرغَب فيه؛ فأما الرغبة فمصدرُ رَغِب في كذا ، كأَنَّه قال : القادرَ على إعطاء كلّ سؤال، أي إعطاء كل سائل ما سأله.و معنى قوله : «من الإقامة على العُذْر»، أي أسأل الله أن يوفقّني للإقامة على الاجتهاد، وبَذل الوُسع في الطاعة، وذلك لأنه إذا بذل جهده فقد أعذَر ، ثمّ فسّر اجتهاده في ذلك في رضا الخَلْق، ولم يفسّر اجتهاده في رضا الخالق، لأنه معلوم؛ فقال : هو حُسنُ الثناء في العباد وجميل الأثر في البلاد.فإن قلت: فقوله وتمام النعمة على ماذا تَعطفه؟قلت: هو معطوفٌ على «ما» من قوله «لما فيه»، كأنّه قال: أسأل الله توفيقي لذا ولتمام النّعمة، أي ولتمام نعمته عليّ، وتضاعف كرامته لديّ، وتوفيقه لهما هو توفيقه للأعمال الصالحة التي يستوجبهما بها .### بعض ما ورد من وصايا العربوينبغي أن يذكر في هذا الموضع وصايا من كلام قوم من رؤساء العرب أوصوا بها أولادهم ورَهْطهم، فيها آداب ،حسان وكلام ،فصيح وهي مناسبة لعهد أمير المؤمنين علیه السلام هذا ، ووصاياه المودعة فيه، وإن كان كلام أمير المؤمنين أجلّ وأعلى من أن يُناسبه كلام، لأنّه قبَس من نور الكلام الإلهيّ ، وفَرْع من دوحة المَنطِق النبويّ.روى ابنُ الكلبيّ قال : لمّا حضرت الوفاةُ أوسَ بنَ حارثة أخا الخَزرج ، لم يكن له ولدٌ غير مالك بن الأوس، وكان لأخيه الخزرج خمسة، قيل له : كنا نأمرك بأن تتزوّج في شبابك فلم تفعل حتى حضَرَك الموت، ولا ولد لك إلا مالِكٌ ! فقال : لم يهلك هالكٌ ترَك مِثل مالك، وإن كان الخزرج ذا عَدَد، وليس لمالك ولد ، فلعلّ الذي استخرج العَذق من الجَريِمة (1، والنار من)


1) العَذق النخلة، والجريمة النواة، والمعنى استخرج النخلة من النواة. لسان العرب، مادة (عذق).

الوثيمة أن يجعل لمالك نَسْلاً ، ورجالاً بُسْلاً، وكلنا إلى الموت يا مالك المنيّة ولا الدنيّة، والعتاب قبل العقاب والتجلّد لا التبلّد ، واعلم أن القبر خيرٌ من الفقر، ومَنْ لم يُعطِ قاعداً حُرم قائماً، وشرّ الشرب الاشتفاف وشرّ الطعم الاقتفاف وذهاب البصر، خيرٌ من كثير من النظر، ومن كرم الكريم الدّفع عن الحريم، ومن قُل ذَلّ، وخيرُ الغِنَى القناعة، وشرّ الفقر الخُضوعُ. الدهر صَرْفان صَرْف رخاء، وصرف بلاء ؛ واليوم يومان يوم لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطبر، وكلاهما سيتخير وكيف بالسلامة، لمن ليست له إقامة، وحياك ربّك.وأوصى الحارث بنُ كعب بنيه فقال : يا بنیّ ،قد أتت عليّ مائةٌ وستّون سنّة ما صافحت يميني يمينَ غادر ، ولا قنعتُ لنفسي بخلة فاجر، ولا صبوتُ بابنة عم ولا كنّة، ولا بحثُ لصديق بسرّ ولا طرحتُ عن مُومِسَة قناعاً ، ولا بقي على دين عيسى ابن مريم - وقد رُوي على دینِ شُعیب - من العرب غيري وغير تميم بن مرّ بن أسد بن خزيمة، فموتوا على شريعتي واحفظوا عليّ وصيّتي، وإلهكم فاتقوا، يكفكم ما أهمكم ويصلح لكم حالكم ، وإيّاكم ومعصيته، فيحل بكم الدّمار، ويُوحِش منكم الديّار . كونوا جميعاً ، ولا تفرّقوا فتكونوا شِيَعاً ، ويُزوا قبل أن تُبَزّوا ، فموت في عزّ ، خيرٌ من حياة في ذل وعجز، وكل ما هو كائن كائن، وكلّ جمع إلى تباين والدهر صَرْفان صرف بلاء، وصرف رخاء، واليوم يومان: يومُ حَبرة، ويوم عبرة والناس رجلان: رجلٌ لك، ورجلٌ عليك. زوّجوا النساء الأكفاء، وإلا فانتظروا بهن القضاء، وليكن أطيب طيبهنّ الماء، وإيّاكم والوَزْهاء (1 ، فإنّها أدوا الداء، وإنّ ولدها إلى أفن (1)يكون . لا راحةً لقاطع القرابة. وإذا اختلف القومُ أمكنوا عدوّهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، والتفضّل بالحسنة يَقِي السّيئة، والمكافأة بالسّيئة دخول فيها، وعمل السوء يُزيلُ النّعماء، وقطيعة الرحم تُورث الهمّ، وانتهاك الحُرمة يُزيل النعمة، وعقوق الوالديَن يُعقِب النّكَد ويُخرب البلد، ويمحق العدد، والإسراف في النصيحة، هو الفضيحة، والحقد منعُ الرّقْد ، ولزوم الخطيئة يُعقب البلية، وسوء الدّعة يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين؛ يا بنيّ إنّی قد أكلتُ مع أقوام وشرِبتُ، فذهبوا وغبرتُ، وكأنّي بهم قد لحقتُ، ثم قال :)أكلتُ شبابي فأفنيتُهُ*** وأبليتُ بعد دُهورٍ دُھورَاثلاثة أهلين صاحبتُهم*** فبادوا وأصبحتُ شيخاً كبيرًاقليل الطعام عسير القيام قد ترك الدهْرُ خَطوِي قصيرًاأبيتُ أُراعِي نجوم السماءِ أقلب أمرِي بُطونا ظهورا


1) المرأة الوَزْهاء : الخَرْقاء بالعمل، والوَرَهُ الحُمق في كل عمل. لسان العرب مادة (وره).

وصَّى أكثمُ بنُ صَيْفيّ بنيه ورهطَه فقال : يا بنَي تميم، لا يفوتنَّكم وَعظي، إن فاتكم الدهر بنفسي، إنّ بين حَيْزومي وصدري لكلاماً لا أجدُ له مواقعَ إلاّ أسماعَكم ولا مقارّ إلاّ قلوبكم فتلقؤه بأسماع مُضغية، وقلوب دواعية، تخمدوا مَغَبَّته : الهوى يقظان، والعقل راقد، والشّهَوات مطلقة، والحزم معقول والنفسُ مهملة، والرويّة مقيَّدة، ومن جِهَة الثّواني وترك الرويّة يتلف الحزم، ولن يعدَم المُشاور مرشداً، والمستبدّ برأيه موقوف على مداحض الزَّلَل، ومن سَمّع سُمِّع ،به ومصارعُ الرجال تحتَ بُروق الطمع، ولو اعتُبرت مواقِعُ المحن ما وُجدت إلاّ في مقاتل الكرام، وعلى الاعتبار طريق الرّشاد، ومَن سلك الجَدَد أمِن العثار، ولن يَعْدم الحسود أن يُتعب قلبه، ويُشغل فكره ، ويُورث غَيظه، ولا تجاوز مضرّته نفسه. يا بني تميم، الصبرُ على جرع الحلم أعذَب من جنا ثمر الندامة، ومن جعل عرضه دون ماله استهدَفَ للذّمّ، وكَلْم اللسان أنكَى من كلم السّنان، والكلمة مرهونةٌ ما لم تَنجُم من الفم؛ فإذا نجمت مزجت، فهي أسدٌ محَّرب، أو نار تَلَهَّب، ورأي الناصح اللبيب دليلٌ لا يجوز، ونفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطّعن والضرب.وأوصى يزيدُ بنُ المهلّب ابنه مَخْلَداً حين استخلفه على جُرْجانَ، فقال له : يا بُنَيَّ، قد استخلفُتك على هذه البلاد، فانظر هذا الحي من اليمن فكن لهم كما قال الشاعر:إذا كنتَ مرتادَ الرِّجَالِ لنفْعِهِمْ ***فَرِش واصطنع عند الّذين بهم تَرْمِيوانظر هذا الحي من ربيعة فإنهم شيعتك وأنصارك، فاقض حقوقهم، وانظر هذا الحيّ من تميم فأمطرهم ولا تُزة لهم، ولا تُدنهم فيطمعوا ولا تُقصهم فيقطعوا، وانظر هذا الحيّ من قيس فإنهم أكفاء قومِك في الجاهلية، ومناصفوهم المآثر في الإسلام، ورضاهم منك البُشَر .يا بني ، إنّ لأبيك صنائع فلا تفسدها، فإنه كفى بالمرء نقصاً أن يهدم ما بنى أبوه، وإياك والدّماء فإنه لا تقيّة معها، وإيّاكَ وشَتْم الأعراض فإنّ الحرّ لا يرضيه عن عرضه عوض، وإياك وضرب الأنشار فإنه عار باقي ووثر مطلوب واستعمل على النجدة والفضل دون الهوى، ولا تعزل إلا عن عَجْز أو خيانة. ولا يمنعك من اصطناع الرّجل أن يكون غيرُك قد سبقك إليه ، فإنّك إنما تصطنع الرجالَ لَفضلها . وليكن صنيعُك عند مَنْ يكافئك عنه العشائر . أحمل الناسَ على أحسن أدبك يكفُوك أنفسهم. وإذا كتبت كتاباً فأكثر النظر فيه وليكن رسولك فيما بيني وبينك مَنْ يفقه عني وعنك ؛ فإنّ كتاب الرجل موضعُ عقله ورسوله موضعُ سِرِّه. وأستودعُك الله، فلا بد للموقع أن يسكت وللمشيِّع أن يرجع. وما عفّ من المنطق وقلَّ من الخطيئة أحبُّ إلى أبيك .

وأوصى قيس بنُ عاصم المِنْقَري بنيه فقال : يا بني خذوا عني فلا أحد أنَصَحُ لكم منّي . إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم، فسوّدوا أكبركم، فإنّ القوم إذا سوَّدوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سوّدوا أصغرهم أزري ذلك بهم في أكفائهم. وإيّاكم ومعصية الله وقطيعة الرحم وتمسكوا بطاعة أمرائكم فإنهم من رفعوا ارتفع ومن وَضَعوا اتّضَع. وعليكم بهذا المال فأصلحوه، فإنه منَبهة للكريم، وجُنّة لعرض اللئيم. وإيّاكم والمسألة فإنها أخر كسب الرجل، وإن أحداً لم يسأل إلا ترك الكسب، وإيّاكم والنِّياحة، فإنّي سمعت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ينهَى عنها، وادفنوني في ثيابي التي كنتُ أصلّي فيها وأصوم ولا يعلم بكر بن وائل بمدفني فقد كانت بيني وبينهم مشاحنات في الجاهلية والإسلام، وأخاف أن يُدخلوا عليكم بي عاراً . وخذوا عنّي ثلاثَ خِصال: إيّاكم وكلّ عِرق لثيم أن تُلابِسوه فإنه إن يسرُركم اليوم يسؤكم غداً ، واكظموا الغيظ واحذروا بني أعداء آبائكم فإنهم على منهاج آبائهم، ثم قال :أحيا الضغائن آباءٌ لنا سَلفوا*** فلن تبيد وللآباء أبناءُقال ابن الكلبيّ : فيَحكي الناسُ هذا البيت سابقاً للزبير، وما هو إلا لقيس بن عاصم .****وأوصى عمرو بن كلثوم التَّغْلَبي [بنيه] فقال : يا بَنيَّ؛ إنّي قد بلغت من العمر ما لم يبلغ أحدٌ من آبائي وأجدادي، ولا بدّ من أمر ،مقتبل، وأن ينزل بي ما نزل بالآباء والأجداد والأمهات والأولاد، فاحفظوا عني ما أوصيكم به. إنّي والله ما عبّرت رجلاً قطّ أمراً إلا عيّرني مثله ؛ إنْ حقَّا فحق، وإن باطلاً فباطل، ومن سَبّ سُبّ، فكُفُّوا عن الشتم فإنه أسلم لأغراضكم وصلوا أرحامكم تعمُرُ داركم، وأكرموا جاركم بحسن ثنائكم، وزوّجوا بنات العمّ بني العمّ فإن تعدّيتم بهن إلى الغرباء فلا تألوا بهنّ [عن] الأكفاء وأبعدوا بيوتَ النساء من بيوت الرجال، فإنه أغَضّ للبصر، وأعفُّ للذّكر ؛ ومتى كانت المعاينة واللّقاء، ففي ذلك داءٌ من الأدواء، ولا خير فيمن لا يغارُ لغيره كما يغارُ لنفسه، وقَلَّ مَن انتهك حرمة لغيره إلا انتهكت حرمتُه. وامنعوا القريب من ظُلم الغريب، فإنك تُدِلُّ على قريبك، ولا يجهل بك ذل ،غريبك، وإذا تنازعتم في الدماء فلا يكن حقّكم الكفاء، فربّ رجل خيرٌ من ألف، ووُدّ خير من خلف، وإذا حُدّثتم فَعُوا، وإذا حَدّثتم فأوجزوا ، فإنّ مع الأكثار يكون الإهذار، وموتٌ عاجل خيرٌ من ضَنّى آجل، وما بكيتُ من زمان إلا دهاني بعده ،زمان وربما شَجَاني من لم يكن أمره ،عناني، وما عجبتُ من أحدوثة إلاّ رأيت بعدها أعجوبة. واعلموا أن أشجع القوم العطوف، وخيرُ الموت تحت ظلال السيوف ولا خير فيمن لا رويّة له عند الغضب ولا فيمن إذا عُوتب لم يُعتب، ومن الناس من لا يرجى خيره، ولا يخاف شرّه، فبكوءه خير من دره، وعقوقه خيرٌ من بره، ولا تبُرحوا في حبكم فإن من أبرح في حبَّ آل ذلك إلى قبيح ،بغض، وكم قد زارني إنسان وزُرْته، فانقلب

الدّهر بنا فقبَرْته، واعلموا أنّ الحلم سليم وأن السفيه ،كليم إني لم أمت ولكن هَرِمت، ودخلتني ذِلّة فسكتّ، وضعف قلبي فأهترت سلّمكم ربكم وحيّاكم!ومن كتاب أردَشير بن بَابَك إلى بنيه والملوك من بعده رشاد الوالي خيرٌ للرعيّة من خصب الزمان، الملك والدِّين توأمان لا قوام لأحدهما إلاّ بصاحبه، فالدِّين أُسُ المُلك وعمادُه، ثم صار المَلِكُ حارسَ الدين، فلا بدّ للمُلك من أسه ولا بدّ للدّين من حارسه، فأمّا ما لا حارس له ،فضائع، وما لا أس له فمهدوم، إنّ رأسَ ما أخاف عليكم مبادرة السّفلة إيّاكم إلى دراسة الدين وتأويله والتفقه فيه، فتحملكم الثّقة بقوّة الملك على التهاون بهم، فتحدث في الدّين رياساتٌ منتشرات سرًا فيمن قد وترتم وجَفَوْتم، وحرمتم وأخفتم، وصغّرتم من سِفلة النّاس والرعيّة وحَشو العامّة، ثمّ لا تنشَب تلك الرّياسات أن تحدث خُرْقاً في المُلك ووَهْناً في الدولة. واعلموا أن سلطانكم إنّما هو على أجساد الرعيّة لا على قلوبها، وإن غلبتم الناس على ما في أيديهم فلن تغلبوهم على ما في عقولهم وآرائهم ومكايدهم. واعلموا أن العاقل المحروم سال عليكم لسانه، وهو أقطع سَيفيه، وإن أشدّ ما يضربكم من لسانه ما صرف الحيلة فيه إلى الدين فكان للدنيا يحتج، وللدين فيما يظهر يتعصّب، فيكون للدين بكاؤه، وإليه ،دعاؤه، ثم هو أوحد للتابعين والمصدّقين والمناصحين والمؤازرين لأنّ تعصّب الناس موكّل بالملوك ، ورحمتهم ومحبّتهم موكّلة بالضّعفاء المغلوبين، فاحذروا هذا المعنى كل الحذر.واعلموا أنّه ليس ينبغي للمَلِك أن يعرّف للعبّاد والنسّاك بأن يكونوا أولى بالدّين منه، ولا أحْدَبَ عليه ولا أغضَبَ له ولا ينبغي له أن يخلي النّساك والعبّاد من الأمر والنهي في نُسكهم ودينهم، فإن خروج النساك وغيرهم من الأمر والنهي عيبٌ على الملوك وعلى المملكة، وثُلمة بيّنة الضّرر على الملك وعلى مَنْ بعده.واعلموا أنّه قد مضى قبلنا من أسلافنا ملوك كان الملك منهم يتعهّد الحماية بالتفتيش والجماعة بالتفضيل والفراغ بالإشغال كتعهّده جَسَده بقصّ فضول الشعر والظّفر وغَسل الدّرن والغمر ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن، وقد كان من أولئك الملوك مَنْ صحّة ملكه أحبّ إليه من صحّة جسده، فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنّهم ملك واحد، وكأن أرواحَهم روحٌ ،واحدة يمكّن أوّلهم لآخرهم، ويصدّق آخرهم أوّلهم، يجتمع أبناء أسلافهم، ومواريث آرائهم، وثمرات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم، وكأنَّهم جلوسٌ معه يحدّثونه ويشاورونه، حتّى كأنّ على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الإسكندر الرّومي على ما غلب عليه من مُلكه . وكان إفساده أمرنا ، وتفرقته جماعتنا، وتخريبُه عمران مملكتنا أبلغَ له فيما أراد من سَفك دمائنا، فلما أذن الله عز وجل في جمع مملكتنا، وإعادة ،أمرنا كان من بعثه إيانا ما كان.وبالاعتبار يُتقّى العثار والتجارب الماضية دستورٌ يُرجع إليه من الحوادث الآتية.

واعلموا أنّ طباع الملوك على غير طباع الرعيّة والسوقة : فإن الملك يطيف به العزّ، والأمن والسرور والقُدرة على ما يريد، والأنَفَة والجرأة والعبث والبَطر، وكلما ازداد في العُمر تنفساً، وفي الملك سلامة ازداد من هذه الطبائع والأخلاق حتى يُسلمه ذلك إلى سُكْر السّلطان الَّذي هو أشدّ من سكر الشراب، فينسى النكبات والعثرات والغير والدوائر وفحش تسلُّط الإيام، ولؤم غلبة الدهر، فيرسل يده بالفعل ولسانه بالقول. وعند حسن الظنّ بالأيّام تحدثُ الغِيَر، وتزول النّعَم ؛ وقد كان من أسلافنا وقدماء مُلوكِنا مَنْ يذكرهُ عزّه الذلّ، وأمنُه الخوف، وسرورهُ الكآبة، وقدرته المعجزة، وذلك هو الرّجل الكامل قد جمع بهجة الملوك، وفكرة السُّوقة، ولا كمال إلا في جمعها .واعلموا أنكم ستُبلون على الملك بالأزواج والأولاد والقُرباء والوزراء والأخدان، والأنصار والأعوان والمتقرّبين والنُّدماء والمُضحكين، وكلّ هؤلاء - إلا قليلاً - أن يأخذ لنفسه أحبُّ إليه من أن يعطي منها عمله، وإنما عمله سوقٌ ليومه وذخيرةٌ لغده، فنصيحتُه للملوك فضل نصيحته لنفسه وغاية الصلاح عنده صلاح نفسه، وغاية الفساد عنده فسادها ؛ يقيم للسلطان سوق المودّة ما أقام له سوق الأرباح والمنافع، إذا استوحش الملك ثقاته أطبقت عليه ظُلم الجهالة. أخوف ما يكون العامة آمن ما يكون الوزراء، وآمن ما يكون العامة أخوف ما يكون الوزراء.واعلموا أن كثيراً من وزراء الملوك من يُحاول استبقاء دولته وأيامه بإيقاع الاضطراب، والخَبْط في أطراف مملكة الملك، ليحتاج الملك إلى رأيه وتدبيره ؛ فإذا عرفتم هذا من وزير من وزرائكم فاعزلوه فإنَّه يُدخِل الوهن والنقص على الملك والرعيّة لصلاح حال نفسه، ولا تقوم نفسه بهذه النفوس كلّها.واعلموا أن بدء ذهاب الدّولة ينشأ من قبل إهمال الرعيّة بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة، فإذا نشأ الفراغ تولّد منه النظر في الأمور والفكر في الفروع والأصول. فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع مختلفة، فتختلف بهم المذاهب، ويتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم وتضاغنهم وهم مع اختلافهم هذا متفقون ومجتمعون على بغض الملوك، فكلّ صِنف منهم إنّما يجري إلى فَجيعِة الملك بملكه، ولكنّهم لا يجدون سُلْماً إلى ذلك أوثق من الدّين والناموس، ثمّ يتولّد مِن تَعادِيهم أن المَلِك لا يستطيع جمعهم على هوًى واحد، فإن انفرد باختصاص بعضهم صارَ عدوّ بقيتهم، ولي طباع العامة استثقال الولاة ومَلالُهم، والنفاسة عليهم، والحَسد لهم، وفي الرعيّة المحروم والمضروب والمقام عليه الحدود، ويتولّد من كثرتهم مع عداوتهم أن يَجبن الملك عن الإقدام عليهم، فإنّ في إقدام الملك على الرعيّة كلّها كافّة تغريراً بمُلكه . ويتولّد مِن جُبْن المَلِك عن الرعيّة استعجالهم عليه، وهم أقوى عدوّ له وأخلقه بالظَّفَر، لأنّه

حاضر مع الملك في دار ملكه، فمن أفضَى إليه الملكُ بعدي فلا يكونَنّ بإصلاح جسده أشدَّ اهتماماً منه بهذه الحال ولا تكوننّ لشيء من الأشياء أكره وأنكر لرأس صار ذَنْباً، وذَنبٍ صار رأساً، ويد مشغولة صارت فارغةً، أو غنيِّ صارَ فقيراً، أو عامل مصروف، أو أمير معزول .واعلموا أن سياسة الملك وحراسته ألا يكون ابن الكاتب إلا كاتباً، وابن الجنديّ إلاّ جنديَّا ، وابن التاجر إلا تاجراً، وهكذا في جميع الطبقات، فإنّه يتولّد من تنقّل النّاسِ عن حالاتهم أن يلتمس كل امرىء منهم فوقَ مرتبته ، فإذا انتقل أو شَكَ أن يرى شيئاً أرفع مما انتقل إليه، فيَحُسَد أو ينافسَ، وفي ذلك من الضرر المتولد ما لا خفاءَ به، فإن عجز مَلكٌ منكم عن إصلاح رعيّته كما أوصيناء فلا يكون للفيمص القَمِل أسرَع خلعاً منه لما لبس من قميص ذلك المُلك.واعلموا أنه ليس مَلكٌ إلاّ وهو كثير الذِّكر لمن يلي الأمر بعده، ومن فساد أمر الملك نشرُ ذكره ولاةَ العهود، فإنّ في ذلك ضُروباً من الضرر، وأنّ ذلك دخولُ عداوة بين الملك وولیّ عهده، لأنّه تطمح عينُه إلى الملك، ويصير له أحبابٌ وأخدان يمنّونه ذلك، ويستبطئون موتَ الملك . ثم إنّ الملك يستوحش منه، وتنساق الأمور إلى هلاك أحدهما، ولكن لينظر الوالي منكم الله تعالى ثم لنفسه ثم للرعيّة، ولينتخب وليا للعهد من بعده ولا يُعلمه ذلك، ولا أحد من الخَلْق قريباً كان منه أو بعيداً. ثم يكتب اسمه في أربع صحائف ويَختمها بخاتمه، ويضَعُها عند أربعة نفر من أعيان أهل المملكة، ثم لا يكون منه في سرّه وعلانيته أمر يستدل به على ولي عهده من هؤلاء في إدناء وتقريب يعرف به ولا في إقصاء وإعراض يُستَراب له. وليتق ذلك في اللحظة والكَلِمة ، فإذا هَلَك الملك جُمعت تلك الصحائف إلى النسخة التي تكون في خِزانة الملك، فتفضّ جميعاً، ثم ينوّه حينئذ باسم ذلك الرجل، فيلقي الملك إذا لقيه بحَداثة عهده بحال السوقة، ويلبسه إذا لبسه ببصر السوقة وسمعها ، فإنّ في معرفته بحاله قبل إفضاء الملك إليه سُكْراً تُحدِثه عنده ولاية العهد، ثم يلقاه الملك فيزيده سُكْراً إلى سكره، فيعمَى وَيَصم، هذا مع ما لا بد أن يلقاء أيام ولاية العهد من حِيَل العُتاة، وبغي الكذابين، وترقية النمامين، وإيغار صدره، وإفسادِ قلبه على كثير من رعيته وخواص دولته، وليس ذلك بمحمود ولا صالح.واعلموا أنّه ليس للملك أن يحُلَّف، لأنّه لا يقدر أحدٌ استكراهه، وليس له أن يغضب لأنّه ،قادر والغضب لقاح الشرّ والندامة، وليس له أن يَعبث ويَلعب لأن اللِعب والعَبَث من عمل الفُرّاغ، وليس له أن يفرَغ لأنّ الفَرَاغ من أمرِ السّوقة، وليس للملك أن يَحْسُد أحَداً إِلاّ على حُسن التدبير وليس له أن يخاف لأنه لا يدَ فوق يده.واعلموا أنكم لن تقدروا على أن تَختِموا أفواهَ الناس من الطّعن والإزْراء عليكم، ولا قدرةَ لكم على أن تَجعَلُوا القبيح من أفعالِكم حَسَناً ؛ فاجتهدوا في أن تَحسُن أفعالُكم كلّها، والاً تجعلوا للعامة إلى الطعن عليكم سبيلاً .

واعلموا أنّ لِباسَ المَلِك ومطعمه وَمَشربه مقاربٌ للباس السّوقة ومطعمهم، وَليس فضل المَلِك على الشوقة إلاّ بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم، فإنّ الملك إذا شاء أحسنَ، وليس كذلك السُّوقة.واعلموا أنّ لكلّ ملك بطانةً، ولكل رجل من بطانيه بطانة، ثم إن لكل امرىءٍ من بطانة البطانة بطانة، حتّى يجتمعَ من ذلك أهلُ المملكة، فإذا أقام الملك بطانته على حال الصّوابفيهم، أقامَ كلّ امرىء منهم بطانته على مثل ذلك حتى يجتمع على الصّلاح عامّة الرعيّة.احذروا باباً واحداً طالما أمِنْتُه فَضَرَّني، وحذرته فنَفَعني. احذروا إفشاء السر بحضرة الصِّغار من أهليكم وخَدمِكم، فإنّه ليس يصغر واحدٌ منهم عن حَمْل ذلك السرّ كاملاً لا يترك . شيئاً حتى يضعَه حيثُ تكرهون إما سقطاً أو غشَّا.واعلموا أنّ في الرعيّة صنفاً أتوا الملك من قِبَِل النصائح له، والتمسوا إصلاحَ منازلهم بإفساد مَنازِِل الناس، فأولئك أعداء الناس وأعداء الملوك، ومَنْ عَادى الملوك والنَّاسَ كلّهم فقد عادى نفسه .واعلموا أنّ الدهر حاملُكم على طبقات؛ فمنها حال السّخاء حتّى يدنو أحدُكم من السّرف، ومنها حال التبذير حتى يدنو من البُخْل ، ومنها حال الأناة حتّى يدنو من البلادة، ومنها حال انتهاز الفرصة حتى يدنو من الخِفّة، ومنها حال الطلاقة في اللسان حتّى يدنو من الهَذَر، ومنها حال الأخذ بحكمة الصمت حتى يدنو من العيّ، فالملك منكم جديرٌ أن يبلغ من كلّ طبقة في محاسنها حَدّها ، فإذا وقف عليه ألجم نفسه عمّا وراءَها.واعلموا أن ابن الملك وأخاه وابنَ عمّه يقول : كدت أن أكون ملكاً، وبالحريّ ألاّ أموت حتّى أكون مَلِكاً ، فإذا قال ذلك قال ما لا يسرّ الملك، وإن كتمه فالدّاء في كلّ مكتوم، وإذا تمنّى ذلك جعل الفساد سُلَّماً إلى الصلاح، ولم يكن الفساد سُلَّماً إلى صلاح قطّ. وقد رسمتُ لكم في ذلك مثالاً ، اجعلوا الملك لا ينبغي إلاّ لأبناء الملوك من بنات عمومتهم، ولا يصلح من أولاد بنات العمّ إلا كامل غير سخيف العقل، ولا عازبُ الرأي، ولا ناقص الجوارح، ولا مطعونٌ عليه في الدّين، فإنكم إذا فعلتم ذلك قل طلاب الملك، وإذا قلّ طلابُه استراح كلّ امرىء إلى ما يليه ونَزعَ إلى حَدٌ يَليه وعرف حاله، ورضي معيشته، واستطاب زمانه .فقد ذكرنا وصايا قوم من العرب، ووصايا أكثر ملوك الفُرْس وأعظمهم حكمةٌ لتُضَمّ إلى وصايا أمير المؤمنين فيحصل منها وصايا الدين والدنيا، فإنَّ وصايا أمير المؤمنين علیه السلام ، الدِّينُ عليها أغلب، ووصايا هؤلاء الدّنيا عليها أغلَب، فإذا أخذ من أخذ التوفيق بيده بمجموع ذلک فقد سعد، ولا سعيد إلا من أسعده الله .

### 54 - ومن كتاب له علیه السلام إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعي وذكر هذا الكتاب أبو جعفر الإسكافي في كتاب المقاماتالأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتُمَا - وَإِنْ كَتَمْتُمَا - أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي، وَلَمْ أُبايِعُهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي ؛ وَإِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَبَايَعَنِي، وَإِنَّ الْعَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانِ غَالِبٍ، وَلاَ لِحِرْصٍ حَاضِرٍ ، فَإِنْ كُنتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ فَارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى الله مِنْ قَرِيبٍ، وَإِنْ كُتُمَا بايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ . وَلَعَمْرِي مَا كُنتُمَا بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِينَ بالتَّقِيَّةِ وَالْكِثْمَانِ.وَإِنْ دَفَعَكُمَا هَذَا الْأَمْرَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَا فِيهِ كانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِهِ.وَقَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّي قَتَلْتُ عُثْمَانَ، فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَعَنْكُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِىءٍ بِقَدْرِ مَا احْتَمَل .فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْخَانِ عَنْ رَأيِكُمَا ، فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمُ أَمْرِكُمَا الْعَارُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ الْعَارُ وَالنَّارُ . والسلام.الشرح: هو عمران بنُ الحُصَين بن عبيد بن خَلَف بن عبد بن نَهم بن سالم بن غاضرة بن سلول بن حُبشِيَّة بن سلول بن كعب بن عمرو الخُزاعيّ. يكنى أبا يُجَيْد بابنه بجيد بن عمران. أسلَمَ هو وأبو هريرة عامَ خَيْبر، وكان من فضلاء الصّحابة وفقهائهم، يقول أهلُ البصرة عنه : إنّه كان یری الحَفَظة، وكانت تكلّمه حتّى اكتَوَى.وقال محمد بن سيرين : أفضلُ من نزل البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمران بن حُصَين وأبو بَكْرة. واستقضاه عبد الله بن عامر بن كريز على البصرة فعمل له أيّاماً ، ثم استعفاه فأعفاه، ومات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين في أيّام معاوية.### أبو جعفر الإسكافيوأمّا أبو جعفر الإسكافي - وهو شيخنا محمّد بن عبد الله الإسكافي - عده قاضي القضاة

في الطبقة السابعة من طبقات المُعتزِلة مع عباد بن سُليمان الصَّيْمَري، ومع زُرْقان، ومع عيسى بن الهيثم الصوفيّ، وجعل أوّل الطبقة ثُمامَة بن أشرس أبا ،معن، ثم أبا عثمانَ الجاحظ، ثم أبا موسى عيسى بن صُبَيح المردار، ثم أبا عمران يونُس بن عمران ثم محمد بن شبيب ثم محمد بن إسماعيل بن العسكري، ثم عبد الكريم بن رَوْح العسكريّ، ثم أبا يعقوب يوسف بن عبد الله الشحّام ثمّ أبا الحسين الصالحيّ، ثم الجعفران: جعفر بن جرير وجعفر بن ميّسر ، ثم أبا عمران بن النّقاش، ثمّ أبا سعيد أحمد بن سعيد الأسدي، ثم عبّاد بن سليمان ثم أبا جعفر الإسكافيّ هذا. وقال : كان أبو جعفر فاضلاً عالماً، وصنف سبعين كتاباً في علم الكلام.وهو الّذي نقض كتابَ «العثمانية» على أبي عثمان الجاحظ في حياته، ودخل الجاحظ الورّاقين ببغداد، فقال : مَنْ هذا الغلام السّوَادي الذي بلغني أنه تعرّض لنقض كتابي! وأبو جعفر جالس فاختفى منه حتى لم يَرَه .وكان أبو جعفر يقول بالتفضيل على قاعدة معتزلة بغداد، ويبالغ في ذلك، وكان عَلَوِيَّ الرأي، محقّقاً مُنصفاً ، قليلَ العَصبية .****ثم نعود إلى شرح ألفاظ الفضل ومعانيه :قوله علیه السلام: «لم أرد الناس»، أي لم أرد الولاية عليهم حتىّ أرادوا هم منّي ذلك .قال : «ولم أبايعهم حتى بايعوني»، أي لم أمدُد يدي إليهم مدّ الطَّلَب والحرص على الأمر ولم أمددُها إلا بعد أن خاطَبُوني بالإمْرَةِ والخلافة، وقالوا بألسنتهم قد بايعناك، فحينئذٍ مددتُيدي إليهم .قال : ولم يبايعني العامة والمسلمون لسلطانٍ غَصَبهم وقهرهم على ذلك، ولا لحرص حاضر أي مال موجود فرّقته عليهم .ثم قسم عليهما الكلام فقال : إن كنتما بايَعْتُماني طوعاً عن رضا فقد وجب علیکما الرجوع، لأنه لا وجه لانتقاض تلك البيعة، وإن كنتما بايعثماني مكْرَهَيْن عليها فالإكراه له صورة، وهي أن يجرّد السيف ويمدّ العنق، ولم يكن قد وقع ذلك ، ولا يمكنكما أن تدّعياه، وإن كنتما بايعتماني لا عن رضاً ولا مكرهين بل كارهين وبين المُكْرَه والكاره فرقٌ بيّن، فالأمور الشرعيّة إنما تُبنى على الظاهر، وقد جعلتُما لي على أنفسكما السبيل بإظهاركما الطاعة والدخول فيما دخل فيه الناس ولا اعتبار بما أسررتما من كراهية ذلك. على أنه لو كان عندي ما يكرهه المسلمون لكان المهاجرون في كراهية ذلك سواء ؛ فما الذي جعلكما أحقَّ المهاجرين كلّهم بالكتمان والتقيّة!

ثم قال : وقد كان امتناعكما عن البيعة في مبدأ الأمر أجمل من دخولكما فيها ثم نكتها .قال: وقد زعمتما أن الشبهة التي دخلت عليكما في أمري أني قتلتُ عثمان، وقد جعلتُ الحكَم بيني وبينكما من تخلّف عنّي وعنكما من أهل المدينة أي الجماعة التي لم تنصر عليا ولا طلحة، كمحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وعبد مسلمة، وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وغيرهم، يعني أنهم غير متَّهمين عليه ولا على طلحة والزبير فإذا حكموا لزم كلّ امرىء منّا بقدر ما تقتضيه الشهادات. ولا شبهة أنهم لو حكموا وشهدوا بصورة الحال لحكموا ببراءة عليّ علیه السلام من دم عثمان، وبأن طلحة كان هو الجملة والتفصيل في أمره وحصره وقتله، وكان الزبير مساعداً له على ذلك، وإن لم يكن مكاشفاً مكاشفة طلحة .ثم نهاهما عن الإصرار على الخطيئة، وقال لهما : إنكما إنما تخافان العار في رجوعكما وانصرافكما عن الحرب، فإن لم ترجعا اجتمع عليكما العار والنار ؛ أما العار فلأنكما تهزمان وتفرّان عند اللقاء فتعيَّران بذلك، وأيضاً سيُكشف للنّاس أنكما كنتما على باطل فتعيّران بذلك، وأما النار فإليها مصيرُ العُصاة إذا ماتوا على غير توبة واحتمال العار وحده أهوَنُ من احتمالهواحتمال النار معه .### 55 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاويةالأصل: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ جَعَلَ الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا ، وَابْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا، لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَلَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا ، وَلا بِالسَّعي فِيهَا أُمِرْنَا ، وَإِنَّمَا وُضِعْنَا فِيهَا لِنَبْتَلَى بِهَا ، وَقَدْ ابْتَلانِي الله بِكَ وَابْتَلاكَ بِي ، فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةٌ عَلَى الْآخَرِ ، فَقَدَوْتَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَطَلَبْتَني بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَلَا لِسانِي، وَعَصَبْتَهُ أَنْتَ وَأَهْلُ الشَّامِ بي، وَأَلَّبَ عَالِمُكُم جاهَلِكُمْ، وَقَائِمُكُمْ فَاعِدَكُمْ . فاتقِ الله فِي نَفْسِكَ، وَنَازِعِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ ، وَاصْرِف إِلَى الْآخِرَةِ وَجْهَكَ ، فَهِيَ طَرِي وَطرِيقُكَ، وَاحْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ الله مِنْهُ بِعَاجِل قَارِهَةٍ تَمَسُ الْأَصْلَ، وَتَقْطَعُ الدَّابِرَ، فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِالله أَلِيَّةٌ غَيْرَ فَاجِرَةٍ، لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِكَ، (حَتَّى يَحكُم الله بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَكِمِينَ (1).)


1) سورة الأعراف الآية : 87 .

الشرح: قال علیه السلام : «إن الله قد جعل الدنيا لما بعدها» أي جعلها طريقاً إلى الآخرة.ومن الكلمات الحكميّة: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها وابتلى فيها أهلها أي اختبرهم ليعلم أيهم أحسنُ عملاً ، وهذا من ألفاظ القرآن العزيز، والمراد ليعلم خلقه، أو ليعلم ملائكته ورُسُله، فحذف المضاف، وقد سبق ذكر شيء يناسب ذلك فيما تقدم، قال:«ولسنا للدنيا خُلِقْنا»، أي لم نخلق للدنيا فقط.قال: «ولا بالسعي فيها أمرنا»، أي لم نؤمر بالسعي فيها لها ، بل أمرِنا بالسعي فيها لغيرها.ثم ذكر أن كل واحد منه ومن معاوية مُبتلّى بصاحبه، وذلك كابتلاء آدم بإبليسَ وإبليسَ بآدم.قال: «فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن»، أي تعديت وظلمت، و«على» ها هنا متعلّقة بمحذوف دلّ عليه الكلام، تقديرُه مثابراً على طلب الدنيا أو مصراً على طلب الدنيا، وتأويل القرآن ما كان معاوية يموّه به على أهل الشام فيقول لهم: أنا وليّ عثمان، وقد قال الله تعالى: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ سُلْطَنَا (1).)ثم يعِدُهم الظفر والدولة على أهل العراق بقوله تعالى: ﴿فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ منصورا (2).)قوله : «وعصبته أنت وأهل الشام» أي ألزمتنيه كما تلزم العصابة الرأس، «وألّب عالمكم جاهلَكم»؛ أي حرّض. والقياد: حبل تقاد به الدابّة. قوله : واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة الضمير في «منه» راجعٌ إلى الله تعالى، «ومن» لابتداء الغاية.وقال الراونديّ: منه أي من البُهتان الذي أتيته، أي من أجله، و«من» للتعليل، وهذا بعيد وخلاف الظاهر. قوله:«تمسّ الأصل»، أي تقطعه، ومنه ماء ممسوس أي يقطع الغُلّة. ويقطع الدابر أي العقب والنسل.والأليّة: اليمين. وباحة الدار: وَسَطها، وكذلك ساحَتُها، ورُوي بناحيتك .قوله : «بعاجل قارعة وجوامع الأقدار» ، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف للتأكيد، كقوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (3).)


1) سورة الإسراء، الآية : 33 .

2) سورة الإسراء، الآية : 33.

3) سورة الحاقة، الآية : 51 .

### 56 - ومن كلام له علیه السلام وصى بهشريح بن هانىء لما جعله على مقدمته إلى الشامالأصل: اتَّقِ الله فِي كُلِّ مَسَاءٍ وَصَبَاحٍ، وَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ، وَلَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ.وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ مَخَافَةَ مَكْرُوهِهِ، سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاهُ إِلَى الله كَثِير مِنَ الضَّرَرِ، فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً ، وَلِنَزَوَاتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظةِ وَائِماً قامِعاً .الشرح: هو شُرَيح بنُ هاني بن يزيدَ بنِ نهيك بن دُرَيد بنِ سُفيان بن الضّباب، وهو سَلَمة بن الحارث بن ربيعة بن الحارث بن كعب المَذْحِجيّ. كان هانيء يُكنَى في الجاهلية أبا الحكم، لأنّه كان يحكم بينهم، فكناه رسول الله صلی الله علیه و آله والسلام بأبي شُرَيح ، إذ وفد عليه . وابنه شُرَيح هذا من جلة أصحاب عليِّ علیه السلام ، شَهِد معه المشاهد كلَّها وعاش حتَّى قُتِل بسجستان في زمن الحجّاج ، وشُرَيْح جاهليّ إسلاميّ، يكنَى أبا المِقدام، ذكر ذلك كلَّه أبو عمرَ بنُ عبد البرّ في كتاب الاستيعاب.قولُه علیه السلام : وخَف على نفسك الغَرورَ، يعني الشيطان، فأما الغُرور بالضمّ فمصدر. والرادع : الكافّ المانع .والنَّزَوات الوَثَبات .والحفيظة: الغضب. والواقِم : فاعلٌ من وقَمْتُه أي رددته أقبحَ الردّ وقهرتُه. يقول علیه السلام : إن لم تَردَع نفسَك عن كثير من شَهَواتِك أفضتْ بك إلى كثير من الضرر ومثل هذا قولُ الشاعر:فإنك إن أعطيت بطنك سُؤلَها وفَرْجَك نالا منتهى النَّم اجمعا### 57 - ومن كتاب له علیه السلامإلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرةالأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي خَرَجْتُ عَنْ حَبِّي هَذَا إِمَّا ظَالِماً وَإِمَّا مَظْلُوماً، وَإِمَّا بَاغِياً وَإِمَّا مَبْغِيًّا عَلَيْهِ، وَأَنا أذكرُ الله مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ ، فَإِنْ كُنْتُ مُحْيِناً أَعَانَنِي، وَإِنْ كُنتُ مُسِيئاً اسْتَعْتَبَنِي .*

الشرح: ما أحسنَ هذا التقسيم وما أبلغه في عطف القلوب عليه، واستمالة النفوس إليه !قال : لا يَخلو حالي في خُروجي من أحد أمرين : إمَّا أن أكون ظالماً أو مظلوماً، وبدأ بالظّالم مضماً لنفسه، ولئّلا يقول عدوه : بدأ بدعوى كونه مظلوماً، فأعطَى عدوِّه من نفسِه ما أراد .قال : فليَنفِر المسلمون إلي فإن وجدوني مظلوماً أعانوني، وإن وجدوني ظالماً نهَوْني عن ظُلمي لأعِتبَ وأنيبَ إلى الحق. وهذا كلام حَسن، ومرادُه علیه السلام يَحصل على كلا الوجهين، لأنّه إنّما أراد أن يستنفرَهم، وهذان الوجهان يقتضيان نغيرَهم إليه على كل حال، والحيّ : المنزل، ولمّا ها هنا بمعنى إلا ، كقوله تعالى : (إن كُلُّ نَفْسٍ لَما عَلَيْهَا حَافِظٌ (1)في قراءة من قرأها بالتّشديد .)### 58 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه إلى أهل الأمصاريقض فيه ما جرى بينه وبين أهل صفينالأصل: وَكَانَ بَنْهُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَيْنَا بِالْقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ، وَنَبِيِّنا وَاحِدٌ، وَدَعْوَتَنَا فِي الْإِسْلامِ وَاحِدَةٌ، وَلاَ نَسْتَزِيدُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِالله وَالتَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ وَلا يَسْتَزيدُونَنَا ، وَالأمْرُ وَاحِدٌ إِلا مَا الخَتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَم عُثْمَانَ، وَنَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ ، فَقُلْنَا : تَعَالَوْا نُدَاوِي مَا لاَ يُدْرَكُ الْيَوْمَ بِإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ، وَتَسْكِينِ الْعَامَّةِ، حَتَّى يَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَيُسْتَجْمِعَ ، فَتَقْوَى عَلَى وَضْعِ الْحَقِّ فِي مَوَاضِعِهِ، فَقَالُوا : بَلْ نُدَاوِيهِ بِالْمُكَابَرَةِ، فَأَبَوْا، حَتَّى جَنَحَتِ الْحَرْبُ وَرَكَدَتْ ، وَوَقَدَتْ نِيرَانُهَا وَحَمِشَتْ.فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَإِيَّاهُمْ، وَوَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِينَا وَفِيهِمْ، أَجَابُوا عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الَّذِي دَعَوْنَاهُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا، وَسَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ ؛ وانْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَة، فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُو الذي أَنْقَذَهُ الله مِنَ الْهَلَكَةِ، وَمَنْ لَج وَتَمَادَى فَهُوَ الرَّاكِسُ الَّذِي رَانَ الله عَلَى قَلْبِهِ، وَصَارَتْ دَائِرَةُ السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ .الشرح: رُوِي: «التقينا والقوم» بالواو، كما قال :قلتُ إذ أقبلت وزهر تَهادَى


1) سورة الطارق، الآية : 4 .

ومن لم يروها بالواو فقد استراح من التكلّف .قوله : «والظاهر أن ربنا واحد كلامُ من لم يحكم لأهل صِفّين من جانب معاوية حُكْماً قاطعاً بالإسلام بل قال ظاهرُهم الإسلام، ولا خلف بيننا وبينهم فيه، بل الخُلْف في دَمِ عثمان .قال علیه السلام : قلنا لهم : تعالوا فلنطفىء هذه النائرة الآن بوضع الحرب، إلى أن تتمهّد قاعدتي في الخلافة وتزول هذه الشوائبُ التي تكدِّر عليّ الأمر، ويكون للناس جماعةٌ ترجع إليها، وبعد ذلك أتمكن من قَتَلَةِ عثمان بأعيانهم فأقتصَّ منهم، فأبوا إلاّ المكابرة والمغالبة والحرب.قوله : «حتّى جَنَحتْ الحرب ورَكدَت»، جَنَحت :أقبلت، ومنه : قد جَنَح الليل، أي أقبل، ورَكدت دامت وثَبتت .قوله : «ووَقَدتْ نيرانها»، أي التهبتقوله : «وحَمِشت»، أي استعرت وشَبّت . ورُوي : «واستحشَمَت» وهو أصحّ ؛ ومن رواها«حَمَستْ» بالسين المهملة أراد اشتدّت وصَلُبت .قوله : «فلمّا ضَرّستنا وإياهم أي عضّتنا بأضراسها ويقال : ضَرَسَهم الدهر، أي اشتدّ عليهم .قال : لمّا اشتدّت الحرب علينا وعليهم وأكلَتْ منّا ومنهم، عادوا إلى ما كنّا سألناهم ابتداءً، وضَرَعوا إلينا في رفع الحرب، ورفعوا المصاحفَ يسألون النزول على حكمها، وإغمادَ السيف، فأجبناهم إلى ذلك.قوله : «وسار غناهم إلى ما طلبوا كلمةٌ فصيحة، وهي تَعدية الفعل اللازم، كأنّها لمّا كانت في معنى المُسابقة والمسابقة متعدّية عدّى المُسارعةَ .قوله: «حتّى استبانت»، يقول: استمررنا على كفّ الحرب ووضعها، إجابةٌ لسؤالهم، إلى أن استبانت عليهم حجّتنا ، وبطلت معاذيرُهم وشُبْهتُهم في الحرب وشق العصا، فمن تمّ منهم على ذلك، أي على انقياده إلى الحق بعد ظهوره له، فذاك الذي خَلّصه الله من الهلاك وعذابِ الآخرة، ومن لَج منهم على ذلك وتَمادَى في ضلاله فهو الرّاكس ؛ قال قوم: الراكس هُنا بمعنَى المَركوس، فهو مقلوب فاعل بمعنى مفعول، كقوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَقو(1)أي مرضيّة، وعندی أن اللفظة على بابها يعني أن من لجّ فقد رَكَس نفسه، فهو الراكس، وهو المركوس،)


1) سورة القارعة الآية: 7 .

يقال : ركَسه واركَسَه بمعنى والكتابُ العزيز جاء بالهمز فقال : (وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا کَسَبوا (1)، أي ردّهم إلى كفرهم ويقول : ارتكَس فلان في أمر كان نجا منه، ورانَ على قلبه، أي ران هو على قلبه كما قلنا في الرّاكس؛ ولا يجوز أن يكون الفاعلُ - وهو الله - محذوفاً ، لأن الفاعل لا يُحذَف، بل يجوز أن يكون الفاعل كالمحذوف، وليس بمحذوف، ويكون المصدر وهو الرَّيْن، ودَل الفعل عليه كقوله تعالى: ﴿ثمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْأَيَتِ ) (2)أي بَدا لهم البداء . ورَانَ بمعنى غَلَب وغَطّى ؛ ورُوِي فهو الرّاكس الذي رين على قلبه».)قال: وصارت دائرةُ السَّوْء على رأسه من ألفاظ القرآن العزيز، قال الله تعالى: (عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوء (3)والدوائر : الدول .)قال :وإنّ على الباغي تدورُ الدوائروالدائرة أيضاً : الهزيمة، يقال: على من الدائرة منهما، والدوائر أيضاً الدّواهي.### 59 - ومن كتاب له علیه السلام إلى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوانالأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإنَّ الْوَالِيَ إِذَا الخَتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ، فَلْيَكُنْ أمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ، فَاجْتَنِبْ مَا تُنكِرُ أَمْثَالَهُ، وَابْتَذِلُ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ الله عَلَيْكَ، رَاجِياً ثَوَابَهُ، وَمُتَخَوْفاً عِقَابَهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ لَمْ يَفْرُغُ صَاحِبُهَا فِيهَا قَط سَاعَةً إِلا كَانَتْ فَرْفَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَنْ يُغْنِيكَ عَنِ الْحَقِّ شَيْءٌ أَبَداً، وَمِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حفظ نَفْسِكَ، وَالاحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ، فَإِنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ ؛ والسلام.الشرح: لم أقف إلى الآن على نَسَب الأسود بن قُطبة، وقرأتُ في كثير من النّسخ أنّه حارثيّ من بني الحارث بن كعب ؛ ولم أتحقق ذلك، والّذي يغلب على ظنّي أنّه الأسود بن زيد بن قطبة بن غَنْم الأَنْصَاري من بني عُبيد بن عَدِيّ. ذكره أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب «الاستيعاب»، وقال : إن موسى بن عُقبة عدّه فيمن شَهِدَ بَدْراً .


1) سورة النساء الآية : 88 .

2) سورة يوسف، الآية : 35 .

3) سورة الفتح، الآية: 7 .

قوله علیه السلام: «إذا اختلف هَوَى الوالي منعَه كثيراً من الحق» قولٌ صِدق، لأنهّ مَتَى لم يكن الخصمان عند الوالي سواءٌ في الحقّ جارَ وظلَم .ثم قال له : فإنّه ليس في الجَوْر عوض من العَدْل؛ وهذا أيضاً حق، وفي العدل كلّ العِوض مِن الجور.ثم أمرَه باجتناب ما ينكر مثله من غيره، وقد تقدّم نحو هذا .وقوله : «إلا كانت فَرْغَتُه» كلمةٌ فصيحة، وهي المرّة الواحدة من الفَرَاغ، وقد رُوِيَ عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «إن الله يُبغِضُ الصحيحَ الفارغ لا في شغل الدنيا ولا في شغل الآخرة»، ومرادُ أمير المؤمنين علیه السلام ها هنا الفراغ من عمل الآخرة خاصّة.قوله : «فإنّ الذي يصل إليك من ذلك أفضلُ من الذي يَصِل بك»، معناه : فإنّ الذي يصل إليك من ثواب الاحتساب على الرعيّة، وحفظ نفسك من مظالمهم والحَيْف عليهم، أفضلُ من الَّذي يصل بك من حِراسة دِمائِهم وأعراضِهم وأموالِهم؛ ولا شُبهة في ذلك، لأنَّ إحدى المنفعتين دائمة، والأخرى منقطعة، والنفع الدائم أفضل من المنقطع.### 60 - ومن كتاب له علیه السلام إلى العمال الذين يطا عملهم الجيوشالأصل: مِنْ عَبْدِ الله عَلِيِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ مِنْ جُبَاةِ الْخَرَاجِ وَعُمَّالِ الْبِلادِ :أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ الله، وَقَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ كَفَّ الْأَذَى، وَصَرْفِ الشَّدَى، وَأَنَا أَبْرَأَ إِلَيْكُمْ وَإِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْش، إلا مِنْ جَوْعَةِ الْمُضْطَرُ لاَ يَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ، فَنَكُلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ، وَكُفُّوا أَبْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَادَّتِهِمْ، وَالتَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا اسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْهُمْ، وَأَنَّا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْشِ ، فَارْفَعُوا إِلَيَّ مَظَالِمَكُمْ، وَمَا عَرَاكُمْ مِمَّا يَغْلِبُكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ وَلاَ تُطِيقُونَ دَفْعَهُ إلا بالله وبي أخَيْرُهُ بِمَعُونَةِ الله. إنْ شَاءَ الله .الشرح: رُوِيَ «عن مُضارّتهم» بالراء المشدّدة. وحياة الخراج : الَّذين يَجمَعونه، جَبيتُ الماء في الحوض، أي جمعته. والشَّدَى : الضرب والشَرَ، تقول : لقد أشلَيت وانَيت. وإلى ذمّتكم ؛ أي إلى اليهود والنصارى الَّذين بينكم ، قال علیه السلام : «من آذى ذِميبَا فكأنّما آذاني»(1، وقال :)


1) ذكره أبو عبد الله الحنبلي في «المنار المنيف» (278).

إنما بذلوا الجِزية لتكون دماؤهم كدِماتِنا، وأموالَهم كأموالنا ، ويسمّى هؤلاء ذمّة، أي أهل ذمّة بحلف المضاف .والمَعَرّة: المَضَرّة، قال: الجيش ممنوع من أذى من يمر به من المسلمين واهل اللغةّ إلاّ من سدّ جَوْعة المضطرّ منهم خاصة، لأنّ المضطر تباح له الميتة فضلاً عن غيرها .ثمّ قال : فنكّلوا من تَناول ورُوِي «بمن تَناوَل» بالباء، أي عاقبوه. و«عن» في قوله : «عن ظلمهم»، يتعلّق ،بنكلوا ، لأنها في معنَى «اردعوا» ؛ لأنَّ النَّكَالَ يُوجب الرَّدْع .ثم أمرهم أن يكفّوا أيدِي أحداثهم وسفهائهم عن مُنازَعة الجيش ومصادَمتِه، والتعرّض لمنعه عمّا استثناه، وهو سدّ الجوعة عند الاضطرار، فإنّ ذلك لا يجوز في الشرع، وأيضاً فإنّه يُفضِي إلى فتنة وهَرَج.ثم قال : «وأنا بين أظهر الجَيْش»، أي أنا قريبٌ منكم، وسائر على إثر الجيش، فارفعوا إليّ مظالمكم وما عَراكم منهم على وجه الغَلَبَة والقَهْر ، فإنّي مغيّرٌ ذلك ومنتصِفٌ لكم منهم .### 61 - ومن كتاب له علیه السلام إلى كميل بن زياد النخعي وهو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدوّ طالباً للغارةالأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِن تَضْيِيعَ الْمَرْءِ مَا وُلْيَ، وَتَكَلَّفَهُ مَا كُفِي، لَمَجْرٌ حَاضِرٌ، وَرَأَي مُنَبِّرٍ ، وَإِنْ تَعَاطِيَكَ الغَارَةَ عَلَى أَهْلِ قَرْنِيَا، وَتَعْطِيلَكَ مَسَالِحَكَ الَّتِي وَليْنَاكَ - لَيْسَ لَهَا مَنْ يمنعُهَا ، وَلا يَرُدُّ الْجَيْشِ عَنْهَا - لَرَأَيْ شَعَاعٌ ، فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ مِنْ أَعْدَائِكَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ، غَيْرَ شَدِيدِ الْمَنْكِبِ، وَلا مَهِيبِ الْجَانِبِ، وَلاَ سَادٌ تُغْرَةٌ، وَلَا كَاسِرٍ لِعَدُوَّ شَوْكَةٌ، وَلَا مُغْنِ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ، وَلَا مُجْزِ عَنْ أَمِيرِه.الشرح: هو كُمَيل بنُ زياد بن سهيل بن هَيْثم بن سَعْد بن مالك بن الحارث بن صهبانَ بن سعد بن مالك بن النّخَع بن عمرو بن وَعْلة بن خالد بن مالک بن أدد. كان من أصحاب عليّ علهی السلام وشيعته وخاصّته، وقتله الحجّاج على المَذهب فيمن قَتَل من الشّيعة. وكان كُمَيل بنُ زياد عاملَ علىّ علیه السلام على هيت، وكان ضعيفاً، يمرّ عليه سرايا معاوية تَنهبُ أطرافَ العِراق ولا يردّها، ويحاول أن يجبُر ما عنده من الضّعف بأن يُغير على أطراف أعمال معاوية مثل قَرقِيسيا وما يَجرِي مَجرَاها من القُرى التي على الفرات، فأنكر علیه السلام ذلك من فعله، وقال: إن من العجز الحاضرِ أن يُهمِل الوالِي ما وَليَه، ويتكلّف ما ليس من تكليفه .

والمتَبر : الهالك ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ (1). والمسالح : جمعُ مَسلّحة، وهي المواضع الّتي يقام فيها طائفة من الجند لحمايتها .

ورأيٌ شَعاع، بالفتح، أي متفرق.

ثم قال له : «قد صرتَ جِسراً» أي يَعبُر عليك العدوّ كما يَعَبُر الناسُ على الجسور، وكما أن الجِسر لا يمنع من يعبر به ويمرّ عليه فكذاك أنت.

والثُّغرة : الثُلمة. ومُجْز : كافٍ ومُغْنِ؛ والأصل «مُجزىءٌ» بالهمز، فخفّف.


60- ومن كتاب له علیه السلام

إلى أهل مصر مع مالك الأشتر رحمه الله لما ولاه إمارتها

الأصل: أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ؛ فَلَمَّا مَضَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ؛ فَوَالله

مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلا أَنَّهُمْ مُنَحُوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ، فَمَا رَاعَنِي إِلا انْتَبَالُ النَّاسِ عَلَى فُلان يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ بِبَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقٍ دِينِ مُحَمَّدِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنصُرِ الْإِسْلامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ تَلْماً أَوْ هَدْماً ، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ قَوْتِ وِلايَتِكُمْ ، التي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلائِلَ ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، وَكَمَا يَتَقَعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهُ.


الشرح: المُهيمن الشاهد، قال الله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا ) (2)، أي تشهد بإيمان مَنْ آمَن وكُفْر من كَفَر . وقيل : تشهد بصحّة نبوّة الأنبياء قبلك. وقوله: «على المرسلين، يؤكّد صحّة هذا التفسير الثاني، وأصل اللّفظة من «آمن غيره من الخوف»، لأن الشاهد يؤمّن غيره من الخَوْف بشهادته، ثم تصرفوا فيها فأبدلوا إحدَى همزتَي (مؤامن) ياء فصار «مُؤَيمن»، ثم قَلَبوا الهمزة هاءً كارقت وهَرَقْت فصار (مُهَيْمن).


1) سورة الأعراف الآية : 139 .

2) سورة الأحزاب الآية : 45 .

والرُّوع : الخلَد ؛ وفي الحديث: «إن رُوح القُدْس نَفَتْ في رُوعي »(1)، قال : ما يخطر لي ببال أن العرب تَعدِل بالأمر بعد وفاة محمد صلی الله علیه وآله وسلم عن بني هاشم، ثم من بني هاشم عنّي ؛ لأنّه كان المتيقّن بحكم الحال الحاضرة وهذا الكلام يدلّ على بُطلان دعوَى الإماميّة النصّ وخصوصاً الجليّ.

قال : «فما راعني إلا انثيال الناس»، تقول للشيء يفْجَوْك بغتةً: ما راعني إلاّ كذا، والرَّوْع بالفتح : الفَزَع ، كأنه يقول: ما أفزعني شيءٌ بعد ذلك السكون الذي كان عندي، وتلك الثقة التي اطمأننَتُ إليها إلا وقوعُ ما وقع من انثيال الناس - أي انصبابهم من كل وجه كما ينثاب التراب - على أبي بكر، وهذا لفظ الكتاب الذي كتبه للأشتر، وإنما الناسُ يكتبونه الآن «إلى فلان» تذمّماً من ذكر الاسم كما يكتبون في أوّل الشَّقْشِقِيَّة: «أما والله لقد تقمصَّها فلانٌ»، واللفظ «أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قُحافة» (2).

قوله: «فأمسكتُ يدي»، أي امتنعتُ عن بيعته حتى رأيت راجعة الناس، يعني أهل الرّدة كمسيلمة، وسَجاح وطُليحة بن خويلد ومانعي الزكاة؛ وإن كان مانعو الزكاة قد اختلف في أنهم أهل رِدّة أم لا .

ومحقُ الدِّين : إبطاله .

وزَهَق خَرَج وزال تنهنَه: سكن، وأصله الكفّ تقول : نهنهت السُبعَ فَتَنَهنَه ، أي كَفّ عن حركته وإقدامه، فكأنّ الدّين كان متحرّكاً مضطرباً فسكن وكف عن ذلك الاضطراب.


رَوَى أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في «التاريخ الكبير»(3)أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما مات اجتمعت أسدٌ وغطفانُ وطيّيء على طلَيْحَة بن خُويلد إلا ما كان من خواصّ أقوام في الطوائف الثلاث، فاجتمعت أسد بِسَميراء، وغَطَفان بَجنوب طيبة وطيّىء في حدود أرضهم، واجتمعت ثعلبة بن أسد ومن يليهم من قيس بالأبرق من الرَّبَذة وتأشّب إليهم ناس من بني كنانة، ولم تحملهم ،البلاد فافترقوا فرقتين : أقامت إحداهما بالأبرق، وسارت الأخرى إلى ذي القَصَّة، وبعثوا وفوداً إلى أبي بكر يسألونه أن يقارّهم على إقامة الصلاة ومنع الزكاة، فعزم الله لأبي بكر


1) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (10376)، والشهاب في «مسنده» (1150)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (288/2).

2) أخرجه الصدوق في علل الشرائع : 1501 ، وأخرجه العلامة المجلسي في البحار : 506/29 .

3) تاريخ الطبري : للإمام أبو جعفر محمد بن جرير المتوفى سنة ( 310ه-)، وهو من التواريخ المشهورة الجامعة الأخبار العالم.« كشف الظنون» (297/1) .

على الحق ، فقال : لو مَنَعوني عِقالاً لجاهدتهم عليه . ورجع الوفودُ إلى قومهم فأخبروهم بقلةٍ من أهل المدينة، فأطمعوهم فيها وعلم أبو بكر والمسلمون بذلك .

وقال لهم أبو بكر: أيّها المسلمون إنّ الأرض كافرة، وقد رأى وفدُهم منكم قِلّة، وإنكم لا تدرون أليْلاً تُؤْتَوْن أم نهاراً ، وأدناهم منكم عَلَى بريد، وقد كان القوم يأمُلون أن نقبل منهم ونُوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبدنا إليهم، فأعِدُّوا واستَعِدّوا . فخرج عليّ علیه السلام بنفسه، وكان على نَقْبِ من أنقاب المدينة .

وخرج الزّبير وطلحة وعبد الله بن مسعود وغيرُهم فكانوا على الأنقاب الثلاثة، فلم يلبثوا إلاّ قليلاً حتى طرق القومُ المدينة غارةً مع الليل، وخلّفوا بعضهم بذي حُسَى ليكونوا ردءًا لهم، فواقوا الأنقاب وعليها المسلمون، فأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر، فأرسل إليهم أن الزموا مکانكم، ففعلوا، وخرج أبو بكر في جمع من أهل المدينة على النواضح، فانتشر العدوّ بين أيديهم، واتّبعهم المسلمون على النواضح حتى بلغوا ذا حُسَى، فخرج عليهم الكَمين بأنحاء قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال، ثم دَهْدهوها بأرْجُلِهم في وجوه الإبل، فتَدَهْده كل يخي منها في طوله فنفرت إبلُ المسلمين وهم عليها - ولا تنفر الإبل من شيء نفارها من الأنحاء - فعاجت لا يملكونها حتى دخلت بهم المدينة، ولم يصرع منهم أحد ولم يُصب فبات المسلمون بهم تلك الليلة يتهيّؤون، ثم خرجوا على تعبية، فما طلع الفجرُ إلاّ وهم والقومُ على صعيد واحد، فلم يَسمَعوا للمسلمين حِسَّا ولا هَمْساً حتى وضعوا فيهم السيف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذَرّ قرنُ الشمس إلا وقد ولّوا الأدبار وغلبوهم على عامة ظهرهم، ورجعوا إلى المدينة ظافرين (1).

قلت: هذا هو الحديث الذي أشار علیه السلام إلى أنه نهض فيه أيام أبي بكر. وكأنه جوابٌ عن قول قائل : إنه عمل لأبي بكر، وجاهد بين يدي أبي بكر، فبيّن علیه السلام عذرَه في ذلك، وقال: إنه لم يكن كما ظنّه القائل، ولكنه من باب دَفع الضرر عن النفس وعن الدين، فإنه واجبٌ سواء كان للنّاس إمام أو لم يكن .

الرد على الشيعة في طعنهم في إمامة أبي بكر

وينبغي حيث جرى ذكرُ أبي بكر في كلام أمير المؤمنين علیه السلام أن نذكر ما أوردَه قاضي القُضاة في «المغني»، من المطاعن التي طُعن بها فيه وجواب قاضي القضاة عنها، واعتراضُ المرتضى في «الشافي» على قاضي القضاة، ونذكُر ما عندنا في ذلك، ثم نذكر مطاعن أخرى لم يذكُرها قاضي القضاة.


1) أخرجه الطبري في تاريخه : 478/2 .

الطعن الأول: قال قاضي القضاة بعد أن ذكر ما طعن به فيه في أمر فَلَك، وقد سبق القولُ فیه.

ومما طعِن به عليه قولهم : كيف يصلُح للإمامة من يُخبر عن نفسه أن له شيطاناً يعَتَريه ومن يحذّر الناسَ نفسه، ومن يقول: «أقيلوني» بعد دخوله في الإمامة، مع أنه لا يحلّ للإمام أن يقول: أقيلوني البيعة !

أجاب قاضي القضاة فقال : إن شيخنا أبا عليّ قال : لو كان ذلك نقصاً فيه لكان قولُ الله في آدم وحوّاء : (فَوَسْوَسَ مَا الشَّيْطَانُ) (1)، وقوله : (فَأَزَلَهُمَا الشَّيْطَنُ )(2)، وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِي إِلَّا إِذَا تَمَفّح ألقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِنَتِهِ (3)، يوجب النقص في الأنبياء.)وإذا لم يجب ذلك ، فكذلك ما وصف به أبو بكر نفسه، وإنما أراد أنه عند الغضب يُشفِق من المعصية ويَحذَر منها، ويخاف أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال فيُوَسوِس إليه، وذلك منه على طريق الزّجر لنفسه عن المعاصي، وقد رُوي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه ترك مخاصمةَ الناس في حقوقه إشفاقاً من المعصية، وكان يولّي ذلك عَقِيلاً، فلما أسنَّ عَقِيل كان يولِّيها عبد الله بنَ جعفر . فأمّا ما رُوي في إقالة البَيعة فهو خبرٌ ضعيف، وإن صحّ فالمراد به التنبيه على أنه لا يبالي لأمر يَرجع إليه أن يُقيله الناسُ البيعة، وإنما يضرّون بذلك أنفسهم ؛ وكأنه نبّه بذلك على أنه غير مكرِه لهم، وأنه قد خلاّهم وما يريدون إلاّ أن يَعْرِض ما يوجبِ خِلافه . وقد رُوِي أنّ أمير المؤمنين علیه السلام أقالَ عبدَ الله بنَ عمر البيعة حين استقاله والمراد بذلك أنه تركه وما يختار .اعترض المرتضى رضي الله عنه فقال: أما قول أبي بكر : «وَليتُكم ولستُ بخَيْركم، فإن استقمتُ فاتّبعوني، وإن اعوجَجت فقومّوني، فإنّ لي شيطاناً يَعتريني عند غضبي، فإذا رأيتموني مغضَباً فاجتنبوني لا أؤثِّر في أشعاركم وأبشاركم».فإنه يدلّ على أنه لا يَصلُح للإمامة من وجهين: أحدُهما : أنّ هذا صفة مَنْ ليس بمعصوم، ولا يأمن الغَلَط على نفسه من يحتاج إلى تقويم رعيّته له إذا وقع في المعصية، وقد بيّنا أن الإمام لا بدّ أن يكون معصوماً موفقاً مسدّداً .والوجه الآخر أن هذه صفة مَنْ لا يملك نفسَه، ولا يَضبط غضبه، ومَنْ هو في نهاية الطّيش والحِدَّة والخُرْق والعَجَلة. ولا خِلافَ أن الإمام يجب أن يكون منزّهاً عن هذه الأوصاف، غير حاصل عليها وليس يُشبِه قولُ أبي بكر ما تلاه من الآيات كلّها . لأنّ أبا بكر


1) سورة الأعراف الآية : 20 .

2) سورة البقرة، الآية : 36 .

3) سورة الحج، الآية : 52 .

خبّر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب، وأنّ عادته بذلك جارية، وليس هذا بمنزلة من يُوسوس إليه الشّيطان ولا يطيُعه ،ويزيّن له القبيح فلا يأتيه، وليس وسوسة الشيطان بعيب على الموسوس له إذا لم يستزلّه ذلك عن الصواب، بل هو زيادة في التّكليف، ووجه يتضاعف معه الثواب.وقوله تعالى : (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (1)قيل : معناه في تلاوته؛ وقيل: في فكرته، على سبيل الخاطر، وأيّ الأمرين كان فلا عار في ذلك على النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ولا نقص، وإنما العار والنقص على من يطيع الشيطان ويتّبع ما يدعو إليه.)وليس لأحد أن يقول : هذا إن سَلِم لكم في جميع الآيات لم يسلم في قوله تعالى : (فَأَزَلَهُمَا الشَّيْطَانُ (2)لأنّه قد خبّر عن تأثير غوايته ووَسْوَسَته بما كان منها من الفعل . وذلك أن المعنى الصحيح في هذه الآية أن آدم وحوّاء كانا مندوبين إلى اجتناب الشّجرة وترك التَّناول منها ، ولم يكن ذلك عليهما واجباً ،لازماً لأن الأنبياء لا يُخلّون بالواجب، فوسوس لهما الشيطان حتى تناولا من الشجرة، فتركا مندوباً إليه، وحَرَما بذلك أنفسَهما الثّواب، وسمّاه إزلالاً، لأنّه حطُّ لهما عن درجة الثواب وفعل الأفضل.)وقوله تعالى في موضع آخر : (وَعَصَى اَدَمُ رَبَّكُمُ فَنَوَى(3) لا ينافي هذا المعنى، لأنّ المعصية قد يُسمّى بها من أخلّ بالواجب والندب معاً . قوله : «فَغَوَى» أي خاب من حيث لم يستحقَ الثواب على ما نُذِب إليه. على أنّ صاحب الكتاب يقول : إنّ هذه المعصية من آدم كانت صغيرةً لا يستحقّ بها عقاباً ولا ذمَّا ، فعلى مذهبه أيضاً تكون المفارَقة بينه وبين أبي بكر ظاهرةً، لأنّ أبا بكر خبّر عن نفسه أن الشيطان يعتريه حتى يؤثّر في الأشعار والأبشار، ويأتي ما يستحقّ به التقويم، فأين هذا من ذَنْب صغيرٍ لا ذمّ ولا عقابَ عليه وهو يَجرِي من وجه من الوجوه مَجرى المباح، لأنّه لا يؤثّر في أحوال فاعله وحَطّ رتبته ؛ وليس يجوز أن يكون ذلك منه على سبيل الخشية والإشفاق على ما ظُنّ، لأنّ مفهوم خطابه يَقتضِي خلاف ذلك، ألا ترى أنّه قال: «إن لي شيطاناً يعتريني» وهذا قولُ مَن قد عَرَف عادته، ولو كان على سبيل الإشفاق والخَوْف لخَرَج عن هذا المخرَج، ولكان يقول : فإنّي لا آمَنُ من كذا وإنّي لمشُفِق منه . فأمّا تَرْك أمير)المؤمنين علیه السلام مخاصَمةَ النّاس في حقوقه فكأنّه إنّما كان تنزّهاً وتكرُّماً ؛ وأي نسبة بین ذلک وبين من صَرّح وشَهِِد على نفسه بما لا يليق بالأئمة! وأمّا خبر استقالة البيعة وتضعيف صاحب الكتاب له فهو أبداً يضعف ما لا يوافقه من غير حجّة يَعتَمِدها في تضعيفه .


1) سورة الحج، الآية : 52 .

2) سورة البقرة، الآية : 36 .

3) سورة طه الآية : 121 .

وقوله : إنّه ما استقال على التحقيق، وإنّما نبّه على أنّه لا يبالي بخروج الأمر عنه، وأنّه غير مُكرِِه لهم عليه ؛ فبعيدٌ من الصواب؛ لأنّ ظاهر قوله «أقيلوني» أمرٌ بالإقالة، وأقلُّ أحواله أن يكون عَرْضاً لها وبَذلاً ، وكِلاَ الأمرين قبيح. ولو أراد ما ظنّه لكان له في غير هذا القول مندوحة، ولكان يقول : إنّي ما أكرهتُكم ولا حَمَلتكم على مبايعتي، وما كنتُ أبالي الا يكون هذا الأمر فيّ ولا إليّ ، وإن مفارقتَه لتسرّني لولا ما الزمَنيه الدخولُ فيه من التمسّك به ، ومَتى عَدَلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل، جرّ ذلك علينا ما لا قِبَل لنا به. وأمّا أمير المؤمنين علیه السلام فإنّه لم يُقل ابنَ عمر البَيعة بعد دخولها فيها وإنّما استعفاء من أن يُلزمه البَيعة ابتداءً فأعفاء قلّة فكر فيه، وعلماً بأن إمامتَه لا تَثبتُ بمبايعة من يُبايعه عليها ، فأين هذا من استقالة بَيعة قد تقدّمت واستقرّت !****قلت: أمّا قولُ أبي بكر : «وَلِيتُكم ولستُ بخيركم» فقد صَدَق عند كثير من أصحابنا ؛ لأنّ خيرهم عليّ بنُ أبي طالب علیه السلام، ومن لا يقول بذلك يقول بما قاله الحَسَن البَصْريّ : والله إنّه ليعلَم أنّه خيرهم، ولكنّ المؤمن يَهضِم نفسَه. ولم يطعن المرتضى فيه بهذه اللّفظة لنُطيلَ القولَ فيها. وأمّا قولُ المرتَضى عنه إنّه قال: «فإنّ لي شيطاناً يعتريني عند غَضَبي»، فالمشهور في الرواية : «فإنّ لي شيطاناً يعتريني»، قال المفسرون: أراد بالشيطان الغضب وسمّاه شيطاناً على طريق الاستعارة، وكذا ذكَرَه شيخُنا أبو الحسين في «الغُرَر». قال معاوية لإنسان غَضِب في حَضرته فتكلّم بما لا يُتكلّم بمثله في حضرة الخُلفَاء : ارْبَعْ على ظُلْعَك أيها الإنسان، فإنّما الغَضَب شيطان، وإنّا لم نَقل إلا خيراً .وقد ذكر أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ في «كتاب التاريخ الكبير» خطبَتي أبي بكر عقيبَ بَيعته بالسّقيفة، ونحن نذكُرها نقلاً من كتابه، أمّا الخطبة الأولى فهي :أما بعد أيّها الناس، فإنّي وَلِيتكم ولستُ بخيركم، فإن أحسَنتُ فأعينوني، وإن أساتُ فقوِّموني، لأن الصدق أمانة والكذب خيانة، الضعيفُ منكم قويِِّ عندي حتى أريحَ عليه حَقّه، والقويّ منكم ضعيفٌ عندي حتّى آخذ الحقّ منه، لا يدَع قوم الجهاد في سبيل الله إلاّ ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيعُ الفاحشةُ في قوم إلا عمّهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعةَ لي عليكم : قوموا إلى صلاتِكم رَحمِكم الله .وأما الخُطبة الثانية فهي : أيّها الناس إنّما أنا مثلكم، وإنّي لا أدري لعلّكم ستكلّفُونني ما كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يَطيقه . إن الله اصطفى محمّداً صلی الله علیه وآله وسلم على العالمين، وعصَمه من الآفات، وإنّما أنا متّبع ولستُ بمَتبوع، فإن استقمتُ فاتّبعوني، وإن زُغْت فقوِّموني، وإنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قُيض وليس أحد من هذه الأمّة يَطلبُه هذه الأمّة يَطلُبه بمظلمة ضربة سَوْط فما دونها . ألاَ وإن لي شيطاناً

يعَتريني، فإذا غضبتُ فاجتنَبوني لا أؤثّر في أشعاركم وأبشاركم. ألا وإنّكم تَغْدُون وتَرُوحون في أجَلٍ قد غُيّب عنكم عِلمُه ، فإن استطعتم ألاَ يَمضِيَ هذا الأجلُ إلاّ وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله. فسابقوا في مهَل آجالكم من قبل أن تُسلِمكم آجالُكم إلى انقطاع الأعمال، فإنّ قوماً نَسُوا آجالَهم، وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم. الجدّ الجدّ! الوحَا الوحَا ! فإنّ وراءَكم طالباً حَثيثاً ، أجلٌ مََرّه سريع . احذَروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تَغبِطُوا الأحياء إلاّ بما يُغبَط به الأموات .إن الله لا يقبَل من الأعمال إلا ما يُراد به وجهُه، فأرِيدوا وجَه الله بأعمالكم، واعلموا أن ما أخلصتم الله من أعمالكم فلطاعة أتيتُموها، وحظّ ظفرتُم به وضرائب أدّيتموها، وسلفٍ قدّمتموه من أيّام فانية لأخرى باقية، لحين فقركم وحاجتِكم؛ فاعتبروا عباد الله بمن ماتَ منكم، وتفكّروا فيمن كان قبلَكم ؛ أين كانوا أمس وأين هُم اليوم! أين الجبّارون؟ أين الّذين كان لهم ذكر القتال والغَلبة في مَواطِن الحرب! قد تضعضَع بهم الدّهر، وصاروا رَميماً .قد تُركت عليهم القالات الخبيثات، وإنّما الخبيثات للخَبيثين والخبيثون للخبيثات. وأين الملوكُ الّذين أثاروا الأرض وعمروها ! قد بَعُدوا بسیّى ذكرهم، وبقيَ ذكرُهم وصارُوا كلا شيء. ألا إن الله قد أبقَى عليهم التَّبعات، وقَطَع عنهم الشَّهَوات ومضَوا والأعمالُ أعمالُهم، والدنيا دنيا غيرِهم، وبقينا خَلَفاً مِن بَعدِهم، فإن نحن اعتَبرنا بهم نجَونا ، وإن اغتررنا كنّا مِثْلهم. أين الوضّاء الحسَنة وجُوهُهم، المعجَبون بشَبابهم! صاروا تُراباً، وصار ما فرّطوا فيه حسرةً عليهم أين الّذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحوائط، وجعلوا فيها العجائب، وتركوها لِمَن خَلْفَهم ! فتلك مساكنُهم خاوية، وهم في ظُلَم القُبورِ، (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ ركزا (1). أي من تَعرِفون من آبائكم وإخوانكم! قد انتهت بهم آجالُهم فَوَردوا على ما قَدِموا عليه، وأقاموا للشِّقوة وللسَعادة. ألا إن الله لا شريك له، ليس بينه وبين أحد من خَلقه سبب يُعطيه به خيراً، ولا يَصرِف عنه شرًا إلاّ بطاعته واتّباع أمْرِه واعلموا أنّكم عبادٌ مدينون، وأنّ ما عندَه لا يُدرك إلاّ بتقواه وعبادته. ألا وإنّه لا خيرَ بخير بعدَه النّار ولا شرّ بشَر بعده الجنّة(2).)فهذه خُطّبتا أبي بكر يومَ السّقيفة، واليوم الّذي يليه، إنّما قال : إنّ لي شيطاناً يَعتَريني، وأراد بالشَّيطان الغضب، ولم يُرد أن له شيطاناً من مَرَدة الجنّ يَعَتريه إذا غضب فالزّيادة فيما ذكره المرتضى في قوله :« إن لي شيطاناً يَعتَريني عند غضبي»، تحريف لا محالة، ولو كان له شيطان من الجن يعتادُه وينُوبُه لكان في عِداد المصروعين من المجانين، وما ادعى أحدٌ على


1) سورة مريم الآية : 98 .

2) أخرجه الطبري في تاريخه: 461/2 .

أبي بكر هذا لا من أوليائه ولا من أعدائه ؛ وإنّما ذكرنا خطبته على طولها والمراد منها كلمةٌ واحدة؛ لِمَا فيها من الفَصاحة والمَوعظة على عادتنا في الاعتناء بإيداع هذا الكتاب ما كان ذاهباً هذا المذهب، وسالكاً هذا السبيل.فأمّا قولُ المرتَضى : «فهذه صفة من ليسَ بمَعْصوم»، فالأمرُ كذلك والعصمةُ عندنا ليست شَرْطاً في الإمامة ولو لم يدلّ على عدم اشتراطها ؛ إلا أنّه قال على المِنبر بحضور الصحابة هذا القول، وأقرّوه على الإمامة - لكفّى في عدم كون العصِمة شرطاً، لأنّه قد حَصَل الإجماع على عدم اشتراط ذلك، إذ لو كان شَرطاً لأنكر منكرٌ إمامتَه كما لو قال : إنّي لا أصبرُ عن شُرْب الخَمْر وعن الزّني .فأما قوله: «هذه صفة طائش لا يملك نفسَه»، فلَعَمري إنّ أبا بكر كان حديداً، وقد ذكره عمرُ بذلك، وذكَرَهُ غيرُه من الصّحابة بالحِدّة والسرعة ؛ ولكن لا بحيث أن تبطل به أهليّته للإمامة؛ لأنّ الّذي يُبطل الإمامة من ذلك وما يخرج الإنسان عن العَقل، وأمّا ما هو دونَ ذلك فلا .وليس قوله : «فاجتنبوني لا أوثِر في أشعاركم وأبشاركم »محمول على ظاهره، وإنَّما أراد به المبالغة في وصف القوة الغضبيّة عنده، وإلاّ فما سمعنا ولا نقلَ ناقلٌ من الشّيعة ولا من غير الشّيعة أنّ أبا بكر في أيام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولا في الجاهليّة ولا في أيام خلافته احتدّ على إنسان فقام إليه فضَرَبه بيدِه و مزّق شَعره .فأما ما حكاه قاضي القضاة عن الشّيخ أبي عليّ من تشبيه هذه اللفظة بما ورد في القرآن؛ فهو على تقدير أن يكون أبو بكر عَنّى الشيطانَ حقيقة. وما اعترض به المرتضى ثانيةً عليه غيرُ لازم، لأن الله تعالى قال: ﴿فَوَسْوَسَ لَمَا الشَّيْطَانُ (1)، وتعقّب ذلك قبولهما وسوسته، وأكلهما من الشجرة، فكيف يقول المرتضى : ليس قول أبي بكر بمنزلة مَن وَسْوَس له الشيطان فلم يُطِعه ! وكذلك قوله تعالى في قصة موسى لما قَتلَ القبه لما قَتَل القبطيّ : (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌ مبینٌ)(2)وكذلك قوله : (فَأَزَلَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا) (3)، وقوله : (ألقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ )(4)، وما ذهب إليه المرتضى من التأويلات مبنيّ على مذهبه في العصمة الكلية، وهو مذهب يحتاج في نضرته إلى تكلّف شديد وتعسّف عظيم في تأويل الآيات على أنّه إذا سُلِّم أنّ الشيطانَ ألقى في تلاوة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ما ليسَ من القرآن حتى ظنه السامعون كلاماً من كلام الرسول، فقد نَقَضَ دلالة التنفير المقتضية عنده في العِصمة، لأنّه لا تنفيرَ عنده أبلغ من تمكين الله الشيطانَ أن يَخلط كَلامه ،بكلامَه، ورسوله يؤدّيه إلى المكلّفين حتى يعتقدَ السامعون كلّهم أن الكلامين كلامٌ واحد.)


1) سورة الأعراف الآية: 20 .

2) سورة القصص الآية: 15 .

3) سورة البقرة، الآية : 36 .

4) سورة الحج، الآية: 52 .

وأمّا قوله : إن آدمَ كان مندوباً إلى ألا يأكل من الشّجرة لا محرّم عليه أكلها، ولفظة «عَصَى» إنما المراد بها خالف المندوب، ولفظة «غوَى» ؛ إنما المراد «خابَ» من يحث لم يستحقّ الثواب على اعتماد ما نُدِب إليه ؛ فقول يدفعه ظاهر الآية، لأنّ الصيغة صيغة النهي، وهي قوله : (ولا تقربا هاذو الشَّجَرَةَ (1)والنهي عند المرتضى يقتضي التحريم لا محالة، وليس الأمر الّذي قد يراد به النّدب، وقد يراد به الوُجوب .)وأما قولُ شيخنا أبي عليّ : إنّ كلام أبي بكر خرج مخرج الإشفاق والحَذَر من المعصية عند الغضب فجيّد.و اعتراض المرتضى عليه بأنه ليس ظاهر اللَّفظ ذاك غيرُ لازم، لأنّ هذه عادةُ العرب، يعبِّرون عن الأمر بما هو منه بسَبَب وسبيل، كقولهم : لا تَدْنُ من الأسد فيأكُلك، فليس أنَّهم قطعوا على الأكل عند الدنوّ، وإنَّما المراد الحَذَر والخوف والتوقُّع للأكل عند الدّنوّ .وأما الكلام في قوله : «أقيلوني»، فلو صَحّ الخبرُ لم يكن فيه مطعن عليه، لأنه إنما أراد في اليوم الثاني اختبارَ حالهم في البيعة التي وقعت في اليوم الأول ليعلم وليَّه من عدوه منهم ؛ وقد روى جميع أصحاب السِّيَر أن أمير المؤمنين خطب في اليوم الثاني من بيعته فقال : أيّها النّاس؛ إنّكم بايعتموني على السمع والطاعة، وأنا أعرض اليوم عليكم ما دعوتموني إليه أمس، فإن أجَبْتم قعدتُ لكم، وإلاّ فلا أجِد على أحد .وليس بجيّد قولُ المرتضى: إنه لو كان يريدُ العرض والبذل لكان قد قال كذا وكذا، فإنّ هذه مُضايقة منه شديدةٌ للألفاظ، ولو شرَعْنا في مثل هذا لفَسَد أكثرُ ما يتكلم به الناس. على أنّا لو سلمنا أنه استقالهم البَيعة حقيقةً، فلم قال المرتضي : إنّ ذلك لا يجوز؟ أليس يجوز للقاضي أن يستقيل من القضاة بعد توليته إيّاه، ودخوله فيه ! فكذلك يجوز للإمام أن يستقيل من الإمامة إذا أنس من نفسه ضَعْفاً عنها ، أو أنس من رعيّته نبوةً عنه، أو أحَسٌ بفساد ينشأ في الأرض من جهة ولايته على الناس؛ ومَن يذهب إلى أن الإمامة تكون بالاختيار كيف يمنع من جواز استقالة الإمام وطلبه إلى الأمة يختاروا غيره لعذر يعلمه من حال نفسه ! وإنما يمنع من ذلك المرتضى وأصحابه القائلون بأنّ الإمامة بالنصِّ، وإنّ الإمام محرَّم عليه ألا يقوم بالإمامة، لأنه مأمور بالقيام بها لتعينه خاصةً دون كلّ أحدٍ من المكلِّفين وأصحاب الاختيار يقولون : إذا لم يكن زيد إماماً كان عمروٌ إماماً ،عوضَه لأنهم لا يعتبرون الشروط التي يعتبرها الإمامية من العِصمة، وأنه أفضل أهل عصره وأكثرُهم ثواباً وأعلمهم وأشجعهم، وغير ذلك من الشروط التي تقتضي تفرده وتوحّده بالأمر، على أنه إذا جاز عندهم أن يترك الإمام الإمامة في الظّاهر كما فَعَلَه


1) سورة البقرة، الآية : 35 .

الحسن، وكما فَعَله غيرُه من الأئمة بعد الحسين علیه السلام للتّقية، جاز للإمام على مذهب أصحاب الاختيار أن يترُك الإمامة ظاهراً وباطناً لعُذر يعلمه من حال نفسه أو حالِ رعيّته .الطعن الثاني : قال قاضي القضاة بعد أن ذكر قول عمرَ :«كانت بيعةُ أبي بكر فَلْتة» - وقد تقدّم منا القولُ في ذلك في أوّل هذا الكتاب ومما طعنوا به على أبي بكر أنه قال عند موته : ليتني كنتُ سألت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و عن ثلاثة فذَكَر في أحدها: لَيتَني كنتُ سألتُه : هل للأنصار في هذا الأمر حقّ؟ قالوا : وذلك يُدلّ على شَكِّه في صحة بيعته، وربما قالوا قد رُوِي أنه قال في مَرَضه : ليتني كنتُ تركتُ بيت فاطمة لم أكشِفه (1، وليتني في ظُلّة بني ساعِدة كنتُ : ضربتُ على يَدِ أحد الرّجلين فكان هو الأمير وكنتُ الوزير قالوا : وذلك يدلّ على ما رُوي من إقدامه على بيت فاطمة علیها السلام عند اجتماع عليِِّ علیه السلام والزّبير وغيرهما فيه، ويدلّ على أنه كان يرَى الفضل لغيره لا لنفسه .)قال قاضي القضاة: والجوابُ أن قوله : «ليتني» لا يَدلّ على الشكّ فيما تمناه، وقول إبراهيم علیه السلام : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْلَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن ليَطْمَينَ عَلَى (2)أقوى من ذلك في الشّبهة. ثم حمل تمنّيه على أنه أراد سماع شيءٍ مفصَّل، أو أراد : ليتني سألتُه عند الموت، لِقُرب العهد، لأنّ ما قَرُب عهده لا يُنسى ويكون أردعَ للأنصار على ما حاولوه. ثم قال: على أنه ليس في ظاهره أنه تمنَّى أن يسأل: هل لهم حقٌّ في الإمامة أم لا؟ لأنّ الإمامة قد يتعلق بها حقوقٌ سواها. ثم دفع الرّواية المتعلقة ببيت فاطمة علیهها السلام،(3)وقال : فأما تمنيِّه أن يبايع غَيرَه ؛ فلو ثبت لم يكن ذَمّا لأنّ من اشتد التكليفُ عليه فهو يتمنى خلافه .)اعترض المرتضى رحمه الله هذا الكلام فقال : ليس يجوز أن يقول أبو بكر: «ليتني كنتُ سألتُ عن كذا » إلا مع الشكِّ والشبهة، لأنّ مع العلم واليقين لا يجوز مِثلُ هذا القول، هكذا يقتضي الظاهر، فأما قولُ إبراهيم علیه السلام ، فإنما سَاغ أن يُعدَل عن ظاهره لأن الشك لا يجوز على الأنبياء، ويجوز على غيرهم ؛ على أنه علیه السلام قد نفى عن نفسه الشكَّ بقوله : (بلى ولكن ليَطْمَينَ قلى (4)، وقد قيل : إن نُمروذ قال له : إذا كنت تزعمُ أنّ لك ربَّا يُحيي الموتى فاسأله أن يُحيي لنا ميّتاً إن كان على ذلك قادِراً، فإن لم تفعل ذلك قتلتُك، فأراد بقوله : (ولكن)


1) ذكره الطبراني في الكبير : 62/1 والذهبي في التاريخ : 117/3 ، والمتقي الهندي في الكنزح ، 14113 ، وابن عبد البر في العقد : 254/4 ، والهيثمي في المجمع 367/5، والمسعودي في المروج : 301/2 .

2) سورة البقرة، الآية : 260 .

3) تقدم منا تفصيل الكلام حول ذلك في الأجزاء السابقة.

4) سورة البقرة، الآية : 260 .

لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ، أي لآمَنَ توعُدَ عدوّك لي بالقتل. وقد يجوز أن يكون طلب ذلك لقَومه وقد سألوه أن يَرغَب إلى الله تعالى فيه فقال : ليطمئن قلبي إلى إجابتك لي، وإلى إزاحةِ عِلّة قومي ولم يرد : ليطمئن قلبي إلى أنك تقدر على أن تُحييَ المَوْتى؛ لأن قلبي قد كان بذلك مطمئناً ؛ وأي شيء يريد أبو بكر من التفضيل أكثر من قوله : «إن هذا الأمر لا يَصلُح إلاّ لهذا الحيّ من قريش »! وأيّ فرق بين ما يقال عندَ الموت وبين ما يقال قبله إذا كان محفوظاً معلوماً، لم تُرفع كلمةٌ ولم تُنسَخ !)وبعد، فظاهرُ الكلام لا يقتضي هذا التخصيصَ، ونحن مع الإطلاق والظاهر. وأي حق يجوز أن يكون للأنصار في الإمامة غير أن يتولاها رجل منهم حتى يجوز أن يكون الحقّ الذي تمنى أن يَسأل عنه غير الإمامة! وهل هذا إلا تَعَسُّف وتكلفٌ !وأيّ شُهة تبقى بعد قول أبي بكر: ليتني كنتُ سألته : هل للأنصار في هذا الأمر حقّ فكنا لا ننازعه أهله؟ ومعلومٌ أن التنازع لم يقع بينهم إلا في الإمامة نفسها، لا في حَقٌّ آخر من حقوقها .فأما قوله : إنّا قد بينا أنه لم يكن منه في بيت فاطمة ما يُوجب أن يتمنى أنه لم يفعله؛ فقد بينا فساد ما ظنّه فيما تقدم.فأما قوله : إن من اشتّد التكليفُ عليه قد يتمنَّى خِلافه؛ فليس بصحيح؛ لأنّ ولاية أبي بكر إذا كانت هي التي اقتضاها الدين والنظر للمسلمين في تلك الحال وما عداها كان مفسدة، ومؤدِّياً إلى الفتنة، فالتمنّي لخلافها لا يكون إلاّ قبيحاً .****قلت: أما قول قاضي القضاة: إن هذا التمنّي لا يقتضي الشكَّ في أن الإمامة لا تكون إلاّ في قريش، كما أن قول إبراهيم: ( وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ، لا يقتضي الشكّ في أنه تعالى قادرٌ على ذلك فجيّد .)فأمّا قولُ المرتضى : إنما ساغَ أن يُعدَل عن الظاهر في حقّ إبراهيم لأنه نبيٌّ معصوم لا يجوز عليه الشك؛ فيقال له : وكذلك ينبغي أن يُعدَل عن ظاهر كلام أبي بكر، لأنه رجل مُسلم عاقل، فحسنُ الظنَّ به يقتضي صيانة أفعاله وأقواله عن التناقض قوله : إن إبراهيم قد نفى عن نفسه الشك بقوله : «بلى ولكن ليطمئن قلبي» قلنا : إن أبا بكر قد نفى عن نفسه الشك بدَفع الأنصار عن الإمامة وإثباتها في قريش ،خاصة فإن كانت لفظة «بلى» دافعةً لشك إبراهيم الذي يقتضيه قوله : ( وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ، ففعل أبي بكر وقَوْله يومَ السَّقيفة يَدفَع الشك الذي يقتضيه قوله : «ليتني سألتُه»، ولا فرق في دفع الشك بين أن يتقدّم الدافعُ أو يتأخّر أو يُقارن .)ثم يقال للمرتضَى: ألستَ في هذا الكتاب - وهو «الشافي» - بيّنت أن قصة السَّقيفة لم يجرِِ فيها ذكر نصّ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بأن الأئمة من قريش وأنه لم يكن هناك إلاّ احتجاج أبي

بكر وعمرَ بأن قريشاً أهلُ النبي صلی الله علیه وآله وسلم وعشيرتُه، وأن العرب لا تطيع غيرَ قريش؛ وذكرتَ من الزّهريّ وغيره أن القول الصّادر عن أبي بكر : إن هذا الأمرَ لا يصلح إلا لهذا الحيِّ من قريش، ليس نَصَّا مَرْوِيًّا عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وإنما هو قولٌ قاله أبو بكر من قول قاله أبو بكر من تلقاء نفسه، ورَوَيْت في ذلك الروَايات، ونقلت من الكتب من تاريخ الطبريّ وغيره صورة الكلام والجدال الدائر بينه وبين الأنصار! فإذا كان هذا قولك فلِمَ تنكرُ على أبي بكر قوله : ليتني كنتُ سألتُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : هل للأنصار في هذا الأمر حق لأنه لم يَسمع النصّ ولا رواه ولا روي له ؛ وإنما دفع الأنصارَ بنوع من الجَدَل ؛ فلا جَرَم بقي في نفسه شيء من ذلك، وقال عند موته : كنتُ سألتُ رسول الله صلی الله علیه وآله و سلم.وليس ذلك مما يقتضِي شكّه في بَيعته كما زعم الطاعن لأنه إنما يشكّ في بيعته لو كان قال قائل أو ذَهب ذاهب إلى أن الإمامةَ ليست إلا في الأنصار، ولم يقل أحدٌ ذلك، بل النزاع كان في: هل الإمامة مقصورةٌ على قريش خاصةً، أم هي فوضى بين الناس كلِّهم؟ وإذ كانت الحالُ هذه لم يكن شاكًّا في إمامته وبَيعته بقوله : «ليتني سألت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «هل للأنصار في هذا حق؟» لأنَّ بَيعته على كلا التقديرين تكون صحيحةً.فأما قولُ قاضي القُضاة: لعله أراد حقًا للأنصار غير الإمامة نفسها؛ فليس بجيّد، والذي اعترضه به المرتضى جيّد، فإن الكلام لا يدُلّ إلا على الإمامة نفسها، ولفظة المنازعة تؤكّد ذلك.وأما حديث الهجوم على بيت فاطمة علیها السلام فقد تقدّم الكلام فيه، والظاهرُ عندي صحة ما يرويه المرتضى والشيعة، ولكن لا كلّ ما يزعمونه، بل كان بعض ذلك، وحقٌّ لأبي بكر أن يندم ويتأسّف على ذلك، وهذا يدلّ على قوة دينه وخوفه من الله تعالى، فهو بأن يكون منقبةً له أولى من كونه طَعناً عليه(1.)فأمّا قولُ قاضي القُضاة: إنّ من اشتدّ التكليفُ عليه فقد يتمنّى خلافه واعتراضُ المرتضَى عليه، فكلام قاضي القضاة أصحّ وأصوَب، لأنَّ أبا بكر - وإن كانت ولايتُه مصلحةً وولايةُ غيره مفسَدة - فإنه ما يتمنَّى أن يكون الإمامُ غيرَه، مع استلزام ذلك للمفسَدة، بل تمنّى أن يليَ الأمرَ غيرُه وتكون المصلحة بحالها، ألا تَرى أن خصالَ الكَفَّارة في اليَمين كلّ واحدة منها مصلحة، وما عداها لا يقوم مَقامَها في المصلحة، وأحدُها يقومُ مَقامَ الأخرى في قابو بكر تَمنَّى أن يلي الأمر عُمر أو أبو عُبيدة بشَرط أن تكونَ المصلحة الدّينية التي تَحصُل من بَیعته حاصلة من بَيعة كلّ واحدٍ من الآخرين.


1) هل أن هتك بيوت أبناء الأنبياء بعد وفاة النبي صلی الله علیه وآله وسلم بيوم أصبح فضيلة ؟!

الطعن الثالث : قالوا : إنّه ولّى عمرَ الخِلافة، ولم يولِّه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم شيئاً من أعمالِه البتَةَ إلاّ ما ولاّه يومَ خَيْبَر ، فرَجع منهزماً وولأَّه الصدقة ، فلمّا شكاه العبّاس عزّلَه .أجاب قاضي القضاة بأنّ تركَه علیه السلام أن يولِّيَه لا يدلّ عَلَى أنّه لا يَصلُح لذلك، وتوليتُه إيّاه لا يَدُلّ على صَلاحِيَته للإمامة ، فإنَّه صلی الله علیه وآله وسلم قد وَلَّى خالدَ بن الوليد وعمرو بن العاص، ولم يدلّ ذلك على صلاحيتهما للإمامة، وكذلك تركه أن يولَّى لا يدل على أنَّه غيرُ صالح، بل المعتَبر بالصّفات الّتي تَصلُح للإمامة، فإذا كَمَلَتْ صَلَح لذلك، وُلِّيَ من قبلُ أو لم يُوَلَّ، وقد ثَبتَ أنَّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم تَرَك أن يولِّيَ أمير المؤمنين علیه السلام أموراً كثيرةٌ ولم يُجب إلا من يَصلحُ لها ، وثبت أن أميرَ المؤمنين علیه السلام لم يولِّ الحسين علیه السلام ابنَه ، ولم يَمنَع ذلك من أن يَصلُح للإمامة .و حُكِيَ عن أبي عليّ أنَّ ذلك إنّما كان يصح أن يتعلَّق به لو ظَفِروا بتقصير من عمر فيما تولأَّه، فأما وأحواله معروفة في قيامه بالأمر حِينَ يَعجز غيرُه، فكيف يصح ما قالوه! وبعد فهلاً دَل ما روي من قوله : وإن تُولُّوا عمر تجدُوه قويَّا في أمر الله، قويًا في بدنه على جواز ذلك! وإن ترك النبي صلى الله عليه وآله توليته، لأنَّ هذا القول أقوى من الفعل .اعتَرض المرتضَي رحمه الله فقال : قد عَلِمنا بالعادة أن من تَرشَّحَ لكبار الأمور لا بدّ من أن يُدرَّج إليها بصِغارها، لأنَّ من يريد بعضُ المُلوك تأهيله للأمر من بَعدِه لا بدّ من أن ينبه عليه بكل قول وفعل يدلّ على ترشيحه لهذه المنزلة، ويستكفيه من أمور ولاياته ما يعلم عنده أو يغلب على ظنه صلاحه لما يريده له. وإن من يَرَى المِلك مع حضوره وامتداد الزمان وتطاوُله لا يستكفيه شيئاً من الولايات، وَمَتى ولاه عَزَله؛ وإنما يولي غيره ويستكفي سواه، لا بدّ أن يغلب في الظَّن أنه ليس بأهل للولاية، وإن جوزنا أنَّه لم يولِّه لأسباب كثيرة سوى أنَّه لا يَصلُح للولاية، إلاَّ أن مع هذا التجويز لا بد أن يَغلب على الظنّ بما ذكرناه. فأما خالد وعَمْرو فإنّما لم يصلحا للإمامة لفقد شروط الإمامة فيهما، وإن كانا يَصلُحان لما ولياء من الإمارة، فترك الولاية مع امتداد الزمان وتَطاوُل الأيّام، وجميع الشروط التي ذكرناها تقتضي غَلَبَة الظنّ لفَقْد الصّلاح، والولاية لشيء لا تدل على الصّلاح لغيره إذا كانت الشرائط في القيام بذلك الغير معلوماً فقدُها. وقد نجد الملك يولِّي بعض أموره من لا يصلُح للمُلك بعده لظهور فقُد الشرائط فيه، ولا يجوز أن يكون بحضرته من يُرَشّحه للمُلْك بعده، ثم لا يُوليّه على تَطاول الزمان شيئاً من الولايات. فبان الفَرْق بين الولاية وتركها فيما ذكرناه .فأما أمير المؤمنين علیه السلام وإن لم يتولّ جميع أمور النبيّ صلى الله عليه وآله و سلم في حياته، فقد تولَّى أكثَرَها وأعظَمَها وخَلَفَه في المدينة، وكان الأمير على الجيش المبعوث إلى خَيْبَر، وجَرَى الفتحُ على يديه بعد انهزام مَن أنهَزَم منها ، وكان المؤدِّي عنه سورة براءة بعد عَزّل من عَزَل عنها وارتجاعها منه ؛ إلى غير ذلك من عظيم الولايات والمقامات بما يطول شرحه، ولو لم يكن إلاّ أنّه لم يُولِّ عليه والياً قط لكفى .

فأما اعتراضه بأنّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يولِّ الحسينَ فبعيدٌ عن الصواب، لأن أيّام أمير المؤمنين علیه السلام لم تَطل فيتمكن فيها من مراداته، وكانت على قِصَرها منقسمةٌ بين قتال الأعداء، لأنّه علیه السلام لمّا بُويع لم يَلبث أن خَرَج عليه أهل البصرة فاحتاج إلى قتالهم، ثم انكفأ مِن قتالهم إلى قتالِ أهل الشام، وتعقّب ذلك قتالُ أهل النّهروان ،ولم تستقرّ به الدارُ ولا امتدّ به الزمان وهذا بخلاف أيام النبي صلى الله عليه وآله التي تطاولت وامتدت على أنّه قد نَصّ عليه بالإمامة بعد أخيه الحَسَن، وإنّما تُطلب الولايات لغلبة الظن بالصّلاح للإمامة.فإن كان هناك وجهٌ يَقتضي العلم بالصّلاح لها كان أولى من طريق الظنّ، على أنّه لا خلاف بين المسلمين أن الحسين علیه السلام كان يَصلُح للإمامة وإن لم يُولّه أبُوُه الولايات، وفي مِثل ذلك خلافٌ من حالِ ،عمر، فافترق الأمران فأمّا قوله : إنه لم يعثر على عمرَ بتقصير في الولاية فمن سَلّم بذلك! أو ليسَ يَعلَم أن مخالفته تُعَدّ تقصيراً كثيراً، ولو لم يكن إلاّ ما اتّفق عليه من خطيه في الأحكام ورجوعه من قول إلى غيره، واستفتائه الناس في الصغير والكبير، وقوله : كلّ الناس أفقَهُ من عمر ، لكان فيه كفاية. وليس كلّ النهوض بالإمامة يرجع إلى حُسْن التدبير والسياسة الدنياوية ورم (1الأعمال والاستظهار في جباية الأموال وتمصير الأمصار ووضع الأعشار، بل حَظّ الإمامة من العِلم بالأحكام والفتيا بالحَلال والحرام، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه أقوى، فمن قصر في هذا لم يَنفعه أن يكون كامِلاً في ذلك.)فأمّا قوله : فهلاً دلّ ما رُوي من قوله علیه السلام :فإن «وليتُم عمر وجدتموه قويَّا في أمر الله قويا في بدنه»، فهذا لو ثبت لدل، وقد تقدم القولُ عليه. وأقوى ما يُبطله عدول أبي بكر عن ذكره، والاحتجاج به لما أراد النصَّ على عمر ، فعُوتب على ذلك وقيل له : ما تقول لربّك إذْ وَليتَ علينا فظا غليظاً ! فلو كان صحيحاً لكان يحتج به ويقول : وَليّتُ عليكم من شهد النبي صلى الله عليه وآله بأنه قوي في أمر الله قوي في بَدَنه. وقد قيل في الطعن على صحّة هذا الخبر: إنّ ظاهره يقتضي تفضيل عمر على أبي بكر، والإجماع بخلاف ذلك، لأنّ القوّة في الجسم فَضل، قال الله تعالى : و (إن اللهَ اصْطَفَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَمُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالجسو (2). وبعد، فكيف يُعارض ما اعتمدناه من عدوله علیه السلام عن ولايته - وهو أمرٌ معلومٌ - بهذا الخبر المردود المدفوع !)****قلتُ: أما ما ادعاه من عادة الملوك فالأمر بخلافه، فإنا قد وقفنا على سِيَر الأكاسرة ومُلوك الرُوم وغيرهم فما سمعنا أن أحداً منهم رَشّح ولده للمُلك بعده باستعماله على طرف من


1) رَمُّ الأعمال إصلاحها القاموس المحيط مادة (رمم).

2) سورة البقرة، الآية : 247 .

الأطراف، ولا جَيْش من الجيوش، وإنّما كانوا يثقِّفونهم بالآداب والفُروسيّة في مقارٌ مُلكهم لا غير، والحالُ في ملوك الإسلام كذلك، فقد سَمِعنا بالدولة الأمويّة، ورأينا الدولَة العبّاسيّة، فلم نَعرِف الدولَ التي ادعاها المرتضَى، وإنّما قد يقع في الأقلّ النادر شيءٌ ممّا أشار إليه، والأغلب الأكثرُ خلاف ذلك.على أنّ أصحابَنا لا يقولون إن عمر كان مرشَّحاً للخلافة بعدَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ليِقالَ لهم : فلو كان قد رَشَّحه للخلافة بعدَه لاستكفاه كثيراً مِن أموِرِه ؛ وإنَّما عمرُ مرشَّح عندَهم في أيّام أبي بكر للخلافة بعد أبي بكر، وقد كان أبو بكر استَعمَله على القضاء مدَّةَ خلافته، بل كان هو الخليفة في المعنى، لأنه فَوّض إليه أكثرَ التدبير، فعَلَى هذا يكون قد سلّمنا أنّ تركَ استعمال النبيِّ صلی الله علیه وآله وسلم لعمَر يَدُل على أنَّه غير مرشّح في نظره للخلافة بعدَه، وكذلك نقول : ولا يَلزَم من ذلك ألا يكون خليفةً بعد أبي بكر، على أنَّا لا نسلّم أنَّه ما استَعمَله .فقد ذكر الواقديُّ وابن إسحاق أنَّه بعثه في سَريّة في سنة سبع من الهجرة إلى الوادي المعروف ببُرمة - بضم الباء وفتح الراء - وبها جمعٌ من هَوازن، فخرج ومعه دليلٌ من بين هلال، وكانوا يسيرون اللَّيل ويكمنُون النَّهار ، وأتى الخبرُ هَوازن فهرَبوا، وجاء عُمر محالَّهم، فلم يَلقَ منهم أحداً، فانصرَف إلى المدينة.ثم يُعارض المرتضَى بما ذكره قاضي القُضاة من ترك تولية علي ابنه الحسين علیه السلام، وقوله في العُذر عن ذلك : إنَّ عليَّا علیه السلام كان ممنوَّا بحَرب البغاة والخوارج لا يدفع المُعارضَةَ ؛ لأنَّ تلك الأيّام التي هي أيام حروبه مع هؤلاء هي الأيام التي كان ينبغي أن يولّي الحسين علیه السلام بعض الأمور فيها، كاستعماله على جَيش ينفذه سَرِيّة إلى بعض الجهات واستعماله على الكُوفة بعد خروجه منها إلى حرب صفين، أو استعماله على القضاء، وليس اشتغالُه بالحرب بمانع له عن ولاية ولده، وقد كان مشتغِلاً بالحَرب، وهو يولّي بني عمّه العبّاس الولايات والبلادَ الجليلة .فأمّا قوله : على أنَّه قد نصّ عليه بالإمامة بعد أخيه الحَسَن ؛ فهذا يُغْنِي عن توليته شيئاً من الأعمال؛ فلقائل أن يَمنَع ما ذَكره من حديث النصّ، فإنّه أمرٌ تنفرد به الشِّيعة وأكثرُ أرباب السَّيَر والتَّواريخ لا يذكرون أنَ أمير المؤمنين علیه السلام نَصَّ على أحَدٍ. ثم إن ساغ له ذلك ساغ لقاضي القضاة أن يقول : إنّ قول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم :»اقتدوا باللَّدَيْنِ مِن بعدي أبي بكر وعمرا ».(1يغني عن توليةِ عمر شيئاً من الولايات، لأنَّ هذا القول أكَدُ من الولاية في تَرَشُّحه للخلافة .)


1) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر وعمر كليهما (3662) ، وأحمد في «مسنده» (22734) ، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل أبي بكر (97)، والحاكم في مستدرکة (4451).

فأمّا قوله : على أنَّه لا خلاف بين المسلمين في صَلاحِيّة الحُسين للخلافة وإن لم يولّه أبوه الولايات، وفي عمرَ خلافٌ ظاهرٌ بين المسلمين ؛ فلقائل أن يقول له : إجماعُ المسلمين على صلاحية الحُسَين للخلافة لا يَدفَع المعارضة، بل يؤكِّدها ، لأنَّه إذا كان المسلمون قد أجمَعوا على صَلاحِيتَه للخلافة ولم يكن تَرْكُ توليّة أبيه إيّاه الولايات قادحاً في صلاحيته لها بعدَه، جاز أيضاً أن يكون تَرْك توليةِ رَسولِ الله صلى الله عليه وآله عمر الولايات في حياته غيرَ قادح في صَلاحِيته للخلافة بعدَه.ثمّ ما ذكره من تقصير عمر في الخلافة بطريق اختلافِ أحكامه، ورجوعه إلى فتاوى العلماء، فقد ذكرنا ذلك فيما تقدّم لما تكلّمنا في مطاعن الشَّيعة على عمرَ وأَجَبْنا عنه.وأما قوله : لا يُغْنِي حُسن التدبير والسياسة ورمّ الأمور، مع القُصور في الفقه، فأصحابُنا يذهبون إلى أنّه إذا تَساوَى اثنان في خصال الإمامة إلاّ أنّه كان أحدهما أعلم والآخر أسَوس، فإن الأسَوس أولى بالإمامة، لأن حاجة الإمامة إلى السّياسة وحُسن التدبير آكَدُ من حاجتها إلى العلم والفقه .وأمّا الخبر المَروِيَ في عمر - وهو قولُه : وإِنْ تُوَلُّوها عمر - فيجوز ألا يكون أبو بكر سَمِعَه من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ويكون الرّاوي له غيره، ويجوز أن يكون سَمِعَه وشَدَّ عنه أن يحتّج به على طَلحة لَمّا أنكر استخلافَ عَمر، ويجوز ألا يكون شَدَّ عنه وتَرَك الاحتجاج به استغناءً عنه لعلمه أنَّ طلحةَ لا يُعتدّ بقوله عند الناس إذا عارض قوله . ولعلّه كَفى عن هذا النصّ بقوله : إذا سألني قلتُ له : استخلفتُ عليهم خيرَ أهلِك؛ على أنَّا مَتَى فتحنا باب «هلاً احتجّ فلان بكذا »جَر علينا ما لا قبل لنا به وقيل: هلا احتجّ عليّ علىه السلام علی طلحةَ وعائشةَ والزبير بقول رسول الله صلّى الله عليه وآله :«مَن كنت مولاه فهذا علىُّ مولاه»(1، وهلاً احتجّ عليهم بقوله :«أنتَ منّي منزلة هارون من موسى »(2)، ولا يُمكن الشيعة أن يعتذروا ها هنا بالتقيّة، لأنَّ السّيوف كانت قد سُلَّت من الفريقين، ولم يكن مقام تَقية(3).)وأمّا قوله : هذا الخبر لو صحّ لاقتضى أن يكون عمرُ أفضلَ من أبي بكر، وهو خلافُ


1) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب (3713) وابن ماجه في المقدمة، باب فضل علي (121)، وأحمد في «مسنده» (642) ، وابن حبان في «صحيحه» (6931) ، والحاكم في «مستدركه» (4576) .

2) أخرجه البخاري كتاب المناقب، باب مناقب علي بن علي طالب (3706)، ومسلم، کتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي (2404).

3) احتجاج أمير المؤمنين بالغدير على أبي بكر وعثمان وغيرهم من الصحابة يكفي لذلك، وعدم احتجاجه على طلحة لسماع طلحة هذه الاحتجاجات منه.

إجماع المسلمين ؛ فلقائل أن يقول : لم قلتَ إنّ المسلمين أجمعوا على أنّ أبا بكر أفضلُ من عمَر، مع أنّ كُتُبَ الكلام والتصانيف المصنَّفة في المقالات مشحونةٌ بذكر الفرقة العُمَرية، وهم القائلون إنَّ عمر أفضلُ من أبي بكر، وهي طائفةٌ عظيمةٌ من المسلمين، يقال: إنَّ عبد الله مسعود منهم، وقد رأيتُ أنَّ جماعةَ من الفقهاء يذهبون إلى هذا، ويُناظرون عليه ؛ على أنَّه لا يدلّ الخبر على ما ذَكَرَه ،المرتضى لأنَّه وإن كان عمرُ أفضلَ منه باعتبار قوّة البدن، فلا يدلّ أنَّه أفضلُ منه مطلقاً ، فمن الجائز أن يكون بإزاء هذه الخصلة خصالٌ كثيرة في أبي بكر من خصال الخير يُفضّل بها على عُمَر ألا تَرَى أنا نقول : أبو دُجانة أفضل من أبي بكر بجهاده بالسيف في مقام الحرب، ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضل منه مطلقاً، لأنّ في أبي بكر من خصال الفَضل ما إذا قيس بهذه الخَصلة أربى عليها أضعافاً مضاعفة.****الطعن الرابع قالوا إن أبا بكر كان في جَيْش أسامة، وإنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كَرّر حين موته الأمر بتنفيذ جيش أسامة، فتأخُّره يقتضي مخالفة الرسول صلی الله علیه وآله وسلم. فإن قلتم : إنَّه لم يكن في الجيش، قيل لكم : لا شَكٍّ أن عمرَ بن الخطَّاب كان في الجيش، وأنّه حَبَسه ومنعه من النّفوذ القوم. وهذا كالأوّل في أنّه معصية، وربّما قالوا: إنّه صلّى الله عليه وآله جَعَل هؤلاء القوم في جيش أسامة ليبعُدوا بعد وفاته عن المدينة، فلا يقع منهم توثّبٌ على الإمامة، ولذلك لم يجعل أمير المؤمنين علیه السلام في ذلك الجيش، وجعل فيه أبا بكر وعمرَ وعثمانَ وغيرَهم، وذلكأوْكَد الدَّلالة على أنّه لم يرد أن يختاروا للإمامة.أجاب قاضي القضاة بأن أنكر أوّلاً أن يكون أبو بكر في جيش أسامة (1، وأحالَ على كُتب المغازي، ثم سلّم ذلك وقال : إنّ الأمرَ لا يقتَضي الفوز، فلا يلزم من تأخّر أبي بكر عن النفوذ أن يكونَ عاصِياً . ثمّ قال: إنّ خطابه صلّى الله عليه وآله بتّنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجهاً إلى القائم بعده، لأنّه من خطاب الأئمة، وهذا يقتضي ألا يدخل المخاطب بالتنفيذ في الجملة ؛ ثمّ قال ؛ وهذا يدلّ على أنّه لم يكن هناك إمامٌ منصوصٌ عليه، لأنّه لو كان لأقبَل بالخطاب عليه، وخصّه بالأمر بالتنفيذ دونَ الجميع. ثم ذكر أنّ أمر رسولِ الله صلى الله عليه وآله لا بدّ أن يكون مشروطاً بالمصلحة وبأن لا يعرض ما هو أهمّ منه، لأنّه لا يجوز أن يأمرهم بالنفّوذ، وإن أعقَب ضرراً في الدين، ثمّ قوى ذلك بأنه لم يُنكر على أسامة تأخُّره، وقوله : «لم أكن لأسأل عنك الرَّكْب» ؛ ثم قال : لو كان الإمامُ منصوصاً عليه لجاز أن يستردّ جيشَ أسامة أو بعضه لنُصرته،)


1) سوف يأتي من المصنف إثبات كونه في الجيش، وذكر ابن سعد وجودهما فيه أنظر الطبقات : 2 146، وكذا البلاذري أنظر الأنساب : ح 828 .

وكذلك إذا كان بالاختيار ؛ ثم حكى عن الشيخ أبي علي استدلاله على أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامةَ بأنّه وَلاّه الصلاة في مَرَضه، مع تكريره أمر الجيش بالنّفوذ والخروج.ثم ذَكَر أنّ الرسول صلى الله عليه وآله إنّما يأمرُ بما يتعلّق بمصالح الدنيا من الحروب ونحوها عن اجتهاده، وليس بواجب أن يكون ذلك عن وَحي، كما يجب في الأحكام الشرعيّة، وأنّ اجتهاده يجوز أن يخالف بعد وفاته، وإن لم يَجُز في حياته، لأنّ اجتهادَه في الحياة أولى من اجتهاد غيره، ثم ذكر أنّ العِلّة في احتباس عمر عن الجيش حاجة أبي بكر إليه، وقيامُه بما لا يَقُوم به غيرُه، وأنّ ذلك أحوط للدِّين من نفُوذِه.ثمّ ذَكَر أنّ أمير المؤمنين علیه السلام حارَبَ معاوية بأمر الله تعالى وأمر رسوله، تعالى وأمر رسوله، ومع هذا فقد ترك محاربته في بعض الأوقات، ولم يجب بذلك ألا يكون ممتثلاً للأمر. وذَكر توليته علیه السلام لا أبا موسى، وتوليَة الرسول صلى الله عليه وآله خالد بن الوليد مع ما جرى منهما وأن ذلك يقتضي الشّرط.ثم ذكر أن من يَصلُح للإمامة ممّن ضَمّه جيشُ أسامةَ يجب تأخيره ليختار للإمامة أحدهم، فإنّ ذلك أهم من نُفوذهم فإذا جازَ لهذه العِلّة التأخير قبل العَقْد جاز التأخير بعده للمعاضدة وغيرها، وطعن في قولِ مَن جعل إنّ إخراجهم في الجيش على جهة الإبعاد لهم عن المدينة بأن قال : إنّ بُعدهم عن المدينة لا يمنع من أن يختاروا للإمامة ، ولأنّه علیه السلام لم يكن قاطعاً على موته لا محالة، لأنّه لم يرد: نفذوا جيش أسامة في حياتي. ثم ذكر أن ولاية أسامةَ عليهما لا تَقتضِی فضلَه وأنّهما دونه، وذكر ولاية عمرو بن العاص عليهما وإن لم يكونا دونه في الفضل،وأن أحداً لم يُفضّل أسامة عليهما .ثم ذكر أنّ السبب في كون عمرَ من جملة جيش أسامة أنّ عبد الله بن أبي ربَيعَة المخزوميّ، قال عند ولاية أسامة : تولّي علينا شابُّ حدث ونحن مَشيخَة قُريش ! فقال عمر : يا رسولَ الله ، مُرْني حتى أضرب عنُقَه ، فقد طَعَن في تأميرك إيَّاه ؛ ثم قال: أنا أخرج في جيش أسامةً تواضُعاً وتعظيماً لأمرِه علیه السلام.اعتَرَض المرتضى هذه الأجوبة، فقال: أمّا كونُ أبي بكر في جملة جيش أسامةَ فظاهر، فقد ذكره أصحاب السِّير والتّواريخ، وقد رَوَى البَلاذُرِِيّ في تاريخه وهو معروفٌ بالثقة والضّبط ؛ وبريءٌ من مُمالأة الشِّيعة ومقارَبتها ، أن أبا بكر وعمر معاً كانا في جيش أسامة، والإنكار لما يَجري هذا المجرَى لا يُغني شيئاً ، وقد كان يَجب على من أحالَ بذلك على كتُب المغَازي في الجملة أن يومىء إلى الكتاب المتضمِّن لذلك بعينه ليرجَع إليه، فأمّا خطابُه علیه السلام بالتنفيذ للجَيش فالمقصودُ به الفور دونَ التّراخي، إمّا مِن حيث مُقتضى الأمر على مذهب مَن يَرَى ذلك لغة، وإما شرعاً من حيثُ وجَدْنا جميع الأمة من لدن الصحابة إلى هذا الوقت يحملون أوامره

على الفَور، ويَطلُبون في تَراخِيها الأدلّة. ثمّ لو لم يثبت كلّ ذلك لكان قولُ أسامةَ : لم أكن لأسأل عنك الرّكْب، أوضَحَ دليل على أنّه عقل من الأمرِ الفَوْرَ ، لأنّ سؤالَ الرّكب عنه علیه السلام بعد وفاته لا مَعنى له .وأمّا قولُ صاحب الكتاب : إنّه لم يُنكر على أسامةَ تأخّره فليس بشيء، وأيّ إنكار أبَلغ من تَكرارِه الأمر، وتردادِه القَوْل في حالٍ يُشغل عن المهم، ويقطع الفكر إلاّ فيها ! وقد كرّر الأمرَ على المأمور تارةً بتكرار الأمرِ، وأخرى بغيره. وإذا سلّمنا أن أمرَه علیه السلام كان متوجّهاً إلى القائم بعدَه بالأمر لتنفيذ الجيش بعد الوَفاة لم يلزَم ما ذَكَره من خروج المخاطب بالتنفيذ عن الجملة ؛ وكيف يصحّ ذلك وهو من جملة الجيش، والأمر متضمّن تنفيذ الجيش ! فلا بدّ من نفوذ كلِّ من كان في جُملتِه، لأنّ تأخّرَ بعضهم يَسلبُ النافذين اسمَ الجيش على الإطلاق أوَليس مذهب صاحب الكتاب أنّ الأمر بالشيء أمرٌ بما لا يتم إلا معه ! وقد اعتمدَ على هذا في مَواضع كثيرة، فإن كان خُرُوجُ الجيش ونفوذه لا يتمّ إلا بخروج أبي بكر، فالأمر بخروج الجيش أمرٌ لأبي بكر بالنفوذ والخروج، وكذلك لو أقبَل عليه على سَبيل التّخصيص ؛ وقال : نفّذوا جيشَ أسامةَ، وكان هو من جملة الجيش، فلا بدّ أن يكون ذلك أمراً له بالخروج. واستدلاله على أنّه لم يكن هناك إمامٌ منصوصٌ عليه بعموم الأمر بالتنفيذ، ليس بصحيح؛ لأنا قد بيّنا أن الخطاب إنّما توجّه إلى الحاضرين، ولم يتوجّه إلى الإمام بعدَه؛ على أن هذا لازمٌ له، لأنّ الإمام بعده لا يكون إلا واحداً ، فلم عَمَّم الخطاب ولم يفرد به الواحدَ فيقول : لينفذ القائم من بعدِي بالأمر جيشَ أسامة، فإنّ الحال لا يَختَلف في كون الإمام بعدَه واحداً بين أن يكون منصوصاً عليه أو مختاراً .وأمّا ما ادعاه أنّ الشرط في أمره علیه السلام لهم بالنّفوذ فباطل ، لأنّ إطلاقَ الأمر يمنع من إثبات الشرط، وإنّما يَثبتُ من الشروط ما يَقتضِي الدليل إثباته من التمكّن والقذرة، لأنّ ذلك شرطُ ثابت في كلّ أمر ورد من حكيم، والمصلحة بخلاف ذلك، لأنّ الحكيم لا يأمر بشَرط المصلحة، بل إطلاق الأمر منه يَقتضِي ثُبوت المصلحة وانتفاء المفسَدة، وليس كذلك التمكُّن وما يجري مجراء، ولهذا لا يشترط أحد في أوامر الله تعالى ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم بالشّرائع المصلحةَ وانتفاء المفسَدة. وشَرَطوا في ذلك التمكّن ورفع التعذّر ، ولو كان الإمام منصوصاً عليه بَعينه واسمه لَمّا جاز أن يسترد جيش أسامةَ؛ بخلاف ما ظنّه ، ولا يعزِل مَنْ ولاه علیه السلام ولا يولّي من عَزَله للعِلّة التي ذكرناها .فأمّا استدلال أبي عليّ على أن أبا بكر لم يكن في الجيش بحديث الصلاة، فأوّل ما فيه أنه اعتراف بأن الأمر بتنفيذ الجيش كان في الحياة دون بعد الوفاة، وهذا ناقض لما بنى صاحب الكتاب عليه أمره .

ثم إنا قد بيّنا أنه علیه السلام لم يُولِّه الصلاةَ وذَكرنا ما في ذلك، ثمّ ما المانع من أن يولّيَه تلك الصلاة إن كان ولاّ إيّاها ، ثم يأمرُه بالنفوذ من بعد مع الجَيْش ! فإنّ الأمر بالصلاة في تلك الحال لا يقتضي أمرَه بها على التأبيد.وأمّا ادعاؤه أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله يأمُر بالحُروب وما يتّصل بها عن اجتهاد دون الوَحي، فمعاذَ الله أن يكون صحيحاً ، لأنّ حروبه علیه السلام لم تكن ممّا يختصّ بمصالح أمور الدنيا، بل للدِّين فيها أقوى تَعلق، لِما يعودُ على الإسلام وأهله بفُتوحه من العزّ والقوّة وعلوِّ الكلمة وليس يَجري ذلك مجرى أكله وشربه ونومه ؛ لأنّ ذلك لا تعلّق له بالدِّين، فيجوز أن يكون عن رأيه، ولو جاز أن تكون مغازيه وبعوثه مع التعلّق القويّ لها بالدّين عن اجتهاد لجازَ ذلك في الأحكام.ثم لو كان ذلك عن اجتهاد لما ساغَت مخالفتُه فيه بعد وفاته، كما لا تَسوغ في حياته. فكل علّة تمنَع من أحد الأمرين هي مانعةٌ من الآخر. فأمّا الاعتذار له عن حَبس عمر عن الجيش بما ذكره فباطل؛ لأنَّا قد قلنا : إن ما يأمر به علیه السلام لا يسوغُ مخالفتُه مع الإمكان، ولا مُراعاةَ لما عَساه يعرض فيه مِنْ رأي غيره، وأيّ حاجة إلى عمرَ بعد تَمامِ العَقْد واستقراره، ورضا الأمّة به، على طريق المخالف وإجماعها عليه، ولم يكن هناك فتنة ولا تَنازُع ولا اختلاف يُحتاجُ فيه إلى مُشاورته وتدبيره ! وكل هذا تعلل باطل .فأمّا محاربة أمير المؤمنين علیه السلام معاويةَ فإنّما كان مأموراً بها مع التمكّن ووجود الأنصار، وقد فعل علیه السلام من ذلك ما وَجَب عليه لمّا تمكّن منه، فأمّا مع التعذّر وفَقْدِ الأنصار فما كان مأموراً بها وليس كذلك القولُ في جيش أسامة، لأن تأخّر من تأخّر عنه كان مع القدرة والتمكّن. فأمّا تولية أبي مُوسَى فلا نَدِري كيف يُشبه ما نحن فيه، لأنّه إنّما ولأه بأن يرجع إلى كتاب الله تعالى فيَحكم فيه وفي خَضمه بما يقتضيه، وأبو موسى فَعل خلافَ ما جُعل إليه ، يكن ممتثِلاً لأمر من ولاه، وكذلك خالدُ بن الوليد إنّما خالف ما أمره به الرسولُ صلی الله علیه وآله وسلم فتبرّأ من فعله، وكلّ هذا لا يُشبه أمره علیه السلام بتنفيذ جيش أسامةَ أمراً مطلقاً، وتأكيده ذلك وتكرارُه له ، فأمّا جيشُ أسامةَ فإنّه لم يضمّ من يصلح للإمامة، فيجوز تأخّرهم ليختار أحدهم على ما ظنّه صاحبُ الكتاب، على أن ذلك لو صحّ أيضاً لم يكن عُذراً في التأخّر؛ لأنّ مَنْ خرج في الجيش يُمكن أن يختار وإن كان بعيداً، ولا يَمنَع بُعده من صحّة الاختيار، وقد صرّح صاحب الكتاب بذلك . ثمّ لو صح هذا العُذر لكان عُذراً في التأخر قبل العقد، فأما بعد إبرامِه فلا عُذر فيه والمُعاضدة التي ادعاها قد بينا ما فيها .فأمّا ادّعاء صاحب الكتاب رادَّا على من جَعَل إخراج القوم في الجيش ليتمّ أمرُ النصّ أن مَنْ أبْعَدهم لا يمنع أن يختاروا للإمامة فيدل على أنه لم يتبين معني هذا الطعن على حقيقته ،

لأنّ الطاعنَ به لا يقول إنّه أبعدَهم لئلا يختاروا ،للإمامة وإنّما يقول: إنّه أبعدَهم حتَّى يَنتصِب بعدَه في الأرض مَن نصّ عليه ولا يكون هُناكَ من يُنازِعُه ويخالفه .وأمّا قولُه : لم يكن قاطعاً على مَوتِه فلا يضرّ ،تسليمه أليس كان مُشفِقاً وخائفاً! وعلى الخائف أن يتحرَّز ممّن يخاف منه. فأما قوله : فإنه لم يرد: نقذوا الجيشَ في حياتي فقد بيّنا ما فيه . فأمّا ولاية أسامةَ على من وُلّي عليه، فلا بدّ من اقتضائها لفَضله على الجماعة فيما كان والياً فيه، وقد دلّلنا فيما تقدّم من الكتاب على أنّ ولايةَ المَفضُول على الفاضِل فيما كان أفضَل منه فيه قبيحة، فكذلك القولُ في ولاية عمرو بن العاص عليهما فيما تقدم، والقول في الأمرينواحد .وقوله : إنّ أحداً لم يَدَّعِ فضلَ أسامة على أبي بكر وعمرَ، فليس الأمرُ على مَا ظَنّه ؛ لأن من ذهب إلى فسادِ إمامةِ المَفْضول لا بد من أن يُفضّل أسامة عليهما فيما كان والياً فيه، فأما ادّعاؤه ما ذكَرَه من السبب في دخولِ عمرَ في الجيش فما نعرفه ولا وقفنا عليه إلاَّ من كتابه، ثمّ لو صحّ لم يُغنِ شيئاً، لأنّ عمر لو كان أفضل من أسامةَ لمَنَعه الرسولُ صلَّى الله عليه وآله من الدخول في إمارته والمسير تحت لوائه، والتواضع لا يقتضي فعل القبيح.****قلتُ : إنّ الكلام في هذا الفصل قد تشعّب شُعَباً كثيرة، والمُرتضى رحمه الله لا يُورِد كلامَ قاضي القُضاة بنصّه، وإنما يختصِره ويورده مبتوراً، ويُومىء إلى المَعاني إيماء لطيفاً، وغرضُه الإيجاز، ولو أورَدَ كلامَ قاضي القضاة بنصه لكان أليق، وكان أبعد عن الظُّنَّة، وأدفَعَ لقول قائل من خصومه : إنَّه يحرّف كلام قاضي القضاة، ويذكُرُه على غير وَجه، ألا تَرَى أنَّ من نَصَب نفسَهُ لاختصار كلام فقد ضمن على نفسه أنَّه قد فهم معانيَ ذلك الكلام حتى يصحّ منه اختصاره؛ ومن الجائز أن يظنّ أنّه قد فَهِم بعض المواضع ولم يكن قد فَهِمه على الحَقيقة، فيختصر ما في نفسه؛ لا ما في تَصنيف ذلك الشخص، وأمّا من يُورِد كلام َالناس بنصّه فقد استَراحَ من التَّبِعة، وعَرَض عقلَ غيره وعقل نفسه على الناظرين والسامعين.ثم نقول : إنّ هذا الفصل ينقسم أقساماً :منها قولُ قاضي القُضاة: لا تُسلَّم أن أبا بكر كان في جيش أسامة.وأمّا قولُ المرتَضى : إنه قد ذكره أرباب السِّير والتواريخ، وقولُه : إِنَّ البَلاذُرِي ذكره في تاريخه، وقولُه : هلاً عَيْنَ قاضي القضاة الكتاب الَّذي ذَكَر أنه يتضمن عدم كون أبي بكر في ذلك الجيش ! فإنّ الأمر عندي في هذا الموضع مشتبه، والتواريخ مختلفة في هذه القضيَّة، فمنهم من يقول : إن أبا بكر كان في جُملة الجيش ومنهم من يقول : إنه لم يكن، وما أشار إليه

قاضي القُضاة بقوله في كتب المغازي لا ينتهي إلى أمر صحيح، ولم يكن ممَّن يستحلُّ القول بالباطل في دينه ولا في رئاسته . ذَكَر الواقدي في كتاب المغازي أنَّ أبا بكر لم يكن في جيش أسامة، وإنما كان عمرُ، وأبو عُبيدة، وسعدُ بن أبي وَقّاص، وسعيدُ بنُ زيد بن عمرو بن نُفَيْل، وقَتادة بنُ النُّعمان، وسَلَمة بن أسلَم، ورجالٌ كثيرٌ من المهاجرين والأنصار، قال: وكان المنكر لإمارة أسامةَ عيّاش بن أبي ربيعة. وغيرُ الواقديِّ يقول : عبد الله بن عَيَّاش ؛ وقد قيل: عبدُ الله بنُ أبي ربيعة أخو عَيَّاش.وقال الواقدي: وجاء عمرُ بن الخطَّاب فَودَّع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ليسيرَ مع ليسير مع أسامة. وقال: وجاء أبو بكر فقال : يا رسول الله أصبحت مُفيقاً بحمد الله، واليومَ يومُ ابنة خارجة ، فأذَن لي ، فأذِن له، فذهب إلى منزله بالسُّنح وسار أسامة في العسكر، وهذا تصريح بأن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة.وذكر موسى بن عُقبة في كتاب «المغازي»(1أنَّ أبا بكر لم يكن في جيش أسامة وكثير من المحدِّثين يقولون : بل كان في جيشه.)فأمّا أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ فلم يذكر أنَّه كان في جيش أسامَة إلا عمر. وقال أبو :جعفر حدّثني السُّدّي بإسنادٍ ذَكرَه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضَرَب قبل وفاته بَعْثاً على أهل المدينة ومَن حولَهم وفيهم عمرُ بنُ الخطاّب، وأمّرَ عليهم أسامَة بنَ زيد (2، فلم يجاوِزُ آخرُهم الخَنْدَقِ حتى قبض رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فوقف أسامةُ بالناس ثم قال لعمر: ارجع إلى خليفة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فاستأذنه يأذَن لي أرجع بالناس، فإن معي وجوه الصحابة، ولا آمن على خليفة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وثَقَل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وأثقال المسلمين أن يتخطَّفهم المُشركون حولَ المدينة ؛ وقالت الأنصار لعمرَ سِرَّا : فإن أبى إلاّ أن يَمضَي فأبلغه عنّا، واطلُب إليه أن يولّي أمرنا رجلاً أقدَمَ سِنا من أسامة فخرج عمرُ بأمر أسامة فأتى أبا بكر فأخبَره بما قال أسامة، فقال أبو بكر : لو تخطّفتني الكلاب والذئاب لم أرُدَّ قضاءً قَضَى به رسول الله صلى الله عليه وآله . قال : فإنَّ الأنصار أمَروني أن أبلّغك أنّهم يَطلبُون إليك أن تولّي أمرَهم رجلاً أَقدَم سِنا من أسامة، فوَثَب أبو بكر - وكان جالساً - فأخذ بلحيِة عمر وقال : ثَكِلَتْك أمك يابن الخطَّاب ! ايَستعمِلُه رسول الله صلى الله عليه وآله وتأمرني أن أنزعها فخرج عمرُ إلى الناس، فقالوا له : ما صنعتَ؟ فقال: امضُوا ثَكِلَتكم أمهاتكم! ما لقيتُ في سبيلكم اليومَ من خليفة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ! ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشخَصَهم وشيّعهم، وهو ماشي وأسامة راكب، وعبد الرحمن بن)


1) المغازي لموسى بن عقبة بن أبي عياش المتوفى سنة (141) ، كشف الظنون (1747/2) .

2) انظر: «تاريخ الطبري» (224/2 ) .

عوف يقودُ دابّةً أبي بكر، فقال له أسامةُ بنُ زيد: يا خليفَة رسول الله، لتركَبَنَّ أو لأنزِلَنْ، فقال: والله لا تَنزِل ولا أركَب، وما عليّ أن أغبِّر قَدَمي في سبيل الله ساعةً، فإنَّ للغازي بكلّ خُطوة يَخطوها سبعمائة حسنة تُكتَب له، وسبعمائة درجة تُرفَع له، وسبعمائة خطيئة تُمحى عنه، حتّى ذا انتهَى قال لأسامة : إن رأيتَ أن تُعينني بعمر فافعل فأذن له، ثم قال : أيّها الناس ، قفوا حتّى أوصيكم بعَشر فاحفظوها عنّي : لا تخونُوا ولا تَغْدِروا ولا تَغُلُّوا ولا تُمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ، ولا امرأةٌ، ولا تَعقِرُوا نَخْلاً ولا تُحَرِّقوه، ولا تقطعوا شجرةً مُثيرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بعيراً ولا بقَرَةً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فَرغوا أنفسهم للعبادة في الصّوامع، فدعُوهم فيما فَرّغوا أنفسَهم له، وسوف تُقدمون على أقوام يأتونكم بصحافٍ فيها ألوانُ الطعام، فلا تأكلوا من شيء حتّى تَذكَّروا اسم الله عليه، وسوف تلقَوْن أقواماً قد حَصوا أوساط رؤوسهم وتركُوا حولها مثل العصائب، فاخفِقُوهم بالسيوف خَفْقاً ؛ أفناهم الله بالطعن والطاعون، سيروا على اسم الله .وأمّا قولُ الشيخ أبي علي فإنه يدلّ على أنَّه لم يكن في جيش أسامة، أمرُه إيّاه بالصّلاة، وقولُ المرتضَى : هذا اعتراف بأن الأمر بتنفيذ الجيش كان في الحالِ دونَ ما بعد الوفاة، وهذا يَنقُض ما بَنَى عليه قاضي القضاة،أمره، فلقائل أن يقول : إنَّه لا يَنقُض ما بناه، لأنَّ قاضي القضاة ما قال : إنَّ الأمر بتنفيذ الجيش ما كانَ إلا بعدَ الوفاة، بل قال : إنَّه أمر، والأمر على التَّراخي ، فلو نفذ الجيشُ في الحال لجاز، ولو تأخّر إلى بعد الوفاة لجاز .فأما إنكار المرتضى أن تكون صَلاة أبي بكر بالنَّاس كانت عن أمر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فقد ذكرنا ما عندنا في هذا فيما تقدّم.وأمّا قولُه : يجوز أن يكون أمره بصلاةٍ واحدةٍ أو صلاتين، ثم أمَرَه بالنّفوذ بعد ذلك، فهذا لَعَمْرِي جائزٌ. وقد يُمكن أن يقال: إنّه لمّا خرج متحاملاً من شدّة المرض فتأخّر أبو بكر عن مقامه، وصلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالنّاس، أمره بالنّفوذ مع الجيش، وأسكتَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أثناء ذلك اليوم، واستمر أبو بكر على الصّلاة بالناس، إلى أن تُوفِّيَ علیه السلام، فقد جاء في الحديث أنّه أسكت، وأن أسامة دخل عليه فلم يَستطِع كلامَه لكنّه كان يرفَع يديه ويَضُعُهُما عليه كالدّاعي له. ويُمكن أن يكون زمان هذه السكتة قد امتدّ يوماً أو يومين، وهذا الموضعُ من المواضع المشتبهة عندي .ومنها قول قاضي القُضاة : إنّ الأمر على التّراخي فلا يلزم من تأخر أبي بكر عن النفوذ أن يكون عاصياً .فأما قولُ المرتضى : الأمرُ على الفور إمّا لغةً عند من قال به أو شرعاً لإجماع الكلّ على

أنّ الأوامر الشرعيّة على الفَور إلاَّ ما خرج بالدّليل، فالظاهر في هذا الموضع صحّة ما قاله المرتضَى، لأن قرائنَ الأحوال عند من يقرأ السِّير ويعرف التواريخ تَدُلّ على أنّ الرسول صلى الله عليه وآله كان يَحُثُّهم على الخروج والمَسير، وهذا هو الفَوْر. وأمّا قولُ المرتضى وقولُ أسامة : لم أكن لأسأل عنك الرَّكْب، فهو أوضح دليل على أنه عَقَل من الأمر الفَوْر، لأنّ سؤال الرّكْب عنه بعد الوَفاة لا معنى له . فلقائل أن يقول : إنّ ذلك لا يدل على الفَوْر، بل يدل على أنه مأمور في الجملة بالنفوذ والمسير، فإنّ التعجيل والتأخير مفوّضان إلى رأيه، فلمّا قال له النبيّ صلى الله عليه وآله : «لم تأخّرت عن المَسِير ؟ قال : لم أكن لأسير وأسأل عنك الرّكْب، إني انتظرتُ عافيتك، فإني إذا سرتُ وأنت على هذه الحال لم يكن لي قلب للجهاد، بل أكون قَلقِاً شديد الجزع، أسأل عنك الركبان، وهذا الكلام لا يدلّ على أنه عَقَل من الأمر الفَور لا مَحَالة، بل هو على أن يَدلّ على التراخي أظهر، وقولُ النبي صلّى الله عليه وآله : «لِمَ تأخرت عن المَسير؟» لا يَدلّ على الفَوْر ؛ لأنه قد يقال مثل ذلك لمن يؤمر بالشيء على جهة التراخي إذا لم يكن سؤال إنكار .وقول المرتضي : لأن سؤال الرَّكْب عنه بعد الوفاة لا معنى له قول من قد توَهم على قاضي القضاة أنه يقول : إن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ما أمرهم بالنفوذ إلا بعد وفاته، ولم يَقُل قاضي القضاة ذلك، وإنما ادعى أن الأمر على التراخي لا غير، وكيف يُظنّ بقاضي القضاة أنه حَمَل كلام أسامة على سؤال الرّكب بعد الموت ! وهل كان أسامةُ يعلم الغيب فيقول ذاك! وهل سأل أحد عن حال أحدٌ من المرضى بعد موته!فأما قول المرتضى عَقِيبَ هذا الكلام : لا معنى لقول قاضي القُضاة إنه لم ينكر على أسامة تأخّره، فإن الإنكار قد وَقع بتكرار الأمر حالاً بعد حال، فلقائل أن يقول : إن قاضي القُضاة لم يجعل عدم الإنكار عَلى أسامة حجّة على كون الأمر على التراخي، وإنما جعل ذلك دليلاً على أن الأمر كان مَشْروطاً بالمصلَحة ومن تأمل كلام قاضي القضاة الذي حكاه عنه المرتضى تحقق ذلك، فلا يجوز للمرتضى أن ينتزعه من الوضع الذي أورده فيه، فيجعله في موضع آخر.ومنها قولُ قاضي القضاة: الأمرُ بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجِّهاً إلى الخليفة بعده، والمخاطبُ لا يدخُل تحت الخطاب واعتراضُ المرتضى عليه بأن لفظة «الجيش» يدخل تحتها «أبو بكر فلا بدّ من وجوب النفوذ عليه، لأن عدم نُفوذه يَسلب الجماعة اسم «الجيش»؛ فليس ،بجيّد، لأن لفظة «الجيش» لفظةٌ موضوعة لجماعة من الناس قد أعِدّت للحرب، فإذا خرج منها واحد أو اثنان لم يزل مسمَّى الجيش عن الباقين والمرتضى اعتقد أنَّ ذلك مثل الماهيّات المركّبة، نحو العشرة إذا عُدِم منها واحد زال مسمى العَشَرة، وليس الأمر كذلك، ذلك أنه لو قال بعض الملوك لمائة إنسان: أنتم جيشي، ثم قال لواحد منهم : إذا مت فأعط كلّ واحدٍ

من جيشي درهماً من خزانتي، فقد جعلتك أميراً عليهم لم يكن له أن يأخذ لنفسه دِرهماً ، ويقول : أنا من جملة الجماعة الذين أطلق عليهم لَفظة الجيش .ومنها قولُ قاضي القضاة: هذه القضيّة تدلّ على أنه لم يكن هناك إمامٌ منصوصٌ عليه ؛ وأما قول :المرتضى : فقد بينا أنَّ الخطاب إنما توجَّه إلى الحاضرين لا إلى القائم بالأمر بعده، فلم نجد في كلامه في هذا الفصل بطوله ما بين فيه ذلك، ولا أعلم على ماذا أحال! ولو كان قد بيّن - على ما زَعَم - أن الخطاب متوجَّه إلى الحاضرين، لكان الإشكالُ قائماً، لأنه يقال له : إذا كان الإمام المنصوص عليه حاضراً عنده فلم وجه الخطاب إلى الحاضرين! ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول الملكُ للرعيّة : اقضوا بين هذين الشخصين والقاضي حاضرٌ عنده، إلاَّ إذا كان قد عَزَله عن القضاء في تلك الواقعة عن الرعيّة!فأمّا قول المرتضي : هذا ينقلب عليكم فليس ينقلب ؛ وإنما ينقلب لو كان يريد تنفيذ الجيش بعد موته ،فقط، ولا يريدُه وهو حي ، فكان يجيء ما قاله المرتضى لينفذ القائم بالأمر بعدي جيش أسامة، فأما إذا كان يريد نفوذ الجيش من حين ما أمر بنفوذه فقد سَقَط القَلب، لأنَّ الخليفة حينئذ لم يكن قد تعيّن لأن الاختيار ما وقع بعد وعلى مذهب المرتضى الإمام متعينحاضر عنده نصبَ عَيْنه، فافترق الوَصْفان.ومنها قول قاضي القضاة: إن مخالفة أمره صلى الله عليه وآله في النفوذ مع الجيش أو في إنفاذ الجيش لا يكون معصيةً، وبيّن ذلك من وجوه :أحدُها: أن أمره علیه السلام بذلك لا بدّ أن يكون مشروطاً بالمصلحة، وألا يعرض ما هو أهَمّ من نفوذ الجيش، لأنه لا يجوز أن يأمرهم بالنفوذ وإن أعقب ضرراً في الدِّين، فأما قول المرتضى : الأمر المطلق يدلّ على ثبوت المَصلحة، ولا يجوز أن يَجعل الأمر المطلق، فقول جيّد إذا اعترض به على الوجه الذي أورَدَه قاضي القضاة، فأما إذا أورده أصحابُنا على وجه آخر فإنه يندفع كلام المرتضى، وذلك أنه يجوز تخصيصُ عمومات النصوص بالقياس الجليّ عند كثير من أصحابنا على ما هو مذكورٌ في أصول الفقه، فلم لا يجوز لأبي بكر أن يَخُص عموم قوله : «أنفذوا بعث أسامة »(1لمصلحة غَلبت على ظنه في عدم نفوذه نفسه، ولمفسدة غلبت على نفسه في نفوذه نفسه مع البعث !)


1) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (30266) .

وثانيها : أنه علیه السلام كان يبعث السّرايا عن اجتهاد لا عَنْ وَحْي يحرم مخالفته. فأمّا قول المرتضى: إن للدين تعلّقاً قوياً بأمثال ذلك، وإنها ليست من الأمور الدنياوية المحضة نحو أکله وشربه ونومه، فإنَّه يعود على الإسلام بفتوحه عزّ وقوّةٌ وعُلُوُّ كلمة فيقال له : وإذا أكل اللحم وقوي مِزاجُه بذلك ونام نوماً طبيعياً يزول عنه به المرض والإعياء، اقتضى ذلك أيضاً عزّ الإسلام وقوّته ، فقل إن ذلك أيضاً عن وَحْي.ثم إنّ الذي يقتضيه فُتوحُه وغزواته وحُروبه من العِزّ وعلوّ الكلمة لا ينافي كون تلك الغَزَوات والحروب باجتهاده، لأنه لا منافاة بين اجتهاده وبين عِزّ الدين وعلوِّ كلمته بحرُوبه وأن الذي يُنافي اجتهاده بالرأي هو مثل فرائض الصلوات ومقادير الزكوات ومناسك الحجّ، ونحو ذلك من الأحكام التي تُشعر بأنها مُتلقاة من محض الوحي، وليس للرأي والاجتهاد فيها مدخل، وقد خرج بهذا الكلام الجواب عن قوله : لو جاز أن تكون السرايا والحروب عن اجتهاده، لجاز أن تكون الأحكام كلُّها عن اجتهاده. وأيضاً فإنَّ الصحابة كانوا يراجعونه في الحروب وآرائه التي يدبرها بها ويرجع علیه السلام إليهم في كثير منها بعد أن قد رأي غيره، وأما الأحكام فلم يكن يُراجع فيها أصلاً، فكيف يُحمل أحدُ البابين على الآخر .فأمَّا قوله : لو كانت عن اجتهاد لوجب أن يحرم مخالفته فيها وهو حيِّ، لا فرق بين الحالين؛ فلقائل أن يقول : القياس يقتضي ما ذكرت إلا أنه وقع الإجماعُ على أنَّه لو كان في الأحكام أو في الحرُوب والجهاد ما هو باجتهاده لما جازت مخالفتُه، والعدولُ عن مذهبه وهو حيَّ لم يَختلف أحدٌ من المسلمين في ذلك، وأجازوا مخالفتَه بعد وفاته بتقدير أن يكون ما صار إليه عن اجتهاد والإجماع حُجة .فأما قولُ قاضي القُضاة: لأنَّ اجتهادَه وهو حيٌّ أولَى من اجتهاد غيره، فليس يكادُ يظهَر، لأنَّ اجتهادُه، وهو ميت أولى أيضاً من اجتهاد غيره، ويُغلب على ظَنِّي أَنهم فَرَّقوا بين حالتي الحياة والموت، فإنَّ في مخالفته وهو حيٌّ نوعاً من أذّى له، وأذاهُ محرّم لقوله تعالى : (وَمَا كان لَكُمْ أَن تُؤذُوا رَسُولَ اللَّهِ(1)، والأذى بعد الموت لا يكون، فافترق الحالان.)****وثالثها: أنه لو كان الإمامُ منصوصاً عليه لجاز أن يستردَّ جيش أسامةَ أو بعضَه لنصرته ؛ فكذلك إذا كان بالاختيار، وهذا قد منع منه المرتضى، وقال : إنه لا يجوز للمنصوص عليه ذلك، ولا أنَّ يولِّي من عزله رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، و لا أن يَعزِل مَن ولأه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.


1) سورة الأحزاب، الآية : 53 .

ورابُعها : أنّه علیه السلام تَرَك حرب معاوية في بعض الحالات، ولم يُوجب ذلك أن يكون عاصِياً، فكذلك أبو بكر في ترك النّفوذ في جيش أسامة.فأما قول المرتضَى : إنّ عليَّا علیه السلام كان مأموراً بحرب معاوية مع التمكّن ووجود الأنصار، فإذا عَدِما لم يكن مأموراً بحربه ؛ فلقائل أن يقول : وأبو بكر كان مأموراً بالنفوذ في جيش أسامة مع التمكن ووجود الأنصار، وقد عُدِم التمكّن لمّا استُخلف، فإنَّه قد تحمَّل أعباء الإمامة، وتَعذّر عليه الخروجُ عن المدينة، الّتي هي دارُ الإمامة، فلم يكن مأموراً والحال هذه بالنفوذ في جيش أسامة .فإن قلت : الإشكال عليكم إنّما هو من قبل الاستخلاف، كيف جاز لأبي بكر أن يتأخّر عن المسير؟ وكيف جاز له أن يَرجع إلى المدينة وهو مأمور بالمسير؟ وهلاً نفذ لوجهه ولم يرجع وإن بلغه موتُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم!قلت: لعلّ أسامةَ أذِن (1له ، فهو مأمورٌ بطاعته، ولأنَّه رأى أسامَة وقد عاد باللَّواء فعاد هو لأنه لم يكن يُمكِنه أن يسير إلى الرُّوم وحده، وأيضاً فإنَّ أصحابنا قالوا : إِنَّ وِلاية أسامةَ بَطلت بموت النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، وعاد الأمرُ إلى رأي مَن ينصَّب للأمر، قالوا : لأنَّ تصرُّف أسامة إنَّما كان من جهة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، ثم زال تَصرّف النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بموته، فوَجَب أن يزول تَصرُّف أسامة، لأنَّ تصرُّفَه تبعٌ لتَصرُّف الرسول صلی الله علیه وآله وسلم . قالوا : وذلك كالوَكيل تَبطُل وكالته بموتِ المَوكَّلِ، قالوا : ويفارق الوصيّ لأنَّ ولايتَه لا تثَبتُ إلاَّ بعد موت المُوصي، فهو كعَهد الإمام إلى غيره لا يَثبت إلاَّ بعد موت الإمام، ثم فرّع أصحابنا على هذا الأصل مسألةً وهي : الحاكم هل ينعزل بموت الإمام أم لا؟ قال قوم من أصحابنا : لا ينعزل وبنَوه على أن التّولّي من غير جهِةِ الإمام يجوز فجعَلوا الحاكم نائباً عن المسلمين أجمعين، لا عن الإمام، وإن وقف تَصرُّفه على اختياره، وصار ذلك عندهم بمنزلة أن يَختارَ المسلمون واحداً يحكُم بينهم، ثمّ يموت من رضيَ بذلك، فإنّ تَصرُّفه يَبقَى على ما كان عليه وقال قوم من أصحابنا : يَنعزل، وإنّ هذا النوع من التّصرف لا يُستفاد إلاّ من جهة الإمام، ولا يقوم به غيره، وإذا ثبت أنّ أسامةَ قد بطلت ولايته لم تبق تَبعةٌ على أبي بكر في الرّجوع من بعض الطّريق إلى المدينة.)****وخامسها : أن أميرَ المؤمنين علیه السلام ولّى أبا موسى الحُكْم، وولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالَدَ بنَ


1) تخلفه عن الجيش كان في حياة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ولم يستثني النبي في قوله : لعن الله من تخلف عن جيش أسامة، أو قوله : انفذوا جيش أسامة.

الوليد السَّرِية إلى الغُمَيْصاء (1، وهذا الكلامُ إنَّما ذكره قاضي القُضاة تتمّةً لقوله : إنّ أمرَه علیه السلام ينفوذ بعث أسامة كان مَشْروطاً بالمصلحة قال : كما أن توليتَه علیه السلام أبا موسى كانت مشروطةً باتباع ،القرآن، وكما أن تولية رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم خالد بن الوليد كانت مشروطة بأن يعمَل بما أوصاه به فخالفا ولم يَعْمَلا الحقّ ، فإذا كانت هذه الأوامر مشروطةً فكذلك أمرُه جيش أسامة بالنفوذ كان مشروطاً بالمَصلَحة وألاّ يعرض ما يقتضي رجوع الجيش أو بعضه إلى المدينة، وقد سبق القول في كون الأمر مشروطاً .)وسادسُها : أن أبا بكر كان محتاجاً إلى مقامِ عمرَ عنده ليعاضِدَه ويقومَ في تمهيد أمر الإمامة ما لا يقوم به غيرُه، فكان ذلك أصلح في بابَ الدِّين من مَسيره مع الجيش، فجاز أن يَحبِسه عنده لذلك ؛ وهذا الوجه مختصّ بمن قال : إن أبا بكر لم يكن في الجيش، وإيضاح عذره في حَبْس عمر عن النّفوذ مع الجيش.فأمّا قولُ المرتضى فإن ذلك غيرُ جائز، لأنّ مخالفةَ النصّ حرام، فقد قُلنا : إنَّ هذا مبنيٌّ على مسألة تخصيص العمومات الواردة في القرآن بالقياس.وأمّا قوله : أي حاجة كانت لأبي بكر إلى عمرَ بعد وقوع البيعة، ولم يكن هناكَ تَنازُع ولا اختلاف! ،فعجيب، وهل كان لولا مُقامُ عُمَر وحضورُه في تلك المقامات يتمّ لأبي بكر أمرٌ أو يَنتظم له حال! ولولا عمرُ لما بايَع عليُّ ولا الزّبيرُ، ولا أكثرُ الأنصار، والأمر في هذا أظهر من كلّ ظاهر.وسابعها : أنّ من يصلح للإمامة ممّن ضَمّه جيشُ أسامَة يجب تأخّرهم ليُختارَ للإمامة أحدُهم، فإنّ ذلك أهمّ من نفوذهم، فإذا جاز لهذه العِلّة التأخّر قبل العقد جاز التأخر بعدَه للمعاضَدة وغيرها .فأما قول المرتضَى : إنّ ذلك الجيش لم يَضُمّ مَن يَصلح للإمامة، فبناءً على مذهبه في أنّ كلّ من ليس بمعصوم لا يَصلُح للإمامة. فأمّا قولُه : ولو صح ذلك لم يكن عذراً في التأخّر، لأنّ من خرج في الجيش يُمكِن أن يختار ولو كان بعيداً، ولا يُمكِن بعده من صحّة الاختيار، فلقائل أن يقول : دار الهجرة هي التي فيها أهلُ الحَلّ والعَقْد وأقاربُ رسول الله صلى الله عليه وآله


1) الغُمَيْصاء: موضع في بادية العرب قرب مكة كان يسكنه بنو جذيمة الذين أوقع بهم خالد بن الوليد رحمة الله عام الفتح معجم البلدان (397/6) .

والقُرّاء وأصحابُ السَّقيفة، فلا يجوز العدول عن الاجتماع والمشاوَرة فيها إلى الاختيار على البُعد، وعلى جناح السَّفَر من غير مشارَكةَ مَن ذَكَرْنا من أعيان المسلمين.فأمّا قوله : ولو صحّ هذا العقد لكان عذراً في التأخّر قبل العَقد، فأمّا بعد إبرامه فلا عذر فيه ؛ فلقائل أن يقول : إذا أجزت التأخر قبل العقد لنوع من المصلحة فأجز التأخّر بعد العَقد لنوع آخر من المصلحة، وهو المعاضدة والمساعَدة.هذه الوجوهُ السبعةُ كلّها لبيان قوله: تأخر أبي بكر أو عمر عن النّفوذ في جيش أسامة، وإن كان مأموراً بالنفوذ.****ثمّ نعود إلى تمام أقسام الفَصل .ومنها قولُ قاضِي القُضاة: لا معنى لقول من قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قصَد إبعادهم عن المدينة، لأن يُعْدَهم عنها لا يمنعهم من أن يختارُوا واحداً منهم للإمامة، ولأنّه علیه السلام لم يكن قاطعاً على موته لا محالة، لأنه لم يرد: نفذوا جيش أسامة في حياته .وقد اعترضَ المرتَضى هذا فقال : إنّه لم يتبيّن معنى الطّعن، لأنّ الطاعن لا يقول : إنهم أبعدوا عن عن المدينة كي لا يختارُوا واحداً للإمامة بل يقول: إنّما أُبعِدوا لينتصب بعد موته صلی الله علیه وآله وسلم في المدينة الشّخصُ الَّذي نص عليه، ولا يكون حاضراً بالمدينة من يخالفه ويُنازعه، وليس يضرنا الاّ يكون صلی الله علیه وآله وسلم قاطعاً على موته لأنّه وإن لم يكن قاطعاً فهو لا محالة يُشفِق ويخافُ من الموت، وعلى الخائف أن يتَحرّز مما يخاف منه ؛ وكلام المرتضى في هذا الموضع أظهر من كلام قاضي القُضاة.ومنها قولُ قاضي القُضاة: إن ولاية أسامة عليهما لا تقتضي كونهما دونه في الفضل، كماأنّ عمرو بن العاص لمّا وُلّي عليهما لم يقتَض كونَه أفضل منهما . وقد اعترض المرتضى هذا بأنه يَقبحُ تقديمُ المفضول على الفاضل فيما هو أفضلُ منه، وأن تقديم عمرو بن العاص عليهما في الإمرة يَقتضِي أن يكون أفضلَ منهما فيما يرجع إلى الإمرة والسياسة، ولا يقتضي أفضليّته عليهما في غير ذلك، وكذلك القول في أسامة.ولقائل أن يقول : إنّ الملوك قد يؤمرون الأمراء على الجيوش لوجهين: أحدهما: أن يَقصِد الملك بتأمير ذلك الشخص أن يَسُوس الجيش ويُدَبّره بفضل رأيه وشَيْخُوخته وقديم تجربته وما عُرِف من يُمْن نَقِيبته في الحرب وقود العساكر، والثاني: أن يؤمِّر على الجيش غلاماً حَدَثاً من غلمانه أو من ولده أو من أهله، ويأمر الأكابر من الجيش أن يثقِّفوه ويعلِّموه، ويأمرُه أن يتدبّر بتدبيرهم، ويرجع إلى رأيهم ؛ ويكونُ قصدُ الملك من ذلك تخريج ذلك الغلام وتمرينُه على

الإمارة، وأن يُثبت له في نفوس الناس منزلةٌ، وأن يُرشِّحَه لجلائل الأمور ومعاظم الشؤون، ففي الوجه الأوّل يقبح تقديم المفَضول على الفاضل ؛ وفي الوجه الثاني لا يَقبُح، فلم لا يجوز أن يكون تأمير أسامةَ عليهما من قَبيل الوجهِ الثاني ؟ والحالُ يَشهَد لذلك، لأنّ أسامةَ كان غلاماً لم يبلغ ثماني عشرة سنةً حين قُبِض النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، فمن أين حصل له من تجربة الحرب ومُمارسة الوقائع وقَوْد الجيش ما يَكُون به أعرف بالإمرة من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم!ومنها قولُ قاضي القُضاة: إنّ السبب في كون عمرَ في الجيش أنّه أنكر على عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة تسَخُّطه إمرة أسامة، وقال: أنا أخرُجُ في جيش أسامة؛ فخرج من تلقاء بن نفسِه تعظيماً لأمر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم . وقد اعترَضه المرتضى فقال : هذا شيءٌ لم نَسمعه من راو، ولا قرأناه في كتاب ؛ وصَدَق المرتضَى فيما قال، فإنّ هذا حديثٌ غريب لا يُعرَف .وأمّا قولُ عمرَ : دَعْني أضرب عُنقَه فقد نافق؛ فمنقولٌ مشهورٌ لا محالة، وإنما الغريب الّذي لم يُعرف كونُ عمر خرج من تلقاء نفسه في الجيش مراغمةً لعبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، حيث أنكر ما أَنكَر ؛ ولعلّ قاضي القُضاة سمعه من راوِ أو نَقلَه من كتاب إلاَّ أنا نحن ما وقفَنا على ذلك .****الطعن الخامس : قالوا : إنّه صلی الله علیه وآله وسلم لم يُول أبا بكر الأعمال ووَلَّى غيرَه، ولّما ولأه الحج بالناس وقراءة سُورة براءة على الناس، عزَلَه عن ذلك كلّه. وجعَلَ الأمر إلى أمير المؤمنين علیه السلام، وقال :«لا يؤدّي عني إلا أنا أو رجل منّي »(1، حتَّى يَرجِعَ أبو بكر إلى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم.)أجابَ قاضي القضاة فقال : لو سلمنا أنَّه لم يُولّه، لَما دلّ ذلك على نقص، ولا عَلَى أَنَّه لم يصلُح للإمارة والإمامة، بل لو قيل : إنَّه لم يُوله لحاجته إليه بحضرته (2، وإنّ ذلك رفعةٌ له لكان أقربَ لاسيما، وقد رُوي عنه ما يدلّ على أنهما وزيراه، وأنَّه كان صلی الله علیه وآله وسلم عنه ما يدلّ على أنهما وزيراه، وأنه كان محتاجاً إليهما فلذلك لم يولّهما ، ولو كان للعمل على تركه فضل لكان عمرو بن العاص وخالدُ بن الوليد وغيرهما أفضل من أكابر الصّحابة ؛ لأنَّه علیه السلام ولأهما ،وقدّمهما ، وقد قدَّمنا أن تولِيتَه هي)


1) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب باب مناقب علي (3719) ، وأحمد في مسنده (17051)، وابن ماجه ،كتاب المقدمة باب فضل علي (119) .

2) في تبليغ براءة لم يكن أبو بكر إلى جانبي النبي صلی الله علیه وآله وسلم بل أرسله بها ثم أرسل علياً خلفه وعزله عن تبليغها .

بحَسَب الصّلاح، وقد يولِّى المفضولُ على الفاضل تارةً والفاضلُ أخرى، وربّما وُلِّيَ الواحد لاستغنائه عنه بحضرته، وربّما ولاَّه لاتِّصال بينه وبين من يُولَّى عليه، إلى غير ذلك .ثم ادّعى أنَّه ولّى أبا بكر على الموسم والحجّ قد ثبتت بلا خلاف بين أهل الأخبار ولم يَصحّ أنَّه عزَله، ولا يدلّ رجوع أبي بكر إلى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم مستفهِماً عن القِصَّة على العَزل؛ ثمَّ جعل إنكار من أنكَر حجّ أبي بكر في تلك السنة بالناس؛ كإنكار عَبّاد وطبقته أخذ أمير المؤمنين علیه السلام سورة براءة من أبي بكر. وحكي عن أبي علي أنَّ المعنى كان في أخذ السُّورة من أبي بكر أنَّ من عادة العرب أنَّ سيّداً من سادات قبائلهم إذا عقد عقد القوم، فإنَّ ذلك العقد لا ينحل إلا أن يُحلَّه هو أو بعض سادات قومِه، فلما كان هذا عادَتهم وأراد النبيُّ صلی الله علیه وآله وسلم أن يَنبذ إليهم عقدَهم وينقُض ما كان بينه وبينهم، علم أنه لا ينحل ذلك إلاَّ به أو بسيّد من سادتِ رَهْطه، فعَدَل عن أبي بكر إلى أمير المؤمنين المقرَّب في النَّسب. ثمّ ادَّعى أنَّه صلی الله علیه وآله وسلم ولَّى أبا بكر في مَرَضه الصَّلاةَ، وذلك أشرف الولايات، وقال في ذلك : يأبى الله ورسوله والمسلمون إلا أبا بکر.ثمَّ اعْتَرَض نفسه بصلاته علیه السلام خلف عبد الرَّحمن بن عوف: وأجاب بأنَّه صلی الله علیه وآله وسلم إنما صلَّى خلفَه ، لا أنَّه ولأه الصلاة وقدّمه فيها . قال : وإنّما قدّم عبد الرحمن عند غيبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فَصَلَّى بغير أمره، وقد ضاق الوقتُ، فجاء النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم الفصلَّى خلفه .اعترض المرتضى فقال : قد بيّنا أن تركَه صلی الله علیه وآله وسلم الولاية لبعض أصحابه مع حضوره وإمكان ولايته والعدول عنه إلى غيره مع تَطاوُل الزمان وامتداده لا بد من أن تقَتضيَ غَلبَة الظنّ بأنَّه لا يصلح للولاية، فأما ادّعاؤه أنَّه لم يولّه لافتقاره إليه بحضرته وحاجته إلى تدبيره ورأيه، فقد بينا أنَّه علیه السلام ما كان يَفتقِر إلى رأي أحدٍ لكماله ورُجحانه على كلّ أحد، وإنَّما كان يُشاوِر أصحابَه على سبيل التعليم لهم والتأديب، أو لغير ذلك ممَّا قد ذُكر. وبَعد، فكيف استمرّت هذه الحاجة، واتصلت منه إليهما حتى لم يستغن في زمان من الأزمان عن حضورهما فيوليهما! وهل هذا إلا قَدْح في رأي رسولِ الله صلی الله علیه وآله وسلم ونسبته إلى أنَّه كان ممَّن يُحتاج إلى أن يلقن ويُوقَف على كلِّ شيء، وقد نزّهه الله تعالى عن ذلك! فأمّا ادعاؤه أنَّ الرواية قد وردت بأنهما وزَيراه فقد كان يجب أن يصحِّحَ ذلك قبل أن يَعتمده ويحتجّ به ؛ فإنَّا ندفعه عنه أشدُّ دفع فأمّا ولاية عمرو بن العاص وخالد بن الوليد فقد تكلَّمنا عليها من قَبلُ، وبيّنا أنَّ ولايتَهما تدُلّ على صلاحهما لِمَا وُلّياه، ولا تدلّ على صلاحهما ،للإمامة، لأنَّ شرائط الإمامة لم تتكامل فيهما ، وبيّنا أيضاً أنَّ ولاية المَفضول على الفاضل لا تجوز، فأمّا تَعظيمه وإكباره قول مَن يَذهب إلى أنّ أبا بكر عُزل عن أداءِ السُّورة والموسم جميعاً، وجمعه بين ذلك في البعد وبين إنكار عباد أن يكون أمير المؤمنين ارتجع سورة براءة من أبي بكر ؛ فأوّل ما فيه أنا لا ننكر أن يكون أكثرُ

الأخبار واردة بأنّ أبا بكر حَجّ بالناس في تلك السنّة؛ إلا أنّه قد رَوَى قومٌ من أصحابنا خلافَ ذلك، وأنّ أمير المؤمنين علیه السلام كان أميرَ الموسم في تلك السنة، وأن عَزلَ الرجل كان عن الأمرين معاً.واستكبار ذلك. وفيه خلافٌ لا مَعنَى له، فأمّا ما حكاه عن عَبّاد فإنّا لا نعرفه وما نظنّ أحداً يَذهَب إلى مِثله، وليس يُمكنه بإزاء ذلك جَحْد مذهب أصحابنا الذي حكيناه، وليس عبّاد لو صحّت الروايةُ عنه بإزاء من ذكرناه، فهو مليءٌ بالجهالات ودَفع الضِّرورات. وبعد، فلو سلّمنا أنّ ولايةَ الموسم لم تُفسَخ لكان الكلام باقياً، لأنه إذا كان ما ولي مع تطاوُل الزِّمان إلاهذه الولاية، ثم سُلب شَطرها، والأفخم الأعظم منها ، فليس ذلك إلا تنبيهاً على ما ذكرناه.فأمّا ما حكاه عن أبي عليّ من أن عادة العرب ألا يحلّ ما عَقَده الرئيسُ منهم إلا هو أو المتقدّم من رَهْطه ؛ فَمعاذ الله أن يُجْرِي النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ُسَنته وأحكامَه على عادات الجاهليّة، وقد بين علیه السلام لمّا رَجع إليه أبو بكر يسأله عن أخذ السُّورة منه الحال، فقال: إنّه «أُوحِيَ إلي الا يؤدّيَ عنّي إلا أنا أو رجلٌ منّي»(1، ولم يذكر ما ادعاه أبو عليّ ؛ على أن هذه العادَة قد كان يعرفها النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قبلَ بَعثِه أبا بكر بسُورة براءة، فما باله لم يعتمدها في الابتداء ويبعث من يجوز أن يحلّ عقدَه من قومه ؟)فأما ادّعاؤه ولاية أبي بكر الصَّلاةَ فقد ذكرنا فيما تقدّم أنّه لم يُولّه إيَّاها . فأما فَضلُه صلاته خلف عبد الرحمن وبين صلاة أبي بكر بالناس فليس بشيء، لأنّا إذا كنّا قد دَللنا علىأنّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ما قَدّم أبا بكر إلى الصلاة، فقد استَوَى الأمران. وبعد؛ فأي ّفَرق بين يُصلِّي خلفَه وبين أن يوليه ويقدمه، ونحن نعلم أنّ صلاته خلفه إقرارٌ لولايته ورضاً بها، فقد عاد الأمرُ إلى أن عبدَ الرحمن كأنّه قد صلّى بأمره وإذنه ! على أن قصّة عبد الرحمن أوكدُ، لأنّه قد اعترف بأنَّ الرسول صلى خلفه، ولم يصلّ خلف أبي بكر، وإن ذهب كثيرٌ من الناس إلى أنه قدمه وأمره بالصّلاة قبل خروجه إلى المسجد وتَحامُله .ثم سأل المرتضَى رحمه الله نفسَه ؛ فقال : إن قيل : ليس يَخلُو النبيُّ صلی الله علیه وآله وسلم من أن يكون سَلَّم الابتداء سورة براءة إلى أبي بكر بأمر الله أو باجتهاده ورأيه؛ فإن كان بأمر الله تعالى، فكيف في يجوز أن يَرتجعَ منه السّورة قبل وقتِ الأداء، وعندكم أنّه لا يجوز نَسخُ الشيء قبل تقَضِّي وقت فعله! وإن كان باجتهاده صلی الله علیه وآله وسلم ، فعندكم أنه لا يجوز أن يجتهد فيما يجري هذا المجرى!! واجَابَ فقال : إنّه ما سَلَّم السورة إلى أبي بكر إلا بإذنه تعالى، إلا أنه لم يأمُره بأدائها، ولا كلّفه قراءتها على أهل الموسم لأن أحداً لم يُمكنه أن يَنقُل عنه علیه السلام في ذلك لفظ الأمر


1) تقدم تخريجه .

والتّكليف، فكأنه سلّم سورة براءة إليه لتُقرأ على أهل الموسم، ولم يُصرِّح بذكر القارىء المُبلّغ لها في الحال؛ ولو نُقِل عنه تصريحٌ لجاز أن يكون مشروطاً بشَرط لم يُظهَر .فإن قيل : فأيّ فائدة في دفع السورة إلى أبي بكر وهو لا يريد أن يؤدِّيها، ثمّ ارتجاعها منه ؟ وهلاّ دُفعت في الابتداء إلى أمير المؤمنين علیه السلام!قيل : الفائدة في ذلك ظهورُ فضل أمير المؤمنين علیه السلام ومَرتبتِه، وأنّ الرجلَ الذي نُزعت السُّورة عنه لا يَصلُح لِمَا يصلح له، وهذا غَرضَ قويٌّ في وقوع الأمر على ما وَقَعَ عليه.قلت : ذكرنا فيما تقدّم القول في تولية الملك بعض أصحابه، وتركه تولية بعضهم، وكيفية الحال في ذلك ؛ على أنه قد رَوَى أصحاب المغازي أنه أمُّر أبا بكر في شعبان من سنة سبع على سَرِيَّة بعثها إلى نجد فلقوا جمعاً من هوازن فبيّتوهم ؛ فرَوَى إِياسُ بنُ سَلمة عن أبيه ؛ قال : كُنت في ذلك البعث فقتلتُ بيدي سبعة منهم ، وكان شعارُنا : «أمتْ أُمِتْ»، وقُتِل من أصحاب النبي صلی الله علیه وآله وسلم قوم، وجُرح أبو بكر وارتُتَّْ وعاد إلى المدينة على أن أمراء السَّرايا الذين كان يبعثهم صلی الله علیه وآله وسلم كانوا قوماً مشهورين بالشجاعة ولقاء الحروب، كمحمد بن مسلمة، وأبي دُجانِة، وزيد بن حارثة ونحوهم، ولم يكن أبو بكر مشهوراً بالشجاعة ولقاء الحروب، ولم يكن جَباناً ولا خوّاراً وإنما كان رجلاً مجتمع القلب عاقلاً ذا رأي وحُسن تدبير، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَتركُ بعثه في السرايا، لأنَّ غيره أنفع منه فيها، ولا يدل ذلك على أنه لا يصلح للإمامة، وأنَّ الإمامة لا تحتاج أن يكون صاحبها من المشهورين بالشجاعة، وإنما يحتاج إلى ثبات القلب، وألا يكون هَلِعاً طائرَ الجَنَان.وكيف يقول المرتضى : إنه صلی الله علیه وآله وسلم لم يكن محتاجاً إلى رأي أحد، وقد نقل الناسُ كلّهم رجوعَه من رأي إلى رأي عند المشورة، نحو ما جرى يوم بدر من تغيُّر المنزل لما أشار عليه الحُباب بن المنذر ونحو ما جرى يوم الخندق من فَسْخ رأيه في دفع ثلث تمر المدينة إلى عُيَنة بن حصن ليَرجع بالأحزاب عنهم، لأجل ما رآه سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عُبادة من الحرب، والعدول عن الصلّح، ونحو ما جرى في تلقيح النخل بالمدينة وغير ذلك! فأمّا ولايةُ أبي بكر الموسمَ فأكثرُ الأخبار على ذلك ، ولم يَرو عزله عن الموسم إلاَّ قومٌ من الشيعة .وأمّا ما أنكَره المرتضى من حال عَبّاد بن سليمانَ ودفعه أن يكون على أخذ براءة من أبي بكر واستغرابه ذلك عَجَب، فإنّ قولَ عَبّاد قد ذهب إليه كثيرٌ من الناس، ورَوَوْا أَنَّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لمَ يدفَع براءة إلى أبي بكر، وأنه بعد أن نفذ أبو بكر بالحجيج أتبَعه عليَّا ومعه تسعُ آيات من براءة، وقد أمره أن يقرأها على الناس ويؤذِنَهم ينقض العهد وقطع الدنيّة، فانصرف أبو بكر إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فأعادة على الحجيج، وقال له : أنت الأمير، وعليِّ المبلغ، فإنه لا يبلغ عنّي إلا أنا أو رجلٌ مني، ولم ينكر عبَّاد أمر براءة بالكليَّة، وإنما أنكر أن

يكون النبي دفعها إلى أبي بكر ثم انتزعها منه، وطائفةٌ عظيمة من المحدثين يروون ما ذكرناه، وإن كان الأكثر الأظهر أنه دفعها إليه ثم أتبعه بعلي فانتزعها منه ؛ والمقصود أن المرتضى قد تعجب مما لا يُتعجب من مثله، فظن أن عباداً أنكر حديث براءة بالكلية، وقد وقفتُ أنا على ما ذكَرَه عباد في هذه القضية في كتابه المعروف بكتاب «الأبواب»، وهو الكتابُ الذي نقَضَه شيخُنا أبو هاشم، فأمّا عذر شيخنا أبي عليّ، وقوله : إن عادة العرب ذلك، واعتراض المرتضى عليه، فالذي قاله المرتضى أصحّ. وأظهر، وما نُسِب إلى عادة العرب غيرُ معروف، وإنما هو تأويلٌ تأوّل به متعصبو أبي بكر لانتزاع براءة منه ، وليس بشيء.ولستُ أقول ما قاله المرتضى من أنَّ غرَض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إظهارُ أنَّ أبا بكر لا يصلح للأداء عنه، بل أقول : فَعَل ذلك لمصلحة رآها ، ولعلّ السبب في ذلك أن عليَّا علیه السلام من بني وهم جمرَةُ قريش بمكة، وعليَّ أيضاً شجاع لا يُقام له، وقد حصل في صُدورِ قريش منه الهيبة الشديدة والمخافة العظيمة، فإذا حصل مثل هذا الشجاع البطل وحوله من بني عمه وهم أهل العزّة والقوّة والحميّة، كان أدعى إلى نجاته من قريش، وسلامة نفسه وبلوغ الغرض من نَبذ العهد على يده ؛ ألا ترى أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في عمرة الحدَيبيَة بعث عثمان بن عفان إلى مكة يطلب منهم الإذن له في الدخول (1، وإنما بعثه لأنه من بني عبد مناف، ولم يكن بنو عبد . مناف - وخصوصاً بني عبد شمس - ليمكِّنوا من قتله، ولذلك حمله بنو سعيد بن العاص على بعير يوم دَخَل مكة واحدَقُوا به مُستلئمين بالسلاح، وقالوا له : أقبل وأدبِر، ولا تَخَف أحداً ، ، بنو سعيد أعزّة الحرم .)وأما القول في تولية رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أبا بكر الصّلاة، فقد تقدّم، وما رامه قاضي القضاة من الفَرق بين صلاة أبي بكر بالناس وصلاة عبد الرحمن بهم مع كون رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم صلّى خلفه ضعيفٌ، وكلام المرتضى أقوى منه .فأما السؤال الذي سأله المرتضى من نفسه فقويّ، والجواب الصحيح أن بعث براءة مع أبي بكر كان باجتهاد من الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، ولم يكن عن وخي ولا من جملة الشرائع التي تُتَلقّى عن جبرائیل علیه السلام، فلم يقبُح نَسخُ ذلك قبل تقضي وقت فعله، وجواب المرتضى ليس بقويّ، لأنه من البعيد أن يُسلّم سورة براءة إلى أبي بكر ولا يقال له : ماذا تصنع بها؟ بل يقال: خذ هذه معك لا غير. والقولُ بأن الكلام مشروط بشرط لم يظهر خلاف الظاهر، وفتح هذا الباب يُفسد كثيراً من القواعد .****


1) أخرجه أحمد في مسنده کتاب مسند العشرة المبشرين بالجنة، باب : مسند علي (658).

الطعن السادس: إن أبا بكر لم يكن يعرف الفقه وأحكام الشريعة، فقد قال في الكَلاَلة : أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله ، وإن يكن خطأ فمنّي، ولم يعرف ميراثَ الجد، ومن حالُه هذه لا يَصلُح للإمامة .أجاب قاضي القضاة بأن الإمام لا يجب أن يعلم جميع الأحكام، وأنَّ القَدْر الذي يَحتاج إليه هو القَدر الذي يحتاج إليه الحاكُم، وأنّ القول بالرأي هو الواجب فيما لا نَصّ فيه، وقد قال أمير المؤمنين علیه السلام بالرأي في مسائل كثيرة.اعترض المرتضى فقال : قد دللنا على أن الإمام لا بد أن يكون عالماً بجميع الشرعيّات، وفرّقنا بينه وبين الحاكم، ودللنا على فساد الرأي والاجتهاد.وأمّا أمير المؤمنين علیه السلام فلم يقل قطُّ بالرأي، وما يُروَى من خبر بيع أمّهات الأولاد غيرُ صحيح، ولو صح لجاز أن يكون أراد بالرأي الرجوع إلى النصوص والأدلة، ولا شُبهة عندنا أن قوله كان واحداً في الحالين، وإن ظهر في أحدهما خلاف مذهبه للتقيّة.قلتُ : هذا الطعن مبنيَّ على أمرين: أحدُهما: هل من شرط الإمامة أن يعلم الإمامُ كلّ الأحكام الشرعية أم لا؟ وهذا مذكور في كتبنا الكلامية والثاني : هو القول في الاجتهاد والرأي حق أم لا؟ وهذا مذكورٌ في كتبنا الأصولية.الطعن السابع : قصّة خالد بن الوليد وقتله مالكَ بن نُويِرة ومضاجَعتِه امرأته من ليلتِه، وأن أبا بكر تَرَك إقامة الحدّ عليه، وزعم أنه سيفٌ من سيوف الله سَلّه الله على أعدائه،مع أن الله تعالى قد أوجب القود وحَدّ الزّنى عموماً ، وأنّ عمر نبَّهه وقال له : اقتُله، فإنه قَتَل مُسلِماً .أجاب قاضِي القُضاة فقال : إنّ شيخنا أبا عليّ قال : إنّ الرّدّة ظهرت من مالكِ بن نُوَيْرة، لأنّه جاء في الأخبار أنه ردّ صدقات قويه عليهم لَمّا بلغه موتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما فَعَله سائرُ أهل الرّدّة فاستحقّ القتل. فإن قال قائل : فقد كان يصلِّي، قيل له : وكذلك سائرُ أهل الرّدة، وإنما كَفَروا بالامتناع من الزكاة، واعتقادهم إسقَاط وجوبها دون غيره. فإن قيل : فلِمَ أَنكَرَ عُمر؟ قيل : كان الأمرُ إلى أبي بكر، فلا وجةَ لإنكار ،عمر، وقد يجوز أن يَعلَم أبو بكر من الحال ما يَخفَى على عمر. فإن قيل : فما معنى ما رُوي عن أبي بكر من أن خالداً تأوّل فأخطأ، قيل : أراد عجلته عليه بالقتل وقد كان الواجب عنده على خالد أن يَتوقّف للشّبهة. واستدلّ أبو علي علىّ رِدته بأن أخاه متمِّم بن نويرة لمّا أنشد عمرَ مَرثِيَّته أخاه قال له : وَددتُ أنّي أقولُ الشعر فأرثي أخي زَيْداً بمثلِ ما رَئيت به أخاك ! فقال متمّم : لو قُتِل أخي على مثل ما قيل عليه أخوك

ما رَثیته، فقال عمر: ما عزّاني أحد بمثل تعزيتك، فَدَلّ هذا على أنّ مالكاً لم يُقتل على الإسلام كما قُتِل زيد.وأجاب عن تَزويج خالد بامرأته بأنّه إذا قُتِل على الردّة في دار الكُفر جاز تزويج امرأته عند كثيرٍ من أهل العلم، وإن كان لا يجوز أن يَطأها إلا بعد الاستبراء.وحكيَ عن أبي عليِّ أنه إنّما قَتَله لأنّه ذَكَر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فقال: «صاحبك»، وأوهَم بذلك أنّه ليس بصاحب له، وكان عنده أن ذلك ردّة وعلم عند المشاهدة المقَصد، وهو أميرُ القوم، فجاز أن يَقتُله وإن كان الأولى الاّ يستَعجِل، وأن يكشف الأمرَ في ردّته حتّى يتّضح ، فلهذا لم يقتله أبو بكر به. فأما وطؤه لامرأته فلم يثَبُت فلا يصحّ أن يُجعل طعناً فيه .اعتَرض المرتضَى فقال : أمّا منع خالد في قتل مالك بن نُوَيرَة واستباحةِ امرأته وأمواله النسبته إيّاه إلى ردّة لم تظهَر منه، بل كان الظاهرُ خلافَها من الإسلام، فعظيم ويجري مجراه في العِظم تغافُل من تغافل عن أمره، ولم يُقم فيه حُكَم الله تعالى، وأقره على الخطأ الّذي شَهد هو به على نفسه ويجري مجراهما من أمكَنَه أن يَعَلم الحال فأهمَلها ولم يتصفّح ما رُوِي من الأخبار في هذا الباب وتعصّب لأسلافه ومذهبه. وكيف يجوز عند خصومنا على مالك وأصحابه جَحْد الزّكاة مع المقام على الصّلاة، وهما جميعاً في قَرَن ! لأنّ العلم الضروري بأنّهما من دينه علیه السلام وشريعته على حدِّ واحد، وهل نسبة مالك إلى الردّة مع ما ذكرناه إلا قدحٌ في الأصول ونقضٌ لما تضمّنته من أن الزكاة معلومة ضرورةً من دينهعلیه السلام.وأعجَبُ من كل عجيب قوله : وكذلك سائر أهل الرّدة يعني أنّهم كانوا يصلّون ويَجحَدون الزّكاة، لأنّا قد بيّنا أن ذلك مستحيلٌ غير ممكن ! وكيف يصحّ ذلك، وقد روى جميعُ أهل النّقل أن أبا بكر لمّا وَصَى الجيشَ الذين أنفذَهم بأن يؤذِّنوا ويقيمُوا، فإن أذّن القومُ كأذانهم وإقامتهم كَفّوا عنهم، وإن لم يَفعَلوا أغارُوا عليهم، فجعل أمارةَ الإسلام والبراءة من الرّدة الأذان والإقامة! وكيف يُطلِق في سائر أهل الرّدة ما أطلقَه من أنّهم كانوا يصلّون، وقد علمنا أن أصحابَ مُسَيلمة وطُلَيحة وغيرهما ممن كان ادّعى النبوّة وخَلْع الشريعة ما كانوا يرون الصلاة ولا شيء مما جاءت به شريعتنا وقصة مالك معروفةٌ عند من تأمّل كتب السير والنقل، لأنه كان على صدقات قومِه بني يربوع والياً من قبل رسول الله ، ولما بلغته وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمسَك عن أخذ الصدقة من قومه وقال لهم: تربّصوا بها حتى يقوم قائمٌ بعد النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، وتَنظر ما يكون من أمره، وقد صرّح بذلك في شعره حيث يقول :وقال رجالٌ سَدّد اليوم مالِكٌ*** وقال رجالٌ مالِكٌ لم يسدّدِفقلت: دعوني لا أبا لأبيكُمْ ***فَلم أخطِ رأياً في المُقام ولا النَّدِيوقلت خذوا أموالكم غيرَ خائف ***ولا ناظر فيم- یمایم به غَدِي

فدونَكُمُوها إنّما هي مالُكُمْ مصوّرة أخلاقها لم تجدّدِسأجعلُ نفسي دون ما تَحْذَرونه وأُرهِنُكم يوماً بما قُلتُه يَدِيفإن قام بالأمر المجدّد قائمٌ ***أطعنا وقلنا : الدِّينُ دينُ محمدِفصرّح كما تَرَى أنه استبقى الصدقَة في أيدي قومِه رِفقاً بهم وتقرُّباً إليهم، إلى أن يقومَ بالأمر مَنْ يدفعُ ذلك إليه . وقد رَوَى جماعةٌ من أهل السِّير، وذكره الطبريّ في تاريخه؛ أنّ مالكاً نَهَى قومه عن الاجتماع على منع الصدقات وفَرّقهم، وقال: يا بني يَربوع، إنَّا كنَّا قد عصَينا أمراءنا إننا إذ دَعَونا إلى هذا الدّين، وبطأنا الناسَ عنه ، فلم تُفلح ولم نَنجَح، وإنِّي قد نظرتُ في هذا الأمر فوجدتُ الأمر يتأتَّى لهؤلاء القوم بغير سياسة، وإذا أمر لا يسوسُه الناس ؛ فإيَّاكم ومُعاداة قوم يُصنع لهم فتفرّقوا على ذلك إلى أموالهم، ورجع مالكٌ إلى منزله، فلمّا قَدِم خالدٌ البُطاح بَثّ السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتُوه بكلّ من لم يُجب، وأمَرَهم إن امتنع أن يقاتلوه، فجاءته الخيلُ بمالك بن نُوَيرة في نفر من بني يَربوع ؛ واختَلفَ السريّةُ في أمرهم، وفي السريّة أبو قتادة الحارثُ بن ربعيّ، فكان ممَّن شهد أنَّهم أذَّنوا وأقاموا وصَلَّوا، فلما اختلفوا فيهم أمَر بهم خالد فحِبِسُوا وكانت ليلة باردة لا يقوم لها شيء، فأمر خالدٌ منادياً يُنادِي : «أدفِنوا أسرَاءكم»، فَظَنّوا أنّهم أمِرُوا بقَتلهم، لأنَّ هذه اللّفظةُ تُستعمل في لغة كِنانة للقتل، فقَتلَ ضِرَارُ بنُ الأزور مالكاً، وتزوّج خالد زوجَته أمّ تميم بنت المِنْهال .وفي خبر آخرَ أنَّ السريّة التي بعث بها خالدٌ لمَّا غشيت القوم تحتَ اللَّيل راعُوهم، فأَخَذَ القوم السلاح! قال: فقلنا : إنا المسلمون فقالوا : ونحن المسلمون، قلنا : فما بالُ السِّلاح معكم ! قلنا : فضعوا السلاح؛ فلما وَضَعوا السلاح رَبطوا أُسارى فأَتَوْا بهم خالداً. فحدّث أبو قتادَةً خالد بن الوليد أنَّ القوم نادَوْا بالإسلام، وأنَّ لهم أماناً ، فلم يلتفت خالدٌ إلى قولهم وأمَرَ بقَتلهم ، وقسم سَبيهم، وحَلَف أبو قتادة الاً يسير تحت لواء خالد في جيش أبداً، وركب فرسَه شاذًا إلى أبي بكر، فأخَبَره الخبر، وقال له : إني نَهَيْتُ خالداً عن قتله، فلم يَقبَل قَولي، وأخذ بشهادة الأعراب الَّذين غرضُهم الغنائم، وإنَّ عمر لمَّا سمع ذلك تكلَّم فيه عند أبي بكر فأكثَر وقال : إنَّ القصاص قد وجب عليه . ولما أقبل خالدُ بنُ الوليد قافلاً دَخَل المسجدَ وعليه قباءٌ له عليه صدأ الحديد، مُعتجرا (1بعمامة له قد غَرَز في عمامته أسهماً ، فلمّا دخل المسجدَ قام إليه عمرُ فتَزَع الأسهم عن رأسه فحطَّمها ، ثمَّ قال له : فاعدوَّ نَفْسِه، أعدَوْتَ على امرىء مُسلم فقتلته ، ثمَّ نَزَوْتَ على امرأته! والله لنَرْجُمَنَّك بأحجارك. وخالدٌ لا يكلمه، ولا يظنُّ إلا أنَّ رأيَ أبي بكر مثل رأيه حتَّى دخل إلى أبي بكر واعتذر إليه بعُذره وتجاوز عنه، فخرج خالدٌ وعمر)


1) الاعتجار : لف العمامة دون التَّلَحي القاموس المحيط، مادة (عجر).

جالسٌ في المسجد فقال : هَلم إليَّ يا بن أمّ شملة! فعَرَف عمرُ أن أبا بكر قد رَضِيَ عنه فلم يكلِّمه، ودخل بيته.وقد رُوي أيضاً أنَّ عمر لمَّا وُلّي جَمَع من عشيرةِ مالكِ بن نُوَيْرة مَنْ وَجَد منهم واسترجَعَ ما وَجَد عند المسلمين من أموالِهم، وأولادِهم ونسائهم، فردّ ذلك عليهم جميعاً مع نَصيبه كان منهم. وقيل: إنّه ارتجع بعض نسائهم من نَواحي دِمشقَ، وبعضهنّ حوامل، فردّهن على أزواجهنّ. فالأمر ظاهرٌ في خطأ ،خالد، وخطأ من تجاوَزَ عنه. وقول صاحب الكتاب : إنَّه يجوز أن يَخفَى عن عُمر ما يظَهر لأبي بكر ليس بشيء؛ لأنّ الأمرَ في قصّة خالد لم يكن مشتبهاً، ، بل كان مُشاهَداً معلوماً لكلّ من حَضَره ؛ وما تأوّل به في القَتْل لا يُعذَر لأجله، وما رأينا أبا بكر حَكَم فيه بحكم المتأوّل ولا غيره، ولا تلاقى خطأه وزَلله، وكونه سَيْفاً من سيوف الله على ما ادعاه لا يسقط عنه الأحكام، ويبرئه من الآثام. وأمّا قول متمّم : لو قُتِل أخي على ما قيل عليه أخوك لما رَثَيْتُه ، لا يدل على أنّه كان مرتدّاً ، فكيف يظنّ عاقل أنّ متمّماً يعترف برِدّة أخيه وهو يطالب أبا بكر بدَمِه والاقتصاص من قاتليه وردّ سبيه وأنّه أراد في الجملة التقرّب إلى عمر بتقريظ أخيه! ثم لو كا ظاهر هذا القول كباطنه لكان إنّما يقصد تفضيل قِتْلةِ زَيْد على قِتلة مالك، والحال في ذلك أظهر، لأنّ زيداً قُتِل في بعث المسلمين ذابَّا عن وجوههم، ومالكٌ قُتِل على شبهة، وبين الأمرين فرق.وأمَّا قولُه في النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «صاحبك» فقد قال أهل العلم : إنه أراد القرشيّة لأنّ خالداً قرشيّ. وبعد، فليس في ظاهر إضافته إليه دلالة على نفيه له عن نفسه، ولو كان علم من مَقصِده الاستخفاف والإهانة على ما ادعاه صاحبُ الكتاب لوَجَب أن يعتَذِر خالدٌ بذلك عند أبي بكر وعمرَ ويعتذر به أبو بكر لمّا طالبه عمرُ بقَتله، فإنَّ عمرَ ما كان يَمنع من قتل قادح في نبوّة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، وإن كان الأمر على ذلك فأيّ معنى لقول أبي بكر : تأوّل فأخطأ! وإنّما تأوّل فأصاب إن كان الأمر على ما ذكر.قلت : أمّا تعجّب المرتضى من كون قوم منعوا الزكاة وأقاموا على الصلاة ودعواه أنّ هذا غير ممكن ولا صحيح، فالعجب منه كيف ينكر وقوع ذلك، وكيف ينكر إمكانه ! أما الإمكان فلأنه لا ملازمة بين العبادتين إلا من كونهما مقترنَتين في بعض المواضع في القرآن، وذلك لا يُوجب تلازمهما في الوجود، أو من قوله : إنّ الناس يعلمون كون الزكاة واجبة في دين الإسلام ضرورة، كما تعلمون كون الصلاة في دين الإسلام ضرورة، وهذا لا يمنع اعتقادهم سُقوط وجوب الزكاة لشبهة دخلت عليهم فإنهم قالوا : إن الله تعالى قال لرسوله : (خُذْ مِنْ أَمْوَلِيم صَدَقَةٌ تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنُ أَمْ (1)قالوا : فوصف الصدقة المفروضة


1) سورة التوبة، الآية : 103 .

بأنها صدقة من شأنها أن يطهّر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الناسَ ويزكّيهم بأخذها منهم، ثم عقب ذلك بأن فرض عليه مع أخذ الزكاة منهم أن يصلّي عليهم صلاة تكون سكناً لهم. قالوا: وهذه الصّفات لا تتحقق في غيره ؛ لأن غيره لا يطهر الناس ويزكيهم بأخذ الصدقة، ولا إذا صلى على الناس كانت صلاته سَكَناً لهم، فلم يجب علينا دفعُ الزكاة إلى غيره. وهذه الشبهة لا تنافي كون الزكاة معلوماً وجوبها ضرورة من دين محمد صلی الله علیه وآله وسلم، لأنهم ما جَحدوا وجوبها، ولكنهم قالوا : إنه وجوبٌ مشروط ؛ وليس يُعلَم بالضرورة انتفاء كونها مشروطة، وإنما يُعلَم ذلك بنظر وتأويل، فقد بان أنّ ما ادّعاء من الضرورة ليس بدال على أنه لا يمكن أحد اعتقاد نفي وجوب الزكاة بعد موت الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، ولو عرِضَت مثل هذه الشبهة في صلاة نصحّ لذاهِب أن يُذهب إلى أنها قد سقطت عن الناس؛ فأمّا الوقوع فهو المعلوم ضرورة بالتواتر كالعلم بأن أبا بكر ولي الخلافة بعد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ضرورة بطريق التواثُر، ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر في كُتب التواريخ فإنها تشتمل من ذلك على ما يشفي ويكفي. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في التاريخ الكبير بإسنادٍ ذكره : إنّ أبا بكر أقام بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قتل أبوه زيد بن حارثة لم يحدث شيئاً، وجاءته وفود العرب مرتدين يُقرّون بالصلاة ويمنعون الصدقة، فلم يقيل منهم وَردّهم، وأقام حتى قدم أسامة بعد أربعين يوماً من شُخوصه، ويقال :بعد سَبعين يوماً .

وروى أبو جعفر قال : امتنعت العربُ قاطبة من أدَاءِ الزّكاة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلاّ قريشاً وثَقِيفاً . وروى أبو جعفر عن السّريّ عن شعيب عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال : ارتدّت العرب ومنعت الزكاة إلا قريشاً وثقيفاً، فأما هوازن فقدَّمَتْ رِجلاً وأخرتْ أخرى، أمسكوا الصدقة.

وروى أبو جعفر، قال: لما منعت العرب الزكاة كان أبو بكر ينتظر قدوم أسامة بالجيش،فلم يحارب أحداً قبل قدومه إلا عَبْساً وذُبيان، فإنه قاتلهم قبل رجوع أسامة.

وروى أبو جعفر قال : قدمت وفودٌ من قبائل العرب المدينة فنَزَلوا على وجوه الناس بها ، ويحمِّلونهم إلى أبي بكر أن يقيموا الصّلاة وألاّ يُؤتوا الزكاة فَعزَم الله لأبي بكر على الحق، وقال : لو مَنعوني عِقال بعير لجاهدتُهم عليه .

وروى أبو جعفر شعراً للخطيل بن أوس أخي الحُطَيْئة في معنى منع الزكاة، وأن أبا بكر رَدّ سؤال العرب ولم يُجبهم من جملتِه :

أطعْنَا رسول الله إِذْ كان بيَننا*** فيالعِباد الله ما لأبي بكْرِ!

أيُورثها بكر إذا ماتَ بعدَه ***وتلك لعَمرُ الله قاصمة الظِّهر

فهلاً ردَدْتُم وقدنا بإجابة ***وهلاً حسنتم منه راعية البكر

فإنّ الذي سالوكُم فمنعتمُ*** لكالتمر أو أخلى لحلف بني فهر

وروى أبو جعفر قال : لما قَدِمت العربُ المدينة على أبي بكر فكلّموه في إسقاط الزكاة، نزلوا على وجوه الناس بالمدينة فلم يبق أحدٌ إلاَّ وأنزل عليه ناساً منهم، إلا العباس بن عبد المطلب، ثم اجتمع إلى أبي بكر المسلمون، فخوّفوه بأس العَرَب واجتماعَها. قال ضِرار بنُ الأزور فما رأيتُ أحداً - ليس رسول الله - أملاً بحَرب شعواء من أبي بكر فجعلنا نخوّفه ونروّعه، وكأنما إنما نخبره بما له لا ما عليه واجتمعت كلمة المسلمين على إجابة العرب إلى طلبت، وأبي أبو بكر أن يفعل إلا ما كان يفعله رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وأن يأخذ إلا ما كان يأخذُ، ما أجّلهم يوماً وليلة، ثم أمرهم بالانصراف، وطاروا إلى عشائرهم.

وروى أبو جعفر قال : كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بعث عمرو بن العاص إلى عُمان قبل موته ، فمات وهو بعُمان، فأقبل قافلاً إلى المدينة، فوجد العرب قد منعت الزكاة، فنزل في بني عامر على قُرّة بن هبيرة، وقرّة يقدم رجُلاً ويؤخر أخرى، وعلى ذلك بنو عامر كلّهم إلا الخواصّ. ثم قَدِم المدينة، فأطافت به ،قريش فأخبرهم أن العساكر مُعسكِرة حولهم، فتفرّق المسلمون وتحلقّوا حلقاً، وأقبل عمر بن الخطاب فمرّ بحلقَة وهم يتحدثون فيما سَمِعوا من عمرو، وفي تلك الحلقة عليِّ وعثمان وطلحةُ والزبير وعبد الرحمن بنُ عوف وسعد، فلما دنا عمرُ منهم سَكَتوا، فقال: في أي شيء أنتم؟ فلم يُخبروه؛ فقال : ما أعلمني بالذي خلَوتم عليه ! فغضب طلحةُ وقال : الله يابن الخطاب ! إنّك لتعلم الغيب! فقال : لا يعلم الغيب إلا الله، ولكن أظُنّ قلتم : ما أخوفنا على قريش من العرب وأخلقهم الأ يقرّوا بهذا الأمر. قالوا: صدقت، فقال: فلا تخافوا هذه المنزلة، أنا والله منكم على العرب أخوَف منّي عليكم من العرب.

قال أبو جعفر: وحدّثني السرّي، قال: حدّثنا شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: نزل عَمرو بن العاص بمنصَرَفه من عُمَانَ بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقرة بن هبيرة بن سَلَمة بن يَسير، وحوله عساكرُ من أفنائهم، فَذَبح له، وأكرم منزلتَه، فلما أراد الرحلة خلا وقال: يا هذا؛ إنّ العرب لا تطيب لكم أنفساً بالإتاوة، فإن أنتم أعفَيتموها من أخذ أموالها فسَتَسْمع وتُطيع، وإن أبيتم فإنّها تجتمع عليكم؛ فقال عمرو أتُوعِدنا بالعرب وتخوِّفنا بها !

موعدُنا حِفْسُ أمّك، أما والله لأوطئّنه عليك الخيل، وقدم على أبي بكر والمسلمين فأخبَرَهم.

وروى أبو جعفر قال : كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قد فَرّق عمّالَه في بني تميم على قَبْض الصدقات (1)فجعل الزِّبرقانَ بنَ بدر على عَوْف والرِّباب، وقيس بن عاصم على مُقاعِس . والبطون، وصَفوان بن صفوان وسَبْرة بن عمرو على بني عمرو، ومالك بنُ نُوَيرة على بني الله


1) انظر «تاريخ الطبري» (268/2) .

حنظلة، فلمّا تُوفّي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ضَرَب صفوان إلى أبي بكر حين وَقَع إليه الخبرُ بموت النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم بصَدقات بني عمرو، وبما وَليَ منها، وما ولي سبرة، وأقام سيرة في قومه الحدَث إن نابَ وأَطرَق قيس بن عاصم ينظر ما الزبرقان صانع ؟ فكان له عدواً وقال وهو ينتظره وينتظر ما يصنع : ويلي عليه! ما أدري ما أصنع إن أنا بايعتُ أبا بكر وأتيتُه بصدقات قومي خلّفني فيهم فساءني عندهم، وإن رددتُها عليهم فليأتينّ أبا بكر فيسوءني عندَه ، ثمّ عزم قيس على قسمتِها في مُقاعِس والبُطون، ففعل وعزَمَ الزبرقان على الوفاء، فأتبع صفوان بصَدَقات عَوف والرِّباب قدم بها المدينة وقال شعراً يُعرض فيه بقيس بن عاصم، ومن جملته :

وفيتُ بأذْوَادِ الرّسول وقد أبَتْ*** سُعاةً فلم يَرْدُدْ بعيراً أميرها

فلمّا أرسل أبو بكر إلى قيس العلاء بن الحضرمي أخرج الصدقة، فأتاه بها وقَدِم معه إلى المدينة.

وفي تاريخ أبي جعفر الطبري من هذا الكثير الواسع، وكذلك في تاريخ غيره من التواريخ،وهذا أمرٌ معلوم باضطرار لا يجوز لأحدٍ أن يخالف فيه .

فأما قوله : كيف يصحّ ذلك، وقد قال لهم أبو بكر : إذا أذّنوا وأقاموا كأذانكم وإقامَتِكم، فكفّوا عنهم، فَجعل أمارة الإسلام والبراءة من الرّدّة الأذان والإقامة، فإنه قد أسقَط بعضَ الخبر ؛ قال أبو جعفر الطبريّ في كتابه : كانت وصيّته لهم : إذا نزلتم فأذنوا وأقيموا، فإن أذِّن القومُ وأقاموا فكُفّوا عنهم، فإن لم يَفعَلوا فلا شيء إلاّ الغارَة، ثمّ اقتلوهم كل قتلة ؛ الحَرْق فما ،سواه، وإن أجابوا داعية الإسلام ،فاسألوهم، فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم، وإن أبوا فلا شيء إلا الغارة، ولا كَلِمَة .

فأما قوله : وكيف يُطلق قاضي القضاة في سائر أهل الرّدّة ما أطلقَه من أنّهم كانوا يصلّون ومن جُملتهم أصحابُ مُسيلمة وطلحة! فإنّما أراد قاضي القضاة بأهل الردّة ها هنا مانعي الزكاة لا غير ولم يُرِد مَن جَحَد الإسلام بالكلّية .

فأمّا قصّة مالكِ بن نُوَيرة وخالد بن الوليد فإنّها مشتبهة عندي، ولا غرو فقد اشتَبهت على الصّحابة، وذلك أن مَنْ حضرها من العَرَب اختلفوا في حال القوم: هل كان عليهم شِعارُ الإسلام أو لا؟ واختلف أبو بكر وعمرُ في خالد مع شدّة اتفاقهما، فأما الشِّعر الذي رواه المرتَضى لمالك بن نُوَيرَة فهو معروف إلاّ البيت الأخير، فإنّه غير معروف، وعليه عُمدة المرتضَى في هذا المقام، وما ذَكَره بعد من قصة القوم صحيح كله مُطابِق لما في التواريخ إلاّ مويضعاتٍ يسيرة :

منها قوله : إن مالكاً نَهَى قومه عن الاجتماع على منع الصدقات، فإنّ ذلك غير منقول وإنّما

المنقولُ أنّه نَهَى قومه عن الاجتماع في موضع واحد وأمَرَهم أن يتفرّقوا في مياهِهم؛ ذَكَر ذلك الطبريّ ولم يذكر نَهْيه إياهم عن الاجتماع على منع الصدقة، وقال الطبري : إنّ مالكاً تردّد في أمره : هل يحمل الصدقات أم لا ؟ فجاءه خالد وهو متخيِّر سبح.

ومنها أن الطبريّ ذكر أن ضرار بن الأزْوَر قَتل مالكاً عن غيرِ أمْرِ ،خالد، وأنّ خالداً لمّا سَمِع الواعيةَ خرج وقد فَرغوا منهم ، فقال : إذا أراد الله أمراً أصابه ؛ قال الطبريّ : وغَضب أبو قتادة لذلك، وقال لخالد : هذا عَملُك ! وفَارقَه وأتى أبا بكر فأخبره فغَضب عليه أبو بكر حتّى كلّمه فيه عُمَر، فلم يَرْضَ إلا أن يرجع إلى خالد فرجع إليه حتى قدم معه المدينة.

ومنها أن الطبريّ رَوَى أن خالداً لما تزوّج أم تميم بنت المنهال امرأة مالك لم يَدخُل بها وتَركَها حتى تقضي طُهرَها، ولم يذكر المرتضى ذلك .

ومنها أنّ الطبري رَوَى أنّ متمماً لمّا قَدِم المدينة طلب إلى أبي بكر في سبيهم، فكتب له بردّ السَّبي؛ والمُرتضى ذكَرَ أنّه لم يرد إلا في خلافة عمرَ .

فأما قولُ المرتضى: إن قول متمّم : لو قُتِل أخي على مثل ما قُتِل عليه أخوك لَما رَتَيْتُه، لا يدلّ على ردّته فصحيح، ولا ريب أنّه قصد تقريظَ زَيْد بن الخطاب وأن يُرضي عمرُ أخاه بذلك. ونِعما قال المرتضى ! إنّ بين القِتْلَتين فرقاً ظاهراً، وإليه أشار متمّم لا محالةَ.

فأمّا قول مالك : صاحبك، يعني النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، فقد رَوَى هذه اللفظة الطبريُّ في التاريخ، قال : كان خالدٌ يعتذر عن قتله، فيقول : إنّه قال له وهو يراجعُه : ما إخالُ صاحبَكم إلا قال كذا وكذا ، فقال: له خالدٌ أو ما تعده لك صاحباً! وهذه لعمري كلمةٌ جافية؛ وإن كان لها مَخرَج في التأويل، إلا أنّهُ مُستكْرَه وقرائن الأحوال يعرفها من شاهدها وسَمِعها، فإذا كان خالدٌ قد كان يعتذر بذلك، فقد اندفَعَ قول المرتضَى : هلاّ اعتذَر بذلك! ولستُ أنزه خالداً عن الخطأ، واعلم أنه كان جَبّاراً فاتِكاً لا يُراقب الدّين فيما يحمله عليه الغضب وهَوَى نفسه، ولقد وَقَع منه في حياة رسول الله صلی الله علیه وآله وسل مع بني جذيمة بالغُمَيْصاء أعظمُ ممَّا وَقع منه في حق مالك بن نُوَيرة، وعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن غَضِب عليه مُدّة وأعرَض عنه، وذلك العفو هو الذي أطمعه حتى فَعل ببني يربوع ما فَعَل بالبُطاح.


الطعن الثامن: قولُهم : إنَّ مما يُؤثر في حاله وحاله عمرَ دَفْنَهُمَا مَعَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في بيته، وقد منع الله تعالى الكل من ذلك في حال حياته - فكيف بعد الممات - بقوله تعالى : (نَدخُلُوا بُيُونَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَکُم) (1).


1) سورة الأحزاب، الآية : 53 .

أجاب قاضي القضاة بأن الموضِعَ كان ملكاً لعائشة وهي حُجرتها التي كانت معروفةً بها، والحجرُ كلها كانت أملاكاً لأزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد نطق القرآن بذلك في قوله : (وَقَرْنَ فِي بيوتكن ) (1)، وذكر أن عمر استأذَنَ عائشةَ في أن يُدفن في ذلك الموضع، وحتّى قال : إن لم تأذن لي فادفنوني في البقيع، وعلى هذا الوجهِ يُحمّل ما رُوي عن الحَسَن علیه السلام لأنّه لما مات أوصى أن يُدفَن إلى جنب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وإن لم يترك ففي البقيع، فلمّا كان مِن مروان وسعيد بن العاص ما كان دفن بالبقيع. وإنما أوصى بذلك بإذن عائشةً؛ ويجوز أن يكون علم عائشة أنّها جعلت الموضعَ في حكم الوقف، فاستباحوا ذلك لهذا الوجه ؛ قال : وفي دَفنه علیه السلام في ذلك الموضع ما يدل على فضل أبي بكر ؛ لأنّه علیه السلام لمّا مات اختلفوا في موضع دَفنه ؛ وكَثُر القولُ حتى رَوَى أبو بكر عنه صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال ما يدلّ على أنّ الأنبياء إذا ماتُوا دُفنوا حيث ماتوا، فزال الخلافُ في ذلك .

اعترضَ المرتضَي فقال : لا يخلو موضع قبر النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم من أن يكون باقياً على مِلكه علیه السلام، أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة على ما ادعاه ؛ فإن كان الأول لم يخلُ أن يكون ميراثاً بعده أو صدقة ؛ فإن كان ميراثاً فما كان يحلّ لأبي بكر ولا لعمر من بعده أن يأمرا بدفنهما فيه إلا بعد إرضاء الورثة الذين هم على مَذْهَبِنا فاطمة وجماعة الأزواج، وعلى مذهبهم هؤلاء والعباس، ولم نَجِد واحداً منهما خاطب أحداً من هؤلاء الورثة على ابتياع هذا المكان ولا استنزله عنه بثمن ولا غيره. وإن كان صدقة فقد كان يجب أن يُرضي عنه جماعة المسلمين ويبتاعه منهم ؛ هذا إن جاز الابتياع لما يجري هذا المجرى، وإن كان انتقل في حياته فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله والحجّة فيه، فإنّ فاطمة علیها السلام لم يَقنَع منها في انتقال فَدَك إلى ملكها بقَولها ، ولا بشهادة من شَهِد لها . فأما تعلّقه بإضافة البيوت إليهن في قوله : (وَقَرْنَ في بيوتكن) فمن ضعيف الشَّبهة؛ لأنا قد بيّنا فيما مضى من هذا الكتاب أن هذه الإضافة لا تقتضی الملك ، وإنما تقتضي ،السكنى والعادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة، قال تعالى: (لَا تُخرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ) (2)، ولم يُرد الله تعالى إلا حيث يسكن وينزلن دُون حيث يملكن وما أشبهه، وأظرف من كل شيء تقدم قولُه : إنّ الحسن علیه السلام استأذن عائشة في أن يُدفن في البيت حتّى مَنَعه مروان وسعيدُ بن العاص ؛ لأنّ هذه مكابرة منه ظاهرة، فإنّ المانع للحَسَن علیه السلام من ذلك لم يكن إلا عائشة، ولعلّ من ذكره من مروان وسعيد وغيرهما أعانها واتَّبَع في ذلك أمرهما، وروى أنها خرجت في ذلك اليوم على بغل حتى قال ابن عباس : يوماً على بَغل ويوماً على جمل! فكيف تأذن عائشة في ذلك، وهی مالكة الموضع على قولهم، ويمنع منه مروان وغيره ممن لا ملك له في الموضع ولا شَرِكة ولا يدا وهذا من قبيح ما


1) سورة الأحزاب الآية : 33 .

2) سورة الطلاق، الآية: 1.

يرتكب. وأيّ فضل لأبي بكر في روايته عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسل حديث الدفن! وعملهم بقوله إن صح فمن مذهب صاحب الكتاب وأصحابه العمل بخبر الواحد العدل في أحكام الدين العظيمة فكيف لا يعمل بقول أبي بكر في الدفن وهم يعملون بقول مَن هو دونه فيما هو أعظم من ذلك!

قلت: أما أبو بكر ؛ فإنه لا يلحقه بدفيه مع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ذمَّ؛ لأنه ما دَفَن نفسّه، وإنما دفته الناسُ وهو ميت فإن كان ذلك خطأ فالإثم والدّمّ لاحقان بمن فعل به ذلك، ولم يَثبَت عنه بأنّه أوصى أن يُدفن مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وإنّما قد يُمكن أن يتوجه هذا الطعن إلى عمر، لأنه سأل عائشة أن يُدفن في الحجرة مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وأبي بكر. والقولُ عندي مشتبه في أمر حُجَر الأزواج هل كانت على مِلك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلى أن تُوفّي أم مَلَكَها نساؤه؟

والذي تنطِقُ به التواريخ أنّه لما خرج من قباء ودخَلَ المدينة وسكَن منزل أبي أيّوب، اختط المسجد واختطّ حُجر نسائه وبناته وهذا يدل على أنه كان المالك للمواضع، وأمّا خروجُها عن ملكه إلى الأزواج والبنات فممّا لم أقِف عليه . ويجوز أن تكونَ الصحابة قد فهمت من قرائن الأحوال وممّا شاهدوه منه علیه السلام ؛ أنّه قد أقرّ كل بيت منها في يد زوجة من الزّوجات على سبيل الهبة والعَطيّة، وإن لم يُنقل عنه في ذلك صيغةُ لفظ مُعيّن .

والقولُ في بيت فاطمةَ علیها السلام كذلك، لأنّ فاطمة علیها السلام لم تكن تملك مالاً ، وعليّ علیه السلام بَعْلُها كان فقيراً في حياة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حتى إنه كان يَستقَي الماء ليَهُود بيَدِه، يَسقي بساتينُهم لقُوت يدفعونه إليه، فمن أين كان له ما يبتاعُ به حُجرةٌ يَسكُن فيها هو وزوجتُه ! والقولُ في كثير من الزّوجات كذلك أنّهنّ كنّ فقيراتٍ مُذقِعات، نحو صفيّة بنت حُیي بن أخطب، وجُويرية بنت الحارث، وميمونة وغيرهنّ، فلا وجه يُمكن أن يتملك منه هؤلاء النّسوة والبنتُ الحُجَر؛ إلا أن يكون رسول الله صلی الله علیه وآله وسل وهبها لهنّ؛ هذا إن ثبت أنها خرجت من ملكيته علیه السلام ، وإلاَّ فهي باقيةٌ على مِلكيّته باستصحاب الحال، والقولُ في حُجْرة زينب بنت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كذلك، لأنه أقدمها من مكة مفارقة لبعلها أبي العاص بن الرّبيع، فأسكنها بالمدينة في حُجرة منفردة خالية عن بَعل، فلا بدّ أن تكون تلك الحجرةُ بمقتضى ما يتغلب على الظّنّ ملكاً له علیه السلام، فيُستدام الحُكم بملكه لها إلى أن نجد دليلاً ينقلنا من ذلك. وأمّا رقيّة وأمّ كلثوم زوجتا عثمانَ، فإن كان مُثرِياً ذا مال فيجوز أن يكون ابتاع حُجْرَةً سكنت فيها الأولى منهما ، ثمّ الثانيةُ بعدها .

فأما احتجاج قاضي القضاة بقوله: وَقَرْنَ فِي بُيُوتكن (1)فاعتراض المرتضى عليه قوي)


1) سورة الأحزاب، الآية : 33.

لأن هذه الإضافة إنما تقتضي التخصيص فقط لا التّمليك، كما قال : (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ لَا بيوتهن (1)ويجوز أن يكون أبو بكر لمّا رَوَى قوله : «نحن لا نُورَث» ترك الحُجَر في أيدي الزوجات والبنت على سبيل الإقطاع لهنّ لا التمليك، أي أباحهنّ السكنى لا التصرّف في رقاب الأرض والأبنية والآلات، لما رأى في ذلك من المصلحة، ولأنَّه كان من المتهجَّن القبيح إخراجُهنّ من البُيوت، وليس كذلك فَدَك ؛ فإنها قريةٌ كبيرة ذات نخل كثير خارجةٌ عن المدينة، ولم تكن فاطمةُ مُتصرّفةً فيها من قبل نفسها ولا بوكيلها، ولا رأتها قط، فلا تُشبِه حالُها حالَ الحُجَر. وأيضاً لإباحة هذه الحجر ونزارة أثمانهنّ، فإنها كانت مبنيّةً من طين قصيرة الجدران، فلعل أبا بكر والصحابة استحقروها ، فأقروا النساء فيها وعوّضوا المسلمين عنها بالشيء اليسير ممّا يقتضي الحساب أن يكون من سهم الأزواج والبنت عند قسمة الفَيء.)وأمّا القولُ في الحَسَن وما جَرَى من عائشة وبني أمية فقد تقدّم ؛ وكذلك القولُ في الخب المَروِيّ في دَفْن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ، فكان أبو المظفّر هبة الله بن الموسويِّ صدر المخزن المعمور، كان في أيّام الناصر لدين الله إذا حادثته حديث وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورواية أبي بكر ما رواه من قوله علیه السلام: «الأنبياء يُدفنون حيث يمُوتون»(2، يَحلِف أن أبا بكر افتعل هذا الحديث في الحال والوقت، ليُدفَن النبي صلی الله علیه وآله وسلم في حُجرة ابنته، ثم يُدفن هو معه عند موته، عِلْماً منه أنه لم يبق من عمره إلا مثل ظم الحمار، وأنه إذا دفن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في حُجرة ابنته فإن ابنته تدفنه لا محالة في حُجرتها عند بَعلها، وأنّ دَفن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مَوضع آخرُ فربّما لا يتهيّأ له أن يُدفن عنده، فرأى أن هذا الفوز بهذا الشّرف العظيم، وهذا المكان الجليل، ممّا لا يَقتضي حسن التّدبير فوته، وإن انتهاز الفرصة فيه ،واجب ، فَرَوَى لهم الخبر ، فلا يُمكنهم بعد روايته الاّ يعمَلوا به، لاسيّما وقد صار هو الخليفة، وإليه السلطان والنفع والضرر، وأدرك ما كان في نفسه، ثمّ نَسَج عمرُ على منواله ، فرَغِب إلى عائشةَ في مثل ذلك، وقد كان يُكرمها ويقدمها على سائر الزوجات في العطاء ،وغيره، فأجابته إلى ذلك، وكان مطاعاً في حياته وبعد مماته، وكان يقول: واعجباً للحَسَن وطَمعِه في أن يُدفَن في حُجرة عائشة! والله لو كان أبوه الخليفة يومئذ لما تهيّأ له ذلك، ولا تم لبُغض عائشة لهم، وحسد الناس إيَّاهم، وتمالؤ بني أميّة وغيرهم من قريش عليهم! ولهذا قالوا : يُدفن عثمانُ في حَش كوكب، ويُدفن الحَسَن في حُجرة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فكيف والخليفةُ معاويةُ والأمراء بالمدينة بنو أميّة، وعائشةُ صاحبةُ الموضع، والناصر لبني هاشم قليل والشاني كثير .)


1) سورة الطلاق، الآية 1 .

2) أخرجه البخاري تعليقاً كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي صلی الله علیه وآله وسلم وذكره الشوكاني في «نيل الأوطار» (139/2).

وأنا أستغفر الله ممَّا كان أبو المظفّر يَحلِف عليه، وأعلم وأظنّ ظناً شبيهاً بالعلم أنّ أبا بكر ما رَوَى إلا ما سَمِع، وأنّه كان أتقى الله من ذلك.الطعن التاسع : قولُه : إنَّه نصّ على عمرَ بالخلافة؛ فخالَف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على زعمه، لأنّه كان يزُعم هو ومن قال بقوله أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لم يستخلف.والجواب أن كونه لم يستخلف لا يدلّ على تحريم الاستخلاف، كما أنه من لم يركَب الفيل لا يدلّ على تحريم رُكوب الفيل. فإن قالوا : ركوب الفيل منه منفعة ولا مضرَّة فيه ولم يرد نصّ بتحريمه، فوجب أن يحسن. قيل لهم :والاستخلاف مصلحة، ولا مضرّة فيه ؛ وقد أجمع المسلمون أنه طريق إلى الإمامة، فوجب كونه طريقاً إليها، وقد رُوي عن عمر أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خيرٌ مني -یعنی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم . فأما الاجتماع المشار إليه فهو أنَّ الصحابة أجمعوا على أنَّ عمر إمامٌ بنصّ أبي بكر عليه وأنفذوا أحكامه وانقادوا إليه لأجل نصّ أبي بكر لا لشيء سواه، فلو لم يكن ذلك طريقاً إلى الإمامة لما أطبقوا عليه. وقد اختلف الشيخان أبو عليّ وأبو هاشم في أن نصّ الإمام على إمام بعده : هل يكفي في انعقاد إمامته؟ فقال أبو عليّ : لا يكفي، بل لا بدّ من أن يرضى به أربعةٌ حتّى يجري عهده إليه مجرى عقد الواحد برضا أربعة؛ فإذا قارنه رضاً أربعة صار بذلك إماماً، ويقول في بيعة عمر: إن أبا بكر أحضر جماعة من الصحابة لما نصّ عليه، ورجع إلى رضاهم بذلك، وقال أبو هاشم بل يكفي نصّه عليه، ولا يُراعي في ذلك رضا غيره به، ولو ثبت أنّ أبا بكر فعله لكان على طريق التبع للنص، لا أنه يؤثر في إمامته مع العهد ؛ ولعل أبا بكر إن كان فعل ذلك فقد استطاب به نفوسهم، ولهذا لم يؤثر فيه كراهية طلحة حين قال : ولّيتَ علينا فَظَّا غليظاً، ويبين ذلك أنه لم ينقل استئناف العقد من الصحابة لعمر بعد موت أبي بكر ولا اجتماع جماعة لعقد البَيعة له، والرضا به فدلّ على أنهم اكتفوا بعهد أبي بكر إليه .الطعن العاشر : قولهم : إنه سمّى نفسه بخليفة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، لاستخلافه إياه بعد موته مع اعترافه أنه لم يستخلفه .والجواب أن الصحابة سمته خليفة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لاستخلافه إياه على الصلاة عند موته والاستخلاف على الصلاة عند الموت له مزيّة على الاستخلاف على الصلاة حال الحياة، لأن حال الموت هي الحال التي تكون فيها العهودُ والوصايا وما يهتم به الإنسان من أمور الدنيا والدين، لأنها حالُ المُفارقة. وأيضاً فإن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ما استخلف أحداً على الصلاة

بالمدينة وهو حاضر، وإنما كان يستخلف على الصلاة قوماً أيام غَيبته عن المدينة، فلم يحصل الاستخلاف المطلق على الصلاة بالناس كلهم، وهو صلی الله علیه وآله وسلم حاضرٌ بين الناس حيّ إلاّ لأبي بكر، وهذه مزيةٌ ظاهرة على سائر الاستخلافات في أمر الصلاة، فلذلك سموه خليفة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم - وبعد، فإذا ثبت أن الإجماع على كون الاختيار طريقاً إلى الإمامة وحجّة، وثبت أن قوماً من أفاضل الصحابة اختاروه للخلافة، فقد ثبت أنه خليفة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، لأنه لا فرق بين أن ينصّ الرسول صلی الله علیه وآله وسلم على شخص معين، وبين أن يشير إلى قوم فيقول : مَن اختار هؤلاء القوم فهو الإمام في أنّ كلّ واحدٍ منهما يصح أن يُطلق عليه خليفة رسول اللهصلی الله علیه وآله وسلم.الطعن الحادي عشر : قولهم : إنه حرق الفجاءة السُّلَمِي بالنار، وقد نهى النبيُّ صلی الله علیه وآله وسلم أن يُحرق أحد بالنار .والجواب أن الفُجاءة جاء إلى أبي بكر كما ذكر أصحابُ التواريخ فطلب منه سلاحاً يتقوّى به على الجهاد في أهل الردّة، فأعطاء، فلما خرج قطع الطريق ونهب أموال المسلمين وأهل الرّدّة جميعاً، وقتل كلِّ من وجد كما فعلت الخوارجُ حيث خرجت، فلما ظفر به أبو بكر رأى حَرقه بالنار إرهاباً لأمثاله من أهل الفساد، ويجوز للإمام أن يخصّ النصّ العام بالقياس الجَلِيّ عندنا.الطعن الثاني عشر : قولهم : إنه تكلم في الصلاة قبل التسليم فقال : لا يفعلنّ خالد ما أمرته (1قالوا : ولذلك جازَ عند أبي حنيفة أن يخرج الإنسانُ من الصلاة بالكلام وغيره من مفسدات الصلاة من دون تسليم، وبهذا احتجّ أبو حنيفة .)والجواب أن هذا من الأخبار التي تتفرّد بها الإمامية، ولم تثبت ؛ وأما أبو حنيفة فلم يذهب إلى ما ذَهب إليه لأجل هذا الحديث، وإنما احتجّ بأن التسليم خطاب آدميّ، وليس هو من الصلاة وأذكارها، ولا من أركانَها، بل هو ضدّها، ولذلك يبطلها قبل التمام، ولذلك لا يسلّم المسبوق تبعاً لسلام الإمام ، بل يقوم من غير تسليم؛ فدلِّ على أنه ضدّ للصلاة وجميع الأضداد بالنسبة إلى رَفع الصّدّ على وتيرة واحدة، ولذلك استوى الكلّ في الإبطال قبل التمام، فيستوي الكلّ في الانتهاء بعد التمام وما يذكره القوم من سبب كلام أبي بكر في الصلاة أمرٌ بعيد، ولو كان أبو بكر يريد ذلك لأمر خالداً أن يفعل ذلك الفعل بالشخص المعروف وهو نائم ليلاً في بيته، ولا يعلم أحد مَن الفاعل.


1) أنظر بحار الأنوار : 137/29 .

الطعن الثالث عشر : قولهم : إنه كتب إلى خالد بن الوليد وهو عَلَى الشام يأمره أن يقتل سعد بن عُبادة، فكمن له هو وآخرُ معه ليلاً، فلما مرّ بهما رَمَياه فقتلاه، وهتف صاحبُ خالد في ظلام الليل بعد أن ألقيا سعداً في بئر هناك فيها ماء ببيتين :نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عُبادةورميناه بسهمین فلم تُخط فؤادهيوهم أنّ ذلك شعر الجنّ وأن الجنّ قتلت سعداً، فلما أصبح الناس فقدوا سعداً، وقد لا سمع قوم منهم ذلك الهاتف فطلبوه، فوجدوه بعد ثلاثة أيام في تلك البئر، وقد اخضرّ، فقالوا : هذا مَسيس الجن ؛ وقال شيطانُ الطاق لسائل سأله ما منع عليَّا أن يُخاصم أبا بكر في الخلافة؟ فقال يابن أخي خاف أن تقتله الجنّ .والجواب، أما أنا فلا أعتقد أنّ الجن قتلت سعداً، ولا أنّ هذا شعر الجنّ، ولا أرتاب أن البشر قتلوه، وأنّ هذا الشعر شعر البشر، ولكن لم يثبت عندي أن أبا بكر أمرَ خالداً، ولا أستبعد أن يكون فعله من تلقاء نفسه ليرضي بذلك أبا بكر - وحاشاه - فيكون الإثم على خالد وأبو بكر بريءٌ من إثمه ؛ وما ذلك من أفعال خالد ببعيد (1.)الطعن الرابع عشر : قولهم: إنّه لمّا استخلف قطع لنفسه على بيت المال أجرةً كل يوم ثلاثة دراهم، قالوا : وذلك لا يجوز، لأنّ مصارف أموالِ بيتِ المسلمين لم يُذكَر فيها أجرةٌ للإمام.والجواب أنّه تعالى جعل في جملة مصرف أموال الصدقات العاملين عليها، وأبو بكر من العاملين. واعلم أنّ الإماميّة لو أنصفت لرأتُ أنّ هذا الطّعن بأن يكون من مناقب أبي بكر أولى من أن يكون من مَساوِيه ومَثالِيه ، ولكنّ العَصَبية لا حيلة فيها .*الطعن الخامس عشر : قولُهم : إنّه لمّا استخلف صَرخ منادِيه في المدينة : من كان عنده شيءٌ من كلام الله فليأتِنا به ؛ فإنا عازمون على جَمْع القرآن ولا يأتِنا بشيء منه إلا ومعه شاهدًا عَدْل ؛ قالوا: وهذا خطأ، لأنّ القرآن قد بان بفصاحته عن فصاحة البشر، فأي حاجةٍ إلى شاهدَيْ عَدْل!


1) ذكر ابن عبد البر في العقد الفريد (247/4) أن عمر هو الذي أرسل رجلاً لقتل سعد فذهب وقتله بسهم، وذكره أيضاً البلاذري في أنساب الأشراف: 589/18 ح 1193 ط دار المعارف القاهرة الطبعة الثالثة .

والجواب، أن المرتضَى ومَن تابَعَه من الِّشيعة لا يصحّ لهم هذا الطعن ؛ لأنّ القرآن عندهم ليس مُعجزاً بفَصاحتِه، على أنّ من جعل معجِزتَه للفصاحة لم يقُل : إنّ كل آية من القرآن هي مُعجزة في الفصاحة، وأبو بكر إنّما طَلَب كلّ آية من القرآن لا السّورة بتمامها وكمالها التي يتحقّق الإعجاز من طريق الفصاحة فيها. وأيضاً فإنّه لو أحضَر إنسان آيةً أو آيتين ولم يكن معه شاهد، فربّما تختلف العربُ: هل هذه في الفصاحة بالغةٌ مبلغ الإعجاز الكّلّي، أم هي ثابتةٌ من كلام العرب بثبوته ؛ غير بالغة إلى حدّ الإعجاز؟ فكان يلتبس الأمرُ وَيقَع النزاع، فاستَظَهر أبو بكر بطلب الشّهود تأكيداً، لأنه إذا انضمّت الشهادةُ إلى الفصاحة الظاهرة ثَبَتَ أنّ ذلك الكلام من القرآن.### من هذا الكتابالأصل: ومن هذا الكتاب : إِنِّي وَالله لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طِلاعُ الْأَرْضِ كُلْهَا مَا بَالَيْتُ وَلاَ اسْتَوْحَشْتُ وَإِنِّي مِنْ ضَلَالِهِمْ الَّذِي هُمْ فِيهِ، وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ، لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي، وَيَقِينِ مِنْ رَبِّي . وَإِنِّي إِلَى لِقَاءِ الله لَمُشْتَاقُ، وَلِحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنتَظِرُ رَاجِ ؛ وَلَكِنَّنِي آسَى أنْ بَلِي هَذِهِ الْأُمَّةَ سُفَهَاؤُهَا وَفُجَارُهَا ، فَيَتَّخِذُوا مَالَ الله دَوَلاً ، وَعِبَادَهُ خَوَلاً ، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً ، وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً ؛ فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ، وَجُلِدَ حَدًّا في الإسلام. وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمُ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الْإِسْلاَمِ الرَّضَائِجُ ؛ فَلَوْلاً ذَلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَألِيكُمْ وَتَأنِسَكُمْ ، وَجَمْعَكُمْ وَتَحْرِيضَكُمْ، وَلتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَتيتُمْ وَوَنَيْتُم.أَلَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ وَإِلَى أَبْصارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ، وَإِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى، وَإِلَى بِلادِكُمْ تُغْزَى !انْفِرُوا رَحِمَكُمُ الله إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، وَلَا تَناقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ، وَتَبُوهُ وا بِالذُّلّ، وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسَ؛ وَإِنَّ أَخَا َالْحَرْبِ الْأَرِقُ وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَم عَنْهُ؛ وَالسَّلامُ .الشرح: طِلاع الأرض :ملؤها ، ومنه قول عمر لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديتُ به من قول المُطلع .وآسَى : أحزَن .وأكثرت تأليبكم : تَحرِيضَكم وإغراءكم به. والتأنيب : أشدّ اللوم.و ونَيْتم ضَعُفتم وفترتم . ومَمالِككم تزوّى، أي تُقبَض.

ولا تثّاقلوا ،بالتّشديد أصلُه «تَتثاقلوا». وتقروا بالخسف : تَعترفوا بالضّيم وتَصبروا لهوتبؤوا بالذلّ : تَرجِعوا به والأرق : الّذي لا ينام . ومثل قوله علیه السلام : «من نام لم يُنَم عنه» قولُ الشاعر :الله دَرُّك ما أردت بشائر***حرّانَ ليس عن الثّراتِ براقدِ (1)أسهرْتَه ثم اضطجعت ولم يَنَمْ ***حَنَقاً عليك وكيف نَوْمُ الحاقد (2!)فأما الذي رُضِخت له على الإسلام الرّضائخ، فمعاوية؛ والرّضيخة: شيء قليلٌ يُعطاه الإنسان يُصانَع به عن شيء يُطلب منه كالأجر، وذلك لأنه من المؤلفة قلوبُهم الّذين رَغِبوا في الإسلام والطاعة بجمال وشاءٍ دُفِعَتْ إليهم، وهم قومٌ معروفون كمعاوية وأخيه يزيد، وأبيهما أبي سُفيان، وحكيم بن حزام، وسُهَيل بن عمرو، والحارث بن هشام بن المغيرة، وحُوَيْطِب بن عبد العُزّى، والأخنَس بن شَرِيق، وصَفوان بن أميّة، وعمير بن وهب الجُمحيّ، وعُيينة بن ،حصن والأقرع بن حابس وعبّاس بن مرداس وغيرهم. وكان إسلام هؤلاء للطمع والأغراض الدنياوية، ولم يكن عن أصل ولا عن يقين وعلم.وقال الراونديّ : عَنى بقوله : «رُضِحت لهم الرضائخ» عمرو بن العاص، وليس بصحيح، لأنّ عمراً لم يُسلم بعد الفتح، وأصحاب الرضائخ كلّهم أسلموا بعد الفتح، صُونِعوا على الإسلام بغنائم حُنَين. ولَعَمري إن إسلام عمرو كان مدخولاً أيضاً؛ إلا أنه لم يكن عن رَضِيخة، وإنما كان لمعنًى آخر. فأما الذي شَرِب الحرام، وجُلِد في حدّ الإسلام، فقد قال الراوندي : هو المغيرة بن شعبة، وأخطأ فيما قال لأن المغيرة إنّما اتهم بالزنى ولم يُحَدّ ولم يَجرِ للمغيرة ذكر في شُرب الخمر، وقد تقدّم خبرُ المغيرة مستوفّى ، وأيضاً فإنّ المغيرة لم يَشهدَ صِفيّن مع معاوية ولا مع عليّ علیه السلام ، وما للراوَنديّ ولهذا إنما يعرف هذا الفنّ أربابُه . والّذي عَناه علي الوليدُ بن عُقبة بن أبي معيط ، وكان أشد الناس عليه وأبلغهم تحريضاً لمعاوية وأهل الشام على حَرْبه .### اخبار الوليد بن عقبةونحن نذكر خبر الوليد وشُربه الخمر منقولاً من كتاب «الأغاني»(3لأبي الفَرَج عليّ بن الحسين الأصفهانيّ ؛ قال أبو الفرج: كان سبب إمارة الوليد بن عُقبة الكوفة لعثمان ما حدّثني به)


1) وَتَرَ فلاناً يَتِرُهُ وَتْراً وَيَرَةً : قتل حميمه وأدركه بمكروه. المعجم الوسيط، مادة (وتر).

2) الحَنّقُ : الغيظ . لسان العرب مادة .(حنق).

3) الأغاني : لأبي الفرح علي بن الحسين الأصبهاني المتوفى سنة ( 356ه-)، وهو كتاب لم يؤلف مثله اتفاقاً. كشف الظنون (129/1) .

أحمدُ بنُ عبد العزيز الجوهري، قال: حدّثنا عمرُ بنُ شبّة ، قال : حدّثني عبد العزيز بن محمد بن حكيم، عن خالد بنِ سعيد بنِ عمرِو بن سعيد، عن أبيه، قال: لم يكن يَجِلس مع عثمان على سريره إلاّ العباس بن عبد المطلّب، وأبو سُفيان بن حرب، والحَكَم بن أبي العاص، والوليد بن عقبة، ولم يكن سريرُه يَسَع إلاّ عثمان وواحداً الأعثمان منه منهم، فأقبَل الوليدُ يوماً فجلس، فجاء الحَكَم بن أبي العاص فأوماً عثمانُ إلى الوليد، فَرّحل له عن مجلسه، فلمّا قام الحكم قال الوليد : والله يا أمير المؤمنين لقد تَلجلَج (1في صدري بَيْتان قلتُهما حين رأيتُك آثرتَ ابن عمّك على ابن أُمّك - وكان الحَكَم عمّ عثمان، والوليد أخاه لأمه - فقال عثمان : إن الحَكَم شيخُ قريش؛ فما البيتان؟ فقال :)رأيتُ لعَم المرءِ زُلفى قرابةً*** دُوين أخيه حادثاً لم يكن قِدمافاملتُ عمراً أن يشبّ وخالداً*** لكي يَدعُواني يوم نائبة عمّايعني عمراً وخالداً ابنيّ عثمان . قال : فرقّ له عثمان وقال : قد ولّيتك الكوفة، فأخرَجه إليها.قال أبو الفَرَج : وأخبرني أحمد بنُ عبد العزيز، قال: حدّثني عمرُ بن شبة، قال: حدّثني بعض أصحابنا، عن ابن دَأب قال : لمّا ولّى عثمانُ الوليدَ بنَ عقبة الكوفة قَدِمها وعليها سعدُ بن أبي وقّاص، فأخِبر بقُدُومه ولم يَعلَم أنّه قد أمّر ، فقال : وما صنع ؟ قالوا : وقَفَ في السّوق فهو يحدّث الناس هناك، ولسنا ننكر شيئاً من أمرِه، فلم يَلبثَ أن جاءه نصفَ النهار، فاستأذن على ،سعد، فأذِن له، فسلّم عليه بالإمرة، وجلس معه، فقال له :سعد ما أقدمك يا أبا وهب؟ قال : أحببتُ زِيارتَك ؛ قال : وعلى ذاك، أجنتَ بريداً؟ قال : أنا أرزَن من ذلك، ولكنّ القومَ احتاجوا إلى عملهَم فسرّحوني إليه، وقد استَعمَلني أميرُ المؤمنين على الكوفة. فسكَتَ سعدٌ طويلاً، ثم قال : لا والله ما أدري أصلَحتَ بعدَنا أم فسَدْنا بعدَك! ثم قال :کليني وجُرِّيني ضُباعُ وأبشري ***بلخم امرى: لم يشهد اليوم ناصرُةفقال الوليد : أما والله لأنا أقوُلُ للشِّعر منك، وأروَى له، ولو شنتُ لأجبتك، ولكنّي أدَعُ ذاك لما تَعلَم . نَعَم والله أُمِرتُ بمحَاسَبتك، والنظر في أمر عُمّالك . ثمّ بعث إلى عمّال سعد فحَبَسَهم وضيّق عليهم، فكَتَبوا إلى سعد يستغيثون به، فكلّمه فيهم فقال له : أوَ للمعروف عندَك مَوْضع ؟ ؟ قال: نعم، فخلِّى سبيلهم.قال أحمد: وحدّثني عمرُ ، عن أبي بكر الباهليّ، عن هُشَيم عن العوّام بن حَوشَب . قال : لمّا قدم الوليدُ على سعد قال له سعد والله ما أدري كنتَ بعدَنا أم حمقنا (2بعدَك! فقال : لا)


1) التَّلَجْلُج : التَّردد في الكلام. القاموس المحيط، مادة (الحج) .

2) حَمُقَ وحَمِقَ حُمْقاً فهو أَحْمَقُ : قليل العقل . القاموس المحيط مادة (حمق).

تجزَ عَن يا أبا إسحاق، فإنّه المُلك يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخَرون. فقال سعد: أراكم والله ستَجعلونه مُلكاً.قال أبو الفَرَج : وحدّثنا أحمد قال: حدّثني عمر قال: حدّثني هارون بن معروف عن ضَمرة بن ربيعة، عن ابن شَوْذَب قال: صلّى الوليدُ بأهل الكوفة الغداةَ أربَعَ رَكَعات، ثمّ التفت إليهم فقال : أزيدكم؟ فقال عبدُ الله بنُ مسعود ما زِِلْنا معك في زيادة منذ اليوم.قال أبو الفَرَج :وحدّثني أحمد قال : حدّثنا عمر، قال: حدّثنا محمد بن حميد، قال: حدّثنا جَريرٌ، عن الأجلح، عن الشَّعبيّ قال : قال الحُطَيئة يذكر الوليد :شهدَ الحطيئة يوم يلقى ربَّهُ ***أنَّ الوليد أحقُّ بالعُذرنادي وقد تمت صلاتُهمُ أَأَزِيدُكُمْ - سُكْراً - ولم يَدْرِفأبَوْا أبا وَهْب ولو أذنوا لَقَرنت بين الشَّفع والوتركَفَّوا عنانَكَ إِذْ جَرَيتَ ولو ***تَرَكُوا عنانَكَ لم تَزَلْ تَجرِيوقال الحُطيئة أيضاً :تكلّم في الصلاة وزاد فيها ***علانِيَةً وأعلَنَ بالنّفَاقِوَمَجٌ الخمرَ في سَننِ المصلّى ***ونادى والجميعُ إلى افتراقِأزيدكمُ على أن تحمَدوني ***فمالكم ومالي مِنْ خَلاقٍ!قال أبو الفَرَج : وأخبَرَنا محمدُ بنُ خلف وكيع قال : حدّثنا حمّاد بن إسحاق، قال: حدّثني أبي قال: قال أبو عُبيدة وهشامُ بن الكلبيّ والأصمعيّ : كان الوليدُ زانياً يَشرَب الخمر، فشَرِب بالكوفة وقام ليصلّي بهم الصبحَ في المسجد الجامع ، فصلّى بهم أربعَ رَكَعات ثم التفت إليهم فقال: أزيدُكم؟ وتَقيّاً في المحراب بعد أن قرأ بهم رافعاً صوتَه في الصّلاة:عَلِقَ القلبُ الرِّبابا ****بعد ما شابَتْ وشابافشخص أهلُ الكوفة إلى عثمان فأخبروه بخبره، وشهدوا عليه بشُرب الخمر، فأتِي به، فأمَر رجلاً من المسلمين أن يَضربه الحدّ، فلمّا دنا منه قال : نشَدَّتُكَ الله وقرابتي من أمير المؤمنين! فتركه فخاف عليّ بن أبي طالب علیه السلام أن يُعطل الحدّ، فقام إليه فحدّه بيده، فقال الوليد : نشَدْتُك الله والقرابة! فقال أمير المؤمنين علیه السلام : اسكُت أبا وَهب، فإنّما هلك بنو إسرائيل لتعَطيلهم الحدود؛ فلما ضرَبه وفرغ منه قال : لتدعوني قريش بعدها جَلاداً. قال إسحاق: وحدّثني مصعبُ بن الزّبير قال : قال الوليدُ بعد ما شَهِدُوا عليه فجُلد: اللهم إنهم قد شهدوا عليَّ ،بزُور فلا تُرضهم عن أمير ، ولا تُرضِ عنهم أميراً ، قال : وقد عكس الحطيئة أبياته فجعلها مدحاً للوليد :

شَهِد الحطيئةُ حين يلقى ربّه*** أنّ الوليد أحقّ بالعُذركفّوا عنانَكَ إذ جريت ولو تركوا عنانَك لم تَزَلْ تَجرِيورأوا شمائل ماجد أنف يُعطي على الميسور والعُسْرِفنزعت مكذوباً عليك ولم*** تُنزع على طمع ولا ذُعْرِقال أبو الفرج ونسختُ من كتاب هارون بن الرّباب بخطّه، عن عمر بن شبّة ؛ قال : شهد رجلٌ عند أبي العجّاج - وكان على قضاءِ البصرة - على رجل من المَعيطيّين بشهادة، وكان الشاهد سَكران، فقال المشهود عليه وهو المعيطيّ : أعزّك الله أيها القاضي، إنَّه لا يُحسن من السُّكر أن يقرأ شيئاً من القرآن فقال الشاهد بلى أحسِن، قال: فاقرأ، فقال:عَلِق القلبُ الرّباب ***بعد ما شابت وشابايَمجُن (1بذلك، ويحكي ما قاله الوليدُ في الصلاة، وكان أبو العجاج أحمق، فظنّ أنّ هذا الكلام من القرآن فجعل يقول : صدَق الله ورسولُه ويلكم، كم تعلمون ولا تعملون!)قال أبو الفرج: وأخبَرَني أحمدُ بن عبد العزيز، قال حدثنا عمر بن شبة عن المَدائنيّ ، عن مبارك بن سلّام، عن فطّر بن خليفة عن أبي الضّحى قال: كان ناسٌ من أهل الكوفة يتطلّبون عشرة الوليد بن عقبة منهم أبو زَينب الأزديَ، وأبو مورّع ، فجاءا يوماً ولم يَحضُرِ الوليدُ الصّلاة، فسألا عنه، فلتطفا حتّى عَلِما أنّه يَشرَب، فاقتحما الدارَ فوجداه يقيء، فاحتَمَلاء وهو سكرانُ حتّى وضعاه على سريره، وأخَذَا خاتمه من يده فأفاق فافتقد خاتمه، فسأل عنه أهلَه، فقالوا : لا ندري وقد رأينا رجلين دَخَلا عليك فاحتَمَلاك فوضَعاك على سريرك . فقال : صفوهما لي، فقالوا : أحدُهما آدم (2طوالٌ حَسَن الوجه، والآخر عريض مربوع عليه خَمِيصة (3)، فقال : هذا أبو زينب، وهذا أبو مورّع .)قال: ولِقيَ أبو زينب وصاحبه عبد الله بن حُبيش الأسديّ وعَلقمة بن يزيد البَكْري وغيرَهما فأخبروهم فقالوا : اشخصوا إلى أمير المؤمنين فأعلموه، وقال بعضهم: إنَّه لا يقبل قولكم في أخيه ، فشَخَصوا إليه، فقالوا : إنّا جئناك في أمر ونحن مُخرجوه إليك من أعناقنا ، وقد قيل : إنّك لا تقبله قال وما هو ؟ قالوا : رأينا الوَليدَ وهو سَكرانُ من خَمْر شَربَها ، وهذا خاتمُه أخذناه من يده وهو لا يعقِل. فأرسل عثمان إلى علي علیه السلام فأخبره، فقال: أرَى أن تُشخِصه ، فإذا شهدوا عليه بمحضر منه حَدَدْته. فكتب عثمان إلى الوليد، فقَدِم عليه، فشَهِد عليه


1) الماجِنُ : من لا يبالي قولاً وفعلاً، كأنه صُلْبَ الوجه القاموس المحيط، مادة (مجن).

2) الآدَمُ : من اشتدَّت سمرته . المعجم الوسيط مادة (آدم).

3) الخَمِيصة : كساء أسود مُرَبَّع له عَلَمان القاموس المحيط مادة (خمص).

أبو زينب وأبو مورّع وجُندَب الأزديّ وسعد بن مالك الأشعريّ، فقال عثمان لعليّ علیه السلاما : قم يا أبا الحَسَن ،فاجلِده فقال عليّ علیه السلام الحَسَن ابنه : قم فاضربه ؛ فقال الحسن: مالك ولهذا، يكفيك غيرك ؛ فقال عليّ لعبد الله بن جعفر قم ،فاضَرَبه فضَرَبه بمخصرة فيها سَيْر له رأسان، فلما بلغ أربعين قال : حَسْبُك .قال أبو الفرج: وحدّثني أحمد قال: حدّثنا عمر قال : حدّثني المدائنيّ عن الوقاصي، عن الزّهريّ قال: خرج رَهْط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد فقال : أكلما غَضِب رجل . على أميره رماه بالباطل ! لئن أصبحتُ لكم لأنكلن بكم، فاستجاروا بعائشة، وأصبح عثمانَ فسمع من حُجرتها صوتاً وكلاماً فيه بعضُ الغِلظة، فقال: أما يجد فُسّاقُ العراق ومُرّاقها ملجأ إلاَّ بيت عائشة ! فسمعت فرفعت نعلَ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وقالت: تركتَ سنّة صاحب هذا النعل، وتسامع الناس فجاؤرا حتى ملؤوا المسجد، فمن قائل: قد أحسنت، ومن قائل: ما للنساءِ ولهذا! حتّى تَخاصَموا وتَضَارَبوا بالتعال، ودخل رهطّ من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على عثمانَ فقالوا له : اتَّقِ الله ولا تُعطل ،الحدود، واعزل أخاك عنهم ؛ ففعل .قال أبو الفرج : حدّثنا أحمد قال : حدّثني عمر عن المدائنيّ ، عن أبي محمد النّاجي، عن مطر الورّاق قال : قدم رجلٌ من أهل الكوفة إلى المدينة فقال لعثمان : إني صلّيتُ صلاة الغداة خلف الوليد، فالتفت في الصّلاة إلى الناس فقال: أزيدكُمْ فإني أجدُ اليوم نشاطاً؟ وشممنا منه رائحةَ الخمر، فَضَرَب عثمانُ الرّجلَ؛ فقال الناس : عَطّلت الحدود، وضربت الشهود. قال أبو الفرج: وحدّثنا أحمد قال : حدثنا عمر قال: حدثنا أبو بكر الباهليّ، عن بعض من حدّثه قال : لمّا شُهد على الوليد عند عثمان بشُرب الخمر كتب إليه يأمره بالشّخوص(1فخرج وخرج معه قومٌ يعذرونه، منهم عَدِيّ بن حاتم الطائي، فنزل الوليدُ يوماً يَسوقُ بهم فارتجز وقال :)لا تَحسبنّا قد نسينا الأحقاف*** والنَّشَواتِ من مُعتَّق صافوعَزف قَيْناتٍ علينا عُزّاففقال عديّ : فأين تذهب بنا إذن !فأقم.قال أبو الفرج: وقد رَوَى أحمد عن عمر، عن رجاله عن الشَّعبيّ، عن جُندَب الأزديّ :قال : كنتُ فيمن شَهِد على الوليد عند عثمان، فلمّا استَتْمَمْنا عليه الشهادة حبسه عثمان. ثم ذكر باقي الخبر وضرب عليّ علیه السلام إيّاه، وقولَ الحسن :«ابنه مالك ولهذا»، وزاد فيه، وقال عليّ علیه السلام : لست إذن مُسلِماً ؛ أو قال: من المسلمين.


1) الشخوص السير من بلد إلى بلد لسان العرب مادة (شخص).

قال أبو الفرج: وأخبَرَني أحمد، عن عمر عن رجاله، أنّ الشهادة لما تمّت قال عثمان لعليّ علیه السلام : دونَكَ ابنَ عمّك فأقم عليه الحدّ. فأمر عليّ علیه السلام ابنَه الحسن علیه السلام ، فلم يفعل، فقال : يكفيك غيرُك! فقال عليّ علیه السلام : بل ضعفتَ ووَهَنْتَ وعجَزْتَ ؛ قم يا عبد الله بن جعفر فاجلِده، فقامَ فجلَدَه ، و علي علیه السلام يعدّ حتّى بلغ أربعين، فقال له عليّ علیه السلام : أمسِك حَسبك، جلد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين ؛ وكَمّلها عُمر ثمانين ؛ وكلٌّ سنّة .عن ،عمر عن عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالدقال أبو الفرج: وحدّثني أحمد عن عمر عن عبدالله بن محمد بن حکیم، عن خالد بن سعيد قال: وأخبَرَني بذلك أيضاً إبراهيمُ بن محمد بن أيّوب، عن عبد الله بن مسلم قالوا جميعاً: لما ضرَب عثمان الوليد الحد، قال: إنّك لتضربُني اليوم بشهادة قوم ليقتلتك عاماً قابلاً (1.)قال أبو الفرج: وحدثني أحمد بنُ عبد العزيز الجوهريّ، عن عمر بن شبِّة، عن عبد الله محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد. وأخبَرني أيضاً إبراهيمُ، عن عبد الله، قالوا جميعاً : كان أبو زُبيد الطائيّ نديماً للوَليد بن عُقبة أيّامَ ولايته الكوفة ، فلمّا شَهِدوا عليه بالسكر من الخَمْر خرج عن الكوفة معزولاً ، فقال أبو زُبيد يتذکّر ايّامه وندامته :من يرَى العير لان أروى على ظه-**** و المَرَوْرَى حداثهن عجالُ !حُداتُهنَّ (2 ناعجات والبيتُ بيتُ أبي وه-*** ب خلاء نحن فيه الشَّمالُ (2))يعرِف الجاهل المضلَّلُ انّ ال- دَّهر فيه النَّكراءُ والزلزالُليت شعري كذاكم العهدُام کا نوا أناساً كمن يَزولُ فزالوا!بعد ماتعلمين يا أمّ عمرو كان فيهمْ عِزّلنا وجمالُووجوهٌ تودُّنا مشرقاتٌ ونوالٌ إذا أريد النّوالُأصبح البيتُ قد تَتبدل بالحَيّ وجوهاً كأنها الأقيالكل شيء يحتالُ فيه الرجالُ غير أن ليس للمنايا احتيالُولعمر الإله لو كان للسي***ف مضاءً وللسان مقالماتناسَيْتُك الصفاء ولا ال ***ودَّ ولا حال دونك الإشغال


1) أخرجه الجوهري في السقيفة وفدك : 126 ، وأخرجه ابن شبة النمري في تاريخ المدينة : 3/ 974 .

2) الناعجة : الناقة البيضاء والسريعة والتي يصاد عليها نعاج الوحش القاموس المحيط، مادة (تعج).

ولحرّمت لحمك المتعضّي*** ضَلَّةٌ ضلّ عِلْمُهُم ما اغتالواقولهم شريك الحرام وقد كا*** ن شرابٌ سوى الحرام حلالُوأبى ظاهرُ العداوة والشَّن ***آن إلا مقال ما لا يقال (1)من رجال تقارضوا مُنکرات ***لينالوا الذي أرادوا فنالواغير ما طالبين ذخلا ولكن ***مال دهرٌ على أناس فمالوامن يَخُنُكَ الصفاة أو يتبدل *أو يزُل مثلَ مَا يَزول الظَّلالُفاعلمن أنني أخوكَ أخو ال ودّ حياتي حتى تزول الجبالُليس يُخْلي عليك يوماً بمال أبداً ما أقل نعلاً قِبالُولك النصر باللسان وبال كف إذا كان لليدين مصالُقال أبو الفرج :وحدّثني أحمد قال : حدّثني عمرُ قال : لما قدم الوليد بنُ عُقبة الكوفة قدم عليه أبو زُبَيد فأنزله دار عَقِيل بن أبي طالب على باب المسجد، وهي التي تُعرف بدار القِبطي، فكان مما احتجّ به عليه أهل الكوفة أن أبا زبيد كان يخرج إليه من داره وهو نصرانيّ يخترق المسجد فيجعله طريقاً .قال أبو الفرج : وأخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثني عمي عبيد الله، عن ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ، أن أبا زُبيد وفد على الوليد حين استعمله عثمان على الكوفة، فأنزله الوليد دار عقيل بن أبي طالب عند باب المسجد واستَوْهَبها منه فوهبها له، فكان ذلك أول الطعن عليه من أهل الكوفة، لأنّ أبا زبيد كان يخرج من داره حتى يشق المسجد إلى الوليد فيسمر عنده ويشرب معه، ويَخرُج فيشقّ المسجد وهو سكران، فذاك نبّههم عليه . قال : وقد كان عثمان ولّى الوليدَ صدقات بني تغلب، فبلغه عنه شعرٌ فيه خلاعة، فعزله. قال: فلما ولأه الكوفة اختصّ أبا زبيد الطائي وقرّبه، ومدحه أبو زُبيد بشعر كثير، وقد كان الوليد استعمل الربيع بن مري بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي على الحمى فيما بين الجزيرة وظهر الحيرة، فأجدبت الجزيرة؛ وكان أبو زبيد في بني تغلب نازلاً ، فخرج بإبلهم ليُرعيهم، فأبي عليهم الربيع بن مريّ ،ومنعهم، وقال لأبي زُبيد : إن شئت أزعيك وحدك فعلت؛ فأتى أبو زُبيد إلى الوليد ،فشكاه فأعطاء ما بين القصور الحمر من الشام ،إلى القصور الحمر من الحيرة، وجعلها له حمّى، وأخذها من الربيع بن مري، فقال أبو زبيد يمدح الوليد، والشِّعر يدل على أن الحمى كان بيد مريّ بن أوس لا بيد الربيع ابنه وهكذا هو في رواية عمر بن شبة :


1) الشنآن البغض . القاموس المحيط مادة (شنا).

لعمرُ أبيك يا بن أبي مُريِّ*** لغيرُك من أباح لنا الديارااباح لنا أبارق ذات قورٍ*** ونَرعى القف منها والقفارا(1)بحمد الله ثمّ فتَى قريش*** أبي وهب غدت بدناً غزاراأباح لنا ولا نحمي عليكم إذا ما كنتم سنةً جزاراقال : يقول : إذا أجديتم فإنا لا نحميها عليكم، وإذا كنتم أسأتم وحميتموها علينا .فتى طالت يداه إلى المعالي وطَحطحت المجذَّمة القِصَارا (2)قال: ومن شعر أبي زُبيد فيه يذكر نصره له على مريّ بن أوس بن حارثة :ياليت شعري بأنباء انبَّوها قد كان يعني بها صدري وتقديريعن امرىء ما يزده الله من شَرف أفرخ به ومري غيرُ مسرورإن الوليد له عندي وحقّ له ودّ الخليل ونصح غير مذخورلقد دعاني وأذناني وأظهَرَني على الأعادي بنصر غير تغريروشدّبَ القوم عنّي غير مكترث حتى تناهوا على رغم وتَصغيرنفسي فداه أبي وهب وقلّ له يا أمَّ عمرو فحُلِّي اليوم أو سيريوقال أبو زبيد يمدح الوليد ويتألم لفراقه حين عُزل عن الكوفة :لعَمْرِي لَئِنْ أمسى الوليد ببلدة سواي لقد أمسيتُ للدهر معوراخلا أن رزق الله غادٍ ورائحٌ ورائح وإني له راح وإن سار أشهراوكان هو الحصن الذي ليس مسلمي إذا أنا بالنَّكراء هيّجتُ معشراإذا صادَقُوا دوني الوليد فإنما ***يَرَوْن بوادي ذي حماس مُزَعفراوهي طويلة يصفُ فيها الأسد.قال أبو الفرج : وحدثنا أحمد بن عبد العزيز قال : حدثنا عمر عن رجاله عن الوليد قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيدعو لهم بالبركة،ویمسح یده على رؤوسهم، فجيء بي إليه وأنا مخلق فلم يمسني، وما منعه إلا أن أمي خَلَّقَتْني بخَلوق فلم يمسني من أجل الخَلوق.قال أبو الفرج: وحدثني إسحاق بن بنان الأنماطي، عن حُنيش بن ميسر، عن عبد الله


1) القفُ والقَفِيْفُ : ما يبس من البقل وسائر النبت، وقيل: ما تم يبسه من أحرار البقول وذكورها لسان العرب مادة (قفف).

2) اطَحْطَحَ كسر، وفرَّقَ وبَدَّدَ إهلاكاً. القاموس المحيط ، مادة (طحح).

موسى، عن أبي ليلى، عن الحكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : قال الوليد بن عقبة لعليّ بن أبي طالب علیه السلام: أنا أحدّ منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملاً للكتيبة؛ فقال علیّ : اسكُت يا فاسق فنزل القرآن فيهما : (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كان فاسقا لا يستوون(1).)قال أبو الفرج: وحدثني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبّة، عن محمد بن حاتم، عن يونس بن عمر، عن شَيْبان عن يونس، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَاءٍ فَتَبَيَّنُوا (2). قال : هو الوليد بن عقبة بعثه النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم المصدقاً إلى بني مُصدِّقاً إلى بني المصطلق، فلما رأوه أقبلوا ،نحوه فهابهم، فرجع إلى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم فقال له : إنهم ارتدّوا عن الإسلام، فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد، فعلم علمهم، وأمره أن يتثبت وقال له : انطلق ولا تعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً، وأنفذ عيونه نحوهم، فلما جاؤوه أخبروه أنهم متمسكون بالإسلام وسمع أذانهم وصلاتهم، فلما أصبح أتاهم فرأى ما يعجبه، فرجع إلى الرسول صلی الله علیه واله وسلم فأخبره ، فنزلت هذه الآية .)قلت : قد لَمّح ابنُ عبد البرّ صاحبُ كتاب «الاستيعاب »(3في هذا الموضع نكتةً حَسَنة، فقال في حديث الخَلُوق : هذا حديثٌ مضطرب ،منكَر لا يصحّ، وليس يمكن أن يكون من بَعثَه النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم مصدّقاً صبيَّا يومَ الفَتْح ؛ قال : ويدل أيضاً على فَسادِه أن الزبير بنَ بكّار وغيره من أهل العلم بالسّيّر والأخبار ذكروا أن الوليد وأخاه عُمارة بني عُقبة بن أبي مُعَيْط خرَجًا من مكّة ليردّا أختهما أمّ كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتُها في الهُدنة التي بين النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وبين أهل مَكّة، ومَنْ كان غلاماً مُخلَّقاً بالخلوق يومَ الفتح ليس يجيءُ منه مِثلُ هذا قال: ولا خلافَ بين). أهل العلم بتأويل القرآن أن قوله عز وجل : (إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاءِ فَتَيَيّنوا(4)أنزلت في الوليد لمّابَعَثه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مصدقاً ، فكَذَب على بني المُضطلق وقال : إنّهم ارتدّوا وامتَنَعوا من أداء الصَدَقة. قال أبو عمر وفيه وفي عليِّ علیه السلام نَزَل :( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقا لا يَستَونَ) (5)؛ في قصّتهما المشهورة قال : ومن كان صبياً يوم الفتح لا يجيء منه مِثُل هذا، فوجب أن يُنظَر في حديث الخَلوق، فإنّه رواية جعفر بن ،برقان عن ثابت، عن الحجّاج، عن أبي موسى الهمدانيّ؛ وأبو موسى مجهول لا يصح حديثه . ثم نعود إلى كتاب أبي الفَرَج الأصبهانيّ ؛ قال أبو الفرج وأخبرني أحمدُ بنُ عبد العزيز،


1) سورة السجدة، الآية : 18 .

2) سورة الحجرات الآية : 6 .

3) «الاستيعاب» : لأبي عمر يوسف بن عبد الله المعروف بابن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة (463 ه-)، وهو كتاب جليل القدر في معرفة الصحابة كشف الظنون) (81/1).

4) سورة الحجرات، الآية: 6 .

5) سورة السجدة، الآية : 18 .

عن عمر بن شبّة، عن عبد الله بن موسى عن نعيم بن حك- بن موسى عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم، عن عليّ علیه السلام . أن امرأة الوليد بن عُقبة جاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تَشتِكي إليه الوليدَ، وقالت: إنّه يَضربها، فقال لها : ارجعي إليه وقولي له : إنّ رسول الله قد أجازني، فانطلقت، فمكثت ساعةً، ثم رجعت فقالت : إنّه ما أقلَع عنَّي، فقطع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هُدبة من ثَوبه وقال : اذهبي بها إليه وقولي له: إن رسول الله قد أجازني، فانطلقت فمكثت ساعةً ثم رجعت فقالت: ما زادني إلاّ ضَرْباً، فرفع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يده ثم قال : «اللهمّ عليكَ بالوليد» (1)مرتين أو ثلاثاً .

قال أبو الفرج :واختصّ الوليد لما كان والياً بالكوفة ساحراً كاد يَفين الناسَ، كان يُرِيه كتيبتين تقتيلان فتحيل إحداهما على الأخرى فَتهزِمها ، ثم يقول له أيَسُرّك أن أُرِيكَ المنهزمةَ تغلب الغالبة فتهزمها ؟ فيقول : نعم، فجاء جُندُبُ الأزدي مشتمِلاً على سيفه، فقال: أفرجوا لي، فأفرجوا فضربه حتى قتله، فحبسه الوليدُ قليلاً ثم تركه .

قال أبو الفرج: وروى أحمدُ عن عمر ، عن رجاله، أن جُندباً لما قتل الساحر حَبَسه الوليدُ، فقال له دينار بن دينار: فيم حبستَ هذا، وقد قتل من أعلن بالسحر في دين محمد مضى إليه فأخرجه من الحبس، فأرسل الوليد إلى دينار بن دينار فقتله.

قال أبو الفرج : حدّثني عمّي الحسن بن محمد قال: حدّثني الخراز، عن المدائنيّ، عن عليّ بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان عن الزهري وغيره أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لما انصرف من غَزاة بني المصطلق نزل رجلٌ من المسلمين فساق بالقوم ورَجز، ثم آخر فساق بهم ورَجَز، ثم بدا لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أن يُواسِيَ أصحابه، فنزل فساق بهم ورَجَز، وجعل يقول فيما يقول :

جُندَبٌ وما جُنْدَبُ***والأقطع زيد الخَير

فدنا منه أصحابُه فقالوا : يا رسول الله ما ينفعُنا سيرنا مخافة أن تنهشك دابّة، أو تُصيبك نَكبة. فركب ودَنَوا منه وقالوا : قلت قولاً لا ندري ما هو ؟ قال : وما ذاك؟ قالوا : كنتَ تقول : جُندَب وما جُندب، والأقطع زيد الخير .

فقال : رجلان يكونان في هذه الأمة يضرب أحدهما ضربة يفرُق بين الحقّ والباطل، وتُقطَع يدُ الآخر في سبيل الله ، ثم يُتبع الله آخر جسده بأوّله، وكان زيد هو زيد بن صوحان، وقطِعت يدُه في سبيل الله يوم جَلولاء، وقتل يوم الجمل مع عليّ بن أبي طالب علیه السلام؛ وأمّا جندَب هذا فدخل على الوليد بن عُقبة وعنده ساحر يقال له : أبو شَيْبان يأخذ أعينَ الناس، فيُخرج مصارين بطنهم ثم يَرُدّها ، فجاء مِنْ خَلْفَه فضَرَبه فقتله، وقال:


1) أخرجه أبو يعلى في «مسنده»(294)، والمقدسي في «الأحاديث المختارة» (710).

العن وليداً وأبا شَيْبانُ ***وابن حُبَيش راكبَ الشّيطان

رسول فرعون َإلى هامان

قال أبو الفرج: وقد رُوي أنّ هذا الساحر كان يدخُل عند الوليد في جَوْف بقرة حيّة، ثم يخرُج منها ؛ فرآه جُندَب فذهب إلى بيته، فاشتمل على سيف فلما دخل الساحر في البقرة قال جندب :(أنتَأتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ) (1)، ثم ضرب وسط البقرة فقطعها وقطع الساحرَ معها، فذُعر الناس، فسجنه الوليد، وكتب بأمره إلى عثمان.


قال أبو الفرج : فَرَوى أحمد بن عبد العزيز، عن حجّاج بن نصير، عن قرّة، عن محمّد بن سيرين، قال: انطلق بجندَب بن كعب الأزدي قاتل الساحر بالكُوفة إلى السجن، وعلى السّجن رجلٌ نَصْراني من قبل الوليد، وكان يَرَى جندب بن كعب يقومُ بالليل ويُصبح صائماً ، فوَكَّل بالسّجن رجلاً ، ثم خرج فسأل الناس عن أفضل أهل الكوفة؛ فقالوا: الأشعث بن قيس، فاستضافه، فجعل يراه ينام الليل ثم يُصبح فيدعُو بغدَائه، فخرج من عنده وسأل: أيُّ أهلِ الكوفة أفضل؟ قالوا : جرير بن عبد الله، فذهب إليه فوجده ينام الليل ثم يُصبح فيدعو بغدائه، فاستَقبل القبلة، وقال: ربّي ربّ جُندَب، وديني دِينُ جُندَب. ثمّ أسلم .

قال أبو الفرج : فلمّا نزع عثمانُ الوليدَ عن الكوفة أمر عليها سعيد بن العاص، فلمّا قِدمَها قال : اغسلوا هذا المنبر فإنّ الوليد كان رجلاً نجساً ، فلم يصعده حتى غسيل . قال أبو الفرج : وكان الوليدُ أسَنّ من سعيد بن العاص، وأسْحَى نَفْساً ، والين جانباً، وأرضى عندهم، فقال بعضُ شعرائهم :

وجاءنا من بعده سعيدُ*** ينقص في الصاع ولا يزيدُ

وقال آخر منهم :

فرزت من الوليد إلى سعيد ***كاهل الحِجْر إذْ فَزعوا فبارُوا

يلينا من قريش كلّ عام*** أمير مُحدَث أو مستشارُ

لنانارٌ تحرّقنا فنخشّى ***وليس لهم - ولا يخشون - نارُ

قال أبو الفرج: وحدّثنا أحمد، قال حدثنا عمرُ، عن المدائنيّ ، قال : قَدِم الوليدُ بنُ عقبة الكوفة في أيّام معاوية زائراً للمغيرة بن شعبة ، فأتاه أشراف الكوفة فسلموا عليه. وقالوا : والله ما رأينا بعدك مِثلَك ؛ فقال : أخيراً أم شرًا ! قالوا بل خيراً ، قال : ولكني ما رأيتُ بعدكم شرَّا


1) سورة الأنبياء، الآية : 3.

منكم . فأعادوا الثناءَ عليه، فقال بعض ما تأتون به! فو الله إن بغضكم لتلف (1)، وإن حبّكم لصَلَف (2).

قال أبو الفرج : وَرَوَى عمر بن شبّة ؛ أن قبيصة بن جابر كان ممّن كثَّر على الوليد، فقال معاويةُ يوماً والوليدُ وقبيصةُ عنده :يا قبيصة، ما كان شأنك وشأن الوليد؟ قال: خيرٌ يا أميرَ المؤمنين، إنّه في أوّل الأمر وصل الرّحم، وأحسن الكلام، فلا تسأل عن شكرٍ وحُسن ثَناء، ثم غَضِب على الناس وغَضبوا عليه، وكنّا معهم، فإما ظالمون فنستغفر الله، وإمّا مظلومون فيَغفِر الله له ؛ فُخُذ في غير هذا يا أمير المؤمنين، فإنّ الحديث يُنسِي القديم. قال معاوية : ما أعلمُه إلاّ قد أحسَن السِّيرة، وبَسَط الخير، وقبض الشّرّ . قال : فأنت يا أمير المؤمنين اليومَ أقدرُ على ذلك فافعله فقال: اسْكُتْ لا سَكَتْ، فسكت وسكَتَ القومُ ، فقال معاوية بعد يسير : ما لك لا تتكلم يا قبيصة؟ قال : نهيتني عما كنتُ أحب فسكت عمّا لا أُحِبّ.

قال أبو الفرج ومات الوليد بن عقبة فُوَيق الرّقة، ومات أبو زُبيد هناك، فدُفِنا جميعاً في موضع واحد فقال في ذلك أشجَعُ السلمي وقد مَرّ بقَبرَيهما :

مررتُ على عظام أبي زُبيد ***وقد لاحث ببلقعةٍ صَلُودِ

فكان له الوليدُ نديمَ صِدْقٍ*** فنادَمَ قبره قبر الوليد

وما أَدْرِي بمن تَبدو المنايا*** بحمزة أم باشَجَعَ أم يزيد!

قيل : هم إخوتُه ، وقيل : نُدماؤه.

قال أبو الفرج: وحدّثني أحمدُ بنُ عبد العزيز، عن محمد بن زكريّا الغِلابيّ، عن عبد الله بن الضّحاك، عن هشام بن محمد، عن أبيه قال : وفَد الوليدُ بنُ عقبة - وكان جواداً - إلى معاوية، فقيل له : هذا الوليدُ بنُ عقبة بالباب فقال : والله ليرجعنّ مغيظاً غير مُعطّى، فإنّه الآن قد أتانا يقول : عليّ دينٌ وعلي كذا ، الذَن له، فأذن له، فسأله وتحدث معه، ثم قال له معاوية : أما والله إن كنا لنُحِبْ إتيان مالك بالوادي ولقد كان يُعجب أمير المؤمنين، فإن رأيتَ أن تَهبَه ليزيدَ فافعل، قال : هو ليزيد، ثمّ خرج وجعل يختلف إلى معاوية، فقال له يوماً : انظُر يا أمير المؤمنين في شأني، فإنّ عليّ مؤونة، وقد أرهقني دَيْن، فقال له : ألا تَستحيي لنفسك وحَسَبك، تأخذ ما تأخُذُه فتَبذُره، ثم لا تنفك تَشكُو دَيْناً ! فقال الوليد ،أفعل، ثمّ انطلق من مكانه فسارَ إلى الجزيرة، وقال يخاطب معاوية :


1) التَّلَفُ : الهلاك والعطب في كل شيء. لسان العرب، مادة (تلف).

2) الصَّلَفُ: مجاوزة القدر في الظرف والبراعة والإدعاء فوق ذلك تكبراً. لسان العرب مادة (صلف).

فإذا سئلت تقول: «لا»*** وإذا سألتَ تقول: هاتِ

تأبى فعال الخير لا*** تُروِي وانت على الفرات

أفلا تَمِيلُ إلى «نَعَمْ» ***أو تَرْكِ «لا» حتى الممات

وبلغ معاويةَ شُخُوصُه إلى الجزيرة فخافه، وكتب إليه : أقبل ، فكَتَب:

أعِفّ وأستعفي كما قد أمرتَنِي**** فَأَعْطِ سِوَايَ ما بدا لك وابخَل

سأحدُو رِكابي عنك إن عَزيمتي*** إذا نابني أمرٌ كسلةِ مُنصُلِ(1)

وإني امرؤ للنّأي منّي تَطرُّبٌ ***وليس شَبَا قفل عليّ بمقُفَلَ

ثم رحل إلى الحجاز، فبعث إليه معاوية بجائزة .

وأمّا أبو بن عبد البر فإنه ذكر في «الاستيعاب» في باب الوليد قال : إنَّ له أخباراً فيها شَناعة تَقَطع على سوء حاله، وقُبح أفعاله ؛ غَفَر الله لنا وله ؛ فلقد كان من رجال تُرَيش ظَرْفاً وحِلْماً وشَجاعةً وجُوداً وأدباً، وكان من الشّعراء المطبوعين. قال: وكان الأصمعيّ وأبو عُبيدة وابن الكلبيّ وغيرهم يقولون : إنه كان فاسقاً شِرِّيب خَمْر، وكان شاعراً كريماً. قال: وأخبارُه في شُربه الخمر ومنادَمَتِه أبا زُبيد الطائي كثيرةٌ مشهورة، ويَسمُج (2)بنا ذكرها، ولكنّا نذكر منها طَرَفاً . ثمّ ذَكَر ما ذكره أبو الفرج في الأغاني، وقال: إن خَبَر الصلاة وهو سكران، وقوله: «أ أزيدكم؟» خبرٌ مشهورٌ رَوَتْه الثقات من نَقَلَة الحديث (3).

قال أبو عمرو بنُ عبدِ البَرِّ : وقد ذكر الطّبريّ في رواية أنّه تغضّب عليه قومٌ من أهل الكوفة حَسَداً وبَغْياً، وشهدوا عليه بشُرب الخمر ، وقال : إنّ عثمان قال له : يا أخي اصبر، فإن الله يأجُرُك ويبوه القومُ بإثمك.

قال أبو عمر : هذا الحديث لا يَصِحّ عند أهل الأخبار ونَقَلَةِ الحديث، ولا له عند أهل العلم أصل ؛ والصحيحُ ثبوتُ الشهادة عليه عند عثمان، وجلدُه الحدّ، وأن عليَّا هو الذي جَلَده . قال : ولم يَجلده بيَده، وإنّما أمر بجلده، فنُسِب الجَلْدُ إليه.

قال أبو عمر : ولم يَروِ الوليد من السنّة ما يحتاج فيها إليه، ولكنّ حارثةَ بن مضرب رَوَى عنه أنّه قال : «ما كانت نبوّة إلاّ كان بعدها مُلك» (4).


1) المُنْصل : السيف. القاموس المحيط مادة (نصل).

2) سَمُجَ سَماجَةٌ : قَبْجَ . القاموس المحيط مادة (سمج).

3) أخرجه العلامة المجلسي البحار : 153/31 .

4) أخرجه السيوطي في جامعه : بما معناه رقم : 7986 .

63 - ومن كتاب له علیه السلام إلى أبي موسى الأشعري وهو عامله على الكوفة، وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل


الأصل: مِنْ عَبْدِ الله عَلي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ : أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلُ هُوَ لَكَ وَعَلَيْكَ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ رَسُولِي فَارْفَعْ خَيْلَكَ، وَاشْدُدْ مِنْزَرَكَ، وَاخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ، وَانْدُبْ مَنْ مَعَكَ، فَإِنْ حَقَّقْتَ فَانْفُذ، وَإِنْ تَفَضَّلْتَ فَابْعُدْ، وَايْمُ الله لَتُؤْتِينَّ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ، وَلا تُترَكُ حَتَّى يُخْلَط زُبْدُكَ بِخَاثِرِكَ ، وَذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ، وَحَتَّى تَعْجَلَ عَنْ نِعْدَتِكَ، وَتَحْذَرَ مَنْ أَمَامَكَ، كَحَذَرِكَ مَنْ خَلْفَكَ، وَمَا هِيَ بِالْهُوَيْنَى التِي تَرْجُو، وَلَكِنَّهَا الدَّاهِيةُ الْكُبْرَى، يُرْكَبُ جَمَلُهَا ، وَيُذَلَ صَعْبُهَا ، وَيُسَهِّلُ جَبَلُهَا . فَاعْتِلْ عَقْلَكَ، وَامْلِكُ أَمْرَكَ، وَخُذْ نَصِيبَكَ وَحَقِّكَ، فَإِنْ گرِفتَ فَتَنَحٌ إِلَى غَيْرِ رَحْبٍ، وَلَا فِي نَجَاةٍ ، فَبِالْحَرِي لَتَكْفَبَنَّ وَأَنْتَ نَائِمٌ حَتَّى لاَ يُقَالُ: أَيْنَ فُلاَنٌ والله إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقِّ وَمَا يُبَالِي مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَا وَالسَّلَامُ .


الشرح : المراد بقوله : «قولٌ هو لك وعليك» ، أنّ أبا موسى كان يقول لأهل الكوفة : إنّ عليَّا إمامُ هُدى، وبَيعته صحيحة، إلاّ أنّه لا يجوز القتال معه لأهل القبلة، وهذا القولٌ بعضُه حق، وبعضه باطل.

وقولُه : «فارقَع ذَيْلك»، أي شَمّر للنهوض معي واللحاق بي، ليشهد حرب أهل البصرة، وكذلك قوله : «واشدد متزرَك»، وكلتاهما كنايتان عن الجدّ والتشمير في الأمر.

قال : «واخرج من جُحْرك»، أمرٌ له بالخروج من منزله للّحاق به، وهي كِنايةٌ فيها غَضُ من أبي موسى واستهانةٌ به لأنه لو أراد إعظامَه لقال : واخرج من خيسك، أو من غيلك كما يقال للأسد، ولكنّه جعله ثعلباً أو ضباً .

قال: «واندُب مَنْ معك»، أي، واندب رعيّتك من أهل الكوفة إلى الخروج معي واللَّحاق بي.

ثم قال : «وإن تحقّقت فانفذ أي أمرُك مبنيِّ على الشكّ، وكلامك في طاعتي كالمتناقض، فإن حقّقت لزوم طاعتي لك فانفذ أي سر حتى تقدم عليّ، وإن أقمتَ على الشك فاعتزل العمل، فقد عزلتُكَ.

قوله : وايم الله لتُؤتَيَنّ معناه إن أقمت على الشك والاسترابة وتثبيط أهل الكوفة عن

الخروج إليّ وقولك لهم : لا يحلّ لكم سَلّ السيف لا مع عليّ ولا مع طلحة والزَموا بيوتَكم ،واكسروا سيوفَكَم ليَأتينّكم، ليأتينكم وأنتم في منازلكم بالكوفة أهل البصرة مع طلحة، ونأتينكم نحن بأهل المدينة والحجاز، فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم ومن خلفكم، فتكون ذلك الداهية الكبرى الّتي لا شَواةَ لها .

قولُه «ولا تترك حتى يخلط زُبِّدُك بخاترك» تقول للرجل إذا ضربته حتى أثخنتَه : لقد ضربتُه حتّى خطلت زُبدَه بخاثره، وكذلك حتى خلطت ذائبه ،بجامده والخائر : اللبن الغليظ، والزبد خلاصة اللبن وصَفْوَته ، فإذا أثخنت الإنسانَ ضَرْباً كنتَ كأنّك خطلتَ ما رَقّ ولَطف من أخلاطه بما كَثف وغَلُظ منها ، وهذا مَثَل، ومعناه لتفسُدَنّ حالك ولتُخَلَّطَن، وليضربن ما هو الآن منتظمٌ من أمرك .

قوله : «وحتى تُعْجَل عن قِعْدَتك»، القعدة بالكسر هيئة القعود كالجلسة والرّكبة أي وليعجلنّك الأمرُ عن هيئة قعودك، يصف شدّة الأمر وصعوبته .

قوله : «وتحذر مَنْ أمامك كحذرك من خَلفَك»، يعني يأتيك من خلفك إن أقمتَ على مَنْع الناس عن الحرب معنا ومعهم أهل البصرة وأهل المدينة فتكون كما قال الله تعالى: (إن جاء وكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ )(1).

قوله : «وما هي بالهُوَينَى التي ترجو»، الهُوَينى تصغير «الهونى» التي هي أنثى «أَهْوَن»، أي ليست هذه الداهية والجائحة التي أذكرها لك بالشيء الهين الذي نرجو اندفاعه وسهولته.

ثم قال : بل هي الداهية الكبرى ستفعل لا محالة إن استمررت على ما أنت عليه، وكنَى عن قوله : «ستفعل لا محالة» بقوله : «يركب جملها» وما بعده، وذلك لأنها إذا رُكب جمُلها، وذلّل صعبُها وسهل وغرُها فقد فعلت أي لا تقل : هذا أمرٌ عظيمٌ صعبُ المرام، أي قصد الجيوش من كلا الجانبين الكوفة، فإنه إن دام الأمرُ على ما أشرت إلى أهل الكوفة من التخاذُل والجلوس في البيوت وقولك لهم : «كن عبد الله المقتول» لنقعنّ بموجب ما ذكرته لك، وليرتكبنّ أهل الحجاز وأهل البصرة هذا الأمرَ المستصعب لأنا نحن نطلب أن تَملك الكوفة، وأهلُ البصرة كذلك، فيجتمع عليها الفريقان.

ثم عاد إلى أمره بالخروج إليه فقال له : «فاعقِل عَقلك واملِك أمرَك، وخذ نصيبَك وحَظّك» ، أي من الطاعة، واتّباع الإمام الذي لَزِمتك بيعته، فإن كرهت ذلك، فتنح عن العمل فقد عزلتُك. وابُعد عنّا لا في رحب، أي لا في سَعَة، وهذا ضدّ قولهم مَرْحباً .

ثم قال : فجديرٌ أن تكفي ما كُلفته من حضور الحَرْب وأنت نائم، أي لست معدوداً عندنا


1) سورة الأحزاب الآية : 10 .

ولا عندَ الناس من الرّجال الُّذين تفتقر الحروب والتدبيرات إليهم ، فسيُغني الله عنك ولا يقال: این فلان؟

ثم أقسَم أنَّه لحّق، أي أنّي في حرب هؤلاء لَعَلَى حقّ، وإن من أطاعني مع إمام مُحِقّ ليس يُبالي ما صنع الملحدون، وهذا إشارةٌ إلى قول النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم:« اللّهم أدِرِ الحقّ معه حيثما دارَ» (1).


64 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية جواباً عن كتابه -

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأَلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَفَرِّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْس أَنَّا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ، وَالْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَكُنتُمْ، وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلا كَرْهاً ، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الْإِسْلامِ كُلُّهُ لِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ حَرْباً .

وَذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَشَرِّدْتُ بِعَائِشَةَ، وَنَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ ، فَلاَ عَلَيْكَ، وَلَا الْعُشْرُ فِيهِ إِلَيْكَ.

وَذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي جَمْع الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أخُوكَ ، فَإِنْ كَانَ فِيكَ عَجَل فَاسْتَرْيَهُ ، فَإِنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ الله إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ . للنقمَةِ مِنْكَ، وَإِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو بَنِي أَسَدٍ :

مُسْتَقْبِلِينَ رباحَ الصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ ***بِحاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَجُلْمود (2)

وَعِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَامِ وَاحِدٍ.

فَإِنَّكَ وَالله مَا عَلِمْتَ الْأَخْلَفُ الْقَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ : إِنَّكَ رَقِيتَ سُلْماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لا لَكَ، لأَنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ، وَرَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ، وَطَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا فِي مَعْدِنِهِ، فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ !

وقَرِيبٌ ما أَشْبَهُتَ مِنْ أَعْمام والحوالٍ حَمَلَتْهُمُ الشَّقاوَةُ وَتَمَنِّي الباطل، عَلَى الجُحُودِ


1) أخرجه الترمذي :كتاب المناقب، باب مناقب علي (3714)، والحاكم في «مستدركه» (4629) ، والطبراني في (الأوسط) (5906) ، والبزار في «مسنده» (806).

2) الحاصِبُ : ريحٌ تحمل التراب أو هو ما تناثر من دقاق الثلج والبرد والسحاب الذي يرمي بهما . القاموس المحيط مادة (حصب).

بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآلهِ ، فَصُرِعُوا مَصارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ ، لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً ، وَلَمْ يَمْنُعوا خرِيماً ، يوقع سُيُوفٍ ما خَلاَ مِنها الْوَغَى وَلَمْ تُماشها الْهُوَيْنى.

وقَدْ اكْثَرْتَ في قَتَلَةِ عُثْمَانَ؛ فَادْخُلُ فيما دَخَلَ فيه النَّاسُ، ثُمَّ حاكِمِ القَوْمَ إِلَيَّ، أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتاب الله تعالى، وأمَّا تِلْكَ الَّتي تُريدُ ؛ فإنَّها خُدْعَةُ الصّبي عَنِ اللَّبَنِ في أَوَّلِ الْفِصال، والسَّلامُ لأهْلِهِ.


الشرح: أمّا الكتاب الذي كتبه إليه ،معاوية، وهذا الكتاب جوابه، فهو :

من معاوية بن أبي سفيان، إلى عليّ بن أبي طالب:

أما بعد فإنّا بني عبد مناف لم نزل نَنزعُ من قُليب ،واحد ونجري في حَلبة واحدة، ليس البَعضنا على بعض فضل ولا لقائمنا على قاعدنا فخر ؛ كلمتنا ،مؤتلفة، والفتنا ،جامعة، ودارُنا واحدة، يجمعنا كرم العِرْق، ويحوينا شرف النجار، ويحنُو قويُّنا على ضعيفنا، ويواسي غنيُّنا فقيرَنا ، قد خَلصَتْ قلوبنا من وَغَل الحسد، وطهرت أنفسنا من خُبث النية، فلم نزل كذلك حتى كان منك ما كان من الإدمان في أمر ابن عمّك، والحسد له، ونُصرة الناس عليه، حتى قُتِل بمشهد منك ؛ لا تدفع عنه بلسان ولا يد فلَيتك أظهرت نصره، حيث أسررت خبره، فكنت كالمتعلق بين الناس بعذر وإن ضعف والمتبرىء من دمه بدَفع وإن وَهن، ولكنَّك جلستَ في دارك تدُسّ إليه الدّواهي، وترسل إليه الأفاعي؛ حتى إذا قضيتَ وطَرَك منه، أظهرت شماتة، وأبديت ،طلاقة، وحسرت للأمر عن ساعدك، وشمّرت عن ساقك، ودعوت الناس إلى نفسك وأكرهت أعيان المسلمين على بيعتِك، ثم كان منك بعدما كان؛ من قتلك شَيْخي المسلمين أبي محمد طلحة وأبي عبد الله الزبير، وهما من الموعودين بالجنّة، والمبشَّر قاتل أحدهما بالنَّار في الآخرة، هذا إلى تشريدك بأمّ المؤمنين عائشة وإحلالها محلّ الهون مبتَذَلة بين أيدي الأعراب وفَسَقة أهل الكوفة، فمن بين مشهر لها وبين شامت بها وبين ساخر منها . تُرى ابن عمّك كان بهذه لو راه راضياً أم كان يكون عليك ساخطاً، ولك عنه زاجراً! أن تؤذيَ أهله وتُشَرِّد بحليلته، وتسفك دماء أهل ملّته . ثم تركك دار الهجرة التي قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عنها : «إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد» (1)، فلعمري لقد صَحّ وعده وصدق قوله، ولقد نَفَتْ خَبَتَها ، وطردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها ، فأقمت بين المصرين، وبَعُدت عن


1) أخرجه البخاري كتاب الحج، باب فضل المدينة ،(1871) ، ومسلم، کتاب الحج، باب :المدينة تنفي شرارها (1382).

بركة الحرمين، ورضيتَ بالكوفة بدلاً من المدينة، وبمجاورة الخورنق والحيرة عوضاً عن مجاورة خاتم النبوّة، ومن قبل ذلك ما عبتَ خليفتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيام حياتهما، فقعدتَ عنهما وألّبت عليهما، وامتنعتَ من بيعتهما ، ورُمتَ أمراً لم يرَك الله تعالى له أهلاً، ورقيت سلماً وعراً، وحاولت مقاماً دخضاً، وادّعيت ما لم تجد عليه ناصراً ؛ ولعمري لو وليتها حينئذٍ لما ازدادت إلاّ فساداً واضطراباً، ولا أعقبت ولا يتكها إلا انتشاراً وارتداداً ؛ لإنك الشامخ بأنفه، الذاهب بنفسه المستطيل على الناس بلسانه ويده ؛ وها أنا سائرٌ إليك في جمع من المهاجرين والأنصار تحفُّهم سيوفٌ شاميَّة، ورماحٌ قَحْطانيّة، حتى يحاكموك إلى الله. فانظر لنفسك وللمسلمين، وادفع إلي قَتلةَ عثمان ؛ فإنهم خاصّتك وخلصاؤك والمحدقون بك، فإن أبيت إلا سلوك سبيل اللَّجاج والإصرار على الغيّ والضلال، فاعلم أن هذه الآية إنما نزلت فيك وفي أهل العراق معك : وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ عَامِنَةً مُطْمَنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُل مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (1).)ثم نعود إلى تفسير ألفاظ الفصل ومعانيه قال علیه السلام : لعمري إنّا كنا بَيْتاً واحداً في الجاهلية لأنا بنو عبد مناف، إلا أن الفرقة بيننا وبينكم حصلت منذ بعث الله محمداً صلی الله علیه وآله وسلم،فإنّا آمنا وكفرتُم، ثم تأكدت الفرقة اليوم بأنا استقمنا على منهاج الحق وفتنتم.ثم قال : «وما أسلم من أسلم منكم إلا كَرْهاً ، كأبي سفيان وأولاده يزيد ومعاوية وغيرهم من بني عبد شمس.قال: «وبعد أن كان أنف الإسلام محارباً لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم»، أي في أوّل الإسلام، يقال: كان ذلك في أنف دولة بني فلان أي في أوّلها، وأنف كلّ شيء أوّله وطَرفه، وكان أبو سُفْيانَ وأهله من بني عبد شمس أشدَّ الناس عَلَى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في أوّل الهجرة، إلى أن فتح مكة، ثم أجابه عن قوله : «قتلتَ طلحة والزبير، وشرّدت بعائشة، ونزلت بين المصرين »بكلام مختصر أعرض فيه عنه هَواناً ،به فقال : هذا أمرٌ غبت عنه، فليس عليك كان العدوان الذي تَزْعُم، ولا العذرُ إليك لو وجب علي العذرُ عنه .فأما الجواب المفصّل فأن يقال : إن طلحة والزبير قتلا أنفسهما يبغيهما ونكثهما ، ولو استقاما على الطريقة لسلما، ومن قتله الحقُّ قدمه هَدَر، وأما كونهما شيخين من شيوخ الإسلام فغيرُ مدفوع ؛ ولكن العيب يَحدُث، وأصحابنا يذهبون إلى أنهما تابا وفارقا الدنيا نادمين على ما صنعا، وكذلك نقول نحن ؛ فإن الأخبار كثرت بذلك، فهما من أهل الجنّة لتوبتهما ؛ ولولا توبتهما لكانا هالكين كما هلك غيرهما ، فإن الله تعالى لا يحابي أحداً في الطاعة والتقوى ،(ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَكُم وَيَحْيَى مَنْ حَى مَنْ بَيْنَةٍ (2).)


1) سورة النحل، الآية: 112 .

2) سورة الأنفال، الآية : 42 .

وأما الوعد لهما بالجنّة فمشروط بسلامة العاقبة. والكلام في سلامتهما، وإذا ثبتت تويتهما فقد صحّ الوعد لهما وتحقق ؛ وقوله : «بشِّر قاتل ابن صفية بالنار»، فقد اختُلف فيه، فقال قومٌ من أرباب السِّير وعلماء الحديث : هو كلامُ أمير المؤمنين علیه السلام غير مرفوع، وقوم منهم جعلوه مرفوعاً، وعلى كل حال فهو حق لأن ابن جُرموز قتله مولياً خارجاً من الصفّ، مفارقاً للحرب ؛ فقد قتله على توبة وإنابة ورجوع من الباطل، وقاتلُ مَنْ هذه حاله فاسقٌ مستحقّ للنار ؛ وأما أمّ المؤمنين عائشة فقد صحتّ توبتها، والأخبار الواردة في توبتها أكثر من الأخبار الواردة في توبة طلحة والزبير، لأنها عاشت زماناً طويلاً، وهما لم يبقيا ، والذي جرى لها كان خطأ منها ، فأي ذنب الأمير المؤمنين علیه السلام في ذلك ! ولو أقامت في منزلها لم تُبتل بين الأعراب وأهل الكوفة؛ على أن أمير المؤمنين علیه السلام أكرَمها وصَانها وعظّم من شأنها ، ومَنْ أحب أن يقف على ما فعله معها فليطالع كتب السيرة. ولو كانت فعلت بعمر ما فعلت به، وشقّت عصا الأمة عليه، ثم ظفر بها ، لقتلها ومزقها إربا إرباً، ولكن عليَّا كان حليماً كريماً.وأمّا قوله : «لو عاش رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فبرَيّك هل كان يرضَى لك أن تؤذي حليلته!» فلعليّ علیه السلام أن يقلب الكلام عليه فيقول: أفتراء لو عاش أكان يرضى لحليلته أن تؤذي أخاء ووصيّه! وأيضاً أتراه لو عاش أكان يرضى لك يابن أبي سفيان أن تنازع علياً الخلافة وتفرق جماعة هذه الأمة! وأيضاً أتراه لو عاش أكان يرضى لطلحة والزبير أن يبايعا، ثم ينكثا لا لسبب، بل قالا جئنا نطلب الدراهم، فقد قيل لنا : إن بالبصرة أموالاً كثيرة! هذا كلام يقولهمثلهما !فأما قولُه :«تركت دار الهجرة فلا عيبَ عليه إذا انقضت عليه أطرافُ الإسلام بالبَغي والفَساد أن يَخرُج من المدينة إليها ، ويهذّب أهلها ؛ وليس كلُّ من خَرج من المدينة كان خَبَثاً، فقد خَرّج عنها عمرُ مراراً إلى الشام، ثم لعليّ علیه السلام أن يقلب عليه الكلام فيقول له : وأنتَ يا معاوية ؛ قد نَفَتْك المدينة عنها، فأنت إذاً خبث ، وكذلك طلحة والزبير وعائشة الذين تتعصّب لهم وتحتجُّ على النَّاس بهم ، وقد خرج عن المدينة الصَّالحون، كابن مسعود وأبي ذر وغيرهما، وماتوا في بلاد نائية عنها .وأمّا قوله: بعدت عن حُرمة الحرمين، ومجاورة قبرِ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فكلام إقناعيٌّ ضَعيف والواجب على الإمام أن يقدّم الأهمّ فالأهمّ من مصالح الإسلام، وتقديم قتال أهل البَغي على المقام بين الحرمين أولى. فأما ما ذكره من خِذْلانه عثمان وشماتته به ودعائه الناس بعد قتله إلى نفسه وإكراهه طلحةَ والزّبير وغيرهما على بَيعته فكلّه دعوى والأمر بخلافها، ومن نَظَر كتب السّير عرف أنه قد بهته وادّعى عليه ما لم يَقَع منه.وأمّا قوله : «التويتَ على أبي بكر وعمر وقعدت عنهما، وحاولت الخلافة بعد

رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم» فإنَّ عليَّا علیه السلام لم يكن يَجحدَ ذلك ولا يُنكِره، ولا رَيْب أنَّه كان يَدّعي الأمر بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و لنفسه على الجُمْلة، إمَّا لنصِّ كما تقوله الشيعة، أو لأمر آخَرَ كما يقوله أصحابُنا . فأمَّا قوله :«لو وليتها حينئذ لفَسد الأمر واضطَرب الإسلام»، فهذا علمُ غَيْب لا يعلمه إلا الله، ولعلّه لو وليها حينئذٍ لاستقام الأمرُ وصَلَح الإسلام وتمهّد ، فإنَّه ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان إلاّ لأنّ أمرَه هانَ عندَهم بتأخّره عن الخلافة، وتقدّم غيره عليه، فصغُر شأنه في النفوس، وقرّر من تقدّمه في قلوب الناس أنّه لا يَصلُح لها كلّ الصلاحية، والناسُ على ما يحصُل في نفوسهم، ولو كان وَليّها ابتداءً وهو على تلك الحالة التي كان عليها أيام حياة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وتلك المنزلة الرفيعة والاختصاص الّذي كان له، لكان الأمرُ غير الّذي رأيناه عند ولايته بعد عثمان.وأمَّا قوله : «لأنَّك الشامخُ بأنفه، الذاهبُ بنفسه»، فقد أسرف في وَصفه بما وَصفه به، ولا شكّ أنّ عليَّا علیه السلام كان عنده زَهُو لكن لا هكذا، وكان علیه السلام مع زَهوه الطف الناس خُلقاً .ثم نرجع إلى تفسير الفاظه علیه السلام؛ قوله : «وذكرت أنّك زائري في جَمْع من المهاجرين والأنصار، وقد انقطعَت الهجرةُ يوم أُسِر أخوك» هذا الكلامُ تكذيبٌ له في قوله : «في جمع المهاجرين والأنصار»، أي ليس معك مهاجر لأنّ أكثر من معك ممن رأى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هم أبناء الطَّلَقَاء، ومن أسلم بعد الفتح، وقد قال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : «لا هجرة بعد الفتح»(1.)وعبّر عن يوم الفتح بعبارة حَسَنة فيها تقريع لمعاوية وأهله بالكفر، وأنّهم ليسوا من ذوي السّوابق، فقال: «قد انقطعت الهجرةُ يوم أسِر أخوك ». يعني يزيد بن أبي سُفيان أُسِرَ يوم الفَتح في باب الخَنْدَمة، وكان خَرَج في نفر من قريش يُحاربون ويَمنَعون من دخول مكّة، فقُتِل منهم قومٌ وأسر يزيدُ بنُ أبي سفيان، أسرَه خالدُ بنُ الوليد، فخلّصه أبو سُفيان منه، وأدخَلَه دارَه؛ فأمن لأن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال يومئذٍ : «من دخل دارَ أبي سُفْيانَ فهو آمن »(2.)### خبر فتح مكةويجب أن نذكر أن نذكر في هذا الموضع ملخّصَ ما ذَكَره الواقديّ في كتاب «المغازي» في فتح مكّة، فإن الموضع يقتضيه ؛ لقوله علیه السلام : «ما أسلم مسلمُكم إلا كَرْهاً» ، وقوله : «يومَ أُسِر أخوك ».


1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير باب فضل الجهاد (2783)، ومسلم، کتاب الإمارة، باب : المبايعة بعد فتح مكة (1864) .

2) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير باب : فتح مكة (1780) ، وأبو داود، كتاب: الخراج والإمارة، باب ما جاء في خبر مكة (3021) .

قال محمد بن عمر الواقديّ في كتاب «المَغَازي» :كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قد مادن قريشاً في عام الحُدَيبَية عشر سنين، وجعل خزاعة داخلةً معه، وجعلت قريشٌٍ بني بكر بن عبد مناة من كنانة داخلة معهم، وكان بين بني بكر وبين خُزاعة تِراتٌ في الجاهليّة ودماء، وقد كانت خُزاعةُ من قبلُ حالفت عبدَ المطّلب بن هاشم، وكان معها كتابٌ منه، وكان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يَعرِف ذلك ، فلمّا تَمّ صُلح الحديبية وأمن الناسُ، سَمِع غلامٌ من خُزاعة إنساناً من بني كنانة يقال له : أَنَس بن زُنيم الدّولي يُنشِد هجاء له في رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فضربه فشَجّه، فخرج أنس إلى قومه فأراهم شجّته فثار بينهم الشرّ، وتذاكروا أحقادهم القديمة، والقوم مجاورون بمكّة، فاستنجدت بكر بن عبد مناة قُرَيشاً على خُزاعة، فمن قريش مَنْ كره ذلك، وقال : لا أنقُض عهدَ محمد، ومنهم من خف إليه. وكان أبو سُفيان أحدَ من كَرِه ذلك، وكان صَفوان بن أمية وحُوَيْطب بن عبد العُزَّى ومُكْرَز بن حَفْص ممّن أعان بني بكر، ودَسّوا إليهم الرجالَ بالسلاح سرَّا، وبيتوا خُزاعة ليلاً، فأوقعوا بهم فقتلوا منهم عشرين رجلاً ، فلما أصبحوا عاتبوا قريشاً، فجحدث قريشٌ أنَّها أعانت بكراً، وكذبت في ذلك، وتبرأ أبو سُفْيانَ وقوم من قريش مما جَرَى، وشخص قومٌ من خُزاعة إلى المدينة مستصرخين برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فدَخَلوا عليه وهو في المسجد، فقام عمرو بن سالم الخُزاعيّ فأنشده :لاهُمَّ إنّي ناشد محمّدا*** حِلفَ أبينا وأبيه الأتلدا (1)لكنتَ والداً وكنّا وَلَدا ***ثمتَ أسلَمنا ولم ننزع يداإنَّ قريشاً أخلفوك المَوْعِدًا ***ونقضوا ميثاقك المؤكَّداهم بیتونا بالوتير هُجَّدا ***نتلو القُرآنَ رُكَّعاً وسُجداوَزَعموا أن لستَ تَدْعُو أحدًا ***وهم أذَل وأقلّ عددًافانصُرْ صُرْ هَداك الله نصراً أبدا وادْعُ عباد الله ياتُوا مَدَدافي فيلق كالبَحْر يجري مُزيدا فيهم رسول الله قد تجرّداقرمٌ لقوَم من قُروم أصيَدَاثم ذَكَروا له ما أثار الشرِّ، وقالوا له : إن أنَس بنَ زُنّيم هجاك، وإنّ صَفوان بن أميّة وفلاناً وفلاناً دَسُّوا إلينا رجالَ قريش مُستنصرين، فبيَّتونا بمنزلنا بالوتير فقتلونا، وجئناك مستصرخين بك، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام مُغضَباً يجرُّ رداءه ويقول: «لا نُصِرْتُ إن لم انصُرْ خُزاعةَ فيما أنصُرُ منه نه نفسي ! »(2.)


1) تلد : قَدُمَ والثَّالِدُ : القديم . المعجم الوسيط مادة (تلد).

2) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (134/2).

قلتُ : فصادَفَ ذلك من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إيثاراً وحُباً لنقض العهد، لأنه كان يريد أن يفتح مكّة وهمّ بها في عام الحُدَيْبية فصُدّ، ثمّ همّ بها في عُمرة القضيّة، ثم وقف لأجل العهد والميثاق الذي كان عَقَده معهم، فلمّا جَرَى ما جَرَى على خُزاعة اعْتَنَمَها .قال الواقديّ : فكتب إلى جميع الناس في أقطار الحجاز وغيرها يأمرُهم أن يكونوا بالمدينة في رمضان من سنة ثمانٍ للهجرة، فوافته الوُفُود والقبائل من كلّ جهة، فخرج من المدينة بالناس يوم الأربعاء لعشر خَلُون من رمضانَ في عشرة آلاف، فكان المهاجرُون سبعمائة، ومعهم من الخيل ثلاثمائة فرس، وكانت الأنصار أربعة آلاف معهم من الخيل خمسمائة، وكانت مُزيَنةُ ألفاً، فيها من الخيل مائة فرس وكانت أسلم أربعمائة، فيها من الخيل ثلاثون فرساً، وكانت جهينة ثمانمائة معها خمسون فرساً، ومن سائر الناس تمامُ عشرة آلاف، وهم بنو ضَمْرة وبنو غفار وأشجَع وبنو سُليم وبنو كَعب بن عمرو وغيرهم. وعَقَد للمهاجرين، ثلاثة ألوية : لواء مع عليّ، ولواء مع الزبير، ولواء مع سعد بن أبي وقّاص، وكانت الرّاياتُ في الأنصار وغيرهم، وكتم عن الناس الخبر فلم يعلم به إلا خواصّه، وأمّا قريش بمكّة فنَدِمتُ على ما صنعت بخُزاعة، وعرَفَت أنّ ذلك انقضاءُ ما بينهم وبين النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم من العهد، ومَشَى الحارثُ بنُ هشام وعبدُ الله بن أبي ربيعة إلى أبي سُفيان فقالا له: إنّ هذا أمرٌ لا بدّ له أن يُصلح، والله إن لم يُصلح لا يَرُوعكم إلاّ محمدٌ في أصحابه. وقال أبو سُفيان :قد رأت هندٌ بنتُ عُتبة رؤيا كرهَتها وأفطَعَتْها، وخفتُ من شرّها قالوا ما رأت؟ قال: رأت كان دماً أقبل من الحَجُون يَسيل حتى وقف بالخَنْدَمَة مَلِيًّا، ثمّ كان ذلك الدم لم يكن ؛ فكره القومُ ذلك وقالوا : هذا شرّ .قال الواقديّ : فلمّا رأى أبو سُفْيانَ ما رأى من الشرّ قال : هذا والله أمرٌ لم أشهده ولم أغِب عنه ، لا يُحمّل هذا إلاّ عليّ، ولا والله ما شُوورت ولا هوّنت حيث بلغني، والله ليَغزُونا محمدٌ إنْ صَدَق ظني وهو صادق، ومالي بُدّ أن آتيَ محمّداً فأكلمه أن يزيد في الهُدنة، ويجدّد العهد قبل أن يَبلغُه هذا الأمر. قالت قريش : قد والله أصبتَ ؛ وندمت قريشٌ على ما صنعت بخُزاعة وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا بدّ أن يغزُوَها ؛ فخرج أبو سُفْيانَ وخَرَج معه مولّى له على راحلتين، وأسرَعَ السيرَ وهو يرى أنه أوّل من خرج من مكّة إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(1.)قال الواقديّ: وقد رُوِيَ الخبر على وجه آخر وهو أنه لمّا قَدِم رَكْبُ خُزاعة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبَروه بمن قُتل منهم ، قال لهم : «بمن تهمتكم وطلبتكم»؟ قالوا : بنو بكر بن عبدِ مَناة، قال: «كلّها» ؟ قالوا : لا ، ولكن تهمتنا بنو نفاثة قَضرةٌ، ورأسهم نَوفل بن معاوية النُّفاثيّ؛ فقال: «هذا بطنٌ من بكر، فأنا باعث إلى أهل مكة فسائلهم عن هذا الأمر، ومخيّرهم


1) انظر: الطبقات الكبري لاين سعد (134/1).

في خصال». فبعثَ إليهم ضَمْرة يُخيّرهم بين إحدى خلال ثلاث: بين أن يَدُوا خُزاعةً، أو يَبرؤوا من حِلْف نُفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء فأتاهم ضَمْرة فخيّرهم بين الخلال الثلاث، فقال قُرَيظة بن عبد عمرو الأعمى: أمّا أنْ نَدِيَ قتلى خُزاعة، فإنا إنْ وَدَيْناهم لم يبق لنا سَبَد ولا لَبَد، وأمّا أن نبرأ من حلف نُفاثَة، فإنه ليس قبيلة تحجّ هذا البيت أشدّ تعظيماً له من نُفاثة، وهم حُلفاؤنا فلا نبرأ من حِلْفهم، ولكنّا نَنبذِ إليه على سواء. فعاد ضَمْرة إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بذلك ، وندمت قريشٌ أن ردّت ضَمْرة بما ردّته به(1.)قال الواقديّ : وقد رُوِي غيرُ ذلك ؛ رُوي أن قريشاً لمّا ندمت على قتل خُزاعة وقالت : محمد غازينا ، قال لهم عبدُ الله بن سعد بن أبي سَرْح - وهو يومئذ كافر مرتدّ عندهم - : إنّ عندي رأياً ؛ إن محمداً ليس يَغزوكم حتّى يُعذر إليكم ويُخيّركم في خصال كلها أهوَن عليكم من غَزْوه قالوا : ما هي؟ قال : يرسل إليكم أن تَدُوا قَتْلَى خُزاعة، أو تَبْرَرُوا من حِلْف من نقض العهد وهم بنو نُفاثَة، أو ينبذ إليكم العهد. فقال القومُ : أحرِ بما قال ابن أبي سَرْح أن يكون! فقال سُهَيل بنُ عمرو : ما خَصْلة أيسر علينا من أن نبرأ من حلف نفاثة، فقال شَيْبة بن عثمان العَبْدَرِي : حُظْتَ أخوالك خُزاعة، وغضبت لهم! قال سهيل: وأيّ قريش لم تَلِد خُزاعة ! قال شيبة : لا ، ولكن نَدِي قتلى خُزاعة فهو أهونُ علينا . فقال قريظة بن عبد عمرو : لا والله لا نَدِيهم ولا نَبَرأ عن نفاثة أبرّ العَرَب بنا، وأعمرهُم لبَيت ربّنا، ولكن نَنبذ إليهم على سواء. فقال أبو سُفيان: ما هذا بشيء، وما الرأي إلا جَحْد هذا الأمر أن تكون قريش دخلت في نَقض العهد، أو قطع مدّة، فإن قطعه قومٌ بغير هَوًى منا ولا مَشُورة فما علينا قالوا: هذا هو الرأي، لا رأي إلاّ الجحد لكلّ ما كان من ذلك؛ فقال : أنا أقسم أنَّي لم أشْهَد ولم أوامر، وأنا صادق؛ لقد كرهتُ ما صَنَعتم، وعرفتُ أن سيكون له يوم غماس قالت قريش لأبي سُفْيان: فاخرج أنتَ بذلك ؛ فخرج.قال الواقديّ: وحدثني عبد الله بن عامر الأسلميّ، عن عطاء بن أبي مروان، قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لعائشة صبيحة الليلة التي أوقعت فيها نفاثة وقُرَيش بخُزاعة بالوتير : «يا عائشة نقد حَدث الليلة في خُزاعة أمر»، فقالت عائشة: يا رسول الله ، أترى قريشاً نجترىء على نَقض العهد بينك وبينهم ! أينقضون وقد أفناهم السيف ! فقال: «العهد لأمر يريده الله بهم» ، فقالت : خيرٌ أم شرٌّ يا رسول الله؟ فقال: «خير».قال الواقديّ : وحدّثني عبدُ الحميد بن جعفر قال : حدّثني عمران بن أبي أنس، عن ابن عباس ، قال : قام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهو يَجُرْ طَرَف ردائه ويقول: «لا نُصِرتُ إن لم أنصر بني كَعب - يعني خزاعة - فيما أنصرُ منه نفسي !».


1) انظر «سنن البيهقي »(9 /120)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (311/3).

قال الواقديّ: وحدثني حرام بن هشام، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لكانكم بأبي سُفيان قد جاءكم يقول : جدَّد العهد وزة في الهدنة وهو راجع بسخطه». وقال لبني خُزاعة عمرو بن سالم وأصحابه : «ارجعوا وتفرّقوا في الأودية»، وقام فدخل على عائشة وهو مُغضَب فدعا بماء، فدخل يغتسل ؛ قالت عائشة : فأسمُعه يقول هو يُصّب الماء على رجليه: «لا تُصِرت إن لم أنْصُرْ بني كعب» !قال الواقديّ : فأمّا أبو سفيان فخرج من مكة وهو متخوّف أن يكون عمرو بن سالم وَرهُطه من خُزاعة سَبقوه إلى المدينة، وكان القوم لمّا رجعوا من المدينة وأتوا الأبواء تفرّقوا كما أوصاهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فذهبت طائفةٌ إلى الساحل تعارض الطريق، ولزم بُدَيل بن أمّ أصرَم الطريق في نفر معه ، معه، فلقيَهم أبو سُفيان، فلما رآهم أشفق أن يكونوا لقُوا محمداً صلی الله علیه وآله وسلم بل كان اليقينُ عنده، فقال للقوم : منذُ كم عهدكم بيثرب؟ قالوا : لا عهد لنا بها فعَرَف أنهم كتموه فقال : أما معكم من تمر يثرب شيء تُطعمِوناه، فإن لتمر يثرب فَضلاً على تمر تِهامة؟ قالوا : لا ، ثم أبت نفسه أن تَقَرّ ، فقال : يا بُدَيل هل جنت محمداً؟ قال: لا ولكني سرتُ في بلاد خُزاعة من هذا الساحل في قتيل كان بينهم حتى أصلحتُ بينهم. قال : يقول أبو سفيان: إنك . والله ما علمتُ - برِّ واصل . فلما راحَ بُدَيل وأصحابه جاء أبو سفيان إلى أبعار إبلهم ففتّها فإذا فيها النوى، ووجد في منزلهم نوى من تمر عجوة كأنه ألسنة العصافير، فقال : أحلف بالله لقد جاء القومُ محمداً. وأقبَل حتىَّ قَدِم المدينة، فدخل على النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم ، فقال : يا محمد إنّي كنت غائباً في صُلح الحُديبية، فاشدُد العهدَ وزدنا في المدّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ولذلك قدمتَ یا ابا سُفْيان!» قال: نعم، قال: «فهل كان قبلكم حَدَث؟» فقال: مَعاذ الله ! فقال رسول الله صلی االله علیه وآله وسلم :«فنحن على موثقنا وصُلحنا يومَ الحُدَيْبية لا نغير ولا نبدّل». فقام مِن عندِه فدخل على ابنته أمّ حبيبة، فلما ذهب ليجلسَ على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طَوَتْه دونَه ، فقال : أرغبتِ بهذا الفراش عنّي أم رغبتِ بي عنه ؟ فقالت : بل هو فراشُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وأنت امرؤّ نَجسٌ مُشرِك. قال: يا بنيّة، لقد أصابك بعدِي شرّ فقالت: إن الله هداني للإسلام، وأنتَ يا أبتِ سيّدُ قريش وكبيرها، كيف يَخفَى عنك فضلُ الإسلام، وتَعبُد حَجَراً لا يَسمَع ولا يُبصر! فقال : يا عجباً وهذا منك أيضاً! أترك ما كان يَعبُد آبائي وأتّبع دين محمّد! ثم قام من عندها فِلقَي أبا بكر، فكلّمه ، وقال : تُكلّم أنتَ محمّداً، وتجير أنت بين الناس. فقال أبو بكر: جوارِي جوارُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ثم لِقيَ عمر فكلّمه بمثل ما كلّم به أبا بكر، فقال عمر : والله لو وجدتُ السّنَّئر تقاتلكم لأعنتها عليكم.قال أبو سُفيان: جُزِيت من ذِي رَحِم شرَّا! ثم دخل على عثمان بن عَفّان فقال له : إنه ليس في القوم أحدٌ أمسّ بي رَحِماً منك ، فزِدْني الهدنة وجَدد العهد، فإنّ صاحبك لا يردّ عليك أبداً ؛

والله ما رأيتُ رجلاً قط أشدّ إكراماً لصاحب من محمَّد لأصحابه، فقال عثمان: جواري جوار رسول الله صلی الله علیه وآله وسل، فجاء أبو سُفيان حتّى دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآلاه وسلم ، فكلّمها، وقال : أجيري بين الناس فقالت: إنّما أنا امرأة، قال: إنّ جوارك جائز، وقد أجارت أخُتك أبا العاص بنَ الرّبيع، فأجازَ محمّد ذلك. فقالت فاطمة : ذلك إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ؛ وابت عليه فقال : مُرِي أحدَ هذين ابنيك يُجيرُ بين الناس، قالت: إنّهما صبيّان وليس يجيرُ الصبي . فلما أبت عليه أتى عليها فقال : يا أبا حَسَن، أجِر بين الناس وكلَّم محمّداً ليزيدَ في المُدّة، فقال عليّ علیه السلام: وَيحك يا أبا سُفْيان! إن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قد عَزم الاّ يَفعَل، وليس أحدٌ يستطيع أن يكلّمه في شيء يكرَهه، قال أبو سُفيان: فما الرأي عندَك فتشير لأمري، فإنّه قد ضاق عليّ؟ فمرني بأمرٍ تَرَى أنّه نافعي قال عليّ علیه السلام : والله ما أجِد لكَ شيئاً مِثل أن تقوم فتُجيرَ بين الناس، فإنّك سيّدُ كِنانة، قال: أترى ذلك مُغنياً عنّي شيئاً ؟ قال عليّ علیه السلام: إنّي لا أظنّ ذلك والله ، ولكنّي لا أجدُ لكَ غيرَه. فقام أبو سُفْيانَ بين ظَهْرَي الناس فصاح: ألا إنّي قد أجرت بينَ الناس، ولا أظنّ محمداً يحقرني. ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمّد ما أظنّ أن تردّ جواري ! فقال علیه السلام: «أنت تقول ذلك يا أبا سفيان!» ويقال : إنّه لمّا صاح لم يأتِ النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ورَكِب راحِلَته وانطلق إلى مكَّة. ويُروى أنه أيضاً أَتَى سعد بن عُبادةَ فكلِّمه في ذلك : وقال : يا أبا ثابت قد عرفت الذي كان بيني وبينك، وإنِّي كنتُ لك في حَرَمِنا جاراً، وكنتَ لي بيثربَ مِثلَ ذلك، وأنتَ سيد هذه المَدَرَة، فأجِرْ بين الناس، وزدني في المُدّة. فقال :سعد جواري جوار رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ما يجيرُ أحدٌ على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ؛ فلمّا انطلق أبو سُفْيان إلى مكَّة، وقد كان طالت غَيبتُه عن قريش وأبطأ فاتَّهموه وقالوا : نراه قد صَبَا واتَّبع محمّداً سِرًّا ، وكَتَم إسلامَه؛ فلمّا دخل على هند ليلاً قالت : قد احتُبستَ حتّى انَّهمك قومُك، فإن كنتَ جئتهم بنجح فأنت الرجل. وقد كان دنا منها ليَغْشاها، فأخبرها الخبر وقال : لم أجد إلأَّ ما قال لي عليّ، فضربت برجلها في صدوره وقالت : قبحت من رسولِ قَوْم !قال الواقديّ: فحدّثني عبدُ الله بن عثمانَ، عن أبي سليمان، عن أبيه ،قال : لمّا أصبح أبو سُفْيان حَلَق رأسه عند الصَّنَمين: أساف ونائلة، وذَبَح لهما، وجعل يمسح بالدمّ رؤوَسهما ، ويقول : لا أفارق عبادتَكما حتى أموت على ما ماتَ عليه أبي. قال : فَعَل ذلك ليبرىء نفسه ممّا اتَّهمته قریش به .قال الواقديّ : وقالت قريش لأبي سُفيان : ما صنعتَ؟ وما وراءَك؟ وهل جئَتنا بكتاب من محمد وزيادة في المُدّة؟ فإنّا لا نأمن من أن يَعْزُونا ، فقال : والله لقد أبىَ عليَّ، ولقد كلّمت عليه أصحابَه فما قَدَرتُ على شيء منهم، ورَمَوْني بكلمةٍ منهم ،واحدة إلا أنّ عليَّا قال لمّا ضاقت بي الأمور أنت سيّد كنانة، فأجِرْ بين الناس، فناديت بالجوار، ثم دخلت على محمد فقلت :

إني قد أجرتُ بين الناس، وما أظنّ محمداً يردّ جواري، فقال محمد : أنتَ تقول ذاك يا أبا سُفيان! لم يَزد على ذلك، قالوا: ما زاد عليّ على أن يلعب بك تلعباً ؛ قال: فوالله ما وجدتُ غير ذلك .قال الواقديّ : فحدّثني محمد بن عبد الله ، عن الزّهري، عن محمد بن جُبَير بن مُطعِم قال : لمّا خرج أبو سُفيان عن المدينة قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لعائشة : «جَهَزّينا وأخفِي أمرَك». وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «اللهمّ خُذْ من قريش الأخبار والعيون حتى نأتَيهم بَغتةً» ؛ ورُوي أنه قال: «اللّهمّ خُذْ على أبصارهم فلا يَرَوْني إلاّ بغتة ولا يَسمعَون بي إلا فجأة». قال : وأخذ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الأنقَاَبَ وجعل عليها الرجالَ، ومَنعَ مَنْ يخرج من المدينة، فدخل أبو بكر على عائشةَ وهي تجهزِّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، تَعمَل له قَمْحاً سويقاً ودقيقاً، فقال لها : أهَمَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغَزو؟ قالت : لا أدري ؛ قال : إن كان هَمّ بسَفَرٍ فآذنينا نتهيأ له ؛ قالت: لا أدري لعلّه أراد بني سُلَيم، لعله أراد ثَقِيفاً أو هَوازِنَ فاستعْجَمت عليه، فدَخَل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله أردتَ سَفَراً؟ قال: نعم، قال: أفأ تجهز؟ قال: نعم، قال : وأين تريد؟ قال: قريشاً ، وأَخْفِ ذلك يا أبا بكر، وأمَر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الناسَ فتجهّزوا ، وطَوَی عنهم الوجةَ الّذي يريد، وقال له أبو بكر : يا رسول الله ، أو ليس بيننا وبينهم مدّة؟ فقال : إنّهم غَدَروا ونَقَضوا العهد، فأنا غازيهم، فاطو ما ذكرتُ لك، فكان الناسُ بين ظانَّ يظُنّ أنّه يريد سُليماً، وظانٌ يَظُنّ أنه يريد هَوازِنَ ، وظانَّ يظن أنه يريد ثَقِيفاً، وظانٌ يَظُنّ أنه يريد الشام، وبعَثَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا قَتادَة بن ربعيّ في نفرٍ إلى بطن ليظنّ الناس أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قَدَم أمامه أولئك الرجال لتوجّهه إلى تلك الجهة، ولتذهب بذلك الأخبار (1.)قال الواقديّ: حدّثني المنذر بنُ سعد عن يزيدَ بن رُومان قال: لمّا أجمعَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم المسيرَ إلى قريش، وعلم بذلك من عَلِم من الناس، كتب حاطبُ بن أبي بَلْتَعَة إلى قريش يُخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في أمرهم، وأعطى الكتابَ امرأة من مُزَينة، وجعل لها على ذلك جُعْلاً على أن تُبلّغه قريشاً، فجعلت الكتابَ في رأسها، ثم فَتَلَتْ عليه قُرونها وخرجت ،به، وأتى الخبرُ إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم من السّماء بما صَنَع حاطب، فبَعَثَ عليَّا علیه السلام والزّبيرَ فقال :« أدركا امرأةً من مُزينة قد كَتَبَ معها حاطبٌ كتاباً يُحذر قريشاً ، فخَرَجا وأدركاها بذي الحليفة»، فاستنزلاها والتَمَسَا الكتاب في رَحْلها فلم يجدا شيئاً، فقالا لها: تحلف بالله ما كَذَب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولا كذَبنا ولتُخرِجنّ الكتاب أو لنَكْشِفَنَّكِ . فلمّا رأت منهما الجِدّ حلّت قُرونها واستخرجَتِ الكتابَ فدفعته إليهما ، فأقبلا به إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم


1) انظر هذه الروايات كلها في طبقات ابن سعد» (134/1 ) .

فدعا حاطباً وقال له : «ما حَمَلَك على هذا» ؟ فقال : يا رسول الله والله إنّي تَمُسلم مؤمنٌ بالله ورسوله ما غيّرتُ ولا بدّلتُ، ولكني كنتُ امراً ليس لي في القوم أصل ولا عَشيرة، وكان لي بين أظهُرهم أهلٌ ووَلَد، فصائعتهم. فقال عمر : قاتلك الله! ترى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يأخُذ بالأنقاب وتكتب إلى قريش تحذرهما دَعْني يا رسولَ الله أضرب عُنقُه، فإنَّه قد نافَق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطّلع على أهل بَدْر» فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (1!)قال الواقديّ: فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بالألوية المعقودة والرّايات بعدَ العصر من يوم الأربعاء لعشر خلوّنَ من شهر رمضان لم يحلّ عقده حتّى انتهى إلى الصَّلصل، والمسلمون يَقودون الخيلَ، وقد امتَطوا الإبل، وقدّم أمامَه الزبير بن العوّام في مائتين ؛ قال : فلمّا كان بالبيداء نظر إلى عَنانِ السّماء، فقال: إنّي لأرَى السحابَ تستهِلّ بنصر بني كعب - يعني خزاعة.قال الواقديّ: وجاء كعبُ بنُ مالك لِیَعَلم أيّ جهةٍ يقصد؟ فبَرَك بين يديه على ركبتيه، ثم أنشده:قضينا من تِهامَةِ كلّ نَحْب**** وخيبر ثم أحميْنَا السُّيوفاثَمّ فسائلها ولو نطقت لقالت*** قواضِبُهِنَّ دَرْساً أو ثقيفافلستُ بحاضر إن لم تَرَوْها*** بساحة داركم منها ألوفافننتزع الخيام ببطنِ وَجٌ ***ونَشْرُك دُوركم منها خُلُوقا (2)قال: فتبسّم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ولم يزد على ذلك، فجعل الناسُ يقولون : والله ما بَيْنَ لكَ : رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم شيئاً ، فلم تزل الناس كذلك حتى نزلوا بمَرّ الظَّهران.قال الواقديّ : وخرج العبّاس بنُ عبد المطَّلب ومَخرَمة بنُ نَوفل من مَكَّة يَطلبُان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ظَنَّا منهما أنه بالمدينة يريدان الإسلام، فلقياه بالسُّقيا.قال الواقديّ: فلمّا كانت الليلة الّتي أصبَحَ فيها بالجُحفة رَأى فيها أبو بكر في مَنامِه أنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وأصحابَه قد دنَوْا من مكة فخرجت عليهم كَلْبة تَهِرٌ فلما دَنوا منها استلْقَتْ على قَفاها، وإذا أطباؤها تَشخُب لبناً. فقَصَّها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال: «ذهب كَلَبهم، وأقبَلَ دَرُّهم وهم سائلونا بأرحامهم، وأنتم لاقون بعضَهم، فإن لقيتم أبا سُفْيانَ فلا تقتلوه ».


1) أخرجه البخاري كتاب الجهاد والسير باب الجاسوس (3007)، ومسلم کتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر (2494).

2) الوجُ : ضرب من الأودية. لسان العرب مادة (وجج).

قال الواقدي: وإلى أن وَصَل مَرَّ الظهران لم يَبلُغ قريشاً حرفٌ واحد من حاله، فلمّا نزل بمَرّ الظَّهران أمر أصحابه أن يُوقِدوا النار، فأوقدوا عشرة آلاف ،نار، وأجمعت قريشٌ أن يَبعثُوا أبا سُفيان يتجسّس لهم الأخبار، فخرج هو وحكيمُ بنُ حزام وبُدَيل بنُ وَرْقاء . قال : وقد كان العبّاس بن عبد المطلّب قال: واسوء صَباح قُرَيش ! والله إنْ دَخَلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عَنْوَةً إِنَّه لهلاك قريش آخر الدهر ؛ قال العباس : فأخذتُ بغلة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الشَّهباء فركبتها، وقلتُ : ألتمس حطّاباً أو إنساناً أبعثه إلى قريش فيَلقَوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلَ أن يدخُلها عليهم عَنوةً ؛ فوالله إنّي لفي الأراك لَيْلاً أبتغي ذلك إذ سمعتُ كلاماً يقول : والله إن رأيتُ كاللِّيلة ناراً، قال: يقول بُديل بنُ وَرْقاء : إنّها نيرانُ خُزاعة جاشها الحرب . قال : يقول أبو سفيان: خُزاعة أذَلّ من أن تكون هذه نيرانُها وعسكرُها ؛ فعرفتُ صوته، فقلتُ: أبا حنظلة! فعرف صوتي، فقال: لبيّك أبا الفَضْل! فقلتُ : ويُحك! هذا رسول الله في عشرة آلاف، وهو مصبّحیكم؛ فقال : بأبيّ وأمّي، فهل من حيلة! فقلت : نَعَم، تركَب عَجُز هذه البغلة، فأذهب بك إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فإنّه إن ظفر بك دون ذلك ليقتلّنك ؛ قال : والله أنا أرى ذلك، فركب خَلْفي، ورَحَل بُدَيل وحكيم فتوجّهت به فلمّا مررتُ به على نار من نيران المسلمين قالوا : من هذا؟ فإذا رأوني قالوا : عمُّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على بغلة رسول الله حتّى مررتُ بنار عمرَ بن الخطّاب، فلما رآني هذا ؟ قلت: العبّاس، فذهب يَنظُر فرأى أبا سُفْيان خَلفي، فقال: أبو سفيان عدوّ الله ! الحمدُ لله الذي أمكن منك بغير عَهْد ولا عَقْد! ثم خرج يشتدّ نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ورَكَضتِ البغلة حتى اجتمعنا جميعاً على باب قُبّة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فدخلتُ ودخلَ عمُر بنُ الخطّاب على أثري، فقال عمر: يا رسول الله ، هذا أبو سُفيان عدوّ الله قد أمكَن الله منه بغير عَقْد ولا عَهْد، فدعني أضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله، إنّي قد أجرته، ثم لزمتُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فقلتُ : والله لا يُناجيه الليلة! أحدٌ دوني، فلمّا أكثر عمرُ فيه قلت: مهلاً يا عمر! فإنَّه لو كان رجلاً من عديّ بن كعب ما قلت هذا، ولكنّه أحدٌ بني عبد مناف . فقال عمر: مَهْلاً يا أبا الفضل، فوالله لإسلامُك كان أحبّ إليّ من إسلام الخطّاب - أو قال: من إسلام رجل من وَلَد الخطَّاب - لو أسلم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «اذهب به فقد أجزناه؛ فليبتْ عندك حتى تغدو به علينا إذا أصبحتَ». فلما أصبحتُ غدوتُ ،به فلما رآه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال : «وَيحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله !» قال: بأبي أنتَ ما أحلمَك وأكرمك وأعظم عفوك! قد كان يقع في نفسي أن لو كان مَعَ الله إله آخر لأغنى ؛ قال : «يا أبا سفيان ألم يأن لكَ أن تعلم أني رسول الله!» قال :بأبي أنتَ ما أحلمَك وأكرمَك وأعظم عفوّك ! أمّا هذه فوالله إنّ في النّفس منها لشيئاً ،بعد قال العبّاس : فقلتُ ویحک! تشهّد وقل لا إله إلا الله محمد رسول اللهقبل أن تُقتَل . فتشهد

وقال العبّاس: يا رسوَل الله ، إنَّك قد عرفت أبا سفيان وفيه الشرف والفَخر، فاجعل له شيئاً ، فقال : مَنْ دخل دارَ أبي سُفْيان فهو آمن ومن أغلق داره فهو آمن، ثم قال: خذه فاحبسه بمَضِيق الوادي إلى خَطم الجبل حتى تمرَّ عليه جُنُود الله فيراها. قال العباس : فعدلتُ به في بمَضِيق الوادي إلى خَطم الجبل فحبستُه هناك، فقال: أغدراً يا بني هاشم! فقلتُ له : إنّ أهل النبوّة لا يَغدرون، وإنّما حبستُك لحاجةٍ ؛ قال: فهلاً بدأت بها أوّلاً فاعْلَمْتَنيها، فكان أفرخَ الرُوعي ! ثم مرّت به القبائل على قادَتِها، والكتائبُ على راياتها فكان أوّل من مَرّ به خالدُ بن الوليد في بني سُلَيم، وهم ألف، ولهم لواءان يَحمِل أحدَهما العبّاسُ بنُ مرداس والآخر خُفاف بن نُذبة ورايةَ يَحمِلها المقداد، فقال أبو سُفيان: يا أبا الفضل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء بنو سُلَيم، وعليهم خالُد بنُ الوليد قال الغلام؟ قال: نعم، فلمَّا حاذى خالد العباسَ وأبا سُفيان كبر ثلاثاً وكبّروا معه، ثمّ مضوا . ومرّ على أثره الزبير بنُ العوّام في خمسمائة، فيهم جماعةٌ من المهاجرين وقومٌ من أفناء الناس، ومعه رايةٌ سوداء، فلما حاذاهما كبّر ثلاثاً وكبّر أصحابُه فقال : هذا؟ قال: هذا الزبير، قال: ابن أختك! قال: نعم، قال: ثمّ مرّت به بنو غِفار في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبو ذرّ - ويقال : إيماء بن رحضة - فلمّا حاذوهما كبّروا ثلاثاً .من&.قال :يا أبا الفضل : مَنْ هؤلاء؟ قال : بنو غفار ؛ قال : ما لي ولبني غِفار! ثمّ مَرت به أسلم في أربعمائة يحمل لواءها يزيدُ بن الخصيب، ولواء آخر مع ناجية بن الأعجم، فلمّا حاذوه کبّروا ثلاثاً فقال : هؤلاء أسلَم، فقال: مالي ولأسلم !ما كان بيننا وبينهم يرة قطّ ، ثم مرّت بنو كعب بن عمرو بن خُزاعةَ في خمسمائة يَحمل رايتَهم بشرُ بنُ سُفْيان، فقال: من هؤلاء؟ قال: كعب بن عمرو قال : نعم حلفاء محمدّ، فلمّا حاذوه كبّروا ثلاثاً . ثمّ مرت مُزَينة في ألف فيها ثلاثُة ألويِة مع النّعمان بن مقرِّن وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو، فلمّا حاذوهما كبروا .قال : من هؤلاء؟ قال: مُزينة قال يا أبا الفَضل مالي ولمُزَينة، قد جاءتني تُقعقع من شواهقها . ثمّ مرّت جُهَينة في ثمانمائة، فيها أربعة ألوية مع معبد بن خالد، وسوَيد بن صخر، ورافع بن مُكيث، وعبد الله بن بدر، فلمّا حاذوه كبروا ثلاثاً فسأل عنهم، فقيل : جُهَينة. ثمّ مرّت بنو كنانة وبنو ليث وضَمرة وسعد بنُ أبي بكر في مائتين، يحمل لواءهم أبو واقد اللُّيثي، فلمّا حاذوه كبروا ثلاثاً .قال : من هؤلاء؟ قال : بنو بكر . قال : نعم أهلُ شؤم هؤلاء الذين غَزَانا محمّد لأجلهم ! أما والله ما شُوورت فيهم، ولا علمته، ولقد كنت له كارهاً حيث بلغني، ولكنَّه أمرٌ حُمّ، قال العباس : لقد خارَ الله لك في غزو محمّد إيّاكم، ودخلتم في الإسلام كافَّة، ثمّ مرّت أشجعُ - وهم آخرُ من مرّ به قبل أن تأتي كتيبة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، ثلاثة يحمل لواءهم معقل بن

سِنان، ولواء آخر مع نعيم بن مَسعود فكبّروا - قال : من هؤلاء؟ قال: أشجَع ،فقال : هؤلاء كانوا أشدَّ العرب على محمّد قال العبّاس : نعم ؛ ولكنّ الله أدخل الإسلام قلوبَهم؛ وذلك من فضل الله. فسكت وقال : أما مرّ محمد بعدُ؟ قال : لا ، ولو رأيت الكتيبةَ التي هو فيها لرأيت الحديد والخيل والرّجال، وما ليس لأحدٍ به طاقة، فلمّا طلعت كتيبةُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الخضراء طَلَع سوادٌ شديد وغُيرة من سنابك الخيل، وجعل الناسُ يمرون كلّ ذلك يقول : أما مرّ محمد بعدُ؟ فيقول العباس : لا ، حتى مرّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يسيرُ على ناقته القُضوى بين أبي بكر وأُسَيْد بن حُضَير، وهو يحدثهما ، وقال له العبّاس : هذا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في كتيبته الخَضراء، فانظر، قال: وكان في تلك الكتيبة وجوه المهاجرين والأنصار، وفيها الأولية والرّايات، وكلّهم مُنغمسون في الحديد لا يُرَى منهم إلاَّ الحَدق، ولعمر بن الخطَّاب فيها زَجَل وعليه الحديد، وصوتُه عال، وهو يزعُها ، فقال : يا أبا الفضل من هذا المتكلِّم! قال : هذا عمرُ بن الخطاب؛ قال : لقد أمر أمرُ بني عَدِيّ بعد قلَّة وذِلّة! فقال: إنّ الله يرفع من يشاء بما يشاء، وإنّ عمرَ ممّن رفعه الإسلام، وكان في الكتيبة ألفا دارع وراية رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مع سعد بن عبادة، وهو أمام الكتيبة، فلمّا حاذاهما سعد نادَى : يا أبا سفيان :اليومَ يوم الملحمة*** اليومَ تُسْبَي الحُرُمَةاليومَ أذل الله قريشاً، فلمّا حاذاهما رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ناداه أبو سفيان: يا رسولَ الله، أمرت بقتل قومك؟ إن سعداً قال:اليومُ يوم الملحمة*** اليومَ تُسْبَي الحُرُمَةاليوم أذل الله قريشاً، وإني أنشُدك الله في قومك فأنتَ أبرُّ الناس، وأرحَم الناس، وأوصل الناس.فقال عثمانُ بن عفان وعبدُ الرحمن بنُ عوف: يا رسول الله إنّا لا نأمنُ سعداً أن يكون له في قريش صولة، فوقف رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وناداه : «يا أبا سفيان، بل اليومَ يومَ المرحمة»(1اليومَ أعز الله قريشاً، وأرسل إلى سعد فعزَلَه عن اللّواء. واختُلِف فيمن دَفَع إليه اللّواءَ فقيل : دَفَعه إلى علي بن أبي طالب علیه السلام، فذهب به حتى دخل مكة، فغرَزَه عند الرّكن - وهو قول ضرار بن الخطاب الفهري - وقيل : دَفعه إلى قيس بن سُعد بن عُبادة - ورأى رسول الله صلی الل علیه وآله وسلم أنّه لم يُخرجه عن سعد حيث دفعه إلى ولده فذهب به حتّى غَرزَه بالحَجون ؛ قال : وقال أبو سفيان للعبّاس : ما رأيت مثل هذه الكتيبة قطّ، ولا أخبرنيه ،مخبر سبحان الله ! ما لأحد بهؤلاء طاقة ولا يدان! لقد أصبح ملك ابن أخيك يا عباس عظيماً، قال: فقلت : ويحك ! إنَّه ليس بِمُلْك، وإنَّها النُبَّوَة ؛ قال : نعم .)


1) انظر هذه الروايات في فتح الباري (4030) .

قال الواقديّ: قال العبّاس : فقلت له انج وَيحك، فأدرك قومَك قبل أن يدخل عليهم ؛ فخرج أبو سُفيانَ حتّى دخل من كَداءَ وهو يُنادِي : مَن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلَق عليه بابَه فهو آمن، حتّى انتهى إلى هند بنت عُتبة، فقالت : ما وراءك؟ قال : هذا محمّد في عَشرة آلاف، عليهم الحديد، وقد جَعَل لي أنَّه من دَخَل داري فهو آمِن، ومن أغلق عليه بابَه فهو آمن، ومَن أَلقَى سلاحه فهو آمن، فقالت: قبّحك الله من رسول قوم !وجَعلت تقول : وَيْحَكم ! اقتلوا وافدَكم قَبحه الله مَن وافد قوم! فيقول أبو سُفيان: وَيحكم ! لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنّي رأيتُ ما لم تَرَوْا: الرجال، والكُراع والسِّلاح، ليس لأحد بهذا طاقة، محمّد في عشرة آلاف، فأسلموا تسلموا .وقال المبرد في «الكامل»(1: أمسكت هند برأس أبي سُفيان وقالت : بئس طليعةُ القوم! والله ما خدشت خدشاً، يا أهل مكة عليكم الحميت الدّسم فاقتلوه . قال : الحَمِيت: الزق المزفَّت .)قال الواقديّ: وخرج أهلُ مكّة إلى ذي طُوًى ينظرون إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وانضَوَى إلى صَفوان بن أميّة وعِكرمة بن أبي جهل وسُهَيل بن عمرو ناسٌ من أهل مكّة ومن بني بكر وهُذَيل، فلَيِسوا السلاحَ، وأقسموا لا يدخل محمّد عَنْوةً أبداً. وكان رجلٌ من بني الدّول يقال له : حماس بنُ قيس بن خالد الدولي لمّا سَمِع برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم جَلَس يُصلح سلاحه، فقالت له امرأته : لم تُعِدّ السّلاح ؟ قال : لمحمّد وأصحابه، وإني لأرجو أن أُخدِمَك منهم خادماً، فإنّك إليه محتاجة، قالت: وَيحك لا تَفعل! لا تُقاتل محمّداً والله ليضلّن هذا عنك لو رأيت محمّداً وأصحابه ؛ قال سَترَين، وأقبل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهو على ناقته القصواء معتجراً ببرد حِبرَة، وعليه عمامةٌ سوداء، ورايتُه سوداء، ولواؤه أسود، حتّى وقف بذي طُوًى وتوسّط الناسَ، وإن عُثنونه (2ليمسّ واسطة الرّحل، أو يَقرُب منه تواضُعاً الله حيث رأى ما رأي من الفَتح وكثرة المسلمين وقال:« لا عيش إلا عيشُ الآخرة ».)وجعلت الخيلُ تعجّ بذي مُلوّى في كل وجه، ثم ثابت وسكنت، والتَفت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلى أسَيد بن حُضَير، فقال: كيف قال حسّان بنُ ثابت؟ قال : فأَنْشَده :عَدِمْنا خَيْلَنا إِنْ لم تَرَوْها تُثير النَّقْعِ مَوعِدُها كَدَاءُتَظَلَّ جيادنا متمطراتٍ تُلَعَمُهنَّ بالخُمُرِ النّساءُ


1) «الكامل في اللغة» لأبي العباس محمد بن يزيد المعروف بابن المبرد النحوي، المتوفى سنة( 285ه-) . كشف الظنون» (1382/2).

2) العُثْنُون: اللحية، أو ما فضل منها بعد العارضين القاموس المحيط مادة (عثن).

فتبسّم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وحَمِد الله ، وأمرَ الزبيرَ بن العوام أن يدخُل من كَدَاءَ، وأمر خالدَ بنَ الوليد أن يدخُل من اللِّيط، وأمَر قيَس بنَ سعد أن يَدخُل من كُدَّى، ودخل هو صلی الله علیه وآله وسلم من أذا خر (1.)قال الواقديّ : وحدّثني مروان بنُ محمّد، عن عيسى بن عميلة الفزاريّ، قال: دخل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مكّة بين الأقرع بن حابس وعُيِّينة بن حصن .قال الواقديّ : ورَوَى عيسى بنُ معمَر، عن عَبَّاد بن عبد الله ، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، قالت: صعد أبو قُحافة بصغرى بناتِه واسمها قريبة، وهو يومئذٍ أعمى، وهي تَقَودُه حتى ظهرت به إلى أبي قُبيس، فلمّا أشرفَتْ به قال: يا بنُيَة، ماذا تَرَيْن؟ قالت : أرَى سواداً مجتمعاً مقبلاً كثيراً ! قال : يا بُنَيّة، تلك الخيل، فانظري ماذا تَرَيْن؟ قالت : أرى رجلاً يَسعى بين ذلك السواد مُقبلاً ومدبراً ، قال : ذاك الوازع، فانظري ماذا تَرَيْن؟ قالت : قد تفرّق السواد، قال : قد تفرّق الجَيْش، البيتَ البيتَ ؛ قالت : فنزلت الجارية به وهي تُرعب لما ترى ،فقال : يا بُنيّة، لا تخافي، فوالله إن أخاك عتيقاً لآثر أصحاب محمد عند محمّد ؛ قالت : وعليها طوق من فضّة، فاختَلَسَه بعضُ من دخل، فلمّا دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكّة جعل أبو بكر يُنادِي : أنشدكم الله أيها الناس طَوْقَ أُختي؛ فلم يردّ أحد عليه ، فقال : يا أَخَيّة احتسبي طَوْقَك، فإنّ الأمانة في الناس قليل .قال الواقديّ : ونَهَى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عن الحرب، وأمرَ بقتل ستّة رجال وأربع نسوة : عِكرمة بن أبي جهل، وهبّار بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرح، ومقيَس بن صُبابة الليثي، والحويرث بن نفيل وعبد الله بن هلال بن خَطَل الأدرميّ، وهند بنت عُتبة، وسارة مولاةٌ لبني هاشم ، وقَيْنتين لا بن خَطَل : قريباً وقريبة، ويقال : قريناً وأرنب.قال الواقديّ: ودخلت الجنودُ كلُّها، فلم تلقَ حَرْباً إلا خالد بن الوليد فإنّه وجد جَمْعاً من قريش وأحابيشها قد جمعوا له فيهم صفوان بن أميّة وعكرمة بن أبيَ جهل، وسهيل بن ،عمرو، فمنعوه الدّخول، وشَهرَوا السلاح، ورمَوه بالنبل، وقالوا : لا تدخلها عنوةً أبداً؛ فصاح خالد في أصحابه، وقاتَلَهم، فقُتِل من قريش أربعةٌ وعشرون ومن هذيل أربعةٌ، وانهزموا أقبحَ انهزام حتّى قُتِلوا بالحزورة، وهم مُوَلّون من كلّ وجه، وانطلقت طائفةٌ منهم فوق رؤوس الجبال، واتبعهم المسلمون، وجعل أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام يناديان: يا معشرَ ،قریش عَلاَم تقتُلون أنفسَكم؟ من دخل دارَه فهو آمن، ومَن أغلَق عليه بابه فهو آمن، ومن وضع السّلاحَ فهو آمن فجعل الناسُ يقتحِمون الدّور ويُغلقون عليهم الأبواب، ويَطرَحون السلاح في الطرقّ حتى بأخذه المسلمون .


1) انظر هذه الروايات في تاريخ الطبري (159/2 ) .

قال الواقديّ: واشرَف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من على ثَنيّة اذاخر ، فنظر إلى البارقَة، فقال: ما هذه البارقة؟ ألم أنه عن القتال؟ قيل : يا رسولَ الله خالدُ بن الوليد قُوتِل، ولو لم يُقاتَل ما قائَلَ؛ فقال : قضاء الله خير وأقبل ابن خطل مدجّجاً في الحديد على فرس ذَنوب بيدَه قَناة يقول: لا والله لا يدْخُلها عَنْوة حتى يرى ضَرْباً كأفواه المزاد، فلمَّا انتهى إلى الخَنْدَمة ورأى القتال دخَله رُعب حتى ما يَستمسِك من الرّعدة، ومرّ هارباً حتى انتهى إلى الكعبة، فدخل بين أستارها بعد أن طرح سلاحَه وترك فرسَه، وأقبَل حماس بن خالد الدوليّ منهزماً حتى أتى فدَقه ، ففتحت له امرأته فدخل وقد ذهبتْ رُوحه، فقالت : أين الخادم الّتي وعدتني؟ ما زلتُ مُنتظِرتك منذُ اليوم، تَسخر به، فقال : دعي هذا وأغلقي الباب، فإنّه من أغلق بابَه فهو آمن، قالت : ويُحك! ألم أنهك عن قتال محمد! وقلت لك : إنّي ما رأيتُه يقاتلُكم مرّة إلا وظَهَر عليكم، وما بابنُا؟ قال : إنّه لا يفتح على أحد بابَه، ثم أنشَدها :إنك لو شَهِدْتنا بالخندَمَة*** إذفَرٌ صَفْوانُ وفَرٌ عِكرمةوبُو يزيد كالعجوز المُؤتمهُ ***وضَربنا هُمُ بالسُّيوف المُسلمةلهم زئيرٌ خلفنا وغَمغمة ***لم تنطقي في اللوم أدنى كلمةقال الواقديّ: وحدّثني قُدامة بن موسى، عن بشير مولى المازنيّين، عن جابر بن عبد الله ، قال: كنتُ ممن لزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ، فدخلت معه يوم الفتح من أذاخر، فلما أشرف نظر إلى بيوت مكة، فحمد الله وأثنى عليه، ونظر إلى موضع قُبّة بالأبطح تُجَاه شعب بني هاشم حيث حصر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وأهله ثلاث سنين ؛ وقال: يا جابر، إنّ منزلنا اليومَ حيث تقاسمت علينا قريش في كُفْرها»؛ قال جابر: فذكرتُ كلاماً كنتُ أسمعه في المدينة قبل ذلك، كان يقول : منزلُنا غداً إن شاء الله إذا فَتَح علينا مكة في الخَيْف حيث تقاسموا على الكُفْر .قال الواقديّ : وكانت قبّته يومئذٍ بالأدَم ضُرِبِت له بالحَجون، فأقبل حتى انتهى إليها ومعه أمّ سَلَمة وميمونة .قال الواقديّ: وحدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي رافع، قال : قيل للنبيّ صلی الله علیه وآله وسلم: ألا تنزل مَنزلك من الشِّعب؟ قال : «وهل ترك لنا عقيل من منزل!» وكان عقيل قدباع منزل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ومنازل إخوته من الرجال والنساء بمكّة، فقيل لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: فانزل في بعض بيوت مكة من غير منازلك. فأبى وقال: «لا أدخُل البيوت» ؛ فلم يزل مضطرباً بالحجون لم يدخل بيتاً ، وكان يأتي إلى المسجد من الحجون، قال: وكذلك فعل في عُمرة القضية وفي حجّته .قال الواقديّ: وكانت أمّ هانىء بنتُ أبي طالب تحت هبيرة بن أبي وَهب المخزومي فلما کان یوم الفتح دخل عليها حَموان لها : عبد الله بن أبي ربيعة والحارث بن هشام المخزوميّان،

فاستجارا بها، وقالا : نحن في جِوارك ؛ فقالت : نعم أنتما في جواري. قالت أم هانيء :فهما : عندي إذ دخل عليَّ فارسٌ مدجّج في الحديد ولا أعرفه فقلت له : أنا بنت عم رسول الله ، فأسفر عن وجهه، فإذا عليٌّ أخي، فاعتنقته، ونظر إليهما فشهر السيف عليهما، فقلتُ: أخي من بين الناس تصنع بي هذا؟ فألقيتُ عليهما ثوباً، فقال: أتجيرين المشركين فحلت دونهما، وقلت: لا والله وابتدىء بي قبلهما ؛ قالت: فخرج ولم يكذ، فأغلقت عليهما بيتاً، وقلت: لا تخافا، وذهبت إلى خباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبطحاء قلم ،أجده، ووجدت فيه فاطمة، فقلت لها : ما لقيتُ من ابن أمي عليّ ! أجرت حَمَوَين لي من المشركين، فتفلّت عليهما ليقتلهما ، قالت : وكانت أشدَّ عليّ من زوجها وقالت: لِمَ تُجبرين المشركين وطَلَعَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الغُبار، فقال: «مرحباً بفاخِتة» (1- وهو اسمُ أم هانىء - فقلت : ماذا لقيت من ابن أمي عليّ ما كدتُ أفلت منه! أجرت حَمَوَين من المشركين فتفلّت عليهما ليقتلهما، فقال: ما كان ذلك له، قد أَجَرْنا من أجرتِ وَأَمَّنا من آمنت ثم أمر فاطمةَ فَسَكَبت له غُسْلاً فاغتسل، ثم صلى ثماني رَكعات في ثوب واحد ملتحفاً به وقت الضّبُحى ؛ قالت: فرجعتُ إليهما وأخبرتُهما ، وقلت إن شئتما ،فأقيما، وإن شئتما فارجعا إلى منازلكما، فأقاما عندي في منزلي يومين؛ ثم انصرفا إلى منازلهما .)وأتى آتٍ إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم فقال : إن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة جالسان في ناديهما متفضلان في المُلاء المزغفر ، فقال : لا سبيل إليهما، قد أجرناهما .قال الواقديّ: ومكث رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في قبّة ساعةً من النهار، ثمّ دعا براحلته بعد أن اغتسل ،وصلى فأدنيت إلى باب القبة، وخرج وعليه السلاح والمغفر على رأسه، وقد صُف له الناس، فركبها والخيلُ تمعَج ما بين الخندمة إلى الحجون، ثم مرَّ وأبو بكر إلى جانبه على راحلة أخرى يسير ويُحادثه، وإذا بناتُ أبي أحَيحة سعيد بن العاص بالبطحاء حذاء منزل أبي أحيحة، وقد نَشَرن شعورهنّ، فلطمن وجوه الخيل بالخمُر، فنظر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلى أبي بكر، فتبسم وأنشده قولَ حسّان:تظَلّ جيادنا متمَطَّراتِ*** تُلطمهنَّ بالخُمُرِ النّساءفلما انتهى إلى الكعبة تقدّم على راحلته، فاستلم الركن بمحجنه وكبّر فكبّر المسلمون لتكبيره، وعجّوا بالتكبير حتى ارتجّت مكة، وجعل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يشير إليهم أن اسكتوا، والمشركون فوق الجبال ينظرون، ثم طاف بالبيت على راحلته، ومحمد بن مسلمة آخِذٌ بزمامها، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً مرصوصة بالرصاص، وكان هُبَلُ أعظَمَها، وهو


1) أخرجه أحمد في مسنده (26352)، والنسائي في السنن الكبرى (8684) .

تجاه الكعبة على بابها وإساف ونائلة حيث ينحَرون ويذبحون الذبائح، فجعل كلّما يمرّ بصنم منها يشير بقضيب في يده ويقول : (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَنطِلُ إِنَّ البَطِلَ كَانَ زَهُوقًا (1)فيقع الصنم لوجهه، ثم أمر بهبل فكسر وهو واقف عليه، فقال الزبير لأبي سفيان: يا أبا سفيان، قد كُسِر هُبَل، أما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم ، فقال : دع هذا عنك يابن العوام، فقد أرى أن لو كان مع الله محمد غيره لكان غير ما كان.)قال الواقديّ: ثم انصرف رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فجلس ناحيةً من المسجد وأرسل بلالاً إلى طلحة يأتيه بالمفتاح مفتاح الكعبة، فقال عثمان : نعم، فخرج إلى أمّه وهي بنت شَيبة، فقال لها والمفتاح عندها يومئذ: إن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قد طلب المفتاح، فقالت : أعيذُك بالله أن يكون الذي يذهب مأثرة قومه على يده! فقال : فوالله لتأتينّي به أو ليأتينّك غيري فيأخذه منك، فأدخلته في حُجرتها وقالت : أيّ رجل يدخل يده ها هنا ! فبينما هما على ذلك وهو يكلمها إذ سمعت صوت أبي بكر وعمر في الدّار، وعمر رافع صوته حين رأى عثمان أبطأ : يا عثمان اخرج فقالت أمّه : خذ المفتاحَ، فلأن تأخذه أنت أحبُّ إليّ من أن يأخذه تيم وعديّ، فأخذه فأتى به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فلما تناوَلَه بَسَطَ العباس بنُ عبد المطلب يدَه وقال : يا رسول الله ، بأبي أنت! اجمع لنا بين السقاية والحجابة؛ فقال: «إنما أعطيكم ما ترضون فيه ولا أعطيكم ما ترزؤون منه»، قالوا : وكان عثمان بن طلحة قد قدم على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص مسلماً قبل الفتح.قال الواقديّ : وبعَثَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عمر بن الخطب ومعه عثمان بن ،طلحة، وأمره أن يفتح البيت فلا يدع فيه صورة ولا تمثالاً إلا صورة إبراهيم الخليل علیه السلام، فلما دخل الكعبة . رأى صورة إبراهيم شيخاً كبيراً يستقسم بالأزلام.قال الواقديُّ : وقد روي أنه أمره بمحو الصور كلها لم يستثن، فترك عمر صورة إبراهيم، فقال لعمر : الم آمُرك ألاَّ تدَع فيها صورةً! فقال عمر: كانت صورة إبراهيم، قال: فامحُها، وقال : قاتلهم الله جعلوه شيخاً يستقسم بالأزلام!:قال ومحا صورة مريم . قال : وقد رُوي أن رسول الله صلی الله علیه وآآله وسلم محا الصّور بيده، رَوَى ذلك ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن ،مهران عن عُميرَ مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد، قال: دخلتُ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكعبة، فرأى فيها صوراً، فأمرني أن آتيه في الدّلو بماء، فجعل يبلٌّ به الثوب ويضرب به الصّور ويقول: «قاتل الله قوماً يصوّرون ما لا يخلقون !» (2.)قال الواقديّ: وأمَرَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالكعبة فأغلقت عليه، ومعه فيها أسامة بن زيد،


1) سورة الإسراء، الآية : 81 .

2) أخرجه الطبراني في الكبير رقم 407 ، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه : 535/8 رقم: 12 .

وبلال بن رَباح، وعثمانُ بنُ طلحة، فمكث فيها ما شاء الله ، وخالد بنُ الوليد واقف على الباب يَذُب الناس عنه، حتى خرج رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فوَقَف وأخَذَ بعضادتي الباب، وأشرَف على الناس وفي يده المفتاح، ثم جعله في كمّه، وأهلُ مكَّة قيامٌ تحتَه، وبعضُهم جلوس قد لبطَ بهم؛ فقال: «الحمد لله الذي صَدَق وعدَه، ونصَرَ عَبْدَه ، وهَزَم الأحزاب وحدَه، ماذا تقولون؟ وماذا تَظنّون؟» قالوا : نقول خيراً، ونظن شرَّا أنّ كريم ، وابن أخٌ كريم، وقد قدرت، فقال: إنّي أقول كما قال أخي يوسف : (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ(1)الا إن كل رباً في الجاهليّة أو دم أو مأثرة فهو تحتَ قَدَمي هاتَين إلا سِدانة الكعبة وسقاية الحاجّ. ألا وفي قتيل شبه العَمْد ؛ قتيلِ العصا والسّوط الدية مغلّظة مائة ناقة، منها أربعون في بطونها أولادها . إن الله قد أذهب نخوَة الجاهليّة وتكبّرها بآبائها، كلكم لأدم وآدمُ من تُراب. وأكرَمكم عند الله أتقاكُم. ألا إن الله حَرم مكة يومَ خَلق السموات والأرض، فهي حرام بحرم الله ، لم تَحِلَّ لأحدٍ كان قبل، ولا تحلّ لأحدٍ يأتي بعدي، وما أحلت لي إلا ساعة من النّهار :قال يقصدها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بيَدِه هكذا - لا ينفّر صَيدُها ، ولا يُعضد عِضاهها، ولا تحلّ لقطتها إلا لمنشد ولا يُختلَى خلاها . فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنّه لا بد منه للقبور والبيوت، فسَكَت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ساعةً ثم قال : «إلا الإذخر، فإنه حلال، ولا وصيّة لوارث، والوَلَد للفراش، وللعاهر الحجر، ولا يحلّ لامرأةٍ أن تعطيَ مِن مالِها إلاّ بإذن زَوجها ، والمسلمُ أخو المسلم، والمسلمون إخوة، يدٌ واحدة على من سواهم، تتكانا دماؤهم، يَسعَى بذِمَّتِهم أدناهم، ويردّ عليهم أقصاهم، ولا يُقتل مسلم بكافر، ولا ذو عَهْدَ في عَهْده، ولا يَتوارث أهلُ ملّتين مختلفتين، ولا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، والبينة على من ادعى، واليمين على من انکَر، ولا تسافر امرأةٌ مسيرة ثلاث إلا مع ذي مَحرَم، ولا صلاةَ بعد العصر، ولا بعدَ الصُّبح، وأنهاكم عن صيام يومين : يوم الأضحى ويوم الفطر». ثم قال: «ادعُوا لي عثمان بن طلحة»، فجاء وقد كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال له يوماً بمكة قبل الهجرة ومع لملك عثمان المفتاح : ستری هذا المفتاح بيدي يوماً أضعه حيث شئت؛ فقال عثمان : لقد هلكت قريش، إذا وذلّت ! فقال علیه السلام: بل عمرتْ وعَزّت ؛ قال عثمان : فلمّا دعاني يومئذ والمفتاح بيَده» ذكرتُ قوله حين قال ؛ فاستقبلتُه بِبَشر، فاستقبَلَني بمثله، ثم قال: «خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم يا عثمان، إنّ الله استأمنكم على بيته، فكلوا بالمعروف» ؛ قال عثمان : فلما وَلّيت ناداني فرجعتُ، فقال: «ألم يكن الذي قلتُ لك ! يعني ما كان قاله بمكّة من قبلُ»، فقلتُ : بلى أشهد أنك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (2).


1) سورة يوسف، الآية : 92 .

2) انظر هذه الروايات في تاريخ الطبري (170/5).

قال الواقديّ : وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذٍ برفع السلاح ، وقال : إلا خُزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر فخبطوهم بالسيف ساعة، وهي الساعة التي أحلت لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.

قال الواقديّ : وقد كان نوفل بن معاوية الدُّوليّ من بني بكر استأمن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على نفسه، فأمّنه، وكانت خُزاعة تطلُبه بدماء من قتلت بكر وقريش منها بالوتير، وقد كانت خُزاعةُ قالت أيضاً لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: إن أنسَ بن زُنَيم هجاك، فهدَرَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و دَمَه، فلمّا فتح مكّة هرب والتحق بالجبال، وقد كان قبل أن يفتح رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مكّة قال شعراً يعتذر فيه إلى رسول الله صلی الله علیه وله وسلم، من جملته :

أنتَ الّذي تُهدَى معَدٌّ بأمره*** بك الله يهديها وقال لها ارْشُدي

فما حملت من ناقةٍ فوق كورِها*** ابر وأوفى ذمّة من محمّد

أحثَّ على خير وأوسَعَ ناثلاً*** إذا راح يهتز اهتزاز المهنَّد

وأكسَى لبرد الخالِ قبل ارتدائه*** وأعطى لرأس السابق المتجرِّد

تعلَّم رسول الله أَنَّك مُدرِكي ***وأن وعيداً منكَ كالأخذ باليَدِ

تعلَّم رسول الله أنّك قادرٌ*** على كل حيِّ من تهام ومُنجد

ونُبِّي رسولُ ول الله أنّي هجوتُه*** فلا رفعت سوطي إلَّي إذَن يدي

سوى أنّني قد قلت يا وَيح فتية ***أصيبوا بنَحْسٍ يوم طلق وأسعُد!

أصابهم من لم يكن لدمائهم ***كفاءٌ فعزّت عَبرتي وتلدُّدِي (1)

ذُؤيباً وكُلثوماً وسلمى تتابعو!*** جميعاً فإلا تدمع العينُ أَكَمَدِ

على أنّ سلمى ليس منهم كمثِله*** وإخوته وهل مُلوكُ كاعبد!

فإنّي لا عرْضاً خَرَقتُ ولا دماً*** هَرَقتُ نفكر عالم الحق واقصِد

قال الواقديّ : وكانت كلمته هذه قد بلغت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قبل أن يفتَح مكّة، فنهنهت عنه ، وكلّمه يوم الفتح نَوفل بن معاوية الدُّوليّ، فقال: يا رسول الله أنت أولى الناس بالعَفو، ومَنْ منّا لم يعادك ولم يؤذك، ونحنُ في جاهليّة لا ندري ما نأخذ وما نَدَع ،حتّى هدانا الله بك وأنقَذَنا بُيُمنك من الهَلَكة، وقد كَذَب عليه الركب وكثروا في أمره عندك، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:« دَع الركبَ عنك، إنَّا لم نجد بتهامة أحداً من ذَوِي رَحِم ولا بعيد الرّحم كان أبر بنا من خُزاعة، فاسكُت يا نوفل »؛ فلمّا سكت قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «قد عفوتُ عنه»، فقال نوفل : فداك أبي وأميّ .

قال الواقديّ: وجاءت الظُّهر، فأمَرَ رسول الله صلی الله علیه وله وسلم بلالاً أن يؤذن فوقَ ظهر الكعبة


1) تَلَدَّدَ : تَلَفَّتَ يميناً وشمالاً وتحيّر متلبداً. لسان العرب مادة (الدد).

وقريش في رؤوس الجبال، ومنهم من قد تَغيّب وسَتَر وجهه خوفاً من أن يُقتلوا، ومنهم من يَطلب الأمان، ومنهم من قد أُمِّن. فلمّا أذّن بلال وبلغ إلى قوله : «أشهد أن محمداً رسول الله» صلی الله علیه وآله وسلم ، رَفَع صوتَه كأشدِّ ما يكون ؛ قال : تقول جويرية بنت أبي جَهْل : قد لَعَمْري رُفع لك ذِكْرُك ، فأما الصلاة فستصلّي، ولكن والله لا نحب مَنْ قَتل الأحبة أبداً، ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمّداً من النبوّة؛ فردّها ولم يُرِدْ خلاف قومه .

وقال خالدُ بن سعيد بن العاص : الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يُدرِك هذا اليوم؛ وقال الحارث بن هشام: واثُكلاه! ليتَني مِتّ قبل هذا اليوم قبل أن أسمع بلالاً ينهق فوقَ الكعبة ! وقال الحكم بنُ أبي العاص : هذا والله الحدث العظيم، أن يَصبحَ عبدُ بني جُمَحٍ، يَصِيحُ بما يَصيحُ به على بيت أبي طلحة ؛ وقال سُهَيل بن عمرو إن كان هذا سُخطاً من الله تعالى نسيغيّره، وإن كان الله رضاً فسيقره ؛ وقال أبو سفيان أما أنا فلا أقول شيئاً، لو قلتُ شيئاً لأخبرته هذه الحصباء، قال: فأتى جبرائيلُ علیه السلام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فأخبَرَه مقالة القوم.

قال الواقديّ: فكان سهيلُ بن عمرو يحدّث فيقول : لمّا دخل محمد مكة انقَمعتُ فدخلتُ بیتي وأغلقتُه عليّ، وقلتُ لا بني عبد الله بن سُهيل : اذهب فاطلب لي جواراً من محمد، فإنّي لا آمن أن أقتَل، وجعلتُ أتذكّر أثَري عنده وعند أصحابه فلا أرى أسوأ أثراً منّي، فإنّي لقيتُه يوم الحديبية بما لم يلقه أحدٌ به ، وكنتُ الّذي كاتَبه، مع حضوري بذراً واحُداً، وكلّما تحرّكت قريش كنتُ فيها ، فذهب عبد الله بنُ سُهِيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، أبي تؤمنه؟ قال: «نعم، هو آمن بأمان الله، فليظهر»، ثم التفت إلى من حوله فقال: «من لقي سُهَيل بن عمرو فلا يُشدّنَّ النظر إليه». ثم قال : قل له : «فَلْيَخْرج، فَلَعَمري إنّ سهيلاً له عقلٌ وشَرَف، وما مثلُ سُهَيل جهل الإسلام»، ولقد رأى ما كان يُوضع فيه إن لم يكن له تتابع، فخرج عبدُ الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فقال سهيل : كان والله بَراً صغيراً وكبيراً، وكان سُهَيل يُقْبِل ويُدبر غير خائف، وخرج إلى خَيْبر مع النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وهو على شّركه حتى أسلم بالجِغرانة (1).

تم الجزء السابع عشر من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ويليه الجزء الثامن عشر



1) أخرجه محمدي الريشهري في ميزان الحكمة : 225/3 .

شرح نهج البلاغة

الجزء الثامن عشر

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الواقديّ: وهرب هبيرةُ بن أبي وَهْب وعبد الله بن الزِّبعرى (1)جميعاً حتّى انتهيا إلى نَجران فلم يأمنَا الخوف حتى دخلا حِصن نَجْران؛ فقيل : ما شأنكما؟ قالا : أمّا قريش فقد قُتِلت ودخل محمد مكة، ونحن والله نرى أن محمداً سائر إلى حصنكم هذا، فجعلت بلحارث بن كعب يُصلحون ما رثّ من حصنهم، وجمعوا ماشيتَهم؛ فأرسل حسان بن ثابت إلى ابن الزّبعرَى :

لا تعد مَن رجلاً أَحَلكَ بُغْضُهُ ***نجران في عيش أجدَّ ذميم

بليَتْ قناتُك في الحروب فالفيتُ*** جوفاء ذات معایب ووُصوم

غضب الإله على الزُبَغرى وابنِه ***بعذاب سوء في الحياة مقيمِ

فلما جاء ابنَ الزِّبَعْرَى شعرُ حسان تهيّا للخروج، فقال هبيرة بن وهب : أين تريد يا بن عمّ؟ قال له : أريد والله محمداً، قال: أتريد أن تتبعه؟ قال: أي والله قال هُبيرة: ياليت أنّي كنتُ رافقتُ غيرك، والله ما ظننتُ أنّك تتبع محمّداً أبداً. قال ابن الزّبَعْرَى: هو ذاك، فعلى أيّ شيء أقيمُ مع بني الحارث بن كعب وأترُك ابن عمّي وخيرَ الناس وأبرَّهم، وبين قومي وداري !فانحدر ابنُ الزّبعرَى حتى جاء رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهو جالس في أصحابه، فلمّا نظر إليه قال: هذا ابنُ الزِّبَعْري ومعه وجه فيه نورُ الإسلام، فلمّا وقف على رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قال :السّلامُ عليك يا رسولَ الله، شهدتُ أن لا إله إلا الله وأنّك عبدُه ورسوله والحمد لله الذي هَداني للإسلام، لقد عاديتُك وأجلَبْتُ عليك، وركبتُ الفرس والبعيرَ ، ومَشَيتُ على قدمي في عَداوتك، ثم هربتُ منك إلى نجرانَ، وأنا أريد ألا أقرب الإسلامَ أبداً ؛ ثم أرادَني الله منه بخير، فألقاه في قلبي وحبّبه إليّ، وذكرت ما كنتُ فيه من الضّلال واتّباع ما لا ينفع ذا عقل؛ من حَجَرٍ يُعبد، ويُذَبح له لا يدري من عبده ومن لا يَعبُده، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «الحمدُ الله الّذي هداك للإسلام، احمَدِ الله، إنّ الإسلام يَجُب ما كان قَبْلَه» (2)، وأقامَ هُبيرة بنَجْرانَ ، وأسلمت أمُّ هانىء، فقال هُبيرة حين بلغه إسلامها يَوم الفتح يؤنّبها شعراً من جُملته :

وإن كنتِ قد تابعت دينَ محمّدٍ*** وقطّعتِ الأرحامَ منكِ حِبَالُها


1) هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي، أبو سعد شاعر قريش في الجاهلية، كان شديداً على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران فقال فيه حسان أبياتاً، فلما بلغته عاد إلى مكة فأسلم واعتذر ومدح النبي صلی الله علیه وآله وسلم لا فأمر له بحلة ( 10ه-) الأعلام» (87/4) .

2) انظر تهذيب الكمال (467/7) .

فكوني على أعلى سَحُوقٍ بِهَضْبَةٍ*** مُلملمة غبراءَ يَبْس بِلالُها

فأقام بنَجرانَ حتّى مات مُشركاً .

قال الواقديّ: وهرب حُوَيْطِب بنُ عبد العُزَّى فدخل حائطاً بمكّة، وجاء أبو ذَرّ لحاجته، فدخل الحائط فرآه ، فهَرَب حُويطب، فقال أبو ذَرّ : تعال فأنتَ آمِن، فرجع إليه فقال: أنت آمن؛ فاذهب حيثُ شنتَ، وإن شئتَ أدخلتُك على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وإن شئتَ فإلى منزلك . قال : وهل من سبيل إلى منزلي الفَى فأقتَل قبل أن أصِلَ إلى منزلي، أو يُدخل عليّ منزلي فأقتَل! قال : فأنا أبلغ معك منزلَك، فبلغ معه منزلَه، ثمّ جعل يُنادي عَلَى بابه : إِنّْ حُوَيْطِباً آمن فلا يهيج ، ثم انصَرَف إلى رسول الله صلی الله علیه وآاله وسلم فأخبرَه فقال: «أوَ ليس قد امّنّا الناس كلِّهم إلاّ من أمَرْتُ بقتله» (1)!

قال الواقديّ: وهربَ عكرمةَ بن أبي جهل إلى اليمن حتى ركب البحر، قال: وجاءت زوجته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في نِسوةٍ منهنّ هند بنت عُتبة - وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتِلها - والبَغُوم بنت المعدّل الكِنانيّة امرأة صفوان بن أميّة، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة امرأة الحارث بن هشام وهند بنت عتبة بن الحجاج أم عبد الله عمرو بن العاص، ورسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالأبطح فأسلَمن، ولما دخلنَ عليه دخَلْن وعنده زَوْجتاه وابنته فاطمة ونساءٌ من نساء بني عبد المطّلب وسألنَ أن يُبايعهنّ، فقال: «إني لا أصافح النّساء» - ويقال : إنه وَضع على يده ثوباً فمسَحْنَ عليه، ويقال: كان يؤتى بقَدَح من ماء فيدخل يدَه فيه ثم يرفعه إليهنّ، فيُدخلن أيديهنّ فيه - فقالت أمّ حكيم امرأة عِكرمة : يا رسول الله، إنّ عِكرمة هرَبَ منك إلى اليمن خاف أن تَقتُله، فأمِّنه، فقال: «هو آمن». فخرجت أمّ حكيم في طلبه، ومعها غلامٌ لها رُومي، فراوَدَها عن نفسها، فجعلت تمنيّه حتى قدِمت به على حيّ، فاستغاثت بهم عليه، فأوثَقُوه ،رباطاً، وأدركَتْ عِكْرمة وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة، فركب البحر، فهاج بهم ، فجعل نوتيُّ (2)السفينة يقول له : أن أخلص، قال: أي شيء أقول؟ قال : قل لا إله إلا الله ، قال عكرمة : ما هَرَبتُ إلاّ من هذا، فجاءت أم حكيم على هذا من الأمر، فجعلت تُلِحّ عليه وتقول : يابن عمّ، جنتُك مِن عند خير الناس، وأوصَل الناس، وأبرِّ الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدرَكته ، فقالت : إنّي قد استأمَنتُ لك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فأمّنك ، قال : أنتِ فعلت؟ قالت : نعم أنا كلّمتُه، فأمنّك فرجع معها، فقالت: ما لقيت من غلامِك الرّومي ! وأخبرته خَبرَه ، فقتَله عكرمةُ، فلما دنا من مكّة قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لأصحابه : «يأتيكم عِكرمة بنُ أبي جهل مؤمِناً، فلا تسبوا أباه، فإنّ سبّ الميت يؤذي الحيّ. ولا يبلُغ


1) أخرجه المزي في تهذيب الكمال (467/7) .

2) النُّونِيُّ : الملاح في البحر. القاموس المحيط مادة (نوت).

الميّت». فلما وَصِل عِكرمة ودخل على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وثب إليه صلی الله علیه وآله وسلم وليس عليه رداء فرحاً به، ثم جلس فوق عكرمة بين يديه ومعه زوجتهمنقّبة، فقال: يا محمد، إن هذه أخبرتني أنك أمنتني ؛ فقال: صدقت أنت آمن، فقال عكرمة : فإلامَ تَدْعُو؟ فقال : «إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله، وأن تُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة» وعدّ خصال الإسلام، فقال عِكرمة : ما دعوتَ إلاّ إلى حقّ ،وإلى حَسن جميل، ولقد كنتَ فينا من قبل أن تدعوَ إلى ما دعوتَ إليه ، وأنت أصدقُنا حديثاً، وأعظَمُنا برَّا ، ثم قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «لا تسألني اليوم شيئاً أعطيه أحداً إلا أعطيتَكه»، قال: فإني أسألك أن تغفرَ كلّ عداوة عَادَيْتُكَها أو مَسِير أوضَعْتُ فيه، أو مُقام لقيتُك فيه، أو كلام قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه . فقال : «اللهمّ اغفر له كل عداوة عادانيها، وكلّ مسير سار فيه إلي يريد بذلك إطفاء نُورك، واغفر له ما نال مني ومن عِرْضي في وَجهي أو أنا غائبٌ عنه» (1). فقال عكرمة : رضيتُ بذلك يا رسول الله، ثم قال: أما والله لا أدع نفقةً كنت أنفِقُها في صدِّ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الإسلام وفي سبيل الله، ولأجتهدن في القتال بين يديك حتى أقتلَ شهيداً ؛ قال : فردّ عليه رسول الله صلی اللله علیه وآله وسلم امرأته بذلك النّكاح الأول.

قال الواقديّ : وأما صفوان بن أميّة فهرب حتى أتى الشعبة، وجعل يقول لغلامه يسار معه غيره - : ويحك ! انظر من تَرَى ! فقال : هذا عُمير بن وهب قال صفوان ما أصنع بعُمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلي قد ظاهر محمداً علي فلحقه، فقال صفوان يا عُمير ، مالك؟ ما كفاك ما صنعت حملتني دينك وعيالك، ثم جنت تريد قتلي ! فقال : يا أبا وهب جعلت فداك ! جنتُك من عند خير الناس، وأبرّ الناس وأوصل الناس، وقد كان عمير قال لرسول الله صلی الله علیه وآاله وسلم : يا رسول الله ، سيد قومي صفوان بن أمية خرج هارباً ليقذف نفسه في البحر ؛ خاف ألا تؤمنه فأمنه فداك أبي وأمي ! فقال: «قد امنته»، فخرج في أثره، فقال: إن قد أمنك ، فقال صفوان : لا والله حتى تأتيني بعلامة أعرفها، فرجع إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فأخبره وقال : يا رسول الله ، جئته وهو يريدُ أن يَقتل نفسه فقال : لا أرجع إلا بعلامة ،أعرفها، فقال: «خذ عمامتي» ، فرجع عمير إليه بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وهي البردُ الذي دخل فيه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مَكّة معتجراً به برد حبرة مكة معتجراً به برد حبرة (2)أحمر - فخرج عمير في طلبه الثانية جاءه بالبُرْد :فقال : يا أبا ،وهب جئتُك من عند خير الناس وأوصل الناس وأبر الناس وأحلم الناس، مجدُه مجدك ، وعِزّه عِزّك، ومُلكه مُلكك، ابن أبيك وأمك، أذكرك الله في نفسك، فقال : أخافُ أن أقتل ؛ قال : فإنه دَعاك إلى الإسلام فإن رضيت وإلاّ سيِّرك شهرين فهو


1) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (5057).

2) الحِبَرَةُ : ضرب من بُرُود .اليمن. لسان العرب مادة (حبر).

أوفى الناس وأبرّهُم، وقد بعث إليك ببرده الذي دخل به معتجراً، أتعرِفه؟ قال: نعم، فأخرجه، فقال : نعم هو هو، فرجع صفوانُ حتى انتهى إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فوجَده يصلّي العصر بالناس، فقال : كم يصلّون؟ قالوا : خمس صلوات في اليوم والليلة قال : أمحمدٌ يصلّي بهم؟ قالوا: نعم، فلما سلّم من صلاته صاح صَفوان: يا محمد، إن عميرَ بن وهب جائني ببُردك، وزَعَم أنّك دعوتني إلى القدوم إليك، فإن رضيت أمراً، وإلا سيرتَني شهرين. فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «انزل أبا وهب»، فقال: لا والله أو تبيّن لي ؛ قال : «بل سر أربعة أشهر». فنزل صفوانُ وخرج معه إلى حُنَين وهو كافر، وأرسل إليه يستعير أذراعه - وكانت مائة درع . فقال : أطوعاً أم كَرْهاً ؟ فقال علیه السلام : بل طَوعاً عاريَّةً مؤداة، فأعاره إياها، ثم أعادها إليه بعد انقضاء حنين والطائف، فلما كان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالجِعرانَة يسير في غنائم هوازن ينظر إليها ، فنظر صفوان إلى شعب هناك مملوء نَعَماً وشاء ورعاة، فأدام النظر إليه ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَرْمُقه، فقال: «أبا وهب يعجبك هذا الشِّعب» قال: نعمريال قال:« هو لك وما فيه». فقال صفوان: ما طابت نفسٌ أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(1).

قال الواقديّ: فأما عبد الله بن سَعْد بن أبي سَرح فكان قد أسلم، وكان يكتُب الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الوحي، فرّبما أملى عليه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم «سميعٌ عليم» فيكتُب «عزيزٌ حكيم» ونحو ذلك، ويقرأ على رسول الله صلی الله لعیه وآله وسلم فيقول : كذلك الله ، ويقرأ فافتتن؛ وقال : والله ما يَدْرِي ما يقول : إني لأكتب له ما شئتُ فلا يُنكر، وإنه ليوحَى إلي كما يوحَي إلى محمد، وخرج هارباً من المدينة إلى مكة مرتداً فأهْدَر رسول الله دمَه، وأمر بقتله يوم الفتح، فلمّا كان يومئذٍ جاء إلى عثمان - وكان أخاه من الرَّضاعة - فقال يا أخي إنّي قد أجرتك فاحتبسني ها هنا واذهب إلى محمد فكلّمه فيّ، فإن محمداً إن رآني ضَرَب عنقي، إن جُرْمي أعظم الجُرم، وقد جئتُ تائباً ؛ فقال عثمان : قم فاذهب معي إليه قال : كلا والله إنّه إن رآني ضَرَبَ عنقي ولم يناظرني ، قد أهدَرَ دمي وأصحابُه يطلبوُنني في كلّ موضع فقال عثمان : انطلق معي فإنّه لا يقتلك إن شاء الله - فلم يُرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعثمان آخذاً بيدِ عبد الله بن سعد واقفين بين يديه، فقال عثمان يا رسول الله هذا أخي من الرّضاعة ، إنّ أمّه كانت تحملني وتمشيه وتُرضعني وتفطمه وتُلْطِفني وتتركه ، فهيه لي . فأعرض رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عنه، وجعل عثمانُ كلّما أعرض رسول الله عنه استقبَلَه بوجهه وأعاد عليه هذا الكلام، وإنّما أغرض علیه السلام عنه إرادة لأن يقوم رجلٌ فيضربَ عُنقه، فلمّا رأى ألا يقوم أحدٌ وعثمان قد انكَبَّ عليه يقبَّل رأسَه ويقول : یا رسول الله بايعه فِداك أبي وأمي على الإسلام! فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «نعم»، فبايعه .


1) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (12646 ) .

قال الواقدي: قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بعد ذلك للمسلمين: «ما مَنَعكم أن يقومَ منكم واحدٌ إلى هذا الكلب فيقتله» - أو قال: «الفاسق»! - فقال عبّاد بن بشر : والذي بَعَثَك بالحق، إني لأتبع طرفَك من كلّ ناحية، رجاء أن تشيرَ إليّ فأضرِبَ عنقه. ويقال: إنّ أبا البشير هو الّذي قال هذا ؛ ويقال : بل قاله عمرُ بن الخطّاب ، فقال علیه السلام : إنّي لا أقتل بالإشارة؛ وقيل : إنه قال : إن النبيّ لا يكون له خائنة الأعين.

قال الواقديّ: فجعل عبدُ الله بن سعد يفرّ من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كلّما رآه، فقال له عثمان : بابي أنت وأمي لو ترى ابن أم عبد يفرّ منك كلّما رآك ! فتبسّم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؛ فقال : «أو لم أبايعه وأؤمنه»؟ قال: بلى ولكنه يتذكّر عظم جُزمه في الإسلام، فقال: «إن الإسلام يَجُبُّ ما قبله» (1).

قال الواقديّ: وأمّا الحُوَيرث بنُ مَعْبد - وهو وَلَد قصيّ بن كلاب - فإنّه كان يؤذي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بمكّة، فأهدَرَ دمَه، فبينما هو في منزله يوم الفتح وقد أغلق عليه بابه، جاء عليٌّ علیه السلام يسأل عنه ، فقيل له : هو في البادية، وأخبر الحويرث أنه جاء يطلبه وتَنحَّى عليّ علیه السلام عن بابه، فخرج الحُوَيرث يريد أن يهرب من بيت إلى بيت آخر، فتلقّاه علي علیه السلامفضَرب عنقه .

قال الواقديّ: وأمّا هبّار بن الأسود، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن يُحرِقَه بالنّار، ثم قال : إنّما يعذّب بالنار رَبُّ النار، اقطعوا يديه ورجليه إن قدَرْتم عليه، ثم اقتُلوه، وكان جُرمُه أَن نَخَس زينبَ بنتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما هاجرتْ ، وضرَبَ ظهرها بالرمح وهي حُبْلَى، فأسقطت، فلم يقدرِ المسلمون عليه يومَ الفتح ، فلمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة طَلَعَ هَبَار بن الأسود قائلاً : أشهَد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله ، فقَبِلَ النبي صلی الله علیه وآله وسلم إسلامه، فخرجت سَلْمَى مولاة النبي صلی الله علیه وآله وسلم فقالت : لا أنعم الله بك عَيْناً ! أنتَ الّذي فعلت وفعلت ! فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وهَبّار يَعتذر إليه : «إن الإسلام محا ذلك» . ونَهَى عن التعرض له (2).

قال الواقديّ: قال ابن عباس رضي الله عنه : رأيتُ رسول الله صلی الله علهی وآله وسلم وهَبّار يعتذر إليه وهو يُطأطيء رأسه استحياء ممّا يعتذر هبّار ويقول له : قد عفوتُ عنك !

قال الواقديّ: وأما ابن خَطَل فإنّه خرج حتّى دخل بين أستار الكعبة، فأخرَجه أبو بَرزة الأسلمي منها، فضرَبَ عنقه بين الرُّكن والمقام - ويقال : بل قتله عمّار بن ياسر ، وقيل : سعد بن حريث المخزومي ، وقيل : شُرَيك بن عبدة العَجْلاني ؛ والأثبت أنه أبو بَرْزة - قال :


1) انظر هذه الروايات في تاريخ الطبري (146/2) .

2) انظر تاريخ الطبري (43/2) .

وكان جُزمه أنّه أسلم وهاجر إلى المدينة وبعثَه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ساعياً، وبعث معه رجلاً من خُزاعةً فقَتَله، وساق ما أخَذ من مال الصّدقة، ورجع إلى مكّة، فقالت له قريش: ما جاء بك ؟ قال : لم أجد ديناً خيراً من دينكم (1)، وكانت له قينتان: إحداهما قرينى، والأخرى قرينة - أو أرنب - وكان ابن خَطَل يقول الشَّعرَ يَهجُو به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ويغنيّان به ويَدخُل عليه المشركون بيتَه فَيشربَون عنده الخَمر، ويَسمعون الغناء بهجاء رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(2).

قال الواقديّ: وأما مقيس بن صُبابة فإنّ أمه سهميّة، وكان يوم الفتح عند أخواله بني سَهم، فاصطَبَح الخَمْرَ ذلك اليوم في نَدامَى له، وخرج ثَمِلاً يتغنّى ويتمثّل بأبيات منها :

دعيني أصطيح يا بكْرُ إني ***رأيتُ الموتَ نَقب عن هشام

ونقّب عن أبيك أبي يزيد ***أخي القَيْنات والشّربِ الكِرامِ

يخبّرنا ابنُ كَبْشَة أن سنَحْيَا ***وكيف حياة أصداء وهام !

إذا ما الرأسُ زال بمنكِبَيه*** فقد شيع الأنيس من الطَّعامِ

أتقتُلُني إذا ما كنتُ حيَّا ***وتُحييني إذا رمت عظامي !

فلقيَه نَميَلة بن عبد الله اللّيثي وهو من رَهْطه فضَرَبه بالسيف حتى قتله، فقالت أختُه ترثيه :

لَعَمري لقد أخزَى نميلةَ رهطه*** وفَجع أصناف النساء بمقيس

فلله عَيْنَا من رأى مِثلَ مِقيس ***إذا النُّفَساء أصبحت لم تخرّس

وكان جُرْم مِقْيَس مِن قِبَل أن أخاه هاشم بن صُبابة أسلم وشَهِدَ المُرَبْسِيعَ مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فقَتَله رجلٌ من رَهْط عُبادة بن الصّامت - وقيل : من بني عمرو بن عوف وهو لا يعرفه - فظنَّه من المشركين، فقَضَى له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالدّية على العاقلة، فقدم مِقيس أخوه المدينةَ فأخذ دِينَه، وأسلم، ثمّ عدا على قاتِل أخيه، فقتله، وهَرَب مرتدّاً كافراً يَهجُو رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بالشعر، فأهدَرَ دَمه (3).

قال الواقديّ: فأما سارة مولاة بني هاشم - وكانت مغنّيةً نوّاحة بمكة، وكانت قد قَدِمَتْ على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم المدينة تَطلُب أن يَصلَها، وشكت إليه الحاجةً وذلك بعد بَدْر وأُحُد - فقال لها : «أما كانَ لكِ في غِنائكه ونيا حِكَ ما يُغنيك»! قالت :يا محمّد، إنّ قريشاً منذ قُتِلَ مَن قتِل منهم يبذر تركوا استماعَ الغناء، فوصلها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وأوقر لها بعيراً طعاماً، فرجعت إلى قريش وهي على دينها، وكانت يُلقى عليها هجاء رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فتُغنّي به، فأمر بها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يوم الفتح أن تُقتَل ، فقُتِلت (4).


1) انظر تاريخ الطبري (160/2) .

2) انظر تاريخ الطبري (161/2).

3) انظر تاريخ الطبري (160/2) .

4) انظر تاريخ الطبري (161/2) .

وأما قَيْننا ابن خَطَل فقتل يومَ الفتح إحداهما وهي ،أرنب أو قرينة، وأما قريني فاستؤمن لها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، فأمّنها وعاشت حتى ماتت في أيام عثمان (1).

قال الواقديّ: وقد رُوي أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أَمَر بقَتْل وَحْشِيّ يومَ الفَتْحِ، فَهَرَب إلى الطائف، فلم يزل بها مقيماً حتى قدم مع وفد الطائف على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فدخل عليه فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله، فقال: «أوحشيّ» ؟ قال : نعم، قال: «اجلس و وحدِّثني كيف قتلت حمزة»؟ فلما أخبره قال : «قم وغَيّب عني وجهَك»، فكان إذا رآه تَوارَى عنه (2).

قال الواقديّ: وحدثني ابن أبي ذئب ومعمر عن الزُّهريّ، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي َعمرو بن عَدِيّ بن أبي الحمراء، قال : سمعتُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يقول بعد فراغه من أمر الفَتح وهو يريد الخروج من مكّة :«أما والله إنّك لخيرُ أرض الله، وأحبُّ بلادِ الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجتُ» (3).


وزاد محمد بن إسحاق في كتاب «المغازي» أن هند بنت عُتبة جاءت إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مع نساء قريش متنكِّرة متنقبة لحدّثها الذي كان في الإسلام، وما صنعت بحمزة حين جدعته وبقرت بطنه عن كبده؛ فهي تخاف أن يأخذها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بحدَثها ذلك، فلما دنَتْ منه، وقال - حين بايعنه -: «على الآ يُشرِكن بالله شيئاً»، قلن : نعم قال: «ولا يَسرِقّن»، فقالت هند: والله أنا كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهَنَةِ والهُنيهة فما أعلم أحَلالٌ ذلك أم لا ! فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: «وأنكِ لهند»! ،قالت نعم أنا هند، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فاعفُ عمّا سَلَف عفا الله عنك ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ولا يزنِينَ»، فقالت هند: وهل تزني الحرّة! فقال: «لا ، ولا يقتُلْنَ أولادَهُنَّ» فقالت :هند قد لَعَمْري ربيناهم صغاراً وقتلتَهم كباراً ببدر، فأنت وهم أعرَفُ . فَضَحِك عمرُ بنُ الخطاب من قولها حتى أسْفَرتْ نواجذه قال : «ولا يأتين ببهتان يَفْتَرِينَهُ»، فقالت هند : إن إتيان البهتان لقَبيح، فقال: «ولا يَعْصِينك في معروف »؛ فقالت: ما جلسنا هذه الجلسة ونحن نريد أن نعصِيَك(4).

قال محمد بن إسحاق : ومن جيّد شعر عبد الله بن الزبعرى الذي اعتذر به إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حين قدم عليه :


1) انظر «تاريخ الطبري» (161/2).

2) انظر «تاريخ الطبري» (66/2) .

3) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب في فضل مكة (3925) ، وابن ماجه في المناسك باب : فضل مكة (3108) ، وأحمد في «مسنده» (18242).

4) أخرجه أبو يعلى في مسنده (4754) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (37/6) .

مَنَع الرُّقاد بلابلٌ وهمومُ*** فالليلُ ممتدُّ الرواق بهيم (1)

مما أتاني أن أحمد لامني*** فيه، فيتّ كاننی محموم

يا خير من حملت على اوصالِها*** عَيرانَةٌ سُرُح اليَدَيْنِ سَعُومُ (2)

إنِّي لمعتذر إليك من الّذي ***أسدَيْتَ إذ أنا في الضلال أميمُ

أيَّانَ تأمرني بأغْوَى خُطةٍ ***سَهم، وتأمرني به مخزوم

وأمدُّ أسباب الرّدى ويقودُني ***أمرُ الغُواة وأمرهم مشؤوم

فاليومَ آمن بالنبي محمد*** قلبي، ومُخطىء هذه محرومُ

مضت العداوة وانقضت أسبابُها*** ودَعَتْ أواصر بيننا وحُلومُ (3)

فاغفر فِدّى لك والديَّ كلاهُما*** زَللي، فإنك رَاحِمٌ مرحوم

وعليك مِن عَلَم المليك علامةٌ*** نور اغر وخاتمٌ مختومُ

أعطاك بعد محبَّة برهانهُ ***شرفاً ويُزهان الإله عظیم

ولقد شَهِدْتُ بأنّ دينك صادقٌ ***بروشأنك في العباد جسيمُ

والله يشهد أن أحمد مصطفَى*** متقَبَّلٌ في الصالحين كريمُ

فرغ علا بنيانه من هاشم ***دوح تمكّن في العُلا وأُرومُ

قال الواقديّ: وفي يوم الفَتح سمّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل مكة الذين دخلها عليهم الطُّلقَاء، لمنّه عليهم بعد أن أظفره الله بهم، فصاروا أرقاء له. وقد قبل له يوم الفتح: قد أمكنك الله تعالى فخذ ما شئت من أقمار على غصون - يعنُون النّساء فقال علیه السلام : «يأبَى ذلك إطعامُهم الضيف، وإكرامُهم البيت، ووجوهم مناحرَ الهَدْي »(4).


ثم نعود إلى تفسير ما بقي من ألفاظ الفصل ؛ قوله :»فإن كان فيك عَجَلٌ فاسترفه» أي كن ذا رَفاهيِة، ولا تُرهِقَن نفسك بالعجل، فلا بد من لقاء بعضنا بعضاً، فأي حاجة بك إلى أن تعجل ! ثم فسّر ذلك فقال : إن أزرك في بلادك، أي إن غَزَوتك في بلادك فخليق أن يكون الله بعثني للانتقام منك، وإن زُرْتَني، أي إنْ غَزَوتني في بلادي وأقلبتَ بجموعك إليّ .


1) رواق من الليل بكسر الراء وضمها : مُقَدّمه وجانبه، القاموس المحيط مادة (روق).

2) العَيْرَانة من ازيل : الناجية بنشاط القاموس المحيط مادة (عير). والسَّعْمُ : ضرب من سير وهو سرعة السير والتمادي فيه لسان العرب والقاموس المحيط (سعم).

3) حُلُوم : جمع حِلْم بالكسر وهو حلم بالكسر وهو الأناة والعقل . لسان العرب مادة (حلم).

4) أخرجه العلامة المجلسي بما معناه في البحار: 106/21 .

كنتم كما قال أخو بني أسد ؛ كنت أسمع قديماً أن هذا البيت من شعر بشر بن أبي خازم الأسَديّ؛ والآن فقد تصفّحتُ شعره فلم أجده ولا وقفتُ بعد على قائله، وإن وَقَفْتُ فيما يستقبل من الزّمان عليه ألحقته .

وريحٌ حاصب، تَحمل الحصباء، وهي صغارُ الحَصَى، وإذا كانت بين أغوار - وهي ما سَفُل من الأرض وكانت مع ذلك ذلك أ ريح صيف - كانت أعظم مشقّة، وأشدّ ضَرَراً على من تُلاقيه . وجُلْمود، يمكن أن يكون عظفاً على «حاصِب»، ويمكن أن يكون عطفاً على «أغوار»، أي بين غَوْرِ من الأرض وحَرَّةٍ، وذلك أشدّ لأذاها لما تكسبه الحَرّة من لَفْح السموم وَوَهجِها . والوجه الأول اليَق.

وأعضضته أي جَعلته مَعضوضاً برؤوس أهلك، وأكثر ما يأتي «أَفَعَلْته» أن تجعله «فاعلاً»، وهي ها هنا من المقلوب، أي أعضَضت رؤوس أهلك به كقوله : «قد قطع الحبل بالمرود».

وجدُّه عُتبة بن ربيعة وخاله الوليدُ بنُ عتبة، وأخوه حنظلة بن أبي سفيان قتلهم عليّ علیه السلام يوم بدر .

والأغلَف القلب : الذي لا بصيرة له، كأن قلبه في غلاف، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غلفه )(1).

والمقارب العقل، بالكسر : الذي ليس عقله بجيّد ؛ والعامة تقول فيما هذا شأنه: مقارَب بفتح الراء .

ثم قال : الأولى أن يقال هذه الكلمة لك.

ونشدتُ الضّالّة : طلبتُها، وأنشدتها: عَرفتها ، أي طلبت ما ليس لك .

والسائمة : المال الراعي ؛ والكلام خارجٌ مخرج الاستعارة.

فإن قلت : كلّ هذا الكلام يطابق بعضه بعضاً إلا قوله :«فما أبعد قولك من فعلك؟» وكيف استبعد علیه السلام ذلك ولا بُعْد بينهما، لأنه يطلب الخلافة قولاً وفعلاً! فأيّ بعد بين قوله وفعله !

قلت : لأن فعله البَغي والخروج على الإمام الذي ثبتت إمامتُه وصحّت، وتفريق جماعة المُسلمين، وشقّ العَصا، هذا مع الأمور التي كانت تظهر عليه وتقتضي الفسق ؛ من لبس الحرير، والمنسوج بالذهب، وما كان يتعاطاه في حياة عثمان من المنكرات التي لم تثبت توبته منها، فهذا فعلُه .

وأما قوله ؛ فزعمه أنه أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين، وهذا القول بعيد من ذلك الفعل جداً.


1) سورة البقرة، الآية: 88 .

و«ما» في قوله : «وقريب ما أشبهت» مصدرية، أي وقريب شبهك بأعمام وأخوال. وقد ذكرنا من قُتِل من بني أمية في حروب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما تقدّم، وإليهم الإشارة بالأعمام والأخوال، لأن أخوال معاوية من بني عبد شمس، كما أنَّ أعمامه من بني عبد شمس.

قوله : «ولم تماشها الهويني» أي لم تصحبها، يصفها بالسرعة والمضيّ في الرؤوس الأعناق.

وأما قوله : «ادخُل فيما دَخَل فيه الناسُ وحاكِم القوَمَ»، فهي الحجّة التي يَحتجّ بها أصحابُنا له في أنّه لم يُسلّم قَتلة عثمانَ إلى معاوية، وهي حُجّة صحيحةٌ، لأنّ الإمام يجب أن يُطاع، ثمّ يتحاكم إليه أولياء الدم والمتهمون فإنْ حَكَم بالحق استديمت حكومته، وإلا فسق وبطلت إمامَتُه .

قوله : «فأمّا تلك التي تُريدها» ؛ قيل : إنّه يريد التعلّق بهذه الشّبهة، وهي قَتَلة عثمان، وقيل: أراد به ما كان معاوية يكرّر طلبه من أمير المؤمنين علیه السلام ، وهو أن يقرّه على الشام وحدَه، ولا علي يكلّفه البيعة، قال: إنّ ذلك كمُخادعة الصبيّ في أوّل فطامه عن اللَّبَن بما تصنعه النّساء له مما يكره إليه الثدي ويُسليه عنه ، ويُرطّبه في التعوّض بغيره، وكتاب معاوية الذي ذكرناه لم يتضمّن حديث الشام.


65 - ومن كتاب له علیه السلام إليه أيضاً

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنتَفِعَ بِاللّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِبَانِ الْأُمُورِ، فَلَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلَائِكَ بِادْعَائِكَ الْأَبَا طِيلَ ، وَافْتِحَامِكَ فُرُورَ الْمَيْنِ وَالْأَكَاذِيبِ؛ مِنَ انْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلا عَنْكَ ، وَابْتِزَازِكَ لِمَا قَدِ احْتَزنَ دُونَكَ فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ، وَجُحُوداً لِمَا هُوَ الْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَدَمِكَ ، مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ، وَمُلِئَءَ بِهِ صَدْرُكَ ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلَالُ، وَبَعْدَ الْبَيَانِ إِلااللَّبْسُ!

فَاحْذَرِ الشَّبْهَةَ وَاشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا ، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ طَالَمَا أَخْدَفَتْ جَلَابِيبَهَا ، وَأَغْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا . وَقَدْ أَتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفَانِينَ مِنَ الْقَوْلِ ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَن السّلم، وَأَسَاطِيرَ لَمْ يَحْكِهَا عَنْكَ عِلْمٌ وَلاَ حِلْمٌ، أَصْبَحْتَ مِنْهَا كَالْخَائِضِ فِي الدِّمَاسِ، وَالْخَابِطِ فِي الدِّيمَاسِ، وَتَرَكَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ الْمَرَامِ، نَازِحَةِ الْأَعْلامِ، تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَنُوقُ، وَيُحَاذَى بهَا الْعَبُوقُ؛ وَحَاش لله أَنْ تَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِي صَدَراً أَوْ وِرْداً، أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ

مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً! فَمِنَ الْآنَ فَتَدَارَكَ نَفْسَكَ وَانْظُرْ لَهَا ، فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى يَنْهَدَ إِلَيْكَ عِبَادُ الله أُرْتِجَتْ عَلَيْكَ الْأُمُورُ، وَمُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْكَ الْيَوْمَ مَقْبُولٌ، وَالسّلام .


الشرح: آنَ لك وأنّى لَك بمعنِّى، أي قَرُب وحانَ ، تقول : آنَ لك أن تَفعَل كذا يَئين أَيْناً ، وقال :

ألم يأنِ أن لي تُجْلَ عَنِّي عَمَايَتِي*** وأقصُر عن ليلى، بَلَى قد أَنَى لِيَا

فَجَمع بين اللّغتين، و«أنّى» مقلوبة عن «آن» ؛ ومما يجري مَجَرى المَثَل قولهم لمن يُروُنه شيئاً شديداً يُبصره ولا يشكّ فيه : قد رأيته لمحاً باصراً ، قالوا : أي نظراً بتَحْدِيق شديد، ومَخَرجه مَخَرج رجل لابن ،وتامِرٍ أي ذو لبَن وتَمر فمعنى «باصِر» ذو بَصَر؛ يقول علیه السلاام لمعاوية : قد حانَ لك أن تَنتفِع بما تَعلَمه من معاينة الأمور والأحوال وتتحقّقه يقيناً بقَلبك؛ كما يتحقق ذو اللّمح الباصر ما يُبصره بحاسّة بصره وأراد ببيان الأمور ها هنا معايَنَتها ، وهو يعرفه ضرورة من استحقاق عليّ علیه السلام للخلافة ،دونَه وبراءِته من كل شُبهة يَنسبُها إليه .

ثم قال له : «فقد سلكتَ»، أي اتّبعت طرائق أبي سُفيان أبيكَ وعُتْبَة جَدِّك وأمثالِهما من أهلِك ذَوي الكُفر والشّقاق. والأباطيل : جمعُ باطل على غير قياس، كأنهم جَمعَوا إبطيلاً. والاقتحام : إلقاءُ النّفس في الأمر من غير رَوّية. والمَيْن الكَذب. والغُرور بالضم المصدَر وبالفَتْح الاسم. وانتحلْتُ القصيدة، أي ادّعيتها كَذِباً .

قال: «ما قد علا عنك»، أي أنتَ دونَ الخلافة، ولستَ من أهلِها والابتزاز: الاستِلاب .

قال: «لما قد اختزن دونَك» ، يعني التسمّي بإمرة المؤمنين.

ثم قال: «فِراراً من الحق»، أي فعلتَ ذلك كلّه هَرَباً من التمسّك بالحقّ والدّين، وحبَّا للكُفْر والشّقاق والتغلّب .

قال : «وجُحُوداً لما هو الزّم»، يعني فرض طاعةِ عليِّ علیه السلام ، لأنّه قد وَعَاها سَمعُه ؛ لا رَيب في ذلك، إمّا بالنصّ في أيّام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما تَذكره الشّيعة - فقد كان معاوية حاضراً يوم الغدير لأنّه حجّ معهم حجّة الوَداع ، وقد كان أيضاً حاضراً يومَ تَبُوك حين قال له بمَحضَر من الناس كافّة : «أنت منّي بمنزلة هَارُون مِن موسى» (1)، وقد سُمِع غيرُ ذلك - وإمّا بالبَيعة كما نَذكره نحن فإنّه قد اتّصل به خبرُها، وتواترَ عندَه وُقوعُها ، فصار وقوعُها عنده معلوماً بالضّررة كعِلمِه بأنّ فى الدّنيا بلداً اسمها مِصر، وإن كان ما رآها .


1) أخرجه البخاري، کتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب (3706)، ومسلم، كتاب : فضائل الصحابة باب من فضائل علي (2404) والترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب (3730) .

والظاهر من كلام أمير المؤمنين علیه السلام أنه يريد المعنى الأول! ونحن نخرِّجه على وَجْهِ لا یَلزمَ منه ما تقوله الشّيعة، فنقول : لنفَرض أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم ما نصّ عليه بالخلافة بعدَه، أليس يَعلَم معاوية وغيرُه من الصّحابة أنه لو قال له في ألف مقام: «أنا حَرْبٌ لمن حارَبَّتَ وسِلْمٌ لمن سالَمَت»(1)، ونحو ذلك من قوله:« اللهم عادِ من عادَاه، ووالِ مَن والاه» (2)، وقوله : «حربُك حَرْبي وسِلْمُكَ سِلْمي »(3)، وقوله : «أنت مع الحقّ والحقّ معك» (4).

وقوله : «هذا منّي وأنا منه» (5)، وقوله : «هذا أخي (6)، وقوله : «يحبُّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسولُه»(7)، وقوله : «اللهم التني بأحبّ خَلقك إليك»(8)، وقوله : «إنّه ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي »(9)، وقوله : في كلام قاله : «خاصِف النّعل»(10)، وقوله: «لا يحبّه إلاّ مؤمن،ولا يُبغضه إلا منافق »(11).


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 93/40 .

2) أخرجه ابن ماجه كتاب المقدمة باب فضل علي بن أبي طالب (116)، وأحمد في «مسنده»(953) وعدة مواضع أخرى ، والترمذي، كتاب المناقب باب مناقب علي (3713) بنحوه.

3) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 261/24 .

4) أخرجه الحاكم في (المستدرك ) (4611)، والترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب (3714) بنحوه .

5) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب (3712). وأحمد في كتاب أول مسند البصريين باب حديث عمران بن حصين (19426).

6) أخرجه الطبري في تاريخه) (543/1) ، وابن هشام في السيرة النبوية» (36/3، والطبري في الرياض النضرة ) (245/1) ، والعسقلاني في (لسان) (الميزان في ترجمة الحسين بن علي (318/2).

7) أخرجه البخاري كتاب الجهاد والسير باب فضل من أسلم على يديه رجل (3009) ،ومسلم كتاب «الجهاد والسير» باب غزوة ذي قرد (1807).

8) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب (3721)، والحاكم في (المستدرك ) ( 4650) ، والنسائي في الكبرى» (8398) ، والطبراني في (الكبير) (6437) . ) .

9) أخرجه الترمذي كتاب المناقب باب مناقب علي ،(3712)، وأحمد في مسنده (19426)، وابن حبان في صحيحه (6929) ، والحاكم في «المستدرك» (4652)، والطبراني في «الكبير»(12593). بدون قوله «مؤمنة» .

10) أخرجه الترمذي كتاب المناقب باب مناقب علي ،(3712)، وأحمد في مسنده (19426)، وابن حبان في صحيحه (6929) ، والحاكم في «المستدرك» (4652)، والطبراني في «الكبير»(12593). بدون قوله «مؤمنة» .

11) اخرجه مسلم كتاب الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان (78)، والترمذي :كتاب المناقب، باب مناقب علي (3736) .

وقوله : «إن الجنّة لتشتاق إلى أربعة »(1)، وجعله أوّلَهم ؛ وقوله لعمّار : تقتلك الفئة .

الباغية» (2)، وقوله : ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بعدي»(3)إلى غير ذلك ممّا يَطولُ تعدادُه جدَّا، ويحتاج إلى كتاب مفرد يُوضَع له أنما كان ينبغي لمعاوية(4)أن يفكّر في هذا ويتأمّله، ويُخشى الله ويتقيه! فلعلّه علیه السلام إلى هذا أشار بقوله : «وجُحوداً لما هو ألزم لك من ليك ودَمِك مما قد وعاه سَمْعُك، ومُلىء به صَدْرُكَ».

قوله : (وفَمَاذَا بَعدَ الْحَيَّ إِلَّا الضَّلَل)(5)كلمةٌ من الكلام الإلهيّ المقدّس .

قال : «وبعد البَيان إلاَّ اللّبس »، يقال : لَبست عليه الأمرَ لَبْساً ، أي خلطتُه ، والمضارع يَلبِس بالكسر.

قال: «فاحذَر الشبَهة واشتمالها» على اللُُّبسة بالضمّ ، يقال في الأمر لُبسة أي اشتباه ولبس بواضح ؛ ويجوز أن يكون «اشتمال »مصدراً مُضافاً إلى معاوية، أي احذَر الشّبهة واحذر اشتمالك إيَّاها على اللبّسة، أي ادْراعَك بها وتقمُّصَك بها على ما فيها من الإبهام والاشتباه؛ ويجوز أن يكون مصدراً مضافاً إلى ضمير الشّبهة فقط، أي احذر الشّبهة واحتواءَها على اللّبسة الّتي فيها .

وتقول : أغدَفَت المرأةُ قِناعَها، أي أرسلته على وجهها، وأغذَف الليلُ، أي أرخَى سُدولَه، وأصلُ الكلمة التّغطية .

والجلابيب : جمع جِلباب، وهو الثّوب .

قال: «وأغشَت الأبصارَ ظُلْمتَها»: أي أكسبتها العَشَى وهو ظلمة العين. وروي «وأغشت» بالغين المعجمة «ظلمتَها» بالنّصب، أي جعلت الفتنة ظُلمتها غشاء للأبصار.

والأفَانين : الأساليب المختلفة .


1) أخرجه الطبراني في (الكبير) (6045) ، بلفظ : «أربعة»، وأخرجه أبو يعلى في مسنده) (2780)، بلفظ «ثلاثة».

2) أخرجه البخاري كتاب الصلاة باب التعاون في بناء المساجد (447)، ومسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (2915)، والترمذي :کتاب المناقب، باب مناقب عمار (3800) .

3) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (4674) ، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (186/5)، والطبراني في «الأوسط» (8433) ، والبزار في «مسنده» (604) ، وأبو يعلى في «مسنده» (519).

4) وكل من حارب علي بن أبي طالب أو وقف في وجهه في أي قضية كانت .

5) سورة يونس، الآية : 32 .

قوله : «ضعفت قُواها عن السّلم»، أي عن الإسلام، أي لا تَصدر تِلكَ الأفانينُ المختلِطة عن مُسلِم ، وكان كَتَب إليه يَطُلب منه أن يفرده بالشام، وأن يولِّيَه العهدَ من بعدِه، وألا يكلّفه الحضورَ عنده وقرأ أبو عمرو : (ادْخُلُوا فِي السّامِ كَافَةُ ) (1)وقال : ليس المعنيّ بعذا الصّلح، بل الإسلام والإيمان لا غير ومعنى «ضَعُفت قواها» أي ليس لتلك الطّلبات والدّعاوَى والشّبُهات التّي تَضمّنها كتابُك من القوّة ما يَقتضِي أن يكون المتمسّك به مُسلِماً ، لأنّه كلامٌ لا يقولُه إلاّ مَنْ هو إمّا كافرٌ مُنافق أو فاسق، والكافر ليس بمسلم والفاسق أيضاً ليس بمُسِلم - على قول أصحابِنا - ولا كافر .

ثم قال: «وأساطير لم يَحْكها منكَ عِلْم ولا حِلْم» الأساطير : الأباطيل، واحدها أسطورَة بالضم وإسطارَة بالكسر والألف. وحَوْكُ الكلام : صَنْعتُه ونَظْمُه . والحِلْم : العقل، يقول له : ما صدر هذا الكلام والهُجر الفاسد عن عالم ولا عاقل .

ومن رواها «الدِّهاس» بالكسر فهو جمع دَهْس ومَنْ قرأها بالفتح فهو مُفردَ، يقول ؛ هذا نفس ودَهاس بالفتح ، مثل لَبث ولبَاث للمكان السّهل الذي لا يَبلُغ أن يكون رملاً، وليس هو بترابٍ ولا طين.

والدِّيماس بالكَسْر : السِّرَب المُظلم تحت الأرض، وفي حديث المَسيح: «إنّه سَبْط الشَّعر، كثيرُ خِيلان الوَجْه ، كأَنّه خَرَج من ديماس »، يعني في نَضرتَه وكثرةِ ماءِ وَجْهه كأنّه خرج من كِنّ؛ لأنه قال في وصفِه : كأنّ رأسه يقطر ماءً، وكان للحجّاج سِجنٌ اسمه الدِّيماس(2)لظُلمته، وأصله من دَمَس الظلام يَدمُس أيّ اشتدّ وليل دامِسٌ ودامُوس، أي مُظلم: وجاءنا فلانٌ بأمور دُمْس أي مُظلِمة عظيمة يقول له : أنت في كتابك هذا كالخائض في تِلكَ الأرض الرِِّخوة، وتقوم وتقع ولا تتخلّص وكالخابط في الليل المُظلِم يعثر وينَهضَ ولا يُهتَدي الطريق.

والمَرْقَبة : الموضعُ العالي. والأعلام : جمع عَلَم، وهو ما يُهتَدى به في الطّرقات من المَنار، يقول له : سمَتْ همّتك إلى دَعوَى الخِلافة، وهي منك كالمرقَبة التي لا تُرام بتعدِّ على من يَطلبُها، وليس فيها أعلامٌ تهدي إلى سلوك طريقها، أي الطرقُ إليها غامضة، كالجَبَل الأملس الذي ليس فيه دَرَج ومراقي يُسلك منها إلى ذِروَته.

والأنوق على «فَعُول» بالفتح كأكُول وشَرَوب طائر، وهو الرَّخَمة. وفي المثل : «أعزّ من


1) سورة البقرة، الآية : 208 .

2) أخرج بنحوه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء ، باب : (وَهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ مُوسَى )(3394)، ،ومسلم ،کتاب الإيمان باب الإسراء (168) .

بَيضِ الأنوق» (1)؛ لأنها تُحرزه ولا يكاد أحدٌ يَظفَر به، وذلك لأنّ أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصّعبة البعيدة.

والعَيّوق: كوكب معروف فوق زُحَل في العُلوّ، وهذه أمثال ضَرَبها في بعدِ معاوية عن الخلافة.

ثم قال: «حاشَ لله أن أولِّيَك شيئاً من أمور المسلمين بَعدِي»، أي مَعاذَ الله ، والأصلُ إثبات الألف في «حاشا»، وإنما اتّبع فيها المصحف.

والوِرْد والصَّدّر الدّخول والخروجُ، وأصلُه، في الإبل والماء. ويَنهَد إليك عباد الله، أي وارتجَتْ عليك الأمورُ: أغلقت.

وهذا الكتابُ هو جواب كتاب وَصَل من معاوية علیه السلام إليه بعد قَتل عليّ علیه السلام الخوارجَ، وفيه تلويحٌ بما كان يقوله من قبل : إنّ رسول الله وَعَدني بقتال طائفة أخرى غيرِ أصحابِ الجَمَل وصِفّين، وإنّه سمّاهم المارقين، فلمّا واقَعَهم علیه السلام بالنَّهرَوان وقَتَلهم كلّهم بيوم واحد وهم عَشَرة آلاف فارس أحَبّ أن يذكِّر معاوية بما كان يقول من قبلُ، ويَعِدُ به أصحابه وخواصَّه، فقال له : قد آن لك أن تَنتفع بما عايَنت وشاهَدتَ معاينة ومُشاهَدةً، من صدق القول الّذي كنتُ أقوله للنَّاس ويبلغك فتستهزى به .


66 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه إلى

عبد الله بن العباس، وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَقُونَهُ، وَيَحْزَنُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، فَلاَ يَكُنْ أَفْضَلَ مَا يَلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوعُ لَذَّةٍ، أَوْ شِفَاءُ غَيْظ ؟ وَلَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ، وَإِحْيَاهُ حَقٌّ .

وَليَكُن سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ، وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ، وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.


الشرح: هذا الفَضل قد تقدّم شرح نظيره، وليس في ألفاظه ولا معانيه ما يفتقر إلى تَفسير، ولكنّنا سنَذكُر من كلام الحُكماء والصالحين كلماتٍ تُناسبه.


1) انظر «مجمع الأمثال» للميداني (390/2)، برقم (2601) .

بعض ما قيل في الدنيا وأحوالها

فمن كلام بعضهم : ما قُدر لك أتاك، وما لم يُقدَّر لك تَعدَّاك، فعَلام تَفرح بما لم يكن بدَّ من وُصوله إليَّك، وعلام تحزَن بما لم يكن ليقدم عليك!

ومن كلامهم: الدنيا تقبل إقبال الطالب وتدير إدبار الهارب، وتَصِل وصالَ المتهالك، وتُفارق فراقَ المُبغض الفارك(1)، فخيرها يَسير، وعيشُها قصير وإقبالها خدعة، وإدبارُها فَجْعة، ولذَّاتُها ،قانية وتَبعاتها باقية، فاغتَنمِ غفلة الزّمان، وانتهز فرصَة الإمكان، وخذ من نفسِك لنفسك، وتزوّد من يَوْمِكَ لغَدِكَ قبل نَفادِ المُدّة، وزوال القُدْرَة، فلكل امرىء من دنياه ما ينفعه على عمارة أخراه .

ومن كلامهم :من نَكَد الدّنيا أنّها لا تَبقى على حالة، ولا تَخلُو من استحالة، تُصلِح جانباً بإفسادِ جانب، وتسرّ صاحباً بمساءَةِ صاحب ؛ فالسّكون فيها خَطَر، والثقّة إليها غَرَر، والالتجاءُ إليها مُحال، والاعتماد عليها ضلال ومن كلامهم: لا تبتهجنّ لنفسك بما أدركتَ من لذَّاتها الجسمانيّة ، وابتهج لها بما تنالُه من لذّاتها العقليّة. ومن القول بالحقّ، والعمل بالحقّ، فإنّ الّلذّات الحسّيّة خيالٌ ينفد والمعارفَ العقليّة باقيةٌ بقاء الأبد.


67 - ومن كتاب له علیه اسلام كتبه إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجِّ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّام الله، وَاجْلِسٌ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ، فَأَنتِ الْمُسْتَقْنِي، وَعَلم الْجَاهِلَ ، وَذَاكِرِ الْعَالِمَ ، وَلا يَكُنْ لَكَ إِلَى النَّاسِ سَفِيرٌ إِلا لِسَانَكَ ،

وَلاَ حَاجِبٌ إِلا وَجْهَكَ. وَلا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا ، فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ مَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ وِرْدِها لَمْ تُحْمَدُ فِيمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا .

وَانْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ الله فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ والْمَجَاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الْمَفَاقِرِ وَالْخَلاتِ، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَفْسِمَهُ فِيمَن قِبلنا .

وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلا يَأخُذُوا مِنْ سَاكِنِ أَجْراً ، فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (سَوَاءٌ الْعَنكِفُ فِيهِ


1) الفَرْكُ : البِغْضَةُ عامة أو خاص ببغضة الزوجين، وامرأة فارك مبغضة لزوجها. القاموس المحيط، مادة (فرك).

والبار) (1)فَالْعَاكِفُ : الْمُقِيمُ ،بو، وَالْبَادِي : الَّذِي يَحُجُ إِلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَهْلِهِ، وَفَّقَنَا الله وإيَّاكُمْ لِمَحَابهِ؛ وَالسَّلام.


الشرح: قد تقدّم ذكر قُتمَ ونسبه. أمره أن يقيمَ للنّاس حجّهم، وأن يذكّرهم بأيّام الله ، وهي أيّام الإنعام، وأيّام الانتقام، لتَحُصل الرغبة والرّهبة. واجلس لهم العَصْرين : الغَداةَ والعَشيّ.

ثم قَسّم له ثمرةَ جلوسِه لهم ثلاثة أقسام: إمّا أن يفتيَ مُستفتياً من العامّة في بعض الأحكام، وإمّا أن يعلّم متعلّماً يطلُب الفِقه، وإمّا أن يُذاكر عالماً ويُباحيه ويُفاوِضه، ولم يَذكُر السّياسة والأمورَ السّلطانيّة لأنَّ غَرضه متعلّق بالحَجِيج، وهم أضيافه، يقيمون ليالي يسيرةً ويقفِلون؛ وإنّما يذكر السياسة وما يتعلّق بها فيما يَرجِع إلى أهل مَكّة، ومن يدخل تحت ولايته دائماً ، ثمّ نهاه عن توسّط السُّفَراء والحُجّاب بينه وبينهم، بل ينبغي أن يكون سفيرَه لسانُه، وحاجبَه وجهُه، ورُوي «ولا يكن إلاّ لسانُك سفيراً لك إلى الناس» يجعل «لسانك» اسم كان مثل قوله : (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا )(2)، والرواية الأولى هي المشهورة، وهو أن يكون «سفيراً» اسم كان، و«لك» خبرُها، ولا يصحّ ما قاله الراونديّ : إنّ خبَرها «إلى الناس»، لأنّ «إلى» ها هنا متعلّقة بنَفس (سَفير)، فلا يجوز أن تكون الخبر عن (سفير) ، تقول : سفرتُ إلى بني فلان في الصّلح، وإذا تعلّق حرفُ الجَرّ بالكلمة صار كالشيء الواحد.

ثم قال : فإنّها إن ذيدت أي طردَتْ ودُفعت .

كان أبو عبّاد ثابتُ بن يحيى كاتبُ المأمون إذا سئل الحاجَةَ يشتمُ السائل، ويسطُو عليه ويُخجِله ، ويُبكِّتُه ساعةً ثمّ يأمر له بها ؛ فيقول وقد صارت إليه، وهو يذمّه ويلعنه قال عليّ بن جَبَلة العكوّك :

لعَنَ الله أبا عَبادَ لعناً يتوالى

يُوسع السائلَ شتماً ***ثمّ يُعطيه السّؤالا

وكان الناسُ يَقفِون لأبي عَبّاد وقتَ رُكوبه، فيتقدّم الواحدُ منهم إليه بقصّته ليناوله إيّاها ، فیر کُله برِجله بالرّكاب، ويَضربه بسَوطه، ويطير غضباً، ثمّ لا ينزل عن فرسه حتّى يقضيَ حاجَتَه، ويأمرُ له بطَلبته، فينصرف الرجلُ بها وهو ذامٌ له ساخطُ عليه ؛ فقال فيه دِعبل :

أولى الأمور بضَيعة وفساد*** مُلكٌ يديره أبو عَبادِ

متعمِّد بدواتِه جُلساء*** فمضرج ومخضب بمداد


1) سورة الحج، الآية : 25 .

2) سورة النمل، الآية : 56 .

وكأنّه من دَيْرِ هِزقلَ مُغلتٌ***حرب يَجُرُّ سَلاسل الأقيادِ (1)

فاشدُد أمير المؤمنين صِفادَه*** بأشدّ منه في يد الحدادِ

وقال فيه بعضُ الشّعراء :

قل للخليفة يابن عمّ محمد*** قيّد وزيرك إنّه رَكَّالُ

فلسوطه بين الرؤوس مَسالكٌ*** ولرجله بين الصّدور مجالُ

والمفاقر : الحاجات ؛ يقال : سدّ الله مفاقره، أي أغنَى الله فَقْره ، ثم أمَرَه أن يأمر أهل مكّة ألاّ يأخذوا من أحَد من الحجيجِ أجرة مَسَكن، واحتجّ على ذلك بالآية، وأصحاب أبي حنَيفة يتمسّكون بها في امتناع بَيع دُور مكة وإجارتها، وهذا بناءً على أنّ المسجدَ الحرام هو مكّة كلّها ، والشافعيّ يَرَى خلافَ ذلك، ويقول : إنَّه الكعبة، ولا يمنع من بَيع دُورٍ مَكَّة ولا إجارتها ، ويَحتجّ بقوله تعالى : (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهم )(2)، وأصحاب أبي حنيفة يقولون : إنّها إضافة اختصاص لا إضافة تمليك، كما تقول : جلّ الدّابة، وقرأ «سَواء» بالنصب على أن يكون أحد مفعولي «جعلنا» أي جعلناه مُستوِياً فيه العاكف والباد، ومن قرأ بالرفع جعل الجُملة هي المفعول الثاني .


68 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه إلى

سلمان الفارسي رحمه الله قبل أيام خلافته

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيةِ ، لَيْنٌ مَنْهَا ، قَائِلٌ سَمُهَا ، فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا ، يقلّةٍ مَا يَصْحَبُك مِنْهَا ، وَضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا ، لِمَا أَيْقَنَتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا ، وَتَصَرُّف لِقِلَّةِ حالاتِهَا ، وَكُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ بِهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا ، فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ إِلَى مَحْذُورٍ أَوْ إِلَى إِبنَاس أَزَالَتْهُ عَنْهُ إِلَى إِيحاش؛ وَالسّلامُ .


الشرح: سلمان، رجلٌ مِن فارِسَ من رَامَهُرْمُز؛ وقيل: بل من أصبهانَ، من قرية يقال لها جَيّ، وهو معدودٌ من موالي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ؛ وكُنيتُه أبو عبد الله ، وكان إذا قيل : ابنُ مَن أنتَ؟ يقول : أنا سَلمان ابنُ الإسلام، أنا مِن بني آدم.


1) دیر هِنْقِل : بكسر أوله وزاي معجمة ساكنة وقاف مكسورة وهو دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم. معجم البلدان (366/4) مادة (ير).

2) سورة الحج، الآية : 4 .

وقد رُوي أنه قد تَداوَله أربابٌ كثيرة، بضعةَ عشرَ رَبَّا من واحد إلى آخر حتّى أفضَى إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.

وَرَوَى أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب «الاستيعاب» (1)ان سلمان أتَى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أنْ بصدقة، فقال : هذه صدقةً عليك وعلى أصحابك، فلم يقبلها ، وقال : «إنه لا تُحِلّ لنا الصدقة فَرنَعها، ثمّ جاء من الغَدِ بمِثِلها وقال : هَدِيَّة هذه، فقال لأصحابه : كلوا »(2).

واشتراه من أربابه، وهم قومٌ يَهود بدَرَاهِمَ، وعلى أن يَعْرِس لهم من التّخيل كذا وكذا، ويَعَمَل فيها حتى تُدرك ، فَغرَس رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ذلك النخلَ كلّه بيَدِه إلا نخلةٌ واحدة فَرسَها عمرُ بن الخطّاب ، فَأطعَم النّخل كلَّه إلاّ تلك النخلة، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «مَن فَرَسها»؟ قيل : عمر ؛ فقَلعها وغرَسَها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بيَدِه فأطعَمَت (3).

قال أبو عمر : وكان سَلمانُ يَسِفُ الخُوص (4)وهو أميرٌ على المدائن وتَبيعه ويأكُل منه : ويقول : لا أحِبّ أن أكلَ إلاّ من عَمَل يدي، وكان قد تعلّم سَفّ الخُوصِ مِن المّدينة.

وأوَّل مشاهده الخَندَق، وهو الّذِي أشار بَحفره، فقال أبو سُفيان وأصحابُه لما رأوه : هذه مَكيدَة ما كانت العرب تَكيدها .

قال أبو عمر : وقد رُوي أن سلمان شَهِد بَدْراً وأحداً، وهو عبدٌ يومَئذٍ؛ والأكثر أنّ أول مَشاهِدِه الخَندق، ولم يَقته بعد ذلك َمشهَد .

قال : وكان سلمان خَيْراً، فاضِلاً، حبراً عالماً زاهداً، متقشّفاً.

قال : وذَكَر هشامُ بنُ حَسّان عن الحسَن البَصريّ، قال: كان عَطاء سَلمانَ خَمسةَ آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تَصدّق به، ويأكُلُ من عَمَل يده، وكانت له عباءةٌ يَفرِش بعضها ويَلبَس بعضها .

قال : وقد ذكر ابن وَهب وابنُ نافع أنّ سَلمان لم يكن له بيت إنّما كان يَستظلّ بالجُدُر والشَّجَر، وأنّ رجلاً قال له : ألا أبني لك بيتاً تَسكُن فيه ؟ قال : لا حاجة لي في ذلك؛ فما زال به


1) (الاستيعاب في معرفة «الأصحاب»، للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله المعروف بابن عبد البر المتوفى سنة ( 463 ه-) ، وهو كتاب جليل القدر. «كشف الظنون» (81/1).

2) حديث عدم إحلال الصدقة أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب أخذ صدقة التمر عند حرام النحل (1485) ، ومسلم، کتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وعلى آله (1·74) .

3) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (2183) ، والبيهقي في «سننه» (321/10) .

4) الخوص: ورق النخل . القاموس المحيط مادة (خوص).

الرجلُ قال له : أنا أعرفُ البَيت الّذي يوافِقُك ؛ قال : فصِفه لي قال : أبني لك بَيْتاً إذا أنتَ قمتَ فيه أصابَ رأسَك سَقْفُه ، وإن أنتَ مَدَدتَ فيه رِجْلَيْك أصابَهما الجِدار؟ قال: نعم، فَبَنَى له .

قال أبو عمر : وقد رُوي عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من وجوه أنّه قال : لو كان الدين في الثريا لناله سَلْمان »(1)، وفي رواية أخرى «التاله رجل من فارِس »(2).

قال : وقد روينا عن عائشة قالت: كان لسَلمان مَجلسٌ مِن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ينفرد به باللّيل حتى كاد يَغلِبنا على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(3).

قال : وقد رُوي من حديث ابن بُرَيدة، عن أبيه أنّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال :«أمَرَني ربي بحُبّ أربعة، وأخبرني أنه يحبّهم علي، وأبو ذَرّ ، والمِقداد، وسَلمان» (4).

قال : ورَوَى قتادة عن أبي هريرة، قال: «سلمان صاحبُ الكِتابين »(5)يَعني : الإنجيل والقرآن .

وقد رَوَى الأعمش عن عَمْرو بن مرّة، عن أبي البَخْتَرِي، عن علي علیه السلام أنه سُئِل عن سلمان فقال : عَلِم العِلْمَ الأوّل، والعِلْمَ الآخِر، ذاك بحرٌ لا يُنزف، وهو منّا أهل البَيت.

قال : وفي رواية زَاذانَ، عن عليِّ علیه السلام : سَلمانُ الفارسيّ كلُقمانَ الحكيم .

قال : وقال فيه كَعب الأحبار: سَلْمانُ حُشِيَ عِلْماً وحِكمة.

قال : وفي الحديث المَرْوِيَ أنّ أبا سفيان مرّ على سلمان وصُهَيب وبلال في نفر من المسلمين فقالوا: ما أخذتِ السيوفُ من عُنُق عدوّ الله مأخَذَها - وأبو سُفيان يَسمَع قولَهم - فقال لهم أبو بكر : أتقولون هذا لِشَيْخ قريش وسيدها وأتى النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم وأخبَره فقال : يا أبا بكر، لعلّك أغضبتَهم ! لئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبت الله ، فأتاهم أبو بكر، فقال أبو بكر : يا إخوَتاه، لعلِّي أغضبتكم ! قالوا : لا يا أبا بكر، يَغفِر الله لك (6).


1) ذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب»، عند ترجمة سلمان الفارسي، (136/2)، برقم (1014).

2) أخرج بنحوه البخاري، كتاب تفسير القرآن باب قوله (وَهَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) (4898) ،ومسلم ،کتاب فضائل الصحابة، باب : فضل فارس (2546).

3) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب في الموضع السابق.

4) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب علي (3718) ، وابن ماجه ، كتاب المقدمة ،باب فضل سلمان وأبي ذر والمقداد (149) ، وأحمد في مسنده» (22505).

5) أخرجه الترمذي كتاب المناقب، باب مناقب عبد الله بن مسعود (3811)، والحاكم في المستدرك (5679).

6) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة باب فضائل سلمان وصهيب وبلال (2504)، وأحمد في مسنده (20117)، والنسائي في الكبرى» (8277) ، والطبراني في (الكبير) (18/18) .

قال : وآخَى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بينَه وبين أبي الدرداء لمّا آخَى بين المسلمين(1).

قال: ولِسلمانَ فضائلُ جَمّة، وأخبارٌ حسان؛ وتوفي في آخر خلافة عُثمانَ سنة خمس وثلاثين؛ وقيل : توفّي في أوّل سنة سِتّ وثلاثين. وقال قوم: توفِّي في خلافة عمرَ، والأوّل اكثَر.

وأمّا حديثُ إسلام سَلمانَ فقد ذكره كثيرٌ من المحدّثين ورَوؤه عنه قال : كنتُ ابن دِهْقانِ قرية جَيّ من أصبهان وبلغ من حُبّ أبي لي أن حبسَنَي في البيت كما تَحبَس الجارية، فاجتهدتُ في المجوسيّة حتّى صرت قَطَن (2)بيت النار، فَأَرسَلَني أبي يوماً إلى ضيعة له، فمررتُ بكَنيسةِ النصارى، فدخلتُ عليهم، فأعجبتني صَلاتُهم، فقلت: دين هؤلاء خير من ديني؛ فسألتُهم : أين أصلُ هذا الدّين ؟ قالوا : بالشام فهرَبْتُ من والدي حتّى قدمتُ الشام، فدخلتُ على الأسْقُف فجعلتُ أخدمه وأتعلّم منه، حتّى حضرته الوفاة، فقلتُ: إلى مَنْ تُوصِي بي ؟ فقال : قد هَلَك الناس وتَرَكُوا دينهم إلاّ رجلاً بالمؤصل فالحق به، فلمَّا قَضَى نحبَه لحقتُ بذلك الرّجل فلم يَلبَث إلاّ قليلاً حتى حضرته الوفاة، فقلتُ إلى مَنْ تُوصِي بي؟ فقال : ما أعلم رجلاً بقي على الطّريقة المستقيمة إلاّ رجلاً بنَصِيبين، فلحقتُ بصاحب نَصيبينَ . قالوا : وتلك الصَّوْمَعة اليوم باقية، وهي الّتي تعبد فيها سَلْمان قبل الإسلام . قال : ثمّ احتضِر صاحب نَصيبين، فَبعثني إلى رجل بَعموريَّةَ من أرض الروم، فأتيته وأقمتُ عنده، واكتسبتُ بقيرات وغنيمات، فلما نَزَل به الموت قلتُ له: بمنّ تُوصِي بي؟ فقال: قد ترك الناسُ دينَهم، وما بقيَ أحدٌ منهم على الحقّ ؛ وقد أظلّ زمانُ نبيّ مبعوث بدِينِ إبراهيمَ، يَخرُج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حَرِّتين لها ،نخل قلت فما علامته ؟ قال : يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتِفيه خاتَمُ النبوِّة.

قال: ومربي رَكب من كلب فخرجتُ معهم، فلمّا بلغوا بي وادي القُرى ظَلموني وباعوني من يهودِيّ، فكنتُ أعمل له في زَرْعه ونخله، فبينا أنا عنده إذ قدم ابن عمَّ له، فابتاعني منه، وحملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها، وبعث الله محمداً بمكة، ولا أعلم بشيء من أمره، فبينا أنا في رأس نخلة إذ أقْبَلَ ابنُ عم لسيّدِي ، فقال : قاتل الله بني قَيلة، قد اجتمعوا على رَجُلٍ بقباءَ قدم عليهم من مَكة، يزعمون أنه نبيّ ؛ قال : فأخذَنَي القُرّ (3)والانتفاض، ونزلتُ عن النّخلة، وجعلتُ أستقصي في السؤال، فما كلمَّني سيدي بكلمة، بل


1) حديث المؤاخاة أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف (6139)، والترمذي كتاب الزهد باب منه (2413) ، وابن حبان في «صحيحه» (320).

2) قطن النار خازنها وخادمها ويجوز أنه كان مقيماً عليها . لسان العرب مادة (قطن).

3) القُرُّ : البرد. القاموس المحيط مادة (قرر).

قال : أَقْبِِل على شَأنِك، ودَعْ ما لا يَعنِيك. فلمّا أمسيت أخذتُ شيئاً كان عندي من التمر، وأتيتُ به النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم فقلت له : بلغني أنك رجلٌ صالح، وأن لك أصحاباً غُرَباء ذوي حاجة، وهذا شيء عندي للصدقة، فرأيتكم أحقّ به من غيركم فقال علیه السلام لأصحابه : «كلوا»، وأمسك فلم يأكل ؛ فقلت في نفسي : هذه واحدة وانصرفتُ، فلما كان من الغد أخذتُ ما كان بقيَ عندي وأتيته به ، فقلت له : إني رأيتُك لا تأكل الصدقة وهذه هديّة، فقال: «كلوا وأكل معهم»، فقلتُ إنه لهوَ، فأكببت عليه أقبِِّله وأبكي ؛ فقال : ما لك؟ فقصَصْت عليه القصّة؛ ثم قال: يا سَلمان، كاتِب صاحِبك، فكاتبته على ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم للأنصار: «أعينوا أخاكم»، فأعانوني بالنخل حتى جمعت ثلاثمائة ودية، فوضعها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم،بیده فصحّت كلّها، وأتاه مالٌ من بعض المَغازي، فأعطاني وقال: «أَدَّ كتابتك، فأحيت وعَتَفت»(1).

وكان سَلمان من شيعة عليّ علیه السلام وخاصّته، وتَزْعُم الإماميّة أنه أحدُ الأربعة الّذين حَلَّقوا رؤوسهم وأتوه متقلّدي سيوفهم في خبر يَطُول ؛ وليس هذا موضع ذكره، وأصحابنا لا يخالفونهم في أن سلمان كان من الشيعة، وإنما يخالفونهم في أمر أزيد من ذلك؛ وما يذكره المحدثون من قوله للمسلمين يوم السقيفة: كرديد ونكرديد محمولُ عند أصحابنا على أن المراد صنعتم شيئاً وما صنعتم، أي استخلفتم خليفةٌ ونعم ما فعلتم إلا أنّكم عدَلتم عن أهل البيت فلو كان الخليفة منهم كان أولى ؛ والإمامية تقول: معناه:«أسلمتم وما أسلمتم»، واللفظة المذكورة في الفارسية لا تُعطي هذا المعنى، وإنما تدلّ على الفعل والعمل لا غير، ويدل على صحّة قول أصحابنا أن سلمان عمل لعمر على المدائن فلو كان ما تنسيه الإماميِّة إليه حقاً لم يعمل له (2).


فأما ألفاظ الفَصل ومعانيه فظاهرة، ومما يُناسِب مضمونه قول بعض الحكماء : تَعَزّ عن الشيء إذا مُنعته، بقلة صحبته لك إذا أُعْطِيتَه .

وكان يقال : الهالِك على الدنيا رجلان : رجلٌ نافس في عِزّها، ورجلٌ أَنف من ذُلّها .


1) أخرجه أحمد في «مسنده» (23225) ، والبزار في مسنده (2500) والطبراني في (الكبير) (7.70) .

2) أقول : يمكن لقائل أن يقول : بعد انتهت قصة السقيفة وبعد استقرار خلافة الأول والثاني رأى سلمان مصلحة كبيرة للإسلام إذا تولى هذا المنصب لا تدرك فيما لو تولاها غيره، وهذا يوجب على سلمان القبول حتى لو كان مخالفاً لقاعدة الخلافة ولعبة السقيفة .

ومرّ بعض الزّهاد بباب دار وأهلُها يبكون مَيْتاً لهم؛ فقال: واعجباً لقومٍ مسافرين ! يبكون مسافراً قد بلغ مَنزله !

وكان يقال : يابن آدم لا تأسف على مَفقود لا يردُّه عليك الفَوْت، ولا تَفْرَح بمَوْجود لا يتركُه عليك الموت.

لقي عالمٌ من العُلَماء راهباً فقال: أيُّها الراهب، كيف ترى الدنيا ؟ قال : تُخلِق الأبدان، وتجدّد الآمال، وتُباعِد الأمنيّة، وتقرّب المنيّة ؛ قال : فما حالُ أهلها؟ قال: مَن ظفر بها نَصَب ، ومن فاتَته أسف؛ قال: فكيف الغِنَى عنها ؟ قال : بقطع الرّجاء منها ؛ قال: فأيّ الأصحاب أبر وأوفى؟ قال : العمل الصالح ؛ قال : فأيهم أضر وأنكى ؟ قال : النفسُ والهوى ؛ قال: فكيف المخرج ؟ قال : في سلوك المنهج ، قال : وبماذا أسلكه؟ قال: بأن تخلع لباس الشهوات الفانية، وتعمل للدّار الباقية .


69 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه إلى الحارث الهمداني

الأصل: وَتَمَسَّكَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَانْتَصِحْهُ ، وَأَحِلَّ حَلالَهُ، وَحَرِّمْ حَرَامَهُ، وَصَدِّقَ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ، وَاعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا لِمَا بَقِيَ مِنْهَا ، فَإِنْ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً ، وَآخِرَهَا لاحق بِأَوّلِهَا ، وَكُلُهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ.

وَعَظْمِ اسْمَ الله أَنْ تَذْكُرَهُ إِلا عَلَى حَقٌّ، وَأَكْثِرُ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلا بِشَرط وَلِيقٍ .

وثبتي وَاحْذَرُ كُلِّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْذَرُ كُلِّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلانِيَةِ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ وَاعْتَذَرَ منْهُ وَلَا تَجْعَلْ عِرْضَكَ فَرَضاً لِيْبَالِ الْقَوْمِ، وَلَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ، فَكَفَى بِذَلِكَ كَذِباً ، وَلَا تَرُدُّ عَلَى النَّاسِ كُلِّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ، فَكَفَى بِذَلِكَ جَهْلاً .

والكظم الْغَيْظَ وَاحْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَتَجَاوَزْ عَنْدَ الْمَقْدِرَةِ، وَاصْفَحُ مَعَ الدَّوْلَةِ نَكُنْ لَكَ الْعَاقِبَةُ، وَاسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْكَ ، وَلَا تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهُ عِنْدَكَ، وَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ الله بِهِ عَلَيْكَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةٌ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمُ مِنْ خَيْرٍ يبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ، وَمَا تُوصَّرْهُ يَكُنُ لِغَيْرِك خَيْرُهُ .

وَاحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَقِيلُ رَأَبُهُ، وَيُنْكَرُ عَمَلُهُ، فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ.

وَاسْكُنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْذَرُ مَنَازِلَ الْغَفْلَةِ وَالْجَفَاءِ، وَقِلَّةِ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ الله، وَاقْصِرْ رَأْيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ.

وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ، وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ، وَأَكْثِرُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضَلْتَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشَّكْرِ.

وَلَا تُسَافِرْ فِي يَوْم جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلاةَ إِلا فَاصِلاً فِي سَبِيلِ الله، أَوْ فِي أَمْر تُعْذَرُ بِهِ. وَأَطِعِ اللَّه فِي جُمَلٍ أُمُورِكَ، فَإِنَّ طَاعَةَ الله فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا، وَخَادِعْ نَفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ وَارْفَقَ بِهَا تَقْهَرْها ، وَخُذْ عَفْوَهَا وَنَشَاطَهَا، إِلا مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا ، وَتَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلَّها .

وَأَيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَإِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةَ الفُساقِ، فَإنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقِّ .

وَوَفِّرِ الله، وَأَحْبِبْ أَحِبَاءَهُ، وَاحْذَرِ الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ؛ وَالسَّلَامُ .


الحارث الأعور

الشرح: هو الحارث الأعور صاحبُ أمير المؤمنين علیه السلام ، وهو الحارث بنُ عبد الله بن كعب بن أسد بن نَخْلة بن حَرث بن سَبع بن صَعْب بن معاوية الهمدانيّ ، كان أحد الفُقهاء ، له قولٌ في الفَتيا، وكان صاحب عليّ علیه السلام ، وإليه تنسب الشِّيعة الخطاب الذي خاطبه به في قوله علیه السلام:

يا حارِ هَمدان من يمث يَرَني ***من مؤمن أو منافَقِ قَبَلا

وهي أبياتٌ مشهورة قد ذكرناها فيما تقدّم.

بعض الأقوال الحكمية

وقد اشتمل هذا الفصل على وصايا جليلة الموقع :

منها قوله : «وتمسّك بِحَبْل القرآن»، جاء في الخبر المرفوع لما ذكر الثَّقلين فقال: «أحدهما كتابُ الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض طَرَف بيد الله وطرف بأيديكم »(1).


1) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أهل البيت (3788)، وأحمد في «مسنده» (10747) ، والطبراني في (الصغير» (363).

ومنها قوله : «انتصحه» أي عُدَّه ناصحاً لك فيما أمرك به ونهاك عنه .

ومنها قوله : «وأَحِلَّ حلاله وحَرَّم حرامه»، أي احكم بين الناس في الحلال والحرام بما نصّ عليه القرآن .

ومنها قوله : «وصدِّق بما سلف من الحق» أي : صدِّق بما تضمنَّه القرآن من أيام الله ومَثُلاته في الأمم السالفة لما عصوا وكذّبوا .

ومنها قوله : «واعتبر بما مضى من الدّنيا لما بقي منها».

وفي المثل : إذا شئت أن تنظر الدنيا بعدَك فانظرها بعد غيرك، وقال الشاعر :

وما نحنُ إلاّ مثلهم غير أننا*** أقمنا قليلاً بعدهم ثم نرحَلُ

ويناسب قوله :«وآخرُها لاحقٌ بأولها ، وكلها حائل مُفارق» قوله أيضاً علیه السلام في غير هذا الفصل الماضي :«للمقيم عِبرة والميت للحيّ عِظة، وليس لأمس عودة، ولا المرءُ من غدِ على ثقة، الأول للأوسط رائد والأوسط للأخير قائد؛ وكلِّ بكلّ لاحق، والكلُّ للكلِّ مُفارق ».

ومنها قوله : «وعَظْم اسم الله أن تذكره إلا على حَق»، قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا الله عرَضَةُ الأَيْمَيكُمْ) (1)، وقد نهى عن الحلف بالله في الكذب والصدق، أمّا في أحدهما فمحرّم وأما في الآخر فمكروه، ولذلك لا يجوز ذكر اسمه تعالى في لغو القول والهزءِ والعبث .

ومنها قوله : «وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت»، جاء في الخبر المرفوع: «أكثرُوا ذكر هاذم اللذَّات» (2)، وما بعد الموت العقابُ والثوابُ في القبر وفي الآخرة.

ومنها قوله : «ولا تتمّن الموت إلا بشرط وثيق»، هذه كلمةٌ شريفة عظيمة القذر، أي لا تتمنّ الموتَ إلا وأنت واثق من أعمالك الصالحة أنها تؤديك إلى الجنة، وتُنقِذك من النار ؛ وهذا هو معنى قوله تعالى لليهود:( إن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوا الموتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (3).

ومنها قوله : «واحذر كلّ عمل يرضاه صاحبه لنفسه، ويكرهه لعامة المسلمين، واحذر كل عمل يُعمل في الستر، ويُستحيا منه في العلانية، واحذر كل عمل إذا سُئل عنه صاحبه أنكره واعتذر منه»، وهذه الوصايا الثلاث متقاربةٌ في المعنى، ويشملها معنى قول الشاعر :


1) سورة البقرة، الآية : 224 .

2) أخرجه الترمذي كتاب الزهد باب ما جاء في ذكر الموت (2307)، والنسائي، كتاب: الجنائز، باب : كثرة ذكر الموت (1824) ، وابن ماجه ،کتاب الزهد باب ذكر الموت والاستعداد له (4258)، وأحمد في «مسنده» (7865).

3) سورة الجمعة، الآيتان: 6 ، 7 .

لا تنةَ عن خُلق وتأتي مثلهُ*** عار عليك إذا فعلتَ عظيمُ

وقال الله تعالى حاكياً عن نبي من أنبيائه: ﴿وَمَا أريدُ أنْ تُخَالِفكُمْ إِلَى مَا أَنْهَنكُمْ عَنه)(1).

ومن كلام الجُنَيد الصّوفيّ : لِيَكُن عَمَلُك من وراء سترك كعَمَلك من وراء الزجاج الصافي .وفي المثل وهو منسوبٌ إلى عليّ علیه السلام : إيّاك وما يُعتذر منه (2).

ومنها قوله : «ولا تَجْعَل عِرْضك غَرَضاً لنبال القوم»، قال الشاعر :

لا تستتر أبداً ما لا تقومُ له ***ولا تَهيجنّ من عِرِّيهِ الأَسَدا

إنّ الزنّابيرَ إن حركتها سَفَها ***مِن كورها أو جعتْ مِن لَسْعِها الجَسَدا

وقال :

مَقالةُ السُّوء إلى أهلها ***أسرَعُ من مُنحدَر سائل

ومَنْ دَعَا الناس إلى ذمّه*** ذَمَّوء بالحقّ وبالباطل

ومنها قوله : «ولا تُحدّث الناسَ بكّل ما سمعتَ، فكفى بذلك كَذِباً»، قد نهى أن يحدّث الإنسان بكلِّ ما رأى من العجائب فَضْلاً عمّا سَمِع، لأنّ الحديثَ الغريبَ المعجبَ تُسارع النفسُ إلى تكذيبه، وإلى أن تقوم الدّلالة على صِدقه قد فَرّط من سوء الظنّ فيه ما فرط.

ويقال : إن بعض العَلَويّة قال في حَضْرة عَضُد الدولة ببغداد : عندنا في الكُوفة نَبِقٌ وَزْنُ كلّ نَبقِة مثقالان. فاستطرَف المِلك ذلك، وكاد يكذّبه الحاضرون، فلمّا قام ذكر ذلك لأبيه، فأرسَل حَماماً كان عنده في الحال إلى الكوفة يأمر وكلاءَه بإرسال مائةِ حمامةٍ، في رجلي كلّ واحدة نبقَتان من ذلك النَّبق ، فجاء النّبق في بُكْرة الغَدِ وحُمل إلى عَضُد الدّولة، فاستحسَنه وصدّقه حينئذ، ثم قال له : لَعَمري لقد صدَقت، ولكن لا تحدّث فيما بعدُ بكلّ ما رأيتَ من الغرائب، فليس كلّ وقت يتهيّأ لك إرسال الحمام.

وكان يقال : الناس يَكتُبون أحسنَ ما يَسمعون، ويَحفَظون أحسن ما يَكتبون، ويتحدّثون بأحسن ما يَحفَظون ؛ والأصدق نوع تحت جنس الأحسن.

ومنها قوله : «ولا تردّ على الناس كل ما حدّثوك، فكفى بذلك جَهْلاً» ، من الجَهْل المبادرة بإنكار ما يَسمَعه ، وقال ابنُ سينا في آخر «الإشارات» (3): إياك أن يكون تكيسك وتبرؤك من


1) سورة هود الآية : 88 .

2) انظر «مجمع الأمثال» للميداني (721)، برقم (172).

3) الإشارات والتنبيهات في المنطق والحكمة للشيخ الرئيس أبي علي الحسين بن عبد الله الشهير بابن سينا، المتوفى سنة ( 428 ه-) ، وهو كتاب : صغير الحجم كثير العلم مُسْتَصْعَبٌ على الفهم منطو على كلام أولي الألباب «كشف الظنون» (94/1).

العامة، أن تَنبري منكِراً لكلّ شيء، فلذلك عَجْز وطيش، وليس الخُرْق في تكذيبك ما لم يَستين لك بعد جليّته دون الخُرق في تصديقكِ بما لم تَقُم بين يَديك بينّةٌ، بل عليك الاعتصام بَحبل التوقّف وإن أزعَجك استنكار ما يُوعيه سَمْعك ممّا لم يبرهن على استحالته لك، فالصواب أن تسرّح أمثال ذلك إلى بُقعة الإمكان، ما لم يَذْدك عنها قائمُ البُرْمان.

ومنها قوله : «واكظم الغيظ » قد مَدَح الله تعالى ذلك فقال : (والحَظِمِينَ الْغَيْظ)، ورُوِي أن عبداً لموسى بن جعفر علیه السلام قدم إليه صَحفة فيها طعام حارّ، فعجل فصبّها على رأسه ووجهه، فغَضب، فقال له : (وَالحَظِمِينَ الْغَيْظَ ) ؛ قال : قد كظَمت قال: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال : قد عفوتُ قال :(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (1)، قال : أنت حرّ لوجه الله ، وقد نَحَلتُك ضَيْعتي الفلانيّة.

ومنها قوله : «واحلُم عند الغَضَب» ، هذه مُناسَبة الأولى، وقد تقدَّم منّا قولٌ كثيرٌ في الحِلْم وفضله ؛ وكذلك القول في قوله علیه السلام : «وتجاوَز عند القدرة»، وكان يقال: القُدرة تذهب الحَفِيظة.

ومنها قوله :«واصفح مع الدّولة تكن لكَ العاقبة»؛ هذه كانت شيمةُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وشيمة عليّ علیه السلام ؛ أمّا شيمة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فظفر بمشركي مكَّة وعفا عنهم ،كما سبق القولُ فيه في عام الفَتح ؛ وأمَّا عليّ علیه السلام فظِفَر بأصحاب الجمل وقد شَقّوا عصا الإسلام عليه، وطَعَنوا فيه وفي خلافتِه، فعفا عنهم، مع علمه بأنّهم يُفسِدون عليه أمره فيما بعد، ويَصيرون إلى معاوية، إمَّا بأنفسهم أو بآرائهم ومكتوباتهم، وهذا أعظمُ من الصّفح عن أهل مكة، لأنَّ أهلى مكَّة لم يبقَ لهم لما فتحت فئة يتحيّزون إليها، ويُفسدون الدّين عندها .

ومنها قوله : «واستَصلح كلّ نعمة أنعَمها الله عليك» معنى استَصِلحها استَدِمها، لأنَّه إذا استدامها فقد أصلَحها ، فإن بقاءَهَا صلاحٌٍ لها واستدامتها بالشكر.

ومنها قوله :« ولا تضيعنّ نعمة من نعم الله عندَك» أي واس الناسَ منها ، وأَحْسِن إليهم، واجعل بعضها لنَفسك وبعضها للصّدقة ،والإيثار، فإنّك إن لم تفعل ذلك تكن قد أضعتَها .

ومنها قوله : «وليرَ عليك أثرُ النّعمة قد أمر بأنْ يُظهر الإنسان على نفسه آثار نعمة الله عليه ، وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِتْ ) (2). وقال الرشيد لجعفر: قم بنا لنمضي إلى منزل (3).


1) سورة آل عمران الآية: 134 .

2) اخرجه البيهقي في السنن الكبرى (118/9) ، والربيع في مسنده) (419)، والحكم الترمذي في «نوادر الأصول» (325/1).

3) سورة الضحى، الآية : 11 .

الأصمعيّ، فمضيا إليه خِفية ومعهما خادمٌ معه ألف دينار ليَدْفَع ذلك إليه، فدَخَلا دارَه فوجدا كَساءٌ جَرْداءَ، وباريّة (1)سَملاء (2)، وحصيراً مقطوعاً، وخباءٌ ،قديمة، وأباريق من خزف، ودَواةٌ من زُجاج ، ودَفاترَ عليها التراب وحيطاناً مملوءةً من نَسج العناكِب، فوَجَم الرشيدُ، وسأله مسائلَ غَمَّةٌ لم تكن من غَرَضه، وإنّما قطع بها خَجَله ؛ وقال الرشيد لجعفر: ألا ترى إلى نفس هذا المهين، قد بررناه بأكثر من خمسين ألفَ دينار وهذه حالُه، لم تَظهر عليه آثارُ نعمتنا! والله لا دفعتُ إليه شيئاً، وخرج ولم يعُطِه .

ومنها قوله : «واعلم أنّ أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسِه وأهله وماله»، أي أفضلهم إنفاقاً في البرّ والخير في ماله، وهي التَّقدمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُقَدِّمُوا لأنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجدُوهُ)(3)، فأمّا النفس ،والأهل فإنَّ تقدِمتهما في الجهاد، وقد تكون التّقدمة في النَّفس بأن يشفعَ شفاعةً حسنةً أو يحضر عند السّلطان بكلام طيّب، وثناء حَسَن ، وأن يُصلِح بين المُتخاصِمَين، ونحو ذلك. والتَّقدمة في الأهل أن يحجّ بوَلَده وزوجته ويكلِّفها المشاقّ في طاعة الله، وأن يؤدِّب ولده إن أذنَب وأن يقيم عليه الحدّ، ونحو ذلك .

ومنها قوله : «وما تُقدم من خيرَ يبق لك ذخره وما تؤخره يكن لغيرك خيرُه»، وقد سبق مثلُ هذا، وأنَّ ما يتركه الإنسانُ بعده فقد حُرِم نفعه، وكأنّما كان يكدَح لغيره، وذلك من الشّقاوة وقلة التوفيق .

ومنها قولُه : «واحذر صحابَة من يَقيلُ رأيه »الصحابة بفتح الصاد، مصدر صحبت والصَّحابة بالفتح أيضاً جَمعُ صاحب، والمرادُها هنا الأوّل، وقال رأيُه : فَسَد؛ وهذا المعني قد تكرّر، وقال طَرَفة :

عن المرء لا تسأل وسَلْ عن قَرِينِهِ*** فإنَّ القَرِينَ بالمُقارن يَقتِدي

ومنها قوله : «واسكُن الأمصار العظام»، قد قيل : لا تسكن إلا في مصر فيه سوقٌ قائمة، ونهرُ جارٍ، وطبيبٌ حاذق، وسلطان عادل، فأما منازل الغَفْلة والجفاء، فمِثلُ قُرَى السّواد الصغار، فإنّ أهلها لا نُورَ فيهم ولا ضوءً عليهم، وإنما هم كالدواب والأنعام، هَمُّهم الحَرْث والفلاحة، ولا يفقهون شيئاً أضلاً، فمجاوَرَتهم تُعمِي القلب، وتُظلم الحس، وإذا لم يجد الإنسانُ منَ يُعينه على طاعةِ الله وعلى تعلم العِلم قصَّر فيهما .

ومنها قوله : «واقصر رأيك على ما يغنيك ؛ كان يقال : من دَخَل فيما لا يعنيه فاتَه ما يعنيه .


1) البَارِيَّة : الحصير المنسوج. لسان العرب، مادة (بور).

2) سَملاة : خَلِقَة. لسان العرب مادة (سمل).

3) سورة البقرة، الآية : 110 .

ومنها نَهيهُ إيَّاه عن القُعود في الأسواق؛ قد جاء في المَثَل : الشوق محلّ الفُسوق. وجاء في الخبر المرفوع:«الأسواقُ مواطن إبليس وجندِه»، وذلك لأنّها قلّما تخلو من الأيمان الكاذبة، والبُيوع الفاسدة، وهي أيضاً مَجمَع النّساء المُومِسات، وفجّار الرجال، وفيها اجتماعُ أربابالأهواء والبِدَع، فلا يخلُو أن يَتجادَل اثنان منهم في المذاهب والنِّحل فيُفضي إلى الفِتَن .

ومنها قوله : «وانظر إلى من فُضّلْتَ عليه» ؛ كان يقال : انظر إلى مَن دُونَك، ولا تَنظُر إلى مَنْ فَوْقَك . وقد بيّن السرّ فيه فقال : إن ذلك من أبواب الشّكر، وصَدَق ، لأنّك إذا رأيت جاهلاً وأنتَ عالم، أو عالماً وأنت أعلَمُ منه، أو فقيراً وأنتَ أغْنَى منه ؛ أو مُبتلّى بسَقَم وأنتَ مُعافًى عنه ، كان ذلك باعثاً وداعِياً لك إلى الشكر .

ومنها نهيُه عن السّفر يوم الجمعة، ينبغي أن يكون هذا النهيُ عن السَّفَر يومَ الجمعة قبلَ الصلاة، وأمّا بعد الصلاة، فلا بأس به، واستَثنَى فقال : إلا فاصلاً في سبيل الله، أي شاخِصاً إلى الجهاد.

قال: «أو في أمرٍ تُعذَر به» أي لضرورة دَعَتْك إلى ذلك .

وقد وَرَد نهيٌ كثيرٌ عن السّفر يومَ الجمعة قبل أداء الفرض على أن من الناس من كَرِه ذلك بعد الصّلاة أيضاً، وهو قولٌ شاذ.

ومنها قولُه : «وأطعِ الله في جُمَل أمورك»، أي في جُمْلَتها، وفيها كلّها، وليس يَعنِي في جُملَتها دون تفَاصِيلها . قال : «فإنّ طاعة الله فاضلةٌ على غيرها»، وصَدَق علیه السلام، لأنّها توجب السعادةَ الدائمة، والخلاصَ من الشّقاء الدائم، ولا أفضلَ ممّا يؤدّي إلى ذلك.

ومنها قوله : «و خادِعُ نَفسَك في العبادة» ؛ أمَرَه أن يتلَطّف بنفسه في النّوافل، وأن يُخادِعَها ولا يقهَرها فتَملَّ وتَضجَر وتترُك ، بل يأخذ عفوها، ويتوخى أوقات النشاط، وانشراح الصدر للعبادة .

قال : فأمّا الفرائض فحُكمُها غيرُ هذا الحُكم عليك أن تقوم بها ؛ كرِهَتْها النفسُ أو لم تَكرهها . ثمّ أمَرَه أن يقوم بالفريضة في وقتها، ولا يؤخّرها عنه فتصيرَ قضاءً.

ومنها قولُه : «وإيّاك أن يَنزِل بك المنون وأنتَ آبِِقٌ من ربّك في طلب الدّنيا»؛ هذه وصيّة شريفة جدًّا، جَعل طالبَ الدنيا المُعرِضَ عن الله عند مَوْته كالعَبد الآبق يقدم به على مَوْلاه أسيراً مكتوفاً ناكس الرأس، فما ظنك به حينئذٍ !

ومنها قوله : «وإيّاك ومصاحبة الفُسّاق، فإنّ الشر بالشرّ مُلحَق» ؛ يقول : إنّ الطباع يَنزع بعضُها إلى بعض، فلا تَصحَبنَ الفُسّاق فإنّه يَنزع بك ما فيك من طَبع الشرّ إلى مساعَدَتهم على الفُسوق والمَعصِية، وما هو إلاّ كالنّار تَقوَى بالنار، فإذا لم تُجاوِرُها وتُمازِجها نارٌ كانت إلى الانطفاء والخمود أقرب .

ورُوِي «مُلحِق» بكسر الحاء ، وقد جاء ذلك في الخبر النبويّ «فإن عذابَك بالكفّار مُلحِق» (1)بالكسر.

ومنها قولُه: «وأحِب أحباءه»، قد جاء في الخبر : «لا يَكمُل إيمانُ امرىء حتّى يُحب من أحَبّ الله، ويُبغض من أبغض الله »(2).

ومنها قوله:«واحذَر الغَضَب»، قد تقدّم لنا كلامٌ طويل في الغَضَب. وقال إنسانٌ للنبّيّ صلی الله علیه وآله وسلم : أوصِني ؛ قال : «لا تَغْضَب» فقال : زِدْني؛ فقال: «لا تغضب»؛ قال: زِدني؛ قال: «لا أجد لك مزيداً»(3)، وإنّما جعلَه علیه السلام جُنداً عظيماً من جُنودِ إبليس، لأنَّه أصلُ الظّلم والقَتل وإفساد كلّ أمرٍ صالح، وهو إحدى القوّتين المشؤومتَين اللِّتين لم يخلق أضرِّ منهما على الإنسان، وهما منَبَع الشّر : الغَضَب والشَّهْوَة.


70 - ومن كتاب له علیه السلام إلى سهل بن حنيف الأنصاري وهو عامله على المدينة، في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنْ رِجَالاً مِمَّنْ قِلَكَ يَتَسَلَّلُون إلَى مُعَاوِيَةَ، فَلا تَأْسَفْ عَلَى مَا يَقُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ، فَكَفَى لَهُمْ غَيَّا، وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً

فِرَارُهُم مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ ، وَإِيضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَالْجَهْلِ ؛ فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا ، وَمُهْطِعُونَ إِلَيْهَا ، قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِّ. أسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ، فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحْقاً ! إِنَّهُمْ وَالله لَمْ يَفِرُّوا مِنْ جَوْرٍ ، وَلَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُذَلَّلَ الله لَنَا صَعْبَهُ، وَيُسَهْلَ لَنا حَزَنَهُ، إِنْ شَاءَ اللهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ.


الشرح: قد تقدّم نسبُ سَهْل بن حنيفُ وأخيه عثمانَ فيما مضى.


1) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (211/2)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (4969)، و«شرح معاني الآثار» للطحاوي (249/1) ، والمقريزي في «مختصر كتاب الوتر»، ص 142، وأبو داود في «المراسيل» (89).

2) أخرجه محمدي الريشهري بما معناه ميزان الحكمة: 197/1.

3) أخرجه أحمد في مسنده بما معناه 34/5، وأخرجه البخاري بما معناه في صحيحه : 100/7 .

ويتسلّلون : يَخرُجون إلى معاويةَ هاربِين في خِفية واستتار.

قال: «فلا تأسَف» أي لا تحزن. والغَيّ: الضلال .

قال: «ولك منهم شافياً»، أي يكفيك في الانتقام منهم وشفاء النّفس من عقوبَتِهم أنّهم يتسلّلون إلى معاوية قال ارض لمن غاب عنك غَيْبَته ، فذاك ذَنْبٌ عِقابُهُ فيه .

والإيضاع: الإسراع وَضَعَ البعيرُ أي أسرَعَ ، وأَوْضَعَه صاحبُه، قال :

رأى بَرْقاً فأوضع فوقَ بَكْرٍ*** فلايَكُ ما أسال ولا أعلمَا

ومُهْطِعون: مُسرعون أيضاً، والأثَرَة : الاستثار ، يقول : قد عَرَفوا أني لا أقيم إلاّ بالسّويّة، وأنِّي لا أنفّل قوماً على قوم، ولا أعطِي على الأحساب والأنساب كما فعل غيري، فتَرَكوني وهَرَبوا إلى مَنْ يَستأثرَ ويُؤثر. قال : «فبُعْداً لهم وسُحقاً»، دعاءٌ عليهم بالبُعد والهلاك.

ورُوي أنّهم لم «يَنفروا» بالنّون، من نَفَرَ؛ ثم ذكر أنَّه راج من الله أن يذلّل له صَعْبَ هذا الأمر، ويُسهِّل له حَزْنه ؛ والحَزْن، ما غَلُظ من الأرض، وضدّه السِّهْل .


71 - ومن كتاب له علیه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي وقد كان استعمله على بعض النواحي، فخان الأمانة في بعض ما ولاه من أعماله

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ صَلاحَ أَبِيكَ غَرْنِي مِنْكَ، وَظَنَنتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وَنَسْلُكُ سَبِيلَهُ ، فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُكِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لا تَدَعُ لَهَوَاكَ انْقِيَاداً ، وَلا تُبقي لآخِرَتِكَ عَنَاداً ، تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ؛ وَلَئِنْ كَان مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقًّا لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ. وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلِ أَنْ يُسَدَّ بِهِ نَفْرٌ ، أَوْ يُنقَذَ بِهِ أَمْرٌ ، أَوْ يُعْلَى لَهُ ققَدْرٌ ، أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ ، أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ، فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا إِنْ شَاءَ الله . قال الرضي رضي الله عنه : الْمُنْذِرُ بن الجارود هَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : إِنَّهُ لَنَفَّارٌ فِي عِطْفَيْهِ مُخْتَالٌ فِي بُرْدَيْهِ، تَفَّالٌ فِي شِرَاكَيْهِ.


المنذر وابوه الجارود

الشرح: هو المُنذِر بنُ الجارود. واسم الجارود بشرُ بن خنيس بن المعلّى؛ وهو الحارثُ بنُ زَيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عَوْف بن أنمار بن عَمْرو بن وديعة بن

لكَيْز بن أفصى بن عبد القَيس بن أقصى بن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أَسَد بن ربَيعة بن نزار بن مَعَدّ بن عَدْنان، بينُهم بيتُ الشّرف في عَبْد القيس، وإنّما سُمّي الجارودُ لبَيتٍ قاله بعضُ الشُّعراء فيه في آخره:

كما جردَ الجارود بكر بنَ وائل

ووفد الجارودُ على النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم في سنة تسع، وقيل : في سنة عشر. وذكر أبو عمرَ بن عبد البرّ في كتاب «الاستيعاب» أنه كان نصرانيَّا فأسلم وحَسُن إسلامُه، وكان قد وفَد مع المُنذِر بن ساوى في جماعة من عبد القيس، وقال:

شهدتُ بأنّ الله حقٌّ وسامَحَتْ ***بَناتُ فؤادي بالشهادة والنهض

فأبلغ رسول الله منّي رسالة*** بأنّي حَنِيفٌ حيثُ كنتُ من الأَرْضِ

قال : وقد اختُلِف في نسبه اختلافاً كثيراً، فقيل : بشر بن المعلّى بن خُنَيس؛ وقيل : بشر بن خُنيس بن المعلىّ ، وقيل : بشر بن عَمْرو بن العَلاء ، وقيل : بشر بنُ عمرو بن المعلّى، وكنيته أبو عتّاب، ويكنى أيضاً أبا المُنذِر. وسَكَن الجارودُ البَصرة، وقُتِل بأرض فارسَ ؛ وقيل : بل قُتِل بنهاوَند مع النّعمان بن مُقرّن . وقيل : إن عثمان بنَ العاص بعثَ الجارود في بَعْثِ نحو ساحل ،فارس، فقيل بمَوْضع يُعرَف بعقبة الجارود، وكان قبلَ ذلك يُعرَف بعقبة الطّين؛ فلمّا قتل الجارودُ فيه عرفه الناسُ َبعَقَية الجارود، وذلك في سنة إحدى وعشرين. وقد رَوَى عن النبیّ صلی الله علیه وآله وسلم أحاديث ورويَ عنه، وأمّه دريمكة بنت رُويم الشّيبانية .

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنىّ في كتاب «التّاج»: إن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم أكَرم الجارود وعبدَ القيس حين وَفَدا إليه، وقال للأنصار :« قوموا إلى إخوانكم، وأشبه الناس بكم (1)؛ قال : لأنهم أصحاب نَخْل ، كما أن الأوس والخَزرج أصحابُ نخل، ومسكنهم البَحرين واليمامة. قال أبو عبيدة: وقال عمرُ بنُ الخطاب: لولا أني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : «إن هذا الأمر لا يكون إلا في قريش »(2)لما عدلت بالخلافة عن الجارود بن بشر بن المعلى، ولا تخالجني في ذلك الأمور.

قال أبو عبيدة : ولعبد القيس ست خصال فاقت بها على العَرَب ؛ منها : أسوَدُ العَرَب بَيْتاً ، وأشرَفُهم رَهْطاً الجارود هو ووَلَدَهُ .

ومنها أشجَع العَرَب حكيمُ بنُ جَبَلة ، قُطعت رجله يومَ الجمل، فأَخَذَها بيَدِه وزَحَف على قاتله فضربَةَ بها حتى قَتَله، وهو يقول :


1) أخرجه النسائي في سننه بما معناه ح: 1802 .

2) أخرج بنحوه البخاري كتاب المناقب، باب مناقب قریش (3500)، ومسلم، کتاب الإمارة، باب : الناس تبع لقريش (1820) ، وأحمد في مسنده) (4817)، والدارمي كتاب السير، باب : الإمارة في قريش (2521).

یانفسُ لا تُراعِي ***إن قطعتُ كُراعِي

إن معي ذراعي

فلا يُعرَف في العرب أحدٌ صَنّع صنيعه .

ومنها أعبَدُ العَرَب هَرِم بن حَيّان صاحب أوَيْس القَرَنيّ .

ومنها أجود العَرَب عبدُ الله بن سواد بن همّام، غزا السّیند في أربعة آلاف، ففتحَها وأطعم الجيش كلّه ذاهباً ،وقافلاً، فبلغه أنّ رجلاً من الجيش مَرِض ، فاشتهى خَبيصا (1)، فأمر باتّخاذ الخبيص لأربعة آلاف إنسان، فأطعَمَهم حّتى فضل، وتقدّم إليهم ألاّ يُوقد أحدٌ منهم ناراً لطعام في عَسكره مع ناره .

ومنها أخَطب العرب مَصقَلة بن رقبة، به يُضرب المَثَل فيقال : أخَطبُ من مَصقلة .

ومنها أهْدَى العرب في الجاهليّة وأبعدُهُم مغاراً وأثراً في الأرض في عَدوه، وهو دُعَيْمِيص الرّمل كان يُعرَف بالنجوم هدايةٌ، وكان أهدى من القَطا، يدفن بيضَ النّعام في الرّمل مملوءًا ماءً ثم يعود إليه فيستخرجه .

فأما المُنذِر بن الجارُود فكان شريفاً، وابنُه الحكم بن المُنذِر يتلوه في الشّرف، والمنذِر غيرُ معدود في الصّحابة، ولا رَأى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ولا وُلد له في أيّامه، وكان تائهاً معجَباً بنفسه، وفي الحَكم ابيه يقول الراجز :

يا حَكَم بن المنذر بن الجارُود*** أنتَ الجوادُ ابن الجوادِ المحمود

سُرادقُ المجد عليك ممدود

وكان يقال : أطُوعُ الناسِ في قَوْمه الجارُودُ بن بشر بن المعلّى، لما قُبِض رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فارتدّت العَرَب، خَطَب قومَه فقال : أيّها الناس إن كان محمد قد مات فإن الله حيّ لا يموت فاستمسِكوا بدينكم، ومن ذهب له في هذه الفتنة دينارٌ أو درهم أو بقرة أو شاة فعليّ مثلاء، فما خالَفَه من عبد القيس أحد .


قوله علیه السلام: «إن صلاح أبيك غرّني منك»، قد ذَكَرنا حال الجارود وصحبتَه وصلاحه، وكثيراً ما يغترّ الإنسان بحال الآباء فيظنّ أن الأبناء على منهاجهم، فلا يكون والأمرُ كذلك (يُخرجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَي)(2).


1) الخَبيصُ : الحواء المعمولة من التمر والسمن. وهو معروف القاموس المحيط ولسان العرب مادة (خبص).

2) سورة يونس الآية : 31 .

قوله : «فيما رُقّي» بالتشديد أي فيما رفع إلينا ؛ وأصله أن يكون الإنسان في موضع عالٍ فيرقى إليه شيء، وكأن العلو ها هنا هو علو المرتبة بين الإمام والأمير، ونحوه قولهم : تعال باعتبار علوّ رُتبة الأمر على المأمور. واللاَّم في «الهواك» متعلقة بمحذوف دلّ عليه «انقياداً»، ولا يتعلَّق بنفس «انقياد» لأنَّ المتعلق من حروف الجرّ بالمصدر لا يجوز أن يتقدم على المصدر.

والعتاد العُدّة.

قوله : «وتصل عشيرتك»، كان فيما رُقّي إليه عنه أنه يقتطع المال ويُفيضه على رَهْطه وقومِه ويُخرِج بعضه في لذَّاته ومآربه .

قوله «لجمل أهلِكَ»، العَرَب تَضِرب بالجَمل المَثَل في الهوان قال :

لقد عَظُم البعيرُ بغَير لُب ***ولَمْ يَستغن بالعِظَم البعيرُ

يُصرفه الصبيّ بكلّ وجه ***ويحبسه على الخَسْف الجريرُ (1)

وتضربه الوليدةُ بالهراوَى*** فلاغِيَر لديه ولا نكيرُ

فأمّا شِسْع النغل فضَرْب المثل بها في الاستهانة مشهور، لابتذالها ووطئها الأقدام فيالتراب.

ثم ذكر أنَّه من كان بصفته فليس بأهل لكذا ولا كَذَا، إلى أن قال: «أو يشرك في أمانة»؛ وقد جَعَل الله تعالى البلاد والرعايا أمانة في ذمّة الإمام، فإذا استعمل العمّال على البلاد والرعايا فقد شرَكهم في تلك الأمانة.

قال: «أو يأمن على جباية»، أي على استحِباء الخراج وجمعه، وهذه الرّواية الّتي سمعناها، ومن الناس من يَرويها «على خيانة» وهكذا رواها الراوندي، ولم يرو الرواية الصّحيحة التي ذكرناها نحن ؛ وقال يكون «على» متعلّقة بمحذوف، أو «بيؤمن» نفسها، وهو بعيدٌ ومتكلَّف.

ثم أمَره أن يُقبل إليه ، وهذه كنايةٌ عن العزّل .

فأمّا الكلمات الّتي ذكرها الرضيّ عنه علیه السلام في أمر المُنذِر فهي دالّة على أنه نَسَبه إلى التيِّه والعُجب، فقال: «نظّار في عِطفيه»، أي جانبيه، ينظر تارةً هكذا وتارة هكذا، ينظُر لنفسه، ويَستحسِن هَيئته ولبستَه، وينظر هل عنده نَقص في ذلك أو عَيب فيستدركُه بإزالته، كما يفعل أربابُ الزّهو ومن يدّعي لنفسه الحسن والملاحة.


1) الجرير: حبل يجعل للبعير بمنزلة العِذار للدّابة والزّمام القاموس المحيط مادة (جور).

قال: «مختالٌ في بُرْدَيْه : يمشي الخيلاء عُجْباً»، قال محمد بن واسع لابن له وقد رآه يختال في بردِ له: ادنُ، فدنا فقال: من أين جاءَتك هذه الخيلاء وَيُلك! أما أمّك فأمَة ابتَعثُها بمائتي درهم، وأمّا أبوك فلا أكثَرَ الله في الناس أمثاله .

قوله : «تفّال في شِراكيه»، الشِّراك: السَّير الّذي يكون في النّعل على ظَهر القدم.

والتَّفْل بالسكون : مصدر تَفَل، أي بَصَق والتَّفَل محركاً البُصاقُ نفسه، وإنّما يفعله المُعجِب والتّائه في شِراكَية ليذهب عنهما الغُبار والوسخ، يَنْقُل فيهما ويمسَحهما ليعودان كالجديدين .


72 - ومن كتاب له علیه السلام إلى عبد الله بن العباس علیه السلام

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ، وَلاَ مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ، وَاعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ : يَوْمٌ لَكَ، وَيَوْمٌ عَلَيْكَ، وَأَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ، فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ .


الشرح: قد تقدّم شرحُ مثل هذا الكلام، وهذا معنًى مطروق، قد قال الناس فيه فأكثروا ، قال الشاعر:

قد يُرزق العاجزُ الضعيفُ وما*** شَديكُورٍ رَحْلا ولا قَتَبَا

ويُحرم المرء ذو الجلادة والرّأي ***ومن لا يزال مُغتريا

ومن جيّد ما قيل في هذا المعنى قول أبي يعقوب الخُرِيمي :

هل الدهر ُإلاّ صَرفُه وتوائبُة ***وسَرّاءُ عيش زائل ومصائبة

يقولُ الفتى ثمرتُ مالي وإنّما*** لوارثه ما ثمّر المال كاسبُة

يُحَاسِبُ فيه نفسَه في حياتِهِ ***ويتركه نَهْباً لمن لا يحَاسِبُهُ

فكُله وأطعِمُهُ وخالِسه وارثاً ***شحيحاً ودهراً تعتريك نوائبة

أرى المال والإنسان للدّهر نُهبةً*** فلا البخلُ مبقيه ولا الجود خارِبُهُ

لكلِّ امرى رزق وللرزق جالب*** وليسَ يفوت المرة ما خط َّكاتبُة

يخيبُ الفتى من حَيثُ يُرْزَقُ غيره*** ويُغطى الفتى مِنْ حَيثُ يحرَمُ صاحِبة

يُساق إلى ذا رِزقه وهو وَادِعٌ ***ويُحرَمُ هذا الرزق وهو يغالبة

وإنّك لا تدري: أرزقُك في الذي*** تطالبه أم في الذي لا تطالبُة!

تناسَ ذنوب الأقربينَ فإنه ***لكل حميم راكب هو راكبُة

له هفوات في الرخاء يشوبُها*** بنصرة يوم لا توارى كواكِبُة

تراه عُدُوا ما أمِنت وتشّقى*** بجبهته يوم الوَغَى مَنْ يحارِبُهُ

لكل امرى إخوان بؤس ونعمة*** وأعظمهم في النائبات أقاربة


73 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية

الأصل: أمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي عَلَى التَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ، وَالاسْتِمَاعِ إِلَى كِتَابِكَ، لَمُوَمِّنْ رَأيي، وَمُخَطَى فِرَاسَتي، وَإِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ ، وَتُرَاجِعُني السطور، كالمُسْتَقِل النَّائِم تُكَذِّبُهُ أَحْلامُهُ، وَالْمُتَحَيْرِ الْقَائِمِ يَبْهَظُهُ مَقَامُهُ؛ لَا يَدْرِي أَلَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ، وَلَسْتَ بِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شبية.

وَأُقْسِمُ بِالله أَنَّهُ لَوْلاَ بَعْضُ الاِسْتِبْقَاءِ لَوَصَلَتْ مِنِّي إِلَيْكَ قَوَارِعُ تَقْرَعُ الْعَظْمَ، وَتَنْهَسُ اللحم.

وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ تَبْطَكَ عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ، وَتَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحكَ، وَالسَّلامُ لِأَهْلِهِ.


الشرح: روي (نوازع) جمع نازعة، أي جاذبة قالعة، وروي «تهلس اللحم» و«تلهس» بتقديم اللام، وتهلس بكسر اللام تذيبه حتى يصير كبدن به الهُلاس، وهو السلّ؛ وأمّا تلهس فهو بمعنى تلحس أبدلت الحاء هاء ؛ وهو عن ليست كذا بلساني بالكسر ، الحسه، أي تأتي على اللحم حتى تلحسه ،لحساً، لأن الشيء إنما يلحس إذا ذهب وبقي أثره، وأما «يَنْهَس» وهي الرواية المشهورة، فمعناه يعترق.

وتأذَن بفتح الذال، أي تسمع.

قوله علیه السلام«إني لموهِّن رأيي» بالتشديد ؛ أي إني لائم نفسي، ومستضعف رأيي في أن جعلتك نظيراً، أكتب وتجيبني، وتكتب وأجيبك ؛ وإنما كان ينبغي أن يكون جواب مثلكالسكوت لهوانك.

فإن قلت : فما معنى قوله «على التردد؟».

قلت : ليس معناه التوقّف، بل معناه الترداد والتكرار ؛ أي أنا لائم نفسي على أني أكرر تارة بعد تارة أجوبتك عمّا تكتبه .

ثم قال: وإنك في مناظرتك ومقاومتي بالأمور التي تحاولها، والكتب التي تكتبها كالنائم يرى أحلاماً كاذبة، أو كمن قام مقاماً بين يدي ،سلطان أو بين قوم عقلاء ليعتذر عن أمر ليخطب بأمر في نفسه قد بهظه مقامه ذلك؛ أي أثقله فهو لا يدري: هل ينطق بكلام هو له، أم عليه فيتحيّر ويتبلّد، ويدركه العِيُّ والحَصر(1).

قال : وإن كنتَ لستَ بذلك الرّجل فإنك شبيه به ؛ أمّا تشبيهه بالنائم ثم ذي الأحلام، فإن معاوية لو رأى في المنام في حياة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أنه خليفةٌ يخاطب بإمرة المؤمنين، ويحارب عليَّا على الخلافة، ويقوم في المسلمين مقام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لما طلب لذلك المنام تأويلاً ولا تعبيراً، ولعدّه من وساوس الخيال وأضغاث الأحلام ؛ وكيف وأنّى له أن يخطر هذا بباله، وهو أبعد الخلق منه ! وهذا كما يخطر للنّقاط (2)أن يكون مَلّكاً، ولا تنظرنّ إلى نسبه في المناقب، بل انظر إلى أن الإمامة هي نبوّة مختصرة، وأن الطليق المعدود من المؤلفة قلوبهم المكذّب يقلبه وإن أقرّ بلسانه، الناقص المنزلة عند المسلمين، القاعد في أخريات الصفّ؛ إذا دخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين، كيف يخطر ببال أحد أنها تصير فيه ويملكها ويسمه الناس وسمَها، ويكون للمؤمنين أميراً، ويصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدين والفَضْل! وهذا أعجب من العَجب أن يجاهد النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قوماً بسيفه ولسانه ثلاثاً وعشرين سنة، ويلعنهم ويبعدهم عنه، وينزل القرآن بذمهم ولعنهم، والبراءة منهم، فلما تمهدّت له الدولة، وغلب الدين على الدّنيا، وصارت شريعة دينية محكمة مات فشيَّد دينه الصالحون من أصحابه، وأوسعوا رقعة ملَّته، وعظم قدرُها في النفوس، فتسلمها منهم أولئك الأعداء الذين جاهدهم النبي صلی الله علیه وآله وسلم فملكوها وحكموا فيها، وقتلوا الصُّلحاء والأبرار وأقارب نبيّهم الذين يظهرون ،طاعته، وآلت تلك الحركة الأولى وذلك الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم ؛ فليته كان يبعث فيرى معاوية الطّليق ،وابنه ومَرْوان وابنه خلفاء في مقامه، يحكمون على المسلمين، فوضح أن معاوية فيما يراجعه ويكاتبه به ؛ كصاحب الأحلام.

وأما تشبيهه إياه بالقائم مقاماً قد بهظه ؛ فلأن الحجج والشبه والمعاذير التي ذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت، فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام يخبط خبط العشواء، ويكتب ما يعلم هو والعقلاء من النّاس أنه سفَه وباطل.


1) الحَصَرُ : ضيق الصدر. لسان العرب مادة (حصر).

2) النَّفَّاط: مستخرج النفط من معدنه وبائع النفط. المعجم الوسيط، مادة (نفط).

فإن قلت : فما معنى قوله علیه السلام : «لولا بعض الاستبقاء»؟ وهل كانت الحال تقتضي أن يستبقي ! وما تلك القوارع التي أشار إليها ؟

قلت : قد قيل : إن النبي صلی الله علیه وآله وسلم فَوّض إليه أمر نسائه بعد موته وجعل إليه أن يقطع عصمة أيتَّهن شاء إذا رأى ذلك، وله من الصحابة جماعةٌ يشهدون له بذلك، فقد كان قادراً على أن يقطع عصمة أم حبيبة، ويبيح نكاحها الرّجال عقوبة لها ولمعاوية أخيها ، فإنها كانت تُبغض عليَّا كما يُبغضه أخوها ولو فعل ذلك لانتهسَ لحمه، وهذا قول الإماميّة، وقد رووا عن رجالهم أنه علیه السلام تهدد عائشة بضرب من ذلك ، وأما نحن فلا نصدّق هذا الخبر، ونفسّر كلامه على ،آخر وهو أنه قد كان معه من الصحابة قوم كثيرون سمعوا من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يلعن معاوية بعد إسلامه، ويقول : إنّه منافق كافر، وإنّه من أهل النار، والأخبار في ذلك مشهورة ؛ فلو شاء أن يحمل إلى أهل الشام خطوطهم وشهاداتهم بذلك، ويسمعهم قولهم ملافظة ومشافهة لفعل، ولكنه رأى العدول عن ذلك، مصلحةً لأمر يعلمه هو علیه السلام ، ولو فعل ذلك لانتهس لحمه وإنما أبقى عليه.

وقلت لأبي زيد البصريّ : لِمَ أبقى عليه ؟ فقال : والله ما أبقى عليه مراعاة له، ولا رفقاً به، ولكنه خاف أن يفعل كفعله، فيقول لعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبي أرطاة وأبي الأعور وأمثالهم : ارووا أنتم عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم أن عليَّا علیه السلام منافق من أهل النار ثم يُحمل ذلك إلى أهل العراق ؛ فلهذا السبب أبقَى عليه .


74 - ومن حلف له علیه السلام كتبه بين ربيعة

واليمن ونقل من خط هشام بن الكلبي

الأصل: هَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا ، وَرَبيعَةُ حَاضِرُهَا وَبَادِيهَا ، أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ الله يَدْعُونَ إِلَيْهِ، وَيَأْمُرُونَ بِهِ وَيُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ، لَا يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ، وَلا يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلاً، وَأَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةً عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَتَرَكَهُ، وَأَنَّهُمْ أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ ، لا يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ هَاتِبٍ، وَلا لِغَضَبٍ غَاضِبٍ، وَلاَ لاسْتِذْلالِ قَوْمٍ قَوْماً ، وَلَا لِمَسَبِّةِ قَوْمٍ قَوْماً ، عَلَى ذَلِكَ شَاهِدُهُمْ وَغَائِبُهُمْ، وَسَفِيهُهُمْ وَعَالِمُهُمْ، وَحَلِيمُهُمْ وَجَاهِلُهُمْ .

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَهْدَ الله وَمِيثَاقَهُ ، إِنَّ عَهْدَ الله كَانَ مَسْؤُولاً . وَكَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ.

الشرح: الحِلْف : العهد أي ومن كتاب حِلف؛ فحذف المضاف. واليمن كلّ مَن ولده قحطان؛ نحو حِميَر، وعکّ، وجُذام، وكندة، والأزد، وغيرهم.

وربيعة، هو ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وهم بكر وتغلب، وعبد القيس .

وهشام، هو هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، نسّابة ابن نسّابة؛ عالم بأيّام العرب وأخبارها ، وأبوه أعلم منه، وهو يروي عن أبيه.

والحاضر : ساكنو الحَضَر والبادي: ساكنو البادية ؛ واللفظ لفظ المفرد والمعنى الجمع .

قوله : «إنهم على كتاب الله» حرف الجرّ يتعلّق بمحذوف، أي مجتمعون.

قوله : «لا يشترونَ به ثمناً قليلاً»، أي: لا يتعوضون عنه بالثمن، فسمّى التعوّض اشتراء؛ والأصل هو أن يشتري الشيء بالثمن لا الثمن بالشيء، لكنه من باب اتساع العرب، وهو من ألفاظ القرآن العزيز(1)، وأنّهم يدٌ واحدة، أي: لا خلف بينهم.

قوله : «المعتبة عاتب»، أي: لا يؤثر في هذا العهد والحلف، ولا ينقضه أن يعتب أحد منهم على بعضهم؛ لأنه استجداء فلم يُجدِه، أو طلب منه أمراً فلم يقم به، ولا لأنّ أحداً منهم غضب من أمر صدر من صاحبه ولا لأنّ عزيزاً منهم استذلّ ذليلاً منهم ولا لأنّ إنساناً منهم سبّ أو هجا بعضهم، فإنّ أمثال هذه الأمور يتعذّر ارتفاعها بين الناس؛ ولو كانت تنقض الحلف لما كان حلف أصلاً .

واعلم أنه قد ورد في الحديث عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم :«كل حِلف كان في الجاهليّة فلا يزيده الإسلام إلا شدة»(2)؛ ولا حلف في الإسلام، لكن فعل أمير المؤمنين علیه السلام أولى بالاتّباع من ، خبر الواحد؛ وقد تحالفت العرب في الإسلام مراراً، ومن أراد الوقوف على ذلك فليطلبه من كتب التواريخ .


75 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية من المدينة في أول ما بويع له بالخلافة - ذكره الواقدي في كتاب الجمل

الأصل: مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِي أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ :


1) هذا اقتباس من سيدنا علي من القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَابِي ثَمَنًا قَلِيلًا) [البقرة: 41}.

2) أخرجه أحمد في «مسنده» (2904)، والترمذي كتاب السير، باب ما جاء في الحلف(1585) والدارمي كتاب السير باب لا حلف في الإسلام (2526).

أَمَّا بَعْدُ؛ فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِي فِيكُمْ، وَإِعْرَاضِي عَنْكُمْ، حَتَّى كَانَ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَلاَ دَفْعَ لَهُ، وَالْحَدِيثُ طَوِيلٌ، وَالْكَلاَمُ كَثِيرٌ ، وَقَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ ، وَأَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ، فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ وَأَقْبِلْ إِلَيَّ فِي وَقدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ. وَالسَّلام.


الشرح: كتابه إلى معاوية ومخاطبته لبني أميّة جميعاً . قال : «وقد علمت إعذاري فيكم»، أي كوني ذا عذر لو لمْتُكُمْ أو ذممتكم - يعني في أيام عثمان - .

ثم قال : «وإعراضي عنكم» أي مع كوني ذا عذر لو فعلت ذلك فلم أفعله، بل أعرضت عن إساءتكم إليّ وضربت عنكم صفحاً. حتى كان ما لا بدّ منه - يعني قتل عثمان وما جرى من الرّجَبَة بالمدينة.

ثم قاطعه الكلام مقاطعة وقال له : والحديث طويل، والكلام كثير، وقد أدبر ذلك الزمان، وأقبل زمان آخر ، فبايع وأقدم ؛ فلم يبايع ولا قدم وكيف يبايع وعينه طامحة إلى الملك والرّياسة منذ أمّره عمر على الشام ؛ وكان عاليَ الهمّة، تواقاً إلى معالي الأمور، وكيف يطيع عليَّا والمحرّضون له على حَربه عدد الحصا! ولو لم يكن إلا الوليد بن عقبة لكفي، وكيف يسمع قوله :

فوالله ما هندٌ بأمّك إن مضى ***النّهارُ ولم يشار بعثمان ثائرُ

أيقتل عبدُ القوم سيّد أهله*** ولم تقُتلوه، ليت أمك عاقرُ

ومن عجب أن بتّ بالشام وادعاً*** قريراً وقد دارت عليه الدوائر!

ويطيع عليَّا، ويبايع له، ويُقدم عليه، ويسلّم نفسه إليه، وهو نازل بالشام في وسط قَحطان و دونه منهم حَرَّة (1)لا ترام ؛ وهم أطوع له من نعله، والأمر قد أمكنه الشروع فيه ؛ وتالله لو هذا التحريضُ أجبنُ الناس وأضعفهُم نفساً وأنقصهُم همّة لحّركه وشحَذَ من عزمه ؛ فكيف معاوية، وقد أيقظ الوِليدُ بشعره من لا ينام!


76 - ومن وصية له علیه السلام

لعبد الله بن العباس عند استخلافه إياه على البصرة

الآصل: سَعِ النَّاسَ بِوَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَحُكْمِكَ، وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ . وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ الله يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا بَاعَدَكَ مِنَ الله يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ .


1) الحَرَّةُ : أرض ذات حجارة سود نخرات كأنها أحرقت بالنار. لسان العرب مادة (حرر) .

الشرح: روي: «وحلمك». والقرب من الله هو القرب من ثوابه ؛ ولا شبهة أن ما قرّب من الثواب باعدَ من العقاب، وبالعكس لتنافيهما

فأمّا وصيّته له أن يَسَع الناس بوجهه ومجلسه وحكمه، فقد تقدّم شرح مثله، وكذلك القول في الغضب :

وطَيرة من الشيطان بفتح الطاء وسكون الياء، أي خفّة وطيش قال الكميت :

وحِلْمُكَ عِز إذا ما حَلُمْتَ ***وَطَيرتُك الصَّابُ والحنظل

77- ومن وصية له علیه السلام

لعبد الله بن العباس أيضاً لما بعثه للاحتجاج على الخوارج

الأصل: لا تُخاصِمْهُمْ بالْقُرْآنَ فإنّ الْقُرْآنَ حَمَالٌ ذُو وُجُوهِ، تَقُولُ وَيَقُولُونَ... ولكن حاججهم بالسُّنَّةِ، فَإِنْهم لَنْ يَجِدُوا عَنها مَحِيصاً .


الشرح: هذا الكلام لا نظير له في شرفه وعلوّ معناه، وذلك أنّ القرآن كثير الاشتباه، فيه مواضع يُظنّ في الظاهر أنها متناقضة متنافية، نحو قوله : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ) (1)وقوله : (إلَى بَيْها نَاظِرَةٌ )(2)ونحو قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بين أيديهم سَنَا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يبصرون )(3) وقوله : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (4)، ونحو ذلك، وهو كثير جدَّا ؛ وأما المسنة فليست كذلك، وذلك لأنّ الصحابة كانت تسأل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وتستوضح منه الأحكام في الوقائع وما عساه يشتبه عليهم من كلامهم؛ يراجعونه فيه ؛ ولم يكونوا يراجعونه في القرآن إلا فيما قلّ؛ بل كانوا يأخذونه منه تلقفاً ، وأكثرهم لا يفهم معناه، لا لأنه غير مفهوم؛ بل لأنهم ما كانوا يتعاطون فهمه ؛ إما إجلالاً له أو ترسول الله أن يسألوه عنه، أو يجرونه مجرى الأسماء الشريفة التي إنما يراد منها بركتها لا الإحاطة بمعناها ؛ فلذلك كثر الاختلاف في القرآن .

وأيضاً فإن ناسخه ومنسوخه أكثر من ناسخ السنّة ومنسوخها ؛ وقد كان في الصحابة مَنْ يسأل الرّسول عن كلمة في القرآن يفسرها له تفسيراً موجزاً ، فلا يحصل له كل الفهم، لما أنزلت


1) سورة الأنعام، الآية : 103 .

2) سورة القيامة، الآية : 23 .

3) سورة يس الآية 9 .

4) سورة فصلت الآية : 17 .

آية الْكَلالَةَ ، وقال في آخرها : (يُبَانُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا )(1)، سأله عمر عن الكلالة ما هو؟ فقال له : «يكفيك آية الصيف» (2)، لم يزد على ذلك، فلم يراجعه عمر وانصرف عنه، فلم يفهم ،مراده، وبقي عمر على ذلك إلى أن مات، وكان يقول بعد ذلك : اللهم مهما بَينتَ، فإنّ عمر لم يتبين ، يشير إلى قوله : (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا)(3)وكانوا في السنّة ومخاطبة الرسول على خلاف هذه القاعدة، فلذلك أوصاه عليٌّ علیه السلام أن يحاجَّهم بالسنة لا بالقرآن.

فإن قلت : فهل حاجّهم بوصيّته؟

قلت : لا ، بل حاجّهم بالقرآن، مثل قوله : (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ) (4)ومثل قوله في صيد المحرم : (يَحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ ) (5)؛ ولذلك لم يرجعوا والتحمت الحرب، وإنما رجع باحتجاجه نفر منهم .

فإن قلت : فما هي السنّة التي أمره أن يحاجهم بها؟

قلت: كان لأمير المؤمنين علیه السلام في ذلك غرض صحيح، وإليه أشار، وحوله كان يطوف ويحوم، وذلك أنه أراد أن يقول لهم : قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم «عليٌّ مع الحقّ والحق مع عليّ يدور معه حيثما دار»(6)، وقوله : «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله »(7)، ونحو ذلك من الأخبار التي كانت الصحابة قد سمعتها من فَلْقِ فيه صلوات الله عليه وقد بقي ممن سمعها جماعة تقوم الحجّة وتثبت بنقلهم، ولو احتجّ بها على الخوارج في أنه لا يحلّ مخالفته والعدول عنه بحال لحصل من ذلك غرض أمير المؤمنين في محاجتهم، وأغراض أخرى أرفع وأعلى منهم ؛ فلم يقع الأمر بموجب ما أراد، وقُضي عليهم بالحزب ؛ حتى أكلتهم عن آخرهم، وكان أمر الله مفعولاً .



1) سورة النساء، الآية : 176 .

2) أخرجه مسلم، کتاب الفرائض باب ميراث الكلالة (1617) ، والترمذي، كتاب: التفسير ،باب: ومن سورة النساء (3042) ، وأبو داود، كتاب الفرائض باب: من كان ليس له ولد (2889) ، وابن ماجه ،کتاب الفرائض ، باب : الكلالة (2726) ، وأحمد في «مسنده» (90).

3) سورة النساء، الآية : 176 .

4) سورة النساء الآية: 35 .

5) سورة المائدة، الآية : 95 .

6) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد»، كتاب: الفتن، باب: فيما كان في الجل اكل وصفين (12031)، وذكره الخطيب في تاريخ بغداد (14 / (320)، في ترجمة يوسف بن محمد بن علي ،برقم (7643) .

7) تقدم تخريجه .

78- ومن كتاب له علیه السلام اجاب به أبا موسى الأشعريَّ عن كتاب كتبه إليه من المكان الذي اتعدوا فيه للحكومة

وذكر هذا الكتاب سعيد بن يحيى الأموي في كتاب المغازي

الأصل: فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظْهِمْ، فَمَالُوا مَعَ الدُّنْيَا، وَنَطَقُوا بِالْهَوَى، وَإِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْزِلاً مُعْجِباً ؛ اجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ انْفُسُهُمْ، وَانا أَدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَعُودَ عَلَقاً يَعُودُ، وَلَيْسَ رَجُلٌ - فَاعْلَمْ - أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى جَمَاعَةِ اُمَّةٍ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَلْفَتِهَا مِنِّي ابْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ الْمَآبِ.

وَسَافِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي، وَإِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحٍ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّقِي مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ الْعَقْلِ وَالنَّجْرِبَةِ، وَإِنِّي لَأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطِلِ، وَأَنْ أَفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ الله، فَدَعْ عَنْكَ مَا لا تَعْرِفُ فَإِنْ شِرَارَ النَّاسِ طَافِرُونَ إِلَيْكَ بِأَقَاوِيلِ السُّوءِ، والسَّلاَمُ.


الشرح: روي: «ونطقوا مع الهوى»، أي مائلين مع الهوى.

وروي: «وأنا أداري» بالراء، من المداراة، وهي الملاينة والمساهلة.

وروي:«نفع ما أولى» باللام ؛ يقول : أوليته معروفاً .

وروي: «إن قال قائل بباطل ويفسد أمراً قد أصلحه الله»(1).

واعلم أنّ هذا الكتاب كتاب مَن شكّ في أبي موسى واستوحش منه ؛ ومن قد نقل عنه إلى أبي موسى كلاماً إمّا صدقاً وإمّا كذباً وقد نقل عن أبي موسى إليه كلاماً إمّا صدقاً أيضاً وإما كذباً ، قال علیه السلام: إن الناس قد تغيّر كثير منهم عن حظهم من الآخرة، فمالوا مع الدنيا وإنّي نزلت من هذا الأمر منزلاً معجباً ، بكسر الجيم ، أي : يعجب من رآه، أي: يجعله متعجّباً منه .

وهذا الكلام شكوى من أصحابه ونُصَّاره من أهل العراق فإنهم كان اختلافهم عليه واضطرابهم شديداً جدًّا. والمنزل والنزولها هنا مجاز واستعارة، والمعنى أني حصلت في هذا الأمر الذي حصلت فيه على حال معجبة لمن تأملها ؛ لأني حصلت بين قوم كل واحد منهم مستبد برأي يخالف فيه رأي صاحبه ؛ فلا تنتظم لهم كلمة ولا يستوثق لهم أمر ؛ وإن حكمت


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 304/33 .

عليهم برأي أراه أنا خالَفوه وعصوه، ومن لا يطاع فلا رأي له، وأنا معهم كالطبيب الذي يداوي قَرْحاً، أي جراحة قد قاربت الاندمال ولم تندمل بعدُ ؛ فهو يخاف أن يعود عَلَقاً، أي دماً .

ثم قال له : ليس أحد - فاعلم - أحرَصَ على ألفة الأمة وضمّ نشر المسلمين.

وأدخل قوله : «فاعلم» بين اسم ليس وخبرها فصاحة ويجوز رفع «أحرص» بجعله صفةً لاسم «ليس»؛ ويكون الخبر محذوفاً - أي ليس في الوجود رجل .

وتقول : قد وأيتُ وأياً ، أي وعدت وعداً، قال له : أما أنا فسوف أفي بما وعدت وما استقرّبيني وبينك ؛ وإن كنت أنت قد تغيّرت عن صالح ما فارقتني عليه.

فإن قلت : فهل يجوز أن يكون قوله :«وإن تغيّرت» من جملة قوله فيما بعد «فإنّ الشقي» كما تقول : إن خالفتني فإنّ الشقيّ من يخالف الحق.

قلت : نعم؛ والأوّل أحسن؛ لأنه أدخلُ في مدح أمير المؤمنين علیه السلام كأنه يقول: «أنا أفي وإن كنتَ لا تفي» والإيجاب يحّسنه السلب الواقع في مقابلته :

والضّدّ يظهر حسنَه الضّدُّ

ثم قال: «وإني لأعْبَد» أي: آنَف من عبد بالكسر أي :أنِف، وفسروا قوله : (فَأَنَا أَوَّلُ اللْعَبِدِينَ ) (1)بذلك ، يقول : إنّي لأنف من أن يقول غيري قولاً باطلاً، فكيف لا أنف أنا من ذلک لنفسي ! ثم تختلف الرّوايات في اللفظة بعدها كما ذكرنا .

! ثم قال :«فدَع عنك ما لا تعرف» أي : لا تبن أمرك إلا على اليقين والعلم القطعيّ، ولا بيج تَضغ إلى أقوال الوشاة ونَقَلة الحديث؛ فإنّ الكذب يخالط أقوالهم كثيراً، فلا تصدِّق ما عساه يبلِّغك عنّي شرار الناس ؛ فإنّهم سراع إلى أقاويل السوء ؛ ولقد أحسن القائل فيهم :

إنْ يَسْمَعُوا الخيْرَ يُخْفُوه وإنْ سَمِعُوا*** شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا كَذَبُوا

ونحو قول الآخر:

إن يَسْمَعُوا ريبةً طَارُوا بها فَرَحاً ***وإِن ذُكِرْتُ بخير عندهم دَفَنُوا


79 - ومن كتاب كتبه علیه السلام لما استخلف إلى أمراء الأجناد

الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ، وَأَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ.


1) سورة الزخرف، الآية : 81 .

الشرح: أي: منعوا الناس الحق فاشترى الناس الحق منهم بالرّشا والأموال، أي: لم يضعوا الأمور مواضعَها، ولا ولّوا الولايات مستحقِّيها، وكانت أمورهم الدينية والدنياوية تجري على وفق الهوى والغرض الفاسد، فاشترى الناس منهم الميراث والحقوق كما تُشترى السلع بالمال.

ثم قال : «وأخذوهم بالباطل فاقتدوها »، أي حملوهم على الباطل فجاء الخلَف من بعد السلف، فاقتدَوا بآبائهم وأسلافهم في ارتكاب ذلك الباطل ظنَّا أنّه حق لما قد ألفوه ونشئوا وربّوا عليه .

وروي «فاستروه» بالسين المهلمة :أي: اختاروه يقال استريتُ خيار المال أي: اخترته ويكون الضمير عائداً إلى «الظلَمة» لا إلى «الناس»، أي: منعوا الناس حقّهم من المال واختاروه لأنفسهم واستأثروا به.

بسم الله الرحمن الرحيم

باب المختار من حكم أمير المؤمنين ومواعظه

ويدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله

والكلام القصير الخارج من سائر أغراضه

اعلم أن هذا الباب من كتابنا كالرّوح من البدن والسواد من العين؛ وهو الدرَّة المكنونة التي سائر الكتاب صدَفها ؛ وربما وقع فيه تكرار لبعض ما تقدّم يسير جدَّا، وسبب ذلك طول الكتاب وبعد أطرافه عن الذهن، وإذا كان الرضيّ رحمه الله قد سَها فكرّر في مواضع كثيرة في «نهج البلاغة» على اختصاره كنّا نحن في تكرار يسير في كتابنا الطويل أعذر.


-1-

الأصل: كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللُّبُونِ؛ لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ .


الشرح ابن اللّبون: ولد النّاقة الذّكَرَ إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة؛ ولا يقال للأنثى : ابنة اللّبون؛ وذلك لأنّ أمّهما في الأغلب ترضع غيرهما، فتكون ذات لبَن، واللّبون من الإبل والشاة: ذات اللّبنَ غزيرة كانت أو بكِيئة (1)، فإذا أرادوا الغزيرة قالوا : ليَنِة، : ويقال : ابن لَبُون وابن اللّبون منكّراً أو معرّفاً، قال الشاعر:

وابن اللّبُونِ إذا ما لُزِّ في قرنٍ ***لم يَسْتَطِعْ صَوْلَة الْبُزْل القناعِيسِ (2)

وابن اللّبون لا يكون قد كمل وقويَ ظهره على أن يركب وليس بأنثى ذات ضرع فيُحلب وهو مطرح لا يُنتفع به .

وأيّام الفتنة هي أيّام الخصومة والحرب بين رئيسين ضالين يدعوان كلاهما إلى ضلالة كفتنة عبد الملك وابن الزبير، وفتنة مروان والضّحّاك، وفتنة الحجّاج وابن الأشعث ونحو ذلك، فأما


1) البكيئة من الإبل : التي قل لبنها . القاموس المحيط، مادة (بكا).

2) القنَاعِيس : جمع قِنْعَاس، وهو العظيم من الإبل. القاموس المحيط مادة (قنعس).

إذا كان أحدهما صاحب حق فليست أيام فتنة كالجَمل وصفين ونحوهما بل يجب الجهاد مع صاحب الحق وسلّ السّيف والنهي عن المنكر وبذل النّفس في إعزاز الدين وإظهار الحق.

قال علیه السلام: اخيل نفسك أيام الفتنة، وكن ضعيفاً مغموراً بين الناس لا تصلح لهم بنفسك ولا بمالك ولا تنصر هؤلاء وهؤلاء.

وقوله: «فيركَبَ» «فيُحلب»، منصوبان لأنهما جواب النفي، وفي الكلام محذوف تقديره: «له»؛ وهو يستحق الرفع، لأنه خبر المبتدأ، مثل قولك : لا إله إلا الله، تقديره «لنا»، أو «في الموجود».


-2-

الأصل: أَرْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ العَمَعَ ، وَرَضِيَ بِالذُّلُّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمْرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ.


الشرح: هذه ثلاثة فصول:

الفصل الأول في الطمع : قوله علیه السلام «أزرى بنفسه»، أي قصر بها من استشعر الطمع، أي جعله شعاره أي لازمه. وفي الحديث المرفوع : «إن الصّفا الزلزال الذي لا تثَبت عليه أقدام العلماء الطمع»(1).

وفي الحديث أنه قال للأنصار : إنّكم لتكثرون عند الفَزَع وتقلّون عند الطمع»(2)أي : عند طمع الرزق .

وكان يقال : أكثر مصارع الألباب تحت ظلال الطمع.

وقال بعضهم: العبيد ثلاثة: عبد رقّ، وعبد شَهوة، وعبد طمع.

وسئل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عن الغِنَى ، فقال :«اليأس عمّا في أيدي الناس، ومَنْ مشى منكم إلى طمع الدنيا فليمش رويداً»(3).


1) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس (763) ، وابن قانع في «معجم الصحابة» (272/1).

2) ذكره ابن الجوزي في «صفوة الصفوة» (205/1) ، والقرطبي في تفسيره، عند تفسير الآية (44)من سورة النساء (247/5).

3) أخرجه الشهاب في «مسنده (199)، وذكره في الجامع الصغير» (5812)، وعزاه للعسكري في المواعظ .

وقال أبو الأسوَد:

البس عدوّك في رفق وفي دَعَةٍ*** طوبَى لذي إربة للدّهر لبّاس

ولا تغرّنك أحقَادٌ مزمّلة ***قد يُركب الدير الدامي بأحلاس

واستغن عن كل ذي قُربى وذي رَحِمٍ ***إن الغَنِيّ الذي استغنى عن الناس

قال عمر: ما الخمر صِرْفاً بأذهب لعقول الرجال من الطمع.

وفي الحديث المرفوع : «الطمع الفقر الحاضر»(1). قال الشاعر:

رأيت مخيلةٌ فطمعِت فيها ***وفي الطّمَع المذلّةُ للرّقابِ

الفصل الثاني في الشكوى : قال علیه السلام :»من كشف للناس ضرّه» أي : شكى إليهم بؤسه وفقره، «فقد رضي بالذل ».

كان يقال : لا تشكوَنّ إلى أحدٍ، فإنّه إن كان عدوَّا سرّه، وإن كان صديقاً ساءه وليست مسرّةالعدوّ ولا مساءة الصديق بمحمودة.

سمع الأحنف رجلاً يقول : لم أنمِ الليلة من وجع ضِرسي ؛ فجعل يكثر ، فقال : يا هذا لِمَ تكثر ؟ فوالله لقد ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة فما شكوت ذلك إلى أحد، ولا أعلمت بها أحداً.

الفصل الثالث في حفظ اللسان : قد تقدّم لنا قولٌ شافٍ في ذلك، وكان يقال : حفظ اللسان راحة الإنسان، وكان يقال : ربّ كلمة سفكت دماً، وأورثت ندماً .

وفي الأمثال العاميَّة، قال اللسان للرأس : كيف أنت؟ قال : بخير لو تركتَني .

وفي وصيه المهلّب لولده يا بني تباذلوا تحابُّوا، فإن بني الأعيان يختلفون فكيف ببني العَلاّت، إنّ البرّينسَا في الأجل، ويزيد في العدد، وإنّ القطيعة تورث القلة، وتعقب النار بعد الذلّة. اتقوا زلة اللسان فإن الرجل تزلّ رجله فينتعش ويزلّ لسانه فيهلكَ، وعليكم في الحرب بالمكيدة، فإنها أبلغ من النجدة، وإن القتال إذا وقع وقع القضاء، فإن ظفر الرجل ذو الكيد والحزم ،سعد، وإن ظفر به لم يقولوا : فَرَّط .

وقال الشاعر في هذا المعنى :

يموتُ الفتى من عشرة بلسانه*** وليس يموتُ المرءُ من عشرة الرجل



1) أخرجه الحاكم في «المستدرك»(7928)، والطبراني في «الأوسط »(7753) ، وأبو بكر الروياني في «مسنده» (5042) ، والديلمي في «المسند الفردوس» (4069) .

-3-

الأصل: الْبُخْلُ عَارٌ ، وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ ، وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ مَنْ حَاجَتِهِ ، وَالْمُقِلُ غَرِيبٌ فِي بلْدَتِهِ.


الشرح: هذه ثلاثة فصول:

الفصل الأول في البخل . وقد تقدّم لنا كلام مقنع في ذلك.

ومن كلام بعض الحكماء في ذلك ما أقلّ مَنْ يحمده ،الطالب وتستقلّ به العشائر، ويرضى عنه السائل، وما زالت أمّ الكرم نَزُوراً وأمّ اللؤم ذلولاً. وأكثر الواجدين مَنْ لا يجود وأكثر الأجواد من لا يَجِد .

وما أحسن قول القائل : كفى حزناً أنّ الجواد مقتّر عليه، ولا معروف عند بخيل.

وكان يقال : البخل مهانة، والجود مهابة.

ومن أحسن ما نقل من جود عبد الله المأمون أن عمر بن مسعدة كاتبه مات في سنة عشرة ومائتين، وخلّف تركة جليلة، فبعث أخاه أبا إسحاق المعتصم وجماعة معه من الكتّاب: ليحصروا مبلغها، فجاء المعتصم إليه وهو في مجلس الخلافة، ومعه الكتّاب، فقال: ما رأيتم ؟ فقال المعتصم معظّماً لما رآه وجدنا عَيْناً، وصامتاً، وضياعاً، قيمة ذلك أجمع ثمانية آلاف ألف دينار - ومدّ صوته - فقال المأمون : إنا لله ! والله ما كنت أرضاها لتابع من أتباعه ليوفّر هذا على مخلّفيه! فخجل المعتصم حتى ظهر خجله للحاضرين .

الفصل الثاني في الجبن، وقد تقدم قولنا في فضل الشجاعة.

وقال هشام بن عبد الملك لمسلمة أخيه : يا أبا سعيد هل دخلك ذُعر في حرب قطّ شهدتَها؟ قال : ما سلمت في ذلك عن ذعر ينبه على حيلة، ولا غشيَني ذعر سلبني رأيي، فقال له هشام: هذه والله البَسالة قال أبو دُلاَمة، وكان جباناً :

أعوذ بروح أن يقدّمني ***إلى القتال فتشقى بي بنو أسد

إنّ المهلب حُبَّ الموت أورثَكُمْ ***ولم أرث رغبةً في الموت عن أحدٍ

قال المنصور لأبي دُلامة في حرب إبراهيم: تقدّم ويلك! قال يا أمير المؤمنين؛ شهدت مع مَروان بن محمد أربعة عساكر كلّها انهزمت وكُسرت ؛ وإني أعيذك بالله أن يكون عسكرك الخامس .

الفصل الثالث في الفقر. وقد تقدّم القول فيه أيضاً .

ومثل قوله : «الفقر يخرس الفَطِن عن حاجته» قول الشاعر :

سَأُعْمِلُ نَصَّ العيس حتى يكفّني*** غنّى المال يوماً أو غنّى الحَدَثانِ

فللمَوْتُ خيرٌ من حياة يُرَى لها*** على الحرّ بالإقلال وَسمُ هَوانِ

متى يتكلم بلغَ حُكْمُ كلامِه*** وإن لم يقل قالوا عديم بيان

كأن الغِنَى عن أهله بورك الْغِنَى ***بغير لسان ناطق بلسان

ومثل قوله علیه السلام: «والمقل غريب في بلدته» قول خلف الأحمر:

لا تظنّي أن الغريب هو النّا ***يي ولكنّما الغريب المقلُّ

وكان يقال : مالُك نورُك، فإن أردت أن تنكسف ففرّقه وأتلفه .

قيل للإسكندر: لم حفظت الفلاسفة المال مع حكمتها ومعرفتها بالدنيا؟ قال: لئلا تحوجهم الدنيا إلى أن يقوموا مقاماً لا يستحقونه. وقال بعض الزهّاد: ابدأ برغيفيك فاحرُزْهُمَا ثم تعبّد .

وقال الحسن علیه السلام: من زعم أنّه لا يحبّ المال فهو عندي كاذب، فإن علمت صِدقَه فهو عندي أحمق .


-4-

الأصل: الْمَجْرُ آنَةٌ، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةٌ ، وَالزَّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ، وَنِعْمَ الْقَرِينُ الرّضا.

الشرح: فهذه فصول خمسة :

الفصل الأول : قوله علیه السلام «العجز آفة»، وهذا حق لأن الآفة هي النقص أو ما أوجب النقص، والعجز كذلك.

وكان يقال : العجز المفرط ترك التأهّب للمعاد.

وقالوا : العجز عجزان أحدهما عجز التقصير وقد أمكن الأمر ، والثاني الجدّ في طلبه وقد فات.

وقالوا : العجز نائم، والحزم يقظان.


الفصل الثاني في الصبر والشجاعة : قد تقدّم قولنا في الصبر.

وكان يقال : الصبر مرّ ، لا يتجرِّعته إلاّ حرّ.

وكان يقال: إنّ للأزمان المحمودة والمذمومة أعماراً وآجالاً كأعمار الناس وآجالهم ؛ فاصبروا لزمان السوء حتى يغنى عمره، ويأتي أجله .

وكان يقال : إذا تضيّفَتك نازلةٌ فاقرِها الصبر عليها، وأكرم مثواها لديك بالتوكُّل والاحتساب لترحل عنك، وقد أبقت عليك أكثر مما سَلَبَتْ منك، ولا تنسَها عند رخائك، فإنّ تذكرك لها أوقات الرّخاء يبعد السوء عن فعلك ، وينفي القساوة عن قلبك ويوزعك حمد الله وتقواه .


الفصل الثالث: قوله :«والزهد ثروة»، وهذا حق، لأن الثروة ما استغنى به الإنسان عنالناس، ولا غناء عنهم كالزهد في دنياهم ؛ فالزّهد على الحقيقة هو الغنّى الأكبر.

وروي أنّ عليَّا علیه السلام قال لعمر بن الخطاب أوّل ما ولي الخلافة : إن سرّك أن تلحق بصاحبيك فقصّر الأمل؛ وكُل دون الشِّبع، وارقع القميص، واخصف النّغل، واستغنِ عن الناس بفقرك تلحق بهما .

وقف ملك على سقراط وهو في المشرفة قد أسند ظهره إلى حُبّ كان يأوي إليه، فقال له :سل حاجتَك، فقال: حاجتي أن تتنحّى عني، فقد منعني ظلك المرفق بالشمس فسأله الجُبّ، قال آوي إليه ، قال : فإن انكسر الجبّ لم ينكسر المكان.

وكان يقال : الزّهد في الدنيا هو الزهد في المحمدة والرياسة لا في المطعم والمشر، وعند العارفين: الزهد تَرك كل شيء يشغلك عن الله.

وكان يقال : العالم إذا لم يكن زاهداً لكان عقوبة لأهل زمانه، لأنهم يقولون: لولا أنّ علمه لم يصوّب عنده الزهد لزهد، فهم يقتدون بزهده في الزهد.


الفصل الرابع: قوله : والورعُ جُنّة ؛ كان يقال : لا عصمة كعصمة الورع والعبادة؛ أمّا الورع فيعصمك من المعاصي، وأمّا العبادة فتعصمك من خصمك ؛ فإنّ عدوّك لو رآك قائماً تصلي وقد دخل ليقتلك لصدّ عنك وهَابك.

وقال رجل من بني هلال لبنيه : يا بني أظهروا النُّسُكَ فإن الناس إن رأوا مِنْ أحدٍ منكم بخلاً قالوا مقتصد لا يحبّ الإسراف، وإن رأوا عِيًّا ، قالوا : مُتَوَقِّ يكره الكلام، وإن رأوا جُبْناً قالوا : متحرّج يكره الإقدام على الشبهات.

الفصل الخامس : قوله : «ونعم القرينُ الرضا»، قد سبق منا قول مقنع في الرضا.

وقال أبو عمرو بن العلاء: دُفِعْتُ إلى أرض مجدبة بها نفر من الأعراب، فقلت لبعضهم :ما أرضكم هذه؟ قال: كما ترى لا زرع ولا ضَرْع قلت فكيف تعيشون؟ قالوا : نحترش(1)الضِّباب، ونصيد الدّواب، قلت: فكيف صبركم على ذلك؟ قالوا: يا هذا سل خالقَ الخلق ؛ هل سویت؟ فقال: بل رضيتُ .

وكان يقال : مَنْ سخط القضاءطاحَ، ومن رضي به استراح.

وكان يقال: عليك بالرّضا ولو قُلبتَ على جَمْرِ الغَضا

وفي الخبر المرفوع أنه صلی الله علیه وآله وسلمقال عن الله تعالى: «من لم يرض بقضائي فليتخذ ربَّا سوائي».


-5-

الأصل: العِلْمُ وِراثَةٌ كَرِيمَةٌ، والآدابُ حُللٌ مُجَدِّدَةٌ، وَالْفِكْرُ مِرْأَة صافية.


الشرح إنما قال: «العلم وراثة» لأنّ كلّ عالم من البشر إنما يكتسب علمه علمه من أستاذ يهذّبه وموقِّف يعلمه ؛ فكأنه ورث العلم عنه كما يرث الابن المال عن أبيه، وقد سبق منا كلام شاف في العلم والأدب.

وكان يقال: عطيّة العالم شبيهة بمواهب الله عزّ وجلّ، لأنها لا تنفد عند الجود بها وتبقى بكمالها عند مفيدها .

وكان يقال : الفضائل العلميّة تشبه النخل بطيء الثمرة، بعيد الفساد.

وكان يقال : ينبغي للعالم ألا يترفّع على الجاهل، وأن يتطامَنَ له بمقدار ما رفعه الله عليه، وينقله من الشكّ إلى اليقين، ومن الحيرة إلى التبيين، لأن مكافحته قسوة والصبر عليه وإرشاده سياسة .

ومثاله قول بعض الحكماء الخير من العلماء من يرى الجاهل بمنزلة الطفل الذي هو بالرحمة أحقّ منه بالغلظة، ويعذره بنقصه فيما فَرَط منه ولا يعذر نفسه في التأخّر عن هدايته .


1) حَرَشَ الضَّبْ واحْتَرَشه وتحرّش به أنى قفا جحره فقعقع بعصاه عليه وأتلج طرفها في جحره. لسان العرب مادة (حرش).

وكان يقال : العلم في الأرض بمنزلة الشمس في الفَلَك، لولا الشمس لأظلم الجوّ، ولولاالعلم لأظلم أهلُ الأرض.

وكان يقال : لا حُلّة أجمل من حلة الأدب، لأنّ حُلل الثياب تبلى وحلل الآداب تبقى ،وحُلل الثياب قد يغتصبها الغاصب، ويسرقها السارق، وحُلل الآداب باقية مع جوهر النفس.

وكان يقال : الفكرة الصحيحة إصطرلابٌ (1)روحاني .

وقال أوس بن حجر يرثي :

إن الذِي جَمَعَ السَّماحة والنّ*** جدّة والحزم والنُّهَى جمعا

الألمعيّ الذي يظن بك الظنَّ*** كان قد رأى وقد سمعا

ومن كلام الحكماء : النار لا يُنقصها ما أخذ منها، ولكن يخمدها الاّ تجد حطباً، وكذلك العلم لا يُفنيه الاقتباس ولكن فقد الحاملين له سبب عدمه.

قيل لبعضهم : أي العلوم أفضل؟ قال : ما العامة فيه أزهد.

وقال أفلاطون : مَنْ جهل الشيء ولم يسأل عنه جمع على نفسه فضيحتين .

وكان يقال : ثلاثة لا تجربة معهن أدب يزين ومجانبة الرّيبة، وكفُّ الأذى.

وكان يقال عليكم بالأدب ؛ فإنه صاحبٌ في السفر، ومؤنس في الوحدة، وجمال في المحفِل، وسبب إلى طلب الحاجة.

وكان عبد الملك أديباً فاضلاً، ولا يجالس إلا أديباً .

وروى الهيثم بن عديّ عن مسعر بن ،كدام قال: حدّثني سعيد بن خالد الجَدَلي، قال: لما قدم عبد الملك الكوفة بعد قتل مُصعب دعا الناس يعرضهم على فرائضهم، فحضرنا بين يديه، فقال : من القوم؟ قلنا : جديلة ، فقال : جَديلةُ عَدْوان؟ قلنا : نعم، فأنشده:

عذيرَ الحئ من عَدُوا*** ذَ كانُوا حَيَّة الأَرْضِ

بغیَ بعضُهمُ بعضاً*** فلم يرَعوا على بعرض

ومنهم کانت السادا***تُ والموفُون بالقَرض

ومنهم حَکمٌ یقضی*** فلا یُنقَضُ ما یقضي

ومنهم من یجیر النّا***س بالسنّة والفرض

ثم أقبل على رجل منا وسيم جَسيم قدمناه أمامنا ، فقال : أيكم يقول هذا الشعر؟ قال : لا


1) الأسطرلاب جهاز استعمله المتقدمون في تعيين ارتفاعات الأجرام السماوية ومعرفة الوقت والجهات الأصلية. المعجم الوسيط . مادة (اسطرلاب)، (17/1).

أدري، فقلت أنا من خلفه : يقوله ذو الإصبع، فتركني وأقبل على ذلك الرجل الجسيم، فقال: ما كان اسم ذي الإصبع؟ قال: لا أدري فقلت أنا من خلفه : اسمه حُرثان، فتركني وأقبل عليه، فقال له : ولم سمِّي ذَا الإصبع ؟ قال : لا أدري فقلت أنا من خلفه : نهشته حيّة في إصبعه، فأقبل عليه وتركني، فقال :مِن أيَكم كان؟ فقال: لا أدري، فقلت أنا من خلفه :من بني تاج الّذين يقول الشاعر فيهم :

فأمّا بنو تاج فلا تذكرنّهم ***ولا تتبعن عيناك من كان هالكا

فأقبل على الجسيم، فقال: كم عطاؤك ؟ قال : سبعمائة درهم، فأقبل عليّ، وقال: وكم عطاؤك أنت؟ قلت: أربعمائة ، فقال : يا أبا الزّعيزعة، حطّ من عطاء هذا ثلاثمائة، وزنها في عطاء هذا، فرحت وعطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائة .

وأنشد منشد بحضرة الواثق هارون بن المعتصم :

أظلومُ إِنَّ مُصابكم رَجُلاً*** أهدى السلام تحيةَ ظُلمُ

فقال شخص : رجل هو خبر «إنّ»، ووافقه على ذلك قوم وخالفه آخرون، فقال الواثق: من بقي من علماء النحويين ؟ قالوا : أبو عثمان المازنيّ بالبصرة، فأمر بإشخاصه إلى سُرَّ مَنْ رَأَى بعد إزاحة علّته، قال أبو عثمان: فأشخصت، فلما أدخلت عليه قال : ممّن الرجل؟ قلت من ،مازن قال: من مازن تميم أم من مازن ربيعة أم مازن قيس أم مازن اليمن؟ قلت : مِن مازن ربيعة ، قال : باسمك ؟ - بالباء - يريد : «ما اسمك» لأنَّ لغة مازن ربيعة هكذا، يبدلون الميم باء والباء ميماً - فقلت : مكر أي (بكر) ، فضحك وقال : أجلس واطمئنّ، فجلست فسألني البيت فأنشدته منصوباً ، فقال : فأين خبر إنّ؟ فقلت : «ظلم» قال: كيف هذا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى أن البيت إن لم يجعل «ظلم» خبر «إن» يكون مقطوع المعنى معدوم الفائدة! فلما كررت القول عليه فهم وقال : قبح الله من لا أدب له، ثم قال : ألك وِلدٌ؟ قلت : بنيّة، قال : فما قالت لك حين ودّعتَها ؟ قلت ما قالت بنت الأعشى:

تقول ابنتي حين جَدّ الرّحِيلُ ***أرانا سواءً ومن قد یَتم

أبانا فلا رِمْتَ مِنْ عندنا*** فإنّا بخير إذا لم تَرم

أبانا إذا أضمرتك البلا ***دُنُجْفَى وتُقطع منّا الرحِمُ

قال : فما قلت لها ؟ قال : قلت : أنشدتها بيت جرير:

يقي بالله ليس له شريكٌ***ومن عند الخليفة بالنّجاح

فقال : ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى، ثم أمر لي بألف دينار وكسوة وردني إلى البصرة.


-6-

الأصل: وَصَدْرُ الْعَاقِلِ صُنْدُوقُ سِرِّهِ، وَالْبَشَاشَةُ حِبَالَةُ الْمَوَدَّةِ، وَالاحْتِمَالُ قَبْرُ الْعُيُوب. ورُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعِبَارَة عَنْ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضاً : الْمُسَالَمَةُ خَبْهُ الْعُيُوبِ.


الشرح: هذه فصول ثلاثة :

الفصل الأول: قولُه : «صدر العاقل صندوق سرِّه» ، قد ذكرنا فيما تقدم طرفا صالحاً في كتمان السر.

وكان يقال : لا تُنكِحْ خاطب سرّك .

قال معاوية للنجار العذري ابغ لي محدّثاً، قال: معي يا أمير المؤمنين؟ قال : نعم، أستريح منك إليه، ومنه إليك، وأجعله كتوماً، فإنّ الرجل إذا اتّخذ جليساً ألقى إليه عُجَره وبُجَره(1).

وقال بعض الأعراب : لا تضع سرّك عند من لا سرّ له عندك .

وقالوا : إذا كان سرّ الملك عند اثنين دخلت على الملك الشّبهة واتّسعت على الرّجُلين المعاذير، فإن عاقبهما عند شياعه، عاقب اثنين بذنب واحد وإن اتّهمهما اتهم بريئاً بجناية مجرم، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له وعن الآخر ولا حجّة عليه .

الفصل الثاني : قوله : «البشاشة حبالة المودّة» ، قد قلنا في البشر والبشاشة فيما سبق قولاً مقنعاً .

وكان يقال : البشر دال على السخاء من ممدوحك وعلى الوُدّ من صديقك دلالةَ النَّوْر (2)على الثّمر.

وكان يقال : ثلاث تُبِين لك الودّ في صدر أخيك: تلقاه ببشرك، وتبدؤه بالسّلام، وتوسّع له في المجلس.

وقال الشاعر :

لا تدخلنّك ضَجْرَةٌ من سائل ***فَلخيرُ دهرك أن تُرى مسؤولا


1) العُجَر والبجر : الهموم والأحزان، وأصل العُجَر : العروق المتقدمة في الجسد، والبجر : العروق المتعقدة في البطن خاصة. لسان العرب مادة (عجر).

2) النَّوْرُ : الزَّهر، أو الأبيض منه القاموس المحيط مادة (نور).

لا تجبهن بالردّ وجه مؤمِّل*** قدرام غيرُك أن يُرَى مأمولا

تلقى الكريم فتستدلّ ببشره*** وترى العُبوس على اللئيم دليَلا

واعلم بأنّك عن قليل صائرٌ ***خَبَراً فكن خَبَراً يروق جميلا

وقال البحتريّ :

لو أن كفَّك لم تجد لمؤمِّل*** لكفاه عاجلُ بشركَ المتهلِّل

ولو أن مجدك لم يكن متقادماً*** أغناك آخر سُودَدٍ عن أوّل

أدركت ما فات الكهول من الحجا ***من عُنفوان شبابك المستقبل

فإذا أمرت فما يقال لك اتَّئِذ ***وإذا حكمت فما يقال لك: اعدِلِ

الفصل الثالث : قوله : «الاحتمال قبر العيوب»، أي إذا احتملت صاحبك وحلمت عنه ستَر هذا الخلق الحسَن منك عيوبَك، كما يستر القبر الميّت، وهذا مثل قولهم في الجود» كلّ عيب فالكرُم يغطيّه .

فأما الخَبء فمصدر خباته ،أخبؤه والمعنى في الروايتين واحد، وقد ذكرنا في فضل الاحتمال والمسالمة فيما تقدّم أشياء صالحة .

ومن كلامه علیه السلام: وجدتُ الاحتمال أنصَر لي من الرجال.

ومن كلامه : مَنْ سالم الناس سلم منهم، ومن حارب الناس حاربوه؛ فإنّ العثرة للكاثر.

وكان يقال : العاقل خادم الأحمق أبداً ، إن كان فوقه لم يجد من مداراته والتقرّب إليه بدَّا ، وإن كان دونه لم يجد من احتماله واستكفاف شره بدَّا. وأسمع رجل يزيد بن عمر بن هُبير فأعرض عنه، فقال الرجل : إيّاك أعني ، قال : وعنك أعرض .

وقال الشاعر :

إذا نطقَ السفيهُ فلاتجِبْه*** فخيرٌ من إجابته السُّكوتُ

سکت عن السفيه فظنّ أني ***عَبِيتُ عن الجواب وما عييتُ


-7-

الأصل: مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ السَّاخِطُ عَلَيْهِ، وَالصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنجِحٌ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ في عَاجِلِهِمْ نَصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ .

الشرح هذه فصول ثلاثة :

الفصل الأول: قوله «من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه». قال بعض الفضلاء لرجل كانيرضى عن نفسه ويدّعي التميّز على الناس بالعلم : عليك بقوم تروقهم بزبرجك(1)، وتروعهم بزخرفك، فإنّك لا تعدّم عزّا، ولا تفقد غمراً، لا يبلغ مسبارُهما (2)غورك، ولا تستغرق أقدارُهما طورَك .

وقال الشاعر :

أرَى كلَّ إنسان يَرَى عَيْب غيره ***ويعمَى عن العيب الّذي هوَ فيِه

وما خيرُ مَنْ تخفى عليه عيوبُه ***ويبدو له العيب الذي بأخيه

وقال بعضهم : دخلت على ابن منارة وبين يديه كتاب قد صنّفه، فقلت: ما هذا؟ قال : کتاب عملته مدخَلاً إلى التّورية، فقلت: إنّ الناس ينكرون هذا، فلو قطعت الوقت بغيره قال : النّاس جُهّال، وأنتَ ضدّهم؟ قال: نعم، قلت: فينبغي أن يكون ضدهم جاهلاً عندهم، قال: كذاك هو ! قلت: فقد بقيت أنت جاهلاً بإجماع الناس، والناس جهال بقولك وحدَك ؛ ومثل هذا المعنى قول الشاعر :

إذا كنتَ تقضي أنّ عقلك كاملٌ*** وأنّ بنی حوّاء غيرَك جاهلُ

وأن مفيضَ العلم صدرُك كلّه *** فمن ذا الّذي يدري بأنّك عاقل !


الفصل الثاني :«الصدقة دواءٌ منجح»، قد جاء في الصدقة فضل كثير ، وذكرنا بعض ذلك فيما تقدم. وفي الحديث المرفوع : «تاجروا الله بالصدقة تربحوا» (3)وقيل : الصدقة صَدَاق الجنّة .

وقيل للشَّبليِ : ما يجب في مائتي درهم؟ فقال: أمّا من جهة الشَّرْع فخمسة دراهم، وأما من جهة الإخلاص فالكُلّ.

وروى أبو هريرة عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم أنه سئل فقيل : أيّ الصدقة أفضل؟ فقال: «أن تعطيَ وأنت صحیح شحيح ، تأمُل البقَاء، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقومَ قلت : لفلان كذا ولفلان كذا» (4).


1) الزِّبْرِجُ : الزينة من وشي أو جوهر، والذهب. القاموس المحيط، مادة (زبرج).

2) المِسْبَار : ما يسبر به الجرح. القاموس المحيط مادة (سبر).

3) لم أجده.

4) أخرجه البخاري كتاب الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح، (1419)، ومسلم،

ومثل قوله علیه السلام :«الصدقة دواء منجح »قول النبي صلی الله علیه وآله وسلم:« داووا مَرْضاكم بالصدقة» (1).


الفصل الثالث: قوله : «أعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في أجِلِهم»، هذا من قوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُل نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر تُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدا )(2). وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَوَمُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا یَوَمُ)(3).

ومن كلام بعضهم : إنما تَقدَم على ما قدّمت، ولست تقدّم على ما تركت، فآثر ما تلقاه غداً على ما لا تراه أبداً .

ومن حكمة أفلاطون : اكتم حسنَ صنيعك عن أعين البَشَر؛ فإنّ له ممن بيده ملكوت السماء أعيناً ترمقه فتجازي عليه .


-8-

الأصل: اعْجَبُوا لِهَذَا الإِنْسَانِ يَنظُرُ بِشَحْمٍ ، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ، وَيَتَنفُسُ مِنْ خَيْمٍ.


الشرح: هذا كلام محمول بعضه على ظاهره لما تدعو إليه الضّرورة من مخاطبة العامّة بما يفهمونه والعدول عمّا لا تقبله عقولهم، ولا تَعِيِه قلوبُهم.

أما الإبصار، فقد اختلف فيه، فقيل : إنه بخروج شعاع من العين يتّصل بالمرثيّ . وقيل : إن القوة المبصرة التي في العين تلاقي بذاتها المرئيات فتبصرها. وقال قوم: بل بتكيف الهواء بالشعاع البصريّ من غير خروج، فيصير الهواء باعتبار تكيفه بالشعاع به آلة العين في الإدراك.

كتاب الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح ،(1032) والنسائي ، کتاب الزكاة باب أي الصدقة أفضل (2542) وأبو داود كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية (2865).


1) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (382/3) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (2013) في ترجمة موسى بن عمیر برقم (6984)، والجارودي في «علله» ص 145 ، والطبراني في «الأوسط» (1963) .

2) سورة آل عمران الآية: 30 .

3) سورة الزلزلة ، الآيتان: 7، 8 .

وقال المحققّون من الحكماء : إن الإدراك البَصرِيّ هو بانطباع أشباح المرئيات في الرطوبة الجلديّة من العين عند توسط الهواء الشفاف المضيء، كما تنطبع الصورة في المرآة. قالوا : ولو كانت المرآة ذات قوّة مبصرة لأدركت الصُّور المنطبعة فيها، وعلى جميع الأقوال فلا بدّ من إثبات القوة المبصرة في الرطوبة الجلدية، وإلى الرطوبة الجلدية وقعت إشارته علیه السلام بقوله : «ينظر بشخم».

وأما الكلام فمحلّه اللسان عند قوم. وقال قوم: ليس اللّسان آلة ضرورية في الكلام؛ لأنّ من يقطع لسانه من أصله يتكلّم، وأما إذا قطع رأسه لم يتكلّم. قالوا: وإنما الكلام باللَّهوات وعلى كلا القولين فلا بدّ أن تكون آلة الكلام لحماً، وإليه وقعت إشارة أمير المؤمنين علیه السلام، وليس هذه البنية المخصوصة شرطاً في الكلام على الإطلاق لجواز وجوده في الشّجَر والجماد عند أصحابنا، وإنما هي شرط في كلام الإنسان، ولذا قال أمير المؤمنين: «اعجبوا لهذاالإنسان».

فأما السمع للصوت فليس بعظم عند التحقيق، وإنما هو بالقوّة المودَعة في العصب المفروش في الصمّاخ كالغشاء، فإذا حمل الهواء الصوت ودخل في ثُقب الأذن المنتهي إلى الصماخ بعد تعويجات فيه جعلت لتجري مجرى اليراعة (1)المصوتة، وأفضى ذلك الصوت إلى ذلك العصَب الحامل للقوّة السامعة حصل الإدراك. وبالجملة فلا بدّ من عَظم؛ لأنّ الحامل اللحم والعَصَب إنما هو العظم.

وأما التَّنفّس فلا ريبَ أنه من خَرْم؛ لأنه من الأنف، وإن كان قد يمكن لو سدّ الأنف أن يتنفس الإنسان من الفم وهو خَرْم أيضاً، والحاجة إلى التنفس إخراج الهواء الحارّ عن القلب وإدخال النسيم البارد إليه فجعلت الرثة كالمروحة تنبسط وتنقبض، فيدخل الهواء بها ويخرج من قصبتها النافدة إلى المنخرين.


• 4-

الأصل: إذا أقبلَتِ الدُّنْيا على قَوْمٍ أعارَتْهُمْ مَحاسِنَ غَيْرِهِمْ، وإذا أدْبَرَتْ عَنْهُمْ سَلَبَتُهُمْ مَحاسِنَ انفُسِهِم.



1) البَرَاعَةُ : مِزمارُ الرّاعي. لسان العرب مادة (يرع).

الشرح: كان الرّشيد أيام كان حسنَ الرأي في جعفر بن يحيى، يحلف بالله أن جعفراً أفصحُ من قُسِّ بن ساعدة، وأشجعُ من عامر بن الطفَيل، وأكتب من عبد الحميد بن يحيى،وأسْوَس من عمر بن الخطاب، وأحسنُ من مُصعب بن الزبير - وكان جعفر ليس بحَسَن الصورة، وكان طويل الوجه جداً - وأنصح له من الحجاج لعبد الملك، وأسمَحُ من عبد الله بن جعفر، وأعفّ من يوسف بن يعقوب، فلما تغيّر رأيه فيه أنكر محاسنه الحقيقية التي لا يختلف اثنان أنها فيه، نحو کیاسته وسماحته، ولم يكن أحد يجسُر أن يردّ على جعفر قولاً ولا رأياً ، فيقال : إن أوّل ما ظهر من تغيّر الرشيد له أنه كلم الفضل بن الربيع بشيء فردّه عليه الفضل، ولم تجرِ عادته من قبل أن يفتح فاء في وجهه، فأنكر سليمان بن أبي جعفر ذلك على الفَضْل، فغضب الرشيد لإنكار سليمان، وقال: ما دخولك بين أخي ومولاي؟ كالراضي بما كان من الفضل ، ثم تكلّم جعفر بشيءٍ قاله للفضل، فقال الفضل : اشهد عليه يا أمير المؤمنين، فقال جعفر : فضَ الله فاك يا جاهل ! إذا كان أمير المؤمنين الشاهد، فمن الحاكم المشهود عنده ؟ فضحك الرشيد، وقال: يا فضل، لا تمار جعفراً ؛ فإنك لا تقع منه موقعاً .

واعلم أنا قد وجدنا تصديق ما قاله علیه السلام في العلوم والفضائل والخصائص النفسانية، دَعْ حديث الدنيا والسلطان والرياسة، فإن المحظوظ من علم أو من فضيلة تضاف إليه شوارد تلك الفضيلة وشوارد ذلك الفنّ مثاله حظّ عليّ علیه السلام من الشجاعة، ومن الأمثال الحكميّة قلّ أن ترى مثلاً شارداً أو كلمة حكمية إلا وتضيفها الناس إليه .

وكذلك ما يدّعي العامة له من الشجاعة وقتل الأبطال حتى يقال: إنه حمل على سبعين ألفاً فهزمهم، وقتل الجنّ في البئر، وقتل الطوق الحديد في عُنق خالد بن الوليد.

وكذلك حظّ عنترة بن شداد في الشجاعة، يُذكر له شداد في الشجاعة، يُذكر له من الأخبار ما لم يكن .

وكذلك ما اشتهر به أبو نُواس في وصف الخمر، يضاف إليه من الشعر في هذا الفنّ ما لم يكن ،قاله وكذلك جود حاتم وعبد الله بن جعفر ونحو ذلك، وبالعكس من لا حظ له ينفى عنه ما هو حقيقة له، فقد رأينا كثيراً من الشعر الجيّد ينُفَى عن قائله استحقاراً له، لأنه خامل الذكر، وينسب إلى غيره، بل رأينا كتباً مصنفة في فنون من العلوم خَمَل ذكر مصنفِّيها ونسبت إلى غيرهم من ذوي النّباهة والصيت، وكل ذلك منسوب إلى الجد والإقبال .


-10-

الأصل: خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةٌ إِنْ مُتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُوا إِلَيْكُمْ .


الشرح: وقد روي: «خَنُوا» بالخاء المعجمة من الخنين، وهو صوت يخرج من الأنف عندالبكاء. وإلى تتعلق بمحذوف، أي حنُّوا شوقاً إليكم.

وقد ورد في الأمر بإحسان العشرة مع الناس الكثير الواسع، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك فيما تقدم.

وفي الخبر المرفوع : «إذا وسعتم النّاس ببسط الوجوه، وحسن الخلق، وحسن الجوار، فكأنما وسعتموهم بالمال» (1).

وقال أبو الدرداء : إنا لنهَشّ في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتَقِليهم.

وقال محمد بن الفضل الهاشميّ لأبيه : لم تجلسُ إلى فلان وقد عرفتَ عداوته؟ قال : اخبيء ناراً، وأقدح عن ودّ.

وقال المهاجر بن عبد الله :

وإني لأقصي المرة من غير بغضة ***وأدني أخا البغضاء منّي على عمدِ

ليُحدِث وُدًّا بعد بغضاء أو أرَى*** له مصرعاً يُردِي به الله مَنْ يُرْدِي

وقال عِقال بن شبّة التميميّ : كنتُ رِدْف أبي، فلقيه جرير بن الخَطَفي على بَغلَة، فحيّاه أبي والطفه، فلمّا مضى قلت له : أبَعْدَ أن قال لنا ما قال! قال : يا بني فأوسّع جرحي !

وقال محمد بن الحنفيّة علیه السلام : قد يُدفع باحتمال المكروه ما هو أعظم منه .

وقال الحسن علیه السلام: حُسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل والقصد في المعيشة نصف المؤونة (2).

ومدح ابن شهاب شاعراً فأعطاه وقال : إن من ابتغاء الخير اتّقاء الشرّ.

وقال الشاعر :

وأنزلَني طولُ النّوى دار غربةٍ ***متى شئت لاقيت امرا لا أشاكلُة

أخاثقة حتى يقال سجيّة ***ولو كان ذا عَقْل لكنت أعاقلُة

وفي الحديث المرفوع : «للمسلم على المسلم ست: يسلّم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويُشمّته إذا عطس، ويعوده إذا مرض ويحبّ له ما يحبُّ لنفسه، ويشيّع جنازته إذا مات » .


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 394/68 .

2) أخرجه الشيخ المحمودي في نهج السعادة : 367/7 .

ووقف علیه السلام على عجوز فجعل يسألها ويتحفّاها، وقال:«إن حُسن العهد من الإيمان، إنّها كانت تأتينا أيام خديجة »(1).


-11-

الأصل: إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.


الشرح: قد أخذت أنا هذا المعنى، فقلت في قطعة لي :

إن الأماني أكساب الجهول فَلا ***تقنع بها واركب الأهوال والخَطَرا

واجعل من العقل جهلاً واطّرح نظراً*** في الموبقاتِ ولا تستشعر الحذَرا

وإن قدرت على الأعداء منتصراً ***فاشكر بعفوك عن أعدائك الظَّفَرا

وقد تقدّم لنا كلام طويل في الحلم والصفح والعفو .

ونحن نذكرها هنا زيادة على ذلك: شَجَر بين أبي مسلم وبين صاحب مَرْو كلامٌ أَرْبَى فيه صاحب مَرْوَ عليه وأغلظ له في القول فاحتمله أبو مسلم وندم صاحب مَرو، وقام بين يدي أبي مسلم معتذراً، وكان قال له في جملة ما قال: يا نَقِيط ! فقال أبو مسلم : مه! لسان سبقَ، ووهم أخطأ، والغضب شيطان وأنا جَرّأتُك عليّ باحتمالك قديماً، فإن كنتَ للذنب معتذراً، فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوباً فالعفو يسعُك. فقال صاحب مَرو: أيّها الأمير، إن عظَم ذنبي يمنعني من الهدوء .فقال أبو مسلم: يا عجباً ! أقابلك بإحسان، وأنت مسيء، ثم أقابلك بإساءة وأنت محسن! فقال : الآن وثقت بعفوك . وأذنب بعضُ كتاب المأمون ذنباً، وتقدم إليه ليحتج لنفسه، فقال: يا هذا ، قف مكانك ؛ فإنما هو عُذر أو يمين، فقد وهبتهما لك، وقد تكرّر منك ذلك، فلا تزال تسيء ونحسن ، وتذنب ونغفر ، حتى يكون العفو هو الذي يصلحك !

وكان يقال: أحسن أفعال القادر العفو، وأقبحها الانتقام.

وكان يقال : ظَفّر الكريم عفو، وعفو اللثيم عقوبة .

وكان يقال : ربّ ذنب مقدار العقوبة عليه إعلام المذنب ،به ولا يجاوز به حدّ الارتفاع إلى الإيقاع.


1) أخرجه البخاري تعليقاً كتاب الأدب، باب حسن العهد من الإيمان، والحاكم في (المستدرك ) (40) ، والطبراني في المعجم الكبيرة (14/23) .

وكان يقال : ما عفا عن الذّنب من قُرّع به .

ومن الحلم الذي يتضمّن كبراً مستحسناً، ما روي أنّ مصعب بن الزبير لما ولي العراق عرض النّاس ليدفع إليهم أرزاقهم، فنادى مناديه : أين عمرو بن جُرموز؟ فقيل له : أيّها الأمير، إنه أبعد في الأرض، قال أو ظَنّ الأحمق أني أقتله بأبي عبد الله ! قولوا له : فليظهر آمناً، وليأخذ عطاءه مسلّماً .

وأكثر رجل من سبّ الأحنف وهو لا يجيبه فقال الرّجل : ويلي عليه ! والله ما منعه من جوابي إلا هواني عنده !

وقال لقيط بن زرارة:

فقل لبني سعدٍ ومالي ومالكم ***ترقّون منّي ما استطعتم وأعتقُ

أغرَكُمُ أنّي بأحسن شيمة ***بصيرٌ وأني بالفواحش أخْرَقُ !

وأنّك قد سابَبْتَنِي فقهرتني ***هنيئاً مريئاً أنت بالفحش أحذَقُ

وقال المأمون لإبراهيم بن المهديّ لما ظفرَ به: إنّي قد شَاورت في أمرك، فأشير عليّ بقتلك، إلا أني وجدت قدرَك فوق ذنبك، فكرهت قتلك للازم حرمتك. فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إنّ المشير أشار بما تقتضيه السياسة وتوجيه العادة، إلا أنّك أبيت أن تطلب النّصر إلا من حيث عُوِّدته من العفو، فإن قتلت فلك نظراء، وإن عفوت فلا نظير لك . قال : قد عفوت فاذهب آمناً.

ضل الأعشى في طريقه، فأصبح بأبيات علقمة بن عُلاَثة، فقال قائده، وقد نظر إلى قياب الأدم واسوء صباحاه يا أبا بصير! هذه والله أبيات علقمة، فخرج فتيان الحيّ، فقبضوا على الأعشى، فأتوا به علقمة، فمثَل بين يديه فقال : الحمد لله الذي أظفرني بك من غير ذمّة ولا عَقْد قال الأعشى : أو تدري لم ذلك جعلت فداك ! قال: نعم، لأنتقم اليوم منك بتقوالك عليّ الباطل مع إحساني إليك، قال: لا والله ولكن أظفرك الله بي ليبلُوَ قَدْرَ حلمك فيّ. فاطرَقَ علقمة، فاندفع الأعشى فقال:

أعَلْقَمَ قد صَيَّرَتْني الأمورُ*** إليك وما كان بي منکَصُ

كساكم عُلاثة أثوابَهُ*** وورثكم حلمه الأحوصُ

فهبْ لي نفسي فدتك النُّفُوسُ ***فلا زلت تنمي ولا تنقصُ

فقال : قد فعلت أما والله لو قلت فيّ بعض ما قلته في عامر بن عمر، لأغنيتك طول حياتك، ولو قلت في عامر بعض ما قلته فيّ ما أذاقك برد الحياة.

قال معاوية لخالد بن مَعمر السّدوسيّ : على ماذا أحببت عليا ؟ قال : على ثلاث : حلمه إذا غضب وصدقه إذا ،قال ، ووفاؤه إذا وَعَد .

-12-

الأصل: أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِلحَوَانِ وَأَعْجَرُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ.


الشرح: قد ذكرنا قطعة صالحة من الإخوانيات فيما تقدم وفي الحديث المرفوع أن النبي صلی الله علیه وآله وسلم بكَى لما قُتِل جعفر بموتة، وقال: (المرء كثير بأخيه) (1).

وقال جعفر بن محمد صلی الله علیه وآله وسلم: لكلّ شيء حِلية وحِلْيَةُ الرجل او دّاؤه (2).

وأنشد ابن الأعرابيّ :

لَعَمْرُك ما مالُ الفتى بذخيرة*** ولكن إخوان الصفاء الذخائرُ

وكان أبو أيوب السّختيانيّ يقول : إذا بلغني موت أخ كان لي، فكأنما سقط عضوٌ مني .

وكان يقال : الإخوال ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنَى عنه، وطبقة كالدواء يُحتاج إليه عند المرض، وطبقة كالداء لا يُحتاج إليه أبداً .

وكان يقال : صاحبك كرقعة في قميصِك فانظر بما ترقع فيمصك !

وكان يونس بن عبيد يقول : اثنان ما في الأرض أقلّ منهما ، ولا يزدادان إلا قلة : درهم يوضع في حقّ، وأخ يُسكَن إليه في الله .

وقال الشاعر :

أخاك أخاكَ إنْ مَنْ لا أخالَهُ***كساع إلى الهيجا بغير سلاح

وإنّ ابن عمّ المرء فاعلم جَناحُهُ ***وهل ينهض البازي بغير جَناح؟

وقال آخر :

ولن تنفك تُحسَد أو تُعادى*** فأكثر ما استطعت من الصّديق

وبغضك للنّقيّ أقل ضرَّا*** وأسلمُ من مودّة ذي الفسوق

وأوصى بعضهم ابنَه فقال : يا بني إذا نازعتك نفسك إلى مصاحبة الرّجال فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمتَه صانك ، وإذا عرضت لك مؤنة أعانك، وإن قلت صدّق قولك، وإنْ صُلْتَ شدّ صؤلك، وإن مددت يدك لأمر مدها، وإن بدت لك عَوْرة سدها، وإن رأى منك


1) أخرجه عبد بن حميد في مسنده (1447) ، والشهاب في «مسنده (186)، والديلمي في «مسند الفردوس» (6625).

2) أخرجه الشيخ المحمودي في نهج السعادة: 242/7 .

حسنة عدّها، وإن سألتَه أعطاك ، وإن سكتّ ابتداك، وإن نزلت بك ملمّة واساك، من لا تأتيك منه البوائق ، ولا تحتار عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق .

ومن الشعر المنسوب إلى عليِّ علیه السلام :

إنّ أخاك الحقِّ مَنْ كان معك*** ومن يضر نفسه لينفَعك

ومن إذا رَيْبُ الزّمانِ صدَعَك*** شنّت فيك شمله ليَجْمَعَكَ

ومن الشعر المنسوب إليه علیه السلام أيضاً :

أخوك الّذي إن أجرضَتْكَ ملمّةٌ ***من الدَّهْرِ لم يبرح لها الدَّهْرَ واجَما

وليس أخوك بالذي إن تشعَّبت ***عليك أمورٌ ظَلَّ يلحَاك لائما

وقال بعض الحكماء : ينبغي للإنسان أن يوكِّل بنفسه كالئين: أحدهما يكلؤه من أمامه، والآخر يكلَؤه من ورائه، وهما عقله الصحيح، وأخوه النصيح، فإنّ عقله وإن صح فلن يبصّره من عيبه إلا بمقدار ما يرى الرجل من وجهه في المرآة، ويخفى عليه ما خلفه، وأما أخوه النصيح فيبصّره ما خلفه وما أمامه أيضاً .

وكتب ظريف إلى صديق له : إني غير محمود على الانقياد إليك، لأني صادقتك من جوهر نفسی، والنفس يتبع بعضها بعضاً .

وفي الحديث المرفوع : «إذا أحبّ أحدكم أخاه فليعلّمه»(1).

وقال الأحنف: خير الإخوان من إذا استغنيت عنه لم يزدْكَ وُدًّا ، وإن احتجت إليه لم ينقصك.

وقال أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب :

إمّا سَلَكت سبيلاً كنت سالكها ***فاذهب فلا يُبْعَدَنك الله منتشرُ

مَنْ ليس في خيره شرینکده*** على الصّديق ولا في صفوهِ كَدَرُ

وقال آخر يرثي صديقاً له :

أخ طالمَا سَرني ذكرُه*** وأصبحت أشجى لدى ذكره

وقد كنتُ أغدو إلى قصره ***فأصبَحْتُ أغدو إلى قبره

وکنتُ أراني غنیَّا بِهِ ***عن النّاس لو مُد في عمره


1) أخرجه ابن حبان في«صحيحه» (570)، والترمذي، كتاب الزهد باب ما جاء في إعلام الحب، (2392)، وأحمد في «مسنده» (16719)، والحاكم في «مستدركهه» (7322)، والنسائي في «السنن الكبرى» (10034) .

إذا جئتُه طالباً حاجةً*** فأمري يجوزُ على أمره

رأى بعض الحكماء مصطحبين لا يفترقان فسأل عنهما، فقيل : صديقان، قال: فما بال أحدهما غنياً والآخر فقيراً!


13 - وقال علیه السلام في الذين اعتزلوا القتال معه

الأصل: خَلَلُوا الْحَقِّ وَلَمْ يَنْصُرُوا الْبَاطِلَ .


الشرح: قد سبق ذكر هؤلاء فيما تقدم، وهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وأنس بن مالك، وجماعة غيرهم.

وقد ذكر شيخنا أبو الحسين في «الغرر» أن أمير المؤمنين علیه السلام لما دعاهم إلى القتال معه، واعتذروا بما اعتذروا به قال لهم : أتنكرون هذه البيعة؟ قالوا : لا ، لكنا لا نقاتل، فقال: إذا بايعتم فقد قاتلتم ، قال : فسلموا بذلك من الدم؛ لأن إمامهم رضيَ عنهم .

ومعنى قوله : «خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل»، أي: خذلوني ولم يحاربوا معي معاوية، وبعض أصحابنا البغداديين يتوقف في هؤلاء، وإلى هذا القول يميل شيخنا أبو جعفر الإسكافيّ.


-14-

الأصل: إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النَّعَمِ فَلَا تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشَّكْرِ.


الشرح: قد سبق القول في الشكر، ونحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك.

قال بعضهم : ما شيّبتني السّنون بل شكري مَنْ احتاج أن أشكَره.

وقالوا : العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى.

وقالوا : من سعادة المرء أن يضع معروفه عند من يشكره.

ومن جيّد ما قيل في الشكر قول أبي نواس :

قد قلتُ للعبّاس معتذراً ***من ضعف شُكرِيه ومعترفا

أنت امرؤ حَمَّلْتَني نعَماً ***أوْهَتْ قُوَى شكري فقد ضعفا

فإليك منّي اليومَ معذرةً ***جاءتك بالتّصريح منكشِفا

لا تُسديَنّ إليّ عارفة*** حتى أقوم بشكر ما سلفا

وقال البحتري ّ:

فإن أنا لم أشكر لنعماك جاهداً ***فلا تلتُ نُعْمَى بعدها توجب الشكرا

وقال أيضاً :

سأجهدُ في شكري لنعماك إنّني*** أرى الكُفْر للنعماء ضرباً من الكفر

وقال ابن أبي طاهر:

شکرت علیَّا برّه وبلاءَه،*** فقصّر بي شكري وإني لجاهدُ

وما أنا من شكري عليَّا بواحد*** ولكنّه في الفَضْلِ والجودِ واحدُ

وقال أبو الفتح البستي :

لا تظنّنَّ بي وبرُّكَ حَيَّ*** أنّ شكري وشكر غيري مواتُ

أنا أرض وراحتاك سحابٌ *** والأيادي ويلٌ وشكري نباتُ

وقال أيضاً :

وخرّ لما أوليت شكريَ ساجداً*** ومثل الذي أوليت يعبده الشكر

البحتريّ:

أراك بعين المكتسي ورق الغِنَي*** بالائك اللاتي يعدّدها الشكرُ

ويعجبني فقري إليك ولم يكُن*** ليعجبني لولا محبتك الفَقْرُ

آخر :

بدأت بمعروف وثنّيت بالرضا ***وثلثت بالحُسنى وربِّعت بالكرَم

وباشرت أمري واعتنيتَ بحاجتي*** وأخرت «لا» عَنّي وقدمت لي «نعم»

وصدقْتَ لي ظني، وأنجزتَ موعدي ***وطبت به نفساً ولم تتبع النَّدَمُ

فإن نحن كافأنا بشكر فواجبٌ ***وإن نحنُ قصّرنا فما الودّ متّهَم

-15-

الأصل: مَنْ ضَيَّعَهُ الْأَقْرَبُ أُتيحَ لَهُ الْأَبْعَدُ.


الشرح: إنّ الإنسان قد ينصره مَن لا يرجو نصره وإن أهمله أقربوه وخذلوه ، فقد تقوم به الأجانب من الناس، وقد وجدنا ذلك في حقّ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، ضيّعه أهلُه ضيعه أهله ورهطه من قريش وخذلوه، وتمالؤوا (1)عليه، فقام بنصره الأوس والخزرج، وهم أبعد الناس نسباً منه ، لأنه من عدنان وهم من قحطان وكلّ واحد من الفريقين لا يحبّ الآخر حتى تحبّ الأرض الدم. وقامت ربيعة بنصر عليّ علیه السلام في صِفّين، وهم أعداء مُضَر الذين هم أهله ورهطه، وقامت اليمن بنصر معاوية في معاوية في صِفّين، وهم أعداء مُضَر ، وقامت الخُراسانية وهم عَجَم بنصر الدولة العباسية ،

وهي دولة العرب. وإذا تأملت السِّير وجدت هذا كثيراً شائعاً .


-16-

الأصل: مَا كُلُّ مَفْتُونِ يُعَاتَبُ .


الشرح: هذه الكلمة قالها عليُّ علیه السلام السعد بن أبي وَقاصّ ومحمدِ بنِ مَسْلَمَةَ وعبد الله بِن عمرَ لمّا امتنَعوا من الخروج معه لحرب أصحابِ الجَمَل، ونظيرُها أو قريبٌ منها قولُ أبي الطّيب :

فَما كلُّ فَعَالٍ يُجازَى بفعلِهِ*** ولا كل قوّال لدي يُجاب

ورُبَّ كلامٍ مَر فوق مسايعي ***كما ظن في لفح الهجير ذباب


-17-

الأصل: تَذِلُّ الْأُمُورُ لِلْمَقَادِيرِ، حَتَّى يَكُونَ الْحَتْفُ فِي التَّدْبِيرِ



1) تمالؤوا عليه اجتمعوا القاموس المحيط مادة (ملأ) .

الشرح: إذا تأمّلتَ أحوالَ العالَم وجدت صِدقَ هذه الكلمة ظاهراً، ولو شئنا أن نَذكُر الكثيرَ من ذلك لذكَرنا ما يحتاج في تقييده بالكتابة إلى مِثْل حَجم كِتابنا هذا، ولكنّا نذكر لمحاً ونُكَتاً وأطرافاً ودُرَراً من القول.

فَرَش مروان بن محمد - وقد لقي عبد الله بن عليّ - أنطاعاً وبَسَط عليها المال، وقال: مَنْ جاءني برأس فله مائةُ درهم، فعَجزت الحَفَظة والحُرَّاس عن حمايته، واشتغلت طائفةٌ من الجُند بِنَهبه ، وتَهافَتَ الجيشُ عليه لينهبوه، فغشيَهم عبدُ الله بن علي بعساكره، فقَتَل منهم ما لا يُحصَى، وهُزِم الباقون.

وكَسَرَ إبراهيم بن عبد الله بن الحسن جيشَ أبي جعفر المنصور بباخمري وأمرَ أصحابه باتّباعهم، فحال بينهم وبين أصحاب أبي جعفر ماءً ضخضاح، فكَرِه إبراهيمُ وجيشُه خوضَ ذلك الماء، وكان واسعاً، فأمَرَ صاحب لوائه أن يتعرّج باللواء على مسنّاة كانت على ذلك الماء يابسة، فَسَلَكها صاحبُ اللّواء وهي تفضي بانعراج وانعكاس إلى الأرض اليبس، فلمّا رأى عسكرُ أبي جعفر أن لواء القوم قد تراجَعَ القَهْقَرَى ظَنّوهم منهزمين، فعطَفَوا عليهم، فَقَتَلوا منهم مَقتلةٌ عظيمة، وجاء سَهُمْ غَرْبٌ فأصابَ إبراهيم فقتله .

وقد دبّرتُ من قبل قريشٌ في حماية العير بأن نفَرت على الصَّعب والذُّلُول لتدفَع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عن عن اللعيمة، فكان هلاكُها في تدبيرها .

وكُسرت الأنصارُ يومَ أحد بأن أخرجت النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم و عن المدينة ظنَّا منها أن الظفر والنُّصْرَة كانت بذلك، وكان سببُ عَطَبها وظَفر قريشٍ بها ، ولو أقامت بين جدران المدينة لم تظفر قريشٌ منها بشيء.

ودَبَّر أبو مسلم الدولة الهاشميّة، وقام بها حَتَّى كان حَتْفُه في تدبيره .

وكذلك جَرَى لأبي عبد الله المحتسب مع عبد الله المهديّ بالمغرب.

ودبّر أبو القاسم بن المسلمة رئيسُ الرؤساء في إخراج البَساسِيِريّ عن العراق حتّى كان هلاكُه على يده وكذلك أيضاً انعكس عليه تدبيرُه في إزالة الدّولة البُوَيْهِيّة من الدّولة السَّلجوقيّة ظنَّا منه أنّه يَدفَع الشرَّ، بغير الشرَّ، فدَفَع الشرَّ بما هو شرُّ منه.

وأمثالُ هذا ونظائرُه أكثرُ من أن تُحصَى.


-18-

الأصل: وَسُئِلَ عَلَيْهِ السّلامُ عَنْ قَوْلِ الرَّسُول صلّى الله عليهِ وَآلِهِ :«غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهوا باليهود»(1)، فقال عليه السلامُ :

إنَّما قاَلَ صلى الله عليه وآله ذلك والدِّينُ قُل، فأما الآن وقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ، وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ، فامْرُؤٌ وما اختارَ.


الشرح : اليهودُ لا تَخضِب، وكان النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أمر أصحابه بالخِضاب ليكونوا في مَرْأى العين شَباباً فيَجبنَ المشركون عنهم حال الحرب، فإنّ الشيخَ مَظلّة الضَّعف.

قال عليِّ علیه السلام : «كان ذلك والإسلامُ قُلّ»، أي قليل، وأمّا الآن وقد اتّسع نطاقُه وضَرَب بجِرانه فقد سَقط ذلك الأمرُ وصار الخضاب مباحاً غيرَ مندوب .

والنِّطاق : ثوبٌ تلبسه المرأة لبسةً مخصوصة ليس بصُدرة ولا سراويل، وسُمِّيت أسماء ُبنتُ أبي بكر ذات النِّطاقين لأنها قَطَعت من ثوبها ذلك قطعةً شَدّت بها سُفرة لها حملها أبو بكر معه حين خرج من مكة مع النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم يومَ الهجرة، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «لقد أبدَلها الله بها نطاقين في الجنّة»(2)، وكان نفر الشام يُنادون عبد الله ابنها حين حَصَره الحجّاج بمكة يشتمونه كما زَعموا »يا بن ذاتِ النِّطاقين، فيضحك عبدُ الله منهم، وقال لابن أبي عَتيق : ألا تسمع ا يظنّونه ذَمَّا ثم يقول :

وتلك شَكَاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها

واستعارَ أمير المؤمنين علیه السلام هذه الّلفظة لسَعة رُقعة الإسلام، وكذلك استعار قوله : «وضَرَب بِجرانه»، أي أقام وثَبَت، وذلك لأن البعير إذا ضَرَب بجرائه الأرض - وجرانه مُقدِّم عنقِه - فقد استناخ وبَرَك .


1) أخرجه الترمذي كتاب اللباس باب ما جاء في الخضاب (1752) والنسائي، كتاب الزينة ، باب : الإذن بالخضاب (5073) ، وأحمد في «مسنده» (1418) ، وابن حبان في صحيحه) .(5473).

2) ذكره المزي في «تهذيب الكمال»، في ترجمة أسماء بنت أبي بكر (124/35) برقم (7780) ، وابن عبد البر في «التمهيد» في ترجمتها (17824)، برقم (3226) ، وابن حجر في «الإصابة» في ترجمتها (487)، برقم (10798 ) .

وامرؤ مبتَدَأ وإن كان نكرَةٌ ، كقولهم : «شرٌِّ أهَرَّ ذا ناب» الحصول الفائدة، والواو بمعنى «مع»، وهي وما بعدها الخبر، وما مصدريّة، أي امرؤ مع اختياره.

بعض ما ورد في الشيب والخضاب

فأمّا القول في الخضاب فقد رَوَى قومٌ أن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم بدا شيبٌ يسيرٌ في لحيته، فغيّر

بالخضاب (1)، خَضَب بالحنّاء والكتم (2)، وقال قوم: لم يَشبُ أصلاً .

ورُوي أنّ عائشة قالت: ما كان الله ليَشينه بالشيب، فقيل : أوَشَيْنٌ هو يا أم المؤمنين ! قالت: كلكم يكرهه . وأما أبو بكر فصحّ الخبر عنه بذلك، وكذلك أمير المؤمنين، وقيل: إنه لم يخضب. وقُتِل الحسين علیه السلام يومَ الطَّفَ وهو مَخضوب. وفي الحديث المرفوع رواهُ عقبة بنُ عامر: «عليكم بالحنّاء، فإنه خضاب الإسلام، إنه يصفَّي البَصَر ويذهب بالصُّداع، ويزيد في الباه، وإيّاكم والسواد، فإنه من سَوّد، سَوّد الله وجهه يومَ القيامة» . (3)

وعنه صلی الله علیه وآله وسلم: «عليكم بالخضاب ، فإنه أهيَبُ لعدوّكم وأعجَبُ إلى نسائكم »(4).

ويقال في أبواب الكناية للمختضب ، هو يسوّد وجه النذير، لأنّ النذير الشيب. قيل في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرُ)(5): إنه الشيب .

وكان عبد الرحمن بنُ الأسود أبيض الرأس واللحية، فأصبح ذات يوم وقد حمّرهما ؛ وقال : إنّ عائشة أرسلت إلي البارحة جاريتها فأقسمت عليّ لأغيرن، وقالت : إن أبا بكر كان يُصبغ .

ورَوى قيس بن أبي حازم قال : كان أبو بكر يخرج إلينا وكأنّ لحيته ضِرامُ عَرْفَج .

وعن أبي عامر الأنصاريّ: رأيتُ أبا بكر يغيّر بالحنّاء والكَتَم، ورأيت عمر لا يغيّر شيئاً شَيْبه ، وقال : إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول : «من شاب شَيبةً في الإسلام كانت له نوراً يومَ القيامة»(1634) ، والنسائي، كتاب الجهاد باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله (3142)، وأحمد في مسنده ) (6923) ، والحاكم في (المستدرك ) (4371) . (6)، ولا أحبّ أن أغيِّر نُوري .


1) ذكره الزرقاني في شرحه على الموطأ» (362/4) ، وكذلك السيوطي في تنوير الحوالك (1642) ، وابن قانع في معجم الصحابة عن ترجمة ناجية بن عمرو (1623) برقم (1136) .

2) الكتمُ محركة والكتمان بالضم: نبت يخلط بالحناء ويخضب به الشعر فيبقى لونه، وأصله إذا طبخ بالماء كان منه مداد للكتابة القاموس المحيط، مادة (كتم).

3) أخرجه ابن عدي في «الكامل»(326/6) ، عند ترجمة معروف بن عبد الله الخياط برقم (1807) ،وذكره في «كنز العمال» (28282) ، وعزاء لابن عساكر في «التاريخ».

4) في ديوان المهذبين : 21/1 .

5) سورة فاطر، الآية: 37 .

6) أخرجه الترمذي ، كتاب: فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من شاب شيبة في سبيل الله

وكان أنسُ بنُ مالك يَحْضِب وينشد:

نُسوّد أعلاها وتأبى أصولُها*** وليس إلى رَدّ الشّباب سبيلُ

ورُوي أنّ عبد المطلب وَفد على سيف بن ذي يزَن فقال له : لو خضبتَ ! فلما عاد إلى مكّة خضب فقالت له امرأته تقيلة أم العبَّاس وضرار: ما أحسنَ هذا الخضاب لو دام! فقال :

فلو دامَ لي هذا الخضابُ حَمِدْتُهُ ***وكان بَدِيلاً من خليل قد انصَرَمْ

تمتعتُ منه والحياة قصيرةٌ ***ولا بد من موتٍ - نثيلةُ - أو هَرَم

وموت جهيز عاجل لا شَوَى له*** أحبُّ إلينا من مقالِكُمُ حَكم

قال: یعنی أنّه صار شيخاً، فصار حكماً بين الناس من قوله :

لا تَغْبِط المرء أن يقال له ***أضحى فلانٌ لسنّه حَكَمَا

بيني، فقالت حتى متى أرفعك! فقال :

وقال أسماءُ بنُ خارجةَ لجاريته : اخضبِيني، فقالت حتى متى أرقِّعک! فقال:

عیرتنِي خَلَقاً أبليت جِدّتَه*** وهل رأيت جديداً لم يَعُد خَلَقَا!

وأمّا من يروي أن عليَّا علیه السلام ما خَضَب فيحتج بقوله، وقد قيل له : لو غيرت شيبَك يا أميرَ المؤمنين؟ فقال : الخضاب زينة، ونحن في مصيبة - يعني برسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (1).

وسُئِل الحسنُ علیه السلام عن الخضاب فقال : هو جَزَعٌ قبيح. وقال محمود الوّراق :

يا خاضبَ الشَّيْب الّذي*** في كلِّ ثالثة يعودُ

إنّ الخضاب إذا مَضَى ***فكانه شَيبٌ جديدُ

فدَعِ المشيب وما يُرِيدُ*** فلن تعود كما تُريدُ

وقد رَوَى قومٌ عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم كَراهيةَ الخضاب وأنّه قال: «لو استقبلتم الشيبَ بالتّواضع لكان خيراً لكم »(2).

قال الشاعر :

وصبغتُ ما صَبَغ الزمانُ فلم يَدُمُ*** صَبْغي ودامت صبغة الأيّام

وقال آخر :

يأيها الرجلُ المغيّر شَيبَه ***كيماتُعَدّ به من الشّبّان


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 165/41 .

2) في ديوانه : 72/2 .

أقصِر فلوسوّدت كلّ حمامةٍ*** بيضاء ما عُدّت مِن الغِرْبانِ

ويقولون في ديوان عَرْض الجَيْش ببغداد لمن يَخضِب إذا ذَكَروا حِليته : مستعار، وهي كنايةٌ لطيفة. وأنا أستحين قول البحتري : خَضَبتُ بالمقراض : كناية عن قَصّ الشعر الأبيض، فجعل ذلك خِضابه عِوَضاً عن الصّبغ، والأبياتُ هذه :

لابسٌ من شبيبة أم ناض ***ومليحٌ من شيبة أم راض

وإذا ما امتَعضتُ مِن وَلع الشَّي***ب برأسي لم يَثْنِ ذاكَ امتعاضي

ليس يَرضى عن الزّمان امرؤ في ***ه إلاّ عن غَفْلَةٍ أو تَغاضي

والبواقي من اللّيالي وإن خا*** لَفنَ شيئاً شبيهةٌ بالمواضي

وأبَتْ تَرْكِي الغُديَّاتِ والا ***صالِ حتّى خَضبتُ بالمِقْراضِ

ودواءُ المَشيبِ كالبَخْصِ(1)في عَيْنِي ***فقل فيه في العيون المِراض

طال حُزني على الشباب وما بَيَّضَ ***مِن لونِ صِبغِه الفَضفاضِ

فهل الحادثاتُ يابنَ عُوَيْف ***تاركاتي ولُبسَ هذا البَياضِ!


• 19-

الأصل: مَنْ جَرَى فِي عِنَانِ أَمَلِهِ عَشَرَ بِأَجَلِهِ.


الشرح: قد تقدّم لنا قولٌ كثيرٌ في الأمل، ونذكر هاهنا زيادةٌ على ذلك :

قال الحسن علیه السلام: لو رأيتَ الأجلَ ومَسيرَه، لنسيت الأملَ وغرورَه، ويُقدّر المقدّرون والقضاءُ يَضحَك.

ورَوَى أبو سَعيد الخُدْرِيّ أنّ أسامةَ بن زيد اشتَرى وَليدةٌ بمائة دينار إلى شهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «الا تَعجَبون من أسامةَ يَشتري إلى شَهْرا إن أسامةَ لطويلُ الأمَل» (2).

أبو عثمان النَّهديّ : قد بلغتُ نحواً من ثلاثين ومائة سنة فما من شيء إلاّ قد عرفتُ فيه النقصَ إلا أمَلي، فإنّه كما كان .


1) البَخْصُ : مصدر بَخَص عينه بخصاً أغارها. لسان العرب مادة (بخص).

2) أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (1505) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (10564) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (91/6).

قال الشاعر:

أراكَ تَزيدُك الأيامُ حِرْصاً ***على الدنيا كأنّك لا تموتُ

فهل لك غايةٌ إن صرتَ يوماً*** إليها قلتُ حَسْبي قد رَضيتُ !

وقال آخر :

مَنْ تَمَنِّى المُنَى فأغرق فيها*** مات من قبل أن ينال مُناه

ليس في مالِ مَن تَتَابَع في اللذاتِ ***فضلٌ عن نفسِه لسِواهُ


-20-

الأصل: أقِيلُوا ذَوِي الْمُرُواتِ عَثَراتِهِمْ فَمَا يَعْمُرُ مِنْهُمْ عَاثِرٌ إِلا وَيَدُهُ بِيَدِ الله يَرْفَعُهُ.


بعض ما ورد في المروءة

الشرح: قد رُوِيَتْ هذه الكلمة مرفوعة، ذكر ذلك ابن قتيبة في «عيون الأخبار» وأحَسن ما قيل في المُروءة قولُهم: الّلذة تركُ المروءة، والمروءةُ تركُ اللّذة.

وفي الحديث أنّ رجلاً قام إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقال :يا رسولَ الله الستُ أفضل قومي ! فقال: »إن كان لك عَقْل فلك فَضْل، وإن كان لك خُلق فلك مُروءة، وإن كان لك مال فلَك حَسَب، وإن كان لك تُقىً فلك دين»(1).

وسئل الحسَن عن المروءة فقال: جاء في الحديث المرفوع: «إنّ الله تعالى يحبّ معالَي الأمورِ ويكرَه سَفْسافَها» (2).

وكان يقال : من مُروءة الرجل جلوسُه ببابِ داره.

وقال الحسن : لا دِين إلاّ بمُروءة .

وقيل لابن هُبيرة: ما المُروءة؟ فقال : إصلاحُ المال، والرَّزانةُ في المجلس، والغَدَاء والعَشاء بالفناء.


1) ذكره ابن حجر في «الإصابة» عند ترجمة مالك بن عمرو بن برهة (736/5)، برقم (7665) وأنه هو من سال النبي صلی الله علیه وآله وسلم.

2) أخرجه الطبراني في «الكبير (2894)، و«الأوسط» (2940) ، والشهاب في «مسنده»» (1076).

وجاء أيضاً في الحديث المرفوع : «حَسَب الرجُل مالُه ، وكَرَمُه دِينُه ، ومُرُوتُه خُلُقه»(1).

وكان يقال : ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطّريق.

ويقال : سُرعة المَشْي تذهب بمُروءة الرجل .

وقال معاوية لعمرو : ما الذّ الأشياء؟ قال : مُرْ فِتْيانَ قُرَيش أن يقوموا، فلما قاموا قال: إسقاطُ المرُوءة .

وكان عُروةُ بنُ الزّبير يقول لبنيه : يا بنيّ العبوا، فإنّ المروءة لا تكون إلا بعد اللعب. وقيل للأحنف: ما المروءة؟ قال : العِفّة والحِرْفة، تعف عمّا حَرّم الله، وتحترف فيما أَحَلَّ الله .

وقال محمد بن عمران التيميّ : لا أشدّ من المروءة وهي ألاّ تعمل في السرّ شيئاً تستحي منه في العَلانَية. وسئل النّظام عن المروءة، فأنشد بيتَ زُهير :

الستر دون الفاحشاتِ ولا ***يلقاك دُونَ يَلقاكَ دُونَ الخَيْر من سِتْرِ

وقال عُمر: تعلموا العربيّة فإنّها تزيد في المروُءة، وتعلّموا النَّسَب فَرُبَّ رَحِمٍ مجهولة قد وُصلت به .

وقال ميمونُ بنُ مهران: أوّل المروءة طلاقة الوجه، والثاني التودد إلى الناس، والثالثُ قَضاءُ الحوائج .

وقال مَسلمة بنُ عبدِ المَلِك : مُروءتان ظاهِرَتان: الرِّياش (2)والفصاحة.

وكان يقال : تُعرَف مُروءَةُ الرّجل بكثرة ديونه .

وكان يقال : العقل يأمُرُك بالأنفع ، والمروءة تأمرك بالأجمَل .

لام معاويةُ يزيدَ ابنَه على سَماع الغناء وحُبِّ القِيان، وقال له : أسقطتَ مرُوءتَك، فقال يزيد: أتكلّم بلساني كلمةً؟ قال: نعم، وبلسان أبي سفيان بن حرب وهند بنتِ عتبة مع لسانك، قال : والله لقد حدّثني عمرو بنُ العاص - واستَشهَد على ذلك ابنَه عبدَ الله يصدقه - أن أبا سفيان كان يخلع على المغني الفاضل والمضاعف من ثيابه، ولقد حدّثني أنّ جاريَتي عبد جدعان غنتّاه يوماً فأطربتاه، فَجَعَل يخلع عليهما أثوابه ثوباً ثَوْباً حتى تجرَّد تجرُّد الغير، ولقد كان هو وعفّان بن أبي العاص ربّما حَمَلا جارية العاص بن وائل على أعناقهما، فمرَّا بها على


1) أخرجه أحمد في مسنده (8556) ، وابن حبان في صحيحه» (483)، والحاكم في المستدرك) (425)، والطبراني في الأوسط ) (6686) ، وابن الجعد في مسنده) (2962)، والشهاب في (مسنده» (190)، والبيهقي في شعب الإيمان) (4657) ، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (1).

2) الرِّياش : الخطب والمعاش والمال والأثاث واللباس الحسن الفاخر. القاموس المحيط، مادة (ريش).

الأبطح وجِلّة قريش ينظرون إليهما، مرّة على ظهر أبيك، ومرّةً على ظهر عفان، فما الّذي تنكر منّي ! فقال معاوية : اسكُت لَحاكَ الله! والله ما أحدٌ الحَقَ بأبيك هذا إلا ليغُرّك ويَفضَحَك، وإن كان أبو سفيان ما علمت لتقيلُ الْحِلْم ، يَقظان الرأي، عازبُ الهَوَى، طويل الأناة، بعيدُ القَعْر ، وما سودته قريشٌ إلا لفضله.


-21-

الأصل: قُرِنَتْ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ، وَالْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ، وَالْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَانْتَهِزُوا فَرَصَ الْخَيْرِ.


الشرح: في المَثَل : مَنْ أقْدَم لم يَنْدَم، وقال الشاعر :

ليس للحاجات إلا*** من له وجه وقاحُ

السانٌ طِرْمِذِي ***وهدو ورواحُ

فعليه السعيُ فيها ***وعلى الله النّجاحُ

وكان يقال : الفرصة ما إذا حاولته فأخطأك نفعُه، لم يَصِل إليك ضرّه .

ومن كلام ابن المقفع : انتهز الفرصةَ في إحراز المآثر ، واغتنم الإمكان باصطناع الخير، ولا تنتظر ما تُعامل فتُجازَى عنه بمثله، فإنّك إن عُوملت بمكروه واشتغلت بِرصَد المكافأة عنه قَصر العُمر بك عن اكتساب فائدة، واقتناء مَنْقَبَة، وتصرّمَتْ أيامك بين تعد عليك، وانتظار للظفر بإدراك الثارِ من خَضمك، ولا عيشةً في الحياة أكثر من ذلك .

كانت العربُ إذا أوفدَتْ وافداً قالت له : إيّاك والهيبة، فإنها خَيْبة، ولا تَبِتْ عند ذَنّب الأمر وبتِ عند رأسه .


-22-

الأصل: لَنَا حَقٌّ فإنْ أُعْطِينَاهُ وإِلا رَكِبْنا أَعْجَازَ الإِبِلِ ، وإِنْ طَالَ السُّرَى.

قالَ الرَّضِيُّ رَحمهُ الله تعالى : وهَذَا الْقَولُ مِنْ لَطِيفِ الكلام وفَصِيحِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّا إِنْ لَمْ نُعْطَ حَقَّنَا كُنَّا أَذِلاة، وذلِكَ أَنَّ الرَّدِيفَ يَرْكَبُ عَجُزَ الْبَعِيرِ ، كالْعَبْدِ والأسير ومنْ يَجْرِي مَجْراهما .

الشرح: هذا الفصلُ قد ذكره أبو عبيد الهروي في «الجمع بين الغريبين» (1)وصورته : إنّ لنا حقّاً إن نعطه ناخُذه، وإنْ تُمنعه نركب أعجاز الإبل، وإن طال السُّرى. قال قد فسرّوه على وجهين: أحدُهما أن راكبَ عَجزِ البعير يلحقه مشقة وضرر، فأراد: أنّا إذا مُنِعْنا حَقْنَا صَبرنا على المَشقَّة والمَضرّة، كما يَصبر راكب عجُز البعير، وهذا التفسير قريبٌ مما فسّره الرضيّ. والوجه الثاني أنّ راكب عجز البعير إنما يكون إذا كان غيرُه قد رَكِب على ظَهر البعير، وراكبُ ظهر البعير متقدّم على راكب عَجزِ البعير ، فأراد أنّا إذا مُنِعْنا حَقَّنا تأخَّرْنا وتقدَّمَ غيرُنا علينا ، فكُنّا كالراكب رديفاً لغَيره، وأكد المعنى على كلا التفسيرين بقوله : (وإن طال السُّرى، لأنه إذا طال السرى كانت المَشَقة على راكب عجز البعير أعظم، وكان الصبر على تأخّر راكب عجز البعير عن الراكب على ظهره أشدّ وأصعب .

وهذا الكلام تزعم الإماميّة أنه قاله يومَ السَّقيفة أو في تلك الأيام، ويذهَب أصحابُنا إلى أنّه قاله یوم الشورى بعد وفاة عمر واجتماع الجماعة لاختيار واحد من الستّة، وأكثر أرباب السِّيرينقلونه على هذا الوجه


• 23-

الأصل: مَنْ أَبْطَاً بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعُ بِهِ حَسَبُهُ .


الشرح :هذا الكلام حَلٌّ وحَضٌ وتحريض على العبادة، وقد تقدّم أمثالُه، وسيأتي له نظائرُ كثيرة، وهو مِثُل قول النبي صلی الله علیه وآله وسلم: «يا فاطمة بنت محمد ، إني لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عبّاس بنَ عبد المطلب، إني لا أغني عَنكَ من الله شيئاً»(2)، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أنفَسَکُم)(3).


1) الجمع بين غريبين القرآن والحديث : لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي المتوفى سنة (401ه-)، رتبه على حروف المعجم على وضع لم يسبق فيه، وجمع ما في كتب من تقدمه، فجاء جامعاً في الحسن. «كشف الظنون» (1206/2).

2) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا :باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب (2753) ،مسلم كتاب الإيمان باب قوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (206).

3) سورة الحجرات، الآية : 13 .

• 24 -

الأصل: مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِطَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَالتَّنْفِيسُ عَن الْمَكْرُوبِ.


الشرح :قد جاء في هذا المعنى آثارٌ كثيرة، وأخبارٌ جميلة. كان العتّابيّ قد أَمْلَق، فجاء فوقَف بباب المأمون يسترزق الله على يديه، فوافى يحيى بن أكثم، فعرض له العتّابي، فقال له : إن رأيتَ أيّها القاضي أن تعلم أمير المؤمنين مكاني فافعل، فقال: لست بحاجب، قال: قد علمتُ، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل معوان، فقال : سلكتَ بي غيرَ طريقي، قال: إنّ الله أتحفَك منه بجاء ونعمة، وهو مقبل عليك بالزّيادة إن شكرتَ ، وبالتغيير إن كفَرت، وأنا لك اليوم خيرٌ منك لنفسک، لأنّي أدعوك إلى ما فيه ازدياد نعمَتِك، وأنت تأبى عليّ، ولكلّ شيء زكاة، وزكاة الجاء رِقُد المستعين فدخل يحيى فأخبر المأمون به فأحضره وحادثه ولاطّفه ووَصَله.


-25-

الأصل: يَابْنَ آدَمَ، إِذَا رَأَيْتَ رَبِّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ.


الشرح: هذا الكلام تخويف وتحذير من الاستدراج قال سبحانه: (سَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يعلَمُونَ)(1)؛ وذلك لأن العبد بغروره يعتقد أن موالاة النِّعم عليه وهو عاص من باب الرّضا عنه، ولا يعلم أنه استدراج له ونقمةٌ عليه.

فإن قلت: كيف يصحّ القول بالاستدراج على أصولكم في العدل؟ أليس معنى الاستدراج إيهام العبد أنه سبحانه غيرُ ساخط فعله ومعصيته ! فهل هذا الاستدراج إلاّ مفسدةٌ وسببٌ إلى الإصرار على القبيح !

قلت : إذا كان المكلّف عالماً بقيح القبيح، أو متمكِّناً من العِلْم يقبَحه ثم رأى النِّعَم تتوالى عليه وهو مُصِرٌّ على المعصية، كان تَرَادُف تلك النِّعَم كالمنبَّه له على وجوب الحذَر، مِثالُ ذلك مَن هو في خِدمةِ مَلِك، وهو عونُ ذلك الملك في دَولته، ويعلم أنّ المَلِك قد عرف حاله، ثم


1) سورة الأعراف الآية : 182 .

يرى نِعمَ الملك مترادفةً إليه، فإنه يجب بمقتضى الاحتياط أن يشتدَ حَذَرُه، لأنه يقول : ليست حالي مع المَلِك حالُ من يستحقّ هذه النعم، وما هذه إلا مكيدة وتحتها غائلة، فيجب إذَن عليهأن يُحذر.


• 26 -

الأصل: مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتٍ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِه.


الشرح: قال زُهيرُ بن أبي سُلمَى :

ومَهمَا تكن عند امرى مِنْ خليقة ***وإن خالها تَخفَى على الناس تُعلَمِ

وقال آخر :

تخبرني العَينان ما القلبُ كائمٌ ***وما جنّ بالبغضاء والنظرِ الشَّزْرِ (1)

وقال آخر :

وفي عينيك ترجمةٌ أراها ***تدل على الضّغائن والحقُود

وأخلاقٌ عهدتُ اللِّين فيها ***غَدَتْ وكأنّها زُبَرُ الحديد

وقد عاهَدْتَني بخلافِ هذا ***وقال الله : (أَوْفُوا بِالْعُقُود ) (2)

وكان يقال : العين والوجه واللّسان أصحاب أخبار على القلب، وقالوا : القلوب كالمرايَا المتقابِلة ، إذا ارتسمَت في إحداهن صورة ظهرت في الأخرى.


-27-

الأصل: امْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ.



1) النظر الشَّزْر : هو نظر فيه إعراض، أو نظر الغضبان بمُؤخِرِ العين. القاموس المحيط، مادة (شور).

2) هذا اقتباس من القرآن سورة المائدة، الآية: 1.

الشرح: يقول : مهما وجدتَ سبيلاً إلى الصّبر على أمر من الأمور الّتي قد دُفعت إليها، وفيها مشقّة عليك، وضرر لاحقٌ بك، فاصبر ولا تلتمس طريقاً إلى تغيير ما دفعت إليه أن تسلكها بالعُنف، ومُراغَمة الوقت، ومعاناة الأقضية ،والأقدار، ومثال ذلك من يَعرِض له مَرَض ما يُمكنه أن يحتمله ويدافع الوقت، فإنّه يجب عليه ألا يَطرَح جانبَه إلى الأرض ويَخلُد إلى النوم على الفراش، ليعالج ذلك المرض قوّة وقهراً، فربما أفضى به مقاهرة ذلك المَرَض الصغير بالأدوية إلى أن يصير كبيراً مُعضِلاً.


-28-

الأصل: أَفْضَلُ الزُّهْدِ إِلحفَاءُ الزُّهْدِ.


الشرح : إنما كان كذلك لأنّ الجهر بالعبادة والزهادة والإعلان بذلك قلَّ أن يسلم من مخالطه الرّياء، وقد تقدّم لنا في الرياء أقوالُ مُقنعة .

رأى المنصورُ رجلاً واقفاً ،ببابه فقال : مثل هذا الدرهَم بين عينيك وأنت واقفٌ ببابنا ! فقال الربيع : نعم، لأنّه ضرب على غير السِّكة.

شاعر:

معشرٌ أثبتَ الصلاةَ عليهم*** لجباو يشقُّها المِحرابُ

عَمَرُوا مَوْضع التصنُّعِ منهم*** ومكانُ الإخلاص منهم خَرابُ


-29 -

الأصل: إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارِ وَالْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ، فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى!


الشرح: هذا ظاهر ، لأنّه إذا كان كلّما جاء ففي إدبار ، والموتُ كلّما جاء ففي إقبال، فيا سُرْعَانَ ما يلتقَيان! وذلك لأنّ إدبارَه هو توجُّهه إلى الموت، وإقبال الموت هو توجّه الموت إلى نحوه، فقد حُقِّ إِذَن الالتقاء سريعاً، ومثالُ ذلك سفينتان بدِجلة أو غيرها، تَصعَد إحداهما، والأخرى تَنحدر نحوَها، فلا ريب أنّ الالتقاء يكون وشيكاً .

-30-

الأصل: الْحَذَرَ الْحَذَرَ ، فَوَالله لَقَدْ سَتَرَ، حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ .


الشرح: قد تقدّم هذا المعنى وهو الاستدراج الذي ذَكرناه آنفاً .


• 31 -

الأصل: وَسُئل علیه السلام عن الإيمان فقال: الإيمانُ عَلَى أَرْبَعِ دعَائِمَ عَلَى الصَّبْرِ ، وَالْبَقِينِ ، وَالْعَدْلِ وَالْجِهَادِ.

وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعٍ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَرَقْبِ، فَمَنِ اشْتَاقَ إلَى الْجَنَّةِ سَلاَ عَن الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَتَبَ الْمُحَرِّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ، وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ.

وَالْبَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ، وَتَأَوَّلِ الْحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ، وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ، فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ، تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيِّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ، عَرَفَ الْعِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ.

وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى خائص الْقَهم، وَغَيْرِ العلم، وَزَهْرَةِ الْحِكَم، وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ فَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحِلْمِ، وَمَنْ حَلْمَ لَمْ يُقَرِّط في أَمْرِهِ، وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً .

وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ، وَشَنآنِ الْفَاسِقِينَ؛ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظهورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْضَمَ أُنُوفَ الْمُنَافِقِينَ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ نَضَى مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ شَنِي الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ لله غَضِبَ الله لَهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى التَّعَمُّقِ، وَالتَّنارُعِ وَالزَّيْغ، وَالشَّقَاقِ؛ فَمَنْ تَعَمِّقَ لَمْ يُنب إلَى الْحَقِّ، وَمَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ الْحَقِّ، وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ،

وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ، وَسَكِرَ سُكْرَ الصَّلالَةِ، وَمَنْ شَاقٌ وَهُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ، وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أمْرُهُ، وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ .

وَالشَّكُ عَلَى أَرْبَع شُعَبٍ عَلَى الثَّمَادِي، وَالْهَوْلِ، وَالتَّرَدُّدِ، وَالإِسْتِسْلَام؛ فَمَنْ جَعَلالْمِرَاءَ دَيْدَنَا لَمْ يُصْبحَ لَيْلُهُ، وَمَنْ مَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي الرِّبَبِ، وطقتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ، وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا .


قَالَ الرَّضِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى: وَبَعْدَ هَذَا كَلامٌ تَرَكْنَا ذِكْرَهُ خَوْفَ الْإِطَالَةِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ فِي هَذَا الْكِتَابِ .


الشرح: من هذا الفصل أخذَتِ الصوفيّةُ وأصحابُ الطريقة والحقيقةِ كثيراً من فنونهم في علومهم، ومن تأمّل كلامَ سهل بن عبد الله التَّسْتَرِيّ وكلام الجُنَيد والسّري وغيرهم رأى هذه الكلمات في فَرْش كلامِهم تَلُوح كالكَواكِب الزاهرة وكلّ المقامات والأحوال المذكورة في هذا الفصل قد تقدّم قولُنا فيها .

أخبار مع الملوك

وتذكرها هنا الصدق في المواطن وبين يدي الملوك، ومن يَغضَب الله، وينهى عن المنكر، ويقوم بالحقّ ولا يُبالي بالسلطان ولا يُراقبه .

دخل عمرُ بنُ عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك وعنده أيوب اينه - وهو يومئذ وليُّ عهده - قد عقد له من بعده، فجاء إنسانٌ يَطلُب ميراثاً من بعض نساء الخلفاء، فقال سليمان: ما أخال النساء يَرثِن في العقار شيئاً، فقال عمر بن عبد العزيز: سبحان الله ! وأين كتابُ الله ! قال سليمان :يا ،غلام اذهَب فأتِني بسِجِلّ عبد الملك الّذي كُتب في ذلك، فقال له عمر : لكأنّك أرسلتَ إليّ المصحف ! فقال أيوب بن سليمان: والله ليُوشِكُنَّ الرجل يتكلّم بمثل هذا عند أمير المؤمنين. فلا يشعر حتّى يفارقه رأسه، فقال عمر: إذا أفضَى الأمر إليك وإلى أمثالك كان ما يَدخُل على الإسلام أشدّ ممّا يخشى عليكم من هذا القَوْل ، ثم قام فخرج .

ورَوَى إبراهيمُ بن هشام بن يحيى قال : حدثني أبي، عن جدّي، قال: كان عمرُ بنُ عبد العزيز يَنهَى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحَرُوريّة، ويقول : ضَمِّنْهم الحُبوس حتّى يُحدثوا توبةٌ، فَأْتِيَ سليمان بحَرُورِي مستقتل، وعنده عمر بن عبد العزيز، فقال سليمان للحروري : ماذ

تقول؟ قال : ما أقول يا فاسق! يابن الفاسق فقال سليمان :لعمر ما تَرَى يا أبا حفص؟ فسَكَت، فقال : أقسمتُ عليك لتخبرنيّ ماذا ترى عليه ! فقال : أرى أن تَشتُمه كما شَتَمك، وتَشتُم أباه كما شتم أباك ، فقال سليمان: ليس إلاّ! قال : ليس إلا ، فلم يرجع سليمان إلى قوله، وأمر بضَرْب عنق الحروري.

ورَوَى ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار» قال: بينما المنصور يطوف ليلاً بالبيت سَمِع قائلاً يقول : اللّهمّ إليك أشكو ظهور البغي والفساد وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل يدعوه، فصلى ركعتين، وأستلم الرُّكْن، وأقبل على المنصور فسلّم عليه بالخلافة، فقال المنصور: ما الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ؟ فوالله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني فقال : يا أمير المؤمنين، إن أمنتني على نفسي أنبأتُك بالأمور من أصولها، وإلا احتجزتُ منك، واقتصرتُ على نفسي فلي فيها شاغل قال: أنت آمن على نفسك، فقل فقال : إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين إصلاح ما ظهر من البغي والفساد لأنت قال : ويحك ! وكيف يدخُلني الطمع والصفراء والبيضاء في قَبْضَتي، والحلو والحامض عندي ! قال : وهل دخل أحد من الطمع ما دَخَلَكَ إن الله عز وجل استرعاك المسلمين وأموالهم، فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حُجُباً من الجص والآجر، وأبواباً من الحديد، وحَجَبَةٌ معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها منهم، وبعثت عمّالك في جباية الأموال وجمعها ، فقوّيتهم بالسلاح والرجال والكُراع ، وأمرت بالاً يدخل عليك إلا فلان وفلان، نفر سمّيتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف ولا الجائع والفقير، ولا الضعيف والعاري، ولا أحد ممن له في هذا المال حق فما زال هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيّتك وأمرت ألا يُحْجَبوا عنك، يجبون الأموال ويجمعونها وتحجبونها، وقالوا : هذا رجل قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سَخَّرنا فائتمروا على ألا يصل إليك من أخبار الناس

ا شيء إلا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا بغضوه عندك وبغَوْه الغَوائل (1). حتى تسقط منزلتُه ويُضغر قدره. فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم، وكان أوّل من صانَعَهُم عمّالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيّتك، ثمّ فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيّتك لينالوا به ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بالطمع بغياً وفساداً، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطنتك وأنت غافل، فإن جاء متظلم حيل بينه وبين دخول دارك، وإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك وقد نهيت عن ذلك، ووقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم، فإن جاء المتظلم إليه أرسلوا إلى صاحب المظالم ألا يرفع إليك قصته، ولا


1) الغوائل : المهالك، جمع غائلة لسان العرب مادة (غول) .

يكشف لك حاله فيجيبهم خوفاً منك فلا يزال المظلوم يختلف نحوه ويلوذ به، ويستغيثُ إليه وهو يدفعه، ويعتل عليه، وإذا أجهد وأحرج، وظهرت أنت لبعض شأنك صَرخ بين يديك، فيُضرب ضرباً مبرحاً ليكون نكالاً لغيره، وأنت تنظر ولا تُنكر، فما بقاء الإسلام على هذا !

ولقد كنتُ أيام شبيبتي أسافر إلى الصين فقدِمْتُها مرة وقد أصيب مَلِكُها بسَمْعه، فبكى بكاء شديداً، فحداه جلساؤه على الصبر، فقال: أما إني لست أبكي للبلية النازلة، ولكن أبكي للمظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته ثم قال : أمّا إذ ذهب سمعي فإنّ بصري لم يذهب نادوا في الناس الا يلبس ثوباً أحمر إلا مظلوم، ثمّ كان يركب الفيل طرَفَيْ نهاره ينظر هل يرى مظلوماً ! فهذا مُشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين على شُح نفسه، وأنتَ مؤمن بالله من أهل بيتِ نبيه لا تَغلِبُك رأفتك بالمسلمين على شُحٌ نفسك! فإن كنتَ إنما تَجمع المال لولدك فقد أراك الله تعالى عِبَراً في الطفل يسقط من بطن أمه ما له على الأرض ،مال، وما من مال يومئذ إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه، ولست بالذي ولكنّ الله يُعطي من يشاء ما يشاء. وإن قلت : إنّما أجمع المال لتشييد السلطان، فقد أراك الله عِبَراً في بني أمية ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وأعَدُّوا من الرجال والسلاح والكُراع حين أراد الله بهم ما أراد، وإن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها ، فوالله ما فوق ما أنتَ فيه إلا منزلةٌ لا تُدرك إلا بخلاف ما أنت عليه، انظر هل تعاقب من عصاك بأشدَّ من القَتْل؟ قال : لا ، قال : فإنّ المَلِك الذي خَوِّلك ما خَوّلك لا يعاقب من عصاه بالقَتْل بالخلود في العذاب الأليم وقد رأى ما قد عقدت عليه قلبك، وعملته بيج جوَارحُك، ونظر إليه بصرك ، واجترحته يداك ومشتُ إليه رجلاك. وانظر هل يُغني عنك ما شححت عليه من أمر الدنيا إذا انتزَعَه من يَدِك ودعاك إلى الحساب على ما منحك !

فبكى المنصورُ وقال : ليتني لم أخلَقْ وَيُحك! فكيف أحتالُ لنفسي؟ قال: إن للناس أعلاماً يفزعون إليهم في دينهم، ويَرْضَوْن بقولهم، فاجعلهم بِطانَتك يُرشِدُوك، وشاورهم في أمرك يُسدّدوك، قال: قد بعثتُ إليهم فهربوا مني ، قال نعم خافوا أن تحملهم على طريقك، ولكن أفتح بابك، وسهل حجابك، وانظر المظلوم واقمع الظالم، وخذ الفيء والصَّدقات مما حلّ وطاب، وأقسمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويُسعدوك على صلاح الأمة. وجاء المؤذنون فسلّموا عليه، ونادوا بالصلاة، فقام ،وصلى، وعاد إلى مجلسه، فطلب الرّجل فلم يُوجَد (1).

ورَوَى ابنُ قُتيبة أيضاً في الكتاب المذكور أن عمرو بن عُبيد قال للمنصور : إنّ الله أعطاك


1) أخرجه الأحمدي الميانجي في مواقف الشيعة 249/2 ، وفي عيون الأخبار: 333/2.

الدّنيا بأسرها، فاشترِِ نفسَكَ منه ببعضها، واذكر ليلةً تتمخّض لكَ صبيحتُها عن يوم القيامة - قال: يعني ليلةَ موته - فوَجَم المنصور، فقال الربيع : حَسْبُك ، فقد عَممت أمير المؤمنين، فقال عمرو بنُ عبيد : إن هذا صَحِبَك عشرين سنةً لم ير عليه أن ينصحك يوماً واحداً، ولم يعمل وراء بابك بشيء مما في كتاب الله ولا في سنة نبيه قال أبو جعفر : فما أصنع ؟ قد قلتُ لك ؛ خاتَمِي في يَدِك فهلم أنت وأصحابك فاكفني، فقال عمرو : دَعْنا بعذلك نَسْخُ بأنفسنا بعونك، وببابك مظالم كثيرة، فأرددها تعلم أنك صادق (1).

وقال ابن قتيبة في الكتاب المذكور وقد قام أعرابيّ بين يدي سليمان بن عبد الملك بنحو هذا قال له : إنّي مكلّمك يا أمير المؤمنين بكلام [فيه بعض الغلظة] فاحتمله إن كرهته، فإنّ وراءه ما تحبّ قال: قل قال: إني سأطلق لساني بما خَرِسَتْ عنه الألسُن من عِظَتك تأدية لِحَقِّ الله . إنَّك قد تكتفك رجال أساؤوا الاختيار لأنفسهم، فابتاعوا دُنْياهم بدينهم، فهم حرب الآخرة، سلم الدنيا ، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنّهم لم يألوا الأمانة تضييعاً، والأمة خَسْفاً ، وأنت مسؤول عما اجترحوا ، وليسوا مسؤولين عمّا اجترَحْتَ، فلا تُصلِح دنياهم بفسادِ آخرتك . ، فإن أعظم الناس غَبْناً مَن باع آخرته بدنيا غيره قال : فقال سليمان: أما أنت يا أعرابي، فإنّك قد سَلَلْتَ علينا عاجلاً لسانك، وهو أقطع سيفيك، فقال: أجل، لقد سالته، ولكن لك لا عليك (2).


-32-

الأصل: فَاعِلُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَفَاعِلُ الشَّرِّ شَرٌ مِنْهُ .


الشرح: قد نظمتُ أنا هذا اللّفظ والمعنى، فقلتُ في جملة أبيات لي :

خير البضائع للإنسان مَكرُمَةٌ ***تَنْمِي وتَزكو إذا بارَتْ بَضائِعُهُ

فالخيرُ خَيْرٌ وخير منه فاعِلُه*** والشرّ شرّ وشر منه صانعُهُ

فإن قلت : كيف يكون فاعلُ الخير خيراً من الخير، وفاعلُ الشرّ شرّاً من الشر، مع أن فاعل


1) أخرجه السيد المرتضى في الأمالي: 121/1 ، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق : 32 /323.

2) أخرجه الأحمدي الميانجي في مواقف الشيعة : 250/2 .

الخير إنّما كان ممدوحاً لأجل الخير، وفاعل الشرّ إنما كان مذموماً لأجل الشرّ، فإذا كان الخير والشرّهما سَبَبًا المَدْح والدّم - وهما الأصل في ذلك - فكيف يكون فاعلاهما خيراً وشرَّا منهما ؟

قلت : لأنّ الخير والشرّ ليسا عبارة عن ذات حيّة قادرة وإنّما هما فعلان، أو فعل وعدم فعل، أو عَدَمان، فلو قطع النظر عن الذات الحيّة القادرة التي يصدران عنها ، لما انتفَع أحدٌ بهما ولا استضرّ، فالنّفع والضّرر إنما حَصَلا من الحيّ الموصوف بهما لا منهما على انفرادهما، فلذلك كان فاعل الخير خيراً من الخير وفاعلُ الشرّ شرّاً من الشرّ.


• 33 -

الأصل: كُنْ سَمْحاً، وَلا تَكُنْ مُبَشِّراً، وَكُنْ مُقَدِّراً، وَلا تَكُنْ مُقَدِّراً .


الشرح: كلُّ كلام جاء في هذا فهو مأخوذٌ من قوله سبحانَه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْعَهَا كُلَّ البَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا ) (1).

ونحو قوله : (إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) (2).


• 34 -

الأصل: أَشْرَفُ الْغِنَى ، تَرْكُ الْمُنَى.

الشرح قد سبق منا قولٌ كثيرٌ في المُنى، ونذكرها هنا ما لم تذكره هناك

سئل عُبيد الله بن أبي بكر : أي شيء أدوَم متاعاً؟ فقال : المُنَى .

وقال بلال بن أبي بُردة: ما يَسُرني بنصيبي من المُنى حُمْر النَّعم .

وكان يقال : الأماني للنّفس كالرُوْنَق للبَصَر.

ومن كلام بعض الحُكْماء: الأمانيّ تُعمِي أعيُنَ البصائر، والحظ يأتي من لا يأتيه، وربّما


1) سورة الإسراء، الآية : 29 .

2) سورة الإسراء، الآية : 27 .

كان الطمع وِعاءً حشوه المتالف، وسائقاً يدعو إلى الندامة، وأشقَى الناس بالسّلطان صاحبُه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرَعُها إخراقاً، ولا يُدْرِك الغنّى بالسلطان إلا نفسٌ خائفة، وجسمٌ تَعِب ودين منكتم ، وإن كان البحرُ كَدِرَ الماءِ ، فهو بَعيدُ الهَوَاء.


-35-

الأصل: مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا فِيهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ.

الشرح: هذا المعنى كثيرٌ واسع ، ولنقتصر هاهنا فيه على حكاية ذكرها المبرّد في «الكامل»(1).

خبر الحضين مع قتيبة بن مسلم الباهلي

قال لما فتح قتيبةُ بنُ مُسلم سَمَرْقَند أفضى إلى أثاث لم يُرَ مثله ، وإلى آلات لم يُرَ مثلها ، فأراد أن يُرِيَ الناس عظيمَ ما أنعمَ الله به عليه ويعرّفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدارٍ فقُرِشت وفي صحنها قدور يُرْتقَى إليها بالسلالم ، فإذا الحُضَين بنُ المُنذِر بن الحارث بن وَعلة الرّقاشي قد أقبَل والناسُ جلوسٌ على مراتبهم، والحُضَين شيخٌ كبير، فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة : ائذن لي في معاتَبتَه ، قال : لا تردّه لأنه خبيثُ الجواب، فأبي عبد الله إلا أن يأذن له - وكان عبد الله يضعَّف، وقد كان تسوّر حائطاً إلى امرأة قبل ذلك - فأقبل على الحضين، فقال: أمن الباب دخلتَ يا أبا ساسان؟ قال : أَجَلْ أَسَنَّ عمُّك عن تَسوُّر الحيطان . قال : أرأيت هذه القدور؟ قال : هي أعظم من ألا تُرَى قال : ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها، قال: أجَلْ ولا ،غيلان ولو كان رآها سمّي شَبْعان ولم يسمَّ غَيْلان، قال له عبدُ الله : يا أبا ساسان أتعرف الذي يقول :

عُزِلْنا وأُمرنا وبكر بن وائل*** تَجُرٌ حُصاها تبتغي من تحالفة

قال : أجل أعرفه، وأعرف الذي يقول :

بأدْنَى العَزم قادَ بَني قُشَيرٍ*** ومن كانت له أسرَى كلاب

وخَيْبة من يخيبُ عَلَى غَنّي*** وباهلة بن يَعْصُرَ والرّكابِ

يريد :يا خيبةَ من يَخيب. قال : أفتعرف الذي يقول :


1) «الكامل في اللغة» لأبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد ، المتوفى سنة ( 285ه-)، «كشف الظنون» (1382/2).

كانّ فِقاحَ الأزد حول ابن مِسمعٍ*** إذا عرِقت أفواهُ بكر بن وائلِ(1)

قال : نَعم أعرفه وأعرف الذي يقول :

قومٌ قتيبُة أمُّهم وأبوهمُ ***لولا قتيبة أصبحوا في مَجْهل

قال: أما الشَّعر فأراك تزويه، فهل تَقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: أقرأ منه الأكثر الأطيَب : (وهَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مذكورًا ) (2)فأغضبه، فقال : والله لقد بلغني أنّ امرأة الحضين حُمِلت إليه وهي حُبلى من غيره. قال : فما تحرّك الشيخُ عن هيئته الأولى، ثم قال على رسله وما يكون! تلد غلاماً على فراشي فيقال : فلانَ ابنُ الحضين، كما يقال : عبدُ الله بنُ مسلم. فأقبل قتيبةُ على عبد الله وقال : لا يبعد الله غيرك !

قلت هو الحضين بالضاد المعجمة وليس في العرب من اسمه «الحضين» بالضاد المعجمة غيره .


• 36 -

الأصل: مَنْ أطالَ الْأَمَلَ، أَسَاء الْعَمَلَ .

الشرح: قد تقدّم منّا كلامٌ في الأمل .

وقيل لبعض الصالحين : ألك حاجةٌ إلى بغداد؟ قال: ما أحبّ أن أبسط أملي حتى تذهب إلى بغداد وتعود.

وقال أبو عثمان النَّهديّ : قد أتت عليّ ثلاثون ومائة سنةٌ، ما من شيء إلاَّ وأجِد فيه النَّقص إلا أَمَلي، فإن وجدتُه كما هو أو يزيد.


37 - وقال علیه السلام وقد لقيه عند مسيره

إلى الشام دهاقي الأنبار فترجلوا له واشتدوا بين يديه

الأصل: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ؟ فَقَالُوا : خُلُقٌ مِنَّا نُعَظْمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أَمَرَاؤُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ لَتَشقُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْن بِهِ فِي الحَرَاكُمْ، وَمَا


1) الأزد : لغة في الأسد، تجمع قبائل كثيرة في اليمن. لسان العرب، مادة (أزد).

2) سورة الإنسان الآية : 1 .

أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الْأَمَانُ مِنَ النَّارِا


الشرح: اشتدُّوا بين يديه : أسرَعوا شيئاً، فنهاهم عن ذلك وقال : إنكم تشقّون به على أنفسكم لما فيه من تَعَب الأبدان. وتَشْقَوْن به في آخرتكم :تخضعون للولاة، كما زعمتم أنه خُلق وعادةٌ لكم، خضوعاً تطلبون به الدنيا والمنافع العاجلة فيها، وكلّ خضوع وتذلل لغير الله فهو معصية.

ثم ذكر أن الخسران المبين مَشقّة عاجلة يتبعها عقاب الآخرة والربح البين دعةٌ عاجلة يتبعها الأمان من النار.


38 -قال علیه السلام لابنه الحسن علیه السلام

الأصل: يَا بُنَيَّ احفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَأَرْبَعاً ، لا يَضُرُكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ : إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الفَقْرِ الْحُمْقُ، وَأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ، وَأَكْرَمَ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ.

يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْأَحْمَنِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرِّكَ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ، فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ، فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِالنَّافِهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْعَذَابِ، فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ، وَيُبَعْدُ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ .


الشرح: هذا الفصل يتضمّن ذِكرَ العقلِ والحُمق، والعُجب وحُسن الخُلُق، والبخل والفُجور، والكَذِب، وقد تقدّم كلامُنا في هذه الخصال أجمَع، وقد أخذتُ قوله علیه السلام: «إيّاك ومصادقةَ الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرك فقلتُ في أبيات لي: حیاتكَ لا تَصْحَبَن الجهولَ*** فلا خير في صُحبةِ الْأَخْرَقِ (1)

يَظُنّ أخو الجهل أن الضّلا ***ل عينُ الرّشاد فلا يتّقِی

ويَكسَب صاحبُه حُمقَه ***فيَسرق منه ولا يُسرَقُ

وأقسم أن العدوّا البی*** خيرٌ من المشفق الأحمَقِ



1) الأخْرَق الأحمق أو من لا يحسن الصَّنْعة القاموس المحيط مادة (حمق).

• 39 -

الأصل: لا قربةَ بِالنَّوَافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالفَرَائِضِ.


الشرح: هذا الكلام يُمكن أن يُحمل على حقيقته، ويمكن أن يُحمَل على مَجازه، فإنْ حُمِل على حقيقته فقد ذهب إلى هذا المذهب كثيرٌ من الفقهاء، وهو مَذهَب الإماميّة، وهو أنّه لا يصح التنقّل ممّن عليه قضاءُ فريضة فاتته لا في الصلاة ولا في غيرها، فأمّا الحَجّ فمُتفق عليه بين المسلمين أنه لا يصحّ الابتداء بنَفله، وإذا نوى نيّة النَّفل ، ولم يكن قد حَجْ حَجّة الإسلام وقع حَجّه فرضاً، فأمّا نوافل الزّكاة فما عرفتُ أحداً قال : إنه لا يثاب المتصدّق بها ، وإن كان لم يودّ الزكاة الواجبة. وأمّا إذا حُمل على مجازه، فإنّ معناه يجب الابتداء بالأهمّ وتقديمُه على ما ليس بأهمّ، فتَدخُل هذه الكلمة في الآداب السلطانيّة والإخوانيّة، نحوَ أن تقول لمن تُوصِيه : لا تبدأ بخِدمة حاجبِ المَلِك قبل أن تبدأ بخِدمة وَلَد المَلِك، فإنّك إنّما تروم القُرْبة للملك بالخدمة، ولا قرية إليه في تأخير خِدمة وَلَده وتقديم خدمة غلامِه، وحَمْلُ الكلمة على حقيقتها أولى لأنّ اهتمام أمير المؤمنين علیه السلام بالأمور الدينيّة والشرعيّة في وصاياه ومنثور كلامه أعظُم.


-40-

الأصل: لِسَانُ العاقِلِ وَرَاءَ قَلبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَنِ وَرَاءَ لِسَانِهِ.


قالَ الرضيُّ رَحمهُ الله تعالى: وهذا مِنَ الْمَعَانِي الْعَجِيبةِ الشَّرِيفَةِ، وَالمُرَادِ بِهِ أَنَّ العَاقِلَ لا يُطْلِقُ لِسَانَهُ إِلا بعد مُشاوَرَةِ الرَّوِيَّةِ، ومُوَامَرَةِ الْفِكْرَةِ، وَالأَحْمَقُ تَسْبِقُ حَذَفَاتُ لسانِهِ، وَفَلَتَاتُ كَلامِهِ ، مُرَاجَعَةَ فِكْرِهِ، ومما خَضَةَ رَأْيِهِ، فَكَأَنَّ لِسانَ الْعَاقِلِ تابع لِقَلْبِهِ، وَكَأَنَّ قَلْبَ الأحمق تابعٌٍ للسانه .

قالَ : وقَدْ رُوِيَ عنهُ عليهِ السَّلامُ هَذَا المَعْنَى بلفظ آخَرَ ، وهُو قَوْلُهُ: «قَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي فِيهِ، ولِسَانُ العَاقِلِ فِي قَلْبِهِ وَمَعْنَاهُما واحِدٌ.

الشرح: قد تقدّم القولُ في العَقل والحُمق، ونذكر هاهنا زيادات أخرى.


أقوال ونوادر عن الحمقى

قالوا : كلّ شيء يَعِزُّ إذا قلّ، والعقل كلَّما كان أكثرَ كان أعز وأغلى.

وكان عبد الملك يقول : أنا للعاقل المدير أرجَى منّي للأحمَقِِ المُقبل.

قيل لبعضهم : ما جِماعُ العَقل ؟ فقال : ما رأيتُه مجتمِعاً في أحد فأصِفَه، وما لا يوجد كاملاً فلا حدّ له .

وقال الزُّهري : إذا أنكرتَ عقلكَ فاقدَحه بعاقل .

وقيل : عظمت المؤونة في عاقل متجاهل وجاهل متعاقل .

وقيل : الأحمق يتحفظ من كل شيء إلاّ من نفسه .

وقيل لبعضهم : العقل أفضلُ أم الجَدّ ؟ فقال : العقل مِن الجَدِّ .

وخطب رجلان إلى ديماووس الحكيم ابنته، وكان أحدهما فقيراً والآخر غنياً، فزوجها من الفقير، فسأله الإسكندر عن ذلك، فقال: لأنّ الغنيّ كان أحمق فكنت أخاف عليه الفقر، والفقير كان عاقلاً، فرجوتُ له الغنى.

وقال أرسطو : العاقل يوافق العاقل، والأحمق لا يوافق العاقل، ولا أحمق كالعُود المستقيم الذي ينطبق على المستقيم، فأما المعوج فإنه لا ينطبق على المعوجّ ولا على المستقيم.

وقال بعضهم : لأن أزاول أحمقَ أحبُّ إليّ من أن أزاول نصف أحمق - أعني الجاهل المتعاقل.


واعلم أن أخبار الحمقى ونوادرهم كثيرة، إلا أنا نذكر منها هاهنا ما يليق بكتابنا، فإنه كتاب نزهناه عن الخلاعة والفُحْش إجلالاً الخلاعة والفُحش إجلالاً لمنصب أمير المؤمنين.

قال هشام بن عبد الملك يوماً لأصحابه : إنّ حمْقَ الرجل يُعرَف بخصال أربع : طولِ لِحيته ، وبشاعةِ كنيته، ونَقشِ خاتمه وإفراط نهمته فدخل عليه شيخٌ طويلُ العُثْنون، فقال هشام : أمّا هذا فقد جاء بواحدة، فانظروا أين هو من الباقي، قالوا له: ما كنيةُ الشيخ؟ قال : أبو الياقوت، فسألوه عن نقش خاتمه ، فإذا هو : (وَجَاهُ و عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) (1)فقيل له : أي الطعام تَشتهي ؟ قال : الدباء بالزيت فقال هشام: إن صاحبكم قد كَمَل .


1) سورة يوسف، الآية : 18.

وسَمِع عمرُ بنُ عبدِ العزيز رجلاً يُنادِي آخَرَ :يا أبا العُمَرَين، فقال : لو كان له عقلٌ لكفاه أحدهما .

وأرسَل ابنٌ لعجل بن لجيم فرساً له في حَلْبة، فجاءَ سابقاً، فقيل له : سمه باسم يُعرَف به، فقام ففقأ عينه وقال : قد سميته الأعور ، فقال شاعر يَهجُوه :

رمتني بنو عجل بداء أبيهم ***وأي عباد الله أَنْوَكُ مِن عِجْل !

أليس أبوهم عارَ عَيْنَ جَوادِه*** فأضحَتْ به الأمثالُ تُضرَب بالجَهلِ

وقال أبو كعب القاصّ في قصصه : إن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم قال في كَبِد حمزةَ ما علمتم، فادعوا الله أن يُطعمنا من كبد حمزة !

وقال مرّة في قَصصه : اسم الذئب الّذي أكلَ يوسفَ كذا وكذا ، فقيل له : إن يوسف لم يأكله الذئب؟ فقال : فهذا اسمُ الذئب الّذي لم يأكل يوسف.

ودخل كَعبُ البَقَر الهاشميّ على محمد بن عبد الله بن طاهر يعزّيه في أخيه، فقال له : أعظَمَ الله مُصيبة الأمير ! فقال الأمير : أمّا فيك فقد فَعَل ، والله لقد هممتُ أن أحلِقَ لحيتَك، فقال: إنما هي لحية الله ولحية الأمير فليفعل ما أَحَبَّ .

وكان عامرُ بن كُرَيز أبو عبد الله بن عامر مِن حَمْقَى قريش، نظر إلى عبد الله وهو يَخطُب والناسُ يَستحسِنون كلامَه، فقال لإنسان إلى جانبه : أنا أخرجتُه من هذا - وأشار إلى مَتاعِه .

ومن حَمقَى قُريش العاصُ بنُ هشام المخزوميّ ، وكان أبو لهب قامَره فقَمَره ماله ثم داره، ثمّ قليله وكثيره وأهله ونفسه، فاتّخذه عبداً، وأسلمه قيْناً، فلمّا كان يومُ بَدْر بعث به بَدِيلاً عن نفسه، فقُتِل ببدر قتله عمر بن الخطاب، وكان ابن عمّ أمّه .

ومِنَ الحَمْقى الأحوص بنُ جعفر بن عمرو بن حريث، قال له يوماً مَجالسوه: ما بالُ وجهك أصغر ! أتشتكي شيئاً؟ فرجع إلى أهله، وقال: يا بني الخَيْبة، أنا شاكِ ولا تُعلمونني ! اطرحوا علي الثياب وأبعثوا إليّ الطبيب.

ومِن حَمقَى بني عجل حسّان بن الغَضبان من أهل الكوفة، ورث نصف دار أبيه، فقال: أريد أن أبيعَ حِصّتي من الدار، وأشتريَ بالثمن النصف َالباقي، فتصير الدَّار كلّها لي.

ومِن حَمْقَى قريش بكّار بنُ عبد الملك بن مروان وكان أبوه ينهاه أن يُجالسَ خالدَ بنَ يزيدَ بنِ معاوية لِما يَعرِف من حُمقه، فجلس يوماً إلى خالد فقال خالد يعبث به : هذا والله المردّد في بني عبدِ مَناف، فقال بكَار: أجَلّ، أنا والله كما قال الأوّل:

مردَّدٌ في بني اللَّحناء ترديدا

وطارَ لِبكّار هذا بازي (1)، فقال لصاحب الشُّرطة : أغلِق أبواب دِمَشق لئلاّ يَخرج البازيّ .

ومِن حَمْقَى قُريش معاوية بن مروان بن الحَكَم، بينا هو واقفٌ بباب دمشق ينتظر أخاه عبدَ الملك على باب طحّان، وحمارُ الطّحّان يدور بالرَّحَا وفي عنقه جُلْجُل(2)، فقال للطّحان : لم جعلتَ في عنق هذا الحمار جُلجُلاً؟ فقال : ربّما أدركتني نَعْسة أو سآمة، فإذا لم أسمَع صوتَ الجُلجُل علمتُ أنّه قد ،نام فصِحتُ به، فقال : أرأيتَه إن قام وحَرّك رأسَه، ما عِلمُك به أنّه قائم ؟ فقال : ومَن لحماري بمثل عَقْل الأمير!

وقال معاوية لِحَميه وقد دَخَل بأبنته تلك اللَّيلةَ فافتضّها : لقد ملأثنا ابنتك البارحة دماً ، فقال : إنّها من نِسوة يخبأن ذلك لأزواجهن .

ومن حَمْقَى قريش سليمانُ بنُ يزيدَ بنِ عبد الملك، قال يوماً : لعن الله الوليدَ أخي ! فلقد كان فاجراً، أرادَني على الفاحشة ، فقال له قائل من أهله اسكت وَيْحَكَ، فوالله إن كان هَمَّ لقد فَعَل !

وخطب سعيدُ بنُ العاص عائشة ابنةَ عثمانَ، فقالت: هو أحمق، لا أتزوّجه أبداً، له بِرْدَوْنان لونُهما واحد عند الناس، ويَحمِل مؤنةَ أثنين.

وممّن كان يُحمّق من قريش عُتبةُ بنُ أبي سفيان بن حرب وعبدُ الله بنُ معاوية بن أبي سُفْيان وعبدُ الله بنُ قيس بن مَخرَمة بن المطلب وسهلُ بنُ عَمرو أخو سُهَيل بن عمرو بن العاص . وكان عبدُ الملك بنُ مروانَ يقول : أحمقُ بيت في قريش آلُ قيس بن مَخرَمة .

ومن القبائل المشهورة بالحُمْق الأزد، كتب مَسلَمة بنُ عبد الملك إلى يزيدَ بن المهلب لمّا خرج عليهم : إنّك لستَ بصاحِب هذا الأمر، إنّ صاحبَه مغمورٌ موتور، وأنت مشهور غير موتور. فقام إليه رجل من الأزد ، فقال : قدّم أبنك مَخلَداً حتى يقتُل فتصير موتوراً .

وقام رجل من الأزد إلى عُبيد الله بن زياد فقال : أصلح الله الأمير! إن امرأتي هلكت، وقد أردت أن أتزوّج أمَّها ، وهذا عَرِيفي فأعِنِّي في الصداق، فقال في كم أَنْتَ من العطاء؟ فقال: في سَبعمائة ، فقال : حُطُّوا من عطائه أربعمائة، يكفيك ثلاثمائة .

ومَدَح رجلٌ منهم المهلّب فقال :

نعم أميرُ الرّفقة المهلّب***أبيَضُ وَضّاح كتَيس الحُلّبُ

فقال المهلّب : حَسْبُكَ يَرحَمك الله !

وكان عبدُ الملك بنُ هلالِ عندَه زِنْبيل مملوءٌ حصاً للتَسبيح، فكان يسبِّح بواحدة واحدة،


1) البَازِيّ : نوع من الصقور القاموس المحيط، مادة (بزو) .

2) الجُلْجُل : بالضم الجرس الصغير. القاموس المحيط مادة (جلل).

فإذا مَلَّ طرح أثنتين أثنتين، ثم ثلاثاً ثلاثاً، فإذا ازداد مَلالُه قَبَض قبضةً وقال : سبحانَ الله عَدَدك! فإذا ضَجر أخذ بُعَرا الزّنبيل ،وقلبه، وقال: سبحان الله بعدَدِ هذا .

ودخَلَ قومٌ منزلَ الخُرَيْمي لبعض الأمر، فجاء وقت صلاة الظهر، فسألوه عن القبلة، فقال:إنما تركتُها منذ شهر .

وحَكَى بعضُهم قال: رأيت أعرابياً يبكي فسألته عن سبب بكائه، فقال: بلغني أن جالوتَ قتل مظلوماً .

وَصَف بعضُهم أحمق، فقال : يَسمَع غير ما يقال، ويَحفَظ غير ما يَسمَع ، ويكتُب غير ما يحفظَ، ويُحدّث بغير ما يَكتُب.

قال المأمونُ لثَمامة : ما جَهْد البلاء يا أبا مَعْن؟ قال: عالمٌ يَجري عليه حُكم جاهل . قال : من أين قلت هذا ؟ قال : حبسَني الرشيدُ عند مسرور الكبير، فضّيق عليّ أنفاسي، فسمعتُه يوماً :يقرأ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَزِ لِلْمُكَذِّبِينَ )(1)بفتح الذال ؛ فقلت له : لا تقل أيها الأمير هكذا، قل: (لِلْمُكَذِّبِينَ)؛ وكسرتُ له الذال ، لأنَّ المكذَّبين هم الأنبياء، فقال : قد كان يقال لي عنك : إنك قَدَرِي، فلا نجوتُ إن نجوت الليلّة منّي ! فعاينتُ منه تلك الليلة الموتَ من شدّة ما عذَّبني .

قال أعرابيّ لابنه : يا بني كن سَبُعاً خالصاً، أو ذئباً حائساً، أو كلباً حارساً، ولا تكن أحمَقَ ناقصاً. وكان يقال : لولا ظُلمة الخطأ ما أَشرَق نورُ الصّواب.

وقال أبو سعيد السِّيرافيّ : رأيتُ متكلماً ببغداد بلغ به نقصُه في العربيّة أنّه قال في مجلس مشهور إن العبد «مضطَرّ» بفتح الطاء، والله «مضطِرّ» بكسرها ؛ وزعم أن من قال: «والله مضطَرّ عبد إلى كذا »، بالفتح كافر فانظر أين بلغ به جهلُه، وإلى أيّ رَذيلة أداه نقصُه!

وصف بعضُهم إنساناً أحمقَ، فقال: والله للحكمة أزلّ عن قلبه من المداد عن الأديم الدَّهين.

مرّ عمرُ بنُ الخطّاب على رُماةِ غَرَض ، فسمع بعضَهم يقول : أخطيتَ وأسبتَ ، فقال له : مَهُ ، فإن سُوء اللحن شرّ من سُوء الرّماية.

تضجّر عمرُ بن عبد العزيز من كلام رجل بين يديه، فقال له صاحبُ شُرْطَتِه : قم فقد أوذِيتَ أمير المؤمنين !فقال عمر : والله إنّك لأشدّ أذًى لي بكلامِك هذا منه .

ومِن حَمْقَى العرب وجُهلائهم كلابُ بنُ صعصعة، خرج إخوتُه يشترون خَيْلاً ، فخرج معهم، فجاء بعجل يقوده، فقيل له ما هذا؟ فقال : فرسٌ أشتريتُه ؛ قالوا يا مائق (2)، هذه


1) سورة المرسلات، الآية: 15 .

2) المائِقُ : الأحمق . لسان العرب مادة (موق).

بقرة، أما ترى قرنيها ! فرجع إلى منزله فقَطَع قَرْنَيها ، ثم ،قادها فقال لهم : قد أعدتُها فرساً كما تريدون، فأولاده يُدْعَوْن بني فارس البَقَرة.

وكان شَذرة بن الزبرقان بن بَدْر من الحَمقى، جاء يومَ الجمعة إلى المسجد الجامع فأخَذ بعضادَتَي الباب، ثمّ رفع صوتَه: سلامٌ عليكم أيلج شَذرة؟ فقيل له : هذا يومٌ لا يُستَأْذَن فيه، فقال : أو يَلِجِ مِثلي على قَوْم ولم يُعرَف له مكانُه . واستعمل معاويةُ عاملاً من كَلب، فخَطب يوماً، فذكَرَ المجوسَ، فقال: لعَنَهم الله ! يَنكحِون أمَّهاتِهم والله لو أُعطِيتُ عشرة آلافِ دِرْهم ما نكحتُ أمّي، فبلغ ذلك معاوية، فقال: قبحه الله ! أترونه لو زادوه فَعَل وعَزّله .

وشرَدَ بعيّرٌ لهبنقة - واسمه يزِيدُ بن شَرْوان - فجعل يُنادِي : لمن أتى به بَعيرَان، فقيل له : كيف تَبذُل وَيْلك بَعيرَيْن في بَعير ! فقال لحلاوة الوجدان .

وسُرِقَ من أعرابي حمارٌ ، فقيل له: أشرق حمارُك؟ قال: نَعم، وأحمَد الله، فقيل له : على ماذا تَحمَده؟ قال: كيف لم أكن عليه .

وخَطَب وكيعُ بنُ أبي سود بخُراسانَ، فقال: إن الله خَلَق السموات والأرضَ في ستّة أشهر، فقيل له : إنّها سنّة ،أيام فقال: والله لقد قلتها وأنا أستَقلّها !

وأُجرِيَتْ خيلٌ فطَلَع فيها فَرَس سابقٌ ، فجعل رجلٌ من النّظّارة يكبّر ويَثِب من الفَرَح، فقال له رجل إلى جانبه يا فتى أهذا الفرس السابق لك؟ قال : لا ولكنّ اللّجامَ لي.

: وقيل لأبي السّفّاح الأعرابيّ عند موته أَوْص، فقال: إنّا الكرام يوم طِخفة(1)، قالوا : قل خيراً يا أبا السّفاح، قال: إن أحبّت أمرأتي فأعطُوها بعيراً ، قالوا : قل خيراً، قال : إذا مات غلامي فهو حُرّ.

وقيل لرجل عند موته : قل لا إله إلا الله، فأعرَض، فأعادوا عليه مراراً، فقال لهم: أخبروني عن أبي طالب، قالَها عند موته؟ قالوا: وما أنتَ وأبو طالب ! فقال : أرغَب بنفسي عن ذلك الشريف.

وقيل لآخَرَ عند موته : ألا تُوصِي؟ فقال: أنا مغفور لي، قالوا : قل : إن شاء الله ، قال : قد شاء الله ذلك، قالوا يا هذا لا تَدَع الوصيّة، فقال لابني أخيه : يا بني حريث، ارفعا وسادي، واحتَفظا بالحلّة الجِياد، فإنّما حَوْلَكما الأعادي.

وقيل : المعلّم ابن معلّم : ما لَكَ أحمق ؟ فقال : لو لم أكن أحمقَ، لكنتُ ولدَ زنى .


1) طِخْفَة : جبل أحمر طويل، ومنه طخفة یوم لبني يربوع على قابوس بن المنذر بن ماء السماء. القاموس المحيط مادة (طخف).

41 - وقال علیه السلام لبعض أصحابه في علة اعتلها


الأصل: جَعَلَ الله مَا كَانَ مِنْكَ مِنْ شَكْوَاكَ حَطًا لِسَيِّئَاتِكَ، فَإنَّ الْمَرَضَ لَا أَجْرَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ يحط السَّيِّئَاتِ وَيَحُتُها حَتْ الْأَوْرَاقِ، وَإِنَّمَا الْأَجْرُ فِي الْقَوْلِ بِاللَّسَانِ، وَالْعَمَلِ .

بِالْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ، وَإِنْ الله سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْجَنَّةَ.

قال الرضي : رحمه الله تعالى : وأقولُ : صدَق علیه السلام ، إنَّ المرَض لا أَجرَ فيه؛ لأنه من قبيل ما يُستَحَقُّ عليه العِوَضُ ؛ لأنَّ العِوَض يُستحَقُّ على ما كان في مُقابَلة فِعل الله تعالى بالعبد من الآلام والأمراض وما يَجري مَجرَى ذلك، والأجرُ والثوابُ يُستَحَفَّان على ما كان في مُقابِلِ فِعْل العبد، فبينهما فَرقٌ قد بينه علیه السلام كما يَقتَضيه عِلمُه الثَّاقِبُ ورأيه الصَّائب.


الشرح : ينبغي أن يُحمل كلامُ أمير المؤمنين علیه السلام في هذا الفصل على تأويل يُطابق ما تدلّ عليه العقول والا يُحمل على ظاهرِه، وذلك لأن المرض إذا استحقّ عليه الإنسان العوض لم يَجُز أن يقال : إن العِوَض يَحُط السيئات بنفسه لا على قول أصحابنا، ولا على قول الإماميّة، أما الإماميّة فإنهم مُرجِئة، لا يَذْهَبون إلى التحابُط، وأما أصحابُنا فإنّهم لا تَحابط عندهم إلا في الثّواب والعقاب، فأمّا العقاب والعِوضَ فلا تَحابُط بينهما، لأن التّحابُط بين الثواب والعقاب، إنما كان باعتبار التنافي بينهما من حيثُ كان أحدُهما يتضمّن الإجلال والإعظام، والآخر يتضمن الاستخفاف والإهانة، ومحالٌ أن يكون الإنسان الواحد مُهاناً معظماً في حالٍ واحدة، ولما كان العوض لا يتضمن إجلالاً وإعظاماً، وإنما هو نفع خالص فقط، لم يكن منافياً للعِقاب، وجاز أن يجتمع للإنسان الواحد في الوقت الواحد كونه مستحقاً للعقاب والعوَض، إمّا بأن يوفَّر العوض عليه في دار الدنيا، وإمّا بأن يوصَل إليه في الآخرة قبل عِقابِه، إن لم يمنع الإجماع من ذلك في حقّ الكافر، وإمّا أن يُخفّف عليه بعضُ عقابه، ويجعل ذلك بدلاً من العَوض الذي كان سبيله أن يُوصل إليه، وإذا ثبت ذلك وَجَب أن يُجعل كلام أمير المؤمنين علیه السلام على تأويل صحيح، وهو الذي اراده علیه السلام ، لأنه كان أعرَف الناس بهذه المعاني، ومنه تَعلّم المتكلِّمون علم الكلام، وهو أن المرض والألم يَحُط الله تعالى عن الإنسان المبتلَى به ما يستحقّه من العقاب على معاصيه السالِفَةِ تفضّلاً منه سبحانه، فلما كان إسقاط العقاب متعقباً للمرض، وواقعاً بعده بلا فضل، جاز أن يُطلق

اللفظ بأنّ المرض يَحُطّ السيئات ويحتها حَتْ الوَرَق ، كما جاز أن يُطلق اللفظ بأنّ الجماع يُحبل المرأة، وبأن سَفيَ البذر الماء ينبته، إن كان الولد والزرع عند المتكلمين وقعاً من الله تعالى على سبيل الاختيار ، لا على الإيجاب، ولكنه أجرى العادة، وأن يفعل ذلك عقيب الجماع وعقيب سَقي البدر الماء.

فإن قلت : أيجوز أن يقال : إن الله تعالى يمرض الإنسان المستحقّ للعقاب، ويكون إنما أمرضه ليُسقط عنه العقاب لا غير ؟

:قلت لا ، لأنه قادر على أن يُسقط عنه العقاب ابتداءً، ولا يجوز إنزال الألم إلا حيث لا يمكن اقتناص العِوّض المجزي به إليه إلا بطريق الألم، وإلا كان فعلُ الألم عَبَثَاً، ألا تَرَى أنه لا يجوز أن يستحق زيدٌ على عمرو ألف درهم فيضرِبَه ويقول : إنما أضربه لأجعل ما يناله من ألم الضرب مُسقطاً لما استحقه من الدراهم عليه ؟ وتذمّه العقلاء ويسفهونه، ويقولون له فهلاً وهبتها له، وأسقطتها عنه من غير حاجة إلى أن تضربه وتؤلمه! والبحثُ المستقصي في هذه المسائل مذكور في كتبي الكلامية، فليرجع إليها . وأيضاً فإن الآلام قد تنزل بالأنبياء وليسوا ذَوِي ذُنوب ومَعاصِ ليقال: إنّها تحطها عنهم.

فأمّا قوله علیه السلام :«وإنما الأجرُ في القَوْل .....» إلى آخر الفَصل، فإنه علیه السلام قَسَم أسباب الثواب أقساماً ؛ فقال : لمّا كان المَرَض لا يقتضي الثواب لأنه ليس فعل المكلّف - وإنما يستحق المكلف الثواب على ما كان من فِعله - وَجَب أن يبيّن ما الذي يستحق به المکلف الثواب، والذي يستحق المكلف به ذلك أن يفعل فعلاً إما مِنْ أفعال الجوارح، وإما من أفعال القلوب، فأفعال الجوارح إما قول باللسان أو عمل ببعض الجوارح وعبّر عن سائر الجوارح - عدا اللسان - بالأيدي والأقدام، لأن أكثر ما يُفعل بها، وإن كان قد يُفعل بغيرها نحو مجامعَة الرجل زوجته إذا قُصِد به تحصينها وتحصينه عن الزني، ونحو أن يُنحِّيَ حَجراً ثقيلاً برأسه عن صَدْر إنسان قد يَقتُله وغير ذلك، وأمّا أفعال القلوب فهي العزوم والإرادات والنظر والعلوم والظنون ،والندم، فعبّر عن جميع ذلك بقوله :«بصدق النية والسريرة الصالحة»، واكتفى بذلك عن تعديد هذه الأجناس.

فإن قلت : فإنّ الإنسان قد يستحق الثواب على ألا يفعل القبيح، وهذا يخرم الحصر الذي حصره أمير المؤمنين؟

قلت: يجوز أن يكون يذهب مذهب أبي علي في أن القادر بقدرة لا يخلو عن الأخذ والتّرك.


42 - وقال علیه السلام في ذكر خباب


الأصل: رَحِمَ الله خَبَّابَ بْن الْأَرَتْ فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً، وَهَاجَرَ طَائِعاً، وَعَاشَ مُجَاهِداً . طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ ، وَعَمِلَ لِلْحِسَابِ، وَقَيْعَ بِالْكَفَافِ، وَرَضِيَ عَنِ الله !


خباب بن الأرث

الشرح: هو خبّاب بن الأرتّ بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سَعد بن زيد مَناة بن تميم، يكنى أبا عبد الله - وقيل : أبا محمد وقيل أبا يحيى - أصابه سَبيٌ قبيع بمكة .

وكانت أمّه خَنّانة ، وخَبّاب من فقراء المسلمين وخيارهم وكان به مرض وكان في الجاهليّة قيناً حداداً يَعمل السيوف، وهو قديمُ الإسلام، قيل إنه كان سادس ستة، وشهد بَدْراً وما بعدها من المشاهد، وهو معدودٌ في المعذَّبين في الله ، سأله عمرُ بن الخطاب أيام خلافته : ما لقيت من أهل مكة؟ فقال: انظُر إلى ظهري، فنظر فقال: ما رأيت كاليوم ظهرَ رَجل ! فقال خباب : أوقَدوا لي ناراً وسُحبت عليها ، فما أطفأها إلا وَدَك ظَهْرِي.

وجاء خبّاب إلى عمر فجعل يقول : ادنه ، ادنُه ، ثم قال له : ما أحدٌ أحقُّ بهذا المجلس منك، إلاّ أن يكون عمّار بنَ ياسر . نزل خبّابٌ إلى الكوفة، ومات بها في سنة سبع وثلاثین وقيل : سنة تسع وثلاثين، بعد أن شهد مع أمير المؤمنين عليِّ علیه السلام صِفين ونَهْرَوان، وصلّى عليه عليُّ علیه السلام ، وكانت سنُّه يومَ مات ثلاثاً وسبعين سنة، ودُفِن بظَهرِ الكوفة.

وهو أوّل من دُفن بظهر الكوفة، وعبد الله بن خَبَّاب هو الذي قتلته الخوارج، فاحتجّ عليّ علیه السلام به وطلبهم بدمه، وقد تقدم ذكر ذلك .


• 43 -

الأصل: وقال علیه السلام : لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هَذَا عَلى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي، وَلَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيا بِجَمَّاتِهَا عَلَى الْمُنَافِقِ عَلَى أَنْ يُحِبَّنِي مَا أَحَبَّنِي ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَانْقَضى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنَّهُ قَالَ : يَا عَلِيُّ ، لا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ ، ولا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ .

الشرح: جَمَاتها بالفتح : جَمعُ جَمة، وهي المكان يجتمع فيه الماء وهذه استعارة، والخَيشوم : أقصى الأنف.

ومرادُه علیه السلام من هذا الفصل إذكار الناس ما قاله فيه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وهو: «لا يُبغِضكمؤمن، ولا يحبك منافق»(1)، وهي كلمه حقّ، وذلك لأنّ الإيمان وبغضَه علیه السلام لا يَجتمعان، لأن بغضه كبيرة، وصاحب الكبيرة عندنا لا يسمّى مؤمناً، وأما المنافق فهو الذي يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر، والكافرُ بعقيدته لا يحبّ عليَّا علیه السلام ، لأن المراد من الخبر المحبّة الدّينيّة، ومن لا يعتقد الإسلام لا يحبّ أحداً من أهل الإسلام لإسلامه وجهاده في الدين، فقد بان أن الكلمة حق، وهذا الخبر مَرْوِيٌّ في الصحاح بغير هذا اللفظ : «لا يحبُّك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق »(2)، وقد فسرناه فيما سبق .


-44-

الأصل: سَيِّئَةُ تَسُوءُكَ خَيْرٌ عِنْدَ الله مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ.

الشرح: هذا حقّ، لأن الإنسان إذا وقع منه القبيح ثم ساءه ذلك وندم عليه وتاب حقيقة التوبة كَفِّرَتْ توبته معصيتَه، فسقط ما كان يستحقّه من العقاب، وحصل له ثوابُ التوبة، وأما من فعل واجباً واستحقّ به ثواباً ثم خامره الإعجاب بنفسه والإدلال على الله تعالى بعلمه، والتيّه على الناس بعبادته واجتهاده، فإنه يكون قد أخبط ثواب عِبادته بما شَفَعها من القبيح الذي أتاه، وهو العُجب والتّيِه والإدلال على الله تعالى فيعود لا مثاباً ولا مُعاقباً، لأنه يتكافاً الاستحقاقان.

ولا ريب أنّ من حَصَل له ثواب التوبة، وسقط عنه عقاب المعصية، خيرٌ ممن خرج من الأمرين كَفافاً لا عليه ولا له.



1) أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان (78)والترمذي :كتاب المناقب باب مناقب علي (3736).

2) أخرجه أبو يعلى في مسنده : 251/1، ح : 291 ، وأخرجه النسائي في سننه ح : 8487 .

-45-

الأصل: قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ، وَصِدْتُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ، وَشَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرٍ أَنفَتِهِ، وَعِفْتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ.


الشرح : قد تقدَّم الكلامُ في كلّ هذه الشِّيم والخصال، ثم نقول هاهنا : إن كبر الهمة خُلق مختصٌ بالإنسان فقط، وأما سائر الحيوانات فليس يوجد فيها ذلك، وإنما يتجرّأ كل نوع منها الفعل بقدر ما في طبعه وعلو الهمة متوسِّطة محمودة بين حالتين طرفي رذيلتين، وهما الندح وتسميه الحكماء التفتح - وصغر الهمة - وتسميه الناس الدناءة، فالتفتح تأهل الإنسان لما لا يستحقه، وصِغر الهمة تركه لما يستحقه لضعف في نفسه، فهذان مذمومان، والعدالة وهي الوسط بينهما محمودة وهي علو الهمة، وينبغي أن يعلم أن المتفتح جاهلٌ أحمق، وصغيرُ الهمة ليس بجاهل ولا أحمق، ولكنه دنيءٌ ضعيف قاصر، وإذا أردت التحقيق، فالكبير الهمّة من لا يرضى بالهمم الحيوانيّة، ولا يقنع لنفسه أن يكون عند رعاية بطنه وفرجه، بل يجتهد في معرفة صانع العالم ومصنوعاته، وفي اكتساب المكارم الشرعية ليكون من خلفاء الله وأوليائه في الدنيا، ومجاوريه في الآخرة. ولذلك قيل : من عظُمت همتُه لم يرض بقنية مستردة، وحياة مستعارة، فإن أمكنك أن تقتني قنية مؤبدة، وحياة مخلدة، فافعل غير مكترث بقلة من يصحبك ويعينك على ذلك فإنه كما قيل:

إذا عظم المطلوب قل المُساعد

وكما قيل :

طرقُ العلاء قليلة الإيناس

وأما الكلام في الصدق والمروءة والشجاعة والأنفة والعفّة والغيرة، فقد تقدّم كثيرٌ منه، وسيأتي ما هو أكثر فيما بعد إن شاء الله تعالى.


• 46 -

الأصل: الظَّفَرُ بِالْحَزِمِ وَالْحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّأْيِ، وَالرَّأْيُ بِتَحْصِينَ الْأَسْرَارِ .

الشرح: قد تقدّم القول في كتمان السر وإذاعته .

وقال الحكماء : السرّ ضربان: أحدهما ما يُلقَى إلى الإنسان من حديثِ ليُستكتم ، وذلك إمّا لفظاً كقول القائل : اكتُم ما أقولُه لك، وإما حالاً وهو أن يَجهر بالقول حال أنفراد صاحبه، أو يخفّض صوتَه حيث يخاطِبه، أو يُخفيه عن مُجالِسيه، ولهذا قيل : إذا حدّثك إنسانٌ والتَفَتَّ إليهفهو أمانة .

والضرب الثاني نوعان: أحدُهما أن يكون حديثاً في نفسك تَستقبح إشاعتَه، والثاني أن يكون أمراً تُريد أن تفعلَه .

وإلى الأوّل أشار النبّي صلی الله علیه وآله وسلم بقوله : «مَن أتَى منكم شيئاً من هذه القاذُورات فليستَتِر بسَتر الله عزّ وجلّ»(1)، وإلى الثاني أشار من قال : «مِنَ الوَهَن والضعْفِ إعلان الأمر قبل إحكامه»، وكتمانُ الضّرب الأوّل من الوَفاء، وهو مخصوص بعوامّ الناس وكتمان الضّرب الثاني من المُروءة والحَزْم ، والنوع الثاني من نوعيه أخصّ بالملوك وأصحاب السياسات.

قالوا : وإذاعة السرّ من قلّة الصبر، وضيق الصدر، ويُوصف به ضَعَفة الرّجال والنّساءوالصّبيان. والسبب في أنّه يَصعُب كتمان السرّ أن للإنسان قوتين: إحداهما آخِذةٌ، والأخرى مُعطِيّة، وَكَل واحدة منها تتشوّق إلى فعلها الخاص بها، ولولا أنّ الله تعالى وَكَل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوّد فعَلَى الإنسان أن يُمسِك هذه القوّة ولا يُطلِقها إلا حيث يَجِب إطلاقُها ، فإنها إن لم تزَمّ وتُخطم ، تقحمت بصاحبها في كلِّ مَهلَكة .


-47-

الأصل: احْذَرُوا صَوْلَةَ الْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ، وَاللَّيمِ إِذَا شَبعَ .


الشرح: ليس يعني بالجوع والشّبع ما يتعارَفُه الناس، وإنما المراد: اخذروا صؤلة الكريم إذا ضِيمَ، وامتهن، واحذَرُوا صَوْلة اللتيم إذا أكرِم. ومثل المعنى الأول قولُ الشاعر :

لا يصبر الحُرّ تحتَ ضَيْمٍ ***وإِنما يَصبِر الحِمارُ

ومِثلُ المعنى الثاني قولُ أبي الطّيب :

إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ مَلكتَهُ ***وإن أنتَ أكرمتَ اللّئيم تَمردا


1) أخرجه مالك في «الموطأ»، كتاب الحدود باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزني (1562) .

• 48 -

الأصل: قُلُوبُ الرِّجَالِ وَحْشِيَّةٌ، فَمَنْ تَألّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ .


الشرح: هذا مِثلُ قولهم : من لانَ استمالَ، ومن قسا نفّر، وما استُعيِد الحُرّ بمثل الإحسان إليه .

وقال الشاعر :

وإني لوَحْشِيَّ إذا ما زَجَرْتَني ***وإنّي إذا ألفتني لألوف

فأما قول عُمارة بن عقيل:

تبحثتُم سُخُطي فكدّر بحثكمْ ***نَخِيلَة نفس كان صفواً ضميرُها

ولم يُلبث التخشينُ نفساً كريمة*** على قومها أن يَستمرّ مريرُها

وما النفسُ إلاّ نطفة بقرارة*** إذا لم تكدّر كان صفواً غَدِيرها

فيكاد يُخالف قول أمير المؤمنين علیه السلام في الأصل ، لأنّ أمير المؤمنين علیه السلام جَعَل أصلَ طبيعة القلوب التوحّش، وإنّما تُستَمال لأمر خارج، وهو التألّف والإحسان، وعمارة جَعَل أصل طبيعة النّفس الصفو والسلامة، وإنما تتكدّر وتجمح لأمر خارج، وهو الإساءة والإيحاش.


• 49-

الأصل: عَيْبُكَ مَسْتَوِرٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ .


الشرح: قد قال الناسُ في الجَد فأكثَروا ، وإلى الآن لم يتحقّق معناء، ومن كلام بعضهم : إذا أقبل البخت باضت الدّجاجة على الوتد ، وإذا أَدبر البحت أسير الهاون في الشّمس.

ومن كلام الحُكماء : إن السعادة لتلحظ الحجَر فيُدعَى رَبِّاً .

وقال أبو حيّان :نوادر ابن الجصّاص الدالة على تغفله وبَلَهه كثيرة جداً، قد صُنّف فيها الكُتُب . مِنْ جُملتها أنه سمع إنساناً يُنشِد نَسيباً فيه ذكرُ هِند، فأنكر ذلك، وقال: لا تذكروا حماةَ النبي صلی الله علیه وآله وسلم إلا بخير، وأشياء عجيبة أظرَف من هذا. وكانت سعادته تُضرب بها الأمثال، وكثرةُ أمواله التي لم يجتمع لقارونَ مِثلها . قال أبو حيان فكان الناس يعجبون من ذلك، حتى

أن جماعةً من شُيوخ بغداد كانوا يقولون : إنّ ابنَ الجَصّاص أعقَلُ الناس، وأحزم الناس، وإنّه هو الذي ألحَم الحالَ بين المُعتضد وبين خَمارويه بن أحمدَ بنِ طُولُون، وسَفَر بينهما سِفارةٌ عجيبة، وبلغ من الجهتين أحسنَ ،مبلغ ، وخَطب قطر الندى بنت خَمارويه للمعتضد، وجهزّها من مصرَ على أجمَلِ وَجه وأعلى ترتيب، ولكنّه كان يقصد أن يتغافَل ويَتجاهَل ويُظهر البَله والنقصّ يَستبقي بذلك مالَه ويَحرُس به نِعمته، ويَدفَع عنه عينَ الكمال، وحَسَد الأعداء.

، قال أبو حيّان: قلتُ لأبي غسّانَ البَصْریّ : أظنّ ما قاله هؤلاء صحيحاً، فإنّ المعتضِد مع حزمه وعقلِه وكماله وإصابة رأيه ما اختاره للسِّفارة والصّلح إلاّ والمرجوِّ منه فيما يأتيه ويستقبلُه أيامه نظير ما قد شوهد منه فيما مَضَى من زمانه، وهل كان يجوز أن يصلح أمرٌ قد تَفاقَم فسادُه وتَعاظَم واشتدّ برسالة أحمَقَ، وسِفارةِ أخرَق ! فقال أبو غَسّان : إِنّ الجَدْ يَنسَخ حالَ الأخرق، ويستُر عَيْبَ الأحمق، ويَذُبّ عن عرض المتلطَّخ ، ويقرِّب الصوابَ بمنطقه ، والصحّة برأيه، والنجاحَ بسَعيه، والجد يستخدم العقلاء لصاحبه، ويَستعمل آراءَهم وأفكارَهم فی مطالبه، وابنُ الجَصّاص على ما قيل وروي وحدّث وحكي، ولكن جَدّه كفاه غائلَة الحُمق، وحَماه عواقبَ الخُرْق ، ولو عرفت خَبْط العاقل وتعسّفه وسوءَ تأتّيه وانقطاعه إذا فارقه الجدّ، لعلمت أن الجاهلَ قد يصيب بجَهله ما لا يُصيبُ العالِم بعِلمه مع حِرمانه .

قال أبو حيّا: فقلت له : فما الجَدّ؟ وما هذا المعنى الّذي علّقت عليه هذه الأحكامُ كلّها ؟ فقال : ليس لي عنه عبارة معيَّنة، ولكن لي به عِلمٌ شاف، استفَذته بالاعتبار والتجّربة والسّماع العريض من الصّغير والكبير، ولهذا سُمِع من امرأةٍ من الأغراب تُرقِص ابناً لها فتقول له : رزَقَك الله جَدًّا يخدمك عليه ذُوُو العقول، ولا رزَقَك عَقْلاً تَخدم به ذوي الجدُود.


-50-

الأصل: أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقوبَةِ.


الشرح: قد تقدّم لنا قولٌ مُقنع في العَفو والحِلم.

وقال الأحنف: ما شيء أشدّ اتصالاً بشيء من الحلم بالعِزّ.

وقالت الحكماء : ينبغي للإنسان إذا عاقَبَ من يستحقّ العقوبة، الاّ يكون سبعاً في انتقامه، والاً يُعاقِب حتّى يزول سلطانُ غَضَبه، لئلا يُقدِم على ما لا يجوز، ولذلك جَرَتْ سُنّة السلطان بحَبْس المُجرم حتّى يَنْظُر في جُرمه، ويعيد النّظر فيه .

وأتي الإسكندرُ بمُثْنِبٍ فَصَفَح عنه، فقال له بعضُ جلسائه : لو كنتُ إياك أيُّها المَلك لقتلتُه .قال : فإذا لم تكن إيّاي ولا كنتُ إيّاك لم يُقتل.

وانتَهى إليه أنّ بعض أصحابه يَعِيبه فقيل له : أيّها المَلِك لو نَهَكْتَه عقوبةٌ! فقال : يكون حينئذٍ أبسَطَ لِساناً وعُذْراً في اجتنابي.

وقالت الحكماء أيضاً : لذّة العَفْوِ أطيب من لَذّة التشفّي والانتقام، لأنّ لذّة العَفُو يَشفَعها حميدُ العاقبة، ولذّة الانتقام يَلحَقها ألمُ النّدم . وقالوا : العقوبة الأمُ حالات ذي القذرة وأذناها ، وهي طَرَفٌ من الجَزَع ، ومَنْ رَضِيَ الاّ يكون بينه وبين الظالم إلاّ سِترٌ رقيقٌ فلينتَصِف .


-51-

الأصل: السَّخَاءُ مَا كَانَ ابْتِدَاءٌ ، فَإِذَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاءً وَتَذَهُمْ.


الشرح: يُعجِبني في هذا المعنى قولُ ابنِ حَبُّوس :

إنِّي دعوتُ نَدَى الكِرامِ فلم يُجِبْ ***فَلأَشْكُرَنَّ نَدًى أَجَابَ وما دُعِي

ومن العجائِب والعَجائبُ جَمَّةٌ ***شكرٌ بَطِيء عن نَدَى المتسرع

وقال آخر :

ما اعتاض باذِلُ وجهه بسؤالِه*** عوضاً ولو نال الغِنَى بسؤال

وإذا النّوالُ إلى السؤالِ قَرَنْتَهُ ***رَجَعَ السؤال وخَفَّ كلُّ نَوَالِ


-52-

الأصل: لا غِنّى كالعَقْلِ، ولا فَقْرَ كَالجَهْلِ، ولا مِيرَاثَ كالأَدَبِ، ولا ظهير كالمُشَاوَرِةِ.


الشرح: رَوَى أبو العبّاس في «الكامل» عن أبي عبد الله علیه السلام أنه قال : خمسٍ من لم يكن فيه لم يكن فيه كثيرُ مستمتَع : العقلُ والدّينُ، والأدب والحياء، وحُسن الخُلق(1).


1) أخرجه الطبرسي في مشكاة الأنوار: 435 وأخرجه العلامة المجلسي في البحار : 86:1.

وقال أيضاً: لم يُقسم بين الناس شيء أقلّ من خمس: اليقين، والقناعة، والصبر، والشكر، والخامسة التي يكمُل بها هذا كلّه العقل(1).

وعنه علیه السلام : أوّل ما خَلَق الله العقل، قال له : أقبل ،فأقبل ثم قال له : أدبر ، فأدبر ،فقال : ما خلقتُ خلقاً أحبَّ إليّ منك لك الثواب، وعليك العقاب (2).

وعنه علیه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :«إن الله ليُبغض الضعيف الذي لا زبر له »(3)، قال :

الزَّبر : العقل .

وعنه علیه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ما قسم الله للعباد أفضلَ من العقل»(4)، فنومُ العاقل

: أفضلُ من سَهَر الجاهل، وفِطرُ العاقل أفضل من صَوْم الجاهل، وإقامةُ العاقل أفضلُ من شخوص الجاهل، وما بعث الله رسولاً حتى يَستكمل العقل، وحتى يكون عقله أفضل من عقول جمیع أمّته، وما يُضمره في نفسه أفضلُ من اجتهاد جميع المجتهدين، وما أدى العبد فرائض الله تعالى حتى عقل عنه، ولا يبلغ جميع العابدين في عباداتهم ما يبلغه العاقل، والعقلاء هم أولو الألباب، الذين قال الله تعالى عنهم : ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَبِ ) (5).

قال أبو العبّاس : وقال رجل من أصحاب أبي عبد الله علیه السلام له وقد سمعه يقول، بل يروى مرفوعاً : إذا بلغكم عن رجلٍ حُسن الحال فانظروا في حُسْنِ عَقِله، فإنما يُجازي بعقله. يا ابن رسولِ الله، إن لي جاراً كثيرُ الصَّدَقة، كثيرُ الصلاة، كثير الحجّ ، لا بأس به! فقال : كيف عقله؟ فقال : ليس له عقل فقال : لا يرتفع بذاك منه (6).

وعنه علیه السلام: ما بَعَثَ الله نبيّاً إلا عاقلاً، وبعضُ النبيين أرجَحُ من بعض، وما استخلف داوُد سليمان علیه السلام حتى اختبر اختبر عَقله، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فمكث في ملكه ثلاثين سنة (7).

وعنه مرفوعاً: صديق كلِّ امرى عقله، وعدوّه جهله(8).


1) أخرجه محمد الريشهري في ميزان الحكمة : 3713/4.

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 97/1 .

3) أخرج بنحوه ،مسلم كتاب الجنة ،وصفتها باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة (2865) ، وأحمد في مسنده (17030) ، والبيهقي في السنن الكبرى (26/5 ، والنسائي في «الكبرى» (8070) ، والبزار في «مسنده» (3491) ، والطبراني في «الكبير» (17/ (360 ) .

4) أخرجه الحكيم الترمذي في «النوادر الأصول» (357/2) .

5) سورة البقرة، الآية : 269 .

6) أخرجه العلامة المجلسي بما معناه في البحار 506/14 .

7) أخرجه العلامة المجلسي بما معناه في البحار : 312/75.

8) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 87/1 .

وعنه مرفوعاً : إنا معاشر الأنبياء نكلُّم الناسَ على قَدْر عقولهم(1).

قال أبو العباس : وسئل أبو عبد الله علیه السلام : ما العقل ؟ فقال : ما عُبد به الرَّحمن، واكتُسِبت به الجِنان (2).

قال : وقال أبو عبد الله : سُئل الحسن بن عليّ علیه السلام عن العقل، فقال: التجرُّع للغُصّة، ومداهنة الأعداء (3)

قلت : هذا كلامُ الحسن علیه السلام، وأنا أقطع بذلك.

قال أبو العباس : وقال أبو عبد الله : العاقل لا يُحدِّث من يخافُ تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه ولا يثق بمن يخاف غدره، ولا يرجو من لا يوثق برجائه.

قال أبو العبّاس : ورُوي عن أبي جعفر علیه السلام، قال : كان موسى علیه السلام يُدني رجلاً من بني إسرائيل لطول سجوده، وطُول صَمْتِه ، فلا يكاد يذهب إلى موضع إلا وهو معه، فبينا هو يوماً من الأيام إذ مرّ على أرض مُعشبة تهتزّ، فتأوّه الرجلُ ، فقال له :موسى: على ماذا تأوّهتَ؟ قال: تمنيت أن يكون لربي حمارٌ وأرعاه هاهنا، فأكّبّ موسى طويلاً ببَصَره إلى الأرض اغتماماً بما منه، فانحطّ عليه الوَحي، فقال: ما الذي أنكرت من مقالة عبدي! إنما أخذ عبادي على

سمع قدر ما آتيتُهم (4).

قال أبو العبّاس : ورُوي عن علي علیه السلام : هَبَط جبرائيلُ علیه السلام على آدم علیه السلام بثلاث ليختار منها واحدة ويَدَع اثنتين وهي العقل والحياء والدين، فاختار العقل، فقال جبرائيل للحياء والدين : انصرفا، فقالا: إنّا أمِرنا أن نكون مع العقل حيث كان، فقال: فشأنكما !ففاز بالثلاث(5).


فأما قوله علیه السلام :«ولا ميراث كالأدب» فإني قرأتُ في حِكَم الفُرس عن بزُرجُمِهر: ما ورثت الآباء أبناءها شيئاً أفضل من الأدب، لأنها إذا ورثتها الأدب اكتسبت بالأدب المال فإذا ورثتها المال بلا أدب أتلفته بالجهل، وقَعَدَتْ صفراً من المال والأدب.


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 85/1 .

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 116/1 .

3) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 116/1 .

4) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 91/1 .

5) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العقل وفضله : 45 .

قال بعض الحكماء من أدب ولده صغيراً، سُرَّ به كَبيراً

وكان يقال : مَن أدّب ولده أرغم حاسِدَه .

وكان يقال : ثلاثةٌ لا غُرْبةَ معهنّ : مجانبة الرّيب، وحسُن الأدب، وكفُّ الأذى.

وكان يقال : عليكم بالأدب، فإنه صاحبٌ في السفر، ومؤنسٌ في الوحدة، وجمالٌ في المحفل، وسببٌ إلى طلب الحاجة.

وقال بُزُرْجُمِهر : مَن كثر أدبه كثر شَرَفه وإن كان قبلُ وَضيعاً، ويعد صيته وإن كان خاملاً ،وساد وإن كان غريباً، وكثرت الحاجة إليه وإن كان مُقِلاً .

وقال بعض الملوك لبعض وزرائه: ما خيرُ ما يُرزقه العبد ؟ قال : عقلٌ يعيش به، قال : فإن عَدِمَه، قال: أدب يتحلّى به ، قال : فإن عَدِمه قال : مالٌ يَستتر به، قال : فإن عَدِمَه ، قال : صاعقة تُخرقه فتُريحُ منه العباد والبلاد.

وقيل لبعض الحكماء : متى يكون العلم شرًا من عدمه ؟ قال : إذا كثر الأدب ونَقَصَت القريحة - يعني بالقريحة العقل .

فأما القول في المَشُورة فقد تقدّم، ورُبّما ذكرنا منه نُبذاً فيما بعد.


-53-

الأصل: الصَّبْرُ صَبْرَان صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ.

الشرح: النوع الأول أشقّ من النوع الثاني، لأن الأول صبرٌ على مَضرّة نازلة، والثاني صبرٌ على محبوب متوقّع لم يحصل، وقد تقدم لنا قول طويل في الصبر.

سُئل بُزُرجمهر في بليته عن حاله، فقال: هوّن عليّ ما أنا فيه فكري في أربعة أشياء: أولها أني قلت : القضاء والقَدَر لا بدّ من جريانهما، والثاني أني قلت: إن لم أصبر فما أصنع ! والثالث أنّي قلتُ : قد كان يجوز أن تكون المحنة أشدَّ من هذه ! والرابع أني قلت : لعلّ الفرج قریب!

وقال أنوشروان: جميعُ أمر الدنيا منقسم إلى ضربين لا ثالث لهما : أمّا ما في دفعه حيلة فالاضطراب دواؤه، وأما ما لا حيلة فيه فالصبر شفاؤه.


-54-

الأصل: الْغِنَى فِي الغُرْبَةِ وَطَنٌ ، والفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ .


الشرح: قد تقدّم لنا قولُ مُقنع في الفقر والغنى ومدحهما وذمهما على عادتنا في ذكر الشيء ونقيضه، ونحن نذكُر هاهنا زيادةً على ذلك.

قال رجلٌ البقرا : ما أشدّ فقرك أيّها الحكيم؟ قال : لو عرفتَ راحةَ الفَقْر لشَغَلت التوجع لنفسك عن التوجّع لي، الفَقْر مَلِك ليس عليه مُحاسَبَة.

وكان يقال : أضعفُ الناس من لا يحتمل الغنى.

وقيل للكِنْدِي : فلانٌ غنيّ، فقال: أنا أعلم أن له مالاً ، ولكني لا أعلم : أغنيُّ هو أم لا ! لأنني لا أدري كيف يعمل في ماله !

قيل لابن عمر : توفي زيد بن ثابت وترك مائة ألف درهم، قال هو تركها لكنّها لم تتركه .

وقالوا : حسبك من شرف الفقر أنك لا ترى أحداً يعصي الله ليفتقر، أخذه الشاعرُ فقال :

يا عائب الفقر ألا تَزدَجِرْ ***عَيبُ الغِنَى أكبر لو تعتبرُ

إنّك تعصي الله تبني الغِنَى*** وليس تعصي الله كي تَفَتَقِرْ

إوكان يقال : الحلال يَقطُر، والحرام يسيل .

وقال بعض الحكماء : ألا تَرون ذا الغِنَى ما أدوَمَ نَصَبه، وأقلُّ راحتَه، وأخسّ من ماله حظّه وأشدّ من الأيام حذَره، وأغرَى الدهر بنقصه وثلمه! ثمّ هو بين سلطان يرعاه، وحقوق تسترعيه، وأكفاء يُنافسونه، ووَلَدِ يودون موته، قد بعث الغني عليه من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحَسَد، ومن أعدائه البغي، ومن ذوي الحقوق الدّم، ومن الولد المَلالة وتمنّي الفَقْد، لا كَذِي البُلْغَة قنع قدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم من الحَسَد، ورَضِيَ بالكفافِ فكُفِي الحُقوق .


-55-

الأصل: الْقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ.

قال الرضي رحمه الله تعالى : وقد روي هذا الكلام عن النبي صلی الله علیه وآله وسلن/


الشرح: قد ذكرنا نُكتاً جليلةَ المَوْقع في القَناعة فيما تقدّم وتذكر هاهنا زيادةٌ على ذلك.

فمن كلام الحُكماء : قاوم الفقرَ بالقناعة، وقاهِر الغنى بالتعفّف، وطاول عناء الحاسد بحُسْن الصُّنْع، وغالب الموت بالذّكر الجميل .

وكان يقال : الناسُ رجلان واجِدٌ لا يكتفي، وطالبٌ لا يجد، أخَذَه الشاعر فقال :

وما الناسُ إلا واجدٌ غيرُ قانع*** بأرزاقه أو طالبٌ غيرُ واجِدِ

قال رجل لبقراط ورآه يأكُل العُشب : لو خدمتَ المَلِك لم تحتج إلى أن تأكل الحشيشَ، فقال له : وأنتَ إن أكلت الحشيش لم تحتج أن تَخدِم الملك !


-56 -

الأصل: المَالُ مادَّةُ الشَّهَوَاتِ.


الشرح: قد تقدَّم لنا كلام في المال مَدْحاً وذَمّاً .

وقال أعرابي لبَنيِه : اجمَعوا الدراهم فإنّها تُليس اليَلْمَقَ (1)، وتطعم الجَرْدَق (2).

وقال أعرابيّ وقد نَظَر إلى دينار : قاتلك الله ما أصغر قمتك، وأكبرَ هِمّتك! .

ومن كلام الحكماء : ما اخترتَ أن تَحيَا به فمت دونَهُ .

سئل أفلاطونُ عن المال، فقال: ما أقولُ في شيء يُعطيه الحَظّ ويحفَظه اللُّومُ، ويبلغُه الكَرَمُ وكان يقال : ثلاثة يؤثرون المال على أنفُسِهم : تاجرُ البَحْر، والمقاتل بالأخرة، والمرتَشِي في الحُكْم ، وهو شرّهم؛ لأنّ الأولين ربّما سَلِما ، ولا سلامة للثالث من الإثم.

ثم قالوا : وقد سمّى الله تعالى المالَ خَيْراً في قوله : (إن تَرَكَ خَيْرًا )(3)، وفي قوله : ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدُ)(4).

كان عبدُ الرحمن بن عَوْف يقول: حبّذا المال أصُون به ،عِرْضي، وأقرضُه ربّي فيضاعفه لي. وقالوا في ذمّ المال: المالُ مِثلُ الماءِ غادٍ ورائح، طبعه كطبع الصبي لا يُوقف على سببٍ رضاه ولا سُخطه . المال لا ينفعك ما لم تُفارِقه .


1) اليَلْمَقُ : القَباء، فارسي معرب القاموس المحيط مادة (يلمق).

2) الجَرْدَقُ والجَرْدَقةُ : الرَّغيف فارسي معرب لسان العرب مادة (جردق).

3) سورة البقرة، الآية : 181 .

4) سورة العاديات الآية : 8.

وفيه قال الشاعر :

وصاحب صدق ليس يَنفَع قربُه*** ولا وُدُّه حتّى تُفارِقَه عَمدا

وأَخَذَ هذا المعنى الحريريّ فقال :

وليس يُغني عنك في المَضايِقِ*** إلا إذا فَرٌ فِرَارَ الآبق

وقال الشاعر :

ألم تر أنّ المال يُهْلِك رَبَّه*** إذا جَمْ آتِيه وسُدَّ طَرِيقُهُ

ومَن جاوزَ البَحْرِ الغَزِيرَ بِقَحْمَةٍ ***وسَدّ طريق الماء فهو غَرِيقُهُ


• 57 -

الأصل: مَنْ حَذْرَكَ، كَمَنْ بَشْرَكَ.


الشرح: هذا مِثلُ قولهم : اتَّبع أمرَ مُبكياتك، لا أمرَ مُضْحِكاتك. ومِثلُه : صديقك من نهاك، لا من أغراك. ومثلُه : رَحِم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي.

والتحذير هو النّصح، والنّصح واجب، وهو تعريفُ الإنسان ما فيه صَلاحُه، ودفع المَضَرّة عنه، وقد جاء في الخبر الصّحيح :«الذين النصيحة»، فقيل : يا رسول الله ، لمن؟ فقال: «العامّة المسلمين» (1). وأوّل ما يجب على الإنسان أن يُحذِّر نفسه وينصحها ، فمن غَشّ نفسَه فقلما يُحذِّر غيرَه ويَنصَحُه، وحَقِّ من استنصح أن يبذل غاية النُّصح ولو كان في أمر يضرّه، وإلى ذلك وقعَتِ الإشارة في الكتاب العزيز بقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاة لِلو وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ) (2)، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْنَ)(3).

ومعنى قوله علیه السلام: «كمن بشّرك»، أي ينبغي لك أن تُسَرّ بتحذيره لك، كما تُسر لو بشّرك بأمرٍ عالم تحبّه ، وأن تَشكُرَه على ذلك كما تشكُره لو بشّرك بأمر تحبّه، لأنّه لو لم يكن يُريدُ بك الخير لما حَذّرك من الوقوع في الشرّ


1) أخرجه البخاري تعليقاً، كتاب الإيمان باب الدين النصيحة، ومسلم، كتاب الإيمان، باب : بيان أن الدين النصيحة (55)، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في النصيحة (1926)، والنسائي، كتاب البيعة، باب : النصيحة للإمام (4197)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب : في النصيحة (4944).

2) سورة النساء، الآية : 135 .

3) سورة الأنعام، الآية : 152 .

• 58 -

الأصل: اللَّسَانُ سَبْعٌ ، إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ .


الشرح: قد تقدم لنا كلام طويل في هذا المعنى.

وكان يقال : إن كان في الكلام دَرَك ففي الصمت عافية .

وقالت الحكماء : النّطق أشرَف ما خُصّ به الإنسان لأنّه صورته المعقولة التي بايَنَ بها سائرَ الحيوانات، ولذلك قال سبحانه: «خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3)»«عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)»(1)، ولم یقل:«علمه» بالواو لأنَّه سبحانه جَعَل قوله : (طَمَهُ الْبَيَانَ) تفسيراً لقوله :

«خَلَقَ الْإِنْسَانَ (» ، لا عطفاً عليه، تنبيهاً على أن خلقه له وتخصيصَه بالبيان الذي لو تُوُهّم مرتفعاً لارتفعت إنسانيّته ؛ ولذلك قيل : ما الإنسانُ لولا اللّسانُ إلا بهيمةٌ مُهملة، أو صورةٌ ممثَّلة .

وقال الشاعر :

لسانُ الفَتَى نصف ونصفٌ فؤادُهُ*** فلم يبَقَ إلاّ صورة اللّحم والدَّم

قالوا: والصّمت من حيثُ هو صَمْتُ مَذموم، وهو من صفات الجَمادات، فَضْلاً الحيوانات، وكلام أمير المؤمنين علیه السلام وغيره من العُلَماء في مَدح الصّمت محمول على مَنْ يسيء الكلامَ فيقعُ منه جنايات عظيمة في أمور الدِّين والدنيا، كما رُوي في الخبر: إن الإنسان إذا أصبح قالت أعضاؤه للسانِه : اتَّقِ الله فينا ، فإنّك إن استقَمتَ نجؤنا، وإن زُغْت هَلَكْنا، فأما إذا اعتبر النطقُ والصَّمتُ بذاتيهما فقط، فمُحال أن يقال في الصمت فضلٌ، فضلاً عن أن يخايَرَ وبقايس بينه وبين الكلام


-59-

الأصل: الْمَرْأَةُ عَقْرَبٌ حُلْوَةُ العَسْبَةِ.

الشرح: اللَّسبة : اللسعة، لَسَبَتْه العَقرب بالفتح : لسعته. وكسبت العسل بالكبير، أي لعقتُه.


1) سورة الرحمن، الآيتان: 3، 4 .

وقيل لِسُقراط : أيُّ السِّباع أجسر؟ قال : المرأة.

ونظرَ حكيمٌ إلى امرأة مصلوبة على شجرة ، فقال : ليتَ كلَّ شجرة، تحمل مثل هذه الثّمرة.

مرّت بسقراط امرأةٌ وهي تتشوّف، فقالت يا شيخ ما أقبَحَك؟ فقال : لولا أنّكِ من المرايا الصَّدئة لَغَمّني ما بان مِن قُبح صورتي فيكِ .

ورأى بعضهم مؤدباً يعلم جاريةٌ الكتابة فقال : لا تَزِد الشرّ شرّاً، إنما تسقي سهماً سمّاًلترمي به يوماً ما.

ورأى بعضهم جاريةٌ تحمل ناراً ، فقال : نارٌ على نار والحامل شرُّ من المحمول.

وتزوّج بعضهم امرأة نحيفة، فقيل له في ذلك ، فقال : اخترتُ من الشرّ أقلّه .

كتب فيلسوفٌ على بابه : ما دَخَل هذا المنزل شرقط، فقال له بعضهم: اكتُب: «إلا المرأة».

ورأى بعضُهم امرأةً غريقة في الماء، فقال : زادت الكَدَرَ كَدَراً، والشرّ بالشرّ يهلك.

وفي الحديث المرفوع: «استعيذوا بالله من شرار النِّساء، وكونوا من خيارهن على حذّر» (1).

وفي كلام الحكماء : اعص هَواكَ والنساء، وافعل ما شئت.

دعا بعضهم لصاحبه، فقال: أماتَ الله عدوّك ؟ فقال : لو قلت: زوّج الله عدوّك ، لكان أبلغ في الانتقام !

ومن الكنايات المشهورة عنهنّ :«سلاح إبليس».

وفي الحديث المرفوع: «إنهنّ ناقصاتُ عَقل ودين» (2).

وقد تقدّم من كلام أمير المؤمنين علیه السلام في هذا الكتاب ما هو شرح وإيضاح لهذا المعنى.

وجاء في الحديث أيضاً : «شاوروهنّ وخالفوهنّ »(3).


1) ذكره في «كشف الخفاء» (2019)، ومن قول لقمان لابنه .

2) أخرجه البخاري، كتاب الحيض ، باب : ترك الحائض الصوم (304) ، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات (80) والترمذي :كتاب الإيمان ما جاء في استكمال وزيادته ونقصه (2613)، وأبو داود، كتاب السنة :باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (4679).

3) وذكره المناوي في فيض القدير» (263/4) وقال : لا أصل ،له والملا علي القاري في المصنوع (160)، وقال: لا يثبت بهذا اللفظ والعجلوني في «كشف الخفاء (1529) ، وقال : قال في المقاصد لم أره مرفوعاً .

وفي الحديث أيضاً : «النساء حبائلُ الشيطان» (1).

وفي الحديث أيضاً : «ما تركتُ بعدي فتنةً أخر من النساء على الرّجال»(2).

وفي الحديث أيضاً : «المرأةُ ضِلَع عَوْجاء إنْ دارَيتها استمتعت بها، وإن رُمت تقويمها كسَرْتَها»(3)وقال الشاعر في هذا المعنى :

هي الضِّلع العَوْجاء لستَ تقيمُها*** الاَ إنّ تقويم الضّلوع انكِسارُها

أيجمعن ضعفاً واقتداراً على الفتى ***أليس عجيباً ضعفها واقتدارُها؟

ومن كلام بعض الحكماء : ليس ينبغي للعاقل أن يمدح امرأة إلا بعد موتها .

وفي الأمثال : لا تَحمَدنَ أَمَةً عامَ شِرائها، ولا حُرَّةً عام بنائها .

ومن كلام عبد الله المأمون : إنهن شرِّ كلّهنّ، وشر ما فيهن الاَّ غِنَى عنهنّ .

الأغنى وقال بعضُ السّلف : إنّ كيد النساء أعظمُ من كيد الشيطان، لأن الله تعالى ذكر الشيطان،فقال : (إِن كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)(4).

وذكر النساء فقال: (إنَّهُ مِن كَيْدِكُن إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) (5).

وكان يقال : من الفواقر امرأة سَوْء إِن حَضَرْتَها لَسَبَتْك ، وإن غِبتَ عنها لم تأمَنها .

وقال حكيم : أضرّ الأشياء بالمال والنفس والدين والعقل والعرض شِدّة الإغرام بالنساء، ومن أعظم ما يبتلى به المغرَم بهنَّ أنه لا يقتصر على ما عنده منهنّ ولو كن ألفاً ، ويطمح إلى ما ليس له منهنّ .

وقال بعض الحكماء مَن يُحصي مساوىء النساء! اجتمع فيهنَّ نَجاسة الحَيض والاستحاضة، ودم النِّفاس، ونَقْصُ العقل والدين، وترك الصوم والصلاة في كثير من أيّام العمر، ليست عليهن جماعة ولا جُمُعة، ولا يسلَّم عليهنّ، ولا يكون منهنّ إمام ولا قاض ولا أمير ولا يسافرن إلاّ بوَليِّ.


1) أخرجه بهذا اللفظ الشهاب في «مسنده» (55) ، وذكره القزويني في التدوين في أخبار قزوين (3/ 185 )وبلفظ «حبالة الشيطان» أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (3665) .

2) أخرجه البخاري، كتاب النكاح ،باب ما يتقى من شؤم المرأة (5096)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء باب أكثر أهل الجنة الفقراء (2740)، والترمذي، كتاب الأدب، باب: ما جاء في تحذير فتنة النساء (2780) وابن ماجه :کتاب الفتن باب فتنة النساء (3998).

3) أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب : خلق آدم وذريته (3331)، ومسلم، کتاب الرضاع باب الوصية بالنساء (1468) ، والترمذي، كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء في مداراة النساء (1188).

4) سورة النساء، الآية: 76 .

5) سورة يوسف، الآية : 28 .

وكان يقال: ما نهيَت امرأةٌ عن أمر إلاّ أتته .

وفي هذا المعنى يقولُ طفَيل الغَنَويّ:

إن النساءَ كأشجارٍ نَبَتْنَ معاً ***هُنَّ المُرَارُ وبعضُ المُرّ مأكولُ

إن النساء متى يُنْهَيْنَ عن خُلق*** فإنه واجب لا بدّ مفعولُ


-60-

الأصل: إِذَا حُيْتَ بِتَحِيَّةٍ نَحَيّ بأَحْسَنَ مِنْهَا ، وَإِذَا أُسْلِبَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فَكَافِتْهَا بِمَا يُرْيِي عَلَيْهَا ، وَالفَضْلُ مَعَ ذَلِكَ لِلْبَادِى .


الشرح: اللفظة الأولى من القرآن العزيز، والثانية تتضمّن معنٌى مشهوراً .

وقولُه :«والفَضْل مع ذلك للبادى»، يقال في الكَرَم والحثّ على فعل الخَير .

ورَوَى المدائنيّ ، قال : قَدِم على أسدِ بن عبدِ الله القُشَيْرِيّ بخراسان رجلٌ، فدخلَ مع الناس، فقال أصلَح الله الأمير! إنّ لي عندك يداً ، قال : وما يذك؟ قال : أخذتُ بركابك يوم كذا قال: صدَقتَ حاجَتَك، قال: تولّيني أبيوَرد قال : لِمَ؟ قال: لأكسَب مائةَ ألف درهم، قال: فإنّا قد أَمَرْنا لك بها السَّاعة، فنكون قد بلّغناكَ ما تحِبّ، وأقرَرنا صاحبَنا على عَمَله قال : أصلح الله الأمير! إنّك لم تقَضِ ذمامي قال :ولِمَ، وقد أعطيتُك ما أمَّلت؟ قال: فأين الإمارة؟ وأين حُبّ الأمر والنّهي ! قال: قد ولّيتُك أبيورد ، وسَوّغتُ لك ما أمرَتُ لك به، وأعفَيْتُك من المحاسبة إن صرفُتك عنها ، قال : ولِمَ تَصرِفُني عنها ولا يكون الصّرف إِلاّ مِنْ عَجْز أو خيانة، وأنا بريء منهما؟ قال : اذهب فأنتَ أميرها ما دامت لنا خُراسان، فَلم يزَل أميراً على أبيورد حتّى عُزل أسد.

قال المدائنيّ : وجاء رجلٌ إلى نَضر بنِ سَيَّار يَذكُر قرابةٌ قال: وما قَرابتك؟ قال : ولّدتني وإيّاكَ فُلانة ! قال :نصر قرابة عَوْرة قال: إنّ العَوْرة كالشَّنْ البالي يَرقَعه أهله فينتفِعون به ؛ قال: حاجَتَك، قال: مائة ناقة لاقح ، ومائة نَعْجة رُبَّى - أي معها أولادُها - قال : أمّا النِّعاج فخُذْها، وأمّا النوق فنأمر لك بأثمانها .

ورَوَى الشَّعبيُّ، قال: حضرتُ مجلس زياد وحضرَه رجلٌ فقال : أيّها الأمير، إنّ لي حُرمةً أفأذكرها؟ قال :هاتِها، قال: رأيتُك بالطائف وأنتَ غُلَيم ذو ذُؤابة، وقد أحاطت بك جماعةٌ الغلمان، وأنت تَركُض هذا مَرّةً برجلك، وتنطح هذا مرّةً برأسك، وتكدم مرةً بأنيابك

فكانوا مرّة ينثالون عليك، وهذه حالُهم، ومرة يندّون عنك وأنت تَتْبَعُهم، حتّى كاثرَوك واستقرَوا عليك، فجئتُ حتّى أخرجتُك من بينهم وأنت سَليم وكلُّهم جريح، قال: صدقت، أنت ذاك الرجل ! قال: أنا ذاك، قال حاجَتك قال : الغِنَى عن الطّلب، قال: يا غلام أعطِه كلّ صَفْراء وبَيْضَاء عندَك، فنظر فإذا قيمةُ كلّ ما يَملِك ذلك اليوم من الذّهب والفضَّة أربعةٌ وخمسون ألف دِرْهَم فَأَخَذَها وانصرف، فقيل له بعد ذلك : أنت رأيت زياداً وهو غلام بذلك الحال ؟ قال : إي والله لقد رأيتُهُ وقد اكتَنَفَه صبيّان صغيران كأنّهما من سِخالِ (1)المَعِز ، فلولا أنّي أدركتُه لظننتُ أنهما يأتيان على نفسه.

وجاء رجلٌ إلى معاويةَ وهو في مجلس العامّة ، فقال : يا أميرَ المؤمنين، إنّ لي حُرمةً قال : وما هي ؟ قال : دنوتُ مِن ركابك يومَ صِفِّين، وقد قربت فرسُك لتفرّ، وأهلُ العراق قد رأوا الفتحَ والظَّفَر ، فقلتُ لك : والله لو كانت هندٌ بنتُ عتَبةَ مكانَك ما فرّت ولا اختارت إلا أن تموت كريمة أو تعيشَ حميدة، أين تفرّ وقد قلّدَتْكَ العربُ أزمة أمورها، وأعطتَك قياد أعنّتها ! فقلت لي : اخفض صوتك لا أمَّ لك ! ثم تماسَكت وثبت وثابَتْ إليك حماتك، وتمثلت حينئذ بشِعِرٍ أحفَظ منه :

وقَوْلِي كلَّما جَشَات وجاشَتْ ***مكانكِ تُحْمَدِي أو تَسْتَرِيحي

فقال معاوية : صدقت، ويدتُ أنك الآن أيضاً خفضت من صوتك يا غلام أعطه خمسين ألفَ درهم، فلو كنتَ أحسنتَ في الأدب لأحسنًا لك في الزيادة.


-61-

الأصل: الشَّفِيعُ جَنَاحُ الطَّالِبِ .


الشرح: جاء في الحديث مرفوعاً: «اشفَعوا إلي تُؤجَروا»، ويَقضِي الله على لسان نبيّه ما شاه» (2).

وقال : المأمون لابراهيم بن المهديّ لما عفا عنه : إن أعظَم يداً عندَك مِن عَفوي عنك أنِّي لم أجرِّعك مَرارة امتنانِ الشافعين.


1) السِّخَال : جمع سَخْلَة وهو ولد الشاة مالحان القاموس المحيط مادة (سخل).

2) أخرجه البخاري كتاب الزكاة باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها (1432) ، ومسلم، كتاب البر والصلة باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام (2627).

ومن كلامِِ قابوسَ بنِ وَشَمْكِير : بزَنْد الشفيع تُورَى نارُ النّجاح ، ومِنْ كَفِّ المُفيض يُنتظر فَوزُ القِداح .

قال المبرّد : أتاني رجل يَستشفِع بي في حاجة، فأنشدَني لنفسه:

إنِّي قصدتك لا أذلي بمعرفةٍ*** ولا بقربَى ولكن قد فَشَتْ نِعَمُكْ

فبتُ حَيْرانَ مَكْروباً يؤرِّقُني ***ذُلُّ الغَريب ويغشِيني الكَرَى كَرَمُكْ

ولو هَمَمْتَ بِغير العُرْف ما عَلِقَتْ*** به يَداكَ ولا انقادَتْ له شِيَمُك

ما زِلتُ أُنكَبُ حتّى زُلزِلتْ قَدَمي*** فاحتَلْ لتَثْبِيتها لا زُلْزِلَتْ قَدَمُك

قال : فشفعتُ له وقمتُ بأمره حتّى بلغتُ له ما أحَبَّ .

بُزُرْجُمِهر : مَن لم يستغنِ بنفسه عن شفيعِه ووسائِله وَهَتْ قُوَى أسبابه، وكان إلى الحرمان أقربَ منه إلى بلوغ المراد ومِثلُه : من لم يرغب أوداؤه في اجتنابه لم يحظ بمَدْح شُفَعائه ومثله : إذا زرتُ الملوكَ فإنّ حَسْبي شفيعاً عندهم أن يَعرِفوني .

كلّم الأحنفُ مصعبَ بنَ الزّبير في قوم حَبَسهم ، فقال : أصلَحَ الله الأمير! إن كان هؤلاء حبسوا في باطل فالحقّ يُخرجهم، وإن كانوا حُبِسوا في حَقٌّ فالعفو يَسَعُهم، فأمر بإخراجهم.

آخر:

إذا أنت لم تَعْطِفُكَ الأشفاعةٌ ***فلا خيرَ في وُدِّيكونُ بشافِعِ

خرج العطاء في أيّام المنصور، وأقام الشّقرانيّ - من وَلَد شُقْران مولى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم- ببابه أيّاماً لا يَصل إليه ،عطاؤه ، فخَرَج جعفرُ بن محمّد من عند المنصور، فقام الشقرانيّ إليه، فذكر له حاجتَه، فرَحّب به، ثم دخل ثانياً إلى المنصور، وخرج وعطاءُ الشّقرانيّ في كمّه فَصَبّه في كُمه ثم قال : يا شُقران، إنّ الحَسَن من كل أحدٍ حَسَنٌ ، وإنّه منك أحسَنُ لمكانك مِنّا ، وإن القبيحَ من كلّ أحدٍ قبيحٌ، وهو منكَ أقبُح لِمكانِك منّا . فاستحسَن الناسُ ما قالَه، وذلك لأنّ الشقراني كان صاحبَ شراب. قالوا : فانظر كيف أحسَنَ السعيَ في استنجاز طَلبِته، وكيف رَحّب به وأكرَمَه مع معرفته بحاله، وكيف وَعَظه ونَهاه عن المُنكَر على وجه التعريض! قال الزّمَخْشَرِيّ : وما هو إلاّ من أخلاق الأنبياء.

كتَبَ سعيدُ بنُ حُميد شفاعةً لرجل : كتابي هذا كتابُ مُعْتَنِ بمن كتب له، واثقٍ بمن كُتِب إليه ، ولن يضيعَ حامِلُه بين الثِّقة والعناية إن شاء الله .

أبو الطّيب:

إذا عَرَضَتْ حاجٌ إليه فنَفْسُه***إلى نفسِه فيها شفيعٌ مشفعُ


خبر محمد بن جعفر مع المنصور

كان المنصورُ مُعجَباً بمحادثة محمّد بمحادثة محمّد بن جعفر بن جعفر بنِ عُبيد الله بن العبّاس، وكان الناسُ لعظم قدرِه عندَ المنصور يَفزَعون إليه في الشّفاعات وقضاءِ الحاجات، فتَقُل ذلك على المنصور فحَجبه مدة، ثم تتبّعثه نفسُه، فحادَثَ الربيعَ فيه، وقال: إنّه لا صبر لي عنه لكنّي قد ذكرتُ شفاعاته، فقال الربيع : أنا أشترط ألا يعود، فكلَّمَه الربيع ، فقال : نَعَم، فمكَث أيّاماً لا يشفع، ثمّ وقف له قومٌ من قرَيش وغيرهم برقاع وهو يريدُ دارَ المنصور، فسألوه أن يأخذَ رِقاعَهم، فقصّ عليهم القصّة، فضرَعُوا إليه وسألوه، فقال أمّا إذا أبيتم قبول العُذر فإنِّي لا أقبضها منكم، ولكن هَلُمُوا فاجعلوها في كُمّي، فَقَذَفوها في كُمِّه ، ودَخَل على المنصور وهو في الخَضراء يُشرف على مدينة السلام وما حولها بين البَسَاتين والضِّياع، فقال له : أما تَرَى إلى حُسنها ! قال: بلى يا أمير المؤمنين، فبارك الله لك فيما آتاك، وهنّاك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك ! ما بنت العربُ في دولة الإسلام، ولا العَجَمُ في سالف الأيّام، أحصَنَ ولا أحسَنَ من مدينتك، ولكن سمّجَتها في عيني خَصْلةٌ قال: ما هي ؟ قال : ليس لي فيها ضَيْعة، فضحك وقال : نحسِّنها في عينكَ، ثلاثُ ضِياع قد أقطعتُكَها فقال: أنتَ والله يا أمير المؤمنين شريفُ الموارد، كريمُ المَصادِر، فجعل الله باقِيَ عمرك أكثر من ماضيه، وجعَلَتِ الرّقاعُ تَبدُر من كُمّيه في أثناء كلامه و خطابه للمنصور، وهو يلتفت إليها ويقول : ارجِعن خاسئات، ثمّ يعود إلى حديثه، فقال المنصور: ما هذه بحَقّي عليكَ؟ الا أعلمتَني خبرَها ! فأعلَمه، فضحِك فقال : أبَيْتَ يا ابن معلِّم الخير إلاّ كَرَماً! ثم تمثَّل بقول عبد الله بن معاويةَ بنِ عبد الله بنِ جعفر بنِ أبي طالب:

لَسْنَا وإِنْ أَحسابناكَمُلتْ ***يوماً على الأحسابِ نَتَّكِلُ

نَبْنِي كما كانت أوائلُنا ***تَبْني ونَفعَل مِثل ما فَعَلوا

ثم أخذها وتصفّحها ووقع فيها كلّها بما طلب أصحابُها .

قال محمد بنُ جعفر : فخرجتُ من عنده وقد ربحت وأَرْبَحتُ .


قال المبرّد لعبد الله بن يحيى بن خاقان : أنا أشفع إليك أصلحَك الله في أمر فلان، فقال له: قد سمعتُ وأطعتُ، وسأفعل في أمره ،كذا ، فما كان من نقص فعليّ، وما كان من زيادة فله، قال المبرّد : أنت - أطال الله بقاءك - كما قال زُهَير :

وجار سار معتمداً إلينا*** أجاءَثه المخافةُ والرّجاءُ

ضمنّا ماله فغَدًا سَليماً ***علينانَقْصُه وله النَّماءُ

وقال دِعِبِل :

وإنّ امراً أسدَى إليَّ بشافع*** إليه ويَرْجُو الشكر مِنّي لأحمَقُ

شفيعُك يا شكر الحوائج إنه ***يَصونك عن مكروهها وهو يخلق

آخر :

مَضى زَمني والناسُ يستشفعون بي*** فهل لي إلى ليلى الغَداةَ شفيع!

آخر :

ونبئتُ ليلى أرسلت بشفاعةٍ*** إليّ، فهلا نفسُ ليلى شفيعُها!

أأكرَمُ من ليلَى عليّ فتبتغي ***به الجاهَ، أم كنتُ أمراً لا أطيعُها !

آخر:

ومَن يكُن الفَضْلُ بن يحيى بن خالد*** شفيعاً له عند الخليفة يَنْجَحُ

آخر :

وإذا امرؤ أسْدَى إليك صنيعةً*** من جاهِهِ، فكأنّها من مالِهِ

وهذا مِثلُ قولِ الآخر:

وعطاءُ غيركَ إنْ بَذَلْ **تَ عناية فيه عطاؤك

ابن الروميّ :

يَنامُ الذي استشعاك في الأمر إنه*** إذا أيقظ الملهوف مثلك ناما

كفى العَوْدُ مِنكَ البَدة في كلّ موقف ***وجُرِّدت للجُلّى فكنتَ حُساما

فما لك تنْبُو في يَدِي عَنْ ضريبتي ***ولم أرث مِنْ هَزّ وكنت كهاما !


-62 -

الأصل: أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبِ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ .


الشرح: هذا التشبيه واقعٌ وهو صورة الحال لا مَحالة.

وقد أتيتُ بهذا المعنى في رسالةٍ لي كتبتُها إلى بعض الأصدقاء تعزيةً، فقلت: «ولو تأمّل الناسُ أحوالَهم، وتبيّنوا مالَهم ، لعَلِموا أنّ المقيم منهم بوَطَنِه، والساكنَ إلى سَكَيْه، أخو سَفَر يُسرى به وهو لا يَسْرِي، وراكب بحرٍ يُجرى به وهو لا يَدْرِي»

-63-

الأصل: تَقَدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ.


الشرح: مثلُ هذا قولُ الشاعر :

فلا تَحسَبي أنّ الغريبَ الّذي نَأى*** ولكنّ مَن تَنأَيْنَ عنه غَريبُ

ومِثلُه قولُه علیه السلام : «الغريبُ من ليس له حبيب »(1).

وقال الشعر :

أسْرَة المرء والداهُ وفيما*** بين حِضنَيهما الحياةُ تَطِيبُ

وإذا وَلَّیا عن المرء یَوماً *** فهو في الناس أجنَبيٌّ غريبُ

وقال آخر :

إذا ما مضَى القَرْن الذي كنتَ فيهمُ*** وخُلّفتَ في قَرْنٍ فأنتَ غَرِيبُ


-64-

الأصل: فَوْتُ الْحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِهَا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا .


الشرح : قد سَبَقَ هذا المعنى، وذَكرنا كثيراً ممّا قيل فيه .

وكان يقال : لا تطلُبوا الحوائج إلى ثلاثة: إلى عَبْد يقول : الأمر إلى غيري، وإلى رجل حديثِ الغنَى، وإلى تاجِر هِمّته أن يستَريحَ في كلّ عشرين ديناراً حبّة واحدة.


-65-

الأصل: لاَ تَسْتَحِ مِنْ إِعْطَاءِ الْقَلِيلِ، فَإِنَّ الْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ.



1) أخرجه ابن سلامة في دستور معالم الحكم: 16 .

الشرح: هذا نوعٌ من الحَثّ على الإنضال والجُود لطيف، وقد استعمل كثيراً في الهديّة والاعتذار لِقلّتها ، وقد تقدّم منّا قولٌ شافٍ في مدح السّخاء والجُودِ.

وكان يقال: أفضل على مَن شِئتَ تَكن أميرَه، واحتَج إلى من شئتَ تكن أَسِيرَه، واستغْنِ عمّن شئتَ تكن نَظِيرَه .

وسُئل أرِسطو : هل من جُودٍ يستطاع أن يتناول به كلُّ أحد ؟ قال : نَعَم أن تَنوِيَ الخير لكلِّ أحد.


• 66 -

الأصل: الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَالشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى .


الشرح: من الأبيات المشهورة :

فإذا افتقرتَ فلا تكن*** متخشَّعاً وتجمَّل (1)

ومن أمثالهم المشهورة: «تجوعُ الحُرّة ولا تأكل بثدييها».

وأنشد الأصمعيّ لبعضهم :

أقِسم بالله لَمَصُّ النَّوَى ***وشربُ ماءِ القُلُبِ المالِحَة

أحسنُ بالإنسان من ذُلّهِ*** ومن سؤال الأوجُهِ الكالِحَة

فاستغن باالله تكن ذاغِنّى ***مُغْتَبِطاً بالصَّفقة الرابحة

طُوبَى لمن تُصبح ميزانُه ***يومَ يُلاقِي رَبَّه راجحة

وقال بعضُهم : وقفتُ على كَنيف وفي أسفله كناف، وهو يُنشد:

وأكرِمُ نفسي عن أمور كثيرة ***الا إنّ إكرام النّفوس من العَقْلِ

وأبخل بالفضل المبين على الألَى ***رأيتهم لا يُكرمون ذوي الفضل

وما شانَنِي كُنْسُ الكَثِيف وإنّما*** يَشِينُ الفَتَى أَن يَجتدِي نائلَ النذلِ

وأقبح مما بي وقوفي مؤملاً ***نوال فتى مثلي، وأي فتًى مِثلِي !

وأمّا كون الشّكر زينة الغنى، فقد تقدّم من القول ما هو كاف.

وكان يقال : العِلم بغير عمل قولٌ باطل، والنّعمة بغيرِِ شُكْرٍ جِيدٌ عاطل.


1) خسِيعَة القوم وخاسِعُهُم أَخَسُّهُم. القاموس المحيط، مادة (خسع).

-67-

الأصل: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُ، فَلَا تُبَل كَيْفَ كُنْتَ !


الشرح: قد أعجم تفسيرُ هذه الكلمة على جماعة من الناس، وقالوا : المشهورُ في كلام الحكماء : إذا لم يكن ما تُريد فارِدُ ما يكون، ولا مَعنَى لقوله :«فلا تُبل كيف كُنتَ»!وجهلوا مُراده علیه السلام .

ومُرادُه : إذا لم يَكن ما تُريد فلا تُبَل بذلك، أي لا تَكْتَرِثْ بِفَوْت مُرادِك ولا تَبْتَئِس بالحِرْمان، ولو وَقَف على هذا لتمّ الكلام وكَمَل المعنى، وصار هذا مثل قوله : «فلا تكثر على ما فاتك منها أَسَفا»، ومثل قول الله تعالى:(لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) (1)، لكنّه تمّم وأكّد فقال : «كيف كنت»، أي لا تُبَل بفَوْتِ ما كنتَ أمَّلته ولا تَحمِل لذلك همّاً كيف كنت، وعلى أيّ حال كنتَ من حَبْسٍ أو مرض أو فقر أو فقد حبيب، وعلى الجملة لا تُبالِ الدّهر، ولا تَكتَرِث بما يَعكِس عليكَ من غَرَضِك، ويحرمك من أمَلك وليكن هذا الإهوانُ به والاحتقار له ممّا تعتمده دائماً على أيّ حال أفضَى بك الدهر إليها . وهذا واضح.


• 68 -

الأصل: لا يُرَى الجَاهِلُ إِلا مُفْرِطاً أو مُفَرّطاً .


الشرح: العدالة هي الخُلُق الخُلُق المتوسط، وهو محمود بين مَذْمُومين، فالشجاعة محفوفة بالتهوّر والجُبْن ، والذكاء بالغباوة والجريزة، والجود بالشح والتبذير، والحلم بالجمادية والاستشاطة، وعلى هذا كلّ ضدّين من الأخلاق فبينهما خُلُق متوسّط، وهو المسمَّى بالعدالة، فلذلك لا يُرَى الجاهلُ إلا مُفرِطاً أو مفرِّطاً ، كصاحب الغَيْرة، فهو إمّا أن يفرط فيها، فيخرج عن القانون الصّحيح فيَغار لا مِنْ مُوجب بل بالوَهُم وبالخيال وبالوسواس، وإمّا أن يُقرِّط فلا يبحث عن حالِ نسائه ولا يُبالي ما صنَعن، وكلا الأمرَين مذموم، والمحمودُ الاعتدال.


1) سورة الحديد، الآية: 23 .

ومن كلام بعض الحكماء : إذا صح العقل التَحَم بالأدب كالتحام الطعام بالجَسَد الصحيح، وإذا مرضَ العَقْل نَبا عنه ما يَستمع من الأدب كما يقيءُ المَمْعود ما أكل من الطّعام، فلو آثر الجاهلُ أن يتعلّم شيئاً من الأدَب لَتحوّل ذلك الأدبُ جَهْلاً، كما يتحوّل ما خالَطَ جوفَ المَريض من طيّب الطّعام داءً.


-69 -

الأصل: إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلامُ .


الشرح قد سبق القولُ في هذا المعنى.

وكان يقال : إذا رأيتم الرجلَ يُطيل الصمتَ ويَهرُب من النّاس، فاقرُبوا منه فإنه يلقَّى الحِكمة .


-70-

الأصل: الدَّهْرُ يُخْلِقُ الأَبْدَانَ، ويُجَدِّدُ الآمال، ويُقَرِّبُ المَنيَّةَ، ويُباعدُ الأَمْنِيَّةَ . مَنْ ظَفِرَ بِهِ نَصَبَ ومَنْ فَاتَهُ تَعِبَ.


الشرح قد سبق لنا قول طويل عريض في ذكر الدهر والدنيا، ونذكر الآن شيئاً آخر، قال بعضُ الحكماء : الدنيا تَسُرّ لِتَغُرّ وتُفيد لتكيد، كم راقد في ظلّها قد أيقظته، وواثق بها قد خذَلَته، بهذا الخُلُق عُرِفَتْ، وعلى هذا الشرط صُوحِبت.

وكتب الاسكندرُ إلى أرِسطو طاليس : عِظني، فكتب إليه : إذا صَفَتْ لك السلامة فجدّد ذِكرَ العَطب، وإذا اطمأنّ بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعل لها نصيباً في الإساءة، وقال شاعر فأحسَن :

كأنك لم تَسْمَعْ بأخبارِ مَن مَضى*** ولم تر بالباقين ما صنع الدهرُ

فإن كنتَ لا تدري فتلك دِيارُهم ***عَفاها محال الرّيح بعدكَ والقَطرُ

وهل أبصرت عينَاك حيًّا بمَنزل*** على الدهر إلاّ بالعرَاءِ له قَبْرُ

فلا تحسبن الوَفر مالاً جمعته ***ولكن ما قدمت من صالح وَفرُ

مَضَى جامعُو الأموال لم يتزوّدوا*** سوى الفَقْر يا بُؤسَى لمن زاده الفَقْرُ!

فحتّامَ لا تَصحُو وقد قربَ المدى*** وحَتّام لا ينَجابُ عن قَلْبِك السُّكرُ!

بلى سَوْفَ تَصحُر حين ينكشِف الغِطا*** وتذكرُ قولي حين لا ينفع الذّكرُ

وما بين ميلاد الفتى ووفاته*** إذا انتصح الأقوام أنفسهم عُمْرُ

لأنّ الذي يأتيه شِبْهُ الذي مَضى ***وما هو إلا وقتك الضيّق النَّزْرُ

فصبراً على الأيَّام حتَّى تَجُوزَها ***فعَمّا قليل بعدها يُحمد الصبر


-71-

الأصل: مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأُ بِتَعْلِيم نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيم غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بسيريه قبل تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبَهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدُبِهم .


الشرح: الفروع تابعة للأصول، فإذا كان الأصل معوجّاً استحالَ أن يكون الفرعُ مستقيماً ، كما قال صاحبُ المَثَل : «وهل يستقيمُ الظَّلّ والعود أحوج»، فمن نَصَب نفسه للناس إماماً ، ولم يكن قد علّم نفسه ما انتصب ليعلمه الناس، كان مثل من نصب نفسه ليُعلم النّاس الصِّياغة، والنجارة، وهو لا يُحسن أن يصوغَ خاتماً ، ولا ينجُر لوحاً وهذا نوعٌ من السَّفَه ، بل هو السَّفَهُ كلّه، ثم قال علیه السلام: وينبغي أن يكون تأديبُه لهم بفعله وسيرته قبل تأديبه لهم بلسانه، وذلك لأن الفعل أدلّ على حال الإنسان من القول.

ثم قال: ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقُّ بالإجلال من معلم الناس ومؤتبهم. وهذا حقّ؛ لأنّ من علم نفسه محاسن الأخلاق أعظمُ قَدْراً ممن تعاطى تعليم الناس ذلك وهو غيرُ عامل بشيء منه ، فأما من علم نفسه وعلّم الناس فهو أفضل وأجَلّ ممن اقتصر على تعليم نفسه فقط لا شُبهة في ذلك .


-72-

الأصل: نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ.

الشرح: وجدتُ هذه الكلمةَ منسوبةً إلى عبد الله بن المعتزّ في فصل أوّله: «الناس وقد البلاء، و سُكان الثرى، وأنفاس الحيّ خُطاء إلى أجله، وأمله خادعٌ له عن عَمَله والدنيا أكذب واعِدِيه، والنفس أقرب أعاديه ، والموتُ ناظرٌ إليه، ومنتظر فيه أمراً يُمضيه فلا أدري هل هي لابن المعتز ، أم أخَذَها من أمير المؤمنين علیه السلام!

والظاهر أنها الأمير المؤمنين علیه السلام ، فإنها بكلامه أشبه، ولأنّ الرضيّ قد رواها عنه، وخيرُ العَدل معمولٌ به .


-73-

الأصل: كُلُّ مَعْدُودٍ مُنقَضِ، وكُلُّ مُتوقع آت.


الشرح: الكلمة الأولى تؤكّد مذهب جمهور المتكلّمين في أنّ العالم كله لا بد أن ينقضي ويَفْتَى، ولكنّ المتكلمين الذاهبين إلى هذا القَوْل لا يقولون: يجب أن يكون فانياً ومنقضياً لأنه معدود، فإن ذلك لا يلزم، ومن الجائز أن يكون معدوداً ولا يجب فناؤه، ولهذا قال أصحابنا : إنما علمنا أن العالم يفنى عن طريق السمع لا من طريق العقل، فيجب أن يُحمل كلام أمير المؤمنين علیه السلام على ما يُطابق ذلك، وهو أنه ليس يعني أن العدَدَ علةٌ في وجوب الانقضاء، كما يُشعِر به ظاهرُ ،لفظه وهو الذي يسميِّه أصحابُ أصول الفقه إيماء ، وإنما مُراده كل معدود فاعلموا أنه فاني ومنقض، فقد حكم على كلّ معدود بالانقضاء حُكْماً مجرَّداً عن العلّة، كما لو قيل: زيد ،قائمٌ ليس يعني لأنه يسمّى زيداً.

أنه قائم فأما قوله :«وكلّ متوقع آت فيماثلهُ قول العامة في أمثالها : «لو انتُظرَت القيامةُ لقامت»، والقولُ في نفسه حق، لأن العُقلاء لا ينتظرون ما يستحيل وقوعه وإنما ينتظرون ما يمكن وقوعه، وما لا بدّ من وقوعه، فقد صَحّ أن كلّ منتظر سيأتي .


-74-

الأصل: إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا اشْتَبَهَتْ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا .


الشرح:

روي: «إذا استَبْهَمَتْ»، والمعنى واحد وهو حقّ، وذلك أن المقدّمات تدلّ عَلَى النتائج، والأسباب تدل على المسبّبات، وطالما كان الشيئان ليسا عِلةٌ ومعلولاً، وإنما بينهما أدنى تناسُب، فيُستدَلَّ بحالِ أحدهما على حال الآخر، وإذا كان كذلك واشتبهَتْ أمورٌ على العاقل الفَطِن ولم يعلم إلى ماذا تَؤول، فإنه يُسْتَدَلّ على عواقبها بأوائلها وعلى خواتمها بفوَاتِحها ، كالرّعيّة ذاتِ السلطان الرَّكيك الضعيف السياسة، إذا ابتدأت أمورُ مملكته تضطرب، واستَبَهم على العاقل كيف يكون الحالُ في المستقبل، فإنه يجب عليه أن يعتبر أواخرها بأوائلها، ويَعلم أنه سيقضي أمرُ ذلك المُلْك إلى انتشار وانحلال في مُستقبل الوقت؛ لأنّ الحركات الأولى منذرة بذلك، وواعدة بوقوعه، وهذا واضح.


-75-

الأصل: ومن خبر ضِرار بن ضمرة الضّابيّ عندَ دخولِه على معاوية، ومسألته لهُ عن أَميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام ، قال : فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليلُ سُدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وهو يقول :

يا دنيا يا دنيا إلَيْكَ عَنِّي أبِي تَعَرَّضْتِ امْ إِلَيَّ تَشَوَّفَتِ لا حانَ حَينُكَ، هَيْهاتَ، غُرّي غَيْرِي، لا حاجَةً لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثلاثاً، لا رَجْعَةَ فيها ، فَعَبْشُكِ قَصِيرٌ ، وخَطَرُكِ يَسِيرٌ ، وامَلُكِ حَقِيرٌ . أو مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وطُولِ الطَّريق ، وبُعْدِ السِّفَرِ، وَعَظِيمِ المَوْرِد!


الشرح: السُّدُول : جمعُ سَدِيل، وهو ما أسدل على الهَوْدَج، ويجوز في جَمْعه أيضاً أسدال وسدائل، وهو هاهنا استعارة والتّملمُل والتّملّل أيضاً : عدمُ الاستقرار من المرض، كأنه على مَلّة، وهي الرّماد الحارّ.

والسليم الملسوع .

ويروى «تشوّقت» بالقاف .

وقوله :«لا حانَ حَينُك»، دعاء عليها ، أي لا حَضَر وقتك، كما تقول : لا كنت .

فأما ضِرار بن ضَمْرة، فإنّ الرِّياشي رَوَى خبره، ونقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيلَ بن أحمد الحلبي «في التّذييل على نهج البلاغة» ، قال : دخل ضرارٌ على معاوية - وكان ضرارٌ من صحابة عليِّ علیه السلام فقال له معاوية يا ،ضرار صف لي عليّاً، قال: أوَتُعْفِيني ! قال: لا

أعفيك، قال: ما أصف منه! كان والله شديدَ القُوَى، بعيد المَدى، يتفجر العِلم من أنحائه، والحكمة من أزجائِه، حَسَنَ المُعاشَرة، سَهْل المباشرة، خَشِن ،المأكل قصير المَلَبَس، غَزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب ،كَفّه ويخاطب نفسه، وكان فينا كأحدنا، يُجيبنا إذا سألنا، ويبتَدِتُنا إذا سكتنا، ونحن مع تقريبه لنا أشدّ ما يكون صاحب لصاحب هيبة، لا نبتدئه الكلام لعظمته، يحب المساكين، ويقرب أهلَ الدِّين، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ... وتَمامُ الكلام مذكورٌ في الكتاب.

وذَكَر أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب «الاستيعاب» هذا الخبر فقال : حدّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن يوسف، قال :حدّثنا يحيى بنُ مالك بن عائد قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن مُقْلة البغداديّ بمصرَ. وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دُرَيد، قال: حدّثنا العُكُليّ، عن الحِرْمازي، عن رجل من هَمْدان، قال: قال معاوية لضرار الضّبابيّ : يا ضرار صِف لي عَلِيًّا ، قال : اعفني يا أمير المؤمنين قال : لتَصِفَنّه، قال: أما إذ لا بد من وصفه، فكان والله بعيد المدى شديد القُوَى، يقول فضلاً، ويُحكُم عَدْلاً، يتفجّر العِلم من جوانبه، وتَنطِق الحكمة من نَواحيه، يَستوحش من الدنيا ،وزَهرتها، ويأنس بالليل ووَحْشَتِه، وكان غزيرَ العبرة، طويل الفكرة، يُعجبه من اللباس ما قَصُر ، ومن الطعام ما خَشُن. كان فينا كأحدنا، يجيبُنا إذا سألناه، ويُنبئنا إذا استَفْتَيْناه ،ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا، لا نكاد نكلّمه هيبة له. يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين. لا يَطْمَع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليلُ سُدوله، وغارَتْ نجومه، قابضاً على لحيته ، يَتَعَلْمَل تَعَلْمُل السليم، ويَبِكي بكاءَ الحزين، ويقول: يا دُنْيا غُرِّي غَيْري، أبي تعرّضت! أم إلي تشوقتِ! هيهات هيهات قد باينتُكِ ثلاثاً لا رجعة لي فيها، فعمرك قصير، وخطرُكِ حقير! آه من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق فيكى معاوية وقال: رَحِم الله أبا حسن كان والله كذلك، فكيف حُزْنُك عليه يا ضِرار؟ قال: حزنُ مَن ذُبح ولدها في حِجْرها (1).


76 - ومن كلامه علیه السلام للسائل الشامي لما سأله: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره ؟ بعد كلام طويل هذا مختاره

الأصل: وَيْحَكَ! لَعَلَّكَ ظَنَتْتَ قَضَاءً لازماً وَقَدَراً ،حاتماً ، لَوْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ ، إِنَّ الله سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْييراً، وَنَهَاهُمْ


1) أخرجه البحراني في حلية الأبرار: 212/2 .

تخذِيراً، وَكَلفَ يَسِيراً ، وَلَمْ يُكَلِّف عَسِيراً، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً، وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً ، وَلَمْ يُطعْ مُكْرِها ، وَلَمْ يُرسل الأَنْبَيَاءَ لَعِباً ، وَلَمْ يُنْزِلِ الْكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَباً، وَلَا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً، (وذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) .


الشرح :قد ذكر شيخُنا أبو الحسين رحمه الله هذا الخبرَ في كتاب «الغُرَر» ورواه عن الأصبغ بن نباتة ، قال : قام شيخٌ إلى عليّ علیه السلام فقال : أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء الله وقدره؟ فقال: والذي فَلق الحبة وبَرَأ النسمة ما وطقنا مَوْطِئاً، ولا هبطنا وادياً إلا بقضاء الله ، وقَدَرِه . فقال الشيخ ! فعند الله أحتسب غنائي ! ما أَرَى لي من الأخر شيئاً ! فقال : من أيها الشيخ، لقد عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم ،سائرون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين فقال الشيخ: وكيف القضاء والقدر ساقانًا ؟ فقال : وَيْحَك الملك ظننت قضاءً لازماً ، وقَدَراً حتماً ! لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والوَعْد والوعيد، والأمر والنهي، ولم تأتِ لائمةٌ من الله ،لمُذيب، ولا محمدة المُحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالدّم من المُحسن، تلك مقاله عباد الأوثان، وجنودِ الشيطان وشهود الزور، وأهل العَمي عن الصواب وهم قَدَرِيَّةُ هذه الأمة ومجوسها، إن الله سبحانه أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يُغص مغلوباً ، ولم يُطع مُكرِها ، ولم يُرسل الرسل إلى خلقه عَبَثاً ، ولم يَخلُق السموات والأرض وما بينهما باطلاً (وَذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كفَرُوا مِنَ النَّارِ) (1)فقال الشيخ : فما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلا بهما ؟ فقال : هو الأمر من الله والحُكْم، ثم تلا قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) (2)، فنهض الشيخ مسروراً وهو يقول :

أنتَ الإمامُ الذي نَرجُو بطاعتِه*** يوم النشور من الرَحمن رِضوانا

أوضحتَ من ديننا ما كان مُلتَبِساً ***جزاكَ رَبُّك عنا فيه إحسانا (3)

ذَكَر ذلك أبو الحسين في بيان أنّ القضاء والقدر قد يكون بمعنى الحُكْم والأمر، وأنّه من الألفاظ المشتركة .



1) سورة ص ، الآية : 27 .

2) سورة الإسراء، الآية : 23 .

3) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 245/38 .

-77-

الأصل: خُذِ الْحِكْمَة أَنَّى كانَتْ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ المُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ المُؤْمِنِ.

قَالَ الرَّضِيَ رَحِمَهُ الله تَعَالَى - وَقَدْ قَال عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلام في مِثْل ذلك : الحكْمَةُ ضَالَّة المُؤْمِنِ، فَخُذِ الْحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ .


الشرح: خَطب الحجّاج فقال : إن الله أمرنا بطلب الآخرة، وكفانا مؤونة الدنيا، فليتنا كفينا مؤونة الآخرة، وأمرنا بطلب الدنيا !

فسمعها الحسن فقال : هذه ضالة المؤمن خرجت من قلب المنافق.

وكان سُفيانُ الثوري يُعجبه كلام أبي حمزة الخارجيّ ويقول: ضالّة المؤمن على لسان المنافق. تقوى الله أكرَمُ ،سَرِيرة، وأفضَلُ ذخيرة، منها ثقةُ الواثق، وعليها مقة الوامق . ليعمل كل امرى في مكان نفسه وهو رَضِيَ اللَّبَب، طويل السبب، ليعرف ممد يده، وموضعَ قَدَمِه، وليَحذَر الزَّلّل، والعلل المانعة من العمل. رحم الله عبداً آثَرَ التقوى، واستشْعَرَ شِعارها، واجتنى ،ثمارها ، باغ دار البقاء بدار الآباد الدّنيا كَرَوْضة يونق مَرْعاها ، وتُعجب من رآها . تَمُج عرُوقُها الثّرى، وتنطف فروعها بالنّدى، حتى إذا بلغ العُشب إناه، وانتهى الزبرج منتهاه، ضَعُف العمود، وذوى العُود، وتولّى من الزمان ما لا يعود، فحتّت الرياحُ الوَرَق، وفرّقتْ ما كان اتسق، فأصبحَتْ هشيماً ، وأمست رَميماً .


-78-

الأصل: قِيمَةُ كُلّ امرِىءٍ ما يُحْسِنُهُ .

قَالَ الرَّضِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى: وَهَذه الْكَلِمَةُ التي لا تُصَابُ لها قِيمَةٌ، وَلاَ تُوزَنُ بِهَا حِكْمَةٌ، وَلَا تُقْرَنُ إِلَيْهَا كَلِمَةٌ .


الشرح : قد سَلَف لنا في فضل العلم أقوالٌ شافية، ونحن نذكر هاهنا نُكتاً أخرى.

يقال : إنّ من كلام أرْدَشير بن بابك في رسالته إلى أبناء الملوك : بحَسْبِكم دلالة على فَضل العلم أنّه ممدوح بكلّ لسان يتزيّن به غير أهله، ويدّعيه من لا يلصقُ .به قال وبحَسْبكم دَلالةً على عيب الجهل أن كل أحد ينتفي منه ، ويُغضَب أن يسمّى به .

وقيل لأنُوشَرْوانَ : ما بالكم لا تستفيدون من العلم شيئاً إلا زادكم ذلك عليه حِرصاً؟ قال: لأنا لا نستفيد منه شيئاً إلا ازدَدْنا به رفعةً وعَزّاً . وقيل :له ما بالكمْ لا تَأنفون من التعلّم من كل أحد ؟ قال : لعلمنا بأنّ العلم نافع من حيث أخذ.

وقيل لبُزرجمهر : بم أدركت ما أدركت من العلم؟ قال : ببكُور كبكورِ الغُراب، وحِرْصٍ كحرص الخنزير وصبر كصبر الحمار .

وقيل له : العِلم أفضل أم المال؟ فقال : العِلم، قيل : فما بالنا نرى أهلَ العِلم على أبواب أهل المال أكثر ممّا نرى أصحاب الأموال على أبواب العُلماء ! قال : ذاك أيضاً عائد إلى العِلم والجَهْل، وإنما كان كما رأيتم لعلم العلماء بالحاجة إلى المال، وجَهْلِ أصحابِ المال بفَضيلةِ العلم .

وقال الشاعر:

تعلم فليس المرءُ يُخلَقُ عالماً*** وليس أخو علم كمن هو جاهلُ

وإن كبيرَ القَوْمِ لا عِلم عندَه*** صغيرٌ إذا التفّت عليه المحافلُ


• 79-

الأصل: أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاط الإبِلِ لَكَانَتْ لِذلِكَ أَهْلاً : لَا يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلا رَبَّهُ، وَلاَ يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ، وَلَا يَسْتَحِبَنَّ أَحَدٌ مِنكُم إِذَا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ: لا أعْلَمُ ، ولا يَسْتَحِبَنَّ أَحَدٌ إِذا لَمْ يَعْلَم الشَّيْء أَنْ يَتَعَلَّمَهُ، وعليكم بالصَّبْرِ، فإنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإيمان كالرَّأسِ مِنَ الجَسَدِ، ولا خَيْرَ فِي جَسَدِ لا رَأسَ مَعَهُ، ولا خير في إيمان لا صَبْرَ مَعَهُ .


الشرح: قد تقدّم الكلام في جميع الحكم المنطوي عليها هذا الفضل، وقال أبو العَتَاهِية :

والله لا أرجُو سوا*** كَ ولا أخافُ سوى ذنوبي

اغفر ذنوبي نوبي يارحی*** م فأنتَ سَنارُ العيوب

وكان يقال: من استحيا من قول : «لا أَدْرِي» كان كمن يستحيي من كَشْفِ ركبته، ثم يكشف سَوءته، وذلك لأنّ من امتنع من قول : «لا أَدْرِي» وأَجابَ بالجَهْل والخطأ فقد واقع ما يجب في

الحقيقة أن يُستحيا منه، وكَفَّ عمّا ليس بواجب أن يُسْتَحْيا منه، فكان شبيهاً بما ذكرناه في الركبة والعورة.

وكان يقال : يحسن بالإنسان التعلّم ما دام يقبح منه الجهل، وكما يقبح منه الجهل ما دام حياً كذلك يحسن به التعلم ما دام حياً .

وأمّا الصبر فقد سبق فيه كلامٌ مُقنع، وسيأتي فيما بعدُ جملة من ذلك .


-80-

الأصل: وقال عليه السَّلامُ لرجل أفرط في الثناء عليه - وكانَ لَهُ مُنْهِماً : أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ،

وفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ.


الشرح : قد سَبَق منّا قولٌ مُقنع في كراهية مدح الإنسان في وجهه

وكان عمرُ جانساً وعنده الدّرّة، إذ أقبل الجارُود العَبْدِي، فقال رجل : هذا الجارود سيّدُ ربيعة، فسَمِعها عمرُ ومن حَوله ، و رسَمِعها الجارود، فلما دنا منه خَفَقَه بالدرة فقال: ما لي ولك يا أمير المؤمنين قال ما لي ولك! أما لقد سمعتها قال وما سمعتها فمها قال: ليخالطن قلبك منها شيء، وأنا أحب أن أطأطىء منك.

وقالت الحكماء : إنّه يحدث للممدوح في وجهه أمران :مهلكان: أحدهما الإعجاب بنفسه، والثاني إذا أثنى عليه بالدِّين أو العلم فتر وقَل اجتهاده، ورضي عن نفسه، ونَقَصَ تشميرُه وجِده في طلب العلم والدين، فإنه إنما يتشمر من رأى نفسه مقصراً فأما مَنْ أطلقت الألسن بالثناء عليه فإنه يظنّ أنه قد وصل وأدرك، فيقل اجتهاده ويتكل على ما قد حصل له عند الناس؛ ولهذا قال النبي الله لمن مَدَح إنساناً كاد يسمعه : ونحك قطعت عُنق صاحبك، لو سمعها لما أفلح(1).

فأما قوله له : وفوق ما في نفسك»، فإنه إنما أراد أن ينبهه على أنه قد عَرَف أنه كان يقع فيه، وينحرف عنه، وإنما أراد تعريفه ذلك لما رآه من المصلحة، إما لظنه أنه يُقلع عما كان يذمّه به ، أو ليُعلمه بتعريفه أنه قد عَرَف ذلك، أو ليخوّفه ويزجره، أو لغير ذلك .


1) أخرج: نحوه البخاري كتاب الشهاب، باب : إذا زكى رجل رجلاً كفاه (2662) ، ومسلم :کتاب الزهد والرقائق باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة (3000)، وبلفظ المصنف :أخرجه أحمد في مسنده» (27539).

-81-

الأصل: بَقِيَّةُ السَّيْف أَنْمَى عَدَداً ، وَأَكْثَرُ وَلَداً .


الشرح: قال شيخنا أبو عثمان: ليته لما ذَكَر الحُكم ذكر العلّة!

ثم قال : قد وجدنا مِصداق قوله في أولاده وأولاد الزبير وبني المهلِّب وأمثالهم ممن أسرعَ القتلُ فيهم وأتِيَ زيادٌ بامرأة من الخوارج فقال لها : أما والله لأحْصِدنُكُم حَصْداً، ولأفنينكم عَداً فقالت: كلاً إنّ القتل ،ليَزْرَعُنا، فلما همّ بقتلها تستّرت بثوبها ، فقال : اهتكوا سترها لَحَاها الله! فقالت: إن الله لا يَهتِك سترَ أوليائه، ولكن التي هتك سترها على يد ابنها سُميّة، فقال: عجلوا قتلها أبعدها الله ! فقُتلَتْ .


-82-

الأصل: مَنْ تَرَكَ قَوْلَ: «لا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ .


الشرح: جاءت امرأة إلى بُزُرجُمِهر ، فسألته عن مسألة فقال : لا أدري ، فقالت : أيعطيك الملك كلِّ سنة كذا كذا وتقول لا أدري فقال : إنما يعطيني الملك على ما أَدْرِي، ولو أعطاني على ما لا أَدْرِي لما كفاني بيت ماله وكان يقول : قولُ «لا أَعْلَمُ» نِصفُ العِلم .

وقال بعضُ الفُضَلاء : إذا قال لنا إنسانٌ :«لا أدرِي» عَلَّمناه حتى يَدري، وإن قال : أدري ،امتحنّاه حتى لا يدري .


-83-

الأصل: رَايُّ الشَّيْخ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغُلَامِ، وَيُرْوَى: «مِنْ مَشْهد الغُلامِ».


الشرح: إنما قال كذلك لأنّ الشيخ كثيرُ التَّجربة، فيبلغ من العَدُوّ برأيه ما لا يبلُغ بشجاعته الغلام الحَدَث غير المجرّب، لأنه قد يغرِّر بنفسه فيَهلك ويُهلك أصحابَه، ولا رَيبَ أنّ الرأي مقدَّم على الشجاعة، ولذلك قال أبو الطيّب:

الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعان*** هو أوّلٌ وهي المحلُّ الثاني

فإذا هما اجتَمَعا لنفس مرّة ***بلغت من العَلْيَاء كلَّ مكان

ولرُبما طَعن الفتى أقرانَه*** بالرّأي قبلَ تطاعُن الأقران

لولا العقولُ لكان أدنى ضَيغم ***أدنى إلى شرف من الإنسان

ولمَا تَفَاضلت الرجالُ ودَبَّرت ***أيدي الكُماة عوالي المُران

ومِن وَصايا أبرويز إلى ابنه شيرويه : لا تستعمل على جيشك غلاماً غمراً تَرِفاً، قد كثر إعجابه بنفسه، وقلت تجاربه في غيره، ولا هَرِماً كبيراً مديراً قد أخذ الدهرُ من عقله، كما أخذَتِ السن من جسمه، وعليك بالكهولِ ذَوِي الرأي !

وقال لَقيط بن يَعْمَر الإياديّ في هذا المعنى :

وقَلِّدوا أمركم الله دَركُم ***رحب الذراع بأمر الحربِ مُضطلِعا

لا مُترَفاً إِنْ رَخاءُ العيش ساعدَه*** ولا إذا عَضَ مکروهٌ به خَشَعا

ما زال يحلُب هذا الدهرَ أشطُرَه*** يكون متّبعاً طوراً ومُتَّبَعا

حتَّى استمرّ على شَزْرٍ مَرِيرته*** مستحكم الرأي لا قَحْماً ولا ضرعا


• 84 -

الأصل: عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَمَعَهُ الاستِغْفَارُ .


الشرح قالوا: الاستغفار حوارسُ الذَّنوب.

وقال بعضهم : العبدُ بين ذَنْب ونعمة لا يُضلِحهما إلا الشكر والاستغفار .

وقال الربيع بن خَثعم:« لا يقولَن أحدكم أستغفر الله وأتوبُ إليه» فيكون ذَنْباً وكذباً إن لم يفعل، ولكن ليقل: اللهم اغفر لي وَتُب عليّ .

وقال الفُضَيل : الاستغفار بلا إقلاع توبةُ الكَذّابين .

وقيل : من قَدّم الاستغفار على الندم، كان مستهزئاً بالله وهو لا يعلم.


• 85 -

الأصل: وحكى عنه أبو جعفر محمد بن علي الباقر علیه السلام انه كان علیه اسلام قال : كانَ في الأرْضِ أمانان مِنْ عَذَابِ الله ، وقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُما ، فَدُونَكُمُ الآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، أما الأمانُ الذي رُفِعَ فَهُوَ رَسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، وأمَّا الأمانُ الباقي فالاسْتِغْفَارُ، قال الله تعالى : (وَمَا كان الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (1).

قال الرَّضِي رَحمه الله تعالى : وهذا مِنْ مَحاسَنِ الاستخراج، ولطائف الاستنباط .


الشرح: قال قومٌ من المفسِّرين : ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)، في موضع الحال: والمرادُ نفي الاستغفار ، أي لو كانوا ممن يستغفرون لما عذّبهم ، وهذا مثلُ قوله تعالى : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ ليهلك القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) (2)؛ فكأنه قال : لكنهم لا يستغفرون فلا انتفاء للعذاب عنهم .

وقال قوم: معناه، وما كان الله معذِّبَهم وفيهم مَنْ يستغفر وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من المستضعفين .

ثم قال : ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ الله ) (3)، أي ولأيِّ سَبَب لا يعذّبهم الله مع وجود ما يَقتضِي العذاب، وهو صَدّهم المسلمين والرّسول عن البيت في عام الحديبية! وهذا يدلّ على أن ترتيبَ القرآن ليس على ترتيب الوقائع والحوادث، لأنّ سُورة الأنفال نزلت عقيبَ وقعة بَدْرٍ في السّنة الثانية من الهجرة، وصدّ الرسول الله صلی الله علیه وآاله وسلم عن البيت كان في السنة السادسة، فكيف يجعل آية نزلت في السنة السادسة في سورة نزلت في السنة الثانية!

وفي القرآن كثيرٌ من ذلك، وإنّما رتبه قومٌ مِن الصّحابة في أيّام عثمان.


-86-

الأصل: مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله أَصْلَحَ الله مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ .


1) سورة الأنفال، الآية : 33 .

2) سورة هود، الآية : 117 .

3) سورة الأنفال، الآية 34 .

وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ .

وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ ،وَاهِظٌ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ .


الشرح: مِثلُ الكلمة الأولى قولُهم: رِضا المخلوقين عُنوانُ رِضا الخالق، وجاء في الحديث المرفوع : «ما مِنْ والِ رَضِيَ الله عنه إلا أرضى عنه رعیتَهَ ».

ومثلُ الكلمة الثانية دُعاء بعضهم في قوله :

أنا شاكرٌ أنا مادحٌ أنا حامِدٌ ***أنا خائفٌ أنا جائعٌ أنا عار

هي سنّةٌ وأنا الضّمِينُ بنِضفها*** فكُنِ الضمینُ بنصفها يا باري

ومِثلُ الكلمة الثالثة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ )(1).


• 87-

الأصل: الْفَقِيه كل الفقيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحمة الله، وَلَمْ بُلهُمْ مِنْ رَوْح الله، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ مَكْرِ الله.


الشرح : قَلَّ موضعٌ من الكتاب العزيز يَذكُر فيه الوعيد إلا ويَمزُجه بالوعد، مِثل أن يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ) ثم يقول : (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ، والحكمة تقتضي هذا ليكون المكلَّف متردداً بين الرّغبة والرّهبة.

ويقولون في الأمثال المرموزة: لقِيَ موسَى وهو ضاحكٌ مستبشرٍ عيسَى وهو كالِحٌ (2)قاطب، فقال عيسى: ما لك كأنكَ آمِنٌ من عذاب الله ؟ فقال موسى علیه السلام: ما لَكَ كانك آيِسٌ من روح الله ! فأوحى الله إليهما : موسى أحبكما إلي شعاراً ، فإِنِّي عِنْدَ حُسن ظَنَّ عبدي بي .

واعلم أنّ أصحابنا وإن قالوا بالوعيد، فإنّهم لا يؤيسون أحداً ولا يقنِّطونه من رحمة الله وإنما يَحُلُّونه على التوبة، ويخوفونه إن مات من غير توبة وبحقِّ ما قال شيخُنا أبو الهُذيل : لولا مَذهَب الإرْجاء لَمَا عُصِي الله في الأرض، وهذا لا ريب فيه، فإنّ أكثرَ العُصاة إنّما يُعوّلون


1) سورة النحل، الآية : 128 .

2) كَلَحَ : تَكَثَرَ في عُبُوس القاموس المحيط، مادة (كلح).

على الرحمة، وقد اشتهر واستفاض بينَ الناس أنّ الله تعالى يَرحَم المذنبين، فإنّه وإن كان هُناك عِقاب فأوقاتاً معدودة، ثم يخرجون إلى الجنة والنفوس تُحِبّ الشهوات العاجلة، فتتهافتُ الناس على المَعاصِي وبلوغ الشَّهَوات والمآرب معولين على ذلك، فلولا قولُ المرجئة وظهورُه بين الناس لكان العصيان إمّا معدوماً، أو قليلاً جداً .


• 88-

الأصل: أوْضَعُ الْعِلْمِ مَا وُقِف عَلَى السَانِ، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَان.


الشرح: هذا حقّ، لأنّ العالم إذا لم يَظهَر من عِلمِهِ إِلا لَقْلَقَةُ لسانه من غير أن تظهرَ منه العبادات، كان عالماً ناقصاً، فأما إذا كان يُفيدُ الناس بألفاظه ومنطقه، ثم يشاهِدُهُ النَّاسُ على قَدَم عظيمةٍ من العبادة، فإنَّ النفعَ يكون به عاماً تامّاً، وذلك لأن الناس يقولون : لو لم يكن يعتقد حقيقةَ ما يقوله، لما أَذابَ نَفْسَه هذا الدَّاب.

وأمّا الأوّل فيقولون فيه : كُلّ ما يقوله نفاق وباطل ، لأنه لو كان يعتقد حقيقةً ما يقول لأخَذَ به، ولَظَهَر ذلك في حَرَكاته ، فيَقْتَدون بفعله لا بقَوْله، فلا يشتغل أحد منهم بالعبادة ولا يهتم بها .


• 89-

الأصل: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَة.


الشرح: لو قال : إنّها تَمَلّ كما تمل الأبدان، فأحِمضُوا كما نقل عن غيرُه لحُمِل ذلك على أنّه أراد نَقلها إلى الفُكاهات والأخبار والأشعار ، ولكنّه لم يقل ذلك، ولكن قال : «فابتَغوا لها طرائفَ الحِكمة»، فوجَب أن يُحمّل كلامُه علیه السلام على أنه أراد أنّ القُلوبَ تَمَلّ من الأنظار لك العقليّة في البراهين الكلاميّة على التوحيد والعدل، فابتغوا لها عندَ ملالها طرائفَ الحِكمة، أي الأمثال الحكمية الراجعة إلى الحكمة الخلقية، كما نحن ذاكرُوه في كثير من فصول هذا الباب، مِثل مدح الصبر والشجاعة، والزهد والعِفَّة، وذمّ الغضب، والشهوة، والهوى، وما يَرجع إلى سياسة الإنسان نفسه ،وولده ومنزله، وصديقه، وسلطانه، ونحو ذلك؛ فإنّ هذا عِلْمَ آخَر وفَنّ آخر ، . لا

تَحتاجُ القلوب فيه إلى فكر واستنباط، فتتعب وتكل بترادف النظر والتأمل عليها، وفيه أيضاً لذَّةٌ عظيمةٌ للنفس.

وقد جاء في إجمام النّفس كثيرٌ .

قال بعضهم : رَوَّحوا القلوب برَوائِع الذّكر.

وعن سَلْمان الفارسيّ : أنا أحتَسِب نَوْمَتي كما أحتَسِب قَوْمَتي .

وقال عمرُ بنُ عبد العزيز : إن نفسي راحلتي إن كلفتها فوق طاقتها انقطعتت بي.

وقال بعضهم: روِّحوا الأذهان، كما تروحوا الأبدان.

وقال أردشيرُ بنُ بابك : إنّ للآذان ،مجة، وللقلوب مَلّة، ففَرِّقوا بين الحكمتين بلَهْوِ يَكُن ذلك استجماماً .


-90-

الأصل: لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ، لأنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فتنة وَلَكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاتِ الْفِتَنِ، فَإِنَّ الله سُبْحَانَه يَقُولُ : (وَاعْلَمُوا أنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوَلَدُكُمْ فِتْنَةٌ )(1). ومَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالْأَمْوَالِ وَالأولاد ليتبين . السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَالرَّاضِيَ بِقَسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ التي بهَا يَسْتَحِقُ الثَّوَابَ وَالْعَقَابَ لأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذَّكُورَ وَيَكْرَهُ الْإِناثَ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَنْمِيرَ الْمَالِ، وَيَكْرَهُ انْثَلامَ (2)الْحَالِ .

قَالَ الرَّضِيّ رَحِمَهُ الله تعالى : وهَذَا مِنْ غِرِيبٍ ما سُمِعَ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي التَّفْسِير .


الشرح: الفتنة لفظٌ مشترك، فتارةٌ تُطْلَق على الجائحة والبلية تصيب الإنسان، تقول: قد افتَتَن زيد وفُتن فهو مفتون إذا أصابته مُصيبة فذهَب ماله أو عقله، أو نحو ذلك، قال تعالى :

(و إنَّ الَّذِينَ فَسَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ) (3)يعني الّذين عذَّبوهم بمكّة ليرتدّوا عن الإسلام، وتارة تُطلق على الاختبار والامتحان ، يقال : فتنتُ الذهب إذا أدخلته النار لتنظرَ ما جَوْدَته، ودينار مفتون، وتارةً


1) سورة الأنفال، الآية: 28 .

2) الثلم : الكسر اللسان، مادة (ثلم).

3) سورة البروج، الآية: 10 .

تُطلق على الإحراق ، قال تعالى : (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) (1)ووَرِقَ مَفْتون، أي فِضة مُحرقة، ويقال للحرة : فَتين كأنّ حِجَارَتَها مُحرقة، وتارةً تُطلق على الضلال، يقال رجلٌ فاتن ومُفتن ، أي مُضِلَّ الحق جاءَ ثلاثيّاً ورُباعياً، قال تعالى : (مَا أَنتُه عَلَيْهِ بِغَنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ ) (2)أي بمضلين، وقرأ قومٌ «مفتنين»، فمن قال إنّي أعوذُ بك من الفتنة، وأراد الجائحة، أو الإحراق أو الضلال، فلا بأس بذلك، وإن أراد الاختبار والامتحانُ فغيرُ جائز ، لأن الله تعالى أعلمُ بالمَصلَحة ،

و أن يَختبر عبادَه لا ليعلم حالهم، بل ليَعلَم بعضُ عبادِه حالَ بعض، وعندي أنّ أصلَ اللّفظة هو الاختبار والامتحان، وأن الاعتبارات الأخرى راجعة إليها ، وإذا تأملت علمتَ صحّة ما ذكرناه .


• 91 -

الأصل: وسُئِلَ عنِ الخَيْرِ ما هُوَ؟ فَقَالَ : لَيْسَ الخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مالكَ وَوَلَدُكَ ، ولَكِنِ الخَيْرُ أنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ ، وأَنْ يَعْظم حِلْمُكَ، وَأَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بعبادةِ رَبِّكَ، فإنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ الله ، وإِنْ أَساتَ اسْتَغْفَرْتَ الله . ولا خَيْرَ في الدُّنْيا إلا لِرَجُلَيْنِ: رَجُل أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُها بالتَّوْبَةِ، ورَجُلٍ يُسَارِعُ في الخيراتِ، ولا يَقِلُّ عَمَلٌ مَع التَّقْوَى، وكَيْفَ يَقِلُّ ما يُتَقَبَّلُ !


الشرح : قد قال الشاعر لهذا المعنى :

ليس السّعيد الذي دُنْياه تَسعِدُه*** بل السعيد الذي ينجو من النار

قوله علیه السلام : «ولا يَقِلّ عملٌ مع التقوى» ، أي : مع اجتناب الكبائر، لأنه لو كان مُوقِعاً لِكَبيرة لما تُقبِّل منه عملٌ أصلاً على قول أصحابنا، فوجب أن يكون المراد بالتقوى اجتنابَ الكبائر، فأمّا مذهبُ المرجئة فإنهم يحملون التقوى هاهنا على الإسلام، لأنّ المسلم عندهم تتقبَّل أعماله ، وإن كان مُواقعاً للكبائر .

فإن قلت : فهل يجوز حملُ لفظة «التقوى» على حقيقتها، وهي الخوف؟

قلت : لا . أما على مَذهبنا فلأن من يخاف الله ويواقع الكبائرَ لا تتقبل أعمالُه، وأمّا مذهب المرجئة فلأن من يخاف الله من مخالفي مِلّة الإسلام لا تتقبل أعمالُه، فثبت أنه لا يجوز حملُ التقوى هاهنا على الخوف.


1) سورة الذاريات، الآية : 13 .

2) سورة الصافات، الآيتان: 162، 163 .

فإن قلت : مَنْ هو مخالفٌ لمِلة الإسلام لا يخافُ الله لأنه لا يعرفه .

قلت: لا نسلّم، بل يجوز أن يعرف الله بذاته وصِفاته كما نعرفه نحن، ويجحد النبوّة الشُبهة وقعت له فيها، فلا يلزم من جَحد النبوة عدم معرفة الله تعالى .


• 92 -

الأصل: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالأنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِما جاؤوا بِهِ، ثُمَّ تَلا علیه السلام : ﴿إِن أَوَّلَ النَّاسِبإريم للذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ والذين امنوا ...) الآية (1).

ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلام : إِنَّ وَلِيٍّ محمَّدٍ مَنْ أَطاعَ الله وإِن بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ، وَإِنَّ عَدُوٍّ مَحمَّدٍ مَنْ قضى الله وإن قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ .


الشرح: هكذا الرواية «أعلمهم»، والصحيح أعملهم، لأن استدلاله بالآية يقتضي ذلك، وكذا قوله فيما بعدُ. «إنّ وَليَّ محمد من أطاع الله ..» إلى آخر الفصل، فلم يذكر العلم، وإنما ذكر العمل. واللُّحمة بالضم: النسب والقرابة، وهذا مثل الحديث المرفوع: «أنتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم، إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وفي الحديث الصحيح: «يا فاطمة بنت محمد إني لا أغني عنك من الله شيئاً ».

وقال رجل لجعفر بن محمد علیه السلام : أرأيت قوله صلی الله علیه وآله وسلم :«إن فاطمةَ أحصنت فرجها فحرَّم الله ذريتها على النار »(2)، أليس هذا أماناً لكل فاطمي في الدنيا ؟ فقال : إنك لأحمق، إنما أراد حسناً وحسَيناً، لأنهما من لحمة أهل البيت، فأما من عداهما فمن قعد به عمله لم يَنهَضُ به نَسَبُه .


– 93 –

الأصل: وَسَمِعَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَجُلاً مِنَ الْحَرُورِيَّةِ يَتَهَجُدُ وَيَقْرَأُ، فَقَالَ:


1) سورة آل عمران الآية : 68.

2) أخرجه الحاكم في «مستدركه» (4726) وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 188) ، وابن عدي في «الكامل» (58/5) ، والبزار في «مسنده» (1829).

نَوْمٌ عَلَى يَقِينِ، خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ عَلَى شَكٍّ .


الشرح: هذا نهيٌ عن التعرّض للعبادة مع الجَهل بالمعبود، كما يصنع اليوم كثيرٌ من الناس، ويظنون أنّهم خير الناس، والعقلاء الألباء من الناس يضحكون منهم، ويستهزئون بهم، والحَرُورية الخوارج، وقد سبق القول فيهم. وفي نسبتهم إلى حروراء .

يقول علیه السلام: تَرْك التنقل بالعبادات مع سلامة العقيدة الأصلية، خيرٌ من الاشتغال بالنوافل وأورادِ الصّلاة مع عدم العلم، وهو المعني بقوله : «في شَكٍّ»، فإذا كان عدُم التنقّل خيراً من التنقل مع الشكّ فهو مع الجهل المحض - وهو الاعتقاد الفاسد - أولى بأن يكون.


• 94 -

الأصل: اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لا عَقْلَ رِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُهَانَهُ قَلِيلٌ .


الشرح: نهاهم علیه السلام عن أن يقتصروا إذا سمعوا منه أو من غيره أطرافاً من العلم والحكمة، على أن يرووا ذلك رواية كما يفعله اليوم المحدثون، وكما يقرأ أكثر الناس القرآن دراسةً ولا يَدْرِي من معانيه إلا اليسير .

وأمرهم أن يعقلوا ما يسمعونه عقل رعاية أي مشعرفة وفَهم.

ثم قال لهم :«إنّ رُواة العلم كثير ، ورعاته قليل»، أي من يُراعِيه ويتدبره، وصَدَق علیه السلام!


-95-

الأصل: وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَقَدْ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ : إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (1)، فَقَالَ : إِنَّ قَوْلَنَا إِنَّا لله» إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ، وَقَوْلَنَا : وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ .


1) سورة البقرة، الآية : 156 .

الشرح : قوله إنّا لله اعترافٌ بأنّا مملوكون الله وعبيدٌ له، لأنّ هذه اللام لامُ التمليك، كما تقول : الدار لِزيد ؛ فأمّا قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )؛ فهو إقرار واعتراف بالنشور والقيامة، لأنّ هذا هو معنى الرّجوع إليه سبحانه، واقتَنَع أمير المؤمنين عن التصريح بذلك، فذَکَر الهُلك، فقال: إنّه إقرار على أنفُسنا بالهلك، لأنّ مُلكنا مفض إلى رجوعنا يومَ القيامة إليه سبحانه، فعبّر بمقدمة الشيء عن الشيء نفسه، كما يقال : الفقرُ المَوْت والحمَّى الموت، ونحو ذلك.

ويُمكن أن يفسّر ذلك على قول مثبتي النّفس الناطقة بتفسير آخر فيقال : إنّ النفس ما دامت في أسْرِ تدابير البَدَن فهي بمعزل عن مبادئها، لأنّها مشتغلةٌ مستغرقة بغير ذلك، فإذا مات البَدَن رجعت النفسُ إلى مبادئها ، فقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) إقرار بما لا يصح الرجوع بهذا التفسير إلا معه، وهو الموت المعبّر بالهُلك.


• 96 -

الأصل: وقال علیه السلام ومدحه قوم في وجهه : اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ!


الشرح: قد تقدّم في كراِهِيَة مَدْح الإنسان في وجهه. وفي الحديث المرفوع : «إذا مدحت أخاك في وجهه، فكأنّما أمرَرْتَ على حلقه مُوسى وَمِيضة»(1).

وقال أيضاً : «لو مَشَى رجلٌ إلى رجل بسيف مرهف كان خيراً له من أن يُثني عليه في وجهه» . ومن كلام عمرَ : المَدْح هو الذُّبح، قالوا : لأنّ المذبوح ينقطع عن الحركة والأعمال، وكذلك المَمْدوح يَفتُر عن العمل. ويقول: قد حَصَل في القلوب والنفوسَ ما استَغنَى به عن الحركة والجدّ. ومن أمثال الفلاّحين : إذا طار لك صيتٌ بين الحَصّادة، فاكبر مِنْجَلَك .

وقال مُطرف بنُ الشَّخّير :ما سمعتُ من ثناء أحدٍ عليّ أو مدحةِ أحد لي إلاّ وتصاغرت إلىَّ نفسي. وقال زيادُ بن أبي مسلِم: ليس أحد سَمِع ثناء أحدٍ عليه إلاّ وتراءى له شيطان، ولكنّ المؤمن يراجع.

فلمّا ذُكر كلامُهما لابن المبارك قال : صَدَقا، أما قول زياد فتلك قُلوبُ العوام، وأمّا قولُ مطرف فتلك قلوب الخواصّ.


1) أخرجه ابن المبارك في الزهد (52).

-97-

الأصل: وقال علیه السلام : لا يَسْتَقِيمُ تَضَاءُ الْحَوَائِجِ إِلا بِثَلَاثٍ: بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُمَ، وَبِاسْتِحْتَامِهَا لِتَظْهَرَ، وَبِتَعْجِيلِهَا لِتَهْتُو .


الشرح: قد تَقدَّم لنا قَولٌ مستقصى في هذا النحو، وفي الحوائج وقضائها واستنجاحها.

وقد جاء في الحديث المرفوع: «استعينوا على حاجاتكم بالكتمان، فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» (1).

وقال خالُد بنُ صفوان : لا تطلُبوا الحوائجَ في غير حينها، ولا تطلبوها إلى غير أهلها، ولا تَطلبوا ما لستم له بأهل فتكونوا للمنع خُلقاء.

وكان يقال : لكلّ شيء اسُّ، وأس الحاجة تعجيل اروع من التأخير .

وقال رجل لمحمّد بن الحنفية : جنتك في حويجة ، قال : فاطلب لها رُجَيْلاً ! وقال شَبيب بن شَبّة بن عِقال : أمران لا يجتمعان إلا وَجَب النُّجح، وهما العاقل لا يسأل إلاّ ما يجوز، والعاقل لا يرُدُّ سائلَه عمّا يُمكن.

وكان يقال : من استعظَم حاجَة أخيه إليه بعد قضائها امتناناً بها فقد استَصْغَر نفسه .

وقال أبو تمّام في المَطل :

وكان المَطل في بَدْءٍ وعَوْدِ*** دُخاناً للصّنيعة وهي نارُ

نسيبَ البُخْل مُذْ كانا وإلاّ ***يكن نَسَبٌ فبينَهما جِوارُ

لذلك قيل: بعضُ المَنْع أدنَى*** إلى جُود، وبعضُ الجود عارُ


-98-

الأصل: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرَّبُ فِيهِ إِلا الْمَاحِلُ، وَلا يُقَرِّفُ فِيهِ إِلَّا الْفَاجِرُ، وَلَا يُضَعَّفُ فِيه إِلا الْمُنْصِفُ، يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ هُرْماً ، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنَّا ، وَالْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةٌ عَلَى النَّاسِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ الْإِمَاءِ، وَإِمَارَةِ الصَّبْيَانِ، وَتَدْبِيرِ الْخِصْيَانِ .


1) أخرجه الطبراني في «الصغير» (1186) بلفظ «استعينوا على إنجاح حوائجكم ...» والبيهقي في «شعب الإيمان» (6655) ، وأبو نعيم في «الحلية» (5(215) ، وابن عدي في «الكامل» (404/4 ) .

الشرح : المَحْل: المكر والكَيْد ، يقال مَحَل به إذا سَعَى به إلى السلطان، فهو ماحِلٌ ومحُول، والمُماحَلة : المماكرة والمكايدة.

قوله : «وَلا يُظرَّف فيه إلاَّ الفاجر»، لا يَعُدّ الناس الإنسان ظريفاً إلا إذا كان خليعاً ماجناً متظاهراً بالفِسق .

وقولُه: «ولا يضعَّف فيه إلا المنصِف، أي إذا رأوا إنساناً عنده وَرَع وإنصاف في معاملتهِ الناسَ عدُّوه ضعيفاً ، ونَسَبوه إلى الرّكة والرّخاوة، وليس الشَّهم عندهم إلا الظالم.

ثم قال: «يعُدّون الصدقة غُرْماً»، أي خسارة، ويَمُنُّون إذا وصلوا الرَّحِم وإذا كانوا ذوي عِبادة استطالوا بها على الناس وتبجِحوا بها، وأعجبتهم أنفسهم واحتقروا غيرهم.

قال : فعند ذلك يكون السلطان والحكم بين الرعايا بمشورة الإماء... إلى آخر الفصل، وهو من باب الإخبار عن الغيوب وهي إحدى آياته، والمُعجزات المختصّ بها دون الصحابة .


-99-

الأصل: وقال علیه السلام : وَقَدْ رُلِيَ عَلَيْهِ إِزَارٌ خَلَقٌ مَرْقُوعٌ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:

يَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ، وَتَدِلُ بِهِ النَّفْسُ، وَيَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ.


الشرح: قد تقدم القولُ في هذا الباب، وذكَرنا أنّ الحكماء والعارفين فيه على قسمين : منهم من آثر ليسَ الأذنى على الأعلى، ومنهم من عكس الحال، وكان عمرُ بنُ الخطاب من أصحاب المذهب الأوّل، وكذلك أميرُ المؤمنين، وهو شعار عيسى ابن مريمَ علیه السلام ، كان يلبسُ الصوف وغليظ الثياب، وكان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يلبس النَّوعين جميعاً، وأكثر لبَسِه كان الجيّد من الثياب مِثل أبراد(1)اليمن، وما شاكل ذلك، وكانت مِلحفتُه مورَّسَةً حتى أنها لتردع على جِلده كما جاء في الحديث (2).


1) مثال ذلك ما أخرجه أبو داود في «سننه»، كتاب: الصلاة، باب في المؤذن يستدير في أذانه : (520) من حديث أبي جحيفة قال : أتيت رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بمكة وهو في قبة حمراء من آدم، فخرج بلال فأذن فكنت أتتبع فمه ها هنا وها هنا قال ثم خرج رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وعليه حلة برود يمانية قطري.

2) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (1368)، عن محمد بن علي قال : آخر صلاة صلاها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم في ملحفة مورسة متوشحاً بها .

ورُثِيَ محمّد بن الحنفية علیه السلام واقفاً بعرفات على برذون أصفر، وعليه مُظرف خز أصْفَر، وجاء فَرْقَد السَّبَخيّ إلى الحسن وعلى الحسن مُطرف خَزِّ ، فجعل ينَظرُ إليه وعلى فَرْقد ثياب صوف، فقال الحسن : ما بالُك تنظُر إليّ وعليّ ثيابُ أهل الجنّة، وعليك ثيابُ أهل النار! إن أحدكم ليجعل الزهد في ثيابه والكبرَ في صَدْره، فلَهُو أشدٌّ عجباً بصوفه من صاحبِ المُطرف .

وقال ابن السَّمَّاك لأصحاب الصّوف : إن كان لباسُكم هذا موافقاً لسرائركم فلقد أحببتم أن يطّلع الناسُ عليها، ولئن كان مخالفاً لها لقد هَلَكتم .

وكان عمر بن عبد العزيز على قاعدة عمر بن الخطاب في مَلبوسه ، وكان قَبلَ الخلافة يلبس الثياب المثمَّنة جدّاً، كان يقول : لقد خِفْتُ أن يَعْجَز ما قَسم الله لي من الرّزق عمَّا أريده من الكسوة، وما لبستُ ثوباً جديداً قطّ إلاّ وخُيِّل لي حين يراه الناس أنه سمِلٌ أو بال، فلما وليَ الخلافة تَرَك ذلك كلَّه .

وروی سعيدُ بن سُويد قال صلى بنا عمر بن عبد العزيز الجمعة، ثمّ جلس وعليه قميص مرقوع الجَيْبِ من بين يديه ومن خَلْفه، فقال له رجل: إنّ الله أعطاك يا أمير المؤمنين، فلو لبستَ فنگس مَلِيّاً ثم رفع رأسه فقال : إنّ أفضل القضد ما كان عند الجِدّة، وأفضل العفو ما كان عند المقدرة.

وروی عاصمُ بن مَعدلة : كنت أرى عمر بن عبد العزيز قبل الخلافة فأعجب من حُسن لونه وجودة ثيابه ويزّته، ثم دخلت عليه بعد أن ولي، وإذا هو قد احترق واسودٌ ولَصِقَ جِلْدُه بِعَظمِه، حتى ليس بين الجلد والعظم لحم، وإذا عليه قلنسوَة بيضاءُ قد اجتمع قطنُها ويعلم أنها قد ،غسلت وعليه سُحُقِّ انْبَجانية قد خرج سَدَاها، وهو على شاذكونة، قد لَصِقت بالأرض تحت الشاذكونة عباءَةٌ قطوانية من مُشاقة الصوف وعنده رجل يتكلم، فرفع صوته، فقال له عمر اخفض قليلاً من صوتك، فإنما يكفي الرجل من الكلام قدرُ ما يُسمِعُ صاحبَه .

وروى عبيد بن يعقوبَ أن عمرَ بن عبد العزيز كان يَلبس الفَرْوَ الغليظ من الثياب، وكان سِراجه على ثلاث قَصَبات فوقهنّ طين .


-100-

الأصل: إِنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ عَدُوّانِ مُتَقَاوِتَانِ، وَسَبِيلانِ مُخْتَلِفَانِ، فَمَنْ أَحَبُ الدُّنْيَا وَتَوَلاهَا أَبْغَضَ الآخِرَةَ وَعَادَاهَا، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَاشٍ بَيْنَهُمَا ، كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعْدَ مِنَ الآخَرِ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَان.

الشرح هذا الفصل بين في نفسه لا يحتاج إلى شرح ؛ وذلك لأن عَمَل كل واحد من الدارين مُضادُّ لِعَمَل الأخرى، فعمل هذه الاكتساب والاضطراب في الرزق، والاهتمام

بأمر المعاش، والولد والزوجة، وما ناسَبَ ذلك. وعمل هذه : قطع العلائق، ورفض الشهوات، والانتصاب للعبادة، وصرف الوجه عن كلّ ما يصد عن ذكر الله تعالى، ومعلوم أن هذين العملين متضادان، فلا جَرَم كانت الدنيا والآخرة ضرتين لا تجتمعان!


-101-

الأصل: وَمَنْ نَوْفِ الْبَكَّانِي - وَقِيلَ الْبَكَالِي بِاللامِ، وَهُوَ الْأَصَح - قَالَ: رَأَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلام ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ فِرَاشِهِ نَنظَرَ إِلَى النُّجُوم، فَقَالَ: يَا نَوْفُ، أَرَاقِدٌ أَنْتَ أَم رَامِقٌ؟ قُلْتُ : بَلْ رَامِقٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِين فَقَالَ : يَا نَوْفَ طُوبَى للزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاهِبِينَ فِي الآخِرَةِ أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طيباً، وَالْقُرْآن شعاراً، وَالدُّعَاءَ بِنَاراً ، ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاج الْمَسِيحِ . يَا نَوْفُ، إِنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَامَ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَسَاعَةٌ لا يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلا اسْتُجِيبَ لَهُ، إِلا أَنْ يَكُونَ عَشَاراً ، أَوْ عَرِيفاً، أَوْ شُرْطِيًّا، أَوْ صَاحِبَ

عَرْطَبَةٍ - وَهِيَ الطَّنْبُورُ - أَوْ صَاحِبَ كُويَةٍ، وَهِيَ الطَّبْلُ.

وَقَدْ قِيلَ أَيْضاً : إِنَّ الْعَرْطَبَةَ الطَّبْلُ، وَالْكُوبَة الطنبور .


الشرح: قال صاحب الصحاح : نَوْفُ البكالي كان صاحب علي

وقال ثعلب : هو منسوب إلى قبيلة تُدعَى بكالة، ولم يذكر من أي العرب هي، والظاهر أنّها

من اليمن، وأما بكيل فحيّ من هَمدان، وإليهم أشار الكميت بقوله :

فقد شركت فيه بكيل وأَرْحَبُ

فأما البكالي في نسب نوف فلا أعرفه

قوله : أم رامق، أي أم مستيقظ تَرْمُق السماء والنجومَ بَبَصَرِك .

قوله : قَرَضوا الدّنيا ، أي تركوها وخَلّفوها وراء ظهورهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَت تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ) (1)أي تَترُكهُم وتُخلفهم شمالاً، ويقول الرجل لصاحبه: هل مررت بمكان كذا،


1) سورة الكهف، الآية : 17 .

يقول : نَعَم قرَضْته ليلاً ذات اليمين، وأنشد لذي الرمّة :

إلى ظُعُنِ يَقرِضْن أجوازَ مَشرف ***شمالاً وعن أيمانهنّ الفَوارسُ

قالوا : مشرف والفَوارس موضعان يقول : نظرتُ إلى ظُعُن يجزن بين هذين الموضعين .


-102-

الأصل: إِنَّ الله تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيْعُوهَا ، وَحَدَّ لَكُمْ حُدُوداً فَلَا تَعْتَدُوهَا ، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا ، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا.


الشرح: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (1)

وجاء في الأثر: «أبهِموا ما أبهم الله ) (2).

وقال بعضُ الصالحين لبعض الفقهاء : لِمَ تفرضَ مسائل لَمْ تَقَع وأتعبت فيها فكرَك ! حَسْبُك

بالمتداول بين الناس. قالوا : هذا مِثلُ قولهم في باب المَسْح على الخُفّين: فإنْ مَسَح على خف من زجاج، ونحو

ذلك من النوادر الغريبة . وقال شريك في أبي حنيفة : أجهَلُ الناس بما كان، وأعلَمُهم بما لم يكن . وقال عمر : لا تتنازعوا فيما لم يكن فتختلفوا، فإنّ الأمر إذا كان أعان الله عليه وانتهاك

الحُرمة : تَناوُلُها بما لا يَحِلّ إمّا بارتكاب ما نهي عنه، أو بالإخلال بما أمر به .


-103-

الأصل: لا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاسْتِصْلاحِ دُنْيَاهُمْ إِلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ منه .



1) سورة المائدة، الآية : (101) .

2) ذكره ابن الأثير في النهاية في غريب والأثر موقوفاً على سيدنا ابن عباس مادة (بهم).

الشرح: مثالُ ذلك إنسان يضيِّع وقتَ صلاة الفريضة عليه، وهو مشتغِل بمحاسَبَةِ وَكيله ومخافتِه على مالِه، خوفاً أن يكون خانَه في شيء منه، فهو يَحرِص على مناقشته عليه، فتفوته الصّلاة.

قال علیه السلام : مَن فَعَلَ مِثلَ هذا فَتَحَ الله عليه في أمرٍ دُنْياء وماله ما هو أضرّ عليه ممّا رام أن يَستدركه بإهماله الفريضة.


• 104 -

الأصل: رُبَّ عالِم قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ، وَعِلْمُهُ مَعَهُ لَمْ يَنْفَعُهُ.


الشرح: قد وقع مِثلُ هذا كثيراً، كما جرى لعبد الله بن المقفع، وفضله مشهور، وحِكمتُه أشهر من أن تذكر ولو لم يكن له إلا كتاب «الميتيمة» (1)لكفّى.

واجتمع ابنُ المقفِّع بالخليل بن أحمد، وسمع كل منهما كلام الآخر، فسئل الخليلُ عنه فقال : وجدتُ علمه أكثر من عقله، وهكذا كان، فإنه كان مع حكمته متهوِِّراً ، لا جَرَم تهورُّه قتله! كتب كتابَ أمان لعبد الله بن عليّ عمّ المنصور ويوجد فيه خطه، فكان من جملته : ومَتى غَدَر أمير المؤمنين بعمّه عبد الله !، أو أبطن غير ما أظهر أو تأوّل في شيء من شروط هذا الأمان فنساؤه طوالي، ودوابّه حُبس، وعبيده وإماؤه أحرار، والمسلمون في حِلِّ من بَيعته . فاشتدّ ذلك على المنصور لمّا وقف عليه، وسأل من الذي كتب له الأمان؟ فقيل له : عبد الله بنُ المقفع كاتبُ عمّيك عيسى وسليمان ابني علي بالبصرة، فكتب المنصور إلى عامله بالبصرة سفيان بن معاوية يأمره بقَتله .

وقيل : بل قال : أمَا أحدٌ يكفيني ابنَ المقفع ! فكتب أبو الخصيب بها إلى سفيان بن معاوية المهلّبي أمير البصرة يومئذ - وكان سُفيان واجداً على ابن المقفَّع لأنه كان يعبث به ويَضَحك منه دائما، فغضب سفيانُ يوماً من كلامه وافترى عليه، فردّ ابن المقفع عليه رداً فاحشاً، وقال له : يابن المُغتلمة (2)وكان يمتنع ويعتصم بعيسى وسليمان ابني علي بن عبد الله بن العباس،


1) الدرة اليتيمة والجواهر الثمينة لعبد الله بن المقفع الأديب المتوفى سنة ( 142ه-) وهو كتاب لميصنف في فنه مثله كشف الظنون (745/1) .

2) الغلمة : هيجان شهوة النكاح من المرأة والرجل لسان العرب مادة (غلم).

فحقدها سُفيان عليه - فلما كوتب في أمره بما كوتب اعتزمَ قتله، فاستأذن عليه جماعةٌ من أهل البصرة، منهم ابن المقفع، فأدخل ابن المقفع قبلهم، وعدل به إلى حجرة في دهليزه، وجلس غلامُه بدابّته ينتظره على باب سفيان، فصادف ابنُ المقفع في تلك الحجرة سفيان بن معاوية، وعنده غلمانه وتنُّور نار يُسجر ، فقال له سفيان: أتذكر يوم قلت لي كذا أمي مغتلمةٌ إن لم أقتلك قِتلة لم يُقتل بها أحد، ثم قطع أعضاءه عُضواً عُضواً، وألقاها في النار وهو ينظر إليها حتى أتَى على جميع جسده، ثم أطبق التنوّر عليه، وخرج إلى الناس فكلّمهم، فلما خرجوا من تخلّف غلام ابن المقفع ينتظره فلم يخرُج، فمضى وأخبَرَ عيسى بن عليّ وأخاه سليمان بحاله، فخاصما سفيان بن معاوية في أمره فجحد دُخوله إليه، فأشخَصاء إلى المنصور وقامت البيئة العادلة أن ابنَ المقفّع دخل دار سفيان حياً سليماً ولم يخرج منها . فقال المنصور : أنا أنظر في هذا الأمر إن شاء الله غداً، فجاء سُفيان ليلاً إلى المنصور فقال: يا أمير المؤمنين، اتّق الله في صَنيعتك ومتّبع أمرك قال: لا تُرَع وأحضَرَهم في غد، وقامت الشهادة، وطلب سليمان وعيسى القصاص، فقال المنصور : أرأيتم إن قتلتُ سفيان بابن المقفع، ثم خرج ابن المقفع عليكم من هذا الباب - وأوما إلى باب خَلفه - من ينصّب لي نفسه حتى أقتله بسفيان؟ فسكتوا، واندفع الأمرُ ، وأضرب عيسى وسليمان عن ذكر ابن المقفع بعدها، وذهب دمه هدراً .

قيل للأصمعيّ : أيما كان أعظم ذَكاءَ وفطنّة الخليلُ أم ابن المقفع؟ فقال: كان ابن المقفع أنصح وأحكم ، والخليلُ آدب ،وأعقل، ثم قال : شتانّ ما بين فِطنة أفْضَتُ بصاحبها إلى القتل، وفطنة أفضَتْ بصاحبها إلى النُّسك والزهد في الدنيا ! وكان الخليلُ قد تسك قبل أن يموت .


-105-

الأصل: لَقَدْ مُلَّقَ بِنَيَاطِ هَذَا الْإِنْسَانِ بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ وَهُوَ الْقَلْبُ، وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ مَوَادٌ مِنَ الْحِكْمَةِ وَأَضْدَاداً مِنْ خِلافِهَا ، فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرِّجَاءُ أَذَلُّهُ العَمَعُ، وَإِنْ هَاجَ بِهِ العَمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْصُ وَإِنْ مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ ، وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ، وَإِنْ أَسْعَدَهُ الرّضَا نَسِيَ التَّحَفُّظَ ، وَإِنْ هَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحَرُ، وَإن اتَّسَعَ لَهُ الْأَمْرُ اسْتَلَبَتْهُ الفِرة، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْجَزَعُ، وَإِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْفَاهُ الْغِنَى ، وَإِنْ عَضَّتْهُ الفَاقَةُ شَغَلَهُ البَلاءُ، وَإِنْ جَهَدَهُ الجُوعُ قَعَدَتْ بِهِ الضَّعَةُ، وَإِنْ أَفْرَطَ بِهِ الشَّبَعُ كَفَّتْهُ البِطْنَةُ، فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌ ، وَكُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِد.

الشرح: رُوِي: «قَعَد به الضّعف». والنِّياط : عِرْق عُلّق به القلب من الوَتين، فإذا قُطِع ماتَ صاحبُه، ويقال له النّبط أيضاً. والبَضْعَة بفتح الباء : القِطعة من اللحم والمراد بهاهاهنا القلب وقال : يعتَوِر القلبَ حالاتٌ مختلفاتٌ متضادّات، فبعضُها من الحِكمة، وبعضُها - وهو المضادّ لها - منافٍ للحكمة، ولم يذكُرها علیه السلام ، وليست الأمورُ الّتي عدّدها شرحاً لمِا قدّمه من هذا الكلام المُجمَل ، وإن ظَنّ قومٌ أنه أراد ذلك ألا تَرَى أن الأمورَ الّتي عدّدها ليس فيها شيء من باب الحِكمة وخلافِها !

فإن قلت : فما مِثالُ الحكمة وخلافها، وإن لم يذكر علیه السلام مثاله؟

قلت : كالشجاعة في القَلب وضدّها الجُبْن، وكالجُود وضدّه البُخل، وكالعفّة وضدّها الفَجُور، ونحو ذلك .

فأمّا الأمور الّتي عدّدها علیه السلام فكلامٌ مستأنَف إنّما هو بيانُ أنّ كل شيء ممّا يتعلّق بالقلب يَلزمَه لازِِمٌ آخر نحوُ الرّجاء، فإنّ الإنسان إذا اشتدّ رجاؤه أذلّه الطمع، والطّمع يَتبع الرّجاء، والفَرق بين الطمع والرّجاء أنّ الرّجاء توقُّع منفَعَة ممّن سبيلُه أن تَصدُر تلك المَنفعَة عنه ، والطمع توقُّع منفَعةٍ ممّن يُستبعد وقوع تلك المنفعة منه ثم قال : وإن هاج به الطمع قَتَله الحِرص، وذلك لأنّ الحرص يتبع الطّمع، إذا لم يَعلم الطامعُ أنّه طامع، وإنّما يَظُن أنّه راج.

ثم قال : وإن ملكه اليأس، قتله الأسَف، أكثَرُ الناسِ إذا يَئسوا أسفوا .

ثم عدّد الأخلاقَ وغيرَها من الأمور الواردة في الفَصل إلى آخره، ثم خَتَمه بأن قال: «فكلُّ تقصیر به مُضِرّ وكلّ إفراط له مفسد »، وقد سَبَق كلامنا في العدَالة، وإنها الدِرجة الوسطى بينَ طرَفين هما رَذيلتان، والعَدالة هي الفضيلة، كالجُود الذي يكتنفه التّبذير والإمساك، والذّكاء الّذي يكتنفه الغبَاوة. والجَرْبَزة (1)، والشجاعة التي يَكتنفِها الهَوَج والجُبْن، وشَرَحْنا ما قالَه الحُكَماء في ذلك شرحاً كافياً، فلا مَعْنَى لإعادته.


-106-

الأصل: نَحْنُ النّمْرُقَةُ الْوَسْطَى الّتي يَلْحَقُ بِهَا التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي .


الشرح: النُّمرُق والنّمرقة بالضم فيهما : وسادةٌ صغيرةٌ، ويجوز النِّمرِقة بالكسر فيهما، ويقال للطّنفسة فوقَ الرّحل نُمْرقة . والمعنى أنّ كلّ فضيلة فإنّها مجنّحة بَطَرَفين معدُودَين من


1) الجُرْبُزُ : الحب الخبيث، والمصدر : الجَرْبَزة. القاموس المحيط مادة (جربز).

الرّذائل كما أوضحناه آنِفاً، والمراد أنَّ آل محمد عليه وعلیه السلام هم الأمرُ المتوسِّط بين الطّرفين المذمومين، فكلُّ مَن جاوَزَهم فالواجب أن يَرجِع إليهم، وكلّ من قَصّر عنهم فالواجبُ أن يَلحَق بهم.

فإن قلت : فلمُ استعار لفظَ النمرقة لهذا المعنى؟

قلت : لمّا كانوا يقولون : قد رَكِب فلانٌ من الأمر مُنكَراً وقد ارتكَب الرأيَ الفلانيّ، وكانت الطّنفِسة فوق الرّحل ممّا يُركَب استعارَ لَفظَ النّمرقة لما يراه الإنسانُ مَذهَباً يَرجع إليه ويكون كالرّاكب له، والجالس عليه، والمتورّك فوقَه .

ويجوز أيضاً وتكون لفظة «الوُسْطَى» يراد بها الفُضلي، يقال: هذه هي الطريقةُ الوُسطى، والخليقةُ الوسطى، أي الفضلى ، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطمُ )(1)أي أفضُلهم، ومنه : (جَعَلْتَكُمْ أُمَّةً وَسَطا) (2).


• 107 -

الأصل: لا يُقِيمُ أَمْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلا مَنْ لا يُصَانِعُ، وَلا يُضَارِعُ، وَلاَ تَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ .


الشرح: قد سبق من كلام عمرَ شيءٌ يُناسب هذا إن لم يكن هو بعَينه، والمُصانَعة : بَذل الرِّشْوة.

وفي المَثَل : مَن صَانَع بالمال لم يحَتشم من طَلَب الحاجة.

فإن قلت : كان ينبغي أن يقول : «من لا يصانَع» بالفتح.

قلتُ : المُفاعَلة تدلّ عَلَى كون الفعل بين الاثنين كالمُضارَبة والمُقاتلَة.

ويضارع : يتعرّض لطَلَب الحاجَة، ويجوز أن يكون من الضّراعة وهي الخُضوع أي يخضعُ لزيد ليَخضَع زيدٌ له ، ويجوز أن يكون من المضارَعة بمعنى المشابَهة، أي لا يتشبه بأئمّة الحقّ أو وُلاة الحَقّ، وليس منهم .

وأمّا اتباع المَطامِع فمعروف .



1) سورة القلم، الآية : 28 .

2) سورة البقرة، الآية : 143 .

-108-

الأصل: وقال علیه السلام: وقد تُوُفِّيَ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ الأَنْصارِيُّ بِالْكُوفَةِ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ صِفِّينَ مَعَه ، وَكَانَ مِن أَحَبِّ النَّاسِ إِليه :

لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلْ لَتَهَافَتَ.

قال الرّضي رحمه الله تعالى: وَمَعْنى ذَلِك أَنَّ الْمِحْنَةَ تَخْلُقُ عَلَيْهِ، فَتُسْرِعُ الْمَصَادِبُ إِلَيْهِ، وَلاَ يُفْعَلُ ذَلِكَ إِلا بِالْأَنْقِيَاءِ الْأَبْرَارِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ عليهِ السَّلامُ: مَنْ احَبَّنَا أَهْلَ البَيْتِ فَلْيَسْتَعِدُ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً، وَقَدْ يُؤوَّلُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنى آخَرَ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذَكْرِهِ.


الشرح: قد ثبت أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال له : «لا يُحبّك إلاّ مؤمن، ولاَ يَبَغضكَ إلاّ مُنافق» (1).

وقد ثَبتَ أنّ النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم : قال «إنّ البَلوَى أسرَعُ إلى المؤمن من الماء إلى الحدُور» (2).

وفي حَديث آخر: «المؤمنُ مُلقَّى، والكافرُ مُوَفَّى»(3).

وفي حديث آخر: «خيرُكم عند الله أعظمكم مصائبَ في نفسِه ومالِه وولدِه».

وهاتان المقدّمتان يلزمهما نتيجة صادقة، وهي أنه علیه السلام لو أحبّه جبلٌ لتَهافَت. ولعلّ هذا هو مرادُ الرضيّ بقوله : «وقد يؤوّل ذلك على معنّى آخَر ليس هذا موضع ذِكره» .


-109-

الأصل: لا مالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ، وَلا وَحْدَةَ أَوْحَسُ مِنَ الْعُجْبِ، ولا عَقْلَ كالتدبير، ولا كَرَمَ كالتَّقْوَى، ولا قَرِينَ كَحُسْنِ الخُلْقِ، وَلا مِيرَاثَ كالأدب، ولا قائِدَ كالتوفيق، ولا تِجارَةَ كالْعَمَلِ الصَّالِح، ولا زَرْعَ كالثَّوَابِ، ولا وَرَعَ كالوُقُوف عِنْدَ الشَّبْهَةِ، ولا زُهْدَ كالزُّهْدِ في الحَرَامِ، ولا عِلْمَ كالتفكر، ولا عِبَادَةَ كَادَاء الْفَرائض.


1) أخرجه النسائي في الإيمان باب علامة الإيمان (5018) ، وأحمد في «مسنده» (733).

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 238/64 .

3) ذكره ملا علي القاري في كتابه المصنوع (265) وقال : ليس بحديث والعلجلوني في «كشف الخفاء» (2688) وقال ليس بحديث ومعناه صحيح.

ولا إيمانَ كالحَياءِ والصَّبْرِ ، ولا حَسَبَ كالتَّوَاضُع ، ولا شَرَفَ كالْعِلْمٍ، ولا عِزَّ كالْحِلْمِ،ولا مُظاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ المُشاوَرَةِ.

الشرح: قد تقدّم الكلامُ في جميع هذه الحكم.


أما المال فإنّ العقل أعودُ منه، لأن الأحمق ذا المال طالما ذهب ماله بحمقه، فعادَ أحمقَ فقيراً، والعاقل الذي لا مال له طالما اكتسب المال بعقله، وبقي عقلُه عليه .

وأما العُجب فيوجب المَقْت، ومن مُقت أفرد عن المخالطة واستُوحِش منه، ولا ريب أن التدبير هو أفضلُ العقل، لأنّ العيش كله في التدبير .

وأما التقوى فقد قال الله : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ )(1).

وأما الأدب فقالت الحكماء : ما وَرّثتِ الآباء أبناءها كالأدب .

وأما التوفيق فمن لم يكن قائدَه ضَلّ .

وأما العمل الصالح، فإنه أشرفُ التجارات، فقد قال الله تعالى: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ » (2).

ثم عدّ الأعمال الصالحة.

وأما الثواب فهو الربح الحقيقي، وأما ربح الدنيا فشبيةٌ بحلم النائم .

وأما الوقوف عند الشبهات فهو حقيقةُ الوَرَع، ولا رَيب أنّ مَن يَزْهد في الحرام أفضل ممن يزهد في المباحات كالمآكل اللذيذة والملابس الناعمة، وقد وَصَف الله تعالى أرباب التفكّر فقال: ﴿وَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (3). وقال : (أَولَمْ يَنظُرُوا ) (4)ولا ريبَ أن العبادة بأداء الفرائض فوق العبادة بالنوافل والحياة من الإيمان، وكذلك الصبر والتواضع مصيدة الشرف، وذلك هو الحسب، وأشرف الأشياء العلم ؛ لأنه خاصّة الإنسان، وبه يَقَع الفَضل بينه وبين سائر الحيوان. والمشورة من الحَزم فإنّ عقل غيرك تستضيفُه إلى عقلك . ومن كلام بعض الحكماء : إذا استشارَك عدوُّك في الأمر فامحَضه النصيحة في الرأي، فإنه إن عمل برأيك وانتفع نَدِم على إفراطه في مُناواتك، وأفضت عداوتُه إلى المودّة، وإن خالفَك واستضرّ عرف قدر أمانتك بنُصحه، وبلغت مُناك في مكروهه .


1) سورة الحجرات، الآية : 13 .

2) سورة الصف، الآية: 10 .

3) سورة آل عمران الآية : 191 .

4) سورة الأعراف الآية: 185 .

110


الأصل: إِذَا اسْتَولَى الصَّلاحُ على الزمان وأهْلِهِ ثُمَّ أساءَ رَجُل الظَّنَّ بَرَجُل لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ حَوْبَةٌ ، فَقَدْ ظَلَمَ، وإذا اسْتَوْلَى الْفَسَادُ على الزَّمانِ وأهْلِهِ، فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ برَجُل فَقَدْ


الشرح: يريد أنه يتعيّن على العاقل سوء الظّنّ حيث الزمان فاسد ، ولا ينبغي له سوء الظّن حيثُ الزمان صالح، وقد جاء في الخبر المرفوع النهي عن أن يظنّ المسلم بالمسلم السوء، وذلك محمولٌ على المسلم الذي لم تظهر منه حَوْية، كما أشار إليه عليٌّ علیه السلام ، والحوية : المعصية، والخير هو ما رواه جابر قال: نظر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلى الكعبة فقال : «مرحباً بكِ من بيت ما أعظمك وأعظم حُرمتك! والله إن المؤمن أعظم حرمة منك عند الله عز وجل؛ لأن الله حرم منك واحدة ومن المؤمن ثلاثة : دمه وماله وأن يظن به ظنّ السوء »(1).

ومن كلام عمر : ضَع أمر أخيك على أحْسَنه حتى يجيء ما يغلبك منه، ولا تُظُننّ بكلمت خرجت من في أخيك المسلم سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً، ومن عَرَّض نفسه للتّهم فلا يلومَنَّ من أساءَ به الظنّ .

شاعر

أسأتُ إذ أحسنتُ ظنَّي بكم*** والحزمُ سوءُ الظّنّ بالناس

وقيل لعالِم: من أسوأ الناس حالاً؟ قال: من لا يثق بأحدٍ لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسُوء فعله.

شاعر :

وقد كان حُسن الظّنّ بعضَ مَذَاهِبي*** فادّبني هذا الزمانُ وأهلُهُ

قيل لصوفيّ : ما صناعتك ؟ قال : حُسنُ الظنّ بالله، وسوء الظنّ بالناس.

وكان يقال : ما أحسنَ حُسن الظّن إلا أنّ فيه العجز، وما أقبح سوء الظن إلاّ أن فيهِ الحَزم.


1) أخرجه الترمذي :كتاب البر والصلة باب ما جاء في تعظيم المؤمن (2032)، وابن ماجه كتاب: الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله (3932).

ابن المعتزّ :

تَفَقَدْ مَساقِطَ لَحْظِ المُريب ***فإنّ العيون وجوهُ القلوبِ

وطالِع بَوَادِرَه في الكلام*** فإنك تجني ثمارَ العُيوبِ


-111-

الأصل: وَقِيلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلام: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: كَيْف يَكُونُ حَالُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ، وَيَسْقَمُ بِصِحْتِهِ، وَيُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ ؟


الشرح: هذا مِثلُ قَوْلِ عَبَدَة بن الطّبيب :

أرَى بَصري قد رابَنِي بعد صحِةٍ ***وحَسْبُكَ داءً أن تَصِحّ وتسلما

ولن يَلبثَ العَصْرانِ يومٌ وليلةٌ*** إذا طَلَبا أن يُدركا ما تيمّما

وقال آخر :

كانت قَناتي لا تلينُ لِغامز*** فالانَها الإصْباحُ والإمساءُ

ودعوتُ ربّي بالسلامة جاهداً ***ليُصحني فإذا السّلامة داءُ


-112-

الأصل: كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَج بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونِ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيها وَمَا ابْتَلَى الله أَحَداً بِمِثْلِ الْإمْلاَءِ لَهُ.


الشرح: قد تقدّم القولُ في الاستدراج والإملاء.

فأمّا القولُ في فتنة الإنسان بحُسْن القولِ فيه فقد ذَكَرْنا أيضاً طرفاً صالحاً يتعلّق بها .

وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لرجل مَدَح رجلاً وقد مرّ بمجلس رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فلم يسمع، ولكن قال : «وَيْحَك لكدتَ تَضرب عنقه، لو سَمِعها لما أفلح» .


• 113 -

الأصل: مَلَكَ فِي رَجُلاَن مُحِب فَالٍ، وَمُبْغِضٌ قَالٍ.


الشرح: قد تقدّم القولُ في مثل هذا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «والله لولا أنّي أُشفق أن تقولَ طوائفَ من أمّتي فيكَ ما قالت النصارى في ابن مريم، لقلتُ فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بأحدٍ من الناس إلا أَخَذوا التّرابَ من تحت قدميك للبركة» (1).

ومع کَونِه صلی الله علیه وآله وسلم لَم يَقل فيه ذلك المَقَالَ فقد غَلَت فيه غُلاةٌ كثيرةُ العَدَد منتشرة في الدنيا ، يعتقدون فيه ما يعتقد النصارى في ابن مريم، وأشنع من ذلك الاعتقاد.

فأمّا المُبغض القالي فقد رأينا مَنْ يبغضه، ولكن ما رأينا من يَلعَنه ويصرّح بالبراءة منه، ويقال : إنّ في عُمان وما والاها من صُحار وما يجري مَجرَاها قوماً يعتقدون فيه ما كانت الخوارجُ تعتقده فيه، وأنا أبرأ إلى الله منهما .


-114-

الأصل: إِضَاعَةُ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ .


الشرح: فِي المَثَل : انتهزوا الفُرَص، فإنّها تمرّ مرّ السّحاب.

وقال الشاعر:

وإن أمكنت فرصةٌ في العدوّ ***فلا يَكُ هَمُّك إلاّ بها

فإن تَكُ لم تأتِ مِن بابِها*** أتاك عدوُّك من با بِها

وإيّاك من نَدم بعدَها ***وتأميل أخرى، وأنّى بها..؟



1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 79/21 .

-115-

الأصل: مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسْهَا، وَالسُّمَّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا، يَهْوِي إِلَيْهَا الْفِرُّ الْجَاهِلُ، وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبَ الْعَاقِلُ.

الشرح: قد تقدم القولُ في الدنيا مراراً، وقد أخذ أبو العَتاهِيةَ هذا المعنى فقال :

إنّما الدهرُ أَرقَم ليّنُ المَس ***وفي نايه السقامُ العُقامُ


-116-

الأصل: وقال علیه السلام : وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ : أَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ فَرَيْحَانَةٌ قُرَيْشٍ، تُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ، وَالنّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ. وَأَمَّا بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ فَأَبْعَدُهَا رَأْياً ، وَأَمْنَعُهَا لِمَا وَرَاءَ ظُهُورِهَا ، وَأَمَّا نَحْنُ فَأَبْدَلُ لِمَا فِي أَيْدِينَا وَأَسْمَحُ عَنْدَ الْمَوْتِ بِنُفُوسِنَا ، وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَمْكَرُ وَأَنْكَرُ، وَنَحْنُ أَفْصَحُ وَأَنْصَحُ وَأَصْبَحُ.


الشرح: قد تقدّم القولُ في مُفاخَرة هاشم وعبد شمس، فأمّا بنو مخزوم، فإنّهم بعد هذين البيتين أفخرُ تُريش وأعظُمها شرقاً .

قال شيخنا أبو عثمانَ : حظيت مخزومُ بالأشعار ، فانتشر لهم صيتٌ عظيم بها، واتفّق لهم فيها ما لم يتّفق لأحد، وذلك أنّه يُضَرب بهم المثل في العِزّ والمَنَعَة والجُود والشّرف.

وأوضَعُوا في كلّ غاية، فمن ذلك قول سيحان الجسري حليف بني أميّة في كلمة له :

وحين يناغي الرَّكبُ موت هشام

فدلّ ذلك على أن ما تقوله مخزوم في التاريخ حق، وذلك أنّهم قالوا : كانت قريش وكنانة ومن والاهم من النّاس يؤرّخون بثلاثة أشياء : كانوا يقولون : كان ذلك زمن مبنى الكعبة، وكان ذلك من مجيء الفيل، وكان ذلك عام ماتَ هشام بنُ المغيرة كما كانت العرب تؤرّخ فتقول : كان ذلك زَمن الفِطْحِل ، وكان ذلكَ زَمَن الحيّان، وكان ذلك زَمَن الحجارة، وكان ذلك عامَ الحجّاف، والرُّواة تَجعَل ضرب المثل من أعظم المَفاخر، وأظهَرِ الدلائل والشّعر - كما علمت - كما يُرفَع يَضَع، كما رَفَع من بني أنف الناقة قول الحطيئة :

قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرُهُم ***ومن يسوِّي بأنفِ الناقةِ الدُّنيا؟

وكما وَضَع من بني نُميّرٍ قولُ جرير :

فعُضَّ الطرف إنّك من نُمَيرٍ*** فلا كَعْباً بلغتَ ولا كِلاَبا

فلقيت نُمير من هذا البيت ما لقيت.

وجعلهم الشاعر مَثَلاً فيمن وضعه الهجاء ، وهو يهجو قوماً من العرب :

وسوف يزيدكمْ ضَعَةً هجائي ***كما وَضَع الهجاءُ بني نُمَير

ونُمَيْر قَبِيل شريف، وقد ثَلَم في شرفهم هذا البيت .

وقال ابنُ غزالة الكِنديّ، وهو يمدح بني شَيْبان ولم يكن في موضع رَغْبة إلى بني مخزوم، ولا في موضع رَهبة :

كانّي إذ حطَطتُ الرحل فيهم*** بمكّةَ حين حَلَّ بها هشامُ

فضَرَب بهِشام المَثَل .

وقال رجلٌ من بني حزم أحد بني سَلمى، وهو يَمدَح حربَ بن معاوية الخفاجي وخفاجة من بني عُقيل :

إلى حَزن الحزون سَمت رِكابي ***بوابل خلفها عَسَلانُ جَيْشِ

فلمّا أن أنخْتُ إلى ذُراهُ*** امِنتُ فَراشَني منه بريش

توسّط بيتُه في آل كعبٍ ***كبيت بني مغيرة في قُرَيش

فضَرَب المَثَل ببيتهم في قريش.

وقال عبد الرحمن بن حسّان لعبد الرحمن بن الحَكَم :

سارَشتُ أكيس من بني قَحْطان*** صعبَ الدّرا متمِّع الأركان

إنّي طمعت بفخر من لورامَه ***آلُ المُغيرة أو بنو ذَکوانِ

لملاتُها خيلاً تضبّ لثاتُها*** مثل الدّبَا وكواسِر العِقْبانِ

منهمْ هِشامٌ والوَلِيد وعِدلهم ***وأبو أميّةَ مَفزَع الرُّكبان

فضرب المثل بآل المغيرة.

وأمّا بنو ذَكوان فبنو بَدر بن عمرو بن حويّة بن ذَكوان أحد بني عديّ، بن فَزارة منهم حَذُيفة وحَمَل ورهطهما، وقال مالكُ بنُ نُوَيرة :

الم يَنه عنا فخر بكر بن وائلٍ*** هَزِيمَتهم في كلّ يومِ لزامِ

فمنهنّ يومُ الشرّ أو يومُ مَنعِج*** وبالجَزع إذ قسّمن حيَّ عِصام

أحاديثُ شاعث في مَعَدِّ وغيرِها ***وخبَّرها الركبانُ حَيّ هشام

فجعل قريشاً كلَّها حيَّا لهشام.

وقال عبد الله بن ثور الخفاجيّ :

وأصبحَ بطنُ مَكة مقشعرًا ***كانّ الأرضَ ليس بها هِشامُ

وهذا مَثل وفوق المثل.

قالوا : وقال الخروف الكلبيّ - وقد مرّ به ناس من تجّار قريش يريدون الشام بادين قشفين - : ما لكم معاشرَ قريش هكذا أجدَبتم أم ماتَ هشام فجعل موت هشام بإزاء الجَدب والمحل وفي هذا المعنى قال مُسافرُ بن أبي عمرو :

تقول لنا الرُّكبانُ في كل منزل :*** أماتَ هشامٌ أم أصابَكُمُ جَدْبُ؟

فجعل موتَ هشام وفَقْدَ الغَيث سواء .

وقال عبد الله بنُ سلَمة بن قشير :

دعيني أصطبخ يا بكرُ إنِّي*** رأيتُ الموتَ نَقَّبَ عن هشام

وقال أبو الطَّمَحان القيني - أو أخوه :

وكانت قريشٌ لا تخون حريمَها ***من الخوف حتى ناهضت بهشام

وقال أبو بكر بن شعوب لقومه كنانة :

يا قومَنا لا تهلوا إخفاتا*** إنّ هشامَ القرشيَّ ماتا

وقال خِداشُ بنُ زهير :

وقد كنتُ هَجَّاءٌ لهم ثمّ كَفَكَفوا ***نوافذ قَوْلي بالهمام هشام

وقال عليّ بن هَرْمة، عمّ إبراهيم بن هَرمة :

ومن يَرتَئِي مدحِي فإنّ مدائحي*** نَوافقُ عند الأكرَمين سَوام

نَوافِقُ عند المشتري الحمدِ بالنَّدى ***نَفاقَ بنات الحارث بن هشام

وقال الشاعر وهو يهجو رجلاً :

أحَسِبْتَ أن أباك يوم نَسبْتَنِي ***في المجد كان الحارثَ بنَ هِشام

اولى قريش بالمكارم كلِّها*** في الجاهليّة كان والإسلام

وقال الأسود بنُ يعفُر النَّهشَلي :

إنّ الأكارم من قريش كلِّها*** شهدوا فرامُوا الأمر كلَّ مرَام

حتى إذا كَثُر التجادُل بينهم ***حزَم الأمورَ الحارثُ بن هِشام

وقال ثابت قطنة - أو كَعب الأشقري لمحمد بن الأشعث بن قيس:

أتوعدني بالأشعَشيّ ومالِك ***وتفخر جَهلاً بالوسط الطُّماطِم (1)!

كأنك بالبَطحاء تذمُر حارثاً ***وخالد سيف الدّين بين المَلاحِم

وقال الخزاعيّ في كلمته التي يذكُر فيها أبا أحيحة :

له سُرَّة البطحاء والعدّ والثرى ***ولا كَهِشام الخير والقلب مردفٌ

وسأل معاوية صعصعة بن صوحان العبدي عن قبائل قريش فقال : إن قلنا : غضبتم، وإن فقال: سكَتنا غضبتم، فقال: أقسمت عليك ، قال : فيمن يقولُ شاعرُكم :

وعَشْرَةٍ كلّهُمْ سيدٌ ***آباءُ سادات وأبناؤها

إن يُسألوا يعطوا وإن يُعدموا*** يبيضّ من مكة بطحاؤها

وقال عبد الرحمن بن سَيْحان الْجَسْري حليف بني أمية وهو يهجو عبد الله بن مطيع من بني عديّ :

حرب

أبداً بذامِ الحرام

حرامٌ كنّتي منّي بسَوْء ***وأذكر صاحبی أبدا بذام

لقد أصرمت ودَّ بني مُطيع*** حرام الدهر للرجل الحراام

وَإِن خِيفَ الزمان مددتُ حَبْلاً*** متيناً من جبال بني هشام

وَريقُ عُودهم أبداً رطيبٌ*** إذا ما اهتزّ عيدانُ الكرام

وقال أبو طالب بنُ عبد المطلب وهو يَفخَر بخاليه : هشام والوليد على أبي سفيان بن حرب:

وخالي هشامُ بن المغيرة ثاقبٌ ***إذا هم يوماً كالحُسام المهنَّدِ

وخالي الوليد العدلُ عالٍ مكانُه*** وخالُ أبي سفيان عمْرُو بنُ مَرْتَدِ

وقال ابن الزّبَعْرَى فيهم :

لهم مشيةٌ ليستَ تَليقُ بغيرهم*** إذا احْدودَب المثرون في السَّنَة الجَذب

وقال شاعر من بني هَوازن، أحد بني أنف الناقة حين سَقَى إبله عبد الله بن أبي أمية المخزومي بعد أن منعه الزبرقان بن بدر :

أتدري من منعت سيالَ حَوْضِ ***سليل خضارم منعوا البِطاحا

أزادَ الركب تمنع أم هِشاماً*** وذا الرّمحين أمنعهم سلاحا

همُ مَنعوا الأباطح دون فهرٍ ***ومَن بالخَيْف والبلد الكفاحا

بضرب دونَ بيضهمُ طِلَخف*** إذا الملهوف لاذ بهم وصاحا

وما تدري بأيّهم تُلاقي ***صدورَ المشرَفيّة والرّماحا

فقال عبد الله بن أبي أميّة مجيباً له :

لَعَمْرِي لأنت المرء يحسُن بادياً*** وتَحسُن عوداً شيمةً وتَصَنُّعا

عرفتَ لقوم مجدَهم وقديمَهُمْ*** وكنت لما أسديت أهلاً وموضعا

قالوا: وكان الوليدُ بن المغيرة يجلس بذي المجاز فيحكم بين العرب أيام عُكاظ وقد كان رجل من بني عامر بن لؤي رافق رجلاً من بني عبد مناف بن قصيّ، فجرى بينهما كلام في ، فعلاه بالعصا حتى قتله، فكاد دمه يُطَلَّ (1)، فقام دونه أبو طالب بن عبد المطلب وقدّمه إلى الوليد، فاسْتَحْلَفه خمسين يميناً أنه ما قتله، ففي ذلك يقول أبو طالب:

امِن اجل حَبل ذي رِمامٍ علوتَه*** بمنْسَاةٍ قد جاء حبلٌ وأحبُلُ

هلمَّ إلى حُكْم ابن صخرةَ إنّه *** سيحكم فيما بيننا ثمّ يعدِلُ

وقال أبو طالب أيضاً في كلمة له :

وحُكْمك يُبقي الخير إنْ عَزّ أمرُه ***تَحْمَّطَ واستغلى على الأضعف الفردِ (2)

وقال أبو طالب أيضاً يرثي أبا أميّة زاد الرَّكب وهو خاله:

كان على رَضْرَاضِ قَضٌ وجَنْدل ***من اليبس أو تحت الفراش المجامر(3)

على خير حافٍ من مَعَدّ وناعِل*** إذا الخيرُ يُرجى أو إذا الشرِّ حَاسِرُ

أَلاَ إِنَّ زادَ الركب غيرُ مدافع*** بِسَرُو سُحَيْمٍ غَيَّبته المقابرُ

تنادوا بأن لا سيد اليوم فيهم ***وقد فُجع الحيان كعبٌ وعامر

وكان إذا يأتي من الشام قافِلاً ***تَقدّمه قبل الدّنو البشائرُ

فيصبح آل الله بيضاً ثيابهم ***وقدماً حَباهم والعيون کواسرُ

أخو جَفْنِةٍ لا تبرح الدهر عندنا ***مُجَعجعة تَدْمى وشاءٌ وباقِرُ

ضَرُوبٌ بنضل السيف سوقَ سمانها*** إذا أرسلوا يوماً فإنك عاقِرُ

فيا لك من راعٍ رُميت بآلَة*** شراعیة تخضر منه الأظافرُ

وقال أبو طالب أيضاً يرثي خاله هشام بن المغيرة:


1) يُطَلُ : يُهْدَر . القاموس المحيط مادة (طلل).

2) تَخَمَّطَ : تَكَبَّر وغضب. القاموس المحيط مادة (خمط).

3) الرِّضْرَاض : الحصى أو صغارها . القاموس المحيط مادة (رضض).

فقدنا عميدَ الحيّ والركن خاشع*** كفَقْد أبي عُثمان والبيتُ والحجر

وكان هشام بن المغيرةِ عِصمةً ***إذا عَرَك الناس المخاوف والفَقْرُ

بأبياته كانت أراملُ قومِه*** تلوذُ وأيتامُ العَشيرة والسَّفْرُ

فوَدَتْ قريش لو فدَتْه بشَطْرِها ***وقَلَّ لَعمري لو فدوه له الشَّظرُ

نقول لعمرو أنتَ منه وإنّنا*** لَنَرجوك في جُلِّ المُلِمّات يا عمرو

عمر و هذا هو أبو جهل بن هشام، وأبو عثمان هو هشام.

وقالت ضُباعةُ بنتُ عامر بن سلمة بن قرط تَرثيه :

إنّ أبا عثمانَ لَم أَنسَهُ ***وإِن صَبراً عن بُكاء لَحُوبْ (1)

تفاقدوا من معشر مالَهم ***أي ذَنوبٍ صُوّبوا في القَلِيب

وقال حَسّان بن ثابت وهو يهجو أبا جَهْل، وكان يُكنَى أبا الحَكَم :

الناسَ کَنّوه ابا حَكَم*** والله کَنّاه أبا جَهل

ابقت رياستُه لأسرَتِة ***لومَ الفُروع ودِقّة الأصل

فاعترف له بالرياسة والتقدّم.

وقال أبو عُبيد مَعمَر بنُ المثنَّى : لمّا تَنَافَرَ عامر بن الطفيل وعَلْقمةُ بنُ عُلاثة إلى هَرِم بن قُطّبة وتَوارَى عنهما، أرسَل إليهما : عليكما بالفتى الحديث السّنّ، الحديد الذِّهن، فصارا إلى أبي جَهْل فقال له ابنُ الزِّبَعْرَى :

فلا تَحكُمْ فِداك أبي وخَالّي*** وكن كالمره حاكم آل عَمْرِو

فأبى أن يَحكُم، فَرَجَعا إلى هَرِم .

وقال عبدُ الله بن ثَور :

هَرِيقا من دُموعِكُما سِجاما ***ضُباع وحارِبي نوحاً قِياما

فمَن للرَّكْب إذ جاؤوا طُروقاً*** وعُلقَتِ البيوت فلا هشاما

وقال أيضاً في كلمةٍ له :

وما ولَدت نساء بني نِزارٍ ***ولا رَشَحْنَ أكرمَ مِنْ هِشَامِ

هشام ِبن المُغيرة خيرٍ فهرٍ ***وأفضل من سقى صَوْبَ الغَمام

وقال عُمارة بن أبي طَرَفة الهُذَليّ، سمعتُ ابنَ جُرَيج يقول في كلام له : هَلَك سيّد البَطحاء بالرعاف قلت : ومن سيّد البطحاء؟ قال : هشامُ بنُ المغيرة.


1) الحوب الإثم والحوب الظلم اللسان، مادة (حوب).

وقال النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم :«لو دخل أحدٌ من مُشرِكي قريش الجَنَّة لدَخَلها هشام بن المغيرة، كان أبذَلَهم للمعروف، وأحمَلَهم للكَلّ (1).

وقال عُمرُ بنُ الخطّاب، لا قليلٌ في الله ، ولا كثيرٌ في غير الله . ولو بالخُلق الجزل والفَعال الدَّثر ، تُنال المثوبة لَنالَها هشامُ بنُ المغيرة، ولكن بتوحيد الله، والجهاد في سبيله .

وقال خِداشُ بنُ زُهَير في يوم شَمَطة، وهو أحد أيام الفجار ، وهو عدوّ قريش وخَصْمُها :

وبلغ إن بَلَغْتَ بنا هِشاما ***وذا الرُّمحين بلِّغ والوَليدا

أولئك إن يكن في الناسِ جُودٌ ***فإنّ لديهم حَسَباً وجودا

همُ خيرُ المعاشر من قريش ***وأوراها إذا قَدَحوا زُنودا

وقال أيضاً وذَكَرَهما في تلك الحروب :

يا شَدَّة ما شَدَدْنا غيرَ كاذبة ***على سَخِينةَ لولا اللّيلُ والحَرَمُ

إذَا ثَقِفْنَا هِشاماً بالوَليد ولو ***أنَّا نَقَفْنَا هِشاماً شالَت الجدَّم

وذكَرَهُمُ ابنُ الزِّبَعْرَى في تلك الحروب فقال :

الا الله قومٌ وَ***لدت أختُ بَنِی سَهمِ

هشامٌ وأبو عبد***منَافٍ مِدرَه الخَصم

وذو الرمحین أشباک***من القوّة والحَزم

فهذان یَذودان***وذا عَن کَثَب یَرمي

وهو یرومَ عُکاظٍ مَ***نَعوا الناسَ من الهَزم

بجأواء طَحُونٍ فَحْمَةِ القَوْنَسِ كالنَّجْمِ

أسودُ تَزدَهی الأقرا***ن مَنّاعُون للهَضم

فإن أحلف وبيتِ اللّ***ه الا أحلِف علی إثم

وما من أخوة بین***دروب الشام والردم

بأزکی ممن بینی رَیط***ةَ أو أرزَن من حلم

رَبطة، هي أمّ وَلَد المغيرة وهي ربَطة بنتُ سعيد بن سَهم بنَ عَمْرو بن هصيص بن كَعب، وأبو عبد مناف هو أبو أُميّة بن المغيرة، ويُعرف بزاد الرَّكْب، واسمُه حُذَيفة، وإِنَّما قيل له : زادُ الرَّكْب لأنه كان إذا خرج مسافراً لم يتزوّذ معه أحدٌ، وكانت عندَه عاتكةُ بنتُ عبدِ المطلّب بن هشام، وأمّا ذو الرُّمْحين فهو أبو ربيعةَ بن المغيرة واسمُه عَمرو، وكان المُغيرةُ يُكنَى باسم ابنه الأكبر، وهو هاشم، ولم يُعقب إلا مِن حَتمةَ ابنته، وهي أم عُمر بن الخَطّاب.


1) الكَلُّ : اليتيم ، والعيال والمصيبة تحدث القاموس المحيط ، مادة (كلل) .

وقال ابنُ الزُّبَعْرَى يَمدَح أبا جَهْل :

رُبِّ نَدیم ماجِد الأصلِ*** مهذَّبِ الأعراق والنَّجل

منهم أبو عبد مناف وكم*** سربت بالضَّخم على العَدْلِ

عَمْرو الندى ذاكَ وأشياعهُ*** ما شئتَ مِن قولٍ ومِن فِعلِ

وقال الوَرْد بن خلاص السَّهْمِيّ : سَهم باهلةَ يَمدح الوليد :

إذا كنت في حَيْ جَذيمةَ ثاوِياً*** فعنَد عظيم القَرْيَتين وليدُ

فذاكَ وحيدُ الرّأي مشترك النَّدَى ***وعِصْمة مَلْهوف الجَنان عميد

وقال أيضاً :

إنّ الوَليدَين والأبناءَ ضاحية*** رَبَّاتِهامة في المَيْسور والعُسُرِ

همُ الغيات وبعضُ القومِ قِرقمةٌ *** عِزّ الذّليل وغيظُ الحاسدِ الوَغرِ

وقال :

ورهطُكَ يابنَ الغَيْثِ أكرَمُ مَحمّد ***وأمنَع للجار اللَّهيفِ المُهضَّم

قالوا : الغيثُ لَقَب المُغيرة، وجعلَ الوليدَ وأخاه هِشاماً رَبَّي تِهامةَ كما قال لَبيدُ بن ربيعة في حُذَيفة بن بَدر :

وَأَهْلَكْنَ يوماً رَبَّ كندة وابنَه*** وربّ معد بين خَبْتِ وَعَرْعَرِ

فجعله رَبِّ مَعَدّ .

قالوا : يدلّ على قَدر مخزوم ما رأينا من تعظيم القرآن لشأنهم دونَ غيرهم من سائر قريش، قال الله تعالى مُخبراً عن العرب: إنّهم قالوا : (لَوْلَا نُزَلَ هَذَا الْقُرْوَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْنَيْنِ عَظِيمٍ) (1)فأحدُ الرّجلين العظيمين بلا شك الوليد بن المُغيرة، والآخر مختلفٌ فيه، أهو عُرْوَة بن مسعود، أم جدُّ المُختار بن أبي عُبَيد.

وقال سبحانه في الوليد: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَعِيدًا الله وَجَعَلْتُ لَهُ مَا لا تَعْدُودًا الله شُهُودًا ...) (2)الآيات .

قالوا : وفي الوليد نزلتْ : (أَمَّا مَنِ اسْتَفى فَأَنتَ لَمْ تَصَدَّى ) (3).

وفي أبي جَهْل نزلتْ : (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (4).

وفيه نزلت : ﴿فَليَدْعُ نَادِيمُ )(5).


1) سورة الزخرف، الآية : 31 .

2) سورة المدثر الآيات: 11 ، 13 .

3) سورة عبس، الآيتان 5، 6 .

4) سورة الدخان، الآية : 49 .

5) سورة العلق، الآية : 17 . .

وفي مخزوم: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِبِينَ أُولِي النّعْمَةِ ) (1).

وفيهم نزلت: ﴿ما خَوَلْتَكُم وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ)(2).

وزعم اليقطريّ أبو اليقظان وأبو الحَسَن أنّ الحجاج سأل أعشى هَمْدَانَ عن بيُوتات قريش في الجاهليّة ، فقال : إنّي قد الَّيْتُ ألا أنفر أحداً على أحد، ولكن أقول وتَسْمَعون قالوا : فقُلْ . من أيهم المحبّب في أهله، المؤرّخ بذِكْره، مُحَلِّي الكَعْبة، وضارِبُ القُبَّة، والملقب بالخير، وصاحبُ الخير والمَيْر؟ قالوا: مِن بني مخزوم، قال: فمِن أيّهم ضجيعُ بَسباسة، والمَنْحور عنه ألف ناقة وزاد الركب ومبيض البطحاء؟ قالوا : مِنْ بني مخزوم قال : فمِنْ أيهم كان المقنع في حُكْمِه، والمنفّذ وصيته على تهكمه، وعدل الجميع في الرفادة، وأوّل من وَضَع أساسَ الكَعْبة؟ قالوا من بني مخزوم ، قال : فمن أيهم صاحب الأريكة، ومُطعم الخزيرة، قالوا من بني مخزوم، قال فمن أيّهم الإخوة العَشَرة، الكرام البَرَرة؟ قالوا من بني مخزوم قال : فهو ذاك، فقال رجلٍ من بني أميّة أيّها الأمير ، لو كان لهم مع قديمهم حديث إسلام! فقال الحجّاج : أوَ ما علمت بأنّ منهم ردّاد الرّدّة، وقاتل مُسَيْلِمة، وآسر طليحة، والمُدرك بالطائلة، مع الفتوح العِظام والأيادي الجسام ! فهذا آخرُ ما ذكَرَه أبو عثمان .

ويُمكِن أن يُزاد عليه فيقال: قالتْ مخزوم ما أنصَفَنا من اقتَصَر في ذكرِنا على أن قال : مخزوم ريحانةُ قُرَيش، تحبّ حديثَ رجالِهم، والنّكاح في نسائهم، ولنا في الجاهليّة والإسلام أثَر عظيم، ورجالٌ كثيرة، ورؤساءُ شهيرة، فمِنّا المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، كان سيّدَ قريش في الجاهليّة، وهو الذي مَنَع فزَارةَ من الحَجّ لما غيّر خشين بن لأي الفَزَارِيّ، ثم الشَّمخِي قوماً من قريش أنّهم يأخذُون ما ينحره العَرب من الإبل في المَوسم، فقال خشين لما منع من الحجّ :

يا رَبِّ هل عندَك من عَقِيرة*** أصلِحُ مالي وَأَدَعْ تنحیرَه

فإنّ منّا مانع المغیره ***ومانعاً بعدمني بشيّرة

ومانعاً بَيْتَك أن أزورَهُ

منّا بنو المغيرة العشرة أمُّهم رَبطة، وقد تقدّم ذكرُ نسبِها ، وأمُّها عاتكةُ بنتُ عبدِ العُزَّى بن قُصَيّ، وأمُّها الحُطَيّا بنت كَعب بن سعد بن تيم بن مُرّة، أوّل امرأة من قريش ضَربت قِبابَ الأدَم بذي المَجاز، ولها يقول الشاعر :

مَضَى بالصالحاتِ بنو الحُظَيّا*** وكان بسَيفهم يَغْنَى الفقيرُ

فمِن هؤلاء - أعني الحُظَيّا - الوليدُ بنُ المغيرة أمّه صَخرة بنت الحارث بن عبد


1) سورة المزمل، الآية : 11 .

2) سورة الأنعام، الآية : 94 .

شمس القُشَيري، كان أبو طالب بنُ عبد المطلب يَفِتخر بأنَّه خاله وكفاكَ من رجل يَفتِخر أبو طالب بخؤولته! ألا تَرَى إلى قول أبي طالب :

وخالِي الوليدَ قد عرفتم مَكانَه*** وخالي أبو العاصِي إياسُ بنُ مَعبدِ

ومنهم حفصُ بنُ المغيرة، وكان شريفاً. وعثمان بنُ المغيرة. وكان شريفاً. ومنهم السيّد المُطَاع هشامُ بنُ المغيرة، وكان سيّد قريش غير مُدافع له يقول أبو بكر بن الأسود بن شعوب يرثيه :

بكرإنّي

ذَرِينِي أصطبخ يا بَكر إنّي*** رأيتُ الموت نقَّبَ عن هشام

تَخيَّرَه ولَم يَعدِل سواهُ*** ونعم المرءُ بالبَلدِ الحَرامِ!

وكنتُ إذا الاقيه كأنّي *** إلى حَرَمِ وفي شهر حرام

فوَدَّ بنو المُغيرة لو فَدوه*** بألفِ مُقاِتل وبالفِ رامِ

فَدَوْه وود بنو المغيرة لوفَدَوه ***بألف من رجال أو سَوامِ

فبَكَّيه ضُباعُ ولا تَمَلِّي ***هشاماً إنَّهُ غَيثُ الأنامِ

ويقول له الحارث بن أميّة الضَّمْرِي :

ألا هلك القَناصُ والحامِلُ الثّقلا ***ومن لا يَضَنّ عن عشيرته فَضلا

وحَرْبٍ أبا عثمانَ أطفات نارَها ***ولولا هشامٌ أوقَدَتْ حَطَبًا جَزْلا

وعانٍ تَريك يستكين لِعِلَّةٍ ***فكَكْتَ أبا عثمان عن يَدِهِ الغُلاّ

ألا لَسْتَ كالهلكي فتُبكَى بكاءَهم ***ولكن أرى الهُلاّك في جَنْبه وَغلا

غداة غدت تبكي ضباعةُ غَيثَنا*** هشاماً وقد أغلتْ بمَهْلكه ضَحْلا

ألم تَرَيَا أنّ الأمانةَ أصعدَت ***مع النَّعش إذْ وَلّى وكان لها أهلا !

وقال أيضاً يبكيه ويرثيه :

وأصبح بطنُ مَكّة مقشعِرَّا*** شديدَ المحل ليس به هشامُ

يَرُوح كأنّه أشلاء سَوْط ***وفوقش جِفانِه شخمٌ رُكامُ

فللكبراء اكل كيف شاؤوا ***وللولدان لَقْمٌ واغتنام

فسَكِّيهِ ضُباعُ ولا تُمَلي ***ثمال الناس إن قحط الغَمامُ

وإنّ بني المُغيرة من قُرَيش ***هم الرأسُ المقدَّم والسَّنامُ

وضُباعة التي تذكرها الشعراء زوجة هشام، وهي من بني قُشَيرة.

قال الزبيرُ بنُ بَكَّار : فلما قال الحارث : «ألا لستَ كالهَلكي .....» البيت، عَظُم ذلك على

بني عبد مناف فأغرَوا به حكيم بن أميّة بن حارثة بن الأوقَص السُّلميّ حليَف بني عبدِ شمس، وكانت قريشٌ رضيت به واستعملته على سِقَائها، ففرّ منه الحارث، وقال:

أفر من الأباطح كلّ يوم ***مخافَة أن ينكّل بي حَكيمُ

فهدم حكيمٌ دارَه، فأعطاه بنو هشام دارَه التي بأجياد عِوَضاً منها .

وقال عبد الله بن ثور البكّائيّ يرثيه :

هَرِيقي من دموعهماسِجاماً ***ضباعُ وجاوبي نَوْحاً قياما

على خير البريّة لن تراه*** ولن تلقى مَواهبَه العظاما

جَوادٌ مثل سَيْل الغَيْث يوماً*** إذا علجانُه يعلو الإكاما

إذا ما كان عام ذو عُرام ***حسبتُ قُدورَه جَبلاً صِياما

فمن للرَّكْب إذ أَمسَوْا طروقاً ***وخُلقتِ البيوت فلا هشاما

وأَوْحَش بطنُ مَكة بعدَأُنس*** ومجد كان فيها قد أقاما

فلم أرَ مِثله في أهل نجد*** ولا فيمن بغَيْرِكِ يا تِهَاما


قال الزبير : وكان فارس قريش في الجاهلية هشامُ بنُ المغيرة، وأبو لَبيد بن عَبدة بن حَجرة بن عبد بن مَعِيض بن عامر بن لؤيّ، وكان يقال لهشام: فارس البَطحاء، فلمّا هلكا كان فارِسَي قريش بعدهما عمرو بن عبد العامريّ المقتول يوم الخَندق، وضرار بن الخطَّاب المحاربيّ الفِهْرِي، ثمّ هُبَيرة بن أبي وهب وعِكرمة بن أبي جهل المخزوميّان. قالوا: وكان عامَ ماتَ هشامٌ تاريخاً ، كعام الفيل وعام الفِجار، وعامُ بُنيان الكعبة. وكان هشام رئيسَ بني مخزوم يومَ الفِجار.

قالوا : ومنّا أبو جهل بن هشام، واسمه عَمرو، وكنيته أبو الحكم، وإنّما كناه «أبا جهل» رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، كان سيّداً أدخلته قريش دار النَّدوة فسوّدَتْه وأجلسَته فوق الجِلَّة من شُيوخ قُرَيش، وهو غلام لم يطرّ شارِبُه ، وهو أحد من ساد على الصبا. والحارث بن هشام أخو أبي جهل كان شريفاً مذكوراً، وله يقول كعب بن الأشرف اليهودي الطائيّ:

نُبنتُ أنّ الحارث بن هِشام ***في الناس يبني المكرمات ويجمَعُ

ليزورَ يَشرِب بالجموع وإنما*** يبني على الحسب القديم الأرْوَعُ

وهو الذي هاجَرَ من مكة إلى الشام بأهله وماله في خلافة عمرَ بن الخطاب، فتبعه أهلُ مكةَ يبكون ، فرقَ وَبَكى وقال : إنّا لو كنّا نستبدل داراً ،بدار وجاراً ،بجار ما أردنا بكم بدلاً، ولكنها النُّقلة إلى الله عزّ وجلّ، فلم يزل حابساً نفسه ومن مَعه بالشام مُجاهداً حتى مات.

قال الزُّبير : جاء الحارثُ بنُ هشام وسُهَيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب فجلسا عنده وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأوّلون والأنصار يأتون عمرَ فيُنَجِّيهما ويقول: هاهنا يا سُهَيل، هاهنا يا حارث! حتى صارا في آخر الناس، فقال الحارث لسُهيل : ألم تر ما صنَع بنا عمر اليوم! فقال سُهيل : أيّها الرجل، إنه لا لَوْم عليه، ينبغي أن نرجع باللَّوم على أنفسنا ، دُعِيَ القومُ ودُعينا ، فأسرَعوا وأبطأنا فلما قاما من عند عمرَ أَتَياء في غدٍ فقالا له : قد رأينا ما صنعتَ بالأمس، وعلِمنا أنا أتينا من أنفسنا فهل من شيءٍ نَستدرك به؟ فقال : لا أعلم إلاّ هذا الوجه -وأشار لهما إلى ثغر الرّوم فخرجا إلى الشام، فجاهدا بها حتى ماتا .

قالوا: ومنّا عبدُ الرحمن بنُ الحارث بن هشام، أمّه فاطمة بنتُ الوَليد بن المُغيرة، وكان شريفاً سيّداً، وهو الّذي قال لمعاوية لمّا قُتِل حُجْر بن عَدِيّ وأصحابه : أين عَزَب مِنكَ حِلْمُ أبي سُفْيان، ألا حبَسْتَهم في السّجون، وعرَّضتهم للطاعون! فقال حين غاب عنّي مثلك من قومي. وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام هو الذي رَغِب فيه عثمانُ بنُ عَفّان وهو خليفة فزوَّجه ابنَته .

قالوا : ومنّا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كان سيّداً جَوَاداً وفقيهاً عالماً ،وهو الّذي قَدِم عليه بنو أسَد بن خزيمة يسألونه في دِماء كانت بينهم، فاحتَمَل عنهم أربعَمائة بعير دِية أربعةٍ مِنَ القَتْلى، ولم يكن بيَدِه مال، فقال لابنه عبد الله بن أبي بكر : اذْهَب إلى عمّك المغيرة بن عبد الرحمن فاسأله المعونة، فذَهَب عبد الله إلى عمّه فذكر له ذلك، فقال المغيرة: لقد أكبر علينا أبوك ، فانصَرَف عنه عبدُ الله وأقام أيّاماً لا يَذكُر لأبيه شيئاً، وكان يَقُودُ أباه إلى المسجد وقد ذَهَب بصرُه، فقال له أبوه يوماً : أذَهَبْتَ إلى عمّك؟ قال: نعم، وسكَت، فعَرَف حين سَكَت أنّه لن يجد عند عمّه ما يُحِبّ. فقال له: يا بُنَيّ ألا تُخبرني ما قال لك؟ قال : أيفعل أبو هاشم - وكانت كُنْية المُغيرة - فربّما فَعَل ولكن أعْدُ غَداً إلى السوق فخُذْ لي عِينَةٌ، فغدا عبد الله فتعين عينة من السّوق لأبيه ،وباعَها، فأقام أيّاماً لا يَبيع أحد في السّوق طعاماً ولا زَيْتاً غير عبد الله بن أبي بكر من تلك العينة، فلمّا فرغ أمرَه أبوه أن يدفَعَها إلى الأَسَدِيين فدَفَعها إليهم.

وكان أبو بكر خَصيصاً بعبد الملك بن مَروان، وقال عبدُ الملك لابنه الوَليد لمّا حضرته الوفاة: إنّ لي بالمدينة صديقين فاحفَظني فيهما : عبدُ الله بن جعفر بن أبي طالب وأبو بكر بنُ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

وكان يقال : ثلاثة أبيات من قريش توالت بالشّرف خَمْسة خَمْسة، وعدّوا منها أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة.

قالوا : ومنّا المغيرةُ بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كان أجوَدَ الناس بالمال، وأطعمَهَم للطّعام، وكانت عَيْنُه أصيبت مع مَسلَمة بن عبد المَلِك في غَزْوة الروم، وكان المُغيرةُ ينحر الجزور، ويُطعم الطعام حيث نزل، ولا يردّ أحداً فجاء قوم من الأغراب فجلسوا على

طعامه، فجعل أحدُهم يُحِدّ النظر إليه ، فقال له المغيرة: ما لَكَ تُحِد النظر إليّ! قال : إنّي ليرَيبني عينُك وسَماحُك بالطعام ، قال : وممّ ارْتَبتَ ؟ قال : أظنّك الدَجَال، لأنّا روينا أنّه أعوَر، وأنّه أطعَمُ الناسِ للطّعام فقال المغيرة: وَيْحَك! إنّ الدجّال لا تُصاب عينُه في سبيل الله. وللمغيرة يقول الأفيشر الأسدي لمّا قَدِم الكوفة فنَحَر الجزر وبَسَط الأنطاع وأطعم الناس،

وصارَ صِيتُه في العَرَب :

أتاك البَحْرُ طَمَّ على قريش ***مُعيرتي فقد راعَ ابنَ بِشرِ

وراعَ الجذي جَدّي النَّيْم لمّا*** رأى المعروفَ منه غير نَزْرِ

ومن أوتار عُقبة قد شَفَاني ***ورهط الحاطبيّ ورَهْط صَخْرِ

فلا يغرُرُكِ حُسنُ الزِّيِّ منهم ***ولا سرح ببزُيون ونمر

فابن بِشر، عبد الله بنُ بشر بن مروان بن الحَكَم، وجَدّي التَّيم: حمّاد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عُبَيد الله، وأوتار عُقّبة يعني أولاد عُقبة بن أبي مُعَيط، والحاطبيّ لُقمان بنُ محمد بن حاطب الجُمَحيّ، ورهط صَخر : بنو أبي سُفْيان بن حَرْب بن أميّة، وكلّ هؤلاء كانوا مشهورين بالكوفة، فلمّا قدمَها المغيرة أخملَ ذكرَهم، والمغيرة هذا هو الذي بَلَغه أنْ سُلَيم بنَ أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري أراد أن يبيع المنزلَ الَّذي نزل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَقدَمَه المدينة على أبي أيّوب بخمسمائة دينار، فأرسَل إليه ألف دينار، وسأله أن يبيعه إيّاه، فباعَه فلمّا ملكه جعله صدقةً في يومه .

قال الزبير: وكان يزيدُ بنُ المغيرة بن عبد الرحمن يطافُ به بالكوفة على العِجُل، وكان يُنحر في كلّ يوم جزوراً، وفي كلّ جمعة جَزَورين. ورأى يوماً إحدَى جَفَناتِهِ(1)مُكللة بالسِّنام تكليلاً حَسَناً. فأعجبَه، فسَأل فقال : من كَلَّلَها؟ قيل : الْيَسَع ابنك، فسُرَّ، وأعطاه ستيّن ديناراً .

ومرّ إبراهيم بن هشام على بُرْدة المغيرة وقد أشرقت على الجفنة، فقال لعبد من عبيد المغيرة: يا غلام، على أيّ شيء نصبَتم هذا الثريد على العمد؟ قال : لا ، ولكن على أعضاد الإبل، فبلغ ذلك المغيرة، فأعتق ذلك الغلام.

والمغيرة هو الذي مرّ بحرّة الأعراب فقاموا إليه، فقالوا : يا أبا هاشم، قد فاضَ معروفُك على الناس، فما بالنا أشقى الخلق بك ! قال: إنه لا مال معي، ولكن خذوا هذا الغلام فهو لكم فأخذوه فبكى الغلامُ فقال : يا مَوْلاي خدمتي وحُرمتي ! فقال : أتبيعوني إيّاه؟ قالوا : نعم، فاشتراه منهم بمال ثم أعتقه وقال له : والله لا أعرِّضك لمثلها أبداً، اذهب فأنتَ حرّ، فلما عاد إلى الكوفة حمل ذلك المال إليهم .


1) الجَفَنَات : مفردها جَفْنَة وهي كالقصعة، أو أعظم ما يكون من القصاع . لسان العرب مادة (جفن).

وكان المغيرة يأمر بالسكّر والجوز فيدقّان ويُطعِمُهما أصحاب الصُّفّة المساكين، ويقول : إنهم يشتَهون كما يَشتهي غيرهم ولا يمكنهم، فخرج المغيرةُ في سفرٍ ومعه جماعةً فوَرَدوا غديراً ليس لهم ماءً غيره - وكان ملحاً - فأمر بقرب العَسَل فشقّت في الغدير وخيضت(1)بمائه، فما شَرِب أحدٌ منهم حتى راحوا إلا من قرب المغيرة.

وذكَر الزبيرُ أنّ ابناً لهِشَام بن عبد الملك كان يسوم المُغيرة ماله بالمكان المسمّى بديعاً، فلا فَغَزا ابن هشام أرض الروم ومعه المغيرة، فأصابت الناسَ مجاعة في غزاتهم، فجاء المغيرة إلى ابن هشام فقال : إنك كنت تَسومُني مالي ببديع فأبى أن أبيعكه، فاشتر الآن منّي نِصفَه بعشرين ألف دينار. فأطعم المغيرةُ بها الناس، فلما رجع ابنُ هشام بالناس من غزوته تلك وقد بلغ هشاماً الخبرُ قال لابنه : قبّح الله رأيك أنت أمير الجيش، وابن أمير المؤمنين، يصيبُ الناس معك مجاعة فلا تُطعمهم حتى يبيعك رجل سُوقة ماله ويطعم به الناس ! وَيْحَكَ أخشيتَ أن تفتقر إن أطعمتَ الناس !

قالوا : ولنا عِكرمة بن أبي جهل الذي قام له رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قائماً ، وهو بَعدُ مُشرِك لم يُسلِم ولم يَقُم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الرَجُل داخل عليه من الناس شريف ولا مشرّف ، إلاّ عكرمةَ وعكرمة هو الذي اجتهد في نُضرة الإسلام بعد أن كان شديد العداوة، وهو الذي سأله أبو بكر أن يقبل منه معونةً على الجهاد فأبى، وقال : لا آخذ على الجهاد أجراً ولا معونة، وهو الشهيد يوم أجنَادين، وهو الذي قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم : «لا تسألني اليوم شيئاً إلا أعطيتُك»، فقال: فإني أسألك أن تستغفرَ لي، ولم يسأل غيرَ ذلك، وكلّ قريش غيره سألوا المال، كسُهيل بن عمرو وصفوان بن أميّة وغيرهما .

قالوا : ولنا الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة، كان شاعراً مجيداً مُكثراً، وكان أمير مكة استعمله عليها يزيدُ بنُ معاوية .

ومن شِعره:

من كان يسألُ عنّا أينَ منزلُنَا*** فالأقحوانهُ منا منزلٌ فَمِن

إذْ نَلبس العيش غَضًا لا يُكدِّرُه ***قربُ الوُشاة ولا يَنبو بنا الزمنُ

وأخوه عِكرمة بن خالد كان من وجوه قريش ،ورَوَى الحديث، وروي عنه .

ومن ولد خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة خالد بن إسماعيل بن عبد الرحمن كان جَواداً مِثلافاً، وفيه قال الشاعر :

لَعَمْرُك إن المجد ما عاشَ خالدٌ*** على العُمر من ذي كبدة لمُقيمُ


1) خِيضَت خُلِطت. القاموس المحيط مادة (خوض).

وتَندَى البِطاحُ البيضُ من جُود خالد***ويُخْصِين حتى نبتهن عميم

قالوا: ولنا الأوقص، وهو محمد بنُ عبد الرحمن بن هشام بن المغيرة، كان قاضي مكة، وكان فقيهاً .

قالوا : ومن قُدَماء المسلمين عبدُ الله بن أمية بن المغيرة أخو أم سلمة زوج رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، كان شديد الخلاف على المسلمين، ثم خرج مهاجراً، وشهد فتح مَكة وحُنين، وقُتِل يومَ الطائف شهيداً .

والوليدُ بنُ أمية، غَيَّر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم و اسمه، فسمَّاه المهاجر، وكان من صُلحاء المسلمين .

قالوا: ومنا زُهيرُ بن أبي أميّة بن المغيرة، ويُجَير بن أبي ربيعة بن المغيرة، غيَّر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أسمه فسماء عبد الله كانا من أشراف قريش وعباس بن أبي ربيعة، كان شريفاً .

قالوا: ومنّا الحارثُ القُباع، وهو الحارثُ بنُ عبد الله بن أبي ربيعة، كان أميرَ البَصرة، وعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر، المشهور ذي الغزل والتشبيب .

قالوا: ومن ولدِ الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الفقيه المشهور، وهو المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث كان فقيةَ المدينة بعد مالك بن أنس، وعَرَض عليه الرشيدُ جائزة أربعة آلاف دينار، فامتنع ولم يتقلّد له القضاء.

قالوا : ومَن يعدّ ما تعدّه مخزوم ولها خالد بن الوليد بن المغيرة سيف الله ! كانُ مباركاً ، ميمونَ النّقيبة شُجاعاً، وكان إليه أعِنّة الخيل على عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وشهد معه فتح مَكّة، وجُرح يوم حُنَين، فنَفَتْ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم على جُرحه فبَرَأ، وهو الذي قَتل مُسَيلمة وأسَر طُلَيحة وَمهَّد خِلافة أبي بكر، وقال يوم موته : لقد شهدتُ كذا وكذا زَحْفاً، وما في جَسَدي موضعُ إصْبَع إلاّ وفيه طعنة أو ضربة، وهانذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعيُنُ الجبناء! ومرّ عمر بن الخطاب على دور بني مخزوم والنساء يندُبن خالداً ، وقد وصلَ خبرهُ إليهم وكان مات بحمص، فوقف وقال : ما على النساء أن يندُبن أبا سليمان، وهل تقوم حُرّة عن مثله ! ثم أنشد :

أتبكي ما وصلت به النَّدامى ***ولا تَبكي فوارس كالجبال

أولئك إن بكيت أشدّ فَقْداً ***من الأنعام والعكر الحلال

تَمنَّى بعدهم قومٌ مَداهُمْ ***فما بلغوا لغايات الكمال

وكان عمرُو مُبغضاً لخالد ومنحرفاً عنه، ولم يمنعه ذلك من أن صدق فيه .

قالوا: ومنا الوليد بن الوليد بن المغيرة، كان رجلَ صِدق من صُلحاء المسلمين.

ومنّا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان عظيم القَدْر في أهل الشام، وخاف معاوية منه أن يَثب على الخلافة بعدَهم، فسمَّه، أمر طبيباً له يُدعى ابن أثال فسقاه فقتله.

وخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد قاتل ابن اثال بعَمّه عبد الرحمن والمخالف على بني أمية، والمنقطع إلى بني هاشم، وإسماعيل بن هشام بن الوليد كان أمير المدينة. وإبراهيم ومحمد ابنا هشام بن عبد الملك. وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد، وكان من رجال ،قريش ومن ولده هشامُ بن إسماعيل بن أيوب وسلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد، ولي شُرطة المدينة .

قالوا: ومن ولد حَفْص بن المغيرة عبدُ الله بن أبي عمر بن حفص بن المغيرة، هو أوّل خَلْق الله حاج يزيد بن معاوية .

قالوا ولنا الأزرَق، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة والي اليمن لابن الزبير وكان من أجود العرب، وهو ممدوح أبي دَهْبَل الجمحيّ .

قالوا ولنا شريك رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، وهو عبد الله بن السائب بن أبي السائب، واسم أبي السائب صيفيّ بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم كان شريك النبي صلی لله علیه وآله وسلم في الجاهليّة، فجاءه يوم الفتح فقال له : أتعرفني؟ قال : ألستَ شَريكي؟ قال: بلى، قال: لقد كنت خير شريك، لا تُشارِي ولا تُماري.

قالوا: ومنا الأرقم بن أبي الأرقم الذي استتر رسول الله في داره بمكة في أوّل الدعوة، واسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.

ومنا أبو سَلمة بن عبد الأسد، واسمه عبد الله ، وهو زوج أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، قبل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ، شهد أبو سلمة بذراً، وكان من صُلَحاء المسلمين .

قالوا : لنا هُبَيرة بن أبي وهب كان من الفُرسان المذكورين، وابنه جعدة بن هبيرة، وهو ابن أخت علي بن أبي طالب علیه السلام، أمه أم هانىء بنتُ أبي طالب، وابنه عبدالله بن جعدة بن هبيرة هو الذي فتح القُهُندر وكثيراً من خُراسان، فقال فيه الشاعر :

لولا ابنُ جعدة لم تُفْتَحْ قُهُنُدركم*** ولا خراسانُ حتى ينفخُ الصُّورُ

قالوا: ولنا سعيد بن المسيب الفقيه المشهور. وأما الجواد المشهور فهو الحكم بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم.

وقد اختصرنا واقتصرنا على من ذكرنا ، وتركنا كثيراً من رجال مخزوم خوف الإسهاب.

وينبغي أن يقال في الجواب: إنّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يقل هذا الكلام احتقاراً لهم، ولا استصغاراً لشأنهم، ولكن أمير المؤمنين علیه السلام كان أكثر همّه يوم المُفاخرة أن يفاخر بني عبد شمس لما بينه وبينهم، فلما ذكر مخزوماً بالعرض قال فيهم ما قال ولو كان يريد مفاخرتهم لما اقتصر لهم على ما ذكره عنهم، على أن أكثر هؤلاء الرجال إسلاميون بعد عصر عليّ علیه السلام، وعليّ علیه السلام إنما يذكر من قبله لا من يجيء بعده.

فإن قلت : إذا كان قد قال في بني عبدِ شَمْس إنهم أمنعُ لما وراء ظهورهم، ثم قال في بني هاشم: إنه أسمحُ عند الموت ،بنفوسهم، فقد تناقض الوَصْفان.

قلتُ : لا مُناقضةَ بينهما ، لأنه أراد كثرة بني عبد شمس، فبالكَثرة تمنع ما وراء ظهورها، وكان بنو هاشم أقلَّ عدداً من بني عبد شمس، إلاّ أن كلّ واحد منهم على انفراده أشجع واسمح بنفسه عند الموت من كلّ واحد على انفراده من بني عبد شمس فقد بان أنه لا مناقضة بين القولين.


• 11V-

الأصل: شَنّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْن ، عَمَل تَذْهَبُ لَذَّتُهُ، وَتَبقَى تَبِعَتُهُ، وَعَمَلِ تَذْهَبُ مَؤُونَتُهُ، وَيَبْقَى أَجْرُهُ.


الشرح: أخذ هذا المعنى بعضُ الشعراء، فقال:

تفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمّن نَال بُغْيَتَهُ*** من الحرّام ويبقى الإثمُ والعارُ

تُبقِي عواقب سوءٍ في مَغَبَّتِها ***لا خير في لذة من بعدها النّارُ


-118-

الأصل: وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَقَدْ تَبع جنازَةٌ قسمعَ رَجلاً يضحَكُ، فَقَالَ : كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الْحَقِّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ ، وَكَأَنَّ الَّذِي نَرَى مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَليلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ، نبوّلُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ، وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ، كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ، قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظ ووَاعِظَةٍ، وَرُمِينَا بِكُلِّ جَائِحَةٍ .

طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَطَابَ كَسْبُهُ ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَحَسُنَتْ خَلِيقتُهُ، وَأَنْفَقَ

الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يُنْسَبُ إِلى بِدْعَةٍ.

قَالَ الرَّضِيَ رَحِمَهُ الله تَعَالَى :أقولُ: ومن الناس من يَنسُبُ هذا الكلام إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم(1).

الشرح :الأشهر الأكثَر في الرّواية أنّ هذا الكلام من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومثِل قوله : «كان الموت فيها على غيرنا كُتب» قولُ الحسن علیه السلام : ما رأيت حَقّاً لا باطل فيه أشبَه بباطل لا حقّ فيه من الموت(2)، والألفاظ التي بعده واضحة ليس فيها ما يُشرح، وقد تقدم ذكر نظائرها .


-119-

الأصل: خَيْرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرٌ، وَغَيْرَةُ الرّجُلِ إِيمَانٌ .


الشرح: المرجع في هذا إلى العَقل والتماسك، فلما كان الرجل أعقَل وأشدّ تماسُكاً كانت غیرته في موضعها، وكانت واجبةً عليه، لأن النهي عن المنكر واجب، وفعل الواجبات من الإيمان، وأما المرأة فلما كانت انقَصَ عَقْلاً وأقلَّ صَبراً كانت غَيْرَتها على الوَهم الباطل والخيال غير المحقَّق، فكانت قبيحةً لوقوعها غير موقعها، وسمّاها علیه السلام الكُفْراً لمشاركتها الكُفْرَ في القُبْح فأجرى عليها اسمه .

وأيضاً فإن المرأة قد تؤدِّي بها الغيرة إلى ما يكون كُفْراً على الحقيقة كالسِّحر ، فقد وَرَدَ في الحديث المرفوع أنه كُفر، وقد يُفضي بها الضَّجر والقَلَق إلى أن تتسخط وتَشْتُم وتتلفظ بألفاظ تكون كفراً لا محالة .


1) أخرج بنحوه: البيهقي في «السنن الكبرى» (1824)، و«شعب الإيمان» (3388)، وأبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني (2782) ، والطبراني في «الكبير » (4615).

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 136/6 ح 37 ، وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال: 931/15 رقم : 43596 .

-120-

الأصل: لَأَنْسُبَنَّ الإِسْلامَ نِسْبَةٌ لَمْ يَنْسُبُها أَحَدٌ قَبْلِي الإسلام هو التسليم، والتسليم هُوَ الْيَقِينُ واليَقِينُ هو التَّصْدِيقُ والنَّصْدِيقُ هُوَ الإِكْرَارُ ، والإقْرَارُ هُوَ الأداء، والأداء هُو هو العَمَلُ.


الشرح: خلاصةُ هذا الفَصل تقتضي صحة مَذهَب أصحابنا المعتزلة في أنّ الإسلام والإيمان عبارتان عن معبّر واحد، وأنّ العمل داخلٌ في مفهوم هذه اللفظة، ألا تراه جَعَل كلَّ واحدة من اللَّفظات قائمةٌ مقام الأخرى في إفادة المفهوم، كما تقول: اللّيث هو الأسَدُ والأسد هو السّبع، والسبع هو أبو الحارث فلا شُبهةَ أن اللَيث يكون أبا الحارث، أي أن الأسماء مترادفة، فإذا كان أوّل اللفظات الإسلام، وآخرها العمل، دَلّ على أنّ العمل هو الإسلام، وهكذا يقول أصحابُنا : إن تارك العمل وتارك الواجب لا يسمَّى مسلماً .

فإن قلت : هَبْ أن كلامَه علیه السلام يدل على ما قلت كيف يدلّ على أن الإسلام هو الإيمان؟

قلت : لأنه إذا دَلّ على أن العمل هو الإسلام وجب أن يكون الإيمان هو الإسلام لأنّ كلّ من قال : إن العمل داخل في مُسمَّى الإسلام، قال: إنّ الإسلام هو الإيمان، فالقول بأن العمل داخلٌ في مسمّى الإسلام، وليس الإسلام هو الإيمان، قول لم يقل به أحد، فيكون الإجماع واقعاً على بُطلانه .

فإن قلتَ: إنّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يقل كما تقوله المعتزلة، لأنّ المعتزلة تقول : الإسلامُ اسمٌ واقعٌ على العَمَل وغيره من الاعتقاد والنطق باللسان وأمير المؤمنين علیه السلام جَعل الإسلامَ هو العمل فقط، فكيف ادعيت أن قول أمير المؤمنين علیه السلام يطابق مذهبهم؟

قلت : لا يجوز أن يريد غيره لأن لفظ العَمَل يشمل الاعتقاد والنطق باللسان، وحركات الأركان بالعبادات، إذ كلُّ ذلك عملٌ وفعل، وإن كان بعضه من أفعال القلوب وبعضه من أفعال الجوارح، ولو لم يُرد أمير المؤمنين علیه السلام ما شرَحناه لكان قد قال: الإسلام هو العلم بالأركان خاصة، ولم يعتبر فيه الاعتقاد القلبي، ولا النطق اللفظيّ، وذلك مما لا يقوله أحد .


• 121 -

الأصل: عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الْفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَيَقُوتُهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، وَيُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابِ الْأَغْنِيَاءِ، وَعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبْرِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةٌ، وَيَكُونُ غَداً جِيفَةٌ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ شَكٍّ في الله وَهُوَ يَرَى خَلْقَ الله ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ وَهُوَ يَرَى مَنْ يَمُوتُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى، وَعَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ الْفَنَاءِ، وَتَارِكِ دَارَ الْبَقَاءِ .


الشرح: قال أعرابيّ : الرّزق الواسعُ لمن لا يَستمتع به بمنزلة الطعام الموضوع على قبر . ورأى حكيمٌ رجلاً مُثرِياً ياكل خُبزاً ومِلْحاً ، فقال : لِمَ تَفْعَل هذا؟ قال : أخافُ الفقرَ، قال: فقد تعجَّلتَه . فأمّا القول في الكبر والتيِّه فقد تقدّم منه ما فيه كفاية، وقال ابنُ الأعرابي : ما تاهَ عليَّ أحدٌ قطّ أكثر من مَرّة واحدة، أخَذَ هذا المعنى شاعرٌ فقال وأَحسَن :

هذه منكَ فإن عُدْ*** تَ إلى البابِ فمنِّی

وقد تقدّم من كلامنا في نظائر هذه الألفاظ المذكورة ما يُغني عن الإطالة هاهُنا.


• 122 -

الأصل: مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ، ابْتُلِيَ بِالْهَمْ.


الشرح: هذا مخصوصٍ بأصحاب اليقين والاعتقاد الصّحيح، فإنّهم الّذين إذا قَصّروا في العمل ابتلُوا بالهَمّ، فأمّا غيرُهم من المُسرِفين على أنفسهم وذوي النّقص في اليَقين والاعتقاد، فإنّه لا هَمَّ يَعْرُوهم وإن قَصّروا في العمل، وهذه الكلمة قد جربناها من أنفسِنا فوَجَدْنا مِصداقَها واضحاً، وذلك أنّ الواحد منّا إذا أخَلّ بفريضة الظّهر مَثَلاً حتّى تغيبَ الشمس وإن كان أخل بها لعُذر وَجَد ثِقْلاً في نفسه وكَسَلاً وقلة نشاط، وكأنه مشكولٌ بشكال أو مقيّدٌ بقَيد، حتى يقضيَ تلك الفَرِيضة، فكأنما أُنشِط من عقال.

• 123 -

الأصل: لاَ حَاجَةَ الله فِيمَنْ لَيْسَ الله فِي مَالِهِ وَنَفْسِه نَصِيبٌ .


الشرح :قد جاء في الخبر المرفوع : «إذا أَحَبَّ الله عبداً ابتلاه في ماله أو في نفسِه» (1).

وجاء في الحديث المرفوع: «اللّهم إنّي أعوذ بك من جَسَدِ لا يَمرَض ومن مالٍ لا يُصاب» (2).

ورَوَى عبد الله بنُ أَنَس عنه صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال : «أيّكم يُحِبّ أن يَصِحٌ فلا يَسقم؟»، قالوا : كلُّنا يا رسولَ الله ، قال : «أتحبّون أن تكونوا كالحُمُر الصائلة، ألا تُحِبّون أن تكونوا أصحابَ بَلايا وأصحابَ كَفّارات والّذي بَعَثَني بالحقّ إنّ الرجل لتكونُ له الدرجة في الجنّة فلا يبلُغها بشيء من عَمَلِه فيبتليه الله ليُبلّغه الله درجةً لا يبلغها بعمله»(3).

وفي الحديث أيضاً : »ما مِن مُسلِم يَمرض مرضاً إلا حَتْ الله به خطاياه كما تحت الشجرة وَرَقَها » (4).

ورَوَى أبو عثمان النَّهْدِي قال:« دخل رجل أعرابيّ عَلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ذو جُسْمانِ عظيم، فقال له : مَتى عَهْدُك بالحُمّى؟ قال : ما أعرفها قال بالصُّداع، قال: ما أدري ما هو ؟ قال : فأُصِبْتَ بمالك؟ قال : لا ، قال : فرزنت بوَلَدِك ؟ قال : لا ، فقال علیه السلام: «إن الله ليَكرَه العِفريت النَّفْرِيت الذي لا يُرزَاً في وَلَدِه ولا يُصَابُ في مالِه (5).

وجاء في بعض الآثار :«أشدّ الناس حساباً الصحيحُ الفارغ» (6).


1) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان »(9786) ، والديلمي في «مسند الفردوس »(970).

2) أخرج الكليني في الكافي ( 3 / 114 ح (8) لا خير في جسد لا يمرض. .

3) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (9856) ، والبخاري في «التاريخ الكبير»، ترجمة مسلم بن عقيل (1129).

4) أخرج بنحوه البخاري كتاب المرض باب وضع اليد على المريض (5660) ، ومسلم، كتاب: البر والصلة، باب :ثواب المؤمن فيما يصيبه (2571).

5) أخرجه الحارث في «مسنده» (248) ، والمناوي في «فيض القدير» (407/2) والبيهقي في «شعب الإيمان»(9910).

6) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» موقوفاً على معاوية بن قرة (1326).

وفي حديث حذيفةَ رضي الله عنه : إنْ أَقَرِّ يوم لعيني لَيَوْمٌ لا أجد فيه طعاماً، سمعتُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم يقول : «إن الله ليَتعاهَد عبده المؤمن بالبلاء كما يَتعاهَد الوَالد ولدَه بالطّعام وإنّ الله يحمي عبده المؤمنَ كما يحمي أحدُكم المريض من الطعام »(1).

وفي الحديث المرفوع أيضاً : «إذا أحَبَّ الله عبداً أبتلاء، فإذا أحبّه الحُبَّ البالغَ أقتَنَاء» قالوا : وما اقتناؤه؟ قال: «ألا يترك له مالاً ولا ولداً» (2).

مَرّ موسى علیه السلام برجل كان يعَرفه مطيعاً الله قد مَزَّقَت السباعُ لحمه وأضلاعَه، وكَبدهُ ملقاةٌ، فوَقَف متعجّباً فقال: أي ربِّ، عبدك المطيعُ لك ابتليتُه بما أرى، فأوحَى الله إليه : إنّه سألني درجةً لم يَبلُغها بعمله، فجعلتُ له بما تَرَى سبيلاً إلى تلك الدرجة .

وجاء في الحديث: «إنّ زكريا لم يزل يَرَى وَلَدَ يحيى مَعْموماً باكياً مشغولاً بنفسه، فقال: يا ربِّ طلبتُ منك ولداً أنتفع به فرَزَقْتَنيه لا نَفع لي فيه، فقال له : إنّك طلبتَه وليّاً، والوليّ لا يكون إلاّ هكذا، مسقاماً فقيراً مهموماً (3).

وقال سُفْيان الثَّوْرِيِّ : كانوا لا يعدّون الفقيةَ فقيهاً من لا يَعُدّ البلاء نعِمة والرخاءَ مُصيبة .

جابرُ بنُ عبد الله يرفعه : «يَودٌ أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تقُرَض بالمقاريض لما يَرَوْن من ثواب أهل البلاء »(4).


-124-

الأصل: تَوَقَّوُا الْبَرْدَ في أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي الأشَجَارِ، أَوَّلُهُ يُخرقُ، وَآخِرُهُ يُورِقُ .


الشرح: هذه مسألةٌ طبيعيّة قد ذَكَرها الحكماء، قالوا : لمّا كان تأثير الخَريف في الأبدان، وتوليدُه الأمراض كالزُكام والسُّعال وغيرهما أكثَر من تأثيِر الرّبيع، مع أنّهما جميعاً


1) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (10452).

2) أخرجه أبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني (2499) ، والديلمي في مسند الفردوس (968)، وأبو نعيم في «الحلية» (1(25) (25/1).

3) أخرجه محمدي الريشهري في ميزان الحكمة : 3700/4.

4) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد ،باب ما جاء في ذهاب البصر (2402)، والبيهقي في «السنن الكبرى»(537/ 3 )، والطبراني في (الصغير) (241).

فَصلا اعتدال، وأجابوا بأنّ برد الخريف يَفجأ الإنسان وهو معتادٌ لحرّ الصيف فينكا فيه، ويسُدّ مَسامٌ دِماغه، لأنّ البرد يَكثُف ويَسُدّ المَسَامّ فيكون كمن دَخَل من موضع شديد الحرارة إلى خيش بارد.

فأما المُنتقِل من الشتّاء إلى فَصل الربيع فإنه لا يكاد برد الربيع يُؤذيه ذلك الأذى لأنه قد يظهر اعتاد جسمُه برد الشتاء، فلا يُصادف من بَرد الربيع إلا ما قد اعتاد ما هو أكثر منه، فلا لبرد الربيع تأثير في مزاجه، فأما لِمَ أورقت الأشجار وأزهرت في الربيع دون الخريف؟ فلما في الربيع من الكيفيّتين اللتين هما منبع النمو والنفس النباتية، وهما الحرَارَة والرّطوبة وأما الخريف فخال من هاتين الكيفيتين ومستبدل بهما ضدّهما، وهما البرودة واليُبْس المُنافيان للنشوء وحَياةِ الحيوان والنبات . فأما لِمَ كان الخريف بارداً يابساً والرّبيع حاراً رطباً مع أن نسبَة كلّ واحد منهما إلى الفَصلين الخارجَين عن الاعتدال وهما الشّتاء والصّيف نسبةً واحدة؟ فإنّ تعليل ذلك مذكورٌ في الأصول الطبية، والكُتُب الطبيعيّة، وليس هذا الموضع ممّا يَحسُن أن يُشرح فيه مِثلُ ذلك .


• 125 -

الأصل: عُظْمُ الْخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَفِّرُ المَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ.


الشرح: لا نِسبَة للمخلوق إلى الخالقِ أَصْلاً وخصوصاً البَشَر ، لأنّهم بالنّسبة إلى فَلَك القَمَر كالذَّرة، ونسبة فلك القمر كالدَّرَة بالنسبة إلى قُرص الشمس، بل هُمّ دون هذه النسبة ممّا يَعجَز الحاسب الحاذِقُ عن حِساب ذلك ، وفَلَك القَمَر بالنسبة إلى الفلك المحيط دون هذه النسبة، ونسبة الفلك المحيط إلى البارىء سبحانه كنسبة العَدَم المَحْض والنفي الصرف (1)إلى الموجود البائن، بل هذا القباس أيضاً غيرُ صحيح، لأن المعدوم يُمكن أن يصير موجوداً بائناً، والفَلَك لا يتصوّر أن يكون صانع العالم الواجب الوجود لذاته.

وعلى الجملة فالأمرُ أعظم من كلّ عظيم، وأجلُّ من كل جليل، ولا طاقةَ للعُقول والأذهان أن تعبِّر عن جلالة ذلك الجناب وعَظَمته، بل لو قيل : إنّها لا طاقة لها أن تعبّر عن جلالِ مَصْنوعاته الأولى المتقدّمة علينا بالرتبة العقلية والزمانيّة لكان ذلك القولُ حقاً وصِدقاً، فَمن المخلوق ليقال : إِنَّ عِظَمَ الخالق يصغره في العين، ولكنّ كلامه علیه السلام محمولٌ على مخاطَبة العامّة الذين تَضيق أفهامُهم عما ذكرناه .


1) الصرف الخالص لسان العرب مادة (صرف).

-126-

الأصل: وقال علیه السلام ، وَقَدْ رَجَعَ مِنْ صِفِّينَ فَأَشْرَفَ عَلَى الْقُبُورِ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ : يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ، وَالْمَحَالَ الْمُقْفِرَةِ، وَالْقُبُورِ الْمُظْلِمَةِ، يَا أَهْلَ التَّرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ. يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطُ سَابِقٌ ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَع لأحقِّ ، أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ ، وَأَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نَكِحَتْ ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسْمَتْ هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا ، فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ؟

ثُمَّ الْتَقَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ :

أَمَا وَالله لَوْ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلاَمِ، لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.


الشرح: الفَرَط : المتقدمون ، وقد ذكرنا من كلام عمرَ ما يُناسب هذا الكلام، لمّا ظَعَن في القبور وعادَ إلى أصحابه أحمرَ الوجه، ظاهر العروق، قال : قد وقفتُ على قبور الأحبّة فناديتُها الحديثَ... إلى آخره، فقيل له : فهل أجابتك؟ قال: نعم، قالت : إنّ خيرَ الزّاد التقوى .

وقد جاء في حديث القبور ومخاطبتها وحديث الأموات وما يتعلق بذلك شيءٌ كثير يتجاوز الإحصاء.

وفي وصيّة النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم أبا ذَرّ رضي الله عنه : «زُر القبورَ تذكَّرْ بها الآخرة ولا تَزُرها ليلاً ، وغَسِّل الموتى يتحرّك قلبك، فإنّ الجسد الخاوِِيَ عِظةٌ بليغة، وصلِّ على الموتى فإن ذلك يُحزِنُك، فإنّ الحَزين في ظِلّ الله»(1).

وُجِد على قبر مكتوباً :

مقيمٌ إلى أن يَبعثَ الله خَلْقَهُ*** لقاؤكَ لا يُرجَى وأنت رقيبُ

تَزِيدُ بلى في كل يوم وليلةٍ*** وتُنسَى كما تَبلَي وأنت حبيبُ

وقال الحسن علیه السلام: مات صديق لنا صالح، فدفنّاه ومدَدْنا، على القبر ثوباً، فجاء صِلَة بنُ أشيم، فرَفَع طرفَ الثّوب ونادَى : يا فلان:

إنْ تَنجُ منها تَنجُ مِن ذي عظيمةٍ ***وإلاّ فإنّي لا إخالُكَ ناجِيا

وفي الحديث المرفوع : «أنّه علیه اسلام كان إذا تبع الجنازة أكثرَ الصُّمات، ورئي عليه كآبَةٌ ظاهرة، وأكثر حديثَ النفس »(2).


1) أخرجه الحاكم في«المستدرك » (139)، والديلمي في «مسند الفردوس» (3343) .

2) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (244) ، وابن سعد في«الطبقات» (1/ 385) .

سَمِع أبو الدّرداء رجلاً يقول في جنازة : من هذا؟ فقال : أنت، فإن كرهتَ فأنا .

سَمِع الحسنُ علیه السلام أمرأةً تَبكِي خلف جَنازة، وتقول : يا أبتاه، مثل يَومِك لم أره! فقال : بل أبوك مِثل يومه لم يَرَه .

وكان مكحولٌ إذا رأى جنازة قال : اغدُ فإنّا رائحون.

وقال ابن شَوْذَب : اطّلعتَ امرأةٌ صالحة في لَحْد فقالت لأمرأةٍ معها : هذا كُنْدُوج العَمَل - يعني خزانته. وكانت تُعطيها الشيء بعد الشيء تأمُرُها أن تتصدّق به، فتقول: اذهبي فضَعي هذا في كُندوج العَمَل .

شاعر:

اجازعةٌ رُدَينة أن أتاها ***نَعيي ام يكون لها أصطِبار !

إذا ما أهْلُ قَبْري ودّعوني*** وراحُوا والأكُفّ بها غُبارُ

وغُوير أعظمي في لحدِ قبرٍ*** تُراوِحُه الجنُائب والقطارُ

تَهُبُّ الريحُ فوق مُحَط قَبري ***ويَرعَى حولَه اللهَقُ النّوارُ

مقيمٌ لا يُكلمني صديقٌ حَولاً***بقَفر لا أزورُ ولا ازارُ

قذاك النأيُ لا الهجران حَوْلاً ***وحَوْلاً ثم تجتمع الدّيارُ

وقال آخر :

كانِّي بإخواني على حافَتَي قَبِري ***يَهيلُونه فوقي وأدمُعُهم تَجري

فيا أيُّها المُذري عليَّ دموعَه ***ستُعرِض في يومين عنّي وعن ذكري

عفا الله عني يوم أترك ثارياً*** أزارُ فلا أخري وأخفى فلا أدري

وجاء في الحديث المرفوع : «ما رأيتُ مَنظَراً إلا والقبرُ أفظع منه»(1).

وفي الحديث أيضاً : «القبر أوّل منزل من منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده أيسر، ومن لم يَنج منه فما بعدَه شرٌّ منه » (2).



1) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت (2308) وابن ماجه ،کتاب: «الزهد»، باب ذكر القبر والبلى (4267) ، وأحمد في«مسنده (456)، والحاكم في «المستدرك» (1373).

2) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد باب ما جاء في ذكر الموت (2308) وابن ماجه، کتاب الزهد باب ذكر القبر والبلى (4267) ، وأحمد في «مسنده» (456).

127 - وقال علیه السلام وقد سمع رجلاً يذم الدنيا

الأصل: أَيُّها الدَّامُ لِلدُّنْيَا ، الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا الْمُنْخَدِعُ بِأَبَاطِيلِهَا ، أَتَفْتِنُ بِهَا ثُمَّ تَدُمُهَا ! أَنْتَ الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ مَتى استَهْوَتْكَ، أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ! أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى، أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثّرى ! كَمْ عَلَلْتَ بِكَفِّيْكَ، وَكَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ ، تَبْتَغِي لَهُمُ الشَّفَاء، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الأطباءَ، غَدَاةَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ، وَلا يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَارُكَ !

لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ، وَلَمْ تُسْعَف فِيهِ بِطَلِبَتِكَ، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ بِقُوَّتِكَ، وَقَدْ مَتَّلَتْ لَكَ الدُّنْيَا نَفْسَكَ ، وَبِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ

إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا ، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا ، وَدَارُ غِنِّى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا ، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهَا ، مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ الله وَمُصَلّى مَلائِكَةِ الله، وَمَهْبِطُ وَحْي الله وَمَتجَرُ أَوْلِيَاءِ الله، اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ، فَمَنْ ذَا يَدُمُهَا ، وَقَدْ آذَنَتْ بيْهَا ، وَنَادَتْ بِفِراقِهَا ، وَنَعَتْ نَفْسَها وَأَهْلَهَا ، فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلائِهَا الْبَلَاءَ، وَشَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إلَى السُّرُور !

رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ، وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ، تَرْغِيباً وَتَرْهِيباً ، وَتَخْوِيفاً وَتَحْذِيراً، فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ، وَحَمِدَها آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذَكَرَتْهُمُ الدُّنْيَا فَذَكَّرُوا ، وَحَدَّتَتُهُمْ فَصَدَّقُوا، وَوَعَظَتْهُمْ فا تعظوا .


الشرح: تجرّمتُ على فلان : ادعيتُ عليه جُرماً وذنباً، واستهواه كذا : استَزَله .

وقولُه علیه السلام : «فمثّلت لهم ببلائها البلاء»، أي بلاء الآخرة وعذاب جهنم، وشوّقتهم بسرورها إلى السُرور، أي إلى سُرورِ الآخرة ونعيم الجنّة».

وهذا الفصل كله لمدح الدنيا، وهو ينبيء عن اقتداره علیه السلام على ما يريد من المعاني، لأنّ كلامه كلّه في ذم الدنيا، وهو الآن يَمدَحها، وهو صادقٌ في ذاك وفي هذا، وقد جاء عن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم كلام يتضّمن مدحَ الدنيا أو قريباً من المدح، وهو قوله علیه السلام: «الدّنيا حُلوةٌ خَضِرة، فمن أخَذَها بحقها بُورِك له فيها»(1).


1) أخرجه نحوه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنة الفقراء (2742) والترمذي کتاب: الفتن باب :ما جاء وما أخبر النبي صلی الله علیه وآله وسلم أصحابه بما هو كائن (2191)، وأحمد في «مسنده (10773)، وبالشطر الثاني : ابن حبان في «صحيحه (2892)، والطبراني في «الأوسط» (8359).

واحتَذَى عبد الله بن المعتز حَذْوَ أمير المؤمنين علیه السلام في مدِح الدنيا فقال في كلام له : الدّنيا دارُ التأديب والتعريف، التي بمَكروهها توصّل إلى محبوب الآخرة، ومضمار الأعمال السابقة بأصحابها إلى الجنان، ودرجة الفَوْز التي يرتقي عليها المتّقون إلى دار الخُلد، وهي الواعظة لمن عَقَل، والناصحة لمن قَبل، وبساطِ المَهَل، ومَيدان العمل، وقاصِمَة الجَبّارين، ومُلحقِة الرّغم معَاطِس(1)المتكبِّرين، وكاسية التّراب أبدانَ المختالين، وصارعة المغترّين، ومفرّقة أموال الباخلين وقاتلة القاتلين والعادلة بالموت على جميع العالَمين، وناصرة المؤمنين، ومُبيرة الكافرين. الحسنات فيها مضاعفة والسّيئات بآلامها ممحوّة، ومع عُسرها يُسْران، والله تعالى قد ضمن أرزاق أهلها، وأقسَم في كتابه بما فيها، وربّ طيّبة من نعيمها قد حمد الله عليها فتلقتّها أيْدِي الكَتَبة ووَجَبَتْ بها الجنّة وكم نائبة من نوائبها ، وحادثة من حوادثها قدراضت الفَهم، ونبّهت الفِطنة، وأذكَت القريحة، وأفادت فضيلة الصّبر، وكثَّرَت ذخائرَ الآخر.

ومن الكلام المنسوب إلى عليّ علیه السلام الناسُ أبناء الدّنيا، ولا يُلام المرء على حبِّ أمِّه(2)، أخذَه محمّد بن وَهْب الحِميرِي فقال :

ونحن بنو الدنيا خُلقنا لغيرها ***وما كنت منه فهو شيءٌ محبَّبُ

-128 -


الأصل: إِنَّ الله مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ لِدُوا لِلْمَوْتِ، وَاجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ.


الشرح: هذه اللام عند أهل العربية تسمّى لام العاقبة. ومِثلُ هذا قوله تعالى : (فاالنقطه الى فرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هَدُوا وَحَزَنَا ) (3)، ليس أنهم التقطوه لهذه العلة، بل التَقَطوه فكان عاقبةُ التقاطهم إيّاه العداوة والحُزن، ومثلُه :

فلِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الوالدة


1) المَقاطس: الأنوف القاموس المحيط مادة (عطس).

2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 131/70 .

3) سورة القصص الآية: 8.

ومثلُه قوله تعالى : (وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ )(1)؛ ليس أنّه ذرأهم ليعذِّبَهم في جهنّم ، بل ذَرَاهم وكان عاقبةُ ذَرْيْهم أن صاروا فيها، وبهذا الحرف يحصُل الجواب عن كثير من الآيات المتشابِهة التي تتعلّق بها المجبرة .

وأمّا فَحْوَى هذا القول وخلاصته فهو التنبيه على أنّ الدنيا دارُ فَناء وعَطب، لا دارُ بَقاءوسلامة، وأنّ الولد يَموُت، والدور تُخرَّب، وما يُجمَع من الأموال يَفنَى.


• 179-

الأصل: الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٌّ، لا دَارُ مَقَرِّ ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلانِ : رَجُلٌ بَاعَ نَفْسَهُ فَأَوْيَقَهَا ، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا .


الشرح: قال عمرُ بن عبد العزيز يوماً لجلَسائه : أخبُروني من أحمَقُ الناس؟ قالوا : رجلٌ باعَ آخرته بدُنياه، فقال : ألا أنبئكم بأحمق منه؟ قالوا : بلى، قال : رجلٌ باعَ آخرته بدُنْيَا غيره .

قلتُ : لقائل أن يقول له : ذاك باعَ آخرته بدُنياه أيضاً، لأنه لو لم يكن له لذةٌ في بَيع آخرته بدُنيا غيره لما باعها، وإذا كان له في ذلك لذَّة، فإذَنْ إنما باع آخرته بدنياه، لأنّ دُنْياه هي لذَّتُه .


• 130 -

الأصل: لا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظُ أخاهُ في ثَلاثٍ : في نَكْيَتِهِ، وغَيْبَتِهِ، وَوَفاتِهِ


الشرح: قد تقدّم لنا كلامٌ في الصّديق والصداقة، وأمّا النَكبة وحفظ الصديق فيها فإنه يقال : في الحُبوسِِ مَقابرُ الأحياء، وشماتةُ الأعداء، وتجربة الأصدِقاء.

وأمّا الغيبة فإنه قد قال الشاعر :

وإذا الفتَى حَسُنت مودّته ***في القُرْب ضاعَفَها على البُعْدِ

وأما الموت فقد قال الشاعر :


1) سورة الأعراف الآية :179 .

وإنّي لأستحييه والتُربُ بيننا*** كما كنتُ أستحييه وهو يرَانِي

ومن كلام عليِّ علیه السلام: الصديق من صَدَق في غَيْبَتِه .

وقال الحكيم : مَن أبعد الناس سَفَراً؟ قال: من سافر في ابتغاء الأخ الصالح.

أبو العلاء المَعريّ :

أزْرَتْ بكم يا ذَوي الألباب أربعةٌ ***يتركن أحلامكم نَهْب الجهالات

ودُّ الصَّديق، وعِلْم الكيمياء، وأح-*** كامُ النّجوم، وتفسيرُ المنامات

قيل للثَّوري : دُلّني على جليس أجلس إليه ؟ قال : تلك ضالّة لا توجد .


• 131 -

الأصل: مَنْ أَعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمُ أَرْبعاً : مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ، وَمَنْ أَعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ ، وَمَنْ أَعْطِي الاسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفَرَةَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الشَّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ .

قال الرَّضِي رَحمهُ الله تعالى : وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ الله تعالى، قال في الدُّعاء : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم ) (1).

وقال في الاسْتِغْفَار : (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجدِ اللَّهَ غَفُورًا الله رَّحِيمًا ) (2).

وقال في الشكر : (لين شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَكُة ) (3).

وقال في التَّوْبَةِ : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوة يجهلو ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأَوْلَكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَب حَكيماَ)(4).


الشرح :في بعض الروايات أن ما نسب إلى الرّضي رحمه الله من استنباط هذه المعاني من الكتاب العزيز من متن كلام أمير المؤمنين علیه السلام، وقد سبق القول في كل واحدة من هذه الأربع مستقصى.


1) سورة غافر، الآية: 60 .

2) سورة النساء، الآية : 110 .

3) سورة إبراهيم الآية: 7 .

4) سورة النساء الآية : 17 .

• 132 -

الأصل: الصَّلاَةُ تُرْبَانُ كُلِّ تَقِيِّ ، وَالْحَجُ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةً، وَزَكَاةُ الْبَدَنِ الصَّوْمُ، وَجِهَادُ المَرأَة حُسْنُ التَّبعل .


الشرح: قد تقدّم القول في الصّلاة والحج والصيام، فأمّا أنَّ جهادَ المرأة حسنُ التبعُّل، فمعناه حسنُ معاشرة بعِلِها وحفظ ماله وعرضه وإطاعته فيما يأمر به، وترك الغيرة فإنها بابُ الطلاق.

بعض الوصايا الحكمية

وأوصت امرأةٌ من نساء العرب بنتها ليلةَ إهدائها فقالت لها : لو تركتُ الوصيّة لأحدٍ الحُسْنِ أدب وكَرَم حَسب، لتركتُها لكِ، ولكنها تذكرةٌ للغافل، ومَؤُونَةٌ للعاقل . إنك قد خَلَّفْتِ العُشَ الذي فيه دَرَجْتِ والوَكْر الذي منه خَرَجْتِ إلى منزل لم تَعْرِفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أَمَةً ، يَكُن لكِ عَبْداً، واحفظي عنّي خِصالاً عَشْراً:

أما الأولى والثانية، فحسْنُ الصحابة بالقناعة، وجميل المعاشرة بالسمع والطاعة، ففي حُسْن الصَّحابة راحةُ القلب، وفي جميل المُعاشرة رِضا الرَّبِّ.

والثالثة والرابعة، التفقَد لمواقع عينه، والتعهُّد لمواضع أنفِه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يَجِد أنفهُ منكِ خبيث ريح، واعلَمي أن الكُحْل أحسَنُ الحسن المفقود، وأن الماءَ أطيَبُ الطَّيب الموجود.

والخامسة والسادسةُ، الحِفظ ُلماله والإزعاء على حشمه وعياله، واعلمي أن أصل الاحتفاظ بالمال حُسنُ التقدير وأصل الإزعاء على الحَشم والعيال حُسن التّدبير .

والسابعة والثامنة، التعهد لوقت طَعامِه ، والهُدُوّ والسّكون عند منامه، فحرارةُ الجوع ملهَبة، وتَنغيص النوم مَغضبة.

والتاسعة والعاشرة : لا تُفْشِينَ له سِرّاً ، ولا تَعْصِينَ له أمراً، فإنك ان أفْشَيْتِ سِره لم تأمَني غَدْره، وإن عصيت أمره أو غَرْتِ صَدْرَه .

وأوصت امرأةٌ ابنتها وقد أهدتها إلى بَعْلها، فقالت كوني له فراشاً، يكن لكِ مَعاشاً، وكوني له وطاء يكن لكِ غطاءً، وإياّكِ والاكتئاب إذا كان فَرِحاً ، والفَرَح إذا كان كثيباً، ولا يطلعن منك على قبيح، ولا يَسمِّنَّ منكِ إلا طيب ريح.

وزَوّج عامرُ بنُ الظَّرِب ابنته من ابن أخيه، فلما أراد تَحويلَها قال لأمها : مُرِي ابنتك الاّ تنزل مفازَةٌ إلا ومعها ماء، فإنّه لِلأَعْلى جلاء، وللأسفلَ نقاء، ولا تُكثر مُضاجَعَته، فإذا ملّ البدنُ ملّ القلب، ولا تمنعه شهوته، فإن الحظوة في المواقعة. فلم يلبث إلا شهراً حتى جاءته مشجوجة، فقال لابن أخيه : يا بُنَيّ ارفَع عصاك عن بَكْرَتك، فإن كان من غير أن تنفر بك فهو الدّاء الذي ليس له دواء، وإن لم يكن بينكما وفاق ففراق الخُلع أحسن من الطلاق، وأن تترك أهلك ومالك .

فردّ عليه ،صداقها، وخلعها منه، فهو أول خُلْعِ كان في العرب.


وأوصَى الفَرافِصة الكلبيّ ابنته نائلة حين أهدَاها إلى عثمان، فقال: يا بُنيَّة، إنّك تقدمين على نساء من نساء قريش هنّ أقدَرُ على الطيب منكِ، ولا تُغلبين على خَصْلَتين : الكُحْل والماء. تطهَّري حتى يكون ريحٍ جِلْدِك ريح شَنَّ(1)أصابه مطر، وإيّاك والغيرة على بَعْلِك، فإنّها مفتاح الطلاق.

ورَوَى ابو عمرو بنُ العلاء قال :أنكح ضرارُ بن عمرو الضبيّ ابنته من معبد بن زُرارة، فلما أَخْرَجَها إليه قال : يا بُنَية، أمسكي عليك الفَضلين : فضل الغُلمة، وفضل الكلام.

قال أبو عمرو : وضِرار هذا هو الذي رفع عَقِيرته بعكاظ، وقال : ألا إنّ شَرَّ حائل أمّ فزّوجوا الأمهّات ؛ قال : وذلك أنه صُرع بين الرماح، فأشبل عليه إخوته لأمه حتى استنقَذَوه .


وأوصت أعرابيةٌ ابنتها عندَ إهدائها، فقالت لها : اقلعي زُج (2)رمحه، فإن أقرّ فاقلَعي سِنانه، فإن أقرّ فاكسري العظام بسيفه، فإن أقرّ فاقطعي اللحم على ترسه، فإن أقرّ فضعي الأكاف (3)على ظهره، فإنما هو حمار.

وهذا هو قُبح التبعُّل، وذكرناه نحن في باب حسن التبعّل، لأن الضّد يُذكر بضدِّه.



1) الشَّنُ : الخَلَقُ من كل آنية صنعت من جلد لسان العرب مادة (شنن).

2) الرُّجُ : الحديدة في أسفل الرُّمح ، القاموس المحيط، مادة (زجج).

3) إلحاف الحمار وأكافه برذعته . القاموس المحيط مادة (أكف).

• 133 -

الأصل: اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ .


الشرح: جاء في الحديث المرفوع - وقيل : إنّه موقوفٌ على عثمان: «تاجروا الله بالصَّدَقة تربَحُوا (1).

وكان يقال : الصَّدَقَةُ صداق الجنّة .

وفي الحديث المرفوع : «ما أحسن عبد الصَّدّقة إلا أحسنَ الله الخلافة على مُخَلَّفِيه »(2).

وعنه صلی الله علیه وآله وسلم: «ما من مسلم يكسو مسلماً ثوباً إلا كان في حفظ الله ما دام منه رُقْعة »(3).

وقال عمر بن عبد العزيز: الصّلاة تبلِّغك نصفَ الطّريق، والصوّم يبلغّك باب الملك، والصّدقة تُدْخِلُك عليه .


-134-

الأصل: وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطية.


الشرح :هذا حق ، لأن من لم يُوقِن بالْخَلَف ويتخوّف الفقرَ بَضِن بالعطيّة، ويَعلَم أنّه إذا أعطَى ثمّ أعطّى استتفَدَ ماله، واحتاج إلى الناس لانقطاع مادته، وأمّا من يُوقِن بالْخَلَف، فإنّه يَعلَم أنّ الجود شَرَفٌ لصاحبه، وأن الجواد ممدوحٌ عند الناس، فقد وجد الداعي إلى السمّاح - ولا صارفَ له عنه - لأنّه يعلَم أنّ مادته دائمةً غير منقطعة، فالصارف الذي يَخافُه من قدّمنا ذكَره مفقودٌ في حقّه، فلا جَرَم أنه يجود بالعطيّة!



1) لم أجده .

2) أخرج بنحوه ابن المبارك في «الزهد» (646) ، والشهاب في «مسنده» (789)، والديلمي في «مسند الفردوس» (6196).

3) أخرج بنحوه البيهقي في «شعب الإيمان» (6286).

• 135 -

الأصل: تنزِلُ الْمَعُونَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَؤونة.


الشرح: جاء في الحديث المرفوع: «مَن وَسَّع وُسّع عليه، وكلَّما كثُر العيال كثُر الرزق »(1).

وكان على بعض المُوسِرين رسومٌ لجماعة من الفُقراء يَدفعُها إليهم كلَّ سنة، فاستكثرها ، فأمَرَ كاتبه بقَطعها ، فرأى في المنام كانّ له أهواء كثيرة في داره، وكأنّها تصعِّدها أقوامٌ من الأرض إلى السّماء، وهو يَجزَع من ذلك ، فيقول : يا ربّ رِزقي رزقي ! فقيل له : إنما رزَقناك هذه لتَصرِفها فيما كنتَ تَصرِفها فيه، فإذ قطعتَ ذلك رفعناها منك، وجعلناها لغيرك. فلما أصبح أمَرَ كاتبه بإعادة تلك الرسوم أجمع .


• 136 -

الأصل: مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ.


الشرح: ما ،عال، أي ما افتَقَر ، وقد تقدّم لنا قولٌ مُقنع في مدح الاقتصاد.

وقال أبو العَلاء :

وإن كنتَ تَهوَى العيش فابْغِ تَوسطاً*** فعند الثَّناهي يَقصُر المُتطاوِلُ

تُوَفَّى البدورُ النقص وهي أهِلَّةٌ ***ويُدركها النّقصان وهيَ کَواملُ

وهذا الشعرُ وإن كان في الاقتصاد في المراتب والولايات، إلاّ أنّه مدحٌ للاقتصاد في الجملة، فهو من هذا الباب. وسَمِع بعضُ الفُضلاء قُولَ الحكماء : التدبيرُ نصفُ العَيش، فقال: بل العيشُ كلُّه .


• 137 -

الأصل: قِلَّةُ الْعِبَالَ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ.


1) في ديوان: 360/1 .

الشرح: اليسار الثاني كثرة المال، يقول : إن قِلّة العيال مع الفَقْر كاليسار الحقيقي مع كثرتهم.

ومن أمثال الحكماء : العيالُ أرَضَة المال .


• 138-

الأصل: التَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ.


الشرح: دخل حبيب بنُ شَوْذَب على جعفر بن سليمان بالبَصرة، فقال: نعم المرء حبيب بن شَوْذَب ! حَسَن التودّد، طيّب الثناء، يكره الزيارة المتصلة، والقِعدةَ المنسِيةَ.

وكان يقال : التودّد ظاهرٌ حَسَن، والمعامَلة بين الناس على الظاهر، فأمّا البواطن فإلى عالم الخَفيَّات.

وكان يقال : قَلَّ مَن تودَّد إلا صار محبوباً ، والمحبوب مستورُ العيوب .


-139-

الأصل: والهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ.


الشرح :مِن كلام بعض الحُكماء : الهمّ يُشيب القلب، ويُعقم العقل، فلا يتولّد معه رأي، ولا تَصدُق معه رَوية.

وقال الشاعر:

عموم قد أبَتْ إلاّ التباساً ***تَبُثّ الشيبَ في رأس الوليد

وتُقعد قائماً بشجاخشاهُ*** وتُطلق للقيام حُبَا القُعود

وأضحت خُشْعاً منها نزارٌ*** مركّبة الرواجب في الخدُودِ (1)

وقال سُفْيان بن عيينة: الدنيا كلها هموم ،وغموم، فما كان منها سرور فهو ربح.

ومن أمثالهم : الهمّ كافورُ الغُلمة.


1) الرَّوَاجب : مفاصل أصول الأصابع التي تلي الأنامل لسان العرب مادة (رجب).

وقال أبو تمّام:

شاب رأسي وما رأيتُ مَشيب الرّأس ***الأّمن فضل شيب الفؤاد

وكذاك القلوبُ في كل بؤس ***ونعيم طلائع الأجساد

طالَ إنكارِيَ البياضَ ولو عُمر*** تُ شيئاً أنكرتُ لونَ السبَواد


• 140 -

الأصل: يَنْزِلُ الصَّبْرُ على قَدْرِ المُصِيبَةِ، ومَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ أَجْرُهُ.


الشرح: قد مضى لنا كلامٌ شافٍ في الصبر، وكان الحسنُ يقول في قصصه : الحمد لله الذي كلَّفنا ما لو كلَّفنا غيرَه لَصِرنا فيه إلى معصيته وأجرَنا على ما لا بدّ لنا منه، يقول: كلَّفنا الصبر، ولو كلَّفنا الجَزَعَ لم يمكنّا أن نقيم عليه، وأجَرَنا على الصبر ولا بدّ لنا من الرجوع إليه .

ومن كلام أمير المؤمنين علیه السلام ، كان يقول عند التعزية علكيم بالصّبر، فإنّ به يأخذ الحازمُ، ويعود إليه الجازع(1).

وقال أبو خراش الهُذَلِيّ يذكر أخاه عُروة:

تقول أراهُ بعدَ عُروة لاهياً ***وذلك رزءٌ لو علمتِ جليلُ

فلا تحسبي أنِّي تناسيتُ عهدَه*** ولكنّ صبري يا أُمَيم جُميل

وقال عمرو بن مَعدِ يكرِب :

کم منْ أخ ليَ صالح***بواتُه بِيَدَيَّ لَحْدا

ألبَستُه أكفانَةٌ ***وخُلِقت يومَ خُلقتُ جَلْدا

وكان يقال: من حدّث نفسه بالبقاء، ولم يُوطّنها على المصائب، فهو عاجزُ الرأي. وكان يقال : كفى باليَأس مُعزّياً، وبانقطاع الطمع زاجراً ؟

وقال الشاعر:

أيا عمْرُو لَمْ أصبر ولي فيكَ حِيلةٌ*** ولكن دَعاني اليأسُ منكَ إلى الصّبر

تصبّرتُ مغلوباً وإنّي لمُوجَع ***كما صَبر القطانُ في البلد القَفْرِ



1) أخرجه الشيخ المحمودي في نهج السعادة: 288/7 .

-141-

الأصل: كَمْ مِنْ صَالِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالظَّمَةُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ وَالْعَتَاهُ. حَبَّدَا نَوْمُ الْأَكْبَاسِ وَإِفْطَارُهُمْ !


الشرح: الأكياس هاهنا العلماء العارفون، وذلك لأن عباداتهم تقع مطابِقةً لعقائدهم الصحيحة، فتكون فروعاً راجعةً إلى أصل ثابت، وليس كذلك الجاهلون بالله تعالى، لأنهم إذا لم يعرفوه ولم تكن عباداتهم متوجهة إليه فلم تكن مقبولةٌ ، ولذلك فَسَدَتْ عِبادة النصارىواليهود.

وفيهم ورد قوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلاَ نَارًا حَامِيَةٌ )(1).


• 142 -

الأصل: سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَادْفَعُوا أَمْوَاجَ الْبَلاءِ بالدعاء.


الشرح: قد تقدّم الكلام في الصّدقة والزّكاة والدّعاء، فلا معنَى لإعادة القول في ذلك .


• 143 -

الأصل: ومن كلام له علیه السلام لكميل بن زياد النخعي: قال كُمَيل بنُ زياد: أخذ بيَدِي أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب علیه السلام فأخرَجَنى : إلى الجَبّانِ، فلما أصحَرَ تَنفَّس الصُّعَداءَ، ثمَّ قالَ :

يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ ؛ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَّةٌ فَخَيْرُهَا أَوْهَاهَا ، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ .


1) سورة الغاشية، الآيتان: 3، 4 .

النَّاسُ ثَلاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيُّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رِمَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِينُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجووا إِلَى رُكْنٍ وَثِيق.

يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ : الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ. وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ .

يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينُ يُدَانُ بِهِ بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الْأَحْدوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ .

يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ ؛ هَلَكَ خَزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ ؛ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ. هَا إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمَّا - وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ - لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةٌ بَلَى أُصِيبُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا ، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ الله عَلَى عِبَادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ ، لا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَانِهِ؛ يَنْقَدِحُ الشَّكُ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضِ مِنْ شُبْهَةٍ أَلَا لَا ذَا وَلَا ذَاكَ، أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ، بالللو، سَلِسَ الْقِيَاءِ لِلشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْع وَالاِدْحَارِ، لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهَا بِهِمَا الْأَنْعَامُ السَّائِمَةُ، كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ .

اللَّهُمَّ بَلَى؛ لاَ تَخُلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِم الله بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِتَلا تَبْطَلَ حُجَجُ الله وَبَيِّنَاتُهُ .

وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ! أُولَئِكَ وَالله الأتَلُونَ عَدَداً ، وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَ الله قَدْراً ، يَحْفَظُ الله بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ. هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رَوْحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلانُوا مَا أَسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَأَيْسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانِ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى؛ أُولَئِكَ خُلَفَاءُ الله فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ ، آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ انصرف يَا كُمَيْلُ إِذَا شِئت.


الشرح : الجَبّان والجَبانة : الصحراء.

وتَنفَّسَ الصَّعَداء، أي تنفّس تنفُّساً ممدوداً طويلاً.

قولُه علیه السلام : «ثلاثة» قسمةٌ صحيحة، وذلك لأنّ البشر باعتبار الأمور الإلهيّة : إمّا عالم على

الحقيقة يَعْرِف الله تعالى، وإمّا شارع في ذلك فهو بعد في السّفر إلى الله يَطلبُه بالتعلّم والاستفادة من العالم، وإمّا لا ذا ولا ذاك ؛ وهو العامي الساقط الّذي لا يَعبأ الله . وصَدَق علیه السلام في أنّهم هَمج رعاع أتباعُ كلِّ ناعق ألا تراهم ينتقلون من التقليد لشخص إلى تقليد الآخر، لأدنى خيال وأضعفِ وَهُم!

ثم شرع علیه السلام في ذكر العلم وتفضيله على المال فقال : «العلم يَحرُسك، وأنت تَحرُس المال»، وهذا أحدُ وجوه التفضيل .

ثم ابتدأ فذَكَر وجهاً ثانياً ؛ فقال : المالُ يَنقُص بالإنفاق منه، والعلم لا ينقص بالإنفاق بل يَزْكو ؛ وذلك لأنّ إفاضةَ العلم على التلامذة تفيد المُعلّم زيادة استعداد، وتقرِّر في نفسه تلك العلوم التي أفاضها على تلامذته وتثبّتها وتزيدها رسوخاً.

فأمّا قوله :«وصنيعُ المال يزولَ بزواله»، فتحته سرّ دقيق حكميّ، وذلك لأن المال إنما يَظهر أثرُه ونفعُه في الأمور الجِسمانية، والملاذّ الشَّهوانية، كالنّساء والخيل والأبنية والمأكل والمشرَب والمَلابس ونحو ذلك، وهذه الآثار كلّها تزول بزوال المال أو بزوال رَبِّ المال، ألا تَرَى أنّه إذا زال المالُ اضطُرّ صاحبُه إلى بيع الأبنية والخيل والإماء، ورَفَض تلك العادة من المآكل الشهيّة والملابس البهيّة! وكذلك إذا زال ربُّ المالِ بالمؤت، فإنّه تزول آثارُ المالِ عندَه : فإنّه لا يَبقَى بعد الموت آكِلاً شارباً لابساً، وأما آثار العلم فلا يمكن أن تزول أبداً والإنسان في الدنيا، ولا بعد خروجه عن الدنيا، أما في الدنيا فلان العالم بالله تعالى لا يعود جاهلاً به لأنّ انتقاءَ العلوم البديهيّة عن الذّهن وما يَلزَمها من اللِّوازم بعد حصولها مُحال، فإذاً قد صَدَق قولُه علیه السلام في الفَرْق بين المالِ والعِلم : «إنّ صنيع المال يَزولُ بزواله»، أي وصنيع المال لا يَزول ولا يحتاج إلى أن يقول «بزواله» لأن تقدير الكلام: وصنيع المال يزول ؛ لأنّ المالَ يَزول، وأما بعد خروج الإنسان من الدّنيا فإنّ صنيع العِلْم لا يزول، وذلك لأن صنيعَ العلم في النفس الناطقة الّلذّة العقليّة الدائمة لدوام سببها، وهو حصولُ العِلم في جوهر النفس الّذي هو معَشُوق النّفس مع أنتفاء ما يُشغِلها عن التمتّع به، والتلذُّذ بمصاحبته، والّذي كان يشغِلها عنه في الدّنيا استغراقُها في تدبير البدن وما تُورِده عليها الحواسّ من الأمور الخارجية، ولا ريبَ أنّ العاشق إذا خلا بمَعشوقِه وانتفتْ عنه أسبابُ الكَدَر، كان في لذِّة عظيمة، فهذا هو سر قوله : «وصنيع المال يزولُ بزَواله».

فإن قلت : ما معنى قولِه علیه السلام : «معرفةُ العِلْم دينٌ يُدان به»، وهل هذا إلا بمنزلة قولك :معرفةُ المَعرفة أو علم العلم! وهذا كلامٌ مضطرب.

قلت : تقديره : معرفَةُ فَضْل العلم أو شرفِ العلم، أو وُجوب العلم دِينُ يُدانُ به، أي

المعرفة بذلك من أمرِ الدّين، أي رُكنٌ من أركان الدّين واجبٌ مفروض.

ثمّ شَرح علیه السلام حالَ العِلْم الذي ذكر أن معرفةَ وجُوبه أو شرفه دِينُ يُدانُ به، فقال: «العِلم يَكسِب الإنسانَ الطاعة في حَياته»، أي مَنْ كان عالماً كان الله تعالى مطيعاً، كما قال سبحانه: (إنَّمَا يَغْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا )(1).

ثم قال: «وجميل الأحدوثة بعد وفاته»، أي الذكر الجميل بعد مَوْتِه .

ثم شرع في تفضيل العِلم على المال من وجه آخَر، فقال :«العلمُ حاكم، والمال محكومٌ عليه »، وذلك لعِلمك أن مَصلحَتَك في إنفاق هذا المال تُنفقه، ولعلمك بأنّ المصلحة في إمساكه تمسّکه ، فالعِلم بالمصلحة داع، وبالمَضَرّة صارف، وهما الأمران الحاكمان بالحَرَكات والتصرفات إقداماً ، وإحجاماً، ولا يكون القادر قادراً مختاراً إلا باعتبارهما، وليسا إلا عبارةً عن العِلم أو ما يجري مَجرَى العِلم من الاعتقاد والظَّنّ، فإذَنْ قد بان وظهرَ أن العلم من حيثُ هُوَ علمٌ حاكم، وأنّ المال ليس بحاكم، بل محكوم عليه.

ثم قال علیه السلام : «هَللک خُزّان المال وهم أحياء»، وذلك لأنّ المالَ المخزون لا فرقَ بينه وبين الصّخرة المدفونة تحتَ الأرض، فخازنه هالك لا محالة ؛ لأنّه لم يلتذّ بإنفاقه، ولم يَصرِفه في الوجوه التي نَدَب الله تعالى إليها ، وهذا هو الهلاك المَعْنَويّ، وهو أعظم من الهلاك الحِسّيّ.

ثم قال : «والعلماءُ باقون ما بقيَ الدهر»، هذا الكلامُ له ظاهر وباطن، فظاهرُه قولُه : «أعيانُهم مفقودة، وأمثالُهم في القلوب موجودة»، أي آثارهم وما دَوّنوه من العُلوم، فكأنّهم موجودون، وباطنه أنّهم موجودون حقيقةً لا مَجازاً، على قول من قال ببقاء الأنفس، وأمثالهم في القلوب كنايةٌ ولُغز، ومعناه ذواتُهم في حظيرة القُدّوس والمُشارَكة بينها وبين القلوب ظاهرة؛ لأنّ الأمر العامَّ الّذي يَسْمَلُهما هو الشّرف، فكما أن تلك أشرَفُ عالَمها، كذا القلبُ أشرفُ عالمه، فاستُعير لفظُ أحدِهما وعُبِّر به عن الآخر.

قوله علیه السلام : «ها إنّ هاهنا لَعِلْماً جَمّاً، وأشار بيَدِه إلى صدره»، هذا عندي إشارةٌ إلى العرفان والوُصول إلى المقام الأشرَف الّذي لا يصل إليه إلاّ الواحد الفَذّ من العالم ممّن الله تعالى فيه سرّ، وله به اتّصال.

ثم قال : «لو أصبت له حَمَلةً!» ومن الّذي يُطيق حَمْله بل مَن الذي يُطيق فهمه فضلاً عن حَملِه!


1) سورة فاطر، الآية : 28 .

ثم قال: «بلى .أصيب» .

ثمّ قسّم الذي يصيبهم خمسةَ أقسام :

أحدُهم : أهلُ الرّياء والسُّمعة، الذين يظرون الدّين والعلم ومقصودُهم الدنيا، فيُجعَلون الناموس الدِّيني شَبَكة لاقتناص الدّنيا .

وثانيها : قومٌ من أهل الخير والصّلاح ليسوا بذَوِي بَصيرة في الأمور الإلهية الغامضة، فيخاف من إفشاء السرّ إليهم أن تنقدح في قلوبهم شُبهة بأدنَى ،خاطر، فإنّ مَقَام المعرفة مقامٌ خَطِر صَعْب لا يثبت تحته إلاّ الأفرادُ من الرّجال، الذين أيِّدوا بالتّوفيق والعصمة.

وثالثها : رجلٌ صاحبُ لَذَات وطَرَب مشتهِر بقضاء الشّهوة، فليس من رجال هذا الباب.

ورابعها: رجلٌ عرف بجمع المال وادّخارِه، لا يُنفقه في شَهوَاته ولا في غيرِ شَهواته، فحكمُه حكمُ القسم الثالث.

ثم قال علیه السلام : «كذلك يَمُوت العلمُ بموت حامليه»، أي إذا مِتُّ ماتَ العلمُ الذي في صدري ؛ لأني لم أجد أحداً أدفعُه إليه، وأُوَرِّتُه إياه. ثم استدرك فقال: «اللّهمّ بلى، لا تخلو الأرضُ من قائمِ بحجّة الله تعالى» كَيْلا يخلو الزمان ممّن هو مهيمِنٌ الله تعالى على عباده، ومسيطِرٌ عليهم، وهذا يكاد يكونُ تصريحاً بمَذهب الإماميّة، إلاّ أنّ أصحابَنا يحملونه على أن المراد به الأبدال الذين وردت الأخبارُ النبويّة عنهم أنّهم في الأرض سائحون، فمنهم من يُعرف ومنهم من لا يُعرف، وإنهم لا يموتون حتى يودِعُوا السرّ، وهو العرفان عند قوم آخرين يقومون مَقامَهم .

ثم استنزَرَ عَددَهم فقال : «وكم ذا !» أي كم ذا القَبيِل ! وكم ذا الفريق !

ثم قال : «وأين أولئك! » استَبهَم مكانَهم ومحلَّهم .

ثم قال : «هم الأقلّون عدداً، الأعظمون قَدْراً».

ثم ذكر أن العلم هجم بهم على حقيقة الأمر، وأنكَشَفَ لهم المستور المغطَّى، وباشروا راحَة اليقين وبَرْدَ القَلْب وثَلْج العلم، وأستَلاَنوا ما شَقّ على المترّفين من النّاس، ووعر عليهم نحو التوحّد ورفض الشّهوات وخشونة العيشة .

قال : «وأَنسِوا بما أستَوحَش منه الجاهلون»، يعني العزلةَ ومجانَبةَ الناس، وطول الصّمت، وملازَمة الخَلوة، ونحوَ ذلك ممّا هو شعار القوم .

قال: «وصَحِبوا الدّنيا بأرواح أبدانُها معلقة بالمَحَلَّ الأعلى»، هذا ممّا يقوله أصحابُ الحِكمة من تعلّق النفوس المجرَّدة بمبادئها من العقول المفارقة، فمن كان أزكَى كان تعلُّقُه بها أَتَمَّ .

ثم قال : «أولئك خُلفاء الله في أرضِه والدعاةُ إلى دينه»، لا شُبهة انّ بالوصول يستحقّ الإنسان أن يسمَّى خليفة الله في أرضه، وهو المعني بقوله سبحانه للملائكة (وإنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ) (1)، ويقوله : ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُهُ خَلَفَ فِي الْأَرْضِ ) (2).

ثم قال : «آه آه شوقاً إلى رؤيتهم؟»، هو علیه السلام أحق الناس بأن يشتاق إلى رؤيتهم، لأنّ الجنسية عِلّة الضمّ، والشيء يشتاق إلى ما هو من سِنخِه وسُوسَتِه وطبيعته، ولما كان هو علیه اسلام شيخ العارفين وسيّدَهم، لا جَرَم. اشتاقت نفسه الشريفةُ إلى مشاهدة أبناء جنسِه، وإن كان كلُّ واحد من الناس دونَ طبقته .

ثم قال لِكَميل : «انصرف إذا شئت»، وهذه الكلمة من محاسن الآداب ومن لطائف الكلم، لأنه لم يقتصر على أن قال: «انصرف» كَيلا يكون أمراً وحُكماً بالانصراف لا محالة، فيكون فيه نوع عُلوِّ عليه، فأتبع ذلك بقوله : «إذا شئتَ» ليُخرجه من ذُلّ الحكم وقَهر الأمر إلى عِزّة المشيئة والاختيار.


-144-

الأصل: الْمَرْءُ مَخْبُوهُ تَحْتَ لِسَانِهِ.


الشرح: قد تكرّر هذا المعنى مراراً، فأما هذه اللفظة فلا نظير لها في الإيجاز والدلالة على المعنى، وهي من ألفاظِه علیه السلام المعدودة.

وقال الشاعر :

وكائن تَرَى من صامت لك مُعجِب ***زيادتُه أو نقصُه في التكلُّم

لسانُ الفَتي نصفٌ ونصفٌ فؤادُه*** فلم يَبقَ إلاّ صورةُ اللحم والدّم

وتكلم عبد الملك بنُ عَمَيْر وأعرابيُّ حاضر ، فقيل له : كيف تَرَى هذا ؟ فقال : لو كان كلامٌ يؤتَدَم به لكان هذا الكلامُ مما يؤتَدَم به .

وتكلم جماعةٌ من الخطباء عند مَسلَمة بن عبد الملك فأسْهَبوا في القول، ولم يصنعوا شيئاً، ثمّ أفرغ النطق رجل من أخرياتهم، فجعل لا يخرُج من فَنّ إلاّ إلى أحسنَ منه ، فقال مسلمة : ما شبّهت كلام هذا بعقب كلام هؤلاء إلا بسحابة لبدث عجاجةً.


1) سورة البقرة، الآية : 30 .

2) سورة الأنعام، الآية: 165 .

وسمع رجلٌ منشداً ينشد:

وكان أخلائي يقولون مَرْحَباً ***فلمّا رأوني مُقْتِراً مات مَرْحَبُ

فقال : أخطأ الشاعر، إنّ مرحباً لم يمت، وإنما قتله عليُّ بن أبي طالب علیه السلام!

وقال رجل الأعرابيّ : كيف أهلك؟ قال : صلباً إن شاء الله .

وكان مَسلَمة بن عبد الملك يعرض الجند؛ فقال الرجل : ما اسمك؟ فقال: «عبد» الله وخَفض ، فقال : ابنُ من ؟ فقال : ابن «عبد» الله، وفتح، فأمر بضَربه، فجعل يقول: «سبحانُ» الله ، ويَضُمّ ، فقال :مسلمة ويحكم ! دعوه فإنه مجبول على اللحن والخطأ، لو كان تاركاً للحن في وقت لتَرَكه وهو تحت السِّياط .


• 145-

الأصل : هَلَكَ امْرُلٌ لَمْ يَعرف قَدْرَه .


الشرح: هذه الكلمة منكلماته المعدودة. وكتب النعمان بن عبد الله إلى القاسم بن عبيد الله كتاباً يُدلّ فيه ،بخدمته، ويستزيد في رزقه، فوقّع على ظهره : رحِمَ الله امراً عَرَف قدرَه ! أنت رجلٌ قد أعجبتك نفسُك فلستَ تعرفها ، فإن أحببتَ أن أعرِّفكها عرفتُك. فكتب إليه النعمان : كنتُ كتبتُ إلى الوزير أعزّه الله كتاباً أستزيده في رزقي، فوقّع على ظهره توقيع ضَحرٍ لم يخرج فيه مع ضَجَره عمّا ألِفتُه من حِياطته وحُسنِ نظره ، فقال : إنَّه قد حدَثَ لعبده عُجب بنفسِه، وقد صدق - أعلى الله قدرَه - لقد شرّفني الوزير ،بخدمته، وأعلى ذكري بجميل ذكره، ونبّه على كفايتي بأستكفائه، ورَفَعني وكثّرني عند نفسي، فإن أعجِبْتُ فبنعمته عندي، وجميل تطوّله عليّ، ولا عجب، وهل خلا الوزيرُ من قوم يصطنعهم بعد مَلّة ويَرفَعهم بعد خُمول، ويُحدِث لهم هِمَماً رفيعة وانفساً عليّة، وفيهم شاکر و کَفور، وأرجو أن أكون أشكرهم للنّعمة، وأقوَمَهم بحقّها. وقد أطال الله بقاءه : إن عرف نفسه والاّ عرّفناه إيّاها ، فما أنكَرَها، وهي نفس أنشأتها نعمةُ الوزير وأحدثَتْ فيها ما لَم تَزل تُحدثه في نظرائها من سائر عبيده وخدمه، والله يعلم ما يأخذ به نفسه من خدمة مولاه وولي نعمته، إما عادةً ودربة وإما تأدباً وهيبة، وإما شكراً واستدامة للنعمة. فلما قرأ القاسمُ بن عبيد الله كتابَه استحسَنَه ، وزاد في رزقه.


146 - وقال علیه السلام للرجل سأله أن يعظه

الأصل: لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَيَرْجُو التَّوْبَةَ بطول الْأَمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِلِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِيِينَ، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْتَعْ، يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِي، وَيَبْتَغِي الزَّيَادَةَ فِيمَا بَقِي يَنْهَى وَلا ينتهي، وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِمَا لَمْ يَأْتِ.

يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، وَيُبْغِضُ الْمُذْنِبِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، وَيُقِيمُ عَلى مَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ مِنْ أَجْلِهِ، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً، وَإِنْ صَحْ أَمِنَ لاهِياً . يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفي، وَيَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَا وَإِنْ أَصَابَهُ بَلَاءٌ دَعَا مُضْطَرًا، وَإِنْ نَالَهُ رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرًا ، تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ ، وَلاَ يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ، يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ، وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ إِن اسْتَغْنَى بِطَرَ وَفُتِنَ، وَإِن افْتَقَرَ قَنَط وَوَهَنَ، يُقَصْرُ إِذَا عَمِلَ، وَيُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ، إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ الْمَعْصِيَةَ، وَسَوْفَ التَّوْبَةَ، وَإِنْ عَرَتْهُ محْنَةٌ انْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ الْمِلَّةِ .

يَصِفُ الْعِبْرَةَ وَلا يَعْتَبِرُ، وَيُبَالِغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَلاَ يَتَّعِظُ، فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌ وَمِن الْعَمَلِ مُقِلٌ.

يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى ، وَيُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى يَرَى الْغُنْمَ مَغْرَماً ، وَالْغُرْمَ مَغْنَماً ، يَخْشَى الْمَوْتَ، وَلاَ يُبَادِرُ الْفَوْتَ ، يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلْ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يُحَقِّرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ، فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ، وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ . اللَّغْرُ مَعَ الْأَغْنِياءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ، وَلا يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ، يُرشِدُ نَفْسَهُ وَيُغْوِي غَيْرَهُ، فَهُوَ يُطَاعُ وَبَعْصِي، وَيَسْتَوفِي وَلَا يُونِي، وَيَخْشَى الْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ، وَلا يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ.


قال الرّضي رحمه الله تعالى: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلا هَذَا الْكَلَامُ لَكَفَى بِهِ مَوْعِظَةٌ نَاجِعَةٌ ، وَحِكْمَةٌ بِالِغَةٌ، وَبَصِيرَةً لِمُبْصِرٍ، وَعِبْرَةً لِنَاظِرٍ مُفَكّرٍ .

الشرح: كثير من الناس يَرجون الآخرَة بغيرِ عَمَل، ويقولون : رحمة الله واسعة، ومنهم من يَظُن أن التلفّظ بكلمتَي الشهادة كافٍ في دُخول الجنّة، ومنهم من يسوف نفسَه بالتوبة، ويرجِىءُ الأوقات من اليوم إلى غَد، وقد يُخْتَرَم على غرة فيفوتُه ما كان أملّه، وأكثرُ هذا الفصل للنّهي عن أن يقول الإنسان واعظاً لغيره ما لم يعلم هو من نفسه، كقوله تعالى : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُمْ )(1).

فأوّل كلمة قالَها علیه السلام في هذا المعنى من هذا الفصل قولُه : «يقول في الدنيا بقول الزّاهدين، ويَعمَل فيها بعمل الراغبين».

ثم وَصَف صاحب هذا المذهب وهذه الطريقة فقال: «إنّه إن أعطي من الدّنيا لم يَشبَع»، لأنّ الطبيعة البشرية مجبولةٌ على حُبّ الازدياد، وإنما يقهرها أهل التوفيق وأربابُ العَزم القويّ .

قال: «وإن مُنِع منها لم يَقنَع» بما كان وَصَل إليه قبل المَنْع .

ثم قال : يَعجَز عن شكر ما كان أنعَمَ به عليه، ليس يعني العجزَ الحقيقيَّ، بل المراد تَرك الشّكر، فسمَّى ترك الشكر عجزاً. ويجوز أن يُحمل على حقيقته، أي أنّ الشكر على ما أولي من النّعم لا تنتهي قُدْرَته إليه ، أي نِعمَ الله عليه أجلّ وأعظم من أن يُقام بواجب شكرها .

قال: «ويبتغِي الزيادةَ فيما بَقِي» هذا راجعٌ إلى النّحو الأوّل.

قال : يَنهَى ولا يَنتهي ويأمرُ الناس بما لا يأتي»، هذا كما تقدَّم.

قال : «يُحِبّ الصالحين ولا يَعمَل عَملَهم »، إلى قوله : «وهو أحدهم»، وهو المعنَى الأول بعینه.

قال : يَكرَه الموتَ لكثرة ذُنوبه، ويقيمُ على الذّنوب، وهذا من العجائب أن يكره إنسانٌ شيئاً ثم يُقيمُ عليه، ولكنّه الغرور وتسويفُ النّفس بالأمانيّ.

ثم قال: «إن سَقِمَ ظَلّ نادماً، وإن صَحَّ أمِن لاهياً»، (فإذا رَكِبُوا فِي الْمُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ له الدِّينَ)(2). . . . الآيات .

قال : «يُعجَب بنفسه إذا عُوفي، ويقنط إذا ابتُلي» (فَأَمَّا الإنسَنُ إِذَا مَا ابْتَلَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعمَر فَيَقُولُ رَبِّ أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَنَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَنِ ) (3). . . .،ومثل الکلمة الأخرى : «إن أصابه بَلاء»، و«إن ناله رخاء».

ثم قال : «تغلبه نفسُه على ما يَظُن، ولا يغلبها على ما يَستيِقن»، هذه كلمة جليلةٌ عظيمة


1) سورة البقرة الآية : 44 .

2) سورة العنكبوت الآية : 65 .

3) سورة الفجر، الآيتان: 15، 16 .

يقول : هو يستيقن الحسابَ والثوابَ والعقابَ، ولا يغلِب نفسَه على مجانبِة ومتاركة ما يُفضي به إلى ذلك الخَطَر العظيم، وتغلبُه نفسه على السّعي إلى ما يَظنّ أن فيه لذّةٌ عاجلةً، فواعجباً ممّن يترجّح عندَه جانبُ الظنّ على جانب العلم! وما ذاك إلاّ لضعف يقين الناس وحب العاجل.

ثم قال: «يخاف على غيره بأدنى من ذَنْبه، ويرجو لنفسه أكثر من عَمَله»، ما يزال يَرَى الواحد منّا كذلك يقول : إنّي لخائف على فلان من الذّنب الفلانيّ وهو مقيمٌ على أفحشَ من ذلك الذنب، ويرجو لنفسه النّجاة بما لا تقوم أعمالُه الصّالحة بالمصير إلى النّجاة به، نحو أن يكون يصلِّي رَكعاتٍ في اللّيل أو يصوم أياماً يسيرةً في الشّهر، ونحو ذلك .

قال: «إن أستَغنَى بَطِر وفُتِن ، وإن افتَقَر قَنِط ووهن» قنَط بالفَتح يَقنِط بالكسر ، قُنوطاً مثل جَلَس يَجلِس جلوساً، ويجوز قَنَط يَقنطُ بالضمّ مثل فَعَد يَقعُد ، وفيه لغة ثالثة : قَنِط يَقنَط قَنطاً ، مثل تَعِب يَتعب تعباً وقَناطةٌ فهو قنط وبه قرىء: (فَلَا تَكُن مِّنَ القَيْلِينَ) (1)، والقُنوط اليأس . ووهَن الرجلُ يَهِن، أي ضَعُف وهذا المعنى قد تكرّر .

قال : «يقصِّر إذا عَمِل، ويُبالِغ إذا سُئِل»، هذا مِثْلُ ما مَدَحَ به النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم الأنصارَ:«إنّكم لتَكثُرون عند الفَزَع ، وتَقِلّون عند الطمع »(2).

قال : «إن عَرَضَتْ له شهرةٌ أسلَفَ المعصية، وسوّف التوبة، وإن عَرَتْه مِحنة أنفَرَج شرائط المِلّة»، هذا كما قيل : أمدَحُه نَقْداً ويُثيبُني نَسِيئة، وانفرج عن شرائط الملّة، قال: أو فعل ما يقتضي الخروج عن الدّين، وهذا موجودٌ في كثير من الناس إذا عرثه المِحَن كَفَروا أو قال ما يُقارب الكفر من التسخّط والتبرّم والتأنّف .

قال: «يَصِف العبرة ولا يَعتبِر، ويُبالِغ في الموعظة ولا يتّعظ »، هذا هو المعنى الأوّل .

قال : «فهو بالقول مُدِلّ، ومن العمل مُقِلّ»، هذا هو المعنى أيضاً .

قال: «ينافِسُ فيما يَفنَى»، أي في شَهَوات الدنيا ولذَاتها، و«يُسامِح فيما يبقَى» أي في الثّواب.

قال : «يَرَى الغُنْم مَعْرَماً ، والغُرْم مَعْنَماً»، هذا هو المعنَى الّذي ذكرناه آنِفاً .

قال: «يَخشَى الموت، ولا يُبادِر الفَوْت»، قد تكرّر هذا المعنى في هذا الفَصل، وكذلك قولُه:« يَستعظِم من معصيةِ غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسِه .....»، وإلى آخر الفصل كلٌّ مکرّر المعنى وإن اختلفت الألفاظ، وذلك لاقتدارِه علیه السلام على العبارة ، وسَعَة مادة النطق عنده .



1) سورة الحجر الآية 55 .

2) ذكره في «صفوة الصفوة» (205/1 ) .

-147-

الأصل: لِكُلِّ امْرِى عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ .


الشرح: هكذا قرأناه ووجدناه في كثير من النُّسَخ، ووجَدناه في كثير منها «لكلّ أمر عاقبة»، وهو الأليَق، ومثل هذا المعنى قولهم في المَثَل : لكلّ سائل قرار، وقد أخَذَه الطائي فقال :

فكانت لوعة ثمّ استقرّتُ*** كذاَك لكلّ سائلةٍ قَرارُ

وقال الكميت في مثل هذا :

فالآنَ صِرْتَ إلى أُمَيّ***ةَ والأمورُ إلى مَصائر

فأمّا الرواية الأولى وهي : «الكلّ امرىء» فنظائرُها في القرآن كثيرة، نحو قوله تعالى :( يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ )(1)، وقوله : (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَنُ مَا سَعَى ويُرْزَتِ الجَحِيرُ لِمَن يَرَى فَأَمَّا مَن طَغَى وَاثَرَ الْمَوَةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقَامَ رَبِّهِ. وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)(2)، وغير ذلك من الآيات .


-148-

الأصل: الرّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ ، وَعَلَى كُلِّ دَاخِل فِي بَاطِلِ إثْمَانِ : إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَا بِهِ.


الشرح: لا فرقَ بين الرّضا بالفعل وبين المُشارَكة فيه ألا ترى أنّه إذا كان ذلك الفعل قبيحاً أستَحَقّ الراضي به الذّم كما يستحقّه الفاعل له ! والرّضا يفسر على وجهين : الإرادة، وترك الاعتراض، فإن كان الإرادة فلا ريب أنّه يَستحیق الذّم لأنّ مُرِيد القبيح فاعل للقبيح، وإن كان ترك الاعتراض مع القدرة على الاعتراض فلا رَيب أنّه يستحقّ الذم أيضاً، لأن تاركَ النهي عن المنكر مع أرتفاع المَوانِع يستحقّ الذمّ.


1) سورة هود الآية 105 .

2) سورة النازعات، الآيات : 35 41 .

فأمّا قولُه علیه السلام : «وعلى كل داخل في باطل إثمان»، فإن أراد الدّاخل فيه بأن يَفعَله حقيقة فلا شُبهة في أنّه يأثم من جهتين :

إحداهما من حيثُ إنّه أراد القبيح.

والأخرى من حيث إنه فَعَله، وإن كان قومٌ من أصحابنا قالوا : إنّ عِقابَ المُراد هو عقابُ الإرادة.

وإن أراد أنّ الراضيَ بالقبيح فقط يستحقّ إثمين: أحدهما لأنّه رَضِيَ به، والآخر لأنه كالفاعل، فليس الأمر على ذلك، لأنّه ليس بفاعل للقبيح حقيقةٌ ليستحقّ الإثم من جهة الإرادة ومن جهة الفعليّة جميعاً ، فوَجَب إِذَنْ أن يُحمّل كلامُه علیه السلام على الوجه الأوّل.


-149-

الأصل: لِكُلِّ مُقْبِل إِدْبَارٌ، وَمَا أَدْبَرَ فَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ .


الشرح: هذا معنًى قد استُعمل كثيراً جدّاً، فمنه المثل :

ما طارَ طيرٌ وارتفَع*** إلاّ کما طارَ وَقَع

وقول الشاعر :

بقدر العُلوّ يكون الهبوطُ ***وإيّاك والرُّتب العاليَة

وقال بعض الحكماء : حركةُ الإقبال بطيئة، وحركة الإدبار سريعة، لأن المُقبل كالصاعد إلى مرقاة، ومِرْقاةُ المُدبر كالمقذوف به من علو إلى أسفل، قال الشاعر:

في هذه الدّار في هذا الرِّواق على*** هذي الوسادة كان العزُّ فانقَرَضا

آخر:

إنّ الأمور إذا دَنَتْ لزَوالها*** فعلامَةُ الإدبار فيها تظهرُ

وفي الخبر المرفوع : كانت ناقةُ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم العَضباء لا تُسْبَق ، فجاء أعرابيٌ عَلَى قَعودٍ له فسبقها، فاشتد على الصحابة ذلك، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم :«إنّ حقاً على الله ألا يرفع شيئاً من هذه الدنيا إلاّ وَضَعه »(1).


1) أخرجه البخاري كتاب الجهاد والسير، باب : ناقة النبي صلی الله علیه وآله وسلم (2872) والنسائي، كتاب : الخيل باب السبق (3588) ، وأحمد في «مسنده» (11599).

وقال شيخٌ من هَمْدانَ: بعثَني أهلي في الجاهليّة إلى ذي الكَلاَع بهَدَايا ، فمكثتُ تحت قصره حَوْلاً لا أصِل إليه، ثم أشرَف إشرافةً من كُوّةٍ له فخر له مَنْ حَولَ العرش سُجداً، ثم رأيتُه بعد ذلك بحمص فقيراً يشتري اللّحم ويسمِّطه خلف دابته، وهو القائل :

أُفٍّ لدنيا إذا كانت كذا*** أنا منها أنا منها في هموم وأذَى

إن صفا عيشُ امرىء في صُبحها ***جرعته ممسياً كأس القَذى

ولقد كنتُ إذا ما قيل مَن ***أنعَمُ العالَم عَيْشاً؟ قيل: ذا

وقال بعض الأدباء في كلام له :بينا هذه الدنيا تُرضع بدرتها وتصرّح بزيدتها، وتلحف فضل جناحها، وتغرّ بركود رياجها ، إذ عطفت عطف الضّروس، وصرخت صُراخ الشّموس، وشنّت غارة الهموم، وأراقت ما حلبتْ من النعيم، فالسعيد من لم يغترّ بنكاحها، واستعد لوشك طلاقها.

شاعر - هو إهاب بن همام بن صعصعة المجاشعي، وكان عثمانياً :

لعمرُ أبيك فلا تَكذِبنّ*** لقد ذهبَ الخيرُ إلاّ قليلاً

وقد فُتِنَ الناسُ في دينهم ***وخَلّى ابنُ عَنّان شرّاً طويلا

وقال أبو العتاهية :

يَعمُر بيتٌ بخراب بيت ***يعيشُ حيُّ بتراثِ مَيْتِ

وقال أنس بن مالك: ما من يوم ولا ليلة ولا شهرٍ ولا سنة إلاّ والذي قبله خيرٌ منه، سمعتُ ذلك من نبّيكم علیه السلام، فقال شاعر :

ربِّ يوم بكيتُ منه فلمّا*** صرتُ في غيره بكيتُ عليهِ

قيل لبعض عُظماء الكُتّاب بعد ما صُوير: ما تُفكِر في زوال نِعمَتك؟ فقال: لا بدّ من الزوال، فلأن تزول وأبقَى خيرٌ من أن أزول وتبقى .

ومن كلام الجاهلية الأولى : كلّ مقيم شاخص، وكل زائد ناقص .

شاعر :

إنما الدنيا دوَل*** فراحِل قيلَ نَزَلْ

إذا نازلٌ قِيلَ رَحَلْ

لما فَتحَ خالدٌ بن الوليد عين التمر سأل عن الحُرّقة بنتِ النّعمان بن المنذر، فأتاها وسألها عن حالها، فقالت : لقد طلعت علينا الشمس وما من شيء يَدِبّ تحت الخَوَرْنَفق(1)إلا وهو


1) الخورنق : اسم قصر بالعراق، فارسي معرب بناء النعمان الأكبر . لسان العرب مادة (خرنق).

تحتَ أيدينا ، ثم غَرَبَتْ وقد رَحِمْنا كلّ من تُلِم به، وما بيت دخلته حَبْرَة، إلا ستدخله عَبرة، ثم قالت:

فَبَيْنَا نسوسُ الناسَ والأمرُ أمرُنا*** إذا نحن فيهم سُوقةً نتنصّف

فافِّ لدنيا لا يَدُوم نعيمها*** تَقلَّب تاراتٍ بنا وتَصرَّفُ

وجاءنا سعدُ بن أبي وقاص مرّة، فلما رآها قال قاتل الله عَدِيَّ بن زيد، كأنه كان ينظر إليها حيث قال لأبيها :

إن للدّهرِ صَرْعَةً فاحذرتها*** لا تبيتنّ قد أمِنتَ الدّهورا

قديبيتُ الفَتَى مُعَافًى فيَرْدَى*** ولقد كان آمناً مسرُورا

وقال مطرِّف بن الشِّخِّير :لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك ولين رياشهم، ولكن انظروا إلى سُرعةِ طَعْنِهم وسوء مُنقَلَبهم، وإن عُمْراً قصيراً يستوجب به صاحبُه النار العمرة مشرومٌ على صاحبه.

لما قتل عامِرُ بنُ إسماعيل مَرْوانَ بن محمد وقَعَد على فراشه قالت ابنة مَرْوان له: يا عامر، إنّ دهراً أنزل مروان من فُرُشِه وأَقْعَدَك عليها لَمُبْلِغ في عِظَتك إن عَقَلْتَ .


-150-

الأصل: لا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظُّفَرَ وإن طال بِهِ الزَّمانُ .


الشرح: قد تقدّم كلامُنا في الصبر.

وقالت الحكماء :الصّبرُ ضَرْبان جسميّ ونفسيّ، فالجسميّ تحمُّل المَشَاقّ بقدر القوّة البدنيّة، وليس ذلك بفضيلة تامّة، ولذلك قال الشاعر:

والصبرُ بالأرواح يُعرف فضله ***صبر الملوك وليس بالأجسام

وهذا النّوع إمّا في الفعل كالمشي ورفع الحجر أو في رفع الانفعال كالصّبر على المَرَض واحتمال الضرب المُقْظع . وأما النفسي ففيه تتعلّق الفضيلة، وهو ضَرْبان: صبرٌ عن مشتهى، ويقال له : عِفّة وصبر على تحمل مكروه أو محبوب. وتختلف أسماؤه بحسب اختلاف مَواقِعه، فإن كان في نزول مصيبة لم يتعد به اسم الصبر، ويضادّه الجزع والهلع والحُزن، وإن كان في احتمال الغنى سمّي ضبط النفس، ويضاده البَطر والأشَر والرّفع وإن كان في محاربة

سمّي شجاعةً ويضادّه الجُبن، وإن كان في إمساك النفس عن قضاء وَطَر الغضب سمي حِلماً، ويضادّه التذمّر والاستشاطة، وإن كان في نائبة مضجرة سمّي سَعة صدر، ويضاده الضَّجَر وضيق العَطَن والتبرّم، وإن كان في إمساك كلام في الضمير سمّي كِتمان السرّ، ويضادّه الإفشاء، وإن كان عن فضول العيش سمّي قناعةً وزهداً ويضادّه الحرص والشّرَه. فهذه كلها أنواعُ الصبر، ولكن اللفظ العُرْفيّ واقع على الصبر الجُسمانيّ، وعلى ما يكون في نزول المصائب، وتنفرد باقي الأنواع بأسماء تخصُّها .


-151-

الأصل: مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتان إِلا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلالَةٌ .


الشرح: هذا عند أصحابنا مختصِّ باختلاف الدّعوة في أصول الدّين، ويَدخل في ذلك الإمامة، لأنها من أصول الدين ولا يجوز أن يختلف قولان متضادان في أصول الدين فيكونان صواباً، لأنه إن عَنّى بالصواب مطابقة الاعتقاد للخارج، فمستَحيل أن يكون الشيءُ في نفسه ثابتاً منفياً ، وإن أراد بالصّواب سُقوط الإثم - كما يحكى عن عُبيد بن الحسن العَنبري - فإنه جعل اجتهاد المجتهدين في الأصول عُذراً ، فهو قولُ مسبوق بالإجماع.

ولا يحمل أصحابنا كلامَ أمير المؤمنين علیه السلام على عمومِه، لأن المجتهدين في فروع الشريعة وإن اختَلَفَوا وتضادّت أقوالهم ليسوا ولا واحد منهم على ضلال، وهذا مشروحٌ في كُتُبنا الكلاميّة في أصول الفقه .


-152-

الأصل: مَا كَذَبْتُ وَلاَ كُذِبْتُ، وَلاَ ضَلَلْتُ وَلاَ ضُلَّ بِي.


الشرح: هذه كلمةٌ قد قالها مراراً، إحداهنّ في وقعة النهروان.

وكُذبت بالضم أُخْبِرْت بخبر كاذب، أي لم يخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المخدّج خبراً كاذباً، لأن أخباره صلی الله علیه وآله وسلم كلها صادقة .

وضُلّ بي ، بالضمّ نحو ذلك، أي لم يُضلِلني مضلّل عن الصدق والحق، لأنه كان يستند في أخباره عن الغيوب إلى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلموهو منزَّه عن إضلاله وإضلال أحد من المكلفين .

فكأنَّه قال لما أخبرهم عن المخدّج وإبطاء ظهوره لهم: أنا لم أكذب على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ،ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكذب فيما أخبرني بوقوعه، فإذاً لا بدّ من ظفركم بالمخدّج فاطلبوه .


• 153 -

الأصل: لِلظَّالِمِ الْبَادِي هَداَ بِكَلِّهِ عَضَةٌ .


الشرح: هذا من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ) (1)، وإنما قال: «للبادي» لأنّ من انتصر بعد ظُلمه فلا سبيل عليه . ومن أمثالهم البادي أظلم .

فإن قلت : فإذا لم يكن بادياً لم يكن ظالماً، فأي حاجة له إلى الاحتراز بقوله : «البادي»؟

قلتُ : لأنّ العرب تُطلق على ما يقع في مُقابلة الظلم اسم «الظلم» أيضاً كقوله تعالى : (وَجَزَاؤُا مَنْشَةٍ مَنتَةٌ مِثْلُهَا)(2).


-154-

الأصل: الرّحِيلُ وَشِيكٌ.


الشرح: الوشيكُ : السريع، وأراد بالرحيل هاهنا الرّحيل عن الدنيا وهو الموت.

وقال بعضُ الحكماء : قبل وجود الإنسان عدم لا أوّل له. وبعدَه عدَم لا آخر له، وما شبهت وجوده القليل المتناهي بين العدمين غير المتناهِيَين إلاّ ببرق يخطف خَظفة خفيفةً في ظلامٍ مُعتكر، ثم يخمد ويَعود الظّلام كما كان .



1) سورة الفرقان الآية: 27 .

2) سورة الشورى الآية : 40 .

-155-

الأصل: مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ.


الشرح: قد تقدّم تفسيرُنا لهذه الكلمة في أوّل الكتاب، ومعناها ، : من نابَذَ الله وحاربه هلك ، يقال لمن خالَف وكاشَف : قد أَبْدَى صَفْحَته.


• 156 -

الأصل: اسْتَعْصِمُوا بِالدِّمَمِ فِي أَوْتَارِهَا .


الشرح» أي في مَظانّها وفي مركزها ، أي لا تستندوا إلى ذمام الكافرين والمارقين، فإنهم ليسوا أهلاً للاستِعصام بذممهم، كما قال الله تعالى: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا وَمَةٌ) (1)ووقال: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ ) (2).

وهذه كلمة قالها بعد انقضاء أمر الجمل وحضور قوم من الطُّلَقاء بين يديه ليُبايعوه، منهم مَرْوان بن الحكَم ، فقال : وماذا أصنع بَبيعتك؟ ألم تبايغني بالأمس! يعني بعدَ قتل عثمان، ثم أمر بإخراجهم ورفع نفسه عن مبايعة أمثالهم، وتكلم بكلام ذكر فيه ذِمامَ العربية وذمامَ الإسلام، وذكر أن من لا دین له فلا ذِمامَ له .

ثم قال في أثناء الكلام : «فاستعصِمُوا بالذمم في أوتارها»، أي إذا صَدَرَتْ عن ذَوِي الدِّين، فمن لا دين له لا عَهْدَ له .


• 157 -

الأصل: عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لَا تُعْذَرُونَ فِي جَهَالَتِهِ.



1) سورة التوبة، الآية : 10 .

2) سورة التوبة، الآية : 12 .

الشرح: يعني نفسَه علیه السلام ، وهو حقّ على المذهَبين جميعاً، أما نحن فعندنا أنه إمامٌ واجبُ الطاعة بالاختيار، فلا يُعذَر أحدٌ مِن المكلّفين في الجهل بوجوب طاعته، وأمّا على مذهبِ الشِّيعة فلأنه إمامٌ واجبُ الطاعة بالنص، فلا يُعْذَر أحدٌ من المكلفين في جَهالة إمامته، وعندهم أن معرفة إمامته تجري مجرى معرفة محمد صلی الله علیه وآله وسلم ومَجرَى معرفة البارى سبحانه، ويقولون : لا تصحّ لأحد صلاةٌ ولا صَوْمٌ ولا عبادة إلا بمعرفة الله والنبيّ والإمام.

وعلى التحقيق، فلا فرق بيننا وبينهم في هذا المعنى، لأنّ من جهل إمامة عليِّ علیه السلام وأنكَر صِحّتها ولزومها ، فهو عند أصحابنا مخلد في النار، لا ينفعه صوم ولا صلاة، لأنّ المعرفة بذلك من الأصول الكليّة التي هي أركانُ الدين. ولكنا لا نُسَمّي مُنكر إمامته كافراً ، بل نسميّه فاسقاً، وخارجياً، ومارقاً، ونحو ذلك، والشِّيعة تسميه كافراً، فهذا هو الفرق بيننا وبينهم، وهو في اللفظ لا في المعنى .


-158-

الأصل: مَا شَككْتُ فِي الْحَقِّ مُنْذُ أُريتُهُ.


الشرح: أي منذ أُعلِمْتُه ، ويجب أن يُقدر هاهنا مفعول محذوف، أي منذ أريته حقّاً ، لأنّ «أرَى» يتعدّى إلى ثلاثة مَفاعيل ، تقول : أَرَى الله زَيْداً عَمْراً خير الناس، فإذا بنيتَه للمَفعول به قام واحدٌ من الثلاثة مَقام الفاعِل ووَجَب أن يُؤتى بمفعولين غيره ، تقول : أريت زيداً خيرَ الناس، وإن كان أشارَ بالحقِّ إلى أمرٍ مُشاهَد بالبَصر لم يَحتَج إلى ذلك، ويجوز أن يَعنِي بالحقّ الله سبحانَه وتعالى، لأن الحق من أسمائه عز وجل، فيقول : منذ عرفتُ الله لم أشك فيه، وتكون الرؤية بمعنى المعرفة ، فلا يحتاج إلى تقدير مفعول آخر، وذلك مثل قوله تعالى : (وَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللّه یَعلُهُم) (1)؛ أي لا تَعرفونهم الله يَعرِفهم، والمراد من هذا الكلام ذكرُ نعمِة الله عليه في أنّه منذ عرف الله سبحانه لم يشك فيه أو منذ عرف الحق في العقائد الكلامية والأصوليّة والفقهيّة لم يشكّ في شيء منها ، وهذه مَزيَّةٌ له ظاهرة على غيره من الناس، فإنّ أكثرهم أو كلَّهم يشكّ في الشيء بعد أن عرفه وتعتَوِره الشُّبَه والوساوس ويُران على قَلْبِه وتَختَلِجُه الشياطين عمّا أدى إليه نظره .


1) سورة الأنفال، الآية: 60 .

وقد رُوي أن النبيّ صلی الله علیه وآله وسلم لما بَعَثَه إلى اليمن قاضياً ضَرَبَ على صدره وقال: «اللهم اهدِ قلبه، وثَبت لسانَه» (1)، فكان يقول : ما شكَكْتُ بعدها في قضاء بين اثنين .

ورُوي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قرأ : (وُتَعَها أَذُنٌ وَعِيدٌ ) (2)قال : «اللهم اجعلها أُذُنَ عليَّ»، وقيل له : (قد أجيبت دعوتك ) (3).


• 159 -

الأصل: وَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَقَدْ هُدِيتُمْ إِن اهْتَدَيْتُمْ .


الشرح: قال الله تعالى : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) (4).

وقال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَينِ )(5).

وقال بعض الصالحين: ألا إنّهما نَجْدا الخَير والشّر، فجعل نَجد الشرّ أحب إليكم من نَجد الخیر.

قلت : النَّجد: الطريق .

واعلم أن الله تعالى قد نَصَب الأدِلّة ومَكّن المكلّف بما أكمَل له من العقل من الهداية، فإذاضل فمِنْ قبل نفسه أتي .

وقال بعضُ الحكماء : الّذي لا يقَبَل الحكمةَ هو الّذي ضَل عنها ليست هي الضالّة عنه.

وقال : متى أحسستَ بأنّك قد أخطأت وأردت ألاّ تعود أيضاً فتُخطىء فانظر إلى أصل في نفسك حَدَث عنه ذلك الخطأ، فاحتَل في قَلْعِه ، وذلك إنّك إن لم تفعل ذلك عادَ فثَبَت خطأ آخر. وكان يقال : كما أن البدن الخالي من النّفس تَفُوح منه رائحة التن، كذلك النفس الخالية من الحكمة، وكما أن البَدَن الخاليَ من النّفس ليس يحسّ ذلك بالبدن بل الذين لهم حِسّ


1) أخرجه أبو داود، كتاب الأقضية، باب كيف القضاء (3582) ، وابن ماجه، كتاب: الأحكام، باب: ذكر القضاة (2310) ، والنسائي في «السنن الكبرى» (8419) .

2) سورة الحاقة، الآية: 69 .

3) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس »(8338) ، وأبو نعيم في «الحلية (67/1)، والطبري في «تفسيره»، عند تفسير هذه الآية .

4) سورة فصلت الآية : 17 .

5) سورة البلد، الآية : 10 .

يُحِسّونه به كذلك النّفس العَديمة للحكمة ليس تحسّ به تلك النفس، بل يُحِسّ به الحكماء، وقيل لبعض الحكماء : ما بالُ الناسِ ضَلّوا عن الحقّ؟ أتقول : إنّهم لم تُخْلَق فيهم قوة معرفة؟ فقال : لا ، بل خُلق لهم ذلك، ولكنّهم استعمَلُوا تلك القوّة على غير وجهها، وفي غير ما خُلِقَتْ له كالسّم تدفعه إلى إنسان ليقتل به عدوه فيَقْتُلُ به نفسَه .


-160 -

الأصل: عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ


الشرح: الأصل في هذا قول ُالله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنه وَليُّ حَمِيمٌ )(1).

وروى المبرد في «الكامل» عن ابن عائشة عن رجل من أهل الشام، قال: دخلتُ المدينة، فرأيتُ رجلاً راكباً على بغلة لم أر أحسَنَ وَجْهاً ولا ثَوْباً ولا سَمْتاً ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه، فقيل : هذا الحسنُ بنُ الحسن بن عليّ، فامتلأ قلبي لهُ بغضاً، وحسدتُ عليَّا أن يكون له ابن مثله فصرتُ إليه وقلتُ له : أنت ابن أبي طالب؟ فقال: أنا ابن ابنه، قلت: فبك وبأبيك ! فلمّا انقضى كلامي قال: أحسبك غريباً ؟ قلت : أجَل، قال : فَمِلْ بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مالٍ واسَيْناك، أو إلى حاجة عاوَنّاك.

فانصرفتُ عنه وما على الأرض أحدٌ أحبّ إليّ منه .

وقال محمود الورّاق :

إني شكرتُ لظالمي ظُلْمِي*** وغَفَرْتُ ذاك له على عِلم

ورأيتُهُ أهدَى إِلَيَّ يداً ***لمّا أبان بجهلهِ حِلْمي

رجعت إساءتُهُ عليه وإح***ساني فَعَادَ مُضَاعَفَ الْجُزم

وغدَوْتُ ذا أجر ومَحمَدَة ***وغَدَا بِكَسْبِ الظلم والائم

فكانما الإحسانُ كان لهُ ***وأنا المسيء إليه في الحُکُم

ما زالَ يَظْلِمُني وأَرْحَمُهُ ***حتَّى بكيتُ له من الظُّلم

قال المبرّد: أخذ هذا المعنى من قول رجل من قريش قال له رجل منهم : إنّي مَرَرْتُ بآل فلان


1) سورة فصلت الآية 34 .

وهم يَشْتُمُونَك شَتْماً رَحِمْتك منه ، قال : أفسيعتني أقول إلا خيراً ! قال : لا ، قال : إياهم فارحم. وقال رجل لأبي بكر : لأَسْتُمَنَّك شَتْماً يَدْخُل معك قبرك ، فقال : مَعَك والله يَدْخُل ، لا معي.


-161-

الأصل: مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التَّهَمَةِ فَلاَ يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنِّ .


الشرح: رأى بعضُ الصّحابة رسول الله صلی الله علیه وآله وسل واقفاً في دَرْب من دروب المدينة ومعه امرأةٌ فَسَلّم عليه، فردّ عليه، فلما جاوَزَه ناداه فقال: «هذه زوجتي فلانة»، قال: يا رسول الله، أوفيك يُظنّ ! فقال :« إن الشيطان يجرِي مِن ابن آدم مجرى الدم »(1).

وجاء في الحديث المرفوع : «دَع ما يَرِيبُك إلى ما لا يريبُك»(2).

وقال أيضاً: «لا يكملُ إيمانُ عبد حتى يترك ما لا بأس به » (3).

وقد أخذ هذا المعنى شاعرٌ فقال :

وزعمتَ أنّك لا تلوط فقل لنا*** هذا المُقَرْطَقُ واقفاً ما يَصنَع!

شَهِدت مَلاحتُه عليكَ بريبة ***وعلى المُريبِ شَواهدٌ لا تُدْفَعُ


-162-

الأصل: مَن مَلَكَ اسْتَأْثَرَ .



1) أخرجه البخاري، كتاب الاعتكاف :باب: زيارة المرأة زوجها في اعتكافه (2038)، ومسلم، کتاب: السلام ،باب: بيان أنه يستحب لمن رئي خالياً بامرأة وكانت زوجته (2174)، وأبو داود کتاب :الصوم، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته (2470).

2) أخرجه البخاري تعليقاً كتاب البيوع، باب تفسير الشبهات والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب منه (2518) والنسائي، كتاب آداب القضاء باب الحكم باتفاق أهل العلم (5397).

3) في ديوان : 125/4 .

الشرح: المعنى أن الأغلب في كلّ ملك يَستأثر على الرعية بالمال والعزَّ والجاه.

ونحو هذا المعنى قولهم : مَن غَلَب سَلَب، ومن عَزْ بَزّ (1).

ونحوه قول أبي الطيِّب :

والظلمُ من شِيمِ النفوس فإن تَجِد ***ذاعِفَةٍ فلعِلَّة لايظلمُ


-163-

الأصل: مَن اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرّجال شارَكَها في عُقُولِها .


الشرح: قد تقدّم لنا قولٌ كان في المَشُورة مدحاً وذماً .

وكان عبدُ الملك بن صالح الهاشميُّ يدمُها ويقول : ما استَشَرتُ واحداً قطّ إلاّ تكبّر عليّ وتصاغرتُ له ودخلته العِزَّة ودخلتني الذُّلة، فإياك والمَشُورة وإن ضاقت عليك المذاهبُ، واشتبَهَتْ عليك المسائل، وأذاك الاستبداد إلى الخطأ الفادح.

وكان عبدُ الله بنُ طاهر يذهب إلى هذا المذهُب ويقول ما حَكَّ جلدك مِثلُ ظُفْرِك، ولأن أخطىء مع الاستبداد ألفَ خطا، أحبُّ إليّ من أن أستشير وأرى بعين النقّص والحاجة.

وكان يقال : الاستشارة إذاعة السرّ، ومخاطرة بالأمر الذي ترومُه بالمشاورة، فرُبِّ مستشار أذاعَ عنك ما كان فيه فساد تدبيرك .

وأما المادحون للمشُورة فكثير جدًّا. وقالوا : خاطر من استبدّ برأيه .

وقالوا : المَشُورة راحةً لك، وتَعبٌ على غيرك.

وقالوا: من أكثر من المشورة لم يعدم عند الصواب مادحاً، وعند الخطأ عاذراً.

وقالوا : المستشير على طَرَف النّجاح والاستشارة من عزم الأمور.

وقالوا : المَشُورة لقاح العقول، ورائد الصواب.

ومن ألفاظهم البديعة : ثمرَة رأي المشير أحلى من الأزي المشور .

وقال بَشّار :

إذا بلغ الرأيُ النّصيحة فاستَعِن ***بعَزم نصيح أو مشورة حازم

ولا تَجعَل الشورَى عليك غَضاضةً*** فإنَّ الخوافي عُدّة للقوادِمِ


1) البز : السلب. لسان العرب مادة (بزز ) .


-164-

الأصل: مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يَدِهِ.


الشرح: قد تقدّم القول في السرِّ والأمر بكتمانه، وتذكر هاهنا أشياء أخر.

من أمثالهم : مَقتل الرَّجُل بين لَحْيَه .

دنا رجلٌ مِن آخر فسارّه، فقال: إن من حق السرّ التداني .

كان مالكُ بنُ مِسمع إذا ساره إنسانٌ قال له : أظهره، فلو كان فيه خيرٌ لما كان مكتوماً .

حكيم يُوصي ابنه : يا بني كُنْ جَواداً بالمال في موضع الحق، ضنيناً بالأسرار عن جمیع الخلق، فإن أحمد جُود المرء الإنفاق في وجه البرّ .

ومن كلامهم : سِرُّك من دمك، فإذا تكلمت به فقد أرَقتَه .

وقال الشاعر:

فلا تُفْش سِرّكَ إلا إليكَ*** فإنّ لكلّ نصيح نَصيحاً

ألم ترَ أن غُواةَ الرّجال*** لا يتركون أديماً صحيحا!

وقال عمرُ بنُ عبد العزيز: القلوب أوعِيةُ الأسرار والشِّفاء أقفالها، والألسُن مفَاتِيحُها فليحفظ كلُّ امرىء مفتاحَ سِرّه.

وقال بعض الحكماء : من أفشى سِرّه كَثُر عليه المتآمِرُون .

اسَرّ رجل إلى صديقٍ سرًا ثم قال له : أفهمت ؟ قال له : بل جهلتُ ، قال : أحفظت؟ قال : بل نسيت .

وقيل لرجل : كيف كتمانُك السرّ؟ قال: أجمد المخبر، وأحلف للمُسْتَخير .

أنشد الأصمعيّ قول الشاعر :

إذا جاوَزَ الاثنَين سِرٌّ فإنه*** بنِثّ وتكثيرِ الوُشاة قَمِينُ

فقال : والله ما أراد بالاثنين إلا الشَّفَتَين.


• 165 -

الأصل: الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ .


الشرح: في الحديث المرفوع: «أشقى الأشقياء مَن جُمِعَ عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة»(1).

وأتى بُزُرْجُمِهرَ فقيرٌ جاهل فقال : بئسما اجتمع على هذا البائس : فقر ينقص دنياه، وجهلٌ يُفسِد آخرته .

شاعر:

خُلِق المالُ والبسارُ لقَوْم ***وأراني خُلقت للإملاق

أنا فيما أرى بقيَّةُ قومٍ*** خُلِقوا بعد قِسْمَة الأرزاق

أَخَذَ السَّيواسيُّ هذا المعنى، فقال في قصيدته الطويلة المعروفة بالساسانية :

ليتَ شِعري لمّا بدا يقسم الأر ***زاق في أيَّ مطبَق كنت

قرىء على أحد جانّبَي دينار :

قرنتُ بالنُّجح وبي كلُّ ما*** يرادُ مِن ممتنع يُوجَدُ *

وعلى الجانب الآخر :

وكل من كنت له الِفاً*** فالإنس والجنّ له أعبُدُ

وقال أبو الدّرداء: مَن حفظ ماله فقد حفظ الأكثر من دِينه وعِرْضه .

بعضهم :

وإذا رأيتَ صعوبةٌ في مطلب ***فاحمل صعوبته على الدِّينارِ

تردد، كالظَّهر الذلُول فإنّه*** حجرٌ يليِّن قوّة الأحجار

ومن دعاء السَّلَف : اللهم إني أعوذ بك من ذُلّ الفَقْر وبطر الغنّي .


-166-

الأصل: مَنْ قَضَى حَقٌّ مَنْ لا يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبْدَهُ.


الشرح : عَبّده بالتشديد أي اتخذه عَبْداً ، يقال : عبّده واستَعبده بمعنى واحد، والمعنى بهذا الكلام مَدْحُ مَن لا يقضي حقُّه، أي من فعل ذلك بإنسان فقد استعبد ذلك الإنسان لأنه


1) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (7911) وقال : صحيح الإسناد، والبيهقي في «السنن الكبرى» (137) ، والطبراني في «الأوسط» (9269) ، وكذلك في «مسند الشاميين» (1615)، والشهاب في «مسنده» (1126) ، والديلمي في «مسند الفردوس» (463) .

لم يفعل معه ذلك مكافأةٌ له عن حقّ قضاء إيّاه، بل فعل ذلك إنعاماً مبتدأ، فقد استعبده بذلك.

وقال الشاعر في نقيض هذه الحال يخاطب صاحباً له :

كن كان لم تلاقِني قَطُّ في النّا*** س ولا تجعلَنّ ذِكْرايَ شَوْقا

وتَيقّن بأنني غيرُ راءٍ ***لك حقّاً حتى تَرَى لِي حَقًّا

وباني مفرّقُ الف سَهم*** لكَ إن فوقتْ يمينك فوقا


• 167 -

الأصل: لا طاعَةَ لِمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ .


(1) الشرح: هذه الكلمةُ قد رويت مَرفوعة (1)، وقد جاء في كلام أبي بكر : أطيعوني ما أطعتُ الله ،فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم.

وقال معاوية لشدّاد بن أوس : قم فاذكر عليّاً فانتقضه فقام شدّاد فقال : الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده، وجعل رضاه عند أهل التقوى أثرُ مِن رضا غيره على ذلك مضى أوّلهم، وعليه مضى آخرهم. أيها الناس، إنّ الآخرة وعدٌ صادق يَحكم فيها مَلك قاهر وإنّ الدنيا أكلٌ ،حاضر يأكل منها البرّ والفاجر وإن السامع المطيع الله لا حُجّة عليه وإن السامع العاصيَ الله لا حجّة له، وإنّه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق، وإذا أراد الله بالناس خيراً استعمل عليهم صُلحاءهم، وقضى بينهم فُقهاؤهم، وجعل المال في سُمَحاتهم، وإذا أراد بالعباد شرّاً عمل عليهم سُفهاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وجعل المال عند بُخَلاتهم. وإنّ من إصلاح الولاة أن تُصلح قرناءها. ثمّ التَفَت إلى معاوية فقال : نَصَحَك يا معاوية من أسخَطك بالحق، وغَشّك من أرضاك بالباطل ! فقطع معاويةُ عليه كلامَه، وأمَرَ بإنزاله ، ثم لاطفهَ وأمر له بمال، فلما قبضه قال : ألستُ من السمحاء الذين ذكرت ؟ فقال : إن كان لك مالٌ غيرُ مال المسلمين أصبته حلالاً، وأنفقته إفضالاً ،فنعم، وإن كان مالُ المسلمين احتجبتَه دونهم أصبتَه اقترافاً، وأنفقَته ،إسْرافاً، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَطِينَ ) (2).



1) أخرجه أحمد في «مسنده» (1098) ، وعبد الرزاق في «مصنفه» (3788)، والطبراني في «الأوسط» (3917).

2) سورة الإسراء، الآية: 27 .

-168-

الأصل: لاَ يُعَابُ الْمَرْهُ بِتَأْخِيرِ حَقٍّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ.


الشرح: لعل هذه الكلمةَ قالها في جواب سائل سأله : لِمَ أخّرت المطالبة بحَقّك من الإمامة؟ ولا بدّ من إضمار شيء في الكلام على قولنا وقول الإماميّة، لأنَّا نحن نقول : الأمرُ حَقّه بالأفضليّة وهم يقولون : إنّه حقّه بالنصّ، وعلى كِلاَ التقديرَين فلا بدّ من إضمار شيء في الكلام لأنّ لقائل أن يقول له علیه السلام : لو كان حَقُّك من غير أن يكون للمكلّفين فيه نصيبٌ لجاز ذَلك أن يؤخِّر كالدّين الّذي يستحقّ على زيد، يجوز لك أن تؤخّره لأنّه خالِصٌ لك وَحْدَك، فأمّا إذا كان للمكلّفين فيه حاجةُ ماسة لم يكن حقّك وحدَك ؛ لأنّ مصالح المكلَّفين مَنوطةٌ بإمامَتِك دون إمامةِ غيرِك، فكيف يجوز لك تأخيرُ ما فيه مصلحةُ المكلَّفين؟ فإذَن لا بدّ من إضمار شيء في الكلام. وتقديرُه : لا يُعابُ المرء بتأخير حقّه إذا كان هناك مانعٌ عن طَلَبه، ويستقيم المعنى حينئذ على المَذهَبين جميعاً ، لأنَّه إذا كان هناك مانعٌ جاز تقديم غيره عليه، وجاز له أن يؤخّر طلبَ حقّه خوفَ الفتنة، والكلام في هذا الموضع مُستقصِّى في تصانيفِنا في علم الكلام.


-169-

الأصل: الْإِعْجَابُ يَمْنَعُ مِنَ الازْدِيَادِ.


الشرح: قد تقدّم لنا قول مقُنِع في العُجب، وإنما قال علیه السلام: «يمنع من الازدياد» لأنّ المُعجَب بنفسه ظانٌّ أنّه قد بلغ الغَرَض ، وإنما يَطلُب الزّيادةَ مَنْ يستشير التقصير لا مَن يتخيّل الكمال، وحقيقة العجب ظنُّ الإنسان بنفسه استحقاقَ منزلةٍ هو غيرُ مستحقّ لها ؛ ولهذا قال بعضهم لرجل رآه معجَباً بنفيه : يسرّني أن أكون عندَ الناس مثلك في نفسك، وأن أكونَ عندَ نفسي مثلك عند الناس، فتمنّى حقيقة ما يقدّره ذلك الرجل، ثم تمنَّى أن يكون عارفاً بعيوب نفسه، كما يَعرِف الناسُ عيوب ذلك الرجل المُعجب بنفسه .

وقيل للحَسَن مَن شرُّ الناس؟ قال : مَن يرى أنه خيرُهم.

وقال بعض الحكماء : الكاذب في نهاية البُعْدِ من الفَضْل ، والمُرَائي أسوأ حالاً من

الكاذب، لأنّه يَكذِب فعلاً ، وذاك يَكذِب قَوْلاً، والفِعْل آكَدُ من القَوْل، فأمّا المُعجَب بنفسه فأسوأ حالاً منهما، لأنهما يَرَيان نَقْصَ أنفسِهما ، ويُريدان إخفاءَه، والمُعجَب بنفسه قد عَمِي عن عيوب نفسه فيرَاها محاسنَ ويُبديها .

وقال هذا الحكيمُ أيضاً : ثمّ إنّ المُرَائِي والكاذبَ قد يُنتفَع بهما كمَلاح خافَ رُكَّابُه الغَرَقِ من مكانٍ مَخُوف من البَحر، فبَشّرهم بتجاوُزِه قبل أن يتجاوزه لئلا يضطربوا فيتعجّل غرقهم .

وقد يُحمَد رِياءُ الرئيس إذا قَصَد أن يُقتدى به في فِعل الخير، والمُعجب لا حظّ له في سببٍ من أسباب المَحمَدة بحال.

وأيضاً فلأنَّك إذا وَعَظتَ الكاذب والمرائي فنفسهما تصدِّقك وتثلبهما لمعرفتهما بنفيهما، والمعجب فلِجهلِه بنفسه يظنُّك في وَعْظه لاغياً، فلا ينتفع بمقَالِك، وإلى هذا المعنى أشارَ سبحانه بقوله : (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُمُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَراهُ حَسَنَا ) (1)، ثم قال سبحانه: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حضرات)(2)، تنبيهاً على أنّهم لا يعقلون لإعجابهم.

وقال علیه السلام: ثلاثٌ مُهلكات: شُحْ مُطاع، وهَوًى متبع، وإعجابُ المرءِ بنفسه(3).

وفي المثل : إن إيليس قال : إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالِبه بغيرها : إذا أعجب بنفسِه، واستكثرَ عملَه، ونسيَ ذُنوبَه .

وقالت الحكماء: كما أن المُعجَب بفَرَسه لا يروم أن يُستبدل به غيرَه، كذلك المُعجب بنفسه لا يُريد بحاله بدلاً، وإن كانت رديئةً .

واصل الإعجاب من حُبّ الإنسان لنفسه، وقد قال علیه السلام : «حُبُّك الشيء يُعمَي ويُصِمٌ»(4)ومن عَمِيَ وصَمَّ تَعذَّر عليه رؤيةُ عُيوبه وسماعها، فلذلك وجب على الإنسان أن يَجعَل على نفسه عيوناً تُعرفه عيوبه نحو ما قال عمر: أحبُّ الناسِ إليّ امرؤ أهدى إليّ عيوبي .

ويَجب على الإنسان إذا رَأى من غيره سيئة أن يرجع إلى نفسه، فإن رأى ذلك موجوداً فيها نَزَعها ولم يَغفَل عنها ، فما أحسنَ ما قال المتنّبي :

ومن جهلت نفسُه قدرَه*** رأى غيرُه منه ما لا يَرَى

وأما التِّيه وماهيّتُه فهو قريب من العُجب، لكنّ المُعجَب يصدّق نفسه وَهماً فيما يظنّ بها ، والتيّاه يصدّقها قطعاً، كأنّه متحيّر في تيه. ويُمكن أن يفرق بينهما بأمر آخَر، ويقول: إنّ


1) سورة فاطر، الآية : 8.

2) سورة فاطر، الآية : 8.

3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم : 20606 ، وأخرجه الطبراني في الأوسط : 328/5 .

4) أخرجه أحمد في مسنده 194/5 ، وأخرجه الطبراني في الأوسط : 334/4 .

المعجَب قد يُعجب بنفسه ولا يؤذي أحداً بذلك الإعجاب، والتّيّاه يَضُمّ إلى الإعجاب الغَضِّ من الناس والترفُّع عليهم، فيَستلزم ذلك الأذى لهم، فكلُّ تائهٍ ،معجَب، وليس كلُّ معجَب تائهاً .


-170-

الأصل: الْأمْرُ قَرِيبٌ وَالاصْطِحَابُ قَلِيلٌ .


الشرح: هذه الكلمةُ تذكّر بالموت وسرعة زَوال الدّنيا، وقال أبو العلاء :

نفسي وجِسْمِي لما استجمَعًا صَنَعا*** شرًا إلي فَجَل الواحدُ الصَّمَدُ

فالجسم يعذل فيه النفسَ مجتهداً*** وتِلكَ تَزْعُم أن الظالمَ الجَسَدُ

إذا هُما بعدَ طُولِ الصُّحبة افْتَرَقا*** فإن ذاك لأحداث الزمانِ يَدُ

وأصبحَ الجوهر الحسّاسُ في محن*** موصولة واستراحَ الآخر الجَمَدُ


• 171-

الأصل: قَدْ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.


الشرح: هذا الكلامُ جارٍ مَجرَى المَثَل، ومثله :

والشمسُ لا تَخفَى عن الأبْصَارِ

ومِثِله:

إن الغزَالةَ لا تَحْفَى عن البَصَرِ

وقال ابن هانىء يَمدَح المعتزّ :

فاستيقظوا من رَقْدَةٍ وتَنَبَّهوا*** ما بالصّباح عن العُيون خَفاءُ

ليست سماء الله ما تَرَوُنها ***لكنّ أرضاً تحتويه سماء ُ


• 172 -

الأصل: تَرْكُ الذَّنْبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ .


الشرح :هذا حقّ، لأنّ ترك الذنب هو الإحجامُ عنه، وهذا سَهلٌ على من يَعرِف أَثَر الذّنب على ماذا يكون، وهو أسهَل من أن يُواقِع الإنسانُ الذنب، ثم يَطلُب التوية، فقد لا يخلص داعيه إليها ، ثم لو خَلَص فكيف له بحصُوله على شروطها، وهي أن يَندَم على القبيح لأنّه قبيح، لا لخَوف العقاب ولا لِرجاء الثّواب، ثمّ لا يكفيه أن يتوبَ من الزّنى وحدَه، ولا مِنْ شُرب الخمر وحدَه، بل لا تصحّ توبتُه حتى تكون عامّةً شاملة لكلّ القبائح فيندَم عَلَى ما قال ويودّ أنّه لم يَفعَل. ويَعزم على الآ يُعاود معصية أصلاً، وإن نَقَض التّوبة عادت عليه الآثامُ القديمةُ والعقاب المستحق أولاً الذي كان سَقط بالتوبة على رأي كثير من أرباب علم الكلام، ولا ريب أن ترك الذنب من الابتداء أسْهَلُ من طَلَب توبة هذه صِفَتها .

وهذا الكلام جارٍ مَجرَى المَثَل يُضرب لمن يَشرع في أمرٍ يخاطر فيه، ويرجو أن يتخلّص فيما بعدُ بوَجه من الوجوه.


• 173 -

الأصل: كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ تَمْنَعُ أَكَلَاتٍ .


الشرح: أَخَذ هذا المعنى بلفظه الحَرِيريُّ فقال في المقامات:«ربَّ أَكْلةٍ هاضت الأكل، ومنَعَته مآكل»، وأخَذه أبو العلاّف الشاعر فقال في سِنَّوره الّذي يَرثيه :

أردتَ أن تأكلَ الفِراخَ ولا*** يأكلك الدهرُ أكلَ مضطهِدِ

يا من لذيذ الفراخ أوْقَعَه ***وَيْحَك هلا قنعتَ بالقدد !

كم أكلةٍ خامرتْ حَشَاشَرِه ***فأخرَجَتْ رُوحه من الجَسَدِ

نوادر عن المكثرين من الأكل

وكان ابنُ عيّاش المنتوف يُمازح المنصورَ أبا جعفر فيحتمله على أنه كان جدَّا كله ،فقدّم

المنصورُ لجلسائه يوماً بطة كثيرة الدُّهن، فأكَلوا وجَعَل يأمرهم بالازدياد من الأكل لطيبها، فقال ابن عيّاش: قد علمتُ غَرَضك يا أمير المؤمنين، إنما تُريد أن ترميهم منها بالحجاب - يعني الهَيْضة - فلا يَأْكلوا إلى عشرة أيام شَيْئاً .

وفي المَثَل : «أَكْلَة أبي خارجةٍ» ؛ وقال أعرابيّ وهو يدعو الله بباب الكَعبة : اللهم مِيتةً كميتة أبي خارِجة، فسألوه فقال : أكل بذَجاً - وهو الحَمّل - ، وشرب وظباً من اللّبن - ويروَى من النّبيذ - وهو كالحَوْض من جلود ينبذ فيه ونام في الشمس فماتَ فلَقي الله تعالى شَبْعانَ ربّانَ دفيئاً .

والعرب تعيّر بكثرة الأكل، وتعيب بالجَشَع والشَّرَه والنَّهم ، وقد كان فيهم قومٌ موصوفون بكثرة الأكل منهم معاوية، قال أبو الحسن المَدائنيّ في «كتاب الأكَلة» : كان يأكل في اليوم أربع أكَلات أخراهن عظماهُنّ، ثمّ يتعشّى بعدَها بثَريدة عليها بصلٌ كثير ، ودُهن كثير قد شَغَلها . وكان أكلُه فاحشاً يأكل فيلطّخ منديلين أو ثلاثة قبل أن يَفرُغ وكان يأكل حتّى يَستلقَي ويقول : يا غلام ،ارفع فلانّي والله ما شَبِعت ولكن مَللت .

وكان عُبيد الله بنُ زياد يأكل في اليوم خمس أكلات أخراهن خبيَّة بعَسَل، ويُوضَع بين يديه بعد أن يُفرغ الطعام عناقٌ أو جَدي فيأتي عليه وحدَه .

وكان سليمان بنُ عبدِ الملك المصيبة العظمى في الأكل، دَخَل إلى الرافقة فقال لصاحب طعامه : أطعِمنا اليومَ من خِرفان الرافقة، ودخل الحمّام فأطال ، ثم خرج فأكَلَ ثلاثين خَروفاً بثمانين رغيفاً، ثم قعد على المائدة فأكل مع النّاس كأنّه لم يأكل شيئاً .

وقال الشمردلُ وكيلُ آلِ عَمْرو بن العاص : قَدِم سليمانُ الطائفَ وقد عرفتُ استِجاعَتَه، فدخل هو وعمرُ بنُ عبد العزيز وأیّوب ابنه إلى بُستان لي هناك يُعرف بالرَّهْط فقال : ناهِيك بمالِك هذا لولا جِرار فيه، قلتُ : يا أمير المؤمنين، إنّها ليست بجرار ولكنّها جرار الزّبيب، فضَحِك ، ثم جاء حتى ألقَى صدره على غُصن شجرةٍ هناك، وقال: يا شمردل، أمَا عِندَك شيء تُطعِمني ؟ وقد كنت استعدَدت له، فقلت: بلَى والله عندي جدي كانت تغدو عليه حافلة، وتَروح عليه أخرى، فقال: عَجّل ،به فجئته به مشويّاً كانّه عُكّة سَمْن، فأكله لا يدعو عليه عمر ولا أبنه، حتّى إذا بقَيَ فَخذ قال: يا عمر، هَلُمّ، قال: إنّي صائم. ثمّ قال: يا شَمَرْدل، أمَا عندك شيءٌ؟ قلت: بلى دجاجات خمس كأنّهنّ رِثلانَ النّعام فقال: هات، فأتيتُه بهنّ، فكان يأخذُ برجل الدَّجاجة حتى يُعَرِّيَ عِظامَها، ثم يُلقيها، حتى أتى عليهنّ، ثم قال: وَيحك يا شمردل ! أما عندك شيءٌ؟ قلت : بلى سَويق كأنّه قُراضة الذَّهَب مَلْتوت بعَسَل وسَمْن ، قال : هَلُم ، فجئتُه . بعُسّ تغيب فيه الرأسُ، فأخذَه فلَطَم به جَبهتَه حتى أتَى عليه، فلما فرغ تَجشَّأ كأنه صارخ في جُبِّ ، ثم التفت إلى طَبّاخه فقال : وَيْحَك ! أفرغت من طبيخك؟ قال: نعم، قال: وما هو؟

قال : نيّف وثمانون قذراً، قال: فأتِني قِدْراً قِدْراً، فعَرَضها عليه، وكان يأكل من كل قدرٍ لقمتين أو ثلاثاً، ثم مسح يده، وأستلقى على قفاه، وأذن للناس، ووُضعت الموائد، فقَعَد فأكل مع الناس كأنّه لم يَطعَم شيئاً .

:قالوا : وكان الطعام الذي مات منه سُليمان، أنه قال لدَيرانيّ كان صديقه قبل الخلافة : وَيُحَك ! لا تَقْطعني ألطافَك التي كنتَ تُلطفني بها على عَهْد الوليد أخي، قال: فأتيتُه يوماً بزنييلين كبيرين أحدُهما بَيض مسلوق، والآخرَتِينٌ، فقال: لقّمنيه، فكنتُ أقشر البَيضة وأقرنها بالتّينة وأُلقِمه، حتى أتى على الزِّنبيلين، فأصابته تُخَمة عظيمةٌ ومات.

ويُحكَى أن عمرو بن معد يكرِبَ أكل عَنْزاً رَبَاعِية وفِرْقاً من ذُرَة - والفِرْق ثلاثة آصُع - وقال لامرأته : عالجي لنا هذا الكَبش حتى أرجع، فجعلت تُوقد تحتَه وتأخَذ عُضواً عُضواً فتأكله فاطلعت فإذا ليس فى القدر إلا المَرَق، فقامت إلى كبش آخر فذبحته وطبخته، ثم أقبَلَ عمرو فتَرَدتْ له في جَفْنة العجين وكفَأتْ القِدر عليها، فمدّيدَه وقال : يا أمّ تَوْر، دونَكِ الغَدَاء، قالت : قد أكلتُ فأكلَ الكبشَ كلَّه ثمّ أضطجع ودعاها إلى الفِراش فلم يَستطع الفِعلَ، فقالت له : كيف تستطيع وبيني وبينَك کَبشان!

وقد رُوي هذا الخبر عن بعض العرب ، وقيل : إنه أكل حُوَاراً وأكلت امرأته حائلاً ، فلمّا أراد أن يدنو منها وعَجَز قالت له : كيف تصل إليّ وبيني وبينَك بعيران.

وكان الحجّاج عظيم الأكل، قال مسلم بن قتيبة : كنتُ في دار الحجّاج مع ولده وأنا غلام، فقيل : قد جاء الأميرُ ، فدخل الحجّاج فأمر بتَثُّور فنُصب، وأمر رجلاً أن يخبز له خبز الماء، ودعا بسَمَك ، فأتوه به، فجعل يأكل حتى أكل ثمانين جاماً من السَّمَك بثمانين رَغِيفاً من خبز الملّة.

وكان هلالُ بن أشعَرِ المازنيُّ موصوفاً بكثرة الأكل أكل ثلاثَ جِفان ،ثريد وأستَسْقَى، فجاؤوه بقربة مملوءة نبيذاً فوضعوا فَمَها في فمه حتى شربَها بأسرها .

وكان هلال بن أبي بردة أكولاً، قال قصّابُه : جاءني رسولُه سَحرةً فأتيتُه وبين يديه كانونٌ فيه جَمْر وتَيْسٌ ضَخْم ، فقال : دونَك هذا التّيس فاذبحه فذبَحْتُه وسَلَخْتُه ، فقال : أخرج هذا الكانونَ إلى الرّواق وشَرِِّح اللحم وكُبَّه على النار ، فجعلتُ كلّما اسْتَوَى شيء قدمته إليه حتى لم يبق من التيّس إلا العظام وقطعةُ لَحْم على الجَمْر، فقال لي : كُلها ، فأَكَلْتُها ، ثمّ شَرِب خمسةَ أقداح، ونا وَلَني قَدَحاً فشربتُه فهزني، وجاءته جاريةٌ ببُرمةٍ فيها ناهضان ودَجَاجَتان وأَرْغِفة، فأكَل ذلك كله، ثم جاءته جاريةٌ أخرى بقضعة مغطاة لا أدري ما فيها، فضحك إلى الجارية، فقال: وَيُحَكِ! لَم يَبْقَ في بطني موضعٌ ،لهذا، فضحِكَتِ الجارية وانصرفت، فقال لي : الحَقِّ بأَهْلِك.

وكان عَنْبَسة بن زياد أكُولاً نهماً، فحدّث رجلٌ من ثقيف قال : دعاني عُبيد الله الأحمر

فقلت لعَنبسة : هل لك يا ذُبحة - وكان هذا لَقَبة - في إتيان الأحمر! فمضَيْنا إليه، فلمّا رآه عُبيد الله رحّب به وقال للخَبّاز : ضَع بين يدي هذا مثل ما تَضَع بين يدي أهل المائدة كلّهم، فجعل يأتيه بقَضعة وأهل المائدة بقَضعة، وهو يأتي عليها، ثم أتاه بجذي فأَكَلَه كلَّه، ونهَض القومُ فأَكَل كلَّ ما تخَلَّف على المائدة، وخرجنا فلقيَنا خَلَف بن عبد الله القَطاميّ، فقال له : يا

كلَّ خَلَف، أما تُغدِّيني يوماً؟ فقلت لخَلفَ : وَيْحَك ! لا تجده مثل اليوم. فقال له : ما تَشتَهي ؟ قال : تَمْراً وسَمْناً، فأنطلق به إلى مَنزله فجاء بخَمْس جلال تَمْراً وجَرَّة سَمْناً ، فأكل الجميعَ وخرج، فمرّ برجل يبني دارَه ومعه مائةُ رجل، وقد قَدم لهم سَمْناً وتَمْراً، فدعاه إلى الأكل معهم، فأكَل حتّى شكَوه إلى صاحب الدار ، ثمّ خرج فمرّ برجل بين يديه زنبيل فيه خُبز أرز يابس بسِمسِم وهو يبيعه فجعل يساومُه ويأكل حتى أتَى على الزَّنبيل، فأعطيت صاحبَ الزِّنبيل ثمنَ خُبزه .

وكان مَيسرة الرأْسُ أَكُولاً ، حُكي عنه عند المهديّ محمد بن المنصور أنه يأكل كثيراً، فاستدعاه وأحضر فيلاً، وجعل يرمي لكلّ واحد منهما رغيفاً حتى أكل كلُّ واحد منهما تسعةً وتسعين ،رغيفاً، وامتَنَع الفيلُ من تمام المائة، وأكل ميسرة تمام المائة وزاد عليها .

وكان أبو الحَسَن العَلاّف والد أبي بكر بن العَلاّف الشاعر المحدّث أكولاً دخل يوماً على الوزير أبي بكر محمد المهلّبي، فأمَر الوزير أن يُؤخَذَ حمارُه فيُذبح ويُطبخ بماء ومِلح، ثم قُدِّم له على مائدة الوزير، فأكل وهو يظنّه لحَم البقر، ويستَطيِبُه حتى أتى عليه، فلما خرج ليَركَب طلَب الحمارَ ، فقيل له : في جَوْفِك .

وكان أبو العالية أكُولاً ، نَذَرَت امرأةٌ حامل إنْ أنَتْ بذَكَرٍ تُشبع أبا العالية خَبيصاً ، فوَلدت غلاماً ، فأحضرته، فأكل سبعَ جفان خَبيصاً ، ثم أمسَك وخرج، فقيل له : إنّها كانت نذرَتْ أن تُشبِعك، فقال : والله لو علمتُ ما شبعتُ إلى الليل.


• 174 -

الأصل: النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا .


الشرح: هذه الكلمةُ قد تقدّمت وتقدّم منّا ذكرُ نَظائِرها . والعِلّة في أن الإنسان عدوِّ ما يَجهَله أنه يخاف من تقريعه بالنَّقْص وبعَدَم العِلم بذلك الشيء، خصوصاً إذا ضمّه نادٍ أو جَمْعٌ من الناس فإنّه تتصاغر نفسُه عنده إذا خاضوا فيما لا يَعرِفه ويَنقُص في أعينُ الحاضرين، وكلّ شيء آذاك ونالَ منکَ فهو عدوُّك .


• 175 -

الأصل: مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الآراء عَرَفَ مَوَاقِعَ الخطأ .


الشرح: قد قالوا في المَثَلَ : شَرِّ الرأي الدَّبَرِي .

وقال الشاعر :

وخيرُ الرأي ما استقبلتَ منه*** وليس بأن تَتَبّعه اتّباعا

وليس المراد بهذا الأمر سُرعة فَضل الحال الأول خاطر، ولأوّل رأي إن ذلك خطأ، وقديماً قيل : دَع الرأي يغبّ.

وقيل : كلّ رأي لم يخمَّر ويُبَيت فلا خيرَ فيه .

وإنّما المنهيّ عنه تضييعُ القُرْصة في الرأي، ثم محاوَلة الاستدراك بعد أن فات وَجْهُ الرأي، فذاك هو الرأيُ الدبريّ.


-176 -

الأصل: مَنْ أَحَدٌ مِنَانَ الْغَضَبِ الله قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ الْبَاطِلِ .


الشرح: هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، والكلمة تتضمّن استعارةً تَدُل على الفَصاحة، والمعنى أن من أرهَف عزمه على إنكار المنكَر، وقويَ غَضَبه في ذاتِ الله ولم يَخَف ولم يُراقب مخلوقاً ، أعانه الله على إزالة المُتكَر، وإن كان قوياً صادراً من جهة عزيزة الجانب، وعنها وقعت الكنايةُ بأشدّاء الباطل.


-177 -

الأصل: إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ، فَإِنْ شِدَّةَ تَوَفَّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ .


الشرح: ما أحسن ما قال المتنبيّ في هذا المعنى:

وإذا لم يكن من الموتِ بُدٌّ*** فمِن العَجز أن تكون جبانا

كلّ ما لم يكن من الصَّعْب في الأن***فُسِ سهل فيها إذا هو كانا

وقال آخر :

لَعَمْرُك ما المكروه إلا ارتقابه*** وأعظم ممّا حلّ ما يُتوقعُ

وقال آخر :

صعوبةُ الرُّزُء تُلقى في توقُّعه*** مستقبلاً وانقضاء الرزء أن يقعا

وكان يقال : توسَّط الخوف تأْمَنُ .

ومن الأمثال العاميّة: أم المقتول تنام، وأم المهدَّد لا تنام.

وكان يقال : كل أمرٍ من خير أو شر فسماعُه أعظمُ من عيانه .

وقال قوم من أهل المِلةّ وليسوا عند أصحابنا مُصيبين : إن عذاب الآخرة المتوعَّد به إذا حَلَّ بمستحقيّه وَجَدُوه أهوَنَ ممّا كانوا يسمعونه في الدنيا، والله أعلم بحقيقة ذلك.


-178-

الأصل: آلَةُ الرِّيَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ .


الشرح: الرئيس محتاجٌ إلى أمور منها الجود، ومنها الشجاعة، ومنها - وهو الأهم - الصَّدر، فإنه تتم الرئاسة إلا بذلك.

وكان معاوية واسعَ الصدر كثير الاحتمال، وبذلك بَلَغ ما بَلَغ.

حكايات حول سعة الصدر

ونحن نذكر من سَعَة الصدر حكايَتَين دالَّتين على عِظَم محله في الرئاسة، وإن كان مذموماً في باب الدين، وما أحسن قول الحسن فيه وقد ذكر عنده عقيبَ ذكر أبي بكر وعمر، فقال: كانا والله خيراً منه، وكان أسوَدَ منهما .

الحكاية الأولى : وقدَ أهلُ الكوفة على معاوية حين خطب لابنه يزيد بالعَهد بعده، وفي أهل الكوفة هاني بنُ عُزوة المراديّ - وكان سيّداً في قومه - فقال يوماً في مسجد دِمشق والناسُ حوله : العجب لمعاوية يريد أن يقسرنا على بيعة يزيد، وحالُه حالُه ، وما ذاك والله بكائن ! وكان

في القوم غلامٌ من قريش جالساً ، فتحمّل الكلمة إلى معاوية، فقال معاوية : أنت سمعت هانئاً يقولها ؟ قال : نعم ، قال : فاخرُج فأتِ حلقته، فإذا خفّ الناسُ عنه فقل له : أيّها الشيخ، قد وصلت كلمتُك إلى معاوية، ولستَ في زمن أبي بكر وعمر ولا أحبُّ أن تتكلم بهذا الكلام فإنهم بنو أُميّةٍ ، وقد عرفتَ جُرأتهم وإقدامهم، ولم يدعني إلى هذا القول لك إلا النّصيحة والإشفاق عليك، فانظر ما يقول، فأتني به.

فاقبل الفَتَى إلى مجلس هانيء، فلما خَفٌ من عنده دنا منه فقَصّ عليه الكلامَ وأَخْرَجه مخرَج النصيحة له فقال هانيء : والله يابن أخي ما بلغت نصيحتك كلَّ ما أسمَع، وإنّ هذا الكلام لكلامُ مُعاوية أعرفه! فقال الفتى : وما أنا ومُعاويةً والله ما يعرفني، قال: فلا عليك إذا لقيته فقل له : يقول لك هانيء : والله ما إلى ذلك من سبيل، انهض يابن أخي راشداً!

فقام الفتى فدخل على معاوية فأعلَمَه، فقال: نستعين بالله عليه .

ثم قال معاوية بعد أيام للوفد: ارفعوا حوائجَكم - وهانىء فيهم - فعرَض عليه كتابَه فيه ذكرُ حوائجه ، فقال : يا هانىء ما أَرَاك صنعتَ شيئاً ، زِدْ، فقام هانىء فلم يَدَعْ حاجة عرضت له إلاّ وذَكَرها، ثم عَرَض عليه الكتاب فقال : أراك قصّرتَ فيما طلبت ، زِدْ، فقام هانىء فلم يَدَع حاجة لقومه ولا لأهل مِصرِه إلا ذَكَرَها، ثمّ عَرَض عليه الكتاب، فقال: ما صنعت شيئاً، زِدْ، فقال : يا أمير المؤمنين حاجةٌ بقَيت، قال : ما هي؟ قال: أن أتولَّى أخذ البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بالعراق، قال: افعل فما زلتَ لمثل ذلك أهلاً ، فلما قدم هانىء العراق قام بأمر البيعة ليزيد بمَعُونة من المغيرة بنِ شُعبة وهو الوالي بالعراق يومئذ.

وأما الحكايةُ الثانية : كان مالٌ حُمل من اليمن إلى معاوية؛ فلما مرّ بالمدينة وثَبَ عليه الحسينُ بنُ عليّ علیه السلام ، فأخَذَه وقَسمهَ في أهل بيته ومواليه وكتب إلى معاوية : من الحسين بن عليّ إلى معاوية بن أبي سُفْيان، أما بعد فإنّ عِيراً مرت بنا من اليمن تحمل مالاً وحُلَلا وعنبراً وطيباً إليك لتودعها خزائن دِمشَق، وتَعلُ بها بعد النَّهل بني أبيك، وإني احتجت إليها فأخذتها. والسلام (1).

فكتب إليه معاوية : من عند عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحُسَين بن عليّ : سلامٌ عليك، أما بعد، فإن كتابك ورد علي تذكر أن عيراً مرّت بك من اليمن تحمل مالاً وحُلَلاً وعَنبراً وطيباً إلي لأودعها خزائن دمشق، وأعُلّ بها بعد النَّهَل بني أبي، وأنك احتجت إليها


1) هذه من الروايات التي وضعها معاوية للنيل من الطاهرين المعصومين إذ أخلاق الحسين علیه السلام فضلاً عن عصمته تأبى ذلك ، الحسين الذي ضحى بكل ما يملك من المال والولد والعشيرة والنفس دفاعاً عن العزة والكرامة والدين .

فأخذتها ولم تكن جديراً بأخذها إذ نَسَبتها إليّ، لأنّ الوالي أحق بالمال، ثم عليه المخرج منه ، وايمُ الله لو تُرِك ذلك حتى صار إليّ، لم أبخَسْك حظَّك منه ، ولكني قد ظننتُ يابنَ أخي أنّ فی رأسك نَزْوَةً وبودي أن يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك، وأتجاوز عن ذلك، ولكني والله أتخوّف أن تبتلي بمن لا يُنظرك فُواق ناقة، وكتب في أسفل كتابه :

يا حسين بن عليّ ليس ما ***جئت بالسائغ يوماً في العِلل

أخذُك المال ولم تُؤمَر به*** إنّ هذا من حُسين لعَجَلْ

قد أجزناها ولم نَغْضَبْ لها ***واحتملنا من حُسين ما فعل

با حسين بن عليّ ذا الأمَل*** لك بعدِي وَثْبَةٌ لا تُحتَمَلْ

وبودي أنني شاهدُها ***فأليها منك بالخلق الأجَلْ

إنني أرْهَب أن تَصْلَى بمَنْ*** عنده قد سَبَق السيف العَذَل

وهذه سعةُ صدرٍ وفراسةٌ صادقة.


• 179 -

الأصل: ازْجِرِ الْمُسِي بِثَوَابِ الْمُحْسِنِ.


الشرح : قد قال ابنُ هانىء المغربيّ في هذا المعنى:

لولا انبعاثُ السَّيف وهو مُسلَّط ***في قتلهم قتلتُهُمُ النَّعْمَاءُ

فأفصَح به أبو العَتاهية في قوله :

إذا جازيتَ بالإحسان قوماً*** زجرت المدنيين عن الذّنوبِ

فمالَكَ والتناوُل من بعيد ***ويمكنك التناول من قريب


• 180 -

الأصل: احْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ طَيْرِكَ، بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ .


الشرح: هذا يفسَّر على وجهين :

أحدهما أنه يريد: لا تُضمر لأخيك سوءًا ، فإنّك لا تُضمر ذاك إلاّ يضمر هو لك سوءاً، لأنّ القلوب يشعرُ بعضها ببعض فإذا صفَوتَ لواحد صفا لك .

والوجه الثاني أن يريد: لا تَعِظ الناس ولا تنههم عن منكر إلا وأنت مُقلِعٌ عنه، فإن الواعظ الذي ليس بزكيِِّ لا ينجَعُ وعظه، ولا يؤثر نهيه . وقد سبق الكلام في كلا المعنيين .


• 181-

الأصل: الدَّجَاجَةُ تَسُلُّ الرَّأْيَ.


الشرح: هذا مشتقّ من قوله علیه السلام : «لا رأي لمن لا یُطاع» (1)، وذلك لأن عدم الطاعة هو اللّجاجة، وهو خُلُق يتركب من تُخلقين: أحدهما الكبر ، والآخر الجهل بعواقب الأمور وأكثر ما يعتري الولاة لما يأخذهم من العزة بالإثم.

ومن كلام بعض الحكماء : إذا اضطررت إلى مُصاحَبة السلطان قابدأ بالفحص عن معتاد طَبْعِه ، ومألوف خُلقُه، ثم استحِدث لنَفسك طَبعاً ففرّغه في قالب إرادته، وخُلقّاً تركيهُ مع موضع وفاقه حتى تَسلم معه، وإن رأيته يهوى فنَّا من فنون المحبوبات فأظهر هواك لشدّ ذلك الفنّ، ليبعد عنك إرهابه، بل ويكثر سكونه إليك، وإذا بدا لك منه فعل ذميم فإيّاك أن تبدأ. فيه بقول من لم يستبذل فيه نُضحك، ويستدعي رأيك، وإن استدعي ذاك فليكن ما تفاوضه فيه بالرّفق والاستعطاف، لا بالخشونة والاستنكاف، فيَحْمِله اللجاج المركب في طبع الولاة على ارتكابه ، فكل والٍ لَجُوج ، وإن علم ما يتعقبه لجاجه من الضرر، وأن اجتنابه هو الحسن.

. 182 -

الأصل: الطَّمَعُ رِقٌ مُؤَيَّد.


1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 279/38 ، وأخرجه الشيخ المحمودي في نهج السعادة : 317/5.

الشرح: هذا المعنى مطروقٌ جداً، وقد سبق لنا فيه قولٌ شافٍ.

وقال الشاعر:

تعفّف وعِش حُرّاً ولا تَكُ طامِعاً*** فما قطع الأعناق إلا المَطامعُ

وفي المثل : أطمع من أشعب، رأى سَلالاً يصنع سَهلّة، فقال له: أوْسِعُها، قال : ما لَكَ وذَاك؟ قال : لعلَّ صاحبَها يُهدِي لي فيها شيئاً .

ومرّ بمكتب وغلامٌ يقرأ على الأستاذ: (إن أبي يدعوك ) (1)، فقال : قم بين يَدَيَّ حَفِظك الله وحفظ أباك ، فقال : إنما كنت أقرأ ،وردي، فقال: أنكرتَ أن تُفلح أو يُفلح أبوك !

وقيل : لم يكن أطمَعُ من أشعب إلا كلبه رأى صورة القمر في البئر فظَنّه رغيفاً، فألقى

نفسه في البئر يطلبه فمات.

-1AT-

الأصل: ثَمْرةُ التَّقْرِيطِ النَّدَامَةُ، وَثَمَرَةُ الحَرمِ السَّلامَةُ.

الشرح: قد سبق من الكلام في الحزم والتفريط ما فيه كفاية. وكان يقال : الحَرْم مَلَكةً يُوجِبها كثرة التجارب، وأصله قوة العقل، فإنّ العاقل خائف أبداً ، والأحمق لا يخاف، وإن

خاف كان قليل الخوف ومن خاف أمراً توقاه، فهذا هو الحزم.

وكان أبو الأسود الدؤليّ من عُقلاء الرجال وذَوِي الحَزم والرأي، وحكى أبو العباس المبرّد قال : قال زياد لأبي الأسوَد - وقد أَسَنَّ - : لولا ضَعْفُك لاستعملناك على بعض أعمالنا، فقال: اللصِّراع يريدُني الأمير! قال زياد : إن للعمل مؤونة ولا أراك إلا تضعف عنه، فقال أبو الأسود:

زعم الأمير أبو المغيرة انني ***شيخ كبير قد دَنوتُ من البِلَى

دنَوْتُ صَدَق الأمير لقد كبرت وإنما ***نال المكارم من يدبّ على العصا

يابا المغيرة رُبِّ أمر مُبهم*** فرجتُه بالحزم مني والدَّهَا

وكان يقال : مِن الحَزم والتّوقي ترك الإفراط في التوقي.


1) سورة القصص الآية : 25 .

لما نزل بمعاوية الموتُ وقدم عليه يزيد ابنُه فرآه مسكتاً لا يتكلم، بكى وأنشد :

لوفات شيءٌ يُرَى لفات أبو*** حَيّان لا عاجزٌ ولا وَكِلُ

الحوّل القلب الأريبُ ولا*** تدفع يوم المنيّة الجيل


• 184 -

الأصل: مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ، أَهْلَكَهُ الْجَزَعُ .


الشرح: قد تقدّم لنا قولٌ شافٍ في الصبر والجزع .

وكان يقال : ما أحسَن الصّبر لولا أن النفقة عليه من العمر ! أخذه شاعر فقال :

وَإنّي لأدري أنَّ في الصَّبْر رَاحَةً ***ولكن إنفاقي على الصبر من عُمْرِي

وقال ابن أبي العلاء يستبطىء بعض الرؤساء :

فإن قيل لي صبراً فلا صَبْرَ للذي*** غدا بيد الأيام تقتلُه صَبْرا

وإن قيل لي عذراً فوالله ما أرى*** لمن ملك الدنيا إذا لم يجد عذرا

فإن قلت : أي فائدة في قوله علیه السلام: «مَنْ لم ينجه الصبر أهلكه الجزع»؟ وهل هذا إلا كقول مَنْ قال : «من لم يجد ما يأكل ضرّه الجوع ؟».

قلت: لو كانت الجهة واحدة لكان الكلام عبثاً، إلا أن الجهة مختلفة، لأن معنى علیه السلام كلامه من لم يخلّصه الصبر من هموم الدّنيا وغُمومها هَلَك من الله تعالى في الآخرة بما يستبدله من الصبر بالجزع، وذلك لأنه إذا لم يصبر فلا شك أنه يجزع، وكل جازع آثم والإثم مهلكة، فلما اختلفت الجهة وكانت تارة للدنيا وتارة للآخرة لم يكن الكلام عبثاً بل كان مفيداً .

• 185-

الأصل: وَاعَجَبًا أَنْ تَكُونَ الْخِلافَةُ بِالصَّحَابَةِ ولا تكون بالصحابة وَالْقَرَابَةِ .

قال الرضيّ رحمه الله تعالى وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى وهو :

فَإِنْ كُنْتَ بِالسُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ*** فَكَيْفَ بِهَذَا وَالمُشِيرُونَ غُيَّبُ !

وَإِنْ كُنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ ***فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِي وَأَقْرَبُ

الشرح: حديثه علیه السلام في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر وعمر، أما النثر فإلى عمر توجيهه لأن أبا بكر لما قال لعمر : امدد يدك، قال له عمر : أنت صاحب رسول الله في المواطن كلّها، شدّتها ،ورخائها، فامدد أنت بدك ، فقال علي علیه السلام : إذا احتججتَ لاستحقاقه الأمر بصحبته إناء في المواطن كلّها ، فهلا سلّمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك ، وزاد عليه «بالقرابة»! وأما النظم فموجه إلى أبي بكر ؛ لأن أبا بكر حاج الأنصار في السقيفة . فقال : نحن عِثرة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وبيضته التي تفقأت عنه، فلما بويع احتج على الناس بالبيعة، وأنها صدرت عن أهل الحلّ والعقد، فقال علىّ علیه السلام: امّا احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ومن ،قومه فغيرك أقرب نسباً منك إليه، وأما احتجاجك بالاختيار ورضا الجماعة بك، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت!

واعلم أن الكلام في هذا تتضمنه كتب أصحابنا في الإمامة، ولهم عن هذا القول أجوبة ليس هذا موضع ذكرها .

تم الجزء الثامن عشر من شرح نهج البلاغة

لابن أبي الحديد ويليه الجزء التاسع عشر


الفهرس

الفهرس

الجزء السابع عشر

46 - ومن كتاب له علیه السلام إلى بعض عماله ...5

47 - ومن وصية له علیه السلام للحسن والحسين علیهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله ...6

بعض ما ورد في حقوق الجار..8

48 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية ...11

49 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية أيضاً ...12

50 - ومن كتاب له علیه السلام إلى أمرائه على الجيوش ..13

51 - ومن كتاب له علیه السلام إلى عماله على الخراج ...14

52 - ومن كتاب له علیه السلام إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة..16

اختلاف الفقهاء في أوقات الصلاة...16

53 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه للأشتر النخعي رحمه الله لما ولاء على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن ...22

بعض ما ورد في النهي عن ذكر عيوب الناس ...26

رسالة الإسكندر إلى أرسطو وجواب أرسطو له ...37

بعض ما ورد في القضاة ونوادرهم ...41

بعض ما جاء في عهد سابور بن أردشير إلى ابنه ...50

في آداب الكتّاب ...54

بعض ما ورد من نصائح للوزراء ...55

بعض ما ورد في الحجاب نثراً وشعراً...62

في ما روي حول نزاهة الخليفة عمر بن عبد العزيز...66

بعض ما جاء في الحذر من كيد العدو والنهي عن الغدر ...74

بعض ما ورد من وصايا العرب ...80

54- ومن كتاب له علیه السلام إلى طلحة والزبير مع عمران بن الحصين الخزاعيّ، وذكر هذا الكتاب أبو جعفر الإسكافي في كتاب المقامات ...88

أبو جعفر الإسكافي ...88

55 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية...90

56 - ومن كلام له علیه السلام وصی به شریح بن هانىء لما جعله على مقدمته إلى الشام...92

57- ومن كتاب له علیه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة...92

58 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين...93

59 - ومن كتاب له علیه السلام إلى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوان...95

60 - ومن كتاب له علیه السلام إلى العمال الذين يطأ عملهم الجيوش...96

61 - ومن كتاب له علیه السلام إلى كميل بن زياد النخعي وهو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدوّ طالباً للغارة ...97

62 - ومن كتاب له علیه السلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر رحمه الله لما ولاه إمارتها ...98

الرد على الشيعة في طعنهم في إمامة أبي بكر ...100

من هذا الكتاب ...146

أخبار الوليد بن عقبة...147

63 - ومن كتاب له علیه السلام إلى أبي موسى الأشعريّ وهو عامله على الكوفة، وقد بلغه عنه تشبيطه الناس عن الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل ...160

64 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية جواباً عن كتابه...162

خبر فتح مكة ...166

الجزء الثامن عشر

65 - ومن كتاب له علیه السلام إليه أيضاً...196

66 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه إلى عبد الله بن العباس، وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية ...201

بعض ما قيل في الدنيا وأحوالها ...202

67 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة...202

68 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه إلى سلمان الفارسي رحمه الله قبل أيام خلافته

69 - ومن كتاب له علیه السلام كتبه إلى الحارث الهمدانيّ ...209

الحارث الأعور ...210

بعض الأقوال الحكمية ...210

70- ومن كتاب له علیه السلام إلى سهل بن حُنيف الأنصاريّ وهو عامله على المدينة، في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية ...216

71 - ومن كتاب له علیه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي وقد كان استعمله على بعض النواحي، فخان الأمانة في بعض ما ولاء من أعماله ...217

المنذر وأبوه الجارود ...217

72 - ومن كتاب له علیه السلام إلى عبد الله بن العباس علیه السلام...221

73 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية ...222

74 - ومن حلف له علیه السلام كتبه بين ربيعة واليمن ونقل من خط هشام بن الكلبيّ...224

75 - ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية من المدينة في أول ما بويع له بالخلافة - ذكره الواقدي في كتاب الجمل ... 225

76 - ومن وصية له علیه السلام لعبد الله بن العباس عند استخلافه إياه على البصرة...226

77 - ومن وصية له علیه السلام لعبد الله بن العباس أيضاً لما بعثه للاحتجاج على الخوارج...227

78 - ومن كتاب له علیه السلام أجاب به يا موسى الأشعري عن كتاب كتبه إليه من المكان الذي اتعدوا فيه للحكومة وذكر هذا الكتاب سعيد بن يحيى الأموي في كتاب المغازي ...22

79 - ومن كتاب كتبه علیه السلام لما استخلف إلى أمراء الأجناد ...230

باب المختار من حكم أمير المؤمنين ومواعظه ...232

ويدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله والكلام القصير الخارج من سائر أغراضه ...232

13 - وقال علیه السلام في الذين اعتزلوا القتال معه ...252

بعض ما ورد في الشيب والخضاب ...257

بعض ما ورد في المروءة ...260

أخبار مع الملوك ...268

خبر الحضين مع قتيبة بن مسلم الباهلي...273

37 - وقال علیه السلام وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقي الأنبار فترجلوا له واشتدوا بين يديه...274

38 - قال علیه السلام لابنه الحسن علیه السلام...275

أقوال ونوادر عن الحمقى ...277

41 - وقال علیه السلام لبعض أصحابه في علة اعتلها...282

42 - وقال علیه السلام في ذكر خباب ...284

خباب بن الأرتّ ...284

الفهرس

خبر محمد بن جعفر مع المنصور...303

76- ومن كلامه علیه السلام للسائل الشامي لما سأله : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره؟ بعد كلام طويل هذا مختاره ...312

127 - وقال علیه السلام وقد سمع رجلاً بذم الدنيا...366

بعض الوصايا الحكمية ...370

146 - وقال علیه السلام الرجل سأله أن يعظه ...383

نوادر عن المكثرين من الأكل ...404

حكايات حول سعة الصدر ...409