ghaemiyeh.com
الكاظمين الغيظ الأمانة العامة للعتبة الكاظمية المقدسة
شرح نهج البلاغة
ابن أبي الجديد
14 -13
محرر الرقمي: زهرا شريفي گرم درّه
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1428ه- 2007م
دار الكتاب العريق
دام الكِتاب العربي
بغداد - شارع المنيني
تلفون : 4154561 - 7901419375
لطباعة وان تير و السرية بروت، السنات
خليوي : 02/946161 - 115125 کرد . تلفاكس : 7276408
http://www.Dar-ALamira.com email:info@dar-alamira.com
مُوْسَسَسَةُ السيد عيسة الدان المسية
الشهرستاني تاسسَت سنة 01360 89410 حتجز العيا ظلمية - العراق
شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد
تحقیق محمد ابراهیم
المجلد السابع
13- 14
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد العدل
الأصل: وَبَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا ، وَمَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا ، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَ الْإِبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا ، حَتَّى انْقَطَعَتْ النَّعْلُ، وَسَقَط الرِّدَاءُ، وَوُطِئَءَ الضَّعِيفُ ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَن أَبْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الكَبِيرُ ،وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكَعَابُ .
الشرح التداك : الازدحام الشديد. والإبل الهيم: العطاش. وهَدَج إليها الكبير : مشى مشياً ضعيفاً ،مرتعشاً، والمضارع يهدج، بالكسر، وتحامل نحوها العليل : تكلف المشي على مشقّة .
وحَسَرتْ إليها الكعاب : كشفت عن وجهها حِرْصاً على حضور البيعة، والكعاب : الجارية التي قد نَهَد ثديها ، كعبت تكعب ، بالضم . قوله :«حتى انقطع النّعل وسقط الرداء»، شبيه بقوله في الخطبة الشّقشقيّة: «حتى لقد وُطىء الحَسَنَان وشُقَ عِظفاي». وقد تقدّم ذكر بيعته (علیه السلام) بعد قتلِ عثمان وإطباق الناس عليها، وكيفيّة الحال فيها، وشُرح شرحاً يستغني عن إعادته .
الأصل: فَإِنَّ تَقْوَى اللّه مِفْتَاحُ سَدَادٍ، وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ ، وَعِتَقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ، وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ ، بهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ، وَيَنْجُو الْهَارِبُ، وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ . فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ، وَالْحَالُ هَادِتَةٌ، وَالْأَقْلاَمُ جَارِيَةٌ .
وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمْراً نَاكِساً ، أَوْ مَرَضاً حَابِساً ، أَوْ مَوْناً خَالِساً ، فَإِنَّ المَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ. زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبِ، وَقِرْنٌ غَيْرُ مَعْلُوبٍ، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَظْلُوبٍ، قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ، وَتَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ ، وَأَقْصَدِّتْكُمْ مَعَابِلُهُ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ ، فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ، وَاحْتِدَامُ عِلَلِهِ، وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ، وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ، وَأَلِيمُ إِرْهَاتِهِ، وَدُجُو إِطْبَاقِهِ، وَخُشُونَهُ مَذَاقِهِ، فَكَأَنْ قَدْ أَنَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ، وَفَرَّقَ نَدِيَّكُمْ، وَعَفَى آثَارَكُمْ، وَعَظَلَ عِبَارَكُمْ، وَبَعَثَ وُرَّاثَكُمْ، يَقْتَسِمُونَ تُرَانَكُمْ بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصٌ لَمْ يَنفَعُ، وَقَرِيبٍ مَحْزُونِ لَمْ يَمْنَعْ ، وَآخَرَ شَامِتٍ لَمْ يَجْزَعْ الْحَيَاةُ فَعَلَيْكُمْ بِالْجِد وَالاجْتِهَادِ، وَالتَّأَهبِ وَالاسْتِعْدَادِ، وَالتَّزَودِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ، وَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ اةُ الدُّنْيَا كَما فَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا، وَأَصَابُوا غِرَّتَهَا، وَأَفْنَوْا عِدْنَهَا، وَالخَلْقُوا جِدْتَهَا ، وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمُ أَجْدَثاً ، وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاناً ، لاَ يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَلا يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ، وَلَا يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ . ، فاحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ، مُلبِسَةٌ نَزُوعٌ، لا يَدُومُ رَخَاؤُهَا ، وَلاَ يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا ، وَلاَ يَرْكُدُ بَلاَؤُهَا .
الشرح: عِنْقٌ من كلِّ ملكة، هو مثل قوله(علیه السلام) : «التوبة تجبُّ ما قبلها» (1)، أي كلّ ذنب مويق يملك الشيطان فاعله ويستحوذعليه فإن تقوى الله تعتق منه،وتكفّر عقابه، ومثله قوله :«ونَجَاةٌ من كلّ هَلَكة»قوله(علیه السلام) :«والعمل ينفع» ، أي اعملوا في دار التّكليف، فإنّ العمل يوم القيامة غير نافع.
قوله(علیه السلام) :«والحال هادئة» ، أي ساكنة ليس فيها ما في أحال الموقف من تلك الحركات الفظيعة، نحو تطاير الصحف، ونطق الجوارح، وعنف السياق إلى النار.
قوله (علیه السلام): «والأقلام جارية»، يعني أنّ التكليف باقٍ ، وأن الملائكة الحفظة تكتب أعمال العباد ، بخلاف يوم القيامة، فإنه يبطل ذلك، ويستغنى عن الحفظة لسقوط التكليف. قوله (علیه السلام): عمراً ناكساً، يعني الهرم، من قوله تعالى: «وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِسْهُ فِي الخَلقِ»(2)الرجوع الشيخ الهرم إلى مثل حال الصبي الصغير في ضعف العقل والبنية.
والموت الخالس: المختطف. والطيّات : جمع طِيّة بالكسر ، وهي منزل السفر. والواتر : القاتل، والوِثر ، بالكسر : الدَّخل . وأعلقتكم حبائله : جعلتكم معتلقين فيها، ويروي :«قد عَلِقَتكم» بغير همز . وتكتفتكم غوائله : أحاطت بكم دواهيه ومصائبه. وأقصدتكم: أصابتكم . والمعابل نصال عِرَاض الواحدة معبلة، بالكسر.
وعَدُوته ، بالفتح : ظُلمه . ونَبوته : مصدر نَبَا السَّيف، إذا لم يؤثر في الضريبة. ويوشك، بالكسر : يقرب وتغشاكم : تحيط بكم . والدّواجي : الظُّلَمَ ، الواحدة داجية. والظُلل: جمع ظُلّة، وهي السحاب والاحتدام الاضطرام والحنادس : الظلمات. وإرهاقه : مصدر أرهقته، أي أعجلته ويروي: «إزهاقه» بالزاي .
والأطباق: جمع ،طبّق وهذا من باب الاستعارة، أي تكاثف ظلماتها طبق فوق طبق. ويروي:«وجُشوبة مذاقه» بالجيم والباء، وهي غلظ الطعام.
والنّجيّ : القوم يتناجؤن والندي: القوم يجتمعون في النادي . واحتلبوا درتها: فازوا بمنافعها،كما يحتلب الإنسان اللَّبَن. وهذه الخطبة من محاسن خطبه(علیه السلام)، وفيها من صناعة البديع صناعة البديع ما هو ظاهر للمتأمّل.
الأصل :منها في صفة الزهاد : كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا ، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ، تُقَلَّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَيَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظْمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ، وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ .
الشرح: بين ظهراني أهل الآخرة ، بفتح النون، ولا يجوز كسرها، ويجوز«بين ظهري أهل الآخرة»، لو روي، والمعنى في وسطهم. قوله(علیه السلام):«كانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها»، أي هم من أهلها في ظاهر الأمر وفي مرأى العين وليسوا من أهلها، لأنه لا رغبة عندهم في ملاذها ونعيمها، فكأنهم خارجون عنها.
قوله:«عملوا فيها بما يبصرون»، أي بما يرونه أصلح لهم، ويجوز أن يريد أنهم لشدّة اجتهادهم قد أبصروا المآل ،فعملوا فيها على حسب ما يشاهدونه من دار الجزاء، وهذا كقوله(علیه السلام) : «لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً».
قوله :«وبادروا فيها ما يحذرون»، أي سابقوه، يعني الموت. قوله (علیه السلام) :«تُقلب أبدانهم»، هذا محمول تارة على الحقيقة، وتارة على المجاز، أما الأول فلأنهم لا يخالطون إلا أهل الدين ولا يجالسون أهل الدنيا، وأما الثاني فلأنّهم لما استحقّوا الثواب كان الاستحقاق بمنزلة وصولهم إليه، فأبدانهم تتقلب بين ظهراني أهل الآخرة، أي بين ظهراني قوم هم بمنزلة أهل الآخرة، لأنّ المستحقّ للشيء نظيّر لمن فعل به ذلك الشيء. ثم قال : هؤلاء الزّهاد يرون أهل الدنيا إنما يستعظمون موت الأبدان، وهم أشدُّ استعظاماً لموت القلوب، وقد تقدّم من كلامنا في صفات الزهاد والعارفين ما فيه كفاية .
وهو متوجّه إلى البصرة، ذكرها الواقدي في كتاب «الجمل» (1)الأصل: فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَبَلَّخَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ، فَلَمَّ الله بِهِ الصَّدْعَ، وَرَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ، وَأَلَّفَ بِهِ الشَّمْلَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ بَعْدَ الْعَدَاوَةِ الْوَاخِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَالصَّغَائِنِ الْقَادِحَة فِي الْقُلُوبِ
الشرح ذو قار : اسم موضع قريب من البصرة، وفيه كانت وقعة للعرب مع الفرس قبل الإسلام. وصدّع بما أمر به أي جهر، وأصل الصَّدْع الشّق. ولمّ به : جمع. ورتق خاط وألحم .
والعداوة الواغرة : ذات الوغرة، وهي شدة الحرّ . والضغائن : الأحقاد.
والقادحة في القلوب، كأنها تقدح النار فيها كما تقدح النار بالمِقْدَحة .
1) الجمل : لأبي عبد الله محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي المتوفى سنة ( 207ه-) ، الأعلام للزركلي (3116)
الأصل: إِنَّ هَذَا المَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظْهِمْ، وَإِلا فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ.
الشرح:هو عبد اللّه بن زمعة ،بفتح الميم، لا كما ذكره الراوندي، وهو عبد اللّه بن زَمَعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قُصَيّ. كان الأسود من المستهزئين الذين كفى اللّه رسوله أمرهم بالموت والقتل ،وابنه زَمَعة بن الأسود، قُتِل يوم بدر كافراً، وكان يدعى زاد الركب ،وقُتل أخوه عُقيل بن الأسود أيضاً كافراً يوم بدر، وقتل الحارث بن زَمَعة أيضاً يوم بدر كافراً، والأسود هو الذي سمع امرأة تبكي على بعير تضله بمكة بعد يوم بدر، فقال:
اتبكي أنْ يَضِلَّ لها بعير *** ويمنعها من النوم الهجودُ
ولا تبكي عَلَى بَدْرٍ ولكنْ *** عَلَى بَدْرٍ تقاصَرَتِ الجدود
ألا قَدْ ساد بعدهم أناس *** ولولا يوم بدر لم يودوا
وكان عبد اللّه بن زَمَعة شيعة لعليّ (علیه السلام) ومن أصحابه ،ومن ولد عبد اللّه هذا أبو البختري القاضي، وهو وهب بن وهب بن كبير بن عبد اللّه بن زَمَعة ،قاضي الرشيد هارون بن محمد المهدي، وكان منحرفاً عن علي(علیه السلام) ، وهو الذي أفتى الرشيد ببطلان الأمان الذي كتبه ليحيى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وأخذه بيده فمزقه .
وقال أميّة بن أبي الصلت يرثي قتلى بدر، ويذكر زَمَعة بن الأسود: عَيْن بكي لنوفل ولعمرو *** ثم لا تبخلي على زَمَعَهُ نوفل بن خويلد من بني أسد بن عبد العُزّى ،ويعرف بابن العدوّية ،قتله علي(علیه السلام) ، وعمرو أبوجهل بن هشام، قتله عوف بن عفراء، وأجهز عليه عبد اللّه بن مسعود .
قوله(علیه السلام) : «وجَلب أسيافهم» أي ما جلبته أسيافهم وساقته إليهم، والجلّب: المال المجلوب . وجَناة الثمر ما يُجْنَى منه ، وهذه استعارة فصيحة
الأصل: أَلاَ وَإِنَّ اللَّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَلَا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ، وَلَا يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ، وَإِنَّا لَأمَرَاءُ الْكَلام، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوتُهُ، وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ خُصُونَهُ. وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ الله أَنَّكُمْ فِي زَمَانِ الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَالنِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ، وَاللأَزِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ، أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الْإِدْمَانِ،(1)فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَشَائِبُهُمْ آيْمٌ، وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَقَارِتُهُمْ مُمَاذِقٌ (2)، لا يُعَلِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلَا يَسُولُ غَيْهُمْ فَقِيرَهُمْ.
الشرح : بَضعة من الإنسان: قطعة منه ، والهاء في «يسعده» ترجع إلى اللسان. والضمير في «امتنع» يرجع إلى الإنسان، وكذلك الهاء في «لا يمهله» يرجع إلى اللّسان. والضمير في «اتسع» يرجع إلى الإنسان، وتقديره : فلا يُسعد اللسان القول ،إذا امتنع الإنسان عن أن يقول، ولا يمهل اللسان النطق إذا اتسع للإنسان القول، والمعنى: إن اللسان آلة للإنسان، فإذا صرفه صارت عن الكلام، لم يكن اللسان ناطقاً، وإذا دعاه داع إلى الكلام نطق اللسان بما في ضمير صاحبه . وتنشبت عروقه ،أي علقت ،وروي : «انتشبت»، والرواية الأولى أدخل في صناعة الكلام، لأنها بإزاء تهدّلت، والتهدّل التدّلي، وقد أخذ هذه الألفاظ بعينها أبو مسلم الخراساني، فخطب بها في خطبة مشهورة من خطبه . واعلم أنّ هذا الكلام قاله أمير المؤمنين(علیه السلام) في واقعة اقتضت أن يقوله، وذلك أنه أمر ابن أخته جَعْدة بن هبيرة المخزومي أن يخطب الناس يوماً ، فصعد المنبر، فحصر ولم يستطع الكلام ، فقام أمير المؤمنين(علیه السلام) فتستّم ذروة المنير، وخطب خطبة طويلة، ذكر الرضي رحمه اللّه منها هذه الكلمات، وروى شيخنا أبو عثمان في كتاب «البيان والتبيين» (3)أن عثمان صعد
المنبر فأرتج عليه فقال :«إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالاً، وأنتم إلى إمام عادل ،أحوج منكم إلى إمام خطيب، وستأتيكم الخطبة على وجهها». ثم نزل.
قال أبو عثمان: وروى أبو الحسن المدائني ، قال : صعد ابن لعديّ بن أرطاة المنبر، فلمّا رأى الناس حَصِر فقال : «الحمد للّه الذي يُطعم هؤلاء ويسقيهم».
وصعد روح بن حاتم المنبر، فلمّا رأى الناس قد رشقوه بأبصارهم، وصرفوا أسماعهم ،نحوه، قال: «نکسوا رؤوسكم، وغضّوا أبصاركم، فإنّ أوّل مركب صعب، فإذا يسر اللّه عزّ وجَلَّ فَتْحَ قُفْل تيسر». ثم نزل . وخطب مُصعب بن حَيّان أخو مقاتل بن حَيّان خطبة نكاح ،فحصر ، فقال :«لقنّوا موتاكم لا إله إلا اللّه»، فقالت أمّ الجارية : عجّل اللّه موتك، ألهذا دعوناك!
وخطب مروان بن الحكم فحصر، فقال: «اللهّم إنا نحمدك ونستعينك ،ولا نشرك بك». ولما حَصِر عبد اللّه بن عامر بن كريز على المنبر بالبصرة - وكان خطيباً - شَقّ عليه ذلك ، فقال له زياد بن أبيه، وكان خليفته أيها الأمير لا تجزع، فلو أقمت على المنبر عامّة من ترى أصابهم أكثر مما أصابك. فلمّا كانت الجمعة تأخّر عبد اللّه بن عامر وقال زياد للناس : إنّ الأمير اليوم مؤعوك، فقيل لرجل من وجوه أمراء القبائل : قم فاصعدّ المنبر، فلما صعد حَصِر، فقال : الحمد للّه الذي يرزق هؤلاء. وبقي ساكتاً، فأنزلوه، وأصعدوا آخر من الوجوه، فلما قائماً قابل بوجهه النّاس، فوقعت عينه على صلعة رجل، فقال: أيها الناس، إنّ هذا استوى الأصلع قد منعني الكلام ، اللهّم فالعَن هذه الصلعة. فأنزلوه ،وقالوا لوازع اليشكري: قم إلى المنبر فتكلّم، فلما صعد ورأى الناس قال : أيها الناس إني كنت اليوم كارهاً لحضور الجمعة ،ولكن امرأتي حملتني على إتيانها، وأنا أشهدكم أنها طالق ثلاثاً، فأنزلوه، فقال زياد لعبد اللّه بن عامر: كيف رأيت؟ قم الآن فاخطب الناس .
وقال سهل بن هارون :دخل قطرب النحوي على المخلوع ، فقال : يا أمير المؤمنين، كانت عدتُك أرفع من جائزتك - وهو يتبسّم - فاغتاظ الفضل بن الربيع فقلت له : إنّ هذا من الحصر والضعف، وليس من الجلّد والقوّة، أما تراه يفتلُ أصابعه ويرشح جبينه !
ودخل معبد بن طوق العنبري على بعض الأمراء، فتكلّم وهو قائم فأحسن ،فلما جلس تَلَهْيَع (1)في كلامه، فقال له : ما أظرفك قائماً، وأموقك قاعداً! قال : إني إذا قمت جَدَدْت، وإذا قعدت هَزُلت ،فقال ما أحسن ما خرجت منها !
1) تَلَهْيَع : أفرط وتَبَلْتَعَ. اللسان، مادة (الهع).
وكان عمرو بن الأهتم المِنْقري والزبرقان بن بدر عند رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فسأل (علیه السلام) عَمْراً عن الزبرقان فقال : يا رسول اللّه إنّه لمانع لحوزته، مطاعٌ في أدانيه ، فقال الزبرقان : حسدني يا رسول اللّه ! فقال عمرو :يا رسول اللّه، إنه الزمر (1)المروءة، ضيق العطن (2)، لتيم الخال . فنظر رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)و إلى وجه عمرو ، فقال : يا رسول اللّه، رضيتُ فقلت أحسن ما علمتُ ،وغضبتُ فقلت أقبح ما علمت ،وما كذبتُ في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى. فقال (علیه السلام): إن من البيان لسحراً .(3).
وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة . وقال ابن أبي الزناد،كنت كاتباً لعمر بن عبد العزيز، فكان يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب في المظالم فيراجعه، فكتب إليه : إنه يخيّل إلي أني لو كتبت إليك أن تعطي رجلاً شاة لكتبت إلي : أضأناً أم معزّاً؟ فإذا كتبتُ إليك بأحدهما ، كتبت إلي: أذكراً أم أنثى ! وإذا كتبت إليك بأحدهما ، كتبت إلي: صغيراً أم كبيراً !فإذا كتبتُ إليك في مظلمة، فلا تراجعني والسلام.
وأخذ المنصور هذا فكتب إلى سلم بن قتيبة عامله بالبصرة يأمره بهدم دور مَنْ خرج مع إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن وعفر نخلهم، فكتب إليه، بأيهما أبدأ بالدّور أم بالنخل يا أمير المؤمنين؟ فكتب إليه : لو قلت لك بالنّخل لكتبت إلي بماذا أبدأ؟ بالشُّهريز أم بالبَرْني ! وعزله ، وولي محمد بن سليمان.
وخطب عبد اللّه بن عامر مرّة فأرتج عليه، وكان ذلك اليوم يوم الأضحى، فقال: لا أجمع عليكم عيا ولؤماً : مَنْ أخذ شاة من السُّوق فهي له وثمنها علي . وخطب السفّاح أوّل يوم صعد فيه المنبر فأرتج عليه، فقام عمّه داود بن علي، فقال: أيها الناس إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدم قوله فيكم فعله، ولأثر الأفعال أجْدَى عليكم من تشقيق (4)المقال، وحسبكم كتاب اللّه علماً فيكم، وابن عمّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) خليفة عليكم . قال الشاعر : وما خيرُ مَنْ لا ينفع الذهر عيشه *** وإن مات لم يحزن عليه أقاربُه
كَهامٌ على الأقصى كليل لسانه *** وفي بَشَرِ الأدنى حديد مخالبة
وقال أَحَيحة بن الجُلاح :
والصمت أجمل بالفتى *** مالم يكن عي يشينه
والقول ذو تظل إذا *** مالم يكن لب يزينة
الأصل: روى ذُعْلب اليمامي عن أحمد بن قتيبة، عن عبد اللّه بن يزيد عن مالك بن دخية،
قال: كنا عند أمير المؤمنين(علیه السلام) ، فقال وقد ذكر عنده اختلاف الناس: إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِى طِينهم، وذَلِك أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةٌ مِنْ سَبَحَ أَرْضِ وَعَذْبِهَا ، وَحَزْنِ تُرْبَةٍ وَسَهْلِهَا ، فَهِمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبٍ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ ، وعَلَى قَدْرِ اخْتِلافِها يَتَفَاوَتُونَ، فَتَامُ الرُّوَاءِ ناقِصُ الْعَقْل، ومادُ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ. وَزَاكِي العَمَل قبيحُ المَنْظَرِ، وَقَرِيبُ الْقَعْرِ بعِيد السَّبْرِ ، ومَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ ، وتائِهُ القَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ. وَطَلِيقُ النِّسانِ حَدِيدُ الجَنانِ .
الشرح: ذعلب وأحمد وعبد اللّه ومالك، رجال من رجال الشّيعة ومحدثيهم. وهذا الفصل عندي لا يجوز أن يحمل على ظاهره، وما يتسارع إلى أفهام العامّة منه، وذلك لأن قوله :«أنهم كانوا فِلْقة من سَبَخ أرض وعَذَّبها» ، إما أن يريد به أنّ كلّ واحد من الناس رُكَّب من طين ، وجعل صورة بشرية طينيّة برأس وبطن ويدين ورجلين ، ثم نفخت فيه الرُّوح كما فعل بآدم، أو يريد به أنّ الطين الذي ركبت منه صورة آدم فقط كان مختلطاً من سَبَخ وعَذب، فإن أريد الأول فالواقع خلافه ، لأن البشر الذين نشاهدهم ، والذين بلغتنا أخبارهم لم يخلقوا من الطين كما خلق آدم، وإنما خلقوا من نُطَفِ آبائهم ،وليس لقائل أن يقول : لعلّ تلك النطف افترقت لأنها تولدت من أغذية مختلفة المنبت من العذوبة والملوحة، وذلك لأن النطفة لا تتولّد من غذاء بعينه، بل من مجموع الأغذية، وتلك الأغذية لا يمكن أن تكون كلها من أرض سبخة محضة في السبخيّة، لأن هذا من الاتفاقات التي يعلم عدم وقوعها ، كما يعلم أنه لا يجوز أن يتفق أن يكون أهل بغداد في وقت بعينه على كثرتهم لا يأكلون ذلك اليوم إلا السّكباج (1)خاصة، وأيضاً فإنّ الأرض الشّيخة، أو التي
1) السكباج طعام يعمل من اللحم والخل مع توابل وأفاويه معرب :المعجم الوسيط،مادة (سكيج).
الغالب عليها السبخيّة ،لا تنبت الأقوات أصلاً. وإن أريد الثاني ،وهو أن يكون طين آدم (علیه السلام)مختلطاً في جوهره مختلفاً في طبائعه، فلم كان زيد الأحمق يتولّد من الجزء السبخي وعمرو العاقل يتولّد من الجزء العذبي؟ وكيف يؤثّر اختلاف طين آدم من ستّة آلاف سنة في أقوام يتوالدون الآن. والذي أراه أن لكلامه (علیه السلام) تأويلاً باطناً، وهو أن يريد به اختلاف النفوس المدّبرة للأبدان ،وكنّى عنها بقوله: «مبادىء طينهم»، وذلك أنّها لمّا كانت الماسكة للبدن من الانحلال، العاصمة له من تفرّق العناصر ، صارت كالمبدأ وكالعلة له من حيث إنها كانت علّة في بقاء امتزاجه واختلاط عناصره بعضها ببعض، ولذلك إذا فارقت عند الموت افترقت العناصر، وانحلت الأجزاء، فرجع اللطيف منها إلى الهواء، والكثيف إلى الأرض.
وقوله :«كانوا فِلْقة من سبخ أرض وعذبها ، وحزن تربة وسهلها» تفسيره أن الباري ،جلّ جلاله لمّا خلق النفوس، خَلَقها مختلفة في ماهيّتها ، فمنها الزكيَّة ومنها الخبيثة، ومنها العفيفة ومنها الفاجرة، ومنها القوّية ومنها الضعيفة، ومنها الجريئة ،المقدمة ،ومنها الفشلة الذليلة، إلى غير ذلك أخلاق النفوس المختلفة المتضادّة.
ثم فسّر(علیه السلام) وعلّل تساوي قوم في الأخلاق وتفاوت آخرين فيها، فقال: إنّ نفس زيد قد تكون مشابهة أو قريبة من المشابهة لنفس عمرو، فإذا هما في الأخلاق متساويتان ،أو متقاربتان، ونفس خالد قد تكون مضادّة لنفس بكر أو قريبة من المضادّة، فإذا هما في الأخلاق متباينتان أو قريبتان من المباينة . والقول باختلاف النفوس في ماهياتها هو مذهب أفلاطون، وقد اتَّبعه عليه جماعة من أعيان الحكماء، وقال به كثير من مثبتي النفوس من متكلّمي الإسلام. وأمّا أرسطو وأتباعه، فإنّهم لا يذهبون إلى اختلاف النفوس في ماهيتّها. والقول الأوّل عندي أمثل.
ثمّ بين (علیه السلام) اختلاف آحاد الناس، فقال: منهم من هو تام الرّواء، لكنه ناقص العقل والرّواء بالهمز والمد المنظر الجميل، ومن أمثال العرب:« ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما
الدخل» (1).
وقال الشاعر : عقله عقل طائر *** وهو في خِلْقَة الجمل
وقال أبو الطيب : وما الحسنُ في وجهِ الْفَتَى شرفٌ له *** إذا لم يكن في فعله والخلائق
1) الدخل : العيب والريبة . اللسان، مادة (دخل).
وقال الآخر :
وما ينفع الفتيانَ حُسْنُ وجوههم *** إذا كانت الأخلاق غيرَ حِسانِ
فلا يغرنك المرءُ راق رواؤه *** فماكل مصقول الغرَارِ يماني
ومن شعر الحماسة :
لَقَوْمِيَ أَرْعَى للعُلاَ مِنْ عِصَابَةٍ *** من الناس يا حار بن عمرو تسودها
وأنتم سماءٌ يُعجب الناس رزها *** بابدة تُنجي شديد وليدها
تقطّع أطهاب البيوت بحاصب *** وأكذب شيء برقها ورعودها
فويل أمها خيلاً بهاءً وشارة *** إذا لاقت الأعداء لولا صدودُهَا !
ومنه أيضاً :
وكاثر يسعد إن سعداً كثيرة *** ولا ترجُ من سَعْدِ وفاء ولا نَصْرًا
يروعُكَ من سَعْدِ بن زيد جسومُها *** وتَزْهَدُ فيها حين تَقْتُلُها خُبْرا
قوله(علیه السلام) :«وماذ القامة قصير الهمّة» ، قريب من المعنى الأول، إلاّ أنه خالف بين الألفاظ، فعل الناقص بإزاء التّام ، والقصير بإزاء المادّ. ويمكن أن يجعل المعنيان مختلفين ،وذلك لأنه قد يكون الإنسان تامّ العقل، إلا أن همته قصيرة، وقد رأينا كثيراً من الناس كذلك، فإذن هذا قسم آخر من الاختلاف غير الأول.
قوله(علیه السلام) : «وزاكي العمل قبيح المنظر» يريد بزكاء أعماله حسنها وطهارتها، فيكون قد أوقع الحسن بإزاء القبيح، وهذا القسم موجود فاش بين الناس.
قوله :« وقريب القعر بعيد السَّير»، أي قد يكون الإنسان قصير القامة، وهو مع ذلك داهية باقعة، والمراد بقرب قعره تقارب ما بين طرفيّه ،فليست بطنه بمديدة ولا مستطيلة، وإذا سبرته واختبرت ما عنده وجدته لبيباً فَطِناً، لا يوقف على أسراره، ولا يدرك باطنه، ومن هذا المعنى قول الشاعر :
تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيف فتزدَرِيه *** وفي أثوابه أَسَدٌ مَزِيرُ (1)ويعجبك الطَّرِيرُ فتبتليه *** فيخلف ظنَّك الرجلُ الطرير(2)
وقيل لبعض الحكماء ما بال القصار من الناس أدهى وأحذق ؟ قال : لقرب قلوبهم من أدمغتهم.
ومن شعر الحماسة :
إلا يكُن عظمي طويلاً فإنني *** له بالخصال الصالحات وصول
ولا خير في حُسْنِ الجُسُوم وطولها *** إذا لم تزن حسن الجُوم عقول
ومن شعر الحماسة أيضاً وهو تمام البيتين المقدّم ذكرهما :
فما عظم الرجال لهم بفخر *** ولكن فخرهُمْ كرم وخيرُ
ضعاف الطير أطولها جسوماً *** ولم تطل البزاة ولا الصُّقُور
بغاث الطير أكثرها فراخاً *** وأمّ الصقر مِقْلاتٌ نَزُور (1)
لقدعَظْما لقد عظم البعير بغيرلُبُ *** فلم يَسْتَغْنِ بالعِظَم البعيرُ
قوله(علیه السلام) : «ومعروف الضريبة، منكر الجليبة »، الجليبة هي الخلقُ الَّذِي يتكلّفه الإنسان ويستجلبه، مثل أن يكون جياناً بالطبع فيتكّلف الشجاعة، أو شحيحاً بالطبع فيتكلف الجود، وهذا القسم أيضاً عام في النّاس.
ثم لما فرغ من الأخلاق المتضادة ذكر بعدها ذوي الأخلاق والطبع المتناسبة المتلائمة، فقال :«وتائه القلب متفرق اللب»، وهذان الوصفان متناسبان لا متضادّان. ثم قال : «وطليق اللّسان حديد الجنان»، وهذان الوصفان أيضاً متناسبان ، وهما متضادان للوصفين قبلهما، فالأولان ذمّ، والآخران مدح .
الأصل: بأَبي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ. خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ، وَعَمَمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءٌ، وَلَوْلاَ أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَع لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ ، الشُّؤونِ، وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً ، وَالْكَمَدُ مُحَالِفاً ، وَقَلاً لَكَ وَلَكِنَّهُ مَا لاَ يُمْلَكُ رَدُّهُ، وَلاَ يُسْتَطَاعُ دَفعُهُ !
1) نزور قليلة الولد القاموس، مادة (نزر) .
بأَبي أَنْتَ وَأُمِّي : اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!
الشرح: بأبي أنت وأمي ! أي بأبي أنت مفدى وأمي .
والإنباء : الإخبار مصدر أنبا ينبيء، وروي :«والأنباء» بفتح الهمزة جمع نبأ، وهو الخبر. وأخبار السماء : الوحي.
قوله(علیه السلام) :«خصصت وعمّمت»، أي خصّت مصيبتك أهل بيتك حتى إنهم لا يكترثون بما يصيبهم بعدك من المصائب، ولا بما أصابهم من قبل، وعمّت هذه المصيبة أيضاً الناس ،حتى استوى الخلائق كلهم فيها ، فهي مصيبة خاصة بالنسبة، وعامة بالنسبة .
ومثل قوله :«حتى صرت مسليًّا عمّن سواك» قول الشاعر:
رزتنا أبا عمر ولا حيّ مثله *** فلله در الحادثات بمن تقع!
فإن تكُ قد فارقتنا وتركتنا *** ذوِي خَلَّة ما في انسداد لها طمع
لقد جَرّ نفعاً فقدنا لك أنّنا *** أمنًا على كل الرزايا من الجزع (1)
وقال آخر :
أقول للموتِ حين نازله *** والموت مقدامة على البهم
أظفَرُ بمن شئت إذ ظفرت به *** مابعد يحيى للموت من ألم
ولي في هذا المعنى كتبته إلى صديق غاب عني من جملة أبيات :
وقد كنت أخشى من خطوب غوائل *** فلمّا نأى عني امنتُ من الحذر
فاعجب الجسم عاش بعد حياته *** واعجب لنفع حاصل جره ضرر
وقال إسحاق بن خَلَف يرثي بنتاً له :
أمست أميمة معموراً بها الرَّجمُ *** لَقَا صعيد عليها القرب مرتكمُ (2)
يا شقّة النّفْسِ إِنَّ النفس والهةٌ *** حَرّى عليك، وإنّ الدّمع منسجمُ
قد كنتُ أخشى عليها أن تُقدِّمَنِي *** إلى الحِمام فيبدي وجهها العدمُ
فالآن نمتُ، فلاهم يؤرقني *** تهدا العيون إذا ما أودت الحُرَمُ
للموت عندي أيادٍ لست أكفرها *** أحيا سروراً وبي مما أني المُ
وقال آخر :
فلوأنها إحدى يدي رزيتها *** ولكن يدي بانت على إثرها يدي
فاليت لا أسى على إثر هالك *** قدي الآن من حُزن على هالك قدي
وقال آخر :
أجاري ما أزداد إلا صبابة *** عليك، وما تزداد إلا تنائيا
أجاري لو نفس فدت نفسَ مَيْتٍ *** فديتك مسروراً بنفسي وماليا
وقد كنت أرجو أن أملاك حقبة *** فحال قضاء الله دون رجائيا
الا فليمُتْ مَنْ شاء بعدك إنّما ***عليك من الأقدار كان حذاريا
وقال آخر :
لتغدُ المنايا حيث شاءت فإنّها *** محلّلة بعد الفتى ابن عَقِيل
فتّى كان مولاه يحل بنجوة *** فحل الموالي بعده بمسيل (1)
قوله(علیه السلام) :«ولكان الداء مماطلاً»، أي مماطلاً بالبرء، أي لا يجيب إلى الإقلاع. والإبلال : الإفاقة.
فأما وفاة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وما ذكره أرباب السيرة فيها قد ذكرنا طرفاً منه فيما تقدّم، ونذكر ها هنا طرفاً آخر مما أورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه .
قال أبوجعفر: روي أبو مويهبة مولى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، قال : أرسل إلي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في جوف الليل، فقال:«يا أبا مُوَيهبة، إنّي قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي» ،
1) النجوة: ما ارتفع من الأرض فلم يعله السيل فظننته نجاءك . اللسان، مادة (نجو).
فانطلقت معه ،فلمّا وقف بين أظهرهم، قال «السَّلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتُم فيه مما أصبح الناس فيه! أقبلتِ الفِتَن كَقِطع الليل المظلم، يتبع آخرُها أَوّلَها، الآخرة شر من الأولى». ثم أقبل علي، فقال:« يا أبا مُؤيهبة إني قد أُوهِبْت مفاتيح خزائن الدنيا والخلدفيها والجنّة، فخيرتُ بينها وبين الجنّة ،فاخترت الجنّة، فقلت: بأبي أنت وأمي! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها والجنّة جميعاً ، فقال :«لا يا أبا ،مويهبّة، اخترت لقاء ربي»، ثم استغفر لأهل البقيع وانصرف، فبدأ بوجعه الذي قبضه اللّه فيه.(1)
وروی محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن عائشة ،
قالت رجع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) رسول اللّه تلك الليلة من البقيع، فوجدني وأنا أجدُ صُداعاً في رأسي، وأقول: وارأساه! فقال : بل أنا وارأساء! ثم قال :«ما ضرك لومت قبلي، فقمت عليك فكفّنتكِ، وصليت عليك ودفنتك»! فقلت : واللّه لكأني بك - لو كان ذلك - رجعت إلى منزلي، فأعرست ببعض نسائك ! فتبسّم (علیه السلام)، وتتام به وجعُه، وهو مع ذلك يدور على نسائه، اسْتُعِزَّ به، وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر، تخطّ قدماء في الأرض، عاصباً رأسه
حتى دخل بيته. (2).
قال عُبيد اللّه بن عبد اللّه بن عُتبة : فحدّثت عبد اللّه بن العباس بهذا الحديث، فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا، قال علي بن أبي طالب، لكنّها كانت لا تقدر أن تذكره بخير وهي تستطيع. قالت : ثم غُمِرَ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) واشتدّ به الوجع، فقال: «أهريقوا عليّ سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم» قالت: فأقعدته في مخضب لحفصة بنت عمر، وصبينا عليه الماء حتى طفق يقول بيده:«حسبكم" حسبكم» (3).
قلت : المخضب : المِرْكن.
وروى عطاء، عن الفضل بن عباس رحمه اللّه : قال : جاءني رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حين بدأ به مرضه، فقال: اخرج، فخرجت إليه ،فوجدته موعوكاً قد عُصب رأسه، فقال: خذ بيدي، فأخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال : ناد في النّاس، فصحت فيهم فاجتمعوا إليه، فقال: «أيها الناس، إني أحمد إليكم اللّه، إنّه قدْ دَنَا منّي حقوق من بين أظهركم، فمن كنتُ جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقِدُ منه ، ومَنْ كنت شتمت له عِرْضاً فهذا عِرْضي فليستقذ منه ،
ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه. ولا يقل رجلٌ : إني أخاف الشحناء مِنْ قِبَل رسول اللّه . ألا وإنّ الشَّحْناء ليست من طبيعتي ولا من شأني، الا وإن أحبكم إلي مَنْ أخذ مني حقاً إن كان له، أو حلّلني فلقيتُ اللّه وأنا طيب النفس، وقد أراني أن هذا غير مغنٍ عنّي حتى أقوم فيكم به مراراً». ثم نزل فصلّى الظهر. ثم رجع فجلس على المنبر، فعاد لمقالته الأولى في الشَّحناء وغيرها، فقام رجلٌ، فقال: يا رسول اللّه ، إنّ لي عندك ثلاثة دراهم، فقال : إنا لا نكذّب قائلاً ولا نستحلفه على يمين، فيم كانتْ لك عندي؟ قال: أتذكر يا رسول اللّه يوم مرّ بك المسكين ، فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم؟ قال: أعطه يا فضل، فأمرتُه فجلس ،ثم قال:«أيّها الناس مَنْ كان عنده شيء فليؤدّه ولا يقل: فضُوح الدّنيا، فإن فضوح الدنيا أهون من فضُوح الآخرة». فقام رجل فقال : يا رسول اللّه، عندي ثلاثة دراهم غللتُها في سبيل اللّه ، قال : ولم غللتها ؟ قال : كنت محتاجاً إليها قال خذها منه يا فضل، ثم قال: «أيها النّاس، مَنْ خشي من نفسه شيئاً فليقم أدعو له»، فقام رجل فقال : يا رسول اللّه، إنّي لكذّاب، وإنّي لفاحش، وإني لنثوم . فقال :«اللهّم ارزقه صِدقاً وصلاحاً، وأذهب عنه النوم إذا أراد». ثم قام رجل فقال يا رسول اللّه إني لكذّاب وإني لمنافق، وما شيء - أو قال : وإن من شيء - إلا وقد جئته. فقام عمر بن الخطاب فقال: فضحت نفسك أيها الرجل ! فقال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«يابن الخطّاب : فضُوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهم ارزقه صدقاً وإيماناً وصيّر أمره إلى خير» (1)
وروى عبد اللّه بن مسعود، قال : نَعَى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، جمعنا في بيت
أمنا عائشة فنظر إلينا وشدّد ودمعت عينه ، وقال مرحباً بكم !حيّاكم اللّه ،رحمكم اللّه ، آواكم
اللّه ، حفظكم اللّه، رفعكم اللّه ، نفعكم اللّه ، وفقكم اللّه ، رزقكم اللّه، هداكم اللّه ، نصركم اللّه ، سلّمكم اللّه ، تقبّلكم اللّه ! أوصيكم بتقوى اللّه، وأوصى اللّه بكم، وأستخلفه عليكم، إنّي لكم منه نذير وبشير، ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده، فإنه قال لي ولكم : «وَتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ يَفْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (2). فقلنا : يا رسول اللّه، فمتى أجلك؟ قال: «قد دنا الفراق، والمنقلب إلى اللّه وإلى سدرة المنتهى ،والرفيق الأعلى وجنّة المأوى العيش المهنّا»، قلنا : فمن يغسّلك يا رسول اللّه؟ قال: «أهلي الأدنى فالأدنى»، قلنا : ففيم نكفنك؟ قال:«في ثيابي هذه إن شئتم، أو في بياض مصر، أو حلّة يمني»، قلنا : فَمَنْ يصلّي عليك؟ فقال :«إذا غسّلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا، على شفير قبري، ثم اخرجوا عنّي ساعة، فإنّ أوّلَ مَنْ يصلّي جليسي وحبيبي وخليلي جبرائيل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم مَلَك الموت مع جنوده من الملائكة، ثم أدخلوا علي فوجاً فوجاً، فصلوا عليّ
وسلّموا ولا تؤذوني بتزكية ولا ضجّة ولا رنّة ،وليبدأ بالصّلاة علي رجال أهل بيتي ثم نساؤهم، ثم أنتم بعد، وأقرئوا أنفسكم مني السلام، ومن غاب من أهلي فأقرئوه منّي السلام، ومَنْ تابعكم بعدي على ديني فأقرؤوه مني السلام، فإنّي أشهدكم أنّي قد سلّمت على من بايعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة». قلنا : فمَنْ يدخلك قبرك يا رسول اللّه ؟ قال : «أهلي مع ملائكة كثيرة يرونكم ولاترونهم»(1)قلت العجب لهم كيف لم يقولوا له في تلك الساعة : فمَنْ يلي أمورنا بعدك! لأنّ ولاية الأمر أهمّ من السؤال عن الدفن، وعن كيفية الصلاة عليه، وما أعلى ما أقول في هذا المقام! قال أبو جعفر الطبري : وَرَوى سَعِيد بن جُبَير، قال :كان ابن عباس رحمه اللّه يقول: يومُ الخميس وما يوم الخميس ! ثم يبكي حتى قبل دموعه الحضياء، فقلنا له: وما يوم الخميس؟ قال :یوم اشتدّ برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وجعه ، فقال : «ائتوني باللّوح والدّواة - أو قال: بالكيف
والدّواة - أكتب لكم ما لا تضلُّون بعدي»، فتنازعوا، فقال: «اخرجُوا ولا ينبغي عند نبي ان يتنازع»، قالوا :ما شأنه ،أهَجَر ؟ استفهموه، فذهبوا يُعيدون عليه، فقال: «دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه»، ثم ،أوصى بثلاث ،قال:« أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، أجيزوا الوفد بنحو بنحو ممّا كنت أجيزهم»، وسكت عن الثالثة عَمْداً، أو قالها ونسيتها (2).
وروى أبو جعفر، عن ابن عباس، قال: خرج علي بن أبي طالب(علیه السلام) من عند رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في وَجَعِه الذي تُوفِّي فيه، فقال له الناس: يا أبا الحسن ،كيف أصبح رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ؟ قال : أصبح بحمد اللّه بارئاً . فأخذ العبّاس بيده، وقال: ألا ترى أنك ثلاث عبد العصا ! إنّي لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، فاذهب إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فسَله فيمن يكون هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا وضى بنا ، فقال عليّ : أخشى أن أسأله فيمنعناها فلا يعطيناها الناسُ أبداً (3).
وروت عائشة قالت: أغمي على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) والدّار مملوءة من النساء: أم سلمة، وميمونة، وأسماء بنت عُميس، وعندنا عمّه العبّاس بن عبد المطلب، فأجمعوا على أن يلدُّوه (4)، فقال العباس: لا الدُّه فلدُّوه، فلما أفاق قال :«مَنْ صنع بي هذا ؟ قالوا : عمّك قال لنا:«هذا دواء جاءنا من نحو هذه الأرض - وأشار إلى أرض الحبشة - قال :«فلم فعلتم
1) ذكره ابن سعيد في الطبقات الكبرى(256/2)، والطبري في تاريخه»(2/ 228)
2) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب : هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم (3053) ،ومسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي : فيه (1637) .
3) أخرجه البخاري في صحيحه : 136/7 ، وأخرجه البيهقي في سنته بما معناه : 49/8
4) اللدود ما يصب بالمسقط من السقي والدواء في أحد شقي الفم فيمر على اللديد
ذلك ؟ فقال العباس : خشينا يا رسول اللّه، أن يكون بك ذات الْجَنبِ (1)، فقال :«إنّ ذلك لداء ما كان اللّه ليقذفني به، لا يبقى أحد في البيت إلا لد إلا عمّي». قال: فلقد أدّت ميمونة وإنها الله لصائمة لقسم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عقوبة له بما صنعوا (2)
قال أبوجعفر : وقد وردت رواية أخرى عن عائشة، قالت : لدَدْنا رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) في ،مرضه فقال: «لا تلدوني»، فقلنا : كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: «لا يبقى أحد إلا لد غير العبّاس عمّي فإنه لم يشهدكم».
قال أبوجعفر:والذي تولى اللدود بيده أسماء بنت عميس. قلت :«العَجَب من تناقض هذه الروايات! في إحداها أن العباس لم يشهد اللدّود، فلذلك أعفاه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من أن يُلَدَّ ولد مَنْ كان حاضراً، وفي إحداها أن العبّاس حضر لده (علیه السلام)، وفي هذه الرواية التي تتضمّن حضور العباس في لده كلام مختلف، فيها أن العباس :قال : لا ألده، ثم قال : فلد فأفاق ،فقال : «مَنْ صنع بي هذا؟ قالوا : عمّك، إنه قال : هذا دواء جاءنا من أرض الحبشة لذات الجنب، فكيف يقول : «لا ألده»، ثم يكون هو الذي أشار بأن يلد، وقال: هذا دواء جاءنا من أرض الحبشة لكذا !
وسألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد البصري عن حديث اللدود، فقلت: : الدَّ علي بن أبي طالب ذلك اليوم ؟ فقال : معاذ اللّه ! لو كان لد لذكرت عائشة ذلك فيما تذكره وتنعاه عليه . قال : وقد كانت فاطمة حاضرة في الدار، وابناها معها ،أفتراها لدت أيضاً، ولد الحسن والحسين! كلاً، وهذا أمر لم يكن، وإنما هو حديث ولّده من ولده تقرباً إلى بعض الناس، والذي كان أنّ أسماء بنت عُميس أشارت بأن يُلد، وقالت: هذا دواء جاءنا من أرض الحبشة جاء به جعفر بن أبي طالب، وكان بعلها، وساعدتها على تصويب ذلك والإشارة به ميمونة بنت الحارث، فلدّ رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فلمّا أفاق أنكره، وسأل عنه ، فلما أفاق أنكره، وسأل عنه فذكر له كلام أسماء، وموا ميمونة لها، فأمر أن تلد الامرأتان لا غير، فلدتا ولم يجرِ غير ذلك. والباطل لا يكاد يخفى على مستبصر . وروت عائشة، قالت:كثيراً ما كنتُ أسمع رسول اللّه يقول : إن اللّه لم يقبض نبيًّا حتى يخيّره، فلما احتضر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) كان آخر كلمة سمعتها منه : «بل الرفيق الأعلى»، فقلت: إذا واللّه لا يختارنا، وعلمتُ أنّ ذلك ما كان يقوله من قبل .(3)
وروى الأرقم بن شُرَخبيل قال: سألتُ ابن عباس رحمه اللّه : هل أوصَى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فقال : لا قلت فكيف كان؟ فقال : إنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قال في مرضه : «ابعثوا إلى علي فادعوه»فقالت عائشة : لو بعثت إلى أبي بكر! وقالت :حفصة: لو بعثت إلى عمر! فاجتمعوا عنده جميعاً - هكذا لفظ الخبر على ما أورده الطبري في التاريخ، ولم يقل : «فبعث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إليهما - قال ابن عباس : فقال رسول اللّه( صلى الله عليه واله) : «انصرفوا، فإن تكن لي حاجة أبعث إليكم »فانصرفوا. وقيل لرسول اللّه : الصلاة! فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس»، فقالت عائشة : إنّ أبا بكر رجل رقيق فمر عمر، فقال: «مُرُوا عمر»، فقال عمر : ما كنت لأتقدّم وأبو بكرشاهد، فتقدّم أبو بكر، فوجد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)حقّة، فخرج، فلمّا سمع أبو بكر حركَتَهُ تأخر ، فجذب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ثوبه فأقامه مكانه، وقعد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فقرا من حيث انتهى أبو بكر.(1)
كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر (418).
قلت: عندي في هذه الواقعة كلام ،ويعترضني فيها شكوك واشتباه، إذا كان قد أراد أن يبعث إلى عليّ ليوصي إليه، فنفَسَتْ عائشة عليه، فسألت أن يحضرا أبوها ، ونَفَست حفصة عليه فسألت أن يحضر أبوها ، ثم حضرا ولم يُطلبا ، فلا شبهة أن ابنتيهما طلبتاهما . هذا هو الظاهر، وقول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وقد اجتمعوا كلّهم عنده «انصرفوا فإن تكن لي حاجة بعثت إليكم»، قول مَنْ عنده ضَجَر وغضب باطن لحضورهما، وتُهمة للنّساء في استدعائهما، فكيف يطابق هذا الفعل وهذا القول ما روي من أن عائشة قالت لما عين على أبيها في الصلاة:إن أبي رجل رقيق فمر عمر! وأين ذلك الحرص من هذا الاستعفاء والاستقالة ! وهذا يُوهم صحّة ما تقوله الشيعة من أنّ صلاة أبي بكر كانت عن أمر عائشة، وإن كنت لا أقول بذلك، ولا أذهب إليه إلا أنّ تأمّل هذا الخبر ولَمْحَ مضمونه يُوهِم ذلك، فلعلّ هذا الخبر غير صحيح.(2)وأيضاً ففي الخبر ما لا يجيزه أهلُ العدل، وهو أن يقول:«مروا أبا بكر»، ثم يقول عَقِبيه: «مروا عمر»، لأن هذا نسخ الشيء قبل تقضي وقت فعله (3).
فإن قلت : قد مضى من الزمان مقدار ما يمكّن الحاضرين فيه أن يأمروا أبا بكر، وليس في الخبر إلا أنه أمرهم أن يأمروه، ويكفي في صحّة ذلك مضي زمان يسير جداً يمكن فيه أن يقال : يا أبا بكر صلّ بالناس.
1) أخرج بنحوه البخاري، كتاب الأذان باب حد المريض أن يشهد الجماعة (664) ، ومسلم،
2) مع أنه موجود في الصحيحين بل أكثر الصحاح.
3) بل هناك أشكال أقوى وهو أن رسول الله بات يأخذ أوامره من امرأه لا من جبرائيل، فمرة يقول مروا فلان ومرة فلان فهل يراد أن يقال أن النبي كان يقول ما يقول في آخر حياته والعياذ بالله
قلتُ : الإشكال ما نشأ من هذا الأمر، بل من كون أبي بكر مأموراً بالصلاة، وإن كان بواسطة، ثم نُسخ عنه الأمر بالصلاة قبل مضي وقت يمكن فيه أن يفعل الصلاة. فإن قلت : لم قلتَ في صدر كلامك هذا : إنه أراد أن يبعث إلي علي ليوصي إليه؟ ولم لا يجوز أن يكون بعث إليه لحاجة له ؟ قلت : لأن مخرج كلام ابن عباس هذا المخرج، ألا ترى أن الأرقم بن شرحبيل الراوي لهذا الخبر قال : سألتُ ابن عباس : هل أوصى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ؟ فقال : لا ، فقلت : فكيف كان؟ فقال : إنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قال في مرضه :«ابعثوا إلى علي فادعوه»، فسألته المرأة أن يبعث إلي أبيها ، وسألته الأخرى أن يبعث إلى أبيها ، فلولا أن ابن عباس فهم من قوله(صلی اللّه علیه واله) : «ابعثوا إلى عليّ فادعوه» أنه يريد الوصية إليه، لما كان لإخبار الأرقم بذلك متصلاً بسؤاله عن الوصية معنى.
وروي القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة، قالت: رأيتُ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يموت وعنده قَدَح فيه ماء يُدخل يده في القَدَح ثم يمسح وجهه بالماء، ويقول: «اللهّم أعنّي على سكرالموت» ! (1).
وروي عُروة عن عائشة، قالت: اضطجع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم موته في حجري، فدخل علي رجل من آل أبي بكر، في يده مسواك اخضر، فنظر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إليه نظراً عرفت أنه يريده، فقلت له : أتحبّ أن أعطيكّ هذا المسواك ؟ قال : نعم، فأخذته فمضغته حتى ألنته ثم أعطيته إياه، فاستن به كأشدّ ما رأيته بستنّ بسواك قبل، ثم وضعه، ووجدت رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله) يثقُل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شخص، وهو يقول:«بل الرفيق الأعلى من الجنة»! فقلت : لقد خُيّرت فاخترت والذي بعثك بالحق! وقبض رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) (2)
قال الطبري : وقد وقع الاتفاق على أنه كان يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، واختلف في أي الأثانين كان؟ فقيل : لليلتين خَلَتا من الشهر، وقي: لاثنتي عشرة خَلتْ من الشهر. واختلف في تجهيزه أي يوم كان !فقيل : يوم الثلاثاء الغد من وفاته، وقيل: إنما دفن بعد وفاته بثلاثة أيام، اشتغل القوم عنه بأمر البيعة. وقد روى الطبري ما يدلُّ عَلَى ذلك عن زياد بن كليب ،عن إبراهيم النَّخَعِيّ أن أبا بكر جاء
بعد ثلاث إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وقد اربد (1)بطنه ، فكشف عن وجهه، وقبل عينيه، وقال: بأبي أنت وأمي ! طبت حَيًّا وطبت ميتاً ! (2)قلت :وأنا أعجب من هذا !هب أن أبا بكر ومَنْ معه اشتغلوا بأمر البيعة، فعلي بن أبي طالب والعباس وأهل البيت بماذا اشتغلوا حتى يبقى النبي (صلی اللّه علیه واله) مسجى بينهم ثلاثة أيام بلياليهنّ لا يغسلونه ولا يمّسونه!
فإن قلت: الرواية التي رواها الطبري في حديث الأيام الثلاثة، إنما كانت قبل البيعة، لأن لفظ الخبر عن إبراهيم، وأنّه لما قبض النبي(صلی اللّه علیه واله)كان أبو بكر غائباً فجاء بعد ثلاث ، ولم يجترىء أحدٌ أن يكشف عن وجهه (علیه السلام)حتى اربد بطنه، فكشف عن وجهه وقبل عينيه، وقال: بأبي أنت وأمي ! طبت حيا وطبت ميتاً ، ثم خرج إلى الناس، فقال : مَنْ كان يعبد محمّداً فإنّ محمداً قدمات ... الحديث بطوله.
قلت : لعمري إنّ الرواية هكذا أوردها، ولكنها مستحيلة، لأن أبا بكر فارق رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) وهوحي ، ومضى إلى منزله بالسُّنْح في يوم الإثنين، وهو اليوم الذي مات فيه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، لأنه رآه بارئاً صالح الحال. هكذا روى الطبري في كتابه، وبين السنح وبين المدينة نصف فرسخ، بل هو طائفة من المدينة، فكيف يبقى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ميتاً يوم الإثنين و یوم الثلاثاءويوم الأربعاء لا يعلم به أبو بكر، وبينهما غَلوة ثلاثة أسهم! وكيف يبقى طريحاً أهله ثلاثة أيام لا يجترىء أحد منهم أن يكشف عن وجهه، وفيهم علي بن أبي طالب وهو روحه بين جنبيه، والعبّاس عمّه القائم مقام أبيه ،وابنا فاطمة ،وهما كولديه، وفيهم فاطمة بضعة ،منه أفما كان في هؤلاء مَنْ يكشف عن وجهه، ولا مَنْ يفكر في جهازه، ولا مَنْ يأنف له من انتفاخ بطنه واخضرارها وينتظر بذلك حضور أبي بكر ليكشف عن وجهه !
أنا لا أصدّق ذلك، ولا يسكن قلبي إليه، والصحيح أن دخول أبي بكر إليه وكشفه عن وجهه، وقوله ما قال ،إنما كان بعد الفراغ من البيعة، وأنهم كانوا مشتغلين بها كما ذكر في الرواية الأخرى.
وبقي الإشكال في قعود علي(علیه السلام) عن تجهيزه. إذا كان أولئك مشتغلين بالبيعة، فما الذي
عليك شغله هو؟ فأقول :يغلب على ظنّي- إن صحّ ذلك- أن يكون قد فعله شناعة على أبي بكر وأصحابه،
حيث فاته الأمر، واستؤثر عليه به، فأراد أن يتركه(علیه السلام) بحاله لا يحدث في جهازه أمراً ليثبت عند الناس أن الدنيا شغلتهم عن نبيهم ثلاثة أيام، حتى آل أمره إلى ما ترون، وقد كان له يتطلب الحيلة في تهجين أمر أبي بكر حيث وقع في السقيفة ما وقع بكل طريق، ويتعلّق بأدنى سبب من أمور كان يعتمدها، وأقوال كان يقولها ، فلعل هذا من جُملة ذلك، أو لعله إن صح ذلك، فإنما تركه بوصية منه إليه وسرّ كانا يعلمانه في ذلك.
فإن قلت : فلم لا يجوز أن يقال - إن صح ذلك: إنه أُخْرَ جهازه ليجتمع رأيه ورأي المهاجرين على كيفية غسله وتكفينه، ونحو ذلك من أموره؟
قلت : لأنّ الرواية الأولى تبطل هذا الاحتمال ، وهي قوله (علیه السلام) لهم قبل موته :«يغسلني
أهلي الأدنى منهم فالأدنى، وأكفّن في ثيابي أو في بياض مصر أو في حلة يمنيّة».
قال أبو جعفر : فأما اللذين تولَّوْا غَسله فعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب ،والفضل بن العباس، وقُثَم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وحضر أوس بن خولي أحد الخزرج، فقال لعلي بن أبي طالب : أنشدك اللّه يا علي وحظّنا من رسول اللّه! وكان أوّس من أصحاب بدر، فقال له: ادخل، فدخل فحضر غسله عليه الصلاة والسلام، وصبّ الماء عليه أسامة وشقران ،وكان علي(علیه السلام) يغسله وقد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلّكه من ورائه، لا يفضي بيده إلى بدن رسول اللّه(صلی اللّه علی واله) ، وكان العباس وابناه الفضل وقُثَم يساعدونه على قلبه من جانب إلى جانب.
قال أبوجعفر:وروت عائشة أنّهم اختلفوا في غَسْله : هل يجرَّد أم لا ؟ فألقى اللّه عليهم السنة حتى ما منهم رجل إلا وذقنه على صدره، ثم كلّمهم متكلّم من ناحية البيت لا يدري مَنْ هو : غسلوا النبي وعليه ثيابه. فقاموا إليه فغسلوه ،وعليه قميصه فكانت عائشة تقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه.
قلت:حضرت عند محمد بن معد العلوي في داره ببغداد، وعنده حسن بن معالي الحِلّي
المعروف بابن الباقلاوي وهما يقرآن هذا الخبر، وهذه الأحاديث من تاريخ الطبري معد لحسن بن معالي : ما تراها قصدت بهذا القول؟ قال : حسدت أباك على ما كان يفتخر به من غسل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ! فضحك محمد!، فقال : هبها استطاعت أن تزاحمه في الغسل، هل تستطيع أن تزاحمه في غيره من خصائصه!
قال أبو جعفر الطبري : ثم كُفّن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثواب : ثوبين صُحارتين (1)
1) نسبة إلى صحار قرية باليمن اللسان، مادة (صحر)
وبُرْد حبرة (1). أدرج فيها إدراجاً ، وأجد له على عادة أهل المدينة، فلما فرغوا منه وضعوه على
سریره .واختلفوا في دَفنه، فقال قائل : ندفنه في مسجده، وقال قائل : ندفنه في البقيع مع أصحابه، وقال أبو بكر : سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يقول: «ما قبض نبي إلا ودُفن حيث قبض» (2)، فرفع فراش رسول اللّه الذي تُوفِّي فيه، فحفر له تحته .
قلت كيف اختلفوا في موضع دفنه، وقد قال لهم: «فضعوني على سريري في بيتي هذا، على شفير قبري»، وهذا تصريح بأنّه يُدفن في البيت الذي جمعهم فيه، وهو بيت عائشة، فإما أن يكون ذلك الخبر غير صحيح، أو يكون الحديث الذي تضمن أنّهم اختلفوا في موضع دفنه ، وأن أبا بكر رَوَي لهم أنه قال: «الأنبياء يدفنون حيث يموتون» غير صحيح، لأن الجمع بين هذين الخبرين لا يمكن . وأيضاً ، فهذا الخبر ينافي ما ورد في موت جماعة من الأنبياء نقلوا من موضع موتهم إلى
مواضع أخر، وقد ذكر الطبري بعضهم في أخبار أنبياء بني إسرائيل.
وأيضاً، فلو صح هذا الخبر لم يكن مقتضياً إيجاب دفنِ النبي (صلى اللّه عليه وآله) حيث قبض، لأنّه ليس بأمرٍ بل هو إخبار محض ،اللهّم إلا أن يكونوا فهموا من مخرج لفظه (علیه السلام)ومن مقصده أنه أراد الوصية لهم بذلك، والأمر بدفنه حيث يقبض .
قال أبوجعفر:ثم دخل النّاس فصلوا عليه أرسالاً، حتى إذا فرغ الرّجال أدخل النساء، حتى إذا فرغ النّساء أدخل الصبيان، ثم أدخل العبيد، ولم يؤمهم إمام، ثم دفن (صلی اللّه علیه واله) وسط الليل من ليلة الأربعاء.
قال أبوجعفر وقد روت عَمْرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة قالت :ما علمنا بدفن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حتى سمعنا صوت المساحي (3)في جَوْف الليل، ليلة الأربعاء (4)قلت : وهذا أيضاً من العجائب، لأنه إذا مات يوم الإثنين وقت ارتفاع الضُّحَى - كما ذكر في الرواية - ودفن ليلة الأربعاء وسط الليل، فلم يمض عليه ثلاثة أيام كما ورد في تلك الرواية . وأيضاً فمن العجب كون عائشة، وهو في بيتها لا تعلم بدفنه حتى سمعت صوت المساحي،
أتراها أين كانت! وقد سألت عن هذا جماعة، فقالوا : لعلّها كانت في بيت يجاور بيتها عندها نساء كما جرت عادة أهل الميّت، وتكون قد اعتزلت بيتها وسكنت ذلك البيت، لأنّ بيتها مملوء بالرجال من أهل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وغيرهم من الصحابة، وهذا قريب، ويحتمل أن يكون.
قال الطبري : ونزل في قبر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، والفضل بن عباس، وقُثَم أخوه، وشقران مولاهم. وقال أوس بن خولي لعلي(علیه السلام): أنشدك اللّه يا علي وحظنا من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)! فقال له : انزل، فنزل مع القوم، وأخذ شقران قطيفة كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يلبسها، فقذفها معه في القبر، وقال: لا يلبسها أحد بعده.
قلت : مَنْ تأمّل هذه الأخبار،علم أنّ عليها (علیه السلام)كان الأصل والجملة والتفصيل في أمر
لك رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وجهازه، ألا ترى أنّ أوس بن خوليّ لا يخاطب أحداً من الجماعة غيره، ولا يسأل غيره في حضور الغسل والنزول في القبرا ثم انظر إلى كرم علي(علیه السلام) وسَجَاحة (1)اخلاقه وطهارة شيمته، كيف لم يضنّ بمثل هذه المقامات الشريفة عن أوس، وهو رجل غريب من الأنصار، فعرف له حقه وأطلبه !بما طلبه فكم بين هذه السجيّة الشريفة، وبين قول مَنْ قال : لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما غسل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و إلا نساؤه! ولو كان في ذلك المقام غيره من أولي الطباع الخشنة ، وأرباب الفظاظة والغلظة، وقد سأل أوّس ذلك - لزجر وانتهر ورجع خائباً !
قال الطبري : وكان المغيرة بن شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهداً برسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ، ويقول للناس : إنني أخذت خاتمي فألقيته في القبر، وقلت : إن خاتمي قد سقط منّي، وإنّما طرح عمداً، لأمسّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، فأكون آخر الناس به عهداً .
قال الطبري : فرَوَي عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، قال : اعتمرت مع علي بن أبي طالب (علیه السلام) في زمان عمر- أو عثمان - فنزل على أخته أمّ هاني بنت أبي طالب، فلما فرغ من عُمرته رجع وقد سكب له غسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نَفَرّ من أهل العراق، فقالوا : يا أبا الحسن ،جئناك نسألك عن أمر نحبّ أن تخبرنا به !فقال: أظنّ المغيرة يحدثكم أنّه أحدَثُ الناس عهداً برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ! قالوا : أجل، عن ذا جئنا نسألك ! قال : كذب ! أحدث الناس عهداً برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قم بن العباس، كان آخرنا خروجاً من قبره.
قلت: بحق ما عاب أصحابنا رحمهم اللّه المغيرة وذمّوه وانتقصوه !فإنه كان على طريقة غير محمودة، وأبى اللّه إلا أن يكونَ كاذباً على كل حال، لأنّه إن لم يكن أحدثهم بالنبي عهداً، فقد
1) خلق سجيح لين سهل اللسان، مادة (سجح) .
كذب في دعواه أنه أحدثهم به عهداً، وإن كان أحدثهم به عهداً كما يزعم فقد اعترف بأنه كذب في قوله لهم :«سقط خاتمي منّي»، وإنما ألقاه عمداً، وأين المغيرة ورسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ليدّعي القرب منه، وأنّه أحدث الناس عهداً به! وقد علم اللّه تعالى والمسلمون أنه لولا الحدث، الذي أحدث، والقوم الذين صحبهم فقتلهم غَدْراً، واتخذ أموالهم، ثم التجأ إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ليعصمه لم يُسلم، ولا وطى حصا المدينة .
قال الطبري : وقد اختلف في سنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فالأكثرون أنه كان ابن ثلاث وستين سنة، وقال قوم: ابن خمس وستين سنة، وقال قوم: ابن ستين.
فهذا ما ذكره الطبري في تاريخه. وروي محمد بن حبيب في «أماليه» قال : تولّى غسل النبي (صلی اللّه علیه واله) علي (علیه السلام) والعباس رضي اللّه عنه. وكان علي(علیه السلام) يقول بعد ذلك : ما شممت أطيب من ريحه ،ولا رأيت أضوا من وجهه حينئذ، ولم أره يعتاد فاه ما يعتاد أفواه الموتى .
قال محمد بن حبيب: فلمّا كشف الأزار عن وجهه بعد غسله انحنى عليه فقبله مراراً، وبكى طويلاً وقال: بأبي أنت وأمي! طبت حيا وطبت ميتاً ! انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد سواك من النبوة والأنباء وأخبار السماء! خصصت حتى صرت مسلّياً عمن سواك، وعمّمت حتى صارت المصيبة فيك سواء! ولولا أنك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع لأنفدنا عليك ماء الشؤون (1)، ولكن أتى ما لا يُدفع ! أشكو إليك كمداً وإدباراً مخالفين وداء الفتنة، فإنها قد استعرت نارها وداؤها الداء الأعظم! بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك وهمك ! ثم نظر إلى قَذَاة في عينه فلفظها بلسانه ، ثم ردّ الإزار على وجهه .
وقد روى كثير من الناس ندبة فاطمة (علیهالسلام) أباها يوم موته وبعد ذلك اليوم، وهي الفاظ معدودة مشهورة، منها:« يا أبتاه! جنة الخلد مثواه يا أبتاه !عند ذي العرش مأواه !يا أبتاه! كان جبرائيل يغشاه! يا أبتاه لست بعد اليوم أراه!». ومن الناس مَنْ يذكر أنها كانت تشوبُ هذه الندبة بنوع من التظلم والتألم لأمر يغلبها. واللّه أعلم بصحة ذلك
1) الشؤون: جمع شأن، وهو مجرى الدمع إلى العين ،اللسان، مادة (شأن).
والشيعة تروي أن قوماً من الصحابة أنكروا بكاءها الطويل، ونهوها عنه، وأمروها بالتنحي عن مجاورة المسجد إلى طرف من أطراف المدينة. وأنا أستبعد ذلك، والحديث يدخله الزيادة والنقصان، ويتطرق إليه التحريف والافتعال ،ولا أقول أنا في أعلام المهاجرين إلا خيراً !
الأصل: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلَا تَرَاهُ النَّواظِرُ، وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، الدَّال عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ، وَاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ. الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ، وَارْتَفَعَ عَنْ ظُلْم عِبَادِهِ، وَقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ، وَعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ، مُسْتَشْهِدُ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنْ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَبِمَا أضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنْ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ.
وَاحِدٌ لا بِعَدَدٍ، وَدَائِمٌ لا بأمَدٍ، وَقَائمٌ لاَ بِعَمَدٍ. تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لَا بِمُشَاعَرَةٍ، وَتَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائي لا بِمُحَاضَرَةٍ، لَمْ تُحِطْ بِهِ بِهَا الْأَوْهَامُ، بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا. وَبِهَا أَمْتَنَعَ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا حَاكَمَهَا .
لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النَّهَايَاتُ فَكَبَّرَتهُ تَجْسِيماً ، وَلَا بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظْمَتْهُ تَجْسِيداً ، بَلْ كَبُرَ شَأْنَا ، وَعَظُمَ سُلْطَاناً . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرُسُولُهُ الصَّفِيُّ، وَأَمِينُهُ الرَّضِيُّ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ، وَظُهُورِ الْفَلَجِ، وَإِيضَاحِ الْمَنْهَجِ، فَبَلْغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا، وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالأَ عَلَيْهَا ، وَأَقَامَ أَعْلَامَ الاهْتِدَاءِ، وَمَنَارَ الضّياءِ، وَجَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلامِ مَتِينَةٌ ، وَعُرًا الْإِيمَانِ وَثِقَةٌ .
الشرح: الشواهدها هنا يريد بها الحواس، وسمّاها «شواهد» إما لحضورها، شهد فلان كذا أي حضره، أو لأنها تشهد على ما تدركه وتثبته عند العقل، كما يشهد الشاهد بالشيء ويثبته عند الحاكم.والمشاهد هاهنا :المجالس والنوادي ، يقال : حضرت مشهد بني فلان، أي
ناديهم ومجتمعهم. ثم فسّر اللفظة الأولى وأبان عن مراده بها بقوله :«ولا تراه النواظر»، وفسّر اللفظة الثانية وأبان عن مرادها ،فقال: «ولا تحجبه السواتر».
ثم قال: «الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده»، هذا مشكل، لأن لقائل أن يقول : إذا دلّ على قدمه بحدوث خلقه، فقد دخل في جملة المدلول كونه موجوداً ، لأنّ القديم هو الموجود ولم يزل ،فأي حاجة إلى أن يعود فيقول : وبحدوث خلقه على وجوده ! ولمجيب أن يجيب على طريقة شيوخنا أصحاب أبي هاشم ، فيقول : لا يلزم من الاستدلال بحدوث الأجسام على أنه لا بد من محدث قديم كونه موجوداً ، لأن عندهم أنّ الذات المعدومة قد تتّصف بصفات ذاتية، وهي معدومة، فلا يلزم من كون صانع العالم عندهم عالماً قادراً حيّا أن يكون موجوداً، بل لا بد من دلالة زائدة ،على أن له صفة الوجود وهي والدلالة التي يذكرونها، من أن كونه قادراً عالماً تقتضي تعلّقه بالمقدور والمعلوم، وكل ذاتٍ متعلّقة، فإنّ عدمها يخرجها عن التعلّق كالإرادة، فلو كان تعالى معدوماً لم يجز أن يكون متعلقاً، فحدوث الأجسام إذاً قد دلّ على أمرين من وجهين مختلفين :
أحدهما: أنّه لا بدّ من صانع له، وهذا هو المعني بقدمه .والثاني: أنّ هذا الصانع له صفة لأجلها يصحّ على ذاته أن تكون قادرة عالمة، وهذا هو المعني بوجوده. فإن قلت : أيقول أصحاب شيخكم أبي هاشم إنّ الذات المعدومة التي لا أوّل لها تسمّى قديمة؟ قلت : لا ، والبحث في هذا بحث في اللفظ لا في المعنى.
والمراد بقوله(علیه السلام) : «الدال بحدوث الأشياء على قدمه»، أي على كونه ذاتاً لم يجعلها ،جاعل وليس المراد بالقدم هاهنا الوجود لم يزل ،بل مجرد الذاتيّة لم يزل . ثم يستدل بعد ذلك بحدوث الأشياء على أن له صفة أخرى لم تزل زائدة على مجرد الذاتية، وتلك الصفة وجوده، فقد اتضح المراد الآن. فإن قلت : فهل لهذا الكلام مساءً على مذهب البغداديين؟ قلت: نعم، إذا حمل على منهج التأويل بأن يرد بقوله :«وبحدوث خلقه على وجوده»، أي على صحّة إيجاده له فيما بعد، أي إعادته بعد العدم يوم القيامة، لأنه إذا صحّ منه تعالى إحداثه ابتداءً صحّ منه إيجاده ثانياً على وجه الإعادة، لأنّ الماهيّة قابلة للوجود والعدم، والقادر قادر لذاته، فأما من روى بحدوث خلقه على وجوده، فإنه قد سقطت عنه هذه الكلف كلّها، والمعنى على هذا ظاهر، لأنه تعالى دلّ المكلفين بحدوث خلقه على أنه جواد منعم، ومذهب أكثر المتكلمين أنه خلق العالم جوداً وإنعاماً وإحساناً إليهم.
قوله(علیه السلام) :«وباشتباههم على أن لا شبه له» هذا دليل صحيح، وذلك لأنه إذا ثبت أن جسماً ما محدّث، ثبت أن سائر الأجسام محدثة، لأن الأجسام متماثلة، وكل ما صحّ على الشيء صحّ على مثله، وكذلك إذا ثبت أن سواداً ما أو بياضاً ما محدّث، ثبت أن سائر السوادات والبياضات محدثة، لأن حكم الشيء حكم مثله، والسواد في معنى كونه سواداً غير مختلف، وكذلك البياض، فصارت الدلالة هكذا الذوات التي عندنا يشبه بعضها بعضاً ،و هي محدّثة، فلو كان الباري سبحانه يشبه شيئاً منها لكان مثلها، ولكان محدثاً لأنّ حكم الشيء حكم مثله، لكنه تعالى ليس بمحدّث، فليس بمشابه لشيء منها، فقد صحّ إذا قوله(علیه السلام) :«وباشتباههم على أن لا شبه له».
قوله(علیه السلام) : «الذي صدق في ميعاده»، لا يجوز ألا يصدق، لأن الكذّب قبيح عقلاً، والباري تعالى يستحيل منه من جهة الدّاعي والصارف أن يفعل القبيح.
قوله(علیه السلام) :«وارتفع عن ظلم عباده»، هذا هو مذهب أصحابنا المعتزلة وعن أمير المؤمنين(علیه السلام) أخذوه، وهو أستاذهم وشيخهم في العدل والتوحيد ،فأما الأشعرية، فإنها وإن السلام كانت تمتنع عن إطلاق القول بأنّ اللّه تعالى يظلم العباد إلّا أنّها تعطي المعنى في الحقيقة، لأنّ اللّه عندهم يكلّف العباد ما لا يطيقونه، بل هو سبحانه عندهم لا يكلفهم إلا ما لا يطيقونه، بل هو سبحانه عندهم لا يقدر على أن يكلّفهم ما يطيقونه، وذلك لأنّ القدرة عندهم مع الفعل، فالقاعد غير قادر على القيام، وإنما يكون قادراً على القيام ،عند حصول القيام، ويستحيل عندهم أن يوصف الباري تعالى بإقدار العبد القاعد على القيام، وهو مع ذلك مكلّف له أن يقوم، وهذا
غاية ما يكون من الظلم سواء أطلقوا هذه اللفظة عليه أولم يطلقوها .ثم أعاد الكلام الأول في التوحيد تأكيداً ،فقال: حدوث الأشياء دليل على قدمه، وكونها عاجزة عن كثير من الأفعال دليل على قدرته، وكونها فانية دليل على بقائه. فإن قلت : أما الاستدلال بحدوث الأشياء على قدمه فمعلوم، فكيف يكون الاستدلال على الأمرين الأخيرين!
قلت : إذا شاركه سبحانه بعض الموجودات في كونه موجوداً، وافترقا في أن أحدهما لا يصح منه فعل الجسم، ولا الكون ولا الحياة، ولا الوجود المحدث - ويصحّ ذلك من الموجودات القديمة - دلّ على افتراقهما في أمر لأجله صَح من القديم ذلك، وتعذّر ذلك على المحدث، وذلك الأمر هو الذي يسمّى من كان عليه قادراً، وينبغي أن تحمل لفظة «العجز» ها هنا على المفهوم اللغوي، وهو تعذّر الإيجاد، لا على المفهوم الكلامي. وأما الاستدلال الثاني، فينبغي أن يحمل الفناءها هنا على المفهوم اللغويّ ، وهو تغير الصفات وزوالها، لا على المفهوم الكلامي، فيصير تقدير الكلام لما كانت الأشياء التي بيننا
تتغيّر وتتحوّل وتنتقل من حال إلى حال، وعلمنا أنّ العلة المصحّحة لذلك كونها محدثة، علمنا أنه سبحانه لا يصحّ عليه التنقل والتغيّر لأنه ليس بمحدّث.
ثم قال :«واحد لا بعدد» لأن وحدته ذاتيّة، وليست صفة زائدة عليه، وهذا من الأبحاث الدقيقة في علم الحكمة، وليس هذا الكتاب موضوعاً لبسط القول في أمثاله. ثم قال:«دائم لا بأمَد»، لأنه تعالى ليس بزماني ولا داخل تحت الحركة والزمان، وهذا أيضاً من دقائق العلم الإلهي، والعرب دون أن تفهم هذا أو تنطق به، ولكن هذا الرجل كان ممنوحاً من اللّه تعالى بالفيض المقدّس والأنوار الربانيّة.
ثم قال: «قائم لا بعمد»، لأنّه لما كان في الشاهد كل قائم فله عماد يعتمد عليه، أبان(علیه السلام) تنزيهه تعالى عن المكان ،وعمّا يتوهمه الجهلاء من أنه متسقر على عرشه بهذه اللفظة. ومعنى القائم ها هنا ليس ما يسبق إلى الذهن من أنه المنتصب؟ بل ما تفهمه من قولك : فلان قائم بتدبير البلد، وقائم بالقسط .
ثم قال: «تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة»، أي تتلقاه تلقياً عقلياً، ليس كما يتلقى الجسم الجسم بمشاعره وحواسه وجوارحه، وذلك لأن تعقل الأشياء وهو حصول صورها في العقل بريئة من المادة، والمراد بتلقّيه سبحانه ها هنا تلقي صفاته، لا تلقي ذاته تعالى، لأن ذاته تعالى لا تتصوّرها العقول ،وسيأتي إيضاح أن هذا مذهبه(علیه السلام).
ثم قال:« وتشهد له المرائي لا بمُحاضرة»، المرائي :جمع مرئي، وهو الشيء المدرك بالبصر، يقول : المرئيات تشهد بوجود البارىء، لأنه لولا وجوده لما وجدت، ولو لم توجد لم تكن مرئيّات ،وهي شاهدة بوجوده لا كشهادتها بوجود الأبصار، لأنها شهدت بوجود الأبصار لحضورها فيها. وأما شهادتها بوجود البارى فليست بهذه الطريق، بل بما ذكرناه. والأولى أن يكون «المرائي» ها هنا جمع (مَرْآة) بفتح الميم ،من قولهم : هو حسن في مرآة عيني ، يقول : إنّ جنس الرؤية يشهد بوجود الباري من غير محاضرة منه للحواس.
قوله(علیه السلام):«لم تُحط به الأوهام» إلى قوله(علیه السلام) و«إليها حاكمها»،هذا الكلام دقيق ولطيف،والأوهام ها هنا هي العقول يقول : إنه سبحانه لم تحط به العقول، أي لم تتصوّركنة (1)ذاته، ولكنّه تجلّي للعقول بالعقول، وتجلّيه ها من هو كشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من صفاته الإضافية والسلبيّة لا غير ،وكشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من أسرار مخلوقاته، فأما غير ذلك فلا ، وذلك لأن البحث النظري قد دلّ على أنا لم نعلم منه سبحانه إلا الإضافة والسلب، أما الإضافة فكقولنا : عالم قادر، وأمّا السّلب فكقولنا :ليس بجسم ولا
1) كنه الشيء: جوهره وحقيقته . اللسان، مادة (كنه).
عرض ولا يُرى، فأمّا حقيقة الذات المقدسة المخصوصة من حيث هي هي، فإنّ العقل لا يتصوّرها، وهذا مذهب الحكماء وبعض المتكلمين من أصحابنا ومن غيرهم. ثم قال « وبالعقول امتنع من العقول» أي وبالعقول وبالنظر، علمنا أنه تعالى يمتنع أن تدركه العقول . ثم قال :«وإلى العقول حاكم العقول»، أي جعل العقول المدعية أنها أحاطت به وأدركته كالخصم له سبحانه، ثم حاكمها إلى العقول السليمة الصحيحة النظر، فحكمت له سبحانه على العقول المدعيّة لما ليست أهلاً له. واعلم أنّ القول بالحيرة في جلال ذات الباري والوقوف عند حد محدود لا يتجاوزه العقل قول ما زال فضلاء العقلاء قائلین به.
ومن شعري الذي أسلك فيه مسلك المناجاة عند خلواتي وانقطاعي بالقلب إليه سبحانه قولي :
واللّه لا موسى ولا عیسى *** المسيح ولا محمد
علموا ولا جبريل وهو *** إلى محل القدس يصعد
كلاً ولا النفس البسیطة،*** لا ولا العقل المجرد
من کنه ذاتك غير أنّك *** واحدي الذاتِ سَرْمَدُ (1)
وَجَدُوا إضافاتٍ وسَلْ *** باً والحقيقة ليس تُوجَدْ
و رأوا وجوداً واجباً *** يَفنِّي الزَّمان وليس يَنْفَذ
فلتخسأ الحُكماء عَنْ *** جِرم له الأفلاك تَسْجُدُ
مَنْ أنت يا رِسْطو ومَنْ *** أفلاط قبلك يا مبلّد!
ومن ابن سين سیناحين قرّ*** رما بنیتَ له وشَيَّدْ
هل أنتم إلا الفرا *** ش رأى الشّهابَ وقد توقد
فدنا فأخرق فاخرق نَفْسَه ***ولو اهتدى رُشْداً لأبعد!
ومما قلته أيضاً في قصور العقل عن معرفته سبحانه وتعالى : فيك يا أعجوبة الكون غ*** دَا الفكرکَلِیلا
1) السرمد : الدائم الذي لا ينقطع اللسان، مادة (سرمد).
أنت حيرت ذوي اللّب *** وبلْبَلْتَ (1)العُقُولاً
کُلَما أقدم فكري *** فيك شبراً فر ميلاً
ناكصا (2)يخبط في عَمْ *** ياء لا يُهدَى السَّبِيلا
ولي في هذا المعنى:
فيك يا أغلوطة الفکر *** تاه عقلي وانقضى عُمري
سافرت فيك العقولُ فما *** ربحث إلا أذَى السفر
رجعتْ حَسْرَى وما وقفت *** لاعلى ن ولا أثرِ
فلحي (3)اللّه الأُلَى زَعَمُوا *** أنك المعلومُ بالنَّظر
كذبوا إِنّ الذي طلبوا *** خارج عن قوة البشر
وقلت أيضاً في المعنى :
أفنيت خمسين عاماً معملاً نظري *** فيه، فلم أدر ما آتي وما أذرُ
مَنْ كانَ فوق عقول القايسين فما *** ذا يدرك الفكر أو ما يبلغ النظر
ولي أيضاً :
حبیبي أنت لا زيد وعمرو *** وإن حَيَّرتني وفتنت ديني
طلبتك جاهداً خمسين عاماً *** فلم أحصل على بردِ اليقين
فهل بعد الممات بك اتصال *** فأعلمُ غامض السر المصون !
نوّى قُذف وكم قدمات قبلي *** بحسرته عليك من القرون !
ومن شعري أيضاً في المعنى، وكنت أنادي به ليلاً في مواضع مقفرة خالية من الناس ،بصورت رفيع، وأجدح قلبي أيام كنت مالكاً أمري ،مطلقاً من قيود الأهل والولد وعلائق الدنيا :
با مُدْهِش الألباب والفطن *** ومحيّر الثقوالة اللين
أفنيتُ فيك العمر أنفقُهُ *** والمال مجاناً بلا ثمن
أتتبع العلماء أسألهم *** وأجول في الآفاق والمُدنِ
وأخالط المِللَ الَّتي اختلفت *** في الدين حتى عابد الوَثَنِ
وظننتُ أني بالغ غَرَضِي *** لما اجتهدت ومبرى شَجَنِي
ومظهر من كل رجس هوی *** قلبي بذاك وغاسِل درني
فإذا الذي استكثرت منه هو ال- ***جاني عليّ عظائم المحن
فضللتُ في تيه بلاعلم *** وغرقت في يم بلاسُفُنِ
ورجعت صِفْرَ الكف مكتئباً *** حیران ذا هَم وذا حَزَنِ
أبكي وأنكت في الثرى بيدي *** طوراً وأدعم تارة ذقني
وأصيح يا من ليس يعرفه *** أحد مدى الأحقاف والزَّمَنِ !
يا مَنْ له عَنَتِ الوجوه ومَنْ ***قرنت له الأعناق في قَرَنِ
آمنت يا جذر الأصم في ال*** أعداد بل يا فتنة الفتن
أن ليس تدرِكُك العيون *** و أن الرأي ذو أفن وذوغَبَن
والكلّ أنت فكيف يدركه *** بعض وأنت السر في العلن
ومما قلته في المعنى :
ناجيته ودعوته اكشف عن عشا *** قلبي وعن بصري وأنت النّورُ
وارفع حجاباً قد سَدَلت ستوره *** دوني، وهل دون المحب ستور!
فأجابني : صه يا ضعيف فبعض ذا *** قد رامه مُوسى فدُكَ الطور
أعجبني هذا المعنى، فنقلته إلى لفظ آخر فقلت :
حبيبي أنتَ مِنْ دُونِ البرايا *** وإن لم أحظ منك بما أريدُ
قنعتُ من الوصال بكشف حال *** فقيل ارجع فمطلبها بعيد
ألم تسمع جواب سؤال موسى *** ولیس علی مکانته مزید
تعرّض للذي حَاوَلتُ يوماً *** فدك الصخر واضطرم الصَّعِيدُ
ولي في هذا المعنى أيضاً :
قد حار في النفس جميع الورى *** والفكر فيها قد غذا ضائعاً
وبَرْهَنَ الكُل على ما ادْعُوا *** وَلَيْسَ بُرْهانُهم قَاطِعَا
مَنْ جَهِلَ الصَّنْعَةَ عَجْزاً فَما *** أجدَرهُ أن يجهل الصَّانِعَا!
ولي أيضاً في الردّ على الفلاسفة الذين علّلوا حركة الفلك بأنه أراد استخراج الوضع أولاً، ليتشبه بالعقل المجرّد في كماله ،وأنّ كلّ ما له بالقوة فهو خارج إلى الفعل :
تحيّر أربابُ النُّهَى وتعجَّبُوا *** من الفَلَكِ الأقصى لماذا تحركا
فقيل بطبع كالثقيل إذا هَوَى *** وقيل اختياراً والمحقق شككا
فردَّ حديث الطبع إذ كان دائراً *** وليس على سَمْتِ قویم فیسلکَا
وقيل لمن قال اختياراً فما الذي *** دعاء إلى أن دار ركضاً فاؤشکَا
فقالوا لوضع حادث يستجدّه *** يعاقب منه مطلباً ثم مترکَا
فقيل لهم هذا الجنون بعينه *** ولو رامه منّا امرؤ كان أعْفَكَا
ولو أن إنساناً غدا ليس قصده *** سوى الوضع واستخراجه عُدَّ مضحكًا
ولي أيضاً في الردّ على مَنْ زعم أن النبي(صلی اللّه علیه واله) رأى اللّه سبحانه بالعين، وهو الذي أنكرته عائشة (1)، والعجب لقوم من أرباب النظر جهلوا ما أدركته امرأة من نساء العرب :
عجبت لقوم يزعمون نبيُّهُمْ *** رَأى رَبَّهُ بالعين، تبا لهم تبا!
وهل تُدرِك الأبصارُ غير مكيف *** وكيف تبيحُ العين ما يمنعُ القلبا !
إذا كان طرف القلب عن كنهه نَبا *** حَسيراً، فطرف العين عن كنهه أنبي !
والمقطّعات التي نظمتها في إجلال البارى سبحانه عن أن تحيط به العقول كثيرة، موجودة في كتبي ومصنفاتي، فلتلمح من مظانها، وغرضنا بإيراد بعضها أن لها هنا تشييداً لما قاله أمير المؤمنين (علیه السلام)علي في هذا الباب. قوله :«اليس بذي كبر»إلى قوله و«عظم سلطاناً»، معناه أنه تعالى يطلق عليه من أسمائه الكبيروالعظيم، وقد ورد بهما القرآن العزيز، وليس المراد بهما ما يستعمله الجمهور من قولهم : هذا الجسم أعظم وأكبر مقداراً من هذا الجسم، بل المراد عِظم شأنه وجلالة سلطانه.
1) أخرجه البخاري كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة (3234) ، ومسلم، كتاب الإيمان :باب معنى قول الله عز وجل : وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزَلَةٌ أُخْرَى) (177) .
والفلج : النُّصرة، وأصله سكون العين، وإنّما حرّكه ليوازن بين الألفاظ، وذلك لأن الماضي، منه فَلَج الرجلُ على خصمه بالفتح، ومصدره الفلج بالسكون، فأما من روي:«وظهور الفُلُج» بضمتين فقد سقط عنه التأويل، لأن الاسم من التأويل، لأن الاسم من هذا اللفظ : «الفلج» بضم أول الكلمة، فإذا استعملها أو الخطيب جاز له ضم الحرف الثاني .
وصادعاً بهما : مظهراً مجاهداً، وأصله الشق . والأمراس: الجبال والواحد مرس، بفتح الميم والراء.
الأصل: منها في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوان: وَلَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَجَسِيمِ النِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وَلكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ. أَلاَ يَنْظُرُونَ إِلى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وَأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ، وَفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ!
أنْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُنَّتِهَا ، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا ، لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا ، وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا ، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا ، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا ، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا ، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا ، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا ، مَرْزُوقَةٌ بِوَفْقِهَا ، لا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ، وَلاَ يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، وَلَوْ فِي الصَّفَا الْبَابِسِ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ وَلَوْ فَكَرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا ، وَفِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا ، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا ، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً ! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ، وَلَمْ يُمِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ . وَلَوْ ضَرَبْتُ فِي مَذَاهِبٍ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ فَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ الدَّلالَه إلا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وَغَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ .
وَمَا الْجلِيلُ وَاللَّطِيفُ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلا سَوَاءٌ . وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ وَالْهَوَاهُ، وَالرَّبَاحُ وَالْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ ، وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَاخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَفَجْرِ هَذِهِ الْبِحَارِ، وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ، وَطُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ، وَتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَالأَنْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ. فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ ، وَجَحَدَ الْمُدَبِّرَ !
زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعُ ، وَلاَ لِاخْتِلافِ صُوَرِهِمْ صَانِعُ، وَلَمْ يَلْجَأوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا، وَلاَ تَحْقِيقِ لِمَا دَعَوْا، وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءً مِنْ غَيْرِ بَانِ، أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ!
الشرح: مدخولة : معيبة . وفَلَق : شقّ وخلق. والبَشَر : ظاهر الجلد.
قوله(علیه السلام):«وصبت على رزقها»، قيل : هو على العكس، أي وصب رزقُها عليها، والكلام صحيح ولا حاجة فيه إلى هذا، والمراد : كيف همت حتى انصبّت على رزقها انصباباً ،
أي انحطت عليه. ويروي:« وضنت على رزقها» بالضاد المعجمة والنون ،أي بخلت . :وجُخرها بيتها . قوله(علیه السلام): «وفي وِرْدِها لصدرها»، أي تجمع في أيام التمكن من الحركة لأيام العجز
لك عنها ، وذلك لأن النمل يظهر صيفاً ويخفي في شدّة الشتاء لعجزه عن ملاقاة البرد. قوله(علیه السلام):«رزْقُها وفقها»أي بقدر كفايتها ، ويروي« مكفول برزقها مرزوقة بوفقها»والمنّان، من أسماء اللّه تعالى العائد إلى صفاته الفعلية، أي هو كثير المن والإنعام على عباده .
والديّان: المجازي للعباد على أفعالهم، قال تعالى: أونَا لَمَدِينُونَ (1)أي مجزيون . والحجر الجامس : الجامد. والشراسيف : أطراف الأضلاع المشرفة على البطن.)## في ميزات وصفات الذرة والنملةواعلم أن شيخنا أبا عثمان قد أورد في كتاب «الحيوان» (2في باب النملة والذرة - وهي الصغيرة جدا من النمل - كلاماً يصلح أن يكون كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) أصله، ولكن أبا عثمان قد فرع عليه .)قال : الذرّة تدخر في الصيف للشتاء، وتتقدّم في حال المهلة، ولا تضيع أوقات إمكان الحزم، ثم يبلغ من تفقدها وصحّة تمييزها، والنظر في عواقب أمورها ، أنها تخاف على الحبوب التي اتخرتها للشتاء في الصيف، أن تعفّن وتسوّس في بطن الأرض فتخرجها إلى ظهرها لتنثرها وتعيد إليها جفوفها، ويمر بها النسيم فينفي عنها اللحن (3والفساد.)
ثم ربما - بل في الأكثر- تختار ذلك العمل ليلاً، لأن ذلك أخْفَى، وفي القمر لأنها فيه أبصر ، فإن كان مكانها نديا وخافت أن تنبت الحبّة نقرت موضع القطّمير(1من وسطها، لعلمها ذلك الموضع تنبت، وربما فلقت الحبّة نصفين .فأما إن كان الحب من حب الكُزبرة أنها من فإنها تفلقه أرباعاً ، لأن أنصاف حبّ الكُزبرة تنبت من بين جميع الحبوب، فهي من هذا الوجه مجاوزة لفطنة جمیع الحيوانات، حتى ربما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس، ولها ولها مع لطافة شخصها وخفّة وزنها في الشم والاسترواح ما ليس لشيء، فربما أكل الإنسان الجراد ،أو بعض ما يشبه الجراد فيسقط من يده الواحدة أو صدر واحدة ،وليس بقربه ذَرّة ولا له عهد بالذّر في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة، فترومها وتحاول نقلها وجرها إلى جُحرها، فإذا أعجزتها بعد أن تُبلِيَ عُذراً مضت إلى جُحْرها راجعة، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يجدها قد أقبلت وخلفها كالخيط الأسود الممدود ، حتى يتعاون عليها فيحملنَها .فاعجب من صدق الشمّ لما لا يشمّه الإنسان الجائع! ثم انظر إلى بعد الهمة والجرأة على محاولة نقل شيء في وزن جسمها مائة مرة، وأكثر من مائة مرّة، بل أضعاف أضعاف المائة، وليس شيء من الحيوان يحمل ما يكون أضعاف وزنه مراراً كثيرة غيرها .)فإن قال قائل : فمن أين علمتم أنّ التي حاولت نقل الجرادة فعجزت هي التي أخبرت صواحباتها من الذرّ، وأنها التي كانت على مقدّمتهن؟قيل له : لطول التجربة، ولأنا لم نر قط ذرّة حاولت جرّ جرادة فعجزت عنها، ثم رأيناها راجعة إلا رأينا معها مثل ذلك، وإن كنا لا نفصل في مرأى العين بينها وبين أخواتها، فإنّه ليس يقع في القلب غير الذي قلنا، فدلّنا ذلك على أنها في رُجوعها عن الجرادة أنها إنما كانت لأشباهها كالرائد الذي لا يكذب أهله . قال أبو عثمان: ولا يُنكر قولنا : إن الذرّة توحي إلى أخواتها بما أشرنا إليه إلا من يكذب القرآن ،فإنه تعالى قال في قصّة سليمان: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَكِنَكُمْ لَا يَحولم سلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَنَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا (2)، (فهل بعد ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا ) (3)، فهل بعد هذا ريب أو شكٍّ في أن الما لها قولاً وبياناً وتمييزاً ! فإن قلت : فلعلها مكلّفة ،ومأمورة ومنهيّة، ومطيعة وعاصية !)قيل : هذا سؤال جاهل، وذلك أنه لا يلزم أن يكون كلّ ذي حسٌ، وتمييز مكلفاً مأموراً
البنكةالشمريشاي،منهيًا ، مطيعاً عاصياً، لأنّ الإنسان غير البالغ الحلم قد يحفظ القرآن وكثير لبنان ضُروباً من الأخبار ويشتري ويبيع، ويخدع الرجال ويسخر بالمعلّمين، وهو غير مكلف ولا مأمور،لا منهي ولا عاص ولا مطيع ،فلا يلزم مما قلناه في الذرّة أن تكون مكلّفة.قال أبو عثمان : ومن عجيب ما سمعته من أمر النّملة ،ما حدّثني به بعض المهندسين عن رجل معروف بصنعة الإسطرلابات، إنه أخرج طَوْقاً من صُفْر - أو قال من حديد - من الكِير، وقد أحماه، فرمَى به على الأرض ليبرد، فاشتمل الطّوق على نملة، فأرادت أن تنفر يمنّة فلقيها وهج النار ، فأخذت يَسْرةً فلقيها وهجُ النّار، فمضت قُدماً فكذاك، فرجعت إلى خلفها فكذلك، فرجعت إلى وسط الدائرة، فوجدها قد ماتت في موضع رجل البركار (1من الدائرة، وهذا من العجائب.)قال أبوعثمان : وحدّثني أبو عبيد اللّه الأفوّه، وما كنت أقدم عليه في زمانه من مشايخ المعتزلة إلا القليل، قال: قد كنت ألقَى من الذّر والنمل في الرُّطب يكون عندي وفي الطعام عنتاً كثيراً، وذلك لأني كنت لا استقذر النملة ولا الذّرة، ثم وجدت الواحدة منهما إذا وقعت في قارورة بان أو زئبق أو خيري، فسد ذلك الدّهن وزنخ ،فقذرتها ونفرت منها، وقلت: أخلق بطبيعتها أن تكون فاسدة خبيثة، وكنت أرى لها عضًا منكراً، فأقول : إنها من ذوات السّموم، ولو أنّ بدَن النملة زيد في أجزائه حتى يلحق ببدن العقرب، ثم عضّت إنساناً لكانت عضّتها أضر عليه من لَسْعَةِ العقرب .قال : فاتخذت عند ذلك لطعامي منملة وقيّرتُها ، وصببت في خندقها الماء، ووضعت سلّة الطعام على رأسها، فغيرت أياماً أكشف رأس السلة بعد ذلك، وفيها ذرّكثير، ووجدت الماء في الخندق على حاله ،فقلت: عسى أن يكون بعض الصبيان أنزلها، وأكل مما فيها؟ وطال مكثها في الأرض، وقد دخلها الذرّ ثم أعيدت على تلك الحال، وتكلمتُ في ذلك وتعرّفت الحال فيه، فعرفت البراءة في عذرهم، والصّدق في خبرهم، فاشتد تعجبّي، وذهبت بي الظُّنُون والخواطر كلّ مذهب، فعزمت على أن أرصدها وأحرسها ،وأتثبت في أمري، وأتعرف شأني، بعد أن رامت الخندق فامتنع عليها تركته جانباً، وصعدت في الحائط، ثم مرّت عَلَى جذع السقف، فلما صارت محاذية للسّلة أرسلت نفسها فقلت في نفسي: انظر كيف اهتدت إلى هذه الحيلة ولم تعلم أنها تبقى محصورة؟ ثم قلت : وما عليها أن تبقى محصورة؟ بل أي حصار على ذَرّةٍ وقد وجدت ما تشتهي .
1) البركار آلة مركبة من ساقين متصلتين تثبت إحداهما وتدور حولها الأخرى، ترسم بها الدوائر والأقواس .ا.ه-. المعجم الوسيط» (47/1) .
قال أبو عثمان: ومن أعاجيب الذرّة لا تعرض لجُعَل ولا لجرادة ولا لخنفساء ولا لبنت وَرْدان (1، ما لم يكن بها حبل أو عقل أو قطع رجل أو يد، فإن وجدت بها من ذلك أدنى علّة، وثبّت عليها، حتى لو أن حيّة بها ضربة أو خَرْق أو خدش، ثم كانت من ثعابين مصر، لوثب عليها الذرّ حتى يأكلها، ولا تكاد الحيّة تسلم من الذرّ إذا كان بها أدنى عقر .)قال أبو عثمان: وقد عذب اللّه بالذرّ والنمل أمماً وأمماً، وأخرج أهل قرى من قراهم وأهل دُروب من دروبهم. وحدّثني بعضُ مَنْ أصدق خبره ، قال : سألتُ رجلاً كان ينزل ببغداد في بعض الدروب التي في ناحية باب الكوفة التي جلا أهلها عنها، لغلبة النمل والذرّ عليها، فسألته ذلك ، فقال : وما تصنع بالحديث ! امض معي إلى داري التي أخرجني منها النمّل .قال فدخلتها معه فبعث غلامه ،فاشتری رؤوساً من الرأسين ليتغذى بها، فانتقلنا هرباً من النمل في أكثر من عشرين مكاناً ، ثم دعا بطست ضخمة، وصبّ فيها ماءً صالحاً، ثم فرّق عظام الرؤوس في الدّار ومعه غلمانه ،فكان كلّما اسود منها عظم لكثرة النمل واجتماعه عليه وذلك في أسرع الأوقات - أخذه الغلام ففرّغه في الطست بعود ينثر به ما عليه في جوف الطنت، فما لبثنا مقدار ساعة من النهار حتى فاضت الطست نملاً ، فقال : كم تظن أني فعلت مثل هذا قبل الجلاء طمعاً في أن أقطع أصلها ! فلما رأيت عددها إما زائداً، وإما ثابتاً، وجاءنا ما لا یصبرعليه أحد، ولا يمكن معه مقام، خرجت عنها . قال أبوعثمان: وعذب عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحَرشِيّ بأنواع العذاب، فقيل له: إن أردت الا يفلح أبداً فمرهم فلينفخوا في دبره النمل، ففعلوا فلم يفلح بعدها.قال أبو عثمان : ومن الحيوان أجناس يشبه الإنسان في العقل والروية والنظر في العواقب والفكر في الأمور، مثل النمل، والذرّ، والفار ،والجرذان، والعنكبوت، والنحل إلا أن النحل لا يدّخر من الطعم إلا جنساً واحداً وهو العسل.قال : وزعم البقطري أنك لو أدخلت نملة في جُحْر ذرّ لأكلتها حتى تأتي على عامّتها، وذكر أنه قد جرب ذلك .قال : وزعم صاحب المنطق أنّ الضُّبع تأكل النّمل أكلاً ذريعاً ، لأنّها تأتي قرية النمل وقت اجتماع النمل على باب القرية، فتلحس ذلك النمل كلّه بلسانها ،بشهوة شديدة وإرادة قوية .
1) هي دويبة نحو الخنفساء حمراء اللون وأكثر ما تكون في الحمامات وفي الكنف ا. ه-المعجم هي الوسيط (1025/2 )
قال : وربما أفسدت الأرضة (1على أهل القرى منازلهم، وأكلت كلّ شيء لهم، فلا تزال كذلك حتى ينشأ في تلك القرى النمل، فيسلّط اللّه عزّ وجلّ ذلك النمل على تلك الأرضة، حتى تأتي على آخرها ،على أن النمل بعد ذلك سيكون له أذى، إلا أنه دون أذى الأرضة بعيداً، وما أكثر ما يذهب النمل أيضاً من تلك القُرى، حتى يتم لأهلها السلامة من النوعين جميعاً . قال : وقد زعم بعضهم أن تلك الأرضة بأعيانها تستحيل نملاً، وليس فناؤها لأكل النمل لها، ولكنّ الأرضة نفسها تستحيل نملاً، فعلى قدر ما يستحيل منها يرى الناس النقصان في عددها ومضرتها على الأيام. قال أبو عثمان: وكان ثمامة يرى أنّ الذرّ صغار النمل، ونحن نراه نوعاً آخر كالبقر والجواميس.)قال ومن أسباب هلاك النمل نبات أجنحته، وقال الشاعر:وإذا استوت للنّمل أجنحة *** حتى يطير فقد دنا عَطَبُهُوكان في كتاب عبد الحميد إلى أبي مسلم : لو أراد اللّه بالنملة صلاحاً، لما أنبت لها جناجاً، فيقال : إن أبا مسلم لمّا قرأ هذا الكلام في أول الكتاب لم يتمّ قراءته وألقاه في النار، وقال : أخاف إن قرأته أن ينخب قلبي . قال أبو عثمان :ويُقتل النمل بأن يصبّ في أفواه بيوتها القطران والكبريت الأصفر، وأن يدسّ في أفواهها الشّعر، على أنا قد جربنا ذلك فوجدناه باطلاً .فأما الحكماء، فإنهم لا يثبتون للنّمل شراسيف ولا أضلاعاً، ويجب إن صحّ قولهم أن يحمّل كلام أمير المؤمنين(علیه السلامعلى اعتقاد الجمهور ومخاطبة العرب بما تتخيله وتتوهمّه حقّا، وكذلك لا يثبت الحكماء للنّمل آذاناً بارزة عن سطوح رؤوسها، ويجب إن صحّ ذلك أن نحمل كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) على قوة الإحساس بالأصوات، فإنه لا يمكن الحكماء إنكار وجود هذه القوّة للنمل، ولهذا إذا صيح عليهنّ هربن .)ويذكر الحكماء من عجائب النمل أشياء، منها أنه لا جلد له، وكذلك كل الحيوان المخرز. ومنها أنه لا يوجد في صقليّة نمل كبار أصلاً. ومنها أنّ النمل بعضه ماشي وبعضه طائر . ومنها أن حراقة النمل إذا أضيف إليها شيء من قشور البيض وريش هدهد وعلقت عَلَى العضد منعت من النوم.
1) الأرضة دويبة بيضاء تشبه النملة تظهر أيام الربيع ا ه- «المعجم الوسيط»،مادة(ارض) ،(1/14)
قوله(علیه السلام :«ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته» أي غايات فكرك، وضربت بمعنى سرت، والمذاهب الطرق. قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) (1)وهذا الكلام استعارة. قال : لو أمعنت النظر لعلمت أنّ خالق النملة الحقيرة هو خالف النّخلة الطويلة لأن كلّ شیي من الأشياء تفصيل جسمه وهيئته تفصيل دقيق، واختلاف تلك الأجسام في أشكالها وألوانها ومقاديرها اختلاف غامض السبب، فلا بدّ للكلّ من مدبّر يحكم بذلك الاختلاف ويفعله على حسب ما يعلمه من المصلحة.)ثم قال: «وما الجليل والدقيق في خلقه إلا سواء ! لأنه تعالى قادر لذاته، لا يعجزه شيء من الممكنات».ثم قال :«فانظر إلى الشمس والقمر» إلى قوله :«والألسن المختلفات» هذا بإمكان الأعراض على ثبوت الصانع. والطرق إليه أربعة :أحدها : الاستدلال بحدوث الأجسام.والثاني: الاستدلال بإمكان الأعراض والأجسام.والثالث: الاستدلال بحدوث الأعراض.والرابع: الاستدلال بإمكان الأعراض.وصورة الاستدلال هو أنّ كلّ جسم يقبل - للجسميّة المشتركة بينه وبين سائر الأجسام - ما يقبله غيره من الأجسام، فإذا اختلفت الأجسام في الأعراض فلا بدّ من مخصص خصّص هذا الجسم بهذا العرض دون أن يكون هذا العرض لجسم آخر، ويكون لهذا الجسم عرَض غير هذا العرض، لأن الممكنات لا بدّ لها من مرجّح يرجح أحد طرفيها على الآخر، فهذا هو معنى قوله : «فانظر إلى الشمس والقمر، والنبات والشجر، والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتفجّر هذه البحار، وكثرة هذه الجبال ،وطول هذه القلال ، وتفرّق هذه اللغات ، والألسن المختلفات»، أي أنه يمكن أن تكون هيئة الشمس وضوءها ومقدارها حاصلاً لجزم القمر، ويمكن أن يكون النبات الذي لا ساق له شجراً، والشجر ذو الساق نباتاً، ويمكن أن يكون الماء صلباً والحجر مائعاً، ويمكن أن يكون زمان الليل مضيئاً وزمان النهار مظلماً ، ويمكن الا تكون هذه البحار متفجرة بل تكون جبالاً، ويمكن ألا تكون هذه الجبال الكبيرة كبيرة، ويمكن ألا تكون هذه القلال طويلة. وكذلك القول في اللغات واختلافها. وإذا كان كل هذا ممكناً فاختصاص الجسم المخصوص بالصفات والأعراض والصّوّر المخصوصة لا يمكن
1) سورة النساء، الآية : 101
أن يكون لمجرد الجسمية لتماثل الأجسام فيها، فلا بد من أمرزائد، وذلك الأمر الزائد هو المعني بقولنا : صانع العالم . ثم سفّه آراء المعطلّة، وقال: «إنهم لم يعتصموا بحجّة، ولم يحقّقوا ما وعوه» أي لم يرتبوا العلوم الضرورية ترتيباً صحيحاً يفضي بهم إلى النتيجة التي هي حق . ثم أخذ في الردّ عليهم من طريق أخرى، وهي دعوى الضَّرُورة، وقد اعتمد عليها كثير من المتكلّمين، فقال : نعلم ضرورة أن البناء لا بد له من بان.ثم قال: «والجناية لا بد لها من جان»، وهذه كلمة ساقته إليها القرينة، والمراد عموم الفعليّة لا خصوص الجناية، أي مستحيل أن يكون الفعل من غير فاعل، والذين ادَّعَوُا الضرورة في هذه المسألة من المتكلّمين استغنوا عن الطرق الأربع التي ذكرناها ، وأمير المؤمنين (علیه السلام اعتمد أولاً على طريق واحدة، ثم جنح ثانياً إلى دعوى الضرورة، وكلا الطريقين صحيح.)الأصل: وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ، وَأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ، وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ، وَجَعَلَ لَهَا الْحِس الْقَوِيَّ، وَنَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ، وَمِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ، يَرْهَبُهَا الزَّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ذَبُهَا وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ، حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا ، وَتَقْضِي مِنْهُ شَهَوَاتِها ، وَخَلَقْهَا كُلَّهُ لا يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَةٌ . فَتَبَارَكَ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ، وَيُعَفِّرُ لَهُ خَدًّا وَوَجْهاً، وَيُلْقِي بِالْطَاعَةِ إِلَيْهِ سِلْماً وَضَعْفاً، وَيُعْطِي الْقِيَادَ رَهْبَةً وَخَوْفاً !فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأمْرِهِ، أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَالنَّفَسِ، وَأَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَالْيَبَسِ ، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهَا ، وَأَحْصَى أَجْنَاسَهَا ، فَهَذَا غُرَابٌ، وَهَذَا عُقَابٌ، وَهَذَا حَمَامُ، وَهَذَا نَعَامٌ، دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ، وَكَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ . وَأَنْشَأَ السَّحَابَ النّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا، وَعَدَّدَ قِسَمَهَا ، فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا، وَأَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا .الشرح: قوله :«وأَسْرَج لها حدقتين» أي جعلهما مضيئتين كما يضيء السراج، ويقال :حدقة قمراء أي منيرة،كما يقال : ليلة قمراء أي نيّرة بضوء القمر. و«بهما تقرض» أي تقطّع،
والراء مكسورة. والمنجلان:رجلاها ،شبههما بالمناجل لعوجهما وخشونتهما .ويرهبها: يخافها. ونزواتها وثباتها. والجذب: المحل.## غرائب الجرادقال شيخنا أبوعثمان في كتاب «الحيوان »: من عجائب الجرادة التماسها لبيضها الموضع الصلّد، والصخور المُلس، ثقةً منها أنّها إذا ضربت بأذنابها فيها ،انفرجت لها، ومعلوم أن ذنب الجرادة ليس في خلقة المنشار ولا طرف ذنبه كحدّ السنان، ولا لها من قوة الأسر، ولا لذنبها من الصَّلابة ما إذا اعتمدت به على الكلية (1خرج فيها ، كيف وهي تتعدّى إلى ما هو أصلب من ذلك، وليس في طرفها كإبرة العقرب . وعلى أن العقرب ليس تخرِقُ القُمقم، من جهد الأيد وقوّة البدن، بل إنما ينفرج لها بطبع مجعول هناك، وكذاك انفراج الصُّخور الأذناب الجراد.)ولو أن عُقاباً أرادت أن تخرق جلد الجاموس لما انخرق لها إلا بالتكلّف الشديد، والعُقاب التي تنكدر على الذئب الأطلس، فتقدّ بدابرتها ما بين صَلاهُ إلى موضع الكاهل . فإذا غرّزت الجرادة، وألقت بيضها، وانضمّت عليها تلك الأخاديد التي هي أحدثها ، وصارت كالأفا حيص (2لها صارت حاضنةً لها ومربية ، وحافظة وصائنة وواقية، حتى إذا جاء وقت دبيب الرُّوح فيها حدث عَجَب آخر، وذلك لأنه يخرج من بيضه أصهب (3)إلى البياض، ثم يصفرّ وتتلون فيه خطوط إلى السواد، ثم يصير فيه خطوط سود وبيض، ثم يبدو حجم جناحه،ثم يستقل فيموجُ بعضه في بعض . قال أبو عثمان ويزعم قوم أنّ الجراد قد يريد الخضرة ودونه النهر الجاري، فيصير بعضه جسراً لبعض حتى يعبر إلى الخضرة، وأن ذلك حيلة منها.)وليس كما زعموا، ولكن الزحف الأوّل من الدّبا يريد الخضرة فلا يستطيعها إلا بالعبور إليها ، فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافية صارت لعمري أرضاً للزحف الثاني الذي يريد الخضرة، فإن سمّوا ذلك جسراً استقام، فأما أن يكون الزحف الأول مهد للثاني ومكّن له وآثره بالكفاية فهذا ما لا يعرف ولو أنّ الزحفين جميعاً أشرفا على النهر، وأمسك أحدهما عن تكلّف العبور حتى يمهد له الآخر لكان لما قالوه وجه .
قال أبوعثمان: ولعاب الجراد سمٌ على الأشجار لا يقع على شيء إلا أحرقه ،فأما الحكماء فيذكرون في كتبهم أن أرجل الجراد تقلع الثاليل، وأنه إذا أخذت منه اثنتا عشرة جرادة ونزعت رؤوسها وأطرافها ،وجعل معها قليل آس يابس، وشربت للاستسقاء كماهي، نفعت نفعاً بيّناً، وأن التبخّر بالجراد ينفع من عسر البول، وخاصّة في النساء، وأن أكله ينفع من تقطيره، وقد يبخر به للبواسير، وينفع أكله من لسعة العقرب. ويقال : إن الجراد الطوال إذا عُلِّق على مَنْ به حُمّى الربع (1نفعه)## ومن خطبة له : في التوحيد، وتجمعهذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة غيرهاالأصل: مَا وَحْدَهُ مَنْ كَيْفَهُ، وَلاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَلَهُ، وَلاَ إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، وَلَا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ ،وَكُلُّ قَائِم فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ.فَاعِلٌ لا بِاضْطِرَابِ الَّةٍ، مُقَدِّرٌلاَبِجَوْلِ فِكْرَةٍ، هَنِي لاَ بِاسْتِفَادَةِ، لا تَصْحَبهُ الأوْقَاتُ، وَلا تَرْقِدُهُ الأدَوَاتُ، سَبَقَ الأَوْقَاتَ كَوْنَهُ، وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ، وَالابْتِدَاءَ أَوَّلُهُ.)****الشرح: هذا الفصل يشتمل على مباحث متعدّدة :أولها قوله : «ما وحْدَهُ مَنْ كَيْفه»، وهذا حق لأنه إذا جعله مكيفاً جعله ذا هيئة وشكل ،أو ذا لون وضوء إلى غيرهما من أقسام الكيف ،ومتى كان كذلك كان جسماً ولم يكن واحداً، لأنّ كلّ جسم قابل للانقسام ،والواحد حقاً لا يقبل الانقسام، فقد ثبت أنه ما وحده مَنْ كيفه ،وثانيها قوله: «ولا حقيقته أصاب مَنْ مثله وهذا حقّ، لأنه تعالى لا مثل له، وقد دلّت الأدلّة الكلامية والحُكميّة على ذلك، فَمن أثبت له مثلاً، فإنه لم يصب حقيقته تعالى، والشجعة الأخرى تعطي هذا المعنى أيضاً من غير زيادة عليه، وهي قوله(علیه السلام : «ولا إِيَّاهُ عَلَى مَنْ شبهه» ولهذا قال شيوخنا : إنّ المشبه لا يعرف اللّه، ولا تتوجّه عباداته وصلواته إلى اللّه تعالى، لأنه يعبد شيئاً يعتقده جسماً، أو يعتقده مشابهاً لبعض هذه الذوات المحدّثة، والعبادة تنصرف إلى المعبود بالقصد، فإذا قصد بها غير اللّه تعالى لم يكن قد عبد اللّه سبحانه ولا عرفه، وإنما يتخيّل ويتوهّم أنه قد عرفه وعبده، وليس الأمر كما تخيّل وتوّهم.)
1) حمی الرّبع : إتيانها في اليوم الرابع، وذلك أن يحم يوماً ويترك يومين لا يحم، ويحم في اليوم الرابع اللسان، مادة (ربع).
وثالثها قوله(علیهالسلام: «ولا صَمَده مَنْ أشار إليه» أي أثبته في جهة، كما تقول الكَرّامية. الصَّمَد في اللغة العربية : السّيّد . والصمد أيضاً الذي لا جوف له، وصار التصميد في الاصطلاح العرفي عبارة عن التنزيه ،والذي قال (علیه السلام)حقّ ، لأنّ مَنْ أشار إليه - أي أثبته في جهة كما تقوله الكراميّة - فإنه ما صَمَده، لأنه ما نزّهه عن الجهات، بل حكم عليه بما هو من خواصّ الأجسام، وكذلك مَنْ توهّمه سبحانه، أي مَنْ تخَيّل له في نفسه صورة أو هيئة أو شكلاً ، فإنّه لم ينزهه عَمّا يجب تنزيهه عنه .)ورابعها قوله :«كلّ معروف بنفسه مصنوع»، هذا الكلام يجب أن يتأوّل، ويحمل على أن كل معروف بالمشاهدة والحسّ فهو مصنوع، وذلك لأن الباري سبحانه معروف من طريقين: أفعاله، والأخرى بنفسه، وهي طريقة الحكماء الذين بحثوا في الوجود، من حيث إحداهما من هو وجود، فعلموا أنه لا بد من موجود واجب الوجود، فلم يستدّلوا عليه بأفعاله، بل أخرج لهم البحث في الوجود أنه لا بد من ذات يستحيل عدمها من حيث هي هي.فإن قلت: كيف يحمل كلامه على أن كل معروف بالمشاهدة والحسّ فهو مصنوع وهذا يدخل فيه كثير من الأعراض كالألوان؟ وإذا دخل ذلك فسدت عليه الفقرة الثانية، وهي قوله(علیه السلام :«وكل قائم فيما سواه معلوم لأنها للأعراض خاصّة، فيدخل أحد مدلول الفقرتين في الأخرى، فيختل النظم!)قلت : يريد(علیه السلام بالفقرة الأولى كلّ معروف بنفسه من طريق المشاهدة مستقلاً بذاته، غير مفتقر في تقومه إلى غيره فهو مصنوع، وهذا يختصّ بالأجسام خاصّة، ولا يدخل الألوان وغيرها من الأعراض فيه، لأنها متقومة بمحالها. وخامسها قوله :«وكل قائم في سواه معلول»، أي وكلّ شيء يتقوم بغيره فهو معلول، وهذا حقّ لا محالة كالأعراض، لأنها لو كانت واجبةً لاستغنت في تقومها عن سواها، لكنهّا مفتقرة إلى المحلّ الذي يتقوّم به ذواتها، فإذا هي معلولة، لأن كل مفتقر إلى الغير فهو ممكن فلا بدّ له من مؤثر .)وسادسها قوله :«فاعل لا باضطراب آلة» هذا لبيان الفرق بينه وبيننا، فإننا نفعل بالآلات وهو سبحانه قادرلذاته فاستغنى الآلة. عن وسابعها قوله: «مقدّر لا بجول فكرة»، هذا أيضاً للفرق بيننا وبينه، لأنا إذا قدرنا أجَلْنا أفكارنا ، وتردّدت بنا الدواعي، وهو سبحانه يقدر الأشياء على خلاف ذلك. وثامنها قوله: «غنيّ لا باستفادة»، هذا أيضاً للفرق بيننا وبينه، لأن الغني منّا من يستفيد الغني بسبب خارجي، وهو سبحانه غني بذاته من غير استفادة أمر يصير به غنياً، والمراد بكونه غنيا أن كل شيء من الأشياء يحتاج إليه، وأنه سبحانه لا يحتاج إلى شيء من الأشياء أصلاً.
وتاسعها قوله :«لا تصحبه الأوقات»، هذا بحث شريف جداً، وذلك لأنه سبحانه ليس بزمان ولا قابل للحركة، فذاته فوق الزمان والدهر، أمّا المتكلمون فإنهم يقولون : إنه تعالى كان ولا زمان ولا وقت، وأما الحكماء فيقولون : إن الزمان عَرَض قائم بعرض آخر، وذلك العرض الآخر قائم بجسم معلول لبعض المعلولات الصادرة عنه سبحانه، فالزمان عندهم - وإن كان لم يزل - إلا أن العلة الأولى ليست واقعة تحته، وذلك هو المراد بقوله : «لا تصحبه الأوقات» إن فسرناها على قولهم ،وتفسيره على قول المتكلّمين أولى . وعاشرها قوله :«ولا تُرْفِدُه الأدوات»، رفدت فلاناً إذا أعنته ،والمراد الفرق بيننا وبينه، لأننا مرفودون بالأدوات ولولاها لم يصح منا الفعل، وهو سبحانه بخلاف ذلك. وحادي عشرها قوله:«سبق الأوقات كونه .....» إلى آخر الفّصل هذا تصريح بحدوث العالم . فإن قلت: ما معنى قوله :«والعدل وجوده »، وهل يسبق وجوده العدم مع كون عدم العالم الأزل لا أوّل له ؟قلت : ليس يعني بالعدم ها هنا عدم العالم بل عدم ذاته سبحانه ،أي غلب وجود ذاته عدمها وسبقها، فوجب له وجود يستحيل تطرّق العدم إليه أزلاً وأبداً بخلاف الممكنات، فإن عدمها سابق بالذات على وجودها، وهذا دقيق!الأصل: بِتَشْعِيرِهِ المَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لا مَشْعَرَ لَهُ ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أنْ لا قَرِينَ لَهُ. ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَالْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ، وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرْدِ. مُوَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا، مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا، مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا، مُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا . لاَ يُشْمَلُ بحدٌ، وَلاَ يُحْسَبُ بعَدُ، وَإِنَّمَا تَحُدُّ الأدَوَاتُ أَنْفُسَهَا، وَتُشِيرُ الآلآتُ إِلَى نَظَائِرِهَا****الشرح: المشاعر الحواس، قال بلعاء بن قيس: والرّأسُ مُرْتَفِعٌ فيهِ مشاعِرُهُ *** يَهْدِي السبيل له سَمعٌ وعَيْنَانِ قال : بجعله تعالى المشاعر عُرف أن لا مشعرله ، وذلك لأنّ الجسم لا يصحّ منه فعل الأجسام، وهذا هو الدليل الذي يعوّل عليه المتكلّمون في أنّه تعالى ليس بجسم .ثم قال : «وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضدّ له»، وذلك لأنه تعالى لما دلّنا بالعقل على
أن الأمور المتضادة إنّما تتضادّ على موضوع تقوم به وتحلّه كان قد دلّنا على أنه تعالى لا ضد له ،لأنه يستحيل أن يكون قائماً بموضوع يحلّه كما تقوم المتضادات بموضوعاتها . ثم قال :«وبمقارنته بين الأشياء عُرف أن لا قرين له»، وذلك لأنّه تعالى قرن بين العَرَض والجوهر، بمعنى استحالة انفكاك أحدهما الآخر، وقَرَن بين كثير من الأعراض، نحو ما عن يقوله أصحابنا في حياتي القلب والكبد، ونحو الإضافات التي يذكرها الحكماء كالبنوّة والأبوّة والفوقيّة التحتيّة، ونحو كثير من العلل والمعلولات ،والأسباب والمسبّبات، فيما ركبه في العقول من وجوب هذه المقارنة واستحالة انفكاك أحد الأمرين عن الآخر، علمنا أنه لا قرين له سبحانه، لأنه لو قارن شيئاً على حسب هذه المقارنة لاستحال انفكاكه عنه، فكان محتاجاً في تحقق ذاته تعالى إليه ،وكلّ محتاج ممكن ،فواجب الوجود ممكن! هذا محال . ثم شرع في تفصيل المتضادات، فقال: «ضاد النور بالظلمة»، وهما عرضان عند كثيرمن النّاس، وفيهم مَنْ يجعل الظلمة عدميّة . قال :«والوضوح بالبهمة» يعني البياض والسواد. قال: «والجمود بالبَلل»، يعني اليبوسة والرطوبة .قال :«والحَرورَ بالصَّرْدة» يعني الحرارة والبرودة، والحرورها هنا مفتوح الحاء، يقال: إني لأجد لهذا الطعام حَروراً وحَرورة في فمي، أي حرارة، ويجوز أن يكون في الكلام مضاف محذوف، أي وحرارة الحرور بالصَّرْد، والحررور ها هنا يكون الريح الحارّة، وهي بالليل كالسّموم بالنهار، والصَّرْد : البرد.ثم قال : وإنّه تعالى مؤلّف بين هذه المتباعدات، المتعاديات: المتباينات، وليس المراد من تأليفه بينها جمعه إياها في مكان واحد،كيف وذلك مستحيل في نفسه، بل هو سبحانه مؤلف لها في الأجسام المركبة حتى خلع منها صورة مفردة ،هي المزاج، ألا ترى أنّه جمع الحارّ والبارد والرطب واليابس، فمزجه مزجاً مخصوصاً حتى انتزع منه طبيعة مفردة، ليست حارّة مطلقة ولا باردة مطلقة ،ولا رطبة مطلقة ،ولا يابسة مطلقة، وهي المزاج، وهو محدود عند الحكماء بأنه كيفيّة حاصلة من كيفيّات متضادة، وهذا هو محصول كلامه (علیه السلام يعينه .)والعجب من فصاحته في ضمن حكمته، كيف أعطى كل لفظة من هذه اللفّظات ما يناسبها ويليق بها، فأعطى المتباعدات لفظة «مقرّب»، لأنّ البعد بإزاء القرب ،وأعطى المتباينات لفظة «مقارن»، لأنّ البينونة بإزاء المقارنة، وأعطى المتعاديات لفظة «مؤلّف» لأنّ الائتلاف بإزاء التعادي . ثم عاد(علیه السلام فعكس المعنى فقال:«مفرق بين متدانياتها»، فجعل الفساد بإزاء الكون،)
وهذا من دقيق حكمته(علیه السلام، وذلك لأنّ كلّ كائن فاسد، فلما أوضح ما أوضح في الكون والتركيب والإيجاد، أعقبه بذكر الفساد والعدم، فقال: «مفرّق بين متدانياتها»، وذلك لأنّ كلّ جسم مركّب من العناصر المختلفة الكيفيّات المتضادّة الطباعة، فإنه سيؤول إلى الانحلال والتفرّق . ثم قال: «لا يُشمَل بحدّ»، وذلك لأنّ الحدّ الشامل ما كان مركباً من جنس وفصل، والباري تعالى منزّه عن ذلك، لأنه لو شمِله الحدّ على هذا الوجه يكون مركباً، فلم يكن واجب الوجود، وقد ثبت أنّه واجب الوجود، ويجوز أن يعني به أنّه ليس بذي نهاية، فتحويه الأقطار وتحدّه . ثم قال :«ولا يحسب بعدّ » ،يحتمل أن يريد: لا تحسب أزليّته بعد، أي لا يقال له : منذ وجد كذا وكذا، كما يقال للأشياء المتقاربة العهد، ويحتمل أن يريد به أنّه ليس مماثلاً للأشياء فيدخل تحت العدد ،كما تعدّ الجواهر، وكما تعدّ الأمور المحسوسة.)ثم قال: «وإنّما تحدّ الأدوات أنفسها، وتشير الآلات إلى نظائرها»، هذا يؤكّد معنى التفسير الثاني، وذلك لأنّ الأدوات كالجوارح، إنما تحدّ وتقدر ما كان مثلها من ذوات المقادير، وكذلك إنّما تشير الآلات - وهي الحواسّ - إلى ما كان نظيراً لها في الجسمية ولوازمها، والباري تعالى ليس بذي مقدار ولا جسم ولا حالّ في جسم، فاستحال أن تحدّه الأدوات وتشير إليه الآلات .الأصل: مَنَعَتْهَا مُنْذُ القِدْمَة، وَحَمَتْهَا قَدْ الْأَزَليَّةَ وَجَنَّبَتْهَا لَوْلاَ التَّكْمِلَةَ، بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ، وَلا تَجْرِي عَلَيْهِ الحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ، وَكَيْف يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَيَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ ! إذا لَتَفَاوَنَتْ ذَاتُهُ، وَلَتَجَزَّاً كُنْهُهُ، وَلاَمْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ، وَلاَلْتَمَسَ التّمَامَ إذْ لَزِمَهُ التَّقْصَانُ، وَإِذا لَقَامَتْ آيَةُ المَصْنُوعِ فِيهِ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الامْتِنَاعِ مِنْ أَن يُؤثر فِيهِ مَا يُؤثر فِي غَيْرِهِ.****الشرح: قد اختلف الرواة في هذا الموضع من وجهين:أحدهما: قول مَنْ نصب «القدمة» و «الأزليّة» و«التكملة فيكون نصبها عنده على أنها مفعول ثانٍ، والمفعول الأوّل الضمائر المتصلة بالأفعال، وتكون منذ» و«قد» و«لولا في موضع رفع بأنها فاعلة، وتقدير الكلام إن إطلاق لفظة منذ على الآلات والأدوات يمنعها
عن كونها قديمة، لأن لفظة «منذ» وضعت لابتداء الزمان كلفظة (من لابتداء المكان والقديم لا ابتداء له وكذلك إطلاق لفظة «قد» على الآلات ،والأدوات تحميها وتمنعها من كونها أزليّة لأن (قد) لتقريب الماضي من الحال ،تقول : قد قام زيد، فقد دلّ على أن قيامه قريب من الحال التي أخبرت فيها بقيامه، والأزلي لا يصحّ ذلك فيه، وكذلك إطلاق لفظة «الولاء» على الأدوات والآلات يجنّبها التكملة، ويمنعها من التمام المطلق، لأن لفظة «لولا» وضعت لامتناع الشيء لوجود غيره، كقولك : لولا زيد لقام عمرو، فامتناع قيام عمرو إنما هو لوجود زيد، وأنت تقول في الأدوات والآلات وكلّ جسم:ما أحسنه لولا أنه فان! وما أتمه لولا كذا !فيكون المقصد والمنحى بهذا الكلام على هذه الرواية بيان أن الأدوات والآلات محدّثة ناقصة، والمراد بالآلات والأدوات أربابها. الوجه الثاني: قول مَنْ رفع «القدمة» و«الأزلية» و«التكملة» فيكون كلّ واحد منها عنده فاعلاً، وتكون الضمائر المتصلة بالأفعال مفعولاً أوّلاً ، و«منذ» و«قد» و«لولا» مفعولاً ثانياً، ويكون المعنى أنّ قدّم الباري وأزليّته وكماله منعت الأدوات والآلات من إطلاق لفظة «منذ» و«قد» و«لولا» عليه سبحانه، لأنه تعالى قديم كامل ، ولفظتا «منذ» و«قد» لا يطلقان إلا على ،محدّث، لأنّ إحداهما لابتداء الزمان والأخرى لتقريب الماضي من الحال، ولفظة «لولا» لا تطلق إلا على ناقص، فيكون المقصد والمنحى بهذا الكلام على هذه الرواية بيان قدّم الباري تعالى وكماله، وأنه لا يصحّ أن يطلق عليه ألفاظ تدلّ على الحدوث والنّقص.)****قوله (علیه السلام: «بها تجلّى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون»، أي بهذه الآلات والأدوات التي هي حواسنا ومشاعرنا، وبخلّقه إياها، وتصويره لها ، تجلّى للعقول وعُرِف، لأنه لو لم يخلقها لم يعرف، وبها امتنع عن نظر العيون، أي بها استنبطنا استحالة كونه مرئيا بالعيون لأنا بالمشاعر والحواسّ كملت عقولنا، وبعقولنا استخرجنا الدلالة على أنّه لا تصحّ رؤيته، فإذن بخلقه الآلات والأدوات لنا عرفناه عقلاً، وبذلك أيضاً عرفنا أنه يستحيل أن يعرف بغير العقل، وأن قول من قال : إنا سنعرفه رؤية ومشافهة بالحاسة باطل،)قوله(علیه السلام : «لا تجري عليه الحركة والسكون» هذا دليل أخذه المتكلّمون عنه(علیه السلام) فنظموه في كتبهم وقرروه، وهو أن الحركة والسكون معان محدثة، فلوحلّت فيه لم يخلُ منها، وما لم يخل من المحدّث فهو محدث . فإن قلت : إنه(علیه السلام) لم يخرج كلامه هذا المخرج، وإنما قال كيف يجري عليه ما هو أجراه ، وهذا نَمَطّ آخر غير ما يقرّره المتكلّمون !)
قلت : بل هو هو بعينه، لأنه إذا ثبت أنه هو الذي أجرى الحركة والسكون، أي أحدثهما لم يجز أن يجريا عليه، لأنهما لو جريا عليه لم يخلُ إمّا أن يجريا عليه على التعاقب، وليسا ولا واحد منهما بقديم، أو يجريا عليه على أن أحدهما قديم ثم تلاه الآخر، والأول باطل بما يبطل به حوادث لا أوّل لها، والثاني باطل بكلامه(علیه السلام، وذلك لأنه لو كان أحدهما قديماً سبحانه لما كان أجراه، لكن قد قلنا: إنّه أجراه أي أحدثه، وهذا خُلْف محال وأيضاً فإذا كان أحدهما قديماً معه لم يَجُز أن يتلوه الأخر، لأنّ القديم لا يزول بالمحدّث . ثم قال (علیه السلام): «إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزا كُنهه (1)، ولا متنع من الأزل معناه»، هذا تأكيد لبيان استحالة جريان الحركة والسكّون عليه ، تقول : لو صحّ عليه ذلك لكان محدثاً، وهو معنى قوله : «الامتنع من الأزل معناه»، وأيضاً كان ينبغي أن تكون ذاته منقسمة، لأن المتحرك الساكن لا بد أن يكون متحيّزاً، وكلّ متحيّز جسم، وكلّ جسم منقسم أبداً، وفي هذا إشارة إلى نفي الجوهر الفرد.)ثم قال(علیه السلام : «ولكان له وراء إذا وُجِدَ له أمام، هذا يؤكد ما قلناه إنه إشارة إلى نفي الجوهر الفرد ، يقول : لو حلّته الحركة لكان جزماً وحَجْماً، ولكان أحد وجهيه غير الوجه الآخر لا محالة، فكان منقسماً، وهذا الكلام لا يستقيم إلا مع نفي الجوهر الفرد، لأن مَنْ أثبته يقول : يصحّ أن تحلّه الحركة، ولا يكون أحد وجهيّه غير الآخر، فلا يلزم أن يكون له وراء وأمام . ثم قال (علیه السلام): «ولا التمس التمام إذ لزمه النقصان»، هذا إشارة إلى ما يقوله الحكماء، من أن الكون عدم ونقص ،والحركة وجود وكمال، فلو كان سبحانه يتحرّك ويسكن لكان حال المسكون ناقصاً قد عدم عنه كماله، فكان ملتمساً كماله بالحركة الطارئة على السّكون، وواجب الوجود ،يستحيل أن يكون له حالة نقصان، وأن يكون له حالة بالقوّة وأخرى بالفعل. قوله(علیه السلام) : «إذاً لقامت آية المصنوع فيه»، وذلك لأن آية المصنوع كونه متغيّراً منتقلاً من حالٍ إلى حال، لأنا بذلك استدللنا على حدوث الأجسام، فلو كان تعالى متغيراً متحرّكاً منتقلاً إلى حال لتحقّق فيه دليل الحدوث، فكان مصنوعاً، وقد ثبت أنه الصانع المطلق سبحانه.)قوله(علیه السلام :«ولتحوّل دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه»، يقول: إنا وجدنا دليلنا على الباري)لي سبحانه، إنما هو الأجسام المتحرّكة، فلو كان الباري متحرّكاً لكان دليلاً على غيره، وكان فوقه صانع آخر صنعه وأحدثه، لكنه سبحانه لا صانع له ولا ذات فوق ذاته، فهو المدلول عليه والمنتهي قوله (علیه السلام: «وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما أثر في غيره» في هذا الكلام)
1) كنه الشيء : جوهره وحقيقته. اللسان، مادة (كنه).
يتوّهم سامعه أنه عطف على قوله : «التفاوتت» و«التجزأ» و «لامتنع» و «لكان له» و «لالتمس» والقامت» و«التحوّل وليس كذلك، لأنه لو كان معطوفاً عليها لاختلّ الكلام وفسد، لأنها كلها مستحيلات عليه تعالى، والمراد لو تحرّك لزم هذه المحالات كلّها .وقوله: «وخرج بسلطان الامتناع» ليس من المستحيلات عليه ،بل هو واجب له ،ومن الأمور الصادقّة عليه، فإذا فسد أن يكون معطوفاً عليها وجب أن يكون معطوفاً على ما كان مدلولاً عليه، وتقدير الكلام :كان يلزم أن يتحوّل الباري دليلاً على غيره، بعد أن كان مدلولاً عليه، وبعد أن خرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما أثر في غيره، وخروجه بسلطان الامتناع المراد به وجوب الوجود والتجريد وكونه ليس بمتحيّز ولا حال في المتحيّز، فهذا هو سلطان الامتناع الذي به خرج عن أن يؤثّر فيه ما أثر في غيره من الأجسام والممكنات .****الأصل: الَّذِي لاَ يَحُولُ ولا يَزُولُ، وَلاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأَقول . لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً، وَلَمْ يُولَدْ فيصير مَحْدُوداً، جَلَّ عَن أَنْخَاذِ الْأَبْنَاءِ، وَطَهُرَ عَنْ مُلامَسَةِ النِّسَاءِ ، لا تَنالُهُ الأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ، وَلا تَتَوهُمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، وَلاَ تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُ فَتُحِسَّهُ، وَلا تَليسُهُ الأيْدِي فَتَمَسَّهُ، وَلاَ يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ، وَلاَ يَتَبَدَّلُ فِي الْأَحْوَالِ، وَلاَ تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ وَلَا يُغَيِّرُهُ الصِّيَاءُ وَالظَّلام .الشرح: هذا الفصل كله واضح مستغن عن الشرح ، إلا قوله(علیه السلام : «لم يلد فيكون مولوداً» لأن لقائل أن يقول : كيف يلزم من فرض كونه والداً أن يكون مولوداً ؟ في جوابه: إنه ليس معنى الكلام أنه يلزم من فرض وقوع أحدهما وقوع الآخر، وكيف وآدم والداً وليس بمولود! وإنما المراد أنه يلزم من فرض صحّة كونه والداً صحّة كونه مولوداً ، والتالي محال والمقدّم محال، وإنما قلنا : إنه يلزم من فرض صحة كونه والداً صحّة كونه مولوداً ، لأنه لو صحّ أن يكون والدّاً على التفسير المفهوم من الوالديّة، وهو أن يتصوّر من بعض أجزائه حي آخر من نوعه على سبيل الاستحالة لذلك الجزء كما نعقله في النطفة المنفصلة من الإنسان المستحيلة إلى صورة أخرى، حتى يكون منها بشر آخر من نوع الأول لصحّ عليه أن يكون هو مولوداً من والد آخر قبله، وذلك لأنّ الأجسام متماثلة في الجسميّة، وقد ثبت ذلك بدليل عقلي واضح في مواضعه التي هي أملك به وكلّ مِثْلَيْن فإنّ أحدهما يصح عليه ما يصحّ على الآخر، فلو صحّ كونه والداً يصح كونه مولوداً .)وأما بيان أنه لا يصح كونه مولوداً ، فلأنّ كلّ مولود متأخّر عن والده بالزّمان، وكلّ متأخر عن غيره بالزّمان محدّث، فالمولود محدث والباري تعالى قد ثبت أنه قديم، وأنّ الحدوث عليه محال، فاستحال أن يكون مولوداً، وتمّ الدليل.
الأصل: وَلاَ يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الأَجْزَاءِ، وَلا بِالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ، وَلَا بِعَرَضِ مِنَ الأَعْرَاضِ ، وَلاَ بِالْغَيْرِيَّةِ والأَبْعَاضِ، وَلا يُقالُ لَهُ حَدٌ ولا نِهَايَةٌ، ولا انْقِطَاعٌ وَلا غَايَةٌ، ولا أَنَّ الأشياء تَحْوِيهِ، فَتَقِلهُ اوْ تُهْوِيه، او ان شَيْئًا يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يَعْدِلَهُ، لَيْسَ فِي الأَشياء بِوَالِحٍ، وَلَا عَنْهَا بِخَارِج.يُخْبِرُ لا بِلِسَانِ وَلَهَوَاتٍ وَيَسْمَعُ لا بِخُرُوقٍ وأدَوَاتٍ، يَقُولُ ولا يَلْفِظُ، وَيَحْفَظ ولا يَتَحَفَّظ، ويُرِيدُ ولا يُظمِرُ يُحِبُّ ويَرْضَى مِن غَيْر رِئَةٍ، ويُبْغِضُ وَبَغْضَبُ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ لا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ ، ولا بِندَاءٍ يُسْمَعُ، وَإِنَّمَا كَلامُهُ سُبْحانَهُ . فعل مِنْهُ انشاءُ وَمَثَلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كائناً ، ولَوْ كانَ قَدِيماً لَكَانَ إلهاً ثانياً .****الشرح: في هذا الفصل مباحث :أولها: أن الباري سُبحانه لا يوصف بشيء من الأجزاء، أي ليس بمركب ،لأنه لوكان مركّباً لافتقر إلى أجزائه، وأجزاؤه ليست نفس هويّته، وكلّ ذات تفتقر هويّتها إلى أمر من الأمور فهي ممكنة، لكنّه واجب الوجود، فاستحال أن يوصف بشيء من الأجزاء. وثانيها : أنه لا يوصف بالجوارح والأعضاء كما يقول مثبتو الصورة، وذلك لأنه لو كان كذلك لكان جسماً، وكلّ جسم ممكن، وواجب الوجود غير ممكن. وثالثها : أنّه لا يوصَفُ بعرض من الأعراض كما يقوله الكراميّة، لأنّه لو حلّه العَرَض لكان ذلك العرض ليس بأن يُحلّ فيه أولى من أن يَحُلّ هو في العرض، لأن معنى الحلول حصول العَرَض في حيّز المحلّ تبعاً لحصول المحلّ فيه، فما ليس بمتحّيز لا يتحقّق فيه معنى الحلول، وليس بأن يُجعَل محلاً أولَى من أن يُجعَل حالاً !ورابعها: أنّه لا يوصف بالغيريّة والأبعاض ،أي ليس له بغض، ولا هو ذو أقسام بعضها غيراً للبعض الآخر، وهذا يرجع إلى البحث الأوّل. وخامسها: أنّه لا حدّ له ولا نهاية، أي ليس ذا مقدار، ولذلك المقدار طرف ونهاية، لأنه لو كان ذا مقدار لكان جسماً، لأن المقدار من لوازم الجسميّة، وقد ثبت أنه تعالى ليس بجسم. وسادسها : أنّه لا انقطاع لوجوده، ولا غاية، لأنه لو جاز عليه العدم في المستقبل لكان الآن متوقفاً على عدم سبب عدمه، وكلّ متوقف على الغير فهو ممكن في ذاته، والباري تعالى واجب الوجوب ،فاستحال عليه العدّم، وأن يكون لوجوده انقطاع، أو ينتهي إلى غايةيعدم عندها
وسابعها : أنّ الأشياء لا تحويه فتقلّه، أي ترفعه، أو تهويه، أي تجعله هاوياً إلى جهة تحت، لأنه لو كان كذلك لكان ذا مقدار أصغرمن مقدارالشيء الحاوي له،لكنّ قد بينا أنه يستحيل عليه المقادير، فاستحال كونه محويًّا. وثامنها: أنه ليس يحمله شيء فيميله إلى جانب ،أو يعد له بالنسبة إلى جميع الجوانب، لأنّ كلّ محمول مقدّر، وكل مُقدّر جسم، وقد ثبت أنه ليس بجسم.وتاسعها: أنه ليس في الأشياء بوالج ،أي داخل .ولا عنها بخارج ،هذا مذهب الموحّدين والخلاف فيه مع الكراميّة والمجسّمة، وينبغي أن يفهم قوله (علیه السلام: «ولاعنها بخارج» أنه لا يريد سلب الولوج ،فيكون قد خلا من النقيضين، لأن ذلك محال، بل المراد بكونه ليس خارجاً عنها أنه ليس كما يعتقده كثير من الناس ،أنّ الفلك الأعلى المحيط لا يحتوي عليه، ولكنه ذات موجودة متميّزة بنفسها، قائمة بذاتها، خارجة عن الفلك في الجهة العليا، بينها وبين الفلك بعد، إمّا غير متناه - على ما يحكى عن ابن الهيصم - أو متناه على ما يذهب إليه أصحابه، وذلك أن هذه القضيّة، وهي قولنا: الباري خارج عن الموجودات كلها على هذا التفسير ليست مناقضة للقضية الأولى، وهي قولنا : الباري داخل العالم، ليكون القول بخلوه عنهما قولاً بخلوه عن النقيضين، ألا ترى أنه يجوز أن تكون القضيّتان كاذبتين معاً، بألاً يكون الفلك المحيط محتوياً عليه، ولا يكون حاصلاً في جهة خارج الفلك، ولو كانت القضيتان متناقضتين لما استقام ذلك، وهذا كما تقول : زيد في الدار زيد في المسجد، فإنّ هاتين القضيتين ليستا متناقضتين لجواز ألا يكون زيد في الدار ولا في المسجد، فإنّ هاتين لو تناقضتا لاستحال الخروج عن النقيضين، لكن المتناقض: «زيد في الدار، زيد ليس في الدار»، والذي يستشنعه العوام من قولنا : «الباري لا داخل العالم» ولا خارج العالم غلط مبني على اعتقادهم وتصوّرهم أن القضينين تتناقضان، وإذا فهم ما ذكرناه بان أنه ليس هذا القول بشنيع، بل هو سهل وحق أيضاً، فإنه تعالى لا متحيّز ولا حال في المتحيّز وما كان كذلك استحال أن يحصل في جهة، لا داخل العالم ولا خارج العالم، وقد ثبت كونه غير متحيّز ولا في المتحيّز، من حيث كان واجب الوجود، فإذن القول بأنه ليس في الأشياء بوالج ولا عنها بخارج صواب وحق .)وعاشرها: أنه تعالى يخبر بلا لسان ولهوات (1، وذلك لأنّ كونه تعالى مخبراً هو كونه فاعلاً للخبر، كما أن كونه ضارباً هو كونه فاعلاً للضرب، فكما لا يحتاج في كونه ضارباً إلى أداة وجارحة يضرب بها كذلك لا يحتاج في كونه مخبراً إلى لسان ولهوات يخبر بها .)
1) لهوات جمع لهاة وهي اللحمة المشرفة على الحلق. القاموس مادة (الهو) .
التوحيد، وتجمع هذه الخطبة .وحادي عشرها: أنه تعالى يسمع بلا حروف وأدوات، وذلك لأن الباري سبحانه حي لا آفة ،به وكلّ حيّ لا آفة ،به فواجب أن يسمع المسموعات، ويبصر المبصرات، ولا حاجة به سبحانه إلى حروف وأدوات، كما نحتاج نحن إلى ذلك، لأنا أحياء بحياة تحلّنا، والباري تعالى حي لذاته، فلما افترقنا فيما به كان سامعاً ومبصراً، افترقنا في الحاجة إلى الأدوات والجوارح.وثاني عشرها : أنّه يقول ولا يتلفّظ، هذا بحث لفظي، وذلك لأنه قد ورد السمع بتسميته قائلاً، وقد تكرر في الكتاب العزيز ذكر هذه اللفظة، نحو قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَعِيسَى (1)(وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ ) (2)، ولم يرد في السمع إطلاق كونه متلفّظاً عليه، وفي إطلاقه إيهام كونه ذا جارحة، فوجب الاقتصار على ما ورد، وترك ما لم يرد.)وثالث عشرها : أنه تعالى يحفظ ولا يتحفّظ، أما كونه يحفظ فيطلق على وجهين: أحدهما :أنه يحفظ بمعنى أنه يحصر يحصي أعمال عباده ويعلمها، والثاني : كونه يحفظهم ويحرسهم من الآفات والدّواهي. وأما كونه لا يتحفّظ فيحتمل معنيين، أحدهما : أنه لا يجوز أن يطلق عليه أنه يتحفّظ الكلام، أي يتكلف كونه حافظاً له، ومحيطاً وعالماً به، كالواحد منا يتحفّظ الدرس ليحفظه، فهو سبحانه حافظ غير متحفّظ ،والثاني: أنه ليس بمتحرّز ولا مشفق على نفسه خوفاً أن تبدر إليه بادرة من غيره .ورابع عشرها : أنه يريد ولا يضمر، أما كونه مريداً فقد ثبت بالسّمع نحو قوله تعالى : (يريد اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ (3)، وبالعقل لاختصاص أفعاله بأوقات مخصوصة، وكيفيات مخصوصة، جاز أن تقع على خلافها، فلا بد من مخصّص لها بما اختصّت به، وذلك كونه مريداً . وأما كونه لا يضمر فهو إطلاق لفظي لم يأذن فيه الشرع، وفيه إيهام كونه ذا قلب، لأن الضمير في العرف اللغوي ما استكنّ في القلب، والباري ليس بجسم.)وخامس عشرها: أنه يحبّ ويرضى من غير رقّة ،ويبغض ويغضب من غير مشقّة، وذلك لأنّ محبته للعبد إرادته أن يثيبه، ورضاه عنه أن يحمد فعله، وهذا يصحّ ويطلق على الباري ،لا كإطلاقه علينا، لأنّ هذه الأوصاف يقتضي إطلاقها علينا رقة القلب ،والباري ليس بجسم، وأما بغضه فإرادة عقابه وغضبه كراهية فعله ووعيده بإنزال العقاب به ،وفي الأغلب إنما يطلّق ذلك علينا ويصحّ منا مع مشقّة تنالنا من إزعاج القلب وغَلَيان دمه، والباري ليس بجسم.وسادس عشرها : أنه يقول لما أراد كونه :كن فيكون من غير صوت يقرع، ولا نداء یسمع، هذا مذهب شيخنا أبي الهذيل، وإليه يذهب الكراميّة وأتباعها من الحنابلة وغيرهم
والظاهر أنّ أمير المؤمنين(علیهالسلام أطلقه حملاً على ظاهر لفظ القرآن في مخاطبة الناس بما قد سمعوه وأنسوا به، وتكرّر على أسماعهم وأذهانهم، فأما باطن الآية وتأويلها الحقيقي فغير ما يسبق إلى أذهان ،العوام، فليطلب من موضعه .)وسابع عشرها: أن كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ،ومثله لم يكن من قبل ذلك كائناً ، ولو كان قدماً لكان إلهاً ثانياً، هذا هو دليل المعتزلة على نفي المعاني القديمة التي منها القرآن، وذلك لأنّ القِدّم عندهم أخصّ صفات الباري تعالى، أو موجب عن الأخصّ، فلو أن في الوجود معنّى قديماً قائماً بذات الباري، لكان ذلك المعنى مشاركاً للباري في أخصّ صفاته، وكان يجب لذلك المعنى جميع ما وجب للباري من الصّفات، نحو العالميّة والقادريّة وغيرهما، فكان إلهاً ثانياً .فإن قلت : ما معنى قوله(علیه السلام«ومثله»؟)قلت : يقال : مثلت له كذا تمثيلاً، إذا صوّرت له مثاله بالكتابة أو بغيرها، فالباري مثل القرآن الجبريل (علیه السلام بالكتابة في اللّوح المحفوظ فأنزله على محمد(صلی اللّه علیه واله). وأيضاً يقال : مثل زيد بحضرتي إذا حضر قائماً، ومثلته بين يدي زيد أي أحضرته منتصباً فلمّا كان اللّه تعالى فعل القرآن واضحاً بينا كان قد مثله للمكلّفين.)الأصل:لاَ يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ،فَتَجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ المُحْدَثَاتُ وَلَا يَكُون بينها وبينه فَصْلٌ، وَلا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلَ ، فَيَسْتَوِي الصَّانِعُ وَالمَصْنُوعُ، وَيَتَكَانَا المُبْتَدَعُ وَالْبَدِيعُ . خَلَقَ الْخَلائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلاَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْر اشْتِغَالٍ، وَأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ، وَحَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَالاعْوِجَاجِ ، وَمَنَعَهَا مِنَ التَّهَاقُتِ وَلَانْفِرَاجِ أَرْسَى أوْتَادَهَا ، وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا ، وَاسْتَفَاضَ عُيُونَهَا ، وَخَدَّ أَوْدِيَنَهَا ، فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ وَلَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ .****الشرح: عاد(علیه السلام إلى تنزيه الباري، تعالى عن الحدوث ، فقال : لا يجوز أن يوصف به فتجري عليه الصفات المحدّثات كما تجري على كلّ محدّث، وروي :«فتجري عليه صفات)المحدّثات» وهو أليق، ليعود إلى المحدثات ذوات الصفات ما بعده، وهو قوله(علیه السلام: «ولا يكون)
بينه وبينها فصل»، لأنه لا يحسن أن يعود الضمير في قوله :« وبينها» إلى «الصفات» بل إلى«ذوات الصفات». قال: لو كان محدثاً لجرت عليه صفات الأجسام الحدّثة، فلم يكن بينه وبين الأجسام المحدثة فرق فكان يستوي الصانع والمصنوع، وهذا محال.ثم ذكر أنّه خلق الخلق غير محتل المثال، ولا مستفيد من غيره كيفية الصنعة، بخلاف الواحدمنا ، فإنّ الواحد منا لا بد أن يحتذي في الصّنعة ،كالبناء والنّجار والصّانع وغيرها . قال (علیه السلام:« ولم يستعن على خلقها بأحدٍ من خلقه»، لأنه تعالى قادر لذاته لا يُعجزه شَيء.)ثم ذكر إنشاءه تعالى الأرض، وأنه أمسكها من غير اشتغال منه بإمساكها، وغير ذلك منأفعاله ومخلوقاته، ليس كالواحد منا يمسك الثقيل فيشتغل بإمساكه عن كثير من أموره.قال: «وأرساها»، جعلها راسية على غير قرار تتمكّن عليه، بل واقفة بإرادته التي اقتضت وقوفها ، ولأنّ الفلك يجذبها من جميع جهاتها - كما قيل - أو لأنه يدفعها من جميع جهاتها، أو لأن أحد نصفيها صاعد بالطبع، والآخر هابط بالطبع، فاقتضى التعادل وقوفها، أو لأنها طالبة للمركز فوقفت .والأود: الاعوجاج، وكرّر لاختلاف اللفظ .والتّهافت :التساقط. والأسداد: جمع سدّ، وهو الجبل، ويجوز ضم السين . واستفاض عيونها، بمعنى أفاض أي جعلها فائضة. وخذ أوديتها، أي شقّها. فلم يَهُنْ ما بناه، أي لم يضعف .****الأصل: هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجلالِهِ وَعِزَّتِهِ ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِيهُ، وَلا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْقَهُ، وَلا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ . خَضَعَتِ الْأَشْيَاء لَهُ، وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةٌ لِعَظَمَتِهِ، لا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبِّ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِن نَفْعِهِ وَضُرِّهِ، وَلاَ كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِتَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فَيْسَاوِيَهُ.هُوَ المُفْنِي لَهَا بَعْدَ وجُودِهَا حَتى بَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا، وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا . وَكَيْفَ وَلَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا - مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِها وَمَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَسَائِمِها ، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا ، وَمُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا
وَأَكْيَاسِهَا - عَلَى إحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا ، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إيجَادِهَا ، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْم ذَلِكَ وَتَاهَتْ ، وَعَجَزَتْ قَوَاهَا وَتَنَاهَتْ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةٌ حَسِيرَةٌ، عَارِفَةٌ بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ، مُقِرَّةٌ بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَانِهَا، مُذْعِنَةٌ بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا !****الشرح: الظاهر : الغالب القاهر، والباطن العالم الخبير.والمُراح يضم الميم : النَّعم تُردُّ إلى المراح ، بالضم أيضاً، وهو الموضع الذي تأوي إليه النّعم، وليس المُراح ضد السائم على ما يظنّه بعضهم، ويقول : إنّ عطف أحدهما على الآخر عطف على المختلف والمتضادّ ، بل أحدهما هو الآخر وضدهما المعلوفة، وإنما عطف أحدهما على الآخر على طريقة العرب في الخطابة، ومثله في القرآن كثير ، نحو قوله سبحانه :(ولا يَمَسُّنَا فِيها نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبُ (1). وأسناخها جمع سنخ بالكسر، وهو الأصل.)وقوله :«لو اجتمع جميع الحيوان على إحداث بعوضة»، هو معنى قوله سبحانه: ﴿إنالذين تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ (2)فإن قلت: ما معنى قوله : (لا تستطيع الهرب من سُلطانه إلى غيره فتمتنع مِنْ نَفْعِه وضرّه»؟ وهلا قال: «من ضره »؟ ولم يذكر النفع، فإنه لا معنى لذكره ها هنا !)قلت :هذا كما يقول المعتصم بمعقل حصين عن غيره : ما يقدر اليوم فلان لي على نفع ولا ضر، وليس غرضه إلاّ ذكر الضّرر، وإنما يأتي بذكر النفع على سبيل سلب القدرة عن فلان على كل ما يتعلق بذلك المعتصم، وأيضاً فإنّ العفو عن المجرم نفع له، فهو(علیه السلام يقول : إنه ليس شيء من الأشياء يستطيع أن يخرج إذا أجرم من سلطان اللّه تعالى، إلى غيره فيمتنع من بأس اللّه تعالى ويستغني عن أن يعفو عنه لعدم اقتداره عليه .)الأصل: وَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لا شَيْءَ مَعَهُ ، كَمَا كَانَ قَبلَ ابْتِدَائِهَا ، كَذَلِكَيَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا ، بِلا وَقْتِ وَلاَ مَكَانٍ وَلاَ حِينٍ وَلاَ زَمَانٍ. عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الْآجَالُ وَالْأَوْقَاتُ ، وَزَالَتِ السِّنُونُ وَالسَّاعَاتُ، فَلَا شَيْءَ إِلا اللّه الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ .
بِلاَ قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءً خَلْقِهَا ، وَبَغَيْرِ امْتِنَاعِ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا ، وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الامْتِنَا لَدَامَ بَقَاؤُهَا . لَمْ يَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، وَلَمْ يَؤُدهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا بَرَأَهُ وَخَلَقَهُ، وَلَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ، وَلَا لِلاسْتِمَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٌ مُكَاثِرٍ ، وَلاَ لِلاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدّ مُثَاوِرٍ ، وَلا لِلازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، وَلاَ لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ، وَلَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا . ثمَّ هُوَ يُفْيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا ، لَا لِسَامِ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا ، وَلا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةِ إِلَيْهِ، وَلَا لِيْقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ لا يُملهُ طُولُ بَقَائِها ... فَيَدْعُوهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَها بِلُطْفِهِ، وَأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا ، وَلَا اسْتَعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا ، وَلاَ لانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ أَسْتَتْنَاسِ، وَلاَ مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَعَمِّى إِلَى عِلْمٍ وَالْتِمَاسِ، وَلَا مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ، إِلَى غِنّى وَكَثْرَةٍ، وَلاَ مِنْ ذُلّ وَضَعَةٍ، إلى عزّ وَقُدْرَةِ .****الشرح: شرع أوّلاً في ذكر إعدام اللّه سبحانه الجواهر وما يتبعها ويقوم بها من الأعراض قبل القيامة، وذلك لأن الكتاب العزيز قد ورد به نحو قوله تعالى :(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ (1)، ومعلوم أنه بدأه عن عدم، فوجب أن تكون الإعادة عن عدم أيضاً. وقال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالْآخِرُ ) (2)، وإنما كان أوّلاً لأنه كان موجوداً، ولا شيء من الأشياء بموجود، فوجب أن يكون آخراً كذكل هذا هو مذهب جمهور أصحابنا وجمهور المسلمين.)ثم ذكر أنّه يكون وحده سبحانه بلا وقت ولا مكان ،ولا حين ولا زمان ،وذلك لأن المكان إما الجسم الذي يتمكّن عليه جسم آخر، أو الجهة، وكلاهما لا وجود له بتقدير عدم الأفلاك وما في حشوها من الأجسام، أما الأوّل فظاهر، وأما الثاني فلأن الجهة لا تتحقّق إلا بتقدير وجود الفلك، لأنها أمرٌ إضافي بالنسبة إليه، فبتقدير عدمه لا يبقى للجهة تحقّق أصلاً، وهذا هو القول في عدم المكان حينئذ، وأما الزمان والوقت والحين فكل هذه الألفاظ تعطي معنى واحداً، ولا وجود لذلك المعنى بتقدير عدم الفلك، لأنّ الزمان هو مقدار حركة الفلك، فإذا قدّرنا عدم الفلك فلا حركة ولا زمان.ثم أوضح(علیه السلام ذلك وأكده ، فقال :«عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات»، لأن الأجل هو الوقت الذي يحل فيه الدّين أو تبطل فيه الحياة، وإذا ثبت أنه لا وقت ثبت أنه لا أجل ، وكذلك لا سنة ولا ساعة، لأنها أوقات مخصوصة.)
ثم عاد(علیه السلام إلى ذكر الدنيا ، فقال : «بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها)كان فناؤها»، يعني أنّها مسخّرة تحت الأمر الإلهي . قال : «ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها»، لأنها كانت تكون ممانعة للقديم سبحانه في مراده، وإنما تمانعه في مراده لو كانت قادرة لذاتها، ولو كانت قادرة لذاتها وأرادت البقاء لبقيت.قوله(علیه السلام: «لم يتكاءده» بالمدّ ،أي لم يشقّ عليه، ويجوز «لم يتكأده» بالتشديد والهمزة،)وأصله من العقبة الكنود، وهي الشّاقة .قال :«ولم يؤده» أي لم يثقله.ثم ذكر أنه تعالى لم يخلق الدنيا ليشدّ بها سلطانه، ولا لخوفه من زوال أو نقص يلحقه، ولا ليستعين بها على ند مماثل له ،أو يحترز بها عن ضد محارب له، أو ليزداد بها ملكه ملكاً، أو ليكاثر بها شريكاً في شركته له ،أو لأنه كان قبل خلقها مستوحشاً فأراد أن يستأنس بمَنْ خلَق.ثم ذكر أنه تعالى: «سيفنيها بعد إيجادها» لا لضجر لحقه في تدبيرها، ولا لراحة تصله في إعدامها، ولا لثقل شيء منها عليه حال وجودها ،ولا لملل أصابه فبعثه على إعدامها . ثم عاد (علیه السلام، فقال : إنه سبحانه سيعيدها إلى الوجود بعد الفناء، لا لحاجة إليها ولا ليستعين ببعضها على بعض، ولا لأنه استوحش حال عدمها فأحب أن يستأنس بإعادتها، ولا لأنه فقد علماً عند إعدامها فأراد بإعادتها استجداد ذلك العلم، ولا لأنه صار فقيراً عند إعدامها فأحب أن يتكثر ويُثرى بإعادتها، ولا لذل أصابه بإقنائها فأراد العزّ بإعادتها .)فإن قلت : إذا كان يفنيها لا لكذا ولا لكذا ،وكان من قبلُ أوجدها لا لكذا ولا لكذا ،قلتم : إنه يعيدها لا لكذا ولا لكذا، فلأيّ حال أوجدها أولاً، ولأي حال أفناها ثانياً، ولأي حال أعادها ثالثاً؟ خَبُرُونا عن ذلك، فإنكم قد حكيتم عنه(علیه السلام الحكم ولم تحكوا عنه العلّة!)قلت: إنما أوجدها أولاً للإحسان إلى البشر ليعرفوه، فإنّه لو لم يوجدهم لبقي مجهولاً لا يعرف ، ثم كلّف البشر ليعرضهم للمنزلة الجليلة التي لا يمكن وصولهم إليها إلا بالتكليف وهي الثواب، ثم يفنيهم لأنّه لا بد من انقطاع التكليف ليخلص الثواب من مشّاق التكاليف، وإذا كان لا بدّ من انقطاعه فلا فرق بين انقطاعه بالعدم المطلق، أو بتفريق الأجزاء، وانقطاعه بالعدم المطلق قد ورد به الشرع، وفيه لطف زائد للمكلّفين، لأنّه أردع وأهيب في صدورهم من بقاء جزائهم واستمرار وجودها غير معدومة . ثم إنه سبحانه يبعثهم ويعيدهم ليوصل إلى كلّ إنسان ما يستحّقه من ثواب أو عقاب، ولا
يمكن إيصال هذا المستحّق إلاّ بالإعادة، وإنّما لم يذكر أمير المؤمنين(علیه السلام لهذه التعليلات، لأنه قد أشار إليها فيما تقدّم من كلامه، وهي موجودة في فرش خُطبه ، ولأن مقام المولحظة غير مقام التعليل، وأمير المؤمنين (علیه السلام)في هذه الخطبة يسلك مسلك الموعظة في ضمن تمجيد الباري سبحانه وتعظيمه، وليس ذلك بمظنة التعليل والحجاج .)## ومن خطبة له(علیه السلام تختص بذكر الملاحم)الأصل: أَلاَ بِأَبِي وَامِّي هُمْ مِنْ عدَّةٍ! أسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ ، وَفِي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ الاَفتوقعوا مَا يَكُونُ مِنْ إحبارِ أُمُورِكُمْ، وَانْقِطَاعِ يُصَلِكُمْ، وَاسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ . ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنْ الدَّرْهِمِ مِنْ حِلَّهِ! ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ المُعْطى أعْظَمَ أجْراً من المُعْطِي ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ، بَلْ مِنَ النَّعْمَةِ وَالنَّعِيمِ، وَنَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ أَضْطِرَارٍ، وَتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إحْرَاجِ ذَاكَ إِذَا عَضَكُمُ الْبَلَاءُ، كَمَا . يَعَضُّ أَلْقَتَبُ غارِبَ الْبَعِيرُ . ما أطْوَلَ هَذَا الْعَتَاءَ وَأَبْعَدَ هَذَا الرَّجاءَ!أَيُّهَا النَّاسُ، اَلْقُوا هَذِهِ الأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُها الْأَنْقَالَ مِنْ أيْدِيكُمْ وَلاَ تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطائِكُمْ فَتَذَمُوا غِبْ فِعَالِكُمْ، وَلا تَقْتَحِمُوا ما أَسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَيْهَا، وَخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا ، فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ في لَهَبِهَا المُؤْمِنُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ المُسْلِمِ. إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاج في الظُّلْمَةِ يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا. فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَهُوا وَأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا****الشرح: الإمامية تقول : هذه العدّة هم الأئمة الأحد عشر من ولده (علیه السلام. وغيرهم يقول : إنه عَنَى الأبدال الذين هم أولياء اللّه في الأرض، وقد تقدّم منا ذكر القطب والأبدال، وأوضحنا ذلك إيضاحاً جليا .)قوله :« أسماؤهم في السماء معروفة»، أي تعرفها الملائكة المعصومون، أعلمهم اللّه تعالى بأسمائهم . وفي الأرض مجهولة، أي عند الأكثرين لاستيلاء الضلال على أكثر البشر. ثم خرج إلى مخاطبة أصحابه على عادته في ذكر الملاحم والفتن الكائنة في آخر زمان الدنيا، فقال لهم : توقعوا ما يكون من إدبار أموركم وانقطاع وُصلكم - جمع وُصلة -
واستعمال صغاركم، أي يتقدّم الصغار على الكبار، وهو من علامات الساعة. قال : ذاك حيث يكون احتمال ضربة السيف على المؤمن أقل مشقة من احتمال المشقة في حلال، وذلك لأنّ المكاسب تكون قد فسدت واختلطت، وغلب الحرام الحلال ،اکتساب درهم فيهاقوله : «ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجراً من المعطي» معناه أن أكثر من يعطي ويتصدّق في ذلك الزمان يكون ماله حراماً فلا أجرَ له في التصدّق به، ثم أكثرهم يقصد الرياء والسّمعة بالصدقة أو لهوَى نفسه، أو الخطرة من خطراته، ولا يفعل الحسن لأنّه حَسَن ،ولا الواجب لوجوبه، فتكون اليد السفلى خيراً من اليد العليا عكس ما ورد في الأثر، وأما المعطى فإنه يكون فقيراً ذا عيال، لا يلزمه أن يبحث عن المال أحرام هو أم حلال! فإذا أخذه ليسدّ به خلّته ، يصرفه في قوت عياله كان أعظم أجراً ممن أعطاه .وقد خطر لي فيه معنى آخر، وهو أن صاحب المال الحرام إنما يصرفه في أكثر الأحوالوأغلبها في الفساد وارتكاب المحظور كما قال : «مَنِ اكتسب مالاً من نَهَا وِش من نَهَا وِش (1، أذهبه اللّه في نَهَابرٍ .(2)فإذا أخذه الفقير منه على وجه الصدقة فقد فوت عليه صرفه في تلك القبائح والمحظورات التي كان بعرضته صرف ذلك القدر فيها لو لم يأخذه الفقير، فإذاً قد أحسن الفقير إليه بكفّه عن ارتكاب القبيح، ومن العصمة ألا يقدر فكان المعطى أعظم أجراً من المعطي . قوله (علیه السلام): «ذاك حيث تَسْكَرُونَ من غير شراب، بل من النّعمة»، بفتح النون، وهي غَضارة العيش، وقد قيل في المثل : سُكر الهوى أشدّ من سُكر بالخمر .)قال « تحلفون من غير اضطرار»، أي تتهاونون باليمين وبذكر اللّه عزّ وجلّ . قال :«وتكذبون من غير إحراج»، أي يصير الكذب لكم عادة ودربة، لا تفعلونه لأن آخر منكم قد أحرجكم واضطركم بالغيظ إلى الحلف. وروي من غير «إحواج» بالواو ، أي من غير أن يُحوجكم إليه أحد .قال : ذلك إذا عَضَكم البلاء كما يعض القَتَبُ غارب البعير، هذا الكلام غير متصل بما قبله، وهذه عادة الرضي رحمة اللّه يلتقط الكلام التقاطاً، ولا يتلو بعضه بعضاً، وقد ذكرنا هذه الخطبة أو أكثرها فيما تقدم من الأجزاء الأول، وقبل هذا الكلام ذكر ما يناله من البؤس والقنوط ومشقة انتظار الفرج. قوله(علیه السلام:«ما أطوَلَ هذا العناء وأبعد هذا الرجاء! هذا حكاية كلام شعيته وأصحابه .)
ثم قال مخاطباً أصحابه الموجودين حوله : أيها الناس القُوا هذه الأزمة التي تحمل ظهورها الأثقال عن أيديكم، هذه كناية عن النَّهْي عن ارتكاب القبيح وما يوجب الإثم والعقاب ،والظهورها هنا: هي الإبل أنفسها، والأثقال: المآثم. وإلقاء الأزمة : ترك اعتماد : القبيح، فهذا ،عمومه، وأما خصوصه فتعريض بما كان عليه أصحابه من الغدر ومخامرة العدوّ عليه، وإضماء الغِل والغش له، وعصيانه والتلوّي عليه ،وقد فسّره بما بعده فقال: «ولا تصدّعوا عن سلطانكم» في لا تفرّقوا، «فتذمّوا غِب فعالكم»، أي عاقبته .ثم نهاهم عن اقتحام ما استقبلوه من فَوْر نار: الفتنة وفَوْر النار غليانها واحتدامها، ويروي:(ما استقبلكم . ثم قال: «وأميطوا عن سَنَنها»، أي تنحوا عن طريقها، وخلّوا قضد السبيل لها، أي دعوها تسلك طريقها ولا تقفوا لها فيه فتكونوا حطباً لنارها . ثم ذكر أنه قد يهلك المؤمن في لهبها، ويسلم فيه الكافر، كما قيل : المؤمن ملقى والكافر مرقّى . ثم ذكر أن مثله فيهم كالسُّرُج يستضيء بها من ولجها ، أي دخل في ضوئها. وآذان قلوبكم، كلمة مستعارة جعل للقلب آذاناً كما جعل الشاعر للقلوب أبصاراً، فقال: يدق على النواظر ما أتاه *** واظر ما أتاه فتُبصره بأبصار القلوبِ)## ومن خطبة له(علیه السلام في الوصية بالتقوى)الأصل: أُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَكَثَرَةِ حَمْدِهِ عَلَى الايْهِ إِلَيْكُمْ، وَنَعْمَانِهِ عَلَيْكُمْ ، وَبَلاتِهِلَدَيْكُمْ، فَكُمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ، وَنَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَةٍ !أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ، وَتَعَرَّضْتُمْ لِألحذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ! وَأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَإِقْلالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَكَيْفَ فَفَلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وَطَمَعُكُمْ فيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ، فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَتُتُمُوهُمْ، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، كَأَنَّ الْآخِرَةَ لَمْ تَزَلَ لَهُمْ دَاراً وَأَوْحَدُوا مَا كَانُوا يُوطِئُونَ، وَأَوْظَنُّوا مَا كَانُوا يُوْحِشُونَ، وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا ، وَأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا، لا عَنْ قَبيح يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالاً، وَلا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ أَزْدِيَاداً ، أَيْسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتُهُم وَوَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ فَسَابِقُوا رَحِمَكُمْ الله إِلَى مَنَازِلِكُمْ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا ، وَالَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا وَدُعِيتُمْ
إِلَيْهَا ، وَاسْتَتِمُوا نِعَمَ اللهُ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ ، المُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمَ ققَرِيبٌ مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْم وَأَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمْرِ!****الشرح: أعورتم، أي انكشفتم وبدت عوراتكم، وهي المقاتل ، تقول : أعور الفارس، إذا بدتمقاتله، وأعورك الصَّيْدُ إذا أمكنك منه .قوله(علیه السلام : أوْحَشوا ما كانوا يوطنون أي أوطنوا قبورهم التي كانوا يوحشونها . قوله(علیه السلام) :«واشتغلوا بما فارقوا» أي اشتغلوا وهم في القبور بما فارقوه من الأموال والقينات، لأنها أذًى وعقاب عليهم في قبورهم ،ولولاها لكانوا في راحة، ويجوز أن يكون حكاية حالهم وهم بعد في الدنيا، أي اشتغلوا أيام حياتهم من الأموال والمنازل بما فارقوه، وأضاعوا من أمر آخرتهم ما انتقلوا إليه . ثم ذكر أنّهم لا يستطيعون فعل حسنة ،ولا توبةً من قبيح، لأنّ التكليف سقط، والمنازل التي أمروا بعمارتها ،والمقابر، وعمارتها الأعمال الصالحة.)وقوله(علیه السلام:«إن غداً من اليوم قريب»کلام يجري مجرى المثل،قال : عدماعدماأقرب اليوم من غدِ والأصل فيه قول اللّه تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) (1)وقوله : «ما أسرع الساعات في اليوم. ...» إلى آخر الفصل، كلام شريف وجيز بالغ في معناه، والفصل كله نادر لا نظير له.)## ومن خطبة له في الإيمان ووجوب الهجرةالأصل: مَنَ الْإِيْمَانِ مَا يَكُونُ ثَابتاً مُسْتَقِرًّا فِي الْقُلُوبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوارِي بَيْنَ القُلوب وَالصُّدُورِ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ المَوْتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ . وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدْهَا الأَوَّلِ، مَا كَانَ اللّه فِي أَهْلِ الأرْض حَاجَةٌ مِنْ مُستَسِرٌ الْأُمَّةِ
1) سورة هود الآية : 81
وَمُعْلِنِهَا . لَا يَقَعُ اسْمُ الْهَجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلا بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ، وَلاَ يَقَعَ اسْمُ الاسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ نَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ، وَوَعَاهَا قَلْبُهُ . إِنْ أَمْرَنَا صَعَبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤمِنٌ أَمْتَحَنَ الله قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَلا بَعِي حديثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَأَحْلاَمٌ رَزِينَةٌ . أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلانَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطْرُقِ الْأَرْضِ، قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطأُ فِي خِطَامِهَا، وَتَذْهَبُ بِأَحْلامٍ قَوْمِهَا.****الشرح: هذا الفصل يُحمل على عدة مباحث :أولها : قوله(علیه السلام : فمن الإيمان ما يكون كذا. فنقول : إنه قسم الإيمان إلى ثلاثة أقسام:)أحدها : الإيمان الحقيقي، وهو الثابت المستقر في القلوب بالبرهان اليقيني.الثاني : ما ليس ثابتاً بالبرهان اليقيني بل بالدليل الجدلي، كإيمان كثير ممن لم يحقّق العلوم العقلية، ويعتقد ما يعتقده عن أقيسة جدليّة لا تبلغ إلى درجة البرهان، وقد سمّي(علیه السلام هذا القسم باسم مفرد ،فقال : إنه عواري في القلوب ،والعواري : جمع عارية أي هو وإن كان في القلب وفي محل الإيمان الحقيقي إلا أن حكمه حكم العارية في البيت، فإنّها بعرضة الخروج منه، لأنها ليست أصلية كائنة في بيت صاحبها .)والثالث :ما ليس مستنداً إلى برهان ولا إلى قياس جدلي، بل على سبيل التقليد وحسن الظنّ بالأسلاف، وبمن يحسن ظنّ الإنسان فيه من عابد أو زاهد أو ذي ورع، وقد جعله(علیه السلام عواري بين القلوب والصدور لأنه دون الثاني، فلم يجعله حالاً في القلب، وجعله مع كونه عارية حالاً بين القلب والصدر. فيكون أضعف مما قبله . فإن قلت : فما معنى قوله : «إلى أجل معلوم»؟)قلت : إنه يرجع إلى القسمين الأخيرين، لأن من لا يكون إيمانه ثابتاً بالبرهان القطعي قد ينتقل إيمانه إلى أن يصير قطعياً، بأن ينعم النظر ويرتب البرهان ترتيباً مخصوصاً، فينتج له النتيجة اليقينية، وقد يصير إيمان المقلّد إيماناً جدليًّا فيرتقي إلى ما فوقه مرتبته، وقد يصير إيمان الجدلي إيماناً تقليدياً بأن يضعف في نظره ذلك القياس الجدلي، ولا يكون عالماً بالبرهان، فيؤول حال إيمانه إلى أن يصير تقليّديا ، فهذا هو فائدة قوله :«إلى أجل معلوم» في هذين القسمين.فأمّا صاحب القسم الأوّل فلا يمكن أن يكون إيمانه إلى أجل معلوم، لأن مَنْ ظفر بالبرهان
استحال أن ينتقل عن اعتقاده، لا صاعداً ولا ها بطاً ،أمّا لا صاعداً ،فلأنّه ليس فوق البرهان مقام آخر، وأما لا هابطاً ،فلأن مادة البرهان هي المقدّمات البديهيّة والمقدّمات البديهيّة يستحيل أن تضعف عند الإنسان حتى يصير إيمانه جدليًا أو تقليدياً .وثانيها قوله(علیه السلام : «فإذا كانت لكم براءة »، فنقول : إنه(علیه السلام) نهى عن البراءة من أحدٍ ما دام حيا ، لأنه وإن كان مخطئاً في اعتقاده، لكن يجوز أن يعتقد الحق فيما بعد، وإن كان مخطئاً في أفعاله ،لكن يجوز أن يتوب فلا تحلّ البراءة من أحد حتى يموت على أمر، فإذا مات على اعتقاد قبيح أو فعل قبيح جازت البراءة منه، لأنه لم يبق له بعد الموت حالة تنتظر، وينبغي أن تحمل هذه البراءة التي أشار إليها(علیه السلام) على البراءة المطلقة، لا على كل براءة ،لأنا يجوز لنا أن نبرأ من الفاسق وهو حيٌّ، ومن الكافر وهو حي ، لكن بشرط كونه فاسقاً، وبشرط كونه كافراً ،فأما مَنْ مات ونعلم ما مات عليه فإنا نبرأ منه براءة مطلقة غير مشروطة .)وثالثها قوله: «والهجرة قائمة على حدّها الأوّل»، فنقول: هذا كلام يختصّ به أمير المؤمنين(علیه السلام ، وهو من أسرار الوصيّة؛ لأن الناس يروون عن النبي(صلی اللّه علیه واله) أنه قال: «لا هجرة بعد الفتح » (1)، فشفع عمه العباس في نعيم بن مسعود الأشجعي أن يستثنيه، فاستثناه، وهذه الهجرة التي يشير إليها أمير المؤمنين(علیه السلام) ليست تلك الهجرة، بل هي الهجرة إلى الإمام قال : إنها قائمة على حدها الأوّل ما دام التكليف باقياً، وهو معنى قوله :«ما كان اللّه تعالى في أهل الأرض حاجة». وقال الراوندي: ما هاهنا ،نافية أي لم يكن اللّه في أهل الأرض من حاجة، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّه إدخال كلام منقطع بين كلامين متصل أحدهما بالآخر.)ثم ذكر أنّه لا يصحّ أن يعد الإنسان من المهاجرين إلا بمعرفة إمام زمانه، وهو معنى قوله :«إلا بمعرفة الحجّة في الأرض». قال: «فمن عرف الإمام وأقرّ به فهو مهاجر». قال : ولا يجوز أن يسمّى مَنْ عرف الإمام مستضعفاً، يمكن أن يشير به إلى آيتين في القرآن :إحداهما قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوافِيمَ کُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي
1) أخرجه البخاري كتاب الجهاد والسير باب فضل الجهاد والسير (2783)، ومسلم، کتاب: الإمارة، باب : المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير (1864) .
الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُن أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَا جُرُوا فِيهَا فَأُولَيكَ مَأْوَنهُمْ جَهَنَّم (1، فالمراد على هذا أنه ليس ) من عرف الإمام وبلغه خبره بمستضعف كما كان هؤلاء مستضعفين ،وإن كان في بلده وأهله لم يخرج ولم يتجشم مشقّة السفر .)ثانيهما قوله تعالى في الآية التي تلي الآية المذكورة: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأَوْلَيْكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُو عَنْهُمْ (2)فالمراد عَلَى هذا أنه ليس من عرف الإمام وبلغه خبره بمستضعف كهؤلاء الذين استثناهم الله تعالى من الظالمين؛ لأنّ أولئك كانت الهجرة بالبدن مفروضة عليهم، وعُفَي عن ذوي العجز عن الحركة منهم، وشيعة الإمام(علیه السلام) ليست الهجرة بالبدن مفروضة عليهم، بل تكفي معرفتهم به وإقرارهم بإمامته، فلا يقع اسم الاستضعاف عليهم.)فإن قلت : فما معنى قوله :«من مستسرّ الأمة ومعلنها»، وبماذا يتعلّق حرف الجر؟ قلت :معناه :ما دام اللّه في أهل الأرض المستسرّ منهم باعتقاده والمعلن حاجة، ف من على هذا زائدة، فلو حذفت لجر المستسر بدلاً من أهل الأرض، ومن إذا كانت زائدة لا تتعلّق، نحوقولك : ما جاءني من أحد .****ورابعها : قوله(علیه السلام :«إن أمرنا هذا صعب مستصعب» ویروی:« مستصعب - بكسر العين - لا يحتمله إلا عبد امتحن اللّه تعالى قلبه للإيمان»، هذه من ألفاظ القرآن العزيز، قال اللّه تعالى: (أُولَيكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقوى)(3)، وهو من قولك: امتحن فلان لأمر كذا وجُرّب ودُرِّب للنهوض به، فهو مضطلع به غير وان عنه، والمعنى أنهم صُبر على التقوى أقوياء على احتمال مشاقّها، ويجوز أن يكون وضع الامتحان موضع المعرفة ؛ لأن تحققك الشيء إنما يكون باختباره كما يوضع الخبر موضع المعرفة، فكأنه قيل : عرف اللّه قلوبهم للتقّوى، فتتعلّق اللام بمحذوف ،أي كائنة له ،وهي اللام التي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي مختصّ به كقوله : أعداء مَنْ لليعملات على الوجا)وتكون مع معمولها منصوبة على الحال، ويجوز أن يكون المعنى : ضرب اللّه قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى أي لتثبت فيظهر تقواها، ويعلم أنهم متقون؛ لأن
حقيقة التقوى لا تعلم إلّا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها. ويجوز أن يكون المعنى أنهأخلص قلوبهم للتقوى، من قولهم : امتحن الذهب ،إذا أذابه فخلص إبريزه من خَبثه ونقاه . وهذه الكلمة قد قالها(علیه السلام مراراً، ووقفت في بعض الكتب على خُطبة من جملتها : إن قريشاً طلبت السعادة فشقيت، وطلبت النجاة فهلكت ،وطلبت الهدَى فضلت ،ألم يسمعوا ويحهم قوله تعالى : (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَنِ الحَقْنَا بهِمْ ذُرِّيَّتهم) (1)فاين المعدل والمنزع عن ذرية الرسول، الذين شيّد الله بنيانهم فوق بنيانهم، وأعلى رؤوسهم فوق رؤوسهم، واختارهم عليهم ! ألا إنّ الذرية أفنان أنا شجرتها، ودوحة أنا ساقها، وإنّي مِن أحمدَ بمنزلة الضوء من الضوء، كنا ظلالاً تحت العرش قبل خلق البشر، وقبل خلق الطينة التي كان منها البشر، أشباحاً عالية، لا أجساماً نامية، إن أمرنا صعب مستصّعب ،لا يعرف كنهه إلا ثلاثة : ملك مقرّب، أو نبي مرسل ،أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان، فإذا انكشف لكم سرّ أو وضح لكم أمر فاقبلوه ،وإلا فاسكتوا تسلموا، وردُّوا علمنا إلى اللّه فإنكم في أوسع مما بين السماء والأرض.)****وخامسها : قوله : «سلوني قبل أن تفقدوني»، أجمع النّاس كلهم على أنه لم يقل أحد منالصحابة، ولا أحد من العلماء: «سلوني» غير علي بن أبي طالب(علیه السلام غير علي بن أبي طالب ، ذكر ذلل ابن عبد البر المحدّث في كتاب الاستيعاب .(2))والمراد بقوله :«فلانا أعلم بطرق السماء منّي بطرق الأرض»، ما اختصّ به من العلم بمستقبل الأمور، ولاسيّما في الملاحم والدوّل، وقد صدّق هذا القول عنه ما تواتر عنه من الإخبار بالغيوب المتكرّرة، لا مرة ولا مائة مرة، حتى زال الشكّ والريب في أنه إخبار عن علم، وأنه ليس على طريق الاتفاق، وقد ذكرنا كثيراً من ذلك فيما تقدّم من هذا الكتاب. وقد تأوّله قوم على وجه آخر قالوا : أراد أنا بالأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية أعلم مني بالأمور الدنيوية، فعبّر عن تلك بطرق السماء؛ لأنها أحكام إلهيّة، وعبر عن هذه بطرق الأرض لأنها من الأمور الأرضيّة والأوّل أظهر ؛ لأنّ فحوى الكلام وأوله يدل على أنه المراد.## قصة واعظ مشهور ببغدادوعلى ذكر قوله (علیه السلام: «سلوني»، حدثني مَنْ أثق به من أهل العلم حديثاً، وإن كان فيه)بعض الكلمات العاميّة، إلا أنه يتضمّن ظرفاً ولطفاً، ويتضمّن أيضاً أدباً .
قال : كان ببغداد في صدرَ أيام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بالله ،واعظ مشهور بالحذق ومعرفة الحديث والرجال، وكان يجتمع إليه تحت منبره خَلْق عظيم من عوام بغداد ومن فضلائها أيضاً، وكان مشتهراً بذم أهل الكلام وخصوصاً المعتزلة وأهل النظر ، على قاعدة الحشوية ومبغضي أرباب العلوم العقلية، وكان أيضاً منحرفاً عن الشيعة برضا العامة بالميل عليهم، فاتفق قوم من رؤساء الشيعة عَلَى أن يضعوا عليه مَنْ يبكته ويسأله تحت منبره، ويُخجله ويفضحه بين الناس في المجلس، وهذه عادة الوعاظ، يقوم إليهم قوم فيسألونهم مسائل يتكلفون عنها، وسألوا عمّن ينتدب لهذا، فأشير عليهم بشخص كان ببغداد يعرف بأحمد بن عبد العزيز الكزّيّ، كان له لَسَن ويشتغل بشيء يسير من كلام المعتزلة، ويتشيع، وعنده قحة، وقد شدا أطرافاً من الأدب، وقد رأيت أنا هذا الشخص في آخر عمره، وهو شيخ، والنّاسُ يختلفون إليه في تعبير الرؤيا، فأحضروه وطلبوا إليه أن يعتمد ذلك، فأجابهم، وجلس ذلك الواعظ في يومه الذي جرت عادته بالجلوس فيه واجتمع الناس عنده على طبقاتهم، حتى امتلأت الدنيا بهم، وتكلّم على عادته فأطال، فلما مرّ في ذكر صفات البارى سبحانه في أثناء الوعظ، قام إليه الكزيّ، فسأله أسئلة عقلية على منهاج كلام المتكلمين من المعتزلة، فلم يكن للواعظ عنها جواب نظري، وإنما دفعه بالخطابة والجدل، الألفاظ، وتردّد الكلام بينهما طويلاً، وقال الواعظ في آخر الكلام أعين المعتزلة حول، وسجع وصوتي في مسامعهم طبول، وكلامي في أفئدتهم ،نصول يا من بالاعتزال يصول ويحك كم تحوم وتجول حول من لا تدركه العقول ! كم ،أقول كم أقول خلوا هذا الفضول!فارتج المجلس، وصرخ الناس، وعلت الأصوات، وطاب الواعظ وطرب، وخرج من الفصل إلى غيره فشطح شطح الصوفيّة، وقال : سلوني قبل أن تفقدوني، وكرّرها ، فقام إليه الكزي ،فقال : يا سيدي ما سمعنا أنه قال هذه الكلمة إلا علي بن أبي طالب(علیه السلام ، وتمام الخبر معلوم. وأراد الكزّي بتمام الخبر قوله (علیه السلام): «لا يقولها بعدي إلا مدع».)فقال الواعظ وهو في نشوة طربه، وأراد إظهار فضله ومعرفته برجال الحديث والرواة: مَنْ علي بن أبي طالب؟ أهو علي بن أبي طالب بن المبارك النيسابوري؟ أم علي بن أبي طالب بن إسحاق المروزي؟ أم علي بن أبي طالب بن عثمان القيرواني؟ أم علي بن أبي طالب بن سليمان الرازي؟ وعد سبعة أو ثمانية من أصحاب الحديث كلّهم علي بن أبي طالب. فقام الكزيّ، وقام من يمين المجلس آخر ، ومن يسار المجلس ثالث انتدبوا له، وبذلوا أنفسهم للحمية ووظنوها عَلَى القتل.فقال الكزي : ألّا يا سيدي فلان الدين، أشا! صاحب هذا القول هو علي بن أبي طالب زوج فاطمة سيدة نساء العالمين ، وإن كنتَ ما عرفته بعد بعينه فهو الشخص الذي لما
اخی رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله و بين الأتباع والأذناب آخى بينه وبين نفسه ،وأسجل عَلَى أنه نظيره ومماثله، فهل نقل في جهازكم أنتم من هذا شيء؟ أو نبت تحت خبكم من هذا شيء؟ فأراد الواعظ أن يكلّمه، فصاح عليه القائم من الجانب الأيمن، وقال: يا سيدي فلان الدين محمد بن عبد اللّه كثير في الإسماء، ولكن ليس فيهم من قال له رب العزّة : (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (1). وكذلك عليّ بن أبي طالب كثير في الأسماء، ولكن ليس فيهم من قال له صاحب الشريعة : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (2))وقد تلتقي الأسماء في الناس والكُنى *** كثيراً ولكن مُيّزوا في الخلائقِفالتفت إليه الواعظ ليكلّمة، فصاح عليه القائم من الجانب الأيسر، وقال: يا سيدي فلان الدينحقّك تجهله، أنت معذور في كونك لا تعرفه :وإذا خفيتُ على الغبي فعاذر *** الأتراني مقلة عمياء!فاضطرب المجلس وماج كما يموج البحر، وافتتن الناس وتواثبت العامة بعضها إلىبعض، وتكشفت الرؤوس، ومزقت الثياب، ونزل الواعظ ، واحتمل حتى أدخل داراً أغلق عليه بابها، وحضر أعوان السلطان فسكنوا الفتنة، وصرفوا النّاس إلى منازلهم وأشغالهم، وأنفذ الناصر لدين اللّه في آخر نهار ذلك اليوم، فأخذ أحمد بن عبد العزيز الكزي والرجلين اللذين قاما معه فحبسه فحبسهم أياماً لتطفأ ناثرة الفتنة ثم أطلقهم.## ومن خطبة له(علیه السلام في الأمر بالتقوى)الأصل: أَحْمَدُهُ شُكْراً لِإِنْعَامِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ، عَزِيزَ الْجُنْدِ، عَظِيمٍ الْمَجْدِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ، جِهَاداً عَنْ دِينِهِ، يَثْنِيهِ عَنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَالْتِمَاسَ لِإِطْفَاءِ نُورِهِ. فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّه ، فَإِنَّ لَهَا حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلاً مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ، وَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ، وَامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حَلُولِهِ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ، وَكَفَى بِذَلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتبراً لِمَنْ جَهِلَ. وَقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ لى الْأَرْمَاسِ ، وَشِدَّةِ
الْإِبْلاَسِ، وَهَوْلِ الْمُطَّلَعِ ، وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ، وَاخْتِلافِ الْأَضْلاعِ، وَاسْتِكَاكِ الْأَسْمَاعِ، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وَخِيفَةِ الْوَفَّدِ، وَغَمِّ الضَّرِيحِ ، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ. فَالله الله عِبادَ الله ! فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ ، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةَ فِي قَرَنِ، وَكَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا ، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا . وَكَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا ، وَأَنَا خَتْ بِكَلاكِلِهَا، وَانْصَرَفَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا ، وَأَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا ، فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى وَشَهْرٍ أَنْقَضَى وَصَارَ جَدِيدُهَا رَبًّا، وَسَمِيتُهَا عَنا.فِي مَوْقِفِ ضَنْكِ الْمُقَامِ، وَأُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ ، وَنَارٍ شَدِيدٍ كَلَبهَا ، عَالٍ لَجَبُهَا ، سَاطِعِ لَهَبُهَا ، مُتَغَيِّظ زَفِيرُهَا ، مُتَأَجَجِ سَعِيرُهَا ، بَعِيدٍ حُمُودُهَا ، ذَاكِ وُقُودُهَا ، مَخُوف وَعِيدُهَا ، عَم قَرَارُهَا، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا ، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا ، فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا . وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا (1). قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ، وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمْ الدَّارُ، وَرَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِبَةً، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةٌ، وَكَانَ ، لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً ، تَخَشُعاً وَاسْتِغْفَاراً، وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً، تَوَحُشاً وَانْقِطَاعاً، فَجَعَل اللّه لَهُمُ الْجَنَّةَ مَاباً ، وَالْجَزَاء ثَوَاباً ، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ، فِي مُلْكِ دَائِمٍ، وَنَعِيمٍ قَائِم . فَارْعَوْا عِبَادَ الله مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُورُ فَائِزُكُمْ، وَبِإِضَاعَتِهِ بَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ، وَبَادِرُوا أَجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ، وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوف، فَلا رَجْعَةً تُنَالون، وَلاَ عَشْرَةٌ تُقَالُونَ.)أستَعْمَلَنَا اللّه وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَعَفَا عَنَّا وَعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ. الْزَمُوا الْأَرْضَ وَاصْبِرُوا عَلَى الْبَلاءِ، وَلَا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَسُيُونِكُمْ فِي هَوَى الْسِنَتِكُمْ، وَلا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ الله لَكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقٌّ رَبِّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْنِهِ مَاتَ شَهِيداً ، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَاسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهِ، وَقَامَتِ النَّةُ مَقَامَ إِصْلاتِهِ لِسَيْفِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَأَجَلاً .****الشرح: وظائف حقوقه : الواجبات المؤقتة، كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، والوظيفةما يُجعل للإنسان في كلّ يوم، أو في كل شهر، أو في كل سنة من طعام أو رزق.
1) سورة الزمر، الآية : 73 .
وعزيز منصوب ؛ لأنه حال من الضمير في «أستعينه»، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في (حقوقه وإضافة «عزيز» إلى «الجند» إضافة في تقدير الانفصال، لا توجب تعريفه ليمتنع من كونه حالاً. وقاهَر أعداءه حاربهم، وروي وقهر أعداء. والمعقل : ما يعتصم به وذروته أعلاه.)وأمهدوا له: اتخذوا مهاداً، وهو الفراش، وهذه استعارة.قوله(علیه السلام : «فإنّ الغاية القيامة»، أي فإنّ منتهى كل البشر إليها، ولا بد منها .)والأرماس : جمع رَمْس وهو القبر، والإبلاس مصدر «أبلس» أي خاب ويئس ،والإبلاس أيضاً : الانكسار والحزن. واستكاك الأسماع صممها . وغم الضريح: ضيق القبر وكَرْبه. والصفيح: الحجر، وردمه : سدّه . والسَّنَن : الطريق . والقرن : الحبلُ .وأشراط الساعة: علاماتها. وأزفت: قربت .وأفراطها: جمع فرط، وهم المتقدّمون السابقون من الموتى، ومن روى (بإفراطها فهو مصدر أفرط في الشيء، أي قربت الساعة بشدّة غُلَوَائها وبلوغها غاية الهول والفظاعة ،ويجوز أن تفسّر الرواية الأولى بمقدماتها وما يظهر قبلها من خوارق العادات المزعجة ،كالدّجال ودابة الأرض ونحوهما، ويرجع ذلك إلى اللفظة الأولى، وهي أشراطها، وإنما يختلف اللفظ،)والكلاكل : جمع كلكل، وهو الصدر، ويقال للأمر الثقيل :«قد أناخ عليهم بكلكله» أي هدّهم ورضّهم كما يهدّ البعير البارك من تحته إذا أنحى عليه بصدره.قوله(علیه السلام: «وانصرفت الدنيا بأهلها» أي ولّت، ويروى «وانصرمت» أي انقضت. والحضّن ، بكسر الحاء: ما دون الإبط إلى الكشح.)والرّثَ : الخلق، والغثّ : الهزيل . ومقام ضنّك، أي ضيّق .وشديد كلبها ، أي شرّها وأذاها واللجّب :الصوت. ووُقودها هاهنا ،بضم الواو، وهوالحدث، ولا يجوز الفتح؛ لأنه ما يوقد به كالحطب ونحوه، وذاك لا يوصف بأنه ذاك . قوله (علیه السلام: «دعم قرارها»، أي لا يهتدى فيه لظلمته، ولأنه عميق جداً، ويروى :«وكأنّ ليلهم نهار» وكذلك أختها على التشبيه . والمآب :المرجع، ومدينون: مجزّيون.)
قوله(علیه السلام : «فلا رجعة تنالون» الرواية بضم التاء، أي تعطون ، يقال : أنلت فلاناً مالاً ، أي)منحته وقد روي: «تَنالون» بفتح التاء.ثم أمر أصحابه أن يثبتوا ولا يعجلوا في محاربةِ مَنْ كان مخالطاً لهم من ذوي العقائد الفاسدة كالخوارج، ومَن كان يُبطنُ هَوى معاوية، وليس خطابه هذا تثبيطاً لهم عن حرب أهل الشام، كيف وهو لا يزال يقرِّعُهم ويوبِّخُهم عن التقاعد والإبطاء في ذلك! ولكن قوماً من خاصّته كانوا يطلعون على ما عند قوم من أهل الكوفة، ويعرفون نفاقهم وفسادهم ،ويرومون قتلهم وقتالهم ، فنهاهم عن ذلك، وكان يخاف فرقة جُنده وانتشار حَبْل عسكره، فأمرهم بلزوم الأرض، والصبر على البلاء.وروي بإسقاط الباء من قوله : «بأيديكم» ومَنْ رَوى الكلمة بالباء جعلها زائدة، ويجوز ألا تكون زائدة، ويكون المعنى: ولا تحرّكوا الفتنة بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، فحذف المفعول. والإصلات بالسيف : مصدر أصلت، أي سلّ.واعلم أن هذه الخطبة من أعيان خُطبه(علیه السلام ، ومن ناصع كلامه ونادره، وفيها من صناعة البديع الرائقة المستحسنة البريئة من التكلف ما لا يخفى، وقد أخذ ابنُ نُباتة الخطيب كثيراً من ألفاظها فأودعها خطبه، مثل قوله : «شديد كلبها، عال لجبها، ساطع لهبها، متغيظ زفيرها، متأجج سعيرها، بعيد خمودها ،ذاك وقودها، مخوف وعيدها ،عم قرارها، مظلمة أقطارها ، حامية قدورها، فظيعة أمورها»، فإنّ هذه الألفاظ كلّها اختطفها ،وأغار عليها واغتصبها، وسمَّطَ بها خطبه ،وشدّر بها كلامه. ومثل قوله :«هول المطّلع، وروعات الفزع ،واختلاف الأضلاع، واستكاك الأسماع، وظلمة اللّحد، وخيفة الوعد، وغم الضريح ،وردم الصفيح». فإن هذه الألفاظ أيضاً تمضي في أثناء خطبه، وفي غضون مواعظه .)## ومن خطبة لها في وصيته بالزهدالأصل: الْحَمْدُ للهِ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ حَمْدُهُ ، وَالْغَالِبِ جُنْدُهُ، وَالْمُتَعَالِي جَدُّهُ، أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التَّوام ، وَالآلِهِ الْعِظَام ، الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا ، وَعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى، وَعَلِمَ بِمَا يَمْضِي وَمَا مَضَى، مُبْتَدِعِ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِهِ، وَمُنْشِيهِمْ بِحُكْمِهِ، بِلا أَقْتِدَاءٍ وَلَا تَعْلِيمِ، وَلَا احْتِذَاءٍ لِمِثَالٍ صَانِعِ حَكِيمٍ ، وَلاَ إِصَابَةِ خَطَأ، وَلاَ حَضْرَةِ مَلا .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ابْتَعَتَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ، وَيَمُوجُونَ فِي حَيْرَةِ، قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ، وَاسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ .عِبَادَ الله ! أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله فَإِنَّهَا حَقٌّ عَلَيْكُمْ، وَالْمُوجِبَهُ عَلَى اللَّه حَقَّكُمْ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِالله وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الله ، فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْمَ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ، وَفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ، مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَسَالِكُهَا رَابِحٌ، وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةٌ نَفْسَهَا عَلَى الأمم الْمَاضِينَ مِنْكُمْ، وَالْغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا هَدا ، إِذَا أَعَادَ اللَّهِ مَا أَبْدَى، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى . فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَها وَحَمَلَهَا حَقٌّ حَمْلِهَا أُولئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً ، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ الله سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: (وَقِيلٌ مِّنْ عِبَادِى الشَّكُورُ .(1)فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا ، وَأَلِفُوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا ، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً ، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً .)أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، وَأقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَأَشْعَرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَدَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ، وَاعْتَبُرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا ، وَلا يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أطاعَها . أَلاَ فَصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا ، وَكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً ، وَإِلَى الْآخِرَةِ وُلاها، وَلَا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، وَلَا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا، وَلا تَشِيمُوا بَارِقَهَا ، وَلَا تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا ، وَلاَ تُجِيبُوا نَاعِقَهَا، وَلا تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَلا تُفْتَنُوا بِأَعْلاقِهَا ، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ، وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ، وَأَعْلَاقَهَا مَسْلُوبَةٌ.أَلاَ وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ، وَالْجَامِحَةُ الْحَرُونُ، وَالْمَائِنَةُ الْخَرُونَ، وَالْجَحُودُ الكَنُودُ، وَالعَنُودُ الصَّدُودُ، وَالْحَيُودُ الْمَيُودُ حَالُهَا انْتِقَالَ، وَوَظأَتُهَا زِلْزَالٌ، وَعِزُّهَا ذُلّ، وَجِدُّهَا هزل، وَعُلُوهَا سُفَل.دَارُ حَرْبٍ وَسَلَبٍ، وَنَهْبٍ وَعَطَبٍ، أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَسِيَاقٍ، وَلَحَاقٍ وَفِرَاقٍ، قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا ، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا ، وَخَابَتْ مَطَالِبُهَا ، فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ، وَلَفَظَتْهُمُ المَنَازِلُ، وَأَعْيَتْهُمُ المَحَاوِلُ، فَمِنْ نَاجِ مَعْقُورٍ ، وَلَحْمٍ مَجْزُورٍ ، وَشِلْوِ مَذْبُوحٍ، وَدَمٍ مَسْفُوحٍ وَعَاضُ عَلَى يَدَيْهِ، وَصَافِقٍ بِكَفِّيْهِ، وَمُرْتَفَقٍ بِخَدَّيْهِ، وَزَارٍ عَلى رَأْيِهِ، وَرَاجِعِ عَنْ عَزْمِهِ .
1) سورة سبأ، الآية : 13 .
وَقَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ، وَأَقْبَلَتِ الغِيلَةُ ، وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ! هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ، وَذَهَبَ مَا ذَهَبَ وَمَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِیِنَ. (1)****الشرح: الفاشي : الذائع، فشا الخبر يفشو فشوا ، أي ذَاعَ ، وأفشاء غيره. وتفشى الشيء، أي اتّسع والفواشي: كلُّ منتشر من المال مثل الغنم السائمة والإبل وغيرهما، ومنه الحديث:« ضمُّوا فواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء» (2، فيجوز أن يكون عنى بفشو حمده إطباق الأمم قاطبةً على الاعتراف بنعمته، ويجوز أن يريد بالفاشي سبب حمده، وهو النعم التي لا يقدرقدرها، فحذف المضاف .)قوله :«والغالب جنده»، فيه معنى قوله تعالى : (فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْقَلِبُونَ (3): قوله : «والمتعالي جَدّه» فيه معنى قوله تعالى: (وَأَنَّهُ تَعَلَ جَدُّ رَبَّنَا ) (4)، والجَد في هذا الموضع وفي الآية: العظمة.)والتؤام: جمع تؤم على فَوْعل، وهو الولد المقارن أخاه في بطن واحد، وقد أتأمت المرأة إذا وضعت اثنين كذلك، فهي متيم، فإن كان ذلك عادتها فهي مِثْاَم، وكلّ واحد من الولدين توءم، وهما توأمان، وهذا توأم هذا، وهذه توأمته، والجمع توائم ،مثل قشعم وقشاعم، وجاء في جمعه «تُؤَام» على فعال، فعال، وهي اللفظة التي وردت في هذه الخطبة، وهو جمع غريب لم يأت نظيره إلا في مواضع معدودة، وهي عرق العظم يؤخذ عنه اللحم وعُراق، وشاة ربَّى للحديثة العهد بالولادة وغنم رُباب، وظئر للمرضعة غير ولدها وظُوار ،ورَخُل للأنثى من أولاد الضان ورخال ، وفَرِير لولد البقرة الوحشية، وقرار . والآلاء: النعم .قوله(علیه السلام:«مبدع الخلائق بعلمه»، ليس يريد أنّ العلم علة في الإبداع، كما تقول : هوى الحجر بثقله، بل المراد أبدع الخلق وهو عالم، كما تقول : خرج زيد بسلاحه، أي خرج متسلحاً، فموضع الجار والمجرور على هذا نصب بالحالية وكذلك القول في :« ومنشئهم بحُكْمِه »والحكم هاهنا : الحكمة .)
ومنه قوله (علیه السلام: إن من الشعر لحكمة (1). قوله :«بلا اقتداء ولا تعليم ولا احتذاء قد تكرّر منه(علیه السلام) أمثاله مراراً .)قوله : «ولا إصابة خطأ» تحته معنى لطيف، وذلك لأنّ المتكلّمين يوردون على أنفسهم سؤالاً في باب كونه عالماً بكل معلوم إذا استدلوا على ذلك فإنه علم بعض الأشياء لا من طريق أصلاً، لا من إحساس ولا من نظر واستدلال، فوجب أن يعلم سائرها، لأنه لا مخصّص، فقالوا لأنفسهم : لم زعمتم ذلك؟ ولم لا يجوز أن يكون فَعَل أفعاله مضطربة، فلما أدركها علم كيفية صنعها بطريق كونه مدركاً لها فأحكمها بعد اختلالها واضطرابها! وأجابوا عن ذلك بأنه لا بد أن يكون قبل أن فعلها عالماً بمفرداتها من غير إحساس، ويكفي ذلك في كونه عالماً بما لم يتطرق إليه ، ثم يعود الاستدلال المذكور أوّلاً .قوله(علیه السلام: «ولاحَضَرهُ ،مَلأ» الملأ الجماعة من النّاس وفيه معنى قوله تعالى :(ما أَشْهَدتُهُمْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) (2).)قوله :«يضربون في غَمْرة»، أي يسيرون في جَهْل وضلالة، والضرب :السير السريع. والْحَيْن: الهلاك. والرَّين : الذنب عَلَى الذنب حتى يسود القلب ، وقيل : الرَّيْن : الطَّبَع والدنس ، يقال. رانَ عَلَى قلبه ذنبه، يرين رَيْناً، أي دنّسه ووسخه ،واستغلقت أقفالُ الرَّيْن عَلَى قلوبهم : تعسّر فتحها .قوله : «فإنّها حقُّ اللّه عليكم، والموجبة عَلَى اللّه حقّكم» يريد أنّها واجبة عليكم، فإن فعلتموها وجب عَلَى اللّه أن يجازيكم عنها بالثّواب ،وهذا تصريح بمذهب المعتزلة في العدل، وأنّ من الأشياء ما يجب عَلَى اللّه تعالى من باب الحكمة .قوله : «وأن تستعينوا عليها باللّه، وتستعينوا بها عَلَى اللّه يريد : أوصيكم بأن تستعينوا باللّه عَلَى التقوى بأن تدعوه وتبتهلوا إليه أن يعينكم عليها، ويوفقكم لها وييسرّها ويقوّي دواعيّكم إلى القيام بها، وأوصيكم أن تستعينوا بالتقوى عَلَى لقاء اللّه ومحاكمته وحسابه، فإنّه تعالى يوم البعث والحساب كالحاكم بين المتخاصمين : (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَانِيَةُ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتبها (3)فالسعيد من استعان عَلَى ذلك الحساب وتلك الحكومة والخصومة بالتقوى في دار التكليف ،فإنّها نعم المعونة (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (4). والجُنَّة : ما يستر به)
قوله:« ومستودعها حافظ»، يعني اللّه سبحانه ؛ لأنه مستودع الأعمال، ويدّل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (1)، وليس ما قاله الراوندي من أنه أراد بالمستودع قلب الإنسان بشيء.)قوله :«لم تبرح عارضة نفسها» ، كلام فصيح لطيف، يقول : إن التقوى لم تزل عارضة نفسها عَلَى مَنْ سلف من القرون، فقبلها القليل منهم ، شبهها بالمرأة العارضة نفسها نكاحاً على قوم ،فرغب فيها مَنْ رغب، وزّهِد مَنْ زهد ،وعلى الحقيقة ليست هي العارضة نفسها، ولكنّ المكلّفين ممكنون من فعلها ومرغبون فيها، فصارت كالعارضة.والغابر هاهنا : الباقي، وهو من الأضداد يستعمل بمعني الباقي، وبمعنى الماضي. قوله(علیه السلام : «إذا أعاد اللّه ما أبدى »يعني أنشر الموتى وأخذ ما أعطى وورث الأرض مالك الملوك فلم يبقَ في الوجود من له تصرُّف في شيء غيره، كما قال : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْقَهَّارِ ) (2). وقيل في الأخبار والحديث : إن اللّه تعالى يجمع الذهب والفضة كلّ ما كان منه في الدنيا، فيجعله أمثال الجبال، ثم يقول : هذا فتنة بني آدم ، ثم يسوقه إلى جهنم فيجعله مكاوي لجباه المجرمين.)«وسأل عما أسدى»،أي سأل أرباب الثروة عمّا أسدى إليهم من النعم فيم صرفوها ؟وفيم أنفقوها ؟قوله(علیه السلام : «فما أقل من قبلها ! » ، يعني ما أقلّ مَنْ قبل التقوى العارضة نفسها على الناس. وإذا في قوله : «إذا أعاد اللّه»، ظرف لحاجتهم إليها ؛ لأنّ المعنى يقتضيه، أي لأنهم يحتاجون إليها وقت إعادة اللّه الخلق، وليس كما ظنّه الراوندي أنه ظرف لقوله : «فما أقل من قبلها»؛ لأنّ المعنى على ما قلناه ؛ ولأنّ ما بعد الفاء لا يجوز أن يكون عاملاً فيما قبلها . قوله: «فأهطعوا بأسماعكم» أي أسرعوا، أهطع في عذوه أي أسرع. ويروى : «فانقطعوا بأسماعكم إليها» أي فانقطعوا إليها مصغين بأسماعكم.)قوله: «وألِطُّوا بجدّكم»، أي ألحّوا، والإلفاظ: الإلحاح في الأمر، ومنه قول ابن مسعود : الطُّوا في الدعاء بياذا الجلال والإكرام، ومنه الملاظة في الحرب، ويقال : رجل مِلَظٌ ومِلْظاظ ، أي ملحاح، وألظ المطر، أي دام. وقوله : (بجدكم أي باجتهادكم، جددتُ في الأمر جدا بالغت واجتهدت، ويروى :)
«وأكظوا بحدّكم والمواكظة : المداومة على الأمر. وقال مجاهد في قوله تعالى : ﴿إِلَّا مَا دُمْتَعَلَيْهِ قَابِمَا (1)قال : أي مواكظاً .)قوله: «وأشعروا بها قلوبكم»، يجوز أن يريد: اجعلوها شعاراً لقلوبكم، وهو ما دون الدثار وألصق بالجسد منه ، ويجوز أن يريد: اجعلوها علامةً يعرف بها القلب التقي من القلب المذنب كالشعار في الحرب يعرف به قوم من قوم، ويجوز أن يريد أخرجوا قلوبكم بها من أشعار البدن، أي طهروا القلوب بها، وصفوها من دَنّس الذنوب، كما يصفّي البدن بالفصاد من غلبة الدم الفاسد، ويجوز أن يريد الإشعار بمعنى الإعلام، من أشعرت زيداً بكذا، أي عرفته إياه، أي اجعلوها عالمة بجلالة موقعها وشرف محلها .قوله : «وارحَضُوا بها» أي اغسلوا، وثوب رَحِيض ومَرْحوض أي مغسول.قال: «وداووا بها الأسقام»، يعني أسقام الذنوب.وبادروا بها الحِمام: عجّلوا وأسبقوا الموت أن يدرككم وأنتم غير متقين . واعتبروا بمن أضاع التقوى فهلك شقيًّا، ولا يعتبرنّ بكم أهل التقوى، أي لا تكونوا أنتم لهم معتبراً بشقاوتكم وسعادتهم.ثم قال : وصونوا التقوى عن أن تمازجها المعاصي، وتصوّنوا أنتم بها عن الدناءة وما ينافي العدالة.والتُّزّه :جمع نَزيه، وهو المتباعد عما يوجب الذّم والولاء : جمع وَاله، وهو المشتاق ذو الوجد حتى يكاد يذهب عقله .ثم شرع في ذكر الدنيا، فقال: «لا تشيموا بارقها» الشيم: النظر إلى البرق انتظاراً للمطر، ولا تسمعوا ناطقها : لا تصغوا إليها سامعين، ولا تجيبوا مناديها . والأعلاق: جمع عِلْق وهو الشيء النفيس. وبرق خالب وخُلب: لا مطرَ فيه. وأموالها محروبة، أي مسلوبة.قوله (علیه السلام: «ألا وهي المتصدّية العنون»، شبهها بالمرأة المومس تتصدى للرجال تريد)السلام الفجور. وتتصدّى لهم، تتعرّض: والعنون المتعرضة أيضاً، عن لي كذا أي عرض. ثم قال: «والجامحة الحَرُون» شبهها بالدابة ذات الجماح، وهي التي لا يستطاع ركوبها لأنها تعثر بفارسها وتغلبه، وجعلها مع ذلك حَرُوناً وهي التي لا تنقاد. ثم قال :« والمائنة الخَنُون» مان أي كذب، شبهها بامرأة كاذبة خائنة .
1) سورة آل عمران الآية: 75 .
والجحود الكَنُود، جحد الشيء أنكره ، وكند النّعمة ،كفرها ،جعلها كامرأة تجحد الصنيعة ولا تعترف بها وتكفر النعمة. ويجوز أن يكون الجَحُود من قولك : رجل جَحِد وجَحْد، أي قليل الخير، وعام جَحْد ، أي قليل المطر، وقد جحد النبت، إذا لم يطل .قال :«والعَنُود : الصَّدُود»، العَنُود : الناقة تعدل على مرعى الإبل وترعى ناحية، والصَّدُود المعرضة صدّ عنه ،أي أعرض، شبهها في انحرافها وميلها عن القصد بتلك . قال :« والحَيُود الميود»، حادت الناقة عن كذا تجيد فهي حَيُود، إذا مالت عنه . ومادت تميد فهي ميود ،أي مالت، فإن كانت عادتها ذلك سُمّيت الحيود الميود في كل حال . قال: «حالها انتقال»، يجوز أن يعني به أنّ شيمتها وسجيّتها الانتقال والتغيّر، ويجوز أن يريد به معنى أدّق وهو أن الزمان على ثلاثة أقسام: ماض ،وحاضر ،ومستقبل، فالماضي والمستقبل لا وجود لهما الآن، وإنّما الموجود أبداً هو الحاضر، فلمّا أراد المبالغة في وصف الدنيا بالتغيّر والزوال قال «حالها انتقال»، أي أنّ الآن الذي يحكم العقلاء عليه بالحضور منها ليس بحاضر على الحقيقة، بل هو سیّال متغيّر ،فلا ثبوت إذاً لشيء منها مطلقاً، ويروى : و«حالها افتعال»، أي كذب وزور، وهي رواية شاذة.قال :« ووطأتها ،زلزال» الوطأة كالضَّغْطة، ومنه قوله (علیه السلام: «اللهم اشدد وطأتك على)مُضَر» (1، وأصلها موضع القدم. والزلزال : الشدّة العظيمة، والجمع زُلازِل .)وقال الراوندي في شرحه :يريد أن سكونها حَرَكة، من قولك : وَهُوَ الشيء، أي صار وطيئاً ذا حال ليّنة، وموضع وطيء، أي وثير، وهذا خطأ؛ لأن المصدر من ذلك وطاءة بالمد، وهاهنا وطأة ساكن الطاء، فأين أحدهما من الآخر!قال : «وعُلوها سُفْل»، يجوز ضم أولهما وكسره . قال: «دار حزب» الأحسن في صناعة البديع أن تكون الراءها هنا ساكنة ليوازي السكون هاء «نهب» ومن فتح الراء، أراد السلب. حربته أي سلبت ماله .قال : «أهلها على ساق وسياق» يقال : قامت الحرب على ساق ،أي على شدّة ومنه قوله سبحانه: «ويوم يكشفُ عَن سَاقٍ » (2والسياق : نَزّع الروح ، يقال : رأيت فلاناً يسوق، أي ينزع عند الموت، أو يكون مصدر ساق الماشية سوقاً وسياقاً وقال الراوندي في شرحه : يريد أن بعض)
أهلها في أثر بعض كقولهم : ولدت فلانة ثلاثة بنين على ساقٍ ،وليس ما قاله بشيء؛ لأنهم يقولون ذلك للمرأة إذا لم يكن بين البنين أنثى، ولا يقال ذلك في مطلع الشابع : أين كان . قال (علیه السلام: «ولَحاق وفراق»، اللام مفتوحة، مصدر لحق به، وهذا كقولهم: «الدنيا مولود عالم يولد، ومفقود يفقد». قال (علیه السلام): «قد تحيّرت مذاهبها»، أي تحيّر أهلها في مذاهبهم، وليس يعني بالمذاهب هاهنا الاعتقادات، بل المسالك .)وأعجزت مهاربها : أي أعجزتهم جعلتهم عاجزين، فحذف المفعول. وأسلمتهم المعاقل :لم تحضّنهم. ولفظتهم، بفتح الفاء : رَمَتْ بهم وقذفتهم. وأعيتهم المحاول، أي المطالب. ثم وصف أحوال الدنيا فقال : «هم من ناج معقور »أي مجروح كالهارب من الحرب بحشاشة نفسه، وقد جرح بدنه. ولحم مجزور، أي قتيل قد صار جَزَراً للسباع.وشلو مذبوح : الشلو، العضو من أعضاء الحيوان ،المذبوح أو الميّت وفي الحديث: «انتوني بشلوها الأيمن» .(1)ودم مسفوح، أي مسفوك. وعاضُ عَلَى يديه ،أي ندماً، وصافق بكفيه، أي تعسفاً أو تعجباً . ومرتفق بخدّيه : جاعل لهما عَلَى مرفقيه فكراً وهمّا. وزارٍ على رأيه، أي عائب، أي يرى الواحد منهم رأياً ويرجع عنه ويعيبه، وهو البداء الذي يذكره المتكلّمون. ثم فتره بقوله: «وراجع عن عزمه» .فإن قلت : فهل يمكن أن يفرق بينهما، ليكون الكلام أكثر فائدة؟قلت نعم، بأن يريد بالأوّل مَن رأى رأياً وكشفه لغيره، وجامعه عليه ثم بدا له وعابه، ويريد بالثاني من عزم نفسه عزماً ولم يظهر لغيره ثم رجع عنه، ويمكن أيضاً بأن يفرق بينهما بأن يعني بالرّأي الاعتقاد كما يقال : هذا رأي أبي حنيفة والعزم أمر مفرد خارج عن ذلك، وهو ما يعزم عليه الإنسان من أمور نفسه ولا يقال : عزم في الاعتقادات.ثم قال(علیه السلام : «وقد أدبرت الحيلة» أي ولّت، وأقبلت الغيلة، أي الشرّ، ومنه قولهم : فلان قليل الغائلة. أو يكون بمعنى الاغتيال، يقال: قتله غيلة، أي خديعة. يذهب به إلى مكان يوهمه أنه لحاجة ثم يقتله.)قال(علیه السلام : «ولات حين مناص»، هذه من ألفاظ الكتاب العزيز، قال الأخفش : شبّهوا)
1) ذكره ابن الأثير في النهاية (498/2)، مادة (شله)
«لات» بليس، وأضمروا فيها اسم الفاعل، قال : ولا تكون (لات إلا مع «حين»، وقد جاء حذف «حين» في الشعر، ومنه المثل:«حنّت ولات هنت»، أي ولات حين حنّت، والهاء بدل الحاء، فحذف الحين وهو يريده . قال : وقرأ بعضهم (وَلَاتَ حِينَ مَنَاسِ ) (1)بالرفع، وأضمر الخبر. وقال أبو عبيد : هي لا والتاء إنّما زيدت في «حين»، لا في «لا»، وإن كتبت مفردة، والأصل« تحين» كما قال في «ألان» «تلان». فزادوا التاء، وأنشد لأبي وجزة:)العاطفون تَحِينَ ما من عاطف *** والمطعِمُون زمان أين المطعموقال المؤرّج : زيدت التاء في «لات» كما زيدت في «ربّت» و «ثمّت». والمناص: المهرب، ناص عن قرنه ينوص نَوْصاً ومناصاً، أي ليس هذا وقت الهرب والفرار. ويكون المناص أيضاً بمعنى الملجأ والمفزع ،أي ليس هذا حين تجد مفزعاً ومعقلاً تعتصم به .هيهات : اسم للفعل ومعناه بَعُد، يقال: هيهات زيد فهو مبتدأ وخبر، والمعنى يعطي الفعلية، والتاء في «هيهات» مفتوحة مثل كيف، وأصلها هاء، وناس يكسرونها على كل حال بمنزلة نون التثنية، وقال الراجز : هَيْهاتِ من مُصْبَحها هيهات *** يهاتِ حَجْرٌ من صُنَيْعَاتِوقد تبدل الهاء همزة فيقال: «أيهات» مثل هراق وأراق قال : أيهات منك الحياة أيهاتاقال الكسائي : فمن كسر التاء وقف عليها بالهاء ، فقال : «هَيْهَا» ، ومَنْ فتحها وقف إن شاءبالتاء وإن شاء بالهاء . قوله(علیه السلام : «ومضت الدنيا لحال ،بالها» كلمة تقال فيما انقضى وفرط أمره، ومعناها مضى بما فيه إن كان خيراً، وإن كان شراً .)قوله(علیه السلام : «فما بكت عليهم السماء»، هو من كلام اللّه تعالى، والمراد أهل السماء وهم الملائكة وأهل الأرض وهم البشر، والمعنى أنهم لا يستحقون أن يتأسف عليهم ، وقيل : أراد المبالغة في تحقير شأنهم؛ لأنّ العرب كانت تقول في العظيم القدر يموت : بكته السماء، وبكته النجوم، قال الشاعر: فالشَّمْسُ طالعةٌ لَيْسَتْ بكاسِفَةٍ *** تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقمرا)فنفى عنهم ذلك، وقال : ليسوا من يقال فيه مثل هذا القول ،وتأوّلها ابن عباس رضي اللّه عنه لما قيل له : أتبكي السَّماءُ والأرض على أحد؟ فقال : نعم يبكيه مصلاه في الأرض ومصعد
1) سورة ص ، الآية : 3
عمله في السماء، فيكون نفي البكاء عنهما كناية عن أنه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع منهما إلى السماء .## ومن خطبة له في ذم الكبرالأصل: (ومن الناس مَنْ يسمّي هذه الخطبة بالقاصعة، وهي تتضمن ذم إبليس لعنه اللّه، على استكباره وتركه السجود لآدم(علیه السلام وأنه أول من أظهر العصبية وتبع الحمية وتحذيرالناس من سلوك طريقته) :)الْحَمْدُ لله الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ ، وَأَخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِه ، وَجَعَلَهُمَا حِمى وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَأصْطَفَاهُمَا لِجَلالِهِ، وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ. ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلائِكَتَهُ المُقَرَّبِينَ، لِيَمِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِين، فَقَالَ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ : وإني خَلِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإذا سَوَّيْتُهُ لَمُ سَجِدِينَ سوته وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لثم ستجدين المسجد المليكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إبليس (1)، اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ ، فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ، فَعَدُوُّ الله إِمَامُ الْمُتَعَصْبِينَ، وَسَلَفٌ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّة، وَنَازَعَ الله رِدَاءَ الْجَبَرِيَّةِ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَززِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التّذَلُّل. أَلاَ يَرَوْنَ كَيْفَ صَغَرَهُ الله بِتَكَبُرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً ، وأَعَدَّ لَهُ فِي الآخِرَةِ سَعِيراً .)****الشرح: يجوز أن تسمى هذه الخطبة «القاصعة» من قولهم : قصعت الناقة بحرتها ، وهو أن تردّها إلى جوفها، أو تخرجها من جوفها فتملأ فاها، فلما كانت الزواجر والمواعظ في هذه الخطبة مردّدة من أولها إلى آخرها ، شبهها بالناقة التي تقصع الجرَّة. ويجوز أن تسمى القاصعة لأنها كالقاتلة لإبليس وأتباعه من أهل العصبية من قولهم قصعت القملة، إذا هشمتها وقتلتها . ويجوز أن تسمى القاصعة ؛ لأن المستمع لها المعتبر بها يذهب كبره ونخوته، فيكون من قولهم :قصع الماء،عطشه أي أذهبه وسكنه قال ذو الرمة بيتاً في هذا المعنى:
1) سورة ص ، الآيات: 7471
فَانْصَاعَتِ الْحُقْبُ لم تَقْصَعْ صرائِرَها *** وقد تشخ فَلاَ رِيٌّ ولا هِيمُالضرائر:جمع صَرِيرة، وهي العطش، ويجوز أن تسمى القاصعة؛ لأنها تتضمن تحقير إبليس وأتباعه وتصغيرهم،من قولهم: قصعت الرجل إذا امتهنته وحقرته، وغلام مقصوع ،أي قميء لا يشب ولا يزداد. والعصبية على قسمين : عصبيّة في اللّه وهي محمودة ،وعصبية في الباطل وهي مذمومة، وهي التي نهى أمير المؤمنين(علیه السلام عنها ، وكذلك الحميّة. وجاء في الخبر:«العصبية في اللّه تورث الجنة، والعصبية في الشيطان تورث النار».)وجاء في الخبر:«العظمة إزاري ،والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته» ،(1وهذا معنى قوله : «اختارهما لنفسه دون خلقه . . ..» إلى آخر قوله :«من عباده» .)قال (علیه السلام: «ثم اختبر بذلك ملائكته المقرّبين» مع علمه بمضمراتهم، وذلك لأن اختباره)السلام سبحانه ليس ليعلم، بل ليعلم غيره من خلقه طاعة مَنْ يطيع وعصيان من يعصي، وكذلك، قوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْة (2). النون في «النعلم» نون الجمع لا نون العظمة، أي لتصير أنت وغيرك من المكلفين عالمين لمن يطيع ومن يعصي ،كما أنا عالم بذلك، فتكونوا كلكم مشاركين لي في العلم بذلك . فإن قلت : وما فائدة وقوفهم على ذلك وعلمهم به؟)قلت : ليس بممتنع أن يكون ظهور حال العاصي والمطيع وعلم المكلّفين أو أكثرهم أو بعضهم به يتضمّن لُطفاً في التكليف ! فإن قلت : إنّ الملائكة لم تكن تعلم ما البشر، ولا تتصور ماهيّته، فكيف قال لهم (إنّي خَلِقٌ بَشَرَاَ مِن طِينِ (3)؟)قلت: كان قال لهم : إني خالق جسماً من صفته كيت وكيت، فلما حكاه اقتصر على الاسم. ويجوز أن يكون عرفهم من قبل أن لفظة «بشر» على ماذا تقع، ثم قال لهم : إني خالق هذا الجسم المخصوص الذي أعلمتكم أن لفظة «بَشر» واقعةً عليه من طين.قوله تعالى : (فَإِذَا سَوَتُهُ (4)أي إذا أكملت خلقه . فقعوا له ساجدين : أمرهم بالسجود له. وقد اختلف في ذلك فقال قوم: كان قبلة، كما)
الكعبة اليوم قبلة، ولا يجوز السجود إلّا للّه . وقال آخرون : بل كان السجود له تكرمةً ومحنة، والسجود لغير اللّه غير قبيح في العقل إذا لم يكن عبادة ولم يكن فيه مفسدة.وقوله تعالى : ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي (1)، أي أحللتُ فيه الحياة، وأجريت الرُّوح إليه في عروقه، وأضاف الروح إليه تبجيلاً لها، وسمّي ذلك نفخاً على وجه الاستعارة؛ لأن العرب تتصوّر من الروح معنى الريح، والنفخ يصدق على الريح، فاستعار لفظة «النفخ» توسعاً . وقالت الحكماء : هذا عبارة عن النّفس الناطقة . فإن قلت : هل كان إبليس من الملائكة أم لا؟)قلت : قد اختلف في ذلك، فمن جعله منهم احتجّ بالاستثناء، ومَنْ جعله من غيرهم احتجّ بقوله تعالى :(كَانَ مِنَ الْجِنَ (2)، وجعل الاستثناء منقطعاً، وبأن له نسلاً ،وذرّية قال تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَولِياءَ مِن دُونِي ) (3)، والملائكة لا نسل لهم ولا ذرّية، وبأن أصله نار والملائكة أصلها نور، وقد مرّ لنا كلام في هذا في أول الكتاب. قوله: «فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لأصله»كانت خلقته أهون من خلقة آدم(علیه السلام) ، وكان أصله من نار وأصل آدم(علیه السلام) من طين . فإن قلت : كيف حكم على إبليس بالكفر ، ولم يكن منه إلا مخالفة الأمر، ومعلوم أن تارك الأمر فاسق لا كافر !)قلت : إنّه اعتقد أنّ اللّه أمره بالقبيح ولم ير أمره بالسجود لآدم(علیه السلامحكمة وامتنع من السجود تكبراً، وردَّ على اللّه ،أمره واستخف بمن أوجب اللّه إجلاله، وظهر أن هذه المخالفة عن فساد عقيدة، فكان كافراً .)فإن قلت: هل كان كافراً في الأصل أم كان مؤمناً ثم كفر ؟قلت : أما المرجئة فأكثرهم يقول: كان في الأصل كافراً ؛ لأنّ المؤمن عندهم لا يجوز أن يكفر، وأما أصحابنا فلما كان هذا الأصل عندهم باطلاً توقفوا في حال إبليس، وجوزوا كلا الأمرين.قوله(علیه السلام :«رداء الجبريّة» الباءُ ،مفتوحة ،يقال : فيه جبرية، وجبروة، وجبروت، وجَبُّورة، كفروجة، أي كبير، وأنشدوا : فإنّك إن عاديتَني غَضِبَ الحصا *** عليك وذو الجَبُّورة المتغظرف)وجعله مدحوراً، أي مطروداً مبعداً، دحره اللّه دحوراً، أي أقصاه وطرده.
الأصل: وَلَوْ أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَيَبْهَرُ العُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُه لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةٌ، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلائِكَةِ ، وَلَكِنَّ الله سُبْحَانَهُ يبتلي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ تَمييزاً بِالاخْتِبَارِ لَهُمْ ، وَنَفْياً لِلاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَإِبْمَاداً لِلْخَبَلاءِ مِنْهُمْ، فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْل الله بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ ، وَكَانَ قَدْ عَبْدَ الله سِتَّةَ الأَفِ سَنَةٍ ، لَا يُدْرَى أَمِنْ مِني الدُّنْيَا أَمْ مِنْسيني الْآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ! كَلاً مَا كَانَ الله سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً ، إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَوَاحِدٌ، وَمَا بَيْنَ الله وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمِّى حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ.****الشرح: خَطِفت الشيء بكسر الطاء، أخطفه، إذا أخذته بسرعة استلاباً، وفيه لغة أخرى: خَطف بالفتح ، ويخطف بالفتح ويخطف بالكسر،وهي لغة رديئة قليلة لا تكاد تعرف وقدقرأ بها يونس في قوله تعالى:(يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ (1)والرُّواء، بالهمزة والمد : المنظر الحسن والعَرْف : الريح الطيبة . والخيلاء، بضم الخاء وكسرها : الكبر ، وكذلك الخال والمخيلة، تقول: اختال الرجل . وخال أيضاً، أي تكبّر.)وأحبط عمله : أبطل ثوابه، وقد حبط العمل حَبْطاً بالتسكين وحبوطاً. والمتكلّمون يسمّون إبطال الثواب إحباطاً وإبطال العقاب تكفيراً . وجَهْده بفتح الجيم : اجتهاده وجده ، ووصفه بقوله : «الجَهِيد» أي المستقصى، من قولهم :مرعی ،جهيد أي قد جهده المال الراعي واستقصى رغيه .وكلامه(علیه السلام يدلّ على أنه كان يذهب إلى أن إبليس من الملائكة لقوله :«أخرج منها ملكاً». والهوادة: الموادعة والمصالحة ،يقول : إن اللّه تعالى خلق آدم من طين، ولو شاء أن يخلقه النور الذي يخطف أو من الطيب الذي يعبق لفعل ، ولو فعل لهال الملائكة أمره وخضعوا من له، له فصار الابتلاء والامتحان والتكليف بالسجود له خفيفاً عليهم، لعظمته في نفوسهم، فلم)
1) سورة البقرة، الآية : 20 .
يستحقُوا ثواب العمل الشاق، وهذا يدلُّ على أن الملائكة تشمّ الرائحة كما نشتها نحن، ولكن اللّه تعالى يبتلي عباده بأمور يجهلون أصلها اختباراً لهم . فإن قلت : ما معنى قوله : «تمييزاً بالاختبار لهم».قلت : لأنه ميّزهم عن غيرهم من مخلوقاته، كالحيوانات العُجم، وأبانهم عنهم، وفضلهم عليهم بالتكليف والامتحان.قال: «ونفياً للاستكبار عنهم»؛ لأن العبادات خضوع و خشوع وذلّة، ففيها نفي الخيلاء والتكبّر عن فاعليها ، فأمرهم بالاعتبار بحال إبليس الذي عبد اللّه ستة آلاف سنة، لا يُدْرَى أَمِنْ سني الدنيا أم من سني الآخرة وهذا يدل على أنه قد سمع فيه نصا من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله مجملاً لم يفسره له ، أو فشره له خاصّة، ولم يفسره أمير المؤمنين (علیه السلام) للناس لما يعلمه في كتمانه عنهم من المصلحة.)فإن قلت : قوله : «لا يُدْرَى» على ما لم يسمّ فاعله يقتضي أنه هو لا يدري! قلت إنه لا يقتضي ذلك، ويكفي في صدق الخبر إذا ورد بهذه الصيغة أن يجهله الأكثرون . فأما القول في سني الآخرة كم هي ؟ فاعلم أنه وَرَدَ في الكتاب العزيز آيات مختلفات. إحداهن قوله :«تَمْرُجُ الْمَلَيكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُمُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ » (1. والأخرى قوله :« يُدَيرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ » (2)والثالثة قوله : ﴿وَانَ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) (3)وأولى ما قيل فيها أن المراد بالآية الأولى مدّة عمر الدنيا، وسمّي ذلك يوماً، وقال: إنّ الملائكة لا تزال تعرج إليه بأعمال البشر طول هذه المدة حتى ينقضي التكليف، وينتقل الأمر إلى دار أخرى. وأما الآيتان الأخيرتان فمضمونهما بيان كميّة أيام الآخرة، وهو أن كل يوم منها مثل ألف سنة من سني الدنيا .)فإن قلت : فعلى هذا كم تكون مدة عبادة إبليس إذا كانت ستة آلاف سنة من سني الآخرة؟ قلت : يكون ما يرتفع من ضرب أحد المضروبين في الآخرة، وهو ألفًا ألف ألف ثلاث لفظات الأولى منهنّ مثناة، ومائة ألف ألف لفظتان وستون ألف ألف سنة لفظتان أيضاً من
سني الدنيا . ولما رأى أمير المؤمنين(علیه السلام هذا المبلغ عظيماً جداً علم أن أذهان السامعين لا تحتمله، فلذلك أبهم القول عليهم ، وقال :«لا يُدْرَى أمِنْ سِني الدنيا أم مِنْ سِني الآخرة» فإن قلت : فإذا كنتم قد رجّحتم قول مَنْ يقول : إنّ عمر الدنيا خمسون ألف سنة، فكم يكون عمرها إن كان الله تعالى أراد خمسين ألف سنة من سني الآخرة؟ لأنه لا يؤمن أن يكون أراد ذلك إذا كانت السنة عنده عبارة عن مدة غير هذه المدة التي قد اصطلح عليها الناس؟)قلت : يكون ما يرتفع من ضرب خمسين ألفاً في ثلاث مائة وستين ألف سنة من سني ومبلغ ذلك ثمانية عشر ألف ألف ألف سنة من سني الدنيا ثلاثة لفظات، وهذا القول قريب من القول المحكي عن الهند.وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه روايات كثيرة بأسانيد أوردها عن الصحابة أنّ إبليس كان إليه ملك السماء وملك الأرض، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجنّ ، وإنما سُمُّوا الجن لأنّهم كانوا خُزّان الجنان ،وكان إبليس رئيسهم ومقدّمهم. وكان أصل خلقهم من نار السّموم، وكان اسمه الحارث ، قال : وقد روي أن الجنّ كانت في الأرض، وأنهم أفسدوا فيها، فبعث اللّه إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وطردهم إلى جزائر البحار، ثم تكبر في نفسه، ورأى أنه قد صنع شيئاً عظيماً لم يصنعه غيره . قال : وكان شديد الاجتهاد في العبادة .(1)وقيل : كان اسمه عزازيل، وأنّ اللّه تعالى جعله حكماً وقاضياً بين سكان الأرض قبل خلق آدم، فدخله الكبر والعجب لعبادته واجتهاده وحكمه في سكان الأرض وقضائه بينهم، فانطوى على المعصية حتى كان من أمره مع آدم(علیه السلام ما كان .)قلت: ولا ينبغي أن نصدق من هذه الأخبار وأمثالها إلا ما ورد في القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو في السنة، أو نقل عمّن يجب الرجوع إلى قوله، وكلّ ما عدا ذلك فالكذب فيه أكثر من الصدق والباب مفتوح، فليقل كل أحدٍ في أمثال هذه القصص ما شاء .واعلم أنّ كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل يطابق مذهب أصحابنا في أن الجنّة لا يدخلها ذو معصية، ألا تسمع قوله : «فمن بعد إبليس على اللّه بمثل معصيته !كَلاً، ما كان اللّه ليُدخِل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً، إن حكمه في أهل السماء والأرض لواحد». فإن قلت : أليس من قولكم : إن صاحب الكبيرة إذا تاب دخل الجنة! فهذا صاحب معصية وقد حكمتم له بالجنة !
1) أنظر جامع البيان للطبري: 293/1 ، وتاريخ الطبري : 55/1 .
قلت : إن التوبة أحبطت معصيته فصار كأنه لم يعص .فإن قلت : إن أمير المؤمنين(علیه السلام إنما قال: فمن ذا بعد إبليس يَسْلَم على اللّه بمثل معصيته!»، ولم يقل : بالمعصية المطلقة ،والمرجئة لا تخالف في أن مَنْ وافى القيامة بمثل معصية إبليس لم يكن من أهل الجنة. قلت : كل معصية كبيرة فهي مثل معصيته، ولم يكن إخراجه من الجنّة لأنه كافر، بل لأنه عاص مخالف للأمر، ألا ترى أنه قال سبحانه: (قَالَ فَأهْبِطُ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ) (1)فعلل آخراجه من الجنة بتكبّره لايكفره.)فإن قلت: هذا مناقض لما قدّمت في شرح الفصل الأول.قلت : كلاً ؛ لأني في الفصل الأوّل عللت استحقاقه اسم الكفر بأمر زائد على المعصية المطلقة، وهو فساد اعتقاده، ولم أجعل ذلك علة في خروجه من الجنة، وهاهنا عللت خروجه من الجنة بنفس المعصية، فلا تناقض .فإن قلت : ما معنى قول أمير المؤمنين(علیه السلام :«ماكان اللّه ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج ب- منها مَلَكاً»؟ وهل يظنّ أحد أو يقول : إن اللّه تعالى يُدخل الجنة أحداً من البشر بالأمر الذي أخرج به هاهنا إبليس كلاً هذا ما لا يقوله أحد، وإنما الذي يقوله المرجئة : إنه يدخل الجنة مَنْ قد عصى وخالف الأمر - كما خالف الأمر إبليس - برحمته وعفوه، وكما يشاء، لا أنه يدخله الجنّة بالمعصية، وكلام أمير المؤمنين(علیه السلام) يقتضي نفي دخول أحد الجنّة بالمعصية لأنّ الباء للسببية ؟)قلت : الباء هاهنا ليست كما يتوهمه هذا المعترض، بل هي كالباء في قولهم : خرج زيد بثيابه، ودخل زيد بسلاحه، أي خرج لابساً، ودخل متسلّحاً، أي يصبحه الثياب ويصحبه السلاح، فكذلك قوله (علیه السلام: «بأمر أخرج به منهاملكاً»، معناه أنّ اللّه تعالى لا يدخل الجنة بشراً يصحبه أمر أخرج الله به مَلَكاً منها.)****الأصل: فَاحْذَرُوا عِبَادَ الله عَدُوَّ الله أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَانِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِرْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوْقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ، وَأَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ،وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ فَقَال:(رَبِّ مَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيْنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (2)، قَذفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ، وَرَحْمَاً بِظُنُّ غَيْرِ مُصِيب صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ، وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيةِ، حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيةُ مُنْهُ فِيكُمْ ، فَنَجَمَتِ فِيهِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِي)
إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِي ، اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَدَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّل ، وَأَحَلُوكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ، وَاوْطَؤُوكُمْ إِنْخَانَ الْجِرَاحَةِ، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ، وَحَرًّا فِي حُلُوقِكُمْ، وَدَقًّا لِمَنَاخِرِكُمْ، وَقَصْداً لِمقَاتِلِكُمْ، وَسَوْقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ، إِلَى النَّارِ المُعَدَّةِ لَكُمْ، فَأَصْبحَ أَعْظَمَ في دِينِكُمْ حَرْجاً ، وَأَوْرَى في دُنْيَاكُمْ قَدْحاً ، مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ، وَعَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ . فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ وَلَهُ جِدَّكم. فَلَعَمْرُ الله لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَوَقَعَ في حَسَبِكُمْ ، وَدَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَصَدَ بِرَجْلِهِ سَبِيلَكُمْ يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَيَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانِ لا تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ، وَلا تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ، في حَوْمَةٍ ذُلّ، وَحَلْقَةٍ ضِيقٍ، وَعَرْضَةٍ مَوْتٍ وَجَوْلَة بَلاء.فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ، وَأَحْفَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي المُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَوَاتِهِ، وَنَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ. وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُؤوسِكُمْ، وَالْقَاءَ التَّعَرُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَخَلْعَ التَّكَبرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَاتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَأَعْوَاناً ، وَرَجُلاً وَفُرْسَاناً ، وَلاَ تَكُونُوا كَالْمُتَكَبْرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهِ، سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَبِ، وَقَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ، وَنَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ الله بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ أَنَامَ الْقَائِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .****الشرح: موضع «أن يُعدِيَكم» نصب على البدل من «عدو اللّه». وقال الراوندي: يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وهذا ليس بصحيح لأن «حذر» لا يتعدى إلى المفعولين، والعَدْوَى: ما يُعدِي من جَرَبٍ أو غيره، أعدى فلان فلاناً من خُلُقه أو من علته، وهو مجاوزته من صاحبه إلى غيره، وفي الحديث: «لا عَدْوَى في الإسلام» (1. فإن قلت: فإذا كان النبي(صلی اللّه علیه واله) قد أبطل أمر العَدْوَى، فكيف قال أمير المؤمنين :«فاحذروه أن يُعدِيَكُم »؟ قلت : إنّ النبي(صلی اللّه علیه واله) أبطل ما كانت العرب تزعُمه من عَدْوَى الجرب في الإبل وغيرها، وأمير المؤمنين (علیه السلام)حذّر المكلفين من أن يتعلموا من إبليس الكبر والحميّة، وشبّه تعلّمهم ذلك منه بالعدوى لاشتراك الأمرين في الانتقال من أحدِ الشَّخصين إلى الآخر)
1) أخرجه أحمد في مسنده بما معناه: 153/2
قوله : يستفزكم أي يستخفّكم، وهو من ألفاظ القرآن : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ ،(1)أي أزعجه واستخفّه وأطِرْ قلبه، والخيل: الخيالة، ومنه الحديث :«يَا خَيْلَ اللّه أرْكَيِي» (2).)والرَّجْل : اسم جَمْع لراجل كَركب اسم جمع لرّاكب، وصخب اسم جمع لصاحب، وهذه أيضاً من ألفاظ القرآن العزيز :(وَتَبَلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ (3)وقرىء ﴿وَرَجلك ) بكسر ( الجيم على أن «فعلاً» بالكسر بمعنى فاعل نحو تَعِب وتاعب، ومعناه، وجمعك الرجل وقد تضمّ الجيم أيضاً، فيكون مثل قولك : رجل حَدِث وحَدُث ونَدِس ونَدُس. فإن قلت فهل لإبليس خيل تركبها جنده؟)قلت : يجوز أن يكون ذلك ، وقد فسره قوم بهذا . والصحيح أنه كلام خرج مخرج المثل ،شبهت حاله في تسلطه على بني آدم بمن يُغير على قوم بخيله ورجله فيستأصلهم. وقيل: بصوتك، أي بدعائك إلى القبيح. وخيله ورجله : كلّ ماش وراكب من أهل الفساد من بني آدم. قوله :«وفوقت السهم»جعلت له فُوقاً، وهو موضع الوتر، وهذا كناية عن الاستعداد ،ولا يجوز أن يفسّر قوله :«فقد فوق لكم سهم الوعيد بأنّه وضع الفُوق في الوتر ليرمي به ؛ لأن ذاك لا يقال فيه : قد فَوّق، بل يقال : أفقت السَّهم وأوفقته أيضاً ولا يقال : أفوقته، وهو من النوادر. وقوله :«وأغرق إِليكُمْ بالنزع»، أي استوفى مد القوس وبالغ في نَزْعِها ليكون مرماه أبعد، ووقع سهامِهِ أشدّ .قوله : «ورماكم من مكان قريب »لأنه كما جاء في الحديث :«يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويخالط القلب» ،(4ولا شيء أقرب من ذلك .)والباء في قوله :«بما أغويتني» متعلّق بفعل محذوف تقديره : أجازيك بما أغويتني تزييني لهم القبيح، ف-«ما» على هذا مصدريّة، أي أجازيك بإغوائك لي تزييني لهم القبيح، فحذف المفعول. ويجوز أن تكون الباء قسماً ، كأنه أقسم بإغوائه إياه ليزينن لهم . فإن قلت : وأي معنى في أن يقسم بإغوائه؟ وهل هذا مما يقسم به !
1) سورة الإسراء، الآية : 64 .
2) أخرجه الحاكم في المستدرك ) (3386) ، وابن أبي عاصم في الزهد (355/1)، وهناد في «الزهد» (25)
3) سورة الإسراء، الآية : 64 .
4) أخرجه البخاري كتاب الاعتكاف باب زيارة المرأة زوجها في اعتکافه (2038)،ومسلم،كتاب السلام باب بيان أنه يستحب لمن رئي خالياً بامرأة وكانت زوجته (2174).
قلت : نعم ؛ لأنه ليس إغواء الله تعالى إيَّاه خلق الغَيّ والضلال في قلبه، بل تكليفه إياه السجود الذي وقع الغيّ عنده من الشيطان، لا من اللّه ، فصار حيث وقع عنده، كأنه موجد عنه، فنسب إلى البارىء، والتكليف تعريض للقواب ولذة الأبد، فكان جدير أن يقسم به، وقد أقسم في موضع آخر، فقال: ﴿فَبِعِزَّيْكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (1)، فأقسم بالعزّة، وهاهنا أقسم بالأمر والتكليف. ويجوز فيه وجه ثالث، وهو ألا تكون الباء قسماً، ويقدر قسم محذوف، ويكون المعنى: بسبب ما كلّفتني فأفضَى إلى غَوايتي أقسِمُ لَأَفعلن بهم نحو ما فعلتَ بي، وهو أن أزيّنَ لهم المعاصي التي تكون سبب هلاكهم.)فإن قلت : ليس هذا نحو ما فعله البارى به ؛ لأنّ البارى أمره بالحسن فأباه، وعدل عنه إلى القبيح، والشيطان لايأمرنا بالحسن فنكرهه ونعدل عنه إلى القبيح، فكيف يكون ذلك نحو واقعته مع البارى !قلت:المشابهة بين الواقعتين في أنّ كلّ واحدة منهما تقع عندها المعصية، لا على وجه الإجبار والقَسْر ، بل على قضد الاختيار ؛ لأن معصية إبليس كانت من نفسه، ووقعت عند الأمر بالسجود اختياراً منه لا فعلاً من الباريء، ومعصيتنا نحن عند التزيين والوسوسة تقع اختياراً منا لا اضطراراً يضطرنا إبليس إليه، فلما تشابهت الصورتان في هذا المعنى حَسُن قوله :«بِمَا فَعَلْتَ كذا لأفعلن بهم نحوه». فإن قلت : ما معنى قوله : «في الأرض»؟ ومن أين كان يعلم إبليس أن آدم سيصير له ذرية في الأرض!قلت : أما علمه بذلك فمن قول اللّه تعالى له وللملائكة :(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (2)وأما لفظة «الأرض»، فالمراد بها هاهنا الدنيا التي هي دار التكليف،كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخَلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ) (3)، ليس يريد به الأرض بعينها بل الدنيا وما فيها من الملاذ وهوى الأنفس.)قوله(علیه السلام:«قذفاً بغيب بعيد»، أي قال إبليس هذا القول قذفاً بغيب بعيد، والعرب تقول)للشيء المتوهّم على بعد : هَذَا قَذف بغيب بعيد، والقذف في الأصل : رمي الحجر وأشباهه، والغيب الأمر الغائب، وهذه اللفظة من الألفاظ القرآنية، قال اللّه تعالى في كفار قريش :(وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ،(4)أي يقولون: هذا سحر، أو هذا من تعليم أهل الكتاب ،أو هذه كهانة، وغير ذلك ممّا كانوا يرمونه عليه الصلاة والسلام به ،وانتصب «قذفاً» على المصدر الواقع موقع الحال، وكذلك «رَجْماً» وقال الراوندي: انتصباً لأنهما مفعول له، وليس)
بصحيح؛ لأنّ المفعول له ما يكون عذراً وعلّة لوقوع الفعل، وإبليس ما قال ذلك الكلام لأجلالقذف والرَّجم، فلا يكون مفعولاً له . فإن قلت : كيف قال(علیه السلام : «قذفاً مكان بعيد، ورَجْماً بظن غير مصيب»، وقد صحّ ما توهّمه وأصاب في ظنّه، فإن إغواءه وتزيينه تمّ على النّاس كلهم إلا على المخلصين !)قلت: أمّا أولاً فقد رُوي : «ورجماً بظن مصيب» بحذف «غير»، ويؤكد هذه الرواية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا (1)وأما ثانياً على الرواية التي هي أشهر فنقول : أما قَذفاً من مكان بعيد، فإنه قال ما قال على سبيل التوهم والحسبان لأمر مستبعد لا يعلم صحته ولا يظنها، وليس وقوع ما وقع من المعاصي وصحة ما توهمه بمخرج لكون قوله الأول: «قذفاً بغيب بعيد»، وأمّا«رَجماً بظن غير مصيب»، فيجب أن يحمل قوله :(لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (2)على الغواية بمعنى الشِّرْك أو الكفر، ويكون الاستثناء وهو قوله: ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (3)معنا : إلا المعصومين من كل معصية، وهذا ظنّ غير مصيب لأنه ما أغوى كلّ البشر الغواية التي هي الكفر والشّرك إلا المعصومين العصمة المطلقة، بل أغوى بعضهم كذلك، وبعضهم بأن زيَّنَ له الفسق دون الكفر،فيكون ظنّه أنه قادر على إغواء البشركافة بمعنى الضَّلال بالكفر ظنا غير مصيب.)قوله:«صدقه به أبناء الحمية»، موضع «صدقه» جرّ ؛ لأنه صفة «ظنّ»، وقد روي : «صدقه أبناء الحمية» من غير ذكر الجارّ والمجرور، ومَنْ رواه بالجار والمجرور كان معناه : صدقة ذلك الظن أبناء الحميّة، فأقام الباء مقام (في.)قوله :«حتى إذا انقادت له الجامحة منكم»، أي الأنفس الجامحة. أو الأخلاق الجامحة.قوله «فنجمت فيه الحال» أي ظهرت ،وقد روي :«فنجمت الحال من السرّ الخفي» من غير ذكر الجار والمجرور، ومن رواه بالجار والمجرور فالمعنى: فنجمت الحال في هذا الشأن المذكور بينه وبينكم من الخفاء إلى الجلاء. واستفحل سلطانه : قوي واشتدّ وصار فَحْلاً، واستفحل جواب قوله :«حتى إذا». دلف بجنوده : تقدّم بهم.والولجات :جمع ولَجَة بالتحريك ،وهي موضع، أو كهف يستتر فيه المارة من مطرأوغیره. وأقحموكم : أدخلوكم. والورطة : الهلكة. قوله :«وأوطؤوكم إثخان الجراحة»، أي جعلوكم واطئين لذلك، والإثخان: مصدر أثخن.
في القتل، أي أكثر منه وبالغ حتى كثف شأنه، وسار كالشيء التَّخين، ومعنى إيطاء الشيطانببني آدم ذلك إلقاؤه إياهم فيه، وتوريطهم وحمله لهم عليه. بالإثخان على هذا منصوب لأنه مفعول ثانٍ ،لا كما زعم الراوندي أنه انتصب بحذف حرف الخفض . قوله (علیه السلام:«طعناً في عيونكم»، انتصب «طعناً»،على المصدر، وفعله محذوف، أي فعلوا بكم هذه الأفعال فطعنوكم في عيونكم «طعناً»، فأما من روي :«وأوطؤوكم لإثخان الجراحة» باللّام فإنه يجعل«طعناً» منصوباً على أنّه مفعول به أي أوطؤوكم طعناً وحزا، كقولك : أوطأته ناراً، وأوطأته عشوةً، «ويكون الإثخان الجراحة» مفعولاً له، أي أوطؤوكم الطعن ليثخنوا جراحكم . وينبغي أن يكون «قصداً» و «سوقاً» خالصين للمصدرية ؛ لأنه يبعد أن يكون مفعولاً به.)واعلم أنّه لما ذكر الطعن نسبه إلى العيون، ولما ذكر الحزّ، وهو الذبح نسبه إلى الحلوق ،ولما ذكر الدّق، وهو الصدم الشديد أضافه إلى المناخر، وهذا من صناعة الخطابة التي علمه اللّه إياها بلا تعليم ،وتعلمها الناس كلهم بعده منه .والخزائم :جمع خزامة، وهي حلقه من شعر تجعل في وثرة أنف البعير فيشدّ فيها الزمام .وتقول : قد وَرَى الزند ،أي خرجت ناره، وهذا الزند أوْرَى من هذا، أي أكثر إخراجاً للنار يقول : فأصبح الشيطان أضرَّ عليكم وأفسد لحالكم من أعدائكم الذين أصبحتم مناصبين لهم، أي معادين، وعليهم متألبين أي مجتمعين.فإن قلت: أما أعظم في الدين حرجاً فمعلوم ، فأي معنى لقوله :«وأورى في دنياكم قدحاً»،وهل يُفسد إبليس أمرَ الدّنيا كما يفسد أمر الدين !قلت : نعم ؛ لأنّ أكثر القبائح الدينية مرتبطة بالمصالح والمفاسد الدنيوية، ألا ترى أنه إذا أغرى السارق بالسرقة أفسد حال السارق من جهة الدين وحال المسروق منه من جهة الدنيا، وكذلك القول في الغضب والقتل وما يحدث من مضارّ الشرور الدنيوية من اختلاط الأنساب واشتباه النَّسْل، وما يتولّد من شرب الخمر والسكر الحاصل عنها من أمور يحدثها السكران خبطاً بيده، وقذفاً بلسانه، إلى غير ذلك من أمثال هذه الأمور وأشباهها .قوله : «فاجعلوا عليه حَدّكُمْ»، أي شَبَاتكم وبأسكم. وله جدّكم :من جددت في الأمر جدًّا، أي اجتهدت فيه وبالغت. ثم ذكر أنّه فَخَر على أصل بني آدم ، يعني أباهم آدم(علیه السلامحيث امتنع من السجود له، وقال: «أنا خير منه». ووقع في حَسَبِكم، أي عاب حَسَبِّكم وهو الطين، فقال : إن النار أفضل منه . ودفع في نسبكم مثله .)
واجلب بخيله عليكم أي جمع خَيَّالته وفُرْسانه وألبها . ويقتنصونكم يتصيّدونكم. والبنان، أطراف الأصابع، وهو جمع، واحدته بَنانة، ويجمع القلة على بنانات، ويقال : بنان مخضّب؛ لأنّ كلّ جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه يذكر ويوحد .والحومة : معظم الماء والحرب وغيرهما، وموضع هذا الجار والمجرور نصب على الحال، أي يقتنصونكم في حومة ذّل .والجولة : الموضع الذي تجول فيه .وكَمَن في قلوبكم : استتر، ومنه الكمين في الحرب.ونزغات الشيطان: وساوسه التي يفسد بها . ونفثاته مثله .قوله :«واعتمدوا وضع التذلّل على رؤوسكم، وإلقاء التعزّز تحت أقدامكم »كلام شريف جليل المحلّ، وكذلك قوله(علیه السلام : «واتخذوا التواضع مسلحة بينكم وبين عدوّكم إبليس من وجنوده»، والمسلحة خيل معدّة للحماية والدفاع.)ثم نهاهم أن يكونوا كقابيل الَّذِي حَسَد أخاه هابيل فقتله، وهما أخَوانِ لأب وأم، وإنما قال: «ابن أمّه» ، فذكر الأمّ دون الأب؛ لأنّ الأخوين من الأم أشدّ حُنُوا ومحبة والتصاقاً من الأخوين من الأب؛ لأنّ الأم هي ذات الحضانة والتربية .وقوله :«من غير ما فضل»ما هاهنا زائدة وتعطي معنى التأكيد نهاهم (علیه السلام أن يحسدوا)النّعم، وأن يبغوا ويفسدوا في الأرض، فإنّ آدم لما أمر ولده بالقربان قرب قابيل شرَّ ماله- وكان كافراً - وقرّب هابيلُ خَيْرَ مالِه - وكان مؤمناً - فتقبل الله تعالى من هابيل ،وأهبط من السماء ناراً فأكلته، قالوا لأنه لم يكن في الأرض حينئذ فقير يصل القربان إليه، فحسده قابيل -وكان أكبرمنه سنا - فقال لأقتلنّك، قال: هابيل إنّما يتقبل اللّه من المتقين، أي بذنبك وجرمك كان عدم قبول قُربانك لانسلاخك من التقوى، فقتله فأصبح نادماً ، لا ندم التّوبة بل ندم الحيرة ورقة الطبع البشري، ولأنه تعب في حمله كما ورد في التنزيل أنه لم يفهم ماذا به حتى بعث اللّه الغراب . قوله (علیه السلام:«وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة»؛ لأنه كان ابتدأ بالقتل، ومَنْ سنّ سنّة شر)كان عليه وزرها ووِزْر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة،كما أنّ مَنْ سَنْ سنّة خير كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (1)
1) هذا الكلام مقتبس من حديث النبي (صلی اللّه علیه واله)وهو الذي أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب : الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ،(1017) والنساء، كتاب الزكاة باب التحريض على الصدقة
وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه ،أن الروايات اختلفت في هذه الواقعة، فروى قوم أن الرجلين كانا من بني إسرائيل وليسا من ولد آدم لصلبه، والأكثرون خالفوا في ذلك .ثم اختلف الأكثرون، فروى قوم أن القربان من قابيل وهابيل كان ابتداء، والأكثرون قالوا : بل أراد آدم(علیه السلام أن يزوّج هابيل أخت قابيل توأمته، ويزوّج قابيل أخت هابیل توأمته ،فأبى قابيل؛ لأنّ توأمته كانت أحسن ،فأمرهما أبوهما بالقربان، فمن تُقبل قربانه نكح الحسناء .فتقبل قربان هابيل ،فقتله أخوه كما ورد في الكتاب العزيز.)وروى الطبري مرفوعاً أنه(علیه السلام قال: «ما من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم(علیه السلام) الأوّل كِفْل منها، وذلك بأنه أول من سنّ القتل»،(1)وهذا يشيّد قول أمير المؤمنين(علیه السلام).)****الأصل: أَلاَ وَقَدْ أَمْعَتُمْ فِي الْبَغْيِ، وَأَقْسَدْتُمْ فِي الْأَرْضِ، مُصَارَحَةٌ اللَّه بِالمُنَاصَبَةِ، وَمُبَارَزَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالمُحَارَبَةِ. فَالله الله فِي كِبْرِ الْحَمِيَّةِ، وَنَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مَلائِحُ الشَّتَانِ، وَمَنَافِخُ الشَّيْطَانِ الَّتِي خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ المَاضِيَةَ، وَالْقُرُونَ الْخَالِيَةَ، حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ، وَمَهَاوِي ضَلالَتِهِ ، ذُلُلاً عَنْ سِيَاتِهِ، سُلُساً فِي قِيَادِهِ، أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبِ فِيهِ، وَتَتَابَعَتِ ال الْقُرُونُ عَلَيْهِ، وَكِبْراً تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ.أَلاَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَالْقَوْا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا الله عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةٌ لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةٌ لآ لآتِهِ ، فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ اعْتِرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. فَاتَّقُوا الله وَلا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً ، وَلا لِفَضْلِهِ عِندَكُمْ حُسّاداً ، وَلاَ تُطِيعُوا الأدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفُوكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَفْتُمْ بِصِحْتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقَّكُم بَاطِلَهُمْ وَهُمْ آسَاسُ الْفُسُوقِ، وَأَحْلاَسُ الْعُقُوقِ اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلالٍ، وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَتَرَاجِمَةٌ يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ اسْتِرَاقاً لِعَقُولِكُمْ، وَدُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَنَفْاً فِي أَسْمَاعِكُمْ فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبِلِهِ، وَمَوْطِئَ، قَدَمِهِ، وَمَاخَذَ يَدِهِ. فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الأُمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ الله وَصَوْلاتِهِ، وَوَقَائِمه
1) أخرجه البخاري كتاب الديات، باب قول الله تعالى : (وَمَنْ أَحْيَاهَا) (6867) ، ومسلم، کتاب : القسامة والمحاربين باب بيان إثم من سن القتل (1677).
وَمَثَلَاتِهِ، وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ، وَمَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكِبْرِ، كَما تَسْتَعِيدُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ .الشرح: أمعنتم في البغي:بالغتم فيه من أمعن في الأرض، أي ذهب فيها بعيداً. ومصارحة للّه ، أي مكاشفة والمناصبة المعاداة.وملاقح الشنآن ،قال الراوندي: الملاقح هي الفُحول التي تلقح، وليس بصحيح، نصّ الجوهري على أنّ الوجه لواقح كما جاء في القرآن : ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَاقِعَ (1). وقال :هومن النوادر؛ لأن الماضي رباعي: والصحيح أن ملاقح هاهنا جمع مَلقح وهو المصدر، من لقحت كضربت مضرباً وشربت مشرباً . ويجوز فتح النون من الشنآن وتسكينها، وهو البغض.)ومنافخ الشيطان : جمع مَنْفَخ، وهو مصدر أيضاً، من نفخ، ونفخ الشيطان ونَفْثه واحد، وهو وسوسته وتسويله، ويقال للمتطاول إلى ما ليس له : قد نفخ الشيطان في أنفه. وفي كلامه(علیه السلام ، يقوله لطلحة وهو صريع، وقد وقف عليه، وأخذ سيفه :« سيف طالما جلّي به الكُرَب عن وجه رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، ولكن الشيطان نفخ في أنفه !» (2)قوله: وأعنقوا: أصرعوا، وفرس معناق ،والسَّيْر العنق، قال الراجز:)يَا نَاقُ سيري عَنَقاً فسيحا *** إلى سُليمان فنستريحاوالحنادس : الظلم، والمهاوي : جمع مَهواة بالفتح ، وهي الهُوَّة يتردّى الصيد فيها، وقد تهاوَى الصَّيْد في المهواة، إذا سقط بعضه في أثر بعض. قوله(علیه السلام:«اذللاً عن سياقه»، انتصب على الحال، جمع ذَلُول، وهو السهل المقادة، وهو حال من الضمير في «أعنقوا» ، أي أسرعوا منقادين لسوقه إياهم .)وسلساً :جمع سلس، وهو السَّهْل أيضاً، وإنما قسم«ذللا» و «سلساً» بين «سياقه» و «قياده» لأن المستعمل في كلامهم :قدتُ الفرس فوجدته سلساً أو صعباً، ولا يستحسنون: سقته فوجدته سلساً أو صعباً، وإنّما المستحسن عندهم: سقته فوجدته ذَلُولاً أو شَمُوساً .قوله(علیه السلام :« أمراً» منصوب بتقدير فعل ،أي اعتمدوا أمراً ،«وكبراً»، معطوف عليه، أو)ینصب «كبراً» على المصدر بأن يكون اسماً واقعاً موقعه، كالعطاء موضع الإعطاء.
وقال الراوندي :«أمراً» منصوب هاهنا لأنه مفعول به ،وناصبه المصدر الذي هو سياقه وقياده، تقول: سقت سياقاً وقدت قياداً، وهذا غير صحيح لأن مفعول هذين المصدرين محذوف تقديره: عن سياقه إياهم، وهذا هو معنى الكلام ،ولو فرضنا مفعول أحد هذين المصدرين «أمراً »لفسد معنى الكلام. وقال الراوندي أيضاً :ويجوز أن يكون «أمراً» حالاً.وهذا أيضاً ليس بشيء؛ لأن الحال وصف هيئة الفاعل أو المفعول، و«أمراً» ليس كذلك. قوله(علیه السلام :«تشابهت القلوب فيه»، أي أنّ الحمية والفخر والكبر والعصبية ما زالت اي القلوب متشابهة متماثلة فيها. وتتابعت القُرون عليه :جمع قَرْن بالفتح ، وهي الأمة من الناس.)وكبراً تضايقت الصدور به، أي كبر في الصدور حتى امتلات به وضاقت عنه لكثرته . ثم أمر بالحذر من طاعة الرؤساء أرباب الحمية، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَراءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (1)وقد كان أمَرَ في الفصل الأوّل بالتواضع اللّه، ونهى ها هنا عن التواضع للرؤساء، وقد جاء في الخبر المرفوع:«ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء !وأحسن منه تكبر الفقراء على الأغنياء » (2))الذي تكبروا عن حسبهم، أي جهلوا أنفسهم ، ولم يفكّروا في أصلهم من النطف المستقذرةمن الطين المنتن، قال الشاعر:ما بال من أوّله نُظفَةٌ *** وجيفةٌ آخرهُ يَفْخَرُيُصبح لا يملك تقديم ما*** يرجُو ولا تأخير ما يحذَرُقوله(علیه السلام :«وألقوا الهجينة على ربهم» روي «الهجينة» على «فَعِيلة»، كالطبيعة والخليقة ،وروي «الهُجْنَة» على «فعلة»،كالمضغة واللقمة، والمراد بهما الاستهجان، من قولك: هو يهجن كذا، أي يقبّحه، ويستهجنه أي يستقبحه. أي نسبوا ما في الأنساب من القبح بزعمهم إلى ربهم، مثل أن يقولوا للرجل : أنت عجمي ونحن عرب ،فإنّ هذا ليس إلى الإنسان، بل هو إلى اللّه تعالى، فأي ذنب له فيه! قوله :«و جاحدوا اللّه»، أي كابروه، وأنكروا صنعه إليهم. وأساس بالمد: جمع أساس. واعتزاء الجاهلية: قولهم :يا لفلان! وسمع أبي بن كعب رجلاً يقول: يا لفلان! فقال:)
عَضَضْتَ بهَنِ أبيك فقيل له: يا أبا المنذر ما كنت فحاشاً ، قال : سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يقول :«مَنْ تَعَزَّى بعَزَاء الجاهليّة فأعِضوه بهن أبيه ولا تكْنُوا» .(1))قوله :«فلا تكونوا لنعمة اللّه أضداداً»؛ لأن البغي والكبر يقتضيان زوال النعمة وتبدّلها بالنقمة .قوله :«ولا تطيعوا الأدعياء»، مراده هاهنا بالأدعياء الذين ينتحلون الإسلام ويبطنون النفاق .ثم وصفهم فقال :«الذين شربتم بصفوكم كدَرَهم»، أي شربتم كدرهم مستبدلين ذلك بصفوكم. ويروي:«الذين ضربتم»، أي مزجتم. ويروي «شَرَيْتُم» أي بعتم واستبدلتم .والأحلاس :جمع جلس، وهو كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازماً له، فقيل لكل ملازم أمر: هو جلس ذلك الأمر .والتَّرجمان،بفتح التاء:هو الذي يفسّر لساناً بلسان غيره،وقد تُضَم التاء.ويروي:«ونثا في أسماعكم» من نَثّ الحديث، أي أفشاء.الأصل: فَلَوْ رَخَّصَ الله فِي الْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّة إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَرَضِي لَهُمُ التَّوَاضُعَ ، فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ، قَدِ اخْتَبَرَهُمُ الله بِالْمَخْمَصَةِ، وَابْتَلاَهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ، وَمَحْصَهُمْ بِالْمَكَارِهِ.فَلاَ تَعْتَبِرُوا الرِّضَا وَالسُّخْطَ بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ، جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالاخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ الْغِنَى وَالْإِفْتَارِ ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا يُودُّهُ بِهِ مِن قال وبين التابع لهم في الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ )(2)الشرح: التكير : التعاظم، والغرض مقابلة لفظة «التواضع» لتكون الألفاظ مزدوجةً. وعفّر وجهَه : ألصقه بالعَفَر. وخَفَضُوا أجنحتهم: الانوا جانبهم.
والمخمصة: الجوع. والمجهدة: المشقة، وأمير المؤمنين (علیه السلامكثير الاستعمال لمفعل)ومَفْعَلة بمعنى المصدر، إذا تصفّحت كلامه عرفت ذلك .ومخصهم، أي طهرهم، وروي «مخضهم» بالخاء والضاد المعجمة، أي حرَّكهم وزلزلهم . ثم نهى أن يعتبر رضا الله وسخطه بما نراه من إعطائه الإنسان مالاً وولداً، فإن ذلك جهل بمواقع الفتنة والاختبار.وقوله تعالى : (أَيَحْسَبُونَ ... ، الآية دليل على ما قاله(علیه السلام) ، والأدلة العقلية أيضاً دلّت على أن كثيراً من الآلام والغموم والبلوى إنما يفعله اللّه تعالى للألطاف والمصالح. وما الموصولة في الآية يعود إليها محذوف ومقدر لا بد منه، وإلا كان الكلام غير منتظم، وغير مرتبط بعضه ببعض، وتقديره نسارع لهم به في الخيرات.)الأصل: فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا - عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ، وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ ، فَشَرَطَا لَهُ - إِنْ أَسْلَمَ - بَقَاءَ مُلْكِهِ، وَدَوَامَ عِزْهِ، فَقَالَ : أَلا تَعْجَبُونَ مِنْ هَدَيْن يَشْرِطَانٍ لِي دَوَامَ الْعِزَّ ، وَبَقَاءَ الْمُلْكِ، وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلّ فَهَلاً أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ، إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ ولبيه!وَلَوْ أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَاتِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ الْمِقْيَانِ وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ، وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ، وَوُحُوسَ الْأَرَضِينَ، لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَط الْبَلاءُ، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ، وَاضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ، وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَينَ، وَلاَ اسْتَحَقَّ المُؤْمِنُونَ ثَوَابَ المُحْسِنِينَ، وَلاَ لَزِمَتِ الْأَسْمَاءَ مَعَانيها، وَلَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ في عَزَائِمهمْ، وَضَعَفَةٌ فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ، مَعَ فَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنّي، وَخَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَالْأَسْمَاعَ أَذًى.الشرح: مدارع الصوف : جمع مِدْرَعة، بكسر الميم ،وهي كالكساء، وتدرع الرجل وتمذرع إذالها. والعصي : جمع عصا. وتقول: هذا سوار ،المرأة، والجمع أسورة، وجمع الجمع أساورة، وقرىء: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِى
عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ .(1)وقد يكون جمع أساور ، قال سبحانه: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَذَهَب ،(2)قال أبو عمرو بن العلاء: أساور هاهنا: جمع إسوار وهو السوار.والذهبان، بكسر الذال : جمع ذهب، كَخَرب لذكر الحباري وخربان. والعقيان: الذهب أيضاً .)قوله(علیه السلام :«واضمحلت الأنباء»، أي تلاشت وفنيت .والأنباء : جمع نَبا ، وهو الخبر،)أي لسقط الوعد والوعيد وبطلاً . قوله(علیه السلام : «ولا لزمت الأسماء معانيها»، أي مَنْ يسمّى مؤمناً أو مسلماً حينئذ، فإنّ تسميته مجاز لا حقيقة؛ لأنه ليس بمؤمن إيماناً مِنْ فعِله وكسبه ، بل يكون ملجأ إلى الإيمان بما يشاهده من الآيات العظيمة.)والمبتلين، بفتح اللام: جمع مبتلى،كالمعطين والمرتَضَيْن، جمع معطّى ومرتضى والخصاصة : الفقر .وهذا الكلام هو ما يقوله أصحابنا بعينه في تعليل أفعال البارىء سبحانه بالحكمة والمصلحة، وأن الغرض بالتكليف هو التعريض للثواب، وأنه يجب أن يكون خالصاً الإلجاء، ومِنْ أن يفعل الواجب بوجه غير وجه وجوبه ،يرتدع عن القبيح لوجه غير وجه قبحه . وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ، أن موسى قدم هو وأخوه هارون مصر على فرعون، لما بعثهما اللّه تعالى إليه حتى وقفًا على بابه يلتمسان الإذن عليه، فمكنا سنين يعْدُوان على بابه ،ويروحان لا يعلم بهما، ولا يجترىء أحد على أن يخبره بشأنهما – وقد كانا قالا لمن بالباب : إنا رسولاً ربّ العالمين إلى فرعون - حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه، فقال له : أيها الملك إن على الباب رجلاً يقول قولاً عجيباً عظيماً، ويزعم أن له إلها غيرك، قال: ببابي! قال :نعم ،قال : أدخلوه، فدخل وبيده ،عصاه، ومعه هارون أخوه فقال : أنا رسول رب العالمين إليك ... وذكر تمام الخبر . فإن قلت : أي خاصية في الصوف ولُبسه؟ ولم اختاره الصالحون على غيره؟قلت : ورد في الخبر أن أول لباس لبسه آدم لما هبط إلى الأرض صوف كبش قيضه اللّه له ، وأمره أن يذبحه فيأكل لحمه ويلبس صوفه ؛ لأنّه أهبط عريان من الجنة فذبحه ،وغزلت حواء صوفه، فلبس آدم منه ثوباً، وألبس حواء ثوباً آخر، فلذلك صار شعار الأولياء وانتسبت إليه الصوفية .
الأصل: وَلَوْ كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ اهْلَ قُوَّةِ لاَ تُرَامُ، وَعِزَّةٍ لا تُضامُ، وَمُلْكِ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْناقُ الرِّجالِ، وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرّحالِ، لَكَانَ ذَلِكَ أهْوَنَ على الْخَلْقِ فِي الاعْتِبارِ، وَأَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ الاسْتِكْبَارِ، وَلَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قاهِرَةِ لَهُمْ أوْ رَغْبَةٍ مائِلَةٍ بِهِمْ فَكانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةُ ، وَالحَسَناتُ ، مُقْتَسَمَةً، وَلَكِنَّ الله سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الاتِّباعُ لِرُسُلِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ، وَالخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، وَالاسْتِكانَةُ الأمْرِهِ، وَالاسْتِسْلامُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خاصَّةً، لا يَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِها شائبَةٌ .الشرح: تمدّ نحوه أعناق الرجال، أي لعظمته، أي يؤمله المؤملون ويرجوه الراجون، وكلّ مَنْ أمّل شيئاً فقد طمَح ببصره إليه معنى لا صورة، فكنى عن ذلك بمد العنق .وتُشدّ إليه عُقَد الرحال : يسافر أرباب الرغبات إليه ، يقول : لو كان الأنبياء ملوكاً ذوي بأس وقهر لم يمكن إيمان الخلق وانقيادهم إليهم؛ لأنّ الإيمان في نفسه واجب عقلاً، بل كان لرهبة لهم أو رغبة فيهم، فكانت النيات مشتركة هذا فرض سؤال وجواب عنه، كأنه قال لنفسه : لم. لا يجوز أن يكون إيمانهم على هذا التقدير لوجوبه، ولخوف ذلك النبي ، أو لرجاء نفع ذلك النبي (صلی اللّه علیه واله؟ فقال : لان النيات تكون حينئذ مشتركة، أي يكون المكلّف قد فعل الإيمان لكلا الأمرين. وكذلك تفسير قوله :«والحسنات مقتسمة» : قال : ولا يجوز أن تكون طاعة اللّه تعالى تعلو إلّا لكونها طاعة له لا غير ولا يجوز أن يشوبها ويخالطها من غيرها شائبة.)فإن قلت : ما معنى قوله :«لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار وأبعد لهم من الاستكبار»؟قلت : أي لو كان الأنبياء كالملوك في السطوة والبطش، لكان المكلف لا يشق عليه الاعتبار والانزجار عن القبائح مشقته عليه إذا تركه لقبحه لا لخوف السيف، وكان بعد المكلفين عن الاستكبار والبغي لخوف السيف والتأديب أعظم من بعدهم عنهما إذا تركوهما لوجه قبحهما، فكان يكون ثواب المكلّف، إما ساقطاً، وإما ناقصاً.****الأصل: وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبُلْوَى وَالاخْتِبارُ أَعْظَمَ ، كَانَتِ المَدُّوبَةُ وَالْجَزَاءُ أَجْزَلَ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الله سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَم، بِأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَيْنَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ الله لِلنَّاسِ قِيَاماً ، ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرٍ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً ، وَأَقَلْ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً ، وَأَضْيَنِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ تُظراً ، بَيْنَ جبَالٍ خَشِينَةٍ، وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَعُيُون وَشِلَةٍ ، وَقُرًى مُنقَطِعَةٍ ، لا يَزْكُوبِهَا خُفٌ، وَلا حَافِرٌ وَلا ظُلْفٌ،
ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَوَلَدَهُ أَنْ يَتْلُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةٌ لِمُنتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةٌ لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَفْئِدَةِ، مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ، وَمَهَاوِي فِجَاجِ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائر بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حَتَّى يَهُزُوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً ، يُهَلِّلُونَ الله حَوْلَهُ، وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، شُعْناً غُبراً لَهُ ، قَدْ نَبَذُوا السَرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمْ ابْتِلَاةِ عَظِيماً ، وَامْتِحَانَا شَدِيداً ، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً ، وَتَمْحِيصاً بليغاً ، جَعَلَهُ الله سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوُصْلَةٌ إِلَى جَنَّتِهِ. وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتُه الْحَرَامَ، وَمَشَاهِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ، وَسَهْلٍ وَقَرَارٍ ، جَمَّ الْأَشْجَارِ ، دَانِيَ الشِّمَارِ ، مُلْتَفَّ البُنَى ، مُتَصِلَ القُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ ، وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ، وَعِرَاصِ مُنْدِقَةٍ، وَزُرُوعٍ نَاضِرَةٍ، وَطْرُقٍ عَامِرَةٍ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ، عَلَى حَسَبٍ ضَعْفِ البَلاءِ. وَلَوْ كَانَ الْأَسَاسُ المَحْمُولُ عَلَيْهَا ، وَالْأَحْجَارُ المَرْفُوعُ بها، مِنْ زُمُرُدَةٍ خَضْرَاءَ، وَيَاقُونَةٍ حَمْرَاءَ، وَنُورٍ وَضِياءٍ، لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكُ فِي الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ القُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ وَلَكِنَّ الله يَخْتَبِرُ عَبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ المَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبٍ المَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَكَبرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَانَا لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلِيَجْمَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فتحاً إِلَى فَضْله، وَأَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِه.الشرح:كانت المثوبة، أي الثوابوأجزل : أكثر ، والجزيل: العظيم، وعطاء جزل وجَزِيل والجمع جزال، وقد أجزلت له منالعطاء، أي أكثرت. وجعله للناس قياماً، أي عماداً، وفلان قيام أهله أي يقيم شؤونهم، ومنه قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُم فيما (1). وأوعرُ بقاع الأرض حجراً، أي أصعبها، ومكان وغر، بالتسكين: صعب المسلك أو المقام.)وأقل نتائق الدُّنيا مدّراً، أصل هذه اللفظة من قولهم : «امرأة منتاق»، أي كثيرة الحبل .
1) سورة النساء، الآية : 5
والولادة، ويقال : ضيعة منتاق أي كثيرة الربع ، فجعل(علیه السلام الضياع دوات المدر التي تثار للحرث نتائق وقال : إن مكة أقلها صلاحاً للزرع؛ لأن أرضها حجرية .)والقُطر : الجانب، ورمال دمِئة :سهلة، وكلّما كان الرَّمْل أسهَل ،كان أبعد عن أن ينبت . وعيون وشلة، أي قليلة الماء، والوَسَّل بفتح الشين : الماء القليل، ويقال : وشَل الماء وَشَلاناً ، أي قطر.قوله : «لا يزكُو بها خُفْ»، أي لا تزيد الإبل فيها أي لا تسمن ،والخف هاهنا هو الإبل ، والحافر : الخيل والحمير، والظُّلْف : الشاة، أي ليس حولها مرعى يرعاه الغنم فتسمن .وأن يثنو أعطافهم نحوه ،أي يقصدوه ويحجوه، وعطفا الرجل : جانباه. وصار مثابة، أي يُثاب إليه ويُرْجَع نحوه مرّة بعد أخرى، وهذه من ألفاظ الكتاب العزيز. قوله(علیه السلام : «المنتجع أسفارهم»، أي لنجعتها، والنُّجعَة : طلب الكلأ في الأصل، ثم كلَّ مَنْ قصد أمراً يروم النفع منه منتجعاً .)قوله :«وغاية المُلقي رحالهم» أي صار البيت هو الغاية التي هي الغرض والمقصد، وعنده تلقى الرجال، أي تحطّ رحال الإبل عن ظهورها، ويبطل السفر؛ لأنهم قد انتهوا إلى الغاية المقصودة.قوله : «تَهْوِي إليه ثمار الأفئدة»، ثمرة الفؤاد: هو سويداء القلب، ومنه قولهم للولد : هو ثمرة الفؤاد، ومعنى «تهوي إليه» أي تتشوقه وتحنّ نحوه .والمفاوز: هي جمع مَفازة، الفلاة سُمِّيَتْ مَفَازة، إمَّا لأنها مهلكة، من قولهم : فَوّز الرَّجُل، أي هلك، وإمّا تفاؤلاً بالسلامة والفوز، والرواية المشهورة. «من مفاوز قفار» بالإضافة. وقد روي قوم: «من مفاوز» بفتح الزاء؛ لأنه لا ينصرف، ولم يضيفوا، جعلوا «قفار» صفة. والسحيقة :البعيدة. والمهاوي: المساقط. والفجاج: جمع فَج، وهو الطريق بين الْجَبَلِين.قوله (علیه السلام:«حتى يهزوا مناكبهم» ، أي يحركهم الشوق نحوه إلى أن يسافروا إليه، فكنى)عن السفر بهزّ المناكب.وذُللا ، حال، إما منهم وإما من المناكب، وواحد المناكب ،منكب بكسر الكاف، وهو مجمع عظم العَضُد والكتف. قوله :«ويهللون»، يقولون : لا إله إلا الله ، وروي : «يُهِلُّون اللّه»، أي يرفعون أصواتهم بالتلبية ونحوها . ويرملون، الرَّمَل : السعي فوق المشي قليلاً . شُعْثاً غُبراً ، لا يتعهدون شعورهم ولا ثيابهم ولا أبدانهم ،قد نبذوا السرابيل ،ورموا ثيابهم وقمصانهم المخيطة .
وشوّهوا بإعفاء الشعور ،أي غيّروا وقبحوا محاسن. صورهم بأن أعفَوْا شعورهم فلم يحلقوا ما فضل منها وسقط على الوجه ونبت في غيره من الأعضاء التي جرت العادة بإزالتها عنها . والتمحيص : التَّظهير ، من محصت الذهب بالنار إذا صفيته مما يشوبه، والتمحيص أيضاً :الامتحان والاختبار. والمشاعر : معالم النسك.قوله : «وسهل وقرار»، أي في مكان سهل يستقر فيه الناس ولا ينالهم من المقام به مشقة. وجمّ الأشجار:كثيرها. وداني الثمار: قريبها. وملتف البنى: مشتبك العمارة. والبُرَّة: الواحدة من البرّ، وهو الحنطة ،والأرياف. جمع ريف وهو الخِصْبِ والمرعى في الأصل . وهو هاهنا السواد والمزارع ،ومحدقة: محيطة .ومغدقة: غزيرة ،والغدق : الماء الكثير. وناضرة ذات نضارة ورونق وحُسْن .قوله :« ولو كانت الإساس» ، يقول : لو كانت إساس البيت التي حمل البيت عليها وأحجاره التي رفع بها من زمردة وياقوتة فالمحمول والمرفوع كلاهما مرفوعان؛ لأنهما صفة اسم كان والخبر «من زمردة»، وروي: «بين زمردة»، ويجوز أن تحمل لفظتا المفعول وهما المحمول والمرفوع ضمير البيت، فيكون قائماً مقام اسم الفاعل، ويكون موضع الجار والمجرور نصباً، ويجوز ألا تحملهما ذلك الضمير، ويجعل الجار والمجرور هو الساد مسدّ الفاعل، فيكون ان موضعه رفعاً . وروي: «مضارعة الشك» بالضاد المعجمة، ومعناه مقارنة الشك ودنوه من النفس، وأصله من مضارعة القدر إذا حان إدراكها، ومن مضارعة الشمس إذا دنت للمغيب .وقال الراوندي في تفسير هذه الكلمة: من مضارعة الشك، أي مماثلته ومشابهته، وهذا بعيد ؛ لأنه لا معنى للمماثلة والمشابهة هاهنا، والرواية الصحيحة بالصاد المهملة. قوله (علیه السلام: ولَنَفَى «معتلج الريب»، أي اعتلاجه، أي ولنفى اضطراب الشك في القلوب. وروي «يستعبدهم» و«يتعبدهم»، والثانية أحسن.)والْمَجَاهد : جمع مَجهدة، المشقة. وأبواباً فتحاً، أي مفتوحة ، وأسباباً ذُلُلاً، أي سهلة .واعلم أن محصول هذا الفصل أنه كلما كانت العبادة أشقّ كان الثواب عليها أعظم، ولو أنّ اللّه تعالى جعل العبادات سهلة على المكلفين لما استحقّوا عليها من الثواب إلا قدراً يسيراً، بحسب ما يكون فيها من المشقة اليسيرة. فإن قلت فهل كان البيت الحرام موجوداً أيام آدم(علیه السلام ، ثم أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه؟)
قلت : نعم هكذا روی أرباب السِّير وأصحاب التواريخ، روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في« تاريخه» عن ابن عباس، أن اللّه تعالى أوحى إلى آدم لمّا أهبطه إلى الأرض: أن لي حَرَماً حِيَال عَرْشي، فانطلق فابن لي بيتاً فيه، ثم طف به كما رأيت ملائكتي تحف بعرشي، فهنالك أستجيب دعاءك ودعاء من يحف به من ذُرِّيتك. فقال آدم: إنّي لستُ أقوى على بنائه، ولا أهتدي إليه، فقيّض الله تعالى له ملكاً ، فانطلق به نحو مكة - وكان آدم في طريقه كلما رأى روضة أو مكاناً يعجبه سأل الملك أن ينزل به هناك ليبني فيه، فيقول الملك : إنه ليس هاهنا حتى أقدمه مكة - فبنى البيت من خمسة جبال طور سيناء، وطور زيتون، ولبنان، والجودي، وبني قواعده من جراء فلما فرغ خرج به الملك إلى عرفات فأراه المناسك كلها التي يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة وطاف بالبيت أسبوعاً ، ثم رجع إلى أرض.(1الهندفمات .)وروى الطبري في التاريخ أن آدم حجّ من أرض الهند إلى الكعبة أربعين حجّة على رجليه . وقد روي أن الكعبة أنزلت من السماء وهي ياقوتة أو لؤلؤة على اختلاف الروايات وأنّها بقيَتْ على تلك الصورة إلى أن فسدت الأرض بالمعاصي أيام نوح، وجاء الطوفان فرفع البيت، وبنى إبراهيم هذه البنية على قواعده القديمة .وروى أبو جعفر،عن وهب بن منبه أن آدم دَعَا ربَّه فقال: يا ربّ اما لأرضك هذه عامر يسبّحك ويقدّسك فيها غيري! فقال اللّه: إني سأجعل فيها من ولدك من يسبّح بحمدي ويقدّسني، وسأجعل فيها بُيُوتاً تُرفع لذكري، يسبّحني فيها خلقي، ويُذكر فيها اسمي، وسأجعل تلك البيوت بيتاً أختصه بكرامتي، وأوثره باسمي، فأسميه بيتي، وعليه وضعت جلالتي من وخصصته بعظمتي، وأنا مع ذلك في كلّ شيء، أجعل ذلك البيت حَرَماً آمناً يحرم بحرمته من حوله، ومن تحته، ومَنْ فوقه فمَنْ حرّمه بحُرمتي استوجب كرامتي، ومن أخاف أهله فقد أباح حُرمتي، واستحق سَخَطِي، وأجعله بيتاً مُباركاً يأتيه بنوك شُعْتاً غُبراً على كل ضامر من كل فجّ عميق، يرجّون بالتلبية رجيجاً، ويعجون بالتكبير عجيجاً، من اعتمده لا يريد غيره، ووفد إلي وزارني واستضاف بي ،أسعفته بحاجته، وحقٌّ على الكريم أن يكرم وفدَه ،وأضيافه، تعمره يا آدم ما دمت حيا، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة، وقرناً بعد قرن.قال : ثم أمر آدم أن يأتي إلى البيت الحرام الذي أهبط له إلى الأرض فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول العرش، وكان البيت حينئذ من دُرَّةٍ أو من ياقوتة، فلما أغرق اللّه تعالى قوم نوح رفعه ،وبقي أساسه فبرأه اللّه لإبراهيم فبناه .(2)
الأصل: فَالله الله فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيس الْعُظْمَى، وَمَكِيدَتُهُ الْكُبْرَى الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ وَ الْقَائِلَةِ، فَمَا تُخْدِي أَبَداً، وَلا تُشْوِي أَحَداً، لا عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَلا مُقلاً في طمره. وَعَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ الله عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الأيَّامِ المَفْرُوضَاتِ، تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ ، وَتُخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ، وَتَدْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ، وَتَخْفِيضاً القُلُوبهمْ، وَإِذْهَاباً لِلْخَلاَءِ عَنْهُمْ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِناقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً ، وَالْبَصَاقِ كَرائِمِ الْجَوَارِحِ بِالأَرْضِ تَصَاخُراً، وَلُحُوقِ البُطُونَ بِالمُتُون مِنَ الصِيامِ تَذَلُلاً، مَعَ مَا في الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الأَرْضِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ المَسْكَنَةِ وَالفَقْرِ انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الأَفعالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الفَحْرِ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الكِبْرِ !****الشرح: بلدة وخمة ووخيمة : بينة الوخامة، أي وبيئة .مصيدة إبليس، بسكون الصاد وفتح الياء : آلته التي يصطاد بها. وتُساوُر قلوب الرجال: وسار إليه يَسُور، أي وثب، والمصدّر السَّوْر ،ومصدر« تَسَاور» المساورة، ويقال : إن لغضبه سَوْرة، وهو سَوار، أي وثاب معربد ، وسَوْرة الشراب: وثوبه في الرأس، وكذلك مساورة السموم التي ذكرها أمير المؤمنين(علیه السلام.)وما تكدي :ما تردّ عن تأثيرها ،من قولك: أكدى حافر الفرس، إذا بلغ الكُدّية وهي الأرض الصُّلْبة، فلا يمكنه أن يحفر. ولا تُشوِي أحداً: لا تخطيء، المقتل وتصيب غيره، وهو الشَّوَى، والشوى: الأطراف، كاليد والرجل .قال : لا تردّ مكيدته عن أحد لا عن عالم لأجل علمه، ولا عن فقير لطمره، والقمر: الثوب الخلّق .و«ما» في قوله :«وعن ذلك ما حرس اللّه» زائدة مؤكدة، أي عن هذه المكائد التي هي البغي والظلم والكبر حَرَس اللّه عباده، فلعن متعلقة ب-«الحرس». وقال الراوندي: يجوز أن تكون مصدرية، فيكون موضعها رفعاً بالابتداء، وخبر المبتدأ قوله: «لما في ذلك». وقال أيضاً: يجوز أن تكون نافية، أي لم يحرس الله عباده عن ذلك إلجاء وقهراً، بل فعلوه اختياراً من أنفسهم، والوجه الأول باطل ؛ لأن (عن على هذا التقدير تكون من صلة المصدر، فلا يجوز تقديمها عليه، وأيضاً فإنّ لما في ذلك لو كان هو الخبر ؛ لتعلّق لام الجر بمحذوف، فيكون)
التقدير : حراسة اللّه لعباده عن ذلك كائنة لما في ذلك من تعفير الوجوه بالتراب، وهذا كلام غير مفيد ولا منتظم إلا على تأويل بعيد لا حاجة إلى تعسّفه، والوجه الثاني باطل؛ لأن سياقة الكلام تدّل على فساده، ألا ترى قوله: «تسكيناً وتخشيعاً»، وقوله: «لما في ذلك من کذا» وهذا كله تعليل الحاصل الثابت لا تعليل المنفي المعدوم.ثم بين(علیه السلام الحكمة في العبادات، فقال : إنه تعالى حَرَس عباده بالصلوات التي افترضها عليهم من تلك المكائد، وكذلك بالزكاة والصوم ليسكن أطرافهم، ويخشع أبصارهم، فجعل التسكين والتخشيع عذراً وعلة للحراسة، ونصب اللفظات على أنها مفعول له .)ثم علل السكون والخشوع الذي هو علة الحراسة لما في الصلاة من تعفير الوجه على التراب، فصار ذلك علة العلة. قال : وذلك لأن تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً يوجب هَضم النفس وكسرها وتذليلها. وعتاق الوجوه كرائمها .وإلصاق كرائم الجوارح بالأرض كاليدين والساقين تصاغراً يوجب الخشوع والاستسلام، والجوع في الصوم الذي يلحق البطن في المتن يقتضي زوال الأشر والبطر، ويوجب مذّلة النفس وقمعها عن الانهماك في الشهوات وما في الزكاة من صَرْف فواضل المكاسب إلى أهل الفقر والمسكنة يوجب تطهير النفوس والأموال ومواساة أرباب الحاجات بما تسمح به النفوس من الأموال، وعاصم لهم من السرقات وارتكاب المنكرات، ففي ذلك كله دفع مكائد الشيطان .وتخفيض القلوب: حطها عن الاعتلاء والتيه .والخيلاء :التكبر. والمسكنة : أشدّ الفقر في أظهر الرأيين. والقَمْع: القهر. والنَّوَاجم : جمع ناجمة ،وهي ما يظهر ويطلع من الكبر وغيره. والقَدْع ، بالدال المهلمة: الكف، قدعت الفرس وكبحته باللجام، أي كففته، والطوالع، كالنواجم.****الأصل: وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلا عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلاَءِ، أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لأَمْرِ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلاَ عِلَّة . أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ : أَنَا نَارِي وَأَنْتَ طِيني. وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الْأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ النَّعَمِ ، فَقَالُوا : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ.فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ العَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الْأَفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ الْأُمُورِ، الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا المُجَدَاءُ وَالتَّجَدَاءً مِنْ بُيُونَاتِ العَرَبِ، وَيعَاسِيبِ القَبَائِل، بِالْأَخْلاقِ الرَّغِيبَةِ، وَالْأَحْلامِ العَظِيمَةِ، وَالْأَخْطَارِ الْجَلِيلَةِ، وَالْآثَارِ المَحْمُودَةِ .
فَتَعَصَّبُوا لِخِلالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْحِوَارِ، وَالْوَفَاءِ بِالذَّمَامِ، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ ، وَالمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ ، وَالْأَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالكَفْ عَنِ البَغْيِ، وَالْإعْظام لِلْقَتْلِ، وَالْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَالكَظم لِلْغَيْظِ ، وَاجْتِتَابِ الفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.الشرح: قد روي« تحتمل بالتاء وروي تحمل»، والمعنى واحد .والتمويه : التلبيس من مؤهت النّحاس، إذا طليقه بالذهب ليخفى. ولاط الشيء بقلبي يلوط ويليط، أي التصق. والمترف : الذي أطغته النعمة .وتفاضلت فيها، أي تزايدت ،والمُجداء: ماجد والمجد، الشرف في الآباء، والحسب والكرم يكونان في الرَّجل وإن لم يكونا في آبائه. هكذا قال ابن السكّيت ،وقد اعترض عليه بأن المجيد من صفات اللّه تعالى، قال سبحانه : |(وذو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (1)على قراءة مَنْ رفع، واللّه سبحانه يتعالى عن الآباء، وقد جاء في وصف القرآن المجيد ،قال سبحانه: (بَلْ هُوَ قُرْمَ أَنْ تَجِيدٌ ) (2))والتجداء: الشجعان، واحدهم نَجِيد، وأمّا نَجِد ،ونجد ، بالكسر والضم، فجمعه أنجاد، مثل يقظ وأيقاظ .وبيوتات العرب: قبائلها، ويعاسيب القبائل: رؤساؤها ،واليعسوب في الأصل: ذكر النحل وأميرها ،والرغيبة: الخضلة يُرغب فيها. والأحلام، العقول. والأخطار :الأقدار. ثم أمرهم بأن يتعصّبوا لخلال الحمد وعددها، وينبغي أن يحمل قوله(علیه السلام : «فإنكم ا تتعصبّون لأمر ما يعرف له سبب ولا علة»، على أنه لا يعرف له سبب مُناسب، فكيف يمكن أن يتعصبوا لغير سبب أصلاً !)وقيل : إنّ أصل هذه العصبية ،فوهذه الخطبة، أنّ أهل الكوفة كانوا قد فسدوا في آخر خلافة أمير المؤمنين ،وكانوا قبائل في الكوفة، فكان الرّجل يخرج من منازل قبيلته فيمر بمازل قبيلة أخرى، فينادي باسم قبيلته : يا للنَّخَع !مثلاً ، أو بالكندة! نداء عالياً يقصد به الفتنة وإثارة الشر، فيتالب عليه فتيان القبيلة التي مر بها فينادون: يا لتميم! وبالربيعة! ويقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه، فيمضي إلى قبيلته فيستصرخها، فتُسلّ السيوف وتثور الفتن، ولا يكون لها أصل في الحقيقة إلا تعرُّض الفِتْيان بعضهم ببعض .
الأصل: وَاحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمم قَبْلَكُمْ مِنَ المُثَلَاتِ بِسُوءٍ الْأَفْعَالِ، وَذَمِيمِ الْأَعْمَالِ، فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ، وَأَحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ، فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ العِزَّةُ بِهِ حَالَهُمْ وَزَاحَتِ الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ، وَمُدَّتِ الْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ، مِنَ الاجْتَنَابِ لِلْفُرْقَةِ ، وَاللُّزُومِ للألفَةِ، وَالتَّحَاضُ عَلَيْهَا ، وَالتَّوَاصِي بِهَا . وَاجْتَنِبُوا كُلِّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتهُمْ، وَأَوْهَنَ مُنتَهُمْ مِنْ تَضَانِ الْقُلُوبِ، وَتَشَاحُنِ الصُّدُورِ، وَتَدَابُرِ النُّفُوسِ، وَتَخَاذُلِ الْأَيْدِي.الشرح : المُثلات: العقوبات.وذميم الأفعال : ما يذمّ منها. وتفاوت حاليهم: اختلافهما، وزاحت الأعداء :بعدت. وله أي لأجله.والتحاض عليها : تفاعل يستدعي وقوع الحضّ، وهو الحثّ من الجهتين، أي يحثّ بعضهم بعضاً. والفِقْرة: واحدة فِقر الظهر، ويقال لمن قد أصابته مصيبة شديدة: قد كُسرت فقرته. والمنة : القوة . وتضاغُن القلوب وتشاحنها واحد وتخاذل الأيدي ألا ينصر الناس بعضهم بعضاً .الأصل: وَتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ المَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصَ وَالبَلاء أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءٌ ، وَأَجْهَدَ العِبَادِ بَلاء، وَأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالاً ! اتَّخَذَتْهُمُ الفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ العَذَابِ، وَجَرَّعُوهُمْ جُرَعَ المُرَارِ ، فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلُّ الهَلَكَةِ وَقَهْرِ الغَلَبَةِ، لا يَجِدُونَ حِيلَةٌ فِي امْتِنَاعِ ، وَلا سَبِيلاً إِلَى دِفَاعِ، حَتَّى إِذَا رَأَى الله سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِي مَحْبَّتِهِ، وَالاحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايقِ الْبَلاءِ فَرَجاً ، فَأَبْدَلَهُمُ العِزَّ مَكَانَ الذُّلّ، وَالْأمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ، فَصَارُوا مُلُوكاً حُكاماً، وَأَئِمَةٌ أَعْلَاماً ، وَقَدْ بَلَغَتِ الكَرَامَةُ مِنْ الله لَهُمْ، مَا لَمْ تَذْهَبِ الآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ .****الشرح: تدبّروا أي تأملوا والتمحيص: التطهير والتصفية والأعباء: الأثقال: واحدها عبه وأجهد العباد أتعبهم. والفراعنة العُتاة، وكلّ عاتٍ فرعون وساموهم سوء
العذاب الزموهم إيَّاه، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَ تَحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (1))والمُرار: بضم الميم : شجر مُرٌّ في الأصل، واستعير شرب المُرار لكلّ مَنْ يلقى شديد المشقة. ورأى اللّه منهم جد الصبر، أي أشده. وأئمة أعلاماً، أي يُهتدى بهم، كالعلم في الفلاة.الأصل: فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الأمْلاء مُجْتَمِعَةٌ، وَالْأَهْوَاهُ مُؤْتَلِفَةٌ، وَالْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةٌ، وَالْأَيْدِي مُتَرَادِفَةٌ ، وَالسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةٌ، وَالْبَصَائرُ نَافِلَةٌ، وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةٌ .أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ، وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ العَالَمِينَ فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وَتَشَتَّتَتِ الألْفَةُ، وَاخْتَلَفَتِ الكَلِمَةُ وَالأَفْئِدَةُ، تَشَعَبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ، قَدْ خَلَعَ الله عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ ، وَسَلَبَهُمْ غَضارَةَ نِعَمِهِ، وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عَبْرَةً لِلْمُعَتَبِرِينَ مِنْكُمْ .الشرح: الأملاء: الجماعات، الواحد ملأ .ومترادفة: متعاونة البصائر نافذة، يقال: نفذت بصيرتي في هذا الخبر، أي اجتمع همّي عليه، ولم يبق عندي تردّد فيه، لعلمي به وتحقيقي إياه. وأقطار الأرضين: نواحيها، وتشتت : تفرقت. وتشعبّوا : صاروا شعوباً وقبائل مختلفين .وتفرّقوا متحزّبين : اختلفوا أحزاباً، وروي : «متحازبين». وغضارة النّعمة : الطيب اللين منها . والقَصَصُ : الحديث.يقول : انظروا في أخبار من قبلكم من الأمم، كيف كانت حالهم في العز والمُلْك لما كانت كلمتهم واحدة، وإلى ماذا الث حالهم حين اختلفت كلمتهم! فاحذروا أن تكونوا مثلهم، وأن يحلّ بكم إن اختلفتم مثل ما حلّ بهم .****الأصل: فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ، وَأَقْرَبَ اشْتِيَاءَ الْأَمْثَالِ !
1) سورة البقرة، الآية : 49 .
تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ ، لَيَالِي كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ وَالْقَبَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ، يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الآفَاقِ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ، وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ الشَّيحِ، وَمَهَا فِي الرّيح ، وَنَكَدِ المَعَاشِ ، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةٌ مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَوَبَرٍ. أَذَلَّ الْأُمَمِ دَاراً ، وَأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً، لا يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحَ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا، وَلَا إِلَى ظلّ الفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزْهَا ، فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ وَالْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ فِي بِلَاءِ أَزْلٍ، وَأَطْبَاقِ جَهْلٍ، مِنْ بَنَاتٍ مَوْهُودَةٍ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَأَرْحَامِ مَقْطُوعَةٍ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ .الشرح : لقائل أن يقول : ما نعرف أحداً من بني إسحاق وبني إسرائيل احتازتهم الأكاسرة والمقياصرة عن ريف الآفاق إلى البادية ومنابت الشيح، إلا أن يقال : يهود خيبر والنضير وبني قريظة وبني قينقاع، وهؤلاء نفرّ قليل لا يعتد بهم. ويُعلم من فَحْوَى الخطبة أنهم غير مرادين بالكلام؛ ولأنه (علیه السلامقال : تركوهم إخوان دَبَر وَوَبَر ، وهؤلاء لم يكونوا من أهل الوبر والدَّبَر ، بل من أهل المَدَر ؛ لأنهم كانو ذوي حصون وآطام. والحاصل أن الذين احتازتهم الأكاسرة والقياصرة من الريف إلى البادية، وصاروا أهل وَبَر ولد إسماعيل، لا بنو إسحاق وبنو إسرائيل!)والجواب أنه (علیه السلامذكر في هذه الكلمات ،وهي قوله : «فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل المقهورين والقاهرين جميعاً»، أما المقهورون فبنو إسماعيل، وأما القاهرون فبنوا إسحاق وبنو إسرائيل ؛ لأن الأكاسرة من بني إسحاق، ذكر كثير من أهل العلم أنّ فارس من ولد إسحاق والقياصرة من ولد إسحاق أيضاً؛ لأنّ الرّوم بنو العيص بن إسحاق، وعلى هذا يكون الضمير في «أمرهم» ، و«تشتتهم» و«تفرقهم» يرجع إلى بني إسماعيل خاصة. فإن قلت : فبنوا إسرائيل، أي مدخل لهم هاهنا ؟)قلت : لأن بني إسرائيل لما كانوا ملوكاً بالشّام في أيام أجاب الملك وغيره، حاربوا العرب من بني إسماعيل غير مرّة، وطردوهم عن الشام، والجؤوهم على المقام ببادية الحجاز. ويصير تقدير الكلام : فاعتبروا بحال ولد إسماعيل مع بني إسحاق وبني إسرائيل، فجاء بهم في صدر الكلام على العموم، ثم خصّص فقال : الأكاسرة والقياصرة، وهم داخلون في عموم ولد إسحاق، وإنما لم يخصص عموم بني إسرائيل لأن العرب لم تكن تعرف ملوك ولد يعقوب، فيذكر لهم أسماءهم في الخطبة، بخلاف ولد إسحاق فإنهم كانوا يعرفون ملوكهم من بني ساسان ومن بني الأصفر .
قوله(علیه السلام : «فما أشدّ اعتدال الأحوال!»، أي ما أشبه الأشياء بعضها ببعض ! وإن حالكم لشبيهة بحال أولئك فاعتبروا بهم . قوله : «يحتازونهم عن الريف »يبعدونهم عنه، والريف ،الأرض ذات الخضب والزرع، والجمع أرياف، ورافت الماشية أي رعت الريف، وقد أرفنا أي صرنا إلى الريف، وأرافت الأرض أي أخصبت وهي أرض ريفة، بتشديد الياء.)وبحر العراق: دجلة والفرات ،أمّا الأكاسرة فطردُوهم عن بحر العراق، وأما القياصرة فطردُوهم عن ريف الآفاق ،أي عن الشام وما فيه من المرعى والمنتجع. قوله (علیه السلام: «أرباباً لهم»، أي ملوكاً، وكانت العرب تسمي الأكاسرة أرباباً، ولما عظم أمر حذيفة بن بدر عندهم سمّوه ربَّ مَعَدّ. ومنابت الشيح : أرض العرب، والشيحُ : ثبت معروف .)ومها في الريح : المواضع التي تهفو فيها، أي تهبّ وهي الفيافي والصحارى. ونكد المعاش : ضيقه وقلته . وتركوهم عالة، أي فقراء، جمع عائل، والعائل ذو العَيْلة والعَيْلة : الفقر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَهُ فَسَوفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ (1)، قال الشاعر :)تُعَيِّرنا أننا عالةٌ *** صَعاليك نحن وأنتم ملوكنظيره قائد وقادة، وسائس وساسة .وقوله :«إخْوانَ دَبَر ووَبَر»، الدبر مصدر دَبِر البعير، أي عقره القتب. والوبر للبعير بمنزلة الصوف للضأن والشعر للمعز .قوله : أذل الأمم داراً لعدم المعاقل والحصون المنيعة فيها .وأجذبهم قراراً، لعدم الزرع والشجر والنخل بها. والجذب المحل. ولا يأوون : لا يلتجئون ولا ينضمّون. والأزل: الضّيق. وأطباق جهل : جمع طَبَق، أي جهل متراكم بعضُه فوق بعض . وغارات مشنونة : متفرّقة، وهي أصعب الغارات .## أسباب وأد البناتمن بنات موأودة، كان قوم من العرب ييدون البنات، قيل: إنهم بنو تميم خاصة، وإنه استفاض منهم في جيرانهم. وقيل: بل كان ذلك في تميم وقيس وأسد، وهذيل، وبكر بن
1) سورة التوبة، الآية : 28 .
وائل، قالوا : وذلك أن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله عليهم ، فقال : «اللهم اشدد وظاتك على مُضَر، واجعل عليهم سنين كسني يوسف »(1)، فأجدَبُوا سبع سنين حتى أكلوا الوبر بالدم، وكانوا يسمونه العِلْهز ، فوأدوا البنات لإملاقهم وفقرهم، وقد دلّ على ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ ) ،(2)قال : ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ ) .(3))وقال قوم: بل وأدوا البنات أنفةً ،وزعموا أن تميماً منعت النعمان الإتاوة سنة من السنين، فوجه إليه أخاه الريان بن المنذر ، وجُلّ مَنْ معه من بكر بن وائل، فاستاق النَّعَم وسَبَى : الذراري، وفي ذلك يقول بعض بني يَشْكُر :لما رأوا راية النعمان مقبلةً *** قالوا: أَلاَ لَيْتَ أدْنَى دارِنا عَدَنُ !يا ليت أم تميم لم تَكُنْ عَرَفَتْ *** مُرًا، وكانت كمن أودى به الزَّمَنُإنْ تَقْتُلونا فأعيارٌ مخدعة *** أو تُنْعِموا فقديماً منكم المِنَنُمنكم زُهَيْرٌ وعتاب ومحتضن *** وابنا لَقِيط وأودى في الوغى قَطَنُفوفدت بنو تميم إلى النعمان ،واستعطفوه، فرق عليهم، وأعاد عليهم السبي، وقال: كلّ امرأة اختارت أباها ردّت إليه، وإن اختارت صاحبها تركت عليه، فكلهن اخترن آباءهن، إلا ابنة قيس بن عاصم، فإنها اختارت من سباها، وهو عمرو بن المشمرخ اليشكري، فنذر قيس بن عاصم المِنقَرِي التميمي ألا يولد له بنت إلا وأدها ،والوأد أن يخنقها في التراب ويُثقِل وجهها حتى تموت. ثم اقتدى به كثير من بني تميم، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْمَوْهُ دَةُ سُلَتْ (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) (4)، أي على طريق التبكيت والتوبيخ لمن فعل ذلك أو أجازه، كما قال سبحانه:(يَا عِيِسَى اَبنَ مَرْيَمَ وَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأتِيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّو ) (5))ومن جيّد شعر الفرزدق قوله في هجاء جرير:أَلَمْ تَرَ أَنَّا بَنِي دَارِم*** زرارة مِنَّ أبو مَعْبَدومنّا الّذي منع الوائدَاتِ *** وأحيا الوليد فلم يُوادِالسنا بأصحاب يوم النسار *** وأصحاب ألوية المربدالشنَا الذين تميم بهم *** تَسَامَى وتفخر في المشهدا!وناجية الخير والأقْرَعا*** ن وقبر بكاظمة المؤردِإذا ما أتى قبره عائذٌ *** أناخ على الْقَبْرِ بالأسْعَدِ
ایطلب مجد بني دارم عطّية كالجُعَل الأسود!قَرَنْبَى یحکُ قَفَامُقْرِفِ *** لئیمٍ مآثره فُعْدُدِومجد بني دارم فوقه *** مكان السّماكَيْن والفَرْقَدِوفي الحديث : أن صعصعة بن ناجية بن عِقال لمّا وفد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله ، قال : يا رسول اللّه، إني كنتُ أعمل في الجاهليّة عملاً صالحاً ، فهل ينفعني ذلك اليوم؟ قال(علیه السلام) : وما عملت؟ قال : ضَلَلْت ناقتين عُشَرَاوین، فركبت جَمَلاً ومضيت في بُغائهما، فرفع لي بيت خريد، فقصدته، فإذا شيخ جالس بفنائه فسألته عن الناقتين ،فقال : ما نارهما ؟ قلت : ميسم بني دارم، قال: هما عندي ،وقد أحيا اللّه بهما قوماً من أهلك من مُضَر، فجلست معه ليخرجهما إليّ ، فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت فقال لها ما وضعت إن كان سَقْباً شاركنا في أموالنا، وإن كان حائلاً وأَدْناها ، فقالت العجوز: وضعت أنثى ، فقلت له : أتبيعها ؟ قال : وهل : العرب أولادها ! قلت إنّما أشتري حياتها، ولا أشتري رقّها، فيكم؟ قلت : احتكم قال : بالناقتين والجمل، قلت: أذاك لك على أن يبلغني الجمل وإياها! قال : بعتك، فاستنقذتها منه بالجمل والناقتين، وآمنت بك يا رسول اللّه، وقد صارت لي سنّة في العرب أن أشتري كلّ موؤُودَة بناقتين عُشَراوين وجمل فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موؤودة قد أنقذتهنّ ،فقال (علیه السلام): «لا ينفعك ذاك لأنك لم تبتغ به وجه اللّه، وإن تعمل في إسلامك عملاً صالحاً تثب عليه» .)وروى الزبير في «الموفقيات» (1أنّ أبا بكر قال في الجاهليّة لقيس بن عاصم المنقري : ما حملك على أن وأدت؟ قال مخافة أن يخلف عليهن مثلك (2))*الأصل: فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً ، فَعَقَدَ بِمِلتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ الْفَتَهُمْ، كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا ، وَأَسَالَتْ لَهُمْ ، جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا ، وَالْتَفَّتِ المِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا ، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَاكِهِينَ، قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ ، فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ ، وَآوَتْهُم الْحَالُ إِلَى كَنَفِ مِنْ غَالِبٍ، وَتَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكِ ثَابِتٍ، فَهُمْ حُكّامٌ عَلَى العَالَمِينَ، وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ
الْأَرْضِينَ، يَمْلِكُونَ الْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ وَيُمْضُونَ الْأَحْكامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهافِيهِمْ لا تُعْمَرُ لَهُمْ قَناةٌ، وَلا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ .****الشرح: لمّا ذكر ما كانت العرب عليه من الذّل والضَّيْم والجهل، عاد فذكر ما أبدل اللّه حالهم، حين بعث إليهم محمداً(صلی اللّه علیه واله فعقد عليهم طاعتهم كالشيء المنتشر المحلول فعقدها بملة محمد(صلی اللّه علیه واله).)والجداول: الأنهرُ. التفت الملة بهم، أي كانوا متفرّقين فالتفت ملّة محمد بهم، أي جمعتهم، ويقال : التف الحبل بالحطّب، أي جمعه، والتف الحطب بالحبل، أي اجتمع به. و«في» في قوله : «في عوائد بركتها» متعلّقة بمحذوف، وموضع الجار والمجرور نصب على الحال، أي جمعتهم الملة كائنةً في عوائد بركتها، والعوائد : جمع عائدة، وهي المنفعة . تقول : هذا أعْوَدُ عليك، أي أنفع لك . وروي : «والتقت الملة» بالقاف أي اجتمعت بهم، من اللقاء. والرواية الأولى أصح. وأصبحوا في نعمتها غرقين، مبالغة في وصف ما هم فيه من النعمة .وفاكهين: ناعمين. وروي «فكهين» أي أشرين وقد قرىء بهما في قوله تعالى: ﴿وَنَعْمَةِ كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ (1)، وقال الأصمعي: فاكهين: مازحين، والمفاكهة الممازحة، ومن أمثالهم : «لا تفاكة أمة، ولا تبَل عَلَى أكمة»، فأما قوله تعالى : (فَظَلْتُه تَفَكَّهُونَ ) (2)، فقيل : تندمون، وقيل تعجبون . و«عن» في قوله : «وعن خضرة عيشها»، متعلّقة بمحذوف، تقديره: فأصبحوا فاكهين فكاهة
صادرة عن خضرة عيشها، أي خطرة عيش النعمة سبب لصدور الفكاهة والمزاح عنه . وتربعت الأمور بهم، أي أقامت ،من قولك ،رَبِّع بالمكان ،أي أقام به. وأوتهم الحال، بالمدّ أي ضمتهم وأنزلتهم، قال تعالى: وَاوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ (3)، أي ضمّه إليه وأنزله، ويجوز «أوتهم» بغير مدّ. أفعلت في هذا المعنى وفعلت واحد، عن أبي زيد.)والكتّف : الجانب، وتعطّفت الأمور عليهم : كناية عن السيادة والإقبال، يقال: قد تعطّف الدّهر على فلان، أي أقبل حظه وسعادته، بعد أن لم يكن كذلك. وفي ذُرًا مُلْكِ: بضم الذال أي في أعاليه ،جمع ذروة ،ويكنى عن العزيز الذي لا يُضام،
فيقال : لا يغمز له ،قناة، أي هو صلب. والقناة إذا لم تلن في يد الغامز كانت أبعد عن الحطم والكسر. ولا تُقرع لهم صفاة، مثل يضرب لمن لا يطمع في جانبه لعزّته وقوته .الأصل: أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفْضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِضْنَ اللهُ المَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأَلْفَةِ الَّتِي يَتَقَلَّبُونَ فِي ظِلِّهَا ، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِها ، بِنِعْمَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِين لَهَا قِيمَةً ؛ لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ .وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ أَعْرَاباً ، وَبَعْدَ المُوَالاَةِ أَحْزَاباً، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلام إِلا بِاسْمِهِ، وَلاَ تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلا رَسْمَهُ، تَقُولُونَ النَّارَ وَلاَ الْعَارَا كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنَّ تُكْفِتُوا الْإِسْلامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ، وَنَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ الله لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ، وَأَمْنَا بَيْنَ خَلْقِهِ. وَإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ ، ثُمَّ لاَ جَبْرَائِيلَ وَلَا مِيكَائِيلَ، وَلاَمُهَاجِرِينَ وَلا أَنْصَارَ يَنْصُرُونَكُمْ إِلَّا المُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ . وَإِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ الله وَقَوَارِعِهِ، وَأَيَّامِهِ وَوَقَائِعِهِ ، فَلَا تَسْتَبْطِلُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً : بِأَخْذِهِ، وَتَهَاوُنَا بِبَطْشِهِ، وَيَأْساً مِنْ بَأْسِهِ، فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقُرُونَ المَاضِيةَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلا لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ ، فَلَعَنَ الله السُّفَهَاءَ الرُكُوبِ المَعَاصِي ، وَالْحُلَمَاءِ لِتَرْكِ التّناهي.الشرح: نفضتم أيديكم : كلمة تقال في اطراح الشيء وتركه، وهي أبلغ من أن تقول : تركتم حبل الطاعة ؛ لأنّ مَنْ يخلي الشيء من يده ثم ينفض يده منه يكون أشد تخلية له ممن لا ينفضها بل يقتصر على تخليته فقط ؛ لأن نفضها إشعار وإيذان بشدة الأطراح والإعراض. والباء في قوله. «بأحكام الجاهلية» متعلقة ب-«ثلمتُم»، أي ثلمتم حصن الله بأحكام الجاهليةالتي حكمتم بها في ملة الإسلام.والباء في قوله : «بنعمة لا يَعْرِف»، متعلقة ب- «امتن». وفي» من قوله« فيما عقد» متعلّقة بمحذوف، وموضعها نصب على الحال، وهذا إشارة إلى قوله تعالى:(وَلَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ
جميعًا مَّا أَلَفتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ .(1)وقوله : (فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانَا) (2)وروي:«تتقلبون في ظلها».)قوله: «صرتم بعد الهجرة أعراباً»، الأعراب على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله مَنْ آمن به من أهل البادية، ولم يهاجر إليه، وهم ناقصوا المرتبة عن المهاجرين لجفائهم وقسوتهم وتوحشهم، ونشئهم في بُعْدِ من مخالطة العلماء، وسماع كلام الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وفيهم أنزل : (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَافًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ) ،(3)وليست هذه الآية في كلّ الأعراب بل خاصة ببعضهم، وهم الذين كانوا حول المدينة، وهم جهينة، وأسلم، وأشجع، وغِفار، وإليهم أشار سبحانه بقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِن الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونَ ) .(4)وكيف يكون كلُّ الأعراب مذموماً، وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَةٍ عِندَ اللَّهِ ) (5)، وصارت هذه الكلمة جارية مجرى المثل . وأنشد الحجاج على منبر الكوفة :)قَدْ لَنَّهَا اللَّيْلُ بَعْصلبي *** أَرْوَعَ خَراج من الدوي *** مهاجر ليس بأعرابيوقال عثمان لأبي ذرّ : أخشى أن تصير بعد الهجرة أعرابيا . وروي : «ولا يعقلون من الإيمان».وقولهم : «النارَ ولا العار»، منصوبتان بإضمار فعل، أي ادخلوا النار ولا تلتزموا العار، وهي كلمة جارية مجرى المثل أيضاً، يقولها أرباب الحمية والإباء، فإذا قيلت في حق كانت صواباً، وإذا قيلت في باطل كانت خطأ.وأكفات الإناء وكفأته : لغتان أي كبيتُه . قوله: «ثم لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرين»، الرواية المشهورة هكذا بالنصب، وهو جائز على التشبيه بالنكرة، كقولهم : معضلة ولا أبا حسن لها . قال الراجز ، لا هيثم الليلة للمطيّوقد روي بالرفع في الجميع. والمقارعة منصوبة على المصدر. وقال الراوندي: هي استثناء منقطع ،والصواب ما ذكرناه،وقد روي :«إلا المقارعةُ» بالرفع، تقديره : ولا نصير لكم بوجه من الوجوه إلا المقارعة .
والأمثال التي أشار إليها أمير المؤمنين(علیه السلام هي ما تضمنه القرآن من أيام اللّه ونقماته على أعدائه، وقال تعالى: (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ) (1))والتناهي : مصدر تناهى القوم عن كذا، أي نهى بعضهم بعضاً ، يقول : لعن اللّه الماضين من قبلكم ؛ لأنّ سُفَهاءهم ارتكبوا المعصية، وحلماءهم لم ينهوهم عنها، وهذا من قوله تعالى : هو كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (2))الأصل: أَلاَ وَقَدْ تَطَعْتُمْ قَيْدَ الإسلام، وَعَظَلْتُمْ حُدُودَهُ، وَأَمَتُمْ أَحْكامَهُ.أَلاَ وَقَدْ أَمَرَنِي اللهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالتَّكْثِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَأَمَّا النَّاكِتُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ، وَأَمَّا الْمَارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ، وَأَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ، وَرَجَّةُ صَدْرِهِ، وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَلَئِنْ أَذِنَ الله فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ ، لَأدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلا مَا يَتَذَكَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلادِ تَشَدُّراً .الشرح: قد ثبت عن النبي(صلی اللّه علیه واله أنه قال له(صلی اللّه علیه واله) : استقاتل بعدِي النَّاكثين والقاسطين والمارقين، (3)، فكان الناكثون أصحاب الجمل ؛ لأنهم نكثوا بيعته(علیه السلام) ، وكان القاسطون أهل الشام بصفّين، وكان المارقون الخوارج في النهروان، وفي الفرق الثلاث قال اللّه تعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ ) (4)، وقال : (وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ خَطَبًا) (5)، وقال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«يخرج من ضغضى هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، ينظر أحدكم في النصل فلا يجد شيئاً ، فينظر في الفوق، فلا يجد شيئاً ، سبق الفرث والدّم» (6)وهذا الخبر من أعلام نبوته(صلی اللّه علیه واله) و من أخباره المفصلة بالغيوب.)وأما شيطانُ الرَّدْمة، فقد قال قوم: إنّه ذُو التَّدَيَّة صاحب النَّهروان، وروَوْا في ذلك خبراً عن النبي(صلی اللّه علیه واله ، وممن ذكر ذلك واختاره الجوهري صاحب «الصحاح» وهؤلاء يقولون : إن ذا)
1) سورة إبراهيم، الآية : 45 .
2) سورة المائدة، الآية : 79
3) أخرجه الحاكم في (المستدرك ) (4674) ، والطبراني في الكبيره (4049) ، و الأوسط) (9434)، وأبو يعلى في مسنده) (519).
4) سورة الفتح، الآية: 10 .
5) سورة الجن الآية : 15
6) أخرج بنحوه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله بك : ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بريج)مرمر (3344)
الثَّدَيَّة لم يقتل بسيف، ولكن اللّه رماه يوم النّهروان بصاعقة، وإليها أشار(علیه السلام بقوله : «فقد كُفيته بصَعْقة سمعت لها وَجْبَة قلبه» ، وقال قوم: شيطان الردهة أحد الأبالسة المردة من أعوان عدوّ اللّه إبليس، وروَوْا في ذلك خبراً عن النبي(صلی اللّه علیه واله) ، وأنه كان يتعوّذ منه . والرَّدُهة : شبه نُقْرة في الجَبَل يجتمع فيها الماء، وهذا مثل قوله (صلی اللّه علیه واله) : (هذا أزب العقبة)، أي شيطانُها، ولعلّ أزبّ العَقبة هو شيطان الردهة بعينه، فتارة يرد بهذا اللفظ ، وتارة يرد بذلك اللفظ. وقال قوم: شيطان الرَّدْهة مارد يتصوّر في صورة حيّة، ويكون عَلَى الرَّدهة. وإنما أخذوا هذا من لفظة «الشيطان» لأن الشيطان الحيّة، ومنه قولهم : شيطان الحماطة، والحماطة شجرة مخصوصة، ويقال : إنها كثيرة الحيات .)قوله :«ويتشدّر في أطراف الأرض»، يتمزّق ويتبدّد، ومنه قولهم : ذهبوا شَذَرَ مَذَر. والبقيّة التي بقيَتْ من أهل البغي: مُعاوية وأصحابه؛ لأنه(علیه السلام لم يكن أتى عليهم بأجمعهم، وإنما وقفت الحرب بينه وبينهم بمكيدة التحكيم. قوله(علیه السلام) :«ولئن أذن اللّه في الكَرَّة عليهم»، أي إن مُدّ لي في العمر لأديلن منهم، أي لتكونّن الدَّولة لي عليهم، أدلت من فلان أي غلبته وقهرته، وصرت ذَا دولة عليه.)## القول في إمامة أبي بكر والرد عليهواعلم أن أصحابنا قد استدلّوا على صحة إمامة أبي بكر بقوله تعالى: ﴿يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لابر (1)، ثم قال قاضي القضاة في المعنى : وهذا خبر من الله تعالى، ولا بدّ لايم أن يكون كائناً على ما أخبر به ،والذين قاتلوا المرتدين هم أبو بكر وأصحابه، فوجب أن يكونوا همُ الَّذِين عَناهم الله سبحانه بقوله :(یُحِبُهُم وَيُحِبُّونَهُ) ، وذلك يوجب أن يكونوا على صواب. واعترض المرتضى رحمه الله على هذا الاحتجاج في «الشافي» فقال : من أين قلت : إن الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه؟ فإن قال : لأنّهم الذين قاتلوا المرتدّين بعد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ولا أحد قاتلهم سواهم قيل له : ومَن الذي سلّم لك ذلك؟ أو ليس أمير المؤمنين(علیه السلام) قد قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بعد الرسول وهؤلاء عندنا مرتدون عن الدين؟ ويشهد بصحة التأويل زائداً على احتمال القول له ،ما رُوي عن أمير المؤمنين(علیه السلام) من قوله يوم البصرة : واللّه ما قوتل أهل الآية حتى اليوم، وتلاها ، وقد رُوي عن عَمَّار وحذيفة وغيرهما مثل ذلك. (2)
فإن قال : دليلي على أنّها في أبي بكر وأصحابه قول أهل التفسير، قيل له : أو كل أهل التفسير قال ذلك؟ فإن قال: نعم، كابر لأنه قد رُوي عن جماعة التأويل الذي ذكرناه، ولو لم يكن إلا ما رُوي عن أمير المؤمنين(علیه السلام) ووجوه أصحابه الذين ذكرناهم لكفى، وإن قال: حجتي قولُ بعض المفسرين، قلنا : وأي حجّة في قول البعض ولم صار البعض الذي قال ما ذكرت أولى بالحق من البعض الذي قال ما ذكرنا !
ثم يقال له : قد وجدنا اللّه تعالى قد نعت المذكورين في الآية بنعوت يجب أن نراعيها ، لتعلم أفي صاحبنا هي أم في صاحبك !وقد جعله الرَّسُولُ اللّه(صلی اللّه علیه واله) في خَيْبر حينَ فرّ مَنْ من القوم عن العدوّ صاحب هذه الأوصاف، فقال لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ اللّه ورسوله، ويحبّه اللّه ورسوله كرّاراً غير فرّاراً ، فدفعها إلى أمير المؤمنين(علیه السلام).(1)
ثم قوله تعالى: اَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَفِرِينَ (2)، يقتضي ما ذكرنا، لأنه من المعلوم بلا خلاف حال أمير المؤمنين(علیه السلام) في التخاشع والتواضع، وذمّ نفسه، وقمع غضبه، وأنه ما رنى قطّ طائشاً ولا متطيّراً في حال من الأحوال، ومعلوم حال صاحبيكم في هذا الباب، وأما العزّة على الكافرين، فإنّما تكون بقتالهم وجهادهم والانتقام منهم، وهذه حال لم يسبق أمير المؤمنين(علیه السلام) إليها ،سابق ولا لحقه فيها لاحق.)ثم قال تعالى: ﴿ يُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لابه (3)، وهذا وصف أمير المؤمنين المستحق له بالإجماع، وهو فيه نظر؛ لأنّه لا قتيل لهما في الإسلام، ولا جهاد بين يدي الرسول(صلی اللّه علیه واله) ، وإذا كانت الأوصاف المراعاة في الآية حاصلة لأمير المؤمنين (علیه السلام)، وغير حاصلة لمن ادعيتم ؛ لأنّها فيهم على ضربين : ضرب معلوم انتفاؤه كالجهاد، وضَرْب مختلف فيه كالأوصاف التي هي غير الجهاد وعلى مَنْ أثبتها لهم الدلالة على حصولها، ولا بد أن يرجع في ذلك إلى غير ظاهر الآية، لم يبق في يده من الآية دليل .)هذه جُملة ما ذكره المرتضى رحمه اللّه ، ولقد كان يمكنه التخلّص من الاحتجاج بالآية على وجه ألطف وأحسن وأصح ممّا ذكره فيقول : المراد بها من ارتد على عهد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله في واقعة الأسود العنسي باليمن، فإن كثيراً من المسلمين ضلوا به وارتدوا عن الإسلام، وادعوا له النبوة، واعتقدوا صدقه، والقوم الذين يحبّهم الله ويحبونه القوم الذين كاتبهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وأغراهم بقتله، والفتك به، وهم فيروز الديلمي وأصحابه ،والقصة مشهورة. وقد كان له أيضاً أن يقول : لم :قلت: إن الذين قاتلهم أبو بكر وأصحابه كانوا مرتدين! فإنّ)
المرتدّ من ينكر دين الإسلام بعد أن كان قد تديّن به والذين منعوا الزكاة لم ينكروا أصل دين الإسلام، وإنَّما تأوّلوا فأخطأوا ؛ لأنهم تأوّلوا قول الله تعالى:(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهَرُهُمْ وتزكيهم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْنَكَ سَكَنُ أَمَّم (1)، فقالوا : إنّما ندفع زكاة أموالنا إلى مَنْ صلاته سَكَن لنا، ولم يبق بعد وفاة النبي(صلی اللّه علیه واله) مَنْ هُوَ بهذه الصفة، فسقط عنا هو بهذه الصفة فسقط عنا وجوب الزكاة ،ليس هذا من الردّة في شيء، وإنما سماهم الصحابة أهل الردّة على سبيل المجاز، إعظاماً لما قالوه وتأولوه .)فإن قيل : إنما الاعتماد على قتال أبي بكر وأصحابه لمسيلمة وطليحة اللذين ادعيا النبوة، وارتدّ بطريقهما كثير من العرب، لا على قتال ما نعي الزكاة!قيل : إنّ مُسَيْلِمَة وطليحة جَاهَدهما رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله قبل موته بالكُتُب والرسل، وأنفذ لقتلهما جماعة من المسلمين، وأمرهم أن يفتكوا بهما غيلة إن أمكنهم ذلك، واستنفر عليهما قبائل من العرب، وكلُّ ذلك مفصل مذكور في كتب السيرة والتواريخ، فلم لا يجوز أن يكون أولئك النفر الذين بعثهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) للفتك بهما ، هم المعنيون بقوله : ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (2)إلى آخر الآية ولم يقل في الآية: «يجاهدون فيقتلون»، وإنّما ذكر الجهاد فقط، وقد كان الجهاد من أولئك النفر حاصلاً وإن لم يبلغوا الغرض، كما كان الجهاد حاصلاً عند حصار الطائف وإن لم يبلغ فيه الغرض. وقد كان له أيضاً أن يقول : سياق الآية لا يدلّ على ما ظنّه المستدلُّ بها، من أنّه مَنْ يرتدد عن الدين ،فإن اللّه يأتي بقوم يحبّهم ويحبونه يحاربونه لأجل ردّته، وإنما الذي يدلّ عليه سياق الآية أنّه مَنْ يرتدّ منكم عن دينه بترك الجهاد مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) - وسمّاه ارتداداً على سبيل المجاز - فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبونه، يجاهدون في سبيل اللّه معه عوضاً عنكم، وكذلك كان كلّ مَنْ خَذَل النبي(صلی اللّه علیه واله) الهلال وقعد عن النهوض معه في حروبه، أغناه اللّه تعالى عنه بطائفة أخرى من المسلمين جاهدوا بين يديه!
وأما قول المرتضى رحمه اللّه : إنّها أنزلت في الناكثين والقاسطين والمارقين الذين حاربهم أمير المؤمنين (علیه السلام)فبعيد ؛ لأنهم لا يطلق عليهم لفظ« الردّة» عندنا ولا عند المرتضى وأصحابه، أما اللفظ فبالاتفاق، وإن سمّوهم كفاراً وأمّا المعنى فلان في مذهبهم أنّ من ارتد - وكان قد ولد على فطرة الإسلام - بانت امرأته منه وقسم ماله بين ورثته، وكان على زوجته عدة المتوفى عنها زوجها، ومعلوم أن أكثر محاربي أمير المؤمنين (علیه السلام) كانوا قد ولدوا في الإسلام، ولم يحكم فيهم بهذه الأحكام.
وقوله :«إنّ الصفات غير متحققة في صاحبكم»، فلعمري إن حظ أمير المؤمنين(علیه السلام) منها هو الحظ الأوفى، ولكن الآية ما خصت الرئيس بالصفات المذكورة، وإنما أطلقها على المجاهدين، وهم الذين يباشرون الحرب، فهب أن أبا بكر وعمر ما كانا بهذه الصفات، لم لا يجوز أن يكون مدحاً لمن جاهد بين أيديهما من المسلمين وباشر الحرب، وهم شجعان المهاجرين والأنصار الذين فتحوا الفتوح، ونشروا الدّعوة، وملكوا الأقاليم! وقد استدل قاضي القضاة أيضاً عن صحة إمامة أبي بكر - وأسند هذا الاستدلال إلى شيخنا أبي علي - بقوله تعالى :(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (1). وقال تعالى: فإن رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَعْذَنُوكَ للخروج فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَتِلُوا مَعِيَ عَدُوا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا الخَلفِينَ ،(2)وقال تعالى: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَضَائِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْ ٹریدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَمَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلُ ) (3)، يعني قوله تعالى : لَن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ) (4). ثم قال سبحانه: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ نُقَتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِ تِكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (5)، فبَيَّن أنّ الذي يدعو هؤلاء المخلفين من الأعراب إلى قتال قوم أولي بأس شديد غير النبي(صلی اللّه علیه واله) ؛ لأنه تعالى قد بيّن أنهم لا يخرجون معه، ولا يقاتلون معه عدوا ،بآية متقدمة، ولم يدعُهم بعد النبي(صلی اللّه علیه واله) و إلى قتال الكفار إلا أبو بكر وعمر وعثمان؛ لأنّ أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل، فقال بعضهم :(عَنى بقوله : سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ بني حنيفة، وقال بعضهم : عَنّى فارس والرّوم، وأبو بكر هو الذي دعا إلى قتال بني حنيفة وقتال آل فارس والروم، ودعاهم بعده إلى قتال فارس والروم عُمر ، فإذا كان اللّه تعالى قد بيّن أنهم بطاعتهم لهما يؤتهم أجراً حسناً، وإن تولوا عن طاعتهما يعذبهم عذاباً أليماً، صح أنهما على حقٍّ، وأن طاعتهما طاعة الله تعالى – وهذا يوجب صحة إمامتهما.)فإن قيل : إنما أراد اللّه بذلك أهل الجمل وصفين !قيل : هذا فاسد من وجهين: أحدهما قوله تعالى : (تُقَتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ، والذين حاربوا أمير المؤمنين كانوا على الإسلام، ولم يقاتلوا على الكفر. والوجه الثاني أنا لا نعرف من الذين عناهم اللّه تعالى بهذا مَنْ بقي إلى أيام أمير المؤمنين(علیه السلام) ، كما علمنا أنهم كانوا باقين في أيام أبي بكر .)
اعترض المرتضى رحمه الله على هذا الكلام من وجهين: أحدهما أنه نازع في اقتضاء الآية داعياً يدعو هؤلاء المخلفين غير النبي (صلی اللّه علیه واله، وذلك لأن قوله تعالى : (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَيْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّن اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُم نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبُ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيْنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُورًا ) (1)إنما أراد به سبحانه الذين تخلّفوا عن الحديبية بشهادة جميع أهل النقل وإطباق المفسرين .)ثم قال تعالى : (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَائِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعَكُمْ يُرِيدُونَ أَن يبدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قليلا (2)، وإنما التمس هؤلاء المخلّفون أن يخرجُوا إلى غنيمة خيبر، فمنعهم اللّه تعالى من ذلك، وأمر نبيه أن يقول لهم : لن تتبعونا إلى هذه الغزاة، لأنّ الله تعالى كان حكم من قبل بأنّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، وأنه لاحظ لمن لم يشهدها، وهذا هو معنى قوله تعالى :(يريدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَمَ اللَّهِ) ، وقوله :(كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبل)، ثم قال تعالى: ﴿تل لِلْمُخَفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتَدْعَونَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ نُقَتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) ، وإنما أراد أن الرسول سيدعوكم فيما بعد إلى قتال قوم أولي بأس شديد، وقد دعاهم النبي(صلی اللّه علیه واله) بعد ذلك إلى غزوات كثيرة، إلى قوم أولي بأس شديد، كمؤتة وحُنَين وتبوك وغيرهما، فمن أين يجب أن يكونَ الداعي لهؤلاء غير النبي(صلی اللّه علیه واله) ، مع ما ذكرناه من الحروب التي كانت بعد خيبر !)وقوله : إن معنى قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلُ ، إنما أراد به ما بينه في قوله :(فإن رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَتَذَنُوكَ لِلْخَرُوج فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَتِلُوا مَعِى عَدُوّاً) .(3))بتبوك سنة تسع ،وآية الفتح نزلت في سنة ست، فكيف يكون قبلها ! وليس يجب أن يقال في القرآن بالإرادة، وبما يحتمل من الوجوه في كل موضع دون الرجوع إلى تاريخ نزول الآي، والأسباب التي وردت عليها، وتعلقت بها .وممّا يبيّن لك أن هؤلاء المخلّفين غيرُ أولئك لو لم نرجع في ذلك إلى نقل وتاريخ ، قوله تعالى في هؤلاء فإن (تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن نَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِ بْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (4)، فلم يقطع منهم على طاعة ولا معصية، بل ذكر الوعد والوعيد على ما يفعلونه من طاعة أو معصية، وحكم المذكورين في آية سورة التوبة بخلاف هذه لأنه تعالى بعد قوله :(إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَقْعُدُوا مَعَ الخَلفِينَ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ))
إنهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُوا وَهُمْ فَسِقُونَ وَلَا تُفْجِكَ أَمْوَاهُمْ وَأَوَلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا عَفِرُونَ في الدُّنْيَا وَنَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ ، (1)واختلاف أحكامهم وصفاتهم يدلّ على اختلافهم، وأن المذكورين في آية سورة الفتح غير المذكورين في آية سورة التوبة . وأما قوله : لأنّ أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل فذكرهما باطل؛ لأنّ أهل التأويل قد ذكروا شيئاً آخر لم يذكره ؛ لأنّ المسيّب روى عن أبي رؤق عن الضحّاك في قوله تعالى : (سَتَدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍاً ...) (2)الآية، قال: هم ثقيف . وروى هشيم عن أبي يَسَر، سعيد بن جُبَير ، قال : هم هَوَازن يوم حنين .)وروى الواقدي، عن معمر،عن قتادة قال هم هوازن وثقيف، فكيف ذكر من أقوال المفسرين ما يوافقه مع اختلاف الرواية عنهم! على أنا لا نرجع في كلّ ما يحتمله تأويل القرآن إلى أقوال المفسرين، فإنهم ربما تركوا مما يحتمله القول وجهاً صحيحاً، وكما استخرج جماعةً من أهل العدل في متشابه القرآن من الوجوه الصحيحة التي ظاهر التنزيل بها أشبه، ولها أشدّ احتمالاً ، ممّا لم يسبق إليه المفسرون ولا دخل في جملة تفسيرهم وتأويلهم. والوجه الثاني سلّم فيه أن الداعي هؤلاء المخلفين غير النبي(صلی اللّه علیه واله ، وقال : لا يمتنع أن يعني بهذا الدّاعي أمير المؤمنين(علیه السلام) ؛ لأنه قاتل بعده الناكثين والقاسطين والمارقين. وبشره النبي(صلی اللّه علیه واله) بأنّه يقاتلهم، وقد كانوا أولى بأس شديد بلا شبهة.)قال: فأما تعلق صاحب الكتاب بقوله :(أَو يُسْلِمُونَ ، وأن الذين حاربهم أمير المؤمنين(علیه السلام)كانوا مسلمين فأوّل ما فيه أنهم غير مسلمين عنده وعند أصحابه؛ لأن الكبائر تُخرج من الإسلام عندهم كما تخرج عن الإيمان إذ كان الإيمان هو الإسلام على مذهبهم. ثم إنّ مذهبنا في محاربي أمير المؤمنين(علیه السلام) معروف؛ لأنهم عندنا كانوا كفاراً بمحاربته لوجوه : الأول منها : أن مَنْ حاربه كان مستحلاً لقتاله، مظهراً أنّه في ارتكابه على حق، ونحن نعلم أن مَنْ أظهر استحلال شرب جُرعة خمر هو كافر بالإجماع، واستحلال دماء المؤمنين فضلاً عن أفاضلهم وأكابرهم أعظم من شرب الخمر واستحلاله، فيجب أن يكونوا من هذا الوجه كفَّاراً . الثاني : أنه(علیه السلام) قال له بلا خلاف بين أهل النقل :«حَرْبك يا علي حَرْبي، وسلمك سلمي»،(3)ونحن نعلم أنه لم يرد إلا التشبيه بينهما في الأحكام، ومن أحكام محاربي النبي(صلی اللّه علیه واله) الكفر بلا خلاف . الثالث: أن النبي(صلی اللّه علیه واله) قال له بلا خلاف أيضاً :(اللهم والِ مَنْ وَالاه، وعادٍ مَنْ عاداه)
وانصر من نصره واخذل من خذله (1، وقد ثبت عندنا أنّ العداوة من اللّه لا تكون إلا للكفّار الذين يعادونه دون فُسَاق أهل الملة . الرابع : قوله : إنا لا نعلم ببقاء هؤلاء المخلّفين إلى أيام أمير المؤمنين(علیه السلام) فليس بشيء؛ لأنه إذا لم يكن ذلك معلوماً ومقطوعاً عليه، فهو مجوّز وغير معلوم خلافه، والجواز كافٍ لنا في هذا الموضع .)ولو قيل له: من أين علمت بقاء المخلّفين المذكورين في الآية على سبيل القطع إلى أيام : أبي بكر ؟ لكان يفزع إلى أن يقول : حكم الآية يقتضي بقاءهم حتى يتم كونهم مدعوّين إلى قتال أولي البأس الشديد على وجه يلزمهم فيه الطاعة ،وهذا بعينه يمكن أن يقال له، ويعتمد في بقائهم إلى أيام أمير المؤمنين على ما يوجبه حكم الآية.فإن قيل : كيف يكون أهل الجمل وصفين كفّاراً ولم يسر أمير المؤمنين(علیه السلام فيهم بسيرة الكفّار؛ لأنه ما سباهم، ولا غيم أموالهم، ولا تبع موليهم !)قلنا : أحكام الكفر تختلف، وإن شمِلهم اسم «الكفر» ؛ لأن في الكفار مَنْ يُقْتَل ولا يستبقَى، وفيهم مَنْ يُؤخذ منه الجزية ولا يحلّ قتله إلا بسبب طارىء غير الكفر، ومنهم من لا يجوز نكاحه على مذهب أكثر المسلمين، فعلى هذا يجوز أن يكون أكثر هؤلاء القوم كُفّاراً ، وإن لم يسر فيهم بجميع سيرة أهل الكفر؛ لأنا قد بينا اختلاف أحكام الكفّار، ويرجع في أن حكمهم مخالف لأحكام الكفار إلى فعله(علیه السلام وسيرته فيهم على أنا لا نجد في الفُسّاق مَنْ حكمه أن يقتل مقبلاً، ولا يقتل مولياً، ولا يجهز على جريحه، إلى غير ذلك من الأحكام التي سيرها في أهل البضرة وصفّين. فإذا قيل في جواب ذلك : أحكام الفسق مختلفة، وفعل أمير المؤمنين هو الحجة في أن حكم أهل البصرة وصفّين ما فعله .)قلنا مثل ذلك حرفاً بحرف، ويمكن مع تسليم أنّ الداعي لهؤلاء المخلفين أبو بكر، أن يقال : ليس في الآية دلالة على مدح الداعي ولا على إمامته ؛ لأنه قد يجوز أن يدعو إلى الحق والصواب مَنْ ليس عليهما ، فيلزم ذلك الفعل من حيث كان واجباً في نفسه، لا لدعاء الدّاعي إليه، وأبو بكر إنما دعا إلى دفع أهل الرّدّة عن الإسلام، وهذا يجب على المسلمين بلا دعاء داع والطاعة فيه طاعة الله تعالى، فمن أين له أن الداعي كان على حق وصواب !وليس في كون ما دعا إليه طاعةً ما يدلُّ على ذلك .
1) أخرج الشطر الأول ابن ماجه كتاب المقدمة، باب فضل علي بن أبي طالب (116)، وأحمد في مسنده» (953).
ويمكن أيضاً أن يكون قوله تعالى : (سَتَدْعَوْنَ ، إنما أراد به دعاء الله تعالى لهم بإيجاب القتال عليهم ؛ لأنه إذا دلّهم على وجوب قتال المرتدّين، ورفعهم عن بيضة الإسلام، فقد دعاهم إلى القتال، ووجبت عليهم الطاعة، ووجب لهم الثواب إن أطاعوا، وهذا أيضاً تحتمله الآية. فهذه جملة ما ذكره المرتضى رحمه اللّه في هذا الموضع وأكثره جيّد لا اعتراض عليه، وقد كان يمكنه أن يقول : لو سلّمنا بكلّ هذا لكان ليس في قوله : (لَن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا) الآية ما يدل على أن النبي(صلی اللّه علیه واله) لا يكون هو الداعي لهم إلى القوم أولي البأس الشديد؛ لأنه ليس فيها إلا محض الأخبار عنهم بأنهم لا يخرجون معه، ولا يقاتلون العدوّ معه، وليس في هذا ما ينفي كونه داعياً لهم، كما أنه(علیه السلام) قال : «أبو لهب لا يؤمن بي»، لم يكن هذا القول نافياً لكونه يدعوه إلى الإسلام.)وقوله : (فَاقْعُدُوا مَعَ الخَلِفِينَ ليس بأمر على الحقيقة، وإنما هو تهديد كقوله :(أَعْمَلُوا مَا شنتُم) (1)ولا بد للمرتضى ولقاضي القضاة جميعاً من أن يحملا صيغة «افعل» على هذا المحمل ؛ لأنه ليس لأحدهما بمسوغ أن يحمل الأمر على حقيقته ؛ لأن الشارع لا يأمر بالقعود وترك الجهاد مع القدرة عليه، وكونه قد تعين وجوبه .)فإن قلت : لو قدرنا أن هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتَدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ (2)، أنزلت بعد غزوة تبوك، وبعد نزول سورة «براءة»، التي تتضمن قوله تعالى :(ولَن تَخْرُجُوا مَعِيَ أبدا) ، وقدرنا أنّ قوله تعالى:(لَن تَفْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا) ليس إخباراً محضاً كما تأوّلته أنت وحملت الآية عليه، بل معناه لا أخرجكم معي ولا أشهدكم حرب العدوّ ، هل كان يتم الاستدلال؟)قلت : لا ؛ لأنّ للإمامية أن تقول : يجوز أن يكون الداعي إلى حرب القوم أولي البأس الشديد مع تسليم هذه المقدمات كلها هو رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ؛ لأنه دعاهم إلى حرب الروم في سَرِيّة أسامة بن زيد في صفر من سنة إحدى عشرة، لمّا سيّره إلى البلقاء، وقال له : سر إلى الروم مقتل أبيك فأوطئهم الخيول وحشد معه أكثر المسلمين فهذا الجيش قد دعي فيه المخلّفون من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد في غزاة تبوك إلى قوم أولى بأس شديد، ولم يخرجوا مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولا حاربوا معه عدّوا .)فإن قلت : إذا خرجوا مع أسامة ، فكأنما خرجوا مع رسول اللّه، وإذا حاربوا مع العدوّ، فكأنما حاربوا مع رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله، وقدكان سبق أنهم لا يخرجون مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولا يحاربون معه عَدُوًّا .)
قلت : وإذا خرجوا مع خالد بن الوليد وغيره في أيام أبي بكر، ومع أبي عبيدة وسعد في أيام ،عمر، فكأنما خرجوا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله، وحاربوا العدو معه أيضاً . فإن اعتذرت بأنه وإن شابه الخروج معه والحرب معه إلا أنه على الحقيقة ليس معه، وإنما هو مع امرىء من قبل خلفائه .)قيل لك : وكذلك خروجهم مع أسامة ومحاربة العدوّ معه، وإِن شَابَهُ الخروج مع النبي(صلی اللّه علیه واله ومحاربة العدو معه، إلا أنه على الحقيقة ليس معه، وإنما هو مع بعض أمرائه . ويمكن أن يعترض الاستدلال بالآية، فيقال : لا يجوز حملها على بني حنيفة؛ لأنهم كانوا مسلمين، وإنما منعوا الزكاة مع قولهم :«لا إله إلا اللّه» محمد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ومنع الزكاة لا يخرج به الإنسان عن الإسلام عند المرجئة، والإمامية مرجئة، ولا يجوز حملها علي فارس والرّوم؛ لأنه تعالى أخبر أنه لا واسطة بين قتالهم وإسلامهم، كما تقول : إما كذا وإما كذا، فيقضي ذلك نفي الواسطة وقتال فارس والروم بينه وبين إسلامهم واسطة، وهو دفع الجزية، وإنما تنتفي هذه الواسطة في قتال العرب؛ لأنّ مشركي العرب لا تؤخذ منهم الجزية، فالآية إذن دالة على أنّ المخلّفين سيُدْعَوْن إلى قوم أولي بأس شديد الحكم فيهم، إما قتالهم وإما إسلامهم، وهؤلاء هم مشركو العرب، ولم يحارب مشركي العرب إلا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فالدّاعي لهم إذا هو رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)، وبطل الاستدلال بالآية.)****الأصل: أَنَا وَضَعْتُ بِكَلاكِلِ الْعَرَبِ، وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَمُضَر. وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الخصيصة، وَضَعَني فِي حَجْرِهِ، وَأَنَا وَلِيدٌ يَضُمُنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْتُفُني فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّني جَسَدَهُ، وَيُيمني عَرْفَهُ ، وَكَانَ يَمْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذَّبَةٌ فِي قَوْلٍ، وَلَا خَطْلَةٌ فِي فِعْل. وَلَقَدْ فَرَنَ الله بهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَظِيماً أَعْظَمَ مَلَكِ مِنْ مَلائِكَتِه ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ ، و أَخْلَاقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ. وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتَّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاقِهِ عَلَماً ، وَيَأْمُرُنِي بالاِقْتِدَاءِ بِهِ ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلا يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعُ بَيْتُ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَام غَيْرَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِتُهُمَا ، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرّسَالَةِ، وَاَشُمَّ رِيحَ النُّبُوَّةِ . وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقُلْتُ : يَا
رَسُولَ الله مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ : هَذَا الشَّيْطَانُ، قَدْ أَبِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ ، وَتَرَى مَا أَرَى إِلا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُيْرٍ .****الشرح: الباء في قوله :«بكلاكل العرب» زائدة والكلاكل : الصُّدُور، الواحد کَلكُل، والمعنى أنّي أذللتهم وصرعتهم إلى الأرض. ونواجم قرون ربيعة ومضر : مَنْ نجم منهم وظهر، وعلا قدره، وطار صيته .فإن قلت أمّا قهره لِمُضر فمعلوم، فما حال ربيعة، ولم نعرف أنه قتل منهم أحداً؟ قلت : بلى قد قتل بيده وبجيشه كثيراً من رؤسائهم في صفّين والجمل، فقد تقدم ذكر أسمائهم من قبل، وهذه الخطبة بها بعد انقضاء أمر النهروان .والعَرْف بالفتح: الرّبح الطيّبة، ومضَغ الشيء يمضغه بفتح الضاد . والخظّلة في الفعل: الخطأ فيه، وإيقاعه على غير وجهه. وجراء: اسم جبل بمكّة معروف. والرّنّة : الصوت.## صلة علي برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله في صغره)والقرابة القريبة بينه وبين رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله دون غيره من الأعمام، كونه ربّاه في حِجْره، ثم حامى عنه ونصره عند إظهار الدّعوة دون غيره ،من بني هاشم، ثمّ ما كان بينهما من المُصاهرة التي أفضت إلى النّسل الأظهر دون غيره من الأصهار. ونحن نذكر ما ذكره أرباب السير من معاني هذا الفصل.)روى الطبري في تاريخه، قال: حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق قال : حدثني عبد اللّه بن نجيح ، عن مجاهد، قال كان من نعمة اللّه عزّ وجلّ عَلَى علي بن أبي طالب(علیه السلام ، وما صنع اللّه له، وأراد به من الخير ، أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) للعبّاس - وكان من أيسر بني هاشم :يا عبّاس، إنّ أخاك أبا طالب كثيرُ العيال، وقد ترى ما أصاب النّاسَ من هذه الأزمة، فانطلق بنا ، فلتخفّف عِياله، آخذُ من عياله من بيته واحداً، وتأخذ واحداً، فنكفيهما عنه . العبّاس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له : إنا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما : إن تركتما لي عَقِيلاً فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً رضي الله عنه، فضمه إليه، فلم يزل)
علي بن أبي طالب(علیه السلام مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حتى بعثه اللّه نبيا ، فاتبعه علي(علیه السلام)، فأقر به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه .(1))قال الطبري : وحدّثنا ابن حميد قال : حدّثنا سلمة، قال : حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله إذا حضرت الصَّلاة، خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) مستخفياً من عمه أبي طالب، ومن جميع عمه أبي طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصّلوات فيها، فإذا أمسيا ،رجعا فمكثا كذلك ما شاء اللّه أن يمكثا .)ثم إن أبا طالب عثر عليهما وهما يصلّيان، فقال الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله : يابن أخي، ما هذا الذي أراك تدين به؟ قال : يا عمّ هذا دين اللّه ملائكته و دین رسله ودين أبينا إبراهيم - أو كما قال - بعثني الله به رسولاً إلى العباد، وأنت يا عمّ أحقّ من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق مَنْ أجابني إليه وأعانني عليه - أو كما قال - فقال أبو طالب يابن أخي، إنّي لا أستطيع أن أفارقَ ديني ودين آبائي، وما كانوا عليه، ولكن واللّه لا يخلص إليك شيء تكرهه ما بقيتُ .)قال الطبري : وقد روى هؤلاء المذكورون أن أبا طالب قال لعلي(علیه السلام : يا بني، ما هذا)الذي أنت عليه ؟ فقال : يا أبت إنّي آمنتُ باللّه وبرسوله، وصدّقته بما جاء به، وصلّيت اللّه معه، قال : فزعموا أنه قال له : أما إنّه لا يدعو إلا إلى خير، فالزمه .وروى الطبري في تاريخه أيضاً، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين الترمذيّ، قال: حدّثنا عید اللّه بن موسى ،قال: أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمرو ،عن عبد اللّه بن عبد اللّه، قال : سمعت عليا(علیه السلام، يقول : أنا عبد اللّه، وأخورسوله، وأنا الصّديق الأكبر، لا يقولُها بعدي إلا)كاذب مُفْتَرِ، صَلَّيْتُ قَبْلَ الناس بِسبع سنين (2)وفي غير رواية الطبري : أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأوّل، أسلمت قبل إسلام أبي بكر، وصليت قبل صلاته بسبع سنين (3كانه(علیه السلام) لم يرتَضِ أنْ يذكر عمر ولا رأه أهلاً)لمقايسة بينه وبينه، وذلك لأن إسلام عمر كان متأخراً .وروى الفضل بن عباس رحمه اللّه ، قال : سألت أبي عن ولد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)الذُّكور، أيهم كان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله له أشدَّ حبا ؟ فقال : علي بن أبي طالب(علیه السلام)، فقلت له : سألتك عن بنيه ،)
فقال : كان أحب إليه من بنيه جميعاً وأرأف ،ما رأيناه زايله يوماً من الدهر منذ كان طفلاً ، إلا أن يكون في سفر لخديجة، وما رأينا أباً أبر بابن منه لعلي ولا ابناً أطوع لأب من علي له (1. وروى الحسين بن زيد بن علي بن الحسين(علیه السلام) ، قال : سمعتُ زيداً أبي(علیه السلام) يقول : كان رسول اللّه يمضغ والتّمره حتى تلين، ويجعلهما في فم علي(علیه السلام) وهو صغير في حجره، وكذلك كان أبي علي بن الحسين(علیه السلام) لم يفعل بي، ولقد كان يأخذ الشيء من الورك وهو شديد الحرارة، فيبرده في الهواء، أو ينفخ عليه حتى يبرد، ثم يُلْقِمُنِيه، أفيشفق علي من حرارة لقمة ولا يشفق عليّ من النارا لو كان أخي إماماً بالوصيّة كما يزعم هؤلاء، لكان أبي أفضَى بذلك إليَّ وَوَقاني من حر جهنم .)وروى جبير بن مطعم ، قال : قال أبي مطعم بن عدّي لنا ونحن صبيان بمكة : ألا ترون حبّ هذا الغلام - يعني عليا - لمحمد واتباعه له دون أبيه واللات والعزّى، لوددتُ أنّ ابني بفتيان بني نوفل جميعاً !وروى سعيد بن جبير قال سألت أنس بن مالك، فقلت : أرأيت قول عمر عن السنّة : إنّ رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهو مات وهو عنهم راضي؟ ألم يكن راضياً عن غيرهم من أصحابه؟ فقال: بلى، مات رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) وهو راض عن كثير من المسلمين، ولكن كان عن هؤلاء أكثر رضاً، فقلت له : فأيّ الصّحابة كان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أحمد ؟ أو كما قال - قال : ما فيهم أجد إلا وقد سخط منه فعلاً، وأنكر عليه أمراً ، إلا اثنان: علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة، فإنهما لم يقترفا منذ أتى اللّه بالإسلام أمراً أسخطا فيه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أخرجه أحمد بما معناه في مسنده : 15/1 .)## حياة الرسول في بدء نشأتهوينبغي أن نذكر الآن ما ورد في شأن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله، وعضمته بالملائكة، ليكون ذلك تقريراً وإيضاحاً لقوله :«ولقد قرن اللّه به من لدن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته»، وأن نذكر حديث مجاورته (علیه السلام)بحراء، وكون علي(علیه السلام) معه هناك، وأن نذكر ما ورد في أنه لم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وعليا وخديجة، وأن نذكر ما ورد في سماعه رنّة الشيطان، وأن نذكر ما ورد في كونه (علیه السلام)وزيراً للمصطفى صلوات الله عليه . أما المقام الأول فروى محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب «السيرة النبوية»، ورواه أيضاً محمد بن جرير الطبري في تاريخه، قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السَّعْدية أم)
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار: 323/38
رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله التي أرضعته تحدّث أنها خرجت من بلدها ومعها زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسنَ الرُّضَاع بمكة، في سنة شَهْباء لم تُبقِ شيئاً، قالت: فخرجتُ على أتان لنا قَمْرَاء عجفاء، ومعنا شارف لنا ما تُبِض بقطرة، ولا ننام ليلنا أجمع من بكاء صبينا الذي معنا من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، ولا في شارفنا ما يغدّيه، ولكنا نرجو الغيث والفَرَج. فخرجت على أتاني تلك، ولقد أراثت بالركب ضعفاً وعَجَفاً، حتى شق ذلك عليهم، قدمنا مكة نلتمس الرُّضَاع فما منا امرأة إلا وقد عُرض عليها محمد(صلی اللّه علیه واله) فتأباه إذا قيل لها حتى إنّه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبّي، فكنا نقول : يتيم ،ما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة ذهبت معي إلا أخذتْ رضيعاً ،غيري فلمّا اجتمعنا للانطلاق قلت لصاحبي واللّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي لم آخذ رضيعاً، الله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآ خذنّه قال : لا عليك أن تفعلي !وعسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة، فذهبت إليه فأخذته، وما يحملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. قالت : فلمّا أخذته رجعت إلى رَحْلِي، فلما وضعته في حِجْري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فرضع حتى رَوِيَ وشرب معه أخوه حتى روي، وما كنا ننام قبل ذلك من بكاء صبينا جوعاً فنام وقام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا أنّها حافل ،فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعاً فبتنا بخير ليلة قالت : يقول صاحبي حين أصبحنا : أتعلمين واللّه يا حليمة لقد أخذت نَسمة مباركة فقلت : واللّه إني لأرجو ذلك، ثم خرجنا وركبت أتاني تلك، وحملته عليها، معي فواللّه لقطعتُ بالركب ما يقدر عليها شيء حميرهم حتى إن صواحبي لَيَقُلْن لي : ويحك يا بنت أبي ذؤيب! اربَعِي علينا أليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهنّ : بلى واللّه إنها لهي، فيقلن : واللّه إن لها لشأناً.)قلت : ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد - وما أعلم أرضاً من أرض العرب أجدب منها- فكانت غنمي تروح عَلَيّ حين قدمنا به معنا شباعاً ملأى لبناً، فكنا نحتلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضَرْع، حتى إن الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم : ويلكم؟ اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب! فيفعلون، فتروح أغنامهم جياعاً ما تُبِض بقطرة، وتروح غنمي شباعاً لبناً ، فلم نزل نعرف من اللّه الزيادة والخير به حتى مضت سنتاه وفصلته، فكان يشبّ شباباً لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه، حتى كان غلاماً جَفْراً ، فقدمنا به على أمه آمنة بنت وهب ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلّمنا أمه وقلنا لها : ، لو تركته عندنا حتى يغلظ! فإنا نخشى عليه وباء مكة، فلم نزل بها حتى ردّته معنا .فرجعنا به إلى بلاد بني سعد، فواللّه إنّه لبعد ما قدمنا بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا ، إذا أتانا أخوه يشتدّ ، فقال لي ولأبيه : ها هو ذاك أخي القرشي، قد جاءه رجلان عليهما
ثياب بياض، فأضجعاه وشقا بطنه فهما يَسُوطانه. قالت فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فوجدناه قائماً ممتقعاً وجهه فالتزمته والتزمه أبوه وقلنا : ما لك يا بني ! قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعني ثم شقا بطني، فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو !قالت : فرجعنا به إلى خبائنا وقال لي :أبوه يا حليمة، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله .قالت : فاحتملته حتى قدمتُ به على أمّه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصةً : عليه وعلى مكثه عندك ؟ فقلت لها : قد بلغ اللّه ،بانبي وقضيت الذي علي، وتخوّفت عليه الأحداث وأديته إليكِ كما تحبّين قالت أتخوّفت عليه الشيطان؟ قلت نعم قالت كلاّ واللّه ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لابني شأناً، أفلا أخبرك خبره؟ قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت له قصورُ يُصْرَى من الشام، ثم حملت به فواللّه ما رأيت حَمْلاً قط كان أخف ولا أيسر منه، ثم وقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض، ورافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة .(1)قال : وروى الطبري في «تاريخه» عن شداد بن أوس قال : سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يحدث عن نفسه، ويذكر ما جرى له وهو طفل في أرض بني سعد بن بكر ، قال : لما ولدت استرضِعتُ في بني سعد، فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي في بطن وادٍ مع أتراب لي من الصبيان، نتقاذف بالجِلَّة، إذا أتاني رهط ثلاثة معهم طشت من ذهب مملوءة ثلجاً، فأخذوني من بين أصحابي ، فخرج أصحابي هُرَاباً حتى انتهوا إلى شفير الوادي، ثم عادوا إلى الرَّهْط، فقالوا : ما أرَبِّكُم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا ! هذا ابن سيد قريش، وهو مسترضع فينا، غلام يتيم ليس له أب، فماذا يردُّ عليكم قتله، وماذا تصيبون من ذلك! ولكن إن كنتم لا بد قاتليه، فاختاروا منا أينا ششتم فاقتلوه مكانه ، ودَعُوا هذا الغلام، فإنه يتيم.)فلمّا رأى الصبيّان أنّ القوم لا يجيرون لهم جواباً، انطلقوا هراباً مسرعين إلى الحي يؤذنونهم ويستصرخونهم على القَوْم ، فعمد أحدهم، فأضجعاني إضجاعاً لطيفاً، ثم شقّ ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حِيًّا، ثم أخرج بطني فغسلها بذلك الثّلج ، فأنعم غسلها ، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني منهم ، فقال لصاحبه : تنع، فنحاه عنِّي،، ثم أدخل يده في جوفي، وأخرج قلبي ،وأنا أنظر إليه، فصدعه ثم أخرج منه مُضغة سوداء فرماها، ثم قال بيده: يمنةً منه وكأنه يتناول شيئاً، فإذا في يده خاتم من نور، تحار أبصار الناظرين دونه، فختم به قلبي ثم أعاده مكانه فوجدتُ بَرْدَ ذلك الخاتم في قلبي دهراً، ثم قال
1) أخرجه الطبري في تاريخه : 575/1 .
الثالث لصاحبه: تنحّ عنه، فأمريده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتام ذلك الشّق، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضاً لطيفاً، وقال للأوّل الذي شق بطني : زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فرجحتهم ،فقال : دعوه، فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى ،صدرهم ،وقبلوا رأسي وما بين عيني، وقالوا : يا حبيب اللّه ، لا تُرغ، إنك لو تدري ما يُراد بك من الخير لقرت عيناك ! فبينا أنا كذلك إذا أنا بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أمي - وهي ظئري - أمام الحي تهتف بأعلى صوتها ،وتقول : يا ضعيفاه! فانكب عليّ أولئك الرّهط فقبّلوا رأسي وما بين عيني ،وقالوا : حبّذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظئري: يا وحيداه! فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم، وقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا:حَبّذا أنتَ من وحيد! وما أنت بوحيد! إن الله وملائكته معك والمؤمنين من أهل الأرض، ثم قالت ظئري: يا يتيماه! من بين أصحابك ،فقتِلْتَ لضعفك ،فانكبوا علي وضموني إلى صُدورهم، وقبّلوا رأسي وما بين عيني ،وقالوا حبذا أنت من يتيم! ما أكرمك على الله لو تعلم ما يراد بك من الخير ! قال: فوصل الحي إلى شفير الوادي، فلمّا بَصُرَتْ بي أمّي - وهي ظئري - نادت : يانبي، ألا أراك حيا بعد! فجاءت حتى انكبّت علي، وضمتني إلى صدرها، فوالذي نفسي بيده، إنّي لفي لفي حجرها قد ضمتني إليها، وإن يدي لفي يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم ، وظننت أنّ القوم يبصرونهم، فإذا ، فإذا هم لا يبصرونهم، فيقول بعض القوم : إنّ هذا الغلام قد أصابه لَمَم ، أو طائف من الجنّ فانطلقوا به إلى كاهن بني فلان ،حتى ينظر إليه ويداويه، فقلت: ما بي شيء مما يذكرون ، نفسي سليمة، وإن فؤادي صحيح، ليست بي قلبة. فقال أبي – وهو زوج ظئري : ألا ترون كلامه صحيحاً ! إني لأرجو ألا يكون على ابني بأس.فاتفق القوم على أن يذهَبُوا إلى الكاهن بي، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فقضوا عليه قصتي ، فقال : اسكتوا حتى أسمع من الغلام ، فهو أعلمُ بأمره منكم، فسألني فقصصت عليه أمري، وأنا يومئذ ابن خمس سنين، فلما سمع قولي وَثَب وقال : يا للعرب! اقتلوا هذا الغلام فهو واللاتِ والعُزى لئن عاش ليبدلن دينكم ، وليخالِفَنَّ أمركم، وليأتينّكم بما لم تسمعوا به قطّ فانتزعتني ظئري من حجره، وقالت: لو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتُك به، ثم احتملوني فأصبحتُ وقد صار في جَسَدِي أثر الشق: ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك (1ورُوِي أنّ بعض أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الباقر(علیه السلام) سأله عن قول اللّه عزّ وجلّ : (و إِلَّامَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. رَصَدًا).(2)فقال:يوكل اللّه)
تعالى بأنبيائه ملائكةً يُحصُون أعمالهم، ويؤدُّون إليه تبليغهم الرّسالة، ووكلّ بمحمّد (صلى اللّه عليه واله ملكاً عظيماً منذ فصل عن الرّضاع يُرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق، ويصدّه عن الشرّومساوىء الأخلاق، وهو الذي كان يناديه: السّلام عليك يا محمد يا رسول اللّه وهو شاب لم يبلغ دَرَجة الرّسالة بعد، فيظنّ أنّ ذلك من الحجر ،والأرض، فيتأمل فلا يرى شيئاً. (1))وروى الطبري «التاريخ» عن محمد ابن الحنفية، عن أبيه علي(علیه السلام ، قال : سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يقول: «ما هممت بشيء ممّا كان أهل الجاهليّة يعملون به غير مرّتين كل ذلك يحولُ اللّه تعالى بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني اللّه برسالته، قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر بها كما يسمر الشباب، فخرجت أريد ذلك، حتى إذا جئت أوّل دارٍ من دور مكة، سمعت عَزفاً بالدق والمزامير ، فقلت ما هذا؟ قالوا: هذا فلان تزوّج ابنة فلان، فجلست أنظر إليهم، فضرب اللّه على أذني فيمت ،فما أيقظني إلا مَسُّ الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فقلت : ما صنعتُ شيئاً ، ثم أخبرته الخبر، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، فقال: أفعل، فخرجت فسمعت حين دخلت مكة مثل ما سمعت حين دخلتها تلك الليلة، فجلست أنظر، فضرب اللّه على أذني، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فأخبرته الخبر، ثم ما هممتُ بعدها بسوء، حتى أكرمني اللّه برسالته». (2)وروی محمد بن حبيب في «أماليه» قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله): «أذكر وأنا غلام ابن سبع سنين، وقد بنى ابن جدعان داراً له بمكّة، فجئت مع الغلمان نأخذ التراب والمدرَ في حُجورنا فننقله، فملأت حجري تُراباً فانكشفت عورتي، فسمعت نداءً من فوق رأسي : يا محمد، أرخ إزارك، فجعلت أرفع رأسي فلا أرى شيئاً، إلا أني أسمع الصوت، فتماسكت ولم أرخ، فكأن إنساناً ضربني عَلَى ظَهْري، فخررت لوجهي، وانحل إزاري فسترني، وسقط التراب إلى الأرض، فقمت إلى دار أبي طالب عمّي ولم أعده .(3))****وأما حديث مجاورته عليه الصلاة والسلام بحراء ،فمشهور وقد ورد في الكتب الصحاح أنه كان يجاور في جراء من كل سنة شهراً، وكان يُطعِم في ذلك الشهر مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من جراء، كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخُلَ بيته،
فيطوف بها سبعاً، أو ما شاء اللّه من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى جاءت السنة التي أكرمه اللّه فيها بالرسالة، فجاور في حراء شهر رمضان ومعه أهله خديجة وعلي بن أبي طالب وخادم لهم، فجاءه جبريل بالرسالة، وقال عليه والصلاة والسلام: جاءني وأنا نائم بنمط فيه كتاب، فقال : أقرأ قلت ما أقرأ فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1، إلى قوله : عَلَّمَ الإنسنَ مَا لَمْ يعلم .(2)فقرأته، ثم انصرف عني فانتبهت من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتاب وذكر تمام الحديث .)وأما حديث أن الإسلام لم يجتمع عليه بيت واحد يومئذ إلا النبي وهو وخديجة، فخبر عفيف الكندي مشهور وقد ذكرناه من قبل وأنّ أبا طالب قال له : أتدري من هذا ؟ قال : لا قال : هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهذا ابني علي بن أبي طالب، وهذه المرأة خَلْفهما خديجة بنت خويلد، زوجة محمد ابن أخي وايم الله ما أعلم على الأرض كلها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة . وأمَّا رنّة الشيطان، فروى أبو عبد الله أحمد بن حنبل في مُسنَده، عن علي بن أبي طالب ، قال : كنتُ مع رسول الله صبيحة الليلة التي أسري به فيها، وهو بالحجر يصلّي، فلما قضى صلاته، وقضيتُ صلاتي، سمعت رَنَّةٌ شديدة، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرّنة؟ قال: ألا تعلم هذه رنّة الشيطان، علم أني أسري بي الليلة إلى السماء، فأيس من أن يُعبد في هذه الأرض .(3وقد روى عن النبي(صلی اللّه علیه واله) ما يشابه هذا، لما بايعه الأنصار السبعون ليلة العقبة سمع من العقبة صوت عالٍ في جوف الليل:يا أهل مكة ،هذا مذمّم والصباة معه قد أجمعوا على حربكم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) للأنصار : «ألا تسمعون ما يقول هذا أرب العقبة» - يعني شيطانها، وقد روي :« أزبب العقبة». ثم التفت إليه، فقال: «استمع يا عدّو اللّه، أما واللّه لأفرغنّ لك» (4)وروي عن جعفر بن محمد الصادق(علیه السلام) ، قال : كان علي(علیه السلام) يَرَى مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قبل الرسالة الضوء ويسمع الصوت، وقال لها :«الولا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكاً في النبوة، فإن لا تكن نبيا فإنّك وصي نبّي ووارثه، بل أنت سيّد الأوصياء وإمام الأتقياء» .(5)وأما خبر الوزارة، فقد ذكره الطبري في تاريخه، عن عبد اللّه بن عباس عن علي بن أبي)
طالب(علیه السلام ، قال لما أنزلت هذه الآية : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقربِينَ) (1)، على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) دعاني، فقال: يا علي إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعلمت أني متى أنادهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُ حتى جاءني جبريل(علیه السلام) ، فقال : يا محمّد، إنّك إن لم تفعل ما أمِرْتَ به يعذبك ربُّك، فاصنع لنا صاعاً من طعام ،واجعل عليه رِجل شاة، واملاً لنا عُشا من لَبَن، ثم أجمع بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأبلغهم ما أمرت و به ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، وفيهم أعمامه : أبو طالب ،وحمزة ،والعباس وأبو لهب ،فلمّا اجتمعوا إليه دعا بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به ،فلما وضعته تناول رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) بَضْعَةٌ من اللّحم فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصَّحْفة، ثم قال: كلوا باسم اللّه ، فأكلوا حتى ما لهم إلى شيء من حاجة، وايمُ الله الذي نفس علي بيده ،إن كان الرّجُل الواحد منهم ليأكل ما قدمته لجميعهم، ثم قال : اسقِ القومَ يا علي، فجئتهم بذلك العُس فشربوا منه ،حتى رووا جميعاً، وايم اللّه إن كان الرجل ليشرب مثله، فلما أراد رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) أن يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال : لَشَدَّ ما سحر كم صاحبكم ! فتفرق القومُ ، ولم يكلمّهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال من الغد: يا علي، إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلمّهم، فعد لنا اليوم إلى مثل ما صنعت بالأمس ، ثم أجمعهم لي. ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام، فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة، ثم قال: أسقهم، فجئتهم بذلك العُس، فشربوا منه جميعاً، حتى رووا، ثم تكلم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال : «يا بني عبدِ المطلب، إنّي واللّه ما أعلمُ أنّ شابًا في العَرَب جاء قومه بأفضل مِمَّا جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصتي وخليفتي فيكم؟» فأحجم القوم عنه جميعاً، وقلت أنا - وإني لأحْدَثهم سِنا وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمَشُهم ساقاً : أنا يا رسول اللّه أكونُ وزيرك عليه، فأعاد القول، فأمسكوا وأعدت ما قلت ،فأخذ برقبتي، ثم قال لهم : «هذا أخي ووصيي وخليفتي ،فيكم فاسمعوا للّه وأطيعوا» فقام القوم يضحكون ،ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لا بنك وتطيع (2).)ويدلّ على أنه وزیر رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله من نص الكتاب والسنة قول اللّه تعالى: ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَرُونَ أَخِي أَشْدُدْ بِهِ: أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِى) .(3)وقال النبي(صلی اللّه علیه واله) في الخبر)
المجمع عَلَى رواينه بين سائر فرق الإسلام:« أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» (1فأثبت له جميع مراتب هارون عن موسى، فإذن هو وزير رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وشاد أزره، ولولا أنه خاتم النبيين لكان شريكاً في أمره.)وروى أبو جعفر الطبري أيضاً في «التاريخ»، أن رجلاً قال لعلي(علیه السلام : يا أمير المؤمنين ، بم ورثت ابن عمّك دون عَمّك ؟ فقال علي(علیه السلام) : هاؤم ثلاث مرات، حتى اشرأب الناس، ونَشَرُوا آذانهم ، ثم قال : جمع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بني عبد المطلب بمكّة، وهم رهطه كلهم، يأكل الْجَذَعة، ويشرب الفِرْق، فصنع مُدًّا من طعام، حتى أكلوا وشبعوا وبقي الطعام كما هو، لم يمس، ثم دعا بغُمَر، فشربوا ورووا، وبقي الشراب كأنه لم يشرب، ثم قال: يا بني عبد المطلب، إنّي بُعِثَتُ إليكم خاصّة، وإلى النّاس عامّة، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي، ووارثي؟ فلم يقم إليه أحدٌ، فقمت إليه، وكنت من أصغر القوم، فقال : اجلس ثم قال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول: اجلس، حتى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي، فعند ذلك ورثتُ ابْنَ عَمّي دون عمّي (2))****الأصل: وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدِ أدْعَبْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِه آبَاؤُكَ، وَلا أَحَدٌ مِنْ بَيْنِكَ، وَنَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَأَرَيْتَنَاهُ، عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِي وَرَسُولٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ . فَقَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ: وَمَا تَسْأَلُونَ؟ قَالُوا : تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ، حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُونِهَا ، وَتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَقَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ : إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإِنْ فَعَلَ الله لَكُمْ ذَلِكَ، أَتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ قَالُوا : نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنْكُمْ لا تَفِيتُونَ إِلَى خَيْرٍ ، وَأَنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ، وَمَنْ يُحَذِّبُ الْأَحْزَابَ ثُمَّ قالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ : بأَيْتُهَا الشَّجَرَةُ، إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ الله ، فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ الله ، وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُونِهَا، وَجَاءَتْ وَلَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَتَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ ، حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ مُرَفْرِفَةٌ، وَالْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَآلِهِ وَبِبَعْضِ أَفْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ، قَالُوا عُلُوًّا وَاسْتِكْبَاراً : فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا ، وَيَبْقَى نِصْفُهَا ، فَأَمَرَهَا فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا، كَأَعْجَبِ إِقْبَالِ وَأَشَدِّهِ دَوِيَّا، فَكَادَتْ تَلْتَتُ بِرَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقَالُوا كُفْراً وَهُتُوا : فَمُرْ هَذَا النّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأَمَرَهُ صَلَّى عَلَيْهِ وَآلِهِ فَرَجَعَ، فَقُلْتُ أنا: لا إِلهَ إلا الله ، إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِن بِكَ يَا رَسُولَ الله وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرٌ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ الله تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ، وَإِجلالاً لِكَلِمَتِكَ. فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، عَجِيبُ السَّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلا مِثْلُ هَذَا يَعْنُونَنِي - وَإِنِّي لَمِنْ قَوْم لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّه لَوْمَةُ لأيم، سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ، وَكَلَامُهُمْ كَلَامُ الْأَبْرَارِ، عُمَّارُ اللَّيْلِ، وَمَنَارُ النَّهَارِ مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ، يُحْيُونَ سُنَنَ الله وَسُنَنَ رَسُولِهِ، لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَلاَ يَعْلُونَ، وَلاَ يَغُلّونَ وَلا يُفْسِدُونَ قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ، وَأَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ .****الشرح الملأ الجماعة. ولا تفيئون : لا ترجعون. ومن يُطرح في القليب، كعتبة وشَيْبة ابني. ربيعة بن عبد شمس وعمرو بن هشام بن المغيرة، المكّنى أبا جهل وغيرهم، طرحوا في قليب بذر بعد انقضاء الحرب، ومن يحزب الأحزاب، أبو سفيان صخر بن حرب بن أميّة . والقصف والقصيف :الصوت. وسيماهم: علامتهم، ومثله «سيمياء».ومعنى قوله(علیه السلام : «قلوبهم في الجنان ،وأجسادهم في العمل»، أن قلوبهم ملتذة بمعرفة اللّه تعالى وأجسادهم نصبة بالعبادة. وأمّا أمرُ الشجرة التي دعاها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فالحديث الوارد فيها كثير مستفيض، قد ذكره المحدّثون في كتبهم، وذكره المتكلمون في معجزات الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، والأكثرون رورا الخبر فيها على الوضع الذي جاء في خطبة أمير المؤمنين، ومنهم من يروي ذلك مختصراً أنه دعا شجرة فأقبلت تحدّ إليه الأرض خَدًّا .)وقد ذكر البيهقي في كتاب «دلائل النبوة» حديث الشجرة، ورواه أيضاً محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة والمغازي على وجه آخر ،قال محمد بن إسحاق : كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشدَّ قريش كلّها ، فخلا يوماً برسول اللّه (صلى اللّه عليه واله في بعض شعاب مكة، فقال له رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :«يا ركانة ، ألا تتقي اللّه ، وتقبل ما أدعوك إليه؟» قال : لو أعلم أنّ الذي تقول حقٌّ لا تبعتك، قال:«أفرأيت إن صرعتك، أتعلم أنّ ما أقول لك حق؟ قال: نعم، قال: فقم حتى أصارعك»، فقام رُكانة، فلمّا بطش به رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله))
أضْجَعه لا يملك مِنْ نفسه شيئاً ، فقال : عُد يا محمد، فعاد فصرعه، فقال : يا محمد، إن هذا لعجب حين تصرعُني ، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله :« وأعجب من ذلك إن شئت أريتكه، إن اتقيت اللّه ، واتبعّت أمري»، قال: ما هو؟ قال: «أدعو لك هذه الشجرة التي تراها، فتأتي»، قال فادْعُها ،فدعاها، فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ثم قال : «ارجعي إلى مكانك»، فرجعت إلى مكانها، فرجع رُكانة إلى قومه، وقال: يا بني عبد مناف، ساجروا بصاحبكم أهل الأرض ! فما رأيت أسخر منه قطّ، ثم أخبرهم بالذي رأى، والذي صنع .(1))## في إسلام أبي بكر وعلي (علیه السلام)وينبغي أن نذكر في هذا الموضع ملخص ما ذكره الشيخ أبو عثمان الجاحظ في كتابه المعروف بكتاب «العثمانية» في تفضيل إسلام أبي بكر على إسلام عليّ (علیه السلام؛ لأن هذا الموضع يقتضيه، لقوله (علیه السلام)حكاية عن قريش لما صدق رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا لأنهم استصغروا سنّه، فاستحقروا أمر محمّد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حيث لم يصدّقه في دعواه إلا غلام صغير السن، وشُبهة العُثمانية التي قررها الجاحظ هذه الشبهة نشأت ومن هذه الكلمة تفرعت ؛ لأن خلاصتها أن أبا بكر أسلم وهو ابن أربعين سنة، وعلي أسلم ولم يبلغ الحُلم، فكان إسلام أبي بكر أفضل.)ثم نذكر ما اعترض به شيخنا أبو جعفر الإسكافي على الجاحظ في كتابه المعروف ب-النقض «العثمانية» ويتشعب الكلام بينهما حتى يخرج عن البحث في الإسلامين إلى البحث في أفضلية الرَّجُلين وخصائصهما ، فإنّ ذلك لا يخلو عن فائدة جليلة، ونكتة لطيفة، لا يليق أن يخلو كتابنا هذا عنها ؛ ولأن كلامهما بالرسائل والخطابة أشبه، وفي الكتابة أقصد وأدخل، وكتابنا هذا موضوع لذكر ذلك وأمثاله .قال أبوعثمان قالت العثمانية : أفضل الأمة وأولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي قحافة لإسلامه على الوجه الذي لم يسلم عليه أحد في عصره، وذلك أنّ النّاس اختلفوا في أوّل النّاس إسلاماً، فقال قوم: أبو بكر، وقال قوم: زيد بن حارثة ، وقال قوم: خباب بن الأرت.وإذا تفقدّنا أخبارهم، وأحصينا أحاديثهم، وعددنا رجالهم، ونظرنا في صحّة أسانيدهم، كان الخبر في تقدّم إسلام أبي بكر أعم ورجاله أكثر، وأسانيده أصحّ، وهو بذاك أشهر، واللفظ فيه أظهر ، مع الأشعار الصحيحة ،والأخبار المستفيضة في حياة رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله وبعد وفاته، وليس بين الأشعار والأخبار فرق إذا امتنع في مجيئها، وأصل مخرجها التباعد والاتفاق)
1) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية : 128/3 .
والتواطؤ، ولكن نَدَع هذا المذهب جانباً، ونضرب عنه صفحاً، اقتداراً على الحجّة، ووثوقاً بالفلج والقوّة، ونقتصر على أدنى نازل في أبي بكر، وننزل على حكم الخصم، فنقول: إنا وجدنا مَنْ يزعم أنه أسلم قبل زيد وخبّاب، ووجدنا من يزعم أنهما أسلما قبله، وأوسط الأمور أعدلُها، وأقربها من محبة الجميع ، ورضا المخالف، أن نجعل إسلامهم كان معاً، إذ الأخبار متكافئة، والآثار متساوية على ما تزعمون وليست إحدى القضيتين أولى فى صحة العقل من الأخرى، ثم نستدل على إمامة أبي بكر بما ورد فيه من الحديث، وبما أبانه به الرّسول (صلى اللّه عليه وآله من غيره.)قالوا : فممّا رويّ من تقدّم إسلامه ما حدّث به أبو داود وابن مهدي عن شعبة، وابن عيينة : عن الجريري، عن أبي هريرة، قال أبو بكر : أنا أحقكم بهذا الأمر - يعني الخلافة - الستُ أولَ مَنْ صلّى !روی عباد بن صُهَيْب ،عن يحيى بن عمير، عن محمد بن المنكدر ، أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله قال :«إن اللّه بعثني بالهدى ودين الحق إلى الناس كافة» ،فقالوا: كذبت ،وقال أبوبكر: صدقت (1))وروى يعلى بنُ عُبَيد، قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس، فسأله : مَنْ كان أوّل الناس إسلاماً؟فقال : أما سمعت قول حسان بن ثابت!إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة *** فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلاالثاني التالي المحمود مشهده *** وأوَّلَ النَّاس منهم صدق الرسلاوقال أبو محجن:سبقت إلى الإسلام والله شاهد *** وكنت حبيباً بالعريش المشهروقال كعب بن مالك :سبقت أخاتَيْم إلى دين أحمد *** وكنت لدى الغيرانِ في الكهف صاحباًوروى ابن أبي شَيْبَة، عن عبد اللّه بن إدريس ووكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: قال النَّخَعي : أبو بكر أوّلُ مَنْ أسلم .وروى هيثم بن يعلى بن عطاء، عن عمرو بن عنبسة، قال: أتيتُ النبي(صلی اللّه علیه واله وهو بعكاظ، فقلت : مَنْ بايعك على هذا الأمر؟ فقال : بايعني حُرِّ وعبد، فلقد رأيتني يومئذ وأنا رابعُ)الإسلام. قال بعضُ أصحاب الحديث : يعني بالحرّ أبا بكر وبالعبد بلالاً .
1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير» (13383).
او روي للّيث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، قال: حدّثنيعمرو بن عنبسة، أنه سأل النبي(صلی اللّه علیه واله وهو بعكاظ، فقال له : مَنْ تَبِعك؟ قال : تبعني حروعبد: أبو بكر وبلال.)وروى عمرو بن إبراهيم الهاشمّي، عن عبد الملك بن عُمير، عن أسيد بن صفوان ،صاحب النبي (صلى اللّه عليه واله قال : لما قبض أبو بكر جاء علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، فقال : رحمك اللّه أبا بكر! كنتَ أوّلَ النّاس إسلاماً .(1))وروى عبّاد، عن الحسن بن دينار ،عن بشر بن أبي زينب ،عن عِكْرِمة مولى ابن عبّاس ،قال : إذا لقيت الهاشمّيين قالوا : علي بن أبي طالب أوّل مَنْ أسلم، وإذا لقيت الذين يعلمون، قالوا : أبو بكر أوّل من أسلم .(2)****قال أبو عثمان الجاحظ : قالت العثمانية : فإن قال قائل : فما بالكم لم تذكروا علي بن أبيطالب في هذه الطبقة، وقد تعلمون كثرة مقدميه والرواية فيه !قلنا : قد علمنا الرواية الصحيحة، والشهادة القائمة ،أنه أسلم وهو حَدَثٌ غرير، وطفل صغير، فلم نكذب الناقلين، ولم نستطع أن نلحق إسلامه بإسلام البالغين؛ لأنّ المقلل زعم أنه أسلم ،وهو ابن خمس سنين، والمكثر زعم أنه أسلم وهو ابن تسع سنين، فالقياس أن يؤخذ بالأوسط بين الروايتين، وبالأمر بين الأمرين، وإنما يُعْرَفُ حقٌّ ذلك من باطله، بأن نحصى سنيه التي ولي فيها الخلافة، وسني ،عمر وسني عثمان، وسني أبي بكر، ومقام النبي(صلی اللّه علیه واله بالمدينة، ومقامه بمكة عند إظهار الدعوة، فإذا فعلنا ذلك صحّ أنه أسلم وهو ابن سبع سنين، فالتاريخ المجمع عليه أنّه قتل (علیه السلام)في شهر رمضان سنة أربعين.)قال شيخنا أبو جعفر الإسكافي : لولا ما غلب على النّاس من الجهل وحب التقليد، لم نحتج إلى نقض ما احتجت به العثمانية، فقد علم النّاس كافةً ،أن الدولة والسلطان لأرباب مقالتهم، وعرف كل أحدٍ علوّ أقدار شيوخهم وعلمائهم وأمرائهم، وظهور كلمتهم، وقهر سلطانهم وارتفاع التقيّة عنهم والكرامة ،والجائزة لمن روّى الأخبار والأحاديث في فضل أبي بكر، وما كان من تأكيد بني أمية لذلك، وما ولده المحدثون من الأحاديث طلباً لما في أيديهم ،فكانوا لا يألون جهداً في طول ما ملكوا أن يُحْمِلُوا ذكر علي(علیه السلام وولده، ويطفئوا نورهم، ويكتموا فضائلهم ومناقبهم وسوابقهم، ويحملوا على شتمهم وسبهم ولعنهم على المنابر ، فلم)
يزل السيف يقطرُ من دمائهم، مع قلّة عددهم وكثرة عدوّهم، فكانوا بين قتيل وأسير، وشريد وهارب، ومستخف ذليل، وخائف مترقّب، حتى إن الفقيه والمحدّث والقاضي والمتكلّم، ليتقدّم إليه ويتوعد بغاية الإيعاد وأشدّ العقوبة، الا يذكروا شيئاً من فضائلهم، ولا يرخصوا لأحد أن يُطيف بهم ، وحتى بلغ من تقيّة المحدّث أنه إذا ذكر حديثاً عن علي (علیه السلامكنى عن ذكره ، فقال : قال رجل من قريش، وفعل رجل من قريش، ولا يذكر علياً(علیه السلام) ، ولا يتفوه باسمه .)ثم رأينا جميع المختلفين قد حاولوا نقض فضائله، ووجّهوا الحيل والتأويلات نحوها، من خارجي مارق ،وناصب حنق، وثابت مستبهم ،وناشىء معاند، ومنافق مكذّب، وعثماني حسود، يعترض فيها ويطعن، ومعتزلي قد نقض في الكلام، وأبصر علم الاختلاف، وعرف الشبّه ومواضع الطّعن وضروب التأويل، قد التمس الجيل في إبطال مناقبه وتأوّل مشهور فضائله، فمرّة يتأوّلها بما لا يحتمل، ومرّة يقصد أن يضع مِنْ قدرها بقياس منتقض، ولا يزداد ذلك إلا قوّة ورفعة، ووضوحاً واستنارة، وقد علمت أن معاوية ويزيد ومَنْ كان بعدهما من بني مروان أيام ملكهم - وذلك نحو ثمانين سنة - لم يدَعُوا جهداً في حَمْل الناس على شتمه ولعنه وإخفاء فضائله، وستر مناقبه وسوابقه .روی خالد بن عبد اللّه الواسطي ،عن حصين بن عبد الرحمن ،عن هلال بن يساف ،عن عبد الله بن ظالم، قال : لما بويع لمعاوية أقام المغيرة بن شعبة خطباء يلعنون علياً (علیه السلام، فقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ألا ترون إلى هذا الرجل الظالم يأمر بلغن رجل من أهل الجنة (1))روی سلیمان بن داود، عن شُعبة ،عن الحرّ بن الصباح، قال : سمعت عبد الرحمن بن الأخنس ، يقول : شهدت المغيرة بن شعبة خطب فذكر عليا (علیه السلام، فنال منه .)روى أبوكريب، قال :حدّثنا أبو أسامة ، قال :حدثنا صدقة بن المثنى النخعي عن رياح بن الحارث ،قال: بينما المغيرة بن شعبة بالمسجد الأكبر، وعنده ناس إذ جاءه رجل يقال له : قيس بن علقمة، فاستقبل المغيرة، فست علياً (علیه السلام.)روی محمد بن سعيد الأصفهاني، عن شريك، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن علي بن الحسين، عن أبيه علي بن الحسين(علیه السلام ، قال : قال لي مروان: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم . قلت : فما بالكم تسبوّنه على المنابر ؟ قال : إنه لا يستقيم لنا الأمر إلا)بذلك .(2)
روي مالك إسماعيل أبو غسان النهدي ،عن ابن أبي سيف ،قال :خطب مَرْوان والحسن(علیه السلام جالس فنال من علي(عیه السلام) ، فقال الحسن : ويلك يا مروان! أهذا الذي تشتم شرّ الناس! قال : لا ، ولكنه خيرُ الناس.)وروى أبو غسان أيضاً، قال: قال عمر بن عبد العزيز:كان أبي يخطب فلا يزال مستمرا في خطبته ، حتى إذا صار إلى ذكر علي وسبه تقطع لسانه، واصفر وجهه، وتغيرت حاله، فقلت له ذلك، فقال : أوقد فطنت لذلك؟ إنّ هؤلاء لو يعلمون من عليّ ما يعلمه أبوك ما تبعنا منهم في رجل.(1)وروى أبوعثمان، قال : حدثنا أبو اليقظان، قال: قام رجلٌ من ولد عثمان إلى هشام بن الملك يوميوم عرفة ، فقال : إن هذا كانت الخلفاء تستحبّ فيه لعن أبي تراب (2)وروی عمرو بن الفنّاد، عن محمد بن فُضَيل ،عن أشعث بن سَوار، قال: سبّ عدي بن أوطاة عليا(علیه السلام على المنبر ، فبكى الحسن البصري وقال : لقد سبّ هذا اليوم رجلٌ إنه لأخو رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في الدنيا والآخرة .(3)وروى عدي بن ثابت عن إسماعيل بن إبراهيم ،قال :كنت أنا وإبراهيم بن يزيد جالسين في الجمعة ممّا يلي أبواب كندة فخرج المغيرة فخطب، فحمد اللّه، ثم ذكر ما شاء أن يذكر، ثم وقع في علي(علیه السلام) ، فضرب إبراهيم على فخذي أو ركبتي، ثم قال: أقبل علي، فحدثني فإنا جمعة، ألا تسمع ما يقول هذا !(4)وروى عبد الله بن عثمان الثّقفي ، قال : حدثنا ابن أبي سيف ،قال : قال ابن لعامر بن بن الزبير لولده: لا تذكر يا بُنَيَّ علياً إلا بخير، فإن بني أمية لعنوه على منابرهم ثمانين سنة، فلم يزده اللّه بذلك إلا رفعة إن الدنيا لم تبن شيئاً قط إلا رجعت على ما بَنَتْ فهدمته، وإن الذين لم يبن شيئاً قط وهَدَمه .(5))وروي عثمان بن سعيد، قال : حدثنا مطلب بن زياد عن أبي بكر بن عبد اللّه الأصبهاني،قال : كان دعيّ لبني أمية يقال له خالد بن عبد الله ، لا يزال يشتم علياً(علیه السلام ، فلما كان جمعة، وهو يخطب الناس، قال: واللّه إن كان رسول اللّه ليستعمله، وإنه ليعلم ما هوا ولكنّه)
كان ختنه، وقد نعس سعيد بن المسيّب ففتح عينيه، ثم قال: ويحكم! ما قال هذا الخبيث! رأيت القبر انصدع ورسول اللّه (صلى اللّه عليه واله يقول : كذبت يا عدوّ اللّه !(1))وروي القناد، قال : حدّثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن السديّ، قال: بينما أنا بالمدينة عند أحجار الزّيت، إذ أقبل راكب على بعير، فوقف فست علياً (علیه السلام، فختّ به الناس ينظرون إليه، فبينما هو كذلك إذ أقبل سعد بن أبي وقّاص، فقال: اللهّم إن كان سب عبداً لك صالحاً،)فأر المسلمين خزيه، فما لبث أن نَفَرَ به بعيره فسقط ،فاندقت عنقه.وری عثمان بن أبي شيبة، عن عبد اللّه بن موسى ،عن نظر بن خليفة، عن أبي عبد اللّه الجدليّ، قال: دخلتُ على أم سلمة رحمها اللّه فقالت لي : أيسب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله فيكم وأنتم أحياء! قلت وأنى يكون هذا؟ قالت : أليس يسب علي(علیه السلام) ومَنْ يحبه !(2))روى العبّاس بن بكار الصّبي، قال: حدّثني أبو بكر الهُذَلِيّ، عن الزّهري، قال: قال ابنُ عبّاس لمعاوية، ألا تكّف عن شتم هذا الرجل؟ قال: ما كنت لأفعل حتى يربو عليه الصغيرويهرم فيه الكبير، فلمّا وُلْيَ لمّا وُلّي عمر بن عبد العزيز كفّ عن شتمه، فقال الناس : ترك السنّة . قال : وقد روي عن ابن مسعود إما موقوفاً عليه أو مرفوعاً ، كيف أنتم إذا شملتكم فتنة يربو عليها الصغير ويهرم فيها الكبير، يجري عليها النّاس فيتخذونها سنّة، فإذا غيّر منها شيء قيل : غيّرت السنّة !(3.)قال أبو جعفر : وقد تعلمون أن بعض الملوك ربما أحدثوا قولاً، أو ديناً لهوى فيحملون النّاس على ذلك، حتى لا يعرفوا غيره، كنحو ما أخذ النّاس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان، وترك قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب، وتوعد على ذلك بدون ما صنع هو وجبابرة بني أمية وطغاة مروان بولد علي(علیه السلام وشيعته، وإنما كان سلطانه نحو عشرين سنة، فما مات الحجاج حتى اجتمع أهل العراق على قراءة عثمان، ونشأ أبناؤهم ولا يعرفون غيرها، لإمساك الآباء عنها، وكف المعلمين عن تعليمها، حتى لو قرأت عليهم قراءة عبد الله وأبي ما عرفوها، ولظنّوا بتأليفها الاستكراه والاستهجان، لإلف العادة وطول الجهالة؛ لأنه إذا استولت على الرعية الغلبة، وطالت عليهم أيام التسلّط وشاعت فيهم المخافة، وشملتهم التقية، اتفقوا على التخاذل والتساكت، فلا تزال الأيام تأخذ من بصائرهم، وتنقص من ضمائرهم، وتنقض من)
اثرهم، حتى تصير البدعة التي أحدثوها غامرة للسنة التي كانوا يعرفونها، ولقد كان الحجاج ومَنْ ،ولأه كعبد الملك والوليد ومَنْ كان قبلهما وبعدهما من فراعنة بني أمية على إخفاء محاسن علي (علیه السلاموفضائله وفضائل ولده وشيعته وإسقاط أقدارهم أحرص منهم على إسقاط قراءة عبد الله وأبي؛ لأنّ تلك القراءات لا تكون سبباً لزوال ملكهم، وفساد أمرهم وانكشاف حالهم، وفي اشتهار فضل علي(علیه السلام) وولده إظهار محاسنهم بوارهم، وتسليط حكم الكتاب المنبوذ عليهم، فحرصوا واجتهدوا في إخفاء فضائله، وحملوا الناس على كتمانها وسترها، وأبى الله أن يزيد أمره وأمر ولده إلا استنارة وإشراقاً، وحبهم إلا شغفاً وشدة وذكرهم إلا انتشاراً وكثرة، وحجّتهم إلا وضوحاً وقوّة ،وفضلهم إلا ظهوراً، وشأنهم إلا عُلوا ، وأقدارهم إلا إعظاماً، حتى أصبحوا بإهانتهم إياهم ،أعزّاء، وبإمانتهم ذكرهم أحياء، وما أرادوا به وبهم من الشرّ تحول خيراً ، فانتهى إلينا من ذكر فضائله وخصائصه ومزاياه وسوابقه ما لم يتقدمه السابقون، ولا ساواه فيه القاصدون ،ولا يلحقه الطالبون، ولولا أنها كانت كالقبلة المنصوبة في الشُّهرة، وكالسنن المحفوظة في الكثرة، لم يصل إلينا منها في دهرنا حرف واحد، إذا كان الأمر ما وصفناه.)قال : فأما ما احتج به الجاحظ بإمامة أبي بكر، بكونه أوّل النّاس إسلاماً، فلو كان هذا احتجاجاً صحيحاً، لاحتج به أبو بكر يوم السقيفة، وما رأيناه صنَع ذلك لأنه أخذ بيد عمر ويد أبي عبيدة بن الجراح، وقال للناس قد رضيت لكم أحد هذين الرَّجُلين، فبايعوا منهما مَنْ شئتم، ولو كان هذا احتجاجاً صحيحاً لما قال عمر:كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرها ،ولو كان احتجاجاً صحيحاً لادّعى واحد من الناس لأبي بكر الإمامة في عصره أو بعد عصره، بكونه سبق إلى الإسلام، وما عرفنا أحداً ادعى له ذلك، على أن جمهور المحدثين لم يذكروا أن أبا بكر أسلم إلا بعد عدة من الرّجال ،منهم علي بن أبي طالب، وجعفر أخوه ،وزيد بن حارثة، وأبو ذر الغفاري، وعمرو بن عنبسة السلمي، وخالد بن سعيد بن العاص، وخبّاب بن الأرت، وإذا تأملنا الرّوايات الصحيحة، والأسانيد القويّة والوثيقة، وجدناها كلها ناطقةً بأنّ عليا(علیه السلام أوّل من أسلم .)فأمّا الرواية عن ابن عباس أن أبا بكر أولهم إسلاماً فقد روي عن ابن عبّاس خلاف ذلك ، بأكثر مما رووا ،وأشهر، فمن ذلك ما رواه يحيى بن حماد، عن أبي عوانة وسعيد بن عيسى، عن أبي داود الطيالسي، عن عمرو بن ميمون ،عن ابن عباس ،أنه قال: أوّلُ مَنْ صلّى من الرّجالعلي(علیه السلام (1))
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 19038 .
وروى الحسن البصري ، قال : حدثنا عيسى بن راشد، عن أبي بصير، عن عكرمة، عن ابنعبّاس ،قال: فرض اللّه تعالى الاستغفار لعلّي(علیه السلام في القرآن على كل مسلم، بقوله تعالى :(ورَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَن ) (1)، فكلّ مَنْ أسلم بعد عليّ فهو يستغفر العلي (علیه السلام).)وروى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: السّباق ثلاثة : سَبق يوشع بن نون إلى موسى، وسبق صاحب (يس إلى عيسى، وسبق علي بن أبي طالب إلى محمد عليه وعليهم السلام. (2))فهذا قول ابن عباس في سبّق علي(علیه السلام إلى الإسلام، وهو أثبت من حديث الشعبي وأشهر، على أنّه قد رُوِيَ عن الشعبي خلاف ذلك من حديث أبي بكر الهذلي وداود بن أبي هند عن الشعبي، قال: قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) العلي (علیه السلام):«هذا أول من آمن بي وصدّقني وصلّى معي .(3))قال : فأما الأخبار الواردة بسبقه إلى الإسلام المذكورة في الكتب الصحاح والأسانيد الموثوق بها، فمنها ما روى شَرِيك بن عبد اللّه ، عن سليمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب، عن بن مسعود ،أنّه قال: أوّلُ شيء علمته من أمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله أني قدمت مكّة مع عمومة لي وناس من قومي، وكان من أنفسنا شراءعطر، فأرشدنا إلى العباس بن عبد المطلب، فانتهينا إليه، وهو جالس إلى زمزم، فبينا نحن عنده جلوساً ، إذ أقبل رجل من باب الصّفا، وعليه ثوبان أبيضان، وله وفرة إلى أنصاف أذنيه جعدة، أشم أقنى، أدعَجُ العينين، كثّ اللحية، برّاق الثنايا ، أبيض تعلوه حمرة، كأنه القمر ليلة البدر، وعلى يمينه غلام مُراهِق أو محتلم ،حسن الوجه، تقفوهم امرأة، قد سترت محاسنَها ، حتى قصدوا نحو الحجر، فاستلمه واستلمه الغلام، ثم استلمته المرأة، ثم طاف بالبيت سبعاً، والغلام والمرأة يطوفان معه، ثم استقبل الحجر، فقام ورفع يديه وكبّر، وقام الغلام إلى جانبه، وقامت المرأة خلفها، فرفعت يديها ، وكبّرت، فأطال القنوت، ثم ركع وركع الغلام والمرأة، ثم رفع رأسه فأطال، ورفع الغلام والمرأة مع- معه يصنعان مثل ما يصنع ،فلما رأينا شيئاً ننكره، لا نعرفه بمكة، أقبلنا على العباس، فقلنا :يا أبا الفضل، إنّ هذا الدين ما كنا نعرفه فيكم ،قال : أجل واللّه قلنا : فمن هذا؟ قال: هذا ابن أخي هذا محمد بن عبد الله ، وهذا الغلام ابن أخي أيضاً، هذا عليّ بن أبي طالب ،)
وهذه المرأة زوجة محمّد، هذه خديجة بنت خويلد ،واللّه ما عَلَى وجه الأرض أحدٌ يَدِين بهذا الدين، إلا هؤلاء الثلاثة. (1)ومن حديث موسى بن داود، عن خالد بن نافع عن عُفيف بن قيس الكندي، وقد رواه عن عُفَيف أيضاً، مالك بن إسماعيل النهدي والحسن بن عنبسة الورّاق وإبراهيم بن محمد بن ميمونة، قالوا جمعياً : حدثنا سعيد بن جشم ، عن أسد بن عبد الله البجلي، عن يحيى بن عفيف بن قيس ،عن أبيه، قال: كنتُ في الجاهليّة عطاراً، فقدمت مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فبينا أنا جالس عنده، أنظر إلى الكعبة، وقد تحلّقت الشمس في السماء، أقبل شاب كأن في وجهه القمر، حتى رمى ببصره إلى السماء، فنظر إلى الشمس ساعة، ثم أقبل دنا حتى من الكعبة، فصف قدميه يصلي، فخرج على أثره فتى كان وجهه صفيحة يمانية، فقام عن يمينه، فجاءت امرأة متلفّفة في ثيابها، فقامت خلفهما ، فأهوى الشاب راكعاً، فركعا معه، ثم أهوى إلى الأرض ساجداً ، فسجدا معه، فقلت للعباس : يا أبا الفضل ،أمر عظيم! فقال: أمر واللّه عظيم! أتدري مَنْ هذا الشاب؟ قلت : لا ، قال هذا ابن أخي، هذا محمد بن عبد الله عبد المطلب ،أتدري مَنْ هذا الفتى؟ قلت : لا ، قال هذا ابن أخي علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، أتدري من المرأة؟ قلت : لا ، قال هذه ابنة خُويلد بن أسد بن عبد العُزّى، هذه خديجة زوج محمد هذا، وإن محمداً هذا يذكر أن إلهه إله السماء والأرض، وأمره بهذا الدّين، عليه كما ترى، ويزعم أنه نبي، وقد صدقه على قوله علي ابن عم هذا الفتى وزوجته خديجة، هذه المرأة، والله ما أعلمُ على وجه الأرْضِ كلّها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة : قال عُفَيف : فقلت له : فما تقولون أنتم؟ قال:ننتظر الشيخ ما يصنع ! يعني أبا طالب أخاه (2)وروى عبيد اللّه بن موسى، والفضل بن دكين، والحسن بن عطيّة، قالوا : حدّثنا خالد بن طَهمان ،عن نافع بن أبي نافع ،عن معقل بن يسار، قال : كنت أوصي النبي(صلی اللّه علیه واله ، فقال لي: هل لك أن تعود فاطمة؟ قلت :نعم يا رسول اللّه، فقام يمشي متوكئاً علي، وقال: أما إنه سيحمل ثقلها غيرك، ويكون أجرها لك، قال: فواللّه كأنّه لم يكن علي من ثقل النبي(صلی اللّه علیه واله)شيء، فدخلنا على فاطمة(علیه السلام) ، فقال لها(صلی اللّه علیه واله) :«كيف تجدينك»؟ قالت : لقد طال أسفي، واشتدّ حُزْني، وقال لي النساءُ: زوجك أبوك فقيراً لا مال له! فقال لها : أما ترضَيْنَ أني زوّجتك أقدم أمتي سلماً ، وأكثرهم علماً، وأفضلهم حلماً !قالت: بلی رضیت یا رسول اللّه !(3))
وقد روى هذا الخبر يحيى بن عبد الحميد وعبد السلام بن صالح، عن قيس بن الربيع عن أبي أيوب الأنصاري، بألفاظه أو نحوها .وروى عبد السلام بن صالح ،عن إسحاق الأزرق، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله لمّا زوّج فاطمة، دخل النساء عليها ، فقلن : يا بنت رسول اللّه ، خَطبك فلان وفلان، فردّهم عنك، وزوجك فقيراً لا مال له ،فلمّا دخل عليها أبوها رأى ذلك في وجهها، فسألها فذكرت له ذلك، فقال: يا فاطمة، إنّ اللّه أمرني فأنكحتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم عِلْماً، وأعظمهم حِلْماً، وما زوجتك إلا بأمر من السماء، أما علمت أنه أخي في الدنيا والآخرة !(1))وروی عثمان بن سعيد عن الحكم بن ظهير، عن السدي، أنّ أبا بكر وعمر خطبا فاطمة(سلام اللّه علیه ، فردّهما رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وقال : لم أومر بذلك، فخطبها علي (علیه السلام)، فزوّجه إياها، وقال لها : زوّجتك أقدم الأمّة إسلاماً .. وذكر تمام الحديث .قال : وقد روى هذا الخبر جماعة من الصحابة، منهم أسماء بنت عُميس، وأم أيمن ،وابنُ عباس وجابر بن عبد اللّه .)قال: وقد روى محمد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع، قال: أتيتُ أبا ذر بالرّبدَة أودعه، فلما أراد الانصراف ،قال لي ولأناس معي : ستكون فتنة، فاتقوا اللّه ، وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب، فاتبعوه ،فإني سمعت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يقول له :«أنت أوّل مَنْ آمن بي، وأول مَنْ يصافحني يوم القيامة، وأنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكافرين، وأنت أخي ووزيري وخير مَنْ أترك بعدي تقضي ديني وتنجز موعدي .(2).)قال : وقد روى ابن أبي شيبة، عن عبد اللّه بن نُمَيْر، عن العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي ، قال : سمعتُ عليّ بن أبي طالب، يقول: أنا عبد اللّه وأخو رسوله ، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها غيري إلا كذّاب، ولقد صلّيت قبل النّاس سبع سنين.(3.)وروت معاذة بنت عبد اللّه العدوية ،قالت: سمعت عليا(علیه السلام ، يخطب على منبر البصرة،)ويقول : أنا الصديق الأكبر ، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم. (4وروى حَبَة بن جُوين العُرَني أنه سمع علياً(علیه السلام) ، يقول : أنا أول رجل أسلم مع)
رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله . رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن سفيان الثوريّ ، عن سلمة بن كهيل، عن حبّة بن جُوَين. (1))وروى عثمان بن سعيد الخرّاز، عن علي بن حرّار، عن عليّ بن عامر، عن أبي الحجاف ،عن حكيم مولى زاذان ،قال : سمعت عليا (علیه السلام، يقول : صليت قبل الناس سبع سنين، وكنّا نسجد ولا نركع، وأوّل صلاة ركعنا فيها صلاة العصر ،فقلت يا رسول اللّه ما هذا؟ قال: أمرت به .(2))وروى إسماعيل بن عمرو، عن قيس بن الربيع، عن عبد اللّه بن محمد بن عَقِيل عن جابر بن عبد اللّه ، قال:صلى رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهيوم الإثنين، وصلّى عليّ يوم الثلاثاء بعده. وفي)الرواية الأخرى، عن أنس بن مالك : استنبىء النبي(صلی اللّه علیه واله يوم الإثنين، وأسلم علي يوم بعده، (3))وروى أبو رافع أن رسول اللّه صلی اللّه علیه والهصلى أوّل صلاة صلّاها غداة الإثنين، وصلّت خديجة آخر نهار يومها ذلك، وصلى عليّ (علیه السلام)يوم الثلاثاء غداً ذلك اليوم(4).)قال : وقد رُوي بروايات مختلفة كثيرة متعددة، عن زيد بن أرقم، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد اللّه، وأنس بن مالك، أن علياً(علیه السلام : أوّل من أسلم، وذكر الروايات والرجال بأسمائهم)(5.)وروى سلمة بن كهيل، عن رجاله الذين ذكرهم أبو جعفر في الكتاب أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله قال: «أولكم وروداً علي الحوض أولكم إسلاماً، علي بن أبي طالب». (6))وروى ياسين بن محمد بن أيمن، عن أبي حازم، مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب وهو يقول : كفُّوا عن علي بن أبي طالب، فإنّي سمعتُ من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يقول فيه خصالاً ، لو أن خصلة منها في جميع آل الخطاب، كان أحبّ لي ممّا طلعت عليه الشمس، كنت ذات يوم وأبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة مع نفر من أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) نطلبه ، فانتهينا إلى باب أم سلمة، فوجدنا عليا متكناً على نجاف)
1) أخرجه الشيخ الأميني في الغدير : 221/3 ، وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه : 233/4 .
2) أخرجه ابن ماجه في سننه رقم رقم: 120 ، 12 ، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم : 21
3) أخرجه الشيخ الأميني في الغدير : 224/3
4) أخرجه الطبراني في الكبير رقم 952 ، وأخرجه الطبري في تاريخه : 55/2 .
5) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 225/38
6) أخرجه ابن عدي في الكامل» (2914).
الباب، فقلنا : أردنا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، فقال : هو في البيت رويدكم! فخرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فقال : هو في البيت رويدكم! فخرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و فسرنا حوله، فاتكأ على علي(علیه السلام) ، وضرب بيده على منكبه ، فقال : أبشر يا علي بن أبي طالب، إنك مخاصم، وأنك تخصم الناس بسبع لا يجاريك أحد في واحدة منهنّ أنت أوّلُ النّاس إسلاماً، وأعلمهم بأيام اللّه . . . (1)وذكر الحديث.)قال : وقد روى أبو سعيد الخدري، عن النبّي(صلی اللّه علیه واله مثل هذا الحديث.)قال: روى أبو أيوب الأنصاري، عن رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهأنه قال:«لقدصلّت الملائكة علي وعلى(علیه السلام)، سبع سنين (2)، وذلك أنه لم يصل معي رجل فيها غيره.)قال أبو جعفر :فأما ما رواه الجاحظ من قوله (صلی اللّه علیه واله: «إنّما تبعني حرّ وعبده» ، فإنه لم يسمّ في هذا الحديث أبا بكر وبلالاً، وكيف وأبو بكر لم يشتر بلالاً إلا بعد ظهور الإسلام بمكة، فلما أظهر بلال إسلامه عذَّبه أمية بن خلف !ولم يكن ذلك حال إخفاء رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) الدّعوة، ولا في ابتداء أمر الإسلام، وقد قيل : إنه(علیه السلام) إنما عنى بالحرّ علي بن أبي طالب، وبالعبد زيد بن حارثة (3).)وروى ذلك محمد بن إسحاق، قال : وقد روي إسماعيل بن نصر الصفار، عن محمد بن ذكوان، عن الشعبي ، قال : قال الحجّاج للحسن، وعنده جماعة من التابعين وذكر علي بن أبي طالب: ما تقول أنت يا حسن؟ فقال: ما أقول !هو أوّل من صلّى إلى القبلة، وأجاب دعوة رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله، وإن لعلي منزلة من ربّه، وقرابة من رسوله، وقد سبقت له سوابق لا يستطيع ردّها أحد. فغضب الحجاج غضباً شديداً، وقام عن سريره، فدخل بعض البيوت وأمر بصرفنا (4).)قال الشعبي : وكنا جماعة ما منا إلا مَنْ نال من علي(علیه السلام المقاربة للحّجاج، غير الحسن بن أبي الحسن رحمه اللّه. وروى مُحْرِز بن هشام عن إبراهيم بن سلمة، عن محمد بن عبيد اللّه ، قال : قال رجل للحسن : ما لنا لا نراك تُثنى على علي وتقرّظه! قال : كيف وسيف الحجاج يقطر دماً ! إنّه لأوّل مَنْ أسلم، وحسبكم بذلك!)
قال : فهذه الأخبار .وأما الأشعار المرويّة فمعروفة كثيرة منتشرة، فمنها قول عبد اللّه بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب مجيباً للوليد بن عُقبة بن أبي معيط:وإن ولي الأمر بعد محمد *** علي وفي كل المواطن صاحبةوصّي رسول اللّه حقا وصنُوه *** وأوّل مَنْ صلّى ومَنْ لان جانبةوقال خزيمة بن ثابت في هذا :وَصِي رسول اللّه من دون أهله *** وفارسه مُذْ كان في سالف الزَّمَنُوأوَّلُ مَنْ صلّى من الناس كلّهم *** سوى خيرة النسوان والله ذو مننوقال أبوسفيان بن حرب بن أمية ن أمية بن عبد شمس، حين بويع أبو بكر:ما كنت أحسب أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حَسَنِاليس أول من صلى لقبلتهم *** وأعلم الناس بالأحكام والسنن !وقال أبو الأسود الدؤلي يهدّد طلحة والزبير :وإن عليا لكم مُصْحِرٌ *** یمائله الأسد الأسودأما إنه أوّلُ العابدين *** بمکّة والله لایعبداوقال سعيد بن قيس الهمداني يرتجز بصفين :هذا عليّ وابن عمّ المصطفى ***أوّل مَن أجابه فيماروي *** هو الإمام لا يبالي مَن غَوَىوقال زفر بن يزيد بن حذيفة الأسديّ :فحُوطُوا عليا وانصروه فإنّه *** وصي وفي الإسلام أوّل أولوإن تخذلوه والحوادث جمّة *** فليس لكم عن أرضكم متحوّلقال: والأشعار كالأخبار، إذا امتنع في مجيء القبيلين التواطؤ والاتفاق، كان ورودهما حجة.فأما قول الجاحظ : فأوسط الأمور أن نجعل إسلامهما معاً، فقد أبطل بهذا ما اححتج بهلإمامة أبي بكر ، لأنه احتجّ بالسّبق، وقد عدل الآن عنه . قال أبو جعفر : ويقال لهم : لسنا نحتاج من ذكر سبق علي(علیه السلام إلا مجامعتكم إيانا على أنه أسلم قبل النّاس، ودعواكم أنه أسلم وهو طفل دعوى غير مقبولة لا بحجة، فإن قلتم : ودعوتكم أنّه أسلم وهو بالغ دعوى غير مقبولة إلاّ بحجّة ! قلنا : قد ثبت إسلامه بحكم إقراركم، ولو كان طفلاً لكان في الحقيقة غير مسلم، لأنّ)
الإيمان والإسلام والكفر والطاعة والمعصية إنما يقع على البالغين دون الأطفال والمجانين،وإذا أطلقتم وأطلقنا اسم الإسلام، فالأصل في الإطلاق الحقيقة ،كيف وقد قال النبي (صلى اللّه عليه واله ،«أنت أوّل من آمن بي ،وأنت أوّل من صدقني» (1). وقال لفاطمة: «زوجتك أقدمهم سلماً - أو :قال إسلاماً» (2)فإن قالوا : إنما دعاه النبي(صلی اللّه علیه واله) إلى الإسلام على جهة العَرْض لا التكليف.)قلنا : قد وافقتمونا على الدعاء، وحكم الدّعاء حكم الأمر والتكليف. ثم أدعيتم أن ذلك كان على وجه العرض ،وليس لكم أن تقبلوا الدعاء عن وجهه إلّا لحجة.فإن قالوا : لعلّه كان على وجه التأديب والتعليم، كما يُعتمد مثل ذلك مع الأطفال.قلنا : إنّ ذلك إنما يكون إذا تمكن الإسلام بأهله، أو عند النشوء عليه والولادة فيه ،فأما في دار الشِّرْك فلا يقع مثل ذلك، لاسيما إذا كان الإسلام غير معروف ولا معتاد بينهم ،على أنه ليس من سنّة النبّي(صلی اللّه علیه واله دعاء أطفال المشركين إلى الإسلام والتفريق بينهم وبين آبائهم، قبل أن يبلغوا الحلم.)وأيضاً فمن شأن الطفل اتباع أهله وتقليد أبيه ،والمضي على من منشته ومولده، وقد كانت منزلة النبي(صلی اللّه علیه واله حينئذ منزلة ضيق وشدّة ووحدة، وهذه منازل لا ينتقل إليها إلا من ثبت الإسلام عنده بحجّة، ودخل اليقين قلبه بعلم ومعرفة .)فإن قالوا : إن عليا(علیه السلام ما كان يألف النبي(صلی اللّه علیه واله)، فوافقه على طريق المساعدة له .)قلنا : إنه وإن كان يألفه أكثر من أبويه وإخوته وعمومته وأهل بيته، ولم يكن الإلف ليخرجه عما نشأ عليه، ولم يكن الإسلام مما عُذْيَ به وكرر على سمعه، لأنّ الإسلام هو خلع الأنداد والبراءة ممن أشرك باللّه، وهذا لا يجتمع في اعتقاد طفل.ومن العجب قول العباس لعفيف بن قيس : ننتظر الشيخ وما يصنع ! فإذا كان العباس وحمزة ينتظران أبا طالب، ويصدران عن رأيه، فكيف يخالفه ابنه ، ويؤثر القلة على الكثرة، ويفارق المحبوب إلى المكروه، والعزّ إلى الذل والأمن إلى الخوف عن غير معرفة ولا علم بما فيه!****فأما قوله : إنّ المقلّل يزعم أنه أسلم وهو ابن خمس سنين، والمكثر يزعم أنه أسلم وهو ابن تسع سنين، فأول ما يقال في ذلك: إنّ الأخبار جاءت في سنه(علیه السلام اليوم أسلم على خمسة)أقسام فجعلناه في قسمين :
القسم الأوّل: الذين قالوا : أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، حدّثنا بذلك أحمد بن سعيدالأسدي، عن إسحاق بن بشر القرشي، عن الأوزاعي، عن حمزة بن حبيب، عن شداد بن أوس، قال: سألت حباب بن الأرت عن إسلام عليّ، فقال: أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، ولقد رأيتُه يصلّي قبل الناس مع النبي (صلی اللّه علیه واله وهو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ. وروى عبد الرزّاق عن معمر ، عن قتادة عن الحسن، أنّ أوّل مَنْ أسلم علي بن أبي طالب، وهو ابن خمس عشرة سنة .)القسم الثاني : الذين قالوا إنه أسلم وهو ابن أربع عشرة سنة، رواه أبو قتادة الحرّاني، عن أبي حازم الأعرج، عن حذيفة بن اليمان ، قال :كنا نبعد الحجارة، ونشرب الخمر وعلي من أبناء أربع عشرة سنة قائم يصلي مع النبي(صلی اللّه علیه واله ليلاً ونهاراً، وقريش يومئذ تسافه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ما يذبّ عنه إلّا عليّ(علیه السلام). وروى ابن أبي شيبة عن جرير بن عبدالحميد، قال : أسلم علي وهو ابن أربع عشرة سنة (1).)القسم الثالث: الذين قالوا : أسلم وهو ابن إحدى عشرة سنة، رواه إسماعيل بن عبد اللّه الرَّقي، عن محمد بن عمر، عن عبد اللّه بن سمعان، عن جعفر بن محمد(صلی اللّه علیه واله ، عن أبيه عن محمد بن علي(علیه السلام) ، أن علياً حين أسلم كان ابن إحدى عشرة سنة . وروى عبد اللّه بن زياد المدني، عن محمد بن علي الباقي(علیه السلام) ، قال : أوّلُ مَنْ آمن باللّه علي بن أبي طالب، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وهاجر إلى المدينة وهو ابن أربعة وعشرين سنة سنة (2).)القسم الرابع: الذين قالوا: إنه أسلم وهو ابن عشر سنين . رواه نوح بن درّاج، عن محمد بن إسحاق قال: أوّل ذكَرِ آمَنَ وصدّق بالنبوّة علي بن أبي طالب(علیه السلام ، وهو ابن عشر سنين، ثمّ أسلم زيد بن حارثة ، ثم أسلم أبو بكر وهو ابن ست وثلاثين سنة فيما بلغنا .(3).)القسم الخامس : الذين قالوا إنه أسلم وهو ابن تسع سنين ، رواه الحسن بن عنبسة الوراق، عن سليم مولى الشُّعبي قال: أوّلُ مَنْ أسلم من الرّجال علي بن أبي طالب وهو ابن تسع سنين، وكان له يوم قبض رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله تسع وعشرون سنة (4).)****قال شيخنا أبو جعفر : فهذه الأخبار كما تراها فإما أن يكون الجاحظ جهلها، أو قصد العناد.
فأما قوله : «فالقياس أن نأخذ بأوسط الأمرين من الروايتين»، فنقول: إنه أسلم وهو ابن سنين. فإنّ هذا تحكّم منه ، ويلزمه مثله في رجل ادعى قبل رجل عشرة دراهم، فأنكر ذلك سبع وقال : إنما يستحقُ قبلي أربعة دراهم، فينبغي أن نأخذ الأمر المتوسط ويلزمه سبعة دراهم، ويلزمه في أبي بكر حيث قال قوم: كان كافراً، وقال قوم: كان إماماً عادلاً أن نقول : أعدل الأقاويل أوسطها وهو منزلة بين المنزلتين، فنقول : كان فاسقاً ظالماً، وكذلك في جميع الأمور المختلف فيها .فأما قوله : وإنّما يُعرف حق ذلك من باطله بأن نحصي سني ولاية عثمان وعمر وأبي بكر وسني ،الهجرة، ومُقَام النبي(صلی اللّه علیه واله بمكّة بعد الرّسالة إلى أن هاجر، فيقال له : لو كانت الروايات متفقة على هذه التأريخات ، لكان لهذا القول مساح، ولكن الناس قد اختلفوا في ذلك، فقيل: إن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أقام بمكة بعد الرّسالة خمس عشرة سنة، رواه ابن عباس، وقيل ثلاث عشرة سنة، وروي عن ابن عبّاس أيضاً، وأكثر الناس يرونه . وقيل عشر سنين، رواه عُروة بن الزبير، وهو قول الحسَن البَصْري وسعيد بن المسيب واختلفوا في سنّ رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ،فقال قوم: كان ابن خمس وستين وقيل كان ابن ثلاث وستين وقيل : كان ابن ستين واختلفوا في سنّ علي(علیه السلام) فقيل :كان ابن سبع وستين، وقيل : كان ابن خمس وستين .وقيل ابن ثلاث وستين ،وقيل: ابن ستين ،وقيل ابن تسع وخمسين .)فكيف يمكن مع هذه الاختلافات تحقيق هذه الحال وإنّما الواجب أن يرجع إلى إطلاق قولهم : أسلم علي، فإن هذا الاسم لا يكون مطلقاً إلا على البالغ، كما لا يطلق اسم الكافر إلاّ على البالغ على أن ابن إحدى عشرة سنة يكون بالغاً، ويولد له الأولاد، فقد رَوَت الرواة أن عمرو بن العاص لم يكن أسنّ من ابنه عبد الله إلا باثنتي عشرة سنة، وهذا يوجب أنه احتلم وبلغ من أقل من إحدى عشرة سنة .وروي أيضاً أن محمد بن عبد اللّه بن العباس ،كان أصغر من أبيه علي بن عبد اللّه بن العباسبإحدى عشرة سنة، فيلزم الجاحظ أن يكون عبد اللّه بن العبّاس حين مات رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله مسلم على الحقيقة، ولا مثاب ولا مطيع بالإسلام، لأنه كا يومئذٍ ابن عشر سنين . رواه هشيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال : توفي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وأنا ابن عشر سنين .)****قال الجاحظ : فإن قالوا : فلعلّه وهو ابن سبع سنين أو ثماني سنين، قد بلغ من فطنته وذكائهوصحة لبة وصدق حدسه وانكشاف العواقب له وإن لم يكن جرّب الأمور، ولا فاتح الرّجال ولا نازع الخصوم، ما يعرف به جميع ما يجب على البالغ معرفته والإقرار به !
قيل لهم : إنما نتكلّم على ظواهر الأحوال، وما شاهدنا عليه طبائع الأطفال، فإنا وجدنا حكم ابن سبع سنين أو ثمان - ما لم يعلم باطن أمره وخاصة طبعه - حكم الأطفال، وليس لنا أن نُزيل ظاهر حكمه والذي نعرف من حال أفناء جنسه بلعل وعسى، لأنا وإن كنا لا ندري، لعله قد كان ذا فضيلة في الفطنة فلعله قد كان ذا نقص فيها !هذا على تجويز أن يكون علي (علیه السلام في الغيب قد أسلم وهو ابن سبع أو ثمان إسلام البالغ، غير أن الحكم على مجرى أمثاله وأشكاله الذين أسلموا وهم في مثل سنّه إذ كان إسلام هؤلاء عن تربية الحاضن، وتلقين القيم، ورياضة السائس .)فأما عند التحقيق، فإنّه لا تجويز لمثل ذلك، لأنه لو كان أسلم، وهو ابن سبع أو ثمان وعرف فضل ما بين الأنبياء والكهنة ،وفرق ما بين الرّسل والسحرة، وفرق ما بين خبر النبّي والمنجم، وحتى عرف كيد الأريب، وموضع الحجة، وبعد غور المتنبي، كيف يلبس على العقلاء، وتستمال عقول الدهماء، وعرف الممكن في الطبع من الممتنع، وما يحدث بالاتفاق ممّا يحدث بالأسباب، وعرف قدر القُوى وغاية الحيلة ومنتهى التمويه والخديعة، وما لا يحتمل أن يحدثه إلا الخالق سبحانه، وما يجوز على الله في حكمته مما لا يجوز، وكيف التحفظ من الهوى والاحتراس من الخداع، لكان كونه على هذه الحال وهذه مع فرط الصبا والحداثة وقلّة التجارب والممارسة خروجاً من العادة. ومن المعروف ممّا عليه تركيب هذه الخِلْقة، وليس يصل أحد إلى معرفة نبي وكذب متنبىء، حتى يجتمع فيه هذه المعارف التي ذكرناها، والأسباب التي وصفناها وفضلناها، ولو كان عليّ (علىه السلامهذه الصفة ومعه هذه الخاصيّة لكان حجّةً على العامة، وآية تدلّ على النبوّة، ولم يكن اللّه عزّ وجلّ ليخصه بمثل هذه الأعجوبة إلا وهو يريد أن يحتج بها، ويجعلها قاطعةً لعذر الشاهد وحجّة على الغائب. ولولا أن اللّه أخبر عن يحيى بن زكريا أنه أتاه الحكم صبياً، وأنه أنطق عيسى في المهد ما كانا في الحُكْم وَلاَ في المغيب، إلا كسائر الرّسل وما عليه جميع البشر . فإذا لم ينطق لعلي (علیه السلام)بذلك ،قرآن ولا جاء الخبرُ به مجيء الحجّة القاطعة، والمشاهدة القائمة، فالمعلوم عندنا في الحُكْم أن طباعه كطباع عَمّيه حمزة والعباس، وهما أمس بمعدن جماع الخير منه، أو كطباع جعفر وعَقِيل من رجال ،قومه وسادة رهطه ،ولو أنّ إنساناً ادّعى مثل ذلك لأخيه جعفر أو لعمّيه حمزة والعباس ،ما كان عندنا في أمره إلا مثل ما عندنا فيه)****أجاب شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه ، فقال : هذا كلّه مبنّي على أنه أسلم وهو ابن سبع أو ثمان، ونحن قد بينا أن أسلم بالغاً ابن خمس عشرة سنة ،أو ابن أربع عشرة سنة، على أنا لو نزلنا على حُكم الخصوم، وقلنا ما هو الأشهر والأكثر من الرواية، وهو أنّه أسلم وهو ابن عشر
لم يلزم ما قاله الجاحظ، لأنّ ابن عشر قد يستجمع عقله، ويعلم من مبادىء المعارف ما يستخرج به كثيراً من الأمور المعقولة، ومتى كان الصبي عاقلاً مميزاً كان مكلّفاً بالعقليّات، وإن كان تكليفه بالشرعيّات موقوفاً على حدّ آخر وغاية أخرى، فليس بمنكر أن يكون علي(علیه السلام وهو ابن عشر قد عقل المعجزة، فلزمه الإقرار بالنبّوة، وأسلم إسلام عالم عارف ،لا إسلام مقلّد تابع ، وإن كان ما نسقه الجاحظ وعددّه من معرفة السحّر والنجّوم والفصل بينهما وبين النبوّة، ومعرفة ما يجوز في الحكمة مما لا يجوز، وما لا يحدثه إلّا الخالق، والفرق بينه وبين ما يقدر عليه القادرون بالقذرة، ومعرفة التمويه والخديعة، والتلبيس والمماكرة، شرطاً في صحة الإسلام لما صح إسلام أبي بكر ولا عمر ولا غيرهما من العرب، وإنما التكليف لهؤلاء بالجمل ومبادىء المعارف لا بدقائقها والغامض منها، وليس يفتقر الإسلام إلى أن يكون المسلم قد فاتح الرّجال وجرب الأمور ونازع الخصوم، وإنما يفتقر إلى صحة الغريزة وكمال العقل وسلامة الفطرة، ألا ترى أن طفلاً لو نشأ في دار لم يعاشر النّاس بها، ولا فاتح الرجال، ولا نازع الخصوم، ثم كَمَل عقله، وحصلت العلوم البديهية عنده، لكان مكلفاً بالعقليات!)فأمّا توهمّه أن عليا(علیه السلام أسلم عن تربية الحاضن، وتلقين القيم، ورياضة السائس فلعمري إنّ محمداً لله كان حاضنّه وقيمّه وسائسه، ولكن لم يكن منقطعاً عن أبيه أبي طالب ،ولا عن إخوته طالب وعقيل وجعفر، ولا عن عُمومته وأهل بيته، وما زال مخالطاً لهم ،ممتزجاً خدمته لمحمد (صلی اللّه علیه واله) ، فما باله لم يمل إلى الشِّرك وعبادة الأصنام لمخالطته إخوته بهم، مع وأباه وعمومته وأهله، وهم كثير ومحمد(صلی اللّه علیه واله) واحد ! وأنت تعلم أن الصبي إذا كان له أهل ذوو كثرة، وفيهم واحد يذهب إلى رأي مفرد ،لا يوافقه عليه غيره منهم، فإنّه إلى ذَوِي الكثرة أميلُ، وعن ذي الرأي الشاذ المنفرد أبعد، وعَلَى أن عليا(علیه السلام) لم يولد في دار الإسلام، وإنّما ولد في دار الشرك وربي بين المشركين، وشاهد الأصنام، وعاين بعينيه أهله ورهطه يعبدونها، فلو كان في دار الإسلام لكان في القول مجال، ولقيل إنه ولد بين المسلمين، فإسلامه عن تلقين الظئر وعن سماع كلمة الإسلام ومشاهدة شعاره لأنه لم يسمع غيره، ولا خطر بباله سواه، فلمّا لم يكن ولد كذلك، ثبت أن إسلامه إسلام المميّز العارف بما دخل عليه . ولولا أنّه كذلك لما مدحه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) هو بذلك ، ولا أرضى ابنته فاطمة لما وجدت من تزيجه بقوله لها : زوجتك أقدمهم سلماً ، ولا قرن إلى قوله :«وأكثرهم علماً ، وأعظمهم حلماً»، والحلم العقل، وهذان الأمران غاية الفضل، فلولا أنه أسلم إسلام عارف عالم مميّز لما ضمّ إسلامه إلى العلم والحِلْم اللذين وصفه بهما وكيف يجوز أن يمدحه بأمر لم يكن مثاباً عليه، ولا معاقباً به لو تركه، ولو كان إسلامه عن تلقين وتربية لما افتخر هو(علیه السلام) به على رؤوس الأشهاد، ولا خطب عَلَى المنبر، وهو بين عدو ومحارب، وخاذل منافق، فقال: أنا عبد اللّه وأخو رسوله وأنا الصديق)
الأكبر والفاروق الأعظم، صلّيتُ قبل الناس سبع سنين، وأسلمت قبل إسلام أبي بكر، وآمنت قبل إيمانه ! فهل بلغكم أن أحداً من أهل ذلك العصر أنكر ذلك أو عابه أو ادعاه لغيره، أو قال له : إنما كنت طفلاً أسلمت على تربية محمد (صلی اللّه علیه والهذلك، وتلقينه إياك، كما يُعلَّم الطفل الفارسية والتركية منذ يكون رضيعاً !فلا فخر له في تعلم ذلك، وخصوصاً في عصر قد حارب فيه أهل البصرة والشام والنهروان، وقد اعتورته الأعداء وهَجَتْه الشعراء، فقال فيه النعمان بن بشير :)لَقَدْ طَلَبَ الخلافة من بعيد *** وسارع في الضَّلال أبو تُرَابِمعاوية الإمام وأنت مِنْها *** على وتح (1بمنقطع السراب)وقال فيه أيضاً بعض الخوارج:دَسَسْنا له تحت الظلام ابن ملجم *** جزاء إذا ما جاء نفساً كتابهاأبا حسن خذها على الرأس ضَرْبَةٌ *** بکف کریم، بعد موت ثوابهاوقال عمران بن حطان يمدح قاتله :يا ضربةً من تقي ما أراد بها *** الّا ليبلغ من ذي العرش رضواناًإنّي لأذكره حيناً فأحسبه *** أوفى البرية عند اللّه ميزاناًفلو وجد هؤلاء سبيلاً إلى دَحْض حجّة فيما كان يفخر به من تقدم إسلامه، لبدأوا بذلكوتركوا ما لا معنى له .وقد أوردنا ما مدحه الشعراء به من سبقه إلى الإسلام، فكيف لم يُرَدّ على هؤلاء الذين مدحوه بالسبّق شاعرٌ واحد من أهل حزبه ! ولقد قال في أمهات الأولاد قولاً خالف فيه عمر، فذكروه بذلك وعابوه ،فكيف تركوا أن يعيبوه بما كان يفتخر به ممّا لا فخر فيه عندهم، وعابوه بقوله في أمهات الأولاد.ثم يقال له : خَبّرنا عن عبد اللّه بن عمر - وقد أجازه النبي(صلی اللّه علیه واله يوم الخندق، ولم يجزه يوم أحد - هل كان يُميّز ما ذكرته؟ وهل كان يعلم فَرْق ما بين النبي والمتنبي، ويفصل بين السحر والمعجزة، إلى غيره مما عدّدت وفضلت !)فإن قال : نعم، وتجاسر على ذلك ،قيل له : فعلي(علیه السلام بذلك أولى من ابن عمر،لأنه أذكى وأفطن بلا خلاف بين العقلاء، وأنّى يُشك في ذلك، وقد رويتم أنه لم يميز بين الميزان والعُود بعد طول السن، وكثرة التجارب، ولم يميّز أيضاً بين إمام الرّشد وإمام الغيّ، فإنه امتنع من بيعة علي (علیه السلام). وطرق على الحجّاج بابه ليلاً ليبايع لعبد الملك، كيلاً يبيت تلك الليلة بلا)
1) الوتح: القليل التافه من الشيء القاموس، مادة (وتح).
إمام، زعم لأنه روي عن النبي(صلی اللّه علیه والهأنه قال:«من مات ولا إمام له مات ميتةجاهلية» (1)، حتى بلغ من احتقار الحجّاج حاله، واسترذاله حاله أن أخرج رجله من الفراش، فقال : أصفق بيدك عليها ، فذلك تمييزه بين الميزان والعود، وهذا اختياره في الأئمة، وحال علي(علیه السلام) في ذكائه وفطنته، وتوقّد حسّه ، وصدق حدّسه معلومة مشهورة، فإذا جاز أن يصحّ إسلام ابن عمر، ويقال عنه إنه عرف تلك الأمور التي سردها الجاحظ ونسقها ،وأظهر فصاحته وتشدّقه فيها، فعليّ بمعرفة ذلك ،أحق، وبصحة إسلامه أوّلى.)وإن قال : لم يكن ابن عمر يعلمُ ويعرف ذلك، فقد أبطل إسلامه، وطعن في رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله حيث حكم بصحة إسلامه وأجازه يوم الخندق، لأنه(صلی اللّه علیه واله)كان قال : «لا أجيز إلا البالغ العاقل»، ولذلك لم يجزء يوم أحد.)ثم يقال له : إن ما نقوله في بلوغ علي(علیه السلام الحدّ الذي يحسن فيه التكليف العقلي بل يجب - وهو ابن عشر سنين – ليس بأعجب من مجيء الولد لستة أشهر، وقد صحح ذلك أهل العلم، واستنبطوه من الكتاب، وإن كان خارجاً من التعارف والتجارب والعادة. وكذلك مجيء الولد لسنتين خارج أيضاً عن التعارف والعادة، وقد صححه الفقهاء والناس.)ويُرْوَى أن معاذاً لما نهى عمر عن رَجّم الحامل تركها حتى ولدت غلاماً قد نبتت ثنيتاه، فقال أبوه : ابني ورب الكعبة !فثبت ذلك سنّةً يعمل بها الفقهاء، وقد وجدنا العادة تقضي بأن الجارية تحيض لاثنتي عشرة سنة، وأنّه أقل منّ تحيض فيه المرأة، وقد يكون في الأقل نساء يحضن لعشر ولتسع، وقد ذكر ذلك الفقهاء، وقد قال الشافعي في اللعان: لو جاءت المرأة بحمل وزوجها صبي له دون عشر سنين، لم يكن ولداً له، لأن من لم يبلغ عشر سنين من الصبيان لا يولد له ، وإن كان له عشر سنين جاز أن يكون الولد له، وكان بينهما لعان إذا لم يقرّ به . وقال الفقهاء أيضاً : إن نساء تهامة يحضنَ لتسع سنين ، لشدة الحر ببلادهّن.****قال الجاحظ: ولو لم يعرف باطل هذه الدعوى مَنْ آثر التقوى، وتحفظ من الهوى، إلا بترك علي (علیه السلامذكر ذلك لنفسه والاحتجاج به على خصمه، وقد نازع الرجال وناوَى الأكفاء، وجامع أهل الشورى، لكان كافياً، ومتى لم تصحّ لعلي (علیه السلام)هذه الدعوى في أيّامه، ولم يذكرها أهل عصره، فهي عن ولده أعجز، ومنهم أضعف! ولم يُنقل أن عليا(علیه السلام) واحتج بذلك في موقف ،ولا ذكره في مجلس ،ولا قام به خطيباً،)
1) أخرجه الأميني في الغدير : 360/10 .
ولا أدلى به واثقاً، لاسيما وقد رضيه الرّسول(صلی اللّه علیه واله عندكم مفزعاً ومعلماً، وجعله للناس إماماً . ولا ادعى له أحدٌ ذلك في عصره، كما لم يدعه لنفسه، حتى يقول إنسان واحد : الدليل عَلَى إمامته أن النبي(صلی اللّه علیه واله) ودعاه إلى الإسلام أو كلّفه التصديق قبل بلوغه، ليكون ذلك آية للناس في عصره، وحجّة له ولوده من بعده، فهذا كان أشدّ على طلحة والزبير وعائشة من كل ما ادعاه من فضائله فضائله وسوابقه وذكر قرابته .)****قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : إن مثل الجاحظ مع فضله وعلمه، لا يخفى عليه كذب هذه الدعوى وفسادها، ولكنّه يقول ما يقوله تعصباً وعناداً، وقد روى الناس كافة، افتخار، علي بالسبق إلى الإسلام ، وأن النبي(صلی اللّه علیه واله استنبىء يوم الإثنين، وأسلم عليّ يوم الثلاثاء، وأنه كان يقول : صلّيت قبل الناس سبع سنين، وأنه ما زال يقول : أنا أوّلُ مَنْ أسلم، ويفتخر بذلك، ويفتخر له به أولياؤه ومادحوه وشيعته في عصره وبعد وفاته. والأمر في ذلك أشهر من كل شهير، وقد قدّمنا منه طَرَفاً، وما علمنا أحداً من الناس فيما خلا استخف بإسلام علي(علیه السلام) ، ولا تهاون به، ولا زعم أنه أسلم إسلام حَدَثٍ غرير، وطفل صغير، ومن العَجَب أن يكون مثل العبّاس وحمزة ينتظران أبا طالب وفعله، ليُصدِرا عن رأيه، ثم يخالفه علي ابنه لغير رغبة ولا رهبة، يؤثر القلة على الكثرة، والذل على العزّة، من غير علم ولا معرفة بالعاقبة.)وكيف ينكر الجاحظ والعثمانية أن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله دَعاه إلى الإسلام وكلّفه التصديق!)وقد روي في الخبر الصحيح أنه كلفه في مبدأ الدعوة قبل ظهور كلمة الإسلام وانتشارها بمكة أن يصنع له طعاماً، وأن يدعو له بني عبد المطلب، فصنع له الطعام، ودعاهم له، فخرجوا ذلك اليوم، ولم ينذرهم صلّى الله عليه وآله لكلمة قالها عمّه أبو لهب ، فكلّفه في اليوم الثاني أن يصنع مثل ذلك الطعام، وأن يدعوهم ثانية، فصنعه، ودعاهم فأكلوا، ثم كلّمهم(صلی اللّه علیه واله قد عاهم إلى الدين، ودعاء معهم لأنه من بني عبد المطلب، ثم ضمن لمن يؤازره منهم وينصره على قوله أن يجعله أخاه في الدين، ووصيَّه بعد موته، وخليفته من بعده، فأمسكوا كلُّهم وأجابه هو وحده ، وقال : أنا أنصرك على ما جئت به وأوازرك وأبايعك، فقال لهم لما رأى منهم الخذلان ومنه ،النصر، وشاهد منهم المعصية ومنه الطاعة، وعاين منهم الإباء ومنه الإجابة: هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي (1)، فقاموا يسخرون ويضحكون، ويقولون لأبي طالب : أطع ابنك، فقد أمره عليك، فهل يكلّف عمل الطعام ودعاء القوم صغير مميّز وغِرٌّ غير عاقل ! وهل يؤتمن على سرّ النبوّة طفل ابن خمس سنين أو ابن سبع ! وهل يُدعى)
1) أخرجه الطبري في تاريخه» (543/1) ، وذكره في كنز العمال) (36371) ونسبه للطيري .
في جملة الشيوخ والكهول إلا عاقل لبيب ! وهل يضع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يده في يده، ويعطيه صَفْقَة يمينه، بالإخوة والوصيّة والخلافة إلا وهو أهل لذلك، بالغ حدّ التكليف، محتمل لولاية الله وعداوة أعدائه! وما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه، ولم يلصق بأشكاله، ولم يُرَ مع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه، وهو كأحدهم في طبقته، كبعضهم في معرفته !)وكيف لم ينزع إليهم في ساعة من ساعاته، فيقال : دعاه داعي الصبا وخاطر من خواطر الدنيا، وحملته الغرّة والحداثة على حضور لهوهم والدخول في حالهم، بل ما رأيناه إلا ماضياً . على إسلامه، مصمّماً في أمره، محققاً لقوله بفعله، قد صدق إسلامه بعفافه وزهده، ولصق برسول الله (صلى اللّه عليه واله من بين جميع من بحضرته، فهو أمينه وأليفه في دنياه وآخرته، وقد قهر شهوته، وجاذب خواطره، صابراً على ذلك نفسه ،لما يرجو من فوز العاقبة وثواب الآخرة، وقد ذكر هو(علیه السلام) في كلامه وخُطبه بدء حاله وافتتاح أمره، حيث أسلم لما دعا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الشجرة ، فأقبلت تخد (1)الأرض (2)، فقالت قريش: ساحر خفيف السحر! فقال علي (علیه السلام): يا رسول اللّه ، أنا أوّل مَنْ يؤمن بك آمنت باللّه ورسوله وصدّقتك فيما جئتَ به وأنا أشهد أن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تصديقاً لنبوّتك، وبرهاناً على صحة دعوتك (3)، فهل يكون إيمان قط أصح من هذا الإيمان وأوثق عُقْدةً، وأحكم مرة! ولكن حَنَقُ العثمانية وغيظهم، وعصبية الجاحظ وانحرافه مما لا حيلة فيه. ثم لينظر المنصف وليدع الهوى جانباً، ليعلم نعمة اللّه على علي (علیه السلام) بالإسلام حيث أسلم على الوضع الذي أسلم عليه ، فإنه لولا الألطاف التي خُصّ بها، والهداية التي مُنحها، لما كان إلا كبعض أقارب محمد (صلى اللّه عليه وأهله)، فقد كان ممازجاً له كممازجته، ومخالطاً له كمخالطة كثير من أهله ورهطه، ولم يستجب منهم أحد له إلا بعد حين. ومنهم من لم يستجب له أصلاً، فإن جعفراً (علیه السلام)كان ملتصقاً به، ولم يُسلم حينئذ، وكان عُتبة بن أبي لهب ابن عمه وصهره زوج ابنته ولم يصدّقه، بل كان شديداً عليه، وكان لخديجة بنون من غيره، ولم يسلموا حينئذ، وهم ربائبة ومعه في دار واحدة. وكان أبو طالب أباه في الحقيقة وكافله وناصره، والمحامي عنه، ومَنْ لولاه لم تقم له قائمة، ومع ذلك لم يُسلم في أغلب الروايات، وكان العبّاس عمه وصنو أبيه، وكالقرين له في الولادة والمنشأ والتربية ، ولم يستجب له إلا بعد حين طويل، وكان أبو لهب عمّه، وكدمه ولحمه ، ولم يسلم، وكان شديداً عليه، فكيف ينسب إسلام علي (علیه السلام)إلى الإلف والتربية)
والقرابة واللّحمة والتلّقين والحضانة، والدار الجامعة، وطول العشرة والأنس والخلوة !وقد كان كلّ ذلك حاصلاً لهؤلاء أو لكثير منهم، ولم يهتد أحد منهم إذ ذاك، بل كانوا بين من جَحَد وكَفَر ومات على كفره، ومَنْ أبطأ وتأخّر، وسبق بالإسلام وجاء سُكَيْتاً (1، وقد فاز بالمنزلة غيره.)وهل يدلّ تأمل حال علي(علیه السلام مع الإنصاف إلا على أنه أسلم لأنه شاهد الأعلام، ورأى المعجزات، وشمّ ريح النبوة، ورأى نور الرسالة، وثبت اليقين في قلبه بمعرفة وعلم ونظر صحيح، لا بتقليد ولا حَمِيَّةٍ ،ولا رغبة ولا رهبة ، إلا فيما يتعلق بأمور الآخرة.)قال الجاحظ: فلو أن علياً(علیه السلام كان بالغاً حيث أسلم، لكان إسلام أبي بكر وزيد بن)حارثة وخباب بن الأرت أفضل من إسلامه، لأن إسلام المقتضب الذي لم يعتدّ به ولم يعوّده ولم يمرّن عليه ، أفضلُ من إسلام الناشيء الذي رُبِّي فيه، ونشأ وحبب إليه، وذلك لأن صاحب التربية يبلغ حيث يبلغ وقد أسقط إلفه عنه مؤنة الروية والخاطر، وكفاه علاج القلب واضطراب النفس، وزيد وخباب وأبو بكر يعانون من كُلفة النظر ومؤنة التأمل ومشقة الانتقال من الدِّين الذي قد طال الفهم له ما هو غير خاف ولو كان علي حيث أسلم بالغاً مقتضباً كغيره ممن عددنا ، كان إسلامهم أفضل من إسلامه، لأن من أسلم وهو يعلم أن له ظهراً كأبي طالب وردة كبني هاشم، وموضعاً في بني عبد المطلب ليس كالحليف والمولي، والتابع والعسيف (2، وكالرجل من عُرض قريش. أولستَ تعلم أن قريشاً خاصّةً وأهل مكة عامّة لم يقدروا على أذى النبي(صلی اللّه علیه واله) ، ما كان أبو طالب حيًّا ! وأيضاً فإنّ أولئك اجتمع مع فراق الإلف مشقة الخواطر، وعلي (علیه السلام)كان بحضرة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، يشاهد الأعلام في كلّ وقت ،ويحضر منزل الوحي، فالبراهين له أشدُّ انكشافاً، والخواطر على قلبه أقل اعتلاجاً، وعلى قدر الكلفة والمشقة يعظم الفضل ويكثر الأجر.)قال أبو جعفر رحمه اللّه : ينبغي أن ينظر أهل الإنصاف هذا الفضل، ويقفوا على قول الجاحظ والأصمّ في نصرة العثمانية واجتهادهما في القصد إلى فضائل هذا الرجل، وتهجينها، فمرة يبطلان معناها، ومرّة يتوصلان إلى حطّ ،قدرها فلينظر في كلّ باب اعترضا فيه ،أين بلغت
حيلتهما، وما صنعا في احتيالهما في قصصهما وسجعهما ! أليس إذا تأملتها علمت أنها ألفاظ ملفقة بلا معنى، وأنّها عليها شجى وبلاء! وإلا فما عسى أن تبلغ حيلة الحاسد ويغني كيد الكائد الشانى لمن قد جلّ قدره عن النقص، وأضاءت فضائله إضاءة الشمس! وأين قول الجاحظ، من دلائل السماء وبراهين الأنبياء، وقد علم الصغير والكبير، والعالم والجاهل، ممن بلغه ذكرُ علي(علیه السلام ، وعلم مبعث النبي(صلی اللّه علیه واله) أن علياً (علیه السلام) لم يولد في دار الإسلام، ولا عُدّي في حِجْر الإيمان، وإنما استضافه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى نفسه سَنَة القَحْط والمجاعة، وعمره يومئذ ثماني سنين، فمكث معه سبع سنين حتى أتاه جبرائيل بالرسالة، فدعاه وهو بالغ كامل العقل إلى الإسلام، فأسلم بعد مشاهدة المعجزة، وبعد إعمال النّظر والفكرة، وإن كان قد ورد في كلامه أنه صلى سبع سنين قبل الناس كلّهم، فإنما يعني ما بين الثمان والخمس عشرة، ولم يكن حينئذٍ دعوة ولا رسالة ولا ادّعاء نبوّة، وإنما كان رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يتعبّد على ملّة إبراهيم ودين الحنيفيّة، ويتحنث ، ويجانب الناس، ويعتزل ويطلب الخلوة، وينقطع في جبل حراء، وكان علي(علیه السلام) معه كالتابع والتلميذ، فلما بلغ الحلم، وجاءت النبي(صلی اللّه علیه واله) الملائكةُ، ويشْرَته بالرسالة، دعاه فأجابه عن نظر ومعرفة بالأعلام المعجزة، فكيف يقول الجاحظ إن إسلامه لم يكن مقتضباً !)وإن كان إسلامه ينقص عن إسلام غيره في الفضيلة لما كان يمرن عليه من التعبّد رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهقبل الدعوة، لتكونَنَّ طاعة كثير من المكلّفين أفضل من طاعة رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) وأمثاله من المعصومين، لأنّ العصمة عند أهل العدّل لطف يمنع من اختصّ به من ارتكاب القبيح، فمن اختصّ بذلك اللطّف كانت الطاعة عليه أسهل، فوجب أن يكون ثوابه أنقص من ثواب من أطاع مع تلك الألطاف !)وكيف يقول الجاحظ إن إسلامه ناقص عن إسلام غيره، وقد جاء في الخبر أنه أسلم يوم الثلاثاء، واستنيء النبي (صلی اللّه علیه واله يوم الإثنين، فمن هذه حاله لم تكثر حجج الرسالة على سمعه، ولا تواترت أعلام النبوة على مشاهدته، ولا تطاول الوقت عليه لتخف ،محنته، ويسقط ثقل تكليفه بل بان فضله، وظهر حسن اختياره لنفسه، إذا أسلم في حال بلوغه، وعانى نوازع طبعه ولم يؤخر ذلك بعد سماعه .)وقد غمر الجاحظ في كتابه هذا أن أبا بكر كان قبل إسلامه مذكوراً، ورئيساً معروفاً، يجتمع إليه كثير من أهل مكة فينشدون الأشعار ويتذاكرون الأخبار، ويشربون الخمر، وقد سمع دلائل النبوة وحجج الرّسل، وسافر إلى بلدان، ووصلت إليه الأخبار، وعرف دعوى
الكَهَنة وحِيَل السحرة، ومن كان كذلك كان انكشاف الأمور له أظهر والإسلامُ عليه أسهل. والخواطر على قلبه أقل اعتلاجاً، وكلُّ ذلك عَوْنٌ لأبي بكر على الإسلام، ومسهل إليه سبيله، ولذلك لما قال النبي(صلی اللّه علیه واله : «أتيتُ بيت المقدس» (1)سأله أبو بكر عن المسجد ومواضعه، فصدقه وبان له أمره، وخفّت مؤنته لما تقدم من معرفته بالبيت، فخرج إذا إسلام أبي بكر على قول الجاحظ من معنى المقتضب. وفي ذلك رويتم عنه(صلی اللّه علیه واله) أنه قال: «ما دعوتُ أحداً إلى الإسلام إلا وكان له تردّد ونبوة، إلا ما كان من أبي بكر، فإنّه لم يتلعثم حتى هجم به اليقين إلى المعرفة والإسلام»، فأين هذا وإسلام من خُلّي وعقله، وأنجيء إلى نظره، مع صغر سنّة، واعتلاج الخواطر على قلبه ونشأته، في ضدّ ما دخل فيه، والغالب على أمثاله وأقرانه اللعب واللهو، فلجأ إلى ما ظهر له من دلائل الدّعوة، ولم يتأخر إسلامه فيلزمه التقصير بالمعصية، فقهر ،شهوته، وغالب خواطره، وخرج من عادته وما كان خُذْيَ به لصحة نظره، ولطافة فكره وغامض فهمه، فعظم استنباطه، ورجح فضله، وشرف قدر إسلامه، ولم يأخذ من الدنيا بنصيب، ولا تنعم فيها بنعيم حَدَثاً ولا كبيراً، وحمى حَدَثاً ولا كبيراً، وحمى نفسه عن الهوى، وكسر شرة حداثته بالتَّقْوى، واشتغل بهم الدين عن نعيم الدنيا، وأشغل هم الآخرة قلبه، ووجه إليه رغبته، فإسلامه هو السّبيلُ الذي لم يُسلم عليه أحدٌ غيره، وما سبيله في ذلك إلا كسبيل الأنبياء، ليعلم أن منزلته من النبي (صلی اللّه علیه واله)كمنزلة هارون من موسى ،وأنّه وإن لم يكن نبيا ، فقد كان في سبيل الأنبياء سالكاً، ولمنهاجهم متبعاً ، وكانت حاله كحال إبراهيم(صلی اللّه علیه واله) ، فإن أهل العلم ذكروا أنه لما كان صغيراً جعلته أمّه في سَرَب لم يطلع عليه أحد، فلمّا نشأ ودرَج وعقل قال لأمه : مَنْ ربي؟ قالت : أبوك ، قال : فمن ربّ أبي؟ فزبَرته ونهرته إلى أن طلع من شقّ السَّرَب، فرأى كوكباً، فقال: هذا ربّي، فلما أفل قال : لا أحب الأفلين، فلما رأى القمر بازغاً قال : هذا ربّي، فلما أفَل قال : لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال : هذا ربي هذا أكبر فلما أفلتُ قال : يا قوم إني بريء مما تشركون، إنّي وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين، وفي ذلك يقول اللّه جل ثناؤه ( وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُونَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (2)، وعلى هذا كان إسلام الصديق الأكبر(علیه السلام) ، لسنا نقول إنّه كان مساوياً له في الفضيلة، ولكن كان مقتدياً بطريقه على ما قال اللّه تعالى :(وإِن أَولَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللَّهُ وَلِي الْمُؤْمِنِينَ) .(3)وأما اعتلال الجاحظ بأن له ظهراً كأبي طالب وردءًا كبني هاشم، فإنه يوجب عليه أن تكون مخنة أبي بكر وبلال وثوابهما وفضل إسلامهما أعظم مما لرسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، لأن أبا)
طالب ظهره، وبني هاشم رذوه وحسبك جهلاً من معاند لم يستطع حظّ قدر علي(علیه السلام إلا)ال بحطّه من قدّر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ! ولم يكن أحد أشد على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من قراباته، الأذنى فالأدنى، كأبي لهب عمه وامرأة أبي لهب ،وهي أم جميل بنت حَرْب بن أمية وإحدى أولاد عبد مناف، ثم ما كان من عُقبة بن أبي معيط ،وهو ابن عمه ،وما كان من النضر بن الحارث، وهو من بني عبد الدار بن قصي، وهو ابن عمه أيضاً، وغير هؤلاء ممن يطوف تعداده، وكلّهم كان يطرحُ الأذى في طريقه، وينقل أخباره، ويرميه بالحجارة، الكرش)ويرمي والفَرْث عليه ، وكانوا يؤدون عليا(علیه السلام كأذاه ، ويجتهدون في غمّه ويستهزون به، وما كان لأبي بكر قرابة تؤذيه كقرابة عليّ، ولما كان بين علي وبين النبي(صلی اللّه علیه واله) من الاتحاد والإلف والاتفاق، أحجم المنافقون بالمدينة عن أذى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)خوفاً من سيفه، ولأنه صاحب الدار والجيش ،وأمره ،مطاع ،وقوله نافذ ،فخافوا على دمائهم ،منه، فاتَّقَوْه، وأمسكوا عن إظهار بغضه، وأظهروا بغض عَلي(علیه السلام) وشنانه، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في حقّه في الخبر الذي روي في جميع الصحّاح :«لا يحبك إلا مؤمن ولا يُبغضك إلى منافق» (1)وقال كثير من أعلام الصحابة - كما رُوِيَ في الخبر المشهور بين المحدّثين :«ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغص علي ابن أبي طالب»(2). وأين كان ظهر أبي طالب عن جعفر، وقد أزعجه .الأذى عن وطنه، حتى هاجر إلى بلاد الحبشة وركب البحر، أيتوهم الجاحظ أن أبا طالب نصر علياً، وخذل جعفراً !)قال الجاحظ: ولأبي بكر فضيلة في إسلامه أنه كان قبل إسلامه كثير الصّدق، عريض الجاه ، ذا يسار وغنّى، يعظم لماله ، ويُستفاد من رأيه، فخرج من عزّ الغنى وكثرة الصدق إلى ذُلّ الفاقة وعجز الوحدة، وهذا غير إسلام مَنْ لا حَرَاك به، ولا عزّ له، تابع غير متبوع، لأنّ مِنْ أشدّ ما يبتلى الكريم به السب بعد التحيّة ، والضَّرب بعد الهيبة ،والعُشر بعد اليسر . ثم كان أبو بكر دعيةً من دعاء الرّسول، وكان يتلوه في جميع أحواله، فكان الخوف إليه أشدّ، والمكروه نحوه أسرع، وكان ممن تحسُن مطالبته، ولا يستحيي من إدراك الثأر عنده لنباهته، وبعد ذكره، والحدث الصغير يزدري ويحتقر لصِغَر سنه وخمول ذكره .
قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : أما ما ذُكِرَ من كثرة المال والصدق، واستفاضة الذكر وبعد الصيت وكبر السنّ ،فكلُّه عليه لا له، وذلك لأنه قد علم أن من سيرة العرب وأخلاقها حفظ الصديق والوفاء بالذّمام والتهيّب لذي الثَّرْوة واحترام ذي السنّ العالية، وفي كل هذا ظهر شديد، وسنَد وثقة يعتمد عليها عند المحن، ولذلك كان المرء منهم إذا تمكّن من صديقه أبقى عليه، واستحيا منه، وكان ذلك سبباً لنجاتِه والعفو عنه عَلَى أن علي بن أبي طالب إن لم يكن شَهَرَه ،سنه ، فقد شهره نسبه وموضعه من بني هاشم، وإن لم يستفض ذكره بلقاء الرّجال وكثرة الأسفار استفاض بأبي طالب ،فأنتم تعلمون أنه ليس تيم في بعد الصيت كهاشم، ولا أبو قحافة كأبي طالب، وعلى حَسَب ذلك يعلو ذكر الفتى على ذي السنّ ويبعد صيت الحدث على الشيخ، ومعلوم أيضاً أن علياً على أعناق المشركين أثقل، إذ كان هاشميا، وإن كان أبوه حامي رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله ، والمانع لحوزته ، وعلي هو الذي فتح عَلَى العرب باب الخلاف، واستهان بهم، بما أظهر من الإسلام والصلاة ،وخالف رهطه وعشيرته، وأطاع ابن عمه فيما لم يعرف من قبل، ولا عهد له نظيرغ كما قال تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ) (1). ثم.)كان بعد صاحب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، ومشتكَى حَزَنه، وأنيسه في خَلْوتِه، وجليسه وأليفه في أيامه كلّها، وكل هذا يوجب التحريض عليه، ومعاداة العرب له، ثم أنتم معاشر العثمانية، تُثْبِتُون لأبي بكر فضيلة بصحبة الرسول (صلی اللّه علیه واله)من مكة إلى يثرب، ودخوله معه في الغار، فقلتم : مرتبة شريفة وحالة جليلة، إذ كان شريكه في الهجرة، وأنيسه في الوحشة، فأين هذه من صُحبة علي(علیه السلام)له في خَلوته، وحيث لا يجد أنيساً غيره ،ليله ونهاره، أيام مُقامِه بمكّة يعبد اللّه معه سرا، ويتكلّف له الحاجة جَهْراً، ويخدمه كالعبد يخدم مولاه، ويشفِقُ عليه ويحوطه، وكالولد يبر والده، ويعطف عليه. ولمّا سئلت عائشة مَنْ كان أحبّ النّاس إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ، قالت : أما من الرجال فعلي، وأمّا النساء ففاطمة (2).)****قال الجاحظ: وكان أبو بكر من المفتونين المعذّبين بمكة قبل الهجرة، فضربه نوفل ابن خويلد بابن العدويّة مرتين، حتى أدماه وشدّه مع طلحة بن عبيد اللّه في قرن، وجعلهما في الهاجرة عمير بن عثمان بن مرّة، بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة ولذلك كانا يُدعيان القرينين، ولو لم يكن له غير ذلك لكان الحاقه عسيراً، وبلوغ منزلته شديداً، ولو كان يوماً واحداً لكان عظيماً، وعلي بن أبي طالب رافة وادع ،ليس بمطلوب ولا طالب، وليس أنه لم يكن في طبعه
الشَّهامة والنَّجْدة، وفي غريزته البسالة في الشجاعة، لكنه لم يكن قد تمّت أداته، ولا استكملت الته، ورجال الطلب وأصحاب الثأر يغمصون ذا الحَدَاثة ويزدرون بذي الصبا والغرارة، إلى أن يلحق بالرجال، ويخرج من طبع الأطفال.****قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : أمّا القولُ فممكن والدعوى سهلة، سيما على مثل الجاحظ، فإنّه ليس على لسانه من دينه وعَقْله رقيب، وهو من دَعْوَى الباطل غير بعيد، فمعناه نزر، وقوله لغو ومطلبه سجع، وكلامه لعب ولهو يقول الشيء وخلافه، ويُحْسِنُ القول وضدّه، ليس له من نفسه واعظ ولا لدعواه حد قائم، وإلا فكيف تجاسر على القول بأن علياً حينئذ لم يكن مطلوباً ولا طالباً، وقد بينا بالأخبار الصحيحة، والحديث المرفوع المسند أنه يوم أسلم بالغاً كاملاً منابذاً بلسانه وقلبه لمشركي قريش، ثقيلاً على قلوبهم، وهو المخصوص دون أبي بكر بالحِصار في الشعب، وصاحب الخلوات برسول اللّه (صلى اللّه عليه واله في تلك الظلمات ،المتجرّع لغصص المرار من أبي لهب وأبي جهل وغيرهما، والمصطلي لكلّ مكروه والشَّرِيك لنبّيه في كل أذى، قد نهض بالحِمْل الثَّقِيل ، وبان بالأمر الجليل، ومن الذي كان يخرج ليلاً من الشَّعْب على هيئة السارق، ويخفي نفسه، ويضائل شخصه، حتى يأتي إلى مَنْ يبعثه إليه أبو طالب من كُبَراء ،قريش كمطعم بن عدي ،وغيره فيحمل لبني هاشم على ظهره أعدال الدقيق والقمح، وهو على أشدّ خوف من أعدائهم، كأبي جهل وغيره لو ظفروا به لأراقوا دمه . أعلي كان يفعل ذلك أيام الحصار في الشعب، أم أبو بكر؟ وقد ذكر هو(علیه السلام)حاله يومئذٍ ،فقال في خطبة له مشهورة :فتعاقدوا ألا يعاملونا ولا يناكحونا، وأوقدت الحرب علينا نيرانها، واضطرونا إلى جبل وغر، مؤمننا يرجُو الثواب ،وكافرنا يحامي عن الأصل، ولقد كانَتِ القبائل كلُّها اجتمعت عليهم، وقطعوا عنهم المارّة والميرة (1)، فكانوا يتوقعون الموت جوعاً، صباحاً ومساءً، لا يرون وجهاً ولا فَرَجاً ،قد اضمحل عزمهم، وانقطع رجاؤهم ، فَمَنِ الذي خلص إليه مكروه تلك المحن بعد محمد(صلی اللّه علیه واله) إلّا على(علیه السلام) وحده! وما أن يقول الواصف والمطلب في هذه الفضيلة، من تقصي معانيها، وبلوغ غاية كُنْهها، وفضيلة الصابر عندها ودامت هذه المحنة عليهم ثلاث سنين حتى انفرجت عنهم بقصّة الصحيفة، والقصة مشهورة.)وكيف يستحسن الجاحظ لنفسه أن يقول في علي(علیه السلام : إنه قبل الهجرة كان وادعاً ،رافهاً لم يكن مطلوباً ولا طالباً، وهو صاحب الفراش الذي فَدَى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بنفسه، ووقاه)
1) المير : جَلَبُ الطعام القاموس، مادة (مير).
بمهجته، واحتمل السيّوف ورضح الحجارة دونه، وهل ينتهي الواصف وإن أطنب ،والمادح وإن أسهب ،إلى الإبانة عن مقدار هذه الفضيلة ،والإيضاح بمزية هذه الخصيصة ! فأَما قوله : إنّ أبا بكرٍ عُذْبَ بمكة، فإنا لا نعلم أنّ العذاب كان واقعاً إلا بعبد أو عسيف، أو لمن لا عشيرة له تمنعه، فأنتم في أبي بكر بين أمرين : تارة تجعلونه دخيلاً ساقطاً، وهجيناً رذيلاً مستضعفاً ذليلاً، وتارة تجعلونه رئيساً متبعاً، وكبيراً ،مطاعاً، فاعتمدوا على أحد القولين لنكلمكم بحسب ما تختارونه لأنفسكم ،ولو كان الفضل في الفتنة والعذاب، لكان عمّار وخَبّاب وبلال وكلّ معذب بمكة أفضل من أبي بكر، لأنهم كانوا من العذاب في أكثر ممّا كان فيه، ونزل فيهم من القرآن ما لم ينزل فيه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظلموا (1)، قالوا : نزلت في خباب وبلال، ونزل في عمّار قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَن بالأيمن ) (2)، وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يمرّ على عمار وأبيه وأمّه، وهم يعذَّبون، يعذّبهم بنو مخزوم لأنهم كانوا حلفاءهم، فيقول: «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة» (3)، وكان بلال يقلّب على الرَّمْضاء، وهو يقول : أحد أحدا وما سمعنا لأبي بكر في شيء من ذلك ذكراً، ولقد كان لعلي(علیه السلام) عنده يد غراء، إن صحّ ما رويتموه في تعذيبه، لأنه قتل نوفل بن خويلد وعمير بن عثمان يوم بدر، ضرب نوفلاً فقطع ساقة، فقال: أذكرك اللّه والرحم! فقال : قد قطع اللّه كلّ رحم وصهر إلا مَنْ كان تابعاً لمحمّد ،ثم ضربه أخرى ففاضت نفسه، وصمد لعمير بن عثمان التمّيم، فوجده يروم الهرب، وقد ارتّج عليه المسلك، فضربه على شراسيف (4)صدره، فصار نصفه الأعلى بين رجليه، وليس أن أبا بكر لم يطلب بثأره منهما، ويجتهد، لكنّه لم يقدر علي (علیه السلام)أن يفعل فعل علي ، فبان علي (علیه السلام)بفعله دونه .)****قال الجاحظ : ولأبي بكر مراتب لا يشركه فيها علي ولا غيره، وذلك قبل الهجرة فقد علم الناس أن علياً (علیه السلام إنما ظهر فضله، وانتشر صيته، وامتحن ولقي المشاّق منذ يوم بدر، وأنه إنما قاتل في الزمان الذي استوفى فيه أهل الإسلام، وأهل الشرك، وطمعوا في أن يكون الحرب بينهم سجالاً، وأعلمهم اللّه تعالى أن العاقبة للمتقين، وأبو بكر كان قبل الهجرة معذباً ومطروداً مشرّداً، في الزمان الذي ليس بالإسلام وأهله نهوض ولا حركة، ولذلك قال أبو بكر في خلافته : طوبى لمن مات في فأفأة الإسلام يقول : في ضعفه .)
قال أبو جعفر رحمه اللّه : لا أشك أنّ الباطل خان أبا عثمان ،والخطأ أقعده، والخذلان أصاره إلى الْحَيْرَة، فما علم وعرف حتى قال ما قال، فزعم أن علياً (علیه السلامقبل الهجرة لم يمتحن ولم يكابد المشّاق، وأنه إنما قاسي مشاق التكليف ومحن الابتلاء منذ يوم بدر، ونسي الحصار في الشعب، وما مُني به منه ، وأبو بكر وادع رافة، يأكل ما يريد، ويجلس مع من يحبّ، مخلى سربه طيبّة نفسه، ساكناً قلبه ،وعلي يقاسي الغَمَرات، ويكابد الأهوال، ويجوع ويظمأ، ويتوقّع القتل صباحاً ومساءً، لأنه كان هو المتوصّل المحتال في إحضار قوت زهيد من شيوخ قريش وعقلائها سرا، ليقيم به رمق رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وبني هاشم، وهم في الحصار، ولا يأمن في كل وقت مفاجأة أعداء رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالقتل، كأبي جهل بن هشام وعُقبة بن أبي)معيط، والوليد بن المغيرة، وعُتبة بن ربيعة وغيرهم من فراعنة قريش وجبابرتها، ولقد كان نفسه ويطعم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله زاده ، ويُظميء نفسه ويسقيه ماءه، وهو كان المعلّل له إذا مرض ،والمؤنس له إذا استوحش، وأبو بكر بنجوة عن ذلك لا يمسّه مما يمسّهم ألم، ولم يلحقه ممّا يلحقهم مشقّة، ولا يعلم بشيء من أخبارهم وأحوالهم، إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل، ثلاث سنين، محرّمة معاملتهم ومناكحتهم ومجالستهم، محبوسين محصورين ممنوعين من الخروج والتصرّف في أنفسهم، فكيف أهمل الجاحظ هذه الفضيلة، ونسي هذه الخصيصة، ولا نظير لها ! ولكن لا يبالي الجاحظ بعد أن يُسوّغ لفظه، وتنسق له خطابته، ما ضيعّ من المعنى، ورجع عليه الخطأ !)فأما قوله : واعلموا أنّ العاقبة للمتقين، ففيه إشارة إلى معنى غامض قصده الجاحظ – يعني أن لا فضيلة لعلي (علیه السلامفي الجهاد، لأنّ الرسول كان أعلمه أنه منصور، وأن العاقبة له - وهذا من دسائس الجاحظ وهَمَزاته ،ولمزاته وليس بحق ما قاله، لأنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أعلم أصحابه جملة أن العاقبة لهم، ولم يعلم واحداً منهم بعينه أنه لا يُقتل، لا علياً ولا غيره، وإن صحّ أنه كان أعلمه أنه لا يُقتل، فلم يعلمه أنّه لا يقطع عضو من أعضائه، ولم يعلمه أنه لا يمسّه ألم الجراح في جسده، ولم يُعلمه أنه لا يناله الضرب الشديد .وعلى أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قد أعلم أصحابه قبل يوم بدر - وهو يومئذ بمكة - أنّ العاقبة لهم، كما أعلم أصحابه بعد الهجرة ذلك، فإن لم يكن لعلي والمجاهدين فضيلة في الجهاد بعد الهجرة لإعلامه إياهم ذلك، فلا فضيلة لأبي بكر وغيره في احتمال المشاق قبل الهجرة لإعلامه إياهم بذلك، فقد جاء في الخبر أنّه وعد أبا بكر قبل الهجرة بالنَّضر ،وأنّه قال له : أرسلت إلى هؤلاء بالذّبح، وإن اللّه تعالى سيغنّمنا أموالهم، ويملّكنا ديارهم، فالقول في الموضعين متساو ومتفق.)****قال الجاحظ: وإنّ بين المحنة في الدهر الذي صار فيه أصحاب النبي (صلی اللّه علیه والهمقرنين لأهل)
مكة ومشركي قريش، ومعهم أهل يثرب أصحاب النخيل والآطام (1والشجاعة والصبر والمواساة، والإيثار والمحاماة والعدد الأثر ، والفعل الجزل، وبين الدهر الذي كانوا فيه بمكّة يُفتنون ويُشتمون، ويضربون ويشرّدون، ويجوعون ويعطشون، مقهورين لا حراك بهم، وأذلاء لا عزّ لهم، وفقراء لا مال عندهم، ومستخفين لا يمكنهم إظهار دعوتهم ،لفرقاً واضحاً ، ولقد كانوا في حال أحوجت لوطاً وهو نبي إلى أن قال :(لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةٍ أَوْ مَاوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) (2)، وقال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«عجبت من أخي لوط،كيف قال :أو آوي إلى ركن شديد، وهو يأوي إلى اللّه تعالى» ! (3)ثم لم يكن ذلك يوماً ولا يومين ولا شهراً ولا شهرين، ولا عاماً ولا عامين ولكن الستين بعد السنين. وكان أغلظ القوم وأشدّهم محنة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أبو بكر، لأنه أقام بمكّة ما أقام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ثلاث عشرة سنة، وهو أوسط ما قالوا في مقام النبي(صلی اللّه علیه واله))****قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : ما نَرَى الجاحظ احتجّ لكون أبي بكر أغلظهم وأشدهم ،محنة إلا بقوله : لأنه أقام بمكّة مدة مُقام الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله بها ، وهذه الحجة لا تخصّ أبا بكر وحده ، لأن علياً (علیه السلام) أقام معه هذه المدة، وكذلك طلحة وزيد وعبد الرحمن وبلال وخَبّاب وغيرهم، وقد كان الواجب عليه أن يخصّ أبا بكر وحده بحجّة تدلّ على أنه كان أغلظ الجماعة، وأشدَّهم وأشدَّهم مِحْنَةٌ بعد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فالاحتجاج في نفسه فاسد.)ثم يقال له : ما بالك أهملت أمر مبيت علي(علیه السلام على الفراش بمكّة ليلة الهجرة! هل نسيته! أم تناسيته فإنها المحنة العظيمة والفضيلة الشريفة التي متى امتحنها الناظر، وأجال فكره فيها، رأى تحتها فضائل متفرقة ومناقب متغايرة، وذلك أنه لما استقرّ الخبر عند المشركين أن رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) مجمع على الخروج من بينهم للهجرة إلى غيرهم قصدوا إلى معالجته، وتعاقدوا على أن يبيتوه في فراشه، وأن يضربوه بأسياف كثيرة، بيد كلّ صاحب قبيلة من قريش سيف منها، ليضيع دمه بين الشعوب، ويتفرّق بين القبائل، ولا يطلب بنو هاشم بدمه قبيلة واحدة بعينها من بطون قريش ،وتحالفوا على تلك الليلة، واجتمعوا عليها فلما علم رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ذلك من أمرهم ،دعا أوثق النّاس عنده، وأمثلهم في نفسه، وأبذلهم في ذات الإله المهجته، وأسرعهم إجابة إلى طاعته، فقال له :«إن قريشاً قد تحالفتْ على أن تبيتني هذه الليلة، فامض إلى فراشي، ونَمْ في مضجعي، والتف في بُرْدِي الحضرمي ليروا أني لم أخرج)
وإنّي خارج إن شاء اللّه. فمنعه أوّلاً من التحرّز وإعمال الحيلة، وصدّه عن الاستظهار لنفسه بنوع من أنواع المكايد والجهات التي يحتاط بها النّاس لنفوسهم، وألجاه إلى أن يعرض نفسه لغُباتِ السّيوف الشَّحِيذة من أيدي أرباب الخنق والغيظة، فأجاب إلى ذلك سامعاً مطيعاً طيبة بها نفسه، ونام على فراشه صابراً محتسباً، واقياً له ،بمهجته ينتظر القتل، ولا نعلم فوق بذل النفس درجة يلتمسها ،صابر ولا يبلغها طالب، «والجود بالنفس أقصى غاية الجود»، ولولا أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله علم أنّه أهل لذلك، لَمَا أهْلَه ، ولو كان عنده نقصٌ في صبره أو في شجاعته أو في مناصحته لابن عمه، واختير لذلك، لكان من اختاره(صلی اللّه علیه واله) منقوضاً في رأيه، مضرًا اختياره ،ولا يجوز أن يقول هذا أحد من أهل الإسلام، وكلُّهم مجمعون على أن الرسول(صلی اللّه علیه واله) عمل الصواب، وأحسن في الاختيار.)ثم في ذلك - إذا تأمله المتأمّل - وجوه من الفضل : منها أنه وإن كان عنده في موضع الثّقة، فإنه غير مأمون عليه ألا يضبط السرّ فيفسد التدبير بإفشائه تلك الليلة إلى من يلقيه إلى الأعداء. ومنها أنه وإن كان ضابطاً للسرّ وثقة عند من اختاره فغير مأمون عليه الجُبْنُ عند مفاجأة المكروه، ومباشرة الأهوال فيفرّ من الفراش، فيفطّن لموضع الحيلة، ويطلب رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)فيظفر به .ومنها أنّه وإن كان ثقة ضابطاً للسرّ، شجاعاً نَجْداً ، فلعله غير محتمل للمبيت على الفراش، لأنّ هذا أمر خارج عن الشجاعة إن كان قد قامه مقام المكتوف الممنوع، بل هو أشدُّ مشقة من المكتوف الممنوع، لأن المكتوف الممنوع، يعلم من نفسه أنّه لا سبيل له إلى الهرب، وهذا يجد السبيل إلى الهرب وإلى الدفع عن نفسه، ولا يهرب ولا يدافع .ومنها أنّه وإن كان ثقّة ،عنده ضابطاً للسرّ شجاعاً محتملاً للمبيت على الفراش، فإنه غير مأمون أن يذهب صبره عند العقوبة الواقعة ،والعذاب النازل بساحته، حتى يبوح بما عنده، ويصير إلى الإقرار بما يعلمه، وهو أنه أخذ طريق كذا فيطلب فيُؤخذ، فلهذا قال علماء المسلمين: إنّ فضيلة على (علیه السلام تلك الليلة لا نعلم أحداً من البشر نال مثلها، إلا ما كان من إسحاق وإبراهيم عن استسلامه للذّبح، ولولا أن الأنبياء لا يفضلهم غيرهم لقلنا : إنّ محنة علي أعظم، لأنه قد روي أن إسحاق تلكأ أمره أن يضطجع، وبكى عَلَى نفسه، وقد كان أبوه يعلم أن عنده في ذلك وقفة، ولذلك قال له : (فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) (1)، وحال علي(علیه السلام) بخلاف ذلك، لأنه ما تلكأ ولا تتعتع ولا تغير لونه ولا اضطربت أعضاؤه، ولقد كان أصحاب النبي(صلی اللّه علیه واله))
1) سورة الصافات، الآية : (102)
يُشيرون عليه بالرّأي المخالف لما كان أمر به، وتقدّم فيه ،فيتركه ويعمل بما أشاروا به، كما جرى يوم الخندق في مصانعتِه الأحزاب بثلث تمر المدينة، فإنّهم أشاروا عليه بترك ذلك فتركه ،وهذه كانت قاعدته معهم ،وعادته بينهم ، وقد كان لعلي(علیه السلام أن يعتل بعلّة، وأن يقف ويقول : يا رسول اللّه، أكون معك أحميك من العدّو، وأذب بسيفي عنك، فلست مستغنياً في خروج عن مثلي ، ونجعلُ عبداً من عبيدنا في فراشك، قائماً مقامك، يتوهّم القوم - برؤيته نائماً في بُرْدِك - أنك لم تخرج ولم تفارق مركزك، فلم يقل ذلك، ولا تحبّس ولا توقف، ولا تلعثم، وذلك لعلم كلّ واحدٍ منهما صلّى اللّه عليه وآله أن أحداً لا يصبر على يُقَل هذه المحنة، ولا يتورّط هذه الهلكة، إلا مَنْ خَصّه اللّه تعالى بالصبر عَلَى مشقّتها والفوز بفضيلتها، وله من جنس ذلك أفعال كثيرة ، كيوم دعا عمرو بن عبد ود المسلمين إلى المبارزة، فأحجم النّاس كلهم عنه ، لما علموا من بأسه وشدَّته، ثم كرّر النداء، فقام علي (علیه السلام)، فقال : أنا أبرز إليه، فقال له رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله): إنه عمرو! قال: نعم، وأنا علي، قأمره بالخروج إليه ، فلمّا خرج قال (صلی اللّه علیه واله): «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كله» (1)، وكيوم أحد حيث حَمّى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من أبطال قُرَيش وهم يقصدون قتله، فقتلهم دونَه ، حتى قال جبريل(علیه السلام) :«يا محمد إن هذه هي المواساة» ، فقال :« إنه مني وأنا منه»، فقال جبريل :«وأنا منكما» (2). ولو عددنا أيامه ومقاماته التي شَرَى فيها نفسه اللّه تعالى لأطلنا وأسهبنا .)قال الجاحظ : فإن احتج محتج لعلي(علیه السلام بالميت على الفراش، فبين الغارِ والفِراسُ فَرْقٌ واضح، لأنّ الغار وصحبة أبي بكر للنبي(صلی اللّه علیه واله) و قد نطق به القرآن، فصار كالصلاة والزكاة وغيرهما مما نطق به الكتاب، وأمر علي(علیه السلام) ونومه على الفراش، وإن كان ثابتاً صحيحاً، إلا أنه لم يذكر في القرآن، وإنما جاء مجيء الروايات والسير، وهذا لا يوازن هذا ولا يكايله . قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : هذا فرق غير مؤثر، لأنه قد ثبت بالتواتر حديث الفراش، فلا فرق بينه وبين ما ذكر في نصّ الكتاب ولا يجحده إلا مجنون أو غير مخالط لأهل الملة، أرأيت كون الصلوات خمساً، وكون زكاة الذهب ربع العشر، وكون خروج الريح ناقضاً للطهارة، وأمثال ذلك مما هو معلوم بالتواثر حكمه ؟ هل هو مخالف لما نصّ في الكتاب عليه من الأحكام هذا ممّا لا يقوله رشيد ولا عاقل، على أن اللّه تعالى لم يذكر اسم أبي بكر في الكتاب، وإنما قال: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِيهِ ) (3)، وإنما علمنا أنه أبو بكر بالخير وما ورد في السيرة، وقد قال أهل التفسير : إن قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُ اللّه وَاللّهُ خَيرُ المَكِرِينَ) (4)كناية عن)
علي(علیه السلام ، لأنه مكر بهم، وأول الآية : (يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُول وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّه وَاللّهُ خَيْرُ المَنكِرِينَ ) (1)، أنزلت في ليلة الهجرة، ومكرهم كان توزيع السيوف على بطون قريش ومكر اللّه تعالى ومنامُ علي(علیه السلام) على الفراش، فلا فرق بين الموضعين في أنهما مذكوران كناية لا تصريحاً. وقد روى المفسرون كلّهم أن قول اللّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغاء مرضات اللّه ) (2)، أنزلت في علي(علیه السلام) ليلة المبيت على الفراش، فهذه مثل قوله تعالى : (إذْ يَقُولُ لِصَحه) ، لا فرق بينهما .)قال الجاحظ: وفرق آخر، وهو أنه لو كان مبيت علي (علیه السلامعلى الفراش، جاء مجيء كون أبي بكر في الغار، لم يكن له في ذلك كبير طاعة، لأن الناقلين نقلوا أنه (صلى اللّه عليه وآله) قال له :«نَمْ فَلَنْ يخلص إليك شيء تكرهه» (3)، ولم ينقل ناقل أنه قال لأبي بكر في صحبته إياه وكونه معه في الغار مثل ذلك، ولا قال له : أنفق وأعتق، فإنك لن تفتقر ، ولن يصل إليك مكروه.)قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : هذا هو الكذب الصّراح، والتحريف والإدخال في الروّايةما ليس منها، والمعروف المنقول أنه (صلی اللّه علیه والهقال له : «اذْهَبْ فاضطجع فيمضجعي، وتغش بيردي الحضرمي، فإنّ القوم سيفقدونني، ولا يشهدون مضجعي، فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك حتى يصبحوا ، فإذا أصبحت فاغدُ في أداء أمانتي» (4)، ولم ينقل ما ذكره الجاحظ، وإنما ولّده أبو بكر الأصم وأخذه الجاحظ، ولا أصل له ، ولو كان هذا صحيحاً لم يصل إليه منه- مكروه، وقد وقع الاتفاق على أنه ضُرِب ورمي بالحجارة قبل أن يعلموا مَنْ هو حتى تضوّر ، (5)وأنهم قالوا له رأينا ،تضورك، فإنا كنا نرمي محمداً ولا يتضوّر، ولأن لفظة المكروه إن كان قالها إنما يراد بها القتل، فهب أنه أمن القتل كيف يأمن من الضرب والهوان، ومن أن ينقطع بعض أعضائه، وبأن سلمت نفسه أليس الله تعالى قال لنبيه :(بلغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغَتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (6)ومع ذلك فقد كسرت رباعيته وشجّ وجهه،)
وأدميت ساقه، وذلك لأنها عصمة من القتل ،خاصّة، وكذلك المكروه الذي أومن علي (علیه السلاممنه - وإن كان صحّ ذلك في الحديث - إنما هو مكروه القتل.)ثم يقال له : وأبو بكر لا فضيلة له أيضاً في كونه في الغار، لأن النبي(صلی اللّه علیه واله قال له : (لَاَ تَحزَن إِنَ اَللَّهَ مَعَنَا) (1)، ومَنْ يكن اللّه معه فهو آمن لا محالة من كل سوء، فكيف قلت : نَزَنْ إِنَّ (1) ولم ينقل ناقل أنه قال لأبي بكر في الغار مثل ذلك! فكلّ ما يجيب به عن هذا فهو جوابنا عمّا ،آورده فنقول له: هذا ينقلب عليك في النبي(صلی اللّه علیه واله) لأن اللّه تعالى وعده بظهور دينه، وعاقبة أمره، فيجب على قولك ألا يكون مثاباً عند اللّه تعالى على ما يحتمله من المكروه، ولا ما يصيبه من الأذى إذ كان قد أيقنَ بالسّلامة والفتح في عِدَته.)قال الجاحظ : ومن جحد كون أبي بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كَفَر، لأنه جَحَد نص الكتاب، ثم انظر إلى قوله تعالى : إن الله معنا من الفضيلة لأبي بكر، لأنه شريك رسول الله في كون الله تعالى معه وإنزال السكينة، قال كثير من الناس : إنه في الآية مخصوص بأبي بكر، لأنه كان محتاجاً إلى السكينة لما تداخله من رقة الطبع البشري والنبي كان غير محتاج إليها، لأنه يعلم أنه محروس من اللّه تعالى فلا معني لنزول السكينة عليه، وهذه فضيلة ثالثة لأبي بكر .قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : إن أبا عثمان يجرّ عَلَى نفسه ما لا طاقة له به من مطاعن الشيعة، ولقدك ان في غُنية عن التعلّق بما تعلّق به لأنّ الشيعة تزعم أن هذه الآية، بأن تكون طعناً وعيباً على أبي بكر، أولى من أن تكون فضيلة ومنقبة له، لأنه لما قال له: (لَا تَحْزَنَ دلّ على أنه قد كان حزن وقنط وأشفق على نفسه، وليس هذا من صفات المؤمنين الصابرين ولا يجوز أن يكون حزنه طاعةٌ، لأنّ اللّه تعالى لا ينهى عن الطاعة، فلو لم يكن ذنباً لم ينه عنه ، وقوله : (إِنَ اَللَّهَ مَعَنا) أي إن اللّه عالم بحالنا وما نضمره من اليقين أو الشكّ، كما يقول الرجل لصاحبه : لا تضمرن سوءاً ولا تنوين قبيحاً، فإنّ اللّه تعالي يعلم ما نسره وما نعلنه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ) (2)، أي هو عالم بهم، وأما السكينة فكيف يقول : إنّها ليست راجعة إلى النبي(صلی اللّه علیه واله) وبعدها قوله: ﴿وَأَيَدَهُ بِجُنُورٍ لَّمْ تَرَوْهَا) (3)، أترى المؤيَّد بالجنود كان أبا بكر أم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)!)
وقوله : إنه مستغن عنها، ليس بصحيح ولا يستتغني أحد عن ألطاف اللّه وتوفيقه وتأييده و تثبيت قلبه، وقد قال اللّه تعالى في قصّة حنين: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ (1)وأما الصحبّة فلا تدلّ إلّا على المرافقة والاصطحاب لا غير، وقد يكون حيث لا إيمان ،كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِرُ وَهُوَ مُعَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ (2)، ونحن وإن كنا نعتقد إخلاص أبي بكر وإيمانه الصحّيح السليم وفضيلته التّامة، إلا أنا لا نحتج له بمثل ما احتجّ به الجاحظ من الحجج الواهية، ولا نتعلّق بما يجرّ علينا دواهي الشيعة ومطاعنها.)****قال الجاحظ: وإن كان المبيتُ على الفراش فضيلة، فأين هي من فضائل أبي بكر أيام مكة، من عتق المعلّبين وإنفاق المال وكثرة المستجيبين، مع فرق ما بين فرق ما بين الطاعتين، لأن طاعةً الشاب الغرير والحدّث الصغير الذي في عزّ صاحبه عزّه، ليست كطاعة الحليم الكبير الذي لا يرجع تسويد صاحبه إلى رهطه وعشيرتة.قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : أما كثرة المستجيبين، فالمفضل فيها راجع إلى المجيب لاإلى المجاب !على أنا قد علمنا أن من استجاب لموسى(علیه السلام أكثر ممن استجاب لنوح (علیه السلام)وثواب نوح أكثر ، لصبره على الأعداء، ومقاساة خلافهم وعنتهم . وأما إنفاق المال، فأين مِحْنَة الغَنِيّ من محنة الفقير وأين يعتدل إسلام من أسلم وهو غنيّ، إن جاع أكل، وأن أعيا ركب، وإن عري لميس قد وثق بیساره و استغنى بماله، واستعان على نوائب الدنيا بثروته، ممّن لا يجد قوت يومه، وإن وجد لم يستأثر به، فكان الفقر شعاره، وفي ذلك قيل : الفقر شعار المؤمن. وقال الله تعالى لموسى : يا مُوسَى إذا رأيت الفقر مقبلاً، فقل:«مرحباً بشعار الصالحين» (3)، وفي الحديث :«إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام» (4).)فقيراً، وكان النبي(صلی اللّه علیه واله يقول :«اللهم احشرني في زمرة الفقراء» (5)، ولذلك أرسل اللّه محمداً (صلی اللّه علیه واله)وكان بالفقر سعيداً، فقاسي محنة الفقر ومكابدة الجوع، حتى شدّ الحجر على بطنه، وحسبك بالفقر فضيلة في دين اللّه لمن صبر عليه، فإنك لا تجد صاحب الدنيا يتمناه، لأنه مناف لحال الدنيا وأهلها، وإنما هو شعار أهل الآخرة.)
1) سورة التوبة، الآيتان: 25، 26 .
2) سورة الكهف، الآية : 37
3) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس» (4469) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء) (137/2).
4) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل (2353) ،ماجه :كتاب الزهد ، باب : منزلة الفقراء .(4122) .
5) أخرجه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (167/1).
وأما طاعة علي(علیه السلام ، وكون الجاحظ زَعَم أنّها كانت لأنّ في عزّ محمّد عزّه وعزّ رهطه،)بخلاف طاعة أبي بكر، فهذا يفتح عليه أن يكون جهاد حمزة كذلك، وجهاد عُبيدة بن الحارث وهجرة جعفر إلى الحبشة، بل لعلّ محاماة المهاجرين من قريش على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله كانت لأن في دولته دولتهم، وفي نصرته استجداد ملك لهم، وهذا يجرّ إلى الإلحاد، ويفتح باب الزندقة، ويُفضي إلى الطعن في الإسلام والنبوة .)قال الجاحظ: وعلى أنا لو نزلنا إلى ما يريدونه ،جعلنا الفراش كالغار، وخلصت فضائل أبي بكر في غير ذلك عن معارض .قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : قد بيّنا فضيلة المبيت على الفراش على فضيلة الصّحبة في الغار، بما هو واضح لمن أنصف، ونزيدها هنا تأكيداً بما لم نذكره فيما تقدّم، فنقول: إنّ فضيلة المبيت على الفراش على الصحبة في الغار لوجهين :أحدهما : أن عليا(علیه السلام قد كان أنس بالنبي(صلی اللّه علیه واله) وحصل له بمصاحبته قديماً أنس عظيم، وإلف شديد، فلما فارقه عُدِم ذلك الأنس، وحصل به أبو بكر، فكان ما يجده علي(علیه السلام) من الوحشة وألم الفرقة موجباً زيادة ثوابه، لأنّ الثواب على قدر المشقّة.)وثانيهما : أنّ أبا بكر كان يؤثر الخروج من مكّة، وقد كان خرج من قبل فرداً، فازداد كراهية للمقام، فلما خرج مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وافق ذلك هوى قلبه، ومحبوب نفسه، فلم يكن له من الفضيلة ما يوازي فضيلة من احتمل المشقّة العظيمة، وعرّض نفسه لوقع السيوف، ورأيه لرضخ الحجارة، لأنَّه على قدر سهولة العبادة يكون نقصان الثواب .)قال الجاحظ : ثم الذي لقي أبو بكر في مسجده الذي بناه على بابه في بني جُمح ، فقد كان بَنَى مسجداً يصلي فيه ويدعو النّاس إلى الإسلام، وكان له صوت رقيق، ووجه عتيق، وكان إذا قرأ بكى فيقف عليه المارّة من الرجال والنساء والصبيان والعبيد، فلمّا أوذي في اللّه ، ومنع ذلك المسجد، استأذن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله فى الهجرة فأذن له، فأقبل يريد المدينة، فتلقاه)من الكناني، فعقد له جواراً، وقال: والله لا أدَعُ مثلك يخرج من مكة، فرجع إليها وعاد لصنيعه في المسجد، فمشت قريش إلى جاره الكناني، وأجلبوا عليه فقال له : دع المسجد وادخل بيتك واصنع فيه ما بدا لك .****
شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : كيف كانت بنو جُمح تؤذي عثمان بن مظعون وتضربه، وهو فيهم ذو سَطْوة وقدر، وتترك أبا بكر يبني مسجداً يفعل فيه ما ذكرتم، وأنتم الذين رويتم عن ابن مسعود أنه قال:«ما صلّينا ظاهرين حتى أسلم عمر بن الخطاب»، والذي تذكرونه من بناء المسجد كان قبل إسلام عمر، فكيف هذا !وأما ما ذكرتم من رقة صوته وعتاق وجهه، فكيف يكون ذلك وقد روى الواقدي وغيره أنّ عائشة رأت رجلاً من العرب خفيف العارضين ،معروق الخدّين، غائر العينين، أجنا (1لا يمسك إزاره، فقالت : ما رأيت أشبه بأبي بكر من هذا؟ فلا نراها دلت على شيء من الجمال في صفته !)قال الجاحظ : وحيث ردّ أبو بكر جوار الكنانّي، وقال: لا أريد جاراً سوى اللّه، لقي من الأذى والذلّ والاستخفاف والضّرب ما بلغكم، وهذا موجود في جميع السّير، وكان آخر ما لقي هو وأهله في أمر الغار، وقد طلبته قريش وجعلت فيه مائة بعير، كما جعلت في النبّي (صلى اللّه عليه واله ، فلقي أبو جهل أسماء بنت بكر، فسألها فكتمته، فلطّمها حتى رَمَتْ قُرْطاً كان في أذنها .)قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : هذا الكلام وهُجْر السّكران سواء، في تقارب المخرّج، واضطراب المعنى، وذلك أن قريشاً لم تقدر على أذى النبّي (صلى اللّه عليه واله ، وأبو طالب حَيَّ يمنعه، فلما مات طلبته لتقتله فخرج تارةً إلى بني عامر، وتارة إلى ثقيف ،وتارة إلى بني شيبان، ولم يكن يتجاسر على المقام بمكّة إلا مستراً، حتى آجره مطعم بن عدي، ثم خرج إلى المدينة، فبذلت فيه لشدّة حَنَقِها عليه حين فاتها فلم تقدر عليه، فما بالها بذلك في أبي بكر مائة بعير أخرى، وقد كان ردّ الجوار، ويقي بينهم فرداً لا ناصر له ولا دافع عنده، يصنعون به ما يريدون! إما أن يكونوا أجهل البريّة كلا أو يكون العثمانية أكذب جيل في الأرض وأوقحه وجهاً! فهذا مما لم يذكر في سيرة ولا روي في أثر ، ولا سمع به بَشَر ، ولا سبق الجاحظ به أحد!)****قال الجاحظ : ثمّ الذي كان من دعائه إلى الإسلام وحسن احتجاجه، حتى أسلم على يديه طلحة والزبير وسعد وعثمان وعبد الرحمن،لأنه ساعة أسلّم دعا إلى اللّه وإلى رسوله .
1) الجناً ميل في الظهر وقيل في العنق اللسان، مادة (جنا).
قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : ما أعجب هذا القول، إذ تدّعي العثمانية لأبي بكر الرّفق في الدعاء وحسن الاحتجاج، وقد أسلم ومعه في منزله ابنه عبد الرحمن، فما قدر أن يُدخله في الإسلام طوعاً برفقه ولطف احتجاجه ،ولا كَرْهاً بقطع النفقة عنه وإدخال المكروه عليه، ولا كان لأبي بكر عند ابنه عبد الرحمن من القدر ما يطيعه فيما يأمره به، ويدعوه إليه، كما روي أن أبا طالب فقد النبي(صلی اللّه علیه واله يوماً، وكان يخاف عليه من قريش أن يغتالوه فخرج ومعه ابنه جعفر يطلبان النبي (صلى اللّه عليه واله) ، فوجده قائماً في بعض شعاب مكة يصلّي، وعلي(علیه السلام) معه عن يمينه ، فلما رآهما أبو طالب، قال الجعفر تقدّم وصل جناح ابن عمّك، فقام جعفر عن يسار محمد(صلی اللّه علیه واله) فلما صاروا ثلاثة تقدّم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وتأخر الأَخَوَان، فبكى أبو طالب، وقال:)إنّ عليا وجعفراً ثقتي *** عند مُلم الخطوب والنوبلا تخذلاً وانصرا ابن عمكما *** أخي لأمي من بينهم وأبيواللّه لا أخْذُلُ النَّبي وَلاَ *** يخذله من بني ذو حَسَبِفتذكر الرواة أن جعفراً أسلم منذ ذلك اليوم، لأنّ أباه أمره، بذلك وأطاع أمره، وأبو بكر يقدر على إدخال ابنه عبد الرحمن في الإسلام حتى أقام بمكة على كفره ثلاث عشرة سنة، وخرج يوم أحد في عسكر المشركين ينادي: أنا عبد الرحمن بن عتيق، هل من مبارز؟ ثم مكث بعد ذلك على كُفْره، حتى أسلم عام الفتح، وهو اليوم الذي دخلت فيه قريش في الإسلام طوعاً وكرهاً، ولم يجد أحد منها إلى ترك ذلك سبيلاً !وأين كان رفق أبي بكر وحسن احتجاجه عند أبيه أبي قحافة وهما في دار واحدة! هلاً رفق به ودعاه إلى الإسلام فأسلم! وقد علمتم أنه بقي على الكُفْر إلى يوم الفتح، فأحضره ابنه عند النبي(صلی اللّه علیه واله وهو شيخ كبير رأسه كالثغامة (1)، فنفر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) منه ، وقال : غيرُوا هذا ، فخضبوه، ثم جاؤوا به مرة أخرى، فأسلم (2). وكان أبو قحافة فقيراً مدقعاً سيء الحال، وأبو بكر عندهم كان مثرياً فائض المال، فلم يمكنه استمالته إلى الإسلام بالنّفقة والإحسان، وقد كانت امرأة أبي بكر أم عبد الله ابنه - واسمها نملة بنت عبد العُزّى بن أسعد بن عبد بن ود العامرية - لم تسلم- وأقامت على شركها بمكة، وهاجر أبو بكر وهي كافرة، فلمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِي) (3)، فطلقها أبو بكر، فمن عجز عن ابنه وأبيه وامرأته فهو عن غيرهم من الغرماء أعجز ومن لم يقبل منه أبوه وابنه وامرأته)
برفق واحتجاج، ولا خوفاً من قطع النفقة عنهم، وإدخال المكروه عليهم فغيرهم أقل قبولاً منه، وأكثر خلافاً عليه !قال الجاحظ :وقالت أسماء بنت أبي بكر : ما عرفتُ أبي إلا وهو يدين بالدين، ولقد رجع إلينا يوم أسلم، فدعانا إلى الإسلام، فما رمنا حتى أسلمنا، وأسلم أكثر جلسائه، ولذلك :قالوا : مَنْ أسلم بدعاء أبي بكر أكثر ممّن أسلم بالسيف، ولم يذهبوا في ذلك إلى العدد، بل عنوا الكثرة في القذر ، لأنه أسلم على يديه خمسة من أهل الشورى، كلهم يصلح للخلافة، أكفاء علي (علیه السلام ، ومنازعوه الرياسة والإمامة، فهؤلاء أكثر من جميع الناس.)قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : أخبرونا مَنْ هذا الذي أسلم ذلك اليوم من أهل بيت أبي بكر؟ إذا كانت امرأته لم تسلم وابنه عبد الرحمن لم يسلم ،وأبو قحافة لم يسلم، وأخته أمّ فَرُوة لم تسلم ، وعائشة لم تكن قد ولدَتْ في ذلك الوقت ،لأنها ولدت بعد مبعث النبي(صلی اللّه علیه واله بخمس سنين، ومحمد بن أبي بكر ولد بعد مَبْعَث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بثلاث وعشرين سنة، لأنه ولد في حَجّة الوداع، وأسماء بنت أبي بكر التي قد رَوَى الجاحظ هذا الخبر عنها كانت بعث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بنت أربع سنين - وفي روايةٍ مَنْ يقول : بنت سنتين - فمن الذي أسلم من أهل بيته يوم أسلم! نعوذ باللّه من الجهل والكذب والمكابرة !وكيف أسلم سَعْدٌ والزبير وعبد الرحمن بدعاء أبي بكر وليسوا من رهطه ولا من أتْرَابِه ولا من جُلسائه، ولا كانت بينهم قبل ذلك صداقة متقدّمة، ولا أنس وكيد! وكيف ترك أبو بكر عُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة لم يدخلهما في الإسلام برفقه وحسن دعائه، وقد زعمتم أنهما كانا يجلسان إليه لعلمه وطريف حديثه وما باله لم يدخل جبير بن مطعم في الإسلام، وقد ذكرتم أنه أدبه وخَرّجه، ومنه أخذ جُبير العلم بأنساب قريش ومآثرها فكيف عَجَز عن هؤلاء الذين عَدَدْناهم، وهم منه بالحال التي وصفنا، ودعا من لم يكن بينه وبينه أنس ولا معرفة ،إلا معرفة عيان! وكيف لم يقبل منه عمر بن الخطاب، وقد كان شكله، وأقربَ النّاس شبهاً به في أغلب أخلاقه! ولئن رجعتم إلى الإنصاف لتعلمنّ أن هؤلاء لم يكن إسلامهم إلا بدعاء الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لهم، وعلى يديه أسلموا ، ولو فكرتم في حسن التأتي في الدعاء، ليصحن لأبي طالب في ذلك على شركه أضعاف ما ذكرتموه لأبي بكر، لأنكم رويتم أن أبا طالب قال لعلي(علیه السلام) : يا بني الزّمه ، فإنه لن يدعوك إلا إلى خير وقال الجعفر: صِلْ جناحَ ابن عمّك، فأسلم بقوله، ولأجله أصفق (1)بنو عبد مناف على نصرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بمكة من بني مخزوم، وبني سَهم، وبني جُمَح)
1) أي أطبقوا : القاموس، مادة (صفق).
ولأجله صَبَر بنو هاشم على الحصار في الشعب، وبدعائه وإقباله عَلَى محمد (صلی اللّه علیه والهأسلمت امرأته فاطمة بنت أسد، فهو أحسن رفقاً، وأيمن نَقِيبَةٌ (1)من أبي بكر وغيره، وإنما منعه عن الإسلام أن ثبت أنه لم يسلم إلا تقيّة، وأبو بكر لم يكن له إلا ابن واحد، وهو عبد الرحمن، فلم يمكنه أن يدخله في الإسلام، ولا أمكنه إذ لم يقبل منه الإسلام أن يجعله كبعض مشركي قريش في قلة الأذى الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وفيه أنزل : ﴿وَالَّذِى قَالَ لِوَالِدَيْهِ أَن لَكُمَا أَتَعِدَانِي أَنْ أَخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ وَيْلَكَ مِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ) (2)، وإنما يعرف حسن رفق الرجل وتأتيه بأن يصلح أوّلاً أمر بيته وأهله، ثم يدعو الأقرب فالأقرب فإنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لمّا بعث كان أوّل مَنْ دعا زوجته خديجة، ثم مكفوله وابن عمه عليا(علیه السلام) ، ثم مولاه زيداً ، ثم أم أيمن خادمته ، فهل رأيتم أحداً ممن كان يأوي إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) لم يسارع! وهل التاث (3)عليه أحد من هؤلاء! فهكذا يكون حسن التأني والرفق في الدّعاء! هذا ورسول الله مُقلّ، وهو من جملة عيال خديجة حين بعثه الله تعالى، وأبو بكر عندكم كان مُوسِراً، وكان أبوه مقتراً، وكذلك ابنه وامرأته أم عبد اللّه، والموسر في فطرة العقول أولى أن يتبع من المقتر ، وإنما حُسن التأتي والرفق في الدّعاء ما صنعه مصعب بن عمير معاذ لما دعاه، وما صنع سعد بن معاذ ببني عبد الأشهل لما دعاهم وما صنع بريدة بن الحصيب بأسلم لما دعاهم، قالوا : أسلم بدعائه ثمانون بيتاً من قومه، وأسلم بنو عبد الأشهل بدعاء سَعْدٍ في يوم واحد، وأما من لم يسلم ابنه ولا امرأته، ولا أبوه ولا أخته بدعائه فهيهات أن يوصف ويذكر بالرفق في الدعاء وحسن التأتي والأناءة!)قال الجاحظ : ثم أعتق أبو بكر بعد ذلك جماعة من المعذّبين في اللّه، وهم ستّ رقاب ،منهم بلال، وعامر بن فهيرة، وزِنّيرَة النَّهْدية، وابنتها . ومرّ بجارية يعذبها عمر بن الخطاب فابتاعها منه، وأعتقها وأعتق أبا عيسى فأنزل اللّه فيه :(فأَما مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (4)، إلى آخر السورة. قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله : أمّا بلال وعامر بن فهيرة، فإنّما أعتقهما رسول الله روى ذلك الواقدي وابن إسحاق وغيرهما، وأما باقي مواليهم الأربعة، فإن سامحناكم في دعواكم لم يبلغ ثمنهم في تلك الحال لشدّة بغض مواليهم لهم إلا مائة درهم أو نحوها، فأي خر في ! هذا وأما الآية فإنّ ابن عباس قال في تفسيرها :(فأَما مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى )، أي لأن يعود.)
وقال غيره : نزلت في مُصْعَب بن عمير .قال الجاحظ : وقد علمتم ما صنع أبو بكر في ماله ، وكان ماله أربعين ألف درهم، فأنفقه في نوائب الإسلام وحقوقه، ولم يكن خفيف الظهر ، قليل العيال والنَّسْل، فيكون فاقد جميع اليسارين، بل كان ذا بنين وبنات وزوجة وخدم وحشم، ويعول والديه وما ولدا، ولم يكن النبي (صلی اللّه علیه والهقبل ذلك عنده مشهوراً، فيخاف العار في ترك مواساته، فكان إنفاقه على الوجه الذي لا نجد في غاية الفضل مثله ، ولقد قال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«ما نفعني مال كما نفعني مال أبي بكر » (1). قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه، أخبرونا على أي نوائب الإسلام أنفق هذا المال، وفي أي وجه وضعه؟ فإنه ليس بجائز أن يخفى ذلك ويدرس حتى يفوت حفظه، وينسى ذكره، وأنتم فلم تقفُوا على شيء أكثر من عشقه بزعمكم ست رقاب لعلها لا يبلغ ثمنها في ذلك العصر مائة .درهم. وكيف يدعي له الإنفاق الجليل، وقد باع من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بعيرين عند خروجه إلى يثرب، وأخذ منه الثمن في مثل تلك الحال، وروى ذلك جميع المحدّثين، وقد رويتم أيضاً أنه كان حيث كان بالمدينة غنيًّا موسراً ، ورويتم عن عائشة أنّها قالت: هاجر أبو بكر وعنده عشرة آلاف درهم، وقلتم: إن اللّه تعالى أنزل فيه : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي القرني) (2)، قلتم : هي في أبي بكر ومسطح بن أثاثة ،فاين الفقر الذي زعمتم أنه أنفق حتى تخلل بالعباءة ،ورويتم أن اللّه تعالى في سمائه ملائكة قد تخلّلوا بالعباءة. وأن النبي(صلی اللّه علیه واله) راهم ليلة الإسراء، فسأل جبرائيل عنهم فقال : هؤلاء ملائكة تأسوا بأبي بكر بن أبي قحافة صديقك في الأرض، فإنه سينفق عليك ماله حتى يخلل عباءه في عنقه، وأنتم أيضاً رويتم أن الله تعالى لما أنزل آية النجوى، فقال: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِمُوا بَيْنَ يَدَى عَجَوَنَكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خير لكم ) (3)، الآية لم يعمل بها إلا علي بن أبي طالب وحده (4)، مع إقراركم بفقره وقلة ذات يده، وأبو بكر في الحال التي ذكرنا من السَّعة أمسك عن مناجاته، فعاتب اللّه المؤمنين في ذلك، فقال :(أَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٍ فَإِذ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ أَ) (5)، فجعله سبحانه ذنباً يتوب عليهم منه، وهو إمساكهم عن تقديم الصّدقة، فكيف سخت نفسه بإنفاق أربعين ألفاً، وأمسك عن مُناجاة الرّسول، وإنما كان يحتاج فيها إلى إخراج در همين !)
1) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر (3661) وابن ماجه، کتاب المقدمة، باب فضل أبي بكر الصديق (94) ، وأحمد في مسنده» (7397) .
2) سورة النور، الآية : 22 .
3) سورة المجادلة، الآية : 12 .
4) أنظر مسند أبي يعلى : 322/1 رقم 400 ، وصحيح ابن حبان : 3390/15 . وتفسير الطبري : 28
5) سورة المجادلة ، الآية : 13 .
وأما ما ذكر من كثرة عياله ونفقته عليهم، فليس في ذلك دليل على تفضيله، لأن نفقته على عياله ،واجبة، مع أن أرباب السِّيرة ذكروا أنه لم يكن ينفِقُ على أبيه شيئاً، وأنه كان أجيراً لابن جدعان على مائدته يطرد عنها الذّبان .قال الجاحظ: وقد تعلمون ما كان يلقى أصحاب النبي(صلی اللّه علیه واله ببطن مكّة من المشركين، وحسن صنيع كثير منهم ،كصنيع حمزة حين ضرب أبا جهل بقوسه ففلق هامته، وأبو جهل يومئذ سيّد البطحاء ورئيس الكُفر ، وأمنع أهل مكة، وقد عرفتم أنّ الزبير سل سيفه، واستقبل به المشركين، لمّا أرجِ أن محمداً (صلی اللّه علیه واله)و قد قتل، وأن عمر بن الخطاب قال حين أسلم : لا يُعبَد): الله سرا بعد اليوم، وأن سعداً ضرب بعض المشركين بلخي جمل، فأراق دمه، فكل هذه الفضائل لم يكن لعليّ بن أبي طالب فيها ناقة ولا جمل وقد قال اللّه تعالى:(لَا يَسْتَوِى مِنكُم لَا مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوَلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُوا (1)، فإذا كان اللّه تعالى قد فضَّل مَنْ أنفق قبل الفتح، لأنه لا هجرة بعد الفتح على مَنْ أنفق بعد الفتح، فما ظنكم بمَنْ أنفق من قبل الهجرة، ومن لَدُنْ مَبْعَث النبي (صلی اللّه علیه واله) إلى الهجرة وإلى بعد الهجرة .)قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : إننا لا ننكِرُ فَضْلَ الصَّحابة وسوابقهم، ولسنا كالإماميّة الذين يحملهم الهوى على جَحْد الأمور المعلومة، ولكنّنا تنكر تفضيل أحدٍ من الصَّحَابة على علي بن أبي طالب، ولسنا ننكر غير ذلك، وتنكر تعصب الجاحظ للعثمانيّة، وقصده إلى فضائل هذا الرجل ومناقبه بالردّ والإبطال. وأما حمزة فهو عندنا ذو فضل عظيم، ومقام جليل، وهو سيّد الشهداء الذين استشهدوا على عهدِ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وأما فضل عُمر فغيرُ منكر، وكذلك الزبير وسعد، وليس فيما ذكر ما يقتضي كون علي(علیه السلام) مفضولاً لهم أو لغيرهم، إلا قوله :«وكل هذه الفضائل لم يكن العالية فيها ناقةٌ ولا جَمَل»، فإنّ هذا من التعصّب البارد، والحيف الفاحش، وقد قدّمنا من آثار علي (علیه السلام)قبل الهجرة وماله إذ ذاك من المناقب والخصائص، ما هو أفضل وأعظم وأشرف من جميع ما ذكر لهؤلاء، على أن أرباب السيرة يقولون : إنّ الشَّجّة التي شُجَّها سعد، وإنّ السيف الذي سلّه الزبير، هو الذي جلب الحصار الشعب على النبي(صلی اللّه علیه واله) وبني هاشم، وهو الذي سَيَّر جعفراً وأصحابه إلى الحبشة، وسلَّ السيف في الوقت الذي لم يؤمر المسلمون فيه بسل السيف غير جائز، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى)
1) سورة الحديد الآية: 10 .
(الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُوا أَيْدِيكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَمَا تُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِنَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللو (1)، فتبيّن أنّ التكليف له أوقات، فمنها وقت لا يصلح فيه سلّ السّيف، ومنها وقت يصلح فيه ويجب، فأما قوله تعالى:(لَا يَسْتَوِى مِنكُر مَنْ أَنفَقَ ) (2)، فقد ذكرنا ما عندنا دعواهم لأبي بكر إنفاق المال. وأيضاً فإنّ اللّه تعالى لم يذكر إنفاق المال مفرداً، وإنما قرن به القتال، ولم يكن أبو بكر صاحب قتال وحَرْب ، فلا تشمله الآية، وكان علي(علیه السلام) صاحب قتال وإنفاق قبل الفتح، أما قتاله فمعلوم بالضرورة، وأما إنفاقه فقد كان على حَسَب حاله وفقره، وهو الذي أطعم الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وأنزلت فيه وفي زوجته وابنيه سورة كاملة من القرآن ،وهو الذي ملك أربعة دراهم فأخرج منها دِرْهما سرًّا ودرهما علانية ليلاً، ثم أخرج منها في النهار درهماً علانية، فأنزل فيه قوله تعالى :(و الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ) (3)، وهو الذي قدم بين يدي نجواه صدقة دون المسلمين كافة، وهو الذي تصدق بخاتمه وهو راكع، فأنزل اللّه فيه :(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (4))****قال الجاحظ والحجة العظمى للقائلين بتفضيل علي (علیه السلامقتله الأقران، وخوضه الحرب، وليس له في ذلك كبير فضيلة، لأنّ كثرة القتل والمشي بالسيف إلى الأقران، لو كان من أشدّ المحن وأعظم الفضائل، وكان دليلاً على الرياسة والتقدّم، لوجب أن يكون للزبير وأبي دُجانة ومحمد بن مسلمة، وابن عَفْراء، والبَراء بن مالك من الفضل ما ليس الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، لأنه لم يقتل بيده إلا رجلاً واحداً ولم يحضر الحرب يوم بدر، ولا خالط الصفوف. وإنما معتزلاً عنهم في العريش ومعه أبو بكر، وأنت ترى الرجل الشجاع قد يقتل الأقران، ويجندل الأبطال، وفوقه من العسكر من لا يقتل ولا يبارز، وهو الرئيس أو ذو الرأي، والمستشير في الحرب، لأنّ للرؤساء من الاكتراث والاهتمام وشغل البال والعناية والتفقد ما ليس لغيرهم، ولأن الرئيس هو المخصوص بالمطالبة ، وعليه مدار الأمور، وبه يستبصر المقاتل، ويستنصر، وباسمه ينهزم العدوّ ولو لم يكن له إلا أن الجيش لو ثبت وفرّ هو لم يخن ثبوت الجيش كلّه وكانت النبّرة عليه، ولو ضيّع القوم جميعاً وحفظ هو لانتصر وكانت الدولة له، ولهذا لا يضاف النصر والهزيمة إلّا إليه، ففضل أبي بكر بمقامه في العريش مع رسول اللّه يوم بدر أعظم من جهاد علي(علیه السلام) ذلك اليوم، وقتله أبطال قريش.)
قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : لقد أعطي أبو عثمان مقولاً، وحُرِم معقولاً ، إن كان يقول هذا على اعتقاد وجدّ، ولم يذهب به مذهب اللّعب والهزل، أو على طريق التفاصح والتّشادق وإظهار القوّة، والسلاطة وذلاقة اللسان وحدة الخاطر والقوة على جدال الخصوم، ألم يعلم أبو عثمان أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله لو كان أشجع البَشر ، وأنه خاص الحروب، وثبت في المواقف التي طاشت فيها الألباب، وبلغت القلوب الحناجر، فمنها يوم أحد، ووقوفه بعد أن فرّ المسلمون بأجمعهم، ولم يبق معه إلا أربعة علي والزبير، وطلحة، وأبو دجانة، فقاتل ورمى بالنبل حتى فنيَتْ نبله ،وانكسرت سِيَةٌ (1)قوسه، وانقطع ،وَتَرُه ، فأمر عُكاشة بن مِحْصن أن يوتِرَها، فقال : يا رسول اللّه : لا يبلغ الوتر، فقال: أوتر ما بلغ قال عكاشة: فوالذي بعثه بالحقّ أوترت حتى بلغ ، وطويت منه شبراً على سيّة القوس، ثم أخذها فما زال يرميهم، حتى نظرت إلى قوسه قد تحطّمت .وبارز أبي بن خلف، فقال له أصحابه: إن شئت عطف عليه بعضنا ! فأبى، وتناول الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتقض بأصحابه، كما ينتقض البعير، قالوا : فتطايرنا عنه تطاير الشَّعارير (2)، فطعنه بالحزبة، فجعل يخورُ كما يخور الثور، ولو لم يدلّ على ثباته حين انهزم أصحابه وتركوه إلا قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصعِدُونَ وَلَا تَلون على أحد والرسول يَدْعُوكُمْ فِي أَخْرَنكُمْ) (3)، فكونه(علیه السلام) في أخراهم وهم يصعدون ولا يلوون، هاربين، دليل ، أنّه ثبت ولم يفرّ، وثبت يوم حنين في تسعة من أهله ورهطه الأدنين، وقد فرّ المسلمون كلهم والنفر التّسعة محدقون به : العباس أخذ بحكمة بغليه وعلي بين يديه مصلت سيفه ، والباقون حول بغلة رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)يَمْنةً ويَسْرة، وقد انهزم المهاجرون والأنصار، وكلّما فرُّوا أقدم هو(صلی اللّه علیه واله) وصمَّم مستقدماً، يلقى السيوف والتبال بنحره وصدره، ثم أخذ كفا من البطحاء، وخصب المشركين ،وقال: شاهت الوجوه! والخبر المشهور عن علي(علیه السلام) ، وهو أشجع البشر: «كنا إذا اشتد البأس، وحَمِي الوطيسُ اتقينا برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولدنا به». (4)فكيف يقول الجاحظ: إنه ما خاض الحزب، ولا خالطّ الصفوف وأي فرية أعظم من فرية مَنْ نسب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى الإحجام واعتزال الحرب !ثم أي مناسبة بين أبي بكر ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في هذا المعنى ليقيسه وينسبه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) صاحب الجيش والدعوة، ورئيس الإسلام والملّة، والملحوظ بين أصحابه وأعدائه بالسّيادة، وإليه الإيماء والإشارة، وهو الذي أحنَق قريشاً والعرب ،وورى أكبادهم بالبراءة من آلهتهم، وعيب دينهم وتضليل أسلافهم،)
ثم وترهم فيما بعد بقتل رؤسائهم وأكابرهم ! وحق لمثله إذا تنحى عن الحرب واعتزلها أن يتنحى ويعتزل، لأن ذلك شأن الملوك والرؤساء، إذا كان الجيش منوطاً بهم وببقائهم، فمتى هلك الملك هلك الجيش، ومتى سلم الملك أمكن أن يبقى عليه ملكه ، وإن عَطِب جيشه فإنه يستجد جيشاً آخر، ولذلك نهى الحكماء أن يباشر الملك الحرب بنفسه، وخطأوا الإسكندر لما بارز قوسراً ملك الهند ونسبوه إلى مجانبة الحِكمة ومفارقة الصواب والحزم فليقل لنا الجاحظ: أي مدخل لأبي بكر في هذا المعنى؟ ومَن الذي كان يعرفه من أعداء الإسلام ليقصده بالقتل؟ وهل هو إلا واحدٌ من عُرْض المهاجرين، حُكمه حكم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ،وغيرهما! بل كان عثمان أكثر منه صيتاً، وأشرف منه مركباً، والعيون إليه أطمح، والعدوّ إليه أحنق وأكلب ، ولو قتل أبو بكر في بعض تلك المعارك، هَلْ كان يؤثر قتله في الإسلام ضعفاً، أو يحدث فيه وهناً ! أو يخاف على الملة لو قتل أبو بكر في بعض تلك الحروب أن وتعفّى آثارها وينطمس منارها ليقول الجاحظ إن أبا بكر كان حكمه حكم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله في مجانبة الحروب واعتزالها، نعوذ باللّه من الخذلان! وقد علم العقلاء كلهم له بالسِّير معرفة، وبالآثار والأخبار ممارسة ،حال حروب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) كيف كانت ، وحاله(علیه السلام) فيها كيف كان، ووقوفه حيث وقف، وحربه حيث حارب، وجلوسه في العريش يوم جَلَس، وإنّ وقوفه (صلی اللّه علیه واله)و وقوف رياسة وتدبير، ووقوف ظهر وسند، يتعرّف أمور أصحابه، ويحرس صغيرهم وكبيرهم بوقوفه من ورائهم، وتخلّفه عن التقدّم في أوائلهم، لأنهم متى علموا ، أنه في أخراهم اطمأنت قلوبهم، ولم تتعلق بأمره نفوسهم، فيشتغلوا بالاهتمام به عن عدوّهم ولا يكون لهم فئة يلجاؤون إليها، وظهر يرجعون إليه ،ويعلمون أنه متى كان خلفهم تفقّد)أمورهم، وعلم مواقفهم، وآوى كلّ إنسان مكانه في الحماية والنكاية وعند المنازلة في الكرّ والحملة، فكان وقوفه حيث وقف أصلحَ لأمرهم، وأحمى وأحرس البيضتهم (1، ولأنه المطلوب من بينهم، إذ هو مدبر أمورهم ، ووالي جماعتهم، ألا ترون أن موقف صاحب اللواء موقف شريف، وأن صلاح الحرب في وقوفه، وأن فضيلته في ترك التقدّم في أكثر حالاته، فللرئيس حالات :)الأولى: حالة يتخلّف ويقف آخر ليكون سنداً وقوّة ،وردءاً ،وعدة، وليتولى تدبير الحرب، ويعرف مواضع الخلل.والحالة الثانية : يتقدّم فيها في وسط الصف ليقوي الضعيف، ويشجع الناكص.وحالة ثالثة : وهي إذا اصطدم الفيلقان، وتكافَحَ السَّيْفان، اعتمد ما تقتضيه الحال من
1) البيضة : أصل القوم ومجتمعهم، اللسان مادة (بيض).
الوقوف حيث يستصلح، أو من مباشرة الحرب بنفسه، فإنها آخر المنازل، وفيها تظهر شجاعة الشَّجَاعَ النَّجد، وفَسَالَة الجبان المموه. فأين مقام الرئاسة العظمى لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ! وأين منزلة أبي بكر ليسوي بين المنزلتين، ويناسب بين الحالتين !)ولو كان أبو بكر شريكاً لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله في الرّسالة ، وممنوحاً من اللّه بفضيلة النبّوة، وكانت قريش والعرب تطلبه كما تطلب محمداً (صلی اللّه علیه واله)، وكا يدبر من أمرِ الإِسلام وتَسْرِيب العساكر وتجهيز السَّرَايا، وقتل الأعداء، ما يدبّره محمد (صلی اللّه علیه واله)، لكان للجاحظ أن يقول ذلك، فأما وحاله حاله، وهو أضعف المسلمين جناناً، وأقلّهم عند العرب ترة، لم يَوْم قط بسهم، ولا سل سيفاً، ولا أراق دماً، وهو أحد الأتباع غير مشهور ولا معروف، ولا طالب ولا مطلوب ،فكيف يجوز أن يجعل مقامه ومنزلته مقام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ومنزلته ! ولقد خرج ابنه عبد الرحمن مع المشركين يوم أحد فرآه أبو بكر ، فقام مغيظاً عليه، فسل من السيف مقدار أصبع، يريد البروز إليه، فقال له رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «يا أبا بكر ، شم سيفك وأمتعنا بنفسك» (1)، ولم يقل له»: «وأمتعنا بنفسك» إلا لعلمه بأنه ليس أهلاً للحرب وملاقاة الرجال، وأنه لو بارز لقتل .)وكيف يقول الجاحظ : لا فضيلة لمباشرة الحرب، ولقاء الأقران، وقتل أبطال الشرك! وهل قامت عُمد الإسلام إلا على ذلك! وهل ثبت الدِّينُ واستقر إلا بذلك ! أتراه لم يسمع قول اللّه تعالى :(هو إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنَنَّ مَرْصُوصٌ (2)والمحبة من اللّه تعالى هي إرادة الثواب، فكلُّ مَنْ كان أشد ثبوتاً في هذا الصّف ،وأعظم قتالاً، كان أحبّ إلى اللّه، ومعنى الأفضل هو الأكثر ثواباً فعلي(علیه السلام) إذاً إذاً هو أحبُّ المسلمين إلى اللّه، لأنه أثبتهم قدماً في الصّف المرصوص، لم يفرّ قط بإجماع الأمة، ولا بارزه قرن إلّا قتله .)أتراه لم يسمع قول اللّه تعالى : (وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (3)، وقوله : (إِنَّ اللَّهَ أشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْهان ) (4)، ثم قال سبحانه مؤكداً لهذا البيع والشراء :( وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (5)، وتقال اللّه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَضِيطُ الكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُةٍ نَيْلًا إِلَّا كَتبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِحَ (6).)
فمواقف النَّاس في الجهاد على أحوال، وبعضهم في ذلك أفضل من بعض، فمن دَلَف إلى الأقران، واستقبل السُّيُوف والأسِنّة، كان أثقل على أكتاف الأعداء، لشدّة نكايته فيهم، ممّن وقف في المعركة وأعان ولم يُقدِم، وكذلك من وقف في المعركة، وأعان ولم يُقدِم، إلا أنه بحيث تناله السهام والنبل أعظم غَنَاء، وأفضل ممن وقف حيث لا يناله ذلك، ولو كان الضَّعِيف والجبال يستحقان الرياسة بقلّة بسط الكت وترك الحرب، وأن ذلك يشاكل فعل النبي (صلى اللّه عليه واله لكَان أوفر النّاس حظا في الرياسة، وأشدّهم لها استحقاقاً حسّان بن ثابت، وإن بطل فضل علي (علیه السلام)في الجهاد، لأن النبي اللّه(صلی اللّه علیه واله) و كان أقلهم قتالاً ، كما زعم الجاحظ ليبطلنّ على هذا القياس فضلُ أبي بكر في الإنفاق، لأنّ رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) كان أقلهم مالاً !)وأنت إذا تأملت أمر العرب وقريش، ونظرت السِّير، وقرأت الأخبار، عرفت أنها كانت تطلب محمداً (صلی اللّه علیه والهوتقصد قضده، وتروم قتله، فإن أعجزها وفاتها طلبت عليا (علیه السلام)، وأرادت قتله، لأنه كان أشبههم بالرّسول حالاً، وأقربهم منه قرباً، وأشدَّهم عنه دفعاً، وأنهم متى قصدوا عليا فقتلوه أضعفوا أمر محمد(صلی اللّه علیه واله) وكسروا شوكته، إذ كان أعلى مَنْ ينصر في البأس والقوة والشجاعة والنجدة والإقدام والبسالة. ألا ترى إلى قول عُتبة بن ربيعة يوم بدر، وقد خرج هو وأخوه شَيْبة وابنه الوليد بن عتبة، فأخرج إليه الرّسولُ نفراً من الأنصار، فاستنسبوهم فانتسبوا لهم، فقالوا : ارجعوا إلى قومكم ثم نادوا : يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال النبي (صلی اللّه علیه واله)و الا هله الأدنين :«قوموا يا بني هاشم، فانصرُوا حقَّكم الذي أتاكم اللّه على باطل ،هؤلاء، قُمْ يا علي ،قم يا حمزة، قم يا عبيدة» (1).)ألا ترى ما جعلت هند بنت عتبة لمن قتله يوم أحد، لأنه اشترك هو وحمزة في قتل أبیها يوم بدر ، ألم تسمع قول هند ترثي أهلها :مَا كَانَ عَنْ عُتْبَة لِي مِنْ صَبْرِ *** أبي وعمي وشقيق صدريأخي الذي كان كضوء البَدْرِ *** بهم كسرت يا علي ظهريوذلك لأنه قتل أخاها الوليد بن عتبة، وشرك في قتل أبيها عُتبة، وأمّا عمّاه شيبة، فإن حمز تفرد بقتله .وقال جبير بن مطعم لوحشي مولاه يوم أحد: إن قتلت محمّداً فأنت حرّ، وإن قتلت عليا فأنت حُرّ وإن قتلت حمزة فأنت حرّ، فقال: أما محمد فسيمنعه أصحابه، وأما عليَّ فرجلٌ حذر كثير الالتفات في الحرب، ولكني سأقتل حمزة، فقعد له وزرقه (2بالحزبة فقتله. ولما قلنا من مقاربة حال علي(علیه السلام) في هذا الباب الحالِ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ومناسبتها إياها)
ما وجدناه في السّير والأخبار،من إشفاق رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وحذره عليه، ودعائه له بالحفظ و السلامة ،قال (صلی اللّه علیه واله)يوم الخندق، وقد برز علي إلى عمرو، ورفع يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه :«اللهم إنك أخذت منّي حمزة يوم أحد، وعُبيدة يوم بدر، فاحفظ اليوم علي عليا» (1)(ربّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) (2)، ولذلك ضنّ به عن مبارزة عمرو حين دعا عم- الناس إلى نفسه مراراً، في كلّها يحجمون ويُقدم علي، فيسأل الإذن له في البراز حتى قال له رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «إنّه عمرو!»، فقال: «وأنا علي»، فأدناه وقبله بعمامته، وخرج معه خطوات كالمودّع له، القلق لحاله، المنتظر لما يكون منه، ثم لم يزل صلّى الله عليه وآله رافعاً يديه إلى السماء، مستقبلاً لها بوجهه ،والمسلمون صُموت حوله، كأنَّما على رؤوسهم الطّير، حتى ثارت الغبرة، وسمعوا التكبير من تحتها، فعلموا أن علياً قتل عمراً ، فكبّر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وكبّر المسلمون تكبيرةً سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين، ولذلك قال حذيفة بن اليمان : لو قسمت فضيلة علي(علیه السلام) بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم.(3))وقال ابن عباس في قوله تعالى: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال (4).قال: بعلي بن أبي طالب (5).)قال الجاحظ : عَلَى أن مشي الشجاع بالسيف إلى الأقران، ليس على ما توهّمه من لا يعلم باطن الأمر، لأنّ معه في حال مشيه إلى الأقران بالسيف أموراً أخرى لا يبصرها النَّاس، وإنما يقضون على ظاهر ما يرون من إقدامه وشجاعته، فربما كان سبب ذلك الهوج، وربما كان الغرارة والحداثة، وربّما كان الإحراج والحميّة، وربما كان لمحبّة النفخ والأحدوثة، وربما كان طباعاً كطباع القاسي والرحيم والسخي والبخيل.قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : فيقال للجاحظ: فعلى أيّها كان مشي علي بن أبي طالب إلى الأقران بالسيف؟ فأيّما قلت من ذلك بانت عداوتك اللّه تعالى ولرسوله، وإن كان مشيه ليس على وجه مما ذكرت، وإنما كان على وجه النصرة والقضد إلى المسابقة إلى ثواب الآخرة ،
والجهاد في سبيل اللّه ، وإعزاز الدين كنتَ بجميع ما قلت معانداً، وعن سبيل الإنصاف خارجاً، وفي إمام المسلمين طاعناً، وإن تطرّق مثل هذا الوهم على علي(علیه السلام ليتطرّقن مثله على أعيان المهاجرين والأنصار أرباب الجهاد والقتال، الذين نصروا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بأنفسهم ووقوه بمُهجهم، وفدوه بأبنائهم وآبائهم، فلعلّ ذلك كان لعلّة من العلل المذكورة، وفي ذلك الطَّعْنُ في الدين، وفي جماعة المسلمين.)ولو جاز أن يتوهم هذا في علي(علیه السلام وفي غيره، لما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) حكاية عن اللّه تعالى لأهل بدر :« أَعْمَلُوا ما شئتم فَقَدْ غفرتُ لَكُمْ» (1)، ولا قال لعلي(علیه السلام) : «برز الإيمان كله إلى الشرك كله» (2)، ولا قال: «أوجب طلحة» (3))وقد علمنا ضرورة من دين رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله تعظيمه لعلي(علیه السلام) لتعظيماً دينياً، لأجل جهاده ونُصرته، فالطاعن في رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، إذ زعم أنه قد يمكن أن يكون جهاده لا لوجه اللّه تعالى، بل لأمر آخر من الأمور التي عددها، وبعثه على التفوه بها إغواء الشيطان وكيده، والإفراط في عَدَاوَة مَن أمر اللّه ،بمحبته ونهى عن بغضه وعداوته . أترى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) خفي عليه من أمر علي(علیه السلام) ما لاح للجاحظ والعثمانية، فمدحه وهو غير مستحق للمدح!)****قال الجاحظ : فصاحب النفس المختارة المعتدلة يكون قتاله طاعة، وفراره معصية، لأن نفسه معتدلة، كالميزان في استقامة لسانه وكفتيه ، فإذا لم يكن كذلك كان إقدامه طباعاً، وفراره طباعاً .قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : فيقال له : فلعل إنفاق أبي بكر على ما تزعم أربعين ألف درهم لا ثوابَ ،له لأنّ ن- ، لأنّ نفسه ربما تكون غير معتدلة، لأنه يكون مطبوعاً على الجود والسَّخاء،ولعلّ خروجه مع النبي(صلی اللّه علیه واله اليوم الهجرة إلى الغار لا ثوابَ له فيه، لأن أسبابه كانت له مهيجة، ودواعيه غالبة، محبّة الخروج، وبغض المقام، ولعلّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في دعائه إلى الإسلام وإكبابه على الصلوات الخمس في جوف الليل، وتدبيره أمر الأمّة لا ثواب له فيه، لأنه قد تكون)
نفسه غير معتدلة، بل يكون في طباعه الرياسة ،وحبُّها والعبادة والالتذاذ بها، ولقد كنا نعجب من مذهب أبي عثمان أن المعارف ضرورة، وأنّها تقعُ طباعاً، وفي قوله بالتولد وحركة الحجر بالطَّبعا حتى رأينا من قوله ما هو أعجب منه، فزعم أنه ربما يكون جهاد علي(عليه السلام وقتله المشركين لا ثواب له فيه ،لأنه فعله طبعاً، وهذا أطرف من قوله في المعرفة وفي التولّد .)قال الجاحظ : ووجه آخر أن علياً لو كان كما يزعم شيعته ،ما كان له بقتل الأقران كبير فضيلة، ولا عظيم طاعة لأنه قد روي عن النبي (صلی اللّه علیه واله أنه قال له :«ستقاتل بعدي النَّاكِثِين والقاسطين والمارقين» (1)، فإذا كان قد وعده بالبقاء بعده فقد وثق بالسلامة من الأقران، وعلم أنه منصور عليهم وقاتلهم، فعلى هذا يكون جهاد طلحة والزبير أعظم طاعةً منه.)قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : هذا راجع على الجاحظ في النبي(صلی اللّه علیه واله لاّن اللّه تعالی قال له : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (2)، فلم يكن له في جهاده كبير طاعة، وكثير طاعة، وكثير من الناس يروي عنه(صلی اللّه علیه واله) : «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر»: (3)فوجب أن يبطل جهادهما، وقد قال للزبير : «ستقاتل عليا، وأنت ظالم له» (4)، فأشعره بذلك أنه لا يموت في الله حياة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وقال في الكتاب العزيز لطلحة : ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ) (5)، قالوا : نزلت في طلحة ،فأعلمه بذلك أنه يبقى بعده، فوجب ألا يكون لهما كبير ثواب في الجهاد، والذي صح عندنا من الخبر وهو قوله :« ستقاتل بعدي ،الناكثين»، أنه قال لما وضعت الحرب أوزارها، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، ووضعت الجزية، ودانت العرب قاطبة .)****قال الجاحظ : ثم قصد الناصرون لعليّ،، والقائلون بتفضيله إلى الأقران الذين قتلهم فأطروهم وغلوا فيهم، وليسوا هناك فمنهم عمرو بن عبدود تركتموه أشجع من عامر بن الطفيل
وعتبة بن الحارث وبسطام بن قيس وقد سمعنا بأحاديث حروب الفجار وما كان بين قريش ودَوْس وحِلْف الفُضُول، فما سمعتُ لعمرو بن عبدود ذكراً في ذلك .قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : أمر عمرو بن عبدود أشهر وأكثر من أن يُحتج له، فلتتلمّح كتب المغازي والسِّير، ولينظر ما رثته به شعراء قريش لما قتل، فمن ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه ، قال : وقال مسافع بن عبد مناف بن زهرة بن حُذَافة بن جُمَح يبكي عمرو بن اللّه بن عبدود حين قتله قتله علي بن أبي طالب (علیه السلاممبارزة لما جزع المذاد أي قطع الخندق.)عمرو بن عبد كان أول فارس *** جَزَع المذاد وكان فارس مَلْيَلِسمح الخلائق ماجد ذو مِرة *** يبغي القتال بشكة لم يَنْكُلِولقد علمتم حينَ ولَّوْا عنكُمُ *** أن ابن عبد منهم لم يَعْجلحتّى تكنَّفَهُ الكُماة وكلُّهُمْ *** يبغي القتال له وليس بمؤتلولقد تكنّفت الفوارس فارساً *** بجنوبِ سَلْعِ غير نكس أميلسال النّزال هناك فارس غالب *** بجنوب سَلْعِ ليته لم ينزلِفاذهب عليّ ما ظفرت بمثلها *** فخراً ولو لاقيت مثل المعضلالفداء لفارس من غالب *** لاقى حمام الموت لم يتحلحَلِأعني الَّذِي جَزَع المذاد ولم يكن *** فشلاً وليس لدى الحروب بزملوقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي، يعتذر من فراره عن عليّ بن أي طالب، وتركه عمراً الخندق ويبكيه :لعمرك ما وليت ظهري محمّداً *** وأصحابه جُبْناً ولا خيفةَ القتلولكنني قلبت أمري فلم أجد *** لسيفي غَنَاء إن وقفتُ ولا نَبْلِيوقفتُ فلما لم أجد لي مقدماً *** صدرت كضرغام مزلز إلى شبلثَنَى عِطفَهِ عَنْ قِرْنهِ حين لم يجد *** مجالاً وكان الحزم والرأي من فِعْلِيفَلا تَبْعَدَنْ يَا عَمْرُو حيًّا وهالكاً *** فقد مت محمود الثَّنَا مَاجِدَ الفعْلِولا تبعدن يا عمرو حيا وهالكاً *** فقد كنتَ في حرب العِدًا مُرهَف النَّصْلفمن لطرادِ الخيل تُقْدَعُ بالقَنَا *** وللبذل يوماً عند قرقرة البزلِهنالك لو كان ابن عمرو لزارها *** وَفَرْجَهَا عنهم فتى غير ما وغُلِكفتك عليّ لن ترى مثل موقف *** وقفت على شلو المقدّم كالفحلفما ظفرت كفاك يوماً بمثلها *** أمنت بها ما عشت من زلّة النَّعْلِوقال مُبيرة بن أبي وهب أيضاً، يرثي عَمْراً ويبكيه :
لقد علمت عُلياً لؤي بن غالب *** لفارسها عمرو إذا ناب نائبوفارسها عمرو إذا ما يسوقه *** عليّ، وإن الموت لا شك طالبعشيّة يدعوه علي وإنه *** لفارسها إذ خام عنه الكتائبفيا لهف نفسي، إِنَّ عَمْراً لكائن *** ،بيشرب لا زالت هناك المصائبلقد أحرز العليا علي بقتله *** وللخير يوماً لا محالة جالبوقال حسان بن ثابت الأنصاري يذكر عمراً :أمسى الفتى عمرو بن عبد ناظراً كيف العُبُور وليتَه لم ينظُرِولقد وجدت سيوفنا مشهورةً *** ولقد وجدت جيادنا لم تُقصَرولقد لقيت غداة بدرٍ عُصْبةٌ *** ضَرَبوك ضَرْباً غير ضرب الحسّرِأصبحت لا تُدْعَى ليوم عظيمة *** يا عمرُو أو لجسيم أمرٍ مُنكَرِوقال حسان أيضاً :لقد شَقِيَتْ بنو جُمح بن عمرو *** ومخزوم وتيم ما نُقِيلُوعمرو كالحسام فتى قريش *** كان جبينه سيف صقيلُفتى من نسل عامر أريحي *** تطاوله الأسنَّةُ والنُّصُولُدعاه الفارس المقدام لَمّا *** تكشفت المقانِبُ والخُيُولُأبوحسن فقلعه حُساماً *** جرازاً لا أفل ولا نَكُولُفغادره مكبًا مُسْلحِبا (1 على عَفْراء، لا بَعِدَ القتيلُ)فهذه الأشعار فيه بل بعض ما قيل فيه . وأما الآثار والأخبار، فموجودة في كتب السير وأيام الفرسان ووقائعهم، وليس أحد من أرباب هذا العلم يذكر عمراً إلا قال : كان فارس قريش وشُجاعها، وإنما قال له حسان: ولقد لقيت غداة بدر عصبةلأنَّه شهد مع المشركين بذراً ، وقتل قوماً من المسلمين. ثم فرّ مع مَنْ فرّ، ولحق بمكّة، وهو الذي كان قال وعاهد اللّه عند الكعبة ألا يدعوه أحدٌ إلى واحدة من ثلاث إلا أجابه وآثاره في أيام الفجار مشهورة تنطق بها كتب الأيام والوقائع ولكنه لم يذكر مع الفرسان الثلاثة وهم : عتبة وبسطام وعامر، لأنهم كانوا أصحاب غاراتٍ ونَهْب ،وأهل بادية، وقريش أهل مدينة وساكنو مَدَروحجر، لا يرون الغارات ولا ينهبون غيرهم من العرب، وهم مقتصرون على المقام ببلدتهم وحماية حَرَمهم، فلذلك لم يشتهر اسمه کاشتهار هؤلاء.
1) مسلحباً : ممتداً . اللسان، مادة (سلحب).
ويقال له : إذا كان عمرو كما تذكر ليس هناك، فما باله لما جَزَع الخندق في ستة فرسان هو أحدهم، فصار مع أصحاب النبي(صلی اللّه علیه واله على أرض واحدة وهم ثلاثة آلاف، ودعاهم إلى البراز مراراً لم ينتدب أحد منهم للخورج إليه، ولا سمح منهم أحد بنفسه، حتى وبخهم وقرعهم وناداهم : ألستم تزعمون أنّه مَن قُتل منا فإلى النار ، ومَن قتل منكم فإلى الجنة! أفلا يشتاقُ أحدُكم إلى أن يذهب إلى الجنة، أو يقدم عدوّه إلى النار فجبنوا كلهم ونكلوا، وملكهم الرعب والوهل فإما أن يكون هذا أشجع الناس كما قيل عنه، أو يكون المسلمون كلّهم أجبن العرب وأذلهم وأفشلهم ! وقد روى النّاس كلهم الشعر الذي أنشده لما نكل القوم بجمعهم عنه، وأنّه جال بفرسه واستدار وذهب يمنة، ثم ذهب يَسرة، ثم وقف تجاه القوم، فقال:)ولقد بححث ححت من الندا *** ءبجَمْعِهِمْ: هل من مبارز!ووقفتُ إِذْ جَبُن شيع*** وقفة القرن المناجزوكذاك أنّي لم ازل متسرعاً نحو الهزاهِرُإن الشجاعة في الفتى *** والجود من خير الغرائزفلما برز إليه على أجابه، فقال له :لا تعجلّن فقد اتا *** کَ مجیب صوتک غیر عاجزدونیّة و یصیرة یرجو الغداة نجاة فائزانّي لا ارجوا ان اقِ یم علیک نائحة الجنائزمن ضربة تفني ويَبْ فَى ذَكرُها عند الهزاهِزولعمري لقد سبق الجاحظ بما قاله بعضُ جُهّال الأنصاري، لمّا رجع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله من بدر، وقال فتى من الأنصار شهد معه بدراً : إن قتلنا إلا عجائز صُلْعاً ! فقال له النبي (صلى اللّه عليه واله): «لا تقل ذلك يا بن أخ، أولئك الملا» (1)!)قال الجاحظ: وقد أكثروا في الوليد بن عتبة بن ربيعة قتيله يوم بدر، وما علمنا الوليد حضر حزباً قطّ قبلها، ولا ذكر فيها .قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : كلُّ مَنْ دوّن أخبار قريش وآثار رجالها، وصف الوليد بالشجاعة والبسالة، وكان مع شجاعته أنه يصارع الفتيان فيصرعُهم، وليس لأنه لم يشهد حَرْباً
1) أخرجه الطبراني في الكبير» (86/17).
قبلها ما يجب أن يكون بطلاً شجاعاً ، فإنّ علياً(علیه السلام لم يشهد قبل بدر حرباً، وقد رأى الناس آثاره فيها . قال الجاحظ: وقد ثبت أبو بكر مع النبي(صلی اللّه علیه واله) يوم أحد، كما ثبت عليّ، فلا فخر لأحدهما على صاحبه في ذلك اليوم.)قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : أمّا ثباته يومَ أحد: فأكثر المؤرّخين وأرباب السير ينكرونه، وجمهورهم يروي أنه لم يبق مع النبي (صلی اللّه علیه واله إلاّ علي وطلحة والزبير، وأبو دجانة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ولهم خامس وهو عبد اللّه بن مسعود، ومنهم مَنْ أثبت سادساً، بن عمرو، وروى يحيى بن سلمة بن كهيل قال : قلت لأبي : كم ثبت مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم أحد؟ فقال: اثنان قلت مَنْ هُمَا ؟ قال : علي وأبو دُجانة .)المقدادوهووهب أن أبا بكر ثبت يوم أحد كما يدعيه الجاحظ، أيجوز له أن يقول : ثبت كما ثبت عليّ، ،فلا فخر لأحدهما على الآخر، وهو يعلم آثار علي(علیه السلام ذلك اليوم، وأنه قتل أصحاب الأولية من بني عبد الدّار ، منهم طلحة بن أبي طلحة، الذي رأى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في منامه أنه مردفٌ كبشاً، فأوّله وقال : كبش الكتيبة نقتله. فلما قتله علي(علیه السلام) المبارزة - وهو أول قتيل قتل من المشركين ذلك اليوم - كبّر رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ، وقال :«هذا كبش الكتيبة» (1).)وما كان منه من المحاماة عن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله ، وقد فرّ الناس وأسلموه، فتصمد له كتيبة من قريش، فيقول:«يا علي اكفني هذه»(2)فيحمل عليها فيهزمها ، ويقتل عميدها، حتى سمع المسلمون والمشركون صوتاً من قبل السَّمَاء.)لا سَيْف إلّا ذو الفقار *** ولا فتى إلا عليوحتى قال النبي(صلی اللّه علیه واله عن جبرائيل ما قال.)أ تكون هذه آثاره وأفعاله، ثم يقول الجاحظ: لا فخر لأحدهما على صاحبه ! (ورَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَيْحِينَ (3).)قال الجاحظ : ولأبي بكر في ذلك اليوم مقام مشهور، خرج ابنه عبد الرحمن فارساً مكفّراً في الحديد، يسأل المبارزة، ويقول: أنا عبد الرحمن بن عتيق! فنهض إليه أبو بكر يَسْعَى بسيفه، فقال له النبي(صلی اللّه علیه واله : «شم سيفك وارجع إلى مكانك، ومتعناً بنفسك» (4).)
قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : ما كان أغناك يا أبا عثمان عن ذكر هذا المقام المشهور لأبي بكر، فإنه لو تسمعه الإمامية لأضافته إلى ما عندها من المثالب ، لأن قول النبي (صلى اللّه عليه واله : «ارجع» دليل على أنه لا يحتمل مبارزة ،أحدٍ، لأنه إذا لم يحتمل مبارزة ابنه وأنت تعلم حنو)الابن على الأب وتبجيله له، وإشفاقه عليه وكفّه عنه ، لم يحتمل مبارزة الغريب الأجنبي.وقوله له :«ومتعنا بنفسك»، إيذان له بأنّه كان يقتل لو خرج، ورسول اللّه كان أعرف به من الجاحظ، فأين حال هذا الرجل من حال الرجل الذي صَلي بالحرب، ومشى إلى السيف بالسيف، فقتل السادة والقادة والفرسان والرّجالة !قال الجاحظ: على أن أبا بكر - وإن لم تكن آثاره في الحرب كآثار غيره - فقد بذل الجهد، وفعل ما يستطيعه وتبلغه ،قونه، وإذا بذل المجهود فلا حال أشرف من حاله . قال شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه : أما قوله إنّه بذل الجهد، فقد صدق، وأما قوله : «لا حال أشرف من حاله»، فخطأ، لأنّ حال من بلغت قوته فأعملها في قتل المشركين أشرف من حال نَقَصَتْ قوته عن بلوغ الغاية، ألا تَرَى أن حال الرجل أشرف في الجهاد من حال المرأة، وحال البالغ الأيد أشرف من حال الصبي الضعيف!فهذه جملة ما ذكره الشيخ أبو جعفر محمد بن عبد اللّه الإسكافي رحمه اللّه في نقض العثمانية، اقتصرنا عليها ها هنا، وسنعود فيما بعد إلى ذكر جملة أخرى من كلامه، إذا اقتضت الحال ذكره .## ومن كلام(علیه السلام قاله لعبد اللّه بن عباس، وقد جاءه برسالة من عثمان، وهو محصور يساله فيها الخروج إلى مالِهِ بينبع، ليقل هتفُ الناس باسمه للخلافة، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل.)الأصل: فقال (علیه السلام: يَابْنَ عَبَّاسٍ، مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً بِالْغَرْبِ، أَقْبِلْ وَأَدْبِرًا بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرَجَ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدَمَ، ثُمَّ هُوَ الآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ! وَاللّه لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ أَثِماً .)****الشرح: «ينبع على يفعلُ» مثل يحلم ويحكم: اسم موضع، كان فيه نخلّ لعلي بن أبي طالب (علیه السلام، وينبع الآن بلد صغير من أعمال المدينة.)
وهتف الناس باسمه : نداؤهم ودعاؤهم، وأصله الصوت ،يقال: هتف الحمام يهتف هَتْفاً ، وهَتَف زيد بعمرو هتافاً ، أي صاح به وقوس هتافة وهَتَفَى، أي ذات صوت.والناضح : البعير يُستَقى عليه، وقال معاوية لقيس بن سعد - وقد دخل عليه في رَهْطٍ من الأنصار - ما فعلت نواضحكم! يهزأ به ، فقال : أنصبناها في طلب أبيك يوم بدر، والغرب: الدلو العظيمة.قوله :«أقبل وأدبر»، أي يقول لي ذلك ،كما يقال : للناضح، وقد صرّح العباس بن مرداس بهذه الألفاظ فقال :أرَاكَ إذا أصبحت للقوم ناضحاً *** يقال له بالغرب أدبر وأقبلقوله : «لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً» ، يحتمل أن يريد بالغتُ واجتهدت في الدفاع عنه، حتى خشيت أن أكون آثماً في كثرة مبالغتي واجتهادي في ذلك، وإنّه لا يستحق الدفاع عنه لجرائمه وأحداثه، وهذا تأويل مَنْ ينحرف عن عثمان، ويحتمل أن يريد : لقد دفعت عنه حتى كدت أن ألقي نفسي في الهلكة، وأن يقتلني الناس الذين ثاروا به، فخِفْتُ الإثم في تغريري بنفسي وتوريطها في تلك الورطة العظيمة، ويحتمل أن يريد لقد جاهدت الناس دونه ودفعتهم عنه، حتى خشيت أن أكون آثماً بما نلت منهم من الضرب بالسوط، والدفع باليد والأعانة بالقول أي فعلت من ذلك أكثر مما يحب.## وصية العباس لعلي(علیه السلام عالم قبل موته)قرأتُ في كتاب صنفه أبو حَيَّان التوحيدي في تقريظ الجاحظ، قال: نقلت من خط الصُّولي : قال الجاحظ: إن العباس بن عبد المطلب أوصى عليّ بن أبي طالب(علیه السلام في علته التي مات فيها، فقال: أي بني إني مُشفِ (1)على الظعن عن الدُّنيا إلى اللّه، الذي فاقتي إلى عفوه وتجوُّزه أكثر من حاجتي إلى ما أنصحك فيه، وأشير عليك به، ولكنّ العِرْق نَبُوض والرّحم عَرُوض وإذا قضيتُ حق العمومة، فلا أبالي بعد إنّ هذا الرجل - يعني عثمان - قدجاءني مراراً بحديثك، وناظرني ملايناً ومخاشناً في أمرك، ولم أجد عليك إلا مثل ما أجد منك عليه، ولا رأيتُ منه لك إلا مثل ما أجد منك له، ولست تؤتى من قلة علم، ولكن من قلة هذا كله فالرأي الذي أودعك به أن تمسك عنه لسانك ويدك، وهمْزَك وغمْزَك، فإنّه قبول، ومع لا يبدؤك ما لم تبدأه، ولا يجيبك عمّا لم يبلغه ، وأنت المتجنّي وهو المتّأني ،وأنت العائب وهو الصامت. فإن قلت : كيف هذا وقد جلس مجلساً أنا به أحقّ ،فقد قاربت !ولكن ذاك بما كسبت يداك، ونكَصَ عنه عَقِباك، لأنك بالأمس الأدنى، هرولت إليه نظنّ أنّهم يُحَلُّون جيدك،)
1) مشف : يقال أشفى على الهلاك : أشرف عليه اللسان، مادة (شفي).
ويختمّون أصبعَك، ويطئون عَقِبك ، ويرون الرُّشْد بك، ويقولون : لا بدّ لنا منك ،ولا معدل لنا عنك، وكان هذا من هفواتك الكُبَر، وهناتِك التي ليس لك منها عذر، والآن بعد ماثللت عرشك بيدك، ونبذتَ رأي عَمّك في البيداء يتدَهْدَه (1في السَّافياء، خذ بأحزم مما يتوضح به وجه الأمر، لا تشارِ هذا الرجل ولا تماره، ولا يبلغنّه عنك ما يُحنقه عليك، فإنه إن كاشفَك أصاب أنصاراً، وإن كاشفته لم تَرَ إلا ضراراً، ولم تستلج إلا عثاراً، واعرف مَنْ هو بالشام له، هاهنا حوله من يطيع أمره، ويمتثل قوله، لا تغترز بناس يُطيفون بك، ويدعون الحنوّ عليك والحبّ لك، فإنهم بين مولّى جاهل وصاحب متمّن، وجليس يرعى العين ويبتدر المحضّر، ولو ظنّ النّاس بك ما تظنّ بنفسك لكان الأمر لك، والزّمام في يدك، ولكن هذا حديث يوم مرض رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ولو فات، ثم حَرُم الكلام فيه حين مات، فعليك الآن بالعزوف عن شيء عرضك له رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فلم يتم، وتصدّيت له مرّة بعدة مرّة فلم يستقم، ومن ساور الدهر غَلب، ومَنْ حَرَص على ممنوع تَعِب ، فعلى ذلك فقد أوصيتُ عبد الله بطاعتك، وبعثته على متابعتك، وأوجَرْته محبّتك، ووجدت عنده من ذلك ظنّي به لك لا توتر قوسَك إلا بعد الثقة بها، وإذا أعجبتك فانظر إلى سيّتها (2)، ثم لا تفوّق إلا بعد العلم ولا تغرق في النزع إلا لتصيب الرميّة، وانظر لا تطرف يمينك عينك ، ولا تَجنِ شمالك شينك، ودغني بآياتٍ من آخر سورة الكهف، وقم إذا بدا لك .)قلت : النّاس يستحِسنُون رأي العباس العلي(علیه السلام في الأ يدخل في أصحاب الشورى وأمّا أنا فإني استحسنه إن قصد به معنى ولا أستحسنه إن قصد به معنى آخر، وذلك لأنه إن أجرى بهذا الرأي إلى ترفعه عليهم، وعلو قدره عن أن يكون مماثلاً لهم، أو أخرى به إلى زُهده في الإمارة، ورغبته عن الولاية، فكل هذا رأى حسن وصواب، وإن كان منزعه في ذلك إلى أنك إن تركت الدخول معهم، وانفردت بنفسك في دارك، أو خرجت عن المدينة إلى بعض أموالك، فإنّهم يطلبونك، ويضربون إليك آباط الإبل، حتى يولوك الخلافة، وهذا هو الظاهر کلامه، فليس هذا الرأي عندي بمستحّسن، لأنه لو فعل ذلك لولّوا عثمان أو واحداً منهم غيره، ولم يكن عندهم من الرغبة فيه(علیه السلام) ما يبعثهم على طلبه، بل كان تأخره عنهم قرّة أعينهم، وواقعاً بإيثارهم، فإن قريشاً كلّها كانت تُبغضه أشدّ البغض، ولو عمر عمر نوح، وتوصّل إلى الخلافة بجميع أنواع التوصل ،كالزهد فيها تارة ،والمناشدة بفضائله تارة، وبما فعله في ابتداء الأمر من إخراج زوجته وأطفاله ليلاً إلى بيوت الأنصار، وبما اعتمده إذ ذاك من في بيته، وإظهار أنه قد انعكف على جمع القرآن، وبسائر أنواع الحيل فيها، لم تحصل له)
إلا بتجريد السيف، كما فعل في آخر الأمر، ولست ألوم العرب، لاسيما قريشاً في بغضها له، وانحرافها عنه، فإنه وترها وسفك دماءها، وكشف القناع في منابذتها، ونفوس العرب وأكبادها كما تعلم وليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس، كما نشاهده اليوم عياناً، والناس كالناس الأول، والطبائع ،واحدة، فأحسب أنك كنت من سنتين أو ثلاث جاهليّا أو من بعض الروم، وقد قتل واحد من المسلمين أبنك أو أخاك، ثم أسلمت، أكان إسلامك يُذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنآنه؟ كلا. إنّ ذلك لغيرُ ذاهب، هذا إذا كان الإسلام صحيحاً، والعقيدة محققّة ،لا كإسلام كثير من العرب، فبعضهم تقليداً، وبعضهم للطمع والكسب، وبعضهم خوفاً من السّيف، وبعضهم على طريق الحميّة والانتصار، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الإسلام وأعدائه .واعلم أن كل دم أراقه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله بسيف علي(علیه السلام) وبسيف غيره، فإن العرب بعد وفاته (علیه السلام)عصبت تلك الدماء بعلي بن أبي طالب(علیه السلام) وحده ، لأنه لم يكن في رهطه مَنْ يستحّق في شرعهم وسنتهم وعادتهم أن يعصب به تلك الدماء إلا بعلّي وحده، وهذه عادة العرب إذا قُتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل، فإن مات ،أو تعذرت عليها مطالبته، طالبت بها أمثَل النّاس من أهله .)ما قتل قوم من بني تميم أخاً لعمرو بن هند، قال بعض أعدائه يحرّض عمراً عليهم:مَنْ مبلغ عمراً بان *** المرة لَمْ يُخْلَقُ صُبَارَهُ (1)وادث الأيام لا *** يَبْقَى لها إلّا الحجارةها إِنْ عجزة امّة *** بالسفّح أسفل من أوارهتسفى الرياح الرياح کش *** حيه (2وقد سَلَبُوا إزارَهُ)فا قتل زُرارة لا أرى *** في القوم أمثل من زُرَارَةفأمره أن يقتل زرارة بن عُدَس رئيس بني تميم، ولم يكن قاتلاً أخا الملك ولا حاضراً قَتْله . ومَنْ نظر في أيام العرب ووقائعها ومقاتلها عرف ما ذكرناه .سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد رحمه اللّه ، فقلت له : إني لأعجب من علي(علیه السلام كيف بَقِيَ تلك المدة الطويلة بعد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وكيف ما اغتيل وفُتِك به في جَوْف منزله، مع تلظّي الأكباد عليه !)
فقال : لولا أنّه أرغم أنفه بالتراب، ووضع خده في حضيض الأرض لقتل، ولكنه أخمل نفسه واشتغل بالعبادة والصلاة والنظر في القرآن، وخرج عن ذلك الزي الأول، وذلك الشعار السيف، وصار كالفاتك يتوب ويصير سائحاً في الأرض، أو راهباً في الجبال، ولما أطاع القوم الذين ولّوا الأمر، وصار أذل لهم من الحذاء تركوه وسكتوا عنه، ولم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطأة من متولي الأمر، وباطن في السرّ منه، فلما لم يكن لولاة الأمر باعث وادع إلى قتله وقع الإمساك عنه، ولولا ذلك لقتل، ثم أجل بعد معقل حصين .فقلت له : أحق ما يقال في حديث خالد؟ فقال: إن قوماً من العلوية يذكرون ذلك .ثم قال : وقد روي أنّ رجلاً جاء إلى زفر بن الهُذيل، صاحب أبي حنيفة، فسأله عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصَّلاة بأمر غير التسليم ،نحو الكلام والفعل الكثير أو الحدث ! فقال : إنّه جائز، قد قال أبو بكر في تشهده ما قال فقال الرجل : وما الذي قاله أبوبكر؟ قال : لا عليك، فأعاد عليه السؤال ثانية، وثالثةً ، فقال : أخرجوه ،أخرجوه قد كنت أحدث أنه من أصحاب أبي الخطاب.قلت له : فما الذي تقوله أنت ! قال: أنا أستبعد ذلك وإن روته الإمامية.ثم قال : أمّا خالد فلا أستبعد منه الإقدام عليه بشجاعته في نفسه، ولبغضه إياه، ولكّني ستبعده من أبي بكر، فإن كان ذا ورع، ولم يكن ليجمع بين أخذ الخلافة ومنع فَدَك، وإغضاب فاطمة وقتل علي0علیه السلام ، حاش للّه من ذلك ! فقلت له : أكان خالد يقدِرُ على قتله؟ قال: نعم، ولم لا يقدر على ذلك، والسيف في عنقه، وعليّ أعزلُ غافل عَمّا يراد به، قد قتله ابن ملجم غيلة، وخالد أشجع من ابن ملجم (1)!)فسألته عمّا ترويه الإمامية في ذلك، كيف ألفاظه ؟ فضحك وقال :كم عالم بالشيء وهو يسائلُثم قال : دعنا من هذا ، ما الذي تحفظ في هذا المعنى؟ قلت: قول أبي الطيب :نَحْنُ أَدْرَى وَقَدْ سَأَلْنَا بِنَجْدٍ *** أطويل طريقنَا أم يَطُولُوكثيرٌ مِن السُّؤَالِ اشتياق *** وكثير من ردّه تعليلُفاستحسن ذلك، وقال : لمن عَجُزُ البيت الذي استشهدت به؟ قلت لمحمد بن هاني المغربي، وأوله :في كل يوم أستزيد تجارباً ***كم عالم بالشَّيء وهو يسائل!
1) أنظر إرشاد القلوب : 378/2. والإيضاح لابن شاذان: 80 والإستغاثة : 19
فبارك علي مراراً، ثم قال نترك الآن هذا ونتمم ما كنا فيه، وكنت أقرأ عليه في ذلك الوقت (جمهرة النسب لابن الكلبي، فعدنا إلى القراءة، وعدَلْنَا عن الخوض عما كان اعترض الحديث فيه .## ومن كلام له اقتص فيه ذكر## ومن كلام (علیه السلاماقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي(صلی اللّه علیه واله) ثم لحاقه به.)الأصل: فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ ، فَأَطَأُ ذِكْرَهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى العَرْجِ . في كلام طويل. قَالَ الرَّضِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فَأَطَأُ ذِكْرَهُ»، مِنَ الْكَلامِ الَّذِي رُمِي بِهِ إِلَى غَايَتي الإيجَازِ وَالْفَصَاحَةِ، أَرَادَ أَنِّي كُنتُ أَغَطي خَبَرهُ صَلَّى الله عَلَيْه وَآلِهِ مِنْ خُرُوجِي إلى أن انتهَيْتُ إِلَى هَذَا المَوْضِعُ ، فَكَنَى عَنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْعَجِيبَةِ .****الشرح: العَرْج : منزل بين مكة والمدينة، إليه ينسب العَرْجي الشاعر، وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.قال محمد بن إسحاق في كتاب «المغازي»: لم يُعلم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله أحداً من المسلمين ما كان عزم عليه من الهجرة إلا علي بن أبي طالب وأبا بكر بن أبي قحافة، أما علي، فإنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أخبره بخروجه ، وأمره أن يبيت على فراشه يُخادِع المشركين عنه ليروا أنه لم يبرخ فلا يطلبوه، حتى تبعد المسافة بينهم وبينه، وأن يتخلّف بعده بمكة حتى يؤدِّيَ عن رسول اللّه(صلی الّه علیه واله) ولي الودائع التي عنده للناس، وكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) استودعه رجال من مكة ودائع لهم، لما يعرفونه من أمانته، وأما أبو بكر فخرج معه.)وسألتُ النّقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد الحسني، رحمه اللّه فقلت : إذا كانتْ قُريش قد محّصت رأيها، وألقى إبليس - كما رُوِي - ذلك الرأي، وهو أن يضربوه بأسياف من أيدي جماعة من بطون مختلفة، ليضيع دمه في بطون قريش فلا تطلبه بنو عبد مناف، فلماذا انتظروا به تلك الليلة الصبح ! فإنّ الرواية جاءت بأنّهم كانوا تسوّروا الدار فعاينوا فيها شخصاً مسجى بالبُرْد الحضرمي الأخضر، فلم يشكُوا أنه هو فرصدوه إلى أن أصبحوا، فوجدوه عليا . وهذا طريفٌ، لأنّهم كانوا قد أجمعوا على قتله تلك الليلة، فما بالهم لم يقتلوا ذلك الشخص المسجّى، وانتظارهم به النهار دليل على أنّهم لم يكونوا أرادوا قتله تلك الليلة! فقال في الجواب : لقد كانوا هموا من النَّهار بقتله تلك الليلة، وكان إجماعهم على ذلك،
وعزمُهم في حَقْنه من بني عبد مناف ،لأن الذين محّصوا هذا الرأي واتفقوا عليه : النضر بن الحارث من بني عبد الدّار ، وأبو البختري بن هشام ،وحكيم بن حزام، وزمعة بن الأسود بن المطلب، هؤلاء الثلاثة من بني أسد بن عبد العُزَّى، وأبو جهل بن هشام، وأخوه الحارث ،وخالد بن الوليد بن المغيرة ،هؤلاء الثلاثة من بني مخزوم ،ونبيه ومنبه ابنا الحجّاج، وعمرو بن العاص، هؤلاء الثلاثة من بني سهم، وأميّة بن خلف وأخوه أبي بن خلف هذان من بني جُمح ، فنَما هذا الخبر من الليل إلى عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فلقي منهم قوماً، فنهاهم عنه وقال : إنّ بني عبد مناف لا تمسك عَنْ دمه، ولكن صفدوه في الحديد واحبسوه في دارٍ، من دوركم، وتربَّصُوا به أن يصيبه من الموت ما أصاب أمثاله من الشعراء. وكان عتبة بن ربيعة سيد بني عبد شمس ورئيسهم، وهم من بني عبد مناف، وبنو عمّ الرجل ورهطه، فأحجم أبو جهل وأصحابه تلك الليلة عن قتله إحجاماً ، ثم تسوّروا عليه، وهم يظنونه في الدار، فلما رأوا إنساناً مسجى بالبُرْد الأخضر الحضرمي لم يشكو أنه هُوَ ، وائتمروا في قتله، فكان أبو جهل يذمُرهم (1عليه فيهمُون ثم يحجمون . ثم قال بعضهم لبعض : ارموا بالحجارة، فرموه، فجعل علي يتضوّر منها، ويتقلب تأوهاً خفيفاً، فلم يزالوا كذلك في إقدام عليه وإحجام عنه، لما يريده اللّه تعالى من سلامته ونجاته، حتى أصبح وهو وقيد (2)من رمي الحجارة، ولو لم يخرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى المدينة، وأقام بينهم بمكّة، ولم يقتلوه تلك الليلة، لقتلوه في الليلة التي تليها ، وإن شبت الحرب بينهم وبين عبد مناف، فإنّ أبا جهل لم يكن بالذي ليمسك قتله ، وكان فاقد البصيرة، شديد العزم على الولوغ في دمه !)قلت للنقيب : أفيلم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وعلي(علیه السلام) بما كان من نهى عُشبة لهم؟ قال : لا ،)إنّهما لم يعلما ذلك تلك الليلة، وإنّما عرفاء من بعد، ولقد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه والهرأى عتبة وما كان منه :« إن يكُنْ في القوم خيرٌ ففي صاحب الجمل الأحمر» (3). ولو قدرنا أن علياً (علیه السلام) علم ما قال لهم عُتبة لم يُسقط ذلك فضيلته في المبيت، لأنه لم يكن على ثقة من أنهم يقبلون قول عُتبة بل كان ظن الهلاك والقتل أغلب . وأما حال عليّ ،(علیه السلام) فلما أدّى الودائع، خرج بعد ثلاث من هجرة النبي(صلی اللّه علیه و اله) ، فجاء إلى المدينة راجلاً قد تورّمَتْ قَدَماه، فصادف (4)رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) نازلاً بقباء على كُلثوم بن الهدم،)
فنزل معه في منزله. وكان أبو بكر نازلاً بقباء أيضاً في منزل حبيب بن يساف، ثم خرج رسول اللّه(صلی اللبه علیه واله وهما معه من قباء، حتى نزل بالمدينة على أبي أيوب خالد بن يزيد الأنصاري، وابتنى المسجد.)## ومن خطبة له(علیه السلام في المسارعة إلى العمل)الأصل: فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ، وَالصَّحُفُ مَنشُورَةٌ، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ، وَالمُدْبِرِ يُدْعَى، وَالمُسِيءُ يُرْجَى قَبْلَ أَنْ يَخْمُدَ الْعَمَلُ، وَيَنْقَطِعَ المَهَلُ، وَتَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيُسَدَّ بَابُ التَّوْبَةِ، وَتَصْعَدَ المَلَائِكَةُ ، فَأَخَذَ امْرُؤٌ مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ، وَأَخَذَ مِنْ حَيْ لِمَيِّتٍ، وَمِنْ فَانِ لِبَاقٍ، وَمِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ ، أَمْرُو خَافَ الله، وَهُوَ مُعَمَّرٌ إِلَى أَجَلِهِ، وَمَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ ، أَمْرُزُ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا ، وَزَمَّهَا بِزِمَامِهَا ، فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي الله ، وَقَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ الله .****الشرح: في نفس البقاء ، بفتح الفاء، أي في بفتح الفاء ، أي في سعته، تقول : أنت في نَفْسٍ من أمرك أي في والصحف منشورة، أي وأنتم بعد أحياء، لأنه لا تطوى صحيفة الإنسان إلا إذا مات . والتوبة مبسوطة لكم غير مقبوضة عنكم ، ولا مردودة عليكم إن فعلتم كما تردّ على الإنسان توبته إذا احتضر.والمدير يدعى أي مَنْ يدير منكم، ويولي عن الخير يُدعى إليه، وينادي: يا فلان أقبل على ما يُصلحك !والمسيء يُرجَى أي يرجى عوده وإقلاعه.! قبل أن يجمد العمل استعارة مليحة، لأنّ الميت يجمد عمله ويقف ،ويروي:« يخمد» بالخاء، من خمدت النار، والأول أحسن .وينقطع المهل، أي العمر الذي أمهلتم فيه . وتصعد الملائكة، لأنّ الإنسان عند موته تصعد حفظته إلى السماء، لأنه لم يبق لهم شغل في الأرض. قوله : «فأخذ امرؤ» ماض يقوم مقام الأمر، وقد تقدّم شرح ذلك، والمعنى أن مَنْ يصوم ويصلّي فإنّما يأخذ بعض قوة نفسه مما يلقى من المشقة ،لنفسه أي عُدّة وذخيرة لنفسه يوم القيامة، وكذلك مَنْ يتصدّق، فإنه يأخذ من ماله وهو جار مجرى نفسه لنفسه .وأخذ من حيّ لميت، أي من حال الحياة لحال الموت ولو قال : من ميت لحيّ ،كان جيداً أيضاً، لأنّ الحي في الدنيا ليس بحي على الحقيقة، وإنّما الحياة حياة الآخرة، كما قال اللّه تعالى:(وَإِنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ (1). وروي: «أمسكها بلجامها» بغير فاء.)
1) سورة العنكبوت، الآية : 64 .
ومن خطبة له(علیه السلام في شان الحكمين وذم أهل الشام)الأصل: جُفَاةٌ طَعَامٌ، عَبِيدٌ أَقْزَامَ، جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، وَتُلْقُطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ، مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَيُؤَدِّبَ، وَيُعَلِّمُ وَيُدَرِّبَ، وَيُوَلَّى عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ، لَيْسُوا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَلاَ مِنَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ . أَلاَ وَإِنَّ القومَ أَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا يُحبّونَ، وَإِنَّكُمْ أَخْتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ. وَإِنَّمَا عَهْدُكُمْ بِعَبْدِ الله بْنِ تَبْسِ بِالْأَمْسِ يَقُولُ : إِنَّهَا فِتْنَةٌ فَقَطَعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَشِيمُوا سُيُوفَكُمْ، فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ لَزِمَتْهُ التَّهْمَةُ . فَادْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ بِعَبْدِ الله بْنِ الْعَبَّاسِ، وَخُذُوا مَهلَ الْأَيَّامِ، وَحُوطُواقَواصِيَ الْإِسْلَام أَلَا تَرَوْنَ إِلَى بِلادِكُمْ تُغْرَى، وَإِلَى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى !****الشرح جفاة: جمع جافٍ أي هم أعراب أخلاف ،والطغام: أوغاد الناس، الواحد والجمع فيه سواء. ويقال للأشرار واللثام: عبيد، وإن كانوا أحراراً .والأقزام بالزاي : رذال وسفلتهم، والمسموع قزم، الذكر والأنثي والواحد والجمع فيهسواء لأنه في معنى المصدر، قال الشاعر :وهُمْ إذا الخيل جالوا في كتائبها *** فوارس الخيل لا ميل ولا قَزَمُولكنه (علیه السلامقال : «أقزام» ليوازن بها قوله : «طغام»، وقد روي: «قزام»، وهي رواية جيدة،)وقد نطقت العرب هذه اللفظة وقال الشاعر:أحصَنُوا أمّهمُ من عَبْدِهِمْ *** تلك أفعال القزام الوكعة (1)وجُمعوا من كلّ أوب، أي من كل ناحية. وتُلقطوا من كلِّ شوب أي من فرق مختلطة . ثم وصف جهلهم وبعدهم عن العلم والدّين، فقال: ممّن ينبغي أن يفقه ويؤدّب، أي يعلّم الفقه والأدب، ويدرّب أي يعود اعتماد الأفعال الحسَنة والأخلاق الجميلة .ويولى عليه، أي لا يستحقون أن يولوا أمراً، بل ينبغي أن يحجر عليهم كما يحجر على الصبّيوالسّفيه لعدم رُشده. وروي :« ويولّى عليه»، بالتخفيف. ويؤخذ على يديه، أي يمنع من التصرف.
1) الوكع ركوب الإبهام على السبابة من الرجل. اللسان، مادة (وكع).
قوله(علیه السلام : «ولا الذين تبوؤوا الدّار والإيمان»، ظاهر اللفظ يشعر بأن الأقسام ثلاثة وليست إلا اثنين، لأن الذين تبوؤوا الدار والإيمان الأنصار، ولكنه(علیه السلام) كرر ذكرهم تأكيداً ، وأيضاً فإن لفظة «الأنصار» واقعة على كلِّ مَنْ كان من الأوس والخزرج، الذين أسلَمُوا على عهد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، والذين تبوؤوا الدار والأيمان في الآية ، قوم مخصوصون منهم، وهم أهل الإخلاص والإيمان النام فصار ذكرُ الخاصّ بعد العام، كذكره تعالى جبريل وميكائيل، ثم قال : ( وَالْمَلَيْكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرُ ) (1)، وهما من الملائكة. ومعنى قوله : «تيوؤوا الدار والإيمان» سكنوهما، وإن كان الإيمان لا يسكن كما تسكن المنازل، لكنّهم لما ثبتوا عليه، واطمأنّوا سمّاه منزِلاً لهم ومتبراً، ويجوز أن يكون مثل قوله :)وَرَأَيْتُ زَوجَكِ فِي الْوَعَى *** مُتَقَلّداً سَيْفاً وَرُمْحًاثم ذكر (علیه السلامأن أهل الشام اختاروا لأنفسهم أقرب القوم مما يحبونه، وهو عمرو بن العاص، وكرّر لفظة «القوم» ، وكان الأصل أن يقول : ألا وإن القومَ اختاروا لأنفسهم أقربهم (2)مما يحبون، فأخرجه مخرج قول اللّه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) والذي يحبّه أهل الشام هو الانتصار على أهل العراقِ والظُّفَر بهم، وكان عمرو بن العاص أقربهم إلى بلوغ ذلك، والوصول إليه بمكره وحيلته وخدائعه.)والقوم في قوله ثانياً :« أقرب القوم»، بمعنى النّاس كأنه قال : واخترتم لأنفسكم أقرب الناس ،ممّا تكرهونه، وهو أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس، والذي يكرهه أهلُ العراق هو ما يحبه أهل الشام، وهو خذلان عسكر العراق وانكسارهم، واستيلاء أهل الشام عليهم، وكان أبو موسى أقرب الناس إلى وقوع ذلك، وهكذا وقع لبلهه وغفلته وفساد رأيه، وبغضه عليا(علیه السلام من قبل.)ثم قال : أنتم بالأمس، يعني في واقعة الجمل، قد سمعتم أبا موسى ينهى أهل الكوفة عننُصْرَتي ، ويقول لهم : هذه هي الفتنة التي وعدنا بها، فقطعوا أوتار قسيكم. وشيموا سيوفكم أي أغمدوها فإن كان صادقاً فما باله سار إلي، وصار معي في الصّف، وحضر حرب صفّين، وكثر سواد أهل العراق وإن لم يحارب، ولم يسلّ السيف فإن مَنْ حَضر في إحدى الجهتين وإن لم يحارب كمن حارب، وإن كان كاذباً فيما رواه من خَبَر الفتنة فقد لزمته التهم وقبح الاختلاف إليه في الحكومة، وهذا يؤكّد صحة إحدى الروايتين في أمر أبي موسى، فإنه قد اختلفت الرواية : هل حضر حرب صِفّين مع أهل العراق أم لا ؟ فمن قال: حضر، قال: حضرولم يحارب، وما طلبه اليمانيّون من أصحاب علي(علیه السلام ليجعلوه حكماً كالأشعث بن قيس)
وغيره إلا وهو حاضرٌ معهم في الصف، ولم يكن منهم على مسافة، ولو كان على مسافة لما طلبوه، ولكان لهم فيمن حضر غناء عنه، ولو كان على مسافة لَمّا وافق علي(علیه السلام تحكيمه، ولا كان على(علیه السلام) ممن يحكم من لم يحضر معه .)وقال الأكثرون : إنّه كان معتزلاً للحرب بعيداً عن أهل العراق وأهل الشام .فإن قلت : فلم لا يحمل قوله(علیه السلام : «فإن كان صادقاً فقد أخطأ بسيره غير مستكره» على)مسيره إلى أمير المؤمنين(علیه السلام وأهل العراق حيث طلبوه وليفوّضوا إليه أمر الحكومة؟ قلت : لو حملنا كلامه (علیه السلام)على هذا لم يكن لازماً لأبي موسى، وكان الجواب عنه هيناً وذلك لأنّ أبا موسى يقول : إنما أنكرت الحرب وما سرت لأحارب ولا لأشهد الحرب، ولا أغرِي بالحزب، وإنما سرتُ للإصلاح بين النّاس، وإطفاء ثائرة الفتنة، فليس يناقض ذلك ما رويته عن الرسول من خبر ،الفتنة، ولا ما قلته في الكوفة في واقعة الجمل:«قطعوا أوتار قِسِيكُمْ».)قوله(علیه السلام :«فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن العباس»، يقال لمن يرام كفّه عن أمر يتطاول له: ادفع في صدره، وذلك لأنّ من يقدم على أمر ببدنه فيدفع دافع في صدره حقيقة، فإنه يردّه أو يكاد ، فنقل ذلك إلى الدفع المعنّوي.)قوله(علیه السلام : «وخذوا مَهَل «الأيام»، أي اغتنموا سَعَة الوقت. وخذوه مناهَبَةً قبل أن يضيق)لك بكم أو يفوت . قوله(علیه السلام : «وحوطوا قواصِي الإسلام»: ما بَعُدَ من الأطراف والنواحي.)ثم قال لهم : «ألا ترون إلى بلادكم تُغْزَى!»، هذا يدلّ عَلَى أن هذه الخطبة بعد انقضاء أمر التحكيم، لأن معاوية بعد أن تم عَلَى أبي موسى من الخديعة ما تم استعجل أمره، وبعث السرايا إلى أعمال أمير المؤمنين علي(علیه السلام. وتقول:قدرمي فلان صَفاة ،فلان إذا دهاه بداهية، قال الشاعر : والدَّهرُيُوتر قوسه *** يرمي صفاتك بالمعابل (1))وأصل ذلك الصخرة الملساء، لا يؤثر فيها السهام ولا يرميها الرامي، إلا بعد أن نَبَل غيرها، يقول: قد بلغت غارات أهل الشام حدود الكوفة التي هي دار الملك وسرير الخلافة، وذلك لا يكون إلا بعد الإثخان في غيرها من الأطراف.
1) المعابل : جمع معيلة، وهي نصل طويل عريض. اللسان، مادة (عبل).
## نسب أبي موسى الأشعريونحن نذكر نسب أبي موسى وشيئاً من سيرته وحاله نقلاً من كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البر المحدّث، ونتبع ذلك بما نقلناه من غير الكتاب المذكور. قال ابن عبد البر:هو عبد اللّه بن قيس بن سليم بن حضارة بن حَرْب بن عامر بن عنز بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجيه بن الجماهر بن الأشعر، وهو نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كَهْلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ،وأمه امرأة من عَكَ أسلمت وماتت بالمدينة، واختلف في أنّه هلى هو من مهاجرة الحبشة أم لا ؟ والصحيح أنه ليس منهم، ولكنه أسلم ثم رجع إلى بلاد ،قومه فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول اللّه(صلی اللّه علی واله فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر بن أبي طالب وأصحابه من أرض الحبشة، فوافؤا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بخيير، فظنّ قوم أن أبا موسى قدم من الحبشة مع جعفر.)وقيل إنه لم يهاجر إلى الحبشة، وإنّما أقبل في سفينة مع قوم من الأشعرييّن، فرمت الريح سفينتهم إلى أرض الحبشة، وخرجوا منها مع جعفر وأصحابه، فكان قدومهم معاً، فظنّ قوم أنّه كان من مهاجرة الحبشة .قال : وولاء رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله من مخاليف اليمن زبيد، وولاه عمر البصرة، لما عزل المغيرة عنها، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان فعزله عثمان عنها، وولاها عبد اللّه بن عامر بن گريز، فنزل أبو موسى الكوفة حينئذ، وسكنها ، فلمّا كره أهل الكوفة سعيد بن العاص ودفعوه عنها ، ولَّوْا أبا موسى ،وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه، فأقره على الكوفة، فلما قتل عثمان عزله علي(علیه السلام) عنها ، فلم يزل واجداً لذلك على علي (علیه السلام)، حتى جاء منه ما قال حذيفة فيه، فقد روى حذيفة فيه كلاماً كرهت ذكره واللّه يغفر له .)قلت: الكلام الذي أشار إليه أبو عمر بن عبد البّر ولم يذكره قوله فيه، وقد ذكره عنده بالدّين، أما أنتم فتقولون ذلك، وأما أنا فأشهد أنه عدو اللّه ولرسوله، وحرب لهما في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللّعنة ولهم سوء الدار. وكان حذيفة عارفاً بالمنافقين ،أسرّ إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله أمرهم، وأعلمه أسماءهم.)وروي أن عماراً سئل عن أبي موسى، فقال : لقد سمعتُ فيه من حذيفة قولاً عظيماً ، سمعتهيقول : صاحب البرنس الأسود، ثم كلّح كُلُوحاً علمت منه أنّه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط. وروي عن سويد بن غفلة، قال: كنت مع أبي موسى على شاطىء الفرات في خلافة عثمان، فروي لي خبراً عن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله، قال: سمعته يقول :« إن بني إسرائيل اختلفوا»، فلم يزل الاختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين ضلاً وأضلا من اتبعهما، ولا ينفك أمراً)
متى حتى يبعثوا حكّمين يضلآن ويُضلآن من تبعهما» (1، فقالت له : احذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما !قال: فخلع قميصه، وقال: أبرأ إلى اللّه من ذلك، كما أبرأ من قميه قميصي هذا .)فأما ما تعتقده المعتزلة فيه فأنا أذكر ما قاله أبو محمد بن متّويه في كتاب «الكفاية» قال رحمه الله :أما أبو موسى فإنه عظم جُرمه بما فعله، وأدّى ذلك إلى الضّرر الذي لم يخف حاله، وكان على (علیه السلام يقنتُ عليه وعلى غيره،ف فيقول : اللهم العن معاوية أولاً وعَمْراً ثانياً، وأبا الأعور السلمي ثالثاً، وأبا موسى الأشعري رابعاً (2))روي عنه(علیه السلام : أنه كان يقول في أبي موسى : صبغ بالعلم صبغاً وسلخ منه سلخ (3). قال : وأبوموسى هو الذي روى عن النبي(صلی اللّه علیه واله) أنه قال: كان في بني إسرائيل حكمان ضالان، وسيكون في أمّتي حكمان ضالان ضالّ من اتبعهما وأنه قيل له : ألا يجوز أن تكون أحدهما ؟ فقال : لا - أو كلاماً، ما هذا معناه - فلمّا بلي به، قيل فيه: البلاء موكل بالمنطق، ولم يثبت في توبته ما ثبت في توبة غيره، وإن كان الشيخ أبو علي قد ذكر في آخر كتاب الحكمين أنه جاء إلى أمير المؤمنين (علیه السلام)في مرض الحسن بن عليّ، فقال له : أجنتنا عائداً أم شامتاً ؟ فقال بل عائداً، وحدّث بحديث في فضل العيادة (4))قال ابن متويه : وهذه أمارة ضعيفة في توبته .انتهى كلام ابن متويه ، وذكرته لك لتعلم أنه عند المعتزلة من أرباب الكبائر، وحكمه حكم أمثاله ممن واقع كبيرة ومات عليها.قال أبو عمر بن عبد البر: واختلف في تاريخ موته، فقيل سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين ،وقيل سنة خمسين ، وقيل : سنة اثنتين وخمسين . واختلف في قبره، فقيل:مات بمكّة ودفن بها، وقيل مات بالكوفة ودفن بها .****
## ومن خطبة له (علیه السلاميذكر فيها آل محمد(صلی اللّه علیه واله))الأصل: هُمْ عَيْسُ الْعِلم، وَمَوْت الْجَهْلِ، يخبركُمْ عِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حُكْمِ مَنْطِقِهِمْ. لاَ يُخَالِفُونَ الْحَقَّ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَهُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلامِ، وَوَلاَنجُ الاعْتِصَامِ، بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ، وَأَنْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مَقَامِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ، عَقَلُوا الدُّينَ عَقْلَ وعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ ، لا عَقْلَ سَمَاعٍ ورواية، فَإِن رُوَاةَ الْعِلْمِ كثير، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ .****الشرح: يقول : بهم يحيا العلم ويموت الجهل، فسمّاهم حياة ذاك، وموت هذا، نظراً إلى السبيّة، بدلّكم حلمهم وصفحهم عن الذنوب على علمهم وفضائلهم، ويدلّكُمْ ما ظهر منهم من الأفعال الحسنة على ما بطن من إخلاصهم، ويدلّكم صمتهم وسكوتُهم عَمَّا لا يعنيهم، عن حكمة منطقهم.ويروي:«ويدلّكم صمتهم على منطقهم»، وليس في هذه الرواية لفظة «حكم».لا يخالفون الحق: لا يعدلون عنه، ولا يختلفون فيه كما يختلف غيرهم من الفرق وأرباب المذاهب، فمنهم من له في المسألة قولان وأكثر، ومنهم من يقول قولاً ثم يرجع عنه، ومنهم من يرى في أصول الدين رأياً ثم ينفيه ويتركه . ودعائم الإسلام أركانه . والولائج: جمع وليجة ،وهي الموضع يدخل إليه ويستتر فيه، ويعتصم به.وعاد الحق إلى نصابه : رجع إلى مستقره وموضعه: وانزاح الباطل : زال .وانقطع لسانه : انقطعت حجّته.عقلوا الدين عقل رعاية ،أي عرفوا الدين وعلموه معرفة من وعى الشيء وفهمه وأتقنه . ووعاية، أي وعوا الدين وحفظوه وحاطوه ليس كما يعقله غيرهم عن سماع ورواية، فإن من يروي العلم ويسنده إلى الرجال ويأخذه من أفواه الناس كثير ، ومن يحفظ العلم حفظ فهم وإدراك ، أصالة لا تقليداً قليل . تم الجزء الثالث عشر من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ويليه الجزء الرابع عشر
## شرح نهج البلاغه### اشارةبسم الله الرحمن الرحيمالأصل: باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين (علیه السلامورسائله إلى أعدائه وأولياء بلاده، ويدخل في ذلك ما اختير من عهوده إلى عماله ووصاياه لأهل وأصحابه.)****الشرح: لمّا فَرَغ من إيراد المختار من خطب أمير المؤمنين(علیه السلام وكلامه الجاري مَجْرَى الخُطب من المواعظ والزواجر ، شرع في إيراد باب من مختار كلامه (علیه السلام)، وهو ما كان جارياً مَجْرَى الرّسائل والكُتب، ويدخل في ذلك العهود والوصايا . وقد أورد في هذا الباب ما هو بالباب الأول أشبه ، نحو كلامه (علیه السلام) لشريح القاضي لمّا اشترى داراً، وكلامه لشريح بن هانىء لمّا جعله على مقدمته إلى الشام.)وسمي ما يكتب للولاة عهداً اشتقاقاً من قولهم: عهدت إلى فلان أي أوصيته
****
### من كتاب له (علیه السلامإلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة)الأصل: مِنْ عَبْدِ اللَّه عَلِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، جَبْهَةِ الْأَنْصَارِ وَسَنَامِ الْعَرَبِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِبَانِهِ . إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ، فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ المُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْنَابَهُ. وَأُقِلُ عِتَابَهُ، كَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِما فِيهِ الْوَجِيفُ، وَأَرْفَقُ حِدَائِهِمَا الْعَنيف. وَكَانَ مِنْ عَائِشَةَ فِيهِ فَلْتَهُ غَضَبٍ، فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ قَتَلُوهُ، وَبَايَعَنِي النَّاسُ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ، وَلَا مُجْبَرِينَ، بَلْ طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ دَارَ الْهِجْرَةِ قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا وَقَلَعُوا بِهَا ، وَجَاشَتْ جَيْشَ الْمِرْجَلِ، وَقَامَتِ الْفِتْنَةُ عَلَى الْقُطب ، فَأَسْرِعُوا إِلَى أَمِيرِكُمْ، وَبَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُمْ إِنْ شَاءَ اللّه .
الشرح: قوله : «جبهة الأنصار»، يمكن أن يريد جماعة الأنصار ، فإنّ الجبهة في اللغة الجماعة ويمكن أن يريد به سادة الأنصار وأشرافهم، لأن جبهة الإنسان أعلى أعضائه، وليس بريد بالأنصار هاهنا بني قيلة، بل الأنصار هاهنا الأعوان. قوله(علیه السلام : «وسَنام العرب»، أي أهل الرفعة والعلق منهم؛ لأن السنام أعلى أعضاء البعير.)قوله(علیه السلام :«أكثر استعتابه وأقل عتابه» الاستعتاب طلب العتبى، وهي الرّضا، قال: كنت أكثر طلب رضاه، وأقل عتابه وتعنيفه على الأمور، وأمّا طلحة والزبير فكانا شديّدين عليه . والوجيف: سير سريع ،وهذا مثل للمشمرين في الطعن عليه ، حتى إن السّير السريع أبطأ ما)يسيران في أمره، والحداء العنيف أرفق ما يحرّضان به عليه. ودار الهجرة المدينة .وقوله :«قد قلعت بأهلها وقلعوا بها» الباء هاهنا زائدة في أحد الموضعين، وهو الأول، وبمعنى (من في الثاني، يقول : فارقت أهلها وفارقوها ، ومنه قولهم: «هذا منزل قلعة» أي ليس بمستوطن. وجاشت اضطربت . والمرجل : القدر.)ومن لطيف الكلام قوله(علیه السلام :«فكنتُ رجلاً من المهاجرين»، فإن في ذلك من التخلّص والتبري ما لا يخفي على المتأمّل ألا ترى أنه لم يبق عليه في ذلك حجّة لطاعن، حيث كان قد جعل نفسه كواحدٍ من عُرض المهاجرين، الذين بنفرِ يسير منهم انعقدت خلافة أبي بكر، وهم أهل الحل والعقد، وإنما كان الإجماع حجّة لدخولهم فيه .)ومن لطيف الكلام أيضاً قوله :«فأتيحَ له قوم قتلوه»، ولم يقل: «أتاح اللّه له قوماً»، ولا قال :«أتاح له الشيطان قوماً»، وجعل الأمر مبهماً .وقد ذكر أن خط الرضي رحمه اللّه «مستكرهين» بكسر الراء، والفتح أحسن وأصوب، وإن كان قد جاء استكرهتُ الشيء بمعنى كرهته .وقال الراوندي: المراد بدار الهجرة هاهنا الكوفة التي هاجر أمير المؤمنين(علیه السلام إليها ، وليس بصحيح ،بل المراد ،المدينة ،وسياق الكلام يقتضي ذلك، ولأنه كان حين كتب هذا الكتاب إلى أهل الكوفة بعيداً عنهم، فكيف يكتب إليهم يخبرهم عن أنفسهم .)### الإمام علي(علیه السلام في طريقه إلى البصرة)وروی محمّد بن إسحاق عن عمّه عبد الرحمن بن يسار القرشي ، قال : لمّا نزل علي (علیه السلام الرّبَذة متوجهاً إلى البصرة بعث إلى الكوفة محمّد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن أبي بكر الصديق وكتب إليهم هذا الكتاب، وزاد في آخره:)
فحسبي بكم إخواناً، وللدين أنصاراً ،«فأنفِرُوا خِفَانًا وَيْقَالًا وَجَهِدُوا بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ» (1)وروى أبو مخنف، قال حدثني الصَّقْعب، قال: سمعت عبد اللّه بن جنادة يحدّث أنّ عليا (علیه السلام لما نزل الرَّبذَة بعث هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى أبي موسى الأشعري، وهو الأمير يومئذٍ على الكوفة ، لينفير إليه الناس، وكتب إليه معه :)من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن قيس. أما بعد فإنّي قد بعثت إليك هاشم بن عتبة لتشخص إليّ مَنْ قَبِلك من المسلمين ليتوجّهوا إلى قوم نكثوا بيعتي، وقتلوا شيعتي، وأحدثوا في الإسلام هذا الحدث العظيم، فاشخص بالنّاس إليّ معه حين يقدم عليك، فإني لم أولك المصر الذي أنت فيه، ولم أقرّك عليه إلا لتكون من أعواني على الحق، وأنصاري على هذا الأمر، والسّلام.فأما رواية محمد بن إسحاق فإنه قال : لما قدم محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر الكوفة ، استنفرا ،النّاس، فدخل قوم منهم على أبي موسى ليلاً ، فقالوا له: أشر علينا برأيك في الخروج مَعَ هذين الرجلين إلى علی(علیه السلام، فقال : أما سبيلُ الآخرة فالزموا بيوتكم، وأما سبيلُ الدُّنيا فاشخصوا معهما . فمنع بذلك أهل الكوفة من الخروج. وبلغ ذلك المحمّدين، فأغلظا لابي موسى ، فقال أبوموسی : واللّه إن بيعة عثمان لفي عنق علي وعنقي وأعناقكما، ولو أردنا قتالاً)ماكنا لنبدأ بأحدٍ قبل قتلة عثمان. فخرجا من عنده، فلحقا بعلي(علیه السلام ، فأخبراه الخبر.)وأما رواية أبي مخنف، فإنه قال : إن هاشم بن عُتْبة لما قدم الكوفة، دعا أبو موسى السّائب بن مالك الأشعري فاستشاره ،فقال : اتَّبع ما كتب به إليك. فأبى ذلك، وحبس الكتاب، وبعث إلى هاشم يتوعدّه ويخوّفه .قال السائب : فأتيتُ هاشماً فأخبرته برأي أبي موسى، فكتب إلى علي(علیه السلام : لعبد اللّه علي أمير المؤمنين من هاشم بن عتبة. أما بعد يا أمير المؤمنين، فإني قدمت بكتابك على امرىء مُشاق بعيد الوُدّ، ظاهر الغلّ والشنان، فتهددني بالسجن، وخوفني بالقتل، وقد كتبتُ إليك هذا الكتاب مع المحلّ بن خليفة، أخي طيّئ، وهو من شيعتك وأنصارك، وعنده علم ما قبلنا، فاسأله عما بدا لك، واكتب إلي برأيك والسلام.)قال : فلما قدم المحلّ بكتاب هاشم على علي(علیه السلام سلّم عليه، ثم قال : الحمد للّه الذي أتى الحّق إلى أهله ووضعه ،موضعه فكرة ذلك قوم قد واللّه كرهوا نبوّة محمّد(صلی اللّه علیه واله) ، ثم بارزوه وجاهدوه، فردّ الله عليهم كيدهم في نحورهم وجعل دائرة السوء عليهم. واللّه يا أمير)
1) سورة التوبة، الآية : 41
المؤمنين لنجّاهدتهم معك في كل موطن، حفظاً لرسول اللّه (صلی اللّه علیه واله في أهل بيته، إذ صاروا أعداء لهم بعده .)فرحب به علي(علیه السلام ، وقال له خيراً، ثم أجلسه إلى جانبه، وقرأ كتاب هاشم، وسأله عن النّاس وعن أبي موسى، فقال : واللّه يا أمير المؤمنين، ما أثقُ به ولا آمنه على خلافك، إن وجد مَنْ يساعده على ذلك. فقال علي(علیه السلام) : واللّه ما كان عندي بمؤتّمن ولا ناصح، ولقد أردت عزله فأتاني الأشتر، فسألني أن أقرّه، وذكر أن أهل الكوفة به راضون فأقررتُه (1).)****وروى أبو مخنف، قال : وبعث علي(علیه السلام من الربّذة بعد وصول المحلّ بن خليفة، أخي)طين عبد اللّه بن عباس ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى ،وكتب معهما :من عبد اللّه علي أمير المؤمين إلى عبد اللّه بن قيس، أما بعد يا بن الحائك، يا عاض أبْرِ أبيه ، فواللّه إني كنت لأرى أن بعدك من هذا الأمر الذي لم يجعلك اللّه له أهلاً، ولا جعل لك فيه نصيباً، سيمنعك من ردّ أمري والانتزاء (2عليّ . وقد بعثت إليك ابن عباس وابن أبي بكر فخلهما والنصر وأهله، واعتزل عملنا مذؤوماً مدحوراً. فإن فعلت وإلا فإنّي قد أمرتهما أن ينا بذاك على سواء، إنّ الله لا يهدي كيد الخائنين. فإذا ظهرا عليك قطّعاك إربا إرباً، والسلام على مَنْ شكر النعمة، ووفّى بالبيعة، وعمل برجاء العاقبة.)قال أبو مخنف : فلمّا أبطأ ابنُ عبّاس وابن أبي بكر عن علي (علیه السلام، ولم يدر ما صنعا،)رحل عن الرّبذة إلى ذي قار فنزلها ، فلمّا نزل ذا ،قار بعث إلى الكوفة الحسن ابنه(علیه السلام وعمّار بن ياسر وزيد بن صوحان وقيس بن سعد بن عبادة، ومعهم كتاب إلى أهل الكوفة، فأقبلوا حتى كانوا بالقادسيّة، فتلقّاهم النّاس، فلما دخلوا الكوفة قرؤوا كتاب عليّ، ،وهو من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى مَنْ بالكوفة من المسلمين :)أمّا بعد، فإني خرجت مخرجي هذا ، إمّا ظالماً، وإمّا مظلوماً، وإما باغياً، وإما مبغيًا عليّ، فأنشد اللّه رجلاً بلغه كتابي هذا إلا نَفَر إلي ، فإن كنتُ مظلوماً أعانني، وإن كنت ظالماً استعتبني والسلام.قال أبو مخنف : فحدثني موسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ،عن أبيه ،قال: أقبلنا مع الحسن وعَمّار بن ياسر من ذي قار، حتى نزلنا القادسية، فنزل الحسن وعمار ونزلنا معهما،
فاحتَبى عمّار بحمائل سيفه، ثم جعل يسأل الناس عن أهل الكوفة وعن حالهم، ثم سمعته يقول : ما تركت في نفسي حزة أهم إلي من ألا نكون نبشنا عثمان من قبره، ثم أحرقناه بالنار . قال : فلما دخل الحسن وعمّار الكوفة، اجتمع إليهما النّاس، فقام الحسن، فاستنفر النّاس، فحمد اللّه وصلّى على رسوله، ثم قال: أيها الناس إنا جئنا ندعوكم إلى اللّه وإلى كتابه وسنّة رسوله، وإلى أفقه مَنْ تفقّه من المسلمين، وأعدل مَنْ تعدّلون، وأفضل من تفضَّلُون ،وأوْفَى مَنْ تبايعون، مَنْ لم يَعِبُه القرآن، ولم تُجَهله السنّة ولم تقعد به السابقة، إلى مَنْ قربه اللّه تعالى إلى رسوله قرابتين : قرابة الدين وقرابة الرّحم، إلى مَنْ سبق النّاس إلى كلّ مأثرة، إلى مَنْ کفی اللّه به رسوله والنّاس متخاذلون، فقرب منه وهم متباعدون، وصلّى معه وهم مشركون، وقاتل معه وهم منهزمون، وبارز معه وهم محجمون، وصدّقه وهم يكذّبون. إلى مَنْ لم تُرَدّ له رواية ولا تكافاً له سابقة، وهو يسألكم النّصر، ويدعوكم إلى الحق، ويأمركم بالمسير إليه، لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته، وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه، ومثلوا بعماله ،وانتهبوا بيت ماله، فاشخصوا إليه رحمكم اللّه، فمروا بالمعروف وانهَوْا عن المنكر، واحضُروا بما يحضر به الصالحون.قال أبو مخنف : حدّثني جابر بن يزيد، قال: حدثني تميم بن حذيم الناجي، قال: قدم : علينا الحسن بن علي(علیه السلام وعمّار بن ياسر ، يستنفران النّاس إلى علي(علیه السلام) ، ومعهما كتابه ، فلما فرغا من قراءة كتابه، قام الحسن - وهو فتى حدث، واللّه إني لأرثي له من حداثة سنه وصعوبة مقامه - فرماء النّاسُ بأبصارهم وهم يقولون: اللهمّ سدّد منطق ابن بنت نبينا ! فوضع يده على عمود يتساند إليه، وكان عليلاً من شكوى به ، فقال : الحمد اللّه العزيز الجبّار، الواحد القهار الكبير المتعال، (سَوَاءٌ مِنكُر مَنْ أَسَرَ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ. وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفِ بِاليْلِ وَسَارِبُ بِالشَّارِ) (1). أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النّعماء، وعلى ما أحبينا وكرهنا من شدّة ورخاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله امتن علينا بنبوته، واختصه برسالته، وأنزل عليه وحيه، واصطفاه على جميع خَلْقِه، وأرسله إلى الإنس والجن، حين عُبدت الأوثان وأطيع الشيطان، وجُحِد الرحمن، فصلّى اللّه عليه وعلى وآله وجزاء أفضل ما جزى المسلمين. أما بعد فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - أرشد اللّه أمره وأعزّ نصره - بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب، وإلى العمل بالكتاب والجهاد في سبيل اللّه، وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون، فإن في آجله ما تحبون إن شاء اللّه . ولقد علمتم أنّ عليا صلّى مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وحده، وإنه يومَ صَدّق به لفي
1) سورة الرعد، الآية: 10 .
عاشرة من سنّه ، ثم شهد مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) جميع مشاهده. وكان من اجتهاده في مرضاة اللّه وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم، ولم يزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) راضياً عنه، تى غمّضه بيده وغسله وحده والملائكة أعوانه والفضل ابن عمّه ينقل إليه الماء، ثم أدخله حفرته، وأوصاه بقضاء دينه وعِدّاته، وغير ذلك من أموره كلّ ذلك من منّ اللّه عليه . ثم واللّه ما دعا إلى نفسه، ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها، فبايعوه طائعين، ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه، ولا خلاف أتاه حسداً له وبغياً عليه فعليكم عباد اللّه بتقوى اللّه وطاعته والجد والصبر والاستعانة باللّه والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين. عَصَمنا اللّه وإياكم بما عصم به أولياءه ،وأهل طاعته، وألهمنا وإيّاكم تقواه، وأعاننا وإيّاكم على جهاد أعدائه وأستغفر اللّه العظيم لي ولكم. ثم مضى إلى الرّحبة، فهيًا منزلاً لأبيه أميرالمؤمنين .
قال جابر : فقلت لتميم: كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه ؟ فقال : وَلما سقط من قوله أكثر، ولقد حفظت بعض ما سمعت (1)
قال : ولمّا نزل علي(علیه السلام) اذا قار كتبت عائشة إلى حفصة بنت عمر: أمّا بعد فإني أخبرك أن عليّا قد نزل ذا قار، وأقام بها مرعوباً خائفاً لما بلغه من عُدّتنا وجماعتنا، فهو بمنزلة الأشقر، إن تقدم عُقِر، وإن تأخر نُحرِ، فدعت حفصة جواري لها يتغنّين ويضربن بالدّفوف فأمرتهنّ أن يقلن في غنائهنّ : ما الخبر ما الخبر، علي في السفر، كالفرس الأشقر إن تقدم عُقِر، وإن تأخر نُحِر.
وجعلت بناتُ الطَّلَقاء يدخلن على حفصة، ويجتمعن لسماع ذلك الغناء.
فبلغ أم كلثوم بنت علي(علیه السلام) ، فلبست جلابيبها، ودخلت عليهنّ في نسوة متنكّرات، ثم
عليك أسفرت عن وجهها ، فلمّا عرفتها حَفْصة خجلت ،واسترجعت فقالت أم كلثوم : لئن تظاهر تُما عليه منذ اليوم، لقد تظاهرتما على أخيه من قبل، فأنزل اللّه فيكما ما أنزل!
فقالت حَفْصة : كفى رحمك اللّه! وأمرَتْ بالكتاب فمزّق واستغفرت اللّه (2). قال أبو مختف: روى هذا جرير بن يزيد، عن الحكم، ورواه الحسن بن دينار،عن الحسن البصري.
وذكر الواقدي مثل ذلك، وذكر المدائني أيضاً مثله ،قال فقال: سهل بن حنيف في ذلك هذه الأشعار :
عَذَرْنَا الرِّجال بحرْبِ الرّجالِ *** فماللنساء وما للسباب!
أما حسبنا ما أُتينا به! *** لكِ الخيرُ من هَتْك ذاك الحِجَابِ
ومخرجُها اليومَ مِنْ بيتها *** يُعَرِّفها الذَّنْبَ نَبْحُ الكِلابِ
إلى أن أتانا كتاب لها *** مشوم، فيا قبحَ ذاك الكتابِ!
قال : فحدّثنا الكلبي، عن أبي صالح أن علياً(علیه السلام) ، لمّا نزل ذا قارٍ في قلّة من عسكره، صعد الزبير مِنبر البصرة، فقال: ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ، فأبيته بياتاً، وأصبّحه صباحاً، قبل أن يأتيه المدد! فلم يجبه أحد، فنزل واجماً ، وقال : هذه واللّه الفتنة التي كُنّا تحدّث بها ! فقال له بعض مواليه : رحمك اللّه يا أبا عبد اللّه ! تسمّيها فتنة ثم نقاتل فيها ! فقال : ويحك ! واللّه إنا لنبصر ثم لا نَصْير. فاسترجع المولى ثم خرج في الليل فارا إلى علي(علیه السلام) فأخبره، فقال: اللهم عليك به !
قال أبو مخنف : ولما فرغ الحسن بن علي(علیه السلام) من خطبته ،قام بعده عمّار، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلّى على رسوله، ثم قال : أيُّها النّاس ،أخو نبيكم وابن عمّه يستنفركم لنصر دين اللّه ، وقد بلاكم اللّه بحق دينكم، وحرمة أمّكم، فحق دينكم أوجب، وحرمته أعظم. أيها الناس، عليكم بإمام لا يؤدَّب، وفقيه لا يعلم، وصاحب بأس لا ينكل ، وذي سابقة في الإسلام ليست لأحد، وإنكم لو قد حضر تموه بيّن لكم أمركم إن شاء الله .
قال : فلمّا سمع موسى خطبة الحسَن وعمّار، قام فصعد المنبر، وقال: الحمد للّه الذي أكرمنا بمحّمد، فجمعنا بعد الفرقة، وجعلنا إخواناً متحابيّن بعد العدواة، وحرّم علينا دماءنا وأموالنا، قال اللّه سبحانه: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ (1). وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا ) (2). فاتقوا اللّه عباد اللّه، وضعوا أسلحتكم، وكفُّوا عن قتال إخوانكم.)أمّا بعد يا أهل الكوفة، إن تطيعوا اللّه بادياً، وتطيعوني ثانياً، تكونوا جُرثومةً من جراثيم العرب، يأوي إليكم المضطر ، ويأمَنُ فيكم الخائف. إنّ علياً إنّما يستنفركم لجهاد أمكم عائشة وطلحة والزبير حواري رسول اللّه ومَنْ معهم من المسلمين، وأنا أعلم بهذه الفتن أنّها إذا أقبلت شَبّهت ، وإذا أدبرت أسفرت، إني أخاف عليكم أن يلتقي غاران منكم فيقتتلا ثم يتركا
كالأحلاس الملقاء بنجوةٍ من الأرض. ثم يبقى رجرجة من الناس، لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن منكر . إنها قد جاءتكم فتنة كافرة لا يدرى من أين تؤتى !تترك الحليم حيران !كأنّي أسمع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله بالأمس يذكر الفتن، فيقول :«أنت فيها نائماً خير منك قاعداً، وأنت فيها جالساً خير منك قائماً، وأنت فيها قائماً خيرٌ منك ساعياً» (1). فتلموا سيوفكم وقضّفوا (2)رماحكم، وانْصِلوا سهامكم، وقطعوا أوتاركم، وخلوا قريشاً ترتق فتقها، وترأب صَدْعها ، فإن فعلت فلأ نفسها ما فعلت وإن أبت فعلى أنفسها ما جَنَتْ ، سمنها في أديمها . استنصحوني ولا تستغشّوني وأطيعوني ولا تعصوني، يتبين لكم ،رشدكم، ويَصْلَى هذه الفتنة مَنْ جناها .)فقام إليه عمّار بن ياسر، فقال : أنت سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله يقول ذلك ! قال : نعم هذه يدي بما قلت ،فقال: إن كنت صادقاً فإنّما عَنَاك بذلك وحدك، واتخذ عليك الحجّة، فالزم بيتك ولا تدخلنّ في الفتنة، أما إنّي أشهد أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و اله) أمر عليا بقتال الناكثين، وسمّي له فيهم مَنْ سمّى، وأمره بقتال القاسطين، وإن شئت لأقيمن لك شهوداً يشهدون أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إنما نهاك وحدك، وحذّرك من الدخول في الفتنة. ثم قال له : أعطني يدّك على ما سمعت. فمدّ إليه يده، فقال له عمّار: غلب اللّه مَنْ غالبه وجاهده! ثم جذبه فنزل عن المنبر.)****وروی محمد بن جرير الطبري في التاريخ قال : لما أتى عليا(علیه السلام الخبر وهو بالمدينة بأمر عائشة وطلحة والزبير، وأنهم قد توجّهوا نحو العراق، خرج يُبادر، وهو يرجو أن يدركّهم ويرّدهم، فلمّا انتهى إلى الرَّبَذة أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا ،فأقام بالرَّبَدَة أياماً، وأتاه عنهم أنهم ، يريدون البضرة، فسُر بذلك، وقال: إنّ أهل الكوفة أشدُّ لي حُبًّا، وفيهم رؤساء العرب وأعلامهم . فكتب إليهم : إنّي قد اخترتكم على الأمصار، وإني بالأثر.)قال أبو جعفر محمد بن جرير رحمه اللّه : كتب على(علیه السلام من الزّبدة إلى أهل الكوفة : أما بعد، فإني قد اخترتُكم، وآثرت النزول بين أظهركم لما أعرف من مودتكم وحبّكم اللّه ورسوله، فمن جاءني ونصرني فقد أجاب الحق، وقضى الذي عليه .)قال أبو جعفر : فأوّلُ مَنْ بعثه علي(علیه السلام من الربذة إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، فجاء أهل الكوفة إلى أبي موسى، وهو الأمير عليهم ليستشيروه في الخروج إلى عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) ، فقال لهم : أمّا سبيل الآخرة فأن تقعدوا ، وأمّا سبيلُ الدنيا فأن تخرجُوا .)
وبلغ المحمدّين قول أبي موسى الأشعري ،فأتياه وأغلظاله ،فأغلظ لهما، وقال: لا يحلّ لك القتال مع علي حتّى لا يبقى أحد من قتلة عثمان إلا قتل حيث كان. وقالت أخت عليّ بن عدي من بني عبد العزى بن عبد شمس، وكان أخوها علي بن عدّي من شيعة علي(علیه السلام ، وفي جملة عسكره :)لاهم فاعقِر بعلي جَمَلَهُ *** ولا تبارك في بعير حَمَله *** الاً عليّ بن عدي ليس لهقال أبو جعفر : ثم أجمع علي(علیه السلام على المسير من الرّيدة إلى البصرة، فقام إليه رفاعة بن رافع ،فقال يا أمير المؤمنين، أي شيء تريد؟ وأين تذهب بنا؟ قال : أما الذي نريد وننوي فإصلاح، إن قبلوا منا وأجابوا إليه ،قال فإن لم يقبلوا ، قال : ندعوهم ونعطيهم من الحقّ ما نرجوأن يرضوا به، قال : فإن لم يرضوا ! قال : نَدَعُهم ما تركونا: قال : فإن لم يتركونا ، قال : نمتنع منهم ، قال : فنعم إذا . وقام الحجّاج بن غَزِيَّة الأنصاري، فقال: واللّه يا أمير المؤمنين لأرضينك بالفعل،كما أرضيتني منذ اليوم بالقول . ثم قال :)دراكِها دَرَاكِها قَبْلَ الفَوْتُ *** وانفر بنا واسمُ بِنَا نحو الصوت*** لا وألت نفسي إن خفت الموثواللّه لننصرنّ اللّه عزّ وجلّ كما سمّانا أنصاراً . قال أبو جعفر رحمه اللّه : وسار على(علیه السلام النحو البصرة، ورايته مع ابنه محمّد الحنفيّة، بن وعلى ميمنته عبد اللّه بن عباس، و على ميسرته عُمر بن أبي سلمة، وعلي(علیه السلام) في القلب على ناقة حَمْراء، يقود فرساً كُمَيْتاً. فتلقاه بِفَيدِ غلام من بني سعد بن ثعلبة، يدعى مُرّة، فقال : مَنْ هؤلاء؟ قيل : هذا أمير المؤمنين، فقال: سَفرةٌ قانية ،فيها دماء من نفوس فانية، فسمعها علي(علیه السلام) فدعاه ، فقال : ما اسمك؟ قال : مُرّة، قال أمر اللّه عيشك ! أكاهن سائر اليوم؟ قال: بل عائف، فخلى سبيله. ونزل بفيد فأتته أسد ،وطيّئ فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: الزموا قراركم، ففي المهاجرين كفاية .)وقدم رجلٌ من الكوفة ،فَيْداً ، فأتى علياً(علیه السلام ، فقال له : من الرجل؟ قال : عامر بن مطرّف قال : الليثي؟ قال : الشيباني، قال: أخبرني عمّا وراءك؟ قال: إن أردت الصّلح فأبو موسى حاصبك، وإن أردتَ القتال فأبو موسى ليس لك بصاحب . فقال(علیه السلام) : ما أريد إلّا الصلح إلّا أن يُرد علينا.)قال أبوجعفر : وقدم عليه عثمان بن حنيف، وقد نتف طلحة والزبير شعر رأسه ولحيته وحاجبيه، فقال: يا أمير المؤمنين ،بعثتني ذا لحية، وجئتك أمرد، فقال : أصبت خيراً وأجراً .
ثم قال : أيُّها النّاس إنّ طلحة والزبير بايعاني، ثم نكثاني بيعتي، وألبا علي الناس، ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وخلافهما عليّ، واللّه إنّهما ليعلمان أنّي لستُ بدونهما . اللهّم فاحلل ما عقدا، ولا تبرم ما قد أحكما في أنفسهما ، وأرهما المساءة فيما قد عملا.قال أبوجعفر: وعاد محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر إلى علي (علیه السلام ، فلقيّاه وقد انتهى إلى ذي قار، فأخبراه الخبر ، فقال علي (علیه السلام)العبد اللّه بن العباس : اذهب أنت إلى الكوفة، فادعُ أبا موسى إلى الطاعة، وحَذَّره من العصيان والخلاف، واستنفر الناس. فذهب عبد اللّه عباس حتى قدم الكوفة، فلقي أبا موسى، واجتمع الرؤساء من أهل الكوفة. فقام أبو موسى فخطبهم ، وقال : إن أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) صحبوه في مواطن كثيرة، فهم أعلم باللّه ممن لم يصحّبه، وإن لكم عليّ حقًّا، وأنا مؤدّيه إليكم، أمر الا تستخفوا بسلطان اللّه ، وألا تجترتوا على الله أن تأخذوا كلّ مَنْ قدم عليكم من أهل المدينة في هذا الأمر، فتردوه إلى المدينة، حتى تجمع الامة على إمام ترتضي به، إنها فتنة صَمّاء، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان خير القاعد ،والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، فكونوا جُرثومةٌ من جراثيم العرب، أعمدوا سيوفكم، وأنصلوا أسنتكم واقطعوا أوتار قسيّكم، حتى يلتثم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفتنة .)قال أبو جعفر رحمه اللّه : فرجع ابن عباس إلى علي(علیه السلام ، فأخبره، فدعا الحسن ابنها(علیه السلام) وعمّار بن ياسر ، وأرسلهما إلى الكوفة، فلما قدماها كان أوّل مَنْ أتاهما مسروق بن الأجدع ، فسلّم عليهما، وأقبل على عمّار، فقال: يا أبا اليقظان، علام قتلتم أمير المؤمنين؟ :قال على شتم أعراضنا، وضرب أبشارنا . قال : فواللّه ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ولئن لكان خيراً للصابرين. ثم خرج أبو موسى فلقي الحسن(علیه السلام) فضمّه إليه، وقال لعمّار : أيا أبا اليقظان، أغدوتَ فيمَنْ غَدًا على أمير المؤمنين، وأحللت نفسك مع الفُجّار؟ قال : لم أفعل، ولِمَ تَسُوءني ؟ فقطع عليهما الحسن، وقال لأبي موسى: يا أبا موسى لم تنبط النّاس عنا، فواللّه ما أردنا إلا الإصلاح، وما مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء، قال أبو موسى: صدقت بأبي وأمي ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول: «ستكون فتنة . . . » (1)وذكر تمام الحديث. فغضب عمار وساءه ذلك، وقال: أيها الناس، إنما قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولذلك له خاصّة، وقام رجل من بني تميم فقال لعمّار : اسكت أيها العبد أنت أمس مع الغوغاء، وتسافه أميرنا اليوم! وثار زيد بن صوحان وطبقته، فانتصروا لعمّار، وجعل موسى يكتُ النّاس ويردعُهم عن الفتنة. ثم انطلق حتى صعد المنبر، وأقبل زيد بن صوحان)
1) تقدم تخريجه
ومعه كتاب من عائشة إليه خاصّة، وكتاب منها إلى أهل الكوفة عامّة، تتبطّهم عن نُصرة علي، وتأمرهم بلزوم الأرض ،وقال: أيُّها الناس ، انظروا إلى هذه ،أُمِرَتْ أَن تَقَر في بيتها، وأمرنا نحن أن نقاتل، حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا بما أُمرت به، وركبت ما أمرنا به، فقام إليه شَبَتْ بن ربعي . فقال له : وما أنت وذاك أيها العُماني الأحمق! سَرَقْتَ أمس بجلولاء فقطعك اللّه، وتسبّ أم المؤمنين ! فقام زيد، وشال يدّه المقطوعة و أومأ بيده إلى أبي موسى وهو على المنبر ، وقال له : یا عبد الله بن قيس أتردّ الفرات عن أمواجه ! دَع عنك ما لست تدرك ، ثم قرأ: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتركوا أن يَقُولُوا آمَنَا (1)الآيتين، ثم نادى : سيروا إلى أمير المؤمنين و صراط سيد المرسلين، وانفِرُوا إليه أجمعين. وقام الحسن بن علي (علیهماالسلام) ، فقال : أيها الناس، أجيبوا دعوة إمامكم ، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر مَنْ ينفر إليه، والله لأن يليه أولُوا النّهى أمثلُ في العاجلة، وخيرٌ في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا، وأعينونا على أمرنا ، أصلحكم اللّه !)وقام عبد خير فقال : يا أبا ،موسى، أخبرني عن هذين الرجليّن، ألم يبايعا علياً ! قال: بلى، قال : أفأحدث علي حدثاً يحلّ به نقض بيعته؟ قال: لا أدري، قال: لادريت ولا أتيت! إذا كنت لا تدري فنحن تاركوك حتى تدري. أخبرني : هل تعلم أحداً خارجاً عن هذه الفرق الأربع: عليّ بظهر الكوفة، وطلحة والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشام، وفرقة رابعة بالحجازقعود لا يجبي بهم فيء، ولا يقاتل بهم عدوا فقال أبو موسى: أولئك خير الناس، قال عبد خیر:اسكت يا أبا موسى، فقد غلب عليك عشّك .****قال أبو جعفر: وأتت الأخبار عليا(علیهم السلام باختلاف الناس بالكوفة، فقال للأشتر: أنت): شفعت في أبي موسى أن أقرّه على الكوفة، فاذهب فأصلح ما أفسدت، فقام الأشتر، فشخص نحو الكوفة، فأقبل حتى دخلها والناس في المسجد الأعظم، فجعل لا يمرّ بقبيلة إلا دعاهم :وقال: اتَّبِعوني إلى القصر، حتى وصل القصر، فاقتحمه وأبو موسى يومئذ يخطب الناس على المنبر، ويثبطهم، وعمار يخاطبه، والحسن(علیه السلام يقول : اعتزل عملنا وتنع عن منبرنا ، لا أمّ)لك!قال أبوجعفر: فروى أبو مَرْيم الثقّفي، قال: واللّه إنّي لفي المسجد يومئذ إذ دخل علينا غلمان أبي موسى يشتدّون ويبادِرُون أبا موسى: أيها الأمير، هذا الأشتر قد جاء، فدخل القصر، فضربنا وأخرجنا . فنزل أبو موسى من المنبر، وجاء حتى دخل القصر، فصاح به الأشتر : أخرج من قصرنا لا أمّ لك، أخرج اللّه نفسك! فواللّه إنّك لمن المنافقين قديماً . قال :
1) سورة العنكبوت الآيتان: 1 ، 2 .
أجلني هذه العشيّة، قال: قد أجّلتك، ولا تبيتنّ في القصر الليلة. ودخل النَّاسُ ينتهبون متاع موسى، فمنعهم الأشتر، وقال: إن قد أخرجته وعزلته عنكم. فكفّ الناس حينئذ عنه****.قال أبو جعفر : فروى الشعبي، عن أبي الطفيل ، قال : قال علي(علیه السلام : يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجُل واحد، فواللّه لقعدت على نَجَفَة ذي قار، فأحصيتهم واحداً واحداً، فما زادوا رجلاً ، ولا نقصوا رجلاً (1).)### نبذة من حياة عائشة ونسبهاوينبغي أن نذكر في هذا الموضع طرفاً من نَسب عائشة وأخبارها، وما يقوله أصحابنا المتكلّمون فيها، جرياً على عادتنا في ذكر مثل ذلك كلما مررنا بذكر أحد من الصحابة. أما نسبها، فإنها ابنه أبي بكر ، وقد ذكرنا نسبه فيما تقدم، وأمها أم رومان ابنة عامر بن عُوَيمر بن عبد شمس بن عتّاب بن أذينة بن سُبيع بن دهمان بن الحارث بن تميم بن مالك بن كنانة . تزوجها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله بمكة قبل الهجرة بسنتين - وقيل بثلاث - وهي بنت ست سنين - وقيل بنت سبع سنين – وبنى عليها بالمدينة وهي بنت تسع، لم يختلفوا في ذلك.)وكانت تذكر لجبير بن مطعم وتسمّي له، وورد في الأخبار الصّحيحة أن رسول اللّه(صلی الّه علیه واله أرِيَ عائشة في المنام في سرقة حرير (2)، متوفّى خديجة رضي اللّه عنها ، فقال : إن يكن هذا عند اللّه ،يُمْضِهِ، فتزوّجها بعد موت خديجة بثلاث سنين، وتزوّجها في شوال، وأعرس بها بالمدينة في شوال، على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجره إلى المدينة.)وقال ابن عبد البر في كتاب «الاستيعاب»:كانت عائشة تحبّ أن تدخُل النساء من أهلها وأحبتها في شوال على أزواجهّن ،وتقول: هل كان في نسائه أحظى عنده مني وقد نكحني وبنى علي في شوال (3.)قلت: قرىء هذا الكلام على بعض الناس، فقال : كيف رأت الحال بينها وبين أحمائها وأهل بيت زوجها (4!)
وروى أبو عمر بن عبد البّر، في الكتاب المذكور : أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله توفي عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة، فكان سنّها معه تسع سنين ، ولم ينكح بكراً غيرها، واستأذنت رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) في الكُنية، فقال لها : اكتني بابنك عبد اللّه بن الزبير - يعني ابن أختها - فكانت كنيتها أم عبد اللّه، وكانت فقيهةً عالمة بالفرائض والشعر والطب.)وروي أنّ النبي(صلی اللّه علیه واله ، قال : «فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على الطعام» (1)، وأصحابنا يحملون لفظة النّساء في هذا الخبر على زوجاته، لأنّ فاطمة (سلام اللّه علیه)عندهم أفضل ) منها، لقوله (صلی اللّه علیه واله): «إنّها سيدة نساء العالمين» (2).)و قذفت بصفوان بن المعطّل السُّلَمِي في سنّة ستّ ،منصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله من غزاة بني المصطلق - وكانت معه - فقال فيها أهل الإفك ما قالوا ، ونزل القرآن ببراءتها.)وقوم من الشيعة زعموا أنّ الآيات التي في سورة النور لم تنزل فيها، وإنما أنزلت في مارية القبطيّة، وما قذفت به مع الأسود القبطي. وجَحْدهم لإنزال ذلك في عائشة جَحْدٌ لما يعلم ضرورة من الأخبار المتواترة. ثم كان من أمرها وأمر حفصة وما جرى لهما مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله في الأمر الذي أسرّه على إحداهما ما قد نطق الكتاب العزيز به، واعتزل رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) نساءه كلهنّ، واعتزلهما معهنَّ ثم صالحهنّ، وطلّق حفصة ثم راجعها، وجرت بين عائشة وفاطمة إبلاغات، وحديث يُوغر الصُّدور، فتولّد بين عائشة وبين علي(علیه السلام) نوع ضغينة، وانضّم إلى ذلك إشارته على رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) في قصّة الإفك بضرب الجارية وتقريرها وقوله : «إن النساء كثير» .)ثم جرى حديث صلاة أبي بكر بالناس، فتزعم الشيعة أنَّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله لم يأمر بذلك، وأنَّه إنما صلى بالناس عن أمر عائشة ابنته، وأنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) خرج متحاملاً وهو مثقل، عن المحراب. وزعم معظم المحدّثين أن ذلك كان عن أمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وقوله، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: نحاه وصلّى هُوَ بالناس ،ومنهم من قال : بل انتم بأبي بكر كسائر الناس، ومنهم من قال : كان الناس يصلّون بصلاة أبي بكر، وأبو بكر يصلّي بصلاة)رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله. (3))
1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب : قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا 2000 (3411) ، ومسلم في فضائل الصحابة، باب : فضائل خديجة (2431)، والترمذي في الأطعمة، :باب ما جاء في فضل الثريد (1834) ، والنسائي في عشرة النساء باب حب الرجل بعض نسائه أكثر من بعض (3947) ، وابن ماجه في الأطعمة، باب : فضل الثريد (3280) .
2) أخرجه الحاكم في مستدركه ) (170/3)، ونحوه الديلمي في الفردوس (145/3).
3) رواه البيهقي في السنن الكبرى : 80/3 ، باب ما روي في صلاة المأموم قائماً، وعبد الرزاق في المصنف رقم 4076 .
ثم كان منها في أمر عثمان، وتضريب الناس عليه، ما قد ذكرناه في مواضعه، ثم تلا ذلك يوم الجمل .واختلف المتكلمون في حالها وحال من حضر واقعة الجمل، فقالت الإماميّة : كَفَر أصحاب الجمل كلُّهّم ،الرؤساء والأتباع. وقال قوم من الحشويّة والعامّة : اجتهدوا فلا إثم عليهم، ولا نحكم بخطئهم ولا خطأ علي (علیه السلام وأصحابه .)وقال قوم من هؤلاء : بل نقول : أصحاب الجمل أخطؤوا، ولكنه خطأ مغفور، وكخطأالمجتهد في بعض مسائل الفروع عند مَنْ قال بالأشبه، وإلى هذا القول يذهب أكثر الأشعرية. وقال أصحابنا المعتزلة كلّ أهل الجمل هالكون إلا مَنْ ثبتت توبته منهم قالوا : وعائشة ممن ثبتت توبتها، وكذلك طلحة والزبير، أما عائشة فإنها اعترفت لعلي (علیه السلام يوم الجمل بالخطأ، وسألته العفو، وقد تواترت الرواية عنها بإظهار الندم، وأنها كانت تقول : ليته كان لي من رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) بنون عشرة ، كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وتكلتُهم - ولم يكن يوم الجمل! وأنها كانت تقول : ليتني مت قبل يوم الجمل، وأنها كانت إذا ذكرت ذلك اليوم تبكي حتى تبل خمارها . وأما الزبير فرجع عن الحرب معترفاً بالخطأ لما أذكره على(علیه السلام) ما أذكره وأما طلحة فإنه مرّ به - وهو صريع - فارس فقال له :قف ،فوقف، قال: من أي الفريقين أنت؟ قال: من أصحاب أمير المؤمنين. قال :أقعدني، فأقعده، فقال: امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين، قبايعه .)وقال شيوخنا : ليس لقائل أن يقول : ما يروي من أخبار الآحاد بتوبتهم لا يعارض ما علم قطعاً من معصيتهم، قالوا : لأنّ التوبة إنما يحكم بها للمكلّف على غالب الظنّ في جميع المواضع، لا على القطع، ألا ترى أنا نجوّز أن يكون من أظهر التوبة منافقاً وكاذباً، فبان أن المرجع في قبولها في كل موضع إنما هو إلى الظنّ فجاز أن يعارض ما علم من معصيتهم بما يظنّ من توبتهم .### ومن كتاب(علیه السلام إليهم بعد فتح البصرة)الأصل: وَجَزَاكُمُ الله مِنْ أَهْلِ مِصْرِ عَن أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَحْسَنَ مَا يَجْزِي الْعَامِلِينَبِطَاعَتِهِ، وَالشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ، فَقَدْ سَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَدُعِيتُمْ فَأَجَبْتُمْ .
الشرح موضع قوله : «من أهل مصر» نصب على التمييز، ويجوز أن يكون حالاً . فإن قلت : كيف يكون تمييزاً وتقديره : وجزاكم اللّه متمدّنين أحسن ما يجزي المطيع ،والتمييز لا يكون إلا جامداً، وهذا مشتّق !قلت : إنهم أجازوا كونَ التمييز مشتقاً في نحو قولهم : «ما أنت جارة»، وقولهم : «يا سيّداً ما أنت من سيد». وما يجوز أن تكون مصدرية، أي أحسن جزاء العاملين، ويجوز أن تكون بمعنى الذي،ويكون قد حذف العائد إلى الموصول، وتقديره أحسن الذي يجزي به العاملين .### ومن كتاب له(علیه السلام كتبه لشريح بن الحارث قاضيه الأصل:)رُوِيَ أَنَّ شُرَيْحَ بن الحَارِثِ قَاضِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلام أَشْتَرَى عَلَى عَهْدِهِ داراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَاسْتَدْعَى شُرَيْحاً ، وَقَالَ لَهُ : بَلَغَنِي أَنَّكَ أبْتَعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً ، وَكَتَبْتَ لَهَا كِتَاباً ، وَأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً . فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:يَا شُرَيْحُ أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لاَ يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ، وَلاَ يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً، وَيُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لَا تَكُون أَبْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ : مَالِكٍ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلالِكَ، فَإِذا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الْآخِرَةِ . أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا أَشْتَرَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ، فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ هَذِهِ الدَّارِ بِالدِّرْهَم فما فَوْقُ، والنسخَةُ هَذِهِ : هَذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ ، مِنْ مَيِّتٍ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ. أَشْتَرى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ الْغُرُورِ، مِنْ جَانِبِ الْقَانِينَ، وَخِطَّةِ الْهَالِكِين. وَنَجْمَعُ هَذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةُ : الْحَدُّ الأول ينتهي إلى دَوَاعِي الآفَاتِ، وَالْحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي المُصِيبَاتِ ، وَالْحَدُّ الثَّالِثُ يَنْتَهِي إِلَى الْهَوَى المُرْدِي، وَالْحَدُّ الرَّابِعُ يَنْتَهِي إِلَى الشَّيْطَانِ المُغْوِي. وَفِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ. اَشْتَرَى هَذَا المُغْتَرُّ بِالأمل، مِنْ هَذَا المُزْهَجِ بِالْأَجَلِ هَذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوج مِنْ عِنْ الْقَنَاعَةِ، وَالدُّخُولِ فِي ذُلّ الطَّلَبِ وَالضَرَاعَةِ، فَمَا أَدْرَكَ هَذَا الْمُشْتَرِي فِيمَا أَشْتَرَى مِنْ دَرَكِ. فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ المُلُوكِ، وَسَالِبٍ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ، وَمُزِيلٍ مُلْكِ الْفَرَاعِنَةِ، مِثْلِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَنُبِّعِ وَحِمْيَر، وَمَنْ جَمَعَ الْمَالَ عَلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ ، وَمَنْ بَنَى وَشَيَّدَ، وَزَخْرَفَ وَنَجَّدَ، وَادَّخَرَ وَاعْتَقَدَ، وَنَظَرَ
بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ - إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَمَوْضِعِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، (1 إِذَا وَقَعَ الأمْرُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ، (وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ)(1)شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مَنْ أسرِ الْهَوَى، وَسَلِمَ مِنْ عَلائِقِ الدُّنْيَا».)****الشرح: هو شُرَيح بن الحارث بن المنتجع بن معاوية بن جَهم بن ثَوْر بن عُفير بن عدي بنالحارث بن مُرّة بن أدد الكندي، وقبل إنه حليف لكندة من بني الرائش . وقال ابن الكلبي : ليس اسم أبيه الحارث، وإنّما هو شريح بن معاوية بن ثور.وقال قوم: هو شُرَيح بن هانىء.وقال قوم: هو شريح بن شراحيل، والصحيح أنّه شُريح بن الحارث، ويكنى أبا أميّة. استعمله عمر بن الخطاب على القضاء بالكوفة، فلم يزل قاضياً ستّين سنة، لم يتعطّل فيها إلا ثلاث سنين في فتنة ابن الزبّير امتنع فيها من القضاء، ثم استعفى الحجاج من العمل فأعفاه، فلزم منزله إلى أن مات، وعُمّر عمراً طويلاً، قيل : إنه عاش مائة سنة وثمانياً وستين، وقيل مائة سنة، وتوفّي سنة سبع وثمانين . وكان خَفيف الرّوح، مزاحاً ، فقدم إليه رجلان، فأقر أحدهما بما ادّعى به خصمه، وهو لايعلم فقضى عليه، فقال لشُرَيْح : مَنْ شهد عندك بهذا ؟ قال : ابن أخت خالك . وقيل : إنه جاءته امرأته تبكي وتتظلّم على خصمها، فما رقّ لها حتى قال له إنسان كان بحضرته : ألا تنظر أيها القاضي إلى بكانها ! فقال :إن إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون. وأقرّعلى(علیه السلامشُرَيحاً على القضاء : مع مخالفته له في مسائل كثيرة من الفقه مذكورة في كتب الفقهاء.)واستأذنه شُرَيح وغيره من قُضاة عثمان في القضاة أوّل ما وقعت الفُرْقة، فقال: اقضوا كما كنتم تَقْضُون حتى تكون للنّاس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي.وسخط علي (علیه السلام مرّة عليه فطرده عن الكوفة ولم يعزله عن القضاء، وأمره بالمقام ببانقيا - وكانت قرية قريبة من الكوفة أكثر ساكنها اليهود - فأقام بها مدّة حتى رضي عنه وأعاده إلى)الكوفة .وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب»: أدرك شُريح الجاهليّة، ولا يعدّ من الصحابة، بل من التابعين، وكان شاعراً محسناً، وكان سناطاً لا شعر في وجهه.
1) سورة غافر، الآية : 78
قوله(علیه السلام :« وخطة الهالكين» بكسر الخاء، وهي الأرض التي يختطّها الإنسان، أي يُعْلِم)عليها علامة بالخطّ ليعمرها ، ومنه خطط الكوفة والبصرة. وزخرف البناء، أي ذهب جدرانه بالزّخرف، وهوالذهب.ونجدّ :فرش المنزل بالوسائد، والنّجاد الذي يعالج الفرش والوسائد ويخيطهما، والتنجيد: التزيين بذلك، ويجوز أن يريد بقوله: «نجد» رفع وعلا، من النّجد، وهو المرتفع من الأرض.واعتقد جعل لنفسه عُقدة كالضيعة أو الذخيرة من المال الصامت .و«إشخاصهم» مرفوع بالابتداء وخبره الجار المجرور المقدّم، وهو قوله: «فعلى مبلبل أجسام الملوك». وموضع الاستحسان من هذا الفصل - وإن كان كله حسناً - أمران : أحدهما : أنه (علیه السلام لا نظر إليه نظر مغضب، إنكاراً لابتياعه داراً بثمانين ديناراً، وهذا يدل على زهد شديد في الدنيا واستكثار للقليل منها ، ونسبه هذا المشتري إلى الإسراف ،وخوف من أن يكون ابتاعها بمال حرام.)الثاني : أنه أملى عليه كتاباً زهديا وعظياً، مماثلاً لكتب الشروط التي تكتب في ابتياع الأملاك، فإنهم يكتبون : هذا ما اشترى فلان من فلان، اشترى منه داراً من شارع كذا وخطة كذا ، ويجمع هذه الدار حدود أربعة، فحدّ منها ينتهي إلى دار فلان، وحد آخر ينتهي إلى ملك فلان، وحد آخر ينتهي إلى ما كان يعرف بفلان، وهو الآن معروف بفلان، وحدّ آخر ينتهي إلى كذا. ومنه شروع باب هذه الدار وطريقها :«اشترى هذا المشتري المذكور من البائع المذكور الدار المذكورة بثمن مبلغه كذا وكذا ديناراً، أو درهماً، فما أدرك المشتري المذكور من درك فمرجوع به على من يُوجب الشرع الرجوع به عليه». ثم تكتب الشهود في أخر الكتاب . شهد فلان ابن فلان بذلك، وشهد فلان ابن فلان به أيضاً، وهذا يدلُّ على أن الشروط المكتوبة الآن قد كانت في زمن الصحابة تكتبت مثلها أو نحوها ، إلا أنا ما سمعنا عن أحد منهم أنه نقل صيغة الشرط الفقهي إلى معنى آخر كما قد نظمه هو(علیه السلام، ولا غرو فما زال سباقاً إلى العجائب والغرائب !)فإن قلت :لم جعل الشيطان المغوي في الحد الرابع؟قلت: ليقول: وفيه يشرع باب هذه الدار، لأنه إذا كان الحدّ إليه ينتهي كان أسهل لدخوله إليها ودخول أتباعه وأوليائه من أهل الشيطنة والضلال.
### ومن کتاب له کتبه (علیه السلام الی بعض العمراء جیشه)الأصل: فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظَلَّ الطَّاعَةِ، فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ ، وَإِنْ تَوَافَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشَّقَاقِ وَالعِصْيَانِ فَانْهَدْ بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَن عَصَاكَ ، وَاسْتَغْنِ بِمَنِ أَنْقَادَ مَعَكَ ، عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ، فَإِنَّ المُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ.الشرح: انْهدَ: أي انهض وتقاعس أي أبطأ وتأخر .والمتكارِه : الذي يخرج إلى الجهاد من غير نية وبصيرة، وإنما يخرج كارهاً مرتاباً، ومثل قوله : فإنّ المتكاره مغيبه خير من مشهده، وقعوده أغنى من نهوضه قوله تعالى:«لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا »(1)### ومن کتاب له(علیهم السلام الی اسعث بن قیس ،و هو عامل اذربایجان)وَإِنْ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ، وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرعَى لَمَنْ فَوْقَكَ، لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ، وَلا تُخَاطِرَ إلا بِوَثِيقَةِ، وَفِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللّه تعالَى، وَأَنْتَ مِنْ خُزَانِهِ حَتَّى تُسَلَّمَهُ إِلَيَّ، وَلَعَلّي ألأ أَكُونَ شَرَّ وَلاتِكَ لَكَ وَالسَّلاَمُ.****الشرح: قد ذكرنا نسب أشعث بن قيس فيما تقدم.وأذربيجان : اسم أعجمي غير مصروف، الألف مقصورة، والذال ساكنة. قال حبيب :وأَذْرَبيجَانَ احتيال، بعدما *** كانت معرَّس عِبرةٍ ونَكَالِ (2)وقال الشماخ :تذكَّرتُهَا وَهْناً وقد حال دونها *** قُرى اذربيجان المسالح والجال
والنسبة إليه أدْرِي بسكون الذال، هكذا القياس، ولكن المروي عن أبي بكر في الكلامالذي قاله عند موته :« ولتألمُنَّ النّومَ على الصُّوف الأذَرِي» بفتح الذال . والطعمة بضم الطاء المهملة: المأكلة، ويقال : فلان خبيث الطعمة، أي رديء الكسب. والطعمة بالكسر لهيئة التطعّم ، يقول : إنّ عملك لم يسوّغه الشرع والوالي من قبلي إياه، ولا جعله لك أكلاً، ولكنه أمانة في يدك وعنقك للمسلمين، وفوقك سلطان أنتَ له رعيّة فليس لك أن تفتات في الرعيّة الذين تحت يدك ، يقال : افتات فلان على فلان، إذا فعل بغير إذنه ما سبيله أن يستأذنه فيه، وأصله من الفَوْت وهو السَّبْق، كأنه سبقه إلى ذلك الأمر .وقوله :«ولا تخاطر إلا بوثيقة»، أي لا تُقدِم على أمرٍ مَخوفٍ فيما يتعلّق بالمال الذي تتولاهإلا بعد أن تتوثق لنفسك ، يقال : أخذ فلان بالوثيقة في أمره، أي احتاط .ثم قال له :«ولعلّي لا أكون شرَّ ولاتك»، وهو كلام يطيّب به نفسه ويسكن به جاشه ؛ لأنّ أوّل الكلام إيحاشاً له، إذ كانت ألفاظه تدلّ على أنه لم يره أميناً على المال، فاستدرك ذلك بالكلمة الأخيرة، أي ربما تحمد خلافتي وولايتي عليك، وتصادف منّي إحساناً إليك، أي ألا يكون شكرُك لعثمان ومَنْ قبله أكثر من شكرك لي، وهذا من باب وعدك الخفي وتسمّيه العرب المَلْث .وأول هذا الكتاب :«من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس. أما بعد، فلولا هنات وهنات كانت منك ، كنت المقدّم في هذا الأمر قبل الناس، ولعلّ أمراً كان يحمل بعضه بعضاً إنْ اتقيت اللّه عزّ وجلّ، وقد كان من بيعة الناس إيّاي ما قد علمت ، وكان من أمر طلحة والزبير ما قد بلغك، فخرجت إليهما، فأبلغت في الدُّعاء، وأحسنت في البقيّة، وإن عملك ليس لك بطعمة . . . » ، إلى آخر الكلام، وهذا الكتاب كتبه إلى الأشعث بن قيس بعد انقضاء الجمل.### ومن كتاب له (علیه السلام إلى معاوية)الأصل: إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الذين بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَابَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإِنَّمَا السُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَإِن اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ الله رِضاً ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتَّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، وَوَلَاهُ الله مَا تَوَلَّى . وَلَعَمْرِي يَا مُعَاوِيَةُ، لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ ، لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزلةٍ عَنْهُ ، إِلا أَنْ تَتَجَنَّى ، فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ! وَالسَّلَامُ .
الشرح: قد تقدّم ذكر هذا الكلام في أثناء اقتصاص مراسلة أمير المؤمنين(علیه السلام معاوية بجرير بن عبد اللّه البجلي، وقد ذكره أرباب السيرة كلهّم، وأورده شيوخنا المتكلّمون في كتبهم)احتجاجاً على صحة الاختيار، وكونه طريقاً إلى الإمامة، وأول الكتاب :«أما بعد، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك ،وأنت بالشام ؛ لأنه بايعني القومُ الّذين بايعوا ...»إلى آخر الفصل .والمشهور المرويّ :«فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة»، أي رغبة عن ذلك الإمام الذي وقع الاختيار له .والمروي بعد قوله :«ولاه اللّه بعد ما تولّى» و«أصلاه جهنّم وساءت مصيراً»، وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، فكان نقضهما كردتهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحقّ وظهر أمر اللّه وهم كارهون ،فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إلي فيك العافية، إلا أن تتعرّض للبلاء، فإن تعرّضت له قاتلتك ،واستعنت باللّه عليك، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل النّاسُ فيه، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب اللّه ، فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللّبن ،ولعمري يا معاوية إن نظرت بعقلك ....» إلى آخر الكلام.وبعده:«واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحلّ لهم الخلافة، ولا تعترض بهم الشورى ،وقد أرسلت جرير بن عبد اللّه البجلي، وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايع ولا قوّة إلاّ باللّه».واعلم أن هذا الفصل دال بصريحه على كون الاختيار طريقاً إلى الإمامة كما يذكره أصحابناالمتكلّمون؛ لأنه احتج على معاوية ببيعة أهل الحلّ والعقد له، ولم يراع في ذلك إجماع المسلمين كلّهم ،وقياسه على بيعة أهل الحل والعقد لأبي بكر، فإنه ما رُوعي فيها إجماع المسلمين؛ لأن سعد بن عبادة لم يبايع، ولا أحد من أهل بيته وولده، ولأن عليّا وبني هاشم ومَنِ انضوى إليهم لم يبايعوا في مبدأ الأمر، وامتنعوا، ولم يتوقّف المسلمون في تصحيح إمامة ،أبي بكر وتنفيذ أحكامه على بيعتهم، وهذا دليل على صحة الاختيار وكونه طريقاً إلى الإمامة، وأنه لا يقدح في إمامته(علیهم السلام امتناع معاوية من البيعة وأهل الشام، فأما الإماميَّة فتحمل هذا الكتاب منه (علیه السلام)على النقيّة، وتقول : إنه ما كان يمكنه أن يصرّح لمعاوية في مكتوبه بباطن الحال، ويقول له : أنا منصوص علي من رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ومعهود إلى المسلمين أن أكون خليفة فيهم بلا فصل، فيكون في ذلك طعن على الأئمة المتقدّمين، وتفسد حاله مع الذين بايعوه من أهل المدينة، وهذا القول من الإمامية دعوى لو عضدها دليل لوجب أن يقال بها، ويُصار إليها، ولكن لا دليل لهم على ما يذهبون إليه من الأصول التي تسوقهم إلى حَمْل هذا الكلام على التقية.)
فأما قوله(علیه السلام :«وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإيّاهم على كتاب اللّه»، فيجب أن يذكر في شرحه ما يقول المتكلّمون في)هذه الواقعة .قال أصحابنا المعتزلة رحمهم اللّه : هذا الكلام حق وصواب ؛ لأن أولياء الدّم يجب أن يبايعوا الإمام ويدخلوا تحت طاعته، ثم يرفعوا خصومهم إليه، فإنْ حَكَم بالحقّ استديمت إمامته، وإن حاد عن الحق انقضت خلافته، وأولياء عثمان الذين هم بنوه لم يبايعوا : عليا(علیه السلام ، ولا دخلوا تحت طاعته ثَمّ، وكذلك معاويةُ ابن عمّ عثمان لم يبايع ولا أطاع ،فمطالبتهم له بأن يقتصّ لهم من قاتلي عثمان قبل بيعتهم إياه وطاعتهم له ظلم منهم وعدوان. فإن قلت : هب أنّ القصاص من قتلة عثمان موقوف على ما ذكره(علیه السلام) ، أما كان يجب عليه من طريق القصاص أن ينهي عن المنكر وأنتم تذهبون إلى أن النهي عن المنكر واجب على مَنْ هو سوقة، فكيف على الإمام الأعظم!)قلت: هذا غير وارد هاهنا ؛ لأنّ النهي عن المنكر، إنّما يجب قبل وقوع المنكر، لكيلا يقع، فإذا وقع المنكر، فأي نهي يكون عنه وقد نهى علي(علیه السلام أهل مصر وغيرهم عن قتل عثمان قبل قتله مراراً، ونابذهم بيده ولسانه وبأولاده فلم يغن شيئاً، وتفاقم الأمر حتى قُتِل، ولا يجب بعد القتل إلا القصاص، فإذا امتنع أولياء الدم من طاعة الإمام لم يجب عليه أن يقتص من القاتلين؛ لأن القصاص حقّهم، وقد سقط ببغيهم على الإمام وخروجهم عن طاعته. وقد قلنا نحن فيما تقدّم : إنّ القصاص إنّما يجب على مَنْ باشر القتل ،والذين باشروا قتل عثمان قُتِلوا يوم قتل عثمان في دار عثمان، والذين كان معاوية يطالبهم بدم عثمان لم يباشروا القتل، وإنّما كثّروا السّواد وحَصَروا عثمان في الدار، وأجلبوا عليه وشتموه وتوعدوه، ومنهم مَنْ تسوّر عليه داره ولم ينزل إليه، ومنهم مَنْ نزل فحضر محضر قتله ولم يشرك فيه، وكلّ هؤلاء لا يجب عليهم القصاص في الشرع .)### إرسال علي(علیه السلام جريراً إلى معاوية)وقد ذكرنا فيما تقدّم شرح حال جرير بن عبد اللّه البجلي في إرسال علي (علیه السلامإياه إلى معاوية مستقصى. وذَكَرَ الزُّبير بن بكار« في الموفقيات» (1)أن علياً(علیه السلام) لما بعث جريراً إلى معاوية، خرج وهو لا يرى أحداً قد سبقه إليه ، قال : فقدمت على معاوية فوجدتُه يخطب النّاس وهو حوله يبكون حول قيمص عثمان وهو معلّق على رمح مخضوب بالدّم، وعليه أصابع زوجته .)
1) الموفقيات كتاب في الحديث للزبير بن بكار الأسدي المتوفى سنة ( 256ه-) .
نائلة بنت الفرافصة مقطوعة، فدفعت إليه كتاب علي(علیه السلام ، وكان معي في الطريق رجلٌ . بسيري، ويقيم بمقامي، فمثل بين يديه في تلك الحال وأنشده :)إن بني عمك عبد المطلب *** هم قتلوا شيخَكُمُ غيرَ كَذِبْ وأنت أولى النّاس بالوَثْب فيبوقد ذكرنا تمام هذه الأبيات فيما تقدم.قال ثم دفع إليه كتاباً من الوليد بن عُقبة بن أبي معيط ،وهو أخو عثمان لأمّه، كتبه ، مع هذاالرجل من الكوفة سراً أوله : مُعَاوِيَ إنّ المُلكَ قد جُبَّ غَارِبُهُالأبيات التي ذكرنا فيما تقدم.قال : فقال لي معاوية : أقم فإنّ الناس قد نفروا عند قتل عثمان حتى يسكنوا. فأقمت أربعة أشهر، ثم جاءه كتاب آخر من الوليد بن عُقبة، أوّله :الا أبلغ معاوية بن حَرْب *** فإِنَّكَ مِن أخي ثقةٍ مُلِيمُقَطعتَ الدَّهر كالسَّدِم المعنى تُهَدِّر في دمشق ولا تَرِيمُوإنّك والكتاب إلى علي كذابغة وقد حَلم الأديمفلو كنت القتيل وكان حيا لشمّرَ لا ألفتُ ولا سَؤومُقال : فلمّا جاء، هذا الكتاب وصل بين طومارين أبيضين، ثم طواهما وكتب عنوانهما،«من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب»ودفعهما إليّ، لا أعلم ما فيهما، ولا أظنّهما إلا جواباً، وبعث معي رجلاً من بني عَبْس لا أدري ما معه، فخرجنا حتى قدمنا إلى الكوفة، واجتمع النّاس في المسجد، لا يشكون أنَّها بيعة أهل الشام، فلما فتح علي(علیه السلام الكتاب لم يجد شيئاً، وقام العبسي، فقال: مَنْ هاهنا من أحياء قيس، وأخصّ من قيس غطفان، وأخصّ من غَطفان عَبْساً؟ إني أحلف باللّه لقد تركت تحت قميص عثمان أكثر من خمسين ألف شيخ خاضبي لحاهم بدموع أعينهم، متعاقدين متحالفين، ليقتلن قَتَلَته في البر والبحر، وإني أحلف باللّه ليقتحمنّها عليكم ابن أبي سفيان بأكثر من أربعين ألفاً من خضيان الخيل، فما ظنكم بعد بما فيها من الفُحول. ثم دفع إلى علي(علیه السلام) كتاباً من معاوية ففتحه فوجد فيه .)أتاني أمرٌ فيه للنفس غُمّةٌ *** وفيه اجتداع للأنوف أصيلمصاب أمير المؤمنين وَهَدَةٌ *** تكاد لها صُمُّ الجبالِ تَزولُوقد ذكرنا هذا الشعر فيما تقدّم .
### ومن كتاب له(علیه السلام إليه أيضاً)الأصل: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ ، وَرِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ، نَمَّقْتَها بِضَلَالِكَ، وَأَمْضَيْتَها بِسُوءٍ رَأيِكَ وَكِتابُ امْرِى لَيْسَ لَهُ بَصَرُ يَهْدِيهِ، وَلاَ قَائِدٌ يُرْشِدُهُ، قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فأجابه ، وَقادَهُ الصَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ، فَهَجَرَ لاَغِطاً، وَضَلَّ خابِطاً .الشرح :موعظة موصلة ،أي مجموعة الألفاظ من هاهنا وهاهنا، وذلك عيب في الكتابة والخطابة، وإنما الكاتب من يرتجل فيقول قولاً فصلاً، أو يروي فيأتي بالبديع المستحّسن، وهو في الحالّين كليهما يُنفِق من كيسه ،ولا يستعير كلام غيره. والرسالة المحبّرة : المزينة الألفاظ ، كأنه(علیه السلام يشير إلى أنه قد كان يظهر عليها أثر التكلّف والتصنّع والتنميق : التزيين أيضاً. وهَجَرَ الرّجل، أي هَذَى، ومنه قوله تعالى في أحد التفسيرين: (إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْوَانَ مَهْجُورًا ) (1). واللّاغط : ذو اللغط، وهو الصوت والجلبة.)وخَبّط البعير فهو خابط، إذا مشى ضالاً فخبط بيذيه كلَّ ما يَلْقاء، لا يتوقّى شيئاً . وهذا الكتاب كتبه علي(علیه السلام جواباً عن كتاب كتبه معاوية إليه في أثناء حرب صِفِّينَ بل في)أواخرها، وكان كتاب معاوية :«من عبد اللّه معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب، أما بعد، فإنّ اللّه تعالى يقول في محكم كتابه : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَمَنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخيرِينَ (2)، وإني أحذرك اللّه أن تحبط عملك وسابقتك بشقّ عصا هذه الأمّة وتفريق جماعتها، فاتق اللّه واذكر موقف القيامة، وأقلع عمّا أسرفتَ فيه من الخوض في دماء المسلمين، وإنّي سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول :«الو تمالأ أهل صنعاء وعَدَن على قتل رجل واحد من المسلمين لأكبهم اللّه على مناخرهم في النار» (3)، فكيف يكون حال من قتل أعلام المسلمين وسادات المهاجرين، بله ما طحنت رَحًا حربه من أهل القرآن، وذي العبادة والإيمان ،من شيخ كبير، وشابٌ غَرير، كلّهم باللّه تعالى مؤمن ،وله مخلص، وبرسوله مقرّ عارف !فإن كنتَ أبا حسن إنما تحارب على الإمرة والخلافة، فَلَعَمْرِي لو صحت خلافتك)
لكنت قريباً من أن تعذر في حرب المسلمين، ولكنّها ما صحّت لك، أنَّى بصحّتها وأهل الشام لم يدخلوا فيها، ولم يرتضوا بها ! وخف اللّه وسَطَواتِه، واثّق بأسه، ونكاله، وأغمد سيفك عن الناس، فقد واللّه أكلتّهم الحرب، فلم يبقَ منهم إلا كالثّمد في قرارة الغدير . «واللّه المستعان» :فكتب علي (علیه السلامإليه جواباً عن كتابه .)من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان:«أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة، ورسالة محبّرة، نمقّتها بضلالك، وأمضيتها بسوء رأيك، وكتاب امرىء ليس له بَصَر : يهديه، ولا قائد يُرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده الضلال فاتّبعه، فَهجَر لاغِطاً، وضلّ خابطاً، فأما أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها، وأستعيذ باللّه من أن أكون من الذين إذا أمِرُوا بِها أخذتهم العزة بالإثم. وأمّا تحذيرُك إيَّاي أن يحبط عملي وسابقتي في الإسلام، فَلَعمري لو كنتُ الباغي عليك، لكان لك أن تحذِّرَني ذلك، ولكنّي وجدت اللّه تعالى يقول : ﴿ فَتَتِلُوا الَّتِي تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللّهِ (1)، فنظرنا إلى الفئتين، أما الفئة الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها ، لأن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة وأنت أمير لعمر على الشام، وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر وهو أمير لأبي بكر على الشام، وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر وهو أمير لأبي بكر على الشام. وأمّا شق عصا هذه الأمّة، فأنا أحق أن أنهاك عنه. فأما تخويفك لي من قتل أهل البغي، فإن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أمرني بقتالهم وقَتْلِهم، وقال لإصحابه:« إنّ فيكم مَنْ يقاتل عَلَى تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» (2)وأشار إليّ وأنا أولى من اتبع أمره.)وأما قولك : إن بيعتي لم تصّح لأن أهل الشام لم يدخلوا فيها ! كيف وإنما هي بيعة واحدة،تلزم الحاضر والغائب، لا يُثنى فيها النظر، ولا يستأنف فيها الخيار، الخارج منها طاعنّ، والمروي فيها مداهن. فاربَعْ على ظَلْعِك، وانزع سربالَ غَيّك، واترك ما لا جدوى له عليك، فليس لك عندي إلا السيف ،حتى تفيء إلى أمر اللّه صاغراً، وتدخل في البيعة راغماً . والسلام.الأصل:ومن هذا الكتاب : لِأَنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ لا يُثَنَّى فِيهَا النَّظَرُ ، وَلاَ يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْخَيَارُ ، الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ، وَالمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنٌ.
الشرح: لا يثنى فيها النظر ، أي لا يعاود ولا يراجع ثانية. ولا يستأنف فيها الخيار : ليس بعد عقدها خيار لمن عقدها ولا لغيرهم؛ لأنها تلزم غير العاقدين كما تلزم العاقدين، فيسقط الخيار فيها، الخارج منها طاعن على الأمّة ؛ لأنهم أجمعوا على أن الاختيار طريق الإمامة. والمروّي فيها مداهن، أي الذي يرتئي ويبطىء عن الطاعة ويفكر، وأصله من الروية. والمداهن : المنافق .### ومن كتاب له (علیه السلامإلى جرير بن عبد الله البَجَلي لما أرسله إلى معاوية)الأصل: أَمَّا بَعْدُ ، فَإِذَا أَنَاكَ كِتَابِي فَاحْمِل مُعَاوِيَةَ عَلَى الْفَضلِ، وَخُذْهُ بِالْأَمْرِ الْجَزم، ثُمَّ خَيْرُهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُخلِيَةٍ، أَوْ سِلْمِ مُخْزِيَةٍ، فَإِن اخْتَارَ الْحَرْبَ فَانْبِلْ إِلَيْهِ، وَإِن أَخَتَارَ السّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ. وَالسَّلاَمُ .الشرح : قد تقدّم ذكر نَسب جرير بن عبد اللّه البجلي.وقوله(علیه السلام : «فاحمل معاوية على الفَضل»، أي لا تتركه متلكّناً متردّداً، يُطْمِعُك تارة)ويؤيسك أخرى، بل أحمله على أمر فيصل إما البيعة، أو أن يأذن بالحرب. وكذلك قوله :«وخذه بالأمر الجزم»، أي الأمر المقطوع به، لا تكن ممن يُقدِّم رِجْلاً ويؤخر أخرى، وأصل الجزم القطع.وحرب مُجْليّة : تُجلي المقهورين فيها عن ديارهم، أي تُخرجهم. وسلم مخزية ،أي فاضحة وإنما جعلها مخزية لأن معاوية امتنع أولاً من البيعة، فإذا دخل السّلم فإنما يدخل فيها بالبيعة، وإذا بايع بعد الامتناع، فقد دخل تحت الهَضم ورَضيَ بالضّيم، وذلك هو الخزي .قوله «فانيذ إليه» من قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ (1)وأصله العهد والهدنة وعقد الحلف يكون بين الرجلين أو بين القبيلتين، ثم يبدو لهما في ذلك فينتقلان إلى الحرب فينبذ أحدهما إلى الآخر عهده، كأنه كتاب مكتوب بينهما قد نبذه أحدهما يوم الحرب وأبطله، فاستعير ذلك للمجاهرة بالعداوة والمكاشفة، ونسخ شريعة السلام السابقة بالحرب المعاقبة لها.)
1) سورة الأنفال، الآية : 58
### ومن كتاب له (علیه السلامإلى معاوية)الأصل: فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا ، وَاجْتِيَاحَ أَصْلِنَا ، وَهَمُوا بِنَا الْهُمُومَ، وَفَعَلُوا بِنَا الْأَفَاعِيلَ، وَمَنَعُونَا الْعَذْبَ، وَأَحْلَسُونَا الْخَوْفَ وَاضْطَرُّونَا إِلَى جَبَلٍ وَهْرٍ، وَأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ.فَعَزَمَ الله لَنَا عَلَى الذَّبٌ عَنْ حَوْزَيْهِ، وَالرَّني مِنْ وَرَاءِ حَوْمَتِهِ، مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذَلِكَ الْأَجْرَ، وَكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الْأَصْلِ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ خِلوّ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِحِلْفٍ يَمْنَعُهُ، أَوْ عَشِيرَة تَقُومُ دُونَهُ، فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بِمَكان أَمْن. وَكَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ إِذَا أَحْمَرَّ الْبَاسُ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالْأَسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنَّ آجَالَهُمْ عُجلَتْ، وَمَنتَهُ أُخْرَث.فَبَا عَجَبًا لِلدَّهْرًا إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَنِي الَّتِي لا يُدْلِي أَحَدٌ بِمِثْلِهَا، إِلا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لا أَعْرِفُهُ، وَلا أَظُنُّ اللَّهَ يَعْرِفُهُ. وَالْحَمْدُ اللهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفَع قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَيْكَ، فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَلاَ إِلَى غَيْرِكَ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعُ عَنْ غَيْكَ وَشِقَاقِكَ، لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطْلُبُونَكَ، لاَ يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَر وَلاَ بَحْرٍ، وَلا جَبَلٍ وَلا سَهْلٍ إِلا أَنَّهُ طَلَبٌ يَسُوءُكَ وجدَانَه، وَزَوْرٌ لاَ يَسُرُّك لقيانُهُ وَالسَّلامُ لِأَهْلِهِ****الشرح: قوله(علیه السلام : «فأراد قومنا» يعني قريشاً . والاجتياح :الاستئصال، ومنه الجائحة وهي السَّنَة ، أو الفتنة التي تجتاح المال أو الأنفس. قوله :«ومنعونا العذب»، أي العيش العذب. لا أنّهم منعوهم الماء العذّب، على أنه قد نقل أنّهم منعوا أيام الحصار في شعب بني هاشم من الماء العذب. وسنذكر ذلك.)قوله(علیه السلام: «وأحلسونا الخوف»، أي ألزموناه، والحِلْس: كساء رقيق يكون تحت برذعة البعير .)
وأحلاس البيوت : ما يُبسط تحت حُرِّ الثياب، وفي الحديث :«كن جلس بيتك» (1، أي لا تخالط النّاس واعتزل عنهم، فلما كان الجنس ملازماً ظهر البعير، وأحلاس البيوت ملازمة لها ، قال : «وأحلسونا الخوف»، أي جعلوه لنا كالجلس الملازم.)قوله : «واضطرونا إلى جبل ،وعر»، مَثَل ضربه(علیهم السلام لخشونة مُقامِهم وشَطَف منزلهم، أي كانت حالنا فيه كحال من اضطر إلى ركوب جبل وعر، ويجوز أن يكون حقيقة لا مثلاً؛ لأن الشعب الذي حصروهم فيه مضيق بين جبلين .)قوله :«فعزم اللّه لنا» أي قضى اللّه لنا، ووفقّنا لذلك، وجعلنا عازمين عليه. والحوزة: الناحية، وحوزة الملك : بيضته . وحومة الماء والرمل : معظمه.والرمي عنها : المناضلة والمحاماة، ويروى :«والرمي من وراء حرمته»، والضمير في «حوزته» و «حومته» راجع إلى النبي(صلی اللّه علیه واله ، وقد سبق ذكره، وهو قوله: «نبينا» ويروى)«والرميا».وقال الراوندي: «وهموا بنا الهموم»، أي همُّوا نزول الهّم بنا، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ،وليس ما قاله بجيّد بل «الهموم» منصوب هاهنا على المصدر، أي همّوا بنا هموماً كثيرة، وهمّوا بنا أي أرادوا نهبنا، كقوله تعالى : (وَهَمَّ بِهَا (2)، على تفسير أصحابنا، وإنما أدخل لام التعريف في الهموم، أي هموا بنا تلك الهموم التي تعرفونها، فأتى باللام ليكون أعظم وأكبر في الصدور من تنكيرها ،أي تلك الهموم معروفة مشهورة بين الناس لتكرّر عزم المشركين في أوقات كثيرة مختلفة على الإيقاع.)وقوله :« وفعلوا بنا الأفاعيل»، يقال لمن أثروا آثاراً منكرة : فعلوا بنا الأفاعيل، وقلّ أن يقال ذلك في غير الضرر والأذى، ومنه قول أمية بن خلف لعبد الرحمن بن عوف وهو يذكر حمزة بن عبد المطلب يوم بدر :«ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل».قوله : «يحامي عن الأصل»، أي يدافع عن محمد ويذبّ عنه حميّة ومحافظة على النسب قوله : «خلو مما نحن فيه»، أي خالٍ والحِلْف : العهد.واحمر البأس ،كلمة مستعارة ،أي اشتدّت الحرب حتى احمرت الأرض من الدم ،فجعل البأس هو الأحمر مجازاً، كقولهم: الموت الأحمر.
قوله : «وأحجم الناس» ، أي كَفُّوا عن الحرب وجَبُنوا عن الإقدام ، يقال : حجمت فلاناًكذا أحجمه بالضمّع فأحجم هُوَ، وهذه اللفظة من النوادر، كقولهم: «كببته فأكب».ويوم مؤتة بالهمز، ومؤتة : أرض معروفة . وقوله : «وأرادَ مَنْ لو شنتُ لذكرت اسمه »، يعني به نفسه .قوله :«إذ صرتُ يقرنُ بي مَنْ لم يَسْعَ بقدمي» إشارة إلى معاوية في الظاهر، وإلى مَنْ تقدّم عليه من الخلفاء في الباطن، والدليل عليه قوله :«التي لا يُدلي أحد بمثلها»، فأطلق القول إطلاقاً عاماً مستغرقاً لكل الناس أجمعين .ثم قال: «إلا أن يدّعِي مدّع ما لا أعرفه، ولا أظن اللّه يعرفه»، أي كلّ من ادّعى خلاف ماذكرته فهو كاذب؛ لأنه لو كان صادقاً لكان علي(علیه السلام يعرفه لا محالة، فإذا قال عن نفسه : إنّ كل دعوة تخالف ما ذكرت فإنّي لا أعرف صحتها، فمعناه أنها باطلة.)وقوله :« ولا أظنّ اللّه يعرفه»، فالظنّ هاهنا بمعنى العلم، كقوله تعالى: ﴿وَرَهَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَتَهُم مُواقِعُوهَا (1)، وأخرج هذه الكلمة مخرج قوله تعالى : (قُلْ أَتُنَئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ في السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (2)، وليس المراد سلب العلم بل العلم بالسلب ،كذلك ليس مراده(علیه السلام) سَلْبَ الظَّن الذي هو بمعنى العلم، بل ظن السلب ،أي علم السلب، أي وأعلم أن اللّه سبحانه يعرف انتفاءه، وكلّ ما يعلم اللّه انتفاءه ،فليس بثابت .)وقال الراوندي : قوله(علیه السلام : «ولا أظنّ الله يعرفه»، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ)الْمُجَهدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِرِينَ (3).)واللّه يعلم كل شيء قبل وجوده، وإنما معناه : حتى نعلم جهادهم موجوداً، وليست هذه الآية الكلمة من الایة بسبيل لتجعل مثالاً لها، ولكنّ الراوندي يتكلّم بكلّ ما يخطر له من غير أن يميز ما يقول .وتقول : أدلى فلان بحجّته، أي احتجّ بها، وفلان مُدْلٍ برَحمه، أي مَتَ بها . وأدلى بماله إلى الحاكم : دفعه إليه ليجعله وسيلة إلى قضاء حاجته منه، فأما الشفاعة فلا يقال فيها : «أدليت»، «ولكن دلوت» بفلان أي استشفعت به، وقال عمر لمّا استسقى بالعباس رحمه اللّه :«اللهّم إنا نتقرّب إليك بعم نبيّك وقفيّة آبائه ،وكبر رجاله، دلونا به إليك مستشفعين».قوله(علیه السلام :«فلم أره يسعُني» أي لم أرَ أنه يحلّ لي دفعهم إليك . والضمير في «أرَهُ» ضمير الشأن والقصّة، «وأره» من الرأي لا من الرؤية، كقولك : لم أرَ الرّأي الفلاني .)
ونزع فلان عن كذا، أي فارقه وتركه، ينزع بالكسر ، والغّي: الجهل والضلال. والشقاق: الخلاف.الوجدان: مصدر وجدت كذا، أي أصبته ،والزوّر : الزائر .واللقيان: مصدر لقيت ،تقول: لقيته لقاءً ولقياناً .ثم قال: «والسلام لأهله» لم يستجز في الدين أن يقول له :« والسلام عليك» لأنه عنده فاسق لا يجوز إكرامه ، فقال : «والسلام لأهله»، أي على أهله. ويجب أن نتكلّم في هذا الفصل في مواضع : منها ذكر ما جاء في السيرة من إجلاب قريش على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وبني هاشم وحضرهم في الشعب.)ومنها : الكلام في المؤمنين والكافرين من بني هاشم الذين كانوا في الشعب محصورين معه ( صلی اللّه علیه والهمَنْ هم. ومنها : شرح قصّة بدر، ومنها : شرح غزاة أحد . ومنها : شرح غزاة مؤتة .)### قريش وبنو هاشمفأما الكلام في الفصل الأول فنذكر منه ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب «السيرة» والمغازي، فإنه كتاب معتمد عند أصحاب الحديث والمؤرّخين، ومصنّفه شيخ الناس كلهم.قال محمد بن إسحاق رحمه اللّه : لم يسبق عليا(علیه السلام إلى الإيمان باللّه ورسالة محمد(صلی اللّه علیه واله) أحدٌ من الناس ،اللّهم إلا أن تكون خديجة زوجة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) . قال : وقدكان(صلی اللّه علیه واله) لي يخرج ومعه علي مستخفين من الناس ،فيصليّان الصلواتِ في بعض شعاب مكة، فإذا أمسيا رجعا فمكثا بذلك ما شاء الله أن يمكثا، لا ثالث لهما. ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان، فقال لمحمد(صلی اللّه علیه واله) : يا بن أخي ،ما هذا الذي تفعله! فقال:« أي عمّ ،هذا دين اللّه ملائكته ورسله، ودين أبينا إبراهيم - أو كما قال (علیه السلام) - بعثني اللّه به رسولاً إلى العباد، و دین وأنت أي عم أحقُّ من بذلتُ له النصيحة، ودعوته إلى الهدى ،وأحق مَنْ أجابني إليه، وأعانني عليه». أو كما قال. فقال أبو طالب :إني لا أستطيع يابن أخي أن أفارق ديني ودين آبائي وما كانوا عليه، ولكن واللّه لا يخلّص إليك شيء تكرهه ما بقيتُ ،فزعموا أنه قال لعلّي: أي بنّي، ما هذا الذي تصنع ؟ قال : يا أبتاه، آمنتُ باللّه ورسوله وصدّقته فيما جاء به، وصلّيتُ إليه، واتبعت قول نبيّه .فزعموا أنه قال له : أما إنه لا يدعوك - أو لن يدعوك - إلا إلى خير، فالزمه . قال ابن إسحاق : ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فكان أوّلَ مَنْ أسلم، وصلّى معه بعد علي بن أبي طالب (علیه السلام).)
ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة، فكان ثالثاً ،لهما، ثم أسلم عثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد بن وقاص، فصاروا ثمانية، فهم الثمانية الذين سبقوا الناس إلى الإسلام بمكة، ثم أسلم بعد هؤلاء الثمانية أبو عبيدة بن الجراح وأبو سلمة بن عبد الأسد وأرقم بن أبي أرقم ، ثم انتشر الإسلام بمكة، وفشا ذكره، وتحدّث الناس به، وأمر الله رسوله أن يصدّع بما أمر به فكانت مدة إخفاء رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله نفسه وشأنه إلى أن أمر بإظهار الدين ثلاث سنين - فيما بلغني .)قال محمد بن إسحاق : ولم تكن قريش تنكر أمره حينئذ كل الإنكار، حتّى ذكر آلهتهم وعابها، فأعظموا ذلك وأنكروه، وأجمعوا على عداوته وخلافه، وحدب عليه عمه أبو طالب فمنعه، وقام دونه حتى مضى مظهراً لأمر اللّه لا يردّه عنه شيء . قال : فلما رأت قريش محاماة أبي طالب عنه وقيامه دونه، وامتناعه من أن يسلمه ،مشى إليه رجال من أشراف قريش ، منهم عُتبة بن ربيعة، وشيبة أخوه ،وأبو سفيان بن حَرْب ،وأبو البختري بن هشام ،والأسود بن المطلّب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل عمرو بن هشام، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وأمثالهم من رؤساء قريش. فقالوا: يا أبا طالب ،إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا ، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آراءنا، فإما أن تكفَّه عنا، وإما أن تُخَلِّيَ بيننا وبينه. فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً ، وردّهم ردا جميلاً، فانصرفوا عنه .ومضى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله على ما هو عليه، يظهرُ دين اللّه ، ويدعو إليه، ثم شرق الأمر بينه وبينهم، تباعداً ،وتضاغنا، حتى أكثرت قريش ذکر رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) بينها ، وتذامروا فيه، وحضّ بعضُهم بعضاً عليه ،فمشوا إلى أبي طالب مرةً ثانية، فقالوا: يا أبا طالب، إنّ لك سنا وشَرَفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنا واللّه لا نصبر على ششم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا ،فإما أن تكفّه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين. ثم انصرفوا، فعظم على أبي طالب فراقُ قومه وعداوتهم، ولم تطب نفسه بإسلام ابن أخيه وخذلانه، فبعث إليه فقال : يابن أخي، إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا - فأبق عليّ وعَلَى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيقه . قال : فظَنَّ رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) أنّه قد بدا لعمّه فيه بداء ،وأنه خاذله ومسلمه، وأنّه قد ضعف عن نصرته والقيام دونه، فقال : يا عمّ، واللّه لو وضعوا الشَّمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره اللّه أو أهلك . ثم استعبر باكياً وقام، فلما ولّى ناداه أبوطالب : أقبل يابن أخي، فأقبل راجعاً ، فقال له : اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت ،فواللّه لا أسلمك لشيء أبداً .)قال ابن إسحاق: وقال أبو طالب يذكر ما أجمعت عليه قريش من حربه نداق بنصرمحمد 0صلی اللّه علیه واله:)
واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسدَ في التّراب دفِينَافانفذ لأمرك ما عليك مخافةٌ *** وابشر وقرّ بذاك منه عيوناودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت قبل أميناوعرضت ديناً قد علمت بأنه *** من خير أديان البرية دينالولا الملامة أو حذاري سُبّةً *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناقال محمد بن إسحاق: ثم إن قريشاً حين عرفت أن أبا طالب قد أبي خذلان . رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهوإسلامه إليهم ورأوا إجماعه على مفارقتهم وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان أجمل فتى في قريش - فقالوا له: يا أبا طالب ،هذا عمارة بن الوليد، أبهى فتى في قريش وأجمله، فخذه إليك، فاتخذه ولداً فهو لك، وأسلم لنا هذا ابن أخيك الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك لنقتله، فإنّما هو رجلٌ برجل. فقال أبو طالب! واللّه ما أنصفتوني ! تعطوني ابنكم أعذُوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا واللّه ما لا يكون أبداً. فقال له المطعم بن عدي بن نوفل - وكان له صديقاً مصافياً - واللّه يا أبا طالب ما أراك تريد أن تقبل من قومك شيئاً ! العمري قد جهدوا في التخلص ممّا تكره وأراك لا تُنصفهم! فقال أبو طالب: واللّه ما أنصفوني ولا أنصفتني، ولكنك قد أجمعت على خذلاني ومظاهرة القوم علي ! فاصنع ما بدا لك!)قال : فعند ذلك تنابذ القوم وصارت الأحقاد، ونادى بعضهم بعضاً، وتذامروا بينهم على من في القبائل من المسلمين الذين اتبعوا محمداً(صلی اللّه علیه واله . فوثبت كل قبيلة على من فيها منهم، يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع اللّه رسوله منهم بعمّه أبي طالب، وقام في بني هاشم وبني عبد المطلب حين رأى قريشاً تصنع ما تصنع، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)والقيام دونه، فاجتمعوا إليه، وقاموا معه ،وأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الدفاع عن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلا ما كان من أبي لهب ، فإنه لم يجتمع معهم على ذلك، فكان أبو طالب يرسل إليه الأشعار، ويناشده ،النصر، منها القطعة التي أولها :)حديث عن أبي لَهَبٍ أتانا *** وكانفه على ذَاكُم رجالومنها القطعة التي أولها :أظننت عَنِّي قد خذلت وغالني *** منك الغوائلُ بعد شيب المكبرِومنها القطعة التي أولها :تستعرض الأقوام توسعهمْ ***عُذراً وما إن قلتَ مِن عُذرِقال محمد بن إسحاق : فلم يؤثر عن أبي لهب خير قطّ إلا ما يروي أن أبا سلمة الأسدالمخزوميّ، لما وثب عليه قومه ليعذّبوه ويفتنوه عن الإسلام هرب منهم، فاستجار بأبي
طالب، وأمّ أبي طالب مخزومية، وهي أم عبد اللّه والد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله فأجاره، فمشى إليه رجال من بني مخزوم وقالوا له: يا أبا طالب، هَبْكَ منعت منا ابن أخيك محمّداً، فمالك ولصاحبنا تمنعه منا ! قال : إنّه استجار بي وهو ابن أختي ،وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي، فارتفعت أصواتهم وأصواته، فقام أبو لهب ولم ينصر أبا طالب قبلها ولا بعدها، فقال: يا معشر قريش ،واللّه لقد أكثرتم على هذا الشيخ ،لا تزالون بتوثيون عليه في جواره من بين قومه ! أما واللّه لتنتهنّ عنه أو لنقومنّ معه فيما قام فيه حتى يبلغ ما أراد فقالوا : بل نتصرف عمّا تكره أيا أبا عتبة ،فقاموا فانصرفوا ،وكان وليّا لهم ومعيناً على رسول اللّه(صلی للّه علیه واله) وأبي طالب ، فاتّقوه وخافوا أن تحمله الحميّة على الإسلام، فطمع فيه أبو طالب حيث سمعه قال ما قال، وأمّل أن يقوم معه في نصرة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال يحرضه على ذلك :)+وإن امرأ أبو عُتيبة عَمُه *** لَفِي مَعْزِلٍ من أن يُسام المظالماولا تقبلن الدّهر ما عشت خطةٌ *** تُسبّ بها إمّا هبطت المواسماأقول له وأين مِنْهُ نصيحتي *** أبا عُتْبَة ثَبِّتْ سوادَك قائماوول سبيل العجز غيرك منهم *** فإنَّك لم تخلق على العجز لازماوحارب فإن الحرب نصف ولن ترى *** أخا الحرب يُعطي الخسف حتى يُسَالماكذبتم وبيت اللّه نُبْزَاً محمداً *** ولمّا تروا يوماً من الشعب قائما (1)وقال يخاطب أبا لهب أيضاً :عَجِبتُ لحلم يا بن شيبة عازب*** واحلام أقوام لديك سخافِيقولون شايع مَنْ أراد محمّداً *** بظلم وقم في أمره بخلافِأضاميمُ (2إما حاسد ذو خيانة ***وإما قريب عنك غير مصاف)فلا تركبن الدهر منه ذمامة *** وأنت امرؤ من خير عبد منافولا تتركنه ما حييت لمعظم وكنْ رَجُلاً ذا نجدةِ وَعَفافِيذودُ العدا عن ذروة هاشمية *** إلانُهُمْ في النّاس خيرُ إلافِفإنّ له قُرْبى لديك قريبة *** وليس بذي حِلْفٍ ولا بمُضافِولكنّه من هاشم ذي صميمها *** إلى أبحر فوق البحور طوافِوزاحم جميع الناس عنه وكن له وزيراً على الأعداءغير مُجافِ
وإن غضبت منه قريش فقل لها *** بني عمّنا ما قومُكُمْ بضعافِوما بالكمْ تَخْشَوْنَ منه ظلامَةً *** وما بال أحقاد هناك خوافيفما قومنا بالقوم يخشون ظلمنا *** وما نحنُ فيما ساءهم بخفافِولكنّنا أهل الحفائظ والنّهى *** وعزّ ببطحاء المشاعر وافِقال محمد بن إسحاق : فلمّا طال البلاء على المسلمين والفتنة والعذاب، وارتدّ كثير عن الدين باللسان لا بالقلب ،كانوا إذا عذبوهم يقولون : نشهد أنّ هذا اللّه ، وأن اللات والعُزّى هي الآلهة، فإذا خلوّا عنهم عادوا إلى الإسلام، فحبسوهم وأوثقوهم بالقد. وجعلوهم في حرّ الشمس على الصخر والصَّفا، وامتدت أيام الشقاء عليهم ولم يصلوا إلى محمد(صلی اللّه علیه واله لقيام أبي طالب دونه، فأجمعت قريش على أن يكتبوا بينهم وبين بني هاشم صحيفة يتعاقدون فيها ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، فكتبوها وعلّقوها في جوف الكعبة تأكيداً على أنفسهم، وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصّي . فلما فعلوا ذلك انحازت هاشم والمطلّب، فدخلوا كلّهم مع أبي طالب في الشعب، فاجتمعوا إليه ، وخرج منهم أبو لهب إلى قريش فظاهرها على قومه .)قال محمد بن إسحاق : فضاق الأمر ببني هاشم وعدموا القوت ،إلا ما كان يحمل إليهم سرًّا وخفية، وهو شيء قليل لا يُمْسِك أرماقهم، وأخافتهم قريش، فلم يكن يظهر منهم ولا يدخل إليهم أحد، وذلك أشدّ ما لقي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وأهل بيته بمكة .)قال محمد بن إسحاق : فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً حتى جهدوا ألا يصل إليهم شيء إلا القليل سرًّا ممّن يريد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل بن هشام لقي حَكِيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى، معه بن عبد العُزّى معه غلام يحمل قمحاً يريد به عمّته خديجة بنت خويلد - وه عند رسول اللّه محاصرة في الشعب - فتعلّق به وقال : أتحمل الطعام إلى بني هاشم ! واللّه لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة !فجاءه أبو البختري العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العُزّى، فقال : ما لك وله! قال : إنه يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال أبو البختري: يا هذا ،إنّ طعاماً كان لعمته عنده بعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها !خل سبيل الرّجل، فأبى أبو جهل حتى نال كل منهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لَحْيَ بعير فضربه به فشجّه ووطنه وطاً شديداً .فانصرف وهو يكره أن يعلم رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهوبنو هاشم بذلك، فيشتموا، فلما أراد اللّه تعالى من إبطال الصَّحِيفة، والفَرَج عن بني هاشم من الضّيق والأزل الذي كانوا فيه، قام هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي في ذلك أحسن قيام، وذلك أنّ أباه عمرو بن الحارث كان أخاً لنضلة بن هاشم بن عبد مناف بن قصّي)
من أمه، فكان هشام بن عمرو يحسب لذلك واصلاً ببني هاشم، وكان ذا شرف في قومه بني عامر بن لؤي فكان يأتي بالبعير ليلاً وقد أوقره طعاماً، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشُّعب، حتى إذا أقبل به فم الشعب فمنع بخطامه من رأسه، ثم يضربه على جنبه ، فيدخل الشعب عليهم ثم يأتي به مرّة أخرى وقد أوقره تمراً، فيصنع به مثل ذلك.ثم أنه مشى إلى زُهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب وتلبس الثياب وتنكح النّساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، ولا يواصلون ولا يزارون! أما إنّي أحلف لو كان أخواك أبو الحكم بن هشام ودعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك أبداً . قال : ويحك يا هشام فماذا أصنع ! إنّما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمتُ في نقض هذه الصحيفة القاطعة. قال: قد وجدت رجلاً ، قال : مَنْ هو ؟ قال : أنا ، قال زهير : ابغنا ثالثاً، فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له يا ،مطعم أرضيت أن يهلك بطنان من عبد مناف جوعاً وجَهْداً وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه !أما واللّه لئن أمكنتموهم هذا لتجدن قريشاً إلى مساءتكم في غيره سريعة . قال : ويحك ! ماذا أصنع ! إنما أنا رجل واحد، قال قد وجدتُ ثانياً، قال: مَنْ هو ؟ قال : أنا قال ابغني ثالثاً، قال: قد وجدت قال : مَنْ هو ؟ قال زهير بن أمية قال أنا ، قال : ابغنا رابعاً .فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحو ما قال للمطعم ، قال : وهل من أحدٍ يعينمِنْ على هذا ؟ قال : نعم وذكرهم ،قال: فابغنا خامساً، فمضى إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن اسد بن عبد العزى فكلّمه ،فقال: وهل يعين على ذلك من أحد ؟ قال : نعم ،ثم سمّى له القوم، فاتّعدُوا خَطم الحَجُون ليلاً بأعلى مكة، فأجمعوا أمرهم، وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها. وقال زهير : أنا أبدؤكم وأكون أولكم يتكلّم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أميّة، عليه حلّة له ،فطاف بالبيت سبعاً ، ثم أقبل على الناس، فقال : يا أهل مكة، أنأكل الطعام، ونشرب الشراب، ونلبس الثياب وبنو هاشم هَلْكى! واللّه لا أقعد تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة !وكان أبو جهل في ناحية المسجد، فقال:كذبت واللّه لا تشق ! فقال زمعة بن الأسود لأب جهل : والله أنتَ أكذب ،ما رضينا واللّه بها حين كُتبتُ. فقال أبو البختري معه : صدق واللّه زمعة ، لا نرضى بها ولا نقرّ بما كتب فيها ! فقال المطعم بن عدي : صَدَقا واللّه ،وكذب مَنْ قال غير ذلك، نبرأ إلى اللّه منها وممّا كتب فيها . وقال هشام بن عمرو مثل قولهم، فقال أبو جهل : هذا أمر قضي بليل، وقام معظم بن عدي إلى الصحيفة فحطّها وشقّها، فوجد الأرضة قد أكلتها، إلا ما كان من «باسمك اللهم» قالوا: وأما كاتبها منصور بن عكرمة فشلت يده فيما يذكرون. فلما مزّقت الصحيفة خرج بنو هاشم من حصار الشعب.
قال محمد بن إسحاق : فلم يزل أبو طالب ثابتاً صابراً مستمراً على نصر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وحمايته والقيام دونه، حتى مات في أوّل السنة الحادية العشرة من مبعث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فطمعت فيه قريش حينئذ، ونالت منه ، فخرج عن مكة خائفاً يطلب أحياء العرب، يعرض عليهم نفسه، فلم يزل كذلك حتى دخل مكة في جوار المطعم بن عدي، ثم كان من أمره مع الخزرج ما كان ليلة العقبة (1).)قال : ومن شعر أبي طالب الذي يذكر فيه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وقيامه دونه :)أرقت وقدْ تَصوَّبَتِ النُّجُومُ *** وبت ولا تسالمُك الهمومُيظلم عشيرة ظلموا وعَقُوا *** وغبّ عقوقهم لا لهم وخيمهمُ انتهكوا المحارم من أخيهم *** وكل فعالهم دنسٌ ذمِيمُوراموا خطةجوراً وظُلماً *** وبعضُ القول ذو جَنَفٍ مُلِيمُلتخرج هاشماً فتكون منها *** بلاقع بطن مكة فالحَلِيمُفمهلاً قومنا لا تركبونا *** بمظلمة لها خَطبٌ جَسِيمُ!فيندم بعضكم ويذل بعض *** وليس بمفلح أبداً ظَلُومأرادوا قتل أحمد زاعِميه *** وليس بقتله منهم زَعِيمُوَدُونَ مُحَمَّد منا ندي *** همُ العِرنين والعُضْرُ الصَّمِيمُومن ذلك قوله :وقالوا لأحمد أنت أمرُؤٌ *** خَلُوفُ الحديثِ، ضَعيفُ السَّبَبُوإن كان أحمد قد جاءهم *** بصدق ولم يأتِهِم بالكذبفإنّا ومَنْ حَجَّ مِنْ رَاكِبٍ*** وكعبة مكة ذات الحُجُبتنالون أحمد أو تصطلو *** ظباة الرُمَاحِ وحَدَّ القُضبوتغترفوا بين أبياتِكُمْ *** صُدور العوالي وخَيْلاً شُزُبْتراهن من بين ضَافِي السَّبِيبِ *** قصير الحزام طويل اللُّبَبْعليها صناديدُ مِنْ هَاشِم *** همُ الأنجبون مع المنتجبوروى عبد اللّه بن مسعود، قال: لمّا فرغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله من قتلى بدر، وأمر بطرحهم في الْقَلِيب، جعل يتذكّر من شعر أبي طالب بيتاً فلا يحضره ،فقال له أبو بكر : لعلّه قوله يا رسول اللّه :)
1) أنظر مناقب أهل البيت لحيدر الشيرواني : 58
وإنّا لعمر الله إنْ جَدَّ جَدُّنا *** لتلتبسن أسياقنا بالأماثلفسُرّ بظفره بالبيت وقال : إي لعمر اللّه لقد التبست، ومن شعر أبي طالب قوله :ألا أبْلِغَا عَنِّي لُؤيا رسالة *** بحق وما تغني رسالة مرسلبني عَمِّنَا الأَدْنَيْن فيما يخصُّهُمْ *** وإخواننا من عبد شمس ونوفلأظاهرتُمُ قوماً علينا سَفَاهَةً *** وأمرا غَويّا من غُواةٍ وَجُهليقولون لو أنا قَتَلْنَا مُحَمَّداً *** أقرّت نواصي هاشم بالتذللكذبتم وربِّ الْهَدْيِ تَدمَى نحوره *** بمكّة، والبيتِ العتيقِ المُقَبَّلتنالونَهُ، أو تصطلوا دونَ نَيْلِهِ *** صوارمَ تَفْرِي كلَّ عُضْوِ ومفصلفمهلاً ولما تنتج الحرب بكرها *** بخيل تمام، أو بآخر مُعْجِلِوتلقوا بيع الأبطحين محمداً *** على ربوة في رأس عَنْقَاء عَيْطَلِ(1)وتأوي إليه ،هاشم، إن هاشماً *** عرانين كعب آخر بَعْدَ أوّلفإن كنتم ترجون قتل محمّد *** فروموا بما جَمَّعَتُمُ نَقْلَ يَذْبُلفإنّا سنحميه بكُلِّ طِمِرَّةٍ *** وذي مَيْعَةٍ نَهْدِ المراكِل هَيْكَلِوكلّ رُدَيْنِيّ ظماء كعوبه *** وعضب كإيماض الغَمَامَة مِنْصَلِ****قلت :كان صديقنا عليّ بن يحيى البطريق رحمه اللّه ،يقول : لولا خاصّ النبوَّة وسرّها لماكان مثلُ أبي طالب - وهو شيخ قريش ورئيسها وذو شرفها - يمدح ابن أخيه محمداً ، - وهوشابّ قد رُبِّيَ في حِجْره وهو يتيمه ومكفوله، وجارٍ مجرَى أولاده بمثل قوله :وتلقوا ربيع الأبطحين محمّداً *** على ربوة في رأسِ عَنْقاء عَيْطَلِوتأوي إليه هاشم، إنّ هاشماً *** عرانين كعب آخر بعد أوّلِومثل قوله :وأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغمام بوجهِهِ *** ثِمَالُ اليتامى عِصْمَةٌ للأرامليُطِيف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضلفإن هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذُّنابي من الناس، وإنما هو من مديح الملوك والعظماء، فإذا تصوّرت أنه شعر أبي طالب، ذاك الشيخ المبجّل العظيم في محمد(صلی اللّه علیه واله ، وهو شاب مستجير به، معتصم بظلّه من قريش، قد ربّاه في حجره غُلاماً، وعلى عاتقه طفلاً، وبين يديه)
1) العيطل : الطويلة العنق في حسن جسم القاموس، مادة (عطل).
شابا، يأكل من زاده، ويأوي إلى داره، علمت موضع خاصيّة النبّوة وسرّها، وأن أمره كان عظيماً، وأن اللّه تعالى أوقع في القلوب والأنفس له منزلة رفيعة ومكاناً جليلاً .وقرأت في«أمالي أبي جعفر محمد بن حبيب» رحمه اللّه (1، قال : كان أبو طالب إذا رأى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و أحياناً يبكي ويقول : إذا رأيتُه ذكرت أخي، وكان عبد اللّه أخاه لأبويه، وكان شديد الحُبّ والحنّو عليه ،وكذلك كان عبد المطلب شديد الحبّ له، وكان أبو طالب كثيراً ما يخاف على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و البيات إذا عرف مضجعه ،يقيمه ليلاً من منامه، ويُضجِع ابنه عليّا مكانه، فقال له عليّ ليلة :يا أبت، إني مقتول، فقال له :)اصبرنُ يا بني فالصبر أخجى **كلّ حيّ مصيره لِشَعُوبِقدّر اللّه والبلاء شديد *** لفداء الحبيب وابن الحبيبلفِدَاءِ الأغرُ ذي الحسَب النّا *** قب والباع والكريم النجيبإن تصبك المنون فالنبل تَبْرِي *** فمصيبٌ منها، وغير مصيبكل حي وإن تملى بعمر آخذ من مَذَاقِها بنصیبفأجاب على(علیه السلام ، فقال له :)أتأمرني بالصَّبْرِ في نصرِ أحمد *** وواللّه ما قلت الذي قلت جازعاولكننّي أحببتُ أن تَرَى نُصْرَتِي *** وتعلم أني لم أزل لك طائعاساسعَى لوجه اللّه في نَصْرِ أحمد *** نبي الهُدَى المحمود طِفْلاً ويَافِعًاالفصل الثاني: في تفسير قوله (علیهم السلام«مؤمننا يبغي بذلك الأجر، وكافرنا يحامي عن الأصل، ومن أسلم من قريش خلوّ ممّا نحن فيه لحلف يمنعه، أو عشيرة تقوم دونه فهم من)القتل بمكان أمن»، فنقول : إنّ بني هاشم لما حُصِروا في الشِّعب بعد أن مَنْعُوا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله من قريش، كانوا صنفين: مسلمين وكفاراً، فكان علي(علیه السلام) وحمزة بن عبد المطلب مسلمين . واختلف في جعفر بن أبي طالب :هل حُصِر في الشُّعب معهم أم لا؟ فقيل : حصرفي الشُّعب معهم ، وقيل : بل كان قد هاجر إلى الحبشة، ولم يشهد حصار الشعب، وهذا هو الأصحّ. وكان من المسلمين المحصورين في الشِّعب مع بني هاشم عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وهو وإن لم يكن من بني هاشم إلا أنه يجري مجراهم؛ لأن بني المطّلب وبني هاشم كانوا يداً واحدة، لم يفترقوا في جاهليّة ولا إسلام.)
1) أنظر الغدير لم أعثر عليه . لم أعثر عليه للأميني : 357/7
وكان العبّاس رحمه اللّه في حِصَار الشَّعب معهم إلا أنه كان على دين قومه، وكذلك عقيل بن أبي طالب ،وطالب بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ،وابنه الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وكان شديداً على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، يُبغضه ويهجوه بالأشعار، إلا أنه كان لا يرضى بقتله، ولا يقار قريشاً)في دمه، محافظة على النسب - وكان سيّد المحصورين في الشّعب ورئيسهم وشيخهم أبوطالب بن عبد المطلب، وهو الكافل والمحامي.****واختلف الناس في إيمان أبي طالب ،فقالت الإمامية وأكثر الزيدية : ما مات إلّا مسلماً . وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك، منهم الشيخ أبو القاسم البلخي وأبو جعفر الإسكافي وغيرهما .وقال أكثر الناس من أهل الحديث والعامة من شيوخنا البصريين وغيرهم: مات على دين قومه ويروون في ذلك حديثاً مشهوراً، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله قال له عند موته : «قُلْ يا عمّ كلمةً أشهد لك بها غداً عند اللّه تعالى» (1)، فقال : لولا أن تقول العرب : إن أبا طالب جزع عند الموت لأقررت بها عينك .)وروي أنه قال: أنا على دين الأشياخ (2.)وقيل إنّه قال : أنا على دين عبد المطلب (3.وقيل غير ذلك .)وروى كثير من المحدثين أن قوله تعالى :( ومَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ هُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبِيَّنَ لَهُ : أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرا أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّاً مِنْهُ (4)الآية أنزلت في أبي طالب لأنّ رسول اللّه استغفر له بعد موته .)وروّوْا أن قوله تعالى : (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ (5)نزلت في أبي طالب.)
1) أخرج البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله ( 1360)،)ومسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت . (24 ، والنسائي، كتاب الجنائز، باب : النهي عن الاستغفار للمشركين (2035).
2) أنظر تفسير ابن كثير : 31.
3) أنظر أنساب الأشراف للبلاذري: 24 ، وبحار الأنوار : 155/35 .
4) سورة التوبة، الآيتان 113 ، 114
5) سورة القصص، الآية : 56
ورووا أن علياً(علیه السلام جاء إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بعد موت أبي طالب، فقال له: إنّ عمك الضال قد قَضَى، فما الذي تأمرني فيه؟)واحتجوا بأنه لم يَنْقُل أحدٌ عنه أنه رآه يصلّي، والصلاة هي المفرقة بين المسلم والكافر(1، وأن علياً وجعفراً لم يأخذا من تركته شيئاً، ورووا عن النبي(صلی اللّه علیه واله) أنه قال «إن اللّه قد وعدني بتخفيف عذابه لِمَا صنع في حقي، وإنه في ضحضاح من نار». (2))ورووا عنه أيضاً أنّه قيل له : لو استغفرتَ لأبيك وأمك !فقال: «لو استغفرت لهما لاستغفرتُ لأبي طالب، فإنه صنع إلي ما لم يصنعا، وإن عبد اللّه وآمنة وأبا طالب جمرات من جمرات جهنم». (3)فأما الذين زعموا أنه كان مسلماً، فقد روَوْا خلاف ذلك، وأسندوا خبراً إلى أمير المؤمنين(علیه السلام ، أنه قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) : «قال لي جبرائيل : إن اللّه مشفّعك مك في سنّة : بطن حملتك ،آمنة بنت وهب ،وصلب أنزلك، عبد اللّه بن عبد المطلب، وحِجْر كَفَلك، أبي طالب، وبيت آواك، عبد المطلب، وأخ كان لك في الجاهليّة - قيل : يا رسول اللّه، وما كان فعله؟ قال: كان سخيا يطعم الطعام، ويجود بالنّوال - وثدي أرضعتك، حليمة بنت أبي «ذويب». (4))قلت : سألتُ النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد عن هذا الخبر، وقد قرأته عليه : هل كان الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله أن من أبيه أو من أمه أو منهما في الجاهليّة فقال : لا ، إنما يعني أخاً له في المودة والصحبة، قلت :له فمن هو ؟ قال : لا أدري.)قالوا : وقد نقل الناس كافّة عن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله لوأنه قال: «نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية» (5). فوجب بهذا أن يكون آباؤه كلهم منزهين عن الشِّرْك، لأنهم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين.)
1) سيأتي الجواب من المصنف عن ذلك
2) أخرج البخاري نحوه کتاب المناقب، باب : قصة أبي طالب (3883)، ومسلم في الإيمان، باب شفاعة النبي لأبي طالب (209)، وأحمد كتاب مسند بني هاشم، باب حديث العباس (1766)
3) لم أجده .
4) أنظر كتاب أبو طالب حامي الرسول للعسكري : 205 ذکر نحوه ابن حجر في لسان الميزان 205،
5) رواه المجلسي في بحار الأنوار: 156/35 .
قالوا : وأما ما ذكر في القرآن من إبراهيم وأبيه آزر، وكونه كان ضالاً مشركاً، فلا يقدح في مذهبنا ؛ لأنّ آزر كان عم إبراهيم، فأما أبوه فتارخ بن ناحور، وسُمِّي العم أبا ، كما قال: (أمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآبك (1)، ثم عد فيهم إسماعيل وليس من آبائه، ولكنّه عمّه .)قلت : وهذا الاحتجاج عندي ضعيف؛ لأن المراد من قوله(علیه السلام : «نقلنا من الأصلاب الظاهرة إلى الأرحام الزكية» تنزيه آبائه وأجداده وأمهاته عن السفاح لا غير، هذا مقتضى سياقة الكلام ؛ لأنّ العرب كان يعيب بعضها بعضاً باختلاط المياه واشتباه الأنساب ونكاح الشبهة.)وقولهم : لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين ،يقال لهم : لم قلتم : إنهم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهري الأصلاب فإنه لا منافاة بين طهارة الأصلاب وعبادة الصنم، ألا ترى أنه لو أراد ما زعموه لما ذكر الأصلاب والأرحام، بل جعل عوّضها العقائد ،واعتذارهم عن إبراهيم وأبيه يقدح في قولهم في أبي طالب ؛ لأنه لم يكن أبا محمد(صلی اللّه علیه واله ، بل كان عمه ، فإذا جاز عنهم أن يكون العمّ - وهو آزر - مشركاً كما قد اقترحوه في تأويلهم، لم يكن لهم حُجّة)هذا الوجه على إسلام أبي طالب .واحتجوا في إسلام الآباء بما روي عن جعفر بن محمد(صلی اللّه علیه واله أنه قال : يبعث اللّه عبد المطلب يوم القيامة وعليه سيما الأنبياء وبهاء الملوك. وروي أنّ العبّاس بن عبد المطلب قال الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالمدينة : يا رسول اللّه ،ما ترجو لابي طالب ؟ فقال :«أرجو له كل خير من اللّه عزّ وجلّ». (2).)وروي أنّ رجلاً من رجال الشيعة، وهو أبان بن محمود كتب إلى علي بن موسى الرّضا(علیه السلام : جُعلتُ فداك ! إني قد شككت في إسلام أبي طالب ! فكتب إليه : ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) (3)الآية ، وبعدها إنك إن لم تقرّ بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار(4).)وقد روي عن علي بن محمد الباقر(علیه السلام أنه سئل عما يقوله الناس : إنّ أبا طالب في)ضَحصاح من نار، فقال : لو وضع إيمان أبي طالب في كفّة ميزان وإيمان هذا الخلق في
الأخرى لرجح إيمانه . ثم قال : ألم تعلموا أن أمير المؤمنين علياً(علیه السلام كان يأمر أن يحج عن عبد اللّه وأبيه أبي طالب في حياته، ثم أوصى في وصيته بالحجّ عنهم!(1).)وروي أنّ أبا بكر جاء بأبي قحافة إلى النبي(صلی اللّه علیه واله عام الفتح يقوده، وهو شيخ كبير أعمى، فقال رسول اللّه : ألا تركت الشيخ حتى نأتيه !فقال: أردتُ يا رسول اللّه أن يأجره اللّه ! أما): والذي بعثك بالحقّ لأنا كنت أشدّ فرحاً بإسلام عمّك أبي طالب منّي بإسلام أبي ألتمس بذلك قرةّ عينك فقال: صدقت.(2.)وروي أن علي بن الحسين(علیه السلام سئل عن هذا، فقال : واعجبا ! إن اللّه تعالى نَهَى رسوله يقرّ مسلمة على نكاح كافر، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السَّابقات إلى الإسلام، ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات .(3).)وتروي قوم من الزيدية أنّ أبا طالب أسند المحدّثون عنه حديثاً ينتهي إلى أبي رافع مولى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، قال : سمعت أبا طالب يقول بمكة : حدّثني محمد بن أخي أن ربّه بعثه بصلة الرّحم، وأن يعبده وحده لا يعبد معه غيره، ومحمد عندي الصادق الأمين (4))وقال قوم: إن قول النبي(صلی اللّه علیه واله :«أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» (5)إنما عنى به أبا طالب. (6))وقالت الإماميّة : إن ما يرويه العامة من أنّ علياً(علیه السلام أن علياً وجعفراً لم يأخذا وجعفراً لم يأخذا من تركة أبي طالب شيئاً حديث موضوع ،ومذهب أهل البيت بخلاف ذلك، فإن المسلم عندهم يرثُ الكافر، ولا يرثُ الكافرُ المسلم، ولو كان أعلى درجة منه في النسب .)قالوا : وقوله(علیه السلام :«لا توارث بين أهل ملّتين» (7)، نقول بموجبه، لأنّ التوارث تفاعل،
1) أنظر مناقب أهل البيت للمولى حيدر الشيرواني : 51
2) أنظر بحار الانوار: 11435 ، وكتاب أبو طالب حامي الرسول للعسكري: 181 .
3) رواه النعماني في شرح الأخبار: 2213 ، والأميني في الغدير : 380/7 .
4) رواه الكراجكي في كنز الفوائد: 81 ، وابن حجر في الإصابة : 1987 .
5) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في رحمة اليتيم (1918)، وأبو داود :كتاب الأدب، باب من ضم اليتيم (5150)، وأحمد كتاب باقي مسند الأنصار، باب: حديث أبي مالك (22313) .
6) رواه علي بن يونس في الصراط المستقيم : 336/1 .
7) أخرجه الترمذي، كتاب الفرائض، باب : لا يتوارث أهل ملتين ،(2108) وأبو داود :كتاب الفرائض :باب هل يرث المسلم الكافر (2911) ، وابن ماجه ،کتاب الفرائض، باب : ميراث أهل الإسلام (2731)، بلفظ : لا يتوارث أهل ملتين .)کا ریچ
ولا تفاعل عندنا في ميراثهما ، واللفظ يستدعي الطرّفين، كالتضارب لا يكون إلّا من اثنين، قالوا : وحُبُّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله لأبي طالب معلوم مشهور ، ولو كان كافراً ما جاز له حبّه، لقوله تعالى:( وَلَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولها ) (1)الآية (2).)قالوا : وقد اشتهر واستفاض الحديث وهو قوله(علیه السلام العقيل: «أنا أحبك حُبّين : حبا لك)وحبًّا نحبّ أبي طالب فإنه كان يحبك» (3)قالوا: وخطبة النّكاح مشهورة، خطبها أبو طالب عند نكاح محمد(صلی اللّه علیه واله خديجة، وهي قوله : «الحمدُ للّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلداً حراماً وبيتاً محجوجاً، وجعلنا الحكّام على الناس. ثم إنّ محمد بن عبد اللّه أخِي مَنْ لا يوازن به فتّى من قريش إلا رجّح عليه برا وفضلاً، وحزماً وعقلاً، ورأياً ونُبلاً، وإن كان في المال قُل فإنما المال ظلّ زائل، وعاريةٌ مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببت من الصَّدَاق فعليّ، وله واللّه بعد نبأ شائع وخطب جليل».)قالوا : أفتراه يعلم نبأه الشائع وخطبه الجليل، ثم يعانده ويكذّبه ، وهو من أولى الألباب! هذا غير سائغ في العقول . قالوا :وقد روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد(صلی اللّه علیه واله أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال: «إن أصحاب الكهف أسرُّوا الإيمان، وأظهروا الكفر فأتاهم اللّه أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسرّ الإيمان، وأظهر الشرك، فآتاه اللّه أجره مرتين. (4).)وفي الحديث المشهور: إن جبرائيل(علیه السلام قال له ليلة مات أبو طالب :«اخرج منها فقد)مات ناصرك»(5.)قالوا : وأما حديث الضّحضاح من النار، فإنما يرويه النّاس كلّهم عن رجل واحد، وهو المغيرة بن شعبة، وبغضه لبني هاشم وعلى الخصوص لعلي(علیه السلام مشهور معلوم، وقصته وفسقه (6)أمر غير خاف.)
1) سورة المجادلة، الآية : 22 .
2) أنظر بحار الأنوار: 157/35
3) أخرج نحوه الحاكم في المستدرك ) (6464) ، والهيثمي في مجمع الزوائد» (273/9)، وابن عبد البر في الاستيعاب» (1834) ، وابن سعد في الطبقات (43/4) .
4) رواه الحر العاملي في الوسائل : 231/16 رقم 21438 ، والراوندي في الخرائج : 1078/3 .
5) رواه جملى من الحفاظ أنظر ينبابيع المودة للقندوزي : 4551 ، والبحار 29338 ، والصراط المستقيم : 226/1 .
6) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 158/35
وقالوا : وقد رُوي بأسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطلب، وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة، أنّ أبا طالب ما مات حتى قال : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه . والخبر أنّ أبا طالب عند الموت قال كلاماً خفيًّا، فأصغى إليه أخوه العباس، ثم رفع رأسه إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله فقال : يابن أخي، واللّه لقد قالها عمّك ، ولكنه ضعف عن أن يبلغك صوته (1).)وروي عن علي(علیه السلام أنه قال : ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)من نفسه الرّضَا (2).)قالوا : وأشعار أبي طالب تدلّ على أنه كان مسلماً، ولا فرق بين الكلام المنظوم والمنثور إذا تضمنا إقرار بالإسلام، ألا ترى أن يهوديا لو توسط جماعة من المسلمين، وأنشد شعراً قد ارتجله ونظمه يتضمّن الإقرار بنبوة محمد (صلی اللّه علیه واله، لكنّا نحكم بإسلامه كما لو قال : أشهد أن محمداً رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) ! فمن تلك الأشعار قوله :)يُرجون منّاخُطَةً دون نيلها *** ضراب وطعن بالوشيح المقوميرجُون أن نسخي بقتل محمد *** ولم تختضب سمرُالعوالي من الدّمكذبتم وبيت اللّه حتى تُفلّقوا *** جَمَاجِمَ تُلقَّى الحطيم وزمزموتقطع أرحام وتنسى حليلةٌ *** حليلاً، ويُغشى محرم بعد محرمعلى ما مضى من مقتكم وعقوقكم *** وغشيانكم في أمركم كل مائموظلم نبي جاء يدعُو إلى الهدى *** وأمر أتى مِنْ عند ذي العرش قَيّمفلا تحسبونا مُسلِميه فمثله *** إذا كان في قوم فليس بمسلَمَ (3)ومن شعر أبي طالب في أمر الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم :ألا أبلغَا عنّي على ذاتِ بينها *** لؤيا وخُصَّا من لؤي بني كعبألم تعلموا أنا وجدنا محمّداً *** رسولاً کموسى خُط في أوّل الكتبوأنّ عليه في العباد محبّة *** ولا حيف فيمن خصّه اللّه بالحبوأنّ الذي رَقْشْتُمُ في كتابكم *** يكون لكم يوماً كراغيةِ السَّقْبأفيقوا أفيقوا قبل أن تُحفَر الزُّبَى *** ويصبحَ من لم يجنِ ذنباً كذي ذنبولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعُوا *** أواصرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حَرْباً عَوَاناً وربما *** أمر على مَنْ ذَاقَهُ حَلَبُ الحرْبِفلسنا وبيت اللّه نُسلِم أحمدا *** لِعَزاء من عض الزمان ولاكربولمّا نَينْ مِنا ومنكم سوالف *** وأيد أُتِرَّت بالمهندة الشُّهْبِبمعترَكِ ضَيْف ترى قِصَد القَنا *** به والضباعَ العُرْجَ تعكف كالشربكان مجال الخيل في حَجَراته *** وغمغمة الأبطال معركة الحرباليس أبونا هاشم شد أزره *** وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب!ولسنا نمل الحرب حتى تملّنا *** ولا نشتكي ممّا ينوب من النُّكْبِولكنّنا أهل الحفائظ والنُّهى *** إذا طار أرواح الكُماة من الرعبومن ذلك قوله :فلا تُسفهوا أحلامَكُم في محمّد *** ولا تتبعوا أمرَ الغُواة الأشائمتمنّيثم أن تقتلوه وإنّما *** أمانيكم هذي كأحلام نائموإنكم واللّه لا تقتلونَهُ *** ولمّا تروا قظف اللّحى والجماجمزعمتم بأنا مسلمون محمّداً *** ولمّا نقاذف دونه ونزاحممن القوم مفضال أبي على العدا *** تمكّن في الفرعين من آل هاشمأمين حبيب في العباد مسوّم *** بخاتم رَبِّ قاهر في الخواتميَرَى الناسُ برهاناً عليه وهيبة *** وما جاهل في قومه مثل عالمنبي أتاه الوحي من عند ربه *** ومن قال لا يقرع بها سن نادمِومن ذلك قوله - وقد غضب لعثمان بن مظعون الجُمحّي، حين عذّبته قريش ونالت منه :امن تذکر دهر غير مأمون *** أصبحت مكتئباً تبكي كمحزونأمْ مِنْ تذكر أقوام ذوي سفي *** يغشون بالظلم مَنْ يدعو إلى الدِّينِألا يرون - أذلّ اللّه جَمْعَهُمُ *** أنا غضبنا لعثمان بن مَظْعُونِونمنع الصَّيْم مَنْ يبغِي مَضَامَنَنا *** بكل مطرد في الكف مسنُونِومُرْهفاتٍ كأنّ المِلْحَ خَالَطها *** يُشْفَى بها الدّاء من هام المجانينحتى تُقرّ رجالٌ لا حلوم لها *** بعد الصعوبة بالإسماح واللّينِأو تؤمنوا بكتابٍ مُنْزَلٍ عَجَبٍ *** عَلَى نبي كموسى أو كذِي النّونِقالوا : وقد جاء في الخبر أنّ أبا جهل بن هشام جاء مرّة إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله وهو ساجد وبيده حَجَر يريد أن يَرْضَ به رأسه فلصق الحجرُ بكفّه فلم يستطع ما أراد، فقال أبو طالب في ذلك من جملة أبيات :)
أفيقوا بني عَمّنا وانتهوا *** عن الغَيّ من بعض ذا المنطقِوإلا فإنّي إذاً خائف *** بوائق في داركم تلتقيكما ذاق مَنْ كان من قَبْلِكم *** ثمود وعاد ومَاذَا بَقي!ومنها :وأعجب من ذاك في أمركم *** عجائب في الحَجَر المُلصَقِبكفّ الذي قام من حينه *** إلى الصابر الصادق المتَّقِيفأثبته اللّه في كفه *** على رَغْمَهِ الخائن الأحمققالوا : وقد اشتهر عن عبد اللّه المأمون رحمه اللّه أنّه كان يقول : أسلم أبو طالب واللّه بقوله:نصرتُ الرَّسول رسول المليك *** ببيض تلالاً كلمع البروقاذُب وأحمي رسول الإله *** حماية حام عليه شفيقوما إن أدب لأعدائه *** دبيب البِكار حذار الفَنِيقِ (1)ولكن أزير لهم سامياً *** كما زار ليت بغيل مضيقٍقالوا :وقد جاء في السيرة، وذكره أكثر المؤرخين، أنّ عمرو بن العاص لمّا خرج إلى بلادالحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي، قال:تقول ابنتي : أين أين الرحيل؟ *** وما البينُ منّي بمستنگرِفقلتُ: دعيني فإنّي امرؤ *** أريد النجاشي في جَعْفَرِلأكويه عنده گيّةٌ *** أقيم بها نخوة الأصغرولن أنثني عن بَني هاشم *** بما اسطعت في الغَيْب والمحضَرِوعن عائب اللات في قوله *** ولولاً رضا اللات لم تمط تمطروإني لأشنَى قریش له *** وإن كان كالذّهب الأحدیقالوا : فكان عمرو يُسمى الشانىء ابن الشانيء، لأن أباه كان إذا مرّ عليه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)بمكة يقول له : واللّه إنّي لأشنوك، وفيه أنزل :( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبتر (2)قالوا : فكتب أبو طالب إلى النجاشي شعراً يحرّضه فيه على إكرام جعفر وأصحابه والإعراض عمّا يقوله عمرو فيه ،وفيهم من جملته:)ألا ليتَ شعرِي كيف في الناس جعفر *** وعمرو وأعداءُ النّبي الأقارب!
وهل نال إحسان النجاشي جعفراً *** وأصحابه، أم عاق عن ذاك شاعبُ !في أبيات كثيرة .قالوا : وروي عن علي(علیه السلام أنه قال : قال لي أبي : يا بنّي الزم ابن عمّك، فإنك تسلم به من كلّ بأس عاجل وآجل، ثم قال لي :)إنّ الوثيقة في لزومِ محمّد *** فاشدد بصحبته على أيديكا (1)ومن شعره المناسب لهذا المعنى قوله :إن علياً وجعفراً ثقتي ثقتي *** عندملم الزَّمانِ والنُّوبلا تخذلا وانصرا ابن عمّكما *** أخي لأمّي من بينهم وأبيواللّه لا أخذل النبّي ولا *** يخذله من بنّي ذو حَسَب****قالوا: وقد جاءت الرواية أن أبا طالب لمّا مات جاء علي (علیه السلام إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فآذنه بموته، فتوجّع عظيماً وحزن شديداً ، ثم قال له امض فتولّ غسله، فإذا رفعته على سريره فأعلمني، ففعل، فاعترضه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وهو محمول على رؤوس الرّجال، فقال: وصلّتك رحم يا عمّ، وجزيت خيراً ! فلقد ربّيْت وكَفَلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً، ثم تبعه إلى حفرته، فوقف عليه فقال: أما واللّه لأستغفرنّ لك ولا شفعنّ فيك شفاعةً يعجب لها الثقلان (2).)قالوا : والمسلم لا يجوز أن يتولّى غسل الكافر، ولا يجوز للنبي أن يرق لكافر، ولا أن يدعو له بخير،ولا أن يعده بالاستغفار والشفاعة، وإنما تولّى على (علیه السلامغسله؛ لأن طالباً وعَقِيلاً لم يكونا أسلما بعد، وكان جعفر بالحبشة، ولم تكن صلاة الجنائز شُرعت بعد، ولا صلى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)على خديجة، وإنما كان تشيع ورقّة ودعاء .)قالوا: ومن شعر أبي طالب يخاطب أخاه حمزة، وكان يكنى أبا يعلّى :فصبراً أبا يعلى على دين أحمد *** وكن مظهراً للدين وفقت صابرًاوحُطّ من أتى بالحق من عند ربه *** بصدق وعزم لا تكن حَمْزُ كافرافقد سرني إذ قلت إنك مؤمن *** فكن لرسول اللّه في اللّه ناصراوباد قريشاً بالذي قد أتيته ***إجهاراً وقل ما كان أحمد ساحرا
:قالوا ومن شعره المشهور:أنتَ النبي محمد *** قزم أعز موَّدُ (1)لمسوّدين أكارم *** طابوا وطاب المولدنعم الأرومة أصلها *** عمر و الخصمّ الأوحدهشم الرَّبيكة في الجفا *** ن وعيش مكة أنكدُجرت بذلك سُنَةٌ *** فيها الخبيزة تُفرَدُولنا السقاية للحجيج بها يُماتُ العُنجد (2)أزمان وما حوت *** عرفاتُها والمسجدانّي تُضَامُ ولم أمُتْ *** وأنا الشُّجَاعَ العِرْبدُ (3)وبطاح مکّة لا یری *** فیعا نجيع أسودُوبنو أبيك كانهم *** أسدُ العَرِين تَوَقَدُولقد عهدتك صادقاً *** في القول لا تتزيدما زلت تنطق بالصَّوا *** ب وأنت طفل أمردقالوا: ومن شعره المشهور أيضاً قوله يخاطب محمداً، ويسكّن جاشه، ويأمره بإظهار الدعوة :لا يمنعنّك من حقّ تقوم به *** ايد تصول ولا سلق بأصواتفإن كفّك كفى إن بليت بهم *** ودون نفسك نفسي في الملّماتذلك قوله ، ويقال إنها لطالب بن أبي طالب :اذا قيل مَن خير هذا الورى *** قبيلاً وأكرمُهم اسره؟أناف لعبد مناف أب *** وفضله هاشم العزّةلقد حلّ مجدبن بني هاشم*** مكان النعائم و النَّثرةوخير بني هاشم أحمد *** رسول الإله على فترة (4)ومن ذلك قوله :
لقد أكرم اللّه النبي محمداً *** فأكرم خلق اللّه في النّاس أحمدوشقّ له من اسمهِ ليُجُلَّه *** فذُو العرش محمود وهذا محمّدوقوله أيضاً، وقد يروي لعلي(علیه السلام :)يا شاهد اللّه علي فاشهد *** أني على ني على دين النبّي أحمد*** مَنْ َضلَّ في الدين فإني مهتد(1)قالوا: فكلّ هذه الأشعار قد جاءت مجيء التواتر ؛ لأنه إن لم تكن آحادها متواترة .فمجموعها يدلّ على أمر واحد مشترك، وهو تصديق محمد (صلى اللّه عليه وآله، ومجموعها متواتر، كما أنّ كلّ واحدة من قتلات علي(علیه السلام) الفرسان منقولة آحاداً، ومجموعها متواتر، يفيدنا العلم الضروري بشجاعته، وكذلك القول فيما رُوي من سخاء حاتم، وحلم الأحنف ومعاوية، وذكاء إياس وخلاعة أبي نواس، وغير ذلك ،قالوا: واتركوا هذا كله جانباً، ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة «قفا نبك» وإن جاز الشك فيها أوفى شيء من أبياتها، جاز الشك في «قفا نبك» وفي بعض أبياتها ونحن نذكر منها هاهنا قطعة وهي قوله :)أعوذ برب البيت من كل طاعن *** علينا بسوء أو يلوح بباطلومن فاجر يغتابنا بمغيبة *** ومن ملحق في الدّين ما لم نحاولكَذَبْتُم وبيت اللّه يُبْزَى محمدٌ *** ولَمّانطاعن دونه ونناضلوننصره حتى نصرع دُونه *** ونَذْهَل عن أبنائنا والحلائلوحتّى نرى ذا الرَّدْع یركب رَدْعَهُ ***من الطّعن فعل الأنكب المتحاملوينهض قوم في الحديد إليكم *** نهوض الرّوايا تحت ذات الصَّلاصلوإنّا وبيت اللّه مَنْ جَدّ جدنا *** لتلتبسن أسيافنا بالأماثلبكلّ فتّى مثلِ الشَّهَاب سَمَيْدَع *** أخِي ثقة عند الحفيظة باسل (2)وما ترك قوم لا أبالك سيّداً *** يحوط الذمار غير نكس مواكلوأبيض يُستسقى الغمام بوجهه *** يمالُ اليتامى عِصْمَةٌ للأرامليَلُوذُ به الهلاکُ من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضلِوميزان صِدْقٍ لا يخيس شعيرةً *** ووزان صدق وزه غير عائلألم تعلموا أن ابننا لا مكذَّب *** لدينا، ولا يعبا بقول الأباطل!
لعمري لقد كلفت وجداً بأحمد *** وأحببته حب الحبيب المواصلوجدتُ بنفسي دونه فحميته *** ودافعت عنه بالنُّرَى والكواهلفلا زال للدّنيا جمالاً لأهلها *** وشَيْناً لمن عادى وزين المحافلوأيّده ربّ العباد بنصره *** وأظهر ديناً حقّه غیر باطل (1)وورد في السيرة والمغازي أن عتبة بن ربيعة أو شيبة لما قطع رجل عبيدة بن الحارث بن المطلب يوم بدر أشبل عليه عليّ وحمزة فاستنقذاه منه وخبطا عتبة بسيفيهما حتى قتلا، واحتملا صاحبهما من المعركة إلى العريش، فألقياه بين يدي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، وإن مخ ساقه لیسیل، فقال : يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، لو كان أبو طالب حيًّا لعلم أنه قد صدق في قوله :)کَذبتم وبيت اللّه نُخلي محمداً *** ولمّا نطاعِنُ دُونَه ونُنَاضِلِوننصره حتى نصرع حوله*** ونذهل عن أبنائنا والحلائلفقالوا : إن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله استغفر له ولأبي طالب يومئذ، وبلغ عبيدة مع النبي(صلی اللّه علیه واله) إلى الصَّفْراء فمات فدفن بها (2).)قالوا : وقد روي أن أعرابيا جاء إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله في عام جذب، فقال: أتيناك يا رسول اللّه ولم يبق لنا صبّي يرتضع، ولا شارف يجتّر ثم أنشده:)أتيناك والعذراءُ تَدْمَى لبانُها *** وقد شغلت أم الرضيع عن الطفلوألقى بكفيه الفتى لاستكانة *** من الجوع حتى ما يُمرُّ ولا يُخْلِيولا شيء مما يأكل الناس عندنا *** سوى الحنظل العامِيِّ والعِلْهِز الفَسْلِ (3)وليس لنا إلا إليك قرارنا *** وأين فِرارُ النَّاس إلا إلى الرسل!فقام النبي(صلی اللّه علیه واله يجرّ رداءه ،حتى صعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، وقال: «اللهّم اسقنا)غيثاً مغيثاً مريئاً هينئاً ،مريعاً سَحا سجالاً، فدقاً طبقاً قاطباً دائماً ،درا تحيى به الأرض، وتنبت به الزرع، وتدرّ به الضّرع، واجعله سقياً نافعاً عاجلاً غير رائث». فواللّه ،مارة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يده إلى نحره حتى ألقت السَّمَاء أزواقها، وجاء الناس يضجّون : الغرق الغرق)
يا رسول اللّه ! فقال : «اللهّم حوالينا ولا علينا » (1، فانجاب السَّحَاب عن المدينة حتى استدار حولها كالإكليل. فضحك رسول اللّه حتى بدت نواجذه، ثم قال:«اللّه در أبي طالب ! لو كان حيّا لقرّت عينه.)منْ يُنشِدنا قوله ؟ فقام عليّ فقال : يا رسول اللّه ، لعلك أردت : وأبيض يُسْتَسْقَى الغمام بوجههقال: «أجل»، فأنشده أبياتاً من هذه القصيدة، ورسول اللّه يستغفر لأبي طالب على المنیر (2ثم قام رجل من كنانة فأنشده:)لك الحمد والحمد ممّن شَكَرْ *** سُقِينَا بوجهِ النَّبيِّ المَطَرْدعا اللّه خالقه دعوة *** الیه ،وأشخِصَ منه البصرفَمَا كَانَ إلا كما ساعة *** أو أقصر حتى رأينا الدّرردِفاقَ العَزَالِي وَجمَ البعاق *** أغاث به اللّه عُلْيَا مُضَرْفكان كما قاله عمّه *** أبو طالب ذُو رُواءٍ غُرَزبه يَسِّر اللّه صَوْبَ الغمام *** فهذا العِيان وذاك الخَ الْخَبَرْفمن يَشْكُرِ اللّه يَلْقَ المزيد *** وَمَنْ يَكْفُرِ اللّه يَلْقَ الْغِيَرُفقال رسول اللّه : «إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت» (3.)قالوا : وإنّما لم يظهر أبو طالب الإسلام ويجاهر به؛ لأنه لو أظهره لم يتهيا له من نُضرة النبي (صلی اللّه علیه واله ما تهيّأ له، وكان كواحدٍ من المسلمين الذين اتبّعوه، نحو أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهما ممن أسلم، ولم يتمكن من نُضرته والقيام دونه حنيئذ، وإنمّا تمكّن أبو طالب المحاماة عنه بالثبات في الظاهر على دين قريش وإن أبطن الإسلام، كما لو أن إنساناً كان يُبطن التشيّع مثلاً، وهو في بلد من بلاد الكرامية، وله في ذلك البلد وجاهة وقدّم، وهو يُظهر مذهب الكرامية، ويحفظ ناموسه بينهم بذلك، وكان في ذلك البلد نفر يسير من الشيعة لا يزالون ينالون بالأذى والضَّرر من أهل ذلك البلد ورؤسائه، فإنّه ما دام قادراً على إظهار مذهب أهل البلد، يكون أشدَّ تمكنا من المدافعة والمحاماة عن أولئك النفر، فلو أظهر ما يجوز من التشيع وكاشف أهل البلد بذلك، صار حكمه حكم واحد من أولئك النفر، ولحقه من الأذى والضَّرر ما يلحقهم، ولم يتمكن من الدفاع أحياناً عنهم كما كان أولاً .)
قلت : فأما أنا فإنّ الحال ملتبسة عندي، والأخبار متعارضة، واللّه أعلم بحقيقة حاله كيف كانت .ويقف في صدري رسالة النفس الزكية إلى المنصور، وقوله فيها : فأنا ابنُ خير الأخيار، وأنا ابن شرّ الأشرار، وأنا ابن سيد أهل الجنّة، وأنا ابن سيد أهل النار . فإنّ هذه شهادة منه على أبي طالب بالكُفْر ، وهو ابنه وغير متّهم عليه، وعهده قريب من عهد النّبي(صلی اللّه علیه واله ، لم يطل الزمان فيكون الخير مفتعلاً .)وجملة الأمر أنه قد رُوي في إسلامه أخبار كثيرة، وروي في موته على دين قومه أخبار كثيرة، فتعارض الجرح والتعّديل، فكان كتعارض البينتين عند الحاكم، وذلك يقتضي التوقف، فأنا في أمره من المتوقفين .فأما الصلاة وكونه لم يُنقل عنه أنه صلّى، فيجوز أن يكون لأن الصلاة لم تكن بعد قد ،فرضت وإنما كانت نقلاً غير واجب، فمن شاء صلّى، ومن شاء ترك، ولم تفرض إلا بالمدينة. ويمكن أن يقول أصحاب الحديث : إذا تعارض الجرح والتعديل كما قد أشرتم إليه ، فالترجيح عند أصحاب أصول الفقه لجانب الجرح ؛ لأن الجارح قد اطلع على زيادة لم يطلّع عليها المعدّل.ولخصومهم أن يجيبوا عن هذا فنقول: إنّ هذا إنما يقال ويذكر في أصول الفقه في طعن مفضل في مقابلة تعديل مجمل، مثاله أن يروِيَ شُعبةُ مثلاً حديثاً عن رجل، فهو بروايته عنه قد وثقه، ويكفي في توثيقه له أن يكون مستور الحال، ظاهره العدالة، فيطعن فيه الدارقطني مثلاً بأن يقول : كان مدلّساً، أو كان يرتكب الذنب الفلاني، فيكون قد طعن طعناً مفصلاً في مقابلة تعديل ،مجمل، وفيما نحن فيه وبصدده الرّوايتان متعارضتان تفصيلاً لا إجمالاً ؛ لأن هؤلاء يروون أنّه تلفّظ بكلمتي الشهادة عند الموت وهؤلاء يروون أنه قال عند الموت : أنا على دين الأشياخ .و بمثل هذا يجاب على مَنْ يقول من الشيعة روايتنا في إسلامه أرجح؛ لأنا نروي حكماً إيجابياً ونشهد على إثبات ،وخصومنا يشهدون على النّفي، ولا شهادة على النفي، وذلك أن الشهادة في الجانبين معاً ، إنما هي على إثبات، ولكنه إثبات متضاد.وصنف بعض الطالبيين في هذا العصر كتاباً في إسلام أبي طالب، وبعثه إلي، وسألني أنأكتب عليه بخطى نظماً أو نثراً ، أشهد فيه بصحّة ذلك، وبوثاقة الأدلة عليه، فتحّرجت أن أحكمبذلك حكماً قاطعاً، لما عندي من التوقّف فيه، ولم أستجز أن أقعد عن تعظيم أبي طالب، فإنّي أعلم أنه لولاه لما قامت للإسلام دعامة، وأعلم أنّ حقّه واجب عل كلّ مسلم في الدنيا إلى أن تقوم الساعة، فكتبت على ظاهر المجلّد :
ولَوْلاً أبو طالب وابنه *** لما مُثل الدين شخصاً فقامافذاك بمكة آوى وحامي *** وهذا بيشَربَ جسّ الحِماماتكفّل عبد مناف بأمر *** وأودى فكان علي تمامافقل في تبير مضى بعدما *** قضى ما قضاه وأبقى شمامافلله ذا فاتحاً للهدى ***والله ذا للمعالي ختاماوما ضَرَّ مجد أبي طالب *** جهولٌ لَغَا أو بصير تعامىكمالايضر إياة الصبا *** ح مَنْ ظن ضوء النهار الظلاما (1)فوقّيته حقَّه من التعظيم والإجلال، ولم أجزم بأمر عندي فيه وقفة .### في غزوة بدرالفصل الثالث: في شرح القصّة في غزاة بدر، ونحن نذكر ذلك من كتاب «المغازي» لمحمد بن عمر الواقدي، ونذكر ما عساه زاده محمد بن إسحاق في كتاب «المغازي»، وما زاده أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في «تاريخ الأشراف».قال الواقدي: بلغ رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهأن عير قريش قد فصلت من مكة تريد الشام، وقد جمعت قريش فيها ،أموالها فندب لها أصحابه، وخرج يعترضها على رأس سنة عشر شهراً من مهاجَرِه(علیه السلام) ، فخرج في خمسين ومائة - ويقال في مائتين - فلم يلقَ العير، وفاتته ذاهبة إلى غلاك الشام ... وهذه غزاة ذي العُشيرة، رجع منها إلى المدينة فلم يلق حرباً، فلما تحين انصراف العير من الشام قافلة ندب أصحابه لها وبعث طلحة بن عُبيد الله وسَعيد بن زيد بن عمرو بن تقيل قبل خروجه من المدينة بعشر ليال، يتجسّسان خبر العير، حتى نزلاً على كشد الجهني بالموضع المعروف بالنّخبار، وهو من وراء ذي المَرْوة على الساحل، فأجارهما وأنزلهما ، فلم يزالا مقيمين في خباء وبَر حتى مرّت العير ، فرفعهما على نَشَزِ (2)من الأرض، فنظرا إلى القوم وإلى ما تحمل العير، وجعل أهل العير يقولون لكشد یا ،کشد هل رأيت أحداً من عيون محمد؟ فيقول : أعوذ بالله وأنّى لمحمد عيون بالنخبار! فلما راحت العير باتا حتى أصبحا ثم خرجا، وخرج معهما كشد خفيراً، حتى أوردهما ذا المروة، وساحلت العير فأسرعت، وسار بها أصحابها ليلاً ونهاراً ، فَرّقاً من الطلب، وقدم طلحة وسعيد المدينة في اليوم الَّذِي لَقِيَ رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) قريشاً ببدر، فخرجا يعترضان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقياه بتربان - وتُربان بين)
مَلَل والسَّالة على المحجّة، وكانت منزل عروة ابن أذينة الشاعر - وقدم كشد بعد ذلك على النبي ، وقد أخبر طلحة وسعيد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله بما صَنَع بهما، فحياه وأكرمه، وقال:)ألا أقطع لك ينبع ؟ قال : إني كبير، وقد نفد عمري، ولكن أقطعها لابن أخي، فأقطعها له. قالوا : وندب رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله المسلمين وقال هذه عير قريش فيها أموالهم : لعلّ الله أن يغنّمَكُموها. فأسرع من أسرع حتى إن كان الرجل ليُساهم أباه في الخروج، فكان ممن ساهم أباه سعد بن خيثمة، فقال سعد لأبيه : إنّه لو كان غير الجنة آثرتك به، إنّي لأرجو الشهادة في وجهي هذا، فقال خيثمة : آثرني وقرّ مع نسائك، فأبى سعد، فقال خيثمة : إنه لا بدّ لأحدنا من أن يقيم فاستَهما ، فخرج سهم ،سعد فقيل ببدر وأبطأ عن النبي(صلی اللّه علیه واله) بشّر كثير من أصحابه، وكرهوا خروجه، وكان في ذلك كلام كثير واختلاف ،وبعضهم تخلّف من أهل النّيات والبصائر، لم يظنّوا أنّه يكون قتال ،إنّما هو الخروجُ للغنيمة، ولو ظنّوا أنّه يكون قتال لما تخلّفوا منهم أسيد بن حضير، فلما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) ، قال أُسَيْد : الحمد للّه الذي سرك وأظهرَك على عدوّك، والذي بعثك بالحقّ ما تخلّفتُ عنك رغبةً بنفسي عن نفسك، ولا ظننت أنك تلاقي عَدُوًّا ، ولا ظننتُ إلا أنها العِير ! فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) :«صدقت».)قال : وخرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ، حتى انتهى إلى المكان المعروف بالبقع وهي بيوت الشقيا ،متصلة ببيوت المدينة، فضرب عسكره هناك، وعرض المقاتلة، فعرض عبد اللّه بن عمر ، وأسامة بن زيد، ورافع بن خديج والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وزيد بن أرقم، وزيد بن)ثابت فردّهم ولم يُجِزْهُم.قال الواقدي: فحدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: رأيتُ أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله يتوارى، فقلت: مالك يا أخي؟ قال : إني أخافُ أن يراني رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فيستصغرّني، فيردّني وأنا أحبّ الخروج، لعّل اللّه أن يرزقني الشهادة. قال فعُرِض على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فاستصغره، فقال: ارجع فبكى عمير فأجازه (1).)قال:فكان سعد يقول :كنت أعقد له حمائل سيفه من صِغَرِه، فقيل ببدر وهو ابن ستّ عشرة سنةقال : فلما نزل (علیه السلام بيوت السُّقْيا أمر أصحابه أن يستقوا من بئرهم : وشرب (علیهم السلام)منها ،كان أوّل مَنْ شرِب وصلّى عندها، ودعا يومئذٍ لأهل المدينة، فقال: «اللهّم إن إبراهيم عبدك)
1) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ((69/6) ، والبزار في مسنده (1106) ، وابن سعد في الطبقات ) (149/3)، واللفظ له .
وخليلك ونبيّك، دعاك لأهل مكة، وإنّي محمد عبدك ونبيك، أدعوك لأهل المدينة، أن تباركلهم في صاعهم ومُدّهم وثمارهم، اللهّم حبب إلينا المدينة، واجعل ما بها من الوباء بخُمّ (1)اللهّم إني حرمت ما بين لابتيها، كما حرم إبراهيم خليلك مكة (2.)قال الواقدي : وخُمّ على ميلين من الجحفة .وقدّم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله أمامه عدّي بن أبي الزغباء وبسيس بن عمرو، وجاء إليه عبد اللّه عمرو بن حرام، فقال : يا رسول اللّه ، لقد سرني منزلك هذا ، وعرضُك فيه أصحابك، وتفاءلت به إنّ هذا منزلنا في بني سلمة، حيث كان بيننا وبين أهل حُسَيكة ما كان .)قال الواقدي: هي حُسَيْكة الذّباب والذباب : جبل بناحية المدينة، وكان بحسيكة يهود، وكان لهم بها منازل. قال عبد اللّه بن عمرو بن حرام فعرضنا يا رسول اللّه هاهنا أصحابنا، فأجزنا مَنْ كان يطيق السلاح ، ورددْنا مَنْ صغر عن حمل السلاح، ثم سرنا إلى يهود حُسَيكة، وهم أعزّ يهود كانوا يومئذ، فقتلناهم كيف شئنا ، فذلت لنا سائر يهود إلى اليمن وأنا أرجو يا رسول اللّه أن نلتقي نحن وقريش، فيقر اللّه عينك منهم .قال الواقدي: وكان خلاد بن عمرو بن الجموح لمّا كان من النهار رجع إلى أهله بخُرْباء، فقال له أبوه عمرو بن الجموح :ما ظننت إلا أنكم قد سرتم ، فقال : إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله يعرض الناس بالبقيع، فقال عمرو : نعم الفأل ! واللّه إني لأرجو أن تغنموا وأن تظفروا بمشركي قريش ،إن هذا منزلنا يوم سرنا إلى حسيكة . قال : فإنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قد غيّر اسمه، وسمّاه السقيا . قال : فكانت في نفسي أن أشتريها، حتى اشتراها سعد بن أبي وقاص بتكرين، ويقال بسبع أواق ، فذكر للنبي(صلی اللّه علیه واله) أن سعداً اشتراها، فقال:«ربح البيع» (3)!)قال الواقدي : فراح رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله من بيوت السّفيا، لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان، وخرج المسلمون معه ثلاثمائة وخمسة، وتخلّف ثمانية، ضرب لهم بسهامهم وأجورهم ، فكانت الإبل سبعين بعيراً ، وكانوا يتعاقبون الإبل : الاثنين، والثلاثة، والأربعة، فكان رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)وعلي بن أبي طالب(علیه السلام) ومزيد بن أبي مرثد - ويقال زيد بن حارثة)
مكان مَرْتَد - يتعاقبون بعيراً واحداً، وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة، موالي النبي(صلی اللّه علیه واله على بعير، وكان عُبيدة بن الحارث والطفيل والحصين ابنا الحارث، ومسطح بن أثاثة على بعير لعبيدة بن الحارث ناضح ابتاعه من أبي داود المازني، وكان معاذ وعوف ومعوّذ بنو عَفْراء ومولاهم أبو الحمراء على بعير، وكان أبي بن كعب وعمارة بن حزام وحارثة بن النعمان على بعير .)وكان خراش بن الصمة وقطبة بن عامر بن حديدة وعبد اللّه بن عمرو بن حزام على بعير، وكان عُتْبة بن غَزْوان وطليب بن عمير على جَمَل لعتبة بن غزوان يقال له العبس، وكان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة ومسعود بن ربيع عَلَى جمل لمُصعب، وكان عمار بن ياسر اللّه بن مسعود على بعير، ، وكان عبد اللّه بن كعب وأبو داود المازني وسليط بن قيس على جمل لعبد الله بن كعب، وكان عثمان بن عفان وقدامة بن مظعون وعبد الله بن مظعون والسائب بن عثمان على بعير يتعاقبون، وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف على بعير ، وكان سعد بن معاذ وأخوه وابن أخيه الحارث بن أوس والحارث بن أنس على جمل لسعد بن معاذ ناضح يقال له الذيال، وكان سعيد بن زيد وسلمة بن سلامة بن وقش وعباد بن بشر ورافع بن يزيد على ناضح السعيد بن زيد، ما تزوّدُوا إلا صاعاً من تمر .قال الواقدي : فروى معاذ بن رفاعة ،عن أبيه قال: خرجت مع النبي(صلی اللّه علیه واله إلى بدر، وكان كلّ ثلاثة يتعاقبون بعيراً، فكنت أنا وأخي خلاد بن رافع على بكر لنا ومعنا عُبيدة بن يزيد بن عامر فكنّا نتعاقب، فسِرْنَا حتى إذا كنا بالرَّوْحاء إذ مرّ بنا بكرنا وبرك علينا وأعيا، فقال أخي : اللهم إن لك عليّ ،نذراً ، لئن رددتنا إلى المدينة لأنحرنه، فمر بنا النبّي(صلی اللّه علیه واله) ونحن على تلك الحال، فقلنا : يا رسول اللّه، بَرَكَ علينا بكرنا ، فدعا بماء فتمضمض وتوضأ في إناء . ثم قال : افتحا ،فاه ففعلنا فصبّه في فيه، ثم على رأسه ثم على عنقه ثم على حاركه (1)، ثم على سَنَامه، ثم على عَجُزه ، ثم على ذَنَبه، ثم قال : اركبا، ومضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) فلحقناه أسفل من المنصرف ،وإنّ بكرنا لينفر بنا ، حتى إذا كنّا بالمصّلى راجعين من بدر، برك علينا، فنحره أخي، فقسم لحمه وتصدّق به. قال الواقديّ: وقد رُوِي أنّ سعد بن عُبادة حَمَل في بدر على عشرين جملاً .)قال: وروي عن سعد بن أبي وقاص ،أنّه قال : فخرجنا إلى بَدْرٍ مع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ومعنا سبعون بعيراً، فكانوا يتعاقبون الثلاثة والأربعة والاثنان على بعير، وكنتُ أنا من أعظم أصحاب النبي(صلی اللّه علیه واله) عنه غناء، وأرجلهم رُجُلَة، وأرْمَاهم لِسَهم، لم أركب خطوة ذاهباً ولا راجعاً .)
1) الحارك أعلى الكاهل القاموس، مادة (حرك).
قال الواقدي : وقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله حين فَصل من بيوت السُّقيا : «اللهّم إنهم حفاةٌ فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالةٌ فأغنهم من فضلك» (1)، فما نملك» (1) ، فما رجع أحد يريد أن يركب إلا وجد ظهراً، للرّجُل البعير والبعيران، واكتسى مَنْ كان عارياً، وأصابوا طعاماً من أزوادهم، وأصابوا فداء الأسري، فأغنى به كل عائل.)قال واستعمل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله على المشاة قيس بن أبي صعصعة - واسم أبي صعصعة عمر بن يزيد بن عوف بن مبذول - وأمره النبي(صلی اللّه علیه واله) و حين فَصل من بُيُوت السقيا أن يعدّ المسلمين، فوقف لهم ببئر أبي عبيدة يعدّهم، ثم أخبر النبّي (صلى اللّه عليه واله) ، وخرج من بيوت السقيا ،حتي سلك بطن العقيق، ثم سلك طريق المكيمن، حتى خرج على بطحاء بن أزهر، فنزل تحت شجرة هناك، فقام أبو بكر إلى حجارة هناك، فبنى منها مسجداً ، فصلّى فيه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، وأصبح يوم الإثنين وهو هناك، ثم صار إلى بطن مَلَل وتُرْبان بين الحفيرة وملل .)قال الواقدي: فكان سعد بن أبي وقاص يقول : لما كنا بتربان، قال لي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله «يا سعد، انظر إلى الظبي، فأفوق له بسهم»، وقام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فوضع رأسه بين منكبي وأذني، ثم قال: «اللهم سدّد رميته» (2)- قال: فما أخطأ سهمي عن نحره، فتبسّم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وخرجت أعدو فأخذته و به رمق فذكّيته، فحملناه حتى نزلنا قريباً، وأمر به رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) تقسيم بين أصحابه.)قال الواقدي: وكان معهم فَرَسان. فرس لمرتد بن أبي مرثد الغنوي، وفرس للمقداد بن عمرو البهراني، حليف بني زهرة، ويقال فرس للزبير، ولم يكن إلا فرسان لاختلاف عندهم، أن المقداد له فرس، وقد روى عن طباعة بنت الزبير عن المقداد، قال : كان معي يوم بذر فرس يقال له سبحة. وقد روى سعد بن مالك الغَنوي عن آبائه أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي شهد بدراً على فرس له يقال له السيل .قال الواقدي: ولحقت قريش بالشام في عيرها، وكانت العير ألف بعير، وكان فيها أموال عظام، ولم يبق بمكّة قرشيّ ولا قرشية له مثقال فصاعداً إلا بعث به في العير، حتى إن المرأة لتبعثُ بالشيء التافه، وكان يقال: إن فيها لخمسين ألف دينار. وقالوا : أقل، وإن كان ليقال : إن أكثر ما فيها من المال لآل سعيد بن العاص لأبي أُحَيحة إما مال لهم أو مال مع قوم قُرّاض
على النّصف، وكان عامة العير لهم ،ويقال : بل كان لبني مخزوم فيها مائتا وخمسة أو أربعة آلاف مثقال ذهباً ، وكان يقال للحارث بن عامر بن نوفل فيها ألفا مثقال .قال الواقدي: وحدّثني هشام بن عمارة بن أبي الحويرث ،قال : كان لبني عبد مناف فيها عشرة آلاف مثقال، وكان متجَرُهم إلى غَزّة من أرض الشام .قال الواقدي: وحدثني عبد اللّه بن جعفر، عن أبي عون مولى المسّور، عن مخرمة بن نَوْفل، قال : لما لحقنا بالشام أدركنا رجلٌ من جُذام، فأخبرنا أنّ محمداً قد كان عرض لعيرنا في بدأتنا، وأنه تركه مقيماً ينتظر رجعتنا ، قد حالف علينا أهل الطريق ووادّعهم. قال مخرمة : فخرجنا خائفين نخاف الرّصد، فبعثنا ضمضم بن عمرو حين فَصَلْنا من الشام.قال الواقدي: وكان عمرو بن العاص مع العير،وكان يحدّث بعد ذلك يقول : لما كنا بالزرقاء - والزرقاء بالشام من أذرعات على مرحلتين - ونحنُ منحدرون إلى مكّة لقينا رجلاً جُذام، فقال: قد كان عرض محمد لكم في بدأتكم في أصحابه ،فقلنا ما شعرنا، قال: بلى ،فأقام شهراً، ثم رجع إلى يثرب، وأنتم يوم عرض محمد لكم مخفّون فهو الآن أحرى أن يعرض لكم، إنّما يَعُدُّ كم الأيام عدا، فاحذروا على عيركم، وارتؤوا آراءكم، فواللّه ما أرى من عدد ولا كُراع ولا حَلْقة ،فأجمع القوم أمرهم، فبعثوا ضَمْضَم بن عمرو، وكان في العير، وقد كانت قريش مرت به وهو بالساحل، معه بكران، فاستأجروه بعشرين مثقالاً، وأمره أبو سفيان أن يخبر قريشاً أنّ محمداً قد عَرَضلعيرهم ، وأمره أن يجدع (1بعيره إذا دخل، ويحوّل رحله، ويشقّ قميصه من قبلِهِ ودُبُره، ويصيح: الغوث الغوث !ويقال : إنّما بعثوه من تبوك، وكان في العير ثلاثون رجلاً من قريش ،فيهم عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل .)قال الواقدي: وقد كانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت قبل مجيء ضَمْضَم بن عمرو رؤيا أفزعتها، وعظمت في صدرها، فأرسلت إلى أخيها العباس، فقالت: يا أخي، لقد واللّه رأيت رؤيا أفزعتني، وتخوّفتُ أن يدخل على قومك منها شرّ ومصيبة ،فاكتم علي ما أحدّثك منها، رأيت راكباً أقبل على بعير حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته : يا آل غُدَر، أنفروا إلى مصارعكم في ثلاث، فصرخ بها ثلاث مرات، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد، والناس يتبعونه إذ مثل به بعيره على ظهر الكعبة، فصرخ مثلها ثلاثاً ، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها ثلاثاً، ثم أخذ صخرة من أبي قبيس فأرسلها ، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت في أسفل الجبل ارفضّت ،فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلته منها فلذة .
1) الجَدّع: قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة. القاموس، مادة (جدع).
قال الواقدي: وكان عمرو بن العاص يحدّث بعد ذلك فيقول : لقد رأيتُ كلّ هذا، ولقد رأيت في دارنا فلقة من الصخرة التي انفلقت من أبي قبيس، ولقد كان ذلك عبرة، ولكن اللّه لم يرِدْ أن تُسلم يومئذ، لكنه أخر إسلامنا إلى ما أراد. قلت: كان بعض أصحابنا يقول: لم يكف عمراً أن يقول: رأيتُ الصّخرة في دور مكة عياناً، فيخرج ذلك مخرج الاستهزاء باطناً على وجه النفاق واستخفافه بعقول المسلمين زعم ،حتّى يضيف إلى ذلك القولد بالخير الصراح فيقول : إن اللّه تعالى لم يكن أراد منه الإسلام يومئذقال الواقدي: قالوا : ولم يدخل داراً ولا بيتاً من دور بني هاشم ولا بني زهرة من تلك الصخرة شيء! قال: فقال العباس : إنّ هذه الرؤيا، فخرج معتماً، حتى لقي الوليد بن عتبة بن ربيعة - وكان له صديقاً - فذكرها له واستكتمه، ففشا الحديث في الناس، قال العباس: فغدوتُ أطوف بالبيت، وأبو جهل في رَهْط من قريش يتحدّثون برؤيا عاتكة، فقال أبو جهل : ما رأت عاتكة هذه؟ فقلت : وما ذاك؟ فقال : يا بني عبد المطلب، أما رضيتم بأن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساء كما زعمت عاتكة أنها رأت في المنام كذا وكذا - للذي رأت - فسنتربص بكم ثلاثاً ، فإن يكن ما قالت حقًّا فسيكون، وإن مضت الثلاث ولم يكن ، نكتب عليكم أنكم أكذب أهل بيت في العرب !فقال له العباس: يا مصفّر استه، أنت أولى بالكذب واللؤم منا ! فقال أبوجهل : إنا استبقنا المجد وأنتم فقلتم : فينا السقاية، فقلنا : لا نبالي تسقون الحجاج ، ثم قلتم : فينا الحجابة فقلنا : لا نبالي تحجبون البيت ثم قلتم فينا الندوة ،قلنا : لا نبالي، يكون الطعام فتطعمون الناس. ثم قلتم فينا الرّفادة، فقلنا: لا نبالي، تجمعون عندكم ما ترفدون به الضعيف، فلمّا أطعمنا الناس وأطعمتم، وازدحمت الرّكب واستبقنا المجد، فكنا كفرسَيْ،رهان، قلتم منا نبي، ثم قلتم منّا نبيّة! فلا واللات والعُزَّى لا كان هذا أبداً !قلت : لا أرى كلام أبي جهل منتظماً ؛ لأنه إذا سلّم للعباس أنّ هذه الخصال كلّها فيهم، وهي الخصال التي تشرف بها القبائل بعضُها على بعض، فكيف يقول : لا نبالي لا نبالي! وكيف يقول : فلما أطعمنا للناس وأطعمتم ، وقد كان الكلام منتظماً، لو قال : ولنا بإزاء هذه المفاخر كذا وكذا، ثم يقول بعد ذلك : استبقنا المجد فكنا كفرسي رهان ،وازدحمت الرّكب ،ولم يقل شيئاً ولا عد ،مآثره ولعل أبا جهل قد قال ما لم ينقل .قال الواقدي: قال العبّاس: فواللّه ما كان مني غير أنّي جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون عاتكة رأت شيئاً ، فلما أمسيتُ لم تبق امرأة أصابتها ولادة عبد المطلب إلا جاءت، فقلن لي : أرضيتم بهذا الفاسق الخبيث يقع في رجالكم ، ثم قد تناول نساءكم! ولم تكن لك عند ذلك غيرة! فقلت : واللّه ما قلت إلا لأنّي لا أبالي به ولايمُ اللّه لأعرضن له غداً، فإن عاد كفيتُكُن
إياه. فلما أصبحوا من ذلك اليوم الذي رأت فيه عاتكة ما رأت قال أبو جهل : هذه ثلاثة أيام ما بقي. قال العباس : وغدوتُ في اليوم الثالث، وأنا حديد مغضب، أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه وأذكر ما أحفظني به النساء من مقالتهنّ، فوالله إني لأمشي نحوه - وكان رجلاً خفيفاً حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر - إذ خرج نحو باب بني سهم يشتد، فقلت: ما باله لعنه الله أكلَّ هذا فَرَقا من أن أشاتمه فإذا هو قد سمع صوت ضَمْضم بن عمرو وهو يقول : يا معشر قريش يا آل لؤي بن غالب ،اللطيمة قد عرض لها محمد في أصحابه ! الغوث الغوث !واللّه ما أرى أن تدركوها، وضمضم ينادي بذلك في بطن الوادي، وقد جَدَع أذني بعيره وشق قميصه قبلاً ودبراً، وحول رحله، وكان يقول : لقد رأيتني قبل أن أدخل مكة وإني لأرى في النوم وأنا على راحلتي كان وادي مكة يسيل من أسفله إلى أعلاه دماً، فاستيقظت فزعاً مذعوراً ، فكرهتها لقريش، ووقع في نفسي أنها مصيبة في أنفسهم.قال الواقدي : وكان عمير بن وهب الجُمَحيّ يقول : ما رأيت أعجب من أمر ضمضم قط وما صرّح على لسانه إلا شيطان !كأنه لم يملكنا من أمورنا شيئاً، حتى نفَرنا على الصَّعْب، والذلول، وكان حكيم بن حزام يقول: ما كان الذي جاءنا فاستنفرنا إلى العير إنساناً ! إن هو إلا شيطان، قيل : كيف يا أبا خالد ؟ قال : إني لأعجب منه، ما ملكنا من أمرنا شيئاً .قال الواقدي: فجهز النّاس وشغل بعضهم عن بعض، وكان النّاس بين رجلين : إما خارج وإما باعث مكانَه رجلاً، وأشفقت قريش لرؤيا عاتكة، وسرّ بنو هاشم. وقال قائلهم كلاً، زعمتم أنا كذبنا وكذبت عائكة! فأقامت قريش ثلاثاً تتجهز - ويقال: يومين-وأخرجت أسلحتها واشتروا سلاحاً، وأعان قويهم ضعيفهم، وقام سُهَيل بن عمرو في رجال من قريش فقال : يا معشر قريش ، هذا محمّد والصُّباة معه من شبّانكم وأهل يثرب قد عرضوا لعيركم ولطيمتكم ، فمن أراد ظهراً فهذا ظهر ومَنْ أراد قوّة فهذه قوّة. وقام زمعة بن الأسود، فقال: إنه واللات والعزى ما نزل بكم أمر أعظم من أن طمع محمد وأهل يثرب أن يعرضوا لعيركم فيها خزائنكم، فأوعبوا ولا يتخلّف منكم أحد، ومَنْ كان لا قوة له فهذه قوة، واللّه لئن أصابها محمد وأصحابه لا يروعكم منهم إلا وقد دخلوا عليكم بيوتكم. وقال طعيمة بن عدي : يا معشر قريش، واللّه ما نزل بكم أمر أجلّ من هذه أن يستباح عيركم ، ولطيمة قريش فيها أموالكم وخزائنكم واللّه ما أعرف رجلاً ولا امرأة من بني عبد مناف له نَش فصاعداً، إلا وهو في هذه العير، فمن كان لا قوّة به فعندنا قوّة نحمله ونقوّيه. فحمل على عشرين بعيراً وقوى بهم، وخلفهم في أهلهم بمعونة. وقام حنظلة بن أبي سفيان وعمرو بن أبي سفيان فحضا الناس على الخروج، ولم يدعُو إلى قوّة ولا حُمْلان، فقيل لهما : ألا تدعُوان إلى ما دعا إليه قومكما من الحملان؟ قالا : واللّه ما لنا مال، وما المال إلا لأبي سفيان. ومشى نوفل بن معاوية الديلميّ
إلى أهل القوّة من قريش وكلّمهم في بذل النفقة والحملان لمن خَرج، فكلّم عبد اللّه بن أبي ربيعة ،فقال :هذه خمسمائة دينار تضعها حيث رأيت، وكلّم حويطب بن عبد العزى، فأخذ منه مائتي دينار أو ثلاثمائة، ثم قوي بها في السلاح والظهر.قال الواقدي : وذكروا أنّه كان لا يتخلّف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعثاً، فمشت قريش إلى أبي لهب ،فقالوا له : إنك سيّد من سادات قريش، وإنّك إن تخلّفت عن النفير يعتبر بك عيرك من قومك، فاخرج أو ابعث رجلاً ، فقال : واللّات والعُزّى لا أخرج ولا أبعث أحداً ، فجاءه أبو جهل، فقال: أقم يا أبا عتبة ،فواللّه ما خرجنا إلا غضباً لدينك ودين آبائك! وخاف أبوجهل أن يُسْلِم أبو لهب، فسكت أبو لهب ولم يخرج ولم يبعث، وما منع أبا لهب أن يخرج إلا الإشفاق من رُؤيا عاتكة ،كان يقول : إنما رؤيا عاتكة أخذ باليد، ويقال إنه بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان له عليه دين، فقال: اخرج وديني عليك لك، فخرج عنه (1)وقال محمد بن إسحاق في المغازي: كان دَيْن أبي لهب على العاص بن هشام أربعة آلافدرهم ،فمطله بها وأفلس ،فتركها له على أن يكون مكانه، فخرج مكانه.قال الواقدي: وأخرج عُتبة وشيبة دروعاً لهما، فنظر إليهما مولاهما عداس وهما يصلحان دروعهما وآلةً حربهما، فقال :ما تريدان؟ فقالا : ألم تر إلى الرّجل الذي أرسلناك إليه بالعنب في كَرْمنا بالطائف؟ قال : نعم، قالا نخرج فنقاتله، فبكى، وقال: لا تخرجا ،فواللّه إنه لنبي، فأبيا فخرجا، وخرج معهما فقُتِل ببدر معهما .قلت : حديث العنب في كرم ابني ربيعة بالطائف قد ذكره أرباب السيرة، وشرحه الطّبري في التاريخ ، قال : لما مات أبو طالب بمكة طمعت قريش في رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ونالت منه ما لم تكن تناله في حياة! أبي طالب، فخرج من مكة خائفاً على نفسه مهاجراً إلى ربّه يؤمّ الطائف ،راجياً أن يدعو أهلها إلى الإسلام فيجيبوه، وذلك في شوال من سنة عشر من النبوة، فأقام بالطائف عشرة أيام، وقيل شهراً لا يدع أحداً من أشراف ثقيف إلا جاءه وكلّمه، فلم يجيبوه، وأشاروا عليه أن يخرج عن أرضهم ويلحق بمجاهل الأرض وبحيث لا يعرف، وأغرَوا (2)به سفهاءهم، فرمَوْه بالحجارة، حتى إن رجليه لتدميان، فكان معه زيد بن حارثة ، فكان يقيه بنفسه، حتى لقد شُجّ في رأسه .)والشيعة تروي أنّ علي بن أبي طالب كان معه أيضاً في هجرة الطائف، فانصرف رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله عن ثقيف وهو محزون، بعد أن مشى إلى عبد ياليل ومسعود وحبيب ابني)
عمرو بن عمير، وهم يومئذٍ سادة ثقيف، فجلس إليهم، ودعاهم إلى اللّه وإلى نصرته والقيام . على قومه ،فقال له أحدهم :أنا أمرُط بباب الكعبة، إن كان اللّه أرسلك ! وقال الآخر: أما وجد اللّه أحداً أرسله غيرك !وقال الثالث: واللّه لا أكلمك كلمة أبداً، لئن كنت رسولاً من اللّه كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت كاذباً على اللّه ما ينبغي أن أكلمك . فقام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله من عندهم، وقد يئس من خَيْر ثقيف ،واجتمع عليه صبيانهم وسفهاؤهم، وصاحوا به وسبوه وطردوه، حتى اجتمع عليه الناس يعجبون منه، والجؤوه بالحجارة والطرد والشتم إلى حائط لعُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما يومئذ في الحائط، فلما دخل الحائط رجع عنه سفهاء ثَقِيف ، فَعَمد إلى ظل حبلة (1)منه فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف.)قال الطبري (2: فلما اطمان به قال - فيما ذُكر لي : اللهّم إليك أشكو ضعف قوتي وقلّة حيلتي وهواني على الناس ،يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني !إلى بعيد فيتجهّمني، أم إلى عدوّ ملّكته أمري، فإن لم يكن منك غضب علي فلا أبالي ! ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقَتْ به الظُّلمات، وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلّا بك (3)!)فلمّا رأى عتبة وشيبة ما لقي تحرّكت له رحِمُهما ، فدعوا غلاماً نَصرانيا لهما ، يقال له عداس، فقالا له خذ قطفاً من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرّجل، وقل له فليأكل منه ، ففعل وأقبل به حتى وضعه بين يديه، فوضع يده فيه، فقال: اللّه، وأكل، فقال عدّاس : واللّه إن هذه الكلمة لا يقولُها أهلُ هذه البلدة، فقال له رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله : «مِنْ أتي البلاد أنت؟ وما دينك؟» قال: أنا نصراني من أهل نينوى، قال:«أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ »قال: وما يدرِيكَ مَنْ يونس بن متى؟ قال :« ذاك أخي،كان نبياً وأنا نبي» (4). فأكبّ عداس على يديه ورجليه ورأسه يقبلها، قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلمّا جاءهما قالا : ويلك يا عدّاس! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه! قال يا سيدي، ما في الأرض خير من هذا، فقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلّا نبي .)
قال الواقدي : واستقسمت قريش بالأزلام (1عند هبل للخروج، واستقسم أميّة بن خلّف وعتبة وشيبة بالأمر والناهي، فخرج القِدْح الناهي، فأجمعوا المقام حتى أزعجهم أبوجهل، فقال: ما استقسمتُ ولا نتخلف عن غيرنا .)قال الواقدي: لما توجّه زمعة بن الأسود خارجاً، فكان بذي طُوًى أخرج قداحه، واستقسم بها، فخرج النّاهي عن الخروج، فلقي غيظاً، ثم أعادها الثانية فخرج مثل ذلك فكسرها، وقال : ما رأيت كاليوم قدحاً أكذب ومرّ به سُهَيل بن عمرو وهو على تلك الحال، فقال : ما لي أراك غضبان يا أبا حُكَيمة؟ فأخبره زمعة ، فقال : امض عنك أيها الرجل، قد أخبرني عُمير بن وهب أنّه لقيه مثل الذي أخبرتني فمضوا على هذا الحديث.قال الواقدي: وحدّثني موسى بن ضمرة بن سعيد، عن أبيه، قال: قال أبو سفيان بن حرب لضَمْضَم : إذا قدمت على قريش فقل لها : لا تستقسم بالأزلام.قال الواقدي: وحدّثني محمد بن عبد اللّه، عن الزهري، عن أبي بكر بن سليم بن أبي خيثمة، قال : سمعتُ حكيم بن حزام يقول : ما توجهت وجهاً قط كان أكره إلي من مسيري إلى بدر، ولا بان لي في وجه قطّ ما بان لي قبل أن أخرج ،ثم قال : قدم ضمضم فصاح بالنفير فاستقسمت بالأزلام ، كلُّ ذلك يخرج الذي أكره، ثم خرجت على ذلك حتى نزلنا مر الظهران فنحر ابنُ الحنظلية جَزُوراً منها بها حياة، فما بقي خباء من أخبيه العسكر إلا أصابه من دمها ، فكان هذا ،بيّن ثم هممت بالرجوع، ثم أذكر ابن الحنظليّة وشؤمه، فيردني حتى مضيت لوجهي. وكان حكيم يقول : لقد رأينا حين بلغنا الثنية البيضاء - وهي الثنية التي تهبطك على فَخَ وأنت مُقْبِل من المدينة - إذا عدّاس جالس عليها . والناس يمرُّون، إذ مرّ علينا ابنا ربيعة، فوثب إليهما ، فأخذ بأرجلهما في غَرْزِهما، وهو يقول : بأبي أنتما وأمي ! واللّه إنه لرسول اللّه( صلى اللّه عليه واله، وما تُساقان إلا إلى مصارعكما ! وإن عينيه لتسيل دمعاً على خديه، فأردت أن أرجع أيضاً، ثم مضيت. ومرّ به العاص بن منبه بن الحجاج، فوقف عليه حين ولّى عتبة وشَيْبة، فقال : ما يُبكيك؟ قال: يبكيني سيدي - أو سيدا أهل الوادي - يخرجان إلى مصارعهما، ويقاتلان رسول اللّه ! فقال العاص : وإنّ محمّداً لرسول اللّه ! فانتفض عداس انتفاضة واقشعر جلده، ثم بكى، وقال: إي والله إنه لرسول الله إلى الناس كافة. قال: فأسلم العاص بن منبه ،ومضى وهو على الشكّ، حتى قُتِل مع المشركين على شك وارتياب. ويقال: رجع عدّاس ولم يشهد بدراً، ويقال : شهد بدراً وقتل . قال الواقدي: والقول الأوّل أثبت عندنا .)
1) الأزلام سهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية. القاموس، مادة (زلم).
قال الواقدي: وخرج سعد بن معاذ معتمراً قبل بدر، فنزل على أميّة بن خلف، فأتاه أبو جهل، وقال: أتترك هذا وقد آوى محمداً وآذننا بالحرب! فقال سعد بن معاذ: قل ما شئت أما إن طريق عيركم علينا ، قال أمية بن خلف مَه ! لا تقل هذا لأبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي. قال سعد بن معاذ وأنت تقول ذلك يا أميّة؟ أما واللّه لسمِعت محمداً يقول : لأقتلنّ أمية بن خلف، قال أمية : أنت سمعته ؟ قال سعد بن معاذ : فقلت نعم قال فوقع في نفسه، فلما جاء النفير أبى أمية أن يخرج معهم إلى بدر، فأتاه عُقبة بن أبي معيط وأبو جهل، ومع عقبة مجمرة فيها بخور، ومع أبي جهل مكحلة ومرود (1، فأدخلها عقبة تحته، فقال: تبخر، فإنما أنت امرأة، وقال أبو جهل : اكتحل فإنما أنت امرأة. فقال أمية ابتاعوا لي أفضل بعير في الوادي فابتاعوا له جملاً بثلاثمائة دينار من نعم بني تُشير، فغيمه المسلمون يوم بدر، فصار في سهم خُبيب بن يساف .)قال الواقدي : وقالوا ما كان أحد ممّن خرج إلى العير أكره للخروج من الحارث بن عامر، وقال: ليت قريشاً تعزم على القعود وأن مالي في العير تلف ومال بني عبد مناف أيضاً . فيقال له : إنّك سيّد من ساداتها، أفلا تردعها عن الخروج ؟ قال : إني أرى قريشاً قد أزمعت على الخروج، ولا أرى أحداً به طرق تخلّف إلا من علّة، وأنا أكره خلافها، وما أحب أن تعلم قريش ما أقول، على أن ابن الحنظلية رجل مشؤوم على قومه ما أعلمه إلا يحرز قومه أهل يثرب، ولقد قسم الحارث مالاً من ماله بين ولده ووقع في نفسه أنه لا يرجع إلى مكة، وجاءه ضمضم بن عمرو، وكانت للحارث عنده أياد فقال أبا ،عامر إني رأيت رؤيا كرهتها ، وإني لكاليقظان على راحلتي وأراكم أن واديكم يسيل دماً من أسفله إلى أعلاه، فقال الحارث ما خرج أحد وجهاً من الوجوه أكره له من وجهي هذا قال : يقول ضمضم : واللّه إني لأرى لك أن تجلس فقال : لو سمعت هذا منك قبل أن أخرج ما سرت خطوة، فاطو هذا الخبر أن تعلمه قريش فإنها تتهم كلّ مَنْ عوقها عن المسير - وكان ضمضم قد ذكر هذا الحديث للحارث ببطن يأجج - قالوا وكرهت قريش أهل الرأي منهم المسير، ومشى بعضُهم إلى بعض، وكان ممّن ابطاً بهم عن ذلك الحارث بن عامر وأمية بن خلف وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وحكيم بن حزام وأبو البختري، وعلي بن أمية بن خلف والعاص بن منبه حتى بكتهم أبوجهل بالجبن ، وأعانه عُقبة بن أبي معيط والنّضر بن الحارث بن كلدة، وحضوهم على الخروج، وقالوا : هذا فعل النساء فأجمعوا المسير، وقالت قريش : لا تدَعُوا أحداً من عدوّكم. خَلْفكم.قال الواقدي : ومما استدل به على كراهة الحارث بن عامر للخروج وعُتبة وشَيْبة، أنه ما عرض رجل منهم حملاناً، ولا حملوا أحداً من الناس، وإن كان الرجل ليأتيهم حليفاً أو
1) المزود : الميل. اللسان، مادة (رود).
عديداً ولا قوة له، فيطلب الحملان منهم، فيقولون : إن كان لك مال وأحببت أن تخرج فافعل وإلا فاقم، حتى كانت قريش تعرف ذلك منهم .قال الواقدي : فلما اجتمعت قريش إلى الخروج والمسير، ذكروا الذي بينهم وبين بني بكر من العداوة ،وخافوهم على مَنْ يخلفونه، وكان أشدّهم خوفاً عُتبة بن ربيعة ،وكان يقول :يا معشر قريش، إنكم وإن ظفرتم بالّذي تريدون، فإنّا لا نأمن على مَنْ نخلّف، إنّما نخلَّف ،نساء ولا ذرية ومن لا طعم به فارتؤوا آراءكم، فتصوّر لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي فقال : يا معشر قريش قد عرفتم شرفي ومكاني في قومي، أنا لكم جار أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فطابت نفس عُشبة، وقال له أبو جهل : فما تريد؟ هذا سيد كنانة جارٌ عَلَى من ،نخلّف فقال عتبة : لا شيء أنا خارج.قال الواقدي: وكان الذي بين بني كنانة وقريش أنّ ابناً لحفص بن الأحنف أحد بني معيط بن عامر بن لؤي، خرج يبغي ضالّة، وهو غلام في رأسه ذؤابة، وعليه حُلّة، وكان غلاماً وضيئاً، فمرّ بعامر بن يزيد بن عامر بن الملوّح بن يعمر، أحد رؤساء بني كنانة - وكان بضجنان - فقال : مَنْ أنت يا غلام؟ قال ابن لحفص بن الأحنف فقال : يا بني بكر، ألكم في قريش دم؟ :قالوا نعم قال : ما كان رجل يقتل هذا برجله إلا استوفى، فاتبعه رجل من بني بكر فقتله له في قريش، فتكلمت فيه قريش، فقال: عامر بن يزيد قد كانت لنا فيكم دماء، فإن شئتم فأدُّوا ما لنا قبلكم ونؤدّي إليكم ما كان فينا وإن شئتم فإنّما هو الدّم، رجل برجل، وإن شئتم فتجافوا عنا فيما قبلنا، ونتجافى عنكم فيما قبلكم. فهان ذلك الغلام على قريش، وقالوا : صدق! رجل برجل، فلهَوْا عنه أن يطلبوا بدمه، فبينا أخوه مكرز بن حفص بمرّ الظهران، إذ نظر عامر بن يزيد وهو سيد بني بكر على جمل له فلما رآه قال : ما أطلب أثراً بعد عين! وأناخ بعيره، وهو متوشح سيفه فعلاه به حتى قتله، ثم أتى مكّة من الليل، فعلّق سيف عامر بن يزيد بأستار الكعبة، فلما أصبحت قريش رأوا سيف عامر بن يزيد فعرفوا أن مكرز بن حفص قتله، وقد كانت تسمع من مكرز في ذلك قولاً، وجزعت بنو بكر من قتل سيدها، فكانت معدة لقتل رجلين من قريش سيدين أو ثلاثة من ساداتها، فجاء النفير وهم على هذا الأمر، فخافوهم على مَنْ تخلّف بمكة من ذراريهم، فلما قال سراقة ما قال وهو ينطق بلسان إبليس شجع القوم .قال الواقدي: وخرجت قريش سراعاً، وخرجوا بالقيان والدفوف، سارة مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطلب وعزّة مولاة أسود بن المطلب، وفلانة مولاة أمية بن خلف ،يغنّين في كلّ منهل ، وينحرون الجزر، وخرجوا بالجيش يتقاذفون بالحراب، وخرجوا بتسعمائة وخمسين مقاتلاً، وقادوا مائة ،فَرَس بطراً ورثاء الناس، كما ذكر اللّه تعالى في كتابه، وأبوجهل يقول : أيظنّ محمد أن يصيب منا ما أصاب بنخلة وأصحابه، سيعلم أنمنع عيرنا أم لا !
قلت: سرّية نخلة سرّية قبل بذر، وكان أميرها عبد اللّه بن جحش قتل فيها عمرو بن الحضرمي، حليف بن عبد شمس ،قتله واقد بن عبد اللّه التميمي ،رماه يسهم فقتله، وأسر الحكم بن كَيْسان وعثمان بن عبد اللّه بن المغيرة، واستاق المسلمون العير، وكانت خمسمائة بعير فخمسها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله، وقسم أربعمائة فيمن شهدها من المسلمين وهم مائتا رجل، فأصاب كلّ رجل بعيران.)قال الواقدي: وكانت الخيل لأهل القوّة منهم، وكان في بني مخزوم منها ثلاثون فرساً، وكانت الإبل سبعمائة بعير، وكان أهل الخيل كلّهم دارع، وكانوا مائة، وكان في الرّجالة دروع سوى ذلك. قال الواقدي : وأقبل أبو سفيان بالعير، وخاف هو وأصحابه خوفاً شديداً حين دنوا من المدينة، واستبطؤوا ضمضماً والنفير، فلمّا كانت الليلة التي يُصبحون فيها على ماء بدر، جعلت العير تقبل بوجوهها إلى ماء بدر وكانوا باتوا من وراء بدر آخر ليلتهم، وهم على أن يُصبحوا بدراً ، إن لم يعترض لهم، فما أقرتهم العير حتى ضربوها بالعُقُل على أن بعضها ليُثْنَى بعِقَالين وهي ترجع الحنين، توارداً إلى ماء بدر، وما إن بها إلى الماء من حاجة ، لقد شربت بالأمس ،وجعل أهل العير يقولون : إن هذا شيء ما صَنَعَته الإبل منذ خرجنا ، قالوا : وغشينا تلك الليلة ظلمة شديدة حتى ما نبصر شيئاً.قال الواقدي: وكان بسبس بن عمرو وعديّ بن أبي الزغبار وَرَدًا على مجدي بدراً يَتَجسّسان الخبر، فلما نزلا ماء ،بدر، وأناخا راحلتيهما إلى قريب من الماء، ثم أخذا أسقيتهما، يسقيان الماء، فسمعا جاريتين من جواري جهينة، يقال لإحداهما برزة وهي تلزم صاحبتها في كان لها عليها وصاحبتها تقول : إنّما العير غداً أو بعد غد قد نزلت، ومجدي بن عمر درهم ،سمعها، فقال: صدقت، فلما سمع صدقت، فلما سمع ذلك بسبس وعدي انطلقا راجعين إلى النبي(صلی اللّه علیه واله أتياه بعرق الظبية، فأخبراه الخبر .)قال الواقدي: وحدّثني كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف المُزَني، عن أبيه، عن أبيه عن جدّهوكان أحد البكائين - قال : قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله : «لقد سلك فَجٍّ الرَّوحاء موسى النبي(صلی اللّه علیه واله) في سبعين الفاً من بني إسرائيل وصلُّوا في المسجد الذي بعرق الطبية» (1))قال الواقدي : وهي من الرَّوحاء على ميلين ممّا يلي المدينة، إذا خرجت على يسارك . قال الواقدي :وأصبح أبو سفيان ببذر، قد تقدم العير وهو خائف من الرَّصَد. فقال : يا مجدي، هل أحسست أحداً! تعلم واللّه ما بمكة قرشي ولا قرشية له نُش فصاعداً - والنّش
1) أخرج نحوه الحاكم في المستدرك ) (4169) ، والبيهقي في السنن الكبرى ) (9618) .
نصف أوقية وزن عشرين درهماً - إلا وقد بعث به معنا! ولئن كتمتنا شأن عدوّنا لا يصالحك رجل من قريش ما بل بخر صوفة. فقال مجدي: واللّه ما رأيت أحداً أنكره، ولا بينك وبين يثرب من عدوّ، ولو كان بينك وبينها عدوّ لم يخف علينا، وما كنت لأخفيه عنك، إلا أني قد رأيت راكبين أتيا إلى هذا المكان - وأشار إلى مناخ عدي وبسبس - فأنا خا به به، ثم استقيا بأسقيتهما، ثم انصرفا . فجاء أبو سفيان مناخهما ، فأخذ أبعاراً من أبعار بعيريهما ففتها ، فإذا فيها نوّى، فقال: هذه والله علائف يثرب ! هذه واللّه عيون محمد وأصحابه ما أرى القوم إلا قريباً، فضرب وجه ،عيره فساحل بها، وترك بدراً يساراً وانطلق سريعاً، وأقبلت قريش من مكّة ينزلون كلّ منهل يطعمون الطعام مَنْ أتاهم، وينحرون الجزور، فبينا هم كذلك في مسيره تخلّف عتبة وشَيْبة، وهما يتردّدان.قال أحدهما لصاحبه : ألم تر إلى رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب ! لقد خشيت منها ، قال الآخر ،فاذكرها ،وذكرها، فأدركهما أبو جهل، فقال: ما تتحادثون به؟ قالا : نذکر رویا عائكة ، قال يا عجباً من بني عبد المطلب !لم يرضَوا أن تتنبأ علينا رجالهم حتى تنبأت علينا النساء! أمّا واللّه لئن رجعنا إلى مكة لنفعلنّ بهم ولنفعلن! قال عتبة : إنّ لهم أرحاماً وقرابة قريبة . ثم قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن ترجع ؟ قال أبو جهل : أترجعان بعد ما سرنا فتخذلان قومكما، وتقطعان بهم بعد أن رأيتم ثاركم بأعينكم ! أتظنان أن محمداً وأصحابه يلاقونكما ! كلا واللّه ،إن معي مِنْ قومي مائة وثمانين كلّهم من أهل بيتي يحلّون إذا أحللت، ويرحلون إذا رحلت ،فارجعا إن شئتما . قالا : واللّه لقد هلكت وأهلكت قومك .ثم قال عتبة لأخيه شيبة : إن هذا رجل مشؤوم - يعني أبا جهل - وإنه لا يمسّه من قرابة محمد ما يمسّنا، مع أنّ محمداً معه أنّ محمداً معه الولد فارجع بنا الولد فارجع بنا ودع قوله . قلت : مراده بقوله «مع أن محمداً معه الولد» أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة، كان أسلم وشهد بدراً مع رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله .)قال الواقدي : فقال شيبة : واللّه تكون علينا سُبة يا أبا الوليد أن نرجع الآن بعد ما سرنا فمضينا. ثم انتهى إلى الجُحفة عشاء، فنام جُهيم بن الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، فقال: إنّي لأرى بين النائم واليقظان، أنظر إلى رجل أقبل على فرس وقف عليّ، فقال : قتل عتبة بن ربيعة ،وشيبة بن ربيعة وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، وأبو البختري ، وأبو الحكم، ونوفل بن خويلد، في رجال سمّاهم من أشراف قريش، وأسر سهيل بن ،عمرو، وفرّ الحارث بن هشام عن أخيه ،قال : وكان قائلاً يقول: واللّه إني لأظنّهم الذين يخرجون إلى مصارعهم. ثم قال : أراه ضرب في لَبة بعيره فأرسله في العسكر، فقال أبو جهل : وهذا نبي آخر من بني عبد مناف ! ستعلم غداً من المقتول، نحن أو محمد وأصحابه! وقالت
قريش لجهيم: إنّما يلعب بك الشيطان في منامك، فسترى غداً خلاف ما رأيت !يُقتل أشراف محمد ويؤسرون . قال : فخلا عتبة بأخيه شيبة، فقال له : هل لك في الرجوع ؟ فهذه الرؤيا مثل رؤيا عاتكة، ومثل قول عدّاس، واللّه ما كذبَنَا عدّاس، ولعمري لئن كان محمد كاذباً إن في العرب لمن يكفيناه، ولئن كان صادقاً إنا لأسعد العرب به للحمته. فقال شيبة : هو على ما تقول، أفنرجع من بين أهل العسكر؟ فجاء أبو جهل وهما على ذلك فقال : ما تريدان؟ قالا : الرجوع، ألا ترى إلى رؤيا عاتكة، وإلى رؤيا جهيم بن الصلت مع قول عداس لنا ! فقال : لا نَخُذلان واللّه قومكما وتقطعان بهم. قالا: هلكت واللّه وأهلكت قومك ! فمضيا على ذلك . قال الواقدي: فلما أفلت أبو سفيان بالعير، ورأى أن قد أحرزها وأمن عليها، أرسل إلى قريش قيس بن امرىءالقيس - وكان مع أصحاب العير - خرج معهم من مكة، فأرسله أبو سفيان يأمرهم بالرجوع، ويقول : قد نجتْ عيرُكم وأموالكم، فلا تحرزوا أنفسكم أهل يثرب، فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك، إنما خرجتم لتمنعوا عِيرَكم وأموالكم، وقد نجاها اللّه . فإن أبوا عليك فلا يَأْبَوْن خَصْلة واحدة، يردّون القيان فعالج قيس بن امرىء القيس قريشاً، فأبت الرجوع . قالوا : أما القيان ،فسنردّهن، فردّوهن من الجحفة .قلت : لا أعلم مراد أبي سفيان برد القيان، وهو الذي أخرجهنّ مع الجيش يوم أحد يحرّضن قريشاً على إدراك الثأر، ويغنّين، ويضربْنَ الدفوف، فكيف نهى عن ذلك في بدر وفعله أحد! وأقول : مَنْ تأمّل الحال علم أنّ قريشاً لم يمكن أن تنتصر يوم بدر؛ لأنّ الذي خالطها من التخاذل والتواكل وكراهية الحرب وحبّ الرجوع وخوف اللقاء وخُفوق الهِمَم وفتور العزائم، ورجوع بني زُهرة وغيرهم من الطريق، واختلاف آرائهم في القتال، يكفي بعضه في ملاكهم وعدم فلاحهم ،لو كانوا قد لقُوا قوماً جُبناء، فكيف وإنما لَقُوا الأوس والخزرج ، وهم أشجع العرب، وفيهم علي بن أبي طالب (علیه السلاموحمزة بن عبد المطلب، وهما أشجع البَشَر ، وجماعة من المهاجرين أنجاد أبطال، ورئيسهم محمد بن عبد اللّه، رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، الداعي إلى الحق والعدل والتوحيد، المؤيّد بالقوّة الإلهيّة، دع ما أضيف إلى ذلك ملائكةالسماء)كما نطق به الكتاب!قال الواقدي : ولحق الرسول أبا سفيان بالهدة - والهدّة على سبعة أميال من عُقبة عُسفان، على تسعة وثلاثين ميلاً من مكّة - فأخبره بمضي قريش، فقال : واقوماه! هذا عمل عمرو بن هشام، يكره أن يرجع لأنه قد ترأس عَلَى الناس وبغى، والبغي منقصة وشؤم ،واللّه لئن أصاب أصحاب محمد النّفير ذللنا إلى أن يدخل مكّة علينا .قال الواقدي : وقال أبو جهل: واللّه لا ترجع حتى نرِدَ بدراً - وكانت بدر موسماً من مواسم العرب في الجاهليّة، يجتمعون بها وفيها سوق - تسمع بنا العرب وبمسيرنا ، فنقيم على بدر ثلاثاً ،
نتحر الجزر ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، فلن تزال العرب تهابنا أبداً . قال الواقدي: وكان الفرات بن حيان العجلي أرسلته قريش حين فضلت من مكة إلى أبي سفيان بن حرب يخبره بمسيرها وفصولها، وما قد حشدت .فحالف أبا سفيان في الطريق، وذلك أنّ أبا سفيان لصق بالبحر، ولزم الفُرات بن حيان المحجّة، فوافى المشركين بالجُحفة ،فسمع كلام أبي جهل وهو يقول : لا نرجع ،فقال : ما بأنفسهم عن نفسك رغبة! وإن الذي، يرجع بعد أن رأى ثأره من كتب لضعيف، فمضى مع قريش فترك أبا سفيان، وجرح يوم بدر جراحات كثيرة، وهرب على قدميه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم أمراً أنكد! إن ابن الحنظليّة الغير مُبارك الأمر.قال الواقدي : وقال الأخنس بن شريق - واسمه أبي، وكان حليفاً لبني زهرة : يابني زهرة ، قد نجى اللّه عيركم، وخلَّص أموالكم، ونجى صاحبكم مَخرمة بن نوفل، وإنما خرجتم لتمنعوه وماله، وإنما محمد رجل منكم ابن أختكم، فإن يك نبيًّا فأنتم أسعد به، وإن يك كاذباً يلي قتله غيركم خير من أن تَلُوا قتل ابن أختكم فارجعوا واجعلوا خَبثها لي، فلا حاجة لكم أن تخرجوا في غير ما يهمكم، ودعوا ما يقوله هذا الرجل - يعني أبا جهل - فإنه مهلك قومه، سريع في فسادهم فأطاعته بنو زهرة، وكان فيهم مطاعاً، وكانوا يتيمنون به، فقالوا : فكيف نصنع بالرجوع حتى نرجع؟ فقال الأخنس : نسير مع القوم، فإذا أمسيت سقطت عن بعيري، فيقولون: نحل الأخنس ، فإذا أصبحوا فقالوا : سيروا فقولوا لا نفارق صاحبنا ،حتى نعلم أحيّ هو أم ميت فندفنه، فإذا مضوا رجعنا إلى مكة. ففعلت بنو زهرة ذلك، فلمّا أصبحوا بالأبواء راجعين تبين للناس أنّ بني زُهرة رجعوا فلم يشهدها زُهري البتة، وكانوا مائة، وقيل: أقل من مائة وهو أثبت وقال قوم: كانوا ثلاثمائة ولم يثبت ذلك .قال الواقدي : وقال عدّي بن أبي الزغباء منحدره من بدر إلى المدينة، وانتشرت الركاب عليه فجعل عدي يقول:أقم لها صدورها يا بنبَسُ *** إِنَّ مَطايا القومِ لا تُحْبَسُوَحَمْلُها على الطَّرِيقِ أخيسُ*** قد نصر اللّه وفر الأخنسُقال الواقدي: وذكر أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، إن بني عدي خرجوا من النّفير حتى كانوا بثّنية لفت، فلمّا كان في السَّحَر عدلوا في الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان ،فقال : كيف رجعتم يا بني عدي !ولا في العير ولا في النفير قالوا : أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع، فرجع مَنْ رجع ومضى من مضى، فلم يشهدها أحد من بين عدي. ويقال : إنه لاقاهم بمرّ الظّهران، فقال تلك المقالة لهم .قال الواقدي :وأمّا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله، فكان فكان صبيحة أربع عشرة من شهر رمضان بعرق)
الظَّبية، فجاء أعرابي قد أقبل من تهامة، فقال له أصحاب النبي(صلی اللّه علیه واله : هل لك علم بأبي سفیان بن حرب؟ قال: ما لي بأبي سفيان علم، قالوا : تعال فسلم على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :قال أوفيكم رسول اللّه؟ قالوا: نعم، قال: فأيكم رسول اللّه؟ قالوا: هذا، فقال: أنت رسول اللّه؟ قال: نعم، قال: فما في بطن ناقتي هذه إن كنت صادقاً ؟ فقال سلمة بن سلامة بن)وقش : نكحتها وهي حُبلى منك ! فكره رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله مقالته ، وأعرض عنه.(1))قال الواقدي: وسار رسول اللّه (صلی اللّه علیه والهحتى أتى الرَّوْحاء ليلة الأربعاء، للنّصف من شهررمضان، فقال لأصحابه : هذا سجاسج - يعني وادي الروحاء - هذا أفضل أودية العرب.)قال الواقدي : وصلى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله بالرّوحاء ، فلمّا رفع رأسه من الركعة الأخيرة من وثره لعن الكفرة، ودعا عليهم، فقال:«اللهّم لا تفلتنّ أبا جهل بن هشام فرعون هذه الأمّة، اللهّم لا تفلتنّ زَمْعة بن الأسود، اللهّم أسخن عين أبي زَمْعة! اللهم أعم بصر أبي دبيلة . اللهّم لا تفلتنّ سهيل بن عمرو !»(2)ثم دعا لقوم من قريش فقال: «اللهم أنج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين» (3)، ولم يدع للوليد بن المغيرة يومئذ، وأسر ببدر، ولكنّه لما رجع إلى مكّة بعد بدر أسلم، وأراد أن يخرج إلى المدينة فحبس، فدعا له)النبي(صلی اللّه علیه واله بعد ذلك .)قال الواقدي: وكان خُبيب بن يساف رجلاً شجاعاً، وكان يأبى الإسلام، فلما خرج النبي(صلی اللّه علیه واله إلى بذر خرج هو وقيس بن محرّث - ويقال ابن الحارث - وهما على دين قومهما ، فأدركا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالعقيقي، وحبيب مقنّع في الحديد، فعرفه رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)من تحتِ المغفر، فالتفت إلى سعد بن معاذ وهو يسير إلى جنبه ، فقال : أليس بحبيب بن يساف؟ قال : ،بلى فأقبل حبيب حتى أخذ بيطان ناقة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، فقال له ولقيس بن محرّث ما أخرجكما ؟ قال : كنتَ ابن اختنا وجارنا، وخرجنا مع قومنا للغنيمة، فقال(صلی اللّه علیه واله) : «لا يخرجن معنا رجل ليس على ديننا»، فقال خُبيب : لقد علم قومي أنّي عظيم الغناء في الحرب، شديد النّكاية، فأقاتل معك للغنيمة ولا أسلم ؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله): «لا ولكن أسلم ثم قاتل» (4))
1) أخرجه الحاكم في (المستدرك ) (5767) .
2) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 332/19
3) أخرجه البخاري كتاب الأذان باب يهوي بالتكبير حين يسجد (804)، ومسلم، كتاب :)المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة (675 ، والنسائي، كتاب التطبيق، باب : القنوت في صلاة الصبح (1073) ، وابن ماجه ، كتاب : إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت) (1244).
4) أخرجه محمد الريشهري في ميزان الحكمة : 1437/2 .
فلما كان بالروحاء جاء فقال : يا رسول اللّه، أسلمت لربّ العالمين، وشهدت أنك رسول اللّه ، فسّر بذلك، وقال: امضهّ فكان عظيم الغناء في بدر وفي غير بدر. وأمّا قيس بن الحارث فأبى أن يُسلم، فرجع إلى المدينة، فلما قدم النبّي (صلى اللّه عليه واله من بذر أسلم وشهد أحداً فقتل. قال الواقدي: ولما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) صام يوماً أو يومين، ثم نادى مناديه: يا معشر العصاة، إني مفطر، فأفطِرُوا ، وذلك أنه قد كان قال لهم قبل ذلك : أفطروا فلم يفعلوا .قلت هذا هو سرّ النبوة وخاصيتّها، إذا تأمّل المتأملون ذلك، وهو أن يبلغ بهم حبُّه وطاعته): وقبول قوله على أن يكلّفهم ما يشق عليهم فيمتثلوه امتثالاً صادراً عن حب شديد وحرص عظيم على الطاعة، حتى إنه لينسخه عنهم ويسقط وجوبه عليهم، فيكرهون ذلك ولا يُسقطونه عن أنفسهم، إلّا بعد الإنكار التّام، وهذا أحسن من المعجزات الخارقة للعادات، بل هذا بعينه معجزة خارقة للعادة أقوى وأكد من شق البحر وقلب العصا حية !قال الواقدي: ومضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله حتى إذا كان دُوَيْن ،بدر أتاه الخبر بمسير قريش، فأخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بمسيرهم، واستشار الناس فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر ،فأحسن ثم قال : يا رسول اللّه إنها قريش وعزّها واللّه ما ذلّت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت ،واللّه لا تسلم عزّها أبداً، ولتقا تلنّك، فاتهب لذلك أهبته، وأعدّ عدته، ثم قام المقداد بن عمرو ،فقال : يا رسول اللّه لأمر اللّه ، فنحن معك ،واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها : (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَيْلاً إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ) (1)، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا. قال الواقدي : بِرْك الغماد من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما يلي البحر، وهو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن.
فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) خيراً، ودعا له بخير، ثم قال (صلى اللّه عليه واله): «أشيروا عليّ أيها الناس »- وإنما يريد الأنصار، وكان يظن أن الأنصار لا تنصره إلا في الدار، وذلك أنهم شرطوا أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم ، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) : «أشيروا عليّ»، فقام سعد بن معاذ ، فقال : أنا أجيب عن الأنصار، كأنك يا رسول اللّه تريدنا! قال : أجل، قال: إنک عیسي أن تكون خرجت عن أمر قد أوحي إليك، وإنا قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به جق، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامض يا نبي اللّه لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منارجل، وصِلْ مَنْ شئت ،وخذ من أموالنا ما أردت فما أخذته من أموالنا أحبُّ إلينا مما تركت، والذي نفسي
1) سورة المائدة الآية : 24 .
بيده ما سلكت هذه الطريق قطّ، وما لي بها من علم، وإنا لا نكره أن نلقى عدوّنا غداً، إنا لصبر عند الحرب، صُدق عند اللقاء، لعل اللّه يريك منا بعض ما تقر به عينك (1)
قال الواقدي: وحدّثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال : قال: سعد بن معاذ يومئذ : يا رسول اللّه، إنا قد خَلَّفْنَا من قومنا قوماً ما نحنُ بأشد حبا لك منهم ، ولا أطوع رغبة ونيّة في الجهاد، ولو ظنُّوا أنّك يا رسول اللّه ملاقي عدوا ما تخلّفوا عنك، ولكن إنّما ظنوا أنّها العير. نبني لك عريشاً ، فتكون فيه ونُعِدّ عندك رواحلك، ثم نلقى عدوّنا، فإنْ أعزنا اللّه وأظهرنا على عدوّنا ،كان ذلك ما أحببنا، وإن تكن الأخرى، جلست على رواحلك ، فلحقت من وراءنا، فقال له النبي(صلی اللّه علیه واله)خيراً، ثم قال: «أو يقضي اللّه خيراً يا سعد»!
قال الواقدي: فلما فرغ سعد من المشورة، قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله): «سيروا على بَرَكَةِ الله»، فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين، واللّه لكأني أنظر إلى مصارع القوم!
قال الواقدي :وقالوا : لقد أرانا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) مصارعهم يومئذ،هذا مصرع فلان، وهذا مضرع فلان ،فما عدا كلّ رجل منهم مصرعه (2)، قال : فعلم القوم أنّهم يلاقون القتال، وأن العير تفلتُ، ورجا القوم النصر لقول النبي(صلی اللّه علیه واله) .
قال الواقدي: فمن يومئذٍ عقد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الألوية، وكانت ثلاثة، وأظهر السلاح ،وكان خرج من المدينة على غير لواء معقودٍ، وسار فلقي سُفْيان الضَّمْري، ومع رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)قتادة بن النعمان ومعاذ بن جبل، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «من الرجل؟» فقال الضّمري : بل ومَنْ أنتم؟ فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «تخبرنا ونخبرُك»، فقال الضمري : وذاك بذاك؟ قال : نعم، قال الضَّمْري : فاسألوا عمّا شئتم، فقال له (صلی اللّه علیه واله) : «أخبرنا عن قريش»، قال الضمري: بلغني أنّهم كذا خرجوا يوم من مكة، فإن كان الخبر صادقاً، فإنهم بجنب هذا الوادي، ثم قال الضَّمْرِي : فمن أنتم ؟ فقال النبي (صلی اللّه علیه واله) : «نحن من ماء» (3)، وأشار بيده نحو العراق، فجعل الضمْرِي يقول : من ماء! من أي ماء؟ من العراق أم من غيره؟ ثم انصرف رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى أصحابه.
قال الواقدي : فبات الفريقان كلّ منهم لا يعلم بمنزل صاحبه، إنما بينهم قَوْزُ من رمل . قال الواقدي: ومرّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بجبلين، فسأل عنهما فقالوا : هذا مُسْلِح ومُخرِىء،
فقال : مَنْ ساكنهما ؟ فقيل : بنو النّار وبنو حرّاق، فانصرف عنهما وجعلهما يساراً، ولقيه بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء فأخبراه خبر قريش ونزل رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) وادي بذر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، فبعث علياً (علیه السلام) والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو يتحسّسون على الماء، وأشار لهم إلى ظُريب، وقال: أرجو أن تجدوا الخير عند القليب الذي يلي هذا الظريب، فاندفعوا تلقاءه، فوجدوا على تلك القليب روايا قريش فيها سُقاؤهم، فأسروهم وأفلت ،بعضهم، فكان ممن عرف أنه أفلت عجير، فكان أوّلَ مَنْ جاء قريشاً بخبر النبي (صلی اللّه علیه واله)وأصحابه، فنادى يا آل غالب هذا ابن أبي كبشة وأصحابه، وقد أخذوا سُقاءكم، فماج العسكر وكرِهُوا ما جاء به.
قال الواقدي: فكان حكيم بن حزام يحدّث ، قال : كنا يومئذٍ في خباء لنا على جَزُور نشوي من لحمها ، فما هو إلا أن سمعنا الخبر ، فامتنع الطعام منا، ولقي بعضنا بعضاً، ولقيني عتبة بن ربيعة، فقال : يا أبا ،خالد ما أعلم أحداً يسير أعجب من مسيرنا، إنّ عيرنا قد نجت، وإنا إلى قوم في بلادهم بغياً عليهم، فقلت: أراه لأمر حُمّ، ولا رأي لمن لا يطاع ! هذا شؤم ابن الحنظليّة، فقال عتبة : أبا ،خالد أتخاف أن تبيّتنا القوم؟ قلت : لأنت آمن من ذلك، قال: فما الرأي يا أبا خالد؟ قلت : نتحارس حتى نصبح وترون رأيكم .
قال عُتبة : هذا الرأي، قال: فتحار سُنا حتى أصبحنا ، فقال أبو جهل : هذا عن أمر عتبة كره قتال محمد وأصحابه، إنّ هذا لهو العجب، أتظنون أن محمداً وأصحابه يعترضون لجمعكم ! والله لأنتحين ناحية بقومي فلا يحرسنا ، أحد، فتنحى ناحية، وإنّ السماء لتمطر عليه، قال: يقول عتبة : إن هذا لهو النكد.
قال الواقدي: أُخِذَ من السُّقاء من على القليب يسار غلام سعيد بن العاص، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وأبو رافع غلام أمية بن خلف، فأتى بهم النبي(صلی اللّه علیه واله) وهو قائم يصلي فسألهم المسلمون، فقالوا: نحن شقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهم، ورجوا أن يكونوا لأبي سفيان وأصحاب العير ،فضربوه، فلما أذلقوهم بالضرب، قالوا: نحن لأبي سفيان، ونحن في العير، وهذا العير ،بهذا القوز ، فكانوا إذا قالوا ذلك يُمسِكُون عَنْ ،ضربهم، فسلّم رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) من صلاته، ثم قال :«إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم ترکتموهم» (1)فقال أصحابه: إنّهم يا رسول اللّه يقولون: إن قريشاً قد جاءت، فقال: «لقد صدقوكم خرجت قريش تمنعُ عيرها وخافوكم عليها» ، (2)، ثم أقبل(صلی اللّه علیه واله) على الشقاء، فقال:
«أين قريش؟» فقالوا : خلف هذا الكثيب الذي ترى، قال : «كم هم»؟ قالوا: كثير، قال: «كم عددهم قالوا: لا ندري، قال: «كم ينحَرُون؟ قالوا: يوماً عشرة ويوماً تسعة، فقال: القوم ما بين الألف والتسعمائة ، ثم قال للسُّقاء : كم خرج من أهل مكة؟ قالوا : لم يبق أحد به طعم إلا خرج، فأقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) على الناس، فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها » (1)، ثم سألهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) : «هل رجع منهم أحد»؟ قالوا : نعم رجع بن أبي شريق ببني زهرة فقال(صلی اللّه علیه واله) :« راشدهم، وما كان برشيد، وإن كان ما علمت لمعادياً اللّه ولكتابه»، ثم قال :«فأحد غيرهم؟» قالوا : نعم بنو عدي بن كعب ،فتركهم رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)ثم قال لأصحابه :« أشيروا علي في المنزل»، فقال الحباب بن المنذر: يا رسول اللّه أرأيت منزلك هذا، أهو منزل أنزَلَكَه اللّه ، فليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرّأي والحرب والمكيدة»، قال: فإنّ هذا ليس بمنزل! انطلق بنا إلى أدْنَى مياه القوم، فإنّي عالم بها ويُقلبها ، فإن بها قليباً قد عرفت عذوبة مائها ،وماؤها كثير لا ينزح ، نبني عليها حَوْضاً، ونقذف فيها بالآنية فنشرب ،ونقاتل، ونعوّر ما سواها من القُلب (2)
قال الواقدي: فكان ابن عباس يقول : نزل جبريل على النبي(صلی اللّه علیه واله) فقال : الرأي ما أشار به الحُباب فقال : يا حباب أشرت بالرأي، ونهض ،وفعل كلّ ذلك.
قال الواقدي :وبعث اللّه السماء، وكان الوادي دهساً - أي كثير الرمل - فأصاب المسلمين ما لبد الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشاً ما لم يقدروا معه أن يرتحلوا منه، وإنما بينالطائفتين قَوْز من رمل . قال الواقدي :وأصاب المسلمين تلك الليلة النُّعاس ألقي عليهم، فناموا ولم يصبهم من المطر ما يؤذيهم .
قال الزبير بن العوام: لقد سلَّط اللّه عليهم النعاس تلك الليلة، حتى إني كنت لاتشدّد، والنّعاس يجلد بي الأرض فما أطيق إلّا ذلك، فكان رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) وأصحابه على مثل ذلك الحال. وقال سعد بن أبي وقاص : لقد رأيتُني، وإن ذقني بين ثديي، فما أشعر حتى أقع على
جنبي.
وقال رفاعة بن رافع بن مالك : لقد غلبني النّوم، فاحتلمت حتى اغتسلت آخر الليل. قال الواقدي : فلمّا تحوّل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى المنزل بعد أن أخذ السقاء، أرسل عمار
ياسر وعبد اللّه بن مسعود، فأطافا بالقوم ، ثم رجعا إليه فقالا له: يا رسول اللّه ،القوم مذعورون فزعون، إن الفرس ليريد أن يصهل فيضرب وجهه، مع أن السماءَ تَسُحُ (1)عليهم . قال الواقدي: فلمّا أصبحوا قال منبه بن الحجّاج - وكان رجلاً يبصر الأثر:هذا واللّه أثر سُميّة، وابن أم عبد ،أعرفهما ، لقد جاءنا محمد بسفهائنا وسفهاء أهل يثرب، ثم قال:
لم يترك الجوع لنا مبيتا *** لا بدّ أن نموت أو نميتا
يا معشر قريش، انظروا غداً إن لقينا محمد وأصحابه، فاتقوا على شبّانكم وفتيانكم ،بأهل
يثرب، فإنا إن نرجع بهم إلى مكة يبصروا من ضلالتهم ما فارقوا من دين آبائهم.
قال الواقدي: ولما نزل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) على القليب بني له عريش من جَرِيد، فقام سعد بن معاذ على باب العريش متوشحاً سيفه، فدخل النبي(صلی اللّه علیه واله) وأبوبكر. قلت : لأعجب من أمر العريش ،من أين كان لهم، أو معهم من سعَفِ النَّخَل ما يبنون به
عريشاً، وليس تلك الأرض - أعني أرض بدر - أرض نخل، والذي كان معهم من سعف النخل يجري مجرى السلاح كان يسيراً جداً ! قيل إنه كان بأيدي سبعة منهم سعاف عوض السيوف، والباقون كانوا بالسيوف والسهام والقسّي، وهذا قول شاذّ، والصحيح أنه ما خلا احد منهم عن سلاح ، اللهّم إلا أن يكون معهم سعافات يسيرة، وظلل عليها بثوب أو سّتر، وإلا فلا أرى لبناء عريش من جريد النخل هناك وجهاً !
قال الواقدي: وصف رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أصحابه قبل أن تنزل قريش، فطلعت قريش ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يصف أصحابه وقد أترعوا حوضاً يفرطون فيه من السحر ، وقذفت فيه الآنية، ودفع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) رايته إلى مصعب بن عمير، فتقدم بها إلى الموضع الذي أمره أن يضعها، ووقف رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ينظر إلى الصفوف فاستقبل المغارب، وجعل الشمس خَلْفَه، وأقبل المشركون، فاستقبلوا الشمس، ونزل بالعُذوة الدنيا من الوادي، ونزلوا بالعدوة اليمانية، وهي القصوى، وجاءه رجل من أصحابه فقال : يا رسول اللّه ، إن كان هذا عن وحي فامض له ، وإلا فإنّي أرى أن تعلوا الوادي، فإني أرى ريحاً قد هاجت من أعلاها، وأراها بعثت بنصرك. فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :«قد صفقت صفوفي ووضعت رايتي، فلا أغير ذلك» .(2)ثم دعا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فأمدّه اللّه بالملائكة.
قال الواقدي: وروى عروة بن الزبير، قال : عدّل رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) الصّفوف يومئذ، فتقدم سواد بن غَزِيّة أمام الصّف، فدفع النبي(صلی اللّه علیه واله) و بقدح في بطنه، وقال: استو يا سواد، فقال: أوجعتني والذي بعثك بالحق، أقذني، فكشف (صلی اللّه علیه واله)عن بطنه، وقال : استقِد فاعتنقه وقبله،
فقال:«ما حملك على ما صنعت؟»:قال حَضَر يا رسول اللّه من أمر اللّه ما قد ترى، وخشيت القتل، فأردت أن يكون آخر عهدي بك، وأن أعتنقك (1)
أقال الواقدي: فحدّثني موسى بن يعقوب، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مُطِعم، عن رجل من بني أود قال : سمعت عليا (علیه السلام) يخطب على منبر الكوفة، ويقول : بينا أنا أَمِيح في قَلِيب بدر جاءت ريح لم أرَ مثلها قطّ شدة، ثم ذهبت فجاءت أخرى لم أرَ مثلها إلا التي كانت قبلها ، ثم جاءت ريح أخرى لم أرَ مثلها إلا الأوليين، فكانت الأولى جبريل في مع رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، والثانية ميكائيل في ألف عن ميمنته ،والثالثة إسرافيل في ألف عن ميسرته، فلما هزم اللّه أعداءه حملني رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) على فرس، فجرت بي، فلمّا جرث خررتُ على عنقها ، فدعوت ربّي، فأمسكني حتى استويتُ ،ومالي وللخيل، وإنما كنت صاحب الحشم، فلما استويت طعنت فيهم بيدي هذه حتى اختضبت مني ذي يعني إبطه .
قلت :أكثر الرواة يروونه : «فحملني رسول اللّه على فرسه» والصحيح ما ذكرناه، لأنه لم يكن لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فرس يوم بدر، وإنما حضرها راكب بعير، ولكنه لما اصطدم الصّفان، وقتل قوم من فرسان المشركين، حمّل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عليا (علیه السلام)على بعض الخيل المأخوذة منهم.
قال الواقدي: قالوا : كان على ميمنة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أبو بكر، وكان على ميسرته علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، وكان على ميمنة قريش هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وعلى ميسرتهم عمرو بن عبدود. قيل : كان زَمعة بن الأسود على ميسرتهم، وقيل: بل كان على خير المشركين ،وقيل الذي كان على الخيل الحارث بن هشام، وقال قوم: لم يكن هبيرة على الميمنة، بل كان عليها الحارث بن عامر بن نوفل.
قال الواقدي: وحدّثني محمد بن صالح عن يزيد بن رومان وابن أبي حبيبة ،قالا : ما كان على ميمنة النبي(صلی اللّه علیه واله) يوم بذر ولا على ميسرته أحد يسمّى ،كذلك ميمنة المشركين وميسرتهم ما سمعنا فيها بأحدٍ.
قال الواقدي: وهذا هو الثَّبت عندنا قال : وكان لواء رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يومنذ الأعظم لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحُباب بن المنذر ولواء الأوس مع معاذ، وكان مع قريش ثلاثة ألوية لواء مع أبي عَزيز، ولواء مع المنذر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة .
1) ذكره العجلوني في كشف الخفاء بألفاظ قريبة منه (1661) ، وذكره ابن هشام في السيرة النبوية .(174/3)
قال الواقدي وخطب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و المسلمين يومئذ، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال : «أمّا ،بعد، فإني أحتكم على ما حنّكم اللّه عليه، وأنهاكم عمّا نهاكم اللّه عنه فإن اللّه عظيم شأنه، يأمر بالحّق، ويحبّ الصدق ،ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنكم أصبحتم بمنزل من منازل الحق ،لا يقبل اللّه فيه من أحدٍ إلا ما ابتغى به وجهه . وإن الصبر في البأس مما يفرج اللّه به الهّم، وينجي به من الغّم، تدركون به النّجاة في الآخرة، فيكم نبي اللّه يحذركم ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطلع اللّه على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإنه تعالى يقول: (لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن نَفْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ) (1)، انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته، وما أعزكم به بعد الذلة، فاستمسكوا به يرض ربكم عنكم، وابلُوا ربكم في هذه المواطن أمراً تستوجبون به الذي وعَدّكم من رحمته ومغفرته، فإنّ وعده حق، وقوله صدق ،وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم باللّه الحيّ القيّوم، إليه ألجأنا ظهورنا ، و به اعتصمنا ،وعليه توكّلنا، وإليه المصير، ويغفر اللّه لي وللمسلمين» (2)
قال الواقدي: ولمّا رأى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قريشاً تصوّب من الوادي، وكان أوّل مَنْ طلع زمعة بن الأسود على فرس له يتبعه ابنه، فاستجال بفرسه ،يريد أن يبنوا للقوم منزلاً ، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :« اللهّم إنك أنزلت علي الكتاب ،وأمرتني بالقتال، ووعدتني إحدى الطائفتين، وأنت لا تخلف الميعاد . اللهّم هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفخرها، تخاذّل وتكذب رسولك . اللهّم نصرّك الذي وعدتني . اللهم أجنهم الغداة» (3)وطلع عتبة بن ربيعة على جَمَل أحمر ، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :« إن يك في أحدٍمن القوم خيرففي صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» (4)
والهيثمي في مجمع الزوائد» (76/6).
.قال الواقدي : وكان إيماء بن رَحْضَة قد بعث إلى قريش ابناً له بعشر جزائر حين مروا به أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن يمدّكم بسلاح ورجال فإنّا معدّون لذلك، مؤدون فعلنا ، فأرسلوا : أن وصلتّك رحم، قد قضيت الذي عليك، ولعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم، ولئن كنّا نقاتل اللّه - يزعم محمد - فما لأحدٍ باللّه طاقة.
قال الواقدي : فروى خفاف بن إيماء بن رخصة ،قال كان أبي ليس شيء أحب إليه من إصلاح بين الناس، موكّلاً بذلك، فلمّا مرّت به قريش أرسلني بجزائر عشر هدية لها، فأقبلتُ
أسوقها، وتبعني أبي ، فدفعتها إلى قريش فقبلوها ووزّعوها في القبائل، فمرّ أبي على عتبة بن ربيعة، وهو سيّد الناس يومئذٍ، فقال : يا أبا الوليد، ما هذا المسير؟ قال : لا أدري واللّه غُلِبت ،قال: فأنت سيد العشيرة، فما يمنعك أن ترجع بالناس، وتحمل دم حليفك، وتحمل العير التي أصابوا بنخلة، فتوزّعها على قومك ! فواللّه ما يطلبون قبل محمد إلّا هذا، واللّه يا أبا الوليد ما تقتلون بمحمد وأصحابه إلا أنفسكم!
قال الواقدي :وحدّثني ابن أبي الزناد عن أبيه، قال :ما سمعنا بأحدٍ سار بغيرمال إلا عتبة بن ربيعة .
قال الواقدي: وروى محمد بن جبير بن مطعم، قال : لما نزل القومُ أرسل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عمر بن الخطاب إلى قريش، فقال: ارجعوا ، فلأن يلي هذا الأمر منّي غيرُكم أحب إلي من أن تلوه منّي، وأن أليه من غيركم أحب إلي من أن أليه منكم ، فقال حكيم بن حزام، قد عرض نَصَفاً، فلبّوه، واللّه لا تُنصَرون عليه بعد أن عرض عليكم من النّصف ما عَرَض. وقال أبوجهل: لا نرجع بعد أن أمكننا اللّه منهم، ولا نطلب أثراً بعد عَيْن، ولا يعرض لعيرنا بعد هذا أبداً .
قال الواقدي: وأقبل نفر من قريش حتى وردوا الحوض، منهم حكيم بن حزام، فأراد المسلمون تنحيتهم عنه ، فقال النبي(صلی اللّه علیه واله) : «دعوهم»، فوردُوا الماء، فشربوا ، فلم يشرب منهم أحد إلّا قتل إلا ما كان من حكيم بن حزام.
قال الواقدي : فكان سعيد بن المسيّب، يقول : نجا حكيم من الدّهر مرتين، لما أراد اللّه تعالی به من الخير، خرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) على نفر من المشركين وهم جلوس يريدونه، فقرأ «يس»، ونثر على رؤوسهم التراب، فما أفلت منهم أحدٌ إلا قتل، ما عدا حكيم بن حزام. وورد
الحوض يوم بدر مع مَنْ ورده مع المشركين، فما ورده إلا من قتل إلا حكيم بن حزام.
قال الواقدي: فلمّا اطمأن القوم بعثوا عُمير بن وهب الجُمحي، كان صاحب قداح ،فقالوا : احزر لنا محمداً وأصحابه، فاستجال بفرسه حول العسكر، وصوّب في الوادي وصعّد، يقول : عسى أن يكون لهم مدد أو كمين! ثم رجع فقال : لا مدد ولا كمين، والقوم ثلاثمائة، إن زادوا قليلاً، ومعهم سبعون بعيراً ومعهم فرسان، ثم قال: يا معشر قريش ،البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، تروْنَهم خُرْساً لا يتكلّمون، يتلمّظون (1)تلمّظ الأفاعي! واللّه ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل رجُلاً ، فإذا أصابوا منكم عددهم، فما خيرٌ في العيش بعد ذلك! فروا رأيكم.
1) تلمظ أخرج لسانه فمسح شفتيه. القاموس، مادة (المظ).
قال الواقدي : وحدّثني يونس بن محمد الظفري، عن أبيه، أنه قال : لما قال لهم عُمير بن وهب هذه المقالة، أرسلوا أبا أسامة الجشَمِيّ، وكان فارساً، فأطاف بالنبي(صلی اللّه علیه واله) وأصحابه، ثم رجع إليهم، فقالوا له : ما رأيت؟ قال : واللّه ما رأيتُ جَلَداً ولا عدداً ولا حَلْقة ولا كراعاً، ولكنّي واللّه رأيت قوماً لا يريدون أن يردُّوا إلى أهلهم! رأيت قوماً مستميتين، ليست معهم منعة ولا ملجاً إلا سيوفهم، زُرق العيون ،كأنهم الحصا تحت الحَجَف (1)، ثم قال : أخشى أن يكون لهم كمين أو مدد، فصوّب في الوادي ثم صعد، ثم رجع إليهم، فقال : لا كمين ولا مددا فرُوا رأيكم.
قال الواقدي : ولما سمع حكيم بن حزام ما قال عُمير بن وهب، مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة، فقال : يا أبا الوليد، أنت كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك ألا تزال تُذكر فيها بخير آخر الدهر ، مع ما فعلت يوم عُكاظ! وعتبة يومئذٍ رئيس الناس، فقال : وما ذاك يا أبا خالد؟ قال : ترجع بالناس، وتحمل دم حليفك، وما أصابه محمد من تلك العير ببطن نخلة، إنكم لا تطلبون من محمد شيئاً غير هذا الدّم والعير. فقال عتبة : قد فعلت، وأنت عليّ بذلك . ثم جلس عتبة على جمله، فسار في المشركين من قريش يقول : يا قوم أطيعوني، ولا تقاتلوا هذا الرجل وأصحابه، واعصبوا هذا الأمر برأسي، واجعلوا جبنها ، فإن منهم رجالا قرابتهم قريبة، ولا يزال الرّجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه وأخيه فيورث ذلك بينكم شحناء وأضغاناً، ولن تخلصوا إلى قتلهم حتى يصيبوا منكم عددهم، مع أنه لا أمن أن تكون الدائرة عليكم، وأنتم لا تطلبون إلا دم القتيل منكم ، والعير التي أصيبت وأنا أحتمل ذلك، وهو علي .
يا قوم إن يك محمد كاذباً يكفيكموه ذوبان العرب، وإن يك ملكاً كنتم في ملك ابن أخيكم ، وإن يك نبيا كنتم أسعد الناس به! يا قوم لا تردُّوا نصيحتي ،ولا تسفّهوا رأيي. فحسده أبو جهل حين سمع خطبته ، وقال : إن يرجع الناس عن خطبة عتبة يكن سيد الجماعة وكان عتبة أنطق الناس، وأطولهم لساناً، وأجملهم جمالاً ، ثم قال عتبة لهم : أنشدكم اللّه في هذه الوجوه التي كأنها المصابيح، أن تجعلوها أنداداً لهذه الوجوه التي كأنها وجوه الحيات! فلما فرغ عتبة كلامه قال أبو جهل : إن عتبة يشير عليكم بهذا لأنّ محمداً ابن عمه، وهو يكره أن يقتل ابنه وابن عمه امتلا واللّه سَحْرُك يا عتبة وجبنت حين التقت حَلقنَا البطان. الآن تخذل بيننا وتأمرنا بالرجوع! لا واللّه لا نرجع حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد، فغضب عتبة، فقال: يا مصفّرا استه، ستعلم أينا أجبن والأم وستعلم قريش من الجبان المفسد لقومه! وأنشد: هذايّ وأمرت أمري *** فبشري بالشكل أم عمر
قال الواقدي: وذهب أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي، أخي عمرو بن الحضرميّ المقتول
1) الحَجَفَ : التروس من جلود بلا عقب ولا خشب القاموس المحيط مادة (حجف)
بنخلة، فقال له : هذا حليفك - يعني عتبة - يريد أن يرجع بالنّاس، وقد رأيت ثأرك بعينك ،وتخذل بين النّاس ! أقد تحمل دم أخيك، وزعم أنك قابل الديّة، ألا تستحي؟ تقبل الدية وقد قدرت على قاتل أخيك !قم فانشد خُفْرتك، فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ،ثم حثا على إسته التراب، وصرخ: واعمراه يخزي بذلك عتبة ؛ لأنه حليفه من بين قريش، فأفسد على النّاس الرأي الذي دعاهم إليه عُتبة، وحلف عامر لا يرجع حتى يقتل من أصحاب محمد، وقال أبو جهل لعُمير بن وهب: حرّش بين الناس، فحمل عمير فناوش المسلمين، لأن ينفضّ الصفّ، فثبت المسلمون على صفّهم، ولم يزولوا ، وتقدّم ابن الحضرمي فشدّ على القوم، فنشبت الحرب.
قال الواقدي: فروى نافع بن جبير عن حكيم بن حزام ،قال : لما أفسد الرأي أبو جهل على النّاس، وحرّش بينهم عامر بن الحضرمي فأقحم فرسه،كان أوّل من خرج إليه من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر، وكان أوّل قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، قتله حيان بن العرقة .
قال الواقدي : وقال عمر بن الخطاب في مجلس ولايته: يا عمير بن وهب، أنت حاذِرُنا للمشركين يوم بذر، تصعّد في الوادي وتصوّب، كأني أنظر إلى فرسك تحتكّ تخبر المشركين أنه لا كمين لنا ولا مدد قال : إي واللّه يا أمير المؤمنين، وأخرى، أنا واللّه الذي حرّشت بين الناس يومئذٍ ، ولكن اللّه جاءنا بالإسلام ،وهدانا له ،وما كان فينا من الشِّرْك أعظم من ذالک، قال عمر : صدقت
قال الواقدي: وكان عتبة بن ربيعة كلّم حكيم بن حزام، وقال: ليس عند أحد خلاف إلا عند ابن الحنظليّة، فاذهب إليه، فقل له : إن عتبة يحمل دم حليفه، ويضمن العير، قال حكيم : فدخلت على أبي جهل، وهو يتخلّق بخلوق طيب ،ودرعه موضوعة بين يديه، فقلت: إن عتبة بن ربيعة بعثني إليك، فأقبل عليّ مغضباً، ما وجد عتبة أحداً يرسله غيرك، فقلت: واللّه لو كان غيره أرسلني ما مشيت في ذلك، ولكني مشيتُ في إصلاح بين الناس - وكان أبو الوليد سيّد العشيرة - فغضب غضبة أخرى .قال : وتقول أيضاً سيّد العشيرة، فقلت: أنا أقوله، وقريش كلها تقوله، فأمر عامراً أن يصيح بخفرته ،واكتشف ،وقال : إنّ عُتبة جاع، فاسقوه سويقاً، وجعل المشركين يقولون: عتبة جاع، فاسقوه سويقاً، وجعل أبو جهل يسرّ بما صنع المشركون بعتبة .
قال حكيم :فجئت إلى منبه بن الحجاج فقلت له مثل ما قلت لأبي جهل، فوجدته خيراً من أبي جهل، قال نعما مشيت فيه وما دعا إليه عتبة، فرجعت إلى عتبة فوجدت قد غضب من کلام قریش، فنزل عن جمله، وقد كان طاف عليهم في عسكرهم يأمرهم بالكفّ عن القتال ،فيأبون ،فحمي، فنزل فلبس درعه، وطلبوا له بَيْضَةً فلم يوجد في الجيش بيضة تسع رأسه من
عظم هامته، فلما رأى ذلك اعتجر، ثم برز راجلاً بين أخيه شيبة وبين ابنه الوليد بن عتبة فبينا أبو جهل في الصف على فرس أنثى، حاذاه عُتبة، وسلَّ سيفه، فقيل : هو واللّه يقتله، فضرب بالسيف عُرقوب فرس أبي جهل، فاكتسعت الفرس، وقال انزل، فإنَّ هذا اليوم ليس بيوم ركوب، ليس كل قومك راكباً، فنزل أبو جهل وعُتبة يقول : سيعلم أينا شؤوم عشيرته الغداة! قال حكيم : فقلت : تاللّه ما رأيتُ كاليوم!
قال الواقدي: ثم دعا عُتبة إلى المبارزة ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في العريش، وأصحابه على صفوفهم ، فاضطجع، فغشيه النوم ،وقال : لا تقاتلوا حتى أوذنكم، وإن كتبوكم فارموهم ولا تسلُّوا السيوف حتى يغشَوِّكم. فقال أبو بكر : يا رسول اللّه قد دنا القوم، وقد نالوا منا، فاستيقظ، وقد أراه اللّه إياهم في منامه قليلاً، وقلّل بعضهم في أعين بعض، ففزع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وهو رافع يديه يناشد ربّه ما وعده من النّصر، ويقول: «اللهم إن تظهر علي هذه العصابة يظهر الشرك، ولا يقم لك دين» (1)، وأبو بكر يقول : واللّه لينصرنك اللّه وليبيضّن وجهك . قال عبد اللّه بن رواحة : يا رسول اللّه، إنّي أشير عليك، وأنت أعظم وأعلم باللّه من أن يشار عليك، إنّ اللّه أجل وأعظم من أن ينشد وعده ! فقال(علیهم السلام) : يابن رواحة، ألا أنشد اللّه وعده ، إن اللّه لا يخلف الميعاد! وأقبل عُتبة يعمد إلى القتال، فقال له حكيم بن حزام: مهلاً مهلاً يا أبا الوليد! لا تنة عن شيء وتكون أوّله .
قال الواقدي: قال خُفاف بن إيماء ،فرأيت أصحاب النبي(صلی اللّه علیه واله) يوم بذر، وقد تصاف الناس وتزاحفوا، وهم لا يسلّون السيوف، ولكنهم قد انتضوا القيسي، وقد تترّس بعضهم عن بعض بصفوف متقاربة، لا فرج بينها، والآخر من قد سلّوا السيوف حين طلعوا، فعجبت من ذلك، فسألت بعد ذلك رجلاً من المهاجرين، فقال : أمرنا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و الانسل السيوف حتى يغشونا .
قال الواقدي: فلما تزاحف الناس قال الأسود بن عبد الأسد المخزومي حين دنا من الحوض : أعاهد اللّه لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. فشدّ حتى الحوض، واستقبله حمزة بن عبد المطلب، فضربه فأطنّ قدمه، فزحف الأسود ليبر قسمه زعم ، حتى وقف في الحوض فهدّمه برجله الصحيحة، وشرب منه، وأتبعه حمزة، فضربه في الحوض فقتله ،والمشركون ينظرون ذلك على صفوفهم.
1) ذكره جعفر الطبري في الرياض النضرة (352)، وأخرج نحوه مسلم، كتاب الجهاد، باب: الإمداد بالملائكة (1763) والترمذي كتاب تفسير القرآن باب : ومن سورة الأنفال (3081) ،وأحمد كتاب العشرة المبشرين بالجنة باب أول مسند عمر بن الخطاب (208) .
قال الواقدي : ودَنا النّاس بعضُهم من بعض، فخرج عتبة وشيبة والوليد حتى فصلوا من الصف، ثم دعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم فتيان ثلاثة من الأنصار، وهم بنو عَفْراء: مُعاذ ومعوّذ وعوف، بنو الحارث - ويقال : إن ثالثهم عبد الله بن رواحة، والثابت عندنا أنهم بنو عفراء - فاستحى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من ذلك، وكره أن يكون أوّل قتال لقي المسلمون فيه المشركين في الأنصار، وأحبّ أن تكون الشوكة لبني عمّه وقومه، فأمرهم، فرجعوا إلى مصافهم، وقال لهم خيراً، ثم نادى منادي المشركين: يا محمد، أخرج إلينا الأكفاء من قومنا ، فقال لهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «يا بني هاشم، قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث اللّه به نبيّكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور اللّه» (1). فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن . الحارث بن المطلب بن عبد مناف، فمشوا إليهم، فقال عتبة: تكلّموا نعرفكم - وكان عليهم البيض، فأنكروهم - فإن كنتم أكفاءنا قاتلناكم.(2)
وروى محمد بن إسحاق في كتاب «المغازي» خلاف هذه الرواية، قال: إن بني عَفْراء وعبد اللّه بن رواحة برزوا إلى عُتبة وشَيْبة والوليد، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا : رهط من الأنصار، فقالوا : ارجعوا فما لنا بكم من حاجة ! ثم نادى مناديهم : يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :«قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان» (3).
قلت: وهذه الرواية أشهر من رواية الواقدي، وفي رواية الواقدي ما يؤكد صحّة رواية محمد بن إسحاق، وهو قوله : إن منادي المشركين نادى: يا محمد، أخرج إلينا الأكفاء من قومنا . فلو لم يكن قد كلّمهم بنو عفراء وكلّموهم وردّوهم، لما نادى مناديهم بذلك. ويدل على دند قول بعض القرنيين ببعض الانصار في فخر فخر به عليه: أنا من قوم لم يرض مشركوهم أن يقتلوا مؤمني قومك .
قال الواقدي : فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب ،أسد اللّه وأسد رسوله، فقال عتبة : كفٌ كريم، وأنا أسد الحلفاء،هذان معك ؟ قال : علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن لمطلب، فقال: كفآن کریمان.
قال الواقدي:قال ابن أبي الزناد :حدّثني أبي، قال : لم أسمع لعُتبة كلمة قطّ أوهَن من قوله : «أنا أسد الخلفاء» يعني بالحلفاء الأجَمَة.
قلت : قد روى هذه الكلمة على صيغة أخرى : «وأنا أسد الحُلفاء»، وروي: «أنا أسد الأخلاف».
قالوا في تفسيرهما : أراد أنا سيد أهل الحلف المطيبيّن، وكان الذين حضروه بني عبد مناف وبني أسد بن عبد العزى وبني تيم وبني زُهرة وبني الحارث بن فهر ،خمس قبائل . وردّ قوم هذا التأويل، فقالوا : إن المطيبين لم يكن يقال لهم : الحلفاء ولا الأحلاف، وإنما ذلك لقب خصومهم وأعدائهم الذين وقع التحالف لأجلهم، وهم بنو عبد الدار، وبنو مخزوم، وبنو سَهم، وبنو جُمح ، وبنو عدي بن كعب خمس قبائل. وقال قوم في تفسيرهما : إنما عنّى حِلْف الفضول، وكان بعد حلف المطيبين ،بزمان، وشهد حلف الفضول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وهو صغير في دار ابن جدعان، وكان سببه أن رجلاً من اليمن قدم مكّة بمتاع، فاشتراه العاص بن وائل السهمي ومطله بالثّمن حتى أتعبه، فقام بالحِجْر وناشد قريشاً ،ظلامته، فاجتمع بنو هاشم وبنو بن عبد العُزَّى وبنو ،زهرة وبنو تميم، في دار بن جدعان فتحالفوا، وغمسوا أيديهم في ماء زمزم، بعد أن غسلوا به أركان البيت، أن ينصروا كلّ مظلوم بمكة، ويردوا عليه ظلامته، ويأخذوا على يد الظالم، وينهَوْا عن كل منكر ما بل بحرٌ ،صوفة، فسمّى حلف الفضول لفضله، وقد ذكره رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فقال : «شهدته وأما أحب أن لي به حُمْرَ النعم، ولا يزيده الإسلام إلّا شدة» (1)، وهذا التفسير أيضاً غير صحيح؛ لأن بني عبد الشمس لم يكونوا في حلف الفضول، فقد بان أن ما ذكره الواقدي أصح وأثبت.
قال الواقدي: ثم قال عتبة لابنه : قم يا وليد فقام الوليد، وقام إليه علي - وكانا أصغر النفر - فاختلفا ضربتين، فقتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، ثم قام عتبة ، وقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين، فقتله حمزة رضي اللّه عنه، ثم قام شيبة، وقام إليه عُبيدة - وهو يومئذٍ أسنّ أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) - فضرب شَيْبة رجل عبيدة بذباب السيف فأصاب عضلة ساقه، فقطعها وكرّ حمزة وعليّ على شيبة فقتلاه واحتملا عبيدة فحازاه إلى الصفّ ومخ ساقه يسيل، فقال عبيدة : يا رسول اللّه ،ألستُ شهيداً؟ قال بلى، قال: أما واللّه لو كان أبو طالب حيّا لعلم أنّي أحق بما قال حين يقول :
كذبتم وبيت اللّه تُخْلِي محمَّداً *** ولمّا نطاعن دونه وتناضل
وننصره حتى نصرع حوله *** ونذهل عن أبنائنا والحلائِل
ونزلت فيهم هذه الآية : (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِهِم) (2)وروى محمد بن إسحاق أن عتبة بارز عُبيدة بن الحارث، وأن شيبة بارز حمزة بن عبد
المطلب، فقتل حمزة شيبة، لم يمهله أن قتله، ولم يمهل علي الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعلى(علیه السلام) على عتبة بأسيافهما ،وقعا عليه ،واحتملا صاحبهما فحازاه إلى الصف.
قلتُ : وهذه الرواية توافق ما يذكره أمير المؤمنين(علیه السلام) في كلامه، إذ يقول لمعاوية : وعندي السيفُ الذي أعضضْتُ به أخاك وخالك وجدك يوم بدر. ويقول في موضع آخر : قد عرفت مواقع نصالِها في أخيك وخالك وجدك، وما هي من الظالمين ببعيد. واختار البلاذري رواية الواقدي : وقال : إن حمزة قتل عتبة، وإن عليا (علیه السلام)قتل الوليد، وشرك في قتل شيبة .
وهذا هو المناسب لأحوالهم من طريق السنّ؛ لأن شيبة أسنّ الثلاثة، فجعل بإزاء عبيدة وهو أسنّ الثلاثة، والوليد أصغر الثلاثة سنا ، فجعل بإزاء علي(علیه السلام) ، وهو أصغر الثلاثة سناً، وعتبة أوسطهم سنا ، فجعل بإزاء حمزة وهو أوسطهم سنًا . وأيضاً فإنّ عتبة كان أمثَلَ الثلاثة، فمقتضى القياس أن يكون قرنه أمثل الثلاثة، وهو حمزة إذ ذاك ؛ لأنّ عليا(علیه السلام) لم يكن قد اشتهر أمره جداً، وإنما اشتهر الشهرة التامة بعد بدر. ولمن روي أن حمزة بارز شيبة - وهي رواية ابن إسحاق - أن ينتصر بشعر هند بنت عتبة ترثي أباها :
أعيني جواداً بدمع سَرِبْ *** علی خیر خندف لم ينقلب
تداعى له رهطه قُصرةً *** بنو هاشم وبنو المطّلب
يذيقونه حرّ أسيافهم *** يعلونه بعد ما قد عَطِبْ
فإذا كانت قد قالت إن عتبة أباها أذاقه بنو هاشم وبنو المطلب حرّ أسيافهم، فقد ثبت أن المبارز لعتبة إنما هو عُبيدة لأنه من بني المطلب جرح عتبة، فأثبته ثم ذقف عليه حمزة وعلي(علیه السلام) . فأما الشيعة، فإنها تروي أن حمزة بادر عتبة فقتله، وأن اشتراك علي وحمزة إنما هو في دم شيبة بعد أن جرحه عبيدة بن الحارث، هكذا ذكر محمد بن النعمان في كتاب «الإرشاد»، وهو خلاف ما تنطق به كتب أمير المؤمنين(علیه السلام) إلى معاوية، والأمر عندي مشتبه في هذا الموضع .
وروى محمد بن النعمان، عن أمير المؤمنين(علیه السلام) ، أنّه كان يذكر يوم بدر ويقول : اختلف أنا والوليد بن عتبة ضربتّين، فأخطأتني ضربته، وأضربه فاتقاني بيده اليسرى، فأبانها السيف، فكأني أنظر إلى وميض خاتم في شماله، ثم ضربته أخرى فصرعته وسلبته، فرأيت به الرّدع من خَلُوق، فعلمت أنه قريب عهد بعرس. (1)
1) أنظر مغازي الواقدي: 64 - 65 .
قال الواقدي : وقد روي أن عُتبة بن ربيعة حين دعا إلى البراز، قام إليه ابنه أبو حذيفة بن عتبة يبارزه، فقال له النبي(صلی اللّه علیه واله) : «اجلس»، فلمّا قام إليه النفر أعان أبو حذيفة على أبيه عتبة بضربة .
قال الواقدي: وأخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: شيبة أكبر من عتبة بثلاث سنين،
وحمزة أسن من النبي(صلی اللّه علیه واله) بأربع سنين ،والعباس أسنّ من النبي(صلی اللّه علیه واله) بثلاث سنين . قال الواقدي: واستفتح أبوجهل يوم بدر ، فقال : اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعلم، فأجنه الغداة، فأنزل اللّه تعالى :(إن تَسْتَفْلِحُوا فَقَدْ جَاءَ كُمُ الْفَتْحُ ) (1)الآية .
قال الواقدي: وروى عُروة عن عائشة أن النبي(صلی اللّه علیه واله) جعل شعار المهاجرين يوم بدر: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج : يا بني عبد اللّه ، وشعار الأوس : يا بني عبد قال : وَرَوَى زيد بن علي بن الحسين(علیه السلام) ، أن شعار رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله)كان يوم بدر : يا منصور أمّت.
قال الواقدي : ونهى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و عن قتل أبي البختري، وكان قد لبس السلاح بمكّة يوماً قبل الهجرة في بعض ما كان ينال النبي (صلی اللّه علیه واله) من الأذى ، وقال : لا يعرض اليوم أحد لمحمد بأذى إلا وضعت فيه السّلاح ،فشكر ذلك له النبي(صلی اللّه علیه واله) . قال أبو داود المازني : يوم ،بدر ، فقلت له : إن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قد نهى عن قتلك إن أعطيت بيدك، قال: وما تريد إليّ ! إنْ كان قد نهى عن قتلي، فقد كنت أبليتُه ذلك، فأما أن أعطي بيدي، فواللات والعزّى لقد علمت نسوة بمكة أني لا أعطي بيدي ، وقد عرفتُ أنك لا تدعني فافعل الذي تريد. فرماه أبو داود بسهم، وقال: اللهّم سهمك، وأبو البختري عبدك، فضعه في مقلته : وأبو البختري ،دارع، ففتق السهم الدرع فقتله .
قال الواقدي : ويقال إنّ المجذر بن زياد قتل أبا البختري ولا يعرفه، وقال المجذر في ذلك
شعراً عُرف منه أنه قاتله .
وفي رواية محمد بن إسحاق، أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) نهي يوم بدر عن قتل أبي البختري، واسمه الوليد بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى؛ لأنه كان أكف الناس عن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ،بمكّة كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان فيمن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، فلقيه المجدّر بن زياد البلوي حليف الأنصار، فقال
1) سورة الأنفال، الآية : 19
له : إن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) له نهانا عن قتلك، ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكّة يقال له جنادة بن مليحة، فقال أبو البختري :وزميلي؟ قال :المجذر واللّه ما نحن بتاركي زميلك، ما نهانا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و إلا عنك وحدك، قال : إذا واللّه لأموتن أنا وهو جميعاً، لا تتحدّث عني نساء أهل مكة أني تركت زميلي حرصاً على الحياة، فنازله المجذر، وارتجز أبو البختري فقال :
لن يُسلم ابن حرّة زميلة *** حتى يموت أو يرى سبيله
ثم اقتتلا، فقتله المجذّر، وجاء إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فأخبره ، وقال : والذي بعثك بالحق لقد جهدت أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلا القتال فقاتلته فقتلته.
قال الواقدي: ونهى النبي(صلی اللّه علیه واله) عن قتل الحارث بن عامر بن نوفل، وقال: انسروه ولا تقتلوه، وكان كارهاً للخروج إلى بدر، فلقيه خبيب بن يساف فقتله ولا يعرفه، فبلغ النبي اللّه (صلی اللّه علیه واله)ذلك ، فقال : لو وجدته قبل أن يقتل لتركته لنسائه. ونهى عن قتل زَمعة بن الأسود فقتله ثابت بن الجذع ولا يعرفه . قال الواقدي وارتجز عدي بن أبي الزغباء يوم بدر،فقال:
أنا عديّ والسحل *** أمشي بها مَشْيَ الفَحَلْ يعني درعه .
یعنی درعه فقال النبي(صلی اللّه علیه واله) :« مَنْ عديّ»؟ فقال رجل من القوم: أنا يا رسول اللّه، قال: وماذا؟ قال : ابن فلان قال لست أنت عديًّا، فقال عدي بن أبي الزغباء : أنا يا رسول اللّه عدي، قال : وماذا ؟ قال:«والسحل أمشي بها مشي الفَحَل»، قال النبي(صلی اللّه علیه واله) : وما السَّحَل ، قال : درعي ، فقال (صلی اللّه علیه واله) :«نعم العديّ، عدي بن أبي الزغباء» (1).
قال الواقدي : وكان عقبة بن أبي معيط قال بمكة حين هاجر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى المدينة : يا راكب الناقة القضواء هاجرنا *** عمّا قليل تراني راكبَ الْفَرَسِ
أعِلُ رُمْحِي فيكم ثم أُنْهِلُهُ *** والسَّيْف يأخذ منكم كل ملتبس
فبلغ قوله النبي(صلی اللّه علیه واله) ، فقال :«اللهّم اكتبه لمنخره واصرعه» (2)، فجمح به فرسه يوم بدر بعد أن ولّى الناس، فأخذه عبد اللّه بن سلمة العَجْلاني أسيراً، وأمر النبي(صلی اللّه علیه واله) عاصم بن أبي الأقلح، فضرب عنقه صَبراً قال الواقدي : وكان عبد الرحمن يحدّث يقول : إني لأجمع أدراعاً يوم بدر، بعد أن ولّى الناس، فإذا أمية بن خلف - وكان ليس صديقاً في الجاهليّة، وكان اسمي عبد عمرو، فلما جاء الإسلام تسمّيت عبد الرحمن، فكان يلقاني بمكة فيقول : يا عبدعمرو، فلا أجيبه، فيقول: أن
لا أقول لك عبد الرحمن، إنّ مسيلمة باليمامة تسمّى بالرحمن ،فأنا لا أدعوك إليه، فكان يدعوني عبد الإله ، فلما كان يوم بدر رأيته وكأنه جمل يُساق، ومعه ابنه علي، فناداني : يا عبد عمرو فأبيت أن أجيبه، فناداني يا عبد الإله فأجبته ، فقال: أما لكم حاجة في اللبن؟ نحن ير لك من أدرعك هذه فقلت: أمضيا فجعلت أسوقهما أمامي، وقد رأى أمية أنه قد أمن بعض الأمن، فقال لي :أميّة : رأيت رجلاً فيكم اليوم معلماً في صدره بريشة نعامة، من هو ؟ فقلت : حمزة بن عبد المطلب فقال : ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل ثم قال : فمن رَجُلٌ دحداح قصير معلم بعصابة حمراء؟ قلت : ذاك رجل من الأنصار ، يقال له : سماك بن خَرَشة ، قال : وبذاك أيضاً يا عبد الإله صرنا اليوم جَزَراً لكم ! قال : فبينا هو معي أزجيه أمامي، ومعه ابنه، إذ بصر به بلال وهو يعجن عجيناً له، فترك العجين، وجعل يفتِلُ يديه منه فتلاً ذريعاً، وهو ينادي: يا معشر الأنصار أمية بن خلف رأس الكفر ! لا نجوتُ إن نجوت - قال : لأنه كان يعذبه بمكة، فأقبلت الأنصار كأنهم عُوذُ حَنّت إلى أولادها، حتى طرحوا أمية على ظهره واضطجعت عليه أحميه منهم، فأقبل الخباب بن المنذر، فأدخل سيفه، فاقتطع أرنبة أنفه، فلما فقد أمية أنفه، قال لي : إيها عنك أي خل بيني وبينهم قال عبد الرحمن فذكرت قول حسان:
أو عن ذلك الأنف جادعُ
قال : ويقبل إليه خُبيب بن يساف فضربه حتى قتله، وقد كان أمية ضرب حبيب بن يساف حتى قطع يده من المنكب ، فأعادها النبي(صلی اللّه علیه واله) فالتحمت واستوت، فتزوج حبيب بن يساف بعد ذلك ابنة أمية بن خلف، قرأت تلك الضربة، فقالت : لا يشلّ اللّه يد رجل فعل هذا ! فقال خبيب وأنا واللّه قد أوردتُه شَعُوب، فكان خَبيب يحدّث يقول : فأضربه فوق العايق فأقطع عاتقه حتى بلغت ،مؤتزره وعليه الدرع وأنا أقول: خذها وأنا ابن يساف! وأخذت سلاحه ودرعه، وأقبل علي ابن أمية فتعرّض له الخبّاب فقطع رجله ، فصاح صيحة ما سمع مثلها قطّ، ولقيه عمّار فضربه ضربة فقتله. ويقال : إن عماراً لاقاه قبل ضربة الخبّاب، فاختلفا ضربات فقتله عمار والأولى أثبت أنه ضربه بعد أن قطعت رجله.
قال الواقدي: وقد سمعنا في قتل أمية غير ذلك، حدثني عُبيد بن يحيى، عن رفاعة، عن أبيه، قال: لمّا كان يوم بذر وأحدقنا بأمية بن خلف، وكان له فيهم شأن، رمحي، ومعه رمحه، قتطاعنا حتى سقطت أزجتها، ثم صرنا إلى السيفين فتضاربنا بهما حتى انثلما، ثم بصرت بفَتْق في درعه تحت إبطه، فحششت السيف فيه حتى قتلته، وخرج السيف عليه الودك .
قال الواقدي: وقد سمعنا وجهاً آخر : حدثني محمد بن قدامة بن موسى، عن أبيه، عن عائشة بنت قدامة، قالت قال صفوان بن أمية بن خلف يوماً : يا قُدَام - لقدامة بن مظعون -
أنت المشلي بأبي يوم بدر النّاس ! فقال قدامة : لا واللّه ما فعلت، ولو فعلت ما اعتذرت من قتل مشرك قال صفوان فمن يا قدام المشلي به يوم بدر؟ قال: رأيت فتية من الأنصار أقبلوا إليه،
. فيهم معمر بن حبيب بن عبيد الحارث، يرفع سيفه ويضعه فيه، فقال صفوان أبو قرد! وكان معمر رجلاً ،دميماً، فسمع بذلك الحارث بن حاطب، فغضب له، فدخل على أم صفوان فقال : ما يدَعُنا صفوان من الأذى في الجاهلية والإسلام! قالت وما ذاك؟ فأخبرها بمقالة صفوان لمعمر حين قال : أبو قرد! فقالت أمّ صفوان: ياصفوان أتنتقص معمر بن خبيب من أهل بذر! واللّه لا أقبل لك كرامة سنة . قال صفوان: يا أمّة لا أعود واللّه أبداً، تكلّمتُ بكلمة لم ألقِ لها بالاً .
قال الواقدي : وحدّثني محمد بن قدامة، عن أبيه، عن عائشة بنت قدامة، قالت: قيل لأم صفوان بن أمية - ونظرت إلى الخباب بن المنذر بمكّة: هذا الذي قطع رجُل علي بن أمية يومَ بذر، قالت: دعونا عن ذكر مَنْ قُتِل عَلَى الشِّرْك، قد أمان اللّه علياً بضربة الخبّاب بن المنذر، وأكرم اللّه الخبّاب بضربته علياً، ولقد كان على الإسلام حين خرج من هاهنا، فقتل على غيرذالک.
فأما محمد بن إسحاق، فإنه قال : قال عبد الرحمن بن عوف : أخذت بيد أمية بن خلف ويد ابنه علي بن أمية أسيرين يوم بدر، فبينا أنا أمشي بينهما ، رانا بلال - وكان أمية هو الذي يعذب بلالاً ،بمكّة يخرجه إلى رَمْضاء مكة إذا حمیت، فیضجعه على ظهره، ثم يأمره بالصخرة العظيمة فتوضع بحرارتها على صدره ويقول له : لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد فيقول بلال : أحدٌ أحدا لا يزيده عَلَى ذلك - فلمّا رآه صاح :رأس الكفر أمية بن خَلَف، لا نجوتُ إن نجوت قال عبد الرحمن : فقلت أي بلال أسيري ! فقال : لا نجوتُ إن نجا، فقلت: استمع يابن السوداء، قال: لانجوت إن نجا، ثم صرخ بأعلى صوته : يا أنصار اللّه، أمية بن خلف رأس الكفر ، لانجوتُ إن نجا، فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المُسكة، وأنا أذبّ عنه، ويحذف عمّار بن ياسر علياً ابنه بالسيف، فأصاب رجله، فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط ، فخليت عنه، وقلت : انج بنفسك ولا نجاء به! فواللّه ما أغني عنك شيئاً ، قال : فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما، قال : فكان عبد الرحمن بن عوف، يقول: رحم اللّه بلالاً أذهب أدرعي، وفجعني بأسيري !(1)
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 336/19 .
قال الواقدي : وكان الزبير بن العوام يحدث فيقول : لمّا كان يومئذ لقيتُ عبيدة بن سعيد بن العاص على فرس عليه لأمة كاملة لا يُرى منه إلا عيناه وهو يقول - وكانت له صبية صغيرة، يحملها وكان لها بطين وكانت مقسمة : أنا أبو ذات الكرش، أنا أبو ذات الكرش . قال : وفي يدي عنزة (1)فأطعن بها في عنيه ووقع، وأطؤه برجلي عَلَى خَده، حتى أخرجت العنزة متعققة (2)، وأخرجت حدقته، وأخذ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) تلك العَنَزة ، فكانت تجمل بين يديه ،ثم صارت تحمّل بين يدي أبي بكر وعمر وعثمان .
قال الواقدي: وأقبل عاصم بن أبي عوف بن صُبيرة السَّهمِي، لما جال الناس واختلطوا، وكأنه ذئب وهو يقول : يا معشر قريش، عليكم بالقاطع مفرق الجماعة، الآتي بما لا يعرف ،محمد ،لانجوتُ إن نجا! ويعترضه أبو دُجانة، فاختلفا ضربتين، ويضربه أبو دجانة فقتله، ووقف عَلَى سَلبه يسلبه فمرّ به عمر بن الخطاب، فقال : دع سلبه حتى يُجهض العدو، وأنا أشهد لك به.
قال الواقدي : ويقبل معبد بن وهب أحد بني عامر بن لؤي ،فضرب أبا دُجانة ضربة بَرَك منها أبو دُجانة كما يبرك الجمل، ثم انتهض، وأقبل على معبد، فضربه ضربات لم يصنع سيفه
شيئاً ، حتى يقع معبد بحفرة أمامه لا يراها ونزل أبو دُجانة عليه، فذيحه ذبحاً، وأخذ سلبه.
قال الواقدي ولما كان يومئذ، ورأت بنو مخزوم مقتل مَنْ قُتِل ، قالت : أبو الحكم ! لا يخلص إليه، فإن ابني ربيعة عجلاً وبطرا ولم تحام عنهما عشيرتهما. فاجتمعت بنو مخزوم، فأحدقوا به فجعلوه في مثل الحرجة، وأجمعوا أن يلبسوا لأمة أبي جهل رجلاً منهم. فألبسوها عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، فصمد له علي(علیه السلام) ، فقتله وهو يراه أبا جهل، ومضى عنه وهو يقول : أنا ابن عبد المطلب !ثم ألبسوها أبا قيس بن الفاكه بن المغيرة، فصمد حمزة وهو يراه أبا جهل فضربه فقتله وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب! ثم ألبسوها حَرْملة بن عمرو، فصمد له علي(علیه السلام) فقتله، ثم أرادوا أن يلبسوها خالد بن الأعلم، فأبى أن يلبسها، قال معاذ بن عمرو بن الجموح : فنظرت يومئذ إلى أبي جهل في مثل الحَرَجَة، وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فعرفت أنه هو فقلت واللّه لأموتن دونه اليوم أو لأخلصن إليه ، فصمدت ،له حتى إذا أمكنتني منه غرّة حملت عليه، فضربته ضربةً طرحت رجله من السّاق، فشبّهتها النّواة تنزو من تحت المراضخ، فأقبل ابنه عكرمة علي فضربني على عاتقي، فطرح يدي من العائق ، إلاّ أنه بقيت جلدة، فذهبت أسحب يدي بتلك الجلدة خلفي،
فلما آذتني وضعت عليها رجلي، ثم تمطيت عليها فقطعتها، ثم لاقيت عِكْرِمة وهو يلوذ كلّ ملاذ ولو كانَتْ يدي معي لرجوت يومئذٍ أن أصيبه. ومات معاذ في زمن عثمان.
قال الواقدي: فروي أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) نقل معاذ بن عمرو بن الجموح سيف أبي جهل، وأنه عند آل معاذ بن عمرو اليوم وبه ،فل، بعد أن أرسل النبي(صلی اللّه علیه واله) إلى عكرمة بن أبي جهل، يسأله : مَنْ قتل أباك ؟ قال : الذي قطعت يده، فدفع رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) سيفه إلى معاذ بن عمرو ؛ لأن عكرمة بن أبي جهل قطع يده يوم بدر. قال الواقدي: وما كان بنو المغيرة يشكون أن سيف أبي الحكم صار إلى مُعاذ بن عمرو بن الجموح، وأنه قاتله يوم بدر.
قال الواقدي: وقد سمعت في قتله وأخذ سَلَبه غير هذا ،حدّثني عبد الحميد بن جعفر، عن
، عمر بن الحكم بن ثوبان عن عبد الرحمن بن عوف قال عبّانا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بليل، فأصبحنا ونحن على صفوفنا، فإذا بغلامين، ليس منهما واحد إلا قد ربطت حمائل سيفه في عنقه لصغره، فالتفت إلي أحدهما ، فقال : يا عمّ أيهم أبو جهل ؟ قال : قلت: وما تصنع به یا ابن أخي ؟ قال : بلغني أنه يسبّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فحلفت : لئن رأيتُه لأقتلته أو لأموتن دونه . فأشرت إليه، فالتفت إلي الآخر، وقال لي مثل ذلك، فأشرت له إليه، وقلت له : من أنتما ؟ قالا : ابنا الحارث قال فجعلا لا يطوفان عن أبي جهل، حتى إذا كان القتال خَلَصا إليه
فقتلاه وقتلهما .
قال الواقدي: فحدثني محمد بن عوف عن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت، قال: لما كان يومئذ قال عبد الرحمن، ونظر إليهما عن يمينه وعن شماله : ليته كان إلى جنبي مَنْ هو أبدن من هذين الصبيين ! فلم أنشب أن التفت إلى عوف فقال: أيهم أبو جهل؟ فقلت : ذاك حيث ترى، فخرج يعدو إليه كأنه سَبع، ولحقه أخوه ، فأنا أنظر إليهم يضطربون بالسيوف، ثم نظرت إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يمرّ بهم في القتلى، وهما إلى جانب أبي جهل.
قال الواقدي: وحدثني محمد بن رفاعة بن ثعلبة قال : سمعت أبي ينكر ما يقول الناس في ابني عَفْراء من صغرهما، ويقول: كانا يوم بدر أصغرهما ابن خمس وثلاثين سنة، فهذا يربط حمائل سيفه ! قال الواقدي والقول الأول أثبت .
وروی محمد بن عمار بن ياسر عن ربيع بنت معوذ، قالت: دخلتُ في نسوة من الأنصار على أسماء أم أبي جهل في زمن عمر بن الخطاب، وكان ابنها عبد اللّه بن أبي ربيعة يبعث إليها بعطر من اليمن، فكانت تبيعه إلى الأعطية، فكنّا نشتري منها، فلما جعلت لي في قواريري، ووزنت لي كما وزنت لصواحبي، قال اكتبنّ لي عليكنّ حقي قلت نعم اكتب لها على الربيع بنت معوذ، فقالت : أسماء خلفي : وإنك لابنة قاتل سيدها فقلت: لا ولكن ابنة قاتل
عبده فقالت: واللّه لا أبيعك شيئاً أبداً، فقلت أنا واللّه لا أشتري منك أبداً، فواللّه ما هو بطيب ولا عَرْف ،واللّه يا بني ما شممت عطراً قط كان أطيب منه، ولكنّي يا بني غضبت . قال الواقدي : فلما وضعت الحرب أوزارها، أمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أن يلتمس أبو جهل ، قال ابن مسعود: فوجدته في آخر رمق، فوضعت رجلي على عنقه، فقلت: الحمد اللّه الذي أخزاك! قال : إنما أخزى الله العبد ابن أم عبدا لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعباً لمن الدبرة (1)؟ قلت الله ولرسوله، قال ابن مسعود فأقلع بيضته عن قفاه، وقلت: إني قاتلك : قال : لست بأوّل عبد قتل سيّده، أما إن أشدّ ما لقيتُه اليوم لقتلك إيَّاي، ألا يكون ولي قتلي رجلٌ من الأحلاف أو من المطيبين! قال فضربه عبد اللّه ضربةً وقع رأسه بين يديه، ثم سلبه وأقبل بسلاحه ودرعه وبيضته فوضعها بين يدي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال : أبشر يا نبي اللّه بقتل عدوّ اللّه أبي جهل! فقال رسول اللّه : «أحقّا يا عبد اللّه ! فوالذي نفسي بيده لهو أحب إلي من حمر النعم»(2)! أو كما قال . ثم قال : إنه أصابه جَخش من دفع دفعته في مأدبة ابن جدعان، نجحشت ركبته فالتمسوه؟ فوجدوا ذلك الأثر .
قال الواقدي: وروي أن أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي كان عند النبي(صلی اللّه علیه واله) تلك الساعة، فوجد في نفسه ،وأقبل على ابن مسعود، وقال : أنت قتلته؟ قال: نعم اللّه قتله! قال أبوسلمة : أنت وليت قتله ؟ قال : نعم ، قال : لو شاء لجعلك في كُمّه ! فقال ابن مسعود : فقد واللّه قتلتُه ،وجردتُه ، فقال أبوسلمة فما علامته ؟ قال : شامة سوداء ببطن فخذه اليمني، فعرف أبو سلمة النَّعْت ، فقال : أجردته، ولم يجرد قرشي غيره ! فقال ابن مسعود : إنه واللّه لم يكن في قريش ولا في حلفائها أحد أعدّى اللّه ولا لرسوله منه، وما أعتذر من شيء صنعته به . فأمسك أبو سلمة .
قال الواقدي : سُمع أبو سلمة بعد ذلك يستغفر اللّه من كلامه في أبي جهل، وقال: اللهّم
إنك قد أنجزت ما وعدتني، فتمّم علي نعمتك . قال : وكان عبد اللّه فتمّم عليّ نعمتك. قال : وكان عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، يقول: سيف أبي جهل عندنا محلّى بفضة غنمه عبد اللّه بن مسعود يومئذ.
قال الواقدي: اجتمع قولُ أصحابنا أن معاذ بن عمرو وابني عفراء أثبتوه، وضرب بن مسعود عنقه في آخر رمق، فكلّ شرَك في قتله.
قال الواقدي: وقد روي أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و وقف على مصرع ابني عفراء، فقال: «يرحم ابني عَفْراء، فإنهما قد شركا في قتل فرعون هذه الأمة» (3)، ورأس أئمة الكفر، فقيل : يا
رسول اللّه ومَنْ قتله معهما ؟ قال : الملائكة، وذفّف عليه ابن مسعود ،فكان قد شرك في قتله . قال الواقدي: وحدّثني معمر، عن الزهري، قال : قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم بدر: «اللهّم اكفني نوفل بن العدوّية». وهو نوفل بن خويلد، من بني أسد بن عبد العزى - وأقبل نوفل يومئذ يصيحُ وهو مرعوب، قد رأى قتل أصحابه، وكان في أوّل ما التقوا هم والمسلمون، يصيح بصوت له زَجَل، رافعاً عقيرته: يا معشر قريش، إن هذا اليوم يوم العلاء والرقعة. فلما رأى قريشاً قد انكشفت جعل يصيح بالأنصار : ما حاجتكم إلى دمائنا ؟ أما ترون مَنْ تقتلون؟ أما لكم اللبن من حاجة! فأسره جَبّار بن صخر فهو يسوقه أمامه، فجعل نوفل يقول لجبّار، ورأى عليا(علیه السلام) مقبلاً، نحوه :يا أخا الأنصار، مَنْ هذا واللات والعزى! إنّي لأرى رجلاً، إنه ليريدني قال جبار : هذا علي بن أبي طالب، قال :نوفل تاللّه ما رأيتُ كاليوم رجلاً أسرع في قومه فصمد له علي(علیه السلام)، فيضربه فينشب سيف عليّ في حَجَفته ساعة، ثم ينزعه فيضرب به ساقيه، ودرعه مشتمرة، فيقطعها، ثم أجهز عليه فقتله، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه اله) :«مَنْ له علم بنوفل بن خویلد ؟» قال علي(علیه السلام) : أنا قتلته، فكبّر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وقال: «الحمد للّه الذي أجاب دعوتي فيه» (1).
قال الواقدي : وأقبل العاص بن سعيد بن العاص يبحث للقتال، فالتقى هو وعلي (علیه السلام) وقتله عليّ، فكان عمر بن الخطاب يقول لابنه سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص : ما لي أراك معرضاً، تظن أني قتلت أباك ! فقال سعيد: لو قتلته لكان على الباطل وكنتَ على الحقّ ، قال :
عمر : إنّ قريشاً أعظم الناس أحلاماً ، وأكثرها أمانة لا يبغيهم أحد الغوائل إلاّ كبّه اللّه لفيه .
قال الواقدي: وروي أن عمر قال لسعيد بن العاص : ما لي أراك معرضاً كأني قتلت أباك يوم
بدر، وإن كنت لا أعتذر من قتل مشرك، لقد قتلت خالي بيدي العاص بن هاشم بن المغيرة. ***
ونقلت من غير كتاب الواقدي أنّ عثمان بن عفان وسعيد بن العاص حضرا عند عمر في أيام خلافته، فجلس سعيد بن العاص حجرة فنظر إليه عمر، فقال: ما لي أراك مُعَرِضاً كأني قتلت أباك ! إني لم أقتله، ولكنه قتله أبو حسن !وكان علي(علیه السلام) حاضراً ، فقال : اللهّم غَفْراً ! ذهب الشِّرْك بما فيه، ومحا الإسلام ما قبله، فلماذا تهاجُ القلوب !فسكت عمر، وقال سعيد : لقد
ا قتله كف، كريم، وهو أحب إلي من أن يقتله من ليس من بني عبد مناف.
قال الواقدي وكان علي(علیه السلام) يحدّث، فيقول : إنّي يومئذٍ بعد ما متّع النهار، ونحن
1) أخرج بمعناه أحمد عن عبد الله بن مسعود مسند المكثرين من الصحابة، باب : مسند عبد مسعود (3846).
والمشركون قد اختلطت صفوفنا وصفوفهم، خرجت في إثر رجل منهم، فإذا رجل من المشركين على كثيب رمل وسعد بن خيثمة، وهما يقتتلان حتى قتل المشرك سعد بن خيثمة، والمشرك مقنّع في الحديد وكان فارساً، فاقتحم عن فرسه فعرفني وهو معلم، فناداني: هلم يا بن أبي طالب إلى البراز! فعطفت إلى البراز، فعطفت عليه ، فانحط إلي مقبلاً، وكنت رجلاً قصيراً، فانحططت راجعاً لكي ينزل إلي كرهت أن يعلوني، فقال: يابن أبي طالب فررت فقلت: قريباً مفرّ ابن الشتراء فلما استقرت قدماي وثبت أقبل فاتقيتُ فلما دنا مني ضربني بالدَّرقة، فوقع سيفه ، فلجج (1)فأضربه على عاتقه وهو دارع، فارتعش، ولقد قط سيفي درعه، فظننت أن سيفي سيقتله، فإذا بريق سيف من ورائي، فطأطأت رأسي، ويقع السيف فأطن يخف رأسه بالبيضة وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب، فالتفت من ورائي، فإذا هو حمزة عمي، والمقتول للحيمة بن عدي.
قلت : في رواية محمد بن إسحاق بن يسار أن طعيمة بن عدي. قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، ثم قال : وقيل : قتله حمزة. وفي رواية الشيعة قتله علي بن أبي طالب شَجَره بالرمح، فقال له : واللّه لا تخاصمنا في اللّه بعد اليوم أبداً، وهكذا روى محمد بن إسحاق .
وروى محمد بن إسحاق قال: وخرج النبي(صلی اللّه علیه واله) من العريش إلى الناس منظر القتال، فحرّض المسلمين وقال:«كلّ امرىء بما أصاب» ، وقال :« والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل في جملة، فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، إلّا أدخله اللّه الجنة» (2). فقال عُمير بن الحمام أخو بني سَلِمة، وفي يده تَمَرَات يأكلهن : بخ بخ ! فما بيني وبين أن أدخل الجنّة إلّا أن يَقْتُلَني هؤلاء! ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل .
قال محمد بن إسحاق : وحدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة أن عوف بن الحارث - وهو ابن عفراء - قال لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم بدر يا رسول اللّه، ما يُضحِكُ الرّب من عبده؟ غمسه يده في العدوّ حاسرا (3). فنزع عوف درعاً كانت عليه وقذفها ،ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل . قال الواقدي وابن إسحاق : وأخذ رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)كفا من البطحاء فرماهم بها، وقال: شاهت الوجوه! اللهّم أرعب قلوبهم، وزلزل أقدامهم (4). فانهزم المشركون لا يلوون على شيء، والمسلمون يتبعونهم يقتلون ويأسرون.
قال الواقدي : وكان هبيرة بن أبي وهب المخزومي لما رأى الهزيمة انخزل ظهره فعقر ، فلم يستطيع أن يقوم فأتاه أبو أسامة الجشمي حليفه، ففتق درعه واحتمله - ويقال : ضربه أبو داود المازني بالسيف فقطع درعه، ووقع لوجهه وأخلد إلى الأرض، وجاوزه أبو داود وبصر به ابنا زهير الجشميان مالك، وأبو أسامة، وهما حليفاه فذبًا عنه حتى نجوا به، واحتمله أبو أسامة ومالك يذب عنه حتى خلّصاه. فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : احماء كلباء الحليفان (1).
قال الواقدي : وحدّثني عمر بن عثمان عن عُكاشة بن محصن ، قال : انقطع سيفي يوم بدر، فأعطاني رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عوداً ، فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى هزم اللّه المشركين، ولم يزل ذلك السيف عند عكاشة هلك .
قال : وقد روى رجال من بني عبد الأشهل عدّة، قالوا: انكسر سيف سلمة بن أسلم بن ريش يوم بدر، فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قضيباً كان في يده من عراجين ابن طالب ،فقال: اضرب به، فإذا هو سيف جيّد،فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسرعبيد.
قال الواقدي: وأصاب حارثة بن سُراقة، وهو يكرع في الحوض سهم غَرَبٌ من المشركين فوقع في نحره، فمات، فلقد شرب القوم آخر النهار من دمه ،وبلغ أمه وأخته - وهما بالمدينة ، مقتله - فقالت أمه : واللّه لا أبكي عليه حتى يقدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) فأسأله، فإن كان في الجنّة لم أبك عليه، وإن كان في النار بكيته لعمرُ اللّه فأعولتُه !فلما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) من بذر جاءت أمه إليه، فقالت: يا رسول اللّه قد عرفت موضع حارثة في قلبي، فأردت أن أبكي عليه ،ثم قلت: لا أفعل حتى أسأل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)عنه، فإن كان في الجنّة لم أبكه، وإن كان في النار بكيتُه فأعولته ! فقال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«هبلت : أجنّة واحدة إنها جنان كثيرة، والذي نفسي بيده إنه لفي الفردوس الأعلى» (2)، قالت : فلا أبكي عليه أبداً .
قال الواقدي: ودعا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حينئذ بماء في إناء ، فغمس يده فيهومضمض فاه، ثم ناول أم حارثة بن سراقة، فشربت ثم ناولت ابنتها فشربت ثم أمرهما فنضحتا في جيوبهما، ثم رجعنا من عند النبي(صلی اللّه علیه واله) ، وما بالمدينة امرأتان أقرّ عيناً منهما ولا أسرّ .
قال الواقدي: وكان حكيم بن حزام يقول : انهزمنا يوم بدر، فجعلت أسعى وأقول : قاتل اللّه ابن الحنظلية ! يزعم أن النهار قد ذهب ،واللّه إن النهار لكما هو، قال حكيم: وما ذا
حبّا أن يأتي الليلُ فيقصرعنا طلب القوم، فيدرك حكيم عبيد اللّه وعبد الرحمن بني العوام على جمل لهما، فقال عبد الرحمن لأخيه : انزل فاحمل أبا خالد وكان عُبيد اللّه رجلاً أعرج، لا رُجُلة ،به فقال عبيد الله : إنه لا رُجُلة بي كما ترى، وقال عبد الرحمن: واللّه أن منه لا بدّ، ألا نحمل ،رجلاً، إن متنا كفانا ما خلّفنا من عيالنا، وإن عشنا حملنا كلنا !فنزل عبد الرحمن وأخوه الأعرج، فحملاه ،فكانوا يتعاقبون الجمل، فلما دنا من مكة وكان بمر الظهران ، قال : واللّه لقد رأيتُ هاهنا أمراً ما كان يخرج على مثله أحد له رأي، ولكنه شؤوم ابن الحنظلية إن جزورا نحرت هاهنا فلم يبق خباء إلا أصابه من دمها . فقالا : قد رأينا ذلك، ولكن رأيناك وقومك قد مضيتم فمضينا معكم، ولم يكن لنا معكم أمر.
قال الواقدي : فحدّثني عبد الرحمن بن الحارث عن مخلد بن خفاف، عن أبيه، قال: كانت الدّروع في قريش كثيرة يومئذٍ ، فلما انهزموا جعلوا يلقونها، وجعل المسلمون يتبعونهم ويلقطون ما طرحوا، ولقد رأيتني يومئذ التقطت ثلاث أدرع جئت بها أهلي، فكانت عندنا بعد، فزعم لي رجل من قريش - ورأى دِرْعاً منها عندنا فعرفها - قال : هذه درع الحارث بن هشام.
قال الواقدي: وحدّثني محمد بن حميد، عن عبد اللّه بن عمرو بن أميّة، قال: أخبرني من
انكشف من قريش يومئذٍ منهزماً، وإنه ليقول في نفسه، ما رأيتُ مثل هذا فرّ منه إلاّ النساء!
قال الواقدي: كان قَباث بن أشيم الكناني يقول : شهدت مع المشركين بدراً، وإني لأنظر
إلى قلة أصحاب محمد في عيني، وكثرة مَنْ معنا من الخيل والرّجُل، فانهزمت فيمن انهزم ،فلقد رأيتني وإنّي لأنظر إلى المشركين في كل وجه، وإني لأقول في نفسي: ما رأيت مثل هذا الأمر فرّ منه إلا النساء! وصاحبني ،رجل، فبينا هو يسير معي إذا لحقنا إذا لحقنا من خلفنا، فقلت لصاحبي أيك نهوض؟ قال: لا واللّه ما بي! قال وعُقر وترفعت، فلقد صبحت غَيْقَة - قال :
: وغَيْقة عن يسار السّقيا بينها وبين الفرع ليلة وبين الفرع والمدينة ثمانية بُرد - قبل الشمس، كنت هادياً بالطريق، ولم أسلك المحاجّ، وخفت من الطلب فتنكبّت عنها، فلقيني رجل من قومي بغيقة، فقال: ما وراءك؟ قلت : لا شيء؟ قُتِلْنَا وأسرنا وانهزمنا، فهل عندك من حملان؟ قال : فحملني على بعير، وزوّدني زاداً، حتى لقيت الطريق بالجُحفة، ثم مضيت حتى دخلت مكة، وإني لأنظر إلى الحيسمان بن حابس الخُزاعي بالغَمِيم، فعرفت أنه تقدم ينعي قريشاً بمكة، فلو أردت أن أسبقه ،لسبقته، فتنكبت عنه حتى سبقني ببعض النهار، فقدمت وقد انتهى إلى مكة خبر قتلاهم، وهم يلعنون الخُزاعي، ويقولون ما جاءنا بخير! فمكثت بمكة، فلما كان بعد الخندق، قلت: لو قدمت المدينة، فنظرت ما يقول محمد! وقد وقع في قلبي الإسلام، فقدمت المدينة، فسألت عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ، فقالوا : هو ذاك في ظل المسجد مع ملأ من أصحابه، فأتيته وأنا لا أعرفه من بينهم، فسلّمت فقال : يا قباث بن أشيم أنت القائل يوم بدر :«ما رأيت
مثل هذا الأمر فرّ منه إلا النساء! قلت: أشهد أنّك رسول اللّه، وأن هذا الأمر ما خرج منّي إلى أحد قطّ وما ترمرمت به إلا شيئاً حدّثت به نفسي ،فلولا أنك نبّي ما أطلعك اللّه عليه، هلم حتى
أبايعك فأسلمت (1).
قال الواقدي: وقد روي أنه لما توجّه المشركون إلى بدر كان فتيان ممن تخلف عنهم بمكة سمّاراً يسمرون بذي طوّى في القمر حتى يذهب الليل، يتناشدون الأشعار ويتحدّثون فبينا هم كذلك إذ سمعوا صوتاً قريباً منهم ولا يرون القائل، رافعاً صوته يتغنّى :
أزاد الحنيفيون بدراً مصيبة *** سينقض منها ركنُ كِسْرى وقَيْصَرَا
أرنّت لها صُمّ الجبال وأفزعت *** قبائل ما بين الوَثِير فخيبرا
أجازت جبال الأخشبين وجُردت*** حرائر يضربن التراثبَ حُسَرا
قال الواقدي: أنشدنيه ورواه لي عبد اللّه بن أبي عبيدة عن محمد بن عمّار بن ياسر قال :فاستمعوا الصّوت، فلا يرون أحداً ، فخرجوا في طلبه، فلم يروا أحداً، فخرجوا فزعين حتى جازوا الحِجر، فوجدوا مشيخة منهم جلّةً سمارًا ، فأخبروهم الخبر، فقالوا لهم : إن كان ما تقولون، فإنّ محمداً وأصحابه يسمون الحنيفية . قال : فلم يبق أحدٌ من الفتيان الذين كانوا بذي طوّى إلا وَعِك فما مكثوا إلا ليلتين أو ثلاثاً، حتى قدم الحيسمان الخزاعي بخبر أهل بَدْر، ومن قتل منهم، فجعل يخبرهم فيقول : قتل عُتبة وشَيْبة ابنا ربيعة، وقتل ابنا الحجاج وأبو البختري وزمعة بن الأسود - قال : وصفوان بن أمية في الحِجر جالس يقول : لا يعقل هذا شيئاً مما يتكلّم به اسلوه عنّي، فقالوا : صفوان بن أمية لك به علم؟ قال: نعم، هو ذاك في الحجر، ولقد رأيت أباه وأخاه ،مقتولين ورأيت سهيل بن عمرو والنضر بن الحارث أسيرین، رأيتهما مقرونّين في الحبال.
قال الواقدي: وبلغ النجاشي مقتل قريش وما ظفّر اللّه به رسوله، فخرج في ثوبين أبيضين، ثم جلس على الأرض، ودعا جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فقال: أيكم يعرف بدراً؟ فأخبروه، فقال: أنا عارف بها قد رعيتُ الغنم في جوانبها ،هي من الساحل على بعض نهار ، ولكني أردتُ أن أتثبت منكم ، قد نصر اللّه رسوله ببدر، فاحمدوا اللّه على ذلك. فقال بطارقته : أصلح اللّه الملك ! إن هذا شيء لم تكن تصنعه، يريدون لبس البياض والجلوس على الأرض، فقال : إن عيسى ابن مريم كان إذا حدثت له نعمة ازداد بها تواضعاً .
قال الواقدي : فلمّا رجعت قريش إلى مكة، قام فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال: يا معشر قريش ،لا تبكوا على قتلاكم ولا تنخ عليهم نائحة، ولا يندبهم شاعر، وأظهروا الجلد و
1) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (287/8)، والطبراني في (الكبير) (72).
والعَزَاء، فإنكم إذا نُختم عليهم وبكيتموهم بالشّعر أذهب ذلك غيظكم فأكلّكُم ذلك عن عداوة محمد وأصحابه، مع أن محمداً إن بلغه وأصحابه ذلك شمتوا بكم، فتكون أعظم المصيّبتين، ولعلّكم تدركون تأركم ، فالدّهن والنساء عليّ حرام حتى أغزو محمداً. فمكنت قريش شهراً لا يبكيهم ،شاعر، ولا تنوح عليهم نائحة
قال الواقدي: وكان الأسود بن المطلب قد ذهب بصره، وقد كَمِد على مَنْ قتل من ولده،
وكان يحبّ أن يبكي عليهم فتأبى عليه قريش ذلك، فكان يقول لغلامه بين اليومين ويلك احمل معي خمراً، واسلك لي الفج الذي سلكه أبو حكيمة - يعني زمعة ولده المقتول ببدر- فيأتي به غلامه على الطريق عند ذلك الفج فيجلس ،فيسقيه الخمر حتى ينتشي ، ثم يبكي على أبي حكيمة وإخوته ، ثم يحثي التراب على رأسه، ويقول لغلامه : ويحك ! اكتم عليّ، فإني أكره أن تعلم بي قريش، إني أراها لم تجمع البكاء على قتلاها .
قال الواقدي : حدثني مصعب بن ثابت عن عيسى بن معمر عن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير، عائشة قالت : قالت قريش حين رجعوا إلى مكة: لا تبكُوا على قتلاكم، فيبلغ محمداً
وأصحابه فيشمتوا بكم ولا تبعثوا في أسراكم ،فيارب بكم القوم، ألا فأمسكوا عن البكاء. قال : وكان الأسود بن المطلب أصيب له ثلاثة من ولده، زمعة وعُقيل والحارث بن زمعة، فكان يحبّ أن يبكي على قتلاه فبينا هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلامه - وقد ذهب بصره - انظر هل بكت قريش على قتلاها لعلّى أبكي على أبي حكيمة - يعني زمعة - فإن جوفي قد احترق، فذهب الغلام ورجع إليه ، فقال : إنّما هي امرأة تبكي على بعيرها قد أضلّته، فقال الأسود:
تبكي أن يضلّ لها بعير *** ويمنعها من النوم السهودُ
فلاتبكي على بَكْرٍ ولكن ***على بَكْرِ تصاغرت الخدود
فبكي إن بكيت على عقيل*** وبكى حارثاً أسد الأسود
وبكيهم ولا تَسمِي جميعاً *** فما لأبي حكيمةً من نَدِيدِ
علی بدر سراة بني مُصيص *** ومخزوم ورهط ابي الولید
الأقد ساد بعدهُم رجال *** ولولا يوم بدر لم يسودُوا
قال الواقدي: ومشت نساء من قريش إلى هند بنت عتبة، فقلن : ألا تبكين عَلَى أبيك وأخيك وعمّك وأهل بيتك! فقالت : حَلاني (1)أن أبكيهم، فيبلغ محمداً وأصحابه فيشمتوا بنا ونساء بني الخزرج لا واللّه حتى أثار محمداً وأصحابه، والدّهن عليّ حرام إن دخل رأسي
1) حبسني ومنعني اللسان، مادة (حلا).
حتي نغزو محمداً ! واللّه لو أعلم أن الحزن يذهب عن قلبي لبكيتُ، ولكن لا يذهبه إلا أن أرى ثأري بعيني من قتلة الأحبّة، فمكثت على حالها لا تقرب الدّهن ،ولا قربت فراش أبي سفيان
من يوم حلفت حتى كانت وقعة أحد .
قال الواقدي: وبلغ نوفل بن معاوية الدّيلي وهو في أهله - وقد كان شهد معهم بدراً - أنّ قريشاً بكث على قتلاها، فقدم مكة ،فقال: يا معشر قريش ،لقد خفت أحلامكم، وسفه رأيكم، وأطعتم نساءكم، أمثل قتلاكم يبكي عليهم! هم أجلّ من البكاء، مع أن ذلك يذهب غيظكم عن عداوة محمد وأصحابه، فلا ينبغي أن يذهب الغيظ عنكم، إلا أن تدركوا تاركم من عدوّكم . فسمع أبو سفيان بن حرب كلامه، فقال يا أبا معاوية، غلبت ،واللّه ما ناحت امرأة من بني عبد شمس على قتيل لها إلى اليوم ،ولا بكاهم شاعر إلا نهيته حتى ندرك ثأرنا من محمد وأصحابه، وإني لأنا الموتور الثائر، قتل ابني حنظلة، وسادة أهل هذا الوادي ،أصبح هذا الوادي مقشعرًا لفقدهم !
قال الواقدي: وحدّثني معاذ بن محمد الأنصاري، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال : لما رجع المشركون إلى مكّة، وقد قتل صناديدهم وأشرافهم، أقبل عمير بن وهب بن عمير الجُمحي حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحِجر، فقال صفوان بن أمية : قبح العيش بعد قتلى بدر! قال عمير بن وهب أجل ،واللّه ما في العيش بعدهم خير، ولولا دين علي لا أجد له قضاء، وعيال لا أدع لهم شيئاً ، لرحلتُ إلى محمد حتى أقتله إن ملأت عيني منه، فإنه بلغني أنه يطوف في الأسواق، فإنّ لي عندهم علّة، أقول : قدمت على ابني هذا الأسير. ففرح صفوان بقوله، وقال يا أبا أمية وهل نراك فاعلاً؟ قال : إي وربّ هذه البنية! قال صفوان فعلي دينك، وعيالك أسوة عيالي فأنت تعلم أنه ليس بمكة رجل أشدّ توسعاً على عياله منّي . قال عمير : قد عرفت ذلك يا أبا وهب قال صفوان : فإِنّ عيالك مع عيالي، لا يسعني شيء ونعجز عنهم، ودينك علي . فحمله صفوان على بعيره وجهزه وأجرى على عياله مثل ما يجري على عيال نفسه وأمر عمير بسيفه فشحذ وسم، ثم خرج إلى المدينة، وقال الصفوان : اكتم عليّ أياماً حتى أقدمها، وخرج فلم يذكره صفوان .
وقدم عُمير، فنزل على باب المسجد، وعَقَل راحلته، وأخذ السيف فتقلّده، ثم عمد نحو رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وعمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدّثون، ويذكرون نعمة اللّه عليهم في بَدْر ، فرأى عميراً وعليه السّيف، ففزع عمر منه ،وقال لأصحابه : دونكم الكلب! هذا عمير بن وهب عدوّ اللّه الذي حَرّش بيننا يوم بدر، وحزرنا للقوم ، وصعّد فينا وصوّب ،يخبر ع قريشاً أنه لا عدد لنا ولا كمين فقاموا إليه فأخذوه، فانطلق عمر إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال : يا رسول اللّه، هذا عمير بن وهب، قد دخل المسجد ومعه السّلاح، وهو الغادر الخبيث الذي
لايؤمن على شيء، فقال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«أدخله عليّ»، فخرج عمر فأخذ بحمائل سيفه، فقبض بيده عليها، وأخذ بيده الأخرى قائم السيف، ثم أدخله عَلَى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فلما رآه ، قال : يا ،عمر تأخر عنه، فلما دنا عمير إلى النبّي(صلی اللّه علیه واله) قال : أنعم صباحاً ، فقال له النبّي (صلى اللّه عليه واله) :«قد أكرمنا اللّه عن تحيّتك وجعل تحيتنا السلام وهي تحيّة أهل الجنة».
قال عمير : إن عهدك بها لحديث، فقال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«قد أبدلنا اللّه خيراً، فما أقدمك يا عمير؟ قال: قدمت في أسيري عندكم تفادونه وتقاربوننا فيه، فإنّكم العشيرة، والأصل! قال : النبي (صلی اللّه علیه واله): «فما بال السيف» ! قال عمير: قبحها اللّه من سيوف! وهل أغنت من شيء! إنما نسيته حين نزلت وهو في رقبتي، ولعمري إنّ لي لهما غيره، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) :«اصدق يا عمير، ما الذي أقدمك»؟ قال: ما قدمت إلا في أسيري ، قال : «فما شرطت لصفوان بن أميّة في الحِجْر»؟ ففزع عمير،وقال: ماذا شرطتُ له؟ قال : تحمّلْتَ بقتلي، على أن يقضي دينك، ويعول عيالك ،واللّه حائل بينك وبين ذلك ! قال عمير: أشهد أنك صادق، وأشهد أن لا إله إلا اللّه ، كنا يا رسول اللّه نكذّبك بالوحي، وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان كما قلت لم يطلع عليه غيره ،وغيري وقد أمرتُه أن يكتمه ليالي، فأطلعك اللّه عليه فآمنت باللّه ورسوله، وشهدت أن ما جئتَ به حق. الحمد اللّه الذي ساقني هذا المساق!
وفرح المسلمون حين هداه اللّه ، وقال عمر بن الخطاب: لخنزير كان أحب إلي منه حين طلع، وهو الساعة أحبّ إليّ من بعض ولدي. وقال النبي (صلى اللّه عليه واله) : «علموا أخاكم القرآن، وأطلقوا له أسيره» (1)، فقال عمیر: یا رسول اللّه، إني كنت جاهداً على إطفاء نور اللّه، فله الحمد أن هداني، فأذن لي فألحق قريشاً فأدعوهم إلى اللّه وإلى الإسلام، فلعل اللّه يهديهم ويستنقذهم من الهلكة، فأذن له فخرج ،فلحق بمكة. وكان صفوان يسأل عن عمير بن وهب كل راكب يقدم من المدينة، يقول : هل حدث بالمدينة من حدث؟ ويقول لقريش: أبشروا بوقعة تنسيكم وقعة ،بدر فقدم رجل من المدينة، فسأله صفوان عن عمير، فقال: أسلم، فلعنه صفوان ولعنه المشركون بمكة، وقالوا : صَباً عمير، وحلف صفوان ألا يكلمه أبداً ولا ينفعه ،وطرح عياله. وقدم عمير، فنزل في أهله، ولم يأتِ ،صفوان، وأظهر الإسلام، فبلغ صفوان. فقال: قد عرفت حين لم يبدأ بي قبل منزله، وقد كان رجل أخبرني أنه ارتكس ،لا أكلمه من رأسي أبداً، ولا أنفعه ولا عياله بنافعة أبداً، فوقع عليه عُمير وهو في الحِجر فقال: يا أبا وهب. فأعرض صفوان عنه، فقال عمير : أنت سيّد من ساداتنا، أرأيت الذي كنا عليه من عبادة حَجَر، والذبح .
1) أخرجه الطبراني في (الكبير) (117) ، والأصبهاني في (دلائل النبوة» (141/1).
له! أهذا دين أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً عبده ورسوله. فلم يجبه صفوان بكلمة، وأسلم مع عمير بشر كثير .
قال الواقدي: وكان فِتْيةٌ من قريش خمسة قد أسلموا، فاحتبسهم آباؤهم، فخرجوا مع أهلهم وقومهم إلى بدر وهم على الشكّ والارتياب، لم يخلصوا إسلامهم، وهم : قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن زمعة بن الأسود، وعلي بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، فلما قدموا بدراً ورأوا قلّة أصحاب النبّي(صلی اللّه علیه واله) قالوا : غرّ هؤلاء دينهم، ففيهم أنزل: إِذْ يَقُولُ الْمُتَنفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَ هَؤُلاءدِینِهِم(1)، ثم أنزل فيهم : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي دينهم؟ الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَامِعَةً فَتُهَا جِرُوا فِيهَا) (2)إلى تمام ثلاث آيات .)قال :فكتب بها المهاجرون بالمدينة إلى من أقام بمكة مسلماً، فقال جندب بن ضمرة الخزاعي: : لا عذر لي ولا حجّة في مقامي بمكّة - وكان مريضاً - فقال لأهله : أخرجوني ،لعلي أجد رَوْحاً! قالوا أي وجه أحبّ إليك ؟ قال : نعم التنعيم ! فخرجوا به إلى التنعيم، وبين التنعيم ومكة أربعة أميال من طريق المدينة - فقال : اللهّم إني خرجت إليك مهاجراً، فأنزل اللّه تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِي (3)الآية، فلما رأى ذلك مَنْ كان بمكّة مِمّن يطيق الخروج، خرجوا فطلبهم أبو سفيان في رجال من المشركين، فردوهم وسجنوهم، فافتتن منهم ناس، وكان الذين افتتنوا إنّما افتتنوا حين أصابهم البلاء فأنزل اللّه تعالى فيهم : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُودَى فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللّه) (4)الآية وما بعدها . فكتب بها المهاجرون بالمدينة إلى مَنْ كان بمكة مسلماً ، فلما جاءهم الكتاب بما أنزل فيهم قالوا : اللهّم إنّ لك علينا إن أفلتنا ألا نعدل بك أحداً، فخرجوا الثانية، فطلبهم أبو سفيان والمشركون فأعجزوهم هرباً في الجبال حتى قدموا المدينة، واشتدّ البلاء على مَنْ ردُّوا من المسلمين، فضربوهم وآذوهم وأكرهوهم على ترك الإسلام، ورجع ابن أبي سَرْح مشركاً، فقال لقريش : ما كان يعلّم محمداً إلا ابن قمطة عبد نصراني، لقد كنت أكتب له فأحوّل ما أردت، فأنزل الله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرُ (5)الآية. اختلف المسلمون في ذلك، فقال الجمهور منهم:نزلت الملائكة حقيقة، كما ينزل الحيوان والحجر من الموضع العالي إلى الموضع السافل .)
وقال قوم من أصحاب المعاني غير ذلك .واختلف أرباب القول الأوّل، فقال الأكثرون نزلت وحاربت وقال قوم منهم : نزلت ولم تحارب، وروى كلّ قومٍ في نُضرة قولهم روايات.فقال الواقدي في كتاب «المغازي»: حدثني عمر بن عُقبة، عن شعبة مولى ابن عباس :قال: سمعت ابن عباس يقول : لما تواقف النّاس أغْمِيَ على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله ساعة، ثم كشف عنه فبشر المؤمنين بجبرائيل في جُند من الملائكة في ميمنة الناس، وبمكائيل في جند آخر في ميسرة الناس، وإسرافيل في جند آخر في ألف ،وكان إبليس قد تصور للمشركين في صورة سراقة بن جعشم المدلجي، يذمر المشركين، ويخبرهم أنه لا غالب لهم من الناس، فلما أبصر عدوّ اللّه الملائكة نكص على عقبيه، وقال:( إني بَرِئَةٌ مِنكُمْ إِن أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ) (1)، فتشّبث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنه سُراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث، فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتى وقع في البحر، ورفع يديه قائلا : يا ربّ موعدك الذي وعدتني ! وأقبل أبو جهل على أصحابه يحضّهم على القتال وقال : لا يغرنكم خذلان سراقة بن جعشم إيّاكم، فإنما كان على ميعاد من محمد وأصحابه، سيعلم إذا رجعنا إلى قديد ما نصنع بقومه ولا يهولتكم مقتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم عجلوا وبطروا حين قاتلوا وايم اللّه لا نرجع اليوم حتى نقرن محمداً وأصحابه في الحبال، فلا ألفين أحداً منكم قتل منهم أحداً، ولكن خذوهم أخذا نعرفهم بالذي صنعوا لمفارقتهم دينكم ورغبتهم عما كان يعبد آباؤهم. قال الواقدي : وحدّثني عُتبة بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، قال: إن كنا النسمع لإبليس يومئذٍ خُواراً ودعاء بالثبور والويل، وتصوّر في صورة سراقة بن جعشم حتى هرب، فاقتحم البحر، ورفع يديه ماذا لهما ،يقول: يا رب ما وعدتني ! ولقد كانت قريش بعد ذلك تعيّر سراقة بما صنع يومئذٍ، فيقول : واللّه ما صنعت شيئاً !
قال الواقدي: فحدثني أبو إسحاق الأسلمي، عن الحسن بن عبيد اللّه، مولى بني العباس، عن عمارة الليني، قال: حدثّني شيخ صيّاد من الحي - وكان يومئذٍ على ساحل البحر - قال : سمعت صباحاً يا ويلاه! يا ويلاه! قد ملأ الوادي: يا حرباه يا حرباه! فنظرت فإذا سراقة بن جعشم، فدنوت منه ، فقلت : مالك فداك أبي وأمي ! فلم يرجع إلي شيئاً، ثم أراه اقتحم البحر. ورفع يديه ماذا ، يقول : يا ربّ ما وعدتني ! فقلت في نفسي : جُنّ وبيت اللّه سراقة! وذلك حين زاغت الشمس، وذلك عند انهزامهم يوم بدر.
1) سورة الأنفال، الآية : 48 .
قال الواقدي: قالوا : كانت سيماء الملائكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم، خضراء وصفراء وحمراء من نور، والصوف في نواصي خيلهم .
قال الواقدي: حدّثني محمد بن صالح ،عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، قال : قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم بدر :«إن الملائكة قد سوّمت فسوموا» (1)،فأعلم المسلمون بالصُّوف في مغافرهم وقلانسهم .
قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح قال : كان أربعة من أصحاب محمد(صلی اللّه علیه واله) يعلمون في الزُّحوف: حمزة بن عبد المطلب كان يوم بدر معلماً بريشة نعامة، وكان علي(علیه السلام) معلماً بصوفة بيضاء، وكان الزبير معلماً بعصابة صفراء، وكان أبو دجانة يعلم بعصابة حمراء، وكان الزبير يحدّث أن الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بلق عليها عمائم صفر فكانت على صورة الزبير. قال الواقدي : فروي عن سهيل بن عمرو، قال : لقد رأيت يوم بدر رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقبلون ويأسرون.
قال الواقدي : وكان أبو أسد الساعدي يحدّث بعد أن ذهب بصره، ويقول : لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أمتري! قال : وكان أسيد يحدّث عن رجل من بني غفار حدثه، قال أقبلت أنا وابن عم لي يوم بدر،حتى صعدنا على جبل، ونحن يومئذ على الشرك ننظر الوقعة على من تكون الدبرة فننتهي من ينتهب إذ رأيت سحابة دنت ،منا ، فسمعت منها همهمة الخيل وقعقعة الحديد، وسمعت قائلاً يقول : أقدم حيزوم فأما ابن عمّي فانكشف قناع قلبه فمات، وأما أنا فكدت أهلك، فتماسكت وأتبعت بصري حيث تذهب السحابة، فجاءت إلى النبي (صلى اللّه عليه واله) وأصحابه : ثم ،رجعت وليس فيها شيء مما كنت أسمع.
قال الواقدي: وحدّثني خارجة بن إبراهيم بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه، قال: سأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)جبرائيل :«مَنْ القائل يوم بدر: أقبل حيزوم؟» فقال جبرائيل :يامحمد، ما كلّ أهل السماء أعرف (2). قال الواقدي : وحدّثني عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن جده، عبيدة بن أبي عبيدة عن أبي رُهم الغفاري عن ابن عمّ له، قال : بينا أنا وابن عمّ لي على ماء بدر، فلما رأينا قلة من
مع محمد وكثرة قريش، قلنا : إذا التقت الفئتان عمدنا إلى عسكر محمد وأصحابه فانتهبناه، فانطلقنا نحو المجنبة اليسرى من أصحاب محمد، ونحن نقول : هؤلاء ربع قريش، فبينا نحن نمشي في الميسرة إذ جاءت سحابة فغشيتنا، فرفعنا أبصارنا لها، فسمعنا أصوات الرجال والسلاح وسمعنا قائلاً يقول لفرسه : «أقدم حيزوم»، وسمعناهم يقولون: رويداً تتاءم أخراكم، فنزلوا على ميمنة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ثم جاءت أخرى مثل تلك فكانت مع النبي(صلی اللّه علیه واله)، فنظرنا إلى أصحاب محمد وإذا هم على الضعف من قريش، فمات ابنُ عمّي ،وأما أنا فتماسكت، وأخبرت النبي(صلی اللّه علیه واله) بذلك، وأسلمت .
قال الواقدي: وقد روي عن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) أنه قال : «ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا اذخر ولا أغضب منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من نزول الرحمة وتجاوز اللّه تعالى عن الذنوب العظام، إلّا ما رأى يوم بدر». قبل وما رأى يا رسول اللّه يوم بدر؟ قال: «أما إنه رأى جبريل يوزّع الملائكة» (1). قال : وقد روي عن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أنه قال يومئذ: «هذا جبرائيل يسوق بريح، كأنه يخية الكلبي، إنّي نُصرت بالصّبا وأُهِلكَتْ عاد بالدبور» (2). قال الواقدي: وكان عبد الرحمن بن عوف يقولُ : رأيتُ يوم بذر رجلين ،أحدهما عن يمين النبي (صلى اللّه عليه واله) والآخر عن يساره، يقاتلان أشدّ القتال، ثم ثلثهما ثالث مِنْ خَلْفه، ثم ربعهما رابع أمامه .
قال : وقد روي سعد بن أبي وقاص مثل ذلك، قال: رأيت رجلين يوم بدر، يقاتلان عن النبي صلى الله عليه وسلّم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإني لأراه ينظر إلى ذا مَرَّةً، وإلى ذا مرّةً، سروراً بما فتحه اللّه تعالى.
قال الواقدي : وحدثني إسحاق بن يحيى، عن حمزة بن صُهَيب، عن أبيه، قال: ما أدري كم يد مقطوعة وضربة جائفة لم يدم كَلْمُها يوم بَدْر، قد رأيتها .
قال الواقدي: وروى أبو بردة بن نيار قال: جئتُ يوم بذر بثلاثة رؤوس فوضعتها بين يدي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، فقلت : يا رسول اللّه ، أما اثنان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيتُ رجلاً طويلاً.
1) أخرجه مالك في الموطأ»، كتاب الحج، باب : جامع الحج (962) ، والبيهقي في الشع- (4069) ، وابن عبد البر في التمهيد» (115/1)
2) أخرجه الصالحي الشامي في سبل الهدى : 40/4 ، لم اجده بجزئه الأول، أما جزءه الثاني : نصرت بالصبا» أخرجه البخاري كتاب الجمعة باب قول النبي : نصرت بالصبا. و مسلم كتاب صلاة الاستسقاء، باب : في ريح الصبا والدبور (900 )
أبيض ضربه فتدهده أمامه، فأخذت رأسه ،فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «ذاك فلان من الملائكة». (1)قال الواقدي : وكان ابن عباس رحمه اللّه ، يقول : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. قال: وحدّثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، عن عكرمة ،عن ابن عباس ،قال: كان الملك يتصوّر في صورة مَنْ يعرفه المسلمون من الناس ليثبتهم، فيقول : إنّي قد دنوتُ من المشركين، فسمعتهم يقولون : لو حملوا علينا ما ثبتنا لهم وليسوا بشيء، فاحملوا عليهم وذلك قول اللّه عزّ وجلّ :(وإذ يُوحَى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَكَةِ أَنِي مَعَكُمْ فَشَبِتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا) (2)قال الواقدي: وحدثّني موسى بن محمد عن أبيه، قال:كان السائب بن أبي حبيش الأسدي يحدّث في زمن عمر بن الخطاب، فيقول : واللّه ما أسرني يوم بدر أحدٌ من النّاس، فيقال : فمن؟ فيقول : لمّا انهزمت قريش انهزمت معها فيدركني رجل أبيض طويل، على فرس أبلق بين السماء والأرض، فأوثقني رباطاً، وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطاً، وكان عبد الرحمن ينادي في العسكر: مَنْ أسَرَ هذا ؟ فليس أحد يزعم أنه أسرني حتى انتهى بي إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال لي رسول اللّه : يا بن أبي حبيش، مَنْ أسرك؟ قلت: لا أعرفه ،وكرهت أن أخبره بالذي رأيت، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله): «أسره ملك من الملائكة كريم، اذهب يابن عوف بأسيرك» (3)، فذهب بي عبد الرحمن قال السائب وما زالت تلك الكلمة أحفظها ، وتأخر إسلامي حتّى كان من إسلامي ما كان.
قال الواقدي: وكان حكيم بن حزام ، يقول : لقد رأيتُنا يوم بدر ، وقد وقع بوادي خلص بجاد السماء قد سدّ الأفق - قال ووادي خلص ناحية الرُّؤيثة - قال : فإذا الوادي يسيل نملاً ، فوقع
في نفسي أن هذا شيء من السماء أيد به محمد، فما كانت إلا الهزيمة، وهي الملائكة.
قال الواقدي وقد قالوا : إنه لمّا التحم القتال، ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) رافع يديه يسأل اللّه النصر وما وعده ويقول:«اللهّم إن ظهرت علي هذه العصابة، ظهر الشرك، ولا يقوم لك دين»، وأبو بكر يقول : واللّه لينصرنك اللّه وليّبيض وجهك، فأنزل اللّه تعالى ألفاً من مردفين عند أكتاف العدو، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «يا أبا بكر أبشير، هذا جبرائيل معتجر بعمامة صفراء، آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض» (4)، ثم قال : إنه لما نزل الأرض تغيب عنّي ساعة، ثم طلع على ثناياه النقع ، يقول : أتاك النّصر من اللّه إذ دعوته .
قال الواقدي: وحدّثني موسى بن يعقوب، عن عمّه، قال: سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي خَيْثَمة ، يقول : سمعت مَروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر، فجعل الشيخ يكره ذلك، حتى ألح عليه، فقال حكيم : التقينا فاقتتلنا، فسمعت صوتاً وقع من السماء إلى الأرض مثل وقع الحصاة في الطّست، وقبض النبي(صلی اللّه علیه واله) و القبضة، فرمى بها فانهزمنا .
قال الواقدي : وقد روى عبد اللّه بن ثعلبة بن صغير، قال: سمعتُ نوفل بن معاوية الدولي، يقول : انهزمنا يوم بدر، ونحن نسمع كوقع الحصا في الطساس بين أيدينا ومن خلفنا، فكان ذلك أشدّ الرّعب علينا .
فأما الذين قالوا : نزلت الملائكة ولم تقاتل فذكر الزمخشري في كتابه في تفسير القرآن المعروف «بالكشاف» أن قوماً أنكروا قتال الملائكة يوم بَدْر، وقالوا : لو قاتل واحد من البشر لم يثبتوا له ولا ستأصلهم بأجمعهم ببعض قوته، فإن جبرائيل(علیه السلام) رفع مدائن قوم لوط - كما جاء في الخبر - على خافقة من جناحه، حتى بلغ بها إلى السماء، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها ، فما عسى أن يبلغ قوة ألف رجل من قريش ليحتاج في مقاومتها وحربها إلى ألف ملك من ملائكة السماء مضافين إلى ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من بني آدم ! وجعل هؤلاء قوله تعالى : (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ )(1)أمراً للمسلمين لا أمراً للملائكة .
ورووا في نصرة قولهم روايات، قالوا: وإنّما كان نزول الملائكة ليكثّروا سواد المسلمين في أعين المشركين، فإنّهم كانوا يرونهم في مبدأ الحال قليلين في أعينهم، كما قال تعالى :«ویُقَلِلُکُم» (2)، ليطمع المشركون فيهم ويجترؤوا على حربهم، فلما نشبت الحرب كثرهم اللّه تعالى بالملائكة في أعين المشركين ليفروا ولا يثبّتوا . وأيضاً فإنّ الملائكة نزلت وتصوّرت بصُوّر البشر الذين يعرفهم المسلمون ،وقالوا لهم ما جرت العادة أن يقال مثله من تثبيت القلوب يوم الحرب، نحو قولهم : ليس المشركون بشيء لا قوّة عندهم، لا قلوب لهم، لو حملتم عليهم لهز متموهم .... وأمثال ذلك .
ولقائل أن يقول : إذا كان قادراً على أن يقلّل ثلاثمائة إنسان في أعين قريش حتى يظنّوهم مائة، فهو قادر على أن يكثرهم في أعين قريش بعد التقاء حَلْقَتِي البطان، فيظنّوهم ألفين وأكثر من غير حاجة إلى إنزال الملائكة .
فإن قلت : لعلّ في إنزالهم لطفاً للمكلّفين . قلت : ولعلّ في محاربتهم لطفاً للمكلّفين، وأما أصحاب المعاني فإنهم لم يحملوا الكلام على ظاهره ولهم في تأويله قول ليس هذا موضع ذكره
قال الواقدي: لما تصافّ المشركون والمسلمون ، قال النبي(صلی اللّه علیه واله) : «مَنْ قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا » (1)
(12598) ، والطبراني في (الكبير) (12675).
، فلمّا انهزم المشركون كان الناس ثلاث فرق فرقة قامت عند خَيْمة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) - وكان أبو بكر معه - وكان أبو بكر معه في الخيمة - وفرقة أغارت على النهب، تنتهب، -وفرقة طلبت العدوّ فأسروا وغنموا، فتكلّم سعد بن معاذ - وكان ممن أقام على خيمة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال : يا رسول اللّه، ما منعنا أن نطلب العدوّ زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدّو، ولكنا خفنا أن نعري موضعك، فيميل عليك خيل من خيل المشركين ورجال من رجالهم، وقد أقام عند خيمتك وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، والناس كثير، ومتى تُعْطِ هؤلاء لا يبقى لأصحابك شيء، والقتلى والأسرى كثير، والغنيمة قليلة، فاختلفوا فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول) (2)الآية ، فرجع المسلمون، وليس لهم من الغنيمة شيء ثم أنزل اللّه فيما بعد : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُمْسَهُ وَالرَّسُولِ). (3)فقسمه عليهم بينهم .قال الواقدي : وقد روى عبادة بن الوليد بن عبادة عن جدّه عبادة بن الصامت، قال: سلّمنا الأنفال يوم بدر اللّه وللرّسول، ولم يخمّس رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بدراً، ونزلت بعد : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَيْتُم مِّن شَي)، فاستقبل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالمسلمين الخمس فيما كان من أول غنيمة بعد بدر. قال الواقدي: وقد روي عن أبي أسيد الساعدّي مثله .
وروى عكرمة ، قال : اختلف الناس في الغنائم يوم بذر، فأمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالغنائم أن تردّ في المقسم، فلم يبق منها شيء إلا ردّ. وظن أهل الشجاعة أنه(صلی اللّه علیه واله) يخصهم بها دون غيرهم من أهل الضّعف ثم أمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أن تقسم بينهم على سواء، فقال سعد بن أبي وقّاص : يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) تعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف؟ فقال(صلی اللّه علیه واله) «ثكلتك أمّك ! وهل تُنصرون إلا بضعفائكم» ! (4)
قال الواقدي : فروى محمد بن سهل بن خيثمة ، قال : أمر رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) أن تردّ الأسرى والأسلاب، وما أخذوا من المغنم، ثم أقرع بينهم في الأسرى،وقسّم أسلاب المقتولين الذين يُعرف قاتلوهم بين قاتليهم ،وقسم ما وجده في العسكر بين جميع المسلمين عن فراق .
قال الواقدي: وحدّثني عبد الحميد بن جعفر، قال: سألتُ موسى بن سعد بن زید بن ثابت : كيف فعل النبي(صلی اللّه علیه واله) يوم بدر في الأسرى والأسلاب والأنفال؟ فقال: نادى مناديه يومئذٍ : مَنْ قتل قتيلاً فله سلبه، ومن أسر أسيراً فهو له، وأمر بما وجد في العسكر وما أخذ بغير قتال فقسمه بينهم عن فراق . فقلت لعبد الحميد : فلمن أعطى سلب أبي جهل ! فقال : قد قيل إنه أعطاه مُعاذ بن عمرو بن الجموح وقيل : أعطاه ابن مسعود قال : وأخذ علي درع الوليد بن عتبة وبيضته ومغفره ، وأخذ حمزة سلاح عُتبة ،وأخذ عُبيدة بن الحارث سلاح شيبة، ثم صار إلى ورثته.
قال الواقدي: فكانت القسمة على ثلاثمائة وسبعة عشر سهماً ؛ لأنّ الرجال كانت ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان معهم فرسان لهما أربعة أسهم، وقسم أيضاً فوق ذلك لثمانية أسهم، لم يحضروا، ضرب لهم بسهامهم وأجورهم، ثلاثة من المهاجرين لا خلاف فيهم، وهم : عثمان بن عفان خلّفه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) على ابنته رقية وماتت يوم قدم زيد بن حارثة بالبشارة إلى المدينة، وطلحة بن عبيد اللّه وسعد بن زيد بن عمرو بن نفيل ،بعثهما رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يتجسّسان خبر العير. وخمسة من الأنصار هم: أبو لبابة بن عبد المنذر،خلفه على المدينة وعاصم بن عدي، خلّفه على قباء وأهل العالية ،والحارث بن حاطب أمره بأمرٍ في بني عَمْرو بن عوف، وخوات بن جُبير كُسر بالروحاء، والحارث بن الصمة مثله، فلا اختلاف في هؤلاء. واختلف في أربعة غيرهم ،فروي أنه ضرب لسعد بن عبادة بسهمه وأجره ،وقال : لئن لم يشهدها لقد كان فيها راغباً، وذلك أنّه كان يحض النّاس على الخروج إلى بذر، فنهش فمنعه ذلك من
الخروج.
وروي أنه ضرب لسعد بن مالك الساعدي بسهمه وأجره، وكان تجهز إلى بدر، فمرض بالمدينة، فمات خلف رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وأصى إليه (علیهم السلام).
وروي أنه ضرب لرجلينّ آخرين من الأنصار ولم يسمّهما الواقدي وقال :هؤلاء الأربعة غير مجمع عليهم كإجماعهم على الثمانية .
قال : وقد اختلف هل ضرب بسهم في الغنيمة لقتلى بدر؟ فقال الأكثرون : لم يضرب لهم، وقال بعضهم بل ضرب لهم، حدّثني ابن أبي سبرة ،عن يعقوب بن زيد عن أبيه، أن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ضرب لشهداء بدر أربعة عشر رجلاً . قال : وقد قال عبد اللّه بن سعد بن خَيْثمة، أخذنا سهم أبي الذي ضرب له رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)حين قسم الغنائم، وحمله إلينا عُوَيمر بن ساعدة قال : وقد روى السائب بن أبي لبابة، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أسهم لمبشر بن عبد المنذر قال : وقد قدم بسهمه علينا معن بن عدي .
قال الواقدي : وكانت الإبل التي أصابوا يومئذ مائة وخمسين بعيراً، وكان معه أدم كثير
حملوه للتجارة، فمنعه المسلمون يومئذ، وكان فيما أصابوا قطيفة حمراء، فقال بعضهم : مالنا لا ترى القطيفة ! ما نرى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلّا أخذها، فأنزل اللّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِي أَن يَغُل) (1) . وجاء رجل إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وقال : يا رسول اللّه ، إن فلاناً غَلّ قطيفة، فسأل ) (1)رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) الرّجُلَ ، فقال : لم أفعل فقال الدّال : يا رسول اللّه احفروا هاهنا، فحفرنا فاستخرجت القطيفة، فقال قائل : يا رسول اللّه، استغفر لفلان مرّتين، أو مراراً ، فقال(علیهم السلام) : دعونا من أبي حرّ .
قال الواقدي وأصاب المسلمون من خيولهم عشرة أفراس ،وكان جمل أبي جهل فيما غنموه، فأخذه النبي(صلی اللّه علیه واله) ، فلم يزل عنده يضرب في إبله ويغزو عليه حتى ساقه في هذي
الحديبية، فسأله يومئذ المشركون الجمل بمائة بعير، فقال : لولا أنا سميناه في الهَدْي لفعلنا .قال الواقدي: وكان لرسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) صَفِيّ من الغنيمة قبل القسمة، فتنفّل سيفه ذا الفقار، يومئذ، كان لمنبّه بن الحجاج. وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قد غزا إلى بدر بسيف وهبه له سعد بن عبادة يقال له العضب.
قال :وسمعت ابن أبي سَبْرة، يقول: سمعت صالح بن كيسان، يقول:خرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم بدر، وما معه سيف، وكان أول سيف، قلّده سيف منبه بن الحجاج غنمه يوم بدر.
وقال البلاذُرِي : كان ذُو الفقار للعاص بن منبه بن الحجّاج، ويقال: لمنّبه، ويقال لشيبة، والثَّبَت عندنا أنه كان للعاص بن منّبه .
قال الواقدي : وكان أبو أسيد الساعديّ إذا ذُكِر الأرقم بن أبي الأرقم ، يقول : ما يومي منه بواحد فيقال: ما هذا هو ؟ فيقول : أمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) اول المسلمين أن يردّوا يوم بذر ما في أيديهم من المغنم، فرددت سيف أبي عائذ المخزومي - واسم السيف المرزبان، وكان له قيمة وقدْرٌ - وأنا أطمع أن يردّ إليّ، فكلّم الأرقم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فيه - وكان رسول اللّه لا يمنع شيئاً يسأله - فأعطاه السيف. وخرج بني له يقعة فاحتمله الغُول، فذهبت به متوركة ظهراً، فقيل لأبي أسيد : وكانت الغيلان في ذلك الزمان؟ فقال: نعم، ولكنها قد هلكت، فلقي الأرقم بن أبي الأرقم، فيه إليه باكياً مستجيراً به، فقال مَنْ أنت؟ فأخبره، فقالت الغول ،أنا حاضنته ،فلها عنه والصبي يكذّبها ، فلم يعرّج عليه حتى السّاعة، فخرج من داري فرس لي، فقطع رَسَنه ، فلقيه الأرقم بالغابة فركبه، حتى إذا دنا من المدينة أفلت منه فتعذر إلي بني أنه أفلت مني، فلم أقدر عليه حتى الساعة.
1) سورة آل عمران الآية : 161 .
قال: وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سأل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم بذر سيف العاص بن منبه، فأعطاه ، قال : وأخذ(علیهم السلام) مماليك حضروا بدراً ، ولم يسهم لهم وهم ثلاثة اعبد ،غلام لحاطب بن أبي بلتعة، وغلام لعبد الرحمن بن عوف، وغلام سعد بن معاذ، واستعمل(صلی اللّه علیه واله) شقران غلامه على الأسرى، فأخذوا من كلّ أسير ما لو كان حُرًّا ما أصابه في المقسم.
وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: رميت سهيل بن عمرو يوم بذر فقطعت نساءه، فاتبعت أثر الدم حتى وجدته قد أخذه مالك بن الدخشم وهو ممسك بناصيته، فقلت: أسيري رميته! فقال: أسيري أخذته! فأتينا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فأخذه منا جميعاً، وأفلت سهل الرَّوحاء، فصاح (علیهم السلام) بالناس، فخرجوا في طلبه ، فقال(صلی اللّه علیه واله) : مَن وجده فليقتله، فوجده هو (صلی اللّه علیه واله) فلم یقتله.
قال الواقدي: وأصاب أبو بردة بن نيار أسيراً من المشركين ،يقال له معبد بن وَهْب ،من بني سعد بن ليث فلقيه عمر بن الخطاب وكان عمر يحض على قتل الأسرى، لا يرى أحداً في يديه أسير إلا أمر بقتله، وذلك قبل أن يتفرق الناس، فلقيه معبد وهو أسير مع أبي بردة، فقال: أترون يا عمر أنّكم قد غلبتم !كلّا واللّات والعزى! فقال عمر: عباد اللّه المسلمين، أتتكلم وأنت أسير في أيدينا ! ثم أخذه من أبي بردة فضرب عنقه - ويقال : إن أبا بردة قتله .
قال الواقدي: وروى أبو بكر بن أسماعيل، عن أبيه عن عامر بن سعد، قال:قال النبي (صلی اللّه علیه واله)يومئذٍ : «لا تخبروا سعداً بقتل أخيه، فيقتل كل أسير في أيديكم» (1).
قال الواقدي: ولمّا جيء بالأسرى كره ذلك سعد بن معاذ، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) : «كانه شق عليك أن يؤسروا!» (2) قال: نعم يا رسول اللّه، كانت أوّل وقعة التقينا فيها بالمشركين فأحببتُ أن يُذلّهم اللّه، وأن يثخن فيهم القتل .
قال الواقدي: وكان النّضر بن الحارث أسره المقداد يومئذ، فلما خرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من بدر، فكان الأثيل عُرض عليه الأسرى، فنظر إلى النضر بن الحارث فأبده البصر، فقال لرجل إلى جنبه : محمد واللّه قاتلي ! لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت! فقال الذي إلى جنبه : واللّه ما هذا منك إلّا رعب، فقال النضر لمصعب بن عمير: يا مصعب ،أنت أقرب مَنْ هاهنا بي رحماً ، كلّم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي، هو واللّه قاتلي إن لم تفعل . قال مصعب : إنك كنت تقول في كتاب اللّه كذا كذا، قال يا مصعب فليجعلني فليجعلني كأحد.
1) أخرجه الشيباني في السير الكبير : 1028/3
أصحابي. إن قتلوا قتلت ،وإن من عليهم من عليّ . قال مصعب : إنك كنت تعذّب أصحابه، قال : أما واللّه لو أسرتك قريش ما قتلت أبداً وأنا حيّ . قال مصعب : واللّه إني لأراك صادقاً، ولكن لست مثلك قطع الإسلام العهود.
قال الواقدي : وعرضت الأسرى على رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ، فرأى النّضر بن الحارث، فقال: اضربوا عنقه، فقال المقداد: أسيري يا رسول اللّه ! فقال اللهّم أغن المقداد من فَضْلك ،قم يا علي فاضرب عنقه، فقام علي فضرب عنقه بالسيف صَبراً، وذلك بالأثيل، فقالت أخته :
يا راكباً إن الأثيلَ مَطِئَةٌ *** مِنْ صُبح خامسة وأنت مُوَفِّقُ
بلغ به مَيْتاً فإنّ تحيّة *** ما إن تزالُ بها الركائب تخفِقُ
مني إليه وعبرةً مسفوحة *** جادت لمائحها، وأُخرَى تَخْنُقُ
ليسمعن النظر إن ناديته *** إن كان يسمع ميت أو ينطقُ
ظَلَّتْ سيوف بني أبية تنُوشُهُ ** اللّه أرحام هناك تمزق!
صبراً يقاد إلى المدينة راغماً *** رَسُف المقيّد وهو عانٍ مُوثَقُ
أمحمد ولأنتَ نَجْلُ نجيبة *** في قومها، والفَحْلُ فحل معرِقُ
ما كان ضرّك لو مننت وربَّما *** مَنْ الفَتَى وهو المغيظُ المحْنَقُ
والنضر أقربُ مَنْ قتلت وسيلة *** وأحقهم إن كان عتق يُعْتَقُ
قال الواقدي: وروي أن النبي(صلی اللّه علیه واله) لما وصل إليه شِعرُها رقّ له، وقال: «لو كنت سمعت
شعرها قبل أن أقتله لما قتلته» (1).
قال الواقدي : ولما أسِر سهيل بن عمرو قال عمرو بن الخطاب، يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) انزع ثنيتيه
يدلع لسانه، فلا يقوم عليه خطيباً أبداً، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «لا أمثل به فيمثل الله كنت نبياً، ولعله يقوم مقاماً لا تكرهه» (2).فقام سهيل بن عمرو بمكة حين جاءه وفاة النبي(صلی اللّه علیه واله) بخطبة أبي بكر بالمدينة، كأنه كان يسمعها، فقال عمر حين بلغه كلام سهيل : أشهد أنك رسول اللّه - يريد قوله(صلى اللّه عليه واله):«لعله يقوم مقاماً لا تكرهه».
قال الواقدي: وكان علي (علیه السلام)يحدّث فيقول : أتى جبريل النبي(صلی اللّه علیه واله) يوم بدر، فخيره في الأسرى أن يضرب أعناقهم، أو يأخذ منهم الفداء، ويستشهد من المسلمين في قابل عدتهم، فدعا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) أصحابه، وقال :«هذا جبريل يخيّركم في الأسرى، بين أن»
تُضرب أعناقهم أو تؤخذ منهم الفدية ويستشهد منكم قابلاً عدّتهم» قالوا : بل نأخذ الفذية ين بها، ويستشهد منا من يدخل الجنة، فقبل منهم الفداء، وقتل من المسلمين قابلاً ونستعين عدتهم بأحد .
قلت: لو كان هذا الحديث صحيحاً لما عوتبوا، فقيل لهم:(مَاَ كَاَنَ لِنَبِيِ أَن يَكُوُنَ لَهُ أَسرَى لَهُ حَتَّى يُسخن فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةُ ) (1)، ثم قال : (لَوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (2)لأنه إذا كان خيرهم، فقد أباحهم أخذ الفداء، وأخبرهم انه حسن، فلا يجوز فيما بعد أن ينكره عليهم، ويقول إنه قبيح.
قال الواقدي: لما الأسرى وجعل عليهم شقران مولى رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله)طمعوا في الحياة، فقالوا : لو بعثنا إلى أبي بكر! فإنه أوصل قريش لأرحامنا ! فبعثوا إلى أبي بكر، فأتاهم فقالوا : يا أبا بكر، إنّ فينا الآباء والأبناء والإخوان ،والعمومة وبني العم، وأبعدنا قريب كلّم صاحبك فليمن علينا ويفادِنا، فقال: نعم إن شاء اللّه ، لا آلوكم خيراً. ثم انصرف إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله). قالوا : وابعثوا إلى قالوا وابعثوا إلى عمر بن الخطاب ،فإنّه من قد علمتم ،ولا يؤمن أن يفسد عليكم لعله يكفّ عنكم فأرسلوا إليه، فجاءهم فقالوا له مثل ما قالوا لأبي بكر، فقال: لا آلوكم شرا! ثم انصرف إلى النبي(صلی اللّه علیه واله) ، فوجد أبا بكر عنده، والنّاس حوله، وأبو بكر يُلَيِّنه ،ويغشاه ويقول: يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي ! قومك فيهم الآباء والأبناء والعُمومة والإخوان وبنو العم، وأبعدهم عنك قريب فأمنن عليهم ،منّ اللّه عليك، أو فادِهم قوة للمسلمين، فلعل اللّه يقبل بقلوبهم إليك! ثمّ قام فتنحى ناحية، وسكت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فلم يجبه، فجاء عمر فجلس مجلس أبي بكر، فقال يا رسول الله، هم أعداء اللّه ، كذَّبوك وقاتلوك وأخرجوك، اضرب ،رقابهم، فهم رؤوس الكفر وأئمة الضلالة، يوطىء اللّه بهم الإسلام، ويذل الإسلام، ويذل بهم الشِّرْك ! فسکت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولم يجبه .
وعاد أبو بكر إلى مقعده الأوّل، فقال : بأبي أنت وأمي ! قومك فيهم الآباء والأبناء والعمومة والإخوان وبنو العمّ، وأبعدهم منك قريب !فامنن عليهم أو فادهم هم عشيرتك وقومك لا تكن أول من يستأصلهم، وأن يهديهم اللّه خيرٌ من أن يهلكهم . فسكت عنه فلم يردّ عليه شيئاً، وقام ناحية فقام عمر فجلس ،مجلسه فقال يا رسول اللّه، ما تنتظر بهم! اضرب أعناقهم، يوطىء اللّه بهم الإسلام، ويذل أهل الشرك هم ، أعداء اللّه، كذبوك وأخرجوك یا رسول اللّه ، اشف صدور المؤمنين، لو قدرُوا منا على مثل هذا ما أقالونا أبداً. فسكّت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) فلم يجبه، فقام ناحية، فجلس وعاد أبو بكر، فكلّمه مثل كلامه الأول فلم
يجبه، ثم تنحى، فجاء عمر فكلّمه بمثل كلامه الأول فلم يجبه، ثم قام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فدخل قبته، فمكث فيها ساعة، ثم خرج، والناس يخوضون في شأنهم، يقول بعضهم: القولُ ما قال أبو بكر، وآخرون يقولون : القول ما قال فلما قال للناس : ما تقولون في صاحبيكم هذين؟ دعوهما فإنّ لهما مثلاً ، مثلُ أبي بكر في الملائكة كميكائيل ينزل برضا اللّه وعفوه على عباده، ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم كان أليَنَ على قومه من العَسَل، أوقدله قومه النار فطرحوه فيها،فما زادعلى أن قال:(أَفَ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (1)وقال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِني وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2)وكعيسى إذا يقول:(إن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُلٌ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ) (3).ومثل عمر في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من اللّه والنقمة على أعداء اللّه، ومثله في الأنبياء كمثل نوح، كان أشدّ على قومه من الحجارة، إذ يقول : (رَبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا ) (4)فدعا عليهم دعوة أغرق اللّه بها الأرض جميعاً، ومثل موسى إذ يقول : (رَبَّنَا أَطْمِسَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يروا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) (5)وإنّ بكم عَيْلة، فلا يفوتنكم رجل من هؤلاء إلا بفداء أو ضربة عنق . فقال عبد اللّه بن مسعود: يا رسول اللّه ، إلا سهيل بن بيضاء.
قال الواقدي: هكذا روى ابن أبي حبيبة ،وهذا ،وهم سهيل بن بيضاء مسلم من مهاجرة الحبشة، وشهد بدراً، وإنما هو أخ له، ويقال له سهيل . قال : قال عبد اللّه بن مسعود : فإنّي رأيته يُظهر الإسلام بمكّة - قال : فسكت النبي(صلی اللّه علیه واله)، قال عبد اللّه : فما مرّت علي ساعة قطّ كانت أشدّ عليَّ من تلك الساعة، جعلت أنظر إلى السَّماء أتخوّف أن تسقّط علي الحجارة لتقدمي بين يدي اللّه ورسوله بالكلام، فرفع رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) رأسه، فقال: «إلا سهيل بن بيضاء» (6)، قال : فما مرّت عليّ ساعة أقرّ لعيني منها، إذ قالها رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله). ثم قال : «إن عز وجل ليشدّد القلب حتى يكون أشدَّ من الحجارة، وإنه لَيُلِين القلب حتى يكون الينَ من الزبد» (7)، فقبل الفداء ثم قال بعد :«لو نزل عذاب يوم بدر لما نجا منه إلا عمر» (8)، كان يقول:اقتل ولا تأخذ الفداء .وكان سعد بن معاذ يقول : اقتل ولا تأخذ الفداء.
1) سورة الأنبياء، الآية : 67 .
2) سورة إبراهيم، الآية : 14 .
3) سورة المائدة، الآية: 118 .
4) سورة نوح، الآية : 26
5) سورة يونس الآية : 88
6) أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الأنفال (3084)، والبيهقي في السنن الكبرى ) (12623) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (3669
7) أخرجه أحمد كتاب مسند المكثرين من الصحابة باب مسند ابن مسعود (625) ، والطبراني في الكبير (10258)، نحوه .
8) أخرجه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (158/1).
قلت عندي في هذا كلام أما في أصل الحديث فلان فيه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال، ومثله كعيسى إذ قال : (إن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ) (1)، وهذه الآية من المائدة، والمائدة أنزلت في آخر عمره، ولم ينزل بعدها إلا سورة براءة، وبدر كانت في السنة الثانية من الهجرة، فكيف هذا اللهّم إلا أن يكون قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَعِيسَى ابْنَ ابن مريم وَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُتِيَ إِلَهَيْنِ ) (2)الآيات، قد كانت أنزلت إما بمكة أو بالمدينة قبل بدر، فلماجمع عثمان القرآن ضمّها إلى سورة المائدة، فلعله قد كان ذلك فينبغي أن ننظر في هذا ،فهو مشكل!
وأما حديث سُهَيْل بن بيضاء فإنّه يُوهم مذهب موسى بن عمران في أنّ النبي(صلی اللّه علیه واله) يحكم في الوقائع بما يشاء، لأنه قيل له : احكم بما تشاء، فإنّك لا تحكم إلّا بالحق، وهو مذهب متروك إلا أنه يمكن أن يقال : لعلّه لما سكت(صلی اللّه علیه واله) وعندما قال ابن مسعود ذلك القول، نزل عليه في تلك السكتة الوخي وقيل له : إلا سهيل بن بيضاء، فقال حينئذ: «إلا سهيل بن بيضاء، كما أوحي إليه .
وأما الحديث الذي فيه :«لو نزل عذاب لما نجا منه إلا عمر»، فالواقدي وغيره، من المحدّثين اتفقوا على أن سعد بن معاذ كان يقول مثل ما قاله عمر، بل هو المبتدىء بذلك الرأي، ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و بعد في العريش، والمشركون لم ينفض جمعهم كل ذلك الانقضاض ، فكيف خصّ عمر بالنجاة وحده دون سعدا ويمكن أن يقال: إنّه كان شديد التأليب والتحريض عليهم، وكثير الإلحاح على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في ،أمرهم، فنسب ذلك الرأي إليه لاشتهاره ،به وإن شهركه فيه غيره.
قال الواقدي : وحدّثني معمر عن الزهري، عن محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم بدر: «لوكان مطعم بن عدي حيًّا لوهبتُ له هؤلاء النَّتَنَى» (3). قال وكانت لمطعم بن علي عند النبي(صلی اللّه علیه واله) يد أجاره حين رجع من الطائف.
قال الواقدي : وحدّثني محمد بن عبد اللّه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب قال: أمن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من الأسرى يوم بذر أبا عزّة عمرو بن عبد اللّه بن عُمَير الجُمَحِي - وكان
شاعراً ، فأعتقه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، وقال له : إن لي خمس بنات ليس لهنّ شيء، فتصدّق بي عليهنّ يا محمد، ففعل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ذلك. وقال أبو عزّة : أعطيك موثقاً الا أقاتلك، ولا أكثر عليك أبداً. فأرسله رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فلما خرجت قريش إلى أحد، جاء صفوان بن أمية، فقال : اخرج معنا ،قال :إني قد أعطيت محمداً موثقاً الا أقاتله، ولا أكثر عليه أبداً. وقد منّ عليّ ولم يمن على غيري حتى قتله أو أخذ منه الفداء. فضين له صفوان أن يجعَل بناته مع بناته إن قتل، وإن عاش أعطاه مالاً كثيراً لا يأكله عياله فخرج أبو عزّة يدعو العرب ويحشرها ، ثم خرج مع قريش ،فيوم أحد، فأسر ولم يؤسَر غيره من قريش، فقال: يا محمد، إنما خرجت كرهاً ولي بنات فامنن عليّ . فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : أين ما أعطيتني من العهد والميثاق !لا واللّه لا تمسح عارضيك بمكة تقول :«سخرتُ بمحمد مرتين» (1).فقتله .
قال: وروى سعيد بن المسيب أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال يومئذ :«إنّ المؤمن لا يُلّدغ من جُخر مرتين ،يا عاصم بن ثابت ،قدّمه فاضرب عنقه» (2)
كتاب الزهد والرقائق باب لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين (2998)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب الحذر من الناس (4862) ، وابن ماجه ،کتاب الفتن باب العزلة (3982) وكلهم من غير قوله : يا عاصم. ...
، فقدّمه عاصم فضرب عنقه. (3)، قال الواقدي: وأمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم بدر بالقلب أن تغوّر ثم أمر بالقتلى، فطرحوا فيها كلّهم إلا أميّة بن خلف فإنه كان مسمِناً انتفخ من يومه، فلما أرادوا أن يلقوه تزايل لحمه، فقال النبي(صلی اللّه علیه واله): اتركوه.وقال ابن إسحاق : انتفخ أمية بن خلف في درعه حتى ملأها ، فلما ذهبوا يحركونه تزايل، فأقروه وألقوا عليه التراب والحجارة ما غيّبه،
قال الواقدي: ونظر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى عُتبة بن ربيعة يجرّ إلى القليب - وكان رجلاً :جسيماً، وفي وجهه أثر الجُدَرِي - فتغيّر وجه ابنه أبي حذيفة بن عتبة ، فقال له :النبي(صلی اللّه علیه واله) :«مالك »كأنك ساءك ما أصاب أباك ! قال : لا واللّه يا رسول اللّه، ولكني رأيتُ لأبي عقلاً وشرفاً، كنت أرجو أن يَهْدِيَه ذلك إلى الإسلام، فلما أخطأه ذلك، ورأيت ما أصابه غاظني ،فقال أبو بكر : كان واللّه يا رسول اللّه أبقى في العشيرة من غيره، ولقد كان كارهاً لوجهه، ولكن الحين ومصارع السوء. فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : «الحمد للّه الذي جعل خذ أبي جهل الأسفل وصرعه وشفانا منه» (3). فلما توافوا في القليب وقد كان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يطوف عليهم وهم
مصرّعون، جعل أبو بكر يخبره بهم رجلاً رجلاً، ورسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يحمد اللّه ويشكره ويقول : الحمد للّه الذي أنجز لي ما وعدني ! فقد وعدني إحدى الطائفتين، ثم وقف على أهل القليب فناداهم رجلاً رجلاً :«يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام! هل وجدتُم ما وعد ربكم حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً ! بئس القوم كنتم النبيكم ! كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وأواني الناس، وقاتلتموني ونصَرَني الناس، فقالوا يا رسول اللّه، أتنادي قوماً قد ماتوا ! فقال: «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق».
وقال ابن إسحاق في كتاب «المغازي»: إن عائشة كانت تروي هذا الخبر، وتقول : فالناس يقولون : إنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) . قال :«القد سمعوا ما قلتُ لهم»، وليس كذلك، إنما قال: «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق» (1). قال محمد بن إسحاق : وحدّثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك ،قال :لما ناداهم رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) قال له المسلمون: يا رسول اللّه ، أتنادي قوماً قد أنتنوا ! فقال: «ما أنتم بأسمعَ لما أقولمنهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني» (2)
قلت : لقائل أن يقول لعائشة : إذا جاز أن يعلموا وهم موتى، جاز أن يسمعوا وهم موتى، فإن قالت : ما أخبرت أن يعلموا وهم موتى، ولكن تعود الأرواح إلى أبدانهم، وهي في القليب، ويرون العذاب، فيعلمون أن ما وعدهم به الرّسول حق قيل لها: ولا مانع من أن تعود الأرواح إلى أبدانهم وهي في القليب، فيسمعوا صوت رسول اللّه0صلی اللّه علیه واله) ، فإذن لا وجه لإنكارها ما يقوله الناس !
ويمكن أن يُنتصر لقول عائشة على وجه حكمي، وهو أن الأنفس بعد المفارقة تعلم ولا تسمع ؛ لأنّ الإحساس إنما يكون بواسطة الآلة، وبعد الموت تفسد الآلة، فأما العلم فإنه لا يحتاج إلى الآلة لأن النفس تعلم بجوهرها فقط قال الواقدي: وكان انهزام قريش وتوليها حين زالت الشمس، فأقام رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ببدر،وأمر عبد اللّه كعب بقبض الغنائم وحملها وأمر نفراً من أصحابه أن يعينوه، فصلّى العصر
1) أخرجه أحمد كتاب باقي مسند الأنصار ، باب : باقي المسند السابق (25829).
2) أخرجه البخاري كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (1370) عن ابن عمر ومسلم كتاب : الجنة وصفة نعيمها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار (2873)، والنسائي، كتاب الجنائز، باب : أرواح المؤمنين (2074)، وأحمد، كتاب العشرة المبشرين بالجنة ،(183) ، كلهم عن سيدنا عمر بن الخطاب
ببدر ثم راح فمر بالأثيل قبل غروب الشمس فنزل به وبات به وبأصحابه جراح، وليست بالكثيرة، وقال :مَنْ رجلٌ يحفظنا الليلة؟ فأسكت القوم، فقام رجل فقال : مَنْ أنت؟ قال : ذكوان بن عبد قيس قال : اجلس ثم أعاد القول الثانية فقام رجل فقال: أنت؟ قال : من ابن عبد القيس فقال : اجلس ثم مكث ساعة وأعاد القول، فقام رجل فقال : مَنْ أنت؟ قال : أبو سَبع، فسكت ثم مكث ساعة، وقال: قوموا ثلاثتكم. فقام ذكوان بن عبد قيس وحده، فقال له : وأين صاحباك؟ قال: يا رسول اللّه الذي كنت أجيبك الليلة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله): «فحفظك اللّه» ! فبات ذكوان يحرس المسلمين تلك الليلة حتى كان آخر الليل فارتحل .
قال الواقدي: وروي أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) صلّى العصر بالأثيل، فلمّا صلّى ركعة تبسّم، فلما سلّم سئل عن تبسمه فقال: مرّ بي ميكائيل وعلى جناحه النَّقْع، فتبسّم إليّ ، وقال : إني كنت في طلب القوم، وأتاني جبريل على فرس أنثى معقود الناصية، قد عم ثنيّتيه الغبار فقال : يا محمد إن ربي بعثني إليك، وأمرني ألا أفارقك حتى ترضى، فهل رضيت؟ فقلت : نعم .
قال الواقدي: وأقبل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالأسرى، حتى إذا كان بعرق الظَّبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أي يضرب عنق عُقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس وكان أسره عبد اللّه بن سلمة العجلاني، فجعل عقبة :يقول يا ويلي! علام أقتل يا معشر قريش من بين من هاهنا ؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) :«العداوتك اللّه ولرسوله»، فقال: يا محمد، منك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني، وإن مَنَنْتَ عليهم مننت علي، وإن أخذت الفداء كنتُ كأحدهم ،يا محمد من للصبية؟ فقال: النار ، قدّمه یا عاصم فاضرب عنقه منهم فقدمه عاصم فضرب عنقه، فقال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«بئس الرجل كنت واللّه ما علمتُ كافراً باللّه وبرسوله وبكتابه مؤذياً لنبيه، فأحمد اللّه الذي قتلك وأقرمنك» (1).
قال محمد بن إسحاق : وروى عكرمة مولى ابن عباس، عن أبي رافع، قال: كنتُ غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد فشا فينا أهل البيت فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل زوجته ،وكان العبّاس يهاب قومه ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه، وكان عدوّ اللّه أبو لهب قد تخلّف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلّف رجل إلا بعث مكانه رجلاً ، فلمّا جاء الخبر عن مُصاب أصحاب بدر من قريش،كبته اللّه وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزّا .
قال : وكنتُ رجلاً ضعيفاً، وكنت أعمل القداح ، أنحتها في حجرة زمزم، فواللّه إني لجالس أنحت قداحي، وعندي أمّ الفضل جالسة، وقد سَرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار : 347/19
لهب يجرّ رجليه بشرّ،حتى جلس إلى طتب (1)الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس إذ قال للناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم - وكان شهد مع المشركين بدراً - فقال أبو لهب : هلم يابن أخي فعندك والله الخبر ، قال : فجلس إليه والناس قيام حوله، فقال : يابن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال : لا شيء، واللّه إن هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا فقتلونا كيف شاؤوا وأسرونا كيف شاؤوا ، وايم اللّه مع ذلك ما لمت النّاس، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض. لا واللّه ما تبقي شيئاً، ولا يقوم لها شيء .قال أبو رافع: فرفعتُ طنب الحجرة، ثم قلت تلك واللّه الملائكة، قال فرفع أبولهب يده، فضرب بي الأرض ثم برّك علي يضربني وكنت رجلاً ضعيفاً، فقامت أمّ الفضل إلى عمود من عُمُد الحجرة، فأخذته فضربته على رأسه، فشجّته شجّة منكرة، وقالت: استضعفته إذ غاب سيّده، فقام مولّياً ذليلاً، فواللّه ما عاش إلّا سبع ليال حتى رماه اللّه بالعدّسة فقتله .
ولقد تركه ابناء ليلتين أو ثلاثاً وما يدفنانه، حتى أنتن في بيته - وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها، كما يتقي الناس الطاعون - حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما ! ألا تستحيان أنّ أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه! قالا : إنّا نخشى هذه القُرْحة، قال: فانطلقا وأنا معكما فواللّه ما غسلوه إلا قذفا عليه بالماء من بعيد ما يمتونه وأخرجوه فألقوه بأعلى مكة إلى كنان هناك، وقذفوا عليه بالحجارة حتى واروه .
قال محمد بن إسحاق : فحضر العبّاس بدراً، فأسر فيمن أسر، وكان الذي أسره أبو اليسر كعب بن عمرو أحد بني سلمة، فلمّا أمسى القوم والأسارى محبوسون في الوثاق، وبات رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)تلك الليلة ساهراً، فقال له أصحابه: مالك لا تنام يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ؟ قال : «سمعتُ أنين العبّاس من وثاقه»، (2)، فقاموا إليه فأطلقوه، فنام رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله).
قال وروى ابن عباس رحمه اللّه، كان أبو اليسر رجلاً مجموعاً، وكان العباس طويلاًجسيماً، فقال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) :«يا أبا اليسر، كيف أسرت العبّاس؟» قال: يا رسول اللّه، لقد أعانني عليه رجل ما رأيته من قبل، من هيئته كذا ، قال : «لقد أعانك عليه ملك كريم» (3)
قال محمد بن إسحاق : قد كان رسول اللّه في أول الوقعة، فنهى أن يقتل أحد من بني
هاشم قال : حدّثني بذلك الزهري، عن عبد اللّه بن ثعلبة حليف بني زهرة ، قال : وحدّثني العبّاس بن عبد اللّه بن معبد بن العباس، عن بعض أهله، عن عبد اللّه بن عبّاس رحمه اللّه ، قال : وقال النبي(صلی اللّه علیه واله) لأصحابه :« إنّي قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرِجُوا كَرْهاً ، لا حاجة لنا بقتلهم، فمَنْ لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري فلا يقتله، ومَنْ لقي العبّاس بن عبد المطلب عمّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فلا يقتله، فإنّه إنما خرج مستكرهاً»، فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة : أَنَقْتُلُ آباءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس! واللّه لئن لقيتُه لألحمنه السّيف فسمعها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فقال لعمر بن الخطاب :يا أبا حفص . يقول عمر : واللّه إنّه لأوّل يوم كناني فيه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بأبي حفص - أيضرَبُ وجهُ عمّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالسيف ؟ فقال عمر: يا رسول اللّه، دعني أضرب عنقه بالسيف، فواللّه لقد نافق، قال فكان أبوحذيفة يقول : واللّه ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتُ يومئذ، ولا أزال منها خائفاً أبداً إلا أن يكفّرها اللّه عنّي بشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيداً .
قال محمد بن إسحاق : وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لما استشار أبا بكر وعمر وسعد بن معاذ في أمر الأساري، غلظ عمر عليهم غلظة شديدة، فقال: يا رسول اللّه أطفني فيما أشير به عليك، فإني لا آلوك نصحاً، قدّم عمّك العباس فاضرب عنقه بيدك، وقدّم عَقِيلاً إلى عليّ أخيه يضرب وقدّم كلّ أسير منهم إلى أقرب الناس إليه يقتله، قال :فكره رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ذلك ولم يعجبه.
قال محمد بن إسحاق : فلما قدم بالأسرى إلى المدينة قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله): «اند نفسك يا عبّاس وابني أخويك عَقِيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وحليفك عُقبة بن ،عمرو، فإنّك ذو مال، فقال العباس : يا رسول اللّه ، إني كنت مسلماً، ولكن القوم استكرهوني، فقال(صلی اللّه علیه واله) :«اللّه أعلم بإسلامك»، إن يكن ما قلت حقّاً فإن اللّه يجزيك به، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافتدِ نَفسك»، وقد كان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و أخذ منه عشرين أوقية من ذهب أصابها حين أسر، فقال العباس : يا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) احسبها لي من فدائي، فقال(صلی اللّه علیه واله) :«ذاك شيء أعطانا الله منك» (1)، فقال : يا رسول اللّه ، فإنه ليس لي مال ،قال: فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت عند أمّ الفضل بنت الحارث، وليس معكما أحد، ثم قلت: إن أصبتُ في سفري هذا فللفضل كذا وكذا، ولعبد اللّه كذا وكذا ، ولقتم كذا وكذا! فقال العباس : والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه. ما علم بهذا أحدٌ غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول اللّه ، ثم فدى نفسه وابني أخويه، وحليفه .
1) أخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (86/6) .
قال الواقدي: قدم رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) من الأثيل زيد بن حارثة وعبد اللّه ن الأثيل زيد بن حارثة وعبد اللّه بن رواحة يبشران النّاس بالمدينة فجاء يوم الأحد في الضحى، وفارق عبد اللّه زيداً بالعقيق، فجعل عبد الله ينادي عوالي المدينة : يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول اللّه وقتل المشركين وأسرهم، قتل ابنا ربيعة وابنا الحجاج، وأبو جهل، وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، وأسير سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسري كثير . قال عاصم بن عدي فقمت إليه فنحوته، فقلت: أحّقًا ما تقول يابن رواحة؟ قال : إي واللّه وغداً يقدم رسول اللّه إن شاء اللّه، ومعه الأسرى مقرنين، ثم تتبع دور الأنصار بالعالية يبشرهم داراً داراً، والصبّيان يشتدّون معه، ويقولون : قُتِل أبو جهل الفاسق، حتى انتهوا إلى دور بني أميّة بن زيد.
وقدم زيدبن حارثة على ناقة النّبي(صلی اللّه علیه واله)و القَصْوَاء، يبشر أهل المدينة، فلما جاء المصلّى صاح على راحلته : قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة وابنا الحجّاج وأبو جهل، وأبو البختري وزمعة بن الأسود وأمية بن خلف، وأسِرَ سُهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثيرة، فجعل الناس لا يصدقون زيد بن حارثة ، ويقولون ما جاء زيد إلا فَلاً حتى غاظ المسلمين ذلك، وخافوا، قال : وكان قدوم زيد حين سوّوا على رقيّة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) التراب بالبقيع، فقال رجل من المنافقين لأسامة بن زيد : قتل صاحبكم ومَنْ معه، وقال رجل من المنافقين لأبي لبابة بن عبد المنذر : قد تفرّق أصحابكم تفرّقاً لا يجتمعون معه أبداً، وقد قتل علية أصحابكم، وقتل ،محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد بن حارثة لا يدري ما يقول من الرّعب، وقد جاء فَلاً ، فقال أبو لبابة : كذَّب الله قولك، وقالت يهود :ما جاء زيد إلا فَلاً . قال أسامة بن زيد : فجئت حتى خلوتُ بأبي، فقلت: يا أَبَتِ أحقُّ ما تقول؟ فقال إي واللّه حقاً يا بني، فقويَتْ ،نفسي فرجعت إلى ذلك المنافق، فقلت: أنت المرجف برسول اللّه وبالمسلمين ! لنقدمنك إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إذا قدم، فليضربن عنقك ، فقال : يا أبا محمد، إنّما هو شيء سمعت الناس يقولونه .
قال الواقدي: فقدم بالأسرى وعليهم شقران وهم تسعة وأربعون رجلاً الذين أحصوا، وهم سبعون في الأصل، مجمع عليه لا شك فيه إلا أنهم لم يحص سائرهم، ولقي النّاس رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالرّوحاء يهنئونه يفتح اللّه عليه، فلقيه وجوه الخزرج، فقال سلمة سلامة بن وَقْش : ما الذي تهنؤونه؟ فوالله ما قتلنا إلا عجائز صُلْعاً ! فتبسّم النبي(صلی اللّه علیه واله) فقال : يا بن أخي. أولئك الملا ، لو رأيتهم لهبتهم ، ولو أمروك لاطعتهم، ولو رأيت فعالك مع فعالهم الاحتقرتها ! وبئس القوم كانوا على ذلك لنبيّهم ! فقال سلمة : أعوذ باللّه من غضبه وغضب رسوله، إنك يا رسول اللّه لم تزل عنّي معرضاً منذ كنا بالرّوحاء في بدأتنا ، فقال (صلی اللّه علیه واله): أما ما قلت للأعرابي : وقعت على ناقتك فهي حبلى منك، ففحشت وقلت ما لا علم لك به، وأما ما قلت في القوم.
فإنَّك عمدت إلى نعمة من نعم اللّه ،تزهدها، فقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) معذرته، وكان من علية أصحابه . قال الواقدي فروى الزهري قال: لقي أبو هند البياضي مولى فروة بن عمرو رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ومعه حَمِيت مملوء حَيْساً أهداه له، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله):«إنما أبو هندرجل من الأنصارفأنكحوه وأنكحوا إليه». (1)
قال الواقدي: ولقيه أسيد بن حضير فقال يا رسول اللّه ، الحمد للّه الذي ظفرك وأقر عينك، واللّه يا رسول اللّه ما كان تخلّفي عن بدر وأنا أظنّ بك أنك تلقى عدوّا، ولكني ظننت أنّها العير، ولو ظننت أنّه عدوّ لمّا تخلفت فقال رسول اللّه : صدقت.
قال : ولقيه عبد اللّه بن قيس بتُربان، فقال : يا رسول اللّه الحمد للّه على سلامتك وظفرك ،كنتُ يا رسول اللّه ليالي خرجت موروداً - أي محموماً - فلم تفارقني حتى كان بالأمس ،فأقبلت إليك ، فقال : آجرك اللّه .
قال الواقدي: وكان سهيل بن عمرو لما كان بتنوكة بين السُّقْيا ومَلَل، کان مع مالك بن الدّخشم الذي أسره، فقال له : خلّ سبيلي للغائط، فقام معه، فقال سهيل : إني أحتشم فاستأخِرُ عنّي، فاستأخر عنه، فمضى سهيل على وجهه، انتزع يده من القرآن، ومضى، فلما أبطأ سهيل على مالك بن الدّخشم، ريا أقبل فصاح في النّاس، فخرجوا في طلبه، وخرج النبي(صلی اللّه علیه واله) في طلبه بنفسه، وقال: مَنْ وجده فليقتله، فوجده رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بنفسه أخفى نفسه بين شجرات، فأمربه فربطَتْ يداه إلى عنقه، ثم قرنه إلى راحلته، فلم يركب سهيل خطوة حتى قدم المدينة .
قال الواقدي: فحدثني إسحاق بن حازم بن عبد اللّه بن مقسم ،عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: لقي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و أسامة بن زيد، ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) على ناقته القصوى، فأجلسه بين يديه وسهيل بن عمرو مجبوب، ويداه إلى عنقه، فلمّا نظر إلى سهيل قالوا يا رسول اللّه أبو يزيد! قال نعم هذا الذي كان يطعم الخبز بمكة.
وقال البلاذري : قال أسامة - وهو يومئذٍ غلام - يا رسول اللّه ، هذا الذي كان يطعم الناس بمكة السريد - يعني الثريد. قلت : هذه لثغة مقلوبة، لأنّ الألثغ يبدل السين ،ثاء، وهذا أبدل الثاء سيناً، ومن الناس من يرويها : هذا الذي كان يطعم الناس بمكة الشريد بالشين المعجمة .
1) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب» (1772/4).
قال البلاذري : وحدّثني مُصعب بن عبد اللّه الزبيري عن أشياخه أنّ أسامة رأى سُهَيلاً يومئذ، فقال: يا رسول اللّه هذا الذي كان يطعم السريد بمكّة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وله): «هذا أبو يزيد الذي يطعم الطعام، ولكنه سعى في إطفاء نور اللّه فأمكن اللّه منه» (1).
قال : وفيه يقول أمية بن أبي الصلّت الثقفي :
يأبا يزيد رأيت سيبك واسعاً *** وسماء جودك تستهل فتمطرُ
قال : وفيه يقول مالك بن الدخشم وهو الذي أسره يوم بدر :
أسرتُ سهيلاً فلا أبتغي *** به غيره من جميع الأمم
وخندف تعلم أنَّ الفتى *** سُهَيلاً فتاها إذا تظلِمُ
ضربت بذي الشفر حتى انثنى *** وأكرهت نفسي على ذي العلَم
أي على ذي العلم بسكون اللام، ولكنه حركه للضرورة. وكان سهيل أعلّم مشقوق الشّفة العليا، فكانت أنيابه، بادية، فلذلك قالوا : ذو الأنياب.
قال الواقدي : ولمّا قدم بالأسرى كانت سودة بنت زمعة زوج النبي(صلی اللّه علیه واله) عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوّذ، وذلك قبل أن يضرب الحجاب، قالت سودة :فأتينا فقيل لنا : هؤلاء الأسرى قد أتى بهم، فخرجت إلى بيتي ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فيه، وإذا أبو يزيد مجموعة يداه إلى عنقه في ناحية البيت ،فواللّه ما ملكت نفسي حين رأيته مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت : أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ! ألا متم كراماً فواللّه ما راعني إلّا قول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من البيت :«ديا سودة، أعلى اللّه وعلى رسوله» (2)، فقلت : يا نبيّ اللّه والذي بعثك بالحّق إني ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت .
قال الواقدي : وحدّثني خالد بن إلياس، قال: حدّثني أبو بكر بن عبد اللّه بن أبي جَهم، قال : دخل يومئذٍ خالد بن هشام بن المغيرة وأمية بن أبي حذيفة منزل أم سلمة وأُمُّ سلمة في مناحة آل عَفْراء، فقيل لها : أتي بالأسرى، فخرجت فدخلت عليهم فلم تكلّمهم حتى رجعت، فتجد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في بيت عائشة ، فقالت : يا رسول اللّه إن بني عمي طلبوا أن يدخل بهم
عليّ فأضيفهم، وأدهن رؤوسهم وألم من شعثهم، ولم أحب أن أفعل شيئاً من ذلك حتى استامرك ، فقال(صلی اللّه علیه واله) :«لست أكره شيئاً من ذلك، فافعلي مِنْ هذا ما بدا لك». قال الواقدي: وحدّثني محمد بن عبد اللّه، عن الزهري، قال: قال أبو العاص بن الربيع : كنت مستأسراً مع رَهْط من الأنصار جزاهم اللّه خيراً، كنا إذا تعشينا أو تغدينا اثروني بالخبر، وأكلوا التّمر والخبز عندهم قليل والتمر زادهم، حتى إنّ الرجُلَ لتقع في يده الكسرة فيدفعها إلي، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد قال : وكانوا يحملوننا ويمشون.
وقال محمد بن إسحاق في كتابه : كان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) زوّج ابنته زينب، وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالاً وأمانة وتجارة، وكان ابناً لهالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، وكان الربيع بن عبد العزى، بعل هذه فكانت خديجة خالته ، فسألت خديجة رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أن يزوجه زينب، وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لا يخالف خديجة، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي ، فزوجه إيّاها، فكان أبو العاص من خديجة بمنزلة ولدها، فلمّا أكرم اللّه رسوله بتبوّته أمنت به خديجة وبناته كلهن وصدّقنه وشهدن أن ما جاء به حقّ ودِنّ بدينه، وثبت أبو العاص على شركه، وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قد زوّج عُتبة بن أبي إحدى ابنتيه رقيّة أو أم كلثوم، وذلك من قبل أن ينزل عليه، فلما أنزل عليه الوحي ونادى قومه يأمر اللّه باعدوه.
فقال بعضهم لبعض : إنكم قد فرغتم محمد من همه، أخذتم عنه بناته وأخرجتموهنّ من عياله، فردّوا عليه بناته، فاشغلوه بهنّ فمشوا إلى أبي العاص بن الربيع، فقالوا : فارق صاحبتك بنت محمد، ونحن نزوّجك أي امرأة شئت من قريش، فقال: لاها اللّه! إذن لا أفارق صاحبتي، وما أحبّ أن لي بها امرأة من قريش فكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إذا ذكره يثني عليه خيراً في صهره، ثم مشوا إلى الفاسق عُتبة بن أبي لهب فقالوا له : طلق بنت محمد ونحن ننكحك أي امرأة شئت من قريش فقال : إن أنتم زوّجتموني ابنة أبان بن سعيد بن العاص، أو ابنة سعيد بن العاص فارقتُها ، فزوجوه ابنة سعيد بن العاص، ففارقها ولم يكن دخل بها، فأخرجها اللّه من يده كرامة لها وهواناً له ثم خلف عليها عثمان بن عفان بعده.
وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) مغلوباً على أمره بمكة لا يُحلّ ولا يُحرّم، وكان الإسلام قد فرّق بين زينب وأبي العاص، إلّا أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و كان لا يقدر وهو بمكة أن يفرّق بيتهما، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى المدينة، وبقيت زينب بمكة مع أبي العاص، فلمّا سارت قريش إلى بذر سار أبو العاص معهم، فأصيب في الأسرى يوم ،بدر فأتى به النبي(صلی اللّه علیه واله) ، فكان عنده مع الأساري، فلما بعث أهل مكة في فداء أساراهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بعلها بمال، وكان فيما بعثت به قلادة كانت خديجة أمّها
أدخلتها بها على أبي العاص ليلة زفافها عليه، فلما رآها رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) رق لها رقة شديدة، وقال للمسلمين :« إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها ما بعثت به من الفداء فافعلوا »، فقالوا : نعم يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، نفديك بأنفسنا وأموالنا ، فردوا عليها ما بعثت به، وأطلقوا لها أبا العاص بغير فداء .(1)
قلت: قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي رحمه اللّه هذا الخبر، فقال: أترى أبا بكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد أما كان يقتضي التكريم والإحسان أن يطيب قلب فاطمة بفدَك، ويستوهب لها من المسلمين، أتقصر منزلتها عند رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عن منزلة زينب أختها وهي سيّدة نساء العالمين !هذا إذا لم يثبت لها حق ، لا بالنحلة ولا بالإرث، فقلت له : فذك بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقًا من حقوق المسلمين فلم يَجُز له أن يأخذه منهم ، فقال : وفداء أبي العاص بن الربيع قد صار حقًا من حقوق المسلمين، وقد أخذه رسول الله منهم ! فقلت : رسول الله (صلی اللّه علیه واله) صاحب الشريعة ، والحُكم حكمه، وليس أبو بكر كذلك، فقال: ما قلتُ: هَلاً أخذه أبو بكر من المسلمين قهراً فدفعه إلى فاطمة وإنما قلت: هلا استنزل المسلمين عنه واستوهبه منهم لها كما استوهب رسول الله (صلی اللّه علیه واله) المسلمين فداء أبي العاص ! أتراه لو قال : هذه بنت نبيكم قد حضرت تطلب هذه النخلات، أفتطيبون عنها نفساً؟ أكانوا منعوها ذلك ! فقلت له : قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد نحو هذا قال: إنّهما لم يأتيا بحسن في شَرْع التكرّم، وإن كان ما أتياه حَسَناً في الدين.
قال محمد بن إسحاق : وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لمّا أطلق سبيل أبي العاص أخذ عليه فيما نرى أو شرط عليه في إطلاقه، أو أن أبا العاص وعد رسول الله (صلی اللّه علیه واله) ابتداء بأن يحمل زينب إليه إلى المدينة، ولم يظهر ذلك من أبي العاص ،ولا من رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) إلا أنه لما خُلِّيَ سبيله، وخرج إلى مكة بعث رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بعده زيد بن بعده زيد بن حارثه ورجلاً من الأنصار، فقال لهما : كونا بمكان كذا حتى تمرّ بكما زينب فتصحبانها حتى تأتياني بها، فخرجا نحو مكّة وذلك بعد بدر بشهر أو شيعه، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فأخذت تتجهز .
قال محمد بن إسحاق : فحدّثت عن زينب أنّها قالت :بينا أنا أتجهر للحوق بأبي، لقيتني هند بنت عتبة، فقالت : ألم يبلغني يا بنت محمد أنك تريدين اللّحوق بأبيك! فقلت : ما أردت ذلك، فقالت : أي بنت عم لا تفعلي إن كانت لك حاجة في متاع أو فيما يرفق بك في سفرك أو مال تبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك، فلا تَضْطَني منّي، فإنّه لا يدخل بين النساء ما يدخل الرجال، قالت وايم اللّه إني لأظنها حينئذ صادقة ،ما أظنها قالت حينئذ إلا لتفعل
1) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد : 214/9
ولكن خفتُها فأنكرت أن أكون أريد ذلك. قالت: وتجهزتُ حتى فرغت من جهازي، فحملني أخو بَعْنِي وهو كنانة بن الربيع.
قال محمد بن إسحاق : قدّم لها كنانة بن الربيع بعيراً فركبته وأخذ قوسه وكنانته، وخرج بها نهاراً يقود بعيرها، وهي في هَوْدَج لها، وتحدّث بذلك الرجال من قريش والنساء، وتلاومت في ذلك، وأشفقت أن تخرج ابنة محمد من بينهم على تلك الحال ،فخرجوا في طلبها سراعاً حتى أدركوها بذي طوى، فكان أوّل مَنْ سبق إليها هبار بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي ونافع بن عبد القيس الفِهْرِي، فروعها هبار بالرمح وهي في الهودج ، وكانت حاملاً ، فلما رجعت طرحت ما في بطنها، وقد كانت من خوفها رأت دماً وهي في الهودج، فلذلك أباح رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يوم فتح مكّة دمَ هبّار بن الأسود.
قلت: وهذا الخبر أيضاً قرأته على النقيب أبي جعفر رحمه اللّه، فقال: إذا كان رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)أباح دم هبّار بن الأسود ؛ لأنّه روّع زينب فألقت ذا بطنها، فظهر الحال أنه لو كان حيًّا لأباح دم مَنْ رَوّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها . فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم أنّ فاطمة روّعت فألقت المحسن، فقال : لا تروِه عَنِّي ولا تَزْوِ عَنِّي بطلانه .
فإنّي متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي فيه (1).
قال الواقدي: فبرك حَمُوها كنانة بن الربيع، ونثل كنانته بين يديه، ثم أخذ منها سهماً فوضعه في كبد قوسه وقال: أحلف باللّه لا يدنو اليوم منها رجلٌ إلّا وضعتُ فيه سهماً ، فتكرّ الناس عنه .
قال : وجاء أبو سفيان بن حرب في جلّةٍ من قريش ،فقال أيّها الرّجل، اكفف عنّا نَبْلَك حتى نكلّمك ، فكفّ. فأقبل أبو سفيان حتّى وقف عليه، فقال: إنّك لم تحسن ولم تُصِبْ ،خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية جهاراً ، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد أبيها، فيظنّ الناس إذا أنت خرجت بابنته إليه جهاراً أنّ ذلك عن ذل أصابنا، وأنّ ، ذلك منا وَهَن، ولعمري مالنا في حبسهما عن أبيها من حاجة، وما فيها من ثأر، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدّث الناس بردّها سُلّها سَلاً خفيا، فالحقها بأبيها . فردها كنانة بن الربيع إلى مكّة فأقامت بها ليالي حتى إذا هذا الصوت عنها حملها على بعيرها، وخرج بها ليلاً حتى سلّمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله).
1) ممن روى سقوط المحسن ابن كثير في أسد الغابة : 307/4 ، والسيوطي في الحاوي للفتاوى :81/2 ، رسالة السلالة الزينبية، والجزائري في الأنوار النعمانية : 371/1
قال محمد بن إسحاق : فروى سليمان بن يسار، عن أبي إسحاق الدوسي، عن أبي هريرة ،قال: بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) سريّة أنا فيها إلى عير لقريش، فيها متاع لهم وناس منهم، فقال: إن ظفرتم بهتار بن الأسود ونافع بن عبد قيس، فحرّقوهما بالنّار، حتى إذا كان الغد بعث فقال لنا : إني كنت قد أمرتكم بتحريق الرّجلين إن أخذتموها ، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذّب بالنار إلاّ اللّه تعالى، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما، ولا تحرّقوهما (1)
قلت : لقائل من المجبرة أن يقول : أليس هذا نسخ الشيء قبل تقضّي وقت فعله، وأهل العدل لا يجيزون ذلك! وهذا السؤال مشكل، ولا جواب عنه إلا بنفع الخبر إما بتضعيف أحد من رواته، أو إبطال الاحتجاج به لكونه خبر واحد، أو بوجه آخر، وهو أن نجيز للنبّي الاجتهاد في الأحكام الشرعية كما يذهب إليه كثير من شيوخنا ، وهو مذهب القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ومثل هذا الخبر حديث براءة وإنفاذها مع أبي بكر، وبعث علي(علیه السلام) ، فأخذها منه في الطريق، وقرأها على أهل مكة بعد أن كان أبو بكر هو المأمور بقراءتها عليهم.
فأما البلاذري فإنه روى أن هبار بن الأسود كان ممّن عرَض لزينب بنت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) حين حملت من مكة إلى المدينة، فكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يأمر سراياه إن ظفروا به أن يحرّقوه بالنار، ثم قال : لا يعذّب بالنّار إلّا ربّ النار، وأمرهم إن ظفروا به أن يقطعوا يديه ورجليه ويقتلوه، فلم يظفروا به، حتى إذا كان يوم الفتح هرب هبار، ثم قدم على رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) بالمدينة - ويقال : أتاه بالجعرانة - حين فرغ من أمر حُنَين، فمثل بين يديه، وهو يقول : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّك رسول اللّه، فقبل إسلامه وأمر ألا يُعرض له، وخرجت سلمى مولاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) فقالت: لا أنعم اللّه بك عيناً ! فقال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله):«مهلا، فقد محا الإسلام ما قبله».
قال البلاذري : فقال الزبير بن العوام: لقد رأيتُ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بعد غلظته على هبّاربن الأسود يطأطيء رأسه استحياءٌ منه وهبار يعتذر إليه، وهو يعتذر إلى هبار أيضاً .
قال محمد بن إسحاق : فأقام أبو العاص بمكّة على شركه، وأقامت زينب عند أبيها(سلام اللّه علیها) بالمدينة، قد فرّق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبل الفتح، خرج أبو العاص تاجراً إلى الشام بمال له، وأموال لقريش أبضعوا بها معه، وكان رجلاً مأموناً، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلاً
1) أخرجه البخاري كتاب الجهاد باب لا يعذب بعذاب الله (3016)، والترمذي، كتاب السير باب ما جاء في النهي عن قتل النساء (1571) وأحمد كتاب: باقي مسند المكترين :باب: مسند أبي هريرة (8007).
لقيته سرية لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فأصابوا ما معه وأعجزهم هو هارياً ، فخرجت السرية بما أصابت من ماله ،حتى قدمت به علی رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ، وخرج أبو العاص تحت الليل، حتى دخل على زينب - ابنة رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) - ،منزلها ، فاستجار بها فأجارته وإنما جاء في طلب ماله الذي أصابته تلك السرية، فلمّا كبر رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) في صلاة الصبح ، وكبر الناس معه، صرخت زينب من صُفّةِ النساء: أيها الناس إنّي قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فصلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالنّاس الصّبح ، فلمّا سلم من الصلاة، أقبل عليهم فقال : «أيها الناس، هل سمعتم ما سمعتُ؟»، قالوا: نعم، قال: «أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء مما كان حتىسمعتم، إنه يجير على الناس أدناهم ».
ثم انصرف ودخل على ابنته زينب، فقال:«أي بنية أكرمي مثواه وأحسني قراء، ولا يصلن إليك، فإنَّك لا تَحِلّين له» (1).
ثم بعث إلى تلك السرية الذين كانوا أصابوا مال أبي العاص، فقال لهم : إنّ هذا الرجل منّا بحيث علمتم، وقد أصبتم له مالاً ، فإن تحسنوا وتردّوا عليه الذي له، فإنّا نحبّ ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الذي أفاء عليكم، وأنتم أحق به فقالوا يا رسول اللّه ، بل نرده عليه، فردوا عليه ماله ومتاعه، حتى إن الرجل كان يأتي بالحبل، ويأتي الآخر بالشنّة، ويأتي الآ. بالإداوة، والآخر بالشظاظ، حتى ردُّوا ماله ومتاعه بأسره من عند آخره ولم يفقد منه شيئاً . ثم احتمل إلى مكة، فلما قدمها أدى إلى كلّ ذي مال من قريش ماله ممّن كان أبضع معه بشيء، حتى إذا فرغ من ذلك، قال لهم : يا معشر قريش هل بقي لأحدٍ منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا : لا فجزاك الله خيراً، لقد وجدناك وفيا كريماً ، قال : فإني أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، واللّه ما منعني من الإسلام إلا تخوّف أن تظنّوا أني أردتُ أن أكل أموالكم، وأذهب بها فإذ سلّمها اللّه لكم، وأدّاها إليكم، فإني أشهدكم أني قد أسلمتُ واتبعت دين محمّد ثم خرج سريعاً حتى قدم على رسول اللّه المدينة .
قال محمد بن إسحاق : فحدّثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ،أن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)ردّ زينب بعد ستّ سنين على أبي العاص بالنكاح الأول لم يحدث شيئاً .
قال الواقدي : فلمّا فرغ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من أمر الأساري، وفرق اللّه عزّ وجلّ ببدر بين الكفر والإيمان ،أذلّ رقاب المشركين والمنافقين واليهود، ولم يبق بالمدينة يهوديّ ولا منافق
الا خضعت عنقه .
1) أخرجه الحاكم في مستدركه (263/3) ، والبيهقي في سننه الكبرى (95/9) .
وقال قوم من المنافقين :ليتنا خرجنّا معه حتى تصيب غنيمة. وقالت يهود فيما بينها : هو
الذي نجد نعته في كتبنا، واللّه لا تُرفع له راية بعد اليوم إلّا ظهرت. وقال كعب بن الأشرف بطن الأرض اليوم خير من ظهرها هؤلاء أشراف الناس وساداتهم، وملوك العرب وأهل الحرم والأمن قد أصيبوا . وخرج إلى مكّة، فنزل على أبي وَدَاعة بن ضُبَيرة، وجعله يرسل هجاء المسلمين، ورثى قتلى بدر من المشركين، فقال:
طَحَنَتْ رَحَا بدر لِمُهْلَكِ أهله *** ولِمِثْلِ بذر يُستهل ويُدْمَعُ
قُتِلَتْ سراةُ النَّاس حول حياضه *** لا تبعدُوا إِنَّ الملوك تُصَرَّعُ
ويقولُ أقوام أذل بعزّهم *** إن ابن أشرف ظلّ كعبا يجزَعُ
صدقوا فليت الأرض ساعة قتلُوا*** ظلت تسيخُ بأهلها وتصدّعُ
نُبُعْتُ أن الحارث بن هِشَامِهِمْ *** في النّاس يبني الصالحات ويَجْمَعُ
ليزور يشرب بالجموع وإنَّما ***يسعى على الحسب القديم الأرْوَعُ
قال الواقدي : أملاها علي عبد اللّه بن جعفر ومحمد بن صالح وابن أبي الزناد. فلمّا أرسل كعب هذه الأبيات أخذَها الناس بمكّة عنه، وأظهروا المراثي - وقد كانوا حرّموها كيلا يشمت المسلمون بهم - وجعل الصبيان والجواري ينشدونَها بمكّة ،فناحت بها قريش على قتلاها شهراً، ولم تبق دار بمكّة إلا فيها النوح - وجز النساء شعورهنّ وكان يؤتى براحلة الرّجل منهم أو بفرسه، فتوقف بين أظهرهم، فينوحون حولها، وخرجن إلى السكك، وضربن الستور في الأزقة، وقطعن فخرجن إليها ينحن، وصدّق أهل مكة رؤيا عاتكة وجهيم بن الصَّلت .
قال الواقدي: وكان الذين قدموا من قريش في فداء الأسرى أربعة عشر رجلاً، وقيل خمسة
عشر رجلاً ، وكان أوّل مَنْ قدم المطلّب بن أبي وداعة، ثم قدم الباقون بعده بثلاث ليال.
قال : فحدّثني إسحاق بن يحيى، قال: سألت نافع بن جُبير : كيف كان الفداء؟ قال : أرفعهم أربعة آلاف إلى ثلاث آلاف إلى ألفين إلى ألف ،إلّا قوماً لا مال لهم من عليهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله).
قال الواقدي : وقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) في أبي وداعة ،إنّ له بمكّة ابناً كيساً له مال، وهو مُغل فداءه، فلمّا قدم افتداء بأربعة آلاف وكان أوّل أسير افتدي، وذلك أن قريشاً قالت لابن المطلب بن أبي وداعة - ورأته يتجهزّ يخرج إليه - لا تعجل فإنّا نخاف أن تفسد علينا في أسارانا، ويرى محمد تهالكنا فيُغلي علينا الفدية، فإن كنت تجد فإنّ كلّ قومك لا يجدون من السّعة ما تجد. فقال : لا أخرج حتى تخرجوا، فخادعهم حتى إذا غفلوا خرج من اللّيل على راحلته، فسار أربعة ليال إلى المدينة فافتدى أباه بأربعة آلاف .فلامه قريش في ذلك، فقال : ما كنت لأترك أبي أسيراً في أيدي القوم وأنتم مضجعون، فقال أبو سفيان بن حرب: إن هذا غلام
حدّث يعجب بنفسه وبرأيه، بنفسه وبرأيه، وهو مفسد عليكم ،إنّي واللّه غير مفتد عمرو بن أبي سفيان، ولو مكث سنة أو يرسله محمد : واللّه ما أنا بأعوذكم، ولكنّي أكره أن أدخل عليكم ما يشقّ عليكم ، ولكن يكون عمرو كأسوتكم.
قال الواقدي: فأما أسماء القوم الذين قدموا في الأسرى، فإنّه قدم من بني عبد شمس الوليد بن عُقبة بن أبي معيط ،وعمرو بن الربيع أخو أبي العاص بن الربيع. ومن بني نوفل بن عبد مناف جبير بن مطعم ،ومن بني عبد الدار بن قصي طلحة بن أبي طلحة، ومن بني أسد بن عبد العُزّى بن قصي عثمان بن أبي حبيش. ومن بني مخزوم عبد اللّه بن أبي ربيعة وخالد بن الوليد وهشام بن الوليد بن المغيرة وفروة بن السائب وعكرمة بن أبي جهل. ومن بني جُمَح أبي بن خلف وعُمير بن وهب. ومن بني سهم المطلب بن أبي وداعة وعمرو بن قيس. ومن بني مالك بن حِسْل مكرز بن حفص بن الأحنف كل هؤلاء قدموا المدينة فداء أهلهم وعشائرهم . وكان جبير بن مطعم يقول : دخل الإسلام في قلبي منذ قدمت المدينة في الفداء، سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقرأ في صلاة المغرب:(وَالطُّورِ وَكِتَبِ مَسطُوُرِ) (1)، فاستمعت، قراءته، فدخل الإسلام في قلبي منذ ذلك اليوم.
قال الواقدي: أسر من بني هاشم العبّاس بن عبد المطلب ،أسره أبو اليسر كعب بن عمرو، وعَقِيل بن أبي طالب أسره عبيد بن أوس الظفّري، ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب أسره جبّار بنصخر، وأسر حليف لبني هاشم من بني فهر، اسمه عتبة فهؤلاء أربعة .
ومن بني المطلّب بن عبد مناف السائب بن عبيد ،وعبيد بن عمرو بن علقمة ،رَجُلان أسرهما سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي. قال الواقدي: حدّثني بذلك ابن أبي حبيبة ،قال: ولم يقدم لهما أحد، وكانا لا مال لهما، ففك رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عنهما بغير فدية .
ومن بني عبد شمس بن عبد مناف عُقبة بن أبي مُعَيط المقتول صبراً، على يد عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بأمر رسول اللّه ، أسره عبد اللّه بن أبي سلمة العجلاني، والحارث بن أبي وخرة بن أبي عمرو بن أمية أسره سعد بن أبي وقاص، فقدم في فدائه الوليد بن عقبة بن أبي معيط فافتداه بأربعة آلاف.
1) سورة الطور، الآيتان: 1 ، 2 .
قال الواقدي: وقد كان الحارث هذا لما أمر النبي(صلی اللّه علیه واله) البرد الأسارى، ثم أقرع بين أصحابه عليهم، وقع في سهم سعد بن أبي وقاص الذي كان أسره أوّل مرة - وعمرو بن أبي سفيان أسره علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وصار بالقُرْعة في سهم رسول الله(صلی اللّه علیه واله) فأطلقه بغيرفذية، أطلقه يسعد بن النعمان بن أكال من بني معاوية، خرج معتمراً، فحبس بمكة، فلم يطلقه المشركون حتى أطلق رسول الله (صلی اللّه علیه واله)عمرو بن أبي سفيان.
وروی محمد بن إسحاق في كتاب «المغازي»: أن عمرو بن أبي سفيان أسره علي(علیه السلام) يوم بدر، وكانت أمه ابنة عُقبة بن أبي مُعَيط، فمكث في يد رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فقيل لأبي سفيان: ألا تفتدِي ابنك عمراً ؟ قال: أيجمع علي دمي ومالي ! قتلوا حنظلة وأفتدي عمراً ! دعوه في أيديهم فليمسكوه ما بدا لهم. فبينا هو محبوس بالمدينة، خرج سعد بن النعمان بن اكمال أخو بني عمرو بن عوف معتمراً، ومعه امرأة له وكان شيخاً كبيراً لا يخشى ما صنع به أبو سفيان: وقد عهد قريشاً ألا يعرض لحاجّ ولا معتمر، فعدًا عليه أبو سفيان، فحبسه بمكّة بابنه عمرو بن أبي سفيان ،وأرسل إلى قوم بالمدينة هذا الشعر :
ارهط ابن أكال أجيبوا دعاءه *** تعاقدتمُ لا تُسلموا السَّيّد الكَهْلاً
فإنّ بني عمرو لشام اذلة *** لئن لم يفكوا عن أسيرهُم الكَبْلا
فمشى بنو عمرو بن عوف حين بلغهم الخبر إلى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فأخبروه بذلك، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان ليفكُوا به صاحبهم، فأعطاهم إياه، فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلّى سبيل سعد، وقال حسان بن ثابت يجيب أبا سفيان :
ولوكان سعد يوم مكة مطلقاً *** لأكثر فيكُم قبل أن يؤسر القتلى
بغضب حسام أو بصفراء تبعة *** تحن إذا ما أنيضت تحفز النيلاً
وأبو العاص بن الربيع، أسره خراش بن الصمة، فقدم في فدائه عمرو بن أبي الربيع أخوه ،وحليف لهم ، يقال له ،أبو ريشة افتداء عمرو بن الربيع أيضاً. وعمرو بن الأزرق افتكه عمرو بن الربيع أيضاً، وكان قد صار في سهم تميم مولى خراش بن الصمّة، وعُقبة بن الحارث الخضرمّي أسره عمارة بن حزم، فصار في القرعة لأبي بن كعب افتداه عمرو بن أبي سفيان بن أميّة، وأبو العاص بن نوفل بن عبد شمس، أسره عمار بن ياسر قدم في فدائه بن عمّه . .عمّه فهؤلاء ثمانية .
ومن بني نوفل بن عبد مناف عدّي بن الخيار، أسره خراش بن الصمّة، وعثمان بن عبد شمس ،ابن أخي عتبة بن غزوان حليفهم، أسره حارثة بن النعمان ،وأبو ثور ،أسره أبو مرتد الغنَوِيّ، فهؤلاء ثلاثة افتداهم جُبير بن مطعم. ومن بني عبد الدار بن قصيّ أبو عزيز بن عُمير، أسره أبو اليسر، ثم صار بالقرعة لمحرز بن نَضْلة - قال الواقدي: أبو عزيز هذا هو أخو مصعب بن عمير لأبيه ،وأمّه، وقال مصعب
المحرز بن نضلة: اشدد يديك به، فإنّ له أمّا بمكة كثيرة المال، فقال له أبو عزيز : هذه وصاتك بي يا أخي! فقال مصعب : إنّه أخي دونك، فبعثت فيه أمه أربعة آلاف، وذلك بعد أن سألت : ما أغلى ما تُفادِي به قريش؟ فقيل لها أربعة آلاف - والأسود بن عامر بن الحارث بن السبّاق أسره حمزة بن عبد المطلب،فهذان اثنان قدم في فدائهما طلحة بن أبي طلحة .
و من أسد بن عبد العُزّى بن قصي، السائب بن أبي حُبَيش بن المطّلب بن أسد بن عبدالعزّى ،أسره عبد الرحمن بن عوف. وعثمان بن الحويرث بن عثمان بن أسد بن عبد العزّى، أسره حاطب بن أبي بلتعة ،وسالم بن شمّاخ أسره سعد بن أبي وقّاص، فهؤلاء ثلاثة قدم في فدائهم عثمان بن أبي حبيش بأربعة آلاف لكل رجل منهم . ومن بني تميم بن مرّة، مالك بن عبد اللّه بن عثمان، أسره قطبة بن عامر بن حديدة، فمات في المدينة أسيراً .
ومن بني مخزوم خالد بن هشام بن المغيرة ،أسره سواد بن غزية ،وأميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة، أسره بلال ،وعثمان بن عبد اللّه بن المغيرة، وكان أفلت يوم نخلة، أسره واقد بن عبد اللّه التميمي يوم بدر، فقال له : الحمد اللّه الذي أمكنني منك، فقد كنت أفلت يوم نخلة -وقدم في فداء هؤلاء الثلاثة عبد اللّه بن أبي ربيعة، افتدى كلّ واحد منهم بأربعة آلاف- والوليد بن الوليد بن المغيرة ،أسره عبد اللّه بن جحش، فقدم في فدائه أخواه خالد بن الوليد، وهشام بن الوليد، فتمنّع عبد اللّه بن جحش، حتى افتگاه بأربعة آلاف، فجعل هشام بن الوليد ،يريد ألا يبلغ ذلك - يريد ثلاثة آلاف فقال خالد لهشام إنه ليس بابن أمّك، واللّه لو أبى فيه إلّا کذا وكذا لفعلت، فلما افتدياه خرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة ،فأفلت، فأتى النبي (صلی اللّه علیه واله)فأسلم، فقيل : ألا أسلمت قبل أن تفتدي !قال كرهتُ أن أسلم حتّى أكون أسوةً بقومي - قال الواقدي : ويقال إن الذي أسر الوليد بن الوليد سليط بن قيس المازني - وقيس بن السائب، أسره عبدة بن الحسحاس ،فحبسه عنده حيناً، وهو يظنّ أنّ له مالاً ، ثم قدم في فدائه أخوه فروة بن السائب، فأقام أيضاً حيناً، ثم افتداء بأربعة آلاف فيها عُروض.
ومن بني أبي رفاعة صيفيّ بن أبي رفاعة بن عائذ بن عبد اللّه بن عمير بن مخزوم، وكان لا مال له، أسره رجل من المسلمين، فمكث عندهم، ثم أرسله، وأبو المنذر بن أبي رفاعة بن عائذ افتُدي بألفين - ولم يذكر الواقدي مَنْ أسره - وعبد اللّه، وهو أبو عطاء بن السائب بن عائذ بن عبداللّه، افتُدي بألف درهم، أسره سعد بن أبي وقاص، والمطلب بن حنظلة بن الحارث بن عبيد بن عمير بن مخزوم ،أسره أبو أيوب الأنصاري - ولم يكن له مال فأرسله بعد حين - وخالد بن الأعلم العقيلي، حليف لبني مخزوم، وهو الذي يقول : وَلَسْنَا على الأعقاب تدمى كلُومُنا *** ولكن على أقدامنا تقطر الدّما
وقال محمد بن إسحاق : روي أنه كان أوّل المنهزمين ،أسره الخبّاب بن المنذر بن الجَمُوج، وقدم في فدائه عكرمة بن أبي جهل، فهؤلاء عشرة . ومن بني جُمح عبد اللّه بن أبي بن خلف ،أسره فروة بن أبي عمرو البياضي، قدم في فدائه أبوه أبي بن خَلَف فتمنع به فروة حيناً. وأبو عزّة عمرو بن عبد اللّه بن وهب ،أطلقه رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بغير فذية، وكان شاعراً خبيث اللسان، ثم قتله يوم أحد، بعد أن أسره - ولم يذكر الواقدي الذي أسره يوم بدر - ووهب بن عمير بن وهب ،أسره رفاعة بن رافع الزرقي : وقدم أبوه عمير بن وهب في ،فدائه فأسلم فأرسل النبي(صلی اللّه علیه واله) له ابنه بغير فداء، وربيعة بن درّاج بن العنبس بن وهبان بن وهب بن حذافة بن جمح، وكان لا مال له ،فأخذ منه بشيء يسير وأرسل به - ولم يذكر الواقدي من أسره - والفاكه مولى أمية بن خلف ،أسره سعد بن أبي وقاص، فهؤلاء خمسة .
ومن بني سهم بن عمرو أبو وداعة بن صُبيرة وكان أوّل أسير افتدي، قدم في فدائه ابنه المطلب، فافتداء بأربعة آلاف - ولم يذكر الواقدي مَنْ أسره - وفَرْوة بن قيس بن عدي بن حذافة بن سعيد بن سهم ،أسره ثابت بن أقزم، وقدم في فدائه عمرو بن قيس، افتداه بأربعة آلاف ،وحنظلة بن قبيصة بن حذافة بن سعد، أسره عثمان بن مظعون، والحجّاج بن الحارث بن قيس بن سعد بن سهم ،أسره عبد الرحمن بن عوف، فأفلت فأخذه أبو داود المازني. فهؤلاء أربعة .
ومن بني مالك بن حِسْل سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد وَدّ بن نصر بن مالك، أسره مالك بن الدّخشم، وقدم في فدائه مكرز بن حَفْص بن الأحنف ،وانتهى في فدائه إلى إرضائهم : بأربعة آلاف، فقالوا : هات المال، فقال: نعم،اجعلوا رجلاً مكان رجل، وقوم يروونها :«رجُلاً مكان رجل»،فخلوا سبيل سهيل، وحبسوا مكرز بن حفص عندهم، حتى بعث سهيل بالمال من مكة، وعبد اللّه بن زمعة بن قيس بن نصر بن مالك ،أسره عمير بن عوف، مولي سُهَيل بن عمرو، وعبد العزّى بن مشنوء بن وقدان بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود سمّاه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بعد إسلامه عبد الرحمن، أسره النعمان بن مالك. فهؤلاء ثلاثة . ومن بني فهر الطفيل بن أبي قنيع، فهؤلاء ستة وأربعون أسيراً .
وفي كتاب الواقدي أنّه كان الأسارى الذين أحصوا وعرفوا تسعة وأربعين ،ولم نجد التفصيل يلحق هذه الجملة .
وروى الواقدي عن سعيد بن المسيّب، قال : كانت الأساري سبعين، وإنّ القتلى كانت زيادة على سبعين إلّا أنّ المعروفين من الأسرى هم الذين ذكرناهم، والباقون لم يذكر المؤرخون أسماءهم .
قال الواقدي: المتفق عليه ولا خلاف بينهم فيه تسعة، فمن بني عبد مناف الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف وعتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس .
ومن بني أسدبن عبد العزى، زمعة بن الأسود بن المطلّب بن أسد، ونوفل بن خويلد المعروف بابن العدوّية. ومن بني مخزوم، أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة . ومن بني جُمح ، أمية بن خلف . ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج . فهؤلاء تسعة.
قال الواقدي: وكان سعيد بن المسيّب يقول : ما أطعم أحد ببدر إلّا قتل .
قال الواقدي: قد ذكروا عدة من المطعمين ،اختلف فيهم ،كسهيل بن عمرو وأبي البختري
وغيرهما .
قال : حدّثني إسماعيل بن إبراهيم عن موسى بن عتبة ،قال: أوّل مَنْ نحر لهم أبو جهل بمرّ الظهران عشراً، ثم أمية بن خلف بعسفان تسعاً، ثم سهيل بن عمرو بقديد عشراً، ثم مالوا إلى مياه من نحو البحر ضلّوا الطريق، فأقاموا بها يوماً، فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعاً، ثم صبحوا بالأبواء فنحر له قيس الجمحي، تسعاً، ثم نحر عتبة عشراً ، ونحر لهم الحارث بن عمرو تسعاً، ثم نحر لهم أبو البختري على ماء بدر عشراً، ونحر لهم مقيس بن ضبابة على ماء بدر تسعاً، ثم شغلتهم الحرب.
قال الواقدي: وقد كان ابن أبي الزّناد يقول : واللّه ما أظنّ مقيساً كان يقدر على قلُوص واحدة .
قال الواقدي : وأما أنا فلا أعرف قيساً الجمحّي . قال : وقد روت أم بكر، عن المسور بن مخرمة ابنها، قال: كان النفر يشتركون في الإطعام، فينسب إلى الرّجل الواحد ويسكت عن سائرهم.
وروى محمد بن إسحاق أنّ العباس بن عبد المطلب كان من المطعمين في بدر، وكذلك طعيمة بن عدي بن نوفل كان يعتقب هو وحكيم والحارث بن عامر بن نوفل ،وكان أبو البختري يعتقب هو وحكيم بن حزام في الإطعام، وكان النضر بن والحارث بن كلّده بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار من المطعمين . قال : وكان النبي(صلی اللّه علیه واله) يكره قتل الحارث بن
عامر ، قال يوم بدر :«مَنْ ظفر به منكم فليتركه لأيتام بني نوفل» (1)، فقتل في المعركة.
قال الواقدي :حدّثني عبد اللّه بن جعفر،قال :سألت الزهري:كم استشهد من المسلمين ببدر؟ قال : أربعة عشر، سنّة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
قال : فمن بني المطلب بن عبد مناف عبيدة بن الحارث، قتله شيبة بن ربيعة . وفي رواية الواقدي قتله عتبة، فدفنه النبي(صلی اللّه علیه واله) بالصفراء. ومن بني زهرة عمير بن أبي وقاص، قتله عمرو بن عبدودّ، فارس الأحزاب، وعمير بن عبد ود ذو الشمالين ،حليف لبني زُهرة بن خُزاعة، قتله أبو أسامة الجشمي.
ومن بني عدّي بن كعب عاقل بن أبي البكير ، حليف لهم من بني سعد بن بكر، قتله مالك زهير الجُشَمِي، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، قتله عامر بن الحضرمي، ويقال : إن مهجعاً أوّل من قتل من المهاجرين . ومن بني الحارث بن فهر صفوان بن بيضاء، قتله طعيمة بن عدّي .
وهؤلاء الستة من المهاجرين .
ومن الأنصار، ثمّ من بني عمرو بن عوف، مبشر بن عبد المنذر قتله أبو ثور، وسعد بن خيثمة، قتله عمرو بن عبدود - ويقال طعيمة بن عدّي - ومن بني عدي بن النجار حارثة بن راقة رماه حبان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته، فقتله . ومن بني مالك بن النجار، عوف ومعوّذ ابنا عفراء، قتلهما أبوجهل.
ومن بني سلمة بن حرام عمير بن الحمام بن الجموح، قتله خالد بن الأعلم العقيلي - ويقال إن عمير بن الحمام أول قتيل قتل من الأنصار، وقد روي أن أوّل قتيل منهم حارث بن سراقة .
ومن بني زريق، رافع بن المُعلّي، قتله عكرمة بن أبي جهل.
ومن بني الحارث بن الخزرج يزيد بن الحارث بن قسحم، قتله نوفل بن معاوية الديلي . فهؤلاء الثمانية من الأنصار .
قال الواقدي: وقد روي عن عكرمة، عن ابن عباس أن أنسة مولى النبي(صلی اللّه علیه واله) قتل ببدر . وروي أن معاذ بن ماعص جرح ببدر، فمات من جراحته بالمدينة، وأن عبيد بن السكن
جرح فاشتكى جُرحه، فمات منه حين قدم.
1) ذكره ابن هشام في السيرة .311/2 :
قال الواقدي: فمن بني عبد شمس بن عبد مناف حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، قتله علي بن أبي طالب (علیه السلام)، والحارث بن الحضرمي قتله عمار بن ياسر، وعامر بن الحضرمي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وعمير بن أبي عمير وابنه، موليان لهم ،قتل سالم مولى أبي حذيفة منهم عمير بن أبي عمير - ولم يذكر الواقدي من قتل ابنه - وعبيدة بن سعيد بن العاص، قتله الزبير بن العوام، والعاص بن سعيد بن العاص، قتله عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) ، وعقبة بن أبي معيط، قتله عاصم بن ثابت صبراً بالسيف بأمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله).
وروى البلاذري أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) صلبه بعد قتله، فكان أول مصلوب في الإسلام. قال: وفيه يقول ضرار بن الخطاب :
عين بكي لعُقْبَة بن أبانِ *** فرع فهر وفارس الفرسان
وعتبة بن ربيعة ،قتله حمزة بن عبد المطلب. وشيبة بن ربيعة ،قتله عُبيدة بن الحارث وحمزة وعلي، الثلاثة اشتركوا في قتله ،والوليد بن عتبة بن ربيعة، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) . وعامر بن عبد اللّه حليف لهم من أنمار، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، وقيل : قتله سعد بن معاذ، فهؤلاء اثنا عشر .
ومن بني نوفل بن عبد مناف الحارث بن نوفل، قتله خَبَيْب بن يساف ، وطَعَيْمَة بن عدي، ويكنى أبا الرّيان، قتله حمزة بن عبد المطلب في رواية الواقدي، وقتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) في رواية محمد بن إسحاق. وروى البلاذُري رواية ،غريبة، أن طعيمة بن عدي أُسِرَ يوم بدر، فقتله النبي(صلی اللّه علیه واله) صَبراً على يد حمزة، فهؤلاء اثنان .
ومن بني أسد بن عبد العزّى زَمعة بن الأسود، قتله أبو دُجانة ، وقيل : قتله ثابت بن الجذع،
والحارث بن زمعة بن الأسود، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام). وعقيل بن الأسود بن المطلب
قتله عليّ وحمزة شركا في قتله .
قال الواقدي : وحدّثني أبو معشر، قال : قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) وحده، وقيل: قتله أبو داود المازني وحده ،وأبو البختري ،وهو العاص بن هشام ،قتله المجذر بن زياد، وقيل: قتله أبو اليسر. ونوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى ،وهو ابن العَدوية، قتله على(علیه السلام)، فهؤلاء خمسة .
ومن بين عبد الدار بن قصي، النّضر بن الحارث بن كلّدة، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) صَبراً بالسيف بأمر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وكان الذي أسَره المقداد بن عمرو، فوعد المقداد - إن استنقذه - بفداء جليل، فلمّا قدّم ليُقتل قال المقداد: يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، إنّي ذُو عيال، وأحبّ الدين، فقال: اللهم أغْنِ المقداد فضلك ! يا علي قم فاضرب عنقه وزيد بن مُليص مولى
عمرو بن هاشم بن عبد مناف ،من عبد الدار، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، وقيل : قتله بلال فهؤلاء اثنان. ومن بني تيم بن مرّة عُمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) . وعثمان بن مالك بن عبيد اللّه بن عثمان، قتله صهيب فهؤلاء اثنان - ولم يذكر البلاذري عثمان مالك.
ومن بني مخزوم بن يَقَظَة ثم من بني المُغيرة بن عبد اللّه بن عمير بن مخزوم، أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة، ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوّذ وعوف ابنا عفراء، وذفف عليه عبد اللّه بن مسعود والعاص بن هاشم بن المغيرة، خال عمر بن الخطاب، قتله عمرو بن يزيد بن تميم التميمي، حليف لهم قتله عمّار بن ياسر ، وقيل : قتله علي (علیه السلام).
ومن بني الوليد بن المغيرة، أبو قيس بن الوليد بن الوليد، أخو خالد بن الوليد، قتله علي بن
أبي طالب(علیه السلام).
ومن بني الفاكه بن المغيرة أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ،قتله حمزة بن عبد المطلب، وقيل : قتله الحباب بن المنذر. ومن بني أمية بن المغيرة بن أبي أميّة، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام)
ومن بني عائذ بن عبد اللّه بن عمير بن مخزوم ثم من بني رفاعة ،أميّة بن عائذ بن رفاعة بن أبي رفاعة. قتله سعد بن الربيع. وأبو المنذر بن أبي رفاعة، قتله معن بن عدي العجلاني. و عبداللّه بن أبي رفاعة، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، وزُهير بن أبي رفاعة، قتله أبو أسيد: الساعدي والسائب بن أبي رفاعة قتله عبد الرحمن بن عوف.
ومن بني أبي السائب المخزومي - وهو صيفي بن عائذ بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم-
السائب بن السائب، قتله الزبير بن العوام. والأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه عمر بن مخزوم ،قتله حمزة بن عبد المطلّب. وحليف لهم من طيئ، وهو عمرو بن شيبان، قتله يزيد بن قيس. وحليف آخر، وهو جبّار بن سفيان، أخو عمرو بن سفيان المقدّم ذكره ،قتله أبو بُردة بن تيار. ومن بني عمران بن محزوم حاجز بن السائب بن عويمر بن عائذ، قتله علي(علیه السلام).
وروى البَلاذُرِيّ أن حاجزاً هذا وأخاه عُويمر بن السائب بن عويمر، قتلهما علي بن أبي طالب (علیه السلام) وعُويمر بن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم ،قتله النعمان بن أبي مالك، فهؤلاء تسعة عشر .
ومن بني جُمح بن عمرو بن مصيص، أميّة بن خلَف قتله خَبيب بن يساف وبلال، شركا فيه . قال الواقدي : وكان معاذ بن رفاعة بن رافع يقول : بل قتله أبو رفاعة بن رافع وعلي بن
أمية بن خلف، قتله عمار بن ياسر. وأوس بن المغيرة بن ،لوذان قتله علي(علیه السلام)، وعثمان بن مظعون شركا فيه، فهؤلاء ثلاثة.
ومن بني سهم، منبه بن الحجاج، قتله علي بن أبي طالب(علیه السلام) ، وقيل : قتله أبو أسيد السّاعدي. ونبيه بن الحجّاج قتله عليّ بن أبي طالب(علیه السلام). والعاص بن منبّه بن الحجّاج، قتله علي(علیه السلام) . وأبو العاص بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، قتله أبو دُجانة - قال الواقدي : وحدّثني أبو معشر عن أصحابه، قالوا قتله علي(علیه السلام) - وعاص بن أبي عوف بن صبيرة بن . سعيد بن سعد، قتله أبو دجانة، فهؤلاء خمسة.
ومن بني عامر بن لؤي، ثمَّ من بني مالك بن حسل ،معاوية بن عبد قيس حليف لهم، قتله
عكاشة بن محصن ،ومعبد بن وهب ،حليف لهم من كلب، قتله أبو دُجانة فهؤلاء اثنان. فجميع مَنْ قتل ببدر في رواية الواقدي من المشركين في الحرب صبراً، اثنان وخمسون رجلاً، قتل علي (علیه السلام) منهم مع الذين شرك في قتلهم أربعة وعشرين رجلاً. وقد كثرت الرواية أنّ المقتولين ببدر كانوا سبعين، ولكن الذين عرفوا وحفظت أسماؤهم من ذكرناه، وفي رواية الشيعة أنّ زَمَعة بن الأسود بن المطلب قتله علي ،والأشهر في الرواية أنه قتله الحارث بن زمعة، وأن زمعة قتله أبو دجانة.
قال الواقدي: كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع القوم الذين ضرب لهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بسهامهم وهم غائبون وعدتهم ثمانية . قال : وهذا هو الأغلب في الرواية. قال : ولم يشهد بدراً من المسلمين إلا قرشيّ أو حليف لقرشي أو أنصاري أو حليف الأنصاري أو مولى واحد منهما ، وهكذا من جانب المشركين فإنه لم يشهدها إلا قرشي أو حليف لقرشي أو مولى لهم . قال : فكانت قريش ومواليها وحلفاؤها ستة وثمانين رجلاً، وكانت الأنصار ومواليها
وحلفاؤها مائتين وسبعة وعشرين رجلاً . فأما تفصيل أسماء من شهدها من المسلمين فله موضع في كتب المحدثين أملك به من هذا الموضع .
الفصل الرابع: في شرح قصة غزاة أحد . ونحن نذكر ذلك من كتاب الواقدي رحمه اللّه على عاداتنا في ذكر غزاة بدر، ونضيف إليه من الزيادات التي ذكرها بن إسحاق والبلاذري ما
يقتضي الحال ذكره .
قال الواقدي : لما رجع من حضر بدراً من المشركين إلى مكة وجدوا العير التي قدم بها أبو سفيان بن حرب من الشام موقوفة في دار الندوة، وكذلك كانوا يصنعون، فلم يحركها أبو سفيان ولم يفرّقها لغيبة أهل العير ومشت أشراف قريش إلى أبي سفيان: الأسود بن عبد المطلب بن أسد، وجُبير بن مطعم ،وصفوان بن أمية: وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام وعبد اللّه بن أبي ربيعة، وحويطب بن عبد العزّى، فقالوا: يا أبا سفيان، انظر هذه العير التي قدمت بها فاحتبستها ، فقد عرفت أنها أموال أهل مكة ولطيمة قريش، وهم طيبوا الأنفس، يجهزون بهذه العير جيشاً كثيفاً إلى محمد، فقد ترى من من قتل آبائنا وأبنائنا وعشائرنا . فقال أبو سفيان : وقد طابت أنفس قريش بذلك؟
قالوا : قال : فأنا أوّل من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فأنا واللّه المَوْتور(1)والثائر، وقد قتل ابني حنظلة ببدر وأشراف قومي. فلم تزل العير موقوفة حتى تجهزّوا للخروج، فباعوها فصارت ذهباً عيناً، ويقال: إنما قالوا يا أبا سفيان بع العير ثم اعزل أرباحها ، فكانت العِيرُ ألف بعير ،وكان المال خمسين ألف دينار، وكانوا يربحون في تجاراتهم للدينار ديناراً، وكان متجرُهم من الشام غزّة، لا يعدونها إلى غيرها، وكان أبو سفيان، قد حبس عير بني زهرة؛ لأنهم رجعوا من طريق بدر، وسلّم ما كان لمخرمة بن نوفل ولبني أبيه وبني عبد مناف بن زهرة، فأبى مخرمة أن يقبل عيره حتى يسلّم إلى بني زهرة جميعاً، وتكلم الأخنس، فقال : وما لعير بني زُهرة من بين عيرات قريش قال أبو سفيان: لأنهم رجعوا عن قريش ،قال الأخنس : أنت أرسلت إلى قريش أن أرجعوا فقد أحرزنا العير، لا تخرجوا في غير شيء، فرجعنا ، فأخذت بنو زُهرة عيرها وأخذ أقوام من أهل مكة أهل ضعف لا عشائر لهم ولا منعة ،كلّ ما كان لهم في العير .
قال الواقدي: وهذا يبين أنه إنما أخرج القومَ أرباح العير. قال : وفيهم أنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ) (2)الآية .
قال: فلما أجمعوا على المسير، قالوا : نسير في العرب فنستنصرهم، فإنّ عبد مناة غير متخلّفين عنا، هم أوصل العرب لأرحامنا ومن اتبعنا من الأحابيش فأجمعوا على أن يبعثوا أربعة من قريش يسيرون في العرب، يدعونهم إلى نصرهم، فبعثوا عمرو بن العاص وهبيرة بن وهب وابن الزبعرى وأبا عزّة الجُمَحِي، فأبى أبو عزّة أن يسير وقال : منّ علي محمد يوم بدر، وحلفت ألا أظاهر عليه عدوا أبداً. فمشى إليه صفوان بن أمية فقال : أخرج فأبى، وقال:
عاهدت محمداً يوم بدر الا أظاهر عليه عدوا أبداً، وأنا أفي له بما عاهدته عليه، مَنَّ علي ولم يمُنْ على غيري حتى قتله أو أخذ منه الفداء. فقال صفوان : اخرج معنا، فإن تسلم أعطك من المال ما شئت، وابن تُقتَل تكن عيالك مع عيالي فأبى أبو عزّة، حتى كان الغد، وانصرف عنه صفوان بن أمية آيساً منه فلمّا كان الغد جاءه صفوان وجبير بن مطعم، فقال له صفوان الكلام الأول فأبى، فقال جبير : ما كنتُ أظنّ أني أعيش حتى يمشي إليك أبو وهب في أمر تأبى عليه ! فأحفظه، فقال: أنا أخرج قال : فخرج إلى العرب يجمعها، ويقول :
إيه بني عبد مناة الرزّام *** أنتم حماة وأبوكم حام
لا تُسلِموني لا يحلُّ إِسلام *** لا يعدُوَنّي نصركم بعد العام
وخرج النفرمع أبي عزّة فالبُوا العرب وجمعوا ، وبلغوا ثَقِيفاً فأوعبوا. فلما أجمعوا المسير وتألّب مَنْ كان معهم من العرب وحضروا، واختلفت قريش في إخراج الطعن معهم، صفوان بن أمية : اخرجوا بالظُّعُن فأنا أول من فعل، فإنه أقمن أن يحفظنكم ويذكرنكم قتلى بدر، فإنّ العهد حديث، ونحن قوم موتورون مستميتون لا نريد أن نرجع إلى ديارنا حتى ندرك ثأرنا أو نموت دونه. فقال عكرمة بن أبي جهل: أنا أوّل من أجاب إلى ما دعوت إليه، وقال عمرو بن العاص مثل ذلك، فمشى في ذلك ،نوفل بن معاوية الديلي، فقال: يا معشر قريش ،هذا ليس برأي، أن تعرّضوا حُرمكم لعدوّكم، ولا آمن أن تكون الدبرة لهم فتفتضحوا في نسائكم. فقال صفوان : لا كان غير هذا أبداً ! فجاء نوفل إلى أبي سفيان بن حرب، فقال له تلك المقالة، فصاحت هند بنت عتبة : إنك والله سلمت يوم بدر، فرجعت إلى نسائك، نعم نخرج فنشهد القتال، فقد رُدّت القيان من الجحفة في سفرهم إلى بدر، فقتلت الأحبة يومئذ. فقال أبو سفيان: لستُ أخالف قريشاً ، أنا رجل منها ،ما فعلت فعلت .فخرجوا بالطَّعْن، فخرج أبو سفیان بن حرب بامرأتين : هند بنت عتبة بن ربيعة وأميمة بنت سعد بن وهب بن أشيم بن کنانة.
وخرج صفوان بن أمية بامرأتين : برزة بنت مسعود الثقفّي وهي أم عبد اللّه الأكبر والبغوم بنت المعذل من كنانة ، وهي أم عبد اللّه الأصغر، وخرج طلحة بن أبي طلحة بامرأته سلافة بنت سعد بن شهيد ،وهي من الأوس، وهي أم بنّيه:مسافع، والحارث، وكلاب والجلاس بني طلحة بن أبي طلحة، وخرج عكرمة بن أبي جهل بامرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وخرج الحارث بن هشام بامرأته فاطمة بنت الوليد بن المغيرة،وخرج عمروبن العاص بامرأته هند بنت منبه بن الحجاج ،وهي أم عبد اللّه بن عمرو بن العاص- وقال محمد بن إسحاق : اسمها ريطة -
وخرجت خُناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بني مالك بن حسل مع ابنها أبي عزيز بن عمير، أخي مُصعب ، أخي مُصعب بن عمير من بني عبد الدار، وخرج الحارث بن سفيان بن عبد
الأسد بامرأته رملة بنت طارق بن علقمة الكنانية، وخرج كنانة بن علي بن ربيعة بن عبد العُزَّى بن عبد شمس بن عبد مناف بامرأته أم حكيم بنت ،طارق، وخرج سفيان بن عُوَيف بامرأته قتيلة بنت عمرو بن هلال، وخرج النعمان بن عمرو وجابر مسك الذئب أخوه ، بأمهما الدُّغَينة، وخرج غراب بن سفيان بن عويف بامرأته عمرة بنت الحارث بن علقمة الكنانية، وهي التي رفعت لواء
قريش حين سقط حتى تراجعت قريش إلى لوائها، وفيها يقول حسان:
ولولا لواء الحارثية أصبَحُوا *** يباعون في الأسواق بالثَّمَن البَخْسِ
قالوا : وخرج سُفيان بن عويف بعشرة من ولده، وحشدت بنو كنانة. وكانت الألوية يوم خرجوا من مكة ثلاثة عقدوها في دار الندوة، لواء يحمله سُفيان بن عويف لبني كنانة، ولواء الأحابيش يحمله رجل منهم، ولواء لقريش يحمِلُه طلحة بن أبي طلحة .
قال الواقدي: ويقال خرجت قريش ولفها كلّهم من كنانة والأحابيش وغيرهم على لواء واحدٍ، يحمله طلحة بن أبي طلحة . طلحة. وهو الأثبت عندنا.
قال : وخرجت قريش وهم ثلاثة آلاف يمن ضَوَى إليها، وكان فيهم من ثَقِيف مائة رجل،وخرجوا بعدة وسلاح كثير ، وقادوا مائتي فرس، وكان فيهم سبعمائة دراع وثلاثة آلاف بعير . فلما أجمعوا على المسير كتب العباس بن عبد المطلب كتاباً ، وختمه، واستأجر رجلاً من بني غفار، وشرط عليه أن يسير ثلاثاً إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لا يخبره أنّ قريشاً قد اجتمعت للمسير إليك، فما كنت صانعاً إذا حَلوا بك فاصنعه. وقد وجهوا وهم ثلاثة آلاف، وقادوا مائتي فرس، وفيهم سبعمائة دراع وثلاثة آلاف بعير، وقد أوعبوا من السّلاح. فقدم الغفاري فلم يجد رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) بالمدينة وجده بقباء، فخرج حتى وجد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) على باب مسجد قباء يركب حماره، فدفع إليه الكتاب، فقرأه عليه أبي بن كعب، واستكتم أبيا ما فيه، ودخل منزل سعد بن الربيع، فقال : أفي البيت أحد ؟ فقال سعد: لا ، فتكلّم بحاجتك، فأخبره بكتاب العبّاس بن عبد المطلب، فجعل سعد يقول : يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، واللّه إني لأرجو أن يكون في ذلك خير وأرجعت يهود المدينة والمنافقون.
وقالوا : ما جاء محمداً شيءٌ يحبّه، وانصرف رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى المدينة، وقد استكتم سعد بن الربيع الخبر . فلمّا خرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) من منزله ،خرجت امرأة سعد بن الربيع إليه، فقالت: ما قال لك رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ؟ قال : مالك ولذاك، لا أمّ لك! قالت: كنت أستمع عليكم، وأخبرتُ سعد الخبر، فاسترجع سعد، وقال : لا أراكِ تستمعين علينا وأنا أقول لرسول اللّه (صلى اللّه عليه واله): تكلّم بحاجتك ! ثم أخذ بِجُمْع لُمّتِها ، ثم خرج يعدو بها حتى أدرك رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالجسر، وقد بلحث (1)، فقال : يا رسول اللّه ، إنّ امرأتي سألتني عمّا قلتُ
1) أعيت. القاموس المحيط مادة (بلح).
فكتمتُها، فقالت : قد سمعت قول رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ثم جاءت بالحديث كلّه - فخشيت يا رسول اللّه أن يظهر من ذلك شيء فتظنّ أنّي أفشيتُ سرّك ، فقال(صلی اللّه علیه واله) «دخل سبيلها» (1). وشاع الخبر بين الناس بمسير قريش. وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر من خُزاعة، ساروا من مكة أربعاً ، فوافوا قريشاً وقد عسكروا بذي طوى، فأخبروا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) الخبر، ثم انصرفوا ولقوا قريشاً ببطن رابغ، وهو أربع ليال من المدينة، فنكّبوا عن قريش.
قال الواقدي : فلمّا أصبح أبو سفيان بالأبواء أخبر أن عمرو بن سالم وأصحابه راحوا أمس مُمْسين إلى مكة، قال أبو سفيان: أحلف باللّه أنهم جاؤوا محمد فخبروه بمسيرنا وعددنا، وحذروه منّا ، فهم الآن يلزمون صياصِيَهم (2)، فما أرانا نصيب منهم شيء في وجهنا . فقال صفوان بن أمية : إن لم يُصحِرُوا لنا عَمَدنا إلى نخل الأوس والخزرج فقطعناه، فتركناهم ولا أموال لهم،فلا يختار ونها أبداً، وإن أصحروا لنا فعددنا أكثر من عددهم، وسلاحنا أكثر من سلاحهم، ولنا خيل ولا خيل معهم، ونحن نقاتل على وثر عندهم ولا وثر لهم عندنا .
قال الواقدي: وكان أبو عامر الفاسق قد خرج في خمسين رجلاً من الأوس، حتى قدم مكة بهم حين قدم النبي (صلی اللّه علیه واله)يحرّضها ويُعلمها أنها على الحق. وما جاء به محمد باطل، فسارت قريش إلى بذر، ولم يسر معها، فلما خرجت قريش إلى أحد سار معها، وكان يقول لقريش : إنِّي لو قدمت على قومي لم يختلف عليكم منهم اثنان وهؤلاء معي نفر منهم خمسون رجلاً . فصدقوه بمال قال وطمِعوا في نصره.
قال الواقدي: وخرج النّساء معهنّ الدّفوف يحرّضنَ الرجال ويذكّرنهم قتلى بدر في كلّ منزل، وجعلت قريش تنزل كل منهَل ،ينحرون ما نحروا من الجُزر مما كانوا جمعوا من العين، ويتقوَّون به في مسيرهم، ويأكلون من أزوادهم ممَّا جمعوا من الأموال.
قال الواقدي: وكانت قريش لما مرّت بالأبواء، قالت: إنّكم قد خرجتم بالظعن معكم ،ونحن نخاف على نسائنا ، فتعالوا ننبش قبر أمّ محمد ،فإنّ النّساء عورة، فإن يصب من نسائكم أحداً قلتم هذه رمّة أمّك، فإن كان برًا بأمه - كما يزعم - فلعمري لنفادينكم برمة أمه، وإن لم يظفر بأحد من نسائكم فلعمري ليفدين رمّة أمه بمال كثير إن كان بها برا. فاستشار أبو سفيان بن حرب أهل الرأي من قريش في ذلك، فقالوا : لا تذكر من هذا شيئاً، فلو فعلنا نبشت بنو بكر وخزاعة موتانا . قال الواقدي : وكانت قريش بذي الحليفة يوم الخميس صبيحة عشر من مخرجهم من مكة ،
وذلك لخمس ليال مضين من شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة، فلما أصبحوا بذي الحليفة خرج فرسان منهم فأنزلوهم الوطاء، وبعث النبّي (صلى اللّه عليه واله) عينين له، آنساً ومؤنساً ابني فضالة ليلة الخميس، فاعترضا لقريش بالعقيق، فسارا معهم حتى نزلوا الوِطاء، وأتُيَا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فأخبراء، وكان المسلمون قد از درعوا العرض - والعرض ما بين الوطاء بأحد إلى الْجُرْف إلى العرصة عرصة البقل اليوم، وكان أهله بنو سلمة وحارثة وظفر وعبد الأشهل، وكان الماء يومئذ بالجرف نشطة لا يرمم سابق الناضح مجلساً واحداً ينفتل الجمل في ساعته، ذهبت بمياهه عيون الغابة التي حفرها معاوية بن أبي سفيان وكان المسلمون قد أدخلوا
حتى آلة زرعهم ليلة الخميس المدينة، فقدم المشركون على زرعهم فخلوا فيه إبلهم وخيولهم، وكان لأسيد بن حضير في العرض عشرون ناضحاً تسقي شعيراً، وكان المسلمون قد حذروا على جمالهم وعمالهم وآلة حرثهم، وكان المشركون يرعون يوم الخميس، فلما أمسوا جمعوا الإبل وقصلوا عليها القصيل وقَصَلوا على خيولهم ليلة الجمعة، فلما أصبحوا يوم الجمعة خلوا ظهرهم في الزرع ،وخيلهم حتى تركوا العرض ليس به خضراء.
قال الواقدي: فلما نزلوا وحلّوا العُقد، واطمأنوا بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) الحباب بن المنذر بن الجموح إلى القوم، فدخل فيهم وحَزَر ونظر إلى جميع ما يريد، وكان قد بعثه سرا ، وقال له : إذا رجعت فلا تخبرني بين أحد من المسلمين إلا أن ترى في القوم قلة، فرجع إليه فأخبره خالياً، وقال له : رأيت عدداً حزرتُهم ثلاث آلاف يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، والخيل مائتا ،فرس ورأيت دروعاً ظاهرة حَزَرتُها سبعمائة درع . قال : هل رأيت طعناً ؟ قال : نعم رأيت النساء معهن الدفاف والأكبار - وهي الطبول - فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله): «أردن ان
يحرضن القوم ويذكّرنهم قتلى بدر ، هكذا جاءني خبرهم لا تذكر من شأنهم حرفاً، حسبنا اللّه ونعم الوكيل اللهّم بك أحول، وبك أصول» (1)!
قال الواقدي : وخرج سلمة بن سلامة بن وقش يوم الجمعة، حتى إذا كان بأدنى العرض إذا طليعة خيل المشركين عشرة أفراس ركضوا في أثره، فوقف لهم على نشر من الحرة، فرشقهم بالنبل ،مرة، وبالحجارة أخرى حتى انكشفوا عنه، فلما ولوا جاء إلى مزرعته بأدنى العرض، فاستخرج سيفاً كان له، ودرع حديد كان له، دفنا في ناحية المزرعة، وخرج بهما يعدّو، حتى أتي بني عبد الأشهل، فخبر قومه بما لقي.
قال الواقدي: وكان مقدم قريش يوم الخميس لخمس خلوّن من شوال، وكانت الوقعة يوم
1) أخرج نحوه أبو داود، كتاب الجهاد :باب ما يدعى عند اللقاء (2232)، وأحمد، كتاب باقي مسند الأنصار ، باب حديث صهيب (23410) ، وأبي شيبة في المصنف» (33424) .
السبت لسبع خلوّن من شوال، وباتت وجوه الأوس الخزرج : سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة في عدّة منهم ليلة الجمعة، عليهم السلاح في المسجد بباب النبي(صلی اللّه علیه واله) خوفاً من تبييت المشركين، وحُرِست المدينة تلك الليلة، حتى أصبحوا ،ورأى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) رؤيا ليلة الجمعة، فلما أصبح واجتمع المسلمون خطبهم.
قال الواقدي : فحدّثني محمّد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد :قال ظهر النبي (صلی اللّه علیه واله)المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال:«أيّها النّاس، إني رأيتُ في منامي رؤيا، رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انفصم من عند ظبته ، ورأيت بقراً تذبح، ورأيت كأني مردف كبشاً، فقال الناس : يا رسول اللّه، فما أوَّلْتَها؟ قال : أما الدّرع الحصينة فالمدينة، فامكثوا فيها، وأمّا انفصام سيفي عند ظبته فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح فقتلى في أصحابي، وأما أني مردف كبشاً فكبش الكتيبة نقتله إن شاء اللّه» (1)
(38)، واللفظ له
قال الواقدي: وروى عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) قال: «أما انفصام سيفي فقتل رجل من أهل بيتي» (2).
قال الواقدي: وروي المسور بن مخرَمة، قال : قال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«ورأيت في سيفي فَلاً فكرهتهه (3)، هو الذي أصاب وجهه(علیهم السلام).
قال الواقدي : وقال النبي(صلی اللّه علیه واله) : أشيروا علي، ورأى (صلی اللّه علیه واله)ألا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يحب أن يوافق على مثل ما رأى وعلى ما عبّر عليه الرؤيا، فقام عبد اللّه بن أبي فقال : يا رسول اللّه كنا نقاتل في الجاهليّة في هذه المدينة، ونجعل النساء هذه الصيّاصي، ونجعل معهم الحجارة واللهّ لربّما مكث الولدان شهراً ينقلون
والذراري في الحجارة إعداداً لعدوّنا، ونشبك المدينة بالبنيان فتكون كالحصن من كل ناحية، وترمى المرأة والصبي من فوق الصياصي والآطام (4)، ونقاتل بأسيافنا في السكك. يا رسول اللّه إنّ مدينتنا عذراء ما فُضّت علينا قطّ، وما خرجنا إلى عدوّ قطّ منها إلا أصاب منّا، وما دخل علينا قطّ إلّا أصبناه، فدعهم يا رسول اللّه، فإنهم إن أقاموا أقاموا بشّر محبس، وإن رجعوا رجعواخاسرين
1) أخرجه أحمد كتاب مسند بني هاشم باب مسند عبد الله بن عباس (2441)، والحاكم في : المستدرك» (2588) ، والبيهقي في السنن الكبرى (13061) ، وابن سعد في الطبقات) (2)
2) هو عند ابن سعد في الطبقات) (2/(38) : فمصيبة) في نفسي
3) أخرجه أحمد كتاب مسند بني هاشم :باب مسند عبد الله بن عباس (2441) . والحاكم في المستدرك ) (2588)، دون قوله : فكرهته)
4) الآطام الحصون المبنية بحجارة، والبيوت المربعة المسطحة القاموس المحيط، مادة (أطم).
مغلوبين، لم ينالوا خيراً، يا رسول اللّه، أطعني في هذا الأمر، واعلم أني ورثتُ هذا الرأي من أكابر قومي وأهل الرأي منهم، فهم كانوا أهل الحرب والتجربة .
قال الواقدي: فكان رأي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) مع رأي ابن أبي ، وكان ذلك رأي الأكابر من أصحاب رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) من المهاجرين والأنصار فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله): «امكثوا في المدينة، واجعلوا النساء والذراري في الآطام، فإن دخل علينا قاتلناهم في الأزقة، فنحنُ أعلمُ بها منهم، ورُمُوا من فوق الصياصي والآطام» (1)- وكانوا قد شبّكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، فهي كالحصن - فقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدراً، وطلبوا من رسول اللّه الخروج إلى عدوّهم ورغبوا في الشهادة، وأحبوا لقاء العدو، وقالوا : اخرج بنا إلى عدوّنا، وقال رجال من أهل النّبه وأهل السنّ منهم حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن عبادة، والنعمان بن ثعلبة وغيرهم من الأوس والخزرج : إنا نخشى يا رسول الله أن يظنّ أنا كرهنا الخروج إليهم جُبْناً عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنتَ يوم بدر في ثلاثمائة رجل، فظَفَّرَك اللّه بهم، ونحن اليوم بشر كثير ، وكنا نتمنى هذا اليوم وندعو اللّه به، فقد ساقه اللّه إلينا في ساحتنا هذه - ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و لما رأى من إلحاحهم كاره، وقد لبِسُوا السّلاح يخطرون بسيوفهم، يتساومون كأنهم الفحول. وقال مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري : يا رسول اللّه، نحن واللّه بين إحدى الحُسْنَييْن، إما يظفرنا اللّه بهم، فهذا الذي نريد، فيذلهم اللّه لنا فتكون هذه وقعة مع وقعة بدر، فلا يبقى منهم إلاّ الشريد، والأخرى يا رسول اللّه يرزقنا اللّه الشهادة، واللّه يا رسول اللّه ما نبالي أيهما كان إنّ كلاً لفيه الخير . فلم يبلغنا أن النبي اللّه(صلی اللّه علیه واله) ورجع إليه قولاً ، وسكت. وقال حمزة بن عبد المطلب والذي أنزل عليه الكتاب، لا أطعم اليوم طعاماً أجالدهم بسيفي خارجاً من المدينة، وكان يقال: كان حمزة يوم الجمعة صائماً، الجمعة صائماً ، ويوم السبت فلاقاهم وهو صائم.
وقال النعمان بن مالك بن ثعلبة أخو بني سالم : يا رسول اللّه، أنا أشهد أن البقر المذبح قتلى من أصحابك ،وأني منهم، فلم تحرمنا الجنّة فواللّه الذي لا إله إلا هو لأدْخُلتها . قال رسول اللّه : بم ؟ قال : إني أحب اللّه ورسوله، ولا أفِرُّ يوم الزحف فقال: صدقت، فاستشهد يومئذ .
وقال إياس بن أوس بن عَتِيك يا رسول اللّه، نحن بنو عبد الأشهل من البقر المذبَّح، نرجو يا رسول اللّه أن نذبح في القوم، ويُذبح فينا، فنصير إلى الجنة ،ويصيرون إلى النار، مع أني يا رسول اللّه لا أحبّ أن ترجع قريش إلى قومها، فتقول حصرنا محمداً في صياصي يثرب وآطامها، فتكون هذه جُرأة لقريش، وقد وطنوا سعَفنا ، فإذا لم نذبّ عن عِرْضنا، فلم ندّرع؟
1) أخرج ابن سعد في الطبقات» (38/2) نحوه .
وقد كُنّا يا رسول في جاهليتنا ، والعرب يأتوننا، فلا يطمعون بهذا منا حتى نخرج إليهم بأسيافنا فند بهم عنا، فنحن اليوم أحق إذ أمدنا اللّه بك، وعرفنا مصيرنا ، لا نحصر أنفسنا في بيوتنا .
وقامَ خَيثمة، أبو سعد بن خَيْثمة فقال : يا رسول اللّه، إن قريشاً مكثت حولاً تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ومن اتبعها من أحابيشها ثم جاؤونا قد قادوا الخيل واعتلوا الإبل
حتى نزلوا بساحتنا، فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا ، ثم يرجعون وافرين لم يكلمُوا، فيجئهم ذلك علينا، حتى يشنوا الغارات علينا ويصيبوا أطلالنا ويضعوا العيون والأرصاد علينا، مع ما قد صنعوا بحروثنا، ويجترى علينا العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم، فنذبهم عن حريمنا، وعسى اللّه أن يُظفرنا بهم، فتلك عادة اللّه عندنا، أو تكون الأخرى، فهي الشهادة. لقد أخطأتني وقعة بدر، وقد كنت عليها حريصاً ، لقد بلغ من حرصي أن ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمُه، فرُزِق الشهادة وقد كنت حريصاً على الشهادة، وقد رأيت ابني البارحة في النّوم في أحسن صورة يسرَحُ في ثمار الجنة وأنهارها ، وهو يقول الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، وقد واللّه يا رسول اللّه أصبحت مشتاقاً إلى مرافقيه في الجنّة، وقد كبرت سني ودق عظمي، وأحببت لقاء ربّي، فادع اللّه يا رسول اللّه أن يرزقني الشهادة ،ومرافقة سعد في الجنّة، فدعا له رسول اللّه بذلك، فقيل بأحد شهيداً .
قال أنس بن قتادة : يا رسول اللّه، هي إحدى الحسنيين، إما الشهادة وإما الغنيمة والظّفر بقتلهم . فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :«إني أخاف عليكم الهزيمة»(1).
فلما أبَوْا إلا الخروج والجهاد، صلّى رسول اللّه يوم الجمعة بالناس ،ثم وعظهم ،وأمره بالجد والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم الصَّبْرَ ما صبروا ، ففرح الناس حيث أعلمهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بالشخوص إلى عدوّهم، وكره ذلك المخرج بشر كثير من أصحاب رسول اللّه ، وأمرهم بالتهيؤ لعدوّهم، ثم صلى العصر بالناس، وقد حشد الناس، وحضَر أهل العوالي، ورفعوا النساء إلى الآطام، فحضرت بنو عمر بن عوف بلقّها، والنبيت ولفهّا، وتلبسوا السّلاح، فدخل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بيته، ودخل معه أبو بكر وعمر فعمّماه ولبساه وصف الناس له ما بين حجرته إلى منبره ينتظرون خروجه ، فجاءهم سعد بن معاذ، وأسيد بن خُضَير، فقالا لهم :قلتُم الرسول اللّه ما قلتم، واستكرهتموه على الخروج ،والأمر ينزل عليه من السماء، فردُّوا الأمر إليه، فما أمركم فافعلوه ،وما رأيتم فيه له هوى أو أدباً فأطيعوه.
فبينا القومُ على ذلك من الأمر، وبعض القوم يقول : القول ما قال سعد، وبعضهم على البصيرة على الشخوص، وبعضهم للخروج كارة، إذ خرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قد لبس لأمته، وقد
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار بما معناه : 125/20 .
لبس الدرع فأظهرها ، وحزم وسطها بمنطقة من حمائل سيف من أدَم كانت بعد عند آل أبي رافع مولى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، واعتم ، وتقلد السيف. فلما خرج رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) ندموا جميعاً على ما صنعوا، وقال الذين يلحون على رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك، وما كان لنا أن نستكرِهَك والأمرُ إلى اللّه ثم إليك، فقال: قد دعوتكم إلى هذا الحديث فابيتُم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكُمَ اللّه بينه وبين أعدائه - قال : وكانت الأنبياء قبله إذا لبس النبي لأمته لم يضعها حتى يحكم اللّه بينه وبينه أعدائه - ثم قال لهم : انظروا ما أمرتكم به فاتبعوه امضوا على اسم اللّه ، فلكم النصر ما صبرتم.
قلت : فمَنْ تأمّل أحوال المسلمين في هذه الغزاة من فشلهم وخَوَرهم واختلافهم في الخروج من المدينة والمقام بها ،وكراهة النبي (صلی اللّه علیه واله)و للخروج ، ثم خروجه على مضض، ثم ندم القوم الذين أشاروا بالخروج، ثم انخزال طائفة كثيرة من الجيش عن الحرب، ورجوعهم إلى المدينة، علم أنّه لا انتصار لهم على العدوّ أصلاً، فإنّ النّصر معروف بالعزم والجدّ والبصيرة في الحرب ،واتفاق الكلمة. ومَنْ تأمّل أيضاً هذه الأحوال، علم أنّها ضدّ الأحوال التي كانت في غزاة بدر، وأن أحوال قريش لمّا خرجت إلى بدر كانت مماثلة لأحوال المسلمين لمّا خرجوا إلى أحد، ولذلك كانت الدَّبْرة في بدر على قريش .
قال الواقدي : وكان مالك بن عمرو النّجاري مات يوم الجمعة، فلمّا دخل رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)فلبس لأمته وخرج وهو موضوع عند موضع الجنائز، صلّى عليه، ثم دعا بدابته، فركب إلى أحد.
قال الواقدي : وجاء جُعَيْل بن سُراقة إلى النبي (صلى اللّه عليه واله) وهو متوجّه إلى أحد، فقال : يا رسول اللّه ،قيل لي : إنّك تُقتَل غداً - وهو يتنفس مكروباً - فضرب النبي(صلی اللّه علیه واله) بيده إلى صدره ،وقال :«أليس الدهركله غداً» (1)قال : ثم دعا بثلاثة أرماح، فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء الأوؤس إلى أسيد بن خُضَير، ودفع لواء الخزرج إلى الحُباب بن المنذر بن الجموح - ويقال إلى سعد بن عبادة - ودفع لواء المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب(علیه السلام) - ويقال إلى مصعب بن عُمير - ثم دعا بفرسه ، فركبه، وتقلد القوس وأخذ بيده قناة - زج الرَّمح يومئذٍ من شَبَه - والمسلمون متلبسون السلاح، قد أظهروا الدروع، فهم مائة دارع، فلمّا ركب (صلی اللّه علیه واله).
1) أخرجه ابن سعد في الطبقات» (245/4) .
خرج السَّعْدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة كلّ واحدٍ منهما دارع والناس عن يمينه وشماله حتى سلك على البدائع، ثم زقاق الحُسَى، حتى أتى الشَّيْخين - وهما أَطْمَان
كانا في الجاهليّة فيهما شيخ أعمى وعجوز عمياء يتحدّثان، فسمّي الأطمن الشيخين - فلمّا انتهى إلى رأس الثنّية، التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زجل خلفه، فقال: ما هذه؟ قال : هذه حُلفاء بن أبي من اليهود. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) :«لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك». ومضى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وعرض عسكره بالشَّيخين، فعرض عليه غلمان، منهم عبداللّه بن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ،وأسامة بن زيد، والنعمان بن بشير، وزيد بن أرقم ،والبَراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وغرابة بن أوس ،وأبو سعيد الخدري، وسمرة بن جندب، ورافع بن خديج .
قال الواقدي : فردّهم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، قال رافع بن خديج: فقال ظهير بن رافع: يا رسول اللّه، إنه رام يعينني . قال : وجعلتُ أتطاول، وعلي خُفّان لي، فأجازني رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) فلمّا أجازني قال سمرة بن جندب لمرّي بن سنان الحارثي - وهو زوج أمّه يا أبيه، أجاز رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ورافع بن خديج ، وردّني وأنا أصرع رافعاً ! فقال مرّي : يا رسول اللّه ، رددت ابني، وأجزت رافع بن خديج وابني يصرعه ! فقال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) : «تصارعا»، فصرع سَمُرة رافعاً، فأجازه رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله).
قال الواقدي، وأقبل ابن أبي، فنزل ناحية العسكر، فجعل حلفاؤه ومَنْ معه من المنافقين يقولون لابن أبي : أشرتَ عليه بالرأي، ونصحته وأخبرته أنّ هذا رأي مَنْ مضى من أبائك، وكان ذلك رأيه مع رأيك، فأبى أن يقبله، وأطاع هؤلاء الغلمان الذين معه . قال : فصادفوا من ابن أبي نفاقاً وغشا، فبات رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ولو بالشيخين، وبات ابنُ أبي في أصحابه، وفرغ رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) من عَرْض مَنْ عَرَض، وغابت الشمس فأذن بلال بالمغرب، فصلّى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) بأصحابه، ثم أذن بالعشاء، فصلّى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) بأصحابه، ورسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) نازل في بني النّجار، واستعمل على الحرس محمد بن مسلمة في خمسين رجلاً يُطيفون بالعسكر، حتى ادلج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وكان المشركون قد رأوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)حيث ادْلَجَ ، ونزل بالشَّيْخين فجمعوا خيلهم وظهرهم واستعملوا على حَرَسهم عِكْرِمة بن أبي جهل في خيل من المشركين وباتت صاهلة خيلهم لا تهدأ، تدنو طلائعهم، حتى تلصق بالحرّة، فلا تصعد فيها حتى ترجع خيلهم، ويهابون موضع الحرّة، ومحمد بن مسلمة .
قال الواقدي:وقدكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)قال حين صلّى العشاء: «مَنْ يحفظنا الليلة؟» قال :رجل : أنا يا رسول اللّه فقال: «مَنْ أنت؟» قال: ذكوان بن عبد القيس فقال: «اجلس»، ثم قال ثانية : مَنْ رجل يحفظنا الليلة؟ فقام رجل، فقال: «مَنْ أنت؟» قال: أبو سَبع، قال: «اجلس»
ثم قال ثالثة مثل ذلك، فقام رجل، فقال: «مَنْ أنت؟» فقال: أنا ابن عبد قيس، فمكث رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ساعة، ثم قال: قوموا ثلاثتكم، فقام ذكوان بن عبد قيس، فقال رسول اللّه :
«وأين صاحباك؟» فقال ذكوان : أنا الذي كنت أجيبك الليلةَ !قال :«فاذهب حفظك اللّه».
قلت : قد تقدّم هذا الحديث بذاته في غزوة بدر، وظاهر الحال أنه مكرّر، وأنه إنما كان في
غزاة واحدة، ويجوز أن يكون قد وقع في الغزاتين، ولكن على بعد .
قال الواقدي: فليس ذكوان دِرْعه، وأخذ دَرَقته، فكان يطوف على العسكر تلك الليلة، ويقال : كان يحرس رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لم يفارقه .
قال ونام رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) حتى اذلج، فلمّا كان في السَّحَر، قال رسول اللّه: «أين
الأدلاء؟» مَنْ رجل يدلّنا على الطريق، وخرجنا على القوم من كَتَب؟ فقام أبو خثيمة الحارثي، :فقال: أنا يا رسول اللّه ، ويقال : أوس بن قيظي ويقال : محيصة .
قال الواقدي: وأثبت ذلك عندنا أبو خشيمة خرج برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وركب فرسه، فسلك به في بني حارثة ، ثم أخذ في الأموال حتى مر بحائط مربع بن قيظي ،وكان أعمى البصر منافقاً، فلمّا دخل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)حائطه ، قام يحثي التراب في وجوه المسلمين، ويقول: إن كنت رسول اللّه فلا تدخل حائطي، فلا أحِلّه لك .
قال محمد بن إسحاق : وقد ذكر أنه أخذ حفنة من تراب وقال : واللّه لو أعلم أني لا أصيب غيرك يا محمّد لضربت بها وجهك .
قال الواقدي: فضربه سعد بن زيد الأشهلي بقوس في يده فشجّه في رأسه، فنزل الدّم، فغضب له بعض بني حارثة ممّن هو على مثل رأيه، فقال : هي على عداوتكم يا بني عبد الأشهل، لا تدعونها أبداً لنا ! فقال أسيد بن خُضَير لا واللّه، ولكن نفاقكم، واللّه لولا أني لا أدري ما يوافق النبي(صلی اللّه علیه واله) لضربت عنقه وعنق مَنْ هو على مثل رأيه .
قال : ونهاهم النبي(صلی اللّه علیه واله) عن الكلام فأسكتوا.
وقال محمد بن إسحاق : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله): «دعوه، فإنّه أعمى البصر، أعمى القلب »يعني مربع بن قيظي .
قال الواقدي: ومضى رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) ، فبينا هو في ، فبينا هو في مسيرة إذ ذبّ فرس أبي بردة بن نيار بذنبه فأصاب كُلاب ،سیفه، فسل ،سیفه فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) : يا صاحب السيف، شم سيفك، فإني أخال السيوف ستسلّ اليوم فيكثر سَلَّها. قال: وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يحب
الفأل، ويكره الطيرة (1)، قال : ولبس رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) من الشيخين درعاً واحدة، حتى انتهى إلى أحد، فلبس درعاً أخرى ومغفراً، وبيضةً فوق المغفر، فلمّا نهض رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) الشَّيْخين، زحف المشركون على تعبية حتى انتهوا إلى موضع أرض ابن عامر اليوم، فلما انتهى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى موضع القنطرة اليوم جاءه وقد حانت الصلاة، وهو يرى المشركين، فأمر بلالاً فأذن، وأقام وصلّى بأصحابه الصُّبح صفوفاً .
وانخزل عبد اللّه بن أبي من ذلك المكان في كتيبته، كأنه هَيْقه (2)تقدّمهم، فاتبعهم عبد اللّه بن عمرو بن حرام، فقال : أذكركم اللّه ودينكم ونبيّكم، وما شرطتم له أن تمنعوه مما تمنعون منه أنفسكم وأولادكم ونساءكم ! فقال ابن أبي : ما أرى أنّه يكون بينهم قتال، وإن أطعتني يا أبا جابر لترجعنّ، فإنّ أهل الرأي والحِجى قد رجعوا، ونحن ناصروه في مدينتنا، وقد خالفنا، وأشرتُ عليه بالرأي فأبى إلا طواعية الغلمان. فلما أبي على عبد اللّه بن عمرو أن يرجع ودخل هو وأصحابه أزقة المدينة، قال لهم أبو جابر أبعدكم اللّه ! إنّ اللّه سيغني النّبي والمؤمنين عن نصركم . فانصرف ابن أبي وهو يقول: أيعصيني ويطيع الولدان! وانصرف عبد اللّه بن عمرو يعدو حتى لحقّ رسول اللّه وهو يسوّي الصفوف، فلما أصيب أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) سُرَ ابنُ أبي، وأظهر الشماتة وقال عصاني وأطاع مَنْ لا رأي له !
قال الواقدي: وجعل رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يصف أصحابه، وجعل الرماة خمسين رجلاً على عينين، عليهم عبد اللّه بن جبير - ويقال : سعد بن أبي وقّاص، والثَّبت أنه عبد اللّه جُبَير، قال : وجعل أحداً خلف ظهره، واستقبل المدينة وجعل عينين عن يساره، وأقبل المشركون، واستدبروا المدينة في الوادي، واستقبلوا أحداً، ويقال: جعل عينين خلف ظهره، واستدبر الشمس، واستقبلها المشركون.
قال : والقول الأوّل أثبت عندنا أن أحداً كان خلف ظهره، وهو(علیهم السلام) مستقبل المدينة .
قال : ونهى أن يقاتل أحد حتى يأمرهم بالقتال، فقال عُمارة بن يزيد بن السّكن: أنّي على زرع بني قيلة ولما نضارب !وأقبل المشركون قد صفّوا صفوفهم، واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ولهم مجنّبتان ،مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية - ويقال عمرو بن العاص - وعلى الرماة عبد اللّه بن أبي ربيعة، وكانوا مائة رام، ودفعوا اللواء إلى -طلحة بن أبي طلحة - واسم أبي طلحة عبد اللّه بن عبد العزّى بن بن عثمان بن عبد الدّار بن قصي - وصاح أبو سفيان يومئذ: يا بني عبد الدّار ، نحن نعرف أنّكم
أحقّ باللواء منّا، وأنا إنّما أتينا يوم بدر من اللواء، وإنما يُؤتَى القوم من قبل لوائهم، فالزموا لواءكم، وحافظوا عليه، وخلّوا بيننا وبينه، فإنّا قوم مستميتون موتورون، نطلب ثاراً حديث العهد وجعل يقول : إذا زالت الألوية فما قوام الناس وبقاؤهم بعدها ! فغضبت بنو عبد الدّار، وقالوا : نحن نسلّم لواءنا ! لا كان هذا أبداً! وأمّا المحافظة عليه فسترى . ثم أسندوا الرّماح إليه، وأحدقت به بنو عبد الدّار ،وأغلظوا لأبي سفيان بعض الإغلاظ، فقال أبو سفيان : فنجعل لواء آخر؟ قالوا: نعم، ولا يحمله إلا رجل من بني عبد الدار، لا كان غير ذلك أبداً .
قال الواقدي: وجعل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يمشي على رجليه يسوّي تلك الصفوف، ويتوىء أصحابه مقاعد للقتال، يقول: تقدّم يا فلان وتأخر يا فلان حتّى إنه ليرى منكب الرجل خارجاً فيؤخره، فهو يقومهم كأنما يقوم القداح، حتى إذا استوت الصفوف، سأل : مَنْ يحمل لواء المشركين؟ قيل عبد الدّار قال نحن أحق بالوفاء منهم، أين مُصعَب بن عمير؟ قال ها أنذا قال خذ اللواء، فأخذه مصعب فتقدم به بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله).
قال البلاذري : أخذه من علي(علیه السلام) ، فدفعه إلى مصعب بن عمير ؛ لأنه من بني عبد الدار. قال الواقدي: ثم قام (عیه السلام)، فخطب الناس ، فقال (علیه السلام): «أيها الناس، أوصيكم بما أوصاني به اللّه في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنّكم اليوم بمنزل أجر وذُخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وظن نفسه على الصَّبرِ واليقين والجد والنشاط، فإنّ جهاد العدو شديد كريه، قليل مَنْ يصبر عليه إِلا مَنْ عزم له على رشده. إنّ اللّه مع مَنْ أطاعه، وإن الشَّيطان مع مَنْ عصاه، فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد والتمسوا بذلك ما وعدكم اللّه . وعليكم بالذي آمركم به، فإنّي حريص على رشدكم. إن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضَّعْف، وهو مما لا يحبه اللّه ، ولا يعطي عليه النصر والظَّفَر. أيها الناس إنه قذف في قلبي أن مَنْ كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند اللّه غفر اللّه له ذنبه ، ومَنْ صلّى عَلَى محمد صلى اللّه عليه وملائكته عشراً ، ومَنْ ،أحسن من مسلم أو كافر وقع أجرُه على اللّه في عاجل دنياه، أو في أجل آخرته ، ومَنْ كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فعليه الجمعة الجمعة، إلا صبيا
يوم أو امرأة أو مريضاً أو عبداً مملوكاً، ومن استغنى عنها استغنى اللّه عنه، واللّه غني حميد ما أعلم من عمل يقربكم إلى اللّه إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه، وإنّه قد نَفَتْ الرُّوح الأمين في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا اللّه ربَّكم، وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية ربّكم، فإنه لا يُقدر على ما عنده إلا بطاعته، قد بين لكم الحلال والحرام، غير أنّ بينهما شُبَهاً من الأمر لم يعلمها كثير من الناس إلا مَنْ عصم فمن تركها حفظ عِرْضه ودينه، ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحِمَى أوشك أن يقع فيه
ويفعله، وليس مَلِك إلّا وله حمّى، ألا وإنّ حمى اللّه محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد، إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده ،«والسلام عليكم» (1).
قال الواقدي : فحدّثني ابن أبي سَبْرة، عن خالد بن رباح عن المطلّب بن عبد اللّه ، قال : أوّل مَنْ أنشب الحرب بينهم أبو عامر، طلع في خمسين من قومه، معه عبيد قريش فنادى أبو - واسمه عبد عمرو - يا للأوس أنا أبو عامر، قالوا : لا مرحباً بك ولا أهلاً، يا فاسق ! قال : لقد أصاب قومي بعدي شرّ. قال ومعه عبيد أهل مكة، فتراموا بالحجارة هم والمسلمون، حتى تراضخوا بها ساعة إلى أن ولّى أبو عامر وأصحابه، ويقال: إن العبيد لم يقاتلوا، وإنهم أمروهم بحفظ عسكرهم .
قال الواقدي : وجعل نساء المشركين قبل أن يلتقي الجمعان أمام صفوف المشركين يضربن بالأكبار والدفاف والغرابيل، ثمّ يرجعن فيكن إلى مؤخر الصف، حتى إذا دنَوا من المسلمين تأخر النساء، فقمن خَلْف الصفوف، وجعل كلّما ولّى رجل حرَّضته، وذكرنه قتلى بدر.
وقال الواقدي : وكان قزمان من المنافقين، وكان قد تخلّف عن أحد، فلما أصبح عَيّره نساء ظَفَر، فقلن يا قزمان ،قد خرج الرجال وبقيت !استحي يا قزمان، ألا تستحيي ممّا صنعت! ما أنت إلا امرأة، خرج قومك وبقيت في الدارا فأحفظنه، فدخل بيته، فأخرج قوسه وجُعبته وسيفه - وكان يعرف بالشجاعة - وخرج يعدو، حتّى انتهى إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وهو يسوّي صفوف المسلمين، فجاء من خلف الصّف، حتى انتهى إلى الصّف الأول، فكان فيه، وكان أوّل مَنْ رَمى بسهم من المسلمين جعل يرسلُ نَبْلاً كأنها الرماح، وإنه ليكت كتيت الجمل ثم صار إلى السيف ففعل الأفاعيل، حتى إذا كان آخر ذلك قَتَل نفْسَه . وكان رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) إذا ذكره قال : من أهل النار . قال : فلما انكشف المسلمون، کسر جفن سیفه وجعل يقول : الموتُ أحسن من الفرار، يا للأؤس! قاتلوا على الأحساب، واصنعوا مثل ما أصنع . قال : فيدخل بالسيف وسط المشركين ،حتى يقال : قد قتل، ثم يطلع فيقول : أنا الغلام الظَّفَري ، حتى قتل منهم سبعة، وأصابته الجراحة، وكثرت فيه، فوقع فمر به قتادة بن النعمان فقال له : أبا الغيداق، قال :قزمان لبيك قال : هنيئاً لك الشهادة! قال قزمان : إني واللّه ما قاتلتُ يا أبا عمرو على دين ما قاتلت إلا على الحفاظ، أن تسير قريش إلينا قتطأ سعفنا ، قال : فاذته الجراحة فقتل نفسه، فقال النبي(صلی اللّه علیه واله) :«إنّ اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (2)
قال الواقدي: وتقدّم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى الرماة، فقال: «احموا لنا ظهورنا ، فإنا نخاف أن نؤتَى مِنْ ،وراثنا، والزموا مكانكم لا تبرخوا منه، وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم، فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا، ولا تدفعوا عنا . اللهّم إني أشهدك عليهم ارشقُوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النَّبل» (1)
(2604) ، والطبراني في الكبير» (10731) دون قوله : اللهم إني أشهدك . أشهدك . . . إلخ »
، وكان للمشركين مجنّبتان : ميمنة عليها خالد بن الوليد، وميسرة عليها عكرمة بن أبي جهل.قال الواقدي: وعمل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لنفسه ميمنة وميسرة ، ودفع اللّواء الأعظم إلى مصعب بن عمير، ودفع لواء الأوس إلى أسيد بن خُضَير، ولواء الخزرج إلى سعد بن عبادة - وقيل : إلى الحباب بن المنذر - فجعلت الرماة تحمي ظهور المسلمين، وترشق خيلَ المشركين بالنَّبل فولّت ،هاربه قال بعض المسلمين واللّه لقد رَمَقْتُ نبلنا يومئذٍ، ما رأيت سهماً واحداً مما يرمى به خيلهم يقع في الأرض، إمّا في فرس أو في رجل، ودنا القوم بعضهم من بعض، وقدموا طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، وصفوا صفوفهم، وأقاموا النّساء خلف الرجال يضربن بين أكتافهم بالأكبار والدفوف، وهند وصواحبها يحرّضن ويذمّون الرجال، ويذكرن مَنْ أصيب ببدر ويقلن :
نحن بنات طارق نمشي على النَّمَارِقْ إنْ تُقبلوا نعانق*** أو تدبروا نفارق
فراقَ غَيْرَ وامِقُ
قال الواقدي وبرز ،طلحة قصاح من يبارز ؟ فقال علي (علیه السلام)له : هل لك في مبارزتي؟
قال: نعم ،فبرزا بين الصّفين ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) جالس تحت الراية، عليه درعان ومغفر وبيضته ،فالتقيا ،فبدره علي(علیه السلام) بضربة على رأسه، فمضى السيف حتى فلق هامته إلى أن انتهى إلى لحيته فوقع، وانصرف علي(علیه السلام)، فقيل له : هلا ذقفت عليه !قال:إنه لما صرع استقبلني ،بعورته، فعطفتني عليه الرّحم، وقد علمت أن اللّه سيقتله هو كبش الكتيبة . قال الواقدي، وروي أن طلحة حمل على علي(علیه السلام) فضربه بالسيف، فاتقاه بالدّرقة، فلم يصنع شيئاً، وحمل علي (علیه السلام)وعلى طلحة درع ومغفر، فضربه بالسيف، فقطع ساقيه، ثم أراد أن يذفّف عليه ، فسأله طلحة بالرَّحم ألا يفعل، فتركه ولم يذفّف عليه .
قال الواقدي : ويقال : إن علياً (علیه السلام)ذنّف عليه، ويقال : إن بعض المسلمين مرّ به في
المعركة فذفّف عليه . قال : فلما قتل طلحة سرّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) وكبّر تكبيراً عالياً وكبر
1) أخرج أحمد نحوه في المسند، كتاب مسند بني هاشم :باب مسند عبد الله بن عباس
المسلمون، ثم شدّ أصحاب رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) على كتائب المشركين، فجعلوا يضربون وجوههم، حتى انتقضت صفوفهم، ولم يقتل إلا طلحة بن أبي طلحة أبي طلحة وحده.
قال الواقدي : ثم حمل لواء المشركين بعد طلحة أخوه عثمان بن أبي طلحة، وهو أبو شيبة فارتجز وقال : إِنْ عَلَى ربّ اللواء حقًا *** أن تخضبَ الصَّعُدة أو تندقًا
فتقدّم باللواء والنسوة خلفه، يحرّضن ويضربن بالدفوف فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب رحمه اللّه، فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه، حتى انتهى إلى مُؤتَزرِه فبدا سَحْره،و رجع فقال : أنا ابن ساقي الحجيج، ثم حمل اللواء أخوهما أبو سعد بن أبي طلحة ،فرماه ورجع سعد بن أبي وقاص فأصاب حنجرته - وكان دراعاً، وعليه ،مغفر لا رفرف عليه وعلى رأسه بيضته فأدلع لسانه إدلاع الكلب.
قال الواقدي : وقد روي أنّ أبا سعد لما حمل اللواء، قام النساء خلفه يقلن :
ضرباً بنی عبد الدار*** ضَرْباً حُماةَ الأدبار***ضرباً بكل بتاز
قال سعد بن أبي وقاص : فأحمل عليه فأقطع يده اليمنى، فأخذ اللواء باليد اليسرى، فأضربه على يده اليسرى فقطعتها، فأخذ اللواء بذراعيه جميعاً وضَمّه إلى صدره وحنى عليه ظهره. قال سعد فأُدخِلُ سيّة القوس بين الدرع والمغفر، فأقلع المغفر، فأرمي به وراء ظهره، ثم ضربته حتى قتلته وأخذت أسلبه درعه ، فنهض إلي سبيع بن عبد عوف ونفر معه فمنعوني سلبه، وكان سلبه أجود سلب رجل من المشركين درع فضفاضة، ومغفر وسيف جيد، ولكن حيل بيني وبينه .
قال الواقدي: وهذا أثبت القولين.
قلت: شتّان بين عليّ وسعد! هذا يجاحش على السَّلَبِ ويتأسف على فواته، وذلك يقتل عمرو بن عبد وديوم الخندق، وهو فارس قريش وصنديدها ومبارزه، فيعرض عن سلبه، فيقال له : كيف تركت سَلَبه وهو أنفس سلب ! فيقول : كرهت أن أبز السّبي ثيابه، فكأن حبيباً عناه بقوله :
إنّ الأسود أسودُ العَابِ همَّتُها *** يوم الكريهة في المسلوب لا السَّلبِ
قال الواقدي : ثم حمل لواء المشركين بعد أبي سعد بن أبي طلحة مسافع بن أبي طلحة
فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتله، فحمل إلى أمه سلافة بنت سعد بن الشهيد، وهي مع النساء بأحد، فقالت : من أصابك؟ قال : لا أدري سمعته يقول : خُذْها وأنا ابن الأقلح، فقالت : اقْلَحِي واللّه أي هو من رهطي - وكانت من الأوس.
قال الواقدي: وروي أنّ عاصماً لما رماه، قال له:خذها وأنا ابن كسرة ،وكانوا يقال لهم في الجاهليّة: بنو كسر الذهب، فقال لأمه : لا أدري، إلا أني سمعته يقول: خذها وأنا ابن كسرة، فقالت سلافة: أوسي واللّه كسري، أي أنه منّا، فيومئذ نذرت سلافة أن تشرب في تخف رأس عاصم بن ثابت الخمر، وجعلت لمن جاءها به مائة من الإبل.
قلت : فلمّا قتله المشركون في يوم الرَّجيع أرادوا أن يأخذوا رأسه، فيحملوه إلى سلافة فحمته الدَّبْر يومه ذلك، فلما جاء اليل فظنوا أن الدبر لا تحميه ليلاً، جاء الوادي بسيل عظيم، فذهب برأسه وبدنه اتفق المؤرخون على ذلك.
قال الواقدي : ثم حمل اللواء بعد الحارث أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله الزبير بن العوام، ثم حمله أخوه الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله طلحة بن عبيد اللّه، ثم حمله أرطاة بن عبد شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب (علیه السلام)، ثم حمله شريح بن قانط، فقتل لا يُذرى مَنْ قتله ثم حمله ،صواب غلام بني عبد الدار، فاختلف في قاتله فقيل : قتله علي بن أبي طالب ، وقيل سعد بن أبي وقاص . وقيل : قُزمان، وهو أثبت الأقوال.
قال الواقدي: انتهى قُزمان إلى صُواب، فحمل عليه، فقطع يده اليمنى، فاحتمل اللواء باليسرى فقطع اليسرى، فاحتضن اللواء بذراعيه وعَضُديه، وحَنَى عليه ظهره، وقال: يا بني عبد الدار، هل اعْذَرْت؟ فحمل عليه قزمان فقتله .
قال الواقدي وقالوا : ما ظفّر اللّه تعالى نبيه في موطن قطّ ما ظفّره وأصحابه يوم أحد، حتى عصوا الرسول(صلی اللّه علیه واله)، وتنازعوا في الأمر، لقد قتل أصحاب اللواء وانكشف المشركون
منهم لا يلوون، ونساؤهم، يدعون بالويل بعد ضرب الدفاف والفرح.
قال الواقدي: وقد روى كثير من الصحابة ممّن شهد أحداً، قال كلّ واحد منهم : واللّه إنّي
لأنظر إلى هند وصواحبها منهزماتٍ ما دون أخذهن شيءٌ لمن أراده، ولكن لا مردّ لقضاء اللّه قالوا : وكان خالد بن الوليد كلّما أتى من قبل ميسرة النبي(صلی اللّه علیه واله) ليجوز حتى يأتيهم من قبل السّفح، تردّه الرّماة، حتى فعل وفعلوا ذلك مراراً، ولكن المسلمين أتُوا من قبل الرماة، أنّ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) أوعز إليهم فقال :«قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتلُ فلا تنصرونا». فلما انهزم المشركون، تبعهم المسلمون
يضعون السّلاح فيهم حيث شاؤوا حتى أجهزوهم عن المعسكر، ووقعوا ينتهبونه. قال بعض الرماة لبعض: لم تقيمون هاهنا في غير شيء! قد هزم اللّه العدّو، وهؤلاء إخوانكم ينهبون عسكرهم فادخلوا عسكر، المشركين، فاغنموا مع إخوانكم، فقال بعضهم : ألم تعلموا أن رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله) قال لكم:«احموا ظهورنا، وإن غنمنا فلا تشركونا»، فقال الآخرون: لم يُرِدْ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) هذا، وقد أذل اللّه المشركين وهزمهم فادخلوا العسكر، فانتهبوا مع إخوانكم فلمّا اختلفوا خطبهم أميرهم عبد اللّه بن جُبَير، وكان يومئذٍ معلماً بثياب بيض، فحمد اللّه وأمرهم بطاعة رسوله، وألا يخالف أمره ،فعصوه، وانطلقوا فلم يبقَ معه إلا نفير ما يبلغون العشرة، منهم الحارث بن أنس بن رافع يقول : يا ،قوم اذكروا عهد نبيّكم إليكم، وأطيعوا أميركم فأبَوْا ، وذهبوا إلى عسكر المشركين ينتهبون، وخلّوا الْجَبَل، وانتقضت صفوف المشركين واستدارت رحالهم ودارت الريح - وكانت إلى أن انتقض صفهم صباً، فصارت دَبُوراً - فنظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة ،أهله فكرّ بالخيل، وتبعه عكرمة بالخيل فانطلقا إلى موضع الرماة، فحملوا عليهم، فرماهم القوم حتى أصيبوا ، ورمى عبد اللّه بن جُبير حتى فنيتُ نَبله، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر ، ثمّ كسر جفن سيفه فقاتل حتى قتل، وأفلت جُعَيل بن سراقة وأبو بردة بن نيار بعد أن شاهدا قتل عبد الله بن جُبير، وكان آخر من انصرف من الخيل فلحقا بالمسلمين.
قال الواقدي : فروی رافع بن خدیج ،قال : لما قتل خالد الرّماة أقبل بالخيل وعكرمة بن أبي جهل يتلوه، فخالطنّا وقد انتقضت صفوفنا ، ونادى إبليس - وتصور في صورة جُعِيل بن سراقة: إنّ محمداً قد قتل ثلاث صرخات، فابتلي يومئذٍ جُعَيل بن سراقة ببلية عظيمة حين تصوّر إبليس في صورته، وإن جُعَيلاً ليقاتل مع المسلمين أشدّ القتال، وإنّه إلى جنب أبي بردة بن نيار وخوات بن جُبير. قال رافع بن خديج : فواللّه ما رأينا دولةً كانت أسرع من دولة المشركين علينا، وأقبل المسلمون على جُعَيل بن سراقة يريدون قتله، يقولون: هذا الذي صاح أنّ محمداً قد قُتِل ، فشهد له خَوّات بن جبير وأبو بردة، أنّه كان إلى جنبهما حين صاح الصائح، وأن الصائح غيره.
قال الواقدي: فروى رافع، قال: أتينا من قبل أنفسنا ومعصية نبينا، واختلط المسلمون، وصاروا يقتلون ويضرب بعضهم بعضاً، وما يشعرون بما يصنعون من الدَّهَش والعَجَل، وقد جرح يومئذٍ أُسَيْد بن خُضَير جرحين، ضربه أحدهما أبو بردة بن نيار، وما يدري، يقول: خذها وأنا الغلام الأنصاري، وكرّ أبو زعنة في حَوْمة القتال، فضرب أبا بردة ضربتين، ما يشعر أنه ،هو يقول: خذها وأنا أبو زَعْنة حتى عرفه ،بعد فكان إذا لقيه ، قال : انظر ما صنعت فيقول أبو زَعْنة : وأنت فقد ضربت أسيد بن خضير ولا تشعر ولكن هذا الجرح في سبيل اللّه ،
فذكر ذلك لرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، فقال :«هو في سبيل اللّه يا أبا بُردة لك أجره، حتى كأنك ضربك أحد المشركين، ومَنْ قُتِل فهو شهيد»
قال الواقدي: وكان الشيخان: حسيل بن جابر ورفاعة بن وَقْش شيخين كبيرين ،قد رفعا في الآطام مع النّساء، فقال أحدهما لصاحبه: لا أبالك !ما نستبقي من أنفسنا ! فواللّه ما نحنُ إلا هامة اليوم أو غد، وما بقي من أجلنا قدر ظم دابة، فلو أخذنا أسيافنا فلحقنا برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لعلّ اللّه يرزقنا الشهادة! قال : فلحقا برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فأما رفاعة فقتله المشركون، وأما حُسَیل بن جابر فالتفت عليه سيوف المسلمين ،وهم لا يعرفونه حين اختلطوا، وابنه حذيفة يقول : أبي أبي ! حتى قتل، فقال حذيفة: يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين ،ما صنعتم! فزاد به عند رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)خيراً ، وأمر رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)بديته أن تخرج ويقال : إن الذي أصابه عتبة بن مسعود فتصدّق حذيفة ابنه بدمه على المسلمين.
قال الواقدي: وأقبل يومئذٍ الحُباب بن المنذر بن الجموح يصيح: يا آل سلمة! فأقبلوا عُنُقاً واحداً : لبيك داعي اللّه ، لبيك داعي اللّه ! فيضرب يومئذٍ جَبّار بن صخر ضربة في رأسه مثقلة وما
يدري، حتى أظهروا الشعار بينهم، فجعلوا يصيحون أمتُ أمت! فكف بعضُهم عن بعض . قال الواقدي: وكان نسطاس مولى ضرار بن أمية ممن حضر أحداً مع المشركين، ثم أسلم بعد وحسن إسلامه، فكان يحدث قال قد كنت ممّن خلف في العسكر يومئذ، ولم يقاتل معهم عبد إلا وحشي وصواب غلام بني عبد الدار، فكان أبو سفيان صاح فيهم : يا معشر قريش خلوا غلمانكم على متاعكم يكونوا هم الذين يقومون على رحالكم، فجمعنا بعضها إلى بعض، وعَقَلْنا الإبل، وانطلق القوم على تعبيتهم، ميمنة وميسرة وألبسنا الرحال الأنطاع (1)، ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ساعة، وإذا أصحابنا منهزمون، فدخل المسلمون معسكرنا، ونحن في الرحال فأحدقوا بنا، فكنت فيمن أسروا ، وانتهبوا المعسكر أقبح انتهاب، حتى إنّ رجُلاً منهم قال : أين مال صفوان بن أمية؟ فقلت: ما حمل إلّا نفقة في الرّخل، فخرج يسوقني حتى أخرجتها من الغيبة (2)خمسين ومائة مثقال ذهباً، وقد ولّى أصحابنا وأيسنا منهم، وانحاش النّساء، فهنّ في حُجُرمنّ سِلْمٌ لمن أرادهن، فصار النهب في أيدي المسلمين.
قال نسطاس : فإنّا لعلى ما نحن عليه من الاستسلام، ونظرتُ إلى الجبل، فإذا خيل مقبلة تركض، فدخلوا العسكر، فلم يكن أحد يردّهم، قد ضيعت الثغور التي كان بها الرماة وجاؤوا
إلى النّهب والرماة ،ينتهبون وأنا أنظر إليهم متأبطي قسيَّهم وجعابهم ، كل واحد منهم في يديه أو حضنه شيء قد أخذه، فلما دخلت خيلنا دخلت على قوم غارين ،آمنین، فوضعوا فيهم السيوف ،فقتلوهم قتلاً ذريعاً، وتفرّق المسلمون في كلّ وجه، وتركوا ما انتهبوا، وأجلوا عن عسكرنا، فارتجعنا بعد لم نفقد منه شيئاً، وخلوا أسرانا، ووجدنا الذهب في المعركة، ولقد رأيت يومئذ
من المسلمين ضمّ صفوان بن أمية إليه ضَمّةً ظننت أنه سيموت، حتى أدركته وبه رمق فوجأت ذلك المسلم بخنجر معي ، فوقع، فسألت عنه، فقيل : رجل من بني ساعدة ثم هداني اللّه بعد للإسلام.
قال الواقدي: فحدّثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد اللّه، عن عمر بن الحكم، قال: ما علمنا أحداً من أصحاب رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) الذين أغاروا على النهب فأخذوا ما أخذوا من الذهب بقي معه من ذلك شيء يرجع به حيث غشينا المشركون، واختلفوا إلا رجلين: أحدهما عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، جاء بمنطقة وجدها في العسكر، فيها خمسون ديناراً فشدّها على حقويه من تحت ثيابه، وجاء عباد بن بشر بصُرّة فيها ثلاثة عشر مثقالاً ألقاها في جيب قميصه، وفوقها الدرع وقد حزم وسطه، فأتيا بذلك رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فلم يخمسه ونقلهما إياه . قال الواقدي: وروى يعقوب بن أبي صعصعة، عن موسى بن ضمرة، عن أبيه ،قال: لما صاح الشَّيْطان أزبَّ العقبة، أن محمداً قد قتل لما أراد اللّه عزّ وجلّ من ذلك، سُقط في أيدي المسلمين، وتفرّقوا في كلّ وجه ،وأصعدوا في الجبل، فكان أوّل مَنْ بشرهم بكون رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) سالماً كعب بن مالك. قال كعب :عرفته، فجعلت أصبح: هذا رسول اللّه ! وهو يشير إلي بإصبعه على فيه : أن أسكت.
قال الواقدي: وروت عميرة بنت عبد اللّه بن كعب بن مالك ،عن أبيها ، قالت : قال أبي لما انكشف الناس : كنت أوّل مَنْ عرف رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)وبشرت به المسلمين حيا سويا ، عرفت عينيه من تحت المِغْفر ،فناديت: يا معشر الأنصار ! أبشروا ، فهذا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فأشار إلي رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)أن أصمت: قال : ودعا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) بكعب ، فلبس لأمته، وألبس كعباً لأمة نفسه، وقاتل كعب يومئذ قتالاً شديداً، جرح سبعة عشر جرحاً .
قال الواقدي: وحدّثني ابن أبي سَبْرة عن خالد بن رباح، عن الأعرج، قال : لما صاح الشيطان إن محمداً قد قُتِلَ ، قال أبو سفيان بن حرب يا معشر قريش، أيكم قتل محمداً؟ قال ابن قميئة : أنا قتلته . قال : نسوِّرك كما تفعل الأعاجم بأبطالها. وجعل أبو سفيان يطوف بأبي عامر الفاسق في المعركة ،هل يرى محمداً بين القتلى !فمر بخارجة بن زيد بن أبي زُهير،فقال: يا أباسفيان ،هل تدرِي مَنْ هذا؟ قال : لا ، قال : هذا خارجة بن زيد، هذا أسيد بني الحارث بن الخزرج، ومرّ بعباس بن عبادة بن نَضلة إلى جنبه ،قال: أتعرفه؟ قال: لا، قال:
هذا ابن قوقل ،هذا الشريف في بيت الشرف، ثم مرّ بذكوان بن عبد قيس فقال : وهذا من ساداتهم، ثم مرّ بابنه حنظلة بن أبي عامر، فوقف عليه، فقال أبو سفيان: من هذا؟ قال: هذا أعزّ من هاهنا عليّ، هذا ابني حنظلة. قال أبو سفيان: ما نرى مصرع محمد، ولو كان قتل لرأيناه كذب ابن قميئة ،ولقي خالد بن الوليد، فقال : هل تبين عندك قتل محمد ؟ قال : لا ، رأيته أقبل في نفر من أصحابه مصعدين في الجبل، فقال أبو سفيان: هذا حقّ، كذب ابن قميئة، زعم أنه قتله !
قلت : قرأت على النقيب أبي يزيد رحمه اللّه هذه الغَزَاة من كتاب الواقدي، وقلت له : كيف جرى لهؤلاء في هذه الوقعة؟ فإني أستعظم ما جَرَى! فقال وما في ذلك ممّا تستعظمه ! حَمَل قلب المسلمين من بعد قتل أصحاب الألوية على قلب المشركين، فكسره فلو ثبتت مجنبتا رسول اللّه اللتان فيهما أسيد بن خُضَير والحُباب بن المنذر بإزاء مجنّبتي المشركين ،لم ينكسر عسكر الإسلام، ولكن مجنّبتا المسلمين أطبقت إطباقاً واحداً على قلب المشركين، مضافاً إلى قلب المسلمين، فصار عسکر رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قلباً واحداً، وكتيبة واحدة، فحطمه قلب قريش حظمة شديدة. فلمّا رأت مجنّبتا قريش أنّه ليس بإزائها أحد، استدارت المجنبتان من وراء عسكر المسلمين، وصمد كثير منهم للرماة الذين كانوا يحمون ظهر المسلمين، فقتلوهم عن آخرهم ؛ لأنهم لم يكونوا ممن يقومون لخالد وعكرمة، وهما في ألفي رجل، وإنما كانوا خمسين رجلاً، لاسيما وقد ترك كثير منهم مركزه وشره إلى الغنيمة، فأكبّ على النّهب .
قال رحمه اللّه : والذي كسر المسلمين يومئذ، ونال كلّ منال خالد بن الوليد، وكان فارساً شجاعاً، ومعه خيل كثيرة، ورجال أبطال موتورون، واستدار خَلْف الجبل، فدخل من الثّغرة التي كان الرماة عليها، فأتاه من وراء المسلمين، وتراجع قلب المشركين بعد الهزيمة، فصار المسلمون بينهم في مثل الحلقة المستديرة، واختلط النّاس، فلم يعرف المسلمون بعضهم بعضاً، وضرب الرجل منهم أخاه وأباه بالسيف وهو لا يعرفه لشدّة النَّقْع والغبار، ولما اعتراهم من الدَّهَش والعَجَلة والخوف، فكانت الدَّبْرة عليهم، بعد أن كانت لهم، ومثل هذا يجري دائماً في الحرب.
فقلت له رحمه اللّه : فلمّا انكشف المسلمون، وفرّ منهم مَنْ فَرّ، ما كانت حال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ؟ فقال : ثبت في نفرٍ يسير من أصحابه يحامون عنه. فقلت : ثم ماذا ، قال : ثم ثابت إليه الأنصار، وردّت إليه عُنقاً واحداً بعد فرارهم وتفرّقهم، وامتاز المسلمون عن المشركين وكانوا ناحية، ثم التحمت الحرب، واصطدم الفيلقان.
قلت :ثم ماذا ؟ قال : لم يزل المسلمون يحامون عن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) والمشركون يتكاثرون عليهم ، ويقتلون فيهم حتى لم يبق من النهار إلّا القليل والدّولة للمشركين .
قلت: ثمّ ماذا؟ قال:ثمّ علم الذین بقوا من المسلمین انّه لا طاقة لهم بالمشرکین،فأصعدوا في الجبل فاعتصموا به. فقلت له : فرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) و ما الذي صنع ؟ فقال : صعد في الجبال.
قلت له : أفيجوز أن يقال: إنه فر ؟ فقال : إنّما يكون الفرار ممن أمعن في الهرب في الصحراء والبيداء، فأما من الجبل مطل عليه وهو في سفحه، فلما رأى مالا يعجبه أصعد في الجبل، فإنّه لا يسمّى فارا . ثم سكت رحمه الله ساعة، ثم قال : هكذا وقعت الحال فإن شئتَ أن تسمي ذلك قراراً فسمه، فقد خرج من مكة يوم الهجرة فاراً من المشركين، ولا وَضمَة عليه في ذلك.
فقلت له : قد روى الواقدي عن بعض الصحابة، قال : لم يبرح رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ذلك اليوم
شبراً وحداً، حتى تحاجزت الفئتان !فقال : دع صاحب هذه الرواية فليقل ما شاء، فالصحيح ذكرته لك، ثم قال : كيف يقال : لم يزل واقفاً حتى تحاجزت الفئتان! وإنما تحاجزا بعد أن ناداه أبو سفيان، وهو في أعلى الجبل بما ناداه، فلما عرف أنه حي وأنّه في أعلى الجبل، وأن الخيل لا تستطيع الصعود إليه، وأن القوم إن صعدوا إليه رجالة لم يثقوا بالظفر به ؛ لأنّ معه أكثر، أصحابه وهم مستميتون إن صعد القوم إليهم، وأنهم لا يقتلون منهم واحداً حتى يقتلوا منهم اثنين أو ثلاثة؛ لأنهم لا سبيل لهم إلى الهرب، لكونهم محصورين في ذرو واحد ، فالرجل منهم يحامي عن خَيْط رقبته - كفّوا عن الصعود وقنعوا بما وصلوا إليه من قتل من قتلوه في الحرب،وأمَّلُوا يوماً ثانياً يكون لهم فيه الظفر الكلّي بالنبي(صلی اللّه علیه واله) ، فرجعوا عنهم وطلبوا مكة .
وروى الواقدي: عن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي فروة ،عن أبي الحويرث، عن جبير، قال: سمعت رجلاً من المهاجرين يقول : شهدت أحداً، فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) في وسطها كلّ ذلك يصرف عنه، ولقد رأيتُ عبد اللّه بن شهاد الزهري يقول يومئذٍ : دلوني على محمد، فلا نجوتُ إن نجا ! وإن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) إلى جنبه، ما معه أحد، ثم جاوزه، ولقي عبد اللّه بن شهاب صفوان بن أمية، فقال له صفوان: تَرِحت !هلا ضربت محمداً، فقطعت هذه الشافة، فقد أمكنك اللّه منه ! قال ابن شهاب : وهل رأيته؟ قال : نعم أنتَ إلى جنبه ،قال : واللّه ما رأيتُه، أحلف باللّه إنّه منا لممنوع، خرجنا أربعة تعاهدنا ونعاقدنا على قتله ،فلم نخلص إلى ذلك .
قال الواقدي: فروى نملة - واسم أبي نملة عبد اللّه بن معاذ، وكان أبوه معاذ أخا البَراء بن لأمه - قال : لما انكشف المسلمون ذلك اليوم نظرت إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وما معه أحد إلا نُغَير قد أحدقوا به من أصحابه من المهاجرين والأنصار، فانطلقوا به إلى الشعب وما للمسلمين لواء قائم ولا فئة ولا جمع، وإن كتائب المشركين لتحوشهم مقبلة ومديرة في الوادي، يلتقون ويفترقون ما يرون أحداً يردّهم.
قال الواقدي: وحدّثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه، قال: حمل يصعب اللواء، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب قبل ابن قميئة، وهو فارس، فضرب يد مصعب فقطعها، فقال مصعب : ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) (1)وأخذ اللواء بيده اليسرى، وحنّى عليه فضربه فقطع اليسرى، فضمه بعضديه إلى صدره ،وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) ، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه ،واندق الرمح، ووقع مُصْعَب وسقط اللواء وابتدره رجلان من بني عبد الدار، سويبط بن حرملة وأبو الرُّوم، فأخذه أبو الرُّوم، فلم يزل بيده حتى دخل به المدينة، حين انصرف المسلمون.
قال الواقدي: وقالوا : إنّ رسول اللّه لما لحمه القتال، وخلص إليه وذبّ عنه مصعب بن عمير وأبو دُجانة ، حتى كَثُرت به الجراحة، جعل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يقول: «مَنْ رجل بشري نفسه؟ فوثب فئة من الأنصار خمسة، منهم عُمارة بن زياد بن السّكن، فقاتل حتى أثبت، وفاءت فئة من المسلمين حتى أجهضوا أعداء اللّه، فقال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) العمارة بن زياد : ادْنُ مني، حتى وسدّه رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ،قدّمه، وإن به لأربعة عشر جُرحاً حتى مات، وجعل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يذمر النّاس ويحضّهم عَلَى القتال، وكان رجالٌ من المشركين قد أذْلَقُوا المسلمين بالرّمي : منهم حيّان بن العرقة وأبو أسامة الْجُسمِي، فجعل النبي (صلی اللّه علیه واله) يقول لسعد :«ارم فداك أبي وأمي» ! فرمي حيّان بن العرقة بسهم فأصاب ذيل أم أيمن، وكانت جاءت يومئذ تسقي الجرحى، فقلبها، وانكشف ذيلها عنها، فاستغرب حيّان بن العرقة ضحكاً، وشقّ ذلك على رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهماً لا نصلّ له، وقال: ارم به ،فرمی فوضع السّهم في ثغرة نحر حيّان، فوقع مستلقياً، وبدت عورته . قال سعد :فرأيت النبي(صلی اللّه علیه واله) ضحك يومئذ حتى بدت نواجذه ،وقال استقاد لها ،سعد أجاب اللّه دعوتك، وسدّد رمّيتك، ورمى يومئذ مالك بن زهير الجُشمِي أخو أبي أسامة الْجُشَمِي المسلمين رمياً شديداً، وكان هو وريَّان بن العرقة قد أسرعًا في أصحاب رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ، وأكثرا فيهم القتل يستتران بالصخر . ويرميان فبيناهم على ذلك أبصر سعد بن أبي وقاص مالك بن زهير يرمي من وراء صخرة قد رمي، وأطلع رأسه، فيرميه سعد، فأصاب السّهم عينه، حتى خرج من قفاه، فترى في السماء قامة، ثم رجع فسقط، فقتله اللّه عزَّ وجلّ.
قال الواقدي : ورمی رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) عن قوسه يومئذ حتى صارت شَظايا، فأخذها قتادة بن النعمان، وكانت عنده، وأصيبت يومئذ عن قتادة حتى وقعت على وَجْنَتِه . قال قتادة : فجئت إلى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ، فقلت : يا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) إن تحتي امرأة شابة جميلة أحبها وتحبني،
1) سورة آل عمران الآية : 144 .
وأنا أخشى أن تقذر مكان عيني، فأخذها رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)فردّها وانصرف بها، وعادت كما كانت فلم تضرب عليه ساعة من ليل ونهار، وكان يقول بعد أن أسنّ : هي هي أقوى عيني وكانت أحسنهما .
قال الواقدي: وباشر رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)القتال بنفسه، فرمي بالنبل حتى فنيت نبله، وانكسرت سِيَةُ قوسه، وقبل ذلك انقطع وتره، وبقيت في يده قطعة تكون شبراً في سيّة القوس، فأخذ القوس عُكاشة بن مِحْصن يُوتره له، فقال : يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، لا يبلغ الوتر، فقال مدّه يبلغ، قال عُكّاشة: فوالذي بعثه بالحّق لمددته حتى بلغ وطويت منه ليتين أو ثلاثة على سيّة القوس، ثمّ أخذه رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فما زال يرامي القوم، وأبو طلحة أمامه يستره مترساً عنه، حتى نظرت إلى سيّة قوسه قد تحطَّمَتْ، فأخذها قتادة بن النعمان.
قال الواقدي: وكان أبو طلحة يوم أحد قد نَثَلَ كِنانته بين يدي النبي(صلی اللّه علیه واله)، وكان صيّتاً فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :«الصوْتُ أبي طلحة في الجيش خير من أربعين رجلاً»، وكان في كنانته خمسون سهماً نثلها بين يدي رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، وجعل يصيح: نفسي دون نفسك يا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)فلم يزل يرمي بها سهماً سهماً، وكان رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)يطلع راسه من خلف أبي طلحة بين أذيه ومنكبه ، ينظر إلى مواقع النَّبْل حتى قنيت نبله، وهو يقول : نحري دون نحرك؟ جعلني اللّه فداك ! قالوا : إنه كان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ليأخذ العود من الأرض فيقول: «ارم يا أبا طلحة»، فيرمي به سهماً جيداً.
قال الواقدي: وكان الرُّماة المذكورون من أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) جماعة : منهم سعد بنأبي وقّاص، وأبو طلحة ،وعاصم بن ثابت ،والسائب بن عثمان بن مظعون ،والمقداد بن عمرو، وزيد بن حارثة، وحاطب بن أبي بلتعة، وعُتبة بن غزوان، وخراش بن الصّمة، وقطبة بن عامر بن حديدة، وبشر بن البَراء بن معرور، وأبو نائلة ملكان بن سلامة، وقتادة بن النعمان.
قال الواقدي: ورمي أبو رِهم الغفاري بسهم فأصاب نحرَه، فجاء إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فبصق عليه، فبرأ ، فكان أبو رهم بعد ذلك بعد ذلك يسمى المنحور. (1)
وروى أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد اللغوي، غلام ثعلب، ورواه أيضاً محمد بن حبيب في أماليه، أن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) له لما فرّ معظم أصحابه عنه يوم أحد، كثرتُ عليه كتائب المشركين، وقصدته كتيبة من بني كنانة، ثم من بني عبد مناة بن كنانة، فيها بنو سفيان بن عُوَيف، وهم : خالد بن سفيان ،وأبو الشعثاء بن سفيان وأبو الحمراء بن سفيان، وغراب بن سفيان، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :«يا علي اكفني هذه الكتيبة»، فحمل عليها وإنها لتقارب خمسين :
1) أخرجه الصالحي الشامي في سبل الهدى : 242/4 .
فارساً ، وهو(علیهم السلام) راجل، فما زال يضربها بالسيف حتى تتفرّق عنه ثم تجتمع عليه ، هكذا مراراً حتى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة، وتمام العشرة منها، ممن لا يُعرف بأسمائهم، فقال جبرائيل(علیهم السلام) لرسول اللّه (صلی اللّه علیه واله): يا محمد، إن هذه المواساة، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى! فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله): وما يمنعه وهو منّي وأنا منه ! فقال جبرائيل(علیهم السلام) : وأنا منكما . قال : وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا يرى شخص الصارخ، به ينادي مراراً :
لا سيف إلا ذو الفقارولا فتى إلا علي
فسئل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) عنه ، فقال : هذا جبرائيل (1)
قلت وقد روى هذا الخبر جماعةٌ من المحدّثين وهو من الأخبار المشهورة، ووقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق، ورأيت بعضها خالياً عنه، وسألت شيخي عبد الوهاب بن سكينة رحمه اللّه عن هذا الخبر، فقال : خبر صحيح، فقلت : فما بال الصحاح لم تشتمل عليه؟ قال : أو كلّما كان صحيحاً تشتمل عليه كتب الصحاح؟ كم قد أهمل جامعو الصحاح من الأخبار الصحيحة!
قال الواقدي: وأقبل عثمان بن عبد اللّه بن المغيرة المخزومي يُحضر فرساً له ابلق،رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، عليه لأمة كاملة، ورسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)متوجه إلى الشّعب وهو يصيح :نجوتُ إن نجوت! فيقف رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، ويعثر بعثمان فرسه في بعض تلك الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق للمسلمين، فيقع الفرس لوجهه، وسقط عثمان عنه، وخرج الفرس غائراً، فيأخذه بعض أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ويمشي إليه الحارث بن الصّمة، فاضطربا ساعة بالسيفين، ثم يضرب الحارث رجله، وكانت درعه مشمّرة فبرك، وذقف عليه، وأخذ الحارث يومئذٍ سلبه : درعاً جيداً، ومغفراً، وسيفاً جيّداً، ولم يسمع بأحد من المشركين سلب يومئذ غيره ورسول الله(صلی اللّه علیه واله) ينظر إلى قتالهما، فسأل عن الرجل ،قيل : عثمان بن عبد اللّه المغيرة، قال الحمد اللّه الذي أحانه، وقد كان عبد اللّه بن جحش أسره من قبل ببطن نخلة، حتى قدم به علی رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ، فافتدى ورجع إلى قريش وغزا معهم أحداً، فقتل هناك، ویری مصرع عثمان عبيد بن حاجز العامري أحد بني عامر بن لؤي، فأقبل يعدو كأنه فيضرب حارث بن الصمة ضربةً على عاتقه، فوقع الحارث جريحاً حتى احتمله أصحابه، ويقبل أبو دجانة على عبيد بن حاجز، فتناوشا ساعة من نهار وكل واحد منهما يتقي بالدرقة سيف صاحبه، ثم حمل عليه أبو دُجانة فاحتضنه، ثم جلد به الأرض، وذبحه بالسيف كما تذبح الشاة، ثم انصرف، فلحق برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)
1) أخرجه العلامة المجلسي في البحار 128/20
قال الواقدي: ويروى أن سهل بن حنيف، جعل ينضح بالنبل عن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) فقالوا: تبلوا سهلاً فإنه سهل، ونظر رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) إلى أبي الدرداء، والناس منهزمون في كلّ وجه، فقال : نعم الفارس عويمر، غير أنه لم يشهد بير أنه لم يشهد أحداً!
قال الواقدي: وروى الحارث بن عبيد اللّه بن كعب بن مالك قال : حدّثني من نظر إلى أبي سبرة بن الحارث بن علقمة، ولقي أحد المشركين، فاختلفا ،ضربات، كل ذلك يروغ أحدهما عن الآخر، قال: فنظر الناس إليهما كأنهما شبعان ضاريان يقفان مرّة ويقتلان أخرى، ثم تعانقا، فوقعا إلى الأرض جميعاً، فعلاه أبو سَبرة فذبحه بسيفه كما تذبح الشاة، ونهض عنه فيقبل خالد بن الوليد وهو على فرس أدهم أغرّ ،محجّل يجر قناة طويلة، فطعن أبا سبرة من خلفه، فنظرت إلى سنان الرمح خرج من صدره، ووقع أبو سبرة ميتاً، وانصرف خالد بن الوليد،يقول: أنا أبو سليمان!
قال الواقدي : وقاتل طلحة بن عبيد اللّه يومئذ عن النبي(صلی اللّه علیه واله) قتالاً شديداً، وكان طلحة يقول : لقد رأيت رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) حيث انهزم أصحابه وكثر المشركون، فأحدقوا بالنبّي (صلی اللّه علیه واله) من كل ناحية، فما أدري أقوم من بين يديه أو من ورائه؟ أم عن يمينه أم شماله؟ فأذب بالسيف عنه هاهنا وهاهنا حتى انكشفوا، فجعل رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يومئذ يقول لطلحة: «لقد أوجب» وروي :«لقد أنحب» أي قضى نذره .
قال الواقدي: وروي أن سعد بن أبي وقاص ذكر طلحة فقال: يرحمه الّله ! إنه كان أعظمنا غناء عن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يوم أحد، قيل : كيف يا أبا إسحاق؟ قال : لزم النبي(صلی اللّه علیه واله) وكُنا نتفرق عنه ، ثم نثوب إليه، لقد رأيته يدور حول النبي(صلی اللّه علیه واله) يترس بنفسه .
قال الواقدي: وسيل طلحة يا أبا محمد، ما أصاب إصبعك؟ قال: رمى مالك بن زهير الجسمي بسهم يريد رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) - وكان لا تخطي رميته - فاتقيتُ بيدي عن وجه رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ، فأصاب خِنْصَرِي فشل .
قال الواقدي وقالوا : إنّ طلحة قال لما رمي: حَسٌ ،فقال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) :«لو قال : بسم اللّه لدخل الجنّة ،والناس ينظرون إليه ،من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي في الدنيا وهو من أهل الجنة، فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللّه ، طلحة ممن قضى نحبه».
قال الواقدي : وكان طلحة يحدّث يقول : لمّا جال المسلمون تلك الجولة، ثم تراجعوا أقبل رجل من بني عامر بن لؤي يدعى شيبة بن مالك بن المضّرب ،يجرّ رمحه، وهو على فرس أغرّ كُميت مدججاً في الحديد، يصيح: أنا أبو ذات الوذع، دلوني على محمد فاضرب عرقوب ،فرسه فاکتسعت ،به ثم أتناول رمحه فوالله ما أخطأت به عن حَدَقته فخار كما يخور الثور، فما برحت به واضعاً رجلي على خَدّه حتى أزرتُه شَعُوب.
قال الواقدي: وكان طلحة قد أصابته في رأسه المصلبة ضربه رجل من المشركين، ضربتين، ضربة وهو مقبل، وضربه وهو معرض عنه، وكان نَزَف منها الدم، قال أبو بكر : جئت النبي (صلى اللّه عليه واله) يوم أحد، فقال عليك بابن عمّك، فأتى طلحة بن عبيد اللّه، وقد نزف الدم فجعلت أنضحُ في وجهه الماء وهو مغشي عليه، ثم أفاق فقال: ما فعل رسول اللّه(صلی الّه علیه واله) ؟ فقلت : خيراً، هو أرسلني إليك ، فقال : الحمد اللّه ، كلّ مصيبة بعده جَلَل .
قال الواقدي : وكان ضرار بن الخطاب الفهري يقول : نظرتُ إلى طلحة بن عبيد اللّه قد حلق
رأسه، عند المروة في عُمرة، فنظرت إلى المصلبة في رأسه، فكان ضرار يقول : أنا واللّه ضربته، هو استقبلني فضربته، ثم أكرّ عليه، وقد أعرض فأضربه ضربة أخرى.
قال الواقدي: ولما كان يوم الجمل وقتل علي(علیه السلام) من قتل من الناس، ودخل البصرة جاءه رجل من العرب ،فتكلّم بين يديه، ونال من طلحة، فزبَره (1)علي(علیه السلام) ، وقال : إنّك لم تشهد يوم أحد، وعِظَم غنائه عن الإسلام، مع مكانه من رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ، فانكسر الرجلُ وسكت، فقال له قائل من القوم: وما كان غناؤه وبلاؤه يرحمه اللّه يوم أحد ؟ فقال علي(علیه السلام) : نعم، يرحمه اللّه ، لقد رأيته وإنه ليترس بنفسه دون رسول اللّه(صلی الّه علیه واله) وإن السيوف لتغشاه، والنَّبل من كل ناحية، وما هو إلا جُنّة لرسول اللّه (صلی الّه علیه واله) ، يقيه بنفسه، فقال رجل : لقد كان يوم أحديوماً قتل فيه أصحاب رسول الله (صلی الّه علیه واله) ، وأصابت رسول اللّه (صلی الّه علیه واله) فيه الجراحة، فقال علي : أشهد لسمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول :«ليت أني غودرت مع أصحابي بتخص الجبل»، ثم قال علي(علیه السلام) : لقد رأيتني يومئذٍ وإني لأدبهم في ناحية، وإن أبا دُجانة لفي ناحية يذب طائفة منهم، حتى فرج اللّه ذلك كله، ولقد رأيتني وانفردت منهم يومئذ فرقة خشناء، فيها عكرمة بن أبي جهل، فدخلت وسطهم بالسيف، فضربت به واشتملوا علي حتى أفضيت إلى آخرهم، ثم كررت فيهم الثانية، حتى رجعت من حيث جنت، ولكنّ الأجل استأخر، ويقضي اللّه أمراً كان مفعولاً .
قال الواقدي: وحدثني جابر بن سليم عن عثمان بن صفوان، عن عُمارة بن خزيمة، قال: حدّثني من نظر إلى الحباب بن المنذر بن الجموح ، وإنه ليحوشهم يومئذ كما تحاش الغنم، ولقد اشتملوا عليه حتى قيل : قد قتل، ثم برز والسيف في يده وافترقوا عنه، وجعل يحمل على فرقة منهم، وإنه ليهربون منه إلى جَمْع منهم، وصار الحُباب إلى النبي (صلی الّه علیه واله) ، وكان الحُباب يومئذٍ معلماً بعصابة خضراء في مِغْفَره.
قال الواقدي: وطلع يومئذٍ عبد الرحمن بن أبي بكر على فرس مدجّجاً لا يُرى منه إلا
1) زجره ونهره اللسان، مادة (زبر) .
عيناه فقال : مَنْ يبارز؟ أنا عبد الرحمن بن عتيق فنهض إليه أبو بكر، وقال: أنا أبارزه ،فوجرد
سيفه فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله):«شِم سيفك ، وارجع إلى مكانك، ومتعنا بنفسك».
قال الواقدي:وقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله):«ما وجدتُ لشماس بن عثمان شبهاًإلاالجُنّة» ،یعني مما يقاتل عن رسول اللّه يومئذ، وكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)لا يأخذ يميناً ولا شمالاً إلا رأى شماس بن عثمان في ذلك الوجه، يذبّ بسيفه عنه، حتى غشى رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله)، فتَرَّسَ بنفسه دونه،حتى قتل، فذلك قول رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله) : «ما وجدت لشماس شبهاً إلا الجنة»
قال الواقدي : ولمّا ولى المسلمون حين عطف عليهم خالد بن الوليد من خلفهم، كان أوّل من أقبل من المسلمين بعد التؤلية قيس بن محرث مع طائفة من الأنصار، وقد كانوا بلغوا بني
حارثة فرجعوا سراعا فصادفوا المشركين في كثرتهم، فدخلوا في حَوْمتهم، فما أفلت منهم رجل حتى قُتِلوا كلهم، ولقد ضاربهم قيس بن محرث، فامتنع بسيفه حتى قتل منهم نفراً، فما قتلوه إلا بالرماح، نظموه، ولقد وجد به أربع عشرة طعنة جائفة وعشر ضربات بالسيف.
قال الواقدي : وكان عباس بن عبادة بن نَضْلة المعروف بابن قَوْقل، وخارجة بن زيد بن أبي
زهير، وأوس بن أرقم بن زيد وعباس رافع صوته يقول : ما معشر المسلمين اللّه ونبيكم! هذا الذي أصابكم بمعصية نبيكم، وعدكم النصر فما صبرتم. ثم نزع مغفره عن رأسه، وخلع درعه وقال الخارجة بن زيد : هل لك في دِرْعِي ومِغْفَرِي؟ قال :خارجة : لا ، أنا أريد الذي تريد فخالطوا القوم جميعاً، وعباس يقول : ما عذرنا عند ربنا إن أصيب نبينا ومنا عين تطرف! قال: فيقول خارجة : لا عذر لنا واللّه عند ربّنا ولا حُجّة، فأما عباس فقتله سفیان بن عبد شمس السُّلَمِيِّ، ولقد ضربه عباس ،ضربتين فجرحه جرحين عظيمين، فارتُت (1)يومئذ جريحاً ، فمكث جريحاً سنة ، ثم استبل وأخذَتْ خارجة بن زيد الرماح، فجرح بضعة عشر جرحاً، فمرّ به صفوان بن أمية، فعرفه فقال : هذا من أكابر أصحاب محمد، و به رمق، فاجهز عليه. وقتل أوس بن أرقم، وقال صفوان : مَنْ رأى خبيب بن يساف؟ وهو يطلبه فلا يقدر عليه. ومثل يومئذ بخارجة، وقال: هذا ممّن أغرى بأبي يوم بدر - يعني أمية بن خلف - وقال : الآن شفيتُ نفسي قتلت الأماثل من أصحاب محمد، قتلت ابن قوقل، وقتلت ابن أبي زهير، وقتلت أوس بن أرقم.
قال الواقدي : وقال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يومئذ :«مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه»؟ قالوا: وما حقّه يا رسول اللّه؟ قال : يضرب به العدو، فقال عمر: أنا يا رسول اللّه ،فاعرض عنه، ثم رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بذلك الشَّرْط ، فقام الزبير، فقال: أنا، فأعرض عنه ،حتى وجد عمر والزبير :
1) ارتث : حُمِل من المعركة جريحاً وبه رمق القاموس المحيط مادة (رثث).
في أنفسهما، ثم عرضه الثالثة ، فقام أبو دُجانة ، وقال : أنا يا رسول اللّه آخذه بحقّه، فدفعه إليه فصدق حين لقي به العدّو، وأعطى السيف حقّه، فقال أحد الرجلين - إما عمر بن الخطاب أو الزبير : واللّه لأجْعَلَنَّ هذا الرجل الذي أعطاه السيف ومنعنيه من شأني، قال :فاتّبعته ،فواللّه ما رأيت أحداً قاتل أفضل من قتاله، لقد رأيته يضرب به حتى إذا كلّ عليه وخاف ألا يُحيك عمد به إلى الحجارة، فشحذه، ثم يضرب به العدوّ، حتى يردّه كأنه منجل، وكان حين أعطاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) السيف مشى بين الصَّفّين، واختال في مشيته، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)حين رآه يمشي تلك المشية:«إنّ هذه لَمِشْيَةٌ يُبغضها اللّه تعالى إلافي مثل هذا الموطن»، قال: وكان أربعة من أصحاب النبّي(صلى اللّه عليه واله) يعلمون في الزحوف، أحدهم أبو دجانة، كان كان يعصب رأسه بعصابة حمراء، وكان قومه يعلمون أنه إذا اعتصب بها أحسن القتال، وكان عليّ (علیه السلام)يعلم بصوفة بيضاء، وكان الزبير يعلم بعصابة صفراء، وكان حمزة يعلم بريش نعامة .
قال الواقدي: وكان أبو دُجانة يحدّث يقول: إنّي لأنظر يومئذ إلى امرأة تقذف الناس وتحوشهم حَوْشاً منكراً، فرفعتُ عليها السيف، وما أحسبها إلّا رجلاً، حتى علمت أنها امرأة، وكرهت أن أضرب بسيف رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) امرأة - والمرأة عمرة بنت الحارث .
قال الواقدي : وكان كعب بن مالك يقول : أصابني الجراح يوم أحد، فلما رأيت المشركين يمثلون بالمسلمين أشدّ المُثَل وأقبحها ، قمتُ فتنحيت عن القتلى، فإنّي لفي موضعي أقبل خالد بن الأعلم العقيلي جامع اللامة يحوش المسلمين، يقول استوسقوا كما يستوسق جُرب الغنم، وهو مدجّج في الحديد، يصيح يا معشر قريش لا تقتلوا محمداً، السروه أسراً حتى نعرفه ما صنع ، ويصمد له قزمان فيضربه بالسيف ضربة على عاتقه رأيت منها سخره، ثم أخذ سيفه وانصرف، فطلع عليه من المشركين فارس ما أرى منه إلا عينيه، فحمل عليه قزمان فضربه ضربةً جزله اثنين فإذا هو الوليد بن العاص بن هشام المخزومي، ثم يقول كعب : إني لأنظر يومئذ وأقول : ما رأيتُ مثل هذا الرجل أشجع بالسيف، ثم ختم له به ! فيقال له : فما ختم له به؟ فيقول : من أهل النار، قتل نفسه يومئذ .
قال الواقدي: وروى أبو النمر الكناني، قال: أقبلت يوم أحد وأنا من المشركين، وقد انكشف المسلمون، وقد حضرتُ في عشرة من إخوتي فقتل منهم أربعة وكان الريح للمسلمين أوّل ما التقينا، فلقد رأيتني وانكشفنا ،مولين وأقبل أصحاب النبي (صلى اللّه عليه واله) على نهب العسكر، حتى بلغت الجماء، ثم كرّت خيلنا فقلت : واللّه ما كرّت الخيل إلا عن أمر رأته ، فكررنا على أقدامنا كأننا الخيل، فنجد القوم قد أخذ بعضهم بعضاً ، يقاتلون على غير صفوف، ما يدري بعضهم مَنْ يضرب وما للمسلمين لواء قائم ومع رجل من بني عبد الدار لواء المشركين، وأنا أسمع شعار أصحاب محمد بينهم :«أمِتْ أمت»، فأقول في نفسي: ما «أمت»؟
وإني لأنظر إلى رسول الله (صلى اللّه عليه واله) وإن أصحابه محدقون به، وإنّ النبل ليمر عن يمينه ويساره، ويقع بين يديه ويخرج من ورائه، ولقد رميت يومئذ بخمسين مرماة، فأصبت منها بأسهم بعض أصحابه، ثم هداني الله إلى الإسلام. قال الواقدي: وكان عَمْرو بن ثابت بن وَقْش شاكا في الإسلام، وكان قومه يكلمونه في الإسلام، فيقول: لو أعلم ما تقولون حقاً ما تأخرت عنه ، حتى إذا كان يوم أحد بذا له الإسلام ورسول الله (صلى اللّه عليه واله) بأحد، وأخذ سيفه وأسلم، وخرج حتى دخل في القوم، فقاتل حتى أثبت، فوجد في القتلى جريحاً ميتاً ، فدنوا منه وهو بآخر رمق، فقالوا ما جاء بك يا عمرو ؟ قال : آمنت بالله وبرسوله، وأخذت سيفي وحضرت فرزقني الله الشهادة، ومات في أيديهم، فقال رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله) : «إنّه لمن أهل الجنة».
قال الواقدي: فكان أبو هريرة يقول، والناس حوله : أخبروني برجل يدخل الجنّة لم يصلّ للّه تعالى سجدة؟ فيسكت النّاس، فيقول أبو هريرة: هو أخو بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش.
قال الواقدي : وكان مخيرق اليهودي من أحبار يهود، فقال يوم السّبت ورسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) بأحد، يا معشر يهود، واللّه إنّكم لتعلمون أن محمداً نبي، وأن نصره عليكم حقّ . فقالوا : ويحك !اليوم يوم السبت ،فقال : لا سبت ،ثم أخذ سلاحه وحضر مع النبي(صلى اللّه عليه واله) فأصيب، فقال رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله):«مخيرق خیر یهود».
قال الواقدي: وكان مخيرق قال حين خرج إلى أحد: أن أصبت فأموالي لمحمّد يضعها حيث أراه اللّه فيه، فهي عامة صدقات النبّي (صلى اللّه عليه واله).
قال الواقدي : وكان حاطب بن أمية منافقاً، وكان ابنه يزيد بن حاطب رجل صدق، شهد أحداً مع النبي (صلى اللّه عليه واله) فارتُت جريحاً، فرجع به قومه إلى منزله، قال: يقول أبوه وهو يرى أهل الدار يبكون عنده : أنتم واللّه صنعتم هذا به قالوا كيف؟ قال: أغررتموه من نفسه حتى خرج
: فقيل، ثم صرتم معه إلى شيء آخر تعدونه جَنّة، يدخل فيها حبّة من حَرْمل، قالوا : قاتلك اللّه ! قال هو ذاك، ولم يقرّ بالإسلام.
قال الواقدي: وكان قزمان عَسِيفاً من بني ظَفَر ، لا يدري ممن هو، وكان لهم محبا، وكان مقلاً ولا ولد له ولا زوجة وكان شجاعاً يُعرف بذلك في حروبهم التي كانت تكون بينهم، فشهد أحداً، وقاتل قتالاً شديداً، فقتل ستة أو سبعة، فأصابته الجراح فقيل للنبي (صلى اللّه عليه واله) : إن قزمان قد أصابته الجراح فهو شهيد فقال : بل من أهل النار، فجاؤوا إلى قزمان، فقالوا : هنيئاً لك أبا الغيداق الشهادة فقال: بم تبشرونني ! واللّه ما قاتلنا إلا على الأحساب، قالوا : بشرناك بالجنة، قال حبّة واللّه من حَرْمل، إنّا واللّه ما قاتلنا على جَنّة ولا على نار، إنما قاتلنا
على أحسابنا ، ثمّ أخرج سهماً من كنانته. فجعل يتوجاً به نفسه، فلما أبطأ عليه المِشْقَص، أخذ السيف، فاتكأ عليه حتى خرج من ظهره، فذكر ذلك للنبي (صلى اللّه عليه واله) فقال :«هو من أهل النار». قال الواقدي : وكان عمرو بن الجموح رجلاً أعرج، فلمّا كان يوم أحد، وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي (صلى اللّه عليه واله) المشاهد أمثال الأسد، أراد قومه أن يحبسوه، وقالوا : أنت رجل أعرج، ولا حرج عليك، وقد ذهب بنوك مع النبي(صلى اللّه عليه واله) قال : بخ! يذهبون إلى الجنَّة وأجلس عندكم ! ! فقالت هند بنت عمرو بن حزام امرأته : كأني أنظر إليه مولّياً قد أخذ دَرَقته ، وهويقول : اللهم لا تردني إلى أهلي فخرج ولحقّه بعضُ قومه يكلمّونه في القعود فأبى وجاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) فقال : يا رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله) ، إن قومي يريدون ان يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك، واللّه إني لأرجو أن أظا يعرجتي هذه في الجنّة فقال له : أمّا أنت فقد عذرك اللّه ولا جهاد عليك ،فأبي، فقال النبي (صلى اللّه عليه واله) لقومه وبنيه :«لا عليكم أن تمنعوه ،لعل اللّه يرزقه الا شهادة، فخلوا عنه». فقتل يومئذ شهيداً. وكان أبو طلحة يحدّث ، يقول : نظرت إلى عمرو بن الجموح حين انكشف المسلمون، ثم ثابوا وهو في الرعيل الأول. لكأني أنظر إلى ضلعه وهو يعرج في مشيته، وهو يقول : أنا واللّه مشتاق إلى الجنّة، ثم أنظر إلى ابنه يعدو في أثره، حتى قُتِلا جميعاً .
قال الواقدي : وكانت عائشة خرجت في نسوة تستروح الخبر، ولم يكن قد ضُرِب الحجاب يومئذ، حتى كانت بمنقطع الحرّة وهي هابطة من بني حارثة إلى الوادي، لقيت هنداً بنت عمرو بن حزام أخت عبد اللّه بن عمرو بن حزام تسوق بعيراً لها عليه زوجها عمرو بن الجموح ، وابنها خلاد بن عمرو بن الجموح ، وأخوها عبد اللّه بن عمرو بن حزام أبو جابر بن عبد اللّه فقالت لها عائشة : عندك الخبر، فما وراءك ؟ فقالت هند :خير، أما رسول اللّه(صلى اللّه عليه واله) فصالح، وكلّ مُصيبة بعده جلل، واتَّخذ اللّه من المؤمنين شهداء: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ ينالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ فَوِيَّا عَزِيز»(1)
قلت: هكذا وردت الرواية وعندي أنها لم تقل كلّ ذلك، ولعلها قالت : ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ»،لاغير، وإلّا فكيف يواطىءكلامها آية من كلام اللّه تعالى أنزلت بعد الخندق والخندق بعد أحد! هذا من البعيد جدًّا .
قال : فقالت لها عائشة : فمَنْ هؤلاء؟ قالت أخي وابني وزوجي قَتْلَى، قالت: فأين تذهبين بهم؟ قالت إلى المدينة أقبرُهم بها «حل حل» ، تزجُر بعيرها، فبرك البعير، فقالت عائشة : لثقل ما حمّل ،قالت :هند ما ذاك ،به لرّبما حمل ما يحمله ،البعيران ولكني أراه لغير ذلك، فزجرته
1) سورة الأحزاب الآية : 25 .
فقام فلمّا وجهت به إلى المدينة برك، فوجهّته، راجعة إلى أحد، فأسرع، فرجعت إلى النبي(صلی اللّه علیه واله) فأخبرته بذلك ، فقال : إنّ الجمل لمأمور ، هل قال عمرو شيئاً؟ قالت : نعم، إنه لما وجّه إلى أحد استقبل القبلة، ثم قال: اللهّم لا تردني إلى أهلي وارزقني الشهادة، فقال (صلی اللّه علیه واله) : فلذلك الجمل لا يمضي إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على اللّه لأبره، منهم عمرو بن الجموح ، يا هند ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قُتِل إلى الساعة، ينظرون أين يدفن ثم مكث رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) في قبرهم ثم قال: يا هند قد ترافقوا في الجنّة جميعاً، عمرو بن الجموح بعلك، وخلاد ابنك، وعبد اللّه أخوك . فقالت هند : يا رسول اللّه ، فادع اللّه لي عسى أن يجعلني معهم !
قال الواقدي: وكان جابر بن عبد اللّه ، يقول : اصطبح ناس يوم أحد الخمرَ ، منهم أبي، فقتلوا شهداء. قال الواقدي : وكان جابر يقول : أوّل قتيل من المسلمين يوم أحد أبي ،قتله سفيان بن عبد شمس أبو الأعور السُّلَمي، فصلى عليه رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قبل الهزيمة. قال الواقدي: وكان جابر يحدث، ويقول : استشهد أبي، وجعلتْ عَمْتِي تبكي، فقال النبي (صلی اللّه علیه واله):ما يبكيها ! ما زالت الملائكة تظل عليه بأجنحتها حتى دفن .
قال الواقدي : وقال عُبيد اللّه بن عمرو بن حزام: رأيتُ في النوم قبل يوم أحد بأيام مبشِّرَ بن عبد المنذر، أحد الشهداء ببدر، يقول لي : أنت قادم علينا في أيام؟ فقلت: فأين أنت؟ قال : في الجنّة نسرح منها حيث نشاء، فقلت له : ألم تقتل يوم بدر؟ قال : بلى، ثم أحييت، فذكر ذلك لرسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) قال :«هذه الشهادة يا جابر».
قال الواقدي : وقال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يوم أحد ادفنوا عبد اللّه بن عمرو بن حزام وعمرو بن الجموح في قبر واحد، ويقال : إنهما وجدا وقد مثل بهما كلّ مُثلة قطعت آرابهما عضواً عضواً، فلا تعرف أبدانهما . فقال النبي (صلی اللّه علیه واله) :«ادفنوهما في قبر واحد»، ويقال : إنما أمر بدفنهما في قبر ،واحد لما كان بينهما من الصفاء فقال : ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد . وكان عبد الله بن عمرو بن حزام رجلاً أحمر أصلع، ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح طويلاً، فعُرفا ودخل الشيل بعد عليهما، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما، وعليهما نمرتان وعبد اللّه قد أصابه جرح في وجهه، فيده على وجهه فأميطت يده عن جرحه، فشعب الدم، فردت إلى مكانها فسكن الدّم.
قال الواقدي : وكان جابر بن عبد اللّه يقول : رأيت أبي في حفرته، وكأنه نائم، وما تغير من
حاله قليل ولا كثير، فقيل له : أفرأيت أكفانه؟ قال: إنما كُفّن في نمرة خُمر بها وجهه، وعلى رجليه الحرمل فوجدنا النّمِرة كما هي، والحرمل على رجليه كهيئته، وبين ذلك وبين وقت دقته
ست وأربعون سنة، فشاورهم جابر في أن يطيبه بمسك، فأبى ذلك أصحاب النبي (صلی اللّه علیه واله) وقالوا : لا تحدّثوا فيهم شيئاً .
قال : ويقال إنّ معاوية لما أراد أن يُجْرِيَ العين التي أحدثها بالمدينة، وهي كظامة نادي مناديه بالمدينة : من كان له قتيل بأحد فليشهد فخرج النّاس إلى قتلاهم فوجدوهم رطاباً يتثنون، فأصابت المسحاة رجل رجل منهم، فشعبت دماً ، فقال أبو سعيد الخُدْرِي : لا ينكر بعد هذا منكر أبداً .
قال : ووُجد عبد اللّه بن عمرو بن حزام وعمرو بن الجموح في قبر واحد، ووُجد خارجة بن زيد بن أبي زهير وسعد بن الربيع في قبر واحدٍ، فأما قبر عبد اللّه وعمرو فحوّل، وذلك أن القناة كانت تمرّ على قبرهما، وأما قبر خارجة وسعد فترك، وذلك لأنّ مكانه كان معتزلاً ، وسُوّيَ عليهما التراب، ولقد كانوا يحفرون التّراب، فكلّما حفروا قُتْرَةً من تُراب، فاح عليهم المسك .
قال : وقالوا : إن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) قال لجاير: يا جابر، ألا أبشرك؟ فقال: بلى، بأبي وأمي ! قال: «فإنّ اللّه أحيا أباك، ثم كلمه كلاماً ، فقال له تمن على ربّك ما شئت! »فقال : أتمنّى أن أرجع فاقتل مع نبيك، ثم أحيا فأقتل مع نبيّك ،فقال : إني قد قضيت أنهم لا يرجعون .
قال الواقدي: وكانت نسيبة بنت كعب أم عمارة بن غزية بن عمرو قد شهدت أحداً، وزوجها غزيَّة وابناها عُمارة بن غزية وعبد اللّه بن زيد، وخرجت ومعها شنّ لها في أوّل النهار تريد تسقي الجرحى ، فقاتلت يومئذ وأبلت بلاء حسناً، فجرحت اثني عشر جرحاً بين طعنة برمح أو ضربة بسيف، فكانت أم سعد بنت سعد بن الربيع تحدّث فتقول: دخلت عليها، فقالت لها : يا خالة حديثني خبرك ، فقالت : خرجت أوّل النهار إلى أحد، وأنا أنظر ما يصنع النّاس، سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) وهو في الصحابة والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون، انحزت إلى رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فجعلت أباشر القتال، وأذب عن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) بالسَّيْف، وأرمي بالقوس، حتى خلصت إلى الجراح، فرأيت على عاتقها جُرحاً أجوف له غور، فقلت يا أمّ عُمارة من أصابك بهذا ؟ قالت : أقبل ابن قميئة، وقد ولّى الناس عن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يصيح: دلوني على محمد لا نجوتُ إن نجا! فاعترض له مصعب بن عمير وناس معه فكنت فيهم فضربني هذه الضربة ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو اللّه كان عليه يرعان. فقالت لها : يدك ما أصابها ؟ قالت : أصيبت يوم اليمامة، لما جعلت الأعراب تنهزم بالنّاس نادت الأنصار أخلصونا. فأخلصت الأنصار،
فكنت معهم، حتى انتهينا إلى حديقة الموت، فاقتتلنا عليها ساعة ،حتى قتل أبو دُجانة على باب الحديقة، ودخلتها وأنا أريد عدوّ اللّه مسيلمة، فيعرض لي ،رجل، فضرب يدي فقطعها ، فواللّه ما كانت ناهية، ولا عرجت عليها، حتى وقفت على الخبيث مقتولاً، وابني عبد اللّه بن زيد المازني يمسح سيفه بثيابه ، فقلت : أقتلته؟ قال: نعم، فسجدت شكراً اللّه عزّ وجلّ وانصرفت. قال الواقدي: وكان ضَمْرة بن سعيد يحدّث عن جدته، وكانت قد شهدت أحداً تسقي الماء، قال سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) يقول يومئذٍ : المقام نَسيبة بنت كعب اليوم خيرٌ من مُقام
: فلان وفلان» وكان يراها يومئذ تقاتل أشدّ القتال، وإنّها لحاجزة ثوبها على وسطها، حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً .
قلت :ليت الرّاوي لم يكن هذه الكناية، وكان يذكرهما باسمهما حتى لا تترامى الظنون إلى أمور مشتبهة ومن أمانة المحدّث أن يذكر الحديث على وجهه ولا يكتم منه شيئاً، فما باله كتم اسم هذين الرجلين !
قال : فلما حضرت نَسيبة الوفاة، كنت فيمن غسّلها فعددت جراحها جرحاً جرحاً فوجدتها ثلاثة عشر، وكانت تقول : إني لأنظر إلى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها - وكان أعظم جراحها، لقد داوته سنة - ثم نادى منادي النبي (صلی اللّه علیه واله) بعد انقضاء أحد إلى حمراء الأسد! فشدّت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم، ولقد مكثنا ليلتنا نكمد الجراح، حتى رجع رسولُ اللّه من حَمْراء الأسد، لم يصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد اللّه أصبحنا ، فلما رجع رسو كعب المازني يسأل عنها، فرجع إليه فأخبره بسلامتها، فسر بذلك .
قال الواقدي: وحدّثني عبد الجبار بن عُمارة بن غزيّة، قال: قالت أم عمارة لقد رأيتني وانكشف النّاس عن رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) فما بقي إلا نفير ما يتمون عشرة، وأنا وأبنائي وزوجي بين يديه نذبّ عنه، والناس يمرون عنه منهزمين فرآني ولا تُرس معي، ورأى رجلا مولياً معه تُرْس :فقال يا صاحبَ التُرس، الق ترسك إلى مَنْ يقاتل. فألقى ترسه فأخذته، فجعلت أترس على النبي (صلی اللّه علیه واله) ، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل، ولو كانوا رجالة مثلنا أصبناهم، فيقبل رجل على فرس فضربي وترست له فلم يصنع سيفه شيئاً، وولّى وأضرب عُرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي(صلی اللّه علیه واله) يصيح : يا بن عمارة، أمّك أمك ! قالت: فعاونني عليه حتى أوْرَدْتُه شَعُوب .
قال الواقدي: وحدثني ابن أبي سبرة، عن عمرو بن حيى، من أبيه، عن عبد اللّه بن زيد
المازني، ، قال: جرحت يومئذٍ جرحاً في عضدي اليسرى، ضربني رجل كأنه الرّقْل ولم يعرّج عليّ، ومضى عني وجعل الدم لا يرقا فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) :«اعصب جُرحك»، فتقبل أمي إليّ، ومعها عصائب في حَقْوَيْها قد أعدتها للجراح فربطت جرحي والنبي(صلی اللّه علیه واله) واقف ينظر، ثم قالت انهض يا بني، فضارب القوم، فجعل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يقول : ومن يطيق ما تطيقين يا أمّ عُمارة قالت : وأقبل الرجل الذي ضربني ، فقال رسول الله (صلی اللّه علیه واله) : «هذا ضارب ابنك» ، فاعترضت أمي له، فضربت ساقه، فبرك، فرأيت النبي لا تبسم حتى بدت نواجذه، ثم قال : استقدتِ يا أمّ عُمارة». ثم أقبلنا نعلوه بالسلاح حتى أتينا على نفسه، قال النبي (صلی اللّه علیه واله) : الحمد للّه الذي ظفّرك وأقر عينك من عدوّك، وأراك ثأرك بعينك»!
قال الواقدي :وروى موسى بن ضمرة بن سعد،عن أبيه قال: أتى عمر بن الخطاب في أيام خلافته بمروط كان فيها مرط واسع جيّد، فقال بعضهم: إن هذا المرط بثمن كذا، فلو أرسلت به إلى زوجة عبد اللّه بن صفية بنت أبي عبيد، وذلك حدثان ما دخلت على ابن عمر، فقال: بل أبعث به إلى مَنْ هو أحق منها، أم عمارة نسيبة بنت كعب سمعت رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يوم أحد يقول :«ما التفت يميناً وشمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني».
قال الواقدي: وروى مروان بن سعيد بن المعلّي قال : قيل لأم عمارة يا أمّ ،عمارة هل كنّ نساء قريش يومئذ يقاتلن مع أزواجهنّ؟ فقالت : أعوذ باللّه لا واللّه ما رأيتُ امرأة منهنّ رمت بسهم ولا حَجَر، ولكن رأيت معهنّ الدفاف والأكبار يضربن ويذكرّن القوم قتلى بدر، ومعهنّ مكاحل ومراود، فكلما ولى رجل أو تكعكع ناولته إحداهن مروداً ومكحلة، يقلن : إنما أنت امرأة، ولقد رأيتهنّ ولّين منهزماتٍ مشمّرات ولها عنهنّ الرّجال أصحاب الخيل، ونجوا على متون خيلهم، وجعلنَ يتبعنَ الرّجال على أقدامهن فجعلن يسقطن في الطريق، ولقد رأيت هنداً بنت عتبة وكانت امرأة ثقيلة ولها خلق قاعدة خاشيةٌ من الخيل، ما بها مشي، ومعها امرأة أخرى حتى كثر القوم علينا، فأصابوا منا ما أصابوا فعند اللّه نحتسب ما أصابنا يومئذ من قبل الرماة ومعصيتهم لرسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) .
قال الواقدي: وحدّثني ابن أبي سَبْرة، عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي صعصعة، عن الحارث بن عبد اللّه قال سمعت عبد اللّه بن زيد بن عاصم، يقول: شهدتُ أحداً مع رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) ، فلمّا تفرّق الناس عنه، دنوت منه ، وأمي تذبّ عنه، فقال: يابن عُمارة قلت : نعم قال ،ارم فرمیتُ بين يديه رجلاً من المشركين بحجر، وهو على فرس، فأصيبت عين الفرس، فاضطرب الفرس حتى وقع هو وصاحبه، وجعلت أعلوه بالحجارة، حتى نضدت عليه منها وقراً، والنبي(صلی اللّه علیه واله) ينظر إلي ويتبسم، فنظر إلى جرح بأمي على عاتقها، فقال: «أمّك أمّك ! اعصب ،جُرحها، بارك اللّه عليكم من أهل بيت! المقامُ أمّك خير من مقام فلان وفلان،
ومقام ربيبك - يعني زوج أمه - خيرٌ من مقام فلان، رحمكم اللّه من أهل بيت» فقالت أمي : : ادع لنا اللّه يا رسول اللّه أن ترافقك في الجنة ، فقال :«اللهّم اجعلهم رفقائي في الجنة» ، قالت : فما أبالي ما أصابني من الدنيا .
قال الواقدي : وكان حنظلة بن أبي عامر تزوّج جميلة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول، فأدخلت عليه في الليلة التي في صبيحتها قتال أحد، وكان قد استأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) أن يبيت عندها ، فأذِنَ، فلما صلى الصبح غدا يريد النبي (صلی اللّه علیه واله)، فلزمته جميلة، فعاد فكان معها، فأجنّب منها ، ثم أراد الخروج، وقد أرسلت قبل ذلك إلى أربعة من قومها، فأشهدتهم أنه قد دخل بها، فقيل لها بعد : لم أشهدت عليه؟ قالت : رأيتُ كأن السماء فُرِجَتْ، فدخل فيها ثم أطبقت . فقلت هذه الشهادة فأشهدت عليه أنه قد دخل بي، فعلقت منه بعبد اللّه حنظلة . ثم تزوجها ثابت بن قيس بعد، فولدت له محمد بن ثابت بن قيس: وأخذ حنظلة بن أبي عامر سلاحه، فلحّق برسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) بأحد، وهو يسوّي الصفوف، فلما انكشف المشركون، اعترض حنظلة لأبي سفيان بن حرب، فضرب عُرقوب فرسه فاكتسعت (1)الفرس، ويقع أبو سفيان إلى الأرض، فجعل يصيح : يا معشر قريش، أنا أبو سفيان بن حرب !وحنظلة يريد ذبحه بالسيف، فأسمع الصوت رجالاً لا يلتفتون إليه من الهزيمة، حتى عاينه الأسود بن شعوب، فحمل على حنظلة بالرمح فأنفذه ومشى حنظلة إليه في الرمح فضربه ثانية فقتله، وهرب أبو سفيان يعدو على قدميه، فلحق ببعض قریش ،فنزل عن صدرفرسه ،وردف وراءه أبا سفيان، فذلك قول أبي سفيان يذكر صبره ووقوفه وأنه لم يفرّ، وذكره محمد بن إسحاق :
ولو شئتُ نجئني كميت طمرةٌ *** ولم أحمل النعماء لابن شعُوب
وما زال مُهري مزجر الكلب فيهمُ*** لدن عُدْوَةً حتى دنت لعروب
أقاتلهم وأدْعِي يَال غالب *** وأدفعُهم عني بركن صليب
فبكي ولا ترعَيْ مقالة عاذل *** ولا تسامي عَبرة ونجيب
أياك وإخواناً لنا قد تتابعوا *** وحقّ لهم من حسرة بنصيب
وسلّي الذي قد كان في النفس إنني*** قتلتُ من النجار كل نجيب
ومن هاشم قَوْماً كريماً ومُصعباً *** وكان لدى الهيجاء غير هيوب
ولو أنني لم أشف نفسي منهم *** لكانت شجاً في الصدر ذات ندوب
فأبوا وقد أودى الجلابيب منهم *** بهم کمد من واجم وكثيب
أصابهم من لم يكن لدمائهم ***كفاة ولا في سِنْخِهم بضريب
1) سقطت من ناحية مؤخرها ورمت به اللسان، مادة (كسع).
قال الواقدي: مرّ أبو عامر الراهب على حنظلة ابنه وهو مقتول إلى جنب حمزة بن عبد المطلب، وعبد اللّه بن جحش، فقال : إن كنت لأحذرك هذا الرجل - يعني رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)- من قبل هذا المصرع ، واللّه إن كنت لبرّا بالوالد، شريف الخلق في حياتك، وإنّ مماتك لمع سراة اة أصحابك وأشرافهم، إنْ جَزى اللّه هذا القتيل - يعني حمزة - خيراً، أو جزى أحداً من أصحاب محمد خيراً، فليجزك، ثم نادى يا معشر قريش حنظلة لا يمثل به، وإن كان خالفني وخالفكم، فلم يألُ لنفسه فيما يرى خيراً، فمثل بالناس وترك حنظلة فلم يمثل به .
وكانت هند بنت عتبة أوّلَ مَنْ مثَّل بأصحاب النبي(صلی اللّه علیه واله)، وأمرت النساء بالمثل، وبجدع الأنوف ،والآذان، فلم تبق امرأة إلا عليها معضدانِ ومَسَكتان وخدمتان إلا حنظلة لم يمثل به، وقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله):« إني رأيتُ الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفِضَّة» (1).
قال أبو أسيد الساعدي : فذهبنا فنظرنا إليه، فإذا رأسه يقطر ماء، فرجعت إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ،فأخبرته ، فأرسل إلى امرأته فسألها، فأخبرته أنَّه خرج وهو جنب . قال الواقدي: وأقبل وهب بن قابوس المُزني، ومعه ابن أخيه الحارث بن عُقبة بن قابوس بغنم لهما من جَبَل مُزينة، فوجد المدينة خلواً، فسألا : أين الناس؟ قالوا بأحد، خرج رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لا يقاتل المشركين من قريش، فقال: لا نبتغي أثراً بعد عين، فخرجا حتى أتيا النبي(صلی اللّه علیه واله) بأحد، فيجدان القوم يقتتلون والدولة الرسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وأصحابه، فأغارا المسلمين في النَّهْب، وجاءت الخيل من ورائهم، خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل، فاختلط الناس، فقاتلا أشدّ القتال، فانفرقت فرقة من المشركين، فقال رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله): «من لهذه الفرقة» ؟ فقال وهب بن قابوس ،أنا يا رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)، فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا،ثم رجع فانفرقت فرقة أخرى، فقال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :«من لهذه الكتيبة؟» فقال المُزِني : أنا يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، فقام فذتها بالسيف حتى ولّت، ثم رجع فطلعت كتيبة أخرى، فقال النبي (صلی اللّه علیه واله)«من يقوم لهؤلاء»؟ فقال المُزَني : أنا يا رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فقال: «قم وأبشر بالْجَنّة». فقام المزنّي مسؤوراً يقول : واللّه لا أقيل ولا أستقيل ،فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسّيف ورسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) ينظر إليه والمسلمون، حتى خرج من أقصى الكتيبة، ورسول اللّه (صلی اللّه علیه واله)يقول: «اللهم ارحمه ، ثم يرجع فيهم، فما زال كذلك وهم محدقون به ،حتى اشتملت عليه أسيافهم ورماحهم، فقتلوه فوجد به يومئذ عشرون طعنة بالرماح، كلّها قد خلصت إلى مقتل، ومُثل به أقبحَ المثل يومئذٍ. ثم قام ابنُ أخيه، فقاتل كنحو قتاله، حتى قُتِل ، فكان عمر بن الخطاب يقول : إن أحب ميتة أموتُ عليها لما مات عليها المزني.
1) أخرجه السيوطي في جامعه رقم: 2646 .
قال الواقدي وكان بلال بن الحارث المزني يحدّث يقول : شهدنا القادسيّة مع سعد بن أبي وقاص، فلما فتح اللّه علينا، وقسمت بيننا غنائمنا، أسقط فتى من آل قابوس من مزينة، فجئت سعداً حين فزع من نومه ،فقال بلال! قلت ،بلال قال مرحباً بك، مَنْ هذا معك؟ قلت : رجل من قومي قال : ما أنتَ يا فتى من المزني الذي قتل يوم أحد !قال ابن أخيه. قال سعد: مرحباً ،وأهلاً أنعم اللبه بك عيناً ! لقد شهدتُ من ذلك الرجل يوم أحد مشهداً ما شهدتُ من أحدٍ قطّ، لقد رأيتُنا وقد أحدق المشركون بنا من كل ناحية ورسول اللّه(صلى اللّه عليه واله) وسطنا، والكتائب تطلع من كل ناحية، وإن رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يرمي ببصره في الناس يتوسمهم، ويقول «مَنْ لهذه الكتيبة»؟ كل ذلك يقول المُزَني : أنا يا رسول اللّه ، كل ذلك يردّ الكتيبة، فما أنسى آخر مرة قالها، فقال له رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) :«قم وأبشر بالجنّة»، فقام وقمت على أثره يعلم اللّه أني أطلب مثل ما يطلب يومئذ من الشهادة، فخضنا حَوْمتهم، حتى رجعنا فيهم الثانية، فأصابوه رحمه اللّه، ووددت واللّه أني كنتُ أصبت يومئذ معه، ولكن أجل استأخر، ثم دعا من ساعته بسهمه فأعطاه وفصله، وقال: اختر في المقام عندنا أو الرجوع إلى أهلك، فقال بلال : إنه
يستحب الرجوع، فرجع.
قال الواقدي : وقال سعد بن أبي وقاص : أشهد لرأيت رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) واقفاً على المزني، وهو مقتول، وهو يقول: (رضي اللّه عنك، فإنّي عنك راض)، ثم رأيتُ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) قام على قدميه، وقد ناله(علیه السلام) من ألم الجراح ما ناله ،وإني لأعلم أن القيام يشقّ عليه على قبره، حتى وضع في الحده وعليه بُردة ،لها أعلام حُمْر، فمد رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) البردة على رأسه، فخمره وأدرجه فيها طولاً ، فبلغت نصف ساقيه، فأمرنا فجمعنا الحرمل، فجعلنا على رجليه وهو في الحده، ثم انصرف فما حال أحب إلي من أن أموت عليها وألقى اللّه عليها من المزّني.
قال الواقدي: وكان رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يوم أحد قد خاصم إليه يتيم من الأنصار أبا لبابة بن عبد المنذر في عِذْقٍ بينهما، فقضى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) لأبي لبابة، فجزع اليتيم على العذّق فطلب رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) العذق إلى أبي لبابة لليتيم، فأبى أن يدفعه إليه، فجعل رسول اللّه (صلی اللّه علیه واله) يقول لأبي لبابة :«ادفعه إليه ولك عِذْقٌ في الجنّة»، فأبى أبو لبابة، وقال ثابت بن أبي الدحداحة : يا رسول اللّه أرأيت إن أعطيتُ اليتيمَ عِذْقه من مالي ! قال: «لك به عذق في الجنة»، فذهب ثابت بن الدحداحة، فاشترى من أبي لبابة ذلك العِذق بحديقة نخل، ثم ردّ العِذق إلى الغلام فقال رسول الله (صلی اللّه علیه واله) :«ربَّ عذق مذلّل لابن الدحداحة في الجنة»، فكانت ترجى له الشهادة بذلك القول، فقيل يوم أحد .
قال الواقدي : ويقبل ضرار بن الخطاب فارساً يجرّ قناة له طويلة، فيطعن عمرو بن معاذ،
فأنفذه ،ويمشي عمرو إليه حتى غُلب، فوقع لوجهه ، قال : يقول ضرار، لا تعد من رجلاًزوّجك من الحور العين، وكان يقول : زوّجت يوم أحد عشرة من أصحاب محمد الحور العين. قال الواقدي: فسألت شيوخ الحديث هل قتل عشرة؟ قالوا : ما بلغنا أنه قتل إلا ثلاثة ولقد ضرب يومئذ عمر بن الخطاب حين جال المسلمون تلك الجولة بالقناة وقال : يابن الخطاب إنها نعمة مشكورة، ما كنت لأقتلك.
قال الواقدي: وكان ضرار يحدث بعد، ويذكر وقعة أحد، ويذكر الأنصار فيترحم عليهم ، ويذكر غناءهم في الإسلام، وشجاعتهم وإقدامهم على الموت، ثم يقول: «لقد قتل أشراف قومي ببدر فأقول : مَنْ قتل أبا الحكم؟ فيقال ابن عفراء من قتل أمية بن خلف؟ فيقال : بن يساف من قتل عُقبة بن أبي معيط ؟ فيقال: عاصم بن ثابت من قتل فلان بن فلان؟ فيسمى لي من الأنصار، مَنْ أسر سهيل بن عمرو ؟ فيقال : مالك بن الدخشم. فلما خرجنا إلى أحد، وأنا أقول : إن قاموا في صياصيهم فهي منيعة لا سبيل لنا إليهم نقيم أياماً ثم تنصرف، وإن خرجوا إلينا من صياصيهم أصبنا منهم، فإنّ معنا عدداً أكثر من عددهم، ونحن قوم موتورون، خرجنا بالظعن يذكرننا قتلى بدر، ومعنا كُراع ولا كُراع معهم، وسلاحنا أكثر من سلاحهم، فقُضي لهم أن خرجوا، فالتقينا، فواللّه ما قمنا لهم حتى هزمنا وانكشفنا مولّين، فقلت في نفسي : هذه أشدّ من وقعة بدر، وجعلت أقول لخالد بن الوليد : كُرّ على القوم، فيقول : وترى وجهاً نكرّ فيه حتى نظرت إلى الجبل الذي كان عليه الرّماة خالياً، فقلت: يا أبا سليمان انظر وراءك، فعطف عنان ،فرسه وكررنا معه فانتهينا إلى الجبل، فلم نجد عليه أحداً له بال وجدنا نُفَيْراً فأصبناهم، ثم دخلنا العسكر، والقوم غارون ينتهبون عسكرنا، فأقحمنا الخيل عليهم، فتطايروا في كل وجه، ووضعنا السيوف فيهم حيث شئنا، وجعلت أطلب الأكابر من الأوس والخزرج قتلة الأحبة، فلا أرى أحداً، هربوا فما كان حلب ناقة حتى تداعت الأنصار بينها، فأقبلت فخالطونا ونحن فرسان فصبرنا ،لهم وصبروا لنا، وبذلوا أنفسهم حتى عقروا فرسي، وترجّلت فقتلت منهم عشرة ولقيت من رجُل منهم الموت الناقع، حتى وجدتُ ريح الدم، وهو معانقي ما يفارقني، حتى أخذته الرماح من كل ناحية، فوقع. فالحمد اللّه الذي أكرمهم بيدي، ولم يهنّي بأيديهم .
قال الواقدي : وقال رسول اللّه( صلى اللّه عليه واله) يوم أحد : مَنْ له علم بذكوان بن عبد قيس؟ فقال علی(علیه السلام) : أنا رأيت يا رسول اللّه فارساً يركُض في أثره حتى لحقّه، وهو يقول: لانجوتُ إن نجوت! فحمل عليه فرسه وذكوان ،راجل فضربه وهو يقول: خذها وأنا ابن علاج! فأهويت إلى الفارس، فضربت رجله بالسيف، حتى قطعتها من نصف الفخذ، ثم طرحته عن فرسه فذفقت عليه، وإذا هو أبو الحكم بن أخنس بن شريق بن علاج بن عمرو بن وهب الثقفي .
قال الواقدي : وقال علي(علیه السلام) : لما كان يوم أحد وجال الناس تلك الجولة أقبل أمية بن
أبي حذيفة بن المغيرة، وهو دارع مقنّع في الحديد ما يرى منه إلا عيناه، وهو يقول : يوم بيوم بدر فيعرض له رجل من المسلمين، فقتله أميّة، قال علي(علیه السلام): وأصمد له، فأضربه بالسيف على هامته، وعليه بيضة، وتحت البيضة مغفر، فنبا سيفي ،وكنت رجلاً قصيراً ويضربني بسيفه، فأتقي بالدّرقة، فلحج سيفه ،فأضربه وكانت درعه مشمّرة، فأقطع رجليه، فوقع وجعل يعالج سيفه، حتى خلّصه من الدّرقة، وجعل يناوشني وهو بارك حتى نظرت إلى فتق تحت إبطه فاحش فيه بالسيف، فمال ،فمات وانصرفت.
قال الواقدي: وفي يوم أحد انتمى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، فقال: «أنا ابن العواتك»، وقال
أيضاً : أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب
قال الواقدي: بينا عمر بن الخطاب يومئذٍ في رهط من المسلمين قعود، مرّ بهم أنس بن النَّضْر بن ضمضم عمّ أنس بن مالك، فقال: ما يقعدكم؟ قالوا: قُتِل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله)، قال : فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم قام فجالد بسيفه حتى قتل فقال عمر بن الخطاب : إنّي لأرجو أن يبعثه اللّه أمةً وحده يوم القيامة، وُجد به سبعون ضربةً في وجهه ما عُرف حتى عرفته أخته ،
قال الواقدي وقالوا : إن مالك بن الدُّخشم مرّ على خارجة بن زيد بن زهير يومئذ وهو
: قاعد، وفي حُشْوَته ثلاثة عشر جرحاً كلّها قد خلصت إلى مقتل، فقال له مالك : أما علمت أنّ محمداً قد قتل ! قال خارجة : فإن كان محمد قد قتل، فإن اللّه حي لا يُقتل ولا يموت، وإن محمّداً قد بلّغ رسالة ربّه، فاذهب أنت فقاتل عن دينك .
قال : ومرّ مالك بن الدخشم أيضاً على سعد بن الربيع، و به اثنا عشر جرحاً كلهّا قد خلصت إلى مقتل ، فقال : أعلمت أن محمداً قد قتل ! فقال سعد : أشهد أن محمداً قد بلغ رسالة ربّه، فقاتل أنت عن دينك، فإنّ اللّه حي لا يموت.
قال محمد بن إسحاق : وحدّثني محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، أخو بني النّجار، قال : قال رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) يومئذٍ :«مَنْ رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات؟»، فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر يا رسول اللّه ما فعل، فنظر فوجده جريحاً في القَتْلى، وبه رَمَق فقال له : إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله) ، أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات، قال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) منّي السلام، وقل له : إن سعد بن الربّيع يقول : جزاك اللّه خيراً عنّا ما جزى نبيًّا عن أمته وأبلغ قومك السلام
عني، وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : لا عذر لكم عند اللّه أن يخلص إلى نبيّكم ومنكم عين تطرف، قال : فلم أبرح عنده حتى مات ،ثم جئت إلى رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) فأخبرته ، فقال: «اللهمّ ارض عن سعد بن الربيع».
قال الواقدي: وحدّثني عبد اللّه بن عمار، عن الحارث بن الفضيل الخطمي، قال: أقبل ثابت بن الدحداحة يومئذٍ والمسلمون أوزاع، قد سقط في أيديهم، فجعل يصيح: يا معشر الأنصار ، إلي إلي أنا ثابت بن الدحداحة إن كان محمد قد قُتِل، فإن اللّه حيّ لا يموت! قاتلوا عن دينكم، فإنّ اللّه ،مظهركم وناصركم، فنهض إليه نفر من الأنصار، فجعل يحمل بمن معه من المسلمين، وقد وقفت لهم كتيبة خَشناء فيها رؤساؤهم: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب، وجعلوا يناوشونهم، ثم حمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فطعنه ،فأنفذه فوقع ميتاً ، وقتل مَنْ كان معه من الأنصار، فيقال: إن هؤلاء آخر من قتل من المسلمين في ذلك اليوم.
وقال عبد اللّه بن الزّبَعْرَى يذكر يوم أحد:
الا ذرفت من مقلتيك دُمُوعُ ***وقد بان في حبل الشَّبَاب قطوعُ
وشط بمَنْ تهوى المزارُ وفَرَّقت *** نوى الحيّ دار بالحبيب فَجُوعُ
وليس لما ولّى على ذي صَبَابة *** وإن طال تذرافُ الدموع رجوع
فدع ذا ولكن هل أتى أم مالك *** أحاديث قومي والحديث يشيع!
ومُجْنبنا جُرْداً إلى أهل يثرب *** عَنَاجيج فيها ضامر وبديع
عشيّة سِرنا من گداء يقودها *** ضرورُ الأعادي للصديق نفوع
يشدّ علينا كل زحف كانّها *** غَدِيرٌ نضوح الجانبين نقيعُ
فلمّا رأونا خالطتهم مهابة *** وخامرهم رعبّ هناك فظيع
فودّوا لو أن الأرض ينشق ظهرها ***بهم، وصَبور القوم ثَمَ جَزُوع
وقد عرّيت بيض كان وميضها ***حريق وشيك في الأباء سريع
بأيماننانعلُوبها كل هامة *** وفيها سمام للعدوّ ذريع
فغادرن قتلى الأوس عاصبة بهم*** ضباع وطير فوقهن وقوعُ
ومرّ بنو النّجار في كل تلعة *** بأثوابهم من وقعهن نجيعُ
ولولا علوّ الشعب غَادَرْن أحمداً *** ولكن علا والسهري شروع
كما غَادَرَت في الكَرْ حمزة ثاوياً ***وفي صدره ماضي الشَّبَاةِ وقيعُ
وقال ابن الزبعرى أيضاً من قصيدة مشهورة، وهي :
يا غراب البين أسمعتَ فَقُلْ *** إنما تندب أمراً قد فعل
إن للخير وللشر مدّى*** وسواء قبر مثر ومقلّ
كل خير ونعيم زائل *** وبنات الدهر يلعبن بكلّ
أبلغاحسان عنّي آية *** فقريض الشعر يشفي ذا الغُللُ
كم ترى بالجسر من جُمجمة*** وأكفا قد أترت ورجل
وسرابيل حسانٍ شُقَّقَتْ *** عَنْ كُمَاةٍ غُودِرُوا في المنتزل
کَم قتلنا من کَریم سید ***ماجد الجدين مقدام بطل
لنامن
صادق النجدة قزم بارع ***غير ملطاط لدى وقع الأسل
فسلِ ل المهراسَ مَنْ ساكنه؟ ***من كراديس وهام كالحجل
ليت أشياخي ببدر شهدُوا *** جَزَع الخزرج من وقع الأسل
حين حطّت بِقُباء بَرْكَهَا *** واستحر القتل في عبد الأسل
ثم خفّوا عند ذاكُمْ رُقصاً *** رَقَصَ الحَفَّانِ تَعْدُو في الجَبْل
فقتلْنَا النّصف من سَادَاتِهِمْ *** وَعَدَلْنَا ميل بدر فاعتدل
لا ألوم النفس إلا أننا *** لوكَرَرْنَا لَفَعَلْنَا المَفْتَعَل
بسيوف الهند تَعْلُوهامَهُمْ *** تبرد الغَيْظَ َويَشْفِينَ الغُللُ
قلت كثيرٌ من النّاس يعتقدون أن هذا البيت ليزيد بن معاوية، وهو وقوله: «ليت أشياخي»، وقال مَنْ أكره التصريح باسمه : هذا البيت ليزيد ،فقلت له : إنما قاله يزيدُ متمثلاً لما حُمِل إليه رأس الحسين(علیه السلام) ، وهو لا بن الزبعرى، فلم تسكن نفسه إلى ذلك، حتى أوضحته له ، فقلت ألا تراه يقول :«جزع الخزرج من وقع الأسل» (1)، والحسين(علیه السلام) لم تحارب عنه الخزرج ، وكان يليق أن يقول :«جزع بني هاشم من وقع الأسل»، فقال بعض من كان حاضراً : لعله قاله في يوم الحرّة ! فقلت : المنقول أنه أنشده لما حمل إليه رأسُ الحسين(علیه السلام) ، والمنقول أنه شعر ابن الزّبعرى، ولا يجوز أن يترك المنقول إلى ما ليس بمنقول .
وعلى ذكر هذا الشعر فإني حضرت وأنا غلام بالنظامية ببغداد في بيت عبد القادر بن داود الواسطي المعروف بالمحبّ، خازن دار الكتب بها وعنده في البيت باتكين الرومي الذي ولى إربل أخيراً وعنده أيضاً جعفر بن مكّي الحاجب، فجرى ذكر يوم أحد وشعر ابن الزبعرى هذا وغيره، وأنّ المسلمين اعتصموا بالجبل ،فأضعَدوا فيه، وإن الليل حال أيضاً بين المشركين وبينهم ،فأنشد ابن مكي بيتين لأبي تمام متمثلاً .
1) أخرجه البيهقي في سننه : 64/6 ، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور : 312/1 .
لولاً الظلام وقُلّةٌ علقوا بها*** باتت رقابهم بغير قلال
فليشكروا جُنْحَ الظَّلام ودَرْوَذاً *** فهمُ لدَرْوَةَ والظلامُ مُوالِي
فقال باتكين: لا تقل هذا، ولكن قل: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَنكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فضل عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (1)وكان باتكين مسلماً، وكان جعفر سامحه اللّه مغموصاً عليه في دينه .
تم الجزء الرابع عشر من شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد ويليه الجزء الخامس عشر
1) سورة آل عمران الآية: 1510.
الجزء الثالث عشر
224 - ومن كلام له(علیه السلام) في وصف بيعته بالخلافة، وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة...5
220 - ومن خطبة له (علیه السلام)في الوصية بالتقوى ...5
226 - ومن خطبة له (علیه السلام)خطبها بذي قار وهو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدي في كتاب الجمل...8
227 - ومن كلام له(علیه السلام) کلم به عبد اللّه بن زمعة ،وهو من شيعته، وذلك أنه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً ، فقال (علیه السلام)... 9
228 - ومن كلام له (علیه السلام)في أحجام اللسان عن الكلام...10
229 - ومن كلام له(علیه السلام) عند اختلاف الناس ...13
230 - ومن كلام له (علیه السلام)قاله وهو يلي غسل رسول اللّه(صلی اللّه علیه واله) وتجهيزه... 16
لمع من سيرة الرسول(صلی اللّه علیه واله) عند موته... 18
231 - ومن خطبة له (علیه السلام)في صفة خلق بعض الحيوانات...30
ميزات وصفات الذرة والنملة ... 39
غرائب الجراد ...46
232 - ومن خطبة له(علیه السلام) في التوحيد، وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه
خطبة غيرها ...47
233 - ومن خطبة له(علیه السلام) لا تختص بذكر الملاحم ... 63
234 - ومن خطبة له (علیه السلام)لا في الوصية بالتقوى...65
235 - ومن خطبة له(علیه السلام) في الإيمان ووجوب الهجرة...66
قصة واعظ مشهور ببغداد ...70
236 - ومن خطبة له (علیه السلام)في الأمر بالتقوى...72
237 - ومن خطبة له (علیه السلام)في وصيته بالزهد...75
238 - ومن خطبة له (علیه السلام)في ذم الكبر ... 84
أسباب وأد البنات ... 114
القول في إمامة أبي بكر والرد عليه... 121
صلة علي برسول اللّه (صلى اللّه عليه واله)في صغره... 130
حياة الرسول (صلی اللّه علیه واله)في بدء نشأته ...132
في إسلام أبي بكر وعلي ...141
239 - ومن كلام له(علیه السلام) قاله لعبد اللّه بن عباس، وقد جاءه برسالة من عثمان، وهو محصور يسألهُ فيها الخروج إلى مالِهِ بينبع، ليقل هتف الناس باسمه للخلافة، بعد أن كان سأله
مثل ذلك من قبل ... 196
وصية العباس لعلي(علیه السلام) قبل موته...197
240 - ومن كلام له (علیه السلام)اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي(صلی اللّه علیه واله) ثم لحاقه به...201
241 - ومن خطبة له(علیه السلام) في المسارعة إلى العمل...203
242 - ومن خطبة له(علیه السلام) في شأن الحكمين وذم أهل الشام...204
نسب أبي موسى الأشعري ...207
243 - ومن خطبة له(علیه السلام) يذكر فيها آل محمد (صلى اللّه عليه واله)...209
الجزء الرابع عشر
باب الكتب والرسائل/ 1 - من كتاب له(علیه السلام) إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة ...214
الإمام علي(علیه السلام) في طريقه إلى البصرة ...224
نبذة من حياة عائشة ونسبها ...226
2 - ومن كتاب له (علیه السلام)إليهم بعد فتح البصرة ...227
3-ومن كتاب له (علیه السلام)كتبه تشريح بن الحارث قاضيه ...230
4 - ومن كتاب له (علیه السلام)كتبه إلى بعض أمراء جيشه ...230
5-ومن كتاب له (علیه السلام)إلى الأشعث بن قيس، وهو عامل أذربيجان... 231
6 - ومن كتاب له(علیه السلام) لا إلى معاوية ...233
إرسال علي جريراً إلى معاوية ...235
7- ومن كتاب له(علیه السلام) ال إليه أيضاً ...237
8- ومن كتاب له (علیه السلام)إلى جرير بن عبد اللّه البَجَلي لما أرسله إلى ...238
9- ومن كتاب له (علیه السلام)إلى معاوية... 241
قريش وبنو هاشم ...264
في غزوة بدر ...317
في الغنيمة والأسرى بعد انتصار المسلمين في بدر...339
في أسماء أسارى بدر وأسماء من أسرهم ...339
في ذكر أسماء المطعمين في بدر من المشركين... 343
أسماء المستشهدين من المسلمين بيدر ...344
أسماء المشركين المقتولين ببدر وأسماء قاتليهم... 345
أسماء المسلمين ممن شهدوا بدراً ...347