ghaemiyeh.com
شرح نهج البلاغة ابن أبي الجديد
16-15
محرر الرقمي: زهراء شریفی گرم دره
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى1428ه- 2007م
دار العربية
دار الكِتاب العربي
بغداد - شارع المنيني
تلفون: 4154521 - 7901419375
الطب القة ولا كانت ثيرون أن تزيدي
بيروت - لبنات
خليوي : 03/946161 - 2/15125- تلفاكس : 0779408
http://www.Dar-ALamira.com email:info@dar-alamira.com
شرُح نهج البلاغة ابن أبي الجديد
تحقيق محمد ابراهيم
المجلد الثامن 15-16
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الواقدي: تعاقد من قريش على قتل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عبد اللّه بن شهاب الزهري وابنُ قميئة أحد بني الحارث بن فهر ، وعُتبة بن أبي وقاص الزهري، وأبي بن خلف الْجُمَحِي. فلمّا أتى خالد بن الوليد من وراء المسلمين واختلطت الصّفوف ووضع المشركون السيف في المسلمين، رمى عتبة بن أبي وقاص رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)بأربعة أحجار، فكسر رباعيتّه، وشجّه في وجهه حتى غاب حَلَق المِغْفر في وجنتيه، وأدمى شفتيه .
قال الواقديّ : وقد رُويّ أن عتبة أشفى باطن رباعيّته السّفلى. قال : والثَّبت عندنا أنّ الذي رمى وجنّتي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ابنُ قَمِينة ، والذي رمى شفته وأصاب رباعيّته عتبة بن أبي وقّاص . قال الواقدي: أقبَل ابنُ قَمِيئة يومئذٍ وهو يقول : دلّوني على محمد، فوالذي يُحلّف به، لئن رأيتُه لأقتلنّه، فوصل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) فعلاه بالسّيف، ورماه عتبة بن أبي وقّاص في الحال التي جَلّله ابنُ قَمِيئة فيها السيفّ، وكان (صلی اللّه علیه واله)فارساً، وهو لابسّ درعين مُثقَل بهما، فوقع رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) عن الفَرَس في حُفرة كانت أمامه .
قال الواقدي: أصيب ركبتاه جُحِشتا لما وقع في تلك الحفرة، وكانت هناك حُفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين، وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) واقفاً على بعضها وهو لا يَشعُر ، فجُحِشت رُكبتاه، ولم يصنع سيف ابن قميئة شيئاً إلّا وهز الضّربة بثقل السّيف، فقد وقع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ثم انتهض وطلحة يحمله من ورائه، وعلى(علیه السلام) آخِذ بيديه حتى استوى قائماً .
قال الواقدي: فحدّثني الضحاك بن عثمان عن حمزة بن سعيد ، عن أبي بشر المازني، قال: حضرت يوم أحد وأنا ،غلام فرأيت ابن قميئة علا رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بالسّيف، ورأيتُ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وَقَعَ على ركبتيه في حفرة أمامه حتى توارى في الحفرة، فجعلت أصيح وأنا غلام حتى رأيتُ النّاس ثابُوا إليه . قال : فأنظر إلى طلحة بن عبيد اللّه آخذاً بحضنه حتى قام .
قال الواقدي: ويقال : إن الذي شَجّ رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)في جبهته ابن شهاب، والذي أشطَى رباعيته وأدمى شفَتَيه عتبة بن أبي وقاص، والذي أدمَى وَجْنَتَيْه حتى غاب الحَلَق فيهما ابنُ
قميئة، وإنه سال الدم من الشّجّة التي في جبهته حتى أخضلَ لحيته . وكان سالم مولى أبي حذيفة يَغسل الدم عن وجهه ورسولُ اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، يقول : كيف يُفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى اللّه تعالى! فأنزل اللّه تعالى قوله : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ) الآية (1).قال الواقدي : ورَوَى سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يومئذٍ : اشتد غضب اللّه على قوم دَمَوْا فَا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، اشتدّ غَضب اللّه على قوم دمّوا وجه رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، اشتدّ غضب اللّه على رجل قَتَلَه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) . قال سعد فلقد شفاني من عتبة أخي دعاء رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، ولقد حَرَصَتُ عَلَى قتلِهِ حِرْصاً ما حَرَصتُ على شيء قط، وإن كان ما علمتُ لعاقا بالوالد سيّىء الخُلُق، ولقد تخرّقتُ صفوف المشركين مرّتين أطلب أخي لأقتله، ولكنّه راغ منّي رَوَغانَ الثعلب، فلمّا كان الثالثة قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) : يا عبد اللّه ما تريد؟ أتريد أن تقتل نفسك؟ فكففتُ. فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : اللهّم لا تحولنّ الحَوْلَ عَلَى أحدٍ منهم. . قال :سعد: فواللّه ما حالَ الحَوْلُ عَلَى أحدٍ ممّن رَماه أو جرحه مات عتبة، وأما ابنُ قَمِينة فاختلف فيه : فقائل يقول : قتل في المعركة وقائل يقول : إنه رمى بسَهُم في ذلك فأصاب مصعب بن عُمَير فقتله، فقال: خُذْها وأنا ابنُ قَمِيئة فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : أقماه اللّه (2)، فعمد إلى شاة يحتليها فتنطحه بقرنها وهو معتلقها فقتلته . فوُجِد ميّتاً بين الجبال لدعوة رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ، وكان عدوّ اللّه رجع إلى أصحابه فأخبرهم أنه قتل محمداً . قال : وابن قميئة رجل من بني الأخرم من بني فهر.
وزاد البلاذُرِيّ في الجماعة التي تعاهدت وتعاقدت عَلَى قتل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)
یوماحد عبد اللّه بن حُمَيد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى بن قصّي .
قال : وابن شهاب الَّذي شَجّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في جبهته هو عبد اللّه بن شهاب الزهري، جد الفقيه المحدّث محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد الله بن شهاب، وكان ابنُ قَمِينةَ أدْرَم ناقص الذَّقن، ولم يذكر اسمه ولا ذكره الواقدي أيضاً.
قلتُ :سألت النقيب أبا جعفر عن اسمه فقال عمرو، فقلتُ له : أهو عمرو بن قميئة الشاعر؟ قال: لا، هو غيره فقلت له: ما بال بني زُهرة في هذا اليوم فعلوا الأفاعيل برسول اللّه(صلی الۀّه علیه واله) وهم أخواله ، ابن شهاب وعتبة بن أبي وقّاص ! فقال : يابن أخي، حرّكهم أبو سفيان وهاجَهُم على الشرِّ لأنّهم رجعوا يومَ بدر من الطريق إلى مكّة فلم يشهدوها، فاعترض عِيرهم ومنعهم عنها ، وأغرى بها سفهاء أهل مكة، فعيّروهم برجوعهم، ونسبوهم إلى الجُبن.
وإلى الأذهان في أمر محمد(صلی اللّه علیه واله) ، واتفق أنه كان فيهم مثل هذين الرجلين، فوقع منهما يوم أحد ما وقع.
قال البلاذري: مات عتبة يوم أحد من وجعٍ أليم أصابه، فتعذب به، وأصيب ابن قميئة في المعركة ، وقيل : نطحتُه عَنْز فمات.
قال ولم يذكر الواقديّ ابن شهاب كيف مات وأحسب ذلك بالوهم منه . قال : وحدّثني بعضُ قريش أن أفعى نهشت عبد اللّه بن شهاب في طريقه إلى مكة، فمات. قال : وسألتُ بعض بني زُهرة عن خبره فأنكروا أن يكون رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) دعا عليه، أو يكون شَجَّ ، رسول اللّه(صلی الله علیه واله) . وقالوا : إن الذي شجّه في وجهه عبد اللّه بن حميد الأسَديّ. فأمّا عبد اللّه بن حميد الفهري، فإنّ الواقدي وإن لم يذكره في الجماعة الذين تعاقدوا عَلَى قتل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلّا أنّه قد ذكّر كيفيّة قتله .
قال الواقدي : ويُقبل عبد اللّه بن حميد بن زهير حين رأى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) على تلك الحال - يعني سقوطه من ضربة ابن قميئة - يركض فرسه مقنعاً في الحديد يقول : أنا ابن زهير، دلوني على محمد، فواللّه لأقتلنّه أو لأموتَنّ دونه ! فتعرّض له أبو دُجانة فقال : هلمّ إلى مَن يَقِي نفس محمّد( صلى اللّه عليه واله) بنفسه، فضرب فرسه فعرقبها ، فاكتسعت (1)، ثم علاه بالسّيف وهو يقول: خذها وأنا ابن خَرَشة، حتى قتله، ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ينظر إليه ويقول : اللهّم ارضّ عن ابن خَرَشة كما أنا عنه راضٍ. هذه رواية الواقدي، وبها قال البَلاذُري : إنّ عبد اللّه بن حميد قتله أبو دُجانة . فأما محمد بن إسحاق فقال : إنّ الذي قتل عبد اللّه بن حميد علي بن أبي طالب(علیه السلام) . وبه قالت الشيعة .
وروى الواقديّ والبَلاذُريّ أن قوماً قالوا : إنّ عبد اللّه بن حميد هذا قتل يوم بدر. فالأوّل الصحيح أنّه قُتِل يومَ أَحد . وقد روى كثيّر من المحدّثين أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال لعلي(علیه السلام) حين سقط ثم أقيم : اكفني هؤلاء - لجماعة قصدت نحوه - فحَمَل عليهم فهزَمَهم ، وقتل منهم عبد اللّه بن حميد من بني أسد بن عبد العُزَّى، ثم حملت عليه طائفة أخرى، فقال له : اكفني هؤلاءِ، فَحَمَل عليهم فانهزموا من بين يديه، وقتل منهم أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي.
قال: فأما أبي بن خلف فروَى الواقدي أنه أقبل يركُض فرسه، حتى إذا دنا من
1) اكتسعت سقطت من ناحية مؤخرها ورمت به اللسان، مادة (كسع).
رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، اعترض له ناس من أصحابه ليقتلوه ، فقال لهم : استأخروا عنه. ثم قام إليه وحربته في يده، فرماها بها بين سابغة البيضة والدّرع ، فطعنه هناك، فوقع عن فرسه، فانكَسر ضلع من أضلاعه واحتمله قوم من المشركين ثقيلاً حَتّى ولّوا قافلين، فمات في الطّريق، وقال : وفيه أنزلَتْ : «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى» (1)، قال : يعني قذفه إياه بالحَرْبة.
قال الواقدي: وحدثني يونس بن محمّد الظَّفَري ، عن عاصم بن عمر عن عبد اللّه ، كعب بن مالك عن أبيه قال: كان أبي بن خَلَفٍ قدم في فداء ابنه، وكان أسير يومَ بَدْر، فقال: يا محمد، إن عندي فرساً لي أعلفها فَرْقاً من ذرّة كلّ يوم لأقتلك عليها . فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) :«بل أنا أقتلك عليها إن شاء اللّه تعالى» (2)ويقال : إنّ أَبَيًّا إنّما قال ذلك بمكّة، فبلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بالمدينة كلمته فقال : بل أنا أقتله عليها إن شاء اللّه . قال : وكان رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) في القتال لا يلتفت وراءه، فكان يوم أحد يقول لأصحابه : إني أخشى أن يأتي أبي بن خلف من خَلْفي، فإذا رأيتموه فآذنوني، وإذا بأبي يَركُضُ على فرسه، وقد رأى رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) فعرفه ، فجعل يصيح بأعلى صوته : يا محمد لانجوتُ إن نَجَوْتَ !فقال القوم : يا رسول اللّه ما كنتَ صانعاً حين يغشاك أبي ؟ فاصنع، فقد جاءك، وإن شئت عطف عليه بعضنا، فأبى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، ودَنا أبي، فتناول رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) الحربة من الحارث بن الصِّمَّة، ثم انتفض كما ينتفض البعير . قال : فتطايرنا عنه تطاير الشَّعارِير، ولم يكن أحدٌ يُشبِهُ رسول اللّه(صلی الله علیه واله) إذا جدّ الجدّ، ثم طعنه بالحربة في عنقه وهو على فرسه لم يسقط، إلا أنه خار كما يخور الثَّوْر ، فقال له أصحابه: أبا ،عامر واللّه ما بك بأسّ، ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضَرّه قال واللّات والعُزّى ، لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتُوا كلهم أجمعون، أليس قال : لأقتلنه فاحتملوه وشغلهم ذلك عن طلب رسول اللّه(صلی الله علیه واله) حتى التحق بعظم أصحابه في الشُّعب.(3)قال الواقدي: ويقال : إنّه تناول الحربةً من الزبير بن العوّام قال : ويقال إنّه لما تناول الحربة من الزبير حمل أبّي على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ليضربه بالسيف، فاستقبله مصعبُ بنُ عُمَير حائلاً بنفسه بينهما، وإن مصعباً ضَرَب بالسيف أبيًا في وجهه، وأبصر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فرجة من بين سابغة البيّضة والدّرع ، فطعنه هناك، فوقع وهو يخُور. قال الواقدي: وكان عبد اللّه بن عمر يقول : مات أبي بنُ خَلَف ببطن رابغ منصرفهم إلى
مكّة . قال : فإنّي لأسير ببطن رابغ بعد ذلك، وقد مضى هُوِيُّ من الليل إذا نار تأجج، فهبْتُها ، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح : العَطش، وإذا رجل يقول : لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، هذا أبيُّ بنُ خَلَف فقلتُ: ألا سُحقاً ! ويقال : إنه مات بسرف.
قال الواقدي : حدثني الزبير بن سعيد عن عبد الله بن الفضل ، قال : أعطى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) مصعب بن عمير اللواء فقتل، فأخذه ملك في صورة مُصعب فَجَعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول له في آخر النهار تقدّم يا مصعب (1)، فالتفت إليه الملك فقال : لستُ بمصعب، فعرف رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أنه ملك ايد به .
قال الواقدي : سمعت أبا معشر يقول مثل ذلك. قال : وحدثتني عبيدة بنتُ نائل عن عائشة بنت سعد بن أبي وقّاص، عنه، قال: لقد رأيتني أرمى بالسّهم يومئذ، فيردّه عني رجل أبيضُ حسن الوجه لا أعرفه، حتى كان بعد، فظننتُ أنه ملك .
قال الواقدي: وحدّثني إبراهيم بن سَعْد، عن أبيه، عن جده سعد بن أبي وقاص، قال: رأيتُ ذلك اليومَ رَجُلين عليهما ثياب بيض، أحدهما عن يمين رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، والآخر عن شماله يقاتلان أشدَّ القتال، ما رأيتُهما قبل ولا بعد قال : وحدّثني عبد الملك بن سليمان، عن قطر بن وهب عن عُبيد بن عَمير قال : لمّا رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدّثون في أنديتهم بما ظَفروا يقولون : لم نَرَ الخيلَ البُلْق ولا الرِّجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر. قال : وقَال عُبيد بن عمير : لم تقاتل الملائكة يوم أحد . قال الواقدي : وحدثني ابن أبي سَبْرة عن عبد المجيد بن سُهَيل، عن عُمر بن الحكم، قال : لم يُمَدِّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) له يوم أحد بملك واحد، وإنما كانوا يوم بدر. قال: ومثله عن عكرمة . قال : وقال مجاهد : حضرت الملائكة يوم أحد ولم تقاتل، وإنما أحد ولم تقاتل، وإنمّا قاتلت يوم بدر. قال : وروي عن أبي هريرة أنه قال : وعَدَهم اللّه أن يُمدّهم لو صَبَروا ، فلما انكشفوا تُقاتِل الملائكة يومئذٍ .
1) أخرجه الصالحي الشامي في سبل الهدى (208/4)
قال الواقدي : كان وَحْشي عبداً لابنة الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، ويقال: كان الجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقالت له ابنة الحارث : إن أبي قتل يوم بدر، فإن أنت قتلت أحد الثلاثة فأنتَ حرّ ،محمد وعلي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب، فإني لا أرى في القوم كُفْؤاً لأبي غيرهم . فقال :وحشيّ: أما محمّد فقد علمت أني لا أقدر عليه، وإن أصحابه لن يُسلموه وأما حمزة فواللّه لو وجدته نائماً ما أيقظته من هَيْبته، وأما علي فالتمسه قال وَحْشي : فكنتُ يوم أحد التمسه، فبينا أنا في طلبه طلع عليّ، فطلع رجلٌ حَذِرٌ . مَرِس كثير الالتفاتِ، فقلتُ : ما هذا بصاحبي الذي التمس، إذ رأيت حمزة يَفْرِي الناسَ فَرْياً، فكَمِنتُ له إلى صخرة وهو مكبس له كتيت، فاعترض له سباع بنُ أم نِيَار، وكانت أمه خَتّانة بمكة مولاة الشريف بن علاج بن عَمْرو بن وهب ،الثّقفي، وكان سباع يكنى أبا نيار، فقال له حمزة وأنت أيضاً يابن مقطعة البظور ممّن يكثر علينا هلّم إليّ، فاحتمله، حتى إذا برقت قدماه رمَى به فبرك عليه ، فشَحَطه شحط الشّاة، ثم أقبل علي مكباً حين رآني، فلما بلغ المسيل، وَطِيءَ على جُرُفٍ فزلت قدمه فهززت حربتي حتى رضيتُ منها ، فأضرب بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته، وكرّ عليه طائفةٌ من أصحابه فأسمعهم يقولون: أبا عمارة، فلا يجيب فقلتُ : قد والله مات الرجل، وذكرتُ هنداً وما لقيت على أبيها وعمها وأخيها، وانكشف عنه أصحابه حين أيقنوا بموته، ولا يَرَوْني، فأكُر عليه فشققت بطنه، فاستخرجتُ كبده، فجئتُ بها إلى هند بنتِ عُتبة، فقلتُ : ماذا لي إن قتلتُ قاتل أبيك ؟ قالت: سَلْني، فقلتُ : هذه كبد حمزة، فمضغَتها ثم لفظتها ، فلا أدري لم تُسِعها أو قدرتها ، فنزعت ثيابها وحليها فأعطتنيه، ثم قالت : إذا جنت مكة فلك عشرة دنانير ثم قالت أرني ،مصرعه فأَرَيْتها مصرعه، فقطعت مذاكيره، وجدَعَتْ أنفه، وقطعت ، أذنيه، ثم جعلت ذلك مَسَكَتين ومِعْضَدَين وخَدَمَتين، حتى قدمت بذلك مكة وقدمت بكبده أيضاً معها (1). قال الواقدي: وحدّثني عبد اللّه بن جعفر عن ابن أبي عَوْن، عن الزهري، عن عبيد اللّه عدي بن الخيار قال: غزونا الشام في زمن عثمان بن عفان فمررنا بحمص بعد العصر، فقلنا : وحشيّ، فقيل : لا تقدرون عليه هو الآن يشرب الخمر حتى يُصبح، فبثنا من أجله، وإننا لثمانون رجلاً ، فلما صلينا الصبحَ جئنا إلى منزله، فإذا شيخ كبير قد طرحت له زربية قدر مجلسه فقلنا له: أخبرنا عن قتل حمزة وعن قتل مسيلمة فكره ذلك، وأعرض عنه، فقلنا : مابتنا هذه الليلة إلا من أجلك. فقال : إني كنت عبداً لجبير بن مطعم بن عدي، فلمّا خرج
1) أخرجه اليوسفي في موسوعة التاريخ الإسلامي : 315/2
الناسُ إلى أحد دعاني فقال : قد رأيت مقتل طعيمة بنَ عَدِي، قتله حمزة بن عبد المطلب يوم ،بدر، فلم تزل نساؤنا في حُزن شديدٍ إلى يومي هذا، فإن قتلت حمزة فأنتَ حرّ، فخرجتُ الناس ولي مزاريق كنت أمر بهند بنت عتبة فتقول : إيه أبا دُسْمة اشفِ واسْتَف . فلمّا ورَدْنا أحداً نظرتُ إلى حمزة يقدم الناسَ يهدّهم هذا ، فرآني وقد كمنت له تحت شجرة، فأقبل نحوي، وتعرّض له سباع الخُزاعي، فأقبل إليه وقال : وأنتَ أيضاً يابن مقطّعة البظور ممّن يكثر علينا هَلُمّ إليّ، وأقبل نحوه حتى رأيتُ برقان رجليه، ثم ضَرَب به الأرض وقتله، وأقبل نحوي سريعاً، فيعترض له جرفٌ فيقع فيه، وأزرقه بمزراق (1)فيقع في لبته حتى خرج من بين رجليه . فقتّله، ومررتُ بهند بنت عتبة فآذنتها ، فأعطتني ثيابها وحليها ، وكان في ساقيها خَدَمتان من جَزْع ظفارِ ومَسَكتان من ورق وخواتيم من ورق كن في أصابع رجليها ، فأعطتني بكل ذلك، وأما مُسيلمة فإنّا دخلنا حديقة الموت يومَ اليمامة فلما رأيتُه زرقته بالمزراق، وضربه رجل من الأنصار بالسيف، فربك أعلم أينا قتلها إلا أني سمعت امرأةً تصيحُ فوق جدار : قتله العبد الحبشي . قال عبيد اللّه : فقلتُ: أتعرفني ؟ فأكَرَّ بصرَه علي وقال : ابن عدي لعاتكة بنت العيص ؟ قلت نعم قال : أما واللّه ما لي بك عَهد بعد أن دفعتك إلى أمّك في محفّتِك التي كانت : ترضعك فيها ، ونظرت إلى برقان قدميك حتى كأنّه الآن.
وروی محمد بن إسحاق في كتاب المغّازي، قال: علت هند يومئذ صخرة مشرفة، و صرخت بأعلى صوتها :
نحنُ جزیناکم بيومِ بَدْرِ *** والحرب بعد الحرب ذات شعر
ما كان عن عتبة لي من صبر *** ولا أخي وعمّه وبكري
شفيتُ نفسي وقضيتُ نَذري *** شفيت وحشي غليل صدري
فشكرُ وَحْشَيّ علي عمري *** حتّى ترم أعظمي في قبري
قال : فأجابتها هند بنت أثاثة بن المطلب بن عبد مناف :
حزيت في بدر وغيرِ بدرِ *** يابنتَ غَدَارٍ عظيم الكُفْرِ
أفحمكِ اللّه غَداة الفجر *** بالهاشميين الطوالِ الزُّهْرِ
بكلّ قطّاع حُسام يَفْرِي *** حمزة ليثي وعلي صّفري
إذ رام شيب وأبوك قَهْرِي *** فخضبا منه ضواحي النَّحرِ
قال محمد بن إسحاق : ومن الشِّعر الذي ارتجزت به هند بنت عتبة يوم أحد :
شفيتُ من حمزة نفسي بأخذ *** حين بقرتُ بطنه عن الكبد
1) المزراق رمح قصير القاموس المحيط مادة (زرق).
أذهب عنّي ذاك ما كنتُ أجد *** من لوعة الحزن الشديد المعتمد
والحرب تعلوكم بشوبوب (1)بَرِدْ *** نُقدِم إقداماً عليكم كالأشد
قال محمد بن إسحاق : حدثني صالح بن كيسان قال : حَدَّثتُ أنَّ عمر بن الخطّاب قال :الحسّان يا أبا الفُرَيْعة، لو سمعت ما تقول هند! ولو رأيت شرّها قائمة على صخرة ترتجز بنا، وتذكر ما صنعت بحمزة! فقال حسان: واللّه إني لأنظر إلى الحَرْبة تَهوِي وأنا على فارع - يعني أطمة - فقلت : واللّه إن هذه لسلاح ليس بسلاح العرب، وإذا بها تهوي إلى حمزة ولا أدري ولكن أسمعني بعض قولها أكفيكموها فأنشده عمر بعض ما قالت، فقال حسان يهجوها :
أشِرَتْ لَكَاعِ وكان عادتها *** لؤماً إذا أشِرَتْ مع الكُفْرِ
أخرجت مرقصة إلى أحد *** في القوم مُقتبةً على بكرِ
بکر ثَقالٍ لا حَراك به *** لاعن معاتبة ولا زجر
أخرجت ثائرة محاربة *** بأبيك وأبنك بعد في بدر
وبعمك المتروك منجدلاً *** وأخيك منعفرَيْن في الجَفْرِ(2)
فرجعتِ صاغرةً بلاترة *** منا ظفرت بها ولا وَتْرِ
وقال أيضاً يهجوها :
لمن سواقطّ ولدّان مطرحةٌ *** باتت تفحّص في بطحاء أجيادِ
باتت تمخص لم تشهد قوابلها *** إلّا الوحوش وإلّا جنّة الوادي
يظل يرجُمه الصبيان منعفِراً *** وخاله وأبوه سيّدا النادي
في أبيات كرهت ذكرها لفحشها .
قال : وروى الواقديّ، عن صفيّة بنت عبد المطّلب، قالت: كنّا قد رفعنا يومَ أُحد في الآطام، ومعنا حسّان بن ثابت ،وكان من أجبن الناس، ونحن في فارع، فجاء نفر من يهود يرومون الأظم، فقلت: دُونَك يابن الفريّعة، فقال: لا واللّه لا أستطيع القتال، ويصعّد يهوديّ إلى الأظّم، فقلتُ : شدّ على يدي السيف، ثم برئت ففعل، فضربتُ عنق اليهودي ورميتُ برأسه إليهم، فلما رأوه انكشفوا قالت : وإنّي لفي فارع أول النهار مشرفة على الأظم، فرأيتُ المزراق، فقلتُ أو من سلاحهم المزاريق! أفلا أراه هوى إلى أخي ولا أشعر! ثم خرجت آخر
النهار حتى جئتُ رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، وقد كنت أعرف انكشاف المسلمين وأنا على الأظم برجوع حسّان إلى أقصى الأظم، فلمّا رأى الدولة للمسلمين أقبل حتى وقف على جدار الأطم. قال : فلما انتهيتُ إلى رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) ومعي نسوة من الأنصار لقيته وأصحابه أوزاع، فأوّل من لقيتُ علي ابن أخي فقال : ارجعي يا عمّة، فإنَّ في الناس تكشّفاً، فقلت: رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)؟ قال صالح قلت :ادللني عليه حتى أراء، فأشار إليه إشارةً خفيَّة، فانتهيتُ إليه وبه الجراحة .
قال الواقدي: وكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول يوم أحد: «ما فعل عمّي، ما فعل عمّي! فخرج الحارث بن الصّمة يطلبه فأبطأ، فخرج علي (علیه السلام) يطلبه فيقول :
يا رب إن الحارث بن الصمّة ***كان رفيقاً وبنا ذا ذمة
قد ضَلَّ في مهامه مُهمَّة *** يلتمس الجنّة فيها ئَمّة
حتى انتهى إلى الحارث، ووجد حمزة مقتولاً ، فجاء فأخبر النبي(صلی اللّه علیه واله) ، فأقبل يمشي حتى وقف عليه فقال : ما وقفتُ موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا الموقف. فطلعت صفيّة، فقال: يا زبير اغن عنّي أمّك، وحمزة يُحفّر له، فقال الزبير يا أُمَّه، إنّ في الناس تكشفاً ،فارجعي ، فقالت: ما أنا بفاعلة حتى أرى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فلمّا رأته قالت يا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، أين ابن أمي حمزة؟ فقال : هو في الناس؛ قالت: لا أرجع حتى أنظر إليه، قال الزبير : فجعلت أطدها إلى الأرض حتى دفن وقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) : لولا أن تحزن نساؤنا لذلك لتركناه للعافية، يعني السّباع والطيّر حتى يحشرَ يوم القيامة من بطونها وحواصلها .
قال الواقدي: ورُوي أن صفيّة لمّا جاءت حالت الأنصار بينها وبين رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)فقال: دَعُوها فجلست عنده، فجعلت إذا بكت يبكي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وإذا نَشَجت ينشج رسول الله (صلی اللّه علیه واله)، وجعلت فاطمة (سلام اللّه علیها) تبكي، فلمّا بكّت بكى رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) ثم قال: لن أصابَ بمثل حمزة أبداً ، ثم قال(صلی اللّه علیه واله) ل لصفيّة وفاطمة : أبشرا أتاني جبرائيل (علیه السلام) فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السَّماوات السَبع : حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسدُ رسوله .
قال الواقدي: ورأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بحمزة مثلاً شديداً، فحزنه ذلك وقال : إن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم، فأنزل اللّه عليه : وَإِن عَافَتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَيٍن صَبَرتُمُ لَهُوَخَيْرٌ لِلصَابِرِين (1)فقال : «بل نصبر، فلم يمثل بأحد من قريش ».)قال الواقدي وقام أبو قتادة الأنصاري فجعل ينال من قريش لما رأى من غَمّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وفي كل ذلك يشير إليه أن أجلس ثلاثاً، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) : يا أبا قتادة، إنّ قريشاً أهلُ أمانة من بغَاهم العواثِر كَبَّه اللّه لفيه وعسى إن طالت بك مدة أن تحقر عملك)
1) سورة النحل، الآية : 126
مع أعمالهم، وفعالّك مع فعالهم، لولا أن تبطّر قريش لأخبرتُها بما لها عند اللّه تعالى . فقال أبو قتادة واللّه يا رسول اللّه ما غضبتُ إلاّ اللّه ورسوله حين نالوا منه ما نالوا فقال: صدقتَ .بنس القوم كانوا لنبيهم . قال الواقدي: وكان عبد اللّه بن جحش قبل أن تقع الحربُ قال : يا رسول اللّه، إن هؤلاء القوم قد نزلوا بحيث ترى فقد سألت اللّه فقلت : اللهّم أقسم عليك أن تلقى العدو غداً فيقتلوني ، ويبقَروا بطني ويمثلوا بي فتقول لي : فيمَ صُنع بك هذا؟ فأقول: فيك. قال: وأنا أسألك يا رسول الله أخرى، أن تَلِي تركتي من بعدي . فقال له : نعم، فخرج عبد الله فقُتِل ومُثْل به كل المثل، ودُفن هو وحمزة في قبر واحد، وولي تركته رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، فاشترى لأمه مالاً بخيبر. قال الواقدي وأقبلت أختُه حَمْنة بنتُ جَحْش فقال لها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «يا حَمْن احتسبي»، قالت: مَن يا رسول اللّه؟ قال : «خالك حمزة»، قالت: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) غفر الله له ورحمه وهنيئاً له الشهادة ثم قال لها : «احتسبي». قالت: مَن يا رسول اللّه، قال: أخوك عبد اللّه، قالت: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (1)غفر اللّه له ورحمه وهنيئاً له الشهادة ثم قال: «احتسبي» قالت: مَن يا رسول؟ قال : «بعلك مُصعب بن عمير»، فقالت: واحزناه؟ ويقال : إنها قالت: واعُقْراه.)قال محمد بن إسحاق في كتابه : فصرخت وولْوَلَتْ . قال الواقدي : فقال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله«إن للزوج من المرأة مكاناً ما هو لأحد». وهكذا روى ابن إسحاق أيضاً.)قال الواقديّ : ثم قال لها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله : «الم قلت هذا ؟» قالت : ذكرتُ يتم بنيه فراعني .): فدعا رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله لولده أن يُحسن اللّه عليهم الخلف، فتزوّجت طلحة بن عبيد اللّه، فولدت منه محمد بن طلحة، فكان أوصل الناس لولد مصعب بن عمير .)## القول فيمن ثبت مع رسول اللّه يوم أحدقال الواقدي: حدثني موسى بن يعقوب عن عمّته عن أمها عن المقداد، قال : لما تصاف، القوم للقتال يوم أحد، جلس رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله تحت راية مُصعب بن عمير، فلما قتل أصحاب اللواء وهزم المشركون الهزيمة الأولى، وأغار المسلمون على معسكّرهم ينهبونه، ثم كَرّ المشركون على المسلمين، فأتوهم من خلفهم، فتفرّق الناس، ونادى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أصحاب الألوية، فقُتل مُصعب بن عُمير حامل لوائه(صلی اللّه علیه واله) ، وأخذ راية الخزرج سَعدُ بنُ عُبادة، فقام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) تحتها ، وأصحابه محدقون به، ودفع لواء المهاجرين إلى أبي الردم أحد بني)
1) سورة البقرة، الآية : 126 .
عبد الدار آخر نهار ذلك اليوم، ونظرتُ إلى لواء الأوّس مع أسيد بن حضير، فناوشوا المشركين ساعة، واقتتلوا على اختلاط من الصفوف، ونادى المشركون بشعارهم: يا للعُزَّى يا لَهُبَل فأوجعوا واللّه فينا قتلاً ذريعاً، ونالوا من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ما نالوا لا والذي بعثه بالحق ما زال شبراً واحداً ، إنه لفي وجه العدوّ وتتوب إليه طائفة من أصحابه مرّة، وتتفرق عنه مرّة، فربما رأيته قائماً يرمي عن قوسه أو يرمي بالحجر حتى تحاجزوا، وكانت العصابة التي ثبتت مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أربعة عشر رجلاً ، سبعة من المهاجرين، وسبعة من الأنصار، أما المهاجرون فعلي (صلی اللّه علیه واله)وأبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد اللّه وأبو عبيدة بن الجرّاح والزبيّر بن العوّام، وأما الأنصار فالحباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير.)قال الواقدي، وقد رُوي أن سعد بن عبادة ومحمد بن مَسْلَمة ثبتا يومئذ ولم يفرا . ومن روى ذلك جعلهما مكان سعد بن معاذ وأُسَيْد بن حضير .قال الواقدي وبايعه يومئذٍ على الموت ثمانية: ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار، فأما المهاجرون فعلي(صلی اللّه علیه واله ، وطلحة والزبير، وأما الأنصار فأبو دجانة والحارث بن الصمّة والحُباب بن المنذر وعاصم بن ثابت وسهل بن حنيف، ولم يُقتل منهم ذلك اليوم أحد، وأما باقي المسلمين ففروا ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يدعوهم في أخراهم حتى انتهى منهم إلى قريب من المِهْرَاس .)قال الواقدي : وحدّثني عتبة بن جبير عن يعقوب بن عُمير بن قتادة قال : ثبت يومئذ بين يديه ثلاثون رجلاً كلهم يقول : وجهي دون وجهك، ونفسي دونّ نفسك، وعليك السلام غير مودع. قلت : قد اختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يومئذٍ أم لا، مع اتفاق الروّاة كافة على أن عثمان لم يثبت، فالواقدي ذكر أنه لم يثبت، وأما محمد بن إسحاق والبلاذري فجعلاه مع من ثبت ولم يفرّ، واتفقوا كلّهم على أن ضرار بن الخطاب الفهري قرع رأسه بالرمح وقال : إنها نعمة مشكورة يا بن الخطاب إني آليت ألا أقتل رجلاً من قريش .وَرَوَى ذلك محمد بن إسحاق وغيره، ولم يختلفوا في ذلك، وإنما اختلفوا، هل قرعه بالرُّمح وهو فارّ هارب أم مقدم ثابت ! والذين رَوَوْا أنه قرعه بالرمح وهو هارب لم يقل أحدٌ منهم إنّه هرب حين هرب عثمان ولا إلى الجهة التي فرّ إليها عثمان، وإنّما هرب معتصماً بالجبل، وهذا ليس بعيب ولا ذنب، لأن الذين ثبتوا مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله اعتصموا بالجبل كلهم وأصعدوا فيه، ولكن يبقى الفرقُ بين من أصعد في الجبل في آخر الأمر ومَنْ أصعد فيه والحرب لم تضع أوزارها، فإن كان عمرُ أصعد فيه آخر الأمر، فكل المسلمين هكذا صنعوا حتى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وإن كان ذلك والحرب قائمة بعد تفرّق .)
ولم يختلف الرُّواة من أهل الحديث في أن أبا بكر لم يفرّ يومئذ، وأنه ثبت فيمن ثبت، وإن لم يكن نقل عنه قتل أو قتال والثبوت جهاد، وفيه وحده كفاية. وأمّا رُواة الشَّيعة فإنهم يروون أنّه لم يثبت إلا علي وطلحة والزبير وأبو دجانة وسهل بن حنيف وعاصم بن ثابت ومنهم من روى أنه ثبت معه أربعة عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار، ولا يعدّون أبا بكر وعمر منهم . رَوَى كثير من أصحاب الحديث أن عثمان جاء بعد ثالثة إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله نسأله إلى أين انتهيت؟ فقال : إلى الأعرَض ، فقال : لقد ذهبت فيها عريضة .(1)رَوَى الواقدي قال : كان بين عثمان أيام خلافته وبين عبد الرحمن بن عوف كلام فأرسل عبد الرحمن إلى الوليد بن عقبة فدعاه ، فقال : اذهب إلى أخيك فأبلغه عني ما أقول لك، فإنّي لا أعلم أحداً يبلغه غيرك. قال الوليد : أفعل . قال : قل له : يقول لك عبد الرحمن : شهدتُ بدراً ولم تشهدها . وثبت يوم أحد ووليت، وشهدت بيعةَ الرّضوان ولم تشهدها، فلما أخبره قال : عثمان صدّق أخي، تخلّفتُ عن بدر على ابنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) وهي مريضة، فضرب لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بسَهْمي ،وأخري، فكنتُ بمنزلة من حضر بدراً، ووليت يوم أحد، فعفا اللّه في محكم كتابه . وأما بيعة الرضوان فإنّي خرجتُ إلى أهل مكّة، بعثني رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) وقال : إنّ عثمان في طاعة اللّه وطاعة رسوله، وبايَعَ عني بإحدى يديه على الأخرى، فكان شمال النبّي خيراً من يميني. فلما جاء الوليد إلى عبد الرحمن بما قال قال : صَدَق أخي .)عنيقال الواقدي ونظر عمرُ إلى عثمان بن عفان فقال : هذا ممّن عفا اللّه عنه، وهم الذين تولَّوْا يوم التقى الجمعان ،واللّه ما عفا اللّه عن شيء فردّه . قال : وسأل رجل عبد اللّه بن عمر عن عثمان فقال : أذنَبَ يومَ أُحدٍ ذنباً عظيماً، فعفا اللّه عنه وأذنب فيكم ذنباً صغيراً فقتلتموه، واحتج مَن رَوَى أن عمر فرّ يوم أحد بما روي أنه جاءته في أيام خلافته إمرأة تطلب بُرْداً من بُرود كانت بين يديه، وجاءت معها بنت لعمر تطلب بُرْداً أيضاً فأعطى المرأة وردّ ابنته فقيل له في ذلك، فقال : إن أبا هذه ثبت يومَ أحد، وأبا هذه فَرّ يوم أحد ولم يثبت .وروى الواقدي أن عمر كان يحدث فيقول : لمّا صاح الشيطان: قُتِل ،محمد قلت أرقى في الجبل كأني أرويّة، وجعل بعضُهم هذا حجَّةً في إثبات فرار عمر، وعندي أنه ليس بحجّة، لأن تمام الخبر فانتهيتُ إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله . وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ : الرُّسُلُ) (2)، وأبو سفيان في سفح الجبل في كتيبته يَرُومون أن يعلوا الجبل، فقال)
رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله :« اللهّم إنه ليس لهم أن يغلونا فانكشفوا ، وهذا يدل عَلَى أن رُقيَّه في الجبل قد كان بعد إصعاد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فيه، وهذا بأن يكون منقبةً له أشبه .)ورَوَى الواقدي قال : حدثني ابن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبد اللّه بن أبي جَهم، اسم أبي جهم عُبيد، قال : كان خالد بن الوليد يحدث وهو بالشام فيقول : الحمد للّه الذي هداني للإسلام، لقد رأيتني ورأيتُ عمر بن الخطاب حين جال المسلمون وانهزموا يوم أحد وما أحد، وإني لفي كتيبةٍ خَشناء، فما عرفه منهم أحد غيري، وخشيت إن أغريت به من معي يصمدوا له، فنظرتُ إليه وهو متوجه إلى الشُعب . قلت : يجوز أن يكون هذا حقّاً ، ولا خلاف أنه توجّه إلى الشّعب تاركاً للحرب، لكن يجوز أن يكون ذلك في آخر الأمر لما يئس المسلمون من النّضرة، فكلهم توجه نحوَ الشعب حينئذ، وأيضاً فإن خالداً متهم في حقّ عمر بن الخطاب لما كان بينه وبينه من حق عمر بن الخطاب لما كان بينه وبينه من الشَّحْناء والشَّنآن، فليس بمنگر من خالد أن ينعى عليه حركاته، ويؤكّد صحة هذا الخبر، وكون خالد عفٌ عن قتل يومئذ، ما هو معلوم من حال النسب بينهما من قبل الأم، فإن أم عمر حَنتمةُ بنتُ هاشم بن المغيرة، وخالد هو ابن الوليد بن المغيرة، فأم عمر ابنة عم خالد لحّاً، والرَّحِم تعطف .حضرت عند محمد بن معد العلويّ الموسويّ الفقيه على رأي الشيعة الإماميّة رحمه اللّه في داره بدرب الدوّاب ببغداد في سنة ثمان وستمائة، وقارىء يقرأ عنده مغازي الواقدي، فقرأ : حدثنا الواقدي ،قال : حدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رياح عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد قال: سمعتُ محمد بن مسلمة يقول : سمعت أذناي وأبصرت عيناي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يقول يوم أحد وقد انكشف الناس إلى الجبل، وهو يدعوهم وهم لا يَلوُون عليه، سمعته يقول : إليَّ يا فلان إليَّ يا فلان أنا رسول اللّه فما عرّج عليه واحد منهما ومضَيَا، فأشار ابنُ معدّ إليَّ، أن اسمع ، فقلت : وما في هذا ؟ قال : هذه كناية عنهما، فقلتُ : ويجوز ألا يكون عنهما، لعلّه عن غيرهما. قال : ليس في الصحابة من يحتشم ويُستحيا من ذكره بالفرار وما شابهه من العيب، فيضطر القائل إلى الكناية إلا هما قلتُ له: هذا وهم فقال : دَعْنا مِن جَدَلك ومنعك، ثم حلف أنه ما عنى الواقدي غيرهما، وأنه لو كان غيرهما لذكره صريحاً، وبان في وجهه التنكّر من مخالفتي له . رَوَى الواقدي قال : لمّا صاح إبليس : إن محمداً قد قُتِل، تفرّق الناس، فمنهم من ورد المدينة، فكان أول من وردها يُخبر أن محمداً قد قتل، سعد بن عثمان أبو عبادة، ثم ورد بعدّه رجال حتى دخلوا على نسائهم حتى جعل النساء يقلن : أعَن رسول اللّه تفرّون ويقول لهم ابنّ)
أمّ مكتوم : أعن رسول اللّه تفرون؟ يؤنّب بهم ، وقد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله خَلقه بالمدينة يصلي بالناس ، ثم قال : دُلّوني عَلَى الطريق - يعني طريق أحد - فدلّوه ، فجعل يستخير كلٌ من لقي في الطريق حتى لحق القوم، فعلم بسلامة النبي(صلی اللّه علیه واله) ، ثم رجع. وكان ممن ولي عمر وعثمان والحارث بن حاطب وثعلبة بن حاطب وسواد بن غزية وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان وخارجة بن عمر بلغ مَلَل وأوس بن قَيْظي في نفر من بني حارثة بلغوا الشقرة ولقيتهم أم أيمن تحثي في وجوههم التراب وتقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به، وهلّم. واحتجّ من قال بفرار عمر بما رواه الواقدي في كتاب المغازي في قصّة الحديبية، قال: قال عمر يومئذ: يا رسول اللّه ، ألم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام وتأخذُ مفتاح الكعبة وتُعَرِّف مع المعرّفين، وهذينا لم يصل إلى البيت ولا نُحِرَ! فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : أقلتُ لكم في سفركم هذا؟ قال عمر : لا ، قال : أما إنكم ستدخلونه وآخذُ مفتاح الكعبة وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكّة وأعرف مع المعرّفين، ثم أقبل على عمر وقال : أنسيتم يوم أحد، «إذ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلُونَ عَلَى أَحَدٍ» (1)وأنا أدعوكم في أخراكم أنسيتم يوم الأحزاب «إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ» (2)انسيتم يوم كذا وجعل يذكرهم أموراً ، أنسيتم يوم كذا ! فقال المسلمون: صدق اللّه وصدق رسوله، أنتَ يا رسول اللّه أعلم باللّه منّا ، فلمّا دخل عام القضيّة وحلق رأسه قال : هذا الذي كنتُ وعدتكم به، فلما كان يوم الفتّح وأخذ مفتاح الكّعبة قال : ادعُوا إليّ عمر بن الخطّاب، فجاء فقال : هذا الذي كنتُ قلتُ لكم . قالوا : فلو لم يكن فرَّ يومَ أحد لما قال له : أنسيتم يوم أحد إذ تُصعِدون ولا تَلْوونَ.)## القول فيما جرى للمسلمين بعد إصعادهم في الجبلقال الواقدي : حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: لمّا صاح الشيطان لعنه اللّه : إن محمداً قد قتل يحزنهم بذلك، تفرّقوا في كلّ ،وجه وجعل الناس يمرون على النبّي (صلى اللّه عليه واله لا يلوي عليه أحد منهم، ورسول اللّه يدعوهم في أخراهم، حتى انتهت هزيمة قوم منهم إلى المهراس، فتوجّه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يريد أصحابه في الشّعب فانتهى إلى الشّعب وأصحابه في الجبل أوزاع، يذكرون مقتل من قتل منهم، ويذكرون ما جاءهم عن ، قال كعب بن مالك: فكنتُ أول من عَرَفه وعليه المغفر، فجعلت أصيح وأنا في الشعب : هذا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حَيَّ ، فجعل يومىء إليّ بيّده على فيه أي اسكت، ثم دعا بلأمتي فليسها ونزع لأمّته . قال الواقدي : طلع رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) على أصحابه في الشّعب بين السَّعدَيْن : سَعدِ بنِ .)
عبادة، وسعد بن مُعاذ يتكفّاً في الدّرع، وكان إذا مشى تكفا تكفؤاً، ويقال: إنه كان يتوكأ على طلحة بن عبيد اللّه . قال الواقدي: وما صلى يومئذٍ الظهر إلّا جالساً للجرح الذي كان أصابه .قال الواقدي: وقد كان طلحة قال له : إن بي قوة فقم لأحملك، فحمله حتى انتهى إلى الصَّخرة التي عَلَى فم شعب الجبل، فلم يزل يحمله حتى رفعه عليها ثم مضى إلى أصحابه ومعه النّفر الذين ثَبَتوا معه، فلما نظر المسلمون إليهم ظنّوهم قريشاً ، فجعلوا يولون في الشعب هاربين منهم، ثم جعل أبو دُجانة يُليح إليهم بعمامة حمراء على رأسه، فعرفوه فرجعوا أو بعضُهم.قال الواقدي : ورُوي أنه لما طلع عليهم في النفر الذين ثبتوا معه - وهم أربعة عشر، سبعة من المهاجرين، وسبعة من الأنصار - جعلوا يولون في الجبل خائفين منهم يظنّونهم المشركين، جعل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يتبسّم إلى أبي بكر وهو على جنبه ويقول له : ألخ إليهم، فجعل أبو بكر يليح إليهم وهم لا يُعرجون حتى نزع أبو دجانة عصابة حمراء على رأسه فأوفى على الجبل، فجعل يصيح ويليح، فوقفوا حتى عرفوهم، ولقد وضع أبو بردة بن نيار سهماً على كيد قوسه، فأراد أن يرمي به رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ،وأصحابه، فلما تكلّموا وناداهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم)أمسك، وفرح المسلمون برؤيته حتى كأنهم لم تُصبهم في أنفسهم مصيبة، وسُرُّوا لسلامته وسلامتهم من المشركين.)قال الواقدي: ثم إنّ قوماً من قريش صعدوا الجبل فعلوا على المسلمين وهم في الشّعب. قال : فكان رافع بن خديج يحدّث فيقول : إني يومئذ إلى جنب أبي مسعود الأنصاري وهو يذكر من قتل من قومه، ويسأل عنهم، فيخبر برجال منهم سعد بن الرّبيع، وخارجة بن زهير، وهو يسترجع ويترحّم عليهم، وبعض المسلمين يسأل بعضاً عن حميه وذي رحمه فيهم، يخبر بعضهم بعضاً، فبينا هم على ذلك ردّ اللّه المشركين ليذهب ذلك الحزن عنهم، فإذا عدوّهم فوقهم قد علَوْا، وإذا كتائب المشركين بالجبل، فنسوا ما كانوا يذكرون وندبنّا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وحصّنا على القتال، واللّه لكأني أنظر إلى فلان وفلان في عرض الجبل يعدوان هاربين.)قال الواقدي: فكان عمر يحدث يقول : لما صاح الشيطان: قتل محمد، أقبلت أرقى إلى الجبل، فكأني أروية، فانتهيتُ إلى النبي وهو يقول : «وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ» (1، وأبو سفيان في سفح الجبل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) يدعو ربه : «اللّهم ليس لهم أن يَعلُوا». فانكشفوا .)
1) سورة آل عمران الآية : 144 .
قال الواقدي : فكان أبو أسيد السّاعدي يحدّث فيقول : لقد رأيتُنا قبل أن يلقى النعاس علينا في الشَّعب وإنَّا لسلّم لمن أرادنا، لما بنا من الحُزن، فألقي علينا النّعاس، فنمنا حتى في تَناطح الحَجَف، ثم فزعنا وكأنَّا لم يصبنا قبل ذلك نكبة . قال : وقال الزبير بن العّوام: عشينا النعاس فما منا رجل إلا وذّقنه في صدره من النوم، فأسمع معتّب بن تُشَير - وكان من المنافقين - يقول : وإنّي لكالحالم : «لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنَّا» (1، فأنزل اللّه تعالى فيه ذلك.)(1 قال : وقال أبو اليُسر : لقد رأيتني ذلك اليوم في رجال من قومي إلى جنب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وقد أنزل الله علينا النّعاس أمَنةً منه ما منهم رجل إلا يغطّ غَطِيطاً حتى أن الحَجَف لتناطّح، ولقد رأيتُ سيف بشر بن البراء بن مَغرور سَقَط من يده ما يشعر به حتى أخذه بعد ما تثلّم، وإنّ المشركين لتحتنّا، وسقط سيف أبي طلحة أيضاً ولم يُصب أهل الشك والنفاق نُعاس يومئذ، وإنّما أصاب النّعاس أهل الإيمان واليقين، فكان المنافقون يتكلّم كل منهم بما في نفسه، والمؤمنون ناعسون (2)):قلت سألتُ ابن النجار المحدّث عن هذا الموضع فقلت له : هذا الموضع فقلت :له تأمّل مثل قصّة أحد يُدَلّ على أنّ المسلمين كانت الدولة لهم بادىء الحال، ثم صارت عليهم، وصاح الشيطان: قتل محمد فانهزم أكثرهم أكثرهم، ثم ثاب أكثر المنهزمين إلى النبّي (صلى اللّه عليه واله وسلم ، فحاربوا دونه حَرْباً كثيرة طالت مدتها حتى صار آخرُ النهار ثم أصعدوا في الجبل معتصمين به، وأصعد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) معهم، فتحاجز الفريقان حينئذ، وهذا هو الذي يدلّ عليه تأمّل قصّة أحد، إلا أن بعض الروايات التي ذكرها الواقدي يقتضي غير ذلك، نحو روايته في هذا الباب أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، لما صاح الشيطان إنَّ محمداً قد قُتِل كان ينادي المسلمين فلا يعرجون عليه، وإنّما يُصعدون في ، الجبل، وإنّه وجّه نحو الجبل، فانتهى إليهم وهم أوزاع يتذاكرون بقتل من قتل منهم، وهذه الرواية تدلّ على أنه أصعد(صلی اللّه علیه واله) في الجبل من أوّل الحرب، حيث صاح الشيطان، وصياح الشيطان كان حال كون خالد بن الوليد بالجبل من وراء المسلمين لما غشيهم وهم مشتغلون بالنهب اختلط الناس، فكيف هذا !!)فقال : إنَّ الشيطان صاح: قتل محمد دفعتين: دفعة في أوّل الحرب، ودفعة في آخر الحرب، لما تصرّم النهار وغثيت الكتائب رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم وقد قتل ناصروه وأكلتهم الحرب، فلم يبق معه إلّا نفر يسير لا يبلغون عشرة، وهذه كانت أصعب وأشدُّ من الأولى، وفيها.)
اعتصم، وما اعتصم في صرخة الشيطان الأولى بالجبل بل ثبت و حامى عنه أصحابه، ولقد لقي في الأولى مشقة عظيمة من ابن قميئة وعتبة بن أبي وقاص وغيرهما، ولكنّه لم يفارق عرصة الحرب، وإنما فارقها وعَلم أنّه لم يبق له وجه مُقام في صرخته الثانية .قلت له : فكان القومُ مختلطين في الصرخة الثانية حتى يصرخ الشيطان : قُتِل محمد! قال : نعم المشركون قد أحاطوا بالنبّي(صلی اللّه علیه واله وبمن بقي معه من أصحابه، فاختلط المسلمون بهم وصاروا مغمورين بينهم، لقلّتهم بالنسبة إليهم، وظنّ قوم من المشركين أنّهم قد قتلوا النبّي(صلی اللّه علیه واله) لأنهم فقدوا وجهه وصورتّه، فنادى الشيطان قُتِل محمد، ولم يكن قتل (صلی اللّه علیه واله)ولكن اشتبهت صورته عليهم وظنّوه غيره، وأكثر من حامى عنه في تلك الحال علي (علیه السلام) وأبو دُجانة وسهل بن حنيف، وحامى هو عن نفسه، وجرح قوماً بيده تارة بالسهام، وتارة بالسيف ولكن لم يعلموا بأعيانهم لاختلاط القوم وثوران النقع، وكانت قريش تظنه واحداً من المسلمين، ولو عرفوه بعينه في تلك الثورة لكان الأمر صعباً جداً، ولكن اللّه تعالى عصمه منهم بأن أزاغ أبصارهم عنه ، فلم يزل هؤلاء الثلاثة يجالدون دونه، وهو يقرب من الجبل حتَّى صار في أعلى الجبل، أصعد من فم الشعب إلى تدريج هناك في الجبل، ورقي في ذلك التدريج صاعداً حتى صار في أعلى الجبل، وتبعه النفر الثلاثة فلحقوا به.)قلت له : فما بال القوم الذين صعدوا الجبل من المشركين وكيف كان إصعادهم وعَوْدُهم؟ قال : أصْعَدُوا الحرب المسلمين لا لطلب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، لأنّهم ظنوا أنه قد قُتِل، وهذا هوكان السبب في عَوْدهم من الجبل لأنهم قالوا قد بلغنا الغرض الأصليّ وقتلنا محمداً، فما لنا والتصميم على الأوس والخزرج وغيرهم من أصحابه مع ما في ذلك من عظم الخطر بالأنفس.)قلت له : فإذا كان هذا قد خَطر لهم، فلماذا صعدوا في الجبل ؟قال : يخطر لك خاطر، ويدّعوك داع إلى بعض الحركات، فإذا شرعت فيها خَطر لك خاطر آخر يصرفك عنها، فترجع ولا تتمها ! . قلت : نعم فما بالهم لم يقصدوا قصد المدينة وينهبوها ؟قال : كان فيها عبد اللّه بن أبي في ثلاثمائة مقاتل وفيها خَلْق كثير من الأوس والخزرج، لم يحضروا الحرب وهم مسلمون، وطوائف أخرُ من المنافقين لم يخرجوا، وطوائف أخرى من اليهود أولُو بأس وقوة، ولهم بالمدينة عيال وأهل ونساء وكل هؤلاء كانوا يحامون عن المدينة، ولم تكن قريش تَأمَن مع ذلك أن يأتيها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله من ورائها بمن يجامعه من أصحابه فيحصلوا بين الأعداء من خلفهم ومن أمامهم، فكان الرأي الأصوب لهم العدول عن)المدينة وترك قصدها .
قال الواقدي: حدثني الضحاك عثمان بن عن حمزة بن سعيد قال : لما تحاجزوا وأراد أبو سفيان الانصراف أقبل يسير على فرس له حوراء، فوقف على أصحاب النبي (صلی اللّه علیه والهفي عرض الجبل، فنادى بأعلى صوته: اعل هُبَل ثم صاح أين ابن أبي كبشة ؟ يوم بيوم بدر ألا إن الأيام دُوّل .)وفي رواية أنه نادى أبا بكر وعمر أيضاً، فقال: أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطّاب؟ ثم قال : الحرب سجال، حنظلة بحنظلة، يعني حنظلة بن أبي عامر بحنظلة بن أبي سفيان، فقال عمر بن الخطّاب: يا رسول اللّه أجيبه؟ قال : نعم فأجبه فلما قال اعل هبل قال عمر : اللّه أعلى وأجلّ.ويُروى أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم قال لعمر : قل له : اللّه أعلى وأجلّ، فقال أبو سفيان: إن لنا العُزّى ولا عُزّى لكم، فقال عمر: أو قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) : قل له : اللّه مولانا ولا مولى لكم، فقال أبو سفيان إنها قد أنعمت فقال عنها يا بن الخطاب فقال سعيد بن أبي سفيان: ألا : إن الأيام دول وإن الحرب سجال فقال عمر:ولا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار،فقال أبو سفيان: إنكم لتقولون ذلك لقد جبنّا إذاً وخسرنا، ثم قال: يا بن الخطاب، قم إلي أكلمك : فقام إليه فقال : أنشدك بدينك : هل قتلنا محمداً؟ قال: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن قال أنت عندي أصدق من ابن قميئة. من ابن قميئة، ثم صاح أبو سفيان ورفع صوته : إنكم واجدون في قتلاكم عنتاً ومثلاً ، ألا إن ذلك لم يكن عن رأي ،سراتنا ، ثم أدركته حَمِيَّةُ الجاهلية فقال : وأما إذ كان ذلك فلم نكرهه؟ ثم نادى : ألا إن موعكم بدر الصفراء على رأس الحول، فوقف عمروقفة ينتظر ما يقول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال له : قل : نعم، فانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأخذوا في الرّحيل ، فأشفق رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) والمسلمون من أن يُغيروا على المدينة فيهلك الذراريّ والنساء، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) السعد بن أبي وقاص : اذهب فأتنا بخبر القوم، فإنهم إن ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فهو الظَّعنُ إلى مكة، وإن ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فهو الغارة على المدينة، والذي نفسي بيده إن ساروا إليها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنّهم . قال سعد: فتوجهت أسعى وأرصدت نفسي إن أفرعني شيء رجعت إلى النبي (صلی اللّه علیه واله) وأنا أسعى، فبدأت بالشعي حين ابتدأت فخرجت في آثارهم حتى إذا كانوا بالعقيق وأنا بحيث أراهم وأتأملهم ركبوا الإبل وجنبوا الخيل، فقلت: إنه الظعن إلى بلادهم، ثم وقفوا وقفة بالعقيق، وتشاوروا في دخول المدينة، فقال لهم صفوان بن أمية قد أصبتم القوم، فانصرفوا ولا تدخلوا عليهم وأنتم كالون، ولكن الظفر، فإنكم لا تدرون ما يغشاكم، فقد وليتم يوم بدر، لا واللّه ما تبعوكم وكان الظفر لهم . فيقال : إن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و قال : نهاهم صفوان. فلما رآهم سعد على تلك الحال منطلقين وقد دخلوا في المكمن رجع إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) . وهو كالمنكسر فقال : وُجه)
القوم يا رسول اللّه إلى مكة امتطوا الإبل وجنبوا الخيل . فقال : ما تقول؟ قلت: ما قلت يا رسول اللّه فخلا فقال : أحقًا ما تقول؟ قلت : نعم يا رسول اللّه ، قال : فما بالي رأيتك بي منكسراً؟ فقلت : كرهت أن آتي المسلمين فرحاً بقُفولهم إلى بلادهم ، فقال (صلی اللّه علیه واله: إن سعداً لمجرب.)قال الواقدي: وقد روي خلاف هذا، روي أن سعداً لما رجع رفع صوته بأن جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل،فجعل رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله، يشير إلى سعد : خفّض صوتك فإن الحرب خدعة، فلا تري الناس مثل هذا الفرح بانصرافهم، فإنما ردّهم اللّه تعالى. قال الواقدي وحدَّثني ابن أبي سَبْرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر قال : قال رسول الله السعد بن أبي وقاص : إن رأيتَ القوم يريدون المدينة فأخبرني فيما بيني وبينك، ولا تفت في أعضاد المسلمين فذهب فرآهم قد امتطوا الإبل، فرجع، فما ملك أن جعل يصيحُ سروراً بانصرافهم.)قال الواقدي : وقيل لعمرو بن العاص كيف كان افتراق المسلمين والمشركين يوم أحد؟ فقال : ما تريدون إلى ذلك قد جاء الله بالإسلام، ونفى الكفر وأهله، ثم قال : لما كررنا عليهم أصبنا مَنْ أصبنا منهم وتفرقوا في كلّ وجه، وفاءت لهم فئة ،بعد ، فتشاورت قريش، فقالوا : لنا الغلّبة، فلو ،انصرفنا فإنه بلغنا أن ابن أبي انصرف بثلث الناس، وقد تخلّف الناسُ من الأوس والخزرج، ولا نأمن أن يكروا علينا، وفينا ،جراح، وخيّلنا عامّتها قد عُقرت من النَّبل، فمضينا، فما بلغنا الرَّوحاء حتى قام علينا عدة منها ، وانصرفنا إلى مكّة.قال الواقدي : حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عائشة قال : سمعت أبا بكر يقول لما كان يوم أحد ورمي رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم في وجهه حتى دخلت في وجهه حلقتان من المغفر (1)أقبلتُ أسعى إلى رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم) وإنسان قد أقبل من قبل الشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهمّ اجعله طلحة بن عبيد اللّه حتى توافينا إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حتى توافينا إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فإذا أبو عبيدة بن الجرّاح، فبدرني فقال : أسألك باللّه يا أبا بكر إلا تركتني فأنتزعه من وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) ، قال أبو بكر: فتركته. وقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم):«عليكم صاحبَكم» ، يعني طلحة، فأخذ أبو عبيدة بثنيته حلقة المغفر، فنزعها وسقط على ظهره، وسقطت ثنيّة أبي عبيدة ، ثم أخذ الحلقة بثنيته الأخرى، فكان أبو عبيدة في الناس أثرَم. ويقال : إن الذي نَزَع الحلقتين من وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) عُقبة بن وَهب بن كلدة، ويقال : أبو اليسر . قال الواقدي وأثبت ذلك عندنا عقبة بن وهب بن كلدة.)
1) المغفر: زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة القاموس المحيط مادة (غفر).
قال الواقدي : وكان أبو سعيد الخُدْرِي يحدث أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله أصيب وجهه يوم أحد ، فدخلت الحلقتان من المغفر في وجنتيه، فلمّا نُزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشّنّ، فجعل مالك بنُ سِنان يمجّ الدّم ،فيه، ثم ازدَردَه ، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) : مَنْ أحب أن ينظر إلى من خالط دمه بدمي فلينظر إلى مالك بن سنان. فقيل لمالك: تشرب الدم! فقال : نعم، أشربُ دَم رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) ، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) : «مَنْ مس دمه دمي لم تُصِبه النار» (1))قال الواقدي وقال أبو سعيد : كنا ممّن رُدّ من الشيخين لم نَجىء مع المُقَاتِلة، فلمّا كان من النَّهار بلغنا مصاب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وتفرّق الناسِ ، وتفرّق الناس عنه ، جئتُ مع غِلْمان بَنِي خُدْرَة نَعْرِض- الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ننظر إلى سلامته، فترجع بذلك إلى أهلنا فلقينا الناس متفرقين ببطن قناة، فلم يكن لنا همّة إلّا النبيّ (صلی اللّه علیه واله)ننظر إليه، فلما رآني قال : سعد بن مالك! قلت : نعم، بأبي أنت وأمي ! ودنوت منه، فقبلت ركبته وهو على فرسه فقال : اَجَرَك اللّه في أبيك ثم نظرت إلى وجهه، فإذا في وجنتيه مثل موضع الدرهم في كلّ وَجُنة، وإذا شجة في جبهته عند أصول الشعر، وإذا شفته السفلى تدمى، وإذا في رباعيته اليمنى شَظِيّة، وإذا على جُرحه شيء أسود، فسألت ما هذا على وجهه؟ فقالوا : حصيرٌ محرق. وسألتُ : مَن أدمى وجنتيه؟ فقيل : ابن قميئة، فقلتُ : فمن شجّه في وجهه؟ فقيل : ابن شهاب فقلتُ : مَن أصاب شفتيه؟ قيل : عتبة بن أبي وقاص فجعلت أعدو بين يديه حتى نزل ببابه ما نزل إلا محمولاً، وأرى ركبتيه حوشتين يتكىء على السَّعْدَيْن : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، حتى دخل بيته، فلما غربت الشمس وأذن بلال بالصلاة، خرج على تلك الحال يتوكّاً على السعدين : سعد بن عبادة وسعد بن معاذ ثم انصرف إلى بيته والناس في المسجد يوقدون النيران يتكمدون بها من الجراح ، ثم أذن بلال بالعشاء حين غاب الشفق، فلم يخرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فجلس بلالّ عند بابه (صلی اللّه علیه واله)حتى ذهب ثلث الليل ثم ناداه الصلاة يا رسول اللّه فخرج، وقد كان نائماً ، قال : فرمقْتُه فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل بيته فصلّيت معه العشاء، ثم رجع إلى بيته قد صفّف له الرجالُ ما بين بيته إلى مُصَلاه يمشي وحده حتى دخل، ورجعت إلى أهلي فخبّرتهم بسلامته فحمدوا اللّه وناموا، وكانت وجوه الأوس والخزرج في المسجد على النبي (صلی اللّه علیه واله)يحرسونه فرقاً من قريش أن تكرّ. قال الواقدي وخرجت فاطمة (سلام اللّه علیها)في نساء، وقد رأت الذي بوجه أبيها(سلام اللّه علیها) فاعتنقّته، وجعلت تمسح الدم عن وجهه، ورسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) يقول : اشتدَّ غضب اللّه على قوم دَمَوْا وجه رسوله. وذهب علي(علیه السلام) فأتى بماء من المهراس، وقال لفاطمة : امسكي هذا)
1) أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية : 27/4
السيف غير ذميم، فنظر إليه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله و مختضباً بالدم فقال : لئن كنت أحسنت القتال اليوم، فلقد أحسن عاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف، وسيف أبي دُجانة غير ،مذموم هكذا روى الواقدي. وروى محمد بن إسحاق أن علياً (علیه السلام) قال لفاطمة بيتي شعر، وهما :)أفاطِمَ هاء السَّيف غير ذميم *** فلستُ برِ عديد ولا بلثيملعمري لقد جاهدتُ في نصر أحمد *** وطاعة ربُ بالعباد رحيمفقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم : لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدق معك سماك بن خَرَشة، وسهل بن حُنَيْف (1))قال الواقدي: فلمّا أحضر علي (علیه السلام، الماء أراد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أن يشرب منه، فلم يستطع، وقد كان عطشاً، ووجد ريحاً من الماء كرهها، فقال : هذا ماء أجن، فتمضمض منه للدّم الذي كان بفيه ثم مجّه، وغسلت فاطمة به الدم عن أبيها (علیها السلام)، فخرج محمد بن مسلمة یطلب مع النساء، وكنّ أربع عشرة امرأة، قد جئن من المدينة يتلقّين الناس منهنّ فاطمة (سلام اللّه علیها)يحملن الطعام والشراب على ظهورهنّ، ويسقين الجرحى ويُداوينهم.)قال الواقدي: قال كعب بن مالك: رأيتُ عائشة وأمٌ سليم على ظهورهما القرب تحملانها أحد، وكانت حَمْنة بنت جحش تسقي العَطشى وتداوي الجرحى، فلم يجد محمد بن مسلمة عندهنّ ماء ورسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم قد اشتدّ عطشه، فذهب محمد بن مسلمة إلى قناة ومعه سقاؤه حتى استقى من حُسي - قناة عند قصور التميميين اليوم - فجاء بماء عذّب، فشرب منه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ودعا له بخير وجعل الدم لا ينقطع من وجهه(علیهم السلام) وهو يقول : لن ينالوا منّا مثلها حتى نَستلم الرُّكن! فلما رأت فاطمة الدّم لا يرقاً وهي تغسل ،جراحه ، وعلي يصب الماء عليها بالمجنّ، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً ، ثم ألصقته بالجرح، فاستمسك الدّم. ويقال: إنها داوته بصوفة محرقة، وكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) بعد يداوي الجراح الذي في وجهه بعظم بال حتى ذهب أثره. ولقد مكث يجد وَهَنَ ضربة ابن قميئة على عاتقه شهراً أو أكثر من شهر، ويداوي الأثر الذي في وجهه بعظم.)قال الواقدي : وقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله قبل أن ينصرف إلى المدينة : مَنْ يأتينا بخبر سعد بن الربيع؟ فإني رأيته - وأشار بيده إلى ناحية من الوادي - قد شرع فيه اثنا عشر شرع فيه اثنا عشر سناناً ، فخرج محمد بن مسلمة - ويقال أبي بن كعب - نحو تلك الناحية . قال : فأنا وسط القتلى لتعرّفهم، إذ مررت به صريعاً في الوادي، فناديته فلم يجب ثم قلت: إنّ رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)أرسلني إليك .)
1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (11644).
قال: فتنفّس كما يتنفّس الطير، ثم قال : وإن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله لحيّ ! قلت: نعم، وقد أخبرنا أنه شرع لك اثنا عشر سناناً ، فقال : طعنت اثنتي عشرة طعنة كلها أجافتني، أبلغ قومك الأنصار السلام وقل لهم : اللّه اللّه وما عاهدتم عليه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ليلة العقبة! واللّه ما لكم عذّر عند اللّه إن خلص إلى نبيّكم ومنكم عين تطرف، فلم أرم من عنده حتى مات، فرجعت إلى النّبی(صلی اللّه علیه واله) فأخبرته ، فرأيته استقبل القلة رافعاً يديه يقول : اللهّم القّ سعدّ بن الربيع وأنت عنه راض .(1))قال الواقدي: وخرجت السمداء بنتُ قيس، إحدى نساء بني دينار، وقد أصيب ابناها مع النبي(صلی اللّه علیه واله بأحد النُعمان بن عبد عمر، وسُليم بن الحارث، فلمّا نُعيا لها قالت : فما فَعَل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ؟ قالوا : بخير، هو بحمد اللّه صالح على ما تحبّين فقالت : أرونيه أنظر إليه، فأشاروا لها،إليه فقالت : كلُّ مصيبة بعدك يا رسول اللّه جَلل! وخرجت تسوق بابنيها بعيراً، تردّهما إلى المدينة، فلقيتها عائشة فقالت :ما وراءكِ؟ فأخبرتها ،قالت : فمن هؤلاء معك؟ قالت :ابناي، حل حلّ تحملهما إلى القبر .)قال الواقدي: وكان حمزة بن عبد المطلب أوّل من جيء به إلى النبي(صلی اللّه علیه واله بعد انصراف قريش - أو كان من أوّلهم - فصلّى عليه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ثم قال: رأيتُ الملائكة تغسله - قالوا : لأنّ حمزة كان جُنُباً ذلك اليوم - ولم يغسل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الشهداء يومئذ، وقال: بدمائهم وجراحهم، فإنه ليس أحد يجرح في سبيل اللّه إلّا جاء يومَ القيامة لونُ جُرحه لون الدّم، وريحه ريح المسك، ثم قال : ضَعوهم فأنا الشهيد على هؤلاء يوم القيامة، وكان حمزة أوّل من كُبر عليه أربعاً ، ثم جمع إلية الشهداء، فكان كلما أتيَ بشَهيد وُضِع إِلى جَنْب حمزة فصلّى عليه وعلى الشهيد، حتى صلى عليه سبعين مرة، لأنّ الشهداء سبعون .(2) قال الواقدي: ويقال : كان يُؤتَى بتسعة وحمزة عاشرهم، فيصلّي عليهم، وتُرفع التسعة، ويُترك حمزة مكانه، ويؤتى بتسعة آخرين فيوضعون إلى جنب حمزة فيُصلّي عليه وعليهم، حتى فعل ذلك سبع مرّات، ويقال : إنه كَبَّر عليه خمساً وسبعاً وتسعاً . قال الواقدي: وقد اختلفت الرواية في هذا ،وكان طلحة بن عُبيد اللّه وابن عباس وجابربن ،عبد اللّه يقولون : صلّى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) على قتلى أحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء» (3))
1) أخرجه اليوسفي في موسوعة التاريخ الإسلامي : 327/2
2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (12/4).
3) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد (1343) ، والترمذي ، كتاب الجنائز باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد (1036) والنسائي، كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة عليهم ،(1955) ، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب الشهيد يغسل (3138).
فقال أبو بكر: ألسنا إخوانهم أسلمنا كما أسلموا، وجاهَدْنا كما جاهدوا! قال بلى ،ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم، شيئاً، ولا أدري ما تحدثون بعدي ! فبكى أبو بكر وقال: إنّا لكائنون بعدك !وقال أنس بن مالك وسعيد بن المسيّب لم يصلّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله على قتلى أحد.)قال الواقدي : وقال لأهل القتلى : احفروا وأوسعوا وأحسنوا ،وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرآناً . وأمر بحمزة أن تمد بُردته عليه وهو في القبر، وكانت قصيرة ،فكانوا إذا خمروا بها رأسه بدت رجلاه ، وإذا خمّروا بها رجلَيْه انكشف وجهه، فبكى المسلمون ،يومئذ فقالوا يا رسول اللّه : عمّ رسول اللّه يُقتل فلا يوجد له ثوب ! فقال : بلى، إنكم بأرض جردية ذات أحجار، وستفتح - يعني الأرياف والأمصار - فيخرج الناس إليها، ثم يبعثون إلى أهليهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون والذي نفسي بيده لا تصير نفس على لأوائها وشدّتها إلا كنتُ لها شفيعاً - أو قال : شهيداً يومَ القيامة . قال الواقدي: وأتِي عبد الرحمن بن عوف في خلافة عثمان بثياب وطعام فقال : ولكّن حمزة لم يوجد له كَفَن ،ومصعب بن عُمير لم يوجد له كَفَن، وكانا خيراً مني ! .قال الواقدي: ومرّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله بمصعب بن عُمير وهو مقتول مسجى ببردة خَلَق، فقال : لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرقّ حُلّة ولا أحسن لمّة منك، ثم أنت اليوم أشعث الرأس هذه البُرْدة !ثم أمر به فُقير، ونَزَل في قبره أخوه أبو الرّوم وعامر بن ربيعة وسُوَيبطة بن عمرو بن حرملة، ونزل في قبر حمزة على (علیهم السلام) والزبير وأبو بكر وعمر ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) جالس على حفرته .)قال الواقدي : ثم إنّ النّاس أو عامتهم حَمَلوا قتلاهم إلى المدينة، فدفن بالبقيع منهم عدّة، عند دار زید بن ثابت ،ودُفن بعضهم ببني سلمة، فنادى منادي رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم : ردّوا القتلى إلى مضاجعهم - وكان الناس قد دفنوا قتّلاهم - فلم يردّ أحدٌ أحداً منهم إلا رجلاً واحداً أدركه المنادي ولم يُدفن، وهو شمّاس بن عثمان المخزومي، كان قد حمل إلى المدينة وبه رَمَق ، فأدخل على عائشة فقالت أمّ سلمة : ابن عمّي يدخل إلى غيري ! فقال رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم) : احملوه إلى أمّ سلمة، فحملوه إليها فمات عندها، فأمر رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم) أن يُردّ إلى أحد فيُدفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها، وكان قد مكث يوماً وليلة ولم يذق شيئاً، فلم يصل عليه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولا غَسّله .)قال الواقدي: فأما القبور المجتمعة هناك فكثير من النّاس يظنّها قبور قتلى أحد، وكان طلحة بن عبيد اللّه وعبّاد بن تميم المازني يقولان : هي قبور قوم من الأعراب كانوا عامَ الرّمادة في عهد عمر هناك، فماتوا، فتلك قبورهم. وكان ابن أبي ذئب وعبد العزيز بن محمد يقولان :
لا نعرف تلك القبور المجتمعة، إنَّما هي قبور ناس من أهل البادية، قالوا : إنا نعرف قبر حمزة وقبر عبد اللّه بن حزام وقبر سهل بن قيس، ولا نعرف غير ذلك.قال الواقدي: وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يزور قتلى أحد في كلِّ حَوْل، وإذا لقوه بالشَعب رَفَع صوته يقول : السلام عليكم بما صبرتم فنعم عُقْبَى الدَّار ! وكان أبو بكر يفعل مثل ذلك،وكذلك عمر بن الخطّاب، ثم عثمان، ثم معاوية، حين يمرّ حاجاً ومعتمراً .)قال : وكانت فاطمة بنت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله لا تأتيهم بين اليومين والثلاثة فتبكي عندهم وتدعو ، وكان سعد بن أبي وقاص يذهب إلى ماله بالغابة، فيأتي من خلف قبور الشُّهداء فيقول : السّلام عليكم ،ثلاثاً ويقول: لا يسلّم عليهم أحد إلاّ ردُّوا(علیهم السلام) إلى يوم القيامة. قال : ومَرَّ لك رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) على قبر مُصعَب بن عُمير، فوقف عليه، ودعا وقرأ :«مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا » (1) ، ثم قال: إنّ هؤلاء (1)شهداء عند اللّه يوم القيامة، فأتوهم فزُوروهم وسلّموا عليهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلّا رَدُّوا عليه. وكان أبو سعيد الخُدْري يقف على قبر حمزة فيدعو ويقرأ ويقول مثل ذلك. وكانت أمّ سَلَمة رحمها اللّه ، تذهب فتسلّم عليهم في كل شهر فتظلُّ يومها ، فجاءت يوماً ومعها غلامها ،أنبهان، فلم يسلّم، فقالت : أي لكَع (2)! ألا تُسلّم عليهم ! واللّه لا يسلّم عليهم أحد إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة.)قال : وكان أبو هريرة وعبد الله بن عمر يذهبان فيسلّمان عليهم، قالت فاطمة الخزاعيّة : سلّمتُ على قبر حمزة يوماً ومعي أخت لي ،فسمعنا من القبر قائلاً يقول : وعليكما السلام ورحمة اللّه ! قالت: ولم يكن قربنا أحدٌ من الناس. قال الواقدي : فلما فرغ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله من دفنهم دعا بفرسه فركبه، وخرج المسلمون حوله عامّتهم جرحى، ولا مثل بني سلمة وبني عبد الأشهل، فلمّا كانوا بأصل الحرّة قال : اصطفوا، فاصطفت الرجال صَفّين، وخلفهم النساء وعدتَهنّ أربع عشرة امرأة، فرفع يديه فدعا، فقال: اللهّم لك الحمد كلّه، اللهّم لا قابض لما بسطتَ ،ولا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا هادي لمن أضللت ،ولا مُضِلَّ لمن هَدَيت ،ولا مقرّب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت . اللهّم إني أسألك من بركتك ورحمتك وفضلك وعافيتك، اللهّم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهّم إني أسألك الأمن يومَ الخوف ،والغناء يوم الفاقة، عائذاً بك، اللهّم من شرّ ما أعطيت ،ومن شر ما منعت ،اللهمّ توفّنا مسلمين، اللهّم)
حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم عذَّب كَفَرة أهل الكتاب الذين يُكَذِّبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك، اللهّم أنزل عليهم رِجْسَك وعذابك إله الحّق، آمين.(1)قال الواقدي: وأقبل حتى نزل بيبني حارثة يميناً حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم ،فقال : لكن حمزة لا بواكي له! فخرج النساء ينظرن إلى سلامة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله، فخرجت إليه أمّ عامرالأشهلية ،وتركت النّوح، فنظرت إليه وعليه الدرع كما هي، فقالت : كلّ مصيبة بعدك جَلَل . وخرجت كبشة بنت عُتبة بن معاوية بن بَلْحَارِث بن الخزرج تَعْدُو نحو رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وهو واقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخِذ بعنان فرسه، فقال سعد: یا رسول اللّه، أمي، فقال: مرحباً بها !فدنت حتى تأمّلته وقالت : إذ رأيتُك سالماً فقد شفّت المصيبة. فعزّاها بعمرو بن معاذ، ثم قال: يا أمّ سعد: أبشري وبشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنّة جميعاً وهم اثنا عشر رجلاً، وقد شفعوا في أهليهم ،فقالت: رضينا يا رسول اللّه، ومن يبكي عليهم بعد هذا ! ثم قالت: يا رسول اللّه ، ادع لمن خلفوا، فقال: اللهّم أذهب حزن قلوبهم، وآجر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا . ثم قال لسعد بن معاذ: حُلّ أبا عمرو الدّابة، فحل الفرس، وتبعه الناس ،فقال : يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية، وليس منهم مجروح إلاّ يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان اللّون لونُ دم، والرّيح رِيحُ مسك ، فمن كان مجروحاً فليقَرَّ في داره وليداو جرحه ،ولا تبلغ معي بيتي، عزمة منّي . فنادى فيهم سعد: عزّمة من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ألا يتبعه جريح من بني عبد الأشهل، فتخلّف كلّ مجروح، وباتوا يوقدون النيران ويُداوُون الجراح، وإن فيهم لثلاثين جريحاً، ومضى سعد بن معاذ مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى بيته، ثم رجع إلى نسائه فساقهنّ، فلم تبق امرأةٌ إلا جاء بها إلى بيت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فبكّين بين المغرب والعشاء، وقام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)حين فرغ من النّوم لثّلث الليل، فسمع البكاء فقال: ما هذا؟ قيل : نساء الأنصار يبكين على حمزة، فقال: رضي اللّه تعالى عنكنّ وعن أولادكنّ، وأمَرَ النساء أن يرجعن إلى منازلهنَّ قالت أم سعد بن معاذ: فرجعنا إلى بيوتنا بعد ليل ومعنا رجالنا ، فما بكّت منّا امرأة قطّ إلّا بدأت بحمزة إلى يومنا هذا . ويقال : إن مُعاذ بن جبل جاء بنساء بني سَلِمة، وجاء عبد اللّه بن رواحة بنساء بلحارث بن الخزرج ، فقال رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم) : ما أردت هذا ونهاهُنَّ الغد عن النوح أشد النّهي . قال الواقدي: وجعل ابن أبي والمنافقون معه يَسْمَتون ويُسَرُّون بما أصاب المسلمين، ويُظهرون أقبحَ القول، ورجع عبد اللّه بن أبي إلى ابنه وهو جريح، فبات يكوي الجراحة بالنّار،)
1) أخرجه الحاكم في المستدرك (1868) ، والبزار في مسنده (3724) .
حتى ذهب عامة الليل وأبوه يقول : ما كان خروجك مع محمد إلى هذا الوجه برأيي، عصاني محمد وأطاع الولدان والله لكأنّي كنتُ أنظر إلى هذا، فقال ابنه : الَّذِي صَنع اللّه لرسوله وللمسلمين خير إن شاء اللّه . قال : وأظهرت اليهود القول السيّىء، وقالوا : ما محمد إلّا طالب مُلك، ما أُصيب هكذا نبي قطّ في بدنه وأصيب في أصحابه، وجعل المنافقون يُخذّلون عن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وأصحابه ويأمرونهم بالتفرّق عنه، وقالوا لأصحاب النبي (صلی اللّه علیه واله): لو كان من قُتِل ليل منكم عندنا ما قُتِل حتى سَمِع عمر بن الخطاب ذلك في أماكن، فمَشَى إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يستأذنه في قتل مَن سَمِع ذلك منهم من اليهود والمنافقين، فقال له : يا عمر، إن اللّه مُظهر دينه ومعزّ ،نبيّه ولليهود ذمّة فلا أقتلهم . قال : فهؤلاء المنافقون يا رسول اللّه يقولون ، فقال : أليس يُظهرون شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأني رسول اللّه ! قال بلى، وإنما يفعلون تعوّذاً من السّيف، وقد بان لنا ،أمرهم، وأبدى اللّه أضغانَهم عند هذه النكبة ، فقال : إني نهيت عن قتل من قال : لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه يا بن الخطاب إن قريشاً لن ينالوا ما نالوا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن . ورَوَى ابن عباس أن النبي (صلى اللّه عليه واله وسلم) قال : إخوانكم لما أصيبوا بأحد جُعِلت أرواحهم في أجواف طّير خُضر، تردِ أنهار الجنة فتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظِل العرش، فلما وجدوا طيب مطعمهم ومشربهم ورأوا حسنَ مُنقلبهم قالوا : ليت إخواننا يعلمون بما أكرمنا اللّه وبما نحن فيه لئلا يزهدوا في الجهاد، ويكلوا عند الحرب ! فقال لهم اللّه تعالى : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1))## القول فيما جرى للمشركين بعد انصرافهم إلى مكةقال الواقدي: حدثني موسى بن شيبة ،عن قطّن بن وهيب الليثي، قال: لما تحاجز الفريقان، ووجّه قريش إلى مكّة وامتطوا الإبل، وجنبوا الخيل سار وخشي عبد جُبَير بن مطعم على راحلته أربعاً، فقدم مكة يبشر قريشاً بمصاب المسلمين، فانتهى إلى البنيّة التي تطلع على الحجون فنادى بأعلى صوته : يا معشر قريش، مراراً، حتى ثاب الناس إليه وهم خائفون أن يأتيهم بما يكرهون، فلما رضي منهم قال : أبشروا فقد قتلنا من أصحاب محمد مقتلة لم نقتل مِثلَها في زَحف قط، وجرحنا محمداً فأثبتناه بالجراح، وقتلنا رأس الكتيبة حمزة بن عبد المطلب، فتفرّق الناسُ عنه في كل وجه بالشماتة بقتل أصحاب النبي(صلی اللّه علیه واله وإظهار السرور، وخلا جُبير بن مطعم بوحشي، فقال: انظر ما تقول ! قال وحشي : قد واللّه صدقت. قال: قتلت حمزة؟ قال: إي والله ولقد زَرَقْته بالمزراق في بطنه، فخرج من بين فخذيه، ثم نودي فلم)
1) سورة آل عمران الآية: 169 .
يجب، فأخذت كبده وحملتها إليك لتراها . فقال : أذهبت حزن نسائنا، وبرّدت حر قلوبنا، فأمر يومئذٍ نساءَه بمراجعة الطيب والدّهن.قال الواقدي: وقد كان عبد اللّه بن أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّ لما انكشف المشركون بأحد في أول الأمر، خرج هارباً على وجهه وكرة أن يقدم مكة ، فقَدِم الطائف، فأخبر ثقيفاً أن أصحاب محمد قد ظفروا وانهزمّنا، وكنت أول من قدم عليكم، ثم جاءهم الخبر بعد أن قريشاً ظفرت وعادت الدولة لها .قال الواقدي: فسارت قريش قافلة إلى مكة، فدخلتها ظافرةً، فكان ما دخل على قلوبهم من السرور يومئذ نظير ما دخل عليهم من الكآبة والحزن يوم بدر، وكان ما دخل على قلوب المسلمين من الغيط والحُزن يومئذ نظير ما دخل عليهم من السّرور والجَذَل يوم بدر، كما قال اللّه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (1)وقال سبحانه: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) (2)، قال : يعني إنّكم يوم بدر قتلتم من قريش سبعين، وأسرتم سبعين، وأما يوم أحد فقتل منكم سبعون ، ولم يؤسر منكم أحد، فقد أصبتم قريشاً بمثلي ما أصابوكم يوم أحد ، وقوله : (أَنَّ هَذَا) أي كيف هذا، ونحن موعودون بالنّصرونزول الملائكة، وفينا نبي يَنزِل عليه الوحي من السماء! فقال لهم في الجواب : (هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ). الرُّماةَ الّذين خالفوا الأمر وعصَوا الرسول وإنّما كان النّصر ونزول الملائكة مشروطاً بالطاعة وألا يعضى أمرُ الرسول، ألا ترى إلى قوله :(بَل إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فورِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبِّكُم بِخَمْسَةِ وَالنفي منَ الْمَلَكَةِ مُسَومِينَ ) (3)، فعلقه على الشرط!)## القول في مقتل أبي عزة الجُمحي ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمسقال الواقدي: أما أبو عزّة - واسمه عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جُمح - فإنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم أخذه أسيراً يوم أحد - ولم يؤخذ يوم أحد أسير غيره - فقال : يا محمد، من عليّ ، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : (إن المؤمن لا يُلدّغ من جحر مرتين) (4)، لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيّك، فتقول : سخرتّ بمحمد مرتين. ثم أمر عاصم بن ثابت فضرب عنقه)
1) سورة آل عمران الآية: 140 .
2) سورة آل عمران الآية: 165 .
3) سورة آل عمران الآية: 125
4) أخرجه البخاري كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين (6133)، ومسلم،)کتاب الزهد والرقائق، باب : لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين (2899، وأبو داود :كتاب)الأدب، باب في الحذر من الناس ،(4862 ، وابن ماجه ، كتاب الفتن، باب : العزلة (3982)
قال الواقدي: وقد سمعنا في أسره غير هذا حدثني بكير بن مسمار، قال: لمّا انصرف المشركون عن أحد نزلوا بحمراء الأسد في أول الليل ساعة، ثم رحلوا وتركوا أبا عزّة مكانه حتى ارتفع النهار، فلحقه المسلمون وهو مستنبه يتلدّد، وكان الذي أخذه عاصم بن ثابت، فأمره النبي (صلی اللّه علیه واله فضرب عنقه .)قلت : وهذه الرواية هي الصحيحة عندي، لأنّ المسلمين لم تكن حالهم يوم أحد حال من يتهيأ له أسر أحد من المشركين في المعركة لما أصابهم من الوَهَن .فأما معاوية بن المغيرة فَرَوى البلاذري أنه هو الذي جَدَع أنف حمزة ومثل به، وأنه انهزم يوم أحد فمضى على وجهه، فبات قريباً من المدينة، فلما أصبح دخل المدينة فأتى منزل عثمان بنعفان بن أبي العاص - وهو ابن عمه لحاً - فضرب بابه ، فقالت أم كلثوم زوجته وهي ابنة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله : ليس هو ها هنا، فقال : ابعثي إليه، فإنّ له عندي ثمن بعير ابتعثه منه ، عام أوّل، وقد جئته به ،فإن لم يجيء ذهبت فأرسلت إليه، وهو عند رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فلما جاء قال لمعاوية: أهلكتني وأهلكت نفسك ؟ ما جاء بك؟ قال: يا بن عمّ، لم يكن أحد أقرب إليّ ولا أمَسَ رَحِماً بي منك، فجئتك لتُجيرني، فأدخله عثمان دَارَه وصيّره في ناحية منها ، ثم خرج إلى النبي(صلی اللّه علیه واله) ليأخذ له منه أماناً ، فسَمِعَ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول : إن معاوية في المدينة، وقد أصبح بها، فاطلبوه. فقال بعضهم: ما كان ليَعْدُو منزل عثمان، فاطلبوه ،به، فدخلوا منزل عثمان، فأشارت أمّ كلثوم إلى الموضع الذي صيّره فيه، فاستخرجوه من تحت حمارة لهم، فانطلقوا به إلى النبي(صلی اللّه علیه واله) ، فقال عثمان حين رآه : والذي بعثك بالحقّ ما جئت إلا لأطلب له الأمان، فَهْبه لي فوَهَبه ،له وأجّله ثلاثاً، وأقسم : لئن وجده بعدهايمشي في أرض المدينة وما حولها ليقتلنّه. وخرج عثمان فجهزه وأشترى له بعيراً، ثم قال: ارتحل وسار رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى حمراء الأسد وأقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبي ويأتي بها قريشاً، فلمّا كان في اليوم الرابع قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) : إن معاوية أصبح قريباً لم ينقذ فاطلبوه. فأصابوه وقد أخطأ الطريق، فأدركوه، وكان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة وعمّار بن ياسر فوجداه بالجماء فضرَبَه زيد بالسيف، وقال عمّار : إنّ لي فيه حقًا، فقَتَلاه، ثم انصرفا إلى المدينة بخبره، ويقال: إنّه أدرك على ثمانية أميال من ، فرمیاه بسهم المدينة، فلم يزل زيد وعمار يرميانه بالنبل حتى مات. قال : ومعاوية هذا أبو عائشة بنت معاوية أم عبد الملك بن مروان . قال : وذكر الواقدي في كتابه مثل هذه الرواية سواء.)
قال البلاذري : وقال ابن الکَلبي:إن معاوية بن المغيرة جَدَع أنف حمزة يومَ أحد وهوقتيل، فأخذ بقرب أحد، فقتل أحد بعد انصراف قريش بثلاث، ولا عقب له إلّا عائشة أمّ عبد الملك بن مروان. قال : ويقال : إن عليا(علیه السلام هو الذي قتل معاوية بن المغيرة.)قلت : ورواية ابن الكلبي عندي أصحّ لأنّ هزيمة المشركين كانت في الصدمة الأولى عقيب قتل بني عبد الدار أصحاب الألْوِيَة، وكان قتل حمزة بعد ذلك لما كرّ خالد بن الوليد الخيلّ من وراء المسلمين، فاختلّطوا، وانتقّض صفّهم ، وقتل بعضُهم بعضاً، فكيف يصحّ أن يجتمع لمعاوية كونه قد جَدَع أنف حمزة، وكونه قد انهزم مع المشركين في الصدمة الأولى! هذا متناقض، لأنه إذا كان قد انهزم في أوّل الحرب استحال أن يكون حاضراً عند حمزة حين قتل. والصحيح ما ذكره ابنُ الكَلبي من أنّه شهد الحرب كلّها، وجدع أنف حمزة، ثم حصل في أيدي المسلمين بعد انصراف قريش، لأنه تأخّر عنهم لعارض عَرَض له فأدركه حينُه ، فقُتِل .## القول في مقتل المجذر ابن زياد البلوي والحارث بن يزيد بن الصامتقال الواقدي: كان المجدّر بن زياد البلويّ حليف بني عوف بن الخزرج ممّن شهد بَدْراً مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وكانت له قصة في الجاهلية قبل قدوم النبي(صلی اللّه علیه واله) المدينة، وذلك أن حُضَير الكتائب، والد أسيد بن حضَير، جاء إلى بني عمرو بن عوف، فكلّم سويد بن وخوات بن جُبَير وأبا لبابة بن عبد المنذر - ويقال سهل بن حنيف - فقال : هل لكم أن تَزُوروني فأسقيكم شراباً، وأنحر لكم ،وتقيمون عندي أياماً !قالوا نعم، نحن نأتيك يوم كذا، فلمّا كان)ذلك اليوم جاؤوه فَنَحَر لهم جزوراً، وسقاهم خَمْراً، وأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى تغيّر اللحم- وكان سويد بن الصامت يومئذ شيخاً كبيراً - فلمّا مضت الأيّام الثّلاثة قالوا : ما نرانا إلا راجعين إلى أهلنا ! فقال :حُضَير ما أحْبَبْتم! إن أحببتم ،فأقيموا ، وإن أحببتم فانصرفوا ، فخرج الفتيان بسويد بن الصامت يحملانه على جَمَل من الثَّمَل، فمرّوا لاصقين بالحرّة حتى كانوا قريباً من بني عيينة، فجلس سويد يبول وهو ثمِل سُكْراً، فبَصُر به إنسان من الخزرج، فخرج حتى أتى المجذر بن زياد، فقال: هل لك في الغنيمة الباردة! قال: ما هي؟ قال: سويد بن الصامت ،أعزّل لا سلاح معه، ثَمِل، فخرج المجدّر بن زياد بالسيف مُصلَتاً، فلمّا رآه الفتيان وهما أعزلان لا سلاح معهما وليّا، والعداوة بين الأوس والخزرج شديدة ،فانصَرَفا مسرعين، وثبت الشيخ ولا حراك به، فوقف المجذر بن زياد، فقال: قد أمكّن اللّه منك! قال: ما تريد بي؟ قال : قَتْلَك . قال : فارفع عن الطعام، واخفض عن الدماغ، فإذا رجعت إلى أمّك، فقل: إنّي قتلت سويّد بن الصامت، فقتّله، فكان قتلّه هو الذي هَيّج وقعة بعاث. فلمّا قَدِم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)
المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت، وأسلم المجذّر فشهدا بدراً، فجعل الحارث بن سويد يطلب المجذر في المعركة ليقتله بأبيه، فلا يقدر عليه يومئذ، فلمّا كان يومُ أَحد وَجالَ المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه فضَرَب عُنقه، فرجع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله إلى المدينة، ثم خرج إلى حَمْراءِ الأسد، فلما رجع من حمراء الأسد أتاه جبرائيل(علیه السلام) ، فأخبره أن الحارث بن سويد قتل المجذر غِيلة، وأمره بقتله، فركب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى قباء في اليَوْمِ الذي أخبره جبرائيل في يوم حارّ- وكان ذلك يوماً لا يركب فيه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى قباء، إنما كانت الأيام التي يأتي فيها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قباء يوم السبت. ويوم الإثنين - فلما دخل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) مسجد قباء صلّى فيه ما شاء اللّه أن يصلّي، وسمعت الأنصار فجاؤوا يسلمون عليه، وأنكروا إتيانه تلك الساعة، في ذلك اليوم. فجلس (علیهم السلام) يتحدّث ويتصفّح الناس حتى طلع الحارث بن سويد في ملحفة مورّسة، فلما رآه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) دعا عُوَيْم بن ساعدة فقال له : قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بمجذّر بن زياد، فإنّه قتله يوم أحد . فأخذه عويم، فقال الحارث : دغني أكلّم رسول اللّه - ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يريد أن يركب ، ودعا بحماره إلى باب المسجد - فجعل الحارث يقول : قد واللّه قتلته يا رسول اللّه ، وما كان قَتْلي إيَّاه رجوعاً عن الإسلام ولا ارتياباً فيه، ولكنّه حميّة الشيطان ،وأمرّ وكلتُ فيه إلى نفسي، وإني أتوب إلى اللّه وإلى رسوله ممّا عملت ،وأخرج ديتّه وأصوم شهرين متتابعين، وأعتق رقبة، وأطعم ستّين مسكيناً، إنّي أتوب إلى اللّه يا رسول اللّه ! وجعل يُمسك بركاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) وبنو المجذّر حضور، لا يقول لهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) شيئاً، حتى إذا استوعب كلامه :قال قدمه يا عويم فاضرب عنقّه . ورَكِب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فقدّمه عويم بن ساعدة على باب المسجد، فَضَرَب عنقه .)قال الواقدي: ويقال : إن الذي أعلمَ رسول اللّه قتل الحارث المجذّر يومَ أُحد حبيب بن يساف، نظر إليه حين قتله، فجاء إلى النبّي(صلی اللّه علیه واله ، فأخبره، فركب رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)يتفحّص عن هذا الأمر، فبينا هو على حماره نزل جبرائیل (علیه السلام)، فخبّره بذلك، فأمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عُويماً فضرب عنقه، ففي ذلك قال حسان:)يا حار في سنة من نوم أوّلِكُمْ *** أم كنتَ ويحك مغتراً بجبريل فأما البلاذري فإنه ذكر هذا ، وقال : ويقال إنّ الجُلاس بن سويَد بن الصامت هو الذي قتل المجذر يوم أحد غيلة، إلا أن شعر حسّان يدلّ على أنه الحارث . قال الواقدي والبلاذري: وكان سويد بن الصامت حين ضربه المجذّر بقي قليلاً ثم مات فقال قبل أن يموت يخاطب أولاده:أبلغ جُلاساً وعبد اللّه مالكة *** وإن دعيتَ فلا تَخذُلهما حارِاقتل جزارة إذ ما كنت لاقيهم *** والحيّ عَوْفاً على عُرف وإنكار
قال البلاذري : جذرة وجذارة أخوان ،وهما ابنا عوف بن الحارث بن الخزرج. قلت : هذه الرّوايات كما تَرَى، وقد ذكر ابن ماكولا في الإكمال (1أن الحارث بن سويد قتل المجذر غيلة يوم أُحُد ، ثمّ التَحَق بمكّة كافراً، ذكره في حرف الميم من هذا الكتاب، وهذا هو الأشبه عندي .)## القول فيمن مات من المسلمين بأحد جملةقال الواقدي : ذكر سعيد بن المسيّب وأبو سعيد الخُدْري أنّه قُتِل من الأنصار خاصّة أحدٌ ،وسبعون وبمثله قال مجاهد . قال: فأربعة من قريش، وهم حمزة بن عبد المطلب ،قتله ،وحشي، وعبد اللّه بن جحش بن رئاب، قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق، وشمّاس بن عثمان بن الشريد من بني مّخزوم، قتله أبي بن خلف، ومصعب بن عمير، قتله ابن قميئة.قال : وقد زاد قوم خامساً، وهو سعد مولى حاطب من بني أسد بن عبد العُزَّى. وقال قوم أيضاً : إن أبا سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ جُرحَ يوم أحد، ومات من تلك الجراحة بعد أيّام.قال الواقدي: وقال قوم: قتل ابنا الهبيب من بني سعد بن ليث، وهما عبد اللّه وعبد الرّحمن ورجلان من بني مُزَينة وهما وهب بن قابوس وابن أخيه الحارث بن عُتبة بن قابوس، فيكون جميعُ من قُتِل من المسلمين ذلك اليوم نحو أحد وثمانين رجلاً، فأمّا تفصيل أسماء الأنصار فمذكور في كتب المحدّثين، وليس هذا الموضع مكان ذكره .## القول فيمن قتل من المشركين بأحدقال الواقدي: قتل من بني عبد الدار طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء قريش، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام مبارزة، وعثمان بن أبي طلحة، قتله حمزة بن عبد المطلب وأبو سعيد بن أبي طلحة، قتله سعد بن أبي وقاص، ومسافع بن طلحة بن أبي طلحة، قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وكلاب بن طلحة بن أبي طلحة، قتله الزبير بن العوام والحارث بن طلحة بن أبي طلحة، قتله عاصم بن ثابت والجلاس بن طلحة بن أبي طلحة قتله طلحة بن عبيد اللّه ، وأرطاة بن عبد شُرحبيل قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) وقارظ بن شريح بن عثمان بن عبد الدّار - ويُروى قاسط بالسين والطّاء المهملتين - . قال الواقدي: لا يُدرى من قتله، وقال البلاذري:)
1) (الإكمال) في أسماء الرجال: للإمام الحافظ أبي نصر علي بن هبة الله بن ماكولا، المتوفى سنة ( 487 ه- ) . كشف الظنون (1637/2).
قتله علي بن أبي طالب (علیه السلام، وصواب مولاهم : قتله علي بن أبي طالب (علیه السلام)- وقيل : قتله قزمان - وأبو عزيز بن عمير أخو مُصعب بن عمير قتله قزمان، فهؤلاء أحد عشر .)ومن بني أسد بن عبد العزى عبد اللّه بن حميد بن زُهير بن الحارث بن أسد، قتله أبو دُجانة في رواية الواقدي، وفي رواية محمد بن إسحاق، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام . وقال البَلاذُرِيّ : قال ابن الكلبي : إنّ عبد اللّه بن حميد قتل يوم بدر ومن بني زهرة أبو الحكم بن الأخنس بن شَرِيق، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، وسباع بن عبد العزّى الخزاعي - واسم عبد ا العزّى عمرو بن نضلة بن عبّاس بن سليم، وهو ابن أم أنمار الحجّامة بمكّة - قتله حمزة بن عبد المطلب، فهذان رجلان.)ومن بني مخزوم أميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله علي (علیه السلام، وهشام بن أبي أميّة بن المغيرة قتله ،قزمان والوليد بن العاص بن هشام قتله قزمان، وخالد بن أعلم العقيلي، قتله قزمان، وعثمان بن عبد اللّه بن المغيرة، قتله الحارث بن الصّمّة، فهؤلاء خمسة . ومن بني عامر بن لؤيّ عبيد بن حاجز، قتله أبو دُجانة، وشَيْبة بن مالك مالك بن المضرب قتله طلحة)بن عبيد اللّه . وهذان اثنان . ومن بني جُمَح أبي بن خَلَف، قتله رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله بيده ، وأبو عزّةَ، قتله عاصم بن ثابت صَبراً بأمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فهذان اثنان.)ومن بين عبد مناة بن كنانة خالد بنُ سُفيان بن عُويف، وأبو الشعثاء بن سُفْيان بن عويف وأبو الحَمْراء بن سُفيان بن عويف ،وغراب بن سُفيان بن عُوَيف ،هؤلاء الإخوة الأربعة قتلهم علي بن أبي طالب (علیه السلامفي رواية محمد بن حبيب .)فأما الواقدي فلم يذكر في باب من قتل من المشركين بأحد لهم قاتلاً معيناً، ولكنه ذكر في كلام آخر قبل هذا الباب أن أبا سَبْرة بن الحارث بن علقمة قتل أحد بني سفيان بن عويف، وأن رشيداً الفارسيّ مولى بني معاوية لقي آخر من بني سُفيان بن عويف مقنَّعاً في الحديد وهو يقول: أنا ابن عرّيف فيعرض له سعد مولی حاطب، فضرّبه ابن عويف ضربةً جزله باثنتين، فأقبل رشید علی ابن عويف فضربه على عاتقه - فقطع الدّرع - حتى جزله اثنتين وقال: خذها وأنا الغلام الفارسي، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وهو يراه ويسمعه: ألا قلت: أنا الغلام الأنصاري؟ قال : فيعرض لرشيد أخّ للمقتول أحد بني سفيان بن عويف أيضاً، وأقبل يعدو نحوّه كأنه كلبٌ، يقول : أنا ابن عويف، ويضربه رشيد أيضاً على رأسه وعليه المغفر، ففلق رأسه، وقال: خذها وأنا الغلام الأنصاريّ !فتبّسم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وقال: أحسنت يا أبا عبد اللّه! فكناه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يومئذ ولا ولد له.)
قلت: فأما البلاذريّ فلم يذكر لهم قاتلاً، ولكنّه عدّهم في جملة من قتل من المشركين بأحد، وكذلك ابن إسحاق لم يذكر مَنْ قتلهم، فإن صحّت رواية الواقدي فعليّ (علیه السلام لم يكن قد قتل منهم إلا واحداً، وإن كانت رواية ابن حبيب صحيحة فالأربعة من قتلاه(علیه السلام). وقد رأيتُ في بعض كتب أبي الحسن المدائني أيضاً أن علياً (علیه السلام)هو الذي قتل بني سفيان بن عويف يوم أحد، قد، وروى له شعراً في ذلك. ومن بني عبد شمس معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قتله على(علیه السلام) في إحدى الروايات وقيل : قتله زيد بن حارثة وعمّار بن ياسر .)فجميع من قتل من المشركين يوم أحد ثمانية وعشرون، قتل على(علیه السلام منهم - ما اتفق عليه وما اختلف فيه - اثني عشر، وهو إلى جملة القتلى كعدّة من قتل يوم بدر إلى جملة القتلى يومئذ، وهو قريبٌ من النّصف.)## القول في خروج النبي(صلی اللّه علیه واله وبعد انصرافه من أحد إلى المشركين ليوقع بهم على ما هو به من الوَهَن)قال الواقدي: بلغ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله أن المشركين قد عزموا أن يردوا إلى المدينة فينهبوها ، فأحبّ أن يريهم قوّة، فصلّى الصبح يوم الأحد لثمان خلوّن من شوال ومعه وجوه الأوس ،والخزرج وكانوا باتوا تلك الليلة في بابه يحرسونه من البيات ،فيهم سعد بن عبادة، وسعد بن مُعاذ، والحُباب بن المنذر، وأوس بن خولي، وقتادة بن النعمان في عدّة منهم. فلما انصرف صلاة الصبح أمر بلالاً أن ينادي في الناس، أن رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم) يأمركم بطلب عدوّكم، ولا من يخرج معنا إلّا من شهد القتال بالأمس، فخرج سعد بن معاذ راجعاً إلى قومه يأمرهم بالمسير، والجراح في الناس فاشية ،عامة بني عبد الأشهل جريح، بل كلّها ،فجاء سعد بن معاذ فقال : إن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يأمركم أن تطلبوا عدوّكم .قال : يقول أسيد بن حضير – وبه سبع جراحات، وهو يريد أن يداويها : سمعاً وطاعة اللّه ولرسوله ! فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه، ولحق برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وجاء سعد بن عبادة قومه بني ساعدة، فأمرهم بالمسير، فلبسوا ولحقوا ،وجاء أبو قتادة أهل خربا، وهم يداوون الجراح، فقال: هذا منادي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يأمركم بطلب العدو، فوثبوا إلى سلاحهم، ولم يعرجُوا على جراحاتهم، فخرج من بني سلمة أربعون جريحاً، بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحاً، وبخراش بن الصمّة عشر جراحات، وبكعب بن مالك بضعة عشرجرحاً ،وبقطبة بن عامربن خديج بيده تسع جراحات، حتى وافوا النبي (صلی اللّه علیه واله) بقبر أبي عتبة، وعليهم السلاح، وقد صفّوا لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فلما نظر إليهم والجراح فيهم فاشية: قال: اللهّم ارحم بني سلمة .)
قال الواقدي: وحّدثني عتبة بن جبيرة عن رجال من قومه، أنّ عبد اللّه بن سهل ورافعّ بن سهل من بني عبد الأشهل رجعا من أحد وبهما جراح كثيرة وعبد اللّه أثقلهما جرحاً ، فلمّا أصبحا وجاء سعد بن معاذ قومه يخبرهم أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يأمرهم بطلب العدّو، قال أحدهما لصاحبه، واللّه إن تركنا غزاة مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لغبّن، واللّه ما عندنا دابة نركبها، ولا ندري كيف نصنع! قال عبد اللّه : انطلق بنا، قال رافع: لا واللّه ما بي مشي، قال أخوه : انطلق بنا نقصد ونجوز، وخرجا يزحفان، فضعف رافع، فكان عبد اللّه يحمله على ظهره عقبة، ويمشي الآخر ،عقبة، حتى أتوا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وعند العشاء وهم يوقدون النيران، فأتي بهما رسول اللهّ (صلی اللّه علیه واله)وعلى حرسه تلك الليلة عباد بن بشر، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لهما : ما حبسكما ؟ فأخبراه بعلّتهما، فدعا لهما بخير،وقال :إن طالت لكما مدّة كانت لكما مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير لكما .)قال الواقدي : وقال جابر بن عبد اللّه : يا رسول اللّه ، إن منادياً نادى ألّا يخرج معنا إلَّا مَنْ حضر القتال بالأمس، وقد كنتُ حريصاً بالأمس على الحضور، ولكن أبي خَلَفني على أخوات لي، وقال :يا بني لا ينبغي لك أن تدعهنّ ولا رجل معهنّ، وأخاف عليهنّ، وهنّ نُسَيّات ضعاف، وأنا خارج مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله لعل اللّه يرزقني الشهادة، فتخلّفت عليهنّ، فاستأثر عَليَّ بالشهادة، وكنت رجوْتُها ، فأذن لي يا رسول اللّه أن أسير معك. فأذن له رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم) قال :جابر فلم يخرج معه أحدٌ لم يشهد القتال بالأمس غيري ،واستأذنه رجال لم يحضروا القتال. فأبى ذلك عليهم، فدعا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بلوائه وهو معقود لم يحلّ من أمس، فدفعه إلى علي(علیه السلام) - ويقال : دَفَعَه إلى أبي بكر - فخرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيّته قد شظيت، وشفته قد كُلِمتْ من باطنها، ومنكبه الأيمن مُوهَنٌ بضربة ابن قميئة، ورُكبتاه مَجْحوشتان، فدخل المسجد فصلى ركعتين، والناس قد حَشَدوا ، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصّريخ. ودعا بفرسه على باب المسجد، وتلّقاه طلحة بن عبيد اللّه، وقد سمع المنادي، فخرج ينظر متى يسير رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)! فإذا هو وعليه الدرع والمغفر لا يُرَى منه إلا عيناه، فقال : يا طلحة، سلاحَكَ، قال: قريباً، قال طلحة :فأخرج ،وأعدو فألبس درعي وآخذ سيفي، وأطرح دَرقَتي في صدري، وإنّ بي لتسع جراحات، ولأنا أهم بجراح رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله وسلم) مني بجراحي، فأقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) على طلحة، فقال: أين ترى القوم الآن؟ قال: هم بالسيَّالة فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) : ذلك الذي ظننت، أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح اللّه مكّة علينا، قال: وبعث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فانقطع أحدهم، وانقطع قبال نعل الآخر، ولحق الثالث بقريش وهم بحَمْراء الأسد، ولهم زجل يأتمرون في الرجوع إلى المدينة،)
وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك، ولحق الذي انقطع قبال نعله بصاحبه، فبصرت قريش بالرجلين فعطفت عليهما، فأصابوهما، وانتهى المسلمون إلى مصرعهما بحمراء الأسد، فقبر هما رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله في قبر واحد، فهما القرينان. قال الواقدي: اسماهما سليط ونُعمان.)قال الواقدي: قال جابر بن عبد اللّه : كانت عامّة أزوادنا ذلك اليوم التمر، وحمل سعد بن عبادة ثلاثين بعيراً تمراً حتى وافت حمراء الأسد، وساق جزراً ، فَنَحروا في يوم ثنتين، وفي يوم الا ثَلاثاً، وأمَرَهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله بجمع الحطب، فإذا أمسَوْا أمرهم أن يُوقدوا النّيران: فيوقد كلّ رجل ناراً، فلقد كنا تلك الليلة نوقد خمسمائة نار حتى نُرَى من المكان البعيد، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه، وكان ذلك ممّا كَبَت اللّه به عدوّنا .)قال الواقدي: وجاء معبد بن أبي معبد الخُزاعيّ - وهو يومئذٍ مشرِك – إلى النبي(صلی اللّه علیه واله وكانت خُزاعة سلماً للنبي( صلى اللّه عليه واله وسلم) ، فقال : يا محمد عزّ علينا ما أصابك في نفسك، وما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن اللّه تعالى أغلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك، ثم مضى معبد حتى يجدأبا سفيان وقريشاً بالرَّوحاء وهم يقولون: لا محمداً أصبتم، ولا الكواعب أردفتم، فبئسما صنعتم! وهم مجمعون على الرجوع إلى المدينة، ويقول قائلهم فيما بينهم : ما صنعنا شيئاً، أصبنا أشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، وقبل أن يكون لهم وفر، وكان المتكلّم بهذا عكرمة بن أبي جهل، فلما جاء معبد إلى أبي سفيان ،قال : هذا معبد، وعنده الخبر، ما وراءك يا معبد ؟ قال : تركت محمّداً وأصحابه خَلْفِي يتحرّقون عليكم بمثل النّيران، وقد اجتمع معه من تخلّف عنه بالأمس من الأوس والخزرج، وتعاهدوا ألا يرجعوا حتى يلحقوكم فيثأروا منكم، وقد غضبوا لقومهم غضباً شديداً ولمن أصبتم من أشرافهم. قالوا: ويحك، ما تقول؟ قال : واللّه ما أرى أن ترتحلوا حتّى تروا نواصي الخَيْل، ولقد حملني ما رأيت منهم أن قلتُ أبياتاً ، قالوا : وما هي؟ فأنشدهم هذا الشعر :)كادت تهدّ من الأصوات راحلتي *** إذسالت الأرضُ بالجُرْد الأبابيلتغدو بأشد ضراء لا تنابلة *** عند اللّقاء ولا مِيلِ مَعازيلفقلتُ ويل ابن حرب من لقائهم *** إذا تَعْظمطت (1البطحاء بالجيل !)وقد كان صفوان بن أمية ردّ القوم بكلامه قبل أن يطلع معبد، وقال لهم صفوان: يا قوم ،لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا ، وأخشى أن يجمعوا عليكم من تخلّف من الخزرج ،فارجعوا والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم إليهم أن تكون الدولة عليكم. قال: فلذلك قال
1) الغطمطة : صوت السيل في الوادي، واضطراب الأمواج اللسان، مادة (غطمط).
رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله : أرشدهم صفوان وما كان برشيد، ثم قال : والذي نفسي بيده لقد سُوّمت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب، قال: فانصرف القومُ سِراعاً خائفين من الطلب لهم، ومرّ بأبي سفيان قوم من عبد القيس يريدون المدينة، فقال لهم : هل أنتم مبلغو محمد وأصحابه ما أرسلكم به، على أن أوقر لكم أبا عرَكم زبيباً غداً بعكاظ، إن أنتم جئتموني ! قالوا : نعم، قال: حيثما لقيتم محمداً وأصحابه فأخبروهم أنا قد أجمعنا الرّجعة إليهم، وأنا آثاركم. وانطلق أبو سفيان إلى مكة، وقدم الركب على النبي (صلی اللّه علیه واله) وقدم الركب على النبي وأصحابه بالحمراء فأخبروهم بالذي أمرهم أبو سفيان، فقالوا حسبنا اللّه ونعم الوكيل، فأنزل ذلك في القرآن، وأرسل معبد رجلاً من خزاعة إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يعلمه أنه قد انصرف أبو سفيان وأصحابه خائفين وجلين ،فانصرف رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) بعد ثلاث إلى المدينة.)## الفصل الخامس في شرح غزاة مؤتة نذكرها من كتاب الواقدي ونزيد على ذلك ما رواه محمد بن إسحاق في كتابه على عادتنا فيما تقدمقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن عمر بن الحكم، قال: بعث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله الحارث بن عُمير الأزدي في سنة ثمان إلى مَلِك بُصْرَى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شُرحبيل بن عمرو الغساني، فقال: أين تريد؟ قال: الشام، قال: لعلك من رُسُل محمد . قال : نعم ،فأمَرَ به فأُوثق رباطاً ثم قدّمه فضَرَب عنقه، ولم يُقتل لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) رسول غيره، وبلغ ذلك رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فاشتد عليه، وندَب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث، فأسرعوا وخرجوا، فعسكروا بالجرف، فلما صلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الظهر جلس وجلس أصحابه حوله ، وجاء النعمان بن مهضّ اليهوديب فوقف مع الناس، فقال رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم) : زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد اللّه بن رواحة، فإن أصيب ابن رَوَاحة فليرتض المسلمون من بينهم رَجُلاً فليجعلوه عليهم. فقال المنعمان بن مهضّ : يا أبا القاسم، إن كنت نبيا فسيصاب من سمّيت قليلاً كانوا أو كثيراً ، إن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرّجل على القوم ثم قالوا إن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعاً . ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة : اعهد فلا ترجع إلى محمّد أبداً إن كان نبيا . قال زيد : أشهد أنه نبي صادق. فلمّا أجمعوا المسير وعَقَدَ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لهم اللواء بيده دفعه إلى زید بن حارثة، وهو لواء أبيض، ومشى الناس إلى أمراء رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يودّعونهم ويدعون لهم وكانوا ثلاثة آلاف ،فلما ساروا في معسكرهم ناداهم المسلمون: دفع اللّه عنكم، وردكم صالحين سالمين غانمين فقال عبد اللّه بن رَوَاحة :)لكنّني أسألُ الرَّحْمَنَ مغفرة *** وضربة ذاتَ فَرْعٍ تَقْذِفُ الزَّبَداأو طعنة بيدي حرَّانَ مجهزة *** بحزبةٍ تَنفُذ الأحشاء والكَبِدا
حتى يقولوا إذا مَرُّوا على جدّتي *** يا أرشد اللّه من غاز فقد رَشَداقلت : اتفق المحدِّثون على أنّ زيد بن حارثة كان هو الأمير الأوّل، وأنكرت الشّيعة ذلك، وقالوا : كان جعفر بن أبي طالب هو الأمير الأوّل، فإن قُتِل فزيد بن حارثة، فإن قتل فعبد اللّه رَوَاحة ، وَرَووا في ذلك روايات، وقد وجدتُ في الأشعار التي ذكرها محمّد بن إسحاق في كتاب المغازي ما يشهد لقولهم، فمن ذلك ما رواه عن حسّان بن ثابت وهو :تأؤبني ليل بيشرب أعسَرُ *** وهم إذا ما نُوّم الناسُ مُهِرُلِذكرى حبيبٍ هَيْجث لي عبرةً *** سَفُوحاً وأسباب البكاء التذكربَلَى إن فقدان الحبيب بلية *** وكم من كريم يُبتلى ثم يصبر!فلا يُبعِدنّ اللّه قَتْلَى تتابعوا *** بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفرُوزید وعبد اللّه حين تتابعوا *** جميعاً وأسيافُ المنيَّة تَخطرُرأيتُ خيار المؤمنين تواردُوا *** شعوب وخَلْق بعدهم يتأخَّرُغَداةَ غدوا بالمؤمنين يقودهم *** إلى الموت ميمون النقيبة أزهَرُأغر كضوء البدر من آل هاشم *** أبي إذا سِيمَ الظُّلامة أصعَرُفطاعَنَ حتّى مال غير موسد *** بمُعترك فيه القَنا متكسِّرُفصار مع المستَشْهَدِين ثوابه *** جنان وملتفّ الحدائق أخضروكنّا نرى في جعفر من محمّد *** وقاراً وأمراً حازماً حين يأمرُوما زال في الإسلام من آل هاشم *** دعائم صدق لا تُرام ومَفخَرُهم جبل الإسلام والناسُ حولهمْ *** رِضامٌ إلى طُورٍ يَطول وَيَقهَرُبهَائِيلُ منهم جعفر وابن أمّه *** علي ومنهم أحمد المتخيرُوحمزة والعباس منهم ومنهم *** عَقيل وماءُ العُودِ من حيث يُعصَرُبهمْ تُفرَج الغَمّاء من كلّ مازَقٍ*** عماس (1إذا ما ضاق بالناس مصدرُ)هُم أولياء اللّه أُنزِلَ حكمه *** عليهم وفيهم والكتاب المطهَّرُومنها قولُ كَعْب بن مالك الأنصاري من قصيدة أولها :نام العيونُ ودَمعُ عينك يَهمُلُ *** سَحَّاً كما وَكَف الرباب المسبلُوَجْداً على النفر الذين تتابعوا ***قتلى بموتَةَ اُسندوا لم ينقلوا
1) عماس شديد القاموس المحيط مادة (عمس).
ساروا أمام المسلمين كأنهم *** طود يقودهمُ الهزبر المُشْبِلُإذ يهتدون بجعفر ولوائه *** قدّام أولهم ونع ونعم الأوّلحتى تقوضت الصفوف وجعفر*** حيث التقى جمعُ الغُواة مجدَّلُفتغيّر القمرُ المنير لفقده *** والشمس قد كسفت وكادت تأفلقوم علا بنيانهم من هاشم *** فرع أشم وسودة مناقلقوم بهم عصم الإله عباده *** وعليهمُ نزل الكتاب المنزَلُفضَلُوا المَعاشر عقةً وتكرماً *** وتعمدت أخلاقهم مَنْ يجهلقال الواقدي : فحدثني ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة ،عن رافع بن إسحاق، عن زيد بن أرقم أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله خطبهم فأوصاهم فقال : أوصيكم بتقوى اللّه وبمن معكم من المسلمين خيراً ، اغزُوا باسم اللّه وفي سبيل اللّه ، قاتلوا من كفر باللّه، لا تَعْدِروا ولا تَغُلّوا ولا تقتلوا وليداً ، وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعُهم إلى إحدى ثلاث، فأيتهم أجابوك إليها فاقبل منهم، واكفُفْ عنهم ، ادعُهم إلى الدخول في الإسلام، فإن فعلوا فاقبل واكفف. ثم ادعُهم إلى التحوّل من دارهم إلى المهاجرين، فإن فعلوا فأخبرهم أنّ لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم اللّه ، ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء، إلا أن يُجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن باللّه وقاتلهم، وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوا أن تستنزلهم على حكم اللّه فلا تستنزلهم على حكم اللّه ، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم اللّه فيهم أم لا! وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة وأرادوا أن تجعل لهم ذمّة اللّه وذمّة رسول اللّه ،فلا تجعل لهم ذمّة اللّه وذمة رسول اللّه ، ولكن اجعل لهم ذمّتك وذمة أبيك وأصحابك، فإنّكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمّة اللّه وذمّة رسوله .)قال الواقدي: وحدثني أبو صفوان ،عن خالد بن يزيد، قال: خرج النبّي( صلى اللّه عليه واله وسلم مشيعاً لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف ووقفوا حوله، فقال : اغْزُوا بسم اللّه ، فقاتلوا عدّو اللّه وعدّوكم بالشام، وستجدون فيها رجالاً في الصّوامع معتزلين الناس، فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف، ولا تَقْتُلُن ،امرأة، ولا صغيراً ، ضَرَعاً ولا كبيراً فانياً، ولا تقطعّن نخلاً ولا شجراً، ولا تهدِمُنَّ بناء.(1))
1) أخرجه مسلم كتاب الجهاد باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث (1731)،والترمذي،كتاب الديات،باب ماجاءفي النهي عن المثلة (1408)،وأحمدفي مسنده(17631).
قال الواقدي، فلمّا دعا ودّع عبد اللّه بن رواحة رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم قال له : مُرْني بشيء أحفظه عنك، قال: إنّك قادم غداً بلداً، السجود فيه قليل، فأكثروا السجود. فقال عبد اللّه : زِدْني يا رسول اللّه ، قال : اذكر اللّه، فإنّه عون لك على ما تطلب. فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهباً رجع فقال : يا رسول اللّه : إنّ اللّه وِثر يُحِبُّ الوِثر ، فقال : يا بن رواحة : ما عجزت فلا تعجز إن اسات عشَراً أن تُحسِنَ واحدة فقال ابنُ رواحة : لا أسألك عن شيء بعدها .)وروى محمّد بن إسحاق أن عبد اللّه بن رواحة ودّع رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم بشعر منه :)فَثبت اللّه ما آتاك من حَسن *** تثبيت مُوسَى ونَصراً كالذي نصِرُواإنّي تفرّستُ فيك الخير نافلة *** فراسةً خالفتهم في الذي نظَرواأنت الرسول فمن يُحرّم نوافله *** والبِشرَ منه فقد أَوْدَى به القَدَرُقال محمد بن إسحاق : فلمّا ودّع المسلمين بكى فقالوا له: ما يبكيك يا عبد اللّه ؟ قال : واللّه ما بي حبّ الدنيا ولا صبابة إليها، ولكني سمعت رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم يقرأ : ﴿وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) (1)، فلست أدري كيف لي بالصَّدَر بعد الورود!)قال الواقدي: وكان زيد بن أرقم يحدّث، قال: كنتُ يتيماً في حِجر عبد اللّه بن رواحة، فلم أرَ والي يتيم كان خيراً لي منه ،خرجت معه في وجهةٍ إلى مؤتّة وصَبَّ بِي وَصبِبْتُ به ، فكان يُرْدِفني خلف رَحله ، فقال ذات ليلة وهو على راحلته بين شعبتي رَحْلِه :إذا بلغتنِي وحَمَلْتِ رَحْلي *** مسافة أربع بعد الحِساءفشانكِ فانعمي وخلاكِ ذَمّ *** ولا أرجع إلى أهلي ورائيوآب المسلمون وخلّفوني *** بأرض الشام مشتهر الشَّواءِ (2)وزوّدني الأقارب من دعاء *** إلى الرحمن وانقطع الإخاءهنالك لا أبالي طلع نخلِ *** ونخلِ أسافلها رِوَاءُفلمّا سمعتُ منه هذا الشعر بكيتُ : فخفَقَني بالدرّة وقال : وما عليك يا لُكّع أن يرزقني اللّه الشهادة فأستريح من الدنيا ونصبها ،وهمومها وأحزانها وأحداثها، وترجع أنت بين شعبتي الرّحل.قال الواقدي: ومضى المسلمون فنزلوا وادِيَ القُرَى فأقاموا به أياماً ،وساروا حتى نَزَلوا بمؤتة، وبلغهم أن هرقل ملك الرّوم قد نزل ماءً من مياه البلقاء في بكر وبَهْراء ولَحْم وجُذام وغيرهم مائة ألف مقاتل، وعليهم رجلٌ من بلي، فأقام المسلمون ليلتين ينظرون في أمرهم،
وقالوا : نكتب إلى رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهفتخبره الخبر، فإما أن يردّنا أو يزيدنا رجالاً، فبينا الناس على ذلك من أمرهم جاءهم عبد اللّه بن رواحة فشجّعهم، وقال: واللّه ما كنّا نقاتل الناس بكثرة عِدّة ولا كثرة سلاح ولا كثرة خَيْل، إلّا بهذا الدّين الذي أكرمنا اللّه به، انطلقوا فقاتلوا، فقد واللّه رأينا يومَ بَدْر، وما معنا إلّا ،فرسان إنما هي إحدى الحُسْنَييْن : إمّا الظهورُ عليهم فذَاكَ ما وعَدَنا اللّه ورسوله ، وليس لوعده خُلْف، وإمّا الشهادة فنلحق بالإخوان، نرافقهم في الجنان. فشجع الناس على قول ابن رواحة . قال الواقدي: وروى أبو هريرة قال شهدت مؤتة فلمّا رأينا المشركين رأينا ما لا قبل لنا به العُدَد والسّلاح والكُراع والدِّيباج والحَرِير والذّهب، فبَرَق بَصَرِي، فقال لي ثابت بن أرقم : مَا لَكَ يا أبا هريرة، كأنك ترى جُموعاً كثيرة! قلت نعم قال : لم تَشْهدنا ببَدْر، إنا لم تُنصَرْ بالكثرة.)قال الواقدي : فالتقى القوم، فأخذ اللواء زيد بن حارثة ، فقاتل حتى قُتِل، طعنوه بالرُماح، ثم أخذه جعفر فنزل عن فرس له شقراء فَعَرْقَبهَا ، ثم قَاتَل حتى قُتِل . قال الواقدي: قيل : إنه ضرَبَه رجل من الرُّوم فقطعه نصفين، فوقع أحد نصفيه في كرم هناك، فوجد فيه ثلاثون أو بضع وثلاثون جُرحاً .قال الواقدي: وقد رَوَى نافعٌ عن ابن عمر أنه وُجد في بدن جعفر بن أبي طالب اثنتان وسبعون ضربة وطعنة بالسيوف والرّماح. قال البلاذري: قُطِعت يداه، ولذلك قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم : «لقد أبدله اللّه بهما جَناحين يطيرُ بهما في الجنّة» (1)، ولذلك سمّي الطَّيّار. قال الواقدي : ثم أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة فنكل يَسِيراً، ثم حَمَل فقاتل حتى قُتِل ، فلما قُتِل انهزم المسلمون أسوأ هزيمة كانت في كل وجه، ثم تراجعوا، فأخذ اللواء ثابت بن أرقم ، وجعل يصيح بالأنصار ، فثابَ إليه منهم قليل، فقال لخالد بن الوليد: خذ اللّواء يا أبا سليمان، قال خالد: لا بل خُذْه أنتَ فلك سِنّ ، وقد شهدت بَدْراً. قال ثابت: خذه أيها الرجل، فواللّه ما أخذتُه إلاّ لك. فأخَذَه خالد وحَمَل به ساعةً، وجعل المشركون يحملون عليه حتى دهمه منهم بشر كثير، فانحازَ ،بالمسلمين ،وانكشفوا راجعين. قال الواقدي: وقد رُوِي أن خالداً ثبت بالنّاس فلم ينهزموا ، والصحيح أنّ خالداً انهزَم بالناس. قال الواقدي : حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ النبي (صلی اللّه علیه واله)لما)
1) أخرج نحوه الحاكم في المستدرك ) (4348) ، والطبراني في (الكبير) (1467)، وابن عدي في الكامل (1311).
التقى الناسُ بمؤتة جلس على المنبر ، وكشف له ما بينه وبين الشام ،فهو ينظر إلى معركتهم، فقال : أخذ الرّاية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحّبب إليه الحياة، وكرّه إليه الموت، وحبّب إليه الدُّنيا، فقال : الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبّب إلي الدنيا ! فمضَى قُدّماً حتى استشهِد، ثم صلّى عليه، وقال : استغفرُوا له فقد دخل الجنّة وهو يَسعَى، ثم أخذ الرّاية جعفر بن أبي طالب، فجاءه الشيطان فمنّاه الحياة، وكرّه إليه الموت، ومنّاه الدنيا ، فقال : الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تتمنّى الدنيا ! ثم مَضَى قُدماً حتى استشهد فصلّى عليه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ودَعَا له، ثم قال : استغفروا لأخيكم فإنه شهيد قد دخل الجنّة، فهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء. ثم قال : أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة، ثم دخل معترضاً فشقّ ،ذلك على الأنصار، فقال رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وسلم ): أصابته الجراح. قيل : يا رسول اللّه، فما اعتراضه؟)قال : لما أصابته الجراح نكل فعاتَبَ نفسه فشَجّع فاستُشهد، فدخل الجنّة، فسرِّيَ عن قومه . وروى محمد بن إسحاق قال : لمّا ذكر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله له زيداً وجعفراً سَكَّت عن عبد اللّه بن رواحة حتى تغيّرت وجوه الأنصار، وظنّوا أنه قد كان من عبد اللّه بعض ما يكرهون، ثم قال : أخذَها عبد اللّه بن رواحة فقاتل حتى قُتِل شهيداً ، ثم قال: لقد رُفعوا لي في الجنّة فيما يَرَى النائم على سُرُرٍ من ذهب ،فرأيتُ في سرير ابن رواحة الزوراراً عن سَريري صاحبَيَه، فقلت: لم هذا؟ فقيل : لأنهما ،مضيا وتردّد هذا بعض التردد، ثم مضى.):قال وروى محمد بن إسحاق أنَّه لمّا أخذ جعفر بن أبي طالب الرّاية قاتل قتالاً شديداً حتى إذا لحمه القِتال اقتحم عن فرس له شَقْراء فعَقَرها، ثم قاتل القومَ حتى قُتِل، فكان جعفر رضي اللّه عنه أوّل رجل عقر فرسه في الإسلام. قال محمد بن إسحاق :ولما أخذ ابن رواحة الرّاية جعل يتردّد بعض التردّد،ويستقدِم نفسه يستنزلها،وقال:أقسمت يا نفسُ لتنزلنّه *** طَوْعاً وإلا سوف تُكْرَمِنّةمالي أراكِ تَكرَهِين الجنّه *** إذ أجلب الناسُ وشَدّوا الرّنّةقد طالما قد كنتِ مطمئنة ***هل أنتِ إلّا نطفة في شَنّة (1ثم ارتجز أيضاً فقال :)يا نفسُ إلا تقتلي تموتي *** هذا حِمامُ الموتِ قد صليتوما تمنيت فقدأعطيتِ *** إن تفعلي فعلهما هُدِيتِوإن تأخرت فقد شَقِيتِ
1) لشَّنة : القربة الصغيرة القاموس المحيط مادة (شنن)
ثم نَزَل عن فرسه فقاتل، فأتاه ابنُ عمّ له ببضعة من لحم ، فقال : اشدد بهذا صُلبك. فأخذها من يده فانتهش منه نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية من الناس، فقال: وأنتَ يا بن رواحة في الدنيا ! ثم ألقاها من يده وأخذ سيفه، فتقدم فقاتل حتى قُتِل .قال الواقدي: حدّثني داود بن سنان ،قال : سمعتُ ثعلبة بن أبي مالك يقول : انكشف خالد بن الوليد يومئذ بالناس حتى عُيّروا بالفرار، وتشاءَم الناسُ به.قال وروى أبو سعيد الخُدْري ، قال : أقبل خالد بالناس منهزمين، فلمّا سمع أهل المدينة بهم تلقَّوْهم بالجُرف، فجعلوا يحثون في وجوههم التراب ويقولون : يا فُرّار أفَررْتم في سبيل اللّه ! فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله: «ليسوا بالفرار، ولكنهم كُرّار، إن شاء اللّه».(1))قال الواقدي: وقال عُبيد اللّه بن عبد الله بن عتبة : ما لقي جيشٌ بعثوا مَبْعَثاً ما لقي أصحابُ مؤتة من أهل المدينة، لقوهم بالشّر. حتى أنّ الرجل ينصرف إلى بيته وأهله فيدقّ عليهم فيأبون أن يَفْتَحوا له يقولون: ألا تقدّمت مع أصحابك فقُتِلتَ ،وجلس الكُبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس،حتى أرسل النبّي(صلی اللّه علیه واله رجلاً ، يقول لهم : أنتم الكُرّار في سبيل اللّه . فخرجوا.)قال الواقدي: فحدثني مالك بن أبي الرّجال عن عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر، عن جدتها أسماء بنت عُميس قالت أصبحتُ في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه، فأتاني رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم وقد مناتُ (2)أربعين مناً من أدم وعجنتُ عجيني، (2) وأخذت بَنيَّ، فغسلت وجوههم ودهنتهم، فدخلت على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال : يا أسماء، أين بنو جعفر؟ فجئت بهم إليه، فضمّهم وشمّهم، ثم ذرفت عيناه فبگی، فقلتُ: يا رسول اللّه، لعله بلغك عن جعفر شيء! قال: نعم، إنه قُتل اليوم، فقمتُ أصيح، واجتمع إلي النساء، فجعل رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) يقول : يا أسماء، لا تقولي ،هجراً، ولا تضربي صَدْراً، ثم خرج حتّى دخل على ابنته فاطمة رضي اللّه عنها، وهي تقول واعمّاها فقال : على مثل جعفرٍ فلتَبكِ الباكية. ثم قال : اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم.)قال الواقدي: وحدّثني محمّد بن مسلم، عن يحيى بن أبي يعلّى، قال: سمعتُ عبد اللّه بن جعفر يقول : أنا أحفظ حين دَخَل النبي(صلی اللّه علیه واله على أمّي، فَنَعى إليها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهراقان بالدَّمْع حتى قطرت لحيته، ثم قال: اللهمّ إن جعفراً قدم إلي أحسَنَ الثّواب، فاخلُفه في ذرّيته بأحسن ما خلفت أحداً من عبادك في ذريته، ثم قال:)
يا أسماء، ألا أبشرك؟ قالت : بَلَى بأبي وأمّي . قال : فإنّ اللّه جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنّة قالت بأبي وأمّي فأعلم الناس ذلك ! فقام رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهوأَخَذَ بَيدي يمسح بيده رأسي حتى رَقِيَ على المنبر وأجلسني أمامه على الدّرجة السفلى، وإن الحزنَ ليُعرف عليه، فتكلّم فقال : إن المرة كثير بأخيه وابن عمّه، ألا إن جعفراً قد استشهد، وقد جعل اللّه له جناحين يطير بهما في الجنّة. ثم نزل، فدخل بيته وأدخلني، وأمر بطعام فصُنع لنا ، وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده غداءٌ طيّباً ، عمدت سلمى خادمته إلى شعير فطحنته، ثم نشفّته، ثم أنضَجَتْه وآدمّته بزيت، وجعلت عليه فلفلاً، فتغذيت أنا وأخي معه، وأقمنا عنده ثلاثة أيام نَدُور معه في بيوت نسائه، ثم أرجعنا إلى بيتنا، وأتاني رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بعد ذلك وأنا أساوم في شاة، فقال: «اللهّم بارك له في صَفْقَتِه»، فواللّه ما بعث شيئاً ولا اشتريتُ إلا بُورك فيه ) (1))## في مناقب جعفر الطياررَوَى أبو الفَرَج الأصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيّين (2أن كُنية جعفر بن أبي طالب أبو المساكين، وقال: وكان ثالث الإخوة من ولد أبي طالب، أكبرهم طالب، وبعده عقيل، وبعده جعفر، وبعده عليّ، وكل واحد منهم أكبر من الآخر بعشر سنين، وعلي أصغرهم سنّاً، وأمهم جميعاً فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف . وهي أوّل هاشمية ولدتّ لهاشمي، وفضلها كثير ، وقربها من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وتعظيمه لها)معلوم عند أهل الحديث.وَرَوَى أبو الفرج لجعفر رضي اللّه عنه فضل كثير. وقد ورد فيه حديّث كثير، من ذلك أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله و لمّا فتح خيبر قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فالتزمه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وجعل يقبل بين عينيه ويقول: «ما أدري بأيهما أنا أشدّ فَرَحاً ! بقدوم جعفر، أم بفتح خَيْبرا). قال : وقد روى خالدّ الحذاء، عن عكرمة، عن أبي هريرة أنه قال : ما ركب المطّايا، ولا رَكِب الكُور ، ولا انتعل ،ولا احتذى النّعال أحد بعد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أفضل من جعفر بن أبي طالب . قال:وقد روى عطيّة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) «خير الناس حمزة وجعفر وعلي».)
وقد روّى جعفر بن محمد عن أبيه (علیهم السلامقال : قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «خُلق الناس من أشجار شتّى، وخلقتُ أنا وجعفرّ من شَجرة واحدة» - أو قال - «مِن طينةٍ واحدة» .(1)قال: وبالإسناد قال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)الجعفر: «أنت أشبهت خَلقي وخلقي». وقال أبو عُمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» (2)كانت سن جعفر(علیهم السلام) اليوم قتل إحدى وأربعين سنة .)قال أبو عمر : وقد رَوَى ابن المسيّب أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله قال : مُثل لي جعفر وزيد وعبد اللّه في خَيْمة من درّ كلّ واحد منهم على سرير،فرأيت زيداً وابن رواحة في أعناقهما صدوداً ،ورأيت جعفراً مستقيماً ليس فيه صدود، فسألتُ فقيل لي : إنهما حين غشيهما الموتُ أعرضا وصَدًا بوجهيهما ، وأما جعفر فلم يفعل.)قال أبو عمر أيضاً ورُوي عن الشّعبي ، قال : سمعتُ عبد اللّه بن جعفر يقول : كنتُ إذا سألت عمّي عليا(علیه السلام شيئاً ويمنّعني أقول له : بحقِّ جعفر، فيعطيني. وَرَوَى أبو عمر أيضاً في حرف الزاي في باب زيد بن حارثة أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) لمّا أتاه قتل جعفر وزيد بمؤتة بكى، وقال : أَخَوَاي ومؤنِسايَ ومحدّثاي(3))واعلم أنّ هذه الكلمات التي ذكرها الرضي رحمة اللّه عليه ملتقطة من كتابه (علیهم السلامالذي الذي كتبه جواباً عن كتاب معاوية النافذ إليه مع أبي مسلم الخولاني وقد ذكره أهلُ السِّيرة في كتبهم، رَوَى نصرُ بنُ مزاحم في كتاب «صِفِّين» (4)عن عمر بن سعد عن أبي وَرْقاء، قال: جاء أبو مسلم الخولاني في ناس من قُرّاء أهل الشام إلى معاوية قبل مسير أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى صفين فقالوا له : يا معاوية، علام تقاتل عليَّاً وليس لك مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته ! فقال: إنّي لا أدّعي أنّ لي في الإسلام مثل صحبته ولا مثل هجرته ولا قرابته ،ولكنّ خبروني عنكم، ألستم تعلمون أن عثمان قُتِل مظلوماً ! قالوا بلى، قال فليدفع إلينا قتلته لنقتلّهم به، ولا قتال بيننا وبينه قالا فاكتب إليه كتاباً يأتِه به بعضنا، فكتب مع أبي مسلم الخولاني :)
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 64/21 .
2) (الاستيعاب في معرفة الأصحاب للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله المعروف بابن عبد البر القرطبي، المتوفى سنة ( 463 ه-) ، كشف الظنون» (1 (81) .
3) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (546/2)
4) وقعة صفين : للإمام أبو الفضل نصر بن مزاحم بن يسار المنقري الكوفي المتوفى ( 212ه-). الأعلام للزركلي (8/(28)
من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب سلام عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن اللّه اصطفى محمّداً بعلّمه، وجعله الأمين على وحيه، والرسول إلى خَلْقِه ، واجتبى له من المسلمين أعواناً أيده اللّه تعالى بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم في الإسلام وأنصحهم اللّه ورسوله الخليفة من بعده، ثم خليفة خليفته من بعد خليفته، ثم الثالث الخليفة المظلوم عثمان، فكلّهم حسدت، وعلى كلّهم بغيت ،عرَفْنا ذلك في نظرك الشَّزْر ، وقولك الهجر، وتنفسِك الصُّعَداء، وإبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى كلّ منهم كما يقاد الفَحْل المخشوش حتى تُبايع وأنت كاره، ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسَداً منك لابن عمّك عثمان، وكان أحقّهم ألا تفعل ذلك في قرابته وصهره، فقطعت رحمه، وقبحت محاسنه ،والبت الناسَ عليه ،وبطنت وظهرت حتى ضُربَتْ إليه آباط الإبل، وقيدت إليه الإبل العِراب ،وحمل عليه السلاحُ في حَرَم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله، فقُتِل معك في المحلّة وأنتَ تَسمَع في داره الهائعة، لا تَردَع الظّن والتّهمة عن نفسك بقول ولا عمل. وأقسم قسماً صادقاً لو قمت فيما كان من أمره مقاماً واحداً تُنهنه الناس عنه ، ما عدل بك من قبلنا من النّاس أحداً، ولمحا ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان والبغي عليه، وأخرى أنت بها عند أنصارِ عثمان ظَنين، إيواؤك قَتَلَة عثمان، فهم عَضُدك وأنصارك، ويدك وبطانتك، وقد ذكر لي أنك تتنصّل من دمه، فإن كنتَ صادقاً فأمكنّا من قتلته نقتلهم به، ونحن أسرع الناس إليك، وإلاّ فإنه ليس لك ولأصحابك إلّا السيف، والذي لا إله إلّا هو لنطلبنّ قتلة عثمان في الجبال والرّمال والبّر والبحر، حتى يقتلهم اللّه أو لتلحقن أرواحنا باللّه، والسلام.)قال نصر : فلمّا قدم أبو مسلم على علي(علیه السلام بهذا الكتاب، قام فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد، فإنّك قد قمتَ بأمرٍ وليتّه، وواللّه ما أحبّ أنّه لغيرك. إن أعطيت الحقّ من نفسك. إنّ عثمانَ قُتل مسلماً مُحرِماً مظلوماً، فادفع إلينا قتلته، وأنتَ أميرُنا ، فإن خالفك النّاس أحدٌ كانت أيدينا لك ،ناصرة، وألسنتنا لك شاهدة، وكنتَ ذا عُذر وحجّة . فقال له علي(علیه السلام) : اغُدُ عليَّ غداً، فخذ جواب كتابك، فانصرف، ثم رجع من غد ليأخذ جواب كتابه، فوجد الناس قد بلّغهم الذي جاء فيه قبل فليّست الشيعة أسلحتها ثم غَدَوا فملؤوا المسجد، فنادّوا : كلّنا قتلة عثمان وأكثروا من النّداء بذلك وأذن لأبي مسلم، فدّخل، فدفع علي (علیه السلام)جواب كتاب معاوية، فقال أبو مسلم : لقد رأيت قوماً ما لك معهم أمر ، قال : وما ذاك؟ قال : بَلَغَ القومَ أنّك تريد أن تدفع إلينا قَتلَةَ عثمان فضجّوا، واجتمعوا، ولبسوا السّلاح، وزعموا أنهم قتلة عثمان. فقال علي (علیه السلام)، واللّه ما أردت أن أدفعهم إليكم طرفةَ عَيْن قطّ، لقد ضربتُ هذا الأمر أنفه وعينه ،فما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك، ولا إلى غيرك. فخرج أبو مسلم بالكتاب وهو يقول : الآن طابَ الضّراب ! وكان جواب علي(علیه السلام) : من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.)
أما بعد فإن أخا خَوْلان قَدِم عليَّ بكتاب منك تذكر فيه محمداً (صلی اللّه علیه والهوما أنعم اللّه به عليه من الهُدَى والوَحي، فالحمد للّه الذي صَدَقه الوعد، وأيّده بالنّصر، ومكّن له في البلاد، وأظهَرَه على أهل العداوة والشّنان من قومه الذين وثبّوا عليه، وشنفوا له، وأظهَرُوا تكذيبه وبارَزُوه بالعداوة، وظاهروا على إخراجه وعلى إخراج أصحابه وأهله، وألبوا عليه العرب، وجادلوهم على حربه، وجَهَدوا في أمره كلّ الجَهْد ، وقلبوا له الأمور حتى جاءَ الحّق وظهر أمر اللّه وهم كارهون، وكان أشَدَّ الناس عليه تأليباً وتحريضاً أسرته، والأدنى فالأدنى من قومه إلَّا مَن عَصَم اللّه . وذكرت أن اللّه تعال اجتبي له من المسلمين أعواناً أيّده اللّه بهم، فكانوا في منازلهم عنده عَلَي قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم - زعمت - في الإسلام وأنصحهم اللّه ولرسوله الخليفة وخليفة الخليفة ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم ،وإنّ المصاب بهما الجُرح في الإسلام شدید، فرحِمهما اللّه وجزاهما أحسنَ ما عَمِلا ! وذكرت أن عثمان كان في الفضل تالياً، فإن يَكُ عثمان محسناً فسيجزيه اللّه بإحسانه، وإن يك مسيئاً فَسَيَلقَى رَبَّا غفوراً لا يتعاظَمُه ذَنْب أن يغفره ، ولَعَمْرِي إنّي لأرجو إذا أعطى اللّه الناس على قدر فضائلهم في الإسلام ونصيحتهم اللّه ولرسوله، أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر. إنّ محمّداً(صلی اللّه علیه واله) لمّا دعّا إلى الإيمان باللّه والتّوحيد له كنّا أهل البيت أوّلَ من آمن به وصدقه فيما جاء، فبتنا أخوالاً كاملةً مجرمّة (1)تامة، وما يُعبد اللّه في ربع ساكن من العَرَب غيرنا ، فأراد قومنا قتل نبيّنا، واجتياح أصلنا، وهموا بنا الهُموم، وفَعَلوا بنا الأفاعيل، ومنعونا الميرة، وأمسكوا عنا العَذب، وأخلسُونا الخوف. وجَعَلوا علينا الأرصاد والعيون، واضطرونا إلى جَبَل وَغر، وأوقدوا لنا نار الْحَرْب، وكتبوا بينهم كتاباً، لا يؤاكِلُوننا، ولا يُشاريُوننا، ولا يُناكحوننا، ولا يبايعوننا، ولا نأمن منهم حتى ندفع إليهم محمداً فيقتلوه ويمثلوا به، فلم نكن نأمن فيهم إلّا من مَوْسم ،إلى مَوْسم، فعزم اللّه لنا عَلَى مَنعه، والذبٌ عن حَوْزته، والرّمي من وراء حُرمته، والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار، فمُؤمِننا يرجو بذلك الثواب، وكافرُنا يُحامِي عن الأصل، وأمّا من أسلم من قريش فإنّهم مما نحن فيه خَلاء، منهم الحليف الممنوع ، ومنهم ذو العشيرة التي تدافع عنه، فلا يبغيه أحد مثل ما بغانا به قومُنا من التّلف، فهم من القتل بمكان نجوة وأمن، فكان ذلك ما شاء اللّه أن يكون. ثم أمر اللّه تعالى رسوله بالهجرة، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين، فكان إذا احمرّ البأس، ودعيت نزالِ أقامَ أهل بيته، فاستقدموا، فوقي أصحابه بهم حد الأسنة والسيوف، فقتل عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وجعفر وزيد يوم مؤتة، وأراد من لو شئتُ ذكرتُ اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي(صلی اللّه علیه واله) و غير مرّة، إلّا أن آجالهم عجّلت، ومنيَّته أخرتْ ، واللّه وليّ الإحسان إليهم، والمنّة عليهم، بما أسلفوا من أمر الصالحات، فما)
1) أي: مكتملة اللسان، مادة (جرم).
سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصحُ في طاعة رسوله ولا لنبيّه ولا أصبر على اللأواء والسّراء والضّراء وحين البأس، ومواطن المكّروه مع النبي(صلی اللّه علیه واله من هؤلاء النّفر الذين سمّيت لك، وفي المهاجرين خير كثير يعرف جزاهم اللّه خيراً بأحسن أعمالهم. وذكرت حسدي الخلفاء وإبطائي عنهم، وبغيي عليهم، فأمّا البغي فمعاذ اللّه أن يكون، وأما الإبطاء عنهم والكراهية لأمرهم فلستُ أعتذر إلى الناس من ذلك، إن اللّه تعالى ذكره لما قبض نبيّه اللّه (صلی اللّه علیه واله)قالت قريش: منا أمير، وقالت الأنصار: منا ،أمير، فقالت قريش: منّا محمد، نحن أحق بالأمر، فعرفت ذلك الأنصار فسلّمت لهم الولاية والسلطان، فإذا استحقّوها بمحمّد( صلى اللّه عليه واله) دون الأنصار فإن أولى الناس بمحمد أحقُّ به منهم، وإلا فإنّ الأنصار أعظم العرب فيها نصيباً ، فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا ، أو الأنصار ظلموا، بل عرفت أن حقي هو المأخوذ ، وقد تركته لهم تجاوزاً للّه عنهم. وأمّا ما ذكرت من أمر عثمان، وقطيعتي رحمه ،وتأليبي عليه فإن عثمان عمل ما قد بلغك، فصنع الناس به ما رأيت، وإنك لتعلم أني قد كنت في عُزلة عنه إلا أن تتجنّى ، فَتَجَنَّ ما بدا لك، وأما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان فإنِّي نظرتُ في هذا الأمر وضربت أنفه وعينه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك، ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لتعرفنّهم عن قليل يطلبونك لا يكلّفونك أن تطلبهم في برّ ولا بحر ولا سهل ولا جَبَل، وقد أتاني أبوك حين ولى الناسُ أبا بكر ، فقال : أنتَ أحقُّ بمقام محمد، وأولى الناس بهذا الأمر، وأنا زعيم لك بذلك على من خالف، ابسط يدك أبايعك، فلم أفعل، وأنت تعلم أن أباك قد قال ذلك وأراده حتى كنتُ أنا الذي أبيتُ ،لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الإسلام، فأبوك كان أعرف بحقي منك، فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرف تُصب رُشدك، وإن لم تفعل فسيغني اللّه عنك، والسلام . (1))## ومن كتاب له لا إلى معاوية أيضاًالأصل: وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَفَتْ عَنْكَ جَلابِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَد تَبَهَجَتْ بِزِينَتِهَا ، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا ، دَعَنْكَ ،فَأَجَبْتَهَا ، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَها . وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا ، وَأَنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لا يُنْجِيكَ مِنْهُ مُنْجِ . فَاقْعَسْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ، وَشَمُر لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ، وَلا تَمَكِّنِ الْغُوَاةَ .
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 113/33 .
مِنْ سَمْعِكَ، وَإِلَّا تَفْعَلْ أَعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأَخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجَرَى الرُّوح وَالدَّم.وَمَتَى كُنتُمْ يَا مُعَاوِيَةٌ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ، وَوُلاةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ، بِغَيْرِ قَدَم سَابِقِ، وَلا شَرَفٍ بَاسِقٍ وَنَعُوذُ بِالله مِنْ لُزُوم سَوَابِقِ الشَّقَاءِ . وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً فِي غِرَّةِ الْأَمْنِيَّةِ، مُخْتَلِفَ الْعَلانِيَةِ وَالسَّرِيرَةِ . وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَرْبِ فَدَع النَّاسَ جَانِباً ، وَاخْرُجْ إِليَّ، وَاعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ، لِتَعْلَمَ أَيُّنَا المَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ، وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ! فَأَنَا أَبُو حَسَنِ، قَاتِلُ جَدِّكَ وَأَخِيكَ وَخَالِكَ شَدْحاً يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذَلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوّي، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلا اسْتَخدَلْتُ نَيا ، وَإِنِّي لَعَلَى المِنْهَاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ نَبِيَّاً طائِعِينَ وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ.وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِراً بِدَم عُثْمَانَا وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمَانَ، فَاطْلُبُهُ مِنْ هُنَاكَ إنْ كُنْتَ طَالِباً ، فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ نَضِحُ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضْتُكَ صَحِيحَ الْجِمَالِ بِالْأَثْقَالِ وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ، وَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ إِلَى كِتَابِ الله، وَهِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ، أَوْ مُبَايِعِةٌ حَائِدَة .الشرح: الجلابيب: جمعُ جلْباب، وهي الملحفة في الأصل، واستعير لغيرها من الثياب، وتجلبَب الرجلُ جلبيةٌ ، ولم تُدغم لأنّها ملحقة ب- «دَخرَجة».قوله : «وتبهجت بزينتها» صارت ذات بهجة، أي زينة وحُسن، وقد بهج الرجلُ بالضم، ويوشك : يسرع . ويقفك واقف، يعني الموتَ ، ويُروى و«لا ينجيك مجنّ»، وهو الترس، والرواية الأولى أصح. قوله : «فاقعش عن هذا الأمر»، أي تأخّر عنه، والماضي فَعَس بالفتح، ومثله تفَاعَسَ واقعَنسَس وأهبة الحساب عُدته، وتأهّب «استعدّ»، وجمع الأهبة أُهَب . وشمر لما قد نزل بك، أي جِدٌ واجتهد وخِفَّ، ومنه رجل شمرِيّ بفتح الشين وتكسر. والغواة: جمع غاو، وهو الضال.قوله : «وإلا تفعل» يقول : وإن كنت لا تفعل ما قد أمرتك ووعظتُك به فإنّي أعرفك من نفسك ما أغفلت معرفته. إنّك مترّف، والمترفُ الذي قد أترفته النّعمة، أي أطغته.
قد أخذ الشيطان منك مأخذه، ويُروى مآخذه» بالجمع، أي تناول الشيطان منك لبك وعقلك . ومأخذه مصدر، أي تناولك الشيطان تناوله المعروف، وحذف مفعول «أخذ» لدلالة الكلام عليه، ولأنّ اللفظةَ تَجري مجرى المَثَل . قوله :«وجَرَى منك مجْرَى الرُّوح والدم»، هذه كلمة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله:«إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم».(1)ثم خرج (علیه السلام)إلى أمر آخر ، فقال لمعاوية :« ومتى كنتم ساسَةَ الرّعية، وولاة أمر الأمّة!» ينبغي أن يُحمّل هذا الكلام على نفي كونهم سادة وولاةً في الإسلام، وإلا ففي الجاهلية لا يُنكر رياسة بني عبدِ شَمْس. ولست أقولُ برياستهم على بني هاشم، ولكنّهم كانوا رؤساء على كثير من بطون قريش، ألا ترى أنّ بني نوفل بن عبد مناف ما زالوا أتباعاً لهم، وأن بني عبد شمس كانوا في يوم بدر قادة الجيش ،كان رئيس الجيش عُتبة بن ربيعة، وكانوا في يوم أحد الخندق قادةَ الجَيْش ! كان الرئيس في هذين اليومين أبا سفيان بن حرب، وأيضاً فإنّ في لفظة أمير المؤمنين(علیه السلام) ما يُشعر بما قلناه، وهو قوله : «وولاة أمر الأمّة» فإنّ الأمة في العرب هم المسلمون، أمّة محمد(صلی اللّه علیه واله).)قوله(علیه السلام:«بغير قدم سابق»، يقال : لفلان قدمُ صِدْق، أي سابقة وأثرَةٌ حَسَنة ،قوله(علیه السلام) : ولا شرف باسق»، أي عال. وتَمادَى: تفاعل، من المدى، وهو الغاية ،أي لم يقَفِ بل مَضَى قُدُماً . والغِرَّة الغَفْلَة: والأمنيّة : طمعُ النفس. ومختلف السّريرة والعلانية : منافق . قوله(علیه السلام) : فدَع الناسَ جانباً»، منصوب على الظٌرف. والمرين على قلبه المغلوب عليه، من قوله تعالى:«كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يكْسِبُونَ ».(2)وقيل :الرَّيْن : الذنب على القريب. .)وإنما قال أمير المؤمنين(علیه السلام لمعاوية هذه الكلمة لأن معاوية قالها في رسالةٍ كتبها، ووقفتُ عليها من كتاب أبي العباس يعقوب بن أبي أحمد الصَّيْمَري الذي جَمعَه من كلام علي وخطبه، وأولها :)
1) أخرجه البخاري، كتاب الاعتكاف :باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه (2039)، ومسلم، :کتاب السلام باب بيان أنه يستحب لمن رئي خالياً بامرأة وكانت زوجته أو محرماً له أن يقول: هذه فلانة (2174) بلفظ : من الإنسان والترمذي كتاب الرضاع باب كراهية الدخول على المغيبات (1173)، بلفظ : من أحدكم، وأبو داود، كتاب السنة، باب في ذراري المشركين (4719).
2) سورة المطففين، الآية : 14
أما بعد فإنَّك المطبوع على قلبك، المغطّى على بَصرِك ، الشرّمن شيمتك، والعتو من خليقتك، فشمّر للحرب، واصبر للضَّرب، فواللّه ليرجعنّ الأمر إلى ما علمت ،والعاقبة للمتقين. هيهات هيهات! أخطأك ما تمنّى ، وهَوَى قلبك فيما هَوَى، فَاربَعْ عَلَى ظَلْعِك، وقِسْ شيْرَك يفترك، تعلم أين حالك من حالِ من يَزِن الجبال حِلمُه، ويفصل بين أهل الشَّكْ عِلمه،والسلام.فكتب إليه أمير المؤمنين(علیه السلام : أما بعد يا بن صخر، يا بن اللعين، يزن الجبال فيما زعمتَ حِلمُك، ويفصل بين أهل الشك عِلمُك، وأنتَ الجاهلُ القليل الفقه، المتفاوت العقل، الشاردُ عن الدين . وقلت:«فشمّر للحرب، واصبر»، فإن كنتَ صادقاً فيما تَزعَمُ، ويُعينك عليه ابن النابغة، فدع الناسَ جانباً، وأعفِ الفريقين من القتال، وابرز إليّ لتعلم أينا المرينُ عَلَى قلبه، المغطى على بصره، فأنا أبو الحَسَن حقاً ، قاتل أخيك وخالك وجدك، شَدْخاً يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب ألقى عدوّي .)قوله (علیه السلام «شَدْخا»، الشدخ : كَسرُ الشيء الأجوف ،شَدخُت رأسَه فأنشدخ، وهؤلاء الثلاثةُ : حنظلة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة، وأبوه عتبة بن ربيعة، فحنظلة أخوه، والوليد خاله، وعتبة جدُه، وقد تقدَّم ذكرُ قَتْلِهِ إِيَّاهم في غَزاةِ بَدْر .)والثائر : طالب الثأر. وقوله : «قد علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك»، يريد به إن كنتَ تطلب ثأرك من عند من أجْلَب وحاصَرَ ، فالّذي فَعَل ذلك طلحة والزبير، فاطلب ثأرك من بني تميم ومن بني أسد بن عبدِ العُزَّى، وإن كنت تطلبه ممّن خَذَل، فاطلبه من نَفسِك فإنّك خَذَلْته، وكنتَ قادراً على أن ترفده وتُمِدّه بالرجال فخذلته وقعدت عنه بعد أن استنجدك واستغاث بك.وتضجّ : تصوّت والجاحدة المنكرة، والحائدة: العادلة عن الحق . واعلم أن قوله :«وكأنّي بجماعتك يدعونني جَزَعاً من السّيف إلى كتاب اللّه تعالى»، إما أن يكون فراسةً نبوية صادقة، وهذا عظيم، وإما أن يكون إخباراً عن غَيْب مفصّل، وهو أعظمُ وأعجب، وعلى كلا الأمرين فهو غاية العَجَب. وقد رأيت له ذكر هذا المعنى في كتاب غيرِ هذا، وهو: أما بعد، فما أعجب ما يأتيني منك، وما أعلَمني بمنزلتك التي أنت إليها صائر، ونحوها سائر، وليس إبطائي عنكَ إلاّ لوقت أنا به مصدّق، وأنتَ به مكذّب، وكأني أراك وأنتَ تضجّ من الحرب، وإخوانك يدعونني خوفاً من السّيف، إلى كتاب هم به كافرون، وله جاحدون.
ووقفت له (علیه السلامعلى كتاب آخر إلى معاوية يذكر فيه هذا المعنى ،أوّله: أمّا بعد، فطالًما دعوتَ أنتَ وأولياؤك أولياء الشَّيطان الحقَّ أساطير، ونبذتموه وراء ظهوركم، وحاولتم إطفاءه بأفواهكم ، «وَيَأْبَى الَلَّهَ إِلَّا أن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ». (1)ولعمري لينفذنّ العلم فيك، وليتمّنّ النور بصغرك وقماءتك، ولتخسأن طريداً مَدْحوراً، أو قتيلاً مثبوراً، ولتُجْزَين بعملك حيث لا ناصر لك ، ولا مُصرّخ عندك .وقد أسهَبْتَ في ذكر عثمان، ولعمري ما قَتَله غيرُك، ولا خَذَله سواك، ولقد تربّضت به الدوائر، وتمنيّت له الأماني، طمعاً فيما ظهر منك، ودلّ عليه فعلك، وإنّي لأرجو أن ألحِقَكَ به على أعظم من ذنبه ، وأكبر من خطيئته .)فأنا ابن عبد المطلب صاحبُ السّيف، وإن قائمه لفي يدي، وقد علمت من قتلتُ به من صناديد بني عبد شمس، وفراعنة بني سَهُم وجُمح وبني مخزوم، وأيتمتُ أبناءهم، وأيمت نساءهم. وأذكرك ما لستَ له ناسياً، يومَ قتلتُ أخاك حنظلة، وجررت برجله إلى القليب، وأسرتُ أخاك عمراً، فجعلتُ عنقه بين ساقيه رباطاً، وطلبتك ففررت ولك خصاص، فلولا أني لا أتبع فاراً ،لجعلتك ثالثهما ، وأنا أولي لك باللّه ألية بَرّة غير فاجرة، لئن جمعتني وإيّاك جوامع الأقدار ، لأتركنّك مثلاً يتمثّل به الناس أبداً، ولأجعجعنّ بك في مناخك حتّى يحكم اللّه بيني وبينك وهو خيرُ الحاكمين .ولئن أنسأ اللّه في أجلي قليلاً لأغزِينَك سَرايا المسلمين، ولأنهدنّ إليك في جحفل من المهاجرين والأنصار ، ثم لا أقبل لك معذرة ولا شفاعة ،ولا أجيبك إلى طلب وسؤال، ولترجعنّ إلى تحيرك وتردُّدك وتلدُدك، فقد شاهدت وأبصرت ورأيتَ سُحُب الموتِ كيف هطلت عليك بصيبها حتى اعتصمت بكتاب أنت وأبوك أوّل من كفر وكّذب بنزُوله. ولقد كنتُ تفرّسْتُها ، وآذنتك أنّك فاعِلُها، وقد مضى منها ما مَضَى وانقضى من كَيْدك فيها ما انقضى، وأنا سائر نحوك على أثر هذا الكتاب، فاختر لنفسك، وانظر لها، وتداركها، فإنّك إن فطرت واستمررت علي غيك وغُلَوائك حتى ينهد إليك عباد اللّه، أرتجت عليك الأمور، ومُنعت أمراً هو اليوم منك مقبول . يا بن حرب، إن لجاجك في منازعة الأمر أهله من سفاه الرّأي، فلا يطمعنّك أهلُ الضلال، ولا يوبقنّك سفه رأي الجهال، فوالذي نفسُ علي بيده لئن برقت في وجهك بارقة من ذي الفقار لتُصعَقن صغقة لا تفيق منها حتى يُنفخ في الصور النفخة التي يئست منها «كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْعَبِ الْقُبُورِ» (2)
قلتُ : سألتُ النقيب أبا زيد عن معاوية : هل شهد بدراً مع المشركين؟ فقال : نعم شهدَها ثلاثة من أولاد أبي سفيان: حنظلة وعمرو ومُعاوية، قُتل أحدهم، وأسر الآخر، وأفلت معاوية هارباً على رجليه، فقدم مكّة، وقد انتفخَ قدماه، وَوَرمتْ ساقاه، فعالج نفسه شهرين حتى برا . قال النقيب أبو زيد : ولا خلاف عند أحَدٍ أن علياً (علیه السلامقتل حنظلة وأسر عمراً أخاه. ولقد شهد بدراً، وهَرَب على رجليه من هو أعظم منهما ومن أخيهما عمرو بن عبد ود فارس يوم الأحزاب، شهدَها ونجا هارباً على قدميه، وهو شيخ كبير، وارثت جريحاً ، فوَصَل إلى مكّة وهو وقيد فلم يشهد أُحُداً ، فلما برأ شهد الخندق، فقتله قاتل الأبطال، والذي فاتَهُ يومَ بذر استدركه يوم الخندق .)ثم قال لي النقيب رحمه اللّه : أما سمعت نادرة الأعمش ومُناظِرَه؟ فقلتُ : ما أعلمُ ما تريد، فقال: سأل رجل الأعمش – وكان قد ناظر صاحباً له - هل معاوية من أهل بدر أم لا؟ فقال له : أصلحك اللّه هل شَهِد معاوية بدراً؟ فقال : نعم من ذلك الجانب .واعلم أن هذه الخُطبة قد ذكرها نصر بنُ مُزاحم في كتاب (صِفّين» على وجه يقتضي أن ما ذكره الرضي - رحمه اللّه - منها قد ضمّ إليه بعض خطبة أخرى، وهذه عادَتُه ، لأن غَرَضه التقاط الفصيح والبليغ من كلامه، والذي ذكره نصر بن مزاحم هذه صورته : من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان ،سلامٌ على من اتبع الهدى فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنك قد رأيتَ مُرور الدنيا وانقضاءَها وتصرَّمها وتصرّفَها بأهلها، وخيرُ ما اكتسب من الدنيا ما أصابه العباد الصالحون منها من التقوى، ومن يقس الدنيا بالآخرة يجد بينهما بعيداً. واعلم يا معاوية أنَّك قد ادّعيتَ أمراً لستَ من أهله لا في القَدِيم ولا في الحديث، ولستَ تقول فيه بأمر بين يُعرَف له أثر ، ولا عليك منه شاهد من كتاب اللّه ، ولست متعلّقاً بآية من كتاب اللّه، ولا عهد من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، فكيف أنت صانع إذا تقشّعت عنك غيابةُ ما أنتَ فيه من دُنيا قد فتنت بزينتها ، ورَكَنْتَ إلى لذّاتها، وخُلِّي بينك وبين عدوّك فيها، وهو عدوٌّ كَلِب مُضِلَّ جاهد مُليح، ملحّ، مع ما قد ثَبَت في نفسك من جهتها، دعتّك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرَتك فأطَعْتها ، فاقْعَسْ (1)عن هذا الأمر، وخذ أهبَة الحساب، فإنه يُوشك أن يَقِفَك واقف على ما لا يجنّكَ مِجَنٌ . ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعيّة، أو ولاةً لأمر هذه الأمّة، بلا قدَم حَسَن، ولا شَرفٍ تَليد)
1) أي: تأخروا رجع. اللسان، مادة (قعس).
على قومكم، فاستيقظ من سِنَتِك، وارجع إلى خالقكِ، وشمّر لما سينزل بك، ولا تُمكّن عدوّك الشيطان من بِغيته فيك، مع أنّي أعرف أن اللّه ورسولَه صادقان، نعوذ باللّه من لُزوم سابق الشَّقاء وإلا تَفْعَلْ فإني أعلمك ما أغفلتَ من نَفسِك، إنك مُترف، قد أخذ منك الشيطان مأخذه، فجرى منك مجرى الدم في العروق، ولست من أئمة هذه الأمة ولا من رعاتها . واعلم أن هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسَدُوناه ،ولا متَنوا علينا به، ولكنّه قضاءٌ ممَّن مَنَحَناه وأختصَّنا به، على لسان نبيّه الصادق المصدّق، لا أفلح من شَك بعد العِرْفانِ والبيئة !ربِّ احكم بيننا وبين عدوّنا بالحق وأنت خير الحاكمين. قال نصر : فكتب معاوية إليه الجواب: من معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب،أمّا بعد:فدَعِ الحسّد، فإنَّك طالما لم تَنتفع به، ولا تُفْسِد سابقةً جهادك بِشِرَّةِ نَخْوَتِك، فَإِنَّ الأعمال بخواتيمها، ولا تُمحُص سابقتك بقتالِ مَن لا حق لك في حقّه، فإنَّك إن تفعل لا تضرّ بذلك إلا نفسشك، ولا تمحَق إلَّا عَمَلك ، ولا تُبطل إلّا حجّتك، ولعمري إن ما مضى لك من السابقات لشبيه أن يكون ممحوقاً ، لما اجترأت عليه من سَفك الدماء، وخلافِ أهلِ الحقّ، فاقرأ السُّورة التي يُذكّر فيها الفَلَق وتعوَّذ من نفسِك فإنك الحاسدٌ إذا حَسَد .## ومن وصیة له (علیه السلاموصی بها جیشاً بعثه الی العدو)الاصل: فَإِذَا نَزَلْتُمْ بِعَدُو أَوْ نَزَلَ بِكُمْ، فليكن مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الْأَشْرَافِ، أَوْ سِفَاحِ الْجِبَالِ، أَوْ أَثْنَاءِ الأَنْهَارِ، كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ رِدْماً ، وَدُونَكُمْ مَرَدَّاً . وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهِ وَاحِدٍ أَو أَثْنَيْنِ، وَاجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجِبَالِ، وَمَنَاكِبِ الْهِضَابِ، لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَان مَخَافَةٍ أَوْ أَمْن . وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَوْم عُيُونُهُمْ، وَعُيُونَ المقَدِّمَةِ طَلائِعُهُمْ. وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفَرُّقَ ، فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً ، وَإِذَا اَرْتَحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً ، وَإِذَا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفةً، وَلا تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلَّا فِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةٌ .الشرح : المُعسكّر ، بفتح الكاف : موضع العسكَر، وحيث ينزل . الأشراف: الأماكن العالية، وقبلها : ما استقبلك منها ، وضدّه الُّدبر. وسفاح الجبال:
أسافلها حيث يسفّح منها الماء. وأثناء الأنهار:ما أنعطف منها، واحدها ينّي. والمعنى أنّه أمرهم أن ينزلوا مسندين ظهورهم إلى مكان عالٍ كالهِضاب العظيمة، أو الجبال، أو منعطّف الأنهار التي تجري مجرّى الخنادق على العسكر ليأمنوا بذلك من البيات، وليأمنوا أيضاً من إتيان العدّو لهم من خَلْفِهم، وقد فسّر ذلك بقوله :كيما يكون لكم رِدْعاً، والرّدء : العَوْن، قال اللّه تعالى: (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِ (1)ودونكم مَرَدَّاً ، أي حاجزاً بينكم وبين العدّو.)ثمَّ أمرهم بأن يكونَ مُقاتلتهم - بفتح التاء، وهي مصدّر «قاتل» - من وجه واحد أو اثنين، أيّ لا تتفرّقوا ، ولا يكن قتالكم العدّو في جهاتٍ متشعّبة، فإنَّ ذلك أدعى إلى الوَهَن، واجتماعُكم أدعَى إلى الظفّر، ثم أمرهم أن يجعلوا رقباء في صياصي الجبال. وصياصي الجبال : أعاليها وما جرى مجرى الحصون منها، وأصل الصياصي القُرون، ثم استُعير ذلك للحصون لأنه يُمتَنَع بها كما يمتنع ذو القَرْن بقَرْنه .ومناكب الهضاب: أعاليها ، لئلا يأتيكم العدوّ إمَّا من حيث تأمّنون، أو من حيث تخافون .قوله(علیه السلام: «مقدمة القوم عُيونهم»، المقدّمة، بكسر الدال، وهم الذين يتقدّمون الجيش، أصله مقدّمة القوم، أي الفرقة المتقدّمة .والطّلائع : طائفة من الجيش تُبَعث ليعلم منها أحوال العدّو. وقال(علیه السلام):المقدّمة عيون الجيش. والطلائع عيون المقدّمة، فالطلائع إذا عُيونُ الجَيْش.)ثم نهاهم عن التفرّق، وأمرهم أن ينزلوا جميعاً ويرحلوا جميعاً، لئلا يفْجَأَهم العدو بغتة على غير تعبية واجتماع، فيستأصلهم، ثم أمرهم أن يجعلوا الرِّماح كِفَّة إذا غشيهم الليل، والكاف مكسورة، أي اجعلوها مُستَدِيرة حؤلكم كالدّائرة، وكلّ ما استدار كِفّة بالكسر، نحو كفة الميزان، وكلّ ما استطال كُفّة بالضم نحو:كُفّة الثوب وهي حاشيته، وكُفة الرّمل، وهو كان منه كالحبل.ثم نهاهم عن النّوم إلا غراراً أو مضمضمةً، وكلا اللّفظتين ما قلَّ من النوم . وقال شبيب الخارجي : الليل يكفيك الجبان، ويصف الشجاع . وكان إذا أمسى قال لأصحابه : أتاكم المَدّد، يعني الليل. قيل لبعض الملوك : بيّت عدوّك . قال : أكره أن أجعلَ غَلبتي سَرِقة . ولما فصل قَحْطبة من خُراسان وفي جملته خالد بن برمك، بينا هو على سَطح بيتٍ في قرية
1) سورة القصص، الآية : 34 .
نَزَلاها وهم يتغدّون نظر إلى الصَّحراء، فرأى أقاطيع ظِباء قد أقبلت من جهة الصَّحارِي حتى كادت تخالط العسكر، فقال خالد لقخطبة : أيها الأمير، نادِ في الناس : يا خَيلَ اللّه اركبي، فإن العدّو قد قَرُب منك ،وعامة أصحابك لن يُسرِجوا ويُلجموا حتى يَروُا سَرَعان الخيل . فقام قحطبة مذعوراً فلم ير شيئاً يَروعُه، ولم يُعاين غُباراً، فقال لخالد:ما هذا الرأي؟ فقال: أيها الأمير! لا تتشاغل بي، وناد في الناس، أما تَرَى أقاطيع الوحوش قد أقبلت وفارقت مواضعها خالطت الناس ! وإن وراءها لجمعاً كثيفاً . قال : فواللّه ما أسرجوا ولا الجموا حتى رأوا حتى النقّع وساطع الغُبار، فسلَّموا ، ولولا ذلك لكان الجيش قد اضطُلِم.## ومن وصية له موصى بها معقل بن قيس الرياحي . حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة لهالأصل: اتَّقِ الله الَّذِي لا بُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ، وَلا مُنتَهَى لَكَ دُونَه، وَلَا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ، وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ، وَغَوِّرُ بِالنَّاسِ، وَرَفَّهُ فِي السَّيْرِ. وَلا تَسِرْ أَوَّل اللَّيْلِ، فَإِنَّ الله جَعَلَهُ سَكَناً ، وَقَدْرَهُ مُقَاماً لا ظَعْناً ، فَأَرحٍ فِيهِ بَدَنَكَ ، وَرَوْحْ ظَهْرَكَ، فَإِذَا وَقَفَتَ حِينَ يَنْبَطِعُ السَّحَرُ ، أَوْ حينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ ، فَسِرٌ عَلَى بَرَكَةِ الله . فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِف مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً ، وَلا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُو مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ. وَلا تَبَاعَدْ عَنْهُمْ نَبَاهُدَ مَنْ يَهابُ الْبَاسَ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي . وَلا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَالْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ.الشرح :معقل بن قيس، كان من رجال الكُوفة وأبطالها ، وله رياسة وقَدَم ،أوقده عمّار بن ياسر إلى عمر بن الخطّاب مع الهُرْمُزان لفتح تُسْتَر وكان من شيعة علي(علیه السلام ، وجّهه إلى بني ساقة فقتل منهم وسّبى، وحارب المستَوردَ بنَ عُلفة الخارجي من تميم الرّباب، فقتل كلُّ واحدٍ منهما صاحبه بدِجلة، وقد ذكرنا خبرهما فيما سبق، ومعقل بن قيس رياحي من ولد رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تمي تميم . قوله(علیه السلام) :«ولا تُقاتلن إلا من قاتلك» نهى عن البغي. وسِرالبَرْدَين : هما الغَداة والعَشِي، وهما الأبردان أيضاً . ووصّاه أن يَرفُق بالنّاس ولا يكلّفهم السيرَ في الحرّ. قوله(علیه السلام) :«وغور بالناس»: انزل بهم القائلة، والمَصدّر التّغويرُ ، ويقال للقائلة : الغائرة.)
قوله(علیه السلام:«وَرفه في السّير»، أي دَع الإبل تَردُ رِفْها، وهو أن ترد الماء كلّ يوم متى شاءت ولا تُرهِقها وتجشمها السَّير. ويجوز أن يكون قوله :«ورفّه في السَّير»، من قولك : رَفَّهتُ عن الغريم، أي نفّست عنه . قوله(علیه السلام) : «ولا تسر أول الليل»، قد ورد في ذلك خبر مرفوع، وفي الخبر أنه حين تُنشر الشياطين. وقد علل أمير المؤمنين (علیه السلام)النهي بقوله :«فإن اللّه تعالى جعله سكناً، وقدّره مُقاماً لا طعناً» ، يقول : لما امتنّ اللّه تعالى على عباده بأن جعل لهم الليل ليسكنوا فيه كره أن يخالفوا ذلك. ولكن لقائل أن يقول : فكيف لم يكره السير والحركة في آخره وهو من جملة الليل أيضاً ! ويمكن أن يكون فهم من رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أن الليل الذي جعل سكناً للبشر إنما هو من أوله إلى وقت السَّحَر .)ثم أمره(علیه السلام بأن يريح في الليل بدنه وظهره، وهي الإبل، وبنو فلان مظهرون، أي لهم ظهر ينقلون عليه ،كما تقول : منجبون ،أي لهم نجائب. قال الراوندي : الظّهر الخيول، وليس بصحيح، والصحيح ما ذكرناه. قوله(علیه السلام) : «فإذا وقفت» أي فإذا وقفتَ ثَقَلك ورحلك لتسير، فليكن ذلك حين ينبطح السحر.)قال الراوندي :« فإذا وقفت» ثم قال : وقد رُوي: «فإذا واقفت»، قال: يعني إذا وقفت تحارب العدوّ وإذا واقفته، وما ذكره ليس بصحيح ولا روي ،وإنما هو تصحيف، ألا تراه كيف قال بعده بقليل :«فإذا لقيت العدو»! وإنما مراده ها هنا الوصاة بأن يكون السير وقت السحر ووقت الفَجْر .قوله(علیه السلام : «حين ينبطح السحر»، أي حين يتّسع ويمتدّ أي لا يكون السحر الأول، أي ما بين السحر الأول وبين الفجر الأول، وأصل الانبطاح السَّعة، ومنه الأبطح بمكة، ومنه البطيحة، وتبطّح السيل، أي اتسّع في البطحاء، والفجر انفجر انشقّ. ثم أمره (علیه السلام)إذا لقي العدوّ أن يقف بين أصحابه وسطاً لأنه الرئيس، والواجب أن يكون الرئيس في قلب الجيش، كما أنّ قلب الإنسان في وسط جسده، ولأنه إذا كان وسطاً كانت نسبته إلى كلّ الجوانب واحدة، وإذا كان في أحد الطرفين بعد من الطرف الآخر، فربما يختل نظامه ويضطرب. ثم نهاه (علیه السلام)أن يدنو من العدّو دنوٌ من يريد أن يُنشِب الحرب ، ونهاه أن يبعد منهم بُعْدَ من يهاب الحرب، وهي البأس، قال اللّه تعالى: (وَحِينَ الْبَاس)،(1)أي حين الحَرْب، بل يكون)
1) سورة البقرة، الآية : 177 .
على حالٍ متوسطة بين هذين حتى يأتيه الأمر من أمير المؤمنين (علیه لسلاملأنه أعرف بما تقتضيه المصلحة . ثم قال له : لا يحملتكم بغضكم لهم على أن تبدؤوهم بالقتال قبل أن تدعوهم إلى الطاعة وتُعْذِرُوا إليهم أي تصيروا ذوي عذر في حربهم . والشَّنآن البغض، بسكون النون وتحريكها .)## اقوال في الحروبوفي الحديث المرفوع:« لا تتمنّوا العدوّ فعسى أن تبتلوا بهم»، ولكن قولوا: «اللهم اكفنا شرّهم، وكفَّ عنّا بأسهم، وإذا جاؤوك يعرفون أو يضجّون فعليكم الأرض جُلوساً، وقولوا : اللهم أنتَ ربَّنا وربُّهم، وبيدك نواصينا ونواصيهم، فإذا غشؤكم فثوروا في وجوههم» (1وكان أبو الدرداء يقول: أيها الناس اعملوا عملاً صالحاً قبل الغزّو، فإنما تقاتلون بأعمالكم .)وأوصى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان حين استعمله فقال : سِرْ على بركة اللّه، فإذا دخلت بلاد العدوّ فكن بعيداً من الحملة، فإنّي لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد، وسر بالأدلاء ولا تقاتل بمجروح، فإن بعضه ليس منه واحترس من البيّات فإن في العرب غرّة، وأقلل من الكلام، فإنّ ما وُعِيَ عنك هو عليك، وإذا أتاك كتابي فأمضه، فإنما أعمل على حسب إنفاذه، وإذا قدم عليك وفود العجم فأنزلهم معظم عسكرك، وأسبغ عليهم من النفقة، وامنع الناس من محادثتهم ليخرجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين ،ولا تلحنّ في عقوبة فإن أدناها وجيعة ولا تُسرعنّ إليها وأنت تكتفي بغيرها، وأقبل من الناس علانيتهم، وكلهم إلى اللّه في سريرتهم، ولا تعرض عسكرك فتفضحه، وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه .وأوصى أبو بكر أيضاً عكرمة بن أبي جهل حين وجهه إلى عُمَانَ فقال : سر على اسم اللّه ، ولا تنزلنّ على مستأمن، وقدم النَّذير بين يديك، ومهما قلت إني فاعل فافعله، ولا تجعلنّ قولك لغواً في عقوبة ولا عفو، فلا تُرجَى إذا أمنت ، ولا تخاف إذا خوّفت. وانظر متى تقول ومتى تفعل، وما تقول وما تفعل ولا تتوعدّن في معصية بأكثر من عقوبتها، فإنك إن فعلت أيمت، وإن تركت كذبت واتق اللّه ، وإذا لقيت فاصبر .
1) أخرج نحوه عبد الرزاق في المصنف) (9513) ، وسعيد بن منصور في السنن» (2519).
ولما ولى يزيد بن معاويةَ سَلم بن زياد خُراسان قال له: إنّ أباك كفي أخاه عظيماً، وقد استكفيتك صغيراً، فلا تتكلن على عذر منّي، فقد اتكلت على كفاية منك، وإياك منّي من قبل أن أقول: إيّاكَ منك، واعلم أن الظّن إذا أخلف منك أخلف فيك، وأنت في أدنى حظك، فاطلب أقصاه، وقد تبعك أبوك، فلا تريحنّ نفسك، واذكر في يومك أحاديث غَدِك .وقال بعض الحكماء : ينبغي للأمير أن يكون له ستة أشياء : وزير يثق به، ويفشي إليه سِرّه، وحصنّ إذا لجأ إليه عصمه - يعني فرساً - وسيف إذا نزل به الأقران لم يخف نبوَتَه ، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة وجدها - يعني جوهراً - وطبّاخ إذا أقرى من الطعام صَنَع له ما يهيج شهوته ، وامرأة جميلة إذا دخل أذهبت همّه. في الحديث المرفوع : خيرُ الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة ،وخير الجيوش أربعة آلاف ،ولن يُغلب اثنا عشر ألفاً من قلّة إذا اجتمعت كَلِمتُهم .كان يقال : ثلاثة من كن فيه لم يُفلح في الحرب ،البغي، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أنفُسِكُم (1)، والمكر السيىء، قال سبحانه: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّنُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) (2). والنكث ، قال تعالى: ﴿فَمَن نَّكَتَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ)(3)يقال : خرجت خارجةً بخراسان على قتيبة بن مسلم؛ فأهمّه ذلك، فقيل : ما يَهمُك منهم ! وجه إليهم وكيع بن أبي أسود يكفيك أمرهم فقال : لا أوجهه، وإنّ وكيعاً رجل فيه كبر، وعنده بغي، يحقر أعداءه، ومن كان هكذا قلت مبالاته بخضمه فلم يحترس، فوجد عدوه فيه غرّةً، فأوقع به .)وفي بعض كتب الفُرْس : إنّ بعض ملوكهم سأل: أي مكايد الحزب أحزم؟ فقال: إذكاء العيون، واستطلاع الأخبار، وإظهار القوة والسرور والغلبة، وإماتة الفرق، والاحتراس من البطانة من غير إقصاء لمن ينصح ،ولا انتصاح لمن يغشّ ،وكتمان السر، وإعطاء المبلّغين على الصّدق، ومعاقبة المتصولين بالكّذب ،وألا تُخرج هارباً فتخوجه إلى القتال، ولا تضيق أماناً على مستأمن، ولا تُدهشنّك الغنيمة عن المجاوزة. وفي بعض كُتُب الهند : ينبغي للعاقل أن يحذّر عدوّه المحاربَ على كلّ حال، يرهَب منه المواثبة إنْ قَرُب، والغارة إن بَعُد ، والكَمين إن انكشف ،والاستطراد إن ولّى، والمكر إن رآه وحيداً. وينبغي أن يؤخّر القتال ما وجد بُدَّاً ، فإن النفقة عليه من الأنفس، وعلى غيره من المال.
## ومن الکتاب له (علیه السلامالی امیرین من الامراءجیشه)الأصل: وَقَدْ أَمَرْتُ عَلَيْكُما وَعَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُما مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ، فَاسْمَعَا لَهُ وَأَطِيعًا ، وَاجْعَلاهُ دِرْعاً وَمِجَنَّاً،فَإِنَّهُ مِمَّنْ لا يُخَافُ وَهْتُهُ وَلا سَقْطَتُهُ، وَلا بُطْؤُهُ عَمَّا الْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ ، وَلا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطْهُ عَنْهُ أَمْثَلُ .الشرح: هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن خُزيمة بن سعد بن بن مالك بن النَّخَعَ بن عمرو بن عُلَة بن خالد بن مالك بن أدد . وكان فارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشّيعة وعُظمائها ، شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين(علیه السلام ونصره، وقال فيه بعد موته : رحم الله مالكاً ، فلقد كان لي كما كنتُ لرسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) !)ولما قنت علي(علیه السلام على خمسة ولعنهم وهم: معاوية ،وعمرو بن العاص، وأبو الأعور السُّلَميّ، وحبيب بن مسلمة، ويُسرُ بنُ أرطاة، قَنَت معاوية على خمسة، وهم: علي ،والحَسَن، والحُسين - عليهم السلام - وعبد الله بن العباس ،والأشتر، ولعنهم. وقد روي أنه قال لما ولّى (عليه السلام) بني العباس على الحجاز واليمن والعراق: فلماذا قتلنا الشيخ بالأمس! وإن علياً (علیه السلام) لمّا بلغته هذه الكلمة أحضَرَه ولاطفه واعتذر إليه وقال له : فهل ولّيتُ حَسَناً أو حسيناً أو أحداً من وَلَد جعفر أخي، أو عقيلاً أو واحداً من ولدها !وإنما وليت ولد عمي العباس، لأنّي سمعت العبّاس يطلب من رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) الإمارة مراراً، فقال له رسول اللّه(صلی الّله علیه واله) : يا عم ، إن الإمارة إن طلبتها وكلت إليها، وإن طلبتك أعنت عليها (1)ورأيتُ بَنِيه في أيام عمر وعثمانَ يَجدون في أنفسهم إذ ولى غيرهم من أبناء الطلَقَاء ولم يول أحداً منهم، فأحببت أن أصل رَحِمَهم، وأزيل ما كان في أنفسهم، وبعد فإن علمت أحداً أبناء الظُّلَقاء هو خير منهم فأتني به، فخرج الأشتر وقد زال ما في نفسه .)وقد رَوَى المحدّثون حديثاً يدلّ على فضيلة عظيمة للأشْتَر رحمه اللّه ،وهي شهادةً قاطعةً من النبي (صلی اللّه علیه واله بأنه مؤمن روى هذا الحديث أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» في حرف الجيم، في باب «جُندب» قال أبو عمر : لما حضرت أبا ذرّ الوفاة وهو بالرَّبَذة بكت زوجته أم ذرّ، فقال لها : ما يُبكيك؟ فقالت : ما لي لا أبكي وأنت تموت بفَلاةٍ من الأرض، وليس عندك ثوبّ يسعك كَفَناً، ولا بدّ لي من القيام)
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 176/42 .
بجهازك ! فقال : أبشري ولا تبكي ،فإنّي سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله يقول: «لا يموت بين امرتين مُسلمين وَلَدان أو ثلاثة، فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبداً» (1)، وقد مات لنا ثلاثة من الولد . وسمعتُ أيضاً رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول لنفر أنا فيهم :«ليموتَنّ أحدكم بفَلاةٍ من الأرض يَشَهده عصابة من المؤمنين» ، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة فأنا - لا أشك - ذلك الرجل ، واللّه ما كَذَّبتُ ولا كُذّبت ،فانظري الطريق. قالت أم ذرّ: فقلتُ أنَّى وقد ذهب الحاجّ وتقطّعت الطُّرق ! فقال : اذهبي فتبصري .قالت :فكنت أشتدّ إلى الكثيب، فأصعد فأَنظُر ، ثم أرجع إليه فأُمرّضه، فبينا أنا وهو على هذه الحال إذ أنا برجال عَلَى ركابهم كأنّهم الرَّخم تَخُبُّ بهم ،رواحِلُهم، فأسرعوا إلي حتى وقفوا عليّ وقالوا : يا أمَةَ اللّه، ما لك؟ فقلتُ : امرُؤ من المسلمين يموت تكفّنونه؟ قالوا: ومن هو ؟ قلتُ: أبو ذَرّ، قالوا : صاحب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ؟ قلت : نعم، فقدّوه بآبائهم وأمهاتهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم : أبشروا فإنّي سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يقول لنفر أنا فيهم :«ليموتَنّ رجل منكم بفَلاةٍ من الأرض تشهده عِصابةٌ من المؤمنين» (2)، وليس من أولئك النفر إلّا وقد هلك في قرية وجماعة، واللّه ما كذبت ولا كذَّبت ولو كان عندي ثوب يَسعُني كفناً لي أو لامرأتي لم أكفن إلّا في ثوب لي أو لها، وإني أنشدكم اللّه ألّا يكفّنني رجل منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً أو نقيباً ! قالت: وليس في أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال! إلا فنّى من الأنصار قال له : أنا أكفّنك يا عم في ردائي هذا، وفي ثوبين معي في عَيْبَتي من غَزْلِ أُمّي، فقال أبو ذرّ : أنت تكفنني، فمات فكَفْنه الأنصاري وغَسّله النفرُ الذين حضروه وقاموا عليه ودفّنوه في نفر كلّهم يمان. روى أبو عمر بن عبد البرُّ قبل أن يروي هذا الحديث في أول باب جُندَب: كان النفرُ الذين حضروا موت أبي ذرّ بالربذة مصادفة جماعة منهم حُجر بن الأذبَر، ومالك بن الحارث الأشتر.)قلت: حجر بن الأذبَر هو حجر بن عدي الذي قتله معاوية، وهو من أعلام الشيعة وعظمائها، وأما الأشتر فهو أشهر في الشيعة من أبي الهذيل في المعتزلة . قرىء كتاب «الاستيعاب» على شيخنا عبد الوهاب بن سكينة المحدّث وأنا حاضر، فلمّا انتهى القارىء إلى هذا الخبر قال أستاذي عمر بن عبد اللّه الدبّاس - وكنت أحضر معه سَماعَ الحديث - : لتقل الشيعة بعد هذا ما شاءت ،فما قال المرتضى والمفيد إلّا بعض ما كانَ حُجر والأشتر يعتقدانِه في عثمان ومن تقدّمه، فأشار الشيخ إليه بالسكوت فسكّت.
وذكرنا آثار الأشتر ومقاماته بصفّين فيما سبق. والأشتر هو الذي عانق عبد الله بن الزبير يومَ الجَمَل فاصطرعا على ظهر فرسَيهما حتى وقعا في الأرض، فجعل عبد اللّه يصرخُ من تحته :اقتُلُوني ومالِكاً ! فلم يُعلم من الذي يعنيه لشدة الاختلاط وثَوران النقع، فلو قال: اقتلوني والأشْتَر لقُتِلا جميعاً، فلما افترقا قال الأشتر :أعَائش لولا أنني كنتُ طاوياً *** ثلاثاً لألفيت ابن أختك مالكاغداةَ يُنَادِي والرماح تنوشه ***گوقع الصياصي (1اقتلوني ومَالِكا)فنجّاء منّي شبعه وشبابه *** وأني شيخ لم أكن متماسكاويقال : إن عائشةَ فقدت عبد اللّه فسألت عنه، فقيل لها :عهدنا به وهو معانق للأشتر، فقالت : والكُل أَسْماء! ومات الأشتر في سنة تسع وثلاثين متوجهاً إلى مصر والياً عليها لعلّي(علیه السلام. قيل : سُقي سُمّاً ، وقيل : إنه لم يصحّ ذلك، وإنما مات حَتْفَ أنفه. فأما ثناء أمير المؤمنين(علیه السلام) عليه في هذا الفضل فقد بلغ مع اختصاره ما لا يبلغ بالكلام الطويل، ولعمري لقد كان الأشتر أهلاً لذلك، كان شديد البأس، جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعراً، وكان يجمع بين اللين والعُنُف، فيسطُو في موضع السُطّوة، ويرفق في موضع الرفق .)## أقوال لبعض القادةومن كلام عمر : إن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عُنف، ولين في غير ضعف ،وكان أنوِ شَرْوانَ إذا ولّى رجلاً أمرالكاتب أن يَدَع في العَهْد موضع ثلاثة أسطر ليوقع فيها بخطه،فإذا أتي بالعهد وقّع فيه : سُس خيار الناس بالمودّة، وسفلتهم بالإخافة، وامزج العامة رهبةٌ برَغْبة.وقال عمرُ بنُ عبد العزيز:إني لأهم أن أخرج للناس أمراً من العدل، فأخافُ الا تحتمله قلوبهم، فأخرج معه طمعاً من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوبُ من ذاك سكنتُ إلى هذا . وقال معاوية : إنّي لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شَعْرةً ما انقطعت. فقيل :كيف؟ قال : إذا مدّوها خَلّيتُها ، وإذا خَلَّوْها مددتها .
1) الصياصي : جمع صيصة وهي شوكة الحائل التي يسوى بها السداة واللحمة اللسان، مادة :(صيص).
وقال الشعبي في معاوية : كان كالجمل الطّلب. إذا سكت عنه تقدّم، وإذا رُدّ تأخر . وقال ليزيد ابنه : قد تبلغ بالوعيد ما لا تبلغ بالإيقاع، وإياك والقتل، فإن اللّه قاتل القتّالين. وأغلّظ له رجل فحلّم عنه، فقيل له : أتحلم عن هذا؟ قال: إنا لا نحول بين الناس وألسنتهم ما لم يَحولُوا بيننا وبين سلطاننا .وفخر سليم مولّى زياد عند معاوية بن زياد، فقال معاوية : اسكت ويُحك فما أدرك صاحبك سَيْفه شيئاً قط إلّا وقد أدركتُ أكثر منه بلساني.وقال الوليد بن عبد الملك لأبيه : ما السّياسة يا أبت؟ قال : هيبة الخاصة لك، مع صدق مودّتها، واقتيادك قلوب العامّة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع .وقد جمع أمير المؤمنين (علیه السلامأصناف الثّناء والمدح ما فَرّقه هؤلاء في كلماتهم بكلمة واحدة قالها في الأشتر، وهي قوله : لا يخاف بُطْؤُهُ عمّا الإسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل. قوله(علیه السلام):«وعلى من في حيز كما» أي في ناحيتكما . والمجنّ: التّرس والوهن: الضعف. والسّقطة: الغلطة والخطأ. وهذا الرأي أحزم من هذا، أي أدخل في باب الحزم والاحتياط، وهذا أمثل من هذا أي أفضل.)## ومن وصية له العسكره بصفين قبل لقاء العدوّالأصل: لا تُقَاتِلُونَهُمْ حَتَّى يَبْدَرُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ الله عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يبدؤوكُمْ حُجةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بإذن الله فَلا تَقْتُلُوا مُدْبراً ، وَلاتُصِيبُوا مُغوِراً، وَلا تُجهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلا تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالْأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ المَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ، فَيُعَبِّر بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْبَعْدِهِ.
الشرح نهى أصحابه عن البغي والابتداء بالحرب، وقد رُوي عنه أنه قال : ما نُصرت على الأقران الذين قتلتهم إلا لأني ما ابتدأتُ بالمبارزة ونهى – إذا وقعت الهزيمة - عن قتل المدبر، والإجهاز على الجريح، وهو إتمام قتله. قوله(علیه السلام :«ولا تصيبوا معوراً» هو من يعتصم منك في الحرب بإظهار عورته لتكف عنه ، ويجوز أن يكون المعور ها هنا المريب الذي يظنّ أنه من القوم وأنه حَضَر للحرب وليس منهم، لأنه حضر لأمر آخر. قوله(علیه السلام): ولا تُهيجوا النساء بأذى»، أي لا تحرّكوهن.)والفهرُ : الحجَر، والهراوة: العصا. وعطف «وعقبه» على الضمير المستكنّ المرفوع في «فيعّير» ولم يؤكد للفضل بقوله : بها ، كقوله تعالى: «مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا »،(1لما فَصَل بلا عطف ولم يحتج إلى تأكيد .)## نبذ من الأقوال الحكيمةومما ورد في الشعر في هذا المعنى قول الشاعر.إنَّ مِنْ أعظم الكبائر عندي *** قتلُ بيضاءَ حُرّة عُظبُولِ (2)كُتبَ القتل والقتال علينا *** وعلى المحصَناتِ جَرُّ الذيولوقالت امرأة عبد الله بنِ خَلَف الخُزاعي بالبصرة لعلي (علیه السلامبعد ظفره – وقد مرّ ببابها : يا علي، يا قاتلَ الأحبّة، لا مرحباً بك ! أيتم اللّه منك ولدك كما أيتمت بني عبد اللّه خَلَف! فلم يرُدَّ عليها، ولكنّه وقف وأشار إلى ناحية من دارها، ففهمت إشارته، فسكتت وأنصرفت. وكانت قد سترتُ عندها عبد اللّه بن الزُبير ومروان بن الحكم، فأشار إلى الموضع الذي كانا فيه ،أي لو شئت أخرجتُهما ! فلما فهمت انصرفَتْ ، وكان(علیه السلام) حليماً كريماً .)وكان عمر بن الخطاب إذا بعثَ أمراء الجيوش يقول : بسم اللّه، وعلى عَوْن اللّه وبركته، فامضوا بتأييد اللّه ونصره. أوصيكم بتقوى اللّه، ولزوم الحقّ والصبّر، فقاتلوا في سبيل اللّه من كَفَر باللّه ولا تَعتَدُوا إن اللّه لا يحبُّ المُعتدين. ولا تجبنّوا عند اللقاء، ولا تُمثلوا عند الغارة، ولا تُسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرماً ولا امرأة، ولا وليداً ، وتَوَفَّوا أن تطؤوا هؤلاء عند التقاء الزَّحْفَين وعند حمة النّهضات وفي شَنّ الغارات، ولا تغلوا عند الغنائم، ونَزّهوا الجهاد عن غرض الدنيا، وأبشروا بالأرباح في البيع الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم.
واستشار قومٌ أكثمَ بنَ صَيْفي في حرب قوم أرادوهم وسألوه أن يُوصِيَهم، فقال: أقلوا الخلاف على أمرائكم، واثبتوا ، فإن أحزم الفريقين الرّكين، ورُبِّ عَجَلة تهب رَيْئاً . وكان قيس بن عاصم المنقريّ إذا غَزَا شَهِد معه الحرب ثلاثون من ولده يقول لهم : إياكم والبغي، فإنه ما بَغى قوم قطّ إلا ذَلّوا ، قالوا : فكان الرجلُ من ولدهِ يُظْلَم فلا ينتصف مخافةَ الذلّ . قال أبو بكر يومَ حُنَين : لن تُغلب اليوم من قلّة - وكانوا اثني عشر ألفاً - فهزموا يومئذ هزيمة قبيحة، وأنزل اللّه تعالى قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثَرْتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا .(1)وكان يقال : لا ظَفَر مع بَغْي، ولا صحة مع نَهم، ولا ثناء مع كبر، ولا سُؤدُدَ مع شُح.)## قصة فيروز بن يزدجرد بن بهرامومن الكلمات المستحسنة في سوء عاقبة البَغْي ما ذكره ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار » (2أن فيروز بن يزدجرد بن بهرام لما مَلَك سار بجنوده نحو بلاد الهياطلة، فلما انتهى إليهم اشتدّ رعب ملكهم أخشنوارمنه وحذره، فناظر أصحابه ووزراءه في أمره فقال رجل منهم : أعطِني مَوْثقاً من اللّه وعَهْداً تطمئن إليه نفسي أن تكفيني الغمّ بأمر أهلي وولدي، وأن تُحسِن إليهم، وتخلفني فيهم، ثم اقطع يديَّ ورجُليَّ وألْقِني في طريق فيروز حتى يمر بي هو وأصحابه، وأنا أكفيك أمرهم، وأورّطهم مَوْرِطاً تكون فيه هَلَكَتهم. فقال له أخشنوار، وما الذي تنتفع ! سلامتنا وصلاح حالنا إذا أنتَ هلكت ولم تشركنا في ذلك! فقال : إنّي قد بلغتُ ما كنتُ أحِبّ أن أبلغ من الدنيا، وأنا موقن أن الموت لا بد منه، وإن تأخر أياماً قليلةً، فأحِبُّ أن أختم عملي بأفضل ما يُختم به الأعمال من النصيحة بسلطاني، والنّكاية في عدوّي، فيَشرُف بذلك عقبي، وأصيب سعادة وحظوةً فيما أمامي .)ففعل أخشنوار به ذلك، وحَمَله فألقاه في الموضع الذي أشار إليه، فمر به فيروز في جنوده، فسأله عن حاله، فأخبره أنّ أخشنوار فعل به ما يَرَاء وأنّه شديد الأسف، كيف لا يستطيع أن يكون أمام الجيش في غزو بلادِه وتخريب مدينته، ولكنه سيدُل الملك على طريق هو أقرب من هذا الطريق الذي يريدون سلوكه وأخفى، فلا يشعر أخشنوار حتى يهجم عليه فينتقم اللّه منه بكم، وليس في هذا الطريق من المكروه إلّا تغوّر يومين، ثم تُفْضُون إلى كلّ ما تُحِبّون.
فقيل فيروز قوله بعد أن أشار إليه وزراؤه بالاتهام له، والحذر منه ، [ وبغير ذلك]. فخالفهم وسلك تلك الطريق، فانتهوا بعد يومين إلى موضع من المفازة لا صَدَرَ لهم عنه، ولا ماء معهم، ولا بين أيديهم، وتبين لهم أنهم قد خُدِعوا، فتفرقوا في تلك المفازة يميناً وشمالاً يلتمسون الماء، فقتل العطش أكثرهم ، ولم يَسلَّم مع فيروز إلا عدّة يسيرة، فانتهى إليهم أخشنوار بجيشه، فواقعهم في تلك الحال التي هم فيها من القلّة والضُّرّ والجهد، فاستمكّنوا منهم، بعد أن أعظموا النكاية فيهم .وأسر فيروز، فرغب أخشنوار أن يمن عليه وعلى من بقي من أصحابه على أن يجعل له عهد اللّه ، وميثاقه، ألا يغزوهم أبداً ما بقي وعلى أن يَحُدّ فيما بينه وبين مملكتهم حَدًّا لا يتجاوزه جنوده . فرضي أخشنوار بذلك، فخلى سبيله، وجعلا بين المملكتين حجراً لا يتجاوزه كل واحد منهما . فمكث فيروز بُرهة من دهره، ثم حمله الأنف على أن يعود لغزو الهياطلة، ودعا أصحابه إلى ذلك، فنهوه عنه، وقالوا : إنَّك قد عاهدته، ونحن نتخوّف عليك عاقبة البغي والغَدْر، مع ما في ذلك من العار وسوء القالة. فقال لهم : إنما اشترطت له ألا أجوز الحجر الذي جلعناه بيننا، وأنا آمر بالحجر فيحمل أمامنا على عجل .فقالوا : أيها الملك ،إن العهود والمواثيق التي يتعاطاها النّاسُ بينهم لا تُحمل على ما يسره المعطي لها، ولكن على ما يعلن به المعطى إيَّاها ،وإنّما جلعت عهد اللّه وميثاقه على الأمر الذي عرّفه، لا على الأمر الذي لم يخطر له ببال .فأبى فيروز ومضى في غزوته حتى انتهى إلى الهياطلة، وتصاف الفريقان للقتال .فأرسل أخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صَفَّيْهم، فخرج إليه، فقال له أخشنوار: إنِّي قد ظننتُ أنه لم يدعُكَ إلى مُقامِك هذا إلا الأنف ممّا أصابك ،ولعمري إن كنا قد احتلنا لك بما رأيت لقد كنت التمست منا أعظم منه، وما ابتدأناك ببغي ولا ظلم، وما أردنا إلا دفعك أنفسنا وحريمنا، ولقد كنتَ جديراً أن تكون من سوء مكافأتنا بمننا عليك وعلى من معک ،ومن نقض العهد والميثاق الذي أكدته على نفسك أعظم أنفاً، وأشَدَّ امتعاضاً مما نالك منّا، فإنا أطلقناكم وأنتم أسارى، ومننا عليكم وأنتم عَلَى الهَلَكة مُشرفون، وحَقَنَّا دماءَكم ولنا عَلَى سَفْكِها قدرة. وإنا لم نخبرك عَلَى ما شرطت لنا ، بل كنتَ أنتَ الراغب إلينا فيه، والمريد لنا عليه، ففكّر في ذلك، وميز بين هذين الأمرين فانظر أيهما أشدّ عاراً، وأقبح سماعاً، إن طلب رجل أمراً فلم يقدِر له ولم ينجح في طلبته وسَلَك سبيلاً فلم يظفر فيه ببغيته، واستمكن منه عدوّه على حال جَهْد وضَيْعة منه وممّن هم معه .
فمنّ عليهم وأطلقهم على شرط، شَرَطُوه وأمر اصطلحوا عليه، فاصطبر بمكروه القضاء، واستحيا من الغَدْر والنَّكْث أن يقال : نَقَضَ العهد وأخفَرَ المِيثاق، مع أني قد ظننت أنه يزيدك لجاجة ما تثق به من كثرة جنودِك، وما ترى من حسن ،عُدّتهم وما أجدني أشك أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم ، عارفون بأنك قد حملتهم عَلَى غير الحق، ودعوتهم إلى ما يُسخط اللّه ، وأنهم في حربنا غير مستبصرين، نيّاتهم عَلَى مناصحتك مدخولة . فانظر ما قَدْر غَناء من يُقاتل عَلَى هذه الحال ،وما عسى أن يبلغ نكايته في عدوّه، إذا كان عارفاً بأنه إن ظفر فمع عار، وإن قُتِل فإلى النار! وأنا أذكرك اللّه الذي جعلته على نفسك كفيلاً ، وأذكرك نعمتي عليك وعلى مَنْ معك، بعد يأسكم من الحياة، وإشفائكم على الممات، وأدعوك إلى ما فيه حَظِّك ورُشْدُك من الوفاء بالعهد، والاقتداء بآبائك وأسلافك الذين مضوا عَلَى ذلك في كلّ ما أحبوه وكرهوه، فأحمدوا عواقبه وحسن عليهم أثره .ذلك فإنّك لستَ عَلَى ثقة من الظفر بنا، وبلوغ نُهمتك فينا، وإنما تلتمس أمراً يلتمس منك مثله، وتنادي عدوا لعلّه يمنح النصر عليك ،فاقبل هذه النصحية فقد بالغتُ في الاحتجاج عليك، وتقدّمتُ بالإعذار إليك، ونحن نستظهر باللّه الذي اعتَذَرْنا إليه، ووثقنا بما جعلت لنا من عهده إذا استظهرت بكثرة جنودِك، وازدَهَتْك عِدّة أصحابك، فدونك هذه النصيحة، فباللّه ما كان أحد من أصحابك يبالغ لك أكثر منها، ولا يزيدك عليها، ولا يحرمنك منفعتها مخرجها مني، فإنه ليس يُزري بالمنافع والمصالح عند ذوي الآراء صُدورها عن الأعداء، كما لا تَحسُن المضار أن تكون على أيدي الأصدقاء. واعلم أنه ليس يدعوني إلى ما تسمع من مخاطبتي إيّاك ضعف من نفسي، ولا من قلة جنودي، ولكني أحببت أن أزداد بذلك حجّةً واستظهاراً ، فازداد به للنصر والمَعُونة من اللّه استيجاباً، ولا أوثر عَلَى العافية والسلامة شيئاً ما وجدتُ إليهما سبيلاً .فقال فیروز لستُ من يردعه عن الأمر يُهمّ به الوعيد ،ولا يصده التهدد والترهيب، ولو كنتُ أرَى ما أطلب غَدْراً منى، إذاً ما كان أحدٌ أنظر ولا أشدّ إبقاءً مني على نفسي، وقد يعلم اللّه أني لم أجعل لك العهد والميثاق إلّا بما أضمرتُ في نفسي، فلا يغرنّك الحال التي كنتَ صادفتنا عليها من القِلّة والجهد والضَّعف .فقال أخشنوار: لا يغرنّك ما تخدع به نفسَك من حَمْلِك الحجر أمامك، فإنَّ الناس لو كانوا يُعطون العهود على ما تَصِف من إسرارِ أمرٍ وإعلانِ آخر، إذاً ما كان ينبغي لأحد أن يغتر بأمان، أو يثق بعَهْد! وإذا ما قبل الناس شيئاً مما كانوا يعطون من ذلك، ولكنه وضع على العلانية ،وعلى نية من تعقد له العهود والشروط. ثم انصرف فقال فيروز لأصحابه : لقد كان أخشنوار
حَسَن المحاورة، وما رأيتُ للفَرَس الذي كان تحته نظيراً في الدّوابّ، فإنه لم يُزل قوائمه، ولم يرفع حوافره عن موضعها، ولا صهل، ولا أحَدَث شيئاً يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا . وقال أخشنوار لأصحابه : لقد وافقت فيروز كما رأيتم وعليه السلاح كلّه، فلم يتحرّك، ولم ينزع رجله من ركابه، ولا حَنّى ظهره، ولا التفت يميناً ولا شمالاً، ولقد تورّكت أنا مراراً ، وتمطّيت على فرسي ،والتفت إلى مَن خَلْفي، ومددتُ بصري فيما أمامي، وهو منتصب ساكن على حاله، ولولا محاورته إيَّاي لظننت أنه لا يبصرني. وإنما أراد بما وصفنا من ذلك أن يُنشر هذان الحديثان في أهل عسكرهما فيشتغلوا بالإفاضة فيهما، عن النظر فيما تذاكرا .فلما كان في اليوم الثاني أخرج أخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز ،ونصبها على رمح ليراها أهلُ عسكر فيروز فيعرفوا غذره وبغيّه، ويخرجوا من متابعته على هواه، فما هو إلا أن رأوها ، حتى انتقض عسكرهم واختلفوا، وما تلبّثوا إلا يسيراً حتى انهزموا، وقُتِل منهم خلق كثير، وهلك فيروز، فقال أخشنوار: لقد صدق الذي قال : لا مردّ لما قدر ولا شيء أشدّ إحالة لمنافع الرأي من الهوى واللّجاج، ولا أضيع من نصيحة يُمنحها من لا يوطّن نفسه على قبولها، والصّبر على مكروهها، ولا أسرع عقوبة وأسوأ عاقبة من البغي والغَدْر، ولا أجلب لعظيم العارِ والفضوح من الأنف وإفراط العجب .## وكان(علیه السلام يقول إذا لقي العدو محارباً)الأصل: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ، وَمُدَّتِ الأَعْنَاقُ، وَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ، وَنُقِلَتِ الْأَقْدَامُ، وَأَنْضِيَتِ الْأَبْدَانُ. اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْنُونُ الشَّنَآنِ، وَجَاشَتْ مَرَاجِلُ الْأَضْغَانِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا ، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا ، وَتَشَتَّتَ أَهْوَائِنَا . رَبَّنَا أَفْتَحَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.الشرح: أفضت القلوب : أي دَنَت وقَرُبَت، ومنه أفضى الرّجلُ إلى امرأته أي غَشيها ، ويجوز أن يكون «أفضت» أي بسرّها ، فحذف المفعول. وأنضيت الأبدان : هَزُلت، ومنه النضو، وهو البعير المهزول. وصَرَّح : انكشف والشنآن البغضة.
وجاشت تحركت واضطربت .والمرّاجل : جمع مِرْجل، وهي القدر. والأضغان: الأحقاد واحدها ضغن. وأخذ سَدِيف مولى المنصور هذه اللفظة فكان يقول في دعائه: اللهم إنا نشكو إليك غيبةنبيّنا وتشتّت أهوائنا، وما شملنا من زَيْغ الفِتَن، واستولى علينا من غَشْوة الحيرة حتى عاد فينا دولة بعد القسمة. وإمارتنا غلبة بعد المشورة، وعدنا ميراثاً بعد الاختيار للأمّة، واشتريت الملاهي والمعازف بمال اليتيم والأرملة، ورَعَى في مالِ اللّه من لا يَرَعَى له حرمة، وحكم في أبشار المؤمنين أهل الذمّة، وتولى القيام بأمورهم فاسقُ كلّ محلّة، فلا ذائدَ يذودُهم عن هلكة، ولا راع ينظر إليهم بعين رحمة، ولا ذو شَفَقة يُشبع الكبد الحرّى من مَسْغَبَة، فهم أولو ضَرَع وفاقة، وأسراء فَقْر ومسكنة، وحُلفاء كآبة وذلة . اللهمّ وقد استحصد زرع الباطل وبلغ نهايته ، واستَحْكم عموده، واستَجمَع طَرِيدُه ، وحذف وليده ،وضَرَب بجرانه، فأتخ له من الحق يداً حاصدة، تجد سَنامه، وتهشم سُوقَه، وتَصرَع قائمه ،ليستخفي الباطل بقبح حِلْيَته، ويظهر الحق بحُسن صورته .ووُجدت هذه الألفاظ في دعاء منسوب إلى علي بن الحسين زين العابدين(علیه السلام ، ولعلّه من كلامه، وقد كان سَدِيفَ يَدْعُو به)## وكان يقول (علیه السلاملأصحابه عند الحرب)الأصل: لا تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ، وَلا جَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ، وَأَعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقَهَا ، وَوَطنُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا ، واذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِي، وَالضَّرْبِ الطلخفِي، وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإنهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ. وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَسْلَمُوا وَلَكِن أَسْتَسْلَمُوا، وَأَسَرُوا الْكُفْرَ ، فَلَمَّا وَجَدُوا أَهْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ .الشرح قال : لا تستصعبوا فَرَّةٌ تفرُّونها بعدها كرّة ،تجبُرون بها ما تكسر من حالكم، وإنمّا الذي ينبغي لكم أن تستضعبوه فَرّة لا كَرّةَ بعدها، وهذا حَضُّ لهم على أن يكروا ويعودوا إلى الحرب إن وقعت عليهم كسرة. ومثله قوله :«ولا جَوْلةٌ بعدَهَا حملة»، والجولة : هزيمة قريبة ليست بالممعنة.
واذمُرُوا أنفسكم، مِن ذمَره على كذا أي حضّه عليه. والطّعن الدُّغسي:الذي يُخشى به أجواف الأعداء، وأصل الدَّعْس الحشو، دَعسْتُ الوعاء : حشوته . وضرب طِلَحْفي، بكسر الطاء وفتح اللام، أي شديد، واللام زائدة. ثم أمَرَهم بإماتة الأصوات لأنّ شِدّة الضوضاء في الحرب أمارة الخوف والوجَل . ثم أقسم أن معاوية وعَمْراً ومن والاهما من قريش ما أسلموا ولكن استَسلَموا خوفاً من السيف ونافَقُوا ، فلمّا قدروا على إظهار ما في أنفسهم أظهروه، وهذا يدل على أنّه(علیه السلام جعل محاربتهم له كفراً . وقد تقدّم في شرح حال معاوية وما يذكره كثير من أصحابنا من فساد عقيدته ما فيه كفاية .)## أقوال أخر في الحربوأوصى أكثمُ بنُ صَيْقي قوماً نَهَضوا إلى الحرب فقال : ابرزُوا للحرب، وادرعوا اللّيل، فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف، واعلموا أن كثرة الصيّاح من الفَشَل، والمرء يعجز لا محالة.وسمعَتْ عائشة يوم الجمل أصحابها يُكبرون، فقالت : لا تكبّروا ها هنا، فإنّ كثرة التكبير عند القتال من الفَشَل.وقال بعض السّلَف : قد جم جمع اللّه أدب الحزب في قوله تعالى: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَفْتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَتَزَعُوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ (1الآيتين . وقال عُتبة بن ربيعة لقريش يومَ بدر: ألا ترونهم - يعني أصحاب النبّي(صلی اللّه علیه واله) - جُنيَّاً على الرُّكب ، يتلمظّون تلمّظ الحيات! وأوصى عبد الملك بنُ صالح أميرَ سَرِيّة بعثها، فقال: أنت تاجر اللُه لعباده، فكُن كالمضارب الكيس الذي إن وَجَد ربحاً تجر، وإلا احتفظ برأس المال، ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة، وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذراً من احتيال عدوّك عليك .)وفي الحديث المرفوع أنه (صلی اللّه علیه والهقال لزيد بن حارثة : لا تُشقِ جيْشَك، فإن اللّه تعالى ينصرُ القوم بأضعفهم (2))
وقال ابن عباس - وذكر عليا (علیه السلام- : ما رأيتُ رئيساً يُوزَن ،به، لقد رأيته يومَ صفّين وكأن عينيه سراجا سليط وهو يحمس أصحابه إلى أن انتهى إليّ وأنا في كَنَف فقال : يامعشرالمسلمين، استشعروا الخشية، وتجلببُوا السكينة، وأكملوا اللأمة .(1)الفصل المذكور فيما تقدّم .)## ومن كتاب له إلى معاوية جواباً عن كتاب منه إليهالأصل: وَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ، فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لأَعْطِيكَ اليومَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ . وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ أَكلَتِ الْعَرَبَ إِلَّا حُشَاشَاتِ أَنْفُسِ بَقِيَتْ، أَلا وَمَنْ أَكَلَهُ الْحَقُّ فَإلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَكَلَهُ الْبَاطِلُ فَإِلَى النَّارِ . وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْحَرْبِ وَالرِّجَالِ، فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكُ مِنِّي عَلَى الْيَقِين، وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ .وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَكَذَلِكَ نَحْنُ ، وَلَكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةٌ كَهَاشِمٍ، وَلَا حَرْبٌ كَعَبْدِ المُطَّلِبِ، وَلا أَبُو سُفْيَانَ كأَبِي طَالِبٍ، وَلا المُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ، وَلَا الصَّرِّيحُ كَالنَّصِيقِ، وَلا الْمُحِقُ كَالْمُبْطِلِ، وَلا الْمُؤْمِنُ كَالْمُدْهِلِ. وَلَبِئْسَ الْخَلَفٌ خَلَفٌ يَنْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ وَفِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أَذلَلْنَا بِهَا الْعَزِيزَ وَنَعَشْنَا بِهَا الذليل. وَلَمَّا أَدْخَلَ اللّه الْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً ، وَأَسْلَمَتْ لَهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ طَوْعاً وَكَرْهاً ، كُنتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ، إِمَّا رَغْبَةً، وإِمَّا رَهْبَةٌ عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ، وَذَهَبَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ، فَلا تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً ، وَلا عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً وَالسَّلامُ.الشرح : يقال : طلبتُ إلى فلان كذا ، والتقدير طلبتُ كذا راغباً إلى فلان، كما قال تعالى : «فِي تِسعِ ءَایَتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ» (2أي مُرسلاً . ويُروى «إلاّحشاشةَ نَفْسٍ»، بالإفراد، وهو بقيّة الرُّوح في بَدَن المريض.)
وروي :«ألا ومن أكله الحق فإلى النار»، وهذه الرواية أليق من الرواية المذكورة في أكثر الكُتُب ، لأنّ الحق يأكل أهل الباطل، ومَن رَوَى تلك الرواية أضمَر مُضافاً تقديره «أعداء الحق»، ومضافاً آخر تقديره «أعداء الباطل». ويجوز أن يكون من أكله الحقّ فإلى الْجَنّة، أي من أفضى به الحق ونُصرته والقيام دونَه إلى القتل، فإنّ مصيره إلى الجنة، فيسمّى الحقّ لما كانت نُصرتُه كالسبب إلى القَتْل أكلاً لذلك المقتول، وكذلك القولُ في الجانب الآخر . وكان الترتيب يقتضي أن يجعل هاشماً بإزاء عبد شمس ،لأنه أخوه في تُعدد، وكلاهما ولَدُ عبد مناف لصُلبه، وأن يكون أمية بإزاء عبد المطلب، وأن يكون حَرْبٌ بإزاء أبي طالب، وأن يكون أبو سفيان بإزاء أمير المؤمنين(علیه السلام ، لأن كل واحد من هؤلاء في تُعْدُدِ صاحبه، إلّا أنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) لمّا كان في صفين بإزاء معاوية اضطر إلى أن جَعَل هاشماً بإزاء أمية بن عبد شمس.)فإن قلت : فهلّا قال،« ولا أنا كأنت»؟ قلتُ: قبيح أن يقال ذلك، كما لا يقال : السَّيف أمضَى من العصا، بل قبيح به أن يقولها مع أحدٍ من المسلمين كافّة، نعم قد يقولها لا تصريحاً ، بل تعريضاً ، لأنه يرفع نفسه على أن يقيسها بأحد.وها هنا قد عرّض بذلك في قوله :«ولا المهاجِرُ كالطَّليق». فإن قلت : فهل معاوية من الطَّلَقَاء؟ قلت : نعم، كل من دخل عليه رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله مَكَّة عَنْوة بالسيف فملكه ثم مَنَّ عليه عن إسلام أو غير إسلام فهو من الطلقاء ممن لم يُسلم كصَفوان بن أمية، ومن أسلم كمعاوية بن أبي سفيان، وكذلك كلُّ من أُسِرَ في حَرْب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ثم امتن عليه بغداء أو بغير فداء فهو طليق، فممن أمتن عليه بفداءٍ تُسهيل بن عمرو، وممّن امتنٌ عليه بغير فداء أبو عَزّة الجُمحي، وممن امتنّ عليه مُعاوضةً أي أطلق لأنه بإزاء أسير من المسلمين عمرو بن أبي سُفيان بن حَرْب،كلّ هؤلاء معدودون من الطلقاء. فإن قلت : فما معنى قوله :«ولا الصريح كاللصيق»، وهل كان في نسب معاويةَ شُبهة ليقول له هذا ؟)قلتُ : كلّا إنه لم يقصد ذلك، وإنّما أراد الصريحَ بالإسلام واللّصيق في الإسلام، فالصريح فيه هو من أسلم اعتقاداً وإخلاصاً، واللّصيق فيه مَنْ أَسلَم تحتَ السيف أو رغبة في الدنيا، وقد صَرّح بذلك فقال :«كنتم ممّن دخل في هذا الدين إمّا رَغْبةً وإِما رَهْبة». فإن قلت : فما معنى قوله : «ولبئس الخَلَف خَلَفاً يتبع سَلَفاً هَوَى في نار جهنّم»؟ وهل يُعابُ المسلم بأنّ سَلَفه كانوا كُفَّاراً ! قلتُ : نعم، إذا تبع آثَارَ سَلَفِه واحتذى حذوهم، وأمير المؤمنين ما عاب معاوية بأنّ سَلَفه كُفَّار فقط، بل بكونه ،متبعاً لهم .
قوله(علیه السلام:«وفي أيدينا بعد فضل النبوّة» أي إذا فَرَضْنا تَسَاوِيَ الأقدام في مآثِرِ أسلافكم كان في أيدينا بعدُ الفَضلُ عليكم بالنبوة التي نَعَشنا بها الخام، وأخْمَلنا بها النّبيه . قوله(علیه السلام):«على حين فاز أهل السبق»، قال قوم من النُّحاة: «حين» مبني ها هنا عَلَى الفَتْح . وقال قوم: بل منصوب لإضافته إلى الفعل. قوله (علیه السلام):«فلا تجعلن للشيطان فيك نصيباً»، أي لا تستَلْزِم من أفعالك ما يدوم به كونُ الشيطان ضارباً فيك بنَصيب، لأنّه ما كتب إليه هذه الرسالة إلا بعد أن صار للشيطان فيه أوفرنصيب ،وإنّما المراد نهيه عن دوام ذلك واستمراره.)## ما حدث بين علي ومعاوية يوم صفينوذكر نصر بن مزاحم بن بشّار العُقَيلي في كتاب «صِفّين» أن هذا الكتاب كتبه علي(علیه السلام إلى معاوية قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة. قال نصر : أظهر علي(علیه السلام) أنه مُصبَّحَ معاوية ومناجز له، وشاعَ ذلك من قوله . ففَزع أهل الشام لذلك، وانكسرُوا لقوله. وكان معاويةُ بنُ الضحاك بن سُفيان صاحب راية بني سُلَيم مع معاوية مُبغضاً لمعاوية وأهل الشام، وله هوًى مع أهل العراق وعلي بن أبي طالب (علیه السلام)، وكان يكتب بأخبار معاوية إلى عبد اللّه بن الطفيل العامري، وهو مع أهل العراق ،فيخبر بها علياً(علیه السلام) ، فلما شاعت كلمة علي (علیه السلام)وَجِلَ لها أهل الشام، وبعث ابن الضحاك إلى عبد اللّه بن الطفيل : إني قائل شِعْراً أَذعَر به أهل الشام وأرغم به معاوية، وكان معاوية لا يتّهمه، وكان له فضل ونَجْدَة ولسان، فقال لَيْلاً ليستمع أصحابه :)ألا ليت هذا الليل أطبق سَرْمَدا *** علينا وأنا لا نرى بعده غداويا ليته إن جاءنا بصباحه *** وجَدْنا إلى مجرى الكواكب مَصْعَداحِذَارَ عليّ إنه غيرُ مُخلف *** مدى الدهر ما لبَّ المُلبون مَوْعداوأما قراري في البلاد فليس لي مُقام وإن جاوزت جابَلْقَ (1مُصعِدا)كاني به في الناس كاشف رأسه *** على ظهر خَوّار الرحالة أجردايخوضُ غِمارَ المَوتِ في مُرْجَحِنَّةٍ (2 يُنادون في نقع العَجَاج محمدا)فوارس بدر والنَّضِير وخَيْبرٍ *** وأُحد يهزون الصفيح المهنداويوم حنين جالدوا عن نبيهم ***فريقاً من الأحزاب حتى تبددا
هنالك لا تلوي عجوز على ابنها *** وان أكثرت من قولِ نفسي لك الفدافقل لابن حَرْب ما الذي أنت صانع *** أتَثبت أم ندعوك في الحرب قُعْدُدا :فلا رأي إلا تركنا الشامَ جهرةً *** وان أبْرَق الفجفاجُ فيها وأرعدافلما سمع أهل الشام شعرَه أتوا به معاوية، فهم بقتله، ثم راقب فيه قومه، فطرده من الشام، فلحق بمصر ونَدِم معاوية على تسييره إياه. وقال معاوية : لَشعرُ السُلمي أشدّ على أهل الشام من لقاء علي، ما له قاتله اللّه ، لو صار خلف جابلق مصعداً لم يأمن علياً! ألا تعلمون ما جابلق؟ - يقول لأهل الشام - قالوا: لا، قال: مدينةً في أقصى المشرق ليس بعدها شيء.قال نصر : وتناقل الناس كلمة علي (علیه السلام: «لأناجزَنّهم مصبحاً»، فقال الأشتر :)قد دنا الفضل في الصباح *** وللسلم رجال وللحروب رجالفرجال الحروب كل خِدَبُ *** مقحم لا تهده الأهواليضرب الفارس المدجّج بالسيّف *** إذا فَرّ في الوَغَا الأكفاليا بن هند شُدَّ الحيازيم للموت *** ولا تذهبن بك الآمالإن في الصّبح إن بقيت لأمراً *** تتفادى من هوله الأبطالفيه عز العراق أو ظفر الشام *** بأهل العراق والزلزالفاصبروا للطعان بالأسل الشمرِ *** وضَرْبِ تَجري به الأمثالإن تكونوا قتلتم النفر البيض *** وغالت أولئك الآجالفلنا مثلهم غداة التلاقي *** وقليل من مثلهم أبداليخضبون الوشيخ طعناً *** إذا جرّث من الموت بينهم أذيالطلب الفوز في المعاد وفيه *** تُستهانُ النفوس والأموالقال :فلما انتهى إلى معاوية شعرُ الأشتر قال : شعرمنكر ، من شاعرٍ منكر، رأس أهل العراق وعظيمهم، ومسعر حربهم، وأول الفتنة وآخرها، قد رأيت أن أعاود عليا وأسأله إقراري على الشام، فقد كنت كتبت إليه ذلك فلم يجب إليه، ولأكتبنّ ثانية فألقى في نفسه الشكّ والرقّة . فقال له عمرو بن العاص وضَحِك : أين أنتَ يا معاوية من خدعة عليّ قال: ألسنا عبد مناف! قال بلى ولكن لهم النبوَّة دونك ، وإن شئت أن تكتب فاكتب، فكتب معاوية إلى علي(علیه السلام مع رجل من السكاسك يقال له عبد اللّه بن عُقبة، وكان من نافلة أهل العراق: أما بعد فإنك لو عَلمْتَ أن الحزب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، ولئن كنا قد غلبنا على عقولنا لقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى ،ونصلح به ما بقي ،وقد كنت)
سألتك الشام على أن تلزمني لك بيعة وطاعة، فأبيت ذلك علي، فأعطاني اللّه ما منعت، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو ،ولا أخاف من الموت إلا ما تخاف، وقد واللّه فارقت الأجناد، وذهبت الرجال ،ونحن بنو عبد مناف، ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يُستَذَلّ به عزيز، ولا يسترقّ به حرّ، والسلام.فلما انتهى كتاب معاوية إلى علي(علیه السلام قرأه، ثم قال : العَجَب لمعاوية وكتابه! ودعا عبيد بن أبي رافع كاتبه فقال اكتب جوابه.)أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، فإني لو قتلتُ في ذات اللّه ، وحييتُ ، ثم قُتِلتُ ثم حيث سبعين مرة لم أرجع عن الشدّة في ذات اللّه والجهاد لأعداء اللّه، وأما قولك: إنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى، فإني ما نقصت عقلي، ولا ندمتُ على فعلي. وأما طلبك الشام فإني لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلست أمضى على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك: إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض !فلعمري إنا بنو أب واحد ،ولكن ليس أمية کهاشم ،ولا حرب كعبد المطلب ،ولا المهاجر كالطليق ،ولا المحق كالمبطل، وفي أيدينا بعد فضل النبوّة التي أذللنا بها العزيز وأعززنا بها الذليل. والسلام. فلما أتى معاوية كتاب على (علیه السلامکتمه عن عمرو بن العاص أياماً، ثم دعاه فأقرأه إياه، فشمت به عمرو - ولم يكن أحد من قريش أشدَّ إعظاماً لعلي من عمرو بن العاص منذ يوم لقيه وصفح عنه - فقال عمرو فيما كان أشار به على معاوية :)ألا اللّه درك يا بن هندِ *** وَدر الآمرين لك الشهود !أتطمع لا أبالك في عليّ ***وقد قرع الحديد على الحديداوترجو أن تُحيره بشكّ *** وتأمّل أن يهابك بالوعيدوقد كشف القناع وجرٌ حَرباً *** يشيب لهولها رأس الوليدله جاواهُ مُظلمة طحون *** فوارِسُها تلهب كالأسوديقول لها إذا رجعت إليه *** وقد ملّت طعان القوم: عُودِيفإن وردت فأوّلها وروداً *** وإن صدّت فليس بذي صدودِوما ا هي من أبي حسن بنُكْرٍ *** ولاهومن مسائك يا سانك بالبعيدوتلت له مقالة مستكين *** ضعيف الرّكن منقطع الوريددَعَنْ لي الشام حسبُك يا بن هند *** من السَّوءات والرأي الزَّهيدولو أعطاكها ما ازددت عِزّاً *** ولا لك لو أجابك من مزيد
فلم تكسر بذاك الرأي عوداً *** لرگته ولا ما دون عودفلما بلغ معاوية شعر عمرو دعاه فقال له:العجب لك! تقيَّل رأيي، وتعظم عليّا وقد فضحك! فقال : أما تفييلي رأيك فقد كان، وأما إعظامي عليا فإنك بإعظامه أشدّ معرفةً منّي، ولكنك تطويه وأنا أنشره. وأمّا فضيحتي فلم يفتضح أمرؤ لقي أبا حسن.(1)## ومن كتاب له (علیه السلام إلى عبد الله بن عباس وهو عامله على البصرة)الأصل: وَأعْلَمْ أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ، فَحَادِتْ أَهْلَهَا، بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَاحْلُلْ عُقْدَةَ الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ . وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلَّا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَهُم فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامِ، وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةٌ، وَقَرَابَةٌ خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِها ، وَمَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِها .فَارْبَعْ أَبَا الْعَبَّاسِ رَحِمَكَ الله فِيمَا جَرَى عَلَى يَدِكَ وَلِسَانِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرًا فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ ، وَكُنْ عِنْدَ صَالِحٍ ظَنِّي بِكَ، وَلا يَفِيلَنَّ رَأْيِي فِيكَ، وَالسَّلامُ .الشرح : قوله(علیه السلام : مهبط إبليس : موضع هبوطه.)ومغرس الفِتَن :موضع غَرْسِها ، ويروى و«مُغْرِس الفتن»، وهو الموضع الذي ينزل فيه القومُ آخر اللّيل للاستراحة ، يقال غَرَسوا وأغرَسوا . وقوله (علیه السلام: «فحادث أهلها»، أي تعهدهم بالإحسان ،من قولك: حادثت السيف بالصّقال . والتنمر للقوم : الغلّظة عليهم، والمعامَلة لهم بأخلاق النّمر،من الجرأة والوثوب، وسنذكر تصديق قوله(علیه السلام):« لم يغب لهم نجمٌ إلّا طلع لهم آخر». والوَغْم: الثّرة، والأوْغام: التّرات، أي لم يُهدّر لهم دمّ في جاهليّة ولا إسلام، يصفهمبالشجاعة والحميّة. ومأزُورون، كان «أصله موزورن» ، ولكنّه جاء بالألف ليُحاذي به ألف «مأجُورُون» وقد قال النبي(صلی اللّه علیه واله) مثل ذلك .)
1) أخرجه ابن مزاحم المنقري في وقعة صفين : 472 .
قوله(علیه السلام :«فاربَع أبا العباس»، أي قف وتثبّت في جميع ما تعتمدُه فِعلاً وقَوْلاً من خَيْر وشر، ولا تعجل به فإنّي شريكك فيه إذ أنت عاملي والنائب عنّي. ويعني بالشرّها هنا الضّرر فقط، لا الظلم والفعل القبيح. قوله (علیه السلام): «وكن عند صالح ظنّي فيك»، أي كن واقفاً عنده كأنّك تشاهِدُه فَتَمنَعك مشاهدته عن فعل ما لا يجوز. فال الرأي يَفيل، أي ضَعُفَ وأَخطأ .)## بنو تميم وفضائلهموقد ذكر أبو عُبيدةَ مَعمر بن المثنى في كتاب «التاج» أن لبني تميم مآثِرَ لم يَشرَكهم فيها غيرهم. أما بنو سعد بن زَيْد مَناةَ فلها ثلاث خصال يعرفها العَرَب : إحداها : كثرة العدد فإنّه أضعف عددها على بني تميم حتّى ملأتِ السَّهْل والجبل عَدلت مُضَركثرة، وعامة العدد منها في كعب بن سعد بن زيد مناة، ولذلك قال أَوْسُ بن مَغْرَاء:كَعْبِيَ مِن خير الكعابِ كَعْبًا *** من خيرها فوارساً وعَقْباتَعدِل جَنْباً وتميم جَنْباوقال الفرزدق أيضاً فيهم هذه الأبيات:لو كنتَ تَعلَم ما بِرَمْل مُوَيْسِل (1*** فقرى عُمان إلى ذواتِ حُجور)لعلمتَ أن قبائلاً وقبائلا *** من آل سعد لم تَدِنْ لأميرِوقال أيضاً :تبكي على سَعدٍ وسَعد مقيمة *** بيبرين قد كادَتْ على النّاسِ تَضعُفولذلك كانت تسمي سعد الأكثرين. وفي المَثَل : «في كل واد بَنُو سَعْد». والثانية : الإفاضة في الجاهليّة كان ذلك في بني عُطارد، وهم يتوارثون ذلك كابراً من كابر، حتى قام الإسلام، وكانوا إذا اجتمعَ الناسُ أيّامَ الحجّ بمنى لم يبرح أحدٌ من الناس ديناً وسنة حتى يجوز القائم بذلك من آلِ كَرِب بنِ صَفْوَان، وقال أوس بن مَغْرَاء :ولا يَرِيمُون في التَّعريف موقفهم *** حتى يقال : أجيرُوا آلَ صَغَواناوقال الفرزدق :إذا ما التقينا بالمحصَّب مِنْ مِنّى *** صبيحة يوم النَّحْر من حيث عَرّفواتَرَى الناسَ ما سرنا يسيرونَ حَوْلَنا *** وإن نحنُ أوَمَأْنا إلى الناس وَقَفُوا
1) مُوَيْسِل : ماء لطىء. اللسان، مادة (وسل)
والثالثة : أنّ منهم أشرف بيتٍ في العَرَب الذي شرّفته ملوكُ لَحْم . قال المنذر بن المنذر بن ماء السَّماء ذات يوم وعنده وفود العرب ودعا ببُرْدَي أبيه محرّق بن المنذر فقال: ليلبس هذين أعزُّ العَرَب وأكرمَهُم حَسَباً . فأحجم الناسُ، فقال أحيمر بنُ خَلَف بن بهدلة بن عوف بنكعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم: أنا لهما، قال الملك : بماذا؟ قال : بأنّ مُضرَ أكرَمُ العرب: وأعزُّها وأكثرها عديداً، وأن تميماً كاهِلُها وأكثرها، وأن بَيْتها وعددها في بني بهدلة بنِ عَوْف، وهو جَدّي . فقال : هذا أنتَ في أصلك وعشيرتك، فكيف أنت في عِتْرَتِك وأدانيك ! قال: أنا أبو عَشرة، وأخو عشرة ، وعمّ عشرة فدفعهما إليه وإلى هذا أشار الزبرقان بنُ بدر في قوله :وبُرْدا ابنِ ماءِ المزن عَمِّي اكتساهُما *** بفضل مَعَدُّ حيثُ عُدّتْ مَحاصلة قال أبو عبيدة ولهم في الإسلام خصلة، قدم قيس بن عاصم المنقري على رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله في نفر من بني سعد، فقال له رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله): «هذا سيد أهل الوبر» (1)، فجعله سید خِندِف وقَيْس ممن يَسكُن الوبر . قال : وأما بنو حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم فلهم خصال كثيرة . قال : في بني دارم بن مالك بن حنظلة، وهو بيتُ مُضَر، فمن ذلك زُرارَة بن عُدَس بن زيد بن دارم يقال : إنه أشرف)البيوت في بني تميم، ومن ذلك قَوْسُ حاجب بن زرارة المرهونة عند كسرى عن مُضَر كلّهاوفي ذلك قيل :وأقسم كسرى لا يصالح واحداً *** من النّاس حتى يَرهنَ القَوْس حاجبومن ذلك في بني مُجاشع بن دارم صَعْصَعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفیان بن مجاشع ، وهو أوّل من أحيا الوئيد، قام الإسلام وقد اشترى ثلاثمائة مؤودة فأعتَقَهنَّ وربّاهن ،وكانت العرب تَيْد البناتِ خوف الإملاق.ومن ذلك غالب بن صعصعة، وهو أبو الفَرَزْدق، وغالب هو الذي قَرَى مائة ضَيْف ،واحتَمَل عشر ديات لقوم لا يعرفهم، وكان من حديث ذلك أن بني كلب بن وَبَرة افتخرتْ بينها في أنْدِيتها ، فقالت : نحن لُبابُ العرب وقلبها ، ونحن الذين لا تُنازَع حَسَباً وكَرَماً . فقال شيخ منهم : إن العرب غير مقرّةٍ لكم بذلك، إنّ لها أحساباً، وإنّ منها ،باباً، وإنّ لها فعالاً ، ولكن ابعثوا مائةً منكم في أحسن هيئة وبزّة ينفّرونَ من مرّوا به في العرب ويسألونه عَشْرَ ديات، ولا ينتسبون له، فمن قراهم وبذّل لهم الدِّياتِ فهو الكريم الذي لا يُنازَع فضلاً، فخرجوا حتى قدموا على أرض بني تميم وأسد فنفّروا الأحياء حياً فحيَّاً، وماء فماء، لا يجدون أحداً على
1) أخرجه الحاكم في المستدرك ) (6564) ، وابن سعد في الطبقات) (294/1)، والهيثمي في الزوائد (404/9) ، وابن عبد البر في التمهيد» (213/4).
ما يريدون، حتى مروا على أكثم بن صيفي ، فسألوه ذلك، فقال: من هؤلاء القَتْلى؟ ومَن أنتم؟ وما قضتكم؟ فإنّ لكم لشأناً باختلافكم في كلامكم ! فَعدَلُوا عنه ، ثم مَرّوا بقتيبة بن الحارث بن شهاب اليَرْبُوعي فسألوه عن ذلك فقال: من أنتم؟ قالوا : من كلب بن وبرة . فقال : إني لأنغي كلباً بدم، فإن انسلخ الأشهر الحرم وأنتم بهذه الأرض وأدرككم الخيلُ نَكَلْتُ بكم وأَنْكَلْتُكُمْ أمهاتكم. فخرجوا من عنده مرغوبين فمروا بعطارد بن حاجب بن زرارة، فسألوه ذلك، فقال: قولوا بَيَاناً، وخدُّوها، فقالوا : أما هذا فقد سألكم قبل أن يُعطيكم فتركوه، ومرّوا ببني مُجاشع بن دارم فأتوا على وادٍ قد امتلأ إبلاً فيها غالب بن صعصعة يهنأ منها إبلاً، فسألوه القرى والدّيات، فقال: هاكم البزّل قبل النزول فابتزّوها من البرك وحُوزُوا دياتكم، ثم انزلوا، فتنزّلوا وأخبروه بالحال، وقالوا : أرشدك اللّه من سيّدِ قوم! لقد أرحْتَنا من طول النَّصَب ، ولو عَلِمْنا لقصدنا إليك، فذلك قول الفرزدق :فلله عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثلَ غالب *** قَرَى مائة ضيفاً ولم يتكلّموإذ نبحث كلب على الناس إنهم *** أحقُّ بتاج الماجد المتكرّمفلم يجلُ عن أحسابها غير غالب *** جَرَى بعِنانَي كل ابلَجَ خِضرمِقال : فأما بنو يَرْبوع بن حنظلة، فمنهم. ثُمّ من بني رياح بن يربوع عَنّاب بن هَرْمي بن رياح، كانت له رداقة الملوك، ملوكِ آل المنذر ، ورِدافة الملك أن يُثنّى به في الشُّرب، وإذا غاب الملكُ خَلَفَه في مجلسه، وورث ذلك بنوه كابراً عن كابر،حتى قام الإسلام، قال لبيد بن ربيعة :وشهدت أنجبة الأكارم غالباً *** كغبي وأرداف الملوكِ شهودويربوع أوّل مَنْ قَتل قتيلاً من المشركين، وهو واقد بن عبد اللّه بن ثعلبة بن يربوع، حليف عمر بن الخطّاب، قتل عمرو بن الحضرميّ في سرية نخلة، فقال عمر بن الخطاب يفتخر بذلك :سَقَيْنَا من ابن الحضرمي رماحنّا ***بنخلة لمّا أوقد الحرب واقدوظلّ ابنُ عبد اللّه عثمان بيننا *** يُنازعه غُلُّ من القد عاندولها جواد العَربِ كلّها في الإسلام، بدأ العرب كلّها جوداً، خالد بن عتّاب بن وَرْقَاء الرِّياحي . دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك، وكان يَشْؤُه لكثرة بأوه وفخره، فتجهّمه وتنكّر له، وأغلَظّ في خطابه حتّى قال : من أنت لا أم لك! قال: أوما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ أنا من حيّ هم من أوْفَى العَرَب، وأحلم العرب، وأسودِ العَرَب، وأجوَدِ العَرَب وأشجَعِ العرب، وأشعَرِ العرب. فقال سليمان: واللّه لتحتجّن لما ذكرت أو لأوجعَنَّ ظَهْرَك، ولأبعدن دارَك قال : أما أوفى العرب فحاجب بن زرارةَ ،رَهَن قوسَه عن العرب كلها وأَوْفَى. وأمّا
أحلَمُ العرب فالأحنف بنُ قَيْس يُضرب به المَثَل حِلماً ، وأما أسودُ العرب فقيس بن عاصم، قال له رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله : «هذا سيد أهل الوَبَر»، وأما أشجّع العرب فالْحَرِيش بن هلال السعديّ، وأما أجودُ العرب فخالد بن عَتّاب بن ورقاء الريّاحي، وأما أشعر العَرَب فها أنذا عندك ! قال سليمان: فما جاء بك؟ لا شيء لك عندنا ،فارجع على عقبك، وغمّه ما سَمِع مِن عِزَّه، ولم يَستطِع لهُ ردّاً ، فقال الفرزدق في أبيات :)أتيناك لا من حاجةٍ عَرَضَتْ لنا *** إليك ولا من قلّةٍ في مجاشِعِقلت : ولو ذكر عُتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعّي وقال : إنه أشجع العرب لكان غير مدافع . قالوا : كانت العرب تقول : لو وَقَع القمرُ إلى الأرض لما التقَفَه إِلا عُتيبة بن الحارث لثقافته بالرُّمْح . وكان يقال له : صيّاد الفوارس وسمّ الفوارس، وهو الذي أسر بسطام بن قيس، وهو فارس ربيعة وشُجاعُها، ومكث عنده في القيد مُدّة حتّى استوفى فِداءَه وجَزْ ناصيته، وخَلَّى سبيله على ألا يغزو بني يربوع. وعُتيبة هذا هو المقدّم على فُرْسانِ العَرب كلها في كتاب طبقات الشُّجْعَان ومَقاتِل الفُرْسان ،ولكن الفرزدق لم يذكره وإن كان تميميّاً، لأن جريراً يفتخر به، لأنه من بني يربوع، فحملته عداوة جرير على أن عدل عن ذكره .قال أبو عبيدة : ولبني عمرو بن تميم خصال تعرفها لهم العَرَب ولا ينازعهم فيها أحد، فمنها أكرم الناس عمَّا وعَمَّة، وجدّاً وَجَدّة، وهو هند بن أبي هالة، واسم أبي هالَةَ نبّاش بنُ زُرارة أحد بني عمرو بن تميم ،كانت خديجة بنت خويلد قبل النبي (صلی اللّه علیه واله تحت أبي هالة، فولدت له هنداً ، ثم تزوجها رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) وهند بن أبي هالة غلامٌ صغير، فتبنّاه النبي (صلى اللّه عليه واله)، ثم ولدت خديجة من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) القاسم والطاهر وزينب ورقيّة وأم كلثوم وفاطمة، فكان هند بن أبي هالة أخاهم لأمُهم ، ثم أولد هند بن أبي هالة هند بن هند، فهند الثاني أكرمُ الناس جدًّا وَجدّة، يعني رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)وخديجة، وأكرم الناس عمّاً وعمّة - يعني بني النبي (صلی اللّه علیه واله)وبناته . ومنها أنّ لهم أحكَم العرب في زمانه أكثم بن صيفيّ ، أحد بني أسد بن عمرو بن تميم،كان أكثر أهل الجاهلية حكماً ومثلاً وموعظة سائرة.)ومنها ذو الأعواز، كان له خراج على مصر كافّة تؤدّيه إليه، فشاخ حتَّى كان يُحمّل على سریريُطاف به على مياه العَرَب، فيؤدِّى إليه الخراج، وقال الأسودُ بن يَعْفُر النَّهْشَلي وكان ضريراً :ولقد علمتُ خلاف ما تُناشِي *** أنّ السبيلّ سبيلُ ذي الأعوازومنا هلال بن أحوَز المازنيُ الذي ساد تميماً كلها في الإسلام، ولم يَسُدها غيره .قال : ودخل خالد بن عبد الرحمن بن الوليد بن المغيرة المخزومي مسجد الكوفة، فانتهّى إلى حَلْقَةٍ فيها أبو الصَّقْعَب التيميّ، من تيمّ الرّباب، والمخزوميّ لا يعرفه، وكان أبو الصَّقْعَب
من أعلم الناس، فلما سمع علمّه وحديثه حسَدَه، فقال له : ممّن الرجل؟ قال: من تيم الرّباب، فظَنّ المخزومي أنّه وَجدَ فرصةً فقال : واللّه ما أنت من سعد الأكثرين ولا حنظلة من الأكرمين، ولا من عمرو الأشدّين !فقال أبو الصقعب: فمّمن أنت؟ قال مِن بني مخزوم . قال : واللّه ما أنتَ من هاشم المنتخّبين، ولا من أميّة المستخلَفين ولا من عبد الدار المستحجّبين، قيمَ تفخَر؟ قال: نحن رَيْحانة قريش ،قال أبو الصقعب: قبحاً لما جنت به !وهل تدري لم سمّيت مخروم ريحانة قريش؟ سُمّيت لحظوة نسائها عند الرجال، فأفحَمَه .رَوَى أبو العباس المبرد في كتاب «الكامل» (1أن معاوية قال للأحنف بن قيس وجارية بن قدامة ورجال من بني سعد معهما كلاماً أحفظهم ، فرَدُّوا عليه جواباً مُقذعاً، وامرأته فاختة بنت قرظّة في بيت يقرب منهم، وهي أم عبد اللّه بن معاوية، فسمعت ذلك، فلما خرجوا قالت: يا أمير المؤمنين، لقد سمعت من هؤلاء الأجلاف كلاماً تَلَقَّوْك به قلم تُنكِرِ ، فكدتُ أن أخرج إليهم فأسطو بهم ! فقال معاوية : إن مضر كاهِلُ العَرَب، وتميماً كاهلُ مُضر، وسعداً كاهِلُ تميم، وهؤلاء كاهل سعد.)وَرَوَى أبو العباس أيضاً أن عبد الملك ذكر يوماً دارم فقال أحدُ جُلسائه : يا أمير المؤمنين ،هؤلاء قوم محظوظون - يعني في كثرة النسل ونماء الذرّية - فلذلك انتَشَر صِيتُهم . فقال عبد الملك : ما تقول هذا وقد مضى منهم لقيط بن زرارة ولم يُخلّف عَقِباً، ومضى قعقاع بن معبد بن زرارة ولم يخلّف عقباً، ومضى محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة ولم يخلّف عَقِباً ! واللّه لا تَنسَى العرب هذه الثلاثة أبداً .قال أبو العباس: إنّ الأصمعي قال : إنّ حَرْباً كانت بالبادية ثمّ اتصلت بالبَصرة، فتفاقم الأمر فيها ، ثم مُشي بين الناس بالصّلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع . قال : فبعثتُ وأنا غلام إلى ضِرار بن القعقاع من بني دارم فاستأذنتُ عليه، فأذن لي ، فدخلتُ، فإذا به في شَمْلة يَخلط بزراً لعنز له حَلُوب فخبرته بمجتمع القوم، فأمهل حتى أكلت العَنْز، ثم غَسَل الصحفة وصاح : يا جارية، غَدينا ، فأتته بزيت وتمرٍ، فدعاني ، فقَذَرْته أن أكل معه حتى إذا قَضَى من أكله وحاجته وَطَراً وَثَب إلى طِينِ مُلقى في الدار ، فَغَسل به يده، ثم صاح : يا جارية، اسقيني ماء، فأتته بماء، فشَرِبه ومَسَح فضله على وجهه، ثم قال : الحمد للّه، ماءُ الفُرات بتمر البصرة بزيت الشام، متَى نؤدّي شكر هذه النّعَم ثم قال : عليَّ ،برادني فأتته برداء عَدَني فارتدى به على تلك الشَّمْلة. قال الأصمعي : فتجافيتُ عنه استقباحاً لزِيّه، فلما دخل المسجد صلى ركعتين، ثم
1) الكامل في اللغة لأبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالبر والنحوي المتوفى سنة ( 285ه-) كشف الظنون» (1382/2).
مشى إلى القوم، فلم تَبقَ حُبوَةٌ إلا حُلّت إعظاماً له، ثم جلس فتحمّل جميع ما كانَ بين الأحياء في ماله ثم انصرف . قال أبو العباس: وحدثني أبو عثمان المازني، عن أبي عُبيدة ، قال : لمّا أَتَى زيادُ بنُ عَمرو المِرْبَد في عَقِب قتل مسعود بن عمرو العَتَكيّ، وجاء زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي ليثار به من بني تميم صف أصحابه، فجَعَل في الميمنة بكر بن وائل ،وفي الميسرة عبد القيس، وهم لكيز بن أفصى بن دُعْمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ،وكان زياد بن عمرو العَتَكي في القَلْب، فبلغ ذلك الأحنف بن قيس، فقال: هذا غلام حدث، شأنه الشهرة، وليس يبالي أين قَذَف بنفسه ! فندب أصحابه، فجاءه حارثة بن بدر الغُداني، وقد اجتمعت بنو تميم، فلما أتى قال : قوموا إلى سيّدكم ، ثم أجلسه فناظره، فجعلوا سعداً والرّباب في القَلْب ورئيسهم عَبْس بن طلق الطّعان المعروف بأخي كَهْمَس، وهو أحد بني صُرَيم بن يربوع، فكانوا بحذاء زياد بن عمرو ومن معه من الأزد، وجعل حارثة بن بدر الغُداني في بني حنظلة بحذاء بكر بن وائل، وجعل عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس، فذلك حيث يقول حارثة بن بدر للأحنف:سيكفيك عبس أخو كَهْمَس *** مُقارعة الأزدِ في المِرْبَدِويَكفيك عَمرو على رسلها *** لگیز بن أفضى وما عدَّدواونَكفيك بكراً إذا أقبلت *** بضرب يَشيبُ له الأمرَدُولُكَيرُ بن أقصى تعمّ عبد القيس . قال : فلما تواقفوا بعثَ إليهم الأحنف: يا معشر الأزد من اليمن وربيعة من أهل البصرة، أنتم واللّه أحب إلينا من تميم الكوفة، وأنتم جيراننا في الدار، ويدنا على العدوّ ، وأنتم بدأتمونا بالأمس، ووطنتم حَريمنا ، وحَرَّقْتم علينا، فدَفَعنا عن أنفسنا ، ولا حاجة لنا في الشرّ ما طلبنا في الخير مَسلَكاً، فتيمّموا بنا طريقةٌ مستقيمة . فَوجّه إليه زيادُ بنُ عمرو، تَخيَّرْ خَلَّة من ثلاث : إن شئتَ فانزل أنت وقومك على حكمنا ، وإن شئتَ فخلّ لنا عن البَصْرة، وارحل أنتَ وقومُك إلى حيث شئتم، وإلّا فَدُوا قَتْلانا، واهدروا دماءكم، وليود مسعود دية المُشعرة .قال أبو العباس: وتأويل قوله : «دية المشعرة»، يريد أمر الملوك في الجاهليّة، وكان الرجل إذا قُتِل وهو من أهل بيت المملكة وُدِيَ عَشْر دِيات - فبعث إليه الأحنفُ: سنختار. فانصرفوا في يومكم ، فهزّ القومُ راياتهم وأنصرفوا ، فلما كان الغَدُ بَعث الأحنف إليهم : إنكم خيرتمونا خلالاً ليس لنا فيها خيار أما النزول على حكمكم فكيف يكون والكلم يقطر، وأما تركُ دِيارنا فهو أخو القتل . قال اللّه عزّ وجلّ :« وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَو أَخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ» (1، ولكن الثالثة إنّما هي حَمْل على المال، فنحن تُبطل دماءنا، ونَدِي قَتْلاكم،)
1) سورة النساء، الآية : 66 .
وإنما مسعود رجلٌ من المسلمين، وقد أذهب اللّه عزّ وجلّ أمر الجاهليّة. فاجتمعَ القومُ عَلَى أن يقفوا أمرَ مسعود، ويُعمدوا السيف، وتُودَى سائرُ القَتْلَى من الأزْدِ وربيعة، فضمن ذلك الأحنف، ودفع إليهم إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدي هذا المال، فرضي به القوم ففخر بذلك الفرزدق، فقال لجرير :ومنّا الذي أعطى يديه رهينة *** لغاري معد يوم ضَرْب الجَماجِمِعشيّة سالَ المِرْبدان كلاهما *** عجاجة موتٍ بالسيوف الصّوارمهنالك لو تبغي كليباً وجدّتها *** أذلَّ من القردان تحت المناسِمَ (1)ويقال : إن تميماً في ذلك الوقت مع باديتها وحلفائها من الأساورة والزّط والسبابجة وغيرهم كانوا زُهاء سبعين ألفاً، وفي ذلك يقول جرير :سائل ذَوِي يمن ورَهطّ محرق *** والأزْدَ إذ تدبوا لنا مسعودافأتاهم سبعون ألف مدجّج *** متسربلين يلامقا (2وحديدا)قال الأحنف بن قيس : فكثرت علي الديات فلم أجدها في حاضرة تميم، فخرجت نحو يبرين إلى بادية تميم، فسألت عن المقصود هناك، فأرشذتُ إلى قبّة، فإذا شيخ جالس بفنائها مؤتزر بشملة، مُحْتَبٍ بحبل، فسلّمتُ عليه ،وانتسبتُ له ،فقال لي: ما فعل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ؟ قلت : : توفّي . قال : فما فعل عمر بن الخطّاب الذي كان يحفظ العرب ويحوطها؟ قلت : تُوفَّي . قال : فأي خير في حاضرتكم بعدهما؟ قال: فذكرت له الدّيات التي لزمتنا للأزد وربيعة، قال: فقال لي: أقم، فإذا راع قد أراح عليه ألف بعير، فقال: خذها، ثم أراح علينا آخر مثلها ، فقال : خُذها ، فقلتُ لا أحتاج إليها. قال : فانصرفتُ بالألف عنه، وواللّه ما أذري من هو إلى الساعة (3))## ومن كتاب له (علیه السلامإلى بعض عماله)الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ دَهَا قِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شكوا مِنْكَ غِلْظَةٌ وَقَسْوَةٌ، وَاحْتَقَاراً وَجَفْوَةٌ، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أرهم أَهْلاً لأنْ يُدْنَوا لِشِرْكِهِمْ، وَلا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ
جلباباً مِنَ اللّين تَشُوبُهُ بطَرَفٍ مِنَ السُّدَّةِ، وَداوِلَ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّافَةِ، وَأَمْرُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيب وَالْإدْنَاء، والإبعاد والإقصاء، إنْ شَاءُ اللّه.الشرح الدَّهاقين: الزعماء أرباب الأملاك بالسّواد: واحدُهم دهقان بكسر الدال، ولفظه معرَّب .وداول بينهم ،أي مرّة هكذا ومرّة ،هكذا، أمره أن يسلك معهم منهجاً متوسطاً، لا يُدنيهم كلّ الدّنولأنهم مُشرِكون، ولا يقصيهم كلّ الإقصاء لأنهم معاهدون، فوجب أن يعاملهم معاملة آخِذه من كلّ واحدٍ من القسمين بنصيب .## ومن كتاب له (علیه السلام إلى زياد ابن أبيه وهو خليفة عامله عبد اللّه ابن عباس على البصرة وعبد اللّه عامل أمير المؤمنين (علیه السلام) يومئذٍ عليها وعَلَى كُوّر الأهواز وفارس وكِرْمَان وغيرها)الأصل: وَإِنِّي أُقْسِمُ بِالله قَسَماً صَادِقاً ، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ كُنْتَ مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ شَيْئًا صَغِيراً أَوْ كَبِيراً ، لأشُدَّنٌ عليك شَدَّةٌ تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفُر ، ثَقِيلَ الظهر، ضَيْيل الأمر والسَّلامُ .الشرح: سيأتي ذكر نسب زياد وكيفية استلحاق معاوية له فيما بعد إن شاء اللّه تعالى. قوله (علیه السلام: «الأشدّنَ عليك شدّة»، مثل قوله :« الأحملن عليك حملة»، والمراد تهديده بالأخذ واستصفاء المال. ثم وصف تلك الشدّة فقال : «إنها تتركك قليل الوفر»، أي أفقرك بأخذ ما احتجت من بيت مال المسلمين. وثقيل الظّهر، أي مسكين لا تقدر على مؤونة عيالك. وضئيل الأمر، أي حقير، لأنك إنما كنت نبيها بين الناس بالغنّى والثّروة، فإذا افتقرت صغرتَ عندهم، واقتحمتك أعينهم.)## ومن كتاب له إلى زياد أيضاًالأصل: فَدَعِ الْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً ، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً ، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدَّمَ الْفَضْلَ لِيَوْم حَاجَتِكَ، أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيكَ اللهُ أَجْرَ المُتَوَاضِعِينَ، وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ
المُتَكَبَرِينَ وَتَطْمَعُ وَأَنْتَ مُتَمَرّغْ فِي النَّعِيمِ أَنْ تَمْنَعَهُ الضَّعِيفَ والأَرْمَلَةَ، وَأَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ المُتَصَدِّقِينَ، وَإِنَّمَا المَرْءُ مَجْزِي بِمَا أَسْلَفَ، وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ وَالسَّلامُ .الشرح: المتمرّغ في النعيم : المتقلّب فيه . ونهاه عن الإسراف وهو التبذير في الإنفاق، وأمره أن يُمسك من المال ما تدعو إليه الضرورة، وأن يقدّم فضول أمواله وما ليس له إليه حاجة ضرورية في الصدقة فيدّخره ليوم حاجته، وهو يوم البعث والنشور . قلتُ : قبح اللّه زياداً فإنه كافاً إنعام علي (علیه السلاموإحسانه إليه واصطناعه له بما لا حاجة إلى شرحه من أعماله القبيحة بشيعته ومحبيّه والإسراف في لعنه، وتهجين أفعاله، والمبالغة في بما قد كان معاوية يرضى باليسير منه ، ولم يكن يفعل ذلك لطلب رضا معاوية كلّا ، بل يفعله بطبعه، ويعاديه بباطنه وظاهره، وأبى اللّه إلّا أن يرجع إلى أمّه، ويصحّح نسبه، وكلُّ إناءِ يَنْضَح بما فيه . ثم جاء ابنه بعد فختم تلك الأعمال السيئة بما ختم، وإلى اللّه ترجع الأمور!)## ومن كتاب له(علیه السلام إلى عبد اللّه بن العبّاس رحمه اللّه تعالى وكان ابنُ عباس يقول: ما انتفعتُ بكلام بعد كلام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) كانتفاعي بهذا الكلام)الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ المَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَقُوتَهُ ، وَيَسُومُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَه ، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا يَلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ، وَلْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا ، وَمَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلا تُكْثِرُ بِهِ فَرَحاً ، وَمَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلا تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً ، وَلْيَكُنْ مَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ المَوْتِ .الشرح: يقول : إنّ كلّ شيء يصيب الإنسان في الدنيا من نَفْع وضَرّ فبقضاء من اللّه وقدره تعالى، لكنّ الناس لا ينظرون حق النظر في ذلك، فيُسَرّ الواحد منهم بما يصيبه من النفع، ويُساء بفَوْت ما يفوته منه، غير عالم بأنّ ذلك النفع الذي أصابه ، كان لا بد أن يصيبه، وأن ما فاته منه كان لا بدّ أن يفوته، ولو عرف ذلك حقّ المعرفة لم يفرح ولم يحزن .ولقائل أن يقول : هَبْ أن الأمور كلّها بقضاء وقدر، فلم لا ينبغي للإنسان أن يفرح بالنفع وإن وقع بالقَدَر ، ويُساءَ بفَوْته أو بالضرر وإن وقعا بقَدَر! أليس العُرْيان يُساء بقدوم الشتّاء وإن كان لا بدّ من قدومه ،والمحمومُ غبّاً يساء بتجدد نوبة الحمّى وإن كان لا بد من تجددها !
فليس سبب الاختيار في الأفعال ممّا يوجب أن لا يسرّ الإنسان ولا يساء بشيء منها . والجواب ينبغي أن يُحمّل هذا الكلام على أن الإنسان ينبغي أن لا يعتقد في الرّزق أنه أتاه بسعيه وحَرَكته فيفرح مُعْجَباً بنفسه، معتقداً أن ذلك الرزق ثمرة حركته واجتهاده، وكذلك ينبغي ألا يساء بقوات ما يفوته من المنافع لائماً نفسه في ذلك ناسباً لها إلا التقصير وفساد الحيلة والاجتهاد، لأنّ الرزق هو من اللّه تعالى لا أثر للحركة فيه، وإن وقع عندها، وعلى هذا التأويل ينبغي أن يُحمل قوله تعالى: «مَا أَصَابَ مِن تُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبَراهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِير لكيلا تأسوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا وَاتَنكُمْ وَاللَّهُ لَا تمییز يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» (1من النظم الجيّد الرّوحاني في صفة الدنيا والتحذير منها ،والوَصاة بترك الاغترار بها،والعمل لما بعدها، ما أورده أبوحيّان في كتاب «الإشارات الإلهية »ولم يسمّ قائله :)دار الفجائع والهموم ودا *** والبت والأحزان والبلوىمُرُّ المذاقة غبّ ما احتلبث *** منها يداك وَبِيَّة المرعىبينا الفَتَى منها بمنزلة ابمنزلة إذ صارت إذ صار تحت تُرابها مُلقیتقفو مساويها محاسنها *** لا شيء بين النَّعي والبشرىولقَلّ يومٌ ذَر شارقه *** إلّا سمعت بهالك يُنعىلا تعتبنّ على الزّمان لما *** يأتي به فلقلّما يَرْضَىللمرء رزقٌ لا يفوت ولو *** جَهَد الخلائق دون أن يفنىيا عامر الدّنيا المعدّ لها ماذا عَمِلتَ لدارك الأخرىوممهد الفُرُش الوطيئة لا *** تُغفِلْ فراش الرقدة الكبرىلوقد دعيت لقد أجبت لما *** تُدعى له فانظر متى تُدعى!أتراك تُحصي كم رأيت من ال أحياء ثمّ رأيتهم موتىمن أصبحت دنياه همّته *** فمتى ينال الغايةَ القُصْوَى!سبحان من لاشيء يَعدِلُه *** كم من بصير قلبه أعمى!والموتُ لا يخفى على أحدٍ *** ممَّن أرى وكأنه يخفىوالليلُ يَذهبُ والنهارُ بأحبابي،*** ولیس عليهما عدوّى
1) سورة الحديد، الآيتان: 22 23
## ومن كلام له(علیه السلام قاله قبل موته على سبيل الوصيّة لما ضَرَبه ابن مُلجَم لعنه اللّه)الأصل: وَصِيَّنِي لَكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِاللّه شَيْئًا، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَلَا تُضَبِّعُوا مَتَهُ، أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هَلَيْن الْمِصْبَاحَيْنِ، وَخَلاكُمْ ذَم! أَنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ، إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ، وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ، فَاعْفُوا : ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُم (1)وَالله مَا فَجَأَنِي مِنَ المَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ، وَلا طَالِعُ أَنْكَرْتُهُ، وَمَا كُنْتُ إِلَّا كَفَارِبٍ وَرَدَ، وَطَالِب وَجَدَ، (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَار) (2)قَالَ الرّضِيُّ رَحِمَهُ اللّه تَعَالَى : أَقُولُ وَقَدْ مَضَى بَعْضُ هَذَا الْكَلام فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْخُطب، إِلَّا أَنَّ فِيهِ هَاهُنَا زِيَادَةً أَوْجَبَتْ تَكْرِيرَهُ.)الشرح: فإن قلت : لقائل أن يقول : إذا أوصاهم بالتوحيد واتّباع سنّة النبّي(صلی اللّه علیه واله فلم يبقَ شيءٌ بعد ذلك يقول فيه : أقيموا هذين العمودين وخَلاكم ذمّ، لأنّ سنّة النبّي (صلى اللّه عليه واله) فعل كل واجب وتجنب كل قبيح، فخلاهم ذمّ فماذا يقال؟ والجواب أن كثيراً من الصَّحابة كلَّفوا أنفسهم أموراً من النوافل شاقّة جداً، فمنهم من كان يقوم الليل كلّه، ومنهم من كان يصوم الدهر كلّه، ومن ومنهم المرابط في التّغور، ومنهم المجاهد مع سقوط الجهاد عنه لقيام غيره به ، ومنهم تارك النّكاح، ومنهم تارك المطاعم والملابس، وكانوا يتفاخرون بذلك، ويتنافسون فيه، فأراد (علیه السلام)أن يبين لأهله وشيعته وقتَ الوصية أنّ المهمّ الأعظم هو التوحيد، والقيام بما يُعلم من دين محمد(صلی اللّه علیه واله) أنه واجب ، ولا عليكم بالإخلال بما عدا ذلك، فليت من المائة واحداً نهض بذلك، والمراد ترغيبهم بتخفيف وظائف التكاليف عنهم، فإن اللّه تعالى يقول :«ويُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (3))
وقال(علیه السلام! :«بعثتُ بالحنيفية السهلة السَّمحة» (1)قوله :«وخَلاكم ذمّ» :لفظة تقال على سبيل المثل أي قد أعذَرتم، وسقط عنكم الذمّ. ثم قسم أيامه الثلاثة أقساماً فقال : أنا بالأمس صاحبكم أي كنت أرجى وأخاف، وأنا اليوم عبرةٌ لكم، أي عِظة تعتبرون بها. وأنا غداً مفارقكم، أكون في دار أخرى غير داركم. ثم ذكر أنه إن بقي ولم يمث من هذه الضربة فهو وليّ دمه، إن شاء عفا، وإن شاء اقتصّ، وإن لم يبق فالفناء الموعد الذي لا بدّ منه. ثم عاد فقال : وإن أغفُ والتقسيم ليس على قاعدة تقسيم المتكلّمين والمعنى منه مفهوم ،وهو إما أن أسلم من هذه الضربة أو لا أسلم، فإن سلمت منها فأنا وليّ دمي، إن شنتُ عفوتُ فلم أقتصّ، وإن شئتُ اقتصصتُ، ولا يعني بالقصاص ها هنا القتل، بل ضربة بضربة، فإن سَرَتْ إلى النفس كانت السراية مهدرة كقطّع اليد. ثم أوْمَاً إلى أنه إن سلم عفا بقوله : إن العفو لي إن عفوت قربة .)ثم عُدنا إلى القسم الثاني من القسمين الأولين، وهو أنه(علیه السلام لا يسلم من هذه، فولاية الدم إلى الورثة، إن شاؤوا اقتصوا وإن شاؤوا عفوا .)ثم أوما إلى أنَّ العفو منهم أحسن ، بقوله : «وهو لكم حسنة»، بل أمرهم أمراً صريحاً بالعفو، فقال : فاعفوا «أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ» (2. وهذا لفظ الكتاب العزيز، وينبغي أن يكون أمره بالعفو في هذا الكلام محمولاً على النّدب . ثم أقسم(علیه السلام) أنه ما فجأه من الموت أمر أنكَرَه ولا كرهه، فجأني الشيء: أتاني بغتةً . ثم قال:«ما كنتُ إلّا كقارِب وَرَد» ، والقارب : الذي يسير إلى الماء وقد بقي بينه وبينه ليلة واحدة، والاسم القَرَب فهم ،قاربون ولا يقال «مقربون»، وهو حرف شاد.)## ومن وصية له (علیه السلامبما يعلم في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين الأصل: هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عبد الله عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِير المُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهُ لِيُولَجَهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيُعْطِيهُ بهِ الْآمَنَةَ .)
الشرح: قد عاتبت العثمانية وقالت : إن أبا بكر مات ولم يخلف ديناراً ولا درهماً، وإن عليا (علیه السلاممات وخلف عقاراً كثيراً - يَعنون نَخْلاً - قيل لهم : قد عَلِم كل أحد أنّ عليا(علیه السلام) استخرج عيوناً بكد يده بالمدينة وتنبع وسُوَيْعة، وأحيا بها مواتاً كثيراً، ثم أخرجها عن ملكه، وتصدّق بها على المسلمين، ولم يمت وشيء منها في ملكه، ألا ترى إلى ما تتضمّنه كُتب السيّر والأخبار من منازعة زيد بن علي وعبد اللّه بن الحسن في صَدَقات علي(علیه السلام)، ولم يُورث على(علیه السلام) البنيه قليلاً من المال ولا كثيراً إلا عبيده وإماءه وسَبْعَمَائة درهم من عطائه، تركها ليشتري بها خادماً لأهله قيمتها ثمانية وعشرون ديناراً ، على حَسَب المائة أربعة دنانير، وهكذا كانت المعاملة بالدراهم إذ ذاك، وإنما لم يترك أبو بكر قليلاً ولا كثيراً لأنه ما عاش ،ولو عاش لترك ،الا تَرَى أنّ عمر أصدق أم كلثوم أربعين ألف درهم، ودفعها إليها! وذلك لأن هؤلاء طالت أعمارهم، فمنهم من دَرَّتْ عليه أخلاف التّجارة، ومنهم من كان يستعمر الأرض ويزرعها ، ومنهم من استفضل من رزقه من الفيء.)وفضلهم أمير المؤمنين (علیه السلام بأنه كان يعمل بيده، ويَحرث الأرض ويَسْتَقي الماء ويغرس النّخل ، كل ذلك يباشره بنفسه الشريفة، ولم يستبق منه لوقته ولا لعقبه قليلاً ولا كثيراً، وإنما كان صَدَقَةٌ، وقد مات رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) له وله ضياع كثيرة جليلة جداً بخيبر وفَدَك وَبَني النضير، وكان له وادِي نخلة وضياع أخرى كثيرة بالطائف، فصارت بعد موته صدقة بالخبر الذي رواه أبوبكر. فإن كان على (علیه السلام) المعيباً بضياعه ونخله فكذلك رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وهذا كفر والحاد! وإن كان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إنَّما ترك ذلك صَدَقة فرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لا مَا رَوَى عنه الخبر في ذلك إلا واحد من المسلمين، وعلي(علیه السلام) كان في حياته قد أثبت عند جميع المسلمين بالمدينة أنّها صدقة، فالتهمة إليه فى هذا الباب أبعد. ورُويَ : «ويُعطيني به به الأمنة» ، وهي الأمن.)الأصل: منها : فَإِنَّهُ يَقُومُ بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُنْفِقُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَنٍ حَدَتْ وَحُسَيْنُ حَيٌّ ، قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَأَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ، وَإِنَّ لَا بَنَيْ فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقَةِ عَلِيٍّ مِثْلَ الَّذِي لِبَني عَلِيٍّ . وَإِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ إِلَى ابْنَيْ فَاطِمَةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَقُرْبَةٌ إِلَى رَسُولِ اللّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَتَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ، وَتَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ، وَيُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أَمِرَ بِهِ وَهُدِي لَهُ، وَأَلا يَبِيعَ مِنْ أَوْلادِ نَخِيلٍ هَذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةٌ حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا فِرَاساً .
وَمَنْ كَانَ مِنْ إِمَائي اللاتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ لَهَا وَلَدٌ أَوْ هِيَ حَامِلٌ فَتُمْسَكَ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظِّهِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُ وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ . قَالَ السيّد الرَّضِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى : قولهُ عليهِ السَّلامُ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّة وَأَلَّا يَبِيعَ مِنْ نَخْلِهَا وَدِيَّةٌ»، الْوَدِيَّةُ : الفَسِيلَةُ، وَجَمْعُهَا وُدِيٌّ .قَوْلُهُ(علیه السلام:«حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا فِرَاساً» ، هُوَ مِنْ أَفْصَحَ الْكَلامِ، وَالمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْأَرْضَ يَكْثُرُ فِيهَا غِرَاسُ النَّخْلِ حَتَّى يَرَاهَا النَّاظِرُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الصَّفَةِ الَّتِي عَرَفَهَا بِهَا ، فَيُشْكِلَ عَلَيْهِ أَمْرُهَا وَيَحْسبها غَيْرَهَا .)الشرح : جَعَلَ للحَسَن ابنه(علیه السلام الولاية صدقات أمواله، وأذن له أن يأكل منه بالمعروف، أي لا يُسرِف، وإنما يتناول منه مقدار الحاجة، وما جرت بمثله عادة من يتولّى الصدقات كما قال اللّه تعالى: «وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا» (1))ثم قال : فَإن مات الحسن والحسين، بعده حي فالولاية للحسين، والهاء في «مصدره» ترجع إلى الأمر، أي يصرفه في مصارفه التي كان الحسن يصرفه فيها. ثم ذكر أن لهذين الولدين حصّة من صدقاته أُسوَةً بسائر البنين، وإنما قال ذلك لأنه قد يتوهم متوهم أنهما لكونهما قد فوّض إليهما النظر في هذه الصدقات، قد منعا أن يُسهما فيها بشيء، وأن الصدقات إنما يتناولها غيرهما من بني علي (علیه السلامممّن لا ولاية له مع وجودهما، ثم بيّن لماذا خصهما بالولاية؟ فقال : إنّما فعلت ذلك لشرفهما برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، فتقربت إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بأن جعلت لسبطيه هذه الرياسة، وفي هذا رَمز وإزراء بمن صَرَف الأمر عن أهل بيت رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) وجود من يصلح للأمر، أي كان الأليق بالمسلمين والأولى أن يجعلوا الرّياسة بعده لأهله قريةً إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وتكريماً لحرمته، وطاعةً له، وأنفَة لقذره، وأن تكونَ وَرَثْتُه سُوقةً ، يليهم الأجانب، ومن ليس من شَجَرته وأصله . ألا ترى أنّ هيبة الرّسالة والنبّوة في صدور الناس أعظم إذا كان السلطان والحاكم في الخلق من بيت النّبوة، وليس يُوجد مثل هذه الهيبة والجلال في نفوس الناس للنبّوة إذا كان السلطان الأعظمُ بعيد النسب من صاحب الدعوة (علیه السلام)! ثم اسْتَرَط على مَنْ يلي هذه الأموال أن يتركها على أصولها ، ويُنفق من ثمرتها، أي لا يقطع النخل والثمر ويبيعه خَشَباً وعيداناً، فيفضي الأمرُ إلى خراب الضّياع وعُطّلة العقار.)
1) سورة التوبة، الآية : 60 .
قوله : «وألا يبيع من أولاد نخيل هذه القُرى» أي من الفُسْلان الصّغار، سمّاها، أولاداً، وفي بعض النسخ ليست أولاد «مذكورةً، والوَدِيّة : الفَسِيلة . تُشكل أرضها : تمتلىء بالغراس حتى لا يبقى فيه طريقة واضحة. قوله :« أطوف عليهنّ» ، كنايةٌ لطيفة عن غشيان النساء، أي من السّراري، وكان (علیه السلام يذهب إلى حِل بَيع أمهات الأولاد، فقال: من كان من إمائي لها ولد منّي، أو هي حامل منّي وقسمتم تركتي فلتكن أمُّ ذلك الولد، مبيعة على ذلك الولد، ويُحَاسَب بالثمن من حصّته من اللّه التركة، فإذا بيعث عليه عتقتْ عليه، لأنّ الولد إذا اشتَرَى الوالد عتق الوالد عنه، وهذا معنى. قوله «فتُمسَك على ولدها» أي تقوم عليه بقيمة الوقت الحاضر، وهي من حظّه، أي من نصيبه وقسطه من التركة.)قال : فإن مات ولدها وهي حية بعد أن تقوم عليه فلا يجوز بيعها لأنها خرجت عن الرّق بانتقالها إلى ولدها، فلا يجوز بيعها . فإن قلت : فلماذا قال : فإن مات ولدها وهي حية؟ وهلا قال : فإذا قوّمت عليه عتقت؟ قلت : : لأن موضع الاشتباه هو موتُ الولد وهي حيَّة، لأنه قد يَظُنُّ ظَانٌ أنه إنما حَرُم بيعها لمكان وجود ولدها، فأراد(علیه السلام أن يبين أنها قد صارت حُرّة مطلقاً سواء كان ولدها حَيًّا أو ميتاً .)## ومن وصية له (علیه السلامكان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات وإنّما ذكرنا هنا جُمَلاً منها ليُعلم بهاأنّه (علیه السلام) كان يقيم عِمادَ الحق، ويشرع أمثلة العذل في صغير الأمور وكبيرها ودقيقها وجليلها)الأصل: انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللَّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً، وَلَا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِها ، وَلاَ تَأْخُذَنْ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقٌّ اللَّهُ فِي مَالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثُمَّ أمْضِ ِإِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ ، حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وَلا تُخْدِج بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ ثُمَّ تَقُولَ: عِبَادَ الله أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَليُّ الله وَخَلِيفَتُه ، لأخُذَ مِنكُمْ حَقَّ اللّه فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ اللّه فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٌّ فَتُؤدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لا ، فَلا تُرَاجِعْهُ ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ، أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ، فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلا تَدْخُلْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ أَكْثَرَهَا لَهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلْطٍ عَلَيْهِ، وَلا عَنِيفٍ
بِهِ وَلا تُنْفَرَنَّ بَهِيمَةٌ وَلا تُفْزِعَنَّهَا، وَلا تَسُومَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا . وَأَصْدَعِ الْمَالَ صَدْهَيْنِ ثُمَّ خَيْرُهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلا تَعْرِضَنَّ لِمَا أَخْتَارَهُ. ثُمَّ أَصْدَع الباقي صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيْرَهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلا تَعْرِضَنَّ لما اخْتَارَه، فَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّ اللَّه فِي مَالِهِ، فَاقْبِضْ حَقَّ للّه مِنْهُ.فَإِن اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ، ثُمَّ أصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقٌّ الله فِي مَالِهِ. وَلا تَأْخُذَنَّ عَوْداً وَلاَ هَرِمَةً وَلا مَكْسُورَةٌ وَلا مَهْلُوسَةٌ، وَلا ذَاتَ عَوَارٍ، وَلا تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَيْقُ بِدِينِهِ، رَافِقاً بِمَالِ المُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصِّلُهُ إِلَى وَلِبِّهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ، وَلَا تُوَكَّلْ بِهَا إِلَّا نَاصِحاً شَفِيقاً وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعَنِّفٍ وَلا مُجْحِفٍ وَلا مُلْغِبٍ وَلا مُنْعِبٍ.ثُمَّ أحْدُرْ إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ، نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ الله، فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقةٍ وَبَيْنَ فَصيلَهَا، وَلا يَمْصُرْ لَبَنَهَا فَيضُرَّ ذَلِكَ بِوَلَدِهَا، وَلَا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً ، وَلْيَعْدِلُ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذَلِكَ ،وَبَيْنَهَا ، وَلْيُرَفِّهُ عَلَى اللَّاغِبِ، وَلْيَسْتَانِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ، وَلْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُرِ، وَلا يَعْدِلُ بِهَا عَنْ نَبَتِ الْأَرْضِ إِلَى جَوَادُ الطُّرُقِ، وَلْيُرَوِّحْهَا في السَّاعَاتِ وَلْيُمْهِلْهَا عَنْدَ النِّطَافِ وَالْأَعْشَابِ، حَتَّى تَأْتِينَا بِإِذْنِ اللهِ بُدَّنَا مُنْقِيَاتٍ، غَيْرَ مُتعَبَاتٍ وَلا مَجْهُودَاتٍ لِتَقْسِمهَا عَلَى كِتَاب الله وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ إِنْ شَاءَ اللّه .الشرح: وقد كَرّر(علیه السلامقوله :«التقسمها على كتاب اللّه وسنّة نبيّه (صلی اللّه علیه واله)» في ثلاثة مواضع من هذا الفضل: الأوّل قوله :«حتى يوصله إلى وليّهم ليقسمّه بينهم». الثاني)قوله(علیه السلام:«نصيره حيث أمر اللّه به».)الثالث قوله: «لنَقِسمها عَلَى كتاب اللّه»، والبلاغة لا تقتضي ذلك، ولكني أظنه أحب أن يحتاط، وأن يدفع الظُّنّة عن نفسه، فإن الزمان كان في عهده فقد فَسدَ، وساءت ظُنونُ الناس، لا سيما مع ما رآه من عثمان واستثثاره بمال الفيء. ونعود إلى الشرح . قوله (علیه السلام:«على تَقوى اللّه»، «على» ليست متعلّقة ب- «انطلق»، بل)بمحذوف تقديره : مُواظِباً . قوله: «ولا تُرَوعَنْ» أي لا تُفَزِّعَنّ ،والرَّوع الفَزَع ، رُعتُه أروعه، ولا تُروِّعن بتشديد الواو وضَمٌ حَرف المضارعة من روّعت للتكثير.
قوله(علیه السلام :«ولا تجتازنّ عليه كارها»، أي لا تَمُرنّ ببيوت أحدٍ من المسلمين يكره مُرورك . ورُوِي :«ولا تَختارَنّ عليه»، أي لا تقيم ماله وتختَرْ أحدَ القِسمين، والهاء في «عليه» ترجع إلى «مُسلِماً» وتفسير هذا سيأتي في وصيّته له أن يصدّع المال ثم يصدعه، فهذا هو النّهي عن أن يختار عَلَى المسلم. والرواية الأولى هي المشهورة.)قوله (علیه السلام: «فأنزل بمائهم»، وذلك لأنّ الغريب يُحمَد منه الانقباض، ويُستَهْجَن في القادم أن يُخالط بيوت الحي الذي قدم عليه فقد يكون من النساء من لا تليق رؤيته، ولا يحسُنُ سماعُ صوته،و من الأطفال من يستهجن أي يرى الغريب انبساطه على أبويه وأهله، وقد يكره القومُ أن يطلع الغريبُ عَلَى مأكلّهم ومشرّبهم وملبسهم وبواطن أحوالهم، وقد يكونون فقراء فيكرهون أن يعرف فقرهم فيحتقرهم، أو أغنياء أرباب ثروة كثيرة فيكرهون أن يعلم الغريب ثروتهم فيحسدهم، ثم أمره أن يمضي إليهم غير متسرّع ،ولا عَجِل ولا طائش نزق، حتى يقوم بينهم فيسلّم عليهم ويحيّيهم تحيّة كاملة، غير مخدّجة، أي غير ناقصة، أخدجَتِ الناقةُ إذا جاءت بولدها ناقص الخَلْق، وإن كانت أيامه تامّة، وخَدَجتْ : ألقت الولد قبل تمام أيّامه. ورُوي: «ولا تُحدج بالتحية»، والباء زائدة. ثم أمره أن يسألهم : هل في أمولهم حق اللّه تعالى؟ يعني الزّكاة، فإن قالوا :لا،فلينصرف عنهم، لأنّ القول قول ربِّ المال، فلعلّه قد أخرج الزكاة قبل وصول المصدّق إليه. قوله :«وأنعم لك»، أي قال: نعم. ولا تعسفه أي لا تطلب منه الصدقة عَسْفاً، وأصله الأخذ عَلَى غير الطريق .ولا تُرهِقه : لا تكلّفه العسر والمشقّة.)ثم أمره أن يقبض ما يدفع إليه من الذّهب والفضة وهذا يدل على أن المصدّق كان يأخذ العَينَ والوَرِق كما يأخذ الماشية، وأن النّصاب في العَيْن والوَرِقُ تُدفع زكاتُه إلى الإمام ونوابه ، وفي هذه المسألة اختلاف بين الفقهاء.قوله :«فإن أكثرها له»كلامٌ لا مَزيدَ عليه في الفصاحة والرِّياسة والدِّين، وذلك لأن الصدقة المستحقة جزءٌ يسير من النصاب والشَّريك إذا كان له الأكثر حرم عليه أن يدخل ويتصرّف إلا بإذن شريكه، فكيف إذا كان له الأقل. قوله: «فلا تَدخُلها دخول متسلط عليه»، قد علم(علیه السلام أن الظلم من طبع الولاة، و خصوصاً من يتولى قبضَ الماشية من أربابها على وجه الصَّدقة، فإنهم يدخلونها دخول متسلّط حاكم قاهر، ولا يبقى لرب المال فيها تصرُّف ،فنهى(علیه السلام) عن مثل ذلك .قوله :«ولا تنفّرنّ ،بهيمةٌ، ولا تُفَزّعنّها»، وذلك أنّهم على عادة السُّوء يُهَجهجون بالقطيع)
حتى تنفر الأبل، وكذلك بالشّاء إظهاراً للقوة والقهر، وليتمكن أعوانهم من اختيار الجيّد، ورفض الرديء. قوله : «ولا تسوءَنّ صاحبها فيها» أي لا تغمّوه ولا تُحزنوه، يقال: سؤته في كذا سوائيةًومسائية . قوله :« واضدَع المال صدعين وخيره» أي شقّه نصفين ثم خَيْره ، فإذا اختار أحد النّصفين فلا تَعرِضنّ لما اختار ، ثم اصدع النصف الذي ما ارتضاه لنفسه صَدْعين وخيره ، ثم لا تزال تفعل هكذا حتى تُبقي من المال بمقدار الحق الذي عليه، فاقبضه منه، فإن استقالك فأقله، اخلط المال، ثم عُد لمثل ما صنعت حتى يرضى، وينبغي أن يكون المعيبات الخمس وهي المَهْلوسة والمكسورة وأخواتهما يخرجها المصدّق من أصل المال قبل قسمته ثم يقسم وإلا فربما وقعت في سهم المصدّق إذا كان يعتمد ما أمره به من صدع المال مرة بعد مرة .والعود: المُسِنّ من الإبل، والهرمة ،المسنّة أيضاً ،والمكسورة ،التي أحد قوائمها مكسورة العظم أو ظهرها مكسور، والمهلوسة: المريضة قد هلسها المرض وأفنى لحمها والهلاس : السّلَ : والعَوار : بفتح العين : العيب، وقد جاء بالضَم . والمعنّف : ذو العنف بالضم وهو ضِدّ الرّفْق . والمجْحِف الذي يسوق الماء سوقاً عنيفاًفيجحف به أي يهلكه أو يذهب كثيراً من لحمه ونقيه . والمُلغَب، المُتعب، واللُّغوب: الإعياء. وحدرتُ السفينة وغيرها - بغير ألف - أحدرها بالضم .قوله:« بین ناقة وبين فصيلها» الأفصح حذف بين الثانية، لأنّ الاسمين ظاهران، وإنما تكرّر إذا جاءت بعد المضمر،كقولك: المال بيني وبين زيد وبين عمرو، وذلك لأنّ المجرور لا يُعطف عليه إلا بإعادة حرف الجر والاسم المضاف، وقد جاء: المالُ بين زيد وعمرو وأنشدوا :بين السّحاب وبين الرِّيح ملحَمَةٌ *** فَعاقِع (1وظبى في الجوّ تخترط وأيضاً :)بين النَّدِي وبين برقة ضاحك *** غَيْتُ الضّرِيكِ وفارس مقدامُومن شعر الحماسة :وإن الذي بيني وبين بني أبي *** وبين بني عمّي لمختلف جدًاوليس قول من يقول : إنه عطف بين الثالثة على الضمير المجرور بأولى من قول من يقول : بل عطف بين الثالثة على بين الثانية، لأنَّ المعنى يتم بكلّ واحد منها.
1) القعاقع تتابع الرعد القاموس المحيط مادة (قعع).
قوله(علیه السلام :« ولا تَمْصُر لبنها» المضر حَلْب ما في الضرع جميعه، نهاه من أن يحلب اللبن كلّه فيبقى الفَصيلُ جائعاً، ثم نهاه أن يُجهدها ركوباً ، أي يُتعبها ويُحمّلها مشقّة، ثم أمَرَه أن يعدل بين الركاب في ذلك، لا يخصّ بالركوب واحدةً بعينها، ليكون ذلك أروح لهنّ، ليرفه على اللاغب، أي ليتركّه وليُعفه عن الركوب ليستريح. والرفاهية : الدعة والراحة. والنقّب : ذوالنقب، وهو رقة خُف البعير حتى تكاد الأرض تجرحه : أمر أن يستأني بالبعير ذي النقب، من الأناة، وهي المُهلة.)والطالع : الذي ظَلَع ، أي غَمز في مَشْيه . والغُدُر : جمع غدير الماء. وجوادّ الطريق : حيثلا ينبت المرعَى. والنّطاف : جمع نطفة ،وهي الماء الصافي القليل. والبُدّن بالتشديد: السّمان، واحدها بادن. ومُنقيات: ذوات نقي، وهو المُخّ في العظم، والشحم في العَين من السِّمَن ، وأنْقَت الإبلُ وغيرها : سمنت وصار فيها نقيّ ، وناقة مُنقيّة، وهذه الناقة لا تُنقي.## ومن عهد له(علیه السلام إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة)الأصل: آمُرُهُ بِتَقْوَى الله فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ، وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ، حَيْثُ لا شَاهِدَ غَيْرُهُ، وَلا وَكِيلَ دُونَهُ . وَآمُرُهُ أَلا يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَة الله فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِف إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا أَسَرَّ ، وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِف سِرُّهُ وَعَلانِيَتُهُ، وَفِعلُهُ وَمَقَالَتُهُ، فَقَدْ أَدَّى الأمَانَةَ، وَأَخْلَصَ العِبَادَةَ. وَآمُرُهُ أَلا يَجْبَهَهُمْ، وَلا يَعْضَهَهُمْ، وَلا يَرْغَبَ عَنْهِمْ تَفَضَّلاً بِالإِمَارَةِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمُ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، والأعْوَانُ عَلَى اسْتِحْرَاجِ الْحُقُوقِ .وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقَّاً مَعْلُوماً ، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَذَوِي فَاقَةٍ . وَإِنَّا مُوَفُوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلَّا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيامَةِ. وَيُؤْسَى لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ الله الْفُقَرَاءُ وَالمَساكِينُ، وَالسَّائِلُونَ وَالمَدْعُوهُونَ، وَالْغَارِمُونَ وَابْنُ السَّبِيلِ ! وَمَن أَسْتَهانَ بالأَمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْخِيانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا ، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّل والْخِرْيَ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَذَلُّ وَالخَزَى، وَإِنْ أَعْظَمَ الْخِيانَةِ خِيانَةُ الأُمَّةِ، وَأَفَظَعَ الغش غش الأئِمَّةِ. وَالسّلام.
الشرح: حيث لا شهيد ولا وكيل دونه، يعني يوم القيامة. قوله : «ألا يعمل بشيء من طاعة اللّه فيما ظهر»، أي لا يُنافق فيعْمَل الطاعة في الظاهر. والمعصية في الباطن .ثم ذكر أن الذين يتجنّبون النّفاق والرّياء هم المُخلصون. وألّا يجبههم: لا يواجههم بما يكرهونه، وأصل الْجَبْهِ الْجَبْهة أو ضَرْبُها، فلمّا كان المواجه غيره بالكلام القبيح كالضّارب جبهته به سُمِّي بذلك جَبْهاً . قوله :« ولا يعضههم»: أي لا يرميهم بالبُهتان والكَذِب، وهي العَضِيهة، وعَضِهتُ فلاناً عَضُها ، ، وقد عَضِهتَ يا فلان أي جئتَ بالبهتان.قوله :« ولا يرغب عنهم تفضّلاً»، يقول: لا يحقرهم ادّعاء لفضله عليهم، وتمييزه عنهم بالولاية والإمرة، يقال: فلان يرغب عن القوم، أي يأنف من الانتماء إليهم، أو من المخالطة لهم .وكان عمر بن عبد العزيز يدخُل إليه سالم مولى بني مخزوم وعمرُ في صدر بيته فيتنحّى عن الصَّدْر، وكان سالم رجلاً صالحاً، وكان عمر أراد شراءه وعتقّه، فأعتقه مواليه، فكان يسمّيه : أخي في اللّه، فقيل له : أتتنحى لسالم ! فقال : إذا دخل عليك من لا تَرَى لك عليه فضلاً فلا تأخذ عليه شرف المجلس. وهمّ السراج ليلة بأن يخمُد، فوَثَب إليه رجاء بن حيوة ليُصلحه، فاقسم عليه عمر بن عبد العزيز، فجلس ثم قام عمر قام عمر فأصلحه،فقال له رجاء:أتقوم أنت أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قمتُ وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعتُ وأنا عمر بن عبد العزيز . قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله :« لا تَرفَعوني فوق قدري فتقولوا في ما قالت النصارى في ابن مريم، فإنّ اللّه عزّ وجلّ اتخذني عبداً قبل أن يتخذني رسولاً».(1))ثم قال : إنّ أرباب الأموال الذين تجب الصدقة عليهم في أموالهم إخوانك في الدِّين، وأعوانك على استخراج الحقوق، لأنَّ الحق إنما يمكن العالم استيفاؤه بمعاونة رب المال واعترافه به ،ودفعه إليه، فإذا كانوا بهذه الصفة لم يجُز لك عضُهُهم وجَبْهُهم وادّعاءُ الفضل عليهم. ثم ذكر أن لهذا العامل نصيباً مفروضاً من الصدقة ،وذلك بنص الكتاب العزيز، فكما نوفيكنحن حقّكَ يجب عليك أن توفّي شركاءَك حقوقَهم، وهم الفقراء والمساكين والغارمون وسائر الأصناف المذكورة في القرآن ،وهذا يدلّ على أنه(علیه السلام قد فوّضه في صرف الصدقات إلى)
1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير : (2889).
الأصناف المعلومة، ولم يأمره بأن يحمل ما اجتمع إليه ليوزّعه هو(علیه السلام على مستحقّيه كما في الوصيّة الأولى، ويجوز للإمام أن يتولّى ذلك بنفسه، وأن يكله إلى من يثق به من عمّاله . وانتصب «أهلَ مَسكنة» لأنّه صفة «شركاء»، وفي التّحقيق أن »شركاء» صفةٌ أيضاً موصوفها محذوف، فيكون صفةً بعد صفة .)وقال الراوندي: انتصب «أهل مسكنة» لأنه بَدَل من «شركاء»، وهذا غلط، لأنه لا يُعطى معناه لكون بدلاًمنه. وقال أيضاً : بؤسى، أي عذاباً وشدّة فظنّه منوّناً وليس كذلك، بل هو بؤسَى على وزن «فعلَى» كفُضْلَى ونُعمى، وهي لفظة مؤنثة ، يقال : بؤسى لفلان، قال الشاعر :أرى الحلم بؤسى للفتى في حياته *** ولا عيش إلا ما حَبَاك به الجهلوالسائلون هاهنا هم الرّقاب المذكورون في الآية، وهم المكاتبّون يتعذّر عليهم أداء مالِ الكتابة، فيسألون الناس ليتخلّصوا من ربقة الرّق . وقيل : هم الأسارى يطلّبون فكاك أنفسهم، وقيل: بل المراد بالرّقاب في الآية الرّقيق، يسأل أن يبتاعه الأغنياء فيُعتقوه. والمدفوعون ها هنا هم الذين عناهم اللّه تعالى في الآية بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ الله (1) ، وهم فقراء الغُزاة، سمّاهم مدفوعين لفقرهم. والمدفوع والمدفٌع: الفقير، لأن كل أحد يكرهه ويدفعه عن نفسه . وقيل : هم الحجيج المنقطّع بهم، سمّاهم مدفوعين لأنهم دفعوا عن إتمام حجهم، أو دفعوا عن العوْد إلى أهلهم .)(1.)فإن قلت : لم حملت كلام أمير المؤمنين (علیه السلامعلى ما فسّرته به؟ قلت : لأنه (علیه السلام)إنما أراد أن يذكر الأصناف المذكورة في الآية، فترك ذكر المؤلفة قلوبهم لأن سهمهم سقط سقط بعد موت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقد كان يُدفَع إليهم حين الإسلام ضعيف، وقد أعزه اللّه سبحانه، فاستغنّى عن تأليف قلوب المشركين وبقيت سبعة أصناف ،وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والرّقاب والغارمون وفي سبيل اللّه وابن السبيل.)فأما العاملون عليها فقد ذكرهم(علیه السلام في قوله : «وإن لك في هذه الصدقة نصيباً مفروضاً»، فبقيت سنّة أصناف أتى (علیه السلام) بألفاظ القرآن في أربعة أصناف منها، وهي: الفقراء ،والمساكين، والغارم ،وابن السبيل، وأبدل لفظتين وهما الرّقاب وفي سبيل اللّه بلفظتين وهما السائلون والمدفوعون. فإن قلت: ما يقوله الفقهاء في الصّدقات؟ هل تُصرَف إلى الأصناف كلّها أم يجوز صرفها إلى واحد منها ؟)
1) سورة التوبة، الآية: 60
قلت: أما أبو حنيفة فإنه يقول: الآية قصر لجنّس الصّدقات على الأصناف المعدودة فهي مختصّة بها لا تتجاوزها إلى غيرها،كأنه تعالى قال : إنما هي لهم لا لغيرهم، كقولك: إنما الخلافة لقريش، فيجوز أن تصرّف الصدقة إلى الأصناف كلها ،ويجوز أن تصرف إلى بعضها، وهو مذهب ابن عباس وحذيفة وجماعة من الصحابة والتّابعين. وأما الشافعيّ فلا يرى صرفها إلّا إلى الأصناف المعدودة كلها، وبه قال الزُّهريّ وعكرمة . فإن قلت : فمن الغارم وابنُ السبيل؟قلت : الغارمون الّذين ركبتهم الدّيونُ ولا يملِكون بعدَها ما يَبلغ النَّصاب . وقيل : هم الذين يحملون الحمالات فدينُوا فيها وغَرِموا، وابن السبيل : المسافر المنقطع عن ماله، فهو - وإن كان غنياً حيث ماله موجود – فقير حيث هو بعيد. وقد سبق تفسير الفقير والمسكين فيما تقدّم.قوله : «فقد أحلّ بنفسه الذّل والخزي»، أي جعل نفسه محلا لهما، ويُروى: «فقد أخل بنفسه» بالخاء المعجمة، ولم يذكر الذل والخزي أي جعل نفسه مخلا، ومعناه جعل نفسه فقيراً، يقال: خلّ الرجل : إذا افتقر، وأخَلَّ به غيرُه ، وبغيره أي جَعَل غيره فقيراً، ورُوي : «أحلّ» بنفسه بالحاء المهملة، ولم يذكر «الذلّ والخزي». ومعنى «أحلّ بنفسه» أباحَ دمَه، والرواية الأولى أصحّ، لأنّه قال بعدها : «وهو في الآخرة أذلُّ وأَخزَى». وخيانة الأمّة : مصدرٌ مُضاف إلى المفعول به، لأنّ الساعيّ إذا خان فقد خان الأمّة كلها، وكذلك غِشّ الأئمة، مصدرٌ مُضاف إلى المفعول أيضاً، لأنّ الساعيّ إذا غَشّ في الصدقة فقد غَشّ الإمام.## ومن عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر(رضی اللّهحين قلده مصر)الأصل: فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَابْسُطُ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، حَتَّى لا يَطْمَعَ الْعُظماءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ، وَلا يَبْأسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الله تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنتُمْ أَظْلَمُ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ . وَاعْلَمُوا عِبَادَ الله أَنَّ المُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ، سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا
بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَفِيَ بِهِ المُتْرَفُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ المُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ المُبَلِّغ ، وَالمَنْجَرِ الرَّابِحِ ، أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ الله غَداً فِي آخِرَتِهِمْ، لا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَلا يَنْقُفُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ. فَاحْذَرُوا عِبَادَ الله المَوْتَ وَقُرْبَهُ ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرِ عَظِيمٍ، وَخَطْبٍ جَلِيلٍ، بِخَيْرٍ لا يَكُونُ مَعَهُ شَرِّ أَبَداً ، أَوْ شَرِّ لا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً ، فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا ! وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا ! وَأَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْمَوْتِ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَهُوَ الْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلَّكُمْ . الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ، وَالدُّنْيَا تُظوَى مِنْ خَلْفِكُمْ . فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحَرُهَا شَدِيدٌ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ، دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، وَلا تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ، وَلا تُفَرِّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ .وَإِن أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ الله ، وَأَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ، فَأَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنْهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنّاً بِالله أَشَدُّهُمْ خَوْفاً الله . وَأَعْلَمْ يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرِ، أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْر، فَأَنْتَ محْقُوقُ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ، وَأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لك إِلَّا سَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ، ولا تُسْخِط الله بِرِضًا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّ فِي الله خَلَفَاً مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ مِنَ الله خَلَفٌ فِي غيره. صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا الْمُوَقِّتِ لَهَا، وَلا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغِ، وَلا تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لاشْتِغَالٍ، وَأعْلَمْ أَنَّ كُلّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلاتِكَ.الشرح: آس بينهم : اجعلهم أسوَة، لا تفضّل بعضهم على بعض في اللّحظة والنظرة، ونبه بذلك على وجوب أن يجعلهم أسوة في جميع ما عدا ذلك ،من العطاء والإنعام والتقريب ،كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّمَا أَفٍ (1)قوله : «حتى لا يطمع العظماء في حَيْفك لهم» ، الضمير في «لهم» راجع إلى الرّعية لا إلى)
1) سورة الإسراء، الآية : 23
العظماء،وقدكان سبق ذكرهم في أوّل الخطبة، أي إذا سلكت هذا المسلك لم يطمع العظماء في أن تحيف على الرعيّة وتظلمهم وتدفع أموالهم إليهم، فإنّ ولاة الجور هكذا يفعلون، يأخذون مال هذا فيُعطونه هذا. ويجوز أن يرجع الضمير إلى العظماء، أي حتى لا يطمع العظماء في جَوْرك في القسم الذي إنما تفعله لهم ولأجلهم، فإنّ ولاة الجور يَطمَع العظماء فيهم أن يحيفوا في القسمة في الفيء، ويخالفوا ما حدّه اللّه تعالى فيها، حفظاً لقلوبهم، واستمالة لهم، وهذا التفسير أليقُ بالخطابة ، لأنّ الضمير في «عليهم» في الفقرة الثالثة عائد إلى الضعفاء، فيجب أن يكون الضمير في «لهم» في الفقرة الثانية عائداً إلى العظماء.قوله : «فإن يعذب فأنتم أظلم» أفعل هاهنا بمعنى الصّفة، لا بمعنى التفضيل، وإنما يراد فأنتم الظالمون، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (1). وكقولهم : اللّه أكبر .)ثم ذكر حال الزهاد فقال : أخذوا من الدنيا بنصيب قويّ، وجعلت لهم الآخرة، ويُروى أنّ الفُضَيل بن عياض كان هو ورفيق له في بعض الصّحارى، فأكلا كسرة يابسة، واعترفا بأيديهما ماءً من بعض الغُدْران، وقام الفضيلُ فحطّ رجليه في الماء، فوجد بَرْدَه، فالتذّ به وبالحال التي هو فيها، فقال لرفيقه : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من العيش واللذّة لحسَدونا . وروي «والمتجر المربح»، فالرابح فاعل من ربح ربحاً ، يقال : بيع رابح أي يُربَح فيه،والمُربح : اسم فاعل قد عدّي ماضيه بالهمزة، كقولك : قام وأقمته .قوله : «جيران اللّه غداً في آخرتهم»، ظاهر اللفظ غير مراد ، لأنّ البارى ،تعالى ليس في مكان وجهةٍ ليكونوا جيرانه، ولكن لما كان الجار يُكرم جاره سمّاهم جيران اللّه، لإكرامه إيّاهم، وأيضاً فإن الجنة إذا كانت في السماء والعرش هو السماء العليا، كان في الكلام محذوف مقدَّر، أي جيران عرش اللّه غداً قوله : «فإنَّه يأتي بأمر عظيم، وخطب جليل، بخير لا يكون معه شرٌّ أبداً وشر لا يكون معه خير أبداً» ، نصّ صريح في مذهب أصحابنا في الوعيد، وأنّ من دخل النار من جميع المكلفين فليس بخارج، لأنّه لو خرج منها لكان الموتُ قد جاءه ،بشرٌ معه خير، وقد نفى نفياً عامّاً أن يكون مع الشرّ المعقب للموت خير البتة. قوله :«من ،عاملها»، أي من العامل لها .قوله: «طردَاء الموت»، جمع طريد، أي يطردكم عن أوطانكم ويُخرجكم منها، لابد من ذلك، إن أقمتمُ أخَذَكم، وإن هَرَبتم أدرككم.
1) سورة الروم، الآية : 27
وقال الراوندي طراد ها هنا : جمع طريدة وهي ما طردت من الصيد أو الوسيقة، وليس بصحيح، لأن «فعيلة» بالتأنيث لا تُجمع على فعلاء. وقال النحويّون:إن قوله تعالى:(وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَالْأَرْضِ ،(1)جاء على «خليف» لاعلى «خليفة»، وأنشدوا! لأوس بن حجربيتاً، استعملها جميعاً فيه وهو :)إنّ من القوم موجوداً خَليفته *** وما خَليف أبي ليلى بموجودقوله:«ألزم لكم من ظلّكم»، لأنّ الظلّ لا تصحّ مفارقته لذي الظَّلّ ما دام في الشمس وهذا من الأمثال المشهورة. قوله «معقود بنواصيكم»، أي ملازمٌ لكم،كالشيء المعقود بناصية الإنسان أين ذهب ذهب معه . وقال الراوندي: أي الموت غالبٌ عليكم، قال تعالى: «فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَامِي وَالْأَقْدَامِ»،(2فإن الإنسان إذا أخذ بناصيته لا يُمكنه الخلاص، وليس بصحيح، لأنه لم يقل: «أخذ بنواصيكم». قوله : «والدنيا تُطوَى مِن خلفكم» من كلام بعض الحكماء: الموتُ والناس كسطور في صحيفة يقرؤها قارى ويطوي ما يقرأ، فكلّما ظهر سطر خفيّ سطر. ثم أمره(علیه السلام) بأن يجمع بين حُسن الظنّ باللّه وبين الخوف منه، وهذا مقام جليل لا يصل إليه إلّا كلُّ ضامر مهزول، وقد تقدّم كلامنا فيه. وقال علي بن الحسين(علیه السلام): لو أنزل اللّه عز وجلّ كتاباً أنّه معذّب رجلاً واحداً لرجوتُ أن أكونه، وأنّه راحم رجلاً واحداً لرجوتُ أن أكونَه ، أو أنّه معذّبي لا محالة ما ازددتُ إلا اجتهاداً لئلا أرجع إلى نفسي بلائمة. ثم قال: «ولّيتُك أعظم أجنادي»، يقال للأقاليم والأطراف أجناد ،تقول : وَلِيَ جُندَ الشام، وولي جند الأردن، وولي جند مِصرَ. قوله :«فأنت محقوق»، كقولك حَقِيق وجَدِير وخليق، قال الشاعر :)وإني لمحقوق بألا يطولني *** نَداهُ إذا طاولته بالقصائدِ وتُنافِح : تُجالِد، نافحتُ بالسيف أي خاصمتُ به.قوله :«ولو لم يكن إلّا ساعة من النهار»، المراد تأكيد الوصاة عليه أن يخالف على نفسه، وألا يتّبع هواها، وأن يُخاصم عن دينه، وأن ذلك لازم ،له وواجب عليه، ويلزم أن يفعله دائماً فإن لم يستطع فليفعله ولو ساعة من النهار، وينبغي أن يكون هذا التقييد مصروفاً إلى المنافحة عن الدِّين، لأن الخصام في الدين قد يمنعه عنه مانع، فأما أمره إيَّاه أن يخالف على نفسه فلا
يجوز صرف التقييد إليه، لأنّه يُشعر بأنه مفسوح له أن يتبع هَوَى نفسه في بعض الحالات، وذلك غير جائز، بخلاف المخاصمة والنضال عن المعتقّد.قال:«ولا تُسخط اللّه بَرضا أحد من خلقه، فإنّ في اللّه خَلفاً من غيره، وليس من اللّه خَلَفٌ في غيره» أخَذَه الحَسَنُ البصري فقال لعمر بن هبيرة أمير العراق : إنّ اللّه مانِعُك من يزيدَ، ولم يمنعك يزيدُ من اللّه - يعني يزيد بن عبد الملك . ثم أمره بأن يصلّي الصلاة لوقتها ،أي في وقتها، ونهاه أن يحمله الفراغ من الشغل على أن يُعجلها قبل وقتها ، فإنها تكون غير مقبولة، أو أن يحمله الشّغل على تأخيرها عن وقتها فيأثم. ومن كلام هشام بن عقبة أخي ذي الرّمة - وكان من عقلاء الرّجال - قال المبرد في الكامل : حدّثني العبّاس بن الفَرَج الرِّياشي بإسناده ،قال هشام لرجل أراد سفراً : اعلم أن لكل رُفقة كَلْباً يَشرَكهم في فضل الزّاد ويَهِرّ دونَهم، فإن قدرت ألا تكون كلبَ الرّفقة فافعل، وإيّاك وتأخير الصلاة عن وقتها ، فإنّك مُصَلِّيها لا محالة، فصّلها وهي تُقبل منك.قوله :«واعلم أنّ كل شيء من عملك تبع لصلاتك»، فيه شَبَةٌ من قول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله« الصلاة عماد الإيمان، ومن تَرَكَها فقد هدم الإيمان» .(1)وقال(علیه السلام): «أوّل ما يحاسب به العبدُ صَلاته، فإن سُهّل عليه كان ما بعده أسهل، وإن اشتدّ عليه كان ما بعده أشدّ» .(2))ومثل قوله :«ولا تُسخط اللّه برضا أحد من خلقه»، ما رواه المبرد في «الكامل» عن عائشة قالت : من أَرضَى اللّه بإسخاط الناس كفاه اللّه ما بينه وبين الناس ،ومَن أرضَى الناس بإسخاط اللّه وَكَله اللّه إلى الناس . ومثل هذا ما رواه المبرّد أيضاً قال: لما وُلّي الحسن بن زيد بن الحسن المدينة قال لابن هَرْمة : إنّي لستُ كمن باعَ لك دينه رجاء مدحك، أو خوف ذَمّك، فقد رزقني اللّه عز وجل بولادة نبيّه الممادح، وجنّبني المقابح، وإن من حقّه علي ألّا أُغضِي على تقصير في حقّ اللّه . وأنا أقسم باللّه لئن أتيتُ بك سكران لأضربتك حداً لِلْخَمْر، وحَدَّاً للشكر، ولأزيدنّ الموضع حُرمتك بي فليكن تَركُك لها اللّه عزّ وجلّ تُعَنْ عليه، ولا تدعها للنّاس فتوكّل إليهم، فقال ابن هرمة :
1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان» (2807) ، والحكيم الترمذي في النوادر» (1353)، دون قوله : ومن تركها فقد هدم الإيمان.
2) أخرجه الترمذي، كتاب الصلاة باب أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة (413)، والنسائي كتاب الصلاة باب المحاسبة على الصلاة (466) ، وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب أول ما يحاسب به العبد الصلاة (1416) ، وأحمد كتاب مسند المكثرين باب مسند أبي هريرة (7842)
نهاني ابن الرسول عن المُدام *** وأتبني بآدابِ الكراموقال لي اصطبر عنها ودَعْها *** لخوف اللّه لا خوف الأناموكيف تصبري عنها وحُبّي *** لها حُبّ تمكّن في عظامي!أرَى طيب الحلال علي حبثاً *** وطيب النّفس في خُبث الحرامالأصل: ومن هذا العهد: فَإِنَّهُ لا سَوَاءَ إِمَامُ الْهُدَى وَإِمَامُ الرِّدَى، وَوَليُّ النَّبِيِّ وَعَدُو النبي ، وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ : إِنِّي لا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلا مُشْرِكاً ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللّه بِإِيمَانِهِ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللّه بِشِرْكِهِ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ، عَالِمِ اللّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ.الشرح: الإشارة بإمام الهُدَى إليه نفسه، وبإمام الرَّدى إلى معاوية، وسماء إماماً ، كما سمّى اللّه تعالى أهلَ الضّلال أئمة فقال: (وَجَعَلْتَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (1)ثم وصفه بصفة أخرى وهو أنه عدوّ النبي(صلی اللّه علیه واله) أنه عدوّ النبي ليس يعني بذلك أنه كان عدّوا أيام حَرْب النبي(صلی اللّه علیه واله) لقريش، بل يريد أنه الآن عدوّ النبي(صلی اللّه علیه واله) ، لقوله (صلی اللّه علیه واله)له(علیه السلام):«وعدوّك عدوّي، وعدوّي عدوّ اللّه» .(2)وأوّل الخبر:«وليك وَليّي، ووليّي ولي اللّه» ، وتمامه مشهور ، ولأنّ دلائل النفاق كانت ظاهرة عليه من فَلَتات لسانه ومن أفعاله، وقد قال أصحابنا في هذا المعنى أشياء كثيرة، فلتُطلب من كتبهم، خصوصاً من كُتب شيخنا أبي عبد اللّه ، ومن كتب الشيّخين أبي جعفر الإسكافي وأبي القاسم البلخي، وقد ذكرنا بعض ذلك فيما تقدّم .)ثم قال(علیه السلام : «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال : إني لا أخاف على أمّتي مؤمناً ولا مشركاً »(3)أي ولا مشركاً يُظهر الشّرك ، قال : لأن المؤمن يمنعه اللّه بإيمانه أن يُضلَّ الناس. والمُشرك مظهر الشّرك، يقمعه اللّه بإظهار شركه ويخذله، ويُصرِف قلوبَ الناس عن اتباعه، لأنهم ينفرون منه لإظهاره كملةَ الكُفْر ، فلا تطمئنّ قلوبهم إليه، ولا تَسكُن نفوسهم إلى مقالته، ولكنّي أخاف على أمتي المنافق الذي يُسِرُّ الكفر والضلال، ويُظهِر الإيمان والأفعال الصالحة، ويكون مع ذلك ذا)
لَسَن وفصاحة، يقول بلسانه ما تعرفون صوابه، ويفعل سرًا ما تُنكرونه لو اطلعتم عليه، وذاك أن من هذه صِفتُه تَسكُن نفوس الناس إليه، لأن الإنسان إنما يحكم بالظاهر فيقلّده الناس، فيضلّهم ويوقعهم في المفاسد.ومن الكتب المستحسنة الكتاب الذي كتبه المعتضد باللّه أبو العباس أحمد بن الموفّق أبي أحمد طلحة بن المتوكل على اللّه في سنة أربع وثمانين ومائتين ووزيره حينئذ عبيد اللّه بن سليمان، وأنا أذكره مختصراً من تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري . قال أبو جعفر: وفي هذه السنة عَزَم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس، فخوّفه عبيد اللّه بن سليمان اضطراب العامة، وأنه لا يأمن أن تكون فتنة، فلم يلتفت إليه . فكان أوّل شيء بدأ به المعتضد من ذلك التقدّم إلى العامة بلزوم أعمالهم، وترك الاجتماع والعصبية، والشهادات عند السلطان إلا أن يسألوا ،ومنع القُصَّاص عن القعود على الطرقات، وأنشأ هذا الكتاب وعملت به نسخ قرتت بالجانبين من مدينة السلام في الأرباع والمحال والأسواق يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، ثم منع يوم الجمعة لأربع بقين منه، ومنع القصاص من القعود في الجانبين، ومنع أهل الحلق من القعود في المسجدين، ونودي في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع وغيره وبمنع القصاص وأهل الحلق من القُعود، ونودي : إنّ الذمّة قد برئت ممن اجتمع من الناس في مناظرة أو جدال، وتقدّم إلى الشراب الذين يسقون الماء في الجامعين ألا يترحموا على معاوية، ولا يذكروه بخير، وكانت عادتهم جارية بالترحم عليه، وتحدث الناس أن الكتاب الذي قد أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر ، فلما صلى الناسُ بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب، فلم يُقرأ، وقيل: إن عبيد اللّه بن سليمان صرفه عن قراءته، وإنه أحضر يوسف بن يعقوب القاضي، وأمره أن يُعمل الحيلة في إبطال ما عزم المعتضد عليه، فمضى يوسف فكلّم المعتضد في ذلك، وقال له : إني أخاف أن تضطرب العامة، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة، فقال: إن تحرّكت العامة أو نطقت وضعتُ السيف فيها . فقال : يا أمير المؤمنين، فما تصنع بالطالبيين الذين يخرجون في كل ناحية، ويميل إليهم خلق كثير ، لقربتهم من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وما في هذا الكتاب من إطرائهم - أو كما قال - وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم ،أميل وكانوا هم أبسط السنّة، وأثبت حجةً منهم اليوم. فأمسك المعتضد فلم يردّ إليه جواباً، ولم يأمر بعد ذلك في الكتاب بشيء. وكان من جملة الكتاب بعد أن قدّم حمد اللّه والثناء عليه والصلاة على رسوله (صلی اللّه علیه واله): أما بعد، فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة العامة من شبهة قد دخلتهم في)
أديانهم، وفساد قد لحقهم في معتقدهم، وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم، ونطقت بها ألسنتهم، على غير معرفة ولا رويّة، قد قلّدوا فيها قادة الضلالة بلا بيّنة ولا بصيرة، وخالفوا السنن المتبعة إلى الأهواء المبتدعة، قال اللّه تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَنهُ بِغَيْرِ هُدًى تين اللّه إنَّ اللّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (1). خروجاً عن الجماعة، ومسارعة إلى الفتنة، وإيثاراً للفرقة، وتشتيتاً للكلمة، وإظهاراً لموالاة من قطع اللّه عنه الموالاة، ويتر منه العصمة، وأخرجه من الملة، وأوجب عليه اللعنة، وتعظيماً لمن صغر اللّه حقّه، وأوهن أمره، وأضعف رُكنه، من بني أميّة، الشجرة الملعونة، ومخالفة لمن استنقذهم اللّه به من الهلكة، وأسبغ عليهم به النعمة من أهل بيت البركة والرحمة ،( وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ العَظِیِم)(2). فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك، ورأى ترك إنكاره حَرَجاً عليه في الدين، وفساداً لمن قلده اللّه أمره من المسلمين، وإهمالاً لما أوجبه اللّه عليه من تقويم المخالفين، وتبصير الجاهلين، وإقامة الحجّة على الشاكين، وبسط اليد على المعاندين وأمير المؤمنين يخبركم معاشر المسلمين أن اللّه جل ثناؤه لما ابتعث محمداً (صلی اللّه علیه واله) بدينه، وأمره أن يصدّع بأمره، بدأ بأهله وعشيرته فدعاهم إلى ربه، وأنذرهم وبشرهم، ونصح لهم وأرشدهم، فكان من استجاب له، وصدق قوله، واتّبع أمره نفير يسير من بني أبيه، من بين مؤمن بما أتى به من ربه،وناصر لكلمته وإن لم يتبع دينه إعزازاً له، وإشفاقاً عليه، فمؤمنهم مجاهد ببصيرته، وكافرهم مجاهدٌ بنضرته وحميّته ،يدفعونَ من نابذه ،ويقهرون من عازه وعانده، ويتوثقون له ممن كانفه وعاضده، ويبايعون من سمح بنصرته، ويتجسّسون أخبار أعدائه، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين ،حتى بلغ المدى، وحان وقت الاهتداء، فدخلوا في دين اللّه وطاعته وتصديق رسوله والإيمان به بأثبت بصيرة، وأحسن هدى ورغبة ،فجعلهم الله أهل بيت الرحمة ،وأهل بيت الدين، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً . معدن الحكمة، وورثة النبوّة، وموضع الخلافة. أوجب اللّه لهم الفضيلة، وألزم العباد لهم الطاعة .)وكان ممن عانده وكذّبه وحاربه من عشيرته العدد الكثير والسواد الأعظم، يتلقّونه بالضرروالتشريب، ويقصدونه بالأذى والتخويف وينا بذونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة ويصدّون قصده، وينالون بالتعذيب من اتبعه ،وكان أشدّهم في ذلك عداوة ،وأعظمهم له مخالفة من أوّلهم في كلّ حرب ومناصبة، ورأسهم في كل إجلاب وفتنة ،لا يرفع على الإسلام راية إلا كان صاحبها وقائدها ،ورئيسها أبا سفيان بن حرب صاحب أحد والخندق وغيرهما، وأشياعه
من بني أمية الملعونين في كتاب اللّه ، ثم الملعونين على لسان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله في مواطن عدّة، لسابق علم اللّه فيهم، وماضي حكمه في أمرهم، وكفرهم ونفاقهم فلم يزل لعنه اللّه يحارب مجاهداً، ويدافع مكايداً، ويجلب منابذاً، حتى قهره السيف وعلا أمر اللّه وهم كارهون، فتعوذ بالإسلام غير منطو عليه، وأسر الكفر غير مقلع عنه، فقبله وقبل ولده على علم منه بحاله وحالهم. ثم أنزل اللّه تعالى كتاباً فيما أنزله على رسوله يذكر فيه شأنهم، وهو قوله تعالى :«والشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءان» (1)، ولا خلاف بين أحد في أنه تعالى وتبارك أراد بها بني أمية. (2)ومما ورد من ذلك في السنة، ورواه ثقات الأمة، قول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فيه وقد رآه مقبلاً على حمار ومعاوية يقوده ويزيد يسوقه :«لعن اللّه الراكب والقائد والسائق» (3)ومنه ما روته الرواة عنه من قوله يوم بيعة عثمان: تلقّفوها يا بني عبد شمس تلقٌف الكرة، فواللّه ما من جنة ولا نار، وهذا كُفر صُراح يلحقه اللعنة من اللّه كما لحقت الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عَصَوْا وكانوا يعتدون (4). ومنه ما يُروى من وقوفه على ثنيَّة أحد من بعد ذهاب بصره وقوله لقائده : ها هنا رَمَيْنا محمداً وقتلنا أصحابه (5). ومنها الكلمة التي قالها للعباس قبل الفتح وقد عُرضت عليه الجنود : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ، فقال له العباس: ويحك ! إنه ليس بملك، إنها النبوّة (6). ومنها قوله يوم الفتح وقد رأى بلالاً على ظهر الكعبة يؤذن ويقول: أشهد أن محمداً رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : لقد أسعد اللّه عتبة بن ربيعة إذ لم يشهد هذا المشهد.)ومنه الرؤيا التي رآها رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله فوج لها . قالوا : فما رئي بعدها ضاحكاً، رأى نفراً من بني أمية يَنْزُون على منبره نزوة القِرَدَة (7). ومنها طرد رسول اللّه( صلی اللّه علیه اله) الحكم بن أبي العاص لمحاكاته إيّاه في مشيته، وألحقه اللّه بدعوة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) آفة باقية حين التفت إليه فرآه يتخلّج يحكيه، فقال: «كن كما أنت»،)
1) سورة الإسراء، الآية : 60 .
2) أخرجه الطبري في تاريخه : 185/8.
3) أخرجه المجلسي في البحار : 208/33
4) أخرجه الطبري في تاريخه بما معناه : 185/8 .
5) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 208/33
6) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى : 2/ 135 .
7) ذكره ابن كثير في تفسيره : 52/3 ، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور: 191/4
فبقي على ذلك سائر عمره عمره .(1هذا إلى ما كان من مروان ابنه في افتتاحه أوّل فتنة كانت في الإسلام، واحتقابه كلّ حرام سفك فيها أو أريق بعدها .)ومنها ما أنزل اللّه تعالى على نبيه(صلی اللّه علیه واله ليلة القدر، خير من ألف شهر! قالوا : ملك بني أمية . ومنها أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)دعا معاوية ليكتب بين يديه، فدافع بأمره واعتلّ بطعامه فقال (صلی اللّه علیه واله): «لا أشبع اللّه بطنه» .(2)فبقي لا يشبع وهو يقول : واللّه ما أترك الطعام شبعاً، ولكن إعياء ! (3)،)ومنها أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله قال: «يطلع من هذا الفجّ رجل من أمتي يُحشر على غير ملتي»(4)فطلع معاوية .)ومنها أن رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله قال :«إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» (5).)ومنها الحديث المشهور المرفوع أنه(صلی اللّه علیه واله: قال: إنّ معاوية في تابوت من نار، في أسفل دَرْك من جهنّم ، ينادِي : يا حنّان يا منّان (6). فقال له :« الْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ»(7)ومنها أفتراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإسلام مكاناً، وأقدمُهم إليه سبقاً، وأحسنهم فيه أثراً وذكراً، علي بن أبي طالب ينازعه حقه بباطله، ويجاهد أنصاره بضلاله وأعوانه، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه، من إطفاء نور اللّه ، وجحود دينه( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ ولو كَرِهَ الْكَفِرُونَ) (8)، ويستهوي أهل الجهالة، ويموه لأهل الغباوة بمكره وبغيه اللّذين قدَّم رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)الخبر عنهما ، فقال لعمّار بن ياسر :«تقتلك الفئة الباغية» (9)، «تدعوهم)
1) أخرج نحوه الهيثمي في مجمع الزوائد) (243/5)، والطبراني (3167).
2) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة باب من لعنه النبي أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك : (2604)، دون الزيادة فبقي لا يشبع ... إلخ .
3) حتى قال يوماً : لو أن الدنيا في يدي بيضة ،أحسوها ، أنظر ربيع الأبرار: 774/2
4) أخرجه الطبري في تاريخه : 186/8
5) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 187/33 .
6) أخرجه الطبري في تاريخه : 186/8 ، وأخرجه الشيخ الأميني في الغدير : 142/10 .
7) سورة يونس الآية : 91
8) سورة التوبة، الآية : 32
9) أخرجه مسلم كتاب الفتن باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (2916) والترمذي كتاب : المناقب، باب مناقب عمار بن ياسر (3800) ، وأحمد، كتاب : المكثرين من الصحابة، باب مسند عبد الله بن عمرو بن العاص (6463) .
إلى الجنّة ويدعونك إلى النار»، مؤثراً للعاجلة، كافراً بالآجلة خارجاً من ربقة الإسلام مستحلًا للدّم الحرام، حتّى سُفك في فتنته، وعلى سبيل غوايته وضلاليه ما لا يُحصَى عَدده من أخبار المسلمين، الذابيّن عن دين اللّه والناصرين لحقِّه، مجاهداً في عداوة اللّه مجتهداً في أن يُعصَى اللّه فلا يُطاع وتُبطل أحكامه فلا تقام، ويُخَالَف دينه، فلا بدّ وأن تعلو كلمة الضّلال وترتفع دعوة الباطل، وكلمة اللّه هي العليا، ودينه المنصور، وحكمه النافذ، وأمره الغالب وكيد من عاداه وحادَّه المغلوب الداحض ،حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما تبعها، وتطوّق تلك الدّماء وما سُفك بعدها، وسَنّ سنن الفساد التي عليه إثمها وإثمُ مَن عَمِل بها ، وأباحَ المحارم لمن ارتكبها، وَمَنع الحقوق أهلها، وغرّته الآمال، واسْتَدْرجه الإمهال .وكان ممَّا أوجب اللّه عليه به اللّعنة قتله من قتل صبراً من خيار الصحابة والتابعين، وأهل الفضل والدِّين، مثل عَمْرو بن الحَمِق الخزاعي وحُجر بن عدي الكندي، فيمن قتل من أمثالهم، على أن تكون له العزّة والملك والغَلَبة، ثم ادعاؤه زياد بن سُميّة أخاً، ونسبته إيَّاه إلى أبيه، واللّه تعالى يقول :(ادْعُوهُمْ لِآبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّه (1)، ورسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) يقول: «ملعون من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه» .(2)وقال: «الولد للفراش وللعاهِرِ الحَجَر».(3)فخالَفَ حكم اللّه تعالى ورسوله جهاراً ، وجَعلَ الولد لغير الفراش والحَجَر لغير العاهر، فأحَلَّ بهذه الدعوة من محارم اللّه ورسوله في أمّ حبيبة أمّ المؤمنين وفي غيرها من النساء من شعور ووجوه قد حرَّمها اللّه وأثبت بها من قُربَى قد أبعدها اللّه ، ما لم يدخل الدّين خللّ مثله، ولم ينل الإسلام تبديل يشبهه .)ومن ذلك إيثاره لخلافة الله على عباده ابنه يزيد السِّكِّير الخمير صاحب الديكة والفهود والقردة، وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسّطوة والتوحد والإخافة والتهديد والرَّهْبة، وهو يعلم سَفَهه، ويطلّع على رَهَقَهِ وحَبْثِه، ويُعاين سكراته وفعلاته، وفجوره وكفره . فلمّا تمكّن - قاتَله اللّه - فيما تمكن منه، طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين، فأوقع بأهل المدينة في وقعة الحرة والوَقْعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش ،فشَفَى عند نفسه غليله، وظَنّ أنه قد انتقم من أولياء اللّه ، وبلغ الثأر لأعداء اللّه، فقال مجاهراً بكفره، ومظهراً لشركه :
1) سورة الأحزاب، الآية : 5
2) أخرجه بلفظه الهيثمي في مجمع الزوائد) (329/9) ، والبزار (3885)، بلفظ : «إلى غير قومه».
3) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات (3885) ، ومسلم، كتاب الرضاع باب : الولد للفراش (1457)، والترمذي كتاب الرضاع باب الولد للفراش (1157))والنسائي، كتاب الطلاق باب إلحاق الولد بالفراش (3428.
ليت أشياخي ببَدْرٍ شَهِدُوا *** جَزَعَ الخزرج من وقع الأسَل قول من لا يرجع إلى اللّه ولا إلى دينه ولا إلى رسوله ولا إلى كتابه، ولا يؤمن باللّه وبما جاء من عنده .أغلظ ما انتَهَك، وأعظمُ ما اجترم، سفکُه دم الحسين بن علي (علیه السلام، مع موقعه من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ومكانه ومنزلته من الدّين والفَضْل والشهادة له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنّة، اجتراء على اللّه ،وكفراً بدينه ،وعداوةً لرسوله ،ومجاهرة لعترته، واستهانة لحرمته ،كأنّما يقتل منه ومن أهل بيته قوماً من كَفَرة التُّرْك والدَّيْلم، ولا يخاف من اللّه نقمة، ولا يُراقب منه سَطْوة، فتَبر اللّه عمره ،وأخبث أصله وفرعه، وسلَبَه ما تحتَ يده، وأعدَّ له من عذابه وعقوبته، ما استحقّه اللّه من بمعصيته .)هذا إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب اللّه، وتعطيل أحكام اللّه ، واتّخاذ مال اللّه بينهم دُولاً، وهدم بيت اللّه ، واستحلالهم حَرَمه ، ونَضبهم المجانيق عليه، ورميهم بالنّيران إيّاه، لا يألون له إحراقاً ،وإخافة، ولِمَا حَرّم اللّه منه استباحة وانتهاكاً، ولمن لجأ إليه قَتْلاً وتنكيلاً، ولمن أمّنه اللّه به إخفاقةً وتشريداً، حتّى إذا حَقَّت عليهم كلمة العذاب، واستحقّوا من اللّه الانتقام، وملؤوا الأرض بالجور والعُدْوان، وعَمُّوا عباد بلادِ اللّه بالظّلم والاقتسار، وحلّت عليهم السخطة، ونزلت بهم من اللّه السّطوة، أتاح اللّه لهم من عترة نبيّه وأهل ،وراثته، ومن استخلصه منهم لخلافته، مثل ما أتاح من أسلافهم المؤمنين، وآبائهم المجاهدين، لأوائلهم الكافرين، فسَفَك اللّه به دماءهم ودماء آبائهم ،مرتدّين كما سَفَك بآبائهم مُشركين، وقطع اللّه دابر الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين.أيّها النّاس إنّ اللّه إنما أمر ليطاع ، ومَثَّل ليتمثّل، وحكم ليفعل، قال اللّه سبحانه وتعالى : «إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَمْ سَعِيرًا » (1، وقال : «أُولَيْكَ يَلْعَهُمُ اللهُ وَيَلْعَهُمُ العنُونَ » (2)فالعنوا أيها الناس مَن لَعَنّه اللّه ورسوله، وفارقوا من لا تنالون القربة من اللّه إلّا بمفارقته، اللهّم العن أبا سُفْيان بن حرب بن أميّة ومعاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وولده وولد ولده اللهّم العن أئمة الكفر، وقادة الضّلال، وأعداء الدّين، ومُجاهدي الرّسول، ومعطّلي الأحكام، ومبدّلي الكتاب ومنتهكي الأم الحرام! اللهمّ إنا نبرأ إليك من مُوالاة أعدائك، ومن الإغماض لأهل معصيتك، كما قلت:« لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (3)أيها الناس، اعرفوا الحقّ تعرفوا أهله، وتأملوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها، فقفوا عند ما)
وَقَفكم اللّه عليه، وانقذوا كما أمركم اللّه به ، وأمير المؤمنين يستعصم باللّه لكم، ويسأله توفيقكم، ويرغب إليه في هدايتكم. واللّه حسبُه، وعليه توكُّله، ولا قوّة إلّا باللّه العلي العظيم.قلت : هكذا ذكر الطّبري الكتاب ،وعندي أنّه الخُطبة، لأنّ كلّ ما يُخطب به فهو خُطبة، وليس بكتاب ،والكتاب ما يُكتب إلى عامل أو أمير ونحوهما، وقد يقرأ الكتاب على المنبر فيكون كالخُطبة، ولكن ليس بخطبة ،ولكنّه كتاب قرى على الناس. ولعلّ هذا الكلام كان قد أنشيء ليكون كتاباً، ويُكتب به إلى الآفاق، ويُؤمَروا بقراءته على الناس، وذلك بعد قراءته على أهل بغداد، والذي يؤكّد كونه كتاباً، وينصر ما قاله الطبري، أن في آخره:«كتب عُبيد اللّه بن سليمان في سنة أربع وثمانين ومائتين»، وهذا لا يكون في الخُطب، بل في الكتب، ولكنّ الطبري لم يذكر أنّه أمر بأن يكتب إلى الآفاق ولا قال: وقع العّزم على ذلك، ولم يذكر إلّا وقوع العّزم على أن يقرأ في الجوامع ببغداد.## ومن كتاب له إلى معاوية جواباً، وهو من محاسن الكتبالأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ أَصْطِفَاءَ اللهُ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِدِينِهِ، وَتَأْبِيدَه إِيَّاهُ لِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَقَدْ خَبَأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً ، إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلاءِ الله تَعَالَى عِنْدَنَا ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا ، فَكُنْتَ فِي ذَلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ، أَوْ دَاعِي مُسَدّدِهِ إِلَى النّضال.وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الْإِسْلام فُلانٌ وَفُلانٌ، فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ أَعْتَزَلَكَ كُلُّهُ، وَإِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ. وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالمَفْضُولَ، وَالسَّائِسَ وَالمَسُوسَ وَمَا لِلطَّلَقاء . وَأَبْنَاءِ الظُّلَقاءِ وَالتَّمْيِيزَ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ ! هَيْهاتَ، لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا ، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيها مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَها ! أَلا تَرْبَعُ أَيُّهَا الْإِنْسانُ عَلَى ظَلْمِكَ، وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ، وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ اخَرَكَ الْقَدَرُ! فَما عَلَيْكَ غَلَبَةُ المَغْلُوب، وَلا ظَفَرُ الظَّافِرِ، فَإِنَّكَ لَدَهّابٌ فِي النّيهِ، رَوّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ. أَلا تَرَى - غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ، وَلَكِنْ بِنِعْمَةِ اللَّه أُحَدِّثُ - أَنَّ قَوْماً أَسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ الله تَعَالَى مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ، وَلِكُلِّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ : سَيْدُ الشُّهَدَاءِ، وَخَصَّهُ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةٌ عِنْدَ صَلاتِهِ عَلَيْهِ !
أَوَ لا تَرَى أَنْ قَوْماً تُطْعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَلِكُلِّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا فَعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ : الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ ! وَلَوْلا مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا تَمُجهَا آذَانُ السَّامَعينَ. فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ ، فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا ، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا ، لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزْنَا، وَلا هَادِيٌّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا ، فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنَا ، فِعْلَ الأكْفَاءِ وَلَسْتُمْ هُنَاكَ. وَأَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللَّهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الأخلافِ، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النّارِ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَمِنْكُمْ حمالة الحطب، فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ! فَإِسْلامُنَا مَا قَدْ سُمِعَ ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لا تُدْفَعُ، وَكِتَابُ الله يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذْ عَنَّا ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللّهِ (1)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِن أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (2)، فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بالْقَرَابَةِ، وَتَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ . وَلَمَّا أَحْتَجَ المُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ فَلَجُوا)عَلَيْهِمْ، فَانْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا ،دُونَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ . وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ، وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ، فَيَكُونَ الْعُشْرُ إِلَيْكَ. وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ هَارُهَا وَقُلْتَ: إِنِّي كُنْتُ أَقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ المَخْشُوشُ حَتَّى أُبَايَعَ، وَلَعَمْرُ اللَّهُ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَدمَّ فَمَدَحَتْ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ وَمَا عَلَى المُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَائًا فِي دِينِهِ، وَلا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ! وَهَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا ، وَلَكِنِّي أَطلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا . ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ، فَأَيْنَا كَانَ أهْدَى لَهُ ، وَأَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِه أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفْهُ، أَمَّنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى
عَنْهُ وَبَنَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ! كَلَّا وَالله لَقَدْ (يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِقِينَ مِنكُر وَالْقَابِلِينَ لإخوانهم ملم إلينا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلَّا قَلِيلًا (1).)وَمَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَانَا ، فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ، فَرُبَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ لَهُ. وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظَّنَّةَ الْمُتَنَصْحُ وَمَا أَرَدْتُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ . وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلَّا السَّيْفُ، فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارًا مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَنِ الْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ، وَبِالسَّيْفِ مُخَوَّفِينَ، ف- لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسانِ شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ، سَاطِعِ قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ أَحَبُّ اللقَاءِ إِلَيْهِمْ لِمَاءُ رَبِّهِمْ، وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُبُوفٌ هَاشِمِيةٌ ،قَدْعَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِها فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (2))## رسالة معاوية إلى علي (علیه السلام)الشرح: سألتُ النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد، فقلتُ: أرى هذا الجواب منطبقاً على كتاب معاوية الذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني إلى علي (علیه السلام ، فإن كان هذا هو الجواب فالجواب الذي ذكره أرباب السيرة وأورده نصر بن مزاحم في كتاب صفّين إذن غير صحيح، وإن كان ذلك الجواب، فهذا الجواب إذن غير صحيح ولا ثابت، فقال لي: بل كلاهما ثابت مروّي، وكلاهما كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) وألفاظه، ثم أمرني أن أكتب ما عليه علي ، فكتبته، قال رحمه اللّه : كان معاوية يتسقّط عليًّا وينعى عليه ما عساه يَذكُره من حالِ أبي بكر وعمر، وأنهما عصباه حقَّه، ولا يزال يكيده بالكتاب يكتبه، والرّسالة يبعثها يطلب غرّته ، ليَنْفُث بما في صَدْره من حال أبي بكر وعمر، إما مكاتبة أو مراسلة، فيجعل ذلك حجّةً عليه عند أهل الشام، ويضيفه إلى)
ما قرره في أنفسهم من ذُنوبه كما زعم ، فقد كان غَمصه عندهم بأنه قتل عثمان ومالاً على قتله، وأنه قتل طلحة والزبير، وأسَرَ عائشة، وأراق دماء أهل البضرة. وبقيت حصلةٌ واحدة، وهو أن يثبت عندهم أنه يتبرأ من أبي بكر وعمر ،وينسبه إلى الظلم ومخالفة الرسول في أمر الخلافة، وأنهما وَثَبَا عليها غَلَبَةٌ ، وغَصَباه إياها، فكانت هذه الطامة الكبرى ليست مقتصرة على فساد أهل الشام عليه، بل وأهل العراق الذين هم جُنده وبطانته وأنصاره، لأنهم كانوا يعتقدون إمامةً الشَّيخين، إلّا القليل الشاذ من خواصّ الشّيعة، فلمّا كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يُغضب عليا ويُحرِجَه ويخوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر، وأنه أفضل المسلمين، إلى أن يخلط خطه في الجواب بكلمةٍ تقتضي طَعْناً في أبي بكر، فكان الجواب مُجَمْجَماً غيرَ بين، ليس فيه تصريح بالتّظليم لهما، ولا التّصريح ببراءتهما، وتارة يترحم عليهما، وتارةً يقول : أخَذَا حقّي وقد تركته لهما ، فأشار عمرو بن العاص عَلَى معاوية أن يكتب كتاباً ثانياً مناسباً للكتاب الأول ليستفزا فيه عليّاً (علیه السلامويستخفاه، ويَحمِله الغَضَب منه أن يكتب كلاماً يتعلقان به في تقبيح حاله وتهجين مذهبه، وقال له عمرو : إن عليا(علیه السلام) رجل نَزِق تياه (1)، وما استطعمت منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر وعمر، فاكتب. فكتب كتاباً أنقذه إليه مع أبي أمامة الباهلي، وهو من الصحابة، بعد أن عزم على بعثته مع أبي الدَّرْداء. ونسخة الكتاب : من عبد اللّه معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب.)أما بعد، فإنّ اللّه تعالى جَدُّه أصطفى محمداً (صلی اللّه علیه واله لرسالته، واختصه بوحيه وتأدية شريعته، فأنقذ به من العماية، وهَدَى به من الغواية، ثم قبضه إليه رشيداً حميداً، قد بلغ الشرع، ومَحَق الشِّرْك، وأَحْمَدَ نار الإفك، فأحسن اللّه جزاءه ، وضاعَفَ عليه نِعَمَه وآلاء. ثم إن اللّه سبحانه اختص محمداً (صلی اللّه علیه واله) بأصحاب أيدوه وآزروه ونصروه وكانوا كما قال اللّه سبحانه لهم :( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ َ) (2)فكان أفضلهم مرتبة، وأعلاهم عند اللّه والمسلمين منزلة، الخليفة الأوّل، الَّذي جَمَع الكلمة، ولمَّ الدَّعوة، وقاتل أهلَ الرّدّة، ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح، ومصر الأمصار وأذّل رقاب المشركين . ثم الخليفة الثالث المظلوم الّذي نَشَر الملّة ، وطبّق الآفاق بالكلمة الحنيفيّة .)فلما أَسْتَوْثَقَ الإسلام وضَرَبَ بجرانه عدوت عليه فَبَغَيْته الغوائل، ونصبت له المكايد، وضربت له بطن الأمر وظهره، ودسَسّت عليه ،وأغريت به ،وقعدت حيثُ استنصَرَك عن نصره ،وسألك أن تُدركه قبل أن يمزّق فما أدركته، وما يوم المسلمين منك بواحد! لقد حسدت أبا بكر والتويْتَ عليه، ورُمّت إفساد ،أمره ،وقعدتَ في بَيْتِك، واسْتَغْوَيْت
عصابة من الناس حتى تأخّروا عن بيعته، ثم كرهت خلافة عمرَ وَحَسَدْتَه واستطلْتَ مُدّته، وسُررتَ بقَتْله ، وأظهرت الشماتة بمُصابه، حتى إنّك حاولت قتل ولده لأنّه قَتَل قاتل أبيه ، ثم لم تكن أشدَّ منك حَسداً لابن عَمّك عثمان، نشرت مقابحه ،وطويت محاسنه، وطعنت في فقهه، ثم في دينه ، ثم في سيرته، ثم في عقله، وأغرَيْتَ به السفهاء من أصحابك وشيعتك، حتى قتلوه بمحضر منك ،لا تدفع عنه بلسان ولا يد، وما من هؤلاء إلا مَنْ بَغَيتَ عليه، وتلكأت في بيعته، حتّى حملت إليه قَهْراً، تُسَاقُ بخزائم (1الأقتسار كما يُساقُ الفحل المخشوش (2)، ثم نهضت الآن تطلب الخلافة، وقتلَه عثمان خلصاؤك وسُجرَاؤك (3)والمحدقون بك، وتلك من أماني النّفوس، وضلالات الأهواء.)فدَعِ الدَّجاج والعبث جانباً، وادفع إلينا قَتَلَة عثمان ، وأعد الأمر شُورَى بين المسلمين ليتفقوا على مَنْ هو اللّه رِضاً . فلا بيعةَ لك في أعناقنا، ولا طاعة لك علينا، ولا عُتبى لك عندنا، وليس لك ولأصحابك عندي إلّا السّيف ،والذي لا إله إلّا هو لا ظلبنّ قَتَلَة عثمان أين كانوا ،وحيث كانوا، حتى أقتلهم أو تَلتحِقَ رُوحي باللّه .فأما ما لا تزال تمن به من سابقتك وجهادك فإنّي وجدتُ اللّه سبحانه يقول «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَن أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَى إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَتَكُمْ لِلإِيمَنِ إن كُنتُمْ صَدِقِينَ» (4. ولو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشدّ الأنفس امتناناً على اللّه بعملها، وإذا كان الامتنان على السائل يُبطل أجرَ ،الصدقة فالامتنان على اللّه يُبطل أجر الجهاد، ويجعله «صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ» (5).)قال النقيب أبو جعفر : فلما وصل هذا الكتاب إلى علی(علیه السلام مع أبي أمامة الباهلي، كلَّم أبا أمامة بنحو ممَّا كلَّم به أبا مُسلم الخولاني، وكتب معه هذا الجواب.)قال النقيب : وفي كتاب معاوية هذا ذكر لفظ الجمل المخشوش، أو الفَحْل المخشوش، لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم، وليس في ذلك هذه اللّفظة، وإنّما فيه :«حسدت الخلفاء
1) الخزائم : جمع خزامة : وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشدّ بها الزمام اللسان مادة (خزم).
2) الفحل المخشوش : الذي يجعل في أنفه الخشاش والخشاش ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب السان مادة (خشش).
3) سُجَراء : جمع سجير وهو الخليل الصفي القاموس المحيط مادة (سجر).
4) سورة الحجرات، الآية : 17
5) سورة البقرة، الآية : 264 .
وبغيت عليهم، عرفنا ذلك من نظرك الشَّزْر ، وقولك الهجر وتنفسك الصُّعَداء، وإبطائك عن الخلفاء». قال : وإنما كثير من الناس لا يعرفون الكتابين ،والمشهور عندهم كتاب أبي مسلم فيجعلون هذه اللفظّة فيه، والصحيح أنّها في كتاب أبي أمامة، ألا تراها عادت في جوابه ولو كانت في كتاب أبي مسلم العادتْ في جوابه انتهى كلام النقيب أبي جعفر . ونحن الآن مبتدئون في شرح ألفاظ الجواب المذكور.قوله: «فلقد خَبَاً لنا الدهرُ منك عَجَباً»، موضعُ التعجب أن معاويةَ يُخبر عليَّاً(علیه السلام باصطفاء اللّه تعالى محمداً وتشريفه له، وتأييده له، وهذا ظريف لأنه يجري كإخبار زيد عمراً عن حال عمرو، إذ كان النبي (صلی اللّه علیه واله)و علي (علیه السلام)كالشيء الواحد .وخبأ مهموز ، والمصدرُ الخَبْء، ومنه الخابية ،وهي الخبء ،إلّا أنّهم تركوا همزها، والحُب، أيضاً والخبيء على «فَعِيل» ما خُبي. وبلاءُ اللّه تعالى : إنعامه وإحسانه . وقوله(علیه السلام): «كناقِلِ التَّمر إلى هَجَر»، مَثَلٌ قديم، وهَجَر : اسم مدينة لا ينصرف للتعريف والتأنيث . وقيل : هو اسم مذكر ،مصروف، وأصل المَثَل «كَمُسْتَبْضع (1)تَمْرِ إلى هَجَرَ»، والنسبة إليه هاجِرِيّ على غير قياس، وهي بلدة كثيرة النخل يُحمل منها التمر إلى غيرها، قال الشاعر في هذا المعنى :)أهدي له طرف الكلام كما *** يُهدَى لِوالِي البَضرة التّمْرُقوله :«وداعي مسدّده إلى النضال»، أي معلّمه الرّمي، وهذا إشارة إلى قول القائل الأول :أعلّمه الرّماية كل يوم *** فلما اشتدّ ساعده رماني هكذا الرّواية الصحيحة بالسين المهملة، أي استقام ساعده على الرّمي، وسدَّدتُ فلاناً : علّمته النّضال وسهمّ سديد مُصيب، ورمحّ سديد ،أي قل أن تخطىء طعنته، وقد ظرف القاضي الأرّجاني في قوله لسديد الدولة محمد بن عبد الكريم الأنباري كاتب الإنشاء : إلى الذي نَصَب المكارم للوَرَى *** غَرَضاً يَلُوح من المدى المتباعدنَتَل الأمائِلَ مِن كنانته فما *** وجدت يداه سوی سدید واحد (2)
ومن الأمثال في هذا المعنى: «سَمِّنْ كَلْبَك يأكُلك»، ومنها : «أحشّك وتَروتُني!» قوله(علیه السلام :«وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان» أي أبو بكر وعمر . قوله(علیه السلام) :«فذكرتَ أمْراً إن تم اعتَزَلَك كله، وإن نَقَص لم يَلْحَقك ثَلْمه» ، من هذا المعنى قول الفرزدق لجرير، وقد كان جرير في مهاجاته إياه يفخر عليه بقيس عيلان، فقد كانت لجرير في قيس خُؤُولة، يعيره بأيامهم عَلَى بني تميم، فلما قتل بنو تميم قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان قال الفرزدق يفتخر :)أتاني وأهلي بالمدينة وقعةٌ *** لآل تميم أقعدت كل قائمكأنّ رؤوس الناس إذ سمعوا بها *** مشدَّخة هاماتها بالأمائموما بين من لم يُؤت سمعاً وطاعة *** وبين تمیم غیر جز الحلاقمثم خرج إلى خطاب جرير بعد أبيات تركنا ذكرها ، فقال :أتغضبُ إِنْ أُذنا قتيبة جُزتا *** جهاراً ولم تغضب لقتل ابن حازم!وما منهما إلا نقلنا دماغه *** إلى الشام فوق الشاحجات الرَّواسم (1)تذبذب في المخلاة تحت بطونها *** محدِّفة الأذناب جُلْح المقادمِوما أنت من قيس فتنيح دونَها *** ولا من تميم في الرؤوس الأعاظمتخوفنا أيام قيس ولم تَدَعُ *** لغيلان أنفاً مستقيم الخيَاشِمِلقد شهدت قيس فما كان نضرها *** قتيبة إلّا عضها بالأباهِمِفقوله : وما أنتَ من قيس فتنبح دونهاهو معنى قول علي(علیه السلام لمعاوية : «فذكرتَ أمْراً إن تم اعتزلك كلّه»، وابن حازم المذكور في الشعر هو عبد اللّه بن حازم، من بني سُلَيم، وسُلَيم من قَيْس عَيْلان، وقتلته تميم أيضاً، وكان والي خُراسان . قوله(علیه السلام) :«وما أنتَ والفاضل والمفضول» الرّواية المشهورة بالرّفع، وقد رواها قوم بالنّصب، فمن رفع احتجّ بقوله : وما أنت وبَيْتُ أبيكَ والفخر. و بقوله: فما ا ي بعدَكَ والفخار)
1) الشاحجات أو بنات شاحج البغال اللسان، مادة (شحج).
ومن نصب فعلى تأويل «مالك والفاضل»، وفي ذلك معنى الفعل، أي ما تصنع، لأن هذا الباب لا بدّ أن يتضمنّ الكلام فيه فعلاً، أو معنى فعل، وأنشدوا : فما أنتَ والسَّيْرَ في مَتْلَفٍ والرفع عند النحوّيين أولى. ثم قال: «وما للطلقاء وأبناء الطلقَاء والتمييز» النصب ها هنا لا غير، لأجل اللام في الطلقاء. ثم قال(علیه السلام بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم، هذا الكلام ينقض ما يقول من طعن في السّلف، فإنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) أنكَرَ على معاوية تعرّضه بالمفاضلة بين أعلام المهاجرين، ولم يذكر معاوية إلا للمفاضلة بينه (علیه السلام)وبين أبي بكر وعمر، فشهادة أمير المؤمنين(علیه السلام) بأنهما من المهاجرين الأولين ومن ذوي الدّرجات والطّبقات التي اشتبه الحال بينهما وبينه (علیه السلام) في أيّ الرجال منهم أفضل، وأنّ قَدْرَ معاوية يصغر أن يدخل نفسه في مثل ذلك شهادة قاطعة على علو شأنهما ، وعظم منزلتهما قوله(علیه السلام) :«هيهات، لقد حنَّ قِدْحٌ ليس منها» هذا مَثَل يضرب لمن يُدخل نفسه بين قوم السلام ليس له أن يدخُل بينهم، وأصله القداح من عودٍ واحد يجعل فيها قدح من غير ذلك الخشب، فيصوّت بينها إذا أرادها المفيض ، فذلك الصوت هو حنينه .)قوله «وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها» أي وطفق يحكُم في هذه القصّة أو في هذه القضيّة مَنْ يجب أن يكون الحكّم لها عليه لا له فيها، ويجوز أن يكون الضمير يرجع إلى الطبقات . ثم قال: «ألا تَربَع أيها الإنسان على ظلعك!» أي ألا تَرْفُق بنفسك وتكُف، ولا تحمل عليها ما لا تطيقه، والظلع : مَصدَرُ ظَلَع البعير يطلع أي غمز في مشيه. قوله: «وتعرف قُصور ذرعك»، أصل الذرع بسط اليد، يقال: ضقت به ذرعاً : أي ضاق ذرعي به. فنقلوا الاسم من الفاعلية فجعلوه منصوباً على التمييز، كقولهم: طبت به نفساً . قوله :«وتتأخّر حيث أخّرك القدره»، مثل قولك : ضع نفسك حيث وضعها اللّه، يقال ذلك لمن يرفع نفسه فوق استحقاقه. ثم قال :«فما عليك غلبة المغلوب ، ولا عليك ظفر الظّافر»، يقول: وما الذي أدخلك بيني وبين أبي بكر وعمر، وأنتَ من بني أميّة، لست هاشميا ولا تيميا ولا عدويًّا هذا فيما يرجع إلى أنسابنا ، ولستَ مُهاجِراً ولا ذا قَدَم في الإسلام فتزاحم المهاجرين وأرباب السوابق بأعمالك واجتهادك ، فإذَنْ لا يضرك غَلَبة الغالب منا ولا يسرّك ظفر الظافر. ويُروَى أن مروان بن الحكم كان يُنشِد يوم مَرْج راهط والرؤوس تُندّر عن كواهلها بينه وبين الضّحاك بن قيس الفهري :
وما ضرهم غيرُ حَيْنِ النفوس *** أي غلامي قريش غلب قوله(علیه السلام: «وإنّك لذهاب في التيه روّاغ عن القضد» يحتمل قوله (علیه السلام)في التّيه معنيين: أحدهما أحدهما بمعنى الكبر، والآخر التية من قولك : تاه فلان في البيداء ومنه قوله تعالى :(فإنَّها مُحرَّمَهُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) (1)، وهذا الثاني أحسَنُ يقول : إنك شديد الايغال في الضلال. «وذهاب» فَعّال، للتكثير، ويقال : أرض متيهة، مثل معيشة، أي يُتاه فيها، قال(علیه السلام) :«رواغ عن القصد» أي تترك ما يلزمك فعله وتعدل عما يجب عليك أن تجيب له عنه إلى حديث الصحابة، وما جرى بعد موت النبي(صلی اللّه علیه واله) ، ونحن إلى الكلام في غير هذا أحوج إلى الكلام في البيعة وحقن الدماء والدخول تحت طاعة الإمام .)ثم قال :«ألا تَرَى غير مخير لك، ولكن بنعمة اللّه، أحدث» ، أي لست عندي أهلاً لأن أخبرك بذلك أيضاً، فإنّك تعلمه، ومن يعلم الشيء لا يَجوز أن يُخبر به، ولكن أذكرُ ذلك لأنَّه تحدث بنعمة اللّه علينا، وقد أمرنا بأن نحدث بنعمته سبحانه.قوله(علیه السلام:«إنّ قوماً استشهدوا في سبيل اللّه»، المراد هاهنا ، سيّد الشُّهداء حمزة رضي اللّه عنه، وينبغي أن يُحمل قول النبي(صلی اللّه علیه واله) و فيه إنّه «سيّد الشهداء» (2)على أنّه سيّد الشهداء في حياة النبي(صلی اللّه علیه واله) ، لأن علياً(علیه السلام) مات شهيداً، ولا يجوز أن يقال: حمزة سيده، بل هو سيد المسلمين كلّهم، ولا خلاف بين أصحابنا رحمهم اللّه أنّه أفضل من حمزة وجعفر رضي اللّه عنهما، وقد تقدّم ذكر التكبير الذي كبره رسول(صلی الّه علیه واله) على حمزة في قصّة أحد . قوله (علیه السلام): «ولكلِّ فَضْل»، أي ولكلّ واحد من هؤلاء فَضْل لا يُجْحَد .قوله :«أو لا ترى أنّ قوماً قطعت أيديهم» ، هذا إشارة إلى جعفر، وقد تقدّم ذلك في قصّة مؤتة .قوله: «ولولا ما نهى اللّه عنه» هذا إشارة إلى نفسه (علیه السلام).)قوله :«ولا تمجها آذان السامعين» أي لا تقذفها، يقال: مَجّ الرجل من فيه، أي قذفه.قوله(علیه السلام:«فدع عنك من مالت به الرّمية»، يقال للصيد : يرمي هذه الرميّة وهم الرمية، وهي «فعيلة» بمعنى مفعولة، والأصل في مثلها ألا تلحقها الهاء، نحو كت خضيب، وعين كحيل، إلا أنّهم أجْرَوها مجرى الأسماء لا النّعوت كالقصيدة والقطيعة . والمعنى : دَعْ ذكر من مال إلى الدنيا ومالت به، أي أمالته إليها . فإن قلت : فهل هذا إشارة إلى أبي بكر وعمر؟ قلت : ينبغي أن ينزه أمير المؤمنين (علیه السلام)عن)
ذلك، وأن تُصرف هذه الكلمة إلى عثمان، لأنّ معاوية ذكره في كتابه وقد أوردناه، وإذا أنصف الإنسان من نفسه علم أنه(علیه السلام لم يكن يذكرهما بما يذكر به عثمان، فإنّ الحال بينه وبين عثمان كانت مضطربةً جداً . قال (علیه السلام):«فإنا صنائع ربنا ، والناسُ بعدُ صَنائعُ لنا» هذا كلام عظيم، عال على الكلام ،ومعناه عالٍ على المعاني، وصنيعة الملك من يصطنعه الملك ويرفع قدره. يقول : ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل اللّه تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا، فنحن الواسطة بينهم وبين اللّه تعالى، وهذا مقام جليل ظاهره ما سمعت، وباطنه أنهم عبيد اللّه، وأنَّ الناس عبيدهم .)ثم قال: «لم يمنعنا قديم عزنا، وعادي طوّلنا»، الطول: الفَضْل. وعادِي أي قديم، بئر عاديّة . قوله : «على قومِك أن خلطناهم بأنفسنا فنكحنا وأنكَحْنا فعل الأكفاء، ولستم هناك»، يقول : تزوّجنا فيكم وتزوّجتم فينا كما يفعل الأكفاء، ولستم أكفاءنا. وينبغي أن يُحمل قوله :«قديم وعادِي» على مجازه لا على حقيقته، لأن بني هاشم وبني أمية لم يفترقا في الشرف إلا مذ نشأ هاشم بن عبد مناف وعرف بأفعاله ومكارمه، ونشأ حينئذ أخوه عبد شمس وعُرف بمثل ذلك، وصار لهذا بنُون ولهذا بنون، وادّعى كل من الفريقين أنه أشرف بالفعال من الآخر، ثم لم تكن المدّة بين نَش هاشم وإظهار محمد (صلی اللّه علیه واله الدّعوة إلا نحو تسعين سنة، ومثل هذه المدة القصيرة لا يقال فيها :«قديمُ عزّنا وعادِي طَوْلِنا»، فيجب أن يُحمّل اللفظ على مَجَازه، لأنّ الأفعال الجميلة كما تكون عاديّة بطول المدة تكون بكثرة المناقب والمآثر والمفاخر، وإن كانت المدّة قصيرة. ولفظه قديم ترد ولا يُراد بها قدم الزّمان، بل من قولهم : لفلان قَدَمُ صدق وقديمُ أثر ، أي سابقة حَسَنة .)## مناكحات بين بني هاشم وبني عبد شمسوينبغي أن نذكرها هنا مناكحات بني هاشم وبني عبدِ شَمْس زوج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ابنتيه رُقيّة وأمَّ كُلثوم من عثمان بن عفان بن أبي العاص ،وزَوّج ابنته زينب من أبي العاص بن الربيع بن عبد العُزَّى بن عبدِ شَمْس في الجاهليّة، وتزوّج أبو لهب بن عبد المطلّب أمّ جميل بنت حَرْب بن أميّة في الجاهلية، وتزوّج رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وتزوّج عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام). وَرَوى شيخنا أبو عثمان عن إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد اللّه بن العباس قال : قلتُ للمنصور أبي جعفر : مَنْ أكفاؤنا ؟ فقال : أعداؤنا ، فقلت : مَن هُم؟ فقال : بنو أميَّةً .)
وقال إسحاق بن سليمان بن علي : قلتُ للعبّاس بن محمّد: إذا اتسعنا من البنات، وضقنا من البنيّن ، وخفنا بوارَ الأيامى فإلى مَن نُخرِجُهنّ من قبائل قريش؟ فأنشدني :عبد شمس كان يَتْلُو هاشماً *** وهُما بعد لامّ ولاب فعرفتُ ما أراد وسكّت.وَرَوي أيوب بن جعفر بن سليمان ،قال: سألتُ الرشيد عن ذلك فقال : زوّج النبي (صلی اللّه علیه واله بني عبد شمس فأحمد صهرهم، وقال: «ما ذَمَمْنا من صهرنا فإنا لا نَذُمّ صِهِرَ أبي العاص بن الربيع». قال شيخنا أبو عثمان: ولما ماتت الابنتان تحتَ عثمان قال النبي (صلی اللّه علیه واله) لأصحابه : «ما تنتظرون بعثمان، ألا أبو أيم، ألا أخو أيم، زوّجته ابنتين، ولو أن عندي ثالثة لفعلتُ» (1)قال: ولذلك سمِّيَ ذا النُّورَين.)ثم قال (علیه السلام: «وأنّى يكون ذلك !»، أي كيف يكون شرفكم كشَرَفنا ، ومنّا النبي ومنكم المكذِّب - يعني أبا سُفيان بن حرب، كان عدوّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، والمكذِّبَ له والمجلب عليه- وهؤلاء ثلاثة: بإزاء أبي سفيان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ومعاوية بإزاء علي(علیه السلام) ، ويزيد بإزاء الحسين (علیه السلام)، بينهم من العداوة ما لا تبرك عليه الإبل.)قال: «ومنا أسَدُ اللّه»، يعني حمزة ، «ومنكم أسَدُ الأحلاف»، يعني عتبة بن ربيعة، وقد تقدّم شرح ذلك في قصة بدر .وقال الراوندي: المكذِّب من كان يكذّب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله عناداً من قريش، وأسد الأحلاف : أسد بن عبد العُزّى، قال : لأنّ بني أسد بن عبد العُزّى كانوا أحد البطون الذين اجتمعوا في حلف المطيبّين، وهم بنو أسد بن عبد العُزَّى وبنو عبد مناف وبنو تميم بن مرّة ، وبنو زهرة، وبنو الحارث بن فهر، وهذا كلام طريف جداً، لأنه لم يلحظ أنه يجب أن يجعل بإزاء النبي(صلی اللّه علیه واله) المكذّب من بني عبد شمس، فقال : المكذِّب مَن كَذَّب النبيَّ (صلى اللّه عليه واله) من قريش عناداً ، وليس كل من كذبه(علیه السلام) من قريش يُعير معاوية به. ثم قال: أسد الأحلاف أسد بن عبد العزّى، وأيّ عارِ يلزم معاوية من ذلك، ثم إنّ بني عبد مناف كانوا في هذا الحلف وعلي ومعاوية من بني عبد مناف، ولكنّ الراوندي يظلم نفسه بتعرُّضه لما لا يعلمه .)
1) أخرجه الطبراني في الكبير ) (17 (18) ، وابن الجوزي في صفوة الصفوة» (294/1)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (56/3) ، وابن حنبل في فضائل الصحابة» (782).
قوله: «ومنا سيّدًا شَباب أهل الجنّة»، يعني حَسَناً وحُسَيْناً (علیهم السلام، «ومنكم صبية النار»، هي الكلمة التي قالها النبي(صلی اللّه علیه واله) العقبة بن أبي مُعَيْط حين قتله صَبْراً يوم بدر، وقد قال كالمستعطف له(علیه السلام) : مَن للصبية يا محمد ؟ قال : النار (1). وعُقبة بن أبي مُعَيْط من بني عبد شمس. ولم السلام يعلم الراوندي ما المراد بهذه الكلمة ، فقال : صبية النّار أولاد مروان بن الحكم الذين صاروا من أهل النار عند البلوغ، ولمّا أخبر النبي (صلی اللّه علیه واله) عنهم بهذه الكلمة كانوا صبية، ثم ترعرعوا واختاوا الكفر ، ولا شُبهة أنّ الراوندي قد كان يفسر من خاطره ما خَطر له .)قال : قوله(علیه السلام :« ومنا خير نساء العالمين» (2)، يعني ، يعني فاطمة (عیها السلام)، نصّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) على ذلك، لا خلاف فيه . «ومنكم حمّالة الحطب»، هي أم جميل بنت حرب بن أميّة امرأة أبي لهب التي ورد نصُّ القرآن فيها بما ورد.)قوله : «في كثير مما لنا وعليكم»، أي أنا قادر على أن أذكر من هذا شيئاً كثيراً، ولكنّي أكتفي بما ذكرت . فإن قلت : فبماذا يتعلق (في في قوله «في كثير» ؟ قلتُ بمحذوف تقديره : هذا الكلام داخل في جملة كلام كثير يتضمن ما لنا وعليكم. قوله(علیه السلام) : «فإسلامنا ما قد سُمِع، وجاهليّتنا لا تُدفع» كلام قد تعلّق به بعضُ من يتعصّب للأموية . وقال : لو كانت جاهليّة بني هاشم في الشّرف كإسلامهم لعدّ من جاهليتّهم حسب ما عد من فضيلتهم في الإسلام.)## فضل بني هاشم على بني عبد شمسوينبغي أن نذكر في هذا الموضع فضل هاشم على عبد شمس في الجاهليّة، وقد يمتزج بذلك بعضُ ما يمتازون به في الإسلام أيضاً، فإنّ استقصاءه في الإسلام كثير، لأنه لا يمكن جَحْد ذلك، وكيف والإسلام كله عبارةٌ عن محمد(صلی اللّه علیه واله ، وهو هاشمي ! ويَدخُل في ضمن ذلك ما يحتجّ به الأمويّة أيضاً، فنقول: إنّ شيخنا أبا عثمان قال : إنّ أشرف خصال قريش في الجاهليّة اللوّاء والنّدوة والسقاية والرّفادة، وزمزم، والحجابة وهذه الخصال مقسومةٌ في)
الجاهليّة لبني هاشم وعبد الدار وعبد العُزّى دون بني عبد شمس. قال : عَلَى أن معظم ذلك صار شرفه في الإسلام إلى بني هاشم، لأنّ النبي (صلی اللّه علیه واله لمّا ملك مكّة صار مفتاح الكعبة بيده، فدَفَعه إلى عثمان بن طلحة، فالشرف راجع إلى مَن مَلك المفتاح، لا إلى من دفع إليه، وكذلك دفع اللواء إلى مصعب بن عُمير فالذي دفع اللواء إليه وأخَذَه مُصعَب من يديه أحق بشرفه وأولى بمجده وشرفه راجع إلى رهطه من بني هاشم . قال : وكان محمد بن عيسى المخزومي أميراً على اليَمَن، فهجاه أبي بن مدلج فقال :)قل لابن عيسى ستغي*** ث من الشهولة بالوعورةالناطقِ ناطق العَوْراء في *** جُل الأمور بلا بصیرةوَلدَ المغيرة تسعة *** كانوا صناديد العشيرةوأبوك عاشرهم كما *** نبتت مع النخل الشعيرةانّ النبوةو الخلا *** فة و السقاية و المشورةفي غيركم فاكفت إلي*** كَ يداً مجدّمة (1قَصیره قال :فأنبرَى له شاعرٌ من وَلَد كُرَيز بن حبيب بن عبد شمس، كان مع محمّد بن عيسى باليمن يهجو عنه ابن مدلج في كلمة له طويلة، قال فيها :)لا لواءٌ يُعَدُّ يا ابن كريز *** لا ولا يقد بيته ذي السناءلاحجاب وليس فيكم سوى الكب*** رِ وبُغْضِ النبي والشهداءبين حاك ومُخلج وطَرِيد *** وقتيل يلعنه أهل السماءولهم زمزم كذاك وجبري *** لُ ومَجدُ السِّقاية الغراءقال شيخنا أبو عثمان :فالشهداء علي وحمزة، وجعفر، والحاكي والمخلّج هو الحكم بن أبي العاص،كان يحكي مشية رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، فالتفت يوماً فرآه، فدعا عليه، فلم يزل مخلّج المشّية عقوبة من اللّه تعالى. والطريد اثنان: الحكم بن أبي العاص، ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وهما جدّا عبد الملك بن مروان من قبل أمّه وأبيه . وكان النبي(صلی اللّه علیه واله) لا طَرَدَ معاوية بن المغيرة هذا من المدينة وأجله ثلاثاً فحيره اللّه ، ولم يزل يتردّد في ضلاله حتى بَعثَ في أثره عليا (علیه السلام) وعمّاراً فقتلاه. فأما القتلى فكثير، نحو شيبة وعتبة ابني ربيعة ،والوليد بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان وعُقبة بن أبي مُعَيْط، والعاص بن سعيد بن أمية ومعاوية بن المغيرة ، وغيرهم .)
1) مجذمة مقطوعة . اللسان، مادة (جذم).
قال أبو عثمان: وكان اسم هاشم عمراً ، وهاشمٌ لَقَب ، وكان أيضاً يقال له القمر، وفي ذلك يقول مطرود الخزاعي :إلى القَمَر السارِي المُنير دعوتُه *** ومُطْعِمُهم في الأزل من قَمَع الجُزْرِقال :ذلك في شيء كان بينه وبين بعض قريش، فدعاء مطرود إلى المحاكمة إلى هاشم،وقال ابنُ الزِّبَعْرَى :كانت قريش بَيْضةٌ فتفلّقتْ *** فالمُخّ خالِصُه لعبدِ مَنَافِالرائِشون (1وليس يُوجد رائس *** والقائلون هلُم للأضياف)عَمْرو العُلا هَشَم الشَّرِيدَ القَوْمِه *** ورجالُ مَكَّة مُسْنِتُون عِجاففَعمَّ كما تَرَى أهلَ مَكْة بالأزل والعُجْف، وجعَله الَّذي هَشَم لهم الخُبز ثريداً ، فغلب هذا اللّقب على أسمه حتى صارَ لا يُعرف إلّا به، وليس لعبد شمس لقب كريم، ولا اشتّق له من صالح أعماله اسمٌ شَريف، ولم يكن لعبدِ شَمْس ابن يأخذ بضبعه، ويرفع من قدره، ويزيد في ذكره، ولهاشم عبد المطلب سيّد الوادي غير مدافع، أجملُ الناس جَمالاً، وأظهَرُهم جُوداً، وأكملهم كمالاً، وهو صاحب الفيل، والطير الأبابيل ، وصاحب زمزم، وساقي الحجيج. وولد عبد شمس أمية بن عبد شمس وأمية في نفسه ليس هناك، وإنما ذكر بأولاده ولا لقب له، ولعبد المطلّب لقَبٌ َشهِيرٌ واسمٌ شريف : شَيْبة الحمد، قال مطرود الخزاعي في مدحه :يا شيبة الحمدِ الَّذي تُثنَى له *** أيامه من خيرِ ذُخر الذاخرالمجدُ ما حَجَتْ قُريش بيته *** ودعا هذيل فوقَ غُصْنٍ ناضرواللّه لا أنساكُمُ وفعالكم *** حتى أغيب في سَفاةِ القابِرِوقال حذافة بن غانم العدّوي وهو يمدح أبا لَهَب، ويُوصي ابنه خارجة بن حذافة بالانتماءإلى بني هاشم :أخارجُ إمّا أهلكنَّ فلا تَزَلْ *** لهم شاكراً حتّى تُغيَّب في القبرِبين شيبة الحمد الكريم فعاله *** يضيء ظلام الليل كالقمر البدرلساقي الحجيج ثم للشيخ هاشم *** وعبد مناف ذلك السيدُ الغَمْرُأبو عُشبة المُلقى إلي جواره *** أغرُّ هجانُ اللّون من نفَرِغُرّأبوكمْ قُصَيٌّ كان يُدعَى مجمعاً *** به جَمعَ الله القبائلَ مِن فِهرَفأبو عُشبة هو أبو لَهَب، عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، وأبناء عتبة وعُتيبة .
1) الرائش : الذي يسعى بين الراشي والمرتشي ليقضي أمرهما اللسان، مادة (ريش).
وقال العَبْدي حين احتفل في الجاهليّة فلم يترك :لا تَرَى في الناس حيّاً مِثلَنا *** ما خَلا أولاد عبد المطلبوإنّما شرف عبد شمس بأبيه عبد مناف بن قصيّ وبني أبنه أميّة بن عبد شَمْس، وهاشم شَرف بنفسه وبأبيه عبد مناف، وبابنه عبد المطلب، والأمر في هذا بيّن، وهو كما أوضحه الشاعر في قوله : إنّما عبد مناف جوهر *** زيَّنَ الجوهر عبد المطلب قال أبو عثمان: ولسنا نقول: إن عبد شمس لم يكن شريفاً في نفسه، ولكنّ الشرف يتفاضل، وقد أعطى اللّه عبد المطلب في زمانه، وأجرى على يديه، وأظهر من كرامته ما لا يُعرف مثله إلّا لنبّي مُرسَل، وإنّ في كلامه لأبْرَهَة صاحب الفيل وتوعُدِه إياه بربّ الكعبة وتحقيق قوله من اللّه تعالى ونصرة وعيده بحبس الفيل، وقتل أصحابه بالطير الأبابيل وحجارة السجيل حتى تُرِكوا كالعصف المأكول - لأعجَبُ البُرْهانات، وأسنَى الكرامات، وإنما كان ذلك إرهاصاً لنبوّة النبي (صلی اللّه علیه واله، وتأسيساً لما يريده اللّه به من الكرامة، وليجعل ذلك البهاء متقدّماً له، ومردوداً عليه، وليكون أشهر في الآفاق، وأجَلّ في صدور الفراعنة والجبابرة والأكاسرة، وأجدر أن يقهر المعاند، ويكشف غباوة الجاهل. وبعد،فمن يُناهِض ويُناضل رجالاً ولدوا محمداً (صلی اللّه علیه واله)، ولو عزلنا ما أكرمه اللّه به من النبوّة حتى نقتصر على أخلاقه ومذاهبه وشِيمه لما وفى به بَشَر ، ولا عَدَله شيء، ولو شئنا أن نذكرُ ما أعطى الله به عبد المطلب من تفجّر العيون وينابيع الماء من تحت کَلُکَل (1)بعيره وأخفافه بالأرض القَسِي، وبما أعطي من المُساهمة وعند المُقارعة من الأمور العجيبة ،والخصال البائنة لقلنا، ولكنّا أحببنا ألا نحتجّ عليكم إلّا بالموجود في القرآن الحكيم، والمشهور في الشعر القديم، الظاهر على ألسنة الخاصّة والعامّة ورواة الأخبار وحمّال الآثار.)قال : وممّا هو مذكور في القرآن عدا حديث الفيل قوله تعالى : ( لإيلافِ قُرَيْش (2)، وقد اجتمعت الرُّواة على أنّ أوّل من أخذ الإيلاف لقريش هاشم بن عبد مناف، فلمّا مات قام أخوه المطلب مقامه، فلما مات قام عبد شمس مقامه، فلما مات قام نوفل مقامَه – وكان أصغرهم. و الإيلاف،هو أن هاشماً كان رجلاً كثير السفر والتّجارة، فكان يسافر في الشّتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، وشَرَك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ومن ملوك اليمن والشام، نحو العباهلة باليمن، واليَكْسُوم من بلاد الحبشة، ونحوملوك الرُّوم بالشام، فجعل لهم معه ربحاً فيمايربح ،وساق لهم إبلاً مع إبله ،فكفاهم مؤونة الأسفار ، على أن يكفوه مؤونة الأعداء)
في طريقه ومُنصرفه، فكان في ذلك صلاحٌ عامٌ للفريقين، وكان المقيم رابحاً، والمسافر محفوظاً، فأخصبت قريش بذلك، وحملت معه أموالها ،وأتاها الخيرُ من البلاد السافلة والعالية، وحَسُنَتْ حالها، وطاب عَيشُها . قال : وقد ذكر حديث الإيلاف الحارث بن الحنش السُّلَميّ، وهو خال هاشم والمطلب وعبد شمس، فقال:إنّ أُخَي هاشماً*** لیس أخا واحدالآخِذ الإيلاف وال*** قائم قائم للقاعدقال أبو عثمان: وقيل : إن تفسير قوله تعالى: ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوف (1)هو خوف من كان هؤلاء الإخوة يمرون به من القبائل والأعداء وهم مُغتربون ومعهم الأموال، وهذا ما فسرنا به الإيلاف آنفاً، وقد فسره قوم بغير ذلك، قالوا : إنّ هاشماً جعل على رؤساء القبائل ضرائب يؤدُّونها إليه ليحمي بها أهل مكة، فإنّ ذُوبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب الغارات وطلّاب الطوائل كانوا لا يؤمنون على الحرّم، لاسيما وناس من العَرَب كانوا لا يَرَوْن للحَرَم حزمة، ولا للشهر الحرام قَدْراً ،مثل طيّىء وخَنْعم وقضاعة وبعض بلحارث بن كعب، وكيفما كان الإيلاف فإنّ هاشماً كان القائم به دون غيره من إخوته .)قال أبو عثمان :ثم حلف الفضول وجلالته وعظمته، وهو أشرف حلف كان في العرب كلّها، وأكرمُ عَقْد عقدته قريش في قديمها وحديثها قبل الإسلام لم يكن لبني عبد شمس فيه نصيب . قال النبي(صلی اللّه علیه واله - وهو يذكرُ حِلف الفضول - : «لقد شهدت في دار عبد اللّه جدعان بن حِلْفاً لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبتُ». ويكفي في جلالته وشرفه أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) شهده وهو غلام، وكان عتبة بن ربيعة يقول : لو أنّ رجلاً خرج ممّا عليه قومه لدخلتُ في حِلْف الفضُول، لما أرى من كماله وشرفه، ولما أعلم من قدره وفضيلته قال : ولفَضْل ذلك الحلف وفضيلة أهله سمِّي حلف الفضول، وسُمِّيت تلك القبائل)الفضول، فكان هذا الحلف في بني هاشم، وبني المطلّب ،وبني أسد بن عبد العُزَّى وبني زهرة، وبني تميم بن مرّة ،تعاقَدوا في دار ابن جدعان في شهر حرام قياماً يتماسحون بأكفهم صُعُداً ليكُونُنَّ مع المظلوم حتى يؤدّوا إليه حَقَّه ما بَلَّ بحرٌ صُوفَة، وفي التأسي في المعاش والتّساهم بالمال. وكانت النباهة في هذا الحلف للزّبير بن عبد المطّلب ولعبد اللّه بن جدعان، أما ابن جدعان فلأنّ الحلف عقد في داره، وأما الزبير فلأنه هو الذي نهض فيه، ودعا إليه، وحَتْ عليه، وهو الذي سمّاه حلف الفضول، وذلك لأنَّه لمّا سمع الزبيديّ المظلوم ثَمَن سِلْعته قد أوْفَى على أبي قُبَيس قبل طلوع الشمس رافعاً عقيرته وقُريش في أنديتها قائلاً :
1) سورة قريش الآية 4 .
يا للرّجال لمظلوم بضاعته *** ببطن مكّة نائي الحي والنفّرإنَّ الحرام لمن تمّت حرامته *** ولا حَرامَ لتَوْبَي لابس الغدرحَمِي وحَلَف ليعقدنَّ حِلْفاً بينه وبين بطون من قريش يمنعون القوي من ظُلم الضعيف،والقاطن من عنف الغريب، ثم قال :حلفتُ لنَعْقِدنُ حِلْفاً عليهم *** وإن كنا جميعاً أهل دارِنُسمّيه الفضول إذا عقدنا *** يَعَزُّ به الغَريبُ لدى الجوارِويَعلَم مَنْ حوالي البيت أنّا *** أباةُ الضَّيْم نهجُرُ كل عارِفبنو هاشم هم الذين سَمَّوا ذلك الحلف حِلفَ الفُضول، وهم كانوا سببه، والقائمين به دونالقبائل العاقدة له، والشاهدة لأمره، فما ظنُك بمن شَهِده ولم يقم بأمره !قال أبو عثمان: وكان الزبير بن عبد المطلب شجاعاً أبياً، وجميلاً بهيّاً، وكان خطيباً شاعراً، وسيداً جواداً، وهو الذي يقول :ولولا الحمس لم يَلْبَس رجال *** ثياب أعزة حتى يموتواثيابهم شمالٌ أو عباءٌ *** بها دنس كما دنس الحميتُولكنّا خلقنا إذا خَلِقْنا *** لنا الحبرات والمسك الفتيتُوكأس لو تُبِين لهم كلاماً *** لقالت إنما لهم سُبيتُتبين لنا القذى إن كان فيها *** رضين الحلم يشربها هبيتويقطع نخوة المختالِ عنّا *** رقيق الحد ضربته صموتُبكف مجرب لا عيب فيه *** إذا لقي الكريهة يستميتُقال : والزبير هو الذي يقول :وأسحم من راح العراق ممّلا *** محيط عليه الجيش جلد مرَائرةصَبحتُ به طَلْقاً يَراحُ إلى الندى *** إذا ما انتشى لم يختصره معاقرهضعيف بجنب الكأس قبضُ بنانه ***كليل على جلد النديم أظافرهقال :وبنو هاشم هم الذين رَدّوا على الزبيدي ثمن بضاعته، وكانت عند العاص بن وائلوأخذوا للبارقي ثمن سلعته من أبي بن خلف الجُمحي، وفي ذلك يقول البارقي :ويأبى لكم حلفُ الفضول ظلامتي *** بني جمح والحق يؤخذ بالغضبوهم الذين انتزعوا من نبيه بن الحجاج قتول الحسناء بنت التاجر الخثعمي وكان كابرهعليها حين رأى جمالها، وفي ذلك يقول نبيّه بن الحجّاج :وخشِيتُ الفضول حين أتوني *** قد أراني ولا أخافُ الفضولا
إني والذي يحج له شم *** طُ أيادٍ وهللّوا تهليلالبراءٌ مني قتيلة ياللّن *** اس هل يتبعون إلّا القتولا!وفيها أيضاً يقول :لولا الفُضول وأنه *** لا أمْنَ مِن عروائهالدنوت من أبياتها*** ولطفتُ حول خبائهاكلمته التي يقول فيها :حي النخيلة إذنات منّاعلي عُدوّائهالا بالفراق تُنيلنا *** شيئاً ولا بلقائهاحلّت بمَكَّةَ حَلَّةً *** في مَشيها ووطائهافي رجال كثيراً انتزعوا منهم الظلامات، ولم يكن يظلم بمكة إلّا رجال أقوياء، ولهم العدد والعارضة، منهم من ذكرنا قصّته.قال أبوعثمان : ولهاشم أخرى لا يعد أحد مثلها ، ولا يأتي بما يتعلق بها، وذلك أن رؤساء قبائل قريش خرجوا إلى حرب بني عامر متساندين، فكان حرب بن أمية على بني عبد شمس، وكان الزبير بن عبد المطلب على بني هاشم، وكان عبد الله بن جدعان على بني تيّم، وكان هشام بن المغيرة على بني مخزوم، وكان على كلّ قبيلة رئيس منها ، فهم متكافئون في التّساند ولم يحقق واحد منهم الرئاسة على الجميع، ثم آب هاشم بما لا تبلغه يد متناول، ولا يطمع فيه طامع، وذلك أن النبي (صلى اللّه عليه واله قال : شهدت الفجار وأنا غلام، فكنتُ أنبل فيه على عمومتي، فنفى مقامه (صلی اللّه علیه واله) أن تكون قريش هي التي فجرت، فسُمّيت تلك الحرب حرب الفجار، وثبت أن الفجور إنما كان ممن حاربهم، وصاروا بيمنه وبركته ولما يريد اللّه تعالى من إعزاز أمره وإعظامه الغالبين العالين، ولم يكن اللّه ليُشهده فجرةٌ ولا غَدْرة، فصار مشهده نَضراً، وموضعه فيهم حجّةً ودليلاً .)قال أبو عثمان: وشرف هاشم متّصل ، من حيث عَدَدت كان الشرفُ معك كابراً عن كابر، وليس بنو عبد شمس كذلك، فإنّ الحكم بن أبي العاص كان عادياً في الأعلام، ولم يكن له سناء في الجاهلية. وأما أميّة فلم يكن في نفسه هناك، وإنما رفعه أبوه، وكان مضعوفاً، وكان صاحب عُهَار يدل على ذلك قول نفيل بن عدّي جدّ عمر بن الخطاب حين تنافر إليه حرب بن أمية وعبد المطلب بن هاشم فنفر عبد المطلب وتعجب من إقدام حَرْبٍ عليه وقال له : أبوك مُعاهِرٌ وأبوه عفٌ *** وذادَ الفيل عن بلدِ حرامِ وذلك أن أميّة كان تعرّض لامرأة من بني زهرة، فضربه رجل منهم بالسيف، فأراد بنو أميّه
ومن تبعهم إخراج زهرة من مكة ،فقام دونهم قيس بن عدّي السهمّي - وكانوا أخواله، وكان منيع الجانب، شديد العارضة، حَمِيَّ الأنفس، أبي النفس - فقام دونهم وصاح: أصبح ليل»، فذهبت مثلاً، ونادى : الآن الطاعن مقيم. وفي هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف بن زهرة جد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله :)مهلا أُمي فإن البغْيَ مهلكة *** لايكسبنّك يوم شره ذكرتبدو كواكبه والشمس طالعة *** يُصب في الكأس منه الصَّبْر والمَقرُ (1)قال أبو عثمان: وصنع أميّة في الجاهلية شيئاً لم يصنعه أحدٌ من العرب، زوج ابنه أبا عمرو امرأته في حياته منه، فأولدها أبا معيط بن أبي عمرو بن أمية. والمقيتون في الإسلام هم الذين نكحوا نساء آبائهم بعد موتهم، فأما أن يتزوجها في حياة الأب ويبني عليها وهو يراه، فإنه شيء لم يكن قط .قال أبوعثمان: وقد أقرّ معاوية على نفسه ورهطه لبني هاشم حين قيل له : أيهما كان أسود في الجاهلية ؟ أنتم أم بنو هاشم؟ فقال: كانوا أسودَ منا واحداً، وكنا أكثر منهم سيّداً، فأقرّ وادعى ،فهو في إقراره بالنقص مخصُوم، وفي ادعائه الفضل خصيم .وقال جحش بن رئاب الأسدي حين نزل مكة بعد موت عبد المطلب : واللّه لأتزوّجَنّ ابنة أكرم أهل هذا الوادي، ولأحالفن أعزّهم، فتزوّج أمَيمة بنت عبد المطلب، وحالَفَ أبا سُفْيان بن حرب. وقد يُمكن أن يكون أعزّهم ليس بأكرمهم، ولا يُمكن أن يكون أكرمهم ليس بأعزّهم، وقد أقر أبو جهل على نفسه، ورهطه من بني مخزوم حين قال تحاربنا نحن وهم، حتى إذا صرنا كهاتين قالوا : منا نبي. فأقر بالتقصير، ثم ادعى المساواة، ألا تراه كيف أقر أنه لم يزل يطلب شَاوَهم ثم ادعى أنه لحقهما فهو مخصوم في إقراره ،خصيم في دعواه، وقد حكم لهاشم دغفل بنُ حَنْظلة النسابة حين سأله معاوية عن بني هاشم فقال: هم أطعم للطعام، وأضرَبُ للهّام، وهاتان خصلتان يجمعان أكثر الشرف. قال أبو عثمان: والعَجَب من مُنافَرة حَرْب بن أمية عبد المطلب بن هاشم، وقد نظم حرب جاراً لخلف بن أسعد جد طلحة الطّلحات، فجاء جاره فشكا ذلك إلي، فمشى خَلَفٌ إِلى حَرْب وهو جالس عند الحجر، فلطم وجهه عَنْوة من غير تحاكُم ولا تَراضِ، فما انتطحَ فيه عنزان. ثم قام أبو سفيان بن حرب مقام أبيه بعد موته، فحالفه أبو الأزَيْهِر الدّوسي، وكان عظيم الشأن في الأزد، وكانت بينه وبين بني الوليد بن المغيرة مُحاكمة في مصاهرة كانت بين الوليد وبينه ،فجاءه هشام بن الوليد وأبو الأزيْهِر قاعد في مقعد أبي سُفْيان بذي المجاز، فضَرَب عُنُقه،فلم
1) المَقرُ : الحامض ، وقيل : المرّ . اللسان، مادة (مقر).
يُدرِك به أبو سُفْيان عَقْلاً ولا قوداً في بني المُغيرة. وقال حسان بن ثابت يذكر ذلك :غدا أهلُ حِصْنَيْ ذي المجاز بسحرة *** وجارُ ابن حَرْبٍ لا يَرُوحُ ولا يَعْدُوكَساك هشام بن الوليد ثيابه *** فأبل وأخلق مثلها جُدَداً بَعْدُفهذه جملة صالحة مما ذكره شيخنا أبو عثمان ونحن نورد من كتاب «أنساب قريش» (1للزبير بن بكار ما يتضّمن شرحاً لما أجمله شيخنا أبو عثمان أو لبعضه، فإن كلام أبي عثمان لمحةٌ ،وإشارة وليس بالمشروح.)قال الزبير : حدثني عمر بن أبي بكر العَدَويّ من بني عدي بن كعب قال : حدثني يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل ،عن أبيه، قال : اصطلحت قريش على أن ولي هاشم بعد موتِ أبيه عبد مناف السقاية والرِّفادة، وذلك أنّ عبد شمس كان يسافر، قل أن يقيم بمكّة، وكان رجلاً مَعِيلاً، وكان له ولد كثير ، وكان هاشم رجلاً مُوسراً ، فكان إذا حضر الحج قام في قريش فقال : يا معشر قريش، إنّكم جيران اللّه وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زُوّار اللّه يعظمون حُرمة بيته، فهم لذلك ضيف اللّه ، وأحقُّ ضيف بالكرامة ضيف اللّه ، وقد خَصّكم اللّه بذلك، وأكرمكم به، ثم حَفِظ منكم أفضل ما حفظ جارٌ من جاره، فأكرموا ضيفه وزوّاره ،فإنهم يأتون شُعْناً غُبراً من كل بلد صَوامِرَ كالقداح ، وقد أرجَفوا وتَفلُّوا وقملوا وأرْمَلوا، فأقروهم وأعينوهم . قال : فكانت قريش تترافد على ذلك، حتى إن كل أهل بيت ليرسلون بالشيء اليسير على قدر حالهم، وكان هاشم يُخرج في كلّ سنة مالاً كثيراً، وكان قوم من قريش يترافدون، وكانوا أهلَ يسار، فكان كل إنسان ربما أرسل بمائة مثقال ذهب هِرَقليّة وكان هاشم يأمر بحياض من أدَم تُجعَل في مَواضِعَ زَمزم من قبل أن تُحفَر، يُستقَى فيها من البئار التي بمكة، فيشرب الحاج، وكان يطعمهم أوّل ما يُطعم قبل يوم التّرْوِيَة بيوم بمكة وبمنى ويُجمع وعَرَفة، وكان يثرد لهم الخُبز واللحم والسمن والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء فيسقون بمنى، والماء يومئذ قليل، إلى أن يصدر الحاج مِنْ مِنّى، ثم تنقطع الضيافة، وتتفرق الناسُ إلى بلادهم. قال الزبير : وإنما سمّي هاشماً لهشمه الشَّرِيد، وكان اسمه عمراً، ثم قالوا : عمرو العلا لمعاليه. وكان أوّل من سَنّ الرّحلتين: رحلة إلى الحبشة ورحلة إلى الشام، ثم خرج في أربعين من قريش فبلغ غَزّة، فَمرض بها، فمات فدفنوه بها، ورجعوا بتركته إلى ولده. ويقال: إن الذي رجع بتركته إلى ولده أبو رُهم عبد العزى بن أبي قيس العامري من بني عامر بن لؤي.
1) أنساب قريش : لأبي عبد الله بن زبير بن بكار القرشي، المتوفى سنة ( 256ه-)، كشف الظنون» .(179/1)
قال الزبير : وكان يقال لهاشم والمطلب، البدران، ولعبد شمس ونوفل الأبهران . قال الزبير : وقد اختلف في أي ولد عبد مناف أسنّ ،والثبت عندنا أن أسنهم هاشم. وقال آدم بنُ عبد العزيز بن عمر بن عمر بن عبد العزيز بن مروان :يا أمين اللّه إني قائل *** قول ذي دين وبر وحَسَبْعبدُ شَمْس لا تُهنها إنما *** عبد شمس عم عبد المطّلبعبد شمس كان يَثلوهاشماً *** وهُما بعد لأم ولأبقال الزبير : وحدثني محمد بن حسن، عن محمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن قال : قال عبد اللّه بن عبّاس: والله لقد علمت قريش أن أول من أخذ الإيلاف وأجاز لها العِيّرات لهاشم واللّه ما شدّت قريش رحالاً ولا حَبْلاً بسَفَر ولا أناخت بعيراً لحضر إلّا بهاشم، واللّه إنه أوّلُ من سَقَى بمكّة ماءً عذباً، وجعل بابَ الكَعْبة ذهباً لعبد المطلب. قال الزبير : وكانت قريش تجاراً لا تغدو تجارتهم مكة إنّما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم يتبايعون بها بينهم ويبيعون من حولهم من العرب، حتى رحل هاشم بن عبد مناف إلى الشام، فنزل بقَيْصَر، فكان يذبح كلّ يوم شاةً، ويصنع جَفْنة من ثريد، ويدعو الناس فيأكلون، وكان هاشم من أحسن الناس خَلْقاً وتماماً، فذكر لقيصر ، وقيل له : ها هنا شاب من قريش يهشم ،الخبز، ثم يصب عليه المرّق، ويفرغ عليه اللحم ويدعو الناس. قال : وإنما كانت الأعاجم والرّوم تَصنَع المرَق في الصحاف، ثم تأتدم عليه بالخبز، فدعا به قيصَرُ، فلما رآه وكلمه أعجب به، وجَعَل يُرسل إليه فيدخُل عليه، فلما رأى مكانه سأله أن يأذن لقريش في القدوم عليه بالمتاجر ، وأن يكتب لهم كتب الأمان فيما بينهم وبينه ، ففعل، فبذلك أرتفع هاشم من قُرَيش . قال الزبير : وكان هاشم يقوم أوّل نهار اليوم الأول من ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب قريشاً فيقول : يا معشر قريش، أنتم سادة العرب، أحسَنُها وجوهاً ، وأَعْظَمُها أحلاماً ، وأوسطها أنساباً، وأقربها أرحاماً يا معشر قريش، أنتم جيران بيت الله ، أكرمكم بولايته، وخَصَّكم بجواره دون بني إسماعيل، وحَفِظ منكم أحسَن مَا حَفِظَ منكم جارٌ من جاره، فأكرموا ضيفه وزُوّار ،بيته، فإنّهم يأتونكم شُعْثاً غُبْراً من كل بلد. فوَرَبِّ هذه البَنيَّة، لو كان لي مال يَحْمل ذلك لكُفيتُموه ، ألا وإنّي مخرج من طيب مالي وحلاله ما لم تُقطع فيه رحم ، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام ،فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل، وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يُخرج منكم رجلٌ من ماله لكرامة زوار بيت الله ومَعُونتهم إلا طيباً لم يؤخذ ظلماً، ولم تُقطع فيه رحم ولم يُغتصب. قال : فكانت قريش تخرج من صفو أموالها ما تحتمله أحوالها، وتأتي بها إلى هاشم فيضعه في دار الندوة لضيافة الحاجّ . قال الزبير : وممَّا رَنَى به مطرود الخزاعي هاشماً قوله :
مات النّدَى بالشام لمّا أن ثَوَى *** أَوْدَى بغَزّةَ هاشم لا يبعدِفجفانُه رُدُّم لمن ينتابه *** والنصر أدنى باللسان وباليَدِومن مراثيه له :يا عين جُودِي وأذْرِي الدّمع واحتفلي *** وأبكي خَبيئة نفسِي في المَلِمَاتِوأبكي على كلّ فَيّاض أخي حَسَبٍ *** ضَخْم الدَّسيعة وعاب الجزيلاتماضي الصَّريمة عالي الهم ذي شَرَف *** جَلْدِ النَّحِيزةً حَمّال العظيماتصعب المقادةِ لا نكس ولا وَكَلِّ *** ماض على الهول مثلاف الكريماتمحض توسط من كعب إذا نُسِبوا *** بحبوحة المجد في الشُّمَ الرّفيعاتِفأبكي على هاشم في وسط بَلْقَعةٍ *** تَسْفي الرياح عليه وسط غَزَاتِيا عين بكّي أبا الشعث الشَّجيّات *** يبكينَه حُسْراً مِثل البُنَيَّاتِيَبكين عَمْرُو العُلا إذ حان مصرَعَهُ *** سَمْح السجيّة بسام العَشيّاتِيبكِينَه مُعْوِلات في مَعاوِزِهَا *** ياطول ذلك من حزنٍ وعَوْلاتِمحرمات على أوساطهن لما *** جَرّ الزمان مِن أحداثِ المُصِيباتِأبيتُ أرعى نجوم الليل مِن ألمٍ *** أَبْكِي وَتَبكِي مَعِي شَجُواً بُنَيَّاتِيقال الزبير:وحدثني إبراهيم بن المنذر، عن الواقدي، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أوّل من سَن دِيَةَ النفس مائةً من الإبل عبد المطلب، فجرت في قريش والعَرَب سنته، وأقرها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله . قال : وأم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد من بني النجار من الأنصار، وكان سبب تزوّج هاشم بها أنّه قدم في تجارة له المدينة، فنزل على عمرو بن زيد، فجاءته سلمى بطعام فأعجبت هاشماً ، فخطبها إلى أبيها ، فأنكَحَه ،إيَّاها ، وشَرَط عليه أن تلد عند أهلها، فبنى عليها بالمدينة، وأقام معها سنتين، ثم ارتحل بها إلى مكة فحملت وأثْقَلتْ، فخرج بها إلى المدينة، فوضعها عند أهلها، ومضى إلى الشام، فمات بغَزّة من وجهه ذلك، وولدت عبد المطلب، فسمّته شيبة الحَمْد لشَعُرة بيضاء كانت في ذوائبه حين وُلد فمكث بالمدينة ست سنين أو ثمانياً . ثم إنّ رجلاً من تهامةَ مَرّ بالمدينة، فإذا غلمان ينتضلون، وغلامٌ منهم يقول كلّما أصاب أنا ابن هاشم بن عبد مناف، سيّد البطحاء، فقال له الرجل: من أنتَ يا غلام؟ قال: أنا ابن هاشم بن عبد مناف قال : ما اسمُك ؟ قال : شَيْبة الحمد، فانصَرَف الرجل حتى قدم مكة، فيجد المطلب بن عبد مناف جالساً في الحجر ، فقال : قُم إليّ يا أبا الحارث، فقام إليه، فقال: تعلم أنّي جئت الآن من يشرب فوجدتُ بها غِلماناً يَنتَضِلون ... وقص عليه ما رأى من عبد المطلب ، وقال : إنه أَضَرَبُ غلام)
رأيته قطّ، فقال له المطلب : أغفلته واللّه ! أما إني لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى آتيه، فخرج المطلب حتى أتى المدينة، فأتاها عشاء، ثم خرج براحلته حتى أتى بني عَدِيّ بن النجّار فإذا الغلمان بين ظَهْرَاني المجلس، فلما نظر إلى ابن أخيه قال للقوم : هذا ابن هاشم؟ قالوا : نَعَم وعَرَفه القوم فقالوا : هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخَذَه فالساعة، لا نعلم أمه، فإنّها إن علمتُ حُلْنا بينك وبينه. فأناخ راحلته، ثم دعاه فقال : يابن أخي، أنا عمك، وقد أردتُ الذهاب بك إلى قومك فأركب قال: فواللّه ما كذب أن جلس على عَجُز ،الرّاحلة، وجَلَس المطلب على الرّاحلة ثم بعثها فانطلقت، فلما علمت أمه قامت تدعو حزنها على أبنها، فأخبرت أنه عمه، وأنه ذهب به إلى قومه . قال : فانطلق به المطلب فدخل به مكة ضَحُوةً، مُردِفَه خلفه، والناسُ في أسواقهم ومجالسهم، فقاموا يرحبون به ويقولون : من هذا الغلام معك؟ فيقول : عبد لي ابتعثه بيثرب، ثم خرج به حتى جاء إلى الحَزَوَرَة فأبتاع له حُلّة، ثم أدخله عَلَى أمرأته خديجة بنت سعد بن سَهم، فرجّلت شعرَه ، ثم البَسَه الحُلّة عشيّة، فجاء به فأجلَسَه . مجلس بني عبد مناف وأخبرهم خبره، فكان الناسُ بعد ذلك إذا رأوه يطوف في سكك مكة وهو أحسن الناس يقولون: هذا عبد المطلب - لقول المطلب : هذا عبدي - فلج به الاسم، وترك به شيبة . وروى الزبير رواية أخرى أن سلمى أم عبد المطلب حالت بين المطلب وبين أبنها شيبة، وكان بينها وبينه في أمره محاورة، ثم غلبها عليه، وقال: عرفتُ شيبةَ والنجارُ قَدْ حلفت *** أبناؤها حوله بالنّبل تَنتضِلُفأما الشعر الذي لحذافة العُذري والذي ذكره شيخنا أبو عثمان فقد ذكره الزبير بن بكار فيكتاب النسب، وزاد فيه :كُهولُهمُ خيرُ الكُهول ونَسْلهم ***كنسل المُلوك، لا يَبُور ولا يَجرِيملوك وأبناء الملوكِ وَسادَةٌ *** تَفَلقُ عنهم بَيضة الطائر الصَّقْرِمَتَى تَلقَ منهم طامحاً في عِنانِه *** تَجدَه عَلَى أجراء والده يجريهَمُ ملكوا البَطْحاء مجداً وسُؤدُداً *** وهم نكلوا عنها غواةَ بني بَكْرِوهم يغفرون الذنب يُنقَم مثله *** وهم تركوا رأي السفاهة والهجرأخارجُ إما أهلِكَنّ فلاتَزَلْ *** لهم شاكراً حتّى تُغَيبَ فِي القَبْرِقال الزبير : وحدثني عن سبب هذا الشعر محمد بن حَسَن، عن محمد بن طلحة، عن أبيه، قال : إن رَكْباً من جُذَامَ خَرَجوا صادرين عن الحج من مكة، ففقدوا رجلاً منهم عالية بيوتِ مكة، فيلقون حُذافة العُذري، فربطوه وانطلقوا به، فتلقاهم عبد المطلب مقبلاً من الطائف ومعه أبنه أبو لهب يقود به وعبد المطلب حينئذ قد ذهب بصره، فلما نظر إليه حذافة بن غانم هَتَف
به، فقال عبد المطلب لابنه : وَيْلَك مَن هذا؟ قال: هذا حذافة بن غانم مربوطاً مع ركب. قال: فألحقهم فسلهم ما شأنهم وشأنه، فلحقهم أبو لهب فأخبروه الخبر، فرجع إلى أبيه، فأخبره ، فقال : وَيْحَكَ ما معك؟ قال: لا واللّه ما مَعِي شيء، قال : فالْحَقهم لا أم لك! فأعطهم بيدك، وأطلق الرّجل، فلحقهم أبو لهب فقال : قد عَرَفتم تجارتي ومالي، وأنا أحلف لكم لأعطينّكم عشرين أوقية ذهباً ، وعَشْراً من الإبل وفَرَساً، وهذا ردائي رَهْنٌ . فقبلوا ذلك منه، وأطلقوا حذافة، فلما أقبل به وقَرُبا من عبد المطلب، سَمِع عبد المطلب صوت أبي لهب، ولم يسمع صوت حذافة، فصاح به وأبي إنّك لعاص، ارجع لا أُمَّ لك! قال : يا أَبتَ هذا الرجل معي، فناداه عبد المطلب يا حذافة، أسمعني صوتك . قال : هأنذا بأبي أنت وأمي يا ساقي الحجيج أردِفني ، فأردَفَه حتى دخل مكة، فقال حذافة هذا الشعر.قال الزبير : وحدّثني عبد اللّه بن مُعاذ عن معمر، عن أبن شهاب، قال: أوّل ما ذكر من عبد المطلب أن قريشاً خرجت فارّةً من الحَرَم خوفاً من أصحاب الفيل، وعبد المطلب يومئذ غلام شاب، فقال: واللّه لا أَخرج من حَرَم اللّه أبغي العِزَّ في غيرها فجلس في البيت وأجلت قريشعنه، فقال عبد المطلب :لا همّ إن الرة يَمْ *** نَعُ رَحْلَهُ فامنَعْ حَلالكلا يَغلِبَنَّ صَلِيبُهمْ *** وَمِحَالُهم أبداً محالكفلم يزل ثابتاً في الحرم حتّى أهلك اللّه الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيهم بصَبره وتعظيمه محارم اللّه عزّ وجّل، فبينا هو على ذلك - وكان أكبر ولده وهو الحارث بنُ عبدِ المطلب قد بَلَغ الحُلم - أرِي عبد المطلب في المنام، فقيل له : احفر زَمْزَم خَبيئة الشيخ الأعظم. فاستيقظ فقال: اللّهم بيّن لي ،الشيخ، فأرِي في المنام مرة أخرى : اخفر تكتم بين الفَرْث والدّم في مبحث الغراب في قرية النمل، مستقبلة الأنصاب الحمر فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سُمِّيَ له من الآيات، فنَحَر بقرة في الحزورة، فأفلتت من جازرِها بحُشاشة نفسها حتى غلب عليها الموت في المسجد في موضع زَمْزَم فاحتمل لحمها من مكانها، وأقبل غراب يهوِي حتى وقع في الفَرْث (1فبحث عن قرية النمل، فقام عبد المطلب يحفرها فجاءته قريش فقالت له : ما هذا الصنع، إنا لم نكن نراك بالجهل لم تحفر في مسجدنا؟ فقال عبد المطلب : إني لحافر هذا البئر، ومجاهد من صدني عنها، فطفق يحفر هو وابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فيسفه عليهما الناسُ من قريش فينازعونهما ويقاتلونهما . وتناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من زعيق نسبه وصدقه،)
1) الفرث السرجين في الكرش. القاموس، مادة (فرث).
واجتهاده في دينهم يومئذ، حتى إذا أتعبه الحفر، واشتدّ عليه الأذى نَذَر إن وفى له عشرة من الولدان ينحر أحدهم، ثم حفر فأدرك سيوفاً دفنت في زمزم حين دفنت، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالت : يا عبد المطلب، أخذنا مما وجدت. فقال عبد المطلب : بل هذه السيوف لبيت اللّه ، ثم حَفَر حتى أنبط الماء، فحفرها في القرار، ثم بحرها حتى لا تنزف، ثم بنى عليها حوضاً وطفق هو وابنه ينزعان فيملأن ذلك الحوض، فيشرب منه الحاج، ويكسره قوم حَسَدة له من قريش بالليل، فيُصلحه عبد المطلب حين يُصبح، فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربَّه، فأُرِي، فقيل له : قل: اللهّم إني لا أخلها لمغتسل، وهي لشارب حلّ ،ويل، ثم كفيتهم، فقام عبد المطلب حين اختلف قريش في المسجد، فنادى بالذي أُرِي، ثم انصرف فلم يكن يُفسِد حوضه عليه أحدٌ من قريش إلّا رُمي في جسده بداء حتى تركوا حوضه ذلك وسقايته . ثم تزوّج عبد المطلب النّساء، فوُلِد له عشرة رَهْط، فقال: اللهم إني كنتُ نذرتُ لك نحر أحدهم، وإني أقرع بينهم، فأصيب بذلك من شئت، فأقرع بينهم، فطارت القُرْعة على عبد الله بن عبد المطلب أبي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وكان أحب ولده إليه، فقال عبد المطلب : اللهّم هو أحبّ إليك أم مائة من الإبل فنَحَرها عبد المطلب مَكانَ عبد اللّه، وكان عبد اللّه أحسن رجل رُني في قريش قطّ . وَرَوَى الزبير أيضاً قال : حدثني إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران، عن عبد اللّه ابن عثمان بن سليمان قال : سمعت أبي يقول : لما حُفرت زمزم، وأدرك منها عبد المطلب ما أدرك، وَجَدتْ قريش في أنفُسها مما أعطي عبد المطلب، فلقيه خُوَيلد بن أسد بن عبد العزى فقال يا بن ،سلمى لقد سقيت ماءً رغداً، ونثلت عادية حسداً، فقال يا بن أسد، أما إنك تشرك في فضلها، واللّه لا يُساعدني أحدٌ عليها ببر، ولا يقوم معي بارِزاً إلا بذلتُ له خير الصهر، فقال خُوَيلدُ بنُ أسَد : أقول وما قولي عليهم بسبة *** إليك ابن سلمى أنت حافرُ زَمْزَمِ)حفيرة إبراهيم يومَ ابن هاجر *** وركضة جبريل على عهد آدمفقال عبد المطلب : ما وجدت أحداً وَرِث العلم إلا قدم غيرَ خُويلد بن اسد.قال الزبير : فأما رَكْضةُ جبريل فإن سعيد بن المسيّب قال : إن إبراهيم قَدِم بإسماعيل وأمه مكة فقال لهما:كلا من الشجر، واشربا من الشعاب، وفارقهما، فلما ضاقت الأرضُ تقطعت المياه، فعَطشا ، فقالت له أمه: اصعد وانصب في هذا الوادي فلا أرى موتك ولا ترى موتي ، ففعل، فأنزل اللّه تعالى ملكاً من السماء على أم إسماعيل، فأمرها فصرّحت به، فاستجاب لها، وطار الملك فضرب بجناحيه مكان زمزم، فقال : اشربا ، فكان سَيْحاً يسيح، ولو تَرَكاه ما زال كذلك أبداً، لكنّها فَرَقت عليه من العطش، فقرت له في السقاء، وحفرت في البَطْحاء، فلما نَضَبَ الماء طوّياه، ثم هلك الناس، ودفنته السيول. ثم أري عبد المطلب في
المنام أن أحفِرْ زمزم لا تُشرّب ولا تذمّ تُروي الحجيج الأعظم. ثم أري مرة أخرى أن احفر الرّواء، أعطيتها على رَغْم الأعداء . ثم أرِيَ مرّة أخرى، أن اخير تكتم، بين الأنصاب الحمر، في قرية النمل. فأصبح يحفر حيث أري. فطفقت قريش يستهزئون به، حتى إذا بدا عن الطيّ وجد فيها غزالاً من ذهب ،وحلية سيف، فضرب عليها بالسّهام، فخرج سهم البيت، فكان أوّل حلي حَلّى به الكعبة .قال الزبير : وكان حرب بنُ أمية بن عبد شمس ندیم عبد المطلب، وكان عبيد بن الأبرص تربه، وبلغ عبيد مائة وعشرين سنةً، وبقي عبد المطلب بعده عشرين سنة. قال : وقال بعض أهل العلم: توفّي عبد المطلب عن خمس وتسعين سنة، ويقال: كان يُعرف في عبد المطلب نور النبوة وهيبة الملك، وفيه يقول الشاعر :إنني واللات والبَيتِ الذي *** لز بالهِبْرِزِ عبد االمطّلب قال الزبير:حدثني عمي مصعب بن عبد اللّه ، قال : بينا عبد المطلب يطوف بالبيت بعدما أسَنّ وذهب بصره، إذ رحمه ،رجل، فقال : من هذا؟ فقيل : رجل من بني بكر . قال : فما منعه أن يُنكب عنّي وقد رآني لا أستطيع لأن انكب عنه! فلما رأى بنيه قد توالوا عَشَرة قال : لا بد لي العصا، فإن اتخذتها طويلةً شقّت عليّ، وإن اتخذتها قصيرةً قويتُ عليها، ولكن ينحدب لها ظهري ،والحدبة ذلّ، فقال بنوه : أو غير ذلك؟ يوافيك كل يوم منا رجل تتوكأ عليه فتطوف في ، حوائجك. قال : ولذلك قال الزبير : ومكارم عبد المطلب أكثر من أن يحاط بها، كان سيد قريش غيرَ مُدافَعٍ نَفْساً وأباً وبيتاً وجمالاً وبهاء وكمالاً وفعالاً، قال أحد بني كنانة يمدحه :إنّي وما سترت قريش والذي *** تعزُو لآل كلُّهنّ ظباءُووَحَقِّ من رفع الجبال مُنيفةٌ *** والأرض مدَّاً فوقهن سماءُمُثْنٍ ومهد لابن سلمى مدحةً *** فيها أداءً ذمامه ووَفاءُقال الزبير: فأما أبو طالب بن عبد المطلب - واسمه عبد مناف وهو كافل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وحاميه من قريش وناصره، والرفيق به ،الشفيق عليه، ووصي عبد المطلب فيه - فكان سيد بني هاشم في زمانه، ولم يكن أحد من قريش يسود في الجاهلية بمال إلا أبو طالب وعُتبة بن ربيعة .)قال الزبير : أبو طالب أول من سَنَّ القسامة في الجاهليّة في دم عَمرو بن علقمة، ثم أثبتتها السنة في الإسلام، وكانت السِّقاية في الجاهلية بيد أبي طالب، ثم سلمها إلى أخيه العباس بن عبد المطلب. قال الزبير : وكان أبو طالب شاعراً مجيداً، وكان نديمه في الجاهلية مسافر بن عمرو بن أمية بن عبد شمس، وكان قد حُبِن فخرج ليتداوى بالحيرة، فمات بهبالة، فقال أبو طالب يرثيه :
ليت شعري مسافر بن أبي عَمْ *** رو وليت يقولها المحزونكيف كانت مذاقة الموت إذ *** مُت وماذا بعد الممات يكون!رحل الركب قافلين إلينا *** وخليلي في مَرْمس (1مدفون)بُورِك الميتُ الغريب كما بو*** ركَ نَصْرُ الرَّيحان والزيتونرُزْهُ مَيْت على مُبالة قد حا *** لت فيافٍ من دونه وحُزونُمِدْرَةٌ مدرة يدفع الخصوم بايد *** وبوجه يزينه العرنينکم خليل وصاحب وابن عَم *** وحميم قفت عليه المنون!فتعزّيتُ بالجلادة والصّب *** ر وإنّي بصاحبي لضنينُقال الزبير : فلما هلك مسافر نادَم أبو طالب بعده عمرو بن عبد بن أبي قيس بن عبد ود بننصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ولذلك قال عمرو العلي (علیه السلام يوم الخندق حين بارزه : إن أباك كان لي صديقاً .)قال الزبير : وحدثني محمد بن حسن، عن نصر بن مزاحم، عن معروف بن خربوذ قال : كان أبو طالب يحضر أيام الفجار، ويحضر معه النبي(صلی اللّه علیه واله وهو غلام، فإذا جاء أبو طالب هزمت قيس، وإذا لم يجيء هزمت كنانة، فقالوا لأبي طالب : لا أبا لكا لا تغب عنا، فَفَعل قال الزبير : فأما الزبير بن عبد المطلب فكان من أشراف قريش ووجوهها، وهو الذي استثنته بنو قصي على بني سهم حين هجا عبد الله بن الزبعرى بن قصي فأرسلت بنو قُصَيّ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس إلى بني سهم ، فقال لهم : إن قومكم قد كرهوا أن يعجلوا عليكم، فأرسلوني إليكم في هذا السفيه الذي هجاهم في غير ذنب اجترموا إليه، فإن كان ما صنع عن رأيكم فبئس الرأي رأيكم ، وإن كان عن غير رأيكم فادفعوه إليهم . فقال القوم : نبرأ إلى اللّه أن يكون عن رأينا . قال : فأسلموه إليهم ، فقال بعضُ بني سهم : إن شئتم فعلنا على أن من هجانا منكم دفعتموه إلينا . فقال عتبة ما يمنعني أن أقول ما تقول إلّا أن الزبير بن عبد المطلب غائب بالطائف، وقد عرفت أنه سيفرغ لهذا الأمر فيقول: ولم أكن أجعل الزبير خطراً لابن الزّبَعْرَى، فقال قائل منهم : أيها القوم، ادفعوه إليهم، فلعمري إن لكم مثل الذي عليكم ، فكثر في ذلك الكلام واللغط ، فلما رأى العاص بن وائل ذلك دعا برمة، فأوثق بها عبد الله بن الزّبَعْرَى ودَفعه إلى عتبة بن ربيعة، فأقبل به مربوطاً حتى أتى به ،قومه فأطلقه حمزة بن عبد المطلب وكساء، فأغرَى ابن الزّبَعْرى أناس من قريش بقومه بني سهم، وقالوا له : أهجهم كما أسلموك ، فقال : لَعَمري ما جاءتْ بنكْرٍ عشيرتي *** وإن صالحث إخوانها لا ألومها)
1) المرمس : القبر، القاموس، مادة (رمس).
فوَدَّ جُناة الشر أن سيوفنا *** بأيماننا مسلولةٌ لا نشيمها (1)فيقطع ذوالصهرالقريب ويتركوا *** غماغمَ منها إذ أجد يريمهافإن قصيّاً أهلُ مجد وثروة *** وأهل فعال لا يُرام قديمهاهم منعوا يومي عكاظ نساءنا *** كما منع الشول الهجان قرومُهاوإن كان هيج قدّموا فتقدّموا *** وهل يمنع المخزاة إلَّا حميمها !محاشيه للمقْرَى سراعٌ إلى النَّدَى *** مَرازية غلب رزان حُلومهاقال : فقدم الزبير بن عبد المطلب من الطائف، فقال قصيدته التي يقول فيها :فلولا الحمس لم يلبس رجال *** ثياب أعزة حتی یموتواوقد ذكرنا قطعةً منها فيما تقدّم. قال الزبير:وقال الزبير بن عبد المطلب أيضاً في هذا المعنى : قومي بنو عبد مناف إذا *** أظلم من حولي بالجَندَللا أسَدِّ لن يُسلموني ولا*** نيم ولا زُهرة للنبطل (2)ولا ينو الحارث إن مربي *** يوم من الأيام لا ينجلیيا أيها الشاتِم قومي ولا *** حق له عندهُمُ أقيلإنّي لهم جارٌ لئن أنت لم *** تقصر عن الباطل أو تعدلقال الزبير : ومن شعر الزبير بن عبد المطلب :يا ليت شعري إذا ما حُمّتي وقعت *** ماذا تقول ابنتي في النّوح تنعاني !تنعى أباً كان معروف الدّفاع عن ال*** مَوْلى المطاف وفكاكاً عن العانيونعم صاحب عان كان رافده *** إذا تضجع عنه العاجز الوانيقال الزبير: وكان الزبير بن عبد المطلب ذا نظر وفكر، أتى فقيل له :مات فلان - لرجل من قريش كان ظلوماً - فقال : بأي عقوبة مات؟ قالوا : مات حتف أنفه! فقال : لئن كان ما قلتموه حقاً إن للناس معاداً يؤخذ فيه للمظلوم من الظالم.قال: وكان الزبير يكنى بأبي الطاهر، وكانت صفية بنت عبد المطلب كَنَتْ ابنها الزبير بن: العوام أبا الطاهر دهراً بكنية أخيها ، وكان للزبير بن عبد المطلب ابن يقال له الظاهر، كان من أظرف فتيان مكة، مات غلاماً، وبه سمى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ابنه الطاهر، وباسم الزبير سمّت أخته صفية ابنها الزّبير، وقالت صفيّة ترثي أخاها الزبير بن عبد المطلب :)
بكي زبير الخير إذمات إن كنتِ على ذي كرم باكيةلولفظته الأرضُ ما لمتها *** أو أصبحت خاشعة عاريةقد كان في نفسي أن *** أترك الموتى ولا أتبعهم قافيةفلم أطق صَبراً على رزته *** وجدته أقرب إخوانيةلولم أقل من في قولاً له *** لقضت العبرة أضلاعيةفهوَ الشامي واليماني إذا *** ما خضروا، ذو الشفرة الدّاميّةوقال ضرار بن الخطاب يبكيه :بَكَّى ضُباعُ على أبي *** ك بكاء محزون الیمقدكنتُ أنشده فلا *** رَثُّ السلاح ولا سليمکالكوكب الدّري يع لووضوءه ضوء النجومزخرت به أعراقه *** ونماه والده الكريمبین الأغَر وهاشم *** فَرْعَين قد فَرَعا القُرومُ (1فأما القتُول الخَشْعَميّة التي اغتصبها نبيه بن الحجّاج السهمي من أبيها، فقد ذكر الزبّير بن بكّار قصّتها في كتاب «أنساب قريش».)قال الزبير : إنّ رجلاً من خثعم قدم مكة تاجراً ومعه ابنة يقال لها : القَتُول، أوضاً نساءالعالمين، فَعِلقَها نبيه بن الحجاج السَّهمي ، فلم يبرح حتى غلب أباها عليها، ونقلها إليه، فقيل لأبيها : عليك بحلف الفضول، فأتاهم فشكا إليهم ذلك، فأتوا نبيه بن الحجّاج فقالوا له : أخرج ابنة هذا الرجل - وهو يومئذ منتبذ بناحية مكة، وهي معه - وإلا فإنّا مَن قد عرفت، فقال: يا قوم ،متعوني بها الليلة فقالوا : قبحك اللّه! ما أجهلك ،لا واللّه ولا شَخُب لَقْحة، فأخرجها إليهم فأعطوها أباها ، فقال نبيه بن الحجاج في ذلك قصيدةً أوّلها :راح صحبي ولم أُحيّ القتولا *** لم أودعهم وداعاً جميلاًإذ أجد الفضول أن يمنعوها *** قد أراني ولا أخاف الفضولافي أبيات طويلة . وأما قصة البارقي فقد ذكرها الزبير أيضاً . قال : قدم رجلٌ من ثمالة من الأزد مكة، فباع سلعة من أبي بن خَلَف الجُمحي فمطله بالثمن، وكان سيىء المخالطة ، فأتى الثمالي أهل حلف
1) القُروم : جمع قَرْم : الفحل الذي يترك من الركوب والعمل ويودع للفحلة، ومنه قيل للسيد قرمُ تشبيهاً بذلك. اللسان، مادة (قرم).
الفضول فأخبرهم، فقالوا : اذهب فأخبره أنك قد أتيتنا، فإن أعطاك حقك وإلا فارجع إلينا، فأتاه فأخبرة بما قال أهلُ حِلْف الفُضُول، فأخرج إليه حقه فأعطاه، فقال الثَّمالي : أيفجر بي ببطنِ مَكَّةَ ظالماً *** أُبَيٍّ ولا قَوْمي لدي ولا صَحْبيوناديت قومي بارقاً لتُجيبني *** وكم دونَ قَومِي مِن فَيافٍ ومن سُهْبِ (1)ريابي لكم حلف الفضول ظلامتي *** بني جُمح والحق يؤخذ بالغضبوأمّا قصّة حلف الفضول وشرفه فقد ذكرها الزبير في كتابه أيضاً، قال: كان بنو سهم وبنوجُمَح أهلَ أهلَ بَغْيِ وعُدوان، فأكثروا من ذلك، فأجمع بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أَسَد وبنو زُهْرة وبنو تيم على أن تحالفوا وتعاقدوا عَلَى ردّ الظلم بمكة، وألا يُظلم أحد إلا مَنَعوه، وأخذوا له بحَقِّه، وكان حِلْفهم في دارِ عبد اللّه بن جدعان، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله : «لقد شهدت في دارعبد اللّه بن جُدْعان خِلْفاً ما أُحِبْ أن لي به حُمْرَ النَّعَم ولو دعيت به اليوم لأجبتُ، لا يزيدالإسلام إلا شدة .(2)قال الزبير : كان رجل من بني أسد قد قدم مكة معتمراً ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل السّهمي، فآواها إلى بيته ،ثم تغيّب، فابتغى الأسدي مَتاعَه فلم يقدر عليه، فجاء إلى بني سَهُم يستعْدِيهم عليه، فأغلظوا له، فعرف أن لا سبيل له إلى ماله، وطوف في قبائل قريش ؟ فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش يستنفر بهم، مجالسها ونادى بأعلى صوته :)باللرّجال لمظلوم بضاعته *** ببطن مكة نائي الأهل والنَّفَرِومُحرم أشعث لم يَقضِ عُمْرته *** يا آل فهر وبين الحجر والحجرهل مُنصف من بني سَهم فمرتجع *** ما غيبّوا أم حلال مال معتمرا!فأعظمت ذلك قريش، وتكلّموا فيه، فقال المطيبون :واللّه إن قمنا في هذا ليغضبن الأحلاف، وقالت الأحلاف واللّه إن قمنا في هذا لغيضبَنّ المطيبّون ،فقالت قبائل من قريش : هلمّوا فلنحتلف حلفاً جديداً، لننصرنَ المظلوم على الظالم ما بلّ بحرّ صوفة. فاجتمعت هاشم والمطّلب وأسدّ وتيم وزُهرة في دار عبد اللّه بن جدعان ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يومئذ معهم وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة لم يوح إليه بعد، فتحالفوا ألا يُظلَم بمكّة غريب ولا قريب ولا حرّ ولا عبد إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه، ويردّوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم، ثم)
عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة، ثم بعثوا به إلى البيت ،فغسلوا به أركانه، ثم جمعوه وأتوهم به فشربوه، ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل فقالوا له : أد إلى هذا حقه، فأدى إليه حقه، فمكثوا كذلك دهراً لا يُظلم أحد بمكة إلا أخذوا له حقه، فكان عتبة بن ربيعة بن شمس يقول : أنَّ رجلاً وحده خرج من قومه الخرجت من عبد شمس، حتى أدخل في حلف الفضول.قال الزبير : وحدثني محمد بن حسن، عن محمد بن طلحة عن موسى بن محمد، عن أبيه، أن الحلف كان على ألّا يدعوا بمكة كلها ولا في الأحابيش مظلوماً يدعوهم إلى نضرته إلا أنجدوه حتى يردوا عليه ماله ومظلمته، أو يُبلوا في ذلك عُذْراً، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى التأسي في المعاش.قال الزبير : ويقال : إنه إنما سمّي حِلف الفضول لأن رجالاً كانوا في وجوههم تحالفوا على رد المظالم ، يقال لهم فضيل وفضّال وفضل ومفضل، فسمي هذا الحلف حلف الفضول، لأنه أحيا تلك السنة التي كانت ماتت .قال الزبير : وقدم محمد بن جبير بن مطعم على عبد بن مطعم على عبد الملك بن مروان - وكان من علماء قريش - فقال له : يا أبا سعيد ألم نكن - يعني بني عبد شمس ، وأنتم في حلف الفضول؟ فقال : أمير المؤمنين أعلم، قال: لتخبرني بالحق ، قال : لا والله يا أمير المؤمنين، لقد خرجنا نحن وأنتم منه ، وما كانت يدنا ويدكم إلا جميعاً في الجاهلية والإسلام.قال الزبير : وحدثني محمد بن حسن، عن إبراهيم بن محمد، عن يزيد بن عبد اللّه الهادي الليثي، أن محمد بن الحارث أخبره، قال كان بين الحسين بن علي(علیه السلام وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كلام في مال كان بينهما بذي المروة، والوليد يومئذٍ أمير المدينة أيام معاوية، فقال الحسين(علیه السلام) : أيستطيل الوليد علي بسلطانه أقسم باللّه لينصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم أقوم في مسجد اللّه فأدعو بحلف الفضول !فبلغت كلمته عبد اللّه بن الزبير، فقال : أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينتصف أو نموت جميعاً. فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك، فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللّه التيميّ، فقال مثل ذلك، فبلغ ذلك الوليد بن عتبة، فأنصف الحسين(علیه السلام) من نفسه حتى رضيَ رضيَ .(1))
1) أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية بما معناه: 375/2
قال الزبير : وقد كان للحسين (علیه السلام مع معاوية قصّة مثل هذه،كان بينهما كلام في أرض للحسين (علیه السلام)، فقال له الحسين(علیه السلام): اختر مني ثلاث خصال، إما أن تشتري مني حقي وإما أن تردّه عليّ، أو تجعل بيني وبينك ابن عمر أو ابن الزبير حكماً ، وإلا فالرابعة ،وهي الصَّيْلَم قال معاوية : وما هي ؟ قال : أهتف بحلف الفضول، ثم قام فخرج وهو مُغضَب، فمرَّ بعبد اللّه بن الزبير فأخبره ،فقال واللّه لئن هتفت به وأنا مضطجع لأقعدّن، أو قاعد لأقومن، أو قائم لأمشيّن، أو ماشي لأسعيّن ، ثم لتنفدن روحي مع روحك، أو لينصفنّك. فبلغت معاوية، فقال: لاحاجة لنا بالصَّيلم ثم أرسل إليه أن ابعث فانتقد مالك، فقد ابتعناه منك.)قال الزبير : وحدّثني بهذه القصة علي بن صالح عن جدّي عبد اللّه بن مصعب، عن أبيه، قال : خرج الحسين(علیه السلام من عند معاوية وهو مغضَب، فلقي عبد اللّه بن الزبير، فحدّثه بما دار بينهما، وقال: لأخيّرنّه في خصال، فقال له ابن الزبير ما قال ،ثم ذهب إلى معاوية، فقال : لقد لقيني الحسين فخّيرك في ثلاث خصال، والرابعة الصَّيْلم، قال معاوية : فلا حاجة لنا بالصيلم، أظنّك لقيته مغضباً! فهات الثلاث ،قال: أن تجعلني أو ابن عمر بينك وبينه . قال : قد جعلتك بيني وبينه، أو جعلت ابن عمر أو جعلتكما جميعاً. قال أو تُقرّ له بحقه ثم تسأله إياه. قال: قد أقررت له بحقه وأنا أسأله إيّاه، قال: أو تشتريه منه ،قال :قد اشتريته منه، فما الصيلم؟ قال: يهتف بحلف الفضول، وأنا أوّل من يجيبه . قال : فلا حاجة لنا ذلك .)في وبلغ الكلام عبد الله بن أبي بكر والمسور بن مخرمة، فقالا للحسين مثل ما قاله ابن الزبير فأما تفجر الماء من تحت أخفاف بعير عبد المطلب في الأرض الجرز فقد ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة، قال: لما أنبط عبد المطلب الماء في زمزم حسدته قريش فقالت له : يا عبد المطلب، إنها بثر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك . قال : ما أنا بفاعل، إنّ هذا الأمر أمرٌ خُصصت به دونكم وأعطيته من بينكم قالوا له : فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها ، قال : فاجعلوا بيني وبينكم حكماً أحاكمكم إليه، قالوا : كاهنة بني سعد بن هديم قال : نعم، وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب في نفر من بني عبد مناف، وخرج من كل قبيلة من قبائل قريش قوم، والأرض إذ ذاك مَفاوِز، حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشامَ نَفِد ما كان مع عبد المطلب وبني أبيه من الماء فعطشوا عطشاً شديداً فاستسقوا قومهم، فأبوا أن يَسقُوهم وقالوا : نحن بمفازة ونخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم. فلما رأى عبد المطلب ما صَنَع القومُ وخاف على نفسه وأصحابه الهلاك، قال لأصحابه : ما تَرَون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما أحببت قال : فإني أرى أن يحفر كل رجل منّا حفرةً لنفسه بما معه الآن من القوة، فكلما مات رجل دفنه أصحابه في حُفرته، و
حتى يكون رجل واحد، فضيعة رجل واحد أيسَرُ من ضَيْعة ركب، قالوا : نِعْمَ ما أشرت فقام كل رجل منهم فَحَفر حفيرة لنفسه، وقعدوا ينتظرون الموت. ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه : واللّه إنّ إلقاءنا بأيدينا كذا للموت لا نضرب في الأرض فتطلب الماء لعَجْز، قوموا فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض الأرض، ارتحلوا فارتحلوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم صانعون ،فتقدّم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجر من تحت خُفّها عَين من ماءٍ عَذب، فكبّر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشَرِب وشرِب أصحابه، واستقوا حتى ملؤوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال لهم : هلموا إلى الماء، فقد أسقانا اللّه، فاشربوا واستَقُوا، فجاؤوا فشربوا واستَقَوْا ، ثم قالوا : قد واللّه قضى اللّه لك علينا، واللّه لا نخَاصِمُك في زمزم أبداً ، إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشداً. فرجع ورجعوا معه، لم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبين زمزم.وروى صاحب كتاب الواقدي أنّ عبد اللّه بن جعفر فاخَرَ يزيد بن معاوية ،بين يدي معاوية فقال له : بأي آبائك تفاخرني؟ أبحرب الذي أجزناه، أم بأميّة الّذي ملكناه، أم بعبد شمس الذي كَفَلْناه فقال معاوية : لحرب بن أمية يقال هذا ما كنت أحسب أن أحداً في عصر حَرْبٍ يزعم أنه أشرف من حَرْب ! فقال عبد اللّه : بلى أشرف منه من كَفَاً عليه إناءه وجلّله بردائه! فقال معاوية ليزيد رويداً يا بني، إنّ عبد اللّه يفخر عليك بك لأنك منه وهو منك . فاستحيا عبد اللّه وقال : يا أمير المؤمنين يَدَان انتشطتا وأخوان اصطَرَعا . فلما قام عبد الله، قال معاوية ليزيد :يا بُنيّ إياك ومنازعة بني هاشم فإنّهم لا يجهلون ما عَلِموا ، ولا يجدُ مُبغضهم لهم سَباً، قال: «أما قوله : أبحَرْب الذي أجرناه»، فإن قريشاً كانت إذا سافرت فصارت على العقبة لم يتجاوزها أحد حتى تجوز قريش، فخرج حرب ليلة فلما صار على العقبة لقيه رجل من بني حاجب بن زرارة تميمي فتنحنح حربُ بنُ أميّة وقال : أنا حرب بن أمية ،فتنحنح التميمي وقال: أنا ابن حاجب ابن زرارة ،ثم بدر فجاز العقبة، فقال :حرب: لاها اللّه لا تدخل بعدها مكّة وأنا حيّ ! فمكث التميمي جيناً لا يدخل، وكَانَ مَتجَرُهُ بمكّة، فاستشار بها بمن يستجير من حَرْب، فأشير عليه بعبد المطلب أو بابنه الزبير بن عبد المطلب. فركب ناقته وصار إلى مكة لَيْلاً ، فَدَخَلها وأناخَ ناقته بباب الزبير بن عبد المطلب، فرغت الناقةُ، فخرج إليه الزبير فقال: أمستجير فتجار، أم طالب قرى فتقرَى ! فقال :لاقيتُ حَرْباً بالثنيّة مُقبلاً *** والليلُ أبلج نوره للشاريفَعَلا بِصَوْتٍ واكْتَنَى ليَرُوعَني *** ودَعا بدعوة مُعلن وشعارفتركتُه خَلْفي وجُزت أمامه *** وكذاك كنتُ أكون في الأسفار
فمضى يهددني ويمنع مكّة *** الّا أحلّ بها بدار قرارِفتركته كالكَلب ينبح وحده *** وأتيتُ قَرْمَ مَكارم وفخارليثاً هِزَبراً يُستجار بقربه *** رَحْبَ المَباءةِ مكرماً للجارِوحلفت بالبيت العتيق وحجّه *** وبزمزم والحجر والاشتارإنّ الزبير لمانعي بمهنّد *** صافي الحديدة صارم بتّارفقال الزبير : اذهب إلى المنزل فقد أجرتُك فلما أصبح نادى الزبير أخاه الغَيْداق، فخرجا متقلدّين سيفيهما ، وخرج التميمي معهما ، فقالا له : إنا إذا أجزنا رجلاً لم نمش أمّامه ،فامش أمامنا تَرمُقك أبصارُنا كي لا تُختَلسِ مِن خَلْفِنا . فجعل التميمي يشق مكة حتى دخل المسجد، فلما بَصُر به حرب قال : وإنّك لها هنا وسبق إليه فلطمه، وصاحَ الزبير: تَكِلتك أمك! أتلطمه وقد أجرتُه! فثَنى عليه حَرْب فلطمة ثانية، فانتضَى الزبير سيفه، فحمل على حرب بين يديه، وسعى الزبير خلفه فلم يرجع عنه حتى هَجَم حزب على عبد المطلب داره، فقال : ما شأنك؟ قال الزبير، قال : اجلس، وكفأ عليه إناء كان هاشم يهشم فيه الشَّريد، واجتمع الناسُ، وانضمّ بنو عبد المطلب إلى الزبير، ووقفوا على باب أبيهم بأيديهم سيوفهم، فأَزْر عبد المطلب حَرْباً بإزار كان له ،وَرَدّاه برداء له طرفان وأخرجه إليهم، فعلموا أن أباهم قد أجاره.وأما معنى قوله :«أم بأميّة الذي ملكناه!»، فإن عبد المطلب راهَنَ أمية بن عبد شمس على فرسين ،وجعل الخطر ممن سبقت فرسهُ مِائةً من الإبل وعشرة أعبد وعشر إماء واستعباد سنة، وجز الناصية. فسبق فرسُ عبد المطلب فأخذ الخطر فقسمه في قريش ،وأراد جز ناصيته، فقال : أو أفتدى منك باستعباد عشر سنين ! ففعل، فكان أميّة بعدُ في حَشمِ عبد المطلب وعضاريطه عشر سنين . وأما قوله : «أَمْ بعبد شَمْس الذي كفلنا !» فإن عبد شمس كان مُملقاً لا مال له، فكان أخوههاشم يكفله ويمونه إلى أن مات هاشم. وفي كتاب الأغاني» (1، لأبي الفَرَج أَنّ مَعاوية قال لدغفَل النسابة : أرأيت عبد المطلب؟ قال : نعم ، قال : كيف رأيته؟ قال: رأيته رجلاً نبيلاً جميلاً وضيئاً، كأن على وجهه نور النبوة. قال : أفرأيت أمية بن عبد شمس؟ قال: نعم، قال: كيف رأيته؟ قال: رأيته رجلاً ضئيلاً منحنياً)
1) «الأغاني»: لأبي الفرج علي بن الحسين الأصبهاني المتوفى سنة ( 356ه-)، وهو كتاب لم يؤلف مثله اتفاقاً. كشف الظنون» (129/1).
أعمى يقوده عبده ذكوان، فقال معاوية : ذلك ابنه أبو عمرو ، قال : أنتم تقولون ذلك، فأما قريش فلم تكن تعرف إلا أنه عبده . ونَقلتُ من كتاب «هاشم وعبد شمس» لابن أبي رؤبة الدباس. قال : رَوَى هشام بنُ الكَلْبي عن أبيه، أن نوفل بن عبد مناف ظلم عبد المطلب بن هاشم أركاحاً له بمكة - وهي الساحات - وكان بنو نوفل يداً مع عبد شمس، وعبد المطلب يداً مع هاشم، فاستنصر عبد المطلب قوماً من قومه فقصروا عن ذلك، فاستنجد أخواله من بني النجار بِيَثْرِب، فأقبل معه سبعون راكباً، فقالوا لنوفل، لا واللّه يا أبا ،عدّي ما رأينا بهذا الغائط أحسنَ وَجْهاً، ولا أمدَّ جِسْماً، ولا أعفٌ نَفْساً، ولا أبعد من كل سوء من هذا الفتى - يَعنُون عبد المطلب - وقد عرفت قرابته منا، وقد منعته ساحاتٍ له، ونحن نحب أن تردّ عليه حقّه، فردّه عليه، فقال عبد المطلب :تابى مازن وبَنُو عَدِيٌّ *** وذُبيانُ بن تَيْم اللاتِ ضَيْميوزادت مالك حتى تناهث *** ونَكَّب بعدُ نَوْفَلُ عن حريميقال : ويقال إنّ ذلك كان سبب مخالفة خُزاعة عبد المطلب .قال : ورَوَى أبو اليقظان سُحَيم بن حفص، أن عبد المطلب جمع بنيه عند وفاته - وهم عَشرة يومئذٍ - فأمَرَهم ونهاهم وأوصاهم وقال : إيّاكم والبغي، فواللّه ما خَلَق اللّه شيئاً أعجل عقوبة من البغي، وما رأيت أحداً بقي على البغي إلّا إخوتكم من بني عبد شمس .وروى الوليد بن هشام بن قحذم ،قال : قال عثمان يوماً : وددتُ أني رأيت رجلاً قد أدرك الملوك يحدّثني عما مضى، فذكر له رجل بحضرموت، فبعث إليه فحدثه حديثاً طويلاً - تركنا ذكره - إلى أن قال : أرأيت عبد المطلب بن هاشم؟ قال: نعم، رأيتُ رجلاً قِعْداً أبيض طويلاً مَقْرُونَ الحاجبين، بين عينيه غُرّة يقال إن فيها بركة ،وإن فيه بركة ،قال: أفرأيت أمية بن عبد شمس؟ قال: نعم، رأيت رجلاً آدم دميماً قصيراً أعمى يقال : إنه نكد، وإن فيه نكداً ، فقال عثمان :«يكفيك من شَرِّ سماعه» وأمر بإخراج الرّجل . ورَوَى هشامُ بنُ الكَلبي أن أمية بن عبد شمس لمّا كان غلاماً ، كان يَسرِق الحاج فسمّي حارساً .وروى ابنُ أبي رُؤبة في هذا الكتاب أن أوّل قتيل قتله بنو هاشم من بني عبد شمس عفيف بن أبي العاص بن أميّة، قتله حمزة بن عبد المطلب، ولم أقف على هذا الخبر إلا من كتاب أبن أبي رؤبة . قال : وممّا يصدّق قول من رَوَى أنّ أمية بن عبد شمس استعبده عبد المطلب شعر أبي طالب بن عبد المطلب حين تظاهرت عبد شمس ونؤفل عليه وعلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وحصر وهما الشعب، فقال أبو طالب:)
توالى علينا مَوْليانا كلاهما *** إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمرُبلى لهما أمر ولكن تَراجُماً *** كما أرتجمَتْ من رأس ذي القلع الصَّحْرُأخصّ خصوصاً عبد شمس ونَوْفلاً *** هما نَبَذانا مِثلَ ما تُنبَذ الخمرُهُما أَغَمضا للقوم في أخويهما*** فقد أصبحت أيديهما وهما صِفْرُقديماً أبوهم كان عبداً لجدّنا*** بني أُمة شهلاء جاش بها البحرُلقد سَفّهوا أحلامهم في محمّد *** فكانوا كجُفْرِ بئس مَا صَنعت جُفْرُثم نرجع إلى حكاية شيخنا أبي عثمان، وقد نمزجه بكلام آخر لنا أو لغيرِنا ممَّن تعاطى الموازنة بين هذين البيتين .قال أبو عثمان فإن قالت أميّة: لنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أربعة خلفاء في نَسَق، قُلنا لهم : ولبني هاشم: هارون الواثق بن محمّد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد اللّه المنصور بن محمد الكامل بن علي السجاد، كان يصلّي كلّ يوم وليلة ألف ركعة، فكان يقال له السجاد لعبادته وفضله، وكان أجمل قريش على وجه الأرض وأوسَمَها ، وُلِد ليلة قتل علي بن أبي طالب (علیه السلامفسُمي باسمه وكني بكنيته فقال عبد الملك : لا واللّه لا أحتمل لك الاسم ولا الكنيّة، فغيّر أحدهما ، فغيّر الكنية فصيّرها أبا محمد بن عبد اللّه، وهو البحر، وهو خبر قريش، وهو المفقه في الدين المعلم التأويل ،ابن العباس ذي الرأي، وحليم قريش، ابن شيبة الحمد ،عبد المطلب سيّد الوادي ابن عمرو، وهو هاشم، هَشَم الشَّريد، وهو القَمَر سمي بذلك لجماله، ولأنهم كانوا يقتدون ويهتدون برأيه، أبن المغيرة وهو عبد مناف بن زيد، وهو قُصَيّ وهو مجمع، فهؤلاء ثلاثة عشر سيّداً لم يُحرم منهم واحد، ولا قصر عن الغاية، وليس منهم واحداً إلا وهو ملقّب بلقب اشتّق له من فعله الكريم، ومن خلقه الجميل، وليس منهم إلا خليفة، أو موضع للخلافة أو سيّد في قديم الدهر منيع، أو ناسك مُقدّم، أو فقيه بارع، أو حليم ظاهر الرَّكانة، وليس هذا لأحد سواهم، ومنهم خمسة خلفاء في نَسَق، وهم أكثر مما عدّته الأموية، ولم يكن مروان كالمنصور لأنّ المنصور ملك البلاد ودَوّخ الأقطار، وضبط الأطراف اثنتين وعشرين سنةً، وكانت خلافة مروان على خلاف ذلك كله، وإنّما بقي في الخلافة تسعة أشهر حتى قتلته امرأته عاتكة بنت يزيد بن معاوية حين قال لابنها خالد من بَعْلِها الأول : يا بن الرّطبة. ولئن كان مَرْوان مستوجباً لاسم الخلافة مع قلة الأيام وكثرة الاختلاف واضطراب البلدان فضلاً عن الأطراف، فابن الزبير أولى بذلك منه، فقد كان ملك الأرض إلا بعض الأرْدُنّ، ولكن سُلطان عبد الملك وأولاده لما اتصل بسلطان مروان اتصل عند القوم ما أنقطع)
منه وأخفَى مَوضعَ الوَهَن عند من لا عِلم له ، وسِنُو المَهْدِي كانت سني سلامة، وما زال عبد الملك في انتقاض وانتكاث، ولم يكن ملك يزيد كملك هارون، ولا مُلك الوليد كملك المعتصم . قلت رحم اللّه أبا عثمان لو كان اليومَ لَعَدَّ من خلفاء بني هاشم تسعةً في نَسَق: المستعصم بن المستنصر بن الطاهر بن المستضيء بن المستنجد بن المقتفي بن المستظهر بن المقدر. والطالبيون بمصر يَعُدّون عشرةً في نسق : الأمر بن المستعلي بن المستنصر بن الطاهر بنالحاكم بن العزيز بن المعتز بن المنصور بن القائم بن المهدي .قال أبو عثمان : وتفَخَر عليهم بنو هاشم بأن سني ملكهم أكثر ، ومدته أطول، فإنّه قد بلغت مدة ملكهم إلى اليوم أربعاً وتسعين سنة. ويفخرون أيضاً عليهم بأنهم ملكوا بالميراث وبحق العصبة والعمومة، وأن ملكهم في مغرس نبوّة، وأن أسبابهم غير أسباب بني مروان، بل ليس لبني مروان فيها سبب ولا بينهم وبينها نسب، إلا أن يقولوا : إنّا من قريش فيُساووا في هذا ، الاسم قريش الظواهر، لأن رواية الراوي : «الأئمة من قريش» (1واقعة على كل قرشي : وأسباب الخلافة معروفة، وما يدعيه كلّ جيل معلوم وإلى كل ذلك قد ذهب الناس، فمنهم من ادعاه العلي (علیه السلام) الاجتماع القرابة والسابقة والوصيّة، فإن كان الأمر كذلك فليس لآل أبي سفيان وآل مروان فيها دعوى، وإن كانت إنما تُنال بالوراثة، وتُستحق بالعمومة، وتُستوجب بحق العصبة، فليس لهم أيضاً فيها دعوى وإن كانت لا تُنالُ إلّا بالسوابق والأعمال والجهاد، فليس لهم في ذلك قدم مذكور، ولا يوم مشهور، بل كانوا إذ لم تكن لهم سابقة، ولم يكن فيهم ما يستحقون به الخلافة، ولم يكن فيهم ما يمنعهم منها أشدَّ المنع، لكان أهون، ولكان الأمر عليهم أيسر، قد عرفنا كيف كان أبو سفيان في عداوة النبي(صلی اللّه علیه واله) وفي محاربته له، وإجلابه عليه وغَزْوه إيَّاه، وعرفنا إسلامه حيث أسلم، وإخلاصه كيف أخلص، ومعنى كلمته يوم الفتح حين رأى الجنود وكلامه يوم حنين، وقوله يومَ صَعِد بلال على الكعبة، فأذن على أنّه إنما أسلم على يدي العباس رحمه اللّه، والعبّاس هو الذي منع الناسَ مِنْ قتله، وجاء به رديفاً إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وسَأَله فيه أن يُشرِّفه وأن يكرمه وينوه به وتلك يد بيضاء، ونعمة غَرّاء،ومقام مشهود، ويوم حنين غير مجحود، فكان جزاء بني هاشم من بنيه أن حاربوا عليّاً، وسمّوا الحسن، وقتلوا الحسين، وحَمَلوا النساء على الأقتاب حواسر وكشفوا عن عَوْرة علي بن الحُسَين حين أشكل عليهم بلوغه كما يُصنع بذراري المشركين إذا دخلتْ دُورُهم عَنْوة، وبعث معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن، فقتل ابني عبيد الله بن العباس، وهما غلامان لم يبلغا الحلم،)
1) أخرجه أحمد في مسنده» (11898)، والحاكم في المستدرك ) (6962) ، والنسائي في «الكبرى»
وقَتلَ عُبيد اللّه بن زياد يوم القف تسعة من صلب علي(علیه السلام، وسبعةً من صُلْب عَقيل، ولذلك قال ناعيهم :)عين جودي بعبرة وعويل *** وأندبي إن تدبتِ آل الرَّسولِتسعة كلّهم لصُلْبِ عليّ *** قد أصيبوا وسبعة لعقيلثم إنّ أميّة تزعم أنّ عَقِيلاً أعان معاوية على علي(علیه السلام ، فإن كانوا كاذبين فما أولاهم بالكَذِب! وإن كانوا صادقين فما جازَوْا عَقِيلاً بما صنع! وضرب عُنُق مسلم بن عقيل صَبراً وغَدْراً بعد الأمان، وقتلوا معه هاني بن عُزوة لأنَّه آواه ونصره، ولذلك قال الشاعر :)فإن كنتِ لا تدرين ما الموتُ فأنظري *** إلى هاني في السوق وابن عقيلتَرَيْ بَطَلاً قد هَشّم السيفُ وجَهَه *** وآخر يهوِي من طَمَارِ قَتِيلوأكلت هند كيد حمزة، فمنهم آكلة الأكباد، ومنهم كَهْف النّفاق، ومنهم مَن نَقَر بين ثنيّتي الْحُسَين (علیه السلام بالقضيب ، ومنهم القاتل يوم الحرة عون بن عبد اللّه بن جعفر، ويوم الطّف أبا بكر بن عبد اللّه بن جعفر. وقتِل يوم الحرَّة أيضاً من بني هاشم الفضلُ بنُ عبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب .)قلت : إن أبا عثمان قايس بين مدتي ملكهما وهو حينئذ في أيَّام الواثق، ففضل هؤلاء عليهم، لأن ملكهم أطول من ملكهم بعشر سنین فکیف به لوگان اليوم حيَّاً ، وقد امتدّ مُلكهم خمسمائة وستّ عشرة سنة! وهذا أكثر من ملك البيت الثالث من ملوك الفرس بنحو ثلاثين سنة. وأيضاً فإن كان الفخر بطول مدة الملك فبنو هاشم قد كان لهم أيضاً ملك بمصر نحو مائتين وسبعين سنة، مع ما ملكوه بالمغرب قبل أن ينتقلوا إلى مصر .قال أبو عثمان: وقالت هاشم لأميَّة : قد علم الناسُ ما صنعتم بنا من القتل والتشريد، لا لذنب أتيناه إليكم، ضربتم عليَّ بن عبد الله بن عباس بالسياط مرتين، على أن تزوّج بنت عمه الجعفرية التي كانت عند عبد الملك، وعلى أن نحلتموه قتل سليط، وسمَمْتُم أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب(علیه السلام ، ونَبشتُم زَيْداً وصَلَبتموه، وألقيتم رأسه في عَرْصة الدار تُوَطأ بالأقدام، وينقر دماغه الدَّجاج، حتى قال القائل:)اطرد الديك عن ذُؤابة زَيْدٍ *** طالما كان لا تَطاهُ الدَّجاج وقال شاعركم أيضاً :
صلبنا لكم زَيْداً على جذع نخلة *** ولم نر مهدِيَّاً على الجذع يُصلبوقِسْتُم بعثمان عليّاً سفاهة *** وعثمان خير من علي وأطيبفرُوي أن بعض الصالحين من أهل البيت(علیهم السلام قال : اللهم إن كان كاذباً فسلط عليه كلباً من كلابك، فخرج يوماً بسفر له، فعرض له الأسد فافترسه. وقتلتم الإمام جعفراً الصادق (علیه السلام) وقتلتم يحيى بن زيد، وسميتُم :قاتله ثائر مروان ،وناصر الدين، هذا إلى ما صنع سليمان بن حبيب بن المهلب عن أمركم وقَوْلكم بعبد الله أبي جعفر المنصور قبل الخلافة، وما صنع مروان بإبراهيم الإمام ،أدخل رأسه في جراب نؤرة حتى مات، فإن أنشدتم :)أفاض المدامِعَ قتلى كُدّى *** وقتلَى بِكُثوَة لم ترمس (1)وبالزابيين نفوس ثَوَتْ *** وأخرى بنهر أبي فطرسأنشدنا نحن:واذكروا مصرع الحسين وزيداً *** وقتيلاً بجانب المهراسوالقتيل الذي بنجران أمسى *** ثاوياً بين غربةٍ وتَنَاسِوقد علمتم حال مروان أبيكم وضعفه، وأنه كان رجلاً لا فِقْه له، ولا يعرف بالزهد ولاالصلاح، ولا برواية الآثار، ولا بصحبة ولا يبعد همة، وإنما ولي رستاقاً من رساتيق دار بجرد لابن عامر، ثم ولي البحرين لمعاوية، وقد كان جمع أصحابه ومن تابعه ليبايع ابن الزبير حتى رَدّه عبيد اللّه بن زياد وقال يومَ مرج راهط، والرؤوس تندر عن كواهلها في طاعته :وما ضرّهم غير حين النفو *** س وأي غلامي قريش غلبهذا قول من لا يستحق أن يلي ربعاً من الأرباع، ولا خمساً من الأخماس، وهو أحد من قتلته النساء لكلمة كان حتفه فيها .وأما أبوه الحكم بن العاص فهو طريدُ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله ولعينه والمتخلّج في مشيته، الحاكي لرسول اللّه (صلی الله علیه واله)، والمستمع عليه ساعة خلوته، ثم صار طريداً لأبي بكر وعمر، امتنعا إعادته إلى المدينة، ولم يقبلا شفاعة عثمان، فلمَّا وُلّي أدخله، فكان أعظم الناس شؤماً عليه ومن أكبر الحجج في قتله وخلعه من الخلافة، فعبد الملك أبو هؤلاء الملوك الذين تفتخر الأموية بهم أعرَقُ الناس في الكفر لأن أحد أبويه الحكم هذا، والآخر من قبل أمه معاوية بن المغيرة بن أبي العاص ، كان النبي (صلی اللّه علیه واله) طرده من المدينة، وأجله ثلاثاً، فحيره اللّه تعالى حين خرج، وبقي متردّداً متلدّداً حولها لا يهتدي لسبيله، حتى أرسل في أثره عليَّاً(علیه السلام) وعماراً،)
1) لم ترمس : لم تدفن اللسان، مادة (رمس).
فقتلاه ، فأنتم أعرقُ الناس في الكُفْر ، ونحن أعرق الناس في الإيمان، ولا يكون أمير المؤمنين إلا أولاهم بالإيمان وأقدمهم فيه .قال أبو عثمان: وتفخر هاشم بأن أحداً لم يجد تسعين عاماً لا طواعين فيها إلا منذ ملكوا ، قالوا: لو لم يكن من بركة دعوتنا إلا أن تعذيب الأمراء بعمال الخراج بالتعليق والزّهق والتجريد والتسهير والمسالد والنورة والجورتين والعذراء والجامعة والتشطيب قد ارتفع لكان ذلك خيراً كثيراً، وفي الطاعون يقول العُمانيّ الراجز يذكر دولتنا:قد رفع اللّه رماح الجنّ *** وأذهَبَ التعذيب والتجنيوالعرب تسمّي الطواعين رماحَ الجنّ، وفي ذلك يقول الشاعر :لعَمْرُك ما خَشِيتُ على أُبَي *** رماح بني مقيدة الحمارولكنّي خشيت على أبي *** رماح الجن أو إياك حاريقول بعض بني أسد للحارث الغساني الملك .قال أبو عثمان: وتفخر هاشم عليهم بأنهم لم يهدموا الكعبة، ولم يُحوّلوا القبلة، ولم يجعلوا الرسول دون الخليفة ولم يختموا في أعناق الصحابة، ولم يغيروا أوقات الصلاة، ولم ينقشوا أكف المسلمين، ولم يأكلوا الطعام ويشربوا على منبر رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله ، ولم ينهبوا الحرم، ولم يطؤوا المسلمات في دار الإسلام بالسباء.)قلت : نقلت من كتاب «افتراق هاشم وعبد شمس» لأبي الحسين محمد بن علي بن نصر المعروف بابن أبي رؤبة الدباس قال: كان بنو أمية في ملكهم يؤذنون ويقيمون في العيد ويخطبون بعد الصلاة، وكانوا في سائر صلاتهم لا يجهرون بالتكبير في الركوع والسجود وكان لهشام بن عبد الملك خصيٌّ إذا سجد هشام وهو يصلي في المقصورة قال: لا إله إلا الله ، فيسمع الناس فيسجدون، وكانوا يقعدون في إحدى خُطبتي العيد والجمعة ويقومون في الأخرى، قال ورأى كعب مروان بن الحكم يخطب قاعداً ، فقال : انظروا إلى هذا يخطب قاعداً، والله تعالى يقول لرسوله: ﴿وَتَرَكُوكَ فَايما (1))قال : وأوّل من قعد في الخُطب معاوية، وأوّل من أذن وأقام في صلاة العيد بشرُ بنُ مَرْوان، وكان عمّال بني أمية يأخذون الجزية ممّن أسلم من أهل الذمة، ويقولون: هؤلاء فَروا من الجزية، ويأخذون الصدقة من الخَيْل، وربما دخلوا دارَ الرجل قد نَفَق فرسه أو باعه، فإذا أبصروا الآخِيةَ، قالوا: قد كان ها هنا ،فرس فهات صدقتها، وكانوا يؤخّرون صلاة الجمعة
1) سورة الجمعة، الآية : 11 .
تَشَاغُلاً عنها بالخُطبة، ويُطيلون فيها، إلى أن تتجاوز وقت العصر، وتكاد الشمس تَصفَر، فعل ذلك الوليد بن عبد الملك ويزيد أخوه والحجاج عاملهم ، ووكّل بهم الحجاج المسالخ والسيوف على رؤوسهم، فلا يستطيعون أن يُصَلُّوا الجمعة في وقتها . وقال الحَسَن البَصْري : واعَجَبًا من أَخَيْفِشَ أَعَيْمِش ! جاءَنا ففتتنا عن ديننا، وصعد على منبرنا، فيخطب والناس يلتفتون إلى الشمس فيقول : ما بالكم تلتفتون إلى الشمس! إنَّا واللّه ما نُصلّي للشمس، إنما نُصَلِّي لَرَبِّ الشمس أفلا تقولون يا عدوّ اللّه ، إنّ اللّه حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وحقًا بالنهار لا يقبله بالليل، ثم يقول الحسن : وكيف يقولون ذلك وعلى رأس كلّ واحد منهم عِلْج قائم بالسيف!قال: وكانوا يسبون ذراريّ الخوارج من العَرَب وغيرهم، لما قتل قريب وزحاف الخارجيّان، سبی زیاد ذراريهما، فأعطى شقيق بن ثور السدوسي إحدى بناتهما، وأعطى عباد بن حصين الأخرى. وسبيت بنتُ لعُبيدة بن هلال اليَشْكُري، وبنتُ لَقَطَرِي بن الفجاءة المازني، فصارت هذه إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك، واسمها أم سلمة : فوطئها بملك اليمين على رأيهم، فَوَلَدَتْ له المؤمّل ،ومحمداً، وإبراهيم وأحمد، وحصيناً، بني عباس بن الوليد بن عبد الملك. وسُبِيَ واصل بن عمرو القنا واستُرِقّ، وسُبيَ سعيد الصغير الحروري واستُرِق، وأم يزيد بن عمر بن هبيرة، وكانت من سَبي عُمان الذين سباهم مجاعة، وكانت بنو أمية تبيع الرجل في الدين يلزمه وترى أنه يصير بذلك رقيقاً . کان معن أبو عمير بن معن الكاتب حرًّا مولّى لبني العنبر ، فبيعَ في دين عليه، فاشتراه أبو سعيد بن زياد بن عمرو العَتَكِيّ، وباع الحجّاج عليّ بن بشير بن الماحوز لكونه قتل رسول المهلب على رجلٍ من الأزد.فأمّا الكعبة فإنّ الحجّاج في أيام عبد الملك هَدّمها، وكان الوليد بن يزيد يصلّي إذا صلّى أوقات إفاقته من السكر إلى غير القبلة، فقيل له، فقرأ : «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهُ» (1وخطب الحجاج بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالمدينة ، فقال : تبا لهم ! إنما يطوفون بأعوادٍ ورِمَةٍ بالية هلّا طافوا بقضر أمير المؤمنين عبد الملك ! ألا يعلمون أن خليفة المرء خيرٌ من رَسولِه ! قال : وكانت بنو أمية تخيم في أعناق المسلمين كما تُوسَم الخَيلُ عَلامة لاستعبادهم. وبايع مسلم بن عقبة أهل المدينة كافة، وفيها بقايا الصحابة وأولادها وصلحاء التابعين على أن كلا منهم عبد فنّ لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، إلّا علي بن الحسين(علیه السلام) ، فإنه بايعه على أنه أخوه وابن عمه .)
1) سورة البقرة، الآية : 115
قال : ونقشوا أكفّ المسلمين علامة لاسترقاقهم، كما يُصنع بالعُلوج من الرّوم والحبشة . وكانت خُطباء بني أمية تأكل وتشرب على المنبر يوم الجمعة لإطالتهم في الخطبة، وكان المسلمون تحتَ منبر الخُطبة يأكلون ويشربون. قال أبو عثمان ويفخر بنو العباس عَلَى بني مَرْوان ،وهاشمٌ عَلَى عبد شمس، بأن المُلك كان في أيديهم فانتزعوه منهم، وغَلَبوهم عليه بالبطش الشديد، وبالحيلة اللطيفة، ثم لم ينزعوه إلا من يد أشجعهم شجاعة، وأشدّهم تدبيراً، وأبعدِهِم غَوْراً، ومن نَشَأ في الحروب وربي في التّغور، ومن لا يعرف إلا الفتوح وسياسة الجنود، ثم أعطى الوفاء من أصحابه والصبر من قوّاده فلم يغدر منهم غادر ولا قصر منهم مقصر كما قد بلغك عن حنظلة بن نباتة وعامر بن ضُبارة، ويزيد بن عمر بن هبيرة، ولا أحد من سائر قواده حتى من أحبابه وكتابه كعبد الحميد الكاتب، ثم لم يلقه، ولا لقي تلك الحروب في عامة تلك الأيام إلا رجال ولد العباس بأنفسهم ، ولا قام بأكثر الدولة إلا مشايخهم كعبد اللّه بن عليّ وصالح بن علي، وداود بن عليّ، وعبد الصمد بن علي، وقد لقيهم المنصور نفسه .قال : وتَفخَر هاشمٌ أيضاً عليهم بقول النبي (صلی اللّه علیه واله وهو الصادق المصدّق : «نُقِلتُ من الأصلاب الزاكية، إلى الأرحام الطاهرة، وما افترقت فرقتان إلا كنتُ في خيرهما» .(1)وقال أيضاً : «بعثتُ من خيرة قريش» (2)ومعلوم أن بني عبد مناف افترقوا فكانت هاشم والمُطلب يداً، وعبد شمس ونَوْفل يداً . قال : وإن كان الفخر بكثرة العَدَد فإنّه من أعظم مفاخر العَرَب، فَوَلَدُ عليِّ بنِ عبد اللّه بن العباس اليوم مثل جميع بني عبدِ شَمْس، وكذلك وَلَدُ الحُسين بن علي(علیه السلام)، هذا مع قرب ميلادهما ، وقد قال النبي (صلی اللّه علیه واله) : «شَوْهاءُ وَلُودٌ خيرٌ من حَسْناءَ عَقيم» (3)وقال :« أنا مكاثر بكُم الأمم (4))
1) ذكر بنحوه المتقي الهندي في كنز العمال) (32010)، وعزاء لابن عساكر .
2) لم أجده
3) ذكره ابن الأثير في النهاية مادة (سوا) بلفظ : (سواد ولود وفسّر السواء: القبيحة وكذلك ذكره في مادة (عقم)، وكذلك ذكره المقدسي في (المغني) (226/7).
4) أخرجه الترمذي :كتاب الطهارة باب ما جاء في فضل الطهور (2) والنسائي، كتاب النکاح باب كراهية تزويج العقيم (3227)، وأبو داود، كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من يلد من النساء (2050).
وقد رَوَى الشعبي عن جابر بن عبد اللّه، أن النبي(صلی اللّه علیه واله قدم من سفر، فأراد الرجال أن يَطرُقوا النساء لَيْلاً، فقال: «امهلوا حتى تمتشِط الشَّعِثة ، وتستحدّ المُغيبة، فإذا قدمتم فالكيس الكيس» (1). قالوا : ذهب إلى طلب الولد، وكانت العرب تفخر بكثرة الولد، وتمدح الفَحْل القبيس، وتدمّ العاقر والعقيم. وقال عامر بن الطفيل يعني نفسه :)لبيس الفَتَى إن كنتُ أعوَرَ عاقراً *** جَباناً فما عُذْرِي لدى كلّ مَحضَرِ! وقال علقمة بن عُلاثَة يفخر على عامر:آمنتُ وكَفَر،ووفيْتُ وغَدَر، وَوَلَدْت وعقر. وقال الزبرقان : فأسأل بنس بني سعد وغيرَهُمُ *** يومَ الفخار فعندهم خبريأي امرىء أنا حين يحضرني *** رفد العطاء وطالب رِفْدُ النَّصْرِوإذا هلكت تَركْتُ وَسْطَهُمُ *** ولدى الكرام ونابه الذكروقال طَرَفة بن العَبْد:فلو شاءَ ربِّي كنت قيس بن خالد *** ولو شاء ربِّي كنت عَمرو بنَ مَرْتَدِفأصبحت ذا مال كثير وعادني *** بنون كرام سادة لمسؤدِو مدَحَ النابغة الذبياني ناساً فقال :لم يحرموا طِيبَ النِّساءِ وأمّهم *** طفحت عليك بناتي مذكاروقال نَهْشَل بن حَرِّي :على بني يشدّ اللّه عظمهم *** والنبّع يُنْبِت قضباناً فيكتهلوَمَكَثَ الفرزدق زماناً لا يُولد له فعيّرته أمرأتُه ، فقال :قالت أراه واحداً لا أخا له *** يؤمله في الوارثين الأباعدلعلك يوماً أن تريني كأنّما *** بني حواليّ الليوتُ الحَوارِدُفإنّ تميماً قبل أن يلد الخصا *** أقام زماناً وهو في الناس واحدوقال الآخر، وقد مات إخوته، وملأ حوضه ليَسقِي، فجاء رجلٌ صاحب عشيرة وعِترة ،فأَخَذ بضبُعهِ فنحّاه، ثم قال لراعيه : اسقِ إبلِكَ :لو كان حَوْضَ حمار ما شربت به *** إلاّ بإذن حمارٍ آخر الأبدلكنّه حوض من أودى بإخوَتِه *** رَيْبُ المنونِ فأمسى بيضة البلدِ
1) أخرجه البخاري كتاب النكاح باب تستحد المغيبة وتمشط الشعثة (5247)، ومسلم، كتاب : الرضاع باب استحباب نكاح البكر (715).
لوكان يُشكي إلى الأموات ما لقي ال*** أخياءُ بَعدَهُم من قِلّة العَدَدِثم أشتكيت لأشكاني وأنجَدَني *** قبر بسنجار أو قبر على فحدِوقال الأعشى وهو يذكر الكثرة :ولستُ بالأكثر منهم حَصّى *** وإنّما العزة للكاثرقال : وقد ولد رجالٌ من العرب كلَّ منهم يلد لصلبه أكثر من مائة، فصاروا بذلك مفخراً، عبد اللّه بنُ عُمَير الليثي، وأنَسُ بن مالك الأنصاري، وخليفة بن برّ السعدي، أتى على عامتهم الموتُ الجارف. ومات جعفر بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العبّاس عن ثلاثة وأربعين ذَكَراً وخمس وثلاثين امرأة كلُّهم لصلبه، فما ظَنّك بمن مات من ولده في حياته! وليس طبقة من طبقات الأسنان الموتُ إليها أسرع، وفيها أعم وأفشى من سن الطفولية، وأمرُ جعفر بن سليمان قد عاينه عالمٌ من الناس، وعامتهم أحياء، وليس خبر جعفر كخبر غيره من الناس. قال الهيثم بنُ عَدِيّ : أفضى المُلك إلى ولد العباس، وجميع ولد العباس يومئذ من الذكور ثلاثة وأربعون رجلاً، ومات جعفر بن سليمان وحده عن مثل ذلك العدد من الرجال. وممن قرب ميلاده وكثر نَسله حتى صار كبعض القبائل والعمائر أبو بكر صاحب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله والمهلب بن أبي صفرة، ومُسلم بن عمرو الباهلي، وزياد بن عبيد أمير العراق، ومالك مِسمَع . ووَلدُ جعفر بن سليمان اليوم أكثر عدداً من أهل هذه القبائل . وأربعة من قريش تَرَك كلُّواحد منهم عشرة بنين مذكورين معروفين وهم: عبد المطلب بن هاشم والمطلب بن عبد مناف، وأمية بن عبد شمس، والمغيرة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عُمر بن مخزوم، وليس على ظهر الأرض هاشمي إلا من ولد عبد المطلب، ولا يَشُكّ أحدٌ أن عَدَد الهاشميين شبيه بعدد الجميع، فهذا ما في الكثرة والقلة .)قلتُ : رحم اللّه أبا عثمان ! لو كان حيَّاً اليوم لرأى ولَدَ الحسن والحسين (علیهم السلامأكثر من جميع العَرَب الذين كانوا في الجاهلية على عصر النبي (صلی اللّه علیه واله) المسلمين منهم والكافرين، لأنّهم لو أحصُوا لما نقص ديوانهم عن مائتي ألف إنسان .)قال أبو عثمان : وإن كان الفخر بنبل الرأي، وصواب القول، فمن مثل عباس بن عبد المطلب وعبد اللّه بن العبّاس! وإن كان في الحُكْم والسُّؤدد وأصالة الرأي والغناء العظيم فمن مثلُ عبد المطلب ! وإن كان إلى الفقه والعِلم بالتأويل ومعرفةِ التأويل وإلى القياس الشديد وإلى الألسنة الحداد والخطب الطّوال، فمن مثل علي بن أبي طالب (علیه السلام وعبد الله بن عباس! قالوا : خَطبنا عبد اللّه بن عباس خُطبةً بمكة أيام حصار عثمان لو شهدها التركُ والديلم)لأسلموا . وفي عبد اللّه بن العبّاس يقول حَسّان بن ثابت :إذا قال لم يترك مقالاً لقائل *** بملتقطات لا ترى بينها فضلا
شفَى وكَفَى ما في النفوس فلم يَدَعْ *** لِذِي إربةٍ في القَوْل جداً ولا هَزْلاوهو البحر، وهو الخبر، وكان عُمرُ يقول له في حداثته عند إجالة الرأي : غُض يا غوّاص وكان يقدمه على جلّة السَّلفِ .قلت : أبى أبو عثمان إلا إعراضاً عن علي(علیه السلام ، هلا قال فيه كما قال في عبد اللّه ! فلَعَمري لو أراد لوجد مجالاً ، ولألفي قولاً وسِيعاً، وهل تعلّم الناسُ الخطب والعهود والفصاحة إلّا من كلام علي(علیه السلام) ! وهل أَخَذَ عبد اللّه رحمه اللّه الفقه وتفسير القرآن إلا عنه ! فرحم الله أبا عثمان، لقد غلبت البصرة وطينتها على إصابة رأيه! قال أبو عثمان: وإن كان الفخر في البسالة والنجدة وقتل الأقران وجزر الفُرْسان، فمَنْ كحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب !وكان الأحنف إذا ذكر حمزة قال : أكيس، وكان لا يرضى أن يقول : شجاع، لأن العرب كانت تجعل ذلك أربع طبقات، فتقول: شجاع، فإذا كان فوق ذلك قالت ،بطل، فإذا كان فوق ذلك قالت: بهمة، فإذا كان فوق ذلك قالت : أكيس. وقال العجاج :أكيسُ عن حَوْبائه (1)سَخيّ وهل أكثر ما يعدّ الناس من جرحاهما وصَرْعاهما إلا سادتكم وأعلامكم ! قتل حمزة وعلي(علیه السلام) عتبة والوليد، وقتلا شيبة أيضاً، شَرَكا عُبيدة بن الحارث فيه، وقتل علي(علیه السلام) حنظلة بن أبي سفيان. فأما آباء ملوككم من بني مَرْوَانَ فَإنّهم كما قال عبد اللّه بن الزبير لما أتاه خبر المصعب : إنا واللّه ما نموت حبجاً كما يموت آل أبي العاص، واللّه ما قُتِل منهم قتيل في جاهليّة ولا إسلام ،وما نموت إلّا قتلاً ، قغصاً بالرماح، ومَوْتاً تحت ظلال السيوف.)قال أبو عثمان : كأنه لم يعد قتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قتلاً، إذ كان إنما قتل في غير معركة، وكذلك قتل عثمان بن عفان، إذ كان إنّما قتل محاصراً، ولا قتل مروان بن الحكم لأنه قتل خَنْقاً، خنقته النساء . قال : وإنما فخر عبد الله بن الزبير بما في بني أسد بن عبد العزى من القتلى، لأن من شأن العرب أن يفخروا بذلك، كيف كانوا قاتلين أو مقتولين ألا ترى أنك لا تصيب كثرة القتلى إلا في القوم المعروفين بالبأس والنجدة وبكثرة اللقاء والمحاربة، كآل أبي طالب، وآل الزبير، وآل المهلّب . قال : وفي آل الزبير خاصةً سبعة مقتولون في نسق ولم يوجد ذلك في غيرهم، قُتِل عمارة وحمزة أبنا عبد اللّه بن الزبير يومَ قُدَيد في المعركة، قتلهما الإباضيّة، وقتل عبد اللّه بن الزبير في محاربة الحجاج، وقتل مصعب بن الزبير بدير الجائليق في المعركة أكرم قتل، وبإزائه عبد
1) الحوباء : النَّفْس . القاموس، مادة (حوب).
الملك بن مروان، وقتل الزبير بوادي السباع منصرفه عن وقعة الجمل، وقُتِل العوّام بنُ خُوَيلد في حرب الفجار، وقُتِل خُوَيلد بن أسد بن عبد العزى في حرب خُزاعة، فهؤلاء سبعة في نَسَق. قال : وفي بني أسد بن عبد العُزّى قَتْلَى كثيرون غير هؤلاء، قُتِل المنذر بن الزبير بمكة، قتله أهل الشام في حرب الحجاج، وهو على بغل وَرْد كان نَفَرَ به فأصعد به في الجبل. وإياه يعني يزيد بن مفرغ الحِميري وهو يهجو صاحبكم عبيد اللّه بن زياد ويعيّره بفراره يومَ البصرة :لابن الزبير غَدَاةَ تَدْمُر منذراً *** أولى بكل حفيظة ودفاعوقُتِلَ عمرو بن الزبير، قتله أخوه عبد اللّه بن الزبير، وكان في جوار عُبيدة بن الزبير فلم يُعْنِ عنه، فقال الشاعر يحرّض عبيدةً على قتل أخيه عبد اللّه بن الزبير، ويعيره بإخفاره جوار عمروأخيهما :أعبيد لو كان المجير لَوَلْوَلَتْ *** بعد الهدو برنّة أسماءأعبيد إنك قد أجرت وجارُكُمْ *** تحتَ الصَّفيحَ تَنوبُه الأصداءُاضرب بسَيْفك ضربةً مذكورة *** فيها أداء أمانة ووفاءوقتِل يُجيرُ بن العوّام ،أخو الزبير بن العوام، قتَلَه سعد بن صفح الدّوسي جد أبي هريرة من قِبَل أمّه ، قَتلَه بناحية اليمامة، وقتل معه أصرَم وبَعْلك أخويه ابني العوّام بن خويلد، وقد قتل منهم في محاربة النبي (صلی اللّه علیه واله قوم مشهورون، منهم زَمْعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدِ العُزّى ، كَان شريفاً، قتل يومَ بذر ، وأبوه الأسود، كان المَثَل يُضرب بعزته بمكة، وفيه قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وهو يذكر عاقر الناقة :«كان عزيزاً منيعاً كأبي زَمْعة» (1)، ويُكَنى زَمْعة بن الأسود أبا حكيمة، وقتل الحارث بن الأسود بن المطلب يوم بذر أيضاً، وقتل عبد الله بن حميد بن زُهير بن الحارث بن الأسود بن المطلب بن أسد يومَ بَدْر أيضاً، وقتِل نَوْفَل بنُ خُوَيْلد يومَ بَدْر أيضاً، قتله علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وقتل يوم الحرّة يزيدُ بنُ عبد اللّه بن زَمْعة بن الأسْوَد، ضرَب عنقَهُ مُسرف بنُ عُقبة صَبْراً قال له : بايغ لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية على أنك عبدٌ قِنٌ ،له ، قال : بل أبايعه على أنى أخوه وابن عمه، فضرب عنقه. وقُتِل إسماعيل بنُ هَبار بن الأسود ليلاً، وكان ادّعى جيلةً فخرج مُصرخاً لمن استصرخه، فقُتِل، فاتّهم به مُصعَب بن عبد اللّه بن عبد الرحمن، فأحلفه معاوية خمسين يميناً، وخلى سبيله، فقال الشاعر:)ولا أجيب بليل داعياً أبداً *** أخشى الغُرور كما غر ابن هَبَارَباتوا يجرونه في الحُش مُنعقِراً *** بئس الهدية لابن العم والجار
1) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب : قوله تعالى: ﴿وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَا))،(3377 ،ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها باب النار يدخلها الجبارون (2855). ،
وقتل عبد الرحمن بن العوّام بنِ خُوَيلد في خلافة عمر بن الخطاب في بعض المغازي، وقُتِل ابنه عبدُ الرَّحمن يومَ الدار مع عثمان، فعبد اللّه بن عبد الرحمن بن العوام بن خُوَيلد قتيل ابن قتيل ابنِ قَتِيل ابن قتيل أربعة . ومِنْ قَتْلاهم عيسى بنُ مُصعب بن الزبير، قتل بين يدي أبيه بمسكن في حَرْب عبد الملك، وكان مُصعَب يكنى أبا عيسى وأبا عبد اللّه وفيه يقول الشاعر : ِتَبْك أبا عيسى وعيسى عيسى كلاهما ***موالي قُرَيْشٍ كَهلُها وصَميمها ومنهم مُصعَب بن عُكاشة بن مُصعب بن الزبير، قُتِل يوم قديد في حَرْب الخوارج، وقد ذكره الشاعر فقال :قمْنَ فاندين رجالاً قتلُوا *** بقديد ولنقصان العَدَدْثم لا تَعدِلْنَ فيها مُصعباً *** حين يُبكى من قتيل بأخذإنَّه قد كان فيها باسلاً *** صارماً يُقدم إقدام الأسدومنهم خالد بن عثمان بن خالد بن الزبير ،خرج مع محمد بن عبد اللّه بن حسن بن حسن، فقتله أبو جعفر وصلبه . ومنهم عتيق بن عامر بن عبد اللّه بن الزبير، قتل بقديد أيضاً وسمِّي عتيقاً باسم جده أبي بكر الصدّيق .قلت هذا أيضاً من تحامل أبي عثمان هَلّا ذَكَر قَتْلى الطف وهم عشرون سَيِّداً من بيتٍ واحد قُتلوا في ساعة واحدة! وهذا ما لم يَقَع مثله في الدنيا لا في العَرَب ولا في العَجَم. ولما قتل حذيفة بن بدر يومَ الهباءة وقُتِل معه ثلاثة أو أربعة من أهل بيته ضَربتِ العرب بذلك الأمثال واستعظموه، فجاء يوم الطف، «جرى الوادي فطم على القري». وهلّا عدد القتلى من آل أبي طالب فإنّهم إذا عُدُّوا إلى أيَّام أبي عثمان كانوا عَدَداً كثيراً أضعاف ما ذكره من قتلى الأسدّين ! قال أبو عثمان : وإن كان الفخر والفضل في الجود والسّماح فمن مثل عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب! ومَن مِثلُ عُبيد الله بن العباس بن عبد المطّلب! وقد اعترضت الأموية هذا الموضع فقالت : إنّما كان عبد اللّه بن جعفر يَهَب ما كان معاوية ويزيد يَهَبان، فمن فضل جُودِنا جاد. قالوا: ومعاوية أوّل رجل في الأرض وَهَب ألف درهم، وأبنه أوّل من ضاعَف ذلك، فإنه كان يجيز الحسن والحسين(علیهم السلام ابني علي في كلّ عام لكل واحد منهما بألف ألف درهم، وكذلك كان يجيز عبد الله بن العباس وعبد اللّه بن جعفر، فلما مات وقام يزيد وفد عليه عبد اللّه بن جعفر، فقال له : إن أمير المؤمنين معاوية كان يُصِل رَحِمي في كلّ سنة بألف ألفِ درهم، قال: فلك ألفا ألف درهم فقال : بأبي أنت وأمي أما إني ما قُلْتُها لابن أنثى قبلك، قال : فلك أربعة آلاف ألف درهم. وهذا الاعتراض ساقط ، لأن ذلك إن صَحْ لم يُعَدَّ جُوداً ولا جائزة ولا صلة رَحِم هؤلاء قومٌ كان يخافُهم على مُلْكِه، ويعرف حقهم فيه، وموقعهم من)
قلوب الأمّة، فكان يدبر في ذلك تدبيراً، ويريع أموراً، ويُصانع عن دولته وملكه، ونحن لم نعدّ قطّ ما أعطى خلفاء بني هاشم قوادهم وكتابهم وبني عمهم جُوداً ، فقد وَهَب المأمونُ للحَسَن بنِ غَلّة عشرة آلاف ألفٍ فما عُدّ ذلك منه مكرّمة، وكذلك كلُّ ما يكون داخلاً في باب التجارة واستمالة القلوب، وتدبير الدولة، وإنَّما يكون الجود ما يدفعه الملوك فيالوفود والخُطباء والشعراء والأشرافِ والأدباء والشمار ونحوهم، ولولا ذلك لكان الخليفة إذا وَفّى الجند أغطياتهم احتسب ذلك في جوده، فالعمالات شيء والإعطاء على دفع المكروه شيءٌ، والتفضَّل والجود شيءٌ . ثمّ إنّ الذين أعطاهم معاوية ويزيد هو بعض حقهم، والذي فَضَل عليهما أكثر ممَّا خرج منهما .وإن أريد الموازنة بين ملوك بني العباس وملوك بني أمية في العطاء افتضح بنو أمية وناصروهم فضيحة ظاهرة، فإنَّ نساءَ خلفاء بني عباس أكثرُ معروفاً من رجال بني أمية، ولو ذكرتُ معروف أم جعفر وحدها لأتى ذلك على جميع صنائع بني مروان، وذلك معروف، ولو ذكر معروف الخيزران وسَلْسَبيل لمُلئت القوامير (1الكثيرة به، وما نَظُنّ خالصة مَوْلاتهم إلا فوق أجواد أجوادِهم، وإن شئتَ أن تَذكُر مواليهم وكتابهم فاذكر عيسى بن ماهان، وابنه علياً، وخالد بن بَرْمَك وابنه يحيى، وأبنه جعفراً والفضل وكاتبهم منصور بن زياد ومحمد بن منصور وفتى العسكر ، فإنَّك تجد لكلّ واحد من هؤلاء ما يحيط بجميع صنائع بني عبد شمس.)فأما ملوك الأمويّة فليس منهم إلا من كان يُبَخّل على الطعام، وكان جعفر بن سليمان كثيراً ما يذكر ذلك، وكان معاوية يُبغض الرَّجلَ النَّهم على مائدته، وكان المنصور إذا ذكرهم يقول : كان عبد الملك جباراً لا يُبالي ما صنع ، وكان الوليد مجنوناً، وكان سليمان همه بطنُه وفَرْجُه، وكان عمر أعور بين عميان وكان هشام رجل القوم، وكان لا يذكر ابن عاتكة. ولقد كان هشام ما استثناه به يقول : هو يقول : هو الأحول السرّاق، ما زال يُدخل إعطاء الجُنْد شَهْراً في شهر وشهراً في شهر،حتى أَخَذ لنفسه مقدار رِزْق سنةٍ، وأنشده أبو النجم العِجْلي أرجوزته التي أوّلها الحمد اللّه الوَهوب المجزل فما زال يُصفّق بيَدَيْه أستحساناً لها حتى صار إلى ذكر الشمس، فقال: والشمس في الأفق كعَيْن الأَحْوَلِ فأمر بوجء عنقه وإخراجه ، وهذا ضَعْف شديد، وجَهْل عظيم وقال خاله إبراهيم بن هشام المخزومي: ما رأيتُ من هشام خطأ قطّ إلّا مرّتين : حَدَا به الحادي مرَّة فقال :
1) الطوامير : جمع طامور، وهو الصحيفة. القاموس، مادة (طمر).
إنَّ عليكَ أيّها البُخْتي *** أكرمَ من تمشي به المطيفقال: صدقت. وقال مرّة : واللّه لأشكون سليمان يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبدِ الملك. وهذا ضَعْف شديد، وجهل مُفرِط .وقال أبو عثمان :وكان هشام يقول : واللّه إني لأستحيي أن أعْطِيَ رجلاً أكثر من أربعة آلاف دِرْهم، ثم أعطى عبد الله بن الحسن أربعة آلاف دينار فاعتدها في جوده وتوسعه، وإنما اشترى بها ملكه، وحَصَّن بها عن نفسه وما في يديه. قال له أخوه مسلمة : أتطمع أن تلي الخلافة وأنت بخيل جبان! فقال : ولكني حليم عفيف، فاعترف بالجبن والبخل، وهل تقوم الخلافة مع واحد منهما! وإن قامت فلا تقوم إلا مع الخطر العظيم، والتغرير الشديد. ولو سلمت من الفساد لم تسلم من العيب .ولقد قدَّم المنصور عليهم عمر بن عبد العزيز بقوله : أعورُ بين عُميان، وزعمتم أنه كان ناسكاً ورعاً تقياً، فكيف وقد جلد خُبيب بن عبد اللّه بن الزبير مائة جلدة، وصَبّ على رأسه جَرّة من ماء بارد في يوم شاتٍ، حتى كُزّ فمات فما أقرّ بدّمه، ولا خرج إلى وليه من حقّه، ولا أعطى عقلاً ولا قوداً، ولا كان حبيب ممن أتت عليه حدود اللّه وأحكامه وقصاصّه، فيقال : كان مطيعاً بإقامتها وأنه أزهَقَ الحد نفسه واحتسبوا الضرب كان أدباً وتعزيراً، فما عذره في البارد في الشتاء، على أثر جلد شديد ولقد بلغه أن سليمان بن عبد الملك يوصي، فجاء حتى جلس على طريق من يجلس عنده أو يدخل إليه فقال رجاء بن حيوة في بعض من يدخل ومن يخرج : نشدتك اللّه أن تذكرني لهذا الأمر، أو تشير بي في هذا الشأن، فواللّه ما لي عليه من طاقة !فقال له رجاء قاتلك اللّه ما أحرصك عليها ! ولما جاء الوليد بن عبد الملك بنعي الحجّاج، قال له :الوليد:مات الحجاج يا أبا حفص؟ فقال : وهل كان الحجاج إلا رجلاً منا أهل البيت وقال في خلافته : لولا بيعة في أعناق الناس ليزيد بن عاتكة لجعلت هذا الأمر شورى بين صاحب الأعوص إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد الأشدّق وبين أحمس قريش القاسم بن محمد بن أبي بكر، وبين سالم بن عبد اللّه عمر، فما كان عليه من الضرر والحرج ،وما كان عليه من الوّكف والنقص أن لو قال: بين علي بن العباس وعلي بن الحسين بن عليّ ! وعلى أنه لم يرد التيمي ولا العدويّ، وإنما دبّر الأمر للأموي، ولم يكن عنده أحدٌ من هاشم يصلح للشّورى ، ثم دبر الأمر ليبايع لأخيه أبي بكر بن عبد العزيز من بعده حتى عُوجل بالسّم . وقَدِم عليه عبد الله بن حسن بن حسن، فلمّا رأى كماله وبيانه وعرف نسبه ومركبه وموضعه وكيف ذلك من قلوب المسلمين وفي صدور المؤمنين لم يدعه يبيتُ بالشام ليلة واحدة، وقال له : الحق بأهلك، فإنك لم تغنهم شيئاً هو أنفس منك ولا أرَدّ عليهم من حياتك. أخافُ عليك
طواعين الشام، وستلحقك الحوائج على ما تشتهي وتحّب. وإنما كره أن يروه ويسمعوا كلامه، فلعله يبدر في قلوبهم بذراً، ويغرس في صدورهم غَرْساً ، وكان أعظم خلق اللّه بالجبر حتى يتجاوز الجهمية ويُربي على كل ذي غاية، صاحب شُنْعة، وكان يصنع في ذلك الكتب، جهله بالكلام وقلّة اختلافه إلى أهل النظر. وقال له شَوْذَب الخارجي: لم لا تلعن رَهْطك وتذكر أباك إن كانوا عندك ظلمة فجرة؟ فقال عمر : متى عهدك بلعن فرعون! قال: ما عهد. قال : أفيسعك أن تمسك عن لعن فرعون ،ولا يَسَعُني أن أمسك عن لعن آبائي ! فرأى أنه قد خَصمه وقطع حجّته، وكذلك يظنه كلّ من قصر عن مقدار العالم، وجاوز مقدار الجاهل، وأي شبه الفرعون بآل مروان وآل أبي سفيان! هؤلاء قوم لهم حزب وشيعة، وناس كثير يدينون بتفضيلهم وقد اعتورتهم الشبه في أمرهم، وفرعون على خلاف ذلك، وضدّه لا شيعة له ولا حزب ولا نسل ولا موالي ولا صنائع ولا في أمره شُبهة. ثم إن عمر ظنين في أمر أهله فيحتاج إلى غَسْل ذلك عنه بالبراءة منهم، وشؤذَب ليس بطنين في أمر فرعون، وليس الإمساك عن لعن فرعون والبراءة منه مما يعرفه الخوارج، فكيف استويا عنده!وشكا إليه رجل من رهطه دَيْناً فادحاً، وعيالاً كثيراً، فاعتل عليه، فقال له : فهلّا اعتلّلت على عبد اللّه بن الحسن !قال : ومتى شاورتك في أمري! قال : أو مشيراً تراني ! قال: أو هل أعطيته إلّا بعض حقه !قال : ولم قصرت عن كلّه؟ فأمر بإخراجه وما زال إلى أن مات محروماً منه. وكان عُمّال أهله على البلاد عماله وأصحابه، والذي حسن أمره، وشبّه على الأغنياء حاله، أنه قام بعقب قوم قد بدلوا عامة شرائع الدين وسُنَن النبي(صلی اللّه علیه واله ، وكان الناس قبله من الظلم والجور والتهاون بالإسلام في أمر صغر في جنبه عاينوا منه، وألفوه عليه، فجعلوه بما نقص من تلك الأمور الفظيعة في عداد الأئمة ،الراشدين، وحسبك من ذلك أنهم كانوا يلعنون عليا (علیه السلام)على منابرهم ، فلما نهى عمر عن ذلك عد محسناً، ويشهد لذلك قول كثير فيه :)وَليتَ فَلَمْ تشتُمْ عليَّاً ولم تُخف *** بَرِيَّاً ولم تتبع مقالة مجرم وهذا الشعر يدلّ على أن شتم علي (علیه السلام قد كان لهم عادة، حتى مدح من كفّ عنه، ولما ولّي خالد بن عبد اللّه القَسْرِي مكّة - وكان إذا خطب بها لعن عليا والحسن والحسين (علیهم السلام)قال عبيد اللّه بن كثير السهّمي :)لعنَ اللّه مَنْ يَسُبُّ عِليَّاً *** وحُسَيناً من شوقة وإمامأيُسَبُّ المطهَّرونَ جُدُوداً *** والكرام الآباء والأعماميأمن الطير والحمام ولا يا *** من آل الرسول عند المقام!طبت بيتاً وطاب أهلك أهلاً *** أهل بيت النبي والإسلام!رحمة اللّه والسلام عليهم *** كلما قام قائم بسلام!
وقام عبد اللّه بن الوليد بن عثمان عفان - وكان ممن يناله بزعمهم إلى هشام بن عبدبن الملك، وهو يخطب على المنبر بعرفة - فقال : يا أمير المؤمنين، هذا يوم كانت الخلفاء تستحبّ فيه لعن أبي تُرَاب ،فقال هشام :ليس لهذا جئنا ،ألا ترى أن ذلك يدلّ على أنه قد كان لَعْنُه فيهم فاشياً ظاهراً، وكان عبد اللّه بن الوليد هذا يلعن عليا (علیه السلام ويقول : قتل جدي جميعاً ،الزبير وعثمان . وقال المُغيرة وهو عامل معاوية يومئذ لصعصعة بن صوحان : قُمْ فالعن عليّاً، فقام فقال : إنّ أميركم هذا أمرني أن ألعن عليّاً ، فالعَنُوه لعنه اللّه ! وهو يُضير المغيرة. وأما عبد الملك فحسبك من جهله تبديله شرائع الدين والإسلام، وهو يريد أن يلي أمور أصحابها بذلك الدين بعينه، وحسبك من جهله أنه رأى من أبلغ التدبير في منع بني هاشم الخلافة أن يلعن علي بن أبي طالب(علیه السلام) على منابره، ويرمي بالفجور في مجالسه، وهذا قرّة عين عدوه وغير عين وليه وحسبك من جهله قيامه على منبر الخلافة قائلاً : إنّي واللّه ما أنا بالخليفة المستضعف ولا بالخليفة المداهن، ولا بالخليفة المأفون . وهؤلاء سَلَفُه وأئمته، وبشُفْعَتهم قام ذلك المقام، وبتقدمهم وتأسيسهم نالَ تلك الرّياسة، ولولا العادة المتقدمة، والأجناد المجندة، والصنائع القائمة، لكان أبَعدَ خَلْق اللّه من ذلك المقام، وأقربهم إلى المَهْلكة إن رام ذلك الشَّرَف . وعَنَى بالمُستضعَف عثمان، وبالمُداهِن معاوية، وبالمأفون يزيد بن معاوية، وهذا الكلامُ نَقْضٌ لسُلطانه، وعداوة لأهله، وإفساد القُلوب شيعيه، ولو لم يكن من عجز رأيه إلا أنه لم يقدر على إظهار قوته، إلا بأن يظهر عجز أئمته لكفاك ذلك منه. فهذا ما ذكرته هاشم لأنفُسِها .)## من مفاخر بني أميةقالت أمية : لنا من نوادِر الرّجال في العقل والدّهاء والأدب والمكر ما ليس لأحد، ولنا من الأجواد وأصحاب الصنائع ما ليس لأحد، زعم الناسُ أنّ الدُّهاة أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وزياد، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، فمنا رجلان ومن سائر الناس رَجُلان. ولنا في الأجواد سعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر ، لم يوجد لهما نظير إلى الساعة. وأما نوادر الرّجال في الرّأي والتدبير فأبو سفيان بن حرب، وعبد الملك بن مروان، ومَسلمة بن عبد الملك، وعلى أنّهم يُعَدّون في العُلَماء والرؤساء، فأهلُ الحجاز يَضربون المثل في الحِلْم بمعاوية، كما يضرب أهل العراق المثل فيه بالأحنف . فأما الفتوح والتَّدبيرُ في الحَرْب فلِمُعاوية غير مُدافع، وكان خطيباً مِصقَعاً ومُجرِّباً مظفّراً ، وكان يجيد قول الشعر إذا آثر أن يقوله، وكان عبد الملك خطيباً حازماً مجرّباً مظفّراً، وكان
مسلمة شجاعاً مدبراً وسائساً مقدماً، وكثير الفتوح كثير الأدب. وكان يزيد بن معاوية خطيباً شاعراً، وكان الوليد بن يزيد خطيباً شاعراً، وكان مَرْوانُ بنُ الحَكَم وعبد الرحمن بنُ الحَكَم شاعرين، وكان بِشْرُ بنُ مَرْوانُ شاعراً ناسباً، وأديباً عالماً، وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيباً شاعراً ، جَيّدَ الرأي، أديباً كثير الأدب، حكيماً، وكان أوّل من أعطى التراجمة والفلاسفة، وقَرَّب أهل الحكمة ورؤساء أهل كلّ صناعة، وترجم كتب النّجوم والطّب والكيمياء والحروب والآداب والآلات والصناعات.قالوا : وإن ذكرت البأس والشجاعة فالعباس بن الوليد بن عبد الملك، ومروان بن محمد، وأبوه محمد بنُ مَرْوان بن الحكم، وهو صاحبُ مُصعَب، وهؤلاء قوم لهم آثار بالرّوم لا تُجهَل، وآثارُ بأرمينية لا تُنكر ، ولهم يوم العفر، شهده مسلمة والعباس بن الوليد.قالوا : ولنا الفتوح العِظام، ولنا ،فارس، وخُراسان وأرمينّية، وسجستان، وإفريقية، وجميع فتوح عُثمان، فأما فتوح بني مروان فأكثر وأعم وأشهر من أن تحتاج إلى عدد أو إلى شاهد والذين بلغوا في ذلك الزمان أقصى ما يمكن صاحب خُفٌ وحافر أن يبلغه، حتّى لم يحتجز منهم إلا ببحر أو خليج بحر أو غياض أو عقاب أو حصون وصياصي ثلاثة رجال : قتيبة بن مسلم بخُراسان، وموسى بن نصير بإفريقية، والقاسم بن محمد بن القاسم الثقّفي بالسّند والهند، وهؤلاء كلهم عمالنا وصنائعنا .ويقال : إن البَضرة كانت صنائع ثلاثة رجال : عبد اللّه عامر، وزياد ،والحَجّاج، فرجُلانِ من أنفُسِنا والثالث صَنِيعُنا . قالوا : ولنا في الأجواد وأهل الأقدار بنو عبد اللّه بن خالد بن أسيد بن أميّة، وأخوه خالد، وفي خالد يقول الشاعر:إلى خالد حتّى أنَخْنَا بِخَالِدٍ *** فنِعَم الفتى يُرجَى وَنِعْمَ المؤمَّلُ !ولنا سعيد بن خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد، وهو عَقِيد النَّدى، كان يَسْبت ستّة أشهرُ ويُفيق ستّة أشهرُ ، ويُرَى كَحِيلاً من غير اكتحال، ودَهِيناً من غير تذهين، وله يقول موسى شهوات : أبا خالد أعني سعيد بن خالد *** أخَا العُرْف لا أعني ابن بنت سَعِيدِولكنّني أعني ابن عائشةَ الَّذِي *** أبو أبويه خالد بن أسيدعقيد النّدَى ما عاش يَرضَى به النَّدَى *** فإن مات لم يَرضَ النَّدَى بعَقِيدِقالوا: وإنّما تَمكَّن فينا الشَّعر وجاد، ليس من قِبَلِ أنّ الذين مدحونا ما كانوا غير من مدح الناس، ولكن لما وجدوا فينا مما يتسع لأجله القَوْل ويصدق فيه القائل. قد مدح عبد قيس الرقيّات من الناس : آل الزبير عبد الله ومصعباً ،وغيرهما، فكان يقول كما يقول غيره، فلما صار إلينا قال :
ما نَقَمُوا من بني أُمَيَّة إلّا *** أنّهم يحلمون إن غضبووأنّهمْ مَعدن المُلوكِ فما *** تصلُح إلّا عليهمُ العَرَبوقال نُصَيْب :من النَّفَر الثَّم الذين إذا أنتجوا *** أقرت لنجواهم لؤي بن غالبيُحيون بسّامين طوْراً وتارةً *** يُحبّونَ عبّاسين شُوس (1الحواجبِ وقال الأخطل :)شمْسُ العَداوَةِ حتّى يُستقادَ لهم *** وأعظمُ الناس أحلاماً إذا قدروا قالوا : وفينا يقول شاعرُكم والمتشّيع لكم، الكميت بن زيد :فالآنَ صِرْتَ إلى أُمَيَّةَ *** والأمور لها مصايروفي معاوية يقولُ أبو الجَهم العَدَوِي:نُقَلبه لنَخْبُر حالَتَيْهِ *** فَنَخْبُرَ منهما كَرَماً ولينانميلُ على جَوانِبه كأنا *** إذا مِلْنا نميلُ على أبيناوفيه يقول :تريع إليه هوادي الكلام *** إذا ضل خطبته المهذَرُقالوا : وإذا نظرتم في امتداح الشعراء عبد العزيز بن مروان عرفتم صدق ما نقوله .قالوا : وفي إرسال النبي(صلی اللّه علیه واله إلى أهل مكة عثمان، واستعماله عليها عتّاب بن أسيد وهو ابنُ اثنتين وعشرين سنة دليل على موضع المَنَعة أن تُهاب العرب وتعزّ قريش، وقال النبي (صلی اللّه علیه واله) قبل الفتح: «فتيان أضَنّ بهما على النار : عتاب بن أسيد، وجُبير بن مطعم» (2)فَولّى عتاباً ، وتَرَك جبير بن مطعم .)وقال الشّعبي : لو وُلِد لي مائة ابن لسمّيتهم كلّهم عبد الرحمن، للّذي رأيتُ في قُرَيش من أصحاب هذا الاسم، ثم عَدَّ عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وعبد الرحمن بن الحارث بن ،هشام وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص، فأما عبد الرحمن بن عتاب فإنه صاحبُ الخَيْل يوم الجمل، وهو صاحبُ الكَف والخاتم، وهو الذي مر به علي وهو قتيل فقال : لَهفي عليك يعسوب قريش هذا اللباب المَحْض من بني عبد مناف ! فقال له قائل : لشَدَّ ما أتيته اليوم يا أمير المؤمنين ! قال: إنّه قام عنّي وعنه نسوةٌ لم يقمن عنك .
قالوا : ولنا من الخُطباء معاوية بن أبي سفيان أخطب الناس قائماً وقاعداً، وعلى منبر وفي خُطبة نكاح. وقال عمر بن الخطاب : ما يتصعدني شيء من الكلام كما يتصعدني خطبة النكاح، وقد يكون خطيباً من ليس عنده في حديثه ووصفه للشيء أحتجاجه في الأمر لسان بارع. وكان معاوية يجري مع ذلك كلّه .قالوا : ومِن خُطبائنا يزيد بن معاوية، كان أعرابي اللّسان، بدوي اللهّجة. قال معاوية: وخطب عنده خطيب فأجاد: الأرمينه بالخطيب الأشدق يريد يزيد بن معاوية، ومن خطبائنا سعید بن العاص، لم يوجد كتحبيره تحبير ولا كارتجاله ارتجال، ومنا عمرو بن سعيد الأشدق، لقب بذلك لأنه حيث دخل على معاوية وهو غلام بعد وفاة أبيه، فسمع كلامه، فقال : إن ابن سعيد هذا الأشدق.وقال له معاوية : إلى من أوصى بك أبوك؟ قال : إن أبي أوصى إلي ولم يوص بي، قال: قيم أوصى إليك؟ قال: ألا يفقد إخوانه منه إلّا وجهه.قالوا : ومنا سعيد بن عمرو بن سعيد خطيب ابنُ خطيب ابن خطيب، تكلّم الناسُ عند عبد الملك قياماً وتكلم قاعداً . قال عبد الملك : فتكلم وأنا واللّه أحبّ عثرته وإسكاته، فأحسن حتى استنطقته واستزدته، وكان عبد الملك خطيباً ، خطب الناس مرة فقال: ما أنصفتُمونا معشر رعيتنا، طلبتم منا أن نسير فيكم وفي أنفسنا سيرة أبي بكر وعمر في أنفسهما، ورعيتهما ، ولم تسيروا فينا ولا في أنفسكم سيرة رعيّة أبي بكر وعمر فيهما وفي أنفسهما، ولكلِّ من النصفة نصيب. قالوا فكانت خطبته نافعة.قالوا : ولنا زياد وعبيد اللّه بن زياد، وكانا غَنِيَّين في صحة المعاني، وجودة اللفظ، ولهما كلام كثير محفوظ. قالوا: ومن خطبائنا سليمان بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك .ومن خُطبائنا ونُسَاكِنا يزيد بن الوليد الناقص . قال عيسى بن حاضر : قلتُ لعمرو بن عُبيد: ما قولك في عمر بن عبد العزيز؟ فكلَح ، ثم صَرَف وجهه عنِّي . قلتُ: فما قولك في يزيد : الناقص ؟ فقال : أو الكامل، قال بالعدل، وعَمِل بالعدل، وبَذَل نفسه وقتل ابن عمه في طاعة ربه ، وكان نكالاً لأهله، ونقص من أغطياتهم ما زادته الجبابرة، وأظهر البراءة من آبائه، وجعل في عهده شَرْطاً ولم يجعله جَزْماً ، لا واللّه لكأنه ينطق عن لسان أبي سعيد - يريد الحسن البصري - قال : وكان الحسن من أنطق الناس. قالوا : وقد قُرى في الكُتُب القديمة يا مبذر الكنوز، يا ساجداً بالأسحار، كانت ولايتك رحمة بهم، وحجّة عليهم. قالوا : هو يزيد بن الوليد .
ومن خطبائنا ثمّ من ولد سعيد بن العاص عَمْرُو بنُ خَوْلة، كان ناسباً فصيحاً خطيباً .وقال ابن عائشة الأكبر: ما شهد خطيباً قط إلا ولجلج هيبة له ومعرفة بانتقاده. ومن خطبائنا عبد اللّه بن عامر وعبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر، وكانا من أكرم الناس، وأبين الناس ،كان مسلمة بن عبد الملك يقول : إني لأنحى كور عِمَامتي على أُذُني لأسمع كلام عبد الأعلى. وكانوا يقولون : أشبه قريش نعمةً وجهارةً واقتداراً وبياناً بعمرو بن سعيد عبد الأعلى بن عبد اللّه . قالوا: ومن خطبائنا ورجالنا الوليد بن عبد الملك، وهو الذي كان يقال له فحل بني مروان، كان يركب معه ستون رجلاً لصلبه . ومن ذوي آدابنا وعلمائنا وأصحاب الأخبار ورواية الأشعار والأنساب بِشر بن مروان أميرُ العراق.قالوا : ونحن أكثر نساكاً منكم، منا معاوية بن يزيد بن معاوية، وهو الذي قيل له في مرضه الذي مات فيه : لو أقمت للناس ولي عهد؟ قال: ومن جَعل لي هذا العهد في أعناق الناس؟ واللّه لولا خَوْفي الفتنة لما أقمت عليها طرفة عين ،واللّه لا أذهب بمرارتها، وتذهبون بحلاوتها، فقالت له :أمه : لوددتُ أنك حَيْضة ، قال : أنا واللّه وددت ذلك.قالوا: ومنّا سليمان بن عبد الملك الذي هَدَم الديماس وردّ المسيَّرين، وأخرج المسجونين، وترك القريب. واختار عمر بن عبد العزيز، وكان سليمان جواداً خطيباً جميلاً صاحب سلامة ودعة وحب للعافية وقرب من الناس ،حتى سُمِّي المهدي، وقيلت الأشعار في ذلك .قالوا : ولنا عمر بن عبد العزيز، شبه عمر بن الخطاب، قد ولده عمر، وباسمه سمّي، وهو أشجّ قريش المذكور في الآثار المنقولة في الكُتُب ، العدل في أشدّ الزمان، وظلّف نفسه بعد اعتياد النعم، حتى صار مثلاً ومفخَراً. وقيل للحسن : أما رويت أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله قال : لا يزداد الزّمان إلا شدة، والناس إلّا شُحَّاً، ولا تقوم الساعةُ إلاّ على شرار الخلق! قال: بلی قيل : فما بال عمر بن عبد العزيز وعدّله وسيرته !فقال : لا بدّ للناس من متنفّس. وكان مذكوراً مع الخطباء، ومع النسّاك، ومع الفقهاء. قالوا : ولنا ابنه عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، كان ناسكاً زكيا طاهراً، وكان من أتقى الناس وأحسنهم معونة لأبيه، وكان كثيراً ما يعظ أباه وينهاه . قالوا: ولنا من لا نظير له في جميع أموره، وهو صاحب الأغوص، إسماعيل بن أمية بن)
عمرو بن سعيد بن العاص، وهو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز : لو كان إلي من الأمر شيء لجعلتها شورى بين القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وصاحب الأعوص. قالوا: ومن نُسَّاكنا أبو حراب من بني أمية الصغرى، قتله داود بن علي، ومن نُساكنا يزيد بن محمد بن مروان، كان لا يُهدِب ثوباً ولا يصبغه، ولا يتخلّق بخلوق، ولا اختار طعاماً على طعام، ما أطعم أكله، وكان يكره التكلف، وينهى عنه .قالوا : ومن نُساكنا أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان ،أراد عمر أخوه أن يجعله ولي عهده لما رأى من فضله ،وزهده فسما فيهما جميعاً . ومن نُسَاكنا عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان ،كان يصلي كل يوم ألف ركعة، وكان كثير الصدقة، وكان إذا تصدّق بصدقة قال : اللهّم إنّ هذا لوجهك فخفّف عني الموت. فانطلق حاجاً ، ثم تصبّح بالنوم فذهبوا ينبهونه للرّحيل، فوجدوه ميتاً ، فأقاموا عليه المأتم بالمدينة، وجاء أشعبُ فدخل إلى المأتم وعلى رأسه كبة من طين، فالتدم مع النساء، وكان إليه محسناً . ومن نُساكنا عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.قالوا : فنحن نعدّ من الصلاح والفضل ما سمعتموه وما لم نذكره أكثر، وأنتم تقولون : أمية الشجرة الملعونة في القرآن، وزعمتم أن الشجرة الخبيثة لا تثمر الطيّب، كما أن الطيّب لا الخبيث، فإن كان الأمر كما تقولون، فعثمان بن عفان ثمرة خبيثة. وينبغي أن يكون النبي (صلی اللّه علیه واله دفَع ابنتيه إلى خبيث، وكذلك يزيد بن أبي سفيان صاحب مقدمة أبي بكر الصدّيق على جيوش الشام، وينبغي لأبي العاص بن الربيع زَوْجِ زَيْنَبَ بنتِ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أن يكون كذلك، وينبغي لمحمّد بن عبد اللّه المدرّج أن يكون كذلك، وإن ولدته فاطمة (علیها السلام)، لأنه بني أميّة، وكذلك عبد اللّه بن عثمان بن عفان سبط رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، الذي مات بعد أن شَدَن ونَقَر الدِّيك عينه فمات، لأنّه من بني أمية، وكذلك ينبغي أن يكون عتاب بن أسيد بن أبي العيص بنِ أُميّة وإن كان النبي (صلی اللّه علیه واله) ولاه مكّة أم القرى وقبلة الإسلام، مع قوله (صلى اللّه عليه واله) «فَتَيانِ أضنُّ بهما عن النار : عَنّاب بنُ أسيد، وجُبَيْر بنُ مُطعم» (1). وكذلك ينبغي أن يكون عمرُ بنُ عبد . العزيز شبيه عُمر بن الخطاب، كذلك، وكذلك معاوية بن يزيد بن معاوية، وكذلك يزيد الناقص، وينبغي ألا يكون النبي(صلی اللّه علیه واله) و عدّ عثمانَ في العَشَرة الّذينَ بشرهم بالجنّة، وينبغي أن يكون عَدَّ خالد بن سعيد بن العاص شهيد يوم مَرْج الصُّفّر والحبيس في سبيل اللّه، ووالي النبي(صلی اللّه علیه واله) على اليمن، ووالي أبي بكر على جميع أجناد الشام، ورابع أربعة في الإسلام، والمهاجر إلى أرض الحبشة كذلك. وكذلك أبان بن سعيد بن العاص المهاجر إلى المدينة، والقديم في الإسلام،)
1) تقدم تخريجه
والحَبيس على الجهاد، ويجب أن يكون ملعوناً خبيثاً، وكذلك أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة، وهو بَدْري من المهاجرين الأولين، وكذلك أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنتُ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وكذلك أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي معيط، وكان النبي(صلی اللّه علیه واله) يُخرجها من المَغازِي، ويضرب لها بسهم ، ويُصافحها، وكذلك فاطمة بنتُ أبي مُعَيطٍ، وهي من مهاجرة الحبشة .)قالوا : وممّا نَفَخر به وليس لبني هاشم مثله، أنّ منّا رجلاً ولي أربعين سنة منه عشرون سنة خليفة، وهو معاوية بن أبي سفيان. ولنا أربعة إخوة خلفاء الوليد، وسليمان، ويزيد وهشام، بنو عبد الملك، وليس لكم إلّا ثلاثة إخوة كمحمّد وعبد اللّه وأبي إسحاق أولاد هارون. :قالوا ومنا رجل ولد سبعةً من الخلفاء وهو عبد الله بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أبوه يزيدُ بنُ عاتكة خليفة، وجدّه عبد الملك خليفة، وأبو جده مروان بن الحكم خليفة، وجده من قبل عاتكة ابنة يزيد بن معاوية أبوها يزيد بن معاوية وهو خليفة، ومعاوية بن أبي سفيان وهو خليفة ، فهؤلاء خمسة ،وأم عبد اللّه هذا عاتكة بنت عبد اللّه بن عثمان بن عفان، وحفصة بنت عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، فهذا خليفتان، فهذه سبعة من الخلفاء ولدوا هذا الرجل .قالوا: ومنّا امرأة أبوها خليفة، وجدّها خليفة، وابنها خليفة، وأخوها خليفة، وبعلها خليفة، فهؤلاء خمسةٌ، وهي عائكة بنتُ يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، أبوها يزيد بن معاوية خليفة، وجدّها معاوية بن أبي سفيان خليفة، وابنها يزيد بن عبد الملك بن مروان خليفة، وأخوها معاويةُ بن يزيد خليفة، وبَعْلُها عبد الملك بن مروان خليفة .قالوا : ومن وَلَد المدرّج محمد بن عبد اللّه الأصغر أمرأةٌ ولَدَها النبي(صلی اللّه علیه واله وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، وهي عائشة بنت محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان وأمّها خديجة بنتُ عثمان بن عُروة بن الزبير، وأمّ عروة أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصدّيق، وأم محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان - وهو المدّبج - فاطمة بنتَ الحُسَين بن علي(علیهم السلام) ، وأمّ الحُسَين بن علي (علیهم السلام) فاطمة بنت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وأم فاطمة بنت و الْحُسين بن علي(علیهم السلام) أم إسحاق بنت طلحة بن عبد اللّه، وأم عبد اللّه بن عمرو بن عُثمان عفّان ابنه عبدِ اللّه بن عُمر بن الخطاب. قالوا : ولنا في الجمال والحسن ما ليس لكم ،منا المدرّج، والدِّيباج، قيل ذلك لجماله . ومنّا المطرّف، ومنّا الأرجوان، فالمُطرف وهو عبد اللّه بن عمرو بن عُثمانَ، سُمّي المطرف الجماله، وفيه يقول الفرزدق : نما الفاروقُ إنك وابن أروى *** أبوك فأنتَ مُنصدع النّهار والمدرّج هو الدّيباج، كان أطول الناس قياماً في الصّلاة، وهَلَك في سجن المنصور.)
قالوا: ومنا ابنُ الخلائف الأربعة، دعي بذلك وشُهر به، وهو المؤمّل بن العبّاس بن الوليد بن عبد الملك، كان هو وأخوه الحارث ابني العباس بن الوليد من الفجاءة بنت قطري بنِ الفجاءة، إمام الخوارج، وكانت سُبيت فوقعت إليه، فلما قام عُمر بن عبد العزيز أتت وجوه بني مازن وفيهم حاجبُ بنُ ذُبيان المازني الشاعر، فقال حاجب :تيناكَ زُوّاراً ووفداً إلى التي *** أضاءت فَلا يَخْفَى على الناس نُورُهاأبوها عميد الحيّ جَمْعاً وأمها *** من الحنظليات (1الكرام حُجُورُها)فإن تَكُ صارت حين صارت فإنّها *** إلى نسب زاك كرام نَفِيرُهافبَعَثَ عمرُ بنُ عبد العزيز إلى العبّاس بن الوليد إما أن تردّها إلى أهلها، وإما أن تُزوجها ،فقال قائل ذات يوم للمؤمّل : يا بن الخلائف الأربعة، قال : ويلك من الرابع ! قال قطري، فأما الثلاثة فالوليد وعبد الملك ومروان، وأما قطري فبويع بالخلافة، وفيه يقول الشاعر : وأبو نعامة سيّد الكفّار.قالوا: ومن أين صار محمّد بن علي بن عبد اللّه بن العباس أحق بالدعوة والخلافة من سائر إخوته! ومن أين كان له أن يَضَعها في بيته دون إخوته! وكيف صار بنو الأخ أحق بها من الأعمام! وقالوا : إن يكن هذا الأمر إنما يُسْتَحقّ بالميراث، فالأقرب إلى العبّاس أحقّ، وإن كان بالسِّنّ والتجربة فالعُمومة بذلك أولى. قالوا : فقد ذكرنا جملاً من حال رجالنا في الإسلام، وأما الجاهلية فلنا الأعياص والعنابس .ولنا ذو العصابة أبو أحيحة سعيد بن العاص كان إذا اعتمّ لم يعتّم بمكة أحد، ولنا حَرْب بن أميّة رئيس يوم الفجار، ولنا أبو سفيان بنُ حَرْب رئيس أحد والخندق، وسيّد قريش كلّها في زمانه . وقال أبو الجهم بن حذيفة العدوي لعمر حين رأى العباس وأبا سفيان على فراشه دون الناس: ما نرانا نستريح من بني عبد مناف على حال! قال عمر : بئس أخو العَشِيرة أنتَ ! هذا عم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وهذا سيد قريش.)قالوا: ولنا عُتبة بن ربيعة ،ساد مملقاً، ولا يكون السّيّد إلا مُتَرفاً ، لولا ما رأوا عنده من البراعة والنُّبل والكمال. وهو الذي لمّا تحاكمت بجيلة وكلب من منافرة جرير والفرافصة،
1) الحنظليات : نسبة إلى قبيلة حنظلة وهي أكرم قبيلة في تميم. اللسان مادة (حنظل).
وتَراهَنُوا بِسُوق عُكاظ، وصنعوا الرّهن على يده دونَ جميع مَن شَهِد على ذلك المشهد، وقال رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله ، ونظر إلى قريش مُقبلة يومَ بدر : «إن يكن منهم عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر» (1)، وما ظنّك بشَيْخ طلبوا له من جميع العسكر عند المُبارَزة بيضة فلم يقدروا على بَيْضة يُدخِل رأسَه فيها، وقد قال الشاعر : وإنّا أناس يملأ البَيْض هامنا)قالوا : وأميّة الأكبر صنفان الأعياص والعنابس قال الشاعر:من الأغياص أو من آل حَرْبٍ *** أغرّ كَغرّةِ الفَرَسِ الجوادسُمُّوا بذلك في حَرْب الفجار حينَ حَفَروا لأرجلهم الحفائر وثبتوا فيها، وقالوا : نموت جميعاً أو نظفر . وإنما سُمُّوا بالعنابس لأنّها أسماء الأسود، وإنما سُمّوا الأعْياص لأنها أسماء الأصول، فالعنابس : حَرْب وسُفيان وأبو سفيان وعَمْرو، والأعياص: العيص، وأبو العيص والعاص، وأبو العاص وأبو عمرو، ولم يعقب من العنابس إلّا حَرْب، وما عَقَب الأعياصُ إلا العيص، ولذلك كان معاوية يشكو القلّة. قالوا : وليس لبني هاشم والمطّلب مثل هذه القِسْمة ولا مثل هذا اللّقب المشهور. وهذا ما قالته أميّة عن نفسها .## الجواب عنا فخرت به بنو أميةونحن نذكر ما أجاب به أبو عثمان عن كلامهم ونضيف إليه من قبلنا أموراً لم يذكرها ، فنقول : قالت هاشم: أما ما ذكرتم من الدّهاء والمكر فإنّ ذلك من أسماء فجّار العُقلاء، وليس من أسماء أهل الصواب في الرأي من العُقلاء والأبرار، وقد بلغ أبو بكر وعمر من التدبير وصواب الرأي، والخبرة بالأمور العامة، وليس من أوصافهما ولا مِنْ أسمائهما أن يقال: كانا داهِيَيْن، ولا كانا مَكِيرين. وما عَامَل معاوية وعمرو بن العاص علياً (علیه السلام قط بمعاملة إلا وكان علي(علیه السلام) أعلم بها منهما ، ولكن الرجل الذي يُحارب ولا يستعمل إلّا ما يحلّ له أقلّ مذاهب في وجوه الحيّل والتدبير مِنَ الرّجل الذي يستعمل ما يحلّ وما لا يحلّ، وكذلك وأخبر ، ألا تَرَى أن الكذّاب ليس لكذبه غاية، ولا لما يُولد ويصنع نهاية، والصدوق إنما يحدث عن شيء معروف، ومعنى محدود! ويدلّ على ما قلنا أنّكم عددتم أربعةً في الدّهاء، وليس واحد منهم عند المسلمين في طريق المتقين، ولو كان الدهاء مرتبة والمكر منزلة لكان تقدم هؤلاء الجميع السابقين الأولين عَيْباً شديداً في السابقين الأولين، ولو أن إنساناً أراد أن يمدَحَ أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ثم قال : الدُّهاة أربعة وعدّهم، لكان قد قال قولاً مرغوباً)
1) أخرجه أحمد في مسنده) (951)، و«الثقات لابن حبان (163/1).
عنه، لأنّ الدهاء والمكر ليسا من صفات الصالحين، وإن علموا من غامض الأمور ما يجهله جميعُ العُقلاء، ألا ترى أنّه قد يحسن أن يقال: كان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله و أكرم الناس، وأحلم الناس، وأجوَدَ الناس وأشجَعَ الناس، ولا يجوز أن يقال : كان أمكَرَ الناس ،وأدهى الناس ،وإن علمنا أنّ عِلمه قد أحاط بكل مَكْرٍ وخديعة، وبكل أدب ومكيدة! وأمّا ما ذكرتم من جود سعيد بن العاص وعبد اللّه بن عامر فأين أنتم من عبد اللّه بن جعفر، وعُبيد اللّه بن العبّاس والحسن بن عليّ وأين أنتم من جُودِ خُلفاء بني العبّاس، كمحمّد المُهْدِيّ، وهارون، ومحمد بن زُبيدة، وعبد اللّه المأمون، وجعفر المقتدر ! بل لعلّ جود بعض صنائع هؤلاء كَبني بَرْمَك وبَني الفُرات، أعظم من جُود الرّجُلين اللذين ذكرتموهما ، بل من جميع ما جاء به خُلفاء بني أمية.)وأما ما ذكرتم من حلم معاوية، فلو شئنا أن نجعل جميع ساداتنا حُلماءَ لكانوا مُحتملين لذلك، ولكنّ الوجه في هذا ألا يُشتَق للرجل اسم إلا من أشرف أعماله وأكرم أخلاقه، وإلّا أن يتبيّن بذلك عند أصحابه حتى يصير بذلك اسماً يسمّى ،به ويصير معروفاً به، كما عرف الأحنف بالحلم وكما عُرف حاتم بالجود، وكذلِك هَرِم، قالوا : هَرم الجواد، ولو قلتم : كان أبو العاص بن أمية أحلم الناس لقلنا : ولعلّه يكون قد كان حليماً، ولكن ليس كل حلم يكون صاحبه به مذکوراً، ومن إشكاله بائناً. وإنكم لتظلمون خصومكم في تسميتكم معاوية بالحلم، فكيف من دونه، لأن العرب تقول : أحلم الحلمين ألا يتعرّض ثم يحلم، ولم يكن في الأرض رَجَلٌ أكثر تعرضاً من معاوية والتعرّض هو الشفه، فإن ادعيتم أن الأخبار التي جاءت في تعرّضه كلّها باطلة، فإن لقائل أن يقول : وكلّ خبرٍ رَوَيْتموه في حلمه باطل، ولقد شهر الأحنف بالحلم، ولكنه تكلم بكلام كثير يجرح في الحِلْم ويثلم في العرض، ولا يستطيع أحد أن يحكي عن العباس بن عبد المطلب ولا عن الحسن بن علي بن أبي طالب لفظاً فاحشاً، ولا كلمة ساقطة، ولا حرفاً واحداً مما يُحكى عن الأحنف ومعاوية.وكان المأمون أحلم الناس، وكان عبد اللّه السفّاح أحلم الناس. وبعد، فمن يستطيع أن يصف هاشماً أو عبد المطلب بالحلم دون غيره من الأخلاق والأفعال حتى يسميه بذلك، ويخص به دون كل شيء فيه من الفضل وكيف وأخلاقهم متساوية، وكلّها في الغاية !ولو أنّ رجلاً كان أظهَرَ الناسِ زُهْداً ، وأصدقهم للعدوّ لقاء، وأصدَقَ الناس لساناً، وأجود الناس كفاً، وأفصحهم منطقاً، وكان بكل ذلك مشهوراً، لمنعَ بعض ذلك من بعض، ولما كان له اسم السيد المقدَّم والكامل المعظم، ولم يكن الجوادُ أغلب على اسمه، ولا البيان ولا النّجدة. وأما ما ذكرتم من الخطابة والفصاحة والسؤدد والعلم بالأدب والنّسب، فقد علم الناس أن
بني هاشم في الجُملة أَرَقُ السنة من بني أميّة، كان أبو طالب والزبير شاعرين، وكان أبو سُفيان بن الحارث بن عبد المطلب شاعراً، ولم يكن من أولاد أمية بن عبدِ شَمْس لصلبه شاعر، ولم يكن في أولاد أميّة إلا أن تعدّوا في الإسلام العرجيّ مِنْ وَلَد عُثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن الحكم، فنعد نحن الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، وعبد اللّه معاوية بن جعفر، ولنا من المتأخرين محمد بن الحسين بن موسى المعروف بالرضي، وأخوه أبو القاسم، ولنا الحماني، وعلي بن محمد صاحب الزنج، وكان إبراهيم بن الحسن صاحب با خمرى أديباً شاعراً فاضلاً، ولنا محمد بن علي بن صالح الذي خرج في أيام المتوكل . قال أبو الفرج الأصفهاني: كان من فِتْيان آل أبي طالب وفتاكهم وشجعانهموظرافهم وشعرائهم، وإن عددتم الخطابة والبيان والفصاحة لم تعدّوا كعلي بن أبي طالب (علیه السلام، ولا كعبد اللّه بن العباس، ولنا من الخطباء زيد بن علي بن الحسين، وعبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن معاوبه بن عبد اللّه بن جعفر، وجعفر بن الحسين بن الحسن، وداود بن علي بن عبد اللّه بن العباس، وداود وسليمان ابنا جعفر بن سليمان.)قالوا : كان جعفر بن الحسين بن الحسن ينازع زيد بن علي بن الحسين في الوصيّة، وكان الناسُ يجتمعون ليستمعوا محاورتهما، وكان سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي والي مكّة، فكان أهل مكة يقولون : لم يرد علينا أمير إلا وسليمان أبين منه قاعداً، وأخطب منه قائماً . وكان داود إذا خطب اسْحَنْفر فلم يردّه شيء. قالوا : ولنا عبد الملك بن صالح بن عليّ كان خطيباً بليغاً، وسأله الرشيد - وسليمان بن أبي جعفر وعيسى بن جعفر حاضران - فقال له : كيف رأيت أرض كذا؟ قال: مسافي ريح ومنابت شيح . قال : فأرضَ كذا قال : هَضَبات ،حُمْر ورَبوات عُفْر، حتى أتى على جميع سأله عنه، فقال عيسى لسليمان : والله ما ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا بالدون من الكلام.قالوا : وأما ما ذكرتم من نساك الملوك، فلنا علي بن أبي طالب (علیه السلام، وبزهده وبدينه يضرب المثل، ولنا محمد بن الواثق من خلفاء بني العباس، وهو الملقب بالمهتدي، كان يقول : إني لأنفُ لبني العباس ألا يكون منهم مثل عمر بن عبد العزيز، فكان مثله وفوقه. ولنا القادر أبو العباس بن إسحاق بن المقتدر، ولنا القائم عبد الله بن القادر،كانا على قدم عظيمة من الزهد والدين والنُّسُك وإن عددتم النساك من غير الملوك فأين أنتم عن علي بن الحسين زين العابدين! وأين أنتم عن علي بن عبد اللّه بن العباس! وأين أنتم عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (علیه السلام)، الذي كان يقال له علي الخير وعليّ الأغر، وعلي العابد، وما أقسم على اللّه بشيء إلا وأبرَ قَسَمه! وأين أنتم عن موسى بن جعفر بن محمد! وأين أنتم عن عليّ بن محمد الرضا، لابس الصوف طول عمره مع سعة ،أمواله وكثرة ضياعه وغلاته!)
وأما ما ذكرتم من «الفتوح»، فلنا الفتوح المعتصمية التي سارت بها الركبان، وضربت بها الأمثال، ولنا فتوح الرّشيد، ولنا الآثار الشريفة في قتل بابك الخرّمي بعد أن دامت فتنته في دار الإسلام نحو ثلاثين سنة. وإن شئت أن تعدّ فتوح الطالبيين بإفريقية ومصر وما ملكوه من مدن الرّوم والفرنج والجلالقة في سني ملكهم، عددت الكثير الجمّ الذي يخرج عن الحضر، ويحتاج إلى تاريخ مُفرَد يَشتمل على جلودٍ كثيرة. فأما الفقه والعلم والتفسير والتأويل فإن ذكرتموه لم يكن لكم فيه أحد، وكان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب (علیه السلام ، وعبد اللّه بن العباس، وزيد بن علي، ومحمد بن علي، ابني علي بن الحُسَين بن عليّ ، وجعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه. ويقال: إن أبا حنيفة من تلامذته، وكذلك سفيان الثَّوْرِيّ، وحسبك بهما في هذا الباب، ولذلك نسب سُفيان إلى أنه زَيْدي المذهَب، وكذلك أبو حنيفة . ومَنْ مِثلُ عليّ بن الحُسين زين العابدين ! وقال الشافعي في «الرسالة» (1)في إثبات خَبَر الواحد: وجدتُ عليَّ بن الحُسَين وهو أفقه أهل المدينة يُعوّل على أخبار الآحاد. و من مثل محمد بن الحنفية وابنه أبي هاشم الذي قرّر علوم التوحيد والعدل! وقالت المعتزلة : غَلَبْنا الناس كلهم بأبي هاشم الأوّل، وأبي هاشم الثاني ! وإن ذكرتم النّجدة والبسالة والشَّجاعة فمن مثل علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وقد وقع اتفاق أوليائه وأعدائه على أنه أشجّع البَشَر ! ومَن مثل حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسد رسوله! ومَن مِثل الحسين بن علي(علیه السلام) !قالوا یوم الطّفّ: ما رأينا مكثوراً قد أفرد من إخوته وأهله وأنصاره أشجع منه، كان كاللّيث المِحْرَب، يحطم الفرسان حظماً. وما ظنك برجل أبَتْ نفسه الدنية وأن يعطي بيدِه، فقاتل حتى قتل هو وبنوه وإخوته وبنو عمه بعد بذل الأمان لهم، والتوثقة بالأيمان المغلَّظَة، وهو الذي سَنّ للعرب الإباء. واقتدى بعده أبناء الزبير وبنو المهلب وغيرهم.)ومن لكم مثل محمد وإبراهيم بن عبد اللّه ! ومن لكم كزيد بن عليّ، وقد علمتم كلمته التي قالها حيث خرج من عند هشام: ما أَحَبَّ الحياة إلا مَنْ ذَلّ، فلمّا بلغت هشاماً قال: خارجوربّ الكَعبة! فخرج بالسيف، ونهى عن المنكر، ودعا إلى إقامة شعائر اللّه حتى قتل صابراً محتسباً . وقد بلغتكم شجاعةُ أبي إسحاق المعتصم، ووقوفه في مشاهد الحَرْب بنفسه حتّى فَتَح
1) الرسالة في أصول الفقه لمحمد إدريس الشافعي المتوفى سنة ( 204ه-)، «الأعلام» (26/6 ) .
الفتوح الجليلة. وبلغتكم شجاعة عبد اللّه بن عليّ، وهو الذي أزال مُلْك بني مَرْوان، وشَهِدَ الحروب بنفسه، وكذلك صالح بن علي، وهو الذي اتبع مروان بن محمد إلى مصر حتى قتله . قالوا : وإن كان الفضل والفخر في تواضع الشريف، وإنصاف السيد، وسَجَاحة (1الخُلُق ولين الجانب للعشيرة والموالي، فليس لأحدٍ من ذلك ما لبني العباس، ولقد سألنا طارق بن المبارك -وهو مولّى لبني أميّة، وصنيعةٌ من صَنائِعهم - فقلنا : أيُّ القبيلتين أشدّ نخوةً وأعظم كبرياء وجبرية، أبنو مَرْوان؟ أم بنو العبّاس ؟ فقال : واللّه لَبَنو مَرْوانَ في غير دولتهم أعظم كبرياء من بني العبّاس في دولته، وقد كان أدرك الدولتين، ولذلك قال شاعرهم :)إذا ناية من عبد شمس رأيته *** يتية ترشحه لكل عظيميَتيهُ وإن تَاءَ تَيَاءٌ سِواهُمْ فإنما *** يَتيه لتوك (2أو يتيه للومِ ومن كلامهم : من لم يكن من بني أمية تياهاً فهو دعي.)قالوا : وإن كان الكبرُ مَفخَراً يمدح به الرجال ويُعدّ من خصال الشرف والفضل، فمولانا عمارة بنُ حَمرَةَ أعظم كبراً من كلّ أُمَوي كان ويكون في الدنيا، وأخباره في كبره وتيهه مشهورة متعالمة . قالوا : وإن كان الشرف والفَخْرُ في الجمال وفي الكمال وفي البسطة في الجسم وتمام القوام، فمن كان كالعباس بن عبد المطلب! قالوا : رأينا العبّاسَ يطوف بالبيت وكأنه فُسْطاط أبيض. ومن مثل علي بن عبد اللّه بن العباس وَوَلَدِه ، وكان كلّ واحد منهم إذا قام إلى جنب أبيه كان رأسه عند شخمةٍ أُذنه، وكانوا من أطول الناس، وإنّك لتجد ميراث ذلك اليوم في أولادهم.ثم الذي رواه أصحاب الأخبار وحُمّال الآثار في عبد المطلب من التمام والقوام والجمال والبهاء، وما كان من لقب هاشم بالقمر لجماله، ولأنهم يستضيئون برأيه، وكما رواه الناسُ أن عبد المطلب وَلَدَ عَشَرةً كان الرجلُ منهم يأكل في المجلس الجذعة ويشرب الفرق، وترد أنوفهم قبل شفاههم، وإن عامر بن مالك لما رآهم يطوفون بالبيت كأنّهم جمالٌ جُون قال : بهؤلاء تُمنَع مكة، وتشرف مكة ! وقد سمعتم ما ذَكَرَه الناس من جمال السَّفّاح وحُسْنه ، وكذلك المهدي وابنه هارون الرشيد، وابنه محمد بن زبيدة وكذلك هارون الواثق، ومحمد المنتصر والزبير المعتز .
قالوا : ما رُنْيَ في العَرَب ولا في العَجَم أحسن صورة منه، وكان المكتفي علي بن المعتضدبارعَ الجمال، ولذلك قال الشاعر يَضرِب المَثَلَ به :واللّه لا كلمته ولو أنَّه شه ولو أنَّه ***كالشمس أو كالبَدْرِ أو كالمُكْتَفيفَجَعَله ثالثَ القَمَرَين. وكان الحَسَن بن علي (علیه السلام أصبَحَ الناس وَجْهاً ، كان يُشبه)برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وكذلك عبد الله بن الحَسَن المَحْض .)قالوا : ولنا ثلاثة في عَصْرِ بنو عَمّ ،كلّهم يسمَّى عليَّاً، وكلّهم كان يصلح للخلافة بالفقه والنُّسُك والمركّب والرّأي، والتجربة، والحالِ الرّفيعة بين الناس: عليّ بنُ الحُسَين بن عليّ، وعلي بن عبد اللّه بن العبّاس وعلي بن عبد اللّه بن ،جعفر كل هؤلاء كان تاماً كاملاً بارعاً جامعاً. وكانت لُبّابة بنتُ عبد اللّه بن العبّاس عند علي بن عبد اللّه بن جعفر، قالت: ما رأيتُه ضاحكاً قطّ ولا قاطباً، ولا قال شيئاً أحتاج إلى أن يعتذر منه ولا ضَرَب عبداً قطّ ، ولا مَلَكه أكثر من سَنَة .قالوا : وبعد هؤلاء ثلاثة بنوعم، وهم بنو هؤلاء الثلاثة، وكلّهم يسمى محمداً، كما أن كل واحد من أولئك يسمّى عليَّاً، وكلّهم يَصلُح للخلافة بكَرَم النّسب وشَرَف الخصال: محمّد بنُ علي بن الحسين بن علي، ومحمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، ومحمد بن علي بن عبد اللّه بن جعفر.قالوا : كان محمد بن علي بن الحسين لا يُسمع المبتلى الاستعاذة، وكان ينهى الجارية والغلام أن يقولا للمسكين: يا سائل، وهو سيّد فقهاء الحجاز، ومنه ومن أبنه جعفر تعلم الناسُ الفِقْه، وهو المُلَقَّب بالباقر، باقرِ العِلم، لقبه به رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ولم يُخلق بعد، وبشّر به ووعد جابر بن عبد اللّه برؤيته، وقال: ستراه طفلاً ، فإذا رأيته فأبلغه عنّي السلام فعاش جابر حتى رآه، وقال له ما وصي به . وتوعّد خالد بن عبد اللّه القسري هشام بن عبد الملك في رسالةٍ له إليه، وقال: واللّه إني لأعرِف رَجُلاً حِجازي الأصل، شامِيَّ الدّار ، عراقي الهوى، يريد محمد بن علي بن عبد اللّه ابن العباس.)قالوا: وأما ما ذكرتم من أمر عائكة بنتِ يزيد بن معاوية فإنا نذكر فاطمة بنت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وهي سيّدة نساء العالمين، وأمّها خديجة سيدة نساء العالمين، وبعلها عليّ بنُ أبي طالب سيّد المسلمين كافّة، وابنُ عَمّها جعفر ذو الجَنَاحَين، وذو الهجرتين، وابناها الحسن والحُسَين سَيِّدَا شباب أهلِ الْجَنّة، وجدهما أبو طالب بن عبد المطلب أشد الناس عارِضةً وشَكِيمة، وأجوَدُهم رأياً، وأشهَمُهُمْ نفساً ، وأمنعهم لما وَرَاءَ ظَهْرِه، مَنعَ النبي(صلی اللّه علیه واله) مِنْ جميع)
قريش، ثم بني هاشم وبني المطلب، ثم مَنَع بني إخوانه من بني أَخَواته من بني مخزوم الذين أسلموا، وهو أحد الذين سادوا مع الإقلال، وهو مع هذا شاعرٌ خطيب. ومن يُطيق أن يُفاخر بني أبي طالب، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أوّل هاشميّة ولدت لهاشمي، وهي التي رُبِّي رسولُ اللّه في حجرها، وكان يدعوها أمِّي، وَنَزَل في قَبْرِها، وكان يُوجب حقها كما يوجب حقَّ الأم! من يستطيع أن يُسامِي رِجالاً ولدهم هاشم مرتين من قبل أبيهم ومن قبل أمهم. قالوا: ومن العجائب أنّها ولدت أربعة كلَّ منهم أسَنّ من الآخر بعشر سنين: طالب، وَعَقِيل وجعفر، وعلي.ومن الذي يَعُدّ من قريش أو من غيرهم ما يَعُدّه الطالبیّون عَشَرة في نَسَق ، كلّ واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جَواد طاهر زَاكِ، فمنهم خلفاء، ومنهم مُرشحون: ابن ابن ابن ابن، هكذا إلى عَشَرة، وهم الحَسَن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي(علیهم السلام ، وهذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب ولا من بيوت العجم.)قالوا : فإن فَخَرْتُمْ بِأنّ منكم أثنتين من أمهات المؤمنين: أم حبيبة بنتُ أبي سُفْيان وَزَينب بنتُ جَحْشٍ، فَزَيْنب امرأةٌ من بني أسد بن خُزَيمة، ادّعيتُموها بالحِلْف لا بالولادة، وفينا رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنين، محمد بن عبد اللّه بن الحسن المخض، ولدته خديجة أمّ المؤمنين، وأمّ سَلَمة أم المؤمنين، وَوَلَدَتْه مع ذلك فاطمة بنتُ الحُسين بن عليّ، وفاطمة سيّدة نساء العالمين ابنة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وفاطمة بنت أسد بنت هاشم ،وكان يقال: خير الفَواطِمُ والعَواتِك وهُنّ أمهاته.)قالوا : ونحن إذا ذكرنا إنساناً فقبل أن نعد من ولده نأتي به شريفاً في نفسه، مذكوراً بما فيه دونَ ما في غيره، قلتم لنا : عاتكة بنت يزيد، وعائكة في نفسها كامرأة من عرض قريش، ليس فيها في نفسها خاصة أمر تستوجب به المفاخرة. ونحن نقول : منا فاطمة، وفاطمة سيدة نساء العالمين، وكذلك أمها خديجة الكبرى، وإنما تُذكَران مع مريم بنتِ عِمْران وآسية بنت مُزاحِم اللتين ذكرهما النبي (صلی اللّه علیه واله وذكر إحداهما القرآن ،وهُنَّ المذكورات من جميع نساء العالم من العرب والعجم .)وقلتم لنا :عبد اللّه بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ولده سبعة من الخُلفاء، وعبد اللّه هذا نفسه ليس هناك، ونحن نقول : منا محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب بن ،هاشم كلّهم سيّد، وأمه العالية بنتُ عبيد الله بن العباس وإخوته داود وصالح و سليمان وعبد اللّه رجالٌ كلهم أغرُ مُحجّل، ثم ولدت الرؤساء إبراهيم الإمام وأخويه أبا العباس وأبا جعفر، ومَن جاء بعدهما من خُلفاء بني العبّاس. وقلتم : منا عبد اللّه بن يزيد وقلنا : منّا الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنّة، وأولى
الناس بكلّ مكْرُمة، وأطهرهم طهارة، مع النجدة والبصيرة والفقه والصبر والحلم والأنف ،وأخوه الحسن سيد شباب أهل الجنّة، وأرفع الناس دَرَجة، وأشبههم برسول اللّه خَلْقاً وخُلقاً، وأبوهما علي بن أبي طالب. قال شيخنا أبو عثمان :وهو الذي تركُ وصفه أبلغ في وصفه، إذ كان هذا الكتاب يعجز عنه، ويحتاج إلى كتاب يفرد ،له وعَمّهما ذو الجناحين، وأمّهما ، فاطمة وجدّتهما خديجة، وأخوالهما : القاسم وعبد اللّه وإبراهيم، وخالاتهما زينب ورقية وأمّ كلثوم، وجدتاهما آمنة بنت وَهْب والده رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وفاطمة بنت أسد بن هاشم وجدهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) المخرس لكل فاخر، والغالب لكل منافر، قل ما شئت، واذكر أي باب شئت من الفضل، فإنّك تجدهم قد حوزه . وقالت أميّة : نحن لا تُنكر فخر بني هاشم وفضلهم في الإسلام، ولكن لا فرق بيننا في الجاهلية، إذ كان الناس في ذلك الدّهر لا يقولون: هاشم وعبد شمس، ولا هاشم وأميّة، بل يقولون : كانوا لا يزيدون في الجميع على عبد مناف، حتى كان أيام تميّزهم في أمر علي وعثمان في الشورى، ثم ما كان في أيام تحزّبهم وحربهم مع علي ومعاوية.)و من تأمل الأخبار والآثار علم أنه ما كان يذكر فرقّ بين البيتين، وإنما يقال : بنو عبد مناف، ألا ترى أن أبا قحافة سمع رَجّةً شديدة، وأصواتاً مرتفعة، وهو يومئذٍ شيخ كبير مكفوف، فقال: ما هذا قالوا : قبض رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، قال : فما صنعت قريش؟ قالوا : ولوا الأمر ابنك قال : ورضيت بذلك بنو عبد مناف؟ قالوا: نعم. قال ورضي بذلك بنو المغيرة؟ قالوا: نعم قال : فلا مانع لما أعطى اللّه ولا معطي لما منع ! ولم يقل : أرضي بذلك بنو عبد شمس؟ وإنما جمعهم على عبد مناف لأنه كذلك كان يقال .)وهكذا قال أبو سفيان بن حرب لعلي (علیه السلام، وقد سخط إمارة أبي بكر : أرضيتم يا بني عبد مناف أن تَلِيَ عليكم تيم! ولم يقل : أرضيتم يا بني هاشم؟ وكذلك قال خالد بن سعيد بن العاص حين قَدِم من اليمن وقد استخلف أبو بكر: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تیم؟ قالوا : وكيف يُفرّقون بين هاشم وعبد شمس وهما أخوان لأب وأم ويدل على أن أمرهما كان واحداً، وأن اسمهم كان جامعاً، قول النبي(صلی اللّه علیه واله) وصنيعه حين قال: «منا خيرُ فارس في العرب، عُكاشة بن محصن» وكان أسديّاً، وكان حليفاً لبني عبد شمس، وكل من شهد بذراً من بني كبير بن داود كانوا حلفاء بني عبد شمس، فقال ضرار بن الأزور الأسدي : ذاك منا يا رسول اللّه ، فقال(صلی اللّه علیه واله) : «بل هو منا بالحلف»، فجعل حليف بني عبد شمس حليف بني هاشم، وهذا بين لا يحتاجُ صاحب هذه الصفة إلى أكثر منه)
قالوا ولهذا نكح هذا البيت في هذا البيت، فكيف صرنا نتزوج بنات النبي وبنات بني هاشم على وجه الدهر إلا ونحن أكفاء، وأمرنا واحدا وقد سمعتم إسحاق بن عيسى يقول لمحمد بن الحارث أحد بني عبد الرحمن بن أسيد : لولا حي أكرمهم الله بالرسالة، لزعمت أنك أشرف النّاس، أفلا ترى أنه لم يقدم علينا رهطه إلا بالرسالة!قالت هاشم: قلتم : لولا أنا كُنا أكفاءكم لما أنكحتمونا نساءكم، فقد نجد القوم يستوون في حسب الأب، ويفترقون في حسب الأنفس، وربما استوَرًا في حسب أبي القبيلة، كاستواء قريش في النّضر بن كنانة، يختلفون كاختلاف كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، وكاختلاف ابن قصيّ وعبد مناف وعبد الدار وعبد العُزّى، والقوم قد يساوي بعضهم بعضاً في وجوه، ويفارقونهم في وجوه، ويستجيزون بذلك القَدْر مناكَحَتَهم، وإن كانت معاني الشرف لم تتكامل فيهم كما تكاملت فيمن زوّجهم، وقد يزوّج السيّد ابن أخيه وهو حارض ابن حارض على وجه صلة الرحم، فيكون ذلك جائزاً عندهم، ولوجوه في هذا الباب كثيرة، فليس لكم أن تزعموا أنكم أكفاؤنا من كلّ ،وجه وإن كنا قد زوّجناكم وساوَيْناكم في بعض الآباء والأجداد. وبعد فأنتم في الجاهلية والإسلام قد أخرجتم بناتكم إلى سائر قريش وإلى سائر العَرَب، أفتزعمون أنهم أكفاؤكم عَيْناً بعين وأما قولكم : إن الحيين كان يقال لهما عبد مناف فقد كان يقال لهما أيضاً مع غيرهما من قريش وبنيها : بنو النضر . وقال الله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين (1)فلم يدع النبي(صلی اللّه علیه واله) من بني عبد شمس، وكانت عشيرته الأقربون بني هاشم وبني المطلب، وعشيرته فوق ذاك عبد مناف وفوق ذلك قصي، ومن ذلك أن النبي(صلی اللّه علیه واله) لما أُتِيَ بعبد اللّه عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس - وأمّ عامر بن كريز أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم - قال(صلی اللّه علیه واله) : هذا أشبه بنا منه بكم، ثم تقل في فيه فازدَردَه، فقال : أرجو أن تكون مشفياً، فكان كما قال. ففي قوله : هو أشبه بنا منه بكم» خصلتان: إحداهما أن عبد شمس وهاشماً لو كانا شيئاً واحداً كما أن عبد المطلب شيء واحد لما قال: «هو بنا أشبه به منكم» ، والأخرى أن في هذا القَوْل تفضيلاً لبني هاشم على بني عبد شمس، ألا ترون أنه خرج خطيباً جواداً نبيلاً وسيّداً مشفياً ، له مصانعُ وآثار كريمة، لأنه قال : وهو بنا أشبه به منكم . وأتي عبد المطلب بعامر بن كريز وهو ابن ابنته أم حكيم البيضاء فتأمله، وقال: وعظام هاشم ما ولدنا ولداً أحرض منه ، فكان كما قال عبد اللّه يُحمّق ،ولم يَقُل «وعظام عبد مناف» لأن شرف جده عبد مناف له فيه شُركاء، وشرف هاشم أبيه خالصً له .)فأمّا ما ذكرتم من قول أبي سفيان وخالد بن سعيد : أرضيتم معشر بني عبد مناف أن تليّ
1) سورة الشعراء، الآية : 214
عليكم تيما! فإن هذه الكلمة كلمة تحريض وتهييج، فكان الأبلغ فيما يريد من اجتماع قلوب الفريقين أن يدعوهم لأب، وأن يجمعهم على واحد وإن كانا مفترقين، وهذا المذهب سَدِيد، وهذا التدبير صحيح. قال معاوية بن صَعْصَعة للأشهب بنِ رُمَيْلة، وهو نَهْشَلي وللفَرَزْدَق بن غالب، وهو مُجاشعي ولمسكن بن أنيف وهو عَبْدليّ : أَرضيتم معشر بني دارم أن يَسُبّ آباءكم ويشتم أعراضكم كلب بني كُليب! وإنما نَسَبهم إلى دارم الأب الأكبر المشتَمِل على آباء قبائلهم ليستَوُوا في الْحَمية ويتفقوا على الأنف، وهذا في مثل هذا الموضع تدبير صحيح. قالوا : ويدلّ على ما قلنا ما قاله الشعراء في هذا الباب قبل مقتل عثمان وقبل صفين، قال حَسَّان بن ثابت لأبي سفيان الحارث بن عبد المطلب :وأنت منوط نيط في آل هاشم *** كما نيطَ خَلْفَ الراكب القَدَح الفَرْدُ لم يقل:«نيط في آل عبد مناف».وقال آخر :ما أنتَ من هاشم في بيتِ مَكرُمةٍ *** ولا بني جُمَحِ الخُضْرِ الجَلاعِيدِ (1)ولم يقل : «ما أنتَ من آل عبد مناف» ، وكيف يقول هذا، وقد علم الناسُ أن عبد مناف ولد أربعة هاشماً والمطلب وعبد شمس ونؤفلاً ، وأن هاشماً والمطلب كانا يداً واحداة، وأن عبد شمس ونوفلاً كانا يداً واحدة وكان مما بطأ ببني نوفل عن الإسلام إبطاء إخوتهم من بني عبد شمس، وكان ممّا حث بني المطلب على الإسلام فضل محبّتهم لبني هاشم، لأن أمر النبي (صلی اللّه علیه والهكان بيناً ، وإنما كانوا يمتنعون منه من طريق الحسد والبغضة، فمن لم يكن فيه هذه العلة لم يكن له دون الإسلام ،مانع ولذلك لم يصحب النبي (صلی اللّه علیه واله)من بني نوفل أحدٌ فَضْلاً أن يشهدوا معه المشاهِدَ الكريمة، وإنما صَحِبه حُلفاؤهم كيعلى بن منبه وعُتبة بن غزوان وغيرهما، وبنو الحارث بن المطلب كلهم بذري عبيد ،وطفيل، وحصين، ومن بني المطلب مسطح بن أثاثة بذري . وكيف يكون الأمر كما قلتم وأبو طالب يقول لمُطعِم بن عدي بن نوفل في أمر النبي(صلی اللّه علیه واله) لما تمالات قريش عليه :)جَزَى اللّه عنّا عبد شمس ونَوْفلاً *** جزاءَ مُسي عاجلاً غير آجلأمُطعِم إمّا سامَني القَوْم خُطَةٌ *** فإنِّي مَتى أوكل فلست بأكلأمطعِم لم أخذُلكَ في يوم شدّةٍ *** ولا مشهد عند الأمور الجلائل
1) الجَلْعَد : الصلب الشديد اللسان، مادة (جلعد).
ولقد قسم النبي (صلی اللّه علیه واله قسمةً فجَعَلها في بني هاشم وبني المطلب، فأتاه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وجُبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، فقالا له يا رسول اللّه(صلی للّه علیه واله )، إن قرابتنا منك وقرابة بني المطلب واحدة فكيف أعطيتهم دوننا؟ فقال النبي (صلی اللّه علیه واله): «إنا لم نزل وبني المطلب كهاتين» (1)، وشَبّك بين أصابعه، فكيف تقولون : كنا شيئاً واحداً، وكان الاسم الذي يجمعنا واحداً! ثم نرجع إلى افتخار بني هاشم قالوا : وإن كان الفخر بالأيد والقوة، واهتصار الأقران ومُبَاطشة الرجال، فمن أين لكم كمحمد بن الحنفية، وقد سمعتم أخباره وأنه قبض على دزع فاضلة، فجذبها فقطع ذيلها ما استدار منه كلّه. وسمعتم أيضاً حديث الأيد القوي الذي أرسله ملك الروم إلى معاوية يفخر به على العرب، وأن محمداً قعد له ليقيمه فلم يستطع، فكأنما يُحرّك جبَلاً، وأن الرّومي قعد ليقيمه محمّد فرفعه إلى فوق رأسه، ثم جَلَد به الأرض، هذا مع الشجاعة المشهورة والفقه في الدين والحلم والصبر والفصاحة والعلم بالملاحم والإخبار عن الغيوب، حتى ادعي له أنه المهدي، وقد سمعتم أحاديث أبي إسحاق المعتصم، وأن أحمد بن دُوَادٍ عَضَ ساعده بأسنانه أشدَّ العَضَ فلم يؤثر فيه، وأنه قال : ما أظنُّ الأَسِنَةَ ولا السِّهام في جَسَده، وسمعتم ما قيل في عبد الكريم المُطيع، وأنّه جَذَب ذَنَبَ ثورٍ فاستله من بين وَرِكيه.)وإن كان الفخر بالبشر وطلاقةِ الأوْجُه وسَجَاحة الأخلاق، فَمَن مِثْلُ عليّ بن أبي طالب(علیه السلام وقد بلغ من سَجاحة خُلُقه وطلاقة وجهه أن عيب بالدُّعابة! ومَن الذي يسوِّي بين عبد شمس وبين هاشم في ذلك !كان الوليد جَبّاراً، وكان هشام شَرِسَ الأخلاق، وكان مَرْوَانُ بن محمد لا يزال قاطباً ،عابساً، وكذلك كان يزيد بن الوليد الناقص، وكان المهدي المنصورُ أَسْرَى خلق الله والطفهم خُلُقاً، وكذلك محمد الأمين وأخوه المأمون، وكان السفّاح يُضرب به المَثَل في السَّر وسَجاحة الخُلُق .)قالوا : ونحن نعد من رَهْطنا رجالاً لا تَعُدّون أمثالهم أبداً، فمنا الأمراء بالديلم الناصر الكبير، وهو الحسن الأظروش بن علي بن الحسن بن عمر بن عليّ بن عمر الأشرف بن زين العابدين، وهو الذي أسلمت الدّيلم على يده والناصر الأصغر وهو أحمد بن يحيى بن الحسن بن القاسم بن إبراهيم بن طباطبا، وأخوه محمد بن يحيى، وهو الملقب بالمرتَضَى، وأبوه يحيى بن الحسن وهو الملقب بالهادي. ومن ولد الناصر الكبير الثائر، وهو جعفر بن محمد بن الحسن الناصر الكبير، وهم الأمراء بطبرستان وجَيْلان وجُرجان و مازندران وسائر
1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (365/6)
ممالك الدّيلم، ملكوا تلك الأضقاع مائة وثلاثين سنة، وضَرَبوا الدنانير والدّراهم بأسمائهم، وخُطب لهم على المنابر ، وحاربوا الملوك السامانية، وكسروا جيوشهم، وقتلوا أمراءهم، فهؤلاء واحدهم أعظمُ كثيراً من ملوك بني أمية وأطول مدة وأعدل وأنصف وأكثر نسكاً وأشدّ حضاً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وممن يجري مجراهم الداعي الأكبر والداعي الأصغر ملكا الديلم، قاذَا الجُيوش، واصطنعا الصنائع. قالوا : ولنا ملوك مصر وإفريقية، ملكوا مائتين وسبعين سنة، فتحوا الفتوح واستردوا ما تغلّب عليه الروم من مملكة ،الإسلام، واصطنعوا الصنائع الجليلة.ولهم الكتاب والشعراء والأمراء والقوّاد، فأوّلهم المهدي عبيد اللّه بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وآخِرُهم العاضد، وهو الله أبن الأمير أبي القاسم ابن الحافظ أبي الميمون بن المستعلي بن المستنصر بن الطاهر بن الحاكم بن عبد العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي . فإن افتخرت الأموية بملوكها في الأندلس من ولد هشام بن عبد الملك واتصال ملكهم وجعلوهم بإزاء ملوكنا بمصر وإفريقية، قلنا لهم: ألا إنا نحن أزلنا ملككُم بالأندلس، كما أَزَلْنَا مُلككم بالشام والمشرق كله، لأنّه لمّا ملك قُرْطَبَة الظافر من بني أمية وهو سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الملقب بالناصر، خرج عليه علي بن حميد بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (علیه السلام، فقتله، وأزال ملكه . وملك قُرْطبة دارَ ملك بني أمية، ويلقب بالناصر . ثم قام بعده أخوه القاسم بن حمود، ويلقب بالمعتلي، فنحن قتلناكم وأزَلْنَا مُلككم في المشرق والمغرب، ونحن لكم على الرصد حيث كنتم، اتبعناكم فقتلناكم وشرَّدْناكم كل مشرد والفخرُ للغالب على المغلوب، بهذا قضت الأمم قاطبة .)قالوا: ولنا من أفراد الرجال من ليس لكم مثله، منا يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، كان شُجاعاً جَرِيئاً وهو الذي وَلِيَ المَوْصِلَ لأخيه السفاح فاستعرض أهلها، حتى ساخت الأقدام في الدم. ومنا يعقوب بن إبراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، كان شاعراً فصيحاً، وهو المعروف بأبي الأسباط، ومنّا محمد وجعفر ابنا سليمان بن علي،كانا أعظم من ملوك بني أمية، وأجلّ قَدْراً وأكثر أموالاً ومكاناً عند الناس. وأهدى محمد بن سليمان من البصرة إلى الخيزران مائة وصيفة في يد كل واحدة منهن جامٌ من ذهب وزنه ألف مثقال، مملوء مسكاً، وكان لجعفر بن سليمان ألفا عبد من السودان خاصّة، فكم يكون ليت شعري غيرهم من البيض ومن الإماء! وما رئي جعفر بن سليمان راكباً قط إلا ظُنّ أنه الخليفة .
ومن رجالنا محمد بن السفاح كان جواداً أيداً (1شديد البطش، قالوا ما رئي أخوان أشدّ قوةً من محمد وريطة أخته وَلدَي أبي العباس السفّاح، كان محمد يأخذ الْحَدِيد فيلويه فتأخذه هي فترده . ومن رجالنا محمد بن إبراهيم طباطبا صاحب أبي السَّرَايا ،كان ناسكاً عابداً فقيهاً عظيم القدر عند أهل بيته وعند الزيديّة . ومن رجالنا عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، وهو الذي شيّد ملك المنصور وحارَبَ أبني عبد اللّه بن حسن، وأقام عمودَ الخلافة بعد أضطرابه، وكان فصيحاً أديباً شاعراً .)ومن رجالنا عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، حَجّ بالناس ووليَ الشَّام، وكان فصيحاً خطيباً . ومن رجالنا عبد الله بن موسى الهادي، كان أكرم الناس وجواداً ممدوحاً أديباً شاعراً وأخوه عيسى بن موسى الهادي كان أكرَمَ الناس، وأجوَدَ الناس كان يلبس الثياب، وقد حدد ظُفْرَه فَيخرِقها بظفره لئلا تعاد إليه . وعبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه بن موسى الهادي، وكان أديباً ظريفاً . ومن رجالنا عبد اللّه بن المعتز باللّه ، كان أوحَدَ الدّنيا في الشِّعر والأدب والأمثال الحكمية والسؤدد والرياسة، كان كما قيل فيه لما قُتِل : اللّه دَرُّك من مَيْت بمضيعَةٍ *** ناهيك في العِلم والأشعار والخطبما فيه لَو ولا لَوْلا فَتَنْقُصه *** وإنما أدركَتْهُ حِرْفَةُ الأدبومن رجالنا النقيب أبو أحمد الحسين بن موسى شيخ بني هاشم الطالبيين والعباسييّن في عصره، ومن أطاعه الخلفاء والمُلوك في أقطار الأرض ورجعوا إلى قوله، وابناه علي ومحمد وهما المرتضى والرضي، وهما فريدا العضر في الأدب والشّعر والفقه والكلام، وكان الرّضي شجاعاً أديباً شديد الأنف.ومن رجالنا القاسم بن عبد الرحيم بن عيسى بن موسى الهادي، كان شاعراً ظريفاً . ومن رجالنا القاسم بن إبراهيم طباطبا . صاحب المصنّفات والورع والدّعاء إلى اللّه وإلى التوحيد والعَدْل ومنابذة الظالمين، ومن أولاده أمراء اليمن. ومن رجالنا محمد الفأفاء بن إبراهيم الإمام كان سيّداً مُقدَّماً، ولي الموسمَ وحجّ بالناس، وكان الرشيد يُسايره، وهو مقنعَّ بطيلسانه . ومن رجالنا محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين صاحب أبي السّرايا، سادَ حَدَثاً،
1) أيْداً قوياً، اللسان، مادة (أيد).
وكان شاعراً أديباً فقيهاً، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر،ولمّا أُسرِوحُمِل إلى المأمون أكرمه وأفضل عليه ، ورَعَى له فضله ونَسَبه .ومن رجالنا موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العبّاس، كنيته أبو عيسى ،وهو أجل ولد عيسى وأنبلهم ، وَلي الكوفة وسَوَادَها زماناً طويلاً للمَهْدي، ثم الهادي، ووَليَ المدينة وإفريقية ومصر للرّشيد، قال له ابن السماك لمّا رأى تَواضُعه : إن تواضُعَك في شَرَفك لأحَبُّ إليّ من شَرَفك ،فقال موسى : إن قومنا - يعني بني هاشم - يقولون : إن التواضع أحد مصائد الشرف.ومن رجالنا موسى بن محمد أخو السَّفّاح والمنصور، كان نبيلاً عندهم، هو وإبراهيم الإمام لأم واحدة، رأى في منامه قبل أن يصير من أمرهم ما صار أنه دخل بستاناً فلم يأخذ إلا عنقوداً واحداً عليه من الحب المتراصُ مَا رَبُّك به عليم، فلم يُولد له إلا عيسى، ثم ولد لعيسى من ظهره أحدٌ وثلاثون ذكراً وعشرون أنثى .ومن رجالنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(علیه السلام، وهو عبد اللّه المحض، وأبوه الحسن بن الحسن، وأمه فاطمة بنت الحسين، وكان إذا قيل : مَنْ أجمل الناس؟ قالوا : عبد اللّه بن الحسن، فإذا قیل: مَنْ أکرم الناس؟ قالوا : عبد اللّه بن الحسن، فإذا قالوا : مَنْ أشرف الناس؟ قالوا : عبد اللّه بن الحسن .)ومن رجالنا أخوه الحسن بن الحسن، وعمّه زيد بن الحسن وبنوه محمد وإبراهيم وموسى ويحيى، أما محمد وإبراهيم فأمرهما مشهور، وفضلهما غيرُ مَجْحود، في الفقه والأدب والنُّسُك والشجاعة والسؤدد. وأما يحيى صاحبُ الدِّيلم فكان حَسَن المذهب والهدى، مقدماً في أهل بيته، بعيداً ممّا يُعاب على مثله، وقد روى الحديث وأكثر الرواية عن جعفر بن محمد، وَرَوى عن أكابر المحدّثين، وأوصى جعفر بن محمد إليه لما حضرته الوفاة وإلى ولده موسى بن جعفر . وأما موسى بن عبد الله بن الحسن، فكان شاباً نجيباً صبوراً شجاعاً سخياً شاعراً .ومن رجالنا الحسن المثلث، وهو الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(علیه السلام، كان متألهاً فاضلاً ورعاً، يذهب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مَذهَبَ أهله. وإبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (علیه السلام)، كان مقدماً في أهله، يقال: إنه أشبَهُ أهل زمانه برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله).)ومن رجالنا عيسى بن زيد، ويحيى بن زيد أخوه، وكانا أفضل أهل زمانهما شجاعة وزهداً وفقهاً ونُسكاً. ومن رجالنا يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زَيْد صاحب الدعوة. كان فقيهاً فاضلاً
شجاعاً فصيحاً شاعراً، ويقال : إن الناس ما أحبوا طالبيًا قط دَعا إلى نفسه حبهم يحيى، ولا رئي أحد منهم بمثل ما رئي به. قال أبو الفرج الأصفهاني : كان يحيى فارساً شجاعاً شديد البَدَن، مجتمع القلب، بعيداً عن زهو الشباب وما يُعابُ به مثله ،كان له عمود حديد ثقيل يصحبه في منزله، فإذا سَخط على عبد أو أمة من حَشمه لواه في عُنقه فلا يقدر أحدٌ أن يحلّه عنه حتى يحلّه هو . ومن رجالنا محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب (علیه السلام صاحب الطالقان، لقب بالصوفي لأنه لم يكن يلبس إلا الصوف الأبيض، وكان عالماً فقيهاً، ديناً زاهداً ،حسن المذهب يقول بالعدل والتوحيد. ومن رجالنا محمد بن علي بن صالح بن عبد الله بن موسى بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) . كان من فتيان آل أبي طالب وفتاكهم وشُجعانهم وظرفائهم وشُعَرائهم، وله شعر لطيف محفوظ . ومنهم أحمد بن عيسى بن زيد،كان فاضلاً عالماً مقدماً في عشيرته، معروفاً بالفضل، وقد روى الحديث ورُوي عنه . ومن رجالنا موسى بن جعفر بن محمد - وهو العبد الصالح - جَمَع من الفقه والدين والنسك والحلم والصبر وابنه علي بن موسى المرشح للخلافة، والمخطوب له بالعهد،كان أعلم الناس، وأسخَى الناس، وأكرم الناس أخلاقاً .)قالوا : وأما ما ذكرتم من أمر الشَّجَرة الملعونة، فإنّ المفسرين كلّهم قالوا ذلك ورَوَوْا فيه أخباراً كثيرة عن النبي (صلی اللّه علیه واله، ولستم قادرين على جَحْد ذلك، وقد عَرَفتم تأخّرَكم عن الإسلام وشدّة عداوتكم للرسول الدّاعي إليه، ومحاربتكم في بذر وأحد والخندق، وصَدَّكم الهذي عن البيت، وليس ذلك مما يوجب أن يعمكم اللعن حتى لا يغادر واحداً، فإن زعم ذلك زاعم فقد تعدَّى . وأما اختصاص محمد بن عليّ بالوصية والخلافة دون إخوته، فقد علمتم أن وراثة السيادة والمرتبة ليس من جنس وراثة الأموال، ألا ترى أن المرأة والصبي والمجنون يرثون الأموال ولا يرثون المراتب وسواءٌ في الأموال، كان الابن حارِضاً بائراً، أو بارعاً جامعاً . وقيل : وراثة المقام سبيلُ وراثة اللواء، دفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) لواء بني عبد الدار إلى مصعب بن عمير، ودفع عمر بن الخطاب لواء بني تميم إلى وكيع بن بشر، ثم دفعه إلى الأحنف الان حين لم يوجد في بني زرارة مَنْ يستحق وراثة اللواء، فإن كان الأمر بالسن فإنما كان بين محمد بن عليّ وأبيه عليّ وأبيه عليّ بن عبد الله أربع عشرة سنة، كان عليّ يخضب بالسواد، ومحمد)
يخضب بالحمرة، فكان القادم يقدم عليهما، والزائر يأتيهما، فيظُنّ أكثرهم أنّ محمداً هو عليّ، وأن علياً هو محمد ،حتى ربما قيل لعلي :كيف أصبح الشيخ من علته؟ ومتى رَجَعَ الشيخ إلى منزله؟ وأخرى أن أمه كانت العالية بنت عبد اللّه بن العباس، فقد ولده العباس مرتين، وولده جواد بني العباس، كما والده خيرهم وخبرهم ، ولم يكن لأحد من إخوته مثل ذلك. وكان بعض ولدِ محمد أسَنّ من عامة ولد علي، ووُلِدَ محمد المهدي بن عبد اللّه بن المنصور والعباس بن محمد بن علي في عام واحد، وكذلك محمد بن سليمان بن علي، ولم يكن لأحد من ولد علي بن عبد اللّه بن العبّاس - وإن كانوا فُضَلاء نجباء كُرَماء نبلاء - مثل عقله ولا كجماله، كان إذا دخل المدينة ومكة جلس الناسُ على أبواب دورهم والنساء على سطوحهن للنظر إليه، والتعجب من كماله وبهائه، وقد قاتل إخوته أعداءه في دفع الملك إلى ولده غير مكرهين ولا ،مجبرين على أن محمداً إنما أخذ الأمر عن أساس مؤسس، وقاعدة مقررة ووصية انتقلت إليه من أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، وأخذها أبو هاشم عن أبيه محمد، وأخذها محمد عن علي بن أبي طالب أبيه . قالوا : لما سمّت بنو أمية أبا هاشم مَرِض فخرج من الشام وقيذاً يؤم المدينة، فمرّ بالحميمةوقد أشفى، فاستدعى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فدفع الوصيّة إليه، وعرّفه ما يصنع وأخبره بما سيكون من الأمر، وقال له : إني لم أدفعها إليك من تلقاء نفسي، ولكن أبي أخبرني عن أبيه عليّ بن أبي طالب (علیه السلام بذلك، وأمرني به، وأعلمني بلقائي إياك في هذا المكان، ثم مات فتولّى محمّد بن علي تجهيزه ودَفَنَه وبثّ الدُّعاةَ حينئذ في طلب الأمر، وهو الذي قال لرجال الدّعوة، والقائمين بأمر الدّولة، حين اختارهم للتوجه، وانتخبهم للدعاء، وحين قال بعضهم : نَدْعو بالكوفة، وقال بعضهم بالبصرة. وقال بعضهم بالجزيرة. وقال بعضهم بالشام. وقال بعضهم : بمكة وقال بعضهم بالمدينة. واحتج كلُّ إنسان لرأيه، واعتل لقوله . فقال :محمد : أما الكوفة وسوادها فشيعة علي وولده، وأمّا البَصْرة فعُثمانية تدين بالكفت، وقَبِيلُ عبد اللّه المَقْتول يَدِينون بجميع الفرق، ولا يُعِينون أحداً، وأما الجزيرة فحرورية مارقة، والخارجيّة فيهم فاشية وأعراب كأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى، وأما الشام فلا يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان وعداوة راسخةً وجهلاً متراكماً، وأمَّا مَكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعُمَر ، وليس يتحرك معنا في أمرنا هذا منهم أحد، ولا يقوم بنَصْرنا إلا شيعتنا أهل البيت، ولكن عليكم بخُراسان، فإنَّ هناك العدد الكثير، والجلد الظاهر، وصُدوراً سليمة وقلوباً مجتمعة لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزّعها النحل، ولم تشغلها ديانة، ولا هدم فيها فساد، وليس لهم اليوم همم العَرَب، ولا فيهم تجارب كتجارب الأتباع مع السادات، ولا تَحالُف كتخالف القبائل، ولا عَصَبيّة كعصبية العشائر، وما زالوا ينالون)
ويمتهنون، ويُظلمون فيَكْظِمون، ويَنْتِظرون الفرج، ويؤملون دولة، وهم جند لهم أبدان وأجسام ، ومَناكِبُ وكواهل، وهامات ولحى، وشوارب وأصوات هائلة، ولغات فخمة، تخرج من أجواف منكرة. وبعد، فكأني أتفاءل جانب المشرق فإنّ مطلع الشمس سراج الدنيا، ومصباح هذا الخَلْق فجاء الأمرُ كما دبّر، وكما ،قدر، فإن كان الرأي الذي رأى صواباً فقد وافق الرشاد، وطبق المِفْصَل، وإن كان ذلك عن رواية متقدّمة، فلم يتلق ذلك الرواية إلّا عن نبوة.قالوا : وأما قولكم : إنَّ منا رجلاً مَكَثَ أربعين سنة أميراً وخليفة، فإنَّ الإمارة لا تعدّ فخراً مع الخلافة، ولا تُضَمّ إليها، ونحن نقول : إن منا رجلاً مكث سبعاً وأربعين سنة خليفة، وهو أحمد الناصر بن الحسن المستضيء، ومنا رجل مكث خمساً وأربعين سنة خليفة، وهو عبد اللّه القائم ومكث أبوه أحمد القادر ثلاثاً وأربعين سنة خليفة، فملكهما أكثر من ملك بني أمية كلهم، وهم أربعة عشر خليفة. ويقول الطالبيون : منا رجل مكث ستين سنة خليفة، وهو معد بن الظاهر صاحب مصر، وهذه مُدّة لم يبلغها خليفة ولا مَلِك من مُلوك العَرَب في قديم الدَّهْر ولا في حَدِيثه . وقلتم لنا : عاتكة بنت يزيد يكتنفها خمسةٌ من الخُلفاء، ونحن نقول : لنا زُبَيْدة بنتُ جَعْفر يكتنفها ثمانية من الخلفاء، جدّها المنصور خليفة، وعم أبيها السفّاح خليفة وعمها المهدي خليفة، وأبن عمها الهادي خليفة، وبعلها الرشيد خليفة، وابنها الأمين خليفة، وابنا بعلها المأمون والمعتصم خليفتان .قالوا : وأما ما ذكرتموه من الأعياص والعّنابس فلسنا نُصدّقكم فيما زَعَمْتُموه أصلاً بهذه التّسيمة، وإنما سُمّوا الأعياص لمكان العيص وأبي العيص والعاص وأبي العاص، وهذه أسماؤهم الأعلام ليست مشتقّة من أفعال لهم كريمة ولا خسيسة. وأما العنابس، فإنّما سُمّوا بذلك لأنّ حَرْب بن أمية كان اسمُه عَنْبَسة، وأما حَرْبٌ فَلَقبه، ذكر ذلك النسابون، ولما كان حَرْب أمثَلَهم سَمَّوْا جماعتهم باسمه، فقيل : العنابس، كما يقال : المهالبة والمناذرة، ولهذا المعنى سُمِّيَ أبو سفيان بن حَرْب ابن عَنبسة، وسُمِّي سَعِيدُ بن العاص ابن عَنبسة تم الجزء الخامس عشر من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ويليه الجزء السادس عشر
## شرح نهج البلاغة الجزء السادس عشر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدلالأصل: وَقَدْ كَانَ مِنَ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبُوا عَنْهُ، فَعَفَوْت عَنْ مُجْرِمِكُمْ ، وَرَفَعْتُ السَّيْفِ عَنْ مُدْبِرِكُمْ، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ، فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ المُرْدِيَةُ، وَسَفَهُ الآرَاءِ الْجَائِرَةِ، إِلَى مُنَا بَدَتِي وَخِلافِي، فِهَانَذَا قَدْ قَرَّبْتُ عِبَادِي، وَرَحَلْتُ رِكابي. وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأ وقِعَنْ بِكُمْ وَقْعَةً لا يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَمْقَةِ لا عِي، مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ، وَلِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ، غَيْرَ مُتَجَاوِرٍ مُنَّهما إِلَى بَرِيِّ، وَلَا نَاكِثاً إِلَى وَفِي .الشرح: ما لم تغبوا عنه، أي: لم تسهوا عنه ولم تغفلوا ، يقال : غبيتُ عن الشيء أغبى غباوة، إذا لم يفطن، وغبي الشيء علي كذلك إذا لم تعرفه وفلان غبي على «فعيل، أي قليل الفطنة، وقد تَغَابي، أي تغافل، يقول لهم : قد كان من خروجكم يوم الجمل عن الطاعة، ونشركم حبل الجماعة، وشقاقكم لي ما لستم أغبياء عنه، فغفرت ورفعت السيف، وقبلت التوبة والإنابة. والمدبر هاهنا: الهارب ،والمقبل: الذي لم يفرّ ، لكن جاءنا فاعتذر وتنصّل . ثم قال : فإن خطت بكم الأمور، خطا فلان خُطّوة يخطّو، وهو مقدار ما بين القدّمين، فهذا لازم، فإن عدّيته، قلت: أخطيت بفلان ،وخطوت ،به وها هنا قد عدّاه بالباء.)والمردية المهلكة ،والجائرة : العادلة عن الصواب. والمنابذة، مفاعلة، من نبذتُ إليه عهدّه أي : ألقيته وعدلت عن السلم إلى الحرب، أو من نبذت زيداً، أي اطرحته ولم أحفل به. قوله : «قربت جيادي»، أي أمرت بتقريب خيلي إلي لأركب وأسير إليكم. ورحلت ركابي الرّكاب الإبل، ورحلتها:شددت على ظهورها الرَّحل ، قال :رَحَلَتْ سُمَيّة عُدوَةً أَجْمَالَها *** غَضبي عَلَيْكَ فما تَقُولُ بَدا لها كلعقة لاعق ،مثل يضرب للشيء الحقير الثّافه، ويروى بضم اللام، وهي ما تأخذه الملعقة .
ثم عاد فقال مازجاً الخشونة باللين : مع أني عارف فضل ذي الطاعة منكم، وحقّ ذي النصيحة، ولو عاقبت لما عاقبت البريء بالسقيم ،ولا أخذت الوفي بالناكث. خطب زياد بالبصرة الخطبة الغرّاء المشهورة، وقال فيها : واللّه لآخذن البريء بالسقيم والبرّ باللّئيم، والوالد بالولد، والجار بالجار، أو تستقيم إلي قناتكم. فقام أبو بلال مرداس بن أدية يهمس ،وهو حينئذ شيخ كبير، فقال: أيها الأمير، أنبأنا اللّه بخلاف ما قلت، وحكم بغير ما حكمت، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (1)، فقال زياد يا أبا بلال، إني لم أجهل ما علمت، ولكنا لا نخلُص إلى الحق منكم حتى نخوض إليه الباطل خوضاً . وفي رواية الرياشي:« لآخذن الوليّ بالوليّ»، والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والصحيح بالسقيم، حتى يلقى الرّجل منكم أخاه فيقول : انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم .)## ومن كتاب له اللّه إلى معاويةالأصل: فَاتَّقِ اللّه فِيمَا لَدَيْكَ، وَانْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ، وَارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لا تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ ، فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلاماً وَاضِحَةٌ، وَسُبُلاً نَيِّرَةٌ، وَمَحَجَّةً نَهْجَةٌ، وَغَايَةٌ مُطَلَبَةٌ ، يَرِدُهَا الأَكْبَاسُ، وَيُخَالِفُها الْأَنْكَاسُ، مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَنِ الْحَقِّ، وَخَبط في النّيهِ، وَغَيْرَ اللّه نِعْمَتَهُ، وَأَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ. فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ! فَقَدْ بَيْنَ اللّه لَكَ سَبِيلَكَ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى هايَةِ خُسْرٍ ، وَمَحَلَّةِ كُفْرِ، فَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرًا ، وَأَقْحَمَتْكَ غَيَّا، وَأَوْرَدَتْكَ المَهَالِك، وَأَوْعَرَتْ عَلَيْكَ المَسَالِكَ.الشرح قوله :«وغاية مطلبة»،أي مساعفة لطالبها بما يطلبه، تقول: طلب فلان مِنّي كذا فأطلبته، أي أسعفت به. قال الراوندي مطلّبة بمعنى متطلّبة، يقال: طلبت كذا وتطلّبته، وهذا ليس بشيء، ويخرج الكلام عن أن يكون له معنى. والأكياس العقلاء، والأنكاس جمع نكس، وهو الدنيء من الرجال، ونكب عنها :عدل
1) سورة الأنعام، الآية: 164
قوله : «وحيث تناهت بك أمورك»، الأولى ألا يكون هذا معطوفاً ولا متصلاً بقوله : فقد بين اللّه لك سبيلك، بل يكون كقولهم لمن يأمرونه بالوقوف حيث أنت، أي قف حيث أنت فلا يذكرون الفعل، ومثله قولهم مكانك أي قف مكانك.قوله :«فقد أجريت» ، يقال : فلان قد أجرى بكلامه إلى كذا أي الغاية التي يقصدها هي كذا، مأخوذ من إجراء الخيل للمسابقة، وكذلك قد أجرى بفعله إلى كذا، أي انتهى به إلى كذا. ويروى : قد أوحلتك شراء أو أورطتك في الوحل ، والغَيّ ضدُّ الرشاد. وأقحمتك غيا : جعلتك مقتحماً له. وأوعرت عليك المسالك: جعلتها وغرة.وأوّل هذا الكتاب أمّا بعد فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي، وتستقبح موازرتي وتزعمني متحيراً وعن الحق ،مقصّراً، فسبحان اللّه ،كيف تستجيز الغيبة، وتستحسن العضيهة ! إني لم أشاغب إلا في أمر بمعروف ،أو نهي عن منكر، ولم أتجبّر إلا على باغ مارق، أو ملحد منافق، ولم آخذ في ذلك إلا بقول اللّه سبحانه: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ من حادِ الَلَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا وَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ (1)، وأما التقصير في حق اللّه تعالى فمعاذ اللّه ! وإنّما المقصّر في حقّ اللّه جل ثناؤه مَنْ عطّل الحقوق المؤكّدة، وركن إلى الأهواء المبتدعة ،وأخلد إلى الضلالة المحيّرة، ومن العجب أن تصف يا معاوية الإحسان ،وتخالف البرهان، وتنكث الوثائق التي هي اللّه عزّ وجلّ طلبة، وعلى عباده حجّة، مع نبذ الإسلام، وتضييع الأحكام، وطمس الأعلام ،والجري في الهوى، والتهوّس في الرّدى، فاتق اللّه فيما لديك، وانظر في حقّه عليك الفصل المذكور في الكتاب.)وفي الخطبة زيادات يسيرة لم يذكرها الرضي رحمه اللّه منها : وإنّ للناس جماعة يد اللّه عليها، وغضب اللّه على مَنْ خالفها، فنفسَك نفسَك قبل حلول رمسك، فإنك إلى اللّه راجع، وإلى حشره مُهْطِع وسيبهظك كربه ، ويحلّ بك عمّه، في يوم لا يغني النادم ندمه، ولا يُقبل من المعتذر عُذرُهُ ، «يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلى عَن مَوْلَى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُورنَ» (2)## ومن وصيته اللام للحسن اللّه كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفينالأصل: مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ الْمُدْبِرِ الْعُمْرِ الْمُسْتَسْلِم لِلدَّهْرِ الدّامّ لِلدُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى الظَّاهِنِ عَنْهَا غَداً .
إلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّل ما لا يُدْرِكُ السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، غَرَضِ الْأَسْقَامِ، وَرَهِينَةِ الْأَيَّامِ، وَرَمِيَّةِ المَصَالِبِ وَعَبْدِ الدُّنْيَا، وَتَاجِرِ الْغُرُورِ، وَفَرِيم المَنَايَا ، وَأَسِيرِ الْمَوْتِ، وَحَلِيفِ الْهُمُومِ،وَقَرِينَ الْأَحْزَانِ، وَنُصُبِ الْآفَاتِ، وَصَرِيحِ الشَّهَوَاتِ، وَخَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ.الشرح: قال الزبير بن بكار في كتاب «أنساب قريش» (1: ولد الحسن بنعلي(علیهالسلام) النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وسماه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حسناً، وتوفي لليال من شهر ربيع الأول سنة خمسين .)قال : والمروي أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله سمّى حسناً وحسيناً رضي اللّه عنهما يوم سابعهما (2)واشتق اسم حسين من اسم حسن. (3)قال : وروی جعفر بن محمد(علیه السلام) أن فاطمة(سلام اللّه علیها) حلقت حسناً وحسيناً يوم سابعهما ووزنت شعرهما فتصدقت بوزنه فضة (4)قال الزبير : وروت زينب بنت أبي رافع، قالت: أتت فاطمة (سلام اللّه علیها) بابنيها إلى لا رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) في شكوه الذي توفي فيه، فقالت : يا رسول اللّه، هذان ابناك، فورتهما شيئاً، فقال: «أما حسن فإن له هيبتي وسُؤدَدِي، وأما حسين فإن له جراءتي ووجودي» (5). وروى محمد بن حبيب في أماليه أنّ الحسن(علیه السلام) حجّ خمس عشرة حجة ماشياً تُقاد الجنائب معه، وخرج من ماله مرّتين وقاسم اللّه عزّ وجلّ ثلاث مرات مالّه ،حتى أنه كان يعطي نعلاً ويُمسك نعلاً، ويعطِي خُفا، ويمسك خُفَّا .(6)وروى أبوجعفر محمد بن حبيب أيضاً أن الحسن (علیه السلام) أعطى شاعراً، فقال له رجل من)
1) أنساب قريش : لأبي عبد الله زبير بن بكار القرشي المتوفى سنة ( 256ه-)،كشف الظنون» .(179)
2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى) (304/9) ، وعبد الرزاق في المصنف» (7979).
3) أخرجه أحمد بن عبد الله الطبري في ذخائر العقبى : 119 .
4) أخرجه أحمد بن عبد الله الطبري في ذخائر العقبى : 119 .
5) أخرجه الطبراني في (الكبير) (1041) ، والهيثمي في مجمع الزوائد) (185/9) .
6) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 257/43 ، رقم : 35
جلسائه : سبحان اللّه ! أتعطي شاعراً يعصي الرحمن، ويقول البهتان! فقال : يا عبد اللّه، إنّ خیرما بذلت من مالك ما وقّيت به عِرْضَك، وإنّ من ابتغاء الخير اتقاء الشّر (1وروى أبو جعفر قال: قال ابن عباس رحمه اللّه : أوّل ذُلّ دخل عَلَى العرب موتُ الحسن (علیه السلام). (2)وروى أبو الحسن المدائني ، قال : سُقي الحسن (علیه السلام) السمّ أربع مرات، فقال : لقد سقيته مراراً فما شقّ علي مثل مشقته هذه المرّة. فقال له الحسين (علیه السلام) : أخبرني مَنْ سقاك ؟ قال : لتقتلَه ؟ قال : نعم، قال : ما أنا بمخبرك ،إن يكن صاحبي الذي أظنّ فاللّه أشدّ نقمة، وإلا فما أحب أن يُقتل بي بريء (3))وروى أبو الحسن، قال : قال معاوية لابن عبّاس ،ولقيه بمكّة: يا عجباً من وفاة الحسن! شرب علّة بماء ،رومة، فقضى نحبه، فوَجَم ابن عبّاس، فقال معاوية : لا يحزنك ولا يسوءك، فقال : لا يسوءني ما أبقاك اللّه ! فأمر له بمائة ألف درهم.وروى أبو الحسن قال : أوّلُ من نَعى الحسن(علی السلام بالبصرة عبد اللّه بن سلمة، نعاء لزياد، فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي، فنعاء، فبكى الناس - وأبو بكرة يومئذ مريض، فسمع الضّجّة، فقال: ما هذا؟ فقالت امرأته ميسة بنت سخام الثقفيّة : مات الحسن بن علي، فالحمد للّه الذي أراح الناس منه! فقال : اسكتي ويحك! فقد أراحه اللّه من شرّكثير، وفقد الناسُ بموته خيراً كثيراً ، يرحم اللّه حسناً (4)! قال أبو الحسن المدائني : وكانت وفاته في سنة تسع وأربعين ،وكان مرضه أربعين يوماً، وكانت سنّه سبعاً وأربعين سنة، دس إليه معاوية سما على يد جَعْدة بنت الأشعث بن قيس زوجة الحسن، وقال لها : إن قتلته بالسّم فلك مائة ألف ،وأزوجك يزيد ابني. فلما مات وفّى لها بالمال، ولم يزوّجها من يزيد، قال : أخشى أن تصنع بابني كما صنعت با بن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله). وروى أبو جعفر محمد بن حبيب عن المسيّب بن نجبَة، قال سمعت أمير المؤمنين(علیه السلام) ، يقول: أنا أحدثكم عني وعن أهل بيتي، أما عبد اللّه ابن أخي فصاحب لهو وسَماح، وأمّا الحسنُ فصاحب جَفْنة وخوان ،فتى من فتيان قريش ولو قد التقت حَلْقتا البطان لم يُغن عنكم شيئاً في الحرب، وأما أنا وحسين فنحن منكم وأنتم منا .)
قال أبو جعفر وروى ابن عباس قال: دخل الحسن بن علي (علیه السلامعلى معاوية بعد عام الجماعة وهو جالس في مجلس ضيق، فجلس عند رجليه، فتحدّث معاوية بما شاء أن يتحدّث، ثم قال: عجباً لعائشة تزعم أنّي في غير ما أنا أهله وأنّ الذي أصبحت فيه ليس لي بحقّ، ما لها ولهذا يغفر اللّه لها، إنما كان ينازعني في هذا الأمر أبو هذا الجالس، وقد استأثر اللّه به، فقال الحسن: أو عجب ذلك يا معاوية قال : إي واللّه ،قال : أفلا أخبرك بما هو أعجب من هذا؟ قال: ما هو ؟ قال : جلوسك في صدر المجلس وأنا عند رجليك، فضحك معاوية، وقال : يا بن أخي، بلغني أنّ عليك ديناً ، قال : إن لعلي ديناً ، قال : كم هو ؟ قال : مائة ألف فقال : قد أمرنا لك بثلاثمائة ألف مائة منها لدينك، ومائة تقسمها في أهل بيتك، ومائة لخاصة نفسك فقم مكرّماً ، واقبض صلتك. فلما خرج الحسن (علیه السلام)، قال يزيد بن معاوية لأبيه : تاللّه ما رأيتُ رجلاً استقبلك بما استقبلك به، ثم أمرت له بثلاثمائة ألف! قال: يا بني، إن الحقّ حقهّم، فمن أتاك منهم فاحْتُ له .(1). وروى أبو جعفر محمد بن حبيب قال : قال علي (علیه السلام): لقد تزوّج الحسن وطلّق حتى خفتُ أن يثيرعداوة قال أبو جعفر:كان الحسنُ إذا أراد أن يطلب امرأةً جلس إليها ، فقال : أيسرّك أن أهب لك كذا وكذا ؟ فتقول له ما شئت أو نعم فيقول: هو لك ، فإذا قام أرسل إليها بالطلاق، وبما سَمَّى لها .)وروي أبو الحسن المدائني ، قال : تزوّج الحسن بن علي (علیه السلام هنداً بنت سهيل بن عمرو - وكانت عند عبد اللّه بن عامر بن كُرَيز، فطلّقها - فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد بن معاوية، فلقيه الحسن(علیهالسلام)، فقال : أين تريد ؟ قال : أخطب هنداً بنت سهيل بن عمرو على يزيد بن معاوية، قال الحسن (علیه السلام): فاذكرني لها، فأتاها أبو هريرة، فأخبرها الخبر، فقالت :اختر لي، فقال : أختار لك الحسن، فتزوّجته، فقدم عبد اللّه بن عامر المدينة فقال للحسن : إن لي عند هند وديعة، فدخل إليها والحسن معه، فخرجت حتى جلست بيت يدي عبد اللّه بن عامر، فرّق لها رِقّة عظيمة، فقال الحسن : ألا أنزل لك عنها ؟ فلا أراك تجد محلّلاً خيراً لكما مني ! قال : لا ، ثم قال لها : وديعتي، فأخرجت سَفَطين (2)فيهما جوهر، ففتحهما وأخذ من أحدهما قبضة وترك الآخر عليها وكانت قبل ابن عامر عند عبد الرحمن بن عتّاب بن أسد، فكانت تقول : سيّدهم جميعاً الحسن ، وأسخاهم ابن عامر ، وأحبهم إلي عبد الرحمن بن عتاب.)
وروى أبو الحسن المدائني ، قال : تزوّج الحسن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، وكان المنذر بن الزبير يهواها، فأبلغ الحسن عنها شيئاً فطلّقها ، فخطبها المنذر، فأبت أن تتزوجه، وقالت : شهّر بي ! فخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب ،فتزوّجها، فأبلغه المنذر عنها شيئاً فطلقها، فخطبها المنذر، فقيل لها ،تزوجيه فقالت لا واللّه ما أفعل، وقد فعل بي ما قد فعل ،مرّتين لا واللّه لا يراني في منزله أبداً . وروى المدائني ، عن جويرية بن أسماء ، قال : لما مات الحسن (علیه السلام، أخرجوا جنازته، فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسين(علیه السلام) : تحمل اليوم جنازته وكنت بالأمس تجرعه الغيظ ؟ قال مروان : نعم، كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال.)وروي المدائني عن يحيى بن زكريا، عن هشام بن عروة، قال: قال الحسن عند وفاته : ادفنوني عند قبر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، إلا أن تخافوا أن يكون في ذلك شر، فلما أرادوا دفنه، قال مروان بن الحكم، لا يدفن عثمان في حَش كوكب ،ويدفن الحسن هاهنا، فاجتمع بنو هاشم وبنو أميّة، وأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاؤوا بالسّلاح ، فقال أبو هريرة لمروان : أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع، وقد سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (1)! قال مروان : دعنا منك، لقد ضاع حديث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إذ كان لا يحفظه غيرك وغير أبي سعيد الخدري! وإنما أسلمت أيام خيبر قال أبو هريرة: صدقت ،أسلمت أيام خيبر، ولكنّني لزمت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولم أكن أفارقه، وكنت أسأله، وعُنيت بذلك حتى علمت مَنْ أحبّ ومَنْ أبغض ومَن قرب ومَن أبعد، ومن أقرّ ومَن نفى، ومَنْ لعن ومَنْ دعا له، فلما رأت عائشة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشرّ بينهم، وتسفك الدماء، قالت البيت بيتي، ولا آذن لأحد أن يُدفن فيه، وأبى الحسين (علیه السلام) أن يدفنه إلا مع جدّه، فقال له محمد بن الحنفية : يا أخي إنه لو أوصى أن ندفنه لدفناه أو نموت قبل ذلك، ولكنه قد استثنی، وقال: «إلا أن تخافوا الشرّ»، فأي شرّ يرى أشدّ مما نحن فيه فدفنوه في البقيع.(2)قال أبو الحسن المدائني : وصل نعي الحسن(علیه السلام) إلى البصرة في يومين وليلتين، فقال الجارود بن أبي سبرة :)إذا كان شر سار يوماً وليلة *** وإن كان خير آخر السَّيْر أربعا
إذا ما بَرِيد الشر أقبل نحونا *** بإحدى الدواهي الرُّبْد (1سارَ وأَسْرَعا.)وروى أبو الحسن المدائني ، قال : خرج على معاوية قوم من الخوارج بعد دخوله الكوفة وصلح الحسن (علیه السلام له فأرسل معاوية إلى الحسن(علیه السلام) يسأله أن يخرج فيقاتل الخوارج، فقال الحسن : سبحان اللّه ! تركتُ قتالك وهو لي حلال لصلاح الأمة وألفتهم، أفتراني أقاتل معك ! فخطب معاوية أهل الكوفة ، فقال : يا أهل الكوفة ، أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمتُ أنكم تصلون وتزكون وتحجون ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد أتاني اللّه ذلك وأنتم كارهون، ألا إنّ كلَّ مالٍ أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلولّ، وكلّ شرط شرطته فتحت قدّمي هاتين، ولا يُصلح النّاسَ إلا ثلاث: إخراج العطاء عند محلّه، وإقفال الجنود لوقتها ، وغَزو العدوّ في داره، فإنّهم إن لم تغزوهم غَزَوْكم . ثم نزل (2))قال المدائني : فقال المسيب بن نَجبَة للحسن(علیه السلام : ما ينقضي عجبي منك ! بايعت معاوية ومعك أربعون ألفاً، ولم تأخذ لنفسك وثيقة وعقداً ظاهراً، أعطاك أمراً فيما بينك وبينه، ثم قال ما قد سمعت واللّه ما أراد بها غيرك قال : فما ترى؟ قال: أرى أن ترجع إلى ما كنت عليه، فقد نقض ما كان بينه وبينك. فقال يا مسيّب، إني لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبرَ عند اللّقاء، ولا أثبت عند الحرب منّي ، ولكني أردت صلاحكم، وكفّ بعضكم عن ،بعض فارضوا بقدر اللّه وقضائه، حتى يستريح بَرّ، أو يُستراح من فاجر .)قال المدائني ودخل عُبيدة بن عمرو الكندي على الحسن(علیه السلام - وكان ضُرِب على وجهه ضربة وهو مع قيس بن سعد بن عبادة - فقال : ما الذي أرى بوجهك ؟ قال : أصابني مع قيس. فالتفت حُجر بن عدي إلى الحسن فقال : لوددت أنك كنتَ مِتّ قبل هذا اليوم، ولم يكن ما كان إنا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبّوا. فتغيّر وجه الحسن، وغمز الحسين (علیه السلام)حُجْراً، فسكت فقال الحسن(علیه السلام): ياحجرُ ، ليس كل الناس يحبّ ولا رأيه كرأيك، وما فعلت إلا إبقاء عليك، واللّه كل يوم في شأن.)قال المدائني : ودخل عليه سفيان بن أبي ليلى النهدي، فقال له:السّلام عليك يا مذلَّ المؤمنين! فقال الحسن : اجلس يرحمك اللّه إنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله رفع له مُلك بني أمية، فنظر إليهم يعلون منبره واحداً فواحداً، فشق ذلك عليه فأنزل اللّه تعالى في ذلك قرآناً قال له : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّ يَا التِي أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءان) .(3)وسمعت علياً أبي رحمه اللّه.)
يقول : سيلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم، كبير البطن، فسألته : من هو ؟ فقال : معاوية. وقال لي: إن القرآن قد نطق بملك بني أمية ومدّتهم، قال تعالى:« لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهرِ»(1، قال أبي : هذه ملك بني أمية .قال المدائني : فلما كان عام الصلح، أقام الحسن(علیه السلام) بالكوفة أياماً ، ثم تجهز للشخوص إلى المدينة، فدخل عليه المسيّب بن نجبَةَ الفَزارِيّ وظبيان بن عُمارة التيمي ليودّعاء، فقال الحسن : الحمد للّه الغالب على أمره ، لو أجمع الخلق جميعاً على ألا يكون ما هو كائن ما استطاعوا. فقال أخوه الحسين(علیه السلام): لقد كنت كارهاً لما كان طيب النفس على سبيل أبي حتى عزم عليّ أخي ،فاطعته، وكأنما يجد أنفي بالمواسي، فقال المسيّب: إنّه واللّه ما يكبر علينا هذا الأمر إلا أن تُضاموا وتنتقصوا، فأما نحن ،فإنهم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه، فقال الحسين: يا مسيّب نحن نعلم أنك تحبّنا فقال الحسن(علیه السلام):سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يقول: «من أحب قوماً كان معهم» (2)، فعرض له المسيّب وظبيان بالرجوع، فقال: ليس لي إلى ذلك سبيل، فلما كان من غدٍ خرج، فلمّا صار بدير هند نظر إلى الكوفة، وقال:)وَلا عَنْ قِلى فارقتُ دار معاشري *** هم المانعون حوزتي وذماري (3ثم سار إلى المدينة. قال المدائني: فقال معاوية يومئذ للوليد بن عُقبة بن أبي معيط بعد شخوص الحسن(علیه السلام) يا أبا ،وهب هل رمت؟ قال: نعم، وسموت . قال المدائني : أراد معاوية قول الوليد بن عقبة يحرّضه على الطلب بدم عثمان :)الا أبلغ مُعاوية بن حرب *** فإنّك من أخي ثقة مليمقطعت الدهر كالسّلم المعنى *** تهدرُ في دمشق ولا تريمُفلوكنت القتيل وكان حيّا *** لشمّر لا ألف ولا سؤوموإنّك والكتاب إلى علي *** كدابغة وقد حَلم الأديمُوروى المدائني، عن إبراهيم بن محمد، عن زيد بن أسلم، قال: دخل رجل على
1) سورة القدر، الآية : 3 .
2) أخرجه الحاكم في (المستدرك ) (4294) ، بلفظ : «حشر معهم وللحاكم (8161) بلفظ : «ولا يحب رجلاً قوماً إلا كان معهم ، والطبراني (2519) ، بلفظ : حشره الله في زمرتهم
3) ذمار الرجل كل ما يلزمه حفظه وحياطته وحمايته والدفع عنه، وإن ضيعه لزمه اللوم، وقال أبو :عمرو : الذمار الحَرَمَ والأهل والذمارة الحوزة والجشم . اللسان، مادة (ذمر )
الحسن (علیه السلام بالمدينة، وفي يده صحيفة، فقال له الرجل: ما هذا؟ قال: هذا كتاب معاوية، يتوعد فيه على أمركذا، فقال الرجل: لقد كنت على النصف، فما فعلت؟ فقال له الحسن(علیه السلام): أجل ، ولكنّي خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً أو ثمانون ألفاً، تشخب أوداجهم ،دماً ، كلّهم يستعدي اللّه فيم هريق دمه ! قال أبو الحسن وكان الحصين بن المنذر الرقاشي يقول : واللّه ما وفى معاوية للحسن بشيء ممّا أعطاه، قتل حُجْراً وأصحابَ حُجر، وبايع لابنه يزيد، وسم الحسن . قال المدائني : وروى أبو الطفيل ، قال : قال الحسن(علیه السلام) المولى له : أتعرف معاوية بن خدیج؟ قال : نعم قال : إذا رأيته فأعلمني، فرآه خارجاً من دار عمرو بن حريث، فقال: هو هذا فدعاه، فقال له : أنت الشّاتم عليّاً عند ابن آكلة الأكباد أما واللّه لئن وردت الحوض ولن ترده لترينه مشمراً عن ساقيه ،حاسراً عن ذراعيه، يذود عنه المنافقون.)قال أبو الحسن : وروى هذا الخبر أيضاً قيس بن الربيع، عن بدر بن الخليل،عن مولى الحسن (علیه السلام .قال أبو الحسن وحدثنا سليمان بن أيوب ،عن الأسود بن قيس العبدي، أن الحسن (علیه السلام) لقي يوماً حبيب بن مسلمة فقال له : يا حبيب، ربّ مسير لك في غير طاعة اللّه افقال: أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك، قال: بلى واللّه ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة، فلئن قام بك في دنياك، لقد قعد بك في آخرتك، ولو كنت إذ فعلت شراً قلت خيراً، كان ذلك، كما قال عزّ وجلّ: (خَلَطُوا عَمَلًا صَلِحًا َوعَاخَرَ سَيْئًا) (1)، ولكنّك كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَا قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (2)قال أبو الحسن : طلب زياد رجلاً من أصحاب الحسن، ممن كان في كتاب الأمان، فكتب إليه الحسن : من الحسن بن علي إلى زياد، أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا من الأمان لأصحابنا، وقد ذكر لي فلان أنك تعرّضت له، فأحب ألا تعرض له إلا بخير. والسلام. فلما أتاه الكتاب، وذلك بعد ادّعاء معاوية إياه غضب حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان، فكتب إليه. من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن، أما بعد، فإنه أتاني كتابك في فاسق تؤويه الفساق من)
شيعتك وشيعة أبيك وايم اللّه لأطلبنه بين جلدك ولحمك، وإن أحبّ الناس إلي لحماً أن أكلّه للحم أنت منه والسلام . فلما قرأ الحسن(علیه السلام الكتاب بعث به إلى معاوية، فلما قرأه غضب وكتب: من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد. أما بعد فإن لك رأيين ،رأي من أبي سفيان ورأي من سُميّة، فأما رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم، وأمّا رأيك من سُميّة فما يكون من مثلها . إن الحسن بن علي (علیه السلام)كتب إلي بأنك عرضت لصاحبه، فلا تعرض له، فإني لم أجعل لك عليه سبيلاً، وإن الحسن ليس ممّن يرمَى به الرَّجوان (1)، والعجب من كتابك إليه لا تنسبه إلى أبيه أو إلى أمه، فالآن حين اخترت له، والسلام.)قلت:جرى في مجلس بعض الأكابر وأنا حاضر القول في أن علياً (علیه السلام شرف بفاطمة (سلام اللّه علیها) فقال إنسان كان حاضراً المجلس : بل فاطمة(سلام اللّه علیها) شرفت به وخاض الحاضرون في ذلك بعد إنكارهم تلك اللفظة، وسألني صاحب المجلس أن أذكر ما عندي في المعنى وأن أوضح: أيّما أفضلُ:عليّ أم فاطمة؟ فقلت: أما أيهما أفضل، فإن أريد بالأفضل الأجمع للمناقب التي تتفاضل بها الناس نحو العلم والشجاعة ونحو ذلك، فعلي أفضل، وإن أريد بالأفضل الأرفع منزلةٌ عند اللّه، فالذي استقرّ عليه رأي المتأخرين من أصحابنا، أن علياً أرفع المسلمين كافة عند اللّه تعالى بعد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من الذكور والإناث، وفاطمة امرأة من المسلمين، وإن كانت سيدة نساء العالمين ويدلّ على ذلك أنه قد ثبت أنه أحب الخلق إلى اللّه تعالى بحديث الطائر، وفاطمة من الخلق، وأحب الخلق إليه سبحانه أعظمهم ثواباً يوم القيامة، على ما فسره المحققون من أهل الكلام وإن أريد بالأفضل الأشرف نسباً، ففاطمة أفضل لأنّ أباها سيد ولد آدم من الأولين والآخرين، فليس في آباء علي(علیه السلام) مثله ولا مقارنة، وإن أريد بالأفضل مَنْ كان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أشدّ عليه حُنُوّاً وأمس به رحماً ، قفاطمة أفضل، لأنها ابنته وكان شديد الحب لها والحنو عليها جداً، وهي أقرب إليه نسباً من ابن العمّ، لا شبهة في ذلك. فأمّا القول فى أن علياً شَرُف بها أو شرفت به، فإنّ علياً(علیه السلام)كانت أسباب شرفه وتميّزه على الناس متنوعة، فمنها ما هو متعلق بفاطمة (سلام اللّه علیها)، ومنها ما هو متعلق بأبيها صلوات اللّه عليه، ومنها ما هو مستقلٌ بنفسه)
1) الرجا: الجانب أو جانب البئر، وهذا معنى مثل يقول : حتى متى يرمى بها الرجوان» أي أنه طرح في المهالك. اللسان مادة (رجا). وانظر المثل في مجمع الأمثال للميداني ((378/1) برقم (1140)
فأما الذي هو مستقل بنفسه، فنحو شجاعته وعفته وحلمه وقناعته وسجاحة أخلاقه وسماحة نفسه. وأما الذي هو متعلق برسول اللّه (صلى اللّه عليه واله فنحو علمه ودينه وزهده وعبادته، وسبقه إلى الإسلام وإخباره بالغيوب. وأما الذي يتعلق بفاطمة(سلام اللّه علیها) فنكاحه لها ،حتى صار بينه وبين رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) الصهر المضاف إلى النسب والسبب، وحتى إن ذريّته منها صارت ذرّية لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، وأجزاء من ذاته (علیهم السلام)، وذلك لأنّ الولد إنما يكون من مني الرجل ودم المرأة، وهما جزآن من ذاتي الأب والأم، ثم هكذا أبداً في ولد الولد ومَنْ بعده من البطون دائماً . فهذا هو القول في شرف علي(علیه السلام) بفاطمة .)فأما شرفها به فإنها وإن كانت ابنة سيد العالمين، إلا أن كونها زوجة علي أفادها نوعاً من شرف آخر زائداً على ذلك الشرف الأوّل، ألا ترى أن أباها لو زوجها أبا هريرة أو أنس بن مالك لم يكن حالها في العظمة والجلالة كحالها الآن، وكذلك لو كان بنوها وذريتها من أبي هريرة وأنس بن مالك لم يكن حالهم في أنفسهم كحالهم الآن.قال أبو الحسن المدائني : وكان الحسن كثير التزوّج، تزوج خَولة بنت منظور بن زبان الفزارية، وأمّها مليكة بنت خارجة بن سنان، فولدت له الحسن بن الحسن. وتزوّج أم إسحاق طلحة بن عبيد اللّه ، فولدت له ابناً سمّاه طلحة، وتزوج أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري - واسم أبي مسعود عقبة بن عمر - فولدت له زيد بن الحسن وتزوّج جعدة بنت الأشعث بن قيس، وهي التي سقته السم، وتزوّج هنداً بنت سهيل بن عمرو، وحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وتزوج امرأة من كلب وتزوج امرأة من بنات عمرو بن أهتم المنقري، وامرأة من فولدت له عمراً، وتزوج امرأة من بنات علقمة بن زرارة، وامرأة من بني شيبان من آل همام بن مرّة، فقيل له : إنها ترى رأي الخوارج، فطلقها ،وقال، إنّي أكره أن أضم إلى نحري جَمْرة من جَمْرٍ من جَمْر جهنم .وقال المدائني : وخطب إلى رجل فزوجّه وقال له : إني مزوّجك، واعلم أنك ملق طلق غلق، ولكنك خير الناس نسباً، وأرفعهم جداً وأباً . قلت: أما قوله ملق طلق، فقد صدق، أما قوله غَلِقٌ فلا، فإن الغَلِق الكثير الضجر، وكان الحسن ( علیه السلام أوسع الناس صدراً وأسجحهم خلقاً . عقال المدائني : أحصيت زوجات الحسن بن علي فكنّ سبعين امرأة. قال المدائني : ولما توفي على(علیه السلام)خرج عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس،)
فقال : إن أمير المؤمنين(علیه السلام توفّي، وقد ترك خلفاً، فإن أحببتم خرج إليكم، وإن كرهتم فلا أحد على أحد، فبكى النّاس، وقالوا : بل يخرج إلينا ، فخرج الحسن(علیه السلام) ،فخطبهم فقال : أيها الناس اتقوا اللّه، فإنا أمراؤكم وأولياؤكم، وإنا أهل البيت الذين قال اللّه تعالى فينا:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَةِرَكُرتطهيرا) (1)، فبايعه الناس.)وكان خرج إليهم وعليه ثياب ،سود، ثم وجّه عبد اللّه بن عباس ومعه قيس بن سعد بن عبادة مقدمة له في اثني عشر ألفاً إلى الشام، وخرج وهو يريد المدائن، فطعن بساباط وانتهب متاعه، ودخل المدائن، وبلغ ذلك معاوية، فأشاعه، وجعل أصحاب الحسن الذين وجههم مع عبد اللّه يتسللون إلى معاوية، الوجوه وأهل البيوتات، فكتب عبد اللّه بن العبّاس بذلك إلى الحسن(علیه السلام فخطب الناس ووبخهم ، وقال : خالفتم أبي حتى حُكّم وهو كاره، ثم دعاكم إلى علام قتال أهل الشام بعد التحكيم، فأبيتم حتى صار إلى كرامة اللّه ، ثم بايعتموني على أن تسالموا مَنْ سالمني، وتحاربوا مَنْ حاربني وقد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية، وبايعوه فحسبي منكم لا تغرّوني من ديني ونفسي.)وأرسل عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وأمه هند بنت أبي سفيان بن حرب - إلى معاوية يسأله المسالمة، واشترط عليه العمل بكتاب اللّه وسنة نبيه، وألا يبايع لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى، وأن يكون الناس أجمعين آمنين . وكتب بذلك كتاباً ، فأبى الحسين(علیه السلام، وامتنع ، فكلمه الحسن حتى رضي، وقدم معاوية إلى الكوفة .)قال أبو الحسن : وحدّثنا أبو بكر بن الأسود قال كتب ابن العباس إلى الحسن : امّا بعد فإن المسلمين ولوك أمرهم بعد علي(علیه السلام، فشمّر للحرب، وجاهد عدوّك، وقارب أصحابك، واشتر من الظّنين دينه بما لا يثلم لك دِيناً، ووال أهل البيوتات والشّرف، تستصلح به عشائرهم حتى يكون الناس ،جماعة، فإن بعض ما يكره الناس - ما لم يتعد الحقّ، وكانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل، وعزّ الدين - خير من كثير مما يُحبّه الناس إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور وذل المؤمنين، وعزّ الفاجرين. واقْتَدِ بما جاء عن أئمة العدل، فقد جاءعنهم أنه لا يصلح الكذب إلا في حزب أو إصلاح بين الناس، فإنّ الحرب خدعة، ولك في ذلك سعة إذا كنت محارباً ، ما لم تبطل حقاً .)
1) سورة الأحزاب، الآية : 33
واعلم أن عليّاً أباك إنّما رغِبَ الناس عنه إلى معاوية، أنّه أساء بينهم في الفيء، وسوّى بينهم في العطاء، فثقُل عليهم، واعلم أنك تحاربُ مَنْ حارب اللّه ورسوله في ابتداء الإسلام، ظهر أمرُ الله، فلمّا وحد الرب، ومحق الشرك، وعزّ الدين، أظهروا الإيمان وقرؤوا حتى القرآن، مستهزئين بآياته، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى ،وأدوا الفرائض وهم لها كارهون، فلما رأوا أنه لا يعز في الدين إلا الأتقياء الأبرار، توسّموا بسيما الصالحين، ليظنّ المسلمون بهم خيراً، فما زالوا بذلك حتى شركوهم في أماناتهم، وقالوا حسابهم على اللّه، فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين ،وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم، والله ما زادهم طول العمر إلا غيّاً، ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلّا ،مقتاً، فجاهذهم ولا ترض دنية، ولا تقبل خسفاً، فإنّ علياً لم يُجب إلى الحكومة حتى غُلب على أمره فأجاب ،وإنّهم يعلمون أنّه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل، فلما حكموا بالهوى ،رجع إلى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله، ولا تخرجن من حق أنت أولى به، حتى يحول الموت دون ذلك. والسلام. قال المدائني : وكتب الحسن (علیه السلام إلى معاوية : من عبد اللّه الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فإنّ اللّه بعث محمداً (صلی اللّه علیه واله) رحمة للعالمين، فأظهر به الحق ،وقمع به الشّرك، وأعزّ به العرب عامّة، وشرّف به قريشاً خاصّة، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) (1)، فلمّا توفاه اللّه تنازعت العرب في الأمر بعده ،فقالت قريش نحن عشيرته وأولياؤه، فلا تنازعونا سلطانه ،فعرفت العرب لقريش ذلك، وجاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب ،فهيهات! ما أنصفتنا قريش وقد كانوا ذوي فضيلة في الدّين، وسابقة في الإسلام، ولا غرو ألا منازعته إيانا الأمر بغير حق في الدنيا معروف، ولا أثر في الإسلام ،محمود فاللّه الموعد، نسأل اللّه ألا يؤتينا في هذه الدنيا شيئاً ينقصنا عنده في الآخرة. إن علياً لمّا توفاه اللّه ولاني المسلمون الأمر بعده، فاتق اللّه يا معاوية، وانظر لأمّة محمد (صلی اللّه علیه واله)، ما تحقِنُ به دماءها، وتصلح به أمرها والسلام. وبعث بالكتاب مع الحارث بن سويد التيمي، تيم الرّباب، وجندب الأزدي، فقدما على معاوية فدعواه إلى بيعه الحسن(علیه السلام) فلم يجبهما، وكتب جوابه : أمّا بعد، فقد فهمتُ ما ذكرت به رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل)
1) سورة الزخرف، الآية : 44 .
كلّه، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده، فصرّخت بتهمة أبي بكر الصديق وعمر وأبي عبيدة الأمين، وصلحاء المهاجرين، فكرهتُ لك ذلك، إن الأمة لما تنازعت الأمر بينها رأت قريشاً أخلقها ، به فرأت قريش والأنصار وذوو الفضل والدين من المسلمين أن يولوا من قريش أعلمها باللّه، وأخشاها ،له وأقواها على الأمر، فاختاروا أبا بكر ولم يألوا ، ولو علموا مكان رجل غير أبي بكر يقوم مقامه ويذبّ عن حرم الإسلام ذبَّه ما عدلوا بالأمر إلى أبي بكر، والحال اليوم بيني وبينك على ما كانوا عليه، فلو علمتُ أنك أضبط لأمر الرعيّة وأحوط على هذه الأمة، وأحسن حسن سياسة، وأكيد للعدو، وأقوى على جمع الفيء، لسلّمتُ لك الأمر بعد أبيك، فإنّ أباك سعى على عثمان حتى قُتِل مظلوماً، فطالب اللّه بدمه، ومن يطلبه الله فلن يفوته . ثم ابتز الأمة أمرها، وفرّق جماعتها فخالفه نظراؤه من أهل السابقة والجهاد والقدّم في الإسلام، وادّعى أنهم نكثوا بيعته ،فقاتلهم فشفكت الدماء، واستُحلّت الحرم، ثم أقبل إلينا لا يدعّي علينا بيعة، ولكنه يريد أن يملكنا اغتراراً، فحاربناه وحاربنا ، ثم صارت الحرب إلى أن اختار رجلاً واخترنا رجلاً، ليحكما بما تصلح عليه الأمّة، وتعود به الجماعة والألفة، وأخذنا بذلك عليهما ميثاقاً وعليه مثله وعلينا مثله على الرضا بما حكما ، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت ،وخلعاه فواللّه ما رضي بالحكم ،ولا صبر لأمر اللّه، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك، وقد خرج منه! فانظر لنفسك ولدينك. والسلام. قال : ثم قال للحارث وجندب: ارجعا فليس بيني وبينكم إلا السيف، فرجعا وأقبل إلى : العراق في ستين ألفاً، واستخلف على الشام الضحاك بن قيس الفهري والحسن مقيم بالكوفة، لم يشخص حتى بلغه أن معاوية قد عبر جسر ،منبج، فوجه حجر بن عدي يأمر العمال بالاحتراس، ويذبّ الناس، فسارعوا، فعقد لقيس بن سعد بن عبادة على اثني عشر ألفاً، فنزل دير عبد الرحمن، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمر قيس بن سعد بالمسير، وودعه وأوصاه ، فأخذ على الفرات وقرى الفلوجة، ثم إلى مَسْكِن . وارتحل الحسن(علیه السلام متوجهاً نحو المدائن ،فأتى ساباط فأقام بها أياماً، فلما أراد أن يرحل إلى المدائن قام فخطب الناس، فقال: أيها الناس ،إنكم بايعتموني على أن تسالموا مَنْ سالمت وتحاربوا مَنْ حاربت، وإني واللّه ما أصبحت محتملاً على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق ولا غرب، ولما تكرهون في الجماعة والألفة والأمن، وصلاح ذات البين خير مما تحبون في الفرقة، والخوف والتباغض والعداوة، وإن علياً أبي كان يقول : لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فارقتموه لرأيتم الرؤوس تُندّر عن كواهلها كالحنظل . ثم نزل.)فقال الناس : ما قال هذا القول إلّا وهو خالع نفسه وسلم الأمر لمعاوية، فثاروا به فقطعوا كلامه، وانتهبوا ،متاعه، وانتزعوا مُظرفاً كان عليه، وأخذوا جارية كانت معه، واختلف الناس
فصارت طائفة معه، وأكثرهم عليه فقال: اللهّم أنت المستعان ،وأمر بالرّحيل، فارتحل الناس، وأتاه رجل بفرس، فركبه وأطاف به بعض أصحابه، فمنعوا الناس عنه وساروا، فقدمه سنان بن الجرّاح الأسدي إلى مظلم ساباط، فأقام به ،فلما دنا منه تقدّم إليه يكلّمه، وطعنه في فخذه بالمِعْوَل طعنة كادت تصل إلى العظم، فغُشِي عليه وابتدره أصحابه، فسبق إليه عبيد اللّه الطائي، فصرع سناناً وأخذ ظبيان بن عُمَارة المعوّل من يده فضربه به فقطع أنفه ثم ضربه بصخرة على رأسه فقتله، وأفاق الحسن(علیه السلام من غَشيته، فعصبوا جُرحه وقد نزف وضعف، فقدموا به المدائن وعليها سعد بن مسعود، عمّ المختار بن أبي عبيد ،وأقام بالمدائن حتى برىء من جرحه .)قال المدائني : وكان الحسن(علیه السلام أكبر ولد علي، وكان سيّداً سخياً حليماً خطيباً، وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يحبّه . سابق يوماً بين الحسين وبينه فسبق الحسن، فأجلسه على فخذه اليمنى، ثم أجلس الحسين على الفخذ اليسرى، فقيل له : يا رسول اللّه أيهما أحبُّ إليك؟ فقال: «أقول كما قال إبراهيم أبونا ، وقيل :له أي ابنيك أحب إليك؟ قال: أكبرهما وهو الذي يلد ابني محمد(صلی اللّه علیه واله). (1)وروى المدائني عن زيد بن أرقم قال:خرج الحسن (علیه السلام) وهو صغير، وعليه برده ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يخطب فعثر فسقط ، يخطب فعثر فسقط فقطع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الخطبة، ونزل مسرعاً إليه، وقد حمله الناس، فتسلّمه وأخذه على كتفه، وقال: «إن الولد لفتنة، لقد نزلت إليه وما أدري»! ثم صعد فأتمّ الخطبة .(2)وروى المدائني قال: لقي عمرو بن العاص الحسن (علیه السلام) في الطواف، فقال له يا حسن زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك، فقد رأيت اللّه أقامه بمعاوية، فجعله راسياً ميله، وبيّناً بعد خفائه، أفرضي اللّه بقتل عثمان، أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطّحين، عليك ثياب كغرقى (3)البيض ، وأنت قاتل ،عثمان واللّه إنّه لألم للشّعث، وأسهل للوعث، أن يوردك معاوية حياض أبيك، فقال الحسن(علیه السلام) : إن لأهل النار علامات يُعرفون بها، إلحاداً لأولياء اللّه، وموالاة لأعداء اللّه واللّه إنّك لتعلم أن علياً لم يرتب في الدين، ولا ، يشكّ في اللّه ساعة ولا طرفة عين قطّ، وايم اللّه لتنتهين يا بن أم عمرو أو لأنفذنَ حِضْنَيك بنوافذ أشد من القَعْضَبِيَّة : فإيّاك والتهجّم علي، فإني مَنْ قد عرفت لست بضعيف الغَمزة، ولا هشّ)
المُشاشة، ولا مريء المأكلة، وإنّي من قريش كواسطة القلادة، يُعْرَفُ حسبي، ولا أَدْهَى لغير أبي، وأنت مَنْ تعلم ويعلم الناس، تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك جَزَارُوها ، الأمهم حسباً، وأعظمهم لؤماً، فإياك عني ، فإنّك ،رجس، ونحن أهل بيت الطهارة، أذهب اللّه عنا الرّجس وطهرنا تطهيراً. فأفجم عمرو وانصرف كثيباً .وروى أبو الحسن المدائني قال: سأل معاوية الحسن بن علي بعد الصلح أن يخطب الناس، فامتنع فناشَدَه أن يفعل، فوضع له كرسياً، فجلس عليه، ثم قال : الحمد اللّه الذي توحد في ملكه، وتفرد في ربوبيته، يؤتي الملك مَنْ يشاء، وينزعه عمّن يشاء. والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم، وأخرج من الشرك أوّلكم، وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قديماً وحديثاً أحسن البلاء، إن شكرتم أو كفرتم ،أيها الناس إن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه، ولقد اختصه بفضل لم تعتادوا مثله ،ولم تجدوا مثل سابقته ،فهيهات هيهات! طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم وهو صاحبكم، وعدوكم في بدر وأخواتها ،جرعكم رنقاً، وسقاكم علقاً، وأذل رقابكم، وأشرقكم بريقكم، فلستم بملومين على بغضه. وأيم اللّه لا ترى أمة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية، ولقد وجه اللّه إليكم فتنة لن تصدوا نها حتى تهلكوا ،لطاعتكم طواغيتكم، وانضوائكم إلى شياطينكم، فعند اللّه أحتسب ما مضى وما ينتظر من سوء دَعَتكم، وحيف حكمكم . ثم قال : يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي اللّه ، صائب على أعداء اللّه، نكال على فجار قريش لم يزل آخذاً بحناجرها، جاثماً على أنفاسها ليس بالملومة في أمر اللّه، ولا بالشروقة لمال اللّه، ولا بالفروقة في حرب أعداء اللّه ، أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه، دعاه فأجابه، وقاده فاتبعّه لا تأخذه في اللّه لومة لائم، فصلوات اللّه عليه ورحمته .ثم نزل.فقال معاوية : أخطأ عَجِلُ أو كاد، وأصاب مثبت أو كاد، ماذا أردت من خطبة الحسن! فأما أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني، فإنّه قال: كان في لسان أبي محمد الحسن(علیه السلام ثقل كالفأفأة، حدثني بذلك محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، عن مفضّل بن صالح عن جابر . قال : كان في لسان الحسن (علیه السلام)رتة (1)، فكان سلمان الفارسي رحمه الله يقول : أنته من قبل عمّه موسى بن عمران (علیه السلام). قال أبو الفرج: ومات شهيداً مسموماً، دسّ معاوية إليه وإلى سعد بن أبي وقّاص حين أراد)
1) الرُّيَّةِ : عَجَلَة في الكلام وقلة أناة ، وقيل : هو أن يقلب اللام ياء اللسان، مادة (رتت) .
أن يعهد إلى يزيد بالأمر بعده سمّاً، فماتا منه في أيّام متقاربة، وكان الذي تولى ذلك من الحسن (علیه السلام زوجته جَعْدة بنت الأشعث بن قيس بمال بذله لها معاوية. ويقال: إن اسمها سكينة، ويقال : عائشة ويقال: شعثاء، والصحيح أن اسمها جَعْدة. قال أبو الفرج : فروى عمرو بن ثابت قال : كنتُ أختلف إلى أبي إسحاق السبيعي سنة، أسأله عن الخطبة التي خطب بها الحسن بن علي (علیه السلام)عقب وفاة أبيه، ولا يحدّثني بها، فدخلت إليه في يوم شات وهو في الشمس، وعليه برنسه، فكأنه غُول، فقال لي : مَنْ أنت؟ فأخبرته ،فبكى وقال : كيف أبوك، وكيف أهلك؟ قلت : صالحون، قال: في أي شيء تتردد منذ سنة؟ قلت : في خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه .حدثني هبيرة ابن قال : خطب الحسن (علیه السلام) بعد وفاة أمير المؤمنين (علیه السلام)، فقال : قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون بعمل. لقد كان يجاهد مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فيسبقه بنفسه، ولقد كان يوجّهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه، ولقد توّفي في الليلة التي عرج فيها بعيسى ابن مريم، والتي توفّي فيها يوشع بن نون وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله .)ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس، معه ثم قال : أيها الناس ،من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى اللّه بإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، والذين افترض اللّه مودتهم في كتابه، إذ يقول: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسنا ) (1)، فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت . قال أبو الفرج : فلما انتهى إلى هذا الموضع من الخطبة، قام عبد اللّه بن العباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا وقالوا : ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة !فبايعوه، ثم نزل من المنبر. قال أبو الفرج: ودس معاوية رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار. فدُلَّ على الحميري وعلى القيني، فأخذا وقتلا. وكتب الحسن (علیه السلام) إلى معاوية : أما بعد، فإنك دسست إلي الرجال، كأنك تحب اللقاء، لا أشك في ذلك فتوقعه إن شاء اللّه . وبلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذو الحجي، وإنما مثلك في ذلك ما قال الأول :)
1) سورة الشورى، الآية : 23 .
فإنّا ومَنْ قدمات منا لكالّذي *** يروح فيمسي في البيت ليغتديفقُلْ للّذِي يبغي خلاف الذي مضى *** تجهز لأخرى مثلها فكأن قدفأجابه معاوية : أما بعد، فقد وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث فلم أفرح ولم أحزن، ولم أشمت ولم آس، وإن عليّاً أباك لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة : فأنت الجواد وأنتَ الّذي *** إذا ما القلوب مَلَانَ الصُّدُوراجدير بطعنة يوم اللقا *** يضرب منها النساءُ النُّحُوراوما مزيد من خليج البحا *** رِيعلو الإكام ويعلو الجسورابأجودَ منه بما عنده *** فيعطي الألوف ويعطي البدوراقال أبو الفرج وكتب عبد اللّه بن العباس من البصرة إلى معاوية :أما بعد، فإنَّك ودسّك أخا بني القيّن إلى البصرة، تلتمس من غفلاتِ قريش بمثل ما ظفرتبه من يمانيّتك، لكما قال أميّة بن أبي الأسكر:لعمرك إني والخزاعي طارقاً *** كنَعْجةٍ عادٍ حتفها تتحفّرُأثارت عليها شفرة بكراعها *** فظلت به من آخر الليل تنحَرُشمت بقومٍ من صديقك أهلكوا *** أصابهم يوم من الدهر أصْفَرُفأجابه معاوية : أمّا بعد، فإن الحسن بن علي قد كتب إليّ بنحو ممّا كتبت به، وأنبأني بما لم يحقّق سوء ظنّ ورأي في ، وإنك لم تصب مثلي ومثلكم، وإنما مثلنا كما قال طارق الخزاعي يجيب تيب أميّة عن هذا الشعر:فواللّه ما أدري وإنّي لصادِقٌ *** إلى أيّ مَنْ يظنُّنِي أتعذرُأعنف إن كانت زبينة أُهلِكث *** ونال بني لحيان شَرِّ فأُنْفِرُواقال أبو الفرج: وكان أوّل شيء أحدثه الحسن (علیه السلام أنه زاد المقاتلة مائة مائة، وقد كان علي (علیه السلام) فعل ذلك يوم الجمل، وفعله الحسن حال الاستخلاف فتبعه الخلفاء من بعده في ذلك . قال : وكتب الحسن(علیه السلام) إلى معاوية مع حرب بن عبد اللّه الأزدي. من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان ،سلام عليك، فإني أحمد إليك)
اللّه الذي لا إله إلّا هو، أما بعد فإن اللّه جل جلاله بعث محمداً رحمة للعالمين، ومنّة للمؤمنين، وكافة للناس أجمعين، (ليُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَعَمِنَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ (1)، فبلغ رسالات اللّه، وقام بأمر اللّه حتى توفّاه اللّه غير مقصر ولا وان، وبعد أن أظهر اللّه به الحق، ومحقّ به الشّرك، وخص به قريشاً خاصة فقال له : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) (2). فلما توفِّيَ . تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد ،وحقّه فرأت العرب أن القول ما قالت قريش ،وأن الحجة في ذلك لهم على مَنْ نازعهم أمر محمد فأنعمت لهم، وسلّمت إليهم. ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حَاجَجت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها ،إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت محمد وأولياءه إلى محاجّتهم، وطلب النّصف منهم باعدونا واستولوا بالإجماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا ، فالموعد اللّه، وهو الولي النّصير؟ ولقد كنّا تعجّبنا لتوتّب المتوثيين علينا في حقنا وسلطان نبينا، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يتلمونه ،به أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجّب المتعجّب ، من توتبك يا معاوية على أمرٍ لست من أهله ،لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام ،محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب ،وابن أعدى قريش لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولكتابه، واللّه حسيبك، فستردُّ فتعلم لمن عقبى الدار، وباللّه لتلقيّن عن قليل ربَّك، ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك وما اللّه بظلام للعبيد .)إن علياً لما مضى لسبيله - رحمة اللّه عليه يوم قبض ويوم من الله عليه بالإسلام، ويوم يُبعث حيا - ولاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل اللّه ألا يؤتينا في الدنيا الزائلة شَيئاً ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة، وإنَّما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين اللّه عزّ وجلّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه النّاس من بيعتي، فإنك تعلم أنّي أحق بهذا الأمر منك عند اللّه وعند كلّ أواب حفيظ، ومن له قلب منيب واتَّقِ اللّه ودَعِ البغي واحقن دماء المسلمين، فواللّه ما لك خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به وادخل في السّلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به منك، ليطفىء اللّه النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البيّن، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيّك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك، حتى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين.
فكتب معاوية إليه : من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي سلام اللّه عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فقد بلغني كتابك ، وفهمت ما ذكرت به محمداً رسول اللّه من الفضل ، وهو أحق الأوّلين والآخرين بالفضل كله قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، وقد واللّه بلغ وادى، ونصح وهدى، حتى أنقذ اللّه به من الهلكة، وأنار به من العَمَى، وهَدَى به من الجهالة والضلالة، فجزاه اللّه أفضل ما جزى نبيّاً عن أمته، وصلوات اللّه عليه يوم ولد، ويوم بعث، ويوم ،قبض، ويوم يُبعث حيّاً ! وذكرت وفاة النبي (صلی اللّه علیه واله وتنازع المسلمون الأمر بعده، وتغلّبهم على أبيك، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وأبي عبيدة الأمين وحواري رسول اللّه(صلی الۀّه علیه واله)، وصلحاء المهاجرين والأنصار فكرهت ذلك لك، إنك امرؤ عندنا وعند الناس غيرَ الظَّنين ولا المسيء. ولا اللتيم، وأنا أحبّ لك القول السديد، والذكر الجميل.)إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم، ولا قرابتكم من نبيكم ولا مكانكم في الإسلام وأهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها ، ورأى صلحاء النّاس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعوامهم أن يولوا هذا الأم من قريش أقدمها إسلاماً، وأعلمها باللّه ،وأحبها له، وأقواها على أمر اللّه، فاختاروا أبا بكر ، وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضل، والناظرين للأمة، فأوقع ذلك في صدوركم التهمة، ولم يكونوا متهّمين ،ولا فيما أتوا بالمخطئين ،ولو رأى المسلمون أن فيكم مَنْ يغني غناءه، ويقوم مقامه، ويذبّ عن حريم الإسلام ذَبَّه، ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه، ولكنهم علموا في ذلك بما رأوه صلاحاً للإسلام وأهله واللّه يجزيهم عن الإسلام وأهله خيراً .وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي (صلى اللّه عليه واله ، فلو علمت أنك أضبط منّي للرعيّة، وأحوط على هذه الأمّة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك بهذه الأمة تجربة، وأكبر منك سنّاً، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما يبلغ، تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كُوَر (1)العراق شئتَ، معونةً لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها إليك في كل سنة، ولك ألا نستولي عليك بالإساءة، ولا نَقضِيَ دونك الأمور، ولا)
1) الكورة المدينة اللسان، مادة (كور).
نَعصي في أمر أردت به طاعة اللّه أعاننا اللّه وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاءوالسلام.قال جندب: فلما أتيت الحسن بكتاب معاوية، قلت له : إن الرجل سائر إليك، فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تُقدّر أنه ينقاد لك، فلا واللّه حتى يرى منّا أعظم من يوم صفّين فقال: أفعل، ثم قعد عن مشورتي وتناسى قولي. قالوا : وكتب معاوية إلى الحسن: أما بعد، فإن اللّه يفعل في عباده ما يشاء، لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيّتك على أيدي رعاع من الناس، وأئيس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجريت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :وإن أحد أسدّى إليك أمانة *** فأوفِ بهَا تُدْعَى إذا مِتْ وافِيًاولا تَحسُدِ المولى إذا كان ذا غنّى *** ولا تجفه إن كان في المال فانياثمّ الخلافة لك من بعدي فأنت أولى الناس بها. والسلام.فأجابه الحسن: أما بعد فقد وصل إليَّ كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي منّي عليك، وباللّه أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله وعلي إثم أن أقول فأكذب، والسلام. فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثمّ كتب إلى عمّاله على النواحي بنسخة واحدة: من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين. سلام عليكم أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلّا هو. أما بعد فالحمد للّه الذي كفاكم مؤونة عدوّكم وقتل خليفتكم ، إنّ اللّه ، بلطفه، وحسن صنعه ،أتاح لعليّ بن أبي طالب رجلاً من عباده، فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرّقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إلي حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد اللّه الثار، وبلغتم الأمل، وأهلك اللّه أهل البغي والعدوان .والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته . قال : فاجتمعت العساكر إلى معاوية، فسار بها قاصداً إلى العراق. وبلغ الحسن خبره ومسيره نحوه، وأنه قد بلغ جسر منبج، فتحرّك عند ذلك، وبعث حُجر بن عدي فأمر العمال والنّاس بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي الصلاة جامعة! فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون. وقال الحسن : إذا رضيت جماعة النّاس فأعلمني، وجاء سعيد بن قيس الهمداني، فقال له :اخرج،
فخرج الحسن(علیه السلام ، وصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن اللّه كتب الجهاد عَلَى خَلْقِه ، وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين : اصبروا إن اللّه الصابرين، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلّا بالصبر على ما تكرهون . بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أز معنا على المسير إليه، فتحرّك لذلك، اخرجوا رحمكم اللّه إلى معسكركم بالنُّخَيلة حتى تنظر وتنظروا، ونرى وتروا. قال : وإنّه في كلامه ليتخوّف خذلان الناس له ،قال: فسكتوا فما تكلّم منهم أحد، ولا أجابه بحرف. فلمّا رأى ذلك عدي بن حاتم قام فقال : أنا ابن حاتم ! سبحان اللّه ! ما أقبح هذا المقام !ألا ا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم! اين خطباء مُضَر أيْنَ المسلمون؟ أين الخواضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق (1)في الدَّعَة، فإذا جَدَّ الجِدّ فروّاغون كالثعالب، أما تخافون مقت اللّه ولا عيبها وعارها. ثم استقبل الحسن بوجهه، فقال أصاب اللّه بك المراشد، وجنّبك المكاره، ووفقّك لما): يُحمد ورده وصدره قد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت وما ، رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحبّ أن يوافيني فليوافه. ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النّخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه. وكان عدّي بن حاتم أوّل الناس عسكّر. وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة التّيمي، فأنّبوا الناس ولاموهم وحرّضوهم، وكلّموا الحسن(علیه السلام بمثل كلام عدّي بن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الحسن(علیه السلام): صدقتم رحمكم اللّه! ما زلتُ أعرفكم بصدق النيّة والوفاء والقبول والمودة الصحيحة، فجزاكم اللّه خيراً ثم نزل . وخرج الناس فعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى العسكر، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثّهم ويستخرجهم حتى يلتئم العسكر. وسار الحسن(علیه السلام) في عسكر عظيم وعدة حسنة، حتى نزل دير عبد الرحمن، فأقام به ثلاثاً حتى اجتمع الناس ثم دعا عبيد اللّه بن العبّاس بن عبد المطلب، فقال له يا بن عمّ إني باعث إليك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة ، فسرّ بهم،)
1) المخاريق : جمع مفرده مخراق وهو السيف اللسان، مادة (خرق).
وألنّ لهم ،جانبك، وابسط لهم وجهك ، وافرش لهم جناحك ، وأدنهم من مجلسك، فإنّهم بقيّة ثقات أمير المؤمنين، وسرّ بهم على شطّ الفرات حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك، فإنّي على أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين - يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس - وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتله، وإن أصبت فقيس بن سعد على الناس، وإن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس.فسار عبيد اللّه حتى انتهى إلى شينور، حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفلوجة، حتى أتى مسكن، وأخذ الحسن على حمّام عمر حتى أتى ديركعب، ثم بكر فنزل ساباط دون القنطرة، فلمّا أصبح نادى في الناس : الصّلاة جامعة !فاجتمعوا، فصعد المنبر فخطبهم فقال : الحمد اللّه كلّما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا اللّه كلّما شهد له شاهد، وأشهد أن محمداً رسول اللّه أرسله بالحق، وائتمنه على الوحي . أما بعد فواللّه إنّي لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد اللّه ومنّه وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة، ولا مريد له بسوء ولا غائلة ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحسبون في الفرقة، الا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري ،ولا تردّوا عَلَيَّ رأيي. غفر اللّه لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه محبّته ورضاه، إن شاء اللّه ! ثم نزل .قال : فنظر الناس بعضُهم إلى بعض، وقالوا : ما ترونه بما قال؟ قالوا : نظنّه يريد أن يصالح معاوية، ويكل الأمر إليه، كَفَر واللّه الرجل ! ثم شدُّوا على فسطاطه، فانتهبوه. حتى أخذوا مصلّاه من تحته، ثم شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد اللّه بن جعال الأزدّي، فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالساً متقلداً سيفاً بغير رداء، فدعا بفرسه ،فركبه، وأحدق به طوائف من خاصّته وشيعته، ومنعوا منه مَنْ أراده، ولاموه وضعّفوه لما تكلم به ، فقال : ادْعُوا إلي ربيعةً وهَمْدان، فدعوا له، فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه ، ومعهم شَوْب من غيرهم، فلمّا مرّ في مظلم ساباط قام إليه رجل من بني أسد، ثم من بني نَصْر بن قُعَين يقال له جراح بن سنان، وبيده مغول، فأخذ بلجام ،فرسه وقال : اللّه أكبر! يا حسن أشرك أبوك ، ثم أشركت أنت وطعنه بالمغول، فوقعت في فخذه، فشقّته حتى بلغت أربيته، وسقط الحسن (علیه السلام إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده واعتنقه، فخرًا جميعاً إلى الأرض، فوثب عبد اللّه بن الأخطل الطائي، ونزع المغول من يد جراح بن سنان فخضخضه ،به وأكب ظبيان بن عُمارة عليه، فقطع أنفه، ثم أخذا له الآجر فشدّخا رأسه، ووجهه حتى قتلوه .)وحُمِل الحسن(علیه السلام على سرير إلى المدائن، وبها سعيد بن مسعود الثقفي والياً عليها من قبله، وقد كان عليا (علیه السلام)ولاء المدائن فأقره الحسن (علیه السلام)عليها ، فأقام عنده يعالج نفسه. فأما)
معاوية فإنه واقى حتى نزل قرية يقال لها الحلوبية بمسكن، وأقبل عبيد اللّه بن عباس حتى نزل بإزائه، فلما كان من غدٍ وجّه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد اللّه فيمن معه فضربهم حتى ردّهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد اللّه بن عباس أن الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إليّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيّك ألف ألف درهم، أعجّل لك في هذا الوقت نصفها ، وإذا دخلت الكوفة النّصف الآخر، فانسل عبيد اللّه إليه ليلاً ، فدخل عسكر معاوية ،فوفَى له بما وعده، وأصبح الناس ينتظرون عبيد اللّه أن يخرج فيصلّي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا، فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتّهم، وذكر عبيد اللّه فنال منه، ثم أمرهم بالصبر والنّهوض إلى العدوّ ، فأجابوه بالطاعة وقالوا له : انهض بنا إلى عدوّنا على اسم اللّه ، فنزل فنهض بهم . وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق: ويحكم! هذا أميركم عندنا قد بايع وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم !فقال لهم قيس بن سعد : اختاروا إحدى اثنتين، إمّا القتال مع غير إمام، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال، فقالوا : بل نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردُّوهم إلى مصافّهم. فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيّه فكتب إليه قيس: لا واللّه لا تلقاني أبداً إلا بيني وبينك الرُّمح فكتب إليه معاوية حينئذ لما يئس منه : بعد، فإنّك يهودي ابن يهودي، تُشْقِي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك نبذك وغدرك ، وإن ظهر أبغضهم إليك نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمی غیر غرضه، فأكثر الحَزّ وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريداً غريباً . والسلام.فكتب إليه قيس بن سعد: أما بعد فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت فيه ،فَرَقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل اللّه لك فيه نصيباً ، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً اللّه ولرسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، وعدوّاً للّه ولنبيه وللمؤمنين من عباده. وذكرت أبي، فلعمري ما أوتر إلا قوسَه ،ولا رمي إلّا غرضه، فشغب عليه منلا يُشقّ غباره، ولا يُبلغ كعبه، وزعمت أني يهودي ابن يهودي، وقد علمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدّين الذي خرجت منه وأنصار الدين الذي دخلت فيه، وصرت إليه . والسلام. فلما قرأ معاوية كتابه غاظه، وأراد إجابته، فقال له عمرو:مهلاً، فإنك إن كاتبته أجابك بأشدّ منهذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس ،فأمسك عنه.
قال : وبعث معاوية عبد اللّه بن عامر وعبد الرحمن بن سَمُرة إلى الحسن للصلح، فدعواه إليه، فزهّداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية ،وألا يتبع أحد بما مضى، ولا ينال أحد شيعة عليّ بمكروه، ولا يذكر علي إلا بخير، وأشياء شَرَطها الحسن . فأجاب إلى ذلك، وانصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة، وانصرف الحسن أيضاً إليها، وأقبل معاوية قاصداً نحو الكوفة، واجتمع إلى الحسن(علیه السلام وجوه الشيعة وأكابر أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام)لم يلومونه، ويبكون إليه جزعاً مما فعله.)قال أبو الفرج : فحدّثني محمد بن أحمد بن عبيد، قال : حدثنا الفضل بن الحسن البصري قال : حدّثنا ابن عمرو، قال: حدثنا مكّي بن إبراهيم ،قال: حدثنا السّري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن سفيان بن أبي ليلى. قال أبو الفرج: وحدثني به أيضاً محمد بن الحسين الأشنانداني، وعليّ بن العباس المقانعي، عن عباد بن يعقوب ،عن عمرو بن ثابت، عن الحسن بن الحكم، عن عدّي بن ثابت، عن سفيان بن أبي ليلى ،قال: أتيتُ الحسن بن علي حين بايع معاوية ، فوجدته بفناء داره، وعنده رهط ،فقلت : السلام عليك يا مذلّ المؤمنين ،قال : وعليك السلام يا سفیان ،ونزلت فعقلت راحلتي، ثم أتيته فجلست إليه ، فقال : كيف قلت یا سفیان؟ قلت: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين !فقال : لِمَ جرى هذا منك إلينا ؟ قلت : أنت واللّه بأبي وأمي أذللتّ رقابنا حيث أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلَّمت الأمر إلى اللعين ابن آكلة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك، فقد اللّه عليك أمر الناس فقال : يا جمع سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحقّ تمسكنا به، وإني سمعتُ علياً يقول: سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يقول: «لا تذهب الليالي والأيام حتى يجتمع أمرُ هذه الأمة على رجل واسع السّرْم، ضخم البلعوم يأكل ولا يشبع لا ينظر اللّه إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر ولا في الأرض ،ناصر» (1)، وإنه لمعاوية، وإني عرفت أن اللّه بالغ أمره. ثم أذّن المؤذّن، فقمنا على حالب نحلب ناقته، فتناول الإناء، فشرب قائماً ، ثم سقاني، وخرجنا نمشي إلى المسجد، فقال لي: ما جاء بك يا سفيان؟ قلت حبكم والذي بعث محمداً بالهدى ودين الحق! قال: فأبشر يا سفيان ،فإني سمعتُ علياً يقول : سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يقول : يرد علي الحوض أهلُ بيتي ومَنْ أحبهم من أمتي كهاتين - يعني السبّابتين أو كهاتين يعني السبّابة والوسطى - إحداهما تفضل على الأخرى» (2)، أبشر يا سفيان، فإن الدنيا تسع البّر والفاجر، حتى يبعث اللّه إمام الحق من آل محمد(صلی اللّه علیه واله))
قلت : قوله :«ولا في الأرض ،ناصر»، أي ناصر ديني، أي لا يمكن أحداً أن ينتصر له بتأويل ديني يتكلف به عذراً لأفعاله القبيحة . فإن قلت : قوله :«وإنه لمعاوية من الحديث المرفوع، أو من كلام علي(علیه السلام أو من كلام الحسن(علیه السلام) ؟ قلت : الظاهر أنه من كلام الحسن(علیه السلام) ، فإنه قد غلب على ظنّه أن معاوية صاحب هذه الصفات، وإن كان القسمان الأولان غير ممتنعين . فإن قلت : فمن هو إمام الحق من آل محمد؟ قلت: وأما الإمامية فتزعم أنه صاحبهم الذي يعتقدون أنه الآن حي في الأرض، وأما أصحابنا فيزعمون أنه فاطمي يخلقه اللّه في آخر الزمان. قال أبو الفرج : وسار معاوية حتى نزل النُّخَيلة، وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة ،وجاءت منقطعة في الحديث، وسنذكر ما انتهى إلينا منها . فأما الشعبي فإنه روى أنه قال في الخطبة: ما اختلف أمر أمة بعد نبيها إلا وظهر أهل باطلها على أهل حقها، ثم انتبه فندم فقال : إلا هذه الأمة فإنها وإنها .. وأما أبو إسحاق السّبيعي فقال : إنّ معاوية قال في خطبته بالنُّخَيْلَةِ : ألا إنّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن عليّ تحت قدمي هاتين لا أفي به.قال أبو إسحاق : وكان واللّه غدّاراً .)وروى الأعمش عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن سويد، قال صلّى بنا معاوية بالنّخيلة الجمعة، ثم خطبنا، فقال: واللّه إني ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا ولا التزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم كارهون . قال : وكان عبد الرحمن بن شريك إذا حدّث بذلك ، يقول : هذا واللّه هو التهتّك . قال أبو الفرج: وحدّثني أبو عبيد محمد بن أحمد، قال :حدثني الفضل بن الحسن البصري، قال: حدثني يحيى بن معين قال : حدثني أبو حفص اللّبان، عن عبد الرحمن بن شريك. عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حبيب بن أبي ثابت ،قال: خطب معاوية بالكوفة حين دخلها، والحسن والحسين(علیه السلام جالسان تحت المنبر، فذكرعليا(علیه السلام) فنال منه ، قنال منه، ثم نال من الحسن، فقام الحسين(علیه السلام) ليردّ عليه، فأخذه الحسن بيده فأجلسه ، ثم قام فقال : أيها الذاكر عليَّاً ، أنا الحسن، وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمّي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول اللّه وجدّك عُتبة بن ربيعة، وجدتي خديجة وجدّتك قتيلة، فلعن اللّه أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرّنَا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً ! فقال طوائف من أهل المسجد: آمين.)
قال الفضل : قال يحيى بن معين: وأنا أقول : آمين. قال أبو الفرج: قال أبو عبيد :قال الفضل :وأنا أقول: «آمين»، ويقول علي بن الحسين الأصفهاني:آمين. قلت : ويقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب : آمين . قال أبو الفرج: ودخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة بين يديه خالد بن عُرفطة، ومعه حبيب بن حمّاد يحمل رايته. فلما صار بالكوفة دخل المسجد من باب الفيل ،واجتمع الناس إليه .قال أبو الفرج : فحدثني أبو عبيد الصيرفي وأحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، عن محمد بن خلف ،عن محمد بن عمرو الرازي عن مالك بن سعيد عن محمد بن عبد اللّه الليثي، عن عطاء بن السائب عن أبي قال: بينما عليّ بن أبي طالب (علیه السلام على منبر الكوفه ،إذ دخل رجل ،فقال يا أمير المؤمنين ،مات خالد بن عرفطة ،فقال : لا واللّه ما مّات ولا يموت حتى يدخل من باب المسجد، وأشار إلى باب الفيل ،ومعه راية ضلالة يحملها حبيب بن حماد. قال : فوتب رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أنا حبيب بن حمّاد، وأنا لك شيعة ،فقال : فإنه :كما أقول : فواللّه لقد قدم خالد بن عرفظة على مقدّمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حماد. قال أبو الفرج: وقال مالك بن سعيد، وحدّثني الأعمش بهذا الحديث، قال: حدّثني صاحب هذه الدار - وأشار إلى دار السّائب أبي عطاء-أنه سمع عليا (علیه السلام) يقول هذا. قال أبوالفرج : فلما تمّ الصّلح بين الحسن ومعاوية أرسل إلى قيس بن سعد يدعوه إلى البيعة، فجاءه - وكان رجلاً طوالاً يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطّان في الأرض، وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمّى خصيّ الأنصار. فلمّا أرادوا إدخاله إليه قال : إنّي حلفت ألا ألقاه إلا وبيني وبينه الرّمح أو السيف فأمر معاوية برمح وسيف فوضعا بينه وبينه ليبرّ يمينه . قال أبو الفرج وقد روي أنّ الحسن لمّا صالح معاوية اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف فارس فأبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس ليبايع، فأقبل على الحسن، فقال: أفي حل من بيعتك ؟ فقال :نعم ،فألقي له كرسي، وجلس معاوية على سرير والحسن معه، فقال له معاوية أتبايع يا قيس؟ قال: نعم، ووضع يده على فخذه، ولم يمدها إلى معاوية، فجاء معاوية من سريره، وأكبّ عَلَى قيس حتى مسح يده على يده وما رفع إليه قيس يده.)
قال أبو الفرج : ثم إن معاوية أمر الحسن أن يخطب، فظنّ أنه سيحصر، فقام فخطب، فقال في خطبته : إنَّما الخليفةُ من سار بكتاب اللّه وسنّة نبيه وليس الخليفة من سار بالجور، ذاك رجل ملك ملكاً تمتّع به قليلاً، ثم تنخمه تنقطع لذّته، وتبقى تبعثه (وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّمُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَنَعَ إِلَىَ حين (1). قال : وانصرف الحسن إلى المدينة، فأقام بها، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن عليه شيء أثقل من أمرِ الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص، فدس إليهما سماً فماتا منه.)قال أبو الفرج : فحدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، عن عيسى بن مهران، عن عبيد بن الصبّاح الخرّاز، عن جرير، عن مغيرة، قال : أرسل معاوية إلى بنت الأشعث بن قيس - وهي تحت الحسن - فقال لها : إنّي مزوّجك يزيد ابني عَلَى أن تَسُمِّي الحسن، وبعث إليها بمائة ألف درهم. ففعلت، وسمّتِ الحسن، فسوّغها المال ولم يزوّجها منه، فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيّروهم، وقالوا : يا بني مُسمّة الازواج.قال : حدثني أحمد قال : حدثني يحيى بن بكير، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، قال: تُوَفِّيَ الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص في أيام متقاربة، وذلك بعد ما مضى من ولاية إمارة معاوية عشر سنين، وكانوا يروون أنه سقاهما السمّ . قال أبو الفرج: وحدثني أحمد بن عَوْن ،عن عمران بن إسحاق ،قال: كنت مع الحسن والحسين (علیهم السلامفي الدّار ، فدخل الحسن المخرج، ثم خرج، فقال : لقد سُقيت السمّ مراراً، ما يت مثل هذه المرّة، لقد لفظت قطعة من كبدي فجلعت أقلبها بعود معي. فقال الحسن : ومَن سقاك ؟ قال : وما تريد منه ؟ أتريد أن تقتله ! إن يكن هو هو، فاللّه أشدّ نقمة منك، وإن لم يكن فما أحبّ أن يؤخذ بي بريء. قال أبو الفرج : دفن الحسن(علیه السلام) في قبر فاطمة بنت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في البقيع، وقدكان أوصى أن يدفن مع النبي (صلی اللّه علیه واله) فمنع مروان بن الحكم من ذلك، وركبت بنو أمية في السلاح، وجعل مروان يقول : يا ربِّ هَيْجاهي خيرٌ من دَعَه یدفن عثمان في البقيع، ويدفن الحسن في بيت النبي(صلی اللّه علیه واله) ! واللّه لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف، وكادت الفتنة تقع ، وأبى الحسين(علیه السلام) أن يدفنه إلّا مع النبي(صلی اللّه علیه واله) ، فقال له عبد اللّه بن جعفر:عزمت عليك يا أبا عبد اللّه بحقي ألا تكلّم بكلمة! فمضوّا به إلى البقيع. وانصرف مروان.)
1) سورة الأنبياء، الآية : 111.
قال أبو الفرج: وقد روى الزبير بن بكار أنَّ الحسن(علیه السلام أرسل إلى عائشة أن تأذن له أن يُدفن مع النبي(صلی اللّه علیه واله) ، فقالت : نعم، فلما سمعت بنو أمية بذلك استلاموا في السلاح، وتنادوا هم وبنو هاشم في القتال، فبلغ ذلك الحسن ،فأرسل إلى بني هاشم: أما إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه، ادفنوني إلى جنب أمّي، فدفن إلى جنب فاطمة (سلام اللّه قال أبو الفرج : فأما يحيى بن الحسن صاحب كتاب (النسب» (1) ، فإنه روى أن عائشة (1) ركبت ذلك اليوم بغلاً واستنفرت بنو أمية مروان بن الحكم ومن كان هناك منهم ومن حشمهم وهو قول القائل : فيوماً على بغل ويوماً على جَملَ قلت : وليس في رواية يحيى بن الحسن ما يؤخذ على عائشة، لأنه لم يرو أنها استنفرت الناس لما ركبت البغل، وإنما المستنفرون هم بنو أميّة، ويجوز أن تكون عائشة ركبت لتسكين الفتنة، لا سيما وقد روي عنها أنه لما طلب منها الدفن قالت : نعم، فهذه الحال والقصة منقبة من مناقب عائشة .)قال أبو الفرج وقال جويرية بن أسماء لما مات الحسن وأخرجوا جنازته جاء مروان حتى دخل تحته فحمل سريره، فقال له الحسين(علیه السلام : أتحمل اليوم سريره وبالأمس كنت تجرعه الغيظ ! قال مروان: كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال . قال : وقدّم الحسين (علیه السلام) للصلاة عليه سعيد بن العاص، وهو يومئذ أمير المدينة، وقال: تقدّم فلولا أنها سنّة لما قدمتك.)قال : قيل لأبي إسحاق السّبيعي : متى ذل الناس؟ فقال: حين مات الحسن، وادّعى زياد، وقتل حُجر بن عدي . قال : اختلف الناس في سن الحسن(علیه السلام وقت وفاته، فقيل : ابن ثمان وأربعين - وهو المروي عن جعفر بن محمد (صلى اللّه عليه واله) في رواية هشام بن سالم - وقيل : ابن ستّ وأربعين، وهو المروي أيضاً عن جعفر بن محمد(علیه السلام) في رواية أبي بصير. قال : وفي الحسن(علیه السلام) يقول سليمان بن قتّة يرثيه، وكان محبّاً له: (1) أنساب آل أبي طالب: للإمام يحيى بن الحسن بن جعفر أبو عبيد اللّه الأعرج، المتوفى سنة (277) ه-) (الأعلام للزركلي (140/8).)
يا كذب اللّه مَنْ نَعَى حَسَناً *** ليس لتكذيبِ نَعْيِه ثمنُكنت خليلي وكنت خالصتي *** لكلّ حيّ من أهله سكَنُأجول في الدار لا أراك وفي *** الدار أناس جوارهمْ غَبَنُبدّلتهم منك ليت أنّه *** أضْحَوْا وبيني وبينهمْ عَدَنُثم نرجع إلى تفسير ألفاظ الفصل .أما قوله: «كتبها إليه بحاضرين»، فالذي كُنّا نقرؤه قديماً ،«كتبها إليه بالحاضرين»على صيغة التثنية، يعني حاضر حلب وحاضر قِنّسِرين، وهي الأرباض والضواحي المحيطة بهذه البلاد، ثم قرأناه بعد ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لام، ولم يفسّروه، ومنهم من يذكره بصيغة الجمع لا بصيغة التثنية، ومنهم من يقول بخناصرين، يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها ، وقد طلبت هذه الكلمة في الكتب المصنفة، سيّما في البلاد والأرضين فلم أجدها، ولعلّي أظفر بها فيما بعد فألحقها في هذا الموضع .قوله :«من الوالد الفان»، حذف الياءها هنا للازدواج بين «الفان» و«الزمان»، ولأنه وقف، وفي الوقف على المنقوص يجوز مع اللام حذف الياء وإثباتها، والإثبات هو الوجه، ومع عدم اللام يجوز الأمران وإسقاط الياء هو الوجه . قوله : «المقرّ للزمان» أي المقرّ له بالغلبة، كأنه جعل نفسه فيما مضى خصماً للزمان بالقهر. قوله : «المدير العمر»، لأنه كان قد جاوز الستين، ولم يبق بعد مجاوزة الستين إلا إدبار العمر، لأنه نصف العمر الطبيعي الذي قلّ أن يبلغه أحد، فعلى تقدير أنه يبلغه، فكلّ ما بعد الستين أقل مما مضى فلا جرم يكون العمل قد أدبر.قوله : «المستسلم للدّهر»، هذا أكد من قوله :«المقرّ للزمان» لأنه قد يقرّ الإنسان لخصمه ولا يستسلم .قوله : «الذام للدّنيا» هذا وصف لم يستحدثه عند الكبر، بل لم يزل عليه ولكن يجوز أن يزيد ذمّه لها لأنّ الشيخ تنقص قواه التي يستعين بها على الدنيا والدين جميعاً، ولا يزال يتأفف من الدنیا.قوله:«الساكن مساكن الموتى» إشعار بأنه سيموت، وهذا من قوله تعالى: ﴿وَسَكُنتُمْ فِي مَسَكِينِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ (1)قوله : «الظاعن عنها غداً»، لا يريد الغد بعينه، بل يريد قُرب الرحيل والطعن .)
1) سورة إبراهيم، الآية : 45
وهذا الكلام من أمير المؤمنين (علیه السلام من قد أيقن بالفراق، ولا ريب في ظهور الاستكانة والخضوع عليه، ويدل أيضاً على كرب وضيق عَطَنٍ، لكونه لم يبلغ أربه من حزب أهل الشام، وانعكس ما قدره بتخاذل أصحابه عنه ، ونفوذ حكم عمرو بن العاص فيه لحمق أبي مو وغباوته وانحرافه أيضاً. قوله :«إلى المولود» هذه اللفظة بإزاء «الوالد».)قوله:«المؤمل ما لا يدرك»، لوقال قائل : إنه كنى بذلك عن أنه لا ينال الخلافة بعد موتي وإن كان مؤملاً لها لم يُبعد، ويكون ذلك إخباراً عن غيب، ولكن الأظهر أنه لم يرد ذلك، وإنما أراد جنس البشر لا خصوص الحسن، وكذلك سائر الأوصاف التي تلي هذه اللفظة لا تخصّ الحسن (علیه السلام بعينه، بل هي وإن كانت له في الظاهر بل هي للناس كلهم في الحقيقة، ألا ترى إلى قوله بعدها :«السالك سبيل من قد هلك»، فإن كل واحد من الناس يؤمّل أموراً لا يدركها وكلّ واحد من الناس سالك سبيل من هلك قبله قوله(علیه السلام): «غرض الأسقام»، لأن الإنسان كالهدف لآفات الدنيا وأعراضها . قوله(علیه السلام) : «ورهينة، الأيام» الرهينة ها هنا : المهزول يقال : إنه لرهن وإنه لرهينة، إذا كان مهزولاً بالياء قال الراجز: إمّا تَرَيْ جسمي خلاء قدرَهَنْ *** هزلاً وما مجدُ الرّجال في السِّمَنُ ويجوز أن يريد بالرهينة واحدة الرهائن ،يقال للأسير أو للزمن أو للعاجز عند الرحيل : إنّه لرهينة، وذلك لأنّ الرهائن محتبسة عند مرتهنها . قوله :«ورمية المصائب»، الرميّة ما يرمّى. قوله :«وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وغريم المنايا»، لأن الإنسان طوع شهواته، فهو عبد الدنيا، وحركاته فيها مبنيّة على غرور لا أصل له ،فهو تاجر الغرور لا محالة ،ولمّا كانت المنايا تطالبه بالرحيل عن هذه الدار كانت غريماً له يقتضيه ما لا بدّ له من أدائه . قوله: «وأسير الموت، وحليف الهموم، وقرين الأحزان، ونصب الآفات، وسريع الشهوات»، لما كان الإنسان مع الموت، كما قال طرفة : لَعَمْرُكَ إنّ المَوْتَ ما أخطأ الفَتَى *** لكالطَّولِ المُرْخَى وثِنْيَاهُ بِالْيَدِ)كان أسيراً له لا محالة ولمّا كان لا بد لكلّ إنسان من الهم كان حليف الهموم، وكذلك لا يخلو ولا ينفكّ من الحزن، فكان قريناً له، ولما كان معرّضاً للآفات كان نصباً لها، ولما كان إنما يهلك بشهواته كان صريعاً لها . قوله :«وخليفة الأموات» قد أخذه مَنْ قال :إن امرأ ليس بينه وبين آدم إلا أب ميت لَمُعرق في الموت
واعلم أنه عد من صفات نفسه سبعاً، وعد من صفات ولده أربع عشرة صفة، فجعل بإزاء كل واحدة مما له اثنتين، فليلمح ذلك.## شعر الشعراء في الدهرومن جيد ما نعى به شاعر نفسه، ووصف ما نقص الدهر من قواه، قول عوف بن محلّمالشيباني في عبد اللّه بن طاهر أميرخراسان:يَا بْنَ الَّذِي دَانَ له المشرقان *** وألبس الأمن به المغربانإنّ الثمانين وبلغتها *** قد أحوجت سمعِي إلى تَرْجُمَانُوبدلتِني بالشطاط (1انْحِنَا *** وكنتُ كالصَّعْدة تحت السنان)وقاربت مني خطاً لم تكن *** مقارباتٍ وثَنَتْ مِنْ عَنَانُوعوّضتني من زماع الفتى *** وهمّه هم الجبان الهدانوأنشأت بيني وبَيْنَ الورى *** عنانةٌ من غير نَسْج العنانولم تدع في لمستمتع *** إلا لساني وكفاني لسانأدعو به اللّه وأثني به *** على الأمير المصعبي الهجانومن الشعر القديم الجيّد في هذا المعنى قول سالم بن عونة الضبي :لا يبعَدَنْ عَصْرُ الشباب ولا *** لذاته ونباته النّضرِوالمشرفات من الخُدور كإي *** حاض الغمام يَجُودُ بالقطروطراد خيل مثلها التقتا *** لحفيظة ومقاعد الخمرِلَوْلا أولئك ما حلفت متى *** عولیتُ في خَرج إلى قبريهربت زبيبة أن رأت ترمي *** وأن انحنى لتقادم ظهريمن بعد ما عهدت فأدلفني *** يوم يمر وليلة تريحتّى كأني خاتل (2قنصاً *** والمره بعد تمامه يجري)لا تهزئي منّي زبيب فما *** في ذاك من عَجَبٍ ولا سخرٍأو لم تَرَيْ لقمان أهلگه *** ما اقتات من سنة ومنوبقاء نَشر كلّما انقرضت *** أيامه عادت إلی نَسرِ
ما طال من أمد على لُبَدِ *** رجعت محارته إلى قصرولقدحَلَبْتُ الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ *** وعلمت ما آتي من الأمرِأنا أستفصح قوله :«ما اقتات من سنة ومن شهر»جعل الزمان كالقوت له، ومن اقتات الشيء فقد أكله ،والأكل سبب المرض، والمرض، سبب الهلاك.الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي ، وَجُمُوح الدَّهْرِ عَلَيَّ، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ، مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ وَالاهْتِمَام بِمَا وَرَائِي، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ همُوم النَّاسِ هَمُ نَفْسِي - فَصَدِّقَنِي رَأتِي، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرْحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي ، فأَفضَى إِلَى جِدٌ لا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ ، وَصِدْقٍ لا يَشُوبُهُ كَذِبٌ - وَجَدْتُكَ بَعْضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَنَاكَ أَتَانِي فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي ، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا مُسْتَظهراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ نَيتُ.الشرح: يزعني : يكفنّي ويصدّني، وزعتُ فلاناً، ولا بدّ للنّاس من وَزَعة. وسوى، لفظة تُقصر إذا كسرت سينها، وتمدّ إذا فتحتها ،وهي ها هنا بمعنى غير، ومَنْ قبلها بمعنى شيء منكر، كقوله: ربَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظاً قلبه. والتقدير : غير ذكر إنسان سواي، ويجوز أن تكون (مَنْ موصولة، وقد حذف أحد جزأي الصلة، والتقدير : عن ذكر الذي هو غيري ،كما قالوا في: ﴿لَتَنزِعَن مِن كُلِ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) (1)، أي هو أشد . يقول (علیه السلام): إن فيما قد بان لي من تنكّر الوقت وإدبار الدنيا وإقبال لكم الآخرة شاغلاً لي عن الاهتمام بأحد غيري والاهتمام والفكر في أمر الولد وغيره ممن أخلفه وراثي. ثم عاد فقال : إلَّا أنّ همّي بنفسي يقتضي اهتمامي بك، لأنّك بعضي بل كلّي، فإن كان اهتمامي بنفسي يصرفني عن غيري لم تكن أنت داخلاً في جملة من يصرفني همي بنفسي عنهم، لأنك لست غيري. فإن قلت : أفهذا «الهمّ حدث لأمير المؤمنين(علیه السلام) ، الآن، أو من قبل لم يكن عالماً بأن الدنيا مدبرة، والآخرة مقبلة؟)
1) سورة مريم، الآية : 69 .
قلت : كلا بل لم يزل عالماً عارفاً بذلك، ولكنه الآن تأكد وقوي ،بطريق علوّ السنّ وضعف القُوَى، وهذا أمر يحصل للإنسان على سبيل الإيجاب، لا بدّ من حصوله لكلّ أحد، وإن كان عالماً بالحال من قبل، ولكن ليس العيان كالخبر.ومن مستحسن ما قيل في هذا المعنى قول أبي إسحاق الصابي :أقبكَ الرَّدَى إني تنبّهتُ من كَرى *** وسهرٍ عَلَى طول المدى أعتريَانِيفائبتُ شخصاً دانياً كان خافياً *** على البعد حتى صار نصب عيانيهو الأجل المحتوم لي جَدّجِدهُ *** وكان يريني غفلة المتوانيله نُذُرٌ قد آذنتني بهجمةٍ *** له لست منها آخذاً بأمانِولابدمنه ممهلاً أو معاجلاً *** سيأتي فلا يثنيه عني ثانِوأوّل هذه القصيدة وهو داخل له في هذا المعنى أيضاً :إذا ما تعدت بي وسارت محفّةٌ *** لها أرجل يسعى بها رجلانِوما كنت من فرسانها أنّها *** وقت لي لما خانت القدمَانِنزلتُ إليها عن سراة حصاني *** بحكم مشيب أو فراش حصانفقد حملت منّي ابن سبعين سالكاً *** سبيلاً عليها يسلك الثقلانِكما حمل المهد الصبي وقبلها *** ذعرت أسود الغيل بالنّزوَانِولي بعدها أخرى تسمّى جنازة *** جنيبة يوم للمنية دانِعلى أقدام أربعة إلى *** ديار البلى معدودهن ثمانِوإنّي على عَيْثِ الرَّدى في جوارحي *** وما كفّ من خطوي وبطش بناتيوإن لم يَدَعْ إلا فؤاداً مُروّعاً *** به غِيَر باقي من الحدثانتلوم تحت الحجب ينفث حُكْمَه *** إلى أذن تُصغي لنطق لسانِلأعلمُ أنّي ميت عاق دفنه *** نماء قليل في غد هوفانِوإن فَماً للأرض غرثان حائماً *** يراصِد من أكلي حضورأوانِبه شره عمّ الورى بفجائع *** تركن فلاناً ثاكلاً لفلانغدًا فاغراً يشكو القوى وهو رائع *** فما تلتقي يوماً له الشَّفَتَانِإذا عاضنا بالنّسل ممن نعوله *** تلا أوّلاً منه بمهلك ثانِإلى ذات يوم لا ترى الأرض وارثاً *** سوى اللّه من إنس تراه وجانِقوله: «تفرد بي دون هموم الناس همّ نفسي» أي دون الهموم التي قد كانت تعتريني لأجلأحوال الناس .
فصدّقني رأيي، يقال: صدقته كذا أي عن كذا، وفي المثل:«صدقني سنّ بكره» لأنه لما نفر قال له : هدَعْ، وهي كلمة تسكّن بها صغار الإبل إذا نفرت، والمعنى أن هذا الهمّ صدقني عن الصفة التي يجب أن يكون رأيي عليها وتلك الصفة هي ألا يفكر في أمر شيء من الموجودات أصلاً إلا اللّه تعالى ونفسه، وفوق هذه الطبقة طبقة أخرى جداً وهي ألا تفكر في شيء قطّ إلا في اللّه وحده وفوق هذه الطبقة طبقة أخرى تجلّ عن الذكر والتفسير، ولا تصلح لأحد من المخلوقين إلا النادر الشاذ، وقد ذكرها هو فيما سبق، وهو ألا يفكر في شيء أصلاً، لا في المخلوق ولا في الخالق، لأنه قد قارب أن يتحد بالخالق، ويستغني عن الفكر فيه . قوله:«وصرفني عن هواي أي عن هواي» وفكري في تدبير الخلافة وسياسة الرعيّة والقيام بما يقوم به الأئمة.قوله(علیه السلام :«وصرّح لي محض أمري» يروى بنصب محض «ورفعه»، فمن نصب فتقديره: عن محض أمري، فلمّا حذف الجار نصب، ومن رفع جعله فاعلاً ،وصرّح : كشف أو انكشف . قوله: «فأفضى بي إلى كذا» ليس بمعنى أنه قد كان من قبل يمازج جدّه باللعب، بل المعنى أن همومه الأولى قد كانت بحيث يمكن أن يتخلّلها وقت راحة أو دعابة لا يخرج بها عن الحق، كما كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يمزح ولا يقول إلّا حقّاً (1)، فالآن قد حدث عنده همّ لا يمكن أن يتخللّه من ذلك شيء أصلاً، ومدار الفرق بين الحالتين - أعني الأولى والثانية على إمكان اللعب لا نفس اللعب وما يلزم من قوله :«أفضى لك بي هذا الهم »إلى انتفاء إمكان اللعب ،أن تكون همومه الأولى قد كان يمازجها اللعب، ولكن يلزم من ذلك أنها قد كانت يمكن ذلك فيها إمكاناً محضاً على أن اللعب غير منكر إذا لم يكن باطلاً، ألا ترى إلى قول : «المؤمن دَعِب لعِب» (2)، وكذلك القول في قوله :«وصدق لا يشوبه كذب» أي لا يمكن أن يشوبه كذب، وليس المراد بالصدق والكذبها هنا مفهومهما المشهورين، بل هو من قولهم : صدقونا اللقاء، ومن قولهم : حمل عليهم فما كذب !قال زهير : ليت بعثَرَ يصطاد الليوث إذا *** ما كذَّب الليث عن أقرانه صدقا أي أفضى بي هذا الهم إلى أن صدقتني الدنيا حربها ، كأنه جعل نفسه محارباً للدنيا، أي صدقتني الدنيا حربها ولم تكذب، أي لم تجبن ولم تَخُنُ . أخبر عن شدّة اتّحاد ولده ،به، فقال وجدتك بعضي، قال الشاعر :)
وإنّما أولادنا بيننا *** أكبادنا تمشي على الأرضلو هبت الريح على بعضهم *** لامتنعت عيني من الغمضوغضب معاوية على ابنه يزيد، فهجره، فاستعطفه له الأحنف، قال له :يا أمير المؤمنين ،أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، فإن غضبوا فارضهم، وإن سألوا فاعطهم، فلا تكن عليهم قفلاً فيملوا حياتك، ويتمنوا موتك .وقيل لابنة الحُسَ : أي ولديك أحبّ إليك؟ قالت : الصغير حتى يكبر، والمريض حتىيبرأ ، والغائب حتى يقدّم . غضب الطرمّاح على امرأته فشفع فيها ولده منها صمصام، وهو غلام لم يبلغ عشراً، فقال الطرماح:أصَمْصَامُ إن تشفع لأمك تَلْقهَا *** لها شافع في الصدر لم يتزحزحهَل الحبّ إلّا أنّها لو تعرّضت *** لذبحك يا صمصام قُلت لها : اذبحِيأحاذر يا صَمْصَامُ إن من أنْ يَلِي *** تُراثي وإياك امرؤ غير مصلحإذا صلّ وسط القوم رأسك صَكّةً *** يقول له النّاهي ملكت فاسْجِحِوفي الحديث المرفوع: «إنّ ريح الولد من ريح الجنّة» (1. وفي الحديث الصحيح أنه قال لحسن وحسين(علیهم السلام) : «إنكم لتجبنون، وإنكم لتبخّلون، وإنكم لمن ريحان اللّه» (2)ومن ترقيص الأعراب قول أعرابية لولدها :)یا حبّذا ريحُ الولد *** ريحُ الخُزامى في البلدكاهکذا كل ولد *** أم لم يلد قبلي أَحَدًاوفي الحديث المرفوع: «من كان له صبي فليستصب له» وأنشد الرياشي: مَنْ سرّه الدهر أن يرى الكبدا *** يمشي على الأرض فلير الولدا
الأصل: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى الله - أَيْ بُنَيَّ - وَلُزومِ أَمْرِهِ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَالاعْتِصَامِ . - بحَبْلِهِ، وَأَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الله ، إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِا أخي قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ، وَأَمِنْهُ بِالزَّهَادَةِ، وَفَوِّهِ بِالْيَقِينَ، وَنَوِّرُه بِالْحِكْمَةِ، وَذَلّلهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ، وَيَصُرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَحَذَّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَحْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرُهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا، وَعَمَّا انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلُو وَنَزَلُوا فإنَّكَ تَجِدُهُمْ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ، وَحَلُوا دَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيل قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ . فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ، وَلا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْياكَ، وَدَع الْقَوْل فِيمَا لا تَعْرِفُ وَالْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّف، وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلالَتَهُ ، فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِالأهوال .الشرح قوله(علیه السلام :«واي سبب أوثق» إشارة إلى القرآن لأنه هو المعبّر عنه بقوله تعالى : «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ » (1)ثم أتى بلفظتين متقابلتين، وذلك من لطيف الصنعة، فقال: «أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة»، والمراد إحياء دواعيه إلى الطاعة وإماتة الشهوات عنه . قوله(علیه السلام) :«واعرض عليه أخبار الماضين» معنى قد تداوله الناس، قال الشاعر : سل عن الماضين إن نطقت *** عنهم الأجداث والترك)أي دار للبلي نزلوا *** وسبيل للردى سَلَكُوا قوله(علیه السلام :«ودع القول فيما لا تعرف» من قول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لعبد اللّه بن عمرو بن العاص:«ياعبد اللّه،كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس،مرجت عهودهم وأماناتهم وصار الناس هكذا» - وشبك بين أصابعه-، قال عبد اللّه :فقلت : مُرْني يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، فقال:«خذ ما تعرف ، ودع ما لا تعرف، وعليك بخوّيصة نفسك» .(2)قوله : «والخطاب فيما لم تكلّف» من قول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله): «منْ حُسن إسلام المرء تركه ما)
لا يعنيه» (1، وقال معاوية في عبد الملك بن مروان وهو حينئذ غلام، إن لهذا الغلام لهمّة، وإنّه مع ذلك تارك لثلاث آخذ بثلاث : تارك مساءةَ الصديق جدّا وهَزلاً، تارك ما لا يعنيه، تارك ما لا يعتذر منه، آخذ بأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأهون الأمرين إذا خُولف .)قوله(علیه السلام :«وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته»، مأخوذ من قول النبي(صلی اللّه علیه واله) :«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (2)، وفي خبر آخر:«إذا رابك أمر فدغه» (3))الأصل: وَآمُرُ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنْكِرِ المُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ، وَبَايِنُ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ، وَجَاهِدْ فِي اللّه حَقَّ جِهَادِهِ، وَلا تَأْخُذْكَ فِي اللَّه لَوْمَةَ لايم. وَحضِ الْغَمَرَاتِ إلى الحقِّ حَيْثُ كَانَ، وَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَعَوِّدُ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَى المَكْرُوهِ، وَنِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُرُ فِي الْحَقِّ ! وَالْجِي نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلْهِكَ، فَإِنَّكَ تُلْجِتُهَا إِلَى كَهْفِ حَرِيزٍ، وَمَانِعٍ عَزِيزِ . وَالخَلِصْ فِي المَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاء وَالْحِرْمَانَ، وَأَكْثِر الاسْتِخَارَةَ، وَتَفَهُمْ وَصِيَّتِي، وَلا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً ، فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ، وَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ينفَعُ، وَلا يُتتَفَعُ بِعِلمٍ لا يحق تعلمه.الشرح: أمره أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهما واجبان عندنا، وأحد الأصول الخمسة التي هي أصول الدين. ومعنى قوله: «تكن من أهله»، لأن أهل المعروف هم الأبرار الصالحون ، ويجب إنكار المنكر باللسان، فإن لم ينجع فباليد، وتفصيل ذلك وترتيبه مذكور في كتبي الكلامية.
1) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد ،باب من تكلم بكلمة يضحك بها الناس (2318)، وابن ماجه :کتاب الفتن :باب كف اللسان في الفتنة (3976) ، وأحمد كتاب مسند أهل البيت باب حديث الحسن بن علي (1734) .
2) أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق، باب منه (2518) ، والنسائي، كتاب آداب القضاة، باب : الحكم باتفاق أهل العلم (5397) وأحمد كتاب مسند أهل البيت، باب : حديث الحسن بن علي بن أبي طالب (2001).
3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: 1173/ رقم: 4984
قوله : «وخُضِ الغمرات إلى الحق »، لا شبهة أن الحسن (علیه السلاملو تمكّن لخاضها إلَّا أنّ مَنْ فقد الأنصار لا حِيلَة له . وهل ينهض البازي بغير جَنَاحِ)والذي خاضها مع عدم الأنصار هو الحسين (علیه السلام، ولهذا عظم عند الناس قدّره، فقدّمه قوم كثير على الحسن(علیه السلام) ، فإن قلت : فما قول أصحابكم في ذلك؟ قلت: هما عندنا في الفضيلة سيّان، أما الحسن فلوقوفه مع قوله تعالى: (إِلَاَ أَن تَتَّقُوا) (1)، وأما الحسين فلإعزاز الدين. قوله :«فنعم التصبر» قد تقدّم منّا كلام شافٍ في الصبر .)وقوله :«وأكثر الاستخارة» : ليس يعني بها ما يفعله اليوم قوم من الناس من سَظر رقاع وجعلها في بنادق، وإنما المراد أمره إياه بأن يطلب الخيّرة من اللّه فيما يأتي ويذر . قوله : «لاخير في علم لا ينفع» قول حقّ، لأنه إذا لم ينفع كان عبثاً. قوله: «ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه»، أي لا يجب ولا يندب إليه، وذلك لأن النفع إنما نفع الآخرة، فما لم يكن من العلوم مرغباً فيه إما بإيجاب أو ندب فلا انتفاع به في الآخرة، وذلك كعلم الهندسة والأرثماطيقي ونحوهما.الأصل: أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنًا ، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً ، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَأَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُون أَنْ أُقْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي ، أَوْ أنْ أُنْقَصَ فِي رَأيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ . وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ ، فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبّكَ، لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدٌ رَأيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتْهُ ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلاج التَّجْرِبَةِ، فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ نَأْتِيهِ، وَاسْتَبانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ.
1) سورة آل عمران الآية: 28
الشرح: هذه الوصيّة (علیه السلامكتبها للحسن بعد أن تجاوز الستين، وروي أنه ذكر عند رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ما بين الستّين ،والسبعين، فقال:«معترك المنايا» (1)قوله(علیه السلام):«أو أن أنقص في رأيي هذا يدلّ على بطلان قول من قال : إنّه لا يجوز أن ينقص في رأيه، وإن الإمام معصوم عن أمثال ذلك، وكذلك قوله للحسن:«أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا يدلّ على أن الإمام لايجب أن يعصم عن غلبات الهوى، ولاعن فتن الدنيا.قوله :«فتكون كالصّعب النَّفو»، أي كالبعير«الصعب الذي لا يُمكن راكباً، وهومع ذلک نفور عن الأنس. ثم ذكر أن التعلم إنما هو في الصّبا، وفي المثل :«الغلام كالطيّن يقبل الختم ما دام رطباً». وقال الشاعر :)اختم وطينك رطب إن قدرت فَكَمْ *** قد أمكن الختم أقواماً فما خَتُموا ومثل هو(علیه السلام قلب الحدث بالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته، وكان يقال: التعلم في الصغركالنقش في الحجر، والتعلم في الكبر كالخطّ على الماء. قوله : «فأتاك من ذلك ما كنّا نأتيه» أي الذي كنا نحن نتجشم المشقّة في اكتسابه، ونتكلّف طلبه، يأتيك أنت الآن صفواً عفواً .)الأصل: أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ حُمِّرْتُ حُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا أَنْتَهَى إلَيَّ مِنْ أَمُورِهِمْ قَدْ عَمِرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ جَلِيلَهُ، وَتَوَلَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْركَ مَا يَعْني الْوالِدَ الشَّفِيقَ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدِبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمْرِ وَمُقْتَبِلُ الدَّهْرِ ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَأَنْ أَبْتَدِنَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلام وَأَحْكَامِهِ، وَحَلالِهِ وَحَرَامِهِ لا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ. ثُمَّ أَشَفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَارَائِهِم مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ
1) أخرج نحوه أبو يعلى في المسند (6543) ، والبيهقي في (الشعب) (10253) ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول» (139/1).
فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِن تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن أَسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ فِيهِ الْهَلَكَةَ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ الله فيهِ لِرُشْدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتي هَذِهِ.الشرح:هذا الفصل وما بعده يشعر بالنّهي عن علم الكلام حسب ما يقتضيه ظاهر لفظه، ألا تراه، قال له : كنت عازماً على أن أعلمك القرآن وتفسيره والفقه وهو المعرفة بأحكام الشريعة، ولا أجاوز بك إلى غيره، ثم خفت أن تدخل عليك شبهة في أصول الدين فيلتبس عليك في عقيدتك الأصلية ما التبس على غيرك من الناس، فعدلت عن العزم الأول إلى أن أوصيك بوصايا تتعلّق بأصول الدين.ومعنى قوله(علیه السلام : «وكان إحكام ذلك» إلى قوله:«لا آمن عليك به الهلكة» ، أي فكان إحكامي الأمور الأصليّة عندك وتقرير الوصية التي أوصيك بها في ذهنك فيما رجع إلى النظر في العلوم الإلهية، وإن كنت كارهاً للخوض معك فيه وتنبيهك عليه أحب إلي من أن أتركك سدّى مهملاً، تتلاعب بك الشّبه، وتعتورك الشكوك في أصول دينك، فربّما أفضى ذلك بك إلى الهلكة.)فإن قلت : فلماذا كان كارهاً تنبيه ولده على ذلك، وأنتم تقولون إن معرفة اللّه واجبة على المكلّفين، وليس يليق بأمير المؤمنين أن يكره ما أوجبه اللّه تعالى!قلت : لعلّه علم إمّا من طريق وصيّة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، أو من طريق معرفته بما يصلح أن يكون لطفاً لولده ومعرفته، بما يكون مفسدة له، لكثرة التجربة له ، وطول الممارسة لأخلاقه وطباعه أنّ الأصلح له ألا يخوض في علم الكلام الخوض الكلي وأن يقتنع بالمبادىء والجمل، فمصالح البشر تختلف، فربَّ إنسان مصلحته في أمر ذلك الأمر بعينه مفسدة لغيره، ونحن وإن أوجبنا المعرفة فلم نوجب منها إلا الأمور المجملة، وأما التفصيلات الدقيقة الغامضة، فلا تجب إلا عند ورود الشبهة، فإذا لم تقع الشبهة في نفس المكلف لم يجب عليه الخوض في التفصيلات .قوله(علیه السلام) :«قد عَمِرتُ مع أولهم إلى آخرهم» العين مفتوحة والميم مكسورة مخففة، تقول : عمر الرجل يعمر عمراً وعُمراً على غير قياس، لأن قياس مصدره التحريك أي عاش)زماناً طويلاً، واستعمل في القسم أحدهما فقط، وهو المفتوح. قوله(علیه السلام :«حيث عناني من أمرك »أي أهمني، قال: عَنَاني مِنْ صُدُودِكَ مَا عَنا)قوله : «وأجمعت عليه أي عزمت».
ومقتبل الدهر ، يقال : اقتبل الغلام فهو مقتّبل بالفتح وهو من الشواذّ، ومثله أحصن الرجل إذا تزوج فهو مُحصن، وإذا عفّ فمحصّن أيضاً، وأسهب إذا أطال الحديث فهو مسهّب، والفج إذا افتقر فهو ملفّج، وينبغي أن يكون له من قوله : «تنبيهك له» بمعنى «عليه»، أو تكون على أصلها، أي ما كرهت تنبيهك لأجله . فإن قلت : إلى الآن ما فسّرتَ لما ذاكره تنبيهه على هذا الفنّ؟ قلت بلى قد أشرت إليه، وهو أنه كره أن يعدل به عن تفسير القرآن وعلم الفقه إلى الخوض في الأمور الأصولية فنبهه على أمور يجرّه النظر وتأمّل الأدلة والشبهات إليها دقيقة يُخاف على الإنسان من الخوض فيها أن تضطرب عقيدته، إلا أنه لم يجد به بداً من تنبيهه على أصول الديانة، وإن كان كارهاً لتعريضه لخطر الشبهة فنّبهه على أمور جملية غير مفصلة، وأمره أن يلزم ذلك ولا يتجاوزه إلى غيره وأن يُمسك عما يشتبه عليه، وسيأتي ذكر ذلك .الأصل: وَاعْلَم يا بُنَيَّ أَنَّ أَحَبَّ ما أنْتَ آخِذُ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيِّنِي تَقْوَى الله وَالاقْتِصَارُ على ما فَرَضَهُ الله عَلَيْكَ، وَالأخُذُ بِما مَضَى عَلَيْهِ الأَوَّلُونَ مِنْ آباتِكَ، وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بيتك، فإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَما أَنْتَ ناظر ، وَفَكَّرُوا كَما أَنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذلِكَ إِلَى الأخذ بما عَرَفُوا ، والإنساكِ عَمَّا لَمْ يُكَلِّفُوا ، فإنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أنْ تَعْلَم . كَما عَلِمُوا، فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُم وَتَعَلُّم، لا بِتَوَرّط الشُّبُهَاتِ، وعُلَقِ الخُصُومَاتِ . وَابْدَأَ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعانَةِ بإلهك ، والرغْبَةِ إِلَيْهِ في تَوْفِيقِكَ، وَتَرْكِ كُلِّ شائبة اوْلَجَتْكَ فِي شُبهة، أوْ اسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلالَةٍ، فَإِنْ ابْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلبُكَ فَخَشَعَ ، وَتَمَّ رَأيك فاجْتَمَعَ ، وكانَ هَمُّكَ في ذَلِكَ هَمَّا وَاحِداً ، فانْظُرْ فِيما فَسَّرْتُ لَكَ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعُ لَكَ . ما تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ ، وفَرَاغَ نَظرِكَ وفِكْرِكَ ، فاعْلَمْ أَنكَ إِنَّما تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ، وَتَتَوَرَّطُ الظلماءَ، وَلَيْسَ طالِبُ الدِّين مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَط ، وَالإِنساكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ .الشرح: أمره أن يقتصر على القيام بالفرائض، وأن يأخذ بسنّة السلف الصّالح من آبائه وأهل بيته، فإنّهم لم يقتصروا على التقليد، بل نظروا لأنفسهم، وتأمّلوا الأدلة، ثمّ رجعوا آخر الأمر إلى الأخذ بما عرفوا ، والإمساك عمّا لم يكلّفوا . فإن قلتَ : مَنْ سَلَفه هؤلاء الذين أشار إليهم؟ :قلت المهاجرون الأولون من بني هاشم وبني المطلب كحمزة وجعفر والعباس وعبيدة بن
الحارث، وكأبي طالب في قول الشَّيعة وكثير من أصحابنا، وكعبد المطلب في قول الشيعة خاصّة. فإن قلت : فهل يكون أمير المؤمنين (علیه السلام نفسه معدوداً من جملة هؤلاء ! قلت : لا ، فإنه لم يكن من أهل المبادىء والجمل المقتصر بهم في تكليفهم العقليات على أوائل الأدلّة، بل كان سيّد أهل النظر كافّة وإمامهم . فإن قلت ما معنى قوله : لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم؟ قلت: لأنّهم إذا تأملوا الأدلّة وفكروا فيها فقد نظروا لأنفسهم كما ينظر الإنسان لنفسه ليخلّصها من مضرّة عظيمة سبيلها أن تقع به إن لم ينظر في الخلاص منها، وهذا هو الوجه في وجوب النظر في طريق معرفة اللّه والخوف من إهمال النظر . فإن قلت : ما معنى قوله :«إلى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عمّا لم يكلّفوا»؟ قلت : الأخذ بما عرفوا مثل أدلّة حدوث الأجسام وتوحيد البارىء وعدله، والإمساك عمّا لم يكلّفوا مثل النّظر في إثبات الجزء الذي لا يتجزأ ونفيه، ومثل الكلام في الخلا والملا ، والكلام في أن هل بين كل حركتين مستقيمتين سكون أم لا؟ وأمثال ذلك مما لا يتوقف أصول التوحيد والعدل عليه، فإنه لا يلزم أصحاب الجمل والمباديء أن يخوضوا في ذلك، لأنهم لم يكلّفوا الخوض فيه، وهو من وظيفة قوم آخرين .)قوله (علیه السلام:«فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا»، هذا الموضع فيه لك نظر، لأنا قد قلنا : إنهم لم يعلموا التفاصيل الدقيقة، فكيف يجعلهم عالمين بها؟ ويقول: «أن تعلم كما علموا» وينبغي أن يقال إن الكاف وما عملت فيه في موضع نصب، لأنه صفة مصدر محذوف، وتقديره فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك علماً كما علموا دون أن تعلم التفاصيل الدقيقة، وجاز انتصاب «علماً» والعامل فيه «تقبل» لأنّ القبول من جنس العلم، لأن القبول اعتقاد والعلم ،اعتقاد وليس لقائل أن يقول : فإذن يكون قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي، لأن الفصل بينهما قد جاء كثيراً، قال الشاعر: جزى اللّه كَفَّاً مِلْتُها من سعادة *** سَرَتْ في هلاكِ المالِ والمالُ نائمُ ويجوز أن يقال:كما علموا الآن بعد موتهم، فإنَّهم بعد الموت يكونون عالمين بجميع ما يشتبه علمه على النّاس في الحياة الدنيا، لأن المعارف ضرورية بعد الموت، والنفوس باقية على قول كثير من المسلمين وغيرهم. واعلم أن الذي يدعو إلى تكلّف هذه التأويلات أن ظاهر الكلام كونه يأمر بتقليدالنبی (صلی اللّه علیه واله) والأخذ بما في القرآن وترك النظر العقلي، هذا هو ظاهر الكلام، ألا تراه كيف)
يقول له : الاقتصار على ما فرضه اللّه عليك، والأخذ بما مضى عليه أهل بيتك وسلفك، فإنّهم لما حاولوا النظر رجعوا إلى السمعيات ،وتركوا ،العقليات، لأنها أفضتْ بهم إلى ما لا يعرفونه، ولا هو من تكليفهم . ثم قال له : فإن كرهت التقليد المحض، وأحببت أن تسلك مسلكهم في النظر، وإن أفضى أن بك الأمر إلى تركه والعود إلى المعروف من الشرعيّات وما ورد به الكتاب والسنّة فينبغي تنظر وأنت مجتمع الهمّ خالٍ من الشبهة، وتكون طالباً للحقّ، غير قاصد إلى الجدل والمراء، فلمّا وجدنا ظاهر اللفظ يقتضي هذه المعاني، ولم يجز عندنا أن يأمر أمير المؤمنين(علیه السلام ولده مع حكمته وأهلية ولده بالتقليد وترك النظر، رجعنا إلى تأويل كلامه على وجه يخرج به(علیه السلام) من أن يأمر بما لا يجوز لمثله أن يأمر به.)واعلم أنّه قد أوصاه إذا همّ بالشروع في النظر بمحض ما ذكره المتكلمون، وذلك أمور: منها أن يرغب إلى اللّه في توفيقه وتسديده. ومنها أن يطلب المطلوب النظري بتفهّم وتعلم، لا بجدال ومغالبة ومراء ومخاصمة. ومنها اطّراح العصبية لمذهب بعينه *** والتورّط في الشبهات التي يحاول بها نصرة ذلك المذهب . ومنها ترك الإلف والعادة، ونصرة أمر يطلب به الریاسة، وهو المعنى بالشوائب التي تولج في الضلال.ومنها أن يكون صافي القلب، مجتمع الفكر، غيرمشغول السرّ بأمر من جوع أو شبع أو شبَق أو غضب ولا يكون ذا هموم كثيرة، وأفكار موزّعة مقسّمة، بل يكون فكره وهمه هما واحداً . قال : فإذا اجتمع لك كل ذلك فانظر، وإن لم يجتمع لك ذلك ونظرت كنت كالنّاقة العشواء الخابطة لا تهتدي، وكمن يتورّط في الظلماء لا يعلم أين يضع قدمه! وليس طالب الدين مَنْ كان خابطاً أو خالطاً، والإمساك عن ذلك أمثل وأفضل .الأصل: نَتَفَهُمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ، وَأَنَّ الْمُقْنِي هُوَ الْمُعِيدُ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِي هُوَ الْمُعَافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا الله عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ وَالاِبْتِلاءِ وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ، أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لا
تَعْلَمُ ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلُهُ عَلَى جَهَالَتِكَ، فَإِنَّكَ أَوّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلاً ثُمَّ هلمْتَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأمْرِ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْبُكَ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ !الشرح: قد تعلّق بهذه اللفظة وهو قوله :«أو ما شاء ممّا لا تعلم»، قوم من التناسخيّة، وقالوا : المعنى بها الجزاء في الهياكل التي تنتقل النفوس إليها . وليس ما قالوه بظاهر، ويجوز أن يريد أن اللّه تعالى قد يجازي المذنب في الدنيا بنوع من العقوبة، كالأسقام والفقر وغيرهما، والعقاب وإن كان مفعولاً على وجه الاستحقاق والإهانة فيجوز لمستحقه وهو الباري أن يقتصر منه على الإيلام فقط، لأن الجميع حقّه، فله أن يستوفي البعض ويسقط البغض، وقد روي «أو بما شاء» بالباء الزائدة، وروي «بما لا يعلم». وأما الثواب فلا يجوز أن يجازي به المحسن في الدنيا، لأنه على صفة لا يمكن أن تجامع التكليف، فيحمل لفظ الجزاء على جزاء العقاب خاصة. ثم أعاد(علیه السلام وصيته الأولى، فقال: وإن أشكل عليك شيء من أمر القضاء والقدر، وهو كون الكافر مخصوصاً بالنعماء والمؤمن مخصوصاً بضرب من الابتلاء، وكون الجزاء قد يكون في المعاد، وقد يكون في غير المعاد فلا تقدحنّ جهالتك به في سكون قلبك إلى ما عرفتك جملته، وهو أن اللّه تعالى هو المحيي والمميت ،المفني المعيد، المبتلي المعافي، وأن الدنيا بنيت على الابتلاء والإنعام وأنهما لمصالح وأمور يستأثر اللّه تعالى بعلمها، وأنه يجازي عباده إما في الآخرة أو غير الآخرة، على حسب ب ما يريده ويختاره. ثم قال له : إنّما خلقت في مبدأ خلقتك جاهلاً ، فلا تطلبن نفسك غاية من العلم لا وصول لها إليها، أو لها إليها ،وصول بعد أمور صعبة، ومتاعب شديدةّ فمَنْ خلق جاهلاً حقيق أن يكون جهله مدة عمره أكثر من علمه استصحاباً للأصل. ثم أراد أن يؤنسه بكلمة استدرك بها إيحاشه، فقال له : وعساك إذا جهلت شيئاً ذاك أن تعلمه فيما بعد، فما أكثرما تجهل من الأموروتتحيّر فيه، ثم تبصره وتعرفه! وهذا من الطّبٌ للطيف، والرُّقَى الناجعة (1)، والسِّحْرَ الحلال . الأصل: فَاعَتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ، فَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُدُك، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ، وَمِنْهُ شَفَقَتُك. وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِي عَن الله سُبْحَانَهُ كما أَنْبَأَ عَلَيْهِ نَبِيْنَا(صلی اللّه علیه واله) ، فَارْضَ بِهِ)
1) نجع فيه الدواء : إذا نفع اللسان، مادة (نجع).
رائِداً، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً ، فَإِنِّي لَمْ ألُكَ نَصِيحَةٌ، وَإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظر لِنَفْسِكَ، وَإن اجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ .الشرح: عاد إلى أمره باتباع الرسول(صلی اللّه علیه واله، وأن يعتمد على السمع وما وردت به الشريعة ونطق به الكتاب، وقال له : إن أحداً لم يخبر عن اللّه تعالى كما أخبر عنه نبينا(صلی اللّه علیه واله) وصدق(علیه السلام) ! فإنّ التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب أنبياء بني إسرائيل لم تتضمّن من الأمور الإلهية ما تضمنه القرآن ،وخصوصاً في أمر المعاد، فإنه في أحد الكتابين مسكوت عنه، وفي الآخر مذكور ذكراً مضطرباً ، والذي كشف هذا القناع في هذا المعنى، وصرّح بالأمر هو و القرآن .)ثم ذكر له أنه أنصحُ له من كلّ أحد، وأنه ليس يبلغ وإن اجتهد في النظر لنفسه ما يبلغه هو(علیه السلام له، لشدة حبّه له وإيثاره مصلحته. وقوله : «لم آلك نصحاً، لم أقصّر في نصحك الى الرجل في كذا يألو أي قصر فهو آل والفعل لازم، ولكنه حذف اللام فوصل الفعل إلى الضمير فنسبه، وكان أصله : لا آلو لك نصحاً، منصوب على التمييز، وليس كما قاله الراوندي إن انتصابه على أنه مفعول ثان، فإنه إلى مفعول واحد لا يتعدّى ،فكيف إلى اثنين! ويقول هذه امرأة آلية أي مقصّرة وجمعها أوال، وفي المثل :«إلّا حظية فلا ألية» (1)، أصله في المرأة تصلّف عند بعلها ، فتوصى حيث فاتتها الحظوة ألا تألوه في التودّد إليه والتحبّب إلى قلبه. قوله :«ومنه شفقتك»، أي خوفك. ورائد أصله الرجل يتقدّم القوم فيرتاد بهم المرعى.)الأصل: وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكَ لأَنكَ رُسُلُهُ، وَلَرَأَيْتَ آثار مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ إِلهُ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، لا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَلا يَزُولُ أَبَداً وَلَمْ يَزَل، أَوَّلَ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بَلا أَوْلِيَّةِ، وَآخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلا نِهَايَةٍ، عَظْمَ أَنْ تُبت بِرُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ . فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ، وَقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ، وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ، وَعَظِيمٍ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ، فِي طَلَب طَاعَتِهِ، وَالرَّهِبَةِ مِنْ عُقُوبَتِه، وَالْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، ب وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرُكَ إِلَّا بِحَسَنِ، وَلَمْ يَنْهَكَ إِلَّا مَنْ قَبيح
1) انظر مجمع) الأمثال للميداني (30/1) برقم (44) .
الشرح: يمكن أن يستدل بهذا الكلام على نفي الثاني من وجهين : أحدهما أنّه لو كان في الموجود ثان للبارى، تعالى لما كان القول بالوحدانيّة حقّاً، بل كان الحقّ هو القول بالتثنية، ومحال ألا يكون ذلك الثاني حكيماً ، ولو كان الحق هو إثبات ثانٍ حكيم لوجب أن يبعث رسولاً يدعو المكلّفين إلى التثنية، لأنّ الأنبياء كلّهم دعوا إلى التّوحيد لكن التوحيد على هذا الفرض ضلال، فيجب على الثاني الحكيم أن يبعث من ينبّه المكلّفين على ذلك الضلال ويرشدهم إلى الحق وهو إثبات الثاني، وإلا كان منسوباً في إهمال ذلك إلى السّفه واستفصاد المكلّفين، وذلك لا يجوز، ولكنا ما أتانا رسول يدعو إلى إثبات ثان في الإلهيّة فبطل كون القول بالتوحيد ضلالاً ، وإذا لم يكن ضلالاً كان حقاً، فنقيضه وهو القول بإثبات الثاني باطل.الوجه الثاني : أنه لو كان في الوجود ثان للقديم تعالى لوجب أن يكون لنا طريق إلى إثباته، إمّا من مجرد أفعاله، أو من صفات أفعاله، أو من صفات نفسه، صفات نفسه، أو لا من هذا ولا من هذا، فمن التوقيف . وهذه هي الأقسام التي ذكرها أمير المؤمنين(علیه السلام ، لأن قوله : «أتتك رسله» هو التوقيف، وقوله :«ولرأيت آثار ملكه وسلطانه» هي صفات أفعاله، وقوله :«ولعرفت أفعاله وصفاته» هما القسمان الآخران. أما إثبات الثاني من مجرّد الفعل فباطل، لأن الفعل إنما يدلّ على فاعل ولا يدلّ على التعدّد، وأما صفات أفعاله وهي كون أفعاله محكمة متقنة، فإن الإحكام الذي نشاهده إنما يدل على عالم ولا يدلّ على التعدّد، وأما صفات ذات البارى فالعلم بها فرع على العلم بذاته، فلو أثبتنا ذاته بها لزم الدور. وأما التوقيف فلم يأتنا رسول ذو معجزة صحيحة يدعونا إلى الثاني، وإذا بطلت الأقسام كلّها، وقد ثبت أن ما لا طريق إلى إثباته لا يجوز إثباته بطل القول بإثبات الثاني . ثم قال :«لا يضاده في ملكه أحد» ليس يريد بالضدّ ما يريده المتكلّمون من نفي ذات هي معاكسة لذات البارى تعالى في صفاتها ،كمضادّة السواد للبياض، بل مراده نفي الثاني لا غير، فإنّ نفي الضدّ بحث آخر لا دخول له بين هذا الكلام.)ثم ذكر له أنّ البارىء تعالى قديم سابق للأشياء، لا سبقاً له حد محدود، وأول معيّن، بل لا أوّل له مطلقاً. ثم قال : وهو مع هذا آخر الأشياء، آخرية مطلقة ليس تنتهي إلى غاية معينة . ثم ذكر أن له ربوبية جلت عن أن تحيط بها الأبصار والعقول. وقد سبق منا خوض في هذا المعنى، وذكرنا من نظمنا في هذا النمط أشياء لطيفة، ونحر
نذكرها هنا من نظمنا أيضاً في هذا المعنى، وفي فنّنا الذي اشتهرنا به، وهو والمخاطبة على طريقة أرباب الطريقة ما لم تذكره هناك، فمن ذاك قولي :فَلا واللّه ما وصل ابن سينا *** ولا أغْنَى ذكاء أبي الحُسَيینولا رَجَعا بشيء بعد بحث *** وتدقيق سوى خُفّي حُنَینلقد طوفت اطلبكم ولكن *** يحول الوقت بينكم وبينيفهل بعد انقضاء الوقت أحظى *** بوصلكم غداً وتقرّ عیني !منّي عِشنَابها زمناً وكانتْ *** تُسَوّفُنَا بصدق أو بمينِفإنْ أكْدَتْ فذاك ضياعُ ديني *** وإن أجْدَتُ فذاك حلول دينيومنها :امولاي قد أحرقتُ قلبي فلا تكن *** غداً محرقاً بالنار مَن كان يهواكاأتجمع لي نارين: نارَمحبةٍ *** ونارَ عذابٍ أنت أرحم من ذاكا !ومنها :قوم موسى تاهوا سنينَ كَمَا قَدْ *** جاء في النصّ قدرها أربعوناولي اليومَ تائهاً في جَوَى من *** لا أسمّي وحبه خمسوناقل :لأحبابنا: إلامَ نَرُومُ ال*** وَصْل منكم وأنتم تمنعونا!کم تناجیکم فلاترشدونا *** وتناديكم فلا تسمعونا!حسبنا علمكم بأنا موالِيكُمْ *** وإن كنتُم لَنا كارهینافعسى تدرك السعادة أرباب ال*** معاصي فيصبحوا فائزينا!ومنها :واللّه ما آسَى من الدُّنيا عَلَى *** مال ولا ولد ولا سلطانِبل في صميم القلب مني حسرة *** تبقى معي وتُلف في أكفانيإني أراك بباطني لا ظاهري *** فالحسنُ مَشغَلَةٌ عَنِ العرفانِيا مَنْ سهرت مفكّراً في أمره *** خمسين حولاً دائمَ الجَوَلانِفرجعت أحمق من نعامة بَيْهس *** وأضل سعياً من أبي عُبشانومنها :وحقك إن أدخلتني النّار قلتُ لل*** ذين بها قد كنت ممن أحبّهوأفنيت عمري في علوم دقيقة *** وما بغيتي إلا رضاه وقربه
هيوني مسيئاً أَوْتَغَ (1الحلم جهله *** وأوبقه بين البرية ذنبه)أما يقتضي شرع التكرّم عشقه *** أيحسن أن يُنسى هواه وحبه!أما كان ينوي الحق فيما يقوله *** الم تنصر التوحيد والعدل كتبه!أما ردّ زيغ ابن الخطيب وشكّه *** وإلحاده إذ جَلَّ في الدين خطبُهُ!أما قلتمُ مَنْ كان فينا مجاهداً *** سيُكرم مثواه ويُعذب شربه!ونهديه سُبلاً من هدانا جهاده *** ويدخله خير المداخل كسبُهُفأي اجتهاد فوق ما كان صانعاً *** وقد أحرقت زرق الشياطين شهبه!وما نال قلبُ الجيش جيش محمدكما نال من أهل الضلالة قلبهفإن تصفحوا يغنم وإن تتجرّموا *** فتعذيبكم حلو المذاقة عذبهوآية صدق الصّب أن يعذَّبَ الأذى إذ كان مَنْ يهوَى عليه يَصُبُهُومنها :إذا فكرت فيك يَحَارُ عقلي *** وألحق بالمجانين الكباروأصحو تارة فيشوب ذهني *** ويقدح خاطري گشواظ نارفيا مَنْ تاهت العقلاء فيهِ *** فأمسوا كلّهم صَرْعَى عُقَارِويا مَنْ كاعت الأفكار عنه *** فآبت بالمتاعب والخَسَارِويا مَنْ ليس يعلمُه نَبِيٌّ *** ولا ملك ولا يدريه دارويا من ليس قُداماً وخَلْفاً ولا جهة اليمين ولا اليَسَارِولا فوق السماء ولا تدّلى *** من الأرضين في لُجَج البحَارِويا من أمره من ذاك أجلى *** من ابن ذكاء أو صبح النّهارسألتك باسمك المكتوم إلا *** فكکتَ النّفْسَ من رقّ الإساروجدت لها بما تهوى فأنت ال عليمُ بباطنِ اللُّغَزِ الضمارومنها :با ربّ إنّك عالم *** بمحبتي لك واجتهاديوتجردّي للذبّ عنك *** على مراغمة الأعاديبالعدل والتوحيد أص ***دع معلناً في كلّ نادِي
1) الوتغ: الإثم. اللسان، مادة (وتغ).
وكشفت زيغ ابن الخط*** يب ولبسه بين العِبَادِونقضت سائر ما بَنَاه*** من الضلالة والفسادو ابنت عن إغوائه *** في دين أحمدَ ذِي الرَّشَادِوجعلت أوجه ناصري*** ومحمّمات بالسّوادوكففت مِن غُلَوالهمْ *** بَعْدَ التمرّد والعِنَادِفكانما نُخِل الرماد ع*** عليهمُ بَعْدَ الرَّمَادِوقصدت وجهك ابتغي حسن المثوبة في المعادِفأفض على العبد الفقیر إليكم نورَ السَّدَادِوارزقه قبل الموت مع رفة ال رفة المصائر والمَبَادِيوافكك أسير الحرص بال أصفاد من أسر الصفادواغل بصفو القرب من *** ابوابكم کدرالبعادوأعضه من حَرّ الغل *** يل بوصلكم بَرْدَ الفؤادوارحم عيوناً فيك ها *** ميةً وقَلْباً فيك صادِيا ساطح الأرض المها ***وممسك السبع الشَّدادِالأصل: يَا بُنَيَّ ، إِنِّي قَدْ أَنْباتُكَ عَن الدُّنْيَا وَحَالِهَا ، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا ، وَأَنْبَأَتُكَ عَنِ الآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا ، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ لِتَعْتَبِرَ بِهَا ، وَتَحْذُو عَلَيْهَا . إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ، نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ، فَأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً ، وَجَنَاباً مريعاً ، فَاحْتَمَلُوا وَعْنَاءَ الطَّرِيقِ، وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ المَطعم ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً ، وَلا يَرَوْنَ نَفَقَةٌ فِيهِ مَغْرَماً. وَلا شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ وَأَدْنَاهُمْ إِلَى مَحَلَتِهِمْ. وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرٌ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلِ خَصِيبٍ، فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهُ إِلَيْهِمْ ، وَلا أَنْظَعُ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ إِلَى مَا يَهْجِمُونَ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ . الشرح: حذا عليه يحذو، واحتذى مثاله، يحتذي، أي اقتدى به. وقوم سفر، بالتسكين، أي مسافرون.
وأموا: قصدوا والمنزل الجديب: ضدّ المنزل الخصيب. والجناب المَرِيع بفتح الميم: ذو الكلأ والعشب ، وقد مَوع الوادي ، بالضم . والجَناب الفناء. ووغثاء الطريق : مشقتها . وجُشوبة المطعم : غِلَظه، طعام جَشيب ومَجُشوب، ويقال إنه الذي لا أدم يقول معه.یقول:مثل من عرف الدنيا وعمل فيها للآخرة،كمن سافر من منزل جدب إلى منزل خصيب، فلقي في طريقه مشقّة، فإنه لا يكترث بذلك في جنب ما يطلب، وبالعكس من عمل للدنيا وأهمل أمر الآخرة، فإنه كمن يسافر إلى منزل ضَنك ويهجر منزلاً رحيباً طيباً ، وهذا قول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (1)الأصل: يا بُنَي ، اجْعَلْ نَفَسَكَ ميزاناً فيما بَيْنَكَ وبَيْنَ غَيْرِكَ، فَاحْبَبْ لِغَيْرِكَ ما تُحِبُّ لنَفْسِكَ ، واكْرَهُ لَهُ ما تَكْرَهُ لَهَا ، ولا تَظْلِمُ كَما لا تُحِبُّ أنْ تُظْلَمَ ، وَأَحْسِنُ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إليك، واسْتَقيحُ مِنْ نَفْسِكَ ما تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ وارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِك ، ولا تَقُلْ ما لا تَعْلَمُ وإنْ قَلَّ ما تَعْلَم، ولا تَقُل ما لا تُحِبُّ أَنْ يُقالَ لَكَ. واعْلَمْ أَنَّ الإعجاب ضِدُّ الصَّوَابِ، وآفَةُ الألْبابِ، فاسْعَ في كَدْحِكَ، ولا تَكُنْ حَازِنا لغَيْرِكَ، وإذَا انْتَ مُدِيتَ لِتَصْدِكَ، فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ .)الشرح:جاء في الحديث المرفوع :«لا يكمل إيمان عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، «لا ويكره لأخيه ما يكره لنفسه» .(2وقال بعض الأسارى لبعض الملوك : افعل معي تحبّ أن يفعل اللّه معك، فأطلقه ، وهذا هو معنى قوله(علیه السلام):« ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم». وقوله :«وأحسن» من قول اللّه تعالى: (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ ) (3))
1) أخرجه مسلم كتاب الزهد والرقائق (2956) والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر (2324) ، وابن ماجه كتاب الزهد، باب مثل الدنيا (4113)، وأحمد، كتاب مسند المكثرين باب باقي المسند السابق (8090) .
2) أخرج نحوه البخاري كتاب الإيمان باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (13) ومسلم كتاب الإيمان باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه (45) والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب منه (2515) والنسائي، كتاب الإيمان، باب : علامة الإيمان (5016
3) سورة القصص الآية: 77
وقوله :«واستقبح من نفسك»، سئل الأحنف عن المروءة، فقال: أن تستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك. وروي :«وأرض من الناس لك وهي أحسن» . وأما العُجب وما ورد في ذمه فقد قدمنا فيه قولاً مقنعاً. قوله(علیه السلام :«واسْعَ في كدحك» أي أذهب ما اكتسبت بالإنفاق، والكدح ها هنا : عالية الذي كدح في حصوله ،والسعي فيه إنفاقه، وهذه كلمة فصيحة، وقد تقدم نظائر قوله : تكن خازناً لغيرك». ثم أمره أن يكون أخشع ما يكون اللّه إذ هَدَاه لرشده، وذلك لأنّ هدايته إياه إلى رشده نعمة عظيمة منه، فوجب أن يقابل بالخشوع لأنه ضرب من الشكر .)الأصل: وَاعْلَمْ أنَّ أمامَكَ طَرِيقاً ذا مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَمَشَقَةٍ شَدِيدَةٍ، وَأَنَّهُ لا غِنِّى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الارتياد، وقَدْرِ بلاغِكَ مِنَ الزَّادِ، مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ ، فَلا تَحْمِلَنْ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طائتِكَ، فَيَكُونَ ثِقَلُ ذَلِكَ وَبالاً عَلَيْكَ ، وإذا وجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ وحَمْلُهُ إِيَّاهُ ، وأكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَأَنْتَ قادِرٌ عَلَيْهِ. فَلَعَلَّكَ تَطلبه فلا تَجِدُهُ. واغْتَيْم مَنِ اسْتَقْرَضَكَ في حالِ غِناكَ، لِيَجْعَلَ فَضاءَهُ لَكَ في يَوْمٍ عُسْرَتِكَ. واعْلَمْ أنَّ أمامكَ عَقَبَةٌ كَووداً ، الْمُخِفُ فيها أحْسَنُ حالاً مِنَ المُثْقِلِ، والمُبطىء عَلَيْهَا أَقْبَحُ أمْراً مِنَ الْمُسْرِع وأنَّ مَهْبِطَهَا بِك لا مَحالَةَ، إِمَّا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نارٍ، فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ، وَوَعَى الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ ولا إلَى الدُّنْيا مُنْصَرَفٌ.الشرح: أمره في هذا الفصل بإنفاق المال والصَّدَقة والمعروف . فقال : إن بين يديك طريقاً بعيد المسافة، شديد المشقة، ومَنْ سلك طريقاً فلا غنى له عن أن يرتاد لنفسه، ويتزوّد من الزاد قدر ما يبلّغه الغاية، وأن يكون خفيف الظهر في سفره ذلك، فإياك أن تحمل من المال ما يثقِلُك، ويكون وبالاً عليك، وإذا وجدت من الفقراء والمساكين مَنْ يحمل ذلك التقل عنك فيوافيك به غداً وقت الحاجة فحمله إياه، فلعلك تطلب مالك فلا تجده. جاء في الحديث المرفوع :«خَمْس من أتى اللّه بهنّ أو بواحدة منهن أوجب له الجنّة مَنْ سقى هامةً صادية، أو أطعم كبداً هافية، أو كسا جلدة عارية، أو حمل قدماً حافية، أو أعتق رقبة عانية».
قيل لحاتم الأصيمّ : لو قرأت لنا شيئاً من القرآن قال : نعم، فاندفع فقرأ :(المَ* الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَمِمَّا رَزَقنَهُم ينفِقُونَ. (1)يكنزون، فقالوا : أيها الشيخ ما هكذا أنْزِلَ! قال: صدقتم، ولكن هكذا أنتم !)الأصل: وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ، وَتَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَكَ مَنْ حجُبُكَ عَنْهُ، وَلَمْ يُلْجِنَّكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلكَ بالنّقْمَةِ، وَلَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ لِلْفَضِيحَةِ، وَلَمْ يُشَدِّدُ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الْإِنَابَةِ، وَلَمْ يُنَا قِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ، وَلَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَن الذَّنْبِ حَسَنَةٌ ، وَحَسَبَ سَيِّتَكَ وَاحِدَةٌ ، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً . وَفَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ، وَبَابَ الاسْتِعْتَابٍ، فَإِذَا نَادَيْنَهُ سَمِعَ نِدَاكَ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ، فَأَنضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ، وَأَبْتُهُ ذَاتَ نَفْسِكَ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ، وَاسْتَعَتُتَهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَارِ، وَصِحَّةِ الْأَبْدَانِ، وَسَعَةِ الْأَرْزَاقِ .ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ، وَاسْتَمَطَرْتَ شَابِيبَ رَحْمَتِهِ ، فَلا يُقْنِطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى نَدْرِ النِّيَّة النّيّةِ، وَرُبَّمَا أُخْرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ امِلِ. وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلا تُعْطَاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلا أَوْ أَجِلاً ، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ مَلاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ، فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ ، فَالْمَالُ لا يَبْقَى لَكَ، وَلا تَبْقَى لَهُ . الشرح: قد تقدم القولُ في الدُّعاء. قوله : «بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة»، هذا متفّق عليه بين أصحابنا، وهو أنّ تارك القبيح لأنه قبيح يستحقّ الثواب. قوله :«حسب سيئتك واحدة وحسب حسنتك عشراً »، هذا إشارة إلى قوله تعالى:«مَن جَلَة بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا» (2)
قوله: «وأبثئته ذات نفسك»، أي حاجتك . ثم ذكر له وجوهاً في سبب إبطاء الإجابة : منها أن ذلك أمر عائد إلى النيّة، فلعلّها لم تكن خالصة. ومنها أنه ربما أخرت ليكون أعظم لأجر السائل، لأن الثواب على قدر المشقة. ومنها أنه ربما أخرت ليعطي السائل خيراً مما سأل، إمّا عاجلاً أو آجلاً، أو في الحالين. ومنها أنه ربّما صرف ذلك عن السائل، لأنّ في إعطائه إيّاه مفسدة في الدين. قوله :«فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له»، لفظ شريف فصيح، ومعنى صادق محقّق فيه عظة بالغة، وقال أبو الطيب : أيْنَ الجبابرة الأكاسرة الألى ***كنزُوا الكنوز فما بَقينَ وَلا بَقُواویروی:«من يحجبه عنك» . وروي:«حيث الفضيحة» أي حيث الفضيحة موجودة منك . واعلم أنّ في قوله :«قد أذن لك في الدعاء، وتكفّل لك بالإجابة» إشارة إلى قوله تعالى : «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم» .(1)وفي قوله :«وأمر أن تسأله ليعطيك إشارة إلى قوله : (وَسْتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ (2). وفي قوله : «وتسترحمه ليرحمك» إشارة إلى قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (3)وفي قوله : ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، إشارة إلى قوله :« إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عملا صلحا فَأُولَيكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِمَا» (4)الأصل: وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلآخِرَةِ لا لِلدُّنْيَا، وَلِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ، وَلِلْمَوْتِ لا لِلْحَياءِ، وَأَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ، وَدَارِ بُلْغَةِ، وَطَرِيقِ إِلَى الْآخِرَةِ، وَأَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لا يَنْجُو هَارِبُهُ، وَلا يَفُوتُهُ طَالِبُهُ، وَلا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ.
يَا بُنَيَّ، أَكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ ، وَلا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ . وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرٌ بِمَا تَرَى مِنْ الحَلادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا ، وَتَكَالُبهم عَلَيْهَا ، فَقَدْ نَباكَ الله عَنْهَا ، وَنَعَتَتْ لَكَ نَفْسَهَا ، وَتَكَشَفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا ، فَإِنَّمَا أَهْلُها كِلابٌ عَاوِيَةٌ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ، يَهِرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَيَظْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا . نَّعَمٌ مُعَقِّلَةٌ، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا، وَرَكبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ عَامَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا ، وَلا مُسِيمٌ يُسِيمُهَا . سَلَكَتْ بِهِم الدُّنْيَا . طَرِيقَ الْعَمَى، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا ، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا ، وَاتَّخَذُوهَا رَبَّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا ، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلامُ ، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَنْعَانُ يُوشِكُ مَنْ أَسَرَعَ أَنْ يَلْحَقِّ !
الشرح يقول: هذا منزل قلعة، بضم القاف وسكون اللام، أي ليس بمستوطّن، ويقال : هذا مجلس قلعة، إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرّة بعد مرّة. ويقال أيضاً : هم على قلمة، أي على رحلة، والقلعة أيضاً : هو المال العارية، وفي الحديث:«بئس المال القلعة»، وكلّه يرجع إلى معنى واحد.
قوله : «ودار بلغة»، والبلغة : ما يتبلّغ به من العيش . قوله :«سروح عاهة»، والسُروح : جمع سَرْح ، وهو المال السارح، والعامة : الآفة، أعاه القومُ أصابت ماشيتهم العاهة. وواد وغث : لا يثبت الحافرُ والخُف فيه، بل يغيب فيه، ويشقّ على مَنْ يمشي فيه. وأوعث القوم : وقعوا في الوعث. ومييم يسيمها، راع يرعاها . قوله: «رويداً يسفر الظلام...» إلى آخر الفصل، ثلاثة أمثال محركة لمن عنده استعداد. واستقرأني أبو الفرج محمد بن عباد رحمه اللّه وأنا يومئذٍ حَدَث هذه الوصية فقرأتها عليه من حفظي، فلمّا وصلت إلى هذا الموضع صاح صيحة شديدة، وسقط - وكان جَبَّاراً قاسي القلب.
واعلم أنا قدمنا في وصف الدنيا والفناء والموت من محاسن كلام الصالحين والحكماء ما فيه الشفاء، ونذكر الآن أشياء أخر .
فمن كلام البصري: يا بن آدم، إنّما أنت أيام مجموعة ، فإذا مضى يوم مضى بعضك . عن بعد الحكماء : رحم اللّه أمراً لا يغرّه ما يرى من كثرة الناس، فإنه يموت وحده، ويقبّر وحده، ويحاسب وحده. وقال بعضهم : لا وجه لمقاساة الهموم لأجل الدنيا ولا الاعتداد بشيء من متاعها، ولا التخلّي منها ، أمّا ترك الاهتمام لها، فمن جهة أنّه لا سبيل إلى دفع الكائن من مقدورها، وأما ترك الاعتداد بها ، فإنّ مرجع كلّ أحد إلى تركها ، وأما ترك التخلّي عنها فإنّ الآخرة لا تدرك إلا بها . ومن كلام بعض الحكماء : أفضل اختيار الإنسان ما توجّه به إلى الآخرة، وأعرض به عن الدنيا، وقد تقدّمت الحجة وأذنا بالرحيل، ولنا من الدنيا على الدنيا دليل، وإنما أحدنا في مدة بقائه صريع المرض، أو مكتتب بهم، أو مطروق بمصيبة، أو مترقب لمخوف، لا يأمن المرء أصناف لذته من المطعوم والمشروب أن يكون موته فيه ولا يأمن مملوكه وجاريته أن يقتلاء بحديد أو سمّ، وهو مع ذلك عاجز عن استدامة سلامة عقله استدامة سلامة عقله من زوال، وسمعه من صَمَم وبصره من عمّى، ولسانه من خَرَس، وسائر جوارحه من زمانة، ونفسه من تلف، وماله من بوار، وحبيبه من فراق وكلّ ذلك يشهد شهادة قطعية أنه فقير إلى ربه، ذليل في قبضته، محتاج إليه. لا يزال المرء بخير ما حاسب نفسه وعمر آخرته بتخريب دنياه، وإذا اعترضته بحار المكاره جعل معابرها الصبر والتأسي، ولم يغتر بتتابع النّعم، وإبطاء حلول النقم، وأدام صحبة التقى، وفَطم النفس عن الهوى، فإنما حياته كبضاعة ينفق من رأس المال منها، ولا يمكنه أن يزيد فيها، ومثل ذلك يوشك فناؤه وسرعة زواله .
وقال أبو العتاهية في ذكر الموت :
ستباشر الترباء خدّك *** وسيضحك الباكون بعدك
ولینزلنّ بك اليلى *** وليخلفنّ الموتُ عهدك
وليفنيّنك مثل ما*** أفنى أباك بلى وجدّك
لوقدرحلت عن القصو*** روطیبها وسكنْتَ لَحْدَك
لم تنتفع إلا تفع إلا بفع *** بل صالح قد كان عندك
وترى الذين قسمت ما *** لك بينهم حصصاً وكدّك
يتلذّون بما جَمَعُ *** ت لهم ولا يجدون فَقْدَك
الأصل: وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفَاً ، وَيَقْطَعُ
المَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً .
وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ . فَخَفْضْ فِي الطَّلَبِ، وَأَجْمِلْ فِي المُكْتَسَبِ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَب قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَب، وَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَلا كُلِّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومِ. وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْدُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً . وَلا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ الله حُراً. وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٌ، وَيُسْرِ لا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرِ . وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَع ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ. وَإِن اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهُ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ مُدْرِك قَسْمَكَ، وَآخِذُ سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ الله سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ وَأَعْظَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلِّ مِنْهُ.
الشرح: مثل الكلمة الأولى قول بعض الحكماء - وقد نسب أيضاً إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) أهل الدنيا كركب يُسار بهم وهم نيام. قوله: «فخفّض في الطلب» من قول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :«إن روح القدس نفث في رُوعي أنّه : لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فأجملوا في الطلب» (1).
وقال الشاعر:
ما اعتاض باذلّ وجهه بسؤاله ***عِوَضاً ولو نال الغِنَى بسؤال
وإذا النّوال إلى السؤال قرنته *** رجع السؤال وخَفَّ كل نوال
وقال آخر :
رددت رونق وجهي عن صحيفته *** ردّ الصّقال بهاءَ الصَّارِمِ الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ***حقنت لي ماء وجهي أم حَقَنْتَ دمي
وقال آخر :
وإني لأختار الزهيد على الغنى ***وأجزأ بالمال القراح (2)عن المحضِ
وأذرع الإملاق صبراً وقد أرى *** مكان الغنّى كي لا أهين له عِرْضي
وقال أبو محمد اليزيدي في المأمون :
أبْقَى لنا اللّه الإمام وزادَهُ *** شَرَفاً إلى الشَّرَفِ الذي أعطاه
واللّه أكرمنا بأنا معشر*** عُتقاء من نِعَم العباد سِوَاهُ
وقال آخر:
كيف النهوض بما أَوْلَيْتَ من حَسَنٍ *** أم كيف أشكر ما طوقت من نعم !
نِعَمِ ملكتني ماء وجه كاد يسكُبُه ***ذلّ السؤال ولم تفجع به هممي
وقال آخر:
لا تحرصن على الحُطام فإنّما *** يأتيك رزقك حين يؤذنّ فيه
سَبَقَ القَضاءُ بقدره وزمانه *** وبأنه يأتيك أو تأتيه
وكان يقال :ما استغنى أحدٌ باللّه إلا افتقر الناس إليه.
وقال رجل في مجلس فيه قوم من أهل العلم :لا أدري ما يحمل من يوقن بالقدرعلى الحرص على طلب الرزق ! فقال له أحد الحاضرين : يحمله القدر، فسكت.
أقول : لو كنت حاضراً لقلت: لو حمله القدر لما نهاه العقلاء عن الحرص، ولما مدحوه على العفّة والقناعة فإن عاد وقال: وأولئك الجاهم القدر إلى المدح والذم والأمر والنهي، فقد جعل نفسه وغيره من الناس، بل من جميع الحيوانات بمنزلة الجمادات التي يحركها غيرها ومن بلغ إلى هذا الحد لا يكلم .
وقال الشاعر :
أراك تزيدُكَ الأيام حرصاً *** على الدنيا كأنك لا تموتُ
فهل لك غاية إن صرت يوماً *** إليها قلت حسبي قد رضيت!
أبو العتاهية :
أيّ عيش يكون أطيب من عب*** ش كفاف قوت بقدر البلاغ
قمَرتني الأيام عقلي ومالي *** وشبابي وصحتي وفراغي
وأوصى بعض الأدباء ابنه فكتب إليه :
كُنْ حَسَنَ الظنِّ بِرَبِّ خَلَقَك *** بني واحمده على ما رَزَقك
واعلم بأن الحرص يطفي رونقك *** فجانب الحرص وحسن خلقك
واصدق وصادق أبداً مَنْ صدقك *** دارِ مُعاديك ومُقْ (1)من وَمَقَك
1) ومِقَه يَمِقُه : أحبه اللسان، مادة (ومق).
واجعل لأعدائك حزماً مَلَقَكُ *** وجنّبَن حَشْوَ الكلام منطقك
هذي وَصاة والد قد عَشقك *** وصاة مَنْ يقلقه ما أقلقك أرشدك الله لها ووفقك
أبو العتاهية :
أجَلُ الغنى مِمّا يؤمل أسرع *** وأراك تجمع دائماً لا تشبع
قل لي لمن أصبحت تجمع دائباً *** أَلِبَعْلِ عِرْسِكَ لا أبا لكَ تجمعُ!
وأوصى زياد ابنه عبيد اللّه عند موته، فقال :لا تدنّسنّ عرضك، ولا تبذلنّ وجهك ،ولا تخلقن جدّتك بالطلب إلى مَنْ إن ردك كان ردّه عليك عيباً، وإن قضى حاجتك جعلها عليك مَنَّاً، واحتمل الفقر بالتنزّه عمّا في أيدي الناس ،والزم القناعة بما قسم لك، فإن سوء عمل الفقير يضع الشريف، ويخمل الذكر، ويوجب الحرمان.
الأصل: وَتَلافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ، وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بَشَدٌ الْوِكاءِ، وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ، وَمَرَارَةُ الْبَاسِ ، خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفْةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ ، وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ، وَرُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ ! مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ، وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ . قارِنْ أهْلَ الخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ، وباين أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ . بِئْسَ الطَّعامُ الحَرَامُ وظُلْمُ الضَّعِيفِ افْحَشُ الظُّلْمِ ! إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً ، كانَ الخُرْقُ رِفقاً . رُبَّما كانَ الدَّوَاء دَاءً، والدَّاءُ دَوَاء. ورُبَّما نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ ، وَغَشَ المُسْتَنْصَحُ وَإِيَّاكَ والاتكال على المُنى فإنَّها بَضائِعُ النَّوْكَى والعقلُ حِفْظُ النَّجارِبِ، وَخَيْرُ ما جرَّبْتَ ما وعَظَكَ. بادِرِ الْفُرْصَةَ ، قَبْلَ أَنْ تَكُونَ فُصَّةٌ. لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ، ولا كُلُّ غائِب يؤوب، وَمِنْ الْفَسادِ إضاعَهُ الزَّادِ، وَمَفْسَدَةُ المَعادِ. ولِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ، سَوْفَ يَأْتِيك ما قُدِّرَ لَكَ. التَّاجِرُ مُخاطِرٌ ، ورُبَّ يَسِيرٍ انْمَى مِنْ كَثِيرا
الشرح هذا الكلام قد اشتمل على أمثال كثيرة حكميّة. أوّلها قوله :«تَلافيك ما فَرّط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك»، وهذا مثل قولهم : أنت قادر على أن تجعل صمتك كلاماً ولستَ بقادر على أن تجعل كلامك صمتاً، وهذا حق، لأن الكلام يُسمع وينقل، فلا يستطاع إعادته صمتاً، والصمت عدم الكلام، فالقادر على الكلام قادر على أن يبدله بالكلام، وليس الصمت بمنقول ولا مسموع فيتعذر استدراكه، وثانيها قوله :«حفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في أيدي غيرك»، هذا مثل قولهم في المثل : البخل خير من سؤال البخيل ،وليس مراد أمير المؤمنين (علیه السلام)وصايته بالإمساك والبخل، بل نهيه عن التفريط والتبذير ،قال اللّه تعالى: (وَلَا نَها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحسُورا ) (1)، وأحمق الناس مَنْ أضاع ماله اتكالاً على مال الناس، وظنّاً أنه يقدر على الاستخلاف، قال الشاعر :
إذا حَدّثتك النفسُ أنك قادر*** على ما حوث أيدي الرجال فكذّب
وثالثها قوله :«مرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس» من هذا أخذ الشاعر قوله :
وإن كان طعم اليأس مُرَّاً فإنّه *** الدّ واخلى من سؤال الأراذِلِ
وقال البحتري :
واليأس إحدى الراحتين ولن تَرى *** تَعَباً كظن الخائب المغرور ورابعها قوله :«الحرفة مع العفة خير من الغني مع الفجور»، والحرفة بالكسر مثل الحرف بالضم وهو نقصان الحظ وعدم المال ،ومنه قوله : «رجل محارف»، بفتح الراء، يقول: لأن يكون المرء هكذا وهو عفيف الفرج واليد، خير من الغنى مع الفجور، وذلك لأن ألم الحرفة العفة ومشقّتها إنما هي في أيام قليلة وهي أيام العمر، ولذة الغني إذا كان مع الفجور، ففي مثل تلك الأيام يكون، ولكن يستعقب عذاباً طويلاً، فالحال الأولى خير لا محالة. وأيضاً ففي الدنيا خير أيضاً للذكر الجميل فيها، والذكر القبيح في الثانية، وللمحافظة على المروءة في الأولى وسقوط المروءة في الثانية. وخامسها قوله : «المرء أحفظ لسرّه» أي الأولى ألا تبوح بسرك إلى أحد، فأنت أحفظ له من غيرك، فإن أذعته فانتشر فلا تَلُمْ إلَّا نفسك ،لأنك كنت عاجزاً عن حفظ سرّک نفسك، فغيرك حفظ سرك وهو أجنبي أعجز، قال الشاعر : إذا ضاقَ صَدْرُ المرء عن حفظ سِرِّهِ*** فصَدْرُ الذي يُستودعُ السِّر أضيقُ
1) سورة الإسراء، الآية : 29
وسادسها قوله : «رُبَّ ساع فيما يضره»، قال عبد الحميد الكاتب في كتابه إلى أبي مسلم: لو أراد اللّه بالنملة صلاحاً ، لما أنبت لها جناحاً. وسابعها قوله :«من أكثر أهجر» يقال : أهجر الرجل ،إذا أفحش في المنطق السوء والخنا. قال الشماخ : كماجدة الأعراق قال ابن ضرة *** عليها كلاماً جار فيه وأهْجَرا
وهذا مثل قولهم : مَنْ كثر كلامه كثير سَقَطه . وقالوا أيضاً : قلّما سَلِم مكثار، أو أمن من عثار.
وثامنها قوله : «مَنْ تفكّر أبصر»، قالت الحكماء : الفكر تحديق العقل نحو المعقول، كما أن النظر البصري تحديق البصر نحو المحسوس، وكما أن من حدّق نحو المبصر وحدقته صحيحة والموانع مرتفعة لا بد أن يبصره، كذلك من نظر بعين عقله، وأفكر فكراً صحيحاً، لا بد أن يدرك الأمر الذي فكّر فيه ويناله . وتاسعها قوله :«قارن أهل الخير تكن معهم، وباين أهل الشر تبن عنهم»، كان يقال : حاجبك وجهك، وكاتبك لسانك، وجليسك كلّك . وقال الشاعر :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمُقارن مُقْتَدِ وعاشرها قوله :« بئس الطعام الحرام»، هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونيهم نَارَاً وَسَيَصلَوُنَ سَعِيرَا). (1)وحادي عشر قوله :«ظلم الضعيف أفحش الظلم» رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاماً، فقال : يا بني، كيف لا يسع حلمك من تضربه فلا يمتنع منك! وأمر المأمون بإشخاص الخطّابي القاصّ من البصرة، فلمّا مثل بين يديه ،قال له: يا سليمان، أنت القائل : العراق عين الدنيا ،والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ومسجدي عين المربد ،وأنا عين مسجدي وأنت أعور، فإنّ عين الدنيا عوراء! قال: يا أمير المؤمنين، لم أقل ذاك، ولا أظن أمير المؤمنين أحضرني لذلك، قال: بلغني أنك أصبحت فوجدت على سارية من سواري مسجدک :
رحم اللّه عليا إنه كان تقيّا فأمرت بمحوه، قال: يا أمير المؤمنين، كان «ولقدكان نبيا» فأمرت بإزالته، فقال: كذبت كانت القاف أصحّ من عينك الصحيحة، ثم قال : واللّه لولا أن أقيم لك عند العامة سوقاً لأحسنت تأديبك، قال: يا أمير المؤمنين، قد ترى ما أنا عليه من الضعف والزَّمانة والهرم وقلة البصر، فإن عاقبتني مظلوماً فاذكر قول ابن عمّك علي(علیه لسلام): «ظلم الضعيف أفحش
1) سورة النساء، الآية: 10
الظلم (1)، وإن عاقبتني بحق فاذكر أيضاً قوله : «الكل شيء رأس، والحلم رأس السؤدد». فنهض المأمون من مجلسه وأمر برده إلى البصرة، ولم يصله بشيء، ولم يحضر أحد قط مجلس المأمون إلّا وصله عدا الخطّابي، وليس هذا هو المحدّث الحافظ المشهور، ذاك أبو سليمان أحمد بن محمد بن أحمد البستي ،كان في أيام المطيع والطائع ،وهذا قاص بالبصرة كان يقال له أبو زكريا سليمان بن محمد البصري . وثاني عاشرها قوله :«إذاكان الرفق خرقاً، كان الخرق رفقاً»، يقول :إذا كان استعمال الرفق مفسدة وزيادة في الشر فلا تستعمله، فإنه حينئذ ليس برفق بل هوخرق، ولكن استعمل الخرق، فإنه يكون رفقاً والحالة هذه، لأنّ الشر لا يلقى إلّا بشر مثله، قال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا ***فنجهلَ فَوْقَ جهل الجاهلينا
وفي المثل : إن الحديد بالحديد يُفْلَح. وقال زهير :
وَمَنْ لا يذُدْ عن حوضه بسلاحه *** يُهَدِّمَ وَمَنْ لا يَظْلِم النَّاس يُظْلَمِ
وقال أبو الطيب :
ووضعُ النّدى في موضع السيف بالعُلا ***مُضِرُّ كوضع السيف في موضع الندى وثالث عشرها قوله :«وربما كان الدواء داء، والداء دواء»، هذا مثل قول أبي الطيّب :
ربّما صَحتِ الأجسام بالعِلل ومثله قول أبي نواس : ودَاوِني بالتي كانت هي الداء ومثل قول الشاعر :
تداويتُ من ليلى بليلي فلم يكن *** دواء ولكن كان سُقْماً مخالفا
ورابع عشرها قوله:«ربما نصح غير الناصح وغشّ المستنصح». كان المغيرة بن شعبة يبغض عليّاً(علیه السلام) منذ أيام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وتأكدّت بغضته إلى أيام أبي بكر وعثمان وعمر، وأشار عليه يوم بويع بالخلافة أن يقرّ معاوية على الشام مدة يسيرة، فإذا خُطِب له بالشام وتوطأت دعوته دعاه إليه كما كان عمر وعثمان يدعوانه إليهما، وصرفه فلم يقبل، وكان ذلك نصيحة من عدوّ كاشح. واستشار الحسين(علیه السلام) عبد اللّه بن الزبير وهما بمكة في الخروج عنها، وقصد العراق ظانا
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 321/72 :رقم 49 .
أنه ينصحه فغشّه وقال له : لا تقم بمكة، فليس بها مَنْ يبايعك، ولكن دونك ،العراق، فإنهم رأؤك لم يعدلوا بك أحداً، فخرج إلى العراق، حتى كان من أمره ما كان. وخامس عشرها قوله : «إياك والاتكال على المُنى، فإنّها بضائع النّوْكَى»، جمع أنْوَك وهو الأحمق، من هذا أخذ أبو تمام قوله :
مَنْ كانَ مَرْعى عَزْمِهِ وَهُمُومِهِ *** رَوْضُ الأماني لم يزل مهزولا
ومن كلامهم: ثلاثة تُخلق العقل، وهو أوضح دليل على الضعف : طول التمنّي، وسرعة الجواب، والاستغراب في الضحك، وكان يقال : التمنّي والحلم سيّان. وقال آخر : شرف الفتى ترك المني. وسادس عشرها قوله : «العقل حفظ التجارب» من هذا أخذ التمكلّمون قولهم : العقل نوعان: غريزي، ومكتسب، فالغريزي العلوم البديهية ،والمكتسب ما أفادته التجربة وحفظته النفس. وسابع عشرها قوله :«خير ما جرّبت ما و«عظك »، مثل هذا قول أفلاطون : إذا لم تعظك التجربة فلم تجرّب، بل أنت ساذج كما كنت. وثامن عشرها قوله :«بادر الفرصة، قبل أن تكون غُصّة»، حضر عُبيد اللّه بن زياد عند هاني، بن عروة عائداً، وقد كمن له مسلم بن عقيل، وأمره أن يقتله إذا جلس واستقر، فلما جلس جعل مسلم يؤامر نفسه ويريدها على الوثوب به فلم تطعه، وجعل هاني ينشد كأنه يترنم بالشعر: ما الانتظار بسلمى لا تحييها ويكرر ذلك، فأوجس عبيد اللّه خيفة ونهض، فعاد إلى قصر الإمارة، وفات مسلماً منه ما کان يؤمله بإضاعة الفرصة، حتى صار أمره إلى ما صار . وتاسع عشرها قوله :«ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب»، الأولى كقول القائل : ماكل وقت ينالُ المرءُ ما طلبًا *** ولا يسوّغه المقدار ما وَهَبًا والثانية كقول عبيد :
وكل ذي غيبة يؤوبُ *** وغائب الموت لا يؤوب العشرون قوله : من الفساد، إضاعة الزاد، ومفسدة المعاد، ولا ريب أن من كان في سفر وأضاع زاده، وأفسد الحال التي يعود إليها فإنه أحمق، وهذا مثل ضربه للإنسان في حالتي دنياه وآخرته .
الحادي والعشرون قوله :«ولكل أمر عاقبة» هذا مثل المثل المشهور «لكل سائلة قرار». الثاني والعشرون قوله :«سوف يأتيك ما قدّر لك» ، هذا من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) : «وإن يقدر لأحدكم رزق في قبة جبل أو حضيض قاع يأتِهِ».
الثالث والعشرون قوله :«التاجر مخاطر»هذا حق، لأنه يتعجّل بإخراج الثمن ولا يعلم : هل يعود أم لا! وهذا الكلام ليس على ظاهره بل له باطن، وهو أنّ من مزج الأعمال الصالحة بالأعمال السيئة، مثل قوله : (وَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيقا) (1)فإنه مخاطر لأنّه لا يأمن أن يكون بعض تلك السيئات تحبط أعماله الصالحة، كما لا يأمن أن يكون بعض أعماله الصالحة يكفّر تلك السيئات ،والمراد أنه لا يجوز للمكلّف أن يفعل إلّا الطاعة أو المباح.
الرابع والعشرون قوله :«ربّ يسير، أنمى من كثير»، قد جاء في الأثر : قد يجعل اللّه القليل الكثير، ويجعل من الكثير البركة. وقال الفرزدق :
فإنّ تميماً قبل أن يَلِدَ الحصا *** أقام زماناً وهو في النَّاسِ واحد وقال أبو عثمان الجاحظ: رأينا بالبصرة أخوين ،كان أبوهما يحبّ أحدهما ويُبغض الآخر، فأعطى محبوبه يوم موته كلّ ماله - وكان أكثر من مائتي درهم -ولم يعط الآخر شيئاً، وكان يتّجر في الزيت، ويكتسب منه ما يصرفه في نفقة عياله، ثم رأينا أولاد الأخ الموسر بعد موت الأخوين من عائلة ولد الأخ المعسر يتصدّقون عليهم من فواضل أرزاقهم .
الأصل: لا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مُهِينٍ، وَلَا فِي صَدِيقٍ ظَنيين. سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ تَعُودُهُ، وَلا تُخَاطِرْ بِشَيْءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مطية اللجاج. احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصَّلَةِ، وَعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطْفِ وَالمُقَارَبَةِ ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنْوَ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللَّينِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْمُشْرِ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ. لا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ، وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ، حَسَنَةٌ كَانَتْ
1) سورة التوبة، الآية : 102
ورابعها قوله : إياك وأن تجمع بك مطيّة «اللجاج»، هذا استعارة، وفي المثل : الجّ من خنفساء، والجّ من زُنبور. وكان يقال : «الدّجاج من القحة» والقحة من قلّة الحياء، وقلّة الحياء من قلّة المروءة، وفي المثل : لج صاحبك فحُجّ .
وخامسها قوله :«احمل نفسك من أخيك»، إلى قوله :«أو تفعله بغير أهله» اللطّف بفتح اللام والطاء الاسم من ألطفه بكذا أي برّه به ،وجاءتنا لُطفة من فلان أي هديّة، والملاطفة بالمبارّة. وروي «عن اللطف» وهو الرفق للأمر، والمعنى أنّه أوصاه إذا قطعه أخوه أن يصله، وإذا جفاه أن يبره، وإذا بخل عليه أن يجود عليه، إلى آخر الوصاة. ثم قال له :«لا تفعل ذلك مع غير أهله»، قال الشاعر :
وإِنَّ الَّذِي بيني وبَيْنَ بني أبي*** وَبَيْنَ بنِي أمي لمختلف جدا
فإن أكلوا لحمي وفَرْتُ الحومُهُمْ *** وإن هَدَموا مَجْدِي بنيتُ لهم مَجْدا
وإن زجروا طيراً بنحس تمربي *** زجرتُ لهم طيراً تمرُّ بهم سعدا
ولا أحمل الحِقْدَ القديم عليهم *** وليس رئيس القوم مَنْ يحمِلُ الحِقْدا
وقال الشاعر :
إنّي وإن كان ابن عمّي كاشحاً *** لمقاذف من خَلْفِه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امراً *** متزحزحاً في أرضه وسمائه
وأكونُ والي سره وأصونه *** حتّى يحقّ علي وقت أدائه
وإذا الحوادث أجْحَفتْ بسَوَامه *** قرنت صحيحتَنا إلى جَرْبائِهِ
وإذا دعا باسمي ليركب مركباً *** صعباً قعدت له على سيسائه
وإذا أجنّ فَلِيقَةٌ في خِدْرِه *** لم أطلع مما وراء خبَائِهِ
وإذا ارتدى ثوباً جميلاً لم أقل *** ياليت أن علي فضل ردائه!
وسادسها قوله :«لا تتخذنّ عدوّ صديقك صديقاً فتعادي صديقك»، قد قال الناس في هذا
المعنى فأكثروا ، قال بعضهم : إذا صافي صديقك مَنْ تعادِي *** فقد عاداك وانقطع الكلام
وقال آخر :
صديق صديقي داخل في صداقتي *** وخصم صديقي ليس لي بصديق
وقال آخر :
تود عدوّي ثم تزعم أنني *** صديقك إنّ الرأي عنك لعازِبُ
وسابعها قوله :«وامحض أخاك النصيحة،حسنة كانت أو قبيحة»، ليس يعني(علیه السلام) بقبيحة
ها هنا القبيح الذي يستحق به الذم والعقاب، وإنما يريد نافعة له في العاجل كانت أو ضارة له في الأجل، فعبّر عن النفع والضرر بالحسن والقبيح، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَاقَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) (1)وقد فسّره قوم فقالوا : أراد:كانت نافعة لك أو ضارة لك. ويحتمل تفسير آخر وهو وصيّته إيَّاه أن يمحض أخاه النصيحة سواء كانت ممّا لا يستحيا من ذكرها وشياعها، أو كانت مما يستحيا من ذكرها واستفاضتها بين الناس،كمن ينصح صديقه في أهله ويشير عليه بفراقهم لفجور اطلع عليه منهم، فإنّ النّاس يسمون مثل هذا إذا شاع قبيحاً .
وثامنها قوله: «تجرّع الغيظ فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة» هذا مثل قولهم : الحلم مرارة ساعة، وحلاوة الدهر كلّه. وكان يقال : التذلّل للناس مصائد الشرف. قال المبرد في «الكامل» (2): أوصى علي بن الحسين ابنه محمد بن علي (علیه السلام)، فقال : يا بني، عليك بتجرّع الغيظ من الرّجال، فإن أباك لا يسره بنصيبه من تجرع الغيظ من الرّجال حُمْرُ النّعم، والحلم أعزّ ناصراً، وأكثر عدداً .
وتاسعها قوله :«لِنْ لمن غالظك، فإنه يوشك أن يلين لك» هذا مثل المثل المشهور:« إذا عزّ أخوك فهن»، والأصل في هذا قوله تعالى : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌكَاَنَهُ وَلِيٌ حَمِيدٌ» (3)وعاشرها قوله :«خذ على عدوّك بالفضل فإنّه أحد الظّفرين» هذا معنى مليح، ومنه قول أبن
هانىء في المعزّ :
ضراب هام الروم منتقماً وفي *** أعناقهم من جوده أعباء
لولا انبعاث السيف وهو مسلّط *** في قتلهم فتَلَتْهُم النَّعماءُ
وكنت كاتباً بديوان الخلافة ،والوزير حينئذ نصير الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد رحمه اللّه، فوصل إلى حضرة الديوان في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة محمد بن محمد أمير البحرين على البرّ، ثم وصل بعده الهرمزّي صاحب هرمز في «دجلة بالمراكب البحرية» - وهرمز هذه فُرضة في البحر نحو عُمان - وامتلات بغداد من عرب محمد بن محمد وأصحاب الهرمزي - وكانت تلك الأيام أياماً غرّاء زاهرة لما أفاض المستنصر على الناس من عطاياه، والوفود
تزدحم من أقطار الأرض على أبواب ديوانه - فكتبت يوم دخول الهرمزيّ إلى الوزير أبياتاً سنحت على البديهة ،وأنا متشاغل بما كنت فيه من مهامّ الخدمة، وكان رحمه اللّه لا يزال يذكرها وينشدها ويستحسنها :
يا أحْمَد بن محمّدِانْتَ الَّذِي *** عَلِقتْ يداه بأنفس الأعلاقِ
ما أمَلَتْ بغداد قبلك أن ترى *** أبداً ملوك البحر في الأسواق
ولهوا عليها غَيْرَةً وتنافسوا *** شَغَفاً بها كتنافس العُشّاقِ
وغدت صلاتك في رقاب سَراتِهم *** ونداك كالأطواق في الأعناق
بسديد رأيك أُصْلِحَتْ جَمحَاتُهمْ *** وتألّفوا من بعد طول شِقَاقِ
اللّه همّة ماجد لم تعتلق *** بسَحِيل آراء ولا أحذاق
جلب السّلامِب من أراك وبعدها *** جلب المراكب من جزيرة واقِ
هذا العداء هو العداء فعدّ عَنْ *** قول ابن حُجْر في لأى وعناقِ
وأظنه والظن علم أنّه *** سیجیئنا بممالكِ الآفاقِ
إما أسير صنيعة في جيده *** بالجود غُل أو أسيرُ وَثاقِ
لا زال في ظل الخليفة ماله *** فان وسودده المعظم باقِ
وحادي عشرها قوله :«إن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليه إن بدا ذلك له يوماً»، هذا مثل قولهم: «أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما»، وما كان يقال: إذا هويت فلا تكن غالياً، وإذا تركت فلا تكن قالياً .
وثاني عشرها قوله :«مَنْ ظَنّ خيراً فصدق ظنّه» كثير من أرباب الهمم يفعلون هذا، يقال لمن قد شدًا طرفاً من العلم: هذا عالم ،هذا فاضل ،فيدعوه ما ظنّ فيه من ذلك إلى تحقيقه، فيواظب على الاشتغال بالعلم حتى يصير عالماً فاضلاً حقيقة ،وكذلك يقول الناس : هذا كثير العبادة ،هذا كثير الزهد، لمن قد شرع في شيء من ذلك، فتحمله أقوال الناس على الالتزام بالزهد والعبادة. وثالث عشرها قوله : «ولا تضيعنّ حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ
من أضعت حقّه»، من هذا النحو قول الشاعر :
إذا خنتمُ بالغيب عهدِي فما لكم *** تُدِلّون إدلال المقيم على العهد
صِلُّوا وافعلوا فعل المدل بوصله ***وإلا فصدّوا وافعلوا فعل ذي الصّدِي
وكان يقال : إضاعة الحقوق، داعية العقوق.
ورابع عشرها قوله الا ترغبن فيمن زهد فيك الرغبة في الزاهد هي الداء العياء، قال العباس بن الأحنف:
ما زِلْتُ ازْهَدُ في مودة راغب ***حتى أبتليت برغبة في زاهد
هذا هو الدّاء الذي ضاقت به*** حِبَلُ الطبيب وطال يأس العائد
وقد قال الشعراء المتقدّمون والمتأخرون فأكثروا ، نحو قولهم :
وَفِي النَّاسِ إن رنّت حبالك واصل *** وفي الأرْض عَنْ دارِ القِلَى مُتَحَوَّلُ
وقول تأبط شراً :
إني إذا خُلَّة ضَنّت بنائِلها *** وأمسكت بضعيف الحبل أخذاقي
نجوتُ منها نجائي من بجيلة إذ *** ألقيتُ ليلة خَبْتِ الرَّهْطِ أرواقي وخامس عشرها قوله : لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكونَنَّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان» هذا أمر له بأن يصل من قطعه، وأن يحسن إلى من أساء إليه ظفر المأمون عبد اللّه بن هارون الرشيد بكتب قد كتبها محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (علیه السلام) إلى أهل الكرخ وغيرهم من أعمال أضفهان يدعوهم فيها إلى نفسه، فأحضرها بين يديه، ودفعها إليه، وقال له : أتعرف هذه؟ فأطرق خجلاً ، فقال له : أنت آمن، وقد وهبت هذا الذنب لعلي وفاطمة (علیها سلام)، فقم إلى منزلك، وتخيّر ما شئت من الذنوب، فإنّا نتخيّر لك مثل ذلك من العفو .
و سادس عشرها قوله: «لا يكبرنّ عليك ظُلْم مَنْ ظلمك، فإنّه يسعى في مضرته ونفعك وليس جزاء من سرّك أن تسوءه»، جاء في الخبر المرفوع أنه (علیهم السلام)عائشة تدعُو على مَنْ سرق عقداً لها، فقال لها :«لا تمسحي عنه بدعائك» (1)، أي لا تخفّفي عذابه . وقوله(علیه السلام) :«وليس جزاء من سرّك أن تسوءه»، يقول: لا تنتقم ممن ظلمك فإنه قد نفعك في الآخرة بظلمه لك، وليس جزاء من ينفع إنساناً أن يسيء إليه. وهذا مقام جليل لا يقدر عليه إلا الأفراد من الأولياء الأبرار. وقبض بعض الجبابرة على قوم صالحين، فحبسهم وقيّدهم، فلما طال عليهم الأمر زفر بعضهم زفرةً شديدة، ودعا على ذلك الجبّار، فقال له بعض أولاده - وكان أفضل أهل زمانه في العبادة، وكان مستجاب الدعوة - : لا تذعُ عليه فتخفّف من عذابه، قالوا: يا فلان، ألا ترى ما بنا وبك! لا يأنف ربك لنا ! قال : إن لفلان مهبطاً في النار لم يكن ليبلغه إلا بما ترون، وإن لكم لمصعداً في الجنّة لم تكونوا لتبلغوه إلا بما ترون قالوا : فقد نال منا
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 321/72 :
العذّاب والحديد، فادع اللّه لنا أن يخلّصنا وينقذنا ممّا نحن فيه ، قال : إني لأظنّ أني لو فعلت لفعل، ولكن واللّه لا أفعل حتى أموت هكذا ، فألقى اللّه فأقول له : أي ربّ سل فلاناً لِمَ فَعل بی هذا: ومن الناس من يجعل قوله(علیه السلام) : وليس جزاء من سرَّك أن تسوءه» . كلمة مفردة مستقلّة بنفسها، ليست من تمام الكلام الأوّل، والصحيح ما ذكرناه. وسابع عشرها - ومن حقه أن يقدم ذكره قوله :«ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك »، هذا كما يقال في المثل : من شؤم الساحرة أنّها أول ما تبدأ بأهلها، والمراد من هذه الكلمة النهي عن قطيعة الرّحم وإقصاء الأهل وحرمانهم، وفي الخبر المرفوع:« صلوا أرحامكم ولو بالسلام» .(1)
الأصل: وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ. مَا أَتْبَحَ الخُضُوعَ عِنْدَ الحَاجَةِ، وَالجَفَاءَ عَنْدَ الْغِنَى إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ، مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ، وَإِنْ كُنْتَ جَازِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ، فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ . اسْتَدِل عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ، فإنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاءٌ ، وَلا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إلا إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلامِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالْآدَابِ، وَالْبَهَائِمَ لا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ. اطرِحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِمَزَائِمِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِين. مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ . وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ، وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى، وَرُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ، وَقَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ ، وَالْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ . مَنْ تَعَدَّى الْحَقِّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كانَ أَبْقَى لَهُ، وَأَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سبب بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَمَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوكَ. قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إدْرَاكَاً ، إِذَا كَانَالطَّمَعُ مَلاكاً. لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ ، وَلا كُلِّ فُرْصَةٍ تُصَابُ وَرُبِّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ، وَأَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ. أَخْرِ الشَّرِّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئتَ تَعَجَّلْتَهُ، وَقَطِيعَةُ الجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِل. مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَمَانَهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ،. تَغَيَّرَ الزَّمَانُ سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَعَنِ الجَارِ قَبْلَ الدَّارِ .
1) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد) (152) ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول« (1912) بلفظ : بلوا».
الشرح: في بعض الروايات: اطّرح عنك واردات الهموم بحسن الصبر وكرم العزاء ، قد مضى لنا كلام شافٍ في الرزق. وروى أبوحيّان، قال: رفع الواقديّ إلى المأمون رقعة يذكر فيها غلبة الدّين عليه، وكثرة العيال، وقلّة الصبر، فوقع المأمون عليها : أنت رجل فيك خلّتان، السخاء والحياء فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يديك، وأمّا الحياء فهو الذي بلغ بك إلى ما ذكرت، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فإن كنا أصبنا إرادتك فازدد في بسط يدك، وإن كنا لم نصب إرادتك فبجنايتك على نفسك، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال للزبير :«يا زبير، إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل اللّه تعالى للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثّر كُثر له، ومن قلّل قُلّل له» (1). قال الواقدي: وكنت أُنسيتُ هذا الحديث، وكانت مذاكرته إياي به أحبّ من صلته .
واعلم أنّ هذا الفصل يشتمل على نكت كثيرة حكمية : منها قوله «الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك»، وهذا حقّ، لأنّ ذلك إنّما يكون على حسب ما يعلمه اللّه تعالى من مصلحة المكلّف، فتارة يأتيه الرزق بغير اكتساب ولا تكلّف حركة، ولا تجسّم سعي، وتارة يكون الأمر بالعكس.
دخل عماد الدّولة أبو الحسن بن بويه شيراز بعد أن هزم ابن ياقوت عنها، وهو فقير لا مال له، فساخت إحدى قوائم فرسه في الصَّحراء في الأرض، فنزل عنها وابتدرها غلمانه فخلصوها ، فظهر لهم في ذلك الموضع نَقب ،وسیع، فأمرهم بحفره، فوجدوا فيه أموالاً عظيمة، وذخائر لابن ياقوت، ثم استلقى يوماً آخر على ظهره في داره بشيراز التي كان ابن ياقوت يسكنها ، فرأى حيّة في السقف، فأمر غلمانه بالصعود إليها وقتلها، فهربت منهم، ودخلت في خشب الكنيسة فأمر أن يقلع الخشب وتستخرج وتقتل ، فلما قلعوا الخشب وجدوا فيه أكثر من خمسين ألف دينار ذخيرة لابن ياقوت . واحتاج أن يفصل ويخيط ثياباً له ولأهله فقيل : ها هنا خيّاط حاذق كان يخيط لابن ياقوت وهو رجل منسوب إلى الدين والخير، إلا أنه أصم لا يسمع شيئاً أصلاً، فأمر بإحضاره، فأحضر وعنده رغب وهلع، فلما أدخله إليه كلّمه ، وقال : أريد أن تخيط لنا كذا وكذا قطعة الثياب، فارتعد الخياط واضطرب ،كلامه وقال واللّه يا مولانا ما له عندي إلا أربعة صناديق
1) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس» (8554) ، وأبو نعيم نحوه في الحلية» (216/10).
ليس غيرها، فلا تسمع قول الأعداء في. فتعجّب عماد الدولة وأمر بإحضار الصناديق،فوجدها كلّها ذهباً وحَلياً وجواهر مملوءة وديعة لابن ياقوت. وأمّا الرّزق الذي يطلبه الإنسان ويسعى إليه فهو كثير جداً لا يحصى . ومنها قوله : ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى! هذا من قول اللّه تعالى : وَحَىُّ إِذَاَ كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيجٍ طَيِبِةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتها ربيحُ حَاصِفُ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ طَيِّبَةٍ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنهم أُحِيِطُ بِهِمُ دَعَوُا الَلَهَ مُخلِصِينَ لَهُ الذِينَ لَينْ أَنجَيْنَنَا مِنْ هَذِيه لَتَكُوُنَنَ مِنَ الشَكِرِينَ فَمَاَ أَنجَهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) (1)ومن الشعر الحكمي في هذا الباب قول الشاعر :
خُلُقانِ لاَ ارْضَاهُما لِغَنّى: *** تيه الغنى ومذلة الفقر
فإذا غَنيت فلا تكن بطراً *** وإذا افتقرت فيه على الدهر
ومنها قوله :« إنّما لك من دنياك، ما أصلحت به مثواك»، هذا من كلام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله):« يا ابن آدم، ليس لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فابليت، أوتصدّقت فابقیت» .(2)
وقال أبو العتاهية :
ليس للمتعب المُكادح من دن ***سياه إلا الرغيف والعمران
ومنها قوله :«وإن كنت جازعاً على ما تفلّت من يديك ،فاجْزَع على كلّ ما لم يصل إليك» ، يقول : لا ينبغي أن تجزع على ما ذهب من مالك، كما لا ينبغي أن تجزع على ما فاتك من المنافع والمكاسب، فإنّه لا فرق بينهما، إلاّ أنّ هذا حصل، وذاك لم يحصل بعد، وهذا فرق غير مؤثر، لأنّ الذي تظن أنه حاصل لك غير حاصل في الحقيقة، وإنما الحاصل على الحقيقة ما أكلته ولبسته، وأما القنيات والمدخرات فلعلها ليست لك، كما قال الشاعر :
وذي إبل يسقي ويحسبها له *** أخي تعب في رعيها ودؤوب
غدت وغدا ربُ سواء يسوقها *** وبدل أحجاراً وجال قليب
ومنها قوله :«استدلّ على ما لم يكن بما كان، فإن للأمور أشباهاً»، يقال: إذا شئت أن تنظر للدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك .
وقال أبو الطيب في سيف الدولة :
ذكي تظنيه، طليعةُ عَيْنِهِ *** يرى قَلْبُه في يومه ما يَرَى غَدَا
ومنها قوله :«ولا تكونَنّ ممّن لا تنفعه العظة . . .» إلى قوله :« إلّا بالضرب». هو قول
الشاعر :
العبد يُقرع بالعصا *** والحرّ تكفيه الملامة
وكان يقال : اللتيم كالعبد، والعبد كالبهيمة عتبها ضربها .
ومنها قوله: «اطرح عنك واردات الهموم بحسن الصبر وكرم العزاء». هذا كلام شريف فصيح عظيم النفع والفائدة، وقد أخذ عبد اللّه بن الزبير بعض هذه الألفاظ فقال في خطبته لمّا ورد عليه الخبر بقتل مُصعب أخيه : القد جاءنا من العراق خبرٌ أحزننا وسرنا، جاءنا خبر قتل مصعب، فأما سرورنا فلأنّ ذلك كان له شهادة، وكان لنا إن شاء اللّه خيرة، وأما الحزن فلوعةٌ
يجدها الحميم ،عند فراق حميمه، ثم يرعوي بعدها ذو الرأي إلى حسن الصبر وكرم العزاء . ومنها قوله : «مَنْ ترك القصد جار» القصد الطريق المعتدل، يعني أن خير الأمور أوسطها،
فإن الفضائل تحيط بها الرذائل فمن تعدّى هذه يسيراً وقع في هذه. ومنها قوله : «الصاحب مناسب»، كما يقال : الصديق نسيب الروح، والأخ نسيب البدن،
قال أبو الطيّب :
ما الخل إلَّا مَنْ أودّ بقلبه *** وأرى بطرف لا يرى بسوائِهِ
ومنها قوله : «الصديق مَنْ صدق غيبه»، من ها هنا أخذ أبو نواس قوله في المنهوكة :
هل لك والهَل خَبَرْ *** فيمن إذا غبت حضرُ
أو ما لك اليوم أثر *** فإن رأى خيراً شَكَرْ
أو كان تقصير عذر ومنها قوله: «الهوى شريك العمى»، هذا مثل قولهم: «حبك الشيء يُعمِي ويُصِمّ» قال
الشاعر: وعَيْنُ الرّضا عن كل عيب كليلة *** كما أن عينَ السُّخط تُبْدِي المَسَاوِيا
ومنها قوله:« رب بعيد أقرب من قريب ،وقريب أبعد من بعيد»، هذا معنى مطروق، قال
الشاعر: لعمرك ما يضر البعد يوماً ***إذَا دَنَت القلوب من القلوب
وقال الأحوص : إنّي لأمنحكِ الصُّدود وإنَّني *** قسماً إليكِ مع الصُّدود لأميَلُ
وقال البحتري : ونازحة والدار منها قريبة *** وما قرب ثاءٍ في التراب مغيب!
ومنها قوله و«الغريب من لم يكن له حبيب» يريد بالحبيبها هنا المحب لا المحبوب، قال
الشاعر :
أسْرَة المرء والداه وفيما *** بين جنبيهما الحياة تطيب
وإذا وليا عن المرء يوماً *** فهو في الناس أجنبي غريب
ومنها قوله :«مَنْ تعدّى الحقّ ضاق بمذهبه ، يريد بمذهبه ها هنا طريقته، وهذه استعارة ،ومعناه أن طريق الحق لا مشقّة فيها لسالكها، وطرق الباطل فيها المشاقّ والمضارّ، وكأن سالكها سألك طريقة ضيقة يتعثّر فيها، ويتخبّط في سلوكها .
ومنها قوله: «مَنْ اقتصر على قدره كانَ أبقى له» هذا مثل قوله : رحم اللّه امراً عرف قدره، ولم يتعدّ طوره، وقال : مَن جهل قدره قتل نفسه. وقال أبو الطيب :
وَمَنْ جهلت نفسه قدره *** رأى غيره منه ما لایری ومنها قوله :« أوثق سبب أخذت به، سبّب بينك وبين اللّه سبحانه»،
هذا من قوله اللّه تعالى : « فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَمَا » (1)ومنها قوله: «فمن لم يبالك فهو عدوّك»، أي لم يكترث بك، وهذه الوصية خاصّة بالحسن (علیه السلام) وأمثاله من الولاة وأرباب الرعايا ، وليست عامة للشوقة من أفناء الناس، وذلك لأنّ الوالي إذا أنس من بعض رعيّته أنه لا يباليه ولا يكترث به، فقد أبدى صفحته، ومن أبدى لك صفحته فهو عدوّك، وأما غير الوالي من أفناء الناس، فليس أحدهم إذا لم يبال الآخر بعدوّ له. ومنها قوله : «قد يكون اليأس إدراكاً إذا كان الطمع هلاكاً»، هذا مثل قول القائل :
مَنْ عاش لاقى مایو*** ء الأمووما یُر
وَ لَرَبُ حتفٍ فَوْقَهُ ***ذهبٌ ویاقوتٌ و دُر
والمعنى: ربّما كان بلوغ الأمل في الدنيا والفوز بالمطلوب منها سبباً للهلاك فيها، وإذا كان كذلك ،كان الحرمان خيراً من الظفر. ومنها قوله :« ليس كل عورة تظهرولا كلّ فرصة تصاب» يقول : قد تكون عورة العدوّ مستترة عنك فلا تظهر، وقد تظهر لك ولا يمكنك إصابتها . وقال بعض الحكماء : الفرصة نوعان: فرصة من عدوّك وفرصة في غير عدوّك، فالفرصة
1) سورة البقرة، الآية : 256 .
من عدوّك ما إذا بلغتها نفعتك، وإن فاتتك ضرتك، وفي غير عدوّك ما إذا أخطأك نفعه لم يصل إليك ضره . ومنها قوله : «فربما أخطأ البصير قصدّه، وأصاب الأعمى رشده» من هذا النحو قولهم في المثل :«مع الخواطىء سهم صائب» ، وقولهم :« رمية من غير رام». وقالوا في مثل اللفظة الأولى: «الجواد قد يكبُو، والحسام قد ينبو». وقالوا : «قد يهفو الحليم، ويجهل العليم». ومنها قوله: «آخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته» مثل هذا: قولهم في الأمثال الطفيليّة: «كل إذا وجدت، فإنك على الجوع قادر». ومن الأمثال الحكمية : «ابدأ بالحسنة قبل السيئة، فلست بمستطيع للحسنة في كل وقت وأنت على الإساءة متى شئت قادر». ومنها قوله: «قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل»، هذا حق، لأنّ الجاهل إذا قطعك انتفعت ببعده عنك، كما تنتفع بمواصلة الصديق العاقل لك، وهذا كما يقول المتكلّمون:عدم المضرّة كوجود المنفعة، ويكاد أن يبتني على هذا قولهم : كما أن فعل المفسدة قبيح من البارىء، فالإخلال باللطف منه أيضاً يجب أن يكون قبيحاً .ومنها قوله: «من أمن الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه»، مثل الكلمة الأولى قول الشاعر :
ومَنْ يأمن الدنيا يكن مثل قابض *** على الماء خَانْته فروج الأنامِلِ
وقالوا : احذر الدنيا ما استقامت لك . ومن الأمثال الحكميّة: من أمن الزمان ضيّع ثغراً مَخُوفاً». ومثل الكلمة الثانية قولهم :«الدنيا كالأمة اللئيمة المعشوقة كلما ازددت لها عشقاً وعليها تهالكاً ازدادت لك إذلالاً، وعليك شطاطاً». وقال أبو الطيب :
وهي معشوقة على الغَدْرِ لا تح*** فظ عهداً ولا تتمم وصلا
شِيمُ الغانيات فيها فلا أذ *** ري لذا أنّث اسمها الناسُ أم لا !
ومنها قوله :«ليس كلّ مَنْ رَمى أصاب، هذا معنى مشهور، قال أبو الطيّب :
ما كلّ مَنْ طلب المعالي نافذاً *** فيها، ولا كل الرجال فحولا
ومنها قوله :« إذا تغير السلطان تغير الزمان». في كتب الفرس أن أنوشروان جمع عمّال السّواد وبيده دُرّة يقلبها ، فقال : أي شيء أضرّ بارتفاع السواد وأدعى إلى محقه؟ أيكم قال ما في نفسي جعلت هذه الدرّة في فيه؟ فقال بعضهم: انقطاع الشرب، وقال بعضهم: احتباس المطر، وقال بعضهم : استيلاء الجنوب وعدم الشمال، فقال لوزيره : قل أنت فإنّي أظنّ عقلك يعادل عقول الرعيّة كلها أو يزيد عليها، قال تغيّر رأي السلطان في رعيّته، وإضمار الحيف لهم، والجور عليهم ، فقال : اللّه أبوك! بهذا العقل أهْلَكَ آبائي وأجدادي لما أهْلُوك له ودفع إليه الدرّة فجعلها في فيه.
ومنها قوله :«سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار» وقد روي هذا الكلام مرفوعاً (1)، وفي المثل :«جار السوء كلب هارش وأفعى ناهش». وفي المثل : الرفيق إمّا رحيق أو حريق .
الأصل: إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلامِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً، وَإِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ . وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأتِهُنَّ إِلَى أَفْنٍ، وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ، وَاكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إيَّاهُنَّ، فَإِنْ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ، وَلَيْسَ عُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إدْخالِكَ مَنْ لا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ وَإِن اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ .
وَلا تُمَلكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَبْحَانَةٌ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ. وَلا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا، وَلا تُظمِعهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا . وَإِيَّاكَ وَالتَّغَابُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ، وَالْبَرِيئَةَ إِلَى الريَب. وَاجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانِ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلَّا يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ. وَأَكْرَمْ عَشِيرَتَكَ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ نَصِيرُ ، وَيَدُكَ الَّتي بِها تَصُولُ . اسْتَودِع الله دِينَكَ وَدُنْيَاكَ، وَاسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجلة، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. والسلام.
الشرح: نهاه أن يذكر من الكلام ما كان مضحكاً ، لأن ذلك من شغل أرباب الهزل والبطالة، وقل أن يخلو ذلك من غيبة أو سخرية . ثم قال : وإن حكيت ذلك عن غيرك، فإنه كما يستهجن الابتداء بذلك يستهجن حكايته عن الغير، وذلك كلام فصيح، ألا ترى أنه لا يجوز الابتداء بكلمة الكفر، ويكره أيضاً حكايتها. وقال عمر لما نهاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أن يحلف باللّه : فما حلفت به ذاكراً، ولا أثراً ولا حاكياً. وكان يقال : مَنْ مازح استخف به، ومن كثر ضحكه قلت هيبته .
1) اخرجه الطیراني في الکبیر(4379)،و دیلمي في الفردوس( 2624)،و الهیثمي في مجمع الزائد (8\164)، بلفظ:«التمسوا الجارقبل الدار،و الرفیق قبل الطریق»
فأما مشاورة النساء فإنّه من فعل عَجزة الرجال. قال الفضل بن الربيع أيام الحرب بين الأمين والمأمون في كلام يذكر فيه الأمين ويصفه بالعجز: ينام نوم الظَّرِبان، وينتبه انتباهة الذئب، همه بطنه، ولذّته فَرْجه، لا يفكر في زوال نعمة ،ولا يروّي في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد شمّر له عبد اللّه عن ساقه، وفَوّق له أشدَّ سهامه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ، والموت القاصد، قد عبّى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلايا بأسنة الرماح، وشفار السيوف، فكأنه هو قال هذا الشعر ووصف به نفسه وأخاه يُقارع أتراك ابن خاقان ليله *** إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم
فيصبح من طول الطراد وجسمه *** نحيل، وأضحي في النعيم أصمّم
وهمّي كأس من عُقار وقَيْنَة *** وهمتّه درع ورمح ومخذمُ
فشتّان ما بيني وبين ابن خالد *** أميّة في الرزق الذي اللّه يَقْسِم
ونحن معه نجري إلى غاية إن قصرنا عنها نممنا ، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا ، وإنما نحن شعب من أصل، إن قوي قوينا، وإن ضعف ضعفنا ، إنّ هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء، ويعتزم على الرؤيا، قد أمكن أهل الخسارة واللّهو من سمعه، فهم يمنّونه الظّفر، ويعدونه عُقب الأيّام، والهلاك أسرع إليه من السّيل إلى قيعان الرمل .
قوله (علیه السلام):« فإنّ رأيَهنَّ إلى أفن» الأفن بالسكون: النقص، والمتأفن : المتنقّص،يقال: فلان يتأقّن فلاناً ، أي يتنقّصه ويعيبه. ومن رواه «إلى أفن» بالتحريك فهو ضعف الرأي، أفن الرجل يَأفِن أفناً أي ضعف رأيه، وفي المثل:«إنّ الرّقين تُغَطي أفَن الأفين» (1)والوهن : الضعف. قوله : «واكفف عليهنّ من أبصارهنّ» من ها هنا ،زائدة وهو مذهب أبي الحسن الأخفش في زيادة من في الموجب، ويجوز أن يحمل على مذهب سيبويه، فيعني به : فاكفف عليهنّ بعض أبصارهنّ . ثم ذكر فائدة الحجاب، ونهاه أن يُدخِلَ عليهنّ من لا يوثق به، وقال: إن خروجهنّ أهونُ من ذلك، وذلك لأنَّ من تلك صفته يتمكن من الخلوة ما لا يتمكن منه مَنْ يراهن في الطرقات. ثم قال:« إن استطعت ألا يعرفن غيرك فافعل». كان لبعضهم بنت حسناء، فحجّ بها، وكان يعصبُ عينيها، ويكشف للناس وجهها، فقيل له في ذلك، فقال : إنما الحذر من رؤيتها الناس. لا من رؤية الناس لها .
1) انظر مجمع الأمثال» للميداني (432/3) برقم (4377) .
قال: «ولا تملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها»، أي لا تدخلها معك في تدبير ولا مشورة، ولا تتعدّين حال نفسها وما يصلح شأنها. فإن المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، أي إنما تصلح للمتعة واللذّة، وليست وكيلاً في مال، ولا وزيراً في رأي. ثم أكدّ الوصية الأولى، فقال : لا تَعْدُ بكرامتها نفسها، هذا هو قوله :«ولا تملّكها من أمرها ما جاوز نفسها». ثم نهاه أن يطيعها في الشفاعات.
وروى الزبير بن بكار، قال : كانت الخيزران كثيراً ما تكلّم موسى ابنها - لما استخلف - في الحوائج، وكان يجيبها إلى كلّ ما تسأل، حتى مضت أربعة أشهر من خلافته وتتالى الناس عليها، وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها، وكلّمته يوماً في أمر فلم يجد إلى إجابتها سبيلاً، واحتجّ عليها بحجّة فقالت : لا بدّ من إجابتي، فقال: لا أفعل، قالت: إني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد اللّه بن مالك، فغضب موسى وقال : ويلي على ابن الفاعلة !قد علمت أنه صاحبها، واللّه لا قضيتها لك ولا له ! قالت واللّه لا أسألك حاجة أبداً ، قال : إذن واللّه لا أبالي، فقامت مغضبة، فقال: مكانك تستوعبي كلامي، وأنا واللّه بريء من قرابتي من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، لئن بلغني أنه وقف أحد من قوادي وخاصّتي وخدمي وكتابي على بابك لأضر بن عنقه، ولأقبضّن ماله فمن شاء فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كلّ يوم ! أما لك مِغْزَل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك! إياك ثم إياك أن تفتحي فاك في حاجة لمليّ أو ذميّ. فانصرفت وما تعقل ما تطأ عليه، ولم تنطق عنده بحلوة ولا مرّة بعدها حتى هلك .
وأخذ هذه اللفظة منه وهي قوله : «إن المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة »الحجاج فقالها للوليد بن عبد الملك، روى ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار » (1)قال : دخل الحجّاج على الوليد بن عبد الملك وعليه درع وعمامة سوداء وفرس عربّية وكنانة، وذلك في أوّل قدمة قدمها عليه من العراق، فبعثت أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان وهي تحت الوليد إليه : مَنْ هذا الأعرابي المستلثم في السلاح عندك وأنت في غلالة ! فأرسل إليها : هذا الحجاج، فأعادت إليه الرسول، فقال : تقول لك : واللّه لأن يخلو بك ملك الموت في اليوم أحياناً أحب إلي من أن يخلو بك الحجّاج : فأخبره الوليد بذلك وهو يمازحه ، فقال : يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة
1) عيون الأخبار» للشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة النحوي الدينوري، المتوفى سنة ( 276ه-) كشف الطنون .(21184 )
النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة ،وليست بقهرمانة، فلا تطلعها على سرّك ومكايدة عدوّك. فلما دخل الوليد عليها أخبرها وهو يمازحها بمقالة الحجاج، فقالت: يا أمير المؤمنين، حاجتي أن تأمره غداً أن يأتيني مسلّماً ، ففعل ذلك، فأتاها الحجاج فحجبته، فلم يزل قائماً ، ثم أذنت له فقالت يا حجاج، أنت الممتنّ على أمير المؤمنين بقتلك ابن الزبير وابن الأشعث! أما واللّه لولا أن اللّه علم أنك شرّ خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام ولا بقتل ابن ذات النّطاقين، أول مولود في دار هجرة الإسلام !وأما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذاته وأوطاره، فإن كنّ ينفرجُنَ عن مثلك فما أحقه بالأخذ منك! وإن كنّ ينفرجْنَ عن مثله فهو غير قابل لقولك، أما واللّه لقد نفص نساء أمير المؤمنين الطّيب من غدائرهنّ فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنتَ في أضيق من قرن ،قد أظلتك رماحهم، وأثخنك كفاحهم ،كان أمير المؤمنين أحب إليهم من أبنائهم وآبائهم، فأنجاك اللّه من عدوّ أمير المؤمنين بحبّهم إياه، قاتل اللّه القائل حين ينظر إليك، وسنان غزالة بين كتفيك :
أسدعليّ وفي الحروب نعامة *** رَبْدَاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزتَ إلى غزالة في الوغى *** بل كان قلبك في جناحي طائر
قم فاخرج، فقام فخرج.
فأما قوله (علیه السلام):«إيّاك والتغاير في غير موضع غَيْرة» فقد قيل هذا المعنى، قال بعض
المحدثين :
يا أيها الغائر مة لاتغَرُ *** إِلَّا لِمَا تُدركه بالبَصَرْ
ما أنت في ذلك إلا كمن *** بيته الدبّ لرمي الحجر
وكان مسكين الدارمي أحد مَنْ يستهجن الغيرة، ويستقبح وقوعها في غير محلها، فمن شعره
في هذا المعنى :
ما أحسن الغيرة في حينها *** وأقبحَ الغَيرة في غير حين!
مَنْ لم يزل متهماً عِرسه *** مناصباً فيها لرجم الظنون
يوشك أن يغريها بالذي *** يخاف، أو ينصبها للعيون
حسبك من تحصينها ضمها *** منك إلى خيم كريم ودين
لا تظهرن يوماً على عورة *** فيتبع المقرون حَبلَ القرين
وقال أيضاً : ألا أيها ا الغائر المستشيط ***علام تغارُ إذ لم تُغَرًا
فماخيرُ عِرْس إذا خفتها *** وما خير بيت إذا لم يُزَرا
تغار من الناس أن ينظروا *** وهل يفتنُ الصالحات النظر!
فإنّي سأخلي لها بيتها *** فتحفظ لي نفسها أو تَذَرْ
إذا اللّه لم يطه وُدّها *** فلن يعطي الوُدّ سوطٌ مُمَرٌ
ومَن ذا يُراعِي له عِرْسَهُ *** إذا ضمّه والركاب السفرا
وقال أيضاً :
ولستُ أمراً لا أبرحُ الدّهر قاعداً *** إلى جنب عِرْسي لا أفارقها شبرا
ولا مقسماً لا أبرحُ الدّهر بيتها *** لأجعله قبل الممات لها قبرا
ولا حاملاً ظنّي ولا قول قائل *** على غَيرة حتى أحيط به خُبرا
رهبني امراً راعيتُ ما دمت شاهداً *** فكيف إذا ما سرتُ من بيتها شهرا؟
إذا هي لم تُحصِنُ لما في فنائها *** فليس بمنجيّها بنائي لها قصرا
فأما قوله :«واجعل لكلّ إنسان من خَدَمك عملاً تأخذه به»، فقد قالت الحكماء هذا المعنى، قال أبرويز في وصيته لولده شيرويه: وانظر إلى كتابك ،فمن كان منهم ذا ضياع قد أحسن عمارتها فوله الخراج ،ومَنْ كان منهم ذا عبيد قد أحسن سياستهم وتثقيفهم فوله الجند، كان منهم ذا سراري وضرائر قد أحسن القيام عليهن، فوله النفقات والقهرمة، وهكذا ومن فاصنع في خَدَم دارك، ولا تجعل أمرك فوضى بين خدمك فيفسد عليك ملكك. وأما قوله :«فأكرم عشيرتك فإنّهم جناحك فقد تقدّم منا كلام في وجوب الاعتضاد بالعشائر»
روى أبو عبيدة قال : كان الفرزدق لا ينشد بين يدي الخلفاء والأمراء إلا قاعداً، فدخل على سليمان بن عبد الملك يوماً، فأنشده شعراً فخَر فيه بآبائه، وقال من جملته :
تالّله ما حملت من ناقة رجُلاً *** مثلي إذا الريح لفتني على الكور فقال سليمان: هذا المدح لي أم لك! قال: لي ولك يا أمير المؤمنين، فغضب سليمان وقال : قم فأتمم، ولا تنشد بعده إلا قائماً، فقال الفرزدق : لا واللّه أو يسقط إلى الأرض أكثري شعراً فقال سليمان: ويلي على الأحمق ابن الفاعلة! لا يكني، وارتفع صوته، فسمع الضوضاء بالباب فقال سليمان ما هذا؟ قيل : بنو تميم على الباب قالوا : لا ينشد الفرزدق قائماً وأيدينا في مقابض سيوفنا، قال: فلينشد قاعداً .
وروى أبو عبيد اللّه محمد بن موسى بن عمران المرزباني، قال : كان الوليد بن جابر بن ظالم الطائي ممّن وفد على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فأسلم ، ثم صحب علياً(علیه السلام) ، وشهد معه صفين، وكان من رجاله المشهورين، ثم وفد على معاوية في الاستقامة، وكان معاوية لا يثبته، معرفةً بعينه، فدخل عليه في جملة الناس، فلما انتهى إليه استنسبه ،فانتسب له ،فقال : أنت صاحب ليلة المرير ؟ قال: نعم، قال : واللّه ما تخلو مسامعي من رجَزِك تلك الليلة، وقد علا صوتك أصوات الناس وأنت تقول :
شُدّوا فداءً داءً لكم أمي وأب *** فإنّما الأمر غداً لمن غلب
هذا ابن عم المصطفى والمنتجبْ *** تَنْمِه للعلياء ساداتُ العَرَب
ليس بموصوم إذا نصَّ النَّسَبُ *** أوّل مَن صلى وصام واقترب
قال: نعم ، أنا قائلها . قال : فلماذا قلتها ؟ قال : لأنا كنا مع رجل لا نعلم خصلة توجب الخلافة، ولا فضيلة تصير إلى التقدمة، إلّا وهي مجموعة له، كان أوّل الناس سِلْماً، وأكثرهم علماً، وأرجحهم حلماً ، فات الجياد فلا يشق غباره، يستولي على الأمد فلا يخاف عثاره، وأوضح منهج الهدى فلا يبيد مناره، وسلك القصد فلا تدرس آثاره، فلما ابتلانا اللّه تعالى بافتقاده، وحوّل الأمر إلى من يشاء من عباده، دخلنا في جملة المسلمين فلم ننزع يداً عن طاعة، ولم نصدع صفاة جماعة، على أن لك منا ما ظهر، وقلوبنا بيد اللّه، وهو أملك بها منك، فاقبل صفونا، وأعرض عن كدرنا، ولا تُثر كوامن الأحقاد ، فإنّ النار تقدح بالزناد. قال معاوية : وإنّك لتهددني يا أخاطيّىء بأوباش العراق أهل النفاق، ومعدن الشقاق فقال: يا معاوية هم الذين أشرقوك بالريق، وحبسوك في المضيق، وذادوك عن سَنَن الطريق، حتى لذت منهم بالمصاحف، ودعوت إليها من صدق بها وكذبت ،وآمن بمنزلها وكفرت، وعرف من تأويلها ما أنكرت. فغضب معاوية وأدار طرفه فيمَنْ حوله فإذا جلهم من مُضَر ونفر قليل من اليمن، فقال: أيها الشقي الخائن إنّي لإخال أنّ هذا آخر كلام تفوّه به - وكان عُفَيْر بن سيف بن ذي يزن بباب معاوية حينئذ - فعرف موقف الطائي ومراد معاوية، فخافه عليه، فهجم عليهم الدار وأقبل على اليمانيّة ،فقال : شاهت الوجوه ذلا وقلا ، وجَدْعاً وفَلا ، كَشَم اللّه هذه الأنف كَثْماً مرعباً . ثم التفت إلى معاوية ،فقال : إنّي واللّه يا معاوية ما أقول قولي هذا حباً لأهل العراق، ولا جنوحاً إليهم، ولكن الحفيظة تذهب الغضب، لقد رأيتك بالأمس، خاطبت أخا ربيعة - يعني صعصعة بن صوحان – وهو أعظم جُرماً عندك من هذا، وأنكأ لقلبك، وأقدح في صفاتك، وأجد في عداوتك، وأشد انتصاراً في حربك، ثم أثبته وسرحته، وأنت الآن مجمع على قتل هذا - زعمت - استصغاراً لجماعتنا ! فإنا لا نمر ولا تُحلي، ولعمري لو وكلتك
أبناء قحطان إلى قومك لكان جَدّك العاثر، وذكرك الدائر، وحدّك المفلول، وعرشك المثلول، فاربع على ظلعِك، واطونا على بلالتنا، ليسهل لك حزننا، ويتطامن لك شاردنا، فإنا لا نرأمُ بوقع الضيم، ولا نتلمّظ جُرع الخسف ،ولا نغمز بغماز الفتن، ولا نذر على الغضب. فقال معاوية : الغضب شيطان، فارتع نفسك أيها الإنسان، فإنا لم نأت إلى صاحبك مكروهاً، ولم نرتكب منه مغضباً، ولم ننتهك منه ،محرّماً ، فدونكه فإنّه لم يضق عنه حلمنا ويسع غيره. فأخذ عُفَير بيد الوليد، وخرج به إلى منزله ،وقال له : واللّه لتؤوينّ بأكثر ممّا آب به معدّي من معاوية. مَنْ بدمشق من اليمانية، وفرض على كل رجل دينارين في عطائه، فبلغت أربعين ألفاً، وجمع فتعجّلها من بيت المال ودفعها إلى الوليد، وردّه إلى العراق.
الأصل: وَأَرْدَيْتَ جيلاً مِنَ النَّاسِ كَثِيراً ، خَدَعْتَهُمْ بِغَيْكَ، وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجٍ بَحْرِكَ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ، وَتَتَلاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ، فَجَارُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ، وَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَتَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَمَوْلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، فَإِنَّهُمُ فَارَقُوكَ بَعْدَ ، مَعْرِفَتِكَ، وَهَرَبُوا إِلَى الله مِنْ مُوَازَرَتِكَ، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ، وَعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ. فَاتَّقِ الله يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ، وَجَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ، وَالْآخِرَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، والسلام.
الشرح: أرديتهم، أهلكتهم. وجيلاً من الناس، أي صنفاً من الناس. والغي: الضلال. وجاروا: عدلوا عن القصد. ووجهتهم، بكسر الواو، يقال: هذا وجه الرأي، أي هو الرأي بنفسه، والاسم الوجه بالكسر ويجوز بالضم . قوله :«وعوّلوا عَلَى أحسابهم»، أي لم يعتمدوا على الدّين، وإنما أردتهم الحميّة ونخوة
الجاهليّة، فأخلدوا إليها وتركوا الدين ، والإشارة إلى بني أمية وخلفائهم الذين اتهموه (علیهم السلام) بدم عثمان، فحاموا عن الحسب، ولم يأخذوا بموجب الشرع في تلك الواقعة ثم استثنى قوماً فاؤوا ،أي رجعوا عن نصرة معاوية، وقد ذكرنا في أخبار صفين مَنْ فارق معاوية ورجع إلى أمير المؤمنين(علیه السلام)، أو فارقه واعتزل الطائفتين.
قوله :«حملتهم على الصعب» أي على الأمر الشّاق ،والأصل في ذلك البعير المستصعب
يركبه الإنسان فيغرّر بنفسه.
وأول هذا الكتاب : من عبد الله علي أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى معاوية بن أبي سفيان، أما ،بعد فإنّ الدنيا دار تجارة، وربحها أو خُسرها الآخرة، فالسعيد مَنْ كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة، ومَنْ رأى الدنيا بعينها، وقدّرها بقدرها وإني لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك ممّا لا مردّ له دون نفاذه، ولكن اللّه تعالى أخذ على العلماء أن يؤدوا الأمانة، وأن ينصحوا الغوي والرشيد فاتّق اللّه ، ولا تكن ممن لا يرجو اللّه وقاراً، ومَنْ حقت عليه كلمة العذاب فإنّ اللّه بالمرصاد. وإن دنياك ستدبر عنك، وستعود حسرةً عليك، فأقلع عمّا أنت عليه من الغي والضلال، على كبر سنّك، وفناء عمرك، فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل الذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر، وقد أرديت جيلاً من الناس كثيراً ، خدعتهم بغيّك ... إلى آخر الكتاب.
قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني : فكتب إليه معاوية: من معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب، أما بعد، فقد وقفتُ على كتابك، وقد أبيتَ على الفتن إلا تمادياً، وإنّي لعالم أن الذي يدعوك إلى ذلك مصرعُك الذي لا بد لك منه ،وإن كنت موائلاً، فازدد غياً إلى غيّك ، فطالما خفّ عقلك، ومنيّت نفسك ما ليس لك، والتويت على مَنْ هوخیر منك،كانت العاقبة لغيرك، واحتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك. والسلام.
فكتب علي(علیه السلام) إليه : أما بعد ،فإنّ ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشّبه مما أتى به أهلك وقومك الذين حملهم الكفرُ وتمنّي الأباطيل على حسد محمد(صلی اللّه علیه السلام) حتى صرعوا مصارعهم حيث علمت، لم يمنعوا حريماً، ولم يدفعوا عظيماً، وأنا صاحبهم في تلك المواطن، الصالي بحرّبهم، والفال لحدّهم، والقاتل لرؤوسهم ورؤوس الضلالة، والمتّبع إن شاء اللّه خلفَهم بسلفهم، فبئس الخلف خلَفٌ اتبع سلفاً محله ومحطّه النار. والسلام.
قال : فكتب إليه معاوية : أما بعد ،فقد طال في الغي، ما استمررت أدراجك، كما طالما تمادى عن الحرب نكوصُك وإبطاؤك، فتُوعد وعيد الأسد، وتَرُوغ روغان الثعلب، فختام تحيد عن لقاء مباشرة الليوث الضارية، والأفاعي القاتلة، ولا تستبعدنّها، فكلّ ما هو آت قريب إن شاء اللّه والسلام.
قال : فكتب إليه علي(علیه السلام) :أما بعد، فما أعجب ما يأتيني منك، وما أعلمني بما أنت إليه صائر وليس إبطائي عنك إلا ترقبا لما أنت له مكذّب وأنا به مصدق! وكأني بك غداً وأنت تضجّ من الحرب ضجيج الجمال من ج الجمال من الأثقال، وستدعوني أنت وأصحابك إلى كتاب تعظمون بألسنتكم، وتجحدونه بقلوبكم. والسلام.
قال : فكتب إليه معاوية: أما بعد ،فدعني من أساطيرك، واكفُف عنّي من أحاديثك، واقصر عن تقولك على رسول اللّه (صلی اللّه علیه و اله)وافترائك من الكذب ما لم يقل، وغرور مَنْ معك والخداع لهم، فقد استغويتَه استغويتّهم، ويوشك أمرك أنّ ينكشف لهم فيعتزلوك، ويعلموا أن ما جئت به باطل مضمحلّ. والسلام.
:قال فكتب إليه علي (علیه السلام): أما بعد، فطالما دعوت أنت وأولياؤك أولياء الشيطان الرجيم الحقَّ أساطير الأولين، ونبذتموه وراء ظهوركم، وجهدتم بإطفاء نور اللّه بأيديكم وأفواهكم واللّه متم نوره ولو كره الكافرون ،ولعمري ليتمن النور على كرهك ، ولينفذنّ العلم بصغارك، ولتجازينّ بعملك، فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك، فكأنك بباطلك وقد انقضى، وبعملك وقد هوى، ثم تصير إلى لظّى، لم يظلمك اللّه شيئاً، وما ربك بظلام للعبيدا قال : فكتب إليه معاوية: أما بعد فما أعظم الرّين على قلبك، والغطاء على بصرك ! الشَّرَهُ من شيمتك، والحسد من خليقتك، فشمر للحرب، واصبر للضّرب فواللّه ليرجعنّ الأمر إلى ما ،علمت والعاقبة للمتقين هيهات هيهات !أخطأك ما تمنّى ،وهوى قلبك مع من هوى، فاربع على ظلعك، وقس شبرَك بفترِك ، لتعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه، ويفصل بين أهل الشك علمه والسلام.
قال : فكتب إليه علي(علیه السلام) : أما بعد، فإن مساوئك فإن مَساوِئك مع علم اللّه تعالى فيك حالت بينك وبين أن يصلح لك أمرك، وأن يرعوي قلبك ،يا بن الصَّخر اللّعين! زعمت أن يزن الجبال حلمك، ويفصل بين أهل الشك علمك، وأنت الجلف المنافق، الأغلف القلب، القليل العقل، الجبان الرّدل، فإن كنت صادقاً فيما تسطر، ويعينك عليه أخو بني سهم، فدع الناس جانباً، وتيسر لما دعوتني إليه من الحرب، والصبر على الضرب، واعف الفريقين من القتال ،ليعلم أينا المرين على قلبه ، المغطى على بصره، فأنا أبو الحسن، قاتل جدك وأخيك وخالك، وما أنت منهم ببعيد والسلام!
قلت : وأعجب وأطرب ما جاء به الدهر- وإن كانت عجائبه وبدائعه جمّة – أن يُفضي أمر علي (علیه السلام) إلى أن يصير معاوية نداً له ونظيراً مماثلاً، يتعارضان الكتاب والجواب، ويتساويان فيما يواجه به أحدهما صاحبه، ولا يقول له علي(علیه السلام) كلمة إلا قال مثلها ، وأخشن مَسَّاً منها ، فليت محمداً(صلی اللّه علیه واله) كان شاهد ذلك، ليرى عياناً لا خبراً أنّ الدعوة التي قام بها ، وقاسى أعظم المشاقّ في تحمّلها وكابد الأهوال في الذّب عنها، وضرب بالسيوف عليها لتأييد دولتها، وشيّد أركانها، وملأ الآفاق بها، خلصت صفواً عفواً لأعدائه الذين كذبوه، لما دعا إليها، وأخرجوه عن أوطانه لما حض عليها، وأدمَوْا وجهه، وقتلوا عمّه وأهله، فكأنه كان يسعى لهم، ويدأب لراحتهم، كما قال أبو سفيان في أيام عثمان، وقد مرّ بقبر حمزة، وضربه برجله،
وقال يا أبا عُمارة! إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعبون به ! ثم آل الأمر إلى أن يفاخر معاوية عليَّاً، كما يتفاخر الأكفاء والنظراء ..
إذا غير الطائي بالبخل مادِرٌ *** وقَرّعَ قُسَّاً بالفهامة باقل
وقال الشها للشَّمس: أنت خَفيّةٌ *** وقال الدُّجَى : يا صبح لونك حائل
وفاخَرتِ الأرضُ السماءَ سفاهة *** وكاثرتِ الشهب الحصا والجنادل
فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة ***ويانفس جدي إنّ دهرك هازل!
ثم أقول ثانياً لأمير المؤمنين(علیه السلام): ليت شعري، لماذا فتح باب الكتاب والجواب بينه وبين معاوية! وإذا كانت الضرورة قد قادت إلى ذلك، فهلا اقتصر في الكتاب إليه على الموعظة من غير تعرّض للمفاخرة والمنافرة! وإذا كان لا بد منهما فهلا اكتفى بهما من غير تعرّض لأمر آخر يوجب المقابلة والمعارضة بمثله، وبأشدّ منه : ﴿وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُوا اللّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْوم) (1)وهلاً دفع هذا الرجل العظيم الجليل نفسه عن سباب هذا السفيه الأحمق، أنه القائل : مَنْ واجَهَ الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون! أي افتروا عليه وقالوا فيه الباطل .
أيّها الشائمي لتحسَب مثلي *** إنما أنت في الضلال تهيم
لا تَسُبُنَّني فلست بسبّي *** إن سبّي من الرجال الكريم
وهكذا جرى في القنوت واللعن ،قنت بالكوفة على معاوية، ولعنه في الصلاة وخطبة الجمعة، وأضاف إليه عمرو بن العاص وأبا موسى وأبا الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة، فبلغ ذلك معاوية بالشام، فقنت عليه ولعنه بالصلاة ،وخطبة الجمعة، وأضاف إليه الحسن والحسين وابن عباس والأشتر النخعي، ولعله(علیه السلام) قد كان يظهر له من المصلحة حينئذ ما يغيب عنا الآن، واللّه أمر هو بالغه !
الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْعُمْيِ الْقُلُوبِ الصَّمِّ الْأَسْمَاعِ يَلْبِسُونَ الْحَقَّ الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ ، الَّذِينَ بِالْبَاطِلِ، وَيُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ، وَيَشْتَرُونَ
1) سورة الأنعام، الآية : 108
عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ، وَلَنْ يَفُونَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عَامِلُهُ، وَلا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فَاعِلُهُ . فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الطَّبِيبِ، وَالنَّاصِحِ اللبِيبِ التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيعِ لِلإِمَامِهِ . وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَلا تَكُن عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً ، وَلا عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً. والسلام .
الشرح:كان معاوية قد بعث إلى مكة دعاة في السر يدعون إلى طاعته، ويثبطون العرب عن نصرة أمير المؤمنين، ويوقعون في أنفسهم أنه إما قاتل لعثمان أو خاذل، وأن الخلافة لا تصلح فيمن قتل أو خذل، وينشرون عندهم محاسن معاوية بزعمهم وأخلاقه وسيرته، فكتب أميرُ المؤمنين (علیه السلام) هذا الكتاب إلى عامله بمكة، ينبهه على ذلك ليعتمد فيه بما تقتضيه السياسة، ولم يصرح في هذا الكتاب بماذا يأمره أن يفعل إذا ظفر بهم . قوله :«عيني بالمغرب»، أي أصحاب أخباره عند معاوية، وسمّى الشام مغرباً لأنه من الأقاليم المغربية . والموسم الأيام التي يقام فيها الحج. وقوله :«ويحتلبون الدنيا دَرّها بالدين» دلالة على ما قلنا : إنّهم كانوا دعاة يظهرون سمت الدين، وناموس العبادة، وفيه إبطال قول مَنْ ظَنَّ أنّ المراد بذلك السّرايا التي كان معاوية يبعثها، فتُغِيرُ على(علیه السلام) أعمال علي ودرَّها منصوب بالبدل «من الدنيا» وروي: «الذين يلتمسون الحق بالباطل» أي يطلبونه، أي يتبعون معاوية وهو على الباطل التماساً وطلباً للحق ، ولا يعلمون أنهم قد ضلوا .
قوله :«وإياك وما يعتذّر منه» من الكلمات الشريفة الجليلة الموقع، وقد رويت مرفوعة، وكان يقال : ما شيء أشدّ على الإنسان من حمل المروءة ،والمروءة ألا يعمل الإنسان في غيبة صاحبه ما يعتذّر منه عند حضوره. قوله :«ولا تكن عند النعماء بطراً، ولا عند البأساء فشلاً »معنى مستعمل، قال الشاعر :
فلستُ بمفراح إذا الدهر سرّني *** ولا جازع من صرفه المتقلّب
ولا أتمنّى الشرّ والشر تاركي *** ولكن مَتَى أُحْمل على الشر أركب
فأما قُثَم بن العباس، فأمه أم إخوته، وروى ابن عبد البر في (كتاب الاستيعاب )(1)اللّه بن جعفر ، قال : كنت أنا وعبيد اللّه وقثم ابنا العباس نلعب، فمربنا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)
1) (الاستيعاب في معرفة الأصحاب للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله المعروف بابن عبد البر القرطبي، المتوفى سنة ( 463ه-) كشف الظنون» (81/1).
راكباً، فقال: ارفعوا إليَّ هذا الفتى يعني قثم - فرفع إليه ! فأردفه خلفه، ثم جعلني بين يديه، ودعا لنا ، فاستشهد قُثَم بسمرقند.
قال ابن عبد البر: وروى عبد اللّه بن عباس، قال: كان قسم آخر الناس عهداً برسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أي آخر من خرج من قبره ممن نزل فيه. قال: وكان المغيرة بن شعبة يدعي ذلك لنفسه، فأنكر علي بن أبي طالب (علیه السلام) ذلك ، وقال : بل آخر من خرج من القبر قُثَم بن العباس.
قال ابن عبد البر : وكان قثم والياً لعلي(علیه السلام) على مكة، عزل علي (علیه السلام)خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي - وكان واليها لعثمان - وولاها أبا قتادة الأنصاري، ثم عزله عنها وولى مكانه قُثَم بن العباس، فلم يزل واليه عليها حتى قتل علي(علیه السلام) . قال : هذا قول خليفة، وقال الزبير بن بكار : استعمل علي(علیه السلام) قثم بن العباس على المدينة (1)قال ابن عبد البّر : واستشهد قثم بسَمَرْقَند، كان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية فقتل هناك. قال : وكان قثم يشبه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وفيه يقول داود بن مسلم:
عتِفت من حل ومن رحلة *** ياناقُ إن أدنيتني من قُثَم
إنّك إن أدنَيْتِ منه غداً *** حالفني اليُسر ومات العدّمُ
في كفه بحرّ وفي وجهه *** بَدْر وفي العِرْنين منه شَمَمْ
أصمّ عن قيل الخنا سمعه *** وما على الخيربه من صَمَمْ
لم يدر ما «لا» وب- الا قد درى*** فعافَها واعتاض منها نَعَمْ
الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ . وَإِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ اسْتيْطَاء لَكَ فِي الْجَهْدِ، وَلا ازْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدٌ، وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَائِكَ، لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤونَةٌ، وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلايَةٌ . إنَّ الرّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً ، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً،
1) أخرجه السيد علي بن معصوم في الدرجات الرفيعة: 151.
فَرَحِمَهُ الله ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ، وَلاقَى حِمَامَهُ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ، أَوْلاهُ الله رِضْوَانَهُ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ! فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ، وَامْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ، وَادْعُ إِلَى سَبِيل رَبِّكَ ، وَأَكْثِرُ الاِسْتِعَانَةَ بِاللّه يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ، وَيُمِنْكَ عَلَى مَا يُنْزِلُ بِكَ، إِنْ شَاءَ الله .
الشرح: أم محمد رحمه اللّه أسماء بنت عميس الخثعميّة : وهي أخت ميمونة زوج النبّي(صلی اللّه علیه واله) وأخت لبابة أم الفضل وعبد اللّه زوج العباس بن عبد المطلب، وكانت من المهاجرات إلى أرض الحبشة، وهي إذ ذاك تحت جعفر بن أبي طالب (علیه السلام)، فولدت له هناك محمد بن جعفر وعبد اللّه وعوناً ، ثم هاجرت معه إلى المدينة، فلما قتل جعفر يوم موتة تزوّجها أبو بكر، فولدت له محمد بن أبي بكر هذا ،ثم مات عنها فتزوّجها علي(علیه السلام) ، وولدت له يحيى بن علي، لا خلاف في ذلك. وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب» : ذكر ابن الكلبّي أن عون بن علي اسم أمه أسماء بنت
عميس، ولم يقل ذلك أحدٌ غيره. وقد روي أنّ أسماء كانت تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له بنتاً تسمى أمة اللّه- وقيل أمامة - ومحمد بن أبي بكر ممن ولد في عصر رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله). قال ابن عبد البرّ في كتاب (الاستيعاب): ولد عام حجة الوداع في عقب ذي القعدة بذي الحليفة، حين توجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) إلى الحجّ، فسمّته عائشة محمداً، وكنّته أبا القاسم بعد ذلك لما ولد له ولد سماه القاسم، ولم تكن الصحابة ترى بذلك بأساً، ثم كان في حجر علي(علیه السلام) ، وقتل بمصر، وكان علي (علیه السلام) يثني عليه ويقرّظه ويفضّله، وكان لمحمد رحمه اللّه عبادة واجتهاد، وكان ممّن حضر عثمان ودخل عليه ،فقال له : لو رآك أبوك لم يسرّه هذا المقام منك! فخرج وتركه، ودخل عليه بعده من قتله. ويقال: إنه أشار إلى مَنْ كان معه فقتلوه . قوله : «وبلغني موجدتك»، أي غضبك، وجدت على فلان مَوْجِدة، ووجداناً لغة قليلة، وأنشدوا : كِلانا ردّ صاحبَه بغيظ *** على حَنَق ووجدان شديد
فأما في الحزن فلا يقال إلا وجدت أنا بالفتح لا غير. والجهد: الطاقة، أي لم أستبطئك في بذل طاقتك ووسعك، ومن رواها الجَهْد بالفتح فهو من قولهم : اجهد جهدك في كذا، أي ابلغ الغاية، ولا يقال هذا الحرف ها هنا إلا مفتوحاً.
ثمّ طيّب (علیه السلام) نفسه بأن قال له : لو تمّ الأمر الذي شرعت فيه من ولاية الأشتر مصر لعوّضتك بما هو أخف عليك مؤونة وثقلاً ، وأقلّ نصباً من ولاية مصر، لأنه كان في مصر بإزاء معاوية من الشام وهو مدفوع إلى حربه. ثم أكّد(علیه السلام) لترغيبه بقوله:«وأعجب إليك ولاية» فإن قلت : ما الذي بيده ممّا أخفّ على محمد مؤونة وأعجب إليه من ولاية مصر ؟ قلت : ملك الإسلام كله كان بيد علي(علیه السلام) إلّا الشام، فيجوز أن يكون قد كان في عزمه أن يولّيه اليمن أو خراسان أو أرمينية أو فارس. ثم أخذ في الثناء على الأشتر وكان علي (علیه السلام) شديد الاعتضاد به، كما كان هو شديد التحقّق بولايته وطاعته . وناقماً: من نقمت على فلان ،كذا ، إذا أنكرته عليه وكرهته منه . ثم دعا له بالرضوان، ولست أشك بأنّ الأشتر بهذه الدعوة يغفر اللّه له ويكفر ذنوبه، ويدخله الجنّة، ولا فرق عندي بينها وبين دعوة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ويا طوبى لمن حصل له من علي(علیه السلام) بعض هذا ! قوله :«وأَصْحِر لعدوّك» أي ابرز له ولا تستتر عنه بالمدينة التي أنت فيها، أصحر الأسد من خيسه، إذا خرج إلى الصحراء. وشمر فلان للحرب، إذا أخذ لها أهبتها .
الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتِحَتْ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ رَحِمَهُ اللّه قَدِ اسْتُشْهِدَ ، فَعِنْدَ اللّه نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً ، وَعَامِلاً كَادِحاً ، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَرُكْناً دَافِعاً . وَقَدْ كُنْتُ حَتَفْتُ النَّاسَ عَلَى لَحَانِهِ، وَأَمَرْتُهُمْ بِغِيَاتِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ، وَدَعَوْتُهُمْ سِرًّا وَجَهْراً، وَعَوْداً وَبَدْماً ، فَمِنْهُمُ الْآتِي كَارِها ، وَمِنْهُمُ الْمُعْتَلُ كَاذِباً ، وَمِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلاً . أَسْأَلُ اللّه تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عاجِلاً ، فَوَاللّه لَوْلا طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ، وَتَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّةِ ، لَأَحْبَبْتُ أَلَّا أَبْقَى مَعَ هَولاء يَوْماً وَاحِداً، وَلا الْتَقِي بِهِم أبدأ
الشرح: انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرّجل قيادها، وتملّكه زمامها، واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة، يتلو بعضها بعضاً يكف تواتيه وتطاوعه، سلسة سهلة، تتدفق من غير تعسّف ولا تكلّف، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال، «يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبداً»، وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة، جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة، وتارة مجرورة، وتارة منصوبة، فإن أرادوا قَسْرَها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف اثر بين، وعلامة واضحة، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ،ذكره عبد القاهر، قال: انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة، الأولى منصوبة الفواصل، والثانية ليس فيها منصوب ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا ،وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما . ثم إن فواصل كل واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلّفية ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال :«ولداً ناصحاً»، و«عاملاً كادحاً»، وسيفاً قاطعاً»، و«ركناً دافعاً»، لو قال: ولداً كادحاً» و«عاملاً ناصحاً، وكذلك ما بعده لما كان صواباً، ولا في الموقع واقعاً، فسبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة أن يكون غلام من أبناء عرب مكة، ينشأ بين أهله، لم يخالط الحكماء، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهية من أفلاطون وأرسطو ! ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية، لأن قريشاً لم يكن أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط ولم ير بين الشجعان، لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة، ولم يكونوا ذوي حرب، خرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض. قيل لخلف الأحمر: أيّما أشجع عنبسة وبسطام أم علي بن أبي طالب؟ فقال : إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة، فقيل له : فعلى كل حال . قال : واللّه لو صاح في وجوههما لمانا قبل أن يحمل عليهما . وخرج أفصح من سحبان وقُسَ، ولم تكن قريش بأفصح العرب، كان غيرها أفصح منها ، قالوا : أفصح العرب جُرْهم وإن لم تكن لهم نَباهة وخرج أزهد الناس في الدنيا، وأعفّهم، مع أن قريشاً ذوو حرص ومحبة للدنيا، ولا غرو فيمن كان محمد (صلی اللّه علیه واله) مربیّه ومخرجه،والعناية الإلهية تمدّه وترفُدُه أن يكون منه ماكان ! يقال : احتسب ولده إذا مات كبيراً ، وافترط ولده، إذا مات صغيراً.
قوله : «فمنهم الآتي ...» ، قسّم جنده أقساماً، فمنهم من أجابه وخرج كارهاً للخروج، كما قال تعالى :«كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ» (1)، ومنهم من قعد واعتل بعلة كاذبة،
1) سورة الأنفال، الآية : 6.
كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِمَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) (1) ، ومنهم مَنْ تأخر (1)وصرّح بالقعود والخذلان كما قال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (2). والمعنى أنّ حاله كانت مناسبة لحال النبي(صلی اللّه علیه واله)، ومَنْ تذكر أحوالهما وسيرتهما، وما جرى لهما إلى أن قبضا، علم تحقيق ذلك. ثم أقسم أنه لولا طمعه في الشهادة لَمَا أقام مع أهل العراق ولا صحبهم . فإن قلت : فهلا خرج إلى معاوية وحده من غير جيش إن كان يريد الشهادة؟ قلت ذلك لا يجوز لأنه إلقاء النفس إلى التهلكة، وللشهادة شروط متى فقدت، فلا يجوز، أن تحمل إحدى الحالتين على الأخرى.
ومن كتاب له (صلی اللّه علیه واله) إلى أخيه عَقِيل بن أبي طالب في ذكر جيش انفذه إلى بعض الأعداء، وهو جواب كتاب كتبه إليه عقيل
الأصل: فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ شَمَّرَ هَارِباً ، وَنَكَصَ نَادِماً ، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَقَدْ طَفَلَتِ الشَّمْسُ لِلإياب، فَاقْتَتَلُوا شَيْئًا كلا ولا ، فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً ، بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ الرَّمَقِ، فَلَأياً بِلَأَي مَا نَجَا فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً وَتَرْكاضَهُمْ فِي الضَّلالِ، وَتَجْوَالَهُمْ فِي الشَّقَاقِ، وَجِمَاحَهُمْ فِي التّيهِ، فإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَبْلِي، فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوَازِي، فَقَدْ قَطَمُوا رَحِمِي، وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْيِي فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّ رأبي قِتَالُ الْمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى اللّه، لا يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةٌ، وَلا تَفَرَّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً. وَلا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ - وَلَوْ أَسْلَمَهُ - النَّاسُ - مُتَضَرِّعاً مُتَخَشعاً ، وَلا مُقِرّاً لِلظَّيْم وَاهِناً ، وَلا سَلِيسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ، وَلا وَطِئَة الظُّهْرِ لِلرَّاكِبِ الْمُقْتَمِدِ، وَلَكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ:
فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي *** صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَان صَلِيبُ
يَعَزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بي كَابَةً *** فَيَعْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ
الشرح: قد تقدم ذكر هذا الكتاب في اقتصاصنا ذكر حال بسر بن أرطاة وغارته على اليمن في أول الكتاب. ويقال: طفّلت الشمس - بالتشديد - إذا مالت للغروب، وطفّل الليل، مشدّداً أيضاً، إذا أقبل ظلامه، والطّفل، بالتحريك : بعد العصر حين تطفل الشمس للغروب ،ويقال أتيته طَفَلى أي في ذلك الوقت.
وقوله : «اللإياب» أي للرجوع ،أي ما كانت عليه في الليلة التي قبلها ، يعني غيبوبتها تحت الأرض. وهذا الخطاب إنّما هو على قدر أفهام العرب، كانوا يعتقدون أن الشمس منزلها ومقرها تحت الأرض، وأنها تخرج كلّ يوم فتسير على العالم، ثم تعود إلى منزلها، فتأوي إليه كما يأوي الناس ليلاً إلى منازلهم.
وقال الراوندي: «عند الإياب» عند الزوال : وهذا غير صحيح، لأن ذلك الوقت لا يسمّى طَفَلاً، ليقال : إن الشمس قد طفلت فيه . قوله : «فاقتتلوا شيئاً كلا ولا»، أي شيئاً قليلاً، وموضع «كلا ولا» نصب، لأنه صفة «شيئاً» وهي كلمة تقال لما يستقصر وقته جداً، والمعروف عند أهل اللغة: «كلا وذا»، قال ابن هاني المغربّي: وأسرع في العين من لحظة *** وأقصر في السمع من لا، وذا وفي شعر الكميت «كلا وكذا تغميضة». وقد رويت في «نهج البلاغة» كذلك، إلَّا أن في أكثر النسخ:«كلا ولا»، ومن الناس من يرويها «كلا ولات»، وهي حرف أخري مجرى «ليس»، ولا تجيء «حين» إلا أن تحذف في شعر، ومن الرواة من يرويها :«كلا ولأي» ، ولأي فعل، معناه أبطأ. قوله(علیه السلام): «نجا جريضاً»، أي قد غصّ بالريق من شدة الجهد والكرب ، يقال : جَرَض بريقه يجرض بالكسر،مثال كسر يكسر، ورجل جريض مثل قدر يقدر فهو قدير، ويجوز أن يرید بقوله :«فنجا جريضاً»،أي ذا جريض، والجريض الغصّة نفسها، وفي المثل:«حال الجريض» «دون القريض» قال الشاعر:
كأنّ الفتى لم يغنّ في النّاس ليلة ***إذا اختلف اللحيان عند الجريض قال الأصمعّي : ويقال : هو يجرض بنفسه، أي يكاد يموت، ومنه قول امرىء القيس: وأفلتهّن علباءٌ جَرِيضاً *** ولو أدركنه صفر الوطاب وأجرضه اللّبه بريقه أغصه.
قوله(علیه السلام) : «بعد ما أخذ منه بالمخنّق»، هو موضع الخنق من الحيوان، وكذلك الخناق، بالضم ، يقال أخذ بخُناقه، فأما الخناق بالكسر ، فالحبل تخنق به الشاة. والرّمق : بقية الروح .
قوله(علیه السلام) : «فلاياً بلأي ما نجا» أي بعد بطء وشدة ،وما زائدة أو مصدرية، وانتصب «لأياً» على المصدر القائم مقام الحال، أي نجا مبطئاً، والعامل في المصدر محذوف أي أبطا بطئاً، والفائدة في تكرير اللفظة المبالغة في وصف البطء الذي نجا موصوفه به ،أي لأياً مقروناً بلأي.
وقال الراوندي: هذه القصة وهذا الهارب جريضاً وبعد لأي ما نجا، هو معاوية، قال: وقد قيل : إن معاوية بعث أمويّاً فهرب على هذه الحال، والأوّل أصحّ، وهذا عجيب مضحك وددت له ألا يكون شرح هذا الكتاب ،قوله : «فدع عنك قريشاً» إلى قوله : على حرب رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، هذا الكلام حقّ، فإنّ قريشاً اجتمعت على حربه منذ يوم بويع بغضاً له وحسداً وحقداً عليه، فأصفقوا كلّهم يداً واحدة على شقاقه وحزبه، كما كانت حالهم في ابتداء الإسلام مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، لم تخرم حاله أبداً إلا أن ذاك عصمه اللّه من القتل، فمات موتاً طبيعياً، وهذا اغتاله إنسان فقتله .
قوله : «فجزت قريشاً عنّي الجوازي ، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي»، هذه كلمة تجري مجرى المثل، تقول لمن يسيء إليك وتدعو عليه : جزتك عني الجوازي! يقال: جزاء اللّه بما صنع، وجازاه اللّه بما صنع ومصدر الأول جزاء، والثاني مجازاة، وأصل الكلمة أن الجوازي جمع جازية كالجواري جمع جارية، فكأنه يقول : جَزَتْ قريشاً عني بما صنعت لي كلّ خصلة من نكبة أو شدة أو مصيبة أو جائحة، أي جعل اللّه هذه الدواهي كلّها جزاء قريش بما صنعت بي، و سلطان ابن أمي ،يعني به الخلافة ،وابن أمّه هو رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، لأنهما ابنا بي . فاطمة بنت عمرو بن عمران بن عائذ بن مخزوم، أم عبد اللّه وأبي طالب، ولم يقل سلطان ابن ابي ، لأنّ غير أبي طالب من الأعمام يشركه في النسب إلى عبد المطلب .
قال الراونديّ : الجوازي : جمعُ جازية، وهي النفس التي تجزي، أي جزاهم وفعل بهم يستحقون عساكر لأجلي وفي نيابتي وكافأهم سريّة تنهض إليهم، وهذا إشارة إلى أن بني أميّة يهلكون من بعده. وهذا تفسير غريب طريف . وقال أيضاً : قوله :«سلطان ابن أمي» يعني نفسه ،أي سلطانه، لأنه ابن أمّ نفسه، قال: وهذا من أحسن الكلام. ولا شبهة أنه على تفسير الراوندي لوقال: وسلبوني سلطان ابن أخت خالتي، أو ابن أخت عمتي ، لكان أحسن وأحسن ، وهذا الرجل قد كان يجب أن يُخجر عليه، ولا يمكّن من تفسير هذا الكتاب، ويؤخذ عليه أيمان البيعة ألا يتعرّض له . قوله :«فإن رأيي قتال المحلين» ، أي الخارجين من الميثاق والبيعة، يعني البغاة ومخالفي الإمام، ويقال لكلّ من خرج من إسلام أو حارب في الحرم أو في الأشهر الحرمِ : مُحلّ، وعلى هذا فسر قول زُهَير : وكم بالقَنانِ من مُحِلٌ ومُحرِم
أي من لا ذمة له ومن له ذمة ،وكذلك قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزبير بن العوام : الا من لقلب معنى غَزِل *** يحبّ المحلّة أخت المحلّ
أي ناقضة العهد أخت المحارب في الحَرَم، أو أخت ناقض بيعة بني أميّة . وروي «متخضعاً متضرعاً» بالضاد . ومقرا للضيم وبالضيم، أي هو راض به، صابر عليه. وواهناً : أي ضعيفاً . السلس: السهل. ومقتعِد البعير: راكبه. والشعر ينسب إلى العباس بن مرداس السّلمي، ولم أجده في ديوانه، ومعناه ظاهر، وفي الأمثال الحكمية: لا تشكون حالك إلى مخلوق مثلك، فإنه إن كان صديقاً أحزنته، وإن كان عدوّا أشمته، ولا خير في واحد من الأمرين.
الأصل: فَسُبْحَانَ الله مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَالْحَيْرَةِ الْمُتَّبَعَةِ، مَعَ تضييع الْحَقَّائِقِ، وَاطْرَاحَ الْوَثَاتِقِ الَّتِي هِيَ اللّه تَعَالَى طِلْبَةٌ، وَعَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ . فَأَمَّا إكْثَارُكَ الْحِجَاجَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَتَلَتِهِ ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ ، وَخَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النصْرُ لَهُ . والسلام.
الشرح: أوّل هذا الكتاب قوله : أما بعد، فإنّ الدنيا حُلوة خَضِرة ذات زينة وبَهْجَة ، لم يَصْبُ إليها أحدٌ إلَّا وشغلته بزينتها عما هو أنفع له منها ، وبالآخرة أمرنا، وعليها حيثنا ، فدع يا معاوية ما يفنى، واعمل لما يبقى، واحذر الموتَ الّذي إليه مصيرك، والحساب الذي إليه عاقبتك . واعلم أن اللّه تعالى إذا أراد بعبد خيراً حال بينه وبين ما يكره، ووفّقه لطاعته، وإذا أراد اللّه بعبد سوءاً أغراه بالدنيا، وأنساه الآخرة، وبسط له أَمَلَه ،وعاقه عما فيه صلاحه، وقد وصلني كتابك فوجدتُك تَرمي غير غرضك، وتنشد غير ضالّتك، وتخبط في عماية. وتتيه في ضلالة، وتعتصم بغير حجّة، وتلوذ بأضعف شُبهة . فأما سؤالك المتاركة والإقرار لك على الشام، فلو كنتُ فاعلاً ذلك اليوم لفعلته أمس. وأما قولك: إن عُمَر ولاكه فقد عزل مَنْ كان ولاء صاحبه، وعزل عثمان كان عمرُ ولاه
ولم ينصّب للناس إمام إلا ليرى من صلاح الأمّة إماماً قد كان ظهر لمن قبله، أو أخفى عنهم عيبه، والأمر يحدث بعده الأمرُ ، ولكلّ وال رأي واجتهاد فسبحان اللّه ! ما أشَدّ لزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتبعة ... إلى آخر الفصل. وأما قوله(علیه السلام) :« إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك .... »إلى آخره، فقد رَوَى البلاذري قال: لما أرسل عثمان إلى معاوية يستمدّه، بعث يزيد بن أسد القسري، جدّ خالد بن اللّه بن يزيد أمير العراق وقال له : إذا أتيتَ ذا خُشُب فاقم بها، ولا تتجاوزها ولا تقل : عبد الشاهدُ يَرَى ما لا يَرَى الغائب، فإنّني أنا الشاهد وأنت الغائب. قال : فأقام بذي خُشُب حتى قتل عثمان، فأستقدمه حينئذ معاوية، فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان أرسل معه ، وإنما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه . وكتب معاوية إلى ابن عبّاس عند صلح الحسن (علیه السلام) له كتاباً يدعوه فيه إلى بيعته، ويقول له فيه : ولَعْمري لو قتلتك بعثمان رجوتُ أن يكون ذلك اللّه ،رضاً، وأن يكون رأياً صواباً، فإنّك من الساعين عليه، والخاذلين له ،والسافكين دمّه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي، ولا بيدك أمان . فكتب إليه ابن عباس جواباً طويلاً يقول فيه : وأما قولك إنّي من الساعين على عثمان ،والخاذلين له، والسافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي . فأقسم باللّه لأنتَ المتربّص بقتله، والمحبّ لهلاكه والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره، ولقد أتاك كتابه وصريحه يستغيث بك ويستصرخ، فما حَفَلْتَ به ، حتى بعثت إليه معذراً بأجرة، أنت تعلم أنّهم لن يتركوه حتى يُقتل، فقُتِل كما كنت أردت ، ثم علمت عند ذلك أن الناس لن يعدلوا بيننا وبينك، فطفقت تَنْعَى عثمان وتُلزمنا ،دمه، وتقول قتل مظلوماً، فإن يك قتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين، ثم لم تزل مصوّباً ومصعداً، وجاثماً ،ورابضاً تستغوي الجهّال، وتنازعنا حقّنا بالسفهاء، حتى أدركت ما طلبت ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ .(1)
علي الأصل: مِنْ عَبْدِ الله عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا اللَّه حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ، وَذُهِبَ بِحَقِّهِ، فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ، فَلا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ ، وَلا مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ.
1) سورة الأنبياء، الآية : 111 .
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ الله ، لا يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ، وَلا يَنْكُلُ عَنهُ الْأَعْدَاءَ سَاعَاتِ الرَّوْعِ، أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الحَارِثِ أَخُو مَدْحِجٍ ، فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ الْحَقِّ ، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله، لا كَلِيلُ الظُّبَةِ، وَلا نابي الضَّرِيبَةِ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَاغْفِرُوا ، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا، فَإِنَّهُ لا يُقْدِمُ وَلا يُحْجِمُ، وَلا يُؤَخِّرُ وَلا يُقَدِّمُ إِلَّا عَنْ أَمْرِي ، وَقَدْ أَثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ.
الشرح: هذا الفصل يُشكل علي تأويله، لأنّ أهل مصر هم الذين قتلوا عثمان، وإذا شهد أميرُ المؤمنين (علیه السلام)أنهم غضبوا اللّه حين عُصِيَ في الأرض، فهذه شهادة قاطعة على عثمان له بالعصيان، وإتيان المنكر، ويمكن أن يقال وإن كان متعسفاً : إن اللّه تعالى عُصِيَ في الأرض لا مِن عثمان، بل من ولاته وأمرائه وأهله، وذهب بينهم بحق اللّه ، وضرب الجور سرادقه بولايتهم، وأمرهم على البر والفاجر، والمقيم والطّاعن فشاع المنكر، وفقد المعروف. يبقى أن يقال : هب أن الأمر كما تأوّلت فهؤلاء الذين غَضبوا اللّه إلى ماذا آل أمرهم؟ أليس الأمر آل إلى أنهم قطعوا المسافة من مصر إلى المدينة فقتلوا عثمان !فلا تعدو حالهم أمرين، إما أن يكونوا أطاعوا اللّه بقتله فيكون عثمان عاصياً مستحقاً للقتل، أو يكونوا أسخطوا اللّه تعالى بقتله فعثمان إذاً على حق، وهم الفسّاق العصاة، فكيف يجوز أن يبجّلهم أو يخاطبهم خطاب الصالحين! ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنهم غضبوا اللّه ، وجاؤوا من مصر، وأنكروا على عثمان تأميره الأمراء الفساق، وحصروه في داره طلباً أن يدفع إليهم مروان ليحبسوه، أو يؤدّبوه على ما كتبه في أمرهم، فلمّا حُصِر طمع فيه مبغضوه وأعداؤه من أهل المدينة ،وغيرها، وصار معظم الناس الباً عليه، وقلّ عدد المصرييّن بالنسبة إلى ما اجتمع من الناس على حصره ومطالبته بخلع نفسه وتسليم مروان وغيره من بني أمية إليهم، وعزل عماله والاستبدال بهم ، ولم يكونوا حينئذ يطلبون نفسه، ولكن قوماً منهم ومن غيرهم تسوّروا ،داره فرماهم بعضُ عبيده بالسهام فجرح بعضهم، فقادت الضرورة إلى النزول والإحاطة به، وتسرّع إليه واحد منهم فقتله . ثم إن ذلك القاتل قُتِل في الوقت، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وشرحناه، فلا يلزم من فسق ذلك القاتل وعصيانه أن يفسق الباقون لأنهم ما أنكروا إلا المنكر، وأما القتل فلم يقع منهم، ولا راموه ولا أرادوه، فجاز أن يقال : إنّهم غَضبوا اللّه ، وأن يثني عليهم ويمدحهم. ثم وصف الأشتر بما وصفه به ، ومِثلُ قوله : «لا ينام أيام الخوف» قولهم: «لا ينام ليلة يخاف، ولا يَشبَع ليلة يُضاف»، وقال: فأتت به حوش الفؤاد مبطناً *** سُهُداً إذا ما نام ليلُ الهَوْجَلِ
ثم أمرهم أن يطيعوه فيما يأمرهم به ممّا يطابق الحقّ، وهذا من شدّة دينه وصلابته (علیه السلام)لم يسامح نفسه في حقّ أحب الخلق إليه أن يهمل هذا القيّد قال رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :(1)
(1098)، والطبراني في الأوسط» (4322) وابن عبد البر في الاستيعاب) (3/ 890) .
وقال أبو حنيفة : قال لي الربيع في يهليز المنصور: إن أمير المؤمنين يأمرني بالشيء بعد الشيء من أمور ،ملكه، فأنفذه وأنا خائف على ديني، فما تقول في ذلك؟ قال - ولم يقل لي ذلك إلا في ملأ الناس - فقلت له : أفيأمر أمير المؤمنين بغير الحق؟ قال : لا ، قلت : فلا بأس عليك أن تفعل بالحق، قال أبو حنيفة : فأراد أن يصطادني فاصطدته.والذي صدع بالحق في هذا المقام الحسن البصري، قال له عُمر بن هبيرة أمير العراق في خلافة يزيد بن عبد الملك في ملأ من الناس منهم الشعبي وابن سيرين : يا أبا سعيد، إن أمير المؤمنين يأمرني بالشيء أعلم أن في تنفيذه الهَلَكة في الدّين، فما تقول في ذلك؟ قال الحسن : ماذا أقول ! إنّ اللّه مانعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من اللّه يا عمر خَفِ اللّه ، واذكر يوماً يأتيك تتمخض ليلته عن القيامة، إنه سينزل عليك مَلَك من السماء فيحظك عن سَريرك إلى قصرك، ويضطرّك من قصرك إلى لزوم فراشك ، ثم يَنقُلك عن فراشك إلى قبرك، ثم لا يُغني عنك إلا عملك، فقام عمر بن هبيرة باكياً يصطك لسانه .
قوله :«فإنه سيفٌ من سيوف اللّه» ، هذا لقب خالد بن الوليد، واختلف فيمن لقّبه به، فقيل:لقبّه به رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، والصحيح أنه لقّبه به أبو بكر لقتاله أهلَ الرّدة، وقتله مُسيلمة . والظُّبَة بالتخفيف: حدّ السيف. والنابي من السيوف ،الذي لا يقطع، وأصله نبا، أي ارتفع، فلمّا لم يقطع كان مرتفعاً ، فسمّى نابياً، وفي الكلام حذفٌ تقديره: ولا ناب ضارب الضريبة، وضارب الضريبة هو حدّ السيف فأما الضريبة نفسها فهو الشيء المضروب بالسيف، وإنما دخلته الهاء وإن كان بمعنى «مفعول» لأنه صار في عداد الأسماء كالنطيحة والأكيلة. ثم أمرهم بأن يطيعوه في جميع ما يأمرهم به من الإقدام والإحجام، وقال: إنه لا يقدم ولا يؤخر إلا عن أمري، وهذا إن كان قاله مع أنه قد سَنَح له أن يعمل برأيه في أمور الحرب من غير مراجعته فهو عظيم جداً، لأنه يكون قد أقامه مقام نفسه. وجاز أن يقول : إنه لا يفعل شيئاً إلا عن أمري، وإن كان لا يُراجُعه في الجزئيات على عادة العرب في مثل ذلك، لأنهم يقولون فيمن يثقون به نحو ذلك، وقد ذهب كثير من الأصوليين إلى أن اللّه تعالى قال لمحمد(صلی اللّه علیه واله) : احكم بما شئت في الشريعة، فإنّك لا تحكم إلا بالحق، وإنه كان يحكم من غير مراجعته
1) أخرجه أحمد كتاب مسند العشرة المبشرين بالجنة باب ومن مسند علي بن أبي طالب :
لجبرائيل وإن اللّه تعالى قد قال في حقه :﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَى يُوحَى )(1)وإن كان (علیه السلام) قال هذا القول عن الأشتر، لأنه قد قرر معه بينه وبينه ألا يعمل شيئاً قليلاً ولا كثيراً إلا بعد مراجعته ،فيجوز ،ولكنّ هذا بعيد، لأنّ المسافة طويلة بين العراق ومصر، وكانت الأمور هناك تقف وتفسد . ثم ذكر أنّه آثر هم به على نفسه، وهكذا قال عمر لمّا أنفذ عبد اللّه بن مسعود إلى الكوفة في كتابه إليهم : قد آثرتكم به على نفسي، وذلك أن عمر كان يستفتيه في الأحكام، وعلي (علیه السلام) كان يصول على الأعداء بالأشتر ويقوي أنفس جيوشه بمقامه بينهم ،فلمّا بعثه إلى بعثه إلى مصر کان مؤثراً لأهل مصر به على نفسه.
الأصل: فَإِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبعاً لِدُنْيَا امْرِى ظاهرٍ غَيْهُ، مَهْتُوكِ سِتْرُهُ، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ، وَيُسَفّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ، اتَّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضَّرْغَامِ يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ، وَيَنتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضَلِ فَرِيسَتِهِ. فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ، وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ. فَإِنْ يُمَكِّنِ الله مِنْكَ وَمِنَ ابْن أبي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا، وَإِنْ تُعْجِزَا وَتَبْقَيَا، فَمَا أمامَكُمَا شَرِّ لَكُمَا . وَالسَّلامُ .
الشرح: كلّ ما قاله فيهما هو الحق الصريح بعينه، لم يحمله بغضه لهما، وغيظه منهما ، إلى أن بالغ في ذمّهما ،به كما يبالغ الفُصحاء عند سَوْرة الغضب، وتدفّق الألفاظ على الألسنة، ولا ريب عند أحدٍ من العقلاء ذوي الإنصاف أن عمراً جعل دينه تبعاً لدنيا معاوية، وأنه ما بايعه وتابعه إلا على جعالة جعلها له، وضمان تكفل له بإيصاله، وهي ولاية مصر مؤجلة، وقطعة وافرة من المال معجّلة، ولولديه وغلمانه ما ملأ أعينهم. فأما قوله(علیه السلام) في معاوية: «ظاهر غيه»، فلا ريب في ظهور ضلاله وبغيه، وكل باغ غاو. أمّا مهتوك ستره ، فإنه كان كثير الهزل والخلاعة، صاحب جُلساء وسمّار، ومعاوية لم
1) سورة النجم، الآيتان: 3، 4 .
يتوقّر، ولم يلزم قانون الرياسة إلا منذ خرج على أمير المؤمنين، واحتاج إلى الناموس والسكينة، وإلّا فقد كان في أيام عثمان شديد التهتّك موسوماً بكلّ قبيح، وكان في أيام عمر نفسه قليلاً خوفاً منه ،إلا أنه كان يلبس الحرير والدّيباج ويشرب في آنية الذهب والفضّة، ويركب البغلات ذواتِ السّروج المحلاة بها، وعليها جلال الدّيباج والوشي، وكان حينئذ شاباً، وعنده نزّق الصبا ، وأثر الشبيبة وسكر السلطان والإمرة، ونقل الناس عنه في كتب السيرة أنّه كان يشرب الخمر في أيام عثمان في الشام، وأما بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الأمر له فقد اختلف فيه، فقيل : إنه شرب الخمر في ستر ، وقيل : إنه لم يشربه. ولا خلاف في أنه سمعَ الغناء وطرب عليه، وأعطى ووصل عليه أيضاً .
وروي أبو الفرج الأصفهاني قال : قال عمرو بن العاص لمعاوية في قدمةٍ قَدِمها إلى المدينة أيام خلافته : قم بنا إلى هذا الذي قد هَدَم شرفَه ، وهتك ستره عبد اللّه بن جعفر، نقف على ،بابه، فنَسمع غناء جواريه، فقاما ليلاً ومعهما وَرْدانُ غلامُ عَمرو، ووقفا بباب عبد اللّه ،جعفر، فاستمعا الغناء وأحسّ عبد اللّه بوقوفهما ، ففتح الباب، وعزم على معاوية أن يدخل ،فدخل فجلس على سرير عبد اللّه، فدعا عبد اللّه له وقدّم إليه يسيراً من طعام، فأكل، فلمّا أنس قال يا أمير المؤمنين ألا تأذن لجواريك أن يتمّمن أصواتهن، فإنّك قطعتها عليهن ؟ قال : فليقلن، فرفعن أصواتهن، وجعل معاوية يتحرك قليلاً قليلاً حتى ضرب برجله السرير ضرباً شديداً، فقال عمرو : قم أيها الرجل، فإنّ الرجل الذي جئت لتلحاه أو لتعجب من أمره أحسنُ حالاً منك. فقال : مَهْلاً، فإن الكريم طروب !
أما قوله : «يشين الكريم بمجلسه، ويسفّه الحليم بخلطته »: فالأمر كذلك، فإنه لم يكن في مجلسه إلّا شتّم بني هاشم وقذّفهم، والتعرّضُ بذكر الإسلام، والطعن عليه، وإن أظهر الانتماء إليه. وأما طلب عمرو فَضله واتباعه أثره اتباع الكلب للأسد فظاهر، ولم يقل : الثعلب، غضا من قدر عمرو، وتشبيها له بما هو أبلغ في الإهانة والاستخفاف. ثم قال :« ولو بالحق أخذت أدركت ما طلبت» أي لو قعدت عن نصره ولم تشخص إليه ممالناً به على الحق لوصل إليك من بيت المال قدر كفايتك.
ولقائل أن يقول : إن عمراً ما كان يطلب قدر الكفاية و علي(علیه السلام) ما كان يعطيه إلا حقه فقط، ولا يعطيه بلداً ولا طرفاً من الأطراف، والذي كان يطلب ملك مصر، لأنه فتحها أيام الان عمر ووليها برهة، وكانت حسرةً في قلبه، وحزازة في صدره، فباع آخرته بها، فالأولى أن يقال : معناه لو أخذت بالحق أدركت ما طلبت من الآخرة .
فإن قلت : إن عَمْراً لم يكن علي(علیه السلام) يعتقد أنه من أهل الآخرة، فكيف يقول له هذا الكلام؟ قلت: لا خَلَل ولا زَلَل في كلامه(علیه السلام) ، لأنه لو أخذ بالحق لكان معتقداً كون علي(علیه السلام) على الحق باعتقاده صحة نبوّة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وصحّة التوحيد، فيصير تقدير الكلام: لو بايعتني معتقداً للزوم بيعتي لك لكنت في ضمن ذلك طالباً الثواب، فكنت تدركه في الآخرة. ثم قال مهدّداً لهما، ومتوعّداً إياهما :«فإن يُمكن اللّه منك ومن ابن أبي سفيان»، وأقول: لو ظفر بهما لما كان في غالب ظنّي يقتلهما، فإنّه كان حليماً كريماً ، ولكن كان يحبسهما ليحيم بحبسهما مادة فسادهما .
ثم قال:«وإن تُعجزا وتبقيا»، أي وإن لم أستطع أخذكما أو أمتْ قبل ذلك وبقيتُما بعدي ،فما أمامكما شرّ لكما من عقوبة الدنيا، لأن عذاب الدنيا منقطع، وعذاب الآخرة غير منقطع. وذكر نصر بن مزاحم في كتاب «صفّين» (1)هذا الكتاب بزيادة لم يذكرها الرّضي. قال نصر : وكتب علي (علیه السلام)إلى عمرو بن العاص : من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى الأبتر عمرو بن العاص بن وائل، شاني محمد وآل محمد في الجاهليّة والإسلام، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنك تركت مروءتك لامرىء فاسق مهتوك ستره ، يشين الكريم بمجلسه، ويسفّه الحليم بخلطته، فصار قلبك لقلبه تبعاً، كما قيل : «وافق شن طبقة» فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك، وكان علمُ اللّه بالغاً فيك، فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دَجَى، أو أتى الصبح يلتمس فاضل سوره، وحَوايَا ،فريسته ولكن لا نجاة من القَدَر، ولو بالحق أخذت لأدركت ما ،رجوت وقد رَشد من كان الحق ،قائده فإن يُمكّن اللّه منك ومن ابن آكلة الأكباد ،الحقتكما بمن قتله اللّه من ظلمة قريش على عهد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وإن تُعجزا وتبقيا بعد، فاللّه حَسْبكما، وكفى بانتقامه انتقاماً، وبعقابه عقاباً ! والسلام (2)
الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسخطتَ رَبِّكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ. بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْت الْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إِلى حِسَابَكَ، وَأَعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ الله أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، والسلام.
الشرح: خزيْتَ أمانتك : أذلَلْتها وأهنتّها، وجرّدت الأرض قشرتّها، والمعنى أنه نسبه إلى الخيانة في المال، وإلى إخراب الضياع. وفي حكمة أبرويز أنه قال لخازن بيت المال : إني لا أحتملك على خيانة يرهم، ولا أحمدك على حفظ عشرة آلاف ألف درهم، لأنك إنما تحقن بذلك دمك، وتعمر به أمانتك، وأنك إن خنت قليلاً خنت كثيراً، فأحترس من خصلتين: من النقصان فيما تأخذه، ومن الزيادة فيما تُعطي وأعلم أني لم أجعلك على ذخائر الملك، وعمارة المملكة والعدة على العدوّ إلا وأنت أمين عندي من الموضع الذي هي فيه، ومن خواتمها التي هي عليها ، فحقق ظني في أختياري إيّاك أحقق ظنّك في رجائك لي، ولا تتعوّض بخير شراً، ولا برفعة ضعة ولا بسلامة ندامة ولا بأمانة خيانة.
وفي الحديث المرفوع :«من ولي لنا عَمَلاً فليتزوّج، وليتّخذ مَسكَناً ومَركباً وخادماً، فمن أتخذ سوى ذلك جاء يوم القيامة عادِلاً غالا سارقاً» (1). وقال عمر في وصيته لابن مسعود : إياك والهدية وليست بحرام، ولكني أخاف عليك الدّالّة .
وأهدى رجلٌ لعمر فخذَ جَزور فقبله، ثم ارتفع إليه بعد أيام مع خصم له، فجعل في أثناء الكلام يقول: يا أمير المؤمنين ،افصل القضاء بيني وبينه كما يُفصل فخِذُ الجَزور. فقضى عمرُ عليه، ثم قام فخطب الناس، وحرّم الهدايا على الولاة والقُضاة. وأهدى إنسان إلى المغيرة سِراجاً من شَبَه ، وأهدى آخر إليه بَغْلاً ، ثم اتفقت لهما خصومة في أمر فترافعا إليه، فجعل صاحب السراج يقول : إنّ أمري أضواً من السراج، فلما أكثر قال المغيرة : وَيْحَك ، إنّ البغل يَرْمح السراج فيكسره.
ومرّ عمر ببناء يُبنى بآجُرٌ وجِصٌ لبعض عماله فقال : أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها. ورُوي هذا الكلام عن علي(علیه السلام) ، وكان عمر يقول : على كل عامل أمينان : الماء والطّين . ولمّا قدم أبو هريرة من البحرين قال له عمر:يا عدو اللّه وعدو كتابه أسرقت مال اللّه
1) ذكره ابن كثير في تفسيره بما معناه: 43/1
تعالى؟ قال أبو هريرة : لستُ بعدوّ اللّه ولا عدّو كتابه ولكنّي عدوّ مَنْ عاداهما ، ولم أسرق مال اللّه ، فضربه بجريدة على رأسه، ثم ثناه بالدّرّة، وأغرمه عشرة آلاف درهم، ثم أحضره، فقال: يا أبا هريرة، من أين لك عشرة آلاف درهم؟ قال : خيلي تناسَلَتْ وعطائي تلاحق، وسهامي تتابعث قال عمر : كلا واللّه . ثم تركه أياماً ، ثم قال له : ألا تعمل؟ قال: لا، قال: قد عمل من هو خير منك يا أبا هريرة قال: مَن هو ؟ قال : يوسف الصديق، فقال أبو هريرة : إن يوسفَ عَمِل
لمن لم يضرب رأسه وظهره، ولا شتَمَ ،عرضه ولا نزع ماله لا واللّه لا أعمل لك أبد (1). وكان زياد إذا ولّى رجلاً قال له : خذ عهدك، وسر إلى عملك، وأعلم أنك محاسب رأس سنتك، وأنك ستصير إلى أربع خصال، فاختر لنفسك : إنّا إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلنا بك لضَعْفك، وسلّمتك من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائناً قويا استعنا بقوّتك، وأحسنا أدبك على خيانتك، وأوجَعْنا ظهرك، وأثقَلْنا غُرْمَك، وإن جمعت علينا الجُرْمين، جمعنا عليك المضرّتين، وإن وجدناك أميناً قوياً زدنا رزقك، ورفعنا ذكرك ، وكثرنا مالك، وأوطأنا الرجال عقبك . ووصف أعرابي عاملاً خائناً فقال : الناس يأكلون أماناتهم لقماً ، وهو يَحْسوها حَسْواً. قال أنس بن أبي إياس الدّولي لحارثة بن بَدْر الغُدَاني - وقد ولي سُرَّقَ - ويقال إنّها لأبي الأسود:
أحار بن بدر قد وليت ولاية *** فكن جُرَداً فيها تحون وتسرقُ
ولا تحقرن يا حار شيئاً أصبته *** فحظّك من ملك العراقين سُرَّقُ
وباء تميماً بالغني إن للغنى *** لساناً به المرة الهيوبة ينطق
فإنّ جميع الناس إما مكذّب *** يقول بما تهوَى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالاً ولا يتبعونها *** وإن قيل :هاتوا حققوا لم يحققّوا
فيقال : إنّها بلغت حارثة بن بدر فقال : أصاب اللّه به الرشاد، فلم يعد بإشارته ما في نفسي!
الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي وَبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِي رَجُلٌ أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي ، لِمُوَاسَاتِي وَمُوَازَرَتِي، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلبَ ، وَالْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ، وَأَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ، وَهَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ
1) أخرجه السيد شرف الدين في أجوبة مسائل جار الله بما معناه : 32 .
فتِكَتْ وَشَغَرَتْ، قَلَيْتَ لابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ، فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ، وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ، وَخُتُتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ ، فَلا ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ، وَلا الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ .
وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُن اللّه تُرِيدُ بِجهَادِكَ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَكَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنتَ تَكِيدُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ، وَتَنْوي فِرَّتَهُمْ مَنْ قَيْنِهِمْ، فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الْأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ، وَعَاجَلْتَ الوَثْبَةَ وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَأَبْنَامِهِمْ، الختطَافَ الذُّنبِ الْأَزَلَ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةَ ، فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ، غَيْرَ مُتَأَتُم مِنْ أَحَدِهِ، كَأَنَّكَ - لا أَبَا لِغَيْرِكَ - حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ.
فَسُبْحَانَ اللّه ! أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ أَوَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ أَيُّهَا الْمَعْدُودُ كَانَ عِنْدَنَا مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ، كَيْفَ تُسِيعُ شَرَاباً وَطَعَاماً ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً، وَتَشْرَبُ حرَاماً، وَتَبْتَاعُ الْإِمَاءَ، وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللّه عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ، وَأَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ الْبِلادَا
فاتقِ اللّه وَارْدُدْ إِلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَتَنِي اللّهُ مِنْكَ، لأَعْذِرَنٌ . إلى اللّه فيكَ، وَلَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلَّا دَخَلَ النَّارَ .
وَوَاللّه لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَعَلا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ، وَلا ظَفِرًا مِنِّي بِإِرَادَةٍ، حَتَّى أَخُذَ الْحَقِّ مِنْهُمَا ، وَأَزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا . وَأُقْسِمُ بِاللّه رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلالٌ لِي ، أَتْرُكُهُ مِيرَانَا لِمَنْ بَعْدِي، فَضَحٌ رُوَيْداً ، فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى، وَدُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى، وَعُرِضَت عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّع فيه الرَّجْعَةَ، وَلاتَ حِينَ مَنَاصِ! الشرح: أشركتك في أمانتي : جعلتك شريكاً فيما قمتُ فيه من الأمر، والتمنني اللّه عليه من سياسة الأمّة، وسمّى الخلافة أمانةً كما سمّى اللّه تعالى التكاليف أمانة في قوله : (إنا عَرَضْنَا الأمانة ) (1). فأما قوله : وأداء الأمانة إلي فأمر آخر، ومراده بالأمانة الثانية ما يتعارفه الناس من قولهم، فلان ذو أمانة ،أي لا يخون فيما أسند إليه .
1) سورة الأحزاب الآية: 72
وكلب الزمان اشتدّ، وكذلك : كلب البرد.
وحرب العدوّ استأسد. وخزيت أمانة الناس : ذلّت وهانت .
وشَغَرت الأمة خلت من الخير، وشَغَر البلد : خلا من الناس.
وقلبتُ له ظهر المجنّ : إذا كنت معه فصرت عليه، وأصل ذلك أن الجيش إذا لقوا العدوّ وكانت ظهور مجانّهم إلى وجه العدوّ وبطون مجانّهم إلى وجه عسكرهم، فإذا فارقوا رئيسهم وصاروا مع العدوّ كان وضع مجانّهم بدلاً من الوضع الذي كان من قبل، وذلك أن ظهور الترسة لا يمكن أن تكون إلا في وجوه الأعداء، لأنها مرمى سهامهم. وأمكنتك الشدة، أي الحملة. قوله : «أسرعت الكرّة» ، لا يجوز أن يقال : الكرّة إلا بعد فرّة، فكأنه لما كان مقلعاً فيابتداء الحال عن التعرّض لأموالهم،كان كالفارّ عنها، فلذلك قال :أسرعت الكرّة . والذئب الأزل: الخفيف الوَرِكين، وذلك أشدّ لعذوه، وأسرع لوثبته، وإن اتفق أن تكون شاةٌ من المعزّى كثيرة ودامية أيضاً ،كان الذئب على اختطافها أقدر.ونقاش الحساب :مناقشته. قوله : «فضح رويداً»، كلمة تقال لمن يؤمر بالتؤدة والأناة والسكون، وأصلها الرّجل يطعم
ابله ضحى، ويسيرّها مسرعاً ليسير، فلا يشبعها ، فيقال له : ضَح رويداً . وقد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب ،فقال الأكثرون : إنه عبد اللّه بن العباس رحمه اللّه ، وروَوْا في ذلك روايات، واستدلوا عليه بألفاظ من ألفاظ الكتاب كقوله :«أشركتك في أمانتي، وجعلتك بطانتي وشعاري ،وأنه لم يكن في أهلي رجل أوثق منك»، وقوله : «على ابن عمّك قد كلب»، ثم قال ثانياً : «قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ» (1)ثم قال ثالثاً :«ولا بن عمك آسيت»، وقوله: «لا أبا لغيرك»، وهذه كلمة لا تقال إلا لمثله، فأما غيره من أفناء الناس ،فإن عليّاً (علیه السلام)كان يقول : لا أبا لك . وقوله :« أيها المعدود كان عندنا من أولي الألباب». وقوله: «لو أنّ الحسن والحسين(علیهم السلام)، وهذا يدل على أن المكتوب إليه هذا الكتاب قريب من أن يجري مجراهما عنده .
1) المجن: الترس اللسان، مادة .(مجن).
وقد رَوَى أرباب هذا القول أن عبد اللّه بن عباس كتب إلى علي (علیه السلام)جواباً من الكتاب، قالوا : وكان جوابه
أما بعد، فقد أتاني كتابك تعظم علي ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري إنّ حقّي في بيت المال أكثر مما أخذتُ والسلام. قالوا : فكتب إليه علي(علیه السلام) : أمّا بعد فإنّ من العجب أن تزيّن لك نفسك أن لك في بيت علي مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل واحد من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل، وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم، ويُحلّ لك المحرم، إنك لأنت المهتدي السعيد إذاً! وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري بها مولّدات مكة والمدينة والطائف، تختارهنّ على عينك وتعطي فيهنّ مال غيرك، فارجع هَدَاك اللّه إلى رُشدك، وتبْ إلى الله ربك، واخرج إلى المسلمين من أموالهم، فعمّا قليل تفارق من ألفت وتترك ما جمعت ،وتغيب في صَدَع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد فارقت الأحباب، وسكنت التراب وواجهت الحساب غنياً عما خلفت، فقيراً إلى ما قدّمت والسلام. قالوا: فكتب إليه ابن عباس: أما بعد! فإنك قد أكثرت عليّ، وواللّه لأن ألقى اللّه قد احتويت على كنوز الأرض كلها، وذهبها وعقيانها ولُجينها ، أحبّ إلي من أن ألقاه بدم امرىء مسلم. والسلام. وقال آخرون وهم الأقلون: هذا لم يكن، ولا فارق عبد اللّه بن عباس عليّا(علیه السلام) ، ولا باينه
ولا ،خالفه، ولم يزل أميراً على البصرة إلى أن قتل علي(علیه السلام). قالوا : ويدلّ على ذلك ما رواه أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني من كتابه الذي كتبه إلى معاوية من البصرة لما قتل علي(علیه السلام) ، وقد ذكرناه من قبل، قالوا : وكيف يكون ذلك ولم يخدعه معاوية، ويجره إلى جهته، فقد علمتم كيف اختدع كثيراً من عمال أمير المؤمنين(علیه السلام) واستمالهم إليه بالأموال، فمالوا وتركوا أمير المؤمنين(علیه السلام) ، فما باله وقد علم النبوة التي حدثَتْ بينهما ، لم يستمل ابن عباس، ولا اجتذبه إلى نفسه، وكلّ من قرأ السير وعرف التواريخ يعرف مشاقة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة علي (علیه السلام)، وما كان يلقاه به من قوارع الكلام، وشديد الخصام، وما كان يثني به على أمير المؤمنين (علیه السلام)ويذكر خصائصه وفضائله، ويصدع به من مناقبه ومآثره، فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان الأمر كذلك، بل كانت الحال تكون بالضدّ لما اشتهر من أمرهما. وهذا عندي هو الأمثل والأصوب. وقد قال الراوندي: المكتوب إليه هذا الكتاب هو عبيد اللّه بن العباس، لا عبد اللّه، وليس
ذلك بصحيح ، فإن عبيد اللّه كان عامل علي(علیه السلام) علی اليمن، وقد ذكرت قصته مع بسر بن أرطاة فيما تقدّم، ولم ينقل عنه أنه أخذ مالاً، ولا فارق طاعة.
وقد أشكل علي أمرُ هذا الكتاب، فإن أنا كذّبت النقل وقلتُ : هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين(علیه السلام) ، خالفت الرواة، فإنهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه، وقد ذكر في أكثر كتب السير، وإن صرفته إلى عبد اللّه بن عباس صدّني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين(علیه السلام) في حياته وبعد وفاته ،وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى مَنْ أصرفه من أهل أمير المؤمنين(علیه السلام) ، والكلام يشعر بأنّ الرجل المخاطب من أهله وبني عمه، فأنا في هذا الموضع من المتوقفين !
الأصل: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ النُّعْمَانَ بْنَ عَجْلانَ الزُّرَقِي عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَنَزَعْتُ يَدَكَ بِلا دَم لَكَ، وَلا تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ، فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلايَةَ، وَأَبْتَ الْأَمَانَةَ ، فَأَثْبِلْ غَيْرَ فَنِين وَلا مَلُومٍ، ولا منهم وَلا مَأْتُومٍ، فَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي. فَإنَّكَ مِمَّنْ اسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ ، وَإِقَامَةِ عَمُودِ الدِّينِ، إِنْ شَاءَ اللّه .الشرح: اما عمر بن أبي سَلَمة فهو ربيب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، وأبوه أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة، يكنّى أبا حفص، ولد في السنة الثانية . من الهجرة بأرض الحبشة ، وقيل : إنه كان يومَ قُبِض رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ابن تسع سنين ، وتوفّي في المدينة في خلافة عبد الملك سنة ثلاث وثمانين، وقد حفظ عن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الحديث، ورَوَى عنه سعيد بن المسيّب وغيره ،ذكر ذلك كله ابن عبد البّر في كتاب «الاستيعاب». وأما النعمان بن عجلان الزُّرَقي فمن الأنصار ، ثم من بني زُرّيق، وهو الذي خَلَفَ على خولة زوجة حمزة بن عبد المطلب رحمه اللّه بعد قتله، قال ابن عبد البّر في كتاب «الاستيعاب» كان النعمان هذا لسان الأنصار وشاعرهم ،ويقال: إنه كان رجلاً أحمر قصيراً تزدريه العين، إلا أنه كان سيّداً، وهو القائل يوم السقيفة :
وقلتم حرامٌ نصب سعد ونصبكم *** عتیق بن عثمان حلال أبا بكر
وأهل أبو بكر لها خير قائم *** وإن علياً كان أخلق بالأمر
وإن هَوانا في علي وإنّه *** لأهل لها من حيث يدري ولا يدري
قوله :«ولا تثريب عليك» ، فالتثريب الاستقصاء في اللّوم، ويقال: ثربت عليه، وعرّبت عليه إذا قبحت عليه فعله .
والظَّنين: المتّهم، والظُّنّة التهمة، والجمع الظَّنن، يقول: قد اظنّ زيد عمراً، والألف ألف وصل، والظاء مشدّدة، والنون مشدّدة أيضاً، وجاء بالطاء المهملة أيضاً، أي اتهمه. وفي حديث ابن سيرين: لم يكن علی (علیه السلام) یظنّ في قتل عثمان، الحرفان مشدّدان وهو يَفْتَعِل من «يَظْنُ» وأُدغم، قال الشاعر : وما كلُّ مَنْ يظُنُّنِي أنَا مُعْتِبٌ *** وما كلّ ما يُروى على أقول
الأصل: بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطتَ إِلَهَكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ، إِنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ الْمُسْلِمِينَ - الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ ، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ - فِيمَنْ اعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ. فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا . لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً ، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَانَاً ، فَلا تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ، وَلا تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقٍ دِينِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. ألا وَإِنَّ حَقٌّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبْلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْءِ سَوَاءٌ، يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ، وَيَصْدُرُونَ عَنْهُ .
الشرح: قد تقدّم ذكر نسب مصقلة بن هبيرة. وأردشير خرّة: كُورةٌ من كُوّر فارس. واعتامك : اختارك من بين الناس، أصله من العيمة بالكسر، وهي خيار المال، اعتام المصدّق إذا أخذ العيمة، وقد رُوِي: فيمن اعتماك بالقلب، والصحيح المشهور الأول، وروي : ولتجدنّ بك عندي هوانا» بالباء، ومعناها اللام، ولتجدن بسبب فعلك هوانك عندي، والباء ترد للسبّية، كقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ )(1). والمحق الإهلاك.
1) سورة النساء، الآية: 160
والمعنى أنه نهى مصقلة عن أن يقسم الفيء على أعراب قومه الذين اتخذوه سيّداً ورئيساً، ويَحْرِم المسلمين الذين حازُوه بأنفسهم وسلاحهم، وهذا هو الأمر الذي كان يُنكره على عثمان، وهو إيثار أهله وأقاربه بمال الفيء، وقد سبق شرح مثل ذلك مستوفى.
الأصل: وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُ لُبَكَ، وَيَسْتَقِلْ غَرْبَكَ، فَاحْذَرْهُ فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ يَأْتِي الْمَرْةَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، لِيَقْتَحمَ غَفْلَتَهُ، وَيَسْتَلِبَ فِرَّتَهُ . وَقَدْ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَلْتَةٌ مِنْ حَدِيثَ النَّفْسِ، وَنَزَغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ، لا يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ، وَلا يُسْتَحَقُّ بِهَا إِرْتٌ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا كَالْوَاغِلِ الْمُدَفِّعِ، والنوط المُذَبْذَبِ. فَلَمَّا قَرَأَ زِيَادُ الْكِتَابَ قَالَ : شَهِدَ بِهَا وَرَبِّ الْكَعْبَة، وَلَمْ تَزَلْ فِي نَفْسه حَتَّى ادَّعَاهُ مُعَاوِيَةُ . قالَ الرَّضِيُّ رَحمهُ الله تعالى : قَوْله : «الوَاخلُ»، هو الذي يَهجُمُ على الشَّرْبِ ليشرب . معهم وليس منهم، فَلا يَزَالُ مُدَنْعاً مُحاجَزاً. والنوْطُ المُذَبْذَبُ : هو ما يُنَاطُ بِرَحْلِ الرَّاكِبِ من قَعْب أو قدح، أو ما أشبه ذلك، فهو أبداً يتقلقل إذا حثَّ ظهره، واستعجل سيره .
الشرح: يستزلّ لبّك ، يطلب زلله وخطأه، أي يحاول أن تزلّ، واللبٌ : العقل . ويستغلّ غَرْبك : يحاول أن يفلّ حدّك، أي عزمك، وهذا من باب المجاز. ثم أمره أن يحذره، وقال: إنه – يعني معاوية - كالشّيطان يأتي المرة من كذا ومن كذا ،وهو مأخوذ من قول اللّه تعالى:(ثُمَّ لَاَتِيَنَهُم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَتِهِمْ وَمَن ثَما يليهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِرِين) (1)، قالوا في تفسيره: من بين أيديهم : يُطمعهم في العفو ويغريهم بالعصيان، ومن خلفهم : يذكرهم، مخلّفيهم، ويُحسّن لهم جمع المال وتركه لهم، وعن أيمانهم :يحبّب إليهم الرياسة والثناء، وعن شمائلهم : يحبّب إليهم اللّهو واللذّات.
1) سورة الأعراف الآية : 17 .
وقال شقيق البلخي : ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد : من بين يديّ ،ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، أما من بين يديّ فيقول: لا تخف فإنّ اللّه غفور رحيم، فأقرأ : (وَإِنِي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَمَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (1)، وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على مخلّفي ، فأقرأ : ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) ،(2)وأما من قبل يميني فيأتيني من جهة الثناء، فأقرأ : (وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (3)، وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ : و(حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) (4)فإن قلت : لِمَ لَمْ يقل : ومن فوقهم ومن تحتهم»؟
قلت : لأن جهة «فوق» جهة نزول الرحمة، ومستقر الملائكة، ومكان العرش، والأنوار الشريفة، ولا سبيل له إليها، وأما من جهة «تحت» فلأن الإتيان منها يُوحِش، وينفّر عنه ، لأنها الجهة المعروفة بالشياطين، فعدل عنها إلى ما هو أدعى إلى قبول وساوسه وأضاليله .
وقد فسّر قوم المعنى الأوّل فقالوا:«من بين أيديهم»، من جهة الدنيا، و«من خلفهم». من جهة الآخرة، و«عن أيمانهم»، الحسنات، و«عن شمائلهم»، أي يحثهّم على طلب الدنيا ، ويؤيسهم من الآخرة، ويثبطّهم عن الحسنات، ويغريهم بالسيئات . قوله :«ليقتحم غفلته» أي ليلج ويهجم عليه وهو غافل، جعل اقتحامه إياه اقتحاماً للغرّة نفسها لما كانت غالبةً عليه . ويستلب غرّته، ليس المعنى باستلابه الغرّة أن يرفعها ويأخذها، لأنه لو كان كذلك لصار ذلك الغافل المغتر فاقداً للغفلة والغرّة، وكان لبيباً فطناً، فلا يبقى له سبيل عليه، وإنما المعنى بقوله :«ويستلب غرته»ما يعنيه الناس بقولهم : أخذ فلان غفلتي وفعل كذا . ومعنى أخذ هاهنا أخذ ما يستدلّ به على غفلتي. وفلتة :أمرٌ وقع من غير تثبت ولا رويّة. ونَزْغَةَ : كلمة فاسدة، من نزغات الشيطان، أي من حركاته القبيحة التي يستفسد بها مكلفين، ولا يثبتُ بها نسب، ولا يستحقّ بها إرث، لأنّ المقرّ بالزنى لا يلحقه النسب، ولا يرثه المولود، لقوله(علیه السلام) : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (5)
1) سورة طه الآية : 82
2) سورة هود الآية 6 .
3) سورة القصص، الآية : 83.
4) سورة سبأ، الآية: 54 .
5) أخرجه البخاري كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات (2053) ، ومسلم، كتاب الرضاع باب الولد للفراش (1458) والترمذي :كتاب الرضاع ما جاء أن الولد للفراش (1157) والنسائي، كتاب الطلاق باب الحاق الولد بالفراش (3482).
فأما زياد ،فهو زياد بن عبيد، ومن الناس من يقول : عبيد بن فلان، وينسبه إلى ثقيف ،والأ كثرون يقولون : إن عبيداً كان عبداً، وإنه بقي إلى أيام زياد، فابتاعه وأعتقه، وسنذكر ما ورد في ذلك ونسبة زياد لغير أبيه، الخمول أبيه والدعوة التي استلحق بها، فقيل تارةً: زياد ابن سميّة، وهي أمه، وكانت أمَةً للحارث بن كلّدة بن عمرو بن علاج الثقّفي، طبيب العرب ،وكانت تحت عبيد.
وقيل تارة: زياد ابن أبيه ،وقيل تارة: زياد ابن أمه، ولما استلحق قال له أكثر الناس: زياد بن أبي سفيان، لأن الناس مع الملوك الذين هم مظنة الرهبة والرّغبة، وليس اتباع الدين بالنسبة إلى اتباع الملوك إلا كالقطرة في البحر المحيط، فأما ما كان يدعى به قبل الاستلحاق فزياد بن عبيد، ولا يشك في ذلك أحد.
وروى أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» عن هاشم بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، عن أبي صالح ،عن ابن عباس، أن عمر بعث زياداً في إصلاح فساد واقع باليمن، فلمّا ، رجع من وجهه خطب عند عمر خطبة لم يُسمع مثلها - وأبو سفيان حاضر وعلى(علیه السلام) وعمرو بن العاص - فقال عمرو بن العاص : اللّه أبو هذا الغلام لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: إنه لقُرشي، وإني لأعرِف الذي وضعه في رحم أمّه، فقال علي (علیه السلام): ومن هو ؟ قال : أنا ، فقال : مهلاً يا أبا سفيان، فقال أبو سفيان :
أما واللّه لولا خوف شخص*** يراني يا علي من الأعادي
لأظهر أمره صخر بن حربٍ *** ولم يخف المقالة في زياد
وقد طالت مُجامَلتي ثقيفاً *** وتركي فيهم ثمر الفؤادِ
عنى بقوله :«لولا خوف شخص»: عمر بن الخطاب. وروى أحمد بن يحيى البلاذري قال : تكلّم زياد - وهو غلام حَدَث - بحضرة عمر كلاماً أعجب الحاضرين، فقال عمرو بن العاص : اللّه أبوه ! لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: أما واللّه إنّه لقُرشي، ولو عرّفته لعرفت أنه خير من أهلك، فقال: ومن أبوه؟ قال : أنا واللّه وضعته في رحم أمّه فقال: فهلا تستلحقه؟ قال : أخاف هذا العير الجالس أن يخرق علي إهابي .
ورَوَى محمد بن عمر الواقدي، قال قال : أبو سفيان وهو جالس عند عمر وعلي هناك، وقد تكلّم زياد فأحسن :أبت المناقب إلا أن تظهر في شمائل زياد، فقال علي(علیه السلام) : من أي بني عبد مناف هو؟ قال :ابني، قال:كيف؟ قال : أتيت أمه في الجاهلية سفاحاً ! فقال علي(علیه السلام): يا أبا سُفْيان !فإنّ عمر إلى المساءة سريع، قال: فعرف زياد ما دار بينهما، فكانت في نفسه.
ورَوَى علي بن محمد المدائني قال : لمّا كان زمن علي (علیه السلام)ولى زياداً فارس أو بعض أعمال فارس، فضبطها ضبطاً صالحاً ، وجَبَى خَراجها وحماها، وعرف ذلك معاوية، فكتب إليه : أما بعد، فإنّه غرّتك قلاع تأوي إليها ليلاً،كما تأوي الطيرُ إلى وكرها، وأيم اللّه لولا انتظاري بك ما اللّه أعلم به لكان لك منّي ما قاله العبد الصالح :(فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَفِرُونَ) (1). وكتب في أسفل الكتاب شعراً من جملته :
تَنسَى أباك وقد شالتْ نَعامتُه ***إذ يخطب الناس والوالي لهم عمرُ فلمّا ورد الكتاب على زيادٍ قام فخطب الناس، وقال : العَجَب من ابن آكلة الأكباد، ورأس
النفاق! يهددّني وبيني وبينه ابن عم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وزوج سيّدة نساء العالمين، وأبو السبطين ،وصاحب الولاية والمنزلة والإخاء في مائة ألف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم (2)بإحسان !أما واللّه لو تخطى هؤلاء أجمعين إلي لوّجدني أحمرَ مِخَشَّاً (2) ضَرّاباً بالسيف، ثم كتب إلى علی(علیه السلام)، وبعث بكتاب معاوية في كتابه .
فكتب إليه علي (علیه السلام)، وبعث بكتابه: أما بعد فإني قد ولّيتك ما وليتك وأنا أراك لذلك أهلاً ، وإنه قد كانت من أبي سفيان فلتة في أيام عمر من أماني التيه وكَذِّب النفس، لم تستوجب بها ميراثاً، ولم تستحق بها نَسَباً، وإن معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعَن يمينه وعن شماله ،فاحذره، ثم احذره، ثم احذره، والسلام .(3)وروى أبو جعفرمحمد بن حبيب قال : كان على(علیه السلام) قد ولّى زياداً قطعةً من أعمال فارس، واصطنعه لنفسه، فلمّا قُتِل علي (علیه السلام) بقي زياد في عمله، وخاف معاوية جانبه، وعلم صعوبة ناحيته، وأشفق من ممالأته الحسن بن علي(علیه السلام) فكتب إليه : من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عبيد، أما بعد فإنّك عبد قد كفرت النّعمة، واستدعيت النّقمة، ولقد كان الشكر أولى بك من الكفر، وإنّ الشجرة لتضرب بعرقها، وتتفرّع من أصلها، إنك - لا أم لك بل لا أب لك - قد هلكت وأهلكت، وظننت أنّك تخرج من قبضتي، ولا ينالك سلطاني هيهات! ما كلُّ ذي لب يصيب رأيه، ولا كلُّ ذي رأي ينصح في مشورته. أمسِ عبد واليوم أمير! خطّة ما ارتقاها مثلك يا بن سميّة، وإذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة، وأسرع الإجابة، فإنّك إن تَفَعل فدَمَك حقَنت، ونفسك تداركت، وإلاّ اختطفتك بأضعف ريش، ونلتك بأهْوَن سَعْي، وأقسم قسماً مبروراً ألا أُوتَى بك إلا في زمّارة، تمشي حافياً من أرض فارس إلى الشام حتى أقيمك في السوق، وأبيعك عبداً، وأردّك إلى حيث كنت فيه وخرجت منه والسلام.
فلمّا ورد الكتاب على زياد غضب غضباً شديداً، وجمع الناس وصعد المنبر . فحمد اللّه ثم قال : ابن آكلة الأكباد وقاتلة أسد اللّه ، ومظهر الخلاف، ومُسِرّ النفاق، ورئيس الأحزاب، ومن أنفق ماله في إطفاء نور الّله ، كتب إلي يُرعِد ويبرق عن سحابةٍ جَفْل لا مَاءَ فيها، وعما قليل تصيّرها الرياح قَزَعاً، والذي يدلّني على ضعفه تهدّده قبل القدرة ، أفمن إشفاق علي تُنذِر وتُعذر! كلّا ، ولكن ذَهَب إلى غير مَذهَب، وقَعقع لِمَن رُبِّيَ بين صَواعِق تهامة، كيف أرهبه وبيني وبينه ابن بنت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وأبن أبن عمّه في مائة ألف من المهاجرين والأنصار، واللّه لو أذن لي فيه، أو ندبني إليه، لأريتُه الكواكب نهاراً، ولأسعطته ماء الخردل، دونه الكلام اليوم، والجمع غداً، والمشورة بعد ذلك إن شاء اللّه. ثم نزل. وكتب إلى معاوية: أما بعد، فقد وصل إلي كتابك يا معاوية، وفهمتُ ما فيه، فوجدتك كالغريق يغطيه فيتشبث بالطحلب، ويتعلّق بأرجُل الضفادع، طمعاً في الحياة. إنّما يكفر النعم، ويستدعي النقم من حادّ اللّه ورسوله ، وسَعَى في الأرض فساداً. فأما سبك لي فلولا حلم ينهاني عنك، وخوفي أنْ أُدْعَى سفيهاً، لأثَرْت لك مخازي لا يغسلها الماء. وأما تعييرك لي بسميّة، فإن كنتُ أبنَ سُمية فأنت ابن جماعة، وأما زعمك أنَّك تختطفني بأضعف ريش، وتتناولني بأهونَ سَعْي، فهل رأيت بازياً يفزعه صغيرُ القنابر، أم هل سمعت بذئب اكله حُروف! فأمض الآن لطيّتك، وأجتهد جَهدَك، فلستُ أنزل إلا بحيث تكره، ولا أجتهد إلا فيما يسوءك، وستعلُم أينا الخاضع لصاحبه، الطالع إليه. والسلام.
فلمّا ورد كتاب زياد على معاوية غَمّه وأحزنه، وبعث إلى المغيرة بن شعبة، فخلا به وقال: يا مغيرة، إنّي أريد مشاورتك في أمرٍ أهمّني، فأنصحني فيه، وأشر عليَّ برأي المجتهد، وكن أكن لك، فقد خصصتك بسِري ،وآثرتك على وَلَدي ،قال المغيرة : فما ذاك؟ واللّه لتجدّني في طاعتك أمضى من الماء إلى الحدور، ومن ذي الرونق في كف البطل الشجاع. قال: يا مغيرة، إن زياداً قد أقام بفارسَ يَكُش لنا كَثِيشَ الأفاعي، وهو رجل ثاقب الرأي، ماضي العزيمة، جوّال الفكر،مصيب إذا رمى، وقد خفت منه الآن ما كنتُ آمنه إذ كان صاحبه حيّاً ، وأخشى ممالاته حسناً، فكيف السبيل إليه، وما الحيلة في إصلاح رأيه؟ قال المغيرة : أنا له إن لم أمت، إن زياداً رجل يحبّ الشرف والذكر وصعود المنابر ، فلو لاطفته المسألة، والنت له الكتاب، لكان لك ،أميل، وبك ،أوثَق، فأكتب إليه وأنا الرسول .
فكتب معاوية إليه : من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان، أما بعد، فإن المرء ربّما طَرَحه الهوى في مطارح العطب، وإنك للمره المضروب به المثل، قاطع الرحم، وواصل العدوّ وحَمَلك سوء ظنك بي، وبغضُك لي، على أن عققت قرابتي، وقطعت وبتت نسبي وحُرمتي، حتى كأنك لست أخي، وليس صخر بن حرب أباك وأبي شتّان
ما بيني وبينك أطلب بدم ابن أبي العاص وأنت تقاتلني! ولكن أدركَكَ عِرقُ الرّخاوة من قبل النساء، فكنت:
كتاركة بَيْضَها بالعراء *** ومُلحفةٍ بَيْضَ أخرى جناحا
وقد رأيتُ أن أعطف عليك، ولا أؤاخذك بسوء سعيك، وأن أصل رحمك وأبتغي الثواب في أمرك فاعلم أبا المغيرة أنك لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى انقطع متنه لما ازددت منهم إلا بعداً، فإن بني عبد شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع وقد أُوثق للذبح فارجع - رحمك اللّه - إلى أصلك، واتصل بقومك، ولا تكن كالموصول بريش غيره، فقد أصبحت ضال النسب. ولَعَمري ما فَعَل بك ذلك إلّا اللجاج، فدعه عنك، فقد أصبحت على بينة من أمرك، ووضوح من حجّتك، فإن أحببت جانبي، ووثّقت بي، فإمرة بإمرة، وإن كرهت جانبي، ولم تثق بقولي، ففعل جميل لا عليَّ ولا لي. والسلام.
فرحل المغيرة بالكتاب حتى قدم فارس، فلمّا رآه زياد قربه وأدناء ولطف به فدفع إليه الكتاب، فجعل يتأمله ويضحك، فلمّا فرغ من قراءته وضعه تحت قدمه ثم قال : حَسْبك يا مغيرة! فإنّي أطلع على ما في ضميرك، وقد قدمت من سفرة بعيدة، فقم وأرخ ركابك. قال: أجل، فدع عنك اللجاج يرحمك اللّه، وارجع إلى قومك، وصل أخاك، وانظر لنفسك، ولا تقطع رحمك ! قال زياد إنّي رجل صاحب أناة، ولي في أمري روية، فلا تعجل عليّ، ولا تبدأني بشيء حتى أبدأك ثمّ جمع الناسَ بعد يومين أو ثلاثة، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس: ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم ، وارغبوا إلى اللّه في دوام العافية لكم، فقد نظرتُ في أمور الناس منذ قتل عثمان، وفكرت فيهم فوجدتهم كالأضاحي في كلّ عيد يُذبحون، ولقد أفنى هذان اليومان - يوم الجمل وصفين - ما يُنيف على مائة ألف كلّهم يزعم أنّه طالب حق، وتابع إمام، وعلى بصيرة من أمره، فإن كان الأمر هكذا فالقاتل والمقتول في الجنّة، كلا ليس كذلك، ولكن أشكل الأمر، والتبس على القوم، وإني لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ، فكيف لامرى بسلامة دينه وقد نظرتُ في أمر الناس فوجدتُ أحد العاقبتين العافية، وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته ومغبته، فقد حمدتُ طاعتكم إن شاء اللّه ثم نزل. وكتب جوابَ الكتاب : أما بعد، فقد وصل كتابك يا معاوية مع المغيرة بن شعبة وفهمت ما فيه، فالحمد للّه الذي عرّفك الحق، وردّك إلى الصلة، ولست ممّن يجهل معروفاً، ولا يغفل حَسَباً، ولو أردتُ أن أجيبك بما أوجبته الحجّة، واحتمله الجواب لطال الكتاب وكَثُر الخطاب، ولكنّك إن كنتَ كتبت كتابك هذا عن عَقْد صحيح، ونيّة حسنة، وأردت بذلك براً، فستزرع في قلبي مودة وقبولاً ، وإن كنتَ إنّما أردت مكيدة ومكراً وفساد نية، فإن النفس تأبى ما فيه العطب، ولقد قمتُ يومَ قرأتُ كتابك مقاماً يعبأ به الخطيب المِدْرَه، فتركت من حضر، لا
أهل ورد ولا ،صدر كالمتحيّرين بمهمهِ ضَلَّ بهم الدليل، وأنا على أمثال ذلك قدير، وكتب في أسفل الكتاب :
إذا مَعشِري لم يُنصفوني وجدتني *** أدافع عني الضيم ما دمت باقيا
وكم معشر أعيَتْ قناتي عليهمُ *** فلامُوا وألفوني لدى العزم ماضيا
وهم به ضاقت صدور فرجْتُه *** وكنتُ بطبي للرجال مُداوِيا
أدافع بالحلم الجهول مكيدة *** وأخفي له تحت العِضاء الدواهيا
فإن تدنُ مني أدنُ منك وإن تبن*** تجدني إذا لم تَدْنُ مِنّي نائيا
فأعطاء معاوية جميع ما سأله، وكتب إليه بخط يده ما وثق به، فدخل إليه الشام، فقرّبه وأدناه وأقره على ولايته، ثم استعمله على العراق.
وَرَوى عليّ بن محمد المدائني ، قال :لما أراد معاوية استلحاق زياد وقد قدم عليه الشام جمع الناس وصعد المنبر، وأصعد زياداً معه فأجلسه بين يديه على المرقاة التي تحت مرقاته ، وحَمِد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنّي قد عرفتُ نَسبنا أهل البيت في زياد، فمن كان عنده شهادة فليقم بها. فقام ناس فشهدوا أنّه ابن أبي سفيان ،وأنّهم سمعوا ما أقر به قبل موته، فقام أبو مريمَ السَّلُولي - وكان خماراً في الجاهلية - فقال : أشهد يا أمير المؤمنين أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف، فأتاني فاشتريت له لحماً وخَمراً وطعاماً، فلما أكل قال: يا أبا مريم أصِب لي بغيَّاً ، فخرجتُ فأتيتُ بسُميّة، فقلت لها : إنّ أبا سُفْيان ممّن قد عرفت شرفه وجُودَه، وقد أمرني أن أصيب له بغيَّاً، فهل لك ؟ فقالت: نعم، يجيء الآن عبيد بغنمه - وكان راعياً - فإذا تعشّى، ووضع رأسه أتيتُه . فرجعت إلى أبي سفيان فأعلمتُه ، فلم تلبث أن جاءت تجرّ ذيلها، فدخلت معه، فلم تزل عنده حتى أصبحت فقلت له لما انصرفت: كيف رأيت صاحبتك؟ قال : خير صاحبة ، لولا ذَفَرٌ في إبطيها . فقال زياد من فوق المنبر يا أبا مريم، لا تشتم أمهات الرجال، فتشتَم أمّك .
فلما انقضى كلام معاوية ومناشدته قام زياد ،وأنصت الناس، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس، إنّ معاوية والشهود قد قالوا ما سمعتم ،ولستُ أدري حق هذا من باطله !وهو والشهود أعلم بما قالوا ، وإنما عبيد أبٌ مبرور ، ووالي مشكور. ثم نزل. وروی شيخنا أبو عثمان أن زياداً مرّ وهو والي البصرة بأبي العُرْيان العدوي - وكان شيخاً مكفوفاً ذا لَسَن وعارضة شديدة - فقال أبو العُرْيان: ما هذه الجَلَبة؟ قالوا : زياد بن أبي
سُفْيان قال واللّه ما ترك أبو سفيان إلّا يزيد ومعاوية وعُتبة وعنبسة وحنظلة ومحمّداً، فمن أين جاء زیاد؟ فبلغ الكلام زياداً، وقال له قائل : لو سددت عنك فَمَ هذا الكلب! فأرسل إليه بمائتي دينار، فقال له رسول زياد: إنّ ابنَ عمّك زياداً الأمير قد أرسل إليك مائتي دينار لتنفقها ، فقال : وصلته رَحِم ! إي واللّه ابن عمّي حقّاً . ثم مرّ به زياد من الغد في موكبه، فوقف عليه فسلّم ،وبكي أبو العريان، فقيل له : ما يبكيك؟ قال : عرفتُ صوت أبي سُفْيان في صوت زياد. فبلغ ذلك معاوية، فكتب إلى أبي العُرْيان :
ما البنتك الدنانير التي بُعثتُ *** أن لونتكَ أبا العُريان ألوانا
أمسى إليك زياد في أروميه *** نُكْراً فأصبح ما أنكرت عِرفانا
للّه در زیاد لوتعجّلها ***كانت له دون ما يخشاه قربانا
فلمّا قرى كتاب معاوية على أبي العُرْيان قال: اكتب جوابه ياغلام:
أحدث لنا صِلَةٌ تحيا النفوس بها *** قدكدت یا بن أبي سفيان تَنْسَانا
أمّا زياد فقد صَحْت مَناسِبه *** عندي فلا أبتغي في الحق بُهتانا
مَن يُسْدِ خيراً يُضبه حين يَفْعلهُ *** أو يُسْدِ شرًا يُصِبْه حيثما كانا
وروى أبو عثمان أيضاً ، قال : كتب زياد إلى معاوية ليستأذنه في الحجّ، فكتب إليه : إنّي قد أذنتُ لك واستعملتك على الموسم، وأجزتُك بألف ألف درهم. فبينا هو يتجهز إذ بلغ ذلك أبا بَكْرة أخاه - وكان مُصارِماً له منذ لَجْلَج في الشهادة على المغيرة بن شعبة أيّام . لا يكلمه قد
عمر لزمته أيمان عظيمة ألا يكلمه أبداً - فأقبل أبو بكرة يدخُل القصر يريد زياداً، فبصر به الحاجب، فأسرع إلى زياد قائلاً: أيها الأمير، هذا أخوك أبو بكرة قد دخل القصر، قال : ويُحك أنت رأيته قال: ها هو ذا قد طلع، وفي حجر زياد بني يلاعبه، وجاء أبو بكرة حتى وقف عليه، فقال للغلام : كيف أنت يا غلام؟ إن أباك ركب في الإسلام عظيماً ! زنّى أمّه، وانتفى من أبيه، ولا واللّه ما علمت سميّة رأت أبا سُفْيان قطّ، ثم أبوك يريد أن يركب ما هو أعظم من ذلك، يوافي الموسم غداً، ويوافي أم غداً، ويوافي أم حبيبة بنت أبي سفيان، وهي من أمهات المؤمنين، فإن جاء يستأذن عليها فأذنت له، فأعظم بها فِرْية على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ومصيبة ! وإن هي منعته فأعظم بها على أبيك فضيحة ثم انصرف، فقال : جزاك اللّه يا أخي عن النصيحة خيراً، ساخطاً كنت أو راضياً . ثم كتب إلى معاوية : إنّي قد أعتللت عن الموسم فليوجّه إليه أمير المؤمنين من أحبّ فوجه عتبة بن أبي سفيان. فأما أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» فإنّه قال : لما ادعى معاوية زياداً في سنة
أربع وأربعين وألحقه به أخاً زوج ابنته من ابنه محمّد بن زياد ليؤكد بذلك صحة الاستلحقاق، وكان أبو بكرة أخا زيادٍ لأمه أمهما جميعاً سُميّة، فحلف ألا يكلّم زياداً أبداً وقال : هذا زَنّى أمه، وأنتفَى من أبيه، ولا والله ما علمت سُميّة رأيت أبا سفيان ،قبل، ويله ما يصنع بأم حبيبة أيريد أن يراها؟ فإن حجبته فضحته وإن رآها فيا لها مصيبة! يهتك من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حرمةً عظيمة ! وحجّ زياد مع معاوية، ودخل المدينة فأراد الدخول على أم حبيبة ثم ذكر قول أبي بكرة، فانصرف عن ذلك . وقيل : إن أم حبيبة حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها ، وقيل : إنّه حج ولم يرد المدينة من أجل قول أبي بكرة، وإنّه قال : جزى اللّه أبا بكرة خَيْراً فما يدع النصيحة في حال. ورَوَى أبو عمر بن عبد البر في هذا الكتاب قال: دخل بنو أمية وفيهم عبد الرحمن بن الحكم على معاوية أيّام ما استلحق زياداً فقال له عبد الرحمن يا معاوية، لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلّة وذلّة - يعني على بني أبي العاص. فأقبل معاوية على مَرْوانَ وقال: أخرج عنا هذا الخليع فقال مروان: إي والله إنّه لخليع ما يطاق، فقال معاوية : واللّه لولا حلمي وتجاوزي لعلمتَ أنّه يطاق، ألم يبلغني شعره في وفي زياد! ثم قال مروان: أسمعنيه، فأنشد:
الا أبلغ معاوية بن حَرْبٍ *** لقد ضاقت بما يأتي اليدانِ
اتغضب أن يقال أبوك عَف *** وترضى أن يقال أبوك زان!
فأشهد أنّ رَحْمك من زيادٍ *** كرَخمِ الفِيلِ من ولد الأتانِ
وأشهد أنّها حملت زياداً *** وصخر من سُميّة غيرُ دانِ
ثم قال : واللّه لا أرضى عنه حتى يأتي زياداً فيترضّاه ويعتذر إليه، فجاء عبد الرحمن إلى زياد معتذراً يستأذن عليه، فلم يأذن له، فأقبلت قريش إلى زياد تكلّمه في أمر عبد الرحمن، فلمّا دخل سلّم، فتشاوس له زياد بعينه - وكان يكسر عينه - فقال له :زياد: أنت القائل ما قلت؟ قال عبد الرحمن: ما الذي قلت؟ قال: قلت ما لا يقال، قال: أصلح اللّه الأميرا إنّه لا ذنب لمن أعتَب، وإنما الصَّفْح عمّن أذنب، فأسمع مني ما أقول، قال: هات، فأنشده:
إليك أبا المغيرة تبتُ ممَّا *** جَرَى بالشام مِنْ خَطَل اللّسانِ
وأغضبتُ الخليفة فيك حتى *** دعاء فَرْطُ غيظ أن هجاني
وقلت لمن لحاني في أعتذاري *** إليك أذهب فشأنك غير شاني
عرفت الحق بعد ضلال رأيي *** وبعد الغيّ من زيغ الجَنان
زياد من أبي سُفیان غُصْنُ *** تهادی ناضراً بين الجنان
أراك أخاً وعما وابن عم *** فما أدري بعَيْبِ ما تراني
وإن زيادة في آلِ حزب *** أحب إلي من وسطى بناتي
ألا أبلغ معاوية بن حرب *** فقد ظفرت بما تأتي اليدانِ
فقال :زياد أراك أحمق صرفاً شاعراً ضيع اللسّان، يسوغ لك ريقك ساخطاً ومسخوطاً، ولكنا قد سمعنا شعرك، وقبلنا عذرَك، فهات حاجتك؟ قال : تكتب إلى أمير المؤمنين بالرّضا عنّي ،قال: نعم، ثمّ دعا كاتبه فكتب له بالرضا عنه، فأخذ كتابه ومضى حتى دخل على معاوية، فلما قرأه قال : لحا اللّه زياداً ، لم يتنّبه لقوله : وإن زيادة في آلِ ثم رضي عن عبد الرحمن وردّه إلى حالته. وأما أشعار يزيد بن مفرغ الحميري وهجاؤه عبيد اللّه وعباداً ، ابني زياد بالدعوة فكثيرة مشهورة، نحو قوله :
أعبَادُ ما للوم عنك تحول *** ولا لك أم من قريش ولا أب
وقل لعبيد اللّه ما لك والد *** بحق ولا يدري امرؤ كيف تنسب
ونحو قوله :
شهدت بأن أمك لم تباشر *** أبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمر فيه لبس *** على حَذَرٍ شديد وارتياع
إذا أودى معاوية بن حرب *** فبشّر شعب قعبك بالصداع
ونحو قوله :
إنَّ زياداً ونافعاً وأبا بكرة *** عندي من أعجب العَجَبِ
هم رجال ثلاثةٌ خُلِقوا *** في رَحْم أنثى وكلهم لأبِ
ذا قرشي كما تقول وذا *** مولى وهذا بزعمه عَرَبي
كان عبيد اللّه بن زياد يقول : ما شجيتُ بشيء أشدّ عليّ من قول ابن مفرغ :
فكّر ففي ذاكَ إنْ فكرت معتبر *** هل نلت مكرمة إلا بتأميرا
عاشت سميّة ما عاشت وما علمت *** أن ابنها من قريش في الجماهير
ويقال : إنَّ الأبيات النونية المنسوبة إلى عبد الرحمن بن أمّ الحكم ليزيد بن مفرّغ وأن أولها :
الا أبلغ معاوية بن حرب *** مغلغلةٌ من الرَّجُلِ اليماني
ونحو قوله، وقد باغ برد غلامه لما حبسه عبّاد بن زیاد بسجستان:
يا بُرْدُ ما مسّنا دهر أضرّ بنا *** من قبل هذا ولا بعنا له وَلَدا
لامتني النفسُ في بُرْدِ فقلتُ لها *** لا تهلكي إثر بُرد هكذا كمدا
لولا الدعيّ ولولا ما تعرّض بي *** من الحوادث ما فارقته أبدا
ونحو قوله :
أبلغ لديك بني قحطان مالكة *** عضّت بأير أبيها سادة اليمن
أَضحَى دعي زياد فقْعَ فَرقَرَةِ *** ياللعجائب يلهو بابن ذي يَزَن!
وَروَى ابن الكلبي أن عباداً استلحقه زياد كما استلحق معاوية زياداً،
كلاهما لدعوة .قال: لما أذن لزياد في الحج تجهّز ، فبينا هو يتجهّز وأصحاب القرب يعرضون عليه قرّبهم، إذ تقدّم عبّاد - وكان خَرّازاً - فصار يعرض عليه ويحاوره ويجيبه ،فقال زياد ويحك من أنت؟ قال : أنا ابنك، قال: ويحك وأي بَني؟ قال: قد وقعت على أمي فلانة، وكانت من بني كذا، فولدتني، وكنت في بني قيس بن ثعلبة وأنا مملوك لهم، فقال: صدقت واللّه إني لأعرف ما تقول. فبعث فأشتراء، وادّعاء وألحقه، وكان يتعهد بني قيس بن ثعلبة بسببه ويصلهم. وعظم أمرُ عباد حتى ولاه معاوية سجستان بعد موت زياد ،وولّى أخاه عبيد اللّه البصرة، فتزوّج عبّاد
الستيرة ابنة أنيف بن زياد الكلبي ، فقال الشاعر يخاطب أنيفاً - وكان سيّد كلب في زمانه :
أبلغ لديك أبا تُرْكان مالكة *** أنائماً كنتَ أم بالسمع مِن صَمَمِ
أنكحت عبد بني قيس مهذبةٌ *** آباؤها من عُلَيْمِ مَعدن الكَرَمَ
أكنت تجهل عباداً ومحتَده *** لا در درك أم أنكحتَ من عَدَمِ
أبعد آل أبي سفيان تجعلُه *** صِهْراً وبعد بني مروان والحكم!
أعظم عليك بذا عاراً ومنقصةً *** ما دمت حيا وبعد الموت في الرّحَمِ
وقال الحسن البصري: ثلاث كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة منهنّ لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزّها ،أمرها واستلحاقه زياداً مُراغَمةً لقول رسول اللّه : «الوَلّد للفراش، وللعاهر الحجر» (1) ، وقتله حُجر بن عديّ، فيا ويله من حُجْر وأصحاب حُجْر! (1)وروى الشَّرْقي بن القطامي قال : كان سعيد بن سَرح مولى حبيب بن عبد شمس شيعة لعلي بن أبي طالب (علیه السلام): فلمّا قدم زياد الكوفة طلبه وأخافه، فأتى الحسن بن علي(علیه السلام) مستجيراً ، به فوتب زياد على أخيه وولده وأمرأته فَحَبسهم، وأخذ ماله، ونقض داره. فكتب الحسن بن علي (علیه السلام) إلى زياد:
أمّا بعد، فإنك عَمَدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، فهدمت داره
1) تقدم تخريجه
وأخذت ماله وحبست أهله وعياله، فإن أتاك كتابي هذا فابن له داره، وأردد عليه عياله وماله، وشفّعني فيه، فقد أجرتُه والسلام .
فكتب إليه زياد من زياد بن أبي سُفْيان إلى الحَسَن بن فاطمة، أما بعد، فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي، وأنت طالب حاجة، وأنا سلطان وأنت سُوقة، وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلّط على رعيته . كتبت إلي في فاسق آويته إقامة منك على سوء الرأي، ورضاً منك بذلك، وايمُ اللّه لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك، وإن نلت بعضك غير رفيق بك ولا عليك، فإنّ أحبّ لحم عليّ أن أكله للّحم الذي أنت منه، فسلّمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوتُ عنه لم أكن شفّعتك فيه، وإن قتلته لم أقتله إلا لحبّه أباك الفاسق ،والسلام. فلمّا ورد الكتاب على الحسن(علیه السلام) قرأه وتبسّم، وكتب بذلك إلى معاوية، وجعل كتاب زیاد ،عطفه، وبعث به إلى الشام وكتب جواب كتابه كلمتين لا ثالثة لهما : من الحسن بن فاطمة إلى زياد ابن سميّة أمّا بعد فإن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قال :«الولد للفراش، وللعاهر الحجر»، والسلام.
فلمّا قرأ معاوية كتاب زياد إلى الحسن ضاقت به الشام ،وكتب إلى زياد: أما بعد، فإنّ الحسن بن علي بعث إلي بكتابك إليه جواباً عن كتاب كتبه إليك في ابن سَرْح، فأكثرت العجب منك، وعلمتُ أنّ لك رأيين: أحدهما من أبي سُفْيان والآخر من سُميّة، فأما الذي من أبي سفيان فحِلْم وحزم، وأمّا الذي من سُمّية، فما يكون من رأي مثلها ! من ذلك كتابك إلى الحسن تَشتُم أباه، وتعرّض له بالفسق، ولَعَمري إنّك الأولى بالفسق من أبيه، فأما أن الحسن بدأ بنفسه ارتفاعاً عليك، فإن ذلك لا يضعك لو عقلت، وأما تسلّطه عليك بالأمر فحّق لمثل الحسن أن يتسلّط ، وأما تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك، فحطّ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك. فإذا ورد عليك كتابي فخلّ ما في يديك لسعيد بن أبي سَرْح وابن له داره، واردده عليه ماله ولا تعرّض له، فقد كتبتُ إلى الحسن أن يخيّره، إن شاء أقام عنده، وإن شاء رجع إلى بلده، ولا سلطان لك عليه لا بيد ولا لسان. وأما كتابك إلى الحسن باسمه واسم أمّه، ولا تنسبه إلى أبيه، فإن الحسن ويحك! من لا يُرمَى به الرَّجَوان، وإلى أي أمّ وكَلْته لا أم لك! أما علمت أنّها فاطمة بنت رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فذاك أفخر له لو كنتَ تَعلَمه وتعقلُه! وكتب في أسفل الكتاب شعراً، من جملته :
أمَا حَسَنٌ قابنُ الذي كان قبله *** إذا سار سار الموتُ حيث يسير
وهل يلد الرئبال إلا نظيره *** وذا حَسَنٌ شِبْةٌ له ونظيرُ
ولكنّه لو يوزن الحلم والحجا *** بأمر لقالوا يذبل وثبيرُ
وروَى الزُّبير بن بكار في «الموفقيات» (1)أن عبد الملك أجرى خيلاً، فسبقه عبّاد بن زياد، فأنشد عبد الملك : سبق عباد وصلت لحيته *** وكان خَرّازاً تجود قريته
فشكا عبّاد قول عبد الملك إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له : أما واللّه لأنصفتّك منه بحيث يكره. فزوّجه أخته، فكتب الحجّاج إلى عبد الملك : يا أمير المؤمنين، إن مناكِحَ آل أبي سفيان قد ضاعت .فأخبر عبد الملك خالداً بما كتب به الحجّاج، فقال خالد: يا أمير المؤمنين، ما أعلم امرأةً منا ضاعت ونزلت إلا عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فإنّها عندك، ولم يَعنِ الحجّاج غيرك. قال عبد الملك : بل عنى الدّعي ابن الدَّعي عباداً، قال خالد يا أمير المؤمنين ،ما أنصفتني أدعي رجلاً ثم لا أزوجّه ! إنما كنت ملوماً لو زوّجت دعيّك، فأمّا دعيّي فلمَ لا أزوّجه!
فأما أوّل ما ارتفع به زياد فهو استخلاف ابن عبّاس له على البصرة في خلافة علي(علیه السلام)، وبلغت عليا عنه هَنات، فكتب إليه يلومه ويؤنّبه ، فمنها الكتاب الذي ذكر الرضي رحمه اللّه بعضه، وقد شرحنا فيما تقدم ما ذكر الرضي منه ، وكان علي (علیه السلام) أخرج إليه سعداً مولاه يحثه على حمل مال البصرة إلى الكوفة، وكان بين سعد وزياد مُلاحاة ومنازعة، وعاد سعد وشكاه إلى علي(علیه السلام) وعابه، فكتب على(علیه السلام) إليه :
أمّا بعد، فإن سعداً ذكر أنك شتمته ظلماً ، وهدّدته وجَبَهتَه تجبّراً وتكبراً، فما دعاك إلى التكبر وقد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) : «الكبر رداء اللّه، فمن نَازِعَ اللّه رداءه قصمه» ،(2)وقد أخبرني أنك تُكثر من الألوان المختلفة في الطعام في اليوم الواحد، وتَدَّهِن كل يوم، فما عليك لو كلَّ صُمْت اللّه أياماً، وتصدّقت ببعض ما عندك محتسباً، وأكلت طعامك مراراً قَفَاراً، فإنّ ذلك شعار الصالحين! أفتطمع وأنت متمرّغ في النعيم، تستأثر به على الجار والمسكين والضعيف والفقير والأرملة واليتيم، أن يُحسَب لك أجر المتصدّقين !وأخبرني أنّك تتكلم بكلام الأبرار، وتعمل عمل الخاطئين، فإن كنتَ تفعل ذلك فنفسك ظلمت، وعملك أحبطت ،فتب إلى ربّك يُصلح لك عملك، واقتصد في أمرك، وقدّم إلى ربك الفضل ليوم حاجتك، وادهن غباً، فإنّي سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول :«ادهنوا غبا ولا تدّهنوا رفها» .(3)
فكتب إليه زياد أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن سعداً قَدِم علي فأساء القول والعمل، فانتهرته وزجرته، وكان أهلاً لأكثر من ذلك . وأما ما ذكرت من الإسراف واتخّاذ الألوان من الطعام والنّعم، فإن كان صادقاً فأثابه اللّه ثواب الصالحين، وإن كان كاذباً فوقاه اللّه أشدَّ عقوبة الكاذبين. وأما قوله :«إني أصف العدل وأخالفه إلى غيره»، فإنّي إذن من الأخسرين. فخذ يا أمير المؤمنين بمقال قلته في مقام قمته، الدعوى بلا بينة ،كالسهم بلا نضل، فإن أتاك بشاهدي عدل، وإلّا تبين لك كذبه وظلمه .
ومن كلام زياد تأخير جزاء المحسن لؤم، وتعجيل عقوبة المسيء طيش . وكتب إليه معاوية : أما بعد، فاعزل حريث بن جابر عن العمل، فإني لا أذكر مقاماته بصفين إلا كانت حزازة في صدري، فكتب إليه زياد أما بعد فخفّض عليك يا أمير المؤمنين، فإنّ حريثاً قد سبق شرفاً لا يرفعه معه لا يرفعه معه عمل ، ولا يَضَعه معه عَزّل .وقال لابنه عبيد اللّه : عليك بالحجاب، وإنّما اجترأتِ الرُّعاة على السباع بكثرة نظرها إليها .
ومن كلامه أحسنوا إلى أهل الخراج فإنّكم لا تزالون سماناً ما سمنوا .
قدّم رجل خصماً له إلى زياد في حقٌّ له عليه وقال : أيها الأمير إنّ هذا يدلُّ بخاصّة ذكر أنها له منك. قال زياد صدق وسأخبرك بما ينفعه عندي من خاصّته ومودته إن يكن له الحّق عليك آخذك به أخذاً عنيفاً، وإن يكن الحق لك قضيتُ عليه، ثم قضيت عنه . وقال : ليس العاقل من يحتال للأمر إذا وقع فيه، لكنّ العاقل مَنْ يحتال للأمر ألا يقع فيه . وقال في خطبة له : ألا رُبَّ مسرور بقدومنا لا نسرّه، وخائف ضرنا لا نضره. كان مكتوباً في الحيطان الأربعة في قصر زياد كتابة بالجصّ ،أربعة أسطر، أولها : الشدّة في غير عُنف، والدِّينُ في غير ضَعْف والثاني : المحسن مجازى بإحسانه، والمسيء يكافاً بإساءته. والثالث: العطيات والأرزاق في إبانها وأوقاتها والرابع: لا احتجاب عن صاحب ثغر، ولا عن طارق ليل . وقال يوماً على المنبر : إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة يشفي بها غيظه لا يقطع بها ذنب عنز فتضره ، لو بلغتنا عنه لسفكنا دَمه. وقال : ما قرأتُ كتاب رجل قط إلا عرفتُ عَقله منه . وقال في خطبة استوصوا بثلاثة منكم خيراً الشريف والعالم والشيخ، فواللّه لا يأتيني وضيع بشريف يستخف به إلا انتقمتُ منه، أو شاب بشيخ يستخفّ به إلا أوجعته ضرباً، ولا جاهل بعالم يستخف به إلا نكلت به
وقيل لزياد: ما الحظ ؟ قال : أن يطول عمرك ، وتَرَى في عدوّك ما يسرك . قيل : كان زياد يقول : هما طريقان للعامة : الطاعة والسيف. وكان المغيرة يقول : لا واللّه حتى يحمّلوا على سبعين طريقاً غير السيف . وقال الحسن البصري لرجل : ألا تحدّثني بخطبتي زياد والحجّاج حين دَخَلا العراق! قال : بلى، أما زياد فلما قدم البصرة حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال أما بعد، فإنّ معاوية غير مخوف على قومه، ولم يكن ليُلحق بنسبه من ليس منه، وقد شهدَتِ الشهود بما قد بلغكم، والحق أحقُّ أن يُتبع، واللّه حيث وضع البينات كان أعلم، وقد رحلت عنكم وأنا أعرف صديقي من عدوّي، ثمّ قدمتُ عليكم وقد صار العدوّ صديقاً مناصحاً، والصديق عدوّا مكاشحاً، فليشتَمِل كلّ امرى على ما في صدره، ولا يكونن لسانه شفرةً تجري على أوداجه، وليعلم أحدكم إذا خلا بنفسه أنّي قد حملت سيفي بيدي، فإن أشهره لم أغمده، وإن أغمده لم أشهره. ثم نزل. وأمّا الحجّاج فإنه قال : من أَعْيَاهُ ،داؤه، فَعَلَي دواؤه، ومن أستبطأ أجله، فعليَّ أن أعجله، ألا إنّ الحزم والعزم استلبا منّي سوطي، وجعلا سوطي سيفي، فنجاده في عنقي، وقائمه بيدي، وذُبابه قلادة لمن اغتر بي . فقال الحسن : البؤس لهما، ما أغرَّهما بربّهما اللهّم أجعلنا ممن يعتبر بهما . وقال بعضهم: ما رأيت زياداً كاسراً إحدى عينيه، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى يخاطب رجلاً إلا رحمت المخاطّب . ومن كلامه : نعم الشيء الإمارة ،لولا قعقعة لجام البريد، وتسنّم ذِرُوة المنبر. قال :لحاجبه يا عَجْلان ،إنّي قد وليتك هذا الباب وعزلتك عن أربعة : المنادي إذا جاء يؤذن بالصلاة، فإنّها كانت كتاباً موقوتاً، ورسول صاحب الثّغر ، فإنه إنْ أبطأ ساعةً فسد تدبير سنة، وطارق الليل فشر ما جاء به، والطّباخ إذا فرغ من الطعام، فإنه متى أعيد عليه التّسخين فَسَد.
وكان حارثة بن بدر الغُدَاني قد غلب على زياد وكان حارثة مشتهراً بالشّراب، فقيل لزياد في ذلك ، فقال : كيف باطّراح رجل هو يسايرني منذ قدمت العراق فلا يصل ركابه ركابي، ولا تقدّمني قط فنظرتُ إلى قفاه، ولا تأخر عنّي فلويت عنقي إليه، ولا أخذ علي الشمس في شتاء قطّ، ولا الرّوح في صَيْف قط، ولا سألته عن علم إلا ظننته لا يُحسن غيره. ومن كلامه : كفى بالبخل عاراً أن اسمه لم يقع في حمد قط، وكفى بالجود فخراً أن أسمه لم يقع في ذم قط. وقال : ملاك السّلطان الشدّة على المريب، واللّين للمحسن، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد.
وقال : ما أتيتُ مجلساً قط إلا تركتُ منه ما لو أخذتُه لكان لي، وترك ما لي أحب إلي من أخذ ما ليس لي. وقال : ما قرأت مثلَ كُتب الرّبيع بن زياد الحارثي، ما كتب إلي كتاباً قطّ إلا في اجترار منفعة، أو دفع مَضَرّة، ولا شاورته يوماً قط في أمر مبهم إلا وسبق إلى الرأي. وقال : يُعجبني من الرجل إذا أتى مجلساً أن يعلم أين مكانه منه ، فلا يتعدّاه إلى غيره، وإذا خُطَّةَ خَسْفٍ أن يقول: «لا» بملء فيه .
فأما خطبة زياد المعروفة بالبتراء - وإنّما سمّيت بذلك لأنّه لم يحمد اللّه فيها، ولا صلّى على رسوله - فقد ذكرها علي بن محمد المدائني قال : قدم زياد البَصْرة أميراً عليها أيام معاوية والفسقُ فيها فاشي جداً، وأموال الناس منتهبة، والسياسة ضعيفة، فصعد المنبر فقال: أما بعد، فإنّ الجاهليّة الجَهْلاء ، والضَّلالة العمياء، والغي الموفد لأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم ،ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى منها الكبير، كأنكم لم تقرؤوا كتاب اللّه، ولم تستمعوا ما أعد من الثواب الكثير لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمد الذي لا يزول.
أتكونون كمن طرفَتْ عينه الدنيا، وسدّت مسامعه الشهوات ،واختار الفانية على الباقية ! لا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحَدَث الذي لم تُسبقوا به، من ترككم الضعيف يُقهر ويُؤخذ ماله، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، هذا والعدد غير قليل! ألم يكن منكم نُهاةُ تمنع الغواة عن دلّج الليل وغارة النهار! قرّبتم القرابة، وباعدتم الذين يعتذرون بغير العُذر، ويُعطون على المختلس كلّ امرىء منكم يذبّ عن سيفه، صنيع من لا يخاف عاقبة، ولا يرجو معاداً ما أنتم بالحُلماء، وقد أتّبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرمة الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كُنوساً في مكانس الرِّيَب. حَرُم عليَّ الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدماً وإحراقاً ! إني رأيتُ آخر هذا الأمر لا يصل إلا بما صَلَح به أوّلها !لين في غير ضعف، وشِدَّة في غير عُنف. وأنا أقسم باللّه لأخُذَنَّ الوليّ بالولي، والظاعن بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم في نفسه بالسّقيم، حتّى يلقى الرجلُ أخاه فيقول : انجُ سَعْد فقد هَلَك سُعَيد، أو تستقيم لي قناتكم.
إنّ كِذبة المنبر تلفى مشهورة، فإذا تعلّقتم علي بكذبة فقد حلّت لكم معصيتي ! من نُقب عليه منكم فأنا ضامن لما ذهب منه . فإيّاكم ودَلج الليل، فإنّي لا أُوتَى بمدلج إلا سفكت دمه. وقد أجلتكم بقدر ما يأتي الخبر الكوفة، ويرجع إليكم. إياكم ودعوى الجاهلية، فإنّي لا أجد أحداً دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثاً،
وقد أحدثنا لكلّ ذنب عقوبة ، فمن غرّق بيوتَ قوم غرّقناه ،ومن حرّق على قوم حرّقناه، ومن نَقَب على أحدٍ بيتاً نَقَبْنا على قلبه، ومن نَبش قبراً دفناه فيه حياً.
كفوا عنّي أيديكم وألسنّتكم، أكف عنكم يدي ولساني . ولا يظهرن من أحدكم خلاف ما عليه عامّتكم فأضرب عنقه . وقد كانت بيني وبين أقوام إحَنٌ فقد جعلت ذلك وراء أذني، وتحت قَدَمي، فمن كان منكم محسناً فليزدد إحساناً، ومن كان مسيئاً فلينزع عن إساءته، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلال من بغضي لم أكشف عنه قناعاً، ولم أهتك له ستراً حتى يُبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره. فأستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا سيسّر، ومسرور بقدومنا سيبأس.
أيّها الناس ،إنا أصبحنا لكم ساسةً، وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان اللّه الذي أعطاناه، ونذود عنكم بفيء اللّه الذي خوّلَناه، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل والإنصاف فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصّرت عنه فلن أقصر عن ثلاث : لست محتجباً عن طالب حاجةٍ منكم، ولا حابساً عطاء، ولا مجمراً بَعْثاً، فادعوا اللّه بالصلاح لأئمتكم فإنَّهم ساستكم المؤدّبون، وكهفكم الذي إليه تأوُون، ومتى يصلحوا تصلحوا، فلا تُشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتدّ لذلك غيظكم، ويطول لذلك حُزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو أستجيب لأحدٍ منكم لكان شرًا لكم. أسأل اللّه أن يعين كُلًّا على كُلِّ. وإذا رأيتموني أُنفِذُ فيكم الأمر، فأنفِذُوه على اذلاله. وأيم اللّه إنَّ لي فيكم لصرعى كثيرة ، فليحذر كلّ امرىء منكم أن يكون من صرعاي. فقام عبد اللّه بن الأهتم فقال : أشهد أيها الأمير ، لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال كذبت، ذاك نبي اللّه داود. فقام الأحنف فقال : إنما الثّناء بعد البلاء، والحمدُ بعد العطاء، وإنّا لا نثني حتى تُبتلى، ولا نحمد حتى نعطي .
فقال زياد: صدقت، فقام أبو بلال مرداس بن أدية يهمس ويقول : أنبأنا اللّه بغير ما قلت، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَى أَلَّا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى ) (1)، فسمعها زياد فقال : يا أبا بلال ،إنا لا نبلغ ما نريد بأصحابك حتى نخوض إليهم الباطل خوضاً .
وروى الشعبي ، قال : قدم زياد الكوفة لمَّا جمعت له مع البصرة، فدنوت من المنبر لأسمع كلامه، فلم أرَ أحداً يتكلم فيُحِسن إلا تمنّيت أن يسكت مخافة أن يسيء، إلّا زياداً فإنه كان يزداد إكثاراً إِلَّا ازداد إحساناً، فكنت أتمنى ألّا يسكت.
1) سورة النجم، الآيتان: 37 - 38.
وَروَى الشعبي أيضاً ، قال : لمّا خطب زياد خطبته البتراء بالبصرة ونزل سمع تلك الليلة أصوات الناس يتحارَسون، فقال ما هذا؟ قالوا : إنّ البلد مفتونة ، وإن المرأة من أهل المصر لتأخذها الفتيان الفُسَّاق فيقال لها : نادِي ثلاثة أصوات، فإنّ أجابكِ أحد وإلا فلا لوم علينا فيما نصنع . فغضب فقال : ففيم أنا، وفيم قدمت! فلما أصبح أمر فنودي في الناس، فاجتمعوا فقال: أيها الناس إني قد نبئت بما أنتم فيه وسمعتُ ذَرُواً منه، وقد أنذرتكم وأجلتكم شهراً مسير الرّجل إلى الشام، ومسيره إلى خراسان ومسيره إلى الحجاز، فمن وجدناه بعد شهر خارجاً من منزله بعد العشاء الآخرة قدمه هَدَر . فانصرف الناس يقولون: هذا القولُ كقول من تقدّمه من الأمراء، فلما كمل الشهر دعا صاحب شرطته عبد اللّه بن حصين اليربوعي - وكانت رجال الشرطة معه أربعة آلاف - فقال له : هيّىء خيلك ورجلك، فإذا صليت العشاء الآخرة، وقرأ القارىء مقدار سُبْع من القرآن، ورفع الظن القصب من القصر، فسر ولا تلقين أحداً، عُبيد اللّه بن زياد فمن دونه، إلا جئتني برأسه، وإن راجعتني في أحد ضربتُ عنقك. قال : فصبّح على باب القصر تلك الليلة سبعمائة رأس، ثم خرج الليلة الثانية فجاء بخمسين رأساً ، ثم خرج الليلة الثالثة فجاء برأس واحد، ثم لم يجيء بعدها بشيء، وكان الناس إذا ، صلُّوا العشاء الآخرة أحضروا إلى منازلهم شدّاً حثيثاً، وقد يترك بعضهم نعاله . كتبت عائشة إلى زياد كتاباً ، فلم تدر ما تكتب عنوانه! إن كتبت زياد بن عبيد أو ابن أبيه أغضبته، وإن كتبت زياد بن سفيان ،أثمت فكتبت:من أمّ المؤمنين إلى ابنها زياد.فلما قرأه ضحك ، وقال : لقد لقيت أم المؤمنين من هذا العنوانِ نصباً !
الأصل: أَمَّا بَعْدُ يَا بْنَ حُنَيْفٍ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا ، تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ. وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامٍ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌ، وَغَيْتُهُمْ مَدْعُو . فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضِمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلَمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبٍ وَجْهِهِ فَنَلْ مِنْهُ . أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ ،عِلْمِهِ، أَلا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِعِمْرَيْهِ، وَمِنْ ظُلْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعِ وَاجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وسَدَادٍ، فَوَالله مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً ، وَلا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلا
أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي عِمْراً ، وَلا حُزتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبراً ، وَلا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَفُوتِ آتَانِ دَبِرَةٍ ، وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ .
الشرح: هو عثمان بن حنيف - بضم الحاء - بن واهب بن الحكم بن ثعلبة بن الحارث الأنصاري ثم الأوسي أخو سهل بن حنيف، يكنى أبا عمرو - وقيل : أبا عبد اللّه - عمل لعمر ثم لعلي (علیه السلام)، وولاه عمر مساحة الأرض وجبايتها بالعراق، وضربَ الخراج والجزية على أهلها ، وولاه على(علیه السلام) على البصرة، فأخرجه طلحة والزبّير منها حين قدماها، وسكن عثمان الكوفة بعد وفاة علي (علیه السلام)، ومات بها في زمن معاوية.
قوله : «من فتية البصرة»، أي من فتيانها، أي من شبابها أو من أسخيائها، يقال للسخي: هذا فتى ،والجمع فتيّة وفتيان وفتو، ويروى : «أنّ رجلاً من قطّان البصرة» ، أي سكانها . والمأدبة ، بضم الدال : الطعام يدعى إليه القوم، وقد جاءت بفتح الدال أيضاً، ويقال : أدب فلان القومَ يأدبهم بالكسر ، أي دعاهم إلى طعامه، والآدب : الدّاعي إليه، قال طرفة :
نحن في المشتاة نَدْعُو الجَفَلَى *** لا ترى الآدب فينا يَنتَقِرْ
ويقال أيضاً : أدبهم إلى طعامه يُؤدبهم إيداباً ، ويروى : «وكثرت عليك الجفان فگرفت وأكلت أكل ذئب نَهِم، أو ضبع قَرِم». وروي:«ما حسبتك تأكل طعام قوم».
ثم ذم أهل البصرة فقال : «عائلهم مجفوّ، وغنيّهم مدعوّ»، والعائل: الفقير، وهذا كقول الشاعر:
فإن تُملق فأنت لنا عدو *** فإن تشر فأنت لنا صديقُ ثم أمره بأن يترك ما فيه شبهة إلى ما لا شبهة فيه، وسمّى ذلك قضماً ومقضماً وإن كان مما لا يقضم لاحتقاره ،له وازدرائه إياه، وأنه عنده ليس مما يستحقّ أن يسمّى بأسماء المرغوب فيه، المتنافس عليه، وذلك لأن القضم يطلق على معنيين : أحدهما على أكل الشيء اليابس، والثاني على ما يؤكل ببعض الفم، وكلاهما يدلان على أن ذلك المقضم المرغوب عنه، لا فيه .
ثم ذكر(علیه السلام) حال نفسه فقال :« إن إمامكم قد قنع من الدنيا بطمريه»، والطُمر : الثوب الخلق البالي، وإنما جعلهما اثنين لأنهما إزار ورداء لا بدّ منهما، أي للجسد والرأس. قال: «ومن طعمه بقُرْصَيه»، أي قرصان يفطر عليهما لا ثالث لهما. وروي: «قد اكتفى من الدنيا بطمريه وسدّ فورة جوعه بقُرْصيه، لا يطعم الفلّذة في حوليه إلّا في يوم أضحية» ..
ثم قال : إنكم لن تقدروا على ما أقدر عليه، ولكني أسألكم أن تعينوني بالورع والاجتهاد. ثم أقسم أنه ما كنز ذهباً ، ولا اذخر مالاً، ولا أعد ثوباً بالياً سملاً لبالي ثوبيه، فضلاً عن أنه سيعد ثوباً قشيباً كما يفعله الناس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عِوَض الأسمال التي ينزعونها، ولا حاز من أرضها شبراً ، والضمير في« أرضها» يرجع إلى «دنياكم»، ولا أخذ منها إلا كقوت أتان دبرة، وهي التي عقر ظهرها فقل أكلها . ثم قال:« ولهي في عيني أهون من عَفْصة مَقِرة»، أي مُرّة، مقر الشيء بالكسر أي صار مرّاً،وأمقَرَه بالهمز أيضاً، قال لبيد :
مُمقرٌ مُرّ على أعدائه *** وعلى الأذنينَ حُلوّ كالعَسَل
الأصل: بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكُ مِن كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ ، فَشَحَتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمِ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الحَكَمُ اللّه . وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكَ وَغَيْرِ فَدَكَ، وَالنَّفْسُ مَظَانُهَا فِي غَدٍ جَدَتْ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا ، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا ، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حافِرهَا ، لَأَضْغَطَهَا الحَجَرُ وَالْمَدَرُ ، وَسَدَّ فَرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ، وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُها بالتقوى لِتَأْتِيَ آمِنَةٌ يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ ، وَتَنْبُتُ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ .
الشرح : الجَدَث : القبر، وأضغطها الحجر، جعلها ضاغطة ، والهمزة للتعدية، ويروى : «وضغطها».
وقوله :« مظانّها في غد جَدَث»، المظانّ : جمع مَظنّة، وهو موضوع الشيء ومألفه الذي يكون فيه، قال : فإن يَكُ عامر قد قال جهلاً *** فإن مَظِنّة الجهل الشباب
يقول : لا ما لي ولا اقتنيتُ فيما مضى مالاً ، وإنما كانت في أيدينا فَدَك فشحت عليها نفوسُ قوم ، أي بخلت وسخت عنها نفوس آخرين، أي سامحت وأفضَتْ. وليس يعني ها هنا بالسخاء إلّا هذا لا السخاء الحقيقي، لأنّه (علیه السلام) وأهله لم يسمحوا بفَدَك إلا غصباً وقَسْراً، وقد قال هذه الألفاظ في موضع آخر فيما تقدّم، وهو يعني الخلافة بعد وفاة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ثم قال: «ونعم الحَكَم اللّه» ، الحكم الحاكم، وهذا الكلام كلام شاك متظلّم، ثم ذكر مالَ الإنسان وأنّه لا ينبغي أن يكترث بالقينات والأموال، فإنّه يصيرعن قريب إلى دارالبلى ومنازل الموتى .
ثم ذكر أن الحفرة ضيّقة، وأنه لو وسعها الحافر لألجأها الحجر المتداعي والمدّر المتهافت ، إلى أن تضغط الميّت وتزحمه. وهذا كلام محمول على ظاهره، لأنه خطاب للعامّة، وإلّا فأي فرق بين سعة الحُفْرة وضيقها على الميّت! اللهّم إلا أن يقول قائل : إنّ الميّت يحسّ في قبره، فإذا قيل ذلك فالجاعل له إحساساً بعد عدم الحسّ هو الذي يوسع الحفرة، وإن كان الحافر قد جعلها ضيّقة، فإذن هذا الكلام جيّد لخطاب العَرَب خاصّة، ومن يَحمل الأمور على ظواهرها .
ثم قال: «وإنما هي نفسي أروضُها بالتقوى»، يقول: تقللي واقتصاري من المطعم والملبس على الجَشِب والخَشِن رياضةٌ لنفسي، لأنّ ذلك إنّما أعمله خوفاً من اللّه أن أنغمس في الدنيا ، فالرياضة بذلك هي رياضةٌ في الحقيقة بالتقوى، لا بنفس التقلّل والتقشف، لتأتي نفسي آمنةً يوم الفَزَع الأكبر، وتثبت في مداحض الزَّلَق.
واعلم أنا نتكلم في شرح هذه الكلمات بثلاثة فصول: الفصل الأوّل فيما ورد في الحديث والسِّير من أمر فَدَك ، والفصل الثاني في هل النبّي(صلی اللّه علیه واله) يورث أم لا؟ والفصل الثالث في أنّ فَدَك ، هل صحّ كونها نخلة من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الفاطمة أم لا؟
لا من كُتب الشيعة ورجالهم لأنا مشترطون على أنفسنا ألا نحفل بذلك، وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفَدَك وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقب وفاة النبي(صلی اللّه علیه واله) ، وأبو بكر الجوهري هذا عالم مُحدّث كثيرُ الأدب، ثقة ،ورع، أثنى عليه المحدّثون وروَوْا عنه مصنّفاته . قال أبو بكر : حدثني أبو زيد عمرو بن شبة قال : حدّثنا حيان بن بشر، قال :حدّثنا يحيى بن آدم ،قال : أخبرنا ابن أبي زائدة، عن محمّد بن إسحاق، عن الزهرّي قال : بقيت بقيّة من أهل خيبر تحصّنوا، فسألوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أن يحقن دماءهم ويُسيرهم، ففعل، فسمع ذلك أهلُ فَدَك فنزلوا على مثل ذلك، وكانت للنبي (صلی اللّه علیه واله)خاصّة ؛ لأنه لم يُوجِف عليها بخيل ولا ركاب. قال أبو بكر : وَرَوَى محمد بن إسحاق أيضاً، أن رسول اللّه(صلی اللبه علیه واله) لما فرغ من خيبر قذف اللّه الرعب في قلوب أهل فَدَك ،فبعثوا إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فصالحوه على النصف من فَدَك، فقَدِّمَتْ عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق، أو بعد ما أقام بالمدينة، فقبل ذلك منهم، وكانت فَدَكُ الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) خالصة له، لأنهلم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
معاشر المسلمين، ابتُز إرث أبي أبى اللّه أن تَرِث يا بن أبي قحافة أباك ولا أرث أبي، لقد جئتَ شيئاً فَرِيَّاً! فدونَكَها مخطومةً مَرْحولةٌ تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم اللّه، والزعيم محمّد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولكلّ نبأ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم ! ثم التفتت إليه قبر أبيها فتمثلت بقول هند بنت أثاثة :
قدكان بعدك أبناء وهَيْنمةً *** لوكنت شاهدها لم تكثر الخطب
أبدت رجالٌ لنا نجوى صدورهم *** لما قضيت وحالت دونَكَ الكُتُبُ
تجهّمتنا رجالٌ واستخف بنا ***إذا غبت عنا فنحن اليومَ نُعْتصَبُ
قال :ولم ير الناسُ أكثر باك ولا باكيةً منهم يومئذ. ثم عدلت إلى مسجد الأنصار فقالت: يا معشر البقيّة ،وأعضاد الملّة وحضنة ،الإسلام ،ما هذه الفترة عن نُضرتي، والوَنْيةُ عن معونتي، والغمزة في حقّي، والسنة عن ظلامتي ! أما كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول: «المرء يحفظ في ولده» (1)سرعان ما أحدثتم ،وعجلان ما أتيتم، الثن مات رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) امتم دينه !ها إن موته لعمري خطبٌ جليل أستوسع وهنه ، واستبهم فتقه، وفقد راتقه، وأظلمت الأرض له ، وخشعت الجبال، وأكدت الآمال. أضيع بعده الحريم، وهتكت الحرمة، وأذيلت المصونة، وتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه قبل موته وأنبأكم بها قبل وفاته، فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى الله الشَّاكِرِينَ ) (2)إيها بني قَيْلة !اهتُضم تُراث أبي ،وأنتم بمرأى ومسمع ، تبلغكم الدعوة، ويشملكم الصوت، وفيكم العُدَّة والعدد ، ولكم الدار والجنّن وأنتم نُخبة اللّه ا التي انتخب، وخيرته التي اختار! باديتم العرب، وبادهتم الأمور، وكافحتم البهم حتى دارت بكم رحى الإسلام ودرّحلبه، وخبَتْ نيران الحرب، وسكنتْ فَوْرة الشّرك، وهدأت دعوة الهرج، واستوثق نظام الدّين، أفتأخّرتم بعد الإقدام ،ونكضتم بعد الشدّة، وجبنتم بعد الشجاعة، عن قوم نكَثُوا أيمانهم من بعدِ عهدِهم وطعنوا في دينكم ! فقاتلوا أئمّة الكُفْر إنّهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون. ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وركنتم إلى الدّعة، فجحدتم الذي وعيتم، وسُخْتم الذي سوّغتم، وإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن اللّه لغني حميد، ألا وقد قلتُ لكم ما قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم، وخَوّر القناة، وضعف اليقين، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر، ناقبة الخف باقية العار، موسومة الشعار موصولة بنار اللّه الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فبعين اللّه ما تعملون (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلبِ ينقلبون) (3)
قال : وحدّثني محمد بن زكريا قال : حدّثنا محمد بن الضحاك قال : حدثنا هشام بن محمد، عن عوانة بن الحَكَم قال : لمّا كلمت فاطمة(سلام اللّه علیها) أبا بكر بما كلمته به حَمِد أبو بكر اللّه وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثم قال: يا خَيْرَة النساء، وابنة خير الآباء، واللّه ما عدوتُ رأي رسول اللّه ، وما علمتُ إلاّ بأمره، وإن الرائد لا يكذّب أهله، وقد قلت فأبلغت وأغلظت ،فأهجرت، فغَفَر اللّه لنا ولك . أما بعد فقد دفعت آلة رسول اللّه ودابّته وحذاءه إلى علي(علیه السلام) ، وأما ما سوى ذلك فإنّي سمعت رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) يقول: «إنّا معاشر الأنبياء لا نُورِث ذهباً ولا فضة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً، ولكنا نورث الإيمان والحكمة والعلم والسنة» (1)، فقد عملت بما أمرني، ونصحت له وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب.
قال أبو بكر: وروى هشام بن محمد، عن أبيه قال : قالت فاطمة لأبي بكر : إنّ أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أعطاني فدّك ، فقال لها : يا ابنة رسول اللّه، واللّه ما خلق اللّه خلقاً أحب إلي من رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أبيك، ولودِدْتُ أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك، واللّه لأن تفتقر عائشة أحبّ إلي من أن تفتقري، أتراني أعطي الأحمر والأبيض حقّه وأظلمك حقّك، وأنت بنت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إن هذا المال لم يكن للنبي (صلی اللّه علیه واله)، وإنما كان مالاً من! أموال المسلمين يحمل النبّي به الرجال، وينفقه في سبيل اللّه ، فلما توفّي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وليته كما كان يليه ،قالت : واللّه لا كلمتك أبداً قال : واللّه لا هجرتك أبداً ، قالت :واللّه لأدعونّ اللّه عليك، قال: واللّه لأدعونّ اللّه لك، فلما حضرتها الوفاة أوصت الا يصلّي عليها ، فدفنت ليلاً، وصلى عليها عباس بن عبد المطلب، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها اثنتان وسبعون ليلة .
قال أبو بكر: وحّدثني محمد بن زكريا، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة بالإسناد الأول قال : فلما سمع أبو بكر خطبها شقّ عليه مقالتها فصعد المنبر وقال : أيها الناس، ما هذه الرَّعة إلى كلّ قالة! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلَّم، إنما هو ثعالة شهيده ذنبه ، مُرِب لكل فتنة ،ثعالة شهيده ذنبه مُرِب لكل فتنة هو الذي يقول : كرّوها جذعة بعدما هرمت، يستعينون بالضعفة، ويستنصرون بالنساء، كأم طحال أحبّ أهلها إليها البغي . ألا إني لو أشاء أن أقول لقُلتُ ولو قلتُ لبحث، إني ساكت ما تركت، ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم، وأحق من لزم عهد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أنتم . فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا إني لستُ باسطاً يداً ولا لساناً على مَنْ لم يستحق ذلك منا . ثم نزل، فانصرفت فاطمة (سلام اللّه علیها)إلى منزلها .
1) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (175) ، وابن عدي في الكامل) (86/2) ، دون قوله : ذهباً ولا فضة ... إلخ.
قلت: قرأتُ هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري وقلت له : بمن يعرّض ؟ فقال : بل يصرّح ،قلتُ: لو صرّح لم أسألك . فضحك وقال : بعلي بن أبي طالب (علیه السلام)! ، قلت هذا الكلام كله لعلي يقوله! قال : نعم، إنه المُلْك يا بني، قلت : فما مقالة الأنصار؟ قال : هتفوا بذكر علي فخاف من اضطراب الأمر عليهم، فنهاهم. فسألته عن غريبه، فقال : أما الرّعة بالتخفيف ،أي الاستماع والإصغاء، والقالة : القول، وثعالة : اسم الثعلب علم غير مصروف، ومثل ذُؤالة للذئب، وشهيده ذنبه ،أي لا شاهد له على ما يدّعي إلا بعضه وجزء منه، وأصله مثل، قالوا : إن الثعلب أراد أن يُغري الأسد بالذئب، فقال : إنه قد أكل الشاة التي كنت قد أعددتها لنفسك، وكنت حاضراً ، قال : فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه وعليه دم، وكان الأسد قد افتقد الشاة، فقبل شهادته، وقتل الذئب، ومُربّ: ملازم، أرب بالمكان. وكرّوها جَذَعة: أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني الفتنة والهرّج .وأمّ طحال : امرأة بغي في الجاهليّة، ويضرب بها المثل فيقال : أزني من أم طحال.
قال أبو بكر : وحدّثني محمد بن زكريا قال: حدّثني ابن عائشة، قال : حدثني أبي، عن عمّه قال : لمّا كلمت فاطمة أبا بكر بكي، ثم قال : يا بنةَ رسول اللّه واللّه ما ورّث أبوك ديناراً ولا درهماً، وإنّه قال : إن الأنبياء لا يورثون ،فقالت : إنّ فَدَك وَهَبها لي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، قال : فمن يشهد بذلك؟ فجاء علي بن أبي طالب (علیه السلام)فشهد، وجاءت أم أيمن فشهدت أيضاً، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف فشهد أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) كان يقسمها، قال أبو بكر: صدقت يا ابنة رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) ، وصدق علي، وصدّقت أمّ أيمن، وصدق عمر، وصدق عبد الرحمن بن عوف، وذلك أن مالك لأبيك، كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يأخذ من يأخذ من فَدَك ،قوتكم، ويقسم الباقي، ويحمل منه في سبيل اللّه ، فما تصنعين بها؟ قالت أصنع بها كما يصنع بها أبي، قال: فلك عليّ اللّه أن أصنع فيها كما يصنع فيها أبوك قالت: اللّه لتفعلنّ! قال : اللّه لأفعلنّ قالت: اللهّم أشهد، وكان أبو بكر يأخذ غلّتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، وكان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان عليّ كذلك، فلمّا ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفّان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، وذلك بعد موت الحسن بن علي(علیه السلام) ، فلم يزالوا يتداولونها حتى خَلَصتْ كلّها لمروان بن الحكم أيام خلافته، فوهبها لعبد العزيز أبنه، فوهَبَها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز، فلمّا ولي عمر بن العزيز الخلافة، كانت أول ظلامة ردّها، دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) - وقيل : بل دعا علي بن الحسين(علیه السلام) - فردّها عليه، وكانت بيد أولاد فاطمة (سلام اللّه علیه)مدّة ولاية عمر بن عبد العزيز، فلمّا ولي يزيد بن عائكة قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها، حتّى انتقلت الخلافة عنهم، فلما ولي أبو العباس
السفّاح ردّها على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، ثم قبضها أبو جعفر لمّا حدث من بني حسن ما حدث، ثم ردّها المهديّ ابنه على ولد فاطمة(سلام اللّه علیه) ، ثم قبضها موسى بن المهدي وهارون أخوه، فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون، فردّها على الفاطميين.
قال أبو بكر: حدّثني محمد بن زكريا قال: حدّثني مهدي بن سابق ،قال : جلس المأمون للمظالم، فأوّل رفعة وقعت في يده نظر فيها وبكى، وقال للذي على رأسه: نادِ أين وكيل فاطمة؟ فقام شيخ عليه درّاعة وعمامة وخف ثَعِرى، فتقدّم فجعل يناظره في فدك والمأمون يحتجّ عليه وهو يحتجّ على المأمون، ثم أمر أن يسجّل لهم بها، فكتب السجّل وقرىء عليه، فأنفذه، فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أوّلها .
أصبَحَ وجهُ الزَّمان قدضحكا *** بردّ مأمون هاشم فدّكا
فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيّام المتوّكل، فأقطعها عبد اللّه بن عمر البازيار، وكان فيها إحدى عشرة نخلةٌ غَرَسها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بيده، فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها، فإذا قدم الحُجّاح أهدوا لهم من ذلك التمر فيصّلونهم، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل، فصرم اللّه بن عمر البازيار ذلك التمر، ووجّه رجلاً يقال له بشران بن أبي أميّة الثقفي إلى المدينة فصَرَمه ، ثم عاد إلى البَصرة فقُلِج .(1)
قال أبو بكر : أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدّثنا سويد بن سعيد والحسن بن عثمان قالا : حدّثنا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن فاطمة (سلام اللّه علیها) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وهي حينئذ تطلب ما كان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بالمدينة وفَدَك، وما بقي من خُمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال: «لا نُورَث، ما تركناه صَدَقة» (2)، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال، وإنّي واللّه لا أغير شيئاً من صدقات رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عن حالها التي كان عليها في عهد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت من ذلك على أبي بكر وهجرته فلم تكلمه حتى توفيّت، وعاشت بعد أبيها حتى توفيت، وعاشت بعد أبيها ستة أشهر، فلما توفّيت دفّنها عليّ (علیه السلام) ليلاً، ولم يُؤذِن بها أبا بكر . قال أبو بكر وأخبرنا أبو زيد :قال حدثنا إسحاق بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن أحمد، عن معمر عن الزهري عن عروة، عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر
يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وهما حينئذ يطلبان أرضَه بفَدَك وسهمه بخيبر، فقال لهما أبو بكر: إنّي سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يقول: «لا نُورَث ما تركنا صدقة»، إنما يأكل آل محمد (صلی اللّه علیه واله) من هذا المال، وإني واللّه لا أغير أمراً رأيتُ رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يصنعه إلّا صنعته . قال : فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت.
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال : حدثنا عمر بن عاصم ،وموسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن الكلبي، عن أبي صالح عن أمّ هانىء، أن فاطمة قالت لأبي بكر : من يرثك إذا مت ؟ قال : ولدي وأهلي، قالت فما لَكَ ترث رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) دوننا؟ قال: يا ابنة رسول اللّه ، ما وَرّث أبوك داراً ولا مالاً ولا ذهباً ولا فضّة ، قالت: بلى سهم اللّه الذي جعله لنا، وصار فيئنا الذي بيدك، فقال لها : سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول :«إنما هي أطعَمَناها اللّه ، فإذا مت كانت بين المسلمين». قال أبوبكر: وأخبرنا أبوزيد قال:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن الفضل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال : أرسلت فاطمة إلى أبي بكر : أنت ورثت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أم أهله ؟ قال : بل أهله ، قالت : فما بال سهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ؟ قال : إني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول :«إن اللّه أطعم نبيه طعمة» (1)ثم قبضه، وجعله اللّذي يقوم بعده، فوليت أنا بعده ،على أن أرده على المسلمين، قالت :أنت وما سمعت من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أعلم.
قلت : في هذا الحديث عجب، لأنها قالت له : أنت ورثت رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) أم أهله؟ قال : بل أهله، وهذا تصريح بأنه (صلی اللّه علیه واله)موروث يرثه أهله، وهو خلاف قوله: «لا نورث». وأيضاً فإنّه يدلّ على أن أبا بكر استنبط من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أن اللّه أطعم نبيا طعمة أن يُجرى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)عند وفاته مجرى ذلك النبي (صلی اللّه علیه واله)، أو يكون قد فهم أنه عنى بذلك النبي المنكر لفظاً نفسه،كما فهم من قوله في خطبته، إن عبداً خيره اللّه بين الدنيا وما عند ربّه ، فاختار ما عند ربه، فقال أبو بكر : بل نفديك بأنفسنا.
قال أبو بكر وأخبرنا أبو زيد قال : أخبرنا القعنبّي قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة ،أن فاطمة طلبت فَدَك من أبي بكر، فقال : إني سمعتُ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول : «إن النبي لا يُورث»، (2)، من كان النبي يعوله فأنا أعوله، ومن كان
النبي(صلی اللّه علیه واله) يُنفق عليه، فأنا أنفق عليه، فقالت يا أبا بكر، أيرثك بناتك ولا يرث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و بناته ؟ فقال : هو ذاك. قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن الزبير، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق قال : حدثنا البحتري بن حسان قال: قلت الزيد بن علي(علیه السلام) وأنا أريد أن أهجن أمر أبي بكر، إن أبا بكر انتزع فَدَك من فاطمة (سلام اللّه علیها)فقال : إن أبا بكر كان رجلاً رحيماً، وكان يكره أن يغير شيئاً فَعَلَه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فاتته فاطمة فقالت: إنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أعطاني فَدَك، فقال لها : هل لك على هذا بيّنة؟ فجاءت بعلي ، فشهد لها، ثم جاءت أم أيمن فقالت : ألستما تشهدان أني من أهل الجنّة! قالا : بلي - قال أبو زيد يعني أنها قالت لأبي بكر وعمر - قالت: فأنا أشهد أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أعطاها فَدَك، فقال أبو بكر : فرجل آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضيّة. ثم قال أبوزيد : وايم اللّه لو رجع الأمر إلي لقضيتُ فيها بقضاء أبي بكر.
قال أبوبكر :وأخبرنا أبو زيد قال : حدثنا محمد بن الصباح قال : حدثنا يحيى بن المتوكل أبو عقيل، عن كثير النوال قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي(علیه السلام) : جعلني اللّه فداك ! أرأيت أبا بكر وعمر ، هل ظلماكم من حقّكم شيئاً - أو قال ذهبا من حقكم بشيء؟ - فقال : لا ، والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً، ما ظلمنا من حقنا مثقّال حبة من خردل، قلت: جعلت فداك أفأتولاهما ؟ قال : نعم ويحك !توّلهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي، ثم قال : فعل اللّه بالمغيرة وبنان فإنهما كذبا علينا أهل البيت.
قال أبوبكر وأخبرنا أبو زيد ،قال: حدثنا عبد اللّه بن نافع والقعنبي،عن مالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي(صلی اللّه علیه واله) الأردن لما توفّي أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهّن - أو قال ثمنهنّ - قال فقلت لهن: أليس قد قال النبي(صلی اللّه علیه واله) «لا نُورث ما تركنا صدقة».
قال أبو بكر وأخبرنا أبو زيد، قال حدثنا عبد اللّه بن نافع والقعنبي وبشر بن عمر، عن مالك، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي(صلی اللّه علیه واله) . قال: «لا يقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركتُ بعد نفقة نسائي ومؤونة عيالي فهو صدقة» .(1)قلت : هذا حديث غريب ،لأن المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده. وقال أبو بكر: وحدثنا أبو يزيد، عن الحزامي، عن ابن وهب ،عن يونس عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يقول: «والذي
1) أخرجه أحمد كتاب باقي مسند المكثرين، باب : باقي المسند السابق (27244) ، وابن حبان .(6609)
نفسي بيده لا يقسم ورثتي شيئاً، ما تركت صدقة »(1)، قال : وكانت هذه الصّدقة بيَدِ علي(علیه السلام) ، غلب عليها العبّاس، وكانت فيها خصومتهما ، فأبى عمر أن يقسمها بينهما حتى أعرض عنها العبّاس وغلب عليها علي (علیه السلام)، ثم كانت بيدِ حسن وحسين ابني علي(علیه السلام) ، ثم كانت بيدِ علي بن الحسين (علیه السلام)والحسن بن الحسن ،كلاهما يتداولانها، ثم بيد زيد بن علي(علیه السلام).
قال أبو بكر وأخبرنا أبو زيد قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال :حدثنا يونس، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان ،أن عمر بن الخطّاب دعاه يوماً بعد ما ارتفع النهار ، قال : فدخلتُ عليه وهو جالس على سرير رمال ليس بينه وبين الرمال فراش، على وسادة أدم، فقال : يا مالك إنه قد قدم من قومك أهل أبيات حضروا المدينة، وقد أمرت لهم برضخ فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، مر بذلك غيري ،قال: اقسم أيها المرء. قال : فبينا نحن على ذلك إذ دخل يرفأ، فقال : هل لك في عثمان وسعد وعبد الرحمن والزبير يستأذنون عليك؟ قال: نعم، فأذن لهم ، قال : ثم لبث قليلاً، ثم جاء فقال : هل لك في علي والعباس يستأذنان عليك؟ قال : ائذن لهما، فلما دخلا ، قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا-یعني علياً - وهما يختصمان في الصوافي التي أفاء اللّه على رسوله من يعني أموال بني النضير، قال : فاستبّ عليّ والعباس عند عمر، فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين : اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر، فقال عمر: أنشدكم اللّه الذي تقوم بإذنه السماوات والأرض، هل تعلمون أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قال : «لا نورث ما تركناه صدقة»، يعني نفسه؟ قالوا : قد قال ذلك، فأقبل على العباس وعلي فقال : أنشدكما اللّه هل تعلمان ذلك؟ قالا : نعم. قال عمر : فإني أحدّثكم عن هذا الأمر، إن اللّه تبارك وتعالى خصّ رسوله(صلی اللّه علیه واله) في هذا الفيء بشيء لم يُعطه غيره، قال تعالى: «وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابِ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلّط رُسُلَمُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » (2)، وكانت هذه خاصّة الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فما اختارها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكُمُوها وثبتها فيكم حتى بقي منها هذا المال، وكان ينفق منه على أهله سنتهم، ثم يأخذ ما بقي فيجعله فيما يجعل مال اللّه عزّ وجلّ، فعل ذلك في حياته ثم توفّي، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)فقبضه اللّه، وقد عمل فيها بما عمل به رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وأنتما حينئذ، والتفت إلى عليّ والعباس تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر، واللّه يعلم أنه فيها لصادق بار ،راشد تابع للحق
ثم توفَّى اللّه أبا بكر ، فقلت : أنا أولى الناس بأبي بكر وبرسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) ،فقبضتها سنتين - أو قال سنين من إمارتي - أعمل فيها مثل ما عمل به رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) وأبو بكر، ثم قال : وأنتما وأقبل على العباس وعلي - تزعمان أني فيها ظالم فاجر، واللّه يعلم أني فيها بارّ راشد، تابع للحق ثم جئتماني وكلمتكما واحدةً، وأمركما جميع، فجئتني - يعني العباس - تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يعني عليّاً - يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما : إن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) قال :« لا نورث ما تركناه صدقة»، فلما بدا لي أن أدفعها إليكما قلت : أدفعها على أن عليكما عهد اللّه وميثاقه لتعملان فيها بما عمل رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) وأبو بكر، وبما عملت به فيها، وإلا فلا تكلّماني ! فقلتُما : ادفعها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما بذلك، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك ! واللّه الذي تقوم بإذنه السماوات والأرض لا أقضي بينكما بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فأناأكفيكماها !
قال أبو بكر: وحدثنا أبو زيد قال : حدّثنا إسحاق بن إدريس، قال: حدّثنا عبد اللّه المبارك قال : حدّثني يونس، عن الزهري قال : حدّثني مالك بن أوس بن الحدّثان بنحوه، قال فذكرت ذلك لعروة فقال : صدق مالك بن أوس ،أنا سمعتُ عائشة تقول : أرسل أزواج النبي (صلی اللّه علیه واله)عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسأل لهن ميراثهنّ من رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) مما أفاء اللّه عليه حتى كنت أردّهنّ عن ذلك، فقلت: ألا تتّقين اللّه ، ألم تعلمن أن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)يقول: «لا نورث، ما تركناه صدقة» يريد بذلك نفسه، إنما يأكل آل محمد من هذا المال، فانتهى أزواج النبي إلى ما أمرتهنّ به.
قلت: هذا مشكل، لأن الحديث الأول يتضمن أن عمر أقسم على جماعة فيهم عثمان، فقال : نشدتكم اللّه، ألستم تعلمون أن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) قال :«لا نورث ما تركناه صدقة»، يعني نفسه فقالوا: نعم، ومن جملتهم عثمان، فكيف يعلم بذلك فيكون مترسّلاً لأزواج النبّي(صلی اللّه علیه واله) : يسأله أن يعطيهنّ الميراث! اللهّم إلا أن يكون عثمان وسعد وعبد الرحمن والزبير صدّقوا عمر على سبيل التقليد على سبيل التقليد لأبي بكر فيما رواه وحُسْنِ الظنّ، وسمّوا ذلك عِلماً ، لأنه قد يطلق على الظنّ اسم العلم . فإن قال قائل : فهلا حسن ظّن عثمان برواية أبي بكر في مبدأ الأمر فلم يكن رسولاً لزوجات النبي(صلی اللّه علیه واله) في طلب الميراث؟.
قيل له :يجوز أن يكون في مبدأ الأمر شاكاً، ثم يغلب على ظنه صدقه لأمارات اقتضت تصديقه، وكلّ الناس يقع لهم مثل ذلك.
وها هنا إشكال آخر، وهو أن عمر ناشد عليا والعبّاس: هل تعلمان ذلك؟ فقالا : نعم، فإذا كانا يعلمانه فكيف جاء العبّاس وفاطمة إلى أبي بكر يطلبان الميراث على ما ذكره في خبر سابق على هذا الخبر، وقد أوردناه نحن وهل يجوز أن يقال كان العبّاس يعلم ذلك ثم يطلب الإرث الذي لا يستحقّه؟ وهل يجوز أن يقال : إنّ عليَّا كان يعلم ذلك ويمكّن زوجته أن تطلب ما لا تستحقّه خرجت من دارها إلى المسجد، ونازعت أبا بكر وكلّمته بما كلّمته إلا بقوله وإذنه ورأيه. وأيضاً فإنه إذا كان (صلى اللّه عليه وآله) لا يُورث ،فقد أشكل دفع آلته ودابته وحذائه إلى علي(علیه السلام) ، لأنّه غير وارث في الأصل، وإن كان أعطاء ذلك لأنّ زوجته بعرضة أن ترث ،لولا الخبر، فهو أيضاً غير جائز، لأنّ الخبر قد منع من أن يرث منه شيئاً قليلاً كان أو كثيراً .
فإن قال قائل : نحن معاشر الأنبياء لا نُوَرّث ذهباً ولا فضة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً .
قيل: هذا الكلام يُفهم من مضمونه أنّهم لا يورثون شيئاً أصلاً، لأنّ عادة العرب جاريةٌ بمثل ذلك، وليس يقصدون نفي ميراث هذه الأجناس المعدودة دون غيرها، بل يجعلون ذلك التّصريح بنفي أن يورثوا شيئاً ما على الإطلاق. وأيضاً فإنّه جاء في خبر الدابة والآلة والحذاء أنه رُوي عن النبي(صلی اللّه علیه واله) : «لا نُورَث، ما تركناه صدقة»، ولم يقل «لا نُورث كذا ولا كذا» وذلك يقتضي عموم انتفاء الإرث عن كل شيء.
وأما الخبر الثاني وهو الذي رواه هشام بن محمد الكلبي ،عن أبيه، ففيه إشكال أيضاً، لأنّه قال : إنّها طلبت ،فَدَك وقالت : إنّ أبي أعطانيها، وإن أم أيمن تشهد لي بذلك، فقال لها أبو بكر في الجواب: إنّ هذا المال لم يكن لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وإنّما كان مالاً من أموال المسلمين، يحمل به الرجال، وينفقه في سبيل اللّه، فلقائل أن يقول له : أيجوز للنبّي(صلی اللّه علیه واله) أن يملّك ابنته أو غير ابنته من أفناء الناس ضيعةً مخصوصة، أو عقاراً مخصوصاً من مال المسلمين، لِوَحْي أوحى اللّه تعالى إليه، أو لاجتهاد رأيه على قول من أجاز له أن يحكم،بالاجتهاد، أو لا يجوز للنبي(صلی اللّه علیه واله) ذلك؟ فإن قال : لا يجوز، قال ما لا يوافقه العقل ولا المسلمون عليه، وإن قال : يجوز ذلك ، قيل : فإنّ المرأة ما اقتصرت على الدعوى، بل قالت: أم أيمن تشهد لي، فكان ينبغي أن يقول لها في الجواب : شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة ولم يتضمّن هذا الخبرُ ذلك، بل قال لها لما ادعت وذكرت من يشهد لها : هذا مال من مال اللّه . لم يكن لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وهذا ليس بجواب صحيح. وأمَّا الخبر الذي رواه محمد بن زكريا عن عائشة، ففيه من الإشكال مثل ما في هذا الخبر، لأنَّه إذا شهد لها علي (علیه السلام) وأمّ أيمن أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وهب لها فَدَك، لم يصحّ اجتماع صدقها وصدق عبد الرحمن ،وعمر، ولا ما تكلّفه أبو بكر من تأويل ذلك بمستقيم، لأنّ كونها
هبّة من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لها يمنع من قوله :«كان يأخذ منها ،قوتكم، ويقسم الباقي، ويحْمِل منه في سبيل اللّه ، لأنَّ هذا ينافي كونها هبة لها، لأنَّ معنى كونها لها أنتقالها إلى ملكيّتها، وأن تتصرّف فيها خاصّة دون كلّ أحد من الناس، وما هذه صفته كيف يقسم ويحمل منه في سبيل اللّه ! فإن قال قائل : هو(صلی اللّه علیه واله) أبوها، وحُكمُه في مالها كحكمه في ماله وفي بيت مال المسلمين، فلعله كان بحكم الأبوة يفعل ذلك! قيل : فإذا كان يتصرّف فيها تصرف الأب في مال ولده، لا يخرجه ذلك عن كونه مال ولده، فإذا مات الأب لم يجز لأحد أن يتصرّف في مال ذلك الولد ،لأنه ليس بأب له فيتصرّف في ماله تصرّف الآباء في أموال أولادهم، على أن الفقهاء أو معظمهم لا يجيزون للأب أن يتصرف في مال الابن.
وها هنا إشكال آخر، وهو قول عمر لعلي (علیه السلام)،والعباس : وأنتما حينئذ تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر، ثم قال لما ذكر نفسه: وأنتما تزعمان أنّي فيها ظالم فاجر، فإذا كانا يزعمان : ذلك فكيف يزعم هذا الزّعم مع كونهما يعلمان أن رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) قال: «لا أورث»! إن هذا لمن أعجب العجائب، ولولا أن هذا الحديث - أعني حديث خصومة العباس وعلي عند عمر مذكور في الصحاح المجمع عليها لما أطلت العجب من مضمونه، إذ لو كان غير مذكور في الصّحاح لكان بعض ما ذكرناه يطعن في صحّته، وإنما الحديث في الصحاح لا ريب في ذلك .
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال : حدثنا ابن أبي شَيْبة ، قال : حدثنا ابن عُلَيّة، عن أيوب، عكرمة، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان قال : جاء العبّاس وعلي إلى عمر، فقال العباس: اقض بيني وبين هذا الكذا وكذا، أي يشتمه فقال الناس افصل بينهما، فقال لا أفصل :بينهما، قد علما أن رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) قال: «لا نُورَث ما تركناه صدقة». قلت : وهذا أيضاً مشكل لأنّهما حضرا يتنازعان لا في الميراث، بل في ولاية صدقة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أيهما يتولاها ولايةً لا إرثاً ! وعلى هذا كانت الخصومة، فهل يكون جواب ذلك قد علما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال: «لا نُورَث»!
قال أبو بكر وأخبرنا أبو زيد قال : حدثني يحيى بن كثير أبو غسّان قال: حدثنا شعبة عن عمر بن مرّة، عن أبي البختري قال: جاء العبّاس وعلي إلى عمر وهما يختصمان، فقال عمر لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد : أنشدكم اللّه ، أسمعتم رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) يقول: «كل مال نبي فهو صدقة، إلا ما أطعمه أهله إنَّا لا نُورَث»! فقالوا: نعم، قال: وكان رسول اللّه يتصدّق ،به ويقيم فضله، ثم توفّي فوليه أبو بكر سنتين يصنع فيه ما كان يصنعُ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وأنتما تقولان : إنه كان خاطئاً، وكان بذلك ظالماً، وما كان بذلك إلا راشداً ، ثم ولّيتُه بعد أبي بكر فقلت لكما : إن شئتما قبلتُماء على عمل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وعهده الذي عهد فيه، فقلتما : نعم
وجئتماني الآن تختصمان يقول هذا أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا : أريد نصيبي من امرأتي ! ولا الله لا أقضي بينكما إلّا بذلك.
قلت : وهذا أيضاً مشكل، لأن أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده، ذكر ذلك أعظم المحدّثين، حتّى أنّ الفقهاء في أصول الفقيه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد. وقال شيخنا أبو علي: لا تقبل في الرواية إلا رواية اثنين كالشهادة، فخالفه المتكلّمون والفقهاء كلّهم ،واحتجّوا عليه بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده : «نحن معاشر الأنبياء لا نُورَث»، حتى أن بعض أصحاب أبي علي تكلّف لذلك جواباً ، فقال : قد رُوي أن أبا بكر يوم حاج فاطمة(سلام اللّه علیها) قال : أنشد اللّه امرأ سمع من رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ،في هذا شيئاً فرَوَى مالك بن أوس بن الحدثان ،أنه سمعه من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وهذا الحديث ينطق بأنه استشهد عمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعداً، فقالوا : سمعناه من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فأين كانت هذه الروايات أيام أبي بكر! ما نقل أن أحداً من هؤلاء يوم خصومة فاطمة ( سلام اللّه علیه)وأبي بكر رَوَى من هذا شيئاً .
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي(صلی اللّه علیه واله) أرسلنّ عثمان إلى أبي بكر،فذكر الحديث، قال عروة وكانت فاطمة قد سألت ميراثها من أبي بكر مما تركه النبي (صلی اللّه علیه واله) ، فقال لها : بأبي أنت وأمي، وبأبي أبوك وأمي ونفسي، إن كنت سمعت من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) شيئاً ، أو أمرك بشيء لم أتبع غير ما تقولين، أعطيتك ما تبتغين، وإلا فإني أتبع ما أُمِرتُ به !
قال أبو بكر: وحدثنا أبو زيد قال : حدثنا عمرو بن مرزوق ،عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، أبي البختري قال : قال لها أبو بكر لمّا طلبتْ فَدَك : بأبي أنت وأمي ! أنت عندي الصادقة الأمينة، إن كان رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) عَهد إليك في ذلك عهداً، أو وَعَدَكِ به وعداً ، صدَّقْتُكِ، وسلَّمت إليك! فقالت: لم يعهد إلي في ذلك بشيء، ولكن اللّه تعالى يقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَولَاَدِكُم) (1)، فقال : أشهد لقد سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول: «إنَّا معاشر الأنبياء لا نُورَث» (2)
قلت : وفي هذا من الإشكال ما هو ظاهر، لأنّها قد ادعت أنه عهد إليها رسول الله ذلك أعظم العهد، وهو النّحلة، فكيف سكتت عن ذكر هذا لما سألها أبو بكر! وهذا أعجب من العجب. قال أبو بكر: وحدّثنا أبو زيد قال حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عبد اللّه الأنصاري عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحَدْثان، قال : سمعت عمر وهو يقول للعبّاس وعلي وعبد الرحمن بن عوف والزبير وطلحة : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال: «إنا لا نُورَث، معاشر الأنبياء ما تركنا صدقة»؟ قالوا : اللهّم نعم ، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يدخل في فيئه أهله السنة من صدقاته، ثم يجعل ما بقي في بيت المال !قالوا : اللهّم نعم فلمّا، توفّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قبضها أبوبكر، فجئت يا عباس تطلب ميراثك من ابن أخيك ،وجنت يا علي تطلب ميراث زوجتك من أبيها ! وزعمتما أن أبا بكر كان فيها خائناً فاجراً ،واللّه لقد كان امراً مطيعاً ، تابعاً للحق ، ثم توفّي أبو بكر فقبضتها ،فجئتماني تطلبان ميراثكما ، أما أنت يا عبّاس فتطلب ميراثك من ابن أخيك، وأما علي فيطلب ميراث زوجته من أبيها، وزعمتما أنّي فيها خائن وفاجر، واللّه يعلم أني فيها مطيع تابع للحق ، فأصلحا ،أمركما ، وإلا واللّه لم ترجع إليكما . فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة .
قال أبو زيد : قال أبو غسّان: فحدثنا عبد الرزاق الصنعاني،عن معمربن شهاب، عن مالك بنحوه، وقال في آخره: فغلب علي عباساً عليها، فكانت بيدِ علي، ثم كانت بيد الحسن، ثم كانت بيد الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم الحسن بن الحسن، ثم زيد بن الحسن.
قلت:وهذا الحديث يدلّ صريحاً على أنهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية، وهذا من المُشكلات، لأنّ أبا بكر حَسَم المادة أوّلاً، وقرّر عند العبّاس وعلي وغيرهما أنّ النبي(صلی اللّه علیه واله) لا يُورث، وكان عمر من المساعدين له على ذلك، فكيف يعود العباس وعلي بعد وفاة أبي بكر، يحاولان أمراً قد كان فرغ منه ، ويُئس من حصوله، اللهّم إلا أن يكونا ظنا أن عمر ينقض قضاء أبي بكر في هذه المسألة، وهذا بعيد لأنّ عليا والعبّاس كانا في هذه المسألة يتهمان عمر بممالأة أبي بكر على ذلك ألا تراه يقول : نسبتُماني ونسبتُما أبا بكر إلى الظلم والخيانة، فكيف يظنّان أنّه ينقض قضاء أبي بكر ويورثهما! وأعلم أن الناس يظنون أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين: في الميراث والنّحلة، وقد
وجدتُ في الحديث أنّها نازعت في أمر ثالث ،ومنعها أبو بكر إيّاه أيضاً، وهو سهم ذوي القربى.
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري : أخبرني أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدّثني هارون بن عمير،قال:حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدّثني صدقة أبو معاوية، عن محمد بن عبد اللّه ،عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن يزيد الرقاشيّ، عن أنس بن مالك، أن عبد فاطمة (سلام اللّه علیه) أتت أبا بكر فقالت : لقد علمت الذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات، وما أفاء اللّه علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى ثم قرأت عليه قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِتُم مِّن شَى و فَأَنَّ لِلَّهِ خمسه وَالرَّسُول ولذى الْقُرْدَأ) (1)الآية، فقال لها أبوبكر: بأبي أنت وأمّي ووالدٍ وَلَدَكِ ! السمع والطاعة لكتاب اللّه ولحقّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وحقّ قرابته، وأنا أقرأ من كتاب اللّه الذي تقرئين منه، ولم يبلغ علمي منه أن هذا السّهم من الخمس يسلم إليكم كاملاً، قالت: أفلك هو ولأقربائك؟ قال : لا ، بل أنفق عليكم منه، وأصرف الباقي في مصالح المسلمين قالت : ليس هذا حكم اللّه تعالى، قال: هذا حكم اللّه، فإن كان رسولُ اللّه عَهد إليك في هذا عهداً أو أوجبه لكم حقّاً صدّقتك وسلّمته كله إليك وإلى أهلك، قالت: إن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لم يعهد إليّ في ذلك بشيء، إلّا أنّي سمعته يقول لما أنزلت هذه الآية: «أبشروا آل محمد فقد جاءكم الغنّى»، قال أبو بكر : لم يبلغ علمي من هذه الآية أن أسلّم إليكم هذا السّهم كلّه كاملاً، ولكن لكم الغنى الذي يُغنيكم، ويفضل عنكم، وهذا عمر بن الخطّاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح فاسأليهم عن ذلك، وانظري هل يوافِقُك على ما طلبت أحد منهم ! فانصرفت إلى عمر فقالت له مثل ما قالت لأبي بكر، فقال لها مثل ما قاله لها أبو بكر، فعجبت فاطمة (سلام اللّه علیه) من ذلك، وتظنت أنهما كانا قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه .
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدثنا هارون بن عمير،قال حدّثنا الوليد، عن ابن أبي لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال أرادت فاطمة أبا بكر على فَدَك وسهم وسهم ذوي القربى ،فأبى عليها، وجعلهما في مال اللّه تعالى. قال أبوبكر:وأخبرنا أبو زيد قال :حدّثنا أحمد بن معاوية ،عن هيثم،عن جويبر، عن أبي الضحاك عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، أن أبا بكر منع فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى، وجعله في سبيل اللّه في السلاح والكُراع .
قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا حيان بن هلال، عن محمد بن يزيد بن ذريع، عن محمد بن إسحاق، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علی(علیه السلام) ، قلت : أرأيت عليا حين
1) سورة الأنفال الآية: 41 .
ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربي؟ قال : سَلَك بهم طريق أبي بكر وعمر، قلت وكيف؟ ولم؟ وأنتم تقولون ما تقولون !قال: أما واللّه ما كان أهله يصدرون إلّا عن رأيه ، فقلت : فما منعه؟ قال: كان يكره أن يُدعى عليه مخالفة أبي بكر وعمر.
قال أبوبكر: وحدثني المؤمّل بن جعفر، قال :حدثني محمد بن ميمون ،عن داود بن المبارك، قال: أتينا عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن حسن بن الحسن ونحن راجعون من الحّج في جماعة، فسألناه عن مسائل وكنت أحدَ مَنْ سأله، فسألته عن أبي بكر وعمر، فقال: سئل جدّي عبد اللّه بن الحسن بن الحسن عن هذه المسألة فقال : كانت أمي صدّيقة بنت نبّي مرسل، فماتت وهي غَضْبَى على إنسان، فنحن غضاب لغضبها ، وإذا رضيت رَضِينا . قال أبو بكر: وحدّثني أبو جعفر محمد بن القاسم قال : حدّثني علي بن الصّباح قال : أنشدنا أبو الحسن رواية المفضّل للكميت:
أهوى عليَّاً أمير المؤمنين ولا *** أرضى بشتم أبي بكر ولا عُمرا
ولا أقول وإن لم يُعطِيَا فَدَكاً *** بنت النبي ولا ميراثها:كَفَرا
اللّه، يعلم ماذا يحضران به *** يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا
قال ابن الصبّاح: فقال لي أبو الحسن: أتقول : إنّه قد أكفرهما في هذا الشعر! قلت: نعم، قال : كذاك هو . قال أبو بكر: حدّثنا أبو زيد، عن هارون بن عمير عن الوليد بن مسلم ، عن إسماعيل بن عباس، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن مولى أم هانىء، قال: دخلت فاطمة على أبي بكر بعد ما استخلف، فسألته ميراثها من أبيها، فمنعها، فقالت له : لئن مُتَّ اليومَ مَن كان يرثك؟ قال: ولدي وأهلي، قالت :فلم وَرِثتَ أنتَ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) دون ولده وأهله؟ قال: فما فعلتُ يا بنت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)! قالت بلى، إنك عمدت إلى فَدَك، وكانت صافية ا لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فأخذتها، وعمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنّا فقال : يا بنتَ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، لم أفعل، حدّثني رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أن اللّه تعالى يُطعم النبي(صلی اللّه علیه واله) الطعمة ما كان حيّا ، فإذا قبضه اللّه إليه رفعت، فقالت: أنت ورسول اللّه أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي . ثم انصرفت.
قال أبوبكر: وحدّثنا محمد بن زكريّا ،قال: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن المهلّبي، عن عبد اللّه بن حمّاد بن سليمان ،عن أبيه، عن عبد اللّه بن حسن بن حسن، عن أمّه فاطمة بنتِ الحسين (علیه السلام)، قالت : لمّا اشتدّ بفاطمة بنت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الوجع وثَقُلتُ في علّتها، اجتمع عندها نساء من نساء المهاجرين والأنصار، فقلن لها :كيف أصبحتِ يا ابنةَ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ؟ قالت :واللّه أصبحت عائفةٌ لدُنْيَاكم ، قاليّة لرجالكم ، لفظتهم بعد أن عَجْمتُهم، وشنيتهم بعد أن
سَبَرْتهم، فقبحاً لفُلول الحدّ وخَوَر القناة، وخَطَل الرأي! وبئسما قدّمَتْ لهم أنفسهم أن سَخط اللّه عليهم وفي العذاب هم ،خالدون، لا جَرَمَ قد قلدّتهم رِبْقَتها، وشنّت عليهم غارتها، فجذعاً وعَقْراً، وسُحقاً للقوم الظالمين! وَيْحَهم! أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوّة، ومَهيط الرُّوح الأمين، والطيبّين بأمر الدنيا والدّين، الا ذلك هو الخسران المبين !وما الذي نَقَموا من أبي حسن! نَقَموا واللّه نكير سيفه وشِدَّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات اللّه ، و اللّه لو تكافُّوا عن زمامِ نبذّه إليه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لاعتلقه، ولسار إليهم سيراً سُجُحاً، لا تكلم حشاشته، ولا يتمتع راكبه ، ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً يطفح ضفتاه، ولأصدرهم بطاناً قد تحيّر بهم الرأي ،غير متحلّ بطائل، إلا بعمر الناهل، وردعه سورة الساغبِ، ولفتحث عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون. ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر ،عجبه، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث، إلى أيّ لجأ استندوا، وبأي عُروة تمسكوا !البئسَ المَولى ولبئس العَشِير، ولبئس للظالمين بدلاً! استبدلوا واللّه الذُّنَابَى بالقوادم، والعَجُز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنّهم يحسنون صُنْعاً ،« أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ» (1)، ونحهم ! «أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَّا يَهْدِى إِلَّا أَن يُهْدَى مَا لَكُمْ كَيفَ تَحكُمُونَ»! (2)أما لَعَمر اللّه لقد لقحت، فنظرة ريثما تُنتج، ثمّ احتلبوها طِلاعَ العَقْب دَماً ! عبيطاً ودُعاقاً مُمقراً هنالك يَخسر المبطلون، ويعرّف التالون غِب ما أسس الأوّلون، ثم طيبوا عن أنفسكم نفساً، واطمئنّوا للفتنة جاشاً، وأبشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين يَدَعُ فينكم زهيداً، وجمعكم حَصِيداً، فيا حسرةً عليكم، وأنى لكم وقد عُمِّيت عليكم أنلز مكموها وأنتم لها كارهون !والحمد للّه رب العالمين، وصلاته على محمد خاتم النبيين، وسيّد المرسلين .
قلتُ : هذا الكلام وإن لم يكن فيه ذكرُ فَدَك والميراث، إلَّا أنّه من تتمة ذلك، وفيه إيضاح لما كان عندها، وبيان لشدّة غيظها وغَضَبها ، فإنّه سيأتي فيما بعد ذكر ما يناقض به قاضي القضاة والمرتضى في أنّها هل كانت غَضبي أم لا! ونحن لا ننصر مذهباً بعينه، وإنما نذكر ما قيل، وإذا جرى بحث نظري قلنا ما يقوى في أنفسنا منه .
واعلم أنا إنّما نذكر في هذا الفصل ما رواه رجال الحديث وثقاتُهم، وما أودعه أحمدُ بنُ عبد العزيز الجوهري في كتابه، وهو من الثقات الأمناء عند أصحاب الحديث، وأما ما يرويه رجال الشيعة والإخباريون منهم في كتبهم من قولهم : إنّهما أهاناها وأسمعاها كلاماً غليظاً،
وإن أبا بكر رقّ لها حيث لم يكن عمرحاضراً، فكتب لها بفَدَك كتاباً، فلمّا خرجت به وجدّها عمر، فمد يده إليه ليأخذه مغالبة، فمنعته، فدفع بيده في صدرها وأخذ الصحيفة فخرقها بعد أن تقل فيها فمحاها، وإنها دعت عليه فقالت: بَقَر اللّه بطنك كما بقرت صحيفتي، فشيء لا أصحاب الحديث ولا ينقلونه، وقدرُ الصَّحابة يجلّ عنه، وكان عمرُ أتقى اللّه ، وأعرف لحقوق اللّه من ذلك، وقد نظمت الشيعة بعض هذه الواقعة التي يذكرونها شعراً أوّله أبيات لمهيار بن مرزويه الشاعر من قصيدته التي أوّلها :
يا أبنة القوم تراك *** بالغّ فثلِي رضاک
وقدذيّل عليها بعضُ الشيعة وأتمها، والأبيات:
يا أبنة الطَّاهِرِ كَمْ تُقْرَعُ *** بالظلم عصاک
غَضِبَ اللّه لخَطبٍ *** لیلة الطف غراک
ورَعَى النارَ غَداً قط ***رعي امس حماک
مرلم يعطفه شكوى *** ولا أستحیا بكاك
واقتدى الناس به بعد *** فارْدَى وَلَدَاک
يا ابنة الرّاقي إلى السد*** رة في لوح السكاك
لهف نفسي وعلي مث *** لِك فلتبكِ البواكة
كيف لم تقطع يدم *** دٌ الیک أبن صحاک
فرحوا يوم أهانو *** كِ بما ساء أباک
ولقد اخبرهم انّ *** رِضاه في رضاک
دفعا النصّ علی ار*** ثك لمّا دَفَعاك
و تعرّضت القَدر*** تافهٍ وانتَهراك
وادعيت النخلة المش ***هود فيها بالصّكاكِ
فاستشاطا ثم ما إن ***كذبا إن كذباكِ
فزوى اللّه عن الرخ *** مة زنقديا ذَواكِ
ونَفَى عن بابه الوا *** سع شيطاناً نفاكِ
فانظر إلى هذه البلية التي صبّت من هؤلاء على سادات المسلمين، وأعلام المهاجرين !وليس ذلك بقادح في عُلوّ شأنهم، وجلالة مكانهم، كما أن مبغضي الأنبياء وحَسَدتهم، ومصنّفي الكتب في إلحاق العَيْبِ والتهجين لشرائعهم لم تزدد لأنبيائهم إلا رفعة، ولا زادت شرائعهم إلا انتشاراً في الأرض، وقبولاً في النفس، وبهجة ونوراً عند ذوي الألباب والعقول.
وقال لي عَلَوِيّ في الحلّة يُعرَف بعلي بن مهنا، ذكي ذو فضائل :ما تظنّ قصدّ أبي بكر وعمر فاطمة فَدَك؟ قلت : ما قصدا ؟ قال : أرادا ألا يُظهرا لعلّي - وقد اغتصباه الخلافة - رقّة وليناً وخذلاناً، ولا يرى عندهما خوَراً، فأتبعا القرح بالقرح.
وقلت لمتكلّم من متكلّمي الإمامية يُعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل : وهل كانت فدك إلا نخلاً يسيراً وعقاراً ليس بذلك الخطير! فقال لي : ليس الأمر كذلك، بل كانت جليلة جداً، وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها إلا ألا يتقوّى علي بحاصلها وغَلَّتها على المنازعة في الخلافة، ولهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعلي وسائر بني هاشم وبني المطلب حقّهم في الخمس، فإنّ الفقير الذي لا مال له تضعف همّته ويتصاغر عند نفسه، ويكون مشغولاً بالاحتراس والاكتساب عن طلب المُلك والرياسة، فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء، وهو داء لا دوادء له، وما أكثر ما تزول الأخلاق والشّيم، فأما العقائد الراسخة فلا سبيل إلى زوالها !
نذكر في هذا الموضع ما حكاه المرتضى رحمه اللّه «في الشّافي» عن قاضي القضاة في هذا المعنى، وما اعترضه به، وإن استضعفنا شيئاً من ذلك قلنا ما عندنا، وإلا تركناه على حاله. قال المرتضى : أوّل ما ابتدأ به قاضي القضاة حكايته عنا استدلالنا على أنه (صلى اللّه عليه وآله) مورّث بقوله تعالى :« يُوصِيكُرُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْن» (1)وهذا الخطاب عام يدخل فيه النبي وغيره. ثم أجاب – يعني قاضي القضاة - عن ذلك، فقال: إن الخبر الذي احتّج به أبو بكر - يعني قوله : «نحن معاشر الأنبياء لا نُورَث» - لم يقتصر على روايته هو وحده حتى استشهد عليه عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن، فشهدوا به، فكان لا يحل لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثاً، وقد خبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بأنها صدقة وليست بميراث، وأقلّ ما في هذا الباب أن يكون الخبر من أخبار الآحاد ،فلو أنّ شاهدين شهدا في التركة أنّ فيها حقّاً، أليس كان يجب أن يصرف ذلك عن الإرث !فعلمه بما قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) مع شهادة غيره أقوى. ولسنا نجعله مدعياً لأنّه لم يدع ذلك لنفسه، وإنما بين أنه ليس بميراث، وأنه
1) سورة النساء، الآية: 11
صدقة. ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك، كما يخصّ في العبد والقاتل وغيرهما، وليس ذلك بنقص في الأنبياء، بل هو إجلال لهم، يرفع اللّه به قدرهم عن أن يورثوا المال، وصار ذلك أوكد الدواعي الا يتشاغلوا بجمعه ،لأن أحد الدواعي القوية إلى ذلك تركه على الأولاد والأهلين. ولما سمعت فاطمة (سلام اللّه علیها) ذلك من أبي بكر كفّت عن الطلب فيما ثبت من الأخبار الصحيحة، فلا يمتنع أن تكون غير عارفة بذلك، فطلبت الإرث ، فلما رَوَى لها ما رَوَى كفت، فأصابت أولاً وأصابت ثانياً .
وليس لأحد أن يقول : كيف يجوز أن يبين النبي (صلی اللّه علیه واله) و ذلك للقوم ولا حقّ لهم في الإرث ويدّع أن يبين ذلك لمن له حقّ في الإرث، مع أنّ التكليف يتصل به، وذلك لأنّ التكليف في ذلك يتعلّق بالإمام، فإذا بين له جاز ألا يبين لغيره ويصير البيان له بياناً لغيره، وإن لم يسمعه من الرّسول،لأنّ هذا الجنس من البيان يجب أن يكون بحسب أن يكون بحسب المصلحة !
قال : ثمّ حكي عن أبي عليّ أنه قال: أتعلمون كذِبَ أبي بكر في هذه الرواية، أم تجوّزون أن يكون صادقاً؟ قال : وقد علم أنه لا شيء يقطع به على كذبه، فلا بد من تجويز كونه صادقاً . وإذا صحّ ذلك قيل لهم : فهل كان يحلّ له مخالفة الرسول؟ فإن قالوا : لو كان صدقاً لظهر واشتهر قيل لهم : إنّ ذلك من باب العمل، ولا يمتنع أن ينفرد بروايته جماعة يسيرة، بل الواحد والاثنان مثل سائر الأحكام ومثل الشهادات، فإن قالوا نعلم أنه لا يصح لقوله تعالى في كتابه : «وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُرد» (1)قيل لهم : ومن أين أنه ورّثه الأموال، مع تجويز أن يكون ورثه العلم والحكمة؟ فإن قالوا : إطلاق الميراث لا يكون إلا في الأموال، قيل لهم : إن كتاب اللهّ يُبطل قولكم ، لأنه قال :« ثُمَّ أَوْرَتنا الكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا» (2)، والكتاب ليس بمال، ويقال في اللغة : ما وَرَثَت الأبناء عن الآباء شيئاً أفضل من أدب حَسَن، وقالوا : العلماء وَرَثة الأنبياء، وإنما ورثوا منهم العلم دون المال على أن في آخر الآية ما يدلّ على ما قلناه، قوله تعالى حاكياً عنه :« يَتَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ وهوالْمُبِينُ» (3)، فنّبه على أن الذي ورث هو هذا العلم وهذا الفضل، وإلا لم يكن لهذا القول تعلق بالأوّل. فإن قالوا: فقد قال تعالى: «فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ یَعقُوبَ» (4)، وذلك يُبطل الخبر! قيل لهم : ليس في ذلك بيان المال أيضاً، وفي الآية ما يدلُّ يعقوب. على أنّ المراد النبوّة والعلم، لأن زكريا خاف على العلم أن يندرس، وقوله: «وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَلِيَ مِن وَرَآهى» (5)يدلّ على ذلك ، لأنّ الأنبياء لا تحرص على الأموال حرصاً يتعلق خوفها
بها، وإنما أراد خوفه على العلم أن يضيع، فسأل اللّه تعالى وليّا يقوم بالدّين مقامه. وقوله: «وَيَرِثُ مِنْ مَالِ يَعْقُوبَ» يدلّ على أنّ المراد العلم والحكمة، لأنه لا يرث أموال يعقوب في الحقيقة، وإنما يرث ذلك غيره . قال : فأمّا مَنْ يقول : إنّ المراد : إنا معاشر الأنبياء لا نُورَث، ما تركناه صدقة، أي ما جعلناه صدقّة في حال حياتنا لا نورثه، فركيك من القول، لأنّ إجماع الصحابة يخالفه، لأن أحداً لم يتأوّله على هذا الوجه لأنه لا يكون في ذلك تخصيص الأنبياء، ولا مزية لهم ولأن قوله :«ما تركناه صَدَقة»، جملة من الكلام مستقلة بنفسها، كانه(صلی اللّه علیه واله) مع بيانه أنهم لا يورثون المال، يبيّن أنه صدقة، لأنه كان يجوز ألا يكون ميراثاً ، ويصرف إلى وجه آخر غير الصدقة .
قال : فأما خبر السيف والبغلة والعمامة وغير ذلك، فقد قال أبو علي : إنّه لم يثبت أن أبا بكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) على جهة الإرث، كيف يجوز ذلك العالم على جهة الإرث ، كيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه، وكيف يجوز لو كان وارثاً أن يخصه بذلك ولا إرث له مع العم لأنه عصبة! فإن كان وصل إلى فاطمة (سلام اللّه علیه) فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكاً في ذلك وأزواج الرسول (صلی اللّه علیه واله)، ولوجب أن يكون ذلك ظاهراً مشهوراً ليُعرف أنهم أخذوا نصيبهم من ذلك أو بدله، ولا يجب إذا لم يدفع أبو بكر ذلك إليه على جهة الإرث ألا يحصل ذلك في يده، لأنه قد يجوز أن يكون النبي(صلی اللّه علیه واله) نحله ذلك ، ويجوز أيضاً أن يكون أبو بكر رأى الصَّلاحَ في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين، وتصدق ببدله بعد التقويم، لأنّ الإمام له أن يفعل ذلك .
قال : وحكي عن أبي عليّ في البرد والقضيب أنه لم يمتنع أن يكون جعَلَه عُدّة في سبيل اللّه وتقوية على المشركين، فتداولته الأئمة لما فيه من التقوية، ورأى أن ذلك أولى من أن يتصدّق به إن ثبت أنه (صلی اللّه علیه واله)لم يكن قد نحله غيره في حياته، ثم عارض نفسه بطلب أزواج النبي(صلی اللّه علیه واله) الميراث، وتنازع أمير المؤمنين (علیه السلام) والعباس بعد موت فاطمة (سلام اللّه علیه). وأجاب عن ذلك بأن قال : يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية أبي بكر وغيره للخبر.
وقد رُوِي أنّ عائشة لما عرفتهنّ الخبر أمسكن، وقد بينا أنه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الإرث، ويعرفه من يتقلد الأمر، كما يعرف العلماء والحكام من أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الإرث، وقد بينا أن رواية أبي بكر مع الجماعة أقوى من شاهدين لو شهد أن بعض تركته (علیه السلام) دين، وهو أقوى من رواية سلمان وابن مسعود لو رَوَيا ذلك. قال : ومتى تعلّقوا بعموم القرآن أريناهم جواز التخصيص بهذا الخبر، كما أن عموم القرآن يقتضي كون الصدقات للفقراء، وقد ثبت أن آل محمد لا تحلّ لهم الصدقة. هذا آخر ما حكاه المرتضى من كلام قاضي القضاة.
ثم قال: نحن نبيّن أوّلاً ما يدل على أنه (صلی اللّه علیه واله) يورث المال، ونرتّب الكلام في ذلك الترتيب الصحيح، ثم تعطف على ما أورده ونتكلّم عليه .
قال رضي اللّه عنه : والذي يدّل على ما ذكرنا قوله تعالى مخبراً عن زكريا :«وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَاوَى وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلَنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ وَالِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا» (1)، فخبر أنه خاف من بني عمّه، لأن الموالي ها هنا هم بنو العمّ بلا شبهة، وإنّما خافهم أنْ يَرثوا ماله فينفقوه في الفساد، لأنّه كان يعرف ذلك من خلائقهم وطرائقهم، فسأل ربه ولداً يكون أحق بميراثه منهم. والذي يدلّ على أن المرادبالميراث المذكور ميراث المال دون العلم والنبوّة على ما يقولون إنّ لفظة الميراث في اللغة والشريعة لا يفيد إطلاقها إلّا على ما يجوز أن ينتقل على الحقيقة من الموروث إلى الوارث، كالأموال وما في معناها، ولا يُستعمل في غير المال إلا تجوزاً واتساعاً، ولهذا لا يُفهم من قول القائل : لا وارث لفلان إلا فلان وفلان يرث مع فلان بالظاهر والإطلاق إلا ميراث الأموال والأعراض دون العلوم وغيرها. وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة. وأيضاً فإنّه تعالى خبر عن نبيه أنه اشترط في وارثه أن يكون رضيّاً، ومتى لم يُحمل الميراث في الآية على المال دون العلم والنبوّة لم يكن للاشتراط معنى وكان لغواً وعبثاً، لأنه إذا كان إنما سأل مَنْ يقوم مقامه، ويرث مكانه فقد دخل الرّضا وما هو أعظم من الرّضا في جملة كلامه وسؤاله، فلا مقتضى لاشتراطه، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول : اللهم أبعث إلينا نبيا واجعله عاقلاً، ومكلَّفاً، فإذا ثبتت هذه الجملة صح أن زكريا موروث ماله. وصحّ أيضاً لصحتها أن نبينا(صلی اللّه علیه واله) ممّن يورث المال، لأن الإجماع واقع على أن حال نبينا(صلی اللّه علیه واله) ولا يخالف حال الأنبياء المتقدّمين في ميراث المال فمن مثبت للأمرين.وناف للأمرين.
قلت : إن شيخنا أبا الحسين قال في كتاب «الغُرَر»: صورة الخبر الوارد في هذا الباب، وهو الذي رواه أبو بكر :« لا نُورَث»، ولم يقل : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث»، فلا يلزم من كون زكريا يورث الطعن في الخبر. وتصفحت أنا كُتب الصحاح في الحديث فوجدت صيغة الخبر كما قاله أبو الحسين، وإن كان رسولُ اللّه(صلی اللّه علیه واله) عَنى نفسَه خاصة بذلك، فقد سقط احتجاج الشيعة بقصّة زكريا وغيره من الأنبياء، إلَّا أنّه يبعد عندي أن يكون أراد نفسه خاصّة، لأنه لم تَجْرِ عادته أن يخبر عن نفسه في شيء بالنون. فإن قلت : أيصحّ من المرتضى أن يوافق على أن صورة الخبر هكذا، ثم يحتجّ بقصّة زكريّا بأن يقول : إذا ثبت أن زكريا موروث ثبت أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يجوز أن يكون موروثاً. لإجماع الأمة على أن لا فرق بين الأنبياء كلّهم في هذا الحكم!
1) سورة مريم، الآيتان: 5، 6 .
قلت : وإن ثبت له هذا الإجماع صح احتجاجه ولكن ثبوته يبعد، لأن من نفى كون زكريا(علیه السلام) موروثاً من الأمّة إنما نفاه لاعتقاده أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال:«نحن معاشر الأنبياء»، فإذا كان لم يقل هكذا، لم يقل : إنّ زكريا(علیه السلام) غير موروث.
قال المرتضى : وممّا يقوّي ما قدمناه أن زكريا(علیه السلام) خاف بني عمه، فطلب وارثاً لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون العلم والنبّوة، لأنه(علیه السلام) كان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا ليس بأهل للنبّوة، وأن يُورث علمه وحكمه من ليس أهلاً لهما، ولأنّه إنما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس، فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في البعثة. فإن قيل : هذا يرجع عليكم في الخوف عن إرث المال لأنّ ذلك غاية الضنّ والبخل . قلنا : معاذ اللّه أن يستوي الحال، لأن المال قد يصحّ أن يرزقه اللّه تعالى المؤمن والكافر والعدوّ والولي، ولا يصح ذلك في النبوّة وعلومها . وليس من الظنّ أن يأسى على بني عمه - وهم من أهل الفساد - أن يظفروا بماله فينفقوه على المعاصي، ويصرفوه في غير وجوهه المحبوبة، بل ذلك غاية الحكمة وحسن التدبير في الدين، لأن الدين يحظر تقوية الفساق وإمدادهم بما يُعينُهم على طرائقهم المذمومة، وما يعد ذلك شحا ولا بخلاً إلا من لا تأمّل له .
فإن قيل : أفلا جاز أن يكون خاف من بني عمّه أن يَرِثوا ،علمه وهم من أهل الفساد على ما ادعيتم فيستفسدوا به الناس ويموّهوا به عليهم؟ قلنا : لا يخلو هذا العلم الذي أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه وصحف حكمته لأنّ ذلك قد يسمّى علماً على طريق المجاز، أو يكون هو العلم الذي يحلّ القلب. فإن كان الأوّل فهو يرجع إلى معنى المال، ويصحح أن الأنبياء يُورثون أموالهم وما في معناها، وإن كان الثاني لم يخلُ هذا من أن يكون هو العلم الذي بعث النبي لنشره وأدائه، أو أن يكون علماً مخصوصاً لا يتعلق بالشريعة، ولا يجب إطلاع جميع الأمة عليه، كعلم العواقب وما يجري في مستقبل الأوقات، وما جرى مجرى ذلك. والقسم الأوّل لا يجوز على النبي أن يخاف من وصوله إلى بني عمه وهم من جملة أمته الذين بعث لإطلاعهم على ذلك، وتأديته إليهم، وكأنّه على هذا الوجه يخاف مما هو الغرض من بعثته والقسم الثاني فاسد أيضاً، لأنّ هذا العلم المخصوص إنّما يستفاد من جهته، ويُوقف عليه بإطلاعه ،وإعلامه، وليس هو ممّا يجب نشره في جميع الناس، فقد كان يجب إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فساداً ألا يلقيه إليه، فإنّ ذلك في يده، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك.
قلت : لعاكس أن يعكس هذا على المرتضى رحمه اللّه حينئذ، ويقول له : وقد كان يجب إذا خاف من أن يرث بنو عمّه أمواله فينفقوها في الفساد أن يتصدّق بها على الفقراء والمساكين. فإنّ ذلك في يده فيحصل له ثواب الصدقة، ويَحْصُل له غرضه من حرمان أولئك المفسدين میرااثه .
قال المرتضى رضي الله عنه : وممّا يدلّ على أنّ الأنبياء يورثون قوله تعالى:«وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ» (1)، والظاهر من إطلاق لفظة «الميراث» يقتضي الأموال وما في معناها على ما دللنا من قبل . قال : ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى :« يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنسيين» (2)الآية، وقد أجمعت الأمة على عموم هذه اللفظة إلّا من أخرجه الدليل، فيجب أن يتمسّك بعمومها ، لمكان هذه الدلالة، ولا يخرج عن حكمها إلا من أخرجه دليل قاطع . قلت: أما قوله تعالى: «وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُرد» (3)، فظاهرها يقتضي وراثة النبوة أو الملك أو العِلم الذي قال في أوّل الآية: «وَلَقَدْ مَانَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ عِلَمَا » (4)لأنه لا معنى لذكر ميراث سليمان المال، فإنَّ غيره من أولاد داود قد ورث أيضاً أباه داود، وفي كتب اليهود والنصارى ، بني داود كانوا تسعة عشر، وقد قال بعض المسلمين أيضاً ذلك، فأي معنى في تخصيص سليمان بالذكر إذا كان إرث المال! وأمّا :«يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَدِكُم»، فالبحث في تخصيص ذلك بالخبر فرع من فروع مسألة خبر الواحد، هل هو حجّة في الشرعيّات أم لا ! فإن ثبت مذهب المرتضى في كونه ليس بحجّة فكلامه هنا جيّد، وإن لم يثبت فلا مانع من تخصیص العموم بالخبر، فإنّ الصحابة قد خصصت عمومات الكتاب بالأخبار في مواضع كثيرة.
قال المرتضى : وأمّا تعلّق صاحب الكتاب بالخبر الذي رواه أبو بكر وادّعاؤه أنه استشهد عمر وعثمان وفلاناً وفلاناً، فأوّل ما فيه أن الذي ادعاء من الاستشهاد غير معروف، والذي رُوي أن عمر أستشهد هؤلاء النفر لما تنازع أمير المؤمنين(علیه السلام) والعباس رضي اللّه عنه في الميراث، فشَهِدوا بالخبر المتضمّن لنفي الميراث، وإنّما مقول مخالفينا في صحة الخبر الذي رواه أبو بكر عند مطالبة فاطمة (سلام اللّه علیه) بالإرث على إمساك الأمة عن النكير عليه، والرد لقضيته .
قلت : صدق المرتضى رحمه اللّه فيما قال أمّا عَقِيب وفاة النبي(صلی اللّه علیه واله) ،ومطالبة فاطمة (سلام اللّه علیه )بالإرث ، فلم يرو الخبر إلا أبو بكر وحدّه. وقيل: إنه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان، وأمّا المهاجرون الذين ذكرهم قاضي القضاة فإنّما شهدوا بالخبر في خلافة عمر، وقد تقدم ذكر ذلك .
قال المرتضى : ثم لو سلّمنا استشهاد مَنْ ذكر على الخبر لم يكن فيه حجّة، لأنّ الخبر على كل حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعمل، وهو في حكم أخبار الآحاد وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى، لأن المعلوم لا يُخصّ إلّا بمعلوم، وإذا كانت دلالة الظاهر معلومة، لم يجز أن يخرج عنها بأمرٍ مظنون .
قال : وهذا الكلام مبني على أنّ التخصيص للكتاب والسنّة المقطوع بها لا يقع بأخبار الآحاد، وهو المذهب الصحيح. وقد أشرنا إلى ما يمكن أن يُعتمد في الدلالة عليه من أن الظّن لا يقابل العلم، ولا يرجع عن المعلوم بالمظنون . قال : وليس لهم أن يقولوا : إن التخصيص بأخبار الآحاد يستند أيضاً إلى علم، وإن كان الطريق مظنوناً، ويشيروا إلى ما يدعونه من الدلالة على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة، وأنه حجّة، لأن ذلك مبني من قولهم على ما لا نسلّمه، وقد دلّ الدليل على فساده - أعني قولهم : خبر الواحد حجّة في الشرع - على أنهم لو سلّم لهم ذلك لاحتاجوا إلى دليل مستأنف على أنّه يقبل في تخصيص القرآن، لأنّ ما دلّ على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع كما لا يتناول جواز النسخ به .
قلت: أما قولُ المرتضى : لو سلّمنا أن هؤلاء المهاجرين السنّة رووه لما خرج عن كونه خبراً واحداً، ولما جاز أن يرجع عن عموم الكتاب به، لأنه معلوم، والخبر مظنون. ولقائل أن يقول : ليته حصل في كل واحد من آيات القرآن رواية مثل هذه السنّة، حيث جمع القرآن على عهد عثمان ومن قبله من الخلفاء، فإنهم بدون هذا العدد كانوا يعملون في إثبات الآية في المصحف، بل كانوا يحلفون من أتاهم بالآية، ومن نظر في كتب التواريخ عرف ذلك، فإن كان هذا العدد إنّما يفيد الظنّ فالقولُ في آيات الكتاب كذلك، وإن كانت آيات الكتاب أثبتت عن علم مستفاد من رواية هذا العدد ونحوه، فالخبر مثل ذلك.
فأما مذهب المرتضى في خبر الواحد فإنّه قول انفرد به عن سائر الشّيعة، لأنّ من قبله من فقهائهم ما عوّلوا في الفقه إلا على أخبار الآحاد كزرارة، ويونس، وأبي بصير، وأبني بابويه، والحلبي وأبي جعفر القُمّي وغيرهم، ثم مَنْ كان في عصر المرتضى منهم كأبي جعفر الطوسي وغيره، وقد تكلّمت في اعتبار الذريعة» على ما اعتمد عليه في هذه المسألة، وأما تخصيص الكتاب بخبر الواحد فالظاهر أنه إذا صحّ كون خبر الواحد حجّة في الشرع، جاز تخصيص الكتاب به، وهذا من فنّ أصول الفقه، فلا معنى لذكره هنا . قال المرتضى رضي الله عنه : وهذا يُسقط قول صاحب الكتاب : إنّ شاهدين لو شهدا أنّ في التركة حقّاً لكان يجب أن ينصرف عن الإرث، وذلك لأنّ الشهادة وإن كانت مظنّونة فالعمل بها
يستند إلى عِلم، لأنَّ الشريعة قد قرّرت العمل بالشهادة ولم تقرّر العمل بخبر الواحد، وليس له أن يقيس خبر الواحد على الشهادة من حيث اجتمعا في غَلَبة الظن، لأنَّا لا نعمل على الشهادة من حيث غلبة الظنّ دون ما ذكرناه من تقرير الشريعة العمل بها ألا تَرَى أَنَّا قد نظنّ بصدق الفاسق والمرأة والصبي وكثير ممن لا يجوز العمل بقوله فبان أن المعوّل في هذا على المصلحة التي نستفيدها على طريق الجملة من دليل الشرع.
قال : وأبو بكر في حُكْم المدعي لنفسه والجارّ إليها بخلاف ما ظنّه صاحب الكتاب، وكذلك مَنْ شهد له إن كانت هناك شهادة، وذلك أنَّ أبا بكر وسائر المسلمين سوى أهل بيت الرسول (صلی اللّه علیه واله) يحل له الصدقة، ويجوز أن يصيبوا فيها، وهذه تهمة في الحكم والشهادة. قال : وليس له أن يقول : فهذا يقتضي ألا يقبل شهادة شاهدين في تركةٍ فيها صدقة لمثل ما ذكرتم . قال : وذلك لأنّ الشاهدين إذا شهدا في الصدّقة فحّظهما منها كحظّ صاحب الميراث بل سائر المسلمين، وليس كذلك حال تركة الرسول، لأنّ كونها صدقة يحرّمها على ورثته، ويبيحها لسائر المسلمين.
قلت: هذا فرق غير مؤثر ، اللهّم إلا أن يعني به تهمة أبي بكر والشهود الستّة في جرّ النفع إلى أنفسهم يكون أكثر من تهمتهم لو شَهِدوا على أبي هُرَيرة مَثَلاً أنّ ما تركه صدقة، لأن أهل أبي هريرة يشاركون في القسمة وأهل النبي(صلی اللّه علیه واله) و لا يشاركون الشهود فيما يصيبهم. إذ هم لا تحلّ لهم الصدقة، فتكون حصة أبي بكر والشهود مما تركه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أكثر من حصتهم ،مما يتركه أبو هريرة، فيكون تطرّق التهمة إلى أبي بكر والشهود أكثر حسب زيادة حصتهم، وما وقفت للمرتضى على شيء أطرف من هذا، لأنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) مات والمسلمون أكثر من خمسين ألف إنسان، لأنَّه قادَ في غَزاةٍ تبوك عشرين ألفاً، ثم وفدت إليه الوقود كلها بعد ذلك، فليت شعري كم مقدار ما يتوفّر على أبي بكر وستة نفر معه ، وهم من جملة خمسين ألفاً ،بین ما إذا كان بنو هاشم وبنو المطلّب - وهم حينئذ عشرة نفر - لا يأخذون حصّة، وبيّن ما إذا كانوا يأخذون! أترى أيكون المتوفّر على أبي بكر وشهوده من التركة عشر عشر درهم! ما أظنّ أنّ يبلغ ذلك. وكم مقدار ما يقلل حصص الشهود على أبي هريرة إذا شركهم أهله في التركة، لتكون هذه القلّة موجبة رفع التهمة، وتلك الزيادة والكثرة موجبة حصول التهمة! وهذا الكلام لا أرتضيه للمرتضى. قال المرتضى رضي اللّه عنه : وأما قوله : يخص القرآن بالخبر كما خصصناه في العبد
والقاتل، فليس بشيء، لأنا إنما خصصنا مَنْ ذكر بدليل مقطوع عليه معلوم، وليس هذا موجوداً في الخبر الذي ادعاء فأما قوله : وليس ذلك ينقص الأنبياء، بل هو إجلال لهم، فمن الذي قال له : إن فيه نقصاً ! وكما أنّه لا نقص فيه فلا إجلال فيه ولا فضيلة، لأن الداعي وإن كان قد يقوّي على جمع المال ليخلف على الورثة، فقد يقوّيه أيضاً إرادة صرفه في وجوه الخير والبر، وكلا الأمرين يكون داعياً إلى تحصيل المال، بل الداعي الذي ذكرناه أقوى فيما يتعلق بالدين.
قال : وأمّا قوله : إنّ فاطمة لمّا سمعت ذلك كفت عن الطلب، فأصابت أولاً وأصابت ثانياً ، فَلَعَمري إنها كفّت عن المنازعة والمشاحة، لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة، والأمر في غضبها وسخطها أظهرُ من أن يخفى على مُنصف، فقد روى أكثر الرواة الذين لا يُتّهمون بتشيع ولا عصبية فيه من كلامها في تلك الحال، وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ما يدلّ على ما ذكرناه من سخطها وغضبها .
أخبرنا أبو عبيد اللّه محمد بن عمران المَرْزُباني قال : حدّثني محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي، قال: حدثني الزيادي، قال: حدثنا الشرقي بن القُطامي عن محمّد بن إسحاق، قال: حدثنا صالح بن كيسان عن عروة، عن عائشة، قالت: لما بلغ فاطمة إجماعُ أبي بكر على منعِها فَدَكَ لانت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في ثُمَّة من حَفَدتها . قال المرتضى وأخبرنا المرزباني قال : حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمد المكي قال : حدّثنا أبو العيناء بن القاسم اليماني قال : حدثنا ابن عائشة قال : لمّا قُبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أقبلت فاطمة إلى أبي بكر في أُمَّة من حَفَدتها. ثم اجتمعت الروايتان من تمعت الروايتان من ها هنا ... ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار ،وغيرهم فنيطت دونها ملاءة، ثم أنت أنَّةً أجهش لها القومُ بالبكاء، وارتج المجلس، ثم أمهلت هنيهة حتى إذا سكن نَشيجُ القوم وهدأت فَوْرَتهم، افتتحت كلامها بالحمد لله عزّ وجلّ والثناء عليه، والصلاة على رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ، ثم قالت :«لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ» (1)، فإن تَعزُوه تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمّي دون رجالكم، فبلغ الرسالة صادعاً بالنذارة، مائلاً عن سَنَن المشركين، ضارباً تبجهم، يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، آخذاً بأكظام المشركين، يهشم الأصنام، ويفلّق الهام حتى انهزم الجمع وولّوا الدُّبُر، وحتى تفرّى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقائق الشياطين،
1) سورة التوبة، الآية : 128 .
وتمَّت كلمة الإخلاص، وكنتم على شَفَا حفرة من النار، نهزة الطامع، ومذقة الشارب، وقبسة العجلان، وموطأ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون ،القدّ، أذلّة خاسئين، يختطفكم الناس من حولكم ، حتّى أنقذكم اللّه برسوله (صلی اللّه علیه واله) بعد اللّتيا والتي، وبعد أن مني بهم الرجال وذوبان العرب ومَرَدة أهل الكتاب ، و«كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَاهَا اللّه» (1)، أو نجم قرن الشيطان، أو فغرت فاغرة قذف أخاه في لهواتها . ولا ينكفي حتّى يطأ صماخها بإخمصه ويطفىء عادية لَهَبها بسيفه أو قالت : يخمد لهبها بحده - مكدوداً في ذات اللّه، وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون .
إلى هنا انتهى خبر أبي العيناء عن ابن عائشة. وأما عروة عن عائشة، فزاد بعد هذا حتّى إذا اختار اللّه لنبّيه دار أنبيائه، ظهرت حسيكة النفاق، وشمل جلباب الدّين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغَ خامل الآفكين وهَدَر فنيق المُبطلين، فخطر في عَرَصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، ولقربه متلاحظين. ثم استنهَضَكم فوجدكم خفافاً، وأحْمَشكم فألفاكم غضاباً ، فوَسَمتم غيرَ إبلكم، ووَرَدْتُم غيرَ شِرْبكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لما يندمل، إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة، «ألا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِن جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَفِرِينَ» (2)، فهيهات وأني بكم وأنى تؤفكون وكتاب اللّه بين أظهركم زواجره بيّنة وشواهده لائحة وأوامره واضحة أرغبةً عنه تريدون أم لغيره تحكمون ، بئس للظالمين بدلاً ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلنْ يُقْبَل مِنْهُ وهو في الآخرة من الخاسرين . ثم لم تلبثوا إلَّا رَيث أن تسكن نَفْرتها ، تُسرّون حِسْواً في ارتغاء ونحن نصب منكم على مثل حرّ المُدَى، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا «أفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللَّهِ حُكمَاَ يَقُوُمِ يُوقِنُونَ» .(3)يا بن أبي قحافة، أترث أباك ولا أرث أبي، لقد جئت شيئاً فَرّياً ! فدونكها مخطومة ،مرحولة، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم اللّه، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون ثم انكفأت إلى قبر أبيها(سلام اللّه علیها)،فقالت :
قدكان بعدَكَ أبناء وهنبثة *** لوكنت شاهدها لم تكثر الخُطب
إذا فقدناك فقد الأرض وايلها *** واختل قومك فاشهدهم ولا تَغِبِ
وَروَى حرميّ بن أبي العلاء مع هذين البيتين بيتاً ثالثاً :
فليتَ بعدك كان الموت صَادَفنا *** لما قضيت وحالت دونَكَ الكُتُبُ
قال :فحمد أبو بكر اللّه وأثنى عليه وصلى على رسوله(صلی اللّه علیه واله) وقال : يا خَيْرَ النساء، وابنة خير الآباء واللّه ما عدوّتُ رأي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولا عملتُ إلّا بإذنه، وإن الرائد لا يكذّب
أهله، وإني أشهد اللّه وكفى باللّه شهيداً، أني سمعت رسول اللّه يقول: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ، ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً، وإنما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبّوة». قال : فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب(علیه السلام) علم في ردّ فَدَك ، فقال : إني لأستحيي من اللّه أن أردّ شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر.
قال المرتضى : وأخبرنا أبو عبد اللّه المرزباني : قال : حدثني علي بن هارون، قال: أخبرني عبيد اللّه بن أحمد بن أبي طاهر عن أبيه قال : ذكرتُ لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (علیه السلام) كلام فاطمة (سلام اللّه علیها)عند منع أبي بكر إيَّاها فذكَ، وقلت له : إنَّ هؤلاء يزعمون أنه مصنوع وأنه من كلام أبي العيناء، لأن الكلام منسوق البلاغة، فقال لي: رأيت مشایخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلمونه أولادهم، وقد حدثني به أبي عن جدّي يَبْلغ به فاطمة (سلام اللّه علیها)على هذه الحكاية وقد رواه مشايخ الشيعة وتدارسوه قبل أن يوجد جد أبي العيناء، وقد حدث الحسين بن علوان، عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام.ثم قال أبو الحسن زيد: وكيف تنكرون هذا من كلام فاطمة (سلام اللّه علیها)، وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة(سلام اللّه علیها) ويحققّونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت. ثم ذكر الحديث بطوله على نسقه، وزاد في الأبيات بعد البيتين الأولين :
ضاقت عليّ بلادي بعدما رحبت *** وسِيمَ سِبْطَاكَ خسفاً فيه لي نَصَبُ
فليت قبلك كان الموتُ صادفنا *** قوم تمنّوا فأعطوا كل ما طلبوا
تجهَمَتْنا رجال واستخفّ بنا *** مذغبت عنا وكلّ الإرث قد غصبوا
قال : فما رأينا يوماً أكثر باكياً أو باكية من ذلك اليوم.
قال المرتضى: وقد روي هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة، ووجوه كثيرة، فمن أرادها أخَذَها من مواضعها فكيف يدّعي أنها (علیهم السلام) لو كفت راضية وأمسكت ،قانعة لولا البهت وقلّة الحياء ! قلت : ليس في هذا الخبر ما يدلّ على فساد ما ادّعاء قاضي القضاة، لأنه ادّعى أنّها نازعت وخاصمت ثم كفّت لما سمعت الرواية وانصرفت، تاركة للنزاع راضية بموجب الخبر المروي. وما ذكره المرتضى من هذا الكلام لا يدلّ إلّا على سخطها حال حضورها، ولا يدلُّ على أنها بعد رواية الخبر وبعد أن أقسم لها أبو بكر باللّه تعالى أنه ما روى عن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله).
ما سمعه منه، انصرفت ساخطة، ولا في الحديث المذكور والكلام المروي ما يدلّ على ذلك، ولست أعتقد أنها انصرفت راضية كما قال قاضي القضاة، بل أعلم أنها انصرفت ساخطة، وماتت وهي على أبي بكر ،واجدة ولكن لا من هذا الخبر ، بل من أخبار أخر، كان الأولى بالمرتضى أن يحتج بها على ما يرويه في انصرافها ساخطةً، وموتها على ذلك السخط، وأما هذا الخبر وهذا الكلام فلا يدلّ على هذا المطلوب.
قال المرتضى رحمه اللّه فأما قوله : إنه يجوز أن يبيّن (علیهم السلام) أنه لا حق لميراثه في ورثته لغير الورثة، ولا يمتنع أن يرد من جهة الآحاد لأنّه من باب العمل، وكل هذا بناء منه على أصوله الفاسدة في أن خبر الواحد حجّة في الشرع، وأن العمل به واجب، ودون صحة ذلك خرط القتاد، وإنّما يجوز أن يبين من جهة أخرى إذا تساويًا في الحجّة ووقوع العمل، فأما مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما ، وإذا كان ورثة النبّي(صلی اللّه علیه واله) المتعبّدين بألا يرثوه، فلا بد من إزاحة علّتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم، ويُشافههم ،به ويلقيه إلى مَنْ يقيم الحجّة عليهم بنقله، وكلّ ذلك لم يكن .
فأمّا قوله : أتجوزون صدقه في الرواية أم لا تجوزون ذلك؟ فالجواب إنا لا نجوّزه، لأنَّ كتاب اللّه أصدقُ منه، وهو يدفع روايته ويُبطلها، فأما اعتراضه على قولنا : إن إطلاق الميراث يكون إلاّ في الأموال بقوله تعالى : «ثُمَّ أَوْرَتْنَا الكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا» (1). وقولهم : ما ورثت الأبناء من الآباء شيئاً أفضل من أدب حسن، وقولهم : العلماء ورثة الأنبياء، فعجيب، لأنّ كل ما ذكر مقيّد غير مطلق، وإنّما قلنا إنّ مطلق لفظ الميراث من غير قرينة ولا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال، فبعد ما ذكره وعارض به لا يخفى على متأمّل.
فأمّا استدلاله على أن سليمان وَرّث داودَ علمه دون ماله بقوله :« يَتَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِنَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ» (2)وأن المراد أنه وَرِث العلم والفضل، وإلا لم يكن لهذا القول تعلّق بالأوّل، فليس بشيء يعوّل عليه، لأنه لا يمتنع أن يريد به أنه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا المعنى من الاستدلال فليس يجب إذا دلّت الدلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن يقتصر بها عليه، بل يجب أن يحملها على الحقيقة التي هي الأصل إذا لم يمنع ذلك مانع، على أنه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة، ثمّ يقول مع ذلك : «إِنَّا عُلْمَنَا من مَنْطِقَ الطَّيْرِ» ، ويشير ب- «الفضل المبين» إلى العِلم والمال جميعاً، فله بالأمرين جميعاً فضل على من لم يكن عليهما ، وقوله :«وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ » (3)يَحتمل المال كما يحتمل العلم، فليس بخالص ما ظنّه .
فأمّا قوله في قصّة زكريّا : إنّه خاف على العلم أن يندرس، لأن الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال، وإنّما خاف أن يضيع العلم، فسأل اللّه تعالى وليّا يقوم بالدين مقامّه فقد بينا أن الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ولا يبخلون بها، فإنهم يجتهدون في منع المفسدين من الانتفاع بها على الفساد، ولا يعد ذلك بخلاً ولا حِرْصاً، بل فضلاً ودِيناً، وليس يجوز من زكريا أن يخاف على العِلْم الاندراس والضياع، لأنه يعلم أن حكمة اللّه تعالى تقتضي حفظ العلم الذي هو الحجّة على العباد، و به تنزاح عِللهم في مصالحهم، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله !
فإن قيل : فهبوا أن الأمر كما ذكرتم من أن زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس، أليس لا بد أن يكون مجوّزاً أن يحفظه اللّه تعالى بمَنْ هو من أهله وأقاربه، كما يجوز حفظه بغريب أجنبي ! فما أنكرتم أن يكون خوفه إنّما كان من بني عمه ألا يتعلموا العلم ولا يقوموا فيه مقامه، فسأل اللّه ولداً يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته، ويتعدّى إلى غير قومه، فيلحقه بذلك وضمة ! قلنا : أما إذا رتب السؤال هذا الترتيب، فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب، وهو أن الخوف الذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني، وإنّما هو من ضررٍ دُنْياويّ، والأنبياء إنّما بُعثوا لتحمل المضار الدنياوية، ومنازلهم في الثواب إنّما زادت على كل المنازل لهذا الوجه، ومَنْ كانت حاله هذه الحال، فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولاً على مضارّ الدين؛ لأنها هي جهة خوفهم، والغرض في بعثهم تحمّل ما سواها من المضار، فإذا قال النبّي(صلی اللّه علیه واله) : «أنا خائف»، فلم يُعلم جهةً خوفه على التفصيل، يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضارّ الدين دون الدنيا، لأن أحوالهم وبعثهم يقتضي ذلك، فإذا كنا لو أعتدنا من بعضنا الزّهد في الدنيا وأسبابها، والتعفّف عن منافعها والرغبة في الآخرة، والتفرد بالعمل لها، لكنّا نحمل على ما يظهر لنا من خوفه الذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه وأليقُ بحاله، ونضيفه إلى الآخرة دون الدنيا، وإذا كان هذا واجباً فيمن ذكرناه فهو في الأنبياء(علیهم السلام) أوجب.
قلت : ينبغي ألا يقول المعترض : فيلحقه بذلك وصمة، فيجعل الخوف من هذه الوصمة، بل يقول : إنّه خاف ألا يُفْلح بنو عمّه ولا يتعلّموا العلم، لما رأى من الأمارات الدالّة على ذلك، فالخوف على هذا الترتيب بأمر ديني لا دنيوي فسأل اللّه تعالى أن يرزقه ولداً يرث عنه علمه، أي يكون عالماً بالدّينيات كما أنا عالم بها. وهذا السؤال متعلّق بأمر ديني لا دنيوي. وعلى هذا يندفع ما ذكره المرتضى على أنها لا يجوز إطلاق القول بأن الأنبياء بعثوا التحمّل المضارّ الدنياوية، ولا القول : الغرض في بعثتهم تحمّل ما سوى المضار الدينية من المضارّ،
فإنّهم ما بعثوا لذلك، ولا الغرض في بعثتهم ذلك، وإنّما بعثوا لأمر آخر. وقد تحصل المضارّ في أداء الشرع ضمناً ،وتبعاً لا على أنّه ،الغرض، ولا داخلة في الغرض، وعلى أن قول المرتضى : لا يجوز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره، لأنّه محفوظ من اللّه، فكيف يخاف ما لا يُخاف من مثله غير مستمرّ على أصوله ! لأنّ المكلفين الآن قد حُرِموا بغيبة الإمام عنده ألطافاً كثيرة الوصلة بالشرعيّات كالحدود وصلاة الجمعة ،والأعياد، وهو وأصحابه يقولون في ذلك إنّ اللّوم على المكلّفين، لأنّهم قد حرموا أنفسهم اللطف، فهلا جاز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره، وإفساد الأحكام الشرعية لأنه إنما يجب على اللّه تعالى التبليغ بالرسول إلى المكلّفين فإذا أفسدوا هم الأديان وبدلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم ،لأنهم هم الذين حَرَموا أنفسَهم اللّطف .
واعلم أنَّه قد قرى :«وَإِنِي خِفْتُ الْمَوَلَى مِن وَرَآوى» (1)، وقيل : إنّها قراءة زين العابدين وابنه محمّد بن علي الباقر(علیه السلام) وعثمان بن عفان وفَسَّروه على وجهين : أحدهما أن يكون «ورائي» بمعنى خَلْفي ،وبعدي، أي قلت الموالي وعجزوا عن إقامة الدين، تقول: قد خف بنو فلان أي قل عددهم فسأل زكريا ربّه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه .
وثانيهما أن يكون «ورائي» بمعنى قدّامي، أي خَفْ الموالي وأنا حيّ ودَرَجوا وانقرضوا، ولم يبق منهم من به اعتضاد، وعلى هذه القراءة لا يبقى متعلّق بلفظة الخوف . وقد فسّر قوم قوله: «وَإِنِي خِفْتُ الْمَوَلِي» ، أي خفتُ الذين يلونُ الأمر من بعدي، لأنّ المولى يستعمل في الوالي وجمعه موال، أي خفت أن يلي بعد موتي أمراء ورؤساء يُفسدون شيئاً من الدّين، فارزقني ولداً تُنعِم عليه بالنبوّة والعلم، كما أنعمت علي واجعل الدين محفوظاً به، وهذا التأويل غير منكر، وفيه أيضاً دفع لكلام المرتضى .
قال المرتضى : وأما تعلّق صاحب الكتاب في أن الميراث محمول على العلم بقوله: «وَبَرتُ مِنْ وَالِ يَعْقُوبَ » (2)، لأنَّه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وإنّما يرث ذلك غيره، فبعيد من الصواب، لأن ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم، على أنه لم يقل : «يرث آل يعقوب»، بل قال: «وَيَرِثُ مِنْ عَالِ يَعقُوبَ»، تنبيهاً بذلك على أنه يرث من كان أحق بميرا بميراثه في القرابة .
فأمّا طعنه على مَنْ تأوّل الخبر بأنه(علیهم السلام) لا يُورث ما تركه للصدقة بقوله : إنَّ أحداً من الصّحابة لم يتأوّله على هذا الوجه، فهذا التأويل الذي ذكرناه أحدُ ما قاله أصحابنا في هذا الخبر، فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه! وإن أحداً لم يتأوَّله على هذا الوجه. فإن قال : لو كان ذلك لظهر واشتهر ، ولوقف أبو بكر عليه، فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقة على هذا المعنى ما فيه كفاية .
قلت: لم يكن ذلك اليوم - أعني يوم حضور فاطمة(علیها سلام) ، وقولها لأبي بكر ما قالت- يوم تقيّة وخوف، وكيف يكون يوم تقيّة وهي تقول له - وهو الخليفة - يا بن أبي قحافة، أترتُ أباك ولا أرث أبي !وتقول له أيضاً : لقد جئتَ شيئاً فَرِيّاً ! فكان ينبغي إذا لم يُؤثر أمير المؤمنين(علیه السلام) أن يفسر لأبي بكر معنى الخبر أن يعلم فاطمة (سلام اللّه علیها) تفسيره، فتقول لأبي بكر: أنت غالط فيما ظننت ،إنّما قال أبي : ما تركناه صدقة، فإنّه لا يُورث. واعلم أنّ هذا التأويل كاد يكون مدفوعاً بالضرورة، لأنّ من نظر في الأحاديث التي ذكرناها وما جرت عليه الحال يعلم بطلانه علماً قطعياً . قال :المرتضى : وقوله إنّه لا يكون إذ ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزيّة : ليس بصحيح، وقد قيل في الجواب عن هذا : إنّ النبي(صلی اللّه علیه واله) يجوز أن يريد أن ما ننوي فيه الصدقة، ونفرده لها من غير أن نخرجه عن أيدينا لا تناله ورثتنا . وهذا تخصيص للأنبياء ومزية ظاهرة.
قلت: هذه مخالفة لظاهر الكلام، وإحالة اللفظ عن وضعه، وبين قوله ما ننوي فيه الصدقة، وهو بعد في ملكنا ليس بموروث ، وقوله : ما نخلّفه صدقة ليس بموروث فَرْق عظيم : فلا يجوز أن يُراد أحد المعنيين باللفظ المفيد للمعنى الآخر، لأنّه إلباس وتَعْمِية. وأيضاً، فإنّ العلماء ذكروا خصائص الرّسول في الشرعيّات عن أمّته وعدّدوها نحو حل الزيادة في النكاح على أربع ونحو النكاح بلفظ الهبة على قولِ فِرْقةٍ من المسلمين، ونحو تحريم أكل البصل والثّوم عليه ، وإباحة شرب ،دمه وغير ذلك، ولم يذكروا في خصائصه أنه إذا كان قد نوى أن يتصدق بشيء فإنه لا يناله ،ورثته، لو قدرنا أنه يورث الأموال، ولا الشيعة قبل المرتضى ذكرت ذلك، ولا رأينا في كتاب من كتبهم، وهو مسبوق بإجماع طائفته عليه، وإجماعهم عندهم حجّة.
قال :المرتضى : فأما قوله : إن قوله(علیه السلام) : ما تركناه صدقة، جملة من الكلام مستقلّة بنفسها، فصحيح إذا كانت لفظة «ما» مرفوعةً على الابتداء، ولم تكن منصوبة بوقوع الفعل عليها، وكانت لفظة «صدقة» أيضاً مرفوعة غير منصوبة، وفي هذا وقع النزاع، فكيف يدّعي أنَّها جملة مستقلة بنفسها وأقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول : الرواية جاءت بلفظ «صدقةٌ» بالرفع، وعلى ما تأوّلتموه لا تكون إلَّا ،منصوبة، والجواب عن ذلك أنا لا نسلّم الرواية بالرفع، ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب، والاشتباه يقع في مثله مثله، فمن حقَّق منهم وصرّح بالرواية بالرفع أن يكون أشتبه عليه فظنّها مرفوعة، وهي منصوبة.
قلت : وهذا أيضاً خلاف الظاهر، وفتح الباب فيه يؤدّي إلى إفساد الاحتجاج بكثير من الأخبار .
قال : وأما حكايته عن أبي علي أن أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) السيف والبغلة والعمامة على جهة الإرث، وقوله : كيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه! وكيف خصصّه بذلك هو العصبة فما نراه زاد على التعجب، ومما عجب منه عجبنا، ولم يثبت عصمة أبي بكر فينتفي عن دون العم الذي أفعاله التناقض .
قلت: لا يشك أحد في أن أبا بكر كان عاقلاً ، وإن شك قوم في ذلك فالعاقل في يوم واحد لا يدفع فاطمة (سلام اللّه علیها) عن الإرث ويقول : إن أباك قال لي : إنني لا أورث ثم يورثّ في ذلك اليوم شخصاً آخر من مال ذلك المتوفّى الَّذي حكي عنه أنه لا يورث وليس أنتفاء هذا التناقض عن أفعاله موقوفاً على العصمة، بل على العقل . قال :المرتضى : وقوله يجوز أن يكون النبي (صلی اللّه علیه واله) نَحله إيّاه وتركه أبو بكر في يده - لما في ذلك من تقوية الدين - وتصدّق ببدله ، وكلّ ما ذكره جائز، إلا أنه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها، والحجّة عليها، ولم يظهر من ذلك شيء فنعرفه، ومن العجائب أن تدعي فاطمة(سلام اللّه علیها) فَدَك نحلةً، وتستشهد على قولها أمير المؤمنين(علیه السلام) ،وغيره، فلا يُصغَى إلى قولها، ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين على سبيل النّحْلة بغير بينة ظهرت، ولا شهادة قامت ! قلت : لعلّ أبا بكر سمع الرسول(صلی اللّه علیه واله) وهو ينحلّ ذلك عليّاً(علیه السلام) ، فلذلك لم يحتج إلى البيئة والشهادة، فقد روي أنه أعطاه خاتمه وسيفه في مرضه وأبو بكر حاضر، وأما البغلة فقد كان نحَلَه إيّاها في حجّة الوداع على ما وردت به الرواية، وأما العمامة فسلّب الميّت، وكذلك
القيمص والحُجزة والحذاء، فالعادة أن يأخذ ذلك ولد الميّت، ولا ينازع فيه لأنه خارج، أو كالخارج عن التركة، فلمّا غُسل(علیهم السلام) واخذت ابنته ثيابه التي مات فيها، وهذه عادة الناس، على أنا قد ذكرنا في الفصل الأوّل كيف دفع إليه آلة النبي(صلی اللّه علیه واله) وحذاءه ودابته، والظاهر أنه فعل ذلك اجتهاداً لمصلحة رآها ، وللإمام أن يفعل ذلك.
قال المرتضى : على أنه كان يجب على أبي بكر أن يبين ذلك، ويذكر وجهه بعينه، لما نازع العباس فيه، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.
قلت: لم ينازع العبّاس في أيام أبي بكر ، لا في البغلة والعمامة ونحوها، ولا في غير ذلك، وإنّما نازع عليا في أيام عمر وقد ذكرنا كيفية المنازعة، وفي ماذا كانت .
قال المرتضى رضي اللّه عنه في البردة والقضيب : إن كان نحلةً، أو على الوجه الآخر، يجري مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهور والاستشهاد ، ولسنا نرى أصحابنا - يعني المعتزلة يطالبون أنفسهم في هذه المواضع بما يطالبوننا بمثله إذا ادعينا وجوهاً وأسباباً وعِلَلاً مجوّزة لأنهم لا يقنعون منّا بما يجوز ويمكن، بل يوجبون وفيما ندعيه الظهوّر والاستشهاد وإذا كان هذا عليهم نشوه أو تناسوه .
قلت: أما القضيب فهو السيف الذي نَحله رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عليّاً(علیه السلام) في مرضه، وليس بذي الفقار، بل هو سيفٌ ،آخر وأمّا البُردة فإنّه وهبها كعب بن زهير، ثم صار هذا السيف وهذه البرّدة إلى الخلفاء، بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ. قال المرتضى فأما قوله فإنّ أزواج النبّي(صلی اللّه علیه واله) و إنما طلبن الميراث لأنهن لم يعرفن رواية أبي بكر للخبر، وكذلك إنما نازع علي(علیه السلام) بعد موت فاطمة (سلام اللّه علیها) في الميراث لهذا الوجه ،
فمن أقبح ما يقال في هذا الباب وأبعده عن الصواب !وكيف لا يعرف أمير المؤمنين(علیه السلام) رواية أبي بكر، وبها دفعت زوجته عن الميراث ! وهل مثل ذلك المقام الذي قامته، وما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد، فضلاً عمّن هو في المدينة حاضر شاهد يُراعي الأخبار، ويعنى بها ! إن هذا لخروج في المكابرة عن الحدّا وكيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرّة بعد أخرى، ويكون عثمان الرسول لهنّ والمطالب عنهنّ، وعثمان على زعمهم أحد من شهد أن النبي(صلی اللّه علیه واله) لا يُورث، وقد سمعن على كل حال أن بنت النبي(صلی اللّه علیه واله) لم تورّث، ماله ولا بد أن يكن قد سألن عن السبب في دفعها، فذكر لهنّ الخبر، فكيف يقال : إنهن لم يعرفنه !
قلت: الصحيح أن أمير المؤمنين(علیه السلام) لم ينازع بعد موت فاطمة في الميراث، وإنما نازع في الولاية لقدك وغيرها من صدقات رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وجرى بينه وبين العباس في ذلك ما هو مشهور، وأما أزواج النبي(صلی اللّه علیه واله) و فما ثبت أنهن نازعن في ميراثه ،ولا أن عثمان كان المرسل لهنّ، والمطالب عنهنّ ،إلا في رواية شاذّة، والأزواج لما عرفن أن فاطمة (سلام اللّه علیه) قد دفعت عن الميراث أمسكن، ولم يكن قد نازعن، وإنّما اكتفين بغيرهنّ، وحديث فَدَك وحضور فاطمة عند أبي بكر كان بعد عشرة أيّام من وفاة رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، والصحيح أنه لم ينطق أحد بعد ذلك من النّاس من ذكر أو أنثى بعد عودِ فاطمة (سلام اللّه علیها)من ذلك المجلس بكلمة واحدة في الميراث. قال المرتضى : فإن قيل : فإذا كان أبو بكر قد حكم بالخطأ في دفع فاطمة (سلام اللّه علیه)عن الميراث، وأحتجّ بخبر لا حجّة فيه، فما بال الأمّة أقرته على هذا الحكم، ولم تُنكر عليه، وفي رضاها وإمساكها دليل على صوابه !
قلتُ : قد مضى أنّ ترك النكير لا يكون دليل الرضا إلا في هذا الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرّضا، وذكرنا في ذلك قولاً شافياً، وقد أجاب أبو عثمان الجاحظ في كتاب «لعباسيّة»عن هذا السؤال جواباً حسن المعنى واللفظ نحن نذكره على وجهه ليقابلَ بيّنه وبين كلامه في العثمانية وغيرها . قلت: ما كناه المرتضى رحمه اللّه في غير هذا الموضع أصلاً، بل كان ساخطاً عليه، وكناه في هذا الموضع، وأستجاد ،قوله، لأنّه موافق غرضه، فسبحان اللّه، ما أشدّ حبّ النّاس لعقائدهم !
قال : قال أبو عثمان : وقد زعم أناس أنّ الدليل على صدق خبرهما - يعني أبا بكر وعمر في منع الميراث وبراءة ساحتهما، ترك أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) النكير عليهما .
ثم قال : قد يقال لهم :لئن كان ترك النكيردليلاً على صدقهما، ليكونن ترك النكير على المتظلمين والمحتجّين عليهما، والمطالبين لهما ، دليلاً على صدق دعواهم أو أستحسان مقالتهم، ولاسيما وقد طالت المناجاة، وكثرت المراجعة والملاحاة، وظهرت الشكيّة، واشتدّت المَوْجِدة. وقد بلغ ذلك من فاطمة(سلام اللّه علیه) ، حتى أنها أوصت الا يصلّي عليها أبو بكر، عليكم ولقد كانت قالت له حين أنته طالبة بحقّها، ومحتجّة لرهطها : مَنْ يرتك يا أبا بكر إذا متّ؟قال: أهلي وولدي، قالت : فما بالنا لا نَرث النبي(صلی اللّه علیه واله) !يا فلمّا منعها ميراثها وبخسها حقّها وأعتلّ عليها وجلح في أمرها، وعاينت التهضّم، وأيست من التورّع، ووجدت نشوة الضّعف وقلّة الناصر، قالت: واللّه لادعونّ اللّه عليك، قال : واللّه لادعونّ اللّه لك، قالت: واللّه لا أكلمك أبداً ، قال : واللّه لا أهجرك أبداً. فإن يكن تركُ النّكير على أبي بكر دليلاً على صواب منعها، إنّ من ترك النكير على فاطمة(سلام اللّه علیها) دليلاً على صواب طلبها ! وأدنى ما كان يجب عليهم
في ذلك تعريفها ما جهلت ،وتذكيرها ما نسيت ،وصرفها عن الخطأ ورفع قدرها عن البذاء ،وأن تقول مُجْراً، أو تجوّر عادلاً، أو تقطع واصلاً ، فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعاً فقد تكافأت الأمور، واستوت الأسباب ،والرجوع إلى أصل حكم اللّه من المواريث أولى بنا وبكم، وأوجب علينا وعليكم.
قال : فإن قالوا : كيف تظنّ به ظلمها والتعدّي عليها ! وكلّما ازدادت عليه غلظّة ازداد لها ليناً ورّقة، حيث تقول له : واللّه لا أكلمك أبداً، فيقول: واللّه لا أهجرك أبداً، ثم تقول : واللّه لادعون اللّه عليك، فيقول : واللّه لأدعون لكِ، ثم يحتمل منها هذا الكلام الغليظ، والقول الشديد في دار الخلافة، وبحضرة قريش والصحابة، مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنّزيه، وما يجب لها من الرفعة والهيبة! ثم لم يمنعه ذلك أن قال معتذراً متقرّباً ، كلام المعظّم لحقّها، المُكير لمقامها، والصائن لوجهها ،المتحنّن عليها : ما أحدٌ أعزّ عليّ منك فقراً، ولا أحبّ إلي منك غنّى، ولكنّي سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) له يقول: «إنا معاشر الأنبياء لا نُورَث، ما تركناه فهو صدقة» (1)قيل لهم : ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم، والسلامة من الجور، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريباً، وللخصومة معتاداً، أن يُظهر كلام المظلوم، وذلّة المنتصف وحَدَب الوامق، ومقّة المحّق، وكيف جعلتم ترك النكير حجّة قاطعة ودلالة واضحة، وقد زعمتم أن عمر قال على قال على منبره متعتان كانتا على عهد رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) : متعة النساء، ومتعة الحّج، أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما، فما وجدتم أحداً أنكر قوله ولا استشنَع مخرج نهيه، ولا خطأه في معناه، ولا تعجّب منه، ولا استفهمه! وكيف تقضون بترك النكير وقد شهد عمرُ يومَ السَّقيفة وبعد ذلك أن النبّي( صلى اللّه عليه واله) قال: «الأئمة من قريش» (2)، ثم قال شكاته : لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك، حين أظهر الشك في استحقاق كل واحد الستة الذين جعلهم شُورَى ،وسالم عبد لامرأة من الأنصار، وهي أعتقّته، وحازت ميراثه، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر، ولا قابل إنسان بين ،قوله ولا تعجّب منه، وإنّما يكون ترك النكير على مَنْ لا رغبة ولا رهبة عنده دليلاً على صدق قوله، وصواب ،عمله فأما ترك النكير على من يملك الضّعة والرّفعة، والأمر والنهي ،والقتل والاستحياء والحبس والإطلاق، فليس بحجة تشفي ولا دلالة تضيء. قال : وقال :آخرون بل الدليل على صدق قولهما، وصواب ،عملهما، إمساك الصحابة عن
خَلعهما، والخروج عليهما، وهم الذين وَثَبوا على عثمان في أيسر من جَحْد التنزيل، وردّ النصوص، ولو كان كما تقولون وما تصفون، ما كان سبيل الأمّة فيهما إلا كسبيلهم فيه، وعثمان كان أعزّ نفراً، وأشرف رهطاً، وأكثر عدداً وثروة، وأقوى عُدّة.
قلنا : إنّهما لم يجحدا التنزيل، ولم ينكرا النصوص، ولكنّهما بعد إقراراهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة ادعيا روايةً، وتحدّثا بحديث لم يكن محالاً كونه، ولا ممتنعاً في حجج العقول مجيثه، وشهد لهما عليه من علته مثل علّتهما، فيه . ولعلّ بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذا كان عَدْلاً في رَهْطه، مأموناً في ظاهره، ولم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة، ولا جرتْ عليه غَدْرة، فيكون تصديقه له على جهة حُسن الظنّ ،وتعديل الشاهد، ولأنه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج، والذي يقطع بشهادته على الغيب، وكان ذلك شبهة على أكثرهم، فلذلك قلّ النكير وتواكل الناس، فاشتبه الأمر ، فصار لا يُتخلّص إلى معرفة حق ذلك من باطله إلا العالم المتقدّم، أو المؤيّد المرشد، ولأنه لم يكن لعثمان في صدور العوام وقلوب السفلة والطَّعام ما كان لهما من المحبة والهيبة ،ولأنّهما كانا أقل استثثاراً بالفيء، وتفضّلاً بمال اللّه منه، ومن شأن الناس إهمال السلطان ما وفّر عليهم أموالهم، ولم يستأثر بخراجهم، ولم يعطل ثغورهم. ولأن الذي صنع أبو بكر من منع العثرة حقّها، والعمومة ميراثها، قد كان موافقاً لجلة قريش وكبراء العرب، ولأن عثمان أيضاً كان مضعوفاً في نفسه، مستخفّاً بقدره، لا يمنع ضَيْماً، ولا يقمع عدوّاً، ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف والتشنيع والنكير، لأمور لو أتى للّه أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترؤوا على أغتيابه، فضلاً على مبادأته والإغراء به ومواجهته،كما أغلظ عُيينةُ بن حضن له فقال له : أما إنه لوكان عمر لقمَعَك ومَنعك ، فقال عيينة : إن عمركان خيراً لي منك أرهبني فائقاني .
ثم قال : والعجب أنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد يردكلّ صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب إسناداً ، وأصح رجالاً، وأحسن اتصالاً، حتى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي (صلی اللّه علیه واله)نسخوا الكتاب، وخصّوا الخبر العامّ بما لا يداني بعض ما ردّوه، وأكذبوا قائليه ،وذلك أن كلّ إنسان منهم إنما يجري إلى هواه، ويصدق ما وافق رضاه. هذا آخر كلام الجاحظ .
قال المرتضى رضي اللّه عنه : فإن قيل : ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير، وقوله : كما لم ينكروا على أبي بكر، فلم ينكروا أيضاً على فاطمة (سلام اللّه علیه)ولا على غيرها من الطالبين بالإرث، كالأزواج وغيرهن معارضة صحيحة، وذلك أن نكير أبي بكر
لذلك، ودفعها والاحتجاج عليها ، يكفيهم ويغنيهم عن تكلّف نكير آخر، ولم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره . قلنا : أوّل ما يُبطل هذا السؤال أن أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد احتجاجها من التظلم والتألّم، والتعفيف والتبكيت ،وقولها على ما رُوي : واللّه لأدعون اللّه عليك، ولا أكلمك أبداً، وما جرى هذا المجرى، فقد كان يجب أن ينكره غيره ،ومن المنكر الغضب على المنصف ،وبعد، فإن كان إنكار أبي بكر مقنعاً ومغنياً عن إنكار غيره من المسلمين فإنكار فاطمة حكمه، ومقامها على التظلم منه معن عن نكير غيرها، وهذا واضح.
نذكر في هذا الفصل ما حكاه المرتضى عن قاضي القضاة في (المغني)، وما أعترض به عليه ،ثم نذكر ما عندنا في ذلك . قال المرتضى حاكياً عن قاضي القضاة: وممّا عظمت الشيعة القول في أمر فَدَك، قالوا : وقد روى أبو سعيد الخُدْري أنه لما أنزلتُ : «وَمَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَر» ،(1)أعطى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فاطمة (سلام اللّه علیه) فَدَك .(2)ثم فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك، فردّها على ولدها . قالوا : ولا شك أن أبا بكر أغضبها، إن لم يصح كلّ الذي رُويَ في هذا الباب، وقد كان الأجمل أن يمنعهم التكرّم ممّا ارتكبوا منها فضلاً عن الدّين، ثم ذكروا أنها استشهدت أمير المؤمنين(علیه السلام) وأم أيمن، فلم يقبل شهادتهما، هذا مع تركه أزواج النبي(صلی اللّه علیه واله) في حجرهنّ، ولم يجعلها صدقةً، وصدقهنّ في ذلك أنّ ذلك لهنّ ولم يصدّقها .
قال : والجواب عن ذلك أن أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح، ولسنا ننكر صحة ما روي من ادّعائها فَدَك، فأما أنّها كانت في يدها فغير مسلم، بل إن كانت في يدها لكان الظاهر أنها لها، فإذا كانت في جملة التركة فالظاهر أنها ميراث، وإذا كان كذلك فغير جائز لأبي بكر قبول دعواها ، لأنه لا خلاف في أن العمل على الدعوى لا يجوز، وإنما يعمل على مثل ذلك إذا علمت صحته بمشاهدة ،أو ما جرى مجراها، أو حصلت بيّنة أو إقرار، ثم إن البينة لا بدّ
منها، وإن أمير المؤمنين(علیه السلام) لما خاصمه اليهودي حاكمه، وأنّ أمّ سلمة التي يطبق على فضلها لو ادعت نَحْلاً ما قُبِلَتْ دعواها .
ثم قال : ولو كان أمير المؤمنين(علیه السلام) وهو الوالي، ولم يعلم صحة هذه الدعوى، ما الذي كان يجب أن يعمل ؟ فإن قلتم : يقبل الدعوى، فالشرع بخلاف ذلك، وإن قلتم : يلتمس البينة، فهو الذي فعله أبو بكر . ثم قال: وأما قول أبي بكر : رجل مع الرجل وامرأة مع المرأة، فهو الذي يوجبه الدّين ، ولم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين (علیه السلام)، بل الرواية المنقولة أنه شهد لها مولى الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) مع أمّ أيمن.
قال : وليس لأحد أن يقول : فلماذا ادعت ولا بيّنةً معها؟ لأنه لا يمتنع أن تجوز أن يحكم أبوبكر بالشاهد واليمين أو تجوّز عند شهادة من شهد لها أن تذكر غيره فيشهد وهذا هو الموجب على ملتمس الحق، ولا عيب عليها في ذلك، ولا على أبي بكر في التماس البيّنة ،وإن لم يحكم لها لما لم يتم ولم يكن لها خصم لأن التركة صدقة على ما ذكرنا، وكان لا يمكن أن يعوّل في ذلك على يمين أو نكول، ولم يكن في الأمر إلا ما فعله. قال : وقد أنكر أبو علي ما قاله السائل من أنّها لما رُدّت في دعوى النحلة ادّعته إرثاً ، وقال : بل كان طَلَبُ الإرث قبل ذلك، فلما سمعت منه الخبر كفت وادعت النّحلة.
قال : فأما فعل عمر بن عبد العزيز فلم يثبت أنه ردّه على سبيل النحلة، بل عمل في ذلك ما عمله عمر بن الخطاب بأن أقره في يد أمير المؤمنين(علیه السلام) ليصرف غلاتها في المواضع التي كان يجعلها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فيه، فقام بذلك مدة، ثم ردّها إلى عمر في آخر سنته، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، ولو ثبت أنه فعل بخلاف ما فعل السلف لكان هو المحجوج بفعلهم وقولهم. وأحد ما يقوّي ما ذكرناه أن الأمر لما انتهى إلى أمير المؤمنين (علیه السلام)ترك فَدَك على ما كان، ولم يجعله ميراثاً لولد فاطمة، وهذا يبيّن أن الشاهد كان غيره، لأنه لو كان هو الشاهد لكان الأقرب أن يحكم بعلمه، على أن الناس اختلفوا في الهبة إذا لم تقبض، فعند بعضهم تستحق بالعقد، وعند بعضهم أنها إذا لم تقبض يصير وجودها كعدمها فلا يمتنع من من هذا الوجه أن يمتنع أمير المؤمنين(علیه السلام) من ردّها ، وإن صحّ عنده عقد الهیة، وهذا هو الظاهر، التسليم لو كان وقع لظهر أنه كان في يدها، ولكان ذلك كافياً في الاستحقاق، فأما حُجر أزواج النبي فإنما تركت في أيديهن لأنها كانت لهنّ ونصّ الكتاب يشهد بذلك، وقوله : «وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ » .(1)ورُوي في الأخبار أن النبي (صلی اللّه علیه واله)قسم ما كان له من الحُجَر على نسائه وبناته .
1) سورة الأحزاب، الآية : 33
ويبّين صحة ذلك أنه لو كان ميراثاً أو صدقة لكان أمير المؤمنين(علیه السلام) لمّا أفضى الأمر إليه يغيّره. قال : وليس لأحد أن يقول : إنما لم يغيّر ذلك لأنّ الملك قد صار له، فتبّرع به، وذلك أن الذي يحصل له ليس إلا ربع ميراث فاطمة(سلام اللّه علیه) ، وهو الثمن من ميراث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، فقد كان يجب أن ينتصف لأولاد العباس وأولاد فاطمة منهن في باب الحجر، ويأخذ هذا الحق منهنّ، فتركه ذلك يدلّ على صحّة ما قلناه وليس يمكنهم بعد ذلك إلا التعلق بالتقيّة، وقد سبق الكلام فيها .
قال : ومما يذكرونه أن فاطمة (سلام اللّه علیه) لغضبها على أبي بكر وعمر أوصت ألا يصليا عليها، وأن تُدفن سرًا منهما، فدفنت ليلاً، وهذا كما ادعوا رواية روؤها عن جعفر بن محمد(علیه السلام) وغيره، أن عمر ضرب فاطمة (سلام اللّه علیه) بالسوط، وضرب الزبير بالسيف، وأن عمر قصد منزلها وفيه علي (علیه السلام) والزبير والمقداد وجماعة ممن تخلف عن أبي بكر وهم مجتمعون هناك، فقال لها: ما أحد بعد أبيك أحب إلينا منك ،وايمُ اللّه لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقن عليهم ! فمنعت القوم من الاجتماع.
قال : ونحن لا نصدق هذه الروايات ولا نجوّزها . وأمّا أمر الصلاة فقد رُوي أنّ أبا بكر هو الذي صلّى على فاطمة (سلام اللّه علیه)، وكبّر عليها أربعاً، وهذا أحد ما استدل به كثير من الفقهاء في التكبير على الميت، ولا يصحّ أيضاً أنها دفنت ليلاً، وإن صحّ ذلك فقد دفن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ليلاً ، ودَفَن عمر ابنه ليلاً، وقد كان أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يدفنون بالنهار ويدفنون بالليل، فما في هذا مما يطعن به، بل الأقرب في النّساء أن دفنهنّ ليلاً أستَر وأولى بالسنة.
ثم حكّى عن أبي علي تكذيب ما رُوي من الضرب بالسوط ،قال والمروي عن جعفر بن
محمد(صلی اللّه علیه واله) أنه كان يتولاهما، ويأتي القبر فيسلم عليهما مع تسليمه على رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)روى ذلك عباد بن صهيب، وشعبة بن الحجاج ،ومهدي بن هلال، والدراوردي، وغيرهم، وقد روي عن أبيه محمد بن علي(علیه السلام) وعن علي بن الحسين مثل ذلك، فكيف يصحّ ما ادعوها ! وهل هذه الرواية إلا كروايتهم على أن علي بن أبي طالب (علیه السلام)هو إسرافيل والحسن ميكائيل والحسين جبرائيل وفاطمة ملك الموت، وآمنة أم النبي (صلی اللّه علیه واله) ليلة القدر ليلة القدر! (1)! فإن صدّقوا ذلك أيضاً قيل لهم : فعمر بن الخطاب كيف يقدر على ضرب ملك الموت! وإن قالوا : لا نصدّق ذلك، فقد جوّزوا ردّ هذه الروايات، وصح أنه لا يجوز التعويل على هذا الخبر وإنما يتعلق بذلك مَنْ غرضه الإلحاد كالورّاق وابن الراوندي، لأن غرضهم القدح في الإسلام.
1) لم نسمع بهذه الرواية ولا قرأناها لأحد الآن.
وحكي عن أبي عليّ أنه قال : ولم صار غضبها إن ثبت كأنه غضب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من حيث قال: «فمن أغضبها فقد أغضبني» (1)، أولى من أن يقال : فمن أغضب أبا بكر وعمر فقد نافق وفارق الدين، لأنه رُوي عنه(علیه السلام) قال :«حب أبي بكر وعمر إيمان، وبعضُهما نفاق»! ومن يورد مثل هذا فقصده الطعن في الإسلام، وأن يتوهم الناس أن أصحاب النبي(صلی اللّه علیه واله) النافقوا مشاهدة الأعلام ليُضعفوا دلالة العلم في النفوس .
قال : وأما حديث الإحراق فلو صح لم يكن طعناً على عمر، لأن له أن يهدّد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين لكنه غير ثابت ،انتهى كلام قاضي القضاة. قال المرتضى : نحن نبتدىء فندل على أن فاطمة (سلام اللّه علیه) ما ادّعت من نخل فَدَك إلا ما كانت عليه مصيبة فيه، وأن مانعها ومطالبها بالبيّنة متعنّت، عادل عن الصواب، لأنها لا تحتاج إلى شهادة وبيّنة، ثم نعطف على ما ذكره على التفصيل فنتكلم عليه .
أما الذي يدلّ على ما ذكرناه فهو أنها كانت معصومة من الغلط، مأموناً منها فعل القبيح، ومَن هذه صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة وبيّنة .
فإن قيل : دللوا على الأمرين، قلنا: بيان الأوّل قوله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكم الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُظْهِرَكُز تطهيرا » (2)والآية تتناول جماعة منهم فاطمة (سلام اللّه علیه)بما تواترت الأخبار في ذلك، والإرادة ها هنا دلالة على وقوع الفعل للمراد. وأيضاً فيدل على ذلك قوله : «فاطمة بضعة منّي، مَنْ آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللّه عزّ وجل» (3)
وهذا يدلّ على عصمتها ، لأنها لو كانت ممن تقارف الذنوب لم يكن مَنْ يؤذيها مؤذياً له على كل حال، بل كان متى فعل المستحق من ذمّها أو إقامة الحدّ عليها ، إن كان الفعل يقتضيه ساراً له ومطيعاً، على أنا لا نحتاج أن ننتبه في هذا الموضع على الدّلالة على عصمتها، بل يكفي في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعّته، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين، لأن أحداً لا يشكّ أنّها لم تدع ما ادعته كاذبة، وليس بعد ألا تكون كاذبة إلَّا أن تكون صادقة، وإنّما اختلفوا في هل يجب مع العلم بصدقها تسليم ما ادّعته يغير بينّة أم لا يجب ذلك؟ قال : الذي
1) أخرجه البخاري، كتاب المناقب باب مناقب قرابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) (3714)، ونحوه مسلم، :کتاب فضائل الصحابة، باب : فضل فاطمة (2449) ، وأبو داود، كتاب النكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء (2071) ،وابن ماجه ،كتاب النكاح، باب : الغيرة(1998).
2) سورة الأحزاب الآية : 33.
3) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 353/30
وليس لهم أن يقولوا : إنّها أخبار آحاد، لأنّها وإن كانت كذلك، فأقل أحوالها أن توجب الظنّ ، وتَمنَع من القطع على خلاف معناها. وليس لهم أن يقولوا:كيف يسلّم إليها فَدَك وهو يَروِي عن الرسول أن ما خلفه صدقة، وذلك لأنه لا تنافي بين الأمرين، لأنه إنما سلّمها على ما وردت به الرواية على سبيل النّحل ، فلما وقعت المطالبة بالميراث روى الخبر في معنى الميراث، فلا أختلاف بين الأمرين.
فأما إنكار صاحب الكتاب لكون فَدَك في ايدها، فما رأيناه أعتمد في إنكار ذلك على حجّة، بل قال : لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنها لها. والأمر على ما قال، فمن أين أنه لم يخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهرُ خلافه! وقد رُوي من طرق مختلفة غير طريق أبي سعيد الذي
ذكره صاحبُ الكتاب أنّه لمّا نزل قوله تعالى: «وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ» (1)دعا النبي (صلی اللّه علیه واله)فأعطاها فَدَك ! وإذا كان ذلك مرويًّا فلا معنى لدفعه بغير حجّة . وقوله : لا خلاف أنّ العمل على الدّعوى لا يجوز، صحيح، وقد بينا أن قولها كان معلوماً صحّته، وإنّما قوله : إنما يعمل على ذلك متى علم صحته بشهادة أو ما يجري مجراها ، أو حصلت بينة أو إقرار، فيقال له : إمّا علمت بمشاهدة فلم يكن هناك، وإما بينة فقد كانت على الحقيقة، لأن شهادة أمير المؤمنين (علی السلام)من أكبر البينات وأعدلها ، ولكن على مذهبك أنه لم تكن هناك بيّنة، فمن أين زعمت أنّه لم يكن هناك عِلْم! وإن لم يكن عن مشاهدة فقد أدخلت ذلك في جملة الأقسام.
فإن قال : لأن قولها بمجرده لا يكون جهةً للعلم، قيل له: لم قلت ذلك؟ أو ليس قد دللّنا على أنها معصومة، وأن الخطأ مأمون عليها ! ثم لو لم يكن كذلك لكان قولها في تلك القضيّة معلوماً صحته على كل حال، لأنها لو لم تكن مصيبة لكانت مبطلة عاصية فيما ادّعته، إذ الشبّهة لا تدخل في مثله، وقد أجمعت الأمة على أنها لم يظهر منها بعد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) معصية بلا شك وارتياب، بل أجمعوا على أنها لم تدع إلا الصحيح، وإن اختلفوا، فمن قائل يقول : مانِعُها مخطىء، وآخر يقول : هو أيضاً مصيب، لفقد البينة وإن علم صدقها . وأما قوله : إنّه لو حاكم غيره لطولب بالبيّنة، فقد تقدّم في هذا المعنى ما يكفي، وقصّة خزيمة بن ثابت وقبول شهادته تبطل هذا الكلام. وأمّا قوله : إن أمير المؤمنين(علیه السلام) حاكم يهوديًا على الوجه الواجب في سائر الناس، فقد رُوي ذلك، إلَّا أن أمير المؤمنين لم يفعل من ذلك ما كان يجب عليه أن يفعله، وإنما تبرّع به، وأستظهر بإقامة الحجّة فيه، وقد أخطأ من طالبه ببّينة كائناً من كان فأما اعتراضه بأمّ سَلَمة فلم
1) سورة الإسراء، الآية: 26 .
يثبت من عصمتها ما ثبت من عصمة فاطمة(سلام اللّه علیه) ، فلذلك احتاجت في دعواها إلى بيّنة. فأما إنكاره وأدعاؤه أنّه لم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين فلم يزد في ذلك إلا مجرد الدعوى والإنكار، والأخبار مستفيضة بأنه (علیه السلام) شهد لها، فدفع ذلك بالزيغ لا يُغني شيئاً! وقوله : إنّ الشاهد لها مولّى لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) هو المنكر الذي ليس بمعروف.
وأما قوله : إنّها جوزت أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين فطريف، مع قوله فيما بعد : «إن التركة صدقة، ولا خصم فيها»، فتدخل اليمين في مثلها، أفترى أن فاطمة لم تكن تعلم من الشريعة هذا المقدار الذي نبّه صاحب الكتاب عليه ! ولو لم تعلمه ما كان أمير المؤمنين (علیه السلام)وهو أعلم الناس بالشريعة يوافقها عليه .
وقوله : إنّها جوّزت عند شهادة مَنْ شهد لها أن يتذكّر غيرهم فيشهد باطل، لأنّ مِثْلها لا يتعرّض للظنّة والتهمة، ويعرّض قوله للردّ، وقد كان يجب أن تعلم مَنْ يشهد لها ممن لا يشهد حتى تكون دعواها على الوجه الذي يجب معه القبول والإمضاء، ومَنْ هو دونها في الرتبة والجلالة والصيانة من أفناء الناس لا يتعرّض لمثل هذه الخطة ويتورّطها، للتجويز الذي لا أصل له ولا أمارة عليه . فأما إنكار أبي عليّ لأن يكون النَّحْل قبل ادعاء الميراث وعكسه الأمر فيه، فأول ما فيه أنا لا نعرف له غرَضاً صحيحاً في إنكار ذلك، لأن كون أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحح له مذهباً ، فلا يُفسد على مخالفه مذهباً .
ثم إنّ الأمر في أن الكلام في النَّحْل كان المتقدّم ظاهراً، والروايات كلها به واردة، وكيف يجوز أن تبتدىء بطلب الميراث فيما تدعيه بعينه نَحْلاً! أو ليس هذا يوجب أن تكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقه منه مع الاختيار! وكيف يجوز ذلك والميراثُ يَشرَكها فيه غيرها ، والنخل تنفرد به ! ولا ينقلب مثل ذلك علينا من حيث طالبت بالميراث بعد النحل، لأنها في الابتداء طالبتْ بالنَّحْل ، وهو الوجه الذي تستحق فَدَك منه، فلما دفعت عنه طالبت ضرورةً بالميراث، لأن للمدفوع عن حقه أن يتوصل إلى تناوله بكل وجه وسبب، وهذا بخلاف قول أبي عليّ، لأنه أضاف إليها ادعاء الحق من وجه لا تستحقه منه، وهي مختارة.
وأما إنكاره أن يكون عمر بن عبد العزيز ردَّ فَدَك على وجه النحل، وادّعاؤه أنه فعل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب من إقرارها في يد أمير المؤمنين(علیه السلام) ، ليصرف غلاتها في وجوهها، فأوّل ما فيه أنا لا نحتجّ عليه بفعل عمر بن عبد العزيز على أي وجه وقع، لأن فعله ليس بحجة، ولو أردنا الاحتجاج بهذا الجنس من الحجج لذكرنا فعل المأمون، فإنه ردّ فَدَك بعد أن جلس مجلساً مشهوراً حكم فيه بين خَضمين نصبهما ، أحدهما لفاطمة، والآخر لأبي بكر، وردّها بعد قيام الحُجّة ووضوح الأمر.
ومع ذلك فإنه قد أنكر من فعل عمر بن عبد العزيز ما هو معروف مشهور بلا خلاف بين أهل النقل فيه ، وقد رَوَى محمد بن زكريا الغلابي عن شيوخه، عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان ،قال : لما ولي عمر بن عبد العزيز ردَّ فَدَك على ولد فاطمة، وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك، فكتب إليه : إنّ فاطمة قد ولدت في آل عثمان، وآل فلان وفلان، فعلى من أردّ منهم؟ فكتب إليه : أما بعد فإني لو كتبت إليك أمرك أن تذبح شاة لكتبت إلي: أجماء أم قَرْناء؟ أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني : ما لونها؟ فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة (سلام اللّه علیه )من علي(علیه السلام) ، والسلام.
قال أبو المقدام: فنقمت بنو أميّة ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه، وقالوا له : هجنتَ فعل الشيخين، وخرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة، فلما عاتبوه على فعله قال : إنكم جهلتم وعلمتُ، ونسيتم وذكرتُ، إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدّثني عن أبيه عن جده أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قال : «فاطمة بضعة مني يسخطها ما يسخطني، ويُرضيني ما أرضاها» (1)، وإن فَدَك كان صافية على عهد أبي بكر وعمر، ثم صار أمرها إلى مروان، فوهبها لعبد العزيز أبي، فورثتها أنا وإخوتي عنه ، فسألتُهم أن يبيعوني حصته فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها، فمن بائع وواهب، حتى استجمعت لي فرأيتُ أن أردّها على ولد فاطمة. قالوا : فإن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل، واقسم الغلة، ففعل.
وأما ما ذكره من ترك أمير المؤمنين (علیه السلام)فدك لما أفضى الأمر إليه، واستدلاله بذلك على أنه لم يكن الشاهد فيها، فالوجه في تركه (علیه السلام)ردّ فَدَك هو الوجه في إقراره أحكام القوم وكفه عن نقضها وتغييرها، وقد بينا ذلك فيما سبق، وذكرنا أنه كان في انتهاء الأمر إليه في بقيّة من التقيّة قويّة .
فأمّا استدلاله على أن حجر أزواج النبي(صلی اللّه علیه واله)كانت لهنَّ بقوله تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُويَكُن » (2)، فمن عجيب ،الاستدلال، لأنَّ هذه الإضافة لا تقتضي الملك، بل العادة جاريةٌ فيها أن تستعمل من جهة السكني، ولهذا يقال : هذا بيتُ فلان ،ومسكنه ولا يراد بذلك الملك، وقد قال تعالى :« لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَیِنَه»،(3)ولا شبهة في أنه تعالى أراد منازل الرجال التي يسكنون فيها زوجاتهم، ولم يُرِد بهذه الإضافة الملك . فأما ما رواه من أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قسم حجره على نسائه وبناته، فمن أين له إذا كان الخبر صحيحاً أنَّ هذه القسمة على وجه التمليك دون الإسكان والإنزال! ولو كان قد ملكهّن ذلك لوجب أن يكون ظاهراً مشهوراً.
فأما الوجه في ترك أمير المؤمنين لما صار الأمر إليه في يده منازعة الأزواج في هذه الحجر فهو ما تقدم وتكرّر .
وأمّا قوله : إنَّ أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة وكبر أربعاً، وإن كثيراً من الفقهاء يستدلون به في التكبير على الميت - وهو شيء ما سُمِع إلَّا منه، وإن كان تلقاه منه، وإن كان تلقاه عن غيره - فممّن يجري مجراه في العصبية، وإلا فالروايات المشهورة وكتب الآثار والسير خالية من ذلك، ولم يختلف أهل النقل في أن علياً (علیه السلام) هو الذي صلى على فاطمة، إلا رواية نادرة شاذة وردت بأن العباس رحمه اللّه صلى عليها .
وروى الواقدي بإسناده في تاريخه، عن الزهري قال: سألت ابن عباس: متی دفنتم فاطمة (سلام اللّه علیه)؟ قال : دفناها بليل بعد هَذاة، قال : قلت : فمن صلى عليها؟ قال : علي . وروى الطبري عن الحارث بن أبي أسامة، عن المدائني، عن أبي زكريا العجلاني أن فاطمة (سلام اللّه علیه واله)عمل لها نعش قبل وفاتها، فنظرت إليه، فقالت : سترتُموني متركما اللّه ! قال أبو جعفر محمد بن جرير : والثبت في ذلك أنها زينب، لأن فاطمة دفنت ليلاً، ولم يحضرها إلا عليّ والعبّاس والمقداد والزبير .
ورَوَى القاضي أبو بكر أحمد بن كامل بإسناده في تاريخه ،عن الزهري، قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن فاطمة عاشت بعد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ستة أشهر، فلما توفيت دفنها علي ليلاً، وصلى عليها، وذكر في كتابه هذا أنَّ عليَّاً والحسن والحسين(علیهم السلام) دفنوها ليلاً، وغيبوا قبرها .
وروی سفيان بن عيينة ،عن عمرو بن عبيد ،عن الحسن بن محمد بن الحنفيّة أن فاطمة دفنت ليلاً. وروى عبد اللّه بن شيبة، عن يحيى بن سعيد القطان ،عن معمر، عن الزهري مثل ذلك . وقال البلاذُرِيّ في تاريخه : إن فاطمة(سلام اللّه علیه) لم تر متبسمة بعد وفاة النبي (صلی اللّه علیه واله)، ولم يعلم أبو بكر وعمر بموتها .
والأمر في هذا أوضح وأشهر من أن نطلب في الاستشهاد عليه، ونذكر الروايات فيه . فأما قوله : ولا يصح أنها دفنت ليلاً ،وإن صح فقد دفن فلان وفلان ليلاً، فقد بينا أن دفنها ليلاً في الصحّة أظهر من الشمس، وأن منكر ذلك كالدافع للمشاهدات، ولم يجعل دفنها ليلاً بمجرده هو الحُجّة ليقال : لقد دفن فلان وفلان ليلاً، بل يقع الاحتجاج بذلك على ما وردت به الروايات المستفيضة الظاهرة التي هي كالتواتر، أنها أوصت بأن تدفن ليلاً الرجلان عليها، وصرّحت بذلك وعهدت فيه عهداً بعد أن كانا استأذنا عليها في مَرَضها
ليعوداها، فأبت أن تأذن لهما ، فلما طالت عليهما المدافعة رَغِبا إلى أمير المؤمنين(علیه السلام) في أن يستأذن لهما، وجعلاها حاجة إليه، وكلمها(علیه السلام) في ذلك، وألح عليها ، فأذنت لهما في الدخول، ثم أعرضت عنهما عند دخولهما ولم تكلّمهما ، فلما خرجا قالت لأمير المؤمنين(علیه السلام) : هل صنعت ما أردت؟ قال نعم ،قالت :فهل أنت صانع ما آمرك به؟ قال عالم نعم، قالت: فإنّي أنشدك اللّه ألا يُصلِّيا على جنازتي، ولا يقوما على قبري!
أنّه عَفّى قبرها وعلّم عليه، ورش أربعين قبراً في البقيع، ولم يرش قبرها حتى لا يُهتدى إليه، وأنهما عاتباه على ترك إعلامهما بشأنها، وإحضارهما الصلاة عليها، فمن ها هنا احتججنا بالدفن ليلاً، ولو كان ليس غير الدفن بالليل من غير ما تقدّم عليه وما تأخّر عنه، لم يكن فيه حجّة .
وأمّا حكايته عن أبي علي إنكار ضرب الرجل لها. وقوله : إن جعفر بن محمد وأباه وجدّه كانوا يتولّونهما، فكيف لا ينكر أبو علّي ذلك، وأعتقاده فيهما اعتقاده! وقد كنّا نظّن أنّ مخالفينا يقتنعون أن يَنسِبُوا إلى أئمتنا الكف عن القوم، والإمساك، وما ظننا أنهم يحملون أنفسهم على أن ينسبوا إليهم الثناء والولاء، وقد علم كلّ أحد أن أصحاب هؤلاء السادة المختصين بهم، قد رووا عنهم ضدّ ما روى شعبة بن الحجّاج وفلان وفلان وقولهم : هما أوّل ظلمنا حقّنا، وحمل الناس على رقابنا، وقولهم : إنّهما أصفيا بإنائنا، وأضطجعا بسبلنا، من وجلسا مجلساً نحن أحق به منهما ،إلى غير ذلك من فنون التظلّم والشكاية، وهو طويل متّسع، و من أراد استقصاء ذلك فلينظر في «كتاب المعرفة» لأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي، فإنه قد ذكر عن رجل من أهل البيت بالأسانيد النيّرة ما لا زيادة عليه، ثم لو صحّ ما ذكره شعبة لجاز أن يُحمل على التقيّة. وأمّا ذكره إسرافيل وميكائيل، فما كنا نظنّ أنّ مثله يذكر ذلك، وهذا من أقوال الغُلاة الذين
ضلوا في أمير المؤمنين(علیه السلام) وأهل البيت، وليسوا من الشيعة ولا من المسلمين، فأيّ . علينا فيما يقولونه ! ثم إن جماعة من مخالفينا قد غَلَوا في أبي بكر وعمر، ورووا روايات مختلفة فيهما تجري مجرى ما ذكره في الشناعة، ولا يلزم العقلاء وذَوِي الألباب من المخالفين عيب من ذلك . وأمّا معارضة ما رُوي في فاطمة (سلام اللّه علیه)بما رُوي في:«أن حبّهما إيمان، وبغضهما نفاق»، فالخبر الذي رويناه مُجمع عليه، والخبر الآخر مطعون فيه، فكيف يعارض ذلك بهذا ! وأما قوله : إنّما قصد من يورد هذه الأخبار تضعيف دلالة الأعلام في النفوس، من حيث أضاف النفاق إلى من شاهدها، فتشنيعّ في غير موضعه، وأستناد إلى ما لا يُجدي نفعاً، لأن من شاهد الأعلام لا يضعفها ولا يُوهن دليلها . ولا يقدح في كونها حجّة، لأنّ الأعلام ليست
ملجئة إلى العلم ولا موجبة لحصوله على كلّ حال، وإنّما تثمر العلم لمن أمعن النّظر فيها من الوجه الذي تدلّ منه، فَمَنْ عَدل عن ذلك لسوء أختياره لا يكون عدوله مؤثراً في دلالتها ، فكم قد عدل من العقلاء وذوي الأحلام الراجحة والألباب الصحيحة عن تأمل هذه الأعلام وإصابة الحق منها ! ولم يكن ذلك عندنا وعند صاحب الكتاب قادحاً في دلالة الأعلام،على أنَّ هذا القول يُوجب أن ينفي الشّك والنفاق عن كل من صحب النبّي(صلی اللّه علیه واله) وعاصره وشاهد أعلامه كأبي سفيان وابنه، وعمرو بن العاص ،وفلان وفلان ،ممّن قد اشتهر نفاقهم وظهر شكهم في الدين وارتيابهم باتفاق بيننا وبينه، وإن كانت إضافة النّفاق إلى هؤلاء لا تقدح في دلالةالأعلام، فكذلك القول في غيرهم.
فأما قوله: إن حديث الإحراق لم يصح، ولو صحّ، لساغ لعمر مثل ذلك، فقد بينا أن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة. وقوله : إنه يسوغ مثل ذلك، فكيف يسوغ إحراق بيت علي وفاطمة ( علیهم السلام)! وهل في ذلك عُذر يصغَى إليه أو يسمع ! وإنما يكون علي وأصحابه خارقين للإجماع ومخالفين للمسلمين، لو كان الإجماع قد تقرّر وثبت ،وليس بمتقرّر ولا ثابت مع خلاف علي وحده، فضلاً عن أن يوافقه على ذلك غيره، وبعد، فلا فرق بين أن يُهدّد بالإحراق لهذه العلّة، وبين أن يضرب فاطمة (سلام اللّه علیه) المثلها ، فإن إحراق المنازل أعظم من ضرب سوط أو سوطين، فلا وجه لامتعاض المخالف من حديث الضّرب إذا كان عنده مثل هذا الاعتذار!
قلت : أما الكلام في عضمة فاطمة (سلام اللّه علیه)ال فهو بفنّ الكلام أشبه، وللقول فيه موضع غيرهذا .
وأما قول المرتضى : إذا كانت صادقة لم يبق حاجةٌ إلى مَنْ يشهد لها، فلقائل أن يقول: لم قلت ذلك؟ ولم زعمت أن الحاجة إلى البيئة إنّما كانت لزيادة غَلَبة الظّن؟ ولم لا يجوز أن يكون اللّه تعالى يُعبّد بالبيّنة لمصلحة يعلمها ، وإن كان المدعي لا يكذّب ! أليس قد تعبّد اللّه تعالى بالعدّة في العجوز التي قد أيست من الحمل، وإن كان أصل وضعها لاستبراء الرحم! وأما قصّة خزيمة بن ثابت، فيجوز أن يكون اللّه تعالى قد علم أن مصلحة المكلّفين في تلك الصورة أن يكتفي بدعوى النبّي(صلی اللّه علیه واله) وحدها، ويستغنى فيها عن الشهادة. ولا يمتنع أن يكون غير تلك الصورة مخالفاً لها، وإن كان المدعي لا يكذّب. ويبين ذلك أن مذهب المرتضى جواز ظهور خوارق العادات على أيدي الأئمة والصالحين، ولو قدرنا أن واحداً من أهل الصلاح والخير ادعى دعوى وقال بحضرة جماعة من الناس من جملتهم القاضي : اللهّم إن
كنتُ صادقاً فأظهر عليّ معجزة خارقة للعادة، فظهرت عليه، لعلمنا أنه صادق ، ومع ذلك لا تقبل دعواه إلا ببيّنة. وسألت علي بن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد ،فقلت له : أكانت فاطمة صادقة؟ قال نعم، قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فَدَك وهي عنده صادقة؟ فتبسم، ثم قال كلاماً : مستحسناً مع ناموسه وحُرمته وقلّة دعابته، قال : لو أعطاها اليوم فَدَك بمجرد دعواها لجاءت إليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء، لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود، وهذا كلام صحيح، وإن كان أخرجه مخرج الدعابة والهزّل .
فأما قول قاضي القضاة: لو كانت في يدها لكان الظاهر أنها لها، واعتراض المرتضى عليه بقوله : إنه لم يعتمد في إنكار ذلك على حجّة، بل قال : لو كانت في يدها لكان الظاهر أنّها لها، والأمر على ما قال، فمن أين أنّها لم تخرج عن يدها على وجه ! كما أن الظاهر يقتضي خلافه، فإنه لم يُجب عما ذكره قاضي القضاة، لأن معنى قوله : إنها لو كانت في يدها، أي متصرّفة فيها لكانت اليد حجّة في الملكية، لأن اليدّ والتصرّف حجة لا محالة، فلو كانت في يدها تتصرّف فيها وفي ارتفاقها كما يتصرّف الناس في ضياعهم وأملاكهم لما احتاجت إلى الاحتجاج بآية الميراث ولا بِدَعْوى النحل، لأن اليد حجّة، فهلا قالت لأبي بكر : هذه الأرض في يدي ،ولا يجوز انتزاعها منّي إلا بحجّة ! وحينئذ كان يسقط احتجاج أبي بكر بقوله :« نحن معاشر الأنبياء لا نورث»، لأنها ما تكون قد ادعتها ميراثاً ليحتج عليها بالخبر. وخبر أبي سعيد في قوله:«فأعطاها فَدَك»، يدل على الهبة لا على القبض والتصرّف، ولأنه يقال: أعطاني فلان كذا فلم أقبضه، ولوكان الإعطاء هو القبض والتصرّف لكان هذا الكلام متناقضاً .
فأما تعجّب المرتضى من قول أبي علي : إن دعوى الإرث كانت متقدمة على دعوَى النَّحْل ، وقوله : إنا لا نعرف له غرضاً في ذلك، فإنه لا يصّح له بذلك مذهب، ولا يبطل على مخالفيه مذهب، فإن المرتضى لم يقف على مراد الشيخ أبي عليّ في ذلك، وهذا شيء يرجع إلى أصول الفقه، فإنّ أصحابنا استدلوا على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بإجماع الصحابة، لأنهم أجمعوا على تخصيص قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ» (1)برواية أبي بكر عن النبي (صلى اللّه عليه واله) :«لا نورث» ما تركاه صدقة ،(2)قالوا : والصحيح في الخبر أن فاطمة(سلام اللّه علیه) ال طالبت بعد ذلك بالنّحل لا بالميراث، فلهذا قال الشيخ أبو علي : إن دعوى الميراث تقدّمت على دَعْوَى النَّحْل ، وذلك لأنه ثبت أنّ فاطمة انصرفت عن ذلك المجلس غير راضية ولا موافقة
لابي بكر، فلوكانت «دعوى الإرث متأخرة»، وانصرفت عن سخط لم يثبت الإجماع على الكتاب بخبر الواحد، أما إذا كانت دعوى الإرث متقدمة فلما روي لها الخبر أمسكت وانتقلت إلى النزاع من جهة أخرى، فإنه يصح حينئذ الاستدلال بالإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد .
فأمّا أنا فإنّ الأخبار عندي متعارضة ، يدلّ بعضها على أن دعوى الإرث متأخّرة، ويدلّ بعضها على أنها متقدّمة، وأنا في هذا الموضع متوقّف. وما ذكره المرتضى من أن الحال تقتضي أن تكون البداية بدعوى النّخل فصحيح، وأما إخفاء القبر وكتمان الموت وعدم الصلاة وكل ما ذكره المرتضى فيه فهو الذي يظهر ويقوى عندي، لأن الروايات به أكثر وأصح من غيرها، وكذلك القول في موجدتها وغضبها، فأما المنقول عن رجال أهل البيت فإنه يختلف ،فتارة وتارة، وعلى كل حال فميل أهل البيت إلى ما فيه نصرة أبيهم وبيتهم . وقد أخلّ قاضي القضاة بلفظة حكاها عن الشيعة فلم يتكلّم عليها وهي لفظة جيدة . قال : قد و
كان الأجمل أن يمنعهم التكرّم مما ارتكبا منها فضلاً عن الدّين. وهذا الكلام لا جواب عنه، ولقد كان التكرّم ورعاية حق رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و حفظ عهده يقتضي أن تعوّض ابنته بشيء يرضيها . إن لم يستنزل المسلمون عن فدك وتُسلم إليها تطييباً لقلبها . وقد يسوغ للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه، وقد بعد العهد الآن بيننا وبينهم، ولا نعلم حقيقة ما كان، وإلى اللّه ترجع الأمور.
الأصل: وَلَوْ شِئْتُ لاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَنِّى هَذَا الْعَسَلِ، وَلْبَابِ هَذَا الْقَمْح ، وَنَسَائِجِ هَذَا الْقَزْ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيْرِ الْأَطْعِمَةِ – وَلَعَلَّ - بِالحِجَازِ أَوْ بِالْيَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ ، وَلا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَعِ - أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْتَى، وَأَكْبَاد حَرَّى ، أَوْ أَكُونَ كَمَا قالَ الْقَائِلُ : وَحَسْبُكَ عَاراً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ *** وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ أَأَقْنَعْ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلا أَشَارِكَهُمْ فهي مَكارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةً لَهُمْ فهي جُشُويَةِ الْعَيْشِ فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ، شُغْلُهَا تقسُّمُها تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا ، أَوْ أُتْرَكَ ، سُدًى ، أَوْ أَهْمَلَ عَابِنَا ، أَوْ أَجْرٌ حَبْلَ الضَّلالةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ !
الشرح: قد روي : لو شئت لاهتديت إلى هذا العسل المصفّى ، ولباب هذا البرّ المنقّى، فضربت هذا بذاك، حتى ينضج وقوداً، ويستحكم معقوداً».
وروي: «ولعل بالمدينة يتيماً ترباً يتضوّر سغباً، البيت مِبطاناً، وحولي بطون غَرْثى، إذن يحضرني يوم القيامة، وهم من ذكر وأنثى». وروي : «بطونُ غَرْثى» بإضافة «بطون» إلى «غرثى». والقمح: الحنطة. والجشع: أشد الحرّص. والمبطان الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الأكل. فأما المبطن: فالضامر البطن، وأمّا البطين، فالعظيم البطن لا من الأكل، وأما البطن، فهو الذي لا يهّمه إلا بطّنه، وأما المبطون فالعليل البَطْن .وبطون غرثى: جائعة . والبطّنة : الكظّة، وذلك أن يمتلىء الإنسان من الطعام امتلاء شديداً، وكان يقال: ينبغي للإنسان أن يجعل وعاء بطنه أثلاثاً : فثلثّ للطعام، وثلث للشراب ،وثلث للنَّفَس.
والتقمّم : أكل الشاة ما بين يدّيها بمقمّتها أي بشفتها، وكل ذي ظّلف كالثور وغيره فهو ذومقمّة. وتكترش من أعلافها : تملأ كرشها من العَلَف. قوله : «أو أجر حبل الضلالة» منصوب بالعطف على «يشغلني»، وكذلك «أترك» ويقال : أجررتُه رَسَنَه إذا أهملته. والاعتساف : السلوك في غير طريق واضح. والمتاهة : الأرض يتاه فيها أي يتحيّر . وفي قوله : «لوشئت لاهتديت» شَبَةٌ من قول عمر : لو نشاء لملأنا هذه الرّحاب من صَلائق
وصناب، وقد ذكرناه فيما تقدّم.
وهذا البيت من أبيات منسوبة إلى حاتم بن عبد اللّه الطائي الجواد، وأولها :
أيا ابنة عبد اللّه وابنة مالك ***ويا ابنة ذي الجدين والفرس الوَرْدِ
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له*** أكيلاً فإنّي لستُ أكله وحدِي
قصيّاً بعيداً أو قريباً فإنني *** أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
كفى بك عاراً أن تبيت ببطنَةٍ *** وحولك أكباد تحن إلى القد (1)
وإني لعبد الضعيف ما دام نازلاً*** وما من خلالي غيرها شيمة العبد
الأصل: وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ : إِذَا كَانَ هَذَا قُوتَ ابْنِ أَبي طَالِبٍ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ وَمُنَازَلَةِ الشَّجْمَانِ. أَلا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَانِعَ الخَضِرَةَ
1) القدّ : القطع المستأصل والشق طولاً. اللسان، مادة (قدد).
اَرَقُ جُلُوداً، وَالنَّابِتَاتِ العِلْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً، وَأَبْطَأُ خُمُوداً .
وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللّه كالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ، وَالذَّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ، وَالله لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا ، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا ، وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أَطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ، وَالْجِسْمِ الْمَرْكُوسِ، حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ.
الشرح :الشجرّة البرّيّة: التي تنبت في البرّ الذي لا ماء فيه، فهي أصلب عوداً من الشجرة التي تنبت في الأرض الندّية، وإليه وقعت الإشارة بقوله :«والروائع الخضرة أرق جلوداً». ثم قال:«والنابتات العِذْيَة» التي تنبت عِذياً، والعِذْي، بسكون الذال : الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر، وهو يكون أقل أخذاً من الماء من النبت سقياً ، قال (علیه السلام): إنها تكون أقوى وقوداً مما يشرب الماء السائح أو ماء الناضح، وأبطأ خموداً، وذلك لصلابة جرمها .
ثم قال :«وأنا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) كالضوء من الضوء، والذراع من العضد»، وذلك لأن الضوء الأول يكون علة في الضوء الثاني، ألا ترى أن الهواء المقابل للشمس يصير مضيئاً من الشمس ! فهذا الضّوء هو الضوء الأول.
ثم إنه يقابل وجه الأرض فيضيء وجه الأرض منه، فالضوء الذي على وجه جه الأرض هو الضوء الثاني، وما دام الضوء الأول ضعيفاً فالضوء الثاني ضعيف، فإذا ازداد الجو إضاءة ،ازداد وجه الأرض إضاءة، لأن المعلول يتبع العلّة، فشبّه(علیه السلام) نفسه بالضوء الثاني، وشبّه رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) بالضّوء الأوّل ، وشبه منبع الأضواء والأنوار سبحانه وجلت أسماؤه بالشمس التي توجب الضوء الأوّل ثم الضّوء الأول يوجب الضوء الثاني. وها هنا نكتة، وهي أن الضوء الثاني يكون أيضاً علة لضوء ثالث، وذلك أن الضَّوْء الحاصل على وجه الأرض - وهو الضوء الثاني - إذا أشرق على جدار مقابل ذلك الجدار قريباً منه مكان مظلم، فإنّ ذلك المكان يصير مضيئاً بعد أن كان مظلماً، وإن كان لذلك المكان المظلم ،باب وكان داخل البيت مقابل ذلك الباب جدار كان ذلك الجدار أشدّ إضاءة من باقي البيت، ثم ذلك الجدار إن كان فيه ثُقب إلى موضع آخر كان ما يحاذي ذلك البيت أشدّ إضاءة مما حواليه، وهكذا لا تزال الأضواء يوجب بعضها بعضاً على وجه الانعكاس بطريق العلّيّة، وبشرط المقابلة، ولا تزال تضعف درجة درجة إلى أن تضمحلّ ويعود الأمر إلى الظلمة، وهكذا عالم العلوم، والحكم المأخوذة من أميرالمؤمنين (علیه السلام) تزال تضعف كما انتقلت من قوم إلى قوم إلى أن يعود الإسلام غريباً كما بدأ بموجب الخبر النبوي الوارد في الصحاح.
وأما قوله :« والذراع من العَضُد» فلأنّ الذراع فرع على العَضُد، والعضد أصل، ألا ترى أنه لا يمكن أن يكون ذراع إلا إذا كان عضد، ويمكن أن يكون عضد لا ذراع له، ولهذا قال الراجز لولده : یا یگر بگرین ويا خلب الكبد ***أصبحت مني كذراع من عَضُد
فشبّه:(علیه السلام) بالنسبّة إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و بالذراع الذي العضد أصله وأسه والمراد من هذا التشبيه الإبانة عن شدة الامتزاج والاتحاد والقرب بينهما، فإن الضوء الثاني شبيه بالضوء الأول، والذراع متصل بالعَضُد اتصالاً بيّناً، وهذه المنزلة قد أعطاه إياها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) مقامات كثيرة نحو قوله في قصة براءة :«قد أمرت أن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل منّي» (1)وقوله :«لتنتهن يا بني وليعة، أو لأ بعثن إليكم رجلاً مني » (2)، أو قال: «عديل نفسي» (3)، وقد سمّاء الكتاب العزيز «نفسه» فقال:« وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ» (4)، وقد قال له : «لحمك مختلط بلحمي، ودمك مشوط بدمي، وشبرك وشبري واحد». فإن قلت: أما قوله : «لو تظاهرت العرب علي لما وليت عنها»، فمعلوم فما الفائدة في قوله :«ولو أمكنت الفرصة من رقابها لسارعت إليها» ؟وهل هذا مما يفخر به الرؤساء ويعدونه منقبة ، وإنما المنقبة أن لو أمكنته الفرصة تجاوز وعفا !
قلت: غرضه أن يقرّر في نفوس أصحابه وغيرهم من العرب أنه يحارب على حق، وأن حربه لأهل الشام كالجهاد أيام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وأن من يجاهد الكفار يجب عليه أن يُغلظ عليهم، ويستأصل شأفتهم، ألا ترى أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) لما جاهد بين قريظة وظفر لم يبق ولم يغف، وحصد في يوم واحد رقاب ألف إنسان صَبراً في مقام واحد، لما علم في ذلك من إعزاز الدين وإذلال المشركين فالعفو له مقام والانتقام له مقام.
قوله :« وسأجهد في أن أطهر الأرض»، الإشارة في هذا إلى معاوية، سمّاه شخصاً معكوساً، وجسماً مركوساً، والمراد انعكاس عقيدته، وأنها ليست عقيدة هدى، بل هي معاكسة للحق والصواب، وسمّاه مركوساً من قولهم: ارتكس في الضلال، والركس رد الشيء مقلوباً، قال تعالى: «وَاللّه أَرْكَهُم بِمَا كَسَبوا» (5)أي قلبهم وردهم إلى كفرهم، فلما كان تاركاً للفطرة ) التي كلُّ مولود يولد عليها كان مرتكساً في ضلاله، وأصحاب التناسخ يفسّرون هذا بتفسير
آخر، قالوا : الحيوان على ضربين : منتصب ومنحن، فالمنتصب الإنسان، والمنحني ما كان رأسه منكوساً إلى جهة الأرض كالبهائم والسباع . قالوا: وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله: «أَفَمَن يَمْشِي مُكِباً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطِ المُستَقِيِم» .(1)
:قالوا فأصحاب الشقاوة تنتقل أنفسهم عند الموت إلى الحيوان المكبوب، وأصحاب السعادة تنتقل أنفسهم إلى الحيوان المنتصب ،ولما كان معاوية عنده(علیه السلام) من أهل الشقاوة ،سماه معكوساً ومركوساً رمزاً إلى هذا المعنى .
قوله :«حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد»، أي حتى يتطهرّ الدين وأهله منه وذلك لأن الزراع يجتهدون في إخراج المدر والحجر والشؤك والعوسج ونحو ذلك من بين الزرع كي تفسد منابته. فيفسد الحب الذي يخرج منه ، فشبّه معاوية بالمدر ونحوه من مُفْسِدات الحب ،وشبّه الدين بالحَبّ الذي هو ثمرة الزرع .
الأصل : إِلَيْكِ عَنِّي يا دُنْيا ، فَحَبْلُكِ على غارِيكِ، قد انْسَلَلْتُ مِنْ مَخالِبِك، واخْلَتْ مِنْ حَبائِلِكِ، وَاجْتَنَبتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ. اَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ! أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ! فَهَا هُمْ رَمَائِنُ الْقُبُورِ، وَمَضَامِينُ اللحود. واللّه لَوُ كُنتِ شخصاً مَرْيباً، وَقَالَباً حِسْيَّاً، لأقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِي، وَأُمَمِ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَادِي، وَمُلُوكِ أَسْلَمْنِهِمْ إِلَى التَّلَفِ، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلاءِ، إِذْ لا وِرْدَ وَلا صَدَرَ! هَيْهَاتَ !مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ فَرِقَ، وَمَنِ ازْوَرَّ عَنْ حَبائِلِكِ وُفِّقَ، وَالسَّالِمُ مِنْكِ لا يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ، وَالدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ انْسِلَاخُهُ.
الشرح: إليك عنّي أي ابعدي، وحبلك على غاربك، كناية من كنايات الطلاق، أي اذهبي حيث شئت، لأن الناقة إذا أُلقي حبلها على غاربها فقد فسح لها أن ترعى حيث شاءت ، وتذهب أين شاءت، لأنه إنما يردّها زمامها ، فإذا أُلقي حبلها على غاربها فقد أهملت.
1) سورة الملك، الآية: 220
والغارب : ما بين السَّنَام والعُنق والمداحض: المزالق .
وقيل : إن في النسخة التي بخط الرضي رضي اللّه عنه «غررتيهم» بالياء، وكذلك «فتنتيهم»، «وألقيتيهم»، و«أسلمتيهم»، و«أوردتيهم»، والأحسن حذف الياء، وإذا كانت الرواية وردت بها فهي من إشباع الكسرة كقوله : ألم يأتيك والأنباء تنمي *** بما فعلت لَبُونُ بني زيادِ
ومضامين اللحود ،أي الذين تضمنتهم، وفي الحديث نهى عن بيع المضامين والملاقيح، وهي ما في أصلاب الفحول وبطون الإناث .
ثم قال : لوكنتِ أيتها الدنيا إنساناً محسوساً ، كالواحد من البَشَر ، لأقمتُ عليك الحد كما فعلت بالناس. ثم شرح أفعالها فقال: منهم مَنْ غررت، ومنهم من ألقيت في مهاوي الضلال والكفر، ومنهم من أتلفت وأهلكت. ثم قال : ومن وطىء تخضك زلق ،مكان دخض أي مزلة .
ثم قال : لا يبالي من سلم منك إن ضاق مناخه، لا يبالي بالفقر، ولا بالمرض ولا بالحبوس والسجون وغير ذلك من أنواع المحنا لأن هذا كله حقير لا اعتداد به في جنب السلامة من فتنة الدنيا. قال والدنيا عند من قد سلم منها كيوم قرب انقضاؤه وفناؤه.
الأصل: اعْزُبي عَنِّي ! فَوَاللّه لا أَذِلُّ لَكِ فتستذليني، وَلا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي. وَايْمُ اللّه يَمِيناً أَسْتَتْني فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللّه لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةٌ تَهَشُ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مظعوماً، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْح مَأدُوماً، وَلَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا، مُسْتَفْرِفَةٌ دُمُوعَهَا ، أَتَمْتَلِي السَّائِمَةُ مِنْ رِعْبِهَا فَتَبرُكَ، وَتَشْبَعُ الرِّيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ، وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعُ !قَرَّتْ إِذا عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيّة ! طُوبَى لنَفْسِ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا ،بُؤسَهَا وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غَمْضَهَا ، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَها ، وَتَوَسَّدَتْ كَفَّها . في مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ، وَتَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ، وَهَمْهَمَتْ
بذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمُ ، وَتَقَطَّعَتْ بِطُولِ اسْتغفارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ،« أَوَلَيْكَ حِزْبُ اللّه أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (1)فاتَّقِ اللّه يَا بَنَ حُنَيْفٍ ولتَكَفُفْ أَقْرَاصُك، ليَكُونَ مِنَ النَّار خلاصك.
الشرح: اعزبي : ابعدي ، يقال عَزب الرجل بالفتح، أي بعد . و أسكس لك بفتح اللام، أي لا انقاد لك، سلس الرجل بالكسر يسلس فهو بّين السّلس، أي سهل قياده.
ثم حلف، واستثنى بالمشيئة أدباً كما أدب اللّه تعالى رسوله (صلی اللّه علیه واله)ليروضنّ نفسه أي يدّربها بالجوع، والجوع هو أصل الرياضة عند الحكماء وأرباب الطريقة. قال:« حتى أهش إلى القُرْص»، أي إلى الرغيف وأقنع من الإدام بالملح ،ونضب معينها : فني ماؤها . ثم أنكر على نفسه فقال : أتشبع السائمة من رغيها - بكسر الراء - وهو الكلأ - والربيضة جماعة من الغنم أو البقر تربض في أماكنها وأنا أيضاً مثلها أشبع وأنام ! لقدقرت عيني إذاًحيث أشابه البهائم بعد الجهاد والسبق والعبادة والعلم والجد في السنين المتطاولة قوله :« وعركت بجنبها بؤسها» ، أي صبرت على بؤسها، والمشقة التي تنالها . يقال: قد ،عرك فلان بجنبه الأذى أي أغضى عنه، وصبر عليه . قوله: «افترشت أرضها» أي لم يكن لها فراش إلا الأرض. «وتوسّدت كفّها»، لم يكن لها وسادة إلا الكّف.«وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم»لفظ الكتاب العزيز «تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع » (2). وهمهمت: تكلمت كلاماً خفياً. وتقشعت ذنوبهم : زالت وذهبت كما يتقشع السحاب. قوله :« ولتكفف أقراصك» ، إنما هو نهي لابن حنيف أن يكف عن الأقراص، وإن كان اللفظ يقتضي أن تكف الأقراص عن ابن حنيف. وقد رواها قوم بالنصب، قالوا :«فاتق اللّه يا ابن حنيف ولتكفف أقراصك، لترجو بها من الناس خلاصك»، والتاء ها هنا للأمر عوض الياء، وهي لغة لا بأس بها، وقد قيل : إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قرأ :« فَذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا » (3)، بالتاء . تم الجزء السادس عشر من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
الفهرس
الموضوع
الجزء الخامس عشر
القول في أسماء الذين تعاقدوا من قريش على قتل رسول اللّه وما أصابوه به في
المعركة يوم الحرب ..... 5
القول في الملائكة هل نزلت بأحد وقاتلت أم لا ؟ .... 9
القول في مقتل حمزة بن عبد المطلب (علیه السلام) .... 10
القول فيمن ثبت مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم أحد .... 14
القول فيما جرى للمسلمين بعد إصعادهم في الجبل....18
القول فيما جرى للمشركين بعد انصرافهم إلى مكة .... 30
القول في مقتل أبي عزة الجُمحي ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس....31
القول في مقتل المجذر ابن زياد البلوي والحارث بن يزيد بن الصامت....33
القول فيمن مات من المسلمين بأحد جملة....36
القول فيمن قتل من المشركين بأحد ....35
القول في خروج النبي (صلی اللّه علیه واله)وبعد انصرافه من أحد إلى المشركين ليوقع بهم على ما هو به من الوَهَن....37
الفصل الخامس في شرح غزاة مؤتة نذكرها من كتاب الواقدي ونزيد على ذلك ما رواه
محمد بن إسحاق في كتابه على عادتنا فيما تقدّم ....40
في مناقب جعفر الطيار....47
10 - ومن كتاب له(علیه السلام) إلى معاوية أيضاً ....51
11 - ومن وصية له (علیه السلام) وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو....57
12 - ومن وصية له (علیه السلام) وصى بها معقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له....59
أقوال في الحروب ....61
ومن كتاب له(علیه السلام) إلى أميرين من أمراء جيشه ....63
أقوال لبعض القادة ....65
14 - ومن وصية له(علیه السلام) العسكره بصفين قبل لقاء العدوّ....66
نبذ من الأقوال الحكيمة ....67
قصة فيروز بن يزدجرد بن بهرام ....68
15 - وكان (علیه السلام) يقول إذا لقي العدو محارباً ....71
16 - وكان (علیه السلام) يقول لأصحابه عند الحرب ....72
أقوال أخر في الحرب ....73
17-ومن كتاب له (علیه السلام) إلى معاوية جواباً عن كتاب منه إليه ....74
ما حدث بين علي ومعاوية يوم صفين ....76
18 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى عبد اللّه بن عباس وهو عامله على البصرة....79
بنو تميم وفضائلهم ...80
19 - ومن كتاب له(علیه السلام) إلى بعض عماله ....86
20 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى زياد ابن أبيه وهو خليفة عامله عبد الله ابن عباس على البصرة وعبد الله عامل أمير المؤمنين يومئذٍ عليها وعَلَى كُوّر الأهواز وفارس وكِرْمَان
وغيرها ....87
21 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى زياد أيضاً.....87
22 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى عبد اللّه بن العباس رحمه اللّه تعالى وكان ابن عبّاس يقول ما انتفعتُ بكلام بعد كلام رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) كانتفاعي بهذا الكلام....88
23 - ومن كلام له(علیه السلام) قاله قبل موته على سبيل الوصيّة لما ضَرَبه ابن ملجم لعنه اللّه ....90
24 - ومن وصية له (علیه السلام) بما يعلم في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين ....91
25 - ومن وصية له (علیه السلام) كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات وإنما ذكرنا هنا جُمَلاً منها ليُعلم بها أنّه (علیه السلام) كان يقيم عماد الحق ويشرع أمثلةَ العَذل في صغير الأمور وكبيرها
ودقيقها وجَليلها....)94
26- ومن عهد له (علیه السلام) إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة ....98
27 -ومن عهد له (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكرله (علیه السلام)حين قلده مصر....101
28 - ومن كتاب له(علیه السلام) إلى معاوية جواباً ، وهو من محاسن الكتب ....113
رسالة معاوية إلى علي (علیه السلام) ....115
مناكحات بين بني هاشم وبني عبد شمس ....122
فضل بني هاشم على بني عبد شمس ....124
من مفاخر بني أمية ....163
الجواب عما فخرت به بنو أمية....171
الجزء السادس عشر
29 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى أهل البصرة ....191
30 - ومن كتاب له(علیه السلام) إلى معاوية ....192
31 - ومن وصيته للحسن كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين....193
شعر الشعراء في الدهر ....223
في وصف الدنيا وفناء الخلق ....246
أقوال الشعراء في الغيرة ....270
اعتزاز الفرزدق بنفسه وقومه ....271
وفود الوليد بن جابر على معاوية ....272
32 - ومن كتاب له(علیه السلام) إلى معاوية....273
الكتب المتبادلة بين علي (علیه السلام) ومعاوية ....274
33 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة....276
من أخبار قثم بن العباس ....277
34 - ومن كتاب له (علیه السلام) : إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر،ثم توفي الأشتر في توجهه إلى هناك قبل وصوله إليها....278
35 - ومن كتاب له(علیه السلام) إلى عبدالله بن العباس بعدمقتل محمدبن أبي بكر....280
36 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى أخيه عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء، وهو جواب كتاب كتبه إليه عقيل ....282
37 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى معاوية إلى معاوية ....285
38 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى أهل مصر لما ولى عليهم الأشتر....286
-39- ومن كتاب له(علیه السلام) إلى عمرو بن العاص ....289
40 - ومن كتاب له(علیه السلام) إلى بعض عماله ....292
41 - ومن كتاب له(علیه السلام) إلى بعض عماله ....293
42 - ومن كتاب له(علیه السلام) إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي وكان عامله على البحرين، فعزله واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي مكانه ....297
43 - ومن كتاب له (علیه السلام) إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وكان عامله على أردشيرخرّة ....298
44 - ومن كتاب (علیه السلام) إلى زياد ابن أبيه وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريدخديعته باستلحاقه ....299
أخبار زياد ابن أبيه ....301
205 - من كتاب له (علیه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري - وكان عامله على البصرة، وقد بلغه أنه دُعِيَ إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها.... 316
الفصل الأول: فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم....319
الفصل الثاني: في النظر في أن النبي (صلی اللّه علیه واله) هل يُورث أم لا؟ .... 337
الفصل الثالث: في أن فَدَك هل صحّ كونها نخلة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الفاطمة أم لا؟ ....357